{"ً":{"ٌ":16232,"ٍ":"منهج الإمام البخاري","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم الحديث/منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها - كافي - ط المليباري - ط ابن حزم","files":["45132.pdf"]},"ّ":"الكتاب: منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها (من خلال الجامع الصحيح)\nالمؤلف: أبو بكر كافي\nأصل الكتاب: أطروحة ماجستير في الحديث وعلومه، من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة الجزائر ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م بإشراف الدكتور حمزة عبد الله المليباري\nالناشر: دار ابن حزم بيروت\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٠ م\nعدد الصفحات: ٣٦٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[منهج البخاري - أبو بكر كافي]\n\nقال الباحث - وفقه الله - في مقدمة أطروحته:\n«جاء هذا البحث ليستخرج ويستنبط أسس المنهجية التي يستعملها البخاري - ﵀ - في تصحيح الأحاديث وتعليلها. وهذه القواعد جاءت مطبقة في كتابه ولم يصرح بها وإنما يستعان على كشفها بأقوال العلماء ممن اهتموا بالجامع الصحيح شرحًا وتعليقًا واستدراكًا وانتقادًا.\nوهذا البحث محاولة للكشف عن منهج الأئمة النقاد في موضوع «النقد الحديثي» على اعتبار أن الإمام البخاري من أبرز هؤلاء الأئمة، والمسلّم له بالتقدم والمتمكن في هذه الصنعة.\nوالمنهج الذي سلكته في هذا البحث هو المنهج التحليلي المقارن، وذلك باستقراء صحيح البخاري وأخذ الشواهد والأمثلة وتحليلها لاستخراج ما يكمن فيها من قواعد، ثم مقارنة هذه النتائج بمواقف أئمة معاصرين للبخاري كالإمام مسلم والترمذي وأبي حاتم وأبي زرعة، أو من جاء بعده كالدارقطني والبيهقي وغيرهما. حتى يتسنى لنا معرفة مدى توافق هذا المنهج أو اختلافه من إمام إلى آخر، ثم مقارنة هذه النتائج كلها بما استقرت عليه كتب المصطلح لمعرفة مدى التباين والتوافق بين الجانب التطبيقي عند الأئمة النقاد والجانب النظري عند كثير من المتأخرين من أئمة الكلام والفقه والأصول.»","ٓ":"1.0","ٔ":1118,"ٕ":10,"ٖ":1770155477,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"الإهداء","level":1,"page":2},{"title":"شكر وتقدير","level":1,"page":3},{"title":"المقدمة","level":1,"page":5},{"title":"الفصل الأول: الحديث وعلومه إلى عصر الإمام البخاري","level":1,"page":15},{"title":"المبحث الأول: كتب السنة قبل الجامع الصحيح","level":2,"page":16},{"title":"أ - كتب السنن","level":3,"page":17},{"title":"ب - المصنفات والجوامع","level":3,"page":19},{"title":"جـ - المسانيد","level":3,"page":20},{"title":"ر - كتب المغازي والسير","level":3,"page":23},{"title":"هـ - كتب التفسير","level":3,"page":26},{"title":"و- الأجزاء المفردة في أبواب مخصوصة","level":3,"page":27},{"title":"المبحث الثاني: النقد وعلوم الحديث إلى عصر الإمام البخاري","level":2,"page":32},{"title":"تعريف النقد","level":3,"page":32},{"title":"دوافع النقد وعوامل ظهوره","level":3,"page":33},{"title":"المبحث الثالث: ترجمة الإمام البخاري","level":2,"page":37},{"title":"نسبه ومولده","level":3,"page":37},{"title":"طلبه للعلم","level":3,"page":39},{"title":"شيوخه","level":3,"page":39},{"title":"منزلته العلمية","level":3,"page":41},{"title":"ثناء الأئمة عليه","level":3,"page":42},{"title":"أخلاقه","level":3,"page":43},{"title":"محنته وصبره","level":3,"page":44},{"title":"وفاته","level":3,"page":47},{"title":"المبحث الرابع: الآثار العلمية للإمام البخاري","level":2,"page":48},{"title":"١ - الجامع الصحيح","level":3,"page":49},{"title":"أ - دوافع تأليف","level":4,"page":49},{"title":"ب - الأغراض الفقهية للبخاري في صحيحه","level":4,"page":53},{"title":"٢ - التاريخ الكبير","level":3,"page":58},{"title":"٣ - التاريخ الصغير","level":3,"page":59},{"title":"٤ - التاريخ الأوسط","level":3,"page":60},{"title":"٥ - كتاب الكنى","level":3,"page":60},{"title":"٦ - الضعفاء الكبير","level":3,"page":60},{"title":"٧ - الضعفاء الصغير","level":3,"page":61},{"title":"٨ - خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل","level":3,"page":61},{"title":"٩ - الأدب المفرد","level":3,"page":61},{"title":"١٠ - جزء القراءة خلف الإمام","level":3,"page":62},{"title":"١١ - جزء رفع اليدين في الصلاة","level":3,"page":62},{"title":"التأثير العلمي لمصنفات الإمام البخاري","level":3,"page":63},{"title":"١ - الإمام مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١هـ)","level":4,"page":63},{"title":"٢ - الإمام الترمذي (ت ٢٧٩هـ)","level":4,"page":63},{"title":"٣ - الإمام ابن خزيمة (ت ٣١١هـ)","level":4,"page":63},{"title":"٤ - الإمام ابن حبان (ت ٣٥٤هـ)","level":4,"page":64},{"title":"٥ - الإمام ابن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧هـ)","level":4,"page":64},{"title":"٦ - الإمام النسائي (ت ٣٠٣هـ)","level":4,"page":64},{"title":"٧ - الإمام البيهقي (ت ٤٥٨هـ)","level":4,"page":64},{"title":"الفصل الثاني: منهج تصحيح الأحاديث عند الإمام البخاري","level":1,"page":65},{"title":"المبحث الأول: عدالة الرواة","level":2,"page":66},{"title":"المطلب الأول: تعريف العدالة","level":3,"page":66},{"title":"المطلب الثاني: شروط العدالة وموقف البخاري منها","level":3,"page":69},{"title":"أولا: الإسلام","level":4,"page":69},{"title":"ثانيا: البلوغ","level":4,"page":71},{"title":"ثالثا: العقل","level":4,"page":74},{"title":"رابعا: السلامة من أسباب الفسق","level":4,"page":74},{"title":"المسألة الأولى","level":4,"page":75},{"title":"المسألة الثانية","level":4,"page":80},{"title":"المطلب الثالث: مسائل تتعلق بالعدالة وموقف البخاري منها","level":3,"page":84},{"title":"المسألة الأولى","level":4,"page":85},{"title":"المسألة الثانية","level":4,"page":86},{"title":"المسألة الثالثة","level":4,"page":88},{"title":"المطلب الرابع: موقف البخاري من أحاديث أهل البدع والأهواء","level":3,"page":91},{"title":"تعريف البدعة","level":4,"page":92},{"title":"أقسام البدعة","level":4,"page":93},{"title":"مناقشة التقسيم السابق","level":4,"page":94},{"title":"مذاهب العلماء في الرواية عن أهل البدع والأهواء","level":4,"page":95},{"title":"المطلب الخامس: موقف البخاري من الرواة المجاهيل","level":3,"page":99},{"title":"أسباب الجهالة","level":4,"page":100},{"title":"١ - أحمد بن عاصم البلخي","level":4,"page":102},{"title":"٢ - إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي المدني","level":4,"page":102},{"title":"٣ - أسامة بن حفص المدني","level":4,"page":103},{"title":"٤ - أسباب أبو اليسع","level":4,"page":104},{"title":"٥ - بيان بن عمرو البخاري العابد","level":4,"page":104},{"title":"٦ - الحسين بن الحسن بن يسار","level":4,"page":105},{"title":"٧ - الحكم بن عبد الله","level":4,"page":105},{"title":"٨ - عباس بن الحسين القنطري","level":4,"page":105},{"title":"٩ - محمد بن الحسن المروزي","level":4,"page":106},{"title":"١٠ - خالد بن سعد الكوفي","level":4,"page":106},{"title":"المطلب السادس: الوحدان وموقف البخاري من رواياتهم","level":3,"page":106},{"title":"تعريف الوحدان","level":4,"page":106},{"title":"المبحث الثاني: ضبط الرواة","level":2,"page":124},{"title":"المطلب الأول: تعريف الضبط وأهميته وآثار اختلاله","level":3,"page":124},{"title":"المطلب الثاني: موقف الإمام البخاري من الرواة الضعفاء","level":3,"page":128},{"title":"المطلب الثالث: مراتب رجال الصحيحين من حيث الضبط","level":3,"page":135},{"title":"المطلب الرابع: نماذج من أحاديث الضعفاء ومنهج البخاري في تصحيحها","level":3,"page":142},{"title":"١ - أحاديث محمد بن عبد الرحمن الطفاوي","level":4,"page":142},{"title":"٢ - أحاديث فضيل بن سليمان النميري","level":4,"page":147},{"title":"المبحث الثالث: اتصال السند","level":2,"page":152},{"title":"المطلب الأول: تعريف السند وأهميته","level":3,"page":152},{"title":"المطلب الثاني: طرق التحمل والأداء عند الإمام البخاري","level":3,"page":154},{"title":"المطلب الثالث: العنعنة وموقف البخاري منها","level":3,"page":168},{"title":"المطلب الرابع: نماذج من أحاديث أعلت بالانقطاع في صحيح البخاري","level":3,"page":182},{"title":"المطلب الخامس: التدليس وموقف البخاري من أحاديث المدلسين","level":3,"page":192},{"title":"الفصل الثالث: منهج تعليل الأحاديث عند الإمام البخاري","level":1,"page":203},{"title":"المبحث الأول: الأحاديث المعلولة في الجامع الصحيح","level":2,"page":204},{"title":"المطلب الأول: تعريف العلة وبيان مواضعها وحكمها ودلائلها","level":3,"page":204},{"title":"المطلب الثاني: الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري","level":3,"page":208},{"title":"المبحث الثاني: التفرد وأثرها في التعليل","level":2,"page":215},{"title":"المطلب الأول: مقدمات نظرية","level":3,"page":215},{"title":"المطلب الثاني: الأحاديث التي استنكرت أو استغربت","level":3,"page":220},{"title":"المطلب الثالث: نماذج لأحاديث أعلها الإمام البخاري بالتفرد","level":3,"page":242},{"title":"المبحث الثالث: المخالفة وأثرها في التعليل","level":2,"page":249},{"title":"مقدمات نظرية","level":3,"page":250},{"title":"القسم الأول: الاختلاف في سياق الإسناد","level":3,"page":256},{"title":"المطلب الأول: الاختلاف في الوصل والإرسال","level":4,"page":256},{"title":"المطلب الثاني: الاختلاف في الرفع والوقف","level":4,"page":271},{"title":"المطلب الثالث: الاختلاف في تسمية شيخ الراوي","level":4,"page":283},{"title":"المطلب الرابع: الاختلاف في زيادة راو في الإسناد وحذفه","level":4,"page":288},{"title":"القسم الثاني: الاختلاف في سياق المتن","level":3,"page":303},{"title":"المطلب الأول: الاختصار وأثره في تغيير سياق المتن","level":4,"page":303},{"title":"المطلب الثاني: الرواية بالمعنى وأثرها في التعليل","level":4,"page":310},{"title":"المطلب الثالث: الإدراج وأثره في التعليل","level":4,"page":322},{"title":"المبحث الرابع: زيادات الثقات وموقف البخاري منها","level":2,"page":330},{"title":"تمهيد","level":3,"page":330},{"title":"المطلب الأول: موقف العلماء والطوائف من زيادة الثقة","level":3,"page":333},{"title":"المطلب الثاني: نماذج لزيادات مقبولة عند الإمام البخاري","level":3,"page":338},{"title":"المطلب الثالث: نماذج لزيادات مردودة عند البخاري","level":3,"page":344},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":354}],"ٛ":{"1,1":1,"1,5":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,71":65,"1,73":66,"1,74":67,"1,75":68,"1,76":69,"1,77":70,"1,78":71,"1,79":72,"1,80":73,"1,81":74,"1,82":75,"1,83":76,"1,84":77,"1,85":78,"1,86":79,"1,87":80,"1,88":81,"1,89":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,94":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,112":105,"1,113":106,"1,114":107,"1,115":108,"1,116":109,"1,117":110,"1,118":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,196":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,211":203,"1,213":204,"1,214":205,"1,215":206,"1,216":207,"1,217":208,"1,218":209,"1,219":210,"1,220":211,"1,221":212,"1,222":213,"1,223":214,"1,224":215,"1,225":216,"1,226":217,"1,227":218,"1,228":219,"1,229":220,"1,230":221,"1,231":222,"1,232":223,"1,233":224,"1,234":225,"1,235":226,"1,236":227,"1,237":228,"1,238":229,"1,239":230,"1,240":231,"1,241":232,"1,242":233,"1,243":234,"1,244":235,"1,245":236,"1,246":237,"1,247":238,"1,248":239,"1,249":240,"1,250":241,"1,251":242,"1,252":243,"1,253":244,"1,254":245,"1,255":246,"1,256":247,"1,257":248,"1,258":249,"1,259":250,"1,260":251,"1,261":252,"1,262":253,"1,263":254,"1,264":255,"1,265":256,"1,266":257,"1,267":258,"1,268":259,"1,269":260,"1,270":261,"1,271":262,"1,272":263,"1,273":264,"1,274":265,"1,275":266,"1,276":267,"1,277":268,"1,278":269,"1,279":270,"1,280":271,"1,281":272,"1,282":273,"1,283":274,"1,284":275,"1,285":276,"1,286":277,"1,287":278,"1,288":279,"1,289":280,"1,290":281,"1,291":282,"1,292":283,"1,293":284,"1,294":285,"1,295":286,"1,296":287,"1,297":288,"1,298":289,"1,299":290,"1,300":291,"1,301":292,"1,302":293,"1,303":294,"1,304":295,"1,305":296,"1,306":297,"1,307":298,"1,308":299,"1,309":300,"1,310":301,"1,311":302,"1,312":303,"1,313":304,"1,314":305,"1,315":306,"1,316":307,"1,317":308,"1,318":309,"1,319":310,"1,320":311,"1,321":312,"1,322":313,"1,323":314,"1,324":315,"1,325":316,"1,326":317,"1,327":318,"1,328":319,"1,329":320,"1,330":321,"1,331":322,"1,332":323,"1,333":324,"1,334":325,"1,335":326,"1,336":327,"1,337":328,"1,338":329,"1,339":330,"1,340":331,"1,341":332,"1,342":333,"1,343":334,"1,344":335,"1,345":336,"1,346":337,"1,347":338,"1,348":339,"1,349":340,"1,350":341,"1,351":342,"1,352":343,"1,353":344,"1,354":345,"1,355":346,"1,356":347,"1,357":348,"1,358":349,"1,359":350,"1,360":351,"1,361":352,"1,362":353,"1,363":354,"1,364":355,"1,365":356,"1,366":357},"ٜ":{"1":[1,366]},"ٝ":["1,1","1,5","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,71","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,211","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"5":[3],"15":[4],"16":[5],"17":[6],"19":[7],"20":[8],"23":[9],"26":[10],"27":[11],"32":[12,13],"33":[14],"37":[15,16],"39":[17,18],"41":[19],"42":[20],"43":[21],"44":[22],"47":[23],"48":[24],"49":[25,26],"53":[27],"58":[28],"59":[29],"60":[30,31,32],"61":[33,34,35],"62":[36,37],"63":[38,39,40,41],"64":[42,43,44,45],"65":[46],"66":[47,48],"69":[49,50],"71":[51],"74":[52,53],"75":[54],"80":[55],"84":[56],"85":[57],"86":[58],"88":[59],"91":[60],"92":[61],"93":[62],"94":[63],"95":[64],"99":[65],"100":[66],"102":[67,68],"103":[69],"104":[70,71],"105":[72,73,74],"106":[75,76,77,78],"124":[79,80],"128":[81],"135":[82],"142":[83,84],"147":[85],"152":[86,87],"154":[88],"168":[89],"182":[90],"192":[91],"203":[92],"204":[93,94],"208":[95],"215":[96,97],"220":[98],"242":[99],"249":[100],"250":[101],"256":[102,103],"271":[104],"283":[105],"288":[106],"303":[107,108],"310":[109],"322":[110],"330":[111,112],"333":[113],"338":[114],"344":[115],"354":[116]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها (من خلال الجامع الصحيح)]ـ\nالمؤلف: أبو بكر كافي\nالناشر: دار ابن حزم\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ / ٢٠٠٠ م\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]\n_________\nأصل الكتاب أطروحة ماجستير في الحديث وعلومه، من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة الجزائر بإشراف الدكتور حمزة عبد الله المليباري","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>الإهداء</span>\nإلى من أمرني الله ببرهما وطاعتهما والإحسان إليهما، إلى والديَّ الكريمين..\nإلى كل مسلم يحب سنة رسول الله ﷺ ويدافع عنها، ويعمل بها..\nأهدي هذا العمل المتواضع.\nأبو بكر","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>شكر وتقدير</span>\nأصل هذا الكتاب رسالة علمية، نال بها صاحبها شهادة الماجستير في الحديث وعلومه، من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة الجزائر بتقدير مشرف جدًا، وذلك في ١٩ شوال ١٤١٨هـ، الموافق لـ ١٦/ ٢/ ١٩٩٨م.\nولا يسعني في هذا المقام، إلا أن أتقدم بجميل الشكر إلى كل من ساعدني في إنجاز هذا البحث من أساتذة وطلبة.\nوأخص بالذكر فضيلة الأستاذ \" حمزة عبد الله المليباري \"، فقد بذل جهده ووقته في متابعة هذا البحث من أوله إلى آخره، ولم يبخل علي بملاحظاته وتوجيهاته القيمة، مما كان له حافزًا قويًا على إتمام هذا البحث، والصبر على مشقته.\nكما أتقدم بالشكر إلى أصحاب الفضيلة الأساتذة أعضاء لجنة المناقشة:\nد. محمد عبد رب النبي.\nد. محمد خالد اسطنبولي.\nد. نصر سليمان.\nكما أتقدم بشكري الجزيل لإدارة معهد أصول الدين خصوصًا والقائمين على الجامعة عمومًا.\nوفي الأخير أتوجه بالشكر إلى إخوتي الكرام:سليم، ياسين، ومروان","vol":"1","page":7},{"text":"الذين بذلوا معي جهدًا كبيرًا، وصبرًا جميلًا في كتابة هذه الرسالة وتصحيحها وإخراجها على هذه الصورة الجيدة.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>المقدمة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nإن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد..\nفإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\n(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) . [آل عمران: ١٠٢] .\n(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) [النساء: ١] .\n(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا) . [الأحزاب: ٧٠، ٧١] .","vol":"1","page":9},{"text":"من المتفق عليه بين المسلمين أن السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، ولهذه المنزلة العظيمة التي تتبوؤها السنة كانت ولا تزال محل عناية كبيرة من علماء المسلمين عمومًا والمحدثين على وجه الخصوص، فإنهم لم يدخروا وسعًا ولم يألوا جهدًا في سبيل المحافظة عليها، وإبقائها سليمة من تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، فوضعوا لذلك منهجًا علميًا متميزًا وفريدًا كان هو المعيار الذي توزن به الأخبار، وكان هذا المنهج نتاجًا لجهود عظيمة بذلها أئمة الحديث وحفّاظه من لدن الصحابة إلى أن استقرت قواعده، ورست أركانه، واتضحت معالمه، وأينعت ثماره في القرن الثالث الهجري.\nوكان من الأئمة الذين أسهموا في تشييد دعائم هذا المنهج الإمام الكبير أمير المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري (رحمه الله تعالى) ولم تكن إسهامات هذا الإمام واضحة، لأنها لم تكن قواعد نظرية مجموعة في كتاب، وإنما كانت أعمالًا وتطبيقًا لتلك القواعد في ثنايا كتبه الكثيرة، ولعل أبرز كتب هذا الإمام بل أبرز كتب الحديث على الإطلاق - الجامع الصحيح - ففي هذا الكتاب ظهرت عبقرية هذا الإمام، فهو تطبيق عملي ودقيق لقواعد هذا المنهج، فكان بحق أصح كتاب بعد كتاب الله، فجاء هذا البحث ليستخرج ويستنبط أسس المنهجية التي يستعملها البخاري - ﵀ - في تصحيح الأحاديث وتعليلها. وهذه القواعد جاءت مطبقة في كتابه ولم يصرح بها وإنما يستعان على كشفها بأقوال العلماء ممن اهتموا بالجامع الصحيح شرحًا وتعليقًا واستدراكًا وانتقادًا.\nوهذا البحث محاولة للكشف عن منهج الأئمة النقاد في موضوع \" النقد الحديثي \" على اعتبار أن الإمام البخاري من أبرز هؤلاء الأئمة، والمسلّم له بالتقدم والمتمكن في هذه الصنعة.\nوالمنهج الذي سلكته في هذا البحث هو المنهج التحليلي المقارن، وذلك باستقراء صحيح البخاري وأخذ الشواهد والأمثلة وتحليلها لاستخراج ما يكمن فيها من قواعد، ثم مقارنة هذه النتائج بمواقف أئمة معاصرين للبخاري","vol":"1","page":10},{"text":"كالإمام مسلم والترمذي وأبي حاتم وأبي زرعة، أو من جاء بعده كالدارقطني والبيهقي وغيرهما. حتى يتسنى لنا معرفة مدى توافق هذا المنهج أو اختلافه من إمام إلى آخر، ثم مقارنة هذه النتائج كلها بما استقرت عليه كتب المصطلح لمعرفة مدى التباين والتوافق بين الجانب التطبيقي عند الأئمة النقاد والجانب النظري عند كثير من المتأخرين من أئمة الكلام والفقه والأصول.\nأما الأسباب التي جعلتني أختار هذا الموضوع المتعلق أساسًا بالنقد الحديثي فهي:\n١) الغموض الذي ما يزال يكتنف هذا الموضوع بين الدارسين للعلوم الشرعية عمومًا والمهتمين بعلوم الحديث على وجه الخصوص، وبسبب هذا الغموض انتشرت كثير من النظريات الخاطئة، والمناهج المضطربة في \" نقد السنة \" وأصبحت ظاهرة تصحيح الأحاديث وتعليلها في ظل غياب منهج واضح موحد تنتشر يومًا بعد يوم مسببة آثارًا سيئة في فكر المسلمين، وعقائدهم وواقعهم.\n٢) حبي الشديد لسنة النبي ﷺ وشغفي بكتب الحديث وخاصة صحيح البخاري، وإعجابي بعبقرية هذا الإمام ودقة منهجه.\n٣) المساهمة في تقريب الاستفادة من كتب السنة، وذلك بتوضيح مناهجها ومقاصد مؤلفيها.\n٤) المساهمة في تقريب الاستفادة من كتب علل الحديث، فهي على كثرتها وتنوعها صعبة التناول والاستفادة، وذلك للاختصار في بعضها كعلل ابن أبي حاتم، أو التطويل بذكر وجوه الخلاف كعلل الدارقطني، أو باختلاط مباحثها بمباحث الجرح والتعديل في كثير منها. والملاحظة العامة حول هذه الكتب أنها لا تصرح بذكر الحكم على الحديث، وفي كثير من الأحيان تشير إلى الحكم بعبارة أو عبارتين دون بيان أسس هذا الحكم، أي ما يعرف في هذا العلم بـ \"قرائن الترجيح \".\nوقد حرصت في هذا البحث وخاصة في القسم الثاني منه \" منهج","vol":"1","page":11},{"text":"التعليل \" على توضيح قرائن الترجيح عند الإمام البخاري أو غيره من الأئمة، وهذا مما يعين على فهم كلامهم والاستفادة من كتبهم.\n٥) قلة الدراسات الأكاديمية حول هذا الموضوع بخصوصه، فالدراسات السابقة في هذا الموضوع - في حدود علمي - تكاد تكون منعدمة إذ كانت جل الدراسات التي تناولت الإمام البخاري محدثًا أو فقيهًا إنما تناولته على سبيل السرد التاريخي المنقبي أو التتبع الفقهي الفروعي وليس هناك دراسات اهتمت بتوضيح منهج الإمام البخاري في علوم الحديث.\nولعل أهم دراسة علمية في هذا المجال هي \" الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه والصحيحين\" رسالة دكتوراه لنور الدين عتر، وواضح من خلال العنوان أنها تناولت الإمام الترمذي أصالة والبخاري ومسلمًا على سبيل التبع والمقارنة، أضف إلى ذلك أنها كانت منصبة على النواحي الفقهية دون الغوص في القواعد والأسس، ولا أدعي أن هذه الدراسة التي أقدمها قد وصلت إلى الأهداف التي كنت أرومها، ولكن حسبي أن أقترب منها، فقد حاولت غاية جهدي أن أفصل في كثير من المباحث والقضايا التي تناولتها مجانبًا للهوى متحريًا الحقَّ والصواب، وأحيانًا أتوقف في بعض المسائل لعدم قيام الأدلة الكافية للجزم فيها بحكم معين.\nولعل أهم شيء تقدمه هذه الدراسة، أنها جمعت فوائد كثيرة كانت متفرقة في ثنايا كتب علوم الحديث والشروح وكتب العلل مما يتعلق بمنهج البخاري في صحيحه. ونسقت بينها في وحدة موضوعية مما يقرب (إن شاء الله) الاستفادة منها، وأرى من الواجب علي أن أعترف بأن كل ما في هذا البحث هو ثمرة علمائنا، وجهود سلفنا ليس لي فيه إلا الجمع والترتيب وبعض التوضيحات التي تبين مقاصد كلامهم، وتربط بين أقوالهم.\nوعلى رأس هؤلاء العلماء الذين استفدت منهم استفادة عظيمة، الإمام الحافظ ابن حجر (﵀) الذي عكفت على مطالعة شرحه العظيم لصحيح البخاري \" فتح الباري \" واستخرجت من ثناياه كنوزًا ودررًا، وكذلك","vol":"1","page":12},{"text":"استفدت كثيرًا من كتابه \" النكت على مقدمة ابن الصلاح \" وغيرها من كتبه.\nكما كان لكتب العلل كـ \" العلل الكبير \" للترمذي، و\" العلل الصغير وشرحه \" لابن رجب و\" الإلزامات والتتبع \" و\" علل ابن أبي حاتم \" و\" علل الدارقطني \" و\" علل ابن المديني \" إسهام كبير في بناء هذا البحث.\nواستعنت بكتب الجرح والتعديل منها \" التاريخ الكبير \" و\" الجرح والتعديل \" لابن أبي حاتم الرازي و\" تهذيب الكمال \" للمزي و\" تهذيب التهذيب \" و\" التقريب \" للحافظ ابن حجر وغيرها، كما استفدت من كتب المصطلح في المقارنة وشرح ما يغمض من كلام الأئمة ومن أهمها \"مقدمة ابن الصلاح \" و\" التقييد والإيضاح \" للعراقي و\" فتح المغيث \" للسخاوي وشرح النخبة وغيرها.\nكما لم أهمل الاستفادة من كتابات بعض المعاصرين وتحقيقاتهم وتخريجاتهم كتحقيق الشيخ مقبل بن هادي لكتاب الإلزامات والتتبع، وتحقيقات السامرائي وتخريجات الأرناؤوط والشيخ الألباني ودراسات أحمد نور سيف والدكتور حمزة عبد الله المليباري وغيرهم.\nوقد اعترضتني صعوبات كثيرة في إنجاز هذا البحث منها:\n١) صعوبة هذا الموضوع في حد ذاته، والتي لم يخفها علي فضيلة الأستاذ المشرف وبعض من استشرتهم من الأساتذة. فمن المعلوم أن البخاري لم يصرح بآرائه ومنهجه في كتبه فكان دوري هو استنباط هذا المنهج من ثنايا النصوص، وهذا اقتضى مني المراجعة الطويلة للكتب التي اهتمت بشرح الجامع الصحيح أو انتقاده والتعقيب عليه لعلي أظفر بشيء، وفي كثير من الأحيان أتوقف عن معرفة مقصد البخاري في إخراج طريق ما، أو ذكر اختلاف في حديث، أو غير ذلك من صنيعه. فأذكر ما أصل إليه وأفهمه على سبيل الاحتمال وأعضد موقفي بنصوص من أقوال الأئمة. ولو كانت هناك أقوال صريحة لحسمت الأمر، وحلت النزاع، ووفرت الوقت والجهد.\n٢) بعد مقر إقامتي على الجامعة مما جعلني أجد صعوبة كبيرة في","vol":"1","page":13},{"text":"الاستفادة من المكتبة وخاصة المراجع الداخلية منها، وكذلك مشقة السفر للاتصال بالمشرف.\nهذا وأتمنى أن أكون قد وفقت من خلال هذا البحث من جعل المشكلة في ضوء البحث العلمي الهادئ والهادف من خلال الرجوع المباشر إلى أئمة العلم وكتبه الأولى، ومصنفاته الأصلية.\nومن هنا أرجو أن يضيف هذا البحث طريقة علمية منهجية في فهم مناهج كتب السنة وأساليب النقدية. ويحرك همم الباحثين لاستكمال النقائص وسد الثغرات، وبمتابعة الجهود في تمحيص كتب السنة ودراستها دراسة علمية مقارنة لاستخراج مناهجها النقدية يمكن - بإذن الله - أن تتبلور نظرية متكاملة واضحة في نقد السنة عند المحدثين، ومن خلال هذه النظرية نستطيع أن نستمر في خدمة السنة تحقيقًا وتخريجًا علميًا أصيلًا، ومن خلالها أيضًا نستطيع أن نقوّم تلك الجهود الجبارة التي بذلت في سبيل الحفاظ على المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي.\nوقد جاء البحث في ثلاثة فصول وخاتمة.\nالفصل الأول: وهو عبارة عن فصل تمهيدي خصصته للكلام عن الحديث وعلومه إلى عصر الإمام البخاري، وقد اشتمل هذا الفصل على أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: تحدثت فيه عن كتب السنة قبل الجامع الصحيح كالسنن والمسانيد وكتب السير والمغازي والتفسير والأجزاء المفردة في أبواب مخصوصة، والغرض منه توضيح مدى استفادة الإمام البخاري ممن سبقه، وبيان أن الجامع الصحيح لم يأتِ من فراغ، وإنما هو حلقه من سلسلة متواصلة من جهود المحدثين في التصنيف والتأليف.\nوالمبحث الثاني: خصصته للكلام - بشيء من الإيجاز - عن حركة التدوين في علوم الحديث والنقد إلى عصر الإمام البخاري وكيف بدأت قواعد التصحيح والتعليل تستقر عند كثير من أئمة الحديث ونقاده.","vol":"1","page":14},{"text":"والمبحث الثالث: ترجمت فيه للإمام البخاري بترجمة شاملة وموجزة ركزت فيها على مختلف جوانب شخصيته العلمية.\nوالمبحث الرابع: سردت فيه الآثار العلمية للإمام البخاري، وعرفت بالموجود منها سواء أكان مطبوعًا أم مخطوطًا، ثم ختمت هذا المبحث بذكر التأثير العلمي لمصنفات الإمام البخاري فيمن عاصره أو من جاء بعده.\nأما الفصل الثاني فقد خصصته للحديث عن منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث، وقد قسمته إلى ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: خصصته للكلام عن عدالة الرواة، وقد قسمته إلى ستة مطالب تناولت فيها تعريف العدالة لغة واصطلاحًا، ثم شروط العدالة وموقف البخاري منها، ثم أدرجت بعض المسائل المتعلقة بالعدالة وبينت موقف البخاري منها وهي: إذا روى الثقة حديثًا فسئل عنه فنفاه، وإذا كان المحدث يغشى السلطان، وإذا كان المحدث يأخذ الأجرة على التحديث، هل يقدح كل ذلك في عدالته أم لا؟ مع ذكر موقف البخاري معضدًا بالأمثلة والشواهد، ثم تناولت موقف البخاري من أحاديث أهل البدع والأهواء، ثم موقفه من الرواة والمجاهيل وكيفية تخريجه لرواياتهم، وختمت المبحث بطلب في الحديث عن الرواة الوحدان، وموقف البخاري من رواياتهم وكيفية تخريج أحاديثهم في صحيحه.\nالمبحث الثاني: خصصته للحديث عن ضبط الرواة وقد قسمته إلى أربعة مطالب:\nالأول: عرفت فيه بالضبط لغة واصطلاحًا، ثم تعرضت في المطلب الثاني لأهميته وآثار اختلاله وكيفية معرفة ضبط الراوي، ومراتب الرواة من حيث الضبط، ثم تناولت في المطلب الثالث مراتب رجال الصحيحين من حيث الضبط، وبينت فيه أن رجال الصحيحين ليسوا كلهم على مرتبة واحدة من حيث الضبط، بل فيهم الحافظ الضابط، ومن هو دون ذلك.\nثم درست في المطلب الأخير نماذج من روايات الضعفاء، وبينت منهج البخاري في تصحيحها.","vol":"1","page":15},{"text":"المبحث الثالث: تحدثت فيه عن اتصال السند، وقد قسمته إلى خمسة مطالب:\nعرفت في الأول منها السند لغة واصطلاحًا، وأهميته، ثم تعرضت في المطلب الثاني لطرق التحمل والأداء عند الإمام البخاري وبينت ما هي الطرق المعتبرة عنده، والطرق غير المعتبرة، ثم تناولت في المطلب الثالث مسألة العنعنة، وحاولت توضيح منهج البخاري فيها والموازنة بينه وبين الإمام مسلم في ذلك والجواب عما أورده كثير من العلماء في الرد على الإمام مسلم.\nأما المطلب الرابع فقد خصصته لدراسة نماذج من أحاديث الجامع الصحيح أعلت بالانقطاع في سندها، فذكرت أجوبة العلماء عليها، وبينت أن دعوى الانقطاع لا تصح في كثير منها.\nثم ختمت المبحث بمطلب في الحديث عن التدليس - باعتباره نوعًا من الانقطاع في السند - وبينت منهج البخاري في تخريج أحاديث المدلسين.\nأما الفصل الثالث فقد أفردته لمنهج الإمام البخاري في تعليل الأحاديث، وقد قسمته إلى ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعرضت فيه للأحاديث المعلولة في الجامع الصحيح وقد جاء في مطلبين:\nالأول: في تعريف العلة لغة واصطلاحًا، وبيان مواضعها وحكمها ودلائلها.\nوالثاني: في الكلام عن الأحاديث المنتقدة في الجامع الصحيح وتصنيفها وبيان منهج المنتقدين كالدارقطني، وتقويم انتقاده إجمالًا.\nالمبحث الثاني: تحدثت فيه عن التفرد وأثره في تعليل الأحاديث، وقد اشتمل على ثلاثة مطالب:\nالأول منها عبارة عن مقدمات نظرية تحدثت فيها عن حقيقة التفرد وأنواعه ومراتبه وحكمه.","vol":"1","page":16},{"text":"والثاني تحدثت فيه عن نماذج من الأحاديث التي استغربت أو استنكرت في الجامع الصحيح، وبينت منهج البخاري ووجهة نظره في إخراجها، كما وضحت المنطلقات والقرائن التي بنى عليها المنتقدون أحكامهم.\nوالمطلب الثالث درست فيه نماذج من الأحاديث التي أعلها الإمام البخاري اعتمادًاٍ على التفرد مع انضمام قرائن أخرى.\nالمبحث الثالث: تكلمت فيه عن المخالفة وأثرها في التعليل، وقد افتتحته بمطلب ضمنته بعض المقدمات النظرية في تعريف المخالفة، وصورها، وأسبابها، وضابطها، وأحكامها، وأثرها؛ ليكون مدخلًا ييسر الولوج إلى هذا الموضوع.\nوقد قسمت الحديث في هذا الموضوع إلى قسمين هما:\nالمخالفة المغيرة لسياق الإسناد كالاختلاف في الوصل والإرسال والوقف والرفع، والاختلاف في تسمية شيخ الراوي، والاختلاف في زيادة راو في الإسناد أو حذفه.\nوالمخالفة المغيرة لسياق المتن كالاختصار، والرواية بالمعنى، والإدراج، وأثرها في تصحيح الأحاديث، أو تعليلها.\nكل ذلك مقرون بالأمثلة والشواهد من صنيع الإمام البخاري في صحيحه.\nالمبحث الرابع: خصصته لزيادات الثقات، وهي صورة من صور المخالفة، لكنني أفردتها لأهميتها وغموضها، وركزت فيه على الحديث عن بعض زيادات المتون وأحكامها النقدية وآثارها الفقهية، مدعمًا ذلك بالأمثلة من صحيح الإمام البخاري. وقد جاء هذا المبحث في ثلاثة مطالب:\nالأول: في تعريف زيادات الثقات وحكمها عند الأئمة والطوائف.\nالثاني: في دراسة نماذج من الزيادات المقبولة عند الإمام البخاري واستخلاص معايير القبول.","vol":"1","page":17},{"text":"الثالث: في دراسة نماذج من زيادات الثقات المردودة عند الإمام البخاري واستخلاص معايير الرد.\nوقد أنهيت البحث بخاتمة ذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذه الدراسة.\nوفي الأخير أسأل الله - ﷿ - أن يجعل عملي هذا لوجهه خالصًا، وأن يعصمني من الزلل والخطأ، وأن يغفر لي ويتجاوز عني بفضله وكرمه، فهو ولي ذلك والقادر عليه، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الأول: الحديث وعلومه إلى عصر الإمام البخاري</span>\n\nالمبحث الأول: كتب السنة قبل الجامع الصحيح.\nالمبحث الثاني: علوم الحديث إلى عصر البخاري.\nالمبحث الثالث: ترجمة موجزة للإمام البخاري.\nالمبحث الرابع: التعريف بالإنتاج العلمي للإمام البخاري.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الأول: كتب السنة قبل الجامع الصحيح</span>\nإن الجامع الصحيح للإمام البخاري لم يأت من فراغ وإنما هو حلقة من سلسلة ممتدة من لدن العهد الأول لتدوين الحديث إلى عصر هذا الإمام، هذه الحلقة جاءت مكمّلة لتلك الحلقات ومتممة لها. وإن استفادة الإمام البخاري من جهود الأئمة الذين سبقوه كانت استفادة عظيمة سواء من حيث المادة أم من حيث الطريقة والمنهجية. فلقد عكف على مصنفات من سبقه فحفظها واستوعبها وضمن مقاصدها في كتابه حسب الشرط الذي وضعه له.\nولقد بين الإمام الدهلوي طريقة التصنيف في الحديث قبل الإمام البخاري فقال (١):\n\" أول ما صنف أهل الحديث في علم الحديث جعلوه مدونًا في أربعة فنون:\nفي السنة أعني الذي يقال له الفقه مثل موطأ مالك، وجامع سفيان، وفن التفسير مثل كتاب ابن جريج، وفن السير مثل كتاب محمد بن إسحاق، وفن الزهد والرقاق مثل كتاب ابن المبارك، فأراد البخاري - ﵀ - أن يجمع الفنون الأربعة في كتاب ويجرده لما حكم له العلماء\n_________\n(١) شرح تراجم البخاري ص٧، نقلًا عن كتب السنة دراسة توثيقية للدكتور رفعت فوزي عبد المطلب ط أولى سنة ١٩٧٩م - مكتبة الخانجي، ص ٧٨.","vol":"1","page":21},{"text":"بالصحة قبل البخاري وفي زمانه، ويجرده للحديث المرفوع المسند وما فيه من الآثار وغيرها، إنما جاء تبعًا لا أصالة ولهذا سمي كتابه الجامع الصحيح المسند \".\nفحركة التأليف والتصنيف في السنة في القرنين الثاني والثالث كانت جد نشيطة، وقد أثمرت هذه الحركة العشرات بل المئات من كتب السنة، وهذه الكتب على كثرتها يمكن حصرها في المجموعات التالية:\nكتب السنن، والمصنفات، والجوامع، والمسانيد، وكتب التفسير، وكتب المغازي والسير، والأجزاء المفردة في أبواب مخصوصة، وفيما يلي تعريف موجز بأهم هذه المصنفات ومناهجها ومادتها لنقف على مدى استفادة الإمام البخاري من هذه الكتب في صحيحه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>أ - كتب السنن:</span>\nوهي الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية من الإيمان والطهارة والصلاة والزكاة إلى آخرها وليس فيها شيء من الموقوف لأن الموقوف لا يسمى في اصطلاحهم سنة ويسمى حديثًا (١)، وهذا تعريف بأهم وأشهر كتب السنن إلى عصر البخاري:\n١) سنن أبي الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي (ت ١٥١) (٢) ذكرها الكتاني في الرسالة المستطرفة، ولا تفيدنا المصادر عنها شيء.\n_________\n(١) محمد بن جعفر الكتاني: الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة، مكتبة الكليات الأزهرية، ص ٢٥. قلت: هذا الذي ذكره العلامة الكتاني يخالف الواقع. وكتب السنن تشمل كثيرًا من الموقوفات والمقطوعات تذكر على سبيل التبع، لا أصالة ولا رواية، وعددها قليل مقارنة بالمصنفات والموطآت.\n(٢) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم أبو الوليد المكي، أحد الأئمة الأعلام، له كتاب السنن ذكره ابن النديم في الفهرست: ص ٣٣٠، الكتاني في الرسالة المستطرفة ص ٢٦. ترجمته في تاريخ بغداد: ج١٠٦ ص ٤٠، تذكرة الحفاظ: ج١ ص ١٦٩، تهذيب التهذيب ج٦ ص ٤٠٢، والتقريب: ص ٣٦٢ تحقيق محمد عوامة.","vol":"1","page":22},{"text":"٢) سنن سعيد بن منصور (ت ٢٢٧هـ) (١) .\nطبعت بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، ولكن النسخة غير كاملة، والمقدار الموجود منها يشتمل على (٢٩٧٨) حديثًا تبدأ بكتاب الفرائض ثم النكاح وما يتعلق به، ثم الطلاق ثم الجهاد، طبعت في مجلدين.\n٣) سنن محمد بن الصباح (ت ٢٢٧هـ) (٢) ذكرها الكتاني في الرسالة المستطرفة (٣) ولا تفيدنا المصادر عنها بشيء.\n٤) سنن الدارمي (ت ٢٥٥هـ) (٤) أسانيده عالية، وثلاثياته أكثر من ثلاثيات البخاري. وهو من شيوخ البخاري، وقد روى عنه في غير الجامع، ومنهم من يطلق عليها المسند لكون أحاديثها مسندة مطبوع عدة طبعات في مجلدين، وكان الحافظ العلائي يقول: (ينبغي أن يكون كتاب الدارمي سادسًا للخمسة بدلًا من سنن ابن ماجة، فإنه قليل الرجال الضعفاء، نادر الأحاديث المنكرة الشاذة، وإن كانت فيه أحاديث مرسلة وموقوفة فهو مع ذلك أولى منه) (٥) .\n_________\n(١) هو سعيد بن منصور بن شعبة، أبو عثمان الخرساني. نزيل مكة، ثقة مصنف، وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به، مات سنة سبع وعشرين ومائتين وقيل بعدها وروى عنه الجماعة، التقريب ص ٢٤١. وانظر ترجمته في: التاريخ الكبير ج٢ ص ٤٧٢، والصغير ص ٢٤٠ وطبقات ابن سعد ج٦ ص ٣٦٧، الجرح والتعديل: ج٢ ص ٦٨، تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٥، والتهذيب: ج٤ ص ٨٩ - ٩٠.\n(٢) هو محمد بن الصباح البزار الدولابي، أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان مولده سنة خمسين ومائة. روى له الجماعة التقريب ص ٤٨٤.\n(٣) الرسالة المستطرفة ص ٢٨.\n(٤) هو الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل التيمي السمرقندي. الدارمي نسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير بن تميم. توفي يوم التروية ودفن يوم عرفة سنة خمس وخمسين ومائتين ومولده سنة ١٨١هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد: ج١٠ ص ٢٩، تذكرة الحفاظ: ج٢ ص ٥٣٤.\n(٥) انظر فتح المغيث للسخاوي: ج١ ص ١٠٠.","vol":"1","page":23},{"text":"وقال الحافظ: (لو ضم إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجة فهو أمثل منه بكثير) (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>ب - المصنفات والجوامع:</span>\nهي كتب مرتبة على الأبواب الفقهية مشتملة على السنن وما هو في حيزها أو له تعلق بها (٢) وهي كثيرة نعرّف بأهمها وأشهرها.\n١) جامع أبي عروة معمر بن راشد الأزدي (٣) (١٥٣هـ أو ١٥٤ هـ) .\n٢) جامع سفيان الثوري (٤) (١٦١ هـ) .\n٣) مصنف حماد بن سلمة (٥) (ت ١٦٧ هـ) .\n٤) كتاب الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩هـ) .\nوهو عبارة عن أحاديث مرفوعة وموقوفة ومرسلة في مسائل الفقه، طبع في مجلدين بتعليق الأستاذ أبو الوفا الأفغاني، ويشتمل على (٢٦٨) أثرًا وقد أفرد الحافظ ابن حجر جزءًا لطيفًا في تراجم رواته\n_________\n(١) نقله الصنعاني في توضيح الأفكار: ج١ ص ٢٣١.\n(٢) الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة، ص ٣٠ فما بعدها.\n(٣) معمر بن راشد بن عمرو الأزدي البصري: أحد الأعلام وحفاظ الحديث، ولد في البصرة وانتقل إلى اليمن واستقر بها. له كتاب الجامع مخطوط نسخة منه في مكتبة فيض الله وأخرى في أنقره، حققه الأستاذ فؤاد سزكين ولم يطبع إلى الآن، له ترجمة في: طبقات ابن سعد: ج٥ ص ٣٩٧، تذكرة الحفاظ: ج١ ص ١٩٠.\n(٤) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، كان إمامًا مجتهدًا، أجمع الناس على دينه وورعه وزهده، وثقته في الرواية، راوده المنصور ثم المهدي على أن يلي القضاء فأبى، وتوارى، وانتقل إلى البصرة ومات فيها سنة ١٦١هـ - ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري: ج٢ ق٢ ص ٩٢ - ٩٣، تاريخ بغداد: ج٩ ص ١٥١ - ١٧٤ وتهذيب التهذيب: ج٤ ص ١١١ - ١١٥.\n(٥) حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة، ثقة حافظ عابد، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. مات سنة ١٦٧هـ ترجمته في: التاريخ الكبير: ق١ ص ٢٢، حلية الأولياء: ج٦ ص ٢٤٩، تذكرة الحفاظ: ج١ ص ٥٠٢، تهذيب التهذيب: ج٣ ص ١١.","vol":"1","page":24},{"text":"سماه الإيثار لمعرفة رواة الآثار، وهو مطبوع.\n٥) مصنف وكيع بن الجراح (١٩٧ هـ) .\n٦) جامع سفيان بن عيينة (١) (ت ١٩٨هـ) .\n٧) مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١هـ) .\nطبع في أحد عشر مجلدًا بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي ويشتمل على (٢١٠٣٣) أثرًا ويعتبر من أغنى المصادر بآثار السلف وفقه التابعين. وقد استمد منه البخاري كثيرًا في الآثار التي يوردها كما يعلم من خلال \" فتح الباري \" و\" تغليق التعليق \" في وصل تلك الآثار.\n٨) مصنف أبي بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥هـ) وقد طُبع كتابه في خمسة عشر جزءًا تشتمل على (١٩٧٨٩) أثرًا، وقد استفاد منه البخاري كثيرًا في الآثار التي يوردها في صحيحه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>جـ - المسانيد:</span>\nوهي الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدى صحيحًا كان أو حسنًا أو ضعيفًا مرتبين على حروف المعجم وأسماء الصحابة كما فعله غير واحد، أو على القبائل، أو السابقة في الإسلام، أو الشرافة النسبية، أو غير ذلك. وقد يقتصر في بعضها على أحاديث صحابي واحد كمسند أبي بكر أو أحاديث جماعة منهم كمسند الأربعة، أو العشرة، أو طائفة مخصوصة منهم جميعًا وصف واحد كمسند المقلين ومسند الصحابة الذين نزلوا مصر إلى غير ذلك.\nوالمسانيد كثيرة جدًا (٢) فقلّ إمام إلا وله مسند وفيما يلي تعريف\n_________\n(١) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي، أبو محمد الكوفي المكي، أحد أئمة الإسلام وحفاظ السنة. ترجمته في مقدمة الجرح والتعديل: ص ٣٢، الطبقات الكبرى: ج٥ ص ٣٦٤، تاريخ بغداد: ج٩ ص ١٧٤، تذكرة الحفاظ: ج١ ص ٢٦٢.\n(٢) الرسالة المستطرفة ص ٤٦ إلى ص ٥٧.","vol":"1","page":25},{"text":"لأهمها وأشهرها إلى عصر الإمام البخاري:\n١) مسند الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) وهو أعلى المسانيد، وهو المراد عند الإطلاق وإن أريد غيره قيد، وقد طبع مرارًا وقد أفاض العلامة أحمد شاكر في التعريف به في مقدمة تحقيقه.\n٢) المسند لأبي داود الطيالسي الحافظ (١) (ت ٢٠٣ أو ٢٠٤هـ) ومسنده مطبوع في مجلد واحد وليس هو الجامع له بل جمعه بعض حفاظ خراسان: جمع فيه ما رواه يونس بن حبيب عنه خاصة (٢) .\n٣) مسند أبي محمد عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي الكوفي (٣) (ت ٢١٣هـ) .\n٤) مسند أبي إسحاق بن نصر بن إبراهيم المطوعي (٤) (ت ٢١٣هـ) .\n٥) مسند أسد بن موسى الأموي المعروف بأسد السنة (٥) (ت ٢١٢هـ) .\n٦) مسند مسدد بن مسرهد الأسدي البصري (٦) (ت ٢٢١هـ) .\n_________\n(١) هو أحد الأعلام الحفاظ روى عن ابن عون وهشام بن أبي عبد الله عباد بن منصور وحرب بن شداد وروى عنه جرير بن عبد الحميد شيخه وابن بشار وابن رافع وخلق، أثنى عليه ابن مهدي وأحمد ووكيع وروى أنه حدث بأربعين ألف حديث من حفظه - ترجمته في الخلاصة للخزرجي: ج١ ص ١٠١، التقريب ص ٢٥٠.\n(٢) الرسالة المستطرفة ص ٤٦. وانظر الفضل المبين على عقد الجوهر الثمين للقاسمي ص ٣٠٨ وأما راوي المسند فهو يونس بن حبيب أبو بشر العجلي. ثقة ذو صلاح وجلالة (ت ٢٦٧هـ) .\n(٣) هو عبيد الله بن موسى ابن أبي المختار العبسي الكوفي أبو محمد، ثقة، قال الحاكم: هو أول من صنف المسند على تراجم الرجال. مات سنة ٢١٣هـ. ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج١ ص ٣٥٣، طبقات القراء لابن الجزري: ج١ ص ٤٩٤، التقريب ص ٣٧٥.\n(٤) المصدر السابق ص ٣٧.\n(٥) هو أسد بن موسى بن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي، أسد السنة صدوق يغرب وفيه نصب. مات سنة ٢١٢هـ وله ثمانون سنة، روى له البخاري تعليقًا وأبو داود والنسائي، التقريب ص ١٠٤.\n(٦) مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدي البصري، أبو الحسن، ثقة حافظ، يقال عنه أول من صنف المسند بالبصرة، مات سنة ٢٢١هـ ويقال اسمه عبد الملك بن عبد العزيز ومسدد لقب، روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، التقريب ٥٦١.","vol":"1","page":26},{"text":"٧) مسند إسحاق بن إبراهيم بن راهوية (١) (ت ٢٣٨هـ) وهو من كبار شيوخ البخاري.\n٨) - ٩) مسند أبي بكر (٢) ومسند عثمان (٣) ابني محمد بن أبي شيبة وهما من كبار شيوخ البخاري.\n٩) مسند أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي (٤) (ت ٢١٩هـ) وهو من كبار شيوخ البخاري.\nوحتى الإمام البخاري فإنه صنف مسندًا يسمى بالمسند الكبير، وكذلك الإمام مسلم بن الحجاج له أيضًا مسند كبير على الرجال.\n_________\n(١) هو إسحاق بن راهوية بن مخلد أبو يعقوب المروزي، نزيل نيسابور أحد أئمة المسلمين وفقهاء الحديث، صاحب الإمام أحمد في بغداد، ومسنده ما يزال مخطوطًا المجلد الرابع منه في دار الكتب المصرية، وله مسائل فقهية هو والإمام أحمد رواها عنهما إسحاق الكوسج. مات سنة ٢٣٨هـ. ترجمة: في تذكرة الحفاظ ج٢ ص ٤٣٣، التقريب ص ٩٩.\n(٢) هو أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، ثقة حافظ صاحب تصانيف، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة، التقريب ص ٣٢٠.\n(٣) هو عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفي، ثقة حافظ شهير، وله أوهام، وقيل: كان لا يحفظ القرآن، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين وله ثلاث وثمانون سنة، روى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، التقريب ص ٣٨٦.\n(٤) هو عبد الله بن الزبير بن عيسى الأسدي الحميدي، ثقة حافظ فقيه أجل أصحاب ابن عيينة، مات بمكة سنة مائتين وتسعة عشر، وقيل بعدها. قال الحاكم: كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره، التقريب ص ٣٠٣.\nومسند الحميدي قد طبع في مجلدين بتحقيق وتعليق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي ويشتمل على (١٣٠٠) حديثًا.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>ر - كتب المغازي والسير:</span>\nوهي الكتب التي تهتم بذكر سيرة النبي ﷺ من مولده إلى وفاته وذكر مبعثه وما قام به من غزوات ضد أعدائه وتفصيل ذلك، وسأذكر أهم الكتب في هذا المجال إلى عصر الإمام البخاري. ويمكن ترتيبها تاريخيًا على أربعة طبقات:\nالطبقة الأولى: ومن أبرز من اهتم بالسير والمغازي في العهد الأول: عروة بن الزبير (ت ٩٤هـ) وأبان بن عثمان (١٠٥هـ) وقد ذكر ابن سعد في طبقاته (١) ما يفيد أن أبان بن عثمان كان له تدوين في السير، ففي ترجمة المغيرة بن عبد الرحمن قال: \" إنه ثقة قليل الحديث إلا مغازي رسول الله ﷺ أخذها من أبان بن عثمان، فكان كثيرًا ما تقرأ عليه ويأمر بتعلمها \" ولم يصلنا منها شيء.\nالطبقة الثانية: ومن أبرز رجالها عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاري (٢) (ت ١٣٥هـ)، اهتم بأخبار الوفود التي قدمت إلى النبي ﷺ وأخبار ردة القبائل بعد وفاة النبي ﷺ. كما جمع غزوات النبي ﷺ، ورتبها تاريخيًا. ومن رجال هذه الطبقة أيضًا عاصم بن عمر بن قتادة (٣) (ت ١٢٠هـ) وهو شيخ ابن إسحاق، ولمعرفته الوثيقة بالمغازي اختاره الخليفة عمر بن عبد العزيز ليحدث الناس بمسجد دمشق عن المغازي ومناقب الصحابة. وممن اهتم بالمغازي والسير في هذه الطبقة أبو بكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (٤) (ت ١٢٤هـ) .\n_________\n(١) الطبقات الكبرى: ج٥ ص ١٥٦.\n(٢) هو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني شيخ مالك والسفيانيين روى عن أنس وجماعة، وكان كثير العلم، روى عن الجماعة ترجمته في التقريب ص ٢٩٧، وشذرات الذهب: ج١ ص ١٩٢.\n(٣) عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري المدني ثقة حافظ عالم المغازي، أخرج له الجماعة ترجمته في: طبقات ابن سعد: ج ٣ ص ٤٥٢، تهذيب التهذيب: ج٥ ص٥٣، والتقريب ص٢٨٦، وشذرات الذخب: ج١ ص١٥٧.\n(٤) هو الإمام الحافظ المتفق على جلالته وإتقانه: أحد أكابر الفقهاء، رأى عشرى من الصحابة، نزل الشام واستقر بها وصنف في الحديث والمغازي، ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج١ ص١٠٨، التهذيب: ج٩ ص٤٤٥، التقريب ص٥٠٦.","vol":"1","page":28},{"text":"الطبقة الثالثة: ومن أبرز رجالها موسى بن عقبة بن أبي عياش المدني (١) التابعي الصغير (ت ١٤١هـ) ومغازيه أصح المغازي كما قاله تلميذه مالك بن أنس، وقال الشافعي: ليس في المغازي أصح من كتابه مع صغره وخلوه من أكثر ما يذكر في كتب غيره.\nوقال أحمد: (عليكم بمغازي موسى بن عقبة فإنه ثقة) (٢) .\nوقد نقل الإمام البخاري عن مغازي موسى بن عقبة في مواضع من كتاب المغازي من جامعه منها: باب غزوة الخندق (٣) وباب غزوة بني المصطلق (٤)، باب غزوة الطائف (٥) ومن رجال هذه الطبقة محمد بن إسحاق (٦) بن يسار المطلبي (ت ١٥١هـ)، تتلمذ على يد الزهري واستفاد منه، ويقال أنه صنف كتابه \" السيرة النبوية \" بناء على طلب الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور لابنه المهدي، وقد رواه عنه تلميذه زياد البكائي وعن البكائي أخذه ابن هشام، وقد ظل كتاب ابن إسحاق هذا موسومًا بالضياع إلى عهد قريب حيث عثر أحد الباحثين الأوربيين على عدة أوراق منه مكتوبة على أوراق البردي المصرية، ثم عُثر على جزء كبير منه بالمغرب\n_________\n(١) ثقة فقيه إمام في المغازي، روى عن صحابية وعدة من التابعين. له ترجمة في التقريب ص٥٥٢، وشذرات الذهب: ج١ ص٢٠٩ - ٢١٠.\n(٢) الرسالة المستطرفة ص ٨٢.\n(٣) الجامع الصحيح، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق: ج٧ ص٤٥٣ (مع الفتح) ط - دار الريان سنة ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م.\n(٤) المصدر نفسه ص ٤٩٤.\n(٥) المصدر نفسه ص ٦٣٩.\n(٦) هو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، بالولاء المدني، من حفاظ الحديث، ومن أقدم مؤرخي العرب إمام في المغازي، قال الشافعي: \" من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على ابن إسحاق \" وقال فيه الذهبي: \" كان أحد أوعية العلم، خبيرًا في معرفة المغازي والسير وليس بذاك المتقن \" ترجمته في: تاريخ بغداد: ج١ ص٢١٤، تذكرة الحفاظ: ج١ ص١٨٢، ميزان الاعتدال: ج٣ ص٤٦٨.","vol":"1","page":29},{"text":"ونشره معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بفاس سنة ١٩٨٩م وحققه الأستاذ محمد حميد الله.\nوقد نقل الإمام البخاري في صحيحه عن ابن إسحاق في مواضيع مختفة (١) . ومن أبرز رجال هذه الطبقة أيضًا ابن هشام (٢) فقد نشأ بمدينة البصرة بالعراق ورحل إلى مصر حيث التقى بعلمائها منهم الإمام الشافعي. وفي مصر كتب \" السيرة النبوية \" وقد أخذ كتاب ابن إسحاق فهذبه وحذف منه كثيرًا مما لا تعلق له بالسيرة أو شك في صحته ككثير من الأشعار والأنساب، أو أضاف إليه أشياء كثيرة.\nومخطوطات هذا الكتاب كثيرة، وأقدم نسخة منها يرجع تاريخها إلى القرن السادس الهجري (٥٥٦هـ) .\nوكان المستشرق الألماني \" وستنفلد \" من أوائل المهتمين بطبع هذا الكتاب، فأخرجه سنة (١٨٦٠هـ) في مجلدين مضبوطًا بالشكل وألحق به مجلدًا يحتوي على تعاليق، وملاحظات وفهارس، ثم طبع هذا الكتاب اعتمادًا على نسخة الإمام السهيلي، وهي المخطوطة التي أخذها عن شيخه ابن العربي، وتوالت طبعاته، ومن أفضل طبعاته، وأكثرها دقة الطبعة التي حققها الأستاذ مصطفى السقا ومن معه.\nالطبقة الرابعة: وهم المصنفون في السير والمغازي ممن عاصروا الإمام البخاري - ﵀ - ومن أبرزهم:\n_________\n(١) انظر: كتاب المغازي من الجامع الصحيح، باب غزوة العشيرة: ج٧ ص ٣٢٦، وباب حديث بني النضير ص٣٨٢، وباب غزوة الرجيع ورعل وذكوان ص٤٣٧، وغزوة ذات الرقاع ٤٨١، وباب غزوة بني المصطلق ص٤٩٤، كلها في الجزء السابع من الفتح ط - دار الريان -.\n(٢) هو عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، كان عالمًا بالأنساب واللغة وأشعار العرب (ت ٢١٨هـ) ترجمته في: وفيات الأعيان: ج٢ ص٣٤٩ - ٣٥٠، الشذرات: ج٢ ص٤٥، البداية والنهاية: ج١٠ ص٢٦٧.","vol":"1","page":30},{"text":"ابن سعد (١) (ت ٢٣٠هـ) ولم يفرد المسيرة بمصنف وإنما أفرد أول كتاب الطبقات لسيرة النبي ومغازيه في مجلدين تقريبًا، وبقية الطبقات لتراجم الصحابة والتابعين والعلماء إلى عصره، وهو مطبوع.\nومن رجال هذه الطبقة أيضًا ابن أبي خيثمة (٢) (ت ٢٧٩هـ) وكتابه مرتب على الطبقات ذكر فيه تراجم الرواة إلى عصره ومزجه بالتاريخ والسير مع النقد وعلل الحديث ومنهجه مثل منهج ابن سعد في طبقاته، وكتابه غير مطبوع.\nومن رجال هذه الطبقة أيضًا خليفة بن خياط العصفري (٣) (ت ٢٤٠هـ) له كتاب التاريخ وهو مرتب على السنوات، وكتاب الطبقات، كلاهما مطبوع، وخليفة بن خياط من شيوخ الإمام البخاري وقد روى عنه في الجامع الصحيح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>هـ - كتب التفسير:</span>\nوهي الكتب التي اهتمت بتفسير القرآن بالأثر وقد كانت هناك كتب كثيرة في القرنين الثاني والثالث في تفسير القرآن (٤) ومن أهمها:\n١) تفسير مجاهد (٥) (ت ١٠١هـ) .\n_________\n(١) هو الإمام الحبر أبو عبد الله محمد بن سعد الحافظ: كاتب الواقدي، صاحب الطبقات والتاريخ، توفي ببغداد وله اثنان وستون سنة. روى عن سفيان بن عيينة وهشيم وخلق كثير، ترجمته في: شذرات الذهب: ج٢ ص٦٩.\n(٢) هو الحافظ أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب النسائي ثم البغدادي، مصنف التاريخ الكبير. سمع أبا نعيم وعفان وطبقتهما. قال الدارقطني: ثقة مأمون، شذرات الذهب: ج٢ ص١٧٤.\n(٣) هو أبو عمرو خليفة بن خياط العُصفري، لقبه شباب، صدوق ربما أخطأ، وكان إخباريًا علامة، ترجمته في التقريب ص١٩٠، وشذرات الذهب: ج٢ ص٩٤.\n(٤) انظر الرسالة المستطرفة ص٥٧، والفهرست لابن النديم ص١٦٣ - ١٦٦، ت مصطفى الشويمي.\n(٥) مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المخزومي مولاهم، المكي ثقة إمام في التفسير وفي العلم، مات وله ثلاث وثمانون سنة، روى له الجماعة، ترجمته في التقريب ص٥٢٠، وشذرات الذهب: ج١ ص١٢٥.","vol":"1","page":31},{"text":"٢) تفسير سفيان الثوري (ت ١٦١هـ): لم يفسر فيه الثوري جميع الآيات بل يفسر الآيات التي وصله شيء من تفسيرها عن السلف، وما عثر عليه من هذا التفسير يشتمل على ٤٩ سورة من القرآن الكريم آخرها سورة الطور، وقد حققه الأستاذ امتياز علي العرشي وطبعه في رامبور الهند، ثم طبعته دار الكتب العلمية في بيروت سنة ١٤٠٣هـ.\n٣) تفسير عبد الرزاق الصنعاني (١) (ت ٢١١هـ) .\n٤) تفسير إسحاق بن راهوية (ت ٢٢٨هـ) .\n٥) تفسير عثمان بن أبي شيبة (ت ٢٣٩هـ) .\n٦) تفسير أبي بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥هـ) .\n٧) تفسير ابن ماجه القزويني (ت ٢٧٥هـ) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>والأجزاء المفردة في أبواب مخصوصة:</span>\nوهي كثيرة جدًا نذكر منها (٢):\n١) الإيمان للإمام أحمد.\n٢) الإيمان لأبي بكر بن أبي شيبة.\n٣) الطهور لأبي عُبيد القاسم بن لام البغدادي اللغوي الحافظ (ت ٢٢٢هـ أو ٢٢٣هـ أو ٢٢٤هـ) .\n٤) الصلاة لأبي نعيم الفضل بن دكين الكوفي التميمي (ت ١١٨هـ أو\n_________\n(١) هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، مولاهم، أبو بكر الصنعاني، حافظ محدث ثقة، روى عن الأوزاعي وابن جريج ومعمر، له مصنفات كثيرة، ترجمته في: تهذيب التهذيب: ج٦ ص٣١٠، شذرات الذهب: ج٢ ص٢٧.\n(٢) انظر الرسالة المستطرفة ص ٣٩ - ٤٥.","vol":"1","page":32},{"text":"١١٩هـ) من شيوخ الإمام البخاري.\n٥) قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي.\n٦) الزكاة لأبي محمد يوسف بن يعقوب القاضي.\n٧) الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام.\n٨) الإيمان والنذور، والنكاح، له أيضًا.\n٩) الجهاد لعبد الله بن المبارك (ت ١٨١هـ) وهو أول من صنف فيه.\n١٠) الاستئذان والبر والصلة له أيضًا.\n١١) الزهد للإمام أحمد، وهو من أحسن ما صنف في هذا الموضوع، لكنه مرتب على الأسماء.\n١٢) الزهد لعبد الله بن المبارك، وهو مرتب على الأبواب، وفيه أحاديث واهية.\n١٣) الزهد لهناد بن السري بن مصعب التميمي الحافظ (ت ٢٤٣هـ) .\n١٤) الذكر والدعاء لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة (ت ١٨٢هـ) .\n١٥) الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام.\n١٦) العلم لأبي خيثمة زهير بن حرب النسائي البغدادي الحافظ (ت ٢٣٤هـ) روى عنه الإمام مسلم أكثر من ألف حديث، وجزؤه هذا مطبوع بتحقيق الشيخ الألباني.\n١٧) فضائل القرآن للشافعي.\n١٨) ثواب القرآن لابن أبي شيبة.\nوغير ذلك مما لا يحصى من الأجزاء في مختلف الموضوعات، وقد أفاد منها الإمام البخاري سواء في جامعه أم في غيره من مصنفاته التي سيأتي التعريف بها في آخر مبحث من هذا الفصل.\nمن خلال هذا العرض السريع لأهم المصنفات الحديثية إلى عصر الإمام البخاري تتجلى لنا الحقائق العلمية التالية:","vol":"1","page":33},{"text":"• إن الإمام البخاري لم ينطلق في تصنيف جامعه من فراغ، بل يعتبر صحيحه حلقة من سلسلة ممتدة إلى المصنفين الأوائل كمالك وابن جريح والأوزاعي وابن المبارك وغيرهم.\nإن الإضافة الجديدة التي أضافها الإمام البخاري تتمثل في:\n• جعل كتابه جامعًا لأنواع علوم الإسلام من عقيدة وفقه وتفسير ومغازي وسير وزهد ورقاق وفضائل وآداب، بينما كان من سبقه يركز على علم من العلوم فالسنن والجوامع والموطآت كانت تهتم بما يتعلق بالأحكام الفقهية دون غيرها من العلوم. وكذلك كتب السير والمغازي. خاصة بهذا الفن ولا تتعرض لغيره. وكذلك كتب التفسير فهي موضوعة لهذا الجانب ولا تتعرض لغيره كالفقه والسير والمغازي. وأما الأجزاء الحديثية فكل جزء منها خاص بباب معين من أبواب العلم، بنما نجد الجامع الصحيح قد اشتمل على كل تلك العلوم وهذا السبب في تسميته بالجامع.\n• كان من سبق من العلماء يجمع في كتابه الأخبار ولا يلتزم الصحة. فيذكر الصحيح والحسن والضعيف وقد يكون فيها الموضوع أحيانًا، ولكن الإمام البخاري اقتصر في جامعه على الصحيح فقط لذا سماه الجامع الصحيح.\n• كان من سبق من العلماء يجمع في كتابه الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، والمتصل والمنقطع على حد سواء، لكن البخاري خصّص كتابه لما ورد عن رسول الله ﷺ بالأسانيد المتصلة، وإن كان يذكر فيه الآثار والموقوفات على سبيل التبع للاستشهاد، وقد حوى جملة كثيرة من الموقوفات والآثار وعادة يرويها معلّقة، فهي ليست مقصودة أصالة وإنما بالتبع والاستطراد، لذا سمى البخاري كتابه الجامع الصحيح المسند.\n• كان المصنفون يهتمون بمزج الحديث بالفقه كما فعل مالك في موطئه، ويذكرون آراء العلماء وفقهاء التابعين والأمصار، والإمام","vol":"1","page":34},{"text":"البخاري لم يهمل هذه الناحية، ولم يتوسع في ذكر فقه الحديث وإنما سلك طريقة مختصرة وهي أنه يضمن فقه الحديث في الترجمة حتى شاع على ألسنة العلماء أن فقه الإمام البخاري في تراجمه، ويعضد ما يذهب إليه بالآيات والآثار ثم يذكر أهم ما ورد في الباب من الأحاديث المرفوعة المسندة. لهذه السمات والخصائص كان صحيح البخاري أهم كتب الحديث. وهذه جملة من ثناء العلماء على صحيحه.\nقال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي: \" ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل \" (١) .\nوقال أبو جعفر العقيلي: \" لما صنّف البخاري كتاب الصحيح عرضه على ابن المديني وأحمد بن حنبل ويحي بن معين، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا أربعة أحاديث \". قال العقيلي: \"والقول فيها قول البخاري وهي صحيحه \".\nوقال الحاكم أبو أحمد: \" رحم الله محمد بن إسماعيل الإمام، فإنه الذي ألف الأصول وبين للناس وكل من عمل من بعده فإنما أخذه من كتابه كمسلم، فرق كتابه في كتابه وتجلد فيه حق الجلادة حيث لم ينسبه إليه \" (٢) .\nوقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: \" لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء \" وقال أيضًا: \"إنما أخذ مسلم كتاب البخاري فعمل فيه مستخرجًا وزاد فيه أحاديث \" (٣) .\nوما قاله الحاكم أبو أحمد والحافظ والدارقطني فيه إجحاف للإمام مسلم\n_________\n(١) هدي الساري ص٥١٤، ط دار الريان.\n(٢) الحافظ ابن حجر: هدي الساري مقدمة فتح الباري - دار الريان للتراث القاهرة - الطبعة الأولى سنة ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م، ص٥١٤.\n(٣) المصدر نفسه ص٥١٤.","vol":"1","page":35},{"text":"- ﵀ - وإن كان قد استفاد من كتاب البخاري ومن علمه لكنه أضاف إليه مما ليس فيه وركز فيه على الأسانيد واختلاف الروايات ومتون الأحاديث وغيرها مما يتعلق بالصنعة الحديثية (١)، مما لم يركز عليه الإمام البخاري في صحيحه.\n_________\n(١) انظر: عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث مسنده الصحيح للدكتور حمزة عبد الله المليباري، وهو مطبوع.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الثاني: النقد وعلوم الحديث إلى عصر الإمام البخاري</span>\nلقد مر بنا في المبحث السابق أن علماء الحديث في القرنين الثاني والثالث الهجري قد بذلوا جهودًا عظيمة في تدوين السنة والحفاظ عليها بأنواع شتى من المصنفات، وطرق مناهج مختلفة في التأليف، والسؤال الذي يطرح هل كان إلى جانب هذا الجهد العظيم في الجمع والتصنيف، جهدًا موازيًا في النقد والتمحيص؟\nوقبل الإجابة على هذا السؤال، نحدد المراد بالنقد لغة واصطلاحًا ثم ما هي عوامل ظهوره ثم نعرض بشيء من الاختصار إلى جهود المحدثين ومصنفاتهم في النقد الحديثي إلى عصر الإمام البخاري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>تعريف النقد:</span>\nفالنقد لغة: هو تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها، وكذا تميز غيرها ومثل هذا المصدر في مدلوله، التنقاد والتنقد من انتقد وتنقد الدراهم: أي ميز جيدها من رديئها (١) .\n_________\n(١) مرتضى الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس: ج٢ ص٥١٦.","vol":"1","page":37},{"text":"وناقده: ناقشة في الأمر (١) .\nالنقد اصطلاحًا: هو دراسة الرواة والمرويات لتمييز جيدها من رديئها، وعلوم الحديث كلها تعتبر نتاجًا لهذه المهمة التي اضطلع بها المحدثون والحفاظ، ومن أبرز هذه العلوم علمي الجرح والتعديل وعلل الحديث.\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>دوافع النقد وعوامل ظهوره:</span>\nاختلفت عوامل ظهور النقد باختلاف المراحل التي مر بها، ويمكن تقسيمها إلى مرحلتين:\nأ - المرحلة الأولى: وهي تتمثل في المرحلة التي سبقت ظهور الفتن والبدع ويقف وراء ظهور النقد في هذه الفترة عامل واحد وهو ما جبل عليه الإنسان من الوهم والخطأ والنسيان.\nب - المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي ظهرت فيها البدع والفتن، ويقف إلى جانب العامل الأول عامل آخر كان وراء تطور حركة النقد ونشاطها، وهو الكذب (٢)، ولقد هيأ الله لهذه المهمة رجالًا قاموا بها أحسن قيام فقد وجد في كل عصر، وفي كل مصر من الجهابذة والحفاظ من يقوم بهذه الوظيفة من عهد الصحابة والتابعين إلى أتباعهم، يأخذ كل واحد منهم ما عند شيخه، ويضيف إليه ما توصل إليه بخبرته فتجمعت مادة علمية غزيرة في الكلام على الرواة والأحاديث إلى أن وصل الأمر إلى الأئمة الذين دوّنوا المصنفات المستقلة مثل: يحي ابن معين، والبخاري، وابن أبي حاتم وغيرهم.\nوالذي أريد التركيز عليه هو حركة التدوين في النقد وعلوم الحديث\n_________\n(١) محمد بن أبي بكر الرازي: مختار الصحاح - ت الدكتور مصطفى البغا - دار الهدي عين مليلة الجزائر - ط٤ - سنة ١٩٩٠م، ص٤٢٦.\n(٢) أحمد محمد نور سيف: مقدمة تحقيق تاريخ ابن معين - طبع مركز البحث العلمي وإحياء التراث بمكة - سنة ١٩٧٩م - ١٣٩٩هـ، ص٦.","vol":"1","page":38},{"text":"ويمكن تقسيمها إلى المراحل التالية (١):\nالمرحلة التمهيدية: وهو الشكل المبدئي والأولي للتدوين، إذ كان عبارة عن ملاحظات واستدراكات وتصويبات تدوّن بهوامش المرويات يستفيدها التلاميذ من شيوخهم، وتعتبر هذه التدوينات النواة الأولى لما عرف فيما بعد بالمسانيد المعللة.\nالمرحلة الثانية: وتتمثل في المسانيد المعللة، وتعتبر هذه المسانيد أول علوم الحديث ظهورًا ونشأة، لأنها تضم خليطًا من المعارف الحديثة: توثيق الرواة، أو تضعيفهم، أو بيان وفاة، أو ضبط غريب، أو بيان شكل، أو توضيح كنية، أو نسبة، أو موطن، أو غير ذلك. ثم نمت بعض الشيء وبدأت تنفصل عن كتب الحديث لتأخذ تسميات خاصة كسؤالات فلان في الرجال، وكان طابع التدوين في هذه الفترة هو أن يقوم به التلاميذ عن الشيوخ ويحتفظون به، وهي في الحقيقة إنتاج الشيوخ ومؤلفاتهم، أو ما جمعوه عن شيوخهم في علوم الحديث.\nوكما قام هؤلاء التلاميذ بجمع ما عند شيوخهم من علوم الحديث، قام هؤلاء الشيوخ أنفسهم بهذه المهمة، فدوّنوا عن شيوخهم كثيرًا من المعلومات وأضافوا إليها، وهكذا كل طبقة عن التي تليها.\nالمرحلة الثانية: وتمثلها كتب هؤلاء النقاد أو الروايات عنهم، وهي وإن اختلفت مسمياتها فكلها تدور في فلك واحد، وهو نقد الرجال وعلل الحديث وما يتصل بهما من علوم الحديث. ويلاحظ هنا طابع التلازم بين نقد الرجال وعلل الحديث وهو سمة بارزة في مؤلفات ابن المديني ويحي بن معين والإمام أحمد - رحمهم الله تعالى -.\nفالروايات عن يحي أخذت مسميات عدة هي: (التاريخ، معرفة الرجال، السؤالات) وأما عن أحمد بن حنبل: (العلل، العلل ومعرفة الرجال، التاريخ) وأما عن ابن المديني: (العلل، المسند بعلله، التاريخ) .\n_________\n(١) أحمد محمد نور سيف: مقدمة تحقيق تاريخ ابن معين - ص٧ وما بعدها.","vol":"1","page":39},{"text":"وعلى الرغم من ذلك فقد ظهرت كتب مخصصة في هذه الفترة تناولت عدة فنون منها: الأسماء والكنى، الضعفاء والمدلسون، وأجزاء مستقلة لعلل أحاديث شيوخ معينين، وفي الوهم، وتفسير الغريب، والإخوة والأخوات، ومن عرف باللقب أو الاسم وهذه الكتب ذكرتها المصادر في مؤلفات ابن المديني.\nومن أحسن ما ألف في هذه المرحلة من حيث التنظيم والترتيب (طبقات ابن سعد)، وتعتبر من المصادر الأولى في علم الجرح والتعديل وعلم الرجال، وقد طبع في تسع مجلدات، وتغلب عليها الصبغة التاريخية، فمدلول كلمة تاريخ كان يشمل علم الرجال والنقد، إضافة إلى السير والمغازي، ثم اقتصر مدلوله بعد ذلك على الأحداث التاريخية، فقد سمى كل من الدوري والدارمي روايتيهما عن يحي بن معين باسم التاريخ، وكذلك أبو بكر بن أبي شيبة (ت٢٣٥هـ) (*) سمى كتابه في الرجال والجرح والتعديل باسم التاريخ، وكذلك الإمام الحافظ خليفة بن خياط العصفري (٢٤٠هـ) له كتاب التاريخ والطبقات، وكذلك نجد الإمام البخاري سمى كتابه في علم الرجال والجرح والتعديل والعلل بالتاريخ الكبير وله التاريخ الأوسط والتاريخ الصغير (**) .\nوقد اتخذ التدوين في العلل والرجاء في هذه المرحلة اتجاهين:\n• ذكر الجرح والتعديل وأحوال الرواة مضمومًا إلى ذلك العلل في مناسبات تتصل بتراجمهم، والكتب السابقة تمثل هذا الاتجاه.\n• والاتجاه الثاني: يتمثل في عرض الأحاديث التي تطرقت إليها العلل، ثم يتبع ذلك بيان حال الرواة، وجرحهم وتعديلهم والتوسع في ذلك، مع التطرق إلى ذكر أوطانهم أحيانًا، ويمثل هذا الاتجاه المسند المعلل\n_________\n(*) قال الدكتور عبد المعطي قلعجي: هناك نسخة من تاريخ ابن أبي شيبة في مكتبة برلين في ١١٣ ورقة (انظر مقدمة تحقيق كتاب الضعفاء للعقيلي ص٣٣) .\n(**) سيأتي التعريف بهذه التواريخ الثلاثة في المبحث الرابع من هذا الفصل.","vol":"1","page":40},{"text":"ليعقوب بن شيبة السدوسي (١) .\nالمرحلة الثالثة: وتمثل هذه المرحلة مؤلفات ابن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧هـ) وقد عمد إلى تلك المؤلفات التي وصلت إليه، فهذبها وأضاف إليها، وتعتبر كتبه نقلة نوعية في تدوين العلل والجرح والتعديل، فبعد أن كانت مادة العلل متداخلة في نقد الرجال، جرّدها وجعل كل واحدة مستقلة عن الأخرى.\nوتتمثل تلك النقلة في اختيار العنوان أيضًا حيث سمى كتابه \" الجرح والتعديل \" (٢) ومن هنا حددت أغراضه الأساسية، وهي ذكر ما وصل إليه الرواة من جرح أو تعديل، وقد اعتمد اعتمادًا كبيرًا على التاريخ الكبير للبخاري حيث ضمنه كتابه وأضاف إليه ومن ثم أصبح كتابه مصدرًا مهمًا في بابه. وقد جرده من مادة العلل وألف فيها كتابًا مستقلًا سماه \" علل الحديث (٣) \" واحتذى في هذا حذو الترمذي في تأليفه \" العلل الصغير والكبير \" والبزار في \" مسنده العلل \".\n* * *\n_________\n(١) هو الحافظ أبو يوسف السدوسي البصري نزيل بغداد، صاحب المسند الكبير المعلل ما صنف مسند أحسن منه لكنه لم يتم، طبع جزء منه.\n(٢) وهو مطبوع في ٩ مجلدات مع مقدمته بتحقيق العلامة عبد الرحمن المعلمي.\n(٣) وهو مطبوع في مجلدين اشتمل على أكثر من ألفي حديث معلول.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الثالث: ترجمة الإمام البخاري</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>نسبه ومولده:</span>\nهو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي.\nأسلم المغيرة على يد اليمان الجعفي والي بخاري، وكان مجوسيًا. وقد طلب والد البخاري العلم.\nقال البخاري:\n\" سمع أبي من مالك بن أنس، ورأى حماد بن زيد وصافح ابن المبارك بكلتا يديه \" (١) .\nوقد اختلف في ضبط اسم جده الأعلى (بردزبه) .\nفقد ضبطه الأمير بن ماكولا (٢) بباء موحدة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم دال مهملة مكسورة، ثم زاي ساكنة ثم باء موحدة ثم هاء، وقال ابن\n_________\n(١) الذهبي: سير أعلام النبلاء - تحقيق شعيب الأرناؤوط ومن معه: ج١٢ ص٣٩٢.\n(٢) الحافظ الأمير بن هب الله أبي نصر بن ماكولا: الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب - دار الكتب العلمية - بيروت لبنان - ط أولى ١٤١١هـ - ١٩٩٠م، ج٨ ص٢٥٩.","vol":"1","page":42},{"text":"حجر: (١) \" هذا هو المشهور في ضبطه \".\nوقال ابن خلكان (٢): \" وقد اختلف في اسم جده فقيل: يزدبة بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الزاي وكسر الذال المعجمة، وبعدها باء موحدة ثم هاء ساكنة \".\nوقال الذهبي في السير (٣): \" محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة، وقيل بذدزبة \" وكذا ضبطه المزي في تهذيب الكمال (٤) . وبردزبة بالبخاري، ومعناه بالعربية الزرّاع (٥) .\nوأما البخاري فهي نسبة إلى البلد المعروف بما وراء النهر يقال لها بخاري خرج منها جماعة من العلماء في كل فن يتجاوزون الحد، وصنف تاريخها أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الغنجار الحافظ البخاري وأحسن في ذلك (٦) .\nوأما الجعفي فلأن أبا جده أسلم على يد الميمان الجعفي، فنسب إليه لأنه مولاه من فوق (٧) .\nولد الإمام البخاري يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة وقد ذهب بصره في صغره فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل فقال لها: \" يا هذه قد رد الله على ابنك بصره\n_________\n(١) الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: هدي الساري مقدمة الفتح الباري - راجعه قصي محب الدين الخطيب - طبع دار الريان - القاهرة - طبعة أولى ١٤١٧هـ - ١٩٨٦م ص٥٠١.\n(٢) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: ج٤ ص١٩٠.\n(٣) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٣٩١.\n(٤) تهذيب الكمال في أسماء الرجال: للمزي (ت ٧٤٤هـ)، تحقيق د. بشار عواد معروف ج٢٤ ص٤٣١.\n(٥) هدي الساري ص٥٠١.\n(٦) أبو سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني (ت ٥٦٢هـ): الأنساب - تقديم وتعليق عبد الله عمر البارودي - مؤسسة الكتب الثقافية، ج١ ص٢٩٢.\n(٧) أحمد بن علي الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد - مصورة دار الكتاب العربي في بيروت، ج٥ ص٦.","vol":"1","page":43},{"text":"لكثرة بكائك أو دعائك \" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>طلبه للعلم:</span>\nطلب العلم وهو صبي، وكان يشتغل بحفظ الحديث وهو في الكتاب ولم تتجاوز سنه عشر سنين، وكان يختلف إلى محدثي بلده ويرد على بعضهم خطأه فلما بلغ ستة عشر سنة، كان قد حفظ كتب ابن المبارك ووكيع وعرف فقه أصحاب الرأي، ثم خرج مع أمه وأخيه أحمد إلى مكة، فلما حجّ رجع أخوه بأمه، وتخلف هو في طلب الحديث (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>شيوخه:</span>\nلقد أخذ البخاري عن شيوخ كثيرين قد ذكرهم من ترجم للبخاري. فمنهم من صنفهم على حروف المعجم كالمزي في تهذيب الكمال (٣) وحاول استقصاءهم، وذكرهم الذهبي في السير على البلدان (٤)، وذكرهم أيضًا على الطبقات (٥)، وقد تبعه الحافظ ابن حجر في ذكرهم على الطبقات (٦) .\nوهذه أسماء بعض منهم على البلدان:\nسمع ببخاري قبل أن يرتحل من عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان الجعفي المسندي، ومحمد بن سلام البيكندي، وجماعة.\nثم سمع ببلخ من مكي بن إبراهيم وهو من عوالي شيوخه.\nوسمع بمرور من عبدان بن عثمان، وعلي بن الحسين شقيق، وصدقة بن الفضل وغيرهم.\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء: ج١٣ ص٣٩٣، ومقدمة الفتح ص٥٠٢.\n(٢) السير: ج١٢ ص٣٩٣، تاريخ بغداد: ج٢ ص٧، مقدمة الفتح ص٥٠٢.\n(٣) تهذيب الكمال: ج٢٤ ص٤٣١.\n(٤) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٣٩٤.\n(٥) المصدر نفسه: ج١٢ ص٣٩٥.\n(٦) هدي الساري ص٥٠٣.","vol":"1","page":44},{"text":"وسمع بالري من إبراهيم بن موسى.\nوسمع بنيسابور من يحي بن يحي وجماعة.\nوببغداد من محمد بن عيسى الطباع، وسريج بن النعمان، وعفان، ومحمد بن سابق.\nوبالبصرة من أبي عاصم النبيل، والأنصاري، ومحمد بن عرعرة وغيرهم.\nوبمكة من أبي عبد الرحمن المقريء، وخلاد بن يحي، والحميدي وغيرهم.\nوبالمدينة من عبد العزيز الأوسي، وأيوب بن سليمان بن بلال، وإسماعيل بن أبي أويس.\nوبمصر من سعيد بن أبي مريم، وأحمد بن إشكاب، وعبد العزيز بن يوسف، وأصبغ وغيرهم.\nوبالشام: من أبي اليمان، ومحمد بن يوسف الفرياني، وأبي مسهر، وأمم سواهم.\nوقال ﵀: \" كتبت عن ألف وثمانين رجلًا ليس منهم إلا صاحب حديث. كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص \" (١) .\nتلاميذه:\nروى عنه خلق كثير منهم: أبو عيسى الترمذي، وأبو حاتم، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، وصالح بن محمد جزرة، ومحمد بن عبد الله الخضري مطين، وإبراهيم بن معقل النسفي، وعبد الله بن ناجية، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وعمرو بن محمد بن بجير، وأبو كريب محمد بن\n_________\n(١) ذكره الذهبي في المسير: ج١٢ ص٣٩٥، الحافظ في مقدمة الفتح ص٥٠٣.","vol":"1","page":45},{"text":"جمعة، ويحي بن محمد بن صاعد ومحمد بن يوسف الفربري \" راوي الصحيح \" وأبو بكر بن أبي داود، والحسين والقاسم ابنا المحاملي، وعبد الله بن محمد بن الأشقر، ومحمد بن سلمان بن فارس، ومحمد بن عنبر النسفي وأمم لا يحصون، وروى عنه الإمام مسلم في غير \" صحيحه \" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>منزلته العلمية:</span>\nاشتهر البخاري في عصره بالحفظ والعلم والذكاء، وقد وقعت له حوادث كثيرة تدل على حفظه منها امتحانه يوم دخل بغداد وهي قصة مشهورة (٢) .\nوكان - ﵀ - واسع العلم غزير الاطلاع، قال وراقة ابن أبي حاتم: قرأ علينا أبو عبد الله كتاب \" الهبة \" فقال ليس في \" هبة وكيع \" إلا حديثان مسندان أو ثلاثة، وفي كتاب ابن المبارك خمسة أو نحوه وفي كتابي هذا خمسمائة حديث أو أكثر (٣) .\nوقال: \" لا أعلم شيئًا يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب أو السنة. فقيل له: يمكن معرفة ذلك كله قال نعم \" (٤) .\nوقال له بعضهم، قال فلان عنك لا تحسن أن تصلي، فقال: لو قيل شيء من هذا ما كنت أقوم من ذلك المجلس حتى أروي عشرة آلاف حديث في الصلاة خاصة (٥) .\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٣٩٧.\n(٢) انظر هدي الساري مقدمة فتح الباري ص٥١٠.\n(٣) السير: ج١٢ ص٤١٠، ومقدمة الفتح ص٥١٢.\n(٤) السير: ج١٢ ص٤١٢.\n(٥) المصدر نفسه ج١٢ ص٤١٣.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>ثناء الأئمة عليه:</span>\nأثنى عليه أئمة الإسلام، وحفاظ الحديث ثناءً عاطرًا واعترفوا بعلمه وفضله وخاصة في الرجال وعلل الحديث، وهذا شيء يسير من ثناء هؤلاء الأئمة عليه (١) .\nقال الإمام البخاري ﵀: ذاكرني أصحاب عمرو بن علي الفلاس بحديث، فقلت: لا أعرفه فسُروا بذلك، وصاروا إلى عمرو فأخبروه، فقال: حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث.\nوكان إسحاق بن راهوية يقول: اكتبوا عن هذا الشاب - يعني البخاري - فلو كان في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه لمعرفته بالحديث وفقهه.\nوقال الإمام أحمد: ما أخرجت خرسان مثل محمد بن إسماعيل.\nوكان علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامنا وفقيهنا وفقيه خرسان.\nوقال محمد بن أبي حاتم: سمعت محمود بن النضر أبا سهل الشافعي يقول: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم.\nعبادته وورعه وصلاحه:\nوكما جمع الإمام البخاري بين الفقه والحديث فقد جمع الله له بين العلم والعبادة. فقد كان كثير التلاوة والصلاة، وخاصة في رمضان فهو يختم القرآن في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة (٢) .\nوكان أحيانًا يعرض له ما يؤذيه في صلاته فلا يقطعها حتى يتمها، فقد أبَّره زنبور في بيته سبعة عشر موضعًا وقد تورّم من ذلك جسده فقال له\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص ٤٢٠ - ٤٢٢.\n(٢) المصدر نفسه: ج١٢ ص٤٤٩، وهدي الساري ص٥٠٥.","vol":"1","page":47},{"text":"بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبرك؟ فقال: كنت في سورة فأحببت أن أتمها (١) .\nكما كان - ﵀ - ورعًا في منطقه وكلامه فقال ﵀: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا (٢) .\nوكان مستجاب الدعاء، فلما وقعت له محنته قال بعد أن فرغ من ورده: \" اللهم إنه قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك \" فما تم شهر حتى مات (٣) .\nوقال ﵀: ما ينبغي للمسلم أن يكون بحالة إذا دعا لم يستجب له، فقالت له امرأة أخيه: فهل تبينت ذلك من نفسك أو جربت؟ قال نعم، دعوت ربي مرتين فاستجاب لي، فلم أحب أن أدعو بعد ذلك، فلعله ينقص من حسناتي، أو يعجل لي في الدنيا ثم قال: ما حاجة المسلم إلى الكذب والبخل (٤) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>أخلاقه:</span>\nكان - ﵀ - كريمًا سمحًا كثير الإنفاق على الفقراء والمساكين، وخاصة من تلاميذه وأصحابه، ولا بأس أن أورد هذه القصة الدالة على أخلاقه العالية.\nقال عبد الله بن محمد الصارفي: كنت عند أبي عبد الله في منزله، فجاءته جارية، وأرادت الدخول، فعثرت على محبرة بين يديه، فقال لها: كيف تمشين؟ قالت: إذا لم يكن الطريق كيف أمشي؟ فبسط يديه، وقال\n_________\n(١) تاريخ بغداد: ج٢ ص١٢ - ١٣، السير: ج١٢ ص٤٢. مقدمة الفتح ص٥٠٥.\n(٢) تاريخ بغداد: ج٢ ص١٣، السير: ج١٢ ص٤٣٩، مقدمة الفتح ص٥٠٥.\n(٣) السير: ج١٢ ص٤٤٣.\n(٤) السير: ج١٢ ص٤٠٢، مقدمة الفتح ص٥٠٤.","vol":"1","page":48},{"text":"لها: اذهبي فقد اعتقتك. قال: فقيل له فيما بعد: يا أبا عبد الله أغضبتك الجارية؟ قال: إن كانت أغضبتني فإني أرضيت نفسي بما فعلت (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>محنته وصبره:</span>\nلما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور، قال محمد بن يحي الذهلي لأهلها: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه. فذهب الناس إليه، وأقبلوا على السماع منه. حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحي، فحسده بعد ذلك وتكلم فيه (٢) فدسّ بعض من يمتحنه في (مسألة اللفظ بالقرآن) فلما حضر الناس مجلس البخاري قام إليه رجل فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن؟ مخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه، فقال الرجل: يا أبا عبد الله فأعاد عليه القول، ثم قال في الثالثة، فالتفت إليه البخاري، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة، فشغّب الرجل وشغّب الناس، وتفرقوا عنه، وقعد البخاري في منزله (٣) .\nقال يحي بن سعيد القطان: قال (أي البخاري): أعمال العباد كلها مخلوقة فمرقوا عليه. وقالوا له بعد ذلك ترجع عن هذا القول حتى نعود إليك قال: لا أفعل إلا أن يجيئوا بحجة فيما يقولون أقوى من حجتي. قال يحي: وأعجبني من محمد بن إسماعيل ثباته (٤) .\nقال الحاكم: حدثنا طاهر بن محمد الوراق، سمعت محمد بن شاذل يقول: لما وقع بين محمد بن يحي والبخاري، دخلت على البخاري فقلت يا أبا عبد الله: أيش الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن يحي؟ كل من يختلف إليك يطرد.\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٤٥٢، ومقدمة الفتح ص٥٠٤.\n(٢) تاريخ بغداد: ج٢ ص٣٠، السير: ج١٢ ص٤٥٣، ومقدمة الفتح ص٥١٥.\n(٣) السير: ج١٢ ص٤٠٤، مقدمة الفتح ص٥١٥.\n(٤) تاريخ بغداد: ج٢ ص٣٠، السير: ج١٢ ص٤٠٤.","vol":"1","page":49},{"text":"فقال: كم يعتري محمد بن يحي الحسد في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء، فقلت: هذه المسألة التي تحكى عنك.. قال: يا بني هذه مسألة مشؤومة رأيت أحمد بن حنبل وما ناله في هذه المسألة!\nوجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها.\nقال الذهبي: \" المسألة هي أن اللفظ مخلوق، سئل عنها البخاري، فوقف واحتج بأن أفعالنا مخلوقة واستدل لذلك ففهم منه الذهلي أنه يوجه مسألة اللفظ، فتكلم فيه. وأخذه بلازم قوله هو وغيره \" (١) .\nوقد أظهر البخاري في هذه المحنة صبرًا لا مثيل له. فقد كان كثيرًا من أصحابه يقولون له: إن بعض الناس يقع فيك فيقول: (إن كيد الشيطان كان ضعيفًا «٢)، ويتلو أيضًا: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله «٣) .وقال له بعضهم: كيف لا ندعو على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويتهمونك؟ ! فقال: قال النبي ﷺ: \" اصبروا حتى تلقوني على الحوض \" (٤) . وقال: \" من دعا على ظالمه فقد انتصر \" (٥) .\nوقال له بعضهم: يا أبا عبد الله إن فلانًا يكفرك فقال: قال النبي ﷺ: \"إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما \" (٦) . وكان في هذه المحنة هجيراه من الليل يردد قوله تعالى:\n_________\n(١) السير: ج١٢ ص٤٥٧.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٧٥.\n(٣) سورة فاطر: الآية: ٤٣.\n(٤) أخرجه البخاري من حديث أسيد بن خضير، كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي ﷺ للأنصار: \" اصبروا حتى تلقوني على الحوض \" رقم (٣٧٩٢)، ج٧ ص١٤٦، وفي كتاب الفتن، باب قول النبي: \" سترون أمورًا بعدي تذكرونها \" رقم (٧٠٥٧)، ج١٣ ص٧، مع الفتح.\n(٥) أخرجه الترمذي من حديث عائشة في كتاب الدعوات حديث رقم (٣٥٥٢) وفي سنده أبو حمزة ميمون الأعور وهو ضعيف.\n(٦) أخرجه مالك في الموطأ، باب ما يكره من الكلام ج٢ ص٩٨٤، ومن طريقة الإمام أحمد ج٢ ص١١٣ والبخاري في كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال حديث رقم (٦١٠٣)، ج١٠ ص٥٣١ مع الفتح.","vol":"1","page":50},{"text":"(إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده «١) .\nقال أحمد بن سلمة: دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله هذا رجل مقبول بخرسان وخصوصًا هذه المدينة وقد لجَّ في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه. فما ترى؟ فقبض على لحيته ثم قال: (وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد «٢) اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرًا ولا بطرًا، ولا طلبًا للرياسة، وإنما أبت عليَّ نفسي في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسدًا لما آتاني لله لا غير، ثم قال لي: إني خارج غدًا لتتخلصوا من حديثه لأجلي. قال فأخبرت جماعة أصحابنا، فوالله ما شيعه غيري كنت معه حين خرج من البلد. وأقام على باب البلد ثلاثة أيام لإصلاح أمره (٣) .\nوقد اقترح عليه بعض أصحابه، وهو أحمد بن سيار: ألا يظهر هذا القول عند العامة فإنها لا تحتمل منه هذا وبين له أنه لا يخالفه في قوله وإنما يدعوه إلى ستره. فقال البخاري: إني أخشى النار، أسأل عن شيء أعلمه حقًا أن أقول غيره فانصرف عنه أحمد بن سيار (٤) .\nولقد كانت هذه المحنة سببًا للطعن في هذا الإمام العظيم، والقدح في عدالته عند بعض الأئمة المعاصرين له. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (٥): \" قدم محمد بن إسماعيل الري سنة خمسين ومائتين، وسمع منه أبي، وأبو زرعة، وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحي أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق \" قال الذهبي (٦) - ﵀ -: \" إن تركا حديثه، أو لم يتركا، البخاري ثقة مأمون يحتج به في العالم \" ولم تكن محنة هذا الإمام لتنتهي\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٦٠.\n(٢) سورة غافر، الآية: ٤٤.\n(٣) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٤٥٩، مقدمة الفتح ص٥١٦.\n(٤) السير: ج٤٦٢.\n(٥) لجرح والتعديل، مصورة دار الكتب العلمية في بيروت عن طبعة دار المعارف العثمانية في الهند ١٣٧١هـ، ج٧ ص١٩١.\n(٦) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٤٦٣.","vol":"1","page":51},{"text":"بخروجه من نيسابور، بل قد وقعت له في بخاري محنة أخرى هي امتداد للأولى. إذ لما قام البخاري \" بخاري \" استقبله أهلها استقبالًا عظيمًا، وبقي أيامًا على الحفاوة والتكريم. فكتب بعدها محمد بن يحي الذهلي، إلى خالد بن أحمد أمير بخاري \" إن هذا الرجل قد أظهر خلاف السنة. فقرأ كتابه على أهل بخارى فقالوا: لا نفارقه، فأمره الأمير بالخروج من البلد، فخرج (١) وقد ذكر المؤرخون سببًا آخر يمكن أن يكون هو السبب الحقيقي لنفرة هذا الأمير من البخاري. فقد طلب من البخاري لما قدم \"بخارى\" أن يحمل \" الجامع \" و\" التاريخ \" وغيرها من كتبه ليسمعها الأمير وأهل بيته، لكن البخاري اعتبر ذلك إذلالًا للعلم. وقال لرسوله: \" أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت لك إلي شيء منه حاجة، فاحضر إلى مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا فإنك سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة لأني لا أكتم العلم، لقول النبي ﷺ: \" من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار (٢) \" (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>وفاته:</span>\nلما منع البخاري من العلم خرج إلى \" خرتنك \" وهي قرية على فرسخين من سمرقند، كان له بها أقرباء فبقي فيها أيامًا قليلة، ثم توفي وكان ذلك ليلة السبت ليلة عيد الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ستة وخمسين ومائتين، وعاش اثنين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا (٤) وكانت حياته كلها حافلة بالعلم معمورة بالعبادة، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.\n_________\n(١) السير: ج١٢ ص٤٦٣، ومقدمة الفتح ص٥١٨.\n(٢) حديث صحيح أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد ج٢ ص٢٦٣ و٣٠٥ و٣٤٤ و٣٥٣ و٤٩٥، وأبو داود (٣٦٥٨) والترمذي (٢٦٥١)، وابن ماجة (٢٦١) و(٢٦٦) وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان (٧٥) وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو، صححه ابن حبان (٩٦) والحاكم ج١ ص١٠٢، ووافقه الذهبي.\n(٣) تاريخ بغداد: ج٢ ص٣٣، السير ج١٢ ص٤٦٤.\n(٤) تاريخ بغداد: ج٢ ص٣٤، وفيات الأعيان: ج٤ ص١٩١، السير: ج١٢ ص٤٦٦، مقدمة الفتح ص٥١٨.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المبحث الرابع: الآثار العلمية للإمام البخاري</span>\nلقد ترك الإمام البخاري إنتاجًا علميًا غزيرًا يدل على علمه وتمكنه، وقد استفاد ممن قبله واستفاد منه من جاء بعده فاقتدوا به في مصنفاته، واحتذوا حذوه. وساروا على طريقته. ولقد حفظت لنا كتب التاريخ والتراجم أسماء كتبه ومصنفاته، لكن الكثير منها فقد منذ أمدٍ بعيد، وهذه أسماء كتبه التي ذكرها العلماء (١) وسأعرّف بالموجود منها.\n١- الجامع الصحيح.\n٢- الأدب المفرد.\n٣- التاريخ الكبير.\n٤- التاريخ الأوسط.\n٥- التاريخ الصغير.\n٦- خلق أفعال العباد.\n٧- الرد على الجهمية.\n٨- الجامع الكبير.\n_________\n(١) هدي الساري مقدمة فتح الباري ص٥١٦ - ٥١٧.","vol":"1","page":53},{"text":"٩- المسند الكبير.\n١٠- الأشربة.\n١١- الهبة.\n١٢- أسامي الصحابة الوحدان.\n١٣- المبسوط.\n١٤- المؤتلف والمختلف.\n١٥- العلل.\n١٦- الكني.\n١٧- الفوائد.\n١٨- قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم.\n١٩- رفع اليدين في الصلاة.\n٢٠- القراءة خلف الإمام.\n٢١- بر الوالدين.\n٢٢- الضعفاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>١ - الجامع الصحيح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>أ - دوافع تأليف:</span>\nمن خلال ما تقدم عرضه - في المباحث السابقة - من كتب السنة والحديث التي سبقت ظهور الجامع الصحيح نلاحظ أن تلك المؤلفات لم تفرد الحديث الصحيح بالتأليف وإنما كانت تضم الصحيح والضعيف والمعلول وأحيانًا الجرح والتعديل وغيرها من علوم الحديث كما تقدم بيانه سابقًا. وكان علماء الحديث يفعلون ذلك ثقة منهم أنه في إمكان أي محدث أو فقيه أن يميز هذا من ذاك، من غير تنصيص من هؤلاء المؤلفين. لكن يبدو أن هذا","vol":"1","page":54},{"text":"الأمر أصبح عسيرًا في النصف الأول من القرن الثالث الهجري. فقد استطال السند، وكثر الرواة، وتشعبت الطرق، فأصبح من العسير جدًا على غير الأئمة النقاد التمييز بين الصحيح من عشرات الأحاديث والطرق الضعيفة أو المعلولة للحديث الواحد. وأصبحت الحاجة ماسة جدًا إلى وضع كتاب يضم الصحيح فقط ويتحاشى الضعيف والمعلول. وليس هذا فحسب، بل أن يكون مختصرًا، إذ المؤلفات السابقة، كما مر في المباحث المتقدمة، كانت واسعة وكبيرة وخاصة الجوامع والمسانيد، وحتى لا يكون هذا لاختصار مخلًا فالإمام البخاري جعل كتابه شاملًا لأهم مقاصد تلك الكتب السابقة، ففيه ما يتعلق بالتوحيد، وفيه ما يتعلق بالفقه والأحكام، وفيه ما يتعلق بالتفسير، وما يتعلق بالسير والمغازي، والشمائل والمناقب، والطب والرؤيا، ومن ثمة كان حريًا أن يوصف بأحسن وخير كتب الإسلام كما وصفه بذلك الإمام المجدد شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - (١) .\nوقد أعلن هذه الحاجة المحدث الكبير شيخ الإمام البخاري. الإمام إسحاق بن راهوية في مجلس من مجالسه العلمية قال: \" لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله ﷺ \".\nقال الإمام البخاري: \" فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح \" (٢) .\nوقد ظهر لي غرض آخر دفع البخاري إلى تأليف جامعه وهو تلك\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم - مكتبة المعارف - الرباط، المغرب، ج١٨ ص٧٣، ٧٤.\n(٢) هدي الساري مقدمة فتح الباري ص٩.","vol":"1","page":55},{"text":"الموجة من البدع التي ظهرت في القرنين الثاني والثالث، كالإرجاء والاعتزال والخروج، والتجهم والنصب، والتشيع، وبدع سلوكية كالتصوف الغالي، وبدع مذهبية فروعية، كالتعصب لإمام ما والإقبال على استعمال الرأي وتكلف القياس وأطراح السنن الثابتة عن النبي ﷺ لذلك كله جرد الإمام البخاري نفسه من خلال جامعه للرد على كل هذه البدع بالسنن الثابتة عن النبي ﷺ.\nفكتاب \" الإيمان \" من \" جامعه \" قد ذكر فيه مذهب أهل السنة والجماعة في حقيقة الإيمان من أنه قول وعمل، يزيد وينقص وضمنه الرد على المرجئة، وهذا واضح في كثير من تراجم هذا الكتاب منها:\n\" دعاؤكم إيمانكم \"، \" أمور الإيمان \"، \" من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه \"، \" علامة الإيمان حب الأنصار \"، \" تفاضل أهل الإيمان \"، \" الصلاة من الإيمان \"، \" اتباع الجنائز من الإيمان\"، \" زيادة الإيمان ونقصانه \"، وكذلك ضمنه الرد على غلاة الخوارج والمعتزلة الذين يجعلون الأعمال ركنًا من الإيمان يزول بزوالها. فيكفرون أهل الكبائر ويحكمون بخلودهم في النار، وهذا الرد في التراجم التالية: \" كفران العشير، وكفر دون كفر \" و\" المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها إلا بالشرك \"، \" ظلم دون ظلم \".\nوأما كتاب \" فضائل الصحابة \" وكتاب \" مناقب الأنصار \" فقد ضمنها الرد على الشيعة الروافض والناصبة، والخوارج وغيرهم من المنحرفين عن أصحاب رسول الله كلهم أو بعضهم، فقد أورد مناقب أبي بكر وعمر وعثمان، وفضل عائشة، ومعاوية وهذا رد على الشيعة. وأورد فيه ما يدل على فضل علي والحسن والحسين، ومناقب فاطمة وهذا رد على الخوارج (١) والنواصب (٢) .\n_________\n(١) هم الذين أنكروا على علي ﵁ التحكيم، وتبرؤوا منه، ومن عثمان، وذريته وقاتلوهم وهم فرق كثيرة. انظر: الملل والنحل للشهرستاني - دار الفكر ١٤٠٠ - ١٩٨٠م ج١ ص١٥٥ فما بعدها.\n(٢) الناصبة هم الذين يبغضون عليًا ويقدمون غيره عليه. هدي الساري ص٤٨٣.","vol":"1","page":56},{"text":"وأما كتاب \" القدر \" فقد ضمنه الرد على القدرية النفاة (١) .\nوأما كتاب \" الفتن \" فقد ضمنه الرد على من يرى الخروج على الأئمة بالسيف من الخوارج والمعتزلة (٢)، وأما كتاب \" الأحكام \" فقد ضمنه الرد على انحرافات الشيعة (٣) والخوارج فيما يتعلق بالإمامة كما ضمن كتاب \" أخبار الآحاد \"، وكتاب \" الاعتصام بالسنة \" الرد على من لا يرى قبول أخبار الآحاد من المعتزلة وغيرهم، وأما كتاب \" الاعتصام بالسنة \" فقد ضمنه الحث على التمسك بها، وهو رد على غلاة القياسيين، وأهل الرأي ومن تراجمه فيه: \" باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس \"، \" باب ما كان النبي ﷺ يسأل عما لم ينزل عليه من الوحي فيقول لا أدري أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي ولم يعمل برأي ولا بقياس لقوله تعالى: (بما آراك الله (، \" تعليم النبي ﷺ من الرجال والنساء مما علمه الله ليس برأي ولا تمثيل\".\nأما \" كتاب التوحيد \" فهو في بعض روايات الصحيح \" كتاب التوحيد والرد على الجهمية (٤) وغيرهم \" وضمنه مذهب أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، وفيه رد بالغ على الجهمية والمعتزلة ومن تابعهم في إنكار صفات الله ﷿ وأسمائه أو تأويلها على غير ما ورد به الشرع.\n_________\n(١) القدرية من يزعم أن الشر فعل العبد وحده، هدي الساري ص٤٨٣.\n(٢) المعتزلة هم أتباع وأصل بن عطاء، يقولون بخلق القرآن، ونفي صفات الله ﷿ وتأويل ما ورد منها، وأن العبد خالق لأفعاله، وأن أصحاب الكبائر يخلدون في النار، ويسمون أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد. انظر: الملل والنحل: ج١ ص٥٤ فما بعدها.\n(٣) التشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه، ويطلق عليه رافضي، وإلا فشيعي فإن أنضاف إلى ذلك السبب أو التجريح بالبغض فغالى في الرفض وإن اعتقد الرجعة فأشد في الغلو، هدي الساري ص٤٨٣، وانظر الملل والنحل: ج١ ص١٩٥ فما بعدها.\n(٤) هم أتباع الجهم بن صفوان. وهو أول من ابتدع القول بخلق القرآن. وتعطيل الله عن صفاته وغيرها من الضلالات. انظر الملل والنحل: ج١ ص١٠٩ فما بعدها.","vol":"1","page":57},{"text":"وقد أفرد في جامعه كتابًا للزهد والرقاق ضمنه ما صح عن النبي ﷺ في هذا الموضوع وفي كثير من أبوابه رد على غلو الصوفية الذين أحدثوا مناهج مبتدعة في تزكية النفوس، من هذه الأبواب: \" القصد والمداومة على العمل \"، \" الرجاء مع الخوف \".\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>ب - الأغراض الفقهية للبخاري في صحيحه:</span>\nاشتمل الجامع الصحيح للإمام البخاري على (٩٧) كتابًا و(٣٤٥٠) بابًا مرتبة على المسائل الفقهية والعقدية وغيرها.\nوكان ﵀ يقطع الأحاديث ويختصرها ويكررها في مواضع مختلفة لتخدم الناحية الفقهية، من أجل ذلك نجد أن كتابه لم يتضمن الأحاديث الصحيحة المسندة فحسب، والتي هي أصل الكتاب. ومن أجلها صنفه، وإنما ضم إلى جانب ذلك الكثير من الآيات القرآنية التي لها صلة بموضوع الباب الذي يذكره، وأقوال السلف من الصحابة والتابعين، وكثيرًا من الأحاديث المعلقة وكثيرًا مما يستنبطه من معاني الأحاديث من الفقه والأحكام. بما تقدم ذكره، وبتراجمه التي أودعها استنباطاته العجيبة، وبرده على كثير من المخالفين لأهل الحديث.\nوقد اهتم الكثير من العلماء بالجانب الفقهي من صحيح البخاري ودوّنوا فيه مصنفات كثيرة.\nجـ - عناية الأمة الإسلامية وعلمائها بصحيح البخاري:\nلم يحظَ كتاب بعد كتاب الله من العناية ما حظيه صحيح البخاري، وكانت هذه العناية جهودًا علمية دقيقة في خدمة هذا الكتاب، فقد انتقل إلينا صحيح البخاري من مؤلفه إلى عصرنا عبر أيد علمية أمينة: سماعًا أو إجازة، أو مناولة، وميزوا بين الروايات المختلفة والنسخ وما بينها من فروق معزوة إلى أصحابها، وهذه الاختلافات سببها اختلاف الأوقات التي يسمع فيها تلاميذ البخاري منه، أو لبعض أخطاء النساخ وأشهر هذه الروايات هي:","vol":"1","page":58},{"text":"١) رواية أبي ذر عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الهروي الحافظ (١) .\n٢) رواية ابن السكن: أبو علي سعيد بن عثمان الحافظ (٢) .\n٣) رواية الأصيلي: أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (٣) .\n٤) رواية النسفي: أبو إسحاق إبراهيم بن معقل النسفي (٤) .\nوالروايات الثلاث الأولى كلها عن طريق الفربري (٥) أما الرواية الرابعة فهي للنسفي عن البخاري، وقد سمع بعضه، وأجاز له من أول كتاب الأحكام إلى آخر الكتاب.\nولقد اهتم العلماء بضبط هذه الروايات وتحريرها، وممن قام بهذا العمل الحافظ شرف الدين علي بن محمد بن عبد الله اليونيني (٦) عندما قام\n_________\n(١) فقيه مالكي، من أهل هراة نزل بمكة ومات بها سنة ٤٣٥ أو ٤٣٤هـ. عالم بالحديث من الحفاظ الثقات، له تصانيف منها \" تفسير القرآن \"، \" المستدرك على الصحيحين \"، \" السنة والصفات \"، \" دلائل النبوة \" وغيرها، ترجمته في الشذرات: ج٣ ص٢٥٤، شجرة النور الزكية ص١٠٤، هدية العارفين: ج١ ص٤٣٧ - ٤٣٨.\n(٢) من حفاظ الحديث، نزل بمصر وتوفي بها، قال ابن ناصر الدين: \" كان أحد الأئمة الحفاظ، والمصنفين، الأيقاظ، رحل وطوف، وجمع وصنف، له \" الصحيح المنتقي \"، تهذيب ابن عساكر ج٦ ص١٥٤، وتذكرة الحفاظ: ج٣ ص١٤٠، والرسالة المستطرفة ص٢٠.\n(٣) محدث فقيه من أهل أصيلة (غربي طنجة في المغرب)، له \" كتاب الدلائل على أمهات المسائل \" في اختلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة ت ٣٩٢هـ. تاريخ علماء الأندلس ص٢٤٩، المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب ص١١١.\n(٤) قاضي نسف، وعالمها، صاحب التفسير، والمسند، كان بصيرًا بالحديث عارفًا بالفقه ت ٢٩٠هـ، ترجمته في: شذرات الذهب: ج٢ ص٢١٨.\n(٥) هو أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري، صاحب الإمام البخاري، كان ثقة ورعًا، ولد سنة ٢٣١ وت ٣٢٠هـ رحل إليه الناس وسمعوا منه صحيح البخاري. ترجمته في: وفيات الأعيان: ج٣ ص٤١٧ وشذرات الذهب: ج٢ ص٣٨٦.\n(٦) ولد ببعلبك سنة ٦٢١هـ كان حافظًا، سمع منه خلق من الحفاظ والأئمة وأكثر عنه البرزالي والذهبي. توفي شهيدًا ببعلبك سنة ٧٠١هـ: ترجمته في شذرات الذهب: ج٦ ص٤.","vol":"1","page":59},{"text":"بضبط رواية البخاري وقابل أصله بأصل مسموع على الحافظ أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي، وبأصل أبي القاسم بن عساكر، وبأصل مسموع على أبي الوقت، وقد حضر معه في هذه المقابلة الإمام النحوي جمال الدين بن مالك (١)، فكان إذا مر بلفظ يظهر أنه مخالف لقوانين العربية المشهورة، قال لليونيني، هل الرواية فيه كذلك؟ فإن أجابه بأنه ثابت في الرواية شرع ابن مالك في توجيهها، وجمع هذه التوجيهات في كتاب سماه \"شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح \" وهو مطبوع. ولم يقصد اليونيني أن يرجع بهذه المقابلة ما هو ثابت في الأصول، ويخرج منها صورة مختارة - في نظره - لصحيح البخاري، وإنما قصد أن يجمع تلك الروايات كلها في صعيد واحد، تيسيرًا لمن يريد الانتفاع بها من العلماء، وإغناء له عن التنقيب عليها في مختلف المظان. وقد استعان بالرموز في الإشارة إلى اختلاف النسخ، حيث اختار من بعض حروف الهجاء علامات يضعها على مواطن الخلاف، وبذلك ضبط رواياتهم مجتمعة بأخصر طريق، وحرر ألفاظ الكتاب على نحو ما هو ثابت عند أصحاب الأصول الأربعة التي قابل عليها أصله.\nوالنص المطبوع الآن هو نسخة اليونيني هذه، مع مقارنة ببعض النسخ، وقد أرسل هذه الأصل إلى السلطان عبد الحميد لينشر في مصر، وقد طبع في مطبقة بولاق (٢) .\nوقد اهتم علماء آخرون بشرح صحيح البخاري ومن أبرز من قام بهذا العمل، الإمام أحمد بن محمد الخطابي (ت ٣٨٦هـ)، ومحمد بن يوسف الكرماني (ت ٧٨٨هـ) في كتابه \" الكواكب الدراري \" وهو مطبوع، ومنهم\n_________\n(١) هو أبو عبد الله محمد بن مالك الطائي الأندلسي، كان إمامًا في النحو والقراءات، متبحرًا في معرفة اللغة، له مصفنات كثيرة منها \" الألفية \"، \" الكافية الشافية \"، \" لامية الأفعال \"، \" تسهيل الفوائد \" وغيرها (ت ٦٧٢هـ) ترجمته في: غاية النهاية: ج٢ ص١٨٠ والشذرات: ج٥ ص٣٣٩ والنجوم الزاهرة: ج٧ ص٢٤٣.\n(٢) د. رفعت فوزي عبد المطلب: كتب السنة دراسة توثيقية - طبعة أولى سنة ١٩٧٩م - نشر مكتبة الخانجي، ص ١٥٩ - ١٦٦.","vol":"1","page":60},{"text":"الإمام الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) في كتابه \" فتح الباري \" ومحمود بن أحمد العيني (ت ٨٥٥هـ) في كتابه \" عمدة القاري \"، وأحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني (ت ٩٢٣هـ) في كتابه \" إرشاد الساري \".\nوقد ذكر فؤاد سزكين في كتابه \" تاريخ التراث العربي \" (٥٦) شرحًا. للجامع الصحيح، بعضها مخطوط وبعضها قد طبع عدة مرات كالكتب السابقة (١) .\nوقد انصرف بعض العلماء إلى ضبط أسماء الرواة الوارد ذكرهم في الجامع الصحيح، والكلام عليهم جرحًا وتعديلًا. وقد أثمرت هذه الجهود كتبًا كثيرة في هذا المجال أذكر منها ما يلي:\n١) أسامي من روى عنهم البخاري: لعبد الله بن عدي بن عبد الله الجرجاني (٢) (ت ٣٦٥هـ) .\n٢) الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد لأبي نصر أحمد بن محمد الكلاباذي (٣) (ت ٣٩٨هـ) .\n٣) ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته عن الثقات عند البخاري ومسلم. للدارقطني (٤) (ت ٣٨٥هـ) . طبع بتحقيق بوران الصناري، وكمال يوسف الحوت، بمؤسسة الكتب الثقافية - بيروت لبنان.\n٤) تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم وما انفرد به كل واحد منهما،\n_________\n(١) المصدر نفسه ص١٦٦، وانظر: حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، دار الفكر ١٤٠٢هـ ١٩٧٦م، ج١ ص٥٤٥ - ٥٥٤.\n(٢) ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٣ ص٩٤٠، والبداية والنهاية: ج١١ ص٢٧٣، شذرات الذهب: ج٣ ص٥١.\n(٣) حافظ ثقة من أهل كلاباذ محلة ببخاري ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٣ ص٢١٦، والشذرات: ج٣ ص١٥١.\n(٤) ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٣ ص٩٩١ - ٩٩٥، والبداية والنهاية: ج١١ ص٣١٧ - ٣١٨، ووفيات الأعيان: ج٣ ص٢٩٧ - ٢٩٩.","vol":"1","page":61},{"text":"لأبي عبد الله الحاكم (١) النيسابوري (ت ٤٠٥هـ)، طبع بتحقيق كمال يوسف الحوت، بمؤسسة الكتب الثقافية - بيروت لبنان.\n٥) تقيد المهمل وتميز المشكل: لأبي علي الغساني الجياني (٢) (ت ٤٠٩هـ) .\n٦) الجمع بين رجال الصحيحين، لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي (٣) المعروف بابن القيسراني (ت ٥٠٧هـ) وقد طبع في الهند، وتولت طباعته دائرة المعارف العثمانية سنة ١٣٢٣هـ.\n٧) المعلم بأسامي شيوخ البخاري ومسلم لمحمد بن إسماعيل بن خلفون (٤) (ت ٦٣٦هـ) وهو مخطوط.\n٨) رجال البخاري ومسلم لأحمد بن موسى الهكاري (٥) (ت ٧٦٣هـ) .\n٩) قرة العين في ضبط أسماء رجال الصحيحين لعبد الغني البحراني (٦) (ت ١١٧٤هـ) وهو مطبوع.\n_________\n(١) ترجمته في: تاريخ بغداد: ج٥ ص٤٧٣، وتذكرة الحفاظ: ج٣ ص١٠٣٩، وشذرات الذهب: ج٣ ص١٧٦.\n(٢) من جهابذة المحدثين، وكبار علماء قرطبة، ويعرف بالجياني لأن أباه نزلها مدة، له ترجمة في: الوفيات لابن قنفد القسنطيني ص٢٦٢، ووفيات الأعيان: ج١ ص٤٣٥، وشذرات الذهب: ج٣ ص٤٠٩.\n(٣) أحد الأئمة الحفاظ، ذو رحلة واسعة وتصانيف كثيرة من أشهرها \" شروط الأئمة الستة \" ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٤ ص١٢٤٢، طبقات الحفاظ ص ٤٥٢، والعبر: ج٤ ص١٤، والشذرات: ج٤ ص١٨.\n(٤) عالم بالرجال، أندلسي من أهل أونبة (في غربي الأندلس) . ترجمته في: التذكرة: ج٤ ص١٨٦، والأعلام: ج٦ ص٣٦.\n(٥) محدث، مفسر، من أهل مصر، كردي الأصل، من كتبه \" تفسير القرآن \" له ترجمة في: الدرر الكامنة: ج١ ص١٠٤، وهدية العارفين: ج١ ص١١٢، وحسن المحاضرة: ج١ ص٢٠٣، ومعجم المفسرين ج١ ص٢٨.\n(٦) عبد الغني بن أحمد البحراني الشافعي: نسبته إلى \" البحرين \" عالم برجال الحديث، ترجمته في الأعلام للزركلي: ج٤ ص٣٢.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>٢ - التاريخ الكبير:</span>\nصنفه البخاري في سن مبكرة وسنه إذ ذاك ثماني عشرة سنة وقد قصد منه الاختصار فقد قال ﵀: \" كل اسم في التاريخ إلا وعندي قصته، إلا أنني كرهت أن يطول الكتاب \" (١) . فالكتاب مخصص لرواة الحديث عامة سواء أكانوا ثقات أم ضعفاء وقد اعتمد فيه البخاري على الروايات في إثبات الأسماء والأنساب والكنى، كما اشتمل على الكثير من الجرح والتعديل إلى مادة هامة في علل الحديث. وهذه الغزارة العلمية كانت ولا تزال سببًا في غموض منهجه وصعوبة الاستفادة منه. وقد أدرك هذا الغموض الإمام البخاري قبل غيره. قال ﵀: \" لو نشر بعض أستاذي هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت كتاب التاريخ، ولو عرفوه \" (٢)، وقال: \" أخذ إسحاق بن راهوية كتاب التاريخ الذي صنفته فأدخله على عبد الله بن طاهر. فقال: أيها الأمير ألا أريك سحرًا؟! قال: فنظر فيه عبد الله، فتعجب منه وقال لست أفهم تصنيفه \" (٣) لذا ينبغي أن يكون الكتاب موضع اهتمام الباحثين والدارسين لتقريب الاستفادة منه*.\nاشتمل التاريخ الكبير على (١٢٣١٥) ترجمة كما في النسخة المطبوعة المرقمة، ولقد رتبه البخاري - ﵀ على حروف المعجم لكن بالنسبة للحرف الأول من الاسم والحرف الأول من اسم الأب لكنه بدأ الكتاب بأسماء المحمدين لشرف اسم النبي ﷺ.\n_________\n(١) هدي الساري ص٥٠٢.\n(٢) المصدر نفسه ص٥١٢.\n(٣) المصدر نفسه.\n(*) بالنسبة للأبحاث العلمية حول التاريخ الكبير هناك رسالتان: الأولى بعنوان \" الأحاديث التي أعلها البخاري في كتابه التاريخ الكبير جمعًا ودراسة وتخريجًا \": من أول الكتاب إلى نهاية ترجمة سعيد بن عمير الأنصاري، رسالة ماجستير نوقشت عام ١٤١٦هـ تقديم عادل عبد الشكور الزقي، جامعة محمد بن سعود الإسلامية، والرسالة الثانية بعنوان \" منهج الإمام البخاري في التاريخ الكبير \"، رسالة ماجستير مسجلة بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، مازالت لم تناقش بعد.","vol":"1","page":63},{"text":"كما أنه قدم في كل اسم أسماء الصحابة أولًا، دون النظر إلى أسماء آبائهم، ثم ذكر بعد ذلك بقية الأسماء ملاحظًا ترتيب أسماء آبائهم (١) كما أورد فيه قسمًا خاصًا بالكنى، ولم يراع الترتيب في الأسماء التي لم تكثر فيها التراجم.\nويذكر البخاري ألفاظ الجرح والتعديل، لكنه يستعمل عبارات لطيفة في الجرح. فيقول مثلًا: \" فيه نظر \"، أو \" سكتوا عنه \" وأشد ما يقوله من العبارات في الجرح \" منكر الحديث \" وكثيرًا ما يسكت عن الرجل فلا يذكر فيه توثيقًا ولا تجريحًا.\nولما كان هذا العمل جهدًا بشريًا فإنه لم يسلم من الأوهام والأخطاء. لكنها أخطاء يسيرة وأوهام معدودة تكلم عليها الحفاظ وبينوها. فمن هؤلاء الحافظ الخطيب البغدادي في كتابه \"موضح أوهام الجمع والتفريق \" فالجمع عد الاثنين فأكثر واحدًا، والتفريق: عد الواحد اثنين فأكثر ساق فيه أربعة وسبعين فصلًا غالبها في التفريق، وبعضها في الجمع، يورد في كل فصل عبارة التاريخ الكبير ثم يذكر رأيه ويستدل عليه بكلام الأئمة ويسوق الأسانيد التي تشهد له. والكتاب مطبوع وهو مفيد في بابه، وليس كل ما في مسلم له.\nوانتقده من قبل الإمام ابن أبي حاتم الرازي في كتابه \" خطأ الإمام البخاري في تاريخه \" وهو مطبوع، كما انتقده أيضًا الحافظ عبد الغني في بعض الأوهام التي وقعت له، وهي أشياء يسيرة لا تتجاوز العشرة، وقد طبعت كملحق في الجزء الثامن من التاريخ الكبير طبعة دار الكتب العلمية بيروت.\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>٣ - التاريخ الصغير:</span>\nانتزعه البخاري من التاريخ الكبير، ولكن رتبه حسب الوفيات ويكاد ينقل عبارته في معظم الأحيان مع حرصه على الاختصار، ومع ذلك فيه\n_________\n(١) انظر التاريخ الكبير للبخاري - طبع دار الكتب العلمية، بيروت، ج١ ص١١.","vol":"1","page":64},{"text":"إضافات لا توجد في التاريخ الكبير، ويعتبر التاريخ الصغير من مصنفات البخاري المتأخرة بدليل إيراده للتراجم التي توفي أصحابها قبل وفاة البخاري بقليل، وقد طبع في مجلدين بتحقيق محمود إبراهيم زايد، بدار المعرفة بيروت سنة ١٤٠٦ - ١٩٨٦.\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>٤ - التاريخ الأوسط:</span>\nذكر الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي (١)، أن هناك نسخة ناقصة منه في بنكيبور ١٢: ٣٢ رقم ٦٨٧ وقد نقل منه الحافظ ابن حجر في التهذيب (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>٥ - كتاب الكنى:</span>\nمن الباحثين من يرى أنه كتاب مفرد مستقل عن التاريخ الكبير، كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر في مناسبات عدة، منها في أثناء تعديد مصنفات البخاري في مقدمة الفتح (٣) فتارة يسميه كتاب الكنى، وتارة الكنى المجردة، وتارة الكنى المفردة. ويرى الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي - ﵀ - بأنه جزء من التاريخ الكبير أو أنه متمم له (٤) وقد طبع بنهاية التاريخ الكبير، وقد اشتمل على (٩٩٣) ترجمة' وكانت استفادة العلماء من هذا الكتاب كبيرة وخاصة ممن ألف في هذا الموضوع ممن جاء بعد البخاري كالإمام مسلم في كتابه الكنى، والحاكم الكبير أبو أحمد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>٦ - الضعفاء الكبير:</span>\nذكره ابن النديم في الفهرست (٥) وبروكلمان في تاريخ الأدب العربي\n_________\n(١) مقدمة تحقيق كتاب الضعفاء للعقيلي، ص٣٥.\n(٢) انظر: تهذيب التهذيب: ج١ ص٤٦١ وج٢ ص١٥٩ و٣٨٥، ٤٠٩.\n(٣) هدي الساري ص٥١٧.\n(٤) انظر كتاب الكنى في الجزء ٨ من التاريخ الكبير - دار الكتب العلمية - بيروت - ص٩٤ - ٩٧.\n(٥) الفهرست لابن النديم - مطبعة الاستقامة - ص٣٦.","vol":"1","page":65},{"text":"وذكر أنه يوجد مخطوطًا في مكتبة بتنة بالهند تحت رقم (٣٩٣٧) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>٧ - الضعفاء الصغير:</span>\nوقد أفرده للضعفاء ومن لا يحتج بحديثهم، وهو كتاب مختصر ومفيد في بابه. طبع في الهند سنة ١٣٢٥هـ، ونشر مع كتاب المنفردات والوحدان للإمام مسلم سنة ١٣٢٣. كما طبع بحلب في دار الوعي سنة ١٣٩٦هـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>٨ - خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل:</span>\nموضوع هذا الكتاب هو الرد على المعتزلة والقدرية النفاة لقدر الله ﷿. والقائلين بأن العبد يخلق أفعال نفسه. وكذلك الرد على الجهمية والمعطلة النافين لصفات الله ﷿، وقد أفاض البخاري في الرد عليهم في مسألة كلام الله وبيان أن القرآن كلام الله غير مخلوق. وقد تضمن هذا الكتاب (٤٨٤) نصًا فيها الأحاديث المرفوعة، والموقوفة وآثار من كلام التابعين وأئمة السنة، وليس كل ما ورد فيه صحيح بل فيه الصحيح والحسن والضعيف، وهو كتاب مهم لأنه حفظ لنا كثيرًا من نصوص السلف في مسائل الاعتقاد، كما أنه شهادة صادقة على أن الإمام البخاري - ﵀ - كان من أئمة أهل السنة والجماعة المتبعين لما كان عليه سلف الأمة في مسائل الاعتقاد، والرد على أهل البدع والأهواء. وقد طبع هذا الكتاب وقام بتخريج أحاديثه وتصحيح ألفاظه كل من أبي محمد سالم بن أحمد بن عبد الهادي السلفي، وأبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني الأبياني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>٩ - الأدب المفرد:</span>\nموضوع هذا الكتاب أحاديث الآداب والأخلاق وقد اشتمل على عدد ضخم من الأحاديث في هذا المجال فيها الصحيح والحسن والضعيف وسبب تسميته بالأدب المفرد هو التمييز بينه وبين كتاب الأدب في الجامع الصحيح وقد طبع عدة مرات وقام بشرحه بعض العلماء.","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>١٠ - جزء القراءة خلف الإمام:</span>\nتعرّض فيه لمسألة قراءة الفاتحة في الصلاة. فالبخاري ﵀ يرى وجوب قراءة الفاتحة في الصلوات كلها ما يجهر فيها وما يخافت، وقد ذكر في الجامع الصحيح بابًا ضمن فيه بعض الأحاديث الدالة على وجوب قراءة الفاتحة على الإمام والمأموم في جميع الصلوات سواء كانت سرية أم جهرية (١) . وقد توسع في هذا الجزء في ذكر أدلة هذه المسألة، والرد على المخالفين فيها، وهو مطبوع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>١١ - جزء رفع اليدين في الصلاة:</span>\nتعرض فيه لمسألة رفع اليدين في الصلاة، فبين سنية الرفع عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وبين الركعتين، وتكلم على الأحاديث التي يحتج بها المخالفون في هذه المسألة وبيان ضعفها وعللها. وهو كتاب مفيد على صغر حجمه. وقد طبع في مصر والهند وغيرهما، وعليه تخريجات للشيخ أبي محمد بديع الدين السندي سماها قرة العين في تخريج أحاديث رفع اليدين.\nهذه هي الكتب التي ما تزال موجودة من مصنفات الإمام البخاري والكثير منها لا يعرف حتى في زمن الحفاظ المتأخرين كابن حجر وغيره. فقد ذكر الحافظ الكتب السابقة ثم قال: \" وهذه الكتب موجودة مروية لنا بالسماع وبالإجازة.. \" ثم ذكر الكتب الأخرى من خلال ما ورد في أقوال أو تصانيف الحفاظ المتقدمين كالبغوي وابن منده والترمذي (٢) .\n_________\n(١) الجامع الصحيح، كتاب بدء الآذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت، بحاشية السندي، دار الكتاب المصري، القاهرة، ج١ ص١٣٧.\n(٢) هدي الساري ص٥١٧.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>التأثير العلمي لمصنفات الإمام البخاري:</span>\nلقد ترك الإمام البخاري - ﵀ - آثارًا بارزة، في من كان في عصره من العلماء والحفاظ أو من جاء بعدهم، فاحتذروا به في مصنفاتهم، واقتفوا أثره واستفادوا من علمه، ومن هؤلاء الأعلام:\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>١ - الإمام مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١ه</span>ـ):\nلقد استفاد الإمام مسلم - ﵀ - الكثير من الإمام البخاري فقد سار على طريقة البخاري في إفراد الأحاديث الصحيحة المسندة دون غيرها وألف في ذلك كتابه العظيم \" المسند الصحيح \". ولم يكن الإمام مسلم مجرد مقلد للإمام البخاري بل كان إمامًا مجتهدًا له آراؤه الخاصة في التصحيح والتعليل والتجريح والتعديل. فنراه في صحيحه يخرج لرواة تركهم البخاري، ويصحح أحاديث أعلها البخاري، ويعل أحاديث صححها البخاري، ويترك رواة روى لهم البخاري. كما استفاد منه في كتابه الكنى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٢ - الإمام الترمذي (ت ٢٧٩ه</span>ـ):\nيعد من أبرز تلاميذ البخاري، صنف كتابه \" العلل الكبير \" و\" الجامع \" وقد ملأهما بالنقل عن الإمام البخاري، وسؤاله عن علل الحديث وأحوال الرجال سؤالات مباشرة. كما استفاد من التاريخ الكبير ونقل منه في مواضع كثيرة، وقد صرح الترمذي بذلك في علله الصغير (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>٣ - الإمام ابن خزيمة (ت ٣١١ه</span>ـ):\nلقد اقتدى بالبخاري فوضع كتابًا جرد فيه الصحيح.\n_________\n(١) العلل الصغير (مع تحفة الأحوذي) - دار الكتاب العربي - بيروت - الطبعة الثالثة - ١٤٠٤هـ - ١٩١٤م. ج٤ ص٣٨٠.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>٤ - الإمام ابن حبان (ت ٣٥٤ه</span>ـ):\nلقد اقتفى أثر البخاري أيضًا ووضع كتابًا للصحيح، مع أنه ابتكر تقسيمًا من عنده لم يسبق إليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>٥ - الإمام ابن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧ه</span>ـ):\nلقد استفاد هو أيضًا كثيرًا من مصنفات الإمام البخاري، وبنى كتابه المهم \" الجرح والتعديل \" على تراجم كتاب البخاري \" التاريخ الكبير \"، وله فيه إضافات وزيادات كثيرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٦ - الإمام النسائي (ت ٣٠٣ه</span>ـ):\nتبع الإمام البخاري في تجريد الضعفاء والمتروكين في كتاب خاص، وهذا في كتابه \" الضعفاء والمتروكين \"، وهو مطبوع، ثم تتابع الحفاظ على تجريد الضعفاء والمتروكين بالتصنيف، وكثرت في هذا النوع المصنفات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>٧ - الإمام البيهقي (ت ٤٥٨ه</span>ـ):\nاقتدى بالإمام البخاري في كتابه \" جزء القراءة خلف الإمام \" فوضع كتابًا بنفس العنوان ضمنه كتاب البخاري وزاد عليه وهو مطبوع.\nهذه أمثلة قليلة لم أقصد منها الاستيعاب وإنما قصدت منها الدلالة على أن الإمام البخاري كان صاحب السبق في كثير من المصنفات.\nوفي نهاية هذا المبحث نصل إلى النتيجة التالية: عبقرية الإمام البخاري وإمامته في الحديث والعلل والتي تجلت في كتابه \" الجامع الصحيح \" الذي يعد سلسلة متواصلة من جهود المحدثين في التأليف والتصنيف والنقد والتمحيص.\n* * *","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الفصل الثاني: منهج تصحيح الأحاديث عند الإمام البخاري</span>\nالمبحث الأول: عدالة الرواة.\nالمبحث الثاني: ضبط الرواة.\nالمبحث الثالث: اتصال السند.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المبحث الأول: عدالة الرواة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>المطلب الأول: تعريف العدالة </span>لغة واصطلاحًا.\nالمطلب الثاني: شروط العدالة وموقف البخاري منها.\nالمطلب الثالث: مسائل متعلقة بالعدالة وموقف البخاري منها.\nالمطلب الرابع: موقف البخاري من أحاديث أهل البدع والأهواء.\nالمطلب الخامس: موقف البخاري من الرواة المجاهيل.\nالمطلب السادس: الوحدان وموقف البخاري من رواياتهم.\nالمطلب الأول: تعريف العدالة\nأ - تعريف العدالة لغة:\nالعدالة مصدر عَدُل بالضم، يقال عدل عدالة وعدولة، فهو عدل، أي رضا ومقنع في الشهادة، قال كثير:\nوبايعت ليلى في الخلاء ولم يكن شهود على ليلى عدول مقانع\nويقال رجل عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل، ونسوة عدل، وكل","vol":"1","page":73},{"text":"ذلك على معنى رجال ذو عدل ونسوة ذوات عدل، فهو لا يثني ولا يجمع، ولا يؤنث فإن رأيته مثنى أو مجموعًا أو مؤنثًا فعلى أنه قد أجرى مجرى الوصف الذي ليس بمصدر. وأما العدل الذي ضد الجور. فهو مصدر قولك: عدل في الأمر فهو عادل، وتعديل الشيء تقويمه، يقال عدله تعديلًا فاعتدل، أي: قومته فاستقام، وكل مثقف معتدل، وتعديل الشاهد نسبته إلى العدالة (١) .\nوجاء في القاموس المحيط \" عدل الحكم تعديلًا أقامه، وفلانًا زكّاه، والميزاه سواه \" (٢) .\nفيظهر من خلال ما تقدم أن التعديل هو نسبة الرجل إلى العدالة، التي هي الرضا والقناعة بالشخص على أنه صالح للشهادة، وتزكيته.\nب - تعريف العدالة اصطلاحًا:\nعرفها العلماء بتعريفات كثيرة أذكر منها ما يلي:\n١) عرفها الإمام الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ) نقلًا عن القاضي أبي بكر بن الطيب (ت ٤٠٣هـ) بقوله: \" العدالة المطلوبة في صفة الشاهد والمخبر هي العدالة الراجعة إلى استقامة دينه، وسلامته من الفسق، وما يجري مجراه مما اتفق على أنه مبطل العدالة من أفعال الجوارح والقلوب المنهي عنها \" (٣) .\n_________\n(١) انظر: ابن منظور: لسان العرب - طبعة دار صادر - بيروت - مادة (عدل) ج١١ ص٤٣٠ - ٤٣٧.\nمرتضى الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس - مصور دار مكتبة الحياة - مادة (عدل) ج٨ ص٩ - ١٣.\nمحمد بن أبي بكر الرازي: مختار الصحاح - ضبط وتخريج وتعليق - د. مصطفى ديب البغا - دار الهدى - عين مليلة - الجزائر، الطبعة الرابعة ١٩٩٠م، ص ٢٧٣.\n(٢) مجد الدين الفيروزآبادي: القاموس المحيط - دار الجيل - بيروت - ج٤ ص١٣.\n(٣) الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية - تحقيق د. أحمد عمر هاشم - دار الكتاب العربي - الطبعة الثانية ١٤٠٦هـ - ١٩٨٩م، ص١٠٢.","vol":"1","page":74},{"text":"٢) وعرفها الإمام أبو محمد بن حزم (ت ٤٥٦هـ) بقوله:\n\" العدالة هي التزام العدل، والعدل هو الالتزام بالفرائض، واجتناب المحارم، والضبط لما روى وأخبر به فقط \" (١) .\nوعرفها الغزالي (ت ٥٠٥هـ) بقوله:\n\" العدالة عبارة عن استقامة السيرة والدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه \" (٢) .\nوعرفها الإمام الحازمي (ت ٥٩٤هـ) بقوله: \" وصفات العدالة هي اتباع أوامر الله تعالى، والانتهاء عن ارتكاب ما نهى عنه، وتجنب الفواحش المسقطة، وتحري الحق، والتوقي في اللفظ مما يثلم الدين والمروءة وليس يكفيه في ذلك اجتناب الكبائر حتى يجتنب الإصرار على الصغائر، فمتى وجدت هذه الصفات كان المتحلي بها عدلًا مقبول الشهادة \" (٣) .\nوعرفها ابن الصلاح (ت ٦٤٣هـ) بقوله: \" أجمع جماهير أهل الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًا ضابطًا لما يرويه وتفصيله أن يكون مسلمًا، بالغًا عاقلًا سالمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة \" (٤) .\n_________\n(١) ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكام. تحقيق أحمد شاكر - منشورات دار الآفاق الجديدة - بيروت الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م، ج١ ص١٤٤.\n(٢) أبو حامد محمد بن محمد الغزالي: المستصفى من علم الأصول - دار الفكر - بيروت ج١ ص١٥٧.\n(٣) أبو بكر بن موسى الحازمي: شروط الأئمة الخمسة - دار الكتب العلمية - بيروت - ط أولى ١٤٠٥هـ - ١٩٨٤م، ص٥٥.\n(٤) أبو عمرو عثمان بن الصلاح: علوم الحديث - تحقيق نور الدين عتر - المكتبة العلمية - بيروت ١٤٠١هـ - ١٩٨١م، ص٩٤.","vol":"1","page":75},{"text":"وعرفها الحافظ ابن حجر (ت ٨٠٢هـ) بأنها \"ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة \" (١) .\nوتبعه على هذا التعريف الحافظ السخاوي (ت ٩٠٢هـ) - ﵀ - (٢) .\nنلاحظ أن هذه التعاريف كلها تدل على معنى واحد وهو: أن العدالة هي الاستقامة في الدين بفعل الواجبات وترك المحرمات، كما نلاحظ أن جميع التعاريف لم تدخل الضبط والحفظ كشرط في العدالة إلا في تعريف ابن حزم - ﵀ - ومن هنا نفرق بين نوعين من العدالة:\nالأول: العدالة الدينية والمقصود بها الاستقامة في الدين.\nوالثاني: العدالة في الرواية والمقصود بها: حفظ الراوي وضبطه لما يرويه.\nوالنوع الأول هو المراد عند إطلاق المحدثين أو الفقهاء. كما نلاحظ أن هذه التعاريف قد تعرضت لذكر شروط العدالة إما على سبيل الإجمال أو على سبيل التفصيل، وهذه الشروط هي: الإسلام، البلوغ، العقل، السلام من أسباب الفسق، وخوارم المروءة، وسأتعرض فيما يلي لهذه الشروط وموقف البخاري منها في صحيحه ومدى التزامه بها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>المطلب الثاني: شروط العدالة وموقف البخاري منها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>أولًا: الإسلام:</span>\nلا تقبل رواية الكافر من يهودي أو نصراني أو غيرهما إجماعًا. وقد\n_________\n(١) ابن حجر العسقلاني: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر - شركة الشهاب، الجزائر، ص١٨.\n(٢) انظر: فتح المغيث شرح ألفية الحديث - شرح وتخريج وتعليق محمد محمد عويضة - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م، ج١ ص٢٦٩.","vol":"1","page":76},{"text":"حكى الإجماع على ذلك الغزالي في المستصفى (١) والرازي في المحصول (٢) وغيرهما.\nقال الخطيب البغدادي: \" ويجب أن يكون وقت الأداء مسلمًا لأن الله تعالى قال: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا «٣) وإن أعظم الفسق الكفر، فإن كان خبر الفاسق مردودًا مع صحة اعتقاده فخبر الكافر بذلك أولى (٤) فالإسلام إذا شرط عند الأداء والتبليغ وليس شرطًا عند التحمل فيصح تحمل الكافر \" وقد ثبت روايات كثيرة لغير واحد من الصحابة كانوا حفظوها قبل إسلامهم وأدوها بعده \" (٥) .\nوأضرب أمثلة على ذلك من صحيح البخاري - ﵀ -:\n١) رواية جبير بن مطعم، والتي أخرجها البخاري في صحيحه حيث قال: \" سمعت النبي ﷺ قرأ في المغرب بالطور \" (٦) .\nقال الحافظ ﵀: \" وللمصنف في المغازي من طريق معمر في آبره قال: \" وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي \" واستدل به على صحة أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر، وكذا الفسق إذا أداه في حال العدالة \" (٧) .\n٢) وروايته التي أخرجها الإمام البخاري أيضًا، قال ﵁: \" أضللت بعيرًا لي فذهبت أطلبه يوم عرفه فرأيت النبي ﷺ واقفًا\n_________\n(١) المستصفى من علم الأصول - دار الفكر - بيروت - ج١ ص١٥٦.\n(٢) المحصول في علم أصول الفقه: تحقيق د. طه جابر فياض العلواني - ط١ - مطبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ١٤٠٠هـ، ج٢ ص٥٦٧.\n(٣) سورة الحجرات، الآية: ٦.\n(٤) الكفاية في علم الرواية ص٩٩.\n(٥) المصدر نفسه.\n(٦) أخرجه البخاري في كتاب صفة الصلاة، باب الجهر في المغرب، رقم (٧٦٥)، ج٢ ص٢٨٩ مع الفتح ط دار الريان.\n(٧) أحمد بن حجر العسقلاني: فتح الباري بشرح صحيح البخاري - تحقيق محب الدين الخطيب - دار الريان للتراث - الطبعة الأولى ١٤٠٧- ١٩٨٦م بالقاهرة، ج٢ ص٢٩٠.","vol":"1","page":77},{"text":"بعرفات، فقلت: هذا والله من الخمس فما شأنه ها هنا \" (١) .\nقال الحافظ - ﵀ - بعد أن أورد طرق هذا الحديث - \" وفيه: أضللت حمارًا لي في الجاهلية، فوجدته بعرفة فرأيت رسول الله ﷺ واقفًا بعرفات مع الناس فلما أسلمت علمت أن الله وفقه لذلك. ثم قال الحافظ: أفادت هذه الرواية، أن رواية جبير له لذلك كانت قبل الهجرة، وذلك قبل أن يسلم جبير، وهو نظير روايته أنه سمعه يقرأ في المغرب بالطور، وذلك قبل أن يسلم جبير \" (٢) .\n٣) حديث أبي سفيان بقصة هرقل (٣) التي كانت قبل إسلامه فقد رواها البخاري في صحيحه كاملة في كتاب بدء الوحي ثم قطعها في مواضع كثيرة مستنبطًا منها في كل مرة حكمًا فقهيًا أو فائدة جديدة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>ثانيًا: البلوغ:</span>\nهذا الشرط يتعلق بحالتين من حالات الراوي: حالة السماع والتحمل، ثم حالة الأداء والرواية.\nولقد تنازع العلماء والمحدثون قديمًا في ذلك، فمنهم من اشترط سنًا معينًا للتحمل، ومنهم من صحح سماع الصغير. وقد ذكر هذا الخلاف الخطيب البغدادي في الكفاية فقال: \" قل من كان يكتب الحديث - على ما بلغنا - في عصر التابعين وقريبًا منه إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم، وسؤالهم. وقيل إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الوقوف بعرفة، رقم (١٦٦٤) ج٣ ص٦٠٢ مع الفتح ط دار الريان.\n(٢) المصدر السابق ج٣ ص٦٠٣.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب ٦ حديث رقم (٧)، ج١ ص٤٢ - ٤٤ مع الفتح ط الريان.","vol":"1","page":78},{"text":"وقال قوم: الحد في السماع خمس عشرة سنة، وقال غيرهم: ثلاث عشرة، وقال جمهور العلماء: يصح لمن سنه دون ذلك، وهذا هو عندنا الصواب \" (١) .\nوقد ذهب الإمام البخاري - ﵀ - في صحيحه إلى صحة سماع الصغير قبل البلوغ، وقد ترجم لهذه المسألة في كتاب العلم بقوله: \"باب متى يصح سماع الصغير؟ \" وأورد فيه حديثين:\nأولهما: حديث ابن عباس قال: \" أقبلت راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر لك علي \" (٢) .\nوثانيهما: حديث محمود بن الربيع. قال: \" عقلت من النبي ﷺ مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو \" (٣) .\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: \" ومقصود الباب الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطًا في التحمل. وأشار المصنف بهذا إلى الاختلاف وقع بين أحمد بن حنبل ويحي بن معين، رواه الخطيب في الكفاية عن عبد الله بن أحمد وغيره أن يحي قال: أقل سن التحمل خمس عشرة سنة لكون ابن عمر رد يوم أحد إذ لم يبلغها. فبلغ ذلك أحمد فقال: إذا عقل ما يسمع، وإنما قصة ابن عمر في القتال. ثم أورد الخطيب أشياء مما حفظها جمع من الصحابة ومن بعدهم في الصغر وحدثوا بها بعد ذلك وقبلت عنهم، وهذا هو المعتمد \" (٤) .\n_________\n(١) الكفاية في علم الرواية - تحقيق د. أحمد عمر هاشم - دار الكتاب العربي - ط٢ - ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م، ص٧٣.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب متى يصح سماع الصغير حديث رقم (٧٦) ج١ ص٢٠٥.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب متى يصح سماع الصغير حديث رقم (٧٧) ج١ ص٢٠٧.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري: ج١ ص٢٠٥.","vol":"1","page":79},{"text":"وقال العلامة العيني: \" ومراده (أي بهذه الترجمة) الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطًا في التحمل \" (١) .\nومن المحدثين من قيده بخمس سنين. قال ابن الصلاح - ﵀ -:\n\" والتحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث من المتأخرين والذي ينبغي في ذلك أن يعتبر في كل صغير حاله على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعًا عن حال من لا يعقل فهمًا للخطاب وردًا للجواب ونحو ذلك صححنا سماعه، وإن كان دون خمس. وإن لم يكن كذلك لم نصحح سماعه وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين \" (٢) .\nوقال الذهبي (ت ٧٤٨هـ) - ﵀ -: \" واصطلح المحدثون على جعلهم سماع ابن خمس سنين سماعًا، وما دونها حضورًا، واستأنسوا بأن محمودًا عقل مجة، ولا دليل فيه، والمعتبر إنما هو أهلية الفهم والتمييز \" (٣) .\nوما اختاره ابن الصلاح والذهبي - رحمهما الله - هو المختار إن شاء الله، وعليه يدل صنيع الإمام البخاري في صحيحه فقد أخرج أحاديث مجموعة من الصحابة ممن تحملوا في صباهم كابن عباس، ومحمود بن الربيع، وأنس بن مالك، والنعمان بن بشير، وعائشة، ونحوهم وهؤلاء سمعوا وهم دون البلوغ، وأخرج لمن دونهم في السن كالسبطين الحسن والحسين ﵄.\nفالمحققون من أهل العلم على عدم اعتبار تحديد سن معين بل المعتبر عندهم هو العقل والتمييز (٤) .\n_________\n(١) بدر الدين العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري - دار الفكر، ج٢ ص٦٨.\n(٢) ابن الصلاح: علوم الحديث - تحقيق د. نور الدين عتر - ط المكتبة العلمية - بيروت ١٤٠١هـ - ١٩٨١م، ص١١٧.\n(٣) شمس الدين محمد أحمد الذهبي: الموقظة \" في علم مصطلح الحديث \" - اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة - مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، ص٦١.\n(٤) انظر السخاوي: فتح المغيث تحقيق محمد محمد عويضة، ج٢ ص١٤ - ١٥.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>ثالثًا: العقل:</span>\nوهو من شروط العدالة المجمع عليها، حكى الإجماع على ذلك الخطيب البغدادي وغيره من العلماء (١) قال ﵀:\n\" وأما الأداء بالرواية فلا يكون صحيحًا يلزم العمل به إلا بعد البلوغ، ويجب أيضًا أن يكون الراوي في وقت أدائه عاقلًا مميزًا، والذي يدل على وجوب كونه بالغًا عاقلًا، ما أخبرنا القاضي أبو عمر والقاسم بن جعفر قال ثنا محمد بن أحمد اللؤلؤي، قال ثنا أبو داود قال ثنا موسى بن إسماعيل قال ثنا وهيب عن خالد عن أبي الضحى عن علي عن النبي ﷺ قال: \" رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل \" (٢) ولأن حال الراوي إذا كان طفلًا أو مجنونًا دون حال الفاسق من المسلمين.\nوذلك أن الفاسق يخاف ويرجو، ويجتنب ذنوبًا، ويعتمد قربات، وكثير من الفساق يعتقدون أن الكذب على رسول الله ﷺ والتعمد له ذنب كبير، وجرم غير مغفور، فإذا كان خبر الفاسق الذي هذه حاله غير مقبول فخبر الطفل والمجنون أولى بذلك، والأمة مع هذا مجتمعة على ما ذكرناه لا نعرف بينها خلاف فيه \" (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>رابعًا: السلامة من أسباب الفسق:</span>\nالفسق هو ارتكاب الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة (٤) وقد أفاض\n_________\n(١) انظر الكفاية ص٩٩، وشروط الأئمة الخمسة ص٥٣، وتدريب الراوي: ج١ ص٣٠٠.\n(٢) رواه أبو داود بنفس لفظ الخطيب من طريق علي ﵁ - في كتاب الحدود، باب المجنون يسرق أو يصيب حدًا ج٤ ص٥٦٠، رقم (٤٤٠٣) بإسناد حسن، وهو حديث صحيح بطرقه.\n(٣) الكفاية ص٩٩.\n(٤) السخاوي: فتح المغيث ج١ ص٣١٥.","vol":"1","page":81},{"text":"العلماء في تعريف الكبيرة والصغيرة، وكيفية التمييز بين الصغائر والكبائر وعددها، بل هناك من أفردها بالتصنيف (١) والذي يهمنا هنا هو ذكر مسألتين وقع فيهما النزاع ومحاولة معرفة موقف البخاري منهما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>المسألة الأولى:</span>\nما حكم التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ ذهب أكثر العلماء والمحدثين إلى أن التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ لا تقبل روايته. وإلى هذا ذهب سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك ورافع بن الأشرس، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي، ويحي بن معين (٢) ووجه عدم قبول روايته - وإن حسنت توبته - أن ذلك تغليظًا وجزرًا بليغًا عن الكذب عليه ﷺ لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعًا مستمرًا إلى يوم القيامة. بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة (٣) وألحقوا بالكاذب المتعمد من أخطأ وصمم على خطئه بعد أن يبين له ذلك ممن يثق بعلمه لمجرد عناد (٤) .\nلكن ذهب الإمام النووي - ﵀ - إلى قبول رواية التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ حيث قال: \" هذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية، والمختار القطع بصحة توبته في هذا وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرًا فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة - أي كانوا كفارًا فأسلموا - وأجمعوا على\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين: ج١ ص٣٢١، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام: ج١ ص١٩، والكبائر للذهبي، والزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي، وهما خاصان بهذا الموضوع.\n(٢) شروط الأئمة الخمسة للحازمي ص٥٣، وفتح المغيث للسخاوي: ج١ ص٣٦٥ - ٣٦٩.\n(٣) محيي الدين النووي: شرح صحيح مسلم - الطبعة المصرية دون تاريخ، ج١ ص٧٠.\n(٤) فتح المغيث: ج١ ص٣٦٦.","vol":"1","page":82},{"text":"قبول شهادتهم، ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا، والله أعلم \" (١) .\nأما بالنسبة لصنيع الإمام البخاري فليس هناك ما يمكن أن نستنتج منه حكمًا أو رأيًا ننسبه إليه. إلا أن صاحب كتاب \" أسباب اختلاف المحدثين \" يرى بأن احتجاج الشيخين بإسماعيل بن أبي أويس، وهو ممن اتهم بالكذب يشهد لما ذهب إليه النووي (٢) ثم أورد أقوال بعض أئمة الجرح والتعديل فيه منها:\nقول يحي بن معين فيه \" مخلط يكذب ليس بشيء \".\nوقول النضر بن سلمة المروزي \" ابن أبي أويس كذاب \".\nوما نقله ابن حزم في \" المحلى \" عن أبي الفتح الأزدي قال حدثني سيف بن محمد أن ابن أبي أويس كان يضع الحديث.\nوقال سلمة بن شبيب سمعت إسماعيل ابن أبي أويس يقول: \" ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم \".\nوقال الحافظ ابن حجر - بعد أن نقل الأقوال السابقة: \" ولعل هذا كان من إسماعيل في شبيبته ثم انصلح، وأما الشيخان فلا يظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات. وقد أوضحت ذلك في مقدمة شرحي على البخاري والله أعلم \" (٣) .\nهذه جملة ما ارتكز عليه الأستاذ الفاضل ليرجح ما ذهب إليه النووي، وعليه ملاحظات:\nالأولى: ينبغي التفريق بين ممن اتهم بالكذب وبين من اتصف فعلًا بالكذب، وإن كان كلًا من الوصفين من أوصاف الجرح. لكن لا يخفى أن\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم - الطبعة المصرية - دون تاريخ، ج١ ص٧٠.\n(٢) خلدون الأحدب: أسباب اختلاف المحدثين - الدار السعودية للنشر والتوزيع - الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ - ١٩٨٠م - ج١ ص٧٣.\n(٣) تهذيب التهذيب - دار صادر - ج١ ص٣١١.","vol":"1","page":83},{"text":"الكذاب قد تحقق فيه الوصف فعلًا أما المتهم بالكذب فلم يتحقق فيه هذا الوصف، فهل إسماعيل بن أبي أويس تحقق فيه الكذب أم لا؟\nالثانية: ذكر الأستاذ أقوال الجارحين فقط لإسماعيل ولم يذكر أقوال المعدلين أو على الأقل بعض أقوالهم، مما يوهم أن التهمة بالكذب قوية ومتحققة، وليس الأمر كذلك فقد عدله جماعة من الأئمة النقاد وإليك أقوالهم (١):\nقال أبو حاتم: \" محله الصدق، وكان مغفلًا \".\nوقال الحاكم: \" عيب على البخاري ومسلم إخراجهما حديثه، وقد احتجا به معًا، وغمزه من يحتاج إلى كفيل في تعديل نفسه أعني النضر بن سلمة، فإنه قال: كذاب \".\nوأما يحي بن معين فقد اختلفت أقواله فيه: فمرة قال: \" هو ووالده ضعيفان \"، وقال مرة: \" يسرقان الحديث \"، وقال مرة: \" إسماعيل صدوق ضعيف العقل ليس بذلك \"، وقال مرة: \"مختلط يكذب ليس بشيء \"، وقال مرة أخرى: \" لا بأس به \".\nوقال أحمد أيضًا: \" لا بأس به \".\nوقال أبو القاسم اللالكائي: \" بالغ النسائي في الكلام عليه بما يؤدي إلى تركه \".\nفأنت ترى أن الأئمة لم يتفقوا على اتهامه، بل الظاهر من أمره أنه صدوق لا يتعمد الكذب، ولكن ضعيف الحفظ وكان يعتمد على حفظه في رواية الأحاديث فيقع في الأوهام وينفرد عن سائر أصحابه بأشياء ليست عندهم. فمن نظر إلى صدقه في نفسه، واعتبر حديثه بحديث غيره، وتأكد من صحة أصوله، قوي من أمره، وروى له، واحتج به، كالبخاري ومسلم،\n_________\n(١) انظر هدي الساري، ط- دار الريان، ص٤١٠ وعمدة القاري، ط - دار الفكر، ج١ ص١٦٩.","vol":"1","page":84},{"text":"والدارمي وغيرهم من الحفاظ، بل روى مسلم عن رجل عنه، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.\nومن نظر إلى ضعف حفظه وكثرة غرائبه وهن من أمره فالدارقطني قال فيه: \" لا أختاره في الصحيح \" ومنهم من ضعف عنده جانب الصدق، واستكثر تلك الغرائب واستنكرها رماه بالكذب كالنسائي وغيره.\nوقد لخص الحافظ حاله في التقريب فقال: \" صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه \" (١) .\nالثالثة: إذا لم يثبت أن إسماعيل كان يكذب ويضع الحديث، فكيف يتسنى لنا أن نقول أنه تاب؟!، ومن ثم نبني على ذلك حكمًا فنقول: تقبل رواية التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ فليس في الأمر إلا ما ذكره الحافظ - ﵀ - وهو في معرض الدفاع عن صدق إسماعيل وعدالته \" لعل ذلك كان في شبيبته ثم انصلح \"فأنت تلاحظ أن الحافظ استبعد اتهامه بالكذب، وحاول الدفاع ونفي التهمة، ولم يجزم بذلك بل ذكره مترددًا في معرض الدفاع لا غير.\nومن هنا لا يصح أن نبني عليه حكمًا، حتى ولو غضضنا الطرف عن أقوال معدليه، وبنينا حكمًا على ما ذكره الحافظ ابن حجر لما جاز لنا أن ننسب هذا الحكم للبخاري أو مسلم أبدًا، لعدم ثبوت كذبه عندهما. فقد انتقيا من أحاديثه ما يتابعه عليه الثقات من أصحاب مالك. ثم إن إسماعيل هذا من شيوخ البخاري أي ممن جالسهم وعرفهم وسبر أحاديثهم وقد روى من أصوله كما ذكر ذلك الحافظ في هدي الساري (٢) .\nالرابعة: لو سلمنا بهذا المثال، ولم نعترض عليه بما تقدم - لما جاز لنا من الناحية العلمية أن نبني عليه حكمًا، لأن الأحكام إنما تأخذ عن\n_________\n(١) الحافظ ابن حجر العسقلاني: تقريب التهذيب، تحقيق محمد عوامة، دار الرشيد - سوريا - حلب الطبعة الرابعة ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م، ص١٠٨.\n(٢) هدي الساري مقدمة فتح البخاري، طبعة دار الريان ص٤١٠.","vol":"1","page":85},{"text":"طريق التتبع والاستقراء، وإن لم يكن هذا الاستقراء تامًا فعلى الأقل أن يكون تلخيصيًا مبنيًا على أكثر من مثال. وأنت ترى أن هذا مثالًا واحدًا، وهو غير سالم من الاعتراضات.\nالخامسة: ما ذكره الإمام النووي - ﵀ - مبنيًا على القواعد الأصولية حيث استعمل القياس لإثبات هذا الحكم، وهو قياس التائب من الكذب على رسول الله ﷺ على الكافر إذا أسلم، ومثل له بقبول الأئمة لرواية الصحابة، وقد كانوا كفارًا ثم أسلموا. لكن هذا القياس معترض، بأن الصحابة قد عدلهم القرآن الكريم وشهد بصدق إيمانهم وإسلامهم. وأما التائب من الكذب في حديث رسول الله. فأنى لنا أن نعرف صدق توبته، حتى نحكم بعدالته ونقبل روايته، كما أنه مبني على انعدام الفارق بين الرواية والشهادة، والفارق موجود هنا.\nوقد سبق إلى انتقاد النووي في هذا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري فقد قال - بعد أن ساق كلام النووي السابق -:\n\" كنت أميل إليه، ثم ظهر لي أن الأوجه ما قاله الأئمة لما مر، ويؤيده قول أئمتنا أن الزاني إذا تاب لا يعود محصنًا، ولا يحد قاذفه، وأما إجماعهم على صحة رواية من كان كافرًا فأسلم، فلنص القرآن على غفران ما سلف. والفرق بين الرواية والشهادة أن الرواية الكذب فيها أغلظ منه في الشهادة لأن متعلقها لازم لكل المكلفين، وفي كل الأعصار كما مر، مع خبر (إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد) (١) \" (٢) .\nوأخيرًا لا يمكن أن ننسب للإمام البخاري - ﵀ - أنه يقبل رواية التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ لعدم قيام الأدلة الكافية على\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، عن المغيرة بن شعبة، كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت، حديث رقم (١٢٩١)، ج٣ ص١٩١ مع الفتح ط دار الريان. ورواه مسلم في مقدمة صحيحه ج١ ص١٠ حديث رقم (٤) .\n(٢) زكريا الأنصاري: فتح الباقي شرح ألفية العراقي - مطبوع بذيل شرح العراقي لألفيته - طبعة فاس ١٣٥٤هـ، ج١ ص٣٣٥.","vol":"1","page":86},{"text":"ذلك، والأقرب أن يكون مع جمهور المحدثين في عدم قبولها - والله تعالى أعلم -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>المسألة الثانية:</span>\nالتائب من الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب الفسق. هذا الصنف من الرواة قبل المحدثون رواياتهم إلا خلافًا لبعض الأصوليين كالسمعاني والصيرفي (١) . ولا عبرة بهذا الخلاف لأن المعتبر هو إجماع أهل الفن وهم هنا المحدثون ولم ينقل عنهم خلاف في ذلك. وأما ما قاله الحافظ البلقيني: \" وما نقل عن الصيرفي يقرب منه ما قال ابن حزم: من أسقطنا حديثه لم نعد لقبوله أبدًا، ومن احتججنا به لم نسقط روايته أبدًا، وكذا ما قاله بن حبان في آخرين \".\nفي الواقع أن ما ذهب إليه ابن حزم لا علاقة له البتة بما يراه الصيرفي فابن حزم ذكر هذا بصدد الرد على من يقبل روايات الضعفاء في الرقاق والفضائل ويتجنبها في الأحكام والحلال والحرام، كما هو مذهب كثير من أئمة الحديث، فهو يرى أن الراوي إما أن يكون من العدالة والضبط بحيث تقبل أحاديثه جملة، أو ينزل عن درجة القبول فترد أحاديثه جملة.\nخامسًا: السلامة من خوارم المروءة:\nعرفت المروءة بتعاريف كثيرة، جلها يرجع إلى العادات الجارية بين الناس. فقال بعضهم: \"المروءة كمال المرء كما أن الرجولة كمال الرجل \".\nوقال بعضهم: \" المروءة هي قوة للنفس تصدر عنها الأفعال الجميلة المستحقة للمدح شرعًا وعقلًا وعرفًا \".\nوقال آخرون: \" المروءة صون النفس عن الأدناس، ورفعها عما يشين عند الناس \" وقيل: \"سيرة المرء بسيرة أمثاله في زمانه \".\n_________\n(١) انظر ابن الصلاح: علوم الحديث. ط المكتبة العلمية، ص١٠٤ - ١٠٥.","vol":"1","page":87},{"text":"ومن أحسن تعاريفها \" هي آداب نفسانية، تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق، وجميل العادات \" (١) .\nواشتراط العلماء للمروءة سببه: أن الإخلال بها إما يكون لخبل في العقل، أو لنقصان في الدين، أو لقلة حياء وكل ذلك رافع للثقة بقوله (٢) .\nوقد جرى نزاع كبير واعتراض على من أدخل المروءة في شروط العدالة المتفق عليها (٣) .\nومما يجدر التنبيه إليه هنا - وهو أن اشتراط المروءة والقدح في الراوي الذي يتصف بما هو من خوارمها، إنما هو موكول للعالم الناقد مع إضافة أسباب أخرى قد فصلها الإمام الخطيب البغدادي حيث قال:\n\" وقد قال الكثير من الناس: يجب أن يكون المحدث والشاهد مجتنبين لكثير من المباحات نحو التبذل والجلوس للتنزه في الطرقات، والأكل في الأسواق، وصحبة العامة الأرذال، والبول على قوارع الطرقات، والبول قائمًا، والانبساط إلى الخلق (*) في المداعبة والمزاح، وكل ما قد اتفق على أنه ناقص القدر والمروءة، ورأوا أن فعل هذه الأمور يسقط العدالة ويوجب رد الشهادة.\nوالذي عندنا في هذا الباب رد خبر فاعلي المباحات إلى العالم والعمل في ذلك بما يقوى في نفسه فإن غلب على ظنه من أفعال مرتكب المباح المسقط للمروءة أنه مطبوع على فعل ذلك، والتساهل به، مع كونه\n_________\n(١) طاهر الجزائري: توجيه النظر إلى أصول الأثر - طبعة دار المعرفة - بيروت ص٢٨ - ٢٩.\n(٢) المرجع نفسه ص ٢٩.\n(٣) انظر هذه الاعتراضات والجواب عليها في: التقييد والإيضاح ص١١٤ - ١١٥ وفتح المغيث: ج١ ص٣١٦ - ٣١٧، وشرح العراقة لألفيته: ج١ ص٣٠٠ - ٣٠٣، وتدريب الراوي: ج١ ص٣٠٥ - ٣٠٦.\n(*) وردت في المطبوع (الخرق) ولعل الصواب ما أثبته.","vol":"1","page":88},{"text":"ممن لا يحمل نفسه على الكذب في خبره وشهادته، بل يرى إعظام ذلك وتحريمه، والتنزه عنه قبل خبره، وإن ضعفت هذه الحال في نفس العالم واتهمه عندها، وجب عليه ترك العمل بخبره ورد شهادته \" (١) .\nفالأمر إذن موكول إلى الناقد، فإن أكثر الشخص من الأفعال المخلة بالمروءة وتكرر منه ذلك وأعلن به في الناس كان ذلك دليلًا على السفه وخفة العقل ورقة الدين، وهذا مما يسقط العدالة ويوجب رد الرواية.\nوقد ساق الخطيب البغدادي نصوصًا عن الأئمة المتقدمين تدل على هذا منها قول الإمام مالك - ﵀ -: \" لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك، لا تأخذ عن سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس إذ جرب ذلك عليه، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله ﷺ ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث \" (٢) .\nومما يؤيد ما ذهب إليه الخطيب البغدادي - ﵀ - من رد خبر فاعلي المباحات إلى العلم - صنيع الأئمة النقاد ومنهم الإمام البخاري - ﵀ -.\nفهذا المنهال بن عمرو تركه شعبة، لما سمع في داره صوت الطنبور (٣)، وفي رواية أخرى أنه سمع قراءة لحان، فكره السماع منه (٤) . قال ابن القطان: \" هذا ليس بجرحه إلا أن يتجاوز إلى حد يحرم، ولم يصح ذلك عنه \" (٥) .\n_________\n(١) الخطيب البغدادي: الكفاية علم الرواية - تحقيق أحمد عمر هاشم - دار الكتاب العربي، ص١٣٩.\n(٢) الخطيب البغدادي: الكفاية علم الرواية - تحقيق أحمد عمر هاشم - دار الكتاب العربي، ص١٤٣.\n(٣) المصدر نفسه ص١٤٠.\n(٤) فتح المغيث: ج١ ص٣٢٩.\n(٥) المرجع نفسه ص٣٣٠.","vol":"1","page":89},{"text":"وقال السخاوي: \" وجرحه بهذا تعسف ظاهر، وقد وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما كالنسائي وابن حبان، وقال الدارقطني: إنه صدوق \" (١) .\nلذا نجد الإمام البخاري قد احتج به في صحيحه.\nروى له حديثين أحدهما: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في تعويذ الحسن والحسين (٢)، وثانيهما في تفسير سورة فصلت (٣) .\nوروى له تعليقًا من طريق شعبه نفسه (٤) وفيه دليل على أن شعبة لم يترك الرواية عنه وذلك إما بما لعله سمعه منه قبل ذلك، أو لزوال المانع منه عنده.\nومن ذلك أيضًا ما رواه الخطيب عن شعبة قال: \" لقيت ناجية الذي روى عنه أبو إسحاق فرأيته يلعب بالشطرنج فتركته فلم أكتب عنه، ثم كتبت عن رجل عنه \".\nقال الخطيب: \" ألا ترى أن شعبة في الابتداء جعل لعبه بالشطرنج مما يجرحه، فتركه، ثم استبان له صدقه في الرواية، وسلامته من الكبائر، فكتب عنه نازلًا \" (٥) .\nوفي ختام هذا المطلب نلاحظ أن شروط العدالة لقبول الروايات قد أخذت من شروط الشهادة، وقد أشار إلى هذا بعض أئمة الحديث المتقدمين\n_________\n(١) المرجع نفسه ص ٣٣٠.\n(٢) أخرجه البخاري في: كتاب أحاديث الأنبياء، في قصة إبراهيم. حديث رقم (٣٣٧١) ج٦ ص٤٧٠ مع الفتح، طبعة دار الريان.\n(٣) أخرجه البخاري في: كتاب التفسير، سورة حم السجدة ج٨ ص٤١٨ مع الفتح ط دار الريان.\n(٤) أخرجه البخاري في: كتاب الذبائح والصيد، باب ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة، حديث رقم (٥٥١٥)، ج٩ ص٥٥٨.\n(٥) الكفاية ص١٣٩.","vol":"1","page":90},{"text":"كأبي نعيم الفضل بن دكين فإنه كان يقول: \" إنما هي شهادات، وهذا الذي نحن فيه - يعني الحديث - من أعظم الشهادات \" (١) وبهز بن أسد (٢) \" كان إذا ذكر له الإسناد الصحيح قال هذه شهادات الرجال العدول بعضهم على بعض، وإذا ذكر له الإسناد فيه شيء قال: هذا فيه عهدة، ويقول: لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم، ثم جحده لم يستطيع أخذها منه إلا بشاهدين عدلين فدين الله أحق أن يؤخذ من العدول\" (٣) . وقد أشار الإمام مسلم إلى ذلك أيضًا في مقدمة صحيحه (٤) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>المطلب الثالث: مسائل تتعلق بالعدالة وموقف البخاري منها</span>\nهناك مسائل لها علاقة بشروط العدالة. ومرتبطة بها ارتباطًا وثيقًا، وقد جرى إدراكها في كتب علوم الحديث، ويلاحظ أن آراء الأصوليين هي الغالبة في تلك المباحث. كما يغلب عليها طابع التنظير دون التمثيل بواقع المحدثين وسأختار فيما يلي بعض تلك المسائل، وأحاول دراستها وربطها بالواقع العملي عند الإمام البخاري خاصة. وهذه المسائل هي:\n١) إذا روى الثقة حديثًا فسئل عنه فنفاه، فهل يقدح في عدالته؟\n٢) إذا كان المحدث يغشى السلطان، هل يقدح في عدالته؟\n٣) إذا كان المحدث يأخذ الأجرة على التحديث، فهل يقدح في عدالته؟\n_________\n(١) المرجع نفسه ص ١٠٠.\n(٢) بهز بن أسد العمي، أبو الأسود البصري، ثقة كثير الحديث، مات بعد سنة ٢٠٠هـ، ترجمته في: تهذيب التهذيب ج١ ص٤٧، والتقريب ص١٢٨.\n(٣) المرجع السابق ص٩٩.\n(٤) ١/ ٢٩.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المسألة الأولى:</span>\nإذا روى الثقة حديثًا فسئل عنه فنفاه، فهل يقبل قوله؟ ثم هل يؤثر ذلك النفي في عدالته الفرع الراوي عنه أم لا؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء على خمسة أقوال نوجزها فيما يلي (١):\n١) إذا كان النافي جازمًا، وجب رد حديث الفرع.\n٢) عكس الأول تمامًا، وهو عدم رد المروي، ولا يكون واحد منهما مجروحًا، لاحتمال النسيان.\n٣) نفس القول السابق، إلا أنه يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل.\n٤) أنهما يتعارضان، ويرجح أحدهما على الآخر. هذه الأقوال الأربعة إذا كان الأصل جازمًا بالرد.\n٥) أما إذا قال الأصل - إذا روجه - \" لا أعرفه \" أو \" لا أذكره \" مما يقتضي جواز أن يكون نسبه، فذلك لا يقتضي رد رواية الفرع عنه.\nوالظاهر قبول رواية الفرع، وأن ذلك لا يقدح في عدالته، ولا عدالة الأصل.\nوقد أورد الإمام البخاري - ﵀ - في \" صحيحه \" حديث ابن عباس ﵁:\n\" ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير \" (٢) .\nفهذا الحديث مما أنكره الأصل على الفرع، فقد رواه الإمام مسلم في صحيحه أيضًا عن عمرو بن دينار عن أبي معبد مولى ابن عباس أنه سمعه يخبر عن ابن عباس قال:\n_________\n(١) للتفصيل ينظر: مقدمة ابن الصلاح (علوم الحديث) ص١٠٥ - ١٠٦، وفتح المغيث للسخاوي ج١ ص٣١٥، وتدريب الراوي: ج١ ص٣٣٤ - ٣٣٥.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الآذان، باب الذكر بعد الصلاة حديث رقم (٨٤١) ورقم (٨٤٢) ج٢ ص٣٧٨ مع الفتح ط دار الريان.","vol":"1","page":92},{"text":"\" ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير. قال عمرو: فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره، وقال: لم أحدثك بهذا! قال عمر: قد أخبرتنيه قبل ذلك \" (١) .\nوهذا يدل على أن البخاري ومسلمًا يذهبان إلى صحة الحديث ولو أنكره راويه إذا كان الناقل عنه عدلًا، وأن ذلك لا يقدح في عدالة أصل الراوي ولا في عدالة الفرع الراوي عنه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>المسألة الثانية:</span>\nإذا المحدث يغشى السلطان، أو يتولى شيئًا من أعمله، فهل ذلك يقدح في عدالته أم لا؟\nقد قدح كثير من الورعين في بعض الرواة بسبب علاقتهم بالسلطان، وخاصة إذا كان سلطان جور. ولكن ذلك في واقع الأمر لا يقدح في العدالة، ولا يوجب رد الرواية. ما كان الراوي متصفًا بالصدق مجانبًا للكذب، وقدح من قدح فيهم، إنما كان على سبيل الهجر والتأديب الشرعي كي يكفوا عن إعانة الظلمة - لا غير - قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: \" أعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد فينبغي التنبه لذلك وعدم الاعتداد به. وكذا عاب جماعة من الورعين جماعة دخلوا في أمر الدنيا، فضعفوهم لذلك، ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط. والله الموفق \" (٢) . وهذا الذي قرره الحافظ هو الحق - إن شاء الله - ويشهد له صنيع الإمام البخاري - ﵀ - فقد روى في \" صحيحه \" عن رجال كثيرين ضعفوا بسبب من هذه الأسباب، ولم ير ذلك قادحًا في عدالتهم وموجبًا لرد رواياتهم. ومن هؤلاء:\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة حديث رقم (١٢١) دار الكتاب المصري - القاهرة - ج١ ص٤١٠.\n(٢) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: هدي الساري - دار الريان للتراث - القاهرة - ط الأولى ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م، ص٤٠٤.","vol":"1","page":93},{"text":"١ - أحمد بن واقد الحراني:\nقال ابن نمير: تركت حديثه لقول أهل بلده.\nقال الميموني: قلت لأحمد: إن أهل حران يسيئون الثناء عليه فقال: أهل حران قل أن يرضوا عن إنسان، هو يغشى السلطان بسبب ضيعه له. فأفصح أحمد بالسبب الذي طعن فيه أهل حران من أجله، وهو غير قادح، وقد قال أبو حاتم: كان من أهل الصدق والإتقان. وقد روى عنه الإمام البخاري، في الصلاة والجهاد والمناقب أحاديث شورك فيها عن حماد بن زيد، كما روى عنه الإمام أحمد في مسنده، والنسائي وابن ماجة (١) .\n٢ - حميد بن أبي حميد الطويل:\nمشهور من الثقات المتفق على الاحتجاج بهم، وقال يحي بن يعلي المحاربي: طرح زائدة حديث حميد الطويل. قال الحافظ: \" إنما تركه زائدة لدخوله في شيء من أمر الخلفاء \" (٢) . فلم يعتبر الأئمة ذلك قادحًا في عدالته، فقد روى له البخاري وسائر الجماعة.\n٣ - حميد بن هلال العدوي:\nقال الحافظ فيه: \" من كبار التابعين وثقة ابن معين، والعجلي والنسائي وآخرون وقال يحي القطان: كان ابن سيرين لا يرضاه. قلت: بين أبو حاتم الرازي: أن ذلك بسبب أنه دخل في شيء من عمل السلطان، وقد احتج به الجماعة \" (٣) .\n٤ - خالد بن مهران الحذاء:\nأحد الأثبات، وثقة أحمد وابن معين والنسائي وابن سعد، وتكلم فيه شعبة وابن علية. إما لكونه دخل في شيء من عمل السلطان، أو كما قال\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٤٠٦.\n(٢) المصدر نفسه ص٤١٩.\n(٣) المصدر نفسه ص٤١٩.","vol":"1","page":94},{"text":"حماد بن زيد، قدم خالد قدمة من الشام، فكأنما أنكرنا حفظه \" (١) . فلم يعتبر ذلك البخاري ولا غيره قادحًا فيه، فقد روى له هو وسائر الجماعة.\n٥ - عاصم بن سليمان الأحول:\nثقة، حافظ. وثقة أحمد وابن معين، والعجلي وابن المديني وغيرهم، وتركه وهيب لأنه أنكر بعض سيرته. قال الحافظ: \" كان يلي الحسبة بالكوفة قال ابن سعد \" (٢) ونجد الإمام البخاري قد وثقه وروى له في صحيحه ولم يلتفت إلى ما قيل فيه.\n٦ - عبد الله بن ذكوان:\nأبو الزناد المدني: أحد الأئمة الأثبات الفقهاء، ويقال إن مالكًا كرهه لأنه كان يعمل للسلطان (٣) لكن نجد البخاري قد وثقه وروى له، وكذا سائر الجماعة.\n٧ - مروان ابن الحكم:\nتكلم فيه من أجل الولاية، لكن لم ير الأئمة ذلك قادحًا في عدالته، فقد روى له البخاري أحاديثه التي رواها عنه سهل بن سعد الساعدي، وعروة بن الزبير، وعلي بن الحسين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وقد اعتمد مالك رأيه وحديثه وكذا بقية الجماعة سوى مسلم (٤) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>المسألة الثالثة:</span>\nأخذ الأجرة على التحديث.\nفي هذه المسألة قولان للعلماء: قول بالمنع، وآخر بالجواز.\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٤٢٠.\n(٢) هدي الساري ص٤٣٢.\n(٣) المصدر نفسه ص٤٣٣.\n(٤) المصدر نفسه ص٤٦٦.","vol":"1","page":95},{"text":"القول الأول:\nمن أخذ على التحديث أجرًا فلا تقبل روايته، وإليه ذهب الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية، وأبو حاتم الرازي، وحماد بن سلمة، وسليمان بن حرب وغيرهم (١) .\nالقول الثاني:\nقبول رواية من أخذ على التحديث أجرًا، وممن ذهب إلى هذا القول: أبو نعيم الفضل ابن دكين، وعفان بن مسلم، وعلي بن عبد العزيز المكي البغوي، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، وطاووس، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهشام بن عمار وغيرهم (٢) .\nوالظاهر أنه لا تعارض بين هذه الأقوال إذ المنع مرتب على ما يمكن أن يجر إليه خذ العوض على التحديث من التكثر في الرواية المفضي إلى الكذب، والجواز محمول على من هو ثقة ثبت له عذر في أخذ العوض كأن يكون فقيرًا، وله عيال يجب عليه مؤونتهم، وانقطاعه للتحديث يؤدي إلى ترك الكسب لهم، وإلى هذا نبّه الإمام السخاوي - ﵀ - حيث قال: \" قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد - يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما، وكنا نلقى من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد، أو كبير أحد، مثل ما قاما به: عفان، وأبو نعيم. يعني بقيامهما عدم الإجابة في المحنة، وبكلام الناس من أجل أنهما كانا يأخذان على التحديث. ووصف أحمد مع هذا عفان بالمتثبت. وقيل له: من تابع عفان على كذا؟ فقال: وعفان يحتاج إلى أن يتابعه أحد، وأبا نعيم الحجة الثبت، وقال مرة أنه يزاحم به ابن عيينة، وهو على قلة روايته أثبت من وكيع، إلى غير ذلك من الروايات عنه، بل وعن أبي حاتم في توثيقه وإجلاله، فيمكن الجمع بين هذا،\n_________\n(١) انظر: الكفاية ص١٨٤ - ١٨٦، وعلوم الحديث ص١٠٧.\n(٢) انظر: الكفاية ص١٨٧ - ١٨٨، وعلوم الحديث ص١٠٧، وفتح المغيث: ج١ ص٣٧٨.","vol":"1","page":96},{"text":"وإطلاقهما كما مضى أولًا، عدم الكتابة بأن ذلك في حق من لم يبلغ هذه المرتبة في الثقة والتثبت، والأخذ مختلف في الموضعين \" (١) .\nوواضح أن الإمام البخاري يذهب إلى هذا الرأي، فقد روى عن شيوخ يأخذون الأجرة على التحديث منهم:\n١) أبو نعيم الفضل بن دكين (٢) .\n٢) عفان بن مسلم (٣) .\n٣) يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدروقي (٤): الحافظ المتقن صاحب المسند. فقد روى النسائي عنه - في سننه - حديث يحي بن عتيق عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. رفعه: \" لا يبولن أحدكم في الماء الدائم (٥) \"، وقال عقبة: إنه لم يكن يحدث به إلا بدينار (٦)، ومع ذلك روى له البخاري والجماعة.\n_________\n(١) فتح المغيث: ج١ ص٣٧٨.\n(٢) اسمه: عمرو بن حماد بن زهير بن درهم التميمي، أحد الأئمة، من شيوخ البخاري، مات سنة ٢١٨هـ ترجمته في: تهذيب التهذيب ج٨ ص٢٤٣. وتاريخ بغداد ج٦ ص٣٤٦، والعبر: ج١ ص٣٧٧.\n(٣) أحد الأعلام، قال العجلي: ثقة ثبت صاحب سنة. مات سنة ٢١٩هـ، ترجمته في: تاريخ بغداد: ج١٢ ص٢٦٩، وتذكرة الحفاظ: ج١ ص٣٧٩، وشذرات الذهب: ج٢ ص٤٧.\n(٤) كان أحد الحفاظ المتقنين، صنف \" المسند \"، مات سنة ٢٥٢هـ، ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٥٠٥.\n(٥) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد حديث رقم (٩٧) مطولًا، وأخرجه النسائي في كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه حديث رقم (٢٢١)، وفي كتاب المياه، باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم حديث رقم (٣٣٠)، وفي كتاب الغسل والتيمم، باب ذكر نهي الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم حديث رقم (٤٩٤)، وأخرجه ابن ماجة في الطهارة وسننها، باب الجنب ينغمس في الماء الدائم أيجزئه حديث رقم (٦٠٥) .\n(٦) فتح المغيث: ج١ ص٣٧٩، ولم أجده في سنن النسائي.","vol":"1","page":97},{"text":"٤) هشام بن عمار (١): قال ابن عدي: سمعت قسطنطين يقول: حضرت مجلسه فقال له المستملي من ذكرت؟ فقال له: بعض مشايخنا، ثم نعس فقال له المستملي: لا تنتفعون به. فجمعوا له شيئًا فأعطوه فكان بعد ذلك يملي عليهم، بل قال الإسماعيلي عن عبد الله بن محمد بن سيار. إن هشامًا كان يأخذ على كل ورقتين درهمين ويشارط، لذلك قال ابن وارة: عزمت زمانًا أن أمسك عن حديث هشام. ل أنه كان يبيع الحديث، وقال صالح بن محمد (٢): إنه كان لا يحدث ما لم يأخذ (٣) . ومع هذا كله لم ير الإمام البخاري ذلك قادحًا في عدالته فقد روى له في \"صحيحه \". وكذا روى له أصحاب السنن.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>المطلب الرابع: موقف البخاري من أحاديث أهل البدع والأهواء</span>\nمن المسائل التي لها تعلق بشرط العدالة. وهي شرط أساسي في صحة الحديث - الرواة الذين طعن في عدالتهم بسبب البدع والأهواء، وذلك لأن القدح في الراوي يكون بعشرة أشياء. خمسة تتعلق بالعدالة وخمسة تتعلق بالضبط، فقد بينها الحافظ فقال: \" ثم الطعن إما أن يكون لكذب الراوي، أو تهمته بذلك، أو فحس غلطه، أو غفلته، أو فسقه، أو وهمه،\n_________\n(١) هشام بن عمار بن نصير بن مسيرة الدمشقي، روى عن مالك وخلق، وروى عنه البخاري وغيره. مات سنة (٢٤٥هـ) . ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٤٥١ - وشذرات الذهب: ج٢ ص١٠٩.\n(٢) صالح بن محمد بن عمر بن حبيب الأسدي مولاهم البغدادي المعروف بصالح جزرة، نزيل بخاري. قال الإدريسي: ما أعلم في عصره بالعراق ولا بخرسان مثله في الحفظ. مات سنة (٢٩٣هـ)، ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٦٤١ وتاريخ بغداد: ج٩ ص٣٢٢.\n(٣) فتح المغيث: ج٣ ص٣٧٩.","vol":"1","page":98},{"text":"أو مخالفته، أو جهالته، أو بدعته، أو سوء حفظه \" (١) وهذه العشرة اختصها الحافظ بنفسه في خمسة فقال: \"أسباب الجرح مختلفة، ومدارها على خمسة أشياء: البدعة، أو المخالفة، أو الغلط، أو جهالة الحال، أو دعوى الانقطاع في السند \" (٢) .\nوقبل تحديد موقف البخاري من أحاديث أهل البدع والأهواء، ينبغي التعريف بالبدعة لغة واصطلاحًا، وبيان أقسامها، ثم تحديد موقف الأئمة من روايات المبتدعة. ثم أعرج على موقف الإمام البخاري في ذلك مقرونًا بالأمثلة التطبيقية من خلال الجامع الصحيح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>تعريف البدعة:</span>\nلغة: أبدع الشيء: اخترعه لا على مثال، والله بديع السموات والأرض أي (مبدعهما) (البديع) المُبتدع، وشيء (بدع) بالكسر أي مُبتدع ومنه قوله تعالى: (قل ما كنت بدعًا من الرسل «٣) والبدعة: الحدث في الدين بعد الإكمال، وبدعة تبديعًا: نسبة إلى البدعة (٤) .\nأما في الاصطلاح: فقد اختلفت أنظار العلماء، وتنوعت تعاريفهم، فمنهم من توسع في مدلولها، ومنهم من ضيق. ومن هنا يمكن حصر التعاريف الاصطلاحية للبدعة في اتجاهين (٥) .\n١ - الاتجاه الأول: وهو التوسع في مدلول البدعة لتشمل كل أمر لم\n_________\n(١) ابن حجر العسقلاني: نخبة الفكر مع شرحه نزهة النظر - شركة الشهاب الجزائر، ص٤٠.\n(٢) ابن حجر العسقلاني: هدي الساري - ط دار الريان - القاهرة، ص٣٨١.\n(٣) سورة الأحقاف، الآية: ٩.\n(٤) محمد بن أبي بكر الرازي: مختار الصحاح - ت مصطفى البغا - دار الهدى للطباعة والنشر ص٣٦.\n(٥) انظر: الدكتور عزت علي عطية: البدعة تحديدها وموقف الإسلام منها - مطبعة المدني - القاهرة ١٩٧٣م ص١٩٥ - ٢٢٠.","vol":"1","page":99},{"text":"يكن في عهده ﷺ، ولم يأت شيء في القرآن والسنة يدل عليه، سواء أكان دينيًا أم دنيويًا، محمودًا كان أم مذمومًا، وهو مطابق تمامًا للتعريف اللغوي ويمثل هذا الاتجاه جماعة من الأئمة منهم: الإمام الشافعي، وابن حزم، والعز بن عبد السلام، والقرافي وغيرهم.\n٢ - الاتجاه الثاني: وهو التضيق في مدلول البدعة لتنحصر في الجديد (المحدث) المخالف للسنة، ومنهم من ضيق أكثر فقال: البدعة كل محدث مخالف للسنة ينسب إلى الدين ويتعبد به ويمثل هذا الاتجاه جماعة من العلماء منهم: ابن رجب الحنبلي، وابن حجر العسقلاني، وابن حجر الهيتمي، والزركشي وغيرهم، وأما من اعتبر قيد المخالفة للسنة والتدين بهذا المحدث، فعلى رأس هؤلاء الإمام الشاطبي. وقد ناقش في كتابه \" الاعتصام \" أصحاب الرأي الأول مناقشة علمية، وأبطل تقسيمهم للبدع إلى محمود ومذموم، وعرف البدعة بقوله: \" البدعة طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية. يقصد بالسلوك عليها، المبالغة في التعبد لله تعالى \" (١) .\nوعلى الرغم من تباين هذين الاتجاهين من حيث التوسع والتضييق في مفهوم البدعة إلا أن الواقع العملي في إطلاق البدعة عند علماء الجرح والتعديل المقصود به دائمًا ما هو مذموم من الآراء والاعتقادات والأعمال، مما يكون سبيله التأويل الفاسد المستند إلى الشبهات. قال السخاوي - ﵀ -: \" البدعة هي ما أحدث على غير مثال متقدم، فيشمل المحمود والمذموم لكن خصت شرعًا بالمذموم، مما هو خلاف المعروف عن النبي ﷺ فالمبتدع من اعتقد ذلك لا بمعاندة، بل بنوع شبهة \" (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>أقسام البدعة:</span>\nقسم العلماء البدعة إلى قسمين هما: البدعة المكفرة، والبدعة\n_________\n(١) أبو إسحاق الشاطبي: الاعتصام - ضبطه وصححه الأستاذ أحمد عبد الشافي - دار اشريفة، ج١ ص٢٨.\n(٢) شمس الدين السخاوي: فتح المغيث - ت محمد عويضة - ج١ ص٣٥٦.","vol":"1","page":100},{"text":"المفسقة (١) .\n١ - البدعة المكفرة:\nما يخرج صاحبها عن دائرة الإيمان وهي نوعان:\nأ - ما اتفق على تكفير أصحابها: كمنكري العلم بالمعدوم القائلين: ما يعلم الأشياء حتى يخلقها، أو منكري العلم بالجزئيات، أو الإيمان برجوع سيدنا علي إلى الدنيا، أو حلول الإلهية في علي أو غيره.\nب - ما اختلف في تكفير أصحابها: كالقائلين بخلق القرآن، والنافين لرؤية الله تعالى يوم القيامة.\n٢ - البدعة المفسقة:\nوهي التي لا تخرج صاحبها عن دائرة الإيمان: مثل بدع الخوارج، والروافض الذين لا يغلون ذاك الغلو، وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصول السنة خلافًا ظاهرًا لكنه مستند إلى تأويل ظاهره سائغ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>مناقشة التقسيم السابق:</span>\nهذا التقسيم - الذي ذكره العلماء للبدع - يترتب عليه إشكال كبير وذلك أننا اشترطنا في حد العدالة \" السلامة من أسباب الفسق \" ثم مثلوا للبدع المفسقة ببدع الخوارج وغيرها من الفرق المخالفين لأصول السنة، ومقتضى ذلك الحكم عليهم بالفسق ورد رواياتهم، والصواب - فيما أرى- أن هذا التقسيم نظري فحسب وذلك أن الحكم بالكفر أو الفسق أو البدعة، إنما يكون بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة، فمن وقع في شيء من البدع فلا نجرؤ على تبديعه أو تفسيقه أو تكفيره، فإذا كان متأولًا أو جاهلًا، فهو معذور بجهله أو تأويله، لكن من بلغته الحجة، وكشفت له الشبهة، فأصرّ على قوله المخالف لأصول السنة، فهو معاند، ولا شك في فسق هذا النوع، لأنه مخالف لأوامر الله وأحكامه، والفسق هو الخروج عن\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٣٦٤، وهدي الساري ص٤٠٤.","vol":"1","page":101},{"text":"طاعة الله، ولا فرق في ذلك بين العمليات والأخبار، وإلى هذا المعنى أشار الإمام مسلم في \" مقدمة صحيحه \" فقال - ﵀ -: \" أعلم أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها أن لا يروي إلا ما عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع \" (١) . والإمام مسلم - صحيحه - ملآن بأحاديث المبتدعة ممن تصنف بدعهم في البدع المفسقة، وليس هناك تناقض بين قوله وفعله، إذا تأملنا القيد السابق، لأن هؤلاء المبتدعة كانت بجعهم عن تأويل وشبهة لا بعناد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>مذاهب العلماء في الرواية عن أهل البدع والأهواء:</span>\nاختلف العلماء من أئمة الحديث ونقاده في حكم الرواية عن أهل البدع والأهواء، اختلافًا كثيرًا وخاصة عند المتأخرين منهم. وقد تباينت أنظارهم تباينًا واضحًا، فمنهم من ذهب إلى رد رواية المبتدع ردًا كاملًا ولم يقبلها سواء أكان هؤلاء من الغالين أم من غير الغالين، من الدعاة أغيرهم، ومنهم من قبلها حتى من الغالين، والدعاة منهم، وسأذكر تفصيل ذلك حسب نوعي البدعة.\nأما بالنسبة للمبتدعة الذين بدعتهم مكفرة. فللعلماء في رواياتهم ثلاثة مذاهب:\nالأول: القبول مطلقًا وإن كانوا كفارًا أو فساقًا بالتأويل، إليه ذهب جماعة من أهل النقل والمتكلمين (٢) .\nالثاني: يقبل خبرهم إذا كانوا يعتقدون حرمة الكذب، وقد ذهب إليه جماعة من الأصوليين، كأبي الحسن البصري المعتزلي (٣) وفخر الدين\n_________\n(١) مقدمة صحيح مسلم - تحقيق فؤاد عبد الباقي - دار الكتاب المصري - القاهرة ص٨.\n(٢) انظر الكفاية ص١٤٨.\n(٣) انظر كتابه: المعتمد في أصول الفقه - تحقيق د. محمد حميد الله - المطبعة الكاثوليكية بيروت ١٣٨٥هـ، ج٢ ص٦١٧ -٦١٩.","vol":"1","page":102},{"text":"الرازي (١)، والبيضاوي (٢) .\nالثالث: الرد مطلقًا، وقد حكى النووي الاتفاق على أن المكفرين ببدعهم لا يحتج بهم ولا تقبل روايتهم (٣) وما سبق ينقض قوله.\nوقد حقق الحافظ ﵀ هذه المسألة وأتى فيها بقول فصل موافق لما عليه أئمة الحديث ونقاده فقال - ﵀ -: \" والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعته، لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفيها، فلو أخذ على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف. فالمعتمد: أن الذي ترد روايته: من أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله \" (٤) .\nوأما بالنسبة للمبتدعة الذين لم يكفروا ببدعتهم. فللعلماء في رواياتهم خمسة مذاهب:\nالأول: الرد مطلقًا: وممن ذهب إليه مالك بن أنس، وابن غُيينة، والحميدي، ويونس بن أبي إسحاق، وعلي بن حرب، وقد وجه الحافظ ابن رجب هذا المذهب بقوله: \" والمانعون من الرواية، لهم مأخذان: أحدهما تكفير أهل الأهواء وتفسيقهم، وفيه خلاف مشهور. والثاني: الإهانة لهم، والهجران، والعقوبة بترك الرواية عنهم، وإن لم نحكم بكفرهم أو فسقهم. ولهذا مأخذ ثالث: وهو أن الهوى والبدعة لا يؤمن معه الكذب ولا سيما إذا كانت الرواية مما تعضد هوى الراوي \" (٥) .\n_________\n(١) انظر كتابه: المحصول في علم أصول الفقه، تحقيق طه جابر فياض العلواني، ق١ ج٢ ص٥٦٧ - ٥٧١.\n(٢) انظر كتابه: منهاج الوصول في علم الأصول بشرح البدخشي والأسنوي - مطبعة محمد علي صبيح - القاهرة، ج٢ ص٢٤١.\n(٣) التقريب مع شرحه التدريب للسيوطي - تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، ج١ ص٣٢٤.\n(٤) نزهة النظر ص٥٣.\n(٥) ابن رجب الحنبلي: شرح علل الترمذي - حققه وعلق عليه صبحي السامرائي - عالم الكتب - ط الثانية ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م، ص٦٥.","vol":"1","page":103},{"text":"الثاني: يحتج بهم إن لم يكونوا يستحلون الكذب في نصرة مذهبهم، سواء أكانوا دعاة أم لا، وممن قال به الشافعي وابن أبي ليلى وسفيان الثوري وروي عن أبي يوسف وأبي حنيفة، وحكاه الحاكم في المدخل عن أكثر أئمة الحديث (١) .\nالثالث: تقبل رواية المبتدع إذا كان مرويه مما يشتمل على ما ترد به بدعته، وذلك لبعده حينئذ عن تهمة الكذب (٢) .\nالرابع: تقبل روايته إذا كانت بدعته صغرى، وإذا كانت كبرى فلا تقبل (٣) فالبدعة الصغرى كالتشيع بلا غلو ولا تحرق، والكبرى كالتشيع مع الغلو والطعن وسب الصحابة.\nالخامس: تقبل أخبار غير الدعاة إلى بدعهم، وترد أخبار الدعاة منهم، وقد صرح الخطيب وغيره بأنه مذهب الكثير من العلماء (٤) .\nبعد أن سردت أقوال الأئمة ومذاهبهم في الرواية عن أهل البدع والأهواء، فقد تبين أن مذاهبهم متباينة جدًا. امتزجت فيها أقوال المحدثين بآراء علماء الكلام والأصول. فلا بد من استجلاء الموقف العملي للمحدثين من خلال مصنفاتهم، ومن هؤلاء الإمام البخاري - ﵀ - فكيف تعامل مع روايات أهل البدع في صحيحه؟\nإذا تأملنا رجال البخاري - ﵀ - نجد جملة كبيرة منهم قد رموا ببدع اعتقاية مختلفة وقد أورد الحافظ في \" هدي الساري \" (٥) من رمي من رجال البخاري بطعن في الاعتقاد فبلغوا (٦٩) راويًا، ومن خلال التتبع لهؤلاء الرواة يمكن أن نستخلص المعايير التي اعتمدها البخاري في الرواية\n_________\n(١) الكفاية ص١٤٨ - ١٤٩.\n(٢) فتح المغيث: ج١ ص٣٦١.\n(٣) انظر تفصيل ذلك في ميزان الاعتدال ج١ ص٦٠٥، وتهذيب التهذيب ج١ ص٩٤ في ترجمة أبان بن تغلب الشيعي.\n(٤) الكفاية ص١٤٩، وفتح المغيث: ج١ ص٣٦٠، وعلوم الحديث ص١٠٣.\n(٥) هدي الساري ص٤٨٣ - ٤٨٤.","vol":"1","page":104},{"text":"عن أهل البدع ويمكن أن نجملها في النقاط التالية:\n- ليس فيهم من بدعتهم مكفرة.\n- أكثرهم لم يكن داعية إلى بدعته، أو كان داعية ثم تاب (١) .\n- أكثر ما يروي لهم في المتابعات والشواهد.\n- أحيانًا يروى لهم في الأصول لكن بمتابعة غيرهم لهم.\n- كثير منهم لم يصح ما رموا به.\nإذن فالعبرة إنما هي صدق اللهجة، وإتقان الحفظ، وخاصة إذا انفرد المبتدع بشيء ليس عند غيره.\nوما ذهب إليه البخاري هو مذهب كثير من المحدثين، ومن هؤلاء تلميذه وخريجه الإمام مسلم، فقد روى في صحيحه عن أهل البدع والأهواء المعروفين بالصدق والإتقان، وخاصة إذا انضم إلى ذلك الورع والتقوى، وما ذهب إليه الشيخان هو رأي أكثر الأئمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإنما توقف من توقف منهم في الرواية عن أهل البدع إما لأنه لم يتبين لهم صدقهم، أو أرادوا محاصرة البدعة وإخمادها حتى لا تفشوا، ولكن شاء الله تعالى أن تكثر البدع وتفشو، وتبناها كثير من العلماء والفقهاء والعباد فلم يكن من المصلحة ترك رواياتهم، لأن في تركها، اندراسًا للعلم، تضييعًا للسنن. فكانت المصلحة الشرعية تقتضي قبولها ما داموا ملتزمين بالصدق والأمانة. قال الخطيب البغدادي - بعد أن ذكر أسماء كثير من الرواة احتج بهم وهم منسوبون إلى بدع اعتقادية مختلفة: \". دون أهل العلم قديمًا وحديثًا رواياتهم واحتجوا بأخبارهم، فصار ذلك كالإجماع منهم، وهو أكبر الحجج في هذا الباب وبه يقوى الظن في مقارنة الصواب \" (٢) .\n_________\n(١) انظر ترجمة: عمران بن حطان في هدي الساري ص٤٠٤، وترجمة شبابه بن سوار في الهدي ص٤٦٩، وترجمة: عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني في الهدي ص٤٣٧.\n(٢) الكفاية ص١٥٣ - ١٥٤.","vol":"1","page":105},{"text":"وقال علي بن المديني: \" لو تركت أهل البصرة لحال القدر، ولو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي خربت الكتب \" (١) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>المطلب الخامس: موقف البخاري من الرواة المجاهيل</span>\nقبل الخوض في بيان موقف الإمام البخاري من الرواة المجاهيل لابد من تعريف الجهالة لغة واصطلاحًا وبيان أسبابها.\nتعريف الجهالة لغة:\nالمجهول في لغة العرب (٢) هو:\n١) كل شيء غير معلوم الحقيقة.\n٢) أو غير معلوم الوصف على وجه الدقة.\n٣) أو في معرفته تردد أو تشكك.\nتعريف الجهالة اصطلاحًا:\nعرف الخطيب المجهول بقوله: \" هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد \" (٣) .\n_________\n(١) المصدر نفسه ص١٥٧.\n(٢) انظر ابن فارس: معجم مقاييس اللغة ج١ ص٤٨٩، الزمخشري: الأساس في البلاغة ص٦٧ - ٦٨، الفيروزآبادي: القاموس المحيط ج٣ ص٣٥٣.\n(٣) الكفاية ص١١١.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>أسباب الجهالة:</span>\nللجهالة سببان بينهما الحافظ ابن حجر بقوله:\n\" أحدهما: أن الراوي: قد تكثر نعوته، من اسم أو كنية، أو لقب، أو صفة، أو حرفة، أو نسب فيشتهر بشيء منها، فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض من الأغراض فيظن أنه آخر فيحصل الجهل بحاله. والأمر الثاني: أن الراوي قد يكون مقلًا من الحديث، فلا يكثر الأخذ عنه، وقد صنفوا فيه الوحدان، وهو من لم يرو عنه إلا واحد، ولو سمي \" (١) .\nوالتعريف الذي أورده الخطيب البغدادي للمجهول، قد اعترض عليه غير واحد ممن كتب في المصطلح كابن الصلاح، والنووي، والعراقي (٢) . كما أن الواقع التطبيقي عند الأئمة النقاد يخالفه، فكم من راو حكموا عليه بالجهالة وقد روى عنه جماعة، وفيهم من حكموا عليه بالوثاقة وليس له إلا راو واحد، وكثير ممن ليس له إلا راو واحد اختلفوا في الحكم عليه بين موثق ومضعف ومجهل (٣)، وعليه نستطيع القول أن الجهالة غير مرتبطة بعدد الرواة بقدر ما هي مرتبطة بالشهرة، ورواية الحفاظ.\nوقد سبق إلى هذا الإمام ابن رجب - ﵀ - فقال: \" وظاهر هذا أنه لا عبرة بتعدد الرواة، وإنما العبرة بالشهرة، ورواية الحفاظ \" (٤) .\nفمقدار مرويات الرجل لها دور بارز في الحكم عليه، فكلما كثرت مرويات الرجل وكانت مستقيمة حكم عليه بالوثاقة، وكلما قلّت وكانت مخالفة لروايات الثقات فحكم عليه بالضعف، وإن قلّت رواياته، ولم يتداولها العلماء، فلا يمكن الحكم عليه، وبقي في حيز الجهالة.\n_________\n(١) نخبة الفكر مع شرحها نزهة النظر ص٥١ - ٥٢.\n(٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح ص١٤٨ - والتقريب مع التدريب ج١ ص٣١٨ والتبصرة والتذكرة ج١ ص٣٢٨.\n(٣) انظر: شرح العلل ص٨١.\n(٤) المصدر نفسه ص٨٢.","vol":"1","page":107},{"text":"وهذا الذي ذهب إليه الحافظ ابن رجب - ﵀ - يخالف إطلاق محمد بن يحي الذهلي - الذي حكاه عنه الخطيب في الكفاية - وتبعه عليه المتأخرون من أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعدًا عنه (١)، وإن كان الخطيب - ﵀ - قد صرح باعتبار شهرة الراوي بالطلب، وكذلك صرح بأن أقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدًا من المشهورين بالعلم كذلك (٢) .\nومع ذلك نجد أن كثيرًا من المتأخرين لم يعتبروا الشهرة بالطلب في الراوي، لكي يرتفع عنه وصف الجهالة، وهذا النوع من الرواة الذين اشتهروا بطلب العلم وعرفوا به بين العلماء يزول عنهم وصف الجهالة ويثبت لهم بذلك وصف العدالة. وقد نبّه على هذا الحاكم النيسابوري فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر حيث قال:\n\" زاد الحاكم في علوم الحديث في شرط الصحيح أن يكون راوية مشهورًا وهذه الشهرة قدر زائد عن الشهرة التي تخرجه عن الجهالة. وقد استدل الحاكم على مشروطية الشهرة بالطلب بما أسنده عن عبد الله بن عون \" لا يؤخذ العلم إلا ممن شهد له عندنا بالطلب \" والظاهر من تصرف صاحبي الصحيح اعتبار ذلك، إلا أنهما حيث يحصل للحديث طرق كثيرة يستغنون بذلك عن اعتبار ذلك \" (٣) .\nنفهم من كلام الحاكم - ﵀ - أن هناك نوعين من الشهرة:\nشهرة شخص الراوي وهذه تنفي عنه جهالة العين، وشهرته بالطلب وهذه تتنفي عنه جهالة الحال. وقد أشار الحاكم إلى أن راوي الصحيح لابد أن يكون معروفًا بطلب العلم وقد استظهر الحافظ ذلك من صنيع الإمامين البخاري ومسلم في صحيحيهما. فكل رواة الصحيحين مشهورون بطلب العلم، وقد تداول أحاديثهم الحفاظ، وحيث يكون الراوي مقلًا ولم\n_________\n(١) الكفاية ص١١١.\n(٢) المصدر نفسه ص١١١.\n(٣) النكت على كتاب ابن الصلاح ص٤١.","vol":"1","page":108},{"text":"يتداول الحفاظ حديثه، يكون ذلك الحديث الذي يرويه عنه أصحاب الصحيح قد تعددت طرقه وانتشرت فيكون ذلك قائمًا مقام الشهادة بثقته وضبطه.\nومع هذا نجد بعض رواة البخاري قد وصفوا بالجهالة من طرف بعض أئمة الجرح والتعديل، فما مدى تحقق هذا الوصف في هؤلاء الرواة؟\nقال الحافظ - ﵀ -: \" أما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح لأن شرط الصحيح أن يكون راوية معروفًا بالعدالة، فمن زعم أن أحدًا منهم مجهول، فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه غير معروف، ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته، لما مع المثبت من زيادة العلم، ومع ذلك فلا نجد في رجال الصحيح أحدًا ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلًا \" (١) .\nوفيما يلي تراجم هؤلاء الرواة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>١ - أحمد بن عاصم البلخي:</span>\nمعروف بالزهد والعبادة، له ترجمة في حلية الأولياء، وقد ذكره ابن حبان: فقال: روى عنه أهل بلده. وقال أبو حاتم الرازي: مجهول. روى عنه البخاري حديثًا واحدًا في كتاب الرقاق، وهو في رواية المستملي وحده (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٢ - إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي المدني:</span>\nقال ابن القطان الفاسي: لا يعرف حاله (٣) . وفي ما قاله نظر فإن إبراهيم هذا قد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. وروى عنه أيضًا ولده\n_________\n(١) هدي الساري ص٤٠٣.\n(٢) المصدر نفسه ص٤٠٦.\n(٣) هدي الساري ص٤٠٨.","vol":"1","page":109},{"text":"إسماعيل والزهري (١) وليس له في صحيح البخاري إلا حديثًا واحدًا في كتاب الأطعمة في دعائه ﷺ في تمر جابر بالبركة حتى أوفى دينه (٢) وهو حديث مشهور له طرق كثيرة عن جابر منها (٣):\nعامر الشعبي عن جابر من طريق زكريا بن زائدة. أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام.\nومن طريق مغيرة عن الشعبي، أخرجه البخاري في كتاب البيوع.\nومن طريق فراس عن الشعبي، أخرجه البخاري في كتاب الوصايا.\nويرويه عن جابر أيضًا، وهب بن كيسان، أخرجه البخاري في كتاب الصلح.\nويرويه عن جابر أيضًا، ابن كعب بن مالك، أخرجه البخاري في الاستقراض والهبة.\nويرويه عن جابر نبيح العنزي، أخرجه الإمام أحمد.\nومما سبق يتبين أن جهالة إبراهيم بن عبد الرحمن المخزومي - على التسليم بها - لا تضر في صحة هذا الحديث لكثرة طرقه، واشتهار مخرجه، وهذا يؤيد ما نقلته عن الحافظ من أن كثرة الطرق يستغنى بها عن شهرة الراوي بالطلب عند الشيخين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>٣ - أسامة بن حفص المدني:</span>\nقال الحافظ: ضعفه الأزدي، وقال أبو القاسم اللالكائي: مجهول. له في الصحيح حديث واحد في الذبائح (٤) بمتابعة أبي خالد الأحمر\n_________\n(١) فتح الباري: ج٩ ص٤٧٩.\n(٢) الجامع الصحيح: كتاب الأطعمة، باب الرطب والتمر، حديث رقم (٥٣٤٣)، ج٩ ص٤٧٧، مع الفتح.\n(٣) انظر: فتح الباري: ج٦ ص٦٨٦.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح، باب ذبيحة الأعراب ونحوهم حديث رقم (٥٥٠٧)، ج٩ ص٥٥٠ مع الفتح.","vol":"1","page":110},{"text":"والطفاوي. وقرأت بخط الذهبي في ميزانه، ليس بمجهول فقد روى عنه أربعة \" (١) والظاهر من حال أسامة بن حفص أنه غير مشهور بالراوية. وذلك أن الإمام البخاري لما ذكره في تاريخه لم يزد على ما في هذا الإسناد حيث قال: \" أسامة بن حفص المديني، عن هشام بن عروة، سمع منه محمد بن عبيد الله (٢) \" ولم يذكره ابن أبي حاتم في كتابه \"الجرح والتعديل \".\nويظهر من صنيع الإمام البخاري أنه لم يحتج به لأنه قد أخرج هذا الحديث من رواية الطفاوي وغيره (٣) ويؤخذ من صنيعه أيضًا أنه وإن اشترط في الصحيح أن يكون رواية من أهل الضبط والإتقان. أنه إن كان في الراوي قصور عن ذلك ووافقه على رواية ذلك الخبر من هو مثله انجبر ذلك القصور بذلك وصح الحديث على شرطه (٤) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٤ - أسباب أبو اليسع:</span>\nقال أبو حاتم فيه: مجهول. روى له البخاري حديثًا واحدًا في البيوع من روايته عن هشام الدستوائي مقرونًا (٥) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>٥ - بيان بن عمرو البخاري العابد:</span>\nشيخ البخاري اثنى عليه ابن المديني ووثقه ابن حبان وابن عدي. وقال أبو حاتم: مجهول. قال الحافظ: ليس بمجهول من روى عنه البخاري وأبو زرعة، وعبد الله بن واصل ووثقه من ذكرنا (٦) .\nفمثل هذا لا يصح أن يطلق عليه لفظ \" مجهول \" لأن من عرفه وعلم\n_________\n(١) هدي الساري ص٤٠٨ انظر ميزان الاعتدال: ج١ ص١٧٤.\n(٢) التاريخ الكبير: ق٢، ج١ ص٢٣.\n(٣) فتح الباري: ج٩ ص٥٥٠.\n(٤) المصدر نفسه: ج٩ ص٥٥٠.\n(٥) هدي الساري ص٤٠٨.\n(٦) المصدر نفسه ص٤١٣.","vol":"1","page":111},{"text":"حاله حجة على من لم يعرفه ويخبر حاله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>٦ - الحسين بن الحسن بن يسار:</span>\nصاحب ابن عون، قال أبو حاتم: مجهول. وقال أحمد بن حنبل: كان من الثقات، احتج به مسلم والنسائي، وروى له البخاري حديثًا واحدًا في الاستسقاء توبع عليه (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>٧ - الحكم بن عبد الله:</span>\nقال ابن أبي حاتم عن أبيه: مجهول. قال الحافظ: \" ليس بمجهول من روى عنه أربعة ثقات ووثقه الذهلي. ومع ذلك ليس له في البخاري سوى حديث واحد في الزكاة (٢) أخرجه عن أبي قدامة عنه عن شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن أبي مسعود في نزول قوله تعالى: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين «٣)، وأخرجه في التفسير من حديث غندر عن شعبة \" (٤) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>٨ - عباس بن الحسين القنطري:</span>\nقال ابن أبي حاتم عن أبيه: مجهول. قال الحافظ: \" ليس بمجهول إن أراد العين فقد روى عنه البخاري وموسى بن هارون الحمال. والحسن بن علي المعمري وغيرهم. وإن أراد الحال فقد وثقه عبد الله بن أحمد بن حنبل. قال: سألت أبي عنه فذكره بخير، وله في الصحيح حديثان قرنه في أحدهما وتوبع في الآخر \" (٥) .\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٤١٧.\n(٢) الجامع الصحيح، كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة رقم (١٤١٥)، ج٣ ص٣٣٢ مع الفتح.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ٧٩.\n(٤) هدي الساري ص٤١٨.\n(٥) المصدر نفسه ص٤٣٣.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>٩ - محمد بن الحسن المروزي:</span>\nمن شيوخ البخاري لم يعرفه أبو حاتم فقال: إنه مجهول. قال الحافظ: \" قد عرفه البخاري وروى عنه في صحيحه في موضعين. وعرفه ابن حبان فذكره في الطبقة الرابعة من الثقات \" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>١٠ - خالد بن سعد الكوفي:</span>\nمولى أبي مسعود الأنصاري، وثقة ابن معين. وقال ابن أبي عاصم: مجهول. أخرج له البخاري حديثًا واحدًا في الطب (٢) من روايته عن أبي عتيق عن عائشة في الحبة السوداء، وله عنده شواهد (٣) .\nمما سبق يتضح لنا أن الإمام البخاري لم يرو في صحيحه عن مجهول قط. وذلك لأن جهالة الراوي لا يمكن معها تحقيق عدالته، التي هي شرط في صحة الحديث، أما بالنسبة للرواة غير المشهورين فالبخاري لم يعتمد على أحاديثهم، وما يرويه لهم أحاديث يسيرة جدًا لها طرق وشواهد كثيرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>المطلب السادس: الوحدان وموقف البخاري من رواياتهم</span>\nسأتناول في هذه المطلب مسألة الوحدان، وموقف الإمام البخاري من رواياتهم. وهي مسألة لها تعلق كبير بمسألة الجهالة. أي هل هؤلاء الرواة يعدون في المجاهيل أم لا؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>تعريف الوحدان:</span>\nوحدان لغة جمع واحد، ويجمع على أحدان، كشاب وشبان، وراعٍ\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٤٦٠.\n(٢) كتاب الطب، باب الحبة السوداء رقم (٥٦٨٧)، ج١٠ ص١٥٠ مع الفتح.\n(٣) هدي الساري ص٤٢٠.","vol":"1","page":113},{"text":"ورعيان (١) .\nواصطلاحًا: هو من لم يرو عنه إلا واحد ولو سُمي (٢) .\nوقد اهتم العلماء بهذا النوع من الرواة وصنفوا فيه كالإمام مسلم والحسن بن سفيان وغيرهما (٣) ومنهم من ذكره في أنواع علوم الحديث (٤) كالحاكم في معرفة علوم الحديث، وابن الصلاح في كتابه (٥) .\nقد اختلفت أنظار العالم حول موقف البخاري من روايات الوحدان، فمنهم من نفى تخريج البخاري لرواياتهم في صحيحه، ومنهم من أثبت وجودها ومنهم من توسط في الأمر وذهب إلى أن البخاري لم يخرج لهم إلا شيئًا يسيرًا لملابسات خاصة وإليك التفصيل.\nذهب الإمام الحاكم أبو عبد الله النيسابوري (ت ٤٠٥هـ) إلى أن الإمام البخاري لم يرو عن الوحدان في صحيحه، وهذا في معرض كلامه على الحديث الصحيح في كتابه \" المدخل في أصول الحديث \" فقد قسم الحديث الصحيح إلى عشرة أقسام: خمسة متفق عليها من أحاديث الصحيحين يقول ﵀: \" فالقسم الأول من المتفق عليها اختيار البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح. ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله ﷺ وله راويان ثقتان، ثم يرويه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عن أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة من الطبقة الرابعة ثم يكون شيخ البخاري أو\n_________\n(١) محمد بن أبي بكر الرازي: مختار الصحاح، ص٤٤٩.\n(٢) نزهة النظر بشرح نخبة الفكر ص٥٢.\n(٣) المصدر نفسه ص٥٢.\n(٤) معرفة علوم الحديث: تحقيق لجنة إحياء التراث العربي - منشورات دار الآفاق الجديدة - بيروت، ص١٥٧ - ١٦١.\n(٥) علوم الحديث ص٢٨٧ - ٢٩٠.","vol":"1","page":114},{"text":"مسلم حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة في روايته فهذه الدرجة الأولى من الصحيح \" (١) .\nويلاحظ هنا أن الحاكم عدَّ الصحابي الذي ليس له إلا راو واحد ليس مشهورًا. ومن هنا لا يصل حديثه إلى الدرجة العالية من الثقة التي تجعل البخاري ومسلم يأخذان بحديثه وقد عد الحاكم حديث مثل هذا النوع في الدرجة الثانية من درجات الصحيح المتفق عليه ومثل له بحديث عروة بن مضرس الطائي أنه قال: \" أتيت رسول الله ﷺ وهو بالمزدلفة: فقلت يا رسول الله أتيتك من جبل طيء، أتعبت نفسي، وأكلت مطيتي، ووالله ما تركت من جبل إلا وقد وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ: \" من صلى معنا هذه الصلاة وقد أتى عرفة قبل ذلك بيوم أو ليلة فقد تم حجه، وقضى تفثه \" (٢) .\nثم عدد الحاكم كثيرًا من الصحابة الذين رووا أحاديث عن رسول الله ﷺ ولم يكن لكل واحد منهم إلا راو واحد ثم قال: \" والشواهد كما ذكرنا كثيرة ولم يخرج البخاري ومسلم هذا النوع من الحديث في الصحيح \" (٣) .\nوقد عارض أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي (ت ٥٠٧هـ) الحاكم في هذا، وقرر أن البخاري ومسلمًا لم يكن عندهما هذا الشرط ولا نقل على واحد منهما أنه قال بذلك وأن الحاكم لم يقدر هذا التقدير عن استقراء\n_________\n(١) الحاكم النيسابوري: المدخل في أصول الحديث - دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان ص١٥٠.\n(٢) أخرجه أبو داود في المناسك، باب من لم يدرك عرفة (الحديث ١٩٥٠)، وأخرجه الترمذي في الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (الحديث ٨٩١)، وأخرجه النسائي في مناسك الحج، في من لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة (الأحاديث ٣٠٣٩، ٣٠٤٠، ٣٠٤١، ٣٠٤٢، ٣٠٤٣)، وأخرجه ابن ماجه في المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع (الحديث ٣٠١٦) .\n(٣) المدخل في أصول الحديث ص١٥٣.","vol":"1","page":115},{"text":"يصل به إلى نتيجة صحيحة، أو يقين، وإنما قاله على الظن، لأن ما في الصحيحين على خلاف ذلك. ثم ساق الأمثلة التي تنقض ما ذهب إليه الحاكم.\nفقد أخرج البخاري حديث قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلمي قال: \" سمعت رسول الله ﷺ يقول: يذهب الصالحون أسلافًا، ويقبض الصالحون أسلافًا، الأول، فالأول، حتى تبقى حثالة كحثالة التمر والشعير، لا يباهي الله ﷿ بهم شيئًا \" (١) وليس لمرداس راو غير قيس.\nوأخرج هو ومسلم حديث المسيب بن حزن في وفاة أبي طالب (٢) قال: \" إن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل فقال: أي عمي قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب \"، فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: \" على ملة عبد المطلب \" فقال النبي ﷺ: \" لأستغفرن لك ما لم أنه عنه \" فنزلت: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم «٣) ونزلت (إنك لا تهدي من أحببت «٤) \" ولم يرو عن المسيب إلا ابنه سعيد بن المسيب.\nوأخرج البخاري حديث الحسن البصري عن عمرو بن تغلب عن\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب ذهاب الصالحين (الحديث ٦٤٣٤)، ج١١ ص٢٥٦، وفي كتاب المغازي باب غزوة الحديبية (الحديث ٤١٥٦) ج٧ ص٥٠٩ مع الفتح، وأحمد في مسنده: ج٤ ص١٩٢ مع اختلاف في اللفظ والسند، والدارمي في سننه ج٢ ص٣٠١ مع اختلاف في اللفظ واختصار وزيادة.\n(٢) رواه البخاري في مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب (الحديث ٣٨٨٣) ج٧ ص٢٣٢، وفي كتاب التفسير، في تفسير براءة وتفسير القصص، ومسلم في كتاب الإيمان في باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت (الحديث ٢٤) ج١ ص٥٤.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ١١٣.\n(٤) سورة القصص، الآية: ٥٦.","vol":"1","page":116},{"text":"النبي ﷺ: \" إني لأعطي الرجل، والذي أدع أحب إلي الحديث \" (١) ولم يرو عن عمرو غير الحسن البصري.\nكما يقرر أبو الفضل المقدسي أن هناك أمثلة في البخاري غير هذه، كما يشير إلى أن الحاكم ليس أول من ذهب إلى هذا، ولكن أبا عبد الله بن محمد بن إسحاق بن منده (ت ٣٩٥هـ) ذهب إلى ذلك، وهما متعاصران.\nفقد قال: \" من حكم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد، وإن كان مشهورًا مثل الشعبي، وسعيد بن المسيب، ينسب إلى الجهالة، فإذا روى عنه رجلان صار مشهورًا واحتج به، وعلى هذا بنى محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج كتابيهما، إلا أحرفًا تبين أمرها \" (٢) .\nويرى المقدسي أن شرط البخاري ومسلم هو أنهما يخرجان \" الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، من غير اختلاف بين الثقات والأثبات، ويكون إسنادة متصلًا غير مقطوع فإن كان للصحابي روايان فصاعدًا فحسن، وإن لم يكن له إلا راو واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه \" (٣) .\nوجاء بعد أبي الفضل المقدسي، الحافظ أبو بكر موسى بن موسى الحازمي (ت ٥٨٤هـ) ففصل القول في رد دعوى الحاكم وأتى بأمثلة أكثر مما أتى به الأول (٤) .\nويرى ابن الأثير أن الحاكم لا يقصد ما فهمه المقدسي والحازمي وإنما يقصد أن يكون للصحابي راويان وإن كان الحديث الذي يحتج به في\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الخمس، باب ما كان يعطي المؤلفة قلوبهم الحديث (٣١٤٥): ج٦ ص٢٩٠ مع الفتح.\n(٢) شروط الأئمة الستة: دار الكتب العلمية - بيروت، ص ٢٢ - ٢٣.\n(٣) المصدر نفسه ص١٧ - ١٨.\n(٤) شروط الأئمة الخمسة: مطبوع مع شروط الأئمة الستة بدار الكتب العلمية - بيروت، ص٤٣ - ٤٩.","vol":"1","page":117},{"text":"الصحيحين ليس له إلا راو واحد (١) .\nكما نجد أن الحافظ ابن حجر، أيضًا قد نبّه على خطأ الحازمي في فهمه لكلام الحاكم حيث قال: \" وقد فهم الحافظ أبو بكر الحازمي من كلام الحاكم أنه أدعى أن الشيخين لا يخرجان الحديث إذا انفرد به أحد الرواة، فنقض عليه بغرائب الصحيحين، والظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك وإنما أراد أن كل راو في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك بعينة عنه \" (٢) .\nوما ذهب إليه الحاكم قد سبقه إليه الحافظ ابن منده - كما رأينا - ووافقه عليه أيضًا صاحبه ومعاصره الإمام البيهقي، فقد قال في كتب الزكاة من سننه عند ذكر حديث بهز عن أبيه عن جده (ومن كتمها فأنا آخذها وشرط ماله) ما نصه: \" أما البخاري ومسلم فلم يخرجاه جريًا على عادتهما في أن الصحابي أو التابعي إذا لم يكن له إلا راو واحد لم يخرجا حديثه في الصحيحين \" (٣) .\nوأما الحافظ ابن حجر فقد وقف من كلام الحاكم موقفًا وسطًا بحيث رد كلامه في حق الصحابة واعتبره فيمن بعدهم، قال - ﵀ - معقبًا على كلام الحاكم: \" وهو وإن كان منتقضًا في حق الصحابة الذين أخرجا لهم، فإنه معتبر في حق من بعدهم، فليس في الكتاب حديث أصل من رواية من ليس له إلا راو واحد قط \" (٤) .\nقال السخاوي: \" وقد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء الصحابة من ذلك وإن كان مناقضًا لكلامه الأول ولعله رجع عنه إلى هذا\n_________\n(١) ابن الأثير الجزري: جامع الأصول من أحاديث الرسول - تحقيق عبد القادر الأرناؤوط - ط١، دمشق ١٩٦٩م، ج١ ص٩٢ - ٩٤.\n(٢) النكت على كتاب ابن الصلاح - حققه وعلق عليه مسعود عبد الحميد السعدني، ومحمد فارس - دار الكتب العلمية\n(٣) سنن البيهقي: ج٤ ص١٠٥.\n(٤) نقله السخاوي في فتح المغيث، ج١ ص٦١.","vol":"1","page":118},{"text":"قال: الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويًا غير تابعي واحد معروف احتججنا به، وصححنا حديثه، إذ هو صحيح على شرطهما جميعًا. فإن البخاري احتج بحديث قيس بن أبي حازم عن كل من مرداس الأسلمي، وعدي بن عمير به، وليس لهما راو غيره. وكذلك احتج مسلم بأحاديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه (١)، وأحاديث مجزأة بن زاهر عن أبيه. وحينئذ فكلام الحاكم قد استقام، وزال بما تممت به عن الملام \" (٢) .\nوأما الصحابة الذين أخرج لهم البخاري ولم يرو عنهم سوى واحد فهم:\n١) مرداس الأسلمي عن قيس بن أبي حازم.\n٢) حزن المخزومي تفرد عنه ابنه أبو سعيد المسيب بن حزن.\n٣) زاهر بن الأسود عنه ابنه مجزأة.\n٤) عبد الله بن هشام بن زهرة القرشي عنه حفيده زهرة بن معبد.\n٥) عمرو بن تغلب عنه الحسن البصري.\n٦) عبد الله بن ثعلبة بن صغير روى عنه الزهري قوله.\n٧) سنن أبو جميلة السلمي عنه الزهري.\n٨) أبو سعيد بن المعلى تفرد عنه حفص بن اصم.\n٩) سويد بن النعمان الأنصاري تفرد بالحديث عنه بشير بن سيار.\n١٠) خولة بنت ثامر عنهما النعمان بن أبي عياش. فجملتهم عشرة \" (٣) .\nوقد بنى على هذا الإمام أبو عمرو بن الصلاح قاعدة عامة - من\n_________\n(١) الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين - مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية في حيدر آباد، الدكن، الهند، طبعة أولى ١٣٤١هـ ج١ ص٢٣.\n(٢) فتح المغيث: ج١ ص٦٢.\n(٣) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٤٧.","vol":"1","page":119},{"text":"تخريج البخاري ومسلم لأحاديث هؤلاء الصحابة الوحدان - وهي ارتفاع الجهالة والتعديل برواية واحد فقال: \" قد خرج البخاري في صحيحه حديث جماعة ليس لهم إلا راو واحد منهم مرداس الأسلمي لم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم، وكذلك خرج مسلم حديث قوم لا راوي لهم غير واحد، منهم ربيعة بن كعب الأسلمي لم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن. وذلك مصير إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولًا مردودًا براوية واحد عنه \" (١) ولقد اعترض على هذا الإمام النووي فقال: \"مرداسًا وربيعة صحابيان، والصحابة كلهم عدول، فلا تضر الجهالة بأعيانهم لو تثبت \" (٢) .\nولقد تعقب العراقي النووي فقال: \" لا شك أن الصحابة الذين بينت صحبتهم كلهم عدول ولكن الشأن هل تثبت الصحبة برواية واحد عنه أم لا تثبت إلا برواية اثنين. هذا محل نظر واختلاف بين أهل العلم. والحق أنه إن كان معروفًا بذكره في الغزوات أو فيمن وفد من الصحابة أو نحو ذلك فإنه تثبت صحبته وإن لم يرو عنه إلا راو واحد وإذا عرف ذلك فإن مرداسًا من أهل الشجرة وربيعة من أهل الصفة فلا يضرهما انفراد راو واحد عن كل منهما \" (٣) .\nوكان الصحابة الوحدان الذين روى لهم الإمام البخاري في صحيحه قد ثبتت صحبتهم لشهرتهم عند علماء السير والمغازي (٤) . فلا يضر انفراد واحد\n_________\n(١) ابن الصلاح: علوم الحديث ص١٠٢ وص٢١١.\n(٢) النووي التقريب مع شرحه التدريب - تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف - مطبعة السعادة القاهرة، ط٢ - ١٣٨٨ هك، ص٢١١.\n(٣) العراقي: التقييد والإيضاح - تصحيح وتعليق محمد راغب الطباخ - دار الحديث - ط ثانية، ١٤٠٥هـ - ١٩٨٤م، ص١٢٥.\n(٤) انظر تراجم هؤلاء الصحابة والأحاديث التي رووها في الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر.\nمرداس الأسلمي: ج٣/ ٣٨١. حزن المخزومي: ١/ ٣٢٤. زاهد بن الأسود: ١/ ٥٢٣. عبد الله بن هشام بن زهيرة: ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠. عمرو بن تغلب: ٢/ ٥١٩. عبد الله بن ثعلبة بن صغير: ٢/ ٢٧٦. سنن أبو جميلة السلمي: ٢/ ٨٤. أبو سعيد بن المعلى الأنصاري: ٤/ ٩٠. سويد بن النعمان: ٢/ ٩٩. خولة بنت ثامر: ٤/ ٢٨٢.","vol":"1","page":120},{"text":"بالرواية عنهم بالرواية عنهم، لأن الصحابة عدول كلهم لكن بقي النظر فيمن ليس له إلا راو واحد من غير الصحابة ممن أخرج لهم الإمام البخاري في صحيحه وهؤلاء الرواة هم:\n١) حصين بن محمد الأنصاري: لم يرو عنه غير الزهري.\n٢) عبد الرحمن بن نمر اليحصبي: لم يرو عنه غير الوليد بن مسلم.\n٣) عمر بن محمد بن جبير بن مطعم: لم يرو عنه غير الزهري.\n٤) حماد بن حميد الخراساني: شيخ البخاري لم يرو عنه غيره.\n٥) عبيد الله بن محرز الكوفي: لم يذكروا له راويًا غير أبي نعيم الفضل بن دكين.\n٦) عطاء بن الحسن السوائي: روى عنه أبو إسحاق الشيباني. قال الحافظ: \" ما وجدت له راويًا إلا الشيباني ولم أقف فيه على تعديل أو تجريح \".\n٧) عامر بن مصعب الذي يروي عن عائشة: لم يرو عنه - عند البخاري - إلا عبد الملك بن جريج.\n٨) أبو محمد الحضرمي: تفرد بالرواية عنه أبو الورد بن ثمامة بن حزن القشيري.\n٩) أبو نصر الأسدي، روى عنه خليفة بن حصين.\nفهل انفرد البخاري بالتخريج لمثل هؤلاء \" الوحدان \"؟ كلا، إن الإمام البخاري لم ينفرد بهذا، بل نجد أن الإمام مسلمًا - ﵀ - قد خرج لمثل هؤلاء أيضًا في \" صحيحه \" فقد وافق البخاري في التخريج للراويين الأولين، وانفرد عنه بالتخريج لرواة آخرين مثل:","vol":"1","page":121},{"text":"١) أحمد بن سعيد التستري.\n٢) جابر بن إسماعيل الحضرمي.\n٣) حبيب الأعور المدني.\n٤) عبد الله بن كثير المطلبي السهمي.\nوبمراجعة تراجم هؤلاء الرواة في التهذيب والتقريب وغيرهما من كتب الرجال يتبين لنا أنهم \"وحدان\" ومن ثم فهم مجهولون على حسب المصطلح الجاري بين علماء الحديث.\nوكذلك نجد الإمام ابن حبان قد اقتفى أثر الشيخين في التخريج لمن ليس له إلا راو واحد ثقة وإليك بعض الأمثلة على ذلك (١):\n١) بجير بن أبي بجير، ولم يرو عنه غير إسماعيل بن أمية.\n٢) ثابت الزرقي، لم يرو عنه غير الزهري.\n٣) عمر بن إسحاق، لم يرو عنه غير عون.\n٤) عيسى بن جارية، لم يرو عنه غير يعقوب بن عنبسة الرازي.\n٥) قدامة بن وبرة، لم يرو عنه غير قتادة.\n٦) نبيح العنزي، لم يرو عنه غير الأسود بن قيس.\nفكل هؤلاء لا يعرف لهم إلا راو واحد ومع ذلك فقد ترجمعهم ابن حبان في كتابه الثقات وأخرج لهم في صحيحه.\nوهذا يعني أن أصحاب الصحيح يخرجون لمن ليس له إلا راو واحد. لكن كيف يكون ذلك؟ إن الإجابة على هذا السؤال تكون بتخريج أحاديث هؤلاء الرواة جميعًا وتتبعها ودراستها وهذا يحتاج إلى وقت طويل وعمل علمي مستقل، لكن سأحاول - إن شاء الله - دراسة رواة البخاري الذين ليس\n_________\n(١) عداب محمود الحمش: رواة الحديث الذين سكت عنهم أئمة الجرح والتعديل - دار حسان للنشر والتوزيع الرياض - الطبعة الثانية ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م، ص٢٠٠ - ٢٠١.","vol":"1","page":122},{"text":"لهم إلا راو واحد ثقة من خلال رواياتهم في الجامع الصحيح للوصول إلى موقف علمي مبني على الاستقراء والتتبع.\n١ - حصين بن محمد الأنصاري السالمي (١):\nوهو أحد بني سالم، وهو من سراتهم (٢) سأله الزهري عن حديث محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك فصدقه بذلك، وليس له في الصحيحين إلا حديث واحد (٣) وهو ما يرويه ابن شهاب الزهري عن محمود بن الربيع الأنصاري حدثه أن عتبان بن مالك حدثه أنه أتى رسول الله فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم وددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى.. قال ابن شهاب ثم سألت الحصين بن محمد الأنصاري - وهو أحد بني سالم ومن سراتهم - عن حديث محمود بن الربيع فصدقه بذلك (٤) .\nوواضح أن الإمام البخاري لم يعتمد على حديث حصين بن محمد الأنصاري وإنما ذكر حديث محمود بن الربيع معتمدًا عليه وعضده بتصديق حصين بن محمد له. وسواء ذكر حصين أو لم يذكر فلا أثر له في تضعيف\n_________\n(١) انظر ترجمته في: التاريخ الكبير ج٣ ترجمة ٢٣. والجرح والتعديل: ج٣ ترجمة ٨٥٠. تهذيب الكمال: ج٦ ص٥٣٩. وميزان الاعتدال ج١ ترجمة ٢٠٩٢. والكاشف ج١ ص٢٣٨. تهذيب التهذيب: ج٢ ص٣٩٠. والتقريب ص١٧١. والخلاصة: ج١ ترجمة ١٤٨٤. والإصابة: ج١ ترجمة ٢٠٩٩ في (القسم الرابع) وغيرها.\n(٢) أي خيارهم، وهو جمع سري وهو المرتفع القدر (الفتح ١/ ٦٢٢) .\n(٣) المصدر نفسه: ج١ ص٦٢٢.\n(٤) أخرجه البخاري بتمامه في كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، الحديث (٤٢٥)، ج١ ص٦١٨ مع الفتح ثم قطعة في أكثر من عشرة مواضع من صحيحه، ورواه الإمام مسلم في الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، الحديث (٢٦٣)، والنسائي في كتاب الإمامة إمامة الأعمى الحديث (٧٨٧) وابن ماجة في المساجد والجماعات باب المساجد في الدور الحديث (٧٥٤) وذكر تصديق حصين لمحمود بن الربيع رواه البخاري ومسلم والنسائي في عمل اليوم والليلة.","vol":"1","page":123},{"text":"هذا الحديث، بل ذكره يستفاد منه نوع قوة - والله أعلم -.\n٢ - عبد الرحمن بن نمر اليحصبي:\nأبو عمر الدمشقي، ثقة لم يرو عنه غير الوليد بن مسلم من الثامنة روى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي (١) . هكذا لخص حاله الحافظ ابن حجر. وقد تباينت فيه أقوال أئمة الجرح والتعديل.\nقال عباس الدوري عن يحي بن معين: ابن نمر الذي يروي عن الزهري ضعيف (٢) .\nوقال دحيم صحيح الحديث عن الزهري، وكذا قال ابن الجنيد عن ابن معين (٣) .\nوقال أبو حاتم ليس بقوي لا أعلم روى عنه غير الوليد بن مسلم (٤) .\nوذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال: من ثقات أهل الشام ومتقنيهم (٥) .\nوذكره العقيلي في \" كتاب الضعفاء \"، وكذا ذكره ابن عدي \" الكامل \" وقال: \" وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء، وابن نمر هذا له عن الزهري غير نسخة وهي أحاديث مستقيمة \" (٦) .\nفالظاهر من حاله أنه يصلح للمتابعة وأن أحاديثه عن الزهري صحيحة.\nوالبخاري قد أورد له في صحيحه حديثًا واحد متابعة. وقد رواه أيضًا الإمام مسلم وليس له عندهما غير هذا الحديث (٧) .\nقال البخاري ﵀: \" حدثنا محمد بن مهران قال حدثنا الوليد قال\n_________\n(١) التقريب ص٣٥٢.\n(٢) تاريخ يحي بن معين: ج٢ ص٣٦١.\n(٣) سؤالات ابن الجنيد ص١١.\n(٤) لجرح والتعديل: ج٥ ت١٣٩٧.\n(٥) الثقات ج٧ ص٨٢.\n(٦) انظر تهذيب الكمال ج١٧ ص٤٦٠ - ٤٦٢، والتهذيب: ج٦ ص٢٨٨.\n(٧) فتح الباري: ج٦ ص٦٣٩.","vol":"1","page":124},{"text":"أخبرنا ابن نمر سمع ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂: جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته فإذا فرغ من قراءته كبر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات\".\nوقال الأوزاعي وغيره: سمعت الزهري عن عروة عن عائشة ﵂: \" أن الشمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ، فبعث مناديًا بالصلاة جامعة، فتقدم فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات وأخبرني عبد الرحمن بن نمر سمع ابن شهاب مثله، قال الزهري: فقلت: ما صنع أخوك ذلك، عبد الله بن الزبير ما صلى إلا ركعتين مثل الصبح إذ صلى بالمدينة، قال: أجل، إنه أخطأ السنة، تابعه سفيان بن حسين وسليمان بن كثير عن الزهري في الجهر \" (١) .\nفابن نمر لم ينفرد بهذا الحديث بل تابعه عليه الأوزاعي، وليس فيه عند البخاري ذكر الجهر وقد ثبت الجهر في رواية الأوزاعي عند أبي داوود والحاكم من طريق الوليد بن مزيد عنه (٢) .\nوقد أشار البخاري إلى متابعة سليمان بن كثير، وسفيان بن حسين، لابن نمر، وروايته للجهر عن الزهري.\nورواية سليمان وصلها أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عنه بلفظ \" خسفت الشمس على عهد النبي ﷺ فأتى النبي ﷺ فكبر ثم كبر الناس ثم قرأ فجهر بالقراءة \" وفي أبي داود الطيالسي عن سليمان بن كثير بهذا الإسناد مختصرًا \" أن النبي ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف \" وأما رواية سفيان بن حسين فوصلها الترمذي والطحاوي بلفظ \" صلى صلاة الكسوف وجهر بالقراءة فيها \" وقد تابعهم على ذكر الجهر عن الزهري عقيل عند الطحاوي. وإسحاق بن راشد عند الدارقطني.\n_________\n(١) كتاب الكسوف، باب الجهر بالقراءة في الكسوف، حديث رقم (١٠٦٥) وحديث رقم (١٠٦٦)، ج٣ ص٦٣٨ - ٦٣٩ مع الفتح.\n(٢) المصدر السابق: ج٢ ص٦٣٩.","vol":"1","page":125},{"text":"وهذه طرق يعضد بعضها بعضًا ويفيد مجموعها الجزم بذلك (١) لذا فالإمام البخاري صحح هذا الحديث لكثرة طرقه ومتابعاته، وعلمنا من صنيعه هذا أنه لم يعتمد على ابن نمر وحده بل بالصورة المجموعة ومن ثم جزم بمدلول الحديث وترجم بما يدل على رجحان الجهر في الكسوف.\n٣ - عمر بن محمد بن جبير بن مطعم:\nثقة ما روى عنه غير الزهري وهو أصغر من الزهري من السادسة روى له البخاري فقط (٢) ولم يرو له إلا حديثًا واحدًا.\nقال: \" حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم أن محمد بن جبير قال: أخبرني جبير بن مطعم أنه بينما يسير مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مقفلة من حنين فعلقت الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فوقف النبي ﷺ فقال: أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاه نعمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا \" (٣) .\nقال الحافظ ﵀: \" وهذا مثال للرد على من زعم أن شرط البخاري أن لا يروي الحديث الذي يخرجه أقل من اثنين، فإن هذا الحديث ما رواه عن محمد بن جبير غير ولده عمر، ثم ما رواه عن عمر غير الزهري، هذا مع تفرد الزهري بالرواية عن عمر مطلقًا، وقد سمع الزهري من محمد بن جبير أحاديث، وكأنه لم يسمع هذا منه فحمله عن ولده والله\n_________\n(١) الفتح: ج٢ ص٦٣٩.\n(٢) التقريب ص٤١٦ وانظر: التاريخ الكبير ج٦ ت ٢١٣٦ والجرح والتعديل ج٦ ت ٧١٧ والثقات ج٧ ص١٦٦ وتهذيب الكمال ج٢١ ص٤٩٥ والكاشف ج٢ ت ٤١٦٩ والميزان ج٣ ت ٦١٩٦ وتهذيب التهذيب ج٧ ص٤٩٤، والخلاصة ج٢ ت ٥٢٢٦.\n(٣) كتاب الجهاد والسير، باب الشجاعة في الحرب والجبن رقم (٢٨٢١) ج٦ ص٤٢ وكتاب فرض الخمس باب ما كان النبي (ﷺ) يعطي المؤلفة قلوبهم أو غيرهم من الخمس وغيرهم، رقم (٣١٤٨) ج٦ ص٢٨٩.","vol":"1","page":126},{"text":"أعلم \" (١) . فهذا الحديث صحيح عند الإمام البخاري لأنه لا يشترط عنده وعند أهل السنة التعدد في طبقات الإسناد حتى يقبل الحديث خلافًا لمن زعم أنه شرط الصحيح أن لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين (٢) كأبي علي الجيّاني المعتزلي (ت ٣٠٣هـ) .\nهذا وقد ذكر الحافظ - ﵀ - أن عمر بن شبة (ت ٢٦٢هـ) قد أورد في \" كتاب مكة \" - له - أثرًا مرسلًا عن عمرو بن سعيد فذكر نحو من حديث جبير بن مطعم (٣) ثم إن هذا الحديث ليس أصلًا من الأصول وإنما هو قصة تدل على جوده وحلمه وشجاعته ﷺ وقد صحّ في ذلك شيء كثير جدًا يشهد لهذه القصة، والله تعالى أعلم.\n٤ - عبيد الله بن محرز الكوفي:\nقال الحافظ: \" ما رأيت له راويًا غير أبي نعيم، وما له في البخاري سوى هذا الأثر، ولم يزد المزي في ترجمته على ما تضمنه هذا الأثر \" (٤) .\nوالأثر الذي يعنيه الحافظ هو ما رواه البخاري في صحيحه قال: \" قال لنا أبو نعيم حدثنا عبيد الله بن محرز جئت بكتاب من موسى بن أنس قاضي البصرة، وأقمت عنده البينة أن لي عند فلان كذا وكذا وهو بالكوفة، وجئت به القاسم بن عبد الرحمن فأجازوه \" (٥) .\nفواضح أن مثل هذا الراوي مجهول أي غير مشهور، والإمام البخاري لم يرو له سوى هذا الأثر.\n_________\n(١) الفتح: ج٦ ص٤٢.\n(٢) انظر نزهة النظر ص١١.\n(٣) المرجع السابق: ج٦ ص٢٩٣.\n(٤) فتح الباري: ج١٣ ص١٥٣.\n(٥) الجامع الصحيح، كتاب الأحكام، باب الشهادة على الخط المختوم: ج١٣ ص١٥٠ مع الفتح.","vol":"1","page":127},{"text":"٥ - عطاء أبو الحسن السوائي:\nقال الحافظ: \" ما وجدن له راويًا إلا الشيباني، ولم أقف فيه على تعديل ولا تجريح \" (١) روى عنه البخاري وأبو داود والنسائي حديثًا واحدًا.\nعن أسباط بن محمد القرشي عن أبي إسحاق الشيباني، عن عكرمة عن ابن عباس. قال الشيباني: وذكره أبو الحسن السوائي ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس (يا أيها الذين آمنوا لا يحل.. ما آتيتموهن «٢) قال: \" كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها. فنزلت هذه الآية في ذلك \" (٣) .\nونلاحظ أن البخاري لم يعتمد على رواية عطاء أبي الحسن السوائي، بل ذكره مقرونًا بغيره معضدًا به رواية عكرمة عن ابن عباس.\n٦ - عامر بن مصعب:\nشيخ لابن جريج لا يعرف، قرنه بعمرو بن دينار، وقد ثقه ابن حبان على عادته (٤) . وقد روى له البخاري والنسائي حديثًا واحدًا مقرونًا بغيره (٥) . عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار وعامر بن مصعب أنهما سمعا أبا المنهال يقول: سمعت البراء بن عازب، وزيد بن أرقم قال: كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ فسألنا رسول الله ﷺ عن الصرف فقال:\n_________\n(١) التهذيب: ج٧ ص٢١٩. وانظر: تهذيب الكمال ج٢٠ ص١٣١ - ١٣٢. والكشاف ٢ ت ٣٨٦٦، والتقريب ص٣٩٢ والخلاصة: ج٢ ت ٤٨٦٩.\n(٢) سورة النساء، الآية ١٩.\n(٣) رواه البخاري في كتاب باب لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا الحديث (٤٥٧٩) وأبو داود في سننه الحديث (٢٠٨٩) والنسائي في الكبرى، كما في تحفة الأشراف.\n(٤) التقريب ص٢٨.\n(٥) تهذيب الكمال: ج١٤ ص٧٧.","vol":"1","page":128},{"text":"\" ما كان يدًا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فلا يصلح \" (١) .\nقال الحافظ: \" وعامر بن مصعب ليس له في البخاري سوى هذا الموضع الواحد \" (٢) .\nوالبخاري لم يعتمد على روايته وإنما قرنه بعمرو بن دينار.\n٧ - أبو محمد الحضرمي:\nيقال: إنه أفلح مولى أيوب، روى عن أبي أيوب، وروى عنه أبو الورد ابن ثمامة بن حزن القشيري، روى له البخاري حديثًا واحدًا معلقًا (٣) .\nبعد أن أورد حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب عن النبي ﷺ: \"من قال عشرًا (أي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل \" قال البخاري: رواه أبو محمد الحضرمي عن أبي أيوب عن النبي ﷺ (٤) .\nقال الدارقطني: \" لا يعرف أبو محمد إلا في هذا الحديث وليس لأبي محمد الحضرمي في الصحيح إلا هذا الموضع \" (٥) . وقد وصله الإمام أحمد والطبراني من طريق سعيد بن إياس الحريري عن أبي الورد ثمامة بن حزن القشيري (٦) .\nفالبخاري لم يعتمد على حديثه وإنما ذكره تعليقًا على سبيل المتابعة فقط\n_________\n(١) رواه بهذا الإسناد البخاري في كتاب البيوع، باب التجارة في البز وغيره، الحديث (٢٠٦١) ج٤ ص٣٤٨، والنسائي في كتاب البيوع أيضًا باب بيع الفضة بالذهب نسيئة الحديث (٤٥٩٠) .\n(٢) الفتح: ج٤ ص٣٤٩.\n(٣) تهذيب الكمال: ج٢٤ ص٣٦٠ - ٣٦٦.\n(٤) كتاب الدعوات: باب فضل التهليل، حديث رقم (٦٤٠٤)، ج١١ ص٢٠٤ مع الفتح.\n(٥) الفتح: ج١١ ص٢٠٨.\n(٦) المصدر نفسه: ج١١ ص٢٠٨.","vol":"1","page":129},{"text":"٨ - أبو نصر الأسدي:\nبصري روى عن عبد الله بن عباس، وروى عنه خليفة بن حصين بن قيس بن عاصم المنقري (١) . وروى له البخاري تعليقًا.\nقال أبو زرعة: \" أبو نصر الأسدي الذي يروي عن ابن عباس ثقة \" (٢) .\nوالبخاري إنما روى له أثرًا واحدًا في كتاب النكاح من صحيحه، عقيب حديث عكرمة عن ابن عباس إذا زنى بها (يعني أم امرأته) لا تحرم عليه امرأته. ويذكر عن أبي نصر أن ابن عباس حرمه، ثم قال: وأبو نصر هذا لم يعرف سماعه من ابن عباس (٣) .\nفالبخاري لم يعتمد على حديثه. فقد أورده بصيغة التمريض ليدل على ضعفه ثم صرح أنه لم يسمع من ابن عباس فحديثه إذًا منقطع.\nمما سبق في هذا المطلب نستخلص النتائج التالية:\n١) الإمام البخاري لم يرو لهؤلاء الوحدان شيئًا تفردوا به.\n٢) لم يعتمد على رواياتهم بل ذكرها متابعة واستشهادًا معلقة غير مسندة.\n٣) لم يسند لهم إلا شيئًا يسيرًا جدًا ويقرنهم بغيرهم من المشهورين.\nومما سبق يتضح أن ما قاله الحاكم - ﵀ - ليس مردودًا على إطلاقه كما ذهب إليه الحازمي والمقدسي وغيرهما، وليس مقبولًا على إطلاقه، والصواب تقييده بما قيده به السخاوي. والحافظ ابن حجر حيث يقول: \" وهو إن كان منتقضًا في حق بعض الصحابة، الذين أخرجا له فإنه معتبر في حق من بعدهم، فليس في الكتاب حديث أصل من رواية من ليس له إلا راو واحد قط\" (٤) .\n_________\n(١) تهذيب الكمال: ج٢٤ ص٣٤٣.\n(٢) الجرح والتعديل: ج٩ ت ٢٢٧٨.\n(٣) كتاب النكاح، باب ما يحل من النساء وما يحرم، ج٩ ص٥٧ مع الفتح.\n(٤) نقله السخاوي في فتح المغيث: ج١ ص٦١.","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المبحث الثاني: ضبط الرواة</span>\nالمطلب الأول: تعريفه وأهميته وآثار اختلاله وكيفية معرفة ضبط الراوي، ومراتب الرواة من حيث الضبط.\nالمطلب الثاني: موقف الإمام البخاري من الرواة الضعفاء.\nالمطلب الثالث: مراتب الرجال الصحيحين من حيث الضبط.\nالمطلب الرابع: نماذج من روايات الضعفاء ومنهج البخاري في تصحيحها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>المطلب الأول: تعريف الضبط وأهميته وآثار اختلاله</span>\nبعد أن تحدثت عن العدالة وما يتعلق بها من مسائل، وموقف الإمام البخاري منها أتحدث في هذا المبحث عن الشرط الثاني من شروط صحة الحديث، وهو الضبط وقبل الخوض في مباحثه يجدر بنا أن نقدم تعريفه وأهميته وآثار اختلاله، وكيفية معرفة ضبط الراوي، ومراتب الرواة من حيث الضبط.","vol":"1","page":131},{"text":"أ - تعريفه في اللغة والاصطلاح:\nالضبط لغة لزوم الشيء وحبسه، ضبط عليه وضبطه يضبطه ضبطًا وضباطه.\nقال الليث: الضبط لزوم شيء لا يفارقه في كل شيء.\nوضبط الشيء: حفظه بالحزم، والرجل ضابط، أي حازم (١) .\nوفي اصطلاح المحدثين: نوعان ضبط صدر، وضبط كتاب.\nأما ضبط الصدر: فهو أن يثبت الراوي في صدره ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء.\nأما ضبط الكتاب: فهو صيانة الراوي لكتابه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه (٢) .\nب - أهميته وآثار اختلاله:\nإن توفر الضبط في الراوي شرط أساسي في قبول حديثه، فلا يكفي أن يكون ديّنًا مستقيمًا حتى يضاف إلى ذلك حفظه وعلمه بما يحدث، وتثبته في الأخذ والرواية. ومن هنا كان اختلال الضبط سببًا في رد المروي.\nقال الإمام ابن الصلاح - ﵀ -: \" لا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماع الحديث أو إسماعه، كمن لا يبالي بالنوم في مجلس السماع، وكمن لا يحدث بأصل مقابل صحيح ومن هذا القبيل من عرف بقبول التلقين في الحديث، ولا تقبل رواية من كثرت الشواذ والمناكير في حديثه.. ولا تقبل رواية من عرف بالسهو في رواياته إذ لم يحدث من أصل صحيح. وكل هذا يخرم الثقة بالراوي وضبطه \" (٣) .\n_________\n(١) لسان العرب: مادة (ضبط) ج٧ ص٣٤٠ ومختار الصحاح: مادة (ضبط) ص٢٤٥.\n(٢) نزهة النظر ص١٩.\n(٣) علوم الحديث ص١٠٧ - ١٠٨.","vol":"1","page":132},{"text":"جـ - كيفية معرفة ضبط الراوي:\nيعرف ضبط الراوي بسبر أحاديثه وعرضها على أحاديث غيره من الرواة لتعرف مدى الموافقة والمخالفة لهم، وقد لخص الإمام ابن الصلاح - ﵀ - هذه الطريقة معتمدًا في ذلك على صنيع الأئمة وصريح أقوالهم. فنذكر قوله. ثم نتبعه بأقوال أئمة النقد.\nقال - ﵀ -: \" يعرف كون الراوي ضابطًا بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان. فإن وجدنا رواياته موافقة لهم ولو من حيث المعنى لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطًا ثبتًا، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلاف ضبطه ولم يحتج بحديثه \" (١) .\nوهذا الذي ذكره ابن الصلاح قد صرح به الأئمة وعلموا به.\nقال الإمام الشافعي مشيرًا إلى شروط الراوي الذي تقوم به الحجة: \" إذا شارك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم \" (٢) .\nوقال الإمام أيوب السختياني (ت ١٣١هـ) من صغار التابعين: \" إذا أردت أن تعرف خطأ معلمك فجالس غيره \" (٣) .\nوقال ابن المبارك: \" إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضها ببعض \" (٤) .\nوقد صرح بهذا الإمام مسلم في صحيحه، فقال: \" وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل\n_________\n(١) المصدر نفسه ص١٠٨.\n(٢) محمد بن إدريس الشافعي: الرسالة - تحقيق أحمد شاكر - مطبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة - ط١ سنة ١٣٥٨هـ، ص١٥٣.\n(٣) رواه الدارمي في سننه: ج١ ص١٥٣.\n(٤) الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع - تحقيق د. محمد رأفت سعيد - مكتبة الفلاح - الكويت سنة ١٤٠١هـ، ج٢ ص٣٥٤.","vol":"1","page":133},{"text":"الحفظ والرضى، خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله ولا مستعمله \" (١) .\nد - مراتب الرواة من حيث الضبط:\nإن رواة الحديث ليسوا على درجة واحدة من حيث الضبط والإتقان، ففيهم من هو في الذروة العالية في الحفظ عديم الإتقان والضبط. وبينهما رواة وسط، وهؤلاء منهم من يقترب من الطبقة الأولى وفيهم من ينزل إلى الطبقة الدنيا، لكن أحسن منهم حالًا.\nوقد بيّن الإمام ابن رجب الحنبلي ذلك فقال: \" إن الرواة ينقسمون أربعة أقسام:\nأحدهما: من يتهم بالكذب.\nوالثاني: من لا يتهم لكن الغالب على حديثه الوهم والغلط.\nوالثالث: من هو صادق ويكثر في حديثه الوهم، ولا يغلب عليه.\nوالرابع: الحفاظ الذين يندر الخطأ والوهم في حديثهم أو يقل.\nفأما القسم الأول فمتفق عليى تركه وعدم الاحتجاج به. وأما القسم الأخير فمتفق على الاحتجاج به. وأما القسم الثاني فأكثر المحدثين لا يحتجون بهم. ووقع الخلاف في القسم الثالث، فقد روى عن يحي بن معين أنه لا يحتج بهم، وعن ابن المبارك، وابن مهدي، ووكيع وغيرهم أنهم حدثوا عنهم، وهو أيضًا رأى سفيان وأكثر أهل الحديث المصنفين في السنن والصحاح كمسلم بن الحجاج وغيره، وعلى هذا المنوال نسج أبو داود والنسائي والترمذي. مع أنه خرج لبعض من هو دون هؤلاء وبين ذلك ولم يسكت عنه، وإلى طريقة يحي بن سعيد يميل على ابن المديني وصاحبه البخاري\" (٢) .\n_________\n(١) مقدمة صحيح مسلم ص٤.\n(٢) شرح العلل ص٩٢ - باختصار.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المطلب الثاني: موقف الإمام البخاري من الرواة الضعفاء</span>\nسبق في المطلب الأول نقل كلام الإمام ابن رجب حول موقف ابن المديني وتلميذه الإمام البخاري من الرواة المتصفين بالصدق ويكثر في حديثهم الوهم ولكن لا يغلب عليهم. حيث ذكر أن البخاري وابن المديني لا يخرجان لمثل هؤلاء الرواة. فهل ما ذكره ابن رجب صحيح ودقيق ينطبق مع الواقع العملي عند الإمام البخاري في صحيحه؟\nإن الرواة الضعفاء (أو الذين ضعفوا) من رواة الجامع الصحيح عددهم كبير. وبمراجعة ما ذكره الحافظ في مقدمة الفتح يمكن أن نصفهم إلى خمسة أصناف.\nالصنف الأول:\nرواة ضعفوا بسبب بعض الأحاديث التي انفردوا بها، وهذه الأحاديث لا يعرج عليها البخاري في صحيحه. ومن هؤلاء الرواة:\n١ - أفلح بن حميد الأنصاري المدني:\nأحد الأثبات، وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن سعد، وقال ابن عدي: كان أحمد ينكر على أفلح حديث ذات عرق، ولم ينكر عليه أحمد غير هذا. وقد انفرد به عن أفلح المعافي ابن عمران، وأفلح صالح، وأحاديثه مستقيمة.\nقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يحدث يحي القطان عن أفلح.\nوروى أفلح حديثين منكرين: أن النبي ﷺ أشعر، وحديث وقت لأهل العراق ذات عرق.\nوالبخاري لم يخرج له شيئًا من هذا - ولله الحمد - بل له عنده حديث واحد في الطهارة، وثلاثة في الحج، ورابع في الحج علقه، ووافقه","vol":"1","page":135},{"text":"مسلم على تخريج الخمسة وكلها عندهما عنه عن القاسم عن عائشة (١) .\n٢ - بدل بن المحبر التميمي البصري:\nوثقه أبو زرعة، وأبو حاتم وغيرها، وضعفه الدارقطني في روايته عن زائدة. قال الحاكم. وذلك بسبب حديث واحد خالف فيه حسين بن علي الجعفي صاحب زائدة، قال الحافظ: وهو تعنت، ولم يخرج عنه البخاري سوى موضعين عن شعبة أحدهما في الصلاة والآخر في الفتن، وروى له أصحاب السنن (٢) .\n٣ - بريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري:\nوثقه ابن معين والعجلي والترمذي وأبو داوود، وقال النسائي ليس به بأس، وقال مرة ليس بذاك القوي، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين يكتب حديثه، وقال ابن عدي: صدوق وأحاديثه مستقيمة، وأنكر ما روى: حديث إذا أراد الله بأمة خيرًا قبض نبيها قبلها. ومع ذلك فقد أدخله قوم في صحاحهم، وقال أحمد: روى مناكير.\nقال ابن حجر: احتج به الأئمة كلهم وأحمد وغيره يطلقون المناكير على الأفراد المطلقة (٣) .\nالصنف الثاني:\nرواة ضعفوا في شيوخ معينين. والبخاري لا يروي لهم عن هؤلاء الشيوخ فمن هؤلاء الرواة:\n١ - الربيع بن يحي بن مقسم الأشناني أبو الفضل البصري:\nمن شيوخ البخاري. قال أبو حاتم الرازي: ثقة ثبت، وقال\n_________\n(١) هدي الساري ص٤١١.\n(٢) المصدر نفسه ص٤١٢.\n(٣) هدي الساري ص٤١٢.","vol":"1","page":136},{"text":"الدارقطني: يخطئ في حديثه عن الثوري وشعبه. لكن البخاري لم يخرج له إلا من حديثه عن زائدة فقط (١) .\n٢ - سلام بن أبي مطيع الخزاعي أبو سعيد البصري:\nقال أحمد: ثقة صاحب سنة. وقال ابن عدي: ليس بمستقيم الحديث عن قتادة خاصة، ولم أرَ أحدًا من المتقدمين نسبه إلى الضعف. وقال ابن حبان: كان سيء الأخذ لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.\nوقال الحاكم: ينسب إلى الغفلة وسوء الحفظ.\nوالبخاري لم يرو له عن قتادة، كما روى له بمتابعة غيره له، وليس له في البخاري سوى حديثين أحدهما في فضائل القرآن وفي الاعتصام بمتابعة حماد بن زيد وغيره له، عن أبي عمران الجوني عن جندب، والآخر في الدعوات بمتابعة أبي معاوية وغيره عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة (٢) .\n٣ - معمر بن راشد: صاحب الزهري:\nكان من أثبت الناس فيه. قال ابن معين وغيره: ثقة إلا أنه حدث من حفظه بالبصرة بأحاديث غلط فيها. قاله أبو حاتم وغيره. وقال العلائي عن يحي بن معين: حديث معمر عن ثابت البناني ضعيف. وقال ابن أبي خيثمة: إذا حدثك معمر عن الزهري، وابن طاووس فحديثه مستقيم، وما عمل في حديث الأعمش شيئًا، وإذا حدث عن العراقيين خالفه أهل الكوفة والبصرة، قال ابن حجر: \" أخرج له البخاري من روايته عن الزهري وابن طاوس وهمام بن منبه ويحي بن أبي كثير، وهشام بن عروة، وأيوب وثمامة بن أنس وعبد الكريم الجزري.\n_________\n(١) هدي الساري ص٤٢٢.\n(٢) المصدر نفسه ص٤٢٨ - ٤٢٩.","vol":"1","page":137},{"text":"ولم يخرجوا من رواية أهل البصرة عنه إلا ما توبعوا عليه، واحتج به الأئمة كلهم \" (١) .\nالصنف الثالث:\nرواة ضعفوا في حالات خاصة كالاختلاط والتغير. والإمام البخاري لا يخرج لهم ما روى عنهم في تلك الحالات. ومن أمثلة هؤلاء:\n١ - جرير بن حازم:\nأبو نصر الأزدي البصري وثقه ابن معين. وضعفه في قتادة خاصة ووثقه العجلي والنسائي، وقال أبو حاتم صدوق. وقال ابن سعد: ثقة إلا أنه اختلط في آخر عمره.\nقال الحافظ ابن حجر: \" ما ضره اختلاطه لأن أحمد بن سنان قال: سمعت ابن مهدي يقول: كان لجرير أولاد فلما أحسّوا باختلاطه حجبوه، فلم يسمع منه أحد في حال اختلاطه شيئًا، واحتج به الجماعة، وما أخرج له البخاري من روايته عن قتادة إلا أحاديث يسيرة توبع عليها \" (٢) .\n٢ - حجاج بن محمد الأعور المصيصي:\nأحد الأثبات، أجمعوا على توثيقه، وذكره أبو العرب الصقلي في الضعفاء بسبب أنه تغير في آخر عمره واختلط. لكن ما ضره الاختلاط فإن إبراهيم الحربي حكى أن يحي بن معين منع ابنه أن يدخل عليه - بعد اختلاطه - أحدًا. وروى له الجماعة (٣) .\n٣ - حصين بن عبد الرحمن السلمي:\nأبو الهذيل الكوفي متفق على الاحتجاج به إلا أنه تغير في آخر عمره وقد أخرج له البخاري من حديث شعبة والثوري وزائدة وأبي عوانة،\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٤٦٧.\n(٢) المصدر نفسه ص٤١٤.\n(٣) هدي الساري ص٤١٥.","vol":"1","page":138},{"text":"وأبي بكر بن عياش وأبي كدينة، وحصين بن نمير، وهشيم وخالد الواسطي وسليمان بن كثير العبدي وأبي زبيد عبثر بن القاسم وعبد العزيز العمي، وعبد العزيز بن مسلك ومحمد بن فضيل.\nفأما شعبة والثوري وزائدة وهشيم وخالد فسمعوا منه قبل تغيره. وأما حصين بن نمير فلم يخرج له البخاري من حديثه عنه سوى حديث واحد. وأما محمد بن فضيل ومن ذكر معه فأخرج من حديثهم ما توبعوا عليه (١) .\nالصنف الرابع:\nرواة ضعفوا بسبب خلل وقع لهم في الأخذ والتحمل كالرواية بالإجازة أو الوجادة أو بسبب خلل في الأداء كالإرسال أو التدليس، ومن أمثلة هؤلاء:\n١ - أوس بن عبد الله أبو الجوزاء:\nتكلم فيه للإرسال. ذكره ابن عدي في الكامل وحكى عنه البخاري أنه قال: في إسناده نظر ويختلفون فيه، ثم شرح ابن عدي مراد البخاري فقال: يريد أنه يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما لا أنه ضعيف عنده. قال ابن حجر: \" أخرج له البخاري حديثًا واحدًا من روايته عن ابن عباس. قال: كان اللات رجلًا يلت السويق. وروى له الباقون \" (٢) .\n٢ - ثمامة بن أنس:\nتكلم فيه من أجل روايته من الكتاب، روى عن جده، وثقة أحمد والنسائي والعجلي، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وروى عن أبي يعلي أن ابن معين أشار إلى لينه.\nقال الحافظ: \" قد بين غيره السبب في ذلك وهو من أجل حديث أنس\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٤١٧ - ٤١٨.\n(٢) المصدر نفسه ص٤١١.","vol":"1","page":139},{"text":"في الصدقات ليكون ثمامة قيل أنه لم يأخذه عن أنس سماعًا، وقد بينا أن ذلك لا يقدح في صحته \" (١) .\n٣ - الحكم بن نافع أبو اليمان الحمصي:\nمجمع على ثقته. اعتمده البخاري وروى عنه الكثير. وروى له الباقون بواسطة. تكلم بعضهم في سماعه من شعيب فقيل إنه مناولة، وقيل: أنه إذن مجرد. وقد قال الفضل بن غسان سمعت يحي بن معين يقول: سألت أبا اليمان عن حديث شعيب فقال: ليس هو مناولة، المناولة لم أخرجها لأحد، وبالغ أبو زرعة الرازي. وقال لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا حديثًا واحدًا.\nقال الحافظ: \" إن صح ذلك فهو حجة في صحة الرواية بالإجازة إلا أنه كان يقول في جميع ذلك أخبرنا ولا مشاححة في ذلك إن كان اصطلاحًا له \" (٢) .\n٤ - خلاس بن عمرو الهجري:\nوثقه ابن معين وأبو داود والعجلي. وقال أبو حاتم: يقال وقعت عنده صحف عن علي وليس بقوي. وقال أحمد بن حنبل كان القطان يتوقى حديثه عن علي خاصة. واتفقوا على أن روايته عن علي بن أبي طالب وذويه مرسلة.\nوقال أبو داود عن أحمد: لم يسمع من أبي هريرة.\nقال الحافظ: روايته عنه عند البخاري، أخرج له حديثين، قرنه فيهما معًا بمحمد بن سيرين وليس له عنده غيرهما (٣) .\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٤١٤.\n(٢) المصدر نفسه ص٤١٨.\n(٣) هدي الساري ص٤٢٠.","vol":"1","page":140},{"text":"الصنف الخامس:\nرواه ضعفوا بسبب المذهب العقدي أو الفقهي:\nوهؤلاء لا أثر لتضعيفهم بذلك. إذا كانوا ثقات وقد سبق في المبحث الأول بيان موقف الإمام البخاري من رواية أهل البدع والأهواء وجل من وصف بالبدعة وضعف بسبب ذلك هم مندرجون في هذا الصنف. لكن أذكر هنا بعض الرواة الذين ضعفوا بسبب المذهب الفقهي، فمن هؤلاء:\n١ - ربيعة بن أبي عبد الرحمن:\nتكلم فيه بسبب الإفتاء بالرأي (١) .\nقال الحافظ فيه: \" ثقة فقيه مشهور، قال ابن سعد: كانوا يتقونه لموضع الرأي \" (٢) .\nوالبخاري لم يعتمد بهذا التضعيف فقد روى له في صحيحه وكذا سائر الجماعة.\n٢ - محمد بن عبد الله بن المثني:\nأبو عبد الله الأنصاري البصري القاضي، من قدماء شيوخ البخاري ثقة. وثقه ابن معين وغيره، وقال أحمد وغيره: ما يضعفه عند أهل الحديث إلا النظر في الرأي، أما السماع فقد سمع (٣) .\nوالبخاري لم يعتد بهذا التضعيف فقد روى له في صحيحه وكذا سائر الجماعة.\nفهؤلاء هم أصناف الرواة الضعفاء الذين خرج لهم البخاري في صحيحه. ولقد بيّن العلامة المعلمي كيف يخرج الشيخان للرواة المتكلم فيهم فقال:\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٤٨٥.\n(٢) التقريب ص٢٠٧.\n(٣) المصدر نفسه ص٤٦٢.","vol":"1","page":141},{"text":"\" إن الشيخين يخرجان لمن فيهم كلام في مواضع معروفة.\nأحدهما: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذلك الكلام لا يضره، في روايته البتة، كما أخرج البخاري لعكرمة.\nالثاني: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذلك الكلام إنما يقتضي أنه لا يصلح للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يحتج به مقرونًا أو حيث تابعه غيره ونحو ذلك.\nثالثها: أن يريا أن الضعف الذي في الرجل خاص بروايته عن فلان من شيوخه، أو برواية فلان عنه، أو بما سمع منه من غير كتابه، أو بما سمع منه بعد اختلاطه، أو بما جاء عنه عنعنه وهو مدلس ولم يأت عنه من وجه آخر ما يدفع ريبة التدليس.\nفيخرجان للرجل حيث يصلح، ولا يخرجان له حيث لا يصلح \" (١) .\nوهذا تلخيص جيد لا مزيد عليه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>المطلب الثالث: مراتب رجال الصحيحين من حيث الضبط</span>\nإن رجال الصحيحين ليسوا على مرتبة واحدة من حيث الضبط. ففيهم الحافظ الثقة وفيهم دون ذلك.\nوسأسوق من أقوال العلماء ما يدل على ذلك.\nقال الإمام الذهبي (ت ٧٤٨هـ) - ﵀ -:\n_________\n(١) عبد الرحمن بن يحي المعلمي: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - بتخريج الألباني وتعليقات زهير الشاويش - المكتب الإسلامي - الطبعة الثانية، سنة ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م، ص٦٩٢.","vol":"1","page":142},{"text":"\" من أخرج له الشيخان أو أحدهما على قسمين:\nأحدهما ما احتجا به في الأصول، وثانيهما: من أخرجا له متابعة وشهادة واعتبارًا.\nفمن احتجا به أو أحدهما، ولم يوثق ولا غمز، فهو ثقة حديثه قوي، ومن احتجا به أو أحدهما وتكلم فيه: فتارة يكون الكلام فيه تعنتًا، والجمهور على توثيقه، فهذا حديثه قوي أيضًا، وتارة يكون في تليينه وحفظه له اعتبار، فهذا حديثه لا ينحط عن مرتبة الحسن التي قد نسميها: من أدنى درجات الصحيح.\nفما في \" الكتابين \" بحمد الله رجل احتج به البخاري أو مسلم في الأصول ورواياته ضعيفة بل حسنة أو صحيحة.\nومن خرج له البخاري أو مسلم في الشواهد والمتابعات. ففيهم من في حفظه شيء وفي توثيقه تردد، فكل من خرج له في \" الصحيحين \" فقد قفز القنطرة فلا معدل عنه إلا ببرهان بين.\nنعم الصحيح مراتب والثقات طبقات فليس من وثق مطلقًا كمن تكلم فيه، وليس من تكلم في سوء حفظه واجتهاده في الطلب كمن ضعفوه، ولا من ضعفوه ورووا له كمن تركوه ولا من تركوه كمن اتهموه وكذبوه \" (١) .\nوقد سبق إلى هذا الحافظ الحازمي (ت ٥٢٤هـ) . فإنه قال بعد أن قسم الرواة إلى خمس طبقات وجعل الطبقة الأولى مقصد البخاري. ويخرج أحيانًا من أعيان الطبقة الثانية.\n\" فإن قيل: إذا كان الأمر على ما مهدت، وأن الشيخين لم يودعا كتابيهما إلا ما صح، فما بالهما خرجا حديث جماعة تكلم فيهم، نحو فليح بن سليمان، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وإسماعيل بن أبي أويس عند البخاري ومحمد بن إسحاق وذويه عند مسلم. قلت: أما إيداع البخاري\n_________\n(١) الموقظة ص٧٩ - ٨١.","vol":"1","page":143},{"text":"ومسلم \" كتابيهما \" حديث نفر نسبوا إلى نوع من الضعف فظاهر، غير أنه لم يبلغ ضعفهم حدًا يرد به حديثهم \" (١) .\nومعنى هذا أن الإمام البخاري يروي عن الضعفاء الذين لم يصلوا إلى حد الترك ولكن لا يروي لهم إلا ما صح من حديثهم.\nوتعرف صحة حديثه بأمرين:\nالأول: موافقة هذا الراوي لغيره ومتابعتهم له.\nوهذا أمر يلاحظ في صحيح البخاري فإنه يكثر من ذكر المتابعات والشواهد. فإنه يروي الحديث ثم يقول: تابعه فلان وفلان إذا كان راوية ضعيفًا، أو كان الراوي ثقة لكن وقع فيه اختلاف في سنده ومتنه. كما سيأتي توضيحه في \" منهج البخاري في تعليل الأحاديث \".\nالثاني: مراجعة أصول الراوي والنظر فيها. فإنه ولو كان ضعيفًا في حفظه فإنه يقبل حديثه الموجود في أصوله. إذا كان الراوي صدوقًا في الجملة. ومثال هذا أحاديث إسماعيل بن أبي أويس (٢) .\nوهذا المنهج يعرف بمنهج الانتقاء من أحاديث الضعفاء، أي أن حديث الضعيف لا يرد جملة ولا يقبل جملة. وإنما يقبل ما صح من حديثه فقط. كما أن الثقة لا تقبل أحاديثه مطلقًا فيقبل ما أصاب فيه ويرد ما أخطأ فيه.\nقال الإمام ابن القيم وهو يرد على من عاب على مسلم إخراج أحاديث الضعفاء سيئي الحفظ كمطر الوراق وغيره: \" ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه، فغلط في هذا المقام من استدرك عليه إخراج جميع أحاديث الثقة، ومن ضعف جميع أحاديث سيئي\n_________\n(١) شروط الأئمة الخمسة ص٦٩ - ٧٠.\n(٢) انظر ص٤٥ من هذه الرسالة.","vol":"1","page":144},{"text":"الحفظ. فالأولى: طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية: طريقة أبي محمد بن حزم وأشكاله. وطريقة مسلم. هي طريقة أئمة هذا الشأن \" (١) .\nوهذه هي طريقة الإمام البخاري - ﵀ - أيضًا ولكن قد يختلف اجتهاد الأئمة في تقدير ضعف الراوي ومرتبته. فقد يكون الراوي ضعيفًا متروكًا عند مسلم بينما يكون عند البخاري ضعيفًا ضعفًا يسيرًا محتملًا، أو على العكس كل بحسب اجتهاده وقد صرح الإمام ابن الصلاح بهذا حيث قال:\n\" شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه، سالمًا من الشذوذ والعلة. وهذا حد الصحيح، فكل حديث اجتمعت فيه هذه الشروط فهو صحيح بلا خلاف بن أهل الحديث، وما اختلفوا في صحته من الأحاديث: فقد يكون بسبب اختلافهم أنه هل اجتمعت فيه هذه الشروط أم انتفى بعضها. وهذا هو الأغلب في ذلك كما إذا كان الحديث في رواته من اختلف في كونه من شرط الصحيح، فإذا كان الحديث رواته كلهم ثقات، غير أن فيهم أبا الزبير المكي مثلًا أو سهيل بن أبي صالح، أو العلاء بن عبد الرحمن، لكون هؤلاء عند مسلم ممن اجتمعت فيهم الشروط المعتبرة، ولم يثبت عند البخاري ذلك فيهم. وكذا حال البخاري فيما خرجه من حديث عكرمة مولى ابن عباس وإسحاق بن محمد الغروي وعمرو بن مرزوق وغيرهم ممن احتج بهم البخاري ولم يحتج بهم مسلم \" (٢) .\nوواضح من كلام الإمام ابن الصلاح أن الأئمة لم يختلفوا في حد الصحيح وشرطه المعتبرة وأركانه من: إتقان الرواة، واتصال السند، والسلامة من الشذوذ والعلل، وإنما الخلاف بينهم في تطبيق تلك الشروط\n_________\n(١) ابن القيم الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد - تحقيق شعيب الأرنائوط وعبد القادر الأرناؤوط - مؤسسة الرسالة - الطبعة الثامنة، سنة ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م، ج١ ص٣٦٤.\n(٢) أبو عمرو بن الصلاح: صيانة صحيح مسلم - دراسة وتحقيق موفق بن عبد الله بن عبد القادر - دار الغرب الإسلامي - الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م، ص٧٢ - ٧٤.","vol":"1","page":145},{"text":"على الرواة والأحاديث ومن ثم تختلف اجتهاداتهم، وليس بسبب الاختلاف في الأسس والمنهج كما يفهمه - خطأ - الكثير وإنما الخلاف في التطبيق وتنزيل تلك الشروط.\nوقد ظن الكثير أن للبخاري شرطًا خاصًا به في الصحيح، وكذلك أن لمسلم شرطًا متميزًا وكذلك أن لابن حبان ولابن خزيمة شروطًا خاصة بهما وهكذا للحاكم شرط للصحيح خاص به. أي إن لكل إمام وناقد شروطًا في الصحيح تختلف تمامًا عن شروط الآخرين وهذا مخالف للواقع العملي التطبيقي عند النقاد، والسبب في الوقوع في هذا الخطأ المنهجي الخطير هو تلك الألفاظ المجملة التي أطلقها الحازمي والمقدسي والحاكم في كتبهم وهم لا يعنون أبدًا ما فهمه هؤلاء.\nومن هنا فإن التعريف المتداول للحديث الصحيح وهو: (ما يرويه العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه وسلم من الشذوذ والعلة القادحة) فيه قصور إذ لا يشمل أحاديث العدول الذين خف ضبطهم أو بعبارة أخرى لا يشمل أحاديث الضعفاء التي صحت.\nولهذا يرى الحافظ ابن حجر أن يكون تعريف الحديث الصحيح على هذا النحو: (هو الحديث الذي يتصل بإسناده بنقل العدل التام الضبط أو القاصر عنه إذا اعتضد - عن مثله إلى منتهاه - ولا يكون شاذًا ولا معللًا) (١) .\nوقد استند الحافظ في هذا إلى تتبعه واستقرائه لأحاديث الصحيحين قال - ﵀ -:\n\" وإنما قلت ذلك لأنني اعتبرت كثيرًا من أحاديث الصحيحين فوجدتها لا يتم عليها الحكم بالصحة إلا بذلك \" (٢) . ثم ذكر أمثلة على هذا\n_________\n(١) النكت على كتاب ابن الصلاح ص١٣٤.\n(٢) المصدر نفسه ص١٣٤.","vol":"1","page":146},{"text":"فمن ذلك حديث أبي بن العباس بن سهل بن سعد (١) عن أبيه (٢) ﵁ في ذكر خيل النبي ﷺ قال: كان للنبي ﷺ في حائطنا فرس يقال لها اللحيف. قال أبو عبد الله وقال بعضهم: اللخيف (٣) .\nوأبي هذا قد ضعفه لسوء حفظه أحمد بن حنبل ويحي بن معين والنسائي. ولكن تابعه عليه أخوه عبد المهيمن بن العباس (٤) أخرجه ابن ماجه من طريقه. وعبد المهيمن فيه ضعف. فاعتضد. وانضاف إلى ذلك أنه ليس من أحاديث الأحكام، فلهذه الصورة المجموعة حكم البخاري بصحته (٥) . وكذا حكم البخاري بصحة حديث معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة - ﵂ - أنها سألت النبي ﷺ عن الجهاد فقال ﷺ: \" جهادكن الحج والعمرة \" (٦) .\nومعاوية ضعفه أبو زرعة ووثقه أحمد والنسائي (٧) .\nوقد تابعه عليه عنده حبيب بن أبي عمرة (٨) فاعتضد (٩) .\nفي أمثلة كثيرة قد ذكر الحافظ كثيرًا منها في مقدمة شرحه للبخاري ويوجد في كتاب مسلم منها أضعاف ما في البخاري.\n_________\n(١) فيه ضعف من السابعة. انظر التقريب ص٩٦، وهدي الساري ص٤٠٨.\n(٢) ثقة، مات في حدود (١٢٠هـ) وقيل قبل ذلك، انظر التقريب ص٢٩٣.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار الحديث (٢٨٠٠)، ج٦ ص٦٩ مع الفتح.\n(٤) ضعيف من الثامنة، مات بعد السبعين ومائة روى له الترمذي وابن ماجه، انظر التقريب ص٣٦٦.\n(٥) النكت ص١٣٤.\n(٦) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب جهاد النساء رقم (٢٨٧٥) ج٦ ص٨٥.\n(٧) انظر الكاشف: ج٣ ص١٥٦ وهدي الساري ص٤٦٦.\n(٨) حبيب بن أبي عمرة القصاب أبو عبد الله الحماني، بكسر المهمة، الكوفي، ثقة مات سنة (١٤٢هـ) ترجمته في: التقريب ص١٥١.\n(٩) أخرج البخاري حديثه عقيب حديث معاوية بن إسحاق السابق، رقم (٢٨٧٦)، ج٦ ص٨٩.","vol":"1","page":147},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر - مبينًا مراتب الرواة من حيث الضبط - عند الإمام البخاري:\n\" وأما الغلط فتارة يكثر في الراوي وتارة يقل، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط، ينظر فيما أخرج له، إن وجد مرويًا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط، علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وإن لم يوجد إلا من طريقة فهذا قادح يوجب التوقف فيما هذا سبيله - وليس في الصحيح - بحمد الله، من ذلك شيء، وحيث يوصف بقلة الغلط، كما يقال سيء الحفظ، أو له أوهام، أو له مناكير، وغير ذلك من العبارات، فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله، إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك \" (١) .\nومن هنا يتبين لنا أن منهج البخاري في تصحيح الأحاديث هو النظر في الحديث بمجموع طرقه وأسانيده، وليس النظر في خصوص كل إسناد على انفراده، وليس هذا منهجًا للإمام البخاري فحسب بل هو منهج كل المحدثين النقاد كالإمام مسلم والترمذي وغيرهم، لذلك نرى الإمام مسلم يورد في صحيحه بعض الأحاديث التي في إسنادها ضعف ثم يورد لها الشواهد والمتابعات فيكون ذلك الحديث صحيحًا بمجموع تلك الطرق، وكذلك الإمام الترمذي فإنه يورد في كثير من الأحيان أحاديث في رواتها ضعف، ويتكلم على أولئك الرواة فيقول مثلًا: \" فلان ليس بالقوي \"، أو \"ليس بذاك \" ونحوها من عبارات التليين، ثم يحكم على الحديث بالصحة أو الحسن أو هما معًا، باعتبار شواهده ومتابعاته لأنه يعقب على ذلك الحكم غالبًا بقوله وفي الباب عن فلان وفلان وشرح هذا الأمر وذكر الأمثلة عليه يطول، ومن ينظر في الجامع الصحيح للإمام مسلم وجامع الإمام الترمذي بتمعن يتبين له ذلك، والذي أركز عليه هو ذكر أمثلة ونماذج من صحيح الإمام البخاري، قواها البخاري وصححها بمجموع طرقها لا بخصوص أسانيدها.\n_________\n(١) هدي الساري ص٤٠٣.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>المطلب الرابع: نماذج من أحاديث الضعفاء ومنهج البخاري في تصحيحها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>١ - أحاديث محمد بن عبد الرحمن الطفاوي:</span>\nله في البخاري ثلاثة أحاديث، ولو نظرنا إلى ترجمته في كتب الرجال (١) نجد أنه ليس من الحفاظ المتقنين الذين هم من شرط الصحيح.\nفقد وثقه ابن المديني.\nوقال أبو حاتم: صدوق إلا أنه يهم أحيانًا.\nوقال ابن معين: لا بأس به.\nوقال أبو زرعة: منكر الحديث.\nوأورد له ابن عدي عدة أحاديث وقال: إنه لا بأس به.\nفهذا الراوي واضح أنه ليس في الدرجة العليا من رجال الصحيح، بل ليس من رجال الصحيح حسبما استقرت عليه كتب المصطلح، فإن من قيل فيه صدوق يهم، ولا بأس به، فحديثه حسن، ومن قيل فيه منكر الحديث فحديثه ضعيف، إذن فأحاديث الطفاوي تكون ضعيفة ضعفًا محتملًا أو حسنة على الاصطلاح المتداول، والآن ندرس أحاديثه وكيف صححها الإمام البخاري - ﵀ -.\nالحديث الأول:\nقال البخاري - ﵀ -: \" ثنا أحمد بن المقدام العجلي ثنا\n_________\n(١) انظر: التاريخ الكبير: ج١ ت٤٦٥، والجرح والتعديل: ج٧ ت ١٧٤٧، والثقات: ج٧ ص٤٤٢، وتاريخ بغداد: ج٢ ص٣٠٨، وتهذيب الكمال: ج٢٥ ص٦٥٢، والميزان: ج٣ ت ٧٨٣، وتهذيب التهذيب: ج٩ ص٣٠٩، والتقريب ص٤٩٣، وهدي الساري ص٤٦٣ والخلاصة: ج٢ ت ٦٤٤٦.","vol":"1","page":149},{"text":"محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالوا: إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: سموا الله وكلوه \" (١) .\nلو نظرنا إلى خصوص سند هذا الحديث لحكمنا عليه بالضعف، وفي أحسن الأحوال بالحسن الاصطلاحي، لكن الإمام البخاري صححه وأورده في صحيحه محتجًا به، والجواب على ذلك أنه وإن كان خصوص سنده فيه مقال لكن له متابعات تقويه وترفعه إلى درجة الصحة، وهذه المتابعات هي:\n١ - متابعة أبو خالد الأحمر (٢): وصلها المصنف في كتاب التوحيد، قال البخاري - ﵀ - \" حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو خالد الأحمر، قال: سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة قال: قالوا: يا رسول الله إن هنا أقوامًا حديثًا عهدهم بشرك يأتونا بلُحْمَانٍ لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا، قال: اذكروا أنتم اسم الله وكلوا \".\nتابعه محمد بن عبد الرحمن وعبد العزيز بن محمد وأسامة بن حفص (٣) .\nوأبو خالد هو سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، قال فيه الذهبي: \" صاحب حديث وحفظ، روى عباس عن بن معين: صدوق ليس بحجة، وقال علي بن المديني: ثقة، وقال أبو حاتم، صدوق، روى له أحاديث خولف فيها - هو كما قال يحي: صدوق ليس بحجة، وإنما أوتي من سوء حفظه.\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب البيوع، باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات، رقم (٢٠٥٧) ج٤ ص٣٤٥ مع الفتح.\n(٢) انظر ترجمته في الجرح والتعديل: ج٤ ت ٤٧٧، وتاريخ بغداد: ج٩ ص٢١، والسير: ج٩ ص١٩، وتهذيب الكمال: ج١١ ص٣٩٤، والتهذيب: ج٤ ص١٨١، وهدي الساري ص٤٢٧.\n(٣) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب السؤال بأسماء الله والاستعاذة بها رقم (٧٣٩٨)، ج١٣ ص٣٩١ مع الفتح.","vol":"1","page":150},{"text":"قلت: الرجل من رجال الكتب الستة، وهو مكثر يهم كغيره \" (١) .\nوقال فيه الحافظ: \" صدوق يخطئ \" (٢) .\nوقد ذكره العقيلي في كتابه الضعفاء (٣)، فهو صالح للمتابعة.\n٢ - متابعة أسامة بن حفص: وصلها المصنف في كتاب الأضاحي، قال البخاري:\n\" ثنا محمد بن عبد الله، ثنا أسامة بن حفص المديني عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة - ﵂ - أن قومًا قالوا للنبي ﷺ: \" إن قومًا يأتوننا \".\nتابعه علي عن الدراوردي، وتابعه أبو خالد والطفاوي (٤) .\nوأسامه بن حفص شيخ لم يزد البخاري في ترجمته في التاريخ الكبير على ما في هذا الحديث حيث قال: \" أسامة بن حفص المديني، عن هشام بن عروة سمع منه محمد بن عبد الله \" (٥) .\nولم يذكره أبو حاتم في كتابه، وقال فيه الذهبي: \" صدوق، ضعفه أبو الفتح الأزدي بلا حجة، وقال اللالكائي: مجهول، قلت روى عنه أربعة \" (٦) يعني انتفت عنه الجهالة بذلك، فمثله يصلح للمتابعة.\nلهذه المتابعات صحح الإمام البخاري هذا الحديث وأورده في كتابه محتجًا به مستنبطًا منه مسائل في الفقه والعقيدة، وقد أخذ منه الحافظ ابن حجر أن تقوية الحديث الذي يرويه الضعيف إذا كانت له متابعات هو أمر يشهد له صنيع البخاري، قال - ﵀ -:\n_________\n(١) ميزان الاعتدال: ج٢ ص٢٠٠.\n(٢) التقريب ص٢٥٠.\n(٣) الضعفاء: ج٢ ص١٢٤.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب ذبيحة الأعراب ونحوهم، رقم (٥٥٠٧) ج٩ ص٥٥٠ مع الفتح.\n(٥) التاريخ الكبير: ق٢ ج١ ص٢٣.\n(٦) ميزان الاعتدال: ج١ ص١٧٤.","vol":"1","page":151},{"text":"\" ويؤخذ من صنيعه أنه وإن اشترط في الصحيح أن يكون راويه من أهل الضبط والإتقان أنه إن كان في الراوي قصور عن ذلك، ووافقه على رواية ذلك الخبر من هو مثله انجبر ذلك القصور بذلك، وصح الحديث على شرطه \" (١) .\nالحديث الثاني:\nقال الإمام البخاري: \" حدثنا محمد بن المقدام العجلي حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي حدثنا أيوب عن محمد عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: \" أعطيت مفاتيح الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم البارحة إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت في يدي\" (٢) .\nوطريق الطفاوي هذا قال فيه البغوي فيما ذكر عنه الإسماعيلي: \" لا أعلم حدث به عن أيوب غير محمد بن عبد الرحمن \" (٣)، وهذا الحكم من مثل هذا الإمام له قيمته العلمية لأنه مبني على التتبع والاستقراء لذا لم يذكر الحافظ في مقدمة الفتح متابعات لحديث الطفاوي وكذا لم يفعل في شرحه لهذا الحديث في الفتح، مع سعة إطلاع الحافظ - ﵀ - وتبحره في معرفة الطرق والروايات، وشدة دفاعه عن الصحيح ورجاله، ومن هنا أستطيع أن أقول إن هذا الحديث لو طبقنا عليه قواعد المصطلح بخصوص إسناده لحكمنا عليه بالغرابة والضعف، لكن الإمام البخاري أورده في جامعه الذي اشترط فيه الصحة معتمدًا عليه، والإمام البخاري لم يحكم على خصوص هذا الإسناد وإنما باعتبار ما لهذا الحديث من شواهد منها:\nالشاهد الأول: ما رواه البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه قال: \" حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال:\n_________\n(١) الفتح: ج٩ ص٥٥٠.\n(٢) رواه البخاري في كتاب التعبير، باب رؤيا الليل، رقم (٦٩٩٨)، ج١٢ ص٤٠٦.\n(٣) نقله الحافظ في فتح الباري: ج٩ ص٤٠٧.","vol":"1","page":152},{"text":"\" بُعثت بجوامع الكلم \" (١) .\nوالشاهد الثاني: ما رواه البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه قال: \" حدثنا يحي بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: \" بعثت بجوامع الكلم ونُصرت بالرعب \" (٢) .\nفهذه الشواهد أو بعبارة أدق هذه المتابعات القاصرة، تدل على أن هذا الحديث محفوظ عن أبي هريرة يرويه عنه محمد بن سيرين وسعيد بن المسيب.\nويرويه عن سعيد بن المسيب، ابن شهاب الزهري، ويرويه عن الزهري، إبراهيم بن سعد وعقيل.\nوأما محمد بن سيرين فيرويه عنه أيوب، ولم يروه عن أيوب إلا الطفاوي كما تقدم.\nفأصل الحديث إذن ثابت وصحيح لا مرية فيه.\nلكن ما هو الغرض العلمي الذي دفع البخاري إلى إخراج هذا الحديث من طريق الطفاوي؟ ظهر لي غرضان هما:\nأولًا: هذا الإسناد رواته كلهم بصريون، كما صرح به الحافظ وكما يعلم من تراجمهم، إذن فهذا الإسناد وإن كان فيه تفرد محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن أيوب، الذي قد يثير شبهة الغرابة، وخاصة أن المتفرد ليس من الحفاظ، لكن لما كان هذا المتفرد إنما انفرد به شيخه وبلديه، والحديث مشهور بالبصرة متداول بين علمائها، فهذه الشهرة تدفع تلك الغرابة الآتية من تفرد الطفاوي به.\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الاعتصام، باب قول النبي ﷺ: \" بعثت بجوامع الكلم \" رقم (٧٢٧٣)، ج١٣ ص٢٦١ مع الفتح.\n(٢) كتاب الجهاد، باب قول النبي ﷺ: \" نصرت بالرعب مسيرة شهر \" رقم (٢٩٧٧) ج٦ ص١٤٩.","vol":"1","page":153},{"text":"ثانيًا: هذا الطريق أعلى سندًا من غيره فبين البخاري والنبي ﷺ خمسة رجال، بينما الطريق الذي أورده في كتاب الجهاد فبينه وبين النبي ﷺ ستة رجال، فطريق الطفاوي جمع بين العلو وتسلسل الرواة باعتبار بلدهم وهذا مما يُعنى به المحدثون، ولا يكون هذا كله إلا إذا تأكد لديهم صحة أصل الحديث، والله تعالى أعلم.\nوأما الحديث الثالث فهو حديث ابن عمر \" كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل.. \".\nقال البخاري: \" حدثنا علي بن عبد الله حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو المنذر الطفاوي عن سليمان أو عمش قال: حدثني مجاهد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيميني فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل \" (١) .\nقال الحافظ: \" فهذا الحديث قد تفرد به الطفاوي وهو من غرائب الصحيح وكأن البخاري لم يشدد فيه لكونه من أحاديث الترغيب والترهيب \" (٢) .\n\" وقد أخرجه أحمد والترمذي من رواية سفيان الثوري عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد، وأخرجه ابن عدي في الكامل من طريق الحماد بن شعيب عن أبي يحي القتات عن مجاهد، وليث وأبو يحي ضعيفان والعمدة على طريق الأعمش وللحديث طريق آخر أخرجه النسائي من رواية عبدة بن أبي لبابة عن ابن عمر مرفوعًا وهذا مما يقوي الحديث المذكور \" (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>٢ - أحاديث فضيل بن سليمان النميري: </span>أبو سليمان البصري، تكلم في حفظه كثير من الأئمة (٤) .\n_________\n(١) رواه البخاري كتاب الرقاق باب قول النبي ﷺ: \" كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل \" رقم (٦٤١٦) ج١١ ص٢٣٧.\n(٢) هدي الساري ص٤٦٣.\n(٣) فتح الباري: ج١١ ص٢٣٨.\n(٤) انظر: هدي الساري ص٤٥٦ - ٤٥٧.","vol":"1","page":154},{"text":"قال الساجي: كان صدوقًا، وعنده مناكير.\nوقال عباس الدوري عن ابن معين: ليس بثقة. وقال أبو زرعة: لين الحديث.\nوقال أبو حاتم: يكتب حديثه وليس بالقوي. وقال النسائي: ليس بالقوى.\nوقد لخص الحافظ حاله فقال: \" صدوق له خطأ كثير \" (١) .\nفواضح أن مثل هذا الراوي ليس من شرط الصحيح، ومع ذلك نجد الإمام البخاري قد انتقى من حديثه ما يتابعه عليه غيره، منها:\n١ - حديثه عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر في إجلاء اليهود.\nساق البخاري سنده فقط في كتاب الحرث والمزارعة وذكر عقبة متابعة ابن جريج من طريق عبد الرزاق معلقًا (٢) وقد وصل مسلم طريق ابن جريج، وأخرجها أحمد عن عبد الرزاق عنه بتمامها (٣)، وقد ساق البخاري لفظ فضيل بن سليمان في كتاب الخمس (٤) .\n٢ - وحديثه بهذا الإسناد أيضًا في قصة زيد بن عمرو بن نفيل (٥) تابعه عليه عبد العزيز بن المختار عند أبي يعلي (٦) .\n٣ - وحديثه عن مسلم بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن جابر عمن\n_________\n(١) التقريب ص٤٤٧.\n(٢) كتاب الحرث والمزارعة، باب إذا قال رب الأرض أقرك، ما أقرك الله رقم (٢٨٣٨)، ج٢٦٥.\n(٣) الفتح: ج٥ ص٢٧.\n(٤) كتاب الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيره من الخمس وغيره رقم (٣١٣٤)، ج٦ ص٢٩٠.\n(٥) كتاب مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل رقم (٣٨٢٦)، ج٧ ص١٧٦.\n(٦) هدي الساري ص٤٥٧.","vol":"1","page":155},{"text":"سمع النبي ﷺ وتابعه عليه عند البخاري سليمان بن يسار عن عبد الرحمن بن جابر وسمي المبهم أبا بردة بن نيار (١) .\n٤ - وحديثه عن منصور بن عبد الرحمن عن صفية عن عائشة أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من الحيض \" (٢) تابعه عليه ابن عيينة ووهيب وغيرهما (٣) .\n٥ - وحديثه عن أبي حازم عن سهل بن سعد في حفر الخندق قال البخاري - ﵀ -:\n\" حدثني أحمد بن المقدام العجلي حدثنا الفضيل بن سليمان حدثنا أبو حازم حدثنا سهل بن سعد الساعدي قال: كنا مع النبي ﷺ في الخندق وهو يحفر ونحن ننقل التراب، وبصر بنا، فقال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة \" (٤) .\nوقد تابعه على حديثه هذا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل (٥) .\n٦ - وحديثه أيضًا بهذا الإسناد \" ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا \" (٦) .\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٤٥٧.\n(٢) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الأحكام التي تعرف بالدلائل رقم (٧٣٥٧)، ج١٣ ص٣٤١.\n(٣) متابعة ابن عيينة في كتاب الحيض، باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من الحيض رقم (٣١٤)، ومتابعة وهيب في كتاب الحيض أيضًا، باب غسل الحيض رقم (٣١٥)، ج١ ص٤٩٤ و٤٩٦.\n(٤) كتاب الرقاق، باب ما جاء في الرقاق، وأن لا عيش إلا عيش الآخرة رقم (٦٤١٤)، ج١١ ص٢٣٣.\n(٥) كتاب مناقب الأنصار، باب دعاء النبي ﷺ: \" أصلح الأنصار والمهاجرة \" رقم (٣٧٩٧)، ج٧ ص١٤٨.\n(٦) كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة رقم (٣٢٤٧)، ج٦ ص٣٦٧.","vol":"1","page":156},{"text":"تابعه عليه عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه أيضًا (١) .\nفهذه أمثلة ونماذج لم أقصد منها الاستيعاب، وإنما قصدت توضيح منهج البخاري في تقوية أحاديث الضعفاء، وأنه لا يعتمد على خصوص الأسانيد وإنما يحكم للحديث بمجموع طرقه.\nوالسؤال الذي يمكن أن يُطرح: لماذا يخرج البخاري لمثل هؤلاء الضعفاء مع أن الحديث قد يكون مرويًا بإسناد آخر أقوى منه؟ ونفس الإشكال يُطرح أيضًا على الإمام مسلم.\nوقد أجاب الإمام ابن الصلاح عن هذا فقال ما ملخصه:\n\" عاب عائبون مسلمًا بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء أو المتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح.\nوالجواب: أن ذلك لأحد أسباب لا معاب عليه معها.\nأحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده.\nالثاني: أن يكون ذلك واقع في الشواهد والمتابعات.\nالثالث: أن يكون صنف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه، باختلاط حدث عليه غير قادح فيما رواه من قبل في زمان سداده واستقامته.\nالرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده برواية الثقات نازل فيذكر العالي ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفيًا بمعرفة أهل الشأن بذلك، ولما أنكر أبو زرعة (٢) على مسلم روايته عن أسباط بن نصر (٣)،\n_________\n(١) كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار رقم (٦٥٥٣)، ج١١ ص٣٢٤.\n(٢) هو الإمام العلم الحافظ أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد القرشي المخزومي الرازي، روى عنه مسلم، والترمذي، والنسائي، قال إسحاق بن راهوية: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة الرازي ليس له أصل، توفي سنة (٢٦٤هـ)، ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٥٥٧، والعبر: ج٢ ص٢٨.\n(٣) \" صدوق كثير الخطأ، يغرب، من الثامنة / خ ت م٤ \" التقريب ص٩٨.","vol":"1","page":157},{"text":"وقطن بن نسير (١)، وأحمد بن عيسى المصري (٢)، قال: إنما أدخلت من حديث أسباط، وقطن، وأحمد، ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منه بنزول، فاقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات \" (٣) .\nوما أجاب به ابن الصلاح عن الإمام مسلم هو نفسه الجواب عن الإمام البخاري.\n* * *\n_________\n(١) \" صدوق يخطيء، من العاشرة / م د ت \" التقريب ٤٥٦.\n(٢) \" صدوق تكلم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة، من العاشرة / خ م س ق \" التقريب ص٨٣.\n(٣) صيانة صحيح مسلم ص٩٤ - ٩٨.","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المبحث الثالث: اتصال السند</span>\nالمطلب الأول: تعريفه وأهميته.\nالمطلب الثاني: طرق التحمل والأداء عند الإمام البخاري.\nالمطلب الثالث: العنعنة وموقف البخاري منها.\nالمطب الرابع: نماذج من أحاديث أعلت بالانقطاع في صحيح البخاري.\nالمطلب الخامس: التدليس وموقف البخاري منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>المطلب الأول: تعريف السند وأهميته</span>\nتعريف السند لغة:\nهو ما ارتفع من الأرض وما قابلك من الجبل وعلا عن السفح، والجمع أسناد، وكل شيء أسندته إلى شيء فهو مسند، ويقال أسند في الجبل إذا ما صعده، ويقال فلان سند أي معتمد (٤) .\n_________\n(٤) انظر: لسان العرب مادة (سند) .","vol":"1","page":159},{"text":"واصطلاحًا:\nهو طريق المتن، أي سلسلة الرواة الذين نقلوا المتن عن مصدره الأول، وسمي هذا الطريق سندًا إما لأن المسند يعتمد عليه في نسبة المتن إلى مصدره، أو لاعتماد الحفاظ على السند في معرفة صحة الحديث وضعفه (١) .\nوالمراد باتصال السند: أن لا يكون هناك انقطاع في سلسلة الإسناد بسقوط راو أو أكثر عمدًا من بعض الرواة أو من غير عمد، من أول السند أو من آخره أو من أثنائه سقوطًا ظاهرًا أو خفيًا.\nأهميته:\nإن اتصال السند شرط أساسي وضروري في صحة الحديث (فمدار الحديث الصحيح على الاتصال وإتقان الرجال وعدم العلل) (٢) ولهذا الأهمية العظيمة اعتبر الإسناد من الدين، قال الإمام ابن المبارك: \" الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء \" (٣) .\nوقال سفيان الثوري: \" الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل \" (٤) .\nفالإسناد خصيصة من خصائص هذه الأمة، وفضيلة تمت لله ﷿ عليهم بها النعمة، به عرف الصحيح من السقيم، وصان الله دينه عن قول كل أفاك أثيم، وليس لمن قبل هذه الأمة غير صحف اختلط منكرها بمقبولها، واشتبه صحيحها بمعلولها، فلا تمييز عند أحد منهم بين ما جاء به أنبياؤهم المرسلون، وبين ما أدخل في ذلك، وألحق به الغواة المبلطون (٥) .\n_________\n(١) انظر: تدريب الراوي ص ٥ - ٦، وشرح الزرقاني على البيقونية ص٩.\n(٢) هدي الساري ص١٣.\n(٣) صحيح مسلم بشرح النووي: ج١ ص٧٧.\n(٤) رواه ابن حبان في كتاب المجروحين: ج١ ص٢٧.\n(٥) الحافظ صلاح الدين العلائي: بغية الملتمس، حققه وعلق عليه - حمدي عبد المجيد السلفي - عالم الكتب، طبعة أولى، ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م، ص٣٦.","vol":"1","page":160},{"text":"وقد سبق في الفصل الأول أن الإمام البخاري سمى كتابه \" الجامع الصحيح المسند \".\nوأنه قصد جمع الأحاديث المرفوعة المتصلة الإسناد، وقد أورد فيه الآيات والموقوفات والآثار على سبيل التبع والاستشهاد والكثير منها معلق غير مسند، وهذه لا أتكلم عنها في هذا الحديث، لأنها ليست على شرط الكتاب، وسأتكلم على قضايا لها علاقة مباشرة بصحة الحديث وتعليله، كطرق التحمل والأداء عند الإمام البخاري، والعنعنة وموقف البخاري منها، ثم دراسة نماذج من أحاديث أعلت بالانقطاع وهي في صحيح البخاري، ثم أتعرض للتدليس وموقف الإمام البخاري من رواية المدلسين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>المطلب الثاني: طرق التحمل والأداء عند الإمام البخاري</span>\nذكر الإمام البخاري في \" صحيحه \" الطرق المعتمدة عنده في النقل والتحمل وهي:\n١ - السماع من لفظ الشيخ.\n٢ - القراءة والعرض على المحدث.\n٣ - المناولة.\n٤ - المكاتبة.\nأولًا: السماع من لفظ الشيخ:\nوقد ترجم له بقوله: \" باب قول المحدث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا \" وهي الصيغ المستعملة للتعبير عن السماع، وأورد في هذا الباب ما يلي: \" قال لنا الحميدي، كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا وأنبأنا واحد \".\nواستدل البخاري، على أنه لا فرق بين هذه الألفاظ، بأن الصحابة -","vol":"1","page":161},{"text":"رضوان الله عليهم - كانوا يستعملون جميع هذه الألفاظ فيما سمعوه من النبي ﷺ وأورد ثلاثة تعاليق تنبيهًا على أن الصحابي تارة كان يقول حدثنًا، وتارة كان يقول سمعت، فيدل على أنه لا فرق بينهما، وهذه التعاليق هي:\nالأول: قال ابن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق (١) .\nالثاني: قال شقيق عن عبد الله: سمعت النبي ﷺ (٢) .\nالثالث: وقال حذيفة حدثنا رسول الله ﷺ حديثين (٣) .\nثم ذكر حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي، فوق الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله، قال: هي النخلة \" (٤) .\nقال الحافظ ابن حجر: \" فإن قيل: فمن أين تظهر مناسبة حديث ابن عمر للترجمة، ومحصل الترجمة التسوية بين صيغ الأداء الصرحية وليس ذلك بظاهر في الحديث المذكور، فالجواب أن ذلك يستفاد من اختلاف ألفاظ الحديث المذكور، ويظهر ذلك إذا اجتمعت طرقه، فإن لفظ عبد الله بن دينار المذكور في الباب \" فحدثوني ما هي \" وفي رواية نافع عند المؤلف في التفسير \" أخبروني \" وفي رواية عند الإسماعيلي \" أنبئوني \" وفي رواية مالك عند المصنف في باب الحياء في العلم \" حدثوني ما هي \" وقال فيها \" فقالوا أخبرنا بها \" فدل ذلك على أن التحديث والإخبار والإنباء عندهم\n_________\n(١) هذا التعليق طرف من الحديث المشهور الذي يرويه ابن مسعود، أوصله البخاري في كتاب القدر.\n(٢) هذا التعليق رواه أبو وائل شقيق عن عبد الله بن مسعود، أوصله البخاري في كتاب الجنائز.\n(٣) هذا التعليق رواه حذيفه بن اليمان، أو صله البخاري في كتاب الرقاق.\n(٤) رواه البخاري في كتاب العلم، باب قول المحدث \" حدثنا أو أخبرنا أو أنبأنا \" رقم (٦١) ج١ ص١٧٥.","vol":"1","page":162},{"text":"سواء، وهذا لا خلاف فيه عند أهل العلم بالنسبة إلى اللغة (*) .\nومن أصرح الأدلة فيه قوله تعالى: (يومئذ تحدث أخبارها «١) وقوله تعالى: (ولا ينبئك مثل خبير «٢) .\nوأما بالنسبة إلى الاصطلاح ففيه الخلاف: فمنهم من استمر على أصل اللغة، وهذا رأي الزهري ومالك وابن عيينة ويحي القطان وأكثر الحجازيين والكوفيين، وعليه استمر عمل المغاربة، ورجحه ابن الحاجب في مختصره، ونقل عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة، ومنهم من رأى إطلاق ذلك حيث يقرأ الشيخ من لفظه وتقييده حيث يقرأ عليه، وهو مذهب إسحاق بن راهوية والنسائي وابن حبان وابن منده وغيرهم، ومنهم من رأى التفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التحمل: فيخصون التحديث بما يلفظ به الشيخ، والإخبار بما يقرأ عليه، وهذا مذهب ابن جريج الأوزاعي والشافعي وابن وهب وجمهور أهل المشرق، ثم أحدث أتباعهم تفصيلًا آخر: فمن سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فقال: \" حدثني \" ومن سمع مع غيره جمع، ومن قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال: \" أخبرني \" ومن سمع بقراءة غيره جمع، وكذا خصصوا الإنباء بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه، وكل هذا مستحسن وليس بواجب عندهم، وإنما أرادوا التمييز بين أحوال التحمل، وظن بعضهم أن ذلك على سبيل الوجوب، فتكلفوا في الاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته، نعم يحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور لئلا يختلط، لأنه صار حقيقة عرفية عندهم، فمن تجوز عنها احتاج إلى\n_________\n(١) سورة الزلزلة، الآية: ٤.\n(٢) سورة فاطر، الآية: ١٤.\n(*) تعقب العلامة العيني الحافظ ابن حجر في هذا وبين أن هناك فرقًا من جهة اللغة حاصلة: أن الخبر يرجع إلى العلم، وإنما استواء هذه الألفاظ من حيث الاصطلاح (عمدة القارئ ٢/ ١١) .\nوهذا التعقيب ليس بشيء، فقد قال الخطيب في الكفاية ص٢٨٧ \" وقد قال بعض أهل العلم بالعربية هذه الألفاظ الثلاثة بمنزلة واحدة في المعنى، ثم ذكر بالسند عن ثعلب إمام اللغة أو حدثنا وأخبرنا وأنبأنا في اللغة سواءً \".","vol":"1","page":163},{"text":"الإتيان بقرينة تدل على مراده، وإلا فلا يؤمن اختلاط المسموع بالمجاز بعد تقرير الاصطلاح، فيحمل ما يرد من ألفاظ المتقدمين على محمل واحد بخلاف المتأخرين \" (١) .\nثانيًا: القراءة والعرض على المحدث:\nوقد بوّب الإمام البخاري في كتاب العلم بهذا \" باب القراءة والعرض على المحدث \"، قال الحافظ - ﵀ -:\n\" إنما غاير بينهما بالعطف لما بينهما من العموم والخصوص، لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض وغيره. ولا يقع العرض إلا بالقراءة. لأن العرض عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه معه، ومع غيره بحضرته، فهو أخص من القراءة، وتوسع فيه بعضهم فأطلقه على ما إذا أحضر الأصل لشيخه فنظر فيه وعرف صحته، وأذن له من غير أن يحدث به، أو يقرأه الطالب عليه. والحق أن هذا يسمى عرض المناولة بالتقييد لا بالإطلاق. وقد كان بعض السلف لا يعتدون إلا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ دون ما يقرأ عليهم.\nولهذا بوّب البخاري على جوازه، وأورد فيه قول الحسن - وهو البصري - لا بأس بالقراءة على العالم، وكذا ذكر عن سفيان الثوري ومالك أنهما يسويان السماع مع العالم والقراءة عليه \" (٢) .\nوقد ذهب، العلامة العيني إلى أنه لا فرق بين القراءة والعرض وأنهما متساويان، واعتمد على كلام الكرماني لأنه قال المراد بالعرض عرض القراءة بقرينة ما يذكر بعد الترجمة ثم قال: فإن قلت: فعلى هذا التقدير لا يصح\n_________\n(١) فتح الباري: ج١ ص١٧٥، وانظر: الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع - للقاضي عياض - تحقيق السيد أحمد صقر، ط أولى - مكتبة دار التراث - القاهرة، ص٦٩، والكفاية، للخطيب البغدادي، ط دار الكتب العلمية، سنة ١٤٠٩هـ - ١٩٨٨م، ص٢٨٣ - ٢٨٦.\n(٢) فتح الباري: ج١ ص١٧٩ - ١٨٠.","vol":"1","page":164},{"text":"عطف العرض على القراءة لأنه نفسها. قلت: العرض تفسير القراءة ومثله يسمى بالعطف التفسيري (١) .\nوالتحقيق أن العرض في كلام أئمة الحديث يطلق على معنيين: عرض القراءة، وعرض المناولة.\nوهذه أقوال الأئمة التي تشهد على هذا:\nقال الإمام الحاكم النيسابوري - ﵀ -:\n\" وبيان العرض أن يكون الراوي متقنًا فيقدم المستفيد إليه جزءًا من حديثه أو أكثر من ذلك فيتناوله، فيتأمل الراوي حديثه، فإذا أخبره وعرف أنه من حديثه، قال المستفيد: قد وقفت على ما ناولتنيه، وعرفت الأحاديث كلها وهذه رواياتي عن شيوخي فحدث بها. فقال جماعة من أئمة الحديث أنه سماع \" (٢) .\nثم ذكر جماعة من علماء المدينة ومكة والبصرة والكوفة ومصر وأهل الشام وخراسان ثم قال: \" وقد رأيت أنا جماعة من مشايخي يرون العرض سماعًا \" (٣) .\nوذكر الحجة على ذلك ثم قال: \" قد ذكرنا مذاهب جماعة من الأئمة في العرض فإنهم أجازوها على الشرائط التي قدمنا ذكرها، ولو عاينوا ما عايناه من محدثي زماننا لما أجازوه. فإن المحدث إذا لم يعرف ما في كتابه، كيف يعرض عليه؟ \" (٤) فالعرض هنا يقصد به المناولة.\nوقال الإمام الخطيب البغدادي: \" ذهب بعض الناس إلى كراهة العرض: وهو القراءة على المحدث ورأوا أنه لا يعتد إلا بما سمع من لفظه، وقال جمهور الفقهاء والكافة من أئمة العلم بالأثر إن القراءة على\n_________\n(١) عمدة القارئ: ج٢ ص١٦ - ١٧.\n(٢) معرفة علوم الحديث ص٢٥٦.\n(٣) المصدر نفسه ص٢٥٨.\n(٤) المصدر نفسه ص٢٥٩.","vol":"1","page":165},{"text":"المحدث بمنزلة السماع منه \" (١) .\nوقال القاضي عياض (٥٤٤هـ) وهو يتحدث عن الضرب الثاني من أصول الرواية وهو القراءة على الشيخ وأكثر المحدثين يسمونه \" عرضًا \" لأن القارئ يعرض ما يقرؤه على الشيخ كما يعرض القرآن على إمامه، وحكاه البخاري عن الحسن والثوري ومالك \" (٢) .\nفالعرض عند الخطيب البغدادي والقاضي عياض بمعنى القراءة على المحدث، ونسب القاضي عياض التسوية بينهما إلى البخاري.\nوالذي يتبين لي أن الإمام البخاري سوّى بين القراءة والعرض من حيث الاستعمال وأن العطف بينهما تفسيري كما ذهب إليه العلامة العيني - ﵀ - وهذا من خلال الحجج التي ذكرها في هذا الباب على صحة القراءة وهي قوله:\n\" ١ - واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضمام بن ثعلبه قال للنبي ﷺ آلله أمرك أن تصلي الصلوات؟ قال نعم.\nقال البخاري - ﵀ - فهذه قراءة على النبي ﷺ أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه.\n٢ - واحتج مالك بالصك يقرأ على القوم فيقولون أشهدنا فلان، ويقرأ ذلك قراءة عليهم.\n٣ - ويقرأ على المقرئ فيقول القارئ: أقرأني فلان \" (٣) .\nفهذه الحجج واضحة أنها في القراءة وليست في عرض المناولة.\nثم ذكر الإمام البخاري كيفية التعبير عن التحمل بالقراءة فقال:\n_________\n(١) الكفاية ص٢٩٦.\n(٢) الإلماع ص٧١.\n(٣) صحيح البخاري كتاب العلم، باب القراءة والعرض على المحدث ج١ ص١٧٩ مع الفتح.","vol":"1","page":166},{"text":"\" حدثنا عبد الله بن موسى عن سفيان قال: إذا قرئ على المحدث فلا بأس أن يقول: حدثني، قال: سمعت أبا عاصم يقول عن مالك وسفيان: القراءة على العالم، وقراءته سواء \" (١) .\nثالثًا ورابعًا - المناولة والمكاتبة:\nوهي \" إعطاء الشيخ الطالب شيئًا من مروياته مع إجازته به صريحًا أو كتابة \" (٢) .\nوالإمام البخاري يرى صحة الرواية بالمناولة فقد ترجم في صحيحه في كتاب العلم بما يدل على ذلك حيث قال: \" باب ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان \" (٣) .\nقال الحافظ ﵀: \" لما فرغ من تقرير السماع والعرض، أردف ببقية وجوه التحمل المعتبرة عند الجمهور فمنها المناولة وصورتها، أن يعطي الشيخ الطالب الكتاب فيقول له: هذا سماعي من فلان، أو هذا تصنيفي، فاروه عني، وقد قدمنا صورة عرض المناولة، وهي إحضار الطالب الكتاب، وقد سوّغ الجمهور الرواية بها وردها من رد عرض القراءة من باب أولى \" (٤) .\nوقد ذكر العلماء للمناولة ثلاثة أنواع هي (٥):\n١ - المناولة المقرونة بالإجازة مع التمكين من النسخة والرواية بها صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين.\n_________\n(١) المصدر نفسه: وانظر أيضًا الإلماع ص٧٣، والكفاية ص٢٩٦ - ٣٠٦.\n(٢) فتح المغيث: ج٢ ص١٠٠.\n(٣) فتح الباري: ج١ ص١٨٥ - ١٨٦.\n(٤) المصدر نفسه.\n(٥) انظر: معرفة علوم الحديث ص٣١٨ وما بعدها، والإلماع ص٧٩ وما بعدها، مقدمة ابن الصلاح ص١٤٦ وما بعدها، فتح المغيث: ج ١٠٧ وما بعدها، توضيح الأفكار: ج٢ ص٣٣٣ وما بعدها، شرح العلل ص١٦٦ وما بعدها.","vol":"1","page":167},{"text":"٢ - المناولة مع الإجازة من غير تمكين من النسخة، يرى الفقهاء والأصوليون أنه لا تأثير لها، ولا فائدة فيها بينما شيوخ الحديث يرون لذلك مزية معتبرة.\n٣ - المناولة المجردة من الإجازة أجازها طائفة من أهل العلم، وصححوا الرواية بها، وعابها غير واحد من الفقهاء والأصوليين على من أجازها وسوّغ الرواية بها.\nوالإمام البخاري يعتبر النوع الأول فقط، كما سيأتي توضيحه من خلال الأدلة التي أوردها على جواز المناولة، وأما النوعين الآخرين فيهما من توسع المتأخرين بعد عصر الرواية محافظة على بقاء الإسناد.\nوقول البخاري: \" وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان \" (١) يدل على جواز المكاتبة عنده. قال الحافظ ﵀: \" قوله إلى البلدان \" أي أهل البلدان، وذكر البلدان على سبيل المثال، وإلا فالحكم عام في القرى وغيرها، والمكاتبة من أقسام التحمل وهو: أن يكتب الشيخ حديثه بخطه، أو يأذن لمن يثق به بكتبه، ويرسله بعد تحريره إلى الطالب، ويأذن له في روايته عنه وقد سوى المصنف بينها وبين المناولة ورجح قوم المناولة عليها لحصول المشافهة فيها بالإذن دون المكاتبة، وقد جوّز جماعة من القدماء إطلاق الإخبار فيهما والأولى ما عليه المحققون من اشترط بيان ذلك \" (٢) وقد قسم العلماء المكاتبة إلى قسمين (٣):\n١ - المكاتبة المقرونة بالإجازة: وهي في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقرونة بالإجازة، والرواية بها صحيحة بلا خلاف.\n٢ - المكاتبة المجردة من الإجازة: منعها بعض الفقهاء والأصوليين\n_________\n(١) صحيح البخاري (مع الفتح): ج١ ص١٨٥.\n(٢) فتح الباري: ج١ ص١٨٥.\n(٣) انظر: علوم الحديث ص١٥٣ - ١٥٥ وفتح الغيث: ج٢ ص١٢٢ والإلماع ص ٨٣ - ٨٤ وتدريب الراوي: ج٢ ص٥٥ - ٥٦.","vol":"1","page":168},{"text":"وأجازها أكثر المحدثين وهو المعمول به عندهم.\nأدلة الإمام البخاري على جواز المناولة والمكاتبة:\nاستدل الإمام البخاري على صحة الرواية بالمناولة والمكاتبة بعمل السلف من الصحابة والتابعين والأئمة. وقد ذكر منها البخاري ما يلي:\n١ - قال أنس: \" نسخ عثمان المصاحف فبعث بها إلى الآفاق \" (١) .\nقال الحافظ: \" ودلالته على تسويغ الرواية بالمكاتبة واضح، فإن عثمان أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف، ومخالفة ما عداها \" (٢) .\n٢ - ورأى عبد الله بن عمر ويحي بن سعد ومالك ذلك جائزًا (٣) .\nقال الحافظ: \" وجدت في كتاب الوصية لأبي القاسم بن مندة من طريق البخاري يسند له صحيح إلى أبي عبد الرحمن الحبلي (٤) أنه أتى عبد الله بكتاب فيه أحاديث فقال: انظر في الكتاب، فما عرفت منه اتركه وما لم تعرفه امحه، وهو أصل في عرض المناولة \". وأما الأثر بذلك عن يحي بن سعيد ومالك فأخرجه الحاكم في علوم الحديث من طريق إسماعيل بن أبي أويس قال: سمعت مالك بن أنس يقول: قال لي يحي بن سعيد الأنصاري لما أراد الخروج إلى العراق: التقط لي مائة حديث من حديث ابن شهاب حتى أرويها عنك، قال مالك: فكتبتها ثم بعثتها إليه، وروى الرامهرمزي من طريق ابن أبي أويس أيضًا عن مالك في وجوه التحمل قال: قراءتك على العالم، ثم قراءته وأنت تسمع ثم أن يدفع لك كتابًا يقول: ارو هذا عني \" (٥) .\n_________\n(١) صحيح البخاري (مع الفتح): ج١ ص١٨٥.\n(٢) فتح الباري: ج١ ص١٨٦.\n(٣) صحيح البخاري (مع الفتح): ج١ ص١٨٥.\n(٤) فتح الباري: ج١ ص١٨٦.\n(٥) هو عبد الله بن يزد المعافري أبو عبد الرحمن الحبلى، بضم المهملة والموحدة، ثقة من الثالثة مات سنة مائة بإفريقية روى له البخاري تعليقًا ومسلم والأربعة، (التقريب ص٣٢٩) .","vol":"1","page":169},{"text":"٣ - واحتج بعض أهل الحجاز (*) في المناولة بحديث النبي ﷺ حيث كتب لأمير السرية كتابًا وقال: لا تقرأه، حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبي ﷺ (١) .\nقال الإمام السهيلي - ﵀ - (ت ٥٨١هـ): \" احتج به البخاري على صحة المناولة، فكذلك العالم إذا ناوله التلميذ جاز أن يروي عنه ما فيه، قال: وهو فقه صحيح \" (٢) .\nوقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: \" ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة، فإنه ناوله الكتاب وأمره أن يقرأه على أصحابه ليعملوا بما فيه، ففيه المناولة ومعنى الكتاب \" (٣) .\nثم أورد البخاري - ﵀ - حديث أنس - ﵁ - قال: كتب النبي ﷺ كتابًا أو أراد أن يكتب كتابًا فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة. نقشه: محمد رسول الله كأني أنظر إلى بياضه في يده (٤) .\nقال الحافظ - ﵀ -: \" يعرف من هذا فائدة إيراده هذا الحديث في هذا الباب لينبه على شرط العمل بالمكاتبة أن يكون الكتاب مختومًا ليحصل الأمن من توهم تغيره لكن قد يستغني عن ختمه إذا كان الحامل عدلًا مؤتمنًا \" (٥) .\n_________\n(*) هو الحميدي (الفتح ١/ ١٨٦) .\n(١) صحيح البخاري (مع الفتح): ج١ ص١٨٥.\n(٢) عبد الرحمن السهيلي: الروض الأنف - المطبعة الجمالية القاهرة ١٣٣٢هـ، ج٢ ص٥٩ وقد نقله السيوطي في التدريب: ج٢ ص٤٤.\n(٣) الفتح: ج١ ص١٨٧ وانظر عمدة القاري: ج٢ ص٢٧.\n(٤) صحيح البخاري (مع الفتح): ج١ ص١٨٧.\n(٥) فتح الباري: ج١ ص١٨٧.","vol":"1","page":170},{"text":"حكم الطرق الأخرى من أنواع التحمل عند الإمام البخاري:\nنلاحظ أن الإمام البخاري لم يذكر الأوجه الأخرى من أوجه التحمل، والظاهر أنه لا يرى صحة الأخذ بها فالأئمة المتقدمون لم يكونوا يرون لصحة التحمل إلا تلك الطرق كما مر ذلك في قول مالك بن أنس - ﵀ - لكن عندما دونت الكتب وأمن جانب الرواية سوّغ العلماء في توسيع طرق التحمل تيسيرًا على الناس وإبقاءً لسلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأئمة وكلما تأخرت الأعصار كثر التنويع والتوسيع والتساهل وإليك من أقوال العلماء ما يشهد على ما تقدم ذكره.\nقال الحافظ - ﵀ -: \" لم يذكر المصنف (أي البخاري) من أقسام التحمل الإجازة المجردة عن المناولة أو المكاتبة، ولا الوجادة، ولا الوصية، ولا الإعلام، المجردات عن الإجازة وكأنه لا يرى شيئًا منها \" (١) .\nوقد سبق إلى هذا الإمام الحافظ ابن رشيد السبتي (ت ٧٢١هـ) ﵀ حيث قال: \" وإنما اعتمد الناس منذ مدة متقدمة على الإجازة المطلقة والكتابة المطلقة توسعة لباب النقل وترحيبًا لمجال الإسناد، لعزة وجود السماع على وجه في هذه الأعصار: بل قبلها بكثير، وتعذر الرحل في أكثر الأحوال، واعتمادًا على أن الأحاديث لما صارت في دفاتر محصورة، وأمات مصنفات مشهورة، ومرويات الشيوخ في فهارس مفهرسة، قام ذلك عندهم مقام التعيين الذين كان من مضى من السلف يفعله، فاكتفى المجيزون بالإخبار الجملي، واعتمدوا في البحث عن التفصيل على المجاز إذا تأهل، فكانت رخصة أخذ بها جماهير أهل العلم إبقاء لسلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة، ولله الحمد والمنة وإن كانت هذه ليست الإجازة المتعارفة عند التابعين وتابعيهم، كالحسن ابن أبي الحسن البصري، ونافع مولى ابن عمر، وأبي بكر بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة، ومجاهد بن جبر، وعلقمة بن قيس، وأيوب السختياني، وشعبة بن الحجاج وغيره ممن\n_________\n(١) فتح الباري: ج١ ص١٨٧.","vol":"1","page":171},{"text":"لا يحصى كثرة، فإما كانت تلك في الشيء المعين يعرفه المجيز والمجاز له، أو مع حضور الشيء المجاز فيه \" (١) .\nثم ساق آثارًا عن السلف في العمل بالإجازة المعينة في الشيء المعين ثم قال ابن رشيد - ﵀ -: \" وأجل شيء نعرفه لمتقدم في الإجازة المقيدة وأجلاه لفظًا وأصحه معنى ما ذكره أبو عيسى الترمذي الإمام الحافظ في كتاب العلل في آخر الديوان، في باب التاريخ الذي نقله عن الإمام أبي عبد الله البخاري - ﵀ - وقد انتهى بالسماع عليه إلى بعض حرف العين ما نصه. قال أبو عيسى: إلى ها هنا سماعي من أبي عبد الله محمد بن إسماعيل من أول الحكايات وما بعدها فهو مما أجازه لي وشافهني به بعدما عارضته بأصله إلى أن ينقضي به كلام محمد بن إسماعيل. فقال: قد أجزت لك أن تروي عني إلى آخر باب ي \" (٢) .\nثم قال الحافظ ابن رشيد: \" هذا أجلي نص تجده في الإجازة لمتقدم معتمد من لفظ قائله، نعم نجد ألفاظًا مطلقة مجملة غير مفسرة منقولة عنهم بالمعنى، أو ظواهر محتملة، وهذا كان دأب تلك الطبقة من الإجازة في المعين أو الكتابة له، وما رأى الإجازة المطلقة حدثت إلا بعد زمن البخاري حيث اشتهرت التصانيف وفهرست الفهارس، وإن كان بعضهم قد نقل الإجازة المطلقة عن ابن شهاب الزهري وغيره فما أرى ذلك يصح \" (٣) .\nمن خلال ما تقدم يتبين لنا أن الإمام البخاري لا يرى صحة الرواية بالإجازة المطلقة وإنما يرى صحة الإجازة المقترنة بالمناولة أو المكاتبة.\nفإن قلت: قال بعض الحفاظ إن ما يقول فيه البخاري \" قال لي \" فهي إجازة فالجواب على هذا قد ذكره الحافظ ابن حجر - ﵀ - حيث\n_________\n(١) أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن رشيد الفهري السبتي: السنن الأبين والمورد الأمعن - تحقيق د. محمد الحبيب ابن الخوجة - الدار التونسية للنشر ص٥٤ - ٥٥ وانظر وعلوم الحديث ص١٣.\n(٢) المصدر نفسه ص٦١ - ٦٢.\n(٣) المصدر نفسه ص٦٢.\n(*) اختلف العلماء في كيفية التعبير عن التحمل بالإجازة فمنهم من يجوز إطلاق حدينا وأخبرنا والجمهور على المنع، إلا عند التقيد كأن يقول حدثنا فلان إجازة، أو أخبرنا إجازة للتوسع انظر: علوم الحديث ص١٥٠ والإلماع ص١٢٨.","vol":"1","page":172},{"text":"قال: \" وقد ادعى ابن مندة أن كل ما يقول البخاري فيه \" قال لي \" فهي إجازة، وهي دعوى مردودة بدليل أني استقريت كثيرًا من المواقع التي يقول فيها في \" الجامع \" \" قال لي \" فوجدته في غير الجامع يقول فيها: \" حدثنا \" والبخاري لا يستجيز في الإجازة إطلاق التحديث (*)، فدل على أنها عنده من المسموع، لكن سبب استعماله لهذه الصيغة ليفرق بين ما بلغ شرطه وما لا يبلغ، والله أعلم \" (١) .\nلكن بقي هنا إشكال لابد من الإجابة عليه، وهو إذا تقرر أن البخاري لا يرى صحة الرواية بالإجازة المطلقة فلماذا أخرج في صحيحه لمن روى بالإجازة؟\nمن المعلوم أن أصحاب الصحيح كانوا يتحرون في كيفية سماع الرواة بعضهم من بعض حتى يتم لهم تحقق شرط الصحيح، وهو اتصال السند مع بقية الشروط الأخرى ومن ثم تركوا الرواية عن كثير من الرواة بسبب خلل وقع لهم في التحمل، فمن هؤلاء مثلًا: عمرو بن شعيب فقد قال الذهبي بصدد روايته عن أبيه عن جدة: \" وبعضهم تعلل بأنها صحيفة رواها وجادة ولهذا تجنبها أصحاب الصحيح، والتصحيف يدخل على الرواية من الصحف، بخلاف المشافهة في السماع \" (٢) .\nوقال الإمام ابن تيمية: \" وكان عند آل عبد الله بن عمرو بن العاص نسخة كتبها عن النبي ﷺ وبهذا طعن بعض الناس في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدة وقالوا: هي نسخة \" (٣) .\nومن أبرز الرواة الذين أخرج لهم البخاري، وقيل عنهم أنهم رووا بالإجازة.\n_________\n(١) فتح الباري: ج١ ص١٨٨.\n(٢) ميزان الاعتدال: ج١ ص٢٦٥.\n(٣) مجموع الفتاوى: ج١٨ ص٨.\n(*) اختصار أخبرنا.","vol":"1","page":173},{"text":"الحكم بين نافع أبو اليمان الحمصي \" قال أبو زرعة: لم يسمع من شعيب (هو ابن أبي حمزة) إلا حديثًا واحدًا، والباقي إجازة، وقال أحمد كان يقول: أنا (*) شعيب استحل ذلك بقول شعيب لهم اروو عني، قلت: ومع روايته لذلك عن شعيب بالإجازة فاحتج بها صاحبا الصحيحين لثقته وإتقانه \" (١) .\nوقال فيه الحافظ ابن حجر: \" مجمع على ثقته، اعتمده البخاري، وروى عنه الكثير، وروى له الباقون بواسطة تكلم بعضهم في سماعه من شعيب، فقيل: إنه مناولة، وقيل عنه إذن مجرد، وقد قال الفضل بن غسان سمعت يحي بن معين يقول: سألت أبا اليمان عن حديث شعيب فقال: ليس هو مناولة. المناولة لم أخرجها لأحد، وبالغ أبو زرعة الرازي وقال: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا حديثًا واحدًا.\nقلت: إن صح ذلك فهو حجة في صحة الرواية بالإجازة، إلا أنه كان يقول في جميع ذلك أخبرنا ولا مشاحهة في ذلك إن كان اصطلاحًا له \" (٢) .\nوكلام الحافظ لو يحمل على ظاهره يناقض ما ذهب إليه البخاري، وما قرره الحافظ نفسه من أن البخاري لم يذكر الإجازة المجردة عن المناولة، أو المكاتبة ولا الوجادة، ولا الوصية ولا الإعلام المجردات عن الإجازة وكأنه لا يرى شيئًا منها.\nفالظاهر أنه ليست إجازة مطلقة بل هي إجازة في معين - وهي صحيحة عند الإمام البخاري كما سبق نقله عن الترمذي أنه سمع التاريخ الكبير إلى بعض حرف العين، والباقي إجازة عن الإمام البخاري، وهذا ما يدل عليه كلام الحافظ ابن رجب - ﵀ - حيث قال:\n_________\n(١) شمس الدين الذهبي: تذكرة الحافظ - دار إحياء التراث العربي - ج١ ص٤١٢.\n(٢) هدي الساري ص٤١٨.","vol":"1","page":174},{"text":"\" وحديث أبي اليمان (١) - عن شعيب (٢) - متفق على تخريجه في الصحيحين، وإذا كان حديث شعيب عندهم معروفًا وأذن لهم في روايته عنه فلا حاجة إلى إحضاره ومناولته: بل هذه إجازة من غير مناولة إلا أن أبا اليمان كان يقول في الرواية بها: أخبرنا.\nوقد نهى عن ذلك الأوزاعي وأحمد بن صالح المصري، ورخص فيه آخرون منهم: مالك، ورواه الوليد بن مزيد عن الأوزاعي أيضًا، وقد روى عن أحمد أيضًا.\nوقال أبو اليمان قال لي أحمد بن حنبل: كيف سمعت الكتب من شعيب بن أبي حمزة؟ قلت: قرأت عليه بعضه، وبعضه قرأه عليّ وبعضه أجاز لي، وبعضه مناولة، فقال: قل في كله أخبرنا شعيب \" (٣) .\nومنه يمكن القول بأن البخاري يرى صحة الرواية بالإجازة المعينة وهي في حكم المناولة أما الإجازة المطلقة وغيرها من أنواع التحمل كالإعلام والوصية والوجادة فهي من توسع المتأخرين بعد عصر الرواية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>المطلب الثالث: العنعنة وموقف البخاري منها</span>\nتعريف العنعنة:\nأ - لغة:\nهو مصدر جعلي كالبسملة والحمدله والحوقلة، مأخوذ من لفظ \" عن\n_________\n(١) الحكم بن نافع أبو اليمان الحمصي، الإمام الحافظ شيخ البخاري، روى عنه البخاري وأخرج له البقية. مات سنة ٢٢٢هـ، ترجمته في: تهذيب التهذيب: ج٢ ص٤٤١، تذكرة الحافظ: ج١ ص٤١٢.\n(٢) شعيب بن أبي حمزة، أبو بشر الحمصي أحد الأئمة الأثبات، أخرج له الستة. مات سنة ١٦٢هـ ترجمته في تهذيب التهذيب: ج٤ ص٣١٥.\n(٣) شرح العلل ص١٦٨.","vol":"1","page":175},{"text":"فلان \" كأخذهم حولق وحوقل من قول \" لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم \" وسبحل من قول \"سبحان الله \" (١) .\nب - اصطلاحًا:\nكل حديث فيه صيغة \" فلان عن فلان \" من غير بيان للتحديث أو الإخبار أو السماع وهذه الصيغة غير ظاهرة في السماع (٢)، ومن هنا اختلفت فيها أقوال الأئمة في الحكم عليها قبولًا وردًا، ويتحصل من مجموع أقوالهم ستة مذاهب:\nالمذهب الأول:\nيرى أصحابه أن ما كان فيه لفظ \" عن \" فهو من قبيل المرسل المنقطع حتى يتبين اتصاله من جهة أخرى.\nوهذا القول نقله ابن الصلاح ولم يسم قائله (٣) ونقله قبله القاضي أبو محمد الرامهرمزي (ت٣٦ هـ) عن بعض المتأخرين من الفقهاء (٤) وقد أفاض الحافظ العلائي في ذكر أدلة هذا المذهب والرد عليه (٥) وكذلك الإمام ابن رشيد الفهري فقد توسع أيضًا في ذكره والرد عليه وسألخص المهم من كلامه.\n\" المذهب الأول: مذهب أهل التشديد، وهو أن لا يعد متصلًا من الحديث إلا ما نص فيه على السماع، أو حصل العلم به من طريق آخر، وأن ما قيل فيه: فلان عن فلان فهو من قبيل المرسل أو المنقطع، حتى يتبين اتصاله بغيره، وهذا المذهب وإن قلّ القائل به بحيث لا يسمى ولا يعلم فهو الأصل الذي كان يقتضيه الاحتياط.\n_________\n(١) توضيح الأفكار: ج١ ص٣٣٠.\n(٢) شرح العراقي لألفيته: ج١ ص١٦٢ - ١٦٣.\n(٣) علوم الحديث ص٥٦.\n(٤) المحدث الفاصل ص٤٥٠.\n(٥) جامع التحصيل ص١٣٦.","vol":"1","page":176},{"text":"وحجته: أن \" عن \" لا تقتضي اتصالًا لا لغة ولا عرفًا، وإن توهم متوهم فيها اتصالًا لغة فإنما ذلك بمحل المجاوزة المأخوذ عنه. نقول: أخذ هذا عن فلان، فالأخذ حصل متصلًا فإنما ذلك بمحل المجاوزة المأخوذ عنه، وليس فيها دليل على اتصال الراوي بالمروي عنه.\nوما علم منهم أنهم يأتون بـ \" عن \" في موضع الإرسال والانقطاع يخرم ادعاء العرف، وإذا أشكل الأمر وجب أن يحكم بالإرسال، لأنه أدون الحالات، فكأنه أخذ بأقل ما يصح حمل اللفظ عليه، وكان لصاحب هذا المذهب أن لا يقول بالإرسال بل بالتوقف حتى يتبين لمكان الاحتمال، ولعل ذلك مراده، وهو الذي نقله مسلم عن أهل هذا المذهب أنهم يقفون الخبر، ولا يكون عندهم موضع حجة لإمكان الإرسال فيه (١)، إلا أن هذا المذهب رفضه جمهور المحدثين بل جميعهم وهو الذي لا إشكال في \" أن أحدًا من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد وسقيمها مثل أيوب السختياني وابن عون ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ومن سمى معهم لا يشترطه ولا يبحث معه \" (٢) ولو اشترط ذلك لضاق الأمر جدًا، ولم يتحصل من السنة إلا النزر اليسير فكأن الله أتاح الإجماع عصمة لذلك وتوسعة علينا والحمد لله \" (٣) .\nالمذهب الثاني:\nوهو أيضًا من مذاهب أهل التشديد إلا أنه أخف من الأول ويشترط أصحابه أن يكون الراوي طويل الصحبة لمن روى عنه فإن كان كذلك ولم يكن مدلسًا كانت عنعنته محمولة على الاتصال (٤) وهو منسوب للإمام أبي المظفر بن السمعاني الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) .\n_________\n(١) مقدمة صحيح مسلم ص١٤.\n(٢) المرجع نفسه ص١٥.\n(٣) السنن الأبين ص٢١ - ٢٥.\n(٤) انظر: مقدمة ابن الصلاح ص٦٢، وجامع التحصيل ص١٣٤، والسنن الأبين ص٣١.","vol":"1","page":177},{"text":"المذهب الثالث:\nإن كان الراوي معروفًا بالرواية عمن عنعن عنه، ولم يكن مدلسًا حمل ذلك على الاتصال (١)، قاله الحافظ المقرئ أبو عمرو الداني (ت ٤٤٤هـ) .\nالمذهب الرابع:\nإذا أدرك الراوي من عنعن عنه إدراكًا بينًا، ولم يكن مدلسًا حمل ذلك على الاتصال (٢)، قاله أبو الحسن القابسي.\nفهذه مذاهب المتشددين، إلا أن ما ذكر عن الداني غير صريح في التشديد بل اعتبره الحافظ ابن رشيد موافقًا لمذهب مسلم بن الحجاج، وسيأتي ذكره وتفصيله.\nالمذهب الخامس:\nيرى أصحابه أن العنعنة تقتضي الاتصال وتدل عليه، إذا ثبت اللقاء بين المعنعن والمعنعن عنه ولو مرة واحدة، وكان الراوي بريئًا من تهمة التدليس، وهذا المذهب قد نسبه كثير من العلماء إلى الإمام البخاري وشيخه ابن المديني، وأكثر الأئمة (٣) .\nالمذهب السادس:\nيرى أصحابه أن العنعنة محمولة على الاتصال إذا توفرت الشروط التالية:\n١ - أن يكون الراوي بريئًا من تهمة التدليس.\n_________\n(١) انظر: مقدمة ابن الصلاح ص٦٠، وشرح العراقي لألفيته: ج١ ص١٦٤.\n(٢) انظر: نفس المصادر.\n(٣) من هؤلاء: العلائي في جامع التحصيل ص١٣٤، وابن رجب في شرح العلل ص٢١٢، وابن رشيد في السنن الأبين ص٣١، والسخاوي في فتح المغيث: ج١ ص١٥٧، وابن كثير في اختصار علوم الحديث ص٥٦، والبلقيني في محاسن الاصطلاح ص١٥٨، والسيوطي في التدريب: ج١ ص٢١٦، وغير هؤلاء كثير.","vol":"1","page":178},{"text":"٢ - أن يكون لقاؤه لمن روى عنه بالعنعنه ممكنًا من حيث السن والبلد.\nفإذا توفرت هذه الشروط كان الحديث متصلًا وإن لم يأت أنهما اجتمعا قط.\nوهو قول الإمام مسلم، والحاكم أبي عبد الله، وهو ظاهر كلام ابن حبان، والقاضي أبي بكر الباقلاني، والإمام الصيرفي (١) . وقد جعله مسلم - ﵀ - قول كافة أهل الحديث وأن القول باشتراط ثبوت اللقاء قول مخترع، لم يسبق قائله إليه، وبالغ في رده، وطوّل في الاحتجاج لذلك في مقدمة صحيحه (٢) .\nوهذه المذاهب على اختلافها وتباينها نجدها قد أجمعت على شروط لقبول السند المعنعن، وذكرها كثير من العلماء منهم: الحاكم النيسابوري والخطيب البغدادي، وابن عبد البر - ﵏ -.\nوهذه الشروط هي (٣):\n١ - عدالة المحدثين في أحوالهم.\n٢ - لقاء بعضهم بعضًا مجالسة ومشاهدة.\n٣ - أن يكونوا برآء من التدليس.\nالموازنة بين البخاري ومسلم في الحكم على السند المعنعن:\nبعد أن عرضنا مذاهب العلماء في الحكم على السند المعنعن، وما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه، نرجع إلى بيان مذهب البخاري - ﵀ - في هذه المسألة.\n_________\n(١) شرح العلل ص٢١٤.\n(٢) جامع التحصيل ص١٣٥.\n(٣) انظر: التمهيد لابن عبد البر: ج١ ص١٢ - ١٣ والكفاية ص٤٢١ ومعرفة علوم الحديث ص٤٣.","vol":"1","page":179},{"text":"لقد سبق ذكر الإمام البخاري مع أصحاب المذهب الخامس، والذي يرى أصحابه أن العنعنة تقتضي الاتصال وتدل عليه إذا ثبت اللقاء بين المعنعن والمعنعن عنه ولو مرة واحدة، وكان الراوي بريئًا من تهمة التدليس، هذا المذهب قد نسبه كثير من العلماء إلى الإمام البخاري وشيخه ابن المديني وأكثر الأئمة، كما نسبوا الإمام مسلم إلى مخالفة هذا الشرط، والرد على البخاري ومن تبعه على ذلك.\nومن المعلوم قطعًا أن البخاري لم يصرح بهذا المذهب في كتبه، ولا غيره من أئمة الحديث والنقد، وإنما أخذ العلماء ذلك من تصرفهم وصنيعهم في كتبهم، حيث لاحظوا أن الإمام البخاري وشيخه ابن المديني يعلان الأحاديث كثيرًا بعد سماع الراوي عمن عنعن عنه مع كونهما متعاصرين، فاستنبطوا من ذلك أن البخاري وشيخه ابن المديني لا يكتفيان بمجرد المعاصرة بل يشترطان تحقق اللقاء.\nوأما الإمام مسلم فقد صرح بشرطه في مقدمة صحيحه، فأزال بذلك كل ظن وشك، كما أنه رد على مخالفة في ذلك ردًا بليغًا شديدًا، ويتساءل الكثيرون من المعنى بهذا الرد والنقد؟ ومن المقصود بهذا الإنكار الشديد والتهجين القوي؟\nوالعجيب أن \" صحيح مسلم \" قرئ على مؤلفه وتلاميذه وتلاميذهم مئات المرات، وأول ما يقرأ فيه المقدمة، وفيها ذلك الإنكار والتهجين، ولم ينقل عن مسلم أو تلاميذه أو تلاميذهم تعيين المعنى بالرد، ولذا خمن العلماء في تعيين المعنى بالرد والإنكار، والعجيب أنهم حملوه على البخاري أو شيخه ابن المديني، وبنوا على ذلك التخمين إشكالات ومحاكمات بين البخاري ومسلم، وكأن الأمر قطعي ثابت لا مرية فيه، والأعجب من هذا كله أن يصدر عن أئمة حفاظ ويتتابعوا عليه منهم الإمام ابن الصلاح، والنووي، وابن رجب الحنبلي، وابن كثير، وابن حجر، والسخاوي، وابن رشيد الفهري، والحافظ العلائي وغيرهم، وسأنقل المهم من كلامهم وأتعقبه بما أراه مناسبًا.","vol":"1","page":180},{"text":"قال الحافظ ابن رجب: \" وما استدل به مسلم على المخالف له أن من تكلم في صحة الحديث من السلف لم يفتش أحد منهم على موضع السماع، وسمى منهم شعبة والقطان وابن مهدي قال ومن بعدهم من أهل الحديث \" (١) .\nفالمطلوب ممن يريد نقض كلام مسلم أن يأتي بأقوال لهؤلاء الأئمة تخالف ما حكاه مسلم عنهم، أو أقوال لغيرهم ممن لم يذكر قولهم، ولم يفعلوا، ولن يفعلوا إلا أن تكون أقوالًا لعلماء الكلام والأصول ومتأخري الظاهرية.\nثم قال ابن رجب: \" وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم - ﵀ - من أن إمكان اللقي كاف في الاتصال من الثقة غير المدلس، وهو ظاهر كلام ابن حبان وغيره وما قاله ابن المديني والبخاري هو مقتضى كلام أحمد وأبي زرعة، وأبي حاتم وغيرهم من أعيان الحفاظ، بل كلامهم يدل على اشتراط السماع فإنهم قالوا في جماعة من الأعيان ثبتت لهم الرؤية لبعض الصحابة وقالوا مع ذلك لم يثبت لهم السماع منهم، فرواياتهم عنهم مرسلة \" (٢) وذكر أمثلة على هؤلاء ثم قال: \" ومما يستدل به أحمد وغيره من الأئمة على عدم السماع والاتصال، أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده، لم يعلم أنه دخل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه \" (٣) .\nوهذا الأمر مما يوافق عليه مسلم ويستعمله أيضًا فإنه قال: \" وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا، أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن تكون هناك\n_________\n(١) شرح العلل ص٢١٢.\n(٢) المصدر نفسه ص٢١٤ - ٢١٥.\n(٣) المصدر نفسه ص٢١٧.","vol":"1","page":181},{"text":"دلالة بينه على أن هذا الراوي لم يلقَ من روى عنه، ولم يسمع منه شيئًا. فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدًا، حتى تكون الدلالة بينا \" (١) فهذه الأدلة والبينات التي يستدل بها النقاد على عدم سماع المتعاصرين هي من الدلائل والبينات التي يعتبرها الإمام مسلم أيضًا، والمطلوب ممن ينصب الخلاف بين مسلم وغيره من أئمة النقد أن يأتي بأسانيد حكم عليها هؤلاء الأئمة بالانقطاع وعدم السماع، لوجود البينات والدلائل، وحكم عليها مسلم بالاتصال لمجرد المعاصرة، ثم نقل الحافظ ابن رجب اتفاق أهل الحديث على أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت له السماع عن عروة مع إدراكه له وجعله حجة في حكاية الإجماع على خلاف قول مسلم (٢) .\nوهذا غريب جدًا من الحافظ ابن رجب لأن مسلمًا - ﵀ - لم يدّع أن كل من أدرك راويًا صحّ سماعه منه، بل قال: إذا كانا متعاصرين وجائز ممكن لقاؤهما، وكان الراوي ثقة غير مدلس وقال: \" عن \" حمل على السماع، ما لم تقم الحجة والبينة على أنه لم يسمع.\nثم قال: \" ويلزمه الحكم باتصال حديث كل من عاصر النبي ﷺ وأمكن لقيه له إذا روى عنه شيئًا، وإن لم يثبت سماعه منه، ولا يكون حديثه عن النبي ﷺ مرسلًا، وهذا خلاف إجماع أئمة الحديث \" (٣) .\nوهذا الإلزام لا يلزم مسلمًا منه شيء البتة، فأين القيد والاستثناء الذي ذكره مسلم \" إلا أن تكون هناك دلالة بينة على أن هذا الراوي لم يلقَ من روى عنه، ولم يسمع منه شيئًا \" وهذا قيد دقيق نفي فيه المرسل الخفي وهو يفيد نفي المرسل الجلي بالأولى.\nثم قال ابن رجب - ﵀ -: \" ولهذا المعنى تجد كلا م شعبة،\n_________\n(١) مقدمة صحيح مسلم ص١٣٠ بشرح النووي - ط دار الفكر.\n(٢) المصدر نفسه ص٢١٦.\n(٣) شرح العلل ص٢٢٠.","vol":"1","page":182},{"text":"ويحي، وأحمد، وعلي، ومن بعدهم التعليل بعدم السماع، فيقولون: لم يسمع فلان من فلان، أو لم يصح له السماع منه، ولا يقول أحد قط: لم يعاصره \" (١) .\nوهذا أمر واضح لا إشكال فيه لأن العلة هي سبب غامض يدل على الوهم، ومعرفة السماع من عدمه أمر غامض خاصة بين المتعاصرين، أما المعاصرة فإدراكها واضح ليس فيه غموض وهذا من خلال معرفة المواليد والوفيات، ولهذا كثر تعليل الأحاديث من طرف النقاد بعدم السماع لخفائه وغموضه.\nهذا أهم ما ورد في كلام الحافظ ابن رجب في الرد على مسلم.\nوممن يرى أن مسلمًا يخالف البخاري وابن المديني في الحكم على السند المعنعن، الإمام الذهبي فقد قال في ترجمة مسلم: \" قال أبو بكر الخطيب: كان مسلم يناضل عن البخاري، حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحي الذهلي بسببه.\nقلت (الذهبي) ثم إن مسلمًا لحدة في خلقه، انحرف أيضًا عن البخاري، ولم يذكر له حديثًا ولا سماه في صحيحه، بل افتتح الكتاب بالحط على من اشترط اللقي لمن روى عنه بصيغة \" عن \" وادعى الإجماع على أن المعاصرة كافية، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبخ من اشترط ذلك، وإنما يقول ذلك أبو عبد الله البخاري وشيخه علي بن المديني \" (٢) .\nوكلام الإمام الذهبي عليه ملاحظات:\nالأولى: ما ذكره من انحراف مسلم عن البخاري أمر غريب لم يذكره من ترجم للبخاري ولا لمسلم، بل لا يعرف عنه إلا الوفاء لشيخه والمناضلة عنه.\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٢٢١.\n(٢) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٥٧٣.","vol":"1","page":183},{"text":"الثانية: ما استند إليه الذهبي لإثبات انحراف مسلم عن البخاري من كونه لم يرو له حديثًا، ولا سماه في صحيحه، أمر غريب جدًا من مثل الحافظ الذهبي وهو من الحفاظ المتأخرين الذين يهتمون بالعلو ويعنون بذلك ولا سيما في كتب التراجم والسير والتاريخ.\nفإذا كان المتأخرون عن عصر الرواية يطلبون العلو، ويفتخرون به في مصنفاتهم في التراجم والسير، أفلا يكون الأئمة الذين يصنفون في الحديث أولى وأحرى بذلك؟! ولذلك يتحملون الرواية عن الضعفاء من أجل العلو، وخاصة أن الإمام مسلمًا قد شارك البخاري في أغلب شيوخه.\nوهذا الإمام البخاري - ﵀ - مع شدة حبه للإمام البخاري واعترافه بعلمه وفضله وتقدمه في هذا الشأن، والإكثار من سؤاله عن العلل والرجال في كتابيه \" الجامع \" و\" العلل \" مع ذلك لم يرو عنه في جامعه سوى حديثين، وروى مسلم حديثًا واحدًا، فهل يقال إن الترمذي قد انحرف عن البخاري أيضًا لأنه لم يكثر عنه؟!\nوالشافعي من أجلّ شيوخ أحمد ومع ذلك لم يرو عنه في مسنده، طلبًا للعلو، في أمثلة كثيرة.\nوقول الذهبي: \" ولا سماه في صحيحه \" لا يفيد هذا أنه انحرف عنه، لأن الإمام مسلمًا لم يسم في كتابه كل العلماء الذين أخذ عنهم، ولا صرح بذكر العلل كما فعل الترمذي، حتى ينقل عن شيخه إمام هذه الصنعة بلا منازع، ولا ذكر غير ذلك مما يتعلق بعلوم الرجال كالجرح والتعديل، والأسماء والكني، فلم يحتج إلى النقل عن البخاري ومن هنا لم يسمه.\nالثالثة: إن الذي أوقع الذهبي في هذا هو اعتقاده أن المقصود بالرد والتوبيخ من قبل مسلم هو البخاري وشيخه ابن المديني، وهذا أمر لم تقم عليه أدلة قوية لا من جهة أن البخاري يتبنى هذا الرأي، ولا من جهة أن مسلمًا يقصد بذلك البخاري وابن المديني بل هو مجرد ظن وتخمين. قال الأمير الصنعاني - ﵀ -: \" واعلم أنا راجعنا مقدمة مسلم فوجدناه تكلم في الرواية بالعنعنة وأنه شرط فيها البخاري ملاقاة الراوي لمن عنعن عنه،","vol":"1","page":184},{"text":"وأطال مسلم في رد كلامه، والتهجين عليه، ولم يصرح أنه البخاري، وإنما اتفق الناظرون أنه أراده ورد مقالته \" (١) .\nهكذا ذهب كثير من العلماء والحفاظ إلى أن المراد بالرد هو البخاري وابن المديني، وذهب البعض الآخر إلى أن المراد بالرد هو ابن المديني وليس البخاري، ومن هؤلاء:\n١ - الحافظ ابن كثير قال:\n\" قيل إنه البخاري: والظاهر أنه يريد علي ابن المديني، فإنه شرط ذلك في أصل صحة الحديث، وأما البخاري فإنه لا يشرطه في أصل الصحة ولكن التزم ذلك في كتابه الصحيح \" (٢) .\n٢ - الإمام شيخ الإسلام البلقيني قال في \" محاسن الاصطلاح \":\n\" قيل: يريد مسلم بذلك البخاري، إلا أن البخاري لا يشترط ذلك في أصل الصحة، ولكن التزمه في جامعه ولعله يريد ابن المديني فإنه يشترط ذلك في أصل الصحة \" (٣) .\n٣ - الحافظ البقاعي قال:\n\" سئل شيخنا عن الذي بحث مسلم معه: من هو؟ فقال: علي بن المديني \" (٤) ونقل البقاعي في نفس الكتاب في مبحث المعنعن كلام الحافظ ابن كثير بتمامه معزوًا إليه وأقره.\n٤ - العلامة محمد بن قاسم الغزي قال في \" حاشيته على شرح الألفية\n_________\n(١) توضيح الأفكار: ج١ ص٤٤.\n(٢) الحافظ بن كثير: اختصار علوم الحديث - تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر - دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٣ - ١٩٨٣م، ص٤٩.\n(٣) سراج الدين البلقيني: محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح: تحقيق الدكتورة عائشة عبد الرحمن - مطبعة دار الكتب القاهرة - ١٩٧٤م، ص١٥٨.\n(٤) من كتاب \" النكت الوفية على شرح الألفية \" والكتاب ما يزال مخطوطًا وما نقلته فبواسطة عبد الفتاح أبي غدة في تتماته على الموقطة ص١٣٦.","vol":"1","page":185},{"text":"للعراقي\" (١) .\n\" هو علي ابن المديني، وقيل البخاري ولم يسم في صحيح مسلم \".\nفهؤلاء الحفاظ المتأخرون قد ذهبوا إلى أن المعنى بالرد هو ابن المديني وليس البخاري، وقد ذهب إلى هذا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة من المعاصرين، وقدم دليلًا تاريخيًا على عدم صحة أن يكون البخاري هو المعني بالرد في كلام مسلم - ﵀ - ألخصه فيما يلي:\n\" الإمام مسلم ولد سنة (٢٠٤هـ) والأرجح سنة (٢٠٦هـ)، وسمع الحديث سنة (٢١٨هـ) وتوفي سنة ٢٦١هـ) عن (٥٥) سنة.\nبقي الإمام مسلم في تأليف كتابه (١٥) سنة وقد فرغ من تأليفه سنة (٢٥٠هـ) فيكون مسلم قد بدأ في تأليفه سنة (٢٣٥هـ) حين كانت سنه ٢٩ سنة، وانتهى منه حين كانت سنه ٤٤ سنة وقد عاش بعد الفراغ من تأليفه ١١ سنة، ولا شك أن مسلمًا قد كتب مقدمة صحيحه قبل الشروع في تأليفه لا بعده، كما هو صريح قوله في مقدمته.\nوالإمام مسلم لما صاحب البخاري في نيسابور، وأدام الاختلاف إليه، ولازمه كل الملازمة، خمس سنوات من سنة ٢٥٠ إلى سنة ٢٥٥، وكان في هذه المدة منتهيًا من تأليف كتابه الصحيح، وفيه مقدمته التي فيها الكلام الشديد، فلا يعقل أن يكون البخاري هو المعني بهذه اللهجة الشديدة التي لا تطاق معها مقابلة ولا لقاء، فضلًا عن الصحبة والملازمة خمس سنوات، بل إن مسلمًا قد قاطع شيخه وبلديه: محمد بن يحي الذهلي النيسابوري من أجل البخاري لما ورد نيسابور، ووقف منه محمد بن يحي الذهلي ذلك الموقف المعروف، فهل يقبل ممن يناصر البخاري هذه المناصرة ويقول له: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك، ودعني أقبل رجلك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله: أن يصفه بتلك الصفات النابزة، والأقوال القاسية، والكلمات الجارحة ويتصاحبا مع\n_________\n(١) الكتاب ما يزال مخطوطًا، ونقلته بواسطة نفس المرجع.","vol":"1","page":186},{"text":"ذلك دهرًا طويلًا \" (١) .\nثم إن العلماء الذين قالوا بأن شرط البخاري هو ثبوت اللقاء مع المعاصرة حتى يحكم للسند المعنعن بالاتصال، اختلفوا هل ذلك شرط في الصحة مطلقًا عند البخاري أم هو شرط في الأصحبة عمل به في جامعه قط. وقد ذهب الحافظ ابن حجر إلى أن ذلك شرط في أصل الصحة حيث قال: \" ادعى بعضهم أن البخاري إنما التزم ذلك في \" جامعه \" لا في أصل الصحة، وأخطأ في هذه الدعوى، بل هذا شرط في أصل الصحة عند البخاري، فقد أكثر من تعليل الأحاديث في \" تاريخه \" بمجرد ذلك \" (٢) .\nلو كان البخاري يشترط ذلك في الأصحية فقط لما كان هناك نزاع بينه وبين مخالفه لأنه من المسلم به أن اللقاء أحوط وأوثق في ثبوت الاتصال من مجرد المعاصرة.\nوأما إذا كان البخاري يشترط ذلك في أصل الصحة فيلزم منه أن يكون ما رواه مسلم في صحيحه من الأحاديث المعنعنة التي هي على شرطه في العنعنة من قسم الضعيف عند البخاري ومن مشى على قوله بعده، وهذا غير مقبول لأنه يناقض كل المناقضة ما قرره العلماء على مر الزمن من أن كتاب مسلم صحيح مع معرفتهم بشرط في العنعنة.\nوقد استشعر الإمام النووي - ﵀ - هذا الإشكال والتناقض فقال - ﵀ -:\n\" والبخاري لا يحمله على الاتصال (أي السند المعنعن) حتى يثبت اجتماعهما وهذا المذهب يرجح كتاب البخاري وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله في \" صحيحه \" بهذا المذهب لكونه يجمع طرقًا كثيرة يتعذر معها وجود الحكم الذي جوّزه، والله أعلم \" (٣) .\n_________\n(١) التتمات على الموقظة ص.\n(٢) النكت ص٢٣٠، وانظر: التنكيل ص٢٦٩ - ٢٧٠.\n(٣) شرح النووي على مسلم: ج١ ص١٤.","vol":"1","page":187},{"text":"وقد رّد العلامة المعلمي كلام النووي بقوله: \" وزعم النووي في \" شرح صحيح مسلم \" أنه لا يحكم على مسلم بأنه عمل في \" صحيحه \" بقوله المذكور، وهذا سهو من النووي، فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام أحاديث كثيرة زعم أنه لم يصرح فيها بالسماع ولا علم اللقاء، وأنها صحاح عند أهل العلم، ثم أخرج منها في أثناء صحيحه تسعة عشر حديثًا كما ذكره النووي نفسه ومنها ستة في \" صحيح البخاري \" كما ذكره النووي أيضًا \" (١) .\nومعنى هذا أنه يوجد في \" الصحيحين \" أحاديث معنعنة لم يصرح فيها بالسماع ولا علم اللقاء، وهذه الأحاديث لا يتم الحكم عليها بالصحة إلا وفق ما قرره مسلم - ﵀ - وقد سأل التقي السبكي المزي - حافظ الدنيا - هل وجد لكل ما روياه بالعنعنة طرق مصرح فيها بالتحديث؟\nفقال: كثير من ذلك لم يوجد وما يسعنا إلا تحسين الظن (٢) .\nمما سبق يتبين أنه ليس هناك أدلة قاطعة تثبت أن المعني بالرد في كلام مسلم هو البخاري أو شيخه ابن المديني، وعليه لا نستطيع أن ننصب خلافًا بين مسلم وسائر الأئمة على رأسهم شيخه الإمام البخاري، ولا أستبعد أن يكون مذهب البخاري وابن المديني في هذه المسألة هو مذهب الإمام مسلم، لأن مسلمًا حكى في ذلك الإجماع، وأي إجماع يصح وينعقد والمخالف مثل ابن المديني والبخاري، ويكون المعني بالرد في كلام مسلم بعض المتنظعين من منتحلي الحديث في عصره، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) التنكيل ص٢٦٩.\n(٢) تدريب الراوي: ج١ ص٥٩.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المطلب الرابع: نماذج من أحاديث أعلت بالانقطاع في صحيح البخاري</span>\nإن الإمام البخاري قد اشترط في كتابه اتصال السند في الأحاديث التي يخرجها في جامعه لذا سماه \" الجامع الصحيح المسند \" وعلى الرغم من ذلك هناك أحاديث انتقدها بعض الأئمة، وقالوا بأن هذا الشرط لم يتحقق فيها، وسأذكر في هذا المطلب نماذج من أحاديث من صحيح البخاري أعلها الإمام الحافظ الدارقطني بالانقطاع والإرسال.\nفمن هذه الأحاديث التي عدها الحافظ الدارقطني مرسلة:\n١ - حديث مصعب بن سعد (١):\nقال: قال: رأي سعد أن له فضلًا، فقال النبي ﷺ: \" هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم \" (٢) .\nقال الدارقطني: \" وهذا مرسل \" (٣) .\nفهذا الحديث ظاهر سياقه أنه مرسل لأن مصعبًا لم يدرك زمن النبي ﷺ ولكن صحّ أنه سمعه من أبيه، وقد أورد الحافظ في الفتح ما يدل على أن مصعبًا أخذ هذا الحديث عن أبيه، وهذه الطرق هي (٤):\n١ - ما رواه الإسماعيلي من طريق معاذ بن هانئ حدثنا محمد بن طلحة فقال فيه ابن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ فذكر المرفوع دون ما في أوله.\n_________\n(١) هو مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو زرارة المدني، ثقة، من الثالثة، أرسل عن عكرمة بن أبي جهل. مات سنة ثلاث ومائة روى له الجماعة (التقريب ص٥٣٣) .\n(٢) رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير - باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب رقم (٢٨٩٦) ج٦ ص١٠٤ (مع الفتح) .\n(٣) التتبع ص١٩٤.\n(٤) المصدر السابق.","vol":"1","page":189},{"text":"٢ - ما أخرجه أو نعيم في الحلية من رواية عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدالاتي عن عمرو بن مرة عن مصعب بن سعد عن أبيه مرفوعًا مختصرًا ولفظه \" ينصر المسلمون بدعاء المستضعفين \" (١) .\nفهذه الطرق تدل على أن الحديث مسند، وإن كانت صورته في صحيح البخاري صورة المرسل.\nوهناك أحاديث أخرى على هذا النمط في صحيح البخاري قال الحافظ: \" وقد اعتمد البخاري كثيرًا من أمثال هذا السياق فأخرجه على أنه موصول، إذا كان الراوي معروفًا بالرواية عمن ذكره، وقد ترك الدارقطني أحاديث في الكتاب من هذا الجنس لم يتتبعها \" (٢) .\n٢ - أحاديث الحسن عن أبي بكرة:\nأخرج البخاري بهذه الرجمة أربعة أحاديث اعتبرها الدارقطني مرسلة ولم يصحح سماع الحسن من أبي بكرة، بينما البخاري يرى صحة سماعه، ومن هنا فهي متصلة عند الإمام البخاري لذا أوردها في صحيحه.\nوسأذكر انتقاد الدارقطني ثم أعقبه بأقوال الأئمة الحفاظ في تحقيق سماع الحسن من أبي بكرة.\nقال الدارقطني - ﵀ -: \" وأخرج البخاري أحاديث الحسن عن أبي بكرة، منها: الكسوف، ومنها زادك الله حرصًا ولا تعد، ومنها لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، ومنها إن ابني هذا سيد، والحسن لا يروي إلا عن الأحنف عن أبي بكرة \" (٣) .\nوقد وضح الحافظ ابن حجر هذا الانتقال فقال: \" فالدارقطني\n_________\n(١) حلية الأولياء: ج٥ ص١٠٠.\n(٢) هدي الساري ص٣٨١.\n(٣) التتبع ص٢٢٢.","vol":"1","page":190},{"text":"- ﵀ - يرى عدم صحة سماع الحسن (١) من أبي بكرة (٢) لكن الإمام البخاري يرى صحة ذلك، وقد اعتمد في تصحيح سماع الحسن من أبي بكرة على رواية أبي موسى عن الحسن أنه سمع أبا بكرة، وقد أخرجه مطولًا في كتاب الصلح، وقال في آخره: قال لي علي بن عبد الله إنما ثبت عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث \" (٣) .\nوقال الحافظ في شرح هذا الحديث: \" وإنما قال ابن المديني ذلك لأن الحسن كان يرسل كثيرًا عمن لم يلقهم بصيغة عن فخشي أن روايته عن أبي بكرة مرسلة، فلما جاءت هذه الرواية مصرحة بسماعه من أبي بكرة ثبت عنده أنه سمعه منه \" (٤) .\nثم نقل كلام الدارقطني في كتابه التتبع عقبه بقوله: \" وهذا يقتضي عنده أنه لم يسمع من أبي بكرة، لكن لم أرَ من صرح بذلك ممن تكلم في مراسيل الحسن كابن المدينين وأبي حاتم، وأحمد والبزار، وغيرهم، نعم كلام ابن المديني يشعر بأنهم كانوا يحملونه على الإرسال حتى وقع هذا التصريح \" (٥) .\nفكلام الحافظ يفيد أن الأئمة لم ينفوا سماع الحسن من أبي بكرة وأن الدارقطني انفرد بهذا، وفيما يلي تفصيل القول في سماع الحسن من أبي بكرة وموقف أئمة النقد من ذلك.\n_________\n(١) الحسن بن أبي الحسن البصري، تابعي، فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلس. مات سنة ١١٠ وقد قارب التسعين. ترجمته في التقريب ص١٦٠، والشذرات: ج١ ص١٣٩، وحلية الأولياء: ج٢ ص١٣١ - ١٦٠.\n(٢) هو نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو الثقفي، صحابي، مشهور بكنيته، أسلم بالطائف ثم نزل البصرة ومات بها سنة إحدى أو اثنين وخمسين، ترجمته في: التقريب ص٥٦٥.\n(٣) هدي الساري ص٣٨٦.\n(٤) الفتح: ج١٣ ص٧١.\n(٥) المصدر نفسه ص٧١.","vol":"1","page":191},{"text":"تحقيق القول في سماع الحسن من أبي بكرة:\nلم يتعرض الإمام البخاري في ترجمة الحسن في تاريخه الكبير لسماعه من أبي بكرة.\nأما الإمام ابن أبي حاتم الرازي فقد ترجم له بترجمة متوسطة وتعرض لسماعه من كثير من الصحابة نفيًا وإثباتًا وإليك نص كلامه:\n\" حدثنا عبد الرحمن، نا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قال أبي: سمع الحسن من ابن عمر، وأنس بن مالك، وابن مغفل، وسمع من عمر بن تغلب أحاديث.\nقال أبو محمد فذكرت قول أحمد لأبي - ﵀ - فقال: قد سمع من هؤلاء الأربعة، ويصح له السماع من أبي برزة، ومن أحمر صاحب النبي ﷺ ومن غيرهم، ولم يصح له السماع من جندب، ولا من معقل بن يسار، ولا من عمران بن حصين، ولا من ابن عمر، ولا من عقبة بن عامر، ولا من أبي ثعلبة، ولا من أبي بكرة، ولا من أبي هريرة \" (١) .\nواضح أن الإمام ابن أبي حاتم لم يقصد استيعاب جميع من صح للحسن سماعه منه، لذا قال بعد أن عدّد جملة منهم: \" وغيرهم \".\nثن نفى سماعه من بعض الصحابة، ولم ينف سماعه من أبي بكرة، فهذا النص محتمل في تصحيح سماع الحسن من أبي بكرة، ويزيده وضوحًا هذا النص الصريح قال ابن أبي حاتم - ﵀ -:\n\" حدثنا محمد بن سعيد بن بلخ قال: سمعت عبد الرحمن بن الحكم يقول: سمعت جريرًا يقول: سألت بهزًا (٢) عن الحسن، من لقي من أصحاب رسول الله؟ فقال: سمع من ابن عمر حديثًا، وسمع من عمران بن حصين شيئًا، وسمع من أبي بكرة شيئًا \" (٣) .\n_________\n(١) الجرح والتعديل: ج٣ ترجمة ١٧٧.\n(٢) هو بهز بن أسد العمي تقدمت ترجمته.\n(٣) ابن أبي حاتم المراسيل: دار الكتب العلمية - بيروت ص٤٤.","vol":"1","page":192},{"text":"وقال الإمام علي ابن المديني في علله:\n\" سمع الحسن البصري من عثمان بن عفان - وهو غلام - يخطب، ومن عثمان بن أبي العاص، ومن أبي بكرة \" (١) .\nوقد عد الحافظ المزي من روى عنهم الحسن فذكر أبا بكرة نفيع بن الحارث الثقفي (٢) .\nوقال الحافظ الذهبي في ترجمة الحسن من كتابه سير أعلام النبلاء:\n\" وقد روى بالإرسال عن طائفة، كعلي، وأم سلمة، ولم يسمع منها، ولا من أبي موسى، ولا من ابن سريع، ولا من عبد الله بن عمرو، ولا من عمر بن تغلب، ولا من عمران، ولا من أبي برزة، ولا من أسامة بن زيد، ولا من ابن عباس، ولا من عقبة بن عامر، ولا من أبي هريرة، ولا من جابر، ولا من أبي سعيد قاله يحي بن معين \" (٣) .\nوقال الإمام يحي بن معين في تاريخه:\n\" لم يسمع الحسن من أبي بكرة، قيل له: فإن مبارك بن فضالة يقول: عن الحسن قال حدثنا أبو بكرة، قال ليس بشيء \" (٤) .\nوقال الذهبي أيضًا في تاريخ الإسلام في ترجمة الحسن:\n\" قال علي بن المديني: لم يسمع الحسن من أبي موسى الأشعري، ولا من عمر بن تغلب ولا من الأسود بن سريع، ولا من عمران، ولا من أبي بكرة \" (٥) .\n_________\n(١) العلل ومعرفة الرجال. تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي. دار الوعي. حلب. ط الأولى ص٦٠.\n(٢) تهذيب الكمال: ج٦ ص٩٩.\n(٣) سير أعلام النبلاء: ج٤ ص٥٦٦.\n(٤) تاريخ يحي ابن معين - رواية الدوري عنه - تحقيق أحمد نور السيف، ج٤ ص٣٢٢.\n(٥) تاريخ الإسلام: تحقيق د. عمر عبد السلام تدمري - دار الكتاب العربي - ط سنة ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م - ج٧ ص٤٨.","vol":"1","page":193},{"text":"فهذا النص الذي أورده الذهبي مخالف لما نقلته آنفًا من علل ابن المديني، والظاهر أن النص الأول المنقول من العلل هو الصحيح لأنه يوافق ما حكاه البخاري في صحيحه عن ابن المديني، ويبدو أن الإمام الذهبي كتب هذا من حفظه فوهم في نفي سماع الحسن من أبي بكرة، ويرجح هذا الاحتمال أننا لا نجد هذا النص بهذا الاختصار في علل ابن المديني بل نجده فرق الكلام على سماع الحسن في صفحات من العلل (١) والإمام الذهبي قد ذكرها هنا مختصرة، ولم يسق كل من قال عنه ابن المديني أن الحسن لم يسمع منه.\nأما بالنسبة للإمام يحي بن معين، فنعم لم يصح عنده سماع الحسن من أبي بكرة، وذلك لأن الطريق التي ورد منها التصريح بالسماع طريق ضعيفة، وسبب ضعفها كما أشار إليه ابن معين هو مبارك بن فضالة.\nفمبارك هذا قال فيه الحافظ - ﵀ -:\n\" فمبارك بن فضالة، بفتح الفاء وتخفيف المعجمة، أبو فضالة البصري، صدوق يدلس ويسوي، من السادسة، مات سنة ست وستين، على الصحيح/ خت، د، ت، ق/ \" (٢) .\nقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: كان مبارك بن فضالة يرفع حديثًا كثيرًا، ويقول في غير حديث عن الحسنز قال حدثنا عمران قال حدثنا ابن مغفل، وأصحاب الحسن لا يقولون ذلك، غيره\" (٣) .\nفمبارك هذا يخالف أصحابه في أحاديث الحسن، ويذكر للحسن سماعًا لم يصح. ومن ثم لم يعتمد ابن معين - ﵀ - على إثبات سماع الحسن من أبي بكرة برواية مبارك بن فضالة.\nأما الإمام البخاري فإنه أثبت سماع الحسن من أبي بكرة برواية\n_________\n(١) انظر العلل ومعرفة الرجال ص٦٠ - ٧٤.\n(٢) التقريب ص٥١٩.\n(٣) تهذيب الكمال: ج٢٨ ص١٨٤، والجرح والتعديل: ج٨ ت ١٥٥٧.","vol":"1","page":194},{"text":"إسرائيل أبي موسى البصري، وهو ثقة كما قال الحافظ.\nقال الإمام البخاري: \" حدثنا صدقة حدثنا ابن عيينة حدثنا أبو موسى، عن الحسن سمع أبا بكرة سمعت النبي ﷺ على المنبر، والحسن ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة، ويقول: \" ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين \" (١) .\nواستشهد أيضًا برواية مبارك بن فضالة (فقد أخرج البخاري حديث الكسوف من طرق عن الحسن، علق بعضها، ومن جملة ما علقه فيه رواية موسى بن إسماعيل عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: أخبرني أبو بكرة. فهذا معتمده في إخراج حديث الحسن، ورده على من نفى أنه سمع من أبي بكرة باعتماده على إثبات من أثبته \" (٢) .\nفلما صح سماع الحسن من أبي بكرة عند الإمام البخاري أخرج له في صحيحه، ولم ينفرد الإمام البخاري بإخراج حديث الحسن عن أبي بكرة بل قد أخرج له كثير من الأئمة.\nوإليك الأحاديث التي رواها الحسن عن أبي بكرة مع ذكر من أخرجها من الأئمة (٣):\n١ - حديث \" رأيت النبي ﷺ، والحسن إلى جنبه يقول إن ابني هذا سيد \" رواه البخاري في كتاب الصلح، حديث رقم (٢٧٠٤)، وفي كتاب المناقب، حديث رقم (٣٦٢٩)، وفي كتاب فضائل الصحابة حديث رقم (٣٧٤٦)، وفي كتاب الفتن حديث رقم (٧١٠٩) .\nوالترمذي في سننه، في كتاب المناقب حديث رقم (١٠٢) وقال حسن صحيح.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب الحسن والحسين - ﵄ - رقم (٣٧٤٦) ج٧ ص١١٨.\n(٢) هدي الساري ص٣٧٢.\n(٣) انظر تحفة الإشراف للمزي - تحقيق عبد الصمد شرف الدين - مطبعة المكتب الإسلامي - الدار القيمة. الطبعة الثانية ١٣٠٣هـ، ١٩٧٣م - ج٩ ص٣٨ - ٤٢.","vol":"1","page":195},{"text":"والنسائي في السنن الكبرى في كتاب المناقب.\n٢ - حديث أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع دون الصف.\nأخرجه البخاري في كتاب الأذان حديث رقم (٧٨٣)، وأبو داود في كتاب الصلاة، والنسائي في الصلاة أيضًا. قال الحافظ: \" وقد أعله بعضهم بأن الحسن عنعنه، وقيل إنه لم يسمع من أبي بكرة، وإنما يروي عن الأحنف عنه، ورد هذا الإعلال برواية سعيد بن أبي عروبة عن الأعلم قال: \" حدثني الحسن أن أبا بكرة حدثه \" أخرجه أبو داود والنسائي (١) .\n٣ - حديث نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ: \" لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة \".\nرواه البخاري في كتاب المغازي حديث رقم (٤٤٢٥)، وفي كتاب الفتن حديث رقم (٧٠٩٩) والترمذي في الفتن أيضًا (٧٥) وقال صحيح، والنسائي في القضاة باب (٨) .\n٤ - حديث \" كنا مع النبي ﷺ فانكسفت الشمس فخرج يجر رداءه فصلى بهم ركعتين \".\nرواه البخاري في كتاب الكسوف حديث رقم (١٠٤٠)، وفي كتاب اللباس باب (٢) حديث (٢) .\nورواه النسائي في كتاب الصلاة باب (٦٢٣) حديث (٧) .\nفهذه أحاديث الحسن عن أبي بكرة عند البخاري، وقد شاركه في تخريجها من ذكرت من الأئمة، وله أحاديث أخرى عن أبي بكرة أيضًا لم يخرجها البخاري وخرجها غيره من الأئمة كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والبيهقي وابن حبان (٢) .\n_________\n(١) فتح الباري: ج٢ ص٢١٣.\n(٢) انظر تحفة الأشراف: ج٩ ص٣٨ - ٤٢.","vol":"1","page":196},{"text":"وخلاصة القول: إن سماع الحسن من أبي بكرة مختلف فيه بين مثبت وناف.\nفالمثبتون لسماعه كثير من الأئمة: كابن المديني، والبخاري، والترمذي، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأحمد، وأبو داود، والبيهقي فكل هؤلاء يصححون حديثه عن أبي بكرة.\nوقد نفى سماعه بعض الأئمة كالدارقطني - ﵀ - وابن المديني فيما نقله الذهبي - إن صح النقل - ويحي بن معين، لضعف الطريق التي ورد فيها السماع عنده.\nوالصواب صحة سماع الحسن من أبي بكرة وقد بينت - بحمد الله وتوفيقه - أن البخاري لم ينفرد بإثبات سماعه ولا بتصحيح حديثه، فقد أثبت سماعه جمع من الأئمة النقاد، وصحح حديثه كثير من الأئمة في كتبهم، ولا يفوتني أن أنبه على أن الحسن يروي عن أبي بكرة مباشرة من غير واسطة كما تقدم، ويروي عنه أيضًا بواسطة الأحنف بن قيس، وقد أخرج البخاري أيضًا حديث الأحنف بن قيس عن أبي بكرة (١) .\nحديث عبد الله بن الزبير قال: قال النبي ﷺ: \" من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة \".\nفهذا الحديث أورده البخاري في صحيحه (٢)، وقد انتقده الدارقطني بما يفيد أنه مرسل، حيث قال - ﵀ - وأخرج البخاري عن سليمان بن حرب عن حماد بن ثابت عن ابن الزبير قال: قال النبي ﷺ: \" من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة \".\n_________\n(١) كتاب الفتن، باب إذا التقى مسلمان بسيفهما، حديث رقم (٧٠٨٣) ج١٣ ص٣٥ (مع الفتح) .\n(٢) رواه البخاري في كتاب اللباس، باب لبس الحرير للرجال، وقدر ما يجوز منه حديث رقم (٥٨٣٣) وعقبه بروايتي: أبي ذبيان خليفة بن كعب، وأم عمرو بنت عبد الله بن الزبير، وفيهما يقول ابن الزبير: سمعت عمر يقول قال النبي ﷺ: \" من لبس الحرير \" رقم (٥٨٣٤) ج١٠ ص٢٩٦ (مع الفتح) .","vol":"1","page":197},{"text":"قلت: لم يسمعه ابن الزبير من النبي ﷺ، إنما سمع من عمر، قاله أبو ذبيان (١) وأم عمرو (٢) عنه \" (٣) .\nقال الحافظ - بعد ذكره كلام الدارقطني -:\n\" هذا تعقب ضعيف، فإن ابن الزبير صحابي، فهبه أرسل فكان ماذا؟ وكم في الصحيح مرسل صحابي، وقد أتفق الأئمة قاطبة على قبول ذلك إلا من شذ ممن تأخر عصره عنهم فلا يعتد بخلافه \" (٤) .\nوقال الحافظ أيضًا في شرحه لهذا الحديث: \" هذا من مرسل ابن الزبير، ومراسيل الصحابة محتج بها عند جمهور من لا يحتج بالمراسيل، لأنهم إما أن يكون عند الواحد منهم عن النبي ﷺ، أو عن صحابي آخر، واحتمال كونها عن تابعي لوجود رواية بعض الصحابة عن بعض التابعين نادر، لكن تبين من الروايتين بعد هذا أن ابن الزبير إنما حمله عن النبي ﷺ بواسطة عمر \" (٥) .\nفالحديث إذن مسند، ولا وجه لإعلاله بالإرسال.\nفهذه نماذج من أحاديث في صحيح البخاري يرى الإمام الدارقطني بأنها مرسلة أو منقطعة، وقد بينت أن البخاري - ﵀ - يرى بأنها مسندة لذا أوردها في صحيحه.\n* * *\n_________\n(١) هو خليفة بن كعب التميمي، البصري، ثقة من الرابعة، روى له البخاري ومسلم والنسائي (التقريب ص١٩٥) .\n(٢) هي أم عمرو بنت عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدية مقبولة، روى لها البخاري تعليقًا والنسائي (التقريب ص٧٥٧) .\n(٣) التتبع - دراسة وتحقيق: مقبل بن هادي الوادعي - دار الكتب العلمية - الطبعة الثانية ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م، ص٣٠٦.\n(٤) هدي الساري ص٣٩٧ وانظر تفصيل القول في مراسيل الصحابة في أسباب اختلاف المحدثين لخلدون الأحدب ج١ ص٢٢٠ - ٢٢٤.\n(٥) الفتح: ج١٠ ص٣٠١.","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>المطلب الخامس: التدليس وموقف البخاري من أحاديث المدلسين</span>\nتعريف التدليس:\nالتدليس لغة مشتق من الدلس بفتحتين، وهو اختلاط الظلام بالنور ويسمى المدلس بذلك لاشتراكهما في الخفاء والتغطية كأنه لتغطيته على الواقف عليه أظلم أمره، ومنه التدليس في البيع يقال: دلس فلان على فلان أي ستر عنه العيب الذي في متاعه (١) .\nأقسام التدليس:\nقسمه العلماء إلى أقسام عدة، فمنهم من قسمه إلى ستة أقسام كالإمام الحاكم النيسابوري في كتاب \" معرفة علوم الحديث \" (٢) وهذه الأقسام هي:\nالأول: من دلس عن الثقات الذين هم في الثقة مثل المحدث أو فوقه أو دونه إلا أنهم لم يخرجوا عداد الذين تقبل أخبارهم.\nالثاني: قوم يدلسون الحديث فيقولون: قال فلان، فإذا وقع إليهم من ينفر عن سماعاتهم، ويلح ويراجعهم ذكروا فيه سماعاتهم.\nالثالث: قوم دلسوا عن أقوام مجهولين لا يدري من هم ولا من أين هم.\nالرابع: قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيروا أساميهم وكناهم كي لا يعرفوا.\nالخامس: قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير، وربما فاتهم الشيء عنهم، فيدلسونه.\n_________\n(١) لسان العرب والقاموس المحيط مادة (دلس) .\n(٢) معرفة علوم الحديث ص١٢٨ -. ١٢.","vol":"1","page":199},{"text":"السادس: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط، ولم يسمعوا منهم وإنما قالوا: قال فلان. نحمل ذلك منهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماع عال ولا نازل.\nوقد مثل الحاكم لكل قسم من هذه الأقسام بعدة أمثلة.\nونلاحظ أن الحاكم قد اعتمد في هذا التقسيم على حالات المدلسين مع شيوخهم.\nكما نلاحظ أن بعض الأقسام متداخلة في بعض، لذا ترى من جاء بعد الحاكم قد اختصر هذا التقسيم إلى ثلاثة أقسام، كالحافظ العراقي في شرحه لألفيته (١) وفي شرحه على مقدمة ابن الصلاح (٢) .\nوهذه الأقسام هي:\nالأول: تدليس الإسناد.\nالثاني: تدليس الشيوخ.\nالثالث: تدليس التسوية.\nومن العلماء من قسمه إلى قسمين فقط هما:\nتدليس الإسناد وتدليس الشيوخ. وقد ذهب إلى هذا ابن الصلاح (٣)، والنووي (٤)، وابن كثير (٥)، والطيبي (٦)، وابن حجر (٧)، والسخاوي (٨) وغيرهم.\n_________\n(١) شرح العراقي المسمى فتح المغيث: ج١ ص١٧٩ - ١٩١.\n(٢) التقييد والإيضاح ص٧٨.\n(٣) علوم الحديث ص٦٦.\n(٤) التقريب (مع التدريب): ج١ ص٢٢٣.\n(٥) اختصار علوم الحديث ص٥٠.\n(٦) الخلاصة في أصول الحديث ص٧٤.\n(٧) النكت على كتاب ابن الصلاح ص٢٤٤.\n(٨) فتح المغيث: ج١ ص١٦٩.","vol":"1","page":200},{"text":"قال الحافظ البلقيني: \" الأقسام الستة التي ذكرها الحاكم داخلة تحت القسمين السابقين، فالقسم الأول والثاني والثالث والخامس والسادس داخلة تحت القسم الأول، والرابع عين القسم الثاني - أي تدليس الشيوخ وما عده العراقي قسمًا ثالثًا - وهو تدليس التسوية داخل تحت القسم الأول وهو تدليس الإسناد (١) .\nوعند التدقيق، نلاحظ أن الأقسام كلها تعود إلى تدليس الإسناد لأن الإسناد يتكون من الشيوخ، والصيغ الدالة على التحمل، فإخراج الشيوخ من الإسناد وإبقاء الصيغ الدالة على التحمل أمر غير سليم، ومن هنا يمكن أن نقول إن هذه التقسيمات اعتبارية فقط ترجع إلى أحوال المدلسين وليست تقسيمات حقيقية ترجع إلى التدليس في حد ذاته فالتدليس موضوعه الإسناد، شيوخه وما يدل على الاتصال بينهم.\nتعريفه اصطلاحًا:\nنذكر تعريف العلماء لقسمي التدليس.\nأ - تدليس الإسناد:\nاختلف تعاريف العلماء له. فقد عرفه الإمام البزار (ت ٣٩٢هـ) بقوله: \" هو أن يروي عمن سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه \" (٢) .\nويمثل تعريف البزار عرفه الإمام أبو الحسن القطان الفاسي (ت ٦٢٨هـ) في كتابه بيان الوهم والإيهام (٣) وفصل ابن عبد البر في تعريفه (٤) لكنه لم يخرج عن مضمون تعريف البزار، وهؤلاء يشترطون اللقي والسماع في حد التدليس\n_________\n(١) محاسن الاصطلاح ص١٦٨.\n(٢) فتح المغيث: ج١ ص١٩٧، وشرح العراقي لألفيته: ج١ ص١٨٠.\n(٣) فتح المغيث: ج١ ص١٩٧، والنكت ص٢٤٢.\n(٤) انظر التمهيد: ج١ ص١٥.","vol":"1","page":201},{"text":"وذهب آخرون إلى التوسع في مدلول التدليس، فيمثل عندهم من سمع، ومن أدرك ولم يسمع، ومن هؤلاء الإمام ابن الصلاح - ﵀ - قال:\n\" تدليس الإسناد: وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمع منه موهمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره، ولم يلقه موهمًا أنه لقيه وسمع منه \" (١) .\nوبمثل تعريف ابن الصلاح عرفه النووي (٢) وابن كثير (٣) والعراقي (٤) وذكر أن تعريف ابن الصلاح هو المشهور بين أهل الحديث.\nلكن الحافظ ابن حجر لم يرتض هذا، وفرق بين النوعين باعتبار أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، وأما إذا عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي (٥) .\nوهو الظاهر أيضًا من صنيع الحافظ العلائي - ﵀ - حيث تكلم على التدليس بنوعيه ثم أفرد للمرسل الخفي بابًا مستقلًا في كتابه جامع التحصيل والرأي الذي ذهب إليه ابن حجر هو المعتمد لما يلي:\nأولًا: إنه قول المتقدمين من أهل الحديث كما سبق نقله عنهم.\nثانيًا: إنه يفرق تفريقًا دقيقًا بين المدلس والمرسل الخفي، وهذا التفريق له أثره الواضح في القبول والرد، لأن حكمنا على الحديث بالتدليس يستلزم رده أما حكمنا عليه بالإرسال الخفي فيعني قبوله عند من يقبل المراسيل.\n_________\n(١) علوم الحديث ص٦٦.\n(٢) التقريب ص٢٢٣ - ٢٢٤.\n(٣) اختصار علوم الحديث ص٥٠.\n(٤) التقييد والإيضاح ص٨٠.\n(٥) نزهة النظر ص٣٩ - ٤٠.","vol":"1","page":202},{"text":"ب - تدليس الشيوخ:\nهو أن يروي الراوي عن شيخ حديثًا سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف (١) .\nويمكن أن نضع تعريفًا للتدليس يشمل القسمين وهو: \" التدليس إخفاء عيب في الإسناد ظهوره يكون سببًا في ضعفه أو انقطاعه \" فعيوب الإسناد التي تكون سببًا في ضعفه هي: ضعف الرواة، وجهالتهم، وجرحهم.\nوالعيوب التي تكون سببًا في انقطاع الإسناد، كعدم السماع مطلقًا أو عدم لقاء الرواة بعضهم بعضًا أو عدم السماع منهم في خصوص ذلك الحديث.\nحكم التدليس:\nقال الخطيب البغدادي - ﵀ -: \" التدليس متضمن للإرسال لا محالة، لإمساك المدلس عن ذكر الواسطة، وإنما يفارق حال المرسل بإيهامه بالسماع ممن لم يسمع فقط، وهو الموهن لأمره فوجب كون التدليس متضمنًا للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس، لأنه لا يقتضي إبهام السماع ممن لم يسمع منه \" (٢) فالتدليس يشبه المرسل في كون كل منهما منقطع، ويختلف عنه بأن الإرسال انقطاع ظاهر والتدليس انقطاع خفي مع أن راويه يذكره بصيغة توهم الاتصال، ولهذا لم يذم العلماء في أرسل وذموا من دلس.\nولقد اختلف العلماء في قبول رواية من عرف بهذا التدليس، ولقد ذكر هذا الخلاف الإمام ابن الصلاح في مقدمته، فقال - ﵀ -: \" ثم اختلفوا في رواية من عرف بهذا التدليس (أي تدليس الإسناد) فجعله فريق من أهل الحديث والفقهاء مجروحًا بذلك، وقالوا: لا تقبل روايته بحال بين\n_________\n(١) علوم الحديث ص٦٦.\n(٢) الكفاية ص٣٩٥.","vol":"1","page":203},{"text":"السماع أو لم يبين، والصحيح التفصيل وأن ما رواه المدلس بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع والاتصال حكمه حكم المرسل وأنواعه وما رواه بلفظ مبين للاتصال نحو \" سمعت \" و\"حدثنا \" و\" أخبرنا \" وأشباهها فهو مقبول محتج به.\nوفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جدًا كقتادة، والأعمش، والسفيانين، وهشيم بن بشير، وغيرهم، وهذا أن التدليس ليس كذبًا، وإنما هو ضرب من الإيهام بلفظ محتمل \" (١) وبهذا التفصيل قال الحافظ العلائي - ﵀ (٢) - وقال الحافظ ابن حجر: \" وحكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلًا أن لا يقبل منه إلا مصرح فيه بالتحديث على الأصح\" (٣) كما تعقب الحافظ ابن حجر الإمام ابن الصلاح في قوله: \" وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جدًا \".\nقال ابن حجر: \" أورد المصنف هذا محتجًا به على قبول رواية المدلس إذا صرح، وهو يوهم أن الذي في الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث المدلسين مصرح في جميعه وليس كذلك، بل في الصحيحين وغيرهما جملة كثيرة من أحاديث المدلسين بالعنعنة.\nوقد جزم المصنف في موضع آخر، وتبعه النووي وغيره، بأن ما كان في الصحيحين وغيرهما من الكتب الصحيحة عن المدلسين، فهو محمول على ثبوت سماعه من جهة أخرى، وتوقف في ذلك المتأخرين الإمام صدر الدين بن المرحل وقال في \" كتاب الإنصاف \": \" إن في النفس من هذا الاستثناء غصة، لأنها دعوى لا دليل عليها، ولا سيما أنا قد وجدنا كثيرًا من الحفاظ يعللون أحاديث وقعت في الصحيحين أو أحدهما بتدليس\n_________\n(١) علوم الحديث ص٦٧ - ٦٨.\n(٢) جامع التحصيل في أحكام المراسيل - حققه وقدم له وخرّج أحاديثه: حمدي عبد المجيد السلفي - عالم الكتب. الطبعة الثانية ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦م، ص٩٨ - ٩٩.\n(٣) نزهة النظر ص٣٩.","vol":"1","page":204},{"text":"رواتهما \" وكذلك استشكل ذلك قبله العلامة ابن دقيق العيد فقال: \" لابد من الثبات على طريقة واحدة، إما القبول مطلقًا أو الرد مطلقًا، في كل كتاب، وأما التفرقة بين ما في الصحيح من ذلك وما خرج عنه فغاية ما يوجه به أحد أمرين: إما أن يدعي أن تلك الأحاديث عرف صاحب الصحيح صحة السماع فيها. قال: وهذا إحالة على جهالة، وإثبات أمر بمجرد الاحتمال.\nوإما أن يدعي أن الإجماع على صحة ما في الكتابين دليل وقوع السماع في هذه الأحاديث، وإلا كان أهل الإجماع على الخطأ، وهو ممتنع \".\nوفي أسئلة الإمام تقي الدين السبكي للحافظ ابن أبي الحجاج المزي \" وسألته عما وقع في الصحيحين من حديث المدلس معنعنًا هل نقول: إنهما اطلعا على اتصالها\nفقال: كذا يقولون وما فيه إلا تحسين الظن بهما، وإلا ففيهما أحاديث من رواية المدلسين ما توجد من غير تلك الطرق التي في الصحيحين \".\nقلت (القائل ابن حجر) وليست الأحاديث التي في الصحيحين بالعنعنة عن المدلسين كلها في الاحتجاج، فيحمل كلامهم هنا على ما كان منها في الاحتجاج فقط، أما ما كان في المتابعات فيحتمل أن يكون حصل التسامح في تخريجها كغيرها \" (١) .\nوهذه الإشكالات التي أوردها هؤلاء الحفاظ المتأخرون مردها إلى أنهم يقررون قواعد عامة مطردة بمعزل عن صنيع الأئمة في كتبهم فإذا وجدوا ما يخالف تلك القواعد حاولوا جاهدين الجواب عنها، وكان من المفترض أن يكون الواقع التطبيقي هو المنطلق الذي تستمد منه القواعد والأحكام.\nولو تأملنا مسألة التدليس وأحاديث المدلسين من خلال الواقع التطبيقي عند الإمام البخاري تتضح لنا الحقائق التالية:\n_________\n(١) النكت على كتاب ابن الصلاح ص٢٥٥ - ٢٥٦.","vol":"1","page":205},{"text":"١ - أن الإمام البخاري قد أخرج أحاديث كثير ممن وصف بالتدليس، وهذا يقتضي أن التدليس ليس بجرح ترد به الرواية، ويقدح به في العدالة.\n٢ - إن الإمام البخاري أكثر ما يخرج لهؤلاء في التعاليق والاستشهاد.\n٣ - خرج الإمام البخاري لبعض المدلسين في الأصول احتجاجًا إما لتصريحهم بالسماع، أو لأنهم توبعوا على أحاديهم، أو لشيوخ أكثروا عنهم بحيث لم يفتهم من أحاديثهم شيء، أو من طريق من لا يأخذ عنهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع أو لكون هؤلاء المدلسين لا يدلسون إلا عن الثقات.\nأصناف المدلسين في صحيح البخاري:\n١ - المدلسون الذين أخرج البخاري أحاديثهم متابعة واستشهادًا:\nوهؤلاء مثل: بقية بن الوليد، عيسى بن موسى غنجار، مبارك بن فضالة، محمد بن إسحاق، محمد بن عجلان.\n٢ - المدلسون الذين أخرج البخاري أحاديثهم احتجاجًا:\nوهؤلاء يخرج أحاديثهم بطرق مختلفة:\nأ - من الطرق المصرح فيها بالسماع: مثل:\nحميد بن أبي حميد الطويل: كان يدلس وقد اعتنى البخاري بطرق حديثه التي فيها التصريح بالسماع (١) .\nب - من طريق من كان لا يأخذ عنهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع: مثل:\nالأعمش: فقد اعتمد البخاري في تخريج حديثه على حفص بن غياث لأنه كان يميز بين ما صرح فيه الأعمش بالسماع وبين ما دلسه (٢) .\n_________\n(١) هدي الساري ص٤١٩.\n(٢) المصدر نفسه ص٤١٨.","vol":"1","page":206},{"text":"جـ - من لا يدلس إلا عن الثقات أو تدليسهم نادر، وهؤلاء مثل (١):\nإبراهيم بن يزيد النخعي، إسماعيل بن أبي خالد، بشير بن المهاجر، الحسن بن ذكوان، الحسن البصري، الحكم بن عتبة، حماد بن أسامة، سعيد بن أبي عروبة، سفيان الثوري، سفيان بن عيينة، شريك القاضي، ومحمد بن حازم أبو معاوية الضرير، وغيرهم.\nإن تخريج الإمام البخاري روايات بعض المدلسين دون أن يكون هناك تصريح بالسماع مما يدل على أن قاعدة \" المدلس لا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث \" ليس قاعدة مطردة بل لها استثناءات.\nفهناك بعض المدلسين من يكون تدليسه نادرًا في بعض الروايات أو لا يدلس فيها أصلًا مع كونه معروفًا بالتدليس، مثل هشيم بن بشير المشهور بالتدليس إلا أنه لا يكاد يدلس في حديثه عن حصين بن عبد الرحمن فعنعنته محمولة على الاتصال، قال الإمام أحمد: \" هشم لا يكاد يدلس عن حصين \" (٢) .\nذلك لأنه لازمه ملازمة طويلة وأكثر سماعه منه بحيث لم يفت له من أحاديثه شيء، ولذا قالوا: \" هشيم أعلم الناس بأحاديث حصين \".\nوكذلك سفيان الثوري فقد وصف بالتدليس عن الضعفاء إلا أن الإمام البخاري قال: \" لا أعرف لسفيان عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور، وذكر شيوخًا كثيرة، لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسًا، ما أقل تدليسه \" (٣) .\nومن هؤلاء الشيوخ، الأعمش وابن جريج، وأبو إسحاق ومعمر ويحي بن أبي كثير، لأنه قلما يفوت له من أحاديثهم لطول الملازمة وكثرة السماع.\n_________\n(١) النكت ص٢٥٧.\n(٢) شرح العلل ص٣٨٩.\n(٣) نفس المصدر ص٣٨٩، وفتح المغيث: ج١ ص٢١٩ والنكت ص٢٥٣.","vol":"1","page":207},{"text":"وكذلك الأعمش فقد قال الحافظ الذهبي: \" وهو يدلس وربما دلس عن ضعيف، وهو لا يدري به فمتى قال حدثنا فلا كلام، ومتى قال عن تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم، وابن أبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال \" (١) .\nوكذلك ابن جريج إنه كان يدلس عن غير عطاء فأما عن عطاء فلا، قال: إذا قلت: قال عطاء فأنا سمعته منه وإن لم أقل سمعت، وإنما قال هذا لأنه كان يرى أنه قد استوعب ما عند عطاء\" (٢) .\nكما أن بعض المدلسين إذا جاء حديثهم من طريق بعض الرواة فتحمل عنعنتهم على الاتصال لأنهم لا يقبلون منهم إلا ما سمعوا من شيوخهم مثل عكرمة بن عمار اليمامي، وقتادة، والأعمش ولأبي إسحاق وأبي الزبير وسفيان الثوري.\nفعكرمة قد ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين لكن إذا جاء حديثه من طريق سفيان الثوري فتحمل عنعنته على الاتصال لأنه كان يوقفه عند كل حديث قل: \"حدثني\" و\" سمعت \" (٣) .\nوأما قتادة والأعمش وأبو إسحاق فلا تضر عنعنتهم إذا روى عنهم شعبة فإنه كان يقول: \"كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش وإسحاق وقتادة \" (٤) .\nقال الحافظ: \" وهي قاعدة حسنة تقبل أحاديث هؤلاء إذا كانت عن شعبة ولو عنعنوها\" (٥) .\nوقال الإسماعيلي: \" يحي القطان لا يروي عن زهير إلا ما كان\n_________\n(١) ميزان الاعتدال: ج٢ ص٢٢٤.\n(٢) التنكيل: ج٢ ص١٠٠.\n(٣) الجرح والتعديل: ج١ ص٦٨.\n(٤) النكت على ابن الصلاح ص٢٥٢.\n(٥) المصدر نفسه ص٢٥٢.","vol":"1","page":208},{"text":"مسموعًا لأبي إسحاق فإذا عنعن زهير عن أبي إسحاق وكان من طريق يحي القطان فلا يضر ذلك ويحمل على الاتصال \" (١) .\nوأبو الزبير عن جابر إذا روى عنه الليث بن سعد فعنعنته محمولة على الاتصال (٢) .\nإلى غير ذلك من الأمثلة والشواهد التي تدل على صحة ما ذهب إليه الإمام البخاري من عدم اعتبار أحاديث المدلسين على طريقة واحدة.\n* * *\n_________\n(١) المصدر نفسه.\n(٢) المصدر نفسه. وانظر: الموازنة في تصحيح الأحاديث وتعليلها - للدكتور حمزة المليباري - ط٢ بقسنطينة ص١٢٠ - ١٢٤.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>الفصل الثالث: منهج تعليل الأحاديث عند الإمام البخاري</span>\nالمبحث الأول: الأحاديث المعلولة في الجامع الصحيح.\nالمبحث الثاني: التفرد وأثره في التعليل.\nالمبحث الثالث: المخالفة وأثرها في التعليل\nالمبحث الرابع: زيادات الثقات.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>المبحث الأول: الأحاديث المعلولة في الجامع الصحيح</span>\nالمطلب الأول: تعريفا لعلة وبيان مواضعها، وحكمها ودلائها.\nالمطلب الثاني: الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري وتصنيفها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>المطلب الأول: تعريف العلة وبيان مواضعها وحكمها ودلائلها</span>\nتمهيد:\nإن الجامع الصحيح للإمام البخاري من أصح الكتب في الحديث بل أصحها، ومع ذلك فهو جهد بشري ليس كاملًا ولا معصومًا، ومن هنا نجد بعض الأئمة الحفاظ قد تكلموا على بعض الأحاديث في هذا الكتاب، وبينوا فيها عللًا تجعلها قاصرة على رتبة الصحة، وقبل الخوض في ذكر هذه الانتقادات وتقويمها يجدر بنا أن نعرف العلة ومواضعها ودلائلها، ثم نتعرض إلى الأحاديث المنتقدة في جامع الصحيح، ومناهج هؤلاء الأئمة في انتقاداتهم وكذلك طريقة من حاول الدفاع عن الصحيح والرد على هذه الانتقادات.","vol":"1","page":213},{"text":"تعريف العلة:\n١- لغة:\nقال الفيروزآبادي:\n\" العلة بالكسر: المرض، عل، يعل، واعتل، وأعله الله تعالى، فهو معل، وعليل، ولا نقول معلول \" (١) ويرى كثير من العلماء أن معلول خلاف القياس، لأن القياس أن يقال معل من أعل قال ابن الصلاح: \"ويسميه أهل الحديث: المعلول، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس العلة والمعلول. مرذول عند أهل العربية واللغة \" (٢) .\nوتبعه على ذلك النووي: إنه لحن، وتبعه السيوطي أيضًا (٣) .\nلكن قال الفيومي: \"العلة المرض الشاغل، والجمع علل مثل سدرة وسدر، وأعله الله فهو معلول، قيل: من النوادر التي جاءت على غير قياس، وليس كذلك، فإنه من تداخل اللغتين، والأصل، أعله الله فعل، فهو معلول، فيكون على القياس، وجاء معل على القياس، ولكنه قليل الاستعمال\" (٤) .\nوأورد الحافظ العراقي في \"التقييد والإيضاح\" استعمال معلول عن عدد من أهل اللغة منهم قطرب، وابن القوطية، والمطرزي والجوهري (٥) .\nوجاء في مختار الصحاح: \"والعلة: المرض، وحدث يشغل صاحبه عن وجهه كأن تلك العلة صارت شغلًا ثانيًا منعه عن شغله الأول؛ واعتل: أي: مرض، فهو عليل، ولا أعلك الله أي لا أصابك بعلة\" (٦) .\n_________\n(١) القاموس المحيط: ج٤ ص٢١.\n(٢) علوم الحديث ص٨١.\n(٣) التقريب مع شرحه التدريب: ج١ ص٢٥١.\n(٤) المصباح المنير ص٤٢٦.\n(٥) التقييد والإيضاح ص٩٦.\n(٦) مختار الصحاح ص٢٩١.","vol":"1","page":214},{"text":"وأصل الخلاف في هذه المسألة هل هذا الفعل ثلاثي مجرد أم مزيد. قال السخاوي ﵀:\n\" نص جماعة كابن القوطية في الأفعال على أنه ثلاثي فإنه قال: عل الإنسان علة مرض والشيء أصابته علة ولكن الأعرف أن فعله من الثلاثي المزيد نقول: أعله الله فهو معل، ولا يقال: تعلل، فإنهم يستعملونه من علة بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به، ومنه تعليل الصبي بالطعام، وما يقع في استعمال أهل الحديث له حيث يقال علله فلان، على طريق الاستعارة\" (١) .\nومما سبق نستطيع أن نلخص معاني هذا الفعل واستعمالاته على هذا النحو:\nفعل علّ يعلّ بالكسر والضم: علا، يستعمل متعديًا ولازمًا، ومعناه سقاه السقية الثانية، ومنه العلل وهو الشرب الثاني، يقال علل بعد نهل (٢) .\nوأما علله فهو في اللغة بمعنى ألهاه وشغله، واستعمال المحدثين لهذا الفعل قليل، واستعمالهم له على سبيل الاستعارة أي كأن المحدث شغل بالنظر في علة الحديث عما هو أهم من ذلك، والله أعلم.\nويرى العراقي أن الأحسن استعمال لفظ معلّ بدلًا من معلول (٣) .\nومما تقدم يتبين لنا أن استعمال لفظ معلول لا إشكال فيه لغة، كما أنه المستعمل بكثرة في كلام المحدثين كالبخار، والترمذي والحاكم والدارقطني وغيرهم.\n_________\n(١) فتح المغيث، ج١ ص٢٤٤.\n(٢) مختار الصحاح ص٢٩١.\n(٣) التقييد والإيضاح ص٩٦.","vol":"1","page":215},{"text":"ب- تعريف العلة اصطلاحًا:\nقال ابن الصلاح \"هي عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة (١) .\nفالعلة عبارة عن سبب غامض يدل على وهم الراوي سواء أكان الراوي ثقة أم ضعيفًا. سواء أكان الوهم فيما يتعلق بالإسناد أم فيما يتعلق بالمتن (٢)، وقد تطلق العلة على الأسباب الظاهرة التي تقدح في صحة الحديث كما نبه على ذلك ابن الصلاح فقال: \"ثم اعلم أنه قد تطلق العلة على غير ما ذكرنا من باقي الأسباب القادحة في الحديث، المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به على مقتضى لفظ العلة في الاصل\" (٣) .\nمواضع العلة وحكمها:\nقال ابن الصلاح \"ثم قد تقع العلة في إسناد الحديث وهو الأكثر وقد تقع في متنه، ثم ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعًا كما في التعليل بالإرسال والوقف، وقد يقدح في صحة الإسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن\" (٤) .\nوالقدح هنا لفظ مجمل إن أريد به القدح في صحة الحديث، ففي العلل ما هو قادح ومنها ما هو غير قادح، وعلى هذا يحمل كلام ابن الصلاح وغيره من العلماء.\nوإن أريد بالقدح، القدح في صحة ما قاله الراوي عمن فوقه فالعلة على هذا الاعتبار كلها قادحة لأن العلة كما سبق هي الوهم والخطأ فما كان وهمًا لا يكون صحيحًا (*) .\n_________\n(١) علوما لحديث ص٨١.\n(٢) الدكتور حمزة عبد الله المليباري: الحديث المعلول قواعد وضوابط - دار الهدى عين مليلة. الجزائر ص١٣.\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) علوم الحديث ص٨٢\n(*) انظر لمزيد من التفصيل في هذه المسألة \"الحديث المعلول\" ص٢٢.","vol":"1","page":216},{"text":"دلائل العلة:\nتعرف العلة بالتفرد من الراوي أو مخالفته لغيره من قرائن أخرى.\nقال ابن الصلاح: \"ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك فيحكم به أو يتردد فيوقف فيه\" (١) .\nوقال السخاوي:\n\"تدرك بعد جمع الطرق، والفحص عنها، بالخلاف من راوي الحديث لغيره، ممن هو أحفظ، وأضبط وأكثر عددًا، أو عليه، والتفرد بذلك، وعدم المتابعة عليه مع قرائن قد يقصر التعبير عنها \" (٢) .\nولأهمية التفرد والمخالفة جعلتهما محور الدراسة في هذا الفصل، فتناولت منهج التعليل عند الإمام البخاري من خلال موقفه من صور المخالفة وموقفه من التفرد، ثم موقفه من زيادات الثقات، وهي حالة من حالات المخالفة، لكن أفردتها لأهميتها وغموضها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>المطلب الثاني: الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري</span>\nلقد أعل بعض الحفاظ جملة من الأحاديث في صحيح البخاري، ومن هؤلاء الحافظ الدارقطني وأبو علي الغساني في جزء العلل من كتابه \"تقييد المهمل\" (*) .\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٨٣.\n(٢) فتح المغيث، ج١ ص٢٤٤-٢٤٥.\n(*) لقد حقق هذا الجزء بعنوان \"التنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيحين\" من قبل الرواة \"قسم البخاري\" من طرف محمد صادق آيدان - رسالة ماجستير في كلية أصول الدين. جامعة محمد بن سعود الإسلامية - نوقشت عام ١٤٠٤هـ","vol":"1","page":217},{"text":"أما الحافظ الدارقطني فقد انتقد البخاري ومسلمًا في كتابه\" التتبع لما في الصحيحين\"، وقد طبع هذا الكتاب بتحقيق الشيخ مقبل بن هادي - حفظه الله -، ويعتبر كتابه أوسع مصدر في هذا الموضوع، وقد رد على الدارقطني الحافظ أبو مسعود الدمشقي في جزء صغير ذكر فيه أربعة وعشرين حديثًا مما انتقد فيه الدارقطني مسلمًا، وقد لزم فيه الإنصاف فهو يصوب الدارقطني فيما يرى أنه أصاب فيه، ويرد عليه إن رأى أنه أخطأ، كما نبه على أوهام وقع فيها الدارقطني (١) .\nكما ورد على الدارقطني الإمام النووي في شرح لصحيح مسلم.\nورد عليه أيضًا الحافظ ابن حجر في \"هدي الساري\" وفي فتح الباري عند كلامه على الأحاديث المنتقدة.\nوالذي يلاحظ على رد النووي أنه رد مختصر مبني على قاعدة قبول زيادة الثقة مطلقًا. كان هو مذهب الأصوليين والفقهاء وعلماء الكلام، كما أنه لم يجب على بعض الأحاديث.\nوأما الحافظ ابن حجر فكان رده موسعًا مبنيًا على تتبع الطرق وذكر المتابعات والشواهد، دون التمسك بقاعدة قبول زيادة الثقة على إطلاقها، كما أنه التزم فيه العدل والإنصاف بحيث يصوب الدارقطني في مواضع كثيرة ويبين وجاهة انتقاده، ولكن يلاحظ أنه في بعض الأحاديث يكتفي بالاحتمالات والتجويزات العقلية المجردة.\nوقد ذكر ابن حجر أن عدة ما في \"صحيح البخاري\" من الأحاديث المنتقدة مائة وعشرة أحاديث منها ما انفرد بتخريجه وهي ثمانية وسبعون حديثًا، والباقي شاركه مسلم في تخريجها (٢) .\n_________\n(١) انظر مقدمة تحقيق \"الإلزامات والتتبع\" ص٥٨-٥٩.\n(٢) هدي الساري ص٣٦٤.","vol":"1","page":218},{"text":"وقد قسم الحافظ الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري إلى ستة أقسام وذكر الرد الإجمالي على كل قسم منها ثم ذكر الأحاديث المنتقدة حديثًا حديثًا وأجاب عنها، وهذه الأقسام هي:\nالقسم الأول: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد.\nفإن أخرج صاحب الصحيح الطرق المزيدة وعلله الناقد بالطريق الناقصة فهو تعليل مردود، لأن الراوي إن كان سمعه فالزيادة لا تضر لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه، ثم لقيه فسمعه منه، وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطع والمنقطع من قسم الضعيف والضعيف لا يعل الصحيح.\nوإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة وعلله الناقد بالطريق المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيًا أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكًا بينًا أو صرح بالسماع إن كان مدلسًا من طريق أخرى فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرًا فمحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ما له متابع أو عاضد أو حفته قرينة في الجملة تقوية ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع. وربماعلل بعض النقاد أحاديث أدعي فيها الانقطاع لكونها غير مسموعة كما في الأحاديث المروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ الرواية بالإجازة، بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده.\nالقسم الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغير رجال بعض الإسناد.\nفالجواب عنه إن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين جمعيًا، فأخرجهما المصنف، ولم يقتصر على أحدهما حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظ والعدل،وإن امتنع بأن يكون المختلفون غير متعادلين بل متقاربين في الحفظ، والعدد فيخرج المصنف الطريق الراجحة، ويعرض عن الطريق المرجوحة أو يشير إليها فالتعليل","vol":"1","page":219},{"text":"بمجرد ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح إذا لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف فينبغي الإعراض أيضًا عما هذا سبيله.\nالقسم الثالث: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددًا أو أضبط ممن لم يذكرها.\nفهذا لا يؤثر التعليل به إلا إذا كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع، أما إذا كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا، اللهم إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته فما كان من هذا القسم فهو مؤثر.\nالقسم الرابع: ما تفرد به بعض من ضعف من الرواة.\nوليس في الصحيحين من هذا القبيل غير حديثين (١) .\nالقسم الخامس: ما حكم يه بالوهم على بعض رجاله، فمنه ما يؤثر ذلك الوهم قدحًا، ومنه لا يؤثر.\nالقسم السادس: ما اختلف فيه بتغير بعض ألفاظ المتن.\nفهذا أكثره لا يترتب عليه قدح لإمكان الجمع في المختلف من ذلك أو الترجيح، على أن الدارقطني وغيره من أئمة النقد لم يتعرضوا لاستيفاء ذلك من الكتابين كما تعرضوا لذلك في الإسناد.\nومن خلال هذه الأقسام التي ذكرها ابن حجر يتضح أن الإمام البخاري يخرج الأحاديث الصحيحة وقد يتبعها أحيانًا بالأحاديث المعلولة أو يشير إليها، وإذا لم يكن الترجيح بين الرواة المختلفين باعتبار العدد أو\n_________\n(١) الحديث الأول هو حديث أبي بن العباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال: كان للنبي ﷺ فرس يقال له اللحيف، وقد سبق تخريجه.\nالحديث الثاني حديث إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى أورده البخاري في كتاب الجهاد، باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم حديث رقم (٣٠٥٨) ج٦ ص٢٠٢ مع الفتح.","vol":"1","page":220},{"text":"الحفظ أو غيرها من المرجحات أو القرائن فإن البخاري يخرج الوجهين وكذلك يصنع الإمام مسلم - ﵀ - وقد أشار الإمام الذهبي إلى هذا فقال: \"وإن تساوى العدد واختلف الحافظان، ولم يترجح الحكم لأحدهما على الآخر، فهذا الضرب يسوق البخاري ومسلم الوجهين منه في كتابيهما وبالأولى سوقهما لما اختلف في لفظه إذا أمكن جمع معناه\" (١) .\nأي أن الشيخين يخرجان ما اختلف فيه الحافظ المتساوون في العدد والحفظ إذا لم يمكن الترجيح بينهما سواء أكان الخلاف في سياق المتن أم في السند.وسيأتي مزيد توجيه لهذا في \"مبحث المخالفة\" من هذه الرسالة.\nوفي ضوء هذا الواقع نستطيع أن نفهم منهج الإمام الدارقطني في كتابه \"التتبع\" لأن كثيرًا من الناس يرى أن الدارقطني قص انتقاد الشيخين في جميع ما يذكره، وقد أوضح الإمام الدارقطني منهج كتابه وموضوعه حيث يقول في مستهله \"ابتداء ذكر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو احدهما بينت عللها والصواب منها\" (٢) .\nوهذا النص واضح جدًا أن موضوع الكتاب هو ذكر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو أحدهما مع بيان عللها والصواب منها، وأنه لم يلمح فيه أن الانتقاد سوف يوجه صوب صنيع الشيخين في صحيحهما على أساس أن كلًا منهما قد أخل في شرط كتابه، لأنه قال \"اشتمل عليها\" ولم يوضح على أي وجه اشتمل عليها، وهو شامل لجميع أنواع الأحاديث، سواء اشتمل عليها على وجه الاحتجاج أم على وجه الاستناس والاحتياط والاستشهاد أم على وجه التبع وشرح العلل، ولم يقل - ﵀ - \"ذكر أحاديث معلولة احتج بها الشيخان وهي مخالفة لشروطهما\".\nوالذي يبدو عند إمعان النظر في كتاب \"التتبع\" أن الأحاديث التي بين عللها تصنف على أنواع:\n_________\n(١) الموقظة ص٥٢.\n(٢) الإلزامات والتتبع ص١٢٠.","vol":"1","page":221},{"text":"منها الأحاديث التي احتج بها البخاري ومسلم.\nومنها ما أورده كل منهما في المتابعات.\nومنها ما أورده كل منهما على سبيل الاحتياط والاستئناس.\nومنها ما أورده كل منهما على سبيل التبع وبيان العلل.\nومنها ما ذكره مسلم في المقدمة.\nأما النوع الأول فعدده قليل جدًا بالنسبة إلى الأنواع الأخرى إلا النوع الأخير. والذي يصلح فيه القول أن الشيخين قد أخلا فيه بشروطهما والتزامهما بها هو النوع الأول دون سواه، فإن الأنواع الأخرى كلها خارج الأصول، ولم يذكر شيئًا منها إلا على سبيل الاعتضاد أو الاحتياط أو الاستئناس أو التتبع وشرح العلة. وغاية ما يقال بالنسبة إلى هذه الأنواع أن الإمام الدارقطني أوضح السبب الذي كان يدفع كلًا من البخاري ومسلم إلى أن يذكر الأحاديث على ذلك النحو هو وجود العلة فيها، وفي نفس الوقت فإن الغمام الدارقطني يفدنا من خلال تتبعه لأحاديث الصحيحين دقة الشيخين في تصحيح الأحاديث وتعليلها ووضعها في مواضعها اللائقة بها من الصحيح، أما البخاري فكثيرًا ما يرويها معلقة بينما مسلم يوردها في أواخر الباب غالبًا (١) .\nومن هنا نستطيع أن نقسم الأحاديث التي انتقدها الدارقطني في صحيح البخاري ومسلم إلى ثلاثة أقسام هي:\nالأول: القسم المتفق عليه، وأعني به الأحاديث التي أعلها الدارقطني وقد أشار البخاري أو مسلم - رحمهما الله - إلى علتها بما يفهمه أهل المعرفة، وفي كثير منها يذكر الدارقطني الخلاف ولا يحكم بشيء.\nومن هذا القسم الأحاديث التي ذكرها الدارقطني وبين أنها مكاتبة\n_________\n(١) انظر: الدكتور حمزة المليباري: عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث مسنده الصحيح.","vol":"1","page":222},{"text":"أو إجازة لأنه صرح بأن مثل هذه الأحاديث حجة في قبول الإجازة والمكاتبة وكأنه يرد على بعض ما لا يصحح العمل بالمكاتبة (*) .\nالثاني: القسم الذي انتقده الدارقطني ويترجح فيه قول الشيخين.\nالثالث: القسم الذي انتقده الدارقطني ويترجح فيه قول.\nولو قيست هذه الأحاديث التي يترجح فيها قول الدارقطني بمجموع أحاديث الصحيحين فإنها لا تتجاوز نسبة ١% إذ إن مجموع الأحاديث المنتقدة في البخاري ومسلم مائتين وعشرة من أكثر من ستة عشر ألف حديث، وهذه الأحاديث المنتقدة بعضها متفق عليه والبخاري ومسلم قد أشارا إلى العلة فيه والبعض الآخر يترجح فيه موقف الشيخين، فلنفترض أن الدارقطني قد اصاب في نصفها أي في مائة حديث وهي نسبة ضئيلة جدًا، وهي مما يؤكد صحة هذين الكتابين.\n_________\n(*) انظر هذه الاحاديث في التتبع: الأرقام التالية (١١٠) و(١١١) و(١١٩) و(١٤٣) و(١٥٢) .","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المبحث الثاني: التفرد وأثرها في التعليل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>المطلب الأول: مقدمات نظرية </span>(حقيقة التفرد، أنواعه، مراتبه، حكمه) .\nالمطالب الثاني: الأحاديث التي استنكرت في صحيح البخاري.\nالمطالب الثالث: الأحاديث التي أعلها الإمام البخاري بالتفرد.\nالمطلب الأول: مقدمات نظرية\nأ- حقيقة التفرد:\nهو أن يروي شخص من الرواة حديثًا دون أن يشاركه الآخرون، وهو ما يقول فيه المحدثون النقاد \"حديث غريب\" أو \"تفرد به فلان\" أو \"هذا حديث لا يعرف إلا من هذا الوجه\" أو \"لا نعلمه يروي عن فلان إلا من حديث فلان\" (١) .\nفالحديث الذي يتفرد به الراوي ولا يشاركه فيه غيره يسمى غريبًا ويقابله المشهور.\n_________\n(١) الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين ص١٤.","vol":"1","page":224},{"text":"قال الحافظ ابن منده، فيما نقله عنه ابن الصلاح:\n\" الغريب من الحديث كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريبًا، فإذا روى عنهم رجلان أو ثلاثة واشتركوا في حديث سمى عزيزًا، فإذا روى الجماعة عنهم حديثًا سمي مشهورًا\" (١) .\nويسمى بعضهم الحديث الذي ينفرد به الراوي ولا يشاركه فيه غيره فردًا، وبعض العلماء جعلهما مترادفين وبعضهم غاير بينهما، ويرى الحافظ ابن حجر أنهما مترادفين لغة واصطلاحًا، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الغريب النسبي (٢) .\nب- أنواعه:\nللتفرد نوعان: تفرد مطلق، وتفرد نسبي (٣) .\nفالفرد المطلق ما كانت الغرابة ي أصل سنده.\nويمكن أن نقول أيضًا: هو ما ينفرد به واحد عن كل أحد.\nوالفرد النسبي، وهو ما يقع فيه التفرد في أثناء سنده، وسمي النسبي لأن التفرد ليس مطلقًا، وإنما هو بالنسبة إلى جهة معينة، ومن هنا كانت له أنواع مختلفة، باعتبار جهة التفرد منها:\n١- تفرد ثقة برواية حديث.\n٢- تفرد راو معين عن راو معين.\n_________\n(١) مقدمة ابن الصلاح ص٢٤٣.\n(٢) نزهة النظر ص١٧.\n(٣) انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٨٠-٨١، والنكت ص٢٩١ - ٢٩٥، ونزهة النظر ص١٧ - ١٨، وتيسير مصطلح الحديث ص١٧.","vol":"1","page":225},{"text":"٣- تفرد أهل بلد أو أهل جهة.\n٤- تفرد أهل بلد أو جهة عن أهل بلد أو جهة.\nج- مراتب التفرد:\nعند إمعان النظر في صنيع المحدثين يتبين لنا أن التفرد على مرتبتين:\n١- تفرد في الطبقات المتقدمة.\n٢- تفرد في الطبقات المتأخرة.\nأولًا: التفرد في الطبقات المتقدمة:\nإن تفرد الراوي بحديث في طبقة من شأنها عدم شهرته وعدم تعدد رواته في الغالب، فهذا النوع من التفرد مقبول ومحتج به بشرط أن يكون الراوي ثقة معروفًا.\nلأن التفرد في هذه الطبقات لا يثير في نفس الناقد تساؤلًا حول كيفية التفرد، ولا ريبة في مدى ضبطه لما تفرد به حيث إن تداخل الأحاديث والآثار بالنسبة إليه احتمال يكون معدومًا، ونظرًا لمحدودية الأسانيد التي يتداولها هو ومعاصروه وقصرها.\nوأما إذا خالف ما ثبت واشتهر، أو كان متنه لا يعرف إلا من روايته، ولم يجر العمل بمقتضاه سابقًا، فإنه عندئذ يصبح شاذًا غريبًا ويرفض الناقد قبوله.\nوأما إذا كان الراوي المتفرد به ضعيفًا فأمره بين، فلا خلاف بينهم في رد حديثه، وكذا إذا كان مجهولا، فإنه يرد عند الجمهور من النقدة (١) .\n_________\n(١) الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين ص٢٦ - ٢٧ ملخصًا.","vol":"1","page":226},{"text":"ثانيًا: التفرد في الطبقات المتأخرة:\nأما التفرد برواية حديث في طبقة من شأنها أن يكون الحديث فيها مشهورًا ومتعدد الطرق، كالمدارس الحديثية المشتهرة في جهات مختلفة من الأقطار الإسلامية، والتي يشترك في نقل أحاديثها جماعة كثيرة من مختلف البلاد لبالغ حرصهم على جمعها من مخارجها الأصلية بحيث لا يفوت لهم شيء منها إلا نادرًا، وقد تهيأ لهم ذلك من خلال تنقلهم الواسع بين البلدان الإسلامية.\nفهذا النوع من التفرد يدعو الناقد إلى ضرورة النظر إلى أسبابه، فينظر في علاقة صباحه مع المروي عنه عمومًا، وكيفية تلقيه ذلك الحديث الذي تفرد به خصوصًا، كما ينظر في حال ضبطه لأحاديث شيخه بصفة عامة، ولهذا الحديث خصوصًا ن ثم يحكم عليه حسب مقتضى دراسته وبحثه.\nفليس هناك حكم مطرد بقبول تفرد الثقة أورد تفرد الضعيف بل تتفاوت أحكامه (١) .\nحكم التفرد وضابطه:\nلقد استقرت كتب المصطلح منذ ابن الصلاح إلى يومنا هذا على أن الحكم على التفرد يكون بحسب أحوال الرواة فإذا كان الراوي ثقة قبل حديثه، وإن كان ضعيفًا رد حديثه، وإن كان متوسطًا اعتبر حديثه حسنًا (٢)، وهذا الحكم أخذ كضابط كلي مطرد في كل تفرد.\nوعند تتبع كلام النقاد والنظر في صنيعهم يتجلى لنا أن ما لخصه ابن الصلاح - رحمه الله تعالى - ينبغي تخصيصه فإن مقاييس القبول والرد في مجال التفرد ليست أحوال الرواة المتمثلة في الثقة والضعف فحسب، بل بتوافر القرائن الدالة على ذلك.\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٢٧ - ٢٨،وقد أشار إليه الذهبي في الموقظة ص٧٧.\n(٢) انظر علوم الحديث ص٧٠ - ٧١.","vol":"1","page":227},{"text":"فمن أفراد الثقات، وغرائبهم ما يرد ومنها ما يقبل، ولهذا وضع في تعريف الصحيح قيدًا مهمًا وهو الخلو من الشذوذ والعلة في فلو كان القبول لازمًا لأحاديث الثقات لأصبح ذكر هذا القيد لغوًا في التعريف (١) .\nيقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: \"وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه: \"إنه لا يتابع عليه \" ويجعلون ذلك علة فيه اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفرد الثقات الكبار، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه\" (٢) .\nالغرائب والأفراد في نظر الأئمة:\nيقول ابن رجب: \"وقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث ويذمون الغريب منه في الجملة.\nومنه قول ابن المبارك: \"العلم هو الذي يجيئك من ههنا ومن ههنا\" يعني المشهور وعن علي بن الحسين: \"ليس العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن\".\nوعن مالك: \"شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي رواه الناس\".\nوعن الأعمش: \"كانوا يكرهون غريب الحديث وغريب الكلام \".\nوعن أبي يوسف: \"من طلب غرائب الحديث كذب \".\nوذكر مسلم في مقدمة كتابه من طريق حماد بن زيد أن أيوب قال لرجل: لزمت عمرًا؟ قال: نعم إنه يجيئنا بأشياء غرائب قال يقول له أيوب: إنما نفر أو نفر من تلك الغرائب قال رجل لخالد بن الحارث: اخرج لي حديثا الأشعث لعلي أجد فيه شيئًا غريبًا.\n_________\n(١) الوازنة ص٢٧ - ٢٨ وانظر أيضًا \"الحديث المعلول\" ص١٢٢-١٢٥.\n(٢) شرح العلل ص٢٠٨.","vol":"1","page":228},{"text":"فقال: لو كان فيه شيء غريب لمحوته، وعن أحمد: تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب ما أقل الفقه فيهم، وعنه أيضًا: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء (١) .\nأهمية التفرد في معرفة علل الأحاديث:\nلقد اعتنى أئمة الحديث ونقاده بالتفرد عناية كبيرة.. إذ إن له علاقة قوية بتعليل الأحاديث فهو أحد وسائل الكشف عما يكمن الأحاديث من أوهام وأخطاء في هذا يقول ابن الصلاح - ﵀ -:\n\" ويستعان على إدراكها (أي العلة) بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم\nإلى ذلك\" (٢) .\nفلا يمكن تعليل الأحاديث أو تصحيحها إلا بعد معرفة حالة التفرد أو حالة المشاركة في كل طبقة من طبقات الإسناد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>المطلب الثاني: الأحاديث التي استنكرت أو استغربت</span>\nفي الجامع الصحيح\nلقد تكلم بعض الأئمة في جملة من الأحاديث صحيح البخاري ووصفوها بالغرابة أو النكارة وهي وإن كانت قليلة، ومحدودة العدد، فليس غرض هنا إحصاؤها، وإنما القصد دراسة نماذج للوقوف على منهج البخاري ووجهة نظره في إخراج هذه الأحاديث، ومعرفة الأسس التي بنى عليها هؤلاء الأئمة نقدهم لتلك الأحاديث.\nوقبل الشروع في دراسة بعض النماذج لابد من الإشارة إلى حقيقة علمية مهمة وهي:\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٢٣٤ - ٢٣٥.\n(٢) علوم الحديث ص٨١.","vol":"1","page":229},{"text":"إن وجود الغرائب والأفراد في الصحيحين هو أمر نادر، ولم يكن من قصد الشيخين -رحمها الله- أن يكون كتاباهما مجمعًا للغرائب والأفراد كما قصد بعض الأئمة من مصنفاتهم، وإنما قصدهما ذكر الأحاديث الصحيحة المشهورة التي تداولها أهل العلم فيما بينهم كما صرح به مسلم في مقدمة صحيحه (١) .\nومن هنا كانت هذه الأحاديث المستغربة أو المستنكرة من قبل الأئمة قليلة بالنسبة إلى الأحاديث الصحيحة المشهورة.\nومن أدعى أن كل ما في الصحيحين مشهور وليس ليها شيء من الغرائب، فقد خالف الواقع، وخالف الحقيقة العلمية التي قررها الأئمة النقاد، وممن أدعى ذلك الإمام الحكم لنيسابوري - ﵀ - وقد رد عليه الحافظ حجر بقوله (٢):\n\"وأما قوله: إن الغرائب الأفراد ليس في الصحيحين منها شيء، فليس كذلك، بل فيها قدر مائتي حديث قد جمعها الحافظ ضياء الدين المقدسي (٣) في جزء مفرد\" (٤) .\nومعلوم أن هذا العدد في مقابل متون أحاديث الصحيحين التي لا تقل عن ثمانية آلاف حديث مقدار ضئيل جدًا لا يتعدى ٢.٥%.\nوالأمر الثاني الذي يجدر التنبه إليه هو أن الغرابة أمر نسبي، فقد يكون حديث ما غريبًا عند إمام ناقد، بينما لا يوافقه غيره من الأئمة على\n_________\n(١) انظر مقدمة صحيح مسلم ص٣.\n(٢) المدخل في أصول الحديث ص١٥٤.\n(٣) هو الإمام الحجة ضياء أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الصالحي الحنبلي: حافظ متقن ثبت ثقة عالم بالحديث وأحوال الرجال، له مؤلفات وتخريجات كثيرة من أشهرا \"الأحاديث المختارة\" ولم تكمل، وكان أعلم أهل عصره بالحديث والرجال: توفي سنة (٦٤٣هـ) . ترجمة في: شذرات الذهب ج٥ ص٢٢٤، وتذكرة الحافظ ج٤ ص١٤٠٥.\n(٤) النكت ص١١٠.","vol":"1","page":230},{"text":"ذلك الحكم لوقوفهم على متابعات وشواهد تدفع عن الحديث وصوف الغرابة أو النكارة.\nفهذه جملة من الأمور تتضح تفاصيلها من الأمثلة المدروسة.\nالمثال الأول:\nحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه (١) \".\nفهذا الحديث تفرد بإخراجه البخاري من دون أصحاب الكتب الستة، خرجه عن محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال حدثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، فذكر الحديث بطوله وزاد في آخره: \"وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفسي المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته\".\nقال الحافظ ابن رجب: \"وهو من غرائب الصحيح تفرد به ابن كرامة عن خالد، ليس هو في مسند أحمد، مع أن خالد بن مخلد القطواني تكلم يه أحمد وغيره، وقالوا: له مناكير وقد روي هذا الحديث من وجوه أخرى لا تخلو كلها من مقال\" (٢) .\n_________\n(١) أخرجه البخاري، في كتاب الرقاق، باب التواضع حديث رقم (٦٥٠٢)، ج١١ ص٣٤٨ (مع الفتح)، وأبو نعيم في الحيلة: ج١ ص٤، والبيهقي في \"الزهد\" (٦٩٠) و\"السنن): ج٣ ص٣٤٦ وج١٠ ص٢١٩، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٢٤٨) .\n(٢) جامع العلوم والحكم - تحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس - دار الهدى عين مليلة. الجزائر، ج٢ ص٣٣٠ - ٣٣١.","vol":"1","page":231},{"text":"ثم ذكر - ﵀ - تلك الطرق وتكلم عليها.\nوقال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث:\n\" وساق الذهبي في ترجمة خالد من الميزان بعد أن ذكر قول أحمد فيه: \"له مناكير، وقول أبي حاتم لا يحتج به، وأخرج ابن عدي عشرة أحاديث من أحاديث استنكرها، هذا الحديث من طريق محمد بن مخلد عن محمد بن عثمان بن كرامة شيخ البخاري فيه، قال:\nهذا حديث غريب جدًا، ولولا هيبة الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد، فن هذا المتن لم يرو إلا بهذا الإسناد، ولا خرجه من عدا البخاري، ولا أظنه في مسند أحمد، قلت (القائل ابن حجر): ليس هو في مسند أحمد جزمًا، وإطلاق أنه لم يرو إلا بهذا الإسناد مردود، ومع ذلك شريك شيخ شيخ خالد فيه مقال أيضًا، وهو راوي حديث المعراج الذي زاد يه ونقص، وقدم وأخر، وتفرد بأشياء لم يتابع عليها، ولكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أنه لا أصل\" (١) ثم ساق تلك الطرق وتكلم عليها.\nوالسبب في استنكار هذا الحديث من قبل هؤلاء الأئمة هو تفرد محمد بن عثمان بن كرامة به عن خالد بن مخلد القطواني.\nأما محمد بن عثمان بن كرامة فهو ثقة من شيوخ البخاري (٢) .\nأما خالد ن مخلد فهو أيضًا من شيوخ البخاري، يروي عنه مباشرة ويروي عنه بالواسطة كما في الحديث، وقد اختلف فيه كلام أئمة الجرح والتعديل (٣) .\nقال العجلي: ثقة فيه تشيع.\n_________\n(١) فتح الباري: ج١١ ص٣٤٩.\n(٢) التقريب ص٤٩٦\n(٣) انظر: هدي الساري ص٤٢١.","vol":"1","page":232},{"text":"وقال ابن سعد: كان متشيعًا مفرطًا.\nوقال صالح جزرة: ثقة إلا أنه كان متهمًا بالغلو ي التشيع.\nوقال أحمد بن حنبل: له مناكير.\nوقال أبو داود: صدوق إلا أنه يتشيع.\nوقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.\nقال الحافظ - ﵀ -:\n\" أما التشيع فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضره لا سيما ولم يكن داعية إلى رأيه، وأما ما مناكيره فقد تتبعها أبو أحمد بن عدي من حديثه، وأوردها في كاملة، وليس فيها شيء مما أخرجه البخاري، بل لم أرَ له عنده من أفراده سوى الحديث واحد، وهو حديث أبي هريرة ﵁: \"من عادى لي وليًا\" وروى له الباقون سوى أبي داود\" (١) .\nوقد لخص الحافظ حاله في التقريب فقال: \"صدوق يتشيع ن وله أفراد\" (٢) .\n(والبخاري لم يرو عن أحد إلا وهو يرى أنه يمكنه تمييز صحيح حديثه من سقيمه، وهذا يقتضي أن يكون الراوي على الأقل صدوقًا في الأصل) (٣) .\nفالبخاري لما ترجع عنده صدق خالد بن مخلد القطواني أخرج له، فإن قيل إنما يعرف صدقه وصحة حديثه بموافقة الثقات له، وخالد له مناكير، ومنها هذا الحديث الذي تفرد به ولم يتابعه عليه الثقات، فكيف يكون صحيحًا؟\n(إن معرفة البخاري لصحة حديث الراوي من شيوخه لا تحصل بمجرد موافقة الثقات، وإنما تحصل بأحد أمرين: إما أن يكون الراوي ثقة ثبتًا\n_________\n(١) هدي الساري ص٣٢١.\n(٢) التقريب ص١٩٠.\n(٣) التنكيل: ج١ ص٣٢١.","vol":"1","page":233},{"text":"فيعرف صحيح حديثه بتحديثه، وإما أن يكون صدوقًا يغلط ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطرق أخرى، كأن يكون له أصول جيدة، وكأن يكون غلطه خاص جهة معينة) (١) .\nوخالد بن مخلد من شيوخ البخاري فهذا يقتضي معرفة حديثه وحاله عنده.\nفلما علم البخاري صدق خالد بن مخلد، ورأى أن هذا المتن الذي انفرد به ليس فيه شيء يخالف القرآن أو السنة المشهورة أو أصول الشريعة ووجدت له شواهد (٢) وإن كانت ضعيفة ولكنها كثيرة يصلح منها نوع قوة مما يدل على أن للحديث أصلا لهذا كله صححه الإمام البخاري هذا الحديث.\nويمكن القول أيضًا: إن البخاري تساهل في رواية هذا الحديث لأنه في الرقاق وفضائل الأعمال وليس في أصول التحريم والتحليل، والله أعلم.\nالمثال الثاني:\nما رواه البخاري في صحيحه قال: \"حدثنا عبد القدوس بن محمد حدثني عمرو بن عاصم الكلابي، حدثنا همام بن يحيى حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقمه علي، قال ولم يسأله عنه، قال وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي ﷺ فلما قضى النبي ﷺ، قام إليه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقم في كتاب الله، قال: \"أليس قد صليت معنا؟ \" قال: نعم. قال: \"فإن الله قد غفر لك ذنبك - أو قال: حدك\" (٣) .\n_________\n(١) المصدر نفسه.\n(٢) انظر هذه الشواهد في: جامع العلوم والحكم: ج٢ ص٣٣١ - ٣٣٣، وفتح الباري: ج١١ ص٣٤٩، وسلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم (١٦٤١) .\n(٣) الجامع الصحيح، كتاب الحدود، باب إذا أقر بالحد ولم يبين، هل للإمام أن يستر عليه، حديث رقم (٦٨٢٣)، ج١٢ ص١٣٦.","vol":"1","page":234},{"text":"رواه مسلم أيضًا عن الحسن بن علي الحلواني عن عمرو بن عاصم به (١) .\nفهذا الحديث استنكره بعض النقاد كالبرديجي (٢)، وأبو حاتم - ﵏ -.\nقال الحافظ البرديجي: \"هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم\" (٣) .\nونقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: \"هذا الحديث باطل بهذا الإسناد\" (٤) .\nوقد أجاب بعض الحفاظ المتأخرين، على كلام البرديجي وأبي حاتم - رحمهما الله - ومن هؤلاء الإمام الناقد ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي، والحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من الفتح، وسأنقل فيما يلي كلامهما.\nقال ابن رجب: \"ولعل أبا حاتم والبرديجي نما أنكر الحديث لأن عمرو بن عاصم ليس هو عندهما، في محل من يحتمل تفرده بمثل هذا الإسناد (٥) \".\nوقال الحافظ ابن حجر - بعد نقله كلام البرديجي:\n\" لم يبين (أي البرديجي) وجه الوهم، وإما إطلاقه كونه منكرًا\n_________\n(١) كتاب التوبة، باب إن الحسنات يذهبن السيئات، حديث رقم (٢٧٦٤)، ج٤ ص٢١١٧.\n(٢) هو الإمام الحافظ الثبت، أبو أحمد بن هارون بن روح البرديجي، نزيل بغدد، له مصنفات منها الأسماء المفردة وقد طبع، وكتاب معرفة المتصل من الحديث والمرسل والمقطوع وبيان الطرق الصحيحة، مات سنة (٣٠١هـ)، ترجمته في الأنسا ج٢ ص١٤٨، وتذكرة الحافظ: ج٢ ص٧٤٦.\n(٣) شرح العلل ص٢٥٣.\n(٤) المصدر نفسه: وانظر أيضًا \"علل الحديث\" لابن أبي حاتم: ج٢ ص٤٥٤.\n(٥) شرح العلل ص٢٥٣.","vol":"1","page":235},{"text":"فعلى طريقته في تسمية ما ينفرد به الراوي منكرًا، إذا لم يكن له متابع، ولكن يجاب بأنه وإن لم يوجد لهمام ولا لعمرو بن عاصم فيه متابع فشاهده حديث أبي أمامة، الذي أشرت إليه، ومن ثم أخرجه مسلم عقبه، والله أعلم \" (١) .\nنلاحظ أن الحافظ ابن رجب علل إطلاق البرديجي وأبي حاتم النكارة على هذا الحديث بناء على حال الراوي المتفرد به، وهو عمرو بن عاصم.\nوعمرو ثقة أخرج حديثه الجامعة (٢)، لكن يحتمل أن يكون ضعيفًا عند البرديجي وأبي حاتم ومن ثم يكون حديثه الذي ينفرد به منكرًا، وهذا التوجيه، إنما يصح بناء على ما استقر عليه اصطلاح المتأخرين من أن الحديث المنكر هو: الفرد المخالف لما رواه.\nالثقات، والفرد الذي ليس في روايه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده (٣) .\nومما يدل على ضعف هذا التوجيه أن الحافظ ابن رجب نفسه، فسر كلام الحافظ البرديجي في تعريفه للمنكر (المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة أو التابعين عن الصحابة لا يعرف ذلك الحديث، وهو متن الحديث إلا من طريق الذي رواه فيكون منكرًا) .\nقال ابن رجب: \"ذكر هذا الكلام في سياق إذا انفرد شعبة وسعيد بن أبي عروبة أو هشام الدستوائي بحديث عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ، وهذا كالتصريح بأنه كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر\" (٤) .\n_________\n(١) فتح الباري: ج١٢ ص١٣٧.\n(٢) عمرو بن عاصم بن عبيد الهل الكلابي القيسي، أبو عثمان البصري، صدوق في حفظه شيء، من صغار التاسعة، مات سنة (٢١٣هـ)، التقريب ص٤٢٣، والتهذيب: ج٦ ص٥٨.\n(٣) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص٧٢، واختصارًا علوم الحديث ص٥٥، والتقريب للنووي مع شرحه تدريب الراوي: ج١ ص٢٣٩، وشرح العراقي لألفيته: ج١ ص١٩٧.\n(٤) شرح العلل ص٢٥٢.","vol":"1","page":236},{"text":"فواضح أن الحافظ البرديجي يطلق المنكر على الحديث الذي ينفرد به راويه ولو كان ثقة حافظًا كشعبة وابن أبي عروبة وهشام الدستوائي ونحوهم.\nإذن فهذا التقرير من الحافظ ابن رجب يوهن توجيهه السابق لاستنكار البرديجي وابن أبي حاتم للحديث السابق.\nوأما الحافظ ابن حجر فقد وجه نقد البرديجي للحديث على أساس أنه يسمى ما ينفرد به الراوي منكرًا إذا لم يكن له متابع، ومقتضى هذا أن النكارة لا تزول على الحديث إلا بمعرفته من وجه آخر، وقد صرح بهذا الحافظ ابن رجب حيث قال معلقًا على استنكار يحيى القطان لحديث \"لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام\" (١) \" وهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر، وكلام أحمد قريب من ذلك \" (٢) .\nوقد حقق شيخنا حمزة المليباري هذه المسألة جيدًا جمع فيها بين أقوال هؤلاء النقدة وصنيعهم من خلال ممارستهم النقدية، قال - حفظه الله -: \"والحق الذي أميل إليه أن الإمام أحمد ويحيى والبرديجي لا يستنكرون الحديث لمجرد تفرد ثقة من الثقات، وإنما يستنكرونه إذا لم يعرف من مصادر أخرى، إما براوية ما يشهد له من معنى الحديث أو بالعمل بمقتضاه، ومما يمكن الاستئناس به لتقرير قول الحافظ البرديجي: (إذا روى الثقة من طريق صحيح الواحد، لم يضره أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفًا ولا يكون منكرًا ولا معلولًا) (٣) .\nوقول أحمد: (شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها) (٤) .\n_________\n(١) رواه مسلم: في الحج رقم ٤١٢: ج٢ ص٩٧٥ ورقم ٤١٤ و٤١٧: ج٢ ص٩٧٥-٩٧٦، ورواه الترمذي عن أبي سعيد: السنن: ج٣ ص٤٧٣.\n(٢) شرح العلل ص٢٥٤.\n(٣) المصدر نفسه ص٢٥٣.\n(٤) الكفاية ص١٧٢.","vol":"1","page":237},{"text":"أما إطلاق المنكر على كل ما تفرد به ثقة عن ثقة فلا أظن أنه وقع ذلك في كلامهم، وإن كان بعض ما نقل عنهم يوهم خلاف ذلك، فإنه ينبغي حمله على أن ذلك على حدود معرفتهم لتفادي التناقض بين التصريح والعمل\" (١) .\nثم ذكر حديث عمرو بن عاصم السابق، وكلام البرديجي وأبي حاتم فيه، وتوجيه ابن رجب له ثم قال: \"والذي أميل إليه أن ذلك الاستنكار إنما هو على حدود اطلاعهما، لأنه إذا كان الحديث معروفًا من جهة أخرى فليس بمنكر حسب تصريحي الحافظ البرديجي حتى ولو كان الراوي المتفرد من الشيوخ الذين هم دون مرتبة الثقات يقول البرديجي: (فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ مثل حماد بن غير طريقهم عن النبي ﷺ، أو عن أنس بن مالك من وجه آخر، ولم يدفع.\nوإن كان لا يعرف عن أحد عن النبي ﷺ إلا من طريق عن أنس (*) إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك كان منكرًا) (٢) .\nوحديث عمرو بن عاصم الذي أنكره البرديجي وأبو حاتم كان مرويًا معناه من طري أخرى كما سبق\" (٣) .\nأما الرواية التي تشهد لحديث أنس فقد أخرجها الإمام مسلم في صحيحه عقيب حديث أنس مباشرة لتكون شاهدًا له، قال - ﵀ -:\n\" حدثنانصر بن علي الجهضمي، وزهير بن حرب (واللفظ لزهير) قالا حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد، حدثنا أبو أمامة قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد ونحن قعود معه، إذا جاء رجل فقال:\n_________\n(١) الحديث المعلول ص٩٧.\n(٢) هكذا وردت هذه العبارة في شرح العلل وهكذا نقلها شيخنا، وهي مضطربة ويظهر لي أنها على هذا النحو \" \"ولا من طريق آخر عن أنس إلا من رواية..\" والله أعلم.\n() شرح العلل ص٢٥٣.\n(٣) المصدر السابق ص٩٨ - ٩٩.","vol":"1","page":238},{"text":"يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقمه علي فسكت عنه، وأقيمت الصلاة، فلا أنصرف نبي الله ﷺ قال أبو أمامة: فاتبع الرجل رسول الله حين انصرف، واتبعنا رسول الله ﷺ. انظر ما يريد على الرجل، فلحق الرجل رسول الله ﷺ: أرأيت حين خرجت من بيتك أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء، قال بلى يا رسول الله، قال: ثم شهدت الصلاة معنا، فقال: نعم يا رسول الله، قال: فقال رسول الله ﷺ: فإن الله قد غفر لك حدك - أو قال - ذنبك\" (١) .\nمما سبق نلخص إلى أن هذا الحديث صحيح وإطلاق النكارة عليه من قبل بعض الأئمة كان في حدود اطلاعهم، والله أعلم.\nالمثال الثالث:\nحديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ قال: نهى النبي ﷺ عن بيع الولاء وهبته\" (٢) .\nفهذا الحديث تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ثم اشتهر عنه، حتى قال مسلم لما أخرجه في صحيحه: الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث.\nوقال الترمذي بعد تخريجه: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار، رواه عنه شعبة وسفيان ومالك.\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ حديث رقم (٢٧٦٥) ج٤ ص٢١١٧.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق، باب بيع الولاء وهبته، رقم (٢٥٣٦) ج٥ ص١٨٩ (مع الفتح)، وفي كتاب الفرائض، باب إثم من تبرأ من مواليه رقم (٦٧٥٦)، ج١٢ ص٤٣ (مع الفتح)، ومسلم في كتاب الفتن، باب النهي عن بيع الولاء وهبته، رقم (١٦)، وأبو داود (٢٩١٩) وابن ماجه (٢٧٤٧) والترمذي (١٢٣٦ و٢١٢٦) والنسائي ج٧ ص٣٠٦، ومالك في الموطأ، كتاب العتق، باب مصير الولاء لمن أعتق ج٢ ص٧٨٠، والحميدي في مسنده (٦٣٩)، وأحمد في مسنده ج٢ ص٩ و٧٩.","vol":"1","page":239},{"text":"قال الحافظ - ﵀ -: \"وقد اعتنى أبو نعيم الأصبهاني بجمع طرقه عن عبد الله بن دينار فأورده عن خمسة وثلاثين نفسًا ممن حدث به عن عبد الله بن دينار\" (١) .\nفهذا الإسناد (أي عبد الله بن دينار عن ابن عمر) مشهور تروى به أحاديث كثيرة، لكن هذا المتن لم تصح روايته إلا بهذا الإسناد.\nومن رواه من طريق أخرى غير هذه الطريق فقد وهم وغلط ن ومن هذه الروايات الخاطئة:\nرواية يحيى بن سلمي عن عبيد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر قال: \"نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وهبته\" (٢) .\nقال أبو عيسى: \"والصحيح: عن عبد الله بن دينار، وعبد الله بن دينار قد تفرد بهذا الحديث عن ابن عمر، ويحيى بن سليم أخطأ في حديثه\" (٣) .\nوقال الترمذي في جامعة بعد روايته لهذا الحديث: \" هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار عن بن عمر، والعمل على هذا عند أهل العلم.\nوقد روى يحيى بن سليم هذا الحديث عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الولاء وهبته، وهو وهم وهم فيه يحيى بن سليم وقد روى عبد الوهاب الثقفي، وعبد الله بن نمير، وغير واحد عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ وهذا أصح من حديث يحيى بن سليم\" (٤) .\nووجه الوهم هنا ينحصر في تغير لفظ نافع إلى لفظ عبد الله بن دينار، وإن كان المتن واحدًا في الروايتين لان هذا الحديث لا يعرف من رواية نافع\n_________\n(١) فتح الباري: ج١٢ ص٤٤.\n(٢) أخرجه مسندًا ابن ماجه في سننه (٢٧٤٨) .\n(٣) العلل الكبير للترمذي ص١٨٢.\n(٤) جامع الترمذي (مع التحفة): ج٢ ص٢٣٨.","vol":"1","page":240},{"text":"عن ابن عمر، ودليل خطئه مخالفته لأصحاب عبيد الله بن عمر، فكلهم يجعله من رواية بن دينار عن ابن عمر قال ابن رجب -﵀- وهو يتكلم على حديث عبد الله بن دينار \" وهو معدود من غرائب الصحيح، فإن الشيخين خرجاه، ومع هذا تكلم فيه الإمام أحمد وقال: لم يتابع عبد الله بن دينار عليه، وأشار إلى أن الصحيح ما روى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: \"الولاء لمن أعتق\" (١) لم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته.\nقلت: وروى نافع عن ابن عمر من قوله: النهي عن بيع الولاء عن هبته غير مرفوع وهذا مما يعلل به حديث عبد الله بن دينار والله أعلم\" (٢) .\nفالإمام أحمد استند في تعليله لهذا الحديث على جملة من الأمور:\nأولًا: تفرد عبد الله بن دينار عن ابن عمر بهذا الحديث دون سائر أصحاب ابن عمر كنافع وسالم وغيرهما.\nثانيًا: بعض أصحاب ابن عمر كنافع يروى في هذا الموضوع متنًا مغايرًا لما يرويه ابن دينار وهو قول النبي ﷺ: \"إنما الولاء لمن أعتق\" ولم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته.\nثالثًا: روى نافع عن ابن عمر \"النهي عن بيع الولاء وهبته\" لكن جعله موقوفًا على ابن عمر ولم يرفعه للنبي ﷺ ومعلوم أن نافعًا أحفظ أصحاب ابن عمر وقد ميز الموقوف من المرفوع، يكون حديثه أصح، هذه أهم الأمور التي استند عليها الإمام أحمد في تعليل حديث ابن دينار.\nويفهم من كلام أحمد أن عبد الله بن دينار روى هذا الحديث بالمعنى ولم يلتزم باللفظ، وبهذا صرح أبو بكر بن العربي ﵀ حيث قال في عارضة الأحوذي: \"تفرد بهذا الحديث عبد الله بن دينار، وهو من الدرجة الثانية من الخبر، لأنه لم يذكر لفظ النبي ﷺ وكأنه نقل معنى قول\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الفرائض، باب لولاء لمن اعتق رقم (٦٧٥٢) ج١٢ ص٤٠ (مع الفتح) .\n(٢) شرح العلل ص٢٣٨ - ٢٣٩.","vol":"1","page":241},{"text":"النبي ﷺ لمن اعتق\" (١) .\nهذه هي الأسس والقرائن التي اعتمد عليها الإمام أحمد في استنكار هذا الحديث وتعليله. إذن ما هي الأسس التي اعتمد عليها البخاري ومن تبعه كمسلم والترمذي وغيرهم في تصحيح هذا الحديث؟\nهذه الأسس والقرائن التي اعتمد عليها هؤلاء الأئمة في تصحيح الحديث يمكن حصرها فيما يلي:\n١- إن هذا المتن الذي انفرد به عبد الله بن دينار لا يعارض غيره من الأحاديث التي وردت في هذا الموضوع سواء عن ابن عمر نفسه أو غيره كعائشة وما ورد في هذا الباب هو قول النبي ﷺ: \"إنما الولاء (*) لمن أعتق\" وهو يفيد حصر الولاء في العتق، دون غيره من أسباب التمليك كالبيع والهبة. وقد أشار البخاري - ﵀ - إلى تداخل الحديثين واتفاقهما في المعنى، حيث ترجم في كتاب العتق، \"باب بيع الولاء وهبته\"، فأورد فيه حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ثم أورد فيه حديث عائشة، قال اشتريت بريرة. فاشترط أهلها ولاءها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: أعتقيها: فإن الولاء لمن أعطى الورق\".\nقال الحافظ: ووجه دخوله في الترجمة من قوله في أصل الحديث: \"فإن الولاء لمن أعتق\" وهو وإن كان لم يسقه هنا بهذا اللفظ، فكأنه أشار إليه كعادته، ووجه الدلالة منه حصره في المعتق فلا يكون لغيره معه منه شيء\" (٢) .\n٢- إن مضمون هذا الحديث قد عمل به أهل العلم من فقهاء الصحابة والتابعين والأئمة ﵃ وهذا يعتبر شاهدًا لصحته.\nوإلى هذا أشار الإمام الترمذي في جامعه، فإن قال بعد روايته لهذا\n_________\n(١) نقله الحافظ ابن حجر في الفتح: ج١٢ ص٤٥.\n(*) الولاء بالفتح والمد: حق ميراث المعتق من المعتق، (الفتح: ج٥ ص١٩٨) .\n(٢) الفتح: ج٥ ص١٩٨.","vol":"1","page":242},{"text":"الحديث: \"هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم\" (١) .\nوقال ابن عبد البر: اتفق الجامعة على العمل بهذا الحديث إلا ما روي عن ميمونة أنها وهبت ولاء سليمان يسار لابن عباس وروى عبد الرزاق ابن جريج عن عطاء: يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالي من شاء (٢) .\nوقال ابن بطال وغيره: جاء عن عثمان جواز بيع الولاء وكذا عن عروة، وجاء عن ميمون جواز هبته الولاء وكذا عن ابن عباس، ولعلهم لم يبلغهم الحديث (٣) .\n٣- ومما يدل أيضًا على صحة حديث عبد الله بن دينار في النهي عن بيع الولاء وهبته أنه ورد من طريق شعبة ومالك بن أنس وسفيان الثوري، وحديث عبد الله بن دينار إذا ورد من طريق هؤلاء فهو صحيح.\nقال أبو جعفر العقيلي (٤):\n\" روى شعبة والثوري ومالك وابن عيينة عن عبد الله بن دينار أحاديث متقاربة عند شعبة نحو عشرين، وعند الثوري نحو الثلاثين، وعند مالك نحوها، وعند ابن عيينة بضعة عشر حديثًا، فأما رواية المشايخ عنه فيها اضطراب\" (٥) .\nوقال البريديجي:\n_________\n(١) جامع الترمذي (مع التحفة): ج٢ ص٢٣٨.\n(٢) الفتح: ج١٢ ص٤٥.\n(٣) المصدر نفسه.\n(٤) هو الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حمدا العقيلي، صاحب كتاب الضعفاء وهو مطبوع في أربعة مجلدات يشمل على (٢١٠١) ترجمة وعلى أكثر من (١٥٠٠) حديث صحيح وضعيف ومعلول. توفى سنة (٣٢٢هـ) ترجمته في تذكرة الحافظ: ج٣ ص٩٤٠.\n(٥) شرح العلل ص٢٦١.","vol":"1","page":243},{"text":"\"أحاديث عبد الله بن دينار صحاح من حديث شعبة ومالك، وسفيان الثوري\" (١) .\nويمكن أن يقال أن الإمام أحمد تقيد بحرفية الحديث، وأما الآخرون فنظروا إلى معنى الحديث فوجوده خاليًا من التغاير عن مضمون الحديث الذي رواه نافع فصححوه.\nوهنا نجد ما يتفاضل به نافع عن عبد الله بن دينار من جهة التقيد بحرفية الحديث الذي يحدث به ابن عمر.\nالمثال الرابع:\nحديث عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"الإيمان ضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان\" (٢) .\nأخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد عن أبي عامر العقدي عن سليمان بن بلال به.\nوأخرجه مسلم عن عبد الله بن سعد، وعبد بن حميد عن العقيد به.\nورواه أيضًا زهير عن جرير بن حازم عن سهيل بن عبد الله عن ابن دينار به.\nرواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن حماد عن سهيل به.\nرواه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع عن سيان عن سهيل به، وقال حسن صحيح.\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٢٦٢.\n(٢) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، حديث رقم ٩ ن ج١ ص٦٧ (مع الفتح) ومسلم في الإيمان أيضًا، باب عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها.. رقم (٥٧) (٥٨) ج١ ص٦٣، وأبو داود في كتاب السنة، باب في رد الإرجاء ج٢ ص٢٦٨ - ط دار الكتاب العربي، والترمذي في كتاب الإيمان، ج٣ ص٣٥٨ (مع التحفة)، والنسائي، في كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان (٥٠١٩) و(٥٠٢٠) و(٥٠٢١) ج٨ ص٤٨٣ طبعة دار المعرفة، وابن ماجة في مقدمة سننه، باب في الإيمان رقم (٥٧) ج١ ص٢٢.","vol":"1","page":244},{"text":"ورواه النسائي عن محمد بن عبد الله المحرمي عن أبي عامر العقدي به.\nوعن أحمد بن سليمان عن أبي داود الحفري وأبي نعيم كلاهما عن سفيان به.\nوعن يحيى بن حبيب، عن خالد بن الحارث عن ابن عجلان ببعضه \"الحياء من الإيمان\".\nورواه ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع به، وعن عمرو بن نافع بن جرير به.\nوعن أبي بكر بن شيبة عن أبي جمالا الأحمر عن ابن عجلان نحوه.\nوهذا الحديث معدود من غرائب الصحيح، فإنه تفرد به عبد الله بن دينار، عن أبي صالح ولم يتابعه عليه أحد، ثم اشتهر عن عبد الله بن دينار، ورواه عن جماعة من أصحابه كسهيل بن ابي صالح، ومحمد بن عجلان، وسليمان بن بلال، وهؤلاء كلهم رواياتهم في الكتاب الستة، كما سبق بيانه.\nوذكر ابن رجب عن العقيلي - وهو يتكلم عن أصحاب عبد الله بن دينار -:\n\" وأما رواية المشايخ عنه ففيها اضطراب، ثم ذكر منهم: يحيى بن سعيد، وعبد العزيز بن الماجستون، وسهيلًا بن عجلان (*) ويزيد بن الهاد، وهؤلاء الثلاثة رووا عن عبد الله بن دينار عن ابي صالح عن أبي هريرة، حديث الإيمان بضع وسبعون شعبة قال: ولم يتابعهم أحد ممن سمينا من الأثبات ولم تابع عبد الله بن دينار عن أبي صالح عليه أحد\" (١) .\nوقد فسر الحافظ ابن رجب المراد من كلام العقيلي فقال:\n_________\n(١) لم أجد في الرواة من أسمه سهيل بن عجلان، وأظنه تصحيفًا، والصواب سهيلًا وابن عجلان.\n() شرح العلل ص٢٦٢.","vol":"1","page":245},{"text":"\" وقوله العقيلي: لم يتابع عليه ن يشبه كلام القطان، وأحمد والبرديجي في أن الحديث إذا لم يتابع روايه عليه فإنه يتوقف فيه أو يكون منكرًا\" (١) .\nفالحافظ العقيلي يستنكر هذا الحديث، وهذا الاستنكار مبني على جملة من الأمور هي:\n١- تفرد عبد الله بن دينار بالحديث، إذ لم يتابعه عليه أحد.\n٢- إن هذا الحديث إنما يرويه الشيوخ (*) من أصحاب عبد الله بن دينار، ولم يتابعهم عليه الحافظ.\n٣- وجود الاختلاف والاضطراب في رواية هؤلاء الشيوخ، عن عبد الله بن دينار.\nأما بالنسبة لتفرد عبد الله بن دينار الحديث فلا يضر إذ يضر إذ إن التفرد كان في الطبقات المتقدمة، والتفرد في هذه الطبقات لا يضر إذ من شأن الحديث ألا ينشر كثيرًا ولا تتعدد مخرجه، وقد تقدم تفصيل هذا في المطلب الأول من هذا المبحث.\nأما بالنسبة للنقطة الثانية: وهي تفرد الشيوخ بهذا الحديث.\nنعم لم يرو الحافظ من أصحاب عبد الله بن دينار هذا الحديث، كشعبة ومالك وسفيان وإنما رواه الشيوخ من أصحابه وهم:\nسهيل بن عبد الله، وسيهل بن ابي صالح، ومحمد بن عجلان، وسليمان بن بلال، ويزيد بن الهاد.\nفأما سهيل بن عبد الله فهو ضعيف، روى عنه الجماعة (٢) .\nوسهيل بن أبي صالح: صدوق تغير حفظه بآخره، روى له البخاري\n_________\n(١) المصدر نفسه.\n(*) الشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة الحفاظ وقد يكون فيهم الثقة وغيره (شرح العلل ص٢٥٦) .\n(٢) التقريب ص٢٥٩.","vol":"1","page":246},{"text":"مقرونًا، وتعليقًا، وروى له بقية الجماعة (١) .\nومحمد بن عجلان: صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة (٢) .\nوسليمان بن بلال: ثقة روى عنه الجماعة (٣) .\nويزيد بن عبد الله بن الهاد: ثقة مكثر، روى عنه الجماعة (٤) .\nفهؤلاء الشيوخ فيهم الضعيف والصدوق والثقة، حتى ولو سلمنا بأن هؤلاء جميعًا في مرتبة الشيوخ بالنسبة إلى ابن دينار، فقد رووا جميعًا هذا الحديث عن عبد الله بن دينار عن أبي هريرة، فيدل ذلك على أنهم قد حفظوا هذا الحديث.\nوأما بالنسبة للنقطة الثالثة: وهي وجود الاضطراب في رواية هؤلاء الشيوخ فما وجه هذا الاضطراب؟ وهل يقدح في صحة هذا الحديث أم لا؟\nقد ذكر العلامة العيني اختلاف الروايات في هذا الحديث، وحاصله ما يلي:\n- اختلاف في العدد: فبعض الرواة قال بضع وستون، أو بضع وسبعون على الشك، وبعضهم قال: بضع وسبعون، وقال آخر: بعض وستون.\n- اختلاف في بعض الألفاظ: بعضهم قال: بضع وسبعون بابًا، وفي بعضها شعبة، وورد في بعض الروايات: أرفعها وورد في روايات أخرى أفضلها (٥) .\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٢٥٩.\n(٢) المصدر نفسه ص٤٩٦.\n(٣) المصدر نفسه ص٢٥٠.\n(٤) المصدر نفسه ص٦٠٢.\n(٥) عمدة القاري: ج١ ص١٣٥.","vol":"1","page":247},{"text":"فهذا الاضطراب لا يقدح في صحة أصل الحديث وإن كان يقدح في ثبوت العدد، ولهذا نظائر وأمثلة في صحيح البخاري منها: حديث الواهبة نفسها.\nالذي يرويه أبو حازم عن سهل بن سعد ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله: إني قد وهبت لك نفسي فقال رجل زوجنيها قال: زوجناكها بما معك من القرآن\" (١) .\nفقد اختلف الرواة على أبي حازم فقال مالك وجماعة: فقد زوجناكها، وقال ابن عيينة: أنكحتكها، وقال ابن أبي حازم، ويعقوب بن عبد الرحمن: ملكتكها، وقال الثوري: أملكتكها، وقال أبو غسان: أمكناكها.\nقال الحافظ: \"المقطوع به أن النبي ﷺ لم يقل هذه الألفاظ كلها مرة واحدة تلك الساعة، فلم يبق إلا أن يقال: إن النبي ﷺ قال لفظًا وعبر عنه بقية الرواة بالمعنى والله أعلم \" (٢) .\nفهذا الاختلاف لم يضر في ثبوت الحديث.\nفكذلك الاختلاف الواقع في حديث \"الإيمان بضع وسبعون \" لا يقدح في صحته. وإن كان الإمام البخاري - ﵀ - قد اختار ورجح رواية \"بضع وستون \" فما هو الأساس الذي اعتمده في ترجيح هذه الرواية؟ قد أشار إليه الحافظ بقوله: \"ورجع البيهقي رواية البخاري لان سليمان لم يشك، وترجيح رواية بضع وسبعون شعبة لكونها زيادة ثقة. كما ذكره الحليمي ثم عياض - لا يستقيم إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم بها، لا سيما مع اتحاد المخرج، وبهذا يتبين شفوف نظر البخاري وقد رجح ابن الصلاح رواية الأقل لكونه المتيقن\" (٣) .\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الوكالة باب وكالة المرأة الإمام في النكاح: ج٤ ص٥٦٧ رقم (٢٣١٠)، ثم كرره في مواضع كثيرة من صحيحه.\n(٢) النكت ص٣٤٥.\n(٣) فتح الباري: ج١ ص٦٧.","vol":"1","page":248},{"text":"والذي يظهر لي إضافة إلى ما قاله الحافظ، هو أن سليمان بن بلال أوثق ممن خالفه، فهذه القرائن كلها مجتمعة ترجح رواية البخاري - ﵀ -.\nومما يدل على صحة هذا الحديث في الجملة، أنه لا يعارض القرآن ولا السنة، بل يوافقهما لذا نجد الإمام البخاري ذكر قبل هذا الحديث آيتين في نفس معناه، وهما قول تعالى: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وأتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وأتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ (١) .\nوقوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأمناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ (٢) .\nقال الحافظ: \"وكأن المؤلف (أي البخاري) أشار على إمكان عد الشعب من هاتين الآيتين وشبههما\" (٣) .\nوأما الأحاديث في هذا المعنى فهي كثيرة جدًا قد أوردها الأئمة في مصنفاتهم في أبواب الإيمان والسنة.\nمما سبق نستخلص أن البخاري لا يرى أن كل حديث تفرد هـ رواية منكرًا، بل يراه صحيحًا مقبولًا إذا توفرت فيه الشروط التالية كلها أو بعضها:\n١- أن يكون الراوي المتفرد بالحدي ثقة حافظ.\n٢- أن يكون التفرد في الطبقات المتقدمة ثم يشتهر في الطبقات المتأخرة.\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.\n(٢) سورة المؤمنون، الآيات: من ١ إلى ١١.\n(٣) الفتح: ج١ ص٦٦.","vol":"1","page":249},{"text":"٣- أن لا يعارض الحديث الثابت المشهور عن النبي ﷺ.\n٤- أن تكون له شواهد من القرآن الكريم أو الأحاديث المرفوعة.\n٥- أن يكون ما تضمنه الحديث معمولًا به عند أهل العلم ولا يكون مجهورًا غير مستعمل.\nوحسب وضوح هذه القرائن وكثرتها يكون الحكم على الحديث بالنكارة أو بالشهرة.\nوهنا تختلف أحكام الأئمة النقاد حسب اجتهادهم واطلاعهم، ومن خلال هذه الأمثلة المدروسة نطمئن إلى الأحاديث الواردة في صحيح البخاري، ونعلم أنها منتقاة بدقة كبيرة.\nقال ابن رجب بعد أن نقل الإمام أحمد أنه يستنكر ما تفرد به بريد بن عبد الله بن أبي بردة، ويزيد بن أنسية، وإبراهيم التيمي.\nقال ابن رجب بعد أن نقل الإمام أحمد أنه يستنكر ما تفرد به بريد بن عبد الله بن أبي بردة، وزيد من أنسية، وإبراهيم التيمي.\n\" وأما تصرف الشيخين والأكثرين فيدل على خلاف هذا، وان ما رواه الثقة عن الثقة إلى منتهاه وليس له علة فليس بمنكر، وقد خرجا في الصحيحين حديث بريد بن عبد الله بن أبي بردة، وحديث محمد بن إبراهيم التيمي وحديث زيد بن أبي أنسية (١) .\nثم نقل عن الإمام مسلم قوله في مقدمة صحيحه:\n\"حكم أهل العلم والذي يعرف من مذهبهم، في قول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل الحفظ في بعض ما رواه، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئًا، ليس عند أصحابه، قبلت زيادته، فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحافظ المتقنين لحديث وحديث غيره أو كمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل اعلم مبسوط مشترك وقد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على اتفاق منهم، في الكثرة، فيروي عنهما أو عن\n_________\n(١) شرح العلل، ص٢٥٥.","vol":"1","page":250},{"text":"أحدهما العدد من الحديث ممن لا يعرف أحد من أصحابهما، وليس قد شاركهم في الصحيح الذي عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس والله أعلم\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>المطلب الثالث: نماذج لأحاديث أعلها الإمام البخاري بالتفرد</span>\nرأينا في النماذج السابقة أن التفرد من دلائل العلة، ولكن قد يكون الحديث صحيحًا لقرائن أخرى تنضم إليه، كما سبق تفصيله.\nوفي هذا المطلب اذكر نماذج أخرى لما يتفرد به الراوي، وتنضم إليه قرائن أخرى يكون الحديث معلولًا عند الإمام البخاري - ﵀ -.\nالمثال الأول:\nحديث النبي ﷺ \" الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد\" (٢) . فمتن هذا الحديث معروف عن النبي ﷺ من وجوه متعددة، وقد خرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عمر عن النبي ﷺ بطرق مختلفة. لكن هذا الحديث رواه كريب عن أبي أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال:\"الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معي واحد\" (٣) .\n_________\n(١) المصدر نفسه انظر مقدمة صحيح مسلم ص٧.\n(٢) رواه البخاري، في كتاب الأطعمة، باب المؤن يأكل في معي واحد، ج٩ ص٤٤٦-٤٤٧ (مع الفتح)، ورواه مسلم، في كتاب الأشربة، باب المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء، ج٣ ص١٦٣١.\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: ج٣ ص١٦٣٦، وابن ماجه في سننه، حديث رقم (٣٢٥٨) من رواية أبي كريب، وأخرجه الترمذي في العلل الصغير: ج٥ ص٧٦٠ (مع الجامع)، والعلل الكبير ص٣٠٣.","vol":"1","page":251},{"text":"وقد استغربه غير واحد من هذا الوجه، وذكر أن أبا كريب تفرد به منهم البخاري وأبو زرعة، وظاهر كلام أحمد يدل على استنكار هذا الحديث أيضًا (١) .\nإذا علمنا أن أبا كريب (٢) المتفرد بالحديث ثقة حافظ روى له الجماعة فهل يتسنى لنا الاستدراك على هؤلاء الأئمة ونقول: إنه ثقة حافظ فلا يضر تفرده أم نبحث عن القرائن التي انضمت إلى هذا التفرد، فجعلتهم يحكمون على الحديث بالغرابة ويستنكرونه.\nوهذه القرائن هي:\n١- تفرد أبي كريب به عن أبي أسامة.\n٢- تفرد أبي أسامة به عن بريد ز\n٣- رواية أبي كريب هذا الحديث عن أبي أسامة حال المذاكرة.\nوقد أشار البخاري - ﵀ - إلى هذا القرائن فيما نقله عنه الترمذي، حيث قال بعد رواية هذا الحديث من طريق أبي كريب:\n\" وسألت محمدًا بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث أبي كريب عن أبي أسامة، فقلت: حدثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا فجعل يتعجب ويقول: ما علمت أن أحدًا حدث بهذا غير أبي كريب، قال محمد: وكنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا الحديث عن أبي أسامة في المذاكرة\" (٣) .\nوالذين رووا هذا الحديث عن أبي أسامة غير أبي كريب هم: أبو هشام الرفاعي وأبو السائب والحسين الأسود.\n_________\n(١) شرح العلل ص٢٤٨.\n(٢) هو محمد بن العلاء بن كريب الهمذاني، أبو كريب الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة (٥٢٤٧) وهو ابن تسع وثمانين سنة، ترجمته في التقريب ص٥٠٠.\n(٣) العلل الصغير (مع الجامع): ج٥ ص٧٦٠، والعلل الكبير ص٣٠٣.","vol":"1","page":252},{"text":"فلماذا لم يعتد النقاد بهؤلاء ويعتبروا حديثهم متابعة لأبي كريب تدفع عنه وصف التفرد بهذا الحديث؟\nلم يعتد النقاد بهذه الطرق، لأنهم علموا عدم صحة سماع هؤلاء لهذا الحديث من أبي أسامة مباشرة، وإنما سمعوه من أبي كريب وأضافوه إلى أبو أسامة.\nقال الحافظ ابن رجب:\n\" وذكر لأبي زرعة من رواه عن أبي غير أبي كريب، فكأنه أشار إلى أنهم أخذوه منه، وحسين بن الأسود (١)، كان يهتم بسرقة الحديث، وأبو هشام (٢) فيه ضعف\" (٣) .\nوكذلك تعجب الإمام البخاري لما قال له الترمذي حدثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا وقال: ما علمت أحدًا حدث بهذا غير أبي كريب.\nوأما القرينة الأخرى، وهي أخذ أبي كريب لهذا الحديث حال المذاكرة فقد وضحها الحافظ ابن رجب يقول: \"وما حكاه الترمذي عن البخاري هاهنا أنه قال: كنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا عن أبي أسامة في المذاكرة، فهو تعليل للحديث، فإن أبا أسامة لم يرو هذا الحديث عنه أحد من الثقات غير أبي كريب، والمذاكرة يحصل فيها تسامح بخلاف حال السماع والإملاء\" (٤) .\n_________\n(١) الحسين بن علي بن الأسود العجلي الكوفي، صدوق يخطئ كثيرًا، مات سنة ٥٢٥٤، ترجمته في: التقريب ص١٦٧، والتهذيب ج٢ ص٣٤٣، والميزان: ج١ ص٥٤٣.\n(٢) محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العجلي، أبو هشام الرفاعي الكوفي، قاضي بغداد، ضعفه البخاري والنسائي وغيرهما، مات سنة ٥٢٤٨، ترجمة في: الضعفاء الصغير ٢٣٦، الميزان ج٤ ص٦٨.\n(٣) شرح العلل ص٢٤٨.\n(٤) المصدر نفسه ص٢٤٩.","vol":"1","page":253},{"text":"المثال الثاني:\nحديث النهي عن الانتباذ في الدباء والمزقت (١) .\nهو حديث صحيح ثابت عن النبي ﷺ مشهور من رواية جماعة من الصحابة: ابن عباس وابن عمر وابن سعيد وأنس وأبي هريرة.\nولكن ورد من رؤية شبابة عن شعبة عن بكير عن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر أن النبي ﷺ نهى عن الدباء ولمزقت (٢) .\n(فهذا الحديث بهذا الإسناد غريب جدًا وقد أنكره على شبابه طوائف من الأئمة منهم -أحمد والبخاري وأبوحاتم وبن عدي) (٣) والترمذي أيضًا (٤) .\nوقد بين الترمذي بعض الجوانب التي من أجلها أعل النقاد فقال: بعد روايته له من طري شبابة.\n\"هذا حديث غريب من قبل إسناد ولا يعلم أحد حدث به عن شعبة غير شبابه، وقد روى عن النبي ﷺ من أوجه كثيرة أنه نهى أن ينتبذ في الدباء والمزقت، وحديث شبابه إنما يستغرب لأنه تفرد هـ عن شعبة، وقد روى شعبة وسفيان الثوري بهذا الإسناد عن بكير بن عطاء بن روى شعبة وسفيان الثوري بهذا الإسناد عن بكير بن عطاء بن عبد الرحمن بن يعمر عن النبي ﷺ أنه قال: \"الحج عرفة\" فهذا الحديث المعروف عند أهل الحديث بهذا الإسناد\" (٥) وتمثل هذه القرائن يما يلي:\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الإيمان: باب أداء الخمس من الإيمان، رقم (٥٣) ج١ ص١٥٧ (مع الفتح)، عن ابن عباس ورواه في كتب العلم، والمواقيت، والأثرية عن ابن عمر، ورواه مسلم في كتاب الإيمان، ج١ ص٤٦ - ٥٠ عن ابن عباس وأبي سعيد، ورواه في الاثرية: ج٣ ص١٥٧٧-١٥٨٥ عن أنس وأبي هريرة وعلي وعائشة وغيرهم.\n(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه رقم (٣٤٠٤٩) والنسائي: ج٨ ص٣٠٥، وأخرجه الترمذي على العلل الصغير: ج٥ ص٧٦١ (مع الجامع) والعلل الكبير ص٣٠٩.\n(٣) شرح العلل ص٢٤٩.\n(٤) العلل الصغير: ج٥ ص٧٩١، والعلل الكبير ص٣٠٩.\n(٥) العلل الصغير: ج٥ ص٧٦٠.","vol":"1","page":254},{"text":"١- تفرد شبابة بهذا الحديث دون سائر أصحاب شعبة.\n٢- شهرة هذا الحديث بغير هذا الإسناد.\n٣- وجود حديث آخر عن شعبة روي بهذا الإسناد الذي تفرد به شبابه.\nوفيما يلي تفصيل هذه النقاط:\nإن تفرد شبابه عن شعبة بهذا الحديث بهذا الإسناد دون سائر أصحاب شعبة الحافظ الإثبات يثير ريبة في نفس الناقد، نعم إن شبابه بن سوار ثقة (١) . لكنه ليس من أثبت أصحاب شعبة، كيحيى القطان وابن مهدي ومعاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث وغندر (محمد بن جعفر) (٢) .\nهؤلاء كلهم لم يرووه من هذا الطري الذي رواه به شبابه.\nولو نظرنا في الصحيحين نجد أن الثقات من أصحاب شعبة رووه من طرق عدة، ليس فيهما طريق شبابة.\nفأما البخاري فإنه يروي هذا الحديث في مواضع متعددة من صحيحه من طريق شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس، حدث عن شعبة بذلك: علي بن الجعد (٣)، وغندر (٤)، والنضر بن شميل (٥) .\nوأما الإمام مسلم فإنه توسع في ذكر طرق هذا الحديث عن شعبة (٦) .\nفقد أورده ن طريق شعبة عن الأعمش عن إبراهيم التيميي عن الحارث بن سويد عن علي حدث بذلك عن شعبة محمد بن جعفر.\n_________\n(١) شبابه بن سوار الفزاري: ثقة، رمي بالإرجاء. مات سنة ٢٥٤ ترجمته في تهذيب التهذيب: ج٤ ص٣٠٠.\n(٢) انظر: سؤالات ابن بكير للداقطني ص٤٣ وشرح العلل ص٢٨٦ - ٢٨٨.\n(٣) حدث رقم (٥٣) ج١ ص١٥٧.\n(٤) حديث رقم (٨٧) ج١ ص٢٢١.\n(٥) حديث رقم (٧٢٦٦ ج١٣ ص٢٥٦.\n(٦) صحيح مسلم: ج٣ ص١٥٧٨ - ١٥٨٦.","vol":"1","page":255},{"text":"وأورده من طريق شعبة عن نصور وسليمان وحماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة حدث عن شعبة ذلك يحيى القطان.\nوأورده أيضًا من طريق شعبة عن يحيى العمراني عن ابن عباس، حدث عن شعبة بذلك عبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن جعفر.\nوأورده من طريق شعبة عن محارب بن دثار عن ابن عمر حدث عنه بذلك محمد بن جعفر.\nوأورده من طري شعبة عن عمر بن مرة عن زاذان عن ابن عمر حدث بذلك أبو داود ومعاذ بن معاذ.\nفهذه اشهر الطرق لهذا الحديث عن شعبة التي تداولها الثقات من أصحابه، أما طريقة شبابة عن شعبة فلم يشتهر فيتداوله الثقات.\nأما بالنسبة للنقطة الثالثة وهي وجود حديث آخر عن شعبة بهذا الإسناد وهو \"الحج عرفة\" (١) فهذا المتن هو الذي يعرف عن شعبة عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر عن النبي ﷺ أي أن الحديث السابق انقلب إسناده على شبابة بن سوار فجعل إسناد هذا الحديث للحديث السابق.\nفهذه القرائن مجتمعة جعلت النقاد يحكمون على هذا الحديث بالنكارة وليس لمجرد التفرد.\nوالنتائج التي نستخلصها مما سبق تتمثل فيما يلي:\n١- يعد التفرد من الدلائل القوية لعرفة علل الأحاديث.\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في مسنده، ج٤ ص٣٠٩ و٣٣٥، والترمذي: ج١ ص٨٨٥ وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم في المستدرك والبيهقي.","vol":"1","page":256},{"text":"٢- لا يكتفي النقاد بمجرد التفرد للحكم على الحديث بالنكارة أو الشذوذ، بل لابد من وجود القرائن.\n٣- إن هذه القرائن تختلف باختلاف الأحاديث، وليس منحصرة.\n٤- ليس للنقاد عمل مطرد في تفرد الراوي، فلا يقبلونه مطلقًا، ولا يردونه مطلقًا، فهنالك بعض تفردات الرواة صححها البخاري وغيره وهذا النوع يسمى بغرائب الصحيح، كما سبق بيانه في المطلب السابق وهناك تفردات حكم عليها البخاري بالنكارة كما بينته في هذا المطلب.\n٥- قد تختلف أحكام النقاد على الأحاديث التي وقع فيها التفرد، وهذا بناء على مدى إطلاعهم على طرق الحديث والقرائن المرجحة، وليس اختلافًا في المنهج.","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>المبحث الثالث: المخالفة وأثرها في التعليل</span>\nمدخل: مقدمات نظرية (تعريف المخالفة، أسبابها، ضابطها، وصورها، أحكامها، أثرها) .\nالقسم الأول: الاختلاف في سياق الإسناد.\nالمطلب الأول: الاختلاف في الوصول والإرسال.\nالمطلب الثاني: الاختلاف في الرفع والوقوف.\nالمطلب الثالث: الاختلاف في تسمية شيخ الراوي.\nالمطلب الرابع: الاختلاف في زيادة راو في الإسناد وحذفه.\nالقسم الثاني: الاختلاف في سياق المتن.\nالمطلب الأول: الاختصار.\nالمطالب الثاني: الرواية بالمعنى.\nالمطلب الثالث: الإدراج.","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>مقدمات نظرية:</span>\nتعريف المخالفة وذكر أسبابها:\nلم أجد لها تعريفًا، وقد اجتهدت في تعريفها حسب ممارستي لكتب الحدي ولعلي، فأقول:\n\"هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثًا ما، فيقع بينهم تغاير (١) في سياق إسناده أو متنه\".\nوسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثيرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحيانًا يكون سببه الوهم والغلط.\nوتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قل أصحابه وتلاميذه قل الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضابط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها.\nضابطها:\nحتى يكون الاختلاف معتبرًا يعين فيه أن يكون المخرج واحدًا ز\nقال ابن الصلاح - ﵀ -: \"وينبغي في التعارض أن يكون المخرج واحدًا وإلا فتعد الوجوه المختلفة طرقًا مستقلة\" (٢) .\nقال الحافظ: \"وقد فسر ابن العربي الحديث بأن يكون من رواية راو قد اشتهر برواية حديث أهل بلده، كقتادة في البصريين وأبي إسحاق السبيعي في الكوفيين وعطاء في المكيين، وأمثالهم، فإن حديث البصريين مثلًا إذا\n_________\n(١) لم اعتبر بالتعارض كما هو مستعمل عند بعض العلماء لأن التغاير أعم وأشمل، والتعارض أخص، ومن الاختلاف ما ليس فيه تعارض\n(٢) انظر مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح ص٩٤ وص١١٧. ط: دار الكتاب العربي. بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان.","vol":"1","page":259},{"text":"جاء عن قتادة ونحوه كان مخرجه معروفًا، وإذا جاء عن غير قتادة نحوه كان شاذًا والله أعلم\" (١) .\nصور المخالفة:\nيقع الاختلاف بين الرواة في أمور كثيرة غير محصورة فيها ما يؤثر في القبول وفيها ما لا يؤثر فيه، كاختلافهم في العبارات والألفاظ بحيث لا يغير المعنى المقصود وكذا في التقديم والتأخير، وصيغ التلقي مثل حدثنا وأخبرنا ونحوهما.\nوجدير بالذكر أن الاختلاف في صيغ التلقي يؤثر أحيانًا في الصحة والقبول، كالاختلاف في التصريح بالسماع بالنسبة إلى رواية من وصف بالتدليس أو الإرسال (٢) .\nوأما الاختلاف المؤثر فتارة يكون في السند وتارة يكون في المتن، فالذي في السند يتنوع أنواعًا:\nتعارض الوصول والإرسال، وتعارض الوقف مع الرفع، وتعارض الاتصال والانقطاع، وتعرض في شيخ الراوي، مثلًا: أن يروي الحديث قوم عن رجل عن تابعي عن صحابي، ويرويه غيرهم عن ذلك الرجل عن تابعي آخر عن الصحابي نفسه، وتعارض في زيادة رجل في أحد الإسنادين، وتعارض في اسم الراوي ونسبة إن كان مترددًا بين ثقة وضعيف، وتعارض في الجمع والإفراد في الرواية، مثلًا: أن يروي الحديث قوم عن رجل عن فلان وفلان ويرويه غيرهم عن ذلك الرجل من فلان منفردًا.\nوأما الاختلاف في المتن فيتنوع أنواعًا: منها تعارض الإطلاق والتقييد، وتعارض العموم والخصوص، وتعارض الزيادة والنقص (٣) .\n_________\n(١) النكت: تحقيق ربيع بن هادي: ج١ ص٤٠٥.\n(٢) الحديث المعلول ص٣٦.\n(٣) المصدر السابق: ج٢ ص٧٧٧ - ٧٧٨.","vol":"1","page":260},{"text":"أحكامها:\nلقد اعتبر كثير من المتأخرين - عند وقوع الاختلاف بين الرواة في الوصول والإرسال والرفع والوقوف - أن الحكم للزائد إذا كان ثقة فيرجع الرفع على الوقف، والوصل على الإرسال باعتبار أن كلًا من الرفع والوصل زيادة.\nوقد ذكر ابن الصلاح - ﵀ - الخلاف في هذه المسألة، وحاصله ما يلي:\nإذا تعارض الوصل والإرسال فالحكم للمرسل وقيل الحكم للأكثر، وقيل الحكم للأحفظ، سواء أكان المخالف واحدًا أم جماعة وصحح الخطيب البغدادي القول الأخير (١) .\nونقل الحافظ العلائي عن شيخه ابن الزملاكاني أنه فرق بين مسألتي تعارض الوصل والإرسال والرفع والوقف بأن الوصل في السند زيادة من الثقة فتقبل وليس الرفع زيادة في المتن فتكون علة (٢) .\nوهذه الأحكام العامة بالقبول أو الرد غير مسلمة في منهج المحدثين النقاد، فإن مذهبهم ليس القبول مطلقًا أو الرد مطلقًا، بل بحسب القرائن.\nقال الحافظ - ﵀ -: \"إن تعليلهم الموصول بالمرسل أو المنقطع، والمرفوع بالموقف أو المقطوع، ليس على إطلاقه، بل ذلك دائر على غلبة الظن بترجيح أحدهما على الآخر بالقرائن التي تحفه\" (٣) .\nوقال ابن دقيق العيد:\n\" من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض رواية مرسل ومسند أو رافع وواقف أو ناقص أو زائد أن الحكم للزائد فلم يصب في\n_________\n(١) انظر علوم الحديث ص٦٤ - ٦٥.\n(٢) النكت ص٢٨٦.\n(٣) المصدر نفسه ص٣١٤.","vol":"1","page":261},{"text":"هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانونًا مطردًا، وبمراجعة أحكامهم الجزئية يعرف صواب ما نقول\" (١) .\nوقد جزم الحافظ العلائي فقال:\n\" كلام الأئمة المقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث\" (٢) .\nويقول الحافظ السخاوي:\n\" إنه لا يحكم في تعارض الوصل والرفع مع الإرسال والوقف بشيء معين، بل إن كان من أرسل أو أوقف من الثقات أرجح قدم وكذا بالعكس\" (٣) .\nأثر المخالفة في التعليل:\nتعدّ المخالفة من الدلائل القوية التي تدرك بها العلة وقد سبق أن نقلت كلام ابن الصلاح في ذلك، وأكرره هنا لأهميته، قال - ﵀ -:\n\"ويستعان على إدراكها (أي العلة) بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك\" (٤) .\nولا يمكن الوصول إلى العلة والكشف عنها إلا بجمع طرق الحديث المختلفة في سياق واحد، والنظر في كل راو من طبقات الإسناد هل تفرد أم خالف، قال الخطيب - ﵀ -:\n\"السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في\n_________\n(١) المصدر نفسه ص٢٣٦ وقد نقله الصنعاني في توضيح الأفكار: ج١ ص٣٤٣.\n(٢) المصدر نفسه ص٢٣٧ وقد نقله الصنعاني في توضيح الأفكار: ج١ ص٣٤٤.\n(٣) فتح المغيث: ج١ ٢١٨.\n(٤) علوم الحديث ص٨١ - ٨٢.","vol":"1","page":262},{"text":"اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم في الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط\" (١) .\nوالناظر في كتب العلل يلاحظ اشتمالها على ذكر طرق الحديث المختلفة، والمقارنة بينها وذكر اختلاف الرواة فيما بينهم.\nوقد اهتم الأئمة النقاد بهذه المسألة وأصبحت من أهم معايير نقد الحديث والحكم على الرجال عندهم، قال الإمام مسلم - ﵀ -:\n\" وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى، خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله، ولا مستعمله\" (٢) .\nوقال أيضًا: \"فبجمع هذه الروايات، ومقابلة بعضها ببعض يتميز صحيحها من سقيمها، ويتبين رواة ضعاف الأخبار من أضداد هم من الحفاظ، ولذلك أضعف أهل المعرفة بالحديث عمر بن عبد الله بن أبي خثعم وأشباههم من نقلة الأخبار لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي تخالف روايات الثقات المعروفين من الحفاظ\" (٣) .\nلهذا يحرص علماء الحديث ونقاده على استيعاب طرق الحديث ورواياته من أجل الوقوف على الأخطاء التي فيها والأوهام.\nقال ابن معين: \"لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه\" (٤) .\nوقال أحمد: \"الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا\" (٥) .\n_________\n(١) المصدر نفسه.\n(٢) مقدمة صحيح مسلم ص٧.\n(٣) التمييز ص١٦٢.\n(٤) الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ج٢ ص٢١٢.\n(٥) المصدر نفسه.","vol":"1","page":263},{"text":"وقال ابن المديني: \"الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه\" (١) .\nولأهمية هذه المسألة جعلتها المحور الثاني لهذا الفصل، وسأحرص على أخذ أحكامهم من خلال الواقع النقدي عند الإمام البخاري - ﵀ - وقد قسمت هذا المبحث إلى قسمين:\nالقسم الأول: الاختلاف في سياق الإسناد، ويشمل المطالب التالية: الاختلاف في الوصل والإرسال، الاختلاف في الرفع والوقف، الاختلاف في تسمية شيخ الراوي، الاختلاف في زيادة راو واحد وحذفه.\nالقسم الثاني: الاختلاف في سياق المتن: ويشمل المطالب التالية: الاختصار، الرواية بالمعنى، الإدراج.\n_________\n(١) المصدر نفسه.","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>القسم الأول: الاختلاف في سياق الإسناد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>المطلب الأول: الاختلاف في الوصل والإرسال</span>\nالمثال الأول:\nقال البخاري - ﵀ -: \"حدثنا محمد بن خالد حدثنا محمد بن وهب بن عطية الدمشقي حدثنا محمد بن حرب حدثنا محمد بن الوليد الزبيدي أخبرنا الزهري عن عروة بن الزبير عن زيد بن سلمة عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: \"استرقوا لها فإن بها النظرة\".\nوقال عقيل عن الزهري: أخبرني عروة عن النبي ﷺ، تابعه عبد الله بن سالم عن الزبيدي\" (١) .\nورواه مسلم أيضًا قال: حدثني أبو الربيع سليمان بن داود حدثنا محمد بن حرب قال محمد بن الوليد به سندًا ومتنًا (٢) .\n_________\n(١) كتاب الطب، باب رقية العين، حديث رقم (٥٧٣٩) ج١٠ ص٢١٠ (مع الفتح) .\n(٢) كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة حديث رقم (٢١٩٨) ج٤ ص١٧٢٥.","vol":"1","page":265},{"text":"وقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في كتابه التتبع وحكى الاختلاف في سنده وصلًا وإرسالًا ولم يحكم فيه بشيء (١) .\nوالاختلاف في الوصل والإرسال دائر بين محمد بن الوليد الزبيدي (٢) فقد وصل الحديث وعقيل (٣) فقد رواه مرسلًا، والإمام البخاري هنا قد رجح الموصول وأشار المرسل وكذلك الإمام مسلم.\nفما هي القرائن التي اعتمد عليها الشيخان في ترجيح الطريق الموصولة على المرسلة؟ .\nلقد أشار الحافظ - ﵀ - إلى هذه القرائن في شرحه لهذا الحديث فقال:\n\"واعتمد الشيخان في هذا الحديث على رواية الزبيدي لسلامتها من الاضطراب، ولم يلتفتا إلى تقصير عقيل (٤) فيه، وقد روى الترمذي من طريق الوليد مسلم أنه سمع الأوزاعي يفضل الزبيدي على جميع أصحاب الزهري، يعني في الضبط، وذلك أنه كان يلازمه كيرًا حضرًا وسفرًا ن وقد تمسك بهذا من رغم أن العمدة لمن وصل على من أرسل لاتفاق الشيخين على تصحيح الموصول هنا، والتحقيق أنهما ليس لهما في تقديم الوصل عمل مطرد بل هو دائر مع القرينة، فمهما ترجح بها اعتمداه، وإلا فكم حديث أعرضا عن تصحيحه للاختلاف في وصله وإرساله\" (٥) .\n_________\n(١) التتبع ص٢٤٧ - ٢٤٨.\n(٢) هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي أبو الهذيل الحمصي القاضي، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. مات سنة ١٣٦ أو ١٤٧، وكان من الحفاظ المتقنين، أقام مع الزهري عشر سنين، له ترجمة في التاريخ الكبير قسم ١ ج١ ص٢٥٤ وتهذيب التهذيب: ج٩ ص٥٠٢.\n(٤) ورد في الأصل يونس وهو خطأ ظاهر والصواب ما أثبته.\n(٥) الفتح م ج١٠ ص٢١٣.","vol":"1","page":266},{"text":"وتتمثل هذه القرائن فيما يلي:\n١- سلامة رواية الزبيدي من الاضطراب وذلك لأنها وردت من طريق محمد بن حرب وهو حافظ، وتابعه عليها عبد الله بن سالم الحمصي، وهو حافظ أيضًا.\n٢- إضافة إلى ذلك يعدّ الزبيدي من أثبت أصحاب الزهري - ﵀ - وقد سئل الدارقطني عن اثبت أصحاب الزهري قال: \"مالك، وشعيب بن أبي حمزة وابن عيينة، ويونس بن يزيد وعقيل والزبيدي\" (١)، وإنما عد الزبيدي من اثبتهم لأنه كان طويل الملازمة للزهري سندًا وحفظًا.\n٣- إن تقصير عقيل في إسناد هذا الحديث يمكن أن يكون سببه الوهم والنسيان، ويمكن أن يكون سببه الشك وهذا الأخير أرجح وذلك أن الحفاظ المتقنين إذا شكوا قصورا في الأسانيد.\nالمثال الثاني:\nقال البخاري - ﵀ -: \"حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر قال: يا رسول الله ﷺ وحدثني محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: لما قلنا من حنين سأل عمر النبي ﷺ ن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف، فأمره النبي ﷺ بوفاته.\nوقال بعضهم: حماد عن أيوب نافع عن ابن عمر.\nورواه جرير بن حازم وحماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ\" (٢) .\n_________\n(١) سؤالات ابن بكير للدارقطني ص٤٩ - ٥٠.\n(٢) كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿ويوم حنين﴾ حديث رقم (١٤٣٢٠) ج١ ص٦٤٠ (مع الفتح) .","vol":"1","page":267},{"text":"وقد ذكر الدارقطني – ﵀ – هذا الحديث في كتابه التتبع وذكر الاختلاف فيه، ولم يحكم فيه بشيء قال ﵀: \"وأخرجه البخاري عن أبي النعمان عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر قال: نذرت نذرًا مرسلًا ووصله حماد بن سلمة وجرير بن حازم ومعمر عن أيوب.\nووصله عبد الله عن نافع\" (١) .\nفهذا الحديث فيه اختلاف بين أصحاب أيوب فقد أرسله حماد بن زيد، ووصله حماد بن سلمة وجرير بن حازم ومعمر.\nوالبخاري – ﵀ -: \"إنما أورد طريق حماد بن زيد المرسلة للإشارة إلى أن رواية مرجوحة لأن جماعة من أصحاب شيخه أيوب خالفوه فوصلوه، بل بعض أصحاب حماد بن زيد رواه موصولًا كما أشار إليه البخاري هنا \" (٢) .\nوالقرائن التي اعتمد عليها البخاري في ترجيح الرواية المتصلة على المرسلة تتمثل فيما يلي:\n١- وجود الاضطراب في رواية حماد بن زيد فقد رواه عنه أبو النعمان، مرسلًا كما هو عند البخاري، وكذا أورده الإسماعيلي من طريق سليمان بن حرب، وأبي الربيع الزهراني، وخلف بن هشام كلهم عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر كان عليه اعتكاف في الجاهلية (٣) .\nويرويه بعض أصحاب حماد بن زيد موصلًا، وهو أحمد بن عبيد الضبي، كما هو في رواية الإسماعيلي وعند مسلم – ولم يسق لفظه (٤) – وعند ابن خزيمة (٥) .\n_________\n(١) التتبع ص٢٥٣.\n(٢) الفتح: ج٧ ص٦٣٠.\n(٣) الفتح: ج٧ ص٦٣٠.\n(٤) صحيح مسلم: ج٣ ص١٢٧٨.\n(٥) المصدر السابق.","vol":"1","page":268},{"text":"فأصحاب حماد بعضهم يرويه مرسلًا وبعضهم يرويه موصولًا، وهذا مما يوهن رواية حماد بن زيد.\n٢- إذا سلمنا أن هذه الطريق إنما وردت عن حماد بن زيد مرسلة لكثرة من رواها كذلك فهي معارضة برواية غيره ممن رواه عن أيوب مسندًا وهم أكثر عددًا ممن رواه موصولًا، وهذه الروايات المعارضة لرواية حماد بن زيد هي:\n١- رواية جرير بن حازم أشار إليها البخاري وقد وصلها مسلم وغيره من رواية ابن وهب عن جرير بن حازم أن أيوب حدثه أن نافعًا حدثه أن عبد الله بن عمر حدثه أن عمرًا سأل رسول الله ﷺ\n٢- رواية حماد بن سلمة وقد أشار إليه البخاري أيضًا ووصله مسلم من طريق حجاج بن منهال قال حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب مقرونة برواية محمد بن إسحاق كلاهما عن نافع عن ابن عمر (١) .\n٣- رواية معمر وقد وصلها البخاري ومسلم (٢) .\n٤- رواية سفيان الثوري وقد وصلها النسائي (٣) .\nفتكون رواية هؤلاء الجماعة أرجح، لا لكونهم جماعة ولكن بانضمام القرائن، وهي في رواية حماد بن زيد والقرينة الثالثة.\n٣- إن حماد صاحب حفظ وليس صاحب كتاب، ومن عادته أنه ينقص من الحديث إذا طرأ له شك.\n٤- القرينة الرابعة التي ترجح الطريق الموصولة على المرسلة هي كون الحديث محفوظًا عن نافع موصولًا وقد تابع أيوب على وصله عبيد بن\n_________\n(١) صحيح مسلم ج٣ ص١٢٧٧.\n(٢) المصدر نفسه.\n(٣) كتاب الإيمان والنذر، باب إذا نذر ثم أسلم قبل أن يفيء رقم (٣٨٢٩) و(٣٨٣٠) ج٧ ص٢٠ دار المعرفة.","vol":"1","page":269},{"text":"عمر وقد اخرج روايته البخاري وغيره (١) .\nالمثال الثالث:\nحديث \" لا نكاح إلا بولي \" الذي يرويه أبو إسحاق السبيعي (٢) .\nهذا الحديث اختلف في وصله وإرساله، فقد رواه إسرائيل بن يونس (٣) في آخرين: عن جدة أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري عن الرسول ﷺ مسندًا متصلًا.\nورواه سفيان الثوري (٤) وشعبة (٥) عن أبي إسحاق عن بردة عن النبي ﷺ مرسلًا وسئل البخاري – ﵀ – عن هذا الحديث، فحكم لمن وصله وقال: الزيادة من الثقة مقبولة (٦) .\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الاعتكاف باب الاعتكاف ليلًا رقم (٢٠٣٢) ج٣ ص٣٢١، ورواه مسلم في الإيمان، باب نذر الكفار وما يفعل فيه إذا اسلم رقم (٢٣٧) وأخرجه أبو داود في الإيمان والنذور، باب من نذر في الجاهلية ثم أدرك الإسلام (٣٣٢٥) والترمذي في النذور والإيمان، باب ما جاء في وفاء النذر (١٥٣٩) والنسائي في الإيمان والنذور، باب إذا نذر ثم أسلم قبل أن يفي (٣٨٣٠) وابن ماجه في الصيام، باب في اعتكاف يوم وليلة (١٧٧٢) وفي الكفارات، باب الوفاء بالنذر (٢١٢٩) وأحمد في مسنده ج٢ ص٢ وص٨٢.\n(٢) هو عمرو بن عبد الله بن عبيد، أبو إسحاق الكوفي من أعلام التابعين، ثقة مكثر عابد، اختلط بآخرة. مات سنة (١٢٩هـ) له ترجمة في: تذكرة الحفاظ: ج١ ص١١٤، تاريخ الإسلام: ج٥ ص١١٦، التقريب ص٤٢٣.\n(٣) هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو يوسف الكوفي، حفيد أبي إسحاق ثقة، تكلم فيه بلا حجة، روى له الجماعة، مات سنة (١٦٠هـ) ترجمته في التقريب ص١٠٤ وروايته أخرجها أحمد ج٤ ص٣٩٤ و٤١٣ وأبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١) والدرامي (٢١٨٨) والبراز (كشف الأستار ١٤٢٢)، وأبن حبان (٤٠٧٠) والدارقطني ج٤ ص٢٠٨، والبيهقي ج٧ ص١٠٧.\n(٤) رواية سفيان الثوري عن أبي إسحاق أخرجا عبد الرزاق في المصنف حديث رقم (١٠٤٧٥) .\n(٥) رواية شعبة أخرجها الترمذي.\n(٦) أورد هذه القصة الخطيب البغدادي بالسند في الكفاية، باب القول فيما روى من الأخبار مرسلًا ومتصلًا ص٤٥٢.","vol":"1","page":270},{"text":"وقد احتج الخطب البغدادي بهذا على أنه إذا ورد الحديث مرسلًا ومتصلًا فالحكم لمن أوصله إذا كان ثقة وتبعه على ذلك ابن الصلاح في مقدمته، محتجًا بصنيع الإمام البخاري في ترجيح الموصول على المرسل هنا، مع أن من أرسله شعبة وسفيان، وهما جبلان لهما من الحفظ والإتقان الدرجة العالية (١) .\nفهل يصح أن نأخذ من هذا حكمًا كليًا ننسبه إلى الإمام البخاري ونعده منهجًا له كما فعل الخطيب ﵀ وتبعه على ذلك ابن الصلاح وكثير من المتأخرين؟\nلقد تعقب الحفاظ ابن رجب الخطيب في هذه المسألة وتبين أنها لا تأخذ كحكم كلي مطرد وهذا من خلال الاستقراء لصنيع الإمام البخاري في كتابه التاريخي الكبير فقال: \"وهذه الحكاية إن صحت فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث، وإلا فمن تأمل كتاب تاريخ البخاري، تبين له قطعًا أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة\" (٢) .\nوبين ابن رجب أن هذا ليس منهجًا للبخاري فحسب بل هو منهج غيره من الأئمة النقاد فقال: \"وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يرد في اكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجح الإرسال على الإسناد فدل على أن مرادهم زيادة في تلك المواضع الخاصة وهي إذا كان الثقة مبرزًا في الحفظ\" (٣) .\nفالحافظ رد على الخطيب ومن تبعه ردًا مجملًا مبينًا أن قبول زيادة الوصل إنما هو لقرائن خاصة في مواضع خاصة ولم يفصل في ذكر تلك القرائن في هذا الحديث.\nوقد رد أيضًا على الخطيب ومن تبعه كابن الصلاح، الحافظ ابن حجر –﵀- فقال:\n_________\n(١) علوم الحديث ص٦٥.\n(٢) شرح العلل ص٢٤٤.\n(٣) المصدر نفسه.","vol":"1","page":271},{"text":"\"لكن الاستدلال بأن الحكم للواصل دائمًا على العموم من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص ليس بمستقيم، لأن البخاري لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم عليه بالاتصال لمعان أخرى رجحت عناه حكم الوصل\" (١) .\nثم ذكر هذه القرائن فقال:\n\"منها: أن يونس ابن أبي إسحاق (٢) وابنيه إسرائيل (٣) وعيسى (٤) رووه عن ابن إسحاق موصولًا، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيره.\nووافقهم على ذلك أبو عوانة (٥) وشريك النخعي (٦) وزهير بن\n_________\n(١) النكت ص٢٣٨.\n(٢) هو يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو إسرائيل الكوفي، صدوق يهم قليلًا، من الخامسة، مات سنة (١٥٢) (التقريب ص٦١٣)، وقد ضعف الإمام أحمد حديثه عن أبيه (الضعفاء للعقيلي ج٤ ت٢١١١) وروايته أخرجها الترمذي (١١٠١) والبيهقي ج٧ ص١٠٩.\n(٣) تقدمت ترجمته، وروايته.\n(٤) هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أخو إسرائيل، كوفي نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون، مات سنة (١٨٧هـ) وقيل (١٩١هـ) روى له الجماعة (التقريب ص٤٤١)، ولم أقف على روايته مع طول البحث.\n(٥) هو وضاح اليشكري الواسطي البزار، أبو عوانة مشهور بكنيته، ثقة ثبت، مات سنة (٧٥هـ) أو (٧٦هـ) روى له الجماعة، قال يحيى القطان: أبو عوانة من كتابه أحب إلى من شعبه من حفظه.\nوقال يحيى القطان: ما أشبه حديثه بحديث سفيان وشعبة، وقال عفان: هو عندنا أصح حديثًا من شعبة: التقريب ص٥٨٠، والشذرات: ج١ ص٢٨٧، وروايته أخرجها ابن ماجه (١٨٨١) والترمذي (١١٠١) والبيهقي ج٧ ص١٠٧.\n(٦) شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوق، يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع. مات سنة (١٧٧هـ) أو (١٨٧هـ) . روى له البخاري تعليقًا ومسلم وبقية الجامعة.\n(التقريب ص٢٦٦) وروايته أخرجها الدارمي (٢١٨٩) والترمذي (١١٠١) وابن حبان (٤٠٦٦) و(٤٠٧٨) والبيهقي: ج٧ ص١٠٨.","vol":"1","page":272},{"text":"معاوية (١) وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق، مع اختلاف مجالسهم في الأخذ وسماعهم إياه من لفظه.\nوأما رواية من أرسله وهما شعبة وسفيان، فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد، فقد رواه الترمذي فقال:\nحديث محمود بن غيلان، ثنا أبو داود ثنا شعبة قال: سمعت سفيان يسأل أبا إسحاق سمعت أبا بردة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لا نكاح إلا بولي\" فقال: نعم (٢) .\nفشعبة وسفيان إنما أخذاه معًا في مجلس واحد، كما ترى، ولا يخفى رجحان ما أخذ من لفظ المحدث في مجلس متعددة على ما أخذ عنه عرضًا في مجلس واحد.\nهذا إذا قلنا حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين، مع أن الشافعي ﵁ يقال: \"العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد\".\nفبين أن ترجيح البخاري لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل بل لما يظهر من قرائن الترجيح، ويزيد ذلك ظهورًا تقديمه للإرسال في مواضع أخرى (٣) .\nثم ذكر حديثًا قال فيه البخاري: الصواب قول مالك مع إرساله، ثم قال عقبه: \"فصوب الإرسال هنا لقرينة ظهرت له فيه، وصوب المتصل هناك لقرينة ظهرت له فيه، فتبين أنه ليس له عمل مطرد في ذلك والله أعلم\" (٤) .\nوممن صحح الوصل ي هذا الحديث الترمذي – ﵀ – في جامعه وعلله، وصححه أيضًا ابن حبان والحاكم.\n_________\n(١) هو زهير بن معاوية بن حديج الجعفي الكوفي نزيل الجزيرة، ثقت ثبت، مات سنة (١٧٣هـ) (التقريب ص٢١٨) وروايته أخرجها ابن حبان (٤٠٦٥)، والبيهقي: ج٧ ص١٠٧.\n(٢) كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي: ج٢ ص١٧٦ (مع التحفة) .\n(٣) النكت ص٢٣٩.\n(٤) المصدر نفسه.","vol":"1","page":273},{"text":"وأسند الحاكم من طريق علي ابن المديني ومن طريق البخاري والذهلي وغيرهم أنهم صححوا حديث إسرائيل (١) وقال الحافظ، بعد أن ذكر كلام الترمذي على هذا الحديث:\n\"ومن تأمل ما ذكرته عرف أن الذين صححوا وصله لم يستندوا في ذلك إلى كوه زيادة ثقة فقط، بل للقرائن المذكورة المقتضية لترجيح رواية إسرائيل على غيره\" (٢) .\nسبق أن ذكرت أن الإمام الترمذي قد صحح وسل هذا الحديث في جامعة وعلله الكبير معتمدًا على القرائن السابقة التي فصلها الحافظ – ﵀ – لكن محقق العلل الكبير تحامل على الترمذي ومن وافقه من الأئمة في تصحيح الطريق الموصولة على المرسلة ورماهم بالتعصب المذهبي واتباع الهوى قال: \"قد حاول كثيرون تصحيح هذا الحديث ووصله وسلكوا في ذلك كل مسلك لحاجة في أنفسهم أساسها التعصب المذهبي والعياذ بالله\" (٣) .\nوقال أيضًا: \"ما صحح هذا الحديث أحد إلا لهوى في نفسه والعياذ بالله\" (٤) .\nوما حجته في ذلك إلا مجرد أن هؤلاء الذين خالفوا شعبة وسفيان فيهم بعض الضعف واللين، وأما الثقات منهم فقد رووا عن أبي إسحاق لما تغير، وأن إسرائيل ومن تابعه على وصل الحديث ولو كان معهم أمثالهم لا يقفون بجانب شعبة وحده، فكيف ومعه سفيان الثوري.\nهذه هي حجته، ويا ليته كف لسانه عن الخوض في أعراض هؤلاء الأئمة والطعن في نياتهم، ورواءه الطعن في علمهم ومنهجهم.\n_________\n(١) الفتح ج٩ ص٨٩.\n(٢) المصدر نفسه.\n(٣) العلل الكبير ص١٥٦ (مع التحفة) .\n(٤) المصدر نفسه.","vol":"1","page":274},{"text":"أقول: إن الترمذي ومن معه من الأئمة الأعلام كالبخاري والحاكم وابن المديني والذهلي وغيرهم ممن صحح وصل هذا الحديث قد علموا أن شعبة والثوري أحفظ من هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث، وهذا قد صرح به الترمذي نفسه في جامعه (١) لكن شريك وإسرائيل هما من اثبت أصحاب أبي إسحاق بعد شعبة والثوري (٢) .\nفهؤلاء الحفاظ النقاد الذين لا شك في صدقهم وأمانتهم على الدين، لما صحوا هذا الحديث لم يكن بناء على ظاهر الإسناد وأحوال الرواة لأن الثقة قد يخطئ كما أن الضعيف قد يصيب فكيف لو كانوا عشرة أو أكثر فيهم الثقات والضعفاء وسمعوا في مجالس متعددة وأوقات مختلفة. نعم منهم من روى عن أبي إسحاق بعد الاختلاط والتغير ولكن اتفاقهم على وصل هذا الحديث مع كثرة عددهم وأخذهم في أوقات ومجالس متعددة مما يدل على أن أبا إسحاق كان يروي هذا الحديث موصولًا، ويمكن أن يكون أرسله أحيانًا فسمعه منه شعبة وسفيان فروياه كما سمعاه، فيكون الحكم لمن أوصله، وهو العلم والعدل، وليس هو التعصب والهوى.\nثم قال: \"وقد أراح البخاري ومسلم نفسيهما وأراحا الناس بعدم ذكر مثل هذا الحديث في كتابيهما\" (٣) .\nنعم لم يذكر البخاري هذا الحديث في كتابه مسندًا ولكن ترجم لما يدل عليه صراحة فقال في كتاب النكاح: \"باب من قال لا نكاح إلا بولي\" وذكر فيه آيات وأحاديث تدل على اشتراط الولي في النكاح، قال الحافظ – ﵀ – في شرحه لهذه الترجمة:\n\"استنبط المصنف هذا الحكم من الآيات والأحاديث التي ساقها لكون الحديث الوارد بلفظ الترجمة ليس على شرطه\" (٤) .\n_________\n(١) الجامع: ج٢ ص١٥٦ (مع التحفة) .\n(٢) العلل الكبير ص١٥٦.\n(٣) العلل الكبير (الحاشية) ص١٥٧.\n(٤) الفتح: ج٩ ص٩٨.","vol":"1","page":275},{"text":"والظاهر أن المعلق لم يدرك أن النقاد إذا حكموا بترجيح الموصول على المرسل أو العكس، فإن ذلك لا يقتضي صحة الحديث في نفس الأمر، وإنما هو حكم بما هو الصواب المطابق للواقع، أي كيف حدث هذا الراوي المختلف عليه في الحديث، ثم الحكم على الحديث بعد ذلك قوة أو ضعفًا متوقف على النظر في كل شروط الصحة الأخرى.\nولعل البخاري لم يخرج هذا الحديث مسندًا، لضعف بعض رواته، أو لوجوه الاختلاف فيه، وإخراج ما هو مجمع على صحته أولى، إذا كان في نفس معناه، كما هو الحال في هذه المسالة فقد أورد فيها الإمام البخاري ثلاث آيات وأربعة أحاديث صحيحة.\nوعلى العموم حديث \" لا نكاح إلا بولي \" أقل أحواله أن يكون حسنًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ لكثرة شواهده وقد أشار إليها الترمذي بقوله: \"وفي الباب عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة وعمران بن حصين وأنس\" (١) والجمهور على العمل به ومنهم سفيان الثوري ﵀ ولم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة – ﵀ -.\nأمثلة لأحاديث رجح فيها الإمام البخاري الإرسال على الوصل:\nذكرت في الأمثلة السابقة أحاديث رجح فيها الإمام البخاري الوصل على الإرسال وقد نقلت من أقوال الحافظ المتأخرين ما يدل على أن هذا ليس عملًا مطردًا للإمام البخاري، وادعم تلك النقول بهذين المثالين مما رجح فيه البخاري الإرسال على الوصل بالرغم من أن الواصل ثقة.\nالمثال الأول:\nما رواه الثوري عن محمد بن أبي بكر بن حزم عن عبد الملك بن\n_________\n(١) جامع الترمذي: ج٢ ص١٧٥، وانظر تخريجها في التحفة في نفس الموضوع.","vol":"1","page":276},{"text":"أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أم سلمة ﵂ قالت: أن النبي ﷺ قال: \"إن شئت سبعت لك\" (١) .\nورواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أبيه، أن رسول الله ﷺ حين تزوج أم سلمة وأصبحت عنده قال لها: \"ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت\" فقالت: ثلث (٢) .\nفالخلاف بين مالك والثوري، فالثوري أوصله، ومالك أرسله، والثوري ثقة إمام حافظ ومع ذلك قال الإمام البخاري في تاريخه:\n\"الصواب قول مالك مع إرساله\" (٣) .\nويظهر أن الثوري سلك فيه الجادة، والله أعلم.\nالمثال الثاني:\nحديث جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي ﷺ: \"قضى باليمين مع الشاهد\" فهذا الحديث اختلف فيه على جعفر بن محمد.\nقال عبد الوهاب الثقفي: عن جعفر عن أبيه، عن جابر، أن النبي ﷺ: \"قضى باليمين مع الشاهد\" (٤) وتابعه إبراهيم بن أبي حية (٥) .\n_________\n(١) أخرجه ملم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب قدر ما تستحقه البكر والثبت من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف رقم (٤١) ج٢ ص١٠٨٣، وأبو داود (٢١٢٢)، وابن ماجه (١٩١٧)، وغيرهم.\n(٢) رواه مالك في الموطأ كتاب النكاح، باب الإقامة عند البكر والأيم رقم (١٤) ج٢ ص٥٢٩، ورواه مسلم أيضًا، في نفس الكتاب والباب.\n(٣) انظر النكت ص٢٣٩.\n(٤) أخرجه أحمد ج٣ ص٣٠٥، وابن ماجه (٢٣٦٩) والترمذي (١٣٤٤) والدارقطني ج٤ ص٢١٢ والبيهقي ج١٠ ص١٧٠.\n(٥) عند البيهقي ج١٠ ص١٧٠.","vol":"1","page":277},{"text":"وقال يحيى بن سليم وعبد العزيز بن سلمة، رواية شبابة بن سوار عنه، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي، عن النبي ﷺ \"قضى باليمين والشاهد\" (١) .\nقال الترمذي – ﵀ -:\n\" سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقلت: أي الروايات أصح؟ فقال: أصحه حديث جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ ومرسلًا\" (٢) .\nوقد تبع الإمام الترمذي البخاري في هذا الحكم، فقد قال في جامعه بعد روايته هذا الحديث وذكر الاختلاف فيه \"حدثنا علي بن حجر ثنا إسماعيل بن جعفر ثنا جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ قضى باليمين والشاهد الواحد، قال: وقضى بها على فيكم، وهذا أصح، وهكذا روى سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلًا\" (٣) .\nوقد وافقهم على ترجيح الإرسال في هذا الحديث الإمامان أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان –رحمهما الله تعالى- قال ابن أبي حاتم: \"وسألتهما عن حديث رواه عبد الوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي ﷺ قضى بشاهد ويمين، فقالا: أخطأ عبد الوهاب في هذا الحديث، إنما هو عن جعفر عن أبيه، أن النبي ﷺ: مرسلًا\" (٤) .\nفلماذا رجح البخاري وغيره من الأئمة الإرسال في هذا الحديث بالرغم من أن الذي وصله ثقة فإن عبد الوهاب الثقفي الذي وصله ثقة روى له البخاري وسائر الجماعة (٥) .\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، في كتاب الأحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد ج٢ ص٢٨١ (مع التحفة) والبيهقي ج١٠ ص١٦٩ و١٧٣.\n(٢) العلل الكبير ص٢٠٢.\n(٣) جامع الترمذي: ج١ ص١٨٠ (مع التحفة) .\n(٤) علل الحديث رقم ١٤٠٢.\n(٥) التقريب ص٣٦٨.","vol":"1","page":278},{"text":"وقد تابعه على الوصل جماعة هم:\nالسري بن عبد الله السلمي، وعبد النور بن عبد الله بن سنان، وحميد بن الأسود، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير وغيرهم (١) .\nوقال الترمذي بعد روايته لهذا الحديث عن عبد الوهاب الثقفي، وتابعه إبراهيم بن أبي حية (٢) ولم يصح هنا أن تقبل زيادة عبد الوهاب الثقفي ومن تابعه في وصل هذا الحديث، لأنهم خالفوا من هو أوثق وأثبت منهم في هذا.\nوهم: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وابن جريج، والدراوردي، وإسماعيل بن جعفر، وعبد الله بن جعفر، فكل هؤلاء رووه مرسلًا (٣) .\nتنبيه: لقد خالف بعض الأئمة النقاد في هذا الحكم ورجحوا الرواية المتصلة على المرسلة فمن هؤلاء الدارقطني – ﵀ – فقد قال بعد روايته طريق الثقفي ومن تابعه:\n\"والحكم يوجب أن يكون القول قولهم، لأنهم زادوا وهم ثقات وزيادة الثقة مقبولة\" (٤) .\nوقال الشافعي والبيهقي: \"عبد الوهاب وصله وهو ثقة\" (٥) .\nولقد صحح حديث جابر الموصول أبو عوانة وابن خزيمة أيضًا (٦) .\nوليس المقام هنا مقام مناقشة هؤلاء الأئمة فيها ذهبوا إليه، وإنما القصد بيان أنه ليس لإمام البخاري طريقة مطردة في ترجيح الوصل على الإرسال أو العكس، وإنما الأمر تابع للقرائن دون مجرد الاكتفاء بالنظر في ظاهر الإسناد وأحوال الرجال.\n_________\n(١) العلل للدارقطني: ج٣ ص٩٤ – ٩٨.\n(٢) العلل الكبير ص٢٠٢.\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) المصدر نفسه.\n(٥) تحفة الأحوذي: ج٢ ص٢٨١.\n(٦) المرجع نفسه.","vol":"1","page":279},{"text":"وإن كنت أميل إلى ما رجحه البخاري والترمذي وأبو حاتم وأبو زرعة بتصويب الحكم بالإرسال ي هذا الحديث على الوصل، للقرائن السابقة والكل مأجور على اجتهاده، والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>المطلب الثاني: الاختلاف في الرفع والوقف</span>\nقد يختلف الرواة فيما بينهم فيرفع أحدهم حديثًا ويقفه الآخر أو العكس. وقد سبق في كلام الأئمة ما يفيد أنه لا يحكم في هذه المسألة بحكم كلي مطرد من تقديم الرفع على الوقف على اعتبار أن الرفع زيادة من الثقة فتقبل كما ذهب إليه كثير من المتأخرين، وإنما الأمر دائر مع القرائن والمرجحات فتارة يرجع الوقف وتارة يرجح الرفع، وهذه أمثلة من صنيع الإمام البخاري توضح هذا الأمر.\nأمثلة لأحاديث رجح فيها البخاري الرفع على الوقف:\nالمثال الأول:\nقال الإمام البخاري \"حدثنا أحمد بن يونس حديثنا ابن أبي ذنب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"إنكم ستحرصون على الإمارة وتكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة\".\nوقال محمد بن بشار: حدثنا عبد الله بن حمران حدثنا عبد الحميد بن جعفر بن سعيد المقبري عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة قوله\" (١) .\nوقد ذكر الإمام الدارقطني - ﵀ - هذا الحديث في كتابه \"التتبع\" فقال:\n_________\n(١) الجامع الصحيح، كتاب الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة حديث رقم (٧١٤٨) ج١٣ ص١٣٣.","vol":"1","page":280},{"text":"\"وأخرج البخاري حديث ابن أبي ذنب عن سعيد عن أبي هريرة: \"سترحصون على الإمارة وتكون خزي وندامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة\".\nوقد رواه عبد الحميد بن جعفر بن سعيد المقبري عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة موقوفًا غير مرفوع\" (١) .\nفالدارقطني – ﵀ – ذكر الخلاف الذي ذكره البخاري ولم يحكم بشيء.\nوالخلاف هنا بين ابن أبي ذنب (٢) وعبد الحميد بن جعفر (٣) فقد اختلفا عن شيخهما سعيد المقبري قابن أبي ذنب يرفع الحديث إلى النبي ﷺ وعبد الحميد زاد فيه رجلًا ووقفه على أبي هريرة.\nوالإمام البخاري رجح هنا رواية ابن أبي ذنب على رواية عبد الحميد بن جعفر لأنه روى الأولى مسندة تامة، ثم عقبها بالرواية الثانية.\nقال الحافظ – ﵀ -:\n\"وابن أبي ذئب أتقن من عبد الحميد وأعرف بحديث المقبري منه، فروايته هي المعتمدة، وعقبه البخاري بطريق عبد الحميد إشارة منه إلى إمكان تصحيح القولين\" (٤) .\nفالترجيح هنا رواية ابن أبي ذنب باعتبار أنه أتقن واثبت وأعرف بحديث المقبري من عبد الحميد بن جعفر.\n_________\n(١) التتبع ص١٣٥ – ١٣٦.\n(٢) ابن أبي ذنب: هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة ن أبي ذنب، أبو الحارث المدني العامري، أحد فقهاء الأمة. مات بالكوفة سنة (٥١٥٩) ترجمته في التذكرة ج١ ص١٩١ وتهذيب التهذيب: ج٩ ص٣٠٣، والتقريب ص٤٩٣.\n(٣) عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصار، أي صدوق رمي بالقدر، وربما وهم، مات سنة ثلاث وخمسين. روى له البخاري تعليقًا ومسلم وسائر الجماعة (التقريب ص٣٣٣) .\n(٤) الفتح: ج١٣ ص١٣٤.","vol":"1","page":281},{"text":"قال ابن معين: \"أثبت الناس في سعيد ابن أبي ذئب\" (١) .\nوقال ابن المديني: \"الليث وابن أبي ذئب ثبتان في حديث سعيد المقبري\" (٢) .\nوقد مال الحافظ إلى أن البخاري يشير إلى إمكان تصحيح الروايتين معًا، وذكر لذلك أوجهًا كلها مبنية على مجرد الاحتمال والتجويز العقلي.\nقال – ﵀ -: \"فلعله كان عند سعيد عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة موقوفًا، على ما رواه عبد الحميد، وكان عنده عن أبي هريرة بغير واسطة مرفوعًا، إذ وجدت عند كل من الروايتين عن سعيد زيادة، ورواية الوقف لا تعارض رواية الرفع لأن الراوي قد ينشط فيسند وقد لا ينشط فيقف\" (٣) .\nإن احتمال وجود هذا الحديث عن سعيد مرفوعًا وموقوفًا احتمال ضعيف، لأن مبنى هذا الاحتمال على رواية هذا عبد الحميد وهي مخالفة لرواية من هو أثبت وأتقن وأعرف منه بحديث سعيد، فتكون روايته خاطئة وشاذة، ومما يقوي الخطأ في روايته أنه زاد فيها رجلًا لم يذكره ابن أبي ذنب.\nوقول الحافظ \" إذا وحدت عند كل من الروايتين زيادة\" لا يبرر قبول زيادة عبد الحميد في الإسناد رجلًا، والواقع أن ابن أبي ذئب حدث كما سمع ولم يزد شيئًا وإنما عبد الحميد هو الذي زاد ونقص.\nوعلى التسليم بقبول زيادة ابن أبي ذنب الرفع في هذا الحديث، لا يبرر قبول زيادة عبد الحميد رجلًا في الإسناد، لأنه ليس عنده من الوثاقة والحفظ ما يرشحه لقبول زيادته، وخاصة وقد خالف فيها من هو أثبت منه وأحفظ.\n_________\n(١) تهذيب التهذيب: ج٤ ص٤٠.\n(٢) شرح العلل ص٢٦٣.\n(٣) الفتح: ج١٣ ص١٣٤.","vol":"1","page":282},{"text":"وقول الحافظ: \"ورواية الرفع لا تعارض رواية الوقف\".\nكلا بل الوقف يعارض الرفع، لأن الوقف معناه أن الحديث من قول الصحابي، والرفع معناه من قول النبي ﷺ فكيف يكون الحديث الواحد بالإسناد الواحد قولًا للصحابي وقولًا للرسول ﷺ في آن واحد.\nثم قال الحافظ: \"لأن الراوي قد ينشط فيسند، وقد لا ينشط فيقف\". ليس هذا فحسب بل هناك أسباب أخرى منها:\n- أن الراوي قد يخطئ ويهم، فيرفع ما يقفه غيره، أو يقف ما يرفعه غيره.\n- ومنها أن الراوي قد يشك فيقف الحديث وهذا دأب كثير من الثقات فإنهم إذا شكوا في الحديث وقفوا أو أرسلوه، والظاهر هنا في هذا الحديث أن عبد الحميد أخطأ في وقفه، والله تعالى أعلم.\nالمثال الثاني:\nقال البخاري – ﵀ -:\n\" حدثنا مطر بن الفضل حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا العوام، حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي قال: سمعت أبا بريدة واصطحب هو يزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بريدة: سمعت أبا موسى مرارًا يقول: قال رسول الله ﷺ: \"إذ مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا\" (١) .\nوقد ذكر الحافظ الدارقطني هذا الحديث في \"التتبع\" وبين الاختلاف في رفعه ووقفه فقال: \"وأخرج البخاري حديث العوام بن حوشب عن إبراهيم السكسكي عن أبي بريدة عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: \"إذا\n_________\n(١) الجامع الصحيح، كتاب الجهاد والسير، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة حديث رقم (٢٩٩٦) ج٢ ص١٥٨ (مع الفتح) .","vol":"1","page":283},{"text":"مرض العبد أو سافر كتب له مثل يعمل صحيحًا مقيمًا\" لم يسنده غير العوام، وخالفه مسعر: رواه عن إبراهيم السكسكي عن أبي بردة قوله ولم يذكر أبا موسى ولا النبي ﷺ (١) .\nوقد أجاب الحافظ عن انتقاد الدارقطني وبين القرائن التي من أجلها رجح البخاري رواية العوام المسندة المرفوعة على رواية مسعر الموقوفة فقال:\n\"مسعر أحفظ من العوام بلا شك، إلا أن مثل هذا لا يقال بالرأي فهو في حكم المرفوع، وفي السياق قصة تدل على أن العوام حفظه، فإن فيه اصطحب يزيد بن أبي كبشة، وأبو بردة في سفر فكان يزيد يصوم في السفر فقال له أبو بردة: أفطر فإني سمعت أبا موسى مرارًا فذكره. وقد قال أحمد بن حنبل: إذا كان في الحديث قصة دل على أن رواية حفظه، والله أعلم\" (٢) .\nفالقرائن المعتمدة في ترجيح الرفع هي ما يلي:\n١- إن هذا الحديث ليس من بل الرأي فيعطي حكم الرفع ز\n٢- في الحديث قصة تدل على أن العوام حفظ الرفع في هذا الحديث.\nفالترجيح لم يكن لمجرد أحوال الرجال لأن مسعرًا (٣) أحفظ من العوام (٤) فلو كان الترجيح لمجرد حال الإسناد لكان الحكم لرواية مسعر لكن لوجود هذه القرائن رجحت رواية العوام وإن كان دون مسعر في الحفظ.\n_________\n(١) التتبع ص١٦٥.\n(٢) هدي الساري ص٣٨٢.\n(٣) العوام بن حوشب بن يزيد الشيباني، أبو عيسى الواسطي، ثقة ثبت فاضل، مات سنة (١٤٨هـ) رواه له الجماعة، ترجمته في التقريب ص٤٣٣.\n(٤) مسعر بن كدام، بكسر أوله وتخفيف ثانيه، ابن ظهر الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل، مات سنة (١٥٣هـ) روى له الجماعة، ترجمته في التقريب ص٥٢٨.","vol":"1","page":284},{"text":"أمثلة لأحاديث رجح فيها البخاري الوقف على الرفع:\nهناك أمثلة كثيرة لأحاديث رجح فيها الإمام البخاري الوقف على الرفع، لقرائن معتبرة منها الأحفظية أو كثرة العدد أو غيرها، وفيما يلي مثالين على ذلك:\nالمثال الأول:\nما رواه أبو كريب، حدثنا يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: \"صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل\" (١) .\nقال الترمذي في علله الكبير:\n\" سألت محمد عن هذا الحديث فقال: رواه إسرائيل عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا\" (٢) .\nوقال الترمذي في جامعة:\n\" وحديث أبي حصين، عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ غريب\" (٣) .\nفهذا الحديث اختلف فيه أبو بكر بن عياش (٤) مع إسرائيل (٥) فالأول رفعه إلى النبي ﷺ والثاني وقفه على أبي هريرة.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي، في أبواب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة في مرابض الغنم وأعطان الإبل رقم (٣٤٩) ج١ ص٢٨٢ (مع التحفة)، ورواه ابن خزيمة رقم (٧٩٦) .\n(٢) العلل الكبير ص٨٧.\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي المقرئ، مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، واختلف في اسمه على عشرة أقوال، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح. مات سنة (١٩٤هـ) روى له الجماعة، ترجمته في التقريب ص١٠٤.\n(٥) هو إسرائيل بن يوسف بن إسحاق السبيعي تقدمت ترجمته.","vol":"1","page":285},{"text":"وقد رجح البخاري – ﵀ – رواية إسرائيل الموقوفة، على رواية أبي بكر بن عياش المرفوعة مما يخشى أن يكون أبو بكر بن عياش وهم فيه لأنه لما كبر ساء حفظه.\nالمثال الثاني:\nما رواه إبراهيم بن سعيد، حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ رخص في الحجامة للصائم (١) .\nقال الترمذي – ﵀ -:\n\" سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: حديث إسحاق الأزرق، عن سفيان هو خطأ\" (٢) .\nوهذا يبين أنا الإمام الترمذي حكم على الرواية المرفوعة بالوهم.\nثم قال الترمذي: \"وحديث أبي المتوكل عن أبي سعيد موقوفًا أصح، هكذا روى قتادة وغير واحد عن أبي المتوكل عن أبي سعيد قوله.\nحدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا ابن علية، عن حميد (وهو الطويل) عن أبي المتوكل عن أبي سعيد مثله ولم يرفعه\" (٣) .\nوقال البزار: لا نعلم أحدًا رفعه إلا إسحاق (٤) عن الثوري.\n_________\n(١) أخرجه البزار (كشف الأستار عن زوائد البزار ١٠١٢)، وابن خزيمة رقم (١٩٧٦) و(١٩٦٨) و(١٩٦٩) و(٢٠٠٥) .\n(٢) العلل الكبير ص١٢٦.\n(٣) المصدر نفسه.\n(٤) هو إسحاق بن يوسف بن مرداس المخزومي الواسطي، المعروف بالأزرق، ثقة من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين وله ثمان وسبعون (التقريب ١٠٤) .","vol":"1","page":286},{"text":"وقال ابن خزيمة: إنما هو من قول أبي سعيد الخدري لا عن النبي ﷺ فهذا الحديث قد رواه قتادة (١) وحميد الطويل (٢) وغيرهما من الثقات عن أبي المتوكل عن أبي سعيد موقوفًا عليه.\nفالإمام البخاري حكم على الرواية المرفوعة بالخطأ لأنها مخالفة لرواية جامعة من الحفاظ.\nولم يتفرد الإمام البخاري بهذا الحكم فقد تبعه عليه كل من الإمام الترمذي –﵀- والبزار وابن خزيمة وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين.\nقال ابن أبي حاتم: \"سألت أبي عن حديث رواه معتمر ابن سليمان عن حميد الطويل عن أبي المتوكل عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ كان يرخص في الحجامة والمباشرة للصائم.\nفقال (أبو حاتم، وأبو زراعة): هذا خطأ إنما هو عن أبي سعيد قوله، رواه قتادة وجماعة من الحفاظ عن حميد عن أبي المتوكل عن أبي سعيد قوله.\nقلت: إن إسحاق الأرزق، رواه عن الثوري عن حميد عن أبي المتوكل عن أبي سعيد عن النبي ﷺ.\nقالا: وهم إسحاق في الحديث.\nقلت: قد تابعة معتمر.\nقالا: وهم فيه أيضًا معتمر\" (٣) .\nفي الأمثلة السابقة أمكن ترجيح الرفع على الوقف أو العكس حسب القرائن والمرجحات، لكن هناك أحاديث تختلف في الرفع والوقف، فيرجح\n_________\n(١) رواية قتادة أخرجها البزار من طري شعبة \"كشف الأستار\" ج١ ص٤٧٦ – ٤٧٧.\n(٢) رواية حميد الطويل أخرجها أيضًا البزار من طريق حماد بن سلمة \"كشف الأستار\" (١٠١٣) وأوردها الترمذي في علله الكبير من طريق ابن علية ص١٢٦.\n(٣) علل الحديث: رقم (٦٧٦) .","vol":"1","page":287},{"text":"بعض النقاد الوقف، بعضهم يرجع الرفع ويرجح آخرون صحة الطرفين معًا.\nوأضرب لذلك مثلًا من صنيع الإمام البخاري – ﵀ -.\nحديث الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ: \"من باع عبدًا \" فهذا الحديث اختلف فيه على ابن عمر. فسالم يرويه هكذا: \"من باع عبدًا، وله مال، فماله للمبتاع، ومن باع نخلًا مؤبرًا فتمره للبائع إلا أن يشترط المبتاع\" (١) .\nبينما نافع يقول عن ابن عمر قال: \"من باع عبدًا، وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المباع \" (٢) فقد اتفقنا – ﵄ – على رفع ما جاء في النخل أما ما جاء في العبد فقد اختلفا في رفعه ووقفه فرفعه سالم، ووقفه نافع.\nوقد ذكر الترمذي أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: \"سألت محمدًا عن هذا الحديث وقلت له: حديث الزهري عن سالم عن أبيه، عن النبي ﷺ: \"من باع عبدا \" وقال نافع ابن عمر عن عمر، أيهما اصح.\nفقال: إن نافع يخالف سالمًا في أحاديث، وهذا من تلك الأحاديث. وروى سالم عن أبيه عن النبي ﷺ وقال نافع عن ابن عمر عن عمر كأنه رأى الحديثين صحيحين، أنه يحتمل عنهما جميعًا\" (٣) .\nفهذا النص من الإمام الترمذي يفيد إمكان صحة الحديثين جمعيًا عند الإمام البخاري، لكن ذكر الترمذي في جامعه عند رواية هذا الحديث.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الشرب والمساقاة، بل الرجل يكون أن ممرًا أو شرب في حائط أو في نخل، حديث رقم (٢٣٧٩) ج٥ ص٦٠ (مع الفتح)، ومسلم في صحيحه ج٥ ص١٧، وأبو داود (٣٤٣٣) وابن ماجه (٢٣١١) والنسائي (٤٦٥٠) .\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب من باغ نخلًا قد أبرت رقم (٢٢٠٣) ج٤ ص٤٦٩، ورواه ملك في الموطأ وعبد الرزاق في مصنفه (١٤٦٢٣) .\n(٣) العلل الكبير ص١٨٥.","vol":"1","page":288},{"text":"\" وقال محمد بن إسماعيل البخاري، حديث الزهري، عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ أصح\" (١) .\nفهذا النص يفيد أن البخاري يرجح رواية سلالم وهو معارض للنص الأول الذي يفيد صحة الروايتين معًا.\nوالذي يظهر لي أن الإمام البخاري كان يرى صحة طريق سالم كما يراه بعض الأئمة كما سيأتي ثم تراجع عن ذلك ورأي صحة الطريقين معًا، ومما يزيد هذا الاحتمال أن النص الذي يفيد صحة الطريقين، جاء في \"العلل الكبير\" ومعلوم أن الترمذي ألفه بعد جامعه، بل جرده وأفرده منه حتى إن كثيرًا من العلماء يسميه بـ \"العلل المفردة\".\nأما بالنسبة لصنيع الإمام البخاري في صحيحه فلا يستبعد منه أيضًا أنه يرى صحة الطريقين معًا، إذا إنه ذكر رواية سالم مسنده مرفوعة في كتاب الشرب والمساقاة (٢) ثم ذكر عقبه: وعن مالك عن نافع عن ابن عمر في العبد.\nوأما رواية نافع عن ابن عمر فقد أخرجها في كتاب البيوع، باب إذا باع نخلًا قد أبرت (٣) وباب بيع النخل بأصله (٤) في كتاب الشروط باب إذا باع نخلًا قد أبرت (٥) .\nفهذا الحديث قد اختلف فيه نظر النقاد فمنهم من رجح رواية سالم، ومنهم من رجح رواية نافع، ومنه من يرى صحة الطرفين معًا.\nوهو أحد الأحاديث الأربعة التي اختلفت فيها نافع مع سالم، وقفها\n_________\n(١) كتاب البيوع، باب ما جاء ي ابتياع النخل بعد التأبير، والعبد وله مال: ج٢ ص٢٤٣ (مع التحفة) .\n(٢) الجامع الصحيح (مع الفتح): ج٥ ص٦٠.\n(٣) المصدر نفسه ج٤ ص٤٦٩.\n(٤) المصدر نفسه ج٤ ص٤٨١.\n(٥) المصدر نفسه ج٥ ص٣٦٩.","vol":"1","page":289},{"text":"نافع ورفعها سالم (١) فمن الأئمة من رجح أحدهما على الآخر فيها ومنهم من لم يرجح أحدهما على الآخر ومن هؤلاء الإمام أحمد فقد سئل – فيما نقله عنه المروزي – إذا اختلف فلأيهما تقضي؟ قال: كلاهما ثبت، ولم ير أن يقضي لأحدهما على الآخر (٢) ونقل عثمان الدرامي عن ابن معين نحوه (٣) .\nأما بالنسبة لخصوص هذا الحديث فقد رجح جماعة من العلماء رواية نافع منهم مسلم والنسائي (٤) .\nوالإمام أحمد رجح في هذا الحديث قول نافع فيما نقله عنه المروزي (٥) .\nوكذلك رجح الدارقطني رواية نافع، قال – ﵀ – بعد أن ساق رواية سالم وقال نافع:\n\" قال النسائي: سالم أجل في القلب والقول قول نافع\" (٦) .\nومقتضى هذا أن رواية سالم في رفع العبد وهم عندهم.\nوأما القرائن التي رجح بها هؤلاء النقاد رواية نافع وحكموا على سالم بالوهم، فتمثل فيما يلي:\n١- إن نافعًا ميز بين المرفوع والموقوف مما يدل على حفظه.\n٢- إن سالمًا سلك فيه الجادة.\nقال الحافظ السخاوي – ﵀ -: \"وكان سبب حكمهم عليه بذلك (أي بالوهم) كون سالم أو من دونه سلك الجادة، فإن العادة في الغالب أن\n_________\n(١) انظر هذه الأحاديث في شرح العلل ص٢٥٩.\n(٢) المصدر نفسه.\n(٣) المصدر نفسه.\n(٤) نقل عنهم ذلك البيهقي في سننه (٥/٣٣٥) والحافظ في الفتح (٤/٤٧٠) .\n(٥) شرح العلل ص٢٥٩.\n(٦) التتبع ص٢٩٤.","vol":"1","page":290},{"text":"الإسناد إذا انتهى إلى الصحابي قيل بعده عن رسول الله ﷺ فلما جاء هنا بعد الصحابي ذكر صحابي آخر والحديث من قوله كان ظنًا غالبًا على أن ضبطه هكذا أتقن ضبطًا\" (١) .\nوهناك من النقاد من رجح رواية سالم من هؤلاء:\nابن المديني فيما حكاه الترمذي في جامعه وابن عبد البر (٢) .\nوكذلك صححها بعض المتأخرين كالنووي والداودي وغيرهما.\nقال النووي: \"لم تقع هذه الزيادة في حديث نافع عن ابن عمر، ولذلك لا يضر فإن سالمًا ثقة، بل هو أجل من نافع فزيادته مقبولة\" (٣) .\nونقل ابن التين عن الداودي: \"هو وهم من نافع والصحيح ما رواه سالم مرفوعًا في العبد والثمرة\" (٤) .\nقال ابن التين معقبًا على قول الداودي: \"لا أدري من أين أدخل الوهم على نافع، مع إمكان عمر أن يكون قال ذلك على جهة الفتوى مستندًا إلى ما قاله النبي ﷺ وقد سبق نقل الترمذي عن البخاري تصحيح الطريقين معًا (٥) .\nوعلى كل ليس القصد الخروج بحكم فاصل في هذا الحديث – وإن كنت أميل إلى إمكان تصحيح الروايتين معًا – ولكن القصد بيان أن نقاد الحديث قد تختلف أنظارهم واجتهاداتهم في ترجيح الوقف على الرفع أو العكس أو تصحيح الطريقين معًا.\n_________\n(١) فتح المغيث: ج١ ص٢٤٧.\n(٢) انظر الفتح: ج٤ ص٤٧٠، والاستذكار: ج١٩ ص٢٩.\n(٣) نقله الحافظ في الفتح: ج٥ ص٦٣.\n(٤) الفتح: ج٥ ص٦٣.\n(٥) العلل الكبير ص١٨٥.\nود وهم الحافظ في الفتح (٥/٦٣) فذكر أن الترمذي نقل في الجامع عن البخاري تصحيح الروايتين، ونقل عنه في \"العلل\" ترجيح قول سالم، والصواب أنه نقل تصحيح الروايتين في \"العللط وترجيح قول سالم في الجامع، وقد نقل كلام الحافظ هنا الشيخ مقبل في تعليقه على التتبع (ص٢٩٥) ولم ينبه عليه والله أعلم.","vol":"1","page":291},{"text":"بل قد يحصل أن الناقد الواحد يختلف اجتهاده من حين إلى آخر، كما وقع للبخاري في هذا الحديث.\nوالنتيجة التي نستخلصها في هذا المطلب أنه ليس للإمام البخاري حكم مطرد في مسالة اختلاف الرفع والوقف فتارة يرجح الوقف وتارة يرجح الرفع، وتارة يصحح الطرفين معًا، بحسب القرائن ظهورًا وخفاءً والله أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>المطلب الثالث: الاختلاف في تسمية شيخ الراوي</span>\nقد يختلف الرواة فيما بينهم في تسمية من روى عنه شيخهم، أو من فوقه فيكون الترجيح بينهم خاضعًا للقرائن بغض النظر عن أحوالهم.\nمثال ذلك، ما رواه البخاري في صحيحه قال: \"حدثنا عياش بن الوليد أخبرنا عبد الأعلى حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج\" قالوا: يا رسول الله أيما هو؟ قال: \"القتل القتل\".\nوقال شعيب، ويونس، والليث، وابن أخي الزهري، عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة\" (١) .\nوقد ذكر الإمام الدارقطني هذا الحديث في كتابه \"التتبع\" وأشار إلى ترجيح رواية من خالف معمرًا فقال:\n\"أخرج البخاري حديث عبد الأعلى عن معمر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يتقارب الزمان، ويلقى الشح،\n_________\n(١) كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، حديث رقم (٧٠٦١) ج١٣ ص١٦ (مع الفتح)، ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شبية عن عبد الأعلى به ج١٦ ص٣٢٢ (مع شرح النووي) .","vol":"1","page":292},{"text":"وتظهر الفتن، ويكثر الهرج\" وقد تابع حماد بن زيد عبد الأعلى، وقد خالفهما عبد الرزاق فلم يذكر أبا هريرة وأرسله.\nويقال إن معمرًا حدث به بالبصرة من حفظه بأحاديث وهم في بعضها، وقد خالفه فيه شعيب، ويونس، والليث بن سعد، وابن أخي الزهري، رووه عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، وقد أخرجا جميعًا حديث حميد أيضا\" (١) .\nوقال الحافظ ابن حجر مبينًا قول البخاري: (وقال شعيب، ويونس والليث وابن أخي الزهري عن حميد عن أبي هريرة) .\n\" يعني أن هؤلاء الأربعة خالفوا معمرًا في قوله عن الزهري عن سعيد فجعلوا شيخ الزهري حميدًا لا سعيدًا، وصنيع البخاري يقتضي أن الطريقين صحيحان، فإنه وصل طريق معمر هنا، ووصل طريق شعيب في كتاب الأدب، وكأنه رأى أن ذلك لا يقدح لأن الزهري صاحب حديث فيكون عنده عن شيخين، ولا يلزم من ذلك اطراده في كل من اختلف عليه في شيخه، إلا أن يكون مثل الزهري في كثرة الحديث والشيوخ، ولولا ذلك لكانت رواية يونس، ومن تابعة أرجح. وليست رواية معمر مدفوعة عن الصحة لما ذكرته\" (٢) .\n\nفواضح مما سبق ذكره من كلام الدارقطني: أن معمرًا يروي هذا الحديث عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وهذا الطريق محفوظ عنه إذ رواه اثنان من أصحابه هما: حماد بن زيد، وعبد الأعلى.\nويعتبر طريق عبد الرزاق المرسل وهم منه، إذ إنه خالف فيه من هم أكثر وأحفظ. أي أن معمرًا كان يروي هذا الحديث مسندًا غير مرسل، والإرسال وهم يلزق بعبد الرزاق.\nإذن لم يكن معمر يسنده تارة ويرسله تارة، كما فهم ذلك الشيخ مقبل\n_________\n(١) التتبع ص١٢١.\n(٢) فتح الباري: ج١٣ ص١٨.","vol":"1","page":293},{"text":"–حفظه الله- في تعليقه على التتبع (١) وجعل هذا قرينة لتعليل رواية معمر، أي أنه اضطرب فيه فتارة كان رسله وتارة يسنده.\nومن القرائن التي اعتمد عليها أيضًا لتعليل رواية معمر، وهو أن معمرًا كان تارة يحدث به عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وتارة يحدث به عن همام عن أبي هريرة (٢) .\nوهذه القرينة – فيما أرى – غير صحيحة، وذلك لأن الحديث الذي يرويه معمر عن همام عن أبي هريرة، هو حديث آخر مخالف لهذا الحديث في نصه.\nوهذا نصه كما في صحيح مسلم: \"حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى تقتل فئتان عظيمتان، وتكون مقتلة عظيمة دعواهما واحدة\" (٣) .\nفهذا كما ترى حديث آخر مختلف عن الأول في متنه وسنده، فلا يصح أن نقول إن معمرًا كان يرويه تارة عن سعيد عن أبي هريرة، وتارة يرويه عن همام عن أبي هريرة، إذن فما هي القرائن التي تفيد ترجيح رواية شعيب ومن معه على رواية معمر؟\nهذه القرائن أشار إليها الدارقطني – ﵀ – وهي:\n١- إن معمرًا حدث بهذا الحديث بالبصرة، وكان قد وهم في بعض أحاديثه التي حدث بها هناك، لأنه كان يحدثهم بالبصرة من حفظه.\n٢- ومما يقوي أن الوهم من معمر أنه خالف هذا العدد من الرواة، وكلهم من الثقات وهم: شعيب، ويونس، والليث، وابن أخي\n_________\n(١) التتبع ص١٢٢ (مع الحاشية) .\n(٢) المصدر نفسه.\n(٣) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب إذا تواجه المسلمان بسيفهما، حديث رقم (٢٢١٤) ج٤ ص١٥٧.","vol":"1","page":294},{"text":"الزهري، وهؤلاء كلهم قد اتفقوا في سنده، ويروونه عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، فهذا العدد أولى بالحفظ من الراوي المنفرد، ولو كان ثقة.\nثم قال الدارقطني: وقد أخرجا جميعًا حديث حميد\".\nيشير بذلك إلى أن حديث حميد متفق على صحته، إذا أخرجه البخاري ومسلم.\nأما حديث سعيد فقد رواه البخاري وأشار إلى علته، وكذلك صنع الإمام مسلم في صحيحه، فقد أورد طرق هذا الحديث في كتاب العلم من صحيحه (١) .\n١- قال: حدثنا حرملة بن يحيى أخبرنا بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يتقارب الزمان\".\n٢- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"يتقارب الزمان ويقبض العلم\" ثم ذكر مثل حديثهما.\nفواضح أن الإمام مسلم لما ذكر طرق هذا الحديث عن الزهري قدم حديث يونس ثم حديث شعيب لأنهما الأصح ثم ذكر في آخر الباب حديث معمر إشارة إلى تعليمه، لأن هؤلاء أحفظ واتفقوا على سنده.\n_________\n(١) كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضة وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، ج٤ ص٢٠٥٧.","vol":"1","page":295},{"text":"وقد صرح الإمام الدارقطني أيضًا في علله، بتعليل حديث معمر حيث قال: \"حديث يتقارب الزمان يرويه الزهري، واختلف عنه:\nفرواه معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.\nوخالفه يونس بن يزيد وإسحاق بن يحيى: فروياه عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.\nوكذلك قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، والمحفوظ حديث حميد\" (١) .\nإذًا تأكدنا من خلال هذه القرائن من صحة حديث شعيب ويونس ومن وافقهما، وخطأ حديث معمر.\nلكن هل البخاري يصحح الطريقين معًا؟ كما نص عليه الحافظ لما قال: \"وصنيع البخاري يقتضي أن الطريقين صحيحان، فإنه وصل طريق معمر هنا، ووصل طريق شعيب في كتاب الأدب \".\nالظاهر أن الإمام البخاري ذكر طريق معمر معللًا لها، ولا يقتضي أنه لما وصلها أنه يصححها لأنه ذكر الخلاف عقبها، فهذا الخلاف مع انضمام القرائن السابقة يقدح في صحة رواية معمر أما طريق شعيب فلا غبار على صحتها سواء أوصلها أم أشار إليها.\nوقول الحافظ: \"كأنه ذلك لا يقدح لأن الزهري صاحب حديث، فيكون عنده عن الشيخين \".\nهذا كله مبني على التجويز العقلي المجرد، والقرائن السابقة تدل على بطلانه.\n_________\n(١) علل الدارقطني: ج٣ ص٨٠.","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>المطلب الرابع: الاختلاف في زيادة راو في الإسناد وحذفه</span>\nقد يجئ الحديث الواحد من طريقين، ولكن في أحدهما زيادة راو، ليس هو في الطريق الأخرى، فتارة يحكم النقاد على أن الزيادة راجحة، بكثرة الراوين لها أو بضبطهم وإتقانهم أو غيرها من القرائن، وتارة يحكم بأن راوي الزيادة وهم فيها، تبعًا للقرائن والمرجحات، وأحيانًا يظهر صواب الطريقين، وصحة الوجهين الزائد والناقص على حد سواء، وفي أحيان أخرى يتوقف الناقد في ترجيح إحدى الطريقين على الأخرى أو الحكم بصحتها معًا.\nفالأئمة النقاد ليس لهم عمل مطرد في الحكم على هذا النوع من الاختلاف من الرواة.\nوسأذكر فيما يلي نماذج وشواهد من صنيع الإمام البخاري توضح كل حالة من الحالات الأربع السابقة.\nالحالة الأول: ترجيح الناقصة والحكم على الزيادة بالوهم.\nالمثال الأول:\nحديث خزيمة بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ: \"في الاستطابة ثلاثة أحجار ليس فيه رجيع\".\nرواه عبده عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة المدني، عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة بن ثابت (١) .\nوقال وكيع عن هشام، عن أبي خزيمة، عن عمارة بن خزيمة (٢)، عن خزيمة بن ثابت (٣) .\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده: ج٥ ص٢١٣ و٢١٤، والدرامي (٦٧٧)، وأبو داود (٤١) .\n(٢) هو عمرو بن خزيمة، مقبول من السادسة، د ق (التقريب ص٤٢١) .\n(٣) أخرجه الحميدي (٤٣٣) وأحمد: ج٥ ص٢١٣، وابن ماجه (٣١٥) .","vol":"1","page":297},{"text":"وقال أبو معاوية عن هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن سعد، عن عمر بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت (١) .\nقال الترمذي: \"سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: الصحيح، ما روى عبدة ووكيع، وأبو معاوية أخطأ في هذا الحديث إذ زاد عن عبد الرحمن بن سعد\" (٢) .\nوقال أبو زرعة – ﵀ -: \"الحديث حديث وكيع وعبدة\" (٣) .\nفهذا الحديث يرويه عبدة ووكيع، وأبو أسامة وابن نمير (٤) كلهم يقولون هشام بن عروة عن عمر بن خزيمة عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة بن ثابت.\nإلا أن أبا معاوية خالفهم في روايته إذ زاد عبد الرحمن بن سعد بين هشام بن عروة وعمرو بن خزيمة.\nإلا أن أبا معاوية خالفهم في روايته إذ زاد عبد الرحمن بن سعد بين هشام بن عروة وعمرو بن خزيمة.\nوقد حكم البخاري على رواية أبي معاوية بالوهم والخطأ وذلك لما يلي:\n١- أبو معاوية ضعيف في هشام بن عروة.\nقال الأثرم قلت لأبي عبد الله (أي الإمام أحمد): أبو معاوية صحيح الحديث عن هشام؟ قال: لا ما هو بصحيح الحديث عنه (٥) .\n٢- خالف من هو أكثر وأحفظ وأثبت في هشام.\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٣٧٢٤) .\n(٢) العلل الكبير ص٢٦.\n(٣) علل الحديث: رقم (١٣٩) .\n(٤) روايتي أبي أسامة وابن نمير أشار إليهما أبو داود في سننه: ج١ ص٧ حديث رقم (٤١) .\n(٥) شرح العلل ص٢٧١.","vol":"1","page":298},{"text":"قال الدارقطني – ﵀ -: \"أثبت الرواة عن هشام بن عروة: الثوري، ومالك، ويحيى القطان، وعبد الله بن نمير، والليث بن سعد\" (١) .\n٣- لأبي معاوية رواية (٢) يوافق فيها الحفاظ الأثبات عن هشام بن عروة مما يدل على وهمه في الرواية المخالفة لهم.\nلهذه القرائن حكم الإمام البخاري وغيره من النقاد على رواية أبي معاوية الزائدة بالوهم.\nالمثال الثاني:\nحديث أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﷺ:\"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها\".\nهذا الحديث يرويه الوليد بن مسلم (٣)، وعيسى بن يونس (٤)، وصدقة بن خالد (٥) كلهم عن بسر بن عبد الله عن واثلة بن الأسقع عن أبي مرثد.\nوخالفهم عبد الله بن المبارك فزاد يه أبا إدريس الخولاني بين بسر وواثلة (٦) وقد رجح الإمام البخاري الطريق الناقصة على الزائدة.\nقال الترمذي: \"سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: حديث الوليد بن مسلم أصح، وهكذا روى غير واحد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن\n_________\n(١) سؤالات ابن بكير للدارقطني.\n(٢) سنن أبي داود: ج١ ص٧ حديث رقم (٤١) .\n(٣) أخرجه أحمد: ج٤ ص١٣٥، ومسلم: ج٣ ص٦٢، والترمذي (١٠٥١) والنسائي: ج٢ ص٦٧ وابن خزيمة (٧٩٣) .\n(٤) أخرجها أبو داود في سننه (٣٢٢٩) .\n(٥) ذكر ذلك ابن أبي حاتم في علله حديث رقم (٢١٣) .\n(٦) أخرجه أحمد: ج٤ ص١٣٥، ومسلم: ج٣ ص٦٣، والترمذي (١٠٥٠) وابن خزيمة (٧٩٤) .","vol":"1","page":299},{"text":"جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن واثلة بن الأسقع.\nقال محمد: \"ويسر بن عبيد الله سمع من واثلة، وحديث ابن المبارك خطأ إذ زاد فيه عن أبي إدريس الخولاني\" (١) .\nولم ينفرد البخاري بهذا الحكم فقد وافقه فيه نقاد آخرون كأبي حاتم الرازي والدارقطني وغيرهما.\nقال ابن أبي حاتم: \"قال أبي: يرون أن ابن المبارك، وهم في هذا الحديث، أدخل أبا إدريس الخولاني بين بسر بن عبيد الله وبين واثلة.\nورواه عيسى بن يونس وصدقة بن خالد، والوليد بن مسلم، عن ابن جابر، عن بسر بن عبيد الله، قال: سمعت واثلة يحدث عن أبي مرثد الغنوي عن النبي ﷺ.\nقال أبو حاتم بسر قد سمع واثلة، وكثيرًا ما يحدث بسر عن أبي إدريس، فغلط ابن المبارك فظن أن هذا مما روي عن أبي إدريس عن واثلة، وقد سمع هذا الحديث بسر من واثلة نفسه، لأن أهل الشام أعرف بحديثهم\" (٢) .\nالحالة الثانية: ترجيح الطريق الزائدة والحكم على الناقصة بالوهم:\nالمثال الأول:\nحديث ابن عباس قال: مر رسول الله على قبرين فقال: \"إنهما ليعذبان\" (٣) .\n_________\n(١) العلل الكبير ص١٥١.\n(٢) علل الحديث رقم (٢١٣) .\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطهارة، باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله رقم (٢١٦) ج١ ص (٣٧٩) مع الفتح، وانظر الأرقام التالية (٢١٧) و(١٣٦١) و(١٣٧٨) و(٦٠٥٢) و(٦٠٥٥)، ومسلم ج١ ص١٢٦ وأبو داود (٢٠) وابن ماجه (٣٤٧) والترمذي (٧٠) والنسائي (٣١) وابن خزيمة (٥٦) وأحمد في مسنده ج١ ص٢٢٥، والدرامي (٧٤٥) .","vol":"1","page":300},{"text":"هذا الحديث قد ورد من طريقين:\nالطريق الأولى: منصور عن مجاهد عن عباس.\nالطريق الثانية: الأعمش عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس.\nفالطريق الأخيرة فيها زيادة طاووس فهل هذه الزيادة صحيحة أم لا؟\nقال الترمذي:\n\"سالت محمدًا عن حديث مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس مر رسول الله على قبرين.\nفقال: الأعمش يقول عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس.\nومنصور يقول: عن مجاهد عن ابن عباس، ولا يذكر فيه: عن طاووس.\nقلت أيهما أصح. قال: حديث الأعمش\" (١) .\nلكن الإمام البخاري خرج حديث منصور أيضًا في صحيحه فهل تغير اجتهاده أم أخرجه ليبين علته.\nذهب الحافظ ابن حجر إلى أنه يصح الطريق معًا، قال:\n\"وإخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما عندما، فيحمل على أن مجاهدًا سمعه من طاووس عن ابن عباس ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس\" (٢) .\nوقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في كتابه التتبع وحكى الخلاف فيه، ولم يحكم بشيء (٣) .\n_________\n(١) العلل الكبير ص٤٢.\n(٢) فتح الباري: ج١ ص٣٧٩.\n(٣) التتبع ص٣٣٤ – ٣٣٥.","vol":"1","page":301},{"text":"والظاهر من صنيع البخاري في صحيحه أنه كان يرى صحة الطريين إذ إنه أخرج طريق منصور الناقصة في كتاب الطهارة، باب الكبائر أن لا يستتر من بوله معتمدًا عليه وحده، ورواه أيضًا في كتاب الأدب، باب من الكبائر، معتمدًا عليه وحده.\nوأما طريق الأعمش فلا شك في صحتها لإطباق الشيخين على تخريجها وباقي الأئمة الستة، ثم حكم البخاري لطريق الأعمش، وذلك لتصريحه الذي نقله عنه الترمذي في علله الكبير، وكتاب العلل أصله مأخوذ من كتاب الجامع للترمذي، أي أنه صنف الجامع أولًا، وكان يسأل فيه البخاري عن العلل ثم أفرده عن الجامع، ولذلك يسميه البعض بـ\"العلل المفردة\" وجامع الترمذي كان بعد تصنيف صحيح البخاري، فيكون هذا النص متأخرًا وهو يقتضي ترجيح رواية الأعمش الزائدة.\nالمثال الثاني:\nحديث أبي هريرة – ﵁ – قال: قال النبي ﷺ \"إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب\".\nقال البخاري – ﵀ -:\n\"حدثنا عبد الله ابن يوسف: حدثنا الليث عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: قال النبي ﷺ: \"إذا زنت الأمة، فتبين زناها، فليلدها ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر\".\nتابعه إسماعيل بن أمية عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ\" (١) .\nوقد وقع في هذا الحديث اختلاف بين الرواة على أبي سعيد المقبري.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفي، رقم (٦٨٣٩) ج١٢ ص١٧١ (مع الفتح) .","vol":"1","page":302},{"text":"وحاصل هذا الاختلاف ما يلي:\nالليث يقول: عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وقد وافقه على زيادة \"أبيه\" محمد بن إسحاق\" (١) .\nوإسماعيل بن أمية يقول: عن سعيد عن أبي هريرة، وقد وافقه على حذف \"أبيه\" عبيد الله بن عمر العمري (٢) وأيوب بن موسى (٣) وأسامة بن زيد (٤) ومحمد بن عجلان، وعبد الرحمن بن إسحاق (٥) فأي الطريق اصح، الطريق الزائدة أم الناقصة، وما هي قرائن الترجيح.\nلقد انتقد هذا الحديث الحافظ الدارقطني في \"التتبع\" وذكر الخلاف ولم يحكم فيه بشيء.\nوالظاهر عند تأمل صنيع البخاري – ﵀ – أنه يرجح طريق الليث الزائدة وذلك لأنه أوردها متصلة معتمدًا عليها في أول الباب، ثم أورد طريق إسماعيل بن أمية تعليقًا، وهذه قاعدة منهجية عند الإمام البخاري، نبه إليها الحافظ – ﵀ – فقال:\n\" من عادة البخاري إذا كان في بعض الأسانيد التي يحتج بها خلاف على بعض رواتها، ساق الطريق الراجحة عنده مسندة متصلة، وعلق الطريق الأخرى إشعارًا بأن هذا الاختلاف يضر.\nإما أن يكون للراوي فيه طريقان فيحدث فيه تارة عن هذا، وتارة عن هذا، فلا يكون ذلك اختلافًا يلزم منه اضطراب يوجب الضعف.\n_________\n(١) روايته أخرجها الإمام مسلم في صحيحها كتاب الحدود، باب رجم اليهود وأهل الذمة في الزنى ج٣ ص١٣٢٨.\n(٢) المصدر نفسه.\n(٣) المصدر نفسه.\n(٤) المصدر نفسه.\n(٥) عزاها الحافظ في الفتح (ج١٢ ص١٧٢) إلى النسائي ولم أحدها في السنن الصغرى ولعلها في الكبرى.","vol":"1","page":303},{"text":"وإما أن لا يكون له فيه إلا طريق واحدة، والذي أتى عنه بالطريق الأخرى واهم عليه، ولا يضر الطريق الصيحة الراجحة، وجود الطريق الضعيفة المرجوحة\" (١) .\nوكذلك بالنسبة لصنيع الإمام مسلم في صحيحه فالظاهر منه أن يرجح طريق الليث الزائد على الطريق الناقصة. وذلك لأنه أوردها أولًا مصدرًا بها الباب ومعتمدًا عليها، ثم أورد بعدها الطريق الناقصة ليشير إلى الخلاف، ويبين العلة. وهذه الطريقة – ﵀ – في صحيحه فقد قال: \"ثم إنا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألت وتأليفه على شريطة سوف اذكرها لك وهو أن نعتمد إلى جملة ما اسند من الأخبار عن رسول الله ﷺ فنقسمها على ثلاثة أقسام ثلاثة طبقات من الناس على غير تكرار إلا أن يأتي موضع لا يستغني فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى، أو إسناد يقع إلى جنب إسناد، لعلة تكون هناك\" (٢) .\nولم ينفرد الشيخان بهذا، فقد سبقهما إلى تعليل الطريق الناقصة وترجيح الطريق الزائدة –الإمام ابن المديني ﵀ – حيث قال:\n\"حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ \"إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها\" رواه إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة.\nرواه عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد، قال: سمعت أبا هريرة، فنظرت فإذا سعيد لم يسمعه من أبي هريرة.\nورواه إسحاق والليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة.\nورواه أيوب بن موسى عن سعيد عن أبي هريرة.\n_________\n(١) النكت ص١٠٧.\n(٢) مقدمة صحيح مسلم ص٤.","vol":"1","page":304},{"text":"والحديث عندي حديث سعيد عن أبيه عن أبي هريرة.\nوحديث عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد قال: سمعت أبا هريرة يقول:.\nوهم وأخاف ألا يكون حفظه\" (١) .\nفالخلاف في هذا الحديث على سعيد المقبري، والنقاد رجحوا رواية الليث بناء على أنه أثبت أصحابه وأحفظ لحديثه فيقدم عند الخلاف.\nقال الإمام أحمد: \"اصح الناس عن سعيد المقبري: ليث بن سعد، يفصل ما روى عن أبي هريرة، وما رواه عن أبي عن أبي هريرة، وهو ثبت في حديثه جدًا\" (٢) .\nوقال ابن المديني: \"الليث وابن أبي ذنب: ثبتان في حديث سعيد المقبري\" (٣) .\nفلكون الليث اثبت أصحاب سعيد المقبري وخاصة أنه يميز بين ما رواه سعيد المقبري عن أبي هريرة مباشرة، وما يرويه عن أبي هريرة بواسطة \"أبيه\" قدم النقاد روايته المتصلة على الطريق الناقصة.\nالحالة الثالثة: ما يحكم فيه بصحة الطريقين معًا الزائدة والناقصة:\nأحيانًا يرد الحديث من طريقين إحداهما زائدة، والأخرى ناقصة من حيث السند، فيظهر عند الراوي بالوجهين ظهورًا بينًا، بتصريحه بذلك ونحوه، وتارة يكون الحكم بصحة الطريقين معًا بحسب الظن القوي الذي يكون عند الناقد، وفيما يلي أمثلة توضح ما ذكرت، من صنيع الإمام البخاري.\n_________\n(١) العلل ومعرفة الرجال ص٩٨ – ٩٩.\n(٢) شرح العلل ص٢٦٣.\n(٣) المصدر نفسه.","vol":"1","page":305},{"text":"المثال الأول:\nحديث المسيء صلاته، يرويه أبو هريرة، وهو يدور على الطرق التالية:\n١- يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة (١) .\n٢- عبد الله بن نمر عن عبد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة (٢) .\n٣- أبو أسامة بن عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة (٣) .\n٤- ابن وهب عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة (٤) .\n٥- عيسى ابن يونس عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة (٥) .\n_________\n(١) أخرجه البخاري، في كتاب الأذان، باب الوجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها..، رقم (٧٥٥) ج٣ ص٢٧٦ (مع الفتح)، ومسلم في كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة رقم (٣٩٤) ج١ ص٢٩٥، والنسائي في سننه ج٢ ص١٢٤ وأبو داود ج١ ص٢١٨، مع (عون المعبود) والترمذي ج١ ص٢٤٨ مع التحفة، وأحمد ج٣ ص١٢٤ (مع الفتح الرباني)، وأبو عوانة في صحيحه (٢/١٠٣) وابن حبان (٣/٨٣ مع الإحسان) والبيهقي أيضًا في جزء القراءة (ص١٣) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/٢٣٣) وأبو نعيم في الحلية (٨/٣٨٢) .\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب من رد فقال: عليك السلام، رقم (٦٢٥١)، ج١١ ص٣٨ (مع الفتح)، ومسلم (٣٩٧)، والترمذي (٣/٦٨٥) مع التحفة، وابن ماجه (١٠٦٠) والبيهقي في السنن الكبرى (٢/١٥) .\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان (٦٦٦٧) ج١١ ص٥٥، ومسلم (٣٩٧) وابن أبي شبية في مصنفه (١/٢٨٧) .\n(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/٣٧٣) .\n(٥) ذكره الدارقطني في \"التتبع\" ص١٣٢، حديث رقم (٩) .","vol":"1","page":306},{"text":"نلاحظ أن هذه الطرق كلها – ما عدا الأولى – تتفق في أن الحديث عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة.\nبينما الطريق الأولى عن يحيى تجعل الحديث عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة فأي الطريقين اصح، أم كلاهما صحيح؟\nلقد حكم الأئمة النقاد بصحة الطريقين معًا، ومن هؤلاء الإمام الدارقطني –﵀- قال: \"قد خالف يحيى أصحاب عبيد الله كلهم، منهم: أبو أسامة، وعبد الله بن نمير، وعيسى بن يونس، وغيرهم، رووه عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة، فلم يذكروا أباه، ورواه معتمر عن عبيد الله عن سعيد مرسلًا عن النبي ﷺ، ويحيى حافظ ويشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين\" (١) .\nوقال الحافظ بعد أن نقل كلام الدارقطني السابق:\n\" وقال البزار: لم يتابع يحيى عليه، ورجح الترمذي رواية يحيى.\nقلت: لكل من الروايتين وجه مرجح، أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيدًا لم يوصف بالتدليس وقد ثبت سماعه من أبي هريرة، ومن ثم أخرج الشيخان الطريقتين\" (٢) .\nيستخلص من كلام الحافظ أن النقاد قد اختلفوا في الحكم على هذا الحديث:\n- فالإمام البزار يرجح رواية الجماعة، ويرى أن يحيى خالف هؤلاء الحافظ بشيء لم يتابع عليه.\n- والإمام الترمذي يرجح رواية يحيى على رواية غيره، قال في جامعة – بعد روايته للحديث من طريق يحيى.\n\"وروى ابن نمير هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر عن سعيد\n_________\n(١) المصدر نفسه.\n(٢) فتح الباري، ج٢ ص٣٢٤.","vol":"1","page":307},{"text":"المقبري، عن أبي هريرة، ولم يذكر فيه عن أبيه عن أبي هريرة، ورواية يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر أصح، وسعيد قد سمع من أبي هريرة، وروى عن أبيه عن أبي هريرة\" (١) .\nووجه ترجيح رواية يحيى أنه حافظ وقد زاد فتقبل زيادته.\nويرى البخاري ومسلم والدار قني صحة الطريقين معًا، للقرائن التي أشار إليها الحافظ –﵀ -.\nالمثال الثاني:\nحديث أبي هريرة \"قيل يا رسول الله من أكر الناس؟ \".\nهذا الحديث رواه البخاري بإسنادين ناقص وزائد.\nقال: \"حدثنا إسحاق بن إبراهيم سمع المعتمر عن عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قيل للنبي ﷺ من أكرم الناس \" (٢) .\nوقال \"حدثني عبد الله بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد الله قال: أخبرني سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة ﵁ – قال: سئل رسول الله ﷺ بهذا\" (٣) .\nورواه أيضًا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة – ﵁ الله عنه – قال: قيل يا رسول الله من أكرم الناس\" (٤) .\n_________\n(١) جامع الترمذي: ج١ ص٢٤٩ مع التحفة.\n(٢) رواه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت﴾ رقم (٣٣٧٤) ج٦ ص٤٧٧.\n(٣) رواه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿لقد كان في يوسف واخوته آيات للسائلين﴾ رقم (٤٦٨٩) ج٨ ص٢١٢ وفي كتاب التفسير رقم (٤٦٨٩) ج٨ ص٢١٢.\n(٤) رواه البخاري في كتاب المناقب، باب قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ رقم (٣٤٩٠) ج٦ ص٦٠٧.","vol":"1","page":308},{"text":"وحاصل الاختلاف في هذا الحديث ما يلي:\n- أبو أسامة، وعبده ومعتمر يروونه عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة.\n- ويحيى القطان خالفهم ورواه عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، فزاد عن \"أبيه\".\nوالظاهر من صنيع الإمام البخاري تصحيح الطريقين معًا، وقد أشار إلى هذا الحافظ ابن حجر (١) والحافظ العلائي (٢) أيضًا.\nلكن الإمام الدارقطني مال في علله إلى ترجيح طريق يحيى، فقال بعد أن ذكر اختلاف الرواة: \"ويحيى يقول، والقول قول يحيى\" (٣) .\nوقد ذكر في التتبع وبين الخلاف ولم يرجح شيئًا (٤) .\nالحالة الرابعة:\nوهو ما لا يترجح فيه إحدى الطريقين على الأخرى، ولا يغلب على الظن صحتها معًا، لكن يحتمل أن تكون صحيحتين معًا.\nقال – ﵀ -: \"حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا شعبة قال: أخبرني علقمة بن مرثد سمعت سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان – ﵁ الله عنه – عن النبي ﷺ قال: \" خيركم من تعلم القرآن وعلمه\".\nوحدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن عن عثمان بن عفان – ﵁ – قال: قال النبي ﷺ \"إن أفضلكم من\n_________\n(١) هدي الساري ص٣٨٢.\n(٢) جامع التحصيل ص١٣٥.\n(٣) العلل للدار قطني: ج٣ ص١٤.\n(٤) التتبع ص١٣٢.","vol":"1","page":309},{"text":"تعلم القرآن وعلمه\" (١) .\nوقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في كتاب التتبع، وبين الخلاف فيه وحاصله ما يلي:\nأن هذا الحديث يرويه شعبة عن علقمة عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان، وقد تابع شعبة على زيادة سعد بن عبيدة بين علقمة وأبي عبد الرحمن كل من: عبيد الله بن عيسى، ومحمد بن جحادة، وموسى بن قيس الحضرمي، والنصر بن إسحاق السلمي، ومحمد بن جابر وغيرهم عن علقمة.\nرواه سفيان الثوري عن علقمة عن أبي عبد الرحمن بإسقاط سعد بن عبيدة، وقد تابعه علي روايته على كل من: عمرو بن قيس، ومسعر، وأبو اليسع، وعمر بن النعمان، ومحمد بن طلحة، وأبو حماد، وحفص بن سليمان، وأيوب بن جابر، وسلمة الأحمر، وغياث (٢) .\nفما موقف الحفاظ من هذين الطريقين؟ وهل كلاهما صحيح، أم يرجح أحدهما على الآخر، أم يحتمل أن يكون كلاهما صحيح؟\nلقد مال بعض الحفاظ المتأخرين إلى احتمال صحة الطريقين معًا، ومن هؤلاء الحافظ العلائي.\nقال بعد أن ساق اختلاف سفيان وشعبة فيه: \"أخرجه البخاري من الطريقين، وهو لا يكتفي بمجرد إمكان اللقاء، وقد تابع كلًا من شعبة وسفيان جماعة على ما قال: فيحتمل أن يكون الحديث عند علقمة على الوجهين، ويحتمل أن يكون أرسله عن إسقاط سعد بن عبيدة\" (٣) .\n_________\n(١) أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه رقم (٥٠٢٧) و(٥٠٢٨) ج٨ ص٦٩٢.\n(٢) جامع التحصيل ص١٣٦.\n(٣) جامع التحصيل ص١٣٦.","vol":"1","page":310},{"text":"وقال الحافظ: \"إن مثل هذا يخرجه البخاري على الاحتمال، لأن رواية الثوري عند جماعة من الحفاظ هي المحفوظة، وشعبة زاد رجلًا فأمكن أن يكون علقمة سمعه من سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن ثم لقي عبد الرحمن فسمعه منه\" (١) .\nفاحتمال صحة الطريقين غير مستبعد، لأن كلًا من سفيان وشعبة قد تابعها جماعة من الثقات، ولم تقم قرينة على ترجيح أحدهما على الآخر.\nوفي تمام هذا المطلب نخلص إلى أن الترجيح بين الرواة إذا اختلفوا في زيادة راو في إسناد وحذفه، لا يلزم حالة واحدة مطردة بل يدور مع القرائن والمرجحات، فتارة يكون الحكم للزائد، وتارة يكون الحكم للناقص، وتارة يكون كلا الطرفين صحيحًا، وتارة لا يستطيع الناقد أن يرجح أحد الطريقين على الآخر مع احتمال كونهما صحيحين معًا.\nوأما ما يسلكه كثير من الفقهاء والأصوليين والمتكلمين ومتأخري المحدثين من ترجيح الرواية الزائدة على الناقصة دائمًا اعتمادًا على أن الراوي الثقة إذا زاد تقبل زيادته، واحتمال أنه سمع من الشيخ بالواسطة ثم سمع منه مباشرة، كل هذا مخالف لمنهج النقاد القائم على النظر في الواقع الحديثي المدعوم بالقرائن والدلائل، ويحصل بالاتساع في الرواية والحفظ والفهم، وليس بالاحتمالات والتجويزات العقلية المجردة.\n_________\n(١) هي الساري ص٣٩٣.","vol":"1","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>القسم الثاني: الاختلاف في سياق المتن</span>\nقد سبق بيان الاختلاف الذي يقع بين الرواة في إسناد حديث من الأحاديث وأوجه هذا الاختلاف، وكيفية الحكم في كل حالة.\nوفي هذا المبحث نتعرض للاختلاف في المتن ونذكر أسباب هذا الاختلاف، مما يكون له أثر كبير في الحكم على الحديث صحة وتعليلًا، وتتمثل هذه الأسباب فيما يلي:\nالاختصار والرواية بالمعنى، والإدراج، وسأتناول هذه القضايا بأمثلة تطبيقية من صنيع الإمام البخاري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>المطلب الأول: الاختصار وأثره في تغيير سياق المتن</span>\nقد يختلف الرواة فيما بينهم في سياق متن حديث ما، ويكون سبب هذا الاختلاف أن بعض الرواة ساق الحديث مختصرًا، والآخر ساقه بتمامه، فهذا الاختلاف لا يقدح في الطريق التامة، وأما الطريق المختصرة فأحيانًا تكون هي أيضًا صحيحة، وقد تكون خاطئة إذا كان الاختصار سببًا لتغيير معنى الحديث وفيما يلي أمثلة توضح ذلك.","vol":"1","page":312},{"text":"قال الإمام البخاري في صحيحه:\n\"حدثنا أحمد بن أبي رجاء حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا جرير بن حازم، سمعت قتادة قال: حدثني النضر بن أنس بن مالك عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال النبي ﷺ: \"من أعتق شقيصًا من عبد \".\nحدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: \"من أعتق نصيبًا أو شقيصًا في مملوك فخلاصة عليه، إن كان له مال وإلا قوم عليه فاستسعى به غير مشقوق عليه\".\nتابعه حجاج بن حجاج، وأبان، وموسى بن خلف عن قتادة اختصره شعبة\" (١) .\nوقد انتقد الإمام الدارقطني هذا الحديث فقال بعد أن ساق هذا الحديث من صحيح البخاري:\n\"وقد روى هذا الحديث شعبة وهشام وهما أثبت من روى عن قتادة، ولم يذكرا في الحديث الاستسعاء، ووافقهما همام، وفصل الاستسعاء من الحديث فجعله من رواية قتادة\" (٢) .\nفهذا الحديث قد اختلف فيه على قتادة.\nيرويه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وذكر فيه الاستسعاء، وتابعه على ذلك كل من: جدير بن حازم، وحجاج بن حجاج، وأبان، وموسى بن خلف.\nورواه شعبة، وهشام الدستوائي، ولم يذكرا فيه الاستسعاء، ووافقهما همام، فقد فصل الاستسعاء من الحديث فلم يرفعه، ووقفه على قتادة.\n_________\n(١) كتاب العتق، باب إذا أعتق نصيبًا في عبد وليس له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه، على نحو الكتابة رقم (٢٥٢٦) ج٥ ص١٨٥ (مع الفتح) .\n(٢) التتبع ص١٥٠.","vol":"1","page":313},{"text":"وقد اختلفت أنظار النقاد في الحكم على هذا الحديث.\nوقد نقل الإمام النووي بعض أقوال من رجح رواية شعبة وهشام لموافقة همام لهما فقال:\n\" قال أبو بكر النيسابوري: ما أحسن ما رواه همام وضبطه ففصل قول قتادة عن الحديث.\nوقال ابن عبد البر: الذين لم يذكروا السعاية أثبت من الذين ذكروها\" (١) .\nوقال أبو مسعود الدمشقي:\n\"حديث همام حسن عندي، إنه لم يقع للبخاري ولا مسلم، ولو وقع لهما حكمًا بقوله\" (٢) .\nوقال الحاكم – بعد أن ساق الحديث بسنده عن سعيد عن قتادة، وذكر فيه الاستسعاء-: \"حديث العتق ثابت صحيح وذكر الاستسعاء فيه من قول قتادة، وقد وهم من أدرجة في كلام رسول الله ﷺ \" (٣) ثم ذكره من حديث همام مفصلًا ثم قال: \"فهذا أظهر من الأول أن القول الزائد المبين المميز، وقد ميز همام، وهو ثبت\" (٤) .\nوقد ذكر الحافظ أيضًا بعض من رجح رواية هشام وشعبة، فقال:\n\"ونقل الخلال في العلل عن أحمد أنه ضعف رواية سعيد في الاستسعاء، وضعفها أيضًا الأثرم عن سليمان بن حرب.\n_________\n(١) شرح النووي لصحيح مسلم: ج١٠ ص١٩٧.\n(٢) نقله الشيخ مقبل بن هادي في تعليقه على \"التتبع\" ص١٤٩.\n(٣) معرفة علوم الحديث ص٤٠.\n(٤) المصدر نفسه.","vol":"1","page":314},{"text":"فقال النسائي: بلغني أن همامًا رواه فجعل هذا الكلام (أي الاستسعاء) من قول قتادة.\nوقال الإسماعيلي: قوله (ثم استسعى) ليس في الخبر مسندًا، وإنما هو قول قتادة مدرج في الخبر على ما رواه همام.\nوقال ابن المنذر والخطابي: هذا الكلام الأخير من فتيا قتادة ليس في المتن\" (١) .\nفهؤلاء الحافظ يرون أن ذكر الاستسعاء مدرج في الحديث من قبل سعيد، وليس هو بمرفوع، وإنما هو قول قتادة.\nوالقرائن التي استند إليها هؤلاء النقاد هي:\n- مخالفة سعيد لمن هو أحفظ منه وهما: شعبة وهشام.\n- تفرد سعيد بهذا الحديث.\n- اختلاط سعيد في آخر عمره.\n- قد ورد هذا الحديث من طريق همام مفصلًا، فجعل الحديث مرفوعًا، وجعل ذكر الاستسعاء فيه من قول قتادة، وهمام ثقة.\nوقد أجاب الحافظ ابن حجر على هذه التعليلات (٢)، ونلخصها فيما يلي:\n١- سعيد بن أبي عروة، أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له، وكثرة أخذه عنه من همام وغيره، وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد لكنهما لم ينفيا ما رواه، وإنما اقتصر من الحديث على بعضه (٣) وليس\n_________\n(١) الفتح: ج٥ ص١٨٨.\n(٢) فتح الباري: ج٥ ص١٨٨.\n(٣) حديث شعبة عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"في المملوك بين رجلين\" فيعتق أحدهما قال: \"يضمن\"، وفي رواية أخرى لشعبة: \"من أعتق شقيصًا من مملوك، فهو حر من ماله\" أخرجه مسلم ٥/٩٦، وأبو داود (٣٩٣٥)، والدارقطني ٤/١٢٥، وأما رواية هشام الدستوائي، فأخرجها أحمد ٢/٥٣١، وأبو داود (٣٩٣)، والدارقطني ٤/١٢٦.","vol":"1","page":315},{"text":"المجلس متحدًا حتى يتوقف في زيادة سعيد، فإن ملازمة سعيد لقتادة كانت أكثر منهما فسمع منه ما لم يسمعه غيره.\n٢- سعيد لم ينفرد بهذا الحديث فقد تابعه عليه جرير بن حازم، وحجاج بن حجاج، وموسى بن خلف، وحجاج بن أرطأه (١) .\n٣- أما تعليل الحديث بكون سعيد بن أبي عروبة اختلط فلا يصح الاعتماد عليه لأن هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط كيزيد بن زريع.\n٤- أما بالنسبة لرواية همام المفصلة، فهمام قد انفرد بهذا التفصيل، وخالف الجميع في القدر المتفق على رفعه، فإنه جعله واقعة عين (٢) وهم جعلوه حكمًا عامًا فدل على أنه لم يضبطه كما ينبغي.\nهذه أهم الردود على القرائن التي اعتمد عليها من أعل حديث سعيد.\nولكن الإمام البخاري لم يعل هذا الحديث، ورأى صحة الطريقين معًا، كما نقل عنه الإمام الترمذي قال: \"وسألت محمدًا عن هذا الحديث (يعني حديث السعاية) فقلت أي الروايتين أصح؟ فقال: الحديثنا جميعًا صحيحان، والمعنى فيه قائم، وذكر فيه عامتهم عن قتادة السعاية إلا شعبة، وكأنه قوى حديث سعيد بن أبي عروبة، في أمره بالسعاية\" (٣) .\nوقد ذكر الحافظ بعض القرائن التي اعتمد عليها البخاري في تصحيح رواية سعيد فقال:\n_________\n(١) انظر تخريج هذه الروايات في الفتح: ج٥ ص١٨٨.\n(٢) رواية همام أخرجها أبو داود في سننه (٣٩٣٤)، والدارقطني ٤/١٢٧، ولفظه: \"أن رجلًا أعتق شقيصًا من غلام، فأجاز النبي ﷺ عتقه، وغرمه بقية ثمنه، وهكذا ورد من رواية محمد بن كثير عن همام عن قتادة، وقد رواه اعبد الله بن يزيد المقرىء عن همام عن قتادة، وزاد: وقال قتادة: إن لم يكن له مال استسعى العبد\" رواه هكذا الإسماعيلي، وابن المنذر، والدارقطني، والخطابي، والحاكم، والبيهقي، والخطيب. انظر الفتح ٥/١٨٨.\n(٣) العلل الكبير ص٢٠٤ – ٢٠٥.","vol":"1","page":316},{"text":"\" وكأن البخاري خشي من الطعن في رواية سعيد بن أبي عروبة، أشار إلى ثبوتها بإشارات خفية كعادته، فإنه أخرجه من رواية يزيد بن زريع وهو من أثبت الناس فيه وسمع منه قبل الاختلاط.\nثم استظهر له برواية جرير بن حازم بمتابعته لينفي عنه التفرد.\nثم أشار إلى أن غيرهما تابعهما.\nثم قال: اختصره شعبة، وكأنه جواب على سؤال مقدر وهو أن شعبة أحفظ الناس لحديث قتادة، فكيف لم يذكر الاستسعاء (*) فأجاب بأن هذا لا يؤثر فيه ضعفًا لأنه أورده مختصرًا، وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد\" (١) .\nوالمقصود هنا بيان أن هذا الاختلاف الذي وقع بين أصحاب قتادة: شعبة وهشام من جهة، وسعيد بن أبي عروبة، ومن تابعه من جهة أخرى، ليس سببه الوهم والخطأ المحتمل من أحد الجانبين، وإنما سببه أن بعض الرواة اختصر الحديث فخالف من ساقه بتمامه فلا تكون روايته سببًا في تعليل رواية من ساق الحديث بتمامه، ولو كان الذي اختصره أثبت وأحفظ إن كان اختصاره لا يغير معنى الحديث أي أنه يقتصر على بعضه ويترك بعضه، وأما إذا اختصر الراوي الحديث بحيث يتغير عن المعنى الأصلي، فإنه يكون سببًا لتعليل الرواية المختصرة، وإليك مثلًا من صنيع الإمام البخاري.\nقال البخاري – ﵀ -: \"حدثني محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله فقال له الملك:\n_________\n(١) معنى الاستسعاء أ، العبد يكلف الاكتساب والطلب حتى يحصل قيمة الشريك الآخر. فإذا دفعها إليه عتق. هكذا فسره جمهور القائلين بالاستسعاء، وقال بعضهم: هو أن يخدم سيده الذي لم يعتق بقدر ماله فيه من الرق ولا يكلف ما يشق عليه. وقد اختلف العلماء في مشروعيته. انظر: (الفتح ٥/١٨٩ – ١٩١، وتحفة الأحوذي ٢/٢١٢) .\n() الفتح: ج٥ ص١٨٩.","vol":"1","page":317},{"text":"قل إن شاء الله فلم يقل ونسي. فأطاف بهن، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان، قال النبي ﷺ \"لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته\" (١) .\nوقد رواه غير البخاري عن محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا محمد على ابن طاوس عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: \"من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث\" (٢) .\nفهذا المتن مغاير للمتن الأول، فأيهما الصحيح؟\nقال الترمذي: \"حدثنا محمد بن غيلان، حدثنا عبد الرزاق عن معمر ابن طاوس، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"م حلف فقال إن شاء الله لم يحنث\".\nسألت محمد عن هذا الحديث فقال: جاء مثل هذا من قبل عبد الرزاق وهو غلط إنما اختصره عبد الرزاق من حديث معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن النبي ﷺ في قصة سيمان بن داود حين قال: \"لأطوفن الليلة على سبعين امرأة\" (٣) .\nفالحديث المحفوظ بهذا الإسناد هو الحديث الوارد في قصة سليمان – ﵇ – وعبد الرزاق كان يرويه تارة تامًا كما سمعه وتارة يختصره. فلما اختصره جاء بمتن مخالف ومغاير في سياقه للحديث الأصلي، ورفعه للنبي ﷺ، وهو قوله: \"من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث\" فهذا المتن بهذا الإسناد لا يصح عن النبي ﷺ.\n_________\n(١) كتاب النكاح، باب قول الرجل: لأطوفن الليلة على نسائي. حديث رقم (٥٢٣٢) ج٩ ص٢٥٠.\n(٢) أخرجه أحمد ٣٠٩١٢ وابن ماجه (٢١٠٤) والترمذي (١٥٣٢) والنسائي (٧/٢٠) .\n(٣) العلل الكبير ص٢٥٢.","vol":"1","page":318},{"text":"نعم قد ورد هذا الكلام بغير هذا السند في حديث نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: \"من حلف فقال إن شاء الله فلا حنث عليه\" (١) .\nواختلف في وقفه ورفعه والأرجح الوقف (٢) .\nولقد اعترض ابن العربي على الحكم على عبد الرزاق بالخطأ بسبب اختصاره لهذا الحديث وذلك لأن ما جاء به عبد الرزاق في هذه الرواية لا يناقض غيرها لأن ألفاظ الحديث تختلف باختلاف أقوال النبي ﷺ في التعبير عنها، أي يخاطب كل قوم بما يكون أوصل لأفهامهم، وإنما ينقل الحديث على المعنى (٣) .\nقال الحافظ: \"وأجاب شيخنا، في شرح الترمذي بأن الذي جاء به عبد الرزاق في هذه الرواية ليس وافيًا بالمعنى الذي تضمنته الرواية التي اختصره منها، فإنه لا يلزم من قوله ﷺ: \"لو قال سليمان إن شاء الله لم يحنث \" أن يكون الحكم كذلك في حق كل أحد غير سليمان وشرط الرواية بالمعنى عدم التخالف، وهنا تخالف بالخصوص والعموم\" (٤) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>المطلب الثاني: الرواية بالمعنى وأثرها في التعليل</span>\nكثيرًا ما تختلف متون الأحاديث النبوية بسبب الرواية بالمعنى، وأحيانًا لا يؤثر ذلك الاختلاف ولا يقدح في صحة الحديث، وأحيانًا يؤثر في صحة\n_________\n(١) أخرجه الحميدي (٦٩٠) وأحمد ٢/١٠ و٦٨ و١٢٦ و١٢٧ والدرامي (٢٣٤٧) و(٢٣٤٨) وأبو داود (٣٢٦٢) و(٣٢٦٢) وابن ماجه (٢١٠٥) و(١١٠٦) والترمذي (١٥٣١) والنسائي ٧/١٢ و٢٥.\n(٢) انظر المصدر السابق ص٢٥٣.\n(٣) فتح الباري: ج١١ ص٦١٣.\n(٤) المصدر نفسه.","vol":"1","page":319},{"text":"الحديث ويكون سببًا لتعليله، وأضرب لذلك أمثلة من صنيع الإمام البخاري - ﵀ -.\nأمثلة لما تكون فيه الرواية بالمعنى سببًا للتعليل:\nالمثال الأول:\nقال البخاري: \"حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن شهاب عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد - ﵄ - أن النبي ﷺ قال: (لا يرث مسلم الكافر، ولا الكافر المسلم\" (١) .\nفهذا الحديث يرويه مالك (٢) وابن جريح (٣) وابن عيينة (٤)، ويونس (٥) ومعمر (٦) كلهم عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد عن النبي ﷺ \"لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم\".\nإلا أن هشيمًا رواه عن الزهري بالإسناد المذكور بلفظ: \"لا يتوارث أهل ملتين\" (٧) .\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم رقم (٦٧٦٤)، ج١٢ ص٥١ (مع الفتح) .\n(٢) رواية مالك في الموطأ، كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الملل رقم (١٠) ص٥١٩.\n(٣) رواية ابن جريج سبق تخريجها.\n(٤) رواية ابن عيينة أخرجها مسلم في أول كتاب الفرائض رقم (١٦١٤) ج٣ ص١٢٣٣، وأبو داود في كتاب الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر ج٢ ص١٩، والترمذي في كتاب الفرائض، باب إبطال الميراث بين المسلم والكافر، ج٣ ص١٨٣ (مع التحفة) وابن ماجه، في كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك رقم (٢٧٢٩)، ج١ ص٩١١.\n(٥) رواية يونس أخرجها البخاري في كتاب الحج، باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها، رقم (١٥٨) ج٣ ص٥٢٦، وابن ماجه في كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك رقم (٢٨٣٠)، ج٢ ص٩١٢.\n(٦) رواية معمر أخرجها أبو داود، في كتاب الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر، ج٢ ص١٩.\n(٧) عزاها الحافظ في الفتح إلى النسائي، ولم أجدها فيه مع طول البحث، والسنن الصغرى ليس فيها كتاب الفرائض أصلًا، فلعلها في الكبرى.","vol":"1","page":320},{"text":"قال الحافظ: \" وقد حكم النسائي وغيره على هشيم بالخطأ فيه، وعندي أنه رواه من حفظه بلفظ ظن أنه يؤدي معناه، فلم يصب، فإن اللفظ الذي أتى به أعم من اللفظ الذي سمعه، وسبب ذلك أن هشيمًا سمع من الزهري بمكة أحاديث ولم يكتبها وعلق بحفظه بعضها فلم يكن من الضابطين عنه، ولذلك لم يخرج الشيخان عنه شيئًا\" (١) .\nفالبخاري ومسلم لم يخرجا هذا الحديث لأنه معلول، وظهرت علته بمخالفة هشيم لسائر أصحاب الزهري ليست قوية، لأنه لم يكتب الأحاديث التي سمعها من الزهري، وإنما اعتمد على حفظه فكان أحيانًا يروي على سبيل التوهم، أي يروي الشيء ويظن أنه يؤديه بالمعنى فيقع في الوهم والخطأ.\nوينبغي التنبيه هنا إلى أن هذا المتن \" لا يتوارث أهل ملتين\" قد ورد من غير هذا الطريق (فقد رواه الترمذي من حديث جابر (٢)، ورواه أبو يعلى من حديث عائشة، ورواه أصحاب السنن الأربعة (٣) من طريقة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وسند أبي داود فيه إلى عمر صحيح\" (٤) .\nالمثال الثاني:\nقال البخاري: \"حدثنا حفص بن عمر قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس: \"أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر – ﵄ \" كانوا يستفتحون\n_________\n(١) النكت ص٢٧٥.\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه في كتاب الفرائض، باب إبطال ميراث المسلم من الكافر، وقال عقبه: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي ليلي ج٣ ص١٨٣ (مع التحفة) وابن أبي ليلى قال فيه الحافظ في التقريب: صدوق سيء الحفظ جدًا.\n(٣) رواه أبو داود في سننه، كتاب الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر ج٢ ص١٩، وسنده صحيح إلى عمرو، ورواه ابن ماجه في كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك (٣٧٣١) ج٢ ص٩١٢، وفي سنده عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف.\n(٤) فتح الباري: ج٥ ص٥٢.","vol":"1","page":321},{"text":"الصلاة بالحمد لله رب العالمين\" (١) .\nفهذا الحديث رواه أنس جماعة من الرواة منهم: قتادة (٢)، وحميد الطويل (٣)، وإسحاق بن أبي طلحة (٤) وغيرهم بهذا اللفظ.\nوفي رواية لمسلم من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون باسم الله الرحمن الرحيم، في أول القراءة، ولا في آخرها\" (٥) .\nفهذه الرواية مخالفة للرواية الأولى في سياق متنها، إذ في الأولى إخبار بأن افتتاح القراءة كان بالحمد لله رب العالمين دون تعرض لنفي قراءة البسملة أو إثباتها، أما الرواية الثانية فهي نافية لرواية قراءة البسملة.\nفرواية الأوزاعي: من طريق الوليد بن مسلم مخالفة لرواية غيره كشعبة وأيوب وأبي عوانة وقد حكم كثير من الأئمة على رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي بالوهم.\n_________\n(١) الجامع الصحيح، كتاب الآذان، باب ما يقول بعد التكبير، رقم (٧٤٣) ج٢ ص٢٦٥ (مع الفتح) .\n(٢) رواية قتادة أخرجها البخاري، ومسلم (٥٠) من طريق شعبة، ج١ ص٢٩٩، والترمذي من طريق أبي عوانة، في كتاب الصلاة، باب افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين ج١ ص٢٠٥ (مع التحفة)، والنسائي، في كتاب الافتتاح، باب البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة (٩٠١) ج٢ ص٤٧٠. ط دار المعرفة، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها (٨١٣) ج١ ص٢٦٧.\n(٣) أخرجها مالك في الموطأ موقوفة، كتاب الصلاة باب العمل في القراءة (٣٠) ج١ ص٨١.\n(٤) ساق مسلم سندها ولم يسق لفظها ج١ ص٣٠٠، وساقها البخاري في جزء القراءة خلف الإمام رقم (١٢٠) ص٣٢ من طريق الوليد بن مسلم وليس فيه زيادة (لا يذكرون باسم الله) .\n(٥) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب من قال لا يجهر بالبسملة (٥٢)، ج١ ص٢٩٩.","vol":"1","page":322},{"text":"قال الدارقطني: \"إن المحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس أنهم كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، ليس فيه تعرض لنفي البسملة\" (١) .\nوقال البيهقي: \"إن أكثر أصحاب قتادة رووه عن قتادة كذلك، وهكذا رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وثابت البناني عن أنس\" (٢) .\nوقال ابن عبد البر، بعد أن روى هذا الحديث من طريق أيوب وشعبة، وهشام الدستوائي وشيبان بن عبد الرحمن وسعيد بن أبي عروبة، وأبي عوانة \"فهؤلاء حافظ أصحاب قتادة ليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب سقوط باسم الله الرحمن الرحيم من أول فاتحة الكتاب\" (٣) .\nفهذه الرواية معلولة لأنها مخالفة للروايات الأخرى، مع قرائن انضمت إلى ذلك، وقد أشار إلى هذه القرائن بعض المتأخرين.\nقال العراقي: \"إن رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي التي أخرجها مسلم معلولة لأن الوليد يدلس تدليس تسوية\" (٤) .\nوقد تعقبه الحافظ ابن حجر في ذلك، بأنه قد ورد تصريح الوليد بن مسلم بالسماع في طريق أخرى، وبين أن الأقوى تعليله بأن قتادة ولد أكمه، وهو لا يكتب، فيكون قد أمر غيره بالكتابة له وحينئذ فذلك الغير مجهول الحال عندنا، ولو كان قتادة يثق به، فلا يكفي ذلك في ثبوت عدالته إلا عند من يقبل التزكية على الإبهام\" (٥) .\nوقال السيوطي: \"إن لحديث مسلم السابق (حديث الوليد بن مسلم عن الأوزاعي) تسع علل: المخالفة من الحفاظ والأكثرين، والانقطاع، وتدليس التسوية من الوليد، والكتابة، وجهالة الكاتب، والاضطراب في\n_________\n(١) سنن الدارقطني: ج١ ص٣١٦.\n(٢) السنن الكبرى: ج٢ ص٥١.\n(٣) نقله العراقي في التقييد والإيضاح ص٩٩.\n(٤) المصدر نفسه ص١٠٠.\n(٥) النكت ص٣١٩.","vol":"1","page":323},{"text":"لفظه، والإدراج، وثبوت ما يخالفه عن صحابه، ومخالفة لما رواه عدد التواتر\" (١) .\nإذن فرواية الوليد بن مسلم وهم، والسبب في وقوع هذا الوهم هو أن الراوي روى هذا الحديث بالمعنى الذي فهمه (فالراوي ظن حين سمع قول أنس – ﵁ – صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان – ﵃ – فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، نفيها بذلك فنقله مصرحًا بما فهمه، وقال ايذكون باسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها، وفي لفظ فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم الله، وصار بمقتضى ذلك حديثًا مرفوعًا، والراوي لذلك مخطئ في ظنه\" (٢) .\nوممن صرح بأن سبب الوهم من الراوي هو روايته لهذا الحديث بالمعنى، الإمام ابن الصلاح (٣) والحافظ ابن حجر (٤) .\nفهذا المعنى الذي فهمه الراوي خطأ، والمعنى الصحيح هو كما بينه الشافعي –﵀- قال: \"معناه: أنهم كانوا يبتدئون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه أنهم لا يقرؤون باسم الله الرحمن الرحيم\" (٥) .\nوقد ورد في رواية مسلم من طريق شعبة عن قتادة فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ باسم الله الرحمن الرحيم (٦) ولا يلزم من نفي السماع عدم الوقوع، بخلاف الرواية المتقدمة (٧) .\nومن القرائن التي ذكرها الإمام ابن الصلاح وغيره من العلماء على أن\n_________\n(١) تدريب الراوي:ج١ ص٢٥٥.\n(٢) فتح المغيث ج١ ص٢٤٩.\n(٣) علوم الحديث ص٨٣.\n(٤) النكت ص٣٢٤.\n(٥) نقله الترمذي في جامعه: ج١ ص٢٠٦ (مع التحفة) .\n(٦) صحيح مسلم كتاب الصلاة، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة (٥٠) ج١ ص٢٩٩.\n(٧) التقيد والإيضاح ص١٠٠.","vol":"1","page":324},{"text":"رواية الوليد بن مسلم وقع فيها وهم (أنه ثبت عن أنس أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئًا عن رسول الله ﷺ) (١) .\nوهكذا يتضح لنا كيف تكون الرواية بالمعنى سببًا لوقوع الراوي في الوهم، فيكون حديثه معلولًا، لذا نرى أن الإمام البخاري تجنب رواية هذا الحديث في صحيحه.\nأما بالنسبة للإمام مسلم فإنه أورد هذا الحديث من طريق شعبة أولًا، مما يدل على أنه الأصح عنده ثم أورد حديث قتادة من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي.\nأمثلة لما لا تكون فيه الرواية بالمعنى سببًا للتعيل:\nهنا أحاديث رويت بالمعنى، ولم تتطرق إليها العلة، وذلك أن الرواية بالمعنى لم تغيرها عن سياقها، وهذا النوع الذي يختلف فيه الرواة، ولا يكون فيه تغيير للمعنى، وإثبات لحكم جديد، يورده الإمام البخاري في صحيحه، وفيما يلي أمثلة لذلك:\nالمثال الأول:\nحديث ابن عمر – ﵁ – أنه كان نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية فسأل النبي ﷺ فأمره ﷺ أن يفي بنذره، وفي رواية اعتكاف يوم، وهذه روايات هذا الحديث ي صحيح البخاري.\nقال البخاري:\n\" حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله أخبرني نافع عن ابن عمر – ﵁ – أن عمر سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: أوف بنذرك\" (٢) .\n_________\n(١) علوم الحديث ص٧٣.\n(٢) كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف ليلًا (٢٠٣٦)، ج٤ ص٣٢١.","vol":"1","page":325},{"text":"وقال أيضًا:\n\"حدثنا عبد الله بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر أن عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام قال: أراه قال ليلة فقال له رسول الله ﷺ أوف بنذرك\" (١) .\nوقال البخاري أيضًا:\n\" حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن، أخبرنا عبد الله أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر قال: يا رسو الله إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: أوف بنذرك\" (٢) .\nوقال أيضًا:\n\"حدثنا أبو النعمان حدثنا محمد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر بن الخطاب – ﵁ – قال: يا رسول الله إنه كان علي اعتكاف يوم في الجاهلية، فأمره أن يفي به.\nورواه معمر عن أيوب عن ابن عمر في النذر، ولم يقل (يوم) \" (٣) .\nوحديث معمر هذا أورده البخاري في صحيحه قال:\n\"حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر –﵁ – قال: لما قفلنا من حنين سأل عمر النبي ﷺ عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف، فأمره النبي ﷺ بوفائه\" (٤) .\n_________\n(١) كتاب الاعتكاف أيضًا، باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم (٢٠٣٤)، ج٤ ص٣٣٣.\n(٢) كتاب الإيمان والنذور، باب إذا نذر أو حلف أن لا يكلم إنسانًا في الجاهلية، ثم أسلم (٦٦٩٧)، ج١١ ص٥٩٠.\n(٣) كتاب الخمس، باب كان يعطي النبي ﷺ المؤلفة قلوبهم من الخمس ونحوه (٣١٤٤) .\n(٤) كتاب المغازي، باب قوله تعالى: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ (٤٣٢٠، ج٧ ص٦٣٠.","vol":"1","page":326},{"text":"فقد اختلف على نافع في هذا الحديث، فعبيد الله بن عمر يقول: اعتكاف ليلة، وأيوب يقول: اعتكاف يوم في رواية حماد بن زيد عنه.\nأما معمر في روايته عن أيوب مجملة لم يذكر مدة الاعتكاف وهو اختصار لا يضر بأصل الحديث وكل من أيوب، وعبيد الله بن عمر من ثقات أصحاب نافع.\nوقد سئل الدارقطني عن اثبت أصحاب نافع فقال:\n\"عبيد الله بن عمر، ومالك، وأيوب السخيتاني\" (١) .\nفلما كان المختلفان حافظين ساق البخاري رواية كل منهما لأنه لا تعارض في المعنى بينهما. وبين الحافظ ابن حجر كيفية الجمع بين هاتين الروايتين فقال:\n\"والتحقيق في الجمع بين هاتين الروايتين أن عمر – ﵁ – كان عليه نذر اعتكاف يوم بليلته فسال النبي ﷺ عنه فأمره بالوفاء به، فعبر بعض الرواة بيوم وأراد بليلته، وعبر بعضهم بليلته، وأراد يومها.\nوالتعبير بكل واحد من هذين عن المجموع من المجاز الشائع الكثير من الاستعمال، فالحمل عليه أول من جعل القصة متعددة\" (٢) .\nوقد ذهب الإمام النووي إلى أنها واقعتان: كان على عمر نذران، ليلة بمفردها، ويومًا بمفرده، فسأل عن هذا مرة، والآخر أخرى (٣) . وقد رد هذا على النووي كل من الحافظ العلائي وابن حجر وحملا ذلك على الرواية بالمعنى (٤)، وهو الصواب – إن شاء الله -.\n_________\n(١) سؤالات ابن بكير للدار قطني ص٥٤.\n(٢) النكت ص٣٤١.\n(٣) شرح النووي لصحيح مسلم: ج١١ ص١٢٤.\n(٤) المصدر السابق.","vol":"1","page":327},{"text":"المثال الثاني:\nقال البخاري: \"حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر – ﵄ – قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان\" (١) .\nهذا أحد ألفاظ الحديث التي ساقها البخاري.\nوساقه بلفظ آخر ونصه كما يلي: \" عن نافع أن رجلًا أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عامًا وتعتمر عامًا، وتترك الجهاد في سبيل الله ﷿، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ قال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت \" (٢) .\nهذه ألفاظ هذا الحديث في صحيح البخاري، ويلاحظ أن فيها تغايرًا في الألفاظ والعبارات كما يلاحظ اختلاف في التقديم والتأخير، حيث قدم الحج على الصوم في الرواية الأولى، بينما آخر في الرواية الثانية، وقدمت الزكاة عن الحج والصوم في الرواية الثانية، بينما أخرت على الصوم وقدمت على الحج في الرواية الثانية.\nوأما الإمام مسلم فقد ذكر هذا الحديث من طرق مختلفة:\n١- عن أبي ملك الأشجعي عن سعيد بن عبيدة عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: \"بني الإسلام على خمسة: على أو يوجد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج\"، فقال رجال: الحج وصيام رمضان، قال: \"لا، صيام رمضان والحج\" هكذا سمعته من رسول الله ﷺ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم، رقم (٨)، ج١ ص٦٤.\n(٢) كتاب التفسير، باب ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله..﴾ رقم (٤٥١٤) ج٨ ص٣٢.","vol":"1","page":328},{"text":"٢- عن سعيد بن طارق قال حدثني: سعد بن عبيدة السلمي، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"بني الإسلام على خمس على أن يعبد الله ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان\".\n٣- وعن عاصم (هو ابن محمد بن زيد بن عبيد الله ابن عمر) عن أبيه قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ: \"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان.\n٤- ثم ساقه من رواية عكرمة بن خالد، ولفظه مثل لفظ البخاري (١) .\nونلاحظ أيضًا أن فيها اختلافًا في الألفاظ، واختلافًا في التقديم والتأخير بين الحج والصيام.\nوقد حاول الإمام النووي كعادته أن يوفق بين هذه الروايات بتعدد الواقعة أي أن ابن عمر سمع الحديث من النبي ﷺ على الوجهين (٢) .\nوقد استبعد الحافظ هذا الحل فقال:\n\"ولا شك ي أن مثل هذا هنا بعيد جدًا، فإنه لو سمعه على الوجهين، لم ينكر على من قال أحدهما، إلا أن يكون حينئذ ناسيًا أن النبي ﷺ قاله على الوجه الذي أنكره والظاهر القوي أن راوي هذه الطريق قدم فيها الحج على الصيام، ورواه بالمعنى فقدم وآخر ولم يبلغه نهي ابن عمر – ﵁ – عن ذلك محافظة على كيفية ما سمعه من النبي ﷺ فهذا الحمل – وهو رواية بعض الرواة لهذه الطريق على المعنى أولى من تطرق النسيان إلى ابن عمر – ﵁ – أو الإنكار للفظ الذي سمعه النبي ﷺ\" (٣) .\n_________\n(١) الجامع الصحيح للإمام مسلم: ج١ ص٤٥.\n(٢) شرح النووي لصحيح مسلم: ج ص.\n(٣) النكت ص٣٤٢.","vol":"1","page":329},{"text":"وقال الحافظ في الفتح في شرح لحديث ابن عمر من طري حنظلة عن عكرمة:\n\"ووقع هنا تقديم الحج على الصوم، وعليه بنى البخاري ترتيبه، لكن وقع في مسلم من رواية سعد بن عبيدة، عن ابن عمر، بتقديم الصوم على الحج، قال: فقال رجل والحج وصيام رمضان، فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحج، هكذا سمعت رسول الله ﷺ.\nففي هذا إشعار بأن رواية حنظلة التي في البخاري مروية بالمعنى، إما أنه لما يسمع رد ابن عمر على الرجل لتعدد المجلس، أو حضر ذلك ثم نسيه، ويبعد ما جوزه بعضهم أن يكون ابن عمر سمعه من النبي ﷺ على الوجهين، ونسي أحدهما عند رده على الرجل.\nووجه بعده أن طرق النسيان إلى الراوي عن الصحابي أولى من تطرقه إلى الصحابي، كيف وفي رواية مسلم من طريق حنظلة بتقديم الصوم على الحج، ولأبي عوانة من وجه آخر عن حنظلة أنه جعل صوم رمضان قبل، فتنويعه دال على أن روى بالمعنى.\nويؤيده ما وقع عند البخاري في التفسير بتقديم الصيام على الزكاة أفيقال إن الصحابي سمعه على ثلاثة أوجه؟ هذا مستبعد - والله أعلم- (١) .\nوفي ختام هذا المطلب نخلص إلى ما يلي:\nإن الرواية بالمعنى تكون سببا لتعليل الحديث إذا غيرت معناه كليا عن المعنى الأصلي ولا تكون سببا للتعليل إذا لم تخرج عن المعنى الأصلي، وذلك بتغير الألفاظ بمرادفتها، أو التعبير عن اللفظ بما يتجوز عنه به، أو بالتقديم والتأخير، ونحو ذلك.\n_________\n(١) فتح الباري: ج ١ ص ٦٥ - ٦٦","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>المطلب الثالث: الإدراج وأثره في التعليل</span>\nقبل بيان أثر الإدراج في تعليل الأحاديث، نتحدث عن تعريفه لغة واصطلاحًا، ثم دوافعه، ثم نتطرق إلى كيفية تعامل الإمام البخاري مع الأحاديث المدرجة في صحيحه.\nتعريف الإدراج لغة:\nالإدراج: لف الشيء بالشيء، والدرج لف الشيء، يقال: درجته، وأدرجته، والرباعي أفصحها، ودرج الشيء في الشيء درجًا، وأدرجه: طواه وأدخله (١) .\nتعريفه اصطلاحًا:\n\" هو أن يدخل في كلام رسول الله ﷺ شيئًا من كلام بعض الرواة فيتوهم من سمع الحديث أن هذا كلام رسول الله ﷺ \" (٢) .\nدوافع الإدراج:\nالذي يحمل الرواة على الإدراج أمور كثيرة من أهمها (٣):\n١- بيان حكم شرعي.\n٢- استنباط حكم شرعي.\n٣- شرح لفظ غريب في الحديث.\nويعرف الإدراج بأمور (٤) منها:\n_________\n(١) لسان العرب: ج١ ص٢٦٩.\n(٢) انظر نزهة النظر ص٥٤.\n(٣) تيسير مصطلح الحديث ص١١٥، وانظر تدريب الراوي ص١٧٧.\n(٤) النكت ص٣٤٧.","vol":"1","page":331},{"text":"١- أن يستحيل إضافة ذلك النبي ﷺ.\n٢- أن يصرح الصحابي أنه لم يسمع تلك الجملة من النبي ﷺ.\n٣- أن يصرح بعض الرواة بفصل المدرج عن المتن المرفوع، بإضافة اللفظ المدرج إلى قائله.\nفالإدراج إذن سبب لغير سياق الحديث سواء في سنده أو متنه، ويكون سببًا للاختلاف بين الرواة، فبعض الرواة يميز الحديث المرفوع عما فيه من إدراج، والبعض يتوهم أن الألفاظ المدرجة من متن الحديث فيرويه كذلك دون تمييز، فيكون لذلك حديثه معلولًا.\nكيفية تعامل الإمام البخاري مع الأحاديث المدرجة في صحيحه:\nإن الأحاديث المدرجة نوع من أنواع الأحاديث المعلولة، وبما أن الإمام البخاري قصد من \"كتابه\" جمع الأحاديث الصحيحة السليمة من العلل على اختلاف أنواعها وأجناسها، فهو من هذا المنطلق يستبعد الأحاديث المعلولة، ومن ذلك الأحاديث المدرجة، ومع ذلك نجد الإمام البخاري يخرج في صحيحه الأحاديث التي وقع فيها الإدراج بكيفيات مختلفة نحصرها فيما يلي:\n١- تخريج الحديث المرفوع دون ما وقع فيه من إدراج.\n٢- تخريج الحديث من الطريق المميز فيها الإدراج.\n٣- تخريج الأحاديث المدرجة لوضوح الإدراج فيها، أو مع الإشارة إليه إذا كان خفيًا.\nونضرب أمثلة لكل حالة من الحالات من صحيح البخاري.\nتخريج الحديث المرفوع دون ما فيه من إدراج:\nهذا هو الأصل عند الإمام البخاري - ﵀ - في صحيحه هو تخريج الأحاديث الصحيحة دون ما فيها من أوهام سواء أكانت تلك الأوهام","vol":"1","page":332},{"text":"في الأسانيد أم في المتون، وسواء أكان الوهم بسب الإدراج أم الاختصار، أم الرواية بالمعنى، أم غير ذلك من الأسباب، هنا بأحاديث وقع فيها إدراج، أخرج البخاري الحديث المرفوع منها فقط دون المدرج.\nالمثال الأول:\nحديث أبو مسعود أن النبي ﷺ أخذ بيده يعلمه التشهد: \"التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد، محمد عبده ورسوله\" (١) .\nفهذا الحديث يرويه البخاري وبقية الستة هكذا.\nوأخرجه الدرامي وفي آخره \" فإذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك، فإن شئت فقم، وإن شئت فاقعد\" (٢) .\nفهذه الزيادة ليست من المرفوع، بين ذلك شبابة بن سوار فيما أخرجه الدارقطني وغيره وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، فيما أخرجه أبو يعلى والطبراني في الأوسط (٣) .\n_________\n(١) رواه البخاري في كتاب الأذان، باب التشهد في الأخير رقم (٨٣١) ج٢ ص٣٦٢ ثم كرره في مواضع كثيرة من صحيحه. انظر الأرقام التالية (٨٣٥) و(١٢٠٢) و(٦٢٣٠) و(٦٢٦٥) و(٦٣٢٨) و(٧٣٨١)، وأخرجه مسلم في الصلاة باب التشهد في الصلاة رقم (٥٥) و(٥٦) و(٥٧) و(٥٨)، وأخرجه أبو داود في الصلاة، باب التشهد رقم (٩٢٨) وأخرجه النسائي في التطبيق، كيف التشهد الأول (١١٦٤) و(١١٦٧) وأخرجه ابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيهما، باب ما جاء في التشهد رقم (٨٨٩) .\n(٢) ووقعت الرواية المدرجة أيضًا في سنن أبي داود في كتاب الصلاة، باب التشهد رقم (٩٧٠) .\n(٣) السيوطي: المدرج إلى المدرج – تحقيق صبحي البدري السامرائي، الدار السلفية لنشر – الجزائر، ص٢٠.","vol":"1","page":333},{"text":"المثال الثاني:\nحديث عثمان – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" (١) .\nهكذا رواه البخاري ومسلم، ورواه الخطيب وزاد في آخره (وفضل القرآن على سائر الكلام تفضل الله على خلقه، وذلك أنه منه) .\nفالمرفوع منه إلى قوله \" وعلمه \" وأما قوله \"وفضل القرآن إلى آخره\" مدرج من كلام أبي عبد الرحمن السلمي، ميزه جماعة من الرواة منهم: ابن راهويه، وأبو مسعود، وأحمد بن الفرات الرازي، ويحيى بن أبي طالب (٢) .\nالمثال الثالث:\nحديث أبي جحيفة – ﵁ – قال: \"رأيت النبي ﷺ وكان الحسن يشبهه\" (٣) .\nهكذا روى البخاري ومسلم وغيرهما هذا الحديث.\nورواه الخطيب وزاد في آخره وأتى بثوب من النصاب مكتوب عليه صورة شيطان فرمى به وقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.\nوقصة الثوب مدرجة لأن أبا جحيفة هو الذي أتى بالثوب، فقد رواها عنه مفردة إبراهيم بن حميد الرواسي (٤) .\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) المصدر السابق ص٣٢.\n(٣) رواه البخاري في كتاب المناقب، باب صفة النبي ﷺ حديث رقم (٣٥٤٣) ج٦ ص٦٥١ (مع الفتح) ومسلم في كتاب الفضائل، باب شبيهه ﷺ حديث رقم (٢٣٤٣) ج٤ ص١٨٢٢، والترمذي رقم (٢٨٢٧) ج٥ ص١٢٩ ورقم (٣٧٧٧) ج٥ ص٦٥٩، وأحمد في مسنده ج٤ ص٣٠٧.\n(٤) المدرج إلى المدرج، ص٣٥.","vol":"1","page":334},{"text":"وقد يخرج البخاري أحيانًا ببعض الأحاديث التي وقع فيها الإدراج من طريق يميز فيها رواتها المرفوع من المدرج. ولذلك أمثلة نذكر منها ما يلي:\nالمثال الأول:\nحديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ \"من مات وهو يشرك بالله شيئًا دخل النار، ومن مات وهو لا يشرك بالله دخل الجنة\" (١) .\nهذا الحديث وهم فيه أحمد بن عبد الجبار العطاردي (٢) والمرفوع منه الجملة الأولى فقط، والثانية موقوفة. كذا ميزه جماعة من الرواة منهم الأعمش أخرجه الشيخان والنسائي (٣) .\nفهذا الحديث رواه البخاري من طريق الأعمش عن ابن مسعود – ﵁ – قال رسول الله ﷺ: \"من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار\" وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة\" (٤) .\nالمثال الثاني:\nحديث ابن عباس إن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر، فأفطر الناس، فكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ. أخرجه الشيخان.\nوقوله فكانوا يأخذون بالأحدث ليس من قول ابن عباس، بل هو\n_________\n(١) أخرجه النسائي في السنن الكرى. انظر تحفة الأشراف ج٧ ص٤١.\n(٢) هو أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي، وأبو عمر الكوفي، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، مات سنة ٢٧٢، وله خمس وتسعون سنة، روى له أبو داود: ترجمته في التقريب ص١٨ وميزان الاعتدال: ج١ ص١١٢.\n(٣) المدرج إلى المدرج ص١٧.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله رقم (١٢٣٨) ج٣ ص١٣٣.","vol":"1","page":335},{"text":"مدرج من قول الزهري بينه معمر فيما أخرجه البخاري (١) وابن إسحاق فيما أخرجه أحمد، ورواه ابن خزيمة من طريق ابن عيينة فقال: لا أدري هل هو من قول ابن عباس أو من قوله عبد الله أو من قول الزهري (٢) .\nالمثال الثالث:\nحديث ابن عمر: إن رسول الله نهى عن القران إلا أن يستأذن الرجل أخاه قال الخطيب: الاستثناء بالاستئذان من قول ابن عمر لا مرفوع، بينه آدم بن أبي إياس عن شعبة أخرجه البخاري (٣) وتابع آدم على فصل الوقوف من المرفوع شبابة بن سوار عن شعبة أخرجه الخطيب وعاصم بن علي عن شعبة، أخرجه الطيب، وقد فصله أيضًا عن شعبة سعيد بن عامر الضبعي (٤) .\nوالحاصل أن أصحاب شعبة اختلفوا فأكثرهم رواه عنه مدرجًا، وطائفة منهم رووا عنه التردد في كون هذه الزيادة مرفوعة أو موقوفة، وشبابة فصل عنه، وآدم جزم عنه بأن الزيادة من قول ابن عمر، وتابعه سعيد بن عامر.\nوقد رجح الحافظ أنه لا إدراج في هذا الحديث واستدل لذلك بأن البخاري اعتمد هذه الزيادة وترجم عليها في كتاب المظالم (٥)، وفي الشركة، ولا يلزم من كون ابن عمر ذكر الإذن مرة غير مرفوع، أن لا يكون مستنده فيه الرفع (٦) .\nوقد يخرج البخاري الأحاديث التي وقع فيها الإدراج ولا يبينه إذا كان\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان رقم (٤٢٧٦) ج٧ ص٥٩٥ (مع الفتح) .\n(٢) المدرج إلى المدرج ص٢٥.\n(٣) كتاب الأطعمة باب القرآن في التمر حديث رقم (٥٤٤٦) ج٩ ٤٨٢ (مع الفتح) .\n(٤) انظر الفتح: ج٩ ص٤٨٣ والمدرج ص٣١.\n(٥) باب إذا أذن إنسان لآخر شيئًا جاز رقم (٢٤٥٥) ج٥ ص١٢٨.\n(٦) الفتح: ج٩ ص٤٨٢.","vol":"1","page":336},{"text":"واضحًا، أو يشير إليه ويصرح به إذا كان خفيًا. وفيما يلي أمثلة على ذلك:\nالمثال الأول:\nحديث عائشة ﵂ في بدء الوحي \" وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد \" (١) .\nفتفسير التحنث ليس من قول عائشة وإنما هو مدرج من كلام الزهري (٢) ولم يصرح البخاري بذلك لوضوح الإدراج فيه.\nالمثال الثاني:\nحدث أبي سعيد أن رسول الله ﷺ نهى عن المنابذة: وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى رجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه. ونهى عن الملامسة، والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه (٣) .\nفتفسير المنابذة والملامسة من قول الصحابي (٤) .\nالمثال الثالث:\nحديث ابن عمر، أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمزابنة اشتراء التمر بالتمر كيلًا، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا (٥) .\nوتفسير المزابنة من كلام الصحابي (٦) .\n_________\n(١) كتاب بدء الوحي، باب (٣) ج١ ص٣٠ (مع الفتح) .\n(٢) المصدر نفسه ص٣١ والمدرج ص٣٨.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب بيع الملامسة، رقم (٢١٤٤) ج٤ ص٤٢٠.\n(٤) أخرجه لبخاري في كتاب البيوع، باب بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام رقم (٢١٧١) ج٤ ص٤٤١.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب البيوع / باب بيع بيع الزبيب بالزبيب، والطعام بالطعام رقم (٢١٧١) رقم (٢١٧١) ج٤ ص٤٤١ ورواه مسلم رقم (١٥٤٢) ج٣ ص١١٧١.\n(٦) الفتح: ج٤ ص٤٥٠.","vol":"1","page":337},{"text":"هذه أمثلة لأحاديث كثيرة (١) وقع فيها الإدراج ورواها البخاري في صحيحه دون بيان له لوضوحه وأكثر هذه الأحاديث مما وقع فيه الإدراج لتفسير كلمات غريبة في المتن من الصحابي، أو ممن دونه وأحيانًا يبين الإمام البخاري الإدراج – وهو أمر قليل جدًا – فمن ذلك: ما رواه البخاري في صحيحه قال:\n\" حدثنا عبد الله بن الصباح حديثنا المعتمر، قال: سمعت عوفًا قال: حدثنا محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب روؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. وما كان من النبوة، فإنه لا يكذب\" قال محمد: وأنا أقول هذه. قال: وكان يقال الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى الله. فمن رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد، وليقم فليصل، قال: وروى قتادة ويونس وهشام، وأبو هلال عن أبي سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وأدرجه بعضهم كله في الحديث عوف أبين.\nوقال يونس: لا أحسبه إلا عن النبي ﷺ في القيد (٢) .\nفقد أشار البخاري إلى الاختلاف الواقع في هذا الحديث من أصحاب ابن سيرين. فقتادة ويونس بن عبيد وهشام بن حسان، وأبو هلال محمد بن سلم الراسبي رووا أصل الحديث ومنهم من رواه منهم من اقتصر على بعضه. وهشام في روايته عن أدرج الموقوف في المرفوع. وأما عوف الأعرابي فقد ميز في رواته الموقف عن المرفوع (٣) .\n_________\n(١) انظر أمثلة في المدرج إلى المدرج للسيوطي ص٣٩ – ٤٣.\n(٢) كتاب التعبير، باب القرد في المنام ج١٢ ص٤٢٢.\n(٣) انظر تخريج هذه الروايات في الفتح ص٤٢٢.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>المبحث الرابع: زيادات الثقات وموقف البخاري منها</span>\nالمطلب الأول: موقف العلماء والطوائف من زيادة الثقة.\nالمطلب الثاني: نماذج لزيادات مقبولة عند الإمام البخاري.\nالمطلب الثالث: نماذج لزيادات مردودة عند الإمام البخاري.\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>تمهيد:</span>\nإن من أهم المسائل التي لها علاقة مباشرة بتعليل الأحاديث مسألة \"زيادة الثقات\"، وفي واقع الأمر أن هذه المسألة هي فرع عن مسألة المخالفة، لأن الراوي، إذا خالف غيره، فتارة ينقص عليهم، وتارة يزيد في السند أو في المتن.\nوقد اعتنى المحدثون والفقهاء بزيادات الثقات اعتناءً بالغًا، فجمعوا الطرق، وفتشوا الأسانيد والروايات. ليتمكنوا من الوقوف على تلك الزيادات لما لها من آثار مهمة في الفقه والحديث. ولأهمية المسألة أفردتها بمبحث خاص حتى أساهم في الإجابة على إشكال كبير طالما يواجهه المشتغلون بالحديث والتخريج، فكثيرًا ما يجدون في الأحاديث المروية أصولها في الصحيحين زيادات من طرف رواة ثقات ويترت على هذه الزيادات مسائل فقهية مهمة. لكن يفاجؤون لعدم ورودها في الصحيحين، رغم صحة أسانيدها، وأهمية متونها. فيقعون في الحيرة والتذبذب، فمنهم من يبادر إلى","vol":"1","page":339},{"text":"قبولها بناء على صحة ظاهر الإسناد، وحال الراوي الذي انفرد بتلك الزيادة مدعمين موقفهم هذا بأن الشيخين لم يقصدا استيعاب كل الأحاديث الصحية. ومنهم من يردها ويرتاب في صحتها على أساس عدم ورودها في أصول دواوين الإسلام. ومنهم من يتلون فيقبلها تارة إذا وافقت مذهبه ومشربه ويردها إذا خالفت هواه. ويجد كل واحد من هؤلاء في كتب الحديث ومصطلحه ما يدعم به موقفه من الآراء المختلفة المنقولة عن العلماء. وأصبحت القواعد المقررة في علوم الحديث لا تكفي لرفع الخلاف لأن (القواعد المقررة في مصطلح الحديث، منها ما يذكر فيه خلاف، ولا يحقق الحق فيه تحقيقًا واضحًا. وكثيرًا ما يختلف الترجيح باختلاف العوارض التي تختلف في الجزئيات كثيرًا، وإدراك الحق في ذلك يحتاج إلى ممارسة طويلة لكتب الحديث والرجال والعلل مع حسن الفهم وصلاح النية) (١) .\nفمن الصعوبة بمكان الوقوف على قواعد المحدثين في مسألة ما من هذا العلم دون النظر في كتبهم المصنفة في الصحيح والعلل، ودراسة ذلك دراسة متأنية ومتبصرة من غير مقررات مذهبية سابقة تحول دون الوصول إلى تقرير الحق.\nوقد أرشد إلى هذا الإمام الحاكم النيسابوري إذ يقول:\n\" إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط. وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل العلم والمعرفة. ليظهر ما يخفى من علة الحديث، فإذا وجد مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة غير مخرجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم. لزم صاحب الحديث التنقير عن علته، ومذاكرة أهل المعرفة به لتظهر علته\" (٢) .\nففي هذه الفقرة من الفوائد العلمية ما يكشف بعض الجوانب عن منهج الأئمة النقاد ونذكر منها ما يلي:\n_________\n(١) عبد الرحمن المعلمي: مقدمة تحقيق الفوائد المجموعة ص (ح) .\n(٢) علوم الحديث ص٥٩ - ٦٠.","vol":"1","page":340},{"text":"١- ليس اعتماد المحدثين في تصحيح الأحاديث على ظاهر الأسانيد فقط، بل يضاف إليه النظر فيما يمكن أن يدخل الحديث من أوهام وأخطاء.\n٢- إدراك العلل والأوهام في الأحاديث يحتاج إلى سعة الحفظ والاطلاع على مختلف الطرق والروايات للحديث الواحد، مع سلامة الفهم، وحسن القصد.\n٣- الاهتمام البالغ بالصحيحين من قبل الأئمة، واعتبارها المعيار الذي تحاكم إليه الأحاديث الأخرى.\n٤- لا يفهم من كلام الحاكم أن الأحاديث التي لم تخرج في الصحيحين كلها معلولة، وإنما المراد بذلك الطرق التي تشتمل على زيادات أو تفردات وكان ظاهر إسنادها صحيح.\nوهذا الفهم ضروري إذ لو كان المتبادر أن الأحاديث التي خارج الصحيحين كلها سقيمة ومعلولة، ما ساغ للحاكم نفسه أن يصنف \"المستدرك على الصحيحين\" ولما ساغ أيضًا لمن جاء بعده كابن حبان، وابن خزيمة، وابن السكن وغيرهم أن يسموا كتبهم بالصحيح.\nومن هنا يمكن القول بأن مراده تلك الطرق والزيادات التي يتركها الشيخان، مع معرفتهما بها وحاجتهما إليها. إذ غالبًا ما يتعلق بها فقه عظيم، مع صحة سندها وتخريجهما لأصل الحديث دون تلك الزيادات. فما هي مبررات هذا الترك؟ وهل دائمًا الزيادة التي ينفرد بها الثقة مرفوضة؟ وما هي معايير الرفض والقبول؟\nهذا ما سأحاول بمشيئة الله - توضيحيه في هذا المبحث من خلال نماذج مدروسة من صحيح البخاري.\nوقبل الإجابة على هذه الأسئلة يحسن بنا أن نذكر بمذاهب العلماء والطوائف حول \"زيادة الثقة\".","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>المطلب الأول: موقف العلماء والطوائف من زيادة الثقة</span>\nلقد اختلفت أنظار العلماء وتباينت مواقفهم كثيرًا، من زيادات الثقات. واختلطت فيها أقوال المحدثين بأقوال الأصوليين وعلماء الكلام، ونعرض في هذا المطلب لبيان تلك الآراء - على سبيل الاختصار - دون التعرض لذكر الأدلة ومناقشتها.\nوبما أن الزيادات قد تكون في الأسانيد كما تكون في المتون. فأقدم الحديث على زيادات الأسانيد وموقف العلماء منها ثم زيادات المتون.\nالقسم الأول: الزيادة في السند:\nتتمثل في اختلاف الوصل والإرسال والرفع والوقف أو زيادة راو في الإسناد وحذفه. وقد اختلف العلماء في هذا النوع على أربعة أقوال:\nالقول الأول: ترجيح الوصل على الإرسال، والرفع على الوقف:\nوإلى هذا الرأي ذهب كثير من الأئمة المتأخرين.\nقال الخطيب البغدادي: \"وهذا القول هو الصحيح عندما لأن إرسال الحديث ليس بجرح لمن وصله، ولا تكذيب له، ولعله أيضًا مسند عند الذين رووه مرسلًا، أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضي على الذاكر وكذا حال راوي الخبر إذا أرسله مرة، ووصله أخرى؛ لا يضعف ذلك إيصاله لأنه قد ينسى فيرسله، ثم يذكر بعد فيسنده، أو يفعل الأمرين معًا عن قصد منه لغرض له فيه\" (١) .\nوقال ابن الصلاح: \"وما صححه - أي الخطيب - هو الصحيح في الفقه والأصول\" (٢) .\n_________\n(١) الكفاية ص٤٥١.\n(٢) علوم الحديث ص٦٥.","vol":"1","page":342},{"text":"وقال الإمام النووي: \"الصحيح بل الصواب الذي عليه الفقهاء والأصوليون ومحققو المحدثين أنه روي الحديث مرفوعًا وموقوفًا، أو موصولًا ومرسلًا حكم بالرفع والوصل لأنها زيادة ثقة، وسواء كان الرافع والواصل أكثر أو أقل في الحفظ والعدد\" (١) .\nالقول الثاني: ترجيح الإرسال على الوصل والوقف على الرفع:\nوقد حكاه الخطيب البغدادي عن أكثر أصحاب الحديث. بالنسبة لترجيح الإرسال على الوصل (٢)، وأما ترجيح الوقف على الرفع فهو مثله فيأخذ حكمه.\nالقول الثالث: الحكم للأكثر:\nفإن كان من أرسله أكثر ممن وصله فالحكم للإرسال. وإن كان من وصله أكثر ممن أرسله فالحكم للوصل، وكذا الرفع والوقف.\nلأن تطرق السهو والخطأ إلى الأكثر أبعد، وقد حكى هذا القول الحاكم النيسابوري في \"المدخل\" عن أئمة الحديث (٣) .\nالقول الرابع:\nإن المعتبر ما قاله الأحفظ من وصل أو إرسال. فإذا كان من أرسله أحفظ ممن وصله، فالحكم لمن أرسله. وإن كان من وصل أحفظ، فالحكم له (٤) .\nوهذه الأقوال كلها نظرية فقط. وقد سبق أن نقلت في \"مبحث المخالفة\" أقوال بعض الحفاظ المتأخرين التي تبين أن منهج المحدثين على خلاف هذه الأقوال وبينت بالأمثلة المدروسة أن الترجيح خاضع للقرائن.\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم: ج٦ ص٢٩.\n(٢) الكفاية ص٤٥٠.\n(٣) انظر: فتح المغيث ك ج١ ص١٩٣.\n(٤) علوم الحديث ص٦٤، وشرح العراقي لألفيته: ج١ ص١٧٧.","vol":"1","page":343},{"text":"القسم الثاني: الزيادة في المتن:\nالخلاف في هذا النوع من الزيادة أكثر من النوع الأول. ولقد نقلت فيه أقوال كثيرة هذه أهمها:\nالقول الأول:\nذهب الجمهور من الفقهاء وبعض المحدثين كابن حبان والحاكم وجماعة من الأصوليين منهم الغزالي في \"المستصفى\" وجرى عليه النووي في مصنفاته إلى أن زيادة الثقة مقبولة مطلقًا (١) \".\nالقول الثاني:\nأنها لا تقبل مطلقًا، لا ممن رواه ناقصًا ولا من غيره.\nحكاه الخطيب في \"الكفاية\" عن قوم، المحدثين (٢)، وابن الصباغ في \"العدة\" (٣) .\nالقول الثالث:\nقبول الزيادة إذا كان الراوي لها غير الذي روى الحديث بدونها، فأما إن كان راوي الحديث بدون الزيادة هو راويه مع الزيادة فإن هذه الزيادة لا تقبل وإلى هذا القول ذهبت فرقة من الشافعية (٤) .\nالقول الرابع:\nإن غيرت الإعراب لم تقبل، وإن لم تغير الإعراب. وكان عدد من مرات ذكر الزيادة أكثر من الإمساك عنها قبلت. وإن كان العكس ردت وإن تساويا قبلت أيضًا.\nوقد ذهب إلى هذا فخر الدين الرازي (٥) .\n_________\n(١) الكفاية ص٤٦٤، وفتح المغيث: ج١ ص٢٣٣.\n(٢) الكافية ص٤٦٥.\n(٣) فتح المغيث، ج١ ص٢٣٥.\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) المحصول في علم أصول الفقه: ق١ ج٢ ص٦٨٠ – ٦٨١ بتحقيق طه جابر العلواني.","vol":"1","page":344},{"text":"القول الخامس:\nإن كان من لم يرو الزيادة قد انتهوا إلى عدد لا يتصور في العادة غفلة مثلهم عن سماع تلك الزيادة وفهمها. فإن هذه الزيادة لا تقبل، سواء أبلغ الرواة للحديث بدونها حد التواتر أم لم يبلغوه، وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد قبلت.\nوإليه ذهب ابن الصباغ (١) والآمدي (٢) وابن الحاجب (٣) والسمعاني (٤) .\nالقول السادس:\nتقبل الزيادة إذا سكت الباقون ممن لم يروها عن نفيها، أما إذا صرحوا بنفي ما نقله عند إمكان اطلاعهم على نقله، فهذا يعارض قول المثبت ويوهنه.\nوإليه ذهب إمام الحرمين الجويني (٥) .\nالقول السابع:\nإن الزيادة تقبل إذا أفادت حكما شرعيًا، وإلا فلا تقبل.\nذكر الخطيب في الكفاية ولم ينسبه لمعين (٦) .\nالقول الثامن:\nوجوب قبول الزيادة من جهة اللفظ دون المعنى.\n_________\n(١) تدريب الراوي: ج١ ص٢٤٦.\n(٢) الإحكام في أصول الأحكام: ج٢ ص١٥٥.\n(٣) في مختصره ج٢ ص٧١ بشرح الإيجي.\n(٤) فتح المغيث: ج١ ص٢٣٤.\n(٥) البرهان في أصول الفقه: بتحقيق د. عبد العظيم الذيب. ط١ – مطابع الدوحة الحديثة قطر، سنة ١٣٩٩هـ. ج١ ص٦٦٤ – ٦٦٥، ونقله السخاوي في فتح المغيث: ج١ ص٢٣٤.\n(٦) الكفاية ص٤٦٥.","vol":"1","page":345},{"text":"وهذا القول أيضًا حكاه الخطيب في الكفاية ولم ينسبه لمعين (١) .\nالقول التاسع:\nتقبل الزيادة في المتون في الفقهاء ولا تقبل من المحدثين الذين لا يهتمون بالفقه، وأن الزيادة في الإسناد فتقبل من المحدثين ولا تقبل من الفقهاء الذين لا يهتمون بالإسناد.\nوإلى هذا القول ذهب الإمام ابن حبان في مقدمة \"صحيحه\" (٢) .\nهذه أهم مذاهب العلماء من محدثين وفقهاء وأصوليين ومتكلمين في زيادة الثقة. وأكثرها شهرة واستعمالًا القول بقبول زيادة الثقة مطلقًا. وقد نسبه كثير من العلماء إلى جمهور المحدثين ولكن الواقع العلمي النقدي لأئمة الحديث يرده. وقد نبه على هذا الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فقال:\n\"اشتهر عن جمع مع العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا، من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذًا ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والعجب ممن أغفل منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وكذلك الحسن.\nوالمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة (٣) .\nإذن فمنهج الأئمة ليس هو قبول الزيادة من الثقة مطلقًا، أو ردها مطلقًا، وإنما الأمر يدور مع القرائن والمرجحات.\n_________\n(١) المصدر نفسه.\n(٢) صحيح ابن حبان: بترتيب الأمير علاء الدين الفارسي، وتحقيق الشيخ أحمد شاكر، مطبعة المعارف– القاهرة سنة ١٣٧٢هـ، ج١ ص١٢٠.\n(٣) نزهة النظر ص٢٧.","vol":"1","page":346},{"text":"وفيما يلي نماذج لزيادات ثقات ردها الإمام البخاري، وأخرى قبلها موضحًا القرائن التي اعتمد في القبول أو الرد. ومشيرًا إلى أثر تلك الزيادات في الأحكام الفقهية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>المطلب الثاني: نماذج لزيادات مقبولة عند الإمام البخاري</span>\nالمثال الأول:\nقال البخاري - ﵀ -:\n\"حدثنا محمد (هو ابن سلام)، قال: حدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: جاء فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي ﷺ قال: إني امرأة أستحاض فلا أطهر. أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لا إنما ذلك عرق وليس بحيض. فإذا أقبلت حيضك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي\".\nقال: وقال أبي: \"ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت\" (١) .\nوقال البخاري أيضًا:\nحدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -﵂- قالت: قالت فاطمة بنت حبيش لرسول الله ﷺ: يا رسول الله إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ \"إنما ذلك عرق ليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي\" (٢) .\n_________\n(١) كتاب الوضوء، باب غسل الدم حديث رقم (٢٢٧)، ج١ ص٣٩٦.\n(٢) كتاب الحيض، باب الاستحاضة حديث رقم (٣٠٦) ج١ ص٤٨٧.","vol":"1","page":347},{"text":"وقال البخاري أيضًا:\nحدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فأتت النبي ﷺ فقال: \"ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي\" (١) .\nوقال أيضًا:\nحدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا أبو أسامة قال: سمعت هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن عائشة أن فاطمة بنت حبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: \"لا إن ذلك عرق ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين، ثم اغتسلي وصلي\" (٢) .\nوقال أيضًا:\nحدثنا أحمد بن يونس عن زهير، قال: حدثنا هشام بن عروة عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ: \"إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي\" (٣) .\nهذه طرق هذا الحديث في صحيح البخاري، ونلاحظ أنها متفقة في سياق المتن إلا أن في الطريق الأولى زيادة تفرد بها أبو معاوية وهي (ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت) فهل هذه الزيادة محفوظة، وما موقف البخاري منها؟\nوقد أدعى بعضهم بأن أبا معاوية فقد انفرد بهذه الزيادة.\nولم ينفرد أبو معاوية بذلك فقد رواه النسائي عن طريق حماد بن زيد عن هشام، وأدعى أن حمادًا تفرد بهذه الزيادة.\n_________\n(١) كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره حديث رقم (٣٢٠) ج١ ص٥٠٠.\n(٢) كتاب الحيض: إذا حاضت في الشهر ثلاث حيض، حديث رقم (٣٢٥) ج١ ص٥٠٧.\n(٣) كتاب الحيض، باب إذا رأت المستحاضة الطهر، حديث رقم (٣٣١) ج١ ص٥١٠.","vol":"1","page":348},{"text":"قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث \"وتوضئ\" غير حماد بن زيد وقد روى غير واحد عن هشام، ولم يذكر فيه \"وتوضئ\" (١) .\nوأومأ مسلم إلى ذلك أيضًا حيث قال بعد روايته لهذا الحديث من طريق حماد بن زيد وغيره في حدث حماد زيادة حرف تركنا ذكره (٢) .\nوالظاهر من صنيع الإمام البخاري أنه يصحح هذه الزيادة وذلك الأمور التالية:\n١- أبو معاوية راوي هذه الزيادة ثقة (٣) .\n٢- لم ينفرد أبو معاوية بهذه الزيادة فقد تابعه عليها كل من حماد بن زيد عند مسلم والنسائي، وحماد بن سلمة عند الدرامي، ويحيى بن سليم عند السراج (٤) .\n٣- وجود بعض الشواهد لهذا الحديث.\nمنها ما رواه شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جدة عن النبي ﷺ قال في المستحاضة: \"تدع الصلاة أيام اقرائها التي كانت تحيض فيها ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي\" (٥) .\n_________\n(١) سنن النسائي: ج١ ص١٣٤، وص٢٠٢ ط. دار المعرفة.\n(٢) نقله الصنعاني في سبل السلام. ت. فواز زمرلي. دار الكتاب العربي. ط الخامسة سنة ١٩٩٠ ج١ ص١٣٣.\n(٣) هو أبو معاوية محمد بن خازم الضرير. ثقة أحفظ الناس لحدي الأعمش وقد يهم في حديث غيره. مات سنة ٢٩٥، وروى له الجماعة، ترجمته في التقريب ص٤٧٥.\n(٤) انظر الفتح: ج١ ص٤١١.\n(٥) أخرجه الدرامي (٨٩٨) وأبو داود (٢٩٧) وابن ماجه (٦٢٥) والترمذي (١٢٦) و(١٢٧) .","vol":"1","page":349},{"text":"قال أبو عيسى: هذا حديث تفرد به عن أبي اليقظان، وسألت محمدًا عن هذا الحديث فقلت: عدي بن ثابت عن أبيه عن جده. عدي ما اسمه فلم يعرف اسمه، وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين اسمه دينار فلم يعبأ به (١) . فهذا الشاهد ضعيف، لضعف شريك وتفرده به، وأبو اليقظان هو عثمان بن عميرة الكوفي لا يحتج بحديثه، ثم جهالة جد عدي بن ثابت.\nوقال أبو داود في سننه:\n\" وروى عبد الملك بن ميسرة، وبيان والمغيرة، وفراس، ومجالد عن الشعبي عن قمير عن عائشة: توضئي لكل صلاة\".\nورواية داود وعاصم عن الشعبي عن قمير عن عائشة تغتسل كل يوم مرة.\nوروى هشام بن عروة عن أبيه، المستحاضة تتوضأ لكل صلاة.\nوهذا الأحاديث كلها ضعيفة إلا حدث قمير وحديث عمار مولى بني هاشم، وحديث هشام بن عروة عن أبيه\" (٢) .\nفقه الحديث:\nفي الحديث دليل على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض، وتعمل على إقباله وإدباره. فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه. ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث، فتتوضأ لكل صلاة. لكنها لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقضية، لظاهر قوله: \"ثم توضئي لكل صلاة\" وبهذا قال الجمهور، وعند الحنفية أن الوضوء متعلق بالوقت فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة وما شاءت من الفوائت، ما لم يخرج وقت الحاضرة، وعلى قولهم المراد بقوله: \"ثم توضئي لكل صلاة\" أي لوقت كل صلاة، ففيه مجاز الحذف، ويحتاج إلى دليل.\n_________\n(١) العلل الكبير ص٥٧.\n(٢) سنن أبي داود: ج١ ص٤٨ - ٤٩.","vol":"1","page":350},{"text":"وعند المالكية يستحب لها الوضوء لكل صلاة ولا يجب إلا بحدث آخر.\nوقال أحمد وإسحاق: \"إن اغتسلت لكل فرض هو أحوط \" (١) .\nوفي هذه الزيادة دليل صريح على أن المستحاضة يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة.\nالمثال الثاني:\nزيادة \" من المسلمين \" في حديث زكاة الفطر.\nقال البخاري: \"حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر –﵄- أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين\" (٢) .\nفهذا الحديث رواه مالك عن نافع وذكر فيه \" من المسلمين \".\nورواه أيوب عن نافع ولم يذكر فيه \"من المسلمين\" (٣) .\nورواه عبيد الله عن نافع ولم يذكر فيه \"من المسلمين\" (٤) .\n_________\n(١) الفتح: ج١ ص٤٨٨، وانظر بداية المجتهد: ج١ ص٦٠ – ٦٣، وسبل السلام: ج١ ص١٣٣، ونيل الأوطار: ج١ ص٢٧٣.\n(٢) كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين، حديث رقم (١٥٠٤) ج٣ ص٤٣٢.\n(٣) أخرجه البخاري في الزكاة، باب صدقة الفطر على الحر والمملوك حديث رقم (١٥١١) وأخرجه مسلم في الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير رقم (١٤) وأخرجه الترمذي، في الزكاة باب ما جاء في صدقة الفطر رقم (٦٧٥) وأخرجه النسائي في الزكاة باب فرض زكاة رمضان (٢٤٩٩)، وأبو داود في الزكاة، باب كم يؤدي في صدقة الفطر رقم (١٦١٥) .\n(٤) انفرد به النسائي، رواه في كتاب الزكاة باب كم فرض رقم (٢٥٠٤) ج٥ ص٥١ ط. دار المعرفة.","vol":"1","page":351},{"text":"ورواه الليث عن نافع ولم يذكر فيه \" من المسلمين \" (١) .\nقال الترمذي ك \"روى أيوب وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع. ولم يذكر فيه من المسلمين، وروى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك من لا يعتمد على حفظه.\nوقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به، منهم الشافعي وأحمد بن حنبل قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين، لم يؤد زكاة الفطر، واحتجًا بحديث مالك، فإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قبل ذلك عنه\" (٢) .\nوممن صح هذه الزيادة واحتج بها الإمام البخاري – في صحيحه – حيث ترجم بما يدل على ذلك في باب صدقة الفطرة على العبد وغيره من المسلمين.\nوقد اعتمد البخاري في تصحيح هذه الزيادة على:\n١- ثقة مالك وحفظه وإتقانه.\n٢- عدم انفراده بهذه الزيادة فقد تابعه عليها عمر بن نافع وحديثه أورده البخاري في الباب قبله (٣)، والضحاك بن عثمان عند مسلم (٤) .\nورواه عبد الله العمري عن نافع فقال: \" على كل مسلم \" (٥) .\nورواه سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبد الله بن عمر عن نافع\n_________\n(١) رواه مسلم في كتاب الزكاة، باب زكاة فطر على المسلمين من التمر والشعير، حديث رقم (١٥) ج٢ ص٦٧٨.\n(٢) العلل الصغير (مع الجامع) ص٧٥٩.\n(٣) كتاب الزكاة باب فرض صدقة الفطر حديث رقم (١٥٠٣) ج٣ ص٤٣٠.\n(٤) صحيح مسلم كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير رقم (١٦) ج٢ ص٦٧٨.\n(٥) رواه أبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب كم يؤدي في صدقة الفطر ج١ ص٢٥٥.","vol":"1","page":352},{"text":"فقال فيه: \"من المسلمين\" (١) .\nقال الإمام أحمد في رواية عنه: \"كنت أتهيب حديث مالك (من المسلمين) حتى وجدته من حديث العمريين. قيل له فمحفوظ هو عندك (من المسلمين)؟ قال: نعم\".\nوهذه الرواية تدل على توقفه في زيادة واحدة من الثقات، ولو كان مثل مالك حتى يتابع على تلك الزيادة (٢) . لهذه المتابعات صحح الإمام البخاري والترمذي وأحمد وغيرهم هذه الزيادة وعملوا بها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>المطلب الثالث: نماذج لزيادات مردودة عند البخاري</span>\nالمثال الأول:\nحديث عثمان - ﵁ - في صفة وضوئه ﵇.\nقال البخاري ﵀: \"حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب بن عطاء بن يزيد أخبره أن حمران مولى عثمان، أخبره أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاثة مرار فغسلها ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: \"من توضأ نحو وضوئي هذا ثم ﷺ ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه\" (٣) .\n_________\n(١) المصدر نفسه.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثًا حديث رقم (١٥٩) ج١ ص٣١١ (مع التفح) .","vol":"1","page":353},{"text":"وقال البخاري أيضًا: \" حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عطاء بن يزيد عن حمران مولى عثمان ثم مسح برأسه \" (١) .\nوقال البخاري أيضًا: \" حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر قال: حدثني الزهرري عن عطاء بن يزيد عن حمران مولى عثمان رأيت عثمان.. ثم مسح برأسه \" (٢) .\nهذه طرق هذا الحديث عن الإمام البخاري.\nوأخرجه مسلم في الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله، عن أبي طاهر بن السرح وحرملة بن يحيى كلاهما عن ابن وهب عن يوسف، وعن زهير بن حرب عن يعقوب بن إبراهيم بن سلامة عن أبيه ثلاثتهم عن الزهري (٣) .\nولفظه مثل لفظ البخاري.\nفهذه طرق حديث عثمان في صفة وضوئه ﵇ ليس في شيء منها في الصحيحين ذكر عدد مسح الرأس.\n_________\n(١) أخرجه في نفس الكتاب، والباب حديث رقم (١٦٤) ج١ ص٣٢١ (مع الفتح) .\n(٢) أخرجه في كتاب الصوم، باب السواك الرطب واليابس للصائم، حديث رقم (١٩٣٤) ج٤ ص١٨٧.\n(٣) صحيح مسلم، حديث رقم (٢٢٦) ج١ ص٣٠٤.","vol":"1","page":354},{"text":"لكن روى أبو داود في سننه (١) بإسناد جيد في بعض طرق هذا الحديث زيادة لفظ (ثلاثًا) عند قوله ومسح رأسه، وهي تفيد تثليث مسح الرأس.\nفما حكم هذه الزيادة؟ وهل هي محفوظة أم لا؟ ولماذا تركها الشيخان؟ وما الحكم الفقهي المستفاد منها؟\nلو نظرنا إلى ظاهر السند الذي رويت به هذه الزيادة، ما ترددنا في قبولها لكن كثيرًا من الأئمة لم يصححوها ومن هؤلاء:\nالإمام أبو داود راوي هذه الزيادة.\nيقول في سننه: \"أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة\" (٢) .\nوقال ابن المنذر: \"إن الثابت عن النبي ﷺ في المسح واحدة\" (٣) .\nوقال الدارقطني في سننه: \"إن السنة في الوضوء مسح الرأس مرة واحدة\" (٤) .\nوقال العلامة ابن القيم: \"والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه بل كان إذا كرر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس، هكذا جاء عنه صريحًا، ولم يصح عنه خلافه البتة\" (٥) .\nأما الإمام البخاري - ﵀ - فصنيعه يشعر ويدل دلالة واضحة، أنه لا يصحح تلك الزيادة إذ أنه روى هذا الحديث في مواضع متعددة من صحيحه، ولم يورد تلك الزيادة وترجم على الحديث في كل مرة مستنبطًا منه مسائل فقهية.\n- ترجم عليه أولًا بما يدل على سنة التثليث عمومًا في الوضوء (باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا) بعد أن أورد ما يدل على مشروعية المرة الواحدة والمرتين (باب الوضوء مرة مرة) و(باب الوضوء مرتين مرتين) .\n_________\n(١) أخرجه في كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي ﷺ من طريق محمد بن المثنى، عن الضمان بن مخلد عن عبد الرحمن بن وردان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: رأيت عثمان ومسح رأسه ثلاثًا (السنن ج١ ص١٧)، وفي صحيح ابن خزيمة من نفس الطريق وغيره.","vol":"1","page":355},{"text":"- ثم ترجم له بما يدل على مشروعية غسل الرجلين، وعدم مشروعية المسح على القدمين بقوله (باب غسل الرجلين، ولا يمسح على القدمين) .\n- ثم أورده في كتاب الصيام مستدلًا به على مشروعية السلواك للصائم سواء أكان رطبًا أم يابسًا.\n- ومما يدل على عدم ثبوت تلك الزيادة عنده أنه ترجم صريحًا بما يخالفها في نفس الباب الذي أورد فيه حديث عثمان الآنف الذكر، فقد روى في كتاب الوضوء (باب مسح الرأس مرة) وفي بعض ورايات الصحيح (باب مسح الرأس مسحة) .\nمن حديث عبد الله بن زيد - ﵁ الله عنه -.\nفهذه القرائن تدل على أن الإمام البخاري لا يرى صحة تلك الزيادة لانفرادها ومخالفتها لما هو ثابت عن عثمان - ﵁ الله عنه -.\nأما ما يتعلق بالزيادة من الناحية الفقهية، فيتمثل في مشروعية تثليث مسرح الرأس.\nقد أفاض العلامة العيني في هذه المسألة، فأنقل كلامه ملخصًا، ثم نناقشه فيه، قال -﵀-:\n\"إن قوله (ثم مسح برأسه) يقتضي مرة واحدة، كذا فهمه غير واحد من العلماء، وإليه ذهب أبو حنيفة ومال وأحمد، وقال الشافعي: يستحب التثليث لغيرها من الأعضاء وهو مشهور مذهبه.\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: لا نعلم أحدًا من السلف جاء عنه استعمال الثلاث إلا إبراهيم التيمي.\nقلت: فيه نظر، لأن ابن أبي شيبة حكى ذلك عن أنس بن مالك، وسعيد بن جبير وعطاء، وزاذان، وميسرة، أنهم كانوا إذا توضؤوا مسحوا رؤوسهم ثلاثًا.","vol":"1","page":356},{"text":"ووردت أحاديث كثيرة بالمسح ثلاثًا، ففي سنن أبي داود بسند صحيح من حديث عبد الرحمن بن وردان عن حمران، وفيه (مسح رأسه ثلاثًا) .\nوفي سنن ابن ماجه ما يدل على أن سائر وضوئه ﵇ كان ثلاثًا، والرأس داخل فيه، وهو بسند صحيح.\nوفي علل الترمذي أنه سأل البخاري عن حديث سعيد بن الحارث عن خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت، أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فقال هو حديث حسن، وقال أبو عيسى: هو غريب من هذا الوجه.\nوفي مسند أحمد بن منيع عمن رأى عثمان - ﵁ - أنه دعا بوضوء وعنده الزبير، وسعد بن أبي وقاص فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: أنشدكما الله أتعلمان أن النبي ﷺ كان يتوضأ كما توضأت؟ قالا: نعم.\nوفي سنن أبي داود من حديث علي - ﵁ - رفعه \"ومسح برأسه ثلاثًا\" وسنده صحيح.\nوفي سنن الدارقطني بسند فيه البيلماني، عن عمر - ﵁ - وصف وضوء النبي ﷺ قال: \"ومسح برأسه ثلاثًا\".\nوفي الأوسط للطبراني من حديث أبي رافع مرفوعًا \"مسح برأسه وأذنيه وغسل رجليه ثلاثًا\" وقال: لا يروي عن أبي رافع إلا بهذا الإسناد، تفرد به الداروردي عن عمر بن أبي عمرو عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي رافع عنه.\nوروى الدارقطني في سننه عن محمد بن محمود الواسطي عن شعيب بن أيوب عن أبي يحيى الحماني عن أبي حنيفة عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي﵁ - أنه توضأ وفيه \"ومسح برأسه ثلاثًا\" ثم قال: هكذا رواه أبو حنيفة عن علقمة بن خالد وخالفه جماعة من الحفاظ الثقات، فرووه عن خالد بن علقمة، فقالوا فيه: ومسح رأسه مرة واحدة، ومع خلافهم إياهم قال: إن السنة في الوضوء مسح الرأس مرة واحدة.","vol":"1","page":357},{"text":"قلت (القاتل العيني): الزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما من أبي حنيفة، وأما قوله فقد خالف في الحكم المسح فغير صحيح لأن تكرار المسح عنده مسنون أيضًا لكل بماء واحد.\nوقد وردت الأحاديث في المسح مرتين: منها ما رواه ابن ماجة بسند لا بأس به عن الربيع \"توضأ النبي ﷺ ومسح على رأسه مرتين\".\nومنها ما رواه النسائي من حديث عبد الله بن زيد \"ومسح برأسه مرتين\" وسنده صحيح.\nفكل ما أورده العلامة العيني - ﵀ - ليستدل به على مشروعة التثليث لمسح الرأس لا ينهض للاحتجاج وذلك لأن بعض ما أورده صحيح غير صريح والبعض الآخر صريح غير صحيح. أما لصحيح غير الصريح فهي تلك الأحاديث التي تدل على مشروعية التثليث في الوضوء بصفة عامة، وهذا ليس هو محل النزاع إذ أخرج بعضها البخاري ومسلم - في صحيحيهما -.\nوأما ما يدل على التثليث في مسح الرأس خاصة فهو صريح غير صحيح، فما رواه أبو داود فقد صرح بأن أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة.\nوما رواه الدارقطني في سننه (١) من حديث ابن البيلماني عن أبيه عن عمر أن النبي ﷺ قال: \"من توضأ فغسل كفيه ثلاثًا \" ثم قال ومسح برأسه ثلاثًا.\nفهذا لا يحتج به لحال ابن البيلماني وابيه وإن كان الأب أحسن حالًا.\nوأما ما رواه الطبراني في الأوسط، فقد عقبه بقوله: تفرد به الدراوردي أي أنه غريب غير مشهور. وأما حديث علي الذي رواه\n_________\n(١) سنن الدارقطني: ج١ ص٩٣ وفي سنده صالح بن عبد الجبار، قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية. لا أعرفه إلا من هذا الحديث، وهو مجهول الحال، ومحمد بن عبد الرحمن البيلماني، قال الترمذي: قال البخاري: منكر الحديث.","vol":"1","page":358},{"text":"الدارقطني أيضًا في سننه من طريق أبي حنيفة فقد نص الدارقطني على أنه شاذ إذا إن أبا حنيفة خالف جماعة من الحفاظ الثقات.\nوأما قول العيني \"بأنه زيادة ثقة وزيادة الثقة مقبولة\" فهذا الحكم ليس على إطلاقه، بل هو دائر مع القرائن والمرجحات، فإذا ثبت عندنا أن هذا الثقة قد حفظ، ولم يخالفه من هو أوثق وأحفظ وأكثر عددًا منه وغير ذلك من القرائن قبلت زيادته.\nوأما ما ورد في بعض الروايات من أنه ﷺ مسح رأسه مرتين (١) فيحمل على أنه رواية بالمعنى، لأنه ورد أنه كان يمسح رأسه بيديه يقبل بهما ويدبر.\nقال ابن القيم: \"وكان يمسح رأسه كله، وتارة يقبل بيديه ويدبر، وعليه يحمل حديث من قال مسح برأسه مرتين، والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه\" (٢) .\nمما سبق يتضح لنا عدم مشروعية التثليث لمسح الرأس وهذا ما ذهب إليه البخاري -﵀ - ولم يصحح تلك الزيادة، لأنها ليست لها متابعات ولا شواهد صحيحة.\nولم ينفرد الإمام البخاري بترك هذه الزيادة بل قد شاركه في ذلك مسلم - ﵀ - وأعلها أبو داود والدارقطني وغيرهما.\nالمثال الثاني:\nزيادة \"فليرقه\" في حديث ولوغ الكلب.\nقال البخاري: \"حدثني عبد الله بن يوسف عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا\" (٣) .\n_________\n(١) أخرجه النسائي في سننه، كتاب الطهارة، باب عدد مسح الرأس رقم (٩٩) ج١ ص٧٦.\n(٢) زاد المعاد: ج١ ص١٩٣.\n(٣) كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغتسل به شعر الإنسان، وسؤر الكلاب وممرهما في المسجد، حديث رقم (١٧٢) ج١ ص٣٣٠.","vol":"1","page":359},{"text":"وقد روى الإمام مسلم والنسائي هذا الحديث من طريق علي بن حجر السعدي عن علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات\".\nقال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحدًا تابع علي بن مسهر على قوله فليرقه (١) .\nيؤخذ من هذه الزيادة أن الماء الذي يلغ فيه الكلب نجس، وأن الغسل لتطهير الإناء لا لمجرد التعبد، ويؤخذ منه نجاسة لعاب الكلب، وهذه الأحكام الفقهية متوقفة على صحة تلك الزيادة.\nقد صحح هذه الزيادة بعض الأئمة منهم:\nالإمام الدارقطني، فإنه قال بعد أن ساق الحديث بسنده إلى أبي هريرة، قال قال رسول الله ﷺ: \"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه، وليغسله سبع مرات\" صحيح: إسناده صحيح، رواته كلهم ثقات (٢) .\nوقد أورده ان خزيمة في صحيحه وكذلك ابن حبان.\nوقال العراقي - ﵀ - بعد أن نقل أقوال بعض الأئمة في تعليل زيادة \"فليرقه\": \"قلت وهذا غير قادح فيه فإن زيادة الثقة مقبولة عند العلماء والفقهاء والأصوليين والمحدثين، وعلي بن مسهر قد وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وغيرهم، وهو أحد الحفاظ الذين احتج بهم الشيخان، وما علمت أحدًا تكلم فيه، فلا يضره تفرده به\" (٣) .\nوقد صحح هذه الزيادة أيضًا الإمام الشوكاني في النيل (٤) .\n_________\n(١) رواه مسلم في كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب حديث رقم (٨٩) ج١ ص٢٣٤، ورواه النسائي في كتاب الطهارة، باب الأمر بإراقة الإناء إذا ولغ فيه الكلب، حديث رقم (٦٦)، ج١ ص٥٦.\n(٢) السنن: ج١ ص٦٤.\n(٣) طرح التثريب: ج٢ ص١٢١.\n(٤) نيل الأوطار، ج١ ص٣٤.","vol":"1","page":360},{"text":"وابن دقيق العيد في شرحه على عمدة الأحكام (١) .\nونلاحظ أن هؤلاء الأئمة اعتمدوا في تصحيح هذه الزيادة على ظاهر الإسناد فالراوي المتفرد بها ثقة فتقبل زيادته.\nلكن هناك من الأئمة من أشار على عدم صحتها فمن هؤلاء:\n- الإمام النسائي، قال: لا أعلم أحدًا تابع علي بن مسهر على زيادة فليرقه (٢) .\n- وقال حمزة الكناني: إنها غير محفوظة (٣) .\n- وقال ابن منده: لا تعرف عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه إلا علي بن مسهر بهذا الإسناد (٤) .\nوقال ابن عبد البر: \"لم يذكرها الحفاظ من أصحاب الأعمش كأبي معاوية وشعبة\" (٥) .\nويعتبر شعبة وسفيان وأبو معاوية من أثبت الناس في حديث الأعمش (٦) وهؤلاء لم يذكروا هذه اللفظة.\nوعلي بن مسهر ثقة حافظ خلط في آخر عمره.\nوقد ذكره الحافظ ابن رجب في أمثلة الثقات الذين ضعف حديثهم في بعض الأوقات دون بعض، وهم الثقات الذين خلطوا في آخر عمرهم.\nوقال فيه:وعلي بن مسهر له مفاريد، ومنها في حديث: \"إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليرقه\" وقد خرجه مسلم.\n_________\n(١) إحكام الأحكام: ج١ ص٣٠.\n(٢) سنن النسائي: ج١ ص٥٦.\n(٣) الفتح: ج١ ص٣٣٠، والتلخيص الحبير: ج١ ص٢٥.\n(٤) المصدر نفسه.\n(٥) الفتح: ج١ ص٣٣٠.\n(٦) انظر شرح العلل ص٢٩٥.","vol":"1","page":361},{"text":"وذكر الأثرم أيضًا عن أحمد أنه أنكر حديثًا، فقيل له: رواه علي بن مسهر، فقال: إن علي بن مسهر، كانت كتبه قد ذهبت فكتب بعد، فإذا روى هذا غيره، وإلا فليس بشيء يعتمد\" (١) .\nفهذه القرائن تدل على أن علي بن مسهر وهم في هذه الزيادة.\nأما بالنسبة لمشروعية الإراقة، فلا يصح الاعتماد على هذه الزيادة، لكن (قد ورد الأمر بالإراقة من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا، أخرجه ابن عدي مرفوعًا، لكن في رفعه نظر، والصحيح أنه موقوف وكذا ذكر الإراقة ماد، زيد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا وإسناده صحيح أخرجه الدارقطني وغيره) .\nإذن الصواب أن الأمر بالإراقة موقوف على أبي هريرة، ويمكن أن يكون ابن مسهر قد أدخل الموقف في المرفوع.\nأما بالنسبة للإمام البخاري فإنه ترك هذه الزيادة رغم إخراجه لأصل الحديث، مما يدل على أنها غير ثابتة عنده، وقد ترجم بما يدل على ذلك \"باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، وسؤر الكلاب وممرهما في المسجد\" ومن خلال ما أورده في هذا الباب من أحاديث وآثار يبين أنه يذهب إلى طهارة الكلب، وطهارة سؤره.\nوفي نهاية هذا المبحث نلخص إلى النتيجة التالية:\nإن زيادة الثقة ليست مقبولة دائمًا عند الإمام البخاري، وليست مردودة دائمًا، وإنما يكون القبول والرد بناء على القرائن.\nوالغالب على أكثر الزيادات التي تتعلق بها مسائل فقهية مهمة، ولم يخرجها الشيخان، مع تخريجهما لأصل الحديث، أن تكون شاذة أو منكرة.","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>الخاتمة</span>\nإن الإمام البخاري من المحدثين النقاد الذين تركوا لنا رصيدًا علميًا كبيرًا ومتنوعًا فينبغي أن يهتم بهذا الإنتاج، ويدرس دراسة علمية متخصصة، ولا يكفي لبحث واحد - مهما بذل فيه صاحب من جهد - أن يبرد جميع الجوانب النقدية عند هذا الإمام.\nوالنتيجة التي انتهيت إليها أن كل جزئية من هذا الموضوع تحتاج إلى بحث خاص، حتى تكون النتائج أدق وأعمق، ومع ذلك فقد حررت كثيرًا من المسائل، وحللت كثيرًا من الأمثلة والنماذج، وناقشت بعض المسلمات والآراء، مما يكون له أثر طيب - إن شاء الله - في تحريك همم الباحثين في مواصلة الطريق والتعمق أكثر.\nوهذه أهم النتائج التي توصلت إليها:\n١- عبقرية الإمام البخاري، ودقة الصناعة الحديثية عنده، خلاف ماهو شائع أن صحيح البخاري لا يشتمل على الدقائق الإسنادية، وأن مسلمًا هو المتفرد بذلك، نعم هي موجودة وبكثرة، لكنها متفرقة وغامضة.\n٢- إن الجامع الصحيح سلسلة من حلقة متواصلة من جهود المحدثين في التأليف والتصنيف، والنقد والتمحيص.\n٣- تنوع مجالات الثقافة عند الإمام البخاري، وغزارة عمله، ودقة فقه، ومتانة دينه، وسلامة عقيدته، ومما يؤهله لأن يكون أحد أئمة المسلمين.","vol":"1","page":363},{"text":"٤- التأثير العلمي لصحيح البخاري في عصره وفيما بعده، وظهر هذا التأثير في إحداث حركة علمية نشيطة في النسج على منواله، أو انتقاده والاستدراك عليه، أو في شرحه والتعليق عليه.\n٥- لم ألاحظ خلال بحثي هذا تباينًا في منهج النقد عند الأئمة، وهذا من خلال المقارنة بين موقف الإمام البخاري، ومواقف غيره من الأئمة في الحكم على الأحاديث تصحيحًا وتعليلًا، مما يدل دلالة واضحة على وحدة المنهج، أما الاختلافات فهي جزئية تتباين فيها أنظار النقاد في التطبيق والتفريع.\n٦- وجود خلافات كبيرة وجوهرية بين النقاد من المحدثين وغيرهم من المتكلمين والأصوليين والفقهاء، حيث يغلب على هؤلاء البعد عن طريقة المحدثين، واطلاعهم على الواقع الحديثي، والاكتفاء بالأحكام العامة والنظريات المجردة.\n٧- اعتبار شرط العدالة في صحة حديث الراوي، عند الإمام البخاري وسائر الأئمة، وتأثر شروطها عند كثير من المتأخرين بشروط الشهادة.\n٨- هناك بعض الأمور لا تقدح في العدالة عند الإمام البخاري منها، إذا روى الثقة حديثًا فسئل عنه فنفاه، أو إذا كان الراوي يغشى السلطان، أو كان يأخذ الأجرة على التحديث، كل ذلك لا يقدح في عدالته إذا تبين صدقه وحفظه.\n٩- إن الإمام البخاري لا يرى البدعة غير المكفرة جرحًا في الراوي، لذلك روى لكثير من المبتدعة في المتابعات وأحيانًا في الأصول، والعبرة عنده صدقة اللهجة، وإتقان الحفظ، وخاصة إذا انفرد بشيء ليس عنده غيره.\n١٠- إن الإمام البخاري لم يرو في صحيحه عن مجهول قط؛ لأن الجهالة لا يتحقق معها وصف العدالة، التي هي شرط أساسي في صحة الحديث.","vol":"1","page":364},{"text":"أما بالنسبة للرواة غير المشهورين فالبخاري لم يعتمد على أحاديثهم، وإنما روى لهم أحاديث يسيرة لها طرق وشواهد كثيرة.\n١١- ليس في صحيح البخاري حديث اصل من رواية من ليس له إلا راو واحد.\n١٢- يروي الإمام البخاري عن الضعفاء في صحيحه لكنه ينتقي من أحاديثهم ما صح.\n١٣- كثيرًا من أحاديث الصحيح لا يمكن الحكم عليها بالصحة لخصوص أسانيدها ولكن يحكم عليها بالصحة بمجموع طرقها. فالتصحيح قائم على أساس تتبع الطرق والروايات.\n١٤- تخريج الإمام البخاري الأحاديث الصيحة من طرق ضعيفة لأغراض إسنادية مثل العلو والشهرة وغيرها.\n١٥- إن الطرق المعتبرة عند الإمام البخاري في التحمل والأداء هي: السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه، والمناولة والمكاتبة، أما باقي أنواع التحمل فهي من توسع من جاء بعد عصر الرواية إبقاء على سلسلة الإسناد في الأمة.\n١٦- لقد شاع عند الكثير أن الإمام البخاري يشترط ثبوت اللقاء مع المعاصرة وأن الإمام مسلم يكتفي بمجرد إمكان اللقاء، لكن ليس هناك ما يدل دلالة قاطعة على هذا الأمر.\n١٧- عدم فهم منهج الإمام مسلم في السند المعنعن عند الكثير من الدارسين وتحميله ما لا يحتمل، ونصب خلاف موهوم بينه وبين الإمام البخاري وابن المديني وغيرهما من أئمة النقد.\n١٨- اعتبار الإمام البخاري لشرط الاتصال في صحة الأحاديث. أما الأحاديث التي انتقدت من طرف بعض الأئمة وادعوا أنها منقطعة فالتحقيق أنها متصلة.\n١٩- إن التدليس ليس بجرح عند الإمام البخاري، ويعرف صحة حديث المدلس بطرق كثيرة، وليس بمجرد تصريحه بالسماع فقط.","vol":"1","page":365},{"text":"٢٠- وجود بعض الأحاديث المعلولة في صحيح البخاري، وهي قليلة لا تقلل من وفاء الإمام البخاري بشرطه. والكثير من تلك الأحاديث قد أشار البخاري نفسه إلى علتها بذكر الخلاف فيها.\n٢١- إن أحاديث الجامع الصحيح جلها أحاديث مشهورة. وفيها نسبة قليلة من الغرائب التي كانت محل نقد واستنكار من قبل بعض النقاد، وللبخاري أدلة على صحتها وعذر في روايتها مما يدل على أن التفرد ليس دائمًا سببًا في تعليل الأحاديث.\n٢٢- اعتماد البخاري على التفرد والاستدلال به على العلة مع انضمام قرائن أخرى.\n٢٣- إن الاختلاف بين الرواة من أهم دلائل العلة، لكن الحكم بين الرواة يحتاج إلى فحص كل القرائن، ولا يتخذ شكلًا ثابتًا.\n٢٤- إن للاختصار، وللرواية بالمعنى، وللإدراج أثرًا كبيرًا في تغيير متن الحديث. مما يكون سببًا في تعليله في بعض الأحيان وهذا إذا خالف المتن الأصلي الحديث.\n٢٥- أن الإمام البخاري لا يقبل زيادة الثقة مطلقًا، ولا يردها مطلقًا بل الأمر عنده دائر مع القرائن والمرجحات.\n٢٦- أكثر الزيادات الفقهية التي وردت أصولها في الصحيحين شاذة أو منكرة. ومن هنا ينبغي اعتبار الصحيحين هما المعيار في التعرف على صحة الأحاديث وعللها.\nهذا ما توصلت إليها فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان.\nوالله أسأل أن ينفعني به، وسائر المسلمين، وأن يهدينا إلى التمسك بسنة نبيه ﷺ، وخدمتها والدفاع عنها، إنه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nوسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.","vol":"1","page":366}]}