{"ً":{"ٌ":165,"ٍ":"فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط ٤","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/fthallam_bolog/","files":["01.pdf","02.pdf","03.pdf","04.pdf","05.pdf","06.pdf","07.pdf","08.pdf","09.pdf","10.pdf"]},"ّ":"الكتاب: فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام «حديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة»\nالمؤلف: أبو عبد الله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني\nالناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع، صنعاء - اليمن\nالطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م\nعدد الأجزاء: ١٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام - محمد بن علي بن حزام البعداني]\n\n• هذا الكتاب المبارك درس فيه الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني اليماني -حفظه الله- أحاديث بلوغ المرام حديثيًا وفقهيًا.\n\n• وقد ذكر فيه عامة المسائل الفقهية المشهورة المجمع عليها والمختلف فيها، مع دراسة أقوال الفقهاء فيها والترجيح بينها، وأورد الآثار الكثيرة عن الصحابة، رضوان الله عليهم في ضمن دراسة المسائل مع بيان حالها صحة وضعفا؛ فصار الكتاب فتحا من ربنا العلام ﷾ كما سماه شيخنا حفظه الله وعافاه.\n\n• قال عنه مؤلفه -حفظه الله- في المقدمة: ومن توفيق الله لي -وله الحمد والمنة- أن قمت بدراسة أحاديث بلوغ المرام حديثيًّا وفقهيًّا أبحث عن الحديث وأحكم عليه بما يسر الله لنا من علم، مستفيدًا من كتب التخاريج والعلل وغيرها، ثم أدرس المسائل الفقهية المتعلقة بالحديث، وربما قدمت أو أخرت بعض المسائل الفقهية المشابهة أو المتعلقة بالموضوع لتتميم الفائدة، وسميت هذا الكتاب (فتح العلام بدراسة أحاديث بلوغ المرام).\nوكان المقصود من ذلك هو التفقه في دين الله ﷿، ومعرفة الأحكام الشرعية؛ لنعبد الله ﷿ على بصيرة.\nومن فضل الله ﷿ عليَّ وله الحمد لا أُحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه أني جعلت هذه الدراسة لأحاديث (بلوغ المرام) مصحوبة بتدريس هذا الكتاب إخواني طلبة العلم في دار الحديث بدماج.\nومن فضل الله ﷿ عليَّ أيضًا أني كنت مع تدريسي لهذا الكتاب أقيِّدُ المسائل العلمية في أوراقي حتى أخرجها في كتابٍ ينفع الله ﷿ به؛ فكان ذلك بحمد الله وتوفيقه أحمده حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.","ٓ":"1.0","ٔ":3083,"ٕ":7,"ٖ":1770156269,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الشارح","level":1,"page":3},{"title":"كيفية عملي في الدراسة الحديثية","level":2,"page":7},{"title":"كيفية عملي في الدراسة الفقهية","level":2,"page":8},{"title":"ترجمة مختصرة للحافظ ابن حجر -﵀-","level":2,"page":11},{"title":"قواعد فقهية معتمدة","level":2,"page":14},{"title":"الأولى: الأمور بمقاصدها، ولا عمل إلا بنية","level":3,"page":14},{"title":"الثانية: لا ضرر ولا ضرار","level":3,"page":14},{"title":"الثالثة: المشقة تجلب التيسير","level":3,"page":14},{"title":"الرابعة: اليقين لا يزول بالشك","level":3,"page":15},{"title":"الخامسة: العادة محكمة","level":3,"page":15},{"title":"السادسة: النص يؤخذ بعمومه وإطلاقه حتى يقوم دليل التخصيص، أو التقييد نصا، أو دلالة","level":3,"page":16},{"title":"السابعة: ما نهي عنه لذاته من العبادات فمقتضاه فساد العبادة","level":3,"page":16},{"title":"الثامنة: الأصل في العبادات الحظر","level":3,"page":16},{"title":"التاسعة: الأصل في الأشياء الإباحة","level":3,"page":16},{"title":"العاشرة: الجواز الشرعي ينافي الضمان","level":3,"page":17},{"title":"مقدمة بلوغ المرام","level":1,"page":19},{"title":"كتاب الطهارة","level":1,"page":21},{"title":"باب المياه","level":2,"page":21},{"title":"مسألة [١]: أقسام المياه","level":3,"page":22},{"title":"مسألة [٢]: الماء المضاف إلى طاهر.","level":3,"page":23},{"title":"مسألة [٣]: الطهارة بالنبيذ.","level":3,"page":25},{"title":"مسألة [٤]: إذا تغير لطول حبسه بدون مخالطة طاهر، أو نجس.","level":3,"page":27},{"title":"مسألة [١]: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الحل ميتته».","level":3,"page":30},{"title":"مسألة [٢]: حكم ماء البحر","level":3,"page":31},{"title":"مسألة [١]: الماء القليل والكثير إذا خالطته النجاسة؟","level":3,"page":36},{"title":"مسألة [٢]: إذا كان الماء قليلا، وخالطته النجاسة، ولم يتغير.","level":3,"page":37},{"title":"مسألة [٣]: هل غير الماء من المائعات ينجس بورود النجاسة عليه؟","level":3,"page":41},{"title":"مسألة [٤]: الماء المشمس.","level":3,"page":43},{"title":"مسألة [٥]: الماء المسخن.","level":3,"page":43},{"title":"مسألة [٦]: التطهر بماء زمزم؟","level":3,"page":44},{"title":"مسألة [١]: حكم اغتسال الجنب في الماء الدائم.","level":3,"page":47},{"title":"مسألة [٢]: هل يرتفع الحدث إذا اغتسل في الماء الدائم؟","level":3,"page":47},{"title":"مسألة [٣]: حكم التبول في الماء الدائم.","level":3,"page":49},{"title":"مسألة [٤]: حكم التغوط في الماء الدائم.","level":3,"page":50},{"title":"مسألة [٥]: حكم التبول في الماء الجاري.","level":3,"page":50},{"title":"مسألة [١]: حكم تطهر الرجل بفضل المرأة.","level":3,"page":54},{"title":"مسألة [٢]: حكم تطهر المرأة بفضل الرجل.","level":3,"page":55},{"title":"مسألة [٣]: تطهر الرجل وامرأته من إناء واحد جميعا.","level":3,"page":56},{"title":"مسألة [٤]: الماء المستعمل في الوضوء أو الاغتسال.","level":3,"page":57},{"title":"مسألة [١]: حكم الكلب، ولعابه.","level":3,"page":61},{"title":"مسألة [٢]: هل الحكم السابق مخصوص في كلب دون كلب.","level":3,"page":66},{"title":"مسألة [٣]: حكم الغسل سبع مرات.","level":3,"page":66},{"title":"مسألة [٤]: حكم التتريب.","level":3,"page":68},{"title":"مسألة [٥]: موقع التتريب.","level":3,"page":69},{"title":"مسألة [٦]: كيفية إضافة التراب.","level":3,"page":70},{"title":"مسألة [٧]: هل يقوم الصابون، والأشنان مقام التراب.","level":3,"page":71},{"title":"مسألة [٨]: ما الحكم إذا تعدد الولوغ؟","level":3,"page":72},{"title":"مسألة [٩]: إذا ولغ الكلب في ماء ليس في إناء.","level":3,"page":72},{"title":"مسألة [١٠]: إذا لعق، أو لحس شيئا جامدا.","level":3,"page":73},{"title":"مسألة [١١]: هل ينجس ما في الإناء تبعا للإناء؟","level":3,"page":73},{"title":"مسألة [١٢]: هل يغسل الإناء بالماء الذي فيه.","level":3,"page":74},{"title":"مسألة [١٣]: بقية أجزاء الكلب.","level":3,"page":74},{"title":"مسألة [١٤]: نجاسة غير لعاب الكلب هل تغسل سبعا؟","level":3,"page":75},{"title":"مسألة [١٥]: هل غسل الإناء على الفور؟","level":3,"page":76},{"title":"مسألة [١٦]: إراقة ما في الإناء.","level":3,"page":76},{"title":"مسألة [١٧]: لعاب الخنزير.","level":3,"page":76},{"title":"مسألة [١]: حكم سؤر الهرة.","level":3,"page":79},{"title":"ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":82},{"title":"مسألة [١]: سؤر السباع.","level":3,"page":82},{"title":"مسألة [٢]: سؤر الحمار، والبغل.","level":3,"page":83},{"title":"مسألة [٣]: سؤر ما يؤكل لحمه.","level":3,"page":84},{"title":"مسألة [٤]: سؤر الخيل.","level":3,"page":84},{"title":"مسألة [١]: بول الآدمي.","level":3,"page":85},{"title":"مسألة [٢]: غائط الآدمي.","level":3,"page":86},{"title":"مسألة [٣]: هل يتعين الماء لتطهير الأرض.","level":3,"page":86},{"title":"مسألة [٤]: هل يشترط حفر الأرض، وإلقاء التراب عند تطهيرها.","level":3,"page":88},{"title":"مسألة [٥]: غسالة النجاسة.","level":3,"page":89},{"title":"مسائل ملحقة تتعلق بالباب","level":3,"page":90},{"title":"مسألة [١]: أبوال، وأرواث الحيوانات.","level":3,"page":90},{"title":"مسألة [١]: ميتة الحوت، والجراد.","level":3,"page":93},{"title":"مسألة [٢]: حكم الطحال، والكبد.","level":3,"page":94},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":95},{"title":"مسألة [١]: ميتة غير الجراد، والحوت، والآدمي.","level":3,"page":95},{"title":"مسألة [٢]: ميتة الآدمي.","level":3,"page":95},{"title":"مسألة [١]: ميتة ما ليس له نفس سائلة.","level":3,"page":100},{"title":"مسألة [٢]: حكم الطعام والشراب الذي وقع فيه الذباب.","level":3,"page":101},{"title":"مسألة [١]: العضو المنفصل من حيوان حي، غير السمك والجراد، والآدمي.","level":3,"page":102},{"title":"مسألة [٢]: العضو المنفصل من السمك، والجراد، والآدمي.","level":3,"page":103},{"title":"مسألة [٣]: إذا أبين من الحيوان شعره، أو صوفه؟","level":3,"page":103},{"title":"مسألة [٤]: شيئان مستثنيان من عموم الحديث المتقدم.","level":3,"page":104},{"title":"باب الآنية","level":2,"page":107},{"title":"مسألة [١]: حكم الأكل، والشرب في آنية الذهب، والفضة.","level":3,"page":107},{"title":"مسألة [٢]: حكم استعمال الذهب، والفضة في غير الأكل والشرب.","level":3,"page":108},{"title":"مسألة [٣]: اتخاذ الآنية من الذهب، والفضة دون استعمال.","level":3,"page":110},{"title":"مسألة [٤]: استعمال الآنية من نفائس المعادن، كالياقوت، واللؤلؤ، والجواهر في الأكل، والشرب، وغيرهما.","level":3,"page":110},{"title":"مسألة [٥]: إذا تطهر في آنية الذهب، والفضة، هل يصح وضوؤه؟","level":3,"page":111},{"title":"مسألة [١]: دباغ جلود الميتة.","level":3,"page":114},{"title":"مسألة [٢]: بماذا يدبغ جلد الميتة؟","level":3,"page":116},{"title":"مسألة [٣]: هل يطهر الجلد بمجرد الدباغ دون غسله بالماء؟","level":3,"page":116},{"title":"مسألة [٤]: بيع جلد الميتة.","level":3,"page":116},{"title":"مسألة [٥]: أكل جلد الميتة.","level":3,"page":117},{"title":"مسألة [٦]: الانتفاع بجلود السباع.","level":3,"page":118},{"title":"ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":121},{"title":"مسألة [١]: شعر الميتة، وصوفها.","level":3,"page":121},{"title":"مسألة [٢]: قرن الميتة، وظلفها.","level":3,"page":123},{"title":"مسألة [٣]: عظام الميتة.","level":3,"page":123},{"title":"مسألة [٤]: بيض الميتة.","level":3,"page":124},{"title":"مسألة [٥]: لبن الميتة، وإنفحتها.","level":3,"page":126},{"title":"مسألة [١]: حكم آنية الكفار.","level":3,"page":127},{"title":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث","level":3,"page":130},{"title":"مسألة [١]: التضبيب بالفضة.","level":3,"page":130},{"title":"مسألة [٢]: التضبيب بالذهب.","level":3,"page":132},{"title":"باب إزالة النجاسة وبيانها","level":2,"page":133},{"title":"مسألة [١]: النجاسة الحسية تنقسم إلى قسمين","level":3,"page":133},{"title":"مسألة [١]: نجاسة الخمر.","level":3,"page":133},{"title":"مسألة [٢]: حكم تخليل الخمر.","level":3,"page":135},{"title":"مسألة [٣]: إذا تخللت الخمر بنفسها.","level":3,"page":136},{"title":"مسألة [٤]: إذا خلل الإنسان الخمر، فهل تصبح الخمر حلالا؟","level":3,"page":136},{"title":"مسألة [٥]: استحالة النجاسة.","level":3,"page":137},{"title":"مسألة [١]: اختلاف العلماء في نجاسة الحمار الأهلي، والبغل.","level":3,"page":140},{"title":"مسألة [٢]: حكم أكل الحمر الأهلية.","level":3,"page":141},{"title":"مسألة [٣]: حكم الحيوان الذي لا يؤكل لحمه إذا ذكي.","level":3,"page":143},{"title":"مسألة [١]: لعاب الحيوانات.","level":3,"page":145},{"title":"مسألة [١]: حكم مني الآدمي.","level":3,"page":147},{"title":"ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":151},{"title":"مسألة [١]: مني غير الآدمي.","level":3,"page":151},{"title":"مسألة [٢]: رطوبة فرج المرأة.","level":3,"page":152},{"title":"مسألة [١]: تطهير بول الرضيع.","level":3,"page":153},{"title":"مسألة [٢]: ضابط الغلام الرضيع.","level":3,"page":154},{"title":"مسألة [٣]: نجاسة بول الرضيع.","level":3,"page":155},{"title":"مسألة [١]: نجاسة دم الحيض.","level":3,"page":156},{"title":"مسألة [٢]: حكم بقية الدماء.","level":3,"page":156},{"title":"مسألة [٣]: هل يتعين الماء لغسل النجاسة؟","level":3,"page":159},{"title":"مسألة [١]: استخدام مواد منظفة مع الماء في غسل دم الحيض.","level":3,"page":161},{"title":"ذكر بعض المسائل الملحقة في الباب","level":3,"page":163},{"title":"مسألة [١]: كيف تزال النجاسة عن الماء؟","level":3,"page":163},{"title":"مسألة [٢]: النجاسة تصيب الثوب، ولا يعلم مكانها من الثوب.","level":3,"page":163},{"title":"مسألة [٣]: هل تشترط النية في إزالة النجاسة؟","level":3,"page":164},{"title":"مسألة [٤]: يسير النجاسة التي يشق التحرز منها.","level":3,"page":164},{"title":"مسألة [٥]: من وقع على ثوبه ماء لا يدري أنجس أم لا، فهل يسأل عنه؟","level":3,"page":166},{"title":"باب الوضوء","level":2,"page":167},{"title":"مسألة [١]: اشتراط النية.","level":3,"page":167},{"title":"مسألة [٢]: التلفظ بالنية.","level":3,"page":168},{"title":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث","level":3,"page":169},{"title":"مسألة [١]: حكم السواك.","level":3,"page":169},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":171},{"title":"مسألة [١]: وقت استحبابه.","level":3,"page":171},{"title":"مسألة [٢]: في أي يد يباشر الاستياك؟","level":3,"page":173},{"title":"مسألة [٣]: حكم التسوك بالأصابع؟","level":3,"page":175},{"title":"مسألة [١]: غسل الكفين قبل الوضوء.","level":3,"page":177},{"title":"مسألة [٢]: ضابط المضمضة.","level":3,"page":177},{"title":"مسألة [٣]: حكم المضمضة والاستنشاق.","level":3,"page":178},{"title":"مسألة [٤]: حكم الاستنثار.","level":3,"page":181},{"title":"مسألة [٥]: غسل الوجه.","level":3,"page":181},{"title":"مسألة [٦]: حد الوجه.","level":3,"page":182},{"title":"مسألة [٧]: البياض الذي بين الأذن واللحية.","level":3,"page":182},{"title":"مسألة [٨]: العذار، والعارض، والذقن.","level":3,"page":182},{"title":"مسألة [٩]: التحذيف.","level":3,"page":183},{"title":"مسألة [١٠]: الصدغ والنزعتان.","level":3,"page":183},{"title":"مسألة [١١]: هل يغسل باطن الشعور المتقدمة؟","level":3,"page":184},{"title":"مسألة [١٢]: إذا غسل بعض هذه الشعور، ثم زالت من وجهه؟","level":3,"page":185},{"title":"مسألة [١٣]: غسل العينين.","level":3,"page":185},{"title":"مسألة [١٤]: غسل ما استرسل من اللحية.","level":3,"page":185},{"title":"مسألة [١٥]: غسل اليدين إلى المرفقين.","level":3,"page":186},{"title":"مسألة [١٦]: هل يدخل المرفقان في وجوب الغسل؟","level":3,"page":186},{"title":"مسألة [١٧]: إذا خلقت له أصبع، أو يد زائدة؟","level":3,"page":187},{"title":"مسألة [١٨]: إذا قطعت يده؟","level":3,"page":188},{"title":"مسألة [١٩]: إذا كان تحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء إلى ما تحته؟","level":3,"page":188},{"title":"مسألة [٢٠]: حكم مسح الرأس.","level":3,"page":189},{"title":"مسألة [٢١]: كم القدر الواجب في مسح الرأس؟","level":3,"page":189},{"title":"مسألة [٢٢]: مسح الرأس بخرقة مبلولة.","level":3,"page":192},{"title":"مسألة [٢٣]: غسل الرأس بدل المسح.","level":3,"page":192},{"title":"مسألة [٢٤]: المسح على العنق.","level":3,"page":193},{"title":"مسألة [٢٥]: غسل القدمين إلى الكعبين.","level":3,"page":194},{"title":"مسألة [٢٦]: معنى الكعبين.","level":3,"page":196},{"title":"مسألة [٢٧]: هل يدخل الكعبان في غسل الرجلين؟","level":3,"page":196},{"title":"مسألة [٢٨]: الزيادة على ثلاث غسلات للعضو الواحد.","level":3,"page":197},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":198},{"title":"مسألة [١]: الاقتصار على مرة في غسل الأعضاء.","level":3,"page":198},{"title":"مسألة [٢]: إذا غسل بعض أعضائه مرة، وبعضها مرتين، وهكذا؟","level":3,"page":199},{"title":"مسألة [٣]: ما حكم وضوئه إذا زاد على ثلاث؟","level":3,"page":199},{"title":"مسألة [٤]: إذا شك هل غسل مرتين، أو ثلاثا؟","level":3,"page":199},{"title":"مسألة [١]: تكرار مسح الرأس.","level":3,"page":200},{"title":"مسألة [١]: كيفية مسح الرأس.","level":3,"page":202},{"title":"مسألة [١]: هل الأذنان من الرأس؟","level":3,"page":204},{"title":"مسألة [٢]: ما حكم مسح الأذنين؟","level":3,"page":206},{"title":"مسألة [٣]: كيفية مسح الأذنين.","level":3,"page":206},{"title":"مسألة [٤]: هل يجزئ مسح الأذنين عن الرأس؟","level":3,"page":207},{"title":"مسألة [١]: حكم غسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم.","level":3,"page":209},{"title":"مسألة [٢]: هل يشمل هذا الحكم نوم النهار؟","level":3,"page":209},{"title":"مسألة [٣]: العلة في الأمر بالغسل.","level":3,"page":210},{"title":"مسألة [٤]: حكم الماء إذا غمس فيه يده.","level":3,"page":210},{"title":"مسألة [٥]: إذا كانت يد النائم مشدودة بجراب، أو نحوه؟","level":3,"page":211},{"title":"مسألة [٦]: هل يفتقر غسل اليدين إلى نية؟","level":3,"page":211},{"title":"مسألة [١]: إسباغ الوضوء.","level":3,"page":213},{"title":"مسألة [٢]: تخليل الأصابع.","level":3,"page":214},{"title":"مسألة [٣]: المبالغة في الاستنشاق.","level":3,"page":215},{"title":"مسألة [١]: إيصال الماء إلى باطن اللحية.","level":3,"page":216},{"title":"مسألة [٢]: تخليل اللحية الكثيفة.","level":3,"page":218},{"title":"مسألة [٣]: ضابط اللحية الخفيفة، والكثيفة.","level":3,"page":219},{"title":"مسألة [٤]: إذا كانت اللحية بعضها خفيف، وبعضها كثيف؟","level":3,"page":219},{"title":"مسألة [١]: حكم الدلك.","level":3,"page":220},{"title":"مسألة [١]: أخذ ماء جديد للأذن.","level":3,"page":221},{"title":"مسألة [٢]: مسح الرأس بماء غير فضل اليدين.","level":3,"page":222},{"title":"مسألة [١]: المجاوزة في غسل اليدين والرجلين على المرفقين، والكعبين.","level":3,"page":224},{"title":"مسألة [١]: حكم التيمن في أعضاء الوضوء.","level":3,"page":226},{"title":"مسألة [١]: المسح على العمامة.","level":3,"page":228},{"title":"مسألة [٢]: إذا مسح مقدمة شعر الرأس مع العمامة؟","level":3,"page":229},{"title":"مسألة [٣]: مسح الأذنين مع العمامة.","level":3,"page":230},{"title":"مسألة [٤]: هل يشترط لبسها على طهارة؟","level":3,"page":231},{"title":"مسألة [٥]: هل لها توقيت في المسح عليها؟","level":3,"page":231},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":233},{"title":"مسألة [١]: هل يشترط في العمامة أن تكون محنكة، أو ذات ذؤابة؟","level":3,"page":233},{"title":"مسألة [٢]: إذا نزع العمامة بعد المسح عليها، فهل ينتقض وضوؤه؟","level":3,"page":233},{"title":"مسألة [٣]: هل يجزئ أن يمسح الرجل العمامة توضع على رأسه بدون عصب؟","level":3,"page":234},{"title":"مسألة [٤]: المسح على القلنسوة.","level":3,"page":235},{"title":"مسألة [٥]: مسح المرأة على خمارها.","level":3,"page":236},{"title":"مسألة [١]: حكم ترتيب أعضاء الوضوء.","level":3,"page":238},{"title":"مسألة [٢]: هل تدخل المضمضة، والاستنشاق في وجوب الترتيب؟","level":3,"page":240},{"title":"مسألة [١]: حكم التسمية على الوضوء.","level":3,"page":243},{"title":"مسألة [١]: الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحد.","level":3,"page":244},{"title":"مسألة [١]: حكم الموالاة.","level":3,"page":245},{"title":"مسألة [٢]: ضابط التفريق الكثير الذي ينافي الموالاة.","level":3,"page":248},{"title":"مسألة [٣]: تعميم العضو.","level":3,"page":250},{"title":"باب المسح على الخفين","level":2,"page":254},{"title":"مسألة [١]: المسح على الخفين.","level":3,"page":254},{"title":"مسألة [٢]: أيهما أفضل المسح على الخفين، أم غسل الرجلين؟","level":3,"page":257},{"title":"مسألة [٣]: اشتراط لبسهما على طهارة.","level":3,"page":258},{"title":"مسألة [٤]: المستحاضة، وصاحب سلسل البول.","level":3,"page":259},{"title":"مسألة [٥]: إذا لبس خفه اليمنى بعد غسل رجله اليمنى قبل غسل رجله اليسرى، ثم غسل اليسرى، ولبس الخف؟","level":3,"page":259},{"title":"مسألة [٦]: هل يمسح الخفين إذا لبسهما عقب تيمم؟","level":3,"page":261},{"title":"مسألة [٧]: إذا لبس خفين، ثم أحدث، ثم لبس فوقهما خفين، أو جرموقين؟","level":3,"page":262},{"title":"مسألة [٨]: إذا لبس الخفين ثم أحدث، ثم مسح عليهما ثم لبس الجرموقين؟","level":3,"page":262},{"title":"مسألة [٩]: المسح على الخف المخرق.","level":3,"page":263},{"title":"مسألة [١]: مسح ظاهر القدم وباطنه.","level":3,"page":265},{"title":"مسألة [٢]: كم هوالقدر المجزئ في المسح؟","level":3,"page":266},{"title":"مسألة [٣]: الاقتصار على مسح أسفل الخف أو أعلاه.","level":3,"page":266},{"title":"مسألة [٤]: المسح على العقب.","level":3,"page":267},{"title":"مسألة [٥]: مسح فوق الكعب من الخف، أو مسح باطنه الذي يلي البشرة.","level":3,"page":267},{"title":"مسألة [٦]: مسح الخف بخرقة، أو غسله.","level":3,"page":267},{"title":"مسألة [١]: الحدث الذي يمسح منه.","level":3,"page":268},{"title":"مسألة [١]: التوقيت للمسح على الخفين.","level":3,"page":269},{"title":"مسألة [٢]: متى يبدأ التوقيت؟","level":3,"page":270},{"title":"مسألة [٣]: إذا انتهت مدة المسح، فهل تنتقض الطهارة، وكذا لو خلع خفيه قبل انتهاءالمدة؟","level":3,"page":271},{"title":"مسألة [٤]: هل تشمل الرخصة للمسافر سفر معصية؟","level":3,"page":272},{"title":"مسألة [٥]: من لبس خفيه، ثم أحدث، وهو مقيم، ثم لم يمسح حتى سافر.","level":3,"page":273},{"title":"مسألة [٦]: من لبس خفيه، ثم ابتدأ المسح وهو مقيم، ثم سافر قبل مضي يوم وليلة.","level":3,"page":273},{"title":"مسألة [٧]: إذا مسح مسافر، ثم قدم فأقام؟","level":3,"page":274},{"title":"مسألة [١]: المسح على الجوارب.","level":3,"page":276},{"title":"مسألة [٢]: المسح على الجوارب الخفيفة.","level":3,"page":277},{"title":"مسألة [٣]: المسح على القفازين، والبرقع.","level":3,"page":278},{"title":"مسألة [٤]: المسح على اللفائف.","level":3,"page":278},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":279},{"title":"مسألة [١]: المسح على النعلين.","level":3,"page":279},{"title":"باب نواقض الوضوء","level":2,"page":284},{"title":"مسألة [١]: هل النوم ناقض من نواقض الوضوء؟","level":3,"page":284},{"title":"مسألة [٢]: الجنون والإغماء.","level":3,"page":289},{"title":"مسألة [١]: حكم الوضوء للمستحاضة.","level":3,"page":291},{"title":"مسألة [٢]: خروج دم الحيض، والنفاس.","level":3,"page":293},{"title":"مسألة [٣]: صاحب سلس البول.","level":3,"page":293},{"title":"مسألة [١]: المذي ناقض من نواقض الوضوء.","level":3,"page":295},{"title":"مسألة [٢]: هل يجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء؟","level":3,"page":296},{"title":"مسألة [٣]: نجاسة المذي.","level":3,"page":297},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":298},{"title":"مسألة [١]: المذي إذا أصاب الثوب.","level":3,"page":298},{"title":"مسألة [٢]: الودي.","level":3,"page":298},{"title":"مسألة [١]: تقبيل المرأة ولمسها.","level":3,"page":299},{"title":"مسألة [١]: اليقين لا يزول بالشك.","level":3,"page":304},{"title":"مسألة [٢]: الريح من نواقض الوضوء، وكذا البول، والغائط.","level":3,"page":305},{"title":"مسألة [٣]: وجود البلة في رأس الذكر عقب الاستنجاء والوضوء.","level":3,"page":306},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":308},{"title":"مسألة [١]: خروج البول، والغائط من غير مخرجيهما.","level":3,"page":308},{"title":"مسألة [٢]: خروج النادر من السبيلين.","level":3,"page":308},{"title":"مسألة [٣]: خروج الريح من ذكر الرجل، أو فرج المرأة.","level":3,"page":309},{"title":"مسألة [١]: مس الذكر، هل يعد ناقضا من نواقض الوضوء؟","level":3,"page":310},{"title":"مسألة [٢]: الانتقاض بالمس بباطن الكف، أم بظاهره؟","level":3,"page":315},{"title":"مسألة [٣]: هل ينتقض الوضوء إذا مسه بذراعه؟","level":3,"page":315},{"title":"مسألة [٤]: مس فرج الغير.","level":3,"page":316},{"title":"مسألة [٥]: مس المرأة لفرجها.","level":3,"page":316},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":318},{"title":"مسألة [١]: مس الدبر.","level":3,"page":318},{"title":"مسألة [٢]: مس الرفغين، والأنثيين.","level":3,"page":318},{"title":"مسألة [٣]: مس فرج البهيمة.","level":3,"page":319},{"title":"مسألة [١]: هل القيء ناقض؟","level":3,"page":320},{"title":"مسألة [٢]: القلس.","level":3,"page":321},{"title":"مسألة [٣]: الرعاف.","level":3,"page":322},{"title":"مسألة [١]: أكل لحوم الإبل، هل ينقض الوضوء؟","level":3,"page":323},{"title":"مسألة [٢]: أكل بقية أجزاء الإبل مما عدا اللحم، كالكبد، والكرش، والسنام، والأمعاء، والمرق.","level":3,"page":325},{"title":"مسألة [٣]: ألبان الإبل.","level":3,"page":326},{"title":"مسألة [١]: هل على من غسل الميت الغسل، أو الوضوء؟","level":3,"page":327},{"title":"مسألة [٢]: هل على من حمل ميتا أن يتوضأ؟","level":3,"page":328},{"title":"مسألة [١]: مس المصحف على غير طهارة.","level":3,"page":329},{"title":"مسألة [٢]: هل يجوز حمل المصحف بعلاقته للمحدث؟","level":3,"page":332},{"title":"مسألة [٣]: كتب التفسير، والفقه.","level":3,"page":332},{"title":"مسألة [٤]: عادم الماء.","level":3,"page":332},{"title":"مسألة [١]: خروج الدم من الإنسان بالحجامة، أو الجروح.","level":3,"page":334},{"title":"فصل في بعض ما ذكر من نواقض الوضوء ولم يذكره الحافظ","level":3,"page":339},{"title":"أولا: أكل ما مسته النار","level":4,"page":339},{"title":"ثانيا: الردة عن الإسلام","level":4,"page":341},{"title":"ثالثا: رطوبة فرج المرأة","level":4,"page":342},{"title":"باب آداب قضاء الحاجة","level":2,"page":344},{"title":"مسألة [١]: الابتعاد عن الناس عند قضاء الحاجة.","level":3,"page":350},{"title":"مسألة [١]: بعض الأماكن التي لا يجوز التخلي فيها.","level":3,"page":351},{"title":"مسألة [١]: الكلام أثناء قضاء الحاجة.","level":3,"page":353},{"title":"مسألة [٢]: ذكر الله أثناء قضاء الحاجة.","level":3,"page":354},{"title":"مسألة [١]: حكم مس الذكر باليمين.","level":3,"page":355},{"title":"مسألة [٢]: هل تختص الحرمة أثناء البول فقط؟","level":3,"page":355},{"title":"مسألة [٣]: حكم الاستنجاء باليمين.","level":3,"page":356},{"title":"مسألة [٤]: لو استنجى بيمينه، فأنقى، فهل يجزئه؟","level":3,"page":356},{"title":"مسألة [١]: حكم استقبال، أو استدبار الكعبة ببول، أو غائط.","level":3,"page":358},{"title":"مسألة [٢]: استقبال، واستدبار بيت المقدس.","level":3,"page":360},{"title":"مسألة [٣]: حكم استقبال الشمس، والقمر.","level":3,"page":360},{"title":"مسألة [٤]: الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار.","level":3,"page":361},{"title":"مسألة [٥]: الحجر الكبير الذي له ثلاث شعب، هل يقوم مقام ثلاثة أحجار؟","level":3,"page":362},{"title":"مسألة [٦]: حكم الإيتار فيما زاد على الثلاث.","level":3,"page":363},{"title":"مسألة [٧]: الاستنجاء بالروث، والعظام.","level":3,"page":364},{"title":"مسألة [٨]: هل يجوز الاستنجاء بغير الروث، والعظام؟","level":3,"page":364},{"title":"مسألة [١]: هل يجزئه إذا استنجى بنجاسة؟","level":3,"page":370},{"title":"مسألة [١]: إذا استنجى بالعظام، والروث، فهل يجزئه؟","level":3,"page":371},{"title":"مسألة [١]: كيفية الجلوس لقضاء الحاجة.","level":3,"page":374},{"title":"مسألة [٢]: حكم نتر الذكر.","level":3,"page":374},{"title":"مسألة [١]: الجمع بين الحجارة والماء، وإذا اقتصر على أحدهما فأيهما أفضل؟","level":3,"page":376},{"title":"فصل في مسائل أخرى تذكر في باب آداب قضاء الحاجة","level":3,"page":379},{"title":"مسألة [١]: التبول، أو التغوط في المياه الراكدة، أو الجارية.","level":3,"page":379},{"title":"مسألة [٢]: التبول في الجحر.","level":3,"page":379},{"title":"مسألة [٣]: حكم البول قائما.","level":3,"page":379},{"title":"مسألة [٤]: ارتياد موضع للبول.","level":3,"page":381},{"title":"مسألة [٥]: البول في المستحم.","level":3,"page":381},{"title":"باب الاغتسال وحكم الجنب","level":2,"page":383},{"title":"مسألة [١]: خروج المني يوجب الغسل.","level":3,"page":383},{"title":"مسألة [٢]: خروج المني لمرض، أو إبردة.","level":3,"page":384},{"title":"مسألة [٣]: إذا أحس بانتقال المني، فأمسك ذكره.","level":3,"page":385},{"title":"مسألة [٤]: إذا اغتسل بعد خروج المني، وبعد اغتساله خرج مني آخر؟","level":3,"page":385},{"title":"مسألة [٥]: إذا اغتسلت المرأة، ثم خرج ماء الرجل منها؟","level":3,"page":386},{"title":"مسألة [٦]: إذا أتى الرجل امرأته في طرف فرجها، ولم يولج شيئا من ذكره، فدب ماؤه إلى فرجها، فهل عليها الغسل؟","level":3,"page":387},{"title":"مسألة [١]: هل يجب الغسل بالجماع بدون إنزال؟","level":3,"page":388},{"title":"مسألة [٢]: هل يجب الغسل إذا جامع في الدبر، أو الميتة، أو البهيمة، ولم ينزل؟","level":3,"page":390},{"title":"مسألة [٣]: هل يجب على الصبي، أو الصبية إذا أولج، أو أولج فيه الغسل؟","level":3,"page":391},{"title":"مسألة [٤]: إذا لف على ذكره خرقة، أو كيسا، ثم جامع؟","level":3,"page":392},{"title":"مسألة [١]: حالات رؤية الماء بعد النوم.","level":3,"page":394},{"title":"مسألة [٢]: إذا انتبه من النوم، فرأى بللا، ولا يعلم هل هو مني، أو غيره؟","level":3,"page":394},{"title":"مسألة [٣]: إذا رأى المني في ثوبه، أو فراشه؟","level":3,"page":395},{"title":"مسألة [١]: حكم غسل الكافر إذا أسلم.","level":3,"page":397},{"title":"مسألة [١]: حكم غسل الجمعة.","level":3,"page":401},{"title":"مسألة [٢]: هل الغسل لصلاة الجمعة، أم لليوم؟","level":3,"page":406},{"title":"مسألة [٣]: هل يجب على من لا تلزمه الجمعة غسل؟","level":3,"page":407},{"title":"مسألة [١]: هل يجزئ غسل الجنابة عن غسل الجمعة إذا نواه؟","level":3,"page":409},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":409},{"title":"مسألة [٢]: إذا اغتسل للجمعة، ثم أجنب، أو أحدث؟","level":3,"page":410},{"title":"مسألة [١]: حكم قراءة القرآن للجنب، والحائض.","level":3,"page":411},{"title":"مسألة [٢]: قراءة القرآن للمحدث حدثا أصغر.","level":3,"page":412},{"title":"مسألة [١]: حكم الوضوء لمن أراد أن يعاود الجماع.","level":3,"page":413},{"title":"مسألة ملحقة: الغسل بين الجماعين.","level":3,"page":414},{"title":"مسألة [١]: حكم الوضوء للجنب إذا أراد النوم.","level":3,"page":415},{"title":"مسألة [١]: صفة غسل الجنابة.","level":3,"page":417},{"title":"مسألة [٢]: حكم الوضوء قبل غسل الجنابة.","level":3,"page":418},{"title":"مسألة [٣]: هل يجزئ الغسل عن الوضوء لصاحب الحدثين إذا نوى رفع الحدثين جميعا؟","level":3,"page":419},{"title":"مسألة [٤]: هل يجزئه الغسل عن الوضوء إذا نوى رفع الحدث الأكبر فقط؟","level":3,"page":420},{"title":"مسألة [٥]: هل يجزئ غسل التنظف أو التبرد عن الوضوء؟","level":3,"page":421},{"title":"مسألة [٦]: هل يجب الدلك على الأعضاء في الغسل؟","level":3,"page":422},{"title":"مسألة [٧]: الترتيب، والموالاة في أعضاء الوضوء في الغسل.","level":3,"page":423},{"title":"مسألة [٨]: هل يستحب غسل الجسد ثلاثا في غسل الجنابة؟","level":3,"page":424},{"title":"مسألة [٩]: هل يجب إيصال الماء إلى أصول اللحية؟","level":3,"page":424},{"title":"مسألة [١٠]: متى يغسل قدميه؟","level":3,"page":425},{"title":"مسألة [١١]: حكم التنشيف للأعضاء بعد الوضوء، والغسل.","level":3,"page":425},{"title":"ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":427},{"title":"مسألة [١]: إذا أحدث المغتسل أثناء غسله؟","level":3,"page":427},{"title":"مسألة [٢]: إذا اجتمع موجبان للغسل؟","level":3,"page":427},{"title":"مسألة [١]: نقض المرأة لشعر رأسها في غسل الجنابة، والحيضة.","level":3,"page":430},{"title":"مسألة [١]: حكم لبث الحائض والجنب في المسجد وحكم المرور فيه.","level":3,"page":432},{"title":"مسألة [١]: تطهر الرجل مع امرأته من إناء واحد.","level":3,"page":435},{"title":"مسألة [١]: حكم غسل ما استرسل من الشعر.","level":3,"page":436},{"title":"فصل في مسائل أخرى ملحقة في هذا الباب","level":3,"page":438},{"title":"مسألة [١]: من موجبات الغسل الحيض، والنفاس.","level":3,"page":438},{"title":"مسألة [٢]: إذا عريت الولادة من الدم، فهل عليها غسل؟","level":3,"page":438},{"title":"مسألة [٣]: الحائض تغتسل للجنابة.","level":3,"page":439},{"title":"مسألة [٤]: المجنون، والمغمى عليه، هل عليهما الغسل إذا أفاقا؟","level":3,"page":439},{"title":"مسألة [٥]: الجنب إذا أراد أن يأكل.","level":3,"page":440},{"title":"مسألة [٦]: غسل العيدين.","level":3,"page":440},{"title":"مسألة [٧]: غسل الإحرام.","level":3,"page":442},{"title":"مسألة [٨]: غسل دخول مكة.","level":3,"page":442},{"title":"باب التيمم","level":2,"page":443},{"title":"مسألة [١]: التيمم في السفر.","level":3,"page":444},{"title":"مسألة [٢]: التيمم في الحضر.","level":3,"page":444},{"title":"مسألة [٣]: هل التيمم رافع للحدث، أم مبيح لما تجب له الطهارة فقط؟","level":3,"page":445},{"title":"مسألة [٤]: هل يشترط للتيمم نية؟","level":3,"page":447},{"title":"مسألة [٥]: ماذا يشترط للتيمم؟","level":3,"page":448},{"title":"مسألة [٦]: صفة طلب الماء.","level":3,"page":448},{"title":"مسألة [٧]: هل يشترط لصحة التيمم دخول الوقت؟","level":3,"page":449},{"title":"مسألة [١]: إذا وجد الماء بثمن.","level":3,"page":452},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":452},{"title":"مسألة [٢]: إذا وهب له الماء، أو ثمنه؟","level":3,"page":453},{"title":"مسألة [٣]: لو وجد من يبيعه الماء بثمن مؤجل.","level":3,"page":453},{"title":"مسألة [٤]: من يلتحق بعادم الماء.","level":3,"page":454},{"title":"مسألة [٥]: إذا وجد الجنب ما يكفي بعض أعضائه، ومثله المحدث حدثا أصغر؟","level":3,"page":454},{"title":"مسألة [٦]: إذا كان معه ماء قبل الوقت، ففرط فيه؟","level":3,"page":455},{"title":"مسألة [٧]: لو وهب الماء بعد دخول الوقت.","level":3,"page":456},{"title":"مسألة [١]: التيمم عن الحدث الأصغر.","level":3,"page":457},{"title":"مسألة [٢]: التيمم عن الحدث الأكبر.","level":3,"page":457},{"title":"مسألة [٣]: بم يسوغ التيمم؟","level":3,"page":458},{"title":"مسألة [٤]: إذا خالط التراب غيره من الطاهرات؟","level":3,"page":460},{"title":"ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":462},{"title":"مسألة [١]: يشترط في التراب أن يكون طاهرا.","level":3,"page":462},{"title":"مسألة [٢]: حمل التراب في السفر.","level":3,"page":462},{"title":"مسألة [٣]: ترتيب أعضاء التيمم.","level":3,"page":463},{"title":"مسألة [٤]: إذا وجد طينا، ولم يجد ترابا، ولا ماء؟","level":3,"page":464},{"title":"مسألة [٥]: إذا عدم التراب، والماء.","level":3,"page":465},{"title":"مسألة [٦]: مشروعية النفخ، والنفض.","level":3,"page":466},{"title":"مسألة [٧]: تعميم المسح على الوجه، والكفين.","level":3,"page":467},{"title":"مسألة [٨]: التخليل بين أصابع الكفين في التيمم.","level":3,"page":469},{"title":"مسألة [١]: عدد ضربات التيمم، وحده من اليد.","level":3,"page":470},{"title":"مسألة [١]: نواقض التيمم.","level":3,"page":473},{"title":"مسألة [٢]: هل يبطل التيمم بوجود الماء، وإن كان في الصلاة؟","level":3,"page":474},{"title":"مسألة [١]: إذا تيمم الرجل، وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت؟","level":3,"page":476},{"title":"مسألة [٢]: إذا تيمم، وصلى، ثم وجد الماء قبل خروج الوقت؟","level":3,"page":476},{"title":"مسألة [٣]: أيهما المختار: تأخير التيمم، أو تقديمه؟","level":3,"page":477},{"title":"مسألة [١]: إذا خاف المريض، أو الجريح على نفسه من استعمال الماء؟","level":3,"page":480},{"title":"مسألة [٢]: ضابط الخوف المبيح للتيمم.","level":3,"page":481},{"title":"مسألة [١]: المسح على الجبائر، وعصائب الجروح.","level":3,"page":483},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط في المسح على الجبيرة لبسها على طهارة؟","level":3,"page":485},{"title":"مسألة [٣]: هل يستوعب المسح على الجبيرة؟","level":3,"page":485},{"title":"مسألة [٤]: خلع الجبيرة بعد الوضوء، والمسح عليها؟","level":3,"page":486},{"title":"مسألة [٥]: إذا كان صاحب الحدث جريحا، أو مريضا؟","level":3,"page":486},{"title":"مسألة [٦]: بم يبدأ: بالتيمم، أو الغسل؟","level":3,"page":488},{"title":"مسألة [٧]: إذا تطهر الجريح طهارة صغرى، فهل يلزمه جعل التيمم مكان العضو المجروح بالترتيب؟","level":3,"page":489},{"title":"مسألة [٨]: إذا كان جريحا في وجهه، أو يده، ولا يستطيع التيمم أيضا؟","level":3,"page":490},{"title":"مسألة [٩]: إذا خاف من شدة البرد؟","level":3,"page":490},{"title":"مسألة [١]: التيمم لكل صلاة.","level":3,"page":492},{"title":"مسألة [١]: التيمم لخوف فوات وقت الفريضة.","level":3,"page":494},{"title":"مسألة [٢]: من استيقظ آخر الوقت، وإن اشتغل بطهارة الماء، خرج الوقت، فهل له أن يتيمم؟","level":3,"page":494},{"title":"مسألة [٣]: التيمم لخوف فوت صلاة الجنازة.","level":3,"page":495},{"title":"مسألة [٤]: التيمم لفوات صلاة العيد، والجمعة.","level":3,"page":496},{"title":"مسألة [٥]: إذا نسي الماء في رحله، أو في موضع يمكنه استعماله، وصلى بالتيمم، ثم وجد الماء؟","level":3,"page":496},{"title":"مسألة [٦]: إذا ضل عليه رحله الذي فيه الماء، أو كان يعرف بئرا، فطلبها، فلم يجدها، فصلى بتيمم، ثم وجدها؟","level":3,"page":497},{"title":"مسألة [٧]: إذا تيمم جماعة من موضع واحد؟","level":3,"page":497},{"title":"مسألة [٨]: إذا كان معه ماء، وخاف العطش؟","level":3,"page":498},{"title":"مسألة [٩]: إذا كان غيره هو المضطر للماء؟","level":3,"page":498},{"title":"مسألة [١٠]: إذا نسي الجنابة، وتيمم للحدث؟","level":3,"page":498},{"title":"مسألة [١١]: هل يتيمم عن الأغسال المستحبة إذا لم يجد الماء؟","level":3,"page":499},{"title":"مسألة [١٢]: التيمم لرفع النجاسة.","level":3,"page":500},{"title":"مسألة [١٣]: التسمية على التيمم.","level":3,"page":500},{"title":"باب الحيض","level":2,"page":501},{"title":"مسألة [١]: أنواع الدماء التي تخرج من فرج المرأة.","level":3,"page":501},{"title":"مسألة [٢]: الفرق بين دم الاستحاضة، والحيض.","level":3,"page":501},{"title":"مسألة [٣]: أكبر سن تحيض فيه المرأة.","level":3,"page":503},{"title":"مسألة [٤]: أقل سن تحيض فيه المرأة.","level":3,"page":504},{"title":"مسألة [٥]: أقل الحيض، وأكثره، وأقل الطهر، وأكثره.","level":3,"page":504},{"title":"مسألة [٦]: إذا تغيرت عادة المرأة بنقص، أو زيادة، أو تقدم، أو تأخر؟","level":3,"page":506},{"title":"مسألة [٧]: إذا رأت المرأة يوما دما، ويوما نقاء، قبل أن تستكمل أيامها المعتادة؟","level":3,"page":508},{"title":"مسألة [٨]: علامات الطهر.","level":3,"page":509},{"title":"مسألة [٩]: هل يأتي الحامل الحيض؟","level":3,"page":509},{"title":"مسألة [١٠]: إذا عاود المرأة الدم بعد طهرها؟","level":3,"page":512},{"title":"مسألة [١]: كيف تصنع المستحاضة؟","level":3,"page":514},{"title":"مسألة [٢]: المستحاضة التي نسيت عادتها ولا تمييز لها؟","level":3,"page":519},{"title":"مسألة [١]: غسل المستحاضة.","level":3,"page":521},{"title":"مسألة [٢]: وضوء المستحاضة.","level":3,"page":523},{"title":"مسألة [١]: الكدرة، والصفرة.","level":3,"page":524},{"title":"مسألة [١]: جماع الحائض، ومباشرتها.","level":3,"page":526},{"title":"مسألة [٢]: متى يحل للرجل إتيان امرأته الحائض إذا انقطع دمها؟","level":3,"page":529},{"title":"مسألة [٣]: ما حكم إتيان المستحاضة؟","level":3,"page":530},{"title":"مسألة [١]: هل على من أتى امرأته حائضا كفارة؟","level":3,"page":531},{"title":"مسألة [١]: الحائض تترك الصلاة والصيام، ثم تقضي الصوم.","level":3,"page":533},{"title":"مسألة [٢]: إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة قبل أن تصليها؟","level":3,"page":534},{"title":"مسألة [٣]: إذا طهرت الحائض في آخر وقت الصلاة بمقدار لا يمكنها الغسل حتى يخرج الوقت، فهل تلزمها تلك الصلاة؟","level":3,"page":535},{"title":"مسألة [٤]: إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس، وقبل طلوع الفجر، فماذا عليها أن تصلي؟","level":3,"page":536},{"title":"مسألة [١]: أقل النفاس.","level":3,"page":540},{"title":"مسألة [٢]: أكثر النفاس.","level":3,"page":540},{"title":"مسألة [٣]: إذا عاود النفساء الدم بعد طهرها في مدة الأربعين؟","level":3,"page":542},{"title":"مسألة [٤]: هل كل وضع يثبت به النفاس؟","level":3,"page":543},{"title":"مسألة [٥]: حكم النفساء حكم الحائض.","level":3,"page":544},{"title":"مسألة [٦]: هل تتنفس المرأة إذا ولدت بعملية جراحية؟","level":3,"page":544},{"title":"مسألة [٧]: حكم الدم الذي يخرج قبل الولادة.","level":3,"page":544},{"title":"كتاب الصلاة","level":1,"page":547},{"title":"وجوب الصلاة","level":2,"page":547},{"title":"مسألة [١]: حكم تارك الصلاة.","level":3,"page":547},{"title":"مسألة [٢]: هل يقتل تارك الصلاة تكاسلا؟","level":3,"page":557},{"title":"مسألة [٣]: من تجب عليهم الصلاة؟","level":3,"page":558},{"title":"مسألة [٤]: هل تجب الصلاة على الكافر؟","level":3,"page":558},{"title":"مسألة [٥]: هل يلزم المرتد ما تركه من الصلوات في ردته؟","level":3,"page":559},{"title":"مسألة [٦]: إذا ارتد المسلم، فهل تحبط أعماله التي عملها في إسلامه؟","level":3,"page":560},{"title":"مسألة [٧]: هل تجب الصلاة على الصبي؟","level":3,"page":560},{"title":"مسألة [٨]: إذا بلغ الصبي بعد أن صلى، فهل تلزمه إعادة الصلاة؟","level":3,"page":561},{"title":"مسألة [٩]: هل تجب الصلاة على النائم؟","level":3,"page":561},{"title":"مسألة [١٠]: هل تجب الصلاة على المغمى عليه وتلزمه الصلاة إذا أفاق؟","level":3,"page":562},{"title":"مسألة [١١]: المجنون هل تجب عليه الصلاة؟","level":3,"page":563},{"title":"مسألة [١٢]: هل تجب الصلاة على من زال عقله بشرب المسكر؟","level":3,"page":563},{"title":"مسألة [١٣]: هل تجب الصلاة على الحائض، والنفساء؟","level":3,"page":564},{"title":"باب المواقيت","level":2,"page":565},{"title":"مسألة [١]: وقت الظهر.","level":3,"page":567},{"title":"مسألة [٢]: كيفية معرفة زوال الشمس.","level":3,"page":567},{"title":"مسألة [٣]: آخر وقت الظهر.","level":3,"page":567},{"title":"مسألة [٤]: أول وقت العصر.","level":3,"page":570},{"title":"مسألة [٥]: آخر وقت العصر.","level":3,"page":571},{"title":"مسألة [٦]: أول وقت المغرب.","level":3,"page":573},{"title":"مسألة [٧]: آخر وقت المغرب.","level":3,"page":574},{"title":"مسألة [٨]: أول وقت العشاء.","level":3,"page":575},{"title":"مسألة [٩]: آخر وقت العشاء.","level":3,"page":575},{"title":"مسألة [١٠]: أول وقت الفجر.","level":3,"page":578},{"title":"مسألة [١١]: آخر وقت الفجر.","level":3,"page":578},{"title":"مسألة [١]: الإبراد بصلاة الظهر عند اشتداد الحر.","level":3,"page":585},{"title":"مسألة [٢]: الإبراد بصلاة الجمعة في شدة الحر.","level":3,"page":586},{"title":"مسألة [١]: من أدرك من الصبح أو من العصر ركعة قبل خروج الوقت.","level":3,"page":588},{"title":"مسألة [٢]: هل يدرك الرجل الصلاة بإدراك ما دون الركعة قبل خروج الوقت؟","level":3,"page":589},{"title":"مسألة [٣]: إذا ترك الصلاة عمدا بغير عذر حتى خرج وقتها فهل له أن يقضيها؟","level":3,"page":590},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":593},{"title":"مسألة [١]: إذا أدرك المكلف جزءا من أول الوقت، ثم طرأ عليه مانع من جنون، أو إغماء، أو حيض، أو نفاس.","level":3,"page":593},{"title":"مسألة [٢]: إذا أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو بلغ الصبي قبل طلوع الفجر، أو قبل غروب الشمس.","level":3,"page":593},{"title":"مسألة [٣]: من أخر الصلاة عن أول وقتها ثم مات.","level":3,"page":594},{"title":"مسألة [٤]: تعجيل ما يستحب تأخيرها والعكس.","level":3,"page":594},{"title":"مسألة [٥]: الذي يصلي الصلاة قبل وقتها.","level":3,"page":594},{"title":"مسألة [١]: الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.","level":3,"page":596},{"title":"مسألة [٢]: هل النهي بعد الفجر، والعصر متعلق بفعل الصلاة، أم بالوقت؟","level":3,"page":600},{"title":"مسألة [٣]: هل النهي للتحريم، أم للكراهة؟","level":3,"page":601},{"title":"مسألة [٤]: حكم صلاة التطوع في هذه الأوقات.","level":3,"page":602},{"title":"مسألة [٥]: صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي.","level":3,"page":602},{"title":"مسألة [٦]: هل يشمل النهي في نصف النهار يوم الجمعة؟","level":3,"page":607},{"title":"مسألة [١]: هل تصلى ركعتا الطواف في أوقات النهي؟","level":3,"page":608},{"title":"مسألة [٢]: هل يشمل النهي جميع الأماكن؟","level":3,"page":610},{"title":"مسألة [٣]: من صلى فرضه، ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة، فهل يصليها في وقت النهي؟","level":3,"page":611},{"title":"مسألة [١]: تعيين الشفق الذي يدخل به وقت العشاء.","level":3,"page":613},{"title":"مسألة [١]: صفة الفجرين.","level":3,"page":616},{"title":"مسألة [١]: التطوع بعد طلوع الفجر قبل صلاة الفجر.","level":3,"page":618},{"title":"مسألة [١]: قضاء السنة الراتبة بعد العصر.","level":3,"page":620},{"title":"مسألة [٢]: قضاء السنن في سائر أوقات النهي.","level":3,"page":621},{"title":"مسألة [٣]: قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر.","level":3,"page":621},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل المتعلقة بالباب","level":3,"page":624},{"title":"مسألة [١]: من نام عن صلاة، أو نسيها.","level":3,"page":624},{"title":"مسألة [٢]: وهل يصليها على الفور، أم على التراخي؟","level":3,"page":624},{"title":"مسألة [٣]: إذا نسي أكثر من صلاة، فهل يلزمه الترتيب؟","level":3,"page":625},{"title":"مسألة [٤]: من نسي صلاة، فذكرها وهو في الصلاة الأخرى.","level":3,"page":625},{"title":"باب الأذان","level":2,"page":628},{"title":"مسألة [١]: فضل الأذان.","level":3,"page":628},{"title":"مسألة [٢]: أيهما أفضل: الأذان، أم الإمامة؟","level":3,"page":629},{"title":"مسألة [٣]: حكم الأذان، والإقامة.","level":3,"page":629},{"title":"مسألة [٤]: هل للنساء الأذان والإقامة؟","level":3,"page":631},{"title":"مسألة [١]: عدد كلمات الأذان.","level":3,"page":634},{"title":"مسألة [٢]: كيفية الإقامة.","level":3,"page":636},{"title":"مسألة [٣]: التثويب في أذان الفجر.","level":3,"page":637},{"title":"مسألة [٤]: هل التثويب في الأذان الأول، أم الثاني؟","level":3,"page":638},{"title":"مسألة [١]: حكم وضع الأصبعين في الأذنين أثناء الأذان.","level":3,"page":642},{"title":"مسألة [٢]: الالتفات عند الحيعلتين.","level":3,"page":643},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":649},{"title":"مسألة [١]: التلحين في الأذان.","level":3,"page":649},{"title":"مسألة [٢]: الكلام في أثناء الأذان.","level":3,"page":650},{"title":"مسألة [١]: هل يؤذن للفائتة، ويقام، أم لا؟","level":3,"page":653},{"title":"مسألة [٢]: الأذان للمسافرين.","level":3,"page":654},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":656},{"title":"مسألة [١]: الأذان راكبا في السفر.","level":3,"page":656},{"title":"مسألة [١]: الأذان والإقامة للصلاتين المجموعتين.","level":3,"page":657},{"title":"مسألة [١]: الأذان قبل دخول الوقت.","level":3,"page":659},{"title":"مسألة [٢]: وقت الأذان الأول.","level":3,"page":661},{"title":"مسألة [١]: حكم القول مثل ما يقول المؤذن.","level":3,"page":663},{"title":"مسألة [٢]: هل يقال مثله في الحيعلتين؟","level":3,"page":665},{"title":"مسألة [٣]: هل يتابع المؤذن بالتثويب؟","level":3,"page":665},{"title":"مسألة [٤]: هل يتابع المؤذن في الإقامة؟","level":3,"page":666},{"title":"مسألة [٥]: هل يتابع المؤذن نفسه بصوت منخفض؟","level":3,"page":667},{"title":"مسألة [٦]: هل يتابع المسلم المؤذن وهو في صلاته؟","level":3,"page":668},{"title":"مسألة [٧]: إذا شغل عن الأذان لعذر مع كونه سمعه؟","level":3,"page":668},{"title":"مسألة [٨]: إذا سمع مؤذنا آخر يؤذن؟","level":3,"page":669},{"title":"مسألة [١]: حكم أخذ الأجرة على التأذين.","level":3,"page":670},{"title":"مسألة [٢]: أخذ الرزق على الأذان.","level":3,"page":671},{"title":"مسألة [١]: أذان الفاسق.","level":3,"page":672},{"title":"مسألة [٢]: أذان الصبي.","level":3,"page":673},{"title":"مسألة [٣]: أذان العبد.","level":3,"page":674},{"title":"مسألة [٤]: الأذان والإقامة لمن صلى في بيته.","level":3,"page":674},{"title":"مسألة [٥]: الأذان، والإقامة لمن صلى في مسجد قد صلى فيه أهله.","level":3,"page":675},{"title":"مسألة [١]: صفة التأذين، والإقامة.","level":3,"page":677},{"title":"مسألة [٢]: الفصل بين الأذان والإقامة.","level":3,"page":677},{"title":"مسألة [١]: الأذان على طهارة.","level":3,"page":679},{"title":"مسألة [١]: من الذي يتولى الإقامة؟","level":3,"page":680},{"title":"فصل في بعض المسائل الأخرى التي تتعلق بالأذان","level":3,"page":686},{"title":"مسألة [١]: رفع الصوت في الأذان.","level":3,"page":686},{"title":"مسألة [٢]: الردة تبطل الأذان.","level":3,"page":686},{"title":"مسألة [٣]: هل يجوز للرجل أن يؤذن ويبني على أذان غيره؟","level":3,"page":687},{"title":"مسألة [٤]: لا يصح الأذان إلا مرتبا.","level":3,"page":687},{"title":"مسألة [٥]: قول المؤذن: الصلاة في الرحال.","level":3,"page":687},{"title":"مسألة [٦]: موضع قول المؤذن: «صلوا في رحالكم».","level":3,"page":689},{"title":"مسألة [٧]: مقاتلة أهل بلد تركوا الأذان.","level":3,"page":690},{"title":"مسألة [٨]: متى يقوم الناس إذا أقيمت الصلاة؟","level":3,"page":690},{"title":"باب شروط الصلاة","level":2,"page":692},{"title":"الشرط الأول: الإسلام","level":3,"page":692},{"title":"الشرط الثاني: العقل","level":3,"page":692},{"title":"الشرط الثالث: التمييز","level":3,"page":692},{"title":"الشرط الرابع: دخول الوقت","level":3,"page":693},{"title":"الشرط الخامس: الطهارة","level":3,"page":693},{"title":"مسألة [١]: إذا أحدث المصلي في صلاته، فهل عليه الإعادة، أم يجوز له البناء؟","level":3,"page":694},{"title":"الشرط السادس، وهو: ستر العورة","level":3,"page":697},{"title":"مسألة [١]: حكم ستر العورة.","level":3,"page":697},{"title":"مسألة [٢]: حد العورة من الرجل.","level":3,"page":699},{"title":"مسألة [٣]: حد العورة من المرأة.","level":3,"page":704},{"title":"مسألة [٤]: عورة الأمة.","level":3,"page":706},{"title":"مسألة [٥]: انكشاف شيء يسير من العورة من غير قصد.","level":3,"page":708},{"title":"مسألة [٦]: انكشاف شيء فاحش من العورة.","level":3,"page":709},{"title":"مسألة [٧]: الستر بما يصف البشرة، أو يجسم العضو.","level":3,"page":710},{"title":"مسألة [٨]: وضع الإنسان على عاتقه شيئا في الصلاة.","level":3,"page":710},{"title":"مسألة [٩]: هل يجب تعميم الثوب على المنكبين؟","level":3,"page":711},{"title":"مسألة [١٠]: هل يجزئه أن يجعل على عاتقه حبلا، أو خيطا؟","level":3,"page":711},{"title":"مسألة [١١]: إذا لم يقدر على ستر عورته، فهل يصلي قائما، أم قاعدا؟","level":3,"page":712},{"title":"مسألة [١٢]: إذا لم يجد إلا ما يستر عورته، أو منكبيه؟","level":3,"page":713},{"title":"مسألة [١٣]: إذا لم يجد إلا ما يستر بعض عورته؟","level":3,"page":713},{"title":"مسألة [١٤]: إذا وجد العريان جلدا طاهرا؟","level":3,"page":714},{"title":"مسألة [١٥]: إذا وجد طينا يطلي به جسده؟","level":3,"page":714},{"title":"مسألة [١٦]: إذا أعطي سترة؟","level":3,"page":714},{"title":"مسألة [١٧]: إذا وجد العريان ثوبا نجسا؟","level":3,"page":715},{"title":"مسألة [١٨]: هل يصلي العراة جماعة؟","level":3,"page":715},{"title":"مسألة [١٩]: إذا كان مع أحد العراة ثوب.","level":3,"page":716},{"title":"الشرط السابع، وهو: استقبال القبلة","level":3,"page":717},{"title":"مسألة [١]: استقبال القبلة.","level":3,"page":718},{"title":"مسألة [٢]: هل يستقبل عين القبلة، أو جهتها؟","level":3,"page":718},{"title":"مسألة [٣]: من صلى إلى غير القبلة من غير اجتهاد.","level":3,"page":719},{"title":"مسألة [٤]: من صلى إلى غير القبلة بعد الاجتهاد ثم تبين له ذلك.","level":3,"page":719},{"title":"مسألة [٥]: من انحرف عن القبلة يسيرا، ثم تبين له ذلك.","level":3,"page":721},{"title":"مسألة [٦]: إذا بان له يقينا الخطأ، وهو في الصلاة؟","level":3,"page":722},{"title":"مسألة [١]: صلاة النافلة على الراحلة في السفر.","level":3,"page":723},{"title":"مسألة [٢]: صلاة النافلة على الراحلة في الحضر.","level":3,"page":724},{"title":"مسألة [٣]: قبلة المصلي على راحلته.","level":3,"page":724},{"title":"مسألة [٤]: كيفية الركوع، والسجود على الراحلة.","level":3,"page":724},{"title":"مسألة [٥]: هل يستقبل القبلة في أول النافلة؟","level":3,"page":725},{"title":"مسألة [٦]: إذا كان على الراحلة محمل واسع، فكيف يصلي؟","level":3,"page":725},{"title":"مسألة [٧]: الماشي في السفر، هل له أن يتنفل؟","level":3,"page":726},{"title":"مسألة [٨]: صلاة الفريضة على الراحلة.","level":3,"page":727},{"title":"مسألة [٩]: إذا اشتد الخوف، وكان مطلوبا؟","level":3,"page":727},{"title":"مسألة [١٠]: إذا كان طالبا للعدو، خائفا فواته.","level":3,"page":728},{"title":"مسألة [١]: الصلاة في المقبرة.","level":3,"page":730},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط في المقبرة تعدد القبور؟","level":3,"page":731},{"title":"مسألة [٣]: صلاة الجنازة في المقبرة.","level":3,"page":732},{"title":"مسألة [٤]: الصلاة في الحمام.","level":3,"page":733},{"title":"مسألة [٥]: الصلاة في الحش.","level":3,"page":733},{"title":"مسألة [٦]: الصلاة في المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق.","level":3,"page":734},{"title":"مسألة [٧]: معاطن الإبل.","level":3,"page":735},{"title":"مسألة [٨]: الصلاة في مواضع نزول الإبل، وبروكها في غير مباركها.","level":3,"page":736},{"title":"مسألة [٩]: الصلاة في سطح الكعبة.","level":3,"page":737},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":739},{"title":"مسألة [١]: الصلاة في مرابض الغنم.","level":3,"page":739},{"title":"مسألة [٢]: الصلاة في مواضع البقر.","level":3,"page":739},{"title":"مسألة [٣]: الصلاة في الأماكن التي يأوي إليها الشيطان.","level":3,"page":740},{"title":"مسألة [٤]: الصلاة في الأرض المغصوبة.","level":3,"page":740},{"title":"مسألة [٥]: الصلاة إلى القبر.","level":3,"page":741},{"title":"مسألة [٦]: الصلاة إلى المواضع المنهي عن الصلاة فيها.","level":3,"page":741},{"title":"مسألة [٧]: الصلاة على سطوح المواضع المنهي عن الصلاة فيها.","level":3,"page":742},{"title":"مسألة [٨]: الصلاة داخل الكعبة.","level":3,"page":742},{"title":"مسألة [٩]: الصلاة في الكنيسة.","level":3,"page":743},{"title":"مسألة [١٠]: الصلاة إلى النار.","level":3,"page":745},{"title":"مسألة [١١]: صلاة الرجل مستقبلا وجه غيره.","level":3,"page":745},{"title":"مسألة [١٢]: الصلاة في موضع الخسف، والعذاب.","level":3,"page":746},{"title":"مسألة [١٣]: الصلاة خلف النائم.","level":3,"page":747},{"title":"مسألة [١٤]: الصلاة خلف المتحدث.","level":3,"page":748},{"title":"الشرط الثامن من شروط صحة الصلاة، وهو: طهارة البدن، والثوب، والمكان","level":3,"page":750},{"title":"مسألة [١]: حكم طهارة البدن، والثوب، والمكان.","level":3,"page":750},{"title":"مسألة [٢]: إذا رأى نجاسة على بدنه، أو ثيابه بعد أن صلى؟","level":3,"page":753},{"title":"مسألة [٣]: إذا حبس إنسان في مكان نجس؟","level":3,"page":754},{"title":"مسألة [٤]: إذا سقطت عليه نجاسة وهو يصلي؟","level":3,"page":754},{"title":"مسألة [٥]: لو حمل قارورة فيها نجاسة محبوسة فيها؟","level":3,"page":755},{"title":"مسألة [٦]: إذا وضع على الأرض النجسة بساط؟","level":3,"page":755},{"title":"مسألة [٧]: إذا وضع على النجاسة تراب، أو بناء؟","level":3,"page":756},{"title":"مسألة [٨]: الصلاة في النعال.","level":3,"page":756},{"title":"مسألة [٩]: أين يضع نعليه إذا لم يصل بهما؟","level":3,"page":757},{"title":"مسألة [١٠]: تطهير نجاسة أسفل النعل.","level":3,"page":758},{"title":"مسألة [١]: حكم الكلام في الصلاة متعمدا.","level":3,"page":759},{"title":"مسألة [٢]: من تكلم في صلاته متعمدا لإصلاح الصلاة.","level":3,"page":759},{"title":"مسألة [٣]: من تكلم ناسيا أنه في صلاة.","level":3,"page":760},{"title":"مسألة [٤]: من تكلم ظانا أن صلاته تمت.","level":3,"page":760},{"title":"مسألة [٥]: من تكلم في الصلاة جاهلا بتحريمه.","level":3,"page":762},{"title":"مسألة [٦]: من تكلم بكلام واجب.","level":3,"page":762},{"title":"مسألة [١]: إذا أتى المصلي بذكر مشروع ليذكر إمامه، أو غيره كالتسبيح، وما أشبهه؟","level":3,"page":763},{"title":"مسألة [٢]: التصفيق للنساء.","level":3,"page":763},{"title":"مسألة [٣]: كيفية تصفيق النساء في الصلاة.","level":3,"page":764},{"title":"مسألة [٤]: هل تسبح المرأة إذا كانت مع النساء؟","level":3,"page":764},{"title":"مسألة [٥]: الفتح على الإمام.","level":3,"page":765},{"title":"مسألة [٦]: فتح المصلي على غير إمامه.","level":3,"page":766},{"title":"مسألة [٧]: ذكر الله لأسباب خارج الصلاة.","level":3,"page":767},{"title":"مسألة [١]: حكم البكاء، والتأوه، والأنين، والنحيب في الصلاة.","level":3,"page":768},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":770},{"title":"مسألة [١]: الضحك في الصلاة.","level":3,"page":770},{"title":"مسألة [٢]: التبسم في الصلاة.","level":3,"page":771},{"title":"مسألة [١]: حكم التنحنح في الصلاة.","level":3,"page":772},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":773},{"title":"مسألة [١]: حكم النفخ في الصلاة.","level":3,"page":773},{"title":"مسألة [٢]: ما يغلب على المصلي، كالعطاس، ونحوه.","level":3,"page":774},{"title":"مسألة [١]: الرد على السلام كلاما.","level":3,"page":775},{"title":"مسألة [٢]: الرد على السلام إشارة.","level":3,"page":776},{"title":"مسألة [٣]: هل يكره السلام على المصلي؟","level":3,"page":778},{"title":"مسألة [٤]: الإشارة في الصلاة بغير السلام.","level":3,"page":778},{"title":"مسألة [١]: حمل الصبي في الصلاة.","level":3,"page":780},{"title":"مسألة [٢]: المرأة ترضع صبيها.","level":3,"page":780},{"title":"مسألة [٣]: قتل الحية، والعقرب أثناء الصلاة.","level":3,"page":781},{"title":"مسألة [٤]: قتل القمل، والبراغيث في الصلاة.","level":3,"page":781},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":783},{"title":"مسألة [١]: العمل في الصلاة من غير جنس الصلاة.","level":3,"page":783},{"title":"مسألة [٢]: عمل القلب في الصلاة هل يبطلها؟","level":3,"page":784},{"title":"مسألة [٣]: إذا عمل في الصلاة عملا زائدا من جنسها.","level":3,"page":786},{"title":"مسألة [٤]: من قرأ الفاتحة مرتين.","level":3,"page":787},{"title":"مسألة [٥]: العمل الكثير من غير جنس الصلاة سهوا، أو جهلا هل يبطل الصلاة؟","level":3,"page":787},{"title":"مسألة [٦]: القراءة من المصحف في الصلاة؟","level":3,"page":788},{"title":"مسألة [٧]: الأكل والشرب في الصلاة.","level":3,"page":789},{"title":"مسألة [٨]: الأكل والشرب في الصلاة ناسيا.","level":3,"page":789},{"title":"مسألة [٩]: بقايا الطعام في الفم.","level":3,"page":790},{"title":"ملحق في باب شروط الصلاة","level":2,"page":791},{"title":"الشرط التاسع: النية","level":3,"page":791},{"title":"مسألة [١]: حكم الجهر بالنية.","level":3,"page":791},{"title":"مسألة [٢]: حكم التلفظ بالنية دون جهر.","level":3,"page":792},{"title":"مسألة [٣]: محل النية.","level":3,"page":792},{"title":"مسألة [٤]: محل النية من الصلاة.","level":3,"page":793},{"title":"مسألة [٥]: استصحاب النية في الصلاة.","level":3,"page":795},{"title":"مسألة [٦]: هل يشترط في النية تعيين الصلاة؟","level":3,"page":796},{"title":"مسألة [٧]: هل يشترط نية الفرضية؟","level":3,"page":796},{"title":"مسألة [٨]: حكم قطع النية، والتردد في قطعها.","level":3,"page":797},{"title":"مسألة [٩]: تحويل النية من فريضة إلى فريضة أخرى أثناء الصلاة.","level":3,"page":798},{"title":"مسألة [١٠]: تحويل النية من فريضة إلى نافلة مطلقة.","level":3,"page":798},{"title":"مسألة [١١]: تحويل النية من فريضة إلى نافلة معينة كالوتر، والنافلة المعينة إلى نافلة مطلقة.","level":3,"page":799},{"title":"مسألة [١٢]: إذا أحرم بصلاة قبل الوقت، أو أحرم بفائتة فتذكر أنه قد أداها؟","level":3,"page":800},{"title":"مسألة [١٣]: إذا شك هل نوى الصلاة فرضا، أو نفلا؟","level":3,"page":800},{"title":"باب سترة المصلي","level":2,"page":801},{"title":"مسألة [١]: حكم المرور بين يدي المصلي.","level":3,"page":802},{"title":"مسألة [٢]: هل يحرم المرور بين يدي المصلي إذا لم يكن بين يديه سترة؟","level":3,"page":802},{"title":"مسألة [٣]: حد القرب الذي يمنع المار منه إذا صلى بدون سترة.","level":3,"page":803},{"title":"مسألة [٤]: حكم المرور بين يدي المأمومين.","level":3,"page":804},{"title":"مسألة [١]: مقدار طول السترة.","level":3,"page":805},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":806},{"title":"مسألة [١]: مقدار عرض السترة.","level":3,"page":806},{"title":"مسألة [٢]: مقدار ما بين المصلي، وبين سترته.","level":3,"page":806},{"title":"مسألة [١]: حكم سترة المصلي.","level":3,"page":808},{"title":"مسألة [٢]: السترة في مكة.","level":3,"page":811},{"title":"مسألة [٣]: الدنو من السترة.","level":3,"page":812},{"title":"مسألة [١]: ما هو الذي يقطع الصلاة بمروره بين يدي المصلي؟","level":3,"page":814},{"title":"مسألة [٢]: هل مرور المرأة أمام المرأة يقطع الصلاة؟","level":3,"page":815},{"title":"مسألة [٣]: سترة الإمام سترة لمن خلفه.","level":3,"page":816},{"title":"مسألة [٤]: إذا مر من وراء السترة، أو من مكان بعيد؟","level":3,"page":817},{"title":"مسألة [١]: حكم المدافعة من المصلي للمار بين يديه.","level":3,"page":821},{"title":"مسألة [٢]: إذا عبر من بين يديه، وتجاوز، فهل يرد؟","level":3,"page":821},{"title":"مسألة [٣]: هل يرد البهيمة إذا مرت بين يديه؟","level":3,"page":822},{"title":"مسألة [١]: الاستتار بالخط لمن لم يجد سترة.","level":3,"page":823},{"title":"مسألة [٢]: الاستتار بالشيء الذي لا ينتصب.","level":3,"page":823},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":825},{"title":"مسألة [١]: الاستتار بالبعير، والحيوان.","level":3,"page":825},{"title":"مسألة [٢]: هل يجعل السترة أمام وجهه، أم يميل عنها يسيرا؟","level":3,"page":825},{"title":"باب الحث على الخشوع في الصلاة","level":2,"page":827},{"title":"مسألة [١]: معنى الاختصار، وحكمه.","level":3,"page":829},{"title":"مسألة [١]: تقديم الطعام إذا قرب على الصلاة.","level":3,"page":831},{"title":"مسألة [٢]: إذا قدم الصلاة على الطعام.","level":3,"page":832},{"title":"مسألة [٣]: هل يقدم الطعام إذا خشي خروج وقت الصلاة؟","level":3,"page":832},{"title":"مسألة [١]: حكم مسح الحصى في الصلاة.","level":3,"page":833},{"title":"مسألة [١]: حكم الالتفات في الصلاة.","level":3,"page":835},{"title":"مسألة [٢]: الالتفات لحاجة.","level":3,"page":837},{"title":"مسألة [٣]: النظر يمينا وشمالا أثناء الصلاة بدون التفات.","level":3,"page":837},{"title":"مسألة [١]: البصاق جهة القبلة.","level":3,"page":839},{"title":"مسألة [٢]: بصاق المصلي عن يمينه.","level":3,"page":840},{"title":"مسألة [٣]: بصاق المصلي عن يساره، وحكم البصاق والتنخم في المسجد.","level":3,"page":841},{"title":"مسألة [١]: حكم رفع البصر إلى السماء في الصلاة.","level":3,"page":847},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":848},{"title":"مسألة [١]: موضع نظر المصلي في الصلاة.","level":3,"page":848},{"title":"مسألة [٢]: تغميض العينين في الصلاة.","level":3,"page":849},{"title":"مسألة [١]: حكم الصلاة بحضرة الطعام، أو مع مدافعة الأخبثين.","level":3,"page":851},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة بالباب","level":3,"page":853},{"title":"مسألة [١]: التروح في الصلاة.","level":3,"page":853},{"title":"مسألة [٢]: المراوحة بين القدمين.","level":3,"page":853},{"title":"مسألة [٣]: التفريج بين القدمين.","level":3,"page":853},{"title":"باب المساجد","level":2,"page":855},{"title":"مسألة [١]: دخول المشرك مساجد المسلمين.","level":3,"page":859},{"title":"مسألة [٢]: وهل يشترط إذن المسلمين في دخولهم؟","level":3,"page":860},{"title":"مسألة [٣]: هل يجوز أن يظهروا بعض شعائرهم في المسجد؟","level":3,"page":861},{"title":"مسألة [٤]: هل يلتحق مسجد المدينة بالمسجد الحرام؟","level":3,"page":861},{"title":"مسألة [١]: حكم إنشاد الضالة.","level":3,"page":863},{"title":"مسألة [٢]: حكم قوله: لا ردها الله عليك؟","level":3,"page":864},{"title":"مسألة [٣]: حكم تعريف الضالة في المسجد.","level":3,"page":864},{"title":"مسألة [١]: حكم البيع والشراء في المسجد.","level":3,"page":865},{"title":"مسألة [٢]: هل ينعقد البيع إذا بيع في المسجد؟","level":3,"page":866},{"title":"مسألة [٣]: ذكر البيع والشراء في المسجد.","level":3,"page":866},{"title":"مسألة [١]: حكم إقامة الحدود في المساجد.","level":3,"page":867},{"title":"مسألة [١]: حكم صلاة ركعتين عند دخول المسجد.","level":3,"page":876},{"title":"مسألة [٢]: هل يجب على من دخل المسجد، وهو محدث أن يتوضأ، أو يغتسل إن كان جنبا؟","level":3,"page":879},{"title":"مسألة [١]: حكم الملاعنة في المسجد.","level":3,"page":881},{"title":"مسألة [٢]: القضاء في المسجد.","level":3,"page":881},{"title":"مسألة [٣]: دخول المسجد باليمنى، والخروج باليسرى.","level":3,"page":882},{"title":"مسألة [٤]: دعاء الدخول إلى المسجد، والخروج منه.","level":3,"page":883},{"title":"مسألة [٥]: الخروج من المسجد بعد الأذان.","level":3,"page":883},{"title":"مسألة [٦]: المرور في المسجد بدون صلاة.","level":3,"page":884},{"title":"مسألة [٧]: الحدث في المسجد أعني الفساء والضراط.","level":3,"page":884},{"title":"مسألة [٨]: الصلاة بين سواري المسجد.","level":3,"page":885},{"title":"مسألة [٩]: حضور المسجد لمن أكل البصل، والثوم، والكراث، ولم يذهب الريح.","level":3,"page":886},{"title":"مسألة [١٠]: هل يلتحق بما تقدم الفجل؟","level":3,"page":887},{"title":"مسألة [١١]: بائعو السمك.","level":3,"page":888},{"title":"باب صفة الصلاة","level":2,"page":889},{"title":"مسألة [١]: حكم القيام لصلاة الفريضة.","level":3,"page":890},{"title":"مسألة [٢]: حكم القيام لصلاة الفريضة من العاجز.","level":3,"page":891},{"title":"مسألة [٣]: حكم القيام لصلاة النافلة.","level":3,"page":891},{"title":"مسألة [٤]: حكم تكبيرة الإحرام.","level":3,"page":893},{"title":"مسألة [٥]: صيغة التكبير.","level":3,"page":894},{"title":"مسألة [٦]: تنكيس صيغة التكبير.","level":3,"page":896},{"title":"مسألة [٧]: اللحن في التكبير.","level":3,"page":896},{"title":"مسألة [٨]: التكبير بغير العربية.","level":3,"page":896},{"title":"مسألة [٩]: إذا كان أخرسا، أو عاجزا عن التكبير.","level":3,"page":897},{"title":"مسألة [١٠]: تكبيرة الإحرام أثناء القيام.","level":3,"page":898},{"title":"مسألة [١١]: متى يكبر المأموم؟","level":3,"page":898},{"title":"مسألة [١٢]: النطق بالتكبير.","level":3,"page":899},{"title":"مسألة [١٣]: الجهر بالتكبير للإمام، والمأموم، والمنفرد.","level":3,"page":900},{"title":"مسألة [١٤]: تبليغ التكبير إذا لم يسمع الإمام.","level":3,"page":901},{"title":"مسألة [١٥]: من أدرك الإمام راكعا، فهل تجزئه تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الانتقال؟","level":3,"page":902},{"title":"مسألة [١٦]: إذا أدرك الإمام في ركن غير الركوع؟","level":3,"page":904},{"title":"مسألة [١٧]: حكم الركوع.","level":3,"page":905},{"title":"مسألة [١٨]: حكم الاطمئنان في الركوع.","level":3,"page":905},{"title":"مسألة [١٩]: حكم الاعتدال من الركوع.","level":3,"page":906},{"title":"مسألة [٢٠]: حكم الطمأنية فيه.","level":3,"page":906},{"title":"مسألة [٢١]: حكم السجود.","level":3,"page":906},{"title":"مسألة [٢٢]: حكم الطمأنينة فيه.","level":3,"page":907},{"title":"مسألة [٢٣]: حكم الجلوس بين السجدتين، والاطمئنان فيه.","level":3,"page":907},{"title":"مسألة [٢٤]: حكم السجود الثاني والطمأنينة فيه.","level":3,"page":908},{"title":"مسألة [١]: حكم وضع اليدين على الركبتين.","level":3,"page":910},{"title":"مسألة [٢]: استقبال القبلة بأطراف الأصابع في السجود، وغيره.","level":3,"page":912},{"title":"مسألة [٣]: كيفية الجلوس في التشهد الأول، والأخير.","level":3,"page":913},{"title":"مسألة [٤]: كيفية جلوس المرأة في التشهد الأول، والأخير.","level":3,"page":914},{"title":"مسألة [١]: دعاء الاستفتاح.","level":3,"page":917},{"title":"مسألة [٢]: دعاء الاستفتاح في الرواتب والنوافل المطلقة.","level":3,"page":920},{"title":"مسألة [٣]: إذا لم يستفتح المأموم حتى شرع الإمام في القراءة.","level":3,"page":921},{"title":"مسألة [١]: حكم الاستعاذة.","level":3,"page":923},{"title":"مسألة [٢]: هل يستعيذ في كل ركعة؟","level":3,"page":923},{"title":"مسألة [٣]: هل يسر بالتعوذ، أم يجهر؟","level":3,"page":924},{"title":"مسألة [٤]: الاستعاذة قبل القراءة.","level":3,"page":924},{"title":"مسألة [٥]: صيغة الاستعاذة.","level":3,"page":926},{"title":"مسألة [١]: حكم رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام.","level":3,"page":932},{"title":"مسألة [٢]: متى يرفع يديه؟","level":3,"page":933},{"title":"مسألة [٣]: رفع اليدين عند الركوع، وعند القيام منه.","level":3,"page":934},{"title":"مسألة [٤]: رفع اليدين عند القيام من التشهد الأول.","level":3,"page":936},{"title":"مسألة [٥]: رفع اليدين عند القيام من السجود.","level":3,"page":937},{"title":"مسألة [٦]: رفع اليدين عند كل خفض ورفع.","level":3,"page":939},{"title":"مسألة [٧]: حكم رفع اليدين عند الركوع، والرفع منه.","level":3,"page":941},{"title":"مسألة [٨]: إلى أين يرفع يديه؟","level":3,"page":941},{"title":"مسألة [٩]: هل يضم أصابعه عند الرفع، أم يفرقها؟","level":3,"page":942},{"title":"مسألة [١٠]: كيف ترفع المرأة يديها؟","level":3,"page":942},{"title":"مسألة [١]: حكم وضع اليد اليمنى على اليسرى.","level":3,"page":945},{"title":"مسألة [٢]: أين يضع يديه؟","level":3,"page":946},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":948},{"title":"مسألة [١]: وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد الركوع.","level":3,"page":948},{"title":"مسألة [٢]: كيفية وضع اليمنى على اليسرى.","level":3,"page":950},{"title":"مسألة [١]: حكم القراءة بفاتحة الكتاب.","level":3,"page":951},{"title":"مسألة [٢]: هل تجب قراءة الفاتحة في كل ركعة؟","level":3,"page":952},{"title":"مسألة [٣]: قراءة المأموم للفاتحة.","level":3,"page":953},{"title":"مسألة [٤]: متى يقرأ المأموم الفاتحة؟","level":3,"page":954},{"title":"مسألة [٥]: قراءة الفاتحة مرتبة غير ملحون بها.","level":3,"page":956},{"title":"مسألة [٦]: الموالاة في الفاتحة.","level":3,"page":957},{"title":"مسألة [٧]: التلفظ بالفاتحة.","level":3,"page":958},{"title":"مسألة [٨]: قراءة الفاتحة بغير العربية.","level":3,"page":959},{"title":"مسألة [١]: الإسرار، أو الجهر بالبسملة.","level":3,"page":961},{"title":"مسألة [١]: هل البسملة آية من الفاتحة؟","level":3,"page":974},{"title":"مسألة [١]: حكم التأمين.","level":3,"page":977},{"title":"مسألة [٢]: حكم الجهر بالتأمين.","level":3,"page":978},{"title":"مسألة [٣]: معنى آمين.","level":3,"page":979},{"title":"مسألة [٤]: كم لغة في (آمين)؟","level":3,"page":979},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":980},{"title":"مسألة [١]: متى يؤمن المأموم؟","level":3,"page":980},{"title":"مسألة [١]: الجهر، والإسرار بالقراءة في الصلوات الخمس.","level":3,"page":983},{"title":"مسألة [٢]: من صلى منفردا، فهل يجهر فيما يجهر فيه؟","level":3,"page":983},{"title":"مسألة [٣]: المأموم يسر بالقراءة.","level":3,"page":984},{"title":"مسألة [٤]: المرأة هل تجهر بالقراءة؟","level":3,"page":984},{"title":"مسألة [٥]: هل يجهر بالفائتة، أو يسر؟","level":3,"page":985},{"title":"مسألة [٦]: الجهر والإسرار في الصلوات الأخرى.","level":3,"page":985},{"title":"مسألة [٧]: حكم الجهر بالقراءة فيما يجهر فيه.","level":3,"page":986},{"title":"مسألة [٨]: إذا جهر في موضع الإسرار، أو العكس ناسيا.","level":3,"page":986},{"title":"مسألة [٩]: أدنى الجهر، ومنتهاه.","level":3,"page":987},{"title":"مسألة [١٠]: إسماع الآية في السرية أحيانا.","level":3,"page":987},{"title":"مسألة [١١]: حكم قراءة سورة بعد فاتحة الكتاب في الركعتين الأوليين.","level":3,"page":988},{"title":"مسألة [١٢]: قراءة شيء من القرآن بعد الفاتحة في الركعتين الأخريين.","level":3,"page":991},{"title":"مسألة [١٣]: المسبوق بركعتين من الرباعية، هل يقرأ في الركعتين الأخريين غير الفاتحة؟","level":3,"page":993},{"title":"مسألة [١٤]: لو ابتدأ المصلي بالسورة قبل الفاتحة.","level":3,"page":993},{"title":"مسألة [١٥]: لو ترك الإمام السورة في الأوليين؟.","level":3,"page":994},{"title":"مسألة [١٦]: تطويل الركعة الأولى على الثانية.","level":3,"page":994},{"title":"مسألة [١٧]: تطويل الركعة الثالثة على الرابعة.","level":3,"page":995},{"title":"مسألة [١٨]: كيف يصنع الأخرس الذي لا يستطيع القراءة؟","level":3,"page":995},{"title":"مسألة [١]: حزب المفصل وتعيينه.","level":3,"page":996},{"title":"مسألة [٢]: القراءة في صلاة الظهر.","level":3,"page":998},{"title":"مسألة [٣]: القراءة في العصر.","level":3,"page":999},{"title":"مسألة [٤]: القراءة في المغرب.","level":3,"page":1000},{"title":"مسألة [٥]: القراءة في العشاء.","level":3,"page":1001},{"title":"مسألة [٦]: القراءة في الفجر.","level":3,"page":1001},{"title":"مسألة [٧]: قراءة سورة تامة.","level":3,"page":1002},{"title":"مسألة [٨]: القراءة ببعض السورة من أولها، أو آخرها، أو وسطها.","level":3,"page":1002},{"title":"مسألة [٩]: الجمع بين السورتين في ركعة.","level":3,"page":1002},{"title":"مسألة [١٠]: ترداد السورة في الركعتين.","level":3,"page":1003},{"title":"مسألة [١١]: قراءة القرآن على غير ترتيب المصحف.","level":3,"page":1003},{"title":"مسألة [١]: حكم قراءة هاتين السورتين في فجر يوم الجمعة.","level":3,"page":1004},{"title":"مسألة [٢]: هل يستحب المداومة في قراءتهما؟","level":3,"page":1005},{"title":"مسألة [١]: سؤال الرحمة، والاستعاذة من العذاب أثناء القراءة.","level":3,"page":1007},{"title":"مسألة [١]: حكم أذكار الركوع، والسجود.","level":3,"page":1008},{"title":"مسألة [٢]: ما هو الذي يجزئ عن الوجوب؟","level":3,"page":1009},{"title":"مسألة [٣]: الدعاء في الركوع.","level":3,"page":1010},{"title":"مسألة [٤]: قراءة القرآن في الركوع، والسجود.","level":3,"page":1010},{"title":"مسألة [١]: حكم تكبيرات الانتقال.","level":3,"page":1012},{"title":"مسألة [٢]: جمع الإمام بين التسميع والتحميد.","level":3,"page":1013},{"title":"مسألة [٣]: هل يقول المأموم: سمع الله لمن حمده، أم يقتصر على التحميد؟","level":3,"page":1014},{"title":"مسألة [٤]: كيفية التحميد.","level":3,"page":1014},{"title":"مسألة [٥]: موضع قول: ربنا ولك الحمد، وقول: سمع الله لمن حمده.","level":3,"page":1015},{"title":"مسألة [٦]: محل تكبيرات الانتقال.","level":3,"page":1015},{"title":"مسألة [١]: حكم السجود على الأعضاء السبعة.","level":3,"page":1018},{"title":"مسألة [٢]: حكم السجود على الأنف.","level":3,"page":1019},{"title":"مسألة [٣]: مباشرة الساجد بأعضائه الأرض.","level":3,"page":1021},{"title":"مسألة [١]: حكم التفريج بين اليدين في السجود.","level":3,"page":1023},{"title":"مسألة [٢]: رفع المرفقين عن الأرض في السجود.","level":3,"page":1024},{"title":"مسألة [١]: كيفية وضع الأصابع في الركوع والسجود.","level":3,"page":1025},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1027},{"title":"مسألة [١]: موضع اليدين في السجود.","level":3,"page":1027},{"title":"مسألة [٢]: هل يلزمه السجود على جميع العضو، أم يجزئ بعضه؟","level":3,"page":1028},{"title":"مسألة [١]: ما يقول بين السجدتين.","level":3,"page":1030},{"title":"مسألة [٢]: حكم الأذكار بين السجدتين.","level":3,"page":1031},{"title":"مسألة [١]: حكم جلسة الاستراحة.","level":3,"page":1033},{"title":"مسألة [٢]: كيفية جلسة الاستراحة.","level":3,"page":1034},{"title":"مسألة [٣]: موضع تكبيرة الانتقال إذا جلس للاستراحة.","level":3,"page":1035},{"title":"مسألة [٤]: هل ينهض بعد جلوس الاستراحة معتمدا على يديه، أم قدميه؟","level":3,"page":1035},{"title":"مسألة [١]: القنوت في النوازل.","level":3,"page":1039},{"title":"مسألة [٢]: في أي الصلوات يقنت؟","level":3,"page":1039},{"title":"مسألة [٣]: موضع القنوت.","level":3,"page":1040},{"title":"مسألة [٤]: مداومة القنوت في صلاة الصبح لغير نازلة.","level":3,"page":1044},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1045},{"title":"مسألة [١]: رفع اليدين في القنوت.","level":3,"page":1045},{"title":"مسألة [٢]: تأمين المأمومين.","level":3,"page":1046},{"title":"مسألة [١]: حكم القنوت في صلاة الوتر.","level":3,"page":1049},{"title":"مسألة [٢]: هل في دعاء القنوت دعاء مؤقت مخصوص.","level":3,"page":1051},{"title":"مسألة [١]: ماذا يقدم المصلي عند سجوده: أيديه، أم ركبتيه؟","level":3,"page":1055},{"title":"مسألة [١]: حالات أصابع اليد اليمنى.","level":3,"page":1059},{"title":"مسألة [٢]: لو كانت سبابة اليد اليمنى مقطوعة.","level":3,"page":1059},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1060},{"title":"مسألة [١]: موضع البصر في التشهد.","level":3,"page":1060},{"title":"مسألة [٢]: تحريك الإصبع في التشهد.","level":3,"page":1060},{"title":"مسألة [١]: حكم التشهد الأول.","level":3,"page":1063},{"title":"مسألة [٢]: حكم التشهد الأخير.","level":3,"page":1064},{"title":"مسألة [٣]: المختار من صيغ التشهد.","level":3,"page":1065},{"title":"مسألة [٤]: هل يقول: السلام عليك أيها النبي، أم: السلام على النبي؟","level":3,"page":1065},{"title":"مسألة [٥]: زيادة التسمية قبل التشهد.","level":3,"page":1066},{"title":"مسألة [٦]: إذا نقص المصلي بعض ألفاظ التشهد.","level":3,"page":1067},{"title":"مسألة [١]: حكم الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في التشهد الأخير.","level":3,"page":1071},{"title":"مسألة [٢]: هل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تكون في التشهد الأول أيضا؟","level":3,"page":1072},{"title":"مسألة [١]: الدعاء بعد التشهد.","level":3,"page":1074},{"title":"مسألة [٢]: الدعاء بما ليس في القرآن.","level":3,"page":1075},{"title":"مسألة [١]: حكم التسليم.","level":3,"page":1076},{"title":"مسألة [٢]: هل تجب التسليمة الثانية؟","level":3,"page":1078},{"title":"مسألة [٣]: صفة التسليم.","level":3,"page":1079},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1082},{"title":"مسألة [١]: متى يسلم المأموم؟","level":3,"page":1082},{"title":"مسألة [٢]: هل يسلم المأموم عقب فراغ الإمام من التسليمتين، أم التسليمة الأولى فقط؟","level":3,"page":1083},{"title":"مسألة [٣]: إذا سلم المأموم مع تسليم إمامه.","level":3,"page":1083},{"title":"مسألة [٤]: إذا سلم المأموم قبل تسليم إمامه.","level":3,"page":1083},{"title":"مسألة [٥]: الالتفات عند السلام.","level":3,"page":1084},{"title":"مسألة [٦]: حكم رد المأموم على سلام الإمام، وكذا على سلام المأمومين.","level":3,"page":1084},{"title":"مسألة [١]: حكم الأذكار عقب الصلاة.","level":3,"page":1088},{"title":"مسألة [٢]: الدعاء عقب الصلوات.","level":3,"page":1088},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1091},{"title":"مسألة [١]: رفع الصوت بالذكر.","level":3,"page":1091},{"title":"باب سجود السهو وغيره","level":2,"page":1095},{"title":"مسألة [١]: حكم سجود السهو.","level":3,"page":1095},{"title":"مسألة [٢]: من ترك سجود السهو نسيانا.","level":3,"page":1095},{"title":"مسألة [٣]: هل تبطل الصلاة بترك سجود السهو عمدا؟","level":3,"page":1097},{"title":"مسألة [١]: حكم من نسي التشهد الأول من الفريضة.","level":3,"page":1099},{"title":"مسألة [٢]: إن نسي التشهد من صلاة التطوع، فقام إلى ثالثة؟","level":3,"page":1099},{"title":"مسألة [١]: إذا سلم المصلي قبل إتمام الصلاة؛ فهل يبني أم يعيد؟","level":3,"page":1101},{"title":"مسألة [٢]: إذا خرج المصلي من صلاته ناسيا، فتكلم، فهل يبني، أم يعيد؟","level":3,"page":1102},{"title":"مسألة [٣]: حكم التكبير لسجود السهو.","level":3,"page":1103},{"title":"مسألة [١]: التشهد بعد سجدتي السهو.","level":3,"page":1105},{"title":"مسألة [٢]: التسليم بعد سجدتي السهو.","level":3,"page":1105},{"title":"مسألة [١]: كيف يصنع المصلي إذا شك في صلاته؟","level":3,"page":1108},{"title":"مسألة [٢]: كيف يصنع من قام إلى خامسة في صلاته؟","level":3,"page":1110},{"title":"مسألة [٣]: من شك في صلاته، ثم زال شكه، وتيقن؟","level":3,"page":1110},{"title":"مسألة [٤]: محل سجود السهو.","level":3,"page":1111},{"title":"مسألة [١]: من قام ولم يجلس للتشهد الأول، فله ثلاث حالات.","level":3,"page":1115},{"title":"مسألة [٢]: هل تفسد الصلاة إذا رجع؟","level":3,"page":1117},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1118},{"title":"مسألة [١]: إذا نسي المصلي ركنا في صلاته، ثم ذكره بعد أن فات محله؟","level":3,"page":1118},{"title":"مسألة [٢]: إذا نسي ركنا أثناء الصلاة، ثم ذكره بعد السلام؟","level":3,"page":1120},{"title":"مسألة [٣]: هل يسجد المصلي للسهو إذا نسي تكبيرة الانتقال؟","level":3,"page":1121},{"title":"مسألة [٤]: من قال موضع: سمع الله لمن حمده، الله أكبر، والعكس من ذلك؟","level":3,"page":1121},{"title":"مسألة [١]: إذا سها الإمام؛ فعلى المأموم أن يسجد معه.","level":3,"page":1123},{"title":"مسألة [٢]: هل على المأموم سجود سهو إذا سها في نفسه؟","level":3,"page":1124},{"title":"مسألة [٣]: إذا سها الإمام ولم يسجد سهوا أو عمدا، أيسجد من خلفه؟","level":3,"page":1125},{"title":"مسألة [١]: تعدد السهو.","level":3,"page":1127},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1129},{"title":"مسألة [١]: هل يشمل سجود السهو صلاة النافلة؟","level":3,"page":1129},{"title":"مسألة [٢]: هل يسجد للسهو في صلاة الجنازة؟","level":3,"page":1129},{"title":"مسألة [٣]: هل يسجد لترك المستحب؟","level":3,"page":1130},{"title":"مسألة [٤]: المسبوق الذي يدرك وترا من صلاة الإمام، هل عليه سجود سهو لجبر ما فاته مع الإمام؟","level":3,"page":1130},{"title":"مسألة [٥]: من فاته بعض صلاة الإمام فأغفل القضاء حتى دخل في صلاة تطوع ثم ذكر؛ فكيف يصنع؟","level":3,"page":1132},{"title":"مسألة [١]: حكم سجود التلاوة.","level":3,"page":1135},{"title":"مسألة [٢]: عدد سجدات التلاوة في القرآن.","level":3,"page":1136},{"title":"مسألة [٣]: موضع سجدة سورة فصلت.","level":3,"page":1139},{"title":"مسألة [٤]: هل يكبر لسجود التلاوة؟","level":3,"page":1140},{"title":"مسألة [٥]: التسليم بعد سجود التلاوة.","level":3,"page":1141},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1142},{"title":"مسألة [١]: هل تشترط الطهارة لسجود التلاوة؟","level":3,"page":1142},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط استقبال القبلة في سجود التلاوة؟","level":3,"page":1142},{"title":"مسألة [٣]: هل يسجد المستمع لسجود التلاوة؟","level":3,"page":1143},{"title":"مسألة [٤]: هل يسجد السامع الذي سمع، ولم يقصد الاستماع؟","level":3,"page":1144},{"title":"مسألة [٥]: هل يشترط لسجود المستمع أن يكون التالي ممن يصلح للإمامة؟","level":3,"page":1145},{"title":"مسألة [٦]: هل للمستمع أن يرفع رأسه من السجود قبل القارئ؟","level":3,"page":1145},{"title":"مسألة [٧]: هل يقوم الركوع مقام السجود؟","level":3,"page":1145},{"title":"مسألة [٨]: إذا قرأ السجدة على الراحلة في السفر؟","level":3,"page":1146},{"title":"مسألة [٩]: السجود للتلاوة في الصلاة.","level":3,"page":1146},{"title":"مسألة [١٠]: من لم يجد موضعا للسجود.","level":3,"page":1147},{"title":"مسألة [١١]: هل يستحب في السجود للتلاوة أن يقف، ثم يخر ساجدا؟","level":3,"page":1148},{"title":"مسألة [١٢]: ما هي الأذكار التي تقال في سجود التلاوة؟","level":3,"page":1149},{"title":"مسألة [١٣]: هل يسجد للتلاوة إذا قرأها بعد صلاة الصبح والعصر؟","level":3,"page":1151},{"title":"مسألة [١٤]: هل يسجد الماشي إذا قرأ السجدة؟","level":3,"page":1153},{"title":"مسألة [١٥]: هل تسجد الحائض إذا قرأت السجدة؟","level":3,"page":1154},{"title":"مسألة [١]: حكم سجود الشكر.","level":3,"page":1156},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1157},{"title":"مسألة [١]: هل يسجد للشكر في الصلاة؟","level":3,"page":1157},{"title":"مسألة [٢]: هل يشرع السجود مجردا بلا سبب؟","level":3,"page":1157},{"title":"باب صلاة التطوع","level":2,"page":1158},{"title":"مسألة [١]: وقت رواتب الصلاة.","level":3,"page":1161},{"title":"مسألة [١]: حكم الاضطجاع بعد ركعتي الفجر.","level":3,"page":1168},{"title":"مسألة [٢]: الاضطجاع في المسجد.","level":3,"page":1169},{"title":"مسألة [١]: كيفية التطوع بالليل والنهار.","level":3,"page":1170},{"title":"مسألة [١]: فضيلة صلاة الليل والوتر.","level":3,"page":1175},{"title":"مسألة [٢]: حكم الوتر.","level":3,"page":1175},{"title":"مسألة [٣]: أقل الوتر، وأكثره.","level":3,"page":1177},{"title":"مسألة [٤]: الوتر بركعة ليس قبلها شيء.","level":3,"page":1178},{"title":"مسألة [٥]: إذا أوتر بثلاث، فهل يفصل بينهن، أم يوصل؟","level":3,"page":1182},{"title":"مسألة [١]: من أوتر في أول الليل، ثم قام، فأراد أن يتنفل، فكيف يصنع؟","level":3,"page":1189},{"title":"مسألة [٢]: حكم الركعتين بعد الوتر.","level":3,"page":1191},{"title":"مسألة [١]: ما يقرأ في الوتر؟","level":3,"page":1193},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1195},{"title":"مسألة [١]: ماذا يقال بعد صلاة الوتر؟","level":3,"page":1195},{"title":"مسألة [١]: وقت صلاة الوتر.","level":3,"page":1197},{"title":"مسألة [٢]: من صلى الوتر وكان قد نسي أن يصلي صلاة العشاء، أو نسي بعض شروطها؟","level":3,"page":1199},{"title":"مسألة [٣]: من صلى العشاء مع المغرب جمع تقديم، فهل يدخل وقت الوتر بعد صلاة العشاء أيضا؟","level":3,"page":1200},{"title":"مسألة [٤]: هل يقضي الوتر إذا فاته؟","level":3,"page":1200},{"title":"مسألة [٥]: أفضل أوقات الوتر.","level":3,"page":1202},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1204},{"title":"مسألة [١]: الوتر على الراحلة.","level":3,"page":1204},{"title":"مسألة [١]: حكم صلاة الضحى.","level":3,"page":1206},{"title":"مسألة [٢]: وقت صلاة الضحى.","level":3,"page":1209},{"title":"مسألة [٣]: وقتها المختار.","level":3,"page":1209},{"title":"مسألة [١]: عدد ركعات الضحى.","level":3,"page":1210},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1213},{"title":"مسألة [١]: التنفل المطلق.","level":3,"page":1213},{"title":"مسألة [٢]: هل للمصلي أن يتنفل بأكثر من ركعتين متصلة، بدون تقييد عدد؟","level":3,"page":1214},{"title":"مسألة [١]: مشروعية صلاة الاستخارة.","level":3,"page":1223},{"title":"مسألة [٢]: وقت الدعاء في صلاة الاستخارة.","level":3,"page":1224},{"title":"مسألة [٣]: بأي الأمرين يأخذ المصلي بعد الاستخارة؟","level":3,"page":1225},{"title":"مسألة [٤]: حكم تكرار صلاة الاستخارة.","level":3,"page":1227},{"title":"مسألة [٥]: دعاء الاستخارة يكون بعد صلاة ركعتين","level":3,"page":1228},{"title":"مسألة [٦]: هل يشرع جعل الاستخارة عقب ركعتين من الرواتب؟","level":3,"page":1229},{"title":"باب صلاة الجماعة والإمامة","level":2,"page":1232},{"title":"مسألة [١]: حكم صلاة الجماعة.","level":3,"page":1236},{"title":"مسألة [٢]: هل تجب صلاة الجماعة في المسجد؟","level":3,"page":1239},{"title":"مسألة [٣]: إذا صلى الفريضة، ثم دخل المسجد فوجدهم يصلونها، فهل يعيدها؟","level":3,"page":1240},{"title":"مسألة [٤]: إذا أعاد المغرب، فهل يشفعها بركعة؟","level":3,"page":1241},{"title":"مسألة [٥]: هل تجب الإعادة؟","level":3,"page":1242},{"title":"مسألة [٦]: إذا أعاد الصلاة، فأيهما فرضه؟","level":3,"page":1242},{"title":"مسألة [٧]: اختلاف نية الإمام والمأموم في التنفل والافتراض.","level":3,"page":1243},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1245},{"title":"مسألة [١]: الجماعة الثانية في مسجد قد صلي فيه.","level":3,"page":1245},{"title":"مسألة [٢]: من فاتته الجمعة؛ فهل يصلي الظهر جماعة في المسجد؟","level":3,"page":1247},{"title":"مسألة [٣]: إذا صلوا جماعة أخرى، فهل يبتدئون بالسنة الراتبة، أم الفرض؟","level":3,"page":1247},{"title":"مسألة [١]: هل يشترط لصحة الجماعة أن ينوي المؤتمون الائتمام؟","level":3,"page":1249},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط أن ينوي الإمام الإمامة؟","level":3,"page":1250},{"title":"مسألة [٣]: إذا نوى الإمام الإمامة ولم ينو المأموم الائتمام؟","level":3,"page":1250},{"title":"مسألة [٤]: إذا أحرم منفردا، ثم نوى الائتمام في الصلاة؟","level":3,"page":1251},{"title":"مسألة [٥]: إذا أحرم منفردا، ثم نوى الإمامة؟","level":3,"page":1251},{"title":"مسألة [٦]: إذا انفرد المؤتم وصلى منفردا؟","level":3,"page":1252},{"title":"مسألة [٧]: إذا تابع إماما ولا ينوي الائتمام؟","level":3,"page":1252},{"title":"مسألة [٨]: حالات المأموم مع الإمام.","level":3,"page":1253},{"title":"مسألة [٩]: إذا سبق المأموم إمامه متعمدا؟","level":3,"page":1255},{"title":"مسألة [١٠]: إذا سبق المأموم إمامه ساهيا؟","level":3,"page":1256},{"title":"مسألة [١١]: هل يتابع الإمام على ترك بعض أفعال الصلاة المسنونة؟","level":3,"page":1259},{"title":"مسألة [١٢]: إذا ارتكب الإمام ما يبطل صلاته، فما حكم صلاة المأموم؟","level":3,"page":1259},{"title":"مسألة [١٣]: هل صحة صلاة المأموم مرتبطة بصحة صلاة الإمام؟","level":3,"page":1262},{"title":"مسألة [١]: صلاة المأموم خلف الإمام، وبينهما حائل.","level":3,"page":1266},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1268},{"title":"مسألة [١]: صلاة المأمومين في مؤخرة المسجد ولم تتصل الصفوف إليهم.","level":3,"page":1268},{"title":"مسألة [٢]: صلاة المأمومين خارج المسجد.","level":3,"page":1269},{"title":"مسألة [٣]: هل للإمام أن يكون أعلى من المأموم؟","level":3,"page":1270},{"title":"مسألة [٤]: علو المأموم على الإمام.","level":3,"page":1271},{"title":"مسألة [٥]: الصلاة على ما وضع على وجه الأرض مما ينقل.","level":3,"page":1271},{"title":"مسألة [١]: تخفيف الصلاة.","level":3,"page":1273},{"title":"مسألة [٢]: إعادة الصلاة ليؤم غيره؟","level":3,"page":1274},{"title":"مسألة [١]: كيفية صلاة القادر على القيام خلف الإمام القاعد.","level":3,"page":1277},{"title":"مسألة [١]: الأحق بالإمامة.","level":3,"page":1282},{"title":"مسألة [٢]: إمامة الغلام الذي لم يحتلم.","level":3,"page":1284},{"title":"مسألة [٣]: إمامة العبد.","level":3,"page":1285},{"title":"مسألة [٤]: إمامة الرجل في بيته، ومسجده.","level":3,"page":1285},{"title":"مسألة [٥]: إذا جاء الإمام الراتب، وقد تقدم أحد، فهل له تأخيره؟","level":3,"page":1286},{"title":"مسألة [١]: إمامة المرأة الرجل.","level":3,"page":1288},{"title":"مسألة [٢]: إمامة الأعرابي.","level":3,"page":1288},{"title":"مسألة [٣]: إمامة الكافر.","level":3,"page":1289},{"title":"مسألة [٤]: إمامة الفاسق.","level":3,"page":1289},{"title":"مسألة [٥]: الصلاة خلف مستور الحال.","level":3,"page":1292},{"title":"مسألة [١]: حكم تسوية الصفوف.","level":3,"page":1293},{"title":"مسألة [٢]: حث الإمام على تسوية الصفوف.","level":3,"page":1294},{"title":"مسألة [٣]: كيفية تسوية الصفوف.","level":3,"page":1294},{"title":"مسألة [٤]: المقاربة بين الصفوف.","level":3,"page":1295},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1296},{"title":"مسألة [١]: الأحق في الصف الأول.","level":3,"page":1296},{"title":"مسألة [٢]: هل الصبيان يصفون مع الرجال، أم يختصون بصف مؤخر؟","level":3,"page":1296},{"title":"مسألة [٣]: هل يؤخر الصبي الذي يحسن الصلاة من الصف الأول إذا سبق إليه؟","level":3,"page":1298},{"title":"مسألة [٤]: التعاون على تسوية الصفوف.","level":3,"page":1302},{"title":"مسألة [١]: أيهما أفضل: ميمنة الصف، أم ميسرته؟","level":3,"page":1305},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1305},{"title":"مسألة [١]: موقف الواحد من الإمام.","level":3,"page":1306},{"title":"مسألة [٢]: إذا صلى المأموم عن يسار الإمام؟","level":3,"page":1306},{"title":"مسألة [١]: موقف الاثنين من الإمام.","level":3,"page":1307},{"title":"مسألة [٢]: موقف الثلاثة فأكثر من الإمام.","level":3,"page":1308},{"title":"مسألة [٣]: موقف المرأة من الإمام.","level":3,"page":1308},{"title":"مسألة [١]: إذا صلى المأمومون أمام الإمام؟","level":3,"page":1309},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1309},{"title":"مسألة [١]: من أدرك الإمام راكعا، فهل تعد له ركعة؟","level":3,"page":1310},{"title":"مسألة [٢]: إذا شك هل ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه، أم بعد رفعه؟","level":3,"page":1312},{"title":"مسألة [٣]: هل يشترط في إدراكه للركوع أن يطمئن فيه قبل أن يرفع الإمام رأسه؟","level":3,"page":1313},{"title":"مسألة [٤]: الركوع دون الصف.","level":3,"page":1313},{"title":"مسألة [١]: صلاة الفذ خلف الصف.","level":3,"page":1316},{"title":"مسألة [٢]: إذا دخل في الصف بعد أن رفع الإمام رأسه؟","level":3,"page":1317},{"title":"مسألة [٣]: ماذا يصنع من لم يجد من يصف معه؟","level":3,"page":1318},{"title":"مسألة [٤]: من الذي تصح مصافته، وتزول الفردية به؟","level":3,"page":1319},{"title":"مسألة [٥]: إذا ابتدأ الصلاة منفردا فجاء آخر فصف معه ومازال قائما قبل أن يركع؟","level":3,"page":1320},{"title":"مسألة [١]: حكم الإسراع في المشي إلى الصلاة.","level":3,"page":1321},{"title":"مسألة [٢]: هل ما يدركه المسبوق مع الإمام هو أول صلاته، أم آخرها؟","level":3,"page":1322},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1324},{"title":"مسألة [١]: المسبوق بركعتين، هل يقرأ سورة مع فاتحة الكتاب في الأخريين؟","level":3,"page":1324},{"title":"مسألة [٢]: بم تدرك الجماعة؟","level":3,"page":1325},{"title":"مسألة [٣]: إذا وافق التشهد الأوسط للمسبوق التشهد الأخير للإمام، فهل يتابعه في الدعاء؟","level":3,"page":1327},{"title":"مسألة [٤]: إذا تشهد الإمام في موضع ليس للمسبوق فيه تشهد؟","level":3,"page":1327},{"title":"مسألة [٥]: هل للمسبوقين الذين أدركوا الجماعة إذا سلم إمامهم أن يقدموا أحدا يؤمهم؟","level":3,"page":1328},{"title":"مسألة [٦]: هل يتابع المسبوق إمامه في سجود السهو؟","level":3,"page":1328},{"title":"مسألة [٧]: هل يتابع المسبوق المسافر إمامه الحاضر في إتمام الصلاة؟","level":3,"page":1328},{"title":"مسألة [١]: ما هو أقل الجماعة؟","level":3,"page":1329},{"title":"مسألة [١]: حكم صلاة النساء جماعة بينهن.","level":3,"page":1331},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1333},{"title":"مسألة [١]: إذا صلت المرأة بالنساء، فأين تقوم؟","level":3,"page":1333},{"title":"مسألة [٢]: وقوف المرأة مع الرجال في الصف.","level":3,"page":1333},{"title":"مسألة [٣]: صلاة المرأة منفردة خلف صف النساء في جماعة النساء.","level":3,"page":1334},{"title":"مسألة [٤]: خروج المرأة إلى جماعة الرجال في المسجد.","level":3,"page":1334},{"title":"مسألة [٥]: هل يجب عليها استئذان زوجها؟","level":3,"page":1335},{"title":"مسألة [٦]: هل للزوج أن يمنع امرأته من الخروج، أم لا؟","level":3,"page":1336},{"title":"مسألة [١]: حكم إمامة الأعمى.","level":3,"page":1337},{"title":"مسألة [١]: الصلاة خلف المبتدع، ومستور الحال.","level":3,"page":1339},{"title":"بعض المسائل الملحقة بالباب","level":3,"page":1342},{"title":"مسألة [١]: ابتداء التطوع بعد إقامة الصلاة.","level":3,"page":1342},{"title":"مسألة [٢]: إذا أقيمت وهو في تطوع، فهل يستديمه أم يقطعه؟","level":3,"page":1342},{"title":"مسألة [٣]: الأعذار المبيحة لترك الجماعة.","level":3,"page":1343},{"title":"باب صلاة المسافر والمريض","level":2,"page":1349},{"title":"مسألة [١]: حكم قصر الصلاة في السفر.","level":3,"page":1350},{"title":"مسألة [٢]: ما هي الصلوات التي تقصر؟","level":3,"page":1356},{"title":"مسألة [٣]: هل يترخص في سفر المعصية بقصر الصلاة، أم لا؟","level":3,"page":1356},{"title":"مسألة [٤]: هل تشترط النية في القصر؟","level":3,"page":1357},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1359},{"title":"مسألة [١]: إذا صلى المسافر خلف من لا يعلم أمقيم هو أم مسافر؟","level":3,"page":1359},{"title":"مسألة [٢]: مسافر صلى خلف مقيم، ثم فسدت صلاته، فهل يعيدها تامة، أم يقصرها؟","level":3,"page":1359},{"title":"مسألة [٣]: إذا نسي صلاة في حال إقامته، وذكرها في حال سفره؟","level":3,"page":1360},{"title":"مسألة [٤]: إذا نسي الصلاة في حال سفره، وذكرها في حال إقامته؟","level":3,"page":1360},{"title":"مسألة [٥]: إذا دخل وقت الصلاة، وهو مقيم، ثم سافر، فهل له أن يقصر؟","level":3,"page":1361},{"title":"مسألة [٦]: إذا صلى المسافر خلف المقيم؟","level":3,"page":1361},{"title":"مسألة [٧]: إذا صلى المقيم خلف المسافر؟","level":3,"page":1362},{"title":"مسألة [١]: متى يبدأ في القصر؟","level":3,"page":1364},{"title":"مسألة [١]: إذا أقام المسافر ببلد، فهل يقصر، أم يتم؟","level":3,"page":1366},{"title":"مسألة [٢]: إذا أقام ببلد لحاجة يتوقعها قبل أربعة أيام؟","level":3,"page":1371},{"title":"مسألة [٣]: صلاة الملاح في السفينة.","level":3,"page":1371},{"title":"مسألة [٤]: إذا مر ببلدة له فيها أهل، ودار، فهل يتم، أم يقصر؟","level":3,"page":1372},{"title":"مسألة [٥]: إذا شرع في الصلاة، وهو مسافر، ثم أقام، وكذا العكس؟","level":3,"page":1373},{"title":"مسألة [١]: الجمع بين الصلاتين في السفر.","level":3,"page":1375},{"title":"مسألة [٢]: هل يجمع المسافر النازل، أم هو خاص بالسائر؟","level":3,"page":1376},{"title":"مسألة [٣]: هل تشترط النية للجمع بين الصلاتين؟","level":3,"page":1377},{"title":"مسألة [٤]: هل يشترط الترتيب بين الصلاتين في الجمع؟","level":3,"page":1378},{"title":"مسألة [٥]: هل يشترط الموالاة بين الصلاتين في الجمع؟","level":3,"page":1378},{"title":"مسألة [١]: ما ضابط السفر الذي يقصر به المسافر؟","level":3,"page":1380},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1385},{"title":"مسألة [١]: حكم صلاة الجماعة على المسافر.","level":3,"page":1385},{"title":"مسألة [٢]: هل يجمع بسبب وجود المطر؟","level":3,"page":1385},{"title":"مسألة [٣]: هل الطين والوحل عذر في الجمع، أم لا؟","level":3,"page":1386},{"title":"مسألة [٤]: هل الريح الشديدة في الليلة الباردة عذر في الجمع؟","level":3,"page":1387},{"title":"مسألة [٥]: هل يجمع في المطر، وما ذكر بعده جمع تأخير؟","level":3,"page":1387},{"title":"مسألة [٦]: هل للمريض أن يجمع بين الصلاتين؟","level":3,"page":1388},{"title":"مسألة [٧]: الجمع لغير عذر.","level":3,"page":1389},{"title":"مسألة [١]: إذا لم يستطع المريض أن يصلي قائما؟","level":3,"page":1390},{"title":"مسألة [٢]: إذا استطاع مع المشقة الشديدة أن يقوم؟","level":3,"page":1391},{"title":"مسألة [٣]: إذا ابتدأ صلاته قائما، ثم عجز عن القيام أثناء الصلاة؟","level":3,"page":1391},{"title":"مسألة [٤]: من قدر على القيام، وعجز عن الركوع، والسجود، فهل يسقط عنه القيام؟","level":3,"page":1392},{"title":"مسألة [٥]: إذا كان يصلي قاعدا لعذر، ثم استطاع القيام أثناء الصلاة؟","level":3,"page":1392},{"title":"مسألة [٦]: القيام على متكأ كالعصا، وشبهها.","level":3,"page":1392},{"title":"مسألة [٧]: إذا عجز المريض عن الصلاة قاعدا، فكيف يصلي؟","level":3,"page":1394},{"title":"مسألة [٨]: إذا صلى المريض قاعدا وعجز عن الركوع والسجود: أيرفع لرأسه شيئا يسجد عليه، أم يومئ إيماء؟","level":3,"page":1395},{"title":"مسألة [٩]: هل لمن شكى عينيه أن يصلي مستلقيا إذا أمره الطبيب بذلك للحفاظ على عينيه، ومعالجتها؟","level":3,"page":1397},{"title":"مسألة [١٠]: هل تصح الصلاة إذا صلى مستلقيا مع القدرة على الصلاة على جنب؟","level":3,"page":1398},{"title":"مسألة [١١]: هل يضطجع على جنبه الأيمن، أم الأيسر؟","level":3,"page":1398},{"title":"مسألة [١٢]: إذا لم يستطع أن يومئ برأسه؟","level":3,"page":1399},{"title":"مسألة [١٣]: كيفية الجلوس لمن صلى جالسا.","level":3,"page":1399},{"title":"مسألة [١٤]: إذا كان المريض يستطيع أن يصلي قائما إذا ترك الجماعة، وصلى في بيته؟","level":3,"page":1400},{"title":"باب صلاة الجمعة","level":2,"page":1402},{"title":"مسألة [١]: حكم صلاة الجمعة.","level":3,"page":1402},{"title":"مسألة [٢]: من صلى ظهرا وليس له عذر، وترك الجمعة فما حكمه؟","level":3,"page":1403},{"title":"مسألة [٣]: هل يجب حضور الجمعة على كل من كان في القرية من المقيمين، وغيرهم؟","level":3,"page":1404},{"title":"مسألة [٤]: من كان يسكن خارج القرية، أو المصر، هل يلزمه حضور الجمعة، أم لا؟","level":3,"page":1405},{"title":"مسألة [٥]: هل تجب الجمعة على الأعمى؟","level":3,"page":1407},{"title":"مسألة [٦]: حكم البيع بعد أذان الجمعة؟","level":3,"page":1408},{"title":"مسألة [٧]: هل يشمل النهي البيع في حال المشي وهما ساعيان إلى الجمعة؟","level":3,"page":1409},{"title":"مسألة [٨]: ما حكم بيع من لا تلزمه الجمعة كالعبد والمسافر والمرأة؟","level":3,"page":1410},{"title":"مسألة [٩]: ما حكم عقود المعاملات الأخرى غير البيع بعد نداء الجمعة؟","level":3,"page":1410},{"title":"مسألة [١]: أول وقت الجمعة.","level":3,"page":1411},{"title":"مسألة [٢]: آخر وقت الجمعة.","level":3,"page":1413},{"title":"مسألة [٣]: إذا خرج وقت الظهر، وهو في صلاة الجمعة؟","level":3,"page":1414},{"title":"مسألة [١]: ما هو العدد الذي تنعقد به الجمعة؟","level":3,"page":1415},{"title":"مسألة [١]: بماذا تدرك صلاة الجمعة؟","level":3,"page":1417},{"title":"مسألة [٢]: إذا أدرك المسافر من صلاة الجمعة التشهد؟","level":3,"page":1419},{"title":"مسألة [٣]: إذا ذكر المصلي أثناء صلاة الجمعة أنه لم يصل الفجر؟","level":3,"page":1420},{"title":"مسألة [١]: حكم الخطبة قائما.","level":3,"page":1421},{"title":"مسألة [٢]: حكم الجلوس بين الخطبتين.","level":3,"page":1421},{"title":"مسألة [١]: حكم خطبة الجمعة.","level":3,"page":1422},{"title":"مسألة [٢]: الحمد والثناء على الله في الخطبة.","level":3,"page":1425},{"title":"مسألة [٣]: الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الخطبة.","level":3,"page":1425},{"title":"مسألة [٤]: هل يجب على الخطيب الموعظة في الخطبة؟","level":3,"page":1426},{"title":"مسألة [٥]: قول الخطيب: (أما بعد)، بعد الحمد والثناء.","level":3,"page":1427},{"title":"مسألة [٦]: رفع الصوت في الخطبة.","level":3,"page":1428},{"title":"مسألة [٧]: هل يشترط في خطبة الجمعة أن تكون باللغة العربية؟","level":3,"page":1428},{"title":"مسألة [٨]: هل تشترط الطهارة للخطبة؟","level":3,"page":1429},{"title":"مسألة [٩]: جلوس الإمام على المنبر إذا رقاه حتى يفرغ المؤذن من الأذان.","level":3,"page":1429},{"title":"مسألة [١]: استحباب قراءة القرآن في الخطبة.","level":3,"page":1431},{"title":"مسألة [٢]: هل قراءة شيء من القرآن شرط لصحة الخطبة؟","level":3,"page":1431},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1433},{"title":"مسألة [١]: إذا قرأ الخطيب بسورة فيها سجدة، فهل ينزل ويسجد، أم لا؟","level":3,"page":1433},{"title":"مسألة [١]: حكم الكلام أثناء الخطبة.","level":3,"page":1434},{"title":"مسألة [٢]: متى يجب الإنصات؟","level":3,"page":1435},{"title":"مسألة [٣]: متى ينتهي النهي عن الكلام في الخطبة؟","level":3,"page":1436},{"title":"مسألة [٤]: حكم الكلام بين الخطبتين عند جلوس الإمام.","level":3,"page":1436},{"title":"مسألة [٥]: الإشارة في الخطبة.","level":3,"page":1436},{"title":"مسألة [٦]: إذا تكلم الخطيب بالبدعة والفسوق؟","level":3,"page":1437},{"title":"مسألة [٧]: هل للمستمع للخطبة أن يصلي على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا ذكر؟","level":3,"page":1438},{"title":"مسألة [٨]: من تكلم متعمدا في الخطبة، فهل يصلي جمعة، أو ظهرا؟","level":3,"page":1439},{"title":"مسألة [٩]: من لم يسمع الخطبة؛ لبعده، أو صممه، فهل ينصت؟","level":3,"page":1440},{"title":"مسألة [١٠]: حكم تشميت العاطس، ورد السلام.","level":3,"page":1440},{"title":"مسألة [١١]: هل يجب الإنصات على من كان في المسجد قبل أن يجلس؟","level":3,"page":1441},{"title":"مسألة [١٢]: شرب الخطيب الماء أثناء الخطبة.","level":3,"page":1442},{"title":"مسألة [١]: تحية المسجد، والإمام يخطب.","level":3,"page":1443},{"title":"مسألة [٢]: هل يركع الخطيب تحية المسجد قبل الخطبة؟","level":3,"page":1444},{"title":"مسألة [١]: حكم قراءة السور المذكورة في صلاة الجمعة.","level":3,"page":1445},{"title":"مسألة [٢]: يتولى الصلاة من يتولى الخطبة.","level":3,"page":1445},{"title":"مسألة [٣]: الخطبة تقدم على الصلاة.","level":3,"page":1446},{"title":"مسألة [٤]: الخطبة لا تكون إلا بعد دخول وقت الصلاة، كالصلاة.","level":3,"page":1447},{"title":"مسألة [١]: حكم صلاة الجمعة إذا اجتمعت مع العيد في يوم واحد.","level":3,"page":1448},{"title":"مسألة [١]: استحباب سنة الجمعة، وعدد ركعاتها.","level":3,"page":1451},{"title":"مسألة [١]: الفصل بين الفريضة والنافلة بكلام، أو تحول.","level":3,"page":1453},{"title":"مسألة [١]: تعيين ساعة الجمعة المستجابة.","level":3,"page":1457},{"title":"مسألة [١]: حكم الدعاء للمؤمنين في الخطبة.","level":3,"page":1459},{"title":"مسألة [٢]: حكم رفع اليدين في الدعاء في خطبة الجمعة.","level":3,"page":1460},{"title":"مسألة [٣]: حكم التأمين.","level":3,"page":1462},{"title":"مسألة [٤]: حكم تخصيص صلاة الجمعة بالقنوت.","level":3,"page":1462},{"title":"مسألة [١]: من صلى الجمعة من المعذورين، فهل تجزئه عن صلاة الظهر؟","level":3,"page":1464},{"title":"مسألة [٢]: هل تجب الجمعة على النساء؟","level":3,"page":1465},{"title":"مسألة [٣]: هل تجب الجمعة على العبيد؟","level":3,"page":1465},{"title":"مسألة [٤]: هل تجب الجمعة على المسافر؟","level":3,"page":1466},{"title":"مسألة [٥]: ما حكم السفر يوم الجمعة؟","level":3,"page":1468},{"title":"مسألة [١]: حكم اتخاذ المنبر، والخطبة عليه.","level":3,"page":1469},{"title":"مسألة [٢]: استقبال وجه الخطيب، واستقبال الخطيب الناس.","level":3,"page":1470},{"title":"مسألة [١]: حكم الاعتماد على القوس والعصا.","level":3,"page":1471},{"title":"مسألة [٢]: الاعتماد على السيف.","level":3,"page":1471},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1473},{"title":"مسألة [١]: سلام الخطيب إذا صعد المنبر.","level":3,"page":1473},{"title":"مسألة [٢]: حكم الحبوة والإمام يخطب.","level":3,"page":1474},{"title":"مسألة [٣]: تحول الناعس من مكانه قبل الخطبة، أو أثنائها.","level":3,"page":1475},{"title":"مسألة [٤]: حكم التبكير يوم الجمعة.","level":3,"page":1476},{"title":"مسألة [٥]: حكم تخطي رقاب الناس يوم الجمعة.","level":3,"page":1477},{"title":"مسألة [٦]: متى يمنع التخطي؟","level":3,"page":1478},{"title":"مسألة [٧]: إذا وجد فرجة يصل إليها بالتخطي؟","level":3,"page":1479},{"title":"مسألة [٨]: تخطي الرقاب للحاجة.","level":3,"page":1479},{"title":"مسألة [٩]: التفريق بين اثنين.","level":3,"page":1479},{"title":"مسألة [١٠]: إذا ازدحم المصلون في المسجد، ولم يستطع بعضهم أن يسجد على الأرض، فكيف يصنع؟","level":3,"page":1480},{"title":"مسألة [١١]: إذا زحم المأموم عن الركوع والسجود حتى سلم الإمام من صلاة الجمعة؟","level":3,"page":1481},{"title":"مسألة [١٢]: الصلاة في أكثر من مسجد، أعني صلاة الجمعة.","level":3,"page":1481},{"title":"مسألة [١٣]: إذا احتاج المستمع للخطبة إلى الخروج لرعاف، أو قضاء حاجة؟","level":3,"page":1482},{"title":"مسألة [١٤]: إقامة الجمعة في السجن.","level":3,"page":1483},{"title":"مسألة [١٥]: لبس الثياب الجميلة، والحسنة يوم الجمعة.","level":3,"page":1483},{"title":"مسألة [١٦]: السواك، والطيب يوم الجمعة.","level":3,"page":1484},{"title":"مسألة [١٧]: كم أذان لصلاة الجمعة؟","level":3,"page":1484},{"title":"باب صلاة الخوف","level":2,"page":1486},{"title":"مسألة [١]: سجود السهو في صلاة الخوف.","level":3,"page":1499},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1500},{"title":"مسألة [١]: هل يعمل بصلاة الخوف بعد موت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟","level":3,"page":1500},{"title":"مسألة [٢]: هل تصلى في أيامنا هذه؟","level":3,"page":1500},{"title":"مسألة [٣]: هل تصلى صلاة الخوف في الحضر، أم ذلك خاص في السفر؟","level":3,"page":1500},{"title":"مسألة [٤]: كيفية الصلاة إذا صلى بهم أربعا.","level":3,"page":1501},{"title":"مسألة [٥]: هل يصلي في شدة الخوف، وعند التحام القتال؟","level":3,"page":1502},{"title":"مسألة [٦]: ما حكم حمل السلاح في الصلاة؟","level":3,"page":1502},{"title":"مسألة [٧]: هل يؤذن ويقام في صلاة الخوف؟","level":3,"page":1503},{"title":"مسألة [٨]: كيف يصلي المطلوب، وهل الطالب يصلي صلاة الخوف؟","level":3,"page":1503},{"title":"باب صلاة العيدين","level":2,"page":1506},{"title":"مسألة [١]: وقت صلاة العيد.","level":3,"page":1507},{"title":"مسألة [٢]: إذا علم الناس أن يومهم عيد أثناء ذلك اليوم؟","level":3,"page":1508},{"title":"مسألة [١]: حكم صلاة العيد.","level":3,"page":1512},{"title":"مسألة [٢]: ما حكم صلاة العيد للمرأة؟","level":3,"page":1513},{"title":"مسألة [٣]: حكم التكبير في العيدين.","level":3,"page":1514},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1516},{"title":"مسألة [١]: وقت التكبير في عيد الفطر.","level":3,"page":1516},{"title":"مسألة [٢]: وقت التكبير في عيد الأضحى.","level":3,"page":1516},{"title":"مسألة [٣]: آخر وقت التكبير في الأضحى.","level":3,"page":1517},{"title":"مسألة [٤]: هل يكبر عقب النوافل؟","level":3,"page":1519},{"title":"مسألة [٥]: من صلى الفرض وحده، فهل يكبر؟","level":3,"page":1519},{"title":"مسألة [٦]: هل يكبر المسافر؟","level":3,"page":1520},{"title":"مسألة [٧]: تكبير النساء.","level":3,"page":1520},{"title":"مسألة [٨]: إظهار التكبير في الخروج إلى العيدين في الأمصار.","level":3,"page":1520},{"title":"مسألة [٩]: صيغة التكبير في العيدين.","level":3,"page":1521},{"title":"مسألة [١٠]: المسبوق في الصلاة متى يكبر؟","level":3,"page":1523},{"title":"مسألة [١]: صلاة العيدين قبل الخطبة.","level":3,"page":1524},{"title":"مسألة [٢]: حكم خطبة العيد.","level":3,"page":1527},{"title":"مسألة [٣]: كم خطبة بعد صلاة العيد؟","level":3,"page":1527},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1530},{"title":"مسألة [١]: حكم الاستماع لخطبة العيد.","level":3,"page":1530},{"title":"مسألة [٢]: بماذا يستفتح خطبة العيد؟","level":3,"page":1531},{"title":"مسألة [١]: صلاة العيد ركعتان.","level":3,"page":1532},{"title":"مسألة [٢]: التنفل قبل صلاة العيد، وبعدها.","level":3,"page":1532},{"title":"مسألة [١]: هل يؤذن لصلاة العيد ويقام؟","level":3,"page":1534},{"title":"مسألة [١]: عدد التكبيرات في صلاة العيد.","level":3,"page":1537},{"title":"مسألة [٢]: هل يرفع يديه مع التكبيرات، أم لا؟","level":3,"page":1538},{"title":"مسألة [٣]: هل يفصل بين كل تكبيرتين بذكر، أم يوالي بينها؟","level":3,"page":1539},{"title":"مسألة [٤]: حكم التكبيرات.","level":3,"page":1539},{"title":"مسألة [٥]: من نسي التكبير وشرع في القراءة؟","level":3,"page":1540},{"title":"مسألة [٦]: من شك في عدد التكبيرات؟","level":3,"page":1540},{"title":"مسألة [٧]: متى يقال دعاء الاستفتاح؟","level":3,"page":1540},{"title":"مسألة [١]: حكم مخالفة الطريق في يوم العيد.","level":3,"page":1542},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1545},{"title":"مسألة [١]: حكم ضرب الدف من الرجال.","level":3,"page":1545},{"title":"مسألة [٢]: حكم الدف في حق النساء.","level":3,"page":1546},{"title":"مسألة [٣]: الدف إذا كان مجلجلا.","level":3,"page":1546},{"title":"مسألة [٤]: الغناء المهيج للطباع.","level":3,"page":1547},{"title":"مسألة [١]: أين تصلى صلاة العيد؟","level":3,"page":1549},{"title":"فصل في ذكر مسائل ملحقة في هذا الباب","level":3,"page":1550},{"title":"مسألة [١]: التعجيل بصلاة العيد.","level":3,"page":1550},{"title":"مسألة [٢]: من فاتته صلاة العيد مع الإمام، فكم يصليها؟","level":3,"page":1550},{"title":"مسألة [٣]: إذا أدرك الإمام وقد صلى، وهو في الخطبة؟","level":3,"page":1551},{"title":"مسألة [٤]: هل يشترط لصلاة العيد عدد؟","level":3,"page":1552},{"title":"مسألة [٥]: هل يصلي في البيت من له عذر عن الخروج إلى المصلى؟","level":3,"page":1552},{"title":"مسألة [٦]: هل يصلي المسافر صلاة العيد؟","level":3,"page":1552},{"title":"باب صلاة الكسوف","level":2,"page":1554},{"title":"مسألة [١]: حكم صلاة الكسوف.","level":3,"page":1554},{"title":"مسألة [٢]: وقت صلاة الكسوف.","level":3,"page":1555},{"title":"مسألة [١]: الجهر في صلاة الكسوف.","level":3,"page":1558},{"title":"مسألة [٢]: كيف ينادى لصلاة الكسوف؟","level":3,"page":1559},{"title":"مسألة [١]: كم عدد الركوعات في صلاة الكسوف؟","level":3,"page":1561},{"title":"مسألة [٢]: حكم الجماعة في صلاة الكسوف.","level":3,"page":1562},{"title":"مسألة [٣]: حكم الخطبة بعد صلاة الكسوف.","level":3,"page":1562},{"title":"مسألة [٤]: الإطالة في صلاة الكسوف.","level":3,"page":1563},{"title":"مسألة [٥]: ماذا يقول المصلي عند رفعه من الركوع الأول؟","level":3,"page":1564},{"title":"مسألة [٦]: حكم القيام الثاني، وقراءة الفاتحة فيه، والركوع الثاني من كل ركعة.","level":3,"page":1564},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1566},{"title":"مسألة [١]: إذا أدرك المأموم الإمام وقد فاته الركوع الأول؟","level":3,"page":1566},{"title":"مسألة [٢]: صلاة الكسوف في أوقات النهي.","level":3,"page":1566},{"title":"مسألة [١]: هل يصلى في الآيات غير كسوف الشمس والقمر؟","level":3,"page":1568},{"title":"مسألة [٢]: إذا اجتمعت صلاة الكسوف مع صلاة أخرى؟","level":3,"page":1569},{"title":"باب صلاة الاستسقاء","level":2,"page":1570},{"title":"مسألة [١]: مشروعية صلاة الاستسقاء.","level":3,"page":1571},{"title":"مسألة [٢]: صفة صلاة الاستسقاء.","level":3,"page":1572},{"title":"مسألة [٣]: هل الخطبة قبل الصلاة، أم بعد الصلاة؟","level":3,"page":1573},{"title":"مسألة [٤]: كم خطبة لصلاة الاستسقاء؟","level":3,"page":1573},{"title":"مسألة [٥]: متى تصلى صلاة الاستسقاء؟","level":3,"page":1574},{"title":"مسألة [٦]: هل يؤذن ويقام لصلاة الاستسقاء؟","level":3,"page":1574},{"title":"مسألة [٧]: تحويل الرداء.","level":3,"page":1574},{"title":"مسألة [٨]: صفة التحويل.","level":3,"page":1576},{"title":"مسألة [٩]: هل يجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء؟","level":3,"page":1576},{"title":"مسألة [١٠]: استحباب صلاة العيد في المصلى.","level":3,"page":1576},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1577},{"title":"مسألة [١]: إذا استسقى الناس فلم يسقوا، فهل يكررون صلاة الاستسقاء؟","level":3,"page":1577},{"title":"مسألة [٢]: إذا عزم الناس على الخروج؛ فسقوا قبل أن يخرجوا؟","level":3,"page":1577},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1588},{"title":"مسألة [١]: خروج أهل الذمة للاستسقاء.","level":3,"page":1588},{"title":"مسألة [٢]: خروج النساء في صلاة الاستسقاء.","level":3,"page":1589},{"title":"باب اللباس","level":2,"page":1590},{"title":"مسألة [١]: حكم لباس الحرير.","level":3,"page":1590},{"title":"مسألة [٢]: حكم الصلاة في لباس الحرير.","level":3,"page":1590},{"title":"مسألة [١]: حكم الجلوس على الحرير.","level":3,"page":1592},{"title":"مسألة [١]: حكم علم الحرير في الثوب.","level":3,"page":1593},{"title":"مسألة [١]: حكم لباس الحرير لمرض كالحكة.","level":3,"page":1594},{"title":"مسألة [١]: حكم الثوب المنسوج بالحرير مع غيره.","level":3,"page":1595},{"title":"مسألة [٢]: الجبة المحشوة بالحرير.","level":3,"page":1596},{"title":"مسألة [٣]: ثياب الخز.","level":3,"page":1596},{"title":"مسألة [١]: مسألة: شد الأسنان وتضبيبها بالذهب للرجال؟","level":3,"page":1599},{"title":"مسألة [١]: حكم لبس الثياب المعصفرة.","level":3,"page":1601},{"title":"مسألة [٢]: حكم التزعفر للرجل.","level":3,"page":1604},{"title":"مسألة [٣]: حكم لباس الأحمر.","level":3,"page":1605},{"title":"مسألة [١]: جواز لبس ما فيه حرير يسير.","level":3,"page":1608},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1609},{"title":"مسألة [١]: حكم لباس ما فيه تصاوير ذوات الأرواح.","level":3,"page":1609},{"title":"مسألة [٢]: حكم لبس المرأة لباس الرجل، والعكس.","level":3,"page":1611},{"title":"مسألة [٣]: حكم إسبال الثياب إلى تحت الكعبين.","level":3,"page":1612},{"title":"مسألة [٤]: إسبال الثياب في حق النساء.","level":3,"page":1614},{"title":"مسألة [٥]: حكم السدل.","level":3,"page":1616},{"title":"مسألة [٦]: اشتمال الصماء.","level":3,"page":1618},{"title":"مسألة [٧]: الصلاة في ثوب واحد وفي ثوبين.","level":3,"page":1619},{"title":"مسألة [٨]: كفت الثوب والشعر.","level":3,"page":1621},{"title":"كتاب الجنائز","level":1,"page":1623},{"title":"مسألة [١]: حكم تمني الموت.","level":2,"page":1625},{"title":"مسألة [١]: حكم التلقين وكيفيته.","level":2,"page":1628},{"title":"مسألة [٢]: تلقين الكافر.","level":2,"page":1629},{"title":"مسألة [١]: حكم قراءة سورة [يس] عند المحتضر، وعلى الميت؟","level":2,"page":1630},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":2,"page":1631},{"title":"مسألة [١]: المريض ماذا يغلب: جانب الرجاء، أم جانب الخوف؟","level":2,"page":1631},{"title":"مسألة [٢]: توجيه المحتضر إلى القبلة.","level":2,"page":1632},{"title":"مسألة [١]: وضع سيف أو حديد على بطن الميت؟","level":2,"page":1633},{"title":"مسألة [١]: تسجية الميت.","level":2,"page":1634},{"title":"مسألة [١]: تقبيل الميت.","level":2,"page":1635},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":2,"page":1638},{"title":"مسألة [١]: إذا أقر في مرض موته بدين لشخص، فهل يقبل إقراره؟ وأيهما يقدم: أهذا الدين، أم الدين الذي هو معروف عنه في صحته؟","level":2,"page":1638},{"title":"مسألة [١]: حكم غسل الميت.","level":2,"page":1640},{"title":"مسألة [٢]: كم هو الغسل الواجب في غسل الميت؟","level":2,"page":1640},{"title":"مسألة [٣]: هل يجرد من ثيابه عند غسله؟","level":2,"page":1641},{"title":"مسألة [٤]: صفة غسل الميت.","level":2,"page":1641},{"title":"مسألة [٥]: غسل الميت أكثر من سبع غسلات.","level":2,"page":1643},{"title":"مسألة [٦]: عصر بطن الميت أثناء الغسل؟","level":2,"page":1644},{"title":"مسألة [٧]: إذا خرجت نجاسة بعد غسل الميت؟","level":2,"page":1644},{"title":"مسألة [٨]: استخدام الماء الحار.","level":2,"page":1645},{"title":"مسألة [٩]: المرأة الحائض، والجنب إذا توفيا، كم يغسلا؟","level":2,"page":1645},{"title":"مسألة [١٠]: هل يضفر شعر الميتة؟","level":2,"page":1646},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":2,"page":1647},{"title":"مسألة [١]: هل يختن الميت إذا لم يكن مختونا؟","level":2,"page":1647},{"title":"مسألة [٢]: هل يؤخذ من شعره، وأظفاره؟","level":2,"page":1647},{"title":"مسألة [٣]: هل يؤخذ من شعر العانة؟","level":2,"page":1648},{"title":"مسألة [٤]: إذا تعذر غسل الميت لفقد الماء، أو عدم القدرة على استعماله؟","level":2,"page":1649},{"title":"مسألة [٥]: هل يشرع للجنب والحائض أن يغسلا الميت؟","level":2,"page":1649},{"title":"مسألة [٦]: هل يصح تغسيل الصبي للجنازة؟","level":2,"page":1650},{"title":"مسألة [٧]: هل يغسل الجنين؟","level":2,"page":1650},{"title":"مسألة [١]: حكم تكفين الميت.","level":2,"page":1651},{"title":"مسألة [٢]: ما هو أقل ما يجزئ في الكفن؟","level":2,"page":1651},{"title":"مسألة [٣]: في كم يكفن الرجل استحبابا؟","level":2,"page":1652},{"title":"مسألة [٤]: في كم تكفن المرأة استحبابا؟","level":2,"page":1652},{"title":"مسألة [٥]: تكفين الصبي.","level":2,"page":1653},{"title":"مسألة [٦]: صفة التكفين.","level":2,"page":1653},{"title":"مسألة [١]: التكفين بالقميص.","level":2,"page":1654},{"title":"مسألة [١]: حكم التكفين بالثياب البيض.","level":2,"page":1655},{"title":"مسألة [١]: تحسين كفن الميت.","level":2,"page":1656},{"title":"مسألة [١]: إذا ضاق الكفن، أو قلت الأكفان؟","level":2,"page":1657},{"title":"مسألة [٢]: هل ينزع ما على الشهيد من ثياب وغيرها؟","level":2,"page":1657},{"title":"مسألة [٣]: هل يغسل شهيد المعركة؟","level":2,"page":1658},{"title":"مسألة [٤]: هل يغسل إذا كان جنبا؟","level":2,"page":1659},{"title":"مسألة [٥]: هل يصلى على شهيد المعركة؟","level":2,"page":1659},{"title":"مسألة [٦]: الصبي الشهيد.","level":2,"page":1661},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":2,"page":1662},{"title":"مسألة [١]: من مات في أرض المعركة بسبب دابة، أو سقوط، أو عاد عليه سلاحه؟","level":2,"page":1662},{"title":"مسألة [٢]: من جرح في أرض المعركة، ثم حمل ومات بعد ذلك؟","level":2,"page":1662},{"title":"مسألة [٣]: من قتل من البغاة؟","level":2,"page":1664},{"title":"مسألة [٤]: إذا قتل البغاة رجلا من أهل العدل الذين يقاتلون مع الإمام؟","level":2,"page":1664},{"title":"مسألة [٥]: المطعون والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم.","level":2,"page":1664},{"title":"مسألة [٦]: من قتل ظلما، أو قتل دون ماله، أو نفسه، أو أهله؟","level":2,"page":1665},{"title":"مسألة [٧]: التكفين، ومؤن التجهيز.","level":2,"page":1666},{"title":"مسألة [٨]: كفن الزوجة.","level":2,"page":1666},{"title":"مسألة [١]: حكم المغالاة في الكفن.","level":2,"page":1667},{"title":"مسألة [١]: من هو الأولى في غسل الميت؟","level":2,"page":1668},{"title":"مسألة [٢]: هل للمرأة أن تغسل زوجها؟","level":2,"page":1669},{"title":"مسألة [٣]: هل للرجل أن يغسل امرأته؟","level":2,"page":1670},{"title":"مسألة [٤]: إذا طلق امرأته ثم مات أحدهما؟","level":2,"page":1670},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":2,"page":1671},{"title":"مسألة [١]: هل يجوز للرجل أن يغسل امرأة غير زوجته؟","level":2,"page":1671},{"title":"مسألة [٢]: إذا مات الرجل بين نسوة أجانب، والعكس؟","level":2,"page":1671},{"title":"مسألة [٣]: هل للمرأة أن تغسل الصبي؟","level":2,"page":1672},{"title":"مسألة [٤]: هل للرجل أن يغسل الصغيرة؟","level":2,"page":1673},{"title":"مسألة [٥]: إذا كان الميت خنثى مشكلا، فمن يغسله؟","level":2,"page":1673},{"title":"مسألة [٦]: هل يغسل المسلم الكافر؟","level":2,"page":1674},{"title":"مسألة [٧]: هل يجزئ تغسيل الكافر للمسلم؟","level":2,"page":1674},{"title":"مسألة [٨]: إذا كان المسلم متزوجا ذمية، فمات أحدهما؟","level":2,"page":1675},{"title":"مسألة [٩]: هل للمرأة أن تغسل الرجل من محارمها؟","level":2,"page":1675},{"title":"مسألة [١]: هل يصلى على المقتول حدا، أو قصاصا؟","level":2,"page":1676},{"title":"مسألة [١]: من قتل نفسه، فهل يصلى عليه؟","level":2,"page":1677},{"title":"مسألة [١]: الصلاة على القبر.","level":2,"page":1678},{"title":"مسألة [٢]: ما هو الحد الذي يصلى فيه على القبر؟","level":2,"page":1679},{"title":"مسألة [١]: حكم نعي الميت.","level":2,"page":1681},{"title":"مسألة [٢]: الصلاة على الغائب.","level":2,"page":1682},{"title":"مسألة [٣]: إذا غرق الميت، وأكلته الحيتان، أو أكلته السباع، فهل يصلى عليه صلاة الغائب؟","level":2,"page":1683},{"title":"مسألة [٤]: حكم الصلاة على الميت.","level":2,"page":1683},{"title":"مسألة [٥]: حكم الصلاة على الصبيان.","level":2,"page":1684},{"title":"مسألة [٦]: الصلاة على السقط.","level":2,"page":1685},{"title":"مسألة [١]: موقف الإمام من الجنازة.","level":2,"page":1689},{"title":"مسألة [٢]: إذا كانوا جماعة أعني الموتى؟","level":2,"page":1690},{"title":"مسألة [٣]: هل يسوي بين رؤوسهم، أم يجعل وسط المرأة عند رأس الرجل؟","level":2,"page":1691},{"title":"مسألة [١]: أين يصلى على الجنائز؟","level":2,"page":1692},{"title":"مسألة [٢]: هل تشرع الصلاة على الجنازة في المسجد؟","level":2,"page":1693},{"title":"مسألة [٣]: هل تشترط الطهارة لصلاة الجنازة؟","level":2,"page":1694},{"title":"مسألة [١]: عدد تكبيرات الجنازة.","level":2,"page":1696},{"title":"مسألة [٢]: إذا زاد الإمام على أربع تكبيرات؟","level":2,"page":1698},{"title":"مسألة [٣]: حكم تكبيرات الجنازة.","level":2,"page":1699},{"title":"مسألة [٤]: هل يرفع يديه في التكبيرات؟","level":2,"page":1699},{"title":"مسألة [١]: هل يقرأ دعاء الاستفتاح بعد التكبيرة الأولى؟","level":2,"page":1701},{"title":"مسألة [٢]: ما حكم قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى؟","level":2,"page":1702},{"title":"مسألة [٣]: حكم قراءة سورة بعد الفاتحة.","level":2,"page":1703},{"title":"مسألة [٤]: الإسرار في القراءة والدعاء.","level":2,"page":1705},{"title":"مسألة [١]: ما يقال بعد التكبيرة الثانية؟","level":2,"page":1709},{"title":"مسألة [٢]: ما حكم الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعد التكبيرة الثانية؟","level":2,"page":1709},{"title":"مسألة [٣]: ماذا يقال بعد التكبيرة الثالثة؟","level":2,"page":1710},{"title":"مسألة [٤]: حكم الدعاء للميت بعد الثالثة.","level":2,"page":1710},{"title":"مسألة [٥]: الدعاء بأدعية النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.","level":2,"page":1710},{"title":"مسألة [٦]: بماذا يدعى للصغير؟","level":2,"page":1711},{"title":"مسألة [٧]: حكم الدعاء بعد الرابعة.","level":2,"page":1712},{"title":"مسألة [٨]: هل يدعو بعد الخامسة؟","level":2,"page":1712},{"title":"مسألة [٩]: السلام وحكمه.","level":2,"page":1713},{"title":"مسألة [١٠]: حكم التسليم.","level":2,"page":1715},{"title":"مسألة [١١]: أركان صلاة الجنازة.","level":2,"page":1715},{"title":"مسألة [١٢]: شروط صلاة الجنازة.","level":2,"page":1716},{"title":"مسألة [١٣]: هل يشترط لصلاة الميت تقدم غسله؟","level":2,"page":1716},{"title":"مسألة [١٤]: إذا سبق الرجل ففاتته بعض التكبيرات؟","level":2,"page":1717},{"title":"مسألة [١٥]: كيفية قضائه.","level":2,"page":1717},{"title":"مسألة [١٦]: إذا أدركه في الثالثة مثلا، فهل يبدأ بالفاتحة، أم يدعو للميت؟","level":2,"page":1718},{"title":"مسألة [١٧]: إذا أدرك الإمام بين التكبيرتين، فهل يكبر، أو ينتظر حتى يكبر ويكبر معه؟","level":2,"page":1719},{"title":"مسألة [١٨]: إذا جاء المسبوق بعد التكبيرة الأولى، فشرع في الفاتحة، فكبر الإمام الثانية؟","level":2,"page":1719},{"title":"مسألة [١٩]: لو تأخر المأموم عن التكبير حتى كبر الإمام التكبيرة التي بعدها بغير عذر؟","level":2,"page":1720},{"title":"مسألة [٢٠]: من نسي التكبيرة الرابعة، وسلم من ثلاث؟","level":2,"page":1720},{"title":"مسألة [٢١]: جعل الصفوف ثلاثة.","level":2,"page":1721},{"title":"مسألة [٢٢]: حكم تسوية الصفوف.","level":2,"page":1722},{"title":"مسألة [٢٣]: من هو الأولى بالصلاة على الميت؟","level":2,"page":1722},{"title":"مسألة [٢٤]: هل يغسل أطفال المشركين ويصلى عليهم؟","level":2,"page":1723},{"title":"مسألة [٢٥]: حكم الطفل الحربي المشرك يكون أسيرا بين المسلمين.","level":2,"page":1724},{"title":"مسألة [١]: حكم الإسراع بالجنازة وكيفيته.","level":2,"page":1725},{"title":"مسألة [٢]: نقل الجنازة إلى بلد آخر.","level":2,"page":1726},{"title":"مسألة [٣]: ما حكم حمل الجنازة إلى المقبرة؟","level":2,"page":1727},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":2,"page":1729},{"title":"مسألة [١]: من يحمل الجنازة؟","level":2,"page":1729},{"title":"مسألة [٢]: كيفية حمل الميت.","level":2,"page":1729},{"title":"مسألة [١]: فضيلة اتباع الجنازة.","level":2,"page":1730},{"title":"مسألة [٢]: ما هو متعلق القيراطين؟","level":2,"page":1731},{"title":"مسألة [١]: أين يكون المتبع للجنازة؟","level":2,"page":1733},{"title":"مسألة [٢]: الركوب في اتباع الجنازة.","level":2,"page":1734},{"title":"مسألة [٣]: الركوب عند الرجوع من المقبرة.","level":2,"page":1735},{"title":"مسألة [١]: حكم اتباع النساء للجنازة.","level":2,"page":1736},{"title":"مسألة [١]: القيام لمن رأى الجنازة.","level":2,"page":1738},{"title":"مسألة [٢]: إذا تبع الجنازة، فهل يجلس قبل أن توضع؟","level":2,"page":1739},{"title":"مسألة [١]: كيفية إدخال الميت القبر.","level":2,"page":1741},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل المتعلقة بالدفن","level":2,"page":1743},{"title":"مسألة [١]: حكم دفن الميت.","level":2,"page":1743},{"title":"مسألة [٢]: حكم الدفن في المقبرة.","level":2,"page":1743},{"title":"مسألة [٣]: من يتولى الدفن؟","level":2,"page":1745},{"title":"مسألة [٤]: من هو الأولى بدفن الميت؟","level":2,"page":1745},{"title":"مسألة [٥]: تعميق القبر، وتوسيعه.","level":2,"page":1746},{"title":"مسألة [٦]: حل عقد الكفن في القبر.","level":2,"page":1747},{"title":"مسألة [٧]: وضع الميت في القبر مستقبلا القبلة.","level":2,"page":1748},{"title":"مسألة [٨]: على أي جنب يوضع الميت في القبر.","level":2,"page":1750},{"title":"مسألة [٩]: دفن الجنازة في أوقات النهي.","level":2,"page":1750},{"title":"مسألة [١]: ماذا يقال عند دفن الميت في قبره؟","level":2,"page":1751},{"title":"مسألة [١]: تحريم إهانة الميت بكسر، أو قطع، أو نحو ذلك.","level":2,"page":1753},{"title":"مسألة [٢]: إذا ماتت المرأة وجنينها حي؟","level":2,"page":1754},{"title":"مسألة [٣]: إذا كان الميت له سن من الذهب؟","level":2,"page":1755},{"title":"مسألة [٤]: إذا بلع الميت قبل موته جوهرة؛ فهل تشق بطنه؟","level":2,"page":1755},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":2,"page":1757},{"title":"مسألة [١]: إذا سقط في القبر ما له قيمة؛ فهل ينبش لأخذه؟","level":2,"page":1757},{"title":"مسألة [٢]: بعض الأغراض الشرعية لنبش القبر؟","level":2,"page":1757},{"title":"مسألة [٣]: جعل علامة على القبر ليعرف.","level":2,"page":1758},{"title":"مسألة [١]: اللحد والشق في القبر.","level":2,"page":1760},{"title":"مسألة [٢]: تغطية اللحد باللبن.","level":2,"page":1762},{"title":"مسألة [٣]: الحد الذي يرفع إليه القبر.","level":2,"page":1762},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":2,"page":1764},{"title":"مسألة [١]: ستر الميت عند إدخاله القبر.","level":2,"page":1764},{"title":"مسألة [٢]: وضع قطيفة تحت الميت.","level":2,"page":1764},{"title":"مسألة [٣]: إذا أعادوا التراب إلى القبر، فهل يجعلوه مسنما، أم مسطحا؟","level":2,"page":1765},{"title":"مسألة [٤]: رش الماء على القبر عند الفراغ.","level":2,"page":1767},{"title":"مسألة [٥]: حكم الدفن في التابوت.","level":2,"page":1767},{"title":"مسألة [١]: الجلوس على القبر.","level":2,"page":1768},{"title":"مسألة [٢]: البناء على القبر، وتجصيصه.","level":2,"page":1769},{"title":"مسألة [٣]: المشي بين القبور بالنعال.","level":2,"page":1770},{"title":"مسألة [٤]: التغوط على القبور.","level":2,"page":1771},{"title":"مسألة [١]: حكم الحثو على القبر ثلاثا.","level":2,"page":1772},{"title":"مسألة [١]: الاستغفار للميت عقب الدفن.","level":2,"page":1773},{"title":"مسألة [٢]: قراءة القرآن لروح الميت عند القبور، ووضع المصاحف هنالك.","level":2,"page":1773},{"title":"مسألة [٣]: حكم إهداء ثواب العبادات للموتى.","level":2,"page":1775},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":2,"page":1777},{"title":"مسألة [١]: إذا دفن الميت من غير غسل، أو إلى غير القبلة؟","level":2,"page":1777},{"title":"مسألة [٢]: إذا دفن الميت من غير أن يصلى عليه؟","level":2,"page":1777},{"title":"مسألة [٣]: إذا دفن الميت من غير أن يكفن فهل ينبش ليكفن؟","level":2,"page":1778},{"title":"مسألة [٤]: دفن الميت في قبر قديم.","level":2,"page":1778},{"title":"مسألة [٥]: هل يقبر المشرك بمقبرة المسلمين، والعكس؟","level":2,"page":1779},{"title":"مسألة [٦]: إذا ماتت امرأة ذمية، وهي حامل من رجل مسلم، ومات جنينها؟","level":2,"page":1779},{"title":"مسألة [٧]: إذا مات رجل في سفينة، وهم في البحر، فكيف يصنع به؟","level":2,"page":1780},{"title":"مسألة [٨]: إذا وجد بعض أجزاء الميت، فكيف يصنع؟","level":2,"page":1781},{"title":"مسألة [٩]: إذا وجد ميت لا يدرى أمسلم هو، أم كافر؟","level":2,"page":1782},{"title":"مسألة [١٠]: إذا اختلط موتى مسلمون بموتى مشركين؟","level":2,"page":1782},{"title":"مسألة [١١]: أين يدفن الشهيد؟","level":2,"page":1783},{"title":"مسألة [١]: تلقين الميت بعد الدفن.","level":2,"page":1784},{"title":"مسألة [١]: حكم زيارة القبور.","level":2,"page":1786},{"title":"مسألة [٢]: زيارة قبر الكافر.","level":2,"page":1789},{"title":"مسألة [١]: تعريف النياحة وحكمها.","level":2,"page":1790},{"title":"مسألة [١]: حكم البكاء على الميت.","level":2,"page":1793},{"title":"مسألة [١]: حكم الدفن بالليل.","level":2,"page":1795},{"title":"مسألة [١]: صنع الطعام لأهل الميت.","level":2,"page":1797},{"title":"مسألة [٢]: الاجتماع في بيت الميت للطعام.","level":2,"page":1798},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":2,"page":1799},{"title":"مسألة [١]: تعزية أهل الميت.","level":2,"page":1799},{"title":"مسألة [١]: الدعاء للموتى من المسلمين عند زيارة القبور.","level":2,"page":1801},{"title":"مسألة [١]: حكم سب الأموات.","level":2,"page":1803},{"title":"كتاب الزكاة","level":1,"page":1805},{"title":"باب","level":2,"page":1805},{"title":"مسألة [١]: حكم الزكاة، وحكم من أنكرها.","level":3,"page":1806},{"title":"مسألة [٢]: من منعها بخلا لا جحودا؟","level":3,"page":1807},{"title":"مسألة [٣]: ماذا يصنع الإمام بمن منعها بخلا؟","level":3,"page":1808},{"title":"مسألة [٤]: إذا أخذ الإمام الزكاة قهرا، فهل يؤجر عليها صاحبها؟","level":3,"page":1809},{"title":"مسألة [٥]: هل تجب الزكاة على الكافر؟","level":3,"page":1810},{"title":"مسألة [٦]: هل تجب الزكاة على المرتد؟","level":3,"page":1811},{"title":"مسألة [٧]: هل تجب الزكاة في مال الصبي، والمجنون؟","level":3,"page":1812},{"title":"مسألة [٨]: هل يجب على العبد زكاة في ماله؟","level":3,"page":1814},{"title":"مسألة [٩]: هل تجب الزكاة على المكاتب في ماله؟","level":3,"page":1815},{"title":"مسألة [١٠]: المال المنسوب إلى الجنين، هل تجب فيه الزكاة إذا خرج حيا، ثم حال عليه الحول؟","level":3,"page":1816},{"title":"مسألة [١١]: هل يجب إخراج الزكاة على الفور إذا حل وقتها؟","level":3,"page":1816},{"title":"مسألة [١٢]: إذا وجبت الزكاة، وتمكن من أدائها، ثم مات قبل أن يخرجها؟","level":3,"page":1817},{"title":"مسألة [١٣]: إذا مضت عليه سنون لا يؤدي الزكاة، ثم أراد إخراجها؟","level":3,"page":1818},{"title":"مسألة [١٤]: إذا تلفت الزكاة قبل وصولها إلى الفقير؟","level":3,"page":1819},{"title":"مسألة [١٥]: هل يشترط النية في إخراج الزكاة، أم لا؟","level":3,"page":1820},{"title":"مسألة [١]: زكاة الإبل، والغنم، والبقر.","level":3,"page":1822},{"title":"مسألة [٢]: المتولد من الغنم والظباء.","level":3,"page":1823},{"title":"مسألة [٣]: هل يشترط في زكاتها أن تكون سائمة؟","level":3,"page":1823},{"title":"مسألة [٤]: فإذا كانت سائمة بعض الحول، وبعضه غير سائمة؟","level":3,"page":1824},{"title":"مسألة [٥]: نصاب الإبل، والواجب فيها.","level":3,"page":1825},{"title":"مسألة [٦]: إذا بلغت الإبل خمسا وعشرين؟","level":3,"page":1827},{"title":"مسألة [٧]: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة؟","level":3,"page":1828},{"title":"مسألة [٨]: إذا بلغت الإبل حدا يستوي فيه بنات اللبون، والحقاق كالمائتين؟","level":3,"page":1830},{"title":"مسألة [٨]: هل يتعين عليه إخراج الغنم فيما دون خمس وعشرين من الإبل؟","level":3,"page":1831},{"title":"مسألة [١٠]: إذا لم يكن عند صاحب المال بنت مخاض؟","level":3,"page":1831},{"title":"مسألة [١١]: إذا لم يكن معه بنت مخاض، ولا ابن لبون؟","level":3,"page":1832},{"title":"مسألة [١٢]: إذا كان عنده خمس إبل ضعاف لا تساوي شاة؟","level":3,"page":1832},{"title":"مسألة [١٣]: إذا وجب عليه سن من الإبل، فأخرج سنا أعلى منه؟","level":3,"page":1833},{"title":"مسألة [١٤]: من وجب عليه سن وفقده في ماله؟","level":3,"page":1833},{"title":"مسألة [١٥]: من عدم السن الواجبة، والتي تليها؟","level":3,"page":1834},{"title":"مسألة [١٦]: نصاب زكاة الغنم، والواجب فيها.","level":3,"page":1835},{"title":"مسألة [١٧]: العيوب التي لا تؤخذ في زكاة الماشية.","level":3,"page":1836},{"title":"مسألة [١٨]: ضابط العيب الذي يمنع الإجزاء في الزكاة.","level":3,"page":1838},{"title":"مسألة [١٩]: هل يأخذ المصدق الماخض، والربى، والأكولة؟","level":3,"page":1838},{"title":"مسألة [٢٠]: هل تجزئ السخال في الزكاة؟","level":3,"page":1838},{"title":"مسألة [٢١]: ما هو السن الذي يجزئ إخراجه في الغنم؟","level":3,"page":1839},{"title":"مسألة [٢٢]: هل يجزئ إخراج الذكور؟","level":3,"page":1841},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا كان النصاب كله ذكورا؟","level":3,"page":1842},{"title":"مسألة [٢٤]: إذا كان مع صاحب الماشية عشرون من الضأن، وعشرون من المعز؟","level":3,"page":1842},{"title":"مسألة [٢٥]: هل تحسب السخال من النصاب؟","level":3,"page":1844},{"title":"مسألة [٢٦]: من ملك سخالا، أو فصلانا، أو عجولا عاما كاملا؟","level":3,"page":1847},{"title":"مسألة [٢٧]: هل يجزئ أن يخرج القيمة في زكاة الماشية؟","level":3,"page":1847},{"title":"مسألة [٢٨]: هل تؤثر الخلطة في زكاة الماشية؟","level":3,"page":1848},{"title":"مسألة [٢٩]: ضابط اختلاط الأوصاف.","level":3,"page":1849},{"title":"مسألة [٣٠]: هل يشترط في خلطة الأوصاف أن تكون في جميع الحول؟","level":3,"page":1849},{"title":"مسألة [٣١]: إذا كانت سائمة الرجل متفرقة؟","level":3,"page":1850},{"title":"مسألة [٣٢]: الاختلاط في غير الماشية.","level":3,"page":1850},{"title":"مسألة [٣٣]: الأوقاص في الماشية.","level":3,"page":1851},{"title":"مسألة [١]: نصاب البقر وزكاتها.","level":3,"page":1854},{"title":"مسألة [٢]: حكم الجواميس.","level":3,"page":1855},{"title":"مسألة [٣]: بقر الوحش.","level":3,"page":1856},{"title":"مسألة [٤]: المتولد من البقر الوحشي، والأهلي.","level":3,"page":1856},{"title":"مسألة [١]: أخذ الزكاة من أصحاب الأموال عند ديارهم ومياههم.","level":3,"page":1857},{"title":"مسألة [٢]: هل يجزئ إخراج الصدقة إلى السلطان الجائر؟","level":3,"page":1858},{"title":"مسألة [٣]: أيهما أفضل: دفع الزكاة إلى الإمام، أو إخراجها بنفسه؟","level":3,"page":1858},{"title":"مسألة [١]: هل في الخيول زكاة؟","level":3,"page":1861},{"title":"مسألة [٢]: هل على السيد في عبيده زكاة؟","level":3,"page":1863},{"title":"مسألة [٣]: هل في الحمير زكاة؟","level":3,"page":1863},{"title":"مسألة [١]: وجوب الزكاة في الذهب والفضة.","level":3,"page":1865},{"title":"مسألة [٢]: كم نصاب الفضة، وكم يجب فيها؟","level":3,"page":1866},{"title":"مسألة [٣]: نصاب الذهب والواجب فيه.","level":3,"page":1867},{"title":"مسألة [٤]: هل في الأوراق النقدية والعملة المعدنية زكاة؟","level":3,"page":1870},{"title":"مسألة [٥]: هل يضم الذهب إلى الفضة لتكملة النصاب؟","level":3,"page":1870},{"title":"مسألة [٦]: الواجب في الذهب والفضة.","level":3,"page":1871},{"title":"مسألة [٧]: هل يعتبر نصاب الذهب والفضة بالوزن، أم العدد؟","level":3,"page":1871},{"title":"مسألة [٨]: هل في المغشوش زكاة؟","level":3,"page":1872},{"title":"مسألة [٩]: ما زاد على النصاب من الذهب والفضة، هل فيه زكاة؟","level":3,"page":1872},{"title":"مسألة [١٠]: هل يجزئ إخراج أحد النقدين عن الآخر؟","level":3,"page":1875},{"title":"مسألة [١١]: هل يجزئ إخراج النقود الورقية، والمعدنية عن الذهب، والفضة؟","level":3,"page":1875},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1876},{"title":"مسألة [١]: من كان عليه دين ينقص النصاب الذي عنده، هل عليه زكاة، أم لا؟","level":3,"page":1876},{"title":"مسألة [٢]: هل على صاحب الدين أن يزكي عن دينه؟","level":3,"page":1878},{"title":"مسألة [٣]: المال المغصوب أو المسروق، هل على مالكه زكاة؟","level":3,"page":1880},{"title":"مسألة [٤]: هل يجوز لصاحب الدين أن يجعل الدين زكاة لماله؟","level":3,"page":1881},{"title":"مسألة [٥]: هل على مهر المرأة وصداقها الذي في ذمة الزوج زكاة؟","level":3,"page":1882},{"title":"مسألة [٦]: هل على المؤجر في إجارته زكاة؟","level":3,"page":1882},{"title":"مسألة [٧]: هل على الرجل في ماله المرهون زكاة؟","level":3,"page":1884},{"title":"مسألة [١]: هل يشترط في الزكاة أن يحول الحول على المال؟","level":3,"page":1885},{"title":"مسألة [٢]: هل يعتبر وجود النصاب في جميع الحول؟","level":3,"page":1885},{"title":"مسألة [٣]: إذا باع ماله: ماشية، أو ذهبا، أو فضة قبل حولان الحول بمثلها؟","level":3,"page":1886},{"title":"مسألة [٤]: من باع ماشيته مثلا قبل الحول فرارا من الزكاة؟","level":3,"page":1886},{"title":"مسألة [٥]: حكم المال المستفاد أثناء الحول.","level":3,"page":1887},{"title":"مسألة [٦]: هل الزكاة تجب في الذمة، أم في عين المال؟","level":3,"page":1889},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1891},{"title":"مسألة [١]: هل يشترط في الزكاة إمكان الأداء؟","level":3,"page":1891},{"title":"مسألة [٢]: إذا تلفت الزكاة على العامل؛ فهل يضمن؟","level":3,"page":1892},{"title":"مسألة [٣]: إذا مات صاحب المال، وانتقل المال إلى الوارث، أيبنى الحول أم يستأنف؟","level":3,"page":1892},{"title":"مسألة [٤]: هل تتكرر زكاة الأموال من الماشية، والأثمان في كل عام؟","level":3,"page":1893},{"title":"مسألة [١]: هل في البقر، والإبل العوامل صدقة؟","level":3,"page":1894},{"title":"مسألة [١]: الدعاء لصاحب الصدقة.","level":3,"page":1896},{"title":"مسألة [١]: حكم تعجيل الزكاة قبل تمام الحول بعد سبب الوجوب.","level":3,"page":1897},{"title":"مسألة [١]: النصاب الذي تجب فيه الزكاة في المزروعات، والثمار.","level":3,"page":1901},{"title":"مسألة [٢]: متى تعتبر الخمسة الأوسق؟","level":3,"page":1902},{"title":"مسألة [٣]: هل يعتبر النصاب بالكيل، أم بالوزن؟","level":3,"page":1902},{"title":"مسألة [١]: مقدار الزكاة في الثمار، والمزروعات.","level":3,"page":1903},{"title":"مسألة [٢]: إذا سقاه بالسواني نصف العام، والنصف الآخر بماء السماء؟","level":3,"page":1904},{"title":"مسألة [٣]: إذا سقي بأحدهما أكثر من الآخر؟","level":3,"page":1904},{"title":"مسألة [٤]: هل تجب الزكاة فيما زاد على النصاب؟","level":3,"page":1905},{"title":"مسألة [١]: ما هي الأصناف التي تجب فيها الزكاة من المزروعات، والثمار؟","level":3,"page":1907},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":1910},{"title":"مسألة [١]: وقت وجوب الزكاة.","level":3,"page":1910},{"title":"مسألة [٢]: متى يجب إخراج الزكاة؟","level":3,"page":1911},{"title":"مسألة [٣]: هل عليه إخراج الزكاة أكثر من مرة من محصول واحد؟","level":3,"page":1911},{"title":"مسألة [٤]: هل يضم القمح إلى الشعير؟","level":3,"page":1912},{"title":"مسألة [٥]: هل يضم التمر إلى الزبيب؟","level":3,"page":1912},{"title":"مسألة [٦]: هل يضم التمر إلى البر أو الشعير؟","level":3,"page":1912},{"title":"مسألة [٧]: هل تضم أنواع البر مع بعضها، وكذا الشعير، والتمر، والزبيب؟","level":3,"page":1913},{"title":"مسألة [٨]: هل تضم ثمرة المحصولين؟","level":3,"page":1913},{"title":"مسألة [٩]: إذا باع المحصول بعد بدو الصلاح، فعلى من زكاته؟","level":3,"page":1913},{"title":"مسألة [١٠]: إذا وهب المحصول لإنسان قبل بدو الصلاح؟","level":3,"page":1914},{"title":"مسألة [١١]: هل مؤنة العمل تخرج من المحصول ثم يزكى لما بقي؟","level":3,"page":1914},{"title":"مسألة [١٢]: إذا استأجر إنسان أرضا فزرع فيها، فعلى من الزكاة؟","level":3,"page":1915},{"title":"مسألة [١٣]: من كان يزرع في أرض عليه فيها الخراج لبيت المال، فهل عليه زكاة أيضا؟","level":3,"page":1916},{"title":"مسألة [١٤]: هل يجب إخراج الزكاة من عين المال الذي وجبت فيه الزكاة، أم لا؟","level":3,"page":1918},{"title":"مسألة [١]: معنى الخرص، والحكمة منه.","level":3,"page":1919},{"title":"مسألة [٢]: حكم الخرص.","level":3,"page":1920},{"title":"مسألة [٣]: هل يترك لأصحاب النخل شيء ليأكلونه، ولا يخرص عليهم؟","level":3,"page":1921},{"title":"مسألة [٤]: إذا تلف النخل بعد أن خرص؟","level":3,"page":1922},{"title":"مسألة [٥]: هل يكفي الخارص الواحد، أم لا بد من اثنين؟","level":3,"page":1922},{"title":"مسألة [١]: هل يخرص العنب كما يخرص النخل؟","level":3,"page":1923},{"title":"مسألة [١]: هل في الحلي من الذهب، والفضة زكاة؟","level":3,"page":1926},{"title":"مسألة [٢]: هل في السيف المحلى زكاة؟","level":3,"page":1929},{"title":"مسألة [٣]: الأواني المتخذة من الذهب والفضة، هل فيها زكاة؟","level":3,"page":1929},{"title":"مسألة [٤]: هل يعتبر نصاب الحلي بالوزن، أم بالقيمة؟","level":3,"page":1930},{"title":"مسألة [٥]: الجواهر الأخرى من غير الذهب والفضة.","level":3,"page":1930},{"title":"مسألة [١]: هل في الأشياء المعروضة للتجارة زكاة؟","level":3,"page":1931},{"title":"مسألة [٢]: هل في العسل ز كاة؟","level":3,"page":1935},{"title":"مسألة [١]: ما الذي يجب في الركاز؟","level":3,"page":1939},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط في الركاز أن يكون نصابا؟","level":3,"page":1939},{"title":"مسألة [٣]: هل يشترط أن يحول عليه الحول؟","level":3,"page":1939},{"title":"مسألة [٤]: ما هو مصرف الركاز؟","level":3,"page":1940},{"title":"مسألة [٥]: من يجب عليه الخمس؟","level":3,"page":1940},{"title":"مسألة [٦]: هل يختص الركاز بالذهب والفضة؟","level":3,"page":1941},{"title":"مسألة [١]: موضع الركاز.","level":3,"page":1943},{"title":"مسألة [١]: هل في المعادن زكاة؟ وما هي المعادن التي تجب فيها الزكاة؟","level":3,"page":1947},{"title":"مسألة [٢]: المستخرج من البحر كاللؤلؤ، والمرجان، والعنبر.","level":3,"page":1949},{"title":"باب صدقة الفطر","level":2,"page":1951},{"title":"مسألة [١]: حكم صدقة الفطر.","level":3,"page":1952},{"title":"مسألة [٢]: على من تجب زكاة الفطر؟","level":3,"page":1952},{"title":"مسألة [٣]: هل تجب زكاة الفطر على الكافر؟","level":3,"page":1953},{"title":"مسألة [٤]: هل تجب على العبد المسلم زكاة الفطر؟","level":3,"page":1954},{"title":"مسألة [٥]: إذا كان العبد مسلما وسيده كافرا؟","level":3,"page":1954},{"title":"مسألة [٦]: هل يجب على السيد الفطرة على عبيد التجارة؟","level":3,"page":1955},{"title":"مسألة [٧]: إذا كان العبد غائبا فهل على السيد زكاة؟","level":3,"page":1955},{"title":"مسألة [٨]: إذا كان العبد، أو العبيد في ملك أكثر من سيد؟","level":3,"page":1956},{"title":"مسألة [٩]: إذا كان الرجل نصفه عبد ونصفه حر؟","level":3,"page":1956},{"title":"مسألة [١٠]: هل فطرة المتزوجة على زوجها، أم على نفسها؟","level":3,"page":1957},{"title":"مسألة [١١]: من تبرع بمؤنة إنسان، فهل تلزمه فطرته؟","level":3,"page":1958},{"title":"مسألة [١٢]: ما ضابط اليسار الذي تجب به زكاة الفطر؟","level":3,"page":1958},{"title":"مسألة [١٣]: هل تجب زكاة الفطر عن الجنين؟","level":3,"page":1959},{"title":"مسألة [١٤]: المكاتب هل يخرج عن نفسه، أم يخرج عنه السيد؟","level":3,"page":1959},{"title":"مسألة [١٥]: ما هي الأصناف التي يخرج منها زكاة الفطر؟","level":3,"page":1960},{"title":"مسألة [١٦]: هل يجزئ الأقط (اللبن المجفف)؟","level":3,"page":1962},{"title":"مسألة [١٧]: هل يجزئ الدقيق في صدقة الفطر؟","level":3,"page":1962},{"title":"مسألة [١٨]: هل تجزئ القيمة بالدراهم؟","level":3,"page":1963},{"title":"مسألة [١٩]: ما هو القدر الذي يجب إخراجه في صدقة الفطر؟","level":3,"page":1963},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا زاد الإنسان عن القدر الواجب، ونواه نافلة؟","level":3,"page":1969},{"title":"مسألة [٢١]: وقت وجوب إخراج صدقة الفطر.","level":3,"page":1969},{"title":"مسألة [٢٢]: حكم تأديتها يوم العيد بعد الصلاة.","level":3,"page":1970},{"title":"مسألة [٢٣]: تأخيرها عن يوم العيد.","level":3,"page":1970},{"title":"مسألة [٢٤]: تقديم زكاة الفطر قبل وقتها.","level":3,"page":1971},{"title":"باب صدقة التطوع","level":2,"page":1974},{"title":"مسألة [١]: استحباب صدقة التطوع.","level":3,"page":1975},{"title":"مسألة [٢]: الإسرار بصدقة التطوع.","level":3,"page":1975},{"title":"مسألة [٣]: الإسرار بصدقة الفرض.","level":3,"page":1975},{"title":"مسألة [١]: اليد العليا واليد السفلى.","level":3,"page":1977},{"title":"مسألة [٢]: خير الصدقة وأفضلها.","level":3,"page":1978},{"title":"مسألة [٣]: التصدق بالمال كاملا.","level":3,"page":1979},{"title":"مسألة [١]: من تصدق بما هو محتاج إليه؟","level":3,"page":1981},{"title":"مسألة [١]: ما حكم إنفاق المرأة من مال زوجها، والعبد من مال سيده؟","level":3,"page":1983},{"title":"مسألة [١]: حكم التصدق على الأقارب.","level":3,"page":1985},{"title":"مسألة [١]: تحريم المسألة بغير حاجة.","level":3,"page":1986},{"title":"مسألة [٢]: ضابط الغنى الذي لا تحل معه المسألة.","level":3,"page":1986},{"title":"مسألة [١]: تحريم المسألة من غير السلطان.","level":3,"page":1990},{"title":"باب قسم الصدقات","level":2,"page":1991},{"title":"مسألة [١]: هل يعطى الغني من الزكاة؟","level":3,"page":1992},{"title":"مسألة [٢]: ضابط الغني الذي لا تصرف إليه الزكاة.","level":3,"page":1992},{"title":"مسألة [٣]: القوي الذي له قدر كفايتة في كل يوم من مكسبه، أو أجرة عقاره، وما أشبه ذلك.","level":3,"page":1994},{"title":"مسألة [٤]: من كان صحيحا ولا كسب له؟","level":3,"page":1994},{"title":"مسألة [٥]: من كان له دار وخادم لا يستغني عنهما؟","level":3,"page":1995},{"title":"مسألة [٦]: هل لمخرج الزكاة أن يشتريها ممن صارت إليه؟","level":3,"page":1995},{"title":"مسألة [١]: من هم آل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذين تحرم عليهم الصدقة؟","level":3,"page":1997},{"title":"مسألة [٢]: وهل هناك خلاف في تحريم الزكاة على بني هاشم؟","level":3,"page":1999},{"title":"مسألة [٣]: وهل تحرم عليهم إذا كانوا من العاملين عليها؟","level":3,"page":1999},{"title":"مسألة [٤]: وهل تحرم عليهم صدقة التطوع؟","level":3,"page":2000},{"title":"مسألة [٥]: هل تحرم الصدقة على أزواج بني هاشم؟","level":3,"page":2001},{"title":"مسألة [١]: هل تحرم الصدقة على موالي آل محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟","level":3,"page":2005},{"title":"مسألة [١]: الصدقة على موالي أزواج آل محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟","level":3,"page":2006},{"title":"مسألة [١]: إعطاء العامل من الصدقة وإن كان غنيا.","level":3,"page":2007},{"title":"مسائل أخرى تتعلق بالباب","level":3,"page":2008},{"title":"مسألة [١]: دفع زكاة الرجل إلى امرأته.","level":3,"page":2008},{"title":"مسألة [٢]: دفع المرأة زكاتها إلى زوجها.","level":3,"page":2008},{"title":"مسألة [٣]: دفع الزكاة إلى الوالدين.","level":3,"page":2009},{"title":"مسألة [٤]: دفع الزكاة إلى الولد.","level":3,"page":2009},{"title":"مسألة [٥]: دفع الزكاة إلى بقية الأقارب.","level":3,"page":2010},{"title":"مسألة [٦]: إن كان في عائلته من لا يجب عليه الإنفاق عليه؟","level":3,"page":2011},{"title":"مسألة [٧]: هل تصرف الزكاة للكافر والمملوك؟","level":3,"page":2011},{"title":"مسألة [٨]: مصارف الزكاة.","level":3,"page":2011},{"title":"مسألة [٩]: ما هو المقدار الذي إذا ملكه الفقير والمسكين صار غنيا ولم يجز له أن يأخذ من الزكاة؟","level":3,"page":2013},{"title":"مسألة [١٠]: هل تصرف الزكاة لمن يجد كفاية نفقته، وهو بحاجة إلى الزواج، ولا يقدر عليه؟","level":3,"page":2014},{"title":"مسألة [١١]: شروط العامل على الزكاة.","level":3,"page":2015},{"title":"مسألة [١٢]: كم يعطى العاملون عليها؟","level":3,"page":2015},{"title":"مسألة [١٣]: هل للساعي الذي جمع الزكاة أن يفرقها للمستحقين بنفسه؟","level":3,"page":2016},{"title":"مسألة [١٤]: هل تدفع الزكاة إلى الوالي وإن كان ظالما لا يؤديها إلى المستحقين؟","level":3,"page":2017},{"title":"مسألة [١٥]: ما يأخذه العشارون على الجسور والقناطر؟","level":3,"page":2017},{"title":"مسألة [١٦]: هل تدفع الزكاة للخوارج إذا ظهروا على بلاد من بلاد الإسلام؟","level":3,"page":2018},{"title":"مسألة [١٧]: أنواع المؤلفة قلوبهم.","level":3,"page":2019},{"title":"مسألة [١٨]: هل يجوز صرف الزكاة في فكاك الأسير من المسلمين؟","level":3,"page":2021},{"title":"مسألة [١٩]: إن كان غرم في معصية؟","level":3,"page":2022},{"title":"مسألة [٢٠]: هل تدفع الزكاة إلى الغارم، أم إلى صاحب الدين؟","level":3,"page":2022},{"title":"مسألة [٢١]: وهل يصح أن تصرف الزكاة في شراء الأسلحة وما أشبهه؟","level":3,"page":2023},{"title":"مسألة [٢٢]: هل تصرف الزكاة للحج؟","level":3,"page":2023},{"title":"مسألة [٢٣]: إصلاح الطرق، وبناء المساجد.","level":3,"page":2024},{"title":"مسألة [٢٤]: هل يجزئ أن تصرف الزكاة لطلاب العلم؟","level":3,"page":2024},{"title":"مسألة [٢٥]: هل يجب استيعاب الدفع إلى الأصناف الثمانية؟","level":3,"page":2026},{"title":"مسألة [٢٦]: مصرف زكاة الفطر؟","level":3,"page":2027},{"title":"مسألة [٢٧]: الفقير كم يعطى؟","level":3,"page":2028},{"title":"مسألة [٢٨]: هل تسترجع الزكاة بعد صرفها لأحد الأصناف الثمانية؟","level":3,"page":2028},{"title":"مسألة [٢٩]: إذا أعطى من يظنه فقيرا فبان غنيا؟","level":3,"page":2029},{"title":"مسألة [٣٠]: نقل الصدقة إلى بلد آخر.","level":3,"page":2030},{"title":"كتاب الصيام","level":1,"page":2032},{"title":"باب","level":2,"page":2034},{"title":"مسألة: متى فرض شهر رمضان؟","level":3,"page":2034},{"title":"مسألة: أحوال فرضية الصوم.","level":3,"page":2035},{"title":"مسألة [١]: سبب تسمية رمضان بهذا الاسم.","level":3,"page":2037},{"title":"مسألة [٢]: هل يقال رمضان، أم شهر رمضان؟","level":3,"page":2037},{"title":"مسألة [٣]: الصيام قبل رمضان بيوم، أو يومين.","level":3,"page":2038},{"title":"مسألة [٤]: الحكمة من النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين.","level":3,"page":2041},{"title":"مسألة [١]: حكم صيام يوم الشك.","level":3,"page":2043},{"title":"مسألة [٢]: متى يجب صوم رمضان؟","level":3,"page":2047},{"title":"مسألة [٣]: معرفة دخول الشهر بطريقة الحساب.","level":3,"page":2047},{"title":"مسألة [٤]: استعمال المنظار المقرب للرؤية.","level":3,"page":2049},{"title":"مسألة [٥]: إذا رأى الهلال أهل بلدة، فهل يلزم بقية البلدان الصوم؟","level":3,"page":2049},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":2055},{"title":"مسألة [١]: رؤية الهلال بالنهار.","level":3,"page":2055},{"title":"مسألة [٢]: إذا أصبح الرجل مفطرا يعتقد أنه من شعبان، ثم قامت البينة أن اليوم من رمضان، وأن الهلال قد أهل بالأمس؟","level":3,"page":2057},{"title":"مسألة [٣]: إذا لم يعلم بالرؤية إلا بعد غروب الشمس؟","level":3,"page":2058},{"title":"مسألة [٤]: إذا أصبح الناس صياما في ثلاثين من رمضان، ثم جاءهم الخبر بأن الهلال قد استهل ليلا؟","level":3,"page":2059},{"title":"مسألة [١]: ما يثبت به الصوم والفطر من الشهود؟","level":3,"page":2060},{"title":"مسألة [٢]: إذا رأى الهلال وحده، فهل يلزمه الصوم والفطر؟","level":3,"page":2063},{"title":"مسألة [٣]: إذا أخبره من يثق بقوله أنه رأى الهلال؟","level":3,"page":2065},{"title":"مسألة [٤]: شهادة النساء للهلال.","level":3,"page":2065},{"title":"مسألة [٥]: شهادة الصبي المميز الموثوق بخبره.","level":3,"page":2067},{"title":"مسألة [٦]: شهادة الكافر، والفاسق، والمغفل.","level":3,"page":2067},{"title":"مسألة [٧]: لو غم الهلال فرأى إنسان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في المنام، فقال له: الليلة أول رمضان؟","level":3,"page":2067},{"title":"مسألة [١]: هل تشترط النية للصوم؟","level":3,"page":2070},{"title":"مسألة [٢]: تعيين النية في الصوم الواجب.","level":3,"page":2070},{"title":"مسألة [٣]: التعيين في صوم التطوع.","level":3,"page":2071},{"title":"مسألة [٤]: تبييت النية في صيام الفرض.","level":3,"page":2071},{"title":"مسألة [٥]: تبييت النية في صوم التطوع.","level":3,"page":2072},{"title":"مسألة [٦]: هل يلزم النية لكل يوم على حدة، أم تكفيه نية واحدة لشهر رمضان، ولما يشترط فيه التتابع؟","level":3,"page":2075},{"title":"مسألة [٧]: إن نوى من النهار صوم الغد؟","level":3,"page":2076},{"title":"مسألة [٨]: إذا نوى بالليل الصوم، ثم أكل، أو شرب، أو جامع قبل طلوع الفجر، فهل تبطل نيته؟","level":3,"page":2077},{"title":"مسألة [٩]: إذا نوت الحائض صوم الغد قبل انقطاع دمها؟","level":3,"page":2077},{"title":"مسألة [١٠]: من قال: سأصوم غدا إن شاء الله؟","level":3,"page":2078},{"title":"مسألة [١١]: من نوى الصوم قبل الفجر ثم جن؟","level":3,"page":2078},{"title":"مسألة [١٢]: من نوى الصيام، ثم أغمي عليه؟","level":3,"page":2080},{"title":"مسألة [١٣]: من أغمي عليه أثناء النهار واستمر أياما؟","level":3,"page":2081},{"title":"مسألة [١٤]: نوم الصائم.","level":3,"page":2081},{"title":"مسألة [١٥]: صرع الصائم.","level":3,"page":2082},{"title":"مسألة [١٦]: إذا نوى الإفطار أثناء صومه؟","level":3,"page":2082},{"title":"مسألة [١]: تعجيل الفطور.","level":3,"page":2085},{"title":"مسألة [٢]: حكم الإفطار قبل غروب الشمس.","level":3,"page":2086},{"title":"مسألة [٣]: هل يجوز الإفطار إذا غلب على الظن أن الشمس قد غربت؟","level":3,"page":2087},{"title":"مسألة [٤]: إذا تعجل في الإفطار ظانا أن الشمس قد غربت، ثم تبين له أن الشمس لم تغرب؛ فما الحكم؟","level":3,"page":2088},{"title":"مسألة [٥]: إذا أكل، أو شرب، أو جامع وهو شاك في غروب الشمس؟","level":3,"page":2091},{"title":"مسألة [٦]: إذا أفطر شخص لغروب الشمس، ثم أقلعت به الطائرة، فرأى الشمس، فهل يلزمه الإمساك؟","level":3,"page":2091},{"title":"مسألة [١]: بركة السحور.","level":3,"page":2093},{"title":"مسألة [٢]: حكم السحور.","level":3,"page":2094},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":2095},{"title":"مسألة [١]: تأخير السحور.","level":3,"page":2095},{"title":"مسألة [٢]: ما يحصل به السحور.","level":3,"page":2095},{"title":"مسألة [٣]: آخر وقت السحور، وهو أول وقت الصيام.","level":3,"page":2096},{"title":"مسألة [٤]: إذا استمر في الأكل والشرب أثناء الأذان؟","level":3,"page":2099},{"title":"مسألة [٥]: هل يجوز الأكل والشرب مادام شاكا في طلوع الفجر؟","level":3,"page":2100},{"title":"مسألة [٦]: إذا أكل ظانا أن الفجر لم يطلع فتبين له أن الفجر قد طلع؟","level":3,"page":2100},{"title":"مسألة [٧]: إذا أذن المؤذن لصلاة الفجر، والشراب في اليد أيشربه أم لا؟","level":3,"page":2101},{"title":"مسألة [١]: ما الذي يستحب أن يفطر عليه؟","level":3,"page":2104},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":2106},{"title":"مسألة [١]: دعاء الإفطار.","level":3,"page":2106},{"title":"مسألة [٢]: يطول النهار في بعض البلدان أكثر من أربع وعشرين ساعة، فهل يلزمهم إمساك النهار كاملا؟","level":3,"page":2107},{"title":"مسألة [١]: معنى قوله: «يطعمني ربي ويسقيني».","level":3,"page":2109},{"title":"مسألة [٢]: حكم الوصال في الصيام.","level":3,"page":2110},{"title":"مسألة [٣]: الوصال إلى السحر.","level":3,"page":2114},{"title":"مسألة [١]: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».","level":3,"page":2116},{"title":"مسألة [٢]: شهادة الزور، والغيبة، والمعاصي هل تبطل الصوم؟","level":3,"page":2116},{"title":"مسألة [١]: إذا باشر، أو قبل، أو نظر، فأمنى، أو أمذى؟","level":3,"page":2118},{"title":"مسألة [٢]: القبلة والمباشرة للصائم إذا لم ينزل؟","level":3,"page":2119},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":2123},{"title":"مسألة [١]: استمناء الصائم.","level":3,"page":2123},{"title":"مسألة [٢]: احتلام الصائم.","level":3,"page":2124},{"title":"مسألة [١]: احتجام الصائم.","level":3,"page":2126},{"title":"مسألة [٢]: فصد العرق وشرطه.","level":3,"page":2132},{"title":"مسألة [٣]: من نزفه الدم من رعاف، أو غيره؟","level":3,"page":2132},{"title":"مسألة [٤]: سحب الدم للتبرع.","level":3,"page":2132},{"title":"مسألة [١]: اكتحال الصائم.","level":3,"page":2134},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":2136},{"title":"مسألة [١]: القطرة في الأذن.","level":3,"page":2136},{"title":"مسألة [٢]: السعوط والقطرة في الأنف.","level":3,"page":2136},{"title":"مسألة [٣]: احتقان الصائم.","level":3,"page":2137},{"title":"مسألة [٤]: التقطير في الإحليل الذكر.","level":3,"page":2138},{"title":"مسألة [١]: إذا نسي الصائم فأكل أو شرب؟","level":3,"page":2139},{"title":"مسألة [٢]: من أكل، أو شرب ناسيا، فهل يجب إعلامه على من رآه؟","level":3,"page":2141},{"title":"مسألة [٣]: لو أكل ناسيا فظن أنه قد أفطر، فأكل عمدا؟","level":3,"page":2142},{"title":"مسألة [٤]: جماع الصائم ناسيا.","level":3,"page":2142},{"title":"مسألة [٥]: من دخل في حلقه الذباب وهو صائم، وكذا الغبار والدقيق؟","level":3,"page":2143},{"title":"مسألة [٦]: من أكل، أو شرب، أو جامع جاهلا بالتحريم؟","level":3,"page":2143},{"title":"مسألة [٧]: إذا أجري المفطر فيه قهرا؟","level":3,"page":2145},{"title":"مسألة [٨]: لو أكره الصائم على أن يأكل بنفسه، فأكل، أو شرب، أو أكرهت المرأة على التمكين؛ فمكنت؟","level":3,"page":2145},{"title":"مسألة [٩]: شروط الإكراه.","level":3,"page":2146},{"title":"مسألة [١]: تقيؤ الصائم.","level":3,"page":2148},{"title":"فصل في ذكر مسائل أخرى من المفطرات يبطل الصيام بالأكل، والشرب، والجماع، بالكتاب، والسنة، والإجماع","level":3,"page":2151},{"title":"مسألة [١]: ابتلاع الريق.","level":3,"page":2152},{"title":"مسألة [٢]: إذا ابتلع ريق غيره؟","level":3,"page":2152},{"title":"مسألة [٣]: لو بل الخياط خيطا بريقه، ثم رده إلى فيه؟","level":3,"page":2153},{"title":"مسألة [٤]: بقية الطعام الذي في خلل الأسنان.","level":3,"page":2153},{"title":"مسألة [٥]: بقايا الطعام الذي يصاحب الريق.","level":3,"page":2153},{"title":"مسألة [٦]: ما يوضع في الفم من الطعام للتذوق والمضغ؟","level":3,"page":2154},{"title":"مسألة [٧]: مضغ العلك.","level":3,"page":2155},{"title":"مسألة [٨]: ابتلاع النخامة هل يعد مفطرا؟","level":3,"page":2156},{"title":"مسألة [٩]: من تمضمض، أو استنشق، فغلبه الماء، فدخل جوفه؟","level":3,"page":2157},{"title":"مسألة [١٠]: استعمال الإبر التي في الوريد وفي العضل.","level":3,"page":2158},{"title":"مسألة [١١]: القلس.","level":3,"page":2158},{"title":"مسألة [١٢]: هل يلزم الصائم تنشيف فمه بعد المضمضة؟","level":3,"page":2159},{"title":"مسألة [١٣]: لو استاك الصائم بسواك رطب فانفصل من رطوبته، أو خشبه المتشعب شيء وابتلعه؟","level":3,"page":2159},{"title":"مسألة [١٤]: ما حكم استعمال الصائم للسواك؟","level":3,"page":2160},{"title":"مسألة [١٥]: استعمال معجون الأسنان.","level":3,"page":2162},{"title":"مسألة [١٦]: شرب الدخان.","level":3,"page":2162},{"title":"مسألة [١٧]: البخاخ الذي يستعمل في مرض الربو.","level":3,"page":2163},{"title":"مسألة [١٨]: إذا أفسد الصائم صومه بإحدى المبطلات التي تقدمت، فهل يلزمه إمساك بقية يومه؟","level":3,"page":2163},{"title":"مسألة [١٩]: من تعمد فطر يوم من رمضان؛ فهل عليه قضاؤه؟","level":3,"page":2164},{"title":"مسألة [١]: إفطار المسافر.","level":3,"page":2166},{"title":"مسألة [٢]: هل تشمل الرخصة سفر المعصية، أم لا؟","level":3,"page":2167},{"title":"مسألة [٣]: هل يجوز للمسافر الصوم في سفره؟","level":3,"page":2167},{"title":"مسألة [٤]: أيهما أفضل للمسافر: الصوم، أم الفطر؟","level":3,"page":2170},{"title":"مسألة [٥]: لو أصبح في أثناء سفره صائما، ثم أراد أن يفطر في نهاره من غير عذر، فهل له ذلك؟","level":3,"page":2172},{"title":"مسألة [٦]: إذا سافر المقيم، فهل له الفطر في ذلك اليوم؟","level":3,"page":2173},{"title":"مسألة [٧]: إذا سافر المقيم فمتى يباح له الفطر؟","level":3,"page":2175},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":2176},{"title":"مسألة [١]: مقدار السفر الذي يفطر فيه.","level":3,"page":2176},{"title":"مسألة [٢]: إذا قدم المسافر وهو مفطر، فهل يلزمه إمساك بقية يومه؟","level":3,"page":2176},{"title":"مسألة [٣]: لو قدم المسافر وهو صائم، فهل له أن يفطر وقد أقام؟","level":3,"page":2177},{"title":"مسألة [٤]: هل يجوز للمقيم الذي يريد أن يسافر بالغد أن يبيت الفطر؟","level":3,"page":2178},{"title":"مسألة [٥]: إذا أقام المسافر ببلدة، فهل يلزمه الإمساك، أم أن له أن يفطر؟","level":3,"page":2178},{"title":"مسألة [٦]: هل يجوز للمسافر أن يصوم في رمضان قضاء، أو نذرا، أو كفارة، أو تطوعا؟","level":3,"page":2179},{"title":"مسألة [٧]: إذا خرج المسافر، فأفطر، ثم عاقه عائق، فرجع فما الحكم؟","level":3,"page":2179},{"title":"مسألة [٨]: أهل البادية المتنقلون.","level":3,"page":2180},{"title":"مسألة [١]: الشيخ الكبير، والمرأة العجوز اللذان لا يطيقان الصيام.","level":3,"page":2181},{"title":"تفريعات على مذهب الجمهور","level":4,"page":2186},{"title":"مسألة [١]: مقدار الفدية.","level":5,"page":2186},{"title":"مسألة [٢]: إذا أوجبنا الفدية على الشيخ الكبير العاجز، والمريض المأيوس من برئه، وكان معسرا، فهل تلزمه إذا أيسر، أم تسقط؟","level":5,"page":2187},{"title":"مسألة [٣]: إذا تكلف العاجز عن الصيام، فصام فهل تلزمه الفدية؟","level":5,"page":2187},{"title":"مسألة [٤]: إذا أفطر الشيخ العاجز عن الصيام، ثم قدر على الصوم، فهل يلزمه القضاء؟","level":5,"page":2187},{"title":"فصل في ذكر مسائل في صيام أهل الأعذار","level":4,"page":2189},{"title":"أولا: المريض","level":5,"page":2189},{"title":"مسألة [١]: ضابط المرض الذي يرخص فيه الفطر.","level":6,"page":2189},{"title":"مسألة [٢]: المريض مرضا لا يرجى برؤه.","level":6,"page":2189},{"title":"مسألة [٣]: إذا أفطر المريض الذي لا يرجى برؤه، ثم قدر على الصوم، فهل يلزمه قضاء الصوم؟","level":6,"page":2190},{"title":"مسألة [٤]: هل للمريض أن يترك نية الصوم؟","level":6,"page":2190},{"title":"مسألة [٥]: إذا أصبح الصحيح صائما، ثم مرض؟","level":6,"page":2190},{"title":"مسألة [٦]: إذا تحامل المريض على نفسه وصام؟","level":6,"page":2191},{"title":"مسألة [٧]: هل يجوز للمريض أن يصوم في رمضان كفارة، أو نذرا، أو نحوه؟","level":6,"page":2191},{"title":"ثانيا: من خاف الهلاك من الجوع والعطش","level":5,"page":2192},{"title":"ثالثا ورابعا: الحامل والمرضع","level":5,"page":2192},{"title":"مسألة [٨]: المرضع المستأجرة، هل لها نفس الحكم؟","level":6,"page":2194},{"title":"خامسا وسادسا: الحائض والنفساء","level":5,"page":2194},{"title":"مسألة [٩]: إذا انقطع الدم عن المرأة أثناء النهار فهل يلزمها الإمساك؟","level":6,"page":2195},{"title":"سابعا: المجنون","level":5,"page":2195},{"title":"ثامنا: الصبي","level":5,"page":2196},{"title":"مسألة [١٠]: إذا أفاق المجنون، أو بلغ الصبي، أو أسلم الكافر أثناء النهار، فهل يلزمه إمساك بقية يومه؟","level":6,"page":2196},{"title":"تاسعا: المجاهد في سبيل الله","level":5,"page":2197},{"title":"عاشرا: صوم الأسير والمحبوس","level":5,"page":2199},{"title":"مسألة [١١]: كيف يصوم المحبوس إذا اشتبه عليه شهر رمضان؟","level":6,"page":2199},{"title":"مسألة [١٢]: صوم المحبوس إذا اشتبه عليه نهار رمضان بليله.","level":6,"page":2201},{"title":"مسألة [١]: كفارة المجامع في نهار رمضان متعمدا مقيما.","level":3,"page":2203},{"title":"مسألة [٢]: ماذا يجب عليه في هذه الكفارة؟","level":3,"page":2204},{"title":"مسألة [٣]: هل يلزمه الترتيب في هذه الكفارة؟","level":3,"page":2204},{"title":"مسألة [٤]: هل يلزم المرأة كفارة إذا لم تكن مكرهة؟","level":3,"page":2205},{"title":"مسألة [٥]: إذا أكرهت المرأة على الجماع؟","level":3,"page":2207},{"title":"مسألة [٦]: إذا طلع الفجر والرجل مجامع، واستدام الجماع؟","level":3,"page":2208},{"title":"مسألة [٧]: إذا طلع الفجر وهو مجامع فترك في الحال؟","level":3,"page":2209},{"title":"مسألة [٨]: إن جامع فلم يكفر حتى جامع ثانية في يوم واحد؟","level":3,"page":2209},{"title":"مسألة [٩]: إن جامع فلم يكفر حتى جامع في اليوم الثاني؟","level":3,"page":2209},{"title":"مسألة [١٠]: إن جامع ثم كفر، ثم جامع في يوم واحد، فهل عليه كفارة ثانية؟","level":3,"page":2210},{"title":"مسألة [١١]: إن جامع ثم كفر، ثم جامع في اليوم الثاني فهل عليه كفارة أخرى؟","level":3,"page":2211},{"title":"مسألة [١٢]: إذا جامع في أول النهار، ثم مرض أو جن، أو كانت امرأة فحاضت، أو نفست أثناء النهار، فهل تسقط الكفارة، أم لا؟","level":3,"page":2211},{"title":"مسألة [١٣]: المجامع في الدبر هل عليه كفارة، أم لا؟","level":3,"page":2212},{"title":"مسألة [١٤]: إذا جامع دون الفرج فأنزل؟","level":3,"page":2212},{"title":"مسألة [١٥]: الوطء بزنا أو بشبهة.","level":3,"page":2213},{"title":"مسألة [١٦]: من كان جاهلا بتحريم الجماع في نهار رمضان، فهل عليه كفارة؟","level":3,"page":2214},{"title":"مسألة [١٧]: من أتى امرأته وهو يغلب على ظنه أن الفجر لم يطلع، ثم تبين له أن الفجر قد طلع، فما الحكم؟ وهل عليه كفارة؟","level":3,"page":2214},{"title":"مسألة [١٨]: إذا نسي النية وجامع في ذلك اليوم؟","level":3,"page":2215},{"title":"مسألة [١٩]: كفارة المفطر بجماع في قضاء رمضان.","level":3,"page":2215},{"title":"مسألة [٢٠]: هل الكفارة خاصة بالجماع، أم تشمل المفطر بأكل أو شرب؟","level":3,"page":2215},{"title":"مسألة [٢١]: إذا أفطر بالأكل أو الشرب، ثم جامع، فهل عليه كفارة؟","level":3,"page":2217},{"title":"مسألة [٢٢]: هل على المجامع في نهار رمضان أن يقضي ذلك اليوم مع الكفارة؟","level":3,"page":2218},{"title":"مسألة [٢٣]: الكفارة على المعسر، هل تسقط؟","level":3,"page":2219},{"title":"مسألة [٢٤]: هل يشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة؟","level":3,"page":2220},{"title":"مسألة [٢٥]: هل يشترط في الرقبة أن تكون سالمة من العيوب؟","level":3,"page":2221},{"title":"مسألة [٢٦]: من لم يجد إلا رقبة لا غنى له عنها؟","level":3,"page":2222},{"title":"مسألة [٢٧]: هل يجزئ أن تكون الرقبة أم ولد، أو مدبرا؟","level":3,"page":2222},{"title":"مسألة [٢٨]: المكاتب، هل يجزئ في عتق الرقبة؟","level":3,"page":2223},{"title":"مسألة [٢٩]: إذا شرع في الصيام، ثم وجد ما يعتق، فهل يلزمه الرجوع إلى العتق؟","level":3,"page":2223},{"title":"مسألة [٣٠]: هل يلزمه المتابعة في صيام الشهرين؟","level":3,"page":2224},{"title":"مسألة [٣١]: إذا صام شهرين متتابعين، فهل يعتبر العدد أم الأهلة؟","level":3,"page":2225},{"title":"مسألة [٣٢]: قطع التتابع لعذر من الأعذار.","level":3,"page":2226},{"title":"مسألة [٣٣]: إذا أفطر أثناء الشهرين بغير عذر، أو قطع التتابع بصوم نذر، أو قضاء، أو كفارة أخرى؟","level":3,"page":2228},{"title":"مسألة [٣٤]: إذا تخلل الشهرين المتتابعين صوم رمضان، وأيام العيد؟","level":3,"page":2229},{"title":"مسألة [٣٥]: إذا كفر بالإطعام؛ فهل يلزمه إطعام ستين مسكينا؟","level":3,"page":2230},{"title":"مسألة [٣٦]: مقدار الإطعام.","level":3,"page":2230},{"title":"مسألة [٣٧]: هل يجزئ إطعام الطفل الذي لم يطعم؟","level":3,"page":2231},{"title":"مسألة [٣٨]: هل يلزم التتابع في إطعام المساكين؟","level":3,"page":2231},{"title":"مسألة [١]: من أدركه الفجر وهو جنب، فهل يصح صومه؟","level":3,"page":2232},{"title":"مسألة [١]: من مات وعليه صوم، فهل يقضى عنه؟","level":3,"page":2235},{"title":"مسألة [٢]: من هو الولي؟","level":3,"page":2238},{"title":"مسألة [٣]: هل الصوم واجب على الولي؟","level":3,"page":2238},{"title":"مسألة [٤]: هل يختص ذلك بالولي أم يجوز أن ينوب الأجنبي؟","level":3,"page":2239},{"title":"مسألة [٥]: هل يجوز لو كان على الميت ثلاثون يوما مثلا أن يصوم عنه ثلاثون رجلا يوما واحدا؟","level":3,"page":2240},{"title":"فصل في مسائل تتعلق بقضاء رمضان","level":3,"page":2241},{"title":"مسألة [١]: هل يلزم التتابع في قضاء رمضان؟","level":4,"page":2241},{"title":"مسألة [٢]: هل يلزم القضاء فورا، أم أن له أن يؤخره؟","level":4,"page":2242},{"title":"مسألة [٣]: إذا أخر القضاء بغير عذر حتى دخل رمضان آخر؟","level":4,"page":2242},{"title":"مسألة [٤]: إذا أخر قضاء رمضان بعذر حتى دخل رمضان آخر؟","level":4,"page":2243},{"title":"مسألة [٥]: هل يجوز لمن عليه صوم أن يتطوع؟","level":4,"page":2244},{"title":"باب صوم التطوع وما نهي عن صومه","level":2,"page":2245},{"title":"مسألة [١]: هل صيام ذلك اليوم يكفر الصغائر والكبائر؟","level":3,"page":2245},{"title":"مسألة [٢]: صوم يوم عرفة.","level":3,"page":2246},{"title":"مسألة [٣]: صيام يوم عاشوراء.","level":3,"page":2246},{"title":"مسألة [٤]: الجمع بين التاسع والعاشر.","level":3,"page":2247},{"title":"مسألة [٥]: هل يصام العاشر والحادي عشر؟","level":3,"page":2248},{"title":"مسألة [٦]: هل كان صوم عاشوراء فرضا، أم مستحبا فقط؟","level":3,"page":2249},{"title":"مسألة [٧]: الحكمة من الأمر بصوم عاشوراء.","level":3,"page":2250},{"title":"مسألة [٨]: صوم الإثنين والخميس.","level":3,"page":2251},{"title":"مسألة [١]: صيام ست من شوال.","level":3,"page":2252},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط في الست من شوال أن تكون متتابعة؟","level":3,"page":2253},{"title":"مسألة [٣]: هل يلزم أن تكون الست من شوال بعد قضاء رمضان؟","level":3,"page":2253},{"title":"مسألة [١]: ما المراد بقوله: «في سبيل الله»؟","level":3,"page":2254},{"title":"مسألة [١]: الصوم في شعبان.","level":3,"page":2256},{"title":"مسألة [٢]: الصيام في شهر المحرم.","level":3,"page":2257},{"title":"مسألة [٣]: حكم صيام شهر رجب.","level":3,"page":2257},{"title":"مسألة [١]: صيام ثلاثة أيام من كل شهر.","level":3,"page":2260},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":2262},{"title":"مسألة [١]: صيام يوم وإفطار يوم.","level":3,"page":2262},{"title":"مسألة [٢]: صيام التسعة الأيام من ذي الحجة.","level":3,"page":2262},{"title":"مسألة [١]: صوم المرأة تطوعا.","level":3,"page":2264},{"title":"مسألة [٢]: فإذا صامت، هل يصح صومها؟","level":3,"page":2264},{"title":"مسألة [٣]: هل يجوز لها أن تصوم إذا كان مسافرا؟","level":3,"page":2265},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":2266},{"title":"مسألة [١]: هل يجوز للمتطوع أن يفطر إذا شاء؟","level":3,"page":2266},{"title":"مسألة [٢]: هل يجوز لمن يصوم قضاء رمضان أن يفطر؟","level":3,"page":2268},{"title":"مسألة [٣]: من صام تطوعا، فأفطر، فهل عليه قضاؤه؟","level":3,"page":2268},{"title":"مسألة [١]: حكم صيام يوم العيدين لتطوع، أو فرض.","level":3,"page":2270},{"title":"مسألة [٢]: هل يصح الصوم إذا صام يوم العيد؟","level":3,"page":2270},{"title":"مسألة [٣]: إذا نذر أن يصوم يوما، فوافق يوم العيد؟","level":3,"page":2271},{"title":"مسألة [١]: أيام التشريق.","level":3,"page":2272},{"title":"مسألة [٢]: حكم صيام أيام التشريق.","level":3,"page":2273},{"title":"مسألة [١]: حكم إفراد يوم الجمعة بالصوم.","level":3,"page":2276},{"title":"مسألة [٢]: تخصيص أيام معينة بالصوم لم يرد الشرع بتخصيصها.","level":3,"page":2278},{"title":"مسألة [١]: حكم التطوع بالصيام بعد النصف من شعبان.","level":3,"page":2279},{"title":"مسألة [١]: حكم إفراد يوم السبت بالصوم.","level":3,"page":2283},{"title":"مسألة [١]: صيام يوم عرفة بعرفة.","level":3,"page":2285},{"title":"مسألة [١]: حكم صيام الدهر.","level":3,"page":2287},{"title":"باب الاعتكاف وقيام رمضان","level":2,"page":2293},{"title":"مسألة [١]: بيان معنى الحديث.","level":3,"page":2293},{"title":"مسألة [٢]: أيهما أفضل في صلاة التراويح: أن تكون في المسجد أم في البيت؟","level":3,"page":2294},{"title":"مسألة [١]: الحث على الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان.","level":3,"page":2297},{"title":"مسألة [١]: حكم الاعتكاف.","level":3,"page":2300},{"title":"مسألة [٢]: هل يلزمه إتمام الاعتكاف إذا شرع فيه، أم له الخروج إذا شاء؟","level":3,"page":2300},{"title":"مسألة [٣]: هل يشترط في الاعتكاف الصوم؟","level":3,"page":2301},{"title":"مسألة [٤]: هل يشترط للاعتكاف أن يكون في المسجد؟","level":3,"page":2303},{"title":"مسألة [٥]: أقل مقدار للاعتكاف.","level":3,"page":2305},{"title":"مسألة [٦]: هل يصح الاعتكاف في رحبة المسجد؟","level":3,"page":2306},{"title":"مسألة [٧]: خروج المعتكف للغائط والبول.","level":3,"page":2306},{"title":"مسألة [٨]: الخروج لغير الغائط والبول.","level":3,"page":2307},{"title":"مسألة [٩]: الخروج لعيادة المريض وتشييع الجنازة.","level":3,"page":2307},{"title":"مسألة [١٠]: إذا شرط الوطء في اعتكافه أو البيع أو الكسب بالصناعة؟","level":3,"page":2309},{"title":"مسألة [١١]: إذا وطئ في حال اعتكافه؟","level":3,"page":2310},{"title":"مسألة [١٢]: المباشرة للمعتكف.","level":3,"page":2310},{"title":"مسألة [١٣]: إذا باشر دون الفرج، فهل يفسد اعتكافه؟","level":3,"page":2311},{"title":"مسألة [١٤]: من وطئ أهله في اعتكافه ناسيا؟","level":3,"page":2311},{"title":"مسألة [١٥]: إذا خرج من المسجد لغير حاجة؟","level":3,"page":2312},{"title":"مسألة [١٦]: هل يخرج المؤذن وهو معتكف؛ ليؤذن من مكان مرتفع؟","level":3,"page":2312},{"title":"مسألة [١٧]: هل تخرج المرأة من الاعتكاف إذا حاضت أو استحاضت؟","level":3,"page":2313},{"title":"مسألة [١٨]: إذا أغمي على المعتكف ثم أفاق فهل يبني أم يستقبل؟","level":3,"page":2313},{"title":"مسألة [١٩]: إذا مرض المعتكف فخرج فما الحكم؟","level":3,"page":2313},{"title":"مسألة [٢٠]: من اعتكف العشر الأواخر فمن متى يبدأ اعتكافه؟","level":3,"page":2314},{"title":"مسألة [٢١]: هل يبيت ليلة العيد في معتكفه إذا اعتكف العشر الأواخر؟","level":3,"page":2315},{"title":"مسألة [٢٢]: ما يكره على المعتكف في اعتكافه؟","level":3,"page":2315},{"title":"مسألة [١]: سبب تسميتها ليلة القدر.","level":3,"page":2316},{"title":"مسألة [٢]: هل ليلة القدر باقية، أم رفعت؟","level":3,"page":2317},{"title":"مسألة [٣]: متى ليلة القدر؟","level":3,"page":2317},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":2320},{"title":"مسألة [١]: هل ينال الإنسان ليلة القدر إذا قامها وإن لم يعلم بها؟","level":3,"page":2320},{"title":"مسألة [٢]: علامات ليلة القدر.","level":3,"page":2321},{"title":"مسألة [١]: السفر إلى غيرها من المساجد.","level":3,"page":2325},{"title":"مسألة [٢]: النذر لإتيان المساجد الثلاثة.","level":3,"page":2325},{"title":"مسألة [٣]: شد الرحل لزيارة القبور.","level":3,"page":2326},{"title":"كتاب الحج","level":1,"page":2328},{"title":"باب فضله وبيان من فرض عليه","level":2,"page":2328},{"title":"مسألة [١]: حكم الحج.","level":3,"page":2332},{"title":"مسألة [٢]: حكم العمرة.","level":3,"page":2332},{"title":"مسألة [٣]: العمرة على أهل مكة.","level":3,"page":2334},{"title":"مسألة [٤]: هل له أن يعتمر في السنة أكثر من مرة؟","level":3,"page":2337},{"title":"مسألة [٥]: هل تجزئ عمرة التمتع والقران عن العمرة الواجبة عند من أوجبها؟","level":3,"page":2338},{"title":"مسألة [٦]: حكم العمرة المفردة التي تؤدى بعد الحج؟","level":3,"page":2339},{"title":"مسألة [٧]: هل وجوب الحج على الفور، أم على التراخي؟","level":3,"page":2340},{"title":"مسألة [١]: شروط وجوب الحج.","level":3,"page":2344},{"title":"مسألة [٢]: ما ضابط الاستطاعة المشترطة؟","level":3,"page":2346},{"title":"مسألة [٣]: ضابط الزاد الذي يشترط القدرة عليه.","level":3,"page":2348},{"title":"مسألة [٤]: من استطاع التزود ولكن عليه دين؟","level":3,"page":2348},{"title":"مسألة [٥]: من كان له عقار من أرض أو دار؟","level":3,"page":2349},{"title":"مسألة [٦]: هل يدخل في الاستطاعة المشترطة أمن الطريق؟","level":3,"page":2349},{"title":"مسألة [٧]: هل يدخل في الاستطاعة المشترطة إمكان الوصول قبل فوات الحج؟","level":3,"page":2350},{"title":"مسألة [١]: حج الصبي.","level":3,"page":2352},{"title":"مسألة [٢]: كيفية الإحرام وأفعال الحج.","level":3,"page":2352},{"title":"مسألة [١]: الإنابة في الحج للعاجز عن الحج بنفسه.","level":3,"page":2354},{"title":"مسألة [٢]: إذا نوب العاجز غيره ثم أطاق الحج بعد ذلك؟","level":3,"page":2354},{"title":"مسألة [٣]: هل يجوز لمن يستطيع الحج بنفسه أن ينيب غيره؟","level":3,"page":2354},{"title":"مسألة [٤]: المريض مرضا غير مأيوس من شفائه هل له أن ينيب غيره؟","level":3,"page":2355},{"title":"مسألة [٥]: الأعمى والمقعد هل ينوبان غيرهما؟","level":3,"page":2355},{"title":"مسألة [٦]: إنابة الرجل عن المرأة والعكس.","level":3,"page":2355},{"title":"مسألة [١]: من مات وعليه حج واجب.","level":3,"page":2356},{"title":"مسألة [٢]: هل يجوز أن يحج عن الميت حج تطوع؟","level":3,"page":2356},{"title":"مسألة [٣]: من أناب غيره بالحج، فمن أين يحج عنه؟","level":3,"page":2356},{"title":"مسألة [١]: هل يجزئ الصبي حجه عن حجة الإسلام؟","level":3,"page":2359},{"title":"مسألة [٢]: هل يجزئ العبد حجه عن حجة الإسلام؟","level":3,"page":2360},{"title":"مسألة [٣]: إذا بلغ الصبي، أو عتق العبد أثناء الحج؟","level":3,"page":2361},{"title":"مسألة [١]: هل المحرم شرط لوجوب حج المرأة؟","level":3,"page":2363},{"title":"مسألة [٢]: ضابط المحرم.","level":3,"page":2364},{"title":"مسألة [٣]: هل يلزم المحرم أن يحج معها إذا بذلت له النفقة؟","level":3,"page":2364},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":2365},{"title":"مسألة [١]: هل العبد محرم لسيدته؟","level":3,"page":2365},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط في المحرم أن يكون بالغا عاقلا؟","level":3,"page":2366},{"title":"مسألة [٣]: هل يشترط أن يكون مسلما؟","level":3,"page":2366},{"title":"مسألة [٤]: على من نفقة المحرم؟","level":3,"page":2366},{"title":"مسألة [٥]: هل للرجل أن يمنع امرأته من حجة الإسلام؟","level":3,"page":2367},{"title":"مسألة [٦]: هل له أن يمنعها من حج التطوع؟","level":3,"page":2367},{"title":"مسألة [١]: هل يشترط فيمن يحج عن غيره أن يكون قد حج عن نفسه؟","level":3,"page":2369},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":2371},{"title":"مسألة [١]: أيهما يقدم: حجة الإسلام، أم حجة النذر؟","level":3,"page":2371},{"title":"مسألة [٢]: إذا حج الرجل عن نذره أو تطوعا، ولم يكن حج حجة الإسلام؟","level":3,"page":2371},{"title":"باب المواقيت","level":2,"page":2374},{"title":"مسألة [١]: وجوب الحج في العمر مرة.","level":3,"page":2374},{"title":"مسألة [١]: المواقيت المكانية.","level":3,"page":2376},{"title":"مسألة [٢]: ميقات ذات عرق.","level":3,"page":2378},{"title":"مسألة [٣]: من كان ساكنا قريبا من مكة دون المواقيت، فمن أين ميقاته؟","level":3,"page":2380},{"title":"مسألة [٤]: ميقات أهل جدة؟","level":3,"page":2380},{"title":"مسألة [٥]: ميقات أهل السودان وأثيوبيا والصومال ومن جاء من جهتهم؟","level":3,"page":2381},{"title":"مسألة [٦]: من أتى على المواقيت من غير أهل تلك البلاد؟","level":3,"page":2382},{"title":"مسألة [٧]: من لم يكن على طريقه ميقات من المواقيت المذكورة؟","level":3,"page":2383},{"title":"مسألة [٨]: الإحرام قبل الميقات.","level":3,"page":2383},{"title":"مسألة [٩]: هل يجزئه إذا أحرم قبل الميقات؟","level":3,"page":2386},{"title":"مسألة [١٠]: من تجاوز الميقات بدون إحرام؟","level":3,"page":2387},{"title":"مسألة [١١]: إذا جاوز الميقات غير مريد للنسك، فهل يلزمه الرجوع إلى الميقات إذا أراد النسك بعد ذلك؟","level":3,"page":2388},{"title":"مسألة [١٢]: من جاوز الميقات فخشي إن رجع أن يفوته الحج؟","level":3,"page":2389},{"title":"مسألة [١]: إذا أحرم قبل أشهر الحج؟","level":3,"page":2392},{"title":"باب وجوه الإحرام وصفته","level":2,"page":2394},{"title":"مسألة [١]: أنواع نسك الحج.","level":3,"page":2394},{"title":"مسألة [٢]: هل له أن يحرم بهذه الثلاثة الأنساك؟","level":3,"page":2395},{"title":"مسألة [٣]: أفضل الأنساك الثلاثة.","level":3,"page":2397},{"title":"مسألة [٤]: هل يلزم من ساق الهدي أن يحرم قارنا؟","level":3,"page":2402},{"title":"مسألة [٥]: إذا أحرم بنسك، ثم نسيه قبل الطواف؟","level":3,"page":2403},{"title":"مسألة [٦]: هل له أن يحرم بما أحرم به فلان؟","level":3,"page":2403},{"title":"مسألة [٧]: أحوال من أبهم إحرامه.","level":3,"page":2404},{"title":"باب الإحرام وما يتعلق به","level":2,"page":2406},{"title":"مسألة [١]: حكم نية الإحرام.","level":3,"page":2407},{"title":"مسألة [٢]: الوقت المستحب للإحرام في الميقات.","level":3,"page":2408},{"title":"مسألة [٣]: هل يستحب أن يذكر ما يريد أن يحرم به قبل التلبية؟","level":3,"page":2409},{"title":"مسألة [٤]: الإحرام عقب الصلاة.","level":3,"page":2410},{"title":"مسألة [٥]: استقبال القبلة، والتسبيح، والتحميد، والتكبير قبل الإهلال بالتلبية.","level":3,"page":2412},{"title":"مسألة [١]: حكم التلبية.","level":3,"page":2413},{"title":"مسألة [٢]: رفع الصوت بالتلبية.","level":3,"page":2415},{"title":"مسألة [٣]: رفع المرأة صوتها بالتلبية.","level":3,"page":2415},{"title":"مسألة [٤]: هل يستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته؟","level":3,"page":2416},{"title":"مسألة [٥]: رفع الصوت بالتلبية بالأمصار والمساجد.","level":3,"page":2417},{"title":"مسألة [٦]: التلبية بغير العربية.","level":3,"page":2417},{"title":"مسألة [١]: غسل المحرم عند إرادة الإحرام.","level":3,"page":2418},{"title":"مسألة [٢]: التنظف عند الإحرام.","level":3,"page":2419},{"title":"مسألة [١]: ما يحرم على المحرم لبسه.","level":3,"page":2420},{"title":"مسألة [٢]: هل يجوز له لبس السراويل إذا لم يجد الإزار، ولبس الخفين إذا لم يجد النعلين؟","level":3,"page":2421},{"title":"مسألة [٣]: هل عليه فدية إذا لبس السراويل؟","level":3,"page":2422},{"title":"مسألة [٤]: إذا لبس السراويل فهل عليه فتقها حتى تصير كالإزار؟","level":3,"page":2422},{"title":"مسألة [٥]: إذا لبس الخفين، فهل يلزمه أن يقطعهما من أسفل الكعبين؟","level":3,"page":2422},{"title":"مسألة [٦]: من لبس الخفين لعدم النعلين هل عليه فدية؟","level":3,"page":2424},{"title":"مسألة [٧]: إذا لبس المقطوع مع وجود النعل.","level":3,"page":2424},{"title":"مسألة [٨]: ما هو المستحب لبسه للمحرم؟","level":3,"page":2424},{"title":"مسألة [٩]: هل له أن يعقد الإزار؟","level":3,"page":2425},{"title":"مسألة [١٠]: هل له أن يعقد الرداء؟","level":3,"page":2425},{"title":"مسألة [١١]: ما حكم لبس الهميان، والمنطقة؟","level":3,"page":2426},{"title":"مسألة [١٢]: تغطية المحرم رأسه.","level":3,"page":2427},{"title":"مسألة [١٣]: هل تدخل الأذنان في تحريم تغطية الرأس؟","level":3,"page":2427},{"title":"مسألة [١٤]: إن حمل على رأسه مكتلا، أو طبقا؟","level":3,"page":2428},{"title":"مسألة [١٥]: هل يحرم تغطية المحرم لوجهه؟","level":3,"page":2428},{"title":"مسألة [١٦]: استظلال المحرم.","level":3,"page":2430},{"title":"مسألة [١٧]: تغطية المحرمة لرأسها.","level":3,"page":2431},{"title":"مسألة [١٨]: تغطية المحرمة لوجهها.","level":3,"page":2431},{"title":"مسألة [١٩]: لباس القفازين للمحرمة.","level":3,"page":2433},{"title":"مسألة [٢٠]: هل للمرأة أن تلبس حليها؟","level":3,"page":2434},{"title":"مسألة [٢١]: هل للمحرم أن يتطيب في بدنه وثوبه؟","level":3,"page":2434},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا انقطعت الرائحة من الثوب بالغسل، أو طول الزمن؟","level":3,"page":2435},{"title":"مسألة [٢٣]: الزعفران وغيره من الطيب إذا جعل في مأكول، أو مشروب؟","level":3,"page":2436},{"title":"مسألة [٢٤]: النبات الذي له ريح طيب.","level":3,"page":2436},{"title":"مسألة [٢٥]: هل يجوز للمحرمة أن تلبس المصبوغ بالعصفر؟","level":3,"page":2437},{"title":"مسألة [٢٦]: هل يدهن المحرم بدنه ورأسه؟","level":3,"page":2439},{"title":"مسألة [٢٧]: الاكتحال للمحرم والمحرمة.","level":3,"page":2439},{"title":"مسألة [١]: حكم تطييب البدن عند الإحرام.","level":3,"page":2441},{"title":"مسألة [٢]: تطييب الثوب قبل الإحرام.","level":3,"page":2443},{"title":"مسألة [٣]: تعمد شم الطيب.","level":3,"page":2444},{"title":"مسألة [٤]: من أحرم وعليه قميص فماذا يصنع؟","level":3,"page":2445},{"title":"مسألة [١]: زواج المحرم وتزويجه.","level":3,"page":2446},{"title":"مسألة [٢]: هل يبطل نكاحه إذا نكح وهو محرم؟","level":3,"page":2448},{"title":"مسألة [٣]: مراجعة المحرم لطليقته.","level":3,"page":2449},{"title":"مسألة [٤]: شراء الأمة في حق المحرم.","level":3,"page":2449},{"title":"مسألة [٥]: إذا أسلم الكافر وله أكثر من أربع نسوة، فأسلمن وهو محرم؟","level":3,"page":2449},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":2450},{"title":"مسألة [١]: من جامع امرأته وهو محرم؟","level":3,"page":2450},{"title":"مسألة [٢]: ماذا عليه إذا جامع وهو محرم؟","level":3,"page":2451},{"title":"مسألة [٣]: وهل يلزمه أن يمضي في هذا الحج الفاسد حتى يكمله، وهل يلزمه قضاؤه؟","level":3,"page":2451},{"title":"مسألة [٤]: هل يفرق بينه وبين امرأته في حجته القابلة؟","level":3,"page":2454},{"title":"مسألة [٥]: هل التفريق على سبيل الوجوب عند من قال به؟","level":3,"page":2455},{"title":"مسألة [٦]: من أين يحرم في القضاء؟","level":3,"page":2455},{"title":"مسألة [٧]: هل يفسد الحج إذا جامع ناسيا؟","level":3,"page":2456},{"title":"مسألة [٨]: هل يفسد حج المكرهة على الوطء؟","level":3,"page":2456},{"title":"مسألة [٩]: إذا جامع امرأته بعد التحلل الأول من الحج وقبل طواف الإفاضة؟","level":3,"page":2457},{"title":"مسألة [١٠]: هل عليه ذبح؟","level":3,"page":2458},{"title":"مسألة [١١]: ماذا عليه أن يصنع؟","level":3,"page":2459},{"title":"مسألة [١٢]: إذا جامع المعتمر قبل الطواف؟","level":3,"page":2460},{"title":"مسألة [١٣]: إذا جامع المعتمر بعد الطواف قبل السعي؟","level":3,"page":2460},{"title":"مسألة [١٤]: إذا جامع المعتمر بعد الطواف والسعي، وقبل الحلق، أو التقصير؟","level":3,"page":2460},{"title":"مسألة [١٥]: هل على المعتمر المجامع أن يعيد العمرة؟","level":3,"page":2461},{"title":"مسألة [١٦]: هل على المرأة المكرهة هدي؟","level":3,"page":2462},{"title":"مسألة [١٧]: إذا كانت المرأة مطاوعة؟","level":3,"page":2462},{"title":"مسألة [١٨]: إذا وطئ دون الفرج، فلم ينزل؟","level":3,"page":2463},{"title":"مسألة [١٩]: إذا وطئ دون الفرج فأنزل؟","level":3,"page":2463},{"title":"مسألة [٢٠]: هل يفسد حج من وطئ دون الفرج فأنزل؟","level":3,"page":2463},{"title":"مسألة [٢١]: المباشرة والقبلة بشهوة إذا أنزل؟","level":3,"page":2464},{"title":"مسألة [٢٢]: من نظر إلى امرأته حتى أمنى؟","level":3,"page":2464},{"title":"مسألة [٢٣]: هل يلتحق بما تقدم من وطئ في الدبر، وكذا اللواط، وكذا وطء البهيمة؟","level":3,"page":2465},{"title":"مسألة [١]: ما حكم الصيد للمحرم؟","level":3,"page":2467},{"title":"مسألة [٢]: هل للمحرم أن يأكل من صيد البر إذا اصطاده الحلال، وأهدى له؟","level":3,"page":2468},{"title":"مسألة [٣]: ما حرم على المحرم لكونه صيد لأجله هل يحرم على غيره أن يأكله؟","level":3,"page":2470},{"title":"مسألة [٤]: إذا قتل المحرم الصيد، أو ذبحه، فهل تحل تلك الذبيحة؟","level":3,"page":2470},{"title":"مسألة [٥]: من اضطر ووجد ميتة وصيدا وهو محرم؟","level":3,"page":2471},{"title":"مسألة [٦]: إذا أحرم وفي ملكه صيد، فهل يلزمه إرساله؟","level":3,"page":2471},{"title":"مسألة [٧]: ما حكم طير الماء؟","level":3,"page":2472},{"title":"مسألة [٨]: حكم صيد الجراد.","level":3,"page":2472},{"title":"فصل في جزاء من قتل صيدا وهو محرم","level":3,"page":2473},{"title":"مسألة [١]: إذا قتل المحرم الصيد، فهل عليه الجزاء إذا كان متعمدا؟","level":3,"page":2473},{"title":"مسألة [٢]: إذا قتل المحرم الصيد خطأ فهل عليه الجزاء؟","level":3,"page":2473},{"title":"مسألة [٣]: إذا دل المحرم حلالا على الصيد فقتله، فهل يلزم المحرم جزاء؟","level":3,"page":2474},{"title":"مسألة [٤]: إذا دل المحرم محرما آخر فقتله، فعلى من الجزاء؟","level":3,"page":2474},{"title":"مسألة [٥]: إن أكل المحرم ما صيد لأجله، أو بدلالته، فهل عليه الجزاء؟","level":3,"page":2475},{"title":"مسألة [٦]: من قتل الصيد ثم أكله، فكم عليه جزاء؟","level":3,"page":2475},{"title":"مسألة [٧]: إذا قتل المحرم صيدا آخر بعد أول، فهل عليه جزاء آخر؟","level":3,"page":2476},{"title":"مسألة [٨]: إذا قتل المحرم صيدا مملوكا لإنسان؟","level":3,"page":2476},{"title":"مسألة [٩]: إذا صال على المحرم صيد ولم يستطع دفعه إلا بقتله، فهل عليه الجزاء؟","level":3,"page":2477},{"title":"مسألة [١٠]: إذا اضطر المحرم إلى الأكل، فصاد صيدا، فهل عليه الجزاء؟","level":3,"page":2477},{"title":"مسألة [١١]: لا تفريق بين إحرام الحج وإحرام العمرة.","level":3,"page":2478},{"title":"مسألة [١٢]: ما هو ضابط الصيد؟","level":3,"page":2478},{"title":"مسألة [١٣]: الذي لا يمتنع، وليس بوحشي.","level":3,"page":2479},{"title":"مسألة [١٤]: هل في الثعلب جزاء؟","level":3,"page":2479},{"title":"مسألة [١٥]: ماذا يجب على من صاد وهو محرم من الجزاء؟","level":3,"page":2480},{"title":"مسألة [١٦]: من الذي يحكم بالمثل من النعم؟","level":3,"page":2481},{"title":"مسألة [١٧]: إذا صاد المحرم نعامة، فماذا عليه؟","level":3,"page":2482},{"title":"مسألة [١٨]: إذا صاد المحرم حمارا وحشيا، فماذا عليه من النعم؟","level":3,"page":2482},{"title":"مسألة [١٩]: إذا صاد المحرم بقرة وحشية، فماذا عليه من النعم؟","level":3,"page":2483},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا صاد المحرم ظبيا، فماذا عليه من النعم؟","level":3,"page":2483},{"title":"مسألة [٢١]: الوبر ماذا فيه؟","level":3,"page":2484},{"title":"مسألة [٢٢]: اليربوع ماذا فيه؟","level":3,"page":2484},{"title":"مسألة [٢٣]: الضب ما فيه؟","level":3,"page":2485},{"title":"مسألة [٢٤]: الضبع ماذا فيه؟","level":3,"page":2485},{"title":"مسألة [٢٥]: الأرنب ماذا فيه؟","level":3,"page":2486},{"title":"مسألة [٢٦]: الحمامة ماذا فيها إذا صادها المحرم؟","level":3,"page":2486},{"title":"مسألة [٢٧]: الطيور التي أصغر من الحمام.","level":3,"page":2487},{"title":"مسألة [٢٨]: هل في بيض الصيد جزاء؟","level":3,"page":2487},{"title":"مسألة [٢٩]: إذا كان المصيد صغيرا، أو معيبا؟","level":3,"page":2488},{"title":"مسألة [٣٠]: إذا اشترك جماعة في قتل صيد؟","level":3,"page":2489},{"title":"مسألة [٣١]: إذا اختار الجاني على الصيد أن يفدي بالمثل، فكيف يصنع؟","level":3,"page":2489},{"title":"مسألة [٣٢]: إذا اختار الإطعام، فكيف يصنع؟","level":3,"page":2490},{"title":"مسألة [٣٣]: ما هو مقدار الإطعام؟","level":3,"page":2490},{"title":"مسألة [٣٤]: مكان الإطعام.","level":3,"page":2490},{"title":"مسألة [٣٥]: إذا اختار الصوم، فكم يصوم؟","level":3,"page":2491},{"title":"مسألة [٣٦]: هل يجب التتابع في الصيام؟","level":3,"page":2492},{"title":"مسألة [١]: بيان بعض ما يتعلق بالخمس الفواسق.","level":3,"page":2493},{"title":"مسألة [٢]: هل يلتحق بهذه الخمس غيرها في جواز قتلها؟","level":3,"page":2496},{"title":"مسألة [٣]: هل تقتل السباع وإن لم تبدأ بالهجوم؟","level":3,"page":2496},{"title":"مسألة [٤]: قتل بعض الحشرات المؤذية كالقمل والقراد.","level":3,"page":2497},{"title":"مسألة [١]: الحجامة للمحرم.","level":3,"page":2499},{"title":"مسألة [١]: هل على المحرم الفدية إذا حلق رأسه؟","level":3,"page":2500},{"title":"مسألة [٢]: هل الفدية على العامد والناسي؟","level":3,"page":2501},{"title":"مسألة [٣]: ما هو القدر الذي إذا حلق وجبت به الفدية؟","level":3,"page":2502},{"title":"مسألة [٤]: لو حلق المحرم رأس الحلال، فهل عليه شيء؟","level":3,"page":2503},{"title":"مسألة [٥]: لو حلق الحلال رأس محرم بغير إرادة المحرم، كأن يكون نائما، أو مكرها؟","level":3,"page":2503},{"title":"مسألة [٦]: هل يلتحق بتحريم حلق الرأس تحريم أخذ شعر بقية الجسد؟","level":3,"page":2504},{"title":"مسألة [٧]: ما هو الواجب عليه في هذه الفدية؟","level":3,"page":2505},{"title":"مسألة [٨]: هل يجزئه في الإطعام أن يغديهم، أو يعشيهم؟","level":3,"page":2505},{"title":"مسألة [٩]: من حلق رأسه متعمدا فهل يكون مخيرا أم يلزمه الدم؟","level":3,"page":2506},{"title":"مسألة [١٠]: موضع الفدية.","level":3,"page":2506},{"title":"مسألة [١١]: تقليم الأظفار.","level":3,"page":2507},{"title":"مسألة [١٢]: من احتاج إلى أن يلبس المخيط، أو يغطي رأسه وما أشبهه، فهل عليه الفدية؟","level":3,"page":2509},{"title":"مسألة [١]: حكم قتل صيد حرم مكة.","level":3,"page":2511},{"title":"مسألة [٢]: هل في صيد مكة الجزاء؟","level":3,"page":2511},{"title":"مسألة [٣]: من ملك صيدا في الحل فأدخله الحرم؟","level":3,"page":2513},{"title":"مسألة [٤]: إذا صاد الرجل وهو في الحل صيدا في الحرم؟","level":3,"page":2514},{"title":"مسألة [٥]: إن صاد الرجل وهو في الحرم صيدا في الحل؟","level":3,"page":2514},{"title":"مسألة [٦]: إن رمى بسهم، أو أرسل كلبه، وهو في الحل، فدخل الحرم ثم خرج، فأصاب الصيد في الحل؟","level":3,"page":2515},{"title":"مسألة [٧]: إن رمى صيدا في الحل فقتل صيدا في الحرم؟","level":3,"page":2515},{"title":"مسألة [٨]: إن أرسل كلبه لصيد في الحل، فدخل الحرم فصاد؟","level":3,"page":2516},{"title":"مسألة [٩]: إن أرسل كلبه على صيد في الحل، فدخل الصيد الحرم، فدخل الكلب بعده وأصابه في الحرم؟","level":3,"page":2516},{"title":"مسألة [١٠]: قطع شجر الحرم.","level":3,"page":2517},{"title":"مسألة [١١]: ما أنبته الآدميون من الشجر.","level":3,"page":2517},{"title":"مسألة [١٢]: هل يجوز قطع شوك الحرم؟","level":3,"page":2518},{"title":"مسألة [١٣]: هل يجوز قطع اليابس من الشجر والحشيش؟","level":3,"page":2519},{"title":"مسألة [١٤]: هل يجوز الانتفاع بما انقطع من الشجر؟","level":3,"page":2519},{"title":"مسألة [١٥]: إذا قطعه آدمي آخر، هل يجوز الانتفاع به؟","level":3,"page":2519},{"title":"مسألة [١٦]: هل له أن يأخذ ورق الشجر من الشجرة؟","level":3,"page":2520},{"title":"مسألة [١٧]: هل يجوز رعي البهائم في الحرم؟","level":3,"page":2520},{"title":"مسألة [١٨]: هل في إتلاف شجر الحرم جزاء؟","level":3,"page":2521},{"title":"مسألة [١٩]: من قتل متعمدا خارج الحرم، ثم لجأ بالحرم، فهل يقام عليه القصاص في الحرم؟","level":3,"page":2521},{"title":"مسألة [٢٠]: وهل تقام الحدود التي دون القتل؟","level":3,"page":2523},{"title":"مسألة [٢١]: إذا اجتمع بغاة في الحرم؟","level":3,"page":2524},{"title":"مسألة [٢٢]: من قتل أو فعل جناية في الحرم؟","level":3,"page":2525},{"title":"مسألة [٢٣]: حدود الحرم المكي.","level":3,"page":2526},{"title":"مسألة [١]: هل يحرم صيد المدينة وشجرها؟","level":3,"page":2528},{"title":"مسألة [٢]: ما هي حدود الحرم المدني؟","level":3,"page":2530},{"title":"مسألة [٣]: هل في صيد المدينة جزاء؟","level":3,"page":2531},{"title":"مسألة [٤]: أخذ سلب من قطع شجر المدينة.","level":3,"page":2531},{"title":"مسألة [٥]: كيفية سلبه.","level":3,"page":2532},{"title":"مسألة [٦]: هل يحرم صيد وادي وج وادي بالطائف؟","level":3,"page":2533},{"title":"فصل ومن محظورات الإحرام","level":3,"page":2535},{"title":"مسألة [١]: حك المحرم لرأسه.","level":4,"page":2535},{"title":"مسألة [٢]: هل للمحرم أن يغسل رأسه؟","level":4,"page":2536},{"title":"فصل مبطلات الحج","level":3,"page":2538},{"title":"مسألة [١]: من حج ثم ارتد بعد حجه؛ فهل يبطل حجه، ويلزمه الحج مرة أخرى إذا أسلم؟","level":3,"page":2539},{"title":"باب صفة الحج ودخول مكة","level":2,"page":2540},{"title":"مسألة [١]: جواز الركوب والمشي في الحج، وبيان الأفضل.","level":3,"page":2542},{"title":"مسألة [٢]: تلبية رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وذكر بعض زيادات الصحابة في التلبية.","level":3,"page":2543},{"title":"مسألة [٣]: حكم الزيادة في التلبية.","level":3,"page":2543},{"title":"مسألة [٤]: حكم رفع اليدين بالدعاء عند رؤية البيت.","level":3,"page":2544},{"title":"مسألة [٥]: طواف القدوم.","level":3,"page":2545},{"title":"مسألة [٦]: حكم طواف القدوم.","level":3,"page":2545},{"title":"مسألة [٧]: ابتداء الطواف.","level":3,"page":2546},{"title":"مسألة [٨]: المحاذاة للحجر الأسود عند الابتداء.","level":3,"page":2546},{"title":"مسألة [٩]: استلام الحجر الأسود.","level":3,"page":2547},{"title":"مسألة [١٠]: هل يستقبل الحجر عند استلامه؟","level":3,"page":2547},{"title":"مسألة [١١]: تقبيل الحجر الأسود.","level":3,"page":2548},{"title":"مسألة [١٢]: هل له أن يقبل يده بعد استلامه بها؟","level":3,"page":2548},{"title":"مسألة [١٣]: إذا لم يستطع أن يستلم الحجر بيده، فهل له أن يستلمه بعصا، وهل يقبل العصا؟","level":3,"page":2549},{"title":"مسألة [١٤]: إذا ذهب بالحجر، والعياذ بالله؟","level":3,"page":2549},{"title":"مسألة [١٥]: ماذا يقول عند استلام الحجر وابتداء الطواف؟","level":3,"page":2550},{"title":"مسألة [١٦]: استلام الركن اليماني الذي ليس فيه الحجر.","level":3,"page":2551},{"title":"مسألة [١٧]: تقبيل الركن اليماني، أو التقبيل مكان الاستلام من اليد والعصا.","level":3,"page":2551},{"title":"مسألة [١٨]: استلام الركنين الشاميين.","level":3,"page":2551},{"title":"مسألة [١٩]: هل يستلم الركنين في كل شوط؟","level":3,"page":2552},{"title":"مسألة [٢٠]: الطواف هل يجزئ من دون الحجر؟","level":3,"page":2553},{"title":"مسألة [٢١]: كيفية الطواف.","level":3,"page":2553},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا مشى في طوافه القهقرى، وجعل البيت عن يمينه؟","level":3,"page":2554},{"title":"مسألة [٢٣]: الدنو من البيت في الطواف.","level":3,"page":2554},{"title":"مسألة [٢٤]: التباعد عن البيت في الطواف.","level":3,"page":2555},{"title":"مسألة [٢٥]: ما الحكم لو وسع المسجد الحرام.","level":3,"page":2555},{"title":"مسألة [٢٦]: الطواف في سطح المسجد حول الكعبة.","level":3,"page":2555},{"title":"مسألة [٢٧]: ماذا يقول أثناء الطواف؟","level":3,"page":2556},{"title":"مسألة [٢٨]: حكم الرمل في الثلاثة الأشواط الأول من طواف القدوم.","level":3,"page":2557},{"title":"مسألة [٢٩]: هل يرمل الطواف كاملا، أم أن له أن يمشي بين الركنين؟","level":3,"page":2558},{"title":"مسألة [٣٠]: من ترك الرمل عمدا؟","level":3,"page":2558},{"title":"مسألة [٣١]: من فاته الرمل في الثلاثة الأولى، فهل يرمل فيما بعدها؟","level":3,"page":2559},{"title":"مسألة [٣٢]: إذا لم يرمل في طواف القدوم، فهل يرمل في طواف الإفاضة؟","level":3,"page":2559},{"title":"مسألة [٣٣]: هل على النساء رمل؟","level":3,"page":2559},{"title":"مسألة [٣٤]: الاضطباع.","level":3,"page":2560},{"title":"مسألة [٣٥]: عدد أشواط الطواف بالبيت، وحكم من ترك شوطا منها.","level":3,"page":2561},{"title":"مسألة [٣٦]: النية للطواف.","level":3,"page":2562},{"title":"مسألة [٣٧]: الذي يشك في عدد أطوافه كيف يصنع؟","level":3,"page":2562},{"title":"مسألة [٣٨]: إذا اختلف طائفان في عدد الطواف؟","level":3,"page":2562},{"title":"مسألة [٣٩]: هل يجزئ أن يطوف راكبا؟","level":3,"page":2563},{"title":"مسألة [٤٠]: إذا حمل محرم محرما فطافا ونويا الطواف لكل واحد منهما، فهل يجزئه؟","level":3,"page":2564},{"title":"مسألة [٤١]: إذا نويا الطواف للمحمول فقط؟","level":3,"page":2565},{"title":"مسألة [٤٢]: إذا نوى المحمول عن نفسه، ولم ينو الحامل شيئا؟","level":3,"page":2565},{"title":"مسألة [٤٣]: هل يصح أن ينوي كل واحد منهما الطواف لصاحبه؟","level":3,"page":2566},{"title":"مسألة [٤٤]: هل تشترط الطهارة لصحة الطواف؟","level":3,"page":2566},{"title":"مسألة [٤٥]: هل يشترط للطواف طهارة الثياب والبدن؟","level":3,"page":2568},{"title":"مسألة [٤٦]: هل يشترط ستر العورة لصحة الطواف؟","level":3,"page":2569},{"title":"مسألة [٤٧]: هل يرمل الذي يطوف راكبا؟","level":3,"page":2570},{"title":"مسألة [٤٨]: هل يشترط الموالاة بين أشواط الطواف؟","level":3,"page":2570},{"title":"مسألة [٤٩]: إذا أقيمت الصلاة، فهل له أن يقطع الطواف ليصلي؟","level":3,"page":2570},{"title":"مسألة [٥٠]: هل يقطع الطواف؛ ليصلي على الجنازة إذا حضرت؟","level":3,"page":2571},{"title":"مسألة [٥١]: إذا أحدث في الطواف، فهل يعيد، أو يبني؟","level":3,"page":2571},{"title":"مسألة [٥٢]: من أين يقع البناء؟","level":3,"page":2572},{"title":"مسألة [٥٣]: قوله: «ثم نفذ إلى مقام إبراهيم -﵇-».","level":3,"page":2572},{"title":"مسألة [٥٤]: حكم الركعتين اللتين بعد الطواف.","level":3,"page":2573},{"title":"مسألة [٥٥]: مكان صلاة الركعتين.","level":3,"page":2573},{"title":"مسألة [٥٦]: من نسي ركعتي الطواف؟","level":3,"page":2574},{"title":"مسألة [٥٧]: إذا صلى المكتوبة بعد طوافه، فهل تجزئه عن ركعتي الطواف؟","level":3,"page":2574},{"title":"مسألة [٥٨]: الجمع بين أكثر من طواف، ثم الصلاة بعد ذلك.","level":3,"page":2575},{"title":"مسألة [٥٩]: الطواف وصلاة الركعتين بعد صلاة الفجر والعصر.","level":3,"page":2576},{"title":"مسألة [٦٠]: قراءة: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ عند المقام؟","level":3,"page":2577},{"title":"مسألة [٦١]: قوله: كان يقرأ في الركعتين: ﴿قل ياأيها الكافرون﴾، و﴿قل هو الله أحد﴾.","level":3,"page":2577},{"title":"مسألة [٦٢]: الرجوع إلى الركن بعد صلاة الركعتين؛ لاستلامه.","level":3,"page":2577},{"title":"مسألة [٦٣]: قوله: فلما دنا من الصفا قرأ: «﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾».","level":3,"page":2578},{"title":"مسألة [٦٤]: قوله: «أبدأ بما بدأ الله به»، فبدأ بالصفا.","level":3,"page":2578},{"title":"مسألة [٦٥]: قوله: فرقى الصفا.","level":3,"page":2579},{"title":"مسألة [٦٦]: قوله: حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة ... إلى قوله: مثل هذا ثلاث مرات.","level":3,"page":2579},{"title":"مسألة [٦٧]: قوله: حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى.","level":3,"page":2580},{"title":"مسألة [٦٨]: قوله: ففعل على المروة كما فعل على الصفا.","level":3,"page":2581},{"title":"مسألة [٦٩]: الذهاب من الصفا إلى المروة يعتبر شوطا، والرجوع يعتبر شوطا آخر.","level":3,"page":2581},{"title":"مسألة [٧٠]: حكم السعي بين الصفا والمروة راكبا.","level":3,"page":2582},{"title":"مسألة [٧١]: هل يقطع السعي للصلاة المكتوبة؟","level":3,"page":2583},{"title":"مسألة [٧٢]: هل تشترط الطهارة للطواف بين الصفا والمروة؟","level":3,"page":2583},{"title":"مسألة [٧٣]: حكم السعي بين الصفا والمروة.","level":3,"page":2584},{"title":"مسألة [٧٤]: حكم السعي بين الصفا والمروة قبل الطواف بالبيت.","level":3,"page":2586},{"title":"مسألة [٧٥]: الأشواط السبعة بين الصفا والمروة، هل يشترط فيها الموالاة؟","level":3,"page":2587},{"title":"مسألة [٧٦]: الموالاة بين الطواف بالبيت، وبين السعي بين الصفا والمروة.","level":3,"page":2587},{"title":"مسألة [٧٧]: كم عدد الأشواط الواجبة بين الصفا والمروة؟","level":3,"page":2588},{"title":"مسألة [٧٨]: الحلق، أو التقصير.","level":3,"page":2588},{"title":"مسألة [٧٩]: حكم الحلق، أو التقصير.","level":3,"page":2589},{"title":"مسألة [٨٠]: متى يقطع المعتمر التلبية؟","level":3,"page":2589},{"title":"مسألة [٨١]: فسخ الحج إلى العمرة.","level":3,"page":2590},{"title":"مسألة [٨٢]: إدخال الحج على العمرة.","level":3,"page":2592},{"title":"مسألة [٨٣]: هل له إدخال الحج على العمرة بعد الطواف؟","level":3,"page":2594},{"title":"مسألة [٨٤]: إدخال العمرة على الحج.","level":3,"page":2595},{"title":"مسألة [٨٥]: وقت الإحرام بالحج.","level":3,"page":2595},{"title":"مسألة [٨٦]: متى يتوجه إلى منى؟","level":3,"page":2596},{"title":"مسألة [٨٧]: هل يغتسل المتمتع ويتطيب عند إحرامه بالحج؟","level":3,"page":2597},{"title":"مسألة [٨٨]: هل يسن أن يطوف بعد إحرامه؟","level":3,"page":2598},{"title":"مسألة [٨٩]: إذا طاف وسعى بعد هذا الطواف المذكور، فهل يجزئه عن السعي الواجب؟","level":3,"page":2598},{"title":"مسألة [٩٠]: التلبية إذا غدا إلى عرفة.","level":3,"page":2599},{"title":"مسألة [٩١]: قوله: فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها.","level":3,"page":2599},{"title":"مسألة [٩٢]: قوله: فمكث قليلا حتى طلعت الشمس.","level":3,"page":2600},{"title":"مسألة [٩٣]: قوله: فأتى بطن الوادي فخطب الناس.","level":3,"page":2600},{"title":"مسألة [٩٤]: الجمع بين الصلاتين: الظهر والعصر، يوم عرفة.","level":3,"page":2600},{"title":"مسألة [٩٥]: من فاته الجمع مع الإمام، فهل يجمع منفردا؟","level":3,"page":2602},{"title":"مسألة [٩٦]: هل يقصر الصلاة الإمام ومن معه؟","level":3,"page":2602},{"title":"مسألة [٩٧]: الجمع بأذان وإقامتين.","level":3,"page":2603},{"title":"مسألة [٩٨]: تعجيل الصلاة وتقصير الخطبة.","level":3,"page":2604},{"title":"مسألة [٩٩]: هل يغتسل إذا ذهب إلى الموقف؟","level":3,"page":2604},{"title":"مسألة [١٠٠]: قوله: ثم ركب رسول الله - ﷺ - حتى أتى الموقف.","level":3,"page":2605},{"title":"مسألة [١٠١]: قوله: فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات.","level":3,"page":2605},{"title":"مسألة [١٠٢]: هل يجزئ الوقوف بوادي عرنة؟","level":3,"page":2606},{"title":"مسألة [١٠٣]: حكم الوقوف بعرفة.","level":3,"page":2607},{"title":"مسألة [١٠٤]: وقت الوقوف.","level":3,"page":2608},{"title":"مسألة [١٠٥]: الدفع قبل غروب الشمس.","level":3,"page":2609},{"title":"مسألة [١٠٦]: هل عليه دم إذا دفع قبل الغروب؟","level":3,"page":2610},{"title":"مسألة [١٠٧]: لو وقف بعرفات وهو لا يعلم أنها عرفات.","level":3,"page":2611},{"title":"مسألة [١٠٨]: لو وقف بعرفة وهو مغمى عليه، أو مجنون؟","level":3,"page":2611},{"title":"مسألة [١٠٩]: هل يشترط الطهارة للوقوف بعرفة؟","level":3,"page":2612},{"title":"مسألة [١١٠]: إذا أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة؟","level":3,"page":2612},{"title":"مسألة [١١١]: التعريف بغير عرفة.","level":3,"page":2613},{"title":"مسألة [١١٢]: قوله: ويقول بيده اليمنى: «يا أيها الناس، السكينة، السكينة».","level":3,"page":2614},{"title":"مسألة [١١٣]: الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في المزدلفة.","level":3,"page":2614},{"title":"مسألة [١١٤]: هل يجوز أن يجمع قبل أن يصل إلى المزدلفة جمع تقديم؟","level":3,"page":2615},{"title":"مسألة [١١٥]: هل يجزئه أن يصلي المغرب قبل أن يأتي المزدلفة؟","level":3,"page":2615},{"title":"مسألة [١١٦]: من فاته الجمع مع الإمام، فهل يجمع منفردا؟","level":3,"page":2616},{"title":"مسألة [١١٧]: قوله: ولم يسبح بينهما شيئا.","level":3,"page":2616},{"title":"مسألة [١١٨]: المبيت بمزدلفة.","level":3,"page":2617},{"title":"مسألة [١١٩]: قوله: ثم اضطجع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حتى الفجر.","level":3,"page":2619},{"title":"مسألة [١٢٠]: متى يجوز للحاج أن يدفع من المزدلفة؟","level":3,"page":2619},{"title":"مسألة [١٢١]: قوله: وصلى الفجر حين تبين له الصبح.","level":3,"page":2621},{"title":"مسألة [١٢٢]: حكم الصلاة مع الإمام في صلاة الصبح.","level":3,"page":2621},{"title":"مسألة [١٢٣]: الوقوف في المشعر الحرام.","level":3,"page":2622},{"title":"مسألة [١٢٤]: قوله: فاستقبل القبلة، فدعا الله، وكبره، وهلله، ووحده.","level":3,"page":2624},{"title":"مسألة [١٢٥]: قوله: فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا.","level":3,"page":2625},{"title":"مسألة [١٢٦]: قوله: فدفع قبل أن تطلع الشمس.","level":3,"page":2625},{"title":"مسألة [١٢٧]: قوله: حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا.","level":3,"page":2626},{"title":"مسألة [١٢٨]: قوله: ثم سلك الطريق الوسطى.","level":3,"page":2627},{"title":"مسألة [١٢٩]: قوله: حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة.","level":3,"page":2627},{"title":"مسألة [١٣٠]: قوله: فرماها بسبع حصيات.","level":3,"page":2627},{"title":"مسألة [١٣١]: حكم رمي جمرة العقبة.","level":3,"page":2628},{"title":"مسألة [١٣٢]: قوله: يكبر مع كل حصاة.","level":3,"page":2629},{"title":"مسألة [١٣٣]: هل يجزئ رميها مرة واحدة؟","level":3,"page":2629},{"title":"مسألة [١٣٤]: قوله: مثل حصى الخذف.","level":3,"page":2630},{"title":"مسألة [١٣٥]: هل يجزئه الرمي بالحجار الكبيرة؟","level":3,"page":2630},{"title":"مسألة [١٣٦]: هل يجوز الرمي بغير الحصى؟","level":3,"page":2631},{"title":"مسألة [١٣٧]: صفة الرمي.","level":3,"page":2632},{"title":"مسألة [١٣٨]: هل يجزئه أن يضعها وضعا؟","level":3,"page":2632},{"title":"مسألة [١٣٩]: إذا وقعت الحصى خارج المرمى والحوض.","level":3,"page":2632},{"title":"مسألة [١٤٠]: إذا شك الرامي في وقوع الحجر في الحوض.","level":3,"page":2633},{"title":"مسألة [١٤١]: هل له أن يرمي بحصى قد رمي به؟","level":3,"page":2633},{"title":"مسألة [١٤٢]: من أين يلقط الحصى؟","level":3,"page":2634},{"title":"مسألة [١٤٣]: هل يستحب غسل الحصى؟","level":3,"page":2634},{"title":"مسألة [١٤٤]: قطع التلبية.","level":3,"page":2635},{"title":"مسألة [١٤٥]: وقت رمي جمرة العقبة.","level":3,"page":2637},{"title":"مسألة [١٤٦]: هل يجوز رمي جمرة العقبة من بعد الظهر إلى المغرب؟","level":3,"page":2638},{"title":"مسألة [١٤٧]: فإذا أخر الرمي إلى الليل فما الحكم؟","level":3,"page":2639},{"title":"مسألة [١٤٨]: إذا أخر الرمي إلى أيام التشريق.","level":3,"page":2640},{"title":"مسألة [١٤٩]: قوله: رمى من بطن الوادي.","level":3,"page":2640},{"title":"مسألة [١٥٠]: حكم الهدي على المتمتع والقارن.","level":3,"page":2641},{"title":"مسألة [١٥١]: شروط وجوب الدم على المتمتع.","level":3,"page":2643},{"title":"مسألة [١٥٢]: إذا أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج، وحل منها في أشهر الحج.","level":3,"page":2646},{"title":"مسألة [١٥٣]: من هم حاضروا المسجد الحرام؟","level":3,"page":2647},{"title":"مسألة [١٥٤]: هل للمكي أن يتمتع؟","level":3,"page":2648},{"title":"مسألة [١٥٥]: وقت وجوب الدم.","level":3,"page":2648},{"title":"مسألة [١٥٦]: وقت جواز الذبح.","level":3,"page":2649},{"title":"مسألة [١٥٧]: مماذا يكون الهدي؟","level":3,"page":2650},{"title":"مسألة [١٥٨]: على كم يجزئ الهدي؟","level":3,"page":2651},{"title":"مسألة [١٥٩]: إشعار الهدي.","level":3,"page":2652},{"title":"مسألة [١٦٠]: موضع الإشعار.","level":3,"page":2654},{"title":"مسألة [١٦١]: تقليد الهدي.","level":3,"page":2655},{"title":"مسألة [١٦٢]: من أرسل هديا، فهل يصبح محرما؟","level":3,"page":2655},{"title":"مسألة [١٦٣]: هل يصير الرجل محرما إذا أراد النسك بتقليد الهدي؟","level":3,"page":2656},{"title":"مسألة [١٦٤]: هل له أن يركب الهدي؟","level":3,"page":2657},{"title":"مسألة [١٦٥]: المتمتع إذا لم يجد هديا، فكيف يصنع؟","level":3,"page":2657},{"title":"مسألة [١٦٦]: هل يشترط في الهدي أن يجمع بين الحل والحرم؟","level":3,"page":2658},{"title":"مسألة [١٦٧]: أقسام الهدي الواجب وحكم التصرف فيه قبل ذبحه.","level":3,"page":2659},{"title":"مسألة [١٦٨]: إذا ضل الهدي المعين، ثم وجده فما الحكم؟","level":3,"page":2661},{"title":"مسألة [١٦٩]: مسألة: إن عين معيبا عما في ذمته، فما حكم ذلك؟","level":3,"page":2662},{"title":"مسألة [١٧٠]: كيف يحصل تعيين الهدي؟","level":3,"page":2663},{"title":"مسألة [١٧١]: إذا ذبح عن الهدي الواجب شاة مغصوبة؟","level":3,"page":2663},{"title":"مسألة [١٧٢]: حكم هدي التطوع إذا عطب في الطريق؟","level":3,"page":2663},{"title":"مسألة [١٧٣]: حكم هدي التطوع إذا أصيب بعيب؟","level":3,"page":2668},{"title":"مسألة [١٧٤]: حكم إبدال الهدي بخير منه؟","level":3,"page":2668},{"title":"مسألة [١٧٥]: إذا ولدت الهدية؛ فما حكم ولدها؟","level":3,"page":2669},{"title":"مسألة [١٧٦]: حكم شرب لبن الهدي؟","level":3,"page":2670},{"title":"مسألة [١٧٧]: هل يؤكل من الهدي الواجب؟","level":3,"page":2671},{"title":"مسألة [١٧٨]: مشروعية الأكل من هدي التطوع؟","level":3,"page":2672},{"title":"مسألة [١٧٩]: إذا أكل مما هو ممنوع من أكله من الهدي؟","level":3,"page":2673},{"title":"مسألة [١٨٠]: الهدي الواجب بغير النذر هل له بديل؟","level":3,"page":2674},{"title":"مسألة [١٨١]: موضع ذبح الهدي وتفريق لحمه وطعامه؟","level":3,"page":2677},{"title":"مسألة [١٨٢]: ضابط مساكين الحرم؟","level":3,"page":2679},{"title":"مسألة [١٨٣]: إذا نذر إنسان أن يهدي فكم يجزئه؟","level":3,"page":2680},{"title":"مسألة [١٨٤]: إذا نذر إنسان أن يهدي ولم يعين المكان؟","level":3,"page":2681},{"title":"مسألة [١٨٥]: من عجز عن إيصال الهدي إلى الحرم فما الحكم؟","level":3,"page":2682},{"title":"مسألة [١٨٦]: موضع الصوم لمن لم يجد الهدي؟","level":3,"page":2682},{"title":"مسألة [١٨٧]: يجزئ الذكر والأنثى في الهدي؟","level":3,"page":2683},{"title":"مسألة [١٨٨]: من وجب عليه بدنة؛ فذبح سبعا من الغنم؟","level":3,"page":2684},{"title":"مسألة [١٨٩]: من وجبت عليه سبع من الغنم فذبح بدنة؟","level":3,"page":2685},{"title":"مسألة [١٩٠]: من وجبت عليه بقرة فذبح بدنة؟","level":3,"page":2685},{"title":"مسألة [١٩١]: حكم الاشتراك بالبدن والبقر؟","level":3,"page":2686},{"title":"مسألة [١٩٢]: ما هو سن الهدي المجزئ؟","level":3,"page":2686},{"title":"مسألة [١٩٣]: وقت صيام الثلاثة الأيام.","level":3,"page":2688},{"title":"مسألة [١٩٤]: وقت صيام السبعة الأيام.","level":3,"page":2692},{"title":"مسألة [١٩٥]: هل يشترط في صيام الثلاثة والسبعة التتابع؟","level":3,"page":2693},{"title":"مسألة [١٩٦]: إذا لم يصم الثلاثة الأيام قبل يوم النحر.","level":3,"page":2693},{"title":"مسألة [١٩٧]: من ابتدأ في الصيام ثم قدر على الهدي.","level":3,"page":2695},{"title":"مسألة [١٩٨]: حكم الحلق، أو التقصير.","level":3,"page":2695},{"title":"مسألة [١٩٩]: أيهما أفضل الحلق، أو التقصير؟","level":3,"page":2695},{"title":"مسألة [٢٠٠]: هل يجب الحلق على من لبد رأسه؟","level":3,"page":2696},{"title":"مسألة [٢٠١]: ماذا يصنع الأصلع الذي لا شعر له؟","level":3,"page":2697},{"title":"مسألة [٢٠٢]: ما هو الحلق والتقصير المجزئ؟","level":3,"page":2698},{"title":"مسألة [٢٠٣]: تأخير الحلق، أو التقصير عن يوم النحر.","level":3,"page":2698},{"title":"مسألة [٢٠٤]: هل تحلق المرأة، أو تقصر؟","level":3,"page":2699},{"title":"مسألة [٢٠٥]: قوله في حديث جابر: ثم ركب رسول الله - ﷺ - فأفاض إلى البيت.","level":3,"page":2700},{"title":"مسألة [٢٠٦]: حكم طواف الإفاضة.","level":3,"page":2700},{"title":"مسألة [٢٠٧]: وقت طواف الإفاضة.","level":3,"page":2700},{"title":"مسألة [٢٠٨]: من رجع إلى بلده ولم يطف طواف الإفاضة.","level":3,"page":2701},{"title":"مسألة [٢٠٩]: من رجع إلى بلده، ولم يطف طواف الإفاضة، وحصل منه الجماع لامرأته؟","level":3,"page":2701},{"title":"مسألة [٢١٠]: إذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة، ولم تنتظرها رفقتها، وخشيت هي ووليها على أنفسهما؟","level":3,"page":2702},{"title":"مسألة [٢١١]: ما حكم استخدام المرأة لموانع الحيض حتى تعتمر أو تحج؟","level":3,"page":2707},{"title":"مسألة [٢١٢]: هل يرمل ويضطبع في طواف الإفاضة؟","level":3,"page":2707},{"title":"مسألة [٢١٣]: هل تشترط النية في طواف الإفاضة؟","level":3,"page":2707},{"title":"مسألة [٢١٤]: كم يلزم الحاج سعي وطواف؟","level":3,"page":2708},{"title":"مسألة [٢١٥]: أعمال يوم النحر، وتقديم بعضها على بعض.","level":3,"page":2710},{"title":"مسألة [٢١٦]: متى يحصل التحلل من الحج؟","level":3,"page":2713},{"title":"مسألة [٢١٧]: إذا لم يرتب بين الأعمال السابقة فبماذا يحصل التحلل؟","level":3,"page":2715},{"title":"مسألة [٢١٨]: ماذا يحل له في التحلل الأول؟","level":3,"page":2716},{"title":"مسألة [٢١٩]: المبيت بمنى أيام التشريق.","level":3,"page":2717},{"title":"مسألة [٢٢٠]: ماذا على من ترك المبيت؟","level":3,"page":2718},{"title":"مسألة [٢٢١]: من أراد أن يبيت ليلتين، ثم ينفر.","level":3,"page":2719},{"title":"مسألة [٢٢٢]: رمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق.","level":3,"page":2720},{"title":"مسألة [٢٢٣]: حكم رمي الجمار.","level":3,"page":2721},{"title":"مسألة [٢٢٤]: حكم التكبير عند رمي الجمار، والدعاء بعد ذلك، والقيام، ورفع اليدين.","level":3,"page":2722},{"title":"مسألة [٢٢٥]: حكم الترتيب بين الجمرات الثلاث.","level":3,"page":2722},{"title":"مسألة [٢٢٦]: وقت رمي الجمار في أيام التشريق.","level":3,"page":2723},{"title":"مسألة [٢٢٧]: إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده.","level":3,"page":2724},{"title":"مسألة [٢٢٨]: إذا أخر الرمي حتى خرجت أيام التشريق؟","level":3,"page":2724},{"title":"مسألة [٢٢٩]: هل يرمي عن المريض والعاجز؟","level":3,"page":2725},{"title":"مسألة [٢٣٠]: من تعجل في اليوم الثاني، فهل يرمي عن اليوم الثالث؟","level":3,"page":2726},{"title":"مسألة [٢٣١]: هل ثبت أن الجمار، ما قبل منها رفعه الله؟","level":3,"page":2726},{"title":"مسألة [١]: موضع النحر والذبح في الحج والعمرة.","level":3,"page":2729},{"title":"مسألة [١]: حكم الاغتسال عند دخول مكة.","level":3,"page":2731},{"title":"مسألة [١]: حكم السجود على الحجر الأسود.","level":3,"page":2732},{"title":"مسألة [١]: كم خطبة تستحب في الحج؟","level":3,"page":2750},{"title":"مسألة [١]: النزول بالمحصب.","level":3,"page":2754},{"title":"مسألة [١]: حكم طواف الوداع.","level":3,"page":2756},{"title":"مسألة [٢]: هل يجب طواف الوداع على من عزم على الإقامة بمكة؟","level":3,"page":2757},{"title":"مسألة [٣]: إذا اشتغل بشيء بعد طواف الوداع؟","level":3,"page":2757},{"title":"مسألة [٤]: إن ترك طواف الوداع؟","level":3,"page":2758},{"title":"مسألة [٥]: إذا أخر طواف الأفاضة، فطاف عند خروجه، فهل يجزئه عن طواف الوداع؟","level":3,"page":2758},{"title":"مسألة [٦]: طواف الوداع في حق المرأة الحائض.","level":3,"page":2759},{"title":"مسألة [٧]: هل للعمرة طواف وداع؟","level":3,"page":2763},{"title":"مسألة [٨]: الوقوف في الملتزم.","level":3,"page":2764},{"title":"مسألة [١]: فضيلة الصلاة في المسجد النبوي، والمسجد الحرام.","level":3,"page":2766},{"title":"مسألة [٢]: هل هذه الفضيلة تشمل صلاة النافلة؟","level":3,"page":2766},{"title":"مسألة [٣]: هل هذه الفضيلة تشمل التوسعة التي حدثت بعد موت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟","level":3,"page":2767},{"title":"مسألة [٤]: هل التضعيف خاص بالمسجد الحرام، أم يشمل جميع مكة؟","level":3,"page":2770},{"title":"مسألة [٥]: تفضيل مكة على المدينة.","level":3,"page":2771},{"title":"باب الفوات والإحصار","level":2,"page":2773},{"title":"مسألة [١]: الإحصار عن الحج.","level":3,"page":2773},{"title":"مسألة [٢]: الإحصار عن العمرة.","level":3,"page":2773},{"title":"مسألة [٣]: هل على من أحصر الهدي؟","level":3,"page":2774},{"title":"مسألة [٤]: الحصر العام، والحصر الخاص.","level":3,"page":2774},{"title":"مسألة [٥]: إذا أمكن المحصر الذهاب من طريق أخرى؟","level":3,"page":2774},{"title":"مسألة [٦]: هل على المحصر قضاء؟","level":3,"page":2775},{"title":"مسألة [٧]: التحلل بعد الذبح.","level":3,"page":2775},{"title":"مسألة [٨]: مكان الذبح.","level":3,"page":2776},{"title":"مسألة [٩]: وقت نحر الهدي.","level":3,"page":2777},{"title":"مسألة [١٠]: إن أحصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة؟","level":3,"page":2778},{"title":"مسألة [١١]: من صد وأحصر عن عرفة؟","level":3,"page":2778},{"title":"مسألة [١٢]: إذا عجز المحصر عن الهدي؟","level":3,"page":2779},{"title":"مسألة [١٣]: هل يلزمه الحلق، أو التقصير؟","level":3,"page":2780},{"title":"مسألة [١٤]: هل تشترط النية للتحلل؟","level":3,"page":2780},{"title":"مسألة [١]: الاشتراط عند الإحرام.","level":3,"page":2781},{"title":"مسألة [١]: هل يختص الإحصار بالعدو؟","level":3,"page":2783},{"title":"مسألة [٢]: من فاته الوقوف بعرفة بغير إحصار.","level":3,"page":2784},{"title":"مسألة [٣]: هل يلزمه القضاء من قابل؟","level":3,"page":2785},{"title":"مسألة [٤]: هل يلزمه الهدي؟","level":3,"page":2785},{"title":"مسألة [٥]: هل له أن يبقى على إحرامه ليحج من قابل؟","level":3,"page":2786},{"title":"كتاب البيوع","level":1,"page":2787},{"title":"باب","level":2,"page":2787},{"title":"مسألة [١]: بم يحصل البيع؟","level":3,"page":2789},{"title":"مسألة [٢]: إن تقدم القبول على الإيجاب بلفظ الماضي؟","level":3,"page":2790},{"title":"مسألة [٣]: إذا قال المشتري: بعني هذا. فقال البائع: بعتك؟","level":3,"page":2790},{"title":"مسألة [٤]: إذا قال المشتري مستفهما: أتبيعني ثوبك؟ فيقول: بعتك.","level":3,"page":2791},{"title":"مسألة [٥]: إذا قال البائع: بعتك. فقال المشتري: سأشتري.","level":3,"page":2791},{"title":"مسألة [٦]: البيع بالكتابة.","level":3,"page":2791},{"title":"مسألة [٧]: إجراء عقود البيع بالآلات الحديثة.","level":3,"page":2792},{"title":"مسألة [٨]: إذا كان الرجل مكرها على البيع بغير حق؟","level":3,"page":2793},{"title":"مسألة [٩]: هل ينعقد بيع التلجئة؟","level":3,"page":2793},{"title":"مسألة [١٠]: إذا اختلف البائع والمشتري في هذا البيع المموه، فما الحكم؟","level":3,"page":2794},{"title":"مسألة [١١]: بيع المضطر.","level":3,"page":2794},{"title":"مسألة [١٢]: هل يقع بيع الهازل؟","level":3,"page":2795},{"title":"مسألة [١٣]: بيع المجنون.","level":3,"page":2795},{"title":"مسألة [١٤]: السكران هل يقع بيعه؟","level":3,"page":2796},{"title":"مسألة [١٥]: بيع الصبي.","level":3,"page":2796},{"title":"باب شروطه وما نهي عنه منه","level":2,"page":2798},{"title":"مسألة [١]: أفضل الكسب.","level":3,"page":2798},{"title":"مسألة [١]: بيع الخمر.","level":3,"page":2800},{"title":"مسألة [٢]: العطور الكحولية.","level":3,"page":2801},{"title":"مسألة [٣]: بيع الميتة.","level":3,"page":2803},{"title":"مسألة [٤]: بيع جلود الميتة قبل الدباغ.","level":3,"page":2803},{"title":"مسألة [٥]: بيع جلود الميتة بعد الدباغ.","level":3,"page":2804},{"title":"مسألة [٦]: بيع صوف وشعر ووبر الميتة.","level":3,"page":2804},{"title":"مسألة [٧]: بيع عظام الميتة وقرونها.","level":3,"page":2805},{"title":"مسألة [٨]: بيع الخنزير.","level":3,"page":2806},{"title":"مسألة [٩]: استعمال شعر الخنزير.","level":3,"page":2806},{"title":"مسألة [١٠]: قتل الخنزير.","level":3,"page":2806},{"title":"مسألة [١١]: بيع الأصنام.","level":3,"page":2807},{"title":"مسألة [١٢]: هل يجوز بيع الصنم للانتفاع بأكساره؟","level":3,"page":2807},{"title":"مسألة [١٣]: الانتفاع بشحوم الميتة.","level":3,"page":2808},{"title":"مسألة [١٤]: السرجين، والعذرة هل يجوز بيعها أم لا؟","level":3,"page":2809},{"title":"مسألة [١]: إذا اختلف البائع والمشتري في ثمن السلعة؟","level":3,"page":2812},{"title":"مسألة [٢]: صفة التحالف.","level":3,"page":2815},{"title":"مسألة [٣]: إن قال البائع: بعتك العبد بألف. فقال المشتري: بل هو والعبد الآخر بألف؟","level":3,"page":2815},{"title":"مسألة [٤]: إذا اختلفا في صفة السلعة بعد تلفها؟","level":3,"page":2816},{"title":"مسألة [٥]: إذا اختلفا في قدر السلعة بعد تلفها؟","level":3,"page":2816},{"title":"مسألة [٦]: أن يختلفا في الأجل، أو في شرط الخيار، أو ما أشبهه.","level":3,"page":2816},{"title":"مسألة [٧]: أن يختلفا في عين السلعة.","level":3,"page":2817},{"title":"مسألة [٨]: إذا اختلفا في شيء يفسد العقد؟","level":3,"page":2818},{"title":"مسألة [٩]: إذا اختلف البائع والمشتري في ثبوت خيار الشرط وليس هنالك بينة؟","level":3,"page":2818},{"title":"مسألة [١٠]: إذا اختلفا عند من حدث العيب في السلعة؟","level":3,"page":2819},{"title":"مسألة [١]: حكم بيع الكلب.","level":3,"page":2821},{"title":"مسألة [٢]: هل على متلف الكلب القيمة؟","level":3,"page":2823},{"title":"مسألة [٣]: قتل المعلم وما يباح إمساكه.","level":3,"page":2824},{"title":"مسألة [٤]: إجارة الكلب.","level":3,"page":2824},{"title":"مسألة [٥]: إهداء الكلب والوصية به.","level":3,"page":2825},{"title":"مسألة [٦]: مبادلة كلب بكلب، أو بغيره.","level":3,"page":2825},{"title":"مسألة [٧]: اقتناء الكلب.","level":3,"page":2825},{"title":"مسألة [٨]: بيع الحيوانات المفترسة.","level":3,"page":2826},{"title":"مسألة [٩]: بيع الحيوانات المحنطة.","level":3,"page":2827},{"title":"مسألة [١]: بيع الدابة، واستثناء الركوب عليها.","level":3,"page":2828},{"title":"مسألة [٢]: إذا أراد المشتري أن يبيع العين المستثنى منفعتها.","level":3,"page":2829},{"title":"مسألة [١]: بيع المدبر.","level":3,"page":2830},{"title":"مسألة [١]: هل يجوز بيع الزيت المتنجس؟","level":3,"page":2832},{"title":"مسألة [١]: حكم بيع الهر.","level":3,"page":2835},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":2836},{"title":"مسألة [١]: بيع البغال، والحمير.","level":3,"page":2836},{"title":"مسألة [٢]: بيع القرد.","level":3,"page":2837},{"title":"مسألة [٣]: بيع الطيور.","level":3,"page":2837},{"title":"مسألة [٤]: بيع الحشرات.","level":3,"page":2839},{"title":"مسألة [٥]: بيع دودة القز.","level":3,"page":2839},{"title":"مسألة [٦]: بيع النحل.","level":3,"page":2840},{"title":"مسألة [٧]: حكم بيع الدم.","level":3,"page":2840},{"title":"مسألة [٨]: نقل الدم من جسد إلى آخر.","level":3,"page":2841},{"title":"مسألة [٩]: حكم بيع المسك.","level":3,"page":2841},{"title":"مسألة [١٠]: شراء المجلات والصحف التي فيها صور.","level":3,"page":2842},{"title":"مسألة [١]: قوله: «واشترطي لهم الولاء».","level":3,"page":2843},{"title":"مسألة [٢]: بيع المكاتب.","level":3,"page":2845},{"title":"مسائل ملحقة متعلقة بالشروط في البيع","level":3,"page":2847},{"title":"مسألة [١]: الشروط في البيع.","level":4,"page":2847},{"title":"مسألة [٢]: الوقت الذي تعتبر فيه الشروط في البيع.","level":4,"page":2847},{"title":"مسألة [٣]: أقسام الشروط في البيع.","level":4,"page":2848},{"title":"مسألة [٤]: اشتراط البائع نفعا معلوما من المبيع.","level":4,"page":2849},{"title":"مسألة [٥]: أن يشترط المشتري على البائع نفعا معلوما يعمله في السلعة قبل قبضها.","level":4,"page":2849},{"title":"مسألة [٦]: إذا شرط البائع على المشتري أن لا يهبه، أو يبيعه، يعني المبيع؟","level":4,"page":2850},{"title":"مسألة [٧]: إذا باع العبد بشرط أن يعتقه؟","level":4,"page":2851},{"title":"مسألة [٨]: إذا لم يف المشتري بعتقه؟","level":4,"page":2852},{"title":"مسألة [٩]: إذا باع البائع بشرط أن يعامله المشتري بعقد آخر من بيع، أو سلف، أو إجارة؟","level":4,"page":2852},{"title":"مسألة [١٠]: إذا قال البائع: أبيعك هذه السلعة على أنك إذا أردت أن تبيعها تبيعها مني بالثمن الذي ستبيعها به؟","level":4,"page":2853},{"title":"مسألة [١١]: هل يجوز البيع إذا علق بشرط مستقبل؟","level":4,"page":2854},{"title":"مسألة [١٢]: إذا قال البائع: أبيعك السلعة الفلانية على أن تأتيني بالثمن إلى خمسة أيام، وإلا فلا بيع بيننا؟","level":4,"page":2854},{"title":"مسألة [١٣]: إذا قال البائع للمشتري: بعتك كذا على أن تبرئني من العيوب المجهولة؟","level":4,"page":2855},{"title":"مسألة [١٤]: إن باع أرضا، أو دارا على أنه عشرة أذرع، فبان أحد عشر ذراعا، أو تسعة أذرع؟","level":4,"page":2856},{"title":"مسألة [١]: حكم بيع أمهات الأولاد.","level":3,"page":2859},{"title":"مسألة [١]: بيع المياه.","level":3,"page":2862},{"title":"مسألة [٢]: هل له أن يكري حصته من بئر مشترك؟","level":3,"page":2865},{"title":"مسألة [٣]: ما يجمعه في سد من الأمطار.","level":3,"page":2865},{"title":"مسألة [٤]: بيع البئر والعين.","level":3,"page":2866},{"title":"مسألة [١]: معنى عسب الفحل، وحكم بيعه.","level":3,"page":2868},{"title":"مسألة [٢]: إذا أهدى صاحب الأنثى لصاحب الفحل بغير شرط؟","level":3,"page":2869},{"title":"مسألة [٣]: عسب النخل.","level":3,"page":2869},{"title":"مسألة [١]: معنى بيع حبل الحبلة، وحكمه.","level":3,"page":2870},{"title":"مسألة [١]: معنى الولاء، وحكم بيعه، وهبته.","level":3,"page":2872},{"title":"مسألة [١]: معنى بيع الحصاة.","level":3,"page":2873},{"title":"مسألة [٢]: ضابط بيع الغرر.","level":3,"page":2873},{"title":"مسألة [٣]: ما يتسامح فيه من الغرر.","level":3,"page":2874},{"title":"مسألة [٤]: حكم بيع الغرر.","level":3,"page":2875},{"title":"مسألة [٥]: حكم لعب ما يسمى باليانصيب.","level":3,"page":2875},{"title":"مسألة [٦]: الجوائز التي توضع مع السلع.","level":3,"page":2875},{"title":"مسألة [٧]: هل يجوز للشركات استعمال التحفيزات؟","level":3,"page":2876},{"title":"مسألة [٨]: شركة التأمين التجارية.","level":3,"page":2877},{"title":"مسألة [٩]: شركة التأمين التعاونية.","level":3,"page":2879},{"title":"مسألة [١٠]: جمعية الموظفين.","level":3,"page":2880},{"title":"مسألة [١]: حكم بيع الشيء قبل قبضه.","level":3,"page":2883},{"title":"مسألة [٢]: التصرف فيه قبل القبض بغير البيع.","level":3,"page":2885},{"title":"مسألة [٣]: العتق قبل القبض.","level":3,"page":2886},{"title":"مسألة [٤]: بماذا يحصل القبض؟","level":3,"page":2886},{"title":"مسألة [٥]: إذا تلفت السلعة بعد التفرق قبل القبض بدون تدخل آدمي؟","level":3,"page":2888},{"title":"مسألة [٦]: إن تلفت السلعة بفعل المشتري، أو بفعل أجنبي؟","level":3,"page":2889},{"title":"مسألة [٧]: لو أتلفه البائع؟","level":3,"page":2890},{"title":"مسألة [٨]: أجرة الكيل، ونقل البضاعة.","level":3,"page":2890},{"title":"مسألة [٩]: إذا اشترى طعاما كيلا، ثم باعه، فهل يلزمه أن يكيله مرة أخرى؟","level":3,"page":2891},{"title":"مسألة [١٠]: حكم شراء الطعام جزافا، وهل يجوز بيعه قبل قبضه إذا كان جزافا؟","level":3,"page":2892},{"title":"مسألة [١١]: هل يجوز بيع مالم يقبضه مما يملكه بغير الشراء، وحكم بيع صكاك الأرزاق؟","level":3,"page":2893},{"title":"مسألة [١٢]: حكم بيع صكاك الأرزاق قبل قبض الرزق؟","level":3,"page":2894},{"title":"مسألة [١٣]: هل يجوز بيع السلعة قبل أن يقبضها إذا كان سيبيعها للبائع؟","level":3,"page":2895},{"title":"مسألة [١]: معنى بيعتين في بيعة.","level":3,"page":2896},{"title":"مسألة [٢]: البيع إلى أجل بزيادة.","level":3,"page":2897},{"title":"مسألة [١]: البيع بشرط السلف، أو القرض.","level":3,"page":2901},{"title":"مسألة [٢]: قوله: «ولا شرطان في بيع».","level":3,"page":2903},{"title":"مسألة [٣]: «ولا ربح ما لم يضمن».","level":3,"page":2904},{"title":"مسألة [٤]: قوله: «ولا بيع ما ليس عندك».","level":3,"page":2906},{"title":"مسألة [٥]: بيع الرجل ما اغتصب منه لمن يقدر على استرجاعه.","level":3,"page":2907},{"title":"مسألة [٦]: هل يدخل بيع السلم في بيع ما ليس عندك؟","level":3,"page":2908},{"title":"مسألة [٧]: البيع بشرط البيع، أو الصرف، أو الإجارة، أو المزارعة، أو نحو ذلك.","level":3,"page":2909},{"title":"مسألة [١]: حكم بيع العربان ومعناه.","level":3,"page":2910},{"title":"مسألة [٢]: عقد الاستصناع.","level":3,"page":2912},{"title":"مسألة [١]: التقاضي بدل الدراهم دنانير والعكس، أو التقاضي بعملة غير العملة التي أسلفه فيها.","level":3,"page":2916},{"title":"مسألة [٢]: إذا كان الذي في الذمة مؤجلا لم يأت وقت سداده، فهل يجوز المصارفة فيه؟","level":3,"page":2918},{"title":"مسألة [١]: تعريف النجش، وحكمه.","level":3,"page":2919},{"title":"مسألة [٢]: ما حكم البيع إذا حصل فيه نجش؟","level":3,"page":2919},{"title":"مسألة [١]: معنى المحاقلة، وحكمها.","level":3,"page":2922},{"title":"مسألة [٢]: معنى المزابنة، وحكمها.","level":3,"page":2922},{"title":"مسألة [٣]: معنى المخابرة، وحكمها.","level":3,"page":2923},{"title":"مسألة [٤]: قوله: وعن الثنيا إلا أن تعلم.","level":3,"page":2923},{"title":"مسألة [٥]: إذا امتنع المشتري من الذبح وقد استثنى البائع شيئا من الحيوان؟","level":3,"page":2927},{"title":"مسألة [٦]: هل يجوز بيع الأمة، واستثناء ما في بطنها؟","level":3,"page":2927},{"title":"مسألة [٧]: ما حكم بيع السلعة بدينار إلا درهم؟","level":3,"page":2928},{"title":"مسألة [١]: معنى المخاضرة وحكمها.","level":3,"page":2929},{"title":"مسألة [٢]: معنى الملامسة.","level":3,"page":2929},{"title":"مسألة [٣]: معنى المنابذة.","level":3,"page":2930},{"title":"مسألة [٤]: بيع الشيء الغائب.","level":3,"page":2930},{"title":"مسألة [٥]: بيع الأعمى وشراؤه.","level":3,"page":2931},{"title":"مسألة [١]: تلقي الجالب للسلعة في الطريق.","level":3,"page":2933},{"title":"مسألة [٢]: ما هو الحد الذي لا يجوز لهم فيه التلقي؟","level":3,"page":2934},{"title":"مسألة [٣]: حكم البيع إذا حصل.","level":3,"page":2935},{"title":"مسألة [٤]: إذا خرج لغير قصد التلقي، فوجد جالبا للسلعة، فهل يجوز له شراؤها منه؟","level":3,"page":2936},{"title":"مسألة [٥]: هل له الخيار إذا قدم السوق في حالة الغبن، أم مطلقا؟","level":3,"page":2936},{"title":"مسألة [٦]: هل لأحد الركبان أن يشتري من صاحبه قبل بلوغ السوق؟","level":3,"page":2936},{"title":"مسألة [٧]: هل يجوز أن يخرج الرجل من الحضر إلى أهل الحوائط في أماكنهم؟","level":3,"page":2937},{"title":"مسألة [٨]: هل يجوز تلقي الركبان ليبيعهم شيئا؟","level":3,"page":2937},{"title":"مسألة [٩]: حكم بيع الحاضر للبادي.","level":3,"page":2938},{"title":"مسألة [١٠]: هل يصح البيع إذا وقع؟","level":3,"page":2940},{"title":"مسألة [١١]: هل يجوز شراء الحضري للبدوي؟","level":3,"page":2941},{"title":"مسألة [١٢]: هل يجوز للحاضر أن ينصح البادي ويشير عليه؟","level":3,"page":2942},{"title":"مسألة [١]: معنى البيع على البيع، والسوم على السوم، وحكم ذلك.","level":3,"page":2943},{"title":"مسألة [٢]: إذا وقع البيع على بيع الأخ، فهل يصح البيع أم لا؟","level":3,"page":2945},{"title":"مسألة [٣]: البيع على بيع الذمي.","level":3,"page":2945},{"title":"مسألة [٤]: حكم بيع المزايدة.","level":3,"page":2946},{"title":"مسألة [٥]: إذا اتفق أهل السوق على عدم المزايدة في السلعة القادمة من رجل يريد بيعها فيضطرونه ليبيعها بسعر منخفض؟","level":3,"page":2947},{"title":"مسألة [١]: حكم التفريق بين ذوي الأرحام بالبيع.","level":3,"page":2949},{"title":"مسألة [٢]: هل لحرمة التفريق بينهما حد معين؟","level":3,"page":2950},{"title":"مسألة [٣]: هل البيع صحيح إذا وقع على التفريق؟","level":3,"page":2951},{"title":"مسألة [٤]: التفريق في الحيوانات بين الأم وولدها.","level":3,"page":2951},{"title":"مسألة [١]: حكم التسعير.","level":3,"page":2953},{"title":"مسألة [٢]: هل يلزم البائع الواحد بأن لا يبيع بأقل من سعر السوق؟","level":3,"page":2955},{"title":"مسألة [١]: معنى الاحتكار وحكمه.","level":3,"page":2957},{"title":"مسألة [١]: معنى التصرية.","level":3,"page":2963},{"title":"مسألة [٢]: حكم التصرية.","level":3,"page":2963},{"title":"مسألة [٣]: تصرية البقر.","level":3,"page":2964},{"title":"مسألة [٤]: إذا حصلت التصرية فما حكم البيع؟","level":3,"page":2964},{"title":"مسألة [٥]: ماذا يرد بدل اللبن الذي احتلبه؟","level":3,"page":2965},{"title":"مسألة [٦]: إذا تراضى البائع والمشتري على غير الصاع من التمر؟","level":3,"page":2965},{"title":"مسألة [٧]: إذا علم أنها مصراة، واللبن مازال موجودا، فهل يلزم البائع قبول لبنه؟","level":3,"page":2966},{"title":"مسألة [٨]: إذا لم يوجد تمر؟","level":3,"page":2967},{"title":"مسألة [٩]: إذا علم المشتري أنها مصراة فردها قبل أن يحلبها، فهل عليه صاع تمر؟","level":3,"page":2967},{"title":"مسألة [١٠]: لو علم المشتري أنها مصراة قبل أن يشتريها، فهل له ردها؟","level":3,"page":2967},{"title":"مسألة [١١]: لو اشترى مصراة فلم يعلم بذلك المشتري حتى صار لبنها عادة على ما صريت عليه؟","level":3,"page":2968},{"title":"مسألة [١٢]: لو اطلع على عيب آخر بالمصراة بعد رضاه بها، فهل عليه صاع من تمر؟","level":3,"page":2968},{"title":"مسألة [١٣]: صفة التمر.","level":3,"page":2969},{"title":"مسألة [١٤]: لو اشترى أكثر من مصراة، فهل عليه لكل واحدة صاع؟","level":3,"page":2969},{"title":"مسألة [١٥]: هل خيار المصراة على الفور، أم على التراخي؟","level":3,"page":2970},{"title":"مسألة [١٦]: من متى يبدأ توقيت الثلاثة الأيام؟","level":3,"page":2970},{"title":"مسألة [١٧]: إذا اشترى مصراة من غير بهيمة الأنعام كالأتان والفرس؟","level":3,"page":2971},{"title":"مسألة [١]: قوله «غش».","level":3,"page":2972},{"title":"مسألة [١]: حكم بيع العصير، والعنب، والتمر لمن يتخذه خمرا.","level":3,"page":2973},{"title":"مسألة [٢]: بيع العبد المسلم لرجل كافر.","level":3,"page":2974},{"title":"مسألة [٣]: إذا أسلم عبد الذمي فكيف يصنع معه؟","level":3,"page":2975},{"title":"مسألة [٤]: معاملة من يخالط ماله الحلال والحرام.","level":3,"page":2975},{"title":"مسألة [١]: معنى الخراج بالضمان.","level":3,"page":2977},{"title":"مسألة [١]: حكم بيع الفضولي وشرائه.","level":3,"page":2980},{"title":"مسألة [٢]: لو باع سلعة وصاحبها حاضر ساكت؟","level":3,"page":2981},{"title":"مسألة [٣]: إذا وكل رجلين فباع كل واحد منهما لآخر؟","level":3,"page":2981},{"title":"مسألة [١]: بيع الحمل وهو في بطن أمه.","level":3,"page":2983},{"title":"مسألة [٢]: بيع اللبن في الضرع.","level":3,"page":2983},{"title":"مسألة [٣]: إذا باع مما في ضرع البقرة صاعا معلوما؟","level":3,"page":2985},{"title":"مسألة [٤]: حكم بيع لبن الآدميات.","level":3,"page":2985},{"title":"مسألة [٥]: بيع العبد الآبق.","level":3,"page":2986},{"title":"مسألة [٦]: بيع المغانم قبل قسمتها.","level":3,"page":2987},{"title":"مسألة [٧]: بيع الصدقات قبل قبضها.","level":3,"page":2988},{"title":"مسألة [٨]: ضربة الغائص.","level":3,"page":2988},{"title":"مسألة [١]: بيع السمك في الماء.","level":3,"page":2990},{"title":"مسألة [٢]: بيع الطير في الهواء.","level":3,"page":2991},{"title":"مسألة [١]: بيع الصوف على ظهر الحيوان.","level":3,"page":2992},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":2994},{"title":"مسألة [١]: بيع الصوف من الحيوان المذبوح.","level":3,"page":2994},{"title":"مسألة [٢]: حكم بيع المغيبات في الأرض كالجزر، والبصل، والثوم.","level":3,"page":2994},{"title":"مسألة [٣]: البيع بسعر السوق.","level":3,"page":2995},{"title":"مسألة [١]: معنى الحديث.","level":3,"page":2997},{"title":"مسألة [١]: شرط كون الأجل معلوما.","level":3,"page":2998},{"title":"مسألة [٢]: حكم البيع إلى وقت الحصاد، أو العطاء.","level":3,"page":2998},{"title":"مسألة [٣]: يشترط في الثمن أن يكون معلوم القدر.","level":3,"page":2999},{"title":"مسألة [١]: معنى الإقالة.","level":3,"page":3000},{"title":"مسألة [٢]: هل الإقالة فسخ، أو بيع؟","level":3,"page":3001},{"title":"مسألة [٣]: هل يُشترط في الإقالة أن تكون بنفس الثمن؟","level":3,"page":3002},{"title":"باب الخيار","level":2,"page":3004},{"title":"مسألة [١]: خيار المجلس.","level":3,"page":3004},{"title":"مسألة [٢]: ضابط التفرق.","level":3,"page":3005},{"title":"مسألة [٣]: قوله: «أو يخير أحدهما الآخر».","level":3,"page":3005},{"title":"مسألة [١]: المراد بالتفرق المذكور تفرق الأبدان.","level":3,"page":3007},{"title":"مسألة [٢]: حكم التفرق من أجل ألا يفسخ الآخر البيع.","level":3,"page":3007},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":3009},{"title":"مسألة [١]: العقود التي يدخلها الخيار.","level":3,"page":3009},{"title":"مسألة [٢]: خيار الشرط.","level":3,"page":3010},{"title":"مسألة [٣]: وقت ذكر شرط الخيار.","level":3,"page":3010},{"title":"مسألة [٤]: هل لخيار الشرط مدة معلومة؟","level":3,"page":3011},{"title":"مسألة [٥]: ابتداء مدة الخيار.","level":3,"page":3012},{"title":"مسألة [٦]: إذا شرط الخيار لأجنبي؟","level":3,"page":3012},{"title":"مسألة [٧]: إذا شرطا الخيار إلى الليل أو إلى غد فمتى تنتهي المدة؟","level":3,"page":3013},{"title":"مسألة [٨]: إذا شرط الخيار أبدا، أو إلى مدة مجهولة؟","level":3,"page":3014},{"title":"مسألة [٩]: إذا شرط الخيار إلى الحصاد، أو العطاء؟","level":3,"page":3015},{"title":"مسألة [١٠]: هل يشترط لمن له الخيار إذا فسخ أن يعلم صاحبه؟","level":3,"page":3015},{"title":"مسألة [١١]: ضمان المبيع في مدة الخيار.","level":3,"page":3016},{"title":"مسألة [١٢]: ما يحصل من غلات المبيع ونمائه في مدة الخيار.","level":3,"page":3017},{"title":"مسألة [١٣]: تصرف أحد المتبايعين بالمبيع ببيعه، أو وقفه، أو هبته.","level":3,"page":3017},{"title":"مسألة [١٤]: تصرف البائع والمشتري بالعتق.","level":3,"page":3019},{"title":"مسألة [١٥]: وطء الجارية في مدة الخيار.","level":3,"page":3020},{"title":"مسألة [١٦]: إذا قال لعبده: إذا بعتك فأنت حر؟","level":3,"page":3022},{"title":"مسألة [١٧]: إخفاء العيب في السلعة.","level":3,"page":3023},{"title":"مسألة [١٨]: حكم البيع إذا بين العيب.","level":3,"page":3023},{"title":"مسألة [١٩]: إذا أخفى العيب وباعه، فهل يصح البيع؟","level":3,"page":3023},{"title":"مسألة [٢٠]: ضابط العيب الذي ترد به السلعة.","level":3,"page":3024},{"title":"مسألة [٢١]: إذا وجد في السلعة عيبا، فهل له رد السلعة؟","level":3,"page":3024},{"title":"مسألة [٢٢]: معنى أرش العيب.","level":3,"page":3025},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا تعذر الرد فما الحكم؟","level":3,"page":3025},{"title":"مسألة [٢٤]: إذا كان الحلي الذي اشتراه قد تلف عليه، فلم يستطع رده؟","level":3,"page":3026},{"title":"مسألة [٢٥]: إذا باع المعيب، فهل له أخذ الأرش من البائع الأول؟","level":3,"page":3026},{"title":"مسألة [٢٦]: هل تصرف المشتري بالمعيب ببيع، أو استهلاك يقطع خياره؟","level":3,"page":3027},{"title":"مسألة [٢٧]: إذا اشترى شخص عبدا أو أمة، ثم عتق العبد أو مات، ثم علم المشتري فيه عيبا بعد ذلك؟","level":3,"page":3028},{"title":"مسألة [٢٨]: رد المعيب هل يفتقر إلى رضى البائع، أو حضوره؟","level":3,"page":3029},{"title":"مسألة [٢٩]: هل خيار العيب على الفور، أم على التراخي؟","level":3,"page":3029},{"title":"مسألة [٣٠]: إن كان المبيع جارية، فعلم بالعيب بعد وطئها؟","level":3,"page":3030},{"title":"مسألة [٣١]: إذا حصل في المبيع عيب آخر عند المشتري، فهل له رده بالعيب الأول؟","level":3,"page":3032},{"title":"مسألة [٣٢]: إذا علم المشتري بالعيب قبل أن يشتريه فهل له الخيار؟","level":3,"page":3033},{"title":"مسألة [٣٣]: لو حصل عيب آخر عند المشتري في حلي الذهب والفضة.","level":3,"page":3033},{"title":"مسألة [٣٤]: إذا حصل في المبيع العيب بعد قبض المشتري لذلك المبيع.","level":3,"page":3033},{"title":"مسألة [٣٥]: إذا تعيب في يد البائع بعد العقد؟","level":3,"page":3034},{"title":"مسألة [٣٦]: المبيع الذي يطلع على عيبه بكسره.","level":3,"page":3035},{"title":"مسألة [٣٧]: المبيع الذي يطلع على عيبه بكسره قسمان.","level":3,"page":3035},{"title":"مسألة [٣٨]: إذا باع المشتري بعض المعيب، ثم ظهر على عيب؟","level":3,"page":3036},{"title":"مسألة [٣٩]: إذا اشترى عينين فوجد إحداهما معيبة؟","level":3,"page":3037},{"title":"مسألة [٤٠]: إذا اشترى اثنان شيئا فوجداه معيبا، أو اشترطا الخيار فرضي أحدهما دون الآخر؟","level":3,"page":3038},{"title":"مسألة [٤١]: إذا ورث اثنان عن أبيهما خيار العيب؟","level":3,"page":3039},{"title":"مسألة [٤٢]: هل يورث الخيار؟","level":3,"page":3039},{"title":"مسألة [١]: خيار الغبن.","level":3,"page":3040},{"title":"مسألة [٢]: خيار التدليس.","level":3,"page":3041},{"title":"باب الربا","level":2,"page":3042},{"title":"مسألة [١]: حرمة الربا.","level":3,"page":3043},{"title":"مسألة [٢]: هل يحرم التعامل بالربا مع الحربي وفي دار الحرب؟","level":3,"page":3044},{"title":"مسألة [١]: الأصناف التي يجري فيها الربا.","level":3,"page":3046},{"title":"مسألة [٢]: أقسام الربا.","level":3,"page":3053},{"title":"مسألة [٣]: وهل يجوز بيع البر أو الشعير بالذهب أو الفضة إلى أجل؟","level":3,"page":3058},{"title":"مسألة [٤]: هل يجري الربا في الفلوس؟","level":3,"page":3058},{"title":"مسألة [٥]: هل يجري الربا في الأوراق النقدية، والعملة المعدنية؟","level":3,"page":3060},{"title":"مسألة [٦]: بماذا يعتبر التساوي في الأصناف الربوية؟","level":3,"page":3061},{"title":"مسألة [٧]: هل يجوز بيع البر بالبر وزنا؟ وكذلك الشعير والتمر، والملح إذا بيع كل واحد منهم بجنسه؟","level":3,"page":3063},{"title":"مسألة [٨]: هل يجوز بيع الذهب بالذهب كيلا، أو الفضة بالفضة كيلا؟","level":3,"page":3064},{"title":"مسألة [٩]: هل يدخل الربا فيما كان جنسه مكيلا، أو موزونا إذا كان قليلا لا يتأتى فيه الكيل والوزن؟","level":3,"page":3065},{"title":"مسألة [١٠]: معرفة المكيل والموزون.","level":3,"page":3065},{"title":"مسألة [١١]: هل شراء الأسهم التجارية يدخل في الربا؟","level":3,"page":3066},{"title":"مسألة [١]: هل جنس التمر والبر وغيرهما يشمل أنواعها؟","level":3,"page":3067},{"title":"مسألة [٢]: قوله في الحديث: وقال في الميزان مثل ذلك.","level":3,"page":3068},{"title":"مسألة [١]: بيع الصنف الربوي بجنسه جزافا.","level":3,"page":3070},{"title":"مسألة [٢]: إذا اختلفت الأصناف فهل يجوز بيعها جزافا؟","level":3,"page":3070},{"title":"مسألة [١]: هل البر والشعير جنس واحد، أم جنسان؟","level":3,"page":3072},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":3074},{"title":"مسألة [١]: بيع الحنطة بدقيق الحنطة، أو الشعير بدقيقه.","level":3,"page":3074},{"title":"مسألة [٢]: بيع الحنطة بالسويق.","level":3,"page":3075},{"title":"مسألة [٣]: بيع دقيق من الحنطة بدقيق آخر من الحنطة أو سويق بسويق.","level":3,"page":3075},{"title":"مسألة [٤]: بيع الدقيق بالسويق.","level":3,"page":3076},{"title":"مسألة [٥]: بيع الدقيق بالخبز من جنسه.","level":3,"page":3077},{"title":"مسألة [٦]: بيع الخبز بالخبز من جنسه.","level":3,"page":3077},{"title":"مسألة [١]: بيع ربوي بجنسه ومع أحدهما شيء آخر من غير جنسه، أو معهما كليهما؟","level":3,"page":3079},{"title":"مسألة [٢]: ما حكم بيع الفضة مع سلعة أخرى بذهب؟","level":3,"page":3081},{"title":"مسألة [٣]: بيع الحلي المصنع بجنسه من الدنانير، أو الفضة هل يجوز فيه التفاضل، أم لا؟","level":3,"page":3082},{"title":"مسألة [١]: هل التقابض شرط لصحة الصرف؟","level":3,"page":3086},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط في القبض الفورية أم هو على التراخي ماداما في المجلس لم يتفرقا؟","level":3,"page":3087},{"title":"مسألة [٣]: إذا صارف رجل آخر فأعاد إليه ما يقابل نصف ما قدمه فهل يبطل الصرف كاملا، أم يصح فيما أعطاه؟","level":3,"page":3088},{"title":"مسألة [٤]: هل يجوز للمصطرف أن يدفع إلى الصارف دينارا ويصرف منه نصف دينار بخمسة دراهم، ويجعل النصف الآخر عنده وديعة؟","level":3,"page":3089},{"title":"مسألة [٥]: هل في الصرف خيار؟","level":3,"page":3089},{"title":"مسألة [٦]: دفع العربون في شراء الذهب.","level":3,"page":3090},{"title":"مسألة [٧]: لو دفع رجل ألف دولار والألف صرفها مثلا مائة وثمانون ألفا فيأخذ ذهبا بما يوازي مائة وخمسين ألفا، فما الحكم في المال المتبقي؟","level":3,"page":3090},{"title":"مسألة [٨]: هل يشترط في الصرف حضور العينين أم يصح ولو كانا غائبين، ثم يرسلان إليها؟","level":3,"page":3091},{"title":"مسألة [٩]: هل يصح أن يتصارفا في مجلس، ثم يقومان جميعا إلى مجلس آخر ليقابضه؟","level":3,"page":3092},{"title":"مسألة [١٠]: إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب فجاء وقضاه دراهم، فهل يصح؟","level":3,"page":3092},{"title":"مسألة [١١]: إذا كان لرجل على آخر دراهم، وللآخر عليه دنانير فاصطرفا بما في ذمتهما، فهل يجوز ذلك؟","level":3,"page":3092},{"title":"مسألة [١٢]: إذا اشترى ذهبا أو فضة بشيك فهل يعتبر هذا تقابضا أم لا؟","level":3,"page":3093},{"title":"مسألة [١٣]: الحوالات المصرفية.","level":3,"page":3093},{"title":"مسألة [١]: التفاضل والنسيئة في غير الأجناس الربوية.","level":3,"page":3097},{"title":"مسألة [٢]: حكم بيع اللحم بالحيوان.","level":3,"page":3098},{"title":"مسألة [١]: بيع العينة.","level":3,"page":3103},{"title":"مسألة [٢]: إن اشترى السلعة ثم باعها منه بنفس الثمن، أو أكثر؟","level":3,"page":3105},{"title":"مسألة [٣]: إذا تغيرت السلعة، فهل له بيعها من البائع بأقل من ثمنها؟","level":3,"page":3105},{"title":"مسألة [٤]: إن باعها بعرض ثم اشتراها بنقد، أو العكس؟","level":3,"page":3105},{"title":"مسألة [٥]: لو اشتراها البائع من غير المشتري بعد أن باعها المشتري لشخص آخر؟","level":3,"page":3106},{"title":"مسألة [٦]: إذا وكل البائع من يشتريها؟","level":3,"page":3106},{"title":"مسألة [٧]: هل يدخل في العينة أن يبيع السلعة نقدا، ثم يشتريها بأكثر منه نسيئة؟","level":3,"page":3107},{"title":"مسألة [٨]: التورق.","level":3,"page":3108},{"title":"مسألة [٩]: هل يبطل بيع العينة؟","level":3,"page":3109},{"title":"مسألة [١٠]: من باع طعاما إلى أجل، فلما حل الأجل أخذ منه بالثمن الذي في ذمته طعاما قبل قبض الثمن؟","level":3,"page":3109},{"title":"مسألة [١]: بيع الرطب باليابس، كالرطب بالتمر، والحب الرطب بالحب اليابس.","level":3,"page":3117},{"title":"مسألة [٢]: بيع الرطب بمثله رطبا من الأصناف الربوية.","level":3,"page":3117},{"title":"مسألة [١]: بيع الدين بالدين.","level":3,"page":3119},{"title":"مسألة [٢]: بيع الدين الذي في ذمة رجل بمال حاضر.","level":3,"page":3122},{"title":"باب الرخصة في العرايا وبيع الأصول والثمار","level":2,"page":3124},{"title":"مسألة [١]: تفسير العرايا.","level":3,"page":3124},{"title":"مسألة [٢]: حكم بيع العرايا.","level":3,"page":3126},{"title":"مسألة [٣]: ما هو القدر الذي تجوز فيها العرايا؟","level":3,"page":3127},{"title":"مسألة [٤]: هل يجوز أن يشتري أكثر من خمسة أوسق بأكثر من صفقة؟","level":3,"page":3128},{"title":"مسألة [٥]: ماذا يشترط في بيع العرايا؟","level":3,"page":3129},{"title":"مسألة [٦]: هل تكون العرية في غير النخل؟","level":3,"page":3131},{"title":"مسألة [١]: بيع الثمرة قبل أن تخلق.","level":3,"page":3134},{"title":"مسألة [٢]: بيع الثمار بعد ظهورها قبل بدو صلاحها.","level":3,"page":3134},{"title":"مسألة [٣]: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها مع الأصل النخلة.","level":3,"page":3135},{"title":"مسألة [٤]: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها لمالك الأصل.","level":3,"page":3136},{"title":"مسألة [٥]: ضابط بدو الصلاح.","level":3,"page":3136},{"title":"مسألة [٦]: بيع القثاء، والخيار، والباذنجان، وما أشبهها هل يجوز بيع أكثر من لقطة.","level":3,"page":3137},{"title":"مسألة [٧]: إذا اشتراها بأصولها، فهل يجوز ذلك؟","level":3,"page":3138},{"title":"مسألة [٨]: بيع الثمار بعد بدو صلاحها هل يشترط فيها القطع أو التبقية؟","level":3,"page":3139},{"title":"مسألة [٩]: على من سقي الثمرة؟","level":3,"page":3139},{"title":"مسألة [١٠]: هل يجوز لمشتري الثمرة بيعها وهي في شجرها؟","level":3,"page":3140},{"title":"مسألة [١١]: بدو الصلاح في بعض الثمر من الشجرة هل يجوز بيع جميع ثمار الشجرة؟","level":3,"page":3141},{"title":"مسألة [١٢]: إذا بدا الصلاح في شجرة، فهل يجوز بيع جميع ثمر الأشجار في ذلك البستان من ذلك النوع؟","level":3,"page":3141},{"title":"مسألة [١٣]: هل يكون بدو الصلاح في نوع يجيز بيع الأنواع الأخرى من نفس الجنس؟","level":3,"page":3142},{"title":"مسألة [١٤]: هل بدو الصلاح في بستان يكون صلاحا لسائر البساتين؟","level":3,"page":3143},{"title":"مسألة [١]: معنى الجائحة.","level":3,"page":3144},{"title":"مسألة [٢]: إذا بيعت الثمرة بعد بدو الصلاح، ثم أصيب بآفة سماوية قبل أوان الجذاذ؟","level":3,"page":3144},{"title":"مسألة [٣]: هل الجائحة في الثمار فقط، أم تشمل الزروع؟","level":3,"page":3146},{"title":"مسألة [٤]: إذا استأجر أرضا فزرعها، فتلف الزرع؟","level":3,"page":3146},{"title":"مسألة [١]: معنى التأبير.","level":3,"page":3147},{"title":"مسألة [٢]: بيع النخل وفيها ثمر.","level":3,"page":3148},{"title":"مسألة [٣]: الثمرة إذا استثناها البائع، فهل يلزمه قطعها؟","level":3,"page":3149},{"title":"مسألة [٤]: إذا أبر بعض النخل دون بعض؟","level":3,"page":3150},{"title":"مسألة [٥]: إذا أبرت بعض ثمرة النخلة الواحدة دون ثمرها الآخر؟","level":3,"page":3150},{"title":"مسألة [٦]: إذا احتاجت الثمرة إلى السقي؟","level":3,"page":3151},{"title":"مسألة [٧]: إذا خيف على الأصول العطش بتبقية الثمر عليها؟","level":3,"page":3151},{"title":"مسألة [٨]: إذا باع شجرا وفيه ثمر للبائع، فحدثت ثمرة أخرى؟","level":3,"page":3152},{"title":"مسألة [٩]: إذا باع أرضا وفيها زرع لا يحصد إلا مرة.","level":3,"page":3153},{"title":"مسألة [١٠]: إذا باع أرضا وفيها زرع يجز مرة بعد أخرى؟","level":3,"page":3153},{"title":"مسألة [١١]: إذا باع أرضا، فهل يدخل فيها البناء والشجر الموجود فيها؟","level":3,"page":3154},{"title":"مسألة [١٢]: هل بيع الغراس والبناء يتبعه الأرض؟","level":3,"page":3154},{"title":"مسألة [١٣]: إذا باع دارا، فهل يتبعها كل ما فيها؟","level":3,"page":3155},{"title":"مسألة [١٤]: إذا باع أرضا وفيها كنز؟","level":3,"page":3155},{"title":"مسألة [١٥]: إذا باع أرضا وفيها بئر، أو عين؟","level":3,"page":3156},{"title":"مسألة [١٦]: إذا باع عبدا، وله مال، أو أمة ولها حلي؟","level":3,"page":3157},{"title":"مسألة [١]: تعريف السلم.","level":3,"page":3158},{"title":"مسألة [٢]: مشروعية السلم.","level":3,"page":3159},{"title":"مسألة [٣]: شروط السلم.","level":3,"page":3159},{"title":"مسألة [٤]: هل يصح السلم في الجواهر؟","level":3,"page":3160},{"title":"مسألة [٥]: السلم في الخبز وما مسته النار.","level":3,"page":3160},{"title":"مسألة [٦]: هل يصح السلم في الحيوان؟","level":3,"page":3161},{"title":"مسألة [٧]: السلم في اللحم.","level":3,"page":3162},{"title":"مسألة [٨]: السلم في الرؤوس والأطراف.","level":3,"page":3162},{"title":"مسألة [٩]: هل يصح السلم فيما يكال وزنا، وفيما يوزن كيلا؟","level":3,"page":3164},{"title":"مسألة [١٠]: السلم في غير المكيل والموزون من الأطعمة.","level":3,"page":3164},{"title":"مسألة [١١]: هل يصح السلم الحال؟","level":3,"page":3166},{"title":"مسألة [١٢]: السلم إلى الحصاد، أو الجزاز، وما أشبهه.","level":3,"page":3167},{"title":"مسألة [١٣]: هل يشترط في المدة وقتا معينا؟","level":3,"page":3167},{"title":"مسألة [١٤]: وهل يشترط أن يكون الشيء موجودا عند العقد؟","level":3,"page":3168},{"title":"مسألة [١٥]: إذا أسلم في شيء موجود، ثم عدم في وقت التسليم.","level":3,"page":3168},{"title":"مسألة [١٦]: هل يصح السلم في بستان معين؟","level":3,"page":3169},{"title":"مسألة [١٧]: إذا قبض بعض الثمن ثم تفرقا؟","level":3,"page":3170},{"title":"مسألة [١٨]: هل يشترط في السلم تعيين مكان القبض؟","level":3,"page":3171},{"title":"مسألة [١٩]: لو أن شخصا أسلم رجلا في طعام يوفيه إياه في مكة، فوجده في غير مكة، وأعطاه، وأعطاه كراء حمله إلى مكة، فما الحكم؟","level":3,"page":3172},{"title":"مسألة [٢٠]: بيع المسلم فيه قبل قبضه.","level":3,"page":3172},{"title":"مسألة [٢١]: الإشراك والتولية في المسلم فيه.","level":3,"page":3173},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا كان له في ذمة رجل مال، فهل يجوز جعله سلما؟","level":3,"page":3173},{"title":"مسألة [٢٣]: هل يصح أن يسلم عروضا مقابل مال إلى أجل؟","level":3,"page":3174},{"title":"مسألة [٢٤]: الإقالة في السلم.","level":3,"page":3174},{"title":"مسألة [٢٥]: إذا أقاله فهل له أن يأخذ بدل المال عوضا عنه حاضرا؟","level":3,"page":3175},{"title":"مسألة [٢٦]: إذا أسلم في جنسين سلما واحدا من غير بيان ثمن كل واحد منهما؟","level":3,"page":3176},{"title":"مسألة [٢٧]: إذا أسلم في شيء واحد على أن يقبضه أجزاء معلومة في أوقات متفرقة معلومة؟","level":3,"page":3177},{"title":"مسألة [٢٨]: إذا أدى المسلم إليه المسلم فيه قبل حلول الأجل؟","level":3,"page":3177},{"title":"مسألة [٢٩]: إذا أدى المسلم إليه المسلم فيه بصفة أجود مما تعاقدا عليه؟","level":3,"page":3178},{"title":"مسألة [٣٠]: إذا جاءه بالأجود وطلب زيادة في الثمن؟","level":3,"page":3178},{"title":"مسألة [٣١]: من أسلم في شيء معين فجاء الأجل فأراد إبداله بغيره؟","level":3,"page":3179},{"title":"مسألة [٣٢]: هل يجوز أخذ الرهن، أو الكفيل في السلم؟","level":3,"page":3180},{"title":"مسألة [١]: تعريف القرض.","level":3,"page":3182},{"title":"مسألة [٢]: مشروعية القرض.","level":3,"page":3182},{"title":"مسألة [٣]: فيم يكون القرض؟","level":3,"page":3182},{"title":"مسألة [٤]: تصرف المستقرض بالقرض؟","level":3,"page":3183},{"title":"مسألة [٥]: حكم القرض.","level":3,"page":3183},{"title":"مسألة [٦]: القرض يكون من جائز التصرف.","level":3,"page":3183},{"title":"مسألة [٧]: هل عقد القرض لازم؟","level":3,"page":3184},{"title":"مسألة [٨]: هل في عقد القرض خيار؟","level":3,"page":3184},{"title":"مسألة [٩]: قرض المكيل والموزون.","level":3,"page":3185},{"title":"مسألة [١٠]: هل تقرض الجواهر؟","level":3,"page":3185},{"title":"مسألة [١١]: قرض العبيد والإماء.","level":3,"page":3185},{"title":"مسألة [١٢]: استقراض الخبز.","level":3,"page":3187},{"title":"مسألة [١٣]: استقراض المكيل والموزون جزافا بدون معرفة كيله ووزنه؟","level":3,"page":3187},{"title":"مسألة [١٤]: استقراض غير المكيل والموزون كالحيوانات والأمتعة والثياب.","level":3,"page":3187},{"title":"مسألة [١٥]: المستقرض هل يرد المثل، أو القيمة؟","level":3,"page":3188},{"title":"مسألة [١]: التأجيل إلى ميسرة في البيع والقرض والسلم؟","level":3,"page":3190},{"title":"مسألة [١]: تعريف الرهن.","level":3,"page":3194},{"title":"مسألة [٢]: هل يشرع الرهن في الحضر، أم هو خاص في السفر؟","level":3,"page":3195},{"title":"مسألة [٣]: هل الرهن واجب؟","level":3,"page":3196},{"title":"مسألة [٤]: الرهن من جائز التصرف.","level":3,"page":3196},{"title":"مسألة [٥]: هل عقد الرهن لازم أم جائز؟","level":3,"page":3196},{"title":"مسألة [٦]: متى يلزم الرهن؟","level":3,"page":3197},{"title":"مسألة [٧]: هل استدامة القبض شرط للزوم الرهن؟","level":3,"page":3197},{"title":"مسألة [٨]: كيفية القبض للرهن.","level":3,"page":3198},{"title":"مسألة [٩]: إذا رهنه دارا، فانهدمت قبل القبض؟","level":3,"page":3198},{"title":"مسألة [١٠]: التوكيل في قبض الرهن.","level":3,"page":3198},{"title":"مسألة [١١]: إذا أرهن عينين، فتلفت إحداهما؟","level":3,"page":3199},{"title":"مسألة [١٢]: إذا أزيل الرهن من يد المرتهن بغير حق؟","level":3,"page":3199},{"title":"مسألة [١٣]: متى يسلم الرهن؟","level":3,"page":3199},{"title":"مسألة [١٤]: ما جاز بيعه جاز رهنه.","level":3,"page":3200},{"title":"مسألة [١٥]: إذا رهن الراهن المرتهن شيئا في يد المرتهن كعارية، أو وديعة، أو غصبا؟","level":3,"page":3200},{"title":"مسألة [١٦]: إذا رهنه المغصوب والعارية والمقبوض في بيع فاسد، فهل يزول الضمان؟","level":3,"page":3200},{"title":"مسألة [١٧]: هل يصح رهن المشاع؟","level":3,"page":3202},{"title":"مسألة [١٨]: رهن المدبر.","level":3,"page":3202},{"title":"مسألة [١٩]: رهن المكاتب.","level":3,"page":3203},{"title":"مسألة [٢٠]: من علق عتقه بصفة تحل قبل حلول الحق؟","level":3,"page":3203},{"title":"مسألة [٢١]: رهن الجارية مع ولدها.","level":3,"page":3204},{"title":"مسألة [٢٢]: هل يرهن في الدين الذي ليس بثابت كدين الكتابة؟","level":3,"page":3205},{"title":"مسألة [٢٣]: رهن الثمرة قبل بدو صلاحها؟","level":3,"page":3205},{"title":"مسألة [٢٤]: رهن الثمرة قبل خروجها.","level":3,"page":3205},{"title":"مسألة [٢٥]: رهن ما في بطن الشاة؟","level":3,"page":3206},{"title":"مسألة [٢٦]: رهن المصحف.","level":3,"page":3207},{"title":"مسألة [٢٧]: استعارة الشيء ليرهنه.","level":3,"page":3208},{"title":"مسألة [٢٨]: هل يؤخذ الرهن في غير الدين كالعارية، والمغصوب وما أشبهه؟","level":3,"page":3208},{"title":"مسألة [٢٩]: الرهن للدين بدين في ذمة رجل آخر.","level":3,"page":3208},{"title":"مسألة [٣٠]: الرهن للدين بمنافع يأخذها المرتهن.","level":3,"page":3209},{"title":"مسألة [٣١]: رهن ما يفسد بعد فترة.","level":3,"page":3209},{"title":"مسألة [٣٢]: جعل الرهن الأول رهنا لدين آخر عند المرتهن نفسه؟","level":3,"page":3210},{"title":"مسألة [٣٣]: إذا أدى بعض الدين، فهل من حقه أخذ الرهن؟","level":3,"page":3210},{"title":"مسألة [٣٤]: إمساك السلعة رهنا بقيمتها، أو ببعض قيمتها؟","level":3,"page":3211},{"title":"مسألة [٣٥]: رهن العبد المسلم لكافر؟","level":3,"page":3213},{"title":"مسألة [٣٦]: جعل الرهن على يدي عدل؟","level":3,"page":3213},{"title":"مسألة [٣٧]: هل للراهن، أو المرتهن أن ينقل الرهن من يد العدل؟","level":3,"page":3214},{"title":"مسألة [٣٨]: إذا أراد العدل رد الرهن؟","level":3,"page":3215},{"title":"مسألة [٣٩]: هل للعدل بيع الرهن؟","level":3,"page":3215},{"title":"مسألة [٤٠]: الثمن الذي يبيع العدل به؟","level":3,"page":3216},{"title":"مسألة [٤١]: إذا باع إلى أجل بشرط رهن، ولم يعين الرهن، أو قال: (برهن إحدى هذه الشياه) مثلا؟","level":3,"page":3216},{"title":"مسألة [٤٢]: إذا باعه بشرط أن يأتي برهن، فلم يأت به؟","level":3,"page":3217},{"title":"مسألة [٤٣]: الرهن بشرط أن يبيعه المرتهن.","level":3,"page":3217},{"title":"مسألة [٤٤]: شرط أن يبيعه العدل عند حلول الحق؟","level":3,"page":3218},{"title":"مسألة [٤٥]: إذا اشترط ما ينافي مقتضى الرهن؟","level":3,"page":3218},{"title":"مسألة [٤٦]: وهل يفسد الرهن مع فساد الشرط؟","level":3,"page":3218},{"title":"مسألة [٤٧]: إذا اشترط عليه إذا حل الدين ولم يوفه فالرهن له بالدين بيعا؟","level":3,"page":3219},{"title":"مسألة [٤٨]: إذا شرط المرتهن أن ينتفع بالرهن؟","level":3,"page":3220},{"title":"مسألة [٤٩]: انتفاع المرتهن بالمركوب والمحلوب.","level":3,"page":3220},{"title":"مسألة [٥٠]: وهل يستخدم العبد مقابل نفقته أيضا؟","level":3,"page":3221},{"title":"مسألة [٥١]: انتفاع المرتهن من الرهن الذي ليس له مؤنة؟","level":3,"page":3222},{"title":"مسألة [٥٢]: إذا أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بغير عوض؟","level":3,"page":3222},{"title":"مسألة [٥٣]: إذا انتفع المرتهن من الرهن بأجرة للراهن؟","level":3,"page":3223},{"title":"مسألة [٥٤]: إذا انتفع المرتهن من الرهن بغير إذن؟","level":3,"page":3223},{"title":"مسألة [٥٥]: هل للمرتهن وطء الجارية المرهونة؟","level":3,"page":3223},{"title":"مسألة [٥٦]: انتفاع الراهن برهنه وتصرفه فيه.","level":3,"page":3224},{"title":"مسألة [٥٧]: هل يجوز للراهن وطء أمته المرهونة؟","level":3,"page":3225},{"title":"مسألة [٥٨]: هل له وطؤها إذا أذن المرتهن؟","level":3,"page":3225},{"title":"مسألة [٥٩]: هل ينفذ عتق الراهن لعبده المرهون؟","level":3,"page":3225},{"title":"مسألة [٦٠]: إذا رهن جارية، ثم وطئها بغير إذن المرتهن، فحملت؟","level":3,"page":3226},{"title":"مسألة [٦١]: إذا زوج الراهن أمته المرهونة؟","level":3,"page":3227},{"title":"مسألة [٦٢]: نماء الرهن وغلاته؟","level":3,"page":3227},{"title":"مسألة [٦٣]: مؤنة الرهن من حيث النفقة، والمعالجة، والحفظ، وما أشبهه؟","level":3,"page":3228},{"title":"مسألة [٦٤]: إذا تلف الرهن بدون تعدي أو تفريط من المرتهن، فمن يضمنه؟","level":3,"page":3229},{"title":"مسألة [٦٥]: إذا وضع على يدي عدل، فتلف بدون تعدي منه، أو تفريط؟","level":3,"page":3230},{"title":"مسألة [٦٦]: إذا مات الراهن، أو المرتهن؟","level":3,"page":3230},{"title":"مسألة [٦٧]: إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الرهن؟","level":3,"page":3230},{"title":"مسألة [٦٨]: إن اختلفا في قدر الدين الذي رهن من أجله؟","level":3,"page":3231},{"title":"مسألة [٦٩]: إذا حل الدين ولم يوف الراهن؟","level":3,"page":3232},{"title":"مسألة [١]: قضاء المقترض للمقرض بأفضل مما أخذ منه بغير شرط.","level":3,"page":3233},{"title":"مسألة [٢]: إذا قضى المقترض المقرض أقل مما أخذ منه؟","level":3,"page":3234},{"title":"مسألة [٣]: إذا أقرضه وشرط عليه زيادة، أو هدية؟","level":3,"page":3235},{"title":"مسألة [٤]: إذا أقرضه وشرط عليه أن يقضيه في بلد آخر؟","level":3,"page":3235},{"title":"مسألة [٥]: إذا أقرضه بشرط أن يكتب له بها سفتجة؟","level":3,"page":3236},{"title":"مسألة [٦]: إن كتب له بها سفتجة، أو قضاه في بلد آخر بغير شرط؟","level":3,"page":3237},{"title":"مسألة [٧]: إذا أهدى المقترض للمقرض، فهل يأخذ الهدية؟","level":3,"page":3237},{"title":"مسألة [٨]: حلول دين المدين إذا مات، وإن كان مؤجلا؟","level":3,"page":3239},{"title":"مسألة [٩]: هل للمقترض أن يأخذ شيئا بدل قرضه؟","level":3,"page":3240},{"title":"مسألة [١٠]: تعجيل الدين بشرط وضع بعضه.","level":3,"page":3240},{"title":"مسألة [١١]: اقتراض المنافع.","level":3,"page":3242},{"title":"مسألة [١٢]: إذا اقترض رجل من آخر أموالا ورقية أو فلوسا، ثم ألغى السلطان تلك العملة؟","level":3,"page":3243},{"title":"مسألة [١٣]: إذا اقترض رجل من آخر أموالا ورقية، أو فلوسا، ثم نقصت قيمتها؟","level":3,"page":3244},{"title":"مسألة [١٤]: إذا اقترض نصراني من نصراني خمرا ثم أسلم أحدهما؟","level":3,"page":3246},{"title":"مسألة [١٥]: إذا قال رجل لآخر: استقرض لي من فلان ألف درهم، ولك عشرة دراهم، فما الحكم؟","level":3,"page":3246},{"title":"مسألة [١٦]: إذا رد المقترض القرض بعينه على المقرض فهل يلزمه قبوله؟","level":3,"page":3247},{"title":"باب التفليس والحجر","level":2,"page":3248},{"title":"مسألة [١]: الأحكام التي تتعلق بمن صار مفلسا.","level":3,"page":3249},{"title":"مسألة [٢]: متى يبدأ الحجر على المفلس؟","level":3,"page":3250},{"title":"مسألة [٣]: تصرف المحجور عليه بالفلس؟","level":3,"page":3251},{"title":"مسألة [٤]: تصرف المفلس بذمته، كأن يشتري، أو يضمن دينا إلى أجل.","level":3,"page":3252},{"title":"مسألة [٥]: إقرار المفلس بدين آخر.","level":3,"page":3252},{"title":"مسألة [٦]: إذا اشترى المفلس بالأجل، ولم يعلم الذي باعه أنه مفلس، ثم علم، فهل له الفسخ؟","level":3,"page":3253},{"title":"مسألة [٧]: من وجد متاعه بعينه فهو أحق به من سائر الغرماء.","level":3,"page":3253},{"title":"مسألة [٨]: إذا بذل الغرماء الثمن لصاحب السلعة ليتركها، فهل يلزمه قبوله؟","level":3,"page":3254},{"title":"مسألة [٩]: هل يستحق البائع الرجوع في السلعة إذا كان قد تلف بعضها؟","level":3,"page":3255},{"title":"مسألة [١٠]: إذا نقصت مالية المبيع بذهاب صفة مع بقاء العين؟","level":3,"page":3255},{"title":"مسألة [١١]: إن اشترى منه زيتا، فخلطه بزيت آخر، أو قمحا، فخلطه بقمح آخر.","level":3,"page":3256},{"title":"مسألة [١٢]: إن كان المفلس قد عمل في المتاع عملا غير اسمه؟","level":3,"page":3257},{"title":"مسألة [١٣]: إن اشترى ثوبا فصبغه، ثم أفلس؟","level":3,"page":3257},{"title":"مسألة [١٤]: إذا زاد المبيع زيادة متصلة كالسمن والكبر؟","level":3,"page":3258},{"title":"مسألة [١٥]: الزيادة المنفصلة كالثمرة، والولد، والكسب؟","level":3,"page":3258},{"title":"مسألة [١٦]: إذا كان المبيع أرضا فبناها، أو غرسها، ثم أفلس؟","level":3,"page":3259},{"title":"مسألة [١٧]: إذا كانت العين مبيعة لم تقبض، أو مرهونة؟","level":3,"page":3259},{"title":"مسألة [١٨]: إذا كان دين المرتهن دون قيمة الرهن؟","level":3,"page":3259},{"title":"مسألة: إذا تلف بعض المبيع فهل يكون صاحب السلعة أحق بها، فراجعه.","level":3,"page":3260},{"title":"مسألة [١٩]: إذا أخرج المشتري المتاع ببيع، أو هبة، ثم رجع إليه، ثم أفلس، فهل المالك الأول أحق فيه؟","level":3,"page":3260},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا كان المبيع شقصا مشفوعا، فهل البائع أحق به، أم الشفيع الشريك إذا كان قد علم بالبيع؟","level":3,"page":3260},{"title":"مسألة [١]: إذا أفلس الرجل وعنده متاع قد أدى بعض ثمنه، فهل صاحبه أحق به؟","level":3,"page":3263},{"title":"مسألة [٢]: إذا مات الرجل مفلسا، فهل صاحب المتاع أحق بمتاعه؟","level":3,"page":3263},{"title":"مسألة [٣]: إذا كان صاحب العين لم يحل دينه، فهل هو أحق به، أم لا؟","level":3,"page":3264},{"title":"مسألة [٤]: هل يحل الدين المؤجل بسبب الفلس؟","level":3,"page":3265},{"title":"مسألة [٥]: هل يحل الدين بالموت؟","level":3,"page":3266},{"title":"مسألة [٦]: من أثبت أن له حقا بعد أن حجر عليه، أو جنى المفلس جناية بعد الحجر؟","level":3,"page":3267},{"title":"مسألة [٧]: لو قسم الحاكم ماله، ثم ظهر غريم آخر له دين عليه قد حل قبل الحجر؟","level":3,"page":3267},{"title":"مسألة [٨]: هل يترك للمفلس نفقة؟","level":3,"page":3268},{"title":"مسألة [٩]: هل تباع عليه داره التي يسكنها؟","level":3,"page":3268},{"title":"مسألة [١٠]: إذا فرق مال المفلس، ولم يبق منه شيء، فهل يجبر أن يجعل نفسه أجيرا لبعض غرمائه؟","level":3,"page":3269},{"title":"مسألة [١١]: هل يجبر على قبول الهدية والصدقة؟","level":3,"page":3270},{"title":"مسألة [١٢]: إذا تدين ديونا أخرى بعد فك الحجر عنه، ثم أفلس مرة أخرى؟","level":3,"page":3270},{"title":"مسألة [١]: إذا أبى الواجد الغني أن يقضي الدين، فكيف يصنع معه؟","level":3,"page":3271},{"title":"مسألة [١]: من ثبت إعساره عند الحاكم، فهل يجوز مطالبته وملازمته؟","level":3,"page":3272},{"title":"مسألة [٢]: من عليه دين، فطولب به، فله حالات.","level":3,"page":3272},{"title":"مسألة [٣]: من أراد السفر، وعليه دين يستحق قبل مدة السفر.","level":3,"page":3274},{"title":"مسألة [١]: الحجر على الصبي.","level":3,"page":3278},{"title":"مسألة [٢]: متى يدفع إليه ماله؟","level":3,"page":3278},{"title":"مسألة [٣]: هل يعتبر في زوال الحجر عن الصبي حكم الحاكم؟","level":3,"page":3279},{"title":"مسألة [٤]: هل حكم اليتيمة في زوال الحجر كحكم اليتيم؟","level":3,"page":3279},{"title":"مسألة [٥]: تصرف اليتيم والصبي.","level":3,"page":3280},{"title":"مسألة [٦]: بم يحصل البلوغ؟","level":3,"page":3280},{"title":"مسألة [٧]: ما المقصود بالرشد؟","level":3,"page":3282},{"title":"مسألة [٨]: كيفية معرفة الرشد.","level":3,"page":3282},{"title":"مسألة [٩]: الحجر على المجنون.","level":3,"page":3283},{"title":"مسألة [١٠]: الحجر على السفيه الذي لا يحسن التصرف.","level":3,"page":3283},{"title":"مسألة [١١]: متى يثبت الحجر على السفيه، ومتى يزول؟","level":3,"page":3285},{"title":"مسألة [١٢]: من عامل السفيه فأتلف السفيه ذلك المال، فمن ضمان من؟","level":3,"page":3285},{"title":"مسألة [١٣]: إذا أقر السفيه بما يوجب الحد أو القصاص؟","level":3,"page":3286},{"title":"مسألة [١٤]: هل يقع الطلاق من المحجور عليه؟","level":3,"page":3287},{"title":"مسألة [١٥]: هل يقع عتقه إذا أعتق؟","level":3,"page":3287},{"title":"مسألة [١٦]: هل يصح نكاح السفيه إذا تزوج؟","level":3,"page":3287},{"title":"مسألة [١٧]: إذا أقر السفيه بدين، أو بما يوجب المال من الجنايات؟","level":3,"page":3288},{"title":"مسألة [١٨]: ولي اليتيم هل له أن يأكل من مال اليتيم مقابل قيامه عليه؟","level":3,"page":3289},{"title":"مسألة [١٩]: العمل في مال اليتيم بالتجارة، والمضاربة وغيرها؟","level":3,"page":3290},{"title":"مسألة [١]: تصرف المرأة الرشيدة المتزوجة في مالها؟","level":3,"page":3291},{"title":"مسألة [٢]: تصدق المرأة من مال زوجها بغير إذنه.","level":3,"page":3293},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":3294},{"title":"مسألة [١]: هل يملك العبد التصرف في ماله، أم لا؟","level":3,"page":3294},{"title":"باب الصلح","level":2,"page":3297},{"title":"مسألة [١]: تعريف الصلح.","level":3,"page":3298},{"title":"مسألة [٢]: هل هذا الصلح بيع أم إبراء؟","level":3,"page":3299},{"title":"مسألة [٣]: إن صالح عن المنكر أجنبي؟","level":3,"page":3300},{"title":"مسألة [٤]: إن صالح الأجنبي المدعي؛ لتكون المطالبة لنفسه؟","level":3,"page":3300},{"title":"مسألة [٥]: إذا تصالح المدعي والمدعى عليه على دين مؤجل ببعضه حالا؟","level":3,"page":3303},{"title":"مسألة [٦]: إذا تدلت أغصان شجرة على ملك الجار، كبيته، وحائطه، فتصالحا على تركها مع عوض معلوم؟","level":3,"page":3304},{"title":"مسألة [٧]: إذا صالحه على إقرارها بجزء معلوم من ثمرها؟","level":3,"page":3305},{"title":"مسألة [٨]: الصلح على المجهول.","level":3,"page":3306},{"title":"مسألة [٩]: إذا كان له عليه دين حال فصالحه على إسقاط بعضه وتأجيله؟","level":3,"page":3307},{"title":"مسألة [١]: إذا أراد الجار أن يغرز خشبة في جدار جاره، فهل له أن يمنعه؟","level":3,"page":3308},{"title":"مسألة [٢]: وضع الخشب على جدار المسجد.","level":3,"page":3310},{"title":"مسألة [٣]: إذا اختلف الجاران في حائط بينهما كل واحد يدعيه لنفسه؟","level":3,"page":3310},{"title":"مسألة [٤]: إذا تنازع صاحب العلو والسفل في حوائط البيت وسقفه؟","level":3,"page":3311},{"title":"مسألة [٥]: إذا انهدم الحائط المشترك فأراد أحدهما أن يبنيه فهل يلزم الآخر على بنائه معه؟","level":3,"page":3312},{"title":"مسألة [٦]: إذا انهدم السقف؟","level":3,"page":3312},{"title":"مسألة [٧]: إذا انهدمت حيطان البيت الأسفل، فهل يلزمه البناء إذا طلب صاحب العلو؟","level":3,"page":3313},{"title":"مسألة [٨]: إذا طالب صاحب السفل بالبناء، وأبى صاحب العلو؟","level":3,"page":3313},{"title":"باب الحوالة والضمان","level":2,"page":3315},{"title":"مسألة [١]: تعريف الحوالة.","level":3,"page":3315},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط في صحتها رضى المحيل؟","level":3,"page":3315},{"title":"مسألة [٣]: هل يشترط في صحتها رضى المحتال والمحال عليه؟","level":3,"page":3317},{"title":"مسألة [٤]: هل يشترط تماثل الحقين الذي عند المحيل والمحال عليه؟","level":3,"page":3318},{"title":"مسألة [٥]: هل يشترط أن يكون المال معلوما؟","level":3,"page":3318},{"title":"مسألة [٦]: هل يشترط أن يحيله على دين مستقر؟","level":3,"page":3319},{"title":"مسألة [٧]: إذا أحال الرجل شخصا ليس له عليه حق إلى من له عليه حق، وكذا العكس؟","level":3,"page":3319},{"title":"مسألة [٨]: إذا اجتمعت شروط الحوالة، فهل تبرأ ذمة المحيل؟","level":3,"page":3320},{"title":"مسألة [٩]: إذا رضي المحتال بالإحالة ولم يشترط اليسار، فهل له الرجوع إلى المحيل؟","level":3,"page":3320},{"title":"مسألة [١٠]: إذا اشترط المحال أن يكون المحال عليه مليئا فهل يصح شرطه، وهل له الرجوع إذا بان معسرا؟","level":3,"page":3322},{"title":"مسألة [١١]: إذا أحال المحال عليه إلى إنسان آخر فهل يصح ذلك؟","level":3,"page":3322},{"title":"مسألة [١٢]: إذا أذن رجل لآخر أن يأخذ دينه من فلان، ثم اختلفا هل هي وكالة، أم حوالة؟","level":3,"page":3322},{"title":"مسألة [١٣]: إذا قال: أحلتك بالمال الذي عند زيد، ثم اختلفا؟","level":3,"page":3323},{"title":"مسألة [١٤]: إذا قال: أحلتك بدينك.","level":3,"page":3323},{"title":"مسألة [١]: تعريف الضمان.","level":3,"page":3325},{"title":"مسألة [٢]: مشروعية الضمان.","level":3,"page":3325},{"title":"مسألة [٣]: هل يشترط في الضمان رضى الضامن والمضمون عنه؟","level":3,"page":3326},{"title":"مسألة [٤]: هل يشترط رضى المضمون له؟","level":3,"page":3326},{"title":"مسألة [٥]: هل يصح ضمان المجهول؟","level":3,"page":3327},{"title":"مسألة [٦]: ضمان ما لم يجب.","level":3,"page":3327},{"title":"مسألة [٧]: الضمان عن الميت.","level":3,"page":3328},{"title":"مسألة [٨]: الدين الذي لا يؤول إلى اللزوم، هل يضمن فيه؟","level":3,"page":3328},{"title":"مسألة [٩]: الضمان على عين مضمونة كالمغصوب، والمقبوض ببيع فاسد؟","level":3,"page":3329},{"title":"مسألة [١٠]: الضمان من إنسان جائز التصرف.","level":3,"page":3330},{"title":"مسألة [١١]: هل يسقط الدين عن المضمون عنه؟","level":3,"page":3330},{"title":"مسألة [١٢]: هل يرجع الضامن إذا أدى الدين على المضمون عنه؟","level":3,"page":3331},{"title":"مسألة [١٣]: إذا اشترط الضامن أن يأخذ المضمون له بحقه المضمون عنه، أو يأخذ الملي منهما دون المعسر، أو الحاضر دون الغائب؟","level":3,"page":3333},{"title":"مسألة [١٤]: إذا ضمن ضامن دينا حالا ضمانا مؤجلا؟","level":3,"page":3334},{"title":"مسألة [١٥]: إذا ضمن ضامن دينا مؤجلا عن إنسان، ثم مات أحدهما؟","level":3,"page":3334},{"title":"مسألة [١٦]: إذا أبرأ صاحب الدين الضامن، أو المضمون عنه؟","level":3,"page":3335},{"title":"مسألة [١٧]: هل يدخل في الضمان والكفالة خيار؟","level":3,"page":3335},{"title":"مسألة [١٨]: هل يجوز للضامن أن يأخذ من المضمون عنه جعلا؟","level":3,"page":3336},{"title":"مسألة [١]: معنى الكفالة.","level":3,"page":3338},{"title":"مسألة [٢]: هل تصح الكفالة بالنفس؟","level":3,"page":3338},{"title":"مسألة [٣]: إذا لم يستطع الكفيل أن يأتي بالمكفول فهل يغرم دينه؟","level":3,"page":3339},{"title":"مسألة [٤]: إذا مات المكفول، فهل يبرأ الكفيل؟","level":3,"page":3340},{"title":"مسألة [٥]: إذا عين في الكفالة تسليمه في مكان، فأحضره في غيره؟","level":3,"page":3340},{"title":"مسألة [٦]: إذا تكفل برجل إلى أجل إن جاء به، وإلا لزمه؟","level":3,"page":3341},{"title":"مسألة [٧]: الكفالة ببدن من عليه حد؟","level":3,"page":3341},{"title":"باب الشركة والوكالة","level":2,"page":3343},{"title":"مسألة [١]: تعريف الشركة.","level":3,"page":3344},{"title":"مسألة [٢]: مشروعية الشركة.","level":3,"page":3344},{"title":"مسألة [٣]: الشركة من جائز التصرف.","level":3,"page":3345},{"title":"مسألة [٤]: مشاركة اليهودي، والنصراني.","level":3,"page":3345},{"title":"مسألة [٥]: شركة العنان.","level":3,"page":3346},{"title":"مسألة [٦]: هل يشترط أن تكون هذه الشركة بالدراهم والدنانير أم يجوز أن تكون في العروض أيضا؟","level":3,"page":3347},{"title":"مسألة [٧]: هل يشترط أن يكون المال معلوم القدر؟","level":3,"page":3347},{"title":"مسألة [٨]: هل يشترط اتفاق الجنس في المالين؟","level":3,"page":3348},{"title":"مسألة [٩]: هل يشترط تساوي المالين في القدر؟","level":3,"page":3349},{"title":"مسألة [١٠]: هل يشترط خلط المالين؟","level":3,"page":3349},{"title":"مسألة [١١]: التصرف من الشريكين.","level":3,"page":3350},{"title":"مسألة [١٢]: الربح في شركة العنان.","level":3,"page":3350},{"title":"مسألة [١٣]: الخسارة في شركة العنان.","level":3,"page":3351},{"title":"مسألة [١٤]: شركة الأبدان.","level":3,"page":3351},{"title":"مسألة [١٥]: هل تصح شركة الأبدان مع اختلاف الصنائع؟","level":3,"page":3352},{"title":"مسألة [١٦]: الربح في شركة الأبدان.","level":3,"page":3352},{"title":"مسألة [١٧]: شركة المضاربة.","level":3,"page":3352},{"title":"مسألة [١٨]: شركة الوجوه.","level":3,"page":3353},{"title":"مسألة [١٩]: شركة المفاوضة.","level":3,"page":3353},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا أدخل الشريكان في الشركة الأكساب النادرة، والغرامات النادرة؟","level":3,"page":3354},{"title":"مسألة [٢١]: الشركة عقد جائز.","level":3,"page":3355},{"title":"مسألة [١]: تعريف الوكالة.","level":3,"page":3357},{"title":"مسألة [٢]: شرعية الوكالة.","level":3,"page":3357},{"title":"مسألة [٣]: بم تنعقد الوكالة؟","level":3,"page":3358},{"title":"مسألة [٤]: قبول الوكالة على الفور والتراخي.","level":3,"page":3358},{"title":"مسألة [٥]: تعليق الوكالة على شرط مستقبل.","level":3,"page":3358},{"title":"مسألة [٦]: الوكالة تصح بجعل وبغير جعل.","level":3,"page":3359},{"title":"مسألة [٧]: هل تصح الوكالة المطلقة في كل شيء؟","level":3,"page":3360},{"title":"مسألة [٨]: إذا قال: اشتر لي ما شئت؟","level":3,"page":3360},{"title":"مسألة [٩]: العقود التي لا يصح التوكيل فيها.","level":3,"page":3361},{"title":"مسألة [١٠]: التوكيل في مطالبة الحقوق، وإثباتها، والمحاكمة فيها.","level":3,"page":3362},{"title":"مسألة [١١]: التوكيل في إثبات الحدود واستيفائها.","level":3,"page":3363},{"title":"مسألة [١٢]: التوكيل فيما يتعلق بعين الموكل.","level":3,"page":3363},{"title":"مسألة [١٣]: هل يشترط حضور الموكل عند استيفاء الحق؟","level":3,"page":3363},{"title":"مسألة [١٤]: إذا وكل الرجل وكيلين، فلمن حق التصرف؟","level":3,"page":3364},{"title":"مسألة [١٥]: هل للوكيل أن يوكل إنسانا آخر في العمل الذي وكل فيه؟","level":3,"page":3365},{"title":"مسألة [١٦]: توكيل ولي النكاح غيره في العقد هل يفتقر إلى إذن موليته؟","level":3,"page":3366},{"title":"مسألة [١٧]: إذا وكل رجل آخر في الخصومة، فهل يقبل إقراره على موكله بقبض الحق؟","level":3,"page":3367},{"title":"مسألة [١٨]: إذا وكل رجلا في الخصومة فهل له أن يبرأ الخصم أو يصالح ببعض الحق؟","level":3,"page":3367},{"title":"مسألة [١٩]: إذا وكله في إثبات حق، فهل يملك قبضه؟","level":3,"page":3368},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا وكله في قبض حقه، فهل يكون توكيلا في إثبات الحق؟","level":3,"page":3368},{"title":"مسألة [٢١]: إذا ادعى الوكيل تلف السلعة أو المال بعد بيع السلعة وأنكر ذلك الموكل؟","level":3,"page":3369},{"title":"مسألة [٢٢]: إذ اختلف الموكل والوكيل في التصرف؟","level":3,"page":3369},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا اختلفا في قدر الثمن الذي اشترى به الوكيل؟","level":3,"page":3369},{"title":"مسألة [٢٤]: إذا اختلفا في صفة الوكالة؟","level":3,"page":3370},{"title":"مسألة [٢٥]: إذا اختلف الموكل والوكيل في الرد؟","level":3,"page":3371},{"title":"مسألة [٢٦]: إذا اختلفا في أصل الوكالة؟","level":3,"page":3372},{"title":"مسألة [٢٧]: لو وكل رجل آخر أن يدفع مالا إلى فلان الذي له عليه دين، ثم أنكر الغريم قبضه؟","level":3,"page":3372},{"title":"مسألة [٢٨]: وهل للموكل أن يرجع على الوكيل بذلك المال؟","level":3,"page":3372},{"title":"مسألة [٢٩]: إذا وكل رجل آخر في أن يودع مالا له عند فلان، ثم أنكر المودع عنده أن الوكيل أعطاه؟","level":3,"page":3373},{"title":"مسألة [٣٠]: الوكالة عقد جائز.","level":3,"page":3373},{"title":"مسألة [٣١]: إذا تصرف الوكيل بعد عزل موكله، أو موته؟","level":3,"page":3374},{"title":"مسألة [٣٢]: هل تبطل الوكالة بالتعدي فيها؟","level":3,"page":3374},{"title":"مسألة [٣٣]: إذا وكله في شراء شيء فاشترى غيره؟","level":3,"page":3375},{"title":"مسألة [٣٤]: إن وكله أن يعقد له بامرأة، فعقد له بأخرى؟","level":3,"page":3375},{"title":"مسألة [٣٥]: هل يجوز للوكيل أن يبيع بدون ثمن المثل أو ما قدر له؟","level":3,"page":3376},{"title":"مسألة [٣٦]: إذا وكله بشراء شاة بدينار، فاشترى شاتين كل واحدة منها ثمنها أقل من دينار؟","level":3,"page":3376},{"title":"مسألة [٣٧]: إذا اشترى الوكيل لموكله شيئا بإذنه، فهل ينتقل الملك إلى الموكل مباشرة؟","level":3,"page":3377},{"title":"مسألة [٣٨]: إذا باع الوكيل نسيئة بإذن الموكل، فهل للموكل المطالبة بالدين؟","level":3,"page":3378},{"title":"مسألة [٣٩]: هل للوكيل أن يشتري من نفسه، وكذلك الوصي؟","level":3,"page":3379},{"title":"باب الإقرار","level":2,"page":3380},{"title":"مسألة [١]: تعريف الإقرار.","level":3,"page":3380},{"title":"مسألة [٢]: ممن يصح الإقرار؟","level":3,"page":3381},{"title":"مسألة [٣]: هل يصح الإقرار من الصبي المميز؟","level":3,"page":3381},{"title":"مسألة [٤]: هل يصح إقرار من زال عقله بالسكر وغيره؟","level":3,"page":3382},{"title":"مسألة [٥]: هل يصح إقرار المكره؟","level":3,"page":3383},{"title":"مسألة [٦]: هل يصح إقرار العبد؟","level":3,"page":3383},{"title":"مسألة [٧]: الإقرار بالدين في المرض المخوف.","level":3,"page":3385},{"title":"مسألة [٨]: إذا أقر لأجنبي في مرضه المخوف بدين وعليه دين ثابت في صحته، وضاق المال، فما الحكم؟","level":3,"page":3385},{"title":"مسألة [٩]: إذا أقر لوارث في مرضه المخوف بدين؟","level":3,"page":3386},{"title":"مسألة [١٠]: إذا أقر لامرأته بمهر مثلها، أو دونه؟","level":3,"page":3386},{"title":"مسألة [١١]: إذا أقر الوارث بدين على مورثه؟","level":3,"page":3387},{"title":"مسألة [١٢]: إذا أقر وارث واحد بذلك، ولم يقر بقية الورثة؟","level":3,"page":3387},{"title":"مسألة [١٣]: الاستثناء في الإقرار.","level":3,"page":3388},{"title":"مسألة [١٤]: استثناء الكل.","level":3,"page":3388},{"title":"مسألة [١٥]: استثناء الأكثر.","level":3,"page":3389},{"title":"مسألة [١٦]: من ادعي عليه شيء فقال: قد كان له علي ذلك، ثم قضيته؟","level":3,"page":3390},{"title":"مسألة [١٧]: لو قال: كان له علي ألف. وسكت؟","level":3,"page":3390},{"title":"مسألة [١٨]: رجوع المقر عن إقراره.","level":3,"page":3391},{"title":"مسألة [١٩]: إذا أقر بدرهم، ثم أقر بدرهم، فكم يلزمه؟","level":3,"page":3391},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا قال له: علي درهم، بل درهمان.","level":3,"page":3391},{"title":"مسألة [٢١]: إذا قال: له علي ألف درهم إلا خمسينا. أو قال: له علي ألف إلا خمسين درهما. فبماذا يفسر المبهم؟","level":3,"page":3392},{"title":"مسألة [٢٢]: الإقرار بالمجهول.","level":3,"page":3392},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا قال: له علي مال. فهل يقبل تفسيره بالقليل؟","level":3,"page":3392},{"title":"مسألة [٢٤]: إذا قال: له علي مال كثير.","level":3,"page":3393},{"title":"مسألة [٢٥]: لو قال: له عندي رهن. فقال المالك: بل وديعة.","level":3,"page":3393},{"title":"مسألة [٢٦]: إذا أقر أحد الوارثين بوارث ثالث، فهل يقبل إقراره؟","level":3,"page":3394},{"title":"مسألة [٢٧]: كم يجب على المقر أن يعطي من أقر له؟","level":3,"page":3394},{"title":"مسألة [٢٨]: الإقرار الذي يثبت به النسب.","level":3,"page":3395},{"title":"مسألة [٢٩]: إذا أقر إنسان بنسب ميت.","level":3,"page":3396},{"title":"باب العارية","level":2,"page":3398},{"title":"مسألة [١]: تعريف العارية.","level":3,"page":3400},{"title":"مسألة [٢]: مشروعية العارية.","level":3,"page":3400},{"title":"مسألة [٣]: هل تجب العارية؟","level":3,"page":3400},{"title":"مسألة [٤]: تصح العارية في كل منفعة مباحة.","level":3,"page":3402},{"title":"مسألة [٥]: إعارة العبد المسلم للكافر.","level":3,"page":3402},{"title":"مسألة [٦]: ماذا يعتبر في المعير؟","level":3,"page":3403},{"title":"مسألة [٧]: بم تنعقد العارية؟","level":3,"page":3403},{"title":"مسألة [٨]: هل تضمن العارية إذا لم يتعد أو يفرط فيها؟","level":3,"page":3403},{"title":"مسألة [٩]: وهل يضمن إذا اشترط ذلك المعير؟","level":3,"page":3404},{"title":"مسألة [١٠]: إذا تلف شيء من أجزاء العارية؟","level":3,"page":3405},{"title":"مسألة [١١]: الإعارة المطلقة والمقيدة.","level":3,"page":3406},{"title":"مسألة [١٢]: الإعارة المطلقة والمؤقتة، وهل له الرجوع فيهما؟","level":3,"page":3407},{"title":"مسألة [١٣]: هل للمستعير أن يعير العارية؟","level":3,"page":3407},{"title":"مسألة [١٤]: إذا اختلف المعير والمستعير هل هي عارية، أو استئجار؟","level":3,"page":3408},{"title":"مسألة [١٥]: إذا اختلفا فقال المالك غصبتها. وقال الآخر: بل أعرتنيها؟","level":3,"page":3409},{"title":"مسألة [١٦]: إذا اختلفا في الرد، فادعاه المستعير وأنكره المعير؟","level":3,"page":3410},{"title":"باب الغصب","level":2,"page":3411},{"title":"مسألة [١]: تعريف الغصب.","level":3,"page":3411},{"title":"مسألة [٢]: حكم الغصب.","level":3,"page":3411},{"title":"مسألة [٣]: معنى قوله: «طوقه الله إياه».","level":3,"page":3412},{"title":"مسألة [٤]: غصب العقار من الأراضي والدور.","level":3,"page":3412},{"title":"مسألة [٥]: ماذا يلزم الغاصب بغصبه؟","level":3,"page":3414},{"title":"مسألة [٦]: هل يغصب الكلب، وهل يضمن إذا تلف؟","level":3,"page":3414},{"title":"مسألة [٧]: غصب الخمر من الذمي.","level":3,"page":3415},{"title":"مسألة [٨]: لو غصب جلد ميتة؟","level":3,"page":3416},{"title":"مسألة [٩]: لو استولى على حر، فهل يعتبر مغصوبا ويضمن إذا مات؟","level":3,"page":3416},{"title":"مسألة [١]: إذا تلف المغصوب لزم الغاصب بدله، فهل هو المثل، أم القيمة؟","level":3,"page":3418},{"title":"مسألة [٢]: ما الحكم إذا تعذر على الغاصب أن يأتي بالمثل؟","level":3,"page":3420},{"title":"مسألة [٣]: إذا تلف ما ليس له مثل، فمتى تعتبر قيمته؟","level":3,"page":3421},{"title":"مسألة [٤]: إذا وجدها قد تغيرت ونقصت؟","level":3,"page":3422},{"title":"مسألة [٥]: إذا نقص سعر العين المغصوبة، وهي على حالها؟","level":3,"page":3422},{"title":"مسألة [٦]: الرد إلى موضع الغصب.","level":3,"page":3423},{"title":"مسألة [٧]: فوائد العين المغصوبة.","level":3,"page":3424},{"title":"مسألة [٨]: إذا تلفت الزيادة بعد وجودها، فهل يضمنها الغاصب؟","level":3,"page":3425},{"title":"مسألة [٩]: هل للغاصب غرامة ما أنفقه في العين المغصوبة حتى نمت؟","level":3,"page":3425},{"title":"مسألة [١٠]: إذا خلط الغاصب المغصوب بغيره؟","level":3,"page":3426},{"title":"مسألة [١١]: إذا استخدم الغاصب الشيء المغصوب بالبناء عليه، أو الخياطة به، أو ما أشبه ذلك.","level":3,"page":3426},{"title":"مسألة [١٢]: إذا غصب شيئا فعمل فيه ما يغير اسمه حتى صار شيئا آخر؟","level":3,"page":3427},{"title":"مسألة [١٣]: إذا غصب كلب صيد فصاد به، أو فرسا فصاد عليه؟","level":3,"page":3427},{"title":"مسألة [١٤]: إذا أجر الغاصب المغصوب؟","level":3,"page":3428},{"title":"مسألة [١٥]: إذا أودع الغاصب المغصوب، أو وكل رجلا في بيعه، فتلف في أيديهما؟","level":3,"page":3429},{"title":"مسألة [١٦]: إذا أعار العين المغصوبة؟","level":3,"page":3429},{"title":"مسألة [١٧]: إذا وهب الغاصب المغصوب؟","level":3,"page":3430},{"title":"مسألة [١٨]: إذا غصب الرجل جارية، فوطئها؟","level":3,"page":3431},{"title":"مسألة [١٩]: إذا غصب الجارية معتقدا جواز ذلك، فوطئها؟","level":3,"page":3434},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا باع الغاصب الجارية لإنسان آخر، فوطئها؟","level":3,"page":3435},{"title":"مسألة [٢١]: إذا غصب طعاما وأطعمه غيره؟","level":3,"page":3438},{"title":"مسألة [٢٢]: هل تصح تصرفات الغاصب؟","level":3,"page":3443},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا اشترى الغاصب شيئا في الذمة، ثم نقده من مال مغصوب؟","level":3,"page":3444},{"title":"مسألة [٢٤]: إذا عجز عن رد المغصوب كعبد أبق، أو جمل شرد، فدفع البدل، ثم قدر عليه؟","level":3,"page":3445},{"title":"مسألة [٢٥]: إذا كان المغصوب مما له أجرة فهل يتحملها الغاصب مدة مقام العين في يده؟","level":3,"page":3446},{"title":"مسألة [٢٦]: إذا دفع الغاصب للمالك عوض حقه على أنه صدقة، أو هبة، هل يبرأ منه؟","level":3,"page":3446},{"title":"مسألة [٢٧]: إذا اختلف الغاصب والمغصوب منه في قيمة المغصوب، أو وجود العيب، أو تلفه؟","level":3,"page":3447},{"title":"مسألة [٢٨]: من كسر شيئا محرما كمعزف، أو مزمار، أو طبل، أو صنم، وغير ذلك، فهل يضمن؟","level":3,"page":3448},{"title":"مسألة [٢٩]: كسر آنية الخمر هل يضمن؟","level":3,"page":3448},{"title":"مسألة [٣٠]: إذا فتح قفصا على طائر، أو حل عقال دابة فذهبت، فهل يضمن؟","level":3,"page":3448},{"title":"مسألة [٣١]: إذا جهل الغاصب رب المال، فكيف يعيده ويتخلص منه؟","level":3,"page":3449},{"title":"مسألة [١]: إذا غصب غاصب أرضا فزرعها، فأدركها صاحبها بعد حصاد الزرع؟","level":3,"page":3451},{"title":"مسألة [٢]: إذا غصب أرضا فبنى فيها أو غرس غرسا؟","level":3,"page":3451},{"title":"مسألة [٣]: إذا غصب غاصب أرضا ثم أدركها ربها والزرع قائم لم يحصد؟","level":3,"page":3452},{"title":"مسألة [٤]: إذا قلع الغاصب الشجر فهل يلزمه تسوية الأرض؟","level":3,"page":3453},{"title":"مسألة [٥]: إذا غصب أرضا فغرسها، فأثمرت فلمن الثمرة؟","level":3,"page":3454},{"title":"مسألة [٦]: إذا اشترى أرضا فبنى فيها أو غرس ثم بانت مغصوبة؟","level":3,"page":3454},{"title":"مسألة [٧]: إذا غصب شجرا فأثمر، فلمن الثمر؟","level":3,"page":3455},{"title":"مسألة [٨]: إذا غصب دارا فزوقها، وجصصها، ثم طالبه صاحبها بإزالته؟","level":3,"page":3455},{"title":"مسألة [٩]: إذا غصب أرضا وكشط ترابها؟","level":3,"page":3456},{"title":"مسألة [١٠]: إذا غصب أرضا فحفر بها بئرا؟","level":3,"page":3456},{"title":"مسألة [١١]: إذا غصب غاصب عبدا، ثم جنى عليه جناية مقدرة الدية؟","level":3,"page":3457},{"title":"مسألة [١٢]: إذا جنى على العبد غير الغاصب؟","level":3,"page":3458},{"title":"مسألة [١٣]: إذا غصب عبدا فجنى عليه جناية مقدرة بقيمته كاملة؟","level":3,"page":3458},{"title":"مسألة [١٤]: إذا جنى العبد المغصوب، فمن يضمن جنايته؟","level":3,"page":3459},{"title":"مسألة [١٥]: من غصب عليه مال ثم قدر على مال للغاصب، فهل له أن يأخذه ويقاصه بحقه؟","level":3,"page":3459},{"title":"باب الشفعة","level":2,"page":3461},{"title":"مسألة [١]: ما هي الشفعة؟","level":3,"page":3462},{"title":"مسألة [٢]: الشفعة في الأرض.","level":3,"page":3462},{"title":"مسألة [٣]: هل تثبت الشفعة في الغرس والبناء والزرع تبعا للأرض؟","level":3,"page":3463},{"title":"مسألة [٤]: هل تثبت الشفعة في غير الأرض والدور من المنقولات وغيرها؟","level":3,"page":3463},{"title":"مسألة [٥]: ما لا يمكن قسمته كالدكان الصغير، والطريق الضيقة؟","level":3,"page":3464},{"title":"مسألة [١]: هل تثبت الشفعة فيما قد قسم من الأراضي والدور؟","level":3,"page":3467},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط في الشفعة أن يكون الملك منتقلا بعوض؟","level":3,"page":3468},{"title":"مسألة [٣]: إذا كان الشقص منتقلا بعوض غير المال؟","level":3,"page":3469},{"title":"مسألة [٤]: إذا أقر البائع بالبيع، وأنكر المشتري؟","level":3,"page":3469},{"title":"مسألة [٥]: هل تثبت الشفعة إذا كان في البيع خيار؟","level":3,"page":3470},{"title":"مسألة [٦]: إذا أظهر المشتري أن الثمن بكذا فترك الشريك الشفعة ثم بان بأقل من ذلك؟","level":3,"page":3470},{"title":"مسألة [٧]: إذا أراد الشريك أن يشفع بنصف الشقص المبيع؟","level":3,"page":3471},{"title":"مسألة [٨]: إذا آذن الشريك شريكه بالبيع فلم يشفع فهل له الشفعة بعد البيع؟","level":3,"page":3471},{"title":"مسألة [٩]: إذا باع أحد الشريكين ثم باع الآخر فهل له الشفعة بعد بيع نصيبه؟","level":3,"page":3472},{"title":"مسألة [١]: هل الشفعة على الفور، أم على التراخي؟","level":3,"page":3473},{"title":"مسألة [٢]: هل للغائب شفعة؟","level":3,"page":3474},{"title":"مسألة [٣]: إذا علم الشريك بالبيع وهو في سفر؟","level":3,"page":3474},{"title":"مسألة [٤]: إذا لم يعلم الشريك بالبيع حتى باع المشتري لآخر؟","level":3,"page":3475},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":3477},{"title":"مسألة [١]: إذا تصرف المشتري في الشقص بغير البيع كالهبة والصدقة؟","level":3,"page":3477},{"title":"مسألة [٢]: هل للصغير شفعة؟","level":3,"page":3477},{"title":"مسألة [٣]: إذا ترك الولي الشفعة فلم يشفع، فهل للصغير الشفعة بعد كبره؟","level":3,"page":3478},{"title":"مسألة [٤]: إذا رأى الولي أن الأحظ لليتيم الشفعة فشفع، فهل له نقضها بعد كبره؟","level":3,"page":3479},{"title":"مسألة [٥]: إذا اشترى إنسان شقصا بعرض، ثم وجد البائع في العرض عيبا؟","level":3,"page":3480},{"title":"مسألة [٦]: إذا كان المشتري قد غرس، أو بنى في الشقص الذي يستحق فيه الشفعة؟","level":3,"page":3480},{"title":"مسألة [٧]: وإن كان المشتري زرع زرعا؟","level":3,"page":3482},{"title":"مسألة [٨]: إذا تلف بعض الشقص، فهل تسقط الشفعة؟","level":3,"page":3482},{"title":"مسألة [٩]: الثمن الذي يأخذ به الشفيع؟","level":3,"page":3483},{"title":"مسألة [١٠]: إذا كان الثمن مؤجلا فهل يستحقه الشفيع مؤجلا؟","level":3,"page":3484},{"title":"مسألة [١١]: إذا كان الشريك معسرا لا يستطيع أن يدفع الثمن للمشتري، فهل يشفع؟","level":3,"page":3485},{"title":"مسألة [١٢]: الحيلة لإسقاط الشفعة.","level":3,"page":3485},{"title":"مسألة [١٣]: إذا ادعى الشفيع وقوع الحيلة، وأنكر ذلك المشتري؟","level":3,"page":3486},{"title":"مسألة [١٤]: إذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن؟","level":3,"page":3486},{"title":"مسألة [١٥]: إذا باع نصيبه وله أكثر من شريك؟","level":3,"page":3487},{"title":"مسألة [١٦]: لو كان لأخوين أرض، فمات أحدهما عن ابنين، ثم باع أحد الابنين نصيبه، فلمن الشفعة؟","level":3,"page":3487},{"title":"مسألة [١٧]: من اشترى شقصا من أرض مشتركة، فترك بعضهم الشفعة، وأراد بعضهم الشفعة؟","level":3,"page":3488},{"title":"مسألة [١٨]: إذا كان المشتري شريكا، فهل للشريك الآخر الشفعة؟","level":3,"page":3488},{"title":"مسألة [١٩]: إذا اشترى رجل من رجلين شقصا، فهل للشفيع أن يشفع بنصيب أحدهما فقط؟","level":3,"page":3489},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا اشترى اثنان نصيب واحد، فهل لشريكه الشفعة في نصيب واحد منهم فقط؟","level":3,"page":3489},{"title":"مسألة [٢١]: عهدة الشفيع على المشتري، أم البائع؟","level":3,"page":3490},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا مات الشفيع قبل الطلب بالشفعة، فهل تورث عنه؟","level":3,"page":3490},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا مات المفلس هل تنتقل الشفعة إلى الورثة إذا كان قد طالب؟","level":3,"page":3491},{"title":"مسألة [٢٤]: توكل الشفيع في البيع أو الشراء هل يسقط حقه من الشفعة؟","level":3,"page":3491},{"title":"مسألة [٢٥]: هل للكافر على المسلم شفعة؟","level":3,"page":3492},{"title":"مسألة [٢٦]: الشفعة بشركة الوقف.","level":3,"page":3493},{"title":"مسألة [٢٧]: هل النماء والغلة للمشتري، أم للشفيع؟","level":3,"page":3493},{"title":"مسألة [٢٨]: إذا باع شقصا ومعه شيء آخر لا شفعة فيه؟","level":3,"page":3493},{"title":"مسألة [٢٩]: إذا ادعى الشفيع أن الشقص مشترى، وقال الآخر: إنما هو هبة؟","level":3,"page":3494},{"title":"مسألة [٣٠]: هل الإقالة في البيع تمنع الشفعة؟","level":3,"page":3494},{"title":"باب القراض","level":2,"page":3495},{"title":"مسألة [١]: تعريف القراض.","level":3,"page":3496},{"title":"مسألة [٢]: مشروعية القراض.","level":3,"page":3496},{"title":"مسألة [٣]: تقدير نصيب العامل.","level":3,"page":3497},{"title":"مسألة [٤]: إذا دفع رب المال إلى العامل مالا وطلب منه إضافة مال إليه، ثم يعمل وللعامل ربح أكثر؟","level":3,"page":3499},{"title":"مسألة [٥]: إذا قدر صاحب المال نصيبه من الربح ولم يقدر نصيب العامل؟","level":3,"page":3499},{"title":"مسألة [٦]: إذا قال: خذ هذا المال فاتجر به، والربح كله لك. أو: والربح كله لي؟","level":3,"page":3500},{"title":"مسألة [٧]: إذا قال: خذ هذا المال مضاربة، والربح كله لك. أو: كله لي؟","level":3,"page":3500},{"title":"مسألة [٨]: إذا ضارب رجلين، فقال: لكما كذا وكذا من الربح. ولم يبين كم لكل واحد منهما؟","level":3,"page":3501},{"title":"مسألة [٩]: إذا قارض اثنان واحدا بمال لهما، وشرط له كل واحد ربحا غير ربح صاحبه؟","level":3,"page":3502},{"title":"مسألة [١٠]: إذا شرط أحدهما لنفسه مع الربح دراهم معلومة؟","level":3,"page":3502},{"title":"مسألة [١١]: إذا اشترط صاحب المال على العامل: أن لي ربح هذه السلعة، أو هذا الشهر، ولك الآخرة، أو الآخر؟","level":3,"page":3503},{"title":"مسألة [١٢]: هل للمضارب أن يبيع نسيئة إذا أطلق رب المال الإذن؟","level":3,"page":3504},{"title":"مسألة [١٣]: هل له أن يسافر بالمال للتجارة به؟","level":3,"page":3504},{"title":"مسألة [١٤]: هل نفقة العامل على نفسه من ماله، أو من مال المضاربة؟","level":3,"page":3505},{"title":"مسألة [١٥]: هل للمضارب أن يبيع بأسعار منخفضة؟","level":3,"page":3506},{"title":"مسألة [١٦]: هل للمضارب أن يطأ أمة من مال المضاربة؟","level":3,"page":3506},{"title":"مسألة [١٧]: هل للمالك أن يطأ الجارية التي اشتراها العامل للتجارة؟","level":3,"page":3507},{"title":"مسألة [١٨]: هل للمضارب أن يدفع المال إلى غيره ليضارب به؟","level":3,"page":3508},{"title":"مسألة [١٩]: هل للمضارب أن يأخذ من إنسان آخر مالا مضاربة ويعمل لرجلين؟","level":3,"page":3509},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا تعدى المضارب وفعل ما ليس له فعله؟","level":3,"page":3510},{"title":"مسألة [٢١]: متى يستحق العامل الربح؟","level":3,"page":3511},{"title":"مسألة [٢٢]: متى يملك العامل نصيبه من الربح؟","level":3,"page":3511},{"title":"مسألة [٢٣]: هل لرب المال أن يشتري لنفسه من سلع المضاربة؟","level":3,"page":3512},{"title":"مسألة [٢٤]: هل للمضارب أن يشتري لنفسه من سلع المضاربة؟","level":3,"page":3513},{"title":"مسألة [٢٥]: إن مات المضارب وأموال المضاربة ليست متميزة من أمواله؟","level":3,"page":3513},{"title":"مسألة [٢٦]: إذا تبين للمضارب أن في يده ربحا، فهل له أن يأخذ منه بغير إذن صاحب المال؟","level":3,"page":3513},{"title":"مسألة [٢٧]: إذا تعجلا قسمة الربح قبل الانتهاء من التجارة؟","level":3,"page":3514},{"title":"مسألة [٢٨]: إذا شرط على العامل شيئا من الوضيعة الخسران؟","level":3,"page":3515},{"title":"مسألة [٢٩]: إذا شرط رب المال على العامل أن لا يشتري إلا من رجل بعينه، أو سلعة بعينها؟","level":3,"page":3516},{"title":"مسألة [٣٠]: توقيت المضاربة.","level":3,"page":3516},{"title":"مسألة [٣١]: إذا كان على رجل لرجل دين، فهل له أن يجعله مضاربة؟","level":3,"page":3516},{"title":"مسألة [٣٢]: إذا وكله في قبض دين من رجل آخر، ثم يضاربه به؟","level":3,"page":3518},{"title":"مسألة [٣٣]: إذا كان لرجل على آخر مال مغصوب، فاتفق معه على أن يجعله مضاربة؟","level":3,"page":3519},{"title":"مسألة [٣٤]: المضاربة من العقود الجائزة.","level":3,"page":3519},{"title":"مسألة [٣٥]: إذا فسخا المضاربة والمال عرض، فطلب أحدهما البيع؟","level":3,"page":3520},{"title":"مسألة [٣٦]: المضاربة بمال جزافا؟","level":3,"page":3521},{"title":"مسألة [٣٧]: ما هي التصرفات التي تجب على العامل؟","level":3,"page":3522},{"title":"مسألة [٣٨]: إذا تلف المال قبل التصرف فيه؟","level":3,"page":3522},{"title":"مسألة [٣٩]: هل للمقارض أن يستدين مالا يتجر به مع مال القراض؟","level":3,"page":3523},{"title":"مسألة [٤٠]: بأي شيء ينفسخ القراض؟","level":3,"page":3524},{"title":"مسألة [٤١]: متى يكون الضمان في الخسارة على العامل؟","level":3,"page":3525},{"title":"مسألة [٤٢]: هل تصح المضاربة بالعروض؟","level":3,"page":3525},{"title":"مسألة [٤٣]: إذا فسدت المضاربة لتخلف بعض شروطها، أو ما أشبه ذلك، فماذا يترتب عليه من أحكام؟","level":3,"page":3526},{"title":"مسألة [٤٤]: إذا اختلف العامل ورب المال في صفة الإذن؟","level":3,"page":3526},{"title":"مسألة [٤٥]: لو اختلف العامل ورب المال في قدر النصيب من الربح؟","level":3,"page":3527},{"title":"مسألة [٤٦]: إذا ادعى العامل رد المال، فأنكر ذلك رب المال؟","level":3,"page":3528},{"title":"مسألة [٤٧]: إذا اختلف العامل ورب المال في قدر رأس المال، أو تلفه، أو في الإذن بشراء شيء؟","level":3,"page":3528},{"title":"باب المساقاة والإجارة","level":2,"page":3531},{"title":"مسألة [١]: تعريف المساقاة.","level":3,"page":3531},{"title":"مسألة [٢]: مشروعية المساقاة.","level":3,"page":3532},{"title":"مسألة [٣]: هل تشرع المساقاة في جميع الأشجار المثمرة؟","level":3,"page":3532},{"title":"مسألة [٤]: هل تشرع المساقاة في الأشجار التي لا ثمر لها؟","level":3,"page":3533},{"title":"مسألة [٥]: هل تصح المساقاة على ثمرة قد ظهرت؟","level":3,"page":3533},{"title":"مسألة [٦]: تحديد نصيب العامل من الثمرة.","level":3,"page":3534},{"title":"مسألة [٧]: هل تصح المساقاة على الشجر الذي على السيول والأنهار وما لا يحتاج إلى سقي؟","level":3,"page":3535},{"title":"مسألة [٨]: بماذا ينعقد عقد المساقاة؟","level":3,"page":3535},{"title":"مسألة [٩]: ما هي الأعمال التي تلزم العامل ورب المال؟","level":3,"page":3536},{"title":"مسألة [١٠]: إذا قال رب الأرض: إذا سقيته بكلفة فلك النصف، وإن لم يكن بكلفة فلك الثلث. ونحو ذلك؟","level":3,"page":3536},{"title":"مسألة [١١]: المساقاة على شجر صغير، أو على شجر يغرسه.","level":3,"page":3537},{"title":"مسألة [١٢]: هل عقد المساقاة والمزارعة لازم، أم جائز؟","level":3,"page":3537},{"title":"مسألة [١٣]: هل يشترط للمساقاة تحديد المدة؟","level":3,"page":3539},{"title":"مسألة [١٤]: إن شرط العامل على رب المال أن يعمل معه بعض الأعمال التي تجب عليه، والعكس؟","level":3,"page":3539},{"title":"مسألة [١٥]: إذا شرط العامل على رب المال أن يعمل معه غلمانه؟","level":3,"page":3540},{"title":"مسألة [١٦]: هل للعامل أن يعامل غيره على الأرض، أو الشجر؟","level":3,"page":3541},{"title":"مسألة [١٧]: هل يجوز أن يشترط أحدهما لنفسه دراهم معلومة زيادة على العقد؟","level":3,"page":3542},{"title":"مسألة [١٨]: إذا ساقاه على أرض خراجية، فعلى من الخراج؟","level":3,"page":3542},{"title":"مسألة [١٩]: المساقاة والمزارعة في الأرض الموقوفة.","level":3,"page":3543},{"title":"مسألة [٢٠]: متى يملك العامل حصته من الثمرة؟","level":3,"page":3543},{"title":"مسألة [٢١]: إذا اختلف العامل مع صاحب الأرض؟","level":3,"page":3544},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا فسدت المساقاة، أو المزارعة؟","level":3,"page":3544},{"title":"مسألة [١]: تعريف المزارعة.","level":3,"page":3545},{"title":"مسألة [٢]: مشروعية المزارعة.","level":3,"page":3545},{"title":"مسألة [٣]: الجمع بين المزارعة والمساقاة.","level":3,"page":3550},{"title":"مسألة [٤]: هل يشترط في المزارعة أن يكون البذر من رب الأرض؟","level":3,"page":3551},{"title":"مسألة [٥]: هل يجوز أن يدفع الأرض إلى رجل يغرسها أشجارا، والغرس بينهما؟","level":3,"page":3551},{"title":"مسألة [٦]: إذا دفع الأرض إلى من يزرعها، أو يغرسها، والأرض، والشجر بينهما؟","level":3,"page":3552},{"title":"مسألة [٧]: إذا دفع رجل لآخر أرضا وقال: ساقيتك على النصف، فهل له أن يزرعها أيضا؟","level":3,"page":3553},{"title":"مسألة [٨]: المزارعة على أن لفلان القطعة المعينة من الأرض.","level":3,"page":3553},{"title":"مسألة [٩]: إجارة الأرض.","level":3,"page":3554},{"title":"مسألة [١٠]: تأجير الأرض بجزء مشاع مما يخرج منها.","level":3,"page":3555},{"title":"مسألة [١]: تعريف الإجارة.","level":3,"page":3558},{"title":"مسألة [٢]: مشروعية الإجارة.","level":3,"page":3558},{"title":"مسألة [٣]: هل الإجارة تعتبر بيعا؟","level":3,"page":3559},{"title":"مسألة [٤]: الإجارة تنعقد من جائز التصرف.","level":3,"page":3560},{"title":"مسألة [٥]: الألفاظ التي تنعقد بها الإجارة.","level":3,"page":3560},{"title":"مسألة [٦]: هل المعقود عليه بالإجارة العين، أم المنافع؟","level":3,"page":3561},{"title":"مسألة [٧]: إذا وقعت الإجارة على مدة؛ عينت المدة.","level":3,"page":3561},{"title":"مسألة [٨]: بم تحسب المدة؟","level":3,"page":3561},{"title":"مسألة [٩]: إذا استأجر سنة هلالية من أثناء الشهر؟","level":3,"page":3562},{"title":"مسألة [١٠]: هل مدة الإجارة يشترط أن تلي العقد؟","level":3,"page":3563},{"title":"مسألة [١١]: إذا أطلق الإجارة، فقال: أجرتك سنة، أو ستة أشهر؟","level":3,"page":3563},{"title":"مسألة [١٢]: هل هناك حد أعلى لمدة الإجارة؟","level":3,"page":3564},{"title":"مسألة [١٣]: من اكترى دابة إلى العشاء، فما هي آخر المدة؟","level":3,"page":3565},{"title":"مسألة [١٤]: إذا اكتراها إلى الليل، أو إلى النهار؟","level":3,"page":3565},{"title":"مسألة [١٥]: عوض الإجارة يشترط أن يكون معلوما.","level":3,"page":3566},{"title":"مسألة [١٦]: ضابط ما يجوز أن يكون عوضا في الإجارة.","level":3,"page":3566},{"title":"مسألة [١٧]: لو استأجر راعيا لغنم بثلث درها، ونسلها، وصوفها، وشعرها؟","level":3,"page":3567},{"title":"مسألة [١٨]: متى يملك المؤجر الأجرة إذا أطلقا العقد؟","level":3,"page":3568},{"title":"مسألة [١٩]: إذا مضت المدة، ولم ينتفع المستأجر من العين التي أخذها؟","level":3,"page":3570},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا بذلت له العين المؤجرة، فلم يأخذها، فهل يضمن وعليه الأجرة؟","level":3,"page":3571},{"title":"مسألة [٢١]: إذا حصل البذل، أو التسليم بعقد فاسد، ثم تركها ولم يستوف المنافع؟","level":3,"page":3572},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا وقعت الإجارة على كل شهر بشيء معلوم؟","level":3,"page":3572},{"title":"مسألة [٢٣]: هل الإجارة عقد لازم، أم جائز؟","level":3,"page":3573},{"title":"مسألة [٢٤]: إذا ترك المستأجر العين المستأجرة قبل انقضاء المدة؟","level":3,"page":3574},{"title":"مسألة [٢٥]: استئجار العقارات والدواب، وهل يشترط مشاهدتها؟","level":3,"page":3575},{"title":"مسألة [٢٦]: كراء الحمام.","level":3,"page":3575},{"title":"مسألة [٢٧]: هل للمؤجر أن ينتفع بالعين المستأجرة؟","level":3,"page":3576},{"title":"مسألة [٢٨]: إذا أخذ المؤجر العين المستأجرة قبل تمام المدة؟","level":3,"page":3576},{"title":"مسألة [٢٩]: إذا تلفت العين المستأجرة هل تنفسخ الإجارة؟","level":3,"page":3577},{"title":"مسألة [٣٠]: إذا هرب الأجير، أو شردت الدابة، أو هرب المؤجر بالعين، أو منعها، فهل تنفسخ الإجارة؟","level":3,"page":3578},{"title":"مسألة [٣١]: إذا غصبت العين، هل تنفسخ الإجارة؟","level":3,"page":3578},{"title":"مسألة [٣٢]: إذا اكترى عينا ثم وجد بها عيبا لم يكن علم به؟","level":3,"page":3579},{"title":"مسألة [٣٣]: استئجار الآدمي الحر.","level":3,"page":3579},{"title":"مسألة [٣٤]: الاستئجار لكتابة المصحف.","level":3,"page":3580},{"title":"مسألة [٣٥]: الاستئجار للخدمة.","level":3,"page":3580},{"title":"مسألة [٣٦]: إذا مات المكري، أو المستكري، هل تنفسخ الإجارة؟","level":3,"page":3581},{"title":"مسألة [٣٧]: إذا أجر الموقوف عليه مدة، فمات في أثنائها؟","level":3,"page":3582},{"title":"مسألة [٣٨]: إذا آجر الولي الصبي، أو ماله مدة، فبلغ في أثنائها؟","level":3,"page":3583},{"title":"مسألة [٣٩]: إذا أجر عبده مدة، ثم أعتق في أثنائها؟","level":3,"page":3584},{"title":"مسألة [٤٠]: إذا أجر عينا ثم باعها بعد تأجيرها، فهل يصح البيع؟","level":3,"page":3585},{"title":"مسألة [٤١]: إذا باع العين من المستأجر، فهل تنفسخ الإجارة؟","level":3,"page":3586},{"title":"مسألة [٤٢]: من استأجر دارا، فهل يسكن بها من شاء؟","level":3,"page":3587},{"title":"مسألة [٤٣]: إذا اكترى دارا، فهل يشترط ذكر صفة السكنى؟","level":3,"page":3587},{"title":"مسألة [٤٤]: إذا اكترى ظهرا يركبه، فهل له أن يركب من شاء؟","level":3,"page":3588},{"title":"مسألة [٤٥]: إذا اشترط عليه أن لا يستوفي المنفعة إلا بنفسه؟","level":3,"page":3588},{"title":"مسألة [٤٦]: هل يجوز للمستأجر أن يؤجر العين التي استأجرها؟","level":3,"page":3589},{"title":"مسألة [٤٧]: هل للمستأجر تأجيرها قبل قبضها؟","level":3,"page":3590},{"title":"مسألة [٤٨]: هل له أن يؤجر العين من مالكها؟","level":3,"page":3590},{"title":"مسألة [٤٩]: هل للمستأجر أن يؤجر العين بمبلغ زائد على ما استأجره؟","level":3,"page":3591},{"title":"مسألة [٥٠]: إذا استأجر عينا لمنفعة معينة فهل له أن ينتفع بها في شيء آخر؟","level":3,"page":3592},{"title":"مسألة [٥١]: إذا أكرى أرضا للزرع، ولم يبين نوعية الزرع؟","level":3,"page":3592},{"title":"مسألة [٥٢]: إذا أكراه الأرض ليزرع حنطة، فهل له أن يزرع غير الحنطة؟","level":3,"page":3592},{"title":"مسألة [٥٣]: إذا أكراها للغراس، فهل له أن يزرعها ويبنيها؟","level":3,"page":3593},{"title":"مسألة [٥٤]: إذا غرق الزرع أو هلك، فمن يضمنه؟","level":3,"page":3593},{"title":"مسألة [٥٥]: إذا استأجر أرضا للزراعة مدة، فانتهت المدة ولم يبلغ الزرع حصاده؟","level":3,"page":3594},{"title":"مسألة [٥٦]: هل يصح استئجار الأجير بطعامه وكسوته؟","level":3,"page":3595},{"title":"مسألة [٥٧]: إذا استأجره بطعام، وكسوة معلومة؟","level":3,"page":3595},{"title":"مسألة [٥٨]: إذا استغنى الأجير عن الطعام، أو عجز عن أكله؟","level":3,"page":3596},{"title":"مسألة [٥٩]: استئجار الدابة بعلفها.","level":3,"page":3596},{"title":"مسألة [٦٠]: إذا دفع إلى رجل متاعا، فقال: بعه بكذا، فما ازددت فهو لك؟","level":3,"page":3596},{"title":"مسألة [٦١]: استئجار الظئر وشروط ذلك.","level":3,"page":3597},{"title":"مسألة [٦٢]: إذا ماتت المرضعة، أو الطفل؟","level":3,"page":3597},{"title":"مسألة [٦٣]: من اكترى دابة إلى موضع، فجاوزه.","level":3,"page":3598},{"title":"مسألة [٦٤]: من اكترى لحمولة شيء، فزاد عليه؟","level":3,"page":3598},{"title":"مسألة [٦٥]: هل له أن يكتري الدابة مدة غزاته؟","level":3,"page":3598},{"title":"مسألة [٦٦]: إذا أكراه في غزاته كل يوم بدرهم؟","level":3,"page":3599},{"title":"مسألة [٦٧]: إذا قال: إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم، وإن خطته غدا فلك نصف درهم؟","level":3,"page":3599},{"title":"مسألة [٦٨]: اكتراء العقبة.","level":3,"page":3601},{"title":"مسألة [٦٩]: هل يشترط في التأجير للركوب رؤية الراكب؟","level":3,"page":3601},{"title":"مسألة [٧٠]: استكراء البهيمة للبن.","level":3,"page":3602},{"title":"مسألة [٧١]: هل يضمن الأجير إذا تلف شيء تحت يده بعمله؟","level":3,"page":3603},{"title":"مسألة [٧٢]: إذا دفع رجل إلى الخياط ثوبا، وقال: إن كان يصلح قميصا فاقطعه؟","level":3,"page":3606},{"title":"مسألة [٧٣]: العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر.","level":3,"page":3606},{"title":"مسألة [٧٤]: هل للمستأجر ضرب الدابة؟","level":3,"page":3607},{"title":"مسألة [٧٥]: هل يضمن الحجام والختان والطبيب إذا حصل منهم إتلاف؟","level":3,"page":3607},{"title":"مسألة [٧٦]: حكم أجرة الحجام.","level":3,"page":3608},{"title":"مسألة [٧٧]: الاستئجار على الختان.","level":3,"page":3609},{"title":"مسألة [٧٨]: حكم أجرة الكساح للحشوش وغيرها.","level":3,"page":3609},{"title":"مسألة [٧٩]: هل يضمن الراعي إذا تلفت بعض الشياه؟","level":3,"page":3610},{"title":"مسألة [٨٠]: ضابط ما يجوز إجارته.","level":3,"page":3611},{"title":"مسألة [٨١]: ضابط لما لا يجوز إجارته.","level":3,"page":3611},{"title":"مسألة [٨٢]: إجارة الحلي.","level":3,"page":3611},{"title":"مسألة [٨٣]: استئجار دار ليصلي فيها وتتخذ مسجدا.","level":3,"page":3612},{"title":"مسألة [٨٤]: تأجير الدار لمن يتخذها كنيسة، أو يفعل فيها محرما.","level":3,"page":3612},{"title":"مسألة [٨٥]: إجارة الفحل للضراب.","level":3,"page":3613},{"title":"مسألة [٨٦]: هل يجوز إجارة المشاع؟","level":3,"page":3613},{"title":"مسألة [٨٧]: استئجار الكلب.","level":3,"page":3613},{"title":"مسألة [٨٨]: إجارة المصحف.","level":3,"page":3613},{"title":"مسألة [٨٩]: تأجير المسلم نفسه للذمي.","level":3,"page":3614},{"title":"مسألة [٩٠]: إجارة المسلم على إجارة أخيه.","level":3,"page":3614},{"title":"مسألة [٩١]: هل تحل الأجرة المؤجلة بموت المستأجر؟","level":3,"page":3614},{"title":"مسألة [٩٢]: إذا اكترى دارا وفيها شجرة، فهل يملك ثمرها وتدخل في الكراء؟","level":3,"page":3614},{"title":"مسألة [٩٣]: تنقية البالوعة والكنف على المكري، أم المستكري؟","level":3,"page":3615},{"title":"مسألة [٩٤]: الإجارة الفاسدة.","level":3,"page":3616},{"title":"مسألة [٩٥]: الأجرة مقابل تعليم القرآن.","level":3,"page":3616},{"title":"مسألة [٩٦]: إذا اختلف المؤجر والمستأجر في قدر الأجرة؟","level":3,"page":3618},{"title":"مسألة [٩٧]: إذا اختلفا في المدة؟","level":3,"page":3618},{"title":"مسألة [٩٨]: إذا اختلفا في التعدي في العين المستأجرة؟","level":3,"page":3618},{"title":"فصل في الجعالة","level":3,"page":3619},{"title":"مسألة [١]: تعريفها.","level":4,"page":3619},{"title":"مسألة [٢]: مشروعية الجعالة.","level":4,"page":3619},{"title":"مسألة [٣]: الفرق بين الجعالة والإجارة.","level":4,"page":3620},{"title":"مسألة [٤]: هل للجاعل والعامل الفسخ متى شاءا؟","level":4,"page":3620},{"title":"مسألة [٥]: هل يشترط في العوض أن يكون معلوما؟","level":4,"page":3621},{"title":"مسألة [٦]: إذا علق الجعالة بكون العمل في مدة معلومة، أو مكان معلوم؟","level":4,"page":3621},{"title":"مسألة [٧]: هل يجوز أن يجعل الجعالة لواحد بعينه، أو يفاوت الجعالة بين واحد وآخر؟","level":4,"page":3622},{"title":"مسألة [٨]: إذا قال: من رد ضالتي فله دينار، فجاء بها ثلاثة؟","level":4,"page":3622},{"title":"مسألة [٩]: من رد لقطة، أو ضالة لصاحبها بغير التزام صاحبها بجعل، فهل يستحق عوضا؟","level":4,"page":3623},{"title":"مسألة [١٠]: إذا قال: من رد عبدي من بلد كذا فله دينار. فرده من نصف الطريق؟","level":4,"page":3625},{"title":"باب إحياء الموات","level":2,"page":3626},{"title":"مسألة [١]: أقسام الموات الذي يحيى.","level":3,"page":3627},{"title":"مسألة [٢]: هل يصح الإحياء أيضا في دار الحرب؟","level":3,"page":3630},{"title":"مسألة [٣]: هل يملك الذمي بالإحياء في دار الإسلام؟","level":3,"page":3631},{"title":"مسألة [٤]: إذا ملك الذمي الأرض بالإحياء، فهل عليه فيها خراج؟","level":3,"page":3632},{"title":"مسألة [٥]: ما قرب من العامر هل يجوز إحياؤه، وتملكه بالإحياء؟","level":3,"page":3632},{"title":"مسألة [٦]: إذا وجد في الأرض بعد إحيائها معادن، فهل يملكها؟","level":3,"page":3633},{"title":"مسألة [٧]: إذا كانت المعادن في موات، فأراد إنسان أخذ المعادن دون إحياء الأرض؟","level":3,"page":3635},{"title":"مسألة [٨]: إحياء بعض الأماكن التي في جوانب الشوارع، والطرقات، وما أشبه ذلك.","level":3,"page":3637},{"title":"مسألة [٩]: ما هو ضابط الإحياء؟","level":3,"page":3638},{"title":"مسألة [١٠]: إذا سبق إلى الأرض وضرب عليها أعلاما، ولم يحيها؟","level":3,"page":3639},{"title":"مسألة [١١]: إذا جاء إنسان وأحيا الأرض التي قد تحجرها إنسان قبله، فهل يملكها؟","level":3,"page":3639},{"title":"مسألة [١٢]: هل له أن يبيع ما تحجره؟","level":3,"page":3640},{"title":"مسألة [١٣]: إذا استأجر إنسانا ليحيي له الأرض، فأحياها، فمن يملكها؟","level":3,"page":3640},{"title":"مسألة [١٤]: هل يشترط في إحياء الموات إذن الإمام؟","level":3,"page":3641},{"title":"مسألة [١]: معنى الحمى.","level":3,"page":3642},{"title":"مسألة [٢]: قوله: «لا حمى إلا لله ولرسوله».","level":3,"page":3642},{"title":"مسألة [٣]: هل للإمام أن ينقض ما حماه من قبله؟","level":3,"page":3644},{"title":"مسألة [١]: معنى قوله - ﷺ -: «لا ضرر، ولا ضرار».","level":3,"page":3646},{"title":"مسألة [١]: حريم البئر.","level":3,"page":3649},{"title":"مسألة [٢]: حريم العين.","level":3,"page":3650},{"title":"مسألة [٣]: حريم الدار، وأرض الزراعة.","level":3,"page":3651},{"title":"مسألة [٤]: حريم الشجرة.","level":3,"page":3652},{"title":"مسألة [٥]: إذا حفر إنسان بئرا إلى جوار بئر أخيه فتضرر بئر الأول ونزح ماؤه؟","level":3,"page":3652},{"title":"مسألة [١]: معنى الإقطاع.","level":3,"page":3653},{"title":"مسألة [٢]: أقسام الإقطاع.","level":3,"page":3653},{"title":"مسألة [٣]: هل يملك الأرض بالإقطاع، أم بالإحياء بعد إقطاعها؟","level":3,"page":3654},{"title":"مسألة [٤]: إقطاع الإمام بقدر إمكان الإحياء.","level":3,"page":3655},{"title":"مسألة [٥]: إجارة الإقطاع.","level":3,"page":3656},{"title":"مسألة [١]: أقسام المياه الغير محروزة.","level":3,"page":3657},{"title":"مسألة [٢]: الماء الذي بئره مملوكة، أو عينه مملوكة، هل يلزم صاحبها بذل الماء الفاضل عن حاجته وحاجة ماشيته لسقي غيره، ولسقي ماشية غيره؟","level":3,"page":3662},{"title":"مسألة [٣]: الكلأ الذي في أرض مملوكة النابت بغير عمل صاحب الأرض؟","level":3,"page":3663},{"title":"مسألة [٤]: هل يلزم صاحب البئر أن يبذل للمستقي الدلو والحبل والبكرة مجانا؟","level":3,"page":3664},{"title":"مسألة [٥]: هل للمستقي أن يدخل إلى البئر ويأخذ من الماء بغير إذن؟","level":3,"page":3665},{"title":"مسألة [٦]: معنى الاشتراك في النار.","level":3,"page":3665},{"title":"باب الوقف","level":2,"page":3667},{"title":"مسألة [١]: تعريف الوقف.","level":3,"page":3668},{"title":"مسألة [٢]: مشروعية الوقف.","level":3,"page":3668},{"title":"مسألة [٣]: متى يحصل الوقف ويلزم؟","level":3,"page":3669},{"title":"مسألة [٤]: هل يصح الوقف بالفعل؟","level":3,"page":3670},{"title":"مسألة [٥]: ألفاظ الوقف.","level":3,"page":3670},{"title":"مسألة [٦]: هل يفتقر الوقف إلى قبول الموقوف عليه؟","level":3,"page":3671},{"title":"مسألة [٧]: هل يزول ملك الواقف من العين الموقوفة؟","level":3,"page":3672},{"title":"مسألة [٨]: هل ينتقل الملك للعين إلى الموقوف عليهم.","level":3,"page":3672},{"title":"مسألة [٩]: هل يصح وقف المنقول؟","level":3,"page":3673},{"title":"مسألة [١٠]: وقف المشاع.","level":3,"page":3673},{"title":"مسألة [١١]: هل يصح وقف الحلي للبس والعارية؟","level":3,"page":3674},{"title":"مسألة [١٢]: وقف ما لا تبقى عينه إذا انتفع به؟","level":3,"page":3675},{"title":"مسألة [١٣]: هل يصح وقف الكلب؟","level":3,"page":3676},{"title":"مسألة [١٤]: وقف أم الولد.","level":3,"page":3676},{"title":"مسألة [١٥]: وقف غير المعين كـ (أحد هذين العبدين، أو أرضا من الأراضي).","level":3,"page":3676},{"title":"مسألة [١٦]: هل يشترط في صحة الوقف أن يكون على طاعة؟","level":3,"page":3677},{"title":"مسألة [١٧]: وقف المسلم على بعض أهل الذمة؟","level":3,"page":3678},{"title":"مسألة [١٨]: وهل تصح أوقاف أهل الذمة؟","level":3,"page":3679},{"title":"مسألة [١٩]: الوقف على الحربي.","level":3,"page":3681},{"title":"مسألة [٢٠]: الوقف على الأغنياء فقط.","level":3,"page":3682},{"title":"مسألة [٢١]: الجهات التي يصرف إليها الوقف.","level":3,"page":3684},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا وقف على نفسه، فهل يصح؟","level":3,"page":3685},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا اشترط الواقف في الوقف أن ينفق على نفسه منه؟","level":3,"page":3686},{"title":"مسألة [٢٤]: المنافع للموقوف عليهم إذا لم يشترط.","level":3,"page":3687},{"title":"مسألة [٢٥]: إذا وقف على الفقراء، ثم افتقر، فهل يدخل في الوقف؟","level":3,"page":3687},{"title":"مسألة [٢٦]: إذا وقف الوقف على مجهول كرجل، وامرأة، أو ما أشبهه؟","level":3,"page":3688},{"title":"مسألة [٢٧]: الوقف على العبد، وأم الولد.","level":3,"page":3688},{"title":"مسألة [٢٨]: الوقف على الحمل ابتداء لا تبعا.","level":3,"page":3688},{"title":"مسألة [٢٩]: الوقف على البهيمة.","level":3,"page":3689},{"title":"مسألة [٣٠]: تعليق الوقف على شرط.","level":3,"page":3689},{"title":"مسألة [٣١]: إذا اشترط في الوقف أن يبيعه، أو يهبه، أو يرجع فيه متى شاء؟","level":3,"page":3690},{"title":"مسألة [٣٢]: إذا شرط لنفسه الخيار في الوقف؟","level":3,"page":3690},{"title":"مسألة [٣٣]: إذا وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز؟","level":3,"page":3691},{"title":"مسألة [٣٤]: إذا وقف على جهة جائزة، فانقرضت، فإلى من يعود الوقف؟","level":3,"page":3691},{"title":"مسألة [٣٥]: إذا لم يكن للواقف أقارب؟","level":3,"page":3693},{"title":"مسألة [٣٦]: إذا قال: وقفت هذا لله، أو: صدقة موقوفة. ولم يبين سبيله؟","level":3,"page":3694},{"title":"مسألة [٣٧]: إذا قال: وقفت هذا الدار سنة؟","level":3,"page":3695},{"title":"مسألة [٣٨]: هل يجوز للموقوف عليه أو الواقف أن يجامعا الأمة الموقوفة؟","level":3,"page":3696},{"title":"مسألة [٣٩]: عتق العبد الموقوف، أو الأمة الموقوفة.","level":3,"page":3697},{"title":"مسألة [٤٠]: تزويج الأمة الموقوفة.","level":3,"page":3697},{"title":"مسألة [٤١]: من يتولى تزويجها؟","level":3,"page":3698},{"title":"مسألة [٤٢]: إذا ولدت الأمة من زوجها؟","level":3,"page":3698},{"title":"مسألة [٤٣]: إذا جنى العبد الموقوف؛ فعلى من أرش جنايته؟","level":3,"page":3698},{"title":"مسألة [٤٤]: إذا جني على العبد الموقوف بجناية توجب مالا؟","level":3,"page":3699},{"title":"مسألة [٤٥]: هل على الموقوف عليه زكاة إذا كان تحت يده شيء يجب فيه الزكاة؟","level":3,"page":3700},{"title":"مسألة [٤٦]: النفقة على الوقف.","level":3,"page":3701},{"title":"مسألة [٤٧]: النظر في الوقف.","level":3,"page":3701},{"title":"مسألة [٤٨]: مصرف الوقف.","level":3,"page":3702},{"title":"مسألة [٤٩]: إذا أوقف شيئا وقال: في سبيل الله؟","level":3,"page":3702},{"title":"مسألة [٥٠]: الوقف على أولاده.","level":3,"page":3703},{"title":"مسألة [٥١]: إذا وقف على أولاد أولاده فهل يدخل فيهم أولاد بناته؟","level":3,"page":3704},{"title":"مسألة [٥٢]: إذا وقف على بنيه فقط، فما الحكم؟","level":3,"page":3705},{"title":"مسألة [٥٣]: الوقف في مرض الموت.","level":3,"page":3709},{"title":"مسألة [٥٤]: ماذا يصنع بالوقف إذا تعطلت منافعه؟","level":3,"page":3710},{"title":"مسألة [٥٥]: إذا أتلف أحد الوقف؟","level":3,"page":3711},{"title":"باب الهبة والعمرى والرقبى","level":2,"page":3712},{"title":"مسألة [١]: تعريف الهبة.","level":3,"page":3712},{"title":"مسألة [٢]: أيهما أفضل الهدية أم الصدقة؟","level":3,"page":3713},{"title":"مسألة [٣]: متى تلزم الهبة؟","level":3,"page":3713},{"title":"مسألة [٤]: هل للواهب الخيار قبل القبض؟","level":3,"page":3714},{"title":"مسألة [٥]: إذا مات الواهب، أو الموهوب له؟","level":3,"page":3715},{"title":"مسألة [٦]: إذا وهبه شيئا في يد المتهب كالوديعة والمغصوب؟","level":3,"page":3715},{"title":"مسألة [٧]: هل يشترط في الهبة الإيجاب والقبول؟","level":3,"page":3716},{"title":"مسألة [٨]: ضابط القبض.","level":3,"page":3716},{"title":"مسألة [٩]: هل تصح هبة المشاع؟","level":3,"page":3716},{"title":"مسألة [١٠]: الهبة فيما لا يمكن تسليمه.","level":3,"page":3717},{"title":"مسألة [١١]: هل تصح هبة الشيء المجهول؟","level":3,"page":3717},{"title":"مسألة [١٢]: هبة المعدوم الذي لم يوجد بعد؟","level":3,"page":3718},{"title":"مسألة [١٣]: هبة الحمل وهو في بطن أمه، واللبن وهو في الضرع.","level":3,"page":3718},{"title":"مسألة [١٤]: تعليق الهبة على شرط.","level":3,"page":3719},{"title":"مسألة [١٥]: تعليق الهبة بشرط ينافي التملك المطلق.","level":3,"page":3719},{"title":"مسألة [١٦]: إذا وهب أمة، أو شاة، واستثنى ما في بطنها؟","level":3,"page":3720},{"title":"مسألة [١٧]: تقييد الهبة بالوقت.","level":3,"page":3720},{"title":"مسألة [١٨]: إذا كان له دين في ذمة إنسان، فوهبه له؟","level":3,"page":3721},{"title":"مسألة [١٩]: إذا وهب الدين لغير من هو في ذمته، أو باعه إياه؟","level":3,"page":3722},{"title":"مسألة [٢٠]: البراءة من المجهول هل تصح؟","level":3,"page":3723},{"title":"مسألة [٢١]: إذا وهب للطفل هبة فمن يقبضها له؟","level":3,"page":3723},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا وهب الأب لابنه الصغير؛ قام مقامه في القبض والقبول.","level":3,"page":3724},{"title":"مسألة [١]: حكم التفضيل بين الأولاد في العطية.","level":3,"page":3726},{"title":"مسألة [٢]: إذا فضل بعض ولده، فهل الهبة باطلة؟","level":3,"page":3728},{"title":"مسألة [٣]: ضابط العدل بين الأولاد.","level":3,"page":3730},{"title":"مسألة [٤]: هل يشمل الأمر بالعدل في العطية غير الأولاد من الأقارب؟","level":3,"page":3731},{"title":"مسألة [٥]: هل يجب على الأم أيضا العدل في العطية لأولادها؟","level":3,"page":3731},{"title":"مسألة [١]: حكم رجوع غير الأب في هبته.","level":3,"page":3732},{"title":"مسألة [٢]: رجوع الأب في الهبة.","level":3,"page":3733},{"title":"مسألة [٣]: هل للأم الرجوع في الهبة التي وهبتها لولدها؟","level":3,"page":3734},{"title":"مسألة [٤]: هبة الرجل لزوجته والمرأة لزوجها، هل لهما الرجوع فيها؟","level":3,"page":3735},{"title":"مسألة [٥]: شروط رجوع الأب في الهبة.","level":3,"page":3736},{"title":"مسألة [٦]: إن تلف بعض العين، أو نقصت قيمتها، فهل للأب الرجوع؟","level":3,"page":3739},{"title":"مسألة [٧]: هل يفتقر الرجوع إلى تلفظ، أو يقع الرجوع بالفعل؟","level":3,"page":3739},{"title":"مسألة [٨]: هل للوالد أن يأخذ من مال ولده ويتملكه؟","level":3,"page":3740},{"title":"مسألة [٩]: هل للابن مطالبة أباه بالدين؟","level":3,"page":3741},{"title":"مسألة [١٠]: تصرف الأب في مال ولده قبل تملكه؟","level":3,"page":3742},{"title":"مسألة [١١]: هل للأب أن يطأ جارية ولده؟","level":3,"page":3743},{"title":"مسألة [١٢]: الهبة في مرض الموت، هل تنفذ؟","level":3,"page":3744},{"title":"مسألة [١]: هل الهبة المطلقة تقتضي الثواب؟","level":3,"page":3746},{"title":"مسألة [٢]: إذا اشترط على هبته الثواب، ولم يبين مقدار الثواب؟","level":3,"page":3747},{"title":"مسألة [٣]: إذا اشترط على هبته ثوابا معلوما؟","level":3,"page":3747},{"title":"مسألة [١]: تعريف العمرى والرقبى.","level":3,"page":3749},{"title":"مسألة [٢]: مشروعية العمرى.","level":3,"page":3750},{"title":"مسألة [٣]: هل العمرى تنقل الملك إلى المعمر، أو هي هبة منافع؟","level":3,"page":3750},{"title":"مسألة [٤]: إذا قيد التعمير بالحياة.","level":3,"page":3752},{"title":"مسألة [٥]: إذا قال صاحب الدار: سكناها لك عمرك.؟","level":3,"page":3753},{"title":"مسألة [٦]: أحكام الرقبى.","level":3,"page":3753},{"title":"مسألة [٧]: العمرى في غير العقار؟","level":3,"page":3754},{"title":"مسألة [١]: حكم الرجوع في الصدقة.","level":3,"page":3756},{"title":"مسألة [٢]: هل يجوز الرجوع فيها بالشراء؟","level":3,"page":3756},{"title":"مسألة [١]: فضل التهادي.","level":3,"page":3758},{"title":"مسألة [٢]: هل تقبل هدايا المشركين؟","level":3,"page":3759},{"title":"مسألة [٣]: هل يهدى للمشرك؟","level":3,"page":3760},{"title":"باب اللقطة","level":2,"page":3763},{"title":"مسألة [١]: هل الأفضل الالتقاط، أم عدمه؟","level":3,"page":3763},{"title":"مسألة [١]: يسير اللقطة.","level":3,"page":3765},{"title":"مسألة [١]: التعرف على صفات اللقطة.","level":3,"page":3768},{"title":"مسألة [٢]: الإشهاد عليها حين يجدها.","level":3,"page":3769},{"title":"مسألة [٣]: حكم تعريف اللقطة.","level":3,"page":3769},{"title":"مسألة [٤]: في قدر التعريف.","level":3,"page":3770},{"title":"مسألة [٥]: متى يبدأ وقت التعريف؟","level":3,"page":3771},{"title":"مسألة [٦]: زمن التعريف.","level":3,"page":3771},{"title":"مسألة [٧]: مكان التعريف.","level":3,"page":3772},{"title":"مسألة [٨]: هل له أن يستنيب في التعريف؟","level":3,"page":3772},{"title":"مسألة [٩]: كيفية التعريف.","level":3,"page":3773},{"title":"مسألة [١٠]: إذا عرف الملتقط اللقطة حولا فهل يملكها ملتقطها؟","level":3,"page":3773},{"title":"مسألة [١١]: هل تدخل اللقطة في ملك الملتقط بتمام الحول حكما كالميراث، أم بتملكه؟","level":3,"page":3774},{"title":"مسألة [١٢]: إذا أخر التعريف عن الحول الأول مع إمكانه؟","level":3,"page":3776},{"title":"مسألة [١٣]: إذا أخر التعريف في الحول الأول لعجز؟","level":3,"page":3777},{"title":"مسألة [١٤]: هل حكم العروض كحكم الأثمان فيما تقدم؟","level":3,"page":3777},{"title":"مسألة [١٥]: إذا التقط لقطة عازما على تملكها بغير تعريف، ثم عرفها؟","level":3,"page":3778},{"title":"مسألة [١٦]: إذا جاء رجل ووصف اللقطة بصفاتها، فهل يلزمه دفعها إليه بغير بينة؟","level":3,"page":3779},{"title":"مسألة [١٧]: إذا عرف بعض الصفات دون بعض؟","level":3,"page":3780},{"title":"مسألة [١٨]: إذا جاء اثنان يدعيان اللقطة ووصفاها؟","level":3,"page":3781},{"title":"مسألة [١٩]: إذا وصف أحد اللقطة، فدفعها إليه، ثم جاء آخر بالبينة أنها ملكه؟","level":3,"page":3781},{"title":"مسألة [٢٠]: هل للملتقط أن يدفعها إلى من ادعاها بدون وصف ولا بينة؟","level":3,"page":3782},{"title":"مسألة [٢١]: اللقطة في أثناء الحول أمانة في يد الملتقط.","level":3,"page":3782},{"title":"مسألة [٢٢]: ما الحكم إذا تلفت على صاحبها بعد الحول؟","level":3,"page":3783},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا عرفها الملتقط عاما، ثم باعها، فوجدها صاحبها بعد بيعها، أو هبتها؟","level":3,"page":3783},{"title":"مسألة [٢٤]: إذا أخذ اللقطة، ثم ردها إلى موضعها، فهل يضمن؟","level":3,"page":3784},{"title":"مسألة [٢٥]: إن ضاعت اللقطة من ملتقطها بغير تفريط؟","level":3,"page":3785},{"title":"مسألة [٢٦]: إذا غصبها غاصب من الملتقط وعرفها، فهل يملكها؟","level":3,"page":3785},{"title":"مسألة [٢٧]: من اصطاد سمكة فوجد فيها جوهرة؟","level":3,"page":3785},{"title":"مسألة [٢٨]: إذا صاد صيدا عليه علامة التملك؟","level":3,"page":3786},{"title":"مسألة [٢٩]: من أخذت ثيابه من الحمام ووجد بدلها، أو أخذ نعله من المسجد ووجد بدله؟","level":3,"page":3786},{"title":"مسألة [٣٠]: ما الحكم إذا مات الملتقط؟","level":3,"page":3787},{"title":"مسألة [٣١]: إذا وجد الصبي والمجنون والسفيه لقطة، فما الحكم؟","level":3,"page":3788},{"title":"مسألة [٣٢]: إذا وجد العبد لقطة، فهل له أخذها بغير إذن سيده؟","level":3,"page":3788},{"title":"مسألة [٣٣]: هل للذمي أن يلتقط؟","level":3,"page":3790},{"title":"مسألة [٣٤]: إذا التقطها مسلم فاسق ليس بأمين؟","level":3,"page":3790},{"title":"مسألة [٣٥]: ضالة الغنم هل تلتقط؟","level":3,"page":3791},{"title":"مسألة [٣٦]: هل تعرف إذا أخذها؟","level":3,"page":3791},{"title":"مسألة [٣٧]: هل يجوز التقاطها للتملك بعد التعريف؟","level":3,"page":3792},{"title":"مسألة [٣٨]: ماذا يصنع الملتقط بالشاة؟","level":3,"page":3792},{"title":"مسألة [٣٩]: هل يجوز التقاط ضالة الإبل؟","level":3,"page":3796},{"title":"مسألة [٤٠]: الخيل والبغال والبقر والحمير، هل تلتقط؟","level":3,"page":3797},{"title":"مسألة [٤١]: إذا خالف إنسان والتقط بعيرا؛ فما الحكم؟","level":3,"page":3797},{"title":"مسألة [٤٢]: هل للإمام أن يجعل للضوال مكانا يحفظها لصاحبها؟","level":3,"page":3797},{"title":"مسألة [٤٣]: هل يجوز لإنسان التقاط البعير للحفظ لا للتملك؟","level":3,"page":3798},{"title":"مسألة [٤٤]: إن وجد بعيرا في مكان يخشى عليه من كبار السباع، أو قريبا من دار الحرب؟","level":3,"page":3798},{"title":"مسألة [٤٥]: من ترك دابته بمهلكة عمدا، فأخذها إنسان فأطعمها وسقاها وخلصها، فهل يملكها؟","level":3,"page":3799},{"title":"مسألة [٤٦]: إذا ألقى متاعا فخلصه إنسان هل يملكه؟","level":3,"page":3800},{"title":"مسألة [٤٧]: ما ألقاه ركاب السفينة للتخفيف عنها؟","level":3,"page":3800},{"title":"مسألة [٤٨]: إذا انكسرت السفينة فأخرج بعض متاعها إنسان، فهل يملكه؟","level":3,"page":3801},{"title":"مسألة [٤٩]: إذا التقط إنسان ما لا يبقى عاما كالفواكه؟","level":3,"page":3801},{"title":"مسألة [٥٠]: إذا التقطها ثم بلغه أن صاحبها جعل فيها جعلا؟","level":3,"page":3802},{"title":"مسألة [٥١]: لقطة الحرم والحاج.","level":3,"page":3802},{"title":"مسألة [٥٢]: من وجد لقطة ذمي، فهل عليه تعريفها؟","level":3,"page":3803},{"title":"مسألة [٥٣]: من وجد لقطة في دار الحرب؟","level":3,"page":3803},{"title":"فصل في أحكام اللقيط","level":3,"page":3805},{"title":"مسألة [١]: اللقيط حر.","level":4,"page":3805},{"title":"مسألة [٢]: النفقة على اللقيط.","level":4,"page":3806},{"title":"مسألة [٣]: إذا وجد مع اللقيط مال، فهل هو للقيط؟","level":4,"page":3807},{"title":"مسألة [٤]: إذا جنى اللقيط جناية فمن يتحملها؟","level":4,"page":3808},{"title":"مسألة [٥]: إذا جني على اللقيط، فلمن أرش الجناية؟","level":4,"page":3808},{"title":"مسألة [٦]: هل للملتقط على اللقيط ولاء، وهل يرثه؟","level":4,"page":3809},{"title":"مسألة [٧]: إذا كان الملتقط غير أمين، فهل يقره الحاكم في يده؟","level":4,"page":3810},{"title":"مسألة [٨]: إذا اختلف اثنان في لقيط، كل واحد يدعي التقاطه؟","level":4,"page":3811},{"title":"مسألة [٩]: إذا ادعى رجل نسب اللقيط، فهل يلحق به؟","level":4,"page":3811},{"title":"مسألة [١٠]: إذا ادعت امرأة نسب اللقيط، فهل يلحق بها؟","level":4,"page":3812},{"title":"مسألة [١١]: إذا ادعى اثنان نسب اللقيط؟","level":4,"page":3813},{"title":"مسألة [١٢]: هل يكفي قول قائف أم يشترط اثنان؟","level":4,"page":3816},{"title":"مسألة [١٣]: هل إذا ألحقته القافة بكافر، أو رقيق يحكم بكفره ورقه؟","level":4,"page":3816},{"title":"مسألة [١٤]: إذا ادعاه اثنان، فألحقته بهما القافة؟","level":4,"page":3817},{"title":"مسألة [١٥]: إذا لم توجد قافة، ولا بينة؟","level":4,"page":3817},{"title":"مسألة [١٦]: إذا ادعى إنسان رق اللقيط؟","level":4,"page":3818},{"title":"باب الفرائض","level":2,"page":3820},{"title":"مسألة [١]: تعريف الفرائض.","level":3,"page":3828},{"title":"مسألة [٢]: الحث على تعلمه.","level":3,"page":3828},{"title":"مسألة [٣]: الحقوق المتعلقة بالتركة.","level":3,"page":3829},{"title":"مسألة [٤]: أركان الإرث.","level":3,"page":3831},{"title":"مسألة [٥]: شروط الإرث.","level":3,"page":3831},{"title":"مسألة [٦]: أسباب الإرث.","level":3,"page":3832},{"title":"مسألة [٧]: النكاح إذا حصل في مرض مخوف؟","level":3,"page":3833},{"title":"مسألة [٨]: المطلقة طلاقا رجعيا هل ترث؟","level":3,"page":3834},{"title":"مسألة [٩]: المطلقة طلاقا بائنا هل ترث؟","level":3,"page":3834},{"title":"مسألة [١٠]: إذا طلق امرأته، فأبانها في مرض مخوف؟","level":3,"page":3835},{"title":"مسألة [١١]: إذا طلق امرأته في مرض مخوف، ثم صح، ثم مات بعد الصحة؟","level":3,"page":3836},{"title":"مسألة [١٢]: إذا طلقها في مرضه قبل الدخول بها؟","level":3,"page":3837},{"title":"فصل في موانع الإرث","level":3,"page":3847},{"title":"المانع الأول: الرق","level":4,"page":3847},{"title":"مسألة [١]: من بعضه حر، هل يرث أم لا؟","level":4,"page":3848},{"title":"مسألة [٢]: المكاتب هل يرث ويورث عنه أم لا؟","level":4,"page":3849},{"title":"المانع الثاني: القتل","level":4,"page":3850},{"title":"المانع الثالث: اختلاف الدين","level":4,"page":3852},{"title":"مسألة [٣]: التوارث بين المسلم والكافر.","level":4,"page":3852},{"title":"مسألة [٤]: هل يرث المسلم من الكافر إذا كان له عليه ولاء؟","level":4,"page":3853},{"title":"مسألة [٥]: هل يرث الكافر من المسلم إذا أسلم قبل القسمة؟","level":4,"page":3853},{"title":"مسألة [٦]: هل يتوارث أهل الكفر بعضهم من بعض؟","level":4,"page":3855},{"title":"مسألة [٧]: ميراث المرتد.","level":4,"page":3857},{"title":"مسألة [٨]: إذا مات المرتد، أو قتل على ردته، وماله بين المسلمين، فلمن ماله؟","level":4,"page":3859},{"title":"مسألة [٩]: إذا لحق المرتد بدار الحرب، فماذ يصنع بماله إذا لم يمت بعد؟","level":4,"page":3860},{"title":"فصل في بيان الوارثين من الرجال","level":3,"page":3861},{"title":"فصل في بيان الوارثات من النساء","level":3,"page":3863},{"title":"فصل في أنواع الإرث","level":3,"page":3865},{"title":"فصل في بيان الفروض المقدرة في الشرع","level":3,"page":3867},{"title":"أصحاب النصف","level":4,"page":3867},{"title":"أصحاب الربع","level":4,"page":3868},{"title":"أصحاب الثمن","level":4,"page":3868},{"title":"أصحاب الثلثين","level":4,"page":3869},{"title":"أصحاب الثلث","level":4,"page":3871},{"title":"مسألة [١]: هل الإخوة المحجوبون بشخص يحجبون الأم من الثلث إلى السدس؟","level":3,"page":3874},{"title":"مسألة [٢]: الغراوين والعمريتين؟","level":3,"page":3875},{"title":"مسألة [٣]: عدد من يرث من الجدات.","level":3,"page":3880},{"title":"مسألة [٤]: الجدة المدلية بأب غير وارث.","level":3,"page":3881},{"title":"مسألة [٥]: الجدة المدلية بالأب، هل ترث مع وجود الأب؟","level":3,"page":3882},{"title":"مسألة [٦]: إذا اجتمعت جدة من جهتين للميت مع جدة للميت من جهة واحدة؟","level":3,"page":3883},{"title":"مسألة [٧]: إذا اجتمعت جدة قريبة مع جدة بعيدة؟","level":3,"page":3884},{"title":"مسألة [٨]: هل يرث الإخوة مع وجود الجد؟","level":3,"page":3885},{"title":"فصل في بيان من يرث بالتعصيب","level":3,"page":3887},{"title":"مسألة [١]: أقسام العصبة.","level":4,"page":3887},{"title":"أولا: العصبة بالنسب، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام","level":4,"page":3887},{"title":"القسم الأول: عصبة بالنفس","level":5,"page":3887},{"title":"مسألة [٢]: أحكام العصبة بالنفس.","level":5,"page":3888},{"title":"مسألة [٣]: جهات التعصيب.","level":5,"page":3888},{"title":"مسألة [٤]: اجتماع العصبة.","level":5,"page":3889},{"title":"القسم الثاني: العصبة بالغير","level":5,"page":3890},{"title":"القسم الثالث: العصبة مع الغير","level":5,"page":3892},{"title":"ثانيا: العصبة بالسبب","level":4,"page":3895},{"title":"مسألة [٥]: هل على المكاتب ولاء إذا أعتق نفسه؟","level":3,"page":3896},{"title":"مسألة [٦]: إذا مات المعتق وخلف أبا معتقه وابن معتقه؟","level":3,"page":3896},{"title":"مسألة [٧]: إذا مات المعتق وخلف أخا معتقه وجد معتقه؟","level":3,"page":3897},{"title":"مسألة [٨]: هل يرث المعتق من المعتق صاحب الولاء؟","level":3,"page":3897},{"title":"مسألة [٩]: هلك هالك وترك ابني عم أحدهما أخ لأم؟","level":3,"page":3898},{"title":"مسألة [١٠]: هلكت امرأة وتركت ابني عم أحدهما زوج؟","level":3,"page":3899},{"title":"مسألة [١١]: المشركة.","level":3,"page":3899},{"title":"مسألة [١]: أنواع الحجب.","level":3,"page":3902},{"title":"فصل في الحجب","level":3,"page":3902},{"title":"القسم الأول: حجب نقصان","level":4,"page":3902},{"title":"القسم الثاني: حجب الحرمان","level":4,"page":3904},{"title":"مسألة [٢]: أقسام الورثة بالنسبة إليه.","level":3,"page":3904},{"title":"مسألة [٣]: هل الممنوع من الإرث يحجب غيره؟","level":3,"page":3906},{"title":"مسألة [٤]: العول.","level":3,"page":3907},{"title":"مسألة [٥]: الأصول العائلة.","level":3,"page":3908},{"title":"مسألة [٦]: الرد.","level":3,"page":3909},{"title":"فصل في مسائل تتعلق بميراث الملاعنة وولدها","level":3,"page":3915},{"title":"مسألة [١]: توارث الزوجين المتلاعنين.","level":4,"page":3915},{"title":"مسألة [٢]: إذا مات أحد المتلاعنين قبل تمام اللعان؟","level":4,"page":3915},{"title":"مسألة [٣]: إذا مات أحدهم قبل تفريق الحاكم؟","level":4,"page":3915},{"title":"مسألة [٤]: إذا فرق الحاكم قبل تمام اللعان؟","level":4,"page":3916},{"title":"مسألة [٥]: هل يرث الملاعن الولد الذي نفاه عن نفسه؟","level":4,"page":3916},{"title":"مسألة [٦]: من يرث ابن الملاعنة؟","level":4,"page":3916},{"title":"مسألة [٧]: من هم عصبته الذين يأخذون ما أبقت الفروض؟","level":4,"page":3917},{"title":"مسألة [٨]: ولد الزنا.","level":4,"page":3919},{"title":"فصل في ذكر مسائل أخرى","level":3,"page":3922},{"title":"مسألة [١]: الغرقى، والهدمى، والحرقى، ومن أشبههم.","level":4,"page":3922},{"title":"مسألة [٢]: توريث الخنثى.","level":4,"page":3923},{"title":"مسألة [٣]: توريث الحمل.","level":4,"page":3924},{"title":"مسألة [٤]: شروط توريث الحمل.","level":4,"page":3925},{"title":"مسألة [٥]: إذا خرج بعضه فاستهل، ثم مات بتمام انفصاله؟","level":4,"page":3927},{"title":"مسألة [٦]: ميراث المفقود.","level":4,"page":3927},{"title":"مسألة [٧]: هل يرث المفقود من مات قبل حكم الحاكم بموته؟","level":4,"page":3927},{"title":"مسألة [٨]: من مات وفي ورثته مفقود؟","level":4,"page":3928},{"title":"مسألة [٩]: هل الأسير عند العدو كالمفقود؟","level":4,"page":3928},{"title":"مسألة [١٠]: إذا وقف مال للمفقود من ميت يرثه، فلم يتبين أمر المفقود، وحكم الحاكم بموته؟","level":4,"page":3928},{"title":"مسألة [١١]: توريث المجوس.","level":4,"page":3929},{"title":"مسألة [١٢]: وهل يتوارث المجوس بأكثر من قرابة؟","level":4,"page":3929},{"title":"باب الوصايا","level":2,"page":3932},{"title":"مسألة [١]: تعريف الوصايا.","level":3,"page":3934},{"title":"مسألة [٢]: مشروعيتها.","level":3,"page":3935},{"title":"مسألة [٣]: هل يجب على الإنسان أن يوصي من ماله للفقراء، والمحتاجين؟","level":3,"page":3935},{"title":"مسألة [٤]: قوله تعالى: ﴿إن ترك خيرا﴾.","level":3,"page":3937},{"title":"مسألة [٥]: إذا أوصى لغير ذوي القربى المحتاجين؟","level":3,"page":3939},{"title":"مسألة [٦]: الوصية بأكثر من الثلث.","level":3,"page":3940},{"title":"مسألة [٧]: إذا أذن الورثة لمورثهم أن يوصي بأكثر من الثلث؟","level":3,"page":3941},{"title":"مسألة [٨]: الوصية لوارث.","level":3,"page":3942},{"title":"مسألة [٩]: إذا أوصى لكل وارث بمقدار حقه؟","level":3,"page":3943},{"title":"مسألة [١٠]: إذا أسقط في وصيته عن وارثه دينا، أو أوصى بقضاء دينه، أو عفا عن بعض الجنايات؟","level":3,"page":3943},{"title":"مسألة [١١]: إذا وصى لوارثه وأجنبي بثلث ماله؟","level":3,"page":3944},{"title":"مسألة [١٢]: الوقت المعتبر به للوصية.","level":3,"page":3945},{"title":"مسألة [١٣]: الموصى له هل يملكها بغير قبول كالميراث؟","level":3,"page":3946},{"title":"مسألة [١٤]: وقت اعتبار القبول والرد.","level":3,"page":3947},{"title":"مسألة [١٥]: إذا قبل الوصية فمن متى يثبت له الملك؟","level":3,"page":3947},{"title":"مسألة [١٦]: إذا رد الموصى له الوصية؟","level":3,"page":3948},{"title":"مسألة [١٧]: إذا مات الموصى له قبل أن يقبل أو يرد؟","level":3,"page":3948},{"title":"مسألة [١٨]: الوصية المقيدة والمطلقة.","level":3,"page":3949},{"title":"مسألة [١٩]: إذا أوصى بجزء مبهم من ماله، فكم يخرج عنه؟","level":3,"page":3950},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا أوصى بمثل نصيب أحد ورثته؟","level":3,"page":3950},{"title":"مسألة [٢١]: إذا أوصى بنصيب وارثه؟","level":3,"page":3951},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا أوصى بضعف نصيب وارثه لفلان؟","level":3,"page":3951},{"title":"مسألة [٢٣]: الوصية للميت.","level":3,"page":3952},{"title":"مسألة [٢٤]: إذا مات الموصى له قبل موت الموصي؟","level":3,"page":3953},{"title":"مسألة [٢٥]: الوصية للحمل.","level":3,"page":3953},{"title":"مسألة [٢٦]: إذا أوصى لما ستحمل فلانة؟","level":3,"page":3954},{"title":"مسألة [٢٧]: إذا أوصى لحمل أمرأة فولدت ذكرا وأنثى؟","level":3,"page":3954},{"title":"مسألة [٢٨]: إذا أوصى بثمرة شجرة، أو غلة دار، أو خدمة عبد؟","level":3,"page":3955},{"title":"مسألة [٢٩]: كيفية تقويم المنفعة.","level":3,"page":3956},{"title":"مسألة [٣٠]: النفقة على العبد والحيوان الموصى بنفعه.","level":3,"page":3957},{"title":"مسألة [٣١]: إذا أراد الورثة إعتاق العبد أو بيعه؟","level":3,"page":3958},{"title":"مسألة [٣٢]: إذا أوصى بوصايا متعددة تجاوزت الثلث؟","level":3,"page":3959},{"title":"مسألة [٣٣]: إذا كان في الموصى لهم رجل تجاوز وصيته الثلث منفردا؟","level":3,"page":3960},{"title":"مسألة [٣٤]: إذا أوصى لولد فلان، فهل يدخل فيهم الإناث؟","level":3,"page":3960},{"title":"مسألة [٣٥]: إذا أوصى لبنات فلان هل يدخل فيه الذكور؟","level":3,"page":3961},{"title":"مسألة [٣٦]: إذا أوصى لولد فلان، فهل يدخل أولاد أولاده؟","level":3,"page":3962},{"title":"مسألة [٣٧]: إذا أوصى لجماعة لا يمكن حصرهم واستيعابهم؟","level":3,"page":3963},{"title":"مسألة [٣٨]: هل للموصي أن يرجع عن الوصية؟","level":3,"page":3964},{"title":"مسألة [٣٩]: إذا أوصى ببيت لزيد، ثم أوصى به لبكر؟","level":3,"page":3964},{"title":"مسألة [٤٠]: إذا قال: ما أوصيت به لفلان، فهو لفلان؟","level":3,"page":3965},{"title":"مسألة [٤١]: بم يحصل الرجوع في الوصية؟","level":3,"page":3966},{"title":"مسألة [٤٢]: إن وصى بشيء، ثم استعمله بما يغيره عن حاله؟","level":3,"page":3967},{"title":"مسألة [٤٣]: إذا أوصى بجزء مشاع من ماله، فهل يعتبر به عند الوصية، أو عند الموت؟","level":3,"page":3967},{"title":"مسألة [٤٤]: هل تخرج الوصية من دية الموصي مع أصل ماله إن مات مقتولا؟","level":3,"page":3968},{"title":"مسألة [٤٥]: هل تدخل الوصية فيما لم يعلم به من ماله؟","level":3,"page":3969},{"title":"مسألة [٤٦]: كتابة الوصية والإشهاد عليها؟","level":3,"page":3970},{"title":"مسألة [٤٧]: هل يعتمد على الوصية المكتوبة بدون إشهاد؟","level":3,"page":3970},{"title":"مسألة [٤٨]: إذا كتب وصية، ثم قال: اشهدوا علي بما في هذه الورقة؟","level":3,"page":3971},{"title":"مسألة [٤٩]: وصية الصبي؟","level":3,"page":3971},{"title":"مسألة [٥٠]: المحجور عليه لسفه.","level":3,"page":3972},{"title":"مسألة [٥١]: وصية الأخرس.","level":3,"page":3972},{"title":"مسألة [٥٢]: وصية العبد.","level":3,"page":3973},{"title":"مسألة [٥٣]: وصية المسلم للذمي.","level":3,"page":3974},{"title":"مسألة [٥٤]: وصية المسلم للكافر الحربي؟","level":3,"page":3974},{"title":"مسألة [٥٥]: الوصية بمعصية وفعل محرم.","level":3,"page":3975},{"title":"مسألة [٥٦]: إذا أوصى لعبده بجزء مشاع من ماله؟","level":3,"page":3976},{"title":"مسألة [٥٧]: إذا أوصى لعبده بشيء معين من ماله؟","level":3,"page":3976},{"title":"مسألة [٥٨]: إذا أوصى للعبد برقبته؟","level":3,"page":3977},{"title":"مسألة [٥٩]: الوصية للمكاتب.","level":3,"page":3977},{"title":"مسألة [٦٠]: إذا أوصى لعبد غيره، ممن لا يرثه؟","level":3,"page":3977},{"title":"مسألة [٦١]: الوصية لعبد وارثه؟","level":3,"page":3978},{"title":"مسألة [٦٢]: إذا أوصى بثلثه أن يحج عنه به؟","level":3,"page":3978},{"title":"مسألة [٦٣]: هل تستأذن المرأة في وصيتها زوجها، أو أباها؟","level":3,"page":3979},{"title":"مسألة [٦٤]: الوصية للقاتل.","level":3,"page":3980},{"title":"مسألة [٦٥]: من أوصي له بشيء فهلك ذلك الشيء، أو هلك المال؟","level":3,"page":3980},{"title":"مسألة [٦٦]: من أوصي له بشيء، فلم يأخذه زمانا، فتغيرت قيمته، وأصبح أكثر من الثلث؟","level":3,"page":3981},{"title":"مسألة [٦٧]: من أعتق عبيده في مرض موته وليس له سواهم؟","level":3,"page":3982},{"title":"مسألة [٦٨]: إذا أوصى إنسان بشيء غير معين كعبد من عبيده، أو شاة من غنمه؟","level":3,"page":3982},{"title":"مسألة [٦٩]: الوصية إلى رجل بالتصرف والولاية على من له عليه ولاية.","level":3,"page":3983},{"title":"مسألة [٧٠]: تبعيض الوصية.","level":3,"page":3983},{"title":"مسألة [٧١]: الوصية إلى رجلين.","level":3,"page":3984},{"title":"مسألة [٧٢]: الأوصاف التي تنبغي في الموصى إليه.","level":3,"page":3985},{"title":"مسألة [٧٣]: الوصية إلى الفاسق.","level":3,"page":3985},{"title":"مسألة [٧٤]: إذا طرأ عليه الفسق؟","level":3,"page":3986},{"title":"مسألة [٧٥]: الوصية إلى العبد.","level":3,"page":3986},{"title":"مسألة [٧٦]: الوصية إلى المرأة؟","level":3,"page":3987},{"title":"مسألة [٧٧]: الوصية إلى الصبي العاقل.","level":3,"page":3987},{"title":"مسألة [٧٨]: وصية الكافر إلى المسلم.","level":3,"page":3988},{"title":"مسألة [٧٩]: وصية الكافر إلى الكافر.","level":3,"page":3988},{"title":"مسألة [٨٠]: هل للموصى إليه أن يرد الوصية إليه ولا يقبلها؟","level":3,"page":3988},{"title":"مسألة [٨١]: إذا أوصى رجل إلى رجل وأذن له أن يوصي إلى من يشاء؟","level":3,"page":3989},{"title":"مسألة [٨٢]: إذا اختلف الوصيان عند من يجعل المال؟","level":3,"page":3990},{"title":"مسألة [٨٣]: إذا أوصي إليه بتفريق مال على أبواب البر، أو على بعض المستحقين، فهل له الأخذ منه؟","level":3,"page":3990},{"title":"مسألة [٨٤]: التبرعات المنجزة هل تحسب من الثلث، أم من رأس المال؟","level":3,"page":3991},{"title":"مسألة [٨٥]: بم توافق العطايا في مرض الموت الوصية، وبم تخالفها؟","level":3,"page":3992},{"title":"مسألة [٨٦]: ما لزم المريض من حقوق في مرضه، ولا يمكنه دفعها وإسقاطها؟","level":3,"page":3993},{"title":"مسألة [٨٧]: ضابط المرض المخوف.","level":3,"page":3993},{"title":"مسألة [٨٨]: هل عطية الحامل من الثلث، أم رأس المال؟","level":3,"page":3993},{"title":"مسألة [٨٩]: عطية المقاتل في أرض المعركة من الثلث، أم من رأس المال؟","level":3,"page":3994},{"title":"مسألة [٩٠]: هل يلتحق به إذا قدم ليقتل؟","level":3,"page":3995},{"title":"مسألة [٩١]: هل يلتحق بذلك إذا تموج البحر واضطرب عليهم وهم في سفينة؟","level":3,"page":3995},{"title":"مسألة [٩٢]: هل الأسير والمحبوس عطيته من الثلث؟","level":3,"page":3995},{"title":"باب الوديعة","level":2,"page":3997},{"title":"مسألة [١]: تعريف الوديعة.","level":3,"page":3997},{"title":"مسألة [٢]: مشروعيتها.","level":3,"page":3997},{"title":"مسألة [٣]: إذا تلفت الوديعة من غير تعدي ولا تفريط من المودع؟","level":3,"page":3998},{"title":"مسألة [٤]: إذا اشترط ا لمودع على المودع الضمان؟","level":3,"page":3999},{"title":"مسألة [٥]: إذا أودع رجل وديعة ولم يعين له المودع مكان حفظها؟","level":3,"page":3999},{"title":"مسألة [٦]: إن عين له مكانا ونهاه عن إخراجها منه؟","level":3,"page":4000},{"title":"مسألة [٧]: إذا تلفت الوديعة المنهي عن إخراجها بسبب إخراجها؟","level":3,"page":4000},{"title":"مسألة [٨]: إذا أودعه بهيمة، فهل يلزم المودع علفها؟","level":3,"page":4001},{"title":"مسألة [٩]: إذا دفع الوديعة إلى إنسان آخر، فهل يضمن؟","level":3,"page":4002},{"title":"مسألة [١٠]: هل على الثاني الضمان إذا أخذ هذه الوديعة؟","level":3,"page":4003},{"title":"مسألة [١١]: إذا دفع الوديعة إلى من يحفظ ماله كامرأته وغلامه؟","level":3,"page":4003},{"title":"مسألة [١٢]: هل للمودع أن يسافر بالوديعة؟","level":3,"page":4004},{"title":"مسألة [١٣]: إذا خلط الوديعة بما لا تتميز منه من ماله؟","level":3,"page":4005},{"title":"مسألة [١٤]: إذا سأل المودع الوديعة، فأبى المودع أن يعطيه بغير عذر؟","level":3,"page":4005},{"title":"مسألة [١٥]: إن مات المودع وعليه وديعة، ولم توجد بعينها؟","level":3,"page":4006},{"title":"مسألة [١٦]: إذا ادعي على رجل وديعة فأنكر، ثم أقر وادعى التلف؟","level":3,"page":4006},{"title":"مسألة [١٧]: إذا ادعى المودع التلف، فهل يقبل قوله؟","level":3,"page":4007},{"title":"مسألة [١٨]: إذا ادعى المودع رد الوديعة لصاحبها، فأنكر المالك ذلك؟","level":3,"page":4007},{"title":"مسألة [١٩]: إذا قال المودع: دفعتها إلى فلان بأمرك. فأنكر صاحب الوديعة ذلك؟","level":3,"page":4008},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا تعدى على بعض الوديعة، فهل يضمنها كلها أم بعضها؟","level":3,"page":4008},{"title":"مسألة [٢١]: إذا استعمل الوديعة بركوب، أو لبس، أو ما أشبهه، ثم ردها؟","level":3,"page":4009},{"title":"مسألة [٢٢]: رجل في يده وديعة ادعاها رجلان؟","level":3,"page":4010},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا تعدى المودع بالوديعة، فاتجر بها، فربح؟","level":3,"page":4011},{"title":"مسألة [٢٤]: الوديعة تعتبر من جائز التصرف.","level":3,"page":4012},{"title":"مسألة [٢٥]: إذا غصبت الوديعة على المودع؟","level":3,"page":4012},{"title":"كتاب النكاح","level":1,"page":4014},{"title":"باب","level":2,"page":4018},{"title":"مسألة [١]: حكم الزواج.","level":3,"page":4018},{"title":"مسألة [٢]: حكم الاختصاء.","level":3,"page":4023},{"title":"مسألة [٣]: هل يستحب التزوج بأكثر من واحدة؟","level":3,"page":4023},{"title":"مسألة [١]: قوله: «لحسبها».","level":3,"page":4025},{"title":"مسألة [٢]: قوله: «تربت يداك».","level":3,"page":4026},{"title":"مسألة [٣]: الصفات المستحسنة في المرأة التي يراد الزواج بها.","level":3,"page":4026},{"title":"مسألة [١]: الدعاء بالرفاء للمتزوج.","level":3,"page":4028},{"title":"مسألة [١]: الخطبة قبل عقد النكاح.","level":3,"page":4030},{"title":"مسألة [١]: حكم النظر إلى من أراد خطبتها.","level":3,"page":4033},{"title":"مسألة [٢]: ما هو الموضع الذي يجوز النظر إليه من المرأة المخطوبة؟","level":3,"page":4034},{"title":"مسألة [١]: النظر إلى ذوات المحارم.","level":3,"page":4036},{"title":"مسألة [٢]: ضابط ذات المحرم.","level":3,"page":4038},{"title":"مسألة [٣]: عبد المرأة هل له أن ينظر إلى سيدته، وماذا ينظر منها؟","level":3,"page":4038},{"title":"مسألة [٤]: نظر الغلام إلى المرأة.","level":3,"page":4039},{"title":"مسألة [٥]: النظر إلى البنت الصغيرة.","level":3,"page":4041},{"title":"مسألة [٦]: نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية.","level":3,"page":4041},{"title":"مسألة [٧]: نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي.","level":3,"page":4045},{"title":"مسألة [٨]: عورة الرجل من الرجل، وعورة المرأة من المرأة.","level":3,"page":4048},{"title":"مسألة [٩]: نظر كل واحد من الزوجين إلى عورة الآخر.","level":3,"page":4049},{"title":"مسألة [١٠]: إذا زوج السيد أمته؟","level":3,"page":4049},{"title":"مسألة [١١]: النظر إلى العجوز.","level":3,"page":4050},{"title":"مسألة [١٢]: هل تظهر المرأة زينتها للنساء الكافرات؟","level":3,"page":4052},{"title":"مسألة [١٣]: نظر الرجل الذي لا شهوة له إلى النساء.","level":3,"page":4054},{"title":"مسألة [١٤]: نظر الرجل إلى الأمرد.","level":3,"page":4055},{"title":"مسألة [١]: الخطبة على خطبة الأخ المسلم.","level":3,"page":4056},{"title":"مسألة [٢]: إذا خطب إنسان على خطبة أخيه، ثم حصل بعد ذلك زواج، فهل يصح الزواج؟","level":3,"page":4059},{"title":"مسألة [٣]: الخطبة على خطبة الذمي والكافر؟","level":3,"page":4059},{"title":"بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":4061},{"title":"مسألة [١]: خطبة المعتدة.","level":3,"page":4061},{"title":"مسألة [٢]: التعريض بالخطبة للمعتدة.","level":3,"page":4061},{"title":"مسألة [٣]: إذا خطبها في عدتها، أو عرض حيث لا يجوز له، ثم نكحها بعد العدة.","level":3,"page":4062},{"title":"مسألة [١]: أركان العقد.","level":3,"page":4064},{"title":"مسألة [٢]: هل للإيجاب صيغة معينة؟","level":3,"page":4064},{"title":"مسألة [٣]: إذا قال الخاطب للولي: أزوجت؟ قال: نعم، أقبلت؟ فقال الخاطب: نعم؟","level":3,"page":4066},{"title":"مسألة [٤]: لو قال: زوجتك ابنتي. فقال: قبلت؟","level":3,"page":4066},{"title":"مسألة [٥]: إذا قال الخاطب: زوجني ابنتك. فقال الولي: زوجتك؟","level":3,"page":4067},{"title":"مسألة [٦]: هل ينعقد النكاح بغير العربية لمن يقدر على العربية؟","level":3,"page":4067},{"title":"مسألة [٧]: إذا تراخى القبول عن الإيجاب؟","level":3,"page":4068},{"title":"مسألة [٨]: هل في عقد النكاح خيار؟","level":3,"page":4068},{"title":"مسألة [١]: إعلان النكاح.","level":3,"page":4069},{"title":"مسألة [١]: هل يشترط أن يكون للمرأة ولي يلي تزويجها بكرا كانت، أو ثيبا، صغيرة، أو كبيرة؟","level":3,"page":4072},{"title":"مسألة [٢]: إذا تزوجت المرأة تزويجا فاسدا فهل تطلق إذا أرادوا تزويجها لآخر؟","level":3,"page":4073},{"title":"مسألة [٣]: هل للمرأة شيء إذا دخل بها الرجل في الزواج الفاسد؟","level":3,"page":4074},{"title":"مسألة [٤]: إذا خلا بها ولم يدخل بها، فهل لها شيء؟","level":3,"page":4075},{"title":"مسألة [٥]: ترتيب ولاية الأولياء على المرأة في النكاح.","level":3,"page":4075},{"title":"مسألة [٦]: إن لم يوجد للمرأة ولي، ولا ذو سلطان؟","level":3,"page":4078},{"title":"مسألة [٧]: الوكالة في هذه الولاية.","level":3,"page":4078},{"title":"مسألة [٨]: التوكيل المطلق والمقيد.","level":3,"page":4079},{"title":"مسألة [٩]: هل يفتقر صحة التوكيل في الولاية إلى إذن المرأة؟","level":3,"page":4079},{"title":"مسألة [١٠]: هل تستفاد ولاية النكاح بالوصية؟","level":3,"page":4080},{"title":"مسألة [١١]: صفات الولي.","level":3,"page":4080},{"title":"مسألة [١٢]: هل يشترط أن يكون الولي مسلما؟","level":3,"page":4081},{"title":"مسألة [١٣]: هل يشترط أن يكون بالغا؟","level":3,"page":4081},{"title":"مسألة [١٤]: هل تشترط العدالة؟","level":3,"page":4081},{"title":"مسألة [١٥]: هل يشترط أن يكون وليها حرا؟","level":3,"page":4083},{"title":"مسألة [١٦]: من يلي تزويج الأمة؟","level":3,"page":4084},{"title":"مسألة [١٧]: إذا كانت المرأة عتيقة لامرأة؟","level":3,"page":4085},{"title":"مسألة [١٨]: إن كان للأمة سيدان؟","level":3,"page":4085},{"title":"مسألة [١٩]: إذا كانت المعتقة لها موليان؟","level":3,"page":4086},{"title":"مسألة [٢٠]: هل للمسلم ولاية على الكافرة؟","level":3,"page":4086},{"title":"مسألة [٢١]: إذا تزوج المسلم ذمية، فمن يكون وليها؟","level":3,"page":4087},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا زوج الولي الأبعد من غير عذر مع وجود الأقرب؟","level":3,"page":4087},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا عضل الولي وليته عن الزواج؟","level":3,"page":4088},{"title":"مسألة [٢٤]: معنى العضل.","level":3,"page":4089},{"title":"مسألة [٢٥]: إذا غاب الأقرب من أوليائها وتعذر الوصول إليه؟","level":3,"page":4089},{"title":"مسألة [٢٦]: إذا اجتمع أكثر من ولي في درجة واحدة؟","level":3,"page":4090},{"title":"مسألة [٢٧]: هل لولي المرأة أن يزوجها من نفسه إن كانت ممن تباح له؟","level":3,"page":4090},{"title":"مسألة [٢٨]: إذا زوج نفسه، فكيف يقول في العقد؟","level":3,"page":4091},{"title":"مسألة [٢٩]: هل يشترط للنكاح شاهدان؟","level":3,"page":4092},{"title":"مسألة [١]: تزويج الرجل ابنته البكر الصغيرة، هل يفتقر إلى إذنها؟","level":3,"page":4094},{"title":"مسألة [٢]: إذا كانت الصغيرة قد بلغت التاسعة، فهل يشترط إذنها؟","level":3,"page":4095},{"title":"مسألة [٣]: الصغيرة اليتيمة هل يعتبر إذنها؟","level":3,"page":4095},{"title":"مسألة [٤]: هل للأب إجبار البكر البالغة على النكاح، وتزويجها من غير إذنها؟","level":3,"page":4097},{"title":"مسألة [٥]: هل لغير الأب إجبار البكر البالغة وتزويجها بغير إذنها؟","level":3,"page":4099},{"title":"مسألة [٦]: هل يجوز تزويج الثيب بغير استئذانها؟","level":3,"page":4099},{"title":"مسألة [٧]: إذا كانت الثيب صغيرة لم تبلغ، فهل يجوز للأب تزويجها بغير إذنها؟","level":3,"page":4099},{"title":"مسألة [٨]: ما هو المعتبر في إذن الثيب؟","level":3,"page":4100},{"title":"مسألة [٩]: ما هو المعتبر في إذن البكر؟","level":3,"page":4100},{"title":"مسألة [١٠]: إذا أذنت البكر بالنطق؟","level":3,"page":4101},{"title":"مسألة [١١]: إذا ضحكت البكر أو بكت، فهل يعتبر إذنا؟","level":3,"page":4101},{"title":"مسألة [١٢]: من صارت ثيبا بوطء حرام، فهل يعتبر الإذن بالسكوت أو الكلام؟","level":3,"page":4101},{"title":"مسألة [١٣]: إذا ذهبت بكارتها بغير جماع؟","level":3,"page":4102},{"title":"مسألة [١٤]: هل يشترط أن يشهد الولي على إذن المرأة؟","level":3,"page":4102},{"title":"مسألة [١٥]: إذا اختلف الزوج والمرأة في إذنها للولي، فالزوج يدعيه والمرأة تنكره؟","level":3,"page":4103},{"title":"مسألة [١٦]: هل لولي المجنونة أن يزوجها بغير إذنها؟","level":3,"page":4103},{"title":"مسألة [١٧]: إذا زوجت المرأة بغير إذنها، وهي ممن يعتبر إذنها، فهل يصح العقد؟","level":3,"page":4105},{"title":"مسألة [١٨]: هل يجوز تزويج الغلام الصغير؟","level":3,"page":4106},{"title":"مسألة [١٩]: إذا كان الصغير معتوها، فهل للأب تزويجه؟","level":3,"page":4107},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا كان المجنون كبيرا بالغا، فهل يزوجه بغير إذنه؟","level":3,"page":4107},{"title":"مسألة [٢١]: إذا تزوج لصغير، أو مجنون فمن يقبل النكاح؟","level":3,"page":4108},{"title":"مسألة [٢٢]: هل يجوز للولي أن يتزوج له بزيادة على مهر المثل؟","level":3,"page":4108},{"title":"مسألة [٢٣]: المحجور عليه لسفه، هل يزوجه وليه بغير إذنه؟","level":3,"page":4109},{"title":"مسألة [٢٤]: وإذا أراد تزويجه، فهل يشترط أن يستأذنه؟","level":3,"page":4109},{"title":"مسألة [٢٥]: إذا زوج السيد أمته، فهل يشترط أن يستأذنها؟","level":3,"page":4110},{"title":"مسألة [٢٦]: العبد الصغير الذي لم يبلغ هل لسيده تزويجه؟","level":3,"page":4111},{"title":"مسألة [٢٧]: هل للسيد تزويج عبده البالغ العاقل بغير إذنه؟","level":3,"page":4111},{"title":"مسألة [٢٨]: إذا طلبت الأمة من سيدها تزويجها، فهل يجبر على ذلك؟","level":3,"page":4112},{"title":"مسألة [٢٩]: هل للسيد أن يزوج أمته بمعيب؟","level":3,"page":4112},{"title":"مسألة [٣٠]: إذا خطب امرأة فزوج بغيرها؟","level":3,"page":4113},{"title":"مسألة [٣١]: إذا تزوج امرأة فبانت من محارمه؟","level":3,"page":4113},{"title":"مسألة [٣٢]: إذا تزوج امرأة فزفت إليه غيرها؟","level":3,"page":4114},{"title":"مسألة [١]: سبب تسمية هذا النكاح شغارا.","level":3,"page":4116},{"title":"مسألة [٢]: ما حكم هذا النكاح إذا خلا من الصداق؟","level":3,"page":4116},{"title":"مسألة [٣]: إذا جعلا صداقا، فهل يدخل في التحريم؟","level":3,"page":4117},{"title":"مسألة [٤]: إذا قلنا بصحة العقد، فهل يعتبر المهر المسمى؟","level":3,"page":4120},{"title":"مسألة [٥]: إذا جعلا واحدة بأخرى، ولم يسميا صداقا، ولم يقولا: هذه بصداق هذه؟","level":3,"page":4120},{"title":"مسألة [٦]: إذا شرك البضع مع شيء من المال، فجعل ذلك صداقا؟","level":3,"page":4120},{"title":"مسألة [١]: إذا زوج المرأة وليان قد أذنت لكل واحد منهما؟","level":3,"page":4122},{"title":"مسألة [٢]: إذا جهل الأول منهما؟","level":3,"page":4123},{"title":"مسألة [٣]: إذا ادعى كل واحد منهما أنه السابق بالعقد؟","level":3,"page":4124},{"title":"مسألة [٤]: إذا وقع العقدان في وقت واحد؟","level":3,"page":4124},{"title":"مسألة [١]: هل يجوز للعبد أن ينكح بغير إذن سيده؟","level":3,"page":4125},{"title":"مسألة [٢]: وهل يصح النكاح إذا تزوج بغير إذن؟","level":3,"page":4125},{"title":"مسألة [١]: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها في الزواج.","level":3,"page":4126},{"title":"مسألة [٢]: الجمع بين المرأة وبنت عمها، أو بنت خالها.","level":3,"page":4127},{"title":"فصل في ذكر المحرم نكاحهن من النساء","level":3,"page":4128},{"title":"مسألة [١]: هل تحرم عليه الربيبة إذا لم تكن في حجره؟","level":3,"page":4131},{"title":"مسألة [٢]: ضابط الدخول المحرم.","level":3,"page":4133},{"title":"مسألة [٣]: هل الوطء بنكاح شبهة تحصل فيه حرمة المصاهرة؟","level":3,"page":4135},{"title":"مسألة [٤]: إذا زنى رجل بامرأة، فهل تحرم هذه المرأة على أبيه، وابنه، وهل تحرم عليه أمها وبنتها؟","level":3,"page":4136},{"title":"مسألة [٥]: اللواط بالغلام هل يحرم؟","level":3,"page":4137},{"title":"مسألة [٦]: هل تحرم البنت من الزنى والأخت من الزنى؟","level":3,"page":4137},{"title":"مسألة [٧]: إذا باشر أجنبية بدون الفرج؟","level":3,"page":4137},{"title":"مسألة [٨]: إذا خلا بالأجنبية بدون مباشرة؟","level":3,"page":4138},{"title":"مسألة [٩]: إذا تزوج امرأة مع خالتها، أو عمتها؟","level":3,"page":4138},{"title":"مسألة [١٠]: هل يجوز أن يجمع بين امرأة وبنت زوجها الأول من غيرها؟","level":3,"page":4138},{"title":"مسألة [١١]: الجمع بين الأختين بملك اليمين.","level":3,"page":4139},{"title":"مسألة [١٢]: إذا وطئ إحداهما، ثم أراد أن يطأ الأخرى؟","level":3,"page":4141},{"title":"مسألة [١٣]: إذا كاتب إحداهما، فهل تحل له الأخرى؟","level":3,"page":4141},{"title":"مسألة [١٤]: إذا أخرج من وطئها من ملكه، فهل يشترط استبراء رحمها حتى تحل أختها؟","level":3,"page":4142},{"title":"مسألة [١٥]: إن وطئ أمتيه (الأختين)، فما الحكم؟","level":3,"page":4142},{"title":"مسألة [١٦]: إذا زال ملكه عن الموطوءة، فوطئ أختها، ثم عادت الأولى إلى ملكه؟","level":3,"page":4142},{"title":"مسألة [١٧]: إذا وطئ أمة، ثم أراد أن يتزوج بأختها؟","level":3,"page":4143},{"title":"مسألة [١٨]: نكاح حرائر أهل الكتاب.","level":3,"page":4144},{"title":"مسألة [١٩]: من هم أهل الكتاب؟","level":3,"page":4144},{"title":"مسألة [٢٠]: نساء المجوس.","level":3,"page":4145},{"title":"مسألة [٢١]: نساء الصابئين.","level":3,"page":4146},{"title":"مسألة [٢٢]: سائر الكفار غير أهل الكتاب.","level":3,"page":4146},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا كان أحد أبوي المرأة ليس كتابيا؟","level":3,"page":4147},{"title":"مسألة [٢٤]: إذا تركت الكتابية دينها بعد الزواج وانتقلت إلى دين كفر آخر؟","level":3,"page":4147},{"title":"مسألة [٢٥]: هل تحل الأمة الكتابية للمسلم؟","level":3,"page":4148},{"title":"مسألة [٢٦]: هل تحل الإماء المشركات للمسلمين؟","level":3,"page":4148},{"title":"مسألة [٢٧]: ما حكم التزوج بأمة كتابية؟","level":3,"page":4148},{"title":"مسألة [٢٨]: وهل يجوز للعبد المسلم التزوج بالأمة الكتابية؟","level":3,"page":4149},{"title":"مسألة [٢٩]: نكاح الحر المسلم الأمة المسلمة.","level":3,"page":4150},{"title":"مسألة [٣٠]: إذا أيسر بعد الزواج بأمة؟","level":3,"page":4150},{"title":"مسألة [٣١]: إذا تزوج الحر بحرة على أمة قد تزوجها قبل؟","level":3,"page":4151},{"title":"مسألة [٣٢]: هل له أن ينكح أكثر من أمة مع وجود الشرطين؟","level":3,"page":4152},{"title":"مسألة [٣٣]: نكاح العبد الأمة المسلمة.","level":3,"page":4152},{"title":"مسألة [٣٤]: وهل له أن ينكحها على الحرة؟","level":3,"page":4152},{"title":"مسألة [٣٥]: نكاح العبد مولاته؟","level":3,"page":4152},{"title":"مسألة [٣٦]: إذا تزوج العبد بحرة ثم ملكته؟","level":3,"page":4153},{"title":"مسألة [٣٧]: نكاح الرجل أمته؟","level":3,"page":4153},{"title":"مسألة [٣٨]: إذا تزوج أمة ثم ملكها؟","level":3,"page":4153},{"title":"مسألة [٣٩]: تزوج الرجل أمة ولده، وولد ولده.","level":3,"page":4154},{"title":"مسألة [٤٠]: نكاح الرجل أمة أبيه.","level":3,"page":4154},{"title":"مسألة [٤١]: متى تحرم أمة الرجل على والده وولده؟","level":3,"page":4154},{"title":"مسألة [٤٢]: الزواج بأكثر من أربع.","level":3,"page":4155},{"title":"مسألة [٤٣]: هل للعبد أن يتزوج بأربع؟","level":3,"page":4156},{"title":"مسألة [٤٤]: هل للعبد أن يتسرى؟","level":3,"page":4156},{"title":"مسألة [٤٥]: هل له أن يتسرى بأكثر من أمة؟","level":3,"page":4157},{"title":"مسألة [٤٦]: إذا أباحت الأم، أو الأخت للرجل أن يطأ جاريتهما؟","level":3,"page":4157},{"title":"مسألة [٤٧]: ما حرم نكاحها لأجل الجمع، هل يستمر النكاح إذا طلق الأولى؟","level":3,"page":4158},{"title":"مسألة [١]: حكم نكاح المحرم.","level":3,"page":4160},{"title":"مسألة [١]: الشروط في النكاح.","level":3,"page":4161},{"title":"مسألة [٢]: اشتراط المرأة طلاق أختها.","level":3,"page":4162},{"title":"مسألة [٣]: اشتراط المرأة أن لا يسافر بها من بلدها، أو يتزوج عليها، أو يتسرى عليها؟","level":3,"page":4162},{"title":"مسألة [٤]: إذا اشترط الرجل أن لا مهر للمرأة؟","level":3,"page":4165},{"title":"مسألة [٥]: إذا شرط الزوج أن لا نفقة لها عليه، وكذا عدم الوطء؟","level":3,"page":4166},{"title":"مسألة [٦]: إذا شرط أحدهما الخيار؟","level":3,"page":4166},{"title":"مسألة [٧]: إذا شرط على الرجل: إذا أتيت بالمهر إلى وقت كذا، وإلا فلا نكاح بيننا؟","level":3,"page":4167},{"title":"مسألة [٨]: تعليق العقد بشرط مستقبل.","level":3,"page":4167},{"title":"مسألة [٩]: إذا شرط الرجل في المرأة وصفا معتبرا، فبانت بخلافه؟","level":3,"page":4168},{"title":"مسألة [١٠]: إذا تزوج امرأة على أن يحج بها؟","level":3,"page":4170},{"title":"مسألة [١١]: لو اشترطت المرأة أن يقيم ولدها معها، وينفق عليه؟","level":3,"page":4171},{"title":"مسألة [١٢]: لو اشترطت المرأة أن لا تسلم نفسها إلا بعد مدة معينة؟","level":3,"page":4172},{"title":"مسألة [١٣]: هل الوفاء بالشروط على سبيل الاستحباب، أم الوجوب؟","level":3,"page":4172},{"title":"مسألة [١٤]: الوقت المعتبر في ذكر الشروط.","level":3,"page":4172},{"title":"مسألة [١٥]: هل ما اعتاده الناس شرطا في النكاح يقوم مقام التلفظ به؟","level":3,"page":4173},{"title":"مسألة [١٦]: إذا تخلف الشرط، فهل يفسخ على الفور أم هو على التراخي؟","level":3,"page":4175},{"title":"مسألة [١٧]: إذا شرط وصفا فبانت بوصف مخالف، ولكنه أفضل؟","level":3,"page":4175},{"title":"مسألة [١]: معنى نكاح المتعة وحكمه.","level":3,"page":4177},{"title":"مسألة [٢]: إذا تزوجها بغير شرط، ولكن في نيته تطليقها بعد أجل معين؟","level":3,"page":4178},{"title":"مسألة [٣]: نكاح شرط فيه طلاقها في وقت معين؟","level":3,"page":4179},{"title":"مسألة [١]: نكاح التحليل وحكمه.","level":3,"page":4180},{"title":"مسألة [٢]: إذا نوى التحليل في نفسه من غير شرط في العقد؟","level":3,"page":4181},{"title":"مسألة [٣]: إذا شرط عليه التحليل قبل العقد، فنوى بالعقد غير ما شرطوا؟","level":3,"page":4181},{"title":"مسألة [٤]: إذا قصدت المرأة التحليل، ولم يقصد ذلك الزوج؟","level":3,"page":4181},{"title":"مسألة [٥]: لو أقامت عند الزوج الثاني، فهل يحتاج إلى استئناف عقد؟","level":3,"page":4184},{"title":"مسألة [١]: حكم الزواج بمن تبين زناها، وكذا العكس.","level":3,"page":4186},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط أن تعتد بعد الزنى مع التوبة؟","level":3,"page":4189},{"title":"مسألة [٣]: إذا حصلت التوبة من الرجل والمرأة، فهل تحل للذي زنى بها؟","level":3,"page":4190},{"title":"مسألة [٤]: إذا زنت امرأة رجل، أو زنى زوجها، فهل ينفسخ النكاح؟","level":3,"page":4191},{"title":"مسألة [٥]: إذا علم الرجل من جاريته الفجور؟","level":3,"page":4191},{"title":"مسألة [٦]: إذا زنى بأخت امرأته، أو أمها، فهل تحرم عليه امرأته؟","level":3,"page":4192},{"title":"مسألة [١]: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا، فمتى يحل له تزوجها؟","level":3,"page":4193},{"title":"باب الكفاءة والخيار","level":2,"page":4195},{"title":"مسألة [١]: اعتبار الكفاءة في الرجل المتزوج.","level":3,"page":4196},{"title":"مسألة [١]: خيار الأمة إذا عتقت تحت عبد.","level":3,"page":4201},{"title":"مسألة [٢]: إذا عتقت الأمة تحت حر؟","level":3,"page":4202},{"title":"مسألة [٣]: إذا اختارت المرأة الفراق، فهل هو فسخ، أو طلاق؟","level":3,"page":4203},{"title":"مسألة [٤]: هل خيار المرأة على الفور، أم على التراخي؟","level":3,"page":4204},{"title":"مسألة [٥]: إذا أمكنته من نفسها، فهل يسقط خيارها؟","level":3,"page":4204},{"title":"مسألة [٦]: إذا كانت الأمة لنفسين، وأعتق أحدهما وهو معسر؟","level":3,"page":4205},{"title":"مسألة [٧]: إذا طلقها طلاقا رجعيا، ثم عتقت، فهل لها الفسخ؟","level":3,"page":4205},{"title":"مسألة [٨]: إذا عتقت أمة فطلقها زوجها قبل أن تفسخ؟","level":3,"page":4206},{"title":"مسألة [٩]: ماذا عن المهر إذا فسخت؟","level":3,"page":4206},{"title":"مسألة [١]: هل تقر أنكحة المشركين إذا أسلموا؟","level":3,"page":4210},{"title":"مسألة [٢]: إذا أسلم الكافر وتحته أكثر من أربع نسوة أسلمن معه؟","level":3,"page":4212},{"title":"مسألة [٣]: إذا أبى أن يختار منهن أربعا؟","level":3,"page":4213},{"title":"مسألة [٤]: إذا مات قبل أن يختار؟","level":3,"page":4214},{"title":"مسألة [٥]: إذا كان الذي أسلم صغيرا، وتحته أكثر من أربع نسوة؟","level":3,"page":4214},{"title":"مسألة [٦]: بم يحصل الاختيار؟","level":3,"page":4215},{"title":"مسألة [٧]: إذا اختار أربعا، فهل على الباقيات عدة؟","level":3,"page":4216},{"title":"مسألة [٨]: إذا أسلم بعضهن، فهل له تأخير الاختيار حتى يسلم الباقي؟","level":3,"page":4217},{"title":"مسألة [٩]: إذا اختار نكاح من أسلمت، وإذا فسخ نكاح من أسلمت؟","level":3,"page":4217},{"title":"مسألة [١٠]: هل له الاختيار وهو محرم بحج أو عمرة؟","level":3,"page":4218},{"title":"مسألة [١١]: إذا أسلم وتحته أختان؟","level":3,"page":4218},{"title":"مسألة [١٢]: إذا أسلم وتحته أم وابنتها، فأسلمن معه؟","level":3,"page":4219},{"title":"مسألة [١٣]: إذا أسلم الرجل وتحته أربع إماء؟","level":3,"page":4220},{"title":"مسألة [١٤]: إذا كان واجدا للطول، ثم أسلمن بعد أن أعسر؟","level":3,"page":4221},{"title":"مسألة [١٥]: إذا أسلم الكافران معا في وقت واحد؟","level":3,"page":4222},{"title":"مسألة [١٦]: إذا أسلم أحد الزوجين قبل الآخر، فما الحكم؟","level":3,"page":4222},{"title":"مسألة [١٧]: إذا أسلم أحدهما قبل الدخول؟","level":3,"page":4227},{"title":"مسألة [١٨]: هل تستحق المهر إذا حصلت الفرقة بعد الدخول؟","level":3,"page":4228},{"title":"مسألة [١٩]: إذا حصلت الفرقة بإسلام أحدهما قبل الدخول؟","level":3,"page":4228},{"title":"مسألة [٢٠]: ما هو قدر العدة المذكورة في المسائل السابقة؟","level":3,"page":4229},{"title":"مسألة [٢١]: هل عليه النفقة عليها أثناء العدة؟","level":3,"page":4231},{"title":"مسألة [٢٢]: تزوج ذمي ذمية بغير صداق، أو بدون تسميته؟","level":3,"page":4231},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا ترافعوا إلى الحاكم في ابتداء العقد؟","level":3,"page":4232},{"title":"مسألة [٢٤]: هل يتعلق بأنكحة الكفار الطلاق، والإيلاء، والظهار، وغيرها من الأحكام؟","level":3,"page":4232},{"title":"مسألة [٢٥]: إذا ارتد أحد الزوجين، فهل ينفسخ النكاح؟","level":3,"page":4233},{"title":"مسألة [٢٦]: إذا ارتد الزوجان معا؟","level":3,"page":4234},{"title":"مسألة [٢٧]: هل له الوطء حال ردته؟","level":3,"page":4234},{"title":"مسألة [١]: هل يفسخ النكاح بوجود عيب في الرجل أو المرأة؟","level":3,"page":4236},{"title":"مسألة [٢]: إذا حدث العيب بأحدهما بعد العقد؟","level":3,"page":4238},{"title":"مسألة [٣]: هل يستحق الفسخ من به عيب يجيز الفسخ من عيب صاحبه؟","level":3,"page":4238},{"title":"مسألة [٤]: إذا علم أحدهما عيب صاحبه حال العقد؟","level":3,"page":4239},{"title":"مسألة [٥]: هل هذا الخيار على الفور، أم على التراخي؟","level":3,"page":4239},{"title":"مسألة [٦]: هل تستحق المرأة المهر إذا فسخ النكاح؟","level":3,"page":4240},{"title":"مسألة [٧]: هل لها المهر المسمى، أم مهر المثل؟","level":3,"page":4240},{"title":"مسألة [٨]: هل الغرم على المرأة، أم على وليها؟","level":3,"page":4241},{"title":"مسألة [٩]: إن طلقها قبل الدخول، ثم علم أنه كان بها عيب؟","level":3,"page":4241},{"title":"مسألة [١٠]: إذا فسخ النكاح، فهل لها السكنى والنفقة؟","level":3,"page":4242},{"title":"مسألة [١١]: هل للأب أن يزوج ابنته بمعيب لا ترضاه، وهل له منعها من معيب تبغيه؟","level":3,"page":4242},{"title":"مسألة [١٢]: تزوج امرأة على أنها حرة، فبانت بعد ذلك أمة؟","level":3,"page":4243},{"title":"مسألة [١٣]: إذا حملت منه قبل علمه بذلك؟","level":3,"page":4244},{"title":"مسألة [١٤]: هل للسيد فداء مقابل الأولاد؟","level":3,"page":4244},{"title":"مسألة [١٥]: هل يرجع بالمهر والفداء على من غره؟","level":3,"page":4245},{"title":"مسألة [١٦]: إذا كان المغرور عبدا، فهل أولاده أحرار؟","level":3,"page":4246},{"title":"مسألة [١٧]: تزوجت المرأة رجلا على أنه حر، فبان عبدا؟","level":3,"page":4246},{"title":"مسألة [١٨]: كم تستحق المرأة من المهر إذا فسخ النكاح؟","level":3,"page":4246},{"title":"مسألة [١٩]: الوقت المعتبر في تقويم الفداء.","level":3,"page":4247},{"title":"مسألة [٢٠]: هل يفديهم بالقيمة، أم بالمثل؟","level":3,"page":4247},{"title":"مسألة [٢١]: من ولد حيا ثم مات؟","level":3,"page":4248},{"title":"مسألة [١]: معنى العنين.","level":3,"page":4249},{"title":"مسألة [٢]: الحكم على من به العنة؟","level":3,"page":4250},{"title":"مسألة [٣]: إذا انقضت المدة ولم يطأ؟","level":3,"page":4251},{"title":"مسألة [٤]: إذا علمت المرأة عنة الزوج وقت العقد؟","level":3,"page":4252},{"title":"مسألة [٥]: إذا علمت أنه عنين بعد الدخول، فسكتت عن المطالبة، ثم طالبت؟","level":3,"page":4252},{"title":"مسألة [٦]: إذا قالت: رضيت به عنينا؟","level":3,"page":4252},{"title":"مسألة [٧]: إذا وطئها مرة واحدة، ثم عجز، هل يكون عنينا؟","level":3,"page":4253},{"title":"مسألة [٨]: متى يخرج عن كونه عنينا؟","level":3,"page":4254},{"title":"مسألة [٩]: المجبوب هل يؤجل؟","level":3,"page":4254},{"title":"مسألة [١٠]: إذا اختلف الرجل مع المرأة في كونه عنينا؟","level":3,"page":4254},{"title":"باب عشرة النساء","level":2,"page":4256},{"title":"مسألة [١]: حكم إتيان المرأة في دبرها.","level":3,"page":4257},{"title":"مسألة [٢]: المباشرة بين الإليتين بغير إيلاج.","level":3,"page":4261},{"title":"مسألة [١]: ضرب الزوجة إذا نشزت.","level":3,"page":4268},{"title":"مسألة [٢]: قوله: «ولا تقبح».","level":3,"page":4270},{"title":"مسألة [٣]: هجران المرأة إذا آذت زوجها؟","level":3,"page":4270},{"title":"مسألة [١]: قوله: «لم يضره الشيطان أبدا».","level":3,"page":4272},{"title":"مسألة [١]: امتناع المرأة من الفراش إذا دعاها زوجها.","level":3,"page":4274},{"title":"مسألة [٢]: طاعة الزوجة لزوجها في الخدمة ومصالح البيت.","level":3,"page":4275},{"title":"مسألة [٣]: هل يجب على الرجل الوطء؟","level":3,"page":4277},{"title":"مسألة [٤]: هل يؤجر الرجل إذا جامع امرأته، وليس له شهوة؟","level":3,"page":4279},{"title":"مسألة [١]: معنى وصل الشعر وحكمه.","level":3,"page":4281},{"title":"مسألة [٢]: معنى الوشم وحكمه.","level":3,"page":4282},{"title":"مسألة [٣]: معنى النمص وحكمه.","level":3,"page":4283},{"title":"مسألة [٤]: معنى التفلج وحكمه.","level":3,"page":4283},{"title":"مسألة [١]: معنى الغيلة.","level":3,"page":4285},{"title":"مسألة [٢]: إشكال بين الحديثين الأولين","level":3,"page":4286},{"title":"مسألة [٣]: حكم العزل.","level":3,"page":4287},{"title":"مسألة [٤]: هل يجوز له العزل عن زوجته بغير إذنها؟","level":3,"page":4288},{"title":"مسألة [٥]: هل له أن يعزل عن أمته؟","level":3,"page":4289},{"title":"مسألة [٦]: إن كان يعزل عن زوجته، أو أمته فحملت، فهل يلحقه النسب؟","level":3,"page":4290},{"title":"مسألة [٧]: تعمد إسقاط الجنين وهو نطفة.","level":3,"page":4290},{"title":"مسألة [٨]: حكم الاستمناء.","level":3,"page":4291},{"title":"مسائل ملحقة متعلقة بالباب","level":3,"page":4293},{"title":"مسألة [١]: تسليم المرأة لزوجها إذا طلبها.","level":3,"page":4293},{"title":"مسألة [٢]: هل يجبر زوجته على الغسل من الحيض والنفاس والجنابة؟","level":3,"page":4293},{"title":"مسألة [٣]: هل له أن يجبرها على قص الأظفار، وحلق شعر العانة، ونتف الإبط؟","level":3,"page":4294},{"title":"مسألة [٤]: هل له أن يمنعها من أكل ما له رائحة كريهة؟","level":3,"page":4294},{"title":"مسألة [٥]: طاعة الزوج مقدمة على طاعة الوالدين.","level":3,"page":4295},{"title":"باب الصداق","level":2,"page":4297},{"title":"مسألة [١]: الصداق.","level":3,"page":4297},{"title":"مسألة [٢]: هل لأقله وأكثره حد؟","level":3,"page":4298},{"title":"مسألة [٣]: ما هو المقدار المستحب عند القدرة واليسار؟","level":3,"page":4300},{"title":"مسألة [٤]: استحباب تخفيف الصداق.","level":3,"page":4301},{"title":"مسألة [٥]: هل يصح أن يكون الصداق منفعة؟","level":3,"page":4303},{"title":"مسألة [٦]: تزوجها على أن يحج بها؟","level":3,"page":4304},{"title":"مسألة [٧]: تزوجها على أن يعلمها من القرآن؟","level":3,"page":4304},{"title":"مسألة [٨]: هل يصح أن يتزوج أمته، ويجعل عتقها صداقها؟","level":3,"page":4307},{"title":"مسألة [٩]: هل يصح الزواج بدون تسمية المهر؟","level":3,"page":4311},{"title":"مسألة [١٠]: تأجيل الصداق وتعجيله.","level":3,"page":4312},{"title":"مسألة [١١]: إذا سمي في النكاح صداقا محرما؟","level":3,"page":4314},{"title":"مسألة [١٢]: ماذا عليه لو كانت التسمية فاسدة؛ لكون الصداق محرما؟","level":3,"page":4315},{"title":"مسألة [١٣]: إذا سمى في النكاح صداقا مجهولا، أو جعل على حكم الزوج أو الزوجة، أو معجوزا عن تسليمه، أو معدوما؟","level":3,"page":4316},{"title":"مسألة [١٤]: إن طلقها قبل الدخول، وكانت التسمية فاسدة؟","level":3,"page":4317},{"title":"مسألة [١٥]: إذا أصدقها عبدا بعينه، فبان معيبا؟","level":3,"page":4318},{"title":"مسألة [١٦]: وهل على الرجل للمرأة قيمته، أو مثله؟","level":3,"page":4318},{"title":"مسألة [١٧]: إذا أصدقها عبدا فخرج حرا، أو مستحقا؟","level":3,"page":4319},{"title":"مسألة [١٨]: إذا تزوجها على أن يشتري لها شيئا بعينه، فلم يرض صاحبه ببيعه، أو تلف ...؟","level":3,"page":4319},{"title":"مسألة [١٩]: إذا فسد المهر المسمى، فهل يجب عليه مهر المثل، وإن كان أكثر من المسمى؟","level":3,"page":4320},{"title":"مسألة [١]: إذا اشترط أبو المرأة لنفسه شيئا؟","level":3,"page":4321},{"title":"مسألة [٢]: إذا اشترط ذلك غير الأب من الأولياء؟","level":3,"page":4322},{"title":"مسألة [٣]: هل للأب أن يزوج ابنته بدون صداق مثلها؟","level":3,"page":4323},{"title":"مسألة [٤]: هل يجوز لغير الأب أن يزوج وليته بدون صداق مثلها؟","level":3,"page":4324},{"title":"مسألة [١]: متى تملك المرأة الصداق؟","level":3,"page":4325},{"title":"مسألة [٢]: إن كان الصداق معينا، فلمن غنمه وعلى من غرمه؟","level":3,"page":4326},{"title":"مسألة [٣]: إن طلق الزوج قبل الدخول، فكم للمرأة من المهر؟","level":3,"page":4326},{"title":"مسألة [٤]: هل يدخل النصف في ملك الزوج حكما، أم باختياره؟","level":3,"page":4327},{"title":"مسألة [٥]: لو تزوج المختلعة منه في عدتها، ثم طلقها قبل الدخول بها؟","level":3,"page":4327},{"title":"مسألة [٦]: إذا زاد الصداق بعد العقد، ثم طلق قبل الدخول؟","level":3,"page":4328},{"title":"مسألة [٧]: إن نقص الصداق بعد العقد؟","level":3,"page":4328},{"title":"مسألة [٨]: إذا اختلف الزوجان في قدر الصداق؟","level":3,"page":4329},{"title":"مسألة [٩]: إذا ادعى كل واحد منهما مهرا بعيدا من مهر المثل؟","level":3,"page":4330},{"title":"مسألة [١٠]: إذا أنكر الزوج صداق امرأته، وادعت ذلك عليه؟","level":3,"page":4330},{"title":"مسألة [١١]: إن تزوجها بغير تسمية صداق، ثم طلقها قبل الدخول؟","level":3,"page":4331},{"title":"مسألة [١٢]: إن فرض لها بعد العقد، ثم طلقها قبل الدخول؟","level":3,"page":4332},{"title":"مسألة [١٣]: من وجب لها نصف المهر، هل لها المتعة أيضا؟","level":3,"page":4332},{"title":"مسألة [١٤]: بقية المطلقات هل لهن متعة؟","level":3,"page":4333},{"title":"مسألة [١٥]: هل تجب المتعة على الذمي والعبد، وللذمية والأمة؟","level":3,"page":4334},{"title":"مسألة [١٦]: تقدير المتعة.","level":3,"page":4335},{"title":"مسألة [١٧]: المفوضة هل لها المطالبة بفرض المهر؟","level":3,"page":4335},{"title":"مسألة [١٨]: متى يجب المهر للمفوضة؟","level":3,"page":4336},{"title":"مسألة [١٩]: هل يجوز الدخول بالمرأة قبل أن يعطيها شيئا؟","level":3,"page":4338},{"title":"مسألة [٢٠]: لو مات أحدهما قبل الإصابة وقبل أن يفرض لها شيئا؟","level":3,"page":4339},{"title":"مسألة [٢١]: من المقصود بنسائها؟","level":3,"page":4339},{"title":"مسألة [٢٢]: متى يستقر المهر للمرأة على زوجها؟","level":3,"page":4340},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا خلا بها وهناك مانع من الوطء، حسي أو شرعي؟","level":3,"page":4342},{"title":"مسألة [٢٤]: إذا حصلت الخلوة وأحدهما صغير؟","level":3,"page":4343},{"title":"مسألة [٢٥]: إذا خلا بها في نكاح فاسد؟","level":3,"page":4343},{"title":"مسألة [٢٦]: إذا قبلها، أو نظر إليها عريانة تغتسل، أو أخذ بيدها من غير خلوة؟","level":3,"page":4343},{"title":"مسألة [٢٧]: من هو المراد بقوله تعالى: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾؟","level":3,"page":4344},{"title":"مسألة [٢٨]: هل صداق الصغير على الأب، أم على الصبي في ماله؟","level":3,"page":4346},{"title":"مسألة [٢٩]: هل لولي الصغير، أو السفيه، أو المجنون أن يعفو عن الصداق؟","level":3,"page":4346},{"title":"مسألة [٣٠]: إذا عفت المرأة عن صداقها الذي لها لزوجها؟","level":3,"page":4347},{"title":"مسألة [٣١]: إذا أصدق المرأة شيئا ثم وهبته له، ثم طلقها قبل الدخول؟","level":3,"page":4347},{"title":"مسألة [٣٢]: إذا أصدقها مالا فاشترت به متاعا، ثم طلقها قبل الدخول؟","level":3,"page":4347},{"title":"مسألة [٣٣]: إذا أبرأت المفوضة من المهر، وكذا الذي سمي لها مهر فاسد؟","level":3,"page":4348},{"title":"مسألة [٣٤]: هل يبرأ الزوج من الصداق بتسليمه إلى وليها؟","level":3,"page":4348},{"title":"مسألة [٣٥]: هل للمرأة أن تمنع تسليم نفسها حتى تتسلم صداقها؟","level":3,"page":4349},{"title":"مسألة [٣٦]: إن سلمت نفسها قبل قبض المهر، ثم أرادت منع نفسها حتى تقبضه؟","level":3,"page":4349},{"title":"مسألة [٣٧]: إن أعسر الزوج عن المهر الحال، فهل للمرأة الفسخ؟","level":3,"page":4350},{"title":"مسألة [٣٨]: الجمع في العقد بين نكاح وبيع؟","level":3,"page":4350},{"title":"مسألة [٣٩]: إن تزوجها على طلاق امرأة له أخرى؟","level":3,"page":4351},{"title":"مسألة [٤٠]: الزيادة في الصداق بعد العقد، هل تلحق به؟","level":3,"page":4352},{"title":"مسألة [٤١]: التي تستحق المهر؟","level":3,"page":4352},{"title":"مسألة [٤٢]: المكرهة على الزنى هل تستحق مهرا؟","level":3,"page":4353},{"title":"مسألة [٤٣]: وهل لها أرش البكارة؟","level":3,"page":4353},{"title":"مسألة [٤٤]: هل تستحق الموطوءة بشبهة المهر، وإن كانت من المحارم؟","level":3,"page":4353},{"title":"مسألة [٤٥]: هل للمطاوعة على الزنى مهر؟","level":3,"page":4354},{"title":"مسألة [٤٦]: هل يجب المهر بالوطء في الدبر، وباللواط؟","level":3,"page":4354},{"title":"مسألة [٤٧]: لو طلق امرأته قبل الدخول طلقة، فظن أنها لا تبين منه، فوطئها؟","level":3,"page":4354},{"title":"مسألة [٤٨]: من نكاحها باطل، هل لها المهر؟","level":3,"page":4354},{"title":"مسألة [٤٩]: إذا تزوج العبد بإذن سيده، فعلى من المهر، والنفقة؟","level":3,"page":4355},{"title":"مسألة [٥٠]: إذا زوج السيد عبده أمته، فهل عليه مهر؟","level":3,"page":4357},{"title":"باب الوليمة","level":2,"page":4361},{"title":"مسألة [١]: حكم الوليمة.","level":3,"page":4363},{"title":"مسألة [٢]: وقت الوليمة.","level":3,"page":4364},{"title":"مسألة [٣]: إجابة الدعوة إلى الوليمة.","level":3,"page":4364},{"title":"مسألة [٤]: إجابة الدعوة إلى غير الوليمة.","level":3,"page":4365},{"title":"مسألة [٥]: إذا دعا عموما، فهل تجب الإجابة؟","level":3,"page":4366},{"title":"مسألة [٦]: إذا دعاه ذمي، فهل تجب إجابته؟","level":3,"page":4367},{"title":"مسألة [٧]: هل يجب عليه الأكل إذا أتى الوليمة؟","level":3,"page":4367},{"title":"مسألة [٨]: إن كان في الدعوة منكر كالخمر، والزمر، وغيره؟","level":3,"page":4369},{"title":"مسألة [٩]: إذا رأى في البيت صورا للحيوان معلقة بالستور وغيرها؟","level":3,"page":4370},{"title":"مسألة [١٠]: إذا كانت الجدر مسترة بغير تصاوير ذوات الأرواح؟","level":3,"page":4370},{"title":"مسألة [١]: حكم إجابة الدعوة في غير اليوم الأول.","level":3,"page":4372},{"title":"مسألة [٢]: هل يجوز دخول بيت فيه تصاوير في غير دعوة الوليمة؟","level":3,"page":4373},{"title":"مسألة [١]: إذا اجتمع داعيان؟","level":3,"page":4376},{"title":"مسألة [١]: الأكل متكئا.","level":3,"page":4378},{"title":"مسألة [١]: حكم التسمية على الطعام.","level":3,"page":4379},{"title":"مسألة [٢]: من نسي التسمية في أوله؟","level":3,"page":4379},{"title":"مسألة [٣]: الأكل باليمين.","level":3,"page":4380},{"title":"مسألة [٤]: الأكل مما يليه.","level":3,"page":4380},{"title":"مسألة [١]: الأكل من وسط الطعام.","level":3,"page":4383},{"title":"مسألة [١]: عيب الطعام.","level":3,"page":4384},{"title":"مسألة [١]: النفخ في الشراب والطعام.","level":3,"page":4385},{"title":"مسألة [٢]: بعض الآداب التي لم تتناولها الأحاديث السابقة.","level":3,"page":4386},{"title":"باب القسم","level":2,"page":4389},{"title":"مسألة [١]: عماد القسم.","level":3,"page":4390},{"title":"مسألة [٢]: هل يقسم المريض، والمجبوب، والعنين، والخصي؟","level":3,"page":4391},{"title":"مسألة [٣]: هل يقسم المجنون؟","level":3,"page":4392},{"title":"مسألة [٤]: هل يقسم للمريضة، والرتقاء، والحائض، والنفساء، والمحرمة، والصغيرة؟","level":3,"page":4392},{"title":"مسألة [٥]: هل يقسم للمجنونة؟","level":3,"page":4393},{"title":"مسألة [٦]: هل يلزمه قسم الابتداء؟","level":3,"page":4393},{"title":"مسألة [٧]: إذا سافر عن امرأته، فهل يسقط حقها من القسم، والوطء؟","level":3,"page":4395},{"title":"مسألة [٨]: إذا غاب الرجل في يوم بعض نسائه وليلتها؟","level":3,"page":4397},{"title":"مسألة [٩]: الدخول على امرأة في زمن الأخرى؟","level":3,"page":4398},{"title":"مسألة [١٠]: إذا أعطى الرجل إحدى نسائه مالا؛ لتحلله من يومها وليلتها؟","level":3,"page":4400},{"title":"مسألة [١١]: التسوية بين نسائه في النفقة، والكسوة.","level":3,"page":4400},{"title":"مسألة [١٢]: التسوية بين النساء في الجماع.","level":3,"page":4401},{"title":"مسألة [١٣]: الجمع بين امرأتين في مسكن واحد.","level":3,"page":4402},{"title":"مسألة [١٤]: كم يقسم للزوجة الأمة مع الزوجة الحرة؟","level":3,"page":4403},{"title":"مسألة [١٥]: هل يقسم للزوجة الكتابية؟","level":3,"page":4403},{"title":"مسألة [١٦]: هل للأمة أن تسقط حقها من القسم بدون إذن سيدها؟","level":3,"page":4404},{"title":"مسألة [١٧]: هل على الرجل أن يقسم لإمائه مع زوجاته؟","level":3,"page":4404},{"title":"مسألة [١٨]: هل يقسم لنسائه ليلة ليلة، أم له الزيادة؟","level":3,"page":4405},{"title":"مسألة [١٩]: إن كانت امرأتاه في بلدين متباعدين؟","level":3,"page":4406},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا سافرت المرأة بإذن زوجها، فهل لها القسم والنفقة؟","level":3,"page":4406},{"title":"مسألة [١]: إذا تزوج الرجل امرأة جديدة، فكم يقيم عندها قبل القسم؟","level":3,"page":4408},{"title":"مسألة [٢]: إذا تزوج أمة، فهل يقيم عندها سبعا إن كانت بكرا، وثلاثا إن كانت ثيبا؟","level":3,"page":4409},{"title":"مسألة [٣]: إذا كان له امرأة فتزوج أخرى، ثم أراد السفر قبل أن يتم حق الجديدة؟","level":3,"page":4410},{"title":"مسألة [٤]: هل يجب على الرجل الإقامة عند الجديدة وإن لم يكن له امرأة قبلها؟","level":3,"page":4411},{"title":"مسألة [٥]: إذا كان عنده امرأتان، فقسم للأولى ثم تزوج أخرى في الليلة الثانية قبل أن يقسم للأخرى؟","level":3,"page":4413},{"title":"مسألة [١]: هبة المرأة ليلتها لزوجها، أو لبعض ضرائرها؟","level":3,"page":4414},{"title":"مسألة [٢]: إذا وهبت المرأة يومها لإحدى ضرائرها، فهل له أن يجعله تاليا؟","level":3,"page":4414},{"title":"مسألة [٣]: إذا وهبت المرأة ليلتها لزوجها؟","level":3,"page":4415},{"title":"مسألة [٤]: إذا وهبت ليلتها لجميع ضرائرها؟","level":3,"page":4416},{"title":"مسألة [٥]: هل للواهبة الرجوع والمطالبة بليلتها؟","level":3,"page":4416},{"title":"مسألة [٦]: إذا تزوج الرجل ثانية بشرط أن يقسم لها ليلة واحدة، وللأولى ليلتين؟","level":3,"page":4417},{"title":"مسألة [١]: هل للرجل إذا أراد السفر أن يأخذ بعض زوجاته بدون قرعة؟","level":3,"page":4420},{"title":"مسألة [٢]: هل عليه أن يقضي للمقيمة المدة التي سافر فيها بالأخرى.","level":3,"page":4421},{"title":"مسألة ملحقة: هل كان القسم واجبا على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أم لا؟","level":3,"page":4423},{"title":"فصل فيما إذا حصل الشقاق بين الزوجين","level":3,"page":4426},{"title":"مسألة [١]: إذا ادعى كل من الرجل والمرأة على صاحبه النشوز؟","level":4,"page":4426},{"title":"مسألة [٢]: هل الرجلان حكمان، أم وكيلان للرجل والمرأة؟","level":4,"page":4426},{"title":"مسألة [٣]: هل ينفذ حكم الحكمين في الجمع والتفريق؟","level":4,"page":4428},{"title":"مسألة [٤]: إذا اختلف الحكمان في الحكم؟","level":4,"page":4429},{"title":"مسألة [٥]: شروط الحكمين.","level":4,"page":4429},{"title":"باب الخلع","level":2,"page":4430},{"title":"مسألة [١]: هل يفتقر الخلع إلى الحاكم، أم يصح بدون سلطان؟","level":3,"page":4434},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط في صحة الخلع وجود الشقاق؟","level":3,"page":4434},{"title":"مسألة [٣]: إذا عضل زوجته وضارها، ومنعها من حقوقها حتى تفتدي منه؟","level":3,"page":4436},{"title":"مسألة [٤]: إن ضربها لنشوزها تأديبا، ثم خالعته، فهل يصح الخلع؟","level":3,"page":4436},{"title":"مسألة [٥]: إذا زنت، فعضلها؛ لتفتدي نفسها منه، فهل يصح الخلع؟","level":3,"page":4437},{"title":"مسألة [٦]: الألفاظ التي يقع بها الخلع.","level":3,"page":4438},{"title":"مسألة [٧]: هل يشترط أن يتلفظ الزوج بالقبول؟","level":3,"page":4438},{"title":"مسألة [٨]: هل للرجل أن يأخذ زيادة على ما أعطاها إذا أعطته المرأة؟","level":3,"page":4439},{"title":"مسألة [٩]: هل الخلع إذا جرد عن الطلاق يعتبر فسخا، أم طلاقا؟","level":3,"page":4441},{"title":"مسألة [١٠]: هل تجوز المخالعة أثناء حيض المرأة؟","level":3,"page":4444},{"title":"مسألة [١١]: كم على المختلعة عدة؟","level":3,"page":4444},{"title":"مسألة [١٢]: هل يصح الخلع بغير عوض؟","level":3,"page":4445},{"title":"مسألة [١٣]: المخالعة على عوض محرم؟","level":3,"page":4447},{"title":"مسألة [١٤]: المخالعة على عوض مجهول؟","level":3,"page":4447},{"title":"مسألة [١٥]: الخلع بالمنافع.","level":3,"page":4448},{"title":"مسألة [١٦]: هل يقع على المختلعة في عدتها طلاق؟","level":3,"page":4448},{"title":"مسألة [١٧]: هل للرجل الرجعة بعد المخالعة؟","level":3,"page":4449},{"title":"مسألة [١٨]: إذا اشترط الرجل في الخلع أن له الرجعة؟","level":3,"page":4450},{"title":"مسألة [١٩]: إذا شرط في الخلع الخيار للرجل، أو المرأة لمدة معلومة؟","level":3,"page":4451},{"title":"مسألة [٢٠]: هل للأب خلع زوجة ابنه الصغير والطلاق عنه؟","level":3,"page":4452},{"title":"مسألة [٢١]: هل للأب خلع ابنته الصغيرة بشيء من مالها؟","level":3,"page":4453},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا خالعت السفيهة.","level":3,"page":4453},{"title":"مسألة [٢٣]: هل يصح خلع الأجنبي عن المرأة؟","level":3,"page":4454},{"title":"مسألة [٢٤]: مخالعة الأمة.","level":3,"page":4454},{"title":"مسألة [٢٥]: الخلع بدون تحديد العوض.","level":3,"page":4456},{"title":"كتاب الطلاق","level":1,"page":4457},{"title":"باب","level":2,"page":4458},{"title":"مسألة [١]: حكم الطلاق.","level":3,"page":4458},{"title":"مسألة [٢]: هل يجب على الرجل أن يطيع أباه في طلاق امرأته؟","level":3,"page":4459},{"title":"مسألة [١]: ضابط الطلاق المشروع.","level":3,"page":4463},{"title":"مسألة [٢]: إذا طلق امرأته حال حيضها، أو في طهر أصابها فيه، ولم يتبين حملها، هل يقع طلاقه؟","level":3,"page":4464},{"title":"مسألة [٣]: هل يجوز تطليق الغير المدخول بها وهي حائض؟","level":3,"page":4469},{"title":"مسألة [٤]: إذا طلق امرأته وهي حائض، هل يجب عليه مراجعتها؟","level":3,"page":4470},{"title":"مسألة [٥]: إذا راجعها، فهل يمسكها حتى تطهر من حيضها فقط، أو ينتظر الحيضة الأخرى والطهر منها، ثم يطلق؟","level":3,"page":4470},{"title":"مسألة [٦]: العلة من منع طلاق الحائض.","level":3,"page":4472},{"title":"مسألة [٧]: إذا سألته المرأة الطلاق في وقت الحيض، فهل يزول التحريم؟","level":3,"page":4473},{"title":"مسألة [٨]: إذا علق طلاقها بصفة، فوافق وقت حيضها؟","level":3,"page":4473},{"title":"مسألة [٩]: متى يطلقها، بانقطاع الدم، أم بعد غسلها من الحيض؟","level":3,"page":4473},{"title":"مسألة [١٠]: إذا كانت المرأة لا تحيض؛ لصغرها، أو كبرها؟","level":3,"page":4474},{"title":"مسألة [١]: هل الجمع لثلاث تطليقات في طهر لم يمسها فيه طلاق مباح أو بدعة؟","level":3,"page":4476},{"title":"مسألة [٢]: إذا طلق امرأته ثلاثا، فهل يقع ذلك؟","level":3,"page":4478},{"title":"مسألة [١]: طلاق الهازل.","level":3,"page":4489},{"title":"مسألة [١]: هل يقع طلاق من نوى الطلاق بقلبه بدون أن يتلفظ به؟","level":3,"page":4492},{"title":"مسألة [٢]: ألفاظ الطلاق هل يعتبر فيها النية؟","level":3,"page":4492},{"title":"مسألة [٣]: إذا قال لامرأته: (أنت طالق)، وأراد (من وثاقي)، أو (من زوج قبلي)؟","level":3,"page":4495},{"title":"مسألة [٤]: إذا قيل له: (أطلقت أمرأتك؟) قال: (نعم) كاذبا، فهل تطلق؟","level":3,"page":4496},{"title":"مسألة [٥]: لو ضرب امرأته، أو لطمها، وقال: هذا طلاقك؟","level":3,"page":4496},{"title":"مسألة [٦]: لو قال لامرأته: أنت طالق لا شيء، أو طلاقا ليس بشيء؟","level":3,"page":4497},{"title":"مسألة [٧]: إذا كتب الطلاق في ورقة فهل يقع؟","level":3,"page":4497},{"title":"مسألة [٨]: إذا كتب الطلاق، ولم ينوه؟","level":3,"page":4498},{"title":"مسألة [٩]: إذا كتب في شيء لا يبين، كأن يكتب ذلك في الهواء، أو في الماء؟","level":3,"page":4499},{"title":"مسألة [١٠]: إذا كتب في كتابه: (إذا أتاك كتابي فأنت طالق)؟","level":3,"page":4499},{"title":"مسألة [١١]: لو قال لشخص: اكتب طلاق زوجتي؟","level":3,"page":4499},{"title":"مسألة [١٢]: طلاق الأخرس بالإشارة المفهمة.","level":3,"page":4499},{"title":"مسألة [١٣]: إذا أشار الناطق بالطلاق ونواه؟","level":3,"page":4500},{"title":"مسألة [١٤]: طلاق الأعجمي.","level":3,"page":4500},{"title":"مسألة [١]: من أراد أن يقول (أنت طاهر) فقال (أنت طالق) خطأ؟","level":3,"page":4501},{"title":"مسألة [٢]: من علق طلاقه بفعل شيء، ثم فعله ناسيا؟","level":3,"page":4502},{"title":"مسألة [٣]: من أكره على الطلاق هل يقع طلاقه؟","level":3,"page":4504},{"title":"مسألة [٤]: ضابط الإكراه.","level":3,"page":4505},{"title":"مسألة [٥]: شروط الإكراه.","level":3,"page":4505},{"title":"مسألة [٦]: إذا أكره على طلاق امرأة من زوجاته، فطلق أخرى؟","level":3,"page":4506},{"title":"مسألة [١]: كنايات الطلاق.","level":3,"page":4507},{"title":"مسألة [٢]: وقوع الطلاق إذا تلفظ بألفاظ الكناية مع النية.","level":3,"page":4508},{"title":"مسألة [٣]: إذا أتى بالكناية في حال الغضب بدون نية الطلاق؟","level":3,"page":4509},{"title":"مسألة [٤]: كم عدد الطلاق الواقع بالكناية؟","level":3,"page":4510},{"title":"مسألة [٥]: هل الطلاق الواقع بالكناية رجعي؟","level":3,"page":4512},{"title":"مسألة [٦]: إذا نوى الطلاق وتلفظ بما لا يدل عليه؟","level":3,"page":4512},{"title":"مسألة [٧]: إذا قال لامرأته أنت علي حرام؟","level":3,"page":4513},{"title":"مسألة [٨]: إذا قال لامرأته: أنت طالق واحدة بائنة، أو غير رجعية؟","level":3,"page":4518},{"title":"مسألة [٩]: إذا قال لزوجته: أنا منك طالق؟","level":3,"page":4519},{"title":"مسألة [١٠]: إذا قال لزوجته: أنا منك بائن، أو بريء، أو حرام؟","level":3,"page":4519},{"title":"مسألة [١١]: إذا قال الرجل لامرأته: وهبتك لأهلك؟","level":3,"page":4519},{"title":"مسألة [١٢]: إذا جعل الرجل لامرأته الخيار بين البقاء معه والفراق؟","level":3,"page":4521},{"title":"مسألة [١٣]: إذا اختارت نفسها؟","level":3,"page":4522},{"title":"مسألة [١٤]: إذا ردت المرأة الخيار من أصله، ولم تقبل التفويض إليها؟","level":3,"page":4522},{"title":"مسألة [١٥]: هل يفتقر التخيير من الزوج والاختيار من الزوجة إلى النية؟","level":3,"page":4523},{"title":"مسألة [١٦]: هل للزوج الرجوع فيما جعل إليها؟","level":3,"page":4524},{"title":"مسألة [١٧]: إن طلقت نفسها ثلاثا، فقال الزوج: لم أجعل إليها إلا واحدة؟","level":3,"page":4525},{"title":"مسألة [١٨]: إذا جعل أمر امرأته بيدها، فقالت: أنت طالق؟","level":3,"page":4526},{"title":"مسألة [١٩]: هل التخيير للمرأة على الفور، أم على التراخي؟","level":3,"page":4527},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا اختلفا، فقال الزوج: لم أنو الطلاق. وادعت عليه أنه نوى؟","level":3,"page":4528},{"title":"مسألة [٢١]: إذا قال الرجل لامرأته: (أنت علي كظهر أمي) يريد به الطلاق؟","level":3,"page":4528},{"title":"مسألة [١]: من طلق امرأة ليست زوجة له؟","level":3,"page":4530},{"title":"مسألة [١]: من الذي يقع منه الطلاق؟","level":3,"page":4534},{"title":"مسألة [٢]: طلاق من زال عقله بغير المسكر.","level":3,"page":4535},{"title":"مسألة [٣]: هل يقع طلاق من شرب الخمر مختارا فسكر؟","level":3,"page":4535},{"title":"مسألة [٤]: هل يقع طلاق الصبي؟","level":3,"page":4540},{"title":"مسألة [٥]: هل يقع طلاق السفيه؟","level":3,"page":4542},{"title":"مسألة [٦]: طلاق الغضبان.","level":3,"page":4542},{"title":"مسألة [٧]: التوكيل في الطلاق.","level":3,"page":4544},{"title":"مسألة [٨]: إذا وكل اثنين بطلاق امرأته، فهل لواحد منهما أن ينفرد بذلك؟","level":3,"page":4544},{"title":"مسألة [٩]: إذا وكل امرأته في طلاق نفسها؟","level":3,"page":4545},{"title":"فصل في أقسام الطلاق من حيث صيغته","level":3,"page":4546},{"title":"مسألة [١]: الحلف بالطلاق هل يقع أم لا؟","level":4,"page":4546},{"title":"مسألة [٢]: تعليق الطلاق بشرط.","level":4,"page":4549},{"title":"مسألة [٣]: إذا قال رجل لامرأة أجنبية: إن فعلت كذا فأنت طالق. ثم تزوجها، ففعلت؟","level":4,"page":4551},{"title":"مسألة [٤]: إن علق الزوج الطلاق بشرط، فهل تطلق قبل وجوده، وهل له وطؤها قبل وجوده؟","level":4,"page":4552},{"title":"مسألة [٥]: لو قال: أنت طالق. ثم قال: أردت (إن قمت، أو خرجت)؟","level":4,"page":4552},{"title":"مسألة [٦]: إذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق؟","level":4,"page":4553},{"title":"مسألة [٧]: إذا كان الطلاق المعلق في الصورة السابقة هي الطلقة الثالثة، فهل يتوارثان؟","level":4,"page":4553},{"title":"مسألة [٨]: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله؟","level":4,"page":4554},{"title":"مسألة [٩]: إذا قال لامرأته: أنت طالق إن شئت؟","level":4,"page":4556},{"title":"مسألة [١٠]: إذا قال: أنت طالق إن شئت. فقالت: قد شئت إن شئت. أو قد شئت إن شاء فلان؟","level":4,"page":4557},{"title":"مسألة [١١]: إذا قال أنت طالق إلا أن يشاء الله؟","level":4,"page":4557},{"title":"مسألة [١٢]: إذا قال: أنت طالق إلا أن تشائي أو يشاء زيد؟","level":4,"page":4558},{"title":"مسألة [١٣]: إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق. فدخلت ناسية؟","level":4,"page":4558},{"title":"مسألة [١٤]: إذا طلق امرأته بسبب غير صحيح، ثم تبين له ذلك؟","level":4,"page":4558},{"title":"مسألة [١٥]: الرجوع عن الطلاق المعلق.","level":4,"page":4559},{"title":"فصل في الشك في الطلاق وإبهامه والخطأ فيه","level":3,"page":4561},{"title":"مسألة [١]: عدد التطليقات التي يملكها الحر والعبد.","level":4,"page":4561},{"title":"مسألة [٢]: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق نصف طلقة، أو طلقة إلا جزءا؟","level":4,"page":4563},{"title":"مسألة [٣]: إذا قال: نصفك طالقة، أو رأسك طالق، أو دمك طالق؟","level":4,"page":4564},{"title":"مسألة [٤]: إذا قال: شعرك، أو ظفرك، أو سنك طالق؟","level":4,"page":4564},{"title":"مسألة [٥]: إذا أضاف الطلاق إلى ريقها، أو دمعها، أو حملها، أو عرقها؟","level":4,"page":4565},{"title":"مسألة [٦]: إذا علق الطلاق بشيء مستحيل؟","level":4,"page":4565},{"title":"فصل","level":3,"page":4566},{"title":"مسألة [١]: من شك في طلاقه، أو في شرط الطلاق؟","level":4,"page":4566},{"title":"مسألة [٢]: إذا قال لزوجاته: إحداكن طالق؟","level":4,"page":4566},{"title":"مسألة [٣]: إذا طلق امرأة من نسائه، ثم نسي من هي التي طلقها؟","level":4,"page":4567},{"title":"مسألة [٤]: إذا مات الرجل قبل أن يتذكر من طلقها؟","level":4,"page":4568},{"title":"مسألة [٥]: هل له أن يتزوج بخامسة قبل تعيين المطلقة منهن؟","level":4,"page":4569},{"title":"مسألة [٦]: إذا مات الزوج قبل البيان؛ فعلى من العدة؟","level":4,"page":4569},{"title":"مسألة [٧]: إذا تزوج خامسة، ثم مات قبل تعيين المطلقة؟","level":4,"page":4569},{"title":"مسألة [٨]: إذا ادعت المرأة على زوجها أنه طلقها، فأنكر ذلك الزوج؟","level":4,"page":4570},{"title":"مسألة [٩]: وهل لها أن ترثه في الصورة السابقة؟","level":4,"page":4571},{"title":"مسألة [١٠]: إذا وطئها بعد أن طلقها ثلاثا؟","level":4,"page":4571},{"title":"مسألة [١١]: إذا طلق امرأته فانقضت عدتها، ثم تزوجها، فهل ترجع بما بقي من الطلاق، أم بثلاث؟","level":4,"page":4572},{"title":"مسألة [١٢]: لو قال الرجل لامرأته: أنت طالق بعد موتي، أو موتك، أو مع موتي؟","level":4,"page":4574},{"title":"مسألة [١٣]: إذا قال لامرأته وأجنبية: أحداكما طالق؟","level":4,"page":4574},{"title":"مسألة [١٤]: إذا كان اسم زوجته زينب، فقال: زينب طالق. وقال: قصدت امرأة أجنبية؟","level":4,"page":4574},{"title":"مسألة [١٥]: إن لم ينو زوجته، ولا الأجنبية؟","level":4,"page":4575},{"title":"مسألة [١٦]: إذا لقي أجنبية ظنها زوجته، فقال: فلانة، أنت طالق؟","level":4,"page":4575},{"title":"مسألة [١٧]: إذا لقي امرأته، فظنها أجنبية، فقال: أنت طالق؟","level":4,"page":4576},{"title":"باب الرجعة","level":2,"page":4577},{"title":"مسألة [١]: للزوج إرجاع امرأته المطلقة الرجعية ما دامت في العدة.","level":3,"page":4578},{"title":"مسألة [٢]: هل يعتبر في الرجعة رضى المرأة؟","level":3,"page":4579},{"title":"مسألة [٣]: الألفاظ في المراجعة.","level":3,"page":4579},{"title":"مسألة [٤]: هل تفتقر الرجعة إلى ولي وصداق، ورضى المرأة وعلمها؟","level":3,"page":4580},{"title":"مسألة [٥]: هل يشترط في الرجعة الإشهاد؟","level":3,"page":4580},{"title":"مسألة [٦]: الرجعية زوجة لها أحكام الزوجة في أمور كثيرة.","level":3,"page":4581},{"title":"مسألة [٧]: هل يباح لزوجها وطؤها، والخلوة بها ومباشرتها؟","level":3,"page":4581},{"title":"مسألة [٨]: إذا وطئ امرأته، فهل يحصل بذلك الرجعة؟","level":3,"page":4582},{"title":"مسألة [٩]: إذا باشرها، أو قبلها، أو نحو ذلك، فهل تعتبر رجعة؟","level":3,"page":4583},{"title":"مسألة [١٠]: هل يصح تعليق الرجعة بشرط؟","level":3,"page":4584},{"title":"مسألة [١١]: إذا كانت المرأة حاملا باثنين، فولدت أحدهما، فهل له الرجعة قبل ولادة الثاني؟","level":3,"page":4585},{"title":"مسألة [١٢]: إذا راجع امرأته في ردة أحدهما؟","level":3,"page":4586},{"title":"مسألة [١٣]: إذا راجع الزوج امرأته، فادعت أن عدتها قد انقضت؟","level":3,"page":4586},{"title":"مسألة [١٤]: إذا ادعى الزوج المراجعة وأنكرت ذلك المرأة؟","level":3,"page":4590},{"title":"مسألة [١٥]: من راجع امرأته وليس قاصدا الإصلاح هل تصح رجعته؟","level":3,"page":4590},{"title":"مسألة [١٦]: إذا طلق امرأته، ثم راجعها، ثم طلقها قبل دخوله بها، فهل تستأنف العدة، أم تبني؟","level":3,"page":4592},{"title":"مسألة [١٧]: إذا ادعى زوج الأمة بعد عدتها أنه كان راجعها في عدتها، فأنكرت الأمة، وصدقه السيد؟","level":3,"page":4592},{"title":"مسألة [١٨]: إن خالع زوجته، أو فسخ، ثم نكحها في عدتها، ثم طلقها؟","level":3,"page":4593},{"title":"مسألة [١٩]: إذا راجعها زوجها في عدتها، ولم تعلم، فتزوجت بآخر بعد انقضاء العدة؟","level":3,"page":4593},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا لم يكن لمدعي الرجعة بينة؟","level":3,"page":4595},{"title":"باب الإيلاء والظهار والكفارة","level":2,"page":4597},{"title":"مسألة [١]: هل يشترط في الإيلاء أن يكون الحلف بالله، أو بصفة من صفاته؟","level":3,"page":4598},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط في الإيلاء أن يكون الحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر؟","level":3,"page":4599},{"title":"مسألة [٣]: تعليق مدة الإيلاء بشرط مستقبل؟","level":3,"page":4601},{"title":"مسألة [٤]: إذا علق الإيلاء على فعل من المرأة هي قادرة عليه؟","level":3,"page":4601},{"title":"مسألة [٥]: إذا قال: والله، لا وطئتك مريضة؟","level":3,"page":4602},{"title":"مسألة [٦]: وإن قال: والله، لا وطئتك في هذه البلدة، أو في هذا البيت؟","level":3,"page":4602},{"title":"مسألة [٧]: إذا قال: والله، لا وطئتك إن شاء فلان؟","level":3,"page":4603},{"title":"مسألة [٨]: من حلف على ترك ما سوى الجماع في الفرج، أو حلف على ترك وطء الأمة؟","level":3,"page":4603},{"title":"مسألة [٩]: إذا حلف الرجل على ترك وطء امرأة أجنبية، ثم تزوجها؟","level":3,"page":4604},{"title":"مسألة [١٠]: هل يصح الإيلاء من طليقته الرجعية؟","level":3,"page":4604},{"title":"مسألة [١١]: هل يصح الإيلاء من الزوجة الأمة، والزوجة الذمية؟","level":3,"page":4605},{"title":"مسألة [١٢]: الإيلاء قبل الدخول بالمرأة؟","level":3,"page":4605},{"title":"مسألة [١٣]: الذي ينعقد منه الإيلاء.","level":3,"page":4606},{"title":"مسألة [١٤]: إيلاء الذمي.","level":3,"page":4606},{"title":"مسألة [١٥]: هل يشترط في الإيلاء أن يكون في حال الغضب، وقصد المضارة؟","level":3,"page":4607},{"title":"مسألة [١٦]: مدة التربص للمولي؟","level":3,"page":4607},{"title":"مسألة [١٧]: بعد الأربعة الأشهر هل يقع الطلاق بانقضاء المدة، أم لا يقع إلا بتطليقة؟","level":3,"page":4608},{"title":"مسألة [١٨]: مدة التربص لا تفتقر إلى حكم الحاكم.","level":3,"page":4610},{"title":"مسألة [١٩]: إذا وطئها قبل انقضاء المدة، أو قبل المطالبة؟","level":3,"page":4610},{"title":"مسألة [٢٠]: إن وطئ العاقل ناسيا يمينه، أو جاهلا للمحلوف عليها؟","level":3,"page":4611},{"title":"مسألة [٢١]: إن وطئها وطئا محرما؟","level":3,"page":4611},{"title":"مسألة [٢٢]: إن عفت عن المطالبة بعد وجوبها؟","level":3,"page":4612},{"title":"مسألة [٢٣]: معنى قوله تعالى: ﴿فإن فاءوا﴾.","level":3,"page":4612},{"title":"مسألة [٢٤]: هل عليه كفارة إذا فاء؟","level":3,"page":4613},{"title":"مسألة [٢٥]: إذا كان الحالف حلف بعتق، أو طلاق، فهل يقع عليه إذا فاء؟","level":3,"page":4614},{"title":"مسألة [٢٦]: إذا كان الحلف بالطلاق هو الطلقة الثالثة؟","level":3,"page":4614},{"title":"مسألة [٢٧]: إذا كان المولي لا يستطيع الفيء بالجماع لعذر يمنعه، من مرض، أو حبس، أو غير ذلك؟","level":3,"page":4616},{"title":"مسألة [٢٨]: متى قدر على الوطء، هل يؤمر به، أم تجزئه فيئة اللسان؟","level":3,"page":4617},{"title":"مسألة [٢٩]: إذا أبى أن يفيء، وأبى الطلاق؟","level":3,"page":4618},{"title":"مسألة [٣٠]: ما حكم الطلاق الذي يقع من المولي؟","level":3,"page":4618},{"title":"مسألة [٣١]: هل للحاكم أن يطلق عليه ثلاثا؟","level":3,"page":4619},{"title":"مسألة [٣٢]: إذا راجع امرأته، فهل تستأنف مدة الإيلاء؟","level":3,"page":4619},{"title":"مسألة [٣٣]: إذا وقف بعد الأربعة أشهر، فقال: قد أصبتها. فأنكرت؟","level":3,"page":4621},{"title":"مسألة [٣٤]: إذا أبان امرأته بعدما آلى منها، ثم تزوجها، فهل يستمر حكم الإيلاء؟","level":3,"page":4622},{"title":"مسألة [٣٥]: إذا ترك وطء امرأته بغير يمين، فهل له حكم الإيلاء؟","level":3,"page":4623},{"title":"مسألة [١]: حكم الظهار.","level":3,"page":4626},{"title":"مسألة [٢]: من يصح منه الظهار؟","level":3,"page":4627},{"title":"مسألة [٣]: هل يصح ظهار العبد؟","level":3,"page":4628},{"title":"مسألة [٤]: هل يصح ظهار الذمي؟","level":3,"page":4628},{"title":"مسألة [٥]: من لا يصح طلاقه لا يصح ظهاره.","level":3,"page":4629},{"title":"مسألة [٦]: هل يصح الظهار من كل زوجة؟","level":3,"page":4629},{"title":"مسألة [٧]: ظهار السيد من أمته؟","level":3,"page":4629},{"title":"مسألة [٨]: إذا قال: أنت علي كظهر أمي.","level":3,"page":4631},{"title":"مسألة [٩]: إذا شبه زوجته بظهر من تحرم عليه من ذوي محارمه؟","level":3,"page":4631},{"title":"مسألة [١٠]: إذا شبه امرأته بظهر من تحرم عليه مؤقتا؟","level":3,"page":4633},{"title":"مسألة [١١]: إذا قال: أنت علي كظهر أبي؟","level":3,"page":4633},{"title":"مسألة [١٢]: لو قال: أنت علي كأمي، أو مثل أمي؟","level":3,"page":4633},{"title":"مسألة [١٣]: إذا قال: أنت علي كظهر أمي. ونوى الطلاق؟","level":3,"page":4634},{"title":"مسألة [١٤]: إذا شبه عضوا من امرأته بظهر أمه؟","level":3,"page":4635},{"title":"مسألة [١٥]: لو شبه امرأته بعضو من أعضاء أمه غير الظهر؟","level":3,"page":4636},{"title":"مسألة [١٦]: إذا ظاهر من امرأة أجنبية، ثم تزوجها؟","level":3,"page":4637},{"title":"مسألة [١٧]: تعليق الظهار بشرط.","level":3,"page":4638},{"title":"مسألة [١٨]: هل يصح أن يكون الظهار مؤقتا؟","level":3,"page":4640},{"title":"مسألة [١٩]: قول الرجل: أنت علي كظهر أمي إن شاء الله.","level":3,"page":4640},{"title":"مسألة [٢٠]: هل للمظاهر أن يقرب امرأته قبل أن يكفر؟","level":3,"page":4641},{"title":"مسألة [٢١]: المباشرة بما دون الجماع في الفرج؟","level":3,"page":4642},{"title":"مسألة [٢٢]: متى تجب عليه الكفارة؟","level":3,"page":4643},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا ظاهر الرجل من زوجة له أمة، ثم ملكها، فهل يسقط الظهار؟","level":3,"page":4647},{"title":"مسألة [٢٤]: إذا ظاهر من نسائه بكلمة واحدة؟","level":3,"page":4648},{"title":"مسألة [٢٥]: إذا ظاهر من امرأته، ثم قال للأخرى: وأنت شريكتها، أو مثلها؟","level":3,"page":4649},{"title":"فصل في مسائل تتعلق بكفارة الظهار","level":3,"page":4650},{"title":"مسألة [١]: كفارة الظهار بثلاثة أمور لا يجزئ الثاني منهما إذا كان قادرا على الأول.","level":4,"page":4650},{"title":"مسألة [٢]: إذا وجد ثمن الرقبة وهو محتاج إليه لنفقة ونحوها؟","level":4,"page":4650},{"title":"مسألة [٣]: إذا وجد ثمن الرقبة، ولم يجد رقبة يشتريها؟","level":4,"page":4651},{"title":"مسألة [٤]: إن وجد رقبة تباع بزيادة على ثمنها؟","level":4,"page":4651},{"title":"مسألة [٥]: وجوب التتابع في صيام الشهرين.","level":4,"page":4652},{"title":"مسألة [٦]: إذا أصاب امرأته في أثناء مدة الشهرين؟","level":4,"page":4652},{"title":"مسألة [٧]: إذا أصاب امرأته نهارا ناسيا؟","level":4,"page":4653},{"title":"مسألة [٨]: إن وطئ امرأته الأخرى التي لم يظاهر منها ليلا؟","level":4,"page":4654},{"title":"مسألة [٩]: التتابع في الإطعام، ووطئ امرأته أثناء الإطعام.","level":4,"page":4654},{"title":"مسألة [١٠]: هل تجزئ القيمة من المال بدل الإطعام؟","level":4,"page":4655},{"title":"مسألة [١١]: مصر ف الإطعام.","level":4,"page":4655},{"title":"مسألة [١٢]: إذا تخلل الشهرين المتتابعين صوم رمضان، وأيام العيد؟","level":4,"page":4655},{"title":"مسألة [١٣]: إذا كان المظاهر عبدا؟","level":4,"page":4655},{"title":"مسألة [١٤]: فإن عجز العبد عن العتق والصيام، فهل عليه الإطعام؟","level":4,"page":4656},{"title":"مسألة [١٥]: الوقت الذي تعتبر فيه الكفارة؟","level":4,"page":4657},{"title":"مسألة [١٦]: اشتراط النية.","level":4,"page":4658},{"title":"مسألة [١٧]: من وطئ قبل أن يكفر؟","level":4,"page":4658},{"title":"مسألة [١٨]: إذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أبي؟","level":4,"page":4659},{"title":"مسألة [١٩]: وهل عليها الكفارة لظهارها؟","level":4,"page":4659},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا كرر الظهار من زوجة له واحدة؟","level":4,"page":4660},{"title":"مسألة [٢١]: إذا لم يكفر المظاهر، فهل يكون حكمه كحكم الإيلاء؟","level":4,"page":4661},{"title":"باب اللعان","level":2,"page":4662},{"title":"مسألة [١]: معنى اللعان.","level":3,"page":4662},{"title":"مسألة [٢]: إذا قذف الرجل زوجته بالزنى؟","level":3,"page":4663},{"title":"مسألة [٣]: قذف الزوج لا يشترط له الرؤية.","level":3,"page":4664},{"title":"مسألة [٤]: هل يحكم باللعان لكل زوج قذف زوجته؟","level":3,"page":4664},{"title":"مسألة [٥]: هل يشمل الحكم السابق الغير مدخول بها؟","level":3,"page":4666},{"title":"مسألة [٦]: إذا قذف الطفل زوجته، وإذا جاءت بولد؟","level":3,"page":4666},{"title":"مسألة [٧]: إذا قذف المجنون زوجته، وإذا جاءت بولد؟","level":3,"page":4667},{"title":"مسألة [٨]: إذا لم يلاعن الزوج، فهل يلحقه النسب؟","level":3,"page":4668},{"title":"مسألة [٩]: إذا قذف أجنبية، فهل له إسقاط الحد عن نفسه باللعان؟","level":3,"page":4668},{"title":"مسألة [١٠]: إذا قذف أمته بالزنى، فهل عليه اللعان، أو الحد؟","level":3,"page":4668},{"title":"مسألة [١١]: إذا ولدت أمته ولدا، فهل له أن ينتفي منه، وهل يلاعن على ذلك؟","level":3,"page":4669},{"title":"مسألة [١٢]: فهل له أن ينتفي من ولد أمته الذي يلحقه شرعا؟","level":3,"page":4670},{"title":"مسألة [١٣]: إذا نكح امرأة نكاحا فاسدا، ثم قذفها؟","level":3,"page":4671},{"title":"مسألة [١٤]: إذا أبان زوجته، ثم قذفها بزنى أضافه إلى حال الزوجية؟","level":3,"page":4672},{"title":"مسألة [١٥]: إذا قذف مطلقته الرجعية؟","level":3,"page":4672},{"title":"مسألة [١٦]: إذا قذف زوجته، ثم أبانها؟","level":3,"page":4673},{"title":"مسألة [١٧]: إذا قذف أجنبية، ثم تزوجها؟","level":3,"page":4673},{"title":"مسألة [١٨]: إذا قذف امرأته بعد أن تزوجها بزنى أضافه إلى ما قبل النكاح؟","level":3,"page":4674},{"title":"مسألة [١٩]: قذف الأخرس وملاعنته.","level":3,"page":4675},{"title":"مسألة [٢٠]: هل يتعرض للرجل بحد القذف، أو اللعان بغير مطالبة المرأة؟","level":3,"page":4675},{"title":"مسألة [٢١]: هل للزوج أن يلاعن من غير طلب المرأة الحد؟","level":3,"page":4676},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا كان هناك ولد، فما حكم الملاعنة؟","level":3,"page":4676},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا مات أحدهما قبل اللعان؟","level":3,"page":4677},{"title":"مسألة [٢٤]: إذا مات المقذوف قبل المطالبة بالحد، هل يسقط؟","level":3,"page":4678},{"title":"مسألة [٢٥]: صفة اللعان.","level":3,"page":4678},{"title":"مسألة [٢٦]: إذا نقص من الأيمان واحدة، أو أكثر؟","level":3,"page":4679},{"title":"مسألة [٢٧]: هل يصح اللعان عند غير الحاكم؟","level":3,"page":4679},{"title":"مسألة [٢٨]: هل يشترط الابتداء بالرجل؟","level":3,"page":4679},{"title":"مسألة [٢٩]: هل يشترط أن تكون الأيمان بعد طلب الحاكم ذلك؟","level":3,"page":4680},{"title":"مسألة [٣٠]: زيادة: (فيما رميت به هذه من الزنى) بعد قوله: (من الصادقين) وكذلك المرأة بعد قولها: (من الكاذبين)؟","level":3,"page":4680},{"title":"مسألة [٣١]: هل يشترط في اللعان كلمة (أشهد)؟","level":3,"page":4681},{"title":"مسألة [٣٢]: الالتعان بغير العربية؟","level":3,"page":4682},{"title":"مسألة [٣٣]: هل يحتاج إلى نفي الولد عن نفسه في اللعان؟","level":3,"page":4682},{"title":"مسألة [٣٤]: التلاعن بحضرة الناس.","level":3,"page":4683},{"title":"مسألة [٣٥]: هل يغلظ اللعان في مكانه وزمانه؟","level":3,"page":4683},{"title":"مسألة [٣٦]: السيد هل يلاعن بين عبده وأمته؟","level":3,"page":4684},{"title":"مسألة [٣٧]: التلاعن قياما.","level":3,"page":4684},{"title":"مسألة [٣٨]: موعظة الإمام للمتلاعنين.","level":3,"page":4684},{"title":"مسألة [٣٩]: إذا لم تلاعن المرأة، وأبت؟","level":3,"page":4685},{"title":"مسألة [٤٠]: إذا قذف امرأته برجل بعينه؟","level":3,"page":4686},{"title":"مسألة [٤١]: متى تحصل الفرقة بين المتلاعنين؟","level":3,"page":4687},{"title":"مسألة [٤٢]: إذا فرق الحاكم قبل تمام اللعان؟","level":3,"page":4689},{"title":"مسألة [٤٣]: هل فرقة اللعان فسخ، أم طلاق؟","level":3,"page":4689},{"title":"مسألة [٤٤]: هل التحريم الحاصل باللعان مؤبد؟","level":3,"page":4689},{"title":"مسألة [٤٥]: إن كانت الملاعنة أمة، ثم اشتراها ملاعنها، فهل يحل له وطؤها؟","level":3,"page":4691},{"title":"مسألة [٤٦]: إذا أكذب نفسه، فهل يقام عليه الحد؟","level":3,"page":4692},{"title":"مسألة [٤٧]: هل يلحقه نسب الولد إذا أكذب نفسه؟","level":3,"page":4692},{"title":"مسألة [٤٨]: إذا أراد اللعان أثناء إقامة الحد عليه؟","level":3,"page":4692},{"title":"مسألة [٤٩]: حكم القذف لامرأته.","level":3,"page":4693},{"title":"مسألة [٥٠]: إذا قال الرجل: ليس هذا ولدي، ولكني لا أرميها بالزنى؟","level":3,"page":4693},{"title":"مسألة [٥١]: إذا قذف امرأته وهي صغيرة؟","level":3,"page":4694},{"title":"مسألة [٥٢]: إن قذف امرأته المجنونة؟","level":3,"page":4695},{"title":"مسألة [١]: متى يلحق الولد بالأب، وليس له أن ينتفي منه؟","level":3,"page":4701},{"title":"مسألة [٢]: متى تكون المرأة فراشا لزوجها؛ ليشمله الحكم السابق؟","level":3,"page":4702},{"title":"مسألة [٣]: إذا ولدت امرأته ولدا في وقت لا يمكن أن يكون منه؟","level":3,"page":4702},{"title":"مسألة [٤]: إذا زنى رجل بامرأة، فولدت، فهل يلحقه الولد إذا استلحقه؟","level":3,"page":4702},{"title":"مسألة [٥]: إن وطئ امرأة بشبهة فأتت بولد؟","level":3,"page":4703},{"title":"مسألة [٦]: إن كان لا يطأ امرأته إلا دون الفرج، فجاءت بولد، فهل له نفيه؟","level":3,"page":4703},{"title":"مسألة [٧]: مقطوع الذكر والخصيتين، أو أحدهما هل يلحقه الولد؟","level":3,"page":4704},{"title":"مسألة [٨]: إن غاب عن زوجته سنين، فتزوجت تظنه ميتا، فجاءت من الآخر بولد؟","level":3,"page":4705},{"title":"مسألة [٩]: من ولدت امرأته ولدا، فأقر به، ثم أراد نفيه؟","level":3,"page":4705},{"title":"مسألة [١٠]: من سكت عن نفيه مع إمكانه، ثم أراد نفيه بعد ذلك؟","level":3,"page":4706},{"title":"مسألة [١١]: إن دعي له بالولد، وهنئ به، فأمن أو دعا؟","level":3,"page":4706},{"title":"مسألة [١٢]: إذا وطئت امرأة متزوجة بشبهة؟","level":3,"page":4707},{"title":"مسألة [١]: الانتفاء من الولد بمخالفة لونه وصفاته.","level":3,"page":4708},{"title":"باب العدة والإحداد والاستبراء وغير ذلك","level":2,"page":4711},{"title":"مسألة [١]: حكم العدة.","level":3,"page":4711},{"title":"مسألة [٢]: هل تجب العدة على الذمية من زوجها المسلم، أو الذمي؟","level":3,"page":4712},{"title":"مسألة [١]: إذا خلا الرجل بامرأة بعد النكاح ولم يمسها، فهل عليها العدة إذا طلقها؟","level":3,"page":4713},{"title":"مسألة [٢]: كم عدة المطلقة الحائل؟","level":3,"page":4714},{"title":"مسألة [٣]: إن كانت المطلقة الحائل ممن لا تحيض؟","level":3,"page":4714},{"title":"مسألة [٤]: هل تحتسب الساعات؟","level":3,"page":4715},{"title":"مسألة [٥]: إذا بلغت الفتاة سنا تحيض فيه النساء، فلم تحض؟","level":3,"page":4716},{"title":"مسألة [٦]: إذا شرعت الصغيرة بالاعتداد بالأشهر، ثم بلغت المحيض، ورأت الدم؟","level":3,"page":4716},{"title":"مسألة [٧]: السن التي تصبح فيه المرأة من الآيسات؟","level":3,"page":4718},{"title":"مسألة [٨]: إذا طلق امرأته وهي ممن تحيض، ثم ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه؟","level":3,"page":4719},{"title":"مسألة [٩]: إذا ارتفع الحيض بعد أن حاضت حيضة، أو حيضتين؟","level":3,"page":4720},{"title":"مسألة [١٠]: إذا ارتفع الحيض لعارض من رضاع، أو مرض، أو نحوه؟","level":3,"page":4721},{"title":"مسألة [١١]: إذا أتبع التطليقة الأولى بتطليقة أخرى في العدة فهل تعتد من الطلاق الأول أم الثاني؟","level":3,"page":4721},{"title":"مسألة [١٢]: إذا حاضت حيضة، أو حيضتين، ثم صارت من الآيسات؟","level":3,"page":4722},{"title":"مسألة [١٣]: عدة المتوفى عنها وهي حائل؟","level":3,"page":4722},{"title":"مسألة [١٤]: عدة الحامل المطلقة.","level":3,"page":4723},{"title":"مسألة [١٥]: عدة الحامل المتوفى عنها زوجها.","level":3,"page":4723},{"title":"مسألة [١٦]: هل يعتبر في الأربعة أشهر وعشر أن يكون فيها حيضة؟","level":3,"page":4725},{"title":"مسألة [١٧]: هل المعتبر في العشر الليالي بأيامها، أم الليالي فقط؟","level":3,"page":4725},{"title":"مسألة [١٨]: إذا مات زوج المطلقة رجعيا وهي في عدتها؟","level":3,"page":4726},{"title":"مسألة [١٩]: إذا مات زوج المطلقة البائن؟","level":3,"page":4726},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا خرج بعض الحمل؟","level":3,"page":4726},{"title":"مسألة [٢١]: إذا كانت حاملا باثنين، فخرج أحدهما؟","level":3,"page":4727},{"title":"مسألة [٢٢]: ضابط الحمل الذي تنتهي به العدة، وتتعلق به أحكام الحمل؟","level":3,"page":4727},{"title":"مسألة [٢٣]: أقل مدة الحمل، وأقصى مدته.","level":3,"page":4728},{"title":"مسألة [١]: كم عدة من عتقت تحت زوجها واختارت الفراق؟","level":3,"page":4730},{"title":"مسألة [٢]: كم عدة المزني بها؟","level":3,"page":4731},{"title":"مسألة [١]: المطلقة الرجعية هل لها السكنى والنفقة؟","level":3,"page":4733},{"title":"مسألة [٢]: المطلقة البائن هل لها السكنى، والنفقة؟","level":3,"page":4733},{"title":"مسألة [١]: عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها؟","level":3,"page":4737},{"title":"مسألة [١]: ما هو المراد بالأقراء، الأطهار، أم الحيض؟","level":3,"page":4739},{"title":"مسألة [٢]: هل تنقضي العدة بانقطاع الحيض، أم بغسل المرأة من الحيض؟","level":3,"page":4749},{"title":"مسألة [٣]: إذا طلقت أثناء الحيض فهل تعتد بتلك الحيضة؟","level":3,"page":4750},{"title":"مسألة [١]: عدة الأمة.","level":3,"page":4751},{"title":"مسألة [١]: وطء الرجل امرأة حاملا من غيره؟","level":3,"page":4753},{"title":"مسألة [٢]: إذا تزوج رجل امرأة في عدتها، فما الحكم؟","level":3,"page":4753},{"title":"مسألة [٣]: هل تعتد للثاني، أم تتداخل العدتان؟","level":3,"page":4755},{"title":"مسألة [٤]: هل يجوز للثاني أن يتزوج بها بعد انتهاء العدتين؟","level":3,"page":4756},{"title":"مسألة [٥]: إن كانت المرأة حاملا بولد؟","level":3,"page":4757},{"title":"مسألة [٦]: هل يجوز للرجل الذي خالع امرأته أن يتزوجها في عدتها؟","level":3,"page":4757},{"title":"مسألة [١]: إذا غاب الرجل عن أهله ولم تنقطع عنه الأخبار، ولا الكتابة؟","level":3,"page":4758},{"title":"مسألة [٢]: زوجة الأسير.","level":3,"page":4758},{"title":"مسألة [٣]: زوجة العبد الآبق.","level":3,"page":4759},{"title":"مسألة [٤]: الغائب المنقطع خبره، وهو المفقود.","level":3,"page":4759},{"title":"مسألة [٥]: هل يعتبر أن يطلقها ولي زوجها بعد التربص؟","level":3,"page":4761},{"title":"مسألة [٦]: وقت ابتداء المدة.","level":3,"page":4761},{"title":"مسألة [٧]: هل يفتقر ذلك إلى الحاكم، أم للمرأة أن تحسب لنفسها المدة بدون الحاكم؟","level":3,"page":4761},{"title":"مسألة [٨]: إذا قضى الحاكم بالفرقة، فهل ينفسخ النكاح ظاهرا وباطنا، أم في الظاهر فقط؟","level":3,"page":4762},{"title":"مسألة [٩]: إن قدم زوجها الأول بعد تربصها قبل التزوج؟","level":3,"page":4763},{"title":"مسألة [١٠]: إذا قدم زوجها بعد أن تزوجت بآخر؟","level":3,"page":4763},{"title":"مسألة [١١]: إذا اختار الترك، فهل له الصداق، وعلى من؟","level":3,"page":4764},{"title":"مسألة [١٢]: إذا ضمن الثاني للأول المهر، هل يرجع به على المرأة؟","level":3,"page":4765},{"title":"مسألة [١]: حكم إحداد الزوجة على زوجها.","level":3,"page":4767},{"title":"مسألة [٢]: هل يجب الإحداد على الصغيرة والذمية؟","level":3,"page":4767},{"title":"مسألة [٣]: الإحداد هل يشمل أم الولد والأمة إذا مات سيدهما؟","level":3,"page":4768},{"title":"مسألة [٤]: هل على المطلقة الإحداد إذا طلقها زوجها بسبب الطلاق؟","level":3,"page":4768},{"title":"مسألة [٥]: الأشياء التي تجتنبها المرأة في إحدادها.","level":3,"page":4769},{"title":"مسألة [٦]: كم مدة الإحداد للمتوفى عنها زوجها؟","level":3,"page":4770},{"title":"مسألة [٧]: إذا احتاجت الحادة للكحل؟","level":3,"page":4771},{"title":"مسألة [٨]: الثياب المصبوغة بالسواد.","level":3,"page":4771},{"title":"مسألة [٩]: لباس الحرير.","level":3,"page":4772},{"title":"مسألة [١٠]: ما صبغ ثم نسج؟","level":3,"page":4772},{"title":"مسألة [١]: هل يجب على الحادة أن تلازم بيت زوجها أثناء الإحداد؟","level":3,"page":4774},{"title":"مسألة [٢]: خروج المعتدة للحاجة.","level":3,"page":4775},{"title":"مسألة [٣]: متى يبدأ توقيت العدة؟","level":3,"page":4776},{"title":"مسألة [١]: من ملك أمة من مغنم، أو شراء، أو هبة، فهل عليه الاستبراء؟","level":3,"page":4778},{"title":"مسألة [٢]: إن كانت الأمة من غير ذوات الأقراء، فكيف تستبرأ؟","level":3,"page":4779},{"title":"مسألة [٣]: إذا اشترى الأمة من امرأة، أو من رجل أخبره أنه لم يطأها، أو قد استبرأها؟","level":3,"page":4780},{"title":"مسألة [٤]: هل يحل للرجل أثناء الاستبراء أن يباشرها، ويقبلها، ويتلذذ بها بدون الجماع؟","level":3,"page":4780},{"title":"مسألة [٥]: هل يلزم الرجل أن يستبرئ أمته التي كان يطؤها إذا أراد تزويجها؟","level":3,"page":4781},{"title":"مسألة [٦]: اشترى أمة فأعتقها قبل استبرائها، ثم أراد الزواج بها؟","level":3,"page":4781},{"title":"مسألة [٧]: إن كانت الأمة بين شريكين؟","level":3,"page":4782},{"title":"باب الرضاع","level":2,"page":4784},{"title":"مسألة [١]: التحريم بالرضاع.","level":3,"page":4786},{"title":"مسألة [٢]: عدد الرضعات المحرمة.","level":3,"page":4787},{"title":"مسألة [٣]: ضابط الرضعة.","level":3,"page":4789},{"title":"مسألة [٤]: إن حصل قطع لعارض أثناء الارتضاع؟","level":3,"page":4789},{"title":"مسألة [٥]: إذا كانت المرضعة هي التي قطعت على الرضيع؟","level":3,"page":4790},{"title":"مسألة [٦]: هل يثبت التحريم بالسعوط والوجور؟","level":3,"page":4791},{"title":"مسألة [٧]: إن جمد اللبن إلى جبن؟","level":3,"page":4792},{"title":"مسألة [٨]: إن شيب اللبن بغيره؟","level":3,"page":4792},{"title":"مسألة [٩]: لبن الميتة هل يحرم؟","level":3,"page":4793},{"title":"مسألة [١٠]: هل تنتشر الحرمة بغير لبن الآدمية؟","level":3,"page":4794},{"title":"مسألة [١١]: إذا حصل عند امرأة لبن بغير نكاح؟","level":3,"page":4794},{"title":"مسألة [١٢]: هل يشترط في التحريم بالرضاع أن يكون في الحولين؟","level":3,"page":4794},{"title":"مسألة [١٣]: هل الاعتبار بالعامين، أم بالفطام؟","level":3,"page":4796},{"title":"مسألة [١٤]: لبن الرجل هل ينشر الحرمة من قبله؟","level":3,"page":4797},{"title":"مسألة [١٥]: هل يحرم لبن الزاني؟","level":3,"page":4798},{"title":"مسألة [١٦]: إن طلق الرجل زوجته ولها منه لبن، فتزوجت آخر؟","level":3,"page":4799},{"title":"مسألة [١٧]: لو تزوج رجل امرأة كبيرة، وطفلة رضيعة، فأرضعت الكبيرة","level":3,"page":4800},{"title":"مسألة [١٨]: هل على الزوج نصف المهر للصغيرة، وهل عليه مهر للكبيرة؟","level":3,"page":4802},{"title":"مسألة [١٩]: هل يرجع على الكبيرة بما يدفعه إلى الصغيرة؟","level":3,"page":4802},{"title":"مسألة [٢٠]: لو تزوج بكبيرة وصغيرتين، ثم أرضعت الكبيرة الصغيرتين؟","level":3,"page":4803},{"title":"مسألة [٢١]: إن أرضعت الصغيرتين أجنبية؟","level":3,"page":4804},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا شهدت امرأة على الرضاع، هل يقبل قولها؟","level":3,"page":4804},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا أقر الرجل أن زوجته أخته من الرضاعة؟","level":3,"page":4805},{"title":"مسألة [٢٤]: إن كانت المرأة هي التي قالت: هو أخي من الرضاعة؟","level":3,"page":4806},{"title":"مسألة [٢٥]: استشراف المرضعة.","level":3,"page":4807},{"title":"مسألة [٢٦]: المحرمات بسبب الرضاع.","level":3,"page":4808},{"title":"مسألة [٢٧]: الجمع بين الأختين من الرضاعة، وبين المرأة وخالتها أو عمتها من الرضاعة؟","level":3,"page":4809},{"title":"مسألة [٢٨]: أم الزوجة من الرضاعة وابنتها كذلك من الرضاعة، وزوجة الأب من الرضاعة، وزوجة الابن كذلك.","level":3,"page":4810},{"title":"باب النفقات","level":2,"page":4812},{"title":"مسألة [١]: النفقة على الزوجات.","level":3,"page":4816},{"title":"مسألة [٢]: هل الاعتبار في النفقة بحالة الزوج أم الزوجة؟","level":3,"page":4817},{"title":"مسألة [٣]: ما هو المقدار الذي يلزمه لزوجته؟","level":3,"page":4817},{"title":"مسألة [٤]: ما تحتاجه المرأة من المشط، والدهان، والسدر، والصابون لشعرها وجسدها.","level":3,"page":4818},{"title":"مسألة [٥]: هل يلزم الزوج شراء الدواء لزوجته المريضة؟","level":3,"page":4819},{"title":"مسألة [٦]: كسوة الزوجة.","level":3,"page":4820},{"title":"مسألة [٧]: هل على الرجل ما تحتاجه المرأة من الفراش، واللحاف ونحوه؟","level":3,"page":4820},{"title":"مسألة [٨]: المسكن للزوجة.","level":3,"page":4820},{"title":"مسألة [٩]: إذا كانت المرأة ممن لا يخدم نفسها؛ لكونها من ذوي الأقدار، أو مريضة؟","level":3,"page":4821},{"title":"مسألة [١٠]: وقت دفع النفقة.","level":3,"page":4821},{"title":"مسألة [١١]: إن قدم لها نفقة عام فماتت، فهل له استرجاع نفقة ما بقي؟","level":3,"page":4822},{"title":"مسألة [١٢]: المرأة الذمية هل لها ما للزوجة المسلمة من النفقة والكسوة؟","level":3,"page":4822},{"title":"مسألة [١٣]: إذا منع الرجل النفقة لعسرته؟","level":3,"page":4822},{"title":"مسألة [١٤]: هل للحاكم الفسخ بالإعسار من غير إنظار؟","level":3,"page":4824},{"title":"مسألة [١٥]: إن أعسر بالكسوة، فهل لها الفسخ؟","level":3,"page":4824},{"title":"مسألة [١٦]: إذا امتنع من الإنفاق مع القدرة عليه؟","level":3,"page":4825},{"title":"مسألة [١٧]: إن كان عليها له دين، وأراد أن يسقط النفقة بمقابله؟","level":3,"page":4825},{"title":"مسألة [١٨]: هل في الفسخ رجعة؟","level":3,"page":4826},{"title":"مسألة [١٩]: إن رضيت بالمقام معه مع عسرته، ثم بدا لها الفسخ؟","level":3,"page":4826},{"title":"مسألة [٢٠]: من ترك الإنفاق مدة؟","level":3,"page":4826},{"title":"مسألة [٢١]: إذا أنفقت المرأة من مال زوجها الغائب، ثم بان أنه مات قبل إنفاقها؟","level":3,"page":4827},{"title":"مسألة [٢٢]: هل يشترط في الزوجة التي تجب النفقة لها أن تكون كبيرة يمكن وطؤها؟","level":3,"page":4827},{"title":"مسألة [٢٣]: هل يشترط أن تسلم لزوجها؟","level":3,"page":4828},{"title":"مسألة [٢٤]: إذا تزوج صغيرة؛ فهل عليه النفقة؟","level":3,"page":4828},{"title":"مسألة [٢٥]: هل يجب على الصغير النفقة؟","level":3,"page":4829},{"title":"مسألة [٢٦]: هل للمرأة الناشز نفقة؟","level":3,"page":4829},{"title":"مسألة [٢٧]: المطلقة البائن، أو البائن بفسخ إن كانت حاملا.","level":3,"page":4830},{"title":"مسألة [٢٨]: المعتدة من الوفاة هل لها النفقة من مال الزوج؟","level":3,"page":4830},{"title":"مسألة [٢٩]: هل تجب النفقة للحمل أو للحامل بسبب الحمل؟","level":3,"page":4831},{"title":"مسألة [٣٠]: دفع النفقة إلى المطلقة الحامل يوميا.","level":3,"page":4832},{"title":"مسألة [٣١]: النفقة على المختلعة غير الحامل؟","level":3,"page":4832},{"title":"مسألة [٣٢]: النفقة على أم الولد؟","level":3,"page":4833},{"title":"مسألة [٣٣]: النفقة على الملاعنة؟","level":3,"page":4834},{"title":"فصل في النفقة على الأقارب","level":3,"page":4835},{"title":"مسألة [١]: النفقة على الوالدين والأولاد.","level":4,"page":4835},{"title":"مسألة [٢]: هل تجب النفقة من الأم إن كانت موسرة على ولدها إن كان الأب معسرا، أو ميتا؟","level":4,"page":4836},{"title":"مسألة [٣]: هل تجب النفقة على الأجداد وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا؟","level":4,"page":4836},{"title":"مسألة [٤]: شروط وجوب الإنفاق على الأقارب.","level":4,"page":4837},{"title":"مسألة [٥]: إن كان هنالك مانع من الإرث؟","level":4,"page":4837},{"title":"مسألة [٦]: وإن كان المانع من الإرث كونه محجوبا؟","level":4,"page":4838},{"title":"مسألة [٧]: النفقة على ذوي الأرحام غير الوارثين.","level":4,"page":4838},{"title":"مسألة [٨]: هل يشترط في النفقة على الوالد والولد أن يكون ناقصا في الحكم، أو الخلقة؟","level":4,"page":4839},{"title":"مسألة [٩]: من كان له أب من أهل الإنفاق لم تجب النفقة على غيره؟","level":4,"page":4839},{"title":"مسألة [١٠]: هل يلزم الرجل إعفاف أبيه بتزويجه؟","level":4,"page":4840},{"title":"مسألة [١١]: هل على الأب إعفاف ولده؟","level":4,"page":4840},{"title":"مسألة [١٢]: النفقة على الأقارب الوارثين.","level":4,"page":4841},{"title":"مسألة [١٣]: هل على المعتق نفقة معتقه؟","level":4,"page":4842},{"title":"مسألة [١٤]: على من تجب نفقة المملوك؟","level":4,"page":4842},{"title":"مسألة [١٥]: الأمة إذا زوجت، فعلى من نفقتها؟","level":4,"page":4843},{"title":"مسألة [١٦]: وهل هي على العبد في كسبه، أم على السيد، أم في رقبته؟","level":4,"page":4843},{"title":"مسألة [١٧]: إذا حصل للعبد ولد من الأمة؛ فعلى من نفقته؟","level":4,"page":4843},{"title":"مسألة [١٨]: المبعض كيف نفقته؟","level":4,"page":4843},{"title":"مسألة [١٩]: هل على السيد إعفاف مملوكه بالتزويج؟","level":4,"page":4844},{"title":"مسألة [٢٠]: هل على السيد أن ينفق على المكاتب؟","level":4,"page":4844},{"title":"مسألة [٢١]: النفقة على الحيوان والبهيمة.","level":4,"page":4846},{"title":"باب الحضانة","level":2,"page":4847},{"title":"مسألة [١]: حكم الحضانة.","level":3,"page":4848},{"title":"مسألة [٢]: أوصاف لا تثبت لصاحبها الحضانة.","level":3,"page":4848},{"title":"مسألة [٣]: هل للرقيق حضانة؟","level":3,"page":4850},{"title":"مسألة [٤]: هل تثبت الحضانة للكافر على المسلم؟","level":3,"page":4850},{"title":"مسألة [٥]: إذا فارق الرجل زوجته، فمن أحق منهما بحضانة الطفل؟","level":3,"page":4851},{"title":"مسألة [٦]: إذا افترقا ولهما ولد بالغ؟","level":3,"page":4851},{"title":"مسألة [٧]: إذا افترقا ولهما ولد بلغ سن الاستقلال ولم يبلغ؟","level":3,"page":4852},{"title":"مسألة [٨]: إذا اختار أحدهما، فسلم إليه، ثم بعد أيام اختار الآخر؟","level":3,"page":4852},{"title":"مسألة [٩]: إذا خير، فلم يختر واحدا منهما، أو اختارهما معا؟","level":3,"page":4853},{"title":"مسألة [١٠]: إذا بلغت الجارية سبع سنوات، فهل تخير كالغلام؟","level":3,"page":4853},{"title":"مسألة [١١]: إذا تزوجت المرأة، فهل يصبح الأب أحق بالحضانة؟","level":3,"page":4854},{"title":"مسألة [١٢]: إذا طلقت بعد تزوجها هل يعود حقها من الحضانة؟","level":3,"page":4854},{"title":"مسألة [١]: الأحق بالحضانة وترتيب المستحقين لها؟","level":3,"page":4856},{"title":"مسألة [٢]: إذا سافر أحد الوالدين، فمن أحق بالحضانة؟","level":3,"page":4863},{"title":"مسألة [٣]: هل تجبر المرأة على إرضاع ولدها؟","level":3,"page":4864},{"title":"مسألة [٤]: إذا طلبت الأم الإرضاع بأجرة المثل؟","level":3,"page":4865},{"title":"كتاب الجنايات","level":1,"page":4867},{"title":"باب","level":2,"page":4868},{"title":"مسألة [١]: تحريم القتل بغير حق.","level":3,"page":4868},{"title":"مسألة [٢]: أنواع القتل.","level":3,"page":4869},{"title":"مسألة [٣]: ضابط قتل العمد.","level":3,"page":4870},{"title":"مسألة [٤]: إذا ضربه بالعصا، والسوط، والحجر الصغير؟","level":3,"page":4872},{"title":"مسألة [٥]: إذا منع خروج نفس إنسان، فمات؟","level":3,"page":4873},{"title":"مسألة [٦]: إذا أكره إنسان آخر على قتل شخص، فقتله؟","level":3,"page":4874},{"title":"مسألة [٧]: إذا شهد رجلان على رجل بما يوجب القتل، فقتل، ثم أكذبا أنفسهما؟","level":3,"page":4875},{"title":"مسألة [٨]: ضابط قتل شبه العمد.","level":3,"page":4875},{"title":"مسألة [٩]: حكم هذا القتل.","level":3,"page":4876},{"title":"مسألة [١٠]: ضابط قتل الخطإ.","level":3,"page":4876},{"title":"مسألة [١١]: إذا أراد أن يقتل إنسانا فأصاب غيره؟","level":3,"page":4877},{"title":"مسألة [١٢]: إذا قتل مسلما في دار الحرب يظنه كافرا؟","level":3,"page":4877},{"title":"مسألة [١]: هل يقتل الحر إذا قتل عبدا؟","level":3,"page":4879},{"title":"مسألة [٢]: السيد هل يقتل إذا قتل عبده؟","level":3,"page":4881},{"title":"مسألة [٣]: القصاص من الحر فيما جناه على العبد فيما دون النفس.","level":3,"page":4881},{"title":"مسألة [٤]: القصاص بين العبيد.","level":3,"page":4882},{"title":"مسألة [١]: إذا قتل الوالد ولده، فهل يقتل به؟","level":3,"page":4883},{"title":"مسألة [٢]: الجد من قبل الأب، ومن قبل الأم.","level":3,"page":4884},{"title":"مسألة [٣]: الأم إذا قتلت ولدها؟","level":3,"page":4884},{"title":"مسألة [٤]: هل يقتل الولد بالوالد؟","level":3,"page":4885},{"title":"مسألة [٥]: لو قتل أحد الأبوين صاحبه؟","level":3,"page":4885},{"title":"مسألة [١]: قتل المسلم بالكافر.","level":3,"page":4887},{"title":"مسألة [٢]: إن قتل كافر كافرا، ثم أسلم؟","level":3,"page":4888},{"title":"مسألة [٣]: هل يقتل الذمي إذا قتل حربيا؟","level":3,"page":4888},{"title":"مسألة [٤]: قتل المرتد.","level":3,"page":4889},{"title":"مسألة [٥]: هل يجري القصاص بين الولاة ورعيتهم؟","level":3,"page":4889},{"title":"مسألة [١]: هل يقتل الرجل بالمرأة؟","level":3,"page":4890},{"title":"مسألة [١]: هل يقام القصاص على الصبي والمجنون؟","level":3,"page":4891},{"title":"مسألة [١]: تأخير القصاص من الجروح حتى يندمل الجرح.","level":3,"page":4894},{"title":"مسألة [٢]: إن اقتص قبل الاندمال، فسارت الجناية وتضاعفت بعد ذلك؟","level":3,"page":4895},{"title":"مسألة [٣]: إن اندمل جرح الجناية، فاقتص منه، ثم انتقض فسرى؟","level":3,"page":4895},{"title":"مسألة [٤]: إذا حصل القصاص فيما دون النفس فمات الجاني من القصاص؟","level":3,"page":4896},{"title":"مسألة [١]: القصاص في الجروح والأعضاء.","level":3,"page":4899},{"title":"مسألة [٢]: شروط القصاص في الجروح والأعضاء.","level":3,"page":4899},{"title":"مسألة [٣]: أسماء الجراحات الواقعة في الرأس والوجه.","level":3,"page":4902},{"title":"مسألة [٤]: القصاص في الموضحة.","level":3,"page":4903},{"title":"مسألة [٥]: الجرح الذي ينتهي إلى العظم في غير الرأس والوجه.","level":3,"page":4903},{"title":"مسألة [٦]: الاستيفاء بآلة لا يحصل منها تعدي.","level":3,"page":4903},{"title":"مسألة [٧]: وهل للمجني عليه أن يباشر ذلك بنفسه إن كان عنده قدرة؟","level":3,"page":4904},{"title":"مسألة [٨]: هل في المأمومة قصاص؟","level":3,"page":4904},{"title":"مسألة [٩]: القصاص في المنقلة والجائفة.","level":3,"page":4904},{"title":"مسألة [١٠]: ما دون الموضحة من جراحات الرأس، والوجه، هل فيها القصاص؟","level":3,"page":4905},{"title":"مسألة [١١]: الاقتصاص عن المأمومة والمنقلة بـ (موضحة).","level":3,"page":4905},{"title":"مسألة [١٢]: القصاص في الأنف.","level":3,"page":4906},{"title":"مسألة [١٣]: القصاص في الذكر.","level":3,"page":4907},{"title":"مسألة [١٤]: هل يقطع ذكر الفحل بذكر الخصي والعنين؟","level":3,"page":4907},{"title":"مسألة [١٥]: إذا قطع بعض الذكر؟","level":3,"page":4908},{"title":"مسألة [١٦]: القصاص في الأنثيين.","level":3,"page":4908},{"title":"مسألة [١٧]: القصاص في شفري المرأة.","level":3,"page":4908},{"title":"مسألة [١٨]: القصاص في الأليتين.","level":3,"page":4909},{"title":"مسألة [١٩]: القصاص في العين.","level":3,"page":4909},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا قلع الأعور عين صحيح.","level":3,"page":4910},{"title":"مسألة [٢١]: لو قلع الأعور عين مثله؟","level":3,"page":4911},{"title":"مسألة [٢٢]: إن قطع الأقطع يد من له يدان؟","level":3,"page":4912},{"title":"مسألة [٢٣]: القصاص في الجفن.","level":3,"page":4912},{"title":"مسألة [٢٤]: القصاص في الأذن.","level":3,"page":4913},{"title":"مسألة [٢٥]: إن قطع رجل أذن إنسان، ثم ألصقها صاحبها، فالتصقت، فهل فيها القصاص؟","level":3,"page":4913},{"title":"مسألة [٢٦]: إذا ألصق الجاني أذنه بعد أن استوفي منه؟","level":3,"page":4914},{"title":"مسألة [٢٧]: القصاص في السن.","level":3,"page":4915},{"title":"مسألة [٢٨]: القصاص في اللسان.","level":3,"page":4915},{"title":"مسألة [٢٩]: قصاص اليمنى باليسرى والعكس.","level":3,"page":4916},{"title":"مسألة [٣٠]: هل سراية القود مضمونة؟","level":3,"page":4916},{"title":"مسألة [٣١]: سراية الجناية هل تضمن؟","level":3,"page":4917},{"title":"مسألة [٣٢]: هل تؤخذ الأذن الصحيحة، والأنف الصحيح بالأشلين منهما؟","level":3,"page":4917},{"title":"مسألة [٣٣]: إذا قطع اليد الكاملة ذو يد فيها أصبع زائدة؟","level":3,"page":4918},{"title":"مسألة [٣٤]: إن كانت يد القاطع شلاء والمقطوعة سليمة؟","level":3,"page":4918},{"title":"مسألة [٣٥]: قصاص الشلاء بالشلاء.","level":3,"page":4919},{"title":"مسألة [٣٦]: القصاص في الضربة، واللطمة، والسب.","level":3,"page":4919},{"title":"مسألة [٣٧]: من استحق القتل قصاصا؛ فقطع ولي القصاص يد المجني عليه أو رجله، ولم يقتله.","level":3,"page":4921},{"title":"مسألة [٣٨]: إذا قطع رجل يمين شخص، ويمين آخر.","level":3,"page":4921},{"title":"مسألة [٣٩]: إذا قطع رجل يمين شخص، ويسار آخر.","level":3,"page":4922},{"title":"مسألة [١]: معنى قوله: «عميا أو رميا».","level":3,"page":4923},{"title":"مسألة [٢]: إذا قتل قتيل بين أناس لا يعلم من قتله.","level":3,"page":4923},{"title":"مسألة [١]: إذا أمسك الرجل الرجل وقتله آخر؟","level":3,"page":4925},{"title":"مسألة [٢]: من أمر عبده بقتل إنسان، فقتله العبد؟","level":3,"page":4926},{"title":"مسألة [٣]: إن أمر صبيا لا يميز، أو مجنونا بقتل إنسان؟","level":3,"page":4927},{"title":"مسألة [٤]: إن أمر السلطان رجلا أن يقتل رجلا غير مستحق للقتل، فقتله؟","level":3,"page":4927},{"title":"مسألة [١]: إذا اجتمع جماعة على قتل رجل؟","level":3,"page":4930},{"title":"مسألة [٢]: إذا قطع رجل يد آخر من الكوع، ثم قطعها آخر من المرفق، فمات؟","level":3,"page":4931},{"title":"مسألة [٣]: إذا اجتمع جماعة على رجل فقطعوا يده؟","level":3,"page":4932},{"title":"مسألة [٤]: إذا اشترك الأب مع غيره في قتل ولده؟","level":3,"page":4932},{"title":"مسألة [٥]: لو اشترك صبي، ومجنون، وعاقل بالغ في قتل شخص؟","level":3,"page":4933},{"title":"مسألة [٦]: لو اشترك في القتل رجل مخطئ، وآخر متعمد؟","level":3,"page":4934},{"title":"مسألة [٧]: لو قتله إنسان، فشاركه بنفسه في نفسه، أو اشترك إنسان مع سبع؟","level":3,"page":4934},{"title":"مسألة [٨]: إذا اجتمع حر وعبد على قتل حر؟","level":3,"page":4934},{"title":"مسألة [٩]: إذا اشترك جماعة في القتل، فهل للأولياء أن يعفوا عن البعض دون بعض؟","level":3,"page":4935},{"title":"مسألة [١]: خيار أولياء المقتول بين القصاص والدية.","level":3,"page":4936},{"title":"مسألة [٢]: من هم أهل القتيل الذين لهم الخيار؟","level":3,"page":4937},{"title":"مسألة [٣]: إذا اختار أولياء المقتول الدية، فهل يشترط رضى القاتل بذلك، أم له أن يرفض، ويطلب القصاص؟","level":3,"page":4938},{"title":"مسألة [٤]: إذا كان بعض أولياء المقتول غائبا، فهل يقاد بغير إذنه؟","level":3,"page":4938},{"title":"مسألة [٥]: إن كان في أولياء الدم صبي، أو مجنون؟","level":3,"page":4938},{"title":"مسألة [٦]: إن قتله بعض الأولياء بغير إذن الباقين؟","level":3,"page":4940},{"title":"مسألة [٧]: إن قتله أحدهما بعد عفو الآخر عالما بذلك؟","level":3,"page":4941},{"title":"مسألة [٨]: إن قتل القاتل إنسان متعديا غير أولياء الدم؟","level":3,"page":4941},{"title":"مسألة [٩]: فإذا كان القتل الثاني خطأ؟","level":3,"page":4942},{"title":"مسألة [١٠]: إن كان القاتل للجاني هو العافي؟","level":3,"page":4942},{"title":"مسألة [١١]: إذا عفا ولي الدم عن القاتل، فهل يعاقب الإمام القاتل؟","level":3,"page":4943},{"title":"مسألة [١٢]: إذا عفا بعض أولياء الدم عن القصاص؟","level":3,"page":4943},{"title":"مسألة [١٣]: إذا عفا المقتول عمدا عن دمه قبل أن يموت؟","level":3,"page":4944},{"title":"مسألة [١٤]: إذا جنى على الإنسان جناية فيما دون النفس جناية فيها القصاص، فعفا، ثم مات؟","level":3,"page":4944},{"title":"مسألة [١٥]: إذا عفا المجني عليه عن الجاني، في الجراح وما يسري منه فهل يشمل عفوه سقوط الدية عن النفس؟","level":3,"page":4946},{"title":"مسألة [١٦]: إن قطع يده، فعفا عنه، ثم عاد الجاني فقتله؟","level":3,"page":4947},{"title":"مسألة [١٧]: عفو المجني عليه خطأ عن الدية؟","level":3,"page":4948},{"title":"مسألة [١٨]: إذا قتل إنسان ليس له وارث؟","level":3,"page":4948},{"title":"مسألة [١٩]: إذا قتل المسلم رجلا مسلما، وأهله كافرون.","level":3,"page":4949},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا أراد أولياء الدم القصاص، فأعطاهم الجاني أكثر من الدية، فهل لهم قبول ذلك؟","level":3,"page":4949},{"title":"مسألة [٢١]: إذا قتل رجل اثنين، وأولياء الأول غير أولياء الثاني؟","level":3,"page":4949},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا قتل إنسانا وقطع يد آخر؟","level":3,"page":4950},{"title":"مسألة [٢٣]: الذي يتولى استيفاء القصاص.","level":3,"page":4950},{"title":"مسألة [٢٤]: القصاص بإذن الحاكم.","level":3,"page":4951},{"title":"مسألة [٢٥]: إذا قتله بغير السيف - بخنق، أو تغريق، أو هدم - هل يفعل به مثل ذلك؟","level":3,"page":4951},{"title":"مسألة [٢٦]: إن قتله بلواط، أو سحر، أو تجريع الخمر، أو التحريق؟","level":3,"page":4952},{"title":"مسألة [٢٧]: إذا قطع يد رجل، أو جرحه جرحا، ثم ضرب عنقه؟","level":3,"page":4953},{"title":"مسألة [٢٨]: إذا صار الأمر إلى الدية، فكم يجب؟","level":3,"page":4953},{"title":"مسألة [٢٩]: إذا جنى رجل على آخر جناية تخرجه عن الحياة، ثم جاء آخر فزاد المجني عليه جناية أخرى؟","level":3,"page":4954},{"title":"مسألة [٣٠]: إذا ألقى رجل آخر من شاهق، فتلقاه آخر بسيف، فقتله؟","level":3,"page":4955},{"title":"مسألة [٣١]: جناية العبد في رقبته.","level":3,"page":4956},{"title":"باب الديات","level":2,"page":4957},{"title":"مسألة [١]: الدية وحكمها.","level":3,"page":4961},{"title":"مسألة [٢]: قدر دية المسلم الحر.","level":3,"page":4961},{"title":"مسألة [٣]: هل الأصل في الدية الإبل لا غير؟","level":3,"page":4961},{"title":"مسألة [٤]: دية قتل العمد.","level":3,"page":4964},{"title":"مسألة [٥]: أسنان الإبل في دية شبه العمد؟","level":3,"page":4965},{"title":"مسألة [٦]: من يتحمل دية شبه العمد؟","level":3,"page":4966},{"title":"مسألة [٧]: هل تجب حالة أم مؤجلة؟","level":3,"page":4967},{"title":"مسألة [٨]: أسنان الإبل في قتل الخطإ.","level":3,"page":4968},{"title":"مسألة [٩]: من يتحمل دية الخطإ، وهل هي حالة أم مؤجلة؟","level":3,"page":4970},{"title":"مسألة [١٠]: هل يتحمل القاتل من دية الخطإ شيئا؟","level":3,"page":4971},{"title":"مسألة [١١]: الكفارة هل يتحملها القاتل أم العاقلة؟","level":3,"page":4971},{"title":"مسألة [١٢]: عمد الصبي والمجنون هل تتحمله العاقلة؟","level":3,"page":4972},{"title":"مسألة [١٣]: هل تتحمل العاقلة قتل الحر منهم لعبد؟","level":3,"page":4972},{"title":"مسألة [١٤]: هل تحمل العاقلة ما اعترف به إنسان من قتل الخطإ؟","level":3,"page":4973},{"title":"مسألة [١٥]: هل تتحمل العاقلة صلحا؟","level":3,"page":4974},{"title":"مسألة [١٦]: هل تتحمل العاقلة ما دون الثلث من الدية؟","level":3,"page":4974},{"title":"مسألة [١٧]: إذا كان الجاني من أهل الذمة؟","level":3,"page":4975},{"title":"مسألة [١٨]: إن جنى الرجل على نفسه خطأ، أو على بعض أطرافه، فهل على العاقلة الدية؟","level":3,"page":4975},{"title":"مسألة [١٩]: خطأ الإمام والحاكم وعماله.","level":3,"page":4976},{"title":"مسألة [٢٠]: جناية العبد على غيره.","level":3,"page":4977},{"title":"مسألة [٢١]: من هم العاقلة؟","level":3,"page":4978},{"title":"مسألة [٢٢]: إن كان الولد للمرأة هو ابن ابن عمها؟","level":3,"page":4980},{"title":"مسألة [٢٣]: العاقلة هل يدخل فيهم العصبة القريب والبعيد؟","level":3,"page":4980},{"title":"مسألة [٢٤]: هل يعقل أهل الديوان عمن معهم في الديوان؟","level":3,"page":4981},{"title":"مسألة [٢٥]: هل يشترك في العقل الغائب؟","level":3,"page":4982},{"title":"مسألة [٢٦]: كيفية تقسيم العقل على العاقلة.","level":3,"page":4982},{"title":"مسألة [٢٧]: مقدار ما يتحمله كل واحد من العاقلة.","level":3,"page":4983},{"title":"مسألة [٢٨]: هل يشارك في العقل المرأة، والصبي، والمجنون، والفقير؟","level":3,"page":4983},{"title":"مسألة [٢٩]: الذي ليس له عاقلة.","level":3,"page":4984},{"title":"مسألة [٣٠]: إذا لم يمكن أخذها من بيت المال؟","level":3,"page":4985},{"title":"مسألة [٣١]: هل يشترط في العاقلة أن تكون على دين القاتل؟","level":3,"page":4985},{"title":"مسألة [٣٢]: هل تغلظ الدية على من قتل في الحرم؟","level":3,"page":4985},{"title":"فصل في ديات الجراح","level":3,"page":4987},{"title":"مسألة [١]: الجناية على العينين.","level":4,"page":4987},{"title":"مسألة [٢]: إذا جنى على رأسه جناية ذهب بها بصره؟","level":4,"page":4988},{"title":"مسألة [٣]: إذا جنى عليه جناية أذهبت بعض البصر؟","level":4,"page":4988},{"title":"مسألة [٤]: دية عين الأعور.","level":4,"page":4988},{"title":"مسألة [٥]: أجفان العين.","level":4,"page":4989},{"title":"مسألة [٦]: أهداب العينين.","level":4,"page":4990},{"title":"مسألة [٧]: دية الأذنين.","level":4,"page":4990},{"title":"مسألة [٨]: استحشاف الأذن بالجناية.","level":4,"page":4990},{"title":"مسألة [٩]: دية أذن الأصم.","level":4,"page":4991},{"title":"مسألة [١٠]: دية السمع.","level":4,"page":4991},{"title":"مسألة [١١]: إذا جنى على شعر الرأس، أو الحاجب، أو اللحية؟","level":4,"page":4992},{"title":"مسألة [١٢]: دية الأنف.","level":4,"page":4992},{"title":"مسألة [١٣]: إذا قطع أحد المنخرين؟","level":4,"page":4993},{"title":"مسألة [١٤]: إن قطع مع المارن القصبة، أو شيئا منها؟","level":4,"page":4994},{"title":"مسألة [١٥]: إذا ضرب أنفه، فأشله؟","level":4,"page":4994},{"title":"مسألة [١٦]: إذا جنى على أنفه فأزال الشم؟","level":4,"page":4994},{"title":"مسألة [١٧]: دية الشفتين.","level":4,"page":4994},{"title":"مسألة [١٨]: دية اللسان.","level":4,"page":4995},{"title":"مسألة [١٩]: إذا جنى عليه، فخرس دون قطع لسانه؟","level":4,"page":4995},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا قطع لسانه، وهو أخرس؟","level":4,"page":4995},{"title":"مسألة [٢١]: إذا جنى على لسانه فذهب ذوقه؟","level":4,"page":4996},{"title":"مسألة [٢٢]: ذهاب بعض الكلام.","level":4,"page":4996},{"title":"مسألة [٢٣]: دية الأسنان.","level":4,"page":4997},{"title":"مسألة [٢٤]: دية اليد الشلاء، والعين القائمة، والسن السوداء.","level":4,"page":4997},{"title":"مسألة [٢٥]: دية سن الصبي الذي لم يثغر.","level":4,"page":4998},{"title":"مسألة [٢٦]: دية اليدين.","level":4,"page":4999},{"title":"مسألة [٢٧]: ضابط اليد التي تجب بها الدية.","level":4,"page":4999},{"title":"مسألة [٢٨]: إن قطع يده من فوق الكوع: الساعد، أو المرفق، أو العضد؟","level":4,"page":4999},{"title":"مسألة [٢٩]: إذا قطع من الكوع، ثم من المرفق.","level":4,"page":5000},{"title":"مسألة [٣٠]: إذا جنى عليها، فأشلها؟","level":4,"page":5000},{"title":"مسألة [٣١]: دية الرجلين.","level":4,"page":5000},{"title":"مسألة [٣٢]: قدم الأعرج، ويد الأعسم.","level":4,"page":5001},{"title":"مسألة [٣٣]: أصابع اليد والقدمين.","level":4,"page":5001},{"title":"مسألة [٣٤]: الأصبع الزائدة.","level":4,"page":5002},{"title":"مسألة [٣٥]: دية الأنامل.","level":4,"page":5003},{"title":"مسألة [٣٦]: دية الذكر.","level":4,"page":5003},{"title":"مسألة [٣٧]: دية الأنثيين.","level":4,"page":5004},{"title":"مسألة [٣٨]: ذكر العنين.","level":4,"page":5005},{"title":"مسألة [٣٩]: ذكر الخصي.","level":4,"page":5005},{"title":"مسألة [٤٠]: ثديا المرأة.","level":4,"page":5005},{"title":"مسألة [٤١]: حلمتا الثديين.","level":4,"page":5006},{"title":"مسألة [٤٢]: إن ضربهما، فأبطل نفعهما، وأصبح اللبن يخرج منهما؟","level":4,"page":5006},{"title":"مسألة [٤٣]: ثديا الرجل (الثندوتان).","level":4,"page":5006},{"title":"مسألة [٤٤]: دية الأليتين.","level":4,"page":5007},{"title":"مسألة [٤٥]: دية الصلب.","level":4,"page":5007},{"title":"مسألة [٤٦]: إذا ضرب في بطنه، فصار لا يستمسك الغائط، أو في المثانة، فصار لا يستمسك البول؟","level":4,"page":5007},{"title":"مسألة [٤٧]: دية العقل.","level":4,"page":5008},{"title":"مسألة [٤٨]: إذا تلف أكثر من عضو، أو أكثر من حاسة بجناية واحدة.","level":4,"page":5008},{"title":"مسألة [٤٩]: دية الترقوة والضلع.","level":4,"page":5009},{"title":"مسألة [٥٠]: عظم الزند.","level":4,"page":5009},{"title":"مسألة [٥١]: سائر العظام غير ما تقدم.","level":4,"page":5010},{"title":"مسألة [٥٢]: من قطعت يده في سبيل الله، فقطع رجل يده الأخرى.","level":4,"page":5010},{"title":"مسألة [٥٣]: دية الظفر.","level":4,"page":5010},{"title":"مسألة [٥٤]: إذا وطئ الرجل زوجته الصغيرة، أو الضعيفة، فأفضاها؟","level":4,"page":5011},{"title":"مسألة [٥٥]: هل يضمن الرجل لو كانت زوجته كبيرة غير ضعيفة، فحصل الإفضاء؟","level":4,"page":5011},{"title":"مسألة [٥٦]: إذا أدى بها ذلك إلى عدم استمساك البول؟","level":4,"page":5012},{"title":"مسألة [٥٧]: إذا أكره امرأة على الزنى، فأفضاها؟","level":4,"page":5012},{"title":"مسألة [٥٨]: دية الموضحة.","level":4,"page":5013},{"title":"مسألة [٥٩]: الموضحة في غير الرأس والوجه.","level":4,"page":5013},{"title":"مسألة [٦٠]: إذا جنى عليه بموضحتين؟","level":4,"page":5014},{"title":"مسألة [٦١]: دية الهاشمة.","level":4,"page":5015},{"title":"مسألة [٦٢]: دية المنقلة.","level":4,"page":5015},{"title":"مسألة [٦٣]: إذا حصلت هاشمة بدون موضحة؟","level":4,"page":5016},{"title":"مسألة [٦٤]: دية المأمومة.","level":4,"page":5016},{"title":"مسألة [٦٥]: دية الدامغة.","level":4,"page":5016},{"title":"مسألة [٦٦]: دية الجائفة.","level":4,"page":5017},{"title":"مسألة [٦٧]: إن أجافه جائفتين.","level":4,"page":5017},{"title":"مسألة [٦٨]: إذا جرحه جائفة، فنفذت من الجانب الآخر؟","level":4,"page":5018},{"title":"مسألة [٦٩]: شجاج الرأس دون الموضحة.","level":4,"page":5019},{"title":"مسألة [٧٠]: الجناية على العبد، وقدر الدية في ذلك.","level":4,"page":5020},{"title":"مسألة [١]: ضمان جناية الطبيب.","level":3,"page":5023},{"title":"مسألة [١]: عقل أهل الذمة من اليهود والنصارى.","level":3,"page":5027},{"title":"مسألة [٢]: هل تغلظ الدية على من قتل معاهدا عمدا؟","level":3,"page":5028},{"title":"مسألة [٣]: دية المجوسي المعاهد.","level":3,"page":5029},{"title":"مسألة [٤]: دية الكفار الحربيين، وعبدة الأوثان وغيرهم.","level":3,"page":5030},{"title":"مسألة [٥]: من لم تبلغه الدعوة، هل فيه دية؟","level":3,"page":5030},{"title":"مسألة [١]: دية الحرة المسلمة.","level":3,"page":5031},{"title":"مسألة [٢]: جراحات المرأة.","level":3,"page":5031},{"title":"فصل في مسائل تتعلق بدية الجنين","level":3,"page":5036},{"title":"مسألة [١]: الجنين المحكوم بإسلامه كم ديته؟","level":4,"page":5036},{"title":"مسألة [٢]: تقدير الغرة.","level":4,"page":5037},{"title":"مسألة [٣]: الجنين المحكوم بكفره، كم ديته؟","level":4,"page":5037},{"title":"مسألة [٤]: متى تجب الغرة؟","level":4,"page":5038},{"title":"مسألة [٥]: إن قتل حاملا ولم يسقط جنينها، أو ضرب من في جوفها حركة وانتفاخ، فأذهب ذلك؟","level":4,"page":5038},{"title":"مسألة [٦]: إذا ألقت الجنين بعد موتها؟","level":4,"page":5039},{"title":"مسألة [٧]: إذا خرج بعض الجنين؟","level":4,"page":5039},{"title":"مسألة [٨]: هل يشترط في الجنين أن يكون قد نفخ فيه الروح؟","level":4,"page":5040},{"title":"مسألة [٩]: من يملك الغرة المدفوعة؟","level":4,"page":5040},{"title":"مسألة [١٠]: إذا سقط من المرأة أكثر من جنين؟","level":4,"page":5041},{"title":"مسألة [١١]: من يتحمل الغرة؟","level":4,"page":5041},{"title":"مسألة [١٢]: الجنين المملوك كم ديته؟","level":4,"page":5042},{"title":"مسألة [١٣]: إذا خرج الجنين حيا ثم مات؟","level":4,"page":5042},{"title":"مسألة [١٤]: إذا خرج في وقت لا يعيش فيه كأن يخرج في خمسة أشهر؟","level":4,"page":5043},{"title":"مسألة [١٥]: هل في قتل الجنين كفارة مع الغرة؟","level":4,"page":5043},{"title":"مسألة [١٦]: تعمد إسقاط الولد.","level":4,"page":5044},{"title":"مسألة [١٧]: هل يجوز إسقاط الجنين المشوه؟","level":4,"page":5044},{"title":"مسألة [١٨]: جنين البهيمة.","level":4,"page":5045},{"title":"فصل في بعض المسائل المتعلقة بتضمين المتسبب في القتل","level":3,"page":5046},{"title":"مسألة [١]: إذا حفر إنسان بئرا فسقط فيه إنسان، فمات، فهل عليه ضمان؟","level":4,"page":5046},{"title":"مسألة [٢]: إذا حفر في أرض مشتركة بدون إذن شركائه؟","level":4,"page":5047},{"title":"مسألة [٣]: إذا كان الحافر أجيرا؟","level":4,"page":5047},{"title":"مسألة [٤]: إذا مات الأجير أثناء حفره؟","level":4,"page":5047},{"title":"مسألة [٥]: سقط إنسان في بئر، فسقط عليه آخر فقتله بسقوطه عليه؟","level":4,"page":5048},{"title":"مسألة [٦]: إذا بنى إنسان في ملكه حائطا مائلا إلى الطريق، أو إلى ملك غيره؟","level":4,"page":5048},{"title":"مسألة [٧]: إذا بنى في ملكه حائطا مستويا فمال إلى الطريق، أو إلى ملك غيره؟","level":4,"page":5049},{"title":"مسألة [٨]: إذا أخرج من بيته جناحا، أو ساباطا إلى طريق نافذ فسقط على شيء فأتلفه؟","level":4,"page":5049},{"title":"مسألة [٩]: إن أخرج ميزابا إلى الطريق، فسقط على شخص فأتلفه؟","level":4,"page":5050},{"title":"مسألة [١٠]: إن أخرج الميزاب إلى ملك غيره بغير إذنه؟","level":4,"page":5050},{"title":"مسألة [١١]: طلب رجل رجلا بسيف شاهر، فهرب منه، فتلف في هربه؟","level":4,"page":5051},{"title":"مسألة [١٢]: لو شهر سيفا في وجهه، فمات من الخوف؟","level":4,"page":5051},{"title":"مسألة [١٣]: إن صاح بصبي، أو مجنون صيحة شديدة، فخر من السقف؟","level":4,"page":5051},{"title":"مسألة [١٤]: إن شهد رجلان على آخر بما يوجب قتله، أو قطع يده، ثم رجعا بعد إقامة الحد عليه؟","level":4,"page":5051},{"title":"مسألة [١٥]: أفزع امرأة، فأسقطت جنينها.","level":4,"page":5052},{"title":"مسألة [١٦]: إذا أخفى عليه طعامه في مهلكة؟","level":4,"page":5052},{"title":"مسألة [١٧]: إذا اضطر إلى طعام، أو شراب، فوجده عند شخص، فمنعه منه حتى مات؟","level":4,"page":5052},{"title":"مسألة [١٨]: اصطدام باخرتين، ونحوهما.","level":4,"page":5053},{"title":"مسألة [١٩]: إذا اصطدم فارسان، فماتت الدابتان، ومات الفارسان.","level":4,"page":5054},{"title":"مسألة [٢٠]: اصطدام السيارات وحوادثها.","level":4,"page":5055},{"title":"فصل في مسائل تتعلق بكفارة القتل","level":3,"page":5056},{"title":"مسألة [١]: الكفارة على من قتل مؤمنا خطأ.","level":4,"page":5056},{"title":"مسألة [٢]: إذا كان القتل بتسبب لا بمباشرة؟","level":4,"page":5056},{"title":"مسألة [٣]: هل تجب الكفارة بقتل العبد المسلم؟","level":4,"page":5056},{"title":"مسألة [٤]: هل تجب الكفارة بقتل الذمي والمستأمن؟","level":4,"page":5057},{"title":"مسألة [٥]: إذا كان القاتل صبيا، أو مجنونا، فهل عليه كفارة؟","level":4,"page":5057},{"title":"مسألة [٦]: إن قتل مؤمنا في دار الحرب.","level":4,"page":5058},{"title":"مسألة [٧]: من قتل نفسه خطأ، فهل في ماله الكفارة؟","level":4,"page":5058},{"title":"مسألة [٨]: إذا تشارك قوم في قتل خطإ، فهل تتعدد الكفارات عليهم، أم يشتركون في كفارة واحدة؟","level":4,"page":5059},{"title":"مسألة [٩]: هل تجب الكفارة بقتل العمد؟","level":4,"page":5059},{"title":"مسألة [١٠]: هل تجب الكفارة بقتل شبه العمد؟","level":4,"page":5060},{"title":"مسألة [١١]: كفارة القتل.","level":4,"page":5060},{"title":"مسألة [١٢]: إثبات القتل بالشهود.","level":4,"page":5061},{"title":"باب دعوى الدم والقسامة","level":2,"page":5062},{"title":"مسألة [١]: القضاء بالقسامة.","level":3,"page":5063},{"title":"مسألة [٢]: بعض الصور التي يحصل فيها اللوث، والشبهة.","level":3,"page":5066},{"title":"مسألة [٣]: الدعوى على محلة، أو قبيلة بدون تعيين أحد منهم.","level":3,"page":5066},{"title":"مسألة [٤]: إذا ادعي على شخص القتل بدون لوث؟","level":3,"page":5067},{"title":"مسألة [٥]: إذا أبى المدعى عليه أن يحلف؟","level":3,"page":5068},{"title":"مسألة [٦]: هل يشترط في اللوث أن يكون بالقتيل أثر القتل؟","level":3,"page":5068},{"title":"مسألة [٧]: يشترط في القسامة اتفاق أولياء الدعوى.","level":3,"page":5069},{"title":"مسألة [٨]: إذا استحقت القسامة، فمن يبدأ بالأيمان؟","level":3,"page":5069},{"title":"مسألة [٩]: إذا حلف الأولياء، هل يستحقون القود إذا كانت الجناية عمدا؟","level":3,"page":5070},{"title":"مسألة [١٠]: إذا أبى المدعون أن يحلفوا؟","level":3,"page":5071},{"title":"مسألة [١١]: إذا امتنع المدعى عليهم من اليمين؟","level":3,"page":5071},{"title":"مسألة [١٢]: من هم الأولياء الذين يحلفون؟","level":3,"page":5072},{"title":"مسألة [١٣]: هل يدخل الصبي في القسامة؟","level":3,"page":5072},{"title":"مسألة [١٤]: هل يدخل النساء في القسامة؟","level":3,"page":5073},{"title":"مسألة [١٥]: إن كان المقتول كافرا ذميا؟","level":3,"page":5073},{"title":"مسألة [١٦]: إن كان المقتول عبدا؟","level":3,"page":5074},{"title":"مسألة [١٧]: هل تثبت القسامة على الجروح والأعضاء؟","level":3,"page":5075},{"title":"مسألة [١٨]: إذا ادعي القتل على ثلاثة اشتركوا فيه؟","level":3,"page":5075},{"title":"باب قتال أهل البغي","level":2,"page":5076},{"title":"مسألة [١]: قتال البغاة.","level":3,"page":5077},{"title":"مسألة [٢]: أقسام الخارجين عن الإمام.","level":3,"page":5078},{"title":"مسألة [٣]: قتال البغاة الذين يخرجون بتأويل سائغ.","level":3,"page":5082},{"title":"مسألة [٤]: إن حضر معهم شخص لا يقاتل؟","level":3,"page":5082},{"title":"مسألة [٥]: قتل النساء، والصبيان، والعبيد.","level":3,"page":5083},{"title":"مسألة [٦]: لا يقاتل البغاة بما يعم إتلافه.","level":3,"page":5083},{"title":"مسألة [٧]: هل للإمام أن يستعين على البغاة بالكفار؟","level":3,"page":5084},{"title":"مسألة [٨]: إذا أظهر قوم رأي الخوارج، ولم يخرجوا عن قبضة الإمام؟","level":3,"page":5084},{"title":"مسألة [٩]: ضمان من قتل من أهل البغي، وأهل العدل.","level":3,"page":5086},{"title":"مسألة [١٠]: إذا ترك أهل البغي القتال لعجز؟","level":3,"page":5087},{"title":"مسألة [١١]: غنيمة الأموال، وسبي النساء.","level":3,"page":5088},{"title":"مسألة [١٢]: هل يجوز الانتفاع بأسلحتهم في حال الحرب؟","level":3,"page":5088},{"title":"مسألة [١٣]: من قتل من أهل البغي، فهل يغسل ويصلى عليه؟","level":3,"page":5088},{"title":"مسألة [١٤]: هل يفسق البغاة؟","level":3,"page":5089},{"title":"مسألة [١٥]: إن ارتكب البغاة ما يوجب عليهم الحد، فهل يقادون به بعد التمكن منهم؟","level":3,"page":5089},{"title":"مسألة [١٦]: إذا أعان البغاة الكفار؟","level":3,"page":5089},{"title":"مسألة [١٧]: إذا ارتد قوم فأتلفوا أموالا، وأنفسا للمسلمين، فهل عليهم الضمان؟","level":3,"page":5090},{"title":"فصل في مسائل تتعلق بالإمامة","level":3,"page":5091},{"title":"مسألة [١]: وجوب نصب إمام للمسلمين.","level":4,"page":5091},{"title":"مسألة [٢]: كيفية تعيين الإمام.","level":4,"page":5091},{"title":"مسألة [٣]: شروط الإمام الشرعي.","level":4,"page":5092},{"title":"مسألة [٤]: نصب إمامين، أو أكثر.","level":4,"page":5093},{"title":"مسألة [٥]: هل للإمام أن يخلع نفسه من الإمامة؟","level":4,"page":5094},{"title":"مسألة [٦]: خلع الإمام؛ لكفره وفسقه.","level":4,"page":5094},{"title":"باب قتال الجاني وقتل المرتد","level":2,"page":5097},{"title":"مسألة [١]: هل يجوز لمن أريد أخذ ماله أن يدفع عن ماله بالقتل؟","level":3,"page":5097},{"title":"مسألة [٢]: إذا دفعت المرأة عن نفسها الرجل بالقتل؟","level":3,"page":5099},{"title":"مسألة [٣]: إذا وجد الرجل على امرأته رجلا فقتله؟","level":3,"page":5099},{"title":"مسألة [١]: من عض يد غيره، فنزع يده ووقعت ثنية العاض؟","level":3,"page":5101},{"title":"مسألة [١]: من اطلع في بيت غيره، فهل يباح لصاحب البيت فقؤ عينه، وهل عليه الضمان؟","level":3,"page":5103},{"title":"مسألة [١]: ضمان ما أتلفته البهيمة من الزرع.","level":3,"page":5105},{"title":"مسألة [٢]: إذا جنت الدابة برجلها وصاحبها عليها، أو معها؟","level":3,"page":5106},{"title":"مسألة [١]: قتل المرتد.","level":3,"page":5108},{"title":"مسألة [٢]: اعتبار الردة ممن له عقل.","level":3,"page":5109},{"title":"مسألة [٣]: إسلام الصبي وارتداده.","level":3,"page":5109},{"title":"مسألة [٤]: استتابة المرتد قبل قتله.","level":3,"page":5110},{"title":"مسألة [٥]: المدة التي يستتاب فيها.","level":3,"page":5112},{"title":"مسألة [٦]: توبة الزنديق الذي يستسر بالكفر.","level":3,"page":5113},{"title":"مسألة [٧]: مال المرتد.","level":3,"page":5114},{"title":"مسألة [٨]: زواج المرتد وتزويجه.","level":3,"page":5115},{"title":"مسألة [٩]: من يتولى قتل المرتد؟","level":3,"page":5115},{"title":"مسألة [١٠]: من ترك شيئا من أركان الإسلام غير الشهادتين؟","level":3,"page":5115},{"title":"مسألة [١١]: من اعتقد حل شيء معلوم تحريمه في الدين ضرورة؟","level":3,"page":5116},{"title":"مسألة [١٢]: ذبيحة المرتد.","level":3,"page":5116},{"title":"مسألة [١٣]: حكم أولاد المرتدين.","level":3,"page":5117},{"title":"مسألة [١٤]: إذا ارتد أهل بلد، فهل تسبى ذريتهم، وتغنم أموالهم؟","level":3,"page":5118},{"title":"مسألة [١٥]: هل تثبت الردة بالشهادة؟","level":3,"page":5118},{"title":"مسألة [١٦]: إن صلى الكافر هل يحكم له بالإسلام؟","level":3,"page":5118},{"title":"مسألة [١٧]: إذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن؟","level":3,"page":5119},{"title":"مسألة [١٨]: من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر؟","level":3,"page":5119},{"title":"مسألة [١٩]: من ارتد وهو سكران؟","level":3,"page":5120},{"title":"مسألة [٢٠]: من أصاب حدا ثم ارتد، ثم أسلم، هل يقام عليه الحد؟","level":3,"page":5120},{"title":"مسألة [٢١]: من أصاب جناية في حال ردته.","level":3,"page":5121},{"title":"مسألة [٢٢]: من انتقل من دين غير الإسلام إلى دين آخر غير الإسلام.","level":3,"page":5121},{"title":"مسألة [١]: حكم سب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.","level":3,"page":5123},{"title":"مسألة [٢]: استتابة المسلم الساب، وقبول توبته.","level":3,"page":5125},{"title":"مسألة [٣]: إذا أسلم الذمي الساب، أو عاد إلى عهده، فهل يسقط عنه القتل؟","level":3,"page":5127},{"title":"مسألة [٤]: هل يسقط عنه القتل إذا تاب قبل القدرة عليه؟","level":3,"page":5127},{"title":"مسألة [٥]: ضابط السب.","level":3,"page":5128},{"title":"مسألة [٦]: حكم سب الله تعالى، وحكم من فعل ذلك.","level":3,"page":5128},{"title":"مسألة [٧]: حكم سب سائر الأنبياء.","level":3,"page":5129},{"title":"مسألة [٨]: من سب نساء رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.","level":3,"page":5129},{"title":"مسألة [٩]: من سب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟","level":3,"page":5129},{"title":"مسألة [١٠]: تعريف السحر، وحكمه، وحكم فاعله.","level":3,"page":5131},{"title":"مسألة [١١]: وهل يقتل لردته فقط فيستتاب، أم يقتل حدا لفساده وإفساده؟","level":3,"page":5132},{"title":"مسألة [١٢]: ساحر أهل الكتاب.","level":3,"page":5133},{"title":"كتاب الحدود","level":1,"page":5134},{"title":"باب حد الزاني","level":2,"page":5135},{"title":"مسألة [١]: تحريم الزنى.","level":3,"page":5136},{"title":"مسألة [٢]: حقيقة الزنى.","level":3,"page":5137},{"title":"مسألة [٣]: حد الزاني المحصن.","level":3,"page":5138},{"title":"مسألة [٤]: اشتراط الإحصان، وبماذا يحصل الإحصان؟","level":3,"page":5140},{"title":"مسألة [٥]: إذا كان الرجل أو المرأة لم تتوفر فيه الشروط السابقة، فهل يحصن الآخر الذي توفرت فيه الشروط؟","level":3,"page":5143},{"title":"مسألة [٦]: هل يشترط الإسلام في الإحصان؟","level":3,"page":5143},{"title":"مسألة [٧]: حد الحر البكر.","level":3,"page":5144},{"title":"مسألة [٨]: ضابط النفي والتغريب.","level":3,"page":5145},{"title":"مسألة [٩]: إقامة الحد بمحضر طائفة من المؤمنين.","level":3,"page":5146},{"title":"مسألة [١٠]: هل يجب حضور الإمام والشهود.","level":3,"page":5147},{"title":"مسألة [١١]: إذا وطئ امرأة أجنبية في دبرها؛ فهل يكون زنى؟","level":3,"page":5147},{"title":"مسألة [١٢]: إذا زنى بامرأة ميتة، هل يقام عليه الحد؟","level":3,"page":5148},{"title":"مسألة [١٣]: من وطئ صغيرة أجنبية لم تبلغ التاسعة؟","level":3,"page":5148},{"title":"مسألة [١٤]: من زنى بامرأة ذات حرمة منه؟","level":3,"page":5149},{"title":"مسألة [١٥]: من وطئ في نكاح مختلف في صحته؟","level":3,"page":5151},{"title":"مسألة [١٦]: إذا وطئ جارية يشترك فيها بالملك مع غيره؟","level":3,"page":5151},{"title":"مسألة [١٧]: إن اشترى أمه أو أخته من الرضاعة؟","level":3,"page":5152},{"title":"مسألة [١٨]: هل يحد من لم يعلم تحريم الزنى؟","level":3,"page":5152},{"title":"مسألة [١٩]: من وطئ جارية غيره؟","level":3,"page":5153},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا وطئ الأب جارية ولده؟","level":3,"page":5153},{"title":"مسألة [٢١]: إذا وطئ الرجل جارية أبيه؟","level":3,"page":5153},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا وطئ الرجل جارية امرأته؟","level":3,"page":5154},{"title":"مسألة [٢٣]: من وطئ جارية عمته أو خالته أو أخته.","level":3,"page":5156},{"title":"مسألة [٢٤]: ما حكم من نكح خامسة على أربع في عصمته؟","level":3,"page":5156},{"title":"مسألة [٢٥]: هل يقام الحد على المكرهة؟","level":3,"page":5157},{"title":"مسألة [٢٦]: إذا أكره الرجل على الزنى، فزنى؟","level":3,"page":5157},{"title":"مسألة [٢٧]: بم يثبت الزنى؟","level":3,"page":5158},{"title":"مسألة [٢٨]: هل يشترط في إقرار المرء على نفسه بالزنى تكرار الإقرار؟","level":3,"page":5158},{"title":"مسألة [٢٩]: إذا أقر الرجل أنه زنى بامرأة، فأنكرت المرأة ذلك؟","level":3,"page":5159},{"title":"مسألة [٣٠]: هل يشترط في الإقرار أن يكون من معتبر قوله؟","level":3,"page":5160},{"title":"مسألة [٣١]: هل يصح الإقرار ممن أكره عليه؟","level":3,"page":5161},{"title":"مسألة [٣٢]: إذا رجع عن إقراره قبل تمام الحد عليه؟","level":3,"page":5162},{"title":"مسألة [٣٣]: هل يشترط في الشاهد أن يكون حرا؟","level":3,"page":5165},{"title":"مسألة [٣٤]: هل يشترط في الشهود أن يأتوا الحاكم في مجلس واحد؟","level":3,"page":5165},{"title":"مسألة [٣٥]: إذا شهد أقل من أربعة، ولم يوجد من يكمل العدد؟","level":3,"page":5166},{"title":"مسألة [٣٦]: إذا اختلف وقت الزنى، أو مكانه من الشهود؟","level":3,"page":5166},{"title":"مسألة [٣٧]: إذا اختلف الشهود في بعض الأوصاف؟","level":3,"page":5167},{"title":"مسألة [٣٨]: إن شهد الشهداء بزنى قديم؟","level":3,"page":5168},{"title":"مسألة [٣٩]: إن شهد أربعة بالزنى، وشهد نساء ثقات بوجود البكارة؟","level":3,"page":5168},{"title":"مسألة [٤٠]: إذا كان الرجل المشهود عليه بالزنى مجبوبا؟","level":3,"page":5169},{"title":"مسألة [٤١]: هل للإمام أن يقيم الحد بعلمه؟","level":3,"page":5169},{"title":"مسألة [٤٢]: المرأة العفيفة تحمل من غير زوج.","level":3,"page":5170},{"title":"مسألة [٤٣]: إذا وجد الرجل مع المرأة تحت لحاف واحد، فهل يثبت بذلك الزنا؟","level":3,"page":5171},{"title":"مسألة [٤٤]: من زنى مرارا فكم يحد؟","level":3,"page":5171},{"title":"مسألة [١]: حد الزاني من العبيد والإماء.","level":3,"page":5173},{"title":"مسألة [٢]: تغريب العبيد والإماء.","level":3,"page":5175},{"title":"مسألة [٣]: إقامة السيد على عبده، أو أمته الحد؟","level":3,"page":5175},{"title":"مسألة [٤]: هل للسيد أن يعفو عن الحد؟","level":3,"page":5176},{"title":"مسألة [١]: إقامة الحد على الحامل.","level":3,"page":5177},{"title":"مسألة [١]: هيئة جلد الزاني الصحيح وصفته.","level":3,"page":5180},{"title":"مسألة [٢]: إذا كان الزاني مريضا؟","level":3,"page":5184},{"title":"مسألة [٣]: هل يحفر للمرجوم في حد الزنى؟","level":3,"page":5185},{"title":"مسألة [١]: بيان معنى اللواط، وحده.","level":3,"page":5187},{"title":"مسألة [٢]: الشهود على اللواط وغيره.","level":3,"page":5190},{"title":"مسألة [٣]: السحاق.","level":3,"page":5190},{"title":"مسألة [٤]: من أتى بهيمة؟","level":3,"page":5191},{"title":"مسألة [٥]: هل تقتل البهيمة؟","level":3,"page":5192},{"title":"مسألة [١]: درء الحدود بالشبهات.","level":3,"page":5195},{"title":"باب حد القذف","level":2,"page":5198},{"title":"مسألة [١]: شروط إقامة حد القذف.","level":3,"page":5200},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط في المقذوف أن يكون بالغا؟","level":3,"page":5201},{"title":"مسألة [٣]: قاذف الخصي والمجبوب، والرتقاء، والقرناء، هل يقام عليه الحد؟","level":3,"page":5202},{"title":"مسألة [٤]: مقدار حد القذف.","level":3,"page":5202},{"title":"مسألة [٥]: إذا كان القاذف عبدا، فكم يجلد؟","level":3,"page":5203},{"title":"مسألة [٦]: إقامة الحد تكون بمطالبة المقذوف.","level":3,"page":5203},{"title":"مسألة [٧]: إذا طالب المقذوف بالحد، ثم عفا عنه؟","level":3,"page":5204},{"title":"مسألة [٨]: هل يقام الحد على من قذف ولده؟","level":3,"page":5204},{"title":"مسألة [٩]: من قذف شخصا بعمل قوم لوط؟","level":3,"page":5205},{"title":"مسألة [١٠]: إذا قال لشخص: (يا لوطي) فهل يسمع قوله في تأويلها؟","level":3,"page":5205},{"title":"مسألة [١١]: التعريض بالقذف.","level":3,"page":5206},{"title":"مسألة [١٢]: إذا نفى رجلا عن أبيه، فهل عليه حد القذف؟","level":3,"page":5207},{"title":"مسألة [١٣]: لو نفى رجلا من قبيلته؟","level":3,"page":5208},{"title":"مسألة [١٤]: إذا أقر إنسان أنه زنى بامرأة سماها، فأنكرت، فهل عليه حد القذف؟","level":3,"page":5208},{"title":"مسألة [١٥]: من قذف رجلا بالزنى ولم يقم البينة على ذلك، فزنى المقذوف بعد ذلك؟","level":3,"page":5209},{"title":"مسألة [١٦]: من قذف جماعة بكلمات متفرقة؟","level":3,"page":5209},{"title":"مسألة [١٧]: من قذف جماعة بكلمة واحدة؟","level":3,"page":5210},{"title":"مسألة [١٨]: إذا قذف رجلا واحدا مرات؟","level":3,"page":5210},{"title":"مسألة [١٩]: إذا قال لامرأة: زنيت وأنت مكرهة؟","level":3,"page":5211},{"title":"مسألة [٢٠]: إن قذف جماعة لا يحتمل صدقه في ذلك؟","level":3,"page":5211},{"title":"مسألة [٢١]: قذف الملاعنة.","level":3,"page":5212},{"title":"باب حد السرقة","level":2,"page":5213},{"title":"مسألة [١]: حد السرقة.","level":3,"page":5214},{"title":"مسألة [٢]: نصاب المال الذي تقطع فيه يد السارق.","level":3,"page":5215},{"title":"مسألة [٣]: إذا سرق شيئا فيه القطع، ثم نقصت قيمته قبل أن تقطع يده؟","level":3,"page":5218},{"title":"مسألة [٤]: النباش، هل تقطع يده بسرقة الكفن؟","level":3,"page":5218},{"title":"مسألة [٥]: هل يقطع في سرقة المحرم؟","level":3,"page":5219},{"title":"مسألة [٦]: إن سرق صليبا من ذهب أو فضة؟","level":3,"page":5220},{"title":"مسألة [٧]: هل تقطع يد الوالد إذا أخذ من مال ولده؟","level":3,"page":5221},{"title":"مسألة [٨]: هل تقطع يد الولد إذا سرق من مال أبيه؟","level":3,"page":5222},{"title":"مسألة [٩]: سرقة الأقارب غير الفروع والأصول؟","level":3,"page":5222},{"title":"مسألة [١٠]: هل يقطع العبد بسرقته من مال سيده؟","level":3,"page":5223},{"title":"مسألة [١١]: إن سرق أحد الزوجين من مال الآخر؟","level":3,"page":5224},{"title":"مسألة [١٢]: من سرق من بيت المال؟","level":3,"page":5224},{"title":"مسألة [١٣]: إذا اشترك جماعة في سرقة بلغت نصاب القطع؟","level":3,"page":5225},{"title":"مسألة [١٤]: هل يشترط في قطع يد السارق أن يكون المسروق مالا؟","level":3,"page":5226},{"title":"مسألة [١٥]: إذا كان الحر الصغير عليه متاع، أو حلي تبلغ النصاب؟","level":3,"page":5227},{"title":"مسألة [١٦]: إذا سرق عبدا؟","level":3,"page":5227},{"title":"مسألة [١٧]: جاحد العارية هل تقطع يده؟","level":3,"page":5228},{"title":"مسألة [١٨]: جاحد الوديعة.","level":3,"page":5229},{"title":"مسألة [١]: هل على الخائن، والمختلس، والمنتهب قطع؟","level":3,"page":5230},{"title":"مسألة [٢]: هل يقطع الطرار؟","level":3,"page":5231},{"title":"مسألة [٣]: إذا دخل رجل دار قوم فذبح شاة ثم أخرج لحمها؟","level":3,"page":5232},{"title":"مسألة [١]: القطع بما سرق من الفواكه، والثمار، وما زالت في شجرها.","level":3,"page":5233},{"title":"مسألة [٢]: هل يقطع في سرقة الفواكه، والخضروات المحروزة؟","level":3,"page":5234},{"title":"مسألة [٣]: من سرق شيئا من الطيور كالحمام والدجاج؟","level":3,"page":5234},{"title":"مسألة [٤]: من سرق شيئا من المواشي؟","level":3,"page":5235},{"title":"مسألة [٥]: من سرق مصحفا أو كتابا شرعيا؟","level":3,"page":5235},{"title":"مسألة [٦]: من سرق كلب صيد؟","level":3,"page":5235},{"title":"مسألة [١]: الأمور التي تثبت بها السرقة.","level":3,"page":5236},{"title":"مسألة [٢]: إذا اختلف الشاهدان في بعض الشهادة؟","level":3,"page":5237},{"title":"مسألة [٣]: ثبوت السرقة بالاعتراف.","level":3,"page":5238},{"title":"مسألة [٤]: هل يشترط في إقراره بالسرقة حضور المسروق منه؟","level":3,"page":5238},{"title":"مسألة [٥]: الرجوع عن الإقرار هل يقبل؟","level":3,"page":5239},{"title":"مسألة [٦]: كيفية قطع يد السارق.","level":3,"page":5239},{"title":"مسألة [١]: رد العين المسروقة.","level":3,"page":5241},{"title":"مسألة [١]: عقوبة من سرق من الثمار المعلقة في شجرها.","level":3,"page":5243},{"title":"مسألة [٢]: يشترط في القطع أن تكون السرقة من حرز.","level":3,"page":5244},{"title":"مسألة [٣]: من سرق من دار هو داخلها، ولكن من حجرة أخرى، وكل يغلق على حجرته بابه؟","level":3,"page":5245},{"title":"مسألة [٤]: من جمع المتاع في البيت، وانكشف أمره قبل إخراجه؟","level":3,"page":5245},{"title":"مسألة [٥]: إذا دخل البيت فرمى بالمتاع إلى الطريق ثم خرج وأخذه.","level":3,"page":5246},{"title":"مسألة [٦]: إذا دخل الدار فناول المتاع رجلا في الخارج فعلى من القطع؟","level":3,"page":5246},{"title":"مسألة [٧]: إذا نقب البيت، وأدخل يده من الخارج؛ فأخذ المتاع.","level":3,"page":5246},{"title":"مسألة [٨]: إذا نقب البيت اثنان ودخل أحدهما فأخذ المتاع، ثم حملاه جميعا؟","level":3,"page":5247},{"title":"مسألة [٩]: إذا دخل البيت جماعة، وجمعوا المتاع ثم أخرجه واحد منهم فعلى من القطع؟","level":3,"page":5247},{"title":"مسألة [١٠]: إذا سرق باب بيت مشدودا؟","level":3,"page":5248},{"title":"مسألة [١١]: إذا سرق ثيابا من حمام.","level":3,"page":5248},{"title":"مسألة [١٢]: إذا سرق من داخل خيمة أو فسطاط.","level":3,"page":5248},{"title":"مسألة [١٣]: إذا سرق فسطاطا فهل فيه قطع؟","level":3,"page":5249},{"title":"مسألة [١٤]: إذا ادعى السارق أن رب المنزل أمره بدخول منزله.","level":3,"page":5249},{"title":"مسألة [١٥]: إذا سرق من السارق المتاع الذي سرقه، فما الحكم؟","level":3,"page":5249},{"title":"مسألة [١٦]: من سرق متاعا من رجل عليه له دين؟","level":3,"page":5250},{"title":"مسألة [١٧]: السرقة في المجاعة وعام السنة.","level":3,"page":5251},{"title":"مسألة [١]: هل يشترط في القطع مطالبة المسروق منه بالعين المسروقة؟","level":3,"page":5252},{"title":"مسألة [٢]: إذا ملك السارق العين المسروقة ببيع، أو هبة، أو غير ذلك؟","level":3,"page":5252},{"title":"مسألة [٣]: حكم الشفاعة في عدم إقامة الحد؟","level":3,"page":5253},{"title":"مسألة [١]: إذا تكررت من الرجل السرقة؟","level":3,"page":5254},{"title":"مسألة [٢]: إن تكررت السرقة قبل القطع؟","level":3,"page":5257},{"title":"مسألة [٣]: إن سرق، فقطع، ثم سرق مرة أخرى من المكان الأول؟","level":3,"page":5257},{"title":"مسألة [٤]: من سرق وله يمنى، فقطعت في قصاص، أو تعدي، أو أكلة؟","level":3,"page":5258},{"title":"مسألة [٥]: إذا قطع الجذاذ اليسرى بدل اليمنى؟","level":3,"page":5258},{"title":"مسألة [٦]: من سرق، ولا يمنى له؟","level":3,"page":5259},{"title":"مسألة [٧]: من سرق وكانت يمينه شلاء؟","level":3,"page":5259},{"title":"مسألة [٨]: من سرق وليس له أصابع في يمناه؟","level":3,"page":5259},{"title":"مسألة [٩]: السارق من العبيد والإماء؟","level":3,"page":5260},{"title":"فصل في قطاع الطريق","level":3,"page":5261},{"title":"مسألة [١]: ضابط المحاربين الذين تشملهم الآية السابقة.","level":4,"page":5261},{"title":"مسألة [٢]: هل العقوبات المذكورة في الآية للتنويع، أو الخيار؟","level":4,"page":5263},{"title":"مسألة [٣]: أحوال المحاربين.","level":4,"page":5264},{"title":"مسألة [٤]: وقت الصلب.","level":4,"page":5266},{"title":"مسألة [٥]: مدة الصلب.","level":4,"page":5267},{"title":"مسألة [٦]: هل يعتبر التكافؤ في القتل في حد المحاربين؟","level":4,"page":5268},{"title":"مسألة [٧]: إن جرح المحارب ولم يقتل، ولم يأخذ مالا؟","level":4,"page":5268},{"title":"مسألة [٨]: هل يشترط في القطع ههنا أن يكونوا أخذوا مالا بلغ النصاب؟","level":4,"page":5268},{"title":"مسألة [٩]: عقوبة المحاربين هل هي خاصة بالمباشرين، أم تشمل الردء، والمعين؟","level":4,"page":5269},{"title":"مسألة [١٠]: إذا كان في القطاع صبي، أو مجنون؟","level":4,"page":5270},{"title":"مسألة [١١]: إن كانت فيهم امرأة؟","level":4,"page":5270},{"title":"مسألة [١٢]: توبة المحاربين قبل القدرة عليهم.","level":4,"page":5270},{"title":"مسألة [١٣]: بقية الحدود كحد الزنى والسرقة، هل تسقط إذا تاب.","level":4,"page":5270},{"title":"مسألة [١٤]: إذا اجتمع على الرجل استحقاق عدد من الحدود، ومنها قتله.","level":4,"page":5271},{"title":"باب حد الشارب وبيان المسكر","level":2,"page":5272},{"title":"مسألة [١]: حكم شرب الخمر.","level":3,"page":5273},{"title":"مسألة [٢]: مقدار الحد على الشارب.","level":3,"page":5273},{"title":"مسألة [٣]: شروط إقامة الحد.","level":3,"page":5276},{"title":"مسألة [٤]: هل يجب الحد بوجود ريح الخمر من فمه، أو بتقيئها؟","level":3,"page":5277},{"title":"مسألة [٥]: هل يقتل الشارب في الرابعة؟","level":3,"page":5278},{"title":"مسألة [٦]: مقدار حد العبد والأمة الشاربين.","level":3,"page":5279},{"title":"مسألة [٧]: إن مات المجلود بسبب الجلد؟","level":3,"page":5280},{"title":"مسألة [٨]: هل يقام عليه الحد حال سكره، أم بعد صحوه؟","level":3,"page":5280},{"title":"مسألة [٩]: هل يشترط أن يكون الجلد بسوط؟","level":3,"page":5280},{"title":"مسألة [١]: إقامة الحدود في المساجد.","level":3,"page":5282},{"title":"مسألة [١]: الأشربة المحرمة، ومقدار ما يحرم منها.","level":3,"page":5284},{"title":"مسألة [٢]: هل يجب الحد على من شرب قليلا لم يسكر منه؟","level":3,"page":5286},{"title":"مسألة [٣]: حكم النبيذ والعصير.","level":3,"page":5286},{"title":"مسألة [٤]: صفة الوعاء الذي ينبذ فيه.","level":3,"page":5288},{"title":"مسألة [٥]: انتباذ نوعين كالتمر والزبيب، أو الرطب والتمر، ونحوهما؟","level":3,"page":5288},{"title":"مسألة [٦]: حكم شرب الطلاء.","level":3,"page":5290},{"title":"مسألة [١]: شرب الخمر للتداوي، ولدفع العطش عند الضرورة.","level":3,"page":5294},{"title":"مسألة [٢]: الحشيشة والمخدرات.","level":3,"page":5295},{"title":"باب التعزير وحكم الصائل","level":2,"page":5296},{"title":"مسألة [١]: ما المقصود بقوله: «إلا في حد من حدود الله تعالى»، وكم هو مقدار التعزير؟","level":3,"page":5297},{"title":"مسألة [١]: حكم إقامة التعزير.","level":3,"page":5302},{"title":"مسألة [١]: من أقيم عليه التعزير، فتلف، فهل يضمن؟","level":3,"page":5304},{"title":"مسألة [٢]: التعزير بالعقوبات المالية.","level":3,"page":5305},{"title":"مسألة [٣]: أقل التعزير.","level":3,"page":5308},{"title":"كتاب الجهاد","level":1,"page":5312},{"title":"باب","level":2,"page":5312},{"title":"مسألة [١]: فضيلة الجهاد.","level":3,"page":5312},{"title":"مسألة [٢]: أقسام الجهاد.","level":3,"page":5314},{"title":"مسألة [٣]: حكم جهاد الكفار.","level":3,"page":5315},{"title":"مسألة [٤]: أحوال تعين الجهاد.","level":3,"page":5316},{"title":"مسألة [٥]: شروط وجوب الجهاد.","level":3,"page":5317},{"title":"مسألة [٦]: أقل ما يجب من الجهاد في العام الواحد.","level":3,"page":5319},{"title":"مسألة [١]: استئذان الوالدين في الجهاد الغير متعين.","level":3,"page":5320},{"title":"مسألة [٢]: إذا كان أبواه كافرين؟","level":3,"page":5320},{"title":"مسألة [١]: هل انقطعت الهجرة، أم هي باقية؟","level":3,"page":5323},{"title":"مسألة [٢]: أحوال الناس في الهجرة.","level":3,"page":5323},{"title":"مسألة [٣]: إخلاص النية في الجهاد والهجرة.","level":3,"page":5324},{"title":"مسألة [٤]: إذا غنم المسلمون، فهل ينقص الأجر؟","level":3,"page":5328},{"title":"مسألة [١]: حكم الدعوة قبل القتال.","level":3,"page":5331},{"title":"مسألة [٢]: استرقاق العرب.","level":3,"page":5332},{"title":"مسألة [٣]: أخذ الجزية من الكفار.","level":3,"page":5333},{"title":"مسألة [١]: قتل النساء والصبيان.","level":3,"page":5339},{"title":"مسألة [٢]: الاستعانة بالكفار في القتال.","level":3,"page":5340},{"title":"مسألة [١]: مشروعية المبارزة.","level":3,"page":5342},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط إذن الأمير؟","level":3,"page":5343},{"title":"مسألة [٣]: إذا خرج كافر يطلب البراز، هل يجوز أن يرمى ويقتل؟","level":3,"page":5344},{"title":"مسألة [١]: التحريق، والتخريب في أرض العدو.","level":3,"page":5346},{"title":"مسألة [١]: معنى الغلول، وحكمه.","level":3,"page":5347},{"title":"مسألة [٢]: إعادة الغلول.","level":3,"page":5348},{"title":"مسألة [٣]: تحريق متاع الغال.","level":3,"page":5348},{"title":"مسألة [١]: معنى السلب.","level":3,"page":5350},{"title":"مسألة [٢]: من قتل رجلا من المشركين، فهل يستحق سلبه؟","level":3,"page":5350},{"title":"مسألة [٣]: هل يشترط في استحقاق السلب أن يقول الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه؟","level":3,"page":5352},{"title":"مسألة [٤]: هل يخمس السلب؟","level":3,"page":5353},{"title":"مسألة [٥]: إذا اشترك اثنان أو ثلاثة في القتل؛ فلمن السلب؟","level":3,"page":5354},{"title":"مسألة [٦]: الأشياء التي تدخل في السلب.","level":3,"page":5354},{"title":"مسألة [٧]: المال الذي في مخبئه، أو عيبته، هل يدخل في السلب؟","level":3,"page":5355},{"title":"مسألة [٨]: هل يدخل في السلب الدابة إن لم يكن راكبا عليها؟","level":3,"page":5355},{"title":"مسألة [٩]: سلب الكافر، وتركه عاريا؟","level":3,"page":5356},{"title":"مسألة [١٠]: من ادعى قتل كافر ويريد سلبه، فعليه البينة.","level":3,"page":5356},{"title":"مسألة [١]: تحريق العدو.","level":3,"page":5357},{"title":"مسألة [٢]: تغريق الكفار.","level":3,"page":5358},{"title":"مسألة [٣]: إذا تترس الكفار بأناس مسلمين، فهل يجوز قتالهم؟","level":3,"page":5358},{"title":"مسألة [١]: القصاص في الحرم، وإقامة الحدود، ومن جنى خارج الحرم، ثم لجأ إليه؟","level":3,"page":5360},{"title":"مسألة [٢]: هل فتحت مكة صلحا، أم عنوة؟","level":3,"page":5360},{"title":"مسألة [١]: أسير الكفار ما يصنع به؟","level":3,"page":5363},{"title":"مسألة [٢]: النساء والصبيان.","level":3,"page":5363},{"title":"مسألة [٣]: إذا أسلم الأسير؟","level":3,"page":5364},{"title":"مسألة [٤]: إن سأل الأسارى من أهل الكتاب تخليتهم مقابل دفع الجزية؟","level":3,"page":5365},{"title":"مسألة [٥]: بيع الرقيق الكافر من الكفار.","level":3,"page":5365},{"title":"مسألة [٦]: من أسر أسيرا، فهل له قتله بنفسه؟","level":3,"page":5366},{"title":"مسألة [١]: المستحق للغنيمة.","level":3,"page":5368},{"title":"مسألة [٢]: ما يستحقه الراجل والفارس.","level":3,"page":5368},{"title":"مسألة [٣]: هل يسهم للرجل بأكثر من فرس؟","level":3,"page":5369},{"title":"مسألة [٤]: هل يسهم لمن قاتل على البعير سهما لبعيره؟","level":3,"page":5370},{"title":"مسألة [٥]: من مات قبل حيازة الغنائم، فهل يستحق ورثته نصيبه؟","level":3,"page":5370},{"title":"مسألة [٦]: إذا كان مع المسلمين نسوة، فهل يعطين من الأسهم؟","level":3,"page":5371},{"title":"مسألة [٧]: هل يسهم للعبد؟","level":3,"page":5371},{"title":"مسألة [٨]: هل يسهم للصبي، أم يرضخ له؟","level":3,"page":5372},{"title":"مسألة [٩]: هل يسهم للكافر إذا غزا مع المسلمين بإذن إمامهم؟","level":3,"page":5372},{"title":"مسألة [١٠]: هل يؤخذ الرضخ من أصل الغنيمة، أم بعد التخميس؟","level":3,"page":5373},{"title":"مسألة [١١]: إذا قاتل العبد على فرس لسيده؟","level":3,"page":5374},{"title":"مسألة [١٢]: إذا أخرج من الجيش سرية فغنمت؟","level":3,"page":5375},{"title":"مسألة [١٣]: إذا سبوا لم يفرق بين الوالدة وولدها.","level":3,"page":5375},{"title":"مسألة [١٤]: التفريق بين الأخوين والأختين.","level":3,"page":5376},{"title":"مسألة [١٥]: من سبي من أطفال المشركين.","level":3,"page":5377},{"title":"مسألة [١٦]: إذا أسلم الحربي وله أطفال، وأموال؟","level":3,"page":5377},{"title":"مسألة [١٧]: إذا أسلم عبد، أو أمة لحربي؟","level":3,"page":5378},{"title":"مسألة [١٨]: إذا أخذ الكفار مال مسلم، ثم غنمه المسلمون؟","level":3,"page":5378},{"title":"مسألة [١٩]: هل يملك الكفار أموال المسلمين بالقهر؟","level":3,"page":5380},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا أسلم الكافر بعد أن أتلف مال المسلم؟","level":3,"page":5380},{"title":"مسألة [٢١]: حكم فداء أسارى المسلمين إذا أمكن.","level":3,"page":5381},{"title":"مسألة [٢٢]: من فدى الأسير المسلم من الكفار، فهل يلزم الأسير أن يعطيه ماله؟","level":3,"page":5382},{"title":"مسألة [٢٣]: أهل الحرب إذا استولوا على أهل ذمتنا، فسبوهم، ثم قدر عليهم؟","level":3,"page":5382},{"title":"مسألة [٢٤]: معنى التنفيل وحكمه.","level":3,"page":5383},{"title":"مسألة [٢٥]: مصرف خمس الغنيمة.","level":3,"page":5385},{"title":"مسألة [٢٦]: سهم ذوي القربى.","level":3,"page":5386},{"title":"مسألة [٢٧]: وهل يفضل الرجال على النساء؟","level":3,"page":5386},{"title":"مسألة [٢٨]: سهم الصفي.","level":3,"page":5388},{"title":"مسألة [١]: الأكل من الغنائم أثناء المعركة.","level":3,"page":5389},{"title":"مسألة [٢]: استخدام الدواب، والأسلحة المغنومة أثناء المعركة.","level":3,"page":5390},{"title":"مسألة [١]: أمان الكافر.","level":3,"page":5392},{"title":"مسألة [٢]: أمان الصبي.","level":3,"page":5392},{"title":"مسألة [٣]: هل يصح أمان العبد؟","level":3,"page":5393},{"title":"مسألة [٤]: تأمين من جاء أسيرا من الكفار.","level":3,"page":5393},{"title":"مسألة [٥]: إذا ادعى مسلم أنه أمن كافرا قبل أن يؤسر؟","level":3,"page":5393},{"title":"مسألة [٦]: ما حكم التأمين للكافر؟","level":3,"page":5394},{"title":"مسألة [٧]: من أمن في دار الإسلام، هل تؤخذ منه جزية؟","level":3,"page":5394},{"title":"مسألة [٨]: إذا أمن الكافر في دار المسلمين، ثم سافر، وبقيت له أموال بين المسلمين؟","level":3,"page":5395},{"title":"مسألة [٩]: إذا دخل الكافر دار الإسلام بغير أمان؟","level":3,"page":5395},{"title":"مسألة [١]: إخراج اليهود، والنصارى، والمشركين من جزيرة العرب.","level":3,"page":5397},{"title":"مسألة [٢]: دخولهم الحرمين.","level":3,"page":5398},{"title":"مسألة [١]: معنى الفيء ومصرفه.","level":3,"page":5400},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط تعميم الأصناف المستحقة للخمس، وللفيء، وتعميم أفرادهم؟","level":3,"page":5403},{"title":"مسألة [١]: قتل الرسول بين القومين.","level":3,"page":5406},{"title":"مسألة [١]: معنى الحديث.","level":3,"page":5407},{"title":"مسألة [٢]: الغنيمة التي لا تنقل، كالأراضي والدور؟","level":3,"page":5407},{"title":"باب الجزية والهدنة","level":2,"page":5409},{"title":"مسألة [١]: ممن تؤخذ الجزية؟","level":3,"page":5412},{"title":"مسألة [٢]: مقدار الجزية التي تؤخذ.","level":3,"page":5412},{"title":"مسألة [٣]: وقت وجوب الجزية.","level":3,"page":5413},{"title":"مسألة [٤]: هل يتعين في الجزية الذهب، والفضة؟","level":3,"page":5414},{"title":"مسألة [٥]: الذي يتولى عقد الذمة، والهدنة.","level":3,"page":5414},{"title":"مسألة [٦]: الاشتراط على أهل الذمة ضيافة من مر عليهم من المسلمين؟","level":3,"page":5415},{"title":"مسألة [٧]: هل تفرض الجزية على الصبي، والمجنون، والمرأة؟","level":3,"page":5415},{"title":"مسألة [٨]: من كان يجن ويفيق؟","level":3,"page":5416},{"title":"مسألة [٩]: هل على الفقير العاجز عن التكسب جزية؟","level":3,"page":5416},{"title":"مسألة [١٠]: هل تجب الجزية على الرهبان؟","level":3,"page":5417},{"title":"مسألة [١١]: هل تؤخذ الجزية على العبد؟","level":3,"page":5417},{"title":"مسألة [١٢]: إذا أعتق العبد، هل تجب عليه الجزية؟","level":3,"page":5418},{"title":"مسألة [١٣]: إذا أسلم الذمي أثناء الحول أو بعده، فهل عليه الجزية؟","level":3,"page":5418},{"title":"مسألة [١٤]: إذا بذل أهل الذمة في جزيتهم خمرا، أو خنزيرا؟","level":3,"page":5421},{"title":"مسألة [١٥]: أخذ نصف العشر على من دخل أرض المسلمين غير بلده لحاجة؟","level":3,"page":5421},{"title":"مسألة [١٦]: إحداث الكنائس وإبقاؤها في أمصار المسلمين.","level":3,"page":5421},{"title":"مسألة [١٧]: إعادة بنائها وترميم ما فسد منها.","level":3,"page":5423},{"title":"مسألة [١٨]: الشروط التي يعقد لأهل الذمة بها.","level":3,"page":5424},{"title":"مسألة [١٩]: نقض أهل الذمة للعهد.","level":3,"page":5425},{"title":"مسألة [٢٠]: حماية المسلمين لأهل الذمة من أهل الحرب.","level":3,"page":5425},{"title":"مسألة [٢١]: إذا تحاكم أهل الذمة للحاكم المسلم؟","level":3,"page":5426},{"title":"مسألة [٢٢]: تمكينهم من شراء المصاحف.","level":3,"page":5427},{"title":"مسألة [٢٣]: تصديرهم في المجالس، وبدؤهم بالسلام.","level":3,"page":5427},{"title":"مسألة [٢٤]: قوله للذمي: كيف أصبحت. ونحوها.","level":3,"page":5428},{"title":"بعض المسائل المتعلقة بالهدنة","level":3,"page":5429},{"title":"مسألة [١]: هل تجوز الهدنة بمقابل مال يدفعه المسلمون للكفار؟","level":4,"page":5429},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط في عقد الهدنة أن يكون مقيدا بزمن؟","level":4,"page":5429},{"title":"مسألة [٣]: إذا نقض أهل الهدنة الصلح؟","level":4,"page":5431},{"title":"مسألة [٤]: هل يصح أن يشترط رد من جاء منهم مسلما؟","level":4,"page":5431},{"title":"مسألة [٥]: هل يجوز اشتراط رد النساء المسلمات منهم؟","level":4,"page":5431},{"title":"باب السبق والرمي","level":2,"page":5432},{"title":"مسألة [١]: الأمور التي يشرع فيها الاستباق.","level":3,"page":5433},{"title":"مسألة [٢]: الاستباق بلا عوض.","level":3,"page":5434},{"title":"مسألة [٣]: الاستباق بعوض.","level":3,"page":5434},{"title":"مسألة [٤]: المسابقة على البغال والحمير بعوض.","level":3,"page":5435},{"title":"مسألة [٥]: المسابقة بالسيف والرمح.","level":3,"page":5436},{"title":"مسألة [٦]: الباذل للعوض.","level":3,"page":5437},{"title":"مسألة [٧]: هل تجوز المغالبة في الشطرنج، والنرد، وشبههما بغير عوض؟","level":3,"page":5443},{"title":"كتاب الأطعمة","level":1,"page":5444},{"title":"باب","level":2,"page":5444},{"title":"مسألة [١]: تحريم ذوات الأنياب من السباع.","level":3,"page":5444},{"title":"مسألة [٢]: حكم الضبع؟","level":3,"page":5445},{"title":"مسألة [٣]: حكم الثعلب.","level":3,"page":5446},{"title":"مسألة [٤]: حكم الفيل؟","level":3,"page":5446},{"title":"مسألة [٥]: حكم الهر.","level":3,"page":5447},{"title":"مسألة [٦]: حكم الدب.","level":3,"page":5447},{"title":"مسألة [٧]: حكم القرد.","level":3,"page":5448},{"title":"مسألة [٨]: ذو المخالب من الطيور.","level":3,"page":5449},{"title":"مسألة [١]: حكم الحمر الأهلية.","level":3,"page":5450},{"title":"مسألة [٢]: حكم البغال.","level":3,"page":5450},{"title":"مسألة [١]: أكل الجراد.","level":3,"page":5451},{"title":"مسألة [١]: أكل الأرنب.","level":3,"page":5452},{"title":"مسألة [١]: أكل الأربعة المذكورة.","level":3,"page":5453},{"title":"مسألة [٢]: سائر الحشرات.","level":3,"page":5454},{"title":"مسألة [٣]: ضابط الاستخباث.","level":3,"page":5455},{"title":"مسألة [١]: حكم القنفذ.","level":3,"page":5459},{"title":"مسألة [١]: حكم الجلالة.","level":3,"page":5460},{"title":"مسألة [٢]: مقدار النجس الذي يعتبر في كونها جلالة.","level":3,"page":5461},{"title":"مسألة [٣]: متى يزول النهي عن أكل الجلالة؟","level":3,"page":5461},{"title":"مسألة [١]: حكم حمار الوحش.","level":3,"page":5462},{"title":"مسألة [١]: حكم أكل الخيل.","level":3,"page":5463},{"title":"مسألة [١]: حكم أكل الضب.","level":3,"page":5464},{"title":"مسألة [١]: حكم الضفدع.","level":3,"page":5465},{"title":"مسألة [٢]: الحيوانات البحرية.","level":3,"page":5465},{"title":"مسألة [٣]: هل يباح ما مات من هذه الحيوانات؟","level":3,"page":5466},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":5468},{"title":"مسألة [١]: ما يباح أكله وما لا يباح من الأعيان غير الحيوانات.","level":3,"page":5468},{"title":"مسألة [٢]: ما كان من الثمار، والزورع مسقيا بالنجاسة؟","level":3,"page":5468},{"title":"مسألة [٣]: الجبن المصنع بإنفحة البهائم.","level":3,"page":5469},{"title":"مسألة [٤]: الأكل من الميتة عند الاضطرار.","level":3,"page":5471},{"title":"مسألة [٥]: هل له أن يأكل حتى يشبع؟","level":3,"page":5472},{"title":"مسألة [٦]: الأكل من بستان الغير.","level":3,"page":5473},{"title":"مسألة [٧]: الشرب من لبن ماشية الغير.","level":3,"page":5474},{"title":"مسألة [٨]: إذا وجد ميتة وطعاما للغير؟","level":3,"page":5474},{"title":"مسألة [٩]: إذا اضطر إلى طعام الغير وليس له مال، فهل يلزم صاحب الطعام أن يعطيه بلا عوض؟","level":3,"page":5475},{"title":"مسألة [١٠]: إذا وجد المضطر آدميا ميتا؟","level":3,"page":5475},{"title":"مسألة [١١]: حكم الضيافة.","level":3,"page":5476},{"title":"باب الصيد والذبائح","level":2,"page":5478},{"title":"مسألة [١]: شروط إباحة الحيوان بالصيد.","level":3,"page":5480},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط في الصقر والبازي أن لا يأكل من الصيد؟","level":3,"page":5484},{"title":"مسألة [٣]: إذا شرب الكلب دم الصيد، ولم يأكل منه؟","level":3,"page":5484},{"title":"مسألة [٤]: إذا سمى عند انفلاته، وزجره فزاد الكلب في عدوه؟","level":3,"page":5485},{"title":"مسألة [٥]: كيفية التسمية.","level":3,"page":5488},{"title":"مسألة [٦]: جوارح الطير، والسباع غير الكلب.","level":3,"page":5489},{"title":"مسألة [٧]: هل يباح صيد الكلب الأسود البهيم؟","level":3,"page":5490},{"title":"مسألة [٨]: إن أدرك الصيد وفيه حياة مستقرة؟","level":3,"page":5490},{"title":"مسألة [٩]: إذا لم يجد ما يذبحه به، وفيه حياة مستقرة؟","level":3,"page":5491},{"title":"مسألة [١٠]: إذا وجد مع كلبه كلبا آخر عند الصيد؟","level":3,"page":5491},{"title":"مسألة [١١]: إذا أرسل مجوسي كلبه مع كلب المسلم، فأصاباه جميعا؟","level":3,"page":5492},{"title":"مسألة [١٢]: إذا صاد المجوسي بكلب المسلم، وصاد المسلم بكلب المجوسي؟","level":3,"page":5492},{"title":"مسألة [١٣]: إذا أرسل الصائد السهم، أو الجارحة على صيد، فأصاب صيدا غيره، أو آخر معه؟","level":3,"page":5493},{"title":"مسألة [١٤]: إن أرسل سهمه، أو الجارح، ولا يرى صيدا؟","level":3,"page":5493},{"title":"مسألة [١٥]: من رمى شيئا يظنه حجرا، أو عدوا، أو خنزيرا، فبان صيدا؟","level":3,"page":5494},{"title":"مسألة [١٦]: إذا غاب الصيد عن عينه، ثم أدركه ومعه سهمه، أو كلبه؟","level":3,"page":5494},{"title":"مسألة [١٧]: إذا رمى الصيد فوقع في ماء، أو تردى من جبل؟","level":3,"page":5495},{"title":"مسألة [١٨]: إذا رمى طيرا في الهواء، فسقط على الأرض، فمات، فهل يحل؟","level":3,"page":5496},{"title":"مسألة [١٩]: إذا رمى صيدا، فقطع منه عضوا، أو أكثر؟","level":3,"page":5496},{"title":"مسألة [٢٠]: صيد المعراض.","level":3,"page":5498},{"title":"مسألة [٢١]: إذا نصب أحبولة فيها حجر، أو شبكة، أو حديد؟","level":3,"page":5499},{"title":"مسألة [٢٢]: الأمور التي يملك بها الصيد.","level":3,"page":5499},{"title":"مسألة [٢٣]: هل يغسل موضع فم الكلب من الصيد؟","level":3,"page":5500},{"title":"مسألة [٢٤]: إذا رمى شخص الصيد، فأثبته، ثم رماه آخر فقتله؟","level":3,"page":5500},{"title":"مسألة [١]: إذا أهدي لشخص لحم صيد، أو ذبيحة، ولا يدري أذكر اسم الله عليه، أم لا؟","level":3,"page":5501},{"title":"مسألة [١]: معنى الخذف، وحكم الصيد بالحجارة، والبندقة.","level":3,"page":5502},{"title":"مسألة [٢]: الصيد بالحجارة، والطين.","level":3,"page":5503},{"title":"مسألة [١]: حكم صبر البهائم واتخاذها غرضا.","level":3,"page":5504},{"title":"مسألة [١]: الحيوان المقدور عليه لا يحل إلا بالتذكية.","level":3,"page":5507},{"title":"مسألة [٢]: شروط الذابح.","level":3,"page":5507},{"title":"مسألة [٣]: وهل يباح صيد المجوسي للسمك، والجراد؟","level":3,"page":5507},{"title":"مسألة [٤]: ذبيحة الكتابي.","level":3,"page":5508},{"title":"مسألة [٥]: ذبيحة المجنون، والسكران، والصبي الذي لا يميز.","level":3,"page":5508},{"title":"مسألة [٦]: ذبيحة المرأة، والصبي المميز.","level":3,"page":5509},{"title":"مسألة [٧]: ذبيحة الجنب، والحائض.","level":3,"page":5509},{"title":"مسألة [٨]: ذبيحة الأقلف، وهو من لم يختن.","level":3,"page":5509},{"title":"مسألة [٩]: ذبيحة السارق، والغاصب.","level":3,"page":5510},{"title":"مسألة [١٠]: الآلة التي يحصل بها الذبح؟","level":3,"page":5510},{"title":"مسألة [١١]: لو ذبح بسكين مغصوب، أو مسروق؟","level":3,"page":5511},{"title":"مسألة [١٢]: محل التذكية.","level":3,"page":5512},{"title":"مسألة [١٣]: إذا توحش الحيوان الإنسي، فلم يقدر على ذبحه، أو تردى في محل عجز عن ذبحه، وعقره في محل الذكاة؟","level":3,"page":5513},{"title":"مسألة [١٤]: ما يشترط قطعه لحصول الذكاة؟","level":3,"page":5514},{"title":"مسألة [١٥]: إذا تمادى في الذبح حتى يبلغ النخاع؟","level":3,"page":5515},{"title":"مسألة [١٦]: إذا ذبحت الذبيحة من القفا؟","level":3,"page":5516},{"title":"مسألة [١٧]: لو أبان إنسان رأس البهيمة بالسيف قاصدا تذكيتها؟","level":3,"page":5516},{"title":"مسألة [١٨]: قطع عضو من الشاة قبل أن تبرد بعد الذبح؟","level":3,"page":5517},{"title":"مسألة [١٩]: إذا ذبح الذبيحة فقطع أوداجها، فلم تخرج الروح حتى وقعت في الماء، أو تردت؟","level":3,"page":5518},{"title":"مسألة [٢٠]: إذا أدرك ذكاة المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع؟","level":3,"page":5518},{"title":"مسألة [٢١]: ذبح ما ينحر، ونحر ما يذبح؟","level":3,"page":5519},{"title":"مسألة [٢٢]: سلخ الحيوان قبل أن يبرد؟","level":3,"page":5520},{"title":"مسألة [٢٣]: الذبح بسكين حاد؟","level":3,"page":5520},{"title":"مسألة [٢٤]: توجيه الذبيحة عند ذبحها إلى القبلة.","level":3,"page":5520},{"title":"مسألة [٢٥]: حكم الجنين الذي في بطن الذبيحة.","level":3,"page":5522},{"title":"مسألة [٢٦]: حكم التسمية على الذبيحة؟","level":3,"page":5523},{"title":"مسألة [٢٧]: وقت التسمية على الذبيحة.","level":3,"page":5525},{"title":"مسألة [٢٨]: ذبيحة الكتابي بغير تسمية لله؟","level":3,"page":5526},{"title":"مسألة [٢٩]: ضابط الكتابي الذي تؤكل ذبيحته.","level":3,"page":5527},{"title":"باب الأضاحي","level":2,"page":5528},{"title":"مسألة [١]: حكم الأضحية.","level":3,"page":5530},{"title":"مسألة [٢]: الإمساك عن الشعر، والأظفار لمن أراد التضحية بعد دخول ذي الحجة؟","level":3,"page":5532},{"title":"مسألة [٣]: استحسان الأضحية، واستسمانها.","level":3,"page":5533},{"title":"مسألة [٤]: وقت الأضحية.","level":3,"page":5533},{"title":"مسألة [٥]: آخر وقت للأضحية.","level":3,"page":5535},{"title":"مسألة [٦]: حكم الذبح ليلا؟","level":3,"page":5536},{"title":"مسألة [٧]: إذا ذهب وقت الأضحية؟","level":3,"page":5537},{"title":"مسألة [٨]: التكبير مع التسمية.","level":3,"page":5538},{"title":"مسألة [٩]: قول المضحي: اللهم منك ولك، تقبل مني.","level":3,"page":5538},{"title":"مسألة [١٠]: كيفية حال البهيمة عند ذبحها؟","level":3,"page":5539},{"title":"مسألة [١١]: هل تتعين الأضحية؟","level":3,"page":5539},{"title":"مسألة [١٢]: فائدة الخلاف السابق.","level":3,"page":5540},{"title":"مسألة [١]: العيوب الأربعة المذكورة في الحديث.","level":3,"page":5542},{"title":"مسألة [٢]: التضحية بأعضب القرن؟","level":3,"page":5543},{"title":"مسألة [٣]: التضحية بالعمياء.","level":3,"page":5543},{"title":"مسألة [٤]: التضحية بمقطوعة الأذن.","level":3,"page":5544},{"title":"مسألة [٥]: المقابلة، والمدابرة، والخرقاء، والشرقاء.","level":3,"page":5545},{"title":"مسألة [٦]: مقطوعة الألية.","level":3,"page":5546},{"title":"مسألة [٧]: البتراء.","level":3,"page":5546},{"title":"مسألة [٨]: الخصي والموجوء.","level":3,"page":5547},{"title":"مسألة [٩]: التي سقطت بعض أسنانها.","level":3,"page":5547},{"title":"مسألة [١]: نوع الحيوان الذي يضحى به.","level":3,"page":5548},{"title":"مسألة [٢]: ما هو الأفضل في الأضحية؟","level":3,"page":5549},{"title":"مسألة [٣]: أسنان الأضاحي المجزئة.","level":3,"page":5550},{"title":"مسألة [٤]: معنى الجذعة، والمسنة.","level":3,"page":5552},{"title":"مسألة [١]: حكم إعطاء الجزار من الأضحية مقابل الجزارة.","level":3,"page":5554},{"title":"مسألة [٢]: حكم بيع شيء منها؟","level":3,"page":5554},{"title":"مسألة [٣]: الأكل من الأضحية والتصدق؟","level":3,"page":5555},{"title":"مسألة [٤]: هل يأكل من الأضحية المنذورة؟","level":3,"page":5556},{"title":"مسألة [٥]: الادخار من لحوم الأضاحي فوق ثلاث.","level":3,"page":5556},{"title":"مسألة [١]: أقل ما يجزئ من الأضاحي.","level":3,"page":5558},{"title":"مسألة [٢]: إن كان بعض المشتركين يريد اللحم، فهل تجزئ عن الباقين؟","level":3,"page":5560},{"title":"مسألة [٣]: لو ضحى عن غيره بغير إذنه؟","level":3,"page":5561},{"title":"مسألة [٤]: الذبح بنفسه، والتوكيل.","level":3,"page":5563},{"title":"مسألة [٥]: هل يجب على الوكيل أن يذكر عند ذبحه عمن الأضحية؟","level":3,"page":5563},{"title":"مسألة [٦]: هل للعبد أن يضحي؟","level":3,"page":5564},{"title":"مسألة [٧]: التضحية عن اليتيم من ماله.","level":3,"page":5564},{"title":"مسألة [٨]: أيهما أفضل: التضحية، أم الصدقة بثمنها؟","level":3,"page":5564},{"title":"باب العقيقة","level":2,"page":5566},{"title":"مسألة [١]: حكم العقيقة.","level":3,"page":5568},{"title":"مسألة [٢]: هل يكره التسمية بالعقيقة؟","level":3,"page":5569},{"title":"مسألة [٣]: معنى قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مرتهن بعقيقته».","level":3,"page":5569},{"title":"مسألة [٤]: العدد الذي يذبح في العقيقة.","level":3,"page":5571},{"title":"مسألة [٥]: الوقت الذي يستحب فيه الذبح للعقيقة؟","level":3,"page":5572},{"title":"مسألة [٦]: من لم يعق عنه حتى كبر؟","level":3,"page":5573},{"title":"مسألة [٧]: إذا مات الطفل قبل اليوم السابع؟","level":3,"page":5574},{"title":"مسألة [٨]: هل تجزئ العقيقة بغير الغنم؟","level":3,"page":5575},{"title":"مسألة [٩]: شروط العقيقة.","level":3,"page":5576},{"title":"مسألة [١٠]: تلطيخ رأس الطفل من دم العقيقة.","level":3,"page":5577},{"title":"مسألة [١١]: حلق شعر المولود يوم سابعه.","level":3,"page":5578},{"title":"فصل في ذكر بعض المسائل الملحقة","level":3,"page":5579},{"title":"مسألة [١]: القزع.","level":3,"page":5579},{"title":"مسألة [٢]: التصدق بزنة الشعر ورقا.","level":3,"page":5579},{"title":"مسألة [٣]: تسمية المولود.","level":3,"page":5580},{"title":"مسألة [٤]: ختان المولود.","level":3,"page":5580},{"title":"مسألة [٥]: حكم الختان.","level":3,"page":5581},{"title":"مسألة [٦]: وقت الختان.","level":3,"page":5584},{"title":"كتاب الأيمان والنذور","level":1,"page":5586},{"title":"باب","level":2,"page":5586},{"title":"مسألة [١]: حكم اليمين.","level":3,"page":5586},{"title":"مسألة [٢]: الحلف على فعل طاعة، أو ترك معصية.","level":3,"page":5588},{"title":"مسألة [٣]: الحلف على الحقوق عند الحاكم.","level":3,"page":5589},{"title":"مسألة [٤]: الذي تصح منه اليمين.","level":3,"page":5589},{"title":"مسألة [٥]: الحلف بغير الله، وصفاته.","level":3,"page":5590},{"title":"مسألة [٦]: اليمين المنعقدة.","level":3,"page":5591},{"title":"مسألة [٧]: قول الحالف: وحق الله.","level":3,"page":5591},{"title":"مسألة [٨]: قول الحالف: لعمر الله.","level":3,"page":5592},{"title":"مسألة [٩]: قوله: لعمرك. ولعمري، وما أشبهه؟","level":3,"page":5592},{"title":"مسألة [١٠]: حروف القسم.","level":3,"page":5593},{"title":"مسألة [١١]: إذا قال: يمين الله، وأيم الله؟","level":3,"page":5593},{"title":"مسألة [١٢]: الحلف بالقرآن، أو بآية منه.","level":3,"page":5594},{"title":"مسألة [١٣]: قوله: أقسم بالله. أحلف بالله. آليت بالله. أعزم بالله. أشهد بالله؟","level":3,"page":5595},{"title":"مسألة [١٤]: إن قال: أقسمت. أو آليت. أو حلفت. أو شهدت لأفعلن كذا؟","level":3,"page":5595},{"title":"مسألة [١٥]: قول الحالف: عهد الله. ميثاق الله؟","level":3,"page":5597},{"title":"مسألة [١٦]: الحلف بالخروج من الإسلام.","level":3,"page":5598},{"title":"مسألة [١٧]: إن حرم على نفسه ما أحل الله له، فهل هو يمين مكفرة؟","level":3,"page":5599},{"title":"مسألة [١٨]: الحلف بالنذر.","level":3,"page":5600},{"title":"مسألة [١٩]: الحلف بالطلاق، والعتاق.","level":3,"page":5601},{"title":"مسألة [٢٠]: الحلف بالأمانة.","level":3,"page":5602},{"title":"مسألة [٢١]: هل تنعقد اليمين إذا حلف بمخلوق؟","level":3,"page":5602},{"title":"مسألة [١]: التأويل في اليمين.","level":3,"page":5603},{"title":"مسألة [٢]: هل العبرة بنية الحالف، أم بلفظه؟","level":3,"page":5604},{"title":"مسألة [١]: الكفارة قبل الحنث، أم بعده؟","level":3,"page":5605},{"title":"مسألة [٢]: أيهما أفضل في الكفارة قبل الحنث أم بعده؟","level":3,"page":5607},{"title":"مسألة [١]: الاستثناء في اليمين.","level":3,"page":5608},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط أن يتلفظ بالاستثناء؟","level":3,"page":5610},{"title":"مسألة [٣]: هل يشترط أن يقصد الاستثناء؟","level":3,"page":5610},{"title":"مسألة [٤]: هل يشترط أن يقصد الاستثناء من ابتداء اليمين؟","level":3,"page":5610},{"title":"مسألة [٥]: الاستثناء في الحلف بالطلاق والعتاق؟","level":3,"page":5611},{"title":"مسألة [٦]: شروط وجوب الكفارة.","level":3,"page":5611},{"title":"مسألة [٧]: إذا فعل ما حلف على تركه ناسيا؟","level":3,"page":5613},{"title":"مسألة [٨]: إن فعل المحلوف عليه جاهلا به؟","level":3,"page":5614},{"title":"مسألة [١]: هل في اليمين الغموس كفارة؟","level":3,"page":5615},{"title":"مسألة [٢]: الحلف بالطلاق، أو العتاق، والنذر، والخروج من الإسلام كاذبا؟","level":3,"page":5616},{"title":"مسألة [١]: لغو اليمين.","level":3,"page":5618},{"title":"مسألة [٢]: الحلف على المستحيل.","level":3,"page":5620},{"title":"مسألة [٣]: إذا حلف شخص ليفعلن فلان كذا، فأحنثه ولم يفعل؟","level":3,"page":5620},{"title":"مسألة [٤]: إذا قال: سألتك بالله لتفعلن كذا؟","level":3,"page":5622},{"title":"مسألة [٥]: حكم إبرار القسم؟","level":3,"page":5623},{"title":"فصل في مسائل تتعلق بكفارة اليمين","level":3,"page":5627},{"title":"مسألة [١]: هل تقتضي اليمين الإيجاب والتحريم؟","level":4,"page":5627},{"title":"مسألة [٢]: كفارة اليمين.","level":4,"page":5628},{"title":"مسألة [٣]: أوصاف المساكين المستحقين.","level":4,"page":5628},{"title":"مسألة [٤]: مقدار ما يخرجه الحالف في كفارة اليمين من الطعام.","level":4,"page":5630},{"title":"مسألة [٥]: هل يجزئ إخراج القيمة في كفارة اليمين؟","level":4,"page":5631},{"title":"مسألة [٦]: هل يشترط في المساكين أن يكون عددهم عشرة؟","level":4,"page":5632},{"title":"مسألة [٧]: من عجز عن العشرة المساكين؟","level":4,"page":5632},{"title":"مسألة [٨]: إن فرق بين العشرة؟","level":4,"page":5632},{"title":"مسألة [٩]: إذا دفعها إلى من يظنه فقيرا، فبان غنيا؟","level":4,"page":5633},{"title":"مسألة [١٠]: مقدار ما يكسى كل مسكين؟","level":4,"page":5633},{"title":"مسألة [١١]: هل يجوز إعتاق الطفل في الرقبة؟","level":4,"page":5634},{"title":"مسألة [١٢]: إعتاق الجنين.","level":4,"page":5634},{"title":"مسألة [١٣]: هل يجزئ عتق المكاتب؟","level":4,"page":5634},{"title":"مسألة [١٤]: هل يجزئ المدبر؟","level":4,"page":5635},{"title":"مسألة [١٥]: ما هي العيوب التي لا يجزئ معها عتق الرقبة؟","level":4,"page":5635},{"title":"مسألة [١٦]: هل يشترط التتابع في صوم الثلاثة الأيام؟","level":4,"page":5637},{"title":"مسألة [١٧]: ضابط من يجب عليه الإطعام، ومن يجوز له الانتقال إلى الصوم؟","level":4,"page":5638},{"title":"مسألة [١٨]: إن ملك ما يكفر به، وعليه دين يستغرقه؟","level":4,"page":5639},{"title":"مسألة [١٩]: إن كان له مال غائب، أو دين يرجو وفاءه؟","level":4,"page":5639},{"title":"مسألة [٢٠]: من له دار، أو دابة، أو خادم لا غنى له عنها؟","level":4,"page":5639},{"title":"مسألة [٢١]: هل يجزئه أن يطعم خمسة، ويكسو خمسة؟","level":4,"page":5640},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا أعتق نصفي عبدين؟","level":4,"page":5640},{"title":"مسألة [٢٣]: إن أعتق نصف رقبة، وأطعم خمسة مساكين؟","level":4,"page":5640},{"title":"مسألة [٢٤]: من دخل في الصوم ثم وجد مالا؟","level":4,"page":5641},{"title":"مسألة [٢٥]: إذا أحب الانتقال إلى الأعلى بعد شروعه بالأدنى؟","level":4,"page":5641},{"title":"مسألة [٢٦]: إذا وجبت الكفارة على موسر، فأعسر؟","level":4,"page":5641},{"title":"مسألة [٢٧]: إذا كفر الرجل عن الرجل بالعتق فلمن الولاء؟","level":4,"page":5642},{"title":"مسألة [٢٨]: هل الكفارات على الفور، أم على التراخي؟","level":4,"page":5642},{"title":"مسألة [٢٩]: إذا كرر الحالف اليمين، فكم عليه كفارات؟","level":4,"page":5643},{"title":"مسألة [٣٠]: إن حلف يمينا واحدة على أجناس مختلفة؟","level":4,"page":5643},{"title":"مسألة [٣١]: إن حلف أيمانا على أجناس؟","level":4,"page":5644},{"title":"مسألة [٣٢]: إذا حلف الكافر في حال كفره، ثم حنث بعد إسلامه؟","level":4,"page":5645},{"title":"مسألة [١]: معنى النذر.","level":3,"page":5649},{"title":"مسألة [٢]: حكم النذر.","level":3,"page":5649},{"title":"مسألة [٣]: أقسام النذر.","level":3,"page":5650},{"title":"مسألة [٤]: من نذر أن يتصدق بماله كله؟","level":3,"page":5654},{"title":"مسألة [٥]: من نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام لحج أو عمرة؟","level":3,"page":5655},{"title":"مسألة [٦]: وهل عليه حج أو عمرة إذا أطلق النذر بالمشي؟","level":3,"page":5656},{"title":"مسألة [٧]: من قال: لله علي أن أصوم يوم يقدم فلان؟","level":3,"page":5657},{"title":"مسألة [٨]: إذا نذر الذهاب إلى مسجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أو المسجد الأقصى؟","level":3,"page":5659},{"title":"مسألة [٩]: من مات وعليه نذر؟","level":3,"page":5660},{"title":"مسألة [١٠]: من نذر نذرا في الجاهلية طاعة لله، فهل يلزمه الوفاء بعد إسلامه؟","level":3,"page":5661},{"title":"كتاب القضاء","level":1,"page":5662},{"title":"باب","level":2,"page":5663},{"title":"مسألة [١]: حكم تولي القضاء.","level":3,"page":5663},{"title":"مسألة [٢]: أحوال الناس في القضاء.","level":3,"page":5663},{"title":"مسألة [٣]: أخذ الأجرة على القضاء، وأخذ الرزق.","level":3,"page":5664},{"title":"مسألة [٤]: شروط القاضي.","level":3,"page":5665},{"title":"مسألة [١]: هل يأثم الحاكم بخطئه؟","level":3,"page":5668},{"title":"مسألة [١]: هل للقاضي أن يحكم وهو غضبان؟","level":3,"page":5669},{"title":"مسألة [٢]: هل ينفذ القضاء إذا قضى في غضبه؟","level":3,"page":5670},{"title":"مسألة [١]: هل يجب على الحاكم أن يسمع من الخصمين؟","level":3,"page":5671},{"title":"مسألة [٢]: القضاء على الغائب إذا قامت بينة.","level":3,"page":5672},{"title":"مسألة [١]: قضاء الحاكم لا يغير الشيء عن صفته.","level":3,"page":5673},{"title":"مسألة [٢]: هل للحاكم أن يحكم بعلمه؟","level":3,"page":5673},{"title":"مسألة [٣]: إذا شهد عند الحاكم من لا يعرفه؟","level":3,"page":5674},{"title":"مسألة [٤]: كم هو المعتبر في تزكية الشهود؟","level":3,"page":5674},{"title":"مسألة [٥]: إذا قال: لا أعلم عنه إلا خيرا؟","level":3,"page":5675},{"title":"مسألة [٦]: الجرح والتعديل من النساء؟","level":3,"page":5675},{"title":"مسألة [٧]: هل يقبل الجرح من الخصم؟","level":3,"page":5675},{"title":"مسألة [١]: حكم الرشوة.","level":3,"page":5679},{"title":"مسألة [٢]: حكم قبول الهدية.","level":3,"page":5680},{"title":"مسألة [١]: التسوية بين الخصمين في المقعد، والخطاب.","level":3,"page":5681},{"title":"مسألة [٢]: هل يجوز للحاكم أن ينقض حكم حاكم قبله؟","level":3,"page":5681},{"title":"باب الشهادات","level":2,"page":5683},{"title":"مسألة [١]: حكم تحمل الشهادة وأدائها؟","level":3,"page":5684},{"title":"مسألة [٢]: أخذ مال مقابل الشهادة؟","level":3,"page":5684},{"title":"مسألة [١]: شروط الشاهد.","level":3,"page":5686},{"title":"مسألة [٢]: شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم؟","level":3,"page":5687},{"title":"مسألة [٣]: هل تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض؟","level":3,"page":5688},{"title":"مسألة [٤]: شهادة العبد.","level":3,"page":5689},{"title":"مسألة [٥]: شهادة البدوي على صاحب القرية.","level":3,"page":5690},{"title":"مسألة [٦]: شهادة الخصم فيما يخاصم فيه؟","level":3,"page":5691},{"title":"مسألة [٧]: شهادة الرجل على آخر بينهما عداوة؟","level":3,"page":5691},{"title":"مسألة [٨]: هل تجوز شهادة الأعمى؟","level":3,"page":5692},{"title":"مسألة [٩]: هل تجوز شهادة الأخرس؟","level":3,"page":5693},{"title":"مسألة [١٠]: شهادة الوالد لولده، والعكس؟","level":3,"page":5693},{"title":"مسألة [١١]: شهادة أحد الوالدين على ولده، والعكس؟","level":3,"page":5694},{"title":"مسألة [١٢]: شهادة السيد لعبده، والعكس؟","level":3,"page":5695},{"title":"مسألة [١٣]: شهادة أحد الزوجين لصاحبه؟","level":3,"page":5695},{"title":"مسألة [١٤]: شهادة الأخ لأخيه؟","level":3,"page":5696},{"title":"مسألة [١٥]: شهادة من يجر لنفسه نفعا؟","level":3,"page":5696},{"title":"مسألة [١]: ضابط العدل.","level":3,"page":5697},{"title":"مسألة [١]: حكم شهادة الزور.","level":3,"page":5699},{"title":"مسألة [١]: الشهادة تكون بعلم لا بظن.","level":3,"page":5700},{"title":"مسألة [٢]: هل يشترط أن يعرف الشاهد عين المشهود عليه، واسمه، ونسبه؟","level":3,"page":5701},{"title":"مسألة [٣]: الشهادة على الأمور المستفيضة المشتهرة؟","level":3,"page":5701},{"title":"مسألة [١]: عدد الشهود الذي يقضى به؟","level":3,"page":5703},{"title":"مسألة [٢]: هل يقبل في هذين القسمين شاهد ويمين؟","level":3,"page":5705},{"title":"مسألة [٣]: وهل يقبل في هذا القسم الشاهد، ويمين المدعي؟","level":3,"page":5706},{"title":"مسألة [٤]: هل تقبل شهادة امرأتين مع يمين المدعي؟","level":3,"page":5707},{"title":"مسألة [٥]: ما لا يطلع عليه الرجال، كم عدد يشترط فيه من النساء؟","level":3,"page":5709},{"title":"مسألة [١]: هل تقبل شهادة القاذف إذا تاب؟","level":3,"page":5711},{"title":"مسألة [٢]: هل ترد رواية القاذف؟","level":3,"page":5711},{"title":"مسألة [٣]: هل يشترط في توبة القاذف أن يكذب نفسه؟","level":3,"page":5712},{"title":"مسألة [٤]: من شهد شهادة في حال فسقه، فردت، ثم شهد بها، وقد تاب، وصار عدلا؟","level":3,"page":5712},{"title":"مسألة [٥]: فإن لم يؤد الشهادة حتى صار عدلا؟","level":3,"page":5713},{"title":"مسألة [٦]: لو شهد وهو عدل، فلم يحكم بشهادته حتى طرأ عليه الفسق، أو الكفر؟","level":3,"page":5713},{"title":"مسألة [٧]: فإن طرأ عليهما الجنون، أو الموت؟","level":3,"page":5713},{"title":"مسألة [٨]: حكم الشهادة على الشهادة؟","level":3,"page":5714},{"title":"مسألة [٩]: فيم تقبل الشهادة على الشهادة؟","level":3,"page":5714},{"title":"مسألة [١٠]: شروط الشهادة على الشهادة.","level":3,"page":5715},{"title":"مسألة [١١]: ضابط الغيبة التي تجيز شهادة الفرع؟","level":3,"page":5717},{"title":"مسألة [١٢]: هل تجوز الشهادة على من سمع منه الإقرار بشيء، والشاهدان مستخفيان؟","level":3,"page":5717},{"title":"مسألة [١٣]: من كان له بينة لا يعلمها، أو غائبة عنه، فحلف المدعى عليه، ثم تمكن من البينة؟","level":3,"page":5718},{"title":"مسألة [١٤]: اليمين التي يحلف بها؟","level":3,"page":5718},{"title":"مسألة [١٥]: هل يقطع بالنفي في يمينه، أو يحلف على نفي علمه؟","level":3,"page":5719},{"title":"مسألة [١٦]: الرجوع عن الشهادات؟","level":3,"page":5719},{"title":"مسألة [١٧]: إذا حكم الحاكم بشهادة فرع، ثم حصل الرجوع؟","level":3,"page":5721},{"title":"مسألة [١٨]: إذا حكم الحاكم بشاهد ويمين، فرجع الشاهد؟","level":3,"page":5722},{"title":"مسألة [١٩]: إذا قطع الحاكم يد سارق بشهادة اثنين، ثم تبين أنهما كافران، أو فاسقان؟","level":3,"page":5722},{"title":"مسألة [٢٠]: لو جلد الإمام إنسانا بشهادة شهود، فبان بعد ذلك فسقهم؟","level":3,"page":5723},{"title":"مسألة [٢١]: من ادعى دعوى وقال: لا بينة لي. ثم أتى بعد ذلك ببينة؟","level":3,"page":5723},{"title":"مسألة [٢٢]: إذا أنكر العدل أن تكون عنده شهادة، ثم شهد بها، وادعى أنه نسي؟","level":3,"page":5724},{"title":"مسألة [٢٣]: اختلاف الشهداء.","level":3,"page":5725},{"title":"باب الدعوى والبينات","level":2,"page":5726},{"title":"مسألة [١]: البينة على المدعي، واليمين على من أنكر.","level":3,"page":5726},{"title":"مسألة [٢]: هل يستحلف في النكاح؟","level":3,"page":5730},{"title":"مسألة [٣]: الاستحلاف في حقوق الله.","level":3,"page":5731},{"title":"مسألة [٤]: إذا ادعت المرأة النكاح على الرجل؟","level":3,"page":5732},{"title":"مسألة [١]: إذا ادعى كل واحد من المتخاصمين عينا ليست في يده، وجاء كل واحد ببينة؟","level":3,"page":5733},{"title":"مسألة [١]: تغليظ اليمين.","level":3,"page":5737},{"title":"مسألة [١]: من ادعى عينا في يد غيره، فأنكر الآخر، ولكل واحد منهما بينة؟","level":3,"page":5738},{"title":"مسألة [٢]: وإذا قدمنا بينة المدعى عليه، فهل يحلف؟","level":3,"page":5739},{"title":"مسألة [٣]: إذا كانت البينة مع المدعي فقط؟","level":3,"page":5739},{"title":"مسألة [٤]: وإذا كانت البينة مع المنكر فقط؟","level":3,"page":5740},{"title":"مسألة [٥]: إذا تنازع رجلان في عين في أيديهما؟","level":3,"page":5740},{"title":"مسألة [٦]: وهل يحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به؟","level":3,"page":5741},{"title":"مسألة [٧]: هل ترجح إحدى البينتين بكثرة العدد، أو اشتهار العدالة؟","level":3,"page":5741},{"title":"مسألة [٨]: إذا كان الخصمان في أيديهما دار، فادعى أحدهما نصفها، وادعى الآخر كلها ولا بينة لأحدهما؟","level":3,"page":5742},{"title":"مسألة [١]: إذا نكل المنكر عن اليمين، فهل تحول اليمين على المدعي، أم يستحق بغير يمين؟","level":3,"page":5743},{"title":"كتاب العتق","level":1,"page":5745},{"title":"باب","level":2,"page":5746},{"title":"مسألة [١]: فضيلة العتق.","level":3,"page":5746},{"title":"مسألة [٢]: هل تكفي النية في العتق، أم لابد من القول؟","level":3,"page":5747},{"title":"مسألة [٣]: هل يصح العتق من الكافر؟","level":3,"page":5747},{"title":"مسألة [٤]: هل يشترط أن يكون العتق من المالك؟","level":3,"page":5748},{"title":"مسألة [٥]: هل يشترط أن يكون العتق من جائز التصرف؟","level":3,"page":5748},{"title":"مسألة [١]: الشركاء في العبد إذا أعتقوا جميعا؟","level":3,"page":5749},{"title":"مسألة [٢]: إذا أعتق أحدهم نصيبه وهو موسر؟","level":3,"page":5750},{"title":"مسألة [٣]: إذا أعتقه الشريكان الآخران بعد عتق الأول الموسر؟","level":3,"page":5751},{"title":"مسألة [٤]: إذا أعتق الشريك وهو معسر؟","level":3,"page":5752},{"title":"مسألة [٥]: إذا أعتق شخص بعض عبده؟","level":3,"page":5754},{"title":"مسألة [٦]: إذا أعتق جزءا معينا من جسده، كرأسه ورجله؟","level":3,"page":5754},{"title":"مسألة [١]: من ملك عبدا، أو أمة وهو ذو رحم محرم؟","level":3,"page":5755},{"title":"مسألة [١]: من ملك محرما من الرضاعة؟","level":3,"page":5756},{"title":"مسألة [٢]: من ملك نصيبا من ذي رحم محرم؟","level":3,"page":5757},{"title":"مسألة [١]: إذا أعتق عبيده في مرض موته، أو دبرهم، أو أوصى بعتقهم؟","level":3,"page":5758},{"title":"مسألة [١]: استثناء منفعة من المعتق؟","level":3,"page":5759},{"title":"مسألة [١]: الولاء لمن أعتق.","level":3,"page":5761},{"title":"مسألة [٢]: إن أعتق حربي حربيا فهل يثبت له الولاء؟","level":3,"page":5762},{"title":"مسألة [٣]: إن سبي المعتق الكافر الذي أعتقه كافر، ثم اشتراه رجل من المسلمين، فأعتقه، فهل الولاء للأول، أم للثاني؟","level":3,"page":5763},{"title":"مسألة [٤]: بيع الولاء وهبته؟","level":3,"page":5763},{"title":"مسألة [٥]: إذا أعتق السيد عبده سائبة، بمعنى: لا يريد ولاءه؟","level":3,"page":5764},{"title":"مسألة [٦]: من ملك ذا رحم محرم؟","level":3,"page":5765},{"title":"مسألة [٧]: هل للسيد على المكاتب ولاء؟","level":3,"page":5765},{"title":"مسألة [٨]: إذا أعتق إنسان عبده عن غيره؟","level":3,"page":5766},{"title":"مسألة [٩]: إذا مات المعتق، فهل ينتقل الولاء لورثته؟","level":3,"page":5766},{"title":"مسألة [١٠]: إذا ماتت المعتقة، ثم مات ابنها، ثم مات مولاها؟","level":3,"page":5768},{"title":"مسألة [١١]: أولاد المعتق، أو المعتقة يجري عليهم الولاء؟","level":3,"page":5770},{"title":"مسألة [١٢]: إذا انجر الولاء إلى موالي الأب، ثم انقرضوا؟","level":3,"page":5771},{"title":"مسألة [١٣]: شروط انجرار الولاء.","level":3,"page":5772},{"title":"مسألة [١٤]: أولاد الأمة.","level":3,"page":5773},{"title":"مسألة [١٥]: إن كان أحد الأبوين حر الأصل، والآخر حرا بالتحرير؟","level":3,"page":5773},{"title":"باب المدبر والمكاتب وأم الولد","level":2,"page":5775},{"title":"مسألة [١]: هل يخرج المدبر من المال كاملا، أم من الثلث؟","level":3,"page":5775},{"title":"مسألة [٢]: إذا اجتمع العتق في المرض مع التدبير؟","level":3,"page":5776},{"title":"مسألة [٣]: بيع المدبر؟","level":3,"page":5777},{"title":"مسألة [٤]: إذا اشتراه بعد بيعه، هل يرجع في التدبير؟","level":3,"page":5777},{"title":"مسألة [٥]: ولد المدبرة.","level":3,"page":5777},{"title":"مسألة [٦]: هل له وطء مدبرته؟","level":3,"page":5778},{"title":"مسألة [٧]: هل يصح التدبير من الصبي المميز؟","level":3,"page":5779},{"title":"مسألة [٨]: مكاتبة المدبر.","level":3,"page":5780},{"title":"مسألة [١]: حكم الكتابة.","level":3,"page":5782},{"title":"مسألة [٢]: معنى قوله تعالى: ﴿إن علمتم فيهم خيرا﴾.","level":3,"page":5783},{"title":"مسألة [٣]: مكاتبة من لا كسب له.","level":3,"page":5783},{"title":"مسألة [٤]: الكتابة الحالة والمؤجلة.","level":3,"page":5783},{"title":"مسألة [٥]: إذا عجز المكاتب عن أداء جميع المال؟","level":3,"page":5784},{"title":"مسألة [٦]: ضابط المال الذي يكاتب عليه.","level":3,"page":5785},{"title":"مسألة [٧]: إعطاء المكاتب بعض ما كوتب عليه.","level":3,"page":5785},{"title":"مسألة [٨]: مقدار ما يعطاه.","level":3,"page":5786},{"title":"مسألة [٩]: إذا عجل المكاتب المال قبل محله؟","level":3,"page":5787},{"title":"مسألة [١٠]: إذا ملك العبد ما يؤدي، فهل يعتق بذلك أم لا يعتق حتى يؤدي؟","level":3,"page":5787},{"title":"مسألة [١١]: إذا مات السيد والعبد مكاتب؟","level":3,"page":5788},{"title":"مسألة [١٢]: إذا مات المكاتب، وفي يده وفاء؟","level":3,"page":5788},{"title":"مسألة [١٣]: هل للسيد منع المكاتب من السفر؟","level":3,"page":5789},{"title":"مسألة [١٤]: إن شرط عليه في الكتابة أن لا يسافر؟","level":3,"page":5790},{"title":"مسألة [١٥]: هل للمكاتب أن يتزوج بغير إذن سيده؟","level":3,"page":5790},{"title":"مسألة [١٦]: هل للمكاتب التسري؟","level":3,"page":5791},{"title":"مسألة [١٧]: هل للمكاتب أن يزوج عبيده وإماءه؟","level":3,"page":5791},{"title":"مسألة [١٨]: هل للمكاتب أن يعتق رقيقه بغير إذن السيد؟","level":3,"page":5792},{"title":"مسألة [١٩]: هبة المكاتب للمال؟","level":3,"page":5793},{"title":"مسألة [٢٠]: هل للسيد أن يطأ مكاتبته؟","level":3,"page":5793},{"title":"مسألة [٢١]: إن وطئها بغير شرط؟","level":3,"page":5794},{"title":"مسألة [٢٢]: هل للسيد وطء جارية مكاتبه، ومكاتبته؟","level":3,"page":5795},{"title":"مسألة [٢٣]: إذا وطئ السيد المكاتبة بغير شرط، فهل عليه لها مهر؟","level":3,"page":5795},{"title":"مسألة [٢٤]: إذا حملت المكاتبة من سيدها؟","level":3,"page":5795},{"title":"مسألة [٢٥]: إذا مر على المكاتب وقت النجم الأول فلم يؤد؟","level":3,"page":5796},{"title":"مسألة [٢٦]: جناية المكاتب.","level":3,"page":5796},{"title":"مسألة [٢٧]: إذا مات المكاتب وعليه ديون؟","level":3,"page":5797},{"title":"مسألة [٢٨]: بيع المكاتب.","level":3,"page":5797},{"title":"مسألة [٢٩]: إذا عجل المكاتب لسيده المال مقابل وضع شيء من المال؟","level":3,"page":5797},{"title":"مسألة [٣٠]: إذا شرط المكاتب على سيده أن يوالي من شاء؟","level":3,"page":5798},{"title":"مسألة [٣١]: إذا شرط السيد على المكاتب أن يرثه مع الورثة، ويزاحمهم في الميراث؟","level":3,"page":5798},{"title":"مسألة [٣٢]: إذا شرط عليه خدمة معلومة بعد العتق؟","level":3,"page":5798},{"title":"مسألة [٣٣]: إذا أعتق السيد الأمة، أو كاتبها، واستثنى ما في بطنها؟","level":3,"page":5799},{"title":"مسألة [٣٤]: إذا أعتق ما في بطن أمته دونها؟","level":3,"page":5800},{"title":"مسألة [١]: معنى أم الولد.","level":3,"page":5801},{"title":"مسألة [٢]: هل يدخل في (أم الولد) ما إذا تزوج أمة فأولدها، أو أحبلها، ثم ملكها؟","level":3,"page":5801},{"title":"مسألة [٣]: أحكام أمهات الأولاد.","level":3,"page":5802},{"title":"مسألة [٤]: شروط مصير الأمة أم ولد.","level":3,"page":5803},{"title":"مسألة [٥]: ولد أم الولد من غير سيدها.","level":3,"page":5804},{"title":"مسألة [٦]: إذا أسلمت أمة الذمي؟","level":3,"page":5804},{"title":"مسألة [٧]: جناية أم الولد.","level":3,"page":5804},{"title":"مسألة [٨]: هل يشترط رضاها في التزويج؟","level":3,"page":5805},{"title":"كتاب الجامع","level":1,"page":5807},{"title":"باب الأدب","level":2,"page":5807},{"title":"مسألة [١]: حكم الابتداء بالسلام، وحكم الرد؟","level":3,"page":5807},{"title":"مسألة [٢]: صيغة السلام.","level":3,"page":5808},{"title":"مسألة [٣]: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا استنصحك فانصحه».","level":3,"page":5811},{"title":"مسألة [٤]: حكم الحمد عند العطاس؟","level":3,"page":5811},{"title":"مسألة [٥]: صيغة التشميت.","level":3,"page":5812},{"title":"مسألة [٦]: زيادة (ومغفرته) في السلام؟","level":3,"page":5812},{"title":"مسألة [٧]: حكم تشميت العاطس؟","level":3,"page":5821},{"title":"مسألة [٨]: قول العاطس (يهديكم الله ويصلح بالكم).","level":3,"page":5822},{"title":"مسألة [٩]: عيادة المريض.","level":3,"page":5822},{"title":"مسألة [١٠]: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا مات فاتبعه».","level":3,"page":5822},{"title":"مسألة [١]: تناجي اثنان دون ثالث.","level":3,"page":5825},{"title":"مسألة [١]: حكم لعق الأصابع عند الفراغ من الطعام.","level":3,"page":5828},{"title":"مسألة [١]: الابتداء بالسلام.","level":3,"page":5829},{"title":"مسألة [١]: إذا عطس اليهودي، فهل يشمت إذا حمد الله؟","level":3,"page":5831},{"title":"مسألة [٢]: إذا تكرر العطاس، فهل يكرر الحمد والتشميت؟","level":3,"page":5832},{"title":"مسألة [١]: حكم الشرب قائما.","level":3,"page":5833},{"title":"مسألة [١]: ابتداء الانتعال باليمين.","level":3,"page":5834},{"title":"مسألة [١]: المشي في نعل واحدة.","level":3,"page":5835},{"title":"مسألة [١]: حكم إسبال الإزار؟","level":3,"page":5836},{"title":"مسألة [١]: حكم الأكل والشرب بالشمال؟","level":3,"page":5836},{"title":"باب البر والصلة","level":2,"page":5838},{"title":"مسألة [١]: معنى قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ينسأ له في أثره».","level":3,"page":5839},{"title":"مسألة [٢]: ضابط الرحم.","level":3,"page":5840},{"title":"مسألة [٣]: تحريم قطيعة الرحم.","level":3,"page":5841},{"title":"مسألة [٤]: بماذا تحصل الصلة والقطيعة؟","level":3,"page":5841},{"title":"مسألة [١]: هجر المسلم.","level":3,"page":5848},{"title":"مسألة [٢]: متى يخرج المتهاجران من الهجر؟","level":3,"page":5849},{"title":"مسألة [٣]: هجر المبتدع والمجاهر بالفسق.","level":3,"page":5850},{"title":"باب الزهد والورع","level":2,"page":5857},{"title":"باب الرهب من مساوئ الأخلاق","level":2,"page":5868},{"title":"باب الترغيب في مكارم الأخلاق","level":2,"page":5913},{"title":"باب الذكر والدعاء","level":2,"page":5931}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67,"1,70":68,"1,71":69,"1,72":70,"1,73":71,"1,74":72,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":78,"1,81":79,"1,82":80,"1,83":81,"1,84":82,"1,85":83,"1,86":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,90":88,"1,91":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,94":92,"1,95":93,"1,96":94,"1,97":95,"1,98":96,"1,99":97,"1,100":98,"1,101":99,"1,102":100,"1,103":101,"1,104":102,"1,105":103,"1,106":104,"1,107":105,"1,108":106,"1,109":107,"1,110":108,"1,111":109,"1,112":110,"1,113":111,"1,114":112,"1,115":113,"1,116":114,"1,117":115,"1,118":116,"1,119":117,"1,120":118,"1,121":119,"1,122":120,"1,123":121,"1,124":122,"1,125":123,"1,126":124,"1,127":125,"1,128":126,"1,129":127,"1,130":128,"1,131":129,"1,132":130,"1,133":131,"1,134":132,"1,135":133,"1,136":134,"1,137":135,"1,138":136,"1,139":137,"1,140":138,"1,141":139,"1,142":140,"1,143":141,"1,144":142,"1,145":143,"1,146":144,"1,147":145,"1,148":146,"1,149":147,"1,150":148,"1,151":149,"1,152":150,"1,153":151,"1,154":152,"1,155":153,"1,156":154,"1,157":155,"1,158":156,"1,159":157,"1,160":158,"1,161":159,"1,162":160,"1,163":161,"1,164":162,"1,165":163,"1,166":164,"1,167":165,"1,168":166,"1,169":167,"1,170":168,"1,171":169,"1,172":170,"1,173":171,"1,174":172,"1,175":173,"1,176":174,"1,177":175,"1,178":176,"1,179":177,"1,180":178,"1,181":179,"1,182":180,"1,183":181,"1,184":182,"1,185":183,"1,186":184,"1,187":185,"1,188":186,"1,189":187,"1,190":188,"1,191":189,"1,192":190,"1,193":191,"1,194":192,"1,195":193,"1,196":194,"1,197":195,"1,198":196,"1,199":197,"1,200":198,"1,201":199,"1,202":200,"1,203":201,"1,204":202,"1,205":203,"1,206":204,"1,207":205,"1,208":206,"1,209":207,"1,210":208,"1,211":209,"1,212":210,"1,213":211,"1,214":212,"1,215":213,"1,216":214,"1,217":215,"1,218":216,"1,219":217,"1,220":218,"1,221":219,"1,222":220,"1,223":221,"1,224":222,"1,225":223,"1,226":224,"1,227":225,"1,228":226,"1,229":227,"1,230":228,"1,231":229,"1,232":230,"1,233":231,"1,234":232,"1,235":233,"1,236":234,"1,237":235,"1,238":236,"1,239":237,"1,240":238,"1,241":239,"1,242":240,"1,243":241,"1,244":242,"1,245":243,"1,246":244,"1,247":245,"1,248":246,"1,249":247,"1,250":248,"1,251":249,"1,252":250,"1,253":251,"1,254":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,264":261,"1,265":262,"1,266":263,"1,267":264,"1,268":265,"1,269":266,"1,270":267,"1,271":268,"1,272":269,"1,273":270,"1,274":271,"1,275":272,"1,276":273,"1,277":274,"1,278":275,"1,279":276,"1,280":277,"1,281":278,"1,282":279,"1,283":280,"1,284":281,"1,285":282,"1,286":283,"1,287":284,"1,288":285,"1,289":286,"1,290":287,"1,291":288,"1,292":289,"1,293":290,"1,294":291,"1,295":292,"1,296":293,"1,297":294,"1,298":295,"1,299":296,"1,300":297,"1,301":298,"1,302":299,"1,303":300,"1,304":301,"1,305":302,"1,306":303,"1,307":304,"1,308":305,"1,309":306,"1,310":307,"1,311":308,"1,312":309,"1,313":310,"1,314":311,"1,315":312,"1,316":313,"1,317":314,"1,318":315,"1,319":316,"1,320":317,"1,321":318,"1,322":319,"1,323":320,"1,324":321,"1,325":322,"1,326":323,"1,327":324,"1,328":325,"1,329":326,"1,330":327,"1,331":328,"1,332":329,"1,333":330,"1,334":331,"1,335":332,"1,336":333,"1,337":334,"1,338":335,"1,339":336,"1,340":337,"1,341":338,"1,342":339,"1,343":340,"1,344":341,"1,345":342,"1,346":343,"1,347":344,"1,348":345,"1,349":346,"1,350":347,"1,351":348,"1,352":349,"1,353":350,"1,354":351,"1,355":352,"1,356":353,"1,357":354,"1,358":355,"1,359":356,"1,360":357,"1,361":358,"1,362":359,"1,363":360,"1,364":361,"1,365":362,"1,366":363,"1,367":364,"1,368":365,"1,369":366,"1,370":367,"1,371":368,"1,372":369,"1,373":370,"1,374":371,"1,375":372,"1,376":373,"1,377":374,"1,378":375,"1,379":376,"1,380":377,"1,381":378,"1,382":379,"1,383":380,"1,384":381,"1,385":382,"1,386":383,"1,387":384,"1,388":385,"1,389":386,"1,390":387,"1,391":388,"1,392":389,"1,393":390,"1,394":391,"1,395":392,"1,396":393,"1,397":394,"1,398":395,"1,399":396,"1,400":397,"1,401":398,"1,402":399,"1,403":400,"1,404":401,"1,405":402,"1,406":403,"1,407":404,"1,408":405,"1,409":406,"1,410":407,"1,411":408,"1,412":409,"1,413":410,"1,414":411,"1,415":412,"1,416":413,"1,417":414,"1,418":415,"1,419":416,"1,420":417,"1,421":418,"1,422":419,"1,423":420,"1,424":421,"1,425":422,"1,426":423,"1,427":424,"1,428":425,"1,429":426,"1,430":427,"1,431":428,"1,432":429,"1,433":430,"1,434":431,"1,435":432,"1,436":433,"1,437":434,"1,438":435,"1,439":436,"1,440":437,"1,441":438,"1,442":439,"1,443":440,"1,444":441,"1,445":442,"1,446":443,"1,447":444,"1,448":445,"1,449":446,"1,450":447,"1,451":448,"1,452":449,"1,453":450,"1,454":451,"1,455":452,"1,456":453,"1,457":454,"1,458":455,"1,459":456,"1,460":457,"1,461":458,"1,462":459,"1,463":460,"1,464":461,"1,465":462,"1,466":463,"1,467":464,"1,468":465,"1,469":466,"1,470":467,"1,471":468,"1,472":469,"1,473":470,"1,474":471,"1,475":472,"1,476":473,"1,477":474,"1,478":475,"1,479":476,"1,480":477,"1,481":478,"1,482":479,"1,483":480,"1,484":481,"1,485":482,"1,486":483,"1,487":484,"1,488":485,"1,489":486,"1,490":487,"1,491":488,"1,492":489,"1,493":490,"1,494":491,"1,495":492,"1,496":493,"1,497":494,"1,498":495,"1,499":496,"1,500":497,"1,501":498,"1,502":499,"1,503":500,"1,504":501,"1,505":502,"1,506":503,"1,507":504,"1,508":505,"1,509":506,"1,510":507,"1,511":508,"1,512":509,"1,513":510,"1,514":511,"1,515":512,"1,516":513,"1,517":514,"1,518":515,"1,519":516,"1,520":517,"1,521":518,"1,522":519,"1,523":520,"1,524":521,"1,525":522,"1,526":523,"1,527":524,"1,528":525,"1,529":526,"1,530":527,"1,531":528,"1,532":529,"1,533":530,"1,534":531,"1,535":532,"1,536":533,"1,537":534,"1,538":535,"1,539":536,"1,540":537,"1,541":538,"1,542":539,"1,543":540,"1,544":541,"1,545":542,"1,546":543,"1,547":544,"2,548":545,"2,1":546,"2,5":547,"2,6":548,"2,7":549,"2,8":550,"2,9":551,"2,10":552,"2,11":553,"2,12":554,"2,13":555,"2,14":556,"2,15":557,"2,16":558,"2,17":559,"2,18":560,"2,19":561,"2,20":562,"2,21":563,"2,22":564,"2,23":565,"2,24":566,"2,25":567,"2,26":568,"2,27":569,"2,28":570,"2,29":571,"2,30":572,"2,31":573,"2,32":574,"2,33":575,"2,34":576,"2,35":577,"2,36":578,"2,37":579,"2,38":580,"2,39":581,"2,40":582,"2,41":583,"2,42":584,"2,43":585,"2,44":586,"2,45":587,"2,46":588,"2,47":589,"2,48":590,"2,49":591,"2,50":592,"2,51":593,"2,52":594,"2,53":595,"2,54":596,"2,55":597,"2,56":598,"2,57":599,"2,58":600,"2,59":601,"2,60":602,"2,61":603,"2,62":604,"2,63":605,"2,64":606,"2,65":607,"2,66":608,"2,67":609,"2,68":610,"2,69":611,"2,70":612,"2,71":613,"2,72":614,"2,73":615,"2,74":616,"2,75":617,"2,76":618,"2,77":619,"2,78":620,"2,79":621,"2,80":622,"2,81":623,"2,82":624,"2,83":625,"2,84":626,"2,85":627,"2,86":628,"2,87":629,"2,88":630,"2,89":631,"2,90":632,"2,91":633,"2,92":634,"2,93":635,"2,94":636,"2,95":637,"2,96":638,"2,97":639,"2,98":640,"2,99":641,"2,100":642,"2,101":643,"2,102":644,"2,103":645,"2,104":646,"2,105":647,"2,106":648,"2,107":649,"2,108":650,"2,109":651,"2,110":652,"2,111":653,"2,112":654,"2,113":655,"2,114":656,"2,115":657,"2,116":658,"2,117":659,"2,118":660,"2,119":661,"2,120":662,"2,121":663,"2,122":664,"2,123":665,"2,124":666,"2,125":667,"2,126":668,"2,127":669,"2,128":670,"2,129":671,"2,130":672,"2,131":673,"2,132":674,"2,133":675,"2,134":676,"2,135":677,"2,136":678,"2,137":679,"2,138":680,"2,139":681,"2,140":682,"2,141":683,"2,142":684,"2,143":685,"2,144":686,"2,145":687,"2,146":688,"2,147":689,"2,148":690,"2,149":691,"2,150":692,"2,151":693,"2,152":694,"2,153":695,"2,154":696,"2,155":697,"2,156":698,"2,157":699,"2,158":700,"2,159":701,"2,160":702,"2,161":703,"2,162":704,"2,163":705,"2,164":706,"2,165":707,"2,166":708,"2,167":709,"2,168":710,"2,169":711,"2,170":712,"2,171":713,"2,172":714,"2,173":715,"2,174":716,"2,175":717,"2,176":718,"2,177":719,"2,178":720,"2,179":721,"2,180":722,"2,181":723,"2,182":724,"2,183":725,"2,184":726,"2,185":727,"2,186":728,"2,187":729,"2,188":730,"2,189":731,"2,190":732,"2,191":733,"2,192":734,"2,193":735,"2,194":736,"2,195":737,"2,196":738,"2,197":739,"2,198":740,"2,199":741,"2,200":742,"2,201":743,"2,202":744,"2,203":745,"2,204":746,"2,205":747,"2,206":748,"2,207":749,"2,208":750,"2,209":751,"2,210":752,"2,211":753,"2,212":754,"2,213":755,"2,214":756,"2,215":757,"2,216":758,"2,217":759,"2,218":760,"2,219":761,"2,220":762,"2,221":763,"2,222":764,"2,223":765,"2,224":766,"2,225":767,"2,226":768,"2,227":769,"2,228":770,"2,229":771,"2,230":772,"2,231":773,"2,232":774,"2,233":775,"2,234":776,"2,235":777,"2,236":778,"2,237":779,"2,238":780,"2,239":781,"2,240":782,"2,241":783,"2,242":784,"2,243":785,"2,244":786,"2,245":787,"2,246":788,"2,247":789,"2,248":790,"2,249":791,"2,250":792,"2,251":793,"2,252":794,"2,253":795,"2,254":796,"2,255":797,"2,256":798,"2,257":799,"2,258":800,"2,259":801,"2,260":802,"2,261":803,"2,262":804,"2,263":805,"2,264":806,"2,265":807,"2,266":808,"2,267":809,"2,268":810,"2,269":811,"2,270":812,"2,271":813,"2,272":814,"2,273":815,"2,274":816,"2,275":817,"2,276":818,"2,277":819,"2,278":820,"2,279":821,"2,280":822,"2,281":823,"2,282":824,"2,283":825,"2,284":826,"2,285":827,"2,286":828,"2,287":829,"2,288":830,"2,289":831,"2,290":832,"2,291":833,"2,292":834,"2,293":835,"2,294":836,"2,295":837,"2,296":838,"2,297":839,"2,298":840,"2,299":841,"2,300":842,"2,301":843,"2,302":844,"2,303":845,"2,304":846,"2,305":847,"2,306":848,"2,307":849,"2,308":850,"2,309":851,"2,310":852,"2,311":853,"2,312":854,"2,313":855,"2,314":856,"2,315":857,"2,316":858,"2,317":859,"2,318":860,"2,319":861,"2,320":862,"2,321":863,"2,322":864,"2,323":865,"2,324":866,"2,325":867,"2,326":868,"2,327":869,"2,328":870,"2,329":871,"2,330":872,"2,331":873,"2,332":874,"2,333":875,"2,334":876,"2,335":877,"2,336":878,"2,337":879,"2,338":880,"2,339":881,"2,340":882,"2,341":883,"2,342":884,"2,343":885,"2,344":886,"2,345":887,"2,346":888,"2,347":889,"2,348":890,"2,349":891,"2,350":892,"2,351":893,"2,352":894,"2,353":895,"2,354":896,"2,355":897,"2,356":898,"2,357":899,"2,358":900,"2,359":901,"2,360":902,"2,361":903,"2,362":904,"2,363":905,"2,364":906,"2,365":907,"2,366":908,"2,367":909,"2,368":910,"2,369":911,"2,370":912,"2,371":913,"2,372":914,"2,373":915,"2,374":916,"2,375":917,"2,376":918,"2,377":919,"2,378":920,"2,379":921,"2,380":922,"2,381":923,"2,382":924,"2,383":925,"2,384":926,"2,385":927,"2,386":928,"2,387":929,"2,388":930,"2,389":931,"2,390":932,"2,391":933,"2,392":934,"2,393":935,"2,394":936,"2,395":937,"2,396":938,"2,397":939,"2,398":940,"2,399":941,"2,400":942,"2,401":943,"2,402":944,"2,403":945,"2,404":946,"2,405":947,"2,406":948,"2,407":949,"2,408":950,"2,409":951,"2,410":952,"2,411":953,"2,412":954,"2,413":955,"2,414":956,"2,415":957,"2,416":958,"2,417":959,"2,418":960,"2,419":961,"2,420":962,"2,421":963,"2,422":964,"2,423":965,"2,424":966,"2,425":967,"2,426":968,"2,427":969,"2,428":970,"2,429":971,"2,430":972,"2,431":973,"2,432":974,"2,433":975,"2,434":976,"2,435":977,"2,436":978,"2,437":979,"2,438":980,"2,439":981,"2,440":982,"2,441":983,"2,442":984,"2,443":985,"2,444":986,"2,445":987,"2,446":988,"2,447":989,"2,448":990,"2,449":991,"2,450":992,"2,451":993,"2,452":994,"2,453":995,"2,454":996,"2,455":997,"2,456":998,"2,457":999,"2,458":1000,"2,459":1001,"2,460":1002,"2,461":1003,"2,462":1004,"2,463":1005,"2,464":1006,"2,465":1007,"2,466":1008,"2,467":1009,"2,468":1010,"2,469":1011,"2,470":1012,"2,471":1013,"2,472":1014,"2,473":1015,"2,474":1016,"2,475":1017,"2,476":1018,"2,477":1019,"2,478":1020,"2,479":1021,"2,480":1022,"2,481":1023,"2,482":1024,"2,483":1025,"2,484":1026,"2,485":1027,"2,486":1028,"2,487":1029,"2,488":1030,"2,489":1031,"2,490":1032,"2,491":1033,"2,492":1034,"2,493":1035,"2,494":1036,"2,495":1037,"2,496":1038,"2,497":1039,"2,498":1040,"2,499":1041,"2,500":1042,"2,501":1043,"2,502":1044,"2,503":1045,"2,504":1046,"2,505":1047,"2,506":1048,"2,508":1049,"2,509":1050,"2,510":1051,"2,511":1052,"2,512":1053,"2,513":1054,"2,514":1055,"2,515":1056,"2,516":1057,"2,517":1058,"2,518":1059,"2,519":1060,"2,520":1061,"2,521":1062,"2,522":1063,"2,523":1064,"2,524":1065,"2,525":1066,"2,526":1067,"2,527":1068,"2,528":1069,"2,529":1070,"2,530":1071,"2,531":1072,"2,532":1073,"2,533":1074,"2,534":1075,"2,535":1076,"2,536":1077,"2,537":1078,"2,538":1079,"2,539":1080,"2,540":1081,"2,541":1082,"2,542":1083,"2,543":1084,"2,544":1085,"2,545":1086,"2,546":1087,"2,547":1088,"2,549":1090,"2,550":1091,"2,551":1092,"2,552":1093,"2,553":1094,"2,554":1095,"2,555":1096,"2,556":1097,"2,557":1098,"2,558":1099,"2,559":1100,"2,560":1101,"2,561":1102,"2,562":1103,"2,563":1104,"2,564":1105,"2,565":1106,"2,566":1107,"2,567":1108,"2,568":1109,"2,569":1110,"2,570":1111,"2,571":1112,"2,572":1113,"2,573":1114,"2,574":1115,"2,575":1116,"2,576":1117,"2,577":1118,"2,578":1119,"2,579":1120,"2,580":1121,"2,581":1122,"2,582":1123,"2,583":1124,"2,584":1125,"2,585":1126,"2,586":1127,"2,587":1128,"2,588":1129,"2,589":1130,"2,590":1131,"2,591":1132,"2,592":1133,"2,593":1134,"2,594":1135,"2,595":1136,"2,596":1137,"2,597":1138,"2,598":1139,"2,599":1140,"2,600":1141,"2,601":1142,"2,602":1143,"2,603":1144,"2,604":1145,"2,605":1146,"2,606":1147,"2,607":1148,"2,608":1149,"2,609":1150,"2,610":1151,"2,611":1152,"2,612":1153,"2,613":1154,"2,614":1155,"2,615":1156,"2,616":1157,"2,617":1158,"2,618":1159,"2,619":1160,"2,620":1161,"2,621":1162,"2,622":1163,"2,623":1164,"2,624":1165,"2,625":1166,"2,626":1167,"2,627":1168,"2,628":1169,"2,629":1170,"2,630":1171,"2,631":1172,"2,632":1173,"2,633":1174,"2,634":1175,"2,635":1176,"2,636":1177,"2,637":1178,"2,638":1179,"2,639":1180,"2,640":1181,"2,641":1182,"2,642":1183,"2,643":1184,"2,644":1185,"2,645":1186,"2,646":1187,"2,647":1188,"2,648":1189,"2,649":1190,"2,650":1191,"2,651":1192,"2,652":1193,"2,653":1194,"2,654":1195,"2,655":1196,"2,656":1197,"2,657":1198,"2,658":1199,"2,659":1200,"2,660":1201,"2,661":1202,"2,662":1203,"2,663":1204,"2,664":1205,"2,665":1206,"2,666":1207,"2,667":1208,"2,668":1209,"2,669":1210,"2,670":1211,"2,671":1212,"2,672":1213,"2,673":1214,"2,674":1215,"2,675":1216,"2,676":1217,"2,677":1218,"2,678":1219,"2,679":1220,"2,680":1221,"2,681":1222,"2,682":1223,"2,683":1224,"2,684":1225,"2,685":1226,"2,686":1227,"2,687":1228,"2,688":1229,"2,689":1230,"3,1":1231,"3,5":1232,"3,6":1233,"3,7":1234,"3,8":1235,"3,9":1236,"3,10":1237,"3,11":1238,"3,12":1239,"3,13":1240,"3,14":1241,"3,15":1242,"3,16":1243,"3,17":1244,"3,18":1245,"3,19":1246,"3,20":1247,"3,21":1248,"3,22":1249,"3,23":1250,"3,24":1251,"3,25":1252,"3,26":1253,"3,27":1254,"3,28":1255,"3,29":1256,"3,30":1257,"3,31":1258,"3,32":1259,"3,33":1260,"3,34":1261,"3,35":1262,"3,36":1263,"3,37":1264,"3,38":1265,"3,39":1266,"3,40":1267,"3,41":1268,"3,42":1269,"3,43":1270,"3,44":1271,"3,45":1272,"3,46":1273,"3,47":1274,"3,48":1275,"3,49":1276,"3,50":1277,"3,51":1278,"3,52":1279,"3,53":1280,"3,54":1281,"3,55":1282,"3,56":1283,"3,57":1284,"3,58":1285,"3,59":1286,"3,60":1287,"3,61":1288,"3,62":1289,"3,63":1290,"3,64":1291,"3,65":1292,"3,66":1293,"3,67":1294,"3,68":1295,"3,69":1296,"3,70":1297,"3,71":1298,"3,72":1299,"3,73":1300,"3,74":1301,"3,75":1302,"3,76":1303,"3,77":1304,"3,78":1305,"3,79":1306,"3,80":1307,"3,81":1308,"3,82":1309,"3,83":1310,"3,84":1311,"3,85":1312,"3,86":1313,"3,87":1314,"3,88":1315,"3,89":1316,"3,90":1317,"3,91":1318,"3,92":1319,"3,93":1320,"3,94":1321,"3,95":1322,"3,96":1323,"3,97":1324,"3,98":1325,"3,99":1326,"3,100":1327,"3,101":1328,"3,102":1329,"3,103":1330,"3,104":1331,"3,105":1332,"3,106":1333,"3,107":1334,"3,108":1335,"3,109":1336,"3,110":1337,"3,111":1338,"3,112":1339,"3,113":1340,"3,114":1341,"3,115":1342,"3,116":1343,"3,117":1344,"3,118":1345,"3,119":1346,"3,120":1347,"3,121":1348,"3,122":1349,"3,123":1350,"3,124":1351,"3,125":1352,"3,126":1353,"3,127":1354,"3,128":1355,"3,129":1356,"3,130":1357,"3,131":1358,"3,132":1359,"3,133":1360,"3,134":1361,"3,135":1362,"3,136":1363,"3,137":1364,"3,138":1365,"3,139":1366,"3,140":1367,"3,141":1368,"3,142":1369,"3,143":1370,"3,144":1371,"3,145":1372,"3,146":1373,"3,147":1374,"3,148":1375,"3,149":1376,"3,150":1377,"3,151":1378,"3,152":1379,"3,153":1380,"3,154":1381,"3,155":1382,"3,156":1383,"3,157":1384,"3,158":1385,"3,159":1386,"3,160":1387,"3,161":1388,"3,162":1389,"3,163":1390,"3,164":1391,"3,165":1392,"3,166":1393,"3,167":1394,"3,168":1395,"3,169":1396,"3,170":1397,"3,171":1398,"3,172":1399,"3,173":1400,"3,174":1401,"3,175":1402,"3,176":1403,"3,177":1404,"3,178":1405,"3,179":1406,"3,180":1407,"3,181":1408,"3,182":1409,"3,183":1410,"3,184":1411,"3,185":1412,"3,186":1413,"3,187":1414,"3,188":1415,"3,189":1416,"3,190":1417,"3,191":1418,"3,192":1419,"3,193":1420,"3,194":1421,"3,195":1422,"3,196":1423,"3,197":1424,"3,198":1425,"3,199":1426,"3,200":1427,"3,201":1428,"3,202":1429,"3,203":1430,"3,204":1431,"3,205":1432,"3,206":1433,"3,207":1434,"3,208":1435,"3,209":1436,"3,210":1437,"3,211":1438,"3,212":1439,"3,213":1440,"3,214":1441,"3,215":1442,"3,216":1443,"3,217":1444,"3,218":1445,"3,219":1446,"3,220":1447,"3,221":1448,"3,222":1449,"3,223":1450,"3,224":1451,"3,225":1452,"3,226":1453,"3,227":1454,"3,228":1455,"3,229":1456,"3,230":1457,"3,231":1458,"3,232":1459,"3,233":1460,"3,234":1461,"3,235":1462,"3,236":1463,"3,237":1464,"3,238":1465,"3,239":1466,"3,240":1467,"3,241":1468,"3,242":1469,"3,243":1470,"3,244":1471,"3,245":1472,"3,246":1473,"3,247":1474,"3,248":1475,"3,249":1476,"3,250":1477,"3,251":1478,"3,252":1479,"3,253":1480,"3,254":1481,"3,255":1482,"3,256":1483,"3,257":1484,"3,258":1485,"3,259":1486,"3,260":1487,"3,261":1488,"3,262":1489,"3,263":1490,"3,264":1491,"3,265":1492,"3,266":1493,"3,267":1494,"3,268":1495,"3,269":1496,"3,270":1497,"3,271":1498,"3,272":1499,"3,273":1500,"3,274":1501,"3,275":1502,"3,276":1503,"3,277":1504,"3,278":1505,"3,279":1506,"3,280":1507,"3,281":1508,"3,282":1509,"3,283":1510,"3,284":1511,"3,285":1512,"3,286":1513,"3,287":1514,"3,288":1515,"3,289":1516,"3,290":1517,"3,291":1518,"3,292":1519,"3,293":1520,"3,294":1521,"3,295":1522,"3,296":1523,"3,297":1524,"3,298":1525,"3,299":1526,"3,300":1527,"3,301":1528,"3,302":1529,"3,303":1530,"3,304":1531,"3,305":1532,"3,306":1533,"3,307":1534,"3,308":1535,"3,309":1536,"3,310":1537,"3,311":1538,"3,312":1539,"3,313":1540,"3,314":1541,"3,315":1542,"3,316":1543,"3,317":1544,"3,318":1545,"3,319":1546,"3,320":1547,"3,321":1548,"3,322":1549,"3,323":1550,"3,324":1551,"3,325":1552,"3,326":1553,"3,327":1554,"3,328":1555,"3,329":1556,"3,330":1557,"3,331":1558,"3,332":1559,"3,333":1560,"3,334":1561,"3,335":1562,"3,336":1563,"3,337":1564,"3,338":1565,"3,339":1566,"3,340":1567,"3,341":1568,"3,342":1569,"3,343":1570,"3,344":1571,"3,345":1572,"3,346":1573,"3,347":1574,"3,348":1575,"3,349":1576,"3,350":1577,"3,351":1578,"3,352":1579,"3,353":1580,"3,354":1581,"3,355":1582,"3,356":1583,"3,357":1584,"3,358":1585,"3,359":1586,"3,360":1587,"3,361":1588,"3,362":1589,"3,363":1590,"3,364":1591,"3,365":1592,"3,366":1593,"3,367":1594,"3,368":1595,"3,369":1596,"3,370":1597,"3,371":1598,"3,372":1599,"3,373":1600,"3,374":1601,"3,375":1602,"3,376":1603,"3,377":1604,"3,378":1605,"3,379":1606,"3,380":1607,"3,381":1608,"3,382":1609,"3,383":1610,"3,384":1611,"3,385":1612,"3,386":1613,"3,387":1614,"3,388":1615,"3,389":1616,"3,390":1617,"3,391":1618,"3,392":1619,"3,393":1620,"3,394":1621,"3,395":1622,"3,396":1623,"3,397":1624,"3,398":1625,"3,399":1626,"3,400":1627,"3,401":1628,"3,402":1629,"3,403":1630,"3,404":1631,"3,405":1632,"3,406":1633,"3,407":1634,"3,408":1635,"3,409":1636,"3,410":1637,"3,411":1638,"3,412":1639,"3,413":1640,"3,414":1641,"3,415":1642,"3,416":1643,"3,417":1644,"3,418":1645,"3,419":1646,"3,420":1647,"3,421":1648,"3,422":1649,"3,423":1650,"3,424":1651,"3,425":1652,"3,426":1653,"3,427":1654,"3,428":1655,"3,429":1656,"3,430":1657,"3,431":1658,"3,432":1659,"3,433":1660,"3,434":1661,"3,435":1662,"3,436":1663,"3,437":1664,"3,438":1665,"3,439":1666,"3,440":1667,"3,441":1668,"3,442":1669,"3,443":1670,"3,444":1671,"3,445":1672,"3,446":1673,"3,447":1674,"3,448":1675,"3,449":1676,"3,450":1677,"3,451":1678,"3,452":1679,"3,453":1680,"3,454":1681,"3,455":1682,"3,456":1683,"3,457":1684,"3,458":1685,"3,459":1686,"3,460":1687,"3,461":1688,"3,462":1689,"3,463":1690,"3,464":1691,"3,465":1692,"3,466":1693,"3,467":1694,"3,468":1695,"3,469":1696,"3,470":1697,"3,471":1698,"3,472":1699,"3,473":1700,"3,474":1701,"3,475":1702,"3,476":1703,"3,477":1704,"3,478":1705,"3,479":1706,"3,480":1707,"3,481":1708,"3,482":1709,"3,483":1710,"3,484":1711,"3,485":1712,"3,486":1713,"3,487":1714,"3,488":1715,"3,489":1716,"3,490":1717,"3,491":1718,"3,492":1719,"3,493":1720,"3,494":1721,"3,495":1722,"3,496":1723,"3,497":1724,"3,498":1725,"3,499":1726,"3,500":1727,"3,501":1728,"3,502":1729,"3,503":1730,"3,504":1731,"3,505":1732,"3,506":1733,"3,507":1734,"3,508":1735,"3,509":1736,"3,510":1737,"3,511":1738,"3,512":1739,"3,513":1740,"3,514":1741,"3,515":1742,"3,516":1743,"3,517":1744,"3,518":1745,"3,519":1746,"3,520":1747,"3,521":1748,"3,522":1749,"3,523":1750,"3,524":1751,"3,525":1752,"3,526":1753,"3,527":1754,"3,528":1755,"3,529":1756,"3,530":1757,"3,531":1758,"3,532":1759,"3,533":1760,"3,534":1761,"3,535":1762,"3,536":1763,"3,537":1764,"3,538":1765,"3,539":1766,"3,540":1767,"3,541":1768,"3,542":1769,"3,543":1770,"3,544":1771,"3,545":1772,"3,546":1773,"3,547":1774,"3,548":1775,"3,549":1776,"3,550":1777,"3,551":1778,"3,552":1779,"3,553":1780,"3,554":1781,"3,555":1782,"3,556":1783,"3,557":1784,"3,558":1785,"3,559":1786,"3,560":1787,"3,561":1788,"3,562":1789,"3,563":1790,"3,564":1791,"3,565":1792,"3,566":1793,"3,567":1794,"3,568":1795,"3,569":1796,"3,570":1797,"3,571":1798,"3,572":1799,"3,573":1800,"3,574":1801,"3,575":1802,"3,576":1803,"4,1":1804,"4,5":1805,"4,6":1806,"4,7":1807,"4,8":1808,"4,9":1809,"4,10":1810,"4,11":1811,"4,12":1812,"4,13":1813,"4,14":1814,"4,15":1815,"4,16":1816,"4,17":1817,"4,18":1818,"4,19":1819,"4,20":1820,"4,21":1821,"4,22":1822,"4,23":1823,"4,24":1824,"4,25":1825,"4,26":1826,"4,27":1827,"4,28":1828,"4,29":1829,"4,30":1830,"4,31":1831,"4,32":1832,"4,33":1833,"4,34":1834,"4,35":1835,"4,36":1836,"4,37":1837,"4,38":1838,"4,39":1839,"4,40":1840,"4,41":1841,"4,42":1842,"4,43":1843,"4,44":1844,"4,45":1845,"4,46":1846,"4,47":1847,"4,48":1848,"4,49":1849,"4,50":1850,"4,51":1851,"4,52":1852,"4,53":1853,"4,54":1854,"4,55":1855,"4,56":1856,"4,57":1857,"4,58":1858,"4,59":1859,"4,60":1860,"4,61":1861,"4,62":1862,"4,63":1863,"4,64":1864,"4,65":1865,"4,66":1866,"4,67":1867,"4,68":1868,"4,69":1869,"4,70":1870,"4,71":1871,"4,72":1872,"4,73":1873,"4,74":1874,"4,75":1875,"4,76":1876,"4,77":1877,"4,78":1878,"4,79":1879,"4,80":1880,"4,81":1881,"4,82":1882,"4,83":1883,"4,84":1884,"4,85":1885,"4,86":1886,"4,87":1887,"4,88":1888,"4,89":1889,"4,90":1890,"4,91":1891,"4,92":1892,"4,93":1893,"4,94":1894,"4,95":1895,"4,96":1896,"4,97":1897,"4,98":1898,"4,99":1899,"4,100":1900,"4,101":1901,"4,102":1902,"4,103":1903,"4,104":1904,"4,105":1905,"4,106":1906,"4,107":1907,"4,108":1908,"4,109":1909,"4,110":1910,"4,111":1911,"4,112":1912,"4,113":1913,"4,114":1914,"4,115":1915,"4,116":1916,"4,117":1917,"4,118":1918,"4,119":1919,"4,120":1920,"4,121":1921,"4,122":1922,"4,123":1923,"4,124":1924,"4,125":1925,"4,126":1926,"4,127":1927,"4,128":1928,"4,129":1929,"4,130":1930,"4,131":1931,"4,132":1932,"4,133":1933,"4,134":1934,"4,135":1935,"4,136":1936,"4,137":1937,"4,138":1938,"4,139":1939,"4,140":1940,"4,141":1941,"4,142":1942,"4,143":1943,"4,144":1944,"4,145":1945,"4,146":1946,"4,147":1947,"4,148":1948,"4,149":1949,"4,150":1950,"4,151":1951,"4,152":1952,"4,153":1953,"4,154":1954,"4,155":1955,"4,156":1956,"4,157":1957,"4,158":1958,"4,159":1959,"4,160":1960,"4,161":1961,"4,162":1962,"4,163":1963,"4,164":1964,"4,165":1965,"4,166":1966,"4,167":1967,"4,168":1968,"4,169":1969,"4,170":1970,"4,171":1971,"4,172":1972,"4,173":1973,"4,174":1974,"4,175":1975,"4,176":1976,"4,177":1977,"4,178":1978,"4,179":1979,"4,180":1980,"4,181":1981,"4,182":1982,"4,183":1983,"4,184":1984,"4,185":1985,"4,186":1986,"4,187":1987,"4,188":1988,"4,189":1989,"4,190":1990,"4,191":1991,"4,192":1992,"4,193":1993,"4,194":1994,"4,195":1995,"4,196":1996,"4,197":1997,"4,198":1998,"4,199":1999,"4,200":2000,"4,201":2001,"4,202":2002,"4,203":2003,"4,204":2004,"4,205":2005,"4,206":2006,"4,207":2007,"4,208":2008,"4,209":2009,"4,210":2010,"4,211":2011,"4,212":2012,"4,213":2013,"4,214":2014,"4,215":2015,"4,216":2016,"4,217":2017,"4,218":2018,"4,219":2019,"4,220":2020,"4,221":2021,"4,222":2022,"4,223":2023,"4,224":2024,"4,225":2025,"4,226":2026,"4,227":2027,"4,228":2028,"4,229":2029,"4,230":2030,"4,231":2031,"4,232":2032,"4,233":2033,"4,234":2034,"4,235":2035,"4,236":2036,"4,237":2037,"4,238":2038,"4,239":2039,"4,240":2040,"4,241":2041,"4,242":2042,"4,243":2043,"4,244":2044,"4,245":2045,"4,246":2046,"4,247":2047,"4,248":2048,"4,249":2049,"4,250":2050,"4,251":2051,"4,252":2052,"4,253":2053,"4,254":2054,"4,255":2055,"4,256":2056,"4,257":2057,"4,258":2058,"4,259":2059,"4,260":2060,"4,261":2061,"4,262":2062,"4,263":2063,"4,264":2064,"4,265":2065,"4,266":2066,"4,267":2067,"4,268":2068,"4,269":2069,"4,270":2070,"4,271":2071,"4,272":2072,"4,273":2073,"4,274":2074,"4,275":2075,"4,276":2076,"4,277":2077,"4,278":2078,"4,279":2079,"4,280":2080,"4,281":2081,"4,282":2082,"4,283":2083,"4,284":2084,"4,285":2085,"4,286":2086,"4,287":2087,"4,288":2088,"4,289":2089,"4,290":2090,"4,291":2091,"4,292":2092,"4,293":2093,"4,294":2094,"4,295":2095,"4,296":2096,"4,297":2097,"4,298":2098,"4,299":2099,"4,300":2100,"4,301":2101,"4,302":2102,"4,303":2103,"4,304":2104,"4,305":2105,"4,306":2106,"4,307":2107,"4,308":2108,"4,309":2109,"4,310":2110,"4,311":2111,"4,312":2112,"4,313":2113,"4,314":2114,"4,315":2115,"4,316":2116,"4,317":2117,"4,318":2118,"4,319":2119,"4,320":2120,"4,321":2121,"4,322":2122,"4,323":2123,"4,324":2124,"4,325":2125,"4,326":2126,"4,327":2127,"4,328":2128,"4,329":2129,"4,330":2130,"4,331":2131,"4,332":2132,"4,333":2133,"4,334":2134,"4,335":2135,"4,336":2136,"4,337":2137,"4,338":2138,"4,339":2139,"4,340":2140,"4,341":2141,"4,342":2142,"4,343":2143,"4,344":2144,"4,345":2145,"4,346":2146,"4,347":2147,"4,348":2148,"4,349":2149,"4,350":2150,"4,351":2151,"4,352":2152,"4,353":2153,"4,354":2154,"4,355":2155,"4,356":2156,"4,357":2157,"4,358":2158,"4,359":2159,"4,360":2160,"4,361":2161,"4,362":2162,"4,363":2163,"4,364":2164,"4,365":2165,"4,366":2166,"4,367":2167,"4,368":2168,"4,369":2169,"4,370":2170,"4,371":2171,"4,372":2172,"4,373":2173,"4,374":2174,"4,375":2175,"4,376":2176,"4,377":2177,"4,378":2178,"4,379":2179,"4,380":2180,"4,381":2181,"4,382":2182,"4,383":2183,"4,384":2184,"4,385":2185,"4,386":2186,"4,387":2187,"4,388":2188,"4,389":2189,"4,390":2190,"4,391":2191,"4,392":2192,"4,393":2193,"4,394":2194,"4,395":2195,"4,396":2196,"4,397":2197,"4,398":2198,"4,399":2199,"4,400":2200,"4,401":2201,"4,402":2202,"4,403":2203,"4,404":2204,"4,405":2205,"4,406":2206,"4,407":2207,"4,408":2208,"4,409":2209,"4,410":2210,"4,411":2211,"4,412":2212,"4,413":2213,"4,414":2214,"4,415":2215,"4,416":2216,"4,417":2217,"4,418":2218,"4,419":2219,"4,420":2220,"4,421":2221,"4,422":2222,"4,423":2223,"4,424":2224,"4,425":2225,"4,426":2226,"4,427":2227,"4,428":2228,"4,429":2229,"4,430":2230,"4,431":2231,"4,432":2232,"4,433":2233,"4,434":2234,"4,435":2235,"4,436":2236,"4,437":2237,"4,438":2238,"4,439":2239,"4,440":2240,"4,441":2241,"4,442":2242,"4,443":2243,"4,444":2244,"4,445":2245,"4,446":2246,"4,447":2247,"4,448":2248,"4,449":2249,"4,450":2250,"4,451":2251,"4,452":2252,"4,453":2253,"4,454":2254,"4,455":2255,"4,456":2256,"4,457":2257,"4,458":2258,"4,459":2259,"4,460":2260,"4,461":2261,"4,462":2262,"4,463":2263,"4,464":2264,"4,465":2265,"4,466":2266,"4,467":2267,"4,468":2268,"4,469":2269,"4,470":2270,"4,471":2271,"4,472":2272,"4,473":2273,"4,474":2274,"4,475":2275,"4,476":2276,"4,477":2277,"4,478":2278,"4,479":2279,"4,480":2280,"4,481":2281,"4,482":2282,"4,483":2283,"4,484":2284,"4,485":2285,"4,486":2286,"4,487":2287,"4,488":2288,"4,489":2289,"4,490":2290,"4,491":2291,"4,492":2292,"4,493":2293,"4,494":2294,"4,495":2295,"4,496":2296,"4,497":2297,"4,498":2298,"4,499":2299,"4,500":2300,"4,501":2301,"4,502":2302,"4,503":2303,"4,504":2304,"4,505":2305,"4,506":2306,"4,507":2307,"4,508":2308,"4,509":2309,"4,510":2310,"4,511":2311,"4,512":2312,"4,513":2313,"4,514":2314,"4,515":2315,"4,516":2316,"4,517":2317,"4,518":2318,"4,519":2319,"4,520":2320,"4,521":2321,"4,522":2322,"4,523":2323,"4,524":2324,"4,525":2325,"4,526":2326,"5,1":2327,"5,5":2328,"5,6":2329,"5,7":2330,"5,8":2331,"5,9":2332,"5,10":2333,"5,11":2334,"5,12":2335,"5,13":2336,"5,14":2337,"5,15":2338,"5,16":2339,"5,17":2340,"5,18":2341,"5,19":2342,"5,20":2343,"5,21":2344,"5,22":2345,"5,23":2346,"5,24":2347,"5,25":2348,"5,26":2349,"5,27":2350,"5,28":2351,"5,29":2352,"5,30":2353,"5,31":2354,"5,32":2355,"5,33":2356,"5,34":2357,"5,35":2358,"5,36":2359,"5,37":2360,"5,38":2361,"5,39":2362,"5,40":2363,"5,41":2364,"5,42":2365,"5,43":2366,"5,44":2367,"5,45":2368,"5,46":2369,"5,47":2370,"5,48":2371,"5,49":2372,"5,50":2373,"5,51":2374,"5,52":2375,"5,53":2376,"5,54":2377,"5,55":2378,"5,56":2379,"5,57":2380,"5,58":2381,"5,59":2382,"5,60":2383,"5,61":2384,"5,62":2385,"5,63":2386,"5,64":2387,"5,65":2388,"5,66":2389,"5,67":2390,"5,68":2391,"5,69":2392,"5,70":2393,"5,71":2394,"5,72":2395,"5,73":2396,"5,74":2397,"5,75":2398,"5,76":2399,"5,77":2400,"5,78":2401,"5,79":2402,"5,80":2403,"5,81":2404,"5,82":2405,"5,83":2406,"5,84":2407,"5,85":2408,"5,86":2409,"5,87":2410,"5,88":2411,"5,89":2412,"5,90":2413,"5,91":2414,"5,92":2415,"5,93":2416,"5,94":2417,"5,95":2418,"5,96":2419,"5,97":2420,"5,98":2421,"5,99":2422,"5,100":2423,"5,101":2424,"5,102":2425,"5,103":2426,"5,104":2427,"5,105":2428,"5,106":2429,"5,107":2430,"5,108":2431,"5,109":2432,"5,110":2433,"5,111":2434,"5,112":2435,"5,113":2436,"5,114":2437,"5,115":2438,"5,116":2439,"5,117":2440,"5,118":2441,"5,119":2442,"5,120":2443,"5,121":2444,"5,122":2445,"5,123":2446,"5,124":2447,"5,125":2448,"5,126":2449,"5,127":2450,"5,128":2451,"5,129":2452,"5,130":2453,"5,131":2454,"5,132":2455,"5,133":2456,"5,134":2457,"5,135":2458,"5,136":2459,"5,137":2460,"5,138":2461,"5,139":2462,"5,140":2463,"5,141":2464,"5,142":2465,"5,143":2466,"5,144":2467,"5,145":2468,"5,146":2469,"5,147":2470,"5,148":2471,"5,149":2472,"5,150":2473,"5,151":2474,"5,152":2475,"5,153":2476,"5,154":2477,"5,155":2478,"5,156":2479,"5,157":2480,"5,158":2481,"5,159":2482,"5,160":2483,"5,161":2484,"5,162":2485,"5,163":2486,"5,164":2487,"5,165":2488,"5,166":2489,"5,167":2490,"5,168":2491,"5,169":2492,"5,170":2493,"5,171":2494,"5,172":2495,"5,173":2496,"5,174":2497,"5,175":2498,"5,176":2499,"5,177":2500,"5,178":2501,"5,179":2502,"5,180":2503,"5,181":2504,"5,182":2505,"5,183":2506,"5,184":2507,"5,185":2508,"5,186":2509,"5,187":2510,"5,188":2511,"5,189":2512,"5,190":2513,"5,191":2514,"5,192":2515,"5,193":2516,"5,194":2517,"5,195":2518,"5,196":2519,"5,197":2520,"5,198":2521,"5,199":2522,"5,200":2523,"5,201":2524,"5,202":2525,"5,203":2526,"5,204":2527,"5,205":2528,"5,206":2529,"5,207":2530,"5,208":2531,"5,209":2532,"5,210":2533,"5,211":2534,"5,212":2535,"5,213":2536,"5,214":2537,"5,215":2538,"5,216":2539,"5,217":2540,"5,218":2541,"5,219":2542,"5,220":2543,"5,221":2544,"5,222":2545,"5,223":2546,"5,224":2547,"5,225":2548,"5,226":2549,"5,227":2550,"5,228":2551,"5,229":2552,"5,230":2553,"5,231":2554,"5,232":2555,"5,233":2556,"5,234":2557,"5,235":2558,"5,236":2559,"5,237":2560,"5,238":2561,"5,239":2562,"5,240":2563,"5,241":2564,"5,242":2565,"5,243":2566,"5,244":2567,"5,245":2568,"5,246":2569,"5,247":2570,"5,248":2571,"5,249":2572,"5,250":2573,"5,251":2574,"5,252":2575,"5,253":2576,"5,254":2577,"5,255":2578,"5,256":2579,"5,257":2580,"5,258":2581,"5,259":2582,"5,260":2583,"5,261":2584,"5,262":2585,"5,263":2586,"5,264":2587,"5,265":2588,"5,266":2589,"5,267":2590,"5,268":2591,"5,269":2592,"5,270":2593,"5,271":2594,"5,272":2595,"5,273":2596,"5,274":2597,"5,275":2598,"5,276":2599,"5,277":2600,"5,278":2601,"5,279":2602,"5,280":2603,"5,281":2604,"5,282":2605,"5,283":2606,"5,284":2607,"5,285":2608,"5,286":2609,"5,287":2610,"5,288":2611,"5,289":2612,"5,290":2613,"5,291":2614,"5,292":2615,"5,293":2616,"5,294":2617,"5,295":2618,"5,296":2619,"5,297":2620,"5,298":2621,"5,299":2622,"5,300":2623,"5,301":2624,"5,302":2625,"5,303":2626,"5,304":2627,"5,305":2628,"5,306":2629,"5,307":2630,"5,308":2631,"5,309":2632,"5,310":2633,"5,311":2634,"5,312":2635,"5,313":2636,"5,314":2637,"5,315":2638,"5,316":2639,"5,317":2640,"5,318":2641,"5,319":2642,"5,320":2643,"5,321":2644,"5,322":2645,"5,323":2646,"5,324":2647,"5,325":2648,"5,326":2649,"5,327":2650,"5,328":2651,"5,329":2652,"5,330":2653,"5,331":2654,"5,332":2655,"5,333":2656,"5,334":2657,"5,335":2658,"5,336":2659,"5,337":2660,"5,338":2661,"5,339":2662,"5,340":2663,"5,341":2664,"5,342":2665,"5,343":2666,"5,344":2667,"5,345":2668,"5,346":2669,"5,347":2670,"5,348":2671,"5,349":2672,"5,350":2673,"5,351":2674,"5,352":2675,"5,353":2676,"5,354":2677,"5,355":2678,"5,356":2679,"5,357":2680,"5,358":2681,"5,359":2682,"5,360":2683,"5,361":2684,"5,362":2685,"5,363":2686,"5,364":2687,"5,365":2688,"5,366":2689,"5,367":2690,"5,368":2691,"5,369":2692,"5,370":2693,"5,371":2694,"5,372":2695,"5,373":2696,"5,374":2697,"5,375":2698,"5,376":2699,"5,378":2700,"5,379":2701,"5,380":2702,"5,381":2703,"5,382":2704,"5,383":2705,"5,384":2706,"5,385":2707,"5,386":2708,"5,387":2709,"5,388":2710,"5,389":2711,"5,390":2712,"5,391":2713,"5,392":2714,"5,393":2715,"5,394":2716,"5,395":2717,"5,396":2718,"5,397":2719,"5,398":2720,"5,399":2721,"5,400":2722,"5,401":2723,"5,402":2724,"5,403":2725,"5,404":2726,"5,405":2727,"5,406":2728,"5,407":2729,"5,408":2730,"5,409":2731,"5,410":2732,"5,411":2733,"5,412":2734,"5,413":2735,"5,414":2736,"5,415":2737,"5,416":2738,"5,417":2739,"5,418":2740,"5,419":2741,"5,420":2742,"5,421":2743,"5,422":2744,"5,423":2745,"5,424":2746,"5,425":2747,"5,426":2748,"5,427":2749,"5,428":2750,"5,429":2751,"5,430":2752,"5,431":2753,"5,432":2754,"5,433":2755,"5,434":2756,"5,435":2757,"5,436":2758,"5,437":2759,"5,438":2760,"5,439":2761,"5,440":2762,"5,441":2763,"5,442":2764,"5,443":2765,"5,444":2766,"5,445":2767,"5,446":2768,"5,447":2769,"5,448":2770,"5,449":2771,"5,450":2772,"5,451":2773,"5,452":2774,"5,453":2775,"5,454":2776,"5,455":2777,"5,456":2778,"5,457":2779,"5,458":2780,"5,459":2781,"5,460":2782,"5,461":2783,"5,462":2784,"5,463":2785,"5,464":2786,"5,465":2787,"5,466":2788,"5,467":2789,"5,468":2790,"5,469":2791,"5,470":2792,"5,471":2793,"5,472":2794,"5,473":2795,"5,474":2796,"5,475":2797,"5,476":2798,"5,477":2799,"5,478":2800,"5,479":2801,"5,480":2802,"5,481":2803,"5,482":2804,"5,483":2805,"5,484":2806,"5,485":2807,"5,486":2808,"5,487":2809,"5,488":2810,"5,490":2811,"5,491":2812,"5,492":2813,"5,493":2814,"5,494":2815,"5,495":2816,"5,496":2817,"5,497":2818,"5,498":2819,"5,499":2820,"5,500":2821,"5,501":2822,"5,502":2823,"5,503":2824,"5,504":2825,"5,505":2826,"5,506":2827,"5,507":2828,"5,508":2829,"5,509":2830,"5,510":2831,"5,511":2832,"5,512":2833,"5,513":2834,"5,514":2835,"5,515":2836,"5,516":2837,"5,517":2838,"5,518":2839,"5,519":2840,"5,520":2841,"5,521":2842,"5,522":2843,"5,523":2844,"5,524":2845,"5,525":2846,"5,526":2847,"5,527":2848,"5,528":2849,"5,529":2850,"5,530":2851,"5,531":2852,"5,532":2853,"5,533":2854,"5,534":2855,"5,535":2856,"5,536":2857,"5,537":2858,"5,538":2859,"5,539":2860,"5,540":2861,"5,541":2862,"5,542":2863,"5,543":2864,"5,544":2865,"5,545":2866,"5,546":2867,"5,547":2868,"5,548":2869,"5,549":2870,"5,550":2871,"5,551":2872,"5,552":2873,"5,553":2874,"5,554":2875,"5,555":2876,"5,556":2877,"5,557":2878,"5,558":2879,"5,559":2880,"5,560":2881,"5,561":2882,"5,562":2883,"5,563":2884,"5,564":2885,"5,565":2886,"5,566":2887,"5,567":2888,"5,568":2889,"5,569":2890,"5,570":2891,"5,571":2892,"5,572":2893,"5,573":2894,"5,574":2895,"5,575":2896,"5,576":2897,"5,577":2898,"5,578":2899,"5,579":2900,"5,580":2901,"5,581":2902,"5,582":2903,"5,583":2904,"5,584":2905,"5,585":2906,"5,586":2907,"5,587":2908,"5,588":2909,"5,589":2910,"5,590":2911,"5,591":2912,"5,592":2913,"5,593":2914,"5,594":2915,"5,595":2916,"5,596":2917,"5,597":2918,"5,598":2919,"5,599":2920,"5,600":2921,"5,601":2922,"5,602":2923,"5,603":2924,"5,604":2925,"5,605":2926,"5,606":2927,"5,607":2928,"5,608":2929,"5,609":2930,"5,610":2931,"5,611":2932,"5,612":2933,"5,613":2934,"5,614":2935,"5,615":2936,"5,616":2937,"5,617":2938,"5,618":2939,"5,619":2940,"5,620":2941,"5,621":2942,"5,622":2943,"5,623":2944,"5,624":2945,"5,625":2946,"5,626":2947,"5,627":2948,"5,628":2949,"5,629":2950,"5,630":2951,"5,631":2952,"5,632":2953,"5,633":2954,"5,634":2955,"5,635":2956,"5,636":2957,"5,637":2958,"5,638":2959,"5,639":2960,"5,640":2961,"5,641":2962,"5,642":2963,"5,643":2964,"5,644":2965,"5,645":2966,"5,646":2967,"5,647":2968,"5,648":2969,"5,649":2970,"5,650":2971,"5,651":2972,"5,652":2973,"5,653":2974,"5,654":2975,"5,655":2976,"5,656":2977,"5,657":2978,"5,658":2979,"5,659":2980,"5,660":2981,"5,661":2982,"5,662":2983,"5,663":2984,"5,664":2985,"5,665":2986,"5,666":2987,"5,667":2988,"5,668":2989,"5,669":2990,"5,670":2991,"5,671":2992,"5,672":2993,"5,673":2994,"5,674":2995,"5,675":2996,"5,676":2997,"5,677":2998,"5,678":2999,"5,679":3000,"5,680":3001,"5,681":3002,"6,1":3003,"6,5":3004,"6,6":3005,"6,7":3006,"6,8":3007,"6,9":3008,"6,10":3009,"6,11":3010,"6,12":3011,"6,13":3012,"6,14":3013,"6,15":3014,"6,16":3015,"6,17":3016,"6,18":3017,"6,19":3018,"6,20":3019,"6,21":3020,"6,22":3021,"6,23":3022,"6,24":3023,"6,25":3024,"6,26":3025,"6,27":3026,"6,28":3027,"6,29":3028,"6,30":3029,"6,31":3030,"6,32":3031,"6,33":3032,"6,34":3033,"6,35":3034,"6,36":3035,"6,37":3036,"6,38":3037,"6,39":3038,"6,40":3039,"6,41":3040,"6,42":3041,"6,43":3042,"6,44":3043,"6,45":3044,"6,46":3045,"6,47":3046,"6,48":3047,"6,49":3048,"6,50":3049,"6,51":3050,"6,52":3051,"6,53":3052,"6,54":3053,"6,55":3054,"6,56":3055,"6,57":3056,"6,58":3057,"6,59":3058,"6,60":3059,"6,61":3060,"6,62":3061,"6,63":3062,"6,64":3063,"6,65":3064,"6,66":3065,"6,67":3066,"6,68":3067,"6,69":3068,"6,70":3069,"6,71":3070,"6,72":3071,"6,73":3072,"6,74":3073,"6,75":3074,"6,76":3075,"6,77":3076,"6,78":3077,"6,79":3078,"6,80":3079,"6,81":3080,"6,82":3081,"6,83":3082,"6,84":3083,"6,85":3084,"6,86":3085,"6,87":3086,"6,88":3087,"6,89":3088,"6,90":3089,"6,91":3090,"6,92":3091,"6,93":3092,"6,94":3093,"6,95":3094,"6,96":3095,"6,97":3096,"6,98":3097,"6,99":3098,"6,100":3099,"6,101":3100,"6,102":3101,"6,103":3102,"6,104":3103,"6,105":3104,"6,106":3105,"6,107":3106,"6,108":3107,"6,109":3108,"6,110":3109,"6,111":3110,"6,112":3111,"6,113":3112,"6,114":3113,"6,115":3114,"6,116":3115,"6,117":3116,"6,118":3117,"6,119":3118,"6,120":3119,"6,121":3120,"6,122":3121,"6,123":3122,"6,124":3123,"6,125":3124,"6,126":3125,"6,127":3126,"6,128":3127,"6,129":3128,"6,130":3129,"6,131":3130,"6,132":3131,"6,133":3132,"6,134":3133,"6,135":3134,"6,136":3135,"6,137":3136,"6,138":3137,"6,139":3138,"6,140":3139,"6,141":3140,"6,142":3141,"6,143":3142,"6,144":3143,"6,145":3144,"6,146":3145,"6,147":3146,"6,148":3147,"6,149":3148,"6,150":3149,"6,151":3150,"6,152":3151,"6,153":3152,"6,154":3153,"6,155":3154,"6,156":3155,"6,157":3156,"6,158":3157,"6,159":3158,"6,160":3159,"6,161":3160,"6,162":3161,"6,163":3162,"6,164":3163,"6,165":3164,"6,166":3165,"6,167":3166,"6,168":3167,"6,169":3168,"6,170":3169,"6,171":3170,"6,172":3171,"6,173":3172,"6,174":3173,"6,175":3174,"6,176":3175,"6,177":3176,"6,178":3177,"6,179":3178,"6,180":3179,"6,181":3180,"6,182":3181,"6,183":3182,"6,184":3183,"6,185":3184,"6,186":3185,"6,187":3186,"6,188":3187,"6,189":3188,"6,190":3189,"6,191":3190,"6,192":3191,"6,193":3192,"6,194":3193,"6,195":3194,"6,196":3195,"6,197":3196,"6,198":3197,"6,199":3198,"6,200":3199,"6,201":3200,"6,202":3201,"6,203":3202,"6,204":3203,"6,205":3204,"6,206":3205,"6,207":3206,"6,208":3207,"6,209":3208,"6,210":3209,"6,211":3210,"6,212":3211,"6,213":3212,"6,214":3213,"6,215":3214,"6,216":3215,"6,217":3216,"6,218":3217,"6,219":3218,"6,220":3219,"6,221":3220,"6,222":3221,"6,223":3222,"6,224":3223,"6,225":3224,"6,226":3225,"6,227":3226,"6,228":3227,"6,229":3228,"6,230":3229,"6,231":3230,"6,232":3231,"6,233":3232,"6,234":3233,"6,235":3234,"6,236":3235,"6,237":3236,"6,238":3237,"6,239":3238,"6,240":3239,"6,241":3240,"6,242":3241,"6,243":3242,"6,244":3243,"6,245":3244,"6,246":3245,"6,247":3246,"6,248":3247,"6,249":3248,"6,250":3249,"6,251":3250,"6,252":3251,"6,253":3252,"6,254":3253,"6,255":3254,"6,256":3255,"6,257":3256,"6,258":3257,"6,259":3258,"6,260":3259,"6,261":3260,"6,262":3261,"6,263":3262,"6,264":3263,"6,265":3264,"6,266":3265,"6,267":3266,"6,268":3267,"6,269":3268,"6,270":3269,"6,271":3270,"6,272":3271,"6,273":3272,"6,274":3273,"6,275":3274,"6,276":3275,"6,277":3276,"6,278":3277,"6,279":3278,"6,280":3279,"6,281":3280,"6,282":3281,"6,283":3282,"6,284":3283,"6,285":3284,"6,286":3285,"6,287":3286,"6,288":3287,"6,289":3288,"6,290":3289,"6,291":3290,"6,292":3291,"6,293":3292,"6,294":3293,"6,295":3294,"6,296":3295,"6,297":3296,"6,298":3297,"6,299":3298,"6,300":3299,"6,301":3300,"6,302":3301,"6,303":3302,"6,304":3303,"6,305":3304,"6,306":3305,"6,307":3306,"6,308":3307,"6,309":3308,"6,310":3309,"6,311":3310,"6,312":3311,"6,313":3312,"6,314":3313,"6,315":3314,"6,316":3315,"6,317":3316,"6,318":3317,"6,319":3318,"6,320":3319,"6,321":3320,"6,322":3321,"6,323":3322,"6,324":3323,"6,325":3324,"6,326":3325,"6,327":3326,"6,328":3327,"6,329":3328,"6,330":3329,"6,331":3330,"6,332":3331,"6,333":3332,"6,334":3333,"6,335":3334,"6,336":3335,"6,337":3336,"6,338":3337,"6,339":3338,"6,340":3339,"6,341":3340,"6,342":3341,"6,343":3342,"6,344":3343,"6,345":3344,"6,346":3345,"6,347":3346,"6,348":3347,"6,349":3348,"6,350":3349,"6,351":3350,"6,352":3351,"6,353":3352,"6,354":3353,"6,355":3354,"6,356":3355,"6,357":3356,"6,358":3357,"6,359":3358,"6,360":3359,"6,361":3360,"6,362":3361,"6,363":3362,"6,364":3363,"6,365":3364,"6,366":3365,"6,367":3366,"6,368":3367,"6,369":3368,"6,370":3369,"6,371":3370,"6,372":3371,"6,373":3372,"6,374":3373,"6,375":3374,"6,376":3375,"6,377":3376,"6,378":3377,"6,379":3378,"6,380":3379,"6,381":3380,"6,382":3381,"6,383":3382,"6,384":3383,"6,385":3384,"6,386":3385,"6,387":3386,"6,388":3387,"6,389":3388,"6,390":3389,"6,391":3390,"6,392":3391,"6,393":3392,"6,394":3393,"6,395":3394,"6,396":3395,"6,397":3396,"6,398":3397,"6,399":3398,"6,400":3399,"6,401":3400,"6,402":3401,"6,403":3402,"6,404":3403,"6,405":3404,"6,406":3405,"6,407":3406,"6,408":3407,"6,409":3408,"6,410":3409,"6,411":3410,"6,412":3411,"6,413":3412,"6,414":3413,"6,415":3414,"6,416":3415,"6,417":3416,"6,418":3417,"6,419":3418,"6,420":3419,"6,421":3420,"6,422":3421,"6,423":3422,"6,424":3423,"6,425":3424,"6,426":3425,"6,427":3426,"6,428":3427,"6,429":3428,"6,430":3429,"6,431":3430,"6,432":3431,"6,433":3432,"6,434":3433,"6,435":3434,"6,436":3435,"6,437":3436,"6,438":3437,"6,439":3438,"6,440":3439,"6,441":3440,"6,442":3441,"6,443":3442,"6,444":3443,"6,445":3444,"6,446":3445,"6,447":3446,"6,448":3447,"6,449":3448,"6,450":3449,"6,451":3450,"6,453":3451,"6,454":3452,"6,455":3453,"6,456":3454,"6,457":3455,"6,458":3456,"6,459":3457,"6,460":3458,"6,461":3459,"6,462":3460,"6,463":3461,"6,464":3462,"6,465":3463,"6,466":3464,"6,467":3465,"6,468":3466,"6,469":3467,"6,470":3468,"6,471":3469,"6,472":3470,"6,473":3471,"6,474":3472,"6,475":3473,"6,476":3474,"6,477":3475,"6,478":3476,"6,479":3477,"6,480":3478,"6,481":3479,"6,482":3480,"6,483":3481,"6,484":3482,"6,485":3483,"6,486":3484,"6,487":3485,"6,488":3486,"6,489":3487,"6,490":3488,"6,491":3489,"6,492":3490,"6,493":3491,"6,494":3492,"6,495":3493,"6,496":3494,"6,497":3495,"6,498":3496,"6,499":3497,"6,500":3498,"6,501":3499,"6,502":3500,"6,503":3501,"6,504":3502,"6,505":3503,"6,506":3504,"6,507":3505,"6,508":3506,"6,509":3507,"6,510":3508,"6,511":3509,"6,512":3510,"6,513":3511,"6,514":3512,"6,515":3513,"6,516":3514,"6,517":3515,"6,518":3516,"6,519":3517,"6,520":3518,"6,521":3519,"6,522":3520,"6,523":3521,"6,524":3522,"6,525":3523,"6,526":3524,"6,527":3525,"6,528":3526,"6,529":3527,"6,530":3528,"6,531":3529,"7,1":3530,"7,5":3531,"7,6":3532,"7,7":3533,"7,8":3534,"7,9":3535,"7,10":3536,"7,11":3537,"7,12":3538,"7,13":3539,"7,14":3540,"7,15":3541,"7,16":3542,"7,17":3543,"7,18":3544,"7,19":3545,"7,20":3546,"7,21":3547,"7,22":3548,"7,23":3549,"7,24":3550,"7,25":3551,"7,26":3552,"7,27":3553,"7,28":3554,"7,29":3555,"7,30":3556,"7,31":3557,"7,32":3558,"7,33":3559,"7,34":3560,"7,35":3561,"7,36":3562,"7,37":3563,"7,38":3564,"7,39":3565,"7,40":3566,"7,41":3567,"7,42":3568,"7,43":3569,"7,44":3570,"7,45":3571,"7,46":3572,"7,47":3573,"7,48":3574,"7,49":3575,"7,50":3576,"7,51":3577,"7,52":3578,"7,53":3579,"7,54":3580,"7,55":3581,"7,56":3582,"7,57":3583,"7,58":3584,"7,59":3585,"7,60":3586,"7,61":3587,"7,62":3588,"7,63":3589,"7,64":3590,"7,65":3591,"7,66":3592,"7,67":3593,"7,68":3594,"7,69":3595,"7,70":3596,"7,71":3597,"7,72":3598,"7,73":3599,"7,74":3600,"7,75":3601,"7,76":3602,"7,77":3603,"7,78":3604,"7,79":3605,"7,80":3606,"7,81":3607,"7,82":3608,"7,83":3609,"7,84":3610,"7,85":3611,"7,86":3612,"7,87":3613,"7,88":3614,"7,89":3615,"7,90":3616,"7,91":3617,"7,92":3618,"7,93":3619,"7,94":3620,"7,95":3621,"7,96":3622,"7,97":3623,"7,98":3624,"7,99":3625,"7,100":3626,"7,101":3627,"7,102":3628,"7,103":3629,"7,104":3630,"7,105":3631,"7,106":3632,"7,107":3633,"7,108":3634,"7,109":3635,"7,110":3636,"7,111":3637,"7,112":3638,"7,113":3639,"7,114":3640,"7,115":3641,"7,116":3642,"7,117":3643,"7,118":3644,"7,119":3645,"7,120":3646,"7,121":3647,"7,122":3648,"7,123":3649,"7,124":3650,"7,125":3651,"7,126":3652,"7,127":3653,"7,128":3654,"7,129":3655,"7,130":3656,"7,131":3657,"7,132":3658,"7,133":3659,"7,134":3660,"7,135":3661,"7,136":3662,"7,137":3663,"7,138":3664,"7,139":3665,"7,140":3666,"7,141":3667,"7,142":3668,"7,143":3669,"7,144":3670,"7,145":3671,"7,146":3672,"7,147":3673,"7,148":3674,"7,149":3675,"7,150":3676,"7,151":3677,"7,152":3678,"7,153":3679,"7,154":3680,"7,155":3681,"7,156":3682,"7,157":3683,"7,158":3684,"7,159":3685,"7,160":3686,"7,161":3687,"7,162":3688,"7,163":3689,"7,164":3690,"7,165":3691,"7,166":3692,"7,167":3693,"7,168":3694,"7,169":3695,"7,170":3696,"7,171":3697,"7,172":3698,"7,173":3699,"7,174":3700,"7,175":3701,"7,176":3702,"7,177":3703,"7,178":3704,"7,179":3705,"7,180":3706,"7,181":3707,"7,182":3708,"7,183":3709,"7,184":3710,"7,185":3711,"7,186":3712,"7,187":3713,"7,188":3714,"7,189":3715,"7,190":3716,"7,191":3717,"7,192":3718,"7,193":3719,"7,194":3720,"7,195":3721,"7,196":3722,"7,197":3723,"7,198":3724,"7,199":3725,"7,200":3726,"7,201":3727,"7,202":3728,"7,203":3729,"7,204":3730,"7,205":3731,"7,206":3732,"7,207":3733,"7,208":3734,"7,209":3735,"7,210":3736,"7,211":3737,"7,212":3738,"7,213":3739,"7,214":3740,"7,215":3741,"7,216":3742,"7,217":3743,"7,218":3744,"7,219":3745,"7,220":3746,"7,221":3747,"7,222":3748,"7,223":3749,"7,224":3750,"7,225":3751,"7,226":3752,"7,227":3753,"7,228":3754,"7,229":3755,"7,230":3756,"7,231":3757,"7,232":3758,"7,233":3759,"7,234":3760,"7,235":3761,"7,236":3762,"7,237":3763,"7,238":3764,"7,239":3765,"7,240":3766,"7,241":3767,"7,242":3768,"7,243":3769,"7,244":3770,"7,245":3771,"7,246":3772,"7,247":3773,"7,248":3774,"7,249":3775,"7,250":3776,"7,251":3777,"7,252":3778,"7,253":3779,"7,254":3780,"7,255":3781,"7,256":3782,"7,257":3783,"7,258":3784,"7,259":3785,"7,260":3786,"7,261":3787,"7,262":3788,"7,263":3789,"7,264":3790,"7,265":3791,"7,266":3792,"7,267":3793,"7,268":3794,"7,269":3795,"7,270":3796,"7,271":3797,"7,272":3798,"7,273":3799,"7,274":3800,"7,275":3801,"7,276":3802,"7,277":3803,"7,278":3804,"7,279":3805,"7,280":3806,"7,281":3807,"7,282":3808,"7,283":3809,"7,284":3810,"7,285":3811,"7,286":3812,"7,287":3813,"7,288":3814,"7,289":3815,"7,290":3816,"7,291":3817,"7,292":3818,"7,293":3819,"7,294":3820,"7,295":3821,"7,296":3822,"7,297":3823,"7,298":3824,"7,299":3825,"7,300":3826,"7,301":3827,"7,302":3828,"7,303":3829,"7,304":3830,"7,305":3831,"7,306":3832,"7,307":3833,"7,308":3834,"7,309":3835,"7,310":3836,"7,311":3837,"7,312":3838,"7,313":3839,"7,314":3840,"7,315":3841,"7,316":3842,"7,317":3843,"7,318":3844,"7,319":3845,"7,320":3846,"7,321":3847,"7,322":3848,"7,323":3849,"7,324":3850,"7,325":3851,"7,326":3852,"7,327":3853,"7,328":3854,"7,329":3855,"7,330":3856,"7,331":3857,"7,332":3858,"7,333":3859,"7,334":3860,"7,335":3861,"7,336":3862,"7,337":3863,"7,338":3864,"7,339":3865,"7,340":3866,"7,341":3867,"7,342":3868,"7,343":3869,"7,344":3870,"7,345":3871,"7,346":3872,"7,347":3873,"7,348":3874,"7,349":3875,"7,350":3876,"7,351":3877,"7,352":3878,"7,353":3879,"7,354":3880,"7,355":3881,"7,356":3882,"7,357":3883,"7,358":3884,"7,359":3885,"7,360":3886,"7,361":3887,"7,362":3888,"7,363":3889,"7,364":3890,"7,365":3891,"7,366":3892,"7,367":3893,"7,368":3894,"7,369":3895,"7,370":3896,"7,371":3897,"7,372":3898,"7,373":3899,"7,374":3900,"7,375":3901,"7,376":3902,"7,377":3903,"7,378":3904,"7,379":3905,"7,380":3906,"7,381":3907,"7,382":3908,"7,383":3909,"7,384":3910,"7,385":3911,"7,386":3912,"7,387":3913,"7,388":3914,"7,389":3915,"7,390":3916,"7,391":3917,"7,392":3918,"7,393":3919,"7,394":3920,"7,395":3921,"7,396":3922,"7,397":3923,"7,398":3924,"7,399":3925,"7,400":3926,"7,401":3927,"7,402":3928,"7,403":3929,"7,404":3930,"7,405":3931,"7,406":3932,"7,407":3933,"7,408":3934,"7,409":3935,"7,410":3936,"7,411":3937,"7,412":3938,"7,413":3939,"7,414":3940,"7,415":3941,"7,416":3942,"7,417":3943,"7,418":3944,"7,419":3945,"7,420":3946,"7,421":3947,"7,422":3948,"7,423":3949,"7,424":3950,"7,425":3951,"7,426":3952,"7,427":3953,"7,428":3954,"7,429":3955,"7,430":3956,"7,431":3957,"7,432":3958,"7,433":3959,"7,434":3960,"7,435":3961,"7,436":3962,"7,437":3963,"7,438":3964,"7,439":3965,"7,440":3966,"7,441":3967,"7,442":3968,"7,443":3969,"7,444":3970,"7,445":3971,"7,446":3972,"7,447":3973,"7,448":3974,"7,449":3975,"7,450":3976,"7,451":3977,"7,452":3978,"7,453":3979,"7,454":3980,"7,455":3981,"7,456":3982,"7,457":3983,"7,458":3984,"7,459":3985,"7,460":3986,"7,461":3987,"7,462":3988,"7,463":3989,"7,464":3990,"7,465":3991,"7,466":3992,"7,467":3993,"7,468":3994,"7,469":3995,"7,470":3996,"7,471":3997,"7,472":3998,"7,473":3999,"7,474":4000,"7,475":4001,"7,476":4002,"7,477":4003,"7,478":4004,"7,479":4005,"7,480":4006,"7,481":4007,"7,482":4008,"7,483":4009,"7,484":4010,"7,485":4011,"7,486":4012,"8,1":4013,"8,5":4014,"8,6":4015,"8,7":4016,"8,8":4017,"8,9":4018,"8,10":4019,"8,11":4020,"8,12":4021,"8,13":4022,"8,14":4023,"8,15":4024,"8,16":4025,"8,17":4026,"8,18":4027,"8,19":4028,"8,20":4029,"8,21":4030,"8,22":4031,"8,23":4032,"8,24":4033,"8,25":4034,"8,26":4035,"8,27":4036,"8,28":4037,"8,29":4038,"8,30":4039,"8,31":4040,"8,32":4041,"8,33":4042,"8,34":4043,"8,35":4044,"8,36":4045,"8,37":4046,"8,38":4047,"8,39":4048,"8,40":4049,"8,41":4050,"8,42":4051,"8,43":4052,"8,44":4053,"8,45":4054,"8,46":4055,"8,47":4056,"8,48":4057,"8,49":4058,"8,50":4059,"8,51":4060,"8,52":4061,"8,53":4062,"8,54":4063,"8,55":4064,"8,56":4065,"8,57":4066,"8,58":4067,"8,59":4068,"8,60":4069,"8,61":4070,"8,62":4071,"8,63":4072,"8,64":4073,"8,65":4074,"8,66":4075,"8,67":4076,"8,68":4077,"8,69":4078,"8,70":4079,"8,71":4080,"8,72":4081,"8,73":4082,"8,74":4083,"8,75":4084,"8,76":4085,"8,77":4086,"8,78":4087,"8,79":4088,"8,80":4089,"8,81":4090,"8,82":4091,"8,83":4092,"8,84":4093,"8,85":4094,"8,86":4095,"8,87":4096,"8,88":4097,"8,89":4098,"8,90":4099,"8,91":4100,"8,92":4101,"8,93":4102,"8,94":4103,"8,95":4104,"8,96":4105,"8,97":4106,"8,98":4107,"8,99":4108,"8,100":4109,"8,101":4110,"8,102":4111,"8,103":4112,"8,104":4113,"8,105":4114,"8,106":4115,"8,107":4116,"8,108":4117,"8,109":4118,"8,110":4119,"8,111":4120,"8,112":4121,"8,113":4122,"8,114":4123,"8,115":4124,"8,116":4125,"8,117":4126,"8,118":4127,"8,119":4128,"8,120":4129,"8,121":4130,"8,122":4131,"8,123":4132,"8,124":4133,"8,125":4134,"8,126":4135,"8,127":4136,"8,128":4137,"8,129":4138,"8,130":4139,"8,131":4140,"8,132":4141,"8,133":4142,"8,134":4143,"8,135":4144,"8,136":4145,"8,137":4146,"8,138":4147,"8,139":4148,"8,140":4149,"8,141":4150,"8,142":4151,"8,143":4152,"8,144":4153,"8,145":4154,"8,146":4155,"8,147":4156,"8,148":4157,"8,149":4158,"8,150":4159,"8,151":4160,"8,152":4161,"8,153":4162,"8,154":4163,"8,155":4164,"8,156":4165,"8,157":4166,"8,158":4167,"8,159":4168,"8,160":4169,"8,161":4170,"8,162":4171,"8,163":4172,"8,164":4173,"8,165":4174,"8,166":4175,"8,167":4176,"8,168":4177,"8,169":4178,"8,170":4179,"8,171":4180,"8,172":4181,"8,173":4182,"8,174":4183,"8,175":4184,"8,176":4185,"8,177":4186,"8,178":4187,"8,179":4188,"8,180":4189,"8,181":4190,"8,182":4191,"8,183":4192,"8,184":4193,"8,185":4194,"8,186":4195,"8,187":4196,"8,188":4197,"8,189":4198,"8,190":4199,"8,191":4200,"8,192":4201,"8,193":4202,"8,194":4203,"8,195":4204,"8,196":4205,"8,197":4206,"8,198":4207,"8,199":4208,"8,200":4209,"8,201":4210,"8,202":4211,"8,203":4212,"8,204":4213,"8,205":4214,"8,206":4215,"8,207":4216,"8,208":4217,"8,209":4218,"8,210":4219,"8,211":4220,"8,212":4221,"8,213":4222,"8,214":4223,"8,215":4224,"8,216":4225,"8,217":4226,"8,218":4227,"8,219":4228,"8,220":4229,"8,221":4230,"8,222":4231,"8,223":4232,"8,224":4233,"8,225":4234,"8,226":4235,"8,227":4236,"8,228":4237,"8,229":4238,"8,230":4239,"8,231":4240,"8,232":4241,"8,233":4242,"8,234":4243,"8,235":4244,"8,236":4245,"8,237":4246,"8,238":4247,"8,239":4248,"8,240":4249,"8,241":4250,"8,242":4251,"8,243":4252,"8,244":4253,"8,245":4254,"8,246":4255,"8,247":4256,"8,249":4257,"8,250":4258,"8,251":4259,"8,252":4260,"8,253":4261,"8,254":4262,"8,255":4263,"8,256":4264,"8,257":4265,"8,258":4266,"8,259":4267,"8,260":4268,"8,261":4269,"8,262":4270,"8,263":4271,"8,264":4272,"8,265":4273,"8,266":4274,"8,267":4275,"8,268":4276,"8,269":4277,"8,270":4278,"8,271":4279,"8,272":4280,"8,273":4281,"8,274":4282,"8,275":4283,"8,276":4284,"8,277":4285,"8,278":4286,"8,279":4287,"8,280":4288,"8,281":4289,"8,282":4290,"8,283":4291,"8,284":4292,"8,285":4293,"8,286":4294,"8,287":4295,"8,288":4296,"8,289":4297,"8,290":4298,"8,291":4299,"8,292":4300,"8,293":4301,"8,294":4302,"8,295":4303,"8,296":4304,"8,297":4305,"8,298":4306,"8,299":4307,"8,300":4308,"8,301":4309,"8,302":4310,"8,303":4311,"8,304":4312,"8,305":4313,"8,306":4314,"8,307":4315,"8,308":4316,"8,309":4317,"8,310":4318,"8,311":4319,"8,312":4320,"8,313":4321,"8,314":4322,"8,315":4323,"8,316":4324,"8,317":4325,"8,318":4326,"8,319":4327,"8,320":4328,"8,321":4329,"8,322":4330,"8,323":4331,"8,324":4332,"8,325":4333,"8,326":4334,"8,327":4335,"8,328":4336,"8,329":4337,"8,330":4338,"8,331":4339,"8,332":4340,"8,333":4341,"8,334":4342,"8,335":4343,"8,336":4344,"8,337":4345,"8,338":4346,"8,339":4347,"8,340":4348,"8,341":4349,"8,342":4350,"8,343":4351,"8,344":4352,"8,345":4353,"8,346":4354,"8,347":4355,"8,348":4356,"8,349":4357,"8,350":4358,"8,351":4359,"8,352":4360,"8,353":4361,"8,354":4362,"8,355":4363,"8,356":4364,"8,357":4365,"8,358":4366,"8,359":4367,"8,360":4368,"8,361":4369,"8,362":4370,"8,363":4371,"8,364":4372,"8,365":4373,"8,366":4374,"8,367":4375,"8,368":4376,"8,369":4377,"8,370":4378,"8,371":4379,"8,372":4380,"8,373":4381,"8,374":4382,"8,375":4383,"8,376":4384,"8,377":4385,"8,378":4386,"8,379":4387,"8,380":4388,"8,381":4389,"8,382":4390,"8,383":4391,"8,384":4392,"8,385":4393,"8,386":4394,"8,387":4395,"8,388":4396,"8,389":4397,"8,390":4398,"8,391":4399,"8,392":4400,"8,393":4401,"8,394":4402,"8,395":4403,"8,396":4404,"8,397":4405,"8,398":4406,"8,399":4407,"8,400":4408,"8,401":4409,"8,402":4410,"8,403":4411,"8,404":4412,"8,405":4413,"8,406":4414,"8,407":4415,"8,408":4416,"8,409":4417,"8,410":4418,"8,411":4419,"8,412":4420,"8,413":4421,"8,414":4422,"8,415":4423,"8,416":4424,"8,417":4425,"8,418":4426,"8,419":4427,"8,420":4428,"8,421":4429,"8,422":4430,"8,423":4431,"8,424":4432,"8,425":4433,"8,426":4434,"8,427":4435,"8,428":4436,"8,429":4437,"8,430":4438,"8,431":4439,"8,432":4440,"8,433":4441,"8,434":4442,"8,435":4443,"8,436":4444,"8,437":4445,"8,438":4446,"8,439":4447,"8,440":4448,"8,441":4449,"8,442":4450,"8,443":4451,"8,444":4452,"8,445":4453,"8,446":4454,"8,447":4455,"8,448":4456,"8,449":4457,"8,450":4458,"8,451":4459,"8,452":4460,"8,453":4461,"8,454":4462,"8,455":4463,"8,456":4464,"8,457":4465,"8,458":4466,"8,459":4467,"8,460":4468,"8,461":4469,"8,462":4470,"8,463":4471,"8,464":4472,"8,465":4473,"8,466":4474,"8,467":4475,"8,468":4476,"8,469":4477,"8,470":4478,"8,471":4479,"8,472":4480,"8,473":4481,"8,474":4482,"8,475":4483,"8,476":4484,"8,477":4485,"8,478":4486,"8,479":4487,"8,480":4488,"8,483":4489,"8,484":4490,"8,485":4491,"8,486":4492,"8,487":4493,"8,488":4494,"8,489":4495,"8,490":4496,"8,491":4497,"8,492":4498,"8,493":4499,"8,494":4500,"8,495":4501,"8,496":4502,"8,497":4503,"8,498":4504,"8,499":4505,"8,500":4506,"8,501":4507,"8,502":4508,"8,503":4509,"8,504":4510,"8,505":4511,"8,506":4512,"8,507":4513,"8,508":4514,"8,509":4515,"8,510":4516,"8,511":4517,"8,512":4518,"8,513":4519,"8,514":4520,"8,515":4521,"8,516":4522,"8,517":4523,"8,518":4524,"8,519":4525,"8,520":4526,"8,521":4527,"8,522":4528,"8,523":4529,"8,524":4530,"8,525":4531,"8,526":4532,"8,527":4533,"8,528":4534,"8,529":4535,"8,530":4536,"8,531":4537,"8,532":4538,"8,533":4539,"8,534":4540,"8,535":4541,"8,536":4542,"8,537":4543,"8,538":4544,"8,539":4545,"8,540":4546,"8,541":4547,"8,542":4548,"8,543":4549,"8,544":4550,"8,545":4551,"8,546":4552,"8,547":4553,"8,548":4554,"8,549":4555,"8,550":4556,"8,551":4557,"8,552":4558,"8,553":4559,"8,554":4560,"8,555":4561,"8,556":4562,"8,557":4563,"8,558":4564,"8,559":4565,"8,560":4566,"8,561":4567,"8,562":4568,"8,563":4569,"8,564":4570,"8,565":4571,"8,566":4572,"8,567":4573,"8,568":4574,"8,569":4575,"8,570":4576,"8,571":4577,"8,572":4578,"8,573":4579,"8,574":4580,"8,575":4581,"8,576":4582,"8,577":4583,"8,578":4584,"8,579":4585,"8,580":4586,"8,581":4587,"8,582":4588,"8,583":4589,"8,584":4590,"8,585":4591,"8,586":4592,"8,587":4593,"8,588":4594,"8,589":4595,"8,590":4596,"8,591":4597,"8,592":4598,"8,593":4599,"8,594":4600,"8,595":4601,"8,596":4602,"8,597":4603,"8,598":4604,"8,599":4605,"8,600":4606,"8,601":4607,"8,602":4608,"8,603":4609,"8,604":4610,"8,605":4611,"8,606":4612,"8,607":4613,"8,608":4614,"8,609":4615,"8,610":4616,"8,611":4617,"8,612":4618,"8,613":4619,"8,614":4620,"8,615":4621,"8,616":4622,"8,617":4623,"8,618":4624,"8,619":4625,"8,620":4626,"8,621":4627,"8,622":4628,"8,623":4629,"8,624":4630,"8,625":4631,"8,626":4632,"8,627":4633,"8,628":4634,"8,629":4635,"8,630":4636,"8,631":4637,"8,632":4638,"8,633":4639,"8,634":4640,"8,635":4641,"8,636":4642,"8,637":4643,"8,638":4644,"8,639":4645,"8,640":4646,"8,641":4647,"8,642":4648,"8,643":4649,"8,644":4650,"8,645":4651,"8,646":4652,"8,647":4653,"8,648":4654,"8,649":4655,"8,650":4656,"8,651":4657,"8,652":4658,"8,653":4659,"8,654":4660,"8,655":4661,"8,656":4662,"8,657":4663,"8,658":4664,"8,659":4665,"8,660":4666,"8,661":4667,"8,662":4668,"8,663":4669,"8,664":4670,"8,665":4671,"8,666":4672,"8,667":4673,"8,668":4674,"8,669":4675,"8,670":4676,"8,671":4677,"8,672":4678,"8,673":4679,"8,674":4680,"8,675":4681,"8,676":4682,"8,677":4683,"8,678":4684,"8,679":4685,"8,680":4686,"8,681":4687,"8,682":4688,"8,683":4689,"8,684":4690,"8,685":4691,"8,686":4692,"8,687":4693,"8,688":4694,"8,689":4695,"8,690":4696,"8,691":4697,"8,692":4698,"8,693":4699,"8,694":4700,"8,695":4701,"8,696":4702,"8,697":4703,"8,698":4704,"8,699":4705,"8,700":4706,"8,701":4707,"8,702":4708,"8,703":4709,"9,1":4710,"9,5":4711,"9,6":4712,"9,7":4713,"9,8":4714,"9,9":4715,"9,10":4716,"9,11":4717,"9,12":4718,"9,13":4719,"9,14":4720,"9,15":4721,"9,16":4722,"9,17":4723,"9,18":4724,"9,19":4725,"9,20":4726,"9,21":4727,"9,22":4728,"9,23":4729,"9,24":4730,"9,25":4731,"9,26":4732,"9,27":4733,"9,28":4734,"9,29":4735,"9,30":4736,"9,31":4737,"9,32":4738,"9,33":4739,"9,34":4740,"9,35":4741,"9,36":4742,"9,37":4743,"9,38":4744,"9,39":4745,"9,40":4746,"9,41":4747,"9,42":4748,"9,43":4749,"9,44":4750,"9,45":4751,"9,46":4752,"9,47":4753,"9,48":4754,"9,49":4755,"9,50":4756,"9,51":4757,"9,52":4758,"9,53":4759,"9,54":4760,"9,55":4761,"9,56":4762,"9,57":4763,"9,58":4764,"9,59":4765,"9,60":4766,"9,61":4767,"9,62":4768,"9,63":4769,"9,64":4770,"9,65":4771,"9,66":4772,"9,67":4773,"9,68":4774,"9,69":4775,"9,70":4776,"9,71":4777,"9,72":4778,"9,73":4779,"9,74":4780,"9,75":4781,"9,76":4782,"9,77":4783,"9,78":4784,"9,79":4785,"9,80":4786,"9,81":4787,"9,82":4788,"9,83":4789,"9,84":4790,"9,85":4791,"9,86":4792,"9,87":4793,"9,88":4794,"9,89":4795,"9,90":4796,"9,91":4797,"9,92":4798,"9,93":4799,"9,94":4800,"9,95":4801,"9,96":4802,"9,97":4803,"9,98":4804,"9,99":4805,"9,100":4806,"9,101":4807,"9,102":4808,"9,103":4809,"9,104":4810,"9,105":4811,"9,106":4812,"9,107":4813,"9,108":4814,"9,109":4815,"9,110":4816,"9,111":4817,"9,112":4818,"9,113":4819,"9,114":4820,"9,115":4821,"9,116":4822,"9,117":4823,"9,118":4824,"9,119":4825,"9,120":4826,"9,121":4827,"9,122":4828,"9,123":4829,"9,124":4830,"9,125":4831,"9,126":4832,"9,127":4833,"9,128":4834,"9,129":4835,"9,130":4836,"9,131":4837,"9,132":4838,"9,133":4839,"9,134":4840,"9,135":4841,"9,136":4842,"9,137":4843,"9,138":4844,"9,139":4845,"9,140":4846,"9,141":4847,"9,142":4848,"9,143":4849,"9,144":4850,"9,145":4851,"9,146":4852,"9,147":4853,"9,148":4854,"9,149":4855,"9,150":4856,"9,151":4857,"9,152":4858,"9,153":4859,"9,154":4860,"9,155":4861,"9,156":4862,"9,157":4863,"9,158":4864,"9,159":4865,"9,160":4866,"9,161":4867,"9,162":4868,"9,163":4869,"9,164":4870,"9,165":4871,"9,166":4872,"9,167":4873,"9,168":4874,"9,169":4875,"9,170":4876,"9,171":4877,"9,172":4878,"9,173":4879,"9,174":4880,"9,175":4881,"9,176":4882,"9,177":4883,"9,178":4884,"9,179":4885,"9,180":4886,"9,181":4887,"9,182":4888,"9,183":4889,"9,184":4890,"9,185":4891,"9,186":4892,"9,187":4893,"9,188":4894,"9,189":4895,"9,190":4896,"9,191":4897,"9,192":4898,"9,193":4899,"9,194":4900,"9,195":4901,"9,196":4902,"9,197":4903,"9,198":4904,"9,199":4905,"9,200":4906,"9,201":4907,"9,202":4908,"9,203":4909,"9,204":4910,"9,205":4911,"9,206":4912,"9,207":4913,"9,208":4914,"9,209":4915,"9,210":4916,"9,211":4917,"9,212":4918,"9,213":4919,"9,214":4920,"9,215":4921,"9,216":4922,"9,217":4923,"9,218":4924,"9,219":4925,"9,220":4926,"9,221":4927,"9,222":4928,"9,223":4929,"9,224":4930,"9,225":4931,"9,226":4932,"9,227":4933,"9,228":4934,"9,229":4935,"9,230":4936,"9,231":4937,"9,232":4938,"9,233":4939,"9,234":4940,"9,235":4941,"9,236":4942,"9,237":4943,"9,238":4944,"9,239":4945,"9,240":4946,"9,241":4947,"9,242":4948,"9,243":4949,"9,244":4950,"9,245":4951,"9,246":4952,"9,247":4953,"9,248":4954,"9,249":4955,"9,250":4956,"9,251":4957,"9,252":4958,"9,253":4959,"9,254":4960,"9,255":4961,"9,256":4962,"9,257":4963,"9,258":4964,"9,259":4965,"9,260":4966,"9,261":4967,"9,262":4968,"9,263":4969,"9,264":4970,"9,265":4971,"9,266":4972,"9,267":4973,"9,268":4974,"9,269":4975,"9,270":4976,"9,271":4977,"9,272":4978,"9,273":4979,"9,274":4980,"9,275":4981,"9,276":4982,"9,277":4983,"9,278":4984,"9,279":4985,"9,280":4986,"9,281":4987,"9,282":4988,"9,283":4989,"9,284":4990,"9,285":4991,"9,286":4992,"9,287":4993,"9,288":4994,"9,289":4995,"9,290":4996,"9,291":4997,"9,292":4998,"9,293":4999,"9,294":5000,"9,295":5001,"9,296":5002,"9,297":5003,"9,298":5004,"9,299":5005,"9,300":5006,"9,301":5007,"9,302":5008,"9,303":5009,"9,304":5010,"9,305":5011,"9,306":5012,"9,307":5013,"9,308":5014,"9,309":5015,"9,310":5016,"9,311":5017,"9,312":5018,"9,313":5019,"9,314":5020,"9,315":5021,"9,316":5022,"9,317":5023,"9,318":5024,"9,319":5025,"9,320":5026,"9,321":5027,"9,322":5028,"9,323":5029,"9,324":5030,"9,325":5031,"9,326":5032,"9,327":5033,"9,328":5034,"9,329":5035,"9,330":5036,"9,331":5037,"9,332":5038,"9,333":5039,"9,334":5040,"9,335":5041,"9,336":5042,"9,337":5043,"9,338":5044,"9,339":5045,"9,340":5046,"9,341":5047,"9,342":5048,"9,343":5049,"9,344":5050,"9,345":5051,"9,346":5052,"9,347":5053,"9,348":5054,"9,349":5055,"9,350":5056,"9,351":5057,"9,352":5058,"9,353":5059,"9,354":5060,"9,355":5061,"9,356":5062,"9,357":5063,"9,358":5064,"9,359":5065,"9,360":5066,"9,361":5067,"9,362":5068,"9,363":5069,"9,364":5070,"9,365":5071,"9,366":5072,"9,367":5073,"9,368":5074,"9,369":5075,"9,370":5076,"9,371":5077,"9,372":5078,"9,373":5079,"9,374":5080,"9,375":5081,"9,376":5082,"9,377":5083,"9,378":5084,"9,379":5085,"9,380":5086,"9,381":5087,"9,382":5088,"9,383":5089,"9,384":5090,"9,385":5091,"9,386":5092,"9,387":5093,"9,388":5094,"9,389":5095,"9,390":5096,"9,391":5097,"9,392":5098,"9,393":5099,"9,394":5100,"9,395":5101,"9,396":5102,"9,397":5103,"9,398":5104,"9,399":5105,"9,400":5106,"9,401":5107,"9,402":5108,"9,403":5109,"9,404":5110,"9,405":5111,"9,406":5112,"9,407":5113,"9,408":5114,"9,409":5115,"9,410":5116,"9,411":5117,"9,412":5118,"9,413":5119,"9,414":5120,"9,415":5121,"9,416":5122,"9,417":5123,"9,418":5124,"9,419":5125,"9,420":5126,"9,421":5127,"9,422":5128,"9,423":5129,"9,424":5130,"9,425":5131,"9,426":5132,"9,427":5133,"9,428":5134,"9,429":5135,"9,430":5136,"9,431":5137,"9,432":5138,"9,433":5139,"9,434":5140,"9,435":5141,"9,436":5142,"9,437":5143,"9,438":5144,"9,439":5145,"9,440":5146,"9,441":5147,"9,442":5148,"9,443":5149,"9,444":5150,"9,445":5151,"9,446":5152,"9,447":5153,"9,448":5154,"9,449":5155,"9,450":5156,"9,451":5157,"9,452":5158,"9,453":5159,"9,454":5160,"9,455":5161,"9,456":5162,"9,457":5163,"9,458":5164,"9,459":5165,"9,460":5166,"9,461":5167,"9,462":5168,"9,463":5169,"9,464":5170,"9,465":5171,"9,466":5172,"9,467":5173,"9,468":5174,"9,469":5175,"9,470":5176,"9,471":5177,"9,472":5178,"9,473":5179,"9,474":5180,"9,475":5181,"9,476":5182,"9,477":5183,"9,478":5184,"9,479":5185,"9,480":5186,"9,481":5187,"9,482":5188,"9,483":5189,"9,484":5190,"9,485":5191,"9,486":5192,"9,487":5193,"9,488":5194,"9,489":5195,"9,490":5196,"9,491":5197,"9,492":5198,"9,493":5199,"9,494":5200,"9,495":5201,"9,496":5202,"9,497":5203,"9,498":5204,"9,499":5205,"9,500":5206,"9,501":5207,"9,502":5208,"9,503":5209,"9,504":5210,"9,505":5211,"9,506":5212,"9,507":5213,"9,508":5214,"9,509":5215,"9,510":5216,"9,511":5217,"9,512":5218,"9,513":5219,"9,514":5220,"9,515":5221,"9,516":5222,"9,517":5223,"9,518":5224,"9,519":5225,"9,520":5226,"9,521":5227,"9,522":5228,"9,523":5229,"9,524":5230,"9,525":5231,"9,526":5232,"9,527":5233,"9,528":5234,"9,529":5235,"9,530":5236,"9,531":5237,"9,532":5238,"9,533":5239,"9,534":5240,"9,535":5241,"9,536":5242,"9,537":5243,"9,538":5244,"9,539":5245,"9,540":5246,"9,541":5247,"9,542":5248,"9,543":5249,"9,544":5250,"9,545":5251,"9,546":5252,"9,547":5253,"9,548":5254,"9,549":5255,"9,550":5256,"9,551":5257,"9,552":5258,"9,553":5259,"9,554":5260,"9,555":5261,"9,556":5262,"9,557":5263,"9,558":5264,"9,559":5265,"9,560":5266,"9,561":5267,"9,562":5268,"9,563":5269,"9,564":5270,"9,565":5271,"9,566":5272,"9,567":5273,"9,568":5274,"9,569":5275,"9,570":5276,"9,571":5277,"9,572":5278,"9,573":5279,"9,574":5280,"9,575":5281,"9,576":5282,"9,577":5283,"9,578":5284,"9,579":5285,"9,580":5286,"9,581":5287,"9,582":5288,"9,583":5289,"9,584":5290,"9,585":5291,"9,586":5292,"9,587":5293,"9,588":5294,"9,589":5295,"9,590":5296,"9,591":5297,"9,592":5298,"9,593":5299,"9,594":5300,"9,595":5301,"9,596":5302,"9,597":5303,"9,598":5304,"9,599":5305,"9,600":5306,"9,601":5307,"9,602":5308,"9,603":5309,"9,604":5310,"10,1":5311,"10,5":5312,"10,6":5313,"10,7":5314,"10,8":5315,"10,9":5316,"10,10":5317,"10,11":5318,"10,12":5319,"10,13":5320,"10,14":5321,"10,15":5322,"10,16":5323,"10,17":5324,"10,18":5325,"10,19":5326,"10,20":5327,"10,21":5328,"10,22":5329,"10,23":5330,"10,24":5331,"10,25":5332,"10,26":5333,"10,27":5334,"10,28":5335,"10,29":5336,"10,30":5337,"10,31":5338,"10,32":5339,"10,33":5340,"10,34":5341,"10,35":5342,"10,36":5343,"10,37":5344,"10,38":5345,"10,39":5346,"10,40":5347,"10,41":5348,"10,42":5349,"10,43":5350,"10,44":5351,"10,45":5352,"10,46":5353,"10,47":5354,"10,48":5355,"10,49":5356,"10,50":5357,"10,51":5358,"10,52":5359,"10,53":5360,"10,54":5361,"10,55":5362,"10,56":5363,"10,57":5364,"10,58":5365,"10,59":5366,"10,60":5367,"10,61":5368,"10,62":5369,"10,63":5370,"10,64":5371,"10,65":5372,"10,66":5373,"10,67":5374,"10,68":5375,"10,69":5376,"10,70":5377,"10,71":5378,"10,72":5379,"10,73":5380,"10,74":5381,"10,75":5382,"10,76":5383,"10,77":5384,"10,78":5385,"10,79":5386,"10,80":5387,"10,81":5388,"10,82":5389,"10,83":5390,"10,84":5391,"10,85":5392,"10,86":5393,"10,87":5394,"10,88":5395,"10,89":5396,"10,90":5397,"10,91":5398,"10,92":5399,"10,93":5400,"10,94":5401,"10,95":5402,"10,96":5403,"10,97":5404,"10,98":5405,"10,99":5406,"10,100":5407,"10,101":5408,"10,102":5409,"10,103":5410,"10,104":5411,"10,105":5412,"10,106":5413,"10,107":5414,"10,108":5415,"10,109":5416,"10,110":5417,"10,111":5418,"10,112":5419,"10,113":5420,"10,114":5421,"10,115":5422,"10,116":5423,"10,117":5424,"10,118":5425,"10,119":5426,"10,120":5427,"10,121":5428,"10,122":5429,"10,123":5430,"10,124":5431,"10,125":5432,"10,126":5433,"10,127":5434,"10,128":5435,"10,129":5436,"10,130":5437,"10,131":5438,"10,132":5439,"10,133":5440,"10,134":5441,"10,135":5442,"10,136":5443,"10,137":5444,"10,138":5445,"10,139":5446,"10,140":5447,"10,141":5448,"10,142":5449,"10,143":5450,"10,144":5451,"10,145":5452,"10,146":5453,"10,147":5454,"10,148":5455,"10,149":5456,"10,150":5457,"10,151":5458,"10,152":5459,"10,153":5460,"10,154":5461,"10,155":5462,"10,156":5463,"10,157":5464,"10,158":5465,"10,159":5466,"10,160":5467,"10,161":5468,"10,162":5469,"10,163":5470,"10,164":5471,"10,165":5472,"10,166":5473,"10,167":5474,"10,168":5475,"10,169":5476,"10,170":5477,"10,171":5478,"10,172":5479,"10,173":5480,"10,174":5481,"10,175":5482,"10,176":5483,"10,177":5484,"10,178":5485,"10,179":5486,"10,180":5487,"10,181":5488,"10,182":5489,"10,183":5490,"10,184":5491,"10,185":5492,"10,186":5493,"10,187":5494,"10,188":5495,"10,189":5496,"10,190":5497,"10,191":5498,"10,192":5499,"10,193":5500,"10,194":5501,"10,195":5502,"10,196":5503,"10,197":5504,"10,198":5505,"10,199":5506,"10,200":5507,"10,201":5508,"10,202":5509,"10,203":5510,"10,204":5511,"10,205":5512,"10,206":5513,"10,207":5514,"10,208":5515,"10,209":5516,"10,210":5517,"10,211":5518,"10,212":5519,"10,213":5520,"10,214":5521,"10,215":5522,"10,216":5523,"10,217":5524,"10,218":5525,"10,219":5526,"10,220":5527,"10,221":5528,"10,222":5529,"10,223":5530,"10,224":5531,"10,225":5532,"10,226":5533,"10,227":5534,"10,228":5535,"10,229":5536,"10,230":5537,"10,231":5538,"10,232":5539,"10,233":5540,"10,234":5541,"10,235":5542,"10,236":5543,"10,237":5544,"10,238":5545,"10,239":5546,"10,240":5547,"10,241":5548,"10,242":5549,"10,243":5550,"10,244":5551,"10,245":5552,"10,246":5553,"10,247":5554,"10,248":5555,"10,249":5556,"10,250":5557,"10,251":5558,"10,252":5559,"10,253":5560,"10,254":5561,"10,255":5562,"10,256":5563,"10,257":5564,"10,258":5565,"10,259":5566,"10,260":5567,"10,261":5568,"10,262":5569,"10,263":5570,"10,264":5571,"10,265":5572,"10,266":5573,"10,267":5574,"10,268":5575,"10,269":5576,"10,270":5577,"10,271":5578,"10,272":5579,"10,273":5580,"10,274":5581,"10,275":5582,"10,276":5583,"10,277":5584,"10,278":5585,"10,279":5586,"10,280":5587,"10,281":5588,"10,282":5589,"10,283":5590,"10,284":5591,"10,285":5592,"10,286":5593,"10,287":5594,"10,288":5595,"10,289":5596,"10,290":5597,"10,291":5598,"10,292":5599,"10,293":5600,"10,294":5601,"10,295":5602,"10,296":5603,"10,297":5604,"10,298":5605,"10,299":5606,"10,300":5607,"10,301":5608,"10,302":5609,"10,303":5610,"10,304":5611,"10,305":5612,"10,306":5613,"10,307":5614,"10,308":5615,"10,309":5616,"10,310":5617,"10,311":5618,"10,312":5619,"10,313":5620,"10,314":5621,"10,315":5622,"10,316":5623,"10,317":5624,"10,318":5625,"10,319":5626,"10,320":5627,"10,321":5628,"10,322":5629,"10,323":5630,"10,324":5631,"10,325":5632,"10,326":5633,"10,327":5634,"10,328":5635,"10,329":5636,"10,330":5637,"10,331":5638,"10,332":5639,"10,333":5640,"10,334":5641,"10,335":5642,"10,336":5643,"10,337":5644,"10,338":5645,"10,339":5646,"10,340":5647,"10,341":5648,"10,342":5649,"10,343":5650,"10,344":5651,"10,345":5652,"10,346":5653,"10,347":5654,"10,348":5655,"10,349":5656,"10,350":5657,"10,351":5658,"10,352":5659,"10,353":5660,"10,354":5661,"10,355":5662,"10,356":5663,"10,357":5664,"10,358":5665,"10,359":5666,"10,360":5667,"10,361":5668,"10,362":5669,"10,363":5670,"10,364":5671,"10,365":5672,"10,366":5673,"10,367":5674,"10,368":5675,"10,369":5676,"10,370":5677,"10,371":5678,"10,372":5679,"10,373":5680,"10,374":5681,"10,375":5682,"10,376":5683,"10,377":5684,"10,378":5685,"10,379":5686,"10,380":5687,"10,381":5688,"10,382":5689,"10,383":5690,"10,384":5691,"10,385":5692,"10,386":5693,"10,387":5694,"10,388":5695,"10,389":5696,"10,390":5697,"10,391":5698,"10,392":5699,"10,393":5700,"10,394":5701,"10,395":5702,"10,396":5703,"10,397":5704,"10,398":5705,"10,399":5706,"10,400":5707,"10,401":5708,"10,402":5709,"10,403":5710,"10,404":5711,"10,405":5712,"10,406":5713,"10,407":5714,"10,408":5715,"10,409":5716,"10,410":5717,"10,411":5718,"10,412":5719,"10,413":5720,"10,414":5721,"10,415":5722,"10,416":5723,"10,417":5724,"10,418":5725,"10,419":5726,"10,420":5727,"10,421":5728,"10,422":5729,"10,423":5730,"10,424":5731,"10,425":5732,"10,426":5733,"10,427":5734,"10,428":5735,"10,429":5736,"10,430":5737,"10,431":5738,"10,432":5739,"10,433":5740,"10,434":5741,"10,435":5742,"10,436":5743,"10,437":5744,"10,438":5745,"10,439":5746,"10,440":5747,"10,441":5748,"10,442":5749,"10,443":5750,"10,444":5751,"10,445":5752,"10,446":5753,"10,447":5754,"10,448":5755,"10,449":5756,"10,450":5757,"10,451":5758,"10,452":5759,"10,453":5760,"10,454":5761,"10,455":5762,"10,456":5763,"10,457":5764,"10,458":5765,"10,459":5766,"10,460":5767,"10,461":5768,"10,462":5769,"10,463":5770,"10,464":5771,"10,465":5772,"10,466":5773,"10,467":5774,"10,468":5775,"10,469":5776,"10,470":5777,"10,471":5778,"10,472":5779,"10,473":5780,"10,474":5781,"10,475":5782,"10,476":5783,"10,477":5784,"10,478":5785,"10,479":5786,"10,480":5787,"10,481":5788,"10,482":5789,"10,483":5790,"10,484":5791,"10,485":5792,"10,486":5793,"10,487":5794,"10,488":5795,"10,489":5796,"10,490":5797,"10,491":5798,"10,492":5799,"10,493":5800,"10,494":5801,"10,495":5802,"10,496":5803,"10,497":5804,"10,498":5805,"10,499":5806,"10,500":5807,"10,501":5808,"10,502":5809,"10,503":5810,"10,504":5811,"10,505":5812,"10,506":5813,"10,507":5814,"10,508":5815,"10,509":5816,"10,510":5817,"10,511":5818,"10,512":5819,"10,513":5820,"10,514":5821,"10,515":5822,"10,516":5823,"10,517":5824,"10,518":5825,"10,519":5826,"10,520":5827,"10,521":5828,"10,522":5829,"10,523":5830,"10,524":5831,"10,525":5832,"10,526":5833,"10,527":5834,"10,528":5835,"10,529":5836,"10,530":5837,"10,531":5838,"10,532":5839,"10,533":5840,"10,534":5841,"10,535":5842,"10,536":5843,"10,537":5844,"10,538":5845,"10,539":5846,"10,540":5847,"10,541":5848,"10,542":5849,"10,543":5850,"10,544":5851,"10,545":5852,"10,546":5853,"10,547":5854,"10,548":5855,"10,549":5856,"10,550":5857,"10,551":5858,"10,552":5859,"10,553":5860,"10,554":5861,"10,555":5862,"10,556":5863,"10,557":5864,"10,558":5865,"10,559":5866,"10,560":5867,"10,561":5868,"10,562":5869,"10,563":5870,"10,564":5871,"10,565":5872,"10,566":5873,"10,567":5874,"10,568":5875,"10,569":5876,"10,570":5877,"10,571":5878,"10,572":5879,"10,573":5880,"10,574":5881,"10,575":5882,"10,576":5883,"10,577":5884,"10,578":5885,"10,579":5886,"10,580":5887,"10,581":5888,"10,582":5889,"10,583":5890,"10,584":5891,"10,585":5892,"10,586":5893,"10,587":5894,"10,588":5895,"10,589":5896,"10,590":5897,"10,591":5898,"10,592":5899,"10,593":5900,"10,594":5901,"10,595":5902,"10,596":5903,"10,597":5904,"10,598":5905,"10,599":5906,"10,600":5907,"10,601":5908,"10,602":5909,"10,603":5910,"10,604":5911,"10,605":5912,"10,606":5913,"10,607":5914,"10,608":5915,"10,609":5916,"10,610":5917,"10,611":5918,"10,612":5919,"10,613":5920,"10,614":5921,"10,615":5922,"10,616":5923,"10,617":5924,"10,618":5925,"10,619":5926,"10,620":5927,"10,621":5928,"10,622":5929,"10,623":5930,"10,624":5931,"10,625":5932,"10,626":5933,"10,627":5934,"10,628":5935,"10,629":5936,"10,630":5937,"10,631":5938,"10,632":5939,"10,633":5940,"10,634":5941,"10,635":5942,"10,636":5943,"10,637":5944,"10,638":5945,"10,639":5946,"10,640":5947,"10,641":5948,"10,642":5949,"10,643":5950,"10,644":5951,"10,645":5952,"10,646":5953,"10,647":5954,"10,648":5955,"10,649":5956},"ٜ":{"1":[3,547],"2":[548,689],"3":[1,576],"4":[1,526],"5":[1,681],"6":[1,531],"7":[1,486],"8":[1,703],"9":[1,604],"10":[1,649]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","2,548","2,1","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","3,1","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","4,1","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","5,1","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","5,526","5,527","5,528","5,529","5,530","5,531","5,532","5,533","5,534","5,535","5,536","5,537","5,538","5,539","5,540","5,541","5,542","5,543","5,544","5,545","5,546","5,547","5,548","5,549","5,550","5,551","5,552","5,553","5,554","5,555","5,556","5,557","5,558","5,559","5,560","5,561","5,562","5,563","5,564","5,565","5,566","5,567","5,568","5,569","5,570","5,571","5,572","5,573","5,574","5,575","5,576","5,577","5,578","5,579","5,580","5,581","5,582","5,583","5,584","5,585","5,586","5,587","5,588","5,589","5,590","5,591","5,592","5,593","5,594","5,595","5,596","5,597","5,598","5,599","5,600","5,601","5,602","5,603","5,604","5,605","5,606","5,607","5,608","5,609","5,610","5,611","5,612","5,613","5,614","5,615","5,616","5,617","5,618","5,619","5,620","5,621","5,622","5,623","5,624","5,625","5,626","5,627","5,628","5,629","5,630","5,631","5,632","5,633","5,634","5,635","5,636","5,637","5,638","5,639","5,640","5,641","5,642","5,643","5,644","5,645","5,646","5,647","5,648","5,649","5,650","5,651","5,652","5,653","5,654","5,655","5,656","5,657","5,658","5,659","5,660","5,661","5,662","5,663","5,664","5,665","5,666","5,667","5,668","5,669","5,670","5,671","5,672","5,673","5,674","5,675","5,676","5,677","5,678","5,679","5,680","5,681","6,1","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,522","6,523","6,524","6,525","6,526","6,527","6,528","6,529","6,530","6,531","7,1","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,439","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","7,472","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,483","7,484","7,485","7,486","8,1","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,372","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509","8,510","8,511","8,512","8,513","8,514","8,515","8,516","8,517","8,518","8,519","8,520","8,521","8,522","8,523","8,524","8,525","8,526","8,527","8,528","8,529","8,530","8,531","8,532","8,533","8,534","8,535","8,536","8,537","8,538","8,539","8,540","8,541","8,542","8,543","8,544","8,545","8,546","8,547","8,548","8,549","8,550","8,551","8,552","8,553","8,554","8,555","8,556","8,557","8,558","8,559","8,560","8,561","8,562","8,563","8,564","8,565","8,566","8,567","8,568","8,569","8,570","8,571","8,572","8,573","8,574","8,575","8,576","8,577","8,578","8,579","8,580","8,581","8,582","8,583","8,584","8,585","8,586","8,587","8,588","8,589","8,590","8,591","8,592","8,593","8,594","8,595","8,596","8,597","8,598","8,599","8,600","8,601","8,602","8,603","8,604","8,605","8,606","8,607","8,608","8,609","8,610","8,611","8,612","8,613","8,614","8,615","8,616","8,617","8,618","8,619","8,620","8,621","8,622","8,623","8,624","8,625","8,626","8,627","8,628","8,629","8,630","8,631","8,632","8,633","8,634","8,635","8,636","8,637","8,638","8,639","8,640","8,641","8,642","8,643","8,644","8,645","8,646","8,647","8,648","8,649","8,650","8,651","8,652","8,653","8,654","8,655","8,656","8,657","8,658","8,659","8,660","8,661","8,662","8,663","8,664","8,665","8,666","8,667","8,668","8,669","8,670","8,671","8,672","8,673","8,674","8,675","8,676","8,677","8,678","8,679","8,680","8,681","8,682","8,683","8,684","8,685","8,686","8,687","8,688","8,689","8,690","8,691","8,692","8,693","8,694","8,695","8,696","8,697","8,698","8,699","8,700","8,701","8,702","8,703","9,1","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","9,25","9,26","9,27","9,28","9,29","9,30","9,31","9,32","9,33","9,34","9,35","9,36","9,37","9,38","9,39","9,40","9,41","9,42","9,43","9,44","9,45","9,46","9,47","9,48","9,49","9,50","9,51","9,52","9,53","9,54","9,55","9,56","9,57","9,58","9,59","9,60","9,61","9,62","9,63","9,64","9,65","9,66","9,67","9,68","9,69","9,70","9,71","9,72","9,73","9,74","9,75","9,76","9,77","9,78","9,79","9,80","9,81","9,82","9,83","9,84","9,85","9,86","9,87","9,88","9,89","9,90","9,91","9,92","9,93","9,94","9,95","9,96","9,97","9,98","9,99","9,100","9,101","9,102","9,103","9,104","9,105","9,106","9,107","9,108","9,109","9,110","9,111","9,112","9,113","9,114","9,115","9,116","9,117","9,118","9,119","9,120","9,121","9,122","9,123","9,124","9,125","9,126","9,127","9,128","9,129","9,130","9,131","9,132","9,133","9,134","9,135","9,136","9,137","9,138","9,139","9,140","9,141","9,142","9,143","9,144","9,145","9,146","9,147","9,148","9,149","9,150","9,151","9,152","9,153","9,154","9,155","9,156","9,157","9,158","9,159","9,160","9,161","9,162","9,163","9,164","9,165","9,166","9,167","9,168","9,169","9,170","9,171","9,172","9,173","9,174","9,175","9,176","9,177","9,178","9,179","9,180","9,181","9,182","9,183","9,184","9,185","9,186","9,187","9,188","9,189","9,190","9,191","9,192","9,193","9,194","9,195","9,196","9,197","9,198","9,199","9,200","9,201","9,202","9,203","9,204","9,205","9,206","9,207","9,208","9,209","9,210","9,211","9,212","9,213","9,214","9,215","9,216","9,217","9,218","9,219","9,220","9,221","9,222","9,223","9,224","9,225","9,226","9,227","9,228","9,229","9,230","9,231","9,232","9,233","9,234","9,235","9,236","9,237","9,238","9,239","9,240","9,241","9,242","9,243","9,244","9,245","9,246","9,247","9,248","9,249","9,250","9,251","9,252","9,253","9,254","9,255","9,256","9,257","9,258","9,259","9,260","9,261","9,262","9,263","9,264","9,265","9,266","9,267","9,268","9,269","9,270","9,271","9,272","9,273","9,274","9,275","9,276","9,277","9,278","9,279","9,280","9,281","9,282","9,283","9,284","9,285","9,286","9,287","9,288","9,289","9,290","9,291","9,292","9,293","9,294","9,295","9,296","9,297","9,298","9,299","9,300","9,301","9,302","9,303","9,304","9,305","9,306","9,307","9,308","9,309","9,310","9,311","9,312","9,313","9,314","9,315","9,316","9,317","9,318","9,319","9,320","9,321","9,322","9,323","9,324","9,325","9,326","9,327","9,328","9,329","9,330","9,331","9,332","9,333","9,334","9,335","9,336","9,337","9,338","9,339","9,340","9,341","9,342","9,343","9,344","9,345","9,346","9,347","9,348","9,349","9,350","9,351","9,352","9,353","9,354","9,355","9,356","9,357","9,358","9,359","9,360","9,361","9,362","9,363","9,364","9,365","9,366","9,367","9,368","9,369","9,370","9,371","9,372","9,373","9,374","9,375","9,376","9,377","9,378","9,379","9,380","9,381","9,382","9,383","9,384","9,385","9,386","9,387","9,388","9,389","9,390","9,391","9,392","9,393","9,394","9,395","9,396","9,397","9,398","9,399","9,400","9,401","9,402","9,403","9,404","9,405","9,406","9,407","9,408","9,409","9,410","9,411","9,412","9,413","9,414","9,415","9,416","9,417","9,418","9,419","9,420","9,421","9,422","9,423","9,424","9,425","9,426","9,427","9,428","9,429","9,430","9,431","9,432","9,433","9,434","9,435","9,436","9,437","9,438","9,439","9,440","9,441","9,442","9,443","9,444","9,445","9,446","9,447","9,448","9,449","9,450","9,451","9,452","9,453","9,454","9,455","9,456","9,457","9,458","9,459","9,460","9,461","9,462","9,463","9,464","9,465","9,466","9,467","9,468","9,469","9,470","9,471","9,472","9,473","9,474","9,475","9,476","9,477","9,478","9,479","9,480","9,481","9,482","9,483","9,484","9,485","9,486","9,487","9,488","9,489","9,490","9,491","9,492","9,493","9,494","9,495","9,496","9,497","9,498","9,499","9,500","9,501","9,502","9,503","9,504","9,505","9,506","9,507","9,508","9,509","9,510","9,511","9,512","9,513","9,514","9,515","9,516","9,517","9,518","9,519","9,520","9,521","9,522","9,523","9,524","9,525","9,526","9,527","9,528","9,529","9,530","9,531","9,532","9,533","9,534","9,535","9,536","9,537","9,538","9,539","9,540","9,541","9,542","9,543","9,544","9,545","9,546","9,547","9,548","9,549","9,550","9,551","9,552","9,553","9,554","9,555","9,556","9,557","9,558","9,559","9,560","9,561","9,562","9,563","9,564","9,565","9,566","9,567","9,568","9,569","9,570","9,571","9,572","9,573","9,574","9,575","9,576","9,577","9,578","9,579","9,580","9,581","9,582","9,583","9,584","9,585","9,586","9,587","9,588","9,589","9,590","9,591","9,592","9,593","9,594","9,595","9,596","9,597","9,598","9,599","9,600","9,601","9,602","9,603","9,604","10,1","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","10,28","10,29","10,30","10,31","10,32","10,33","10,34","10,35","10,36","10,37","10,38","10,39","10,40","10,41","10,42","10,43","10,44","10,45","10,46","10,47","10,48","10,49","10,50","10,51","10,52","10,53","10,54","10,55","10,56","10,57","10,58","10,59","10,60","10,61","10,62","10,63","10,64","10,65","10,66","10,67","10,68","10,69","10,70","10,71","10,72","10,73","10,74","10,75","10,76","10,77","10,78","10,79","10,80","10,81","10,82","10,83","10,84","10,85","10,86","10,87","10,88","10,89","10,90","10,91","10,92","10,93","10,94","10,95","10,96","10,97","10,98","10,99","10,100","10,101","10,102","10,103","10,104","10,105","10,106","10,107","10,108","10,109","10,110","10,111","10,112","10,113","10,114","10,115","10,116","10,117","10,118","10,119","10,120","10,121","10,122","10,123","10,124","10,125","10,126","10,127","10,128","10,129","10,130","10,131","10,132","10,133","10,134","10,135","10,136","10,137","10,138","10,139","10,140","10,141","10,142","10,143","10,144","10,145","10,146","10,147","10,148","10,149","10,150","10,151","10,152","10,153","10,154","10,155","10,156","10,157","10,158","10,159","10,160","10,161","10,162","10,163","10,164","10,165","10,166","10,167","10,168","10,169","10,170","10,171","10,172","10,173","10,174","10,175","10,176","10,177","10,178","10,179","10,180","10,181","10,182","10,183","10,184","10,185","10,186","10,187","10,188","10,189","10,190","10,191","10,192","10,193","10,194","10,195","10,196","10,197","10,198","10,199","10,200","10,201","10,202","10,203","10,204","10,205","10,206","10,207","10,208","10,209","10,210","10,211","10,212","10,213","10,214","10,215","10,216","10,217","10,218","10,219","10,220","10,221","10,222","10,223","10,224","10,225","10,226","10,227","10,228","10,229","10,230","10,231","10,232","10,233","10,234","10,235","10,236","10,237","10,238","10,239","10,240","10,241","10,242","10,243","10,244","10,245","10,246","10,247","10,248","10,249","10,250","10,251","10,252","10,253","10,254","10,255","10,256","10,257","10,258","10,259","10,260","10,261","10,262","10,263","10,264","10,265","10,266","10,267","10,268","10,269","10,270","10,271","10,272","10,273","10,274","10,275","10,276","10,277","10,278","10,279","10,280","10,281","10,282","10,283","10,284","10,285","10,286","10,287","10,288","10,289","10,290","10,291","10,292","10,293","10,294","10,295","10,296","10,297","10,298","10,299","10,300","10,301","10,302","10,303","10,304","10,305","10,306","10,307","10,308","10,309","10,310","10,311","10,312","10,313","10,314","10,315","10,316","10,317","10,318","10,319","10,320","10,321","10,322","10,323","10,324","10,325","10,326","10,327","10,328","10,329","10,330","10,331","10,332","10,333","10,334","10,335","10,336","10,337","10,338","10,339","10,340","10,341","10,342","10,343","10,344","10,345","10,346","10,347","10,348","10,349","10,350","10,351","10,352","10,353","10,354","10,355","10,356","10,357","10,358","10,359","10,360","10,361","10,362","10,363","10,364","10,365","10,366","10,367","10,368","10,369","10,370","10,371","10,372","10,373","10,374","10,375","10,376","10,377","10,378","10,379","10,380","10,381","10,382","10,383","10,384","10,385","10,386","10,387","10,388","10,389","10,390","10,391","10,392","10,393","10,394","10,395","10,396","10,397","10,398","10,399","10,400","10,401","10,402","10,403","10,404","10,405","10,406","10,407","10,408","10,409","10,410","10,411","10,412","10,413","10,414","10,415","10,416","10,417","10,418","10,419","10,420","10,421","10,422","10,423","10,424","10,425","10,426","10,427","10,428","10,429","10,430","10,431","10,432","10,433","10,434","10,435","10,436","10,437","10,438","10,439","10,440","10,441","10,442","10,443","10,444","10,445","10,446","10,447","10,448","10,449","10,450","10,451","10,452","10,453","10,454","10,455","10,456","10,457","10,458","10,459","10,460","10,461","10,462","10,463","10,464","10,465","10,466","10,467","10,468","10,469","10,470","10,471","10,472","10,473","10,474","10,475","10,476","10,477","10,478","10,479","10,480","10,481","10,482","10,483","10,484","10,485","10,486","10,487","10,488","10,489","10,490","10,491","10,492","10,493","10,494","10,495","10,496","10,497","10,498","10,499","10,500","10,501","10,502","10,503","10,504","10,505","10,506","10,507","10,508","10,509","10,510","10,511","10,512","10,513","10,514","10,515","10,516","10,517","10,518","10,519","10,520","10,521","10,522","10,523","10,524","10,525","10,526","10,527","10,528","10,529","10,530","10,531","10,532","10,533","10,534","10,535","10,536","10,537","10,538","10,539","10,540","10,541","10,542","10,543","10,544","10,545","10,546","10,547","10,548","10,549","10,550","10,551","10,552","10,553","10,554","10,555","10,556","10,557","10,558","10,559","10,560","10,561","10,562","10,563","10,564","10,565","10,566","10,567","10,568","10,569","10,570","10,571","10,572","10,573","10,574","10,575","10,576","10,577","10,578","10,579","10,580","10,581","10,582","10,583","10,584","10,585","10,586","10,587","10,588","10,589","10,590","10,591","10,592","10,593","10,594","10,595","10,596","10,597","10,598","10,599","10,600","10,601","10,602","10,603","10,604","10,605","10,606","10,607","10,608","10,609","10,610","10,611","10,612","10,613","10,614","10,615","10,616","10,617","10,618","10,619","10,620","10,621","10,622","10,623","10,624","10,625","10,626","10,627","10,628","10,629","10,630","10,631","10,632","10,633","10,634","10,635","10,636","10,637","10,638","10,639","10,640","10,641","10,642","10,643","10,644","10,645","10,646","10,647","10,648","10,649"],"ٞ":{"3":[1],"7":[2],"8":[3],"11":[4],"14":[5,6,7,8],"15":[9,10],"16":[11,12,13,14],"17":[15],"19":[16],"21":[17,18],"22":[19],"23":[20],"25":[21],"27":[22],"30":[23],"31":[24],"36":[25],"37":[26],"41":[27],"43":[28,29],"44":[30],"47":[31,32],"49":[33],"50":[34,35],"54":[36],"55":[37],"56":[38],"57":[39],"61":[40],"66":[41,42],"68":[43],"69":[44],"70":[45],"71":[46],"72":[47,48],"73":[49,50],"74":[51,52],"75":[53],"76":[54,55,56],"79":[57],"82":[58,59],"83":[60],"84":[61,62],"85":[63],"86":[64,65],"88":[66],"89":[67],"90":[68,69],"93":[70],"94":[71],"95":[72,73,74],"100":[75],"101":[76],"102":[77],"103":[78,79],"104":[80],"107":[81,82],"108":[83],"110":[84,85],"111":[86],"114":[87],"116":[88,89,90],"117":[91],"118":[92],"121":[93,94],"123":[95,96],"124":[97],"126":[98],"127":[99],"130":[100,101],"132":[102],"133":[103,104,105],"135":[106],"136":[107,108],"137":[109],"140":[110],"141":[111],"143":[112],"145":[113],"147":[114],"151":[115,116],"152":[117],"153":[118],"154":[119],"155":[120],"156":[121,122],"159":[123],"161":[124],"163":[125,126,127],"164":[128,129],"166":[130],"167":[131,132],"168":[133],"169":[134,135],"171":[136,137],"173":[138],"175":[139],"177":[140,141],"178":[142],"181":[143,144],"182":[145,146,147],"183":[148,149],"184":[150],"185":[151,152,153],"186":[154,155],"187":[156],"188":[157,158],"189":[159,160],"192":[161,162],"193":[163],"194":[164],"196":[165,166],"197":[167],"198":[168,169],"199":[170,171,172],"200":[173],"202":[174],"204":[175],"206":[176,177],"207":[178],"209":[179,180],"210":[181,182],"211":[183,184],"213":[185],"214":[186],"215":[187],"216":[188],"218":[189],"219":[190,191],"220":[192],"221":[193],"222":[194],"224":[195],"226":[196],"228":[197],"229":[198],"230":[199],"231":[200,201],"233":[202,203,204],"234":[205],"235":[206],"236":[207],"238":[208],"240":[209],"243":[210],"244":[211],"245":[212],"248":[213],"250":[214],"254":[215,216],"257":[217],"258":[218],"259":[219,220],"261":[221],"262":[222,223],"263":[224],"265":[225],"266":[226,227],"267":[228,229,230],"268":[231],"269":[232],"270":[233],"271":[234],"272":[235],"273":[236,237],"274":[238],"276":[239],"277":[240],"278":[241,242],"279":[243,244],"284":[245,246],"289":[247],"291":[248],"293":[249,250],"295":[251],"296":[252],"297":[253],"298":[254,255,256],"299":[257],"304":[258],"305":[259],"306":[260],"308":[261,262,263],"309":[264],"310":[265],"315":[266,267],"316":[268,269],"318":[270,271,272],"319":[273],"320":[274],"321":[275],"322":[276],"323":[277],"325":[278],"326":[279],"327":[280],"328":[281],"329":[282],"332":[283,284,285],"334":[286],"339":[287,288],"341":[289],"342":[290],"344":[291],"350":[292],"351":[293],"353":[294],"354":[295],"355":[296,297],"356":[298,299],"358":[300],"360":[301,302],"361":[303],"362":[304],"363":[305],"364":[306,307],"370":[308],"371":[309],"374":[310,311],"376":[312],"379":[313,314,315,316],"381":[317,318],"383":[319,320],"384":[321],"385":[322,323],"386":[324],"387":[325],"388":[326],"390":[327],"391":[328],"392":[329],"394":[330,331],"395":[332],"397":[333],"401":[334],"406":[335],"407":[336],"409":[337,338],"410":[339],"411":[340],"412":[341],"413":[342],"414":[343],"415":[344],"417":[345],"418":[346],"419":[347],"420":[348],"421":[349],"422":[350],"423":[351],"424":[352,353],"425":[354,355],"427":[356,357,358],"430":[359],"432":[360],"435":[361],"436":[362],"438":[363,364,365],"439":[366,367],"440":[368,369],"442":[370,371],"443":[372],"444":[373,374],"445":[375],"447":[376],"448":[377,378],"449":[379],"452":[380,381],"453":[382,383],"454":[384,385],"455":[386],"456":[387],"457":[388,389],"458":[390],"460":[391],"462":[392,393,394],"463":[395],"464":[396],"465":[397],"466":[398],"467":[399],"469":[400],"470":[401],"473":[402],"474":[403],"476":[404,405],"477":[406],"480":[407],"481":[408],"483":[409],"485":[410,411],"486":[412,413],"488":[414],"489":[415],"490":[416,417],"492":[418],"494":[419,420],"495":[421],"496":[422,423],"497":[424,425],"498":[426,427,428],"499":[429],"500":[430,431],"501":[432,433,434],"503":[435],"504":[436,437],"506":[438],"508":[439],"509":[440,441],"512":[442],"514":[443],"519":[444],"521":[445],"523":[446],"524":[447],"526":[448],"529":[449],"530":[450],"531":[451],"533":[452],"534":[453],"535":[454],"536":[455],"540":[456,457],"542":[458],"543":[459],"544":[460,461,462],"547":[463,464,465],"557":[466],"558":[467,468],"559":[469],"560":[470,471],"561":[472,473],"562":[474],"563":[475,476],"564":[477],"565":[478],"567":[479,480,481],"570":[482],"571":[483],"573":[484],"574":[485],"575":[486,487],"578":[488,489],"585":[490],"586":[491],"588":[492],"589":[493],"590":[494],"593":[495,496,497],"594":[498,499,500],"596":[501],"600":[502],"601":[503],"602":[504,505],"607":[506],"608":[507],"610":[508],"611":[509],"613":[510],"616":[511],"618":[512],"620":[513],"621":[514,515],"624":[516,517,518],"625":[519,520],"628":[521,522],"629":[523,524],"631":[525],"634":[526],"636":[527],"637":[528],"638":[529],"642":[530],"643":[531],"649":[532,533],"650":[534],"653":[535],"654":[536],"656":[537,538],"657":[539],"659":[540],"661":[541],"663":[542],"665":[543,544],"666":[545],"667":[546],"668":[547,548],"669":[549],"670":[550],"671":[551],"672":[552],"673":[553],"674":[554,555],"675":[556],"677":[557,558],"679":[559],"680":[560],"686":[561,562,563],"687":[564,565,566],"689":[567],"690":[568,569],"692":[570,571,572,573],"693":[574,575],"694":[576],"697":[577,578],"699":[579],"704":[580],"706":[581],"708":[582],"709":[583],"710":[584,585],"711":[586,587],"712":[588],"713":[589,590],"714":[591,592,593],"715":[594,595],"716":[596],"717":[597],"718":[598,599],"719":[600,601],"721":[602],"722":[603],"723":[604],"724":[605,606,607],"725":[608,609],"726":[610],"727":[611,612],"728":[613],"730":[614],"731":[615],"732":[616],"733":[617,618],"734":[619],"735":[620],"736":[621],"737":[622],"739":[623,624,625],"740":[626,627],"741":[628,629],"742":[630,631],"743":[632],"745":[633,634],"746":[635],"747":[636],"748":[637],"750":[638,639],"753":[640],"754":[641,642],"755":[643,644],"756":[645,646],"757":[647],"758":[648],"759":[649,650],"760":[651,652],"762":[653,654],"763":[655,656],"764":[657,658],"765":[659],"766":[660],"767":[661],"768":[662],"770":[663,664],"771":[665],"772":[666],"773":[667,668],"774":[669],"775":[670],"776":[671],"778":[672,673],"780":[674,675],"781":[676,677],"783":[678,679],"784":[680],"786":[681],"787":[682,683],"788":[684],"789":[685,686],"790":[687],"791":[688,689,690],"792":[691,692],"793":[693],"795":[694],"796":[695,696],"797":[697],"798":[698,699],"799":[700],"800":[701,702],"801":[703],"802":[704,705],"803":[706],"804":[707],"805":[708],"806":[709,710,711],"808":[712],"811":[713],"812":[714],"814":[715],"815":[716],"816":[717],"817":[718],"821":[719,720],"822":[721],"823":[722,723],"825":[724,725,726],"827":[727],"829":[728],"831":[729],"832":[730,731],"833":[732],"835":[733],"837":[734,735],"839":[736],"840":[737],"841":[738],"847":[739],"848":[740,741],"849":[742],"851":[743],"853":[744,745,746,747],"855":[748],"859":[749],"860":[750],"861":[751,752],"863":[753],"864":[754,755],"865":[756],"866":[757,758],"867":[759],"876":[760],"879":[761],"881":[762,763],"882":[764],"883":[765,766],"884":[767,768],"885":[769],"886":[770],"887":[771],"888":[772],"889":[773],"890":[774],"891":[775,776],"893":[777],"894":[778],"896":[779,780,781],"897":[782],"898":[783,784],"899":[785],"900":[786],"901":[787],"902":[788],"904":[789],"905":[790,791],"906":[792,793,794],"907":[795,796],"908":[797],"910":[798],"912":[799],"913":[800],"914":[801],"917":[802],"920":[803],"921":[804],"923":[805,806],"924":[807,808],"926":[809],"932":[810],"933":[811],"934":[812],"936":[813],"937":[814],"939":[815],"941":[816,817],"942":[818,819],"945":[820],"946":[821],"948":[822,823],"950":[824],"951":[825],"952":[826],"953":[827],"954":[828],"956":[829],"957":[830],"958":[831],"959":[832],"961":[833],"974":[834],"977":[835],"978":[836],"979":[837,838],"980":[839,840],"983":[841,842],"984":[843,844],"985":[845,846],"986":[847,848],"987":[849,850],"988":[851],"991":[852],"993":[853,854],"994":[855,856],"995":[857,858],"996":[859],"998":[860],"999":[861],"1000":[862],"1001":[863,864],"1002":[865,866,867],"1003":[868,869],"1004":[870],"1005":[871],"1007":[872],"1008":[873],"1009":[874],"1010":[875,876],"1012":[877],"1013":[878],"1014":[879,880],"1015":[881,882],"1018":[883],"1019":[884],"1021":[885],"1023":[886],"1024":[887],"1025":[888],"1027":[889,890],"1028":[891],"1030":[892],"1031":[893],"1033":[894],"1034":[895],"1035":[896,897],"1039":[898,899],"1040":[900],"1044":[901],"1045":[902,903],"1046":[904],"1049":[905],"1051":[906],"1055":[907],"1059":[908,909],"1060":[910,911,912],"1063":[913],"1064":[914],"1065":[915,916],"1066":[917],"1067":[918],"1071":[919],"1072":[920],"1074":[921],"1075":[922],"1076":[923],"1078":[924],"1079":[925],"1082":[926,927],"1083":[928,929,930],"1084":[931,932],"1088":[933,934],"1091":[935,936],"1095":[937,938,939],"1097":[940],"1099":[941,942],"1101":[943],"1102":[944],"1103":[945],"1105":[946,947],"1108":[948],"1110":[949,950],"1111":[951],"1115":[952],"1117":[953],"1118":[954,955],"1120":[956],"1121":[957,958],"1123":[959],"1124":[960],"1125":[961],"1127":[962],"1129":[963,964,965],"1130":[966,967],"1132":[968],"1135":[969],"1136":[970],"1139":[971],"1140":[972],"1141":[973],"1142":[974,975,976],"1143":[977],"1144":[978],"1145":[979,980,981],"1146":[982,983],"1147":[984],"1148":[985],"1149":[986],"1151":[987],"1153":[988],"1154":[989],"1156":[990],"1157":[991,992,993],"1158":[994],"1161":[995],"1168":[996],"1169":[997],"1170":[998],"1175":[999,1000],"1177":[1001],"1178":[1002],"1182":[1003],"1189":[1004],"1191":[1005],"1193":[1006],"1195":[1007,1008],"1197":[1009],"1199":[1010],"1200":[1011,1012],"1202":[1013],"1204":[1014,1015],"1206":[1016],"1209":[1017,1018],"1210":[1019],"1213":[1020,1021],"1214":[1022],"1223":[1023],"1224":[1024],"1225":[1025],"1227":[1026],"1228":[1027],"1229":[1028],"1232":[1029],"1236":[1030],"1239":[1031],"1240":[1032],"1241":[1033],"1242":[1034,1035],"1243":[1036],"1245":[1037,1038],"1247":[1039,1040],"1249":[1041],"1250":[1042,1043],"1251":[1044,1045],"1252":[1046,1047],"1253":[1048],"1255":[1049],"1256":[1050],"1259":[1051,1052],"1262":[1053],"1266":[1054],"1268":[1055,1056],"1269":[1057],"1270":[1058],"1271":[1059,1060],"1273":[1061],"1274":[1062],"1277":[1063],"1282":[1064],"1284":[1065],"1285":[1066,1067],"1286":[1068],"1288":[1069,1070],"1289":[1071,1072],"1292":[1073],"1293":[1074],"1294":[1075,1076],"1295":[1077],"1296":[1078,1079,1080],"1298":[1081],"1302":[1082],"1305":[1083,1084],"1306":[1085,1086],"1307":[1087],"1308":[1088,1089],"1309":[1090,1091],"1310":[1092],"1312":[1093],"1313":[1094,1095],"1316":[1096],"1317":[1097],"1318":[1098],"1319":[1099],"1320":[1100],"1321":[1101],"1322":[1102],"1324":[1103,1104],"1325":[1105],"1327":[1106,1107],"1328":[1108,1109,1110],"1329":[1111],"1331":[1112],"1333":[1113,1114,1115],"1334":[1116,1117],"1335":[1118],"1336":[1119],"1337":[1120],"1339":[1121],"1342":[1122,1123,1124],"1343":[1125],"1349":[1126],"1350":[1127],"1356":[1128,1129],"1357":[1130],"1359":[1131,1132,1133],"1360":[1134,1135],"1361":[1136,1137],"1362":[1138],"1364":[1139],"1366":[1140],"1371":[1141,1142],"1372":[1143],"1373":[1144],"1375":[1145],"1376":[1146],"1377":[1147],"1378":[1148,1149],"1380":[1150],"1385":[1151,1152,1153],"1386":[1154],"1387":[1155,1156],"1388":[1157],"1389":[1158],"1390":[1159],"1391":[1160,1161],"1392":[1162,1163,1164],"1394":[1165],"1395":[1166],"1397":[1167],"1398":[1168,1169],"1399":[1170,1171],"1400":[1172],"1402":[1173,1174],"1403":[1175],"1404":[1176],"1405":[1177],"1407":[1178],"1408":[1179],"1409":[1180],"1410":[1181,1182],"1411":[1183],"1413":[1184],"1414":[1185],"1415":[1186],"1417":[1187],"1419":[1188],"1420":[1189],"1421":[1190,1191],"1422":[1192],"1425":[1193,1194],"1426":[1195],"1427":[1196],"1428":[1197,1198],"1429":[1199,1200],"1431":[1201,1202],"1433":[1203,1204],"1434":[1205],"1435":[1206],"1436":[1207,1208,1209],"1437":[1210],"1438":[1211],"1439":[1212],"1440":[1213,1214],"1441":[1215],"1442":[1216],"1443":[1217],"1444":[1218],"1445":[1219,1220],"1446":[1221],"1447":[1222],"1448":[1223],"1451":[1224],"1453":[1225],"1457":[1226],"1459":[1227],"1460":[1228],"1462":[1229,1230],"1464":[1231],"1465":[1232,1233],"1466":[1234],"1468":[1235],"1469":[1236],"1470":[1237],"1471":[1238,1239],"1473":[1240,1241],"1474":[1242],"1475":[1243],"1476":[1244],"1477":[1245],"1478":[1246],"1479":[1247,1248,1249],"1480":[1250],"1481":[1251,1252],"1482":[1253],"1483":[1254,1255],"1484":[1256,1257],"1486":[1258],"1499":[1259],"1500":[1260,1261,1262,1263],"1501":[1264],"1502":[1265,1266],"1503":[1267,1268],"1506":[1269],"1507":[1270],"1508":[1271],"1512":[1272],"1513":[1273],"1514":[1274],"1516":[1275,1276,1277],"1517":[1278],"1519":[1279,1280],"1520":[1281,1282,1283],"1521":[1284],"1523":[1285],"1524":[1286],"1527":[1287,1288],"1530":[1289,1290],"1531":[1291],"1532":[1292,1293],"1534":[1294],"1537":[1295],"1538":[1296],"1539":[1297,1298],"1540":[1299,1300,1301],"1542":[1302],"1545":[1303,1304],"1546":[1305,1306],"1547":[1307],"1549":[1308],"1550":[1309,1310,1311],"1551":[1312],"1552":[1313,1314,1315],"1554":[1316,1317],"1555":[1318],"1558":[1319],"1559":[1320],"1561":[1321],"1562":[1322,1323],"1563":[1324],"1564":[1325,1326],"1566":[1327,1328,1329],"1568":[1330],"1569":[1331],"1570":[1332],"1571":[1333],"1572":[1334],"1573":[1335,1336],"1574":[1337,1338,1339],"1576":[1340,1341,1342],"1577":[1343,1344,1345],"1588":[1346,1347],"1589":[1348],"1590":[1349,1350,1351],"1592":[1352],"1593":[1353],"1594":[1354],"1595":[1355],"1596":[1356,1357],"1599":[1358],"1601":[1359],"1604":[1360],"1605":[1361],"1608":[1362],"1609":[1363,1364],"1611":[1365],"1612":[1366],"1614":[1367],"1616":[1368],"1618":[1369],"1619":[1370],"1621":[1371],"1623":[1372],"1625":[1373],"1628":[1374],"1629":[1375],"1630":[1376],"1631":[1377,1378],"1632":[1379],"1633":[1380],"1634":[1381],"1635":[1382],"1638":[1383,1384],"1640":[1385,1386],"1641":[1387,1388],"1643":[1389],"1644":[1390,1391],"1645":[1392,1393],"1646":[1394],"1647":[1395,1396,1397],"1648":[1398],"1649":[1399,1400],"1650":[1401,1402],"1651":[1403,1404],"1652":[1405,1406],"1653":[1407,1408],"1654":[1409],"1655":[1410],"1656":[1411],"1657":[1412,1413],"1658":[1414],"1659":[1415,1416],"1661":[1417],"1662":[1418,1419,1420],"1664":[1421,1422,1423],"1665":[1424],"1666":[1425,1426],"1667":[1427],"1668":[1428],"1669":[1429],"1670":[1430,1431],"1671":[1432,1433,1434],"1672":[1435],"1673":[1436,1437],"1674":[1438,1439],"1675":[1440,1441],"1676":[1442],"1677":[1443],"1678":[1444],"1679":[1445],"1681":[1446],"1682":[1447],"1683":[1448,1449],"1684":[1450],"1685":[1451],"1689":[1452],"1690":[1453],"1691":[1454],"1692":[1455],"1693":[1456],"1694":[1457],"1696":[1458],"1698":[1459],"1699":[1460,1461],"1701":[1462],"1702":[1463],"1703":[1464],"1705":[1465],"1709":[1466,1467],"1710":[1468,1469,1470],"1711":[1471],"1712":[1472,1473],"1713":[1474],"1715":[1475,1476],"1716":[1477,1478],"1717":[1479,1480],"1718":[1481],"1719":[1482,1483],"1720":[1484,1485],"1721":[1486],"1722":[1487,1488],"1723":[1489],"1724":[1490],"1725":[1491],"1726":[1492],"1727":[1493],"1729":[1494,1495,1496],"1730":[1497],"1731":[1498],"1733":[1499],"1734":[1500],"1735":[1501],"1736":[1502],"1738":[1503],"1739":[1504],"1741":[1505],"1743":[1506,1507,1508],"1745":[1509,1510],"1746":[1511],"1747":[1512],"1748":[1513],"1750":[1514,1515],"1751":[1516],"1753":[1517],"1754":[1518],"1755":[1519,1520],"1757":[1521,1522,1523],"1758":[1524],"1760":[1525],"1762":[1526,1527],"1764":[1528,1529,1530],"1765":[1531],"1767":[1532,1533],"1768":[1534],"1769":[1535],"1770":[1536],"1771":[1537],"1772":[1538],"1773":[1539,1540],"1775":[1541],"1777":[1542,1543,1544],"1778":[1545,1546],"1779":[1547,1548],"1780":[1549],"1781":[1550],"1782":[1551,1552],"1783":[1553],"1784":[1554],"1786":[1555],"1789":[1556],"1790":[1557],"1793":[1558],"1795":[1559],"1797":[1560],"1798":[1561],"1799":[1562,1563],"1801":[1564],"1803":[1565],"1805":[1566,1567],"1806":[1568],"1807":[1569],"1808":[1570],"1809":[1571],"1810":[1572],"1811":[1573],"1812":[1574],"1814":[1575],"1815":[1576],"1816":[1577,1578],"1817":[1579],"1818":[1580],"1819":[1581],"1820":[1582],"1822":[1583],"1823":[1584,1585],"1824":[1586],"1825":[1587],"1827":[1588],"1828":[1589],"1830":[1590],"1831":[1591,1592],"1832":[1593,1594],"1833":[1595,1596],"1834":[1597],"1835":[1598],"1836":[1599],"1838":[1600,1601,1602],"1839":[1603],"1841":[1604],"1842":[1605,1606],"1844":[1607],"1847":[1608,1609],"1848":[1610],"1849":[1611,1612],"1850":[1613,1614],"1851":[1615],"1854":[1616],"1855":[1617],"1856":[1618,1619],"1857":[1620],"1858":[1621,1622],"1861":[1623],"1863":[1624,1625],"1865":[1626],"1866":[1627],"1867":[1628],"1870":[1629,1630],"1871":[1631,1632],"1872":[1633,1634],"1875":[1635,1636],"1876":[1637,1638],"1878":[1639],"1880":[1640],"1881":[1641],"1882":[1642,1643],"1884":[1644],"1885":[1645,1646],"1886":[1647,1648],"1887":[1649],"1889":[1650],"1891":[1651,1652],"1892":[1653,1654],"1893":[1655],"1894":[1656],"1896":[1657],"1897":[1658],"1901":[1659],"1902":[1660,1661],"1903":[1662],"1904":[1663,1664],"1905":[1665],"1907":[1666],"1910":[1667,1668],"1911":[1669,1670],"1912":[1671,1672,1673],"1913":[1674,1675,1676],"1914":[1677,1678],"1915":[1679],"1916":[1680],"1918":[1681],"1919":[1682],"1920":[1683],"1921":[1684],"1922":[1685,1686],"1923":[1687],"1926":[1688],"1929":[1689,1690],"1930":[1691,1692],"1931":[1693],"1935":[1694],"1939":[1695,1696,1697],"1940":[1698,1699],"1941":[1700],"1943":[1701],"1947":[1702],"1949":[1703],"1951":[1704],"1952":[1705,1706],"1953":[1707],"1954":[1708,1709],"1955":[1710,1711],"1956":[1712,1713],"1957":[1714],"1958":[1715,1716],"1959":[1717,1718],"1960":[1719],"1962":[1720,1721],"1963":[1722,1723],"1969":[1724,1725],"1970":[1726,1727],"1971":[1728],"1974":[1729],"1975":[1730,1731,1732],"1977":[1733],"1978":[1734],"1979":[1735],"1981":[1736],"1983":[1737],"1985":[1738],"1986":[1739,1740],"1990":[1741],"1991":[1742],"1992":[1743,1744],"1994":[1745,1746],"1995":[1747,1748],"1997":[1749],"1999":[1750,1751],"2000":[1752],"2001":[1753],"2005":[1754],"2006":[1755],"2007":[1756],"2008":[1757,1758,1759],"2009":[1760,1761],"2010":[1762],"2011":[1763,1764,1765],"2013":[1766],"2014":[1767],"2015":[1768,1769],"2016":[1770],"2017":[1771,1772],"2018":[1773],"2019":[1774],"2021":[1775],"2022":[1776,1777],"2023":[1778,1779],"2024":[1780,1781],"2026":[1782],"2027":[1783],"2028":[1784,1785],"2029":[1786],"2030":[1787],"2032":[1788],"2034":[1789,1790],"2035":[1791],"2037":[1792,1793],"2038":[1794],"2041":[1795],"2043":[1796],"2047":[1797,1798],"2049":[1799,1800],"2055":[1801,1802],"2057":[1803],"2058":[1804],"2059":[1805],"2060":[1806],"2063":[1807],"2065":[1808,1809],"2067":[1810,1811,1812],"2070":[1813,1814],"2071":[1815,1816],"2072":[1817],"2075":[1818],"2076":[1819],"2077":[1820,1821],"2078":[1822,1823],"2080":[1824],"2081":[1825,1826],"2082":[1827,1828],"2085":[1829],"2086":[1830],"2087":[1831],"2088":[1832],"2091":[1833,1834],"2093":[1835],"2094":[1836],"2095":[1837,1838,1839],"2096":[1840],"2099":[1841],"2100":[1842,1843],"2101":[1844],"2104":[1845],"2106":[1846,1847],"2107":[1848],"2109":[1849],"2110":[1850],"2114":[1851],"2116":[1852,1853],"2118":[1854],"2119":[1855],"2123":[1856,1857],"2124":[1858],"2126":[1859],"2132":[1860,1861,1862],"2134":[1863],"2136":[1864,1865,1866],"2137":[1867],"2138":[1868],"2139":[1869],"2141":[1870],"2142":[1871,1872],"2143":[1873,1874],"2145":[1875,1876],"2146":[1877],"2148":[1878],"2151":[1879],"2152":[1880,1881],"2153":[1882,1883,1884],"2154":[1885],"2155":[1886],"2156":[1887],"2157":[1888],"2158":[1889,1890],"2159":[1891,1892],"2160":[1893],"2162":[1894,1895],"2163":[1896,1897],"2164":[1898],"2166":[1899],"2167":[1900,1901],"2170":[1902],"2172":[1903],"2173":[1904],"2175":[1905],"2176":[1906,1907,1908],"2177":[1909],"2178":[1910,1911],"2179":[1912,1913],"2180":[1914],"2181":[1915],"2186":[1916,1917],"2187":[1918,1919,1920],"2189":[1921,1922,1923,1924],"2190":[1925,1926,1927],"2191":[1928,1929],"2192":[1930,1931],"2194":[1932,1933],"2195":[1934,1935],"2196":[1936,1937],"2197":[1938],"2199":[1939,1940],"2201":[1941],"2203":[1942],"2204":[1943,1944],"2205":[1945],"2207":[1946],"2208":[1947],"2209":[1948,1949,1950],"2210":[1951],"2211":[1952,1953],"2212":[1954,1955],"2213":[1956],"2214":[1957,1958],"2215":[1959,1960,1961],"2217":[1962],"2218":[1963],"2219":[1964],"2220":[1965],"2221":[1966],"2222":[1967,1968],"2223":[1969,1970],"2224":[1971],"2225":[1972],"2226":[1973],"2228":[1974],"2229":[1975],"2230":[1976,1977],"2231":[1978,1979],"2232":[1980],"2235":[1981],"2238":[1982,1983],"2239":[1984],"2240":[1985],"2241":[1986,1987],"2242":[1988,1989],"2243":[1990],"2244":[1991],"2245":[1992,1993],"2246":[1994,1995],"2247":[1996],"2248":[1997],"2249":[1998],"2250":[1999],"2251":[2000],"2252":[2001],"2253":[2002,2003],"2254":[2004],"2256":[2005],"2257":[2006,2007],"2260":[2008],"2262":[2009,2010,2011],"2264":[2012,2013],"2265":[2014],"2266":[2015,2016],"2268":[2017,2018],"2270":[2019,2020],"2271":[2021],"2272":[2022],"2273":[2023],"2276":[2024],"2278":[2025],"2279":[2026],"2283":[2027],"2285":[2028],"2287":[2029],"2293":[2030,2031],"2294":[2032],"2297":[2033],"2300":[2034,2035],"2301":[2036],"2303":[2037],"2305":[2038],"2306":[2039,2040],"2307":[2041,2042],"2309":[2043],"2310":[2044,2045],"2311":[2046,2047],"2312":[2048,2049],"2313":[2050,2051,2052],"2314":[2053],"2315":[2054,2055],"2316":[2056],"2317":[2057,2058],"2320":[2059,2060],"2321":[2061],"2325":[2062,2063],"2326":[2064],"2328":[2065,2066],"2332":[2067,2068],"2334":[2069],"2337":[2070],"2338":[2071],"2339":[2072],"2340":[2073],"2344":[2074],"2346":[2075],"2348":[2076,2077],"2349":[2078,2079],"2350":[2080],"2352":[2081,2082],"2354":[2083,2084,2085],"2355":[2086,2087,2088],"2356":[2089,2090,2091],"2359":[2092],"2360":[2093],"2361":[2094],"2363":[2095],"2364":[2096,2097],"2365":[2098,2099],"2366":[2100,2101,2102],"2367":[2103,2104],"2369":[2105],"2371":[2106,2107,2108],"2374":[2109,2110],"2376":[2111],"2378":[2112],"2380":[2113,2114],"2381":[2115],"2382":[2116],"2383":[2117,2118],"2386":[2119],"2387":[2120],"2388":[2121],"2389":[2122],"2392":[2123],"2394":[2124,2125],"2395":[2126],"2397":[2127],"2402":[2128],"2403":[2129,2130],"2404":[2131],"2406":[2132],"2407":[2133],"2408":[2134],"2409":[2135],"2410":[2136],"2412":[2137],"2413":[2138],"2415":[2139,2140],"2416":[2141],"2417":[2142,2143],"2418":[2144],"2419":[2145],"2420":[2146],"2421":[2147],"2422":[2148,2149,2150],"2424":[2151,2152,2153],"2425":[2154,2155],"2426":[2156],"2427":[2157,2158],"2428":[2159,2160],"2430":[2161],"2431":[2162,2163],"2433":[2164],"2434":[2165,2166],"2435":[2167],"2436":[2168,2169],"2437":[2170],"2439":[2171,2172],"2441":[2173],"2443":[2174],"2444":[2175],"2445":[2176],"2446":[2177],"2448":[2178],"2449":[2179,2180,2181],"2450":[2182,2183],"2451":[2184,2185],"2454":[2186],"2455":[2187,2188],"2456":[2189,2190],"2457":[2191],"2458":[2192],"2459":[2193],"2460":[2194,2195,2196],"2461":[2197],"2462":[2198,2199],"2463":[2200,2201,2202],"2464":[2203,2204],"2465":[2205],"2467":[2206],"2468":[2207],"2470":[2208,2209],"2471":[2210,2211],"2472":[2212,2213],"2473":[2214,2215,2216],"2474":[2217,2218],"2475":[2219,2220],"2476":[2221,2222],"2477":[2223,2224],"2478":[2225,2226],"2479":[2227,2228],"2480":[2229],"2481":[2230],"2482":[2231,2232],"2483":[2233,2234],"2484":[2235,2236],"2485":[2237,2238],"2486":[2239,2240],"2487":[2241,2242],"2488":[2243],"2489":[2244,2245],"2490":[2246,2247,2248],"2491":[2249],"2492":[2250],"2493":[2251],"2496":[2252,2253],"2497":[2254],"2499":[2255],"2500":[2256],"2501":[2257],"2502":[2258],"2503":[2259,2260],"2504":[2261],"2505":[2262,2263],"2506":[2264,2265],"2507":[2266],"2509":[2267],"2511":[2268,2269],"2513":[2270],"2514":[2271,2272],"2515":[2273,2274],"2516":[2275,2276],"2517":[2277,2278],"2518":[2279],"2519":[2280,2281,2282],"2520":[2283,2284],"2521":[2285,2286],"2523":[2287],"2524":[2288],"2525":[2289],"2526":[2290],"2528":[2291],"2530":[2292],"2531":[2293,2294],"2532":[2295],"2533":[2296],"2535":[2297,2298],"2536":[2299],"2538":[2300],"2539":[2301],"2540":[2302],"2542":[2303],"2543":[2304,2305],"2544":[2306],"2545":[2307,2308],"2546":[2309,2310],"2547":[2311,2312],"2548":[2313,2314],"2549":[2315,2316],"2550":[2317],"2551":[2318,2319,2320],"2552":[2321],"2553":[2322,2323],"2554":[2324,2325],"2555":[2326,2327,2328],"2556":[2329],"2557":[2330],"2558":[2331,2332],"2559":[2333,2334,2335],"2560":[2336],"2561":[2337],"2562":[2338,2339,2340],"2563":[2341],"2564":[2342],"2565":[2343,2344],"2566":[2345,2346],"2568":[2347],"2569":[2348],"2570":[2349,2350,2351],"2571":[2352,2353],"2572":[2354,2355],"2573":[2356,2357],"2574":[2358,2359],"2575":[2360],"2576":[2361],"2577":[2362,2363,2364],"2578":[2365,2366],"2579":[2367,2368],"2580":[2369],"2581":[2370,2371],"2582":[2372],"2583":[2373,2374],"2584":[2375],"2586":[2376],"2587":[2377,2378],"2588":[2379,2380],"2589":[2381,2382],"2590":[2383],"2592":[2384],"2594":[2385],"2595":[2386,2387],"2596":[2388],"2597":[2389],"2598":[2390,2391],"2599":[2392,2393],"2600":[2394,2395,2396],"2602":[2397,2398],"2603":[2399],"2604":[2400,2401],"2605":[2402,2403],"2606":[2404],"2607":[2405],"2608":[2406],"2609":[2407],"2610":[2408],"2611":[2409,2410],"2612":[2411,2412],"2613":[2413],"2614":[2414,2415],"2615":[2416,2417],"2616":[2418,2419],"2617":[2420],"2619":[2421,2422],"2621":[2423,2424],"2622":[2425],"2624":[2426],"2625":[2427,2428],"2626":[2429],"2627":[2430,2431,2432],"2628":[2433],"2629":[2434,2435],"2630":[2436,2437],"2631":[2438],"2632":[2439,2440,2441],"2633":[2442,2443],"2634":[2444,2445],"2635":[2446],"2637":[2447],"2638":[2448],"2639":[2449],"2640":[2450,2451],"2641":[2452],"2643":[2453],"2646":[2454],"2647":[2455],"2648":[2456,2457],"2649":[2458],"2650":[2459],"2651":[2460],"2652":[2461],"2654":[2462],"2655":[2463,2464],"2656":[2465],"2657":[2466,2467],"2658":[2468],"2659":[2469],"2661":[2470],"2662":[2471],"2663":[2472,2473,2474],"2668":[2475,2476],"2669":[2477],"2670":[2478],"2671":[2479],"2672":[2480],"2673":[2481],"2674":[2482],"2677":[2483],"2679":[2484],"2680":[2485],"2681":[2486],"2682":[2487,2488],"2683":[2489],"2684":[2490],"2685":[2491,2492],"2686":[2493,2494],"2688":[2495],"2692":[2496],"2693":[2497,2498],"2695":[2499,2500,2501],"2696":[2502],"2697":[2503],"2698":[2504,2505],"2699":[2506],"2700":[2507,2508,2509],"2701":[2510,2511],"2702":[2512],"2707":[2513,2514,2515],"2708":[2516],"2710":[2517],"2713":[2518],"2715":[2519],"2716":[2520],"2717":[2521],"2718":[2522],"2719":[2523],"2720":[2524],"2721":[2525],"2722":[2526,2527],"2723":[2528],"2724":[2529,2530],"2725":[2531],"2726":[2532,2533],"2729":[2534],"2731":[2535],"2732":[2536],"2750":[2537],"2754":[2538],"2756":[2539],"2757":[2540,2541],"2758":[2542,2543],"2759":[2544],"2763":[2545],"2764":[2546],"2766":[2547,2548],"2767":[2549],"2770":[2550],"2771":[2551],"2773":[2552,2553,2554],"2774":[2555,2556,2557],"2775":[2558,2559],"2776":[2560],"2777":[2561],"2778":[2562,2563],"2779":[2564],"2780":[2565,2566],"2781":[2567],"2783":[2568],"2784":[2569],"2785":[2570,2571],"2786":[2572],"2787":[2573,2574],"2789":[2575],"2790":[2576,2577],"2791":[2578,2579,2580],"2792":[2581],"2793":[2582,2583],"2794":[2584,2585],"2795":[2586,2587],"2796":[2588,2589],"2798":[2590,2591],"2800":[2592],"2801":[2593],"2803":[2594,2595],"2804":[2596,2597],"2805":[2598],"2806":[2599,2600,2601],"2807":[2602,2603],"2808":[2604],"2809":[2605],"2812":[2606],"2815":[2607,2608],"2816":[2609,2610,2611],"2817":[2612],"2818":[2613,2614],"2819":[2615],"2821":[2616],"2823":[2617],"2824":[2618,2619],"2825":[2620,2621,2622],"2826":[2623],"2827":[2624],"2828":[2625],"2829":[2626],"2830":[2627],"2832":[2628],"2835":[2629],"2836":[2630,2631],"2837":[2632,2633],"2839":[2634,2635],"2840":[2636,2637],"2841":[2638,2639],"2842":[2640],"2843":[2641],"2845":[2642],"2847":[2643,2644,2645],"2848":[2646],"2849":[2647,2648],"2850":[2649],"2851":[2650],"2852":[2651,2652],"2853":[2653],"2854":[2654,2655],"2855":[2656],"2856":[2657],"2859":[2658],"2862":[2659],"2865":[2660,2661],"2866":[2662],"2868":[2663],"2869":[2664,2665],"2870":[2666],"2872":[2667],"2873":[2668,2669],"2874":[2670],"2875":[2671,2672,2673],"2876":[2674],"2877":[2675],"2879":[2676],"2880":[2677],"2883":[2678],"2885":[2679],"2886":[2680,2681],"2888":[2682],"2889":[2683],"2890":[2684,2685],"2891":[2686],"2892":[2687],"2893":[2688],"2894":[2689],"2895":[2690],"2896":[2691],"2897":[2692],"2901":[2693],"2903":[2694],"2904":[2695],"2906":[2696],"2907":[2697],"2908":[2698],"2909":[2699],"2910":[2700],"2912":[2701],"2916":[2702],"2918":[2703],"2919":[2704,2705],"2922":[2706,2707],"2923":[2708,2709],"2927":[2710,2711],"2928":[2712],"2929":[2713,2714],"2930":[2715,2716],"2931":[2717],"2933":[2718],"2934":[2719],"2935":[2720],"2936":[2721,2722,2723],"2937":[2724,2725],"2938":[2726],"2940":[2727],"2941":[2728],"2942":[2729],"2943":[2730],"2945":[2731,2732],"2946":[2733],"2947":[2734],"2949":[2735],"2950":[2736],"2951":[2737,2738],"2953":[2739],"2955":[2740],"2957":[2741],"2963":[2742,2743],"2964":[2744,2745],"2965":[2746,2747],"2966":[2748],"2967":[2749,2750,2751],"2968":[2752,2753],"2969":[2754,2755],"2970":[2756,2757],"2971":[2758],"2972":[2759],"2973":[2760],"2974":[2761],"2975":[2762,2763],"2977":[2764],"2980":[2765],"2981":[2766,2767],"2983":[2768,2769],"2985":[2770,2771],"2986":[2772],"2987":[2773],"2988":[2774,2775],"2990":[2776],"2991":[2777],"2992":[2778],"2994":[2779,2780,2781],"2995":[2782],"2997":[2783],"2998":[2784,2785],"2999":[2786],"3000":[2787],"3001":[2788],"3002":[2789],"3004":[2790,2791],"3005":[2792,2793],"3007":[2794,2795],"3009":[2796,2797],"3010":[2798,2799],"3011":[2800],"3012":[2801,2802],"3013":[2803],"3014":[2804],"3015":[2805,2806],"3016":[2807],"3017":[2808,2809],"3019":[2810],"3020":[2811],"3022":[2812],"3023":[2813,2814,2815],"3024":[2816,2817],"3025":[2818,2819],"3026":[2820,2821],"3027":[2822],"3028":[2823],"3029":[2824,2825],"3030":[2826],"3032":[2827],"3033":[2828,2829,2830],"3034":[2831],"3035":[2832,2833],"3036":[2834],"3037":[2835],"3038":[2836],"3039":[2837,2838],"3040":[2839],"3041":[2840],"3042":[2841],"3043":[2842],"3044":[2843],"3046":[2844],"3053":[2845],"3058":[2846,2847],"3060":[2848],"3061":[2849],"3063":[2850],"3064":[2851],"3065":[2852,2853],"3066":[2854],"3067":[2855],"3068":[2856],"3070":[2857,2858],"3072":[2859],"3074":[2860,2861],"3075":[2862,2863],"3076":[2864],"3077":[2865,2866],"3079":[2867],"3081":[2868],"3082":[2869],"3086":[2870],"3087":[2871],"3088":[2872],"3089":[2873,2874],"3090":[2875,2876],"3091":[2877],"3092":[2878,2879,2880],"3093":[2881,2882],"3097":[2883],"3098":[2884],"3103":[2885],"3105":[2886,2887,2888],"3106":[2889,2890],"3107":[2891],"3108":[2892],"3109":[2893,2894],"3117":[2895,2896],"3119":[2897],"3122":[2898],"3124":[2899,2900],"3126":[2901],"3127":[2902],"3128":[2903],"3129":[2904],"3131":[2905],"3134":[2906,2907],"3135":[2908],"3136":[2909,2910],"3137":[2911],"3138":[2912],"3139":[2913,2914],"3140":[2915],"3141":[2916,2917],"3142":[2918],"3143":[2919],"3144":[2920,2921],"3146":[2922,2923],"3147":[2924],"3148":[2925],"3149":[2926],"3150":[2927,2928],"3151":[2929,2930],"3152":[2931],"3153":[2932,2933],"3154":[2934,2935],"3155":[2936,2937],"3156":[2938],"3157":[2939],"3158":[2940],"3159":[2941,2942],"3160":[2943,2944],"3161":[2945],"3162":[2946,2947],"3164":[2948,2949],"3166":[2950],"3167":[2951,2952],"3168":[2953,2954],"3169":[2955],"3170":[2956],"3171":[2957],"3172":[2958,2959],"3173":[2960,2961],"3174":[2962,2963],"3175":[2964],"3176":[2965],"3177":[2966,2967],"3178":[2968,2969],"3179":[2970],"3180":[2971],"3182":[2972,2973,2974],"3183":[2975,2976,2977],"3184":[2978,2979],"3185":[2980,2981,2982],"3187":[2983,2984,2985],"3188":[2986],"3190":[2987],"3194":[2988],"3195":[2989],"3196":[2990,2991,2992],"3197":[2993,2994],"3198":[2995,2996,2997],"3199":[2998,2999,3000],"3200":[3001,3002,3003],"3202":[3004,3005],"3203":[3006,3007],"3204":[3008],"3205":[3009,3010,3011],"3206":[3012],"3207":[3013],"3208":[3014,3015,3016],"3209":[3017,3018],"3210":[3019,3020],"3211":[3021],"3213":[3022,3023],"3214":[3024],"3215":[3025,3026],"3216":[3027,3028],"3217":[3029,3030],"3218":[3031,3032,3033],"3219":[3034],"3220":[3035,3036],"3221":[3037],"3222":[3038,3039],"3223":[3040,3041,3042],"3224":[3043],"3225":[3044,3045,3046],"3226":[3047],"3227":[3048,3049],"3228":[3050],"3229":[3051],"3230":[3052,3053,3054],"3231":[3055],"3232":[3056],"3233":[3057],"3234":[3058],"3235":[3059,3060],"3236":[3061],"3237":[3062,3063],"3239":[3064],"3240":[3065,3066],"3242":[3067],"3243":[3068],"3244":[3069],"3246":[3070,3071],"3247":[3072],"3248":[3073],"3249":[3074],"3250":[3075],"3251":[3076],"3252":[3077,3078],"3253":[3079,3080],"3254":[3081],"3255":[3082,3083],"3256":[3084],"3257":[3085,3086],"3258":[3087,3088],"3259":[3089,3090,3091],"3260":[3092,3093,3094],"3263":[3095,3096],"3264":[3097],"3265":[3098],"3266":[3099],"3267":[3100,3101],"3268":[3102,3103],"3269":[3104],"3270":[3105,3106],"3271":[3107],"3272":[3108,3109],"3274":[3110],"3278":[3111,3112],"3279":[3113,3114],"3280":[3115,3116],"3282":[3117,3118],"3283":[3119,3120],"3285":[3121,3122],"3286":[3123],"3287":[3124,3125,3126],"3288":[3127],"3289":[3128],"3290":[3129],"3291":[3130],"3293":[3131],"3294":[3132,3133],"3297":[3134],"3298":[3135],"3299":[3136],"3300":[3137,3138],"3303":[3139],"3304":[3140],"3305":[3141],"3306":[3142],"3307":[3143],"3308":[3144],"3310":[3145,3146],"3311":[3147],"3312":[3148,3149],"3313":[3150,3151],"3315":[3152,3153,3154],"3317":[3155],"3318":[3156,3157],"3319":[3158,3159],"3320":[3160,3161],"3322":[3162,3163,3164],"3323":[3165,3166],"3325":[3167,3168],"3326":[3169,3170],"3327":[3171,3172],"3328":[3173,3174],"3329":[3175],"3330":[3176,3177],"3331":[3178],"3333":[3179],"3334":[3180,3181],"3335":[3182,3183],"3336":[3184],"3338":[3185,3186],"3339":[3187],"3340":[3188,3189],"3341":[3190,3191],"3343":[3192],"3344":[3193,3194],"3345":[3195,3196],"3346":[3197],"3347":[3198,3199],"3348":[3200],"3349":[3201,3202],"3350":[3203,3204],"3351":[3205,3206],"3352":[3207,3208,3209],"3353":[3210,3211],"3354":[3212],"3355":[3213],"3357":[3214,3215],"3358":[3216,3217,3218],"3359":[3219],"3360":[3220,3221],"3361":[3222],"3362":[3223],"3363":[3224,3225,3226],"3364":[3227],"3365":[3228],"3366":[3229],"3367":[3230,3231],"3368":[3232,3233],"3369":[3234,3235,3236],"3370":[3237],"3371":[3238],"3372":[3239,3240,3241],"3373":[3242,3243],"3374":[3244,3245],"3375":[3246,3247],"3376":[3248,3249],"3377":[3250],"3378":[3251],"3379":[3252],"3380":[3253,3254],"3381":[3255,3256],"3382":[3257],"3383":[3258,3259],"3385":[3260,3261],"3386":[3262,3263],"3387":[3264,3265],"3388":[3266,3267],"3389":[3268],"3390":[3269,3270],"3391":[3271,3272,3273],"3392":[3274,3275,3276],"3393":[3277,3278],"3394":[3279,3280],"3395":[3281],"3396":[3282],"3398":[3283],"3400":[3284,3285,3286],"3402":[3287,3288],"3403":[3289,3290,3291],"3404":[3292],"3405":[3293],"3406":[3294],"3407":[3295,3296],"3408":[3297],"3409":[3298],"3410":[3299],"3411":[3300,3301,3302],"3412":[3303,3304],"3414":[3305,3306],"3415":[3307],"3416":[3308,3309],"3418":[3310],"3420":[3311],"3421":[3312],"3422":[3313,3314],"3423":[3315],"3424":[3316],"3425":[3317,3318],"3426":[3319,3320],"3427":[3321,3322],"3428":[3323],"3429":[3324,3325],"3430":[3326],"3431":[3327],"3434":[3328],"3435":[3329],"3438":[3330],"3443":[3331],"3444":[3332],"3445":[3333],"3446":[3334,3335],"3447":[3336],"3448":[3337,3338,3339],"3449":[3340],"3451":[3341,3342],"3452":[3343],"3453":[3344],"3454":[3345,3346],"3455":[3347,3348],"3456":[3349,3350],"3457":[3351],"3458":[3352,3353],"3459":[3354,3355],"3461":[3356],"3462":[3357,3358],"3463":[3359,3360],"3464":[3361],"3467":[3362],"3468":[3363],"3469":[3364,3365],"3470":[3366,3367],"3471":[3368,3369],"3472":[3370],"3473":[3371],"3474":[3372,3373],"3475":[3374],"3477":[3375,3376,3377],"3478":[3378],"3479":[3379],"3480":[3380,3381],"3482":[3382,3383],"3483":[3384],"3484":[3385],"3485":[3386,3387],"3486":[3388,3389],"3487":[3390,3391],"3488":[3392,3393],"3489":[3394,3395],"3490":[3396,3397],"3491":[3398,3399],"3492":[3400],"3493":[3401,3402,3403],"3494":[3404,3405],"3495":[3406],"3496":[3407,3408],"3497":[3409],"3499":[3410,3411],"3500":[3412,3413],"3501":[3414],"3502":[3415,3416],"3503":[3417],"3504":[3418,3419],"3505":[3420],"3506":[3421,3422],"3507":[3423],"3508":[3424],"3509":[3425],"3510":[3426],"3511":[3427,3428],"3512":[3429],"3513":[3430,3431,3432],"3514":[3433],"3515":[3434],"3516":[3435,3436,3437],"3518":[3438],"3519":[3439,3440],"3520":[3441],"3521":[3442],"3522":[3443,3444],"3523":[3445],"3524":[3446],"3525":[3447,3448],"3526":[3449,3450],"3527":[3451],"3528":[3452,3453],"3531":[3454,3455],"3532":[3456,3457],"3533":[3458,3459],"3534":[3460],"3535":[3461,3462],"3536":[3463,3464],"3537":[3465,3466],"3539":[3467,3468],"3540":[3469],"3541":[3470],"3542":[3471,3472],"3543":[3473,3474],"3544":[3475,3476],"3545":[3477,3478],"3550":[3479],"3551":[3480,3481],"3552":[3482],"3553":[3483,3484],"3554":[3485],"3555":[3486],"3558":[3487,3488],"3559":[3489],"3560":[3490,3491],"3561":[3492,3493,3494],"3562":[3495],"3563":[3496,3497],"3564":[3498],"3565":[3499,3500],"3566":[3501,3502],"3567":[3503],"3568":[3504],"3570":[3505],"3571":[3506],"3572":[3507,3508],"3573":[3509],"3574":[3510],"3575":[3511,3512],"3576":[3513,3514],"3577":[3515],"3578":[3516,3517],"3579":[3518,3519],"3580":[3520,3521],"3581":[3522],"3582":[3523],"3583":[3524],"3584":[3525],"3585":[3526],"3586":[3527],"3587":[3528,3529],"3588":[3530,3531],"3589":[3532],"3590":[3533,3534],"3591":[3535],"3592":[3536,3537,3538],"3593":[3539,3540],"3594":[3541],"3595":[3542,3543],"3596":[3544,3545,3546],"3597":[3547,3548],"3598":[3549,3550,3551],"3599":[3552,3553],"3601":[3554,3555],"3602":[3556],"3603":[3557],"3606":[3558,3559],"3607":[3560,3561],"3608":[3562],"3609":[3563,3564],"3610":[3565],"3611":[3566,3567,3568],"3612":[3569,3570],"3613":[3571,3572,3573,3574],"3614":[3575,3576,3577,3578],"3615":[3579],"3616":[3580,3581],"3618":[3582,3583,3584],"3619":[3585,3586,3587],"3620":[3588,3589],"3621":[3590,3591],"3622":[3592,3593],"3623":[3594],"3625":[3595],"3626":[3596],"3627":[3597],"3630":[3598],"3631":[3599],"3632":[3600,3601],"3633":[3602],"3635":[3603],"3637":[3604],"3638":[3605],"3639":[3606,3607],"3640":[3608,3609],"3641":[3610],"3642":[3611,3612],"3644":[3613],"3646":[3614],"3649":[3615],"3650":[3616],"3651":[3617],"3652":[3618,3619],"3653":[3620,3621],"3654":[3622],"3655":[3623],"3656":[3624],"3657":[3625],"3662":[3626],"3663":[3627],"3664":[3628],"3665":[3629,3630],"3667":[3631],"3668":[3632,3633],"3669":[3634],"3670":[3635,3636],"3671":[3637],"3672":[3638,3639],"3673":[3640,3641],"3674":[3642],"3675":[3643],"3676":[3644,3645,3646],"3677":[3647],"3678":[3648],"3679":[3649],"3681":[3650],"3682":[3651],"3684":[3652],"3685":[3653],"3686":[3654],"3687":[3655,3656],"3688":[3657,3658,3659],"3689":[3660,3661],"3690":[3662,3663],"3691":[3664,3665],"3693":[3666],"3694":[3667],"3695":[3668],"3696":[3669],"3697":[3670,3671],"3698":[3672,3673,3674],"3699":[3675],"3700":[3676],"3701":[3677,3678],"3702":[3679,3680],"3703":[3681],"3704":[3682],"3705":[3683],"3709":[3684],"3710":[3685],"3711":[3686],"3712":[3687,3688],"3713":[3689,3690],"3714":[3691],"3715":[3692,3693],"3716":[3694,3695,3696],"3717":[3697,3698],"3718":[3699,3700],"3719":[3701,3702],"3720":[3703,3704],"3721":[3705],"3722":[3706],"3723":[3707,3708],"3724":[3709],"3726":[3710],"3728":[3711],"3730":[3712],"3731":[3713,3714],"3732":[3715],"3733":[3716],"3734":[3717],"3735":[3718],"3736":[3719],"3739":[3720,3721],"3740":[3722],"3741":[3723],"3742":[3724],"3743":[3725],"3744":[3726],"3746":[3727],"3747":[3728,3729],"3749":[3730],"3750":[3731,3732],"3752":[3733],"3753":[3734,3735],"3754":[3736],"3756":[3737,3738],"3758":[3739],"3759":[3740],"3760":[3741],"3763":[3742,3743],"3765":[3744],"3768":[3745],"3769":[3746,3747],"3770":[3748],"3771":[3749,3750],"3772":[3751,3752],"3773":[3753,3754],"3774":[3755],"3776":[3756],"3777":[3757,3758],"3778":[3759],"3779":[3760],"3780":[3761],"3781":[3762,3763],"3782":[3764,3765],"3783":[3766,3767],"3784":[3768],"3785":[3769,3770,3771],"3786":[3772,3773],"3787":[3774],"3788":[3775,3776],"3790":[3777,3778],"3791":[3779,3780],"3792":[3781,3782],"3796":[3783],"3797":[3784,3785,3786],"3798":[3787,3788],"3799":[3789],"3800":[3790,3791],"3801":[3792,3793],"3802":[3794,3795],"3803":[3796,3797],"3805":[3798,3799],"3806":[3800],"3807":[3801],"3808":[3802,3803],"3809":[3804],"3810":[3805],"3811":[3806,3807],"3812":[3808],"3813":[3809],"3816":[3810,3811],"3817":[3812,3813],"3818":[3814],"3820":[3815],"3828":[3816,3817],"3829":[3818],"3831":[3819,3820],"3832":[3821],"3833":[3822],"3834":[3823,3824],"3835":[3825],"3836":[3826],"3837":[3827],"3847":[3828,3829],"3848":[3830],"3849":[3831],"3850":[3832],"3852":[3833,3834],"3853":[3835,3836],"3855":[3837],"3857":[3838],"3859":[3839],"3860":[3840],"3861":[3841],"3863":[3842],"3865":[3843],"3867":[3844,3845],"3868":[3846,3847],"3869":[3848],"3871":[3849],"3874":[3850],"3875":[3851],"3880":[3852],"3881":[3853],"3882":[3854],"3883":[3855],"3884":[3856],"3885":[3857],"3887":[3858,3859,3860,3861],"3888":[3862,3863],"3889":[3864],"3890":[3865],"3892":[3866],"3895":[3867],"3896":[3868,3869],"3897":[3870,3871],"3898":[3872],"3899":[3873,3874],"3902":[3875,3876,3877],"3904":[3878,3879],"3906":[3880],"3907":[3881],"3908":[3882],"3909":[3883],"3915":[3884,3885,3886,3887],"3916":[3888,3889,3890],"3917":[3891],"3919":[3892],"3922":[3893,3894],"3923":[3895],"3924":[3896],"3925":[3897],"3927":[3898,3899,3900],"3928":[3901,3902,3903],"3929":[3904,3905],"3932":[3906],"3934":[3907],"3935":[3908,3909],"3937":[3910],"3939":[3911],"3940":[3912],"3941":[3913],"3942":[3914],"3943":[3915,3916],"3944":[3917],"3945":[3918],"3946":[3919],"3947":[3920,3921],"3948":[3922,3923],"3949":[3924],"3950":[3925,3926],"3951":[3927,3928],"3952":[3929],"3953":[3930,3931],"3954":[3932,3933],"3955":[3934],"3956":[3935],"3957":[3936],"3958":[3937],"3959":[3938],"3960":[3939,3940],"3961":[3941],"3962":[3942],"3963":[3943],"3964":[3944,3945],"3965":[3946],"3966":[3947],"3967":[3948,3949],"3968":[3950],"3969":[3951],"3970":[3952,3953],"3971":[3954,3955],"3972":[3956,3957],"3973":[3958],"3974":[3959,3960],"3975":[3961],"3976":[3962,3963],"3977":[3964,3965,3966],"3978":[3967,3968],"3979":[3969],"3980":[3970,3971],"3981":[3972],"3982":[3973,3974],"3983":[3975,3976],"3984":[3977],"3985":[3978,3979],"3986":[3980,3981],"3987":[3982,3983],"3988":[3984,3985,3986],"3989":[3987],"3990":[3988,3989],"3991":[3990],"3992":[3991],"3993":[3992,3993,3994],"3994":[3995],"3995":[3996,3997,3998],"3997":[3999,4000,4001],"3998":[4002],"3999":[4003,4004],"4000":[4005,4006],"4001":[4007],"4002":[4008],"4003":[4009,4010],"4004":[4011],"4005":[4012,4013],"4006":[4014,4015],"4007":[4016,4017],"4008":[4018,4019],"4009":[4020],"4010":[4021],"4011":[4022],"4012":[4023,4024],"4014":[4025],"4018":[4026,4027],"4023":[4028,4029],"4025":[4030],"4026":[4031,4032],"4028":[4033],"4030":[4034],"4033":[4035],"4034":[4036],"4036":[4037],"4038":[4038,4039],"4039":[4040],"4041":[4041,4042],"4045":[4043],"4048":[4044],"4049":[4045,4046],"4050":[4047],"4052":[4048],"4054":[4049],"4055":[4050],"4056":[4051],"4059":[4052,4053],"4061":[4054,4055,4056],"4062":[4057],"4064":[4058,4059],"4066":[4060,4061],"4067":[4062,4063],"4068":[4064,4065],"4069":[4066],"4072":[4067],"4073":[4068],"4074":[4069],"4075":[4070,4071],"4078":[4072,4073],"4079":[4074,4075],"4080":[4076,4077],"4081":[4078,4079,4080],"4083":[4081],"4084":[4082],"4085":[4083,4084],"4086":[4085,4086],"4087":[4087,4088],"4088":[4089],"4089":[4090,4091],"4090":[4092,4093],"4091":[4094],"4092":[4095],"4094":[4096],"4095":[4097,4098],"4097":[4099],"4099":[4100,4101,4102],"4100":[4103,4104],"4101":[4105,4106,4107],"4102":[4108,4109],"4103":[4110,4111],"4105":[4112],"4106":[4113],"4107":[4114,4115],"4108":[4116,4117],"4109":[4118,4119],"4110":[4120],"4111":[4121,4122],"4112":[4123,4124],"4113":[4125,4126],"4114":[4127],"4116":[4128,4129],"4117":[4130],"4120":[4131,4132,4133],"4122":[4134],"4123":[4135],"4124":[4136,4137],"4125":[4138,4139],"4126":[4140],"4127":[4141],"4128":[4142],"4131":[4143],"4133":[4144],"4135":[4145],"4136":[4146],"4137":[4147,4148,4149],"4138":[4150,4151,4152],"4139":[4153],"4141":[4154,4155],"4142":[4156,4157,4158],"4143":[4159],"4144":[4160,4161],"4145":[4162],"4146":[4163,4164],"4147":[4165,4166],"4148":[4167,4168,4169],"4149":[4170],"4150":[4171,4172],"4151":[4173],"4152":[4174,4175,4176,4177],"4153":[4178,4179,4180],"4154":[4181,4182,4183],"4155":[4184],"4156":[4185,4186],"4157":[4187,4188],"4158":[4189],"4160":[4190],"4161":[4191],"4162":[4192,4193],"4165":[4194],"4166":[4195,4196],"4167":[4197,4198],"4168":[4199],"4170":[4200],"4171":[4201],"4172":[4202,4203,4204],"4173":[4205],"4175":[4206,4207],"4177":[4208],"4178":[4209],"4179":[4210],"4180":[4211],"4181":[4212,4213,4214],"4184":[4215],"4186":[4216],"4189":[4217],"4190":[4218],"4191":[4219,4220],"4192":[4221],"4193":[4222],"4195":[4223],"4196":[4224],"4201":[4225],"4202":[4226],"4203":[4227],"4204":[4228,4229],"4205":[4230,4231],"4206":[4232,4233],"4210":[4234],"4212":[4235],"4213":[4236],"4214":[4237,4238],"4215":[4239],"4216":[4240],"4217":[4241,4242],"4218":[4243,4244],"4219":[4245],"4220":[4246],"4221":[4247],"4222":[4248,4249],"4227":[4250],"4228":[4251,4252],"4229":[4253],"4231":[4254,4255],"4232":[4256,4257],"4233":[4258],"4234":[4259,4260],"4236":[4261],"4238":[4262,4263],"4239":[4264,4265],"4240":[4266,4267],"4241":[4268,4269],"4242":[4270,4271],"4243":[4272],"4244":[4273,4274],"4245":[4275],"4246":[4276,4277,4278],"4247":[4279,4280],"4248":[4281],"4249":[4282],"4250":[4283],"4251":[4284],"4252":[4285,4286,4287],"4253":[4288],"4254":[4289,4290,4291],"4256":[4292],"4257":[4293],"4261":[4294],"4268":[4295],"4270":[4296,4297],"4272":[4298],"4274":[4299],"4275":[4300],"4277":[4301],"4279":[4302],"4281":[4303],"4282":[4304],"4283":[4305,4306],"4285":[4307],"4286":[4308],"4287":[4309],"4288":[4310],"4289":[4311],"4290":[4312,4313],"4291":[4314],"4293":[4315,4316,4317],"4294":[4318,4319],"4295":[4320],"4297":[4321,4322],"4298":[4323],"4300":[4324],"4301":[4325],"4303":[4326],"4304":[4327,4328],"4307":[4329],"4311":[4330],"4312":[4331],"4314":[4332],"4315":[4333],"4316":[4334],"4317":[4335],"4318":[4336,4337],"4319":[4338,4339],"4320":[4340],"4321":[4341],"4322":[4342],"4323":[4343],"4324":[4344],"4325":[4345],"4326":[4346,4347],"4327":[4348,4349],"4328":[4350,4351],"4329":[4352],"4330":[4353,4354],"4331":[4355],"4332":[4356,4357],"4333":[4358],"4334":[4359],"4335":[4360,4361],"4336":[4362],"4338":[4363],"4339":[4364,4365],"4340":[4366],"4342":[4367],"4343":[4368,4369,4370],"4344":[4371],"4346":[4372,4373],"4347":[4374,4375,4376],"4348":[4377,4378],"4349":[4379,4380],"4350":[4381,4382],"4351":[4383],"4352":[4384,4385],"4353":[4386,4387,4388],"4354":[4389,4390,4391,4392],"4355":[4393],"4357":[4394],"4361":[4395],"4363":[4396],"4364":[4397,4398],"4365":[4399],"4366":[4400],"4367":[4401,4402],"4369":[4403],"4370":[4404,4405],"4372":[4406],"4373":[4407],"4376":[4408],"4378":[4409],"4379":[4410,4411],"4380":[4412,4413],"4383":[4414],"4384":[4415],"4385":[4416],"4386":[4417],"4389":[4418],"4390":[4419],"4391":[4420],"4392":[4421,4422],"4393":[4423,4424],"4395":[4425],"4397":[4426],"4398":[4427],"4400":[4428,4429],"4401":[4430],"4402":[4431],"4403":[4432,4433],"4404":[4434,4435],"4405":[4436],"4406":[4437,4438],"4408":[4439],"4409":[4440],"4410":[4441],"4411":[4442],"4413":[4443],"4414":[4444,4445],"4415":[4446],"4416":[4447,4448],"4417":[4449],"4420":[4450],"4421":[4451],"4423":[4452],"4426":[4453,4454,4455],"4428":[4456],"4429":[4457,4458],"4430":[4459],"4434":[4460,4461],"4436":[4462,4463],"4437":[4464],"4438":[4465,4466],"4439":[4467],"4441":[4468],"4444":[4469,4470],"4445":[4471],"4447":[4472,4473],"4448":[4474,4475],"4449":[4476],"4450":[4477],"4451":[4478],"4452":[4479],"4453":[4480,4481],"4454":[4482,4483],"4456":[4484],"4457":[4485],"4458":[4486,4487],"4459":[4488],"4463":[4489],"4464":[4490],"4469":[4491],"4470":[4492,4493],"4472":[4494],"4473":[4495,4496,4497],"4474":[4498],"4476":[4499],"4478":[4500],"4489":[4501],"4492":[4502,4503],"4495":[4504],"4496":[4505,4506],"4497":[4507,4508],"4498":[4509],"4499":[4510,4511,4512,4513],"4500":[4514,4515],"4501":[4516],"4502":[4517],"4504":[4518],"4505":[4519,4520],"4506":[4521],"4507":[4522],"4508":[4523],"4509":[4524],"4510":[4525],"4512":[4526,4527],"4513":[4528],"4518":[4529],"4519":[4530,4531,4532],"4521":[4533],"4522":[4534,4535],"4523":[4536],"4524":[4537],"4525":[4538],"4526":[4539],"4527":[4540],"4528":[4541,4542],"4530":[4543],"4534":[4544],"4535":[4545,4546],"4540":[4547],"4542":[4548,4549],"4544":[4550,4551],"4545":[4552],"4546":[4553,4554],"4549":[4555],"4551":[4556],"4552":[4557,4558],"4553":[4559,4560],"4554":[4561],"4556":[4562],"4557":[4563,4564],"4558":[4565,4566,4567],"4559":[4568],"4561":[4569,4570],"4563":[4571],"4564":[4572,4573],"4565":[4574,4575],"4566":[4576,4577,4578],"4567":[4579],"4568":[4580],"4569":[4581,4582,4583],"4570":[4584],"4571":[4585,4586],"4572":[4587],"4574":[4588,4589,4590],"4575":[4591,4592],"4576":[4593],"4577":[4594],"4578":[4595],"4579":[4596,4597],"4580":[4598,4599],"4581":[4600,4601],"4582":[4602],"4583":[4603],"4584":[4604],"4585":[4605],"4586":[4606,4607],"4590":[4608,4609],"4592":[4610,4611],"4593":[4612,4613],"4595":[4614],"4597":[4615],"4598":[4616],"4599":[4617],"4601":[4618,4619],"4602":[4620,4621],"4603":[4622,4623],"4604":[4624,4625],"4605":[4626,4627],"4606":[4628,4629],"4607":[4630,4631],"4608":[4632],"4610":[4633,4634],"4611":[4635,4636],"4612":[4637,4638],"4613":[4639],"4614":[4640,4641],"4616":[4642],"4617":[4643],"4618":[4644,4645],"4619":[4646,4647],"4621":[4648],"4622":[4649],"4623":[4650],"4626":[4651],"4627":[4652],"4628":[4653,4654],"4629":[4655,4656,4657],"4631":[4658,4659],"4633":[4660,4661,4662],"4634":[4663],"4635":[4664],"4636":[4665],"4637":[4666],"4638":[4667],"4640":[4668,4669],"4641":[4670],"4642":[4671],"4643":[4672],"4647":[4673],"4648":[4674],"4649":[4675],"4650":[4676,4677,4678],"4651":[4679,4680],"4652":[4681,4682],"4653":[4683],"4654":[4684,4685],"4655":[4686,4687,4688,4689],"4656":[4690],"4657":[4691],"4658":[4692,4693],"4659":[4694,4695],"4660":[4696],"4661":[4697],"4662":[4698,4699],"4663":[4700],"4664":[4701,4702],"4666":[4703,4704],"4667":[4705],"4668":[4706,4707,4708],"4669":[4709],"4670":[4710],"4671":[4711],"4672":[4712,4713],"4673":[4714,4715],"4674":[4716],"4675":[4717,4718],"4676":[4719,4720],"4677":[4721],"4678":[4722,4723],"4679":[4724,4725,4726],"4680":[4727,4728],"4681":[4729],"4682":[4730,4731],"4683":[4732,4733],"4684":[4734,4735,4736],"4685":[4737],"4686":[4738],"4687":[4739],"4689":[4740,4741,4742],"4691":[4743],"4692":[4744,4745,4746],"4693":[4747,4748],"4694":[4749],"4695":[4750],"4701":[4751],"4702":[4752,4753,4754],"4703":[4755,4756],"4704":[4757],"4705":[4758,4759],"4706":[4760,4761],"4707":[4762],"4708":[4763],"4711":[4764,4765],"4712":[4766],"4713":[4767],"4714":[4768,4769],"4715":[4770],"4716":[4771,4772],"4718":[4773],"4719":[4774],"4720":[4775],"4721":[4776,4777],"4722":[4778,4779],"4723":[4780,4781],"4725":[4782,4783],"4726":[4784,4785,4786],"4727":[4787,4788],"4728":[4789],"4730":[4790],"4731":[4791],"4733":[4792,4793],"4737":[4794],"4739":[4795],"4749":[4796],"4750":[4797],"4751":[4798],"4753":[4799,4800],"4755":[4801],"4756":[4802],"4757":[4803,4804],"4758":[4805,4806],"4759":[4807,4808],"4761":[4809,4810,4811],"4762":[4812],"4763":[4813,4814],"4764":[4815],"4765":[4816],"4767":[4817,4818],"4768":[4819,4820],"4769":[4821],"4770":[4822],"4771":[4823,4824],"4772":[4825,4826],"4774":[4827],"4775":[4828],"4776":[4829],"4778":[4830],"4779":[4831],"4780":[4832,4833],"4781":[4834,4835],"4782":[4836],"4784":[4837],"4786":[4838],"4787":[4839],"4789":[4840,4841],"4790":[4842],"4791":[4843],"4792":[4844,4845],"4793":[4846],"4794":[4847,4848,4849],"4796":[4850],"4797":[4851],"4798":[4852],"4799":[4853],"4800":[4854],"4802":[4855,4856],"4803":[4857],"4804":[4858,4859],"4805":[4860],"4806":[4861],"4807":[4862],"4808":[4863],"4809":[4864],"4810":[4865],"4812":[4866],"4816":[4867],"4817":[4868,4869],"4818":[4870],"4819":[4871],"4820":[4872,4873,4874],"4821":[4875,4876],"4822":[4877,4878,4879],"4824":[4880,4881],"4825":[4882,4883],"4826":[4884,4885,4886],"4827":[4887,4888],"4828":[4889,4890],"4829":[4891,4892],"4830":[4893,4894],"4831":[4895],"4832":[4896,4897],"4833":[4898],"4834":[4899],"4835":[4900,4901],"4836":[4902,4903],"4837":[4904,4905],"4838":[4906,4907],"4839":[4908,4909],"4840":[4910,4911],"4841":[4912],"4842":[4913,4914],"4843":[4915,4916,4917,4918],"4844":[4919,4920],"4846":[4921],"4847":[4922],"4848":[4923,4924],"4850":[4925,4926],"4851":[4927,4928],"4852":[4929,4930],"4853":[4931,4932],"4854":[4933,4934],"4856":[4935],"4863":[4936],"4864":[4937],"4865":[4938],"4867":[4939],"4868":[4940,4941],"4869":[4942],"4870":[4943],"4872":[4944],"4873":[4945],"4874":[4946],"4875":[4947,4948],"4876":[4949,4950],"4877":[4951,4952],"4879":[4953],"4881":[4954,4955],"4882":[4956],"4883":[4957],"4884":[4958,4959],"4885":[4960,4961],"4887":[4962],"4888":[4963,4964],"4889":[4965,4966],"4890":[4967],"4891":[4968],"4894":[4969],"4895":[4970,4971],"4896":[4972],"4899":[4973,4974],"4902":[4975],"4903":[4976,4977,4978],"4904":[4979,4980,4981],"4905":[4982,4983],"4906":[4984],"4907":[4985,4986],"4908":[4987,4988,4989],"4909":[4990,4991],"4910":[4992],"4911":[4993],"4912":[4994,4995],"4913":[4996,4997],"4914":[4998],"4915":[4999,5000],"4916":[5001,5002],"4917":[5003,5004],"4918":[5005,5006],"4919":[5007,5008],"4921":[5009,5010],"4922":[5011],"4923":[5012,5013],"4925":[5014],"4926":[5015],"4927":[5016,5017],"4930":[5018],"4931":[5019],"4932":[5020,5021],"4933":[5022],"4934":[5023,5024,5025],"4935":[5026],"4936":[5027],"4937":[5028],"4938":[5029,5030,5031],"4940":[5032],"4941":[5033,5034],"4942":[5035,5036],"4943":[5037,5038],"4944":[5039,5040],"4946":[5041],"4947":[5042],"4948":[5043,5044],"4949":[5045,5046,5047],"4950":[5048,5049],"4951":[5050,5051],"4952":[5052],"4953":[5053,5054],"4954":[5055],"4955":[5056],"4956":[5057],"4957":[5058],"4961":[5059,5060,5061],"4964":[5062],"4965":[5063],"4966":[5064],"4967":[5065],"4968":[5066],"4970":[5067],"4971":[5068,5069],"4972":[5070,5071],"4973":[5072],"4974":[5073,5074],"4975":[5075,5076],"4976":[5077],"4977":[5078],"4978":[5079],"4980":[5080,5081],"4981":[5082],"4982":[5083,5084],"4983":[5085,5086],"4984":[5087],"4985":[5088,5089,5090],"4987":[5091,5092],"4988":[5093,5094,5095],"4989":[5096],"4990":[5097,5098,5099],"4991":[5100,5101],"4992":[5102,5103],"4993":[5104],"4994":[5105,5106,5107,5108],"4995":[5109,5110,5111],"4996":[5112,5113],"4997":[5114,5115],"4998":[5116],"4999":[5117,5118,5119],"5000":[5120,5121,5122],"5001":[5123,5124],"5002":[5125],"5003":[5126,5127],"5004":[5128],"5005":[5129,5130,5131],"5006":[5132,5133,5134],"5007":[5135,5136,5137],"5008":[5138,5139],"5009":[5140,5141],"5010":[5142,5143,5144],"5011":[5145,5146],"5012":[5147,5148],"5013":[5149,5150],"5014":[5151],"5015":[5152,5153],"5016":[5154,5155,5156],"5017":[5157,5158],"5018":[5159],"5019":[5160],"5020":[5161],"5023":[5162],"5027":[5163],"5028":[5164],"5029":[5165],"5030":[5166,5167],"5031":[5168,5169],"5036":[5170,5171],"5037":[5172,5173],"5038":[5174,5175],"5039":[5176,5177],"5040":[5178,5179],"5041":[5180,5181],"5042":[5182,5183],"5043":[5184,5185],"5044":[5186,5187],"5045":[5188],"5046":[5189,5190],"5047":[5191,5192,5193],"5048":[5194,5195],"5049":[5196,5197],"5050":[5198,5199],"5051":[5200,5201,5202,5203],"5052":[5204,5205,5206],"5053":[5207],"5054":[5208],"5055":[5209],"5056":[5210,5211,5212,5213],"5057":[5214,5215],"5058":[5216,5217],"5059":[5218,5219],"5060":[5220,5221],"5061":[5222],"5062":[5223],"5063":[5224],"5066":[5225,5226],"5067":[5227],"5068":[5228,5229],"5069":[5230,5231],"5070":[5232],"5071":[5233,5234],"5072":[5235,5236],"5073":[5237,5238],"5074":[5239],"5075":[5240,5241],"5076":[5242],"5077":[5243],"5078":[5244],"5082":[5245,5246],"5083":[5247,5248],"5084":[5249,5250],"5086":[5251],"5087":[5252],"5088":[5253,5254,5255],"5089":[5256,5257,5258],"5090":[5259],"5091":[5260,5261,5262],"5092":[5263],"5093":[5264],"5094":[5265,5266],"5097":[5267,5268],"5099":[5269,5270],"5101":[5271],"5103":[5272],"5105":[5273],"5106":[5274],"5108":[5275],"5109":[5276,5277],"5110":[5278],"5112":[5279],"5113":[5280],"5114":[5281],"5115":[5282,5283,5284],"5116":[5285,5286],"5117":[5287],"5118":[5288,5289,5290],"5119":[5291,5292],"5120":[5293,5294],"5121":[5295,5296],"5123":[5297],"5125":[5298],"5127":[5299,5300],"5128":[5301,5302],"5129":[5303,5304,5305],"5131":[5306],"5132":[5307],"5133":[5308],"5134":[5309],"5135":[5310],"5136":[5311],"5137":[5312],"5138":[5313],"5140":[5314],"5143":[5315,5316],"5144":[5317],"5145":[5318],"5146":[5319],"5147":[5320,5321],"5148":[5322,5323],"5149":[5324],"5151":[5325,5326],"5152":[5327,5328],"5153":[5329,5330,5331],"5154":[5332],"5156":[5333,5334],"5157":[5335,5336],"5158":[5337,5338],"5159":[5339],"5160":[5340],"5161":[5341],"5162":[5342],"5165":[5343,5344],"5166":[5345,5346],"5167":[5347],"5168":[5348,5349],"5169":[5350,5351],"5170":[5352],"5171":[5353,5354],"5173":[5355],"5175":[5356,5357],"5176":[5358],"5177":[5359],"5180":[5360],"5184":[5361],"5185":[5362],"5187":[5363],"5190":[5364,5365],"5191":[5366],"5192":[5367],"5195":[5368],"5198":[5369],"5200":[5370],"5201":[5371],"5202":[5372,5373],"5203":[5374,5375],"5204":[5376,5377],"5205":[5378,5379],"5206":[5380],"5207":[5381],"5208":[5382,5383],"5209":[5384,5385],"5210":[5386,5387],"5211":[5388,5389],"5212":[5390],"5213":[5391],"5214":[5392],"5215":[5393],"5218":[5394,5395],"5219":[5396],"5220":[5397],"5221":[5398],"5222":[5399,5400],"5223":[5401],"5224":[5402,5403],"5225":[5404],"5226":[5405],"5227":[5406,5407],"5228":[5408],"5229":[5409],"5230":[5410],"5231":[5411],"5232":[5412],"5233":[5413],"5234":[5414,5415],"5235":[5416,5417,5418],"5236":[5419],"5237":[5420],"5238":[5421,5422],"5239":[5423,5424],"5241":[5425],"5243":[5426],"5244":[5427],"5245":[5428,5429],"5246":[5430,5431,5432],"5247":[5433,5434],"5248":[5435,5436,5437],"5249":[5438,5439,5440],"5250":[5441],"5251":[5442],"5252":[5443,5444],"5253":[5445],"5254":[5446],"5257":[5447,5448],"5258":[5449,5450],"5259":[5451,5452,5453],"5260":[5454],"5261":[5455,5456],"5263":[5457],"5264":[5458],"5266":[5459],"5267":[5460],"5268":[5461,5462,5463],"5269":[5464],"5270":[5465,5466,5467,5468],"5271":[5469],"5272":[5470],"5273":[5471,5472],"5276":[5473],"5277":[5474],"5278":[5475],"5279":[5476],"5280":[5477,5478,5479],"5282":[5480],"5284":[5481],"5286":[5482,5483],"5288":[5484,5485],"5290":[5486],"5294":[5487],"5295":[5488],"5296":[5489],"5297":[5490],"5302":[5491],"5304":[5492],"5305":[5493],"5308":[5494],"5312":[5495,5496,5497],"5314":[5498],"5315":[5499],"5316":[5500],"5317":[5501],"5319":[5502],"5320":[5503,5504],"5323":[5505,5506],"5324":[5507],"5328":[5508],"5331":[5509],"5332":[5510],"5333":[5511],"5339":[5512],"5340":[5513],"5342":[5514],"5343":[5515],"5344":[5516],"5346":[5517],"5347":[5518],"5348":[5519,5520],"5350":[5521,5522],"5352":[5523],"5353":[5524],"5354":[5525,5526],"5355":[5527,5528],"5356":[5529,5530],"5357":[5531],"5358":[5532,5533],"5360":[5534,5535],"5363":[5536,5537],"5364":[5538],"5365":[5539,5540],"5366":[5541],"5368":[5542,5543],"5369":[5544],"5370":[5545,5546],"5371":[5547,5548],"5372":[5549,5550],"5373":[5551],"5374":[5552],"5375":[5553,5554],"5376":[5555],"5377":[5556,5557],"5378":[5558,5559],"5380":[5560,5561],"5381":[5562],"5382":[5563,5564],"5383":[5565],"5385":[5566],"5386":[5567,5568],"5388":[5569],"5389":[5570],"5390":[5571],"5392":[5572,5573],"5393":[5574,5575,5576],"5394":[5577,5578],"5395":[5579,5580],"5397":[5581],"5398":[5582],"5400":[5583],"5403":[5584],"5406":[5585],"5407":[5586,5587],"5409":[5588],"5412":[5589,5590],"5413":[5591],"5414":[5592,5593],"5415":[5594,5595],"5416":[5596,5597],"5417":[5598,5599],"5418":[5600,5601],"5421":[5602,5603,5604],"5423":[5605],"5424":[5606],"5425":[5607,5608],"5426":[5609],"5427":[5610,5611],"5428":[5612],"5429":[5613,5614,5615],"5431":[5616,5617,5618],"5432":[5619],"5433":[5620],"5434":[5621,5622],"5435":[5623],"5436":[5624],"5437":[5625],"5443":[5626],"5444":[5627,5628,5629],"5445":[5630],"5446":[5631,5632],"5447":[5633,5634],"5448":[5635],"5449":[5636],"5450":[5637,5638],"5451":[5639],"5452":[5640],"5453":[5641],"5454":[5642],"5455":[5643],"5459":[5644],"5460":[5645],"5461":[5646,5647],"5462":[5648],"5463":[5649],"5464":[5650],"5465":[5651,5652],"5466":[5653],"5468":[5654,5655,5656],"5469":[5657],"5471":[5658],"5472":[5659],"5473":[5660],"5474":[5661,5662],"5475":[5663,5664],"5476":[5665],"5478":[5666],"5480":[5667],"5484":[5668,5669],"5485":[5670],"5488":[5671],"5489":[5672],"5490":[5673,5674],"5491":[5675,5676],"5492":[5677,5678],"5493":[5679,5680],"5494":[5681,5682],"5495":[5683],"5496":[5684,5685],"5498":[5686],"5499":[5687,5688],"5500":[5689,5690],"5501":[5691],"5502":[5692],"5503":[5693],"5504":[5694],"5507":[5695,5696,5697],"5508":[5698,5699],"5509":[5700,5701,5702],"5510":[5703,5704],"5511":[5705],"5512":[5706],"5513":[5707],"5514":[5708],"5515":[5709],"5516":[5710,5711],"5517":[5712],"5518":[5713,5714],"5519":[5715],"5520":[5716,5717,5718],"5522":[5719],"5523":[5720],"5525":[5721],"5526":[5722],"5527":[5723],"5528":[5724],"5530":[5725],"5532":[5726],"5533":[5727,5728],"5535":[5729],"5536":[5730],"5537":[5731],"5538":[5732,5733],"5539":[5734,5735],"5540":[5736],"5542":[5737],"5543":[5738,5739],"5544":[5740],"5545":[5741],"5546":[5742,5743],"5547":[5744,5745],"5548":[5746],"5549":[5747],"5550":[5748],"5552":[5749],"5554":[5750,5751],"5555":[5752],"5556":[5753,5754],"5558":[5755],"5560":[5756],"5561":[5757],"5563":[5758,5759],"5564":[5760,5761,5762],"5566":[5763],"5568":[5764],"5569":[5765,5766],"5571":[5767],"5572":[5768],"5573":[5769],"5574":[5770],"5575":[5771],"5576":[5772],"5577":[5773],"5578":[5774],"5579":[5775,5776,5777],"5580":[5778,5779],"5581":[5780],"5584":[5781],"5586":[5782,5783,5784],"5588":[5785],"5589":[5786,5787],"5590":[5788],"5591":[5789,5790],"5592":[5791,5792],"5593":[5793,5794],"5594":[5795],"5595":[5796,5797],"5597":[5798],"5598":[5799],"5599":[5800],"5600":[5801],"5601":[5802],"5602":[5803,5804],"5603":[5805],"5604":[5806],"5605":[5807],"5607":[5808],"5608":[5809],"5610":[5810,5811,5812],"5611":[5813,5814],"5613":[5815],"5614":[5816],"5615":[5817],"5616":[5818],"5618":[5819],"5620":[5820,5821],"5622":[5822],"5623":[5823],"5627":[5824,5825],"5628":[5826,5827],"5630":[5828],"5631":[5829],"5632":[5830,5831,5832],"5633":[5833,5834],"5634":[5835,5836,5837],"5635":[5838,5839],"5637":[5840],"5638":[5841],"5639":[5842,5843,5844],"5640":[5845,5846,5847],"5641":[5848,5849,5850],"5642":[5851,5852],"5643":[5853,5854],"5644":[5855],"5645":[5856],"5649":[5857,5858],"5650":[5859],"5654":[5860],"5655":[5861],"5656":[5862],"5657":[5863],"5659":[5864],"5660":[5865],"5661":[5866],"5662":[5867],"5663":[5868,5869,5870],"5664":[5871],"5665":[5872],"5668":[5873],"5669":[5874],"5670":[5875],"5671":[5876],"5672":[5877],"5673":[5878,5879],"5674":[5880,5881],"5675":[5882,5883,5884],"5679":[5885],"5680":[5886],"5681":[5887,5888],"5683":[5889],"5684":[5890,5891],"5686":[5892],"5687":[5893],"5688":[5894],"5689":[5895],"5690":[5896],"5691":[5897,5898],"5692":[5899],"5693":[5900,5901],"5694":[5902],"5695":[5903,5904],"5696":[5905,5906],"5697":[5907],"5699":[5908],"5700":[5909],"5701":[5910,5911],"5703":[5912],"5705":[5913],"5706":[5914],"5707":[5915],"5709":[5916],"5711":[5917,5918],"5712":[5919,5920],"5713":[5921,5922,5923],"5714":[5924,5925],"5715":[5926],"5717":[5927,5928],"5718":[5929,5930],"5719":[5931,5932],"5721":[5933],"5722":[5934,5935],"5723":[5936,5937],"5724":[5938],"5725":[5939],"5726":[5940,5941],"5730":[5942],"5731":[5943],"5732":[5944],"5733":[5945],"5737":[5946],"5738":[5947],"5739":[5948,5949],"5740":[5950,5951],"5741":[5952,5953],"5742":[5954],"5743":[5955],"5745":[5956],"5746":[5957,5958],"5747":[5959,5960],"5748":[5961,5962],"5749":[5963],"5750":[5964],"5751":[5965],"5752":[5966],"5754":[5967,5968],"5755":[5969],"5756":[5970],"5757":[5971],"5758":[5972],"5759":[5973],"5761":[5974],"5762":[5975],"5763":[5976,5977],"5764":[5978],"5765":[5979,5980],"5766":[5981,5982],"5768":[5983],"5770":[5984],"5771":[5985],"5772":[5986],"5773":[5987,5988],"5775":[5989,5990],"5776":[5991],"5777":[5992,5993,5994],"5778":[5995],"5779":[5996],"5780":[5997],"5782":[5998],"5783":[5999,6000,6001],"5784":[6002],"5785":[6003,6004],"5786":[6005],"5787":[6006,6007],"5788":[6008,6009],"5789":[6010],"5790":[6011,6012],"5791":[6013,6014],"5792":[6015],"5793":[6016,6017],"5794":[6018],"5795":[6019,6020,6021],"5796":[6022,6023],"5797":[6024,6025,6026],"5798":[6027,6028,6029],"5799":[6030],"5800":[6031],"5801":[6032,6033],"5802":[6034],"5803":[6035],"5804":[6036,6037,6038],"5805":[6039],"5807":[6040,6041,6042],"5808":[6043],"5811":[6044,6045],"5812":[6046,6047],"5821":[6048],"5822":[6049,6050,6051],"5825":[6052],"5828":[6053],"5829":[6054],"5831":[6055],"5832":[6056],"5833":[6057],"5834":[6058],"5835":[6059],"5836":[6060,6061],"5838":[6062],"5839":[6063],"5840":[6064],"5841":[6065,6066],"5848":[6067],"5849":[6068],"5850":[6069],"5857":[6070],"5868":[6071],"5913":[6072],"5931":[6073]},"ٟ":[],"numbers":{"1":29,"2":32,"3":32,"4":33,"5":46,"6":53,"7":53,"8":60,"9":79,"10":85,"11":93,"12":100,"13":102,"14":107,"15":107,"16":113,"17":113,"18":113,"19":127,"20":127,"21":130,"22":133,"23":140,"24":145,"25":147,"26":153,"27":156,"28":161,"29":169,"30":177,"31":200,"32":202,"33":204,"34":208,"35":209,"36":212,"37":216,"38":220,"39":221,"40":224,"41":226,"42":226,"43":228,"44":238,"45":241,"46":242,"47":242,"48":242,"49":244,"50":244,"51":244,"52":245,"53":251,"54":252,"55":254,"56":265,"57":268,"58":269,"59":276,"60":283,"61":283,"62":283,"63":284,"64":290,"65":295,"66":299,"67":304,"68":310,"69":310,"70":320,"71":323,"72":327,"73":329,"74":333,"75":334,"76":336,"77":337,"78":338,"79":338,"80":338,"81":338,"82":345,"83":346,"84":348,"85":350,"86":351,"87":351,"88":351,"89":351,"90":353,"91":355,"92":358,"93":358,"94":367,"95":368,"96":369,"97":371,"98":372,"99":372,"100":374,"101":374,"102":376,"103":383,"104":388,"105":394,"106":397,"107":397,"108":401,"109":401,"110":411,"111":413,"112":415,"113":417,"114":417,"115":430,"116":432,"117":435,"118":436,"119":436,"120":444,"121":444,"122":444,"123":457,"124":470,"125":473,"126":473,"127":476,"128":480,"129":483,"130":483,"131":492,"132":513,"133":513,"134":513,"135":521,"136":524,"137":526,"138":526,"139":531,"140":533,"141":538,"142":539,"143":540,"144":565,"145":565,"146":565,"147":580,"148":580,"149":580,"150":580,"151":580,"152":585,"153":587,"154":588,"155":588,"156":596,"157":596,"158":596,"159":596,"160":608,"161":613,"162":615,"163":615,"164":617,"165":617,"166":617,"167":618,"168":618,"169":620,"170":620,"171":633,"172":634,"173":634,"174":634,"175":641,"176":648,"177":651,"178":651,"179":653,"180":657,"181":657,"182":659,"183":659,"184":663,"185":663,"186":663,"187":670,"188":672,"189":677,"190":679,"191":680,"192":680,"193":681,"194":681,"195":682,"196":683,"197":694,"198":694,"199":696,"200":696,"201":696,"202":696,"203":717,"204":717,"205":723,"206":723,"207":729,"208":729,"209":729,"210":750,"211":750,"212":759,"213":759,"214":763,"215":768,"216":772,"217":775,"218":780,"219":780,"220":801,"221":805,"222":808,"223":813,"224":813,"225":813,"226":819,"227":823,"228":826,"229":829,"230":829,"231":831,"232":833,"233":833,"234":835,"235":835,"236":839,"237":846,"238":846,"239":847,"240":851,"241":852,"242":855,"243":857,"244":857,"245":859,"246":862,"247":863,"248":865,"249":867,"250":868,"251":869,"252":871,"253":873,"254":874,"255":874,"256":875,"257":876,"258":889,"259":889,"260":909,"261":916,"262":916,"263":916,"264":922,"265":928,"266":932,"267":932,"268":932,"269":944,"270":951,"271":960,"272":960,"273":974,"274":977,"275":977,"276":981,"277":983,"278":996,"279":996,"280":996,"281":1004,"282":1004,"283":1007,"284":1008,"285":1008,"286":1012,"287":1017,"288":1018,"289":1023,"290":1023,"291":1025,"292":1029,"293":1030,"294":1033,"295":1038,"296":1038,"297":1038,"298":1048,"299":1053,"300":1054,"301":1054,"302":1057,"303":1062,"304":1063,"305":1070,"306":1070,"307":1074,"308":1074,"309":1076,"310":1086,"311":1086,"312":1086,"313":1086,"314":1087,"315":1087,"316":1087,"317":1093,"318":1094,"319":1094,"320":1099,"321":1101,"322":1104,"323":1107,"324":1107,"325":1107,"326":1115,"327":1123,"328":1127,"329":1134,"330":1134,"331":1134,"332":1134,"333":1134,"334":1134,"335":1135,"336":1135,"337":1155,"338":1155,"339":1155,"340":1158,"341":1159,"342":1159,"343":1159,"344":1159,"345":1160,"346":1162,"347":1163,"348":1164,"349":1164,"350":1166,"351":1167,"352":1168,"353":1168,"354":1170,"355":1173,"356":1173,"357":1173,"358":1173,"359":1174,"360":1174,"361":1174,"362":1174,"363":1184,"364":1184,"365":1184,"366":1187,"367":1188,"368":1188,"369":1189,"370":1189,"371":1193,"372":1193,"373":1196,"374":1196,"375":1196,"376":1196,"377":1205,"378":1205,"379":1205,"380":1205,"381":1210,"382":1210,"383":1232,"384":1232,"385":1232,"386":1234,"387":1234,"388":1235,"389":1235,"390":1235,"391":1249,"392":1265,"393":1266,"394":1273,"395":1277,"396":1281,"397":1282,"398":1282,"399":1288,"400":1293,"401":1303,"402":1306,"403":1307,"404":1310,"405":1316,"406":1316,"407":1321,"408":1329,"409":1331,"410":1337,"411":1337,"412":1339,"413":1341,"414":1349,"415":1349,"416":1350,"417":1363,"418":1365,"419":1365,"420":1365,"421":1366,"422":1374,"423":1375,"424":1380,"425":1384,"426":1390,"427":1390,"428":1390,"429":1402,"430":1411,"431":1411,"432":1415,"433":1417,"434":1421,"435":1422,"436":1430,"437":1431,"438":1434,"439":1434,"440":1443,"441":1445,"442":1445,"443":1448,"444":1451,"445":1453,"446":1454,"447":1455,"448":1455,"449":1455,"450":1455,"451":1458,"452":1459,"453":1463,"454":1464,"455":1464,"456":1469,"457":1469,"458":1471,"459":1486,"460":1488,"461":1491,"462":1491,"463":1493,"464":1493,"465":1496,"466":1496,"467":1496,"468":1499,"469":1506,"470":1507,"471":1509,"472":1510,"473":1512,"474":1524,"475":1532,"476":1534,"477":1536,"478":1537,"479":1537,"480":1541,"481":1542,"482":1542,"483":1544,"484":1548,"485":1549,"486":1554,"487":1554,"488":1558,"489":1560,"490":1560,"491":1561,"492":1561,"493":1567,"494":1568,"495":1568,"496":1570,"497":1570,"498":1571,"499":1571,"500":1578,"501":1579,"502":1580,"503":1581,"504":1582,"505":1585,"506":1587,"507":1590,"508":1592,"509":1593,"510":1594,"511":1595,"512":1598,"513":1600,"514":1601,"515":1601,"516":1608,"517":1623,"518":1625,"519":1627,"520":1628,"521":1628,"522":1630,"523":1633,"524":1634,"525":1635,"526":1636,"527":1639,"528":1639,"529":1639,"530":1651,"531":1654,"532":1655,"533":1656,"534":1657,"535":1667,"536":1668,"537":1668,"538":1676,"539":1677,"540":1678,"541":1681,"542":1681,"543":1687,"544":1689,"545":1692,"546":1696,"547":1696,"548":1701,"549":1701,"550":1706,"551":1706,"552":1707,"553":1725,"554":1730,"555":1733,"556":1736,"557":1738,"558":1741,"559":1751,"560":1753,"561":1753,"562":1760,"563":1760,"564":1768,"565":1772,"566":1773,"567":1784,"568":1784,"569":1786,"570":1786,"571":1786,"572":1790,"573":1790,"574":1790,"575":1790,"576":1793,"577":1795,"578":1797,"579":1801,"580":1801,"581":1803,"582":1803,"583":1806,"584":1821,"585":1853,"586":1857,"587":1861,"588":1864,"589":1865,"590":1885,"591":1894,"592":1895,"593":1896,"594":1897,"595":1901,"596":1901,"597":1903,"598":1906,"599":1906,"600":1919,"601":1923,"602":1925,"603":1926,"604":1926,"605":1931,"606":1938,"607":1943,"608":1947,"609":1951,"610":1951,"611":1951,"612":1951,"613":1974,"614":1974,"615":1974,"616":1977,"617":1977,"618":1981,"619":1983,"620":1985,"621":1986,"622":1986,"623":1989,"624":1990,"625":1991,"626":1991,"627":1991,"628":1997,"629":1997,"630":2005,"631":2007,"632":2037,"633":2042,"634":2042,"635":2043,"636":2060,"637":2060,"638":2069,"639":2069,"640":2085,"641":2085,"642":2093,"643":2104,"644":2109,"645":2116,"646":2118,"647":2125,"648":2125,"649":2125,"650":2134,"651":2139,"652":2148,"653":2166,"654":2166,"655":2166,"656":2181,"657":2203,"658":2232,"659":2232,"660":2232,"661":2235,"662":2245,"663":2252,"664":2254,"665":2256,"666":2259,"667":2264,"668":2270,"669":2272,"670":2272,"671":2272,"672":2276,"673":2276,"674":2279,"675":2281,"676":2282,"677":2285,"678":2287,"679":2287,"680":2293,"681":2297,"682":2298,"683":2298,"684":2298,"685":2298,"686":2299,"687":2316,"688":2316,"689":2323,"690":2324,"691":2328,"692":2330,"693":2330,"694":2331,"695":2343,"696":2343,"697":2351,"698":2353,"699":2355,"700":2358,"701":2362,"702":2368,"703":2373,"704":2373,"705":2374,"706":2374,"707":2374,"708":2375,"709":2375,"710":2394,"711":2407,"712":2413,"713":2418,"714":2420,"715":2441,"716":2446,"717":2467,"718":2467,"719":2493,"720":2499,"721":2500,"722":2511,"723":2528,"724":2528,"725":2540,"726":2728,"727":2729,"728":2730,"729":2731,"730":2732,"731":2734,"732":2734,"733":2735,"734":2735,"735":2735,"736":2736,"737":2737,"738":2738,"739":2738,"740":2738,"741":2738,"742":2740,"743":2741,"744":2741,"745":2742,"746":2742,"747":2742,"748":2744,"749":2745,"750":2746,"751":2747,"752":2748,"753":2749,"754":2749,"755":2750,"756":2750,"757":2753,"758":2753,"759":2754,"760":2754,"761":2756,"762":2766,"763":2773,"764":2781,"765":2783,"766":2798,"767":2800,"768":2810,"769":2821,"770":2828,"771":2830,"772":2832,"773":2832,"774":2834,"775":2843,"776":2859,"777":2859,"778":2862,"779":2868,"780":2870,"781":2872,"782":2873,"783":2883,"784":2896,"785":2901,"786":2910,"787":2915,"788":2916,"789":2919,"790":2922,"791":2929,"792":2933,"793":2933,"794":2943,"795":2948,"796":2948,"797":2953,"798":2957,"799":2962,"800":2962,"801":2972,"802":2973,"803":2976,"804":2980,"805":2980,"806":2983,"807":2990,"808":2992,"809":2997,"810":3000,"811":3004,"812":3007,"813":3040,"814":3043,"815":3043,"816":3043,"817":3046,"818":3046,"819":3046,"820":3067,"821":3067,"822":3070,"823":3072,"824":3079,"825":3096,"826":3096,"827":3102,"828":3111,"829":3113,"830":3115,"831":3115,"832":3119,"833":3124,"834":3124,"835":3133,"836":3133,"837":3133,"838":3144,"839":3144,"840":3147,"841":3158,"842":3158,"843":3182,"844":3190,"845":3194,"846":3194,"847":3233,"848":3233,"849":3233,"850":3233,"851":3249,"852":3262,"853":3262,"854":3271,"855":3272,"856":3275,"857":3277,"858":3277,"859":3291,"860":3296,"861":3297,"862":3297,"863":3308,"864":3308,"865":3315,"866":3324,"867":3324,"868":3338,"869":3343,"870":3343,"871":3343,"872":3356,"873":3356,"874":3356,"875":3356,"876":3356,"877":3380,"878":3398,"879":3398,"880":3398,"881":3399,"882":3399,"883":3411,"884":3418,"885":3450,"886":3450,"887":3450,"888":3451,"889":3461,"890":3466,"891":3466,"892":3466,"893":3473,"894":3495,"895":3495,"896":3531,"897":3545,"898":3545,"899":3556,"900":3556,"901":3556,"902":3556,"903":3556,"904":3556,"905":3557,"906":3557,"907":3626,"908":3626,"909":3642,"910":3645,"911":3645,"912":3648,"913":3649,"914":3653,"915":3653,"916":3657,"917":3667,"918":3667,"919":3667,"920":3726,"921":3732,"922":3732,"923":3732,"924":3745,"925":3745,"926":3749,"927":3756,"928":3758,"929":3758,"930":3758,"931":3762,"932":3765,"933":3767,"934":3767,"935":3767,"936":3767,"937":3768,"938":3820,"939":3820,"940":3820,"941":3820,"942":3821,"943":3821,"944":3822,"945":3823,"946":3824,"947":3825,"948":3826,"949":3826,"950":3827,"951":3932,"952":3932,"953":3932,"954":3932,"955":3933,"956":3933,"957":3934,"958":3934,"959":3997,"960":4016,"961":4017,"962":4018,"963":4018,"964":4025,"965":4028,"966":4030,"967":4032,"968":4032,"969":4032,"970":4033,"971":4056,"972":4063,"973":4064,"974":4069,"975":4070,"976":4071,"977":4072,"978":4094,"979":4094,"980":4115,"981":4116,"982":4121,"983":4122,"984":4125,"985":4126,"986":4160,"987":4160,"988":4160,"989":4161,"990":4176,"991":4176,"992":4176,"993":4176,"994":4180,"995":4180,"996":4186,"997":4193,"998":4195,"999":4195,"1000":4195,"1001":4195,"1002":4201,"1003":4201,"1004":4208,"1005":4208,"1006":4209,"1007":4209,"1008":4209,"1009":4235,"1010":4235,"1011":4235,"1012":4249,"1013":4256,"1014":4256,"1015":4262,"1016":4264,"1017":4266,"1018":4268,"1019":4271,"1020":4272,"1021":4274,"1022":4281,"1023":4284,"1024":4284,"1025":4285,"1026":4292,"1027":4297,"1028":4297,"1029":4297,"1030":4321,"1031":4325,"1032":4358,"1033":4358,"1034":4358,"1035":4359,"1036":4359,"1037":4360,"1038":4360,"1039":4362,"1040":4362,"1041":4362,"1042":4362,"1043":4362,"1044":4371,"1045":4371,"1046":4375,"1047":4375,"1048":4376,"1049":4378,"1050":4379,"1051":4383,"1052":4384,"1053":4384,"1054":4385,"1055":4385,"1056":4389,"1057":4389,"1058":4408,"1059":4408,"1060":4414,"1061":4418,"1062":4418,"1063":4419,"1064":4420,"1065":4423,"1066":4430,"1067":4432,"1068":4432,"1069":4458,"1070":4462,"1071":4475,"1072":4475,"1073":4475,"1074":4488,"1075":4488,"1076":4492,"1077":4501,"1078":4507,"1079":4507,"1080":4507,"1081":4529,"1082":4529,"1083":4529,"1084":4534,"1085":4578,"1086":4578,"1087":4597,"1088":4597,"1089":4597,"1090":4597,"1091":4625,"1092":4625,"1093":4662,"1094":4662,"1095":4696,"1096":4697,"1097":4698,"1098":4699,"1099":4701,"1100":4701,"1101":4708,"1102":4713,"1103":4730,"1104":4733,"1105":4733,"1106":4737,"1107":4739,"1108":4751,"1109":4751,"1110":4753,"1111":4758,"1112":4758,"1113":4766,"1114":4766,"1115":4767,"1116":4773,"1117":4773,"1118":4777,"1119":4777,"1120":4778,"1121":4778,"1122":4783,"1123":4783,"1124":4783,"1125":4783,"1126":4784,"1127":4784,"1128":4784,"1129":4784,"1130":4784,"1131":4785,"1132":4785,"1133":4785,"1134":4785,"1135":4786,"1136":4786,"1137":4812,"1138":4812,"1139":4812,"1140":4812,"1141":4813,"1142":4813,"1143":4813,"1144":4814,"1145":4814,"1146":4815,"1147":4815,"1148":4815,"1149":4816,"1150":4847,"1151":4847,"1152":4847,"1153":4856,"1154":4856,"1155":4866,"1156":4866,"1157":4868,"1158":4868,"1159":4868,"1160":4879,"1161":4883,"1162":4887,"1163":4890,"1164":4891,"1165":4893,"1166":4897,"1167":4897,"1168":4899,"1169":4923,"1170":4925,"1171":4929,"1172":4930,"1173":4936,"1174":4936,"1175":4957,"1176":4958,"1177":4959,"1178":4960,"1179":4960,"1180":4960,"1181":5022,"1182":5023,"1183":5026,"1184":5027,"1185":5031,"1186":5033,"1187":5034,"1188":5035,"1189":5062,"1190":5062,"1191":5076,"1192":5076,"1193":5076,"1194":5076,"1195":5076,"1196":5077,"1197":5097,"1198":5101,"1199":5103,"1200":5105,"1201":5108,"1202":5108,"1203":5123,"1204":5135,"1205":5135,"1206":5135,"1207":5136,"1208":5136,"1209":5173,"1210":5173,"1211":5177,"1212":5179,"1213":5179,"1214":5180,"1215":5187,"1216":5193,"1217":5194,"1218":5195,"1219":5195,"1220":5195,"1221":5197,"1222":5199,"1223":5199,"1224":5199,"1225":5199,"1226":5200,"1227":5213,"1228":5213,"1229":5213,"1230":5213,"1231":5214,"1232":5230,"1233":5233,"1234":5236,"1235":5236,"1236":5241,"1237":5243,"1238":5252,"1239":5254,"1240":5254,"1241":5272,"1242":5272,"1243":5272,"1244":5281,"1245":5282,"1246":5283,"1247":5283,"1248":5283,"1249":5283,"1250":5283,"1251":5294,"1252":5294,"1253":5297,"1254":5302,"1255":5304,"1256":5309,"1257":5310,"1258":5312,"1259":5312,"1260":5320,"1261":5320,"1262":5322,"1263":5322,"1264":5322,"1265":5322,"1266":5330,"1267":5330,"1268":5337,"1269":5338,"1270":5339,"1271":5339,"1272":5339,"1273":5339,"1274":5342,"1275":5345,"1276":5346,"1277":5347,"1278":5350,"1279":5350,"1280":5357,"1281":5357,"1282":5360,"1283":5362,"1284":5362,"1285":5362,"1286":5362,"1287":5362,"1288":5367,"1289":5367,"1290":5367,"1291":5367,"1292":5368,"1293":5389,"1294":5389,"1295":5389,"1296":5391,"1297":5391,"1298":5391,"1299":5391,"1300":5397,"1301":5400,"1302":5405,"1303":5406,"1304":5407,"1305":5410,"1306":5410,"1307":5410,"1308":5411,"1309":5411,"1310":5411,"1311":5412,"1312":5412,"1313":5432,"1314":5432,"1315":5432,"1316":5433,"1317":5433,"1318":5444,"1319":5444,"1320":5450,"1321":5451,"1322":5452,"1323":5453,"1324":5458,"1325":5459,"1326":5460,"1327":5462,"1328":5463,"1329":5464,"1330":5465,"1331":5479,"1332":5479,"1333":5479,"1334":5479,"1335":5501,"1336":5502,"1337":5504,"1338":5505,"1339":5505,"1340":5505,"1341":5505,"1342":5505,"1343":5506,"1344":5506,"1345":5529,"1346":5529,"1347":5530,"1348":5530,"1349":5542,"1350":5548,"1351":5553,"1352":5554,"1353":5558,"1354":5566,"1355":5566,"1356":5567,"1357":5567,"1358":5567,"1359":5586,"1360":5586,"1361":5603,"1362":5605,"1363":5608,"1364":5614,"1365":5615,"1366":5618,"1367":5624,"1368":5626,"1369":5646,"1370":5646,"1371":5646,"1372":5646,"1373":5647,"1374":5647,"1375":5647,"1376":5647,"1377":5648,"1378":5648,"1379":5648,"1380":5648,"1381":5662,"1382":5662,"1383":5662,"1384":5668,"1385":5669,"1386":5671,"1387":5671,"1388":5673,"1389":5676,"1390":5676,"1391":5676,"1392":5677,"1393":5677,"1394":5678,"1395":5679,"1396":5679,"1397":5681,"1398":5683,"1399":5683,"1400":5686,"1401":5686,"1402":5697,"1403":5699,"1404":5700,"1405":5703,"1406":5703,"1407":5726,"1408":5733,"1409":5735,"1410":5735,"1411":5736,"1412":5737,"1413":5737,"1414":5738,"1415":5743,"1416":5744,"1417":5745,"1418":5745,"1419":5745,"1420":5746,"1421":5749,"1422":5749,"1423":5755,"1424":5755,"1425":5758,"1426":5759,"1427":5761,"1428":5761,"1429":5775,"1430":5781,"1431":5781,"1432":5781,"1433":5801,"1434":5801,"1435":5806,"1436":5807,"1437":5823,"1438":5824,"1439":5825,"1440":5826,"1441":5828,"1442":5829,"1443":5830,"1444":5831,"1445":5831,"1446":5833,"1447":5834,"1448":5835,"1449":5836,"1450":5836,"1451":5837,"1452":5839,"1453":5839,"1454":5843,"1455":5844,"1456":5845,"1457":5846,"1458":5847,"1459":5848,"1460":5853,"1461":5854,"1462":5854,"1463":5855,"1464":5856,"1465":5856,"1466":5857,"1467":5858,"1468":5859,"1469":5860,"1470":5861,"1471":5862,"1472":5863,"1473":5864,"1474":5865,"1475":5866,"1476":5867,"1477":5868,"1478":5868,"1479":5875,"1480":5878,"1481":5878,"1482":5879,"1483":5880,"1484":5880,"1485":5883,"1486":5884,"1487":5885,"1488":5885,"1489":5886,"1490":5886,"1491":5887,"1492":5887,"1493":5888,"1494":5889,"1495":5890,"1496":5891,"1497":5893,"1498":5893,"1499":5894,"1500":5895,"1501":5895,"1502":5897,"1503":5897,"1504":5898,"1505":5898,"1506":5899,"1507":5901,"1508":5902,"1509":5904,"1510":5905,"1511":5906,"1512":5908,"1513":5909,"1514":5910,"1515":5911,"1516":5912,"1517":5913,"1518":5913,"1519":5914,"1520":5915,"1521":5916,"1522":5917,"1523":5917,"1524":5919,"1525":5921,"1526":5922,"1527":5922,"1528":5923,"1529":5924,"1530":5925,"1531":5926,"1532":5927,"1533":5928,"1534":5929,"1535":5930,"1536":5932,"1537":5932,"1538":5932,"1539":5933,"1540":5934,"1541":5934,"1542":5934,"1543":5934,"1544":5935,"1545":5935,"1546":5937,"1547":5937,"1548":5937,"1549":5938,"1550":5939,"1551":5940,"1552":5940,"1553":5942,"1554":5943,"1555":5944,"1556":5945,"1557":5946,"1558":5947,"1559":5949,"1560":5950,"1561":5951,"1562":5952,"1563":5952,"1564":5952,"1565":5952,"1566":5955},"number_max":1566,"number_pages":{"29":1,"32":3,"33":4,"46":5,"53":7,"60":8,"79":9,"85":10,"93":11,"100":12,"102":13,"107":15,"113":18,"127":20,"130":21,"133":22,"140":23,"145":24,"147":25,"153":26,"156":27,"161":28,"169":29,"177":30,"200":31,"202":32,"204":33,"208":34,"209":35,"212":36,"216":37,"220":38,"221":39,"224":40,"226":42,"228":43,"238":44,"241":45,"242":48,"244":51,"245":52,"251":53,"252":54,"254":55,"265":56,"268":57,"269":58,"276":59,"283":62,"284":63,"290":64,"295":65,"299":66,"304":67,"310":69,"320":70,"323":71,"327":72,"329":73,"333":74,"334":75,"336":76,"337":77,"338":81,"345":82,"346":83,"348":84,"350":85,"351":89,"353":90,"355":91,"358":93,"367":94,"368":95,"369":96,"371":97,"372":99,"374":101,"376":102,"383":103,"388":104,"394":105,"397":107,"401":109,"411":110,"413":111,"415":112,"417":114,"430":115,"432":116,"435":117,"436":119,"444":122,"457":123,"470":124,"473":126,"476":127,"480":128,"483":130,"492":131,"513":134,"521":135,"524":136,"526":138,"531":139,"533":140,"538":141,"539":142,"540":143,"565":146,"580":151,"585":152,"587":153,"588":155,"596":159,"608":160,"613":161,"615":163,"617":166,"618":168,"620":170,"633":171,"634":174,"641":175,"648":176,"651":178,"653":179,"657":181,"659":183,"663":186,"670":187,"672":188,"677":189,"679":190,"680":192,"681":194,"682":195,"683":196,"694":198,"696":202,"717":204,"723":206,"729":209,"750":211,"759":213,"763":214,"768":215,"772":216,"775":217,"780":219,"801":220,"805":221,"808":222,"813":225,"819":226,"823":227,"826":228,"829":230,"831":231,"833":233,"835":235,"839":236,"846":238,"847":239,"851":240,"852":241,"855":242,"857":244,"859":245,"862":246,"863":247,"865":248,"867":249,"868":250,"869":251,"871":252,"873":253,"874":255,"875":256,"876":257,"889":259,"909":260,"916":263,"922":264,"928":265,"932":268,"944":269,"951":270,"960":272,"974":273,"977":275,"981":276,"983":277,"996":280,"1004":282,"1007":283,"1008":285,"1012":286,"1017":287,"1018":288,"1023":290,"1025":291,"1029":292,"1030":293,"1033":294,"1038":297,"1048":298,"1053":299,"1054":301,"1057":302,"1062":303,"1063":304,"1070":306,"1074":308,"1076":309,"1086":313,"1087":316,"1093":317,"1094":319,"1099":320,"1101":321,"1104":322,"1107":325,"1115":326,"1123":327,"1127":328,"1134":334,"1135":336,"1155":339,"1158":340,"1159":344,"1160":345,"1162":346,"1163":347,"1164":349,"1166":350,"1167":351,"1168":353,"1170":354,"1173":358,"1174":362,"1184":365,"1187":366,"1188":368,"1189":370,"1193":372,"1196":376,"1205":380,"1210":382,"1232":385,"1234":387,"1235":390,"1249":391,"1265":392,"1266":393,"1273":394,"1277":395,"1281":396,"1282":398,"1288":399,"1293":400,"1303":401,"1306":402,"1307":403,"1310":404,"1316":406,"1321":407,"1329":408,"1331":409,"1337":411,"1339":412,"1341":413,"1349":415,"1350":416,"1363":417,"1365":420,"1366":421,"1374":422,"1375":423,"1380":424,"1384":425,"1390":428,"1402":429,"1411":431,"1415":432,"1417":433,"1421":434,"1422":435,"1430":436,"1431":437,"1434":439,"1443":440,"1445":442,"1448":443,"1451":444,"1453":445,"1454":446,"1455":450,"1458":451,"1459":452,"1463":453,"1464":455,"1469":457,"1471":458,"1486":459,"1488":460,"1491":462,"1493":464,"1496":467,"1499":468,"1506":469,"1507":470,"1509":471,"1510":472,"1512":473,"1524":474,"1532":475,"1534":476,"1536":477,"1537":479,"1541":480,"1542":482,"1544":483,"1548":484,"1549":485,"1554":487,"1558":488,"1560":490,"1561":492,"1567":493,"1568":495,"1570":497,"1571":499,"1578":500,"1579":501,"1580":502,"1581":503,"1582":504,"1585":505,"1587":506,"1590":507,"1592":508,"1593":509,"1594":510,"1595":511,"1598":512,"1600":513,"1601":515,"1608":516,"1623":517,"1625":518,"1627":519,"1628":521,"1630":522,"1633":523,"1634":524,"1635":525,"1636":526,"1639":529,"1651":530,"1654":531,"1655":532,"1656":533,"1657":534,"1667":535,"1668":537,"1676":538,"1677":539,"1678":540,"1681":542,"1687":543,"1689":544,"1692":545,"1696":547,"1701":549,"1706":551,"1707":552,"1725":553,"1730":554,"1733":555,"1736":556,"1738":557,"1741":558,"1751":559,"1753":561,"1760":563,"1768":564,"1772":565,"1773":566,"1784":568,"1786":571,"1790":575,"1793":576,"1795":577,"1797":578,"1801":580,"1803":582,"1806":583,"1821":584,"1853":585,"1857":586,"1861":587,"1864":588,"1865":589,"1885":590,"1894":591,"1895":592,"1896":593,"1897":594,"1901":596,"1903":597,"1906":599,"1919":600,"1923":601,"1925":602,"1926":604,"1931":605,"1938":606,"1943":607,"1947":608,"1951":612,"1974":615,"1977":617,"1981":618,"1983":619,"1985":620,"1986":622,"1989":623,"1990":624,"1991":627,"1997":629,"2005":630,"2007":631,"2037":632,"2042":634,"2043":635,"2060":637,"2069":639,"2085":641,"2093":642,"2104":643,"2109":644,"2116":645,"2118":646,"2125":649,"2134":650,"2139":651,"2148":652,"2166":655,"2181":656,"2203":657,"2232":660,"2235":661,"2245":662,"2252":663,"2254":664,"2256":665,"2259":666,"2264":667,"2270":668,"2272":671,"2276":673,"2279":674,"2281":675,"2282":676,"2285":677,"2287":679,"2293":680,"2297":681,"2298":685,"2299":686,"2316":688,"2323":689,"2324":690,"2328":691,"2330":693,"2331":694,"2343":696,"2351":697,"2353":698,"2355":699,"2358":700,"2362":701,"2368":702,"2373":704,"2374":707,"2375":709,"2394":710,"2407":711,"2413":712,"2418":713,"2420":714,"2441":715,"2446":716,"2467":718,"2493":719,"2499":720,"2500":721,"2511":722,"2528":724,"2540":725,"2728":726,"2729":727,"2730":728,"2731":729,"2732":730,"2734":732,"2735":735,"2736":736,"2737":737,"2738":741,"2740":742,"2741":744,"2742":747,"2744":748,"2745":749,"2746":750,"2747":751,"2748":752,"2749":754,"2750":756,"2753":758,"2754":760,"2756":761,"2766":762,"2773":763,"2781":764,"2783":765,"2798":766,"2800":767,"2810":768,"2821":769,"2828":770,"2830":771,"2832":773,"2834":774,"2843":775,"2859":777,"2862":778,"2868":779,"2870":780,"2872":781,"2873":782,"2883":783,"2896":784,"2901":785,"2910":786,"2915":787,"2916":788,"2919":789,"2922":790,"2929":791,"2933":793,"2943":794,"2948":796,"2953":797,"2957":798,"2962":800,"2972":801,"2973":802,"2976":803,"2980":805,"2983":806,"2990":807,"2992":808,"2997":809,"3000":810,"3004":811,"3007":812,"3040":813,"3043":816,"3046":819,"3067":821,"3070":822,"3072":823,"3079":824,"3096":826,"3102":827,"3111":828,"3113":829,"3115":831,"3119":832,"3124":834,"3133":837,"3144":839,"3147":840,"3158":842,"3182":843,"3190":844,"3194":846,"3233":850,"3249":851,"3262":853,"3271":854,"3272":855,"3275":856,"3277":858,"3291":859,"3296":860,"3297":862,"3308":864,"3315":865,"3324":867,"3338":868,"3343":871,"3356":876,"3380":877,"3398":880,"3399":882,"3411":883,"3418":884,"3450":887,"3451":888,"3461":889,"3466":892,"3473":893,"3495":895,"3531":896,"3545":898,"3556":904,"3557":906,"3626":908,"3642":909,"3645":911,"3648":912,"3649":913,"3653":915,"3657":916,"3667":919,"3726":920,"3732":923,"3745":925,"3749":926,"3756":927,"3758":930,"3762":931,"3765":932,"3767":936,"3768":937,"3820":941,"3821":943,"3822":944,"3823":945,"3824":946,"3825":947,"3826":949,"3827":950,"3932":954,"3933":956,"3934":958,"3997":959,"4016":960,"4017":961,"4018":963,"4025":964,"4028":965,"4030":966,"4032":969,"4033":970,"4056":971,"4063":972,"4064":973,"4069":974,"4070":975,"4071":976,"4072":977,"4094":979,"4115":980,"4116":981,"4121":982,"4122":983,"4125":984,"4126":985,"4160":988,"4161":989,"4176":993,"4180":995,"4186":996,"4193":997,"4195":1001,"4201":1003,"4208":1005,"4209":1008,"4235":1011,"4249":1012,"4256":1014,"4262":1015,"4264":1016,"4266":1017,"4268":1018,"4271":1019,"4272":1020,"4274":1021,"4281":1022,"4284":1024,"4285":1025,"4292":1026,"4297":1029,"4321":1030,"4325":1031,"4358":1034,"4359":1036,"4360":1038,"4362":1043,"4371":1045,"4375":1047,"4376":1048,"4378":1049,"4379":1050,"4383":1051,"4384":1053,"4385":1055,"4389":1057,"4408":1059,"4414":1060,"4418":1062,"4419":1063,"4420":1064,"4423":1065,"4430":1066,"4432":1068,"4458":1069,"4462":1070,"4475":1073,"4488":1075,"4492":1076,"4501":1077,"4507":1080,"4529":1083,"4534":1084,"4578":1086,"4597":1090,"4625":1092,"4662":1094,"4696":1095,"4697":1096,"4698":1097,"4699":1098,"4701":1100,"4708":1101,"4713":1102,"4730":1103,"4733":1105,"4737":1106,"4739":1107,"4751":1109,"4753":1110,"4758":1112,"4766":1114,"4767":1115,"4773":1117,"4777":1119,"4778":1121,"4783":1125,"4784":1130,"4785":1134,"4786":1136,"4812":1140,"4813":1143,"4814":1145,"4815":1148,"4816":1149,"4847":1152,"4856":1154,"4866":1156,"4868":1159,"4879":1160,"4883":1161,"4887":1162,"4890":1163,"4891":1164,"4893":1165,"4897":1167,"4899":1168,"4923":1169,"4925":1170,"4929":1171,"4930":1172,"4936":1174,"4957":1175,"4958":1176,"4959":1177,"4960":1180,"5022":1181,"5023":1182,"5026":1183,"5027":1184,"5031":1185,"5033":1186,"5034":1187,"5035":1188,"5062":1190,"5076":1195,"5077":1196,"5097":1197,"5101":1198,"5103":1199,"5105":1200,"5108":1202,"5123":1203,"5135":1206,"5136":1208,"5173":1210,"5177":1211,"5179":1213,"5180":1214,"5187":1215,"5193":1216,"5194":1217,"5195":1220,"5197":1221,"5199":1225,"5200":1226,"5213":1230,"5214":1231,"5230":1232,"5233":1233,"5236":1235,"5241":1236,"5243":1237,"5252":1238,"5254":1240,"5272":1243,"5281":1244,"5282":1245,"5283":1250,"5294":1252,"5297":1253,"5302":1254,"5304":1255,"5309":1256,"5310":1257,"5312":1259,"5320":1261,"5322":1265,"5330":1267,"5337":1268,"5338":1269,"5339":1273,"5342":1274,"5345":1275,"5346":1276,"5347":1277,"5350":1279,"5357":1281,"5360":1282,"5362":1287,"5367":1291,"5368":1292,"5389":1295,"5391":1299,"5397":1300,"5400":1301,"5405":1302,"5406":1303,"5407":1304,"5410":1307,"5411":1310,"5412":1312,"5432":1315,"5433":1317,"5444":1319,"5450":1320,"5451":1321,"5452":1322,"5453":1323,"5458":1324,"5459":1325,"5460":1326,"5462":1327,"5463":1328,"5464":1329,"5465":1330,"5479":1334,"5501":1335,"5502":1336,"5504":1337,"5505":1342,"5506":1344,"5529":1346,"5530":1348,"5542":1349,"5548":1350,"5553":1351,"5554":1352,"5558":1353,"5566":1355,"5567":1358,"5586":1360,"5603":1361,"5605":1362,"5608":1363,"5614":1364,"5615":1365,"5618":1366,"5624":1367,"5626":1368,"5646":1372,"5647":1376,"5648":1380,"5662":1383,"5668":1384,"5669":1385,"5671":1387,"5673":1388,"5676":1391,"5677":1393,"5678":1394,"5679":1396,"5681":1397,"5683":1399,"5686":1401,"5697":1402,"5699":1403,"5700":1404,"5703":1406,"5726":1407,"5733":1408,"5735":1410,"5736":1411,"5737":1413,"5738":1414,"5743":1415,"5744":1416,"5745":1419,"5746":1420,"5749":1422,"5755":1424,"5758":1425,"5759":1426,"5761":1428,"5775":1429,"5781":1432,"5801":1434,"5806":1435,"5807":1436,"5823":1437,"5824":1438,"5825":1439,"5826":1440,"5828":1441,"5829":1442,"5830":1443,"5831":1445,"5833":1446,"5834":1447,"5835":1448,"5836":1450,"5837":1451,"5839":1453,"5843":1454,"5844":1455,"5845":1456,"5846":1457,"5847":1458,"5848":1459,"5853":1460,"5854":1462,"5855":1463,"5856":1465,"5857":1466,"5858":1467,"5859":1468,"5860":1469,"5861":1470,"5862":1471,"5863":1472,"5864":1473,"5865":1474,"5866":1475,"5867":1476,"5868":1478,"5875":1479,"5878":1481,"5879":1482,"5880":1484,"5883":1485,"5884":1486,"5885":1488,"5886":1490,"5887":1492,"5888":1493,"5889":1494,"5890":1495,"5891":1496,"5893":1498,"5894":1499,"5895":1501,"5897":1503,"5898":1505,"5899":1506,"5901":1507,"5902":1508,"5904":1509,"5905":1510,"5906":1511,"5908":1512,"5909":1513,"5910":1514,"5911":1515,"5912":1516,"5913":1518,"5914":1519,"5915":1520,"5916":1521,"5917":1523,"5919":1524,"5921":1525,"5922":1527,"5923":1528,"5924":1529,"5925":1530,"5926":1531,"5927":1532,"5928":1533,"5929":1534,"5930":1535,"5932":1538,"5933":1539,"5934":1543,"5935":1545,"5937":1548,"5938":1549,"5939":1550,"5940":1552,"5942":1553,"5943":1554,"5944":1555,"5945":1556,"5946":1557,"5947":1558,"5949":1559,"5950":1560,"5951":1561,"5952":1565,"5955":1566}},"pages":[{"text":"فتح العلام\nفي دراسة أحاديث بلوغ المرام\nحديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\nتأليف\nأبي عبد الله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني\nفي دار الحديث بدماج\n\nالجزء الأول\nالطهارة\n\nالْمِيَاهِ - الآنِيَةِ - إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَبَيَانِهَا - الوُضُوءِ - المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ - نَوَاقِضِ الوُضُوءِ - آدَابِ قَضَاءِ الحَاجَةِ - الاغْتِسَالِ وَحُكْمِ الجُنُبِ - التَّيَمُّمِ - الحَيْضِ","vol":"1","page":3},{"text":"جميع الحقوق محفوظة للناشر\n\nالطبعة الرابعة\nمنقحة ومزيدة\n\n١٤٤٠ - هـ - ٢٠١٩ م\n\nالناشر\nدار العاصمة للنشر والتوزيع\nاليمن - صنعاء - شارع تعز جوار جامع الخير\nت (٠١٦٣٣٨٠٦) سيار (٧٧٧٧١١٤٢٥)\n\nفرع دار العاصمة - تعز\nسيار (٧٧٢٩١١٧٢٢)","vol":"1","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالْمُقَدِّمَة\nالحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، نحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، نحمده ﷾ على ما هدانا وعلمنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nوأصلي وأسلم على رسوله المصطفى ونبيه المجتبى، إمام الأتقياء، وخاتم الأنبياء، وسيد المرسلين، وخليل رب العالمين، محمد بن عبدالله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد:\nفإن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» متفق عليه من حديث معاوية -﵁-، وأخرجه الترمذي من حديث ابن عباس -﵄-.\nوإن الفقه في الدين يتحقق بحفظ القرآن والسنة ومعرفة معانيهما، وما أحسنَ قول القائل -وهو منسوب إلى الإمام الشافعي-:\nكل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وإلا الفقه في الدين\nالعلم ما كان فيه قال حدثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين","vol":"1","page":5},{"text":"وما أحسن قول الآخر:\nالعلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه\nما العلمُ نصبُك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه\nكلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذرًا من التمثيل والتشبيه\n\nوقد اعتنى علماؤنا ﵏ في تسهيل الفقه الشرعي، فمنهم من يشرح كتابًا، ومنهم من يجمع المسائل الفقهية المشهورة في كتاب ويذكرها نثرًا، ومنهم من يذكرها نظمًا، ومنهم من يجمع الأحاديث المتعلقة بالأحكام، ويبوب على ما فيها من الفقه الشرعي.\nوعلى رأس هؤلاء الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في «صحيحه»، وكذلك الإمام أبوداود والترمذي والنسائي وابن خزيمة والبيهقي وآخرون من أئمة الفقه والحديث، وقد ذكر هؤلاء ﵏ الأحاديث بالأسانيد، واسترسلوا في كتبهم ولم يقتصروا على الأحاديث المتعلقة بالأحكام، بل ذكروا أحاديث تتعلق بالفضائل والسير والزهد والرقائق والآداب وغير ذلك. وكل ذلك من الفقه في الدين بمفهومه الأوسع.\nثم أقبلت طائفة من العلماء فجمعوا الأحاديث المتعلقة بالأحكام بدون أسانيد؛ لتسهيل حفظها ودراستها، ورتبوها على الأبواب الفقهية ترتيبًا متناسبًا.\nومن هؤلاء العلماء: الإمام الحافظ أبومحمد عبدالحق بن عبدالرحمن الأشبيلي في كتابيه «الأحكام الوسطى» و«الأحكام الكبرى»، وكذلك الإمام الحافظ","vol":"1","page":6},{"text":"عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي في كتابيه «عمدة الأحكام» الكبرى والصغرى، وكذلك الإمام الحافظ مجد الدين أبوالبركات عبدالسلام ابن تيمية الحراني في كتابه «المنتقى في الأحكام الشرعية من كلام خير البرية»، وكذلك الإمام محب الدين الطبري أحمد بن عبدالله في كتابه «غاية الإحكام في أحاديث الأحكام»، وكذلك الإمام أبوالفتح محمد بن علي بن وهب المشهور بابن دقيق العيد في كتابه «الإلمام في أحاديث الأحكام»، وكذلك الحافظ أبوعبدالله محمد بن أحمد بن عبدالهادي الحنبلي في كتابه «المحرر في الحديث»، وكذلك الحافظ أبوالفضل عبدالرحيم بن الحسين العراقي في كتابه «تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد».\nومن هؤلاء الأئمة والعلماء الإمام الحافظ شهاب الدين أبوالفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني -﵀- في كتابه القيم الذي بين أيدينا «بلوغ المرام من أدلة الأحكام» فذكر في كتابه هذا أشهر الأحاديث المتعلقة بالأحكام مبينًا صحتها وضعفها، وذكر بعض كلام أئمة العلل على الأحاديث المعلة، واستفاد ممن قبله لاسيما فيما يظهر لي من «المحرر» لابن عبدالهادي، وزاد عليهم.\nوكتاب الحافظ -﵀- «بلوغ المرام» من أجود ما أُلِّفَ في هذا الباب، وقد قال عنه صاحبه: (فهذا مُختصَرٌ يشتملُ على أُصولِ الأَدلَّةِ الحديثيةِ للأَحْكَامِ الشَّرعيَّةِ، حَرَّرْتُهُ تحريرًا بالِغًا؛ ليصيرَ مَنْ يحفظُهُ بَيْنِ أَقْرَانِهِ نابغًا، ويستعينَ به الطالبُ المبتدِي، وَلَا يستغنِي عنه الرَّاغِبُ المنتهِي).\nولجودة هذا الكتاب فقد اعتنى العلماء بشرحه وتحقيقه، ومن أشهر","vol":"1","page":7},{"text":"شروحه: «البدر التمام في شرح بلوغ المرام» للقاضي حسين بن محمد المغربي، و«سبل السلام في شرح أحاديث بلوغ المرام» للعلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني، وكتابه يعتبر تهذيبًا لكتاب المغربي، فقد اختصر بعضه وزاد عليه بعضًا.\nومن توفيق الله لي -وله الحمد والمنة- أن قمت بدراسة أحاديث «بلوغ المرام» حديثيًّا وفقهيًّا أبحث عن الحديث وأحكم عليه بما يسر الله لنا من علم، مستفيدًا من كتب التخاريج والعلل وغيرها، ثم أدرس المسائل الفقهية المتعلقة بالحديث، وربما قدمت أو أخرت بعض المسائل الفقهية المشابهة أو المتعلقة بالموضوع لتتميم الفائدة، وسميت هذا الكتاب «فتح العلام بدراسة أحاديث بلوغ المرام».\nوكان المقصود من ذلك هو التفقه في دين الله ﷿، ومعرفة الأحكام الشرعية؛ لنعبد الله ﷿ على بصيرة.\nومن فضل الله ﷿ عليَّ -وله الحمد لا أُحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه- أني جعلت هذه الدراسة لأحاديث «بلوغ المرام» مصحوبة بتدريس هذا الكتاب إخواني طلبة العلم في دار الحديث بدماج حرسها الله من كل سوء ومكروه، ورحم الله مؤسسها، وحفظ الله وسدد القائم عليها من بعده، ومن تعاون معه.\nومن فضل الله عزوجل عليَّ أيضًا أني كنت مع تدريسي لهذا الكتاب أقيِّدُ المسائل العلمية في أوراقي حتى أخرجها في كتابٍ ينفع الله ﷿ به؛ فكان ذلك بحمد الله وتوفيقه أحمده حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>كيفية عملي في الدراسة الحديثية:</span>\n• أما إذا كان الحديث في «الصحيحين» أو أحدهما، فإني أعزوه إلى موضعه. وإن كان الحديث مكررًا عزوته إلى الموضع الذي يكون مماثلًا للفظ الكتاب أو مقاربًا له، وإلا عزوت إلى الرقم الأول، وربما بينت بعض الكلمات المخالفة لما في المصدر إذا احتيج إلى ذلك، وربما زدت بعض الألفاظ في التخريج إن كان في ذلك فائدة.\n• وأما إذا كان الحديث خارج «الصحيحين»؛ فإني أعزوه إلى مصادره وإن كان اللفظ لأحدهما بينته، وإن كانت الألفاظ متقاربة لم أبين ذلك؛ لأن هذا حاصل غالبًا إلا إن احتيج إلى ذلك.\n• أحكم على الحديث بما يستحقه مستفيدًا في ذلك من كلام الحفاظ وأئمة العلل، ومستفيدًا أيضًا في ذلك من كتب التخاريج، وقد تركت الحكم على الأحاديث التي في «الصحيحين»؛ لأنها أحاديث صحيحة قد تُلُقِّيَتْ بالقبول إلا أحاديث يسيرة تكلم عليها الحفاظ والأئمة.\n• استفدت في التخريج من بعض التخريجات المعاصرة كتخريج أحاديث «مسند أحمد»، و«المسند الجامع» و«الصحيحة» و«الإرواء» وبعض التخريجات على «البلوغ»، ولكني بحمد الله أرجع إلى مصادر الحديث غير مقلد لهم.\n• سلكت في تخريج الأحاديث مسلكًا متوسطًا يستفيد منه الباحث وغيرُ الباحث إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":9},{"text":"هذا والتقصير حاصل من الإنسان مهما اجتهد، والخطأ لازم له، فمن وقف على فائدة أو خطأ فليفدنا بذلك وجزاه الله خير الجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>كيفية عملي في الدراسة الفقهية:</span>\n١) أبين أولًا معاني المفردات الغريبة، وقد اخترت أن أجعل ذلك في الحاشية؛ لعدم كثرة ذلك.\n٢) أذكر تعريف الكتاب، والباب قبل دراسة الأحاديث الواردة فيه.\n٣) إن كان هنالك مسائل فقهية مهمة ينبغي معرفتها قبل دراسة الأحاديث بدأت بذكرها، ثم أشرع في دراسة الأحاديث.\n٤) أذكر المسائل المستفادة من الأحاديث معتنيًا بالمسائل التي تتعلق بالباب.\n٥) إن كانت المسألة مما أجمع عليه بينت من نقل في ذلك الإجماع من أهل العلم، وإن كان الإجماع لم يثبت بينت من خالف ذلك من أهل العلم، مع بيان القول الصحيح في المسألة.\n٦) إن كانت المسألة مما اختلف فيها الفقهاء؛ فإني أذكر أقوال الفقهاء في المسألة مع ذكر الأدلة التي استدل بها كل فريق، ثم أذكر الصحيح من تلك الأقوال مناقشًا للأدلة التي استدل بها المخالف.\n٧) ذكرت في كثير من المسائل أقوال الصحابة في تلك المسائل مع بيان ما ثبت منها وما لم يثبت؛ غير أني لم أستوعب ذلك، ولكني عازم إن شاء الله على تأليف","vol":"1","page":10},{"text":"كتاب كبير في الفقه أذكر فيه الحكم الشرعي في التبويب، ثم أذكر الأدلة على ذلك من الكتاب، والسنة الصحيحة بالأسانيد، وأذكر آثار الصحابة الثابتة بالأسانيد، وإن كان في المسألة إجماع بينت من نقل في ذلك الإجماع، واسم هذا الكتاب «الجامع الصحيح في الفقه الشرعي»، أسأل الله ﷿ أن يوفقني لتأليفه، وأن ييسر عليَّ ذلك.\n٨) ذكرت في كثير من المسائل اختيار علمائنا المعاصرين فيها؛ استئناسًا بهم، كالإمام الفقيه ابن باز، والإمام الفقيه العثيمين، والإمام الفقيه المحدث الألباني، والإمام الفقيه المحدث مقبل الوادعي، وغيرهم رحمة الله عليهم.\n٩) بعد ذكري للمسائل المستفادة من الحديث مع دراستها أذكر بعد ذلك بعض المسائل الملحقة مما يتعلق بالباب؛ لِتَتم الفائدة، وربما ذكرت المسائل المستفادة مع المسائل الملحقة دون تمييز إذا تعذر ذلك.\n١٠) كتابي المذكور «فتح العلام» إنما هو دراسة لأحاديث «بلوغ المرام» حديثيًّا، وفقهيًّا، وليس شرحًا للكتاب؛ ولذلك فإني أقتصر على دراسة الأحكام الفقهية المتعلقة بالباب فقط، وقد اعتمدت في «بلوغ المرام» على النسخة التي حققتها أنا على نسختين، إحداهما مطبوعة، والأخرى مخطوطة.\nهذا وأشكر أخي الفاضل الناصح الأمين أبا خالد سرور بن أحمد بن معيض الوادعي على نصائحه الغالية، وتوجيهاته الثمينة الحادية بي -بفضل الله عزوجل- إلى هذا الخير، وإلى الثبات على طلب العلم، وعلى نفع المسلمين بذلك، فأسأل","vol":"1","page":11},{"text":"الله أن يغفر له ولوالديه، وأن يكرمه في الدنيا والآخرة، وأن يبارك له في أهله، وماله، وولده، وأن يقيه فتنة المحيا والممات.\nوأشكر إخواني الذين تعاونوا معي في المقابلة، وتصحيح الأخطاء؛ فجزاهم الله خير الجزاء، وثبتنا اللهُ وإياهم على الحق حتى نلقاه، وأشكر والديَّ، ومشايخي الذين ربونا على الخير والسنة، وأخُصُّ منهم شيخنا الإمام سماحة الوالد مقبل بن هادي الوادعي -﵀-، وعفا عنه، وغفر له، ثم شيخنا الفاضل الناصح الأمين يحيى ابن علي الحجوري حفظه الله، وسدده وعافاه.\nوقبل الشروع في دراسة الأحاديث نذكر ترجمة مختصرة للحافظ ابن حجر -﵀-، ثم أذكر للفائدة قواعد فقهية معتمدة ثابتة بالأدلة الشرعية يحتاجها طالب العلم؛ لفهم المسائل الفقهية، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>ترجمة مختصرة للحافظ ابن حجر -﵀</span>-\nقال السخاوي -﵀- في كتابه «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع»: أحمد بن علي ابن محمد بن محمد بن علي بن أحمد شيخي الأستاذ إمام الأئمة الشهاب أبوالفضل الكناني العسقلاني المصري ثم القاهري الشافعي، ويعرف بابن حجر، وهو لقب لبعض آبائه.\nولد في ثاني عشري شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بمصر العتيقة، ونشأ بها يتيمًا في كنف أحد أوصيائه الزكي الخروبي فحفظ القرآن وهو ابن تسع عند الصدر السفطي شارحِ مختصرِ التبريزي، والعمدةَ وألفية ابن العراقي والحاوي الصغير ومختصر ابن الحاجب الأصلي والملحة وغيرها.\nثم ذكر -﵀- جملة من مشايخه الذين تفقه عندهم ودرس على أيديهم جملةً من كتب الفقه واللغة والأدب والحساب والعروض والقراءات وغيرها.\nقال: وحبب الله إليه الحديث وأقبل عليه بكليته وطلبه من سنة ثلاث وتسعين، وهلم جرًّا. لكنه لم يلزم الطلب إلا من سنة ست وتسعين ثم ذكر كلامًا طويلًا في تمكن الحافظ في الحديث والتدريس والإفتاء، ثم وُلي القضاء على غير رغبة، ثم تركه -﵀-.","vol":"1","page":13},{"text":"وكانت وفاته في أواخر ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة. انتهى بتصرف واختصار. «الضوء اللامع» (٢/ ٣٦ - ٤٠).\nقلتُ: وللحافظ ابن حجر -﵀- مشايخ كثيرون جمعهم في كتاب له سماه «المجمع المؤسس للمعجم المفهرس»، ومن أشهر مشايخه: البلقيني، وابن الملقن، والعراقي، والهيثمي وغيرهم.\nومن أشهر تلاميذه -﵀-: الحافظ السخاوي، وزكريا الأنصاري، والكمال ابن الهمام، وابن تغري بردي وكل هؤلاء أصحاب مصنفات.\nوللحافظ ابن حجر -﵀- تصانيف كثيرة جدًّا، من أشهرها:\n• «إتحاف المهرة بأطراف العشرة».\n• «فتح الباري بشرح صحيح البخاري».\n• «الإصابة في تمييز الصحابة».\n• «تهذيب تهذيب الكمال».\n• «لسان الميزان».\n• «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة».\n• «المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية».\n• «تغليق التعليق».","vol":"1","page":14},{"text":"• «التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير».\n• «الدراية في تخريج أحاديث الهداية».\n• «النكت على علوم الحديث لابن الصلاح».\n• «النكت الظراف على تحفة الأشراف».\n• «نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار».\n• ومن كتبه أيضًا الكتاب الذي بين أيدينا «بلوغ المرام من أدلة الأحكام».\nوله كتب أخرى كثيرة فرحمه الله، وغفر له وأعلى درجاته في عليين.\nومن أراد التوسع في ترجمة هذا الإمام فليراجع كتاب تلميذه السخاوي -﵀- «الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر».","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>قواعد فقهية معتمدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>الأولى: الأمور بمقاصدها، ولا عمل إلا بنية</span>.\nالمعنى: جميع أقوال المكلف وأفعاله تختلف نتائجها وأحكامها الشرعية باختلاف قصد الإنسان وغايته من هذه الأقوال والأفعال.\nدليل القاعدة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، وحديث عمر بن الخطاب -﵁- في «الصحيحين»: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وأدلة القاعدة كثيرة جدًّا من الكتاب والسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>الثانية: لا ضرر ولا ضرار</span>.\nالمعنى: أنَّ الشرع حرَّم الفعل، أو القول الذي فيه ضرر على آخر بغير حق.\nدليل القاعدة: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا ضرر ولا ضرار»، وسيأتي تخريجه إن شاء الله في «البلوغ» برقم (٩١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>الثالثة: المشقة تجلب التيسير</span>.\nالمعنى: الأحكام التي ينشأ عن فعلها حرج، ومشقة على المكلف في نفسه، أو ماله؛ فإنَّ الشريعة تخففها بما يقع تحت قدرة المكلف وسعته.","vol":"1","page":16},{"text":"دليل القاعدة: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>الرابعة: اليقين لا يزول بالشك</span>.\nالمعنى: الأمر المتيقن لا يرتفع إلا بدليل قاطع لا بمجرد الشك.\nدليل القاعدة: حديث عبدالله بن زيد -﵁- في «الصحيحين» أنه شكا إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة. فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا»، وأخرجه مسلم بنحوه عن أبي هريرة -﵁-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>الخامسة: العادة محَكَّمة</span>.\nالمعنى: أنَّ عادات الناس التي اعتادوها في معاملاتهم تجري في الأحكام مجرى الشروط، وكذلك ما ليس له حقيقة شرعية، أو لغوية؛ أخذ بحقيقته العرفية.\nدليل القاعدة: قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لامرأة أبي سفيان هند بنت عتبة -﵄-: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك، ويكفي بنيك».\nتنبيه: هذه القواعد الخمس المتقدمة يطلق عليها بعضُ الفقهاء (قواعد كبرى كلية)؛ وذلك لأنه يندرج تحتها قواعد فقهية كثيرة مما يذكرها الفقهاء؛ ولأنه يندرج تحتها فروع كثيرة من الأحكام الشرعية.\nوانظر: «القواعد الفقهية» للعلائي، «الأشباه والنظائر» للسيوطي، و«القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها» للسدلان، و«منظومة السعدي في القواعد الفقهية».","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>السادسة: النصُّ يؤخذ بعمومه وإطلاقه حتى يقوم دليل التخصيص، أو التقييد نصًّا، أو دلالة</span>.\nدليل القاعدة: حديث البراء بن عازب -﵄- في «الصحيحين» قال: لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:٩٥] دعا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- زيدًا، فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضَرَارَته. فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>السابعة: ما نهي عنه لذاته من العبادات فمقتضاه فساد العبادة</span>.\nمثاله: النهي عن صوم يوم العيد، والنهي عن الصلاة في أوقات النهي.\nومثال ما نهي عنه لغيره: نهي المرأة عن الصيام بغير إذن زوجها.\nدليل القاعدة: حديث عائشة -﵂- في «صحيح مسلم» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>الثامنة: الأصل في العبادات الحظر</span>؛ فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوالمعنى: أنَّ العبادات توقيفية؛ فلا يُعبد الله إلا بما شرع، وبالكيفية التي أرادها الله ﷾.\nدليل القاعدة: حديث عائشة -﵂- في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>التاسعة: الأصل في الأشياء الإباحة</span>، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوالدليل على ذلك: قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢].","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>العاشرة: الجواز الشرعي ينافي الضمان</span>.\nالمعنى: أنَّ ما أذن الشرع بفعله، فترتب عليه تلف، أو جراح؛ فهو غير مضمون.\nدليل القاعدة: حديث علي -﵁- في «الصحيحين»: ما كنت لأقيم على أحد حدًّا؛ فيموت، فأجد عليه في نفسي؛ إلا صاحب الخمر؛ فإنه لو مات وَدَيْتُه؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يسنَّه.\nفهذه عشر قواعد فقهية يكثر الاستدلال بها، وتكثر الفروع الفقهية المندرجة تحتها، وهناك قواعد أخرى كثيرة لم نذكرها، بعضها يكون مقتصرًا على أمور خاصة، وبعضها لا يصح جعلها قاعدة؛ لانتقاضها في بعض المواضع.\nوسيأتي إن شاء الله في كتابنا هذا «فتح العلام» ذكر كثير من القواعد في أماكنها.\nهذا وليعلم أنَّ القاعدة الفقهية تحتاج إلى أن يستدل لها قبل أن يستدل بها؛ وعليه فإنَّ العمدة إذًا على الكتاب والسنة والإجماع، قال الله ﷿: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدًا» أخرجه الحاكم عن ابن عباس -﵄- بإسناد صحيح.\nهذا وينبغي لطالب العلم قبل الشروع في دراسة الفقه أن يدرس كتابًا في أصول الفقه، ولو مختصرًا كـ «الورقات» للإمام الجويني -﵀-، وَيَحْسُن به أيضًا أن يكون قد درس كتابًا في مصطلح الحديث، ولو مختصرًا كـ «البيقونية»، أو «اختصار علوم الحديث» لابن كثير -﵀-.","vol":"1","page":19},{"text":"وفي الأخير أقول:\nاللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله وحدك لا شريك لك المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، أسألك يا رب أن تنفعني وسائر المسلمين بهذا الكتاب، وأسألك أن تجعل فيه البركة والنفع إلى قيام الساعة، وأن تجعله في ميزان حسناتي، وأن تنفعني به يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، وأسألك يا رب أن تثبتني، ووالدي، وإخواني، ومشايخي على الحق والسنة، وعلى طلب العلم حتى نلقاك.\nونعوذ بك يا رب من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ومن فتنة المحيا والممات.\nسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، نستغفرك اللهم ونتوب إليك.\n\nكتبه\nمحمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني\nيوم الثلاثاء الموافق ١٨/رمضان/١٤٣٠ من الهجرة النبوية\nفي دار الحديث بدماج حرسها الله","vol":"1","page":20},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم (^١)\nالْمُقَدِّمَة\n\nالحمدُ للهِ عَلَى نِعَمِهِ الظاهِرَةِ والباطِنَةِ قديمًا وحَديثًا، والصلاةُ والسلامُ على نَبِيِّهِ ورسُولِهِ مُحمَّدٍ وَآلهِ وصحبِهِ الذِينَ ساروا في نُصْرَةِ دِينهِ سَيرًا حَثيثًا، وعلى أَتْباعِهِم الذين وَرِثُوا عِلْمَهُم -والعلماءُ وَرَثَةُ الأَنْبِياءِ- أَكْرِمْ بِهِمْ وَارِثًا وَمَوْرُوثًا.\nأما بعد:\nفهذا مُختصَرٌ يشتملُ على أُصولِ الأَدلَّةِ الحديثيةِ للأَحْكَامِ الشَّرعيَّةِ، حَرَّرْتُهُ تحريرًا بالِغًا؛ ليصيرَ مَنْ يحفظُهُ مِنْ بَيْنِ أَقْرَانِهِ نابغًا، ويستعينَ به الطالبُ المبتدِي، وَلَا يستغنِي عنه الرَّاغِبُ المنتهِي، وقد بيَّنتُ عَقِبَ كُلِّ حديثٍ مَنْ أخرجَهُ مِنَ الأئمَّةِ؛ لِإِرادَةِ نُصْحِ الأُمَّةِ.\n_________\n(^١) في (ب): (رب يسر بخير)، وفي (أ): (رب يسر بخير يا كريم، بمحمد وآله). وهذا توسل غير مشروع؛ لأنه توسلٌ بذات النبي - ﷺ -، وآله أو بجاههم.\nقال شيخ الإسلام -﵀- في كتابه «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» (٨٧): فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معانٍ: أحدها: التوسل بطاعته؛ فهذا فرضٌ لا يتم الإيمان إلا به. والثاني: التوسل بدعائه، وشفاعته، وهذا كان في حياته، ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته. والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته، والسؤال بذاته؛ فهذا هو الذي لم يكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته، ولا بعد مماته، لا عند قبره، ولا غير قبره، ولا يُعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم. انتهى المراد من كلامه -﵀-.","vol":"1","page":21},{"text":"فالمراد بالسبعة: أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبوداود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.\nوبالستة: من عدا أحمد. وبالخمسة: من عدا البخاريَّ ومسلمًا. وقد أقول الأربعة وأحمد.\nوبالأربعة: من عدا الثلاثة الأول، وبالثلاثة: من عداهم، والأخير.\nوبالمتفق عليه: البخاري ومسلم. وقد لا أذكر معهما غيرهما.\nوما عدا ذلك فهو مبين، وسميته: «بلوغ المرام من أدلة الأحكام».\nواللهَ أسأل أن لا يجعل ما علمنا علينا وبالًا، وأن يرزقنا العمل بما يرضيه ﷾.","vol":"1","page":22},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>كِتَابُ الطَّهَارَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>بَابُ الْمِيَاهِ</span>\n\nالكتاب لغة: مدار مادة كتب، على الجمع، فسمي كتابًا؛ لجمعه الحروف، والكلمات، والجمل، وهو ههنا بمعنى: المكتوب.\nواصطلاحًا: ما خُطَّ على القرطاس؛ لإبلاغ الغير، أو ما خُطَّ لحفظه عن النسيان، واستعمل العلماء الكتاب فيما يجمع شيئًا من الأبواب والفصول. اهـ. (^١)\nالطهارة لغةً: النزاهة، والنظافة من الأقذار، والأدناس.\nوفي اصطلاح الفقهاء: هي رفع الحدث، وما في معنى الرفع، بالماء، أو التراب الطهورين، وزوال النجاسة.\nوقولنا: (وما في معنى الرفع) يدخل فيه تجديد الوضوء؛ فإنه طهارة، وليس رفعًا للحدث، وكذلك طهارة المستحاضة، وصاحب سلس البول، وما أشبه ذلك. (^٢)\n\nقوله: [باب المياه].\nالباب لغة: المدخل إلى الشيء.\n_________\n(^١) «توضيح الأحكام» (١/ ١١٣).\n(^٢) «شرح المهذب» (١/ ٧٩)، «الشرح الممتع» (١/ ١٩ - ٢٠)، «توضيح الأحكام» (١/ ١١٣).","vol":"1","page":23},{"text":"واصطلاحًا: اسم لجملة متناسبة من العلم، تحته فصول، ومسائل غالبًا.\nوالمياه: جمع ماء، وهو المائع المعروف، ويتركب كيميائيًّا من غاز الهيدروجين، وغاز الأوكسجين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>مسألة [١]: أقسام المياه:</span>\n• ذهب الجمهور إلى أنَّ المياه ثلاثة أقسام:\nالطهور: وهو الطاهر في نفسه، المطَهِّر لغيره.\nالطاهر: وهو الطاهر في نفسه، غير المطهر لغيره.\nالنَّجس: وهو الذي ليس بطاهر في نفسه، ولا يطهر غيره.\nوالتفريق بين الطاهر، والطهور ليس بصحيح؛ فإن كل ماء طاهر يُعتَبَرُ مُطَهِّرًا؛ لعموم الأدلة، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الماء طهورٌ، لا ينجسه شيءٌ».\nوعدم التفريق هو الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «الإنصاف» (١/ ٢١)، وكما في «مختصر الفتاوى المصرية» (ص ١٣ - ١٤).\nوهو ترجيح الشيخ عبدالرحمن السعدي، كما في «الاختيارات الجلية» (ص ٩).\nوالشيخ محمد بن إبراهيم، كما في «مجموع فتاواه» (٢/ ٢٧).\nوالشيخ ابن باز، كما في «غاية المرام» للعبيكان (١/ ١١٥).\nوالشيخ محمد العثيمين، كما في «الشرح الممتع» (١/ ٤٤). (^١)\n_________\n(^١) وانظر «غاية المرام» (١/ ١١١ - ١١٥).","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>مسألة [٢]: الماء المضاف إلى طاهر</span>.\nالماء المضاف على عدة أَضْرُب:\nأحدها: ما اعْتُصِرَ من الطاهرات.\nكماء الورد، وماء القرنفل، وما ينزل من عروق الشجر إذا قُطِعت رَطْبَة.\nفهذا القسم قال فيه ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٥٣): وقد أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ الوضوء غير جائز بماء الورد، وماء الشجر، وماء العصفر (^١)، ولا يجوز الطهارة؛ إلا بماءٍ مطلق، يقع عليه اسم الماء.\nوالواقع أنه قد وُجِد خلافٌ: فقد أجاز الطهارة بذلك ابن أبي ليلى، والأوزاعي، واختاره شيخ الإسلام. انظر: «الاختيارات الفقهية» (ص ٣)، وقد نبَّه على ذلك ابن قدامة -﵀- كما سيأتي.\nالثاني: ما خالطه طاهرٌ؛ فغير اسمه، وغلب على أجزائه حتى صار صبغًا، أو حبرًا، أو خَلًّا، أو مرقًا، ونحو ذلك.\nالثالث: ما طبخ فيه طاهر؛ فتغير به، كماء الباقِلا المغلي.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٠) بعد أن ذكر هذه الثلاثة الأنواع: فجميع هذه الأنواع لا يجوز الوضوء بها، ولا الغسل، لا نعلم فيه خلافًا؛ إلا ما حُكِيَ عن ابن أبي ليلى، والأصم في المياه المعتصرة، أنها طهور، يرتفع بها الحدث، ويزال بها النجس، ولأصحاب الشافعي وجهٌ في ماء الباقلا المغلي،\n_________\n(^١) العُصْفُر: نبات يُصْبَغ به الثياب وغيرها، وهو أصفر يميل إلى الحُمْرَة.","vol":"1","page":25},{"text":"وسائر من بلغنا قوله من أهل العلم على خلافهم. اهـ\nالرابع: إذا أُضيف إلى الماء ما لا يمكن التحرز منه، كالطحلب، وما يجري عليه الماء من الملح، وما هو في قرار الماء، كالكبريت، والقار، وغيرهما، وكذا سائر ما ينبت في الماء، وهذا النوع يجوز به الطهارة بالإجماع.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ١٠٢): وهذا مُجْمَعٌ عليه.\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٣): ولا نعلم في هذا خلافًا.\nالخامس: إذا أضيف إلى الماء ما يوافقه في صفتيه: الطهارة، والطهورية، كالتراب إذا غَيَّر الماء؛ فإنه لا يمنع الطهورية؛ لأنه طاهرٌ مُطَهِّرٌ كالماء؛ فإن ثخن، بحيث لا يجري على الأعضاء؛ لم تجز الطهارة به؛ لأنه طين، وليس بماء.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٣): ولا نعلم في هذا خلافًا. اهـ\nقلتُ: لعله أراد نفي الخلاف في المذهب الحنبلي، وإلا فقد خالف بعض الشافعية كما في «شرح المهذب» (١/ ١٠٢)، والصحيح عندهم ما تقدم.\nالسادس: إذا أضيف إلى الماء ما تغير به، بسبب مجاورته، لا باختلاطه، كالدهن على اختلاف أنواعه، والطاهرات الصلبة، كالعود، والكافور، والعنبر إذا لم يهلك في الماء، وما أشبه ذلك.\nفهذا النوع قال فيه ابن قدامة أيضًا (١/ ٢٣): ولا نعلم في هذا خلافًا.\nقلتُ: قد خالف بعض الشافعية في هذه المسألة، كما في «شرح المهذب»","vol":"1","page":26},{"text":"(١/ ١٠٥)، والصحيح هو الجواز؛ لأنَّ الماء لم يخرج عن إطلاقه، والله أعلم.\nالسابع: إذا خالط الماء شيء طاهر يمكن التحرز منه، فغَيَّرَ إحدى صفاته: طعمه، أو لونه، أو ريحه، كماء الباقلا الغير مغلي، وماء الحِمَّص، وماء الزعفران.\nوقد اختلف أهل العلم في الوضوء به:\n• فذهب مالك، والشافعي، وإسحاق، وهو قول أحمد في رواية إلى أنه قد سلب الطهورية، ولا تحصل الطهارة به.\n• وذهب أحمد في الرواية الأخرى وهو قول أبي حنيفة وأصحابه إلى جواز الوضوء به.\nوهذا القول هو الراجح؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]، والنكرة في سياق النفي تعم، فلا يجوز التيمم مع وجود الماء، وقد مال إلى ترجيح هذا القول ابن قدامة -﵀- كما في «المغني» (١/ ٢١ - ٢٢).\nتنبيه: يستثنى من الإجماع في الضرب الثاني مسألة (النبيذ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>مسألة [٣]: الطهارة بالنبيذ</span>.\nاختلف أهل العلم في الطهارة بـ: النبيذ.\n• فذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز الوضوء إلا بالماء، وإن لم يجد الماء تيمم، وهو قول: مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣].","vol":"1","page":27},{"text":"وهذا نَصٌّ في الانتقال إلى التراب عند عدم وجود الماء، وجاء في الحديث الصحيح: «الصعيد وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين»، الحديث. (^١)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ١٨): وروي عن علي -﵁- -وليس بثابت عنه- أنه كان لا يرى بأسًا بالوضوء بالنبيذ، وبه قال الحسن، والأوزاعي. وقال عكرمة: النبيذ وضوء من لم يجد الماء. وقال إسحاق: النبيذ أحب إليَّ من التيمم، وجمعهما أحب إليَّ. وعن أبي حنيفة كقول عكرمة، وقيل عنه: يجوز الوضوء بنبيذ التمر إذا طبخ، واشتد عند عدم الماء في السفر. اهـ\nوهذا الخلاف نقله ابن قدامة من «الأوسط» لابن المنذر. (^٢)\nواستدل لهؤلاء بحديث ابن مسعود -﵁-، أنه كان مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ليلة الجن، فأراد أن يصلي صلاة الفجر، فقال: «أمعك وضوء؟»، فقال: لا، معي إداوة فيها نبيذٌ. فقال: «تمرة طيبة، وماء طهور».\nقلتُ: والراجح هو قول الجمهور، وأما أثر علي بن أبي طالب، فأخرجه ابن المنذر (١/ ٢٥٥)، وهو عند ابن أبي شيبة (١/ ٢٦)، وأبي عبيد في «الطهور» (٢٢٦)، وهو عندهم كلهم من طريق: الحارث الأعور، وهو كذاب، وذكر البيهقي في «الكبرى» (١/ ١٢) أنَّ له طريقًا أخرى من طريق: عبد الله بن ميسرة، وهو متروك.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه إن شاء الله في [باب التيمم].\n(^٢) انظر: (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥).","vol":"1","page":28},{"text":"وأما حديث ابن مسعود؛ فأخرجه أحمد (١/ ٤٠٢)، وأبو داود (٨٤)، والترمذي (٨٨)، وابن ماجه (٣٨٤)، وغيرهم، كلهم من طريق: أبي فزارة، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث، عن ابن مسعود به، وإسناده ضعيفٌ؛ لجهالة أبي زيد.\nوللحديث طرق أخرى واهية، أو غير محفوظة. راجعها في الخلافيات للبيهقي (١/ ١٥٧ -).\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٤٢): وهذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه.\nقلتُ: وهو يخالف ما ثبت في «صحيح مسلم» (٤٥٠) عن ابن مسعود -﵁-، أنه قال: لم أكن مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ليلة الجن، ووددتُ أني كنت معه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>مسألة [٤]: إذا تغير لطول حبسه بدون مخالطة طاهر، أو نجس</span>.\nهذا يسمى: الماء (الآجن).\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ٢٥٩): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ الوضوء بالماء الآجن الذي قد طال مكثه في الموضع، من غير نجاسةٍ حَلَّت فيه، جائزٌ؛ إلا شيئًا روي عن ابن سيرين.\nواحتج إسحاق بن راهويه بما أسنده عن الزبير بن العوام -﵁-، قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مصعدين في أحد، قال: ثم أمر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علي بن أبي طالب، فأتى المهراس، فَأَتَى بماء في درقته، فأراد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يشرب منه،","vol":"1","page":29},{"text":"فوجد له ريحًا، فعافه، فغسل به الدماء الذي في وجهه.\nقال إسحاق: ففي هذا بيانٌ أنه طاهرٌ؛ لولا ذلك لم يغسل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الدم به.\nقلتُ: ذكر ابن المنذر إسناده في «الأوسط» (١/ ٢٦٠)، وإسناده حسنٌ، رجاله ثقاتٌ، إلا ابن إسحاق؛ فإنه مُدَلِّسٌ، ولكنه قد صرَّح بالتحديث، وهو حسن الحديث إذا صرَّحَ. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٤٢).","vol":"1","page":30},{"text":"١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي البَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ». (^١) أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.\nقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ».\nالطَّهُور هو: بفتح الطَّاء وهو اسم لما يُتَطَهَّرُ به، وأما بالضم، فهو: اسم للفعل هذه اللغة المشهورة، التي عليها الأكثرون من أهل اللغة، واللغة الثانية: بالفتح فيهما، واقْتَصَرَ عليها جماعاتٌ من كبار أهل اللغة. اهـ «شرح المهذب» (١/ ٧٩).\nوفي قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هُوَ الطَّهُورُ»: دلالةٌ على أنَّ الطَّهور هو المطهر؛ لأنهم سألوا عن تطهير ماء البحر، لا عن طهارته، ولولا أنهم يفهمون من الطهور: المطهر، لم يحصل الجواب.\nويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، وقال: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال:١١].\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبو داود (٨٣)، والنسائي (١/ ٥٠)، والترمذي (٦٩)، وابن ماجه (٣٨٦)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣١)، وابن خزيمة (١١١)، ومالك (١/ ٢٢)، وأحمد (٢/ ٢٣٧)، والشافعي (١/ ٢٣) من طريق: صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة -﵁-، به، وإسناده صحيح، وقد وجد في إسناد هذا الحديث اختلاف كما في «علل الدارقطني» (٣/ورقة ٤٩ - ٥٠) كما في «تحقيق المسند» (١٢/ ١٧١) ولكن رجح الدارقطني الطريق التي أخرجها المذكورون فصح الحديث والحمد لله.\nقال الحافظ في ترجمة المغيرة بن أبي بردة: وقد صححه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن المنذر، والخطابي، والطحاوي، وابن منده، والحاكم، وابن حزم، والبيهقي، وعبدالحق، وآخرون. اهـ\nوانظر: «نصب الراية» (١/ ٩٦ - ٩٨)، «الإرواء» (١/ ٤٢ - ٤٣)، «تحقيق المسند» (١٢/ ١٧١).","vol":"1","page":31},{"text":"وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعًا»، أخرجه مسلم عن أبي هريرة، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «جُعِلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا».\nوهذا هو قول جمهور أهل العلم، وجمهور اللغويين.\nوخالف بعض أصحاب أبي حنيفة، وبعض أهل اللغة، فقالوا: الطهور من الأسماء الَّلازمة. يعني أنه بمعنى: طاهر.\nواحتج لهم بقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان:٢١].\nومعلومٌ أَنَّ أهل الجنة لا يحتاجون إلى التطهير من حدث، ولا نجس.\nوالراجح هو قول الجمهور.\nوأما ما استدل به للمخالف، فليس فيه دلالة على ما ذُكِرَ؛ لأنه لا يلزم من كونهم لا يحتاجون إلى التطهير أن لا يكون شرابهم مطَهِّرًا. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>مسألة [١]: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الحِلُّ مَيْتَتُهُ»</span>.\nالمراد بـ: «مَيْتَتُهُ»: ما مات فيه من دوابه، مما لا يعيش إلا فيه، لا ما مات فيه مطلقًا؛ فإنه وإن صدق عليه لغة أنه ميتة بحر، فمعلوم أنه لا يراد إلا ما ذكرناه، وسيأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله تعالى. «سبل السَّلام» (١/ ٣٨).\n_________\n(^١) انظر «شرح المهذب» (١/ ٨٤ - ٨٥)، «المغني» (١/ ١٣ - ١٤).","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>مسألة [٢]: حكم ماء البحر:</span>\n• ذهب عامَّةُ أهل العلم إلى الأخذ بما اقتضاه حديث أبي هريرة، وهو أنَّ ماء البحر طهور، قاله: ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٤٩)، ثم ابن قدامة في «المغني» (١/ ١٥ - ١٦).\n• إلا أنه حُكِيَ عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو خلاف ذلك، فَصَحَّ عن ابن عمر عند أبي عبيد في «الطهور» (٢٤٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣١)، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٤٩)، أنه قال: التيمم أحبُّ إليَّ من الوضوء من ماء البحر.\nوصحَّ عن ابن عمرو عند أبي عبيد في «الطهور» (٢٤٧)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣١)، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٥٠)، أنه قال: ماء البحر لا يجزئ من وضوء، ولا من جنابة، إنَّ تحت البحر نارًا، ثم ماءً، ثم نارًا، حتى عَدَّ سبعة أبحر، وسبعة أنيار.\nوالراجح ما تقدم، وأما قول هذين الصحابيين، فمحمول على أنهم ما بلغهم الحديث.\nوقد جاء عن عمر بن الخطاب -﵁- عند أبي عبيد (٢٤١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣٠)، وغيرهما أنه قال: وأيُّ ماءٍ أطْهر من ماء البحر. وهو من طريق عكرمة، عنه، وعكرمة لم يدرك عمر -﵁-؛ فهو منقطع.\nوقال ابن قدامة -﵀-: وقوله: (هو نار)، إنْ أُرِيْدَ به أنه نارٌ في الحال؛ فهو خلاف الحس، وإنْ أريد أنه يصير نارًا، لم يمنع ذلك الوضوء به في حال كونه ماءً. اهـ","vol":"1","page":33},{"text":"٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ المَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ». (^١)\nأَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ.\n\n٣ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ المَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٢)، وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ (^٣).\n_________\n(^١) صحيح بشواهده. أخرجه أبوداود (٦٦)، والنسائي (١/ ١٧٤)، والترمذي (٦٦)، وأحمد (٣/ ٣١).\nوقد وجد في إسناده اختلاف، لكن رجح الدارقطني الطريق التي أخرجها المذكورون، وفي إسناده عبيدالله بن عبدالله بن رافع، وقيل عبيدالله بن عبدالرحمن بن رافع، وهو مجهول الحال، لكن للحديث شاهد من حديث سهل بن سعد، أخرجه القاسم بن أصبغ في «مصنفه» كما في «التلخيص» (١/ ١٤) وفي إسناده عبدالصمد بن أبي سكينة الحلبي وهو مجهول.\n\nوله شاهد آخر من حديث ابن عباس عند أحمد (١/ ٢٣٥)، والنسائي (١/ ١٧٣)، وابن خزيمة (١٠٩)، وهو من طريق سماك عن عكرمة وهي رواية فيها ضعف، لكن قال يعقوب بن شيبة كما في «التهذيب»: روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم. اهـ\nوهذا الحديث من رواية سفيان عنه، فحديث ابن عباس صحيح.\nوله شاهد عن عائشة -﵂- عند أبي يعلى (٤٧٦٥)، والبزار (٢٤٩) وفي إسناده شريك القاضي، ورجح ابن رجب وقفه كما في «الفتح» (١/ ٢٨٥). فحديث أبي سعيد صحيح بشواهده.\nوقد صحح الحديث: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وابن حزم، كما ذكر ذلك الحافظ في «التلخيص» (١/ ١٣)، وصحح الحديث الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (١٤).\n(^٢) ضعيف. أخرجه ابن ماجه (٥٢١) وفي إسناده رشدين بن سعد وهو شديد الضعف، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك. وقد وهم رشدين في وصل الحديث والصحيح أنه من رواية راشد بن سعد عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسلًا كما سيأتي من كلام أبي حاتم والبيهقي.\n(^٣) قال ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٤٤): قال أبي: يوصله رشدين بن سعد يقول عن أبي أمامة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ورشدين ليس بالقوي، والصحيح مرسل. اهـ وأشار الدارقطني إلى ترجيح إرساله، وضعف الحديث كما في التلخيص (١/ ١٧). وقال النووي: اتفق المحدثون على تضعيفه.","vol":"1","page":34},{"text":"وَلِلْبَيْهَقِيِّ: «المَاءُ طَاهِرٌ إلَّا إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ لَوْنُهُ، بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ». (^١)\n\n٤ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ»، وَفِي لَفْظٍ: «لَمْ يَنْجُسْ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (١/ ٢٥٩) وفي إسناده عطية بن بقية بن الوليد يرويه عن أبيه، وعطية ضعيف، وأبوه مدلس ولم يصرح بالتحديث، وقد خولف في إسناده. قال البيهقي: ورواه عيسى بن يونس عن الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسلا.\nقال: ورواه أبوأسامة عن الأحوص عن ابن عون وراشد بن سعد من قولهما.\nقال الدارقطني في «السنن» (١/ ٢٩): والصواب في قول راشد.\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٦٣)، والنسائي (٥٢)، والترمذي (٦٧)، وابن ماجه (٥١٧)، وابن خزيمة (٩٢)، وابن حبان (١٢٤٩)، والحاكم (١/ ١٣٢) وهو حديث صحيح.\nوقد أعل بالاضطراب لاختلاف أسانيده، لكن رجح الحافظ في التلخيص (١/ ١٩) عدم الاضطراب، فقال -﵀-: وعند التحقيق، الصواب أنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبدالله بن عبدالله بن عمر (المكبر)، وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر (المصغر) ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم، وقد رواه جماعة عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير على الوجهين. اهـ\nوقد نفى عنه الاضطراب الدارقطني، ثم الحاكم، ثم البيهقي، ورجحوا أنه محفوظٌ على الوجهين.\nوقد صحح الحديث أكثر الحفاظ، منهم: أحمد، وإسحاق، وابن خزيمة، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي كما في «البدر المنير» (١/ ٤٠٨ - ٤٠٩)، وصححه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (١/ ٦٠).\nوانظر أسانيد الحديث وطرقه في «سنن الدارقطني» (١/ ١٣ -)، وللعلائي -﵀- رسالة في جمع طرق هذا الحديث، وخلص -﵀- بتصحيحه.","vol":"1","page":35},{"text":"تَحْدِيْدُ القُلَّتَيْنِ:\nلم يَصِح حديثٌ مرفوعٌ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في تحديد القلتين، وقد جاء عند ابن عدي (٦/ ٣٥٩)، من حديث ابن عمر مرفوعًا: «إذا بلغ الماء قلتين من قِلال هجر، لم يُنَجِّسْهُ شيءٌ»، وفي إسناده: المغيرة بن سِقْلاب، وهو ضعيفٌ جدًّا. وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث في ترجمته، ونصَّ على أنه منكرُ الحديث، وأنه لا يتابع على أحاديثه.\n• وقد اخْتُلِفَ في تحديد القُلَّتين اختِلافًا كثيرًا، أوصلها ابن المنذر إلى تسعة أقوال، كما في «الأوسط» (١/ ٢٦١ - ٢٦٣).\nوأقربها -والله أعلم- قولان:\nالأول: أنَّ المراد بها قِلال هَجر، هذا الذي عليه جمهور الحنابلة، والشافعية، واستدلوا بالحديث المتقدم، وقد تقدَّمَ أنه ضعيفٌ، واستدلوا بمرسل من مراسيل يحيى بن يعمر، وهو مع كونه مرسلًا؛ فلا يصح؛ لأن في إسناده: محمد بن يحيى، شيخ ابن جريج، وهو مجهول.\nقال الحافظ -﵀- في «التلخيص» (١/ ٢٢): لكن أصحاب الشافعي قَوَّوا أنَّ المراد قِلال هجر بكثرة استعمال العرب لها في أشعارهم، كما قال أبو عبيد في كتاب «الطهور»، وكذلك ورد التقييد بها في الحديث الصحيح.\nقال البيهقي -﵀-: قلال هجر كانت مشهورة عندهم، ولهذا شبَّه بها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما رأى ليلة المعراج من نبق سدرة المنتهى: «فإذا ورقها مثل آذان الفيلة، وإذا نبقها","vol":"1","page":36},{"text":"مثل قلال هجر».اهـ (^١)\nقال الحافظ -﵀-: فالتقييد بها في حديث المعراج دالٌّ على أنها كانت معلومة عندهم، بحيث يُضرَبُ بها المثل في الكِبَرِ، كما أنَّ التقييد إذا أُطْلِقَ إنما ينصرف إلى التقييد المعهود.\nالثاني: أخرج الدارقطني بسند صحيح في «سننه» (١/ ٢٤)، عن عاصم بن المنذر، أحد رواة هذا الحديث، أنه قال: القِلال هي: الخوابي العظام.\nقال إسحاق بن راهويه: الخابية تَسَعُ ثلاث قِرَب.\nقال الحافظ -﵀-: ومال أبو عبيد في كتاب «الطهور» إلى تفسير عاصم بن المنذر، وهو أولى. انتهى مُلخَّصًا من «تلخيص الحبير» (١/ ٢٢ - ٢٣).\nوأما عن قدر قلال هجر، فقد جاء عن ابن جريج أنه قال: رأيت قلال هجر، فالقُلَّة تَسَعُ قربتين، أو قربتين وشيئًا.\nقال الشافعي -﵀-: فالاحتياط أن تكون القُلَّة قربتين ونصفًا (^٢).\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٦): والمراد بها ههنا قُلَّتان من قلال هجر، وهما خمس قِرب، كل قِربة مائة رطل بالعراقي (^٣)، فتكون القُلَّتانِ خمسمائة\n_________\n(^١) الحديث أخرجه البخاري برقم (٣٢٠٧) من حديث مالك بن صعصعة -﵁-، وأخرجه مسلم (١٦٢) من حديث أنس بن مالك -﵁-.\n(^٢) القربة تساوي أربعين صاعًا، والصاع أربعة أمداد، والصاع يساوي باللتر (٢،٧٨٤) وبالجرام (٢،١٧٢).\n(^٣) الرطل بالعراقي: يساوي مائة وثمانية وعشرين درهما، وأربعة أسباع درهم، ويساوي بالجرام (٤٠٧،٥).","vol":"1","page":37},{"text":"رطل بالعراقي.\nوقال أيضًا (١/ ٣٧): واتفق القائلون بتحديد الماء بالقِرَبِ على تقدير كل قربة بمائة رطل بالعراقي، لا أعلم بينهم في ذلك خلافًا، ولعلهم أخذوا ذلك ممن اختبر قِرب الحجاز، وعرف أنَّ ذلك مقدارها.\nوالخمسمائة رطل بالعراقي يساوي بالصاع (٧٥، ٩٣) صاعًا، كما في «توضيح الأحكام» (١/ ١٢٢).\nقلتُ: وهذا من باب التقريب لا التحديد. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث المتقدمة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>مسألة [١]: الماء القليل والكثير إذا خالطته النجاسة</span>؟\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ٢٦٠): أجمع أهل العلم على أنَّ الماء القليل، أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت النجاسةُ الماءَ طعْمًا، أو لونًا، أو ريحًا، أنَّه نجسٌ ما دام كذلك، ولا يجزئ الوضوء والاغتسال به.\nقال: وأجمعوا على أنَّ الماء الكثير، مثل: الرجل (^٢) من البحر، أو نحو ذلك، إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له لونًا، ولا طعمًا، ولا ريحًا، أنه بحاله في الطهارة\n_________\n(^١) انظر «المغني» (١/ ٤٣ - ٤٤).\n(^٢) قال ابن منظور -﵀- في «لسان العرب»: الرِّجلة: مسيل الماء من الحرَّة إلى السهلة. اهـ\nفالرِجَل: بكسر الراء، وفتح الجيم جمع الرِّجلة، والمراد بها ههنا مسيل مشقوق من البحر إلى جهةٍ من الجهات، إما بطبيعته كالخليج، وإما بعمل الإنسان.","vol":"1","page":38},{"text":"قبل أن تقع فيه النجاسة. اهـ\nقلتُ: ففي كلام ابن المنذر -﵀- ثلاث صور:\n١) الماء الكثير إذا خالطته النجاسة، وغيَّرت أحد أوصافه؛ فإنه نجسٌ ما دام كذلك.\n٢) الماء الكثير إذا خالطته النجاسة، ولم تُغَيِّر أحدَ أوصافه؛ فإنه طهورٌ.\n٣) الماء القليل إذا خالطته النجاسة، وغيرت أحدَ أوصافه؛ فإنه نجسٌ.\nوهذه الثلاث الصُّور مُجْمَعٌ عليها.\nوعلى هذا فحديث أبي سعيد الخدري في أول الباب -أعني قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الماء طهور لا ينجسه شيء» - مخصوصٌ بالإجماع بالصورة الأولى، والثالثة.\nوقد نقل الإجماع أيضًا: الإمام البيهقي كما تقدم، ونقله أيضًا غير واحد من أهل العلم. «شرح المهذب» (١/ ١١٠).\nوبقيت صورةٌ رابعة، وهي محل الخِلاف، وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>مسألة [٢]: إذا كان الماء قليلا، وخالطته النجاسة، ولم يتغير</span>.\n• قال النووي -﵀- في «شرح المهَذَّب» (١/ ١١٢): حكى ابن المنذر، وغيره فيها سبعة مذاهب للعلماء ....، ثم ذكرها.\nقلتُ: وأقوى هذه الأقوال قولان، فلنرجح بينهما.","vol":"1","page":39},{"text":"القول الأول: إن كان الماء قُلَّتين فأكثر لم ينجس، وإن كان دون القلتين نجس، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبي عبيد.\nواستدلوا بأدلة كثيرة، منها:\n١) حديث ابن عمر في القلتين، الذي في هذا الباب.\n٢) حديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين»، (^١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده».\nقالوا: فنَهاهُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن غمسِ يده، وعَلَّلَهُ بخشية النجاسة، ويُعْلَمُ بالضرورة أنَّ النجاسة التي قد تكون على يده، وتخفى على غيره، لا تغير الماء، فلولا تنجيسه بحلول نجاسة لم تغيره، لم ينهه.\n٣) حديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^٢): «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛ فليغسله سبعًا»، وفي لفظ لمسلم: «فلْيُرقْهُ». فالأمر بالإراقة والغسل دليلُ النجاسة.\n٤) «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، رواه الترمذي (٢٥١٨)، عن الحسن بن علي -﵄- مرفوعًا بإسناد صحيح. (^٣)\nالقول الثاني: أن الماء كثِيْرُهُ، وقليلهُ لا ينجس؛ إلا بالتَّغّيُّر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨)، واللفظ لمسلم.\n(^٢) سيأتي تخريجه في هذا الباب إن شاء الله تعالى.\n(^٣) انظر «شرح المهذب» (١/ ١١٧ - ١١٨).","vol":"1","page":40},{"text":"قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ١١٣): حَكَوْهُ عن ابن عباس، (^١) وابن المسيب، والحسن البصري، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وجابر بن زيد، ويحيى بن سعيد القطَّان، وعبدالرحمن ابن مهدي، قال أصحابنا: وهو مذهب مالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وداود. قال ابن المنذر -﵀-: وبهذا المذهب أقول. واختاره بعض الشافعية. انتهى بتصرف يسير.\nقلتُ: وهذا القول هو رواية عن أحمد، وقول للشافعي، كما في «المغني» (١/ ٣٩).\nواستدلوا بأدلة منها:\n١) حديث أبي سعيد -﵁- الذي في الباب: «إنَّ المَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».\n٢) حديث أنس بن مالك -﵁- في «الصحيحين»، (^٢) وأبي هريرة -﵁- في «البخاري» (٢٢٠)، أن أعرابيًّا بال في المسجد، فأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِذَنُوبٍ من ماء، فأُهْرِيْقَ عليه.\nقالوا: في هذا الحديث دلالةٌ على أنَّ الماء إذا غلب على النجاسة، ولم يظهر شيء منها، فقد طهرها، وأنها لا تضره ممازجتها له، إذا غلب عليها، وسواء كان قليلًا، أو كثيرًا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٠٨)، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٦٧)، وهو صحيح.\n(^٢) سيأتي تخريجه إن شاء الله في هذا الباب.","vol":"1","page":41},{"text":"وهذا القول هو الراجح، وقد رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشوكاني، والصنعاني، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.\nوقال ابن القيم -﵀- في «إعلام الموقعين» (١/ ٣٩١ - ٣٩٢): الذي تقتضيه العقول، أنَّ الماء إذا لم تغيره النجاسة لا ينجس؛ فإنه باقٍ على أصل خلقته، وهو طيبٌ؛ فيدخل في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف:١٥٧]، وهذا هو القياس في المائعات جميعها إذا وقع فيها نجاسة فاستحالت بحيث لم يظهر لها لون، ولا طعم، ولا ريح. اهـ. (^١)\nوأما الرد على أدلة القول الأول، فهو كما يلي:\n١) أما استدلالهم بمفهوم حديث القُلَّتين؛ فقد قال الشوكاني -﵀- في «السيل الجرار» (١/ ٥٥): وأما ما كان دون القلتين، فلم يقل الشارع إنه يحمل الخبث قطعًا، وبتًّا، بل مفهوم حديث القلتين يدل على أن ما دونهما قد يحمل الخبث، وقد لا يحمله، فإذا حمله فلا يكون ذلك إلا بتغير بعض أوصافه، فيقيد مفهوم حديث القلتين بحديث التغير المجمع على قبوله، والعمل به كما قيد منطوقه بذلك. اهـ\n٢) ٣) وأما دليلهم الثاني والثالث، فقد قال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٤١): وأحاديث الاستيقاظ، والماء الدائم، والولوغ، ليست ورادة لبيان\n_________\n(^١) وانظر «توضيح الأحكام» (١/ ١٢٤).","vol":"1","page":42},{"text":"حكم نجاسة الماء، بل الأمر باجتنابها تعبدي، لا لأجل النجاسة، وإنما هو لمعنى لا نعرفه، كعدم معرفتنا لحكمة أعداد الصلوات، ونحوها. اهـ\nقلتُ: والنهي عن البول في الماء الدائم، وعما ولغ فيه الكلب يحتمل أن يكون ذلك لتقذره، أو لتنجسه حالًا، أو مآلًا، ولكن ذلك مقيد بالتغير، وأما حديث الاستيقاظ فقد علل بعلة أخرى قوية كما سيأتي بيانه حيث ذكره الحافظ إن شاء الله تعالى.\n٤) حديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ...»، وما أشبهه، قال الشوكاني في «السيل» (١/ ٥٦): وليس فيها إلا الإرشاد إلى الورع، والتوقف عند الاشتباه، وتوقي المشتبهات، وليس ما نحن بصدده من ذلك القبيل؛ لورود الشريعة الواضحة الطاهرة في شأنه، وليس في مخالفتها بمجرد الشكوك، والوسوسة؛ إلا الإثم على فاعل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>مسألة [٣]: هل غَيْرُ الماءِ مِنَ المائعاتِ ينجس بورود النجاسة عليه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٤٤): فيه ثلاث روايات:\n• إحداهن: أنه ينجس بالنجاسة، وإن كثر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال وقد سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: «إن كان مائعًا فلا تقربوه»، (^١) رواه أحمد، وأبو داود من حديث أبي هريرة -﵁-. وهذا قول الشافعية كما في البيان (١/ ٤٢).\n• والثانية: أنها كالماء، لا ينجس منها ما بلغ القلتين؛ إلا بالتغير.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه إن شاء الله في [كتاب البيوع] رقم (٧٧٣).","vol":"1","page":43},{"text":"• والثالثة: ما أصله الماء، كالخل التمري يدفع النجاسة؛ لأن الغالب فيه الماء، ومالا فلا، والأُولى أولى.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: هكذا رجح المؤلف الرواية الأُولى، وهي: القول بنجاسته، وإن كثُرَ، للحديث المذكور، وهذا الحديث مُعَلٌّ، فقد وهم فيه معمر ابن راشد، والصواب فيه أنه من حديث ميمونة بلفظ: سئل عن فأرة وقعت في سمن، فماتت، فقال: «ألقوها وما حولها، وكلوه»، رواه البخاري، وقد حكم على معمر بالوهم غير واحد من الحفاظ، منهم: البخاري، وأبو حاتم، وعلى هذا فالراجح - والله أعلم- هي الرواية الثانية، وهي أن حكم المائعات كحكم الماء، إلا أنها إذا تغيرت بوقوع النجاسة فيها؛ فهي نجسة، وإلا فلا، ولا عبرة بالتحديد بالقلتين كما تقدم في الماء.\nوقد قال بهذا من الصحابة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود -﵃-.\nقال صالح بن أحمد في «مسائله» كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٩٧): ثنا أبي، ثنا وكيع، ثنا النضر بن عربي، عن عكرمة، قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فسأله عن جَرٍّ فيه زيت، وقع فيه جرذٌ؟ فقال ابن عباس: خذه وما حوله، فألقه، وكل. قلت: أليس جالَ في الجرِّ كله؟ قال: إنه جال وفيه الروح، فاستقر حيث مات. وإسناده حسن.\nوأما أثر ابن مسعود، فأخرجه أيضًا صالح بن أحمد في «مسائله» كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٩٧)، ولكن في سنده: حمران بن أعين، وهو ضعيف.","vol":"1","page":44},{"text":"وهذا القول هو مذهب الزهري، وأبي ثور، ورواية عن مالك، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٨٩، ٥٠٤ -)، و«الاختيارات الفقهية» (ص ٥)، وهو اختيار ابن القيم.\nوهو اختيار الإمام البخاري كما في «الفتح» (٥٥٣٨)، والإمام أبي محمد بن حزم كما في «المحلَّى» (١٣٦) إلا أنه استثنى السمن فحكم بنجاسته، وإن كان ألف ألف قنطار؛ أخذًا بظاهر الحديث المتقدم.\nوهذا القول رجَّحهُ الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ٤٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>مسألة [٤]: الماء المشَمَّس</span>.\nقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أبي سعيد -﵁-: «إِنَّ الماءَ طَهور» يدخل في عموم هذا الحديث: الماء المشَمَّس؛ فإنه طهور، ومباح، ولا يكره عند الجمهور، وإنما كرهه الشافعي، فقال: ولا أكرهه إلا من جهة الطِّبِ؛ لما روي عن عائشة -﵂-، قالت: دخل عليَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد سَخَّنْتُ له ماءً في الشمس، فقال: «لا تفعلي يا حميراء؛ فإنه يورث البرص».\nقلتُ: أما الحديث فموضوعٌ، انظر الكلام عليه في «الإرواء» (١٨).\nوأما أهل الطب، فقد قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٩): وحُكِيَ عن أهل الطب أنهم لا يعرفون لذلك تأثيرًا في الضرر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>مسألة [٥]: الماء الْمُسَخَّن</span>.\nويدخل في عموم الحديث المتقدم الماءُ المسَخَّن بشيء طاهر، وقد دخل","vol":"1","page":45},{"text":"الحمام غير واحد من الصحابة -﵃-.\nقاله شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٠١).\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٧): وممن رأى الوضوء بالماء المسخن: عمر وابنه، وابن عباس، وأنس -﵃-، (^١) وهو قول أهل الحجاز، وأهل العراق جميعهم، غير مجاهد، ولا معنى لقوله.\nقلتُ: لكن إنْ اشتد حرُّهُ حتى منعه من إسباغ الوضوء، فقد كرهه أهل العلم. (^٢)\nوأما إذا كان الماء المسخن سُخِّنَ بنجاسة؛ فالجمهور أيضًا على أنه يستعمل بغير كراهة، ولكن إذا تطاير من أجزاء النجاسة شيء، فخالطت الماء، فغيرته؛ فإنه يصبح نَجِسًا؛ إلا أن تكون النجاسة قد استحالت، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>مسألة [٦]: التطهر بماء زمزم</span>؟\nويدخل في عموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الماء طهور»: ماء زمزم؛ فإنه طهور، ويستعمل في الوضوء، والاغتسال بلا كراهة عند الجمهور.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٩١): ودليلنا النصوص الصريحة، الصحيحة، المطلقة في المياه بلا فرق، ولم يزل المسلمون على الوضوء منه بلا إنكار. اهـ\n_________\n(^١) أثر عمر، وابن عمر، وابن عباس -﵃- أخرجها عبدالرزاق (١/ ١٧٥ - ١٧٦)، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٥١) بأسانيد صحيحة، وأما أثر أنس -﵁- فأخرجه ابن المنذر (١/ ٢٥١ - ٢٥٢)، وفي إسناده: راشد بن معبد، وهو شديد الضعف، واتُّهِمَ بالوضع.\n(^٢) انظر «المغني» (١/ ٢٧ - ٢٨)، و«شرح المهذب» (١/ ٨٨).\n(^٣) انظر «المغني» (١/ ٢٩)، و«غاية المرام» (١/ ٨٨ - ٨٩)، «المجموع» (١/ ٩١).","vol":"1","page":46},{"text":"وقد كره بعض أهل العلم استعماله في إزالة النجاسة؛ لحديث أبي ذر في «صحيح مسلم» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنها مباركة، إنها طعامُ طُعم». (^١)\nتنبيه: ثبت في «الصحيحين» (^٢) عن ابن عمر -﵄-، أنَّ الناس نزلوا مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على الحِجْر، أرض ثمود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يهريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تَرِدُها الناقة.\nوفي رواية للبخاري (٣٣٧٨): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من آبارها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجَنَّا منها، واستقينا، فأمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٩٢): فاستعمال ماء هذه الآبار المذكورة في طهارة، وغيرها، مكروه، أو حرام؛ إلا لضرورة؛ لأنَّ هذه سنة صحيحة لا معارض لها، فيمنع استعمال آبار الحجر إلا بئر الناقة، ولا يحكم بنجاستها؛ لأنَّ الحديث لم يتعرض للنجاسة، والماء طهور بالأصالة. اهـ\nقلتُ: لا حاجة إلى التردد بين التحريم، والكراهة؛ فالحديث نَصٌّ في تحريمه.\nوقد جزم ابن القيم في «زاد المعاد» (٣/ ٥٦٠) بعدم الجواز، والنهي يقتضي الفساد؛ فعلى هذا فلا تصح الطهارة به. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «غاية المرام» للعبيكان (١/ ٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٧٩)، ومسلم (٢٩٨١).\n(^٣) انظر «كشاف القناع» (١/ ٣٠)، و«غاية المرام» (١/ ٩٧).","vol":"1","page":47},{"text":"٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nوَلِلْبُخَارِيِّ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ». (^٢)\nوَلِمُسْلِمٍ: «مِنْهُ» (^٣).\nوَلِأَبِي دَاوُد: «وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ». (^٤)\nقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ».\nالرواية المشهورة هي برفع اللام، قال القرطبي -﵀- في «المفهم» (١/ ٥٤٢): وإنما جاء: «ثم يغتسلُ» على التنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه استعماله؛ لما وقع فيه من البول، وهذا مثل قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يضرب أحدكم امرأته ضرب الأمة، ثم يضاجعُها»، (^٥) فنهاه عن ضربها؛ لأنه يحتاج إلى مضاجعتها في ثاني حال؛ فتمتنع عليه لما أساء من عشرتها، فيتعذر عليه المقصود لأجل الضرب، وتقدير اللفظ: (ثم هو يضاجعها)، و(ثم هو يغتسل). انتهى بتصرف يسير.\nقد ضبطه بعضهم بالجزم: «ثم يغتسلْ»، وأنكره القرطبي في «المفهم»\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٨٣).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٣٩).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٢٨٢).\n(^٤) أخرجه أبوداود برقم (٧٠) وإسناده حسن.\n(^٥) أخرجه البخاري (٤٩٤٢)، ومسلم (٢٨٥٥) من حديث عبدالله بن زمعة -﵁- بمعناه.","vol":"1","page":48},{"text":"(١/ ٥٤١)، وبعضهم بالنصب: «ثم يغتسلَ»، وأنكره النووي في «شرح مسلم» (٣/ ١٩١)، والقرطبي في «المفهم» (١/ ٥٤١) ودافع عليهما بعضهم، وعلى كل حال؛ فالمشهور الثابت في «الصحيحين» هي رواية الرَّفع، وتقدم بيان معناها.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>مسألة [١]: حكم اغتسال الجنب في الماء الدائم</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٨٣): قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: يكره الاغتسال في الماء الراكد، قليلًا كان، أو كثيرًا، وكذا يكره الاغتسال في العين الجارية.\nقال: وهذا كله على كراهة التنزيه لا التحريم. انتهى\nقال الشوكاني -﵀- في «نيل الأوطار» (١/ ٦٧): وينظر ما القرينة الصارفة للنهي عن التحريم.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: لا أعلم قرينة تصرف النهي من التحريم، وظاهر كلام ابن حزم في «المحلَّى» أنه يقول بالتحريم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>مسألة [٢]: هل يرتفع الحدث إذا اغتسل في الماء الدائم</span>؟\n• ذهب ابن حزم في «المحلَّى» (١٥٠) إلى أنه لا يرتفع مطلقًا.\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٥): إن كان الماء قلتين فصاعدًا،\n_________\n(^١) انظر «المحلَّى» رقم المسألة (١٥٠).","vol":"1","page":49},{"text":"ارتفع حدثه، ولم يتأثر به الماء؛ لأنه لا يحمل الخبث.\nوقال: إذا انغمس الجنب، أو المحدث فيما دون القلتين، ينوي رفع الحدث، صار مستعملًا، ولم يرتفع حدثه.\nوقال الشافعي -﵀-: يصير مستعملًا، ويرتفع حدثه؛ لأنه إنما يصير مستعملًا بارتفاع حدثه فيه.\nثم استدل ابن قدامة -﵀- على ما ذهب إليه بحديث: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ».\nقلتُ: الراجح أنَّ حدثه يزول، سواءٌ كان الماء قلتين، أو أكثر، أو أقل، وكذلك يزول به الحدث بعد صيرورته مستعملًا، ما دام الماء طاهرًا لم يتغير بنجاسة.\nوأما الحديث؛ فقد حمل الجمهور النهي الذي فيه بسبب صيرورته مستعملًا، وهذا غير صحيح.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٦): ونهيه عن الاغتسال في الماء الدائم قد يكون لما فيه من تقذير الماء على غيره، لا لأجل نجاسته، ولا لصيرورته مستعملًا؛ فإنه قد ثبت في «الصحيح» عنه أنه قال: «إن الماء لا يجنب». (^١) انتهى.\nوقال الشوكاني -﵀- في «النيل» (١/ ٥٢): وأُجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأنَّ علة النهي ليست كونه يصير مستعملًا، بل مصيره مستخبثًا بتوارد\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه قريبًا في هذا الباب إن شاء الله.","vol":"1","page":50},{"text":"الاستعمال، فيبطل نفعه. انتهى.\nوسيأتي الكلام على الماء المستعمل قريبًا إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>مسألة [٣]: حكم التَّبَول في الماء الدائم</span>.\n• قال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٨٢): وإنْ كان الماء كثيرًا، راكدًا، فقال أصحابنا: يكره ولا يحرم، ولو قيل: يحرم. لم يكن بعيدًا؛ فإن النهي يقتضي التحريم على المختار عند المحققين، والأكثرين من أهل الأصول.\nقلتُ: جنح النووي -﵀- إلى التحريم، وهو الصحيح، وقد ذهب إلى ذلك الحنابلة، والظاهرية، وذلك لدلالة حديث أبي هريرة: «لا يبولن أحدكم» الحديث.\nوكذلك حديث جابر في «صحيح مسلم» (٢٨١)، قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يُبَال في الماء الراكد.\n• وقد ذهب مالك إلى الكراهة، سواء كان قليلًا، أو كثيرًا.\n• والمشهور عند الشافعية أن النهي للتحريم إذا كان قليلًا، وللتنزيه إذا كان كثيرًا. (^١)\nتنبيه: إذا كان الماء مستبحرًا، كثيرًا جدًّا، فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على خروجه من المسألة السابقة.\n_________\n(^١) انظر «شرح مسلم» (٢٨٢)، «سبل السلام» (١/ ٤٧ - ٤٨)، «نيل الأوطار» (١/ ٦٧)، «توضيح الأحكام» (١/ ١٢٩).","vol":"1","page":51},{"text":"والواقع أنَّ ابن حزم قد خالف كما في «المحلَّى» رقم (١٥٠)، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>مسألة [٤]: حكم التغوط في الماء الدائم</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٨٢): وَالتَّغَوُّط فِي الْمَاء كَالْبَوْلِ فِيهِ وَأَقْبَح، وَكَذَلِكَ إِذَا بَالَ فِي إِنَاء، ثُمَّ صَبَّهُ فِي الْمَاء، وَكَذَا إِذَا بَالَ بِقُرْبِ النَّهَرِ، بِحَيْثُ يَجْرِي إِلَيْهِ الْبَوْل، فَكُلّه مَذْمُومٌ، قَبِيْحٌ، مَنْهِيٌّ عَنْهُ عَلَى التَّفْصِيل الْمَذْكُور، وَلَمْ يُخَالِف فِي هَذَا أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء؛ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُدَ بْن عَلِيّ الظَّاهِرِيّ أَنَّ النَّهْي مُخْتَصّ بِبَوْلِ الْإِنْسَان بِنَفْسِهِ، وَأَنَّ الْغَائِط لَيْسَ كَالْبَوْلِ، وَكَذَا إِذَا بَالَ فِي إِنَاء، ثُمَّ صَبَّهُ فِي الْمَاء، أَوْ بَالَ بِقُرْبِ الْمَاء، وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ خِلَاف إِجْمَاع الْعُلَمَاء، وَهُوَ أَقْبَح مَا نُقِلَ عَنْهُ فِي الْجُمُود عَلَى الظَّاهِر، وَاللهُ أَعْلَم. اهـ\nقلتُ: وقد تابع داود على قوله صاحبُه ابن حزم الظاهري، وهو قول ضعيفٌ جدًّا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>مسألة [٥]: حكم التبول في الماء الجاري</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٨٢): فَإِنْ كَانَ الْمَاء كَثِيرًا جَارِيًا لَمْ يَحْرُم الْبَوْل فِيهِ؛ لِمَفْهُومِ الْحَدِيث، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى اِجْتِنَابه، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا جَارِيًا فَقَدْ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا: يُكْرَه. وَالْمُخْتَار: أَنَّهُ يَحْرُم؛ لِأَنَّهُ يُقَذِّرهُ، وَيُنَجِّسهُ\n_________\n(^١) انظر «إحكام الأحكام» (١/ ٢٢)، «نيل الأوطار» (١/ ٦٧)، «المفهم» (١/ ٥٤٣)، «توضيح الأحكام» (١/ ١٢٨).\n(^٢) وانظر: «نيل الأوطار» (١/ ٦٧)، «المفهم» (١/ ٥٤٢)، «سبل السلام» (١/ ٤٨).","vol":"1","page":52},{"text":"عَلَى الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَغَيْره، وَيَغُرّ غَيْره فَيَسْتَعْمِلهُ مَعَ أَنَّهُ نَجِسٌ.\nقلتُ: وما اختاره النووي من تحريم البول في الماء القليل الجاري، مفهوم حديث الباب يرُدُّه؛ ولذلك قال الصنعاني في «سبل السلام» (١/ ٤٨): قلت: بل الأولى خلافه -يعني أنه ليس بمحرم- إذ الحديث في النهي عن البول فيما لا يجري، فلا يشمل الجاري، قليلًا كان، أم كثيرًا، نعم، لو قيل بالكراهة؛ لكان قريبًا. انتهى. (^١)\nفائدة: استدل بعض الحنابلة بهذا الحديث أعني: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يبولن أحدكم ....» الحديث على أنَّ الماء إذا بلغ قلتين، وأكثر ينجس إذا خالطه بول الآدمي، وعذرته، وإن لم يغيره، وخصصوا منطوق حديث القلتين بحديث الباب، وهذا القول رواية عن أحمد.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٥٦): والرواية الثانية أنه لا ينجس ما لم يتغير كسائر النجاسات، اختارها أبو الخطاب، وابن عقيل، وهذا مذهب الشافعي، وأكثر أهل العلم، لا يفرقون بين البول، وغيره من النجاسات؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». (^٢)\nقال: وحديث أبي هريرة لابد من تخصيصه، بدليل ما لا يمكن نزحه، فيقاس عليه ما بلغ القلتين، أو يُخَصُّ بخبر القلتين؛ فإنَّ تخصيصه بخبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أولى من تخصيصه بالرأي، والتحكم من غير دليل، ولأنه لو تساوى الحديثان لوجب\n_________\n(^١) وانظر «نيل الأوطار» (١/ ٦٧)، و«شرح العمدة» لابن الملقن (١/ ٢٧٧).\n(^٢) تقدم تخريجه في أحاديث الكتاب برقم (٤).","vol":"1","page":53},{"text":"العدول إلى القياس على سائر النجاسات. اهـ\nقلتُ: الصحيح قول الجمهور، وهذا الذي قرره ابن قدامة مبنيٌّ على أنَّ الحديث المذكور فيه النهي عن البول في الماء الدائم؛ لأنه يتنجس، وليس في الحديث هذا التعليل.\nقال الإمام محمد بن عبد الوهاب -﵀- كما في «الدرر السَّنِيَّة» (٣/ ٧٠): قولهم: إن الماء الكثير ينجسه البول، والعذرة؛ لنهيه ﵇ عن البول فيه. فيقال لهم: الذي ذُكِرَ النهي عن البول إذا كان راكِدًا، وأما نجاسة الماء، وطهارته، فلم يتعرض لها، وتلك مسألة أخرى يستدل عليها بدليل آخر. انتهى المراد.\nوقال المعلمي -﵀- في «التنكيل» (٢/ ١٨): والصواب أنَّ هناك عدة علل إذا خُشِيَت واحدة منها تحقق النهي:\nالأولى: التنجيس حالًا، بأن يكون الماء قليلًا جدًّا، تغيره البولة الواحدة.\nالثانية: التنجيس مآلًا: وذلك أنه لو لم يُنهَ عن البول في الماء الراكد؛ لأوشك أن يبول هذا، ثم يعود فيبول، ويتكرر ذلك، وكذلك يصنع غيره، فقد يكثر البول حتى يغير الماء؛ فينجسه.\nالثالثة: التقذير حالًا.\nالرابعة: التقذير مآلًا.\nالخامسة: فشو الأمراض. انتهى بتصرف.","vol":"1","page":54},{"text":"٦ - وَعَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ تَغْتَسِلَ المَرْأَةُ بِفَضْلِ (^١) الرَّجُلِ أَوِ الرَّجُلُ بِفَضْلِ المَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. (^٢)\n\n٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ -﵂-. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\nوَلِأَصْحَابِ «السُّنَنِ»: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ ليَغْتَسِلَ مِنْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إنِّي كُنْت جُنُبًا، فَقَالَ: «إنَّ المَاءَ لَا يَجْنُبُ». وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ. (^٤)\n_________\n(^١) الفضل المقصود به هنا: فضل الماء، أي: الماء المتبقي بعد غسله.\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٨١)، والنسائي (١/ ١٣٠)، من طريق داود بن عبد الله، عن حميد الحميري، قال: لقيت رجلا صحب النبي - ﷺ - أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة، قال ... فذكره.\nوإسناده صحيح، رجاله ثقات، وداود بن عبد الله هو الأودي. وقد صححه الإمام الألباني -﵀- في «سنن أبي داود» (٧٥)، والإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (١٤٧٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (٣٢٣) من طريق ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار قال: أكبر علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني أن ابن عباس أخبره فذكره.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٩٣): لكن أعله قوم لتردد وقع في رواية عمرو بن دينار، وقد ورد من طريق أخرى بلا تردد، لكن راويها غير ضابط، وقد خولف. والمحفوظ ما أخرجه الشيخان بلفظ: «إن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد». اهـ\nوالرواية المذكورة هي عند البخاري (٢٥٣)، ومسلم (٣٢٢) من طريق عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، عن ميمونة. ووهم من رواه بإسقاط ميمونة كما ذكر ذلك الحافظ ابن رجب في شرح الحديث من «الفتح» (٢٥٣).\n(^٤) حسن. أخرجه أبوداود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، وابن ماجه (٣٧٠)، والدارمي (٧٤٠) (٧٤١)، والبيهقي (١/ ١٨٨ - ١٨٩)، وابن خزيمة (٩١) من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس.\nوفي رواية سماك عن عكرمة ضعف. لكن قال الحافظ في «الفتح» (١٩٣): وقد أعله قوم بسماك ابن حرب راويه عن عكرمة؛ لأنه كان يقبل التلقين. ولكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم. اهـ\nوقال يعقوب بن شيبة كما في «التهذيب»: وروايته عن عكرمة خاصّة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم. اهـ\n\nقلتُ: وقد رواه عنه سفيان بلفظ «إن الماء لا ينجس» وقد ذكرنا روايته في تخريج حديث أبي سعيد ثاني أحاديث الباب.","vol":"1","page":55},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>مسألة [١]: حكم تطهر الرجل بفضل المرأة</span>.\n• اختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب:\nالأول: جواز التطهر بفضل المرأة ما لم تكن حائضًا، أو جنبًا، صحَّ هذا عن ابن عمر في «موطأ مالك» (١/ ٥٢)، وهو مذهب الشعبي، ومالك، والأوزاعي، واستنثى الأخيران الجواز في حالة عدم وجود الماء.\nالثاني: جواز التطهر بفضل وضوء المرأة، ما لم تخل به، وهذا القول ثبت عن ابن عمر وعبد الله بن سرجس -﵃- عند عبد الرزاق (١/ ١٠٧، ١٠٨)، وهو قول أحمد، وإسحاق.\nالثالث: المنع من التطهر بفضل المرأة، وهذا القول صحَّ عن عبد الله بن سرجس -﵁- أخرجه الدارقطني (١/ ١١٧) بإسناد صحيح، وهو مذهب ابن المسيب، والحسن البصري.","vol":"1","page":56},{"text":"الرابع: جواز التطهر بفضل المرأة دون كراهة.\nقال ابن عبد البر -﵀- في «الاستذكار» (٣/ ١٣٣): وعلى هذا القول فقهاء الأمصار، وجمهور العلماء.\nقلتُ: الخلاف في هذه المسألة مبني على أحاديث الباب، صحةً، وفهمًا.\nوقد ذهب الخطابي في «المعالم» (١/ ٣٦) إلى الجمع بينها، فقال: تُحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء، وأحاديث الجواز على ما بقي من الماء.\nوقال الحافظ ابن حجر -﵀-: أو يُحمل النهي على التنزيه، جمعًا بين الأدلة. انتهى من «الفتح» (١٩٣).\nورجَّح الصنعاني ذلك في «السُّبل» (١/ ٥١)، واستحسنه الشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ٥٧).\nوهو ترجيح الشيخ مقبل، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما، وهو الراجح فيما يظهر لنا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>مسألة [٢]: حكم تطهر المرأة بفضل الرجل</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٣١٩): وأما تطهير المرأة بفضل الرجل فجائزٌ بالإجماع. اهـ\nقال الحافظ -﵀- في «فتح الباري» (١٩٣): وفيه نظر أيضًا، فقد أثبت\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (١/ ٢٩١ - ٢٩٥)، و«الاستذكار» (٣/ ١٢٩ - ١٣٣)، «الفتح» (١٩٣)، و«شرح مسلم» (٣١٩).","vol":"1","page":57},{"text":"الخلاف فيه الطحاوي.\nقلتُ: كلام الطحاوي الذي أشار إليه الحافظ هو في «شرح المعاني» (١/ ٢٤).\nوالراجح في المسألة هو ما رجَّحناه في المسألة التي قبلها جمعًا بين الأدلة، وهو قول من تقدم ذكره، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>مسألة [٣]: تطهر الرجل وامرأته من إناء واحد جميعًا</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٣١٩): وأما تطهير الرجل، والمرأة من إناء واحد؛ فهو جائزٌ بإجماع المسلمين.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٩٣): ونقل الطحاوي، ثم القرطبي، والنووي الاتفاق على جواز اغتسال الرجل، والمرأة من الإناء الواحد، وفيه نظر؛ لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنه كان ينهى عنه، وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم، وهذا الحديث حُجَّةٌ عليهم. اهـ\nويعني الحافظ بالحديث: حديث ابن عمر الذي في البخاري (١٩٣)، أنه قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جميعًا.\nوأما الأثر عن أبي هريرة، فأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٦)، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٩١)، ولا يثبت؛ فإنَّ الراوي عن أبي هريرة: أبو سهلة، وهو لا يعرف، ولم أجد من ذكره إلا الذهبي في «الكنى» ولم يتكلم عليه بشيء.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>مسألة [٤]: الماء المستعمل في الوضوء أو الاغتسال</span>.\n• استدل بحديث الصحابي المبهم، من ذهبَ إلى أنَّ الماء المستعمل مسلوب الطهورية، وإن كان طاهرًا في نفسه، وهذا القول هو مذهب أحمد في المشهور عنه، ورواية عن مالك، والأوزاعي، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة في المشهور عنهما أيضًا.\nومما استدلوا به أيضًا:\n١) حديث أبي هريرة في «صحيح مسلم»، (^١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب»، قالوا: ولولا أنه يفيد معنى فيه، لم ينه عنه.\n٢) وقال بعضهم: إنَّ الماء المستعمل لابد أن يصحبه من عَرَقِ الجسم؛ فهو ماء مضاف.\n٣) وقال بعضهم: إنَّ الخطايا تخرج مع غسل الأعضاء في الوضوء.\n• وذهب جمع من أهل العلم إلى أنَّ المستعمل ما زال مطهرًا، وهو قول الزهري، ومالك، والأزواعي في أشهر الروايتين عنهما، وأبي ثور، وداود.\nقال ابن المنذر -﵀-: وروي عن (علي، وابن عمر، وأبي أمامة)، (^٢) وعطاء، والحسن، ومكحول، والنخعي، أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه، فوجد في لحيته بللًا: يكفيه مسحه بذلك البلل.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الكتاب برقم (٥).\n(^٢) هذه الآثار في أسانيدها ضعفٌ كما في «الأوسط» لابن المنذر (١/ ٢٨٦).","vol":"1","page":59},{"text":"قال ابن المنذر -﵀-: وهذا يدل على أنهم يرون المستعمل مطهرًا. قال: وبه أقول.\nوهذا القول هو رواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل، وأبو البقاء، والشيخ تقي الدين ابن تيمية -﵀-.\nقال -﵀- في «الإنصاف»: وهو أقوى في النظر.\nواستدل هؤلاء بما يلي:\n١) دخوله في عموم الماء في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الماء طهور لا ينجسه شيء». «الأوسط» (١/ ٢٨٧).\n٢) حديث ابن عباس -﵄- في هذا الباب: «إن الماء لا يجنب».\nوهذا القول هو الراجح، وهوترجيح الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهم أجمعين.\nوأما الرد على أدلة المذهب الأول:\n١) فأما استدلالهم بحديث النهي عن الاغتسال بفضل المرأة، فقد قال الشوكاني -﵀- في «الدراري المضيئة» (ص ٢٠): ولو كانت العلة الاستعمال، لم يختص النهي بمنع الرجل من الوضوء بفضل المرأة، وبالعكس، بل كان النهي سيقع من الشارع لكل أحدٍ عن كل فضل. اهـ\nوأجاب عن هذا الاستدلال في «النيل» (١/ ٥٢)، فقال: وأجيب عن حديث","vol":"1","page":60},{"text":"النهي عنِ التَّوَضُّؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملًا، ولو سُلِّم؛ فالدليل أخصُّ من الدعوى؛ لأن المدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية، لا خصوص هذا المستعمل، وبالمعارضة بما أخرجه ....، ثم ذكر حديث ابن عباس -﵄- الذي في الباب بلفظيه.\n٢) استدلالهم بحديث النهي عن الاغتسال في الماء الدائم تقدم الجواب عليه في المسألة رقم [٢] تحت حديث رقم (٥).\n٣) وأما استدلالهم بمخالطة العرق، فقد أجاب عنه ابن حزم في «المحلى» (١٤١)، فقال: وهذا غثٌّ جدًّا، وحتى لو كان كما قالوا، فكان ماذا؟ ومتى حرم الوضوء، والغسل بماء فيه شيء طاهر لا يظهر له في الماء رسم.\n٤) وأما استدلالهم بخروج الخطايا مع الماء المتوضأ به، فقد قال ابن حزم: وما علمنا للخطايا أَجْرَامًا تحل في الماء. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (١/ ٢٨٥)، و«المحلى» (١٤١)، و«نيل الأوطار» (١/ ٥٢)، و«غاية المرام» (١/ ١١٦ - ١١٨).","vol":"1","page":61},{"text":"٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «طُهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ (^١) فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\nوَفِي لَفْظٍ لَهُ: «فَلْيُرِقْهُ» (^٣)،\nوَلِلتِّرْمِذِيِّ: «أُخْرَاهُنَّ، أَوْ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». (^٤)\n_________\n(^١) قال النووي -﵀- في «تحرير ألفاظ التنبيه» (ص ٤٧): هو أن يدخل الكلب لسانه في المائع، فيحركه. قال: والولوغ للكلب وسائر السباع، ولا يكون لشيء من الطير إلا الذباب.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٢٧٩) (٩١).\n(^٣) شاذة. أخرجه مسلم برقم (٢٧٩) (٩٨) من طريق علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة -﵁-، به.\n\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٧٢): قال النسائي: لا أعلم أحدًا تابع عليَّ بن مسهر على زيادة «فليرقه». وقال حمزة الكناني: إنها غير محفوظة. وقال ابن عبدالبر: لم يذكرها الحفاظ من أصحاب الأعمش كأبي معاوية وشعبة. وقال ابن مندة: لا تعرف عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بوجه من الوجوه إلا عن علي بن مسهر بهذا الإسناد. اهـ\nقال الحافظ: قلت: قد ورد الأمر بالإراقة أيضًا من طريق: عطاء، عن أبي هريرة مرفوعًا. أخرجه ابن عدي، لكن في رفع نظر، والصحيح أنه موقوف، وكذا ذكر الإراقة حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة موقوفًا، وإسناده صحيح. أخرجه الدارقطني، وغيره. انتهى.\nفهذه الزيادة شاذة غير محفوظة.\n(^٤) رواية شاذة: أخرجه الترمذي (٩١) عن سوار بن عبدالله العنبري حدثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت أيوب يحدث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا، فذكره. وظاهر إسناده الصحة، ولكن أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٢١) عن المقدمي، عن معتمر بن سليمان بإسناده، فقال: «أولاهن بالتراب» بدون تردد. وهذه الرواية أرجح -والله أعلم- فقد رواه جمع عن أيوب بإسناده بهذا اللفظ -أعني قوله: «أولاهن بالتراب»، بدون تردد، منهم معمر بن راشد عند عبد الرزاق (١/ ٩٦)، وسعيد بن أبي عروبة عند أحمد (٢/ ٤٨٩)، وقد تابع أيوب على هذا اللفظ جمعٌ، فرووه عن محمد بن سيرين بلفظ: «أولاهن بالتراب»، وهم:\n١) هشام بن حسان، عند مسلم (٢٧٩) (٩١).\n٢) الأوزاعي عند الدارقطني (١/ ٦٤).\n٣) قرَّة بن خالد، عند الدارقطني (١/ ٦٤)، والطحاوي (١/ ٢١).\n٤) عبد الله بن عون، عند الخطيب في «تاريخه» (١١/ ١٠٩).\n٥) حبيب بن الشهيد، عند أبي داود (٧١).\nفالظاهر -والله أعلم- أنَّ الشك من الراوي، وأن المحفوظ بلفظ: «أولاهنَّ».","vol":"1","page":62},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>مسألة [١]: حكم الكلب، ولعابه</span>.\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب:\n• المذهب الأول: نجاسة لعاب الكلب، وطهارة شعره، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في رواية، ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، واستدلوا بأدلةٍ:\n١) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث الباب: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب ...»، الحديث. قالوا: وكلمة: «طهور» لا تستعمل في الحقيقة الشرعية إلا ويراد بها رفع حدث، أو نجس، ولا حدث ههنا، فتعين النجس، وقد اعترض على هذا الاستدلال بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب». (^١)\nوأجاب الحافظ ابن حجر -﵀- على هذا الاعتراض، فقال: والجواب أنَّ ألفاظ الشرع إذا دارت بين الحقيقة اللغوية، والشرعية، حُمِلَت على الشرعية؛ إلا إذا قام دليل.\n٢) واستدلوا كذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فليغسله سبعًا»، فالأمر بغسله، والتغليظ فيه يدل على نجاسة لعاب الكلب.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه إن شاء الله في [باب الوضوء].","vol":"1","page":63},{"text":"٣) استدلوا بزيادة: «فليرقه»، ولولا أنه نجس؛ لكان فيه إسرافًا، وإضاعة للمال، وقد تقدم بيان أنَّ هذه الزيادة شاذة.\n٤) قال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٧٢): وقد ثبت عن ابن عباس التصريح بأنَّ الغسل من ولوغ الكلب بأنه رجس. رواه محمد بن نصر المروزي بإسناد صحيح، ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه.\n• المذهب الثاني: نجاسة لعاب الكلب مع شعره، وسائر أجزائه، وهو مذهب الشافعي، وأحمد في المشهور عنه، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي عبيد، ورواية عن مالك، وعزاه الصنعاني في «السُّبل» (١/ ٥٢) للجمهور من أهل العلم، وكذلك الشوكاني (١/ ٦٩)، واستدلوا على ذلك بأدلة المذهب الأول، وقاسوا بقية بدنه على لعابه، فقالوا:\nإذا كان لعابه نجسًا، وهو عرق فمه، ففمه نجس، والعرق جزء متحلب من البدن؛ فجميع عرقه نجس؛ فجميع بدنه نجس؛ لأن العرق جزء من البدن.\nواستدلوا أيضًا بحديث ميمونة في «مسلم» (٢١٠٥)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخرج جرو كلب من بيته، ثم نضح مكانه بالماء.\n• المذهب الثالث: طهارة لعابه، وشعره، وسائر جسده، وهو مذهب مالك في المشهور عنه، وداود، والزهري، وسفيان الثوري، وابن المنذر، وابن عبد البر، والبخاري، وهو رواية عن أحمد كما في «الإنصاف»، واستدلوا بأدلة:","vol":"1","page":64},{"text":"١) حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا، «أنَّ رجلًا ممن كان قبلنا سقى الكلب بخُفِّهِ فغفر الله له»، متفق عليه بمعناه. (^١)\nقال الحافظ -﵀-: واستدل به المصنف على طهارة سؤر الكلب؛ لأن ظاهره سقي الكلب فيه -أي: بِخُفِّهِ- ولم يؤمر بغسله سبعًا.\n٢) حديث ابن عمر -﵄- في «البخاري» (١٧٤)، قال: كانت الكلاب تبول، وتُقْبل، وتُدْبِر في المسجد في زمن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك.\n٣) حديث عدي بن حاتم -﵁- في «الصحيحين» (^٢)، وفيه: إباحة صيد الكلب المعلم، وقبله قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤].\n٤) قالوا: والأمر بالغسل للتعبد، لا للنجاسة؛ لأنه لو كان للنجاسة لاكتفى بما دون السبع.\nوقد أُجيب عن هذه الأدلة بما يلي:\n١) حديث أبي هريرة -﵁-.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٧٢): وتعقب بأن الاستدلال به مبني على أنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا، وفيه اختلافٌ، ولو قلنا به؛ لكان محله فيما لم ينسخ، ومع إرخاء العنان لا يتم الاستدلال به أيضًا؛ لاحتمال أن يكون صبه في شيء فسقاه، أو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٣)، ومسلم (٢٢٤٤).\n(^٢) سيأتي تخريجه إن شاء الله في [كتاب الصيد والذبائح].","vol":"1","page":65},{"text":"غسل خُفَّه بعد ذلك، أو لم يلبسه بعد ذلك.\nقلتُ: ويجاب أيضًا بأنَّ المأمور بغسله هو الإناء؛ لاستخدامه في الأكل، والشرب، والطهارة، ونحو ذلك.\nوأما النعل فليس مأمورًا بغسله، ولا هو في معنى ما ذُكر.\n٢) حديث ابن عمر -﵄-.\nأجاب بعضهم عليه: بأنه قد أُجْمِع على أن أبوال الكلاب نجسة، قاله ابن المنير كما في «الفتح» (١٧٢)، والبيهقي كما في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٨)، والشوكاني في «النيل» (١/ ٧٠).\nلكن قال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٧٢): وتعقب بأنَّ من يقول: إن الكلب يؤكل، وأنَّ بول ما يؤكل لحمه طاهر، يقدح في نقل الاتفاق؛ لاسيما وقد قال جمعٌ بأن أبوال الحيوانات كلها طاهرة إلا الآدمي، وممن قال به: ابن وهب، حكاه الإسماعيلي، وغيره عنه.\nثم قال الحافظ -﵀-: والأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد، وتطهيرها، وجعل الأبواب عليها. انتهى.\nوقال البيهقي -﵀- في «الكبرى» (١/ ٢٤٣): كأنَّ ذلك كان قبل أمره بقتل الكلاب، وغسل الإناء من ولوغه، أو كأنَّ عِلْمَ مكان بولها خفي عليهم، فمن","vol":"1","page":66},{"text":"علمه وجب عليه غسله. اهـ\nقال ابن التركُماني -﵀-: وأظهر هذين التأويلين أنَّ الشمس كانت تجفف تلك الأبوال؛ فتطهر الأرض. اهـ، وهذا التأويل اختاره شيخ الإسلام، وصححه الإمام ابن عثيمين كما في «مجموع فتاواه» (١١/ ٢٤٧).\n٣) إباحة صيد الكلب المعلم.\nأجاب عنه الشوكاني فقال: إنَّ إباحة الأكل مما أمسكن لا تنافي وجوب تطهير ما تنجس من الصيد، وعدم الأمر؛ للاكتفاء بما في أدلة تطهير النجس من العموم، ولو سلم؛ فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه. اهـ «النيل» (١/ ٦٩ - ٧٠).\n٤) قولهم: إنَّ الأمر بالغسل للتعبد.\nأجاب عنه الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٥٢)، فقال: وأجيب عنه بأنَّ أصل الحكم الذي هو الأمر بالغسل معقول المعنى، ممكن التعليل، بأنه للنجاسة، والتعبد إنما هو في العدد فقط.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الثلاثة المذاهب قوية، وأقواها -والله أعلم- هو المذهب الأول.\nوأما الرد على أدلة المذهب الثاني:\n١) فقياسهم عَرَق البدن على عرق الفم وهو اللعاب لا يلزم منه نجاسة ظاهره، وهو الشعر، وإنما غاية ذلك أن يدل على نجاسة باطنه، وما ظهر من جلده إذا كان عليه رطوبة.","vol":"1","page":67},{"text":"قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٦١٨): وأما إلحاق الشعر بالريق فلا يمكن؛ لأنَّ الريق متحلل من باطن الكلب، بخلاف الشعر؛ فإنه نابت على ظهره. اهـ\n٢) وأما حديث ميمونة، فَنَضْحُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ليس بصريح على أنه فعلَ ذلك من أجل نجاسة شعره، بل يحتمل أنه رأى في الأرض رطوبة قد مسَّت جلد الكلب، أو حصل عرق منه لاصق الأرض. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>مسألة [٢]: هل الحكم السابق مخصوص في كلب دون كلب</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ الحكم السابق عام في جميع الكلاب، لا فرق في ذلك بين المأذون في اقتنائه، وما لا يجوز اقتناؤه، ولا بين البدوي، والحضري؛ لعموم الأدلة المتقدمة.\n• وذهب مالك في رواية عنه إلى عدم وجوب الغسل فيما يجوز اقتناؤه.\nوالصحيح قول الجمهور، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>مسألة [٣]: حكم الغسل سبع مرات</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب غسل الإناء سبع مرات، وهو مذهب\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٧)، «سبل السلام» (١/ ٥٢)، «شرح مسلم» (٣/ ١٨٧)، «شرح العمدة» لابن الملقن (١/ ٢٩٥)، «توضيح الأحكام» (١/ ١٣٧)، «فتح الباري» (١/ ٣٦٢ - ٣٦٥) (١٧٢)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٦١٦ -) (٢١/ ٥٣٠)، «الإنصاف» (١/ ٢٩٤)، «الأوسط» (١/ ٣٠٧)، «التمهيد» (٢/ ٢٠٦ -)، «الاختيارات الفقهية» (ص ٢٢).\n(^٢) انظر: «الفتح» (١٧٢)، «شرح مسلم» (٣/ ١٨٨)، «شرح العمدة» لابن الملقن (١/ ٣٠٤)، «توضيح الأحكام» (١/ ١٣٦).","vol":"1","page":68},{"text":"مالك، والشافعي، وأحمد، واستدلوا بحديث الباب.\n• وعن مالك رواية بأن الغسل سبع مرات، على سبيل الندب، لا الوجوب.\n• وأما الحنفية، فلم يقولوا بوجوب السبع، واستدل لهم بأمور:\n١) حديث أبي هريرة -﵁- عند الدارقطني (١/ ٦٥)، مرفوعًا في الكلب يلغ في الإناء، أنه يغسل ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا.\nوهذا الحديث ضعيفٌ باتفاق الحفاظ؛ فإن في إسناده: عبد الوهاب بن الضحاك، وهو متروك.\n٢) ومما استدل لهم به: أنَّ أبا هريرة -وهو رواي الحديث- أفتى بثلاث غسلات. أخرجه الطحاوي (١/ ٢٣) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطاء، عن أبي هريرة به. فثبت بذلك نسخ السبع، والعبرة بما رأى الراوي، لا بما رواه.\nوأُجيب عن هذا: بأنَّ الصحيح عند جمهور العلماء، والأصوليين أنَّ العبرة بما روى الراوي لا بما رآه.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «فتح الباري» (١٧٢): وتعقب بأنه يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع، لا وجوبها، أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ، وأيضًا فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعًا، ورواية من روى موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر، أما النظر فظاهرٌ، وأما الإسناد فالموافقة وردت من طريق:","vol":"1","page":69},{"text":"حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عنه، وهذا من أصح الأسانيد، وأما المخالفة، فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عنه، وهو دون الأول في القوة بكثير. اهـ\nقلتُ: رواية حماد بن زيد عند أبي عبيد في الطهور (٢٠٤)، والدارقطني في «سننه» (١٨٣)، وإسنادها صحيح.\n٣) ومما استدل لهم به: أنَّ العذرة أشد نجاسة من سؤر الكلب، ولم يقيد بالسبع، فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١/ ٣٦٣): وأجيب بأنه لا يلزم من كونها أشد منه في الاستقذار أن لا يكون أشد منها في تغليظ الحكم، وبأنه قياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>مسألة [٤]: حكم التتريب</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب التتريب، واستدلوا بحديث الباب، وقد خالف الحنفية، فلم يقولوا بوجوب التتريب قياسًا على بقية النجاسات، ووافقهم ههنا المالكية، فلم يقولوا بالتتريب؛ لأنه لم يقع في رواية مالك، قال القرافي -وهو مالكي المذهب-: قد صحت فيه الأحاديث؛ فالعجب منهم كيف لم يقولوا بذلك!.\n_________\n(^١) وانظر: «شرح العمدة» لابن الملقن (١/ ٣٠١)، و«شرح النووي» (٣/ ١٨٨)، و«شرح المهذب» (٢/ ٥٨٦)، و«الفتح» (١٧٢)، و«نيل الأوطار» (١/ ٦٨)، و«سبل السلام» (١/ ٥٢).","vol":"1","page":70},{"text":"• ومنهم من لم يقل بالتتريب؛ لاضطراب الروايات فيه كذا زعم وقد تقدم أنَّ الروايات ليست مضطربة، بل بعضها راجح، والأخرى مرجوحة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>مسألة [٥]: موقع التتريب</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٧٩)، بعد أن ذكر اختلاف الروايات: وفيها دليل على أنَّ التقييد بالأُولى، وبغيرها ليس على الاشتراط، بل المراد إحداهن، وأما رواية: «وعَفِّروه الثامنة بالتراب»، فمذهبنا، ومذهب الجماهير أنَّ المراد: اغسلوه سبعًا، واحدة منهن بالتراب، مع الماء، فكأن التراب قائم مقام غسلة، فسميت غسلة لهذا، والله أعلم. انتهى\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: تقدم أنَّ الراجح من الروايات هي رواية: «أولاهن»، فالأَولى أن يجعل التتريب في الأُولى، ولكنه ليس على الاشتراط فيما يظهر، كما قال النووي؛ لحديث عبد الله بن مغفل في «صحيح مسلم» (٢٨٠)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبعًا، وعفروه الثامنة بالتراب»، ولكن تأويل النووي لرواية: «وعفروه الثامنة بالتراب»، فيه نوع من التكلف، والتعسف.\nوقد أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد، فقال في «شرحه للعمدة» (١/ ٢٩): إنه قال بها الحسن البصري، وقيل: لم يقل بها غيره، ولعله يراد بذلك من المتقدمين، والحديث قوي فيها، ومن لم يقل به احتاج إلى تأويله بوجهٍ فيه استكراه.\n_________\n(^١) انظر: «نيل الأوطار» (١/ ٧٣)، «شرح مسلم» (٣/ ١٨٨)، «سبل السلام» (١/ ٥٢)، «توضيح الأحكام» (١/ ١٣٦).","vol":"1","page":71},{"text":"قال ابن الملقن -﵀- في «شرحه للعمدة» (١/ ٣١٣ - ٣١٤) بعد قول ابن دقيق العيد (من المتقدمين)، قال: أي لأنه رواية عن مالك، وأحمد بن حنبل. اهـ\nقلتُ: القائل بأنه لم يقل بها غير الحسن هو ابن عبدالبر كما في «التمهيد» (٢/ ٢٠٥).\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٥٤): قلت: لا يخفى أن إهمال المصنف لذكرها، وتأويل من قال بإخراجها من الحقيقة إلى المجاز، كل ذلك محاماة على المذهب، والحق مع الحسن البصري. انتهى.\nوقال الإمام الشوكاني -﵀- في «نيل الأوطار «(٢٠): وأما قول ابن عبد البر: لا أعلم أحدا أفتى بأن غسلة التراب غير الغسلات السبع بالماء غير الحسن فلا يقدح ذلك في صحة الحديث وتحتم العمل به، وأيضا قد أفتى بذلك أحمد بن حنبل وغيره، وروي عن مالك أيضا، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر. وجواب البيهقي عن ذلك بأن أبا هريرة أحفظ من غيره فروايته أرجح وليس فيها هذه الزيادة، مردود بأن في حديث عبد الله بن مغفل زيادة وهو مجمع على صحته، وزيادة الثقة يتعين المصير إليها إذا لم تقع منافية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>مسألة [٦]: كيفية إضافة التراب</span>.\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٥٢ - ٥٣): ومن أوجبه -يعني التراب- قال: لا فرق بين أن يخلط الماء بالتراب حتى يتكدر، أو يطرح الماء على\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (١٧٢)، و«النيل» (١/ ٧٣)، و«شرح العمدة» لابن الملقن (١/ ٣١٤)، و«شرح مسلم» (١/ ١٨٨).","vol":"1","page":72},{"text":"التراب، أو يطرح التراب على الماء. انتهى.\nولا يكفي ذر التراب على المحل دون خلطه بالماء؛ لظاهر حديث الباب، وكذا حديث عبد الله بن مغفل: «وعفروه الثامنة بالتراب»، والتعفير هو: التمريغ، ومعناه: مَرِّغوه بالتراب، أي: اغسلوه بالتراب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>مسألة [٧]: هل يقوم الصابون، والأشنان مقام التراب</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٧٩): ولا يقوم الصابون، والأشنان مقام التراب على الأصح، وكذلك ما أشبههما. اهـ\nقال ابن دقيق العيد -﵀- في «إحكام الأحكام» (١/ ٣١): قوله: «بالتراب» يقتضي تعينه، وفي مذهب الشافعي -﵀- قول، أو وجه: أن الصابون، والأشنان، والغسلة الثامنة، يقوم مقام التراب، بناء على أن المقصود بالتراب زيادة التنظيف، وأن الصابون، والأشنان يقومان مقامه في ذلك، وهذا عندنا ضعيفٌ؛ لأن النص إذا ورد بشيء معين احتمل معنى يختص بذلك الشيء، لم يجز إلغاء النص، واطراح خصوص المعين فيه.\nقال عبد الله البسام -﵀- في «توضيح الأحكام» (١/ ١٣٥): يتعين التراب، ولا يجوز غيره من المزيلات؛ لأمور:\n١) يحصل بالتراب من الإنقاء ما لا يحصل بغيره من المزيلات والمطهرات.\n٢) ظهر في البحوث العلمية أنه يحصل من التراب خاصَّة إنقاءٌ لهذه النجاسة ما\n_________\n(^١) انظر: «شرح المهذب» (٢/ ٥٨٦ - ٥٨٧)، و«شرح العمدة» لابن الملقن (١/ ٣١٥ - ٣١٦)، و«شرح مسلم» (٣/ ١٨٩).","vol":"1","page":73},{"text":"لا يحصل من غيره.\n٣) أنَّ التراب هو مورد النص في الحديث؛ فالواجب التقيد بالنص، ولو قام غيره مقامه؛ لجاء نص يشمله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>مسألة [٨]: ما الحكم إذا تعدد الولوغ</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٧٩): ولو ولغ كلبان، أو كلب واحد مرات في إناء، ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا، الصحيح: أنه يكفيه للجميع سبع مرات، والثاني: يجب لكل ولغة سبع، والثالث: يكفي لولغات الكلب الواحد سبع، ويجب لكل كلب سبع. انتهى.\nقلتُ: الذي صححه النووي -﵀- هو الصحيح، وذلك كما لو ولغ الكلب مرة واحدة في الإناء، وأطال الولوغ فيه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>مسألة [٩]: إذا ولغ الكلب في ماءٍ ليس في إناء</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٧٢): قوله: «في إناء أحدكم» مفهومه يخرج الماء المستنقع مثلًا، وبه قال الأوزاعي مطلقًا، لكن إذا قلنا بأنَّ الغسل للتنجيس يجري الحكم في القليل من الماء دون الكثير. انتهى.\nوقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٧٩): ولو ولغ الكلب في ماء كثير بحيث لم ينقص عن قلتين لم ينجسه.\n_________\n(^١) وانظر: «شرح العمدة» لابن الملقن (١/ ٣٠٧).","vol":"1","page":74},{"text":"قلتُ: هذا مبني على مذهب الشافعية، والحنابلة، أنَّ الماء إذا لم يبلغ القلتين ينجس بمجرد ورود النجاسة عليه، والصحيح كما تقدم أنه لا ينجس إلا بالتغير، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>مسألة [١٠]: إذا لعق، أو لحس شيئًا جامدًا</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٥٨٧): لو ولغ الكلب في إناءٍ فيه طعام جامد، أُلقيَ ما أصابه، وما حوله، وبقي الباقي على طهارته السابقة، وينتفع به كما كان، كما في الفأرة تموت في السمن ونحوه. قاله أصحابنا. انتهى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>مسألة [١١]: هل ينجس ما في الإناء تبعًا للإناء</span>؟\n• ذهبت المالكية إلى عدم نجاسته، وهو مذهب البخاري؛ لأنهم يقولون بطهارة لعابه.\n• وذهبت الشافعية، والحنابلة، والحنفية إلى نجاسته، وهو قول أبي عبيد، والليث؛ لأنهم يرون أنَّ النجاسة إذا وردت على الماء القليل نجسته، وإن لم تغيره.\n• وجعله بعض أهل العلم مظنة للنجاسة، كالزهري، والثوري، وابن مسلمة، وابن الماجشون. قال الزهري: إذا ولغ في الإناء ليس له وضوء غيره؛ يتوضأ به.\nوقال الثوري: هذا هو الفقه بعينه، يقول تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦]، وهذا ماء، وفي النفس منه شيء، يتوضأ به، ويتيمم. قال ابن الملقن: ووافقه ابن مسلمة وابن الماجشون.\n_________\n(^١) وانظر: «شرح مسلم» أيضًا (٣/ ١٨٩)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٢٩ -).","vol":"1","page":75},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الصواب أنَّ الذي في الإناء لا ينجس؛ إلا إذا تغير ولكنه صار مظنة للنجاسة؛ فوجب اجتنابه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>مسألة [١٢]: هل يغسل الإناء بالماء الذي فيه</span>.\n• في المسألة قولان: فمن ذهب إلى أنَّ العلة تعبدية محضة، أجاز غسل الإناء بالماء الذي فيه، ومن ذهب إلى التعليل بالنجاسة لم ير غسل الإناء بالماء الذي فيه.\nوالقول الثاني هو الراجح؛ لأن الماء مظنة للتنجس؛ لقلته، ولأنَّ الإناء لا يغسل إلا بإراقة ما فيه، ولو جاز الغسل بالماء الذي فيه؛ لأمر بذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولأنَّ أبا هريرة -﵁- وهو راوي الحديث ثبت عنه بإسناد صحيح الأمر بإراقته. أخرجه الدارقطني في «سننه» (١/ ٦٤)، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>مسألة [١٣]: بقية أجزاء الكلب</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٧٩): واعلم أنه لا فرق عندنا بين ولوغ الكلب، وغيره من أجزائه، فإذا أصاب بوله، أو روثه، أو دمه، أوعرقه، أو شعره، أو لعابه، أو عضوٌ من أعضائه شيئًا طاهرًا في حال رطوبة أحدهما؛ وجب غسله سبع مرات، إحداهن بالتراب. اهـ\nوعند الشافعية وجه: أنه يغسل مرة. ذكره في «شرح المهذب» (٢/ ٥٨٦)،\n_________\n(^١) انظر: «شرح العمدة» لابن الملقن (١/ ٣٠٤)، «التوضيح» لابن الملقن (باب ٣٣ من كتاب الوضوء)، «الطهور» لأبي عبيد (ص ٢٦٩)، «مختصر اختلاف العلماء» (١/ ١١٧).\n(^٢) وانظر: «شرح العمدة» لابن الملقن (١/ ٣٠٥).","vol":"1","page":76},{"text":"وقال: وهذا الوجه متجه، وقوي من حيث الدليل. اهـ\nوهو مذهب الحنابلة أيضًا كما في «المغني» (١/ ٧٨).\nقلتُ: وهذا القول هو الراجح؛ لعدم وجود دليل يدل على التسبيع في غير اللعاب، ولأنَّ حديث ميمونة المتقدم يدل على عدم التسبيع، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>مسألة [١٤]: نجاسة غير لعاب الكلب هل تغسل سبعًا</span>؟\n• ذهب أحمد، والحنابلة إلى التسبيع في بقية النجاسات قياسًا على نجاسة الكلب، واستدلوا بقول ابن عمر: أُمِرنا بغسل الأنجاس سبعًا. وبقياسها على لعاب الكلب.\n• وذهب الجمهور، وهو رواية عن أحمد، ووجه عند الحنابلة إلى عدم وجوب التعدد، والاقتصار على المكاثرة حتى تذهب النجاسة.\nويدل على ذلك حديث أنس في «الصحيحين» (^١) في قصة بول الأعرابي في المسجد، فأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذنوب من ماء، فأهريق عليه، وحديث أسماء بنت أبي بكر في «الصحيحين» (^٢)، أنها سألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن دم الحيض يصيب الثوب؟ فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تَحُتُّهُ ثم تقرصه، ثم تنضحه بالماء، ثم تصلي فيه».\nوهذا القول هو الراجح، وأما حديث ابن عمر، فقد قال الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (١/ ١٨٦ - ١٨٧): لم أجده. ثم قال: ولا أعلم حديثًا، مرفوعًا، صحيحًا\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه إن شاء الله في هذا الباب.\n(^٢) سيأتي تخريجه إن شاء الله برقم (٢٧).","vol":"1","page":77},{"text":"في الأمر بغسل النجاسة سبعًا، اللهم إلا الإناء الذي ولغ فيه الكلب. اهـ\nقلتُ: وأما قياسهم على لعاب الكلب فلا يصح؛ لأنَّ العدد والتتريب فيه تعبدي لا يقاس عليه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>مسألة [١٥]: هل غسل الإناء على الفور</span>؟\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٧٢): قوله «فليغسله» يقتضي الفور، لكن حمله الجمهور على الندب، والاستحباب؛ إلا لمن أراد أن يستعمل ذلك الإناء. اهـ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>مسألة [١٦]: إراقة ما في الإناء</span>.\nقال ابن الملقن -﵀- في «شرح العمدة» (١/ ٣٠٧): لو لم يُرِد استعمال الإناء، سُنَّتْ إراقته على الأصح عند الشافعية، وقيل: يجب؛ لظاهر الرواية التي أسلفناها؛ لأن الأمر المطلق يقتضي الوجوب على المختار، وهو قول أكثر الفقهاء، والأول قاسه على سائر النجاسات؛ فإنه لا يجب إراقتها بلا خلاف.\nقلتُ: تقدم بيان أن رواية: «فليرقه» شاذة، غير محفوظة، وعلى هذا فحكم ما في الإناء كحكم سائر النجاسات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>مسألة [١٧]: لعاب الخنزير</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٧٩): وأما الخنزير فحكمه حكم الكلب\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٧٥ - ٧٦).\n(^٢) وانظر: «شرح العمدة» لابن الملقن (١/ ٣٠٨).","vol":"1","page":78},{"text":"في هذا كله، هذا مذهبنا، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الخنزير لا يفتقر إلى غسله سبعًا، وهو قول الشافعي، وهو قوي في الدليل. اهـ\nقلتُ: هذا الحكم مبني على أنَّ الخنزير نجس، وهو قول جمهور أهل العلم، وقد نقله بعضهم إجماعًا، ولا يصح؛ فإنَّ مذهب مالك: طهارة الخنزير ما دام حيًّا، كما في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٨). وهو رواية عن أحمد كما في «الإنصاف» (١/ ٢٩٤)؛ لعدم وجود دليل صحيح، صريح على نجاسته، وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥]؛ فإنَّ قوله ﴿رِجْسٌ﴾ معناه: مستقذر، مستخبث، وليس بصريح في النجاسة، ويدل على ذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحمر الأهلية: «إنها رجس»، وقد كانوا يركبونها ويمسونها، ولو كان المراد بـ ﴿رِجْسٌ﴾: النجس؛ لكان ذلك متجهًا للحم كلحم الحمر، لا إلى الحيوان قبل موته، والأصل في الأشياء الطهارة، ولا يخرج عن ذلك إلا بدليل صحيح، صريح، والله أعلم.\nوقد قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٨): وليس لنا دليل واضح على نجاسة الخنزير في حياته.\nثم استدركت فقلت: ظهر لي، والله أعلم نجاسة الخنزير حيًّا وميتًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ﴾ من الألفاظ المشتركة، واللفظ المشترك إذا لم يوجد دليل يبين المراد منه، وأمكن حمله على جميع معانيه؛ حمل عليها. ولأن الضمير يعود غالبًا على أقرب مذكور، ولأن حمل الضمير على اللحم دون الخنزير؛ يعود على التخصيص","vol":"1","page":79},{"text":"بالخنزير بعدم الفائدة؛ لأن كل ما ذبح على غير طريقة شرعية؛ فلحمه رجس، وكذلك سائر السباع، سيكون لها نفس الحكم؛ فلم يبق لتخصيص الخنزير فائدة، وكذلك فإن الخنزير يأكل النجاسة والأنتان، ويلازم ذلك، فهو أسوأ حالًا من الجلالة.\nوعلى ما تقدم فلعاب الخنزير نجسٌ، ولكن لا يلزم أن يغسل سبع مرات كما جاء في الكلب، بل الصحيح أنه يجزئ غسلة واحدة كما هو الأصل في إزالة النجاسات، وليس مع من قال بسبع غسلات إلا القياس على لعاب الكلب، وهو قياس فاسد الاعتبار؛ لأن العلة تعبدية، وليست ظاهرة المعنى حتى يقاس عليها، ولأنه يحتمل أن يوجد في لعاب الكلب معنى خاص استحق من أجله ذلك، وليس موجودًا في غيره. وبالله التوفيق.","vol":"1","page":80},{"text":"٩ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ -فِي الهِرَّةِ-: «إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>مسألة [١]: حكم سؤر الهرة</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى طهارة سؤرها، واستدلوا بحديث أبي قتادة الذي في الباب.\nقال الترمذي -﵀- -بعد إخراجه لحديث أبي قتادة-: وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والتابعين، ومن بعدهم مثل: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، لم يروا بأسًا بسؤر الهرة.\n• وذهب أبو حنيفة إلى كراهة سؤرها، وقال: إنه نجس. واستدل بما ورد عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «الهرة سبع»، وبحديث ابن عمر، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل عن الماء، وما ينوبه من السباع والدواب؟ فقال: «إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء»، وقد تقدم أنَّ الحديث صحيح.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٧٥)، والنسائي (١/ ٥٥، ١٧٨)، والترمذي (٩٢)، وابن ماجه (٣٦٧)، وابن خزيمة (١٠٤) وفي إسناده حميدة بنت عبيد وهي مجهولة الحال.\nولكن للحديث إسناد آخر صحيح في «سنن البيهقي» (١/ ٢٤٦)، من طريق: يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، به مرفوعًا، وقد صحح الحديث الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (١٧٣)، وانظر: «التلخيص» (١/ ٦٧ - ٦٨).","vol":"1","page":81},{"text":"وأجيب عن الحديث الأول: بأنه ضعيفٌ؛ في إسناده: عيسى بن المسيب، وقد أُنْكِرَ عليه هذا الحديث، كما في «الميزان»، وعيسى ضعيفٌ.\nومع ذلك فقد أجاب عن دليلهم الأول، والثاني الشوكاني، فقال: وأجيب بأنَّ حديث الباب مصرح بأنها ليست بنجس، فيخصص به عموم حديث السباع، بعد تسليم ورود ما يقضي بنجاسة السباع، وأما مجرد الحكم عليها بالسبعية، فلا يستلزم أنها نجس؛ إذ لا ملازمة بين النجاسة، والسبعية. انتهى.\nقال ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (١/ ٣٢٥): لا أعلم لمن كره سؤر الهرة حجة أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة، وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب، فقاس الهر على الكلب، وقد فرقت السنة بين الهر، والكلب في باب التعبد. انتهى.\nقلتُ: وقد صحَّ عن ابن عمر -﵄- عند عبد الرزاق (١/ ٩٨)، وأبي عبيد (٢١٦)، وغيرهما أنه كره سؤر الحمار، والكلب، والهر.\nوصحَّ أيضًا عن أبي هريرة -﵁- عند عبدالرزاق (١/ ٩٩)، وأبي عبيد (٢١٧)، وغيرهما أنه قال: يغسل منه مرة. وجاء ذلك عن الحسن، وابن سيرين، كما في كتاب «الطهور» (٢٨٠ - ٢٨١).\nقال أبو عبيد -﵀- في كتاب «الطهور»: وليس يصح عن واحد من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيه كراهة، إنما كان ذلك يروى عن أبي هريرة، وابن عمر، ثم جاء عنهما جميعًا خلاف ذلك من الرخصة. اهـ","vol":"1","page":82},{"text":"قلتُ: الأثران ثابتان كما في الطهور لأبي عبيد (٢٠٩، ٢١١) وإسنادهما صحيحان.\nتنبيه: إذا أكلت الهرة نجاسة؛ فلا يحكم بطهارة سؤرها مع بقاء تلك النجاسة في فمها، ولكن الحكم بالنجاسة لتلك العين، لا لفمها؛ فإن زالت العين فقد حكم الشارع بأنها ليست بنجس. «السبل» (١/ ٥٥).","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>ذِكْرُ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>مسألة [١]: سؤر السِّبَاع</span>.\nقال ابن الأثير -﵀- في «النهاية» (٢/ ٣٣٧): هو ما يفترس الحيوان، ويأكله قهرًا، وقسرًا، كالأسد، والذئب، والنمر، ونحوها. اهـ\nقال أبو عبيد -﵀- في كتاب «الطهور» (ص ٢٨٦): وقد اختلف الناس في ذلك، فكان مالك بن أنس، ومن وافقه من أهل الحجار لا يرون بسؤرها بأسًا، وأما سفيان، وأهل العراق من أصحاب الرأي؛ فإنهم يكرهون ذلك، ولكل واحد من الفريقين حجة، فمذهب الكارهين -فيما أحسب- ما روي عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من النهي عن أكل لحومها، فرأوا أنها أنجاس لذلك، ثم ذكر أنهم أيضًا ربما قاسوه على سؤر الكلاب، وذكر أنَّ حجة المترخصين قياسها على سؤر الهرة. انتهى بتصرف.\nوقد قال بقول مالك: الحسن، وعطاء، والزهري، ويحيى الأنصاري، وربيعة، وأبوالزناد، والشافعي، وابن المنذر، وغيرهم.\nوقد استدلوا بأدلة ضعيفة، أذكرها للتنبيه عليها، منها:\n١) حديث أبي سعيد الخدري -﵁-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل عن الحياض التي بين مكة، والمدينة، تردها السِّباع، والكلاب، والحمر، وعن الطهارة فيها؟ فقال: «لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غبر طهور»، وإسناده ضعيف. أخرجه ابن ماجه (٥١٩)، والدارقطني (١/ ٣١)، والبيهقي (١/ ٢٥٨) وفي إسناده: عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم، وقد أجمعوا على ضعفه.","vol":"1","page":84},{"text":"٢) حديث جابر -﵁-، أنه قال: سئل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنتوضأ بما أفضلت الحُمُر؟ قال: «نعم، وبما أفضلت السباع كلها» أخرجه الشافعي كما في «المسند» (١/ ٢٢)، وفي إسناده: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وهو متروك. وله إسناد آخر عند الشافعي في «الأم» (١/ ٦)، وفي إسناده: إبراهيم بن أبي يحيى، وهو كذاب، وقد قال بقول سفيان، وأهل الرأي: أحمد، والحنابلة، وأقوى ما استدلوا به هو حديث القلتين.\nوقد أجاب عنه الشوكاني -﵀- في «النيل» (١/ ٧٢)، فقال: ويمكن حمل حديث القلتين المتقدم على أنه إنما كان كذلك؛ لأن ورودها على الماء مظنة لإلقائها الأبوال، والأزبال عليه. اهـ\nقلتُ: وكذا فإنها تأكل النجاسات، والميتة، فربما سقط منها في الماء أثناء شربها، وكذا فإنَّ من السباع الكلب، ولعابه نجس.\nوالراجح -والله أعلم- هو مذهب مالك، والشافعي، ومن معهما؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة، ولا يحكم بنجاستها إلا بدليل صحيح، صريح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>مسألة [٢]: سؤر الحمار، والبغل</span>.\n• اختلف في هذه المسألة كالاختلاف السابق؛ إلا أنَّ أحمد في هذه المسألة له رواية بطهارة سؤرهما.\nواستدل القائلون بنجاسة سؤرها بحديث أنس بن مالك -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن الحمر الأهلية يوم خيبر، وقال: «إنها رجس» متفق عليه. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٦٦ - ٦٧).\n(^٢) سيأتي تخريجه إن شاء الله برقم (٢٣).","vol":"1","page":85},{"text":"قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٦٨): والصحيح عندي طهارة البغل، والحمار؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يركبها، وتُرْكَب في زمنه، وفي عصر الصحابة، فلو كان نجسًا؛ لبَيَّنَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذلك، ولأنهما مما لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما، فأشبه السِّنَّور، وقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحمر: «إنها رجس»، أراد أنها محرمة، كقوله تعالى في الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام ﴿رِجْسٌ﴾، ويحتمل أنه أراد لحمها الذي كان في قدروهم؛ فإنه نجس؛ لأن ذبح ما لا يحل أكله لا يطهره. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>مسألة [٣]: سؤر ما يؤكل لحمه</span>.\nقال أبو بكر بن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ٢٩٩): أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أنَّ سؤر ما يؤكل لحمه طاهرٌ، يجوز شربه، والتطهر به. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>مسألة [٤]: سؤر الخيل</span>.\nقال أبو عبيد -﵀- في «الطهور» (ص ٢٩١): الأمر فيها سهل؛ لأنَّ أهل العراق يرخصون أكل لحمها. اهـ\nقلتُ: الخيل مباحة الأكل عند الجمهور، خلافًا للحنفية، والمالكية، فعلى هذا فهي تدخل في المسألة السابقة.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ٣١٣): وكان ابن عمر (^١)، والحسن، وابن سيرين، والحكم، وحماد لا يرون بسؤر الفرس بأسًا. انتهى.\n_________\n(^١) إسناده صحيح كما في «الأوسط» لابن المنذر (١/ ٣١٣).","vol":"1","page":86},{"text":"١٠ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ؛ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nقوله: جاء أعرابي.\nقال ابن الملقن -﵀- في «شرح العمدة» (١/ ٦٩٣): لم أرَ أحدًا ممن تكلم على المبهمات سمَّاه، وقد ظفرت به بحمد الله ومَنِّهِ في «معرفة الصحابة» لأبي موسى الأصبهاني؛ فإنه روى من حديث سليمان بن يسار، قال: اطلع ذو الخويصرة اليماني، وكان رجلًا جافيًا ...، فذكره.\nقلتُ: هو مرسلٌ، والسند إلى سليمان لم يذكره للنظر في حاله؛ فعلى هذا فهو ضعيفٌ، ولا يثبت تسمية هذا الأعرابي، ثم رأيت الحافظ ابن حجر قال في «الفتح» (حديث: ٢٢٠): هو مرسلٌ، وفي إسناده أيضًا مبهمٌ، بين محمد بن إسحاق، وبين محمد بن عمرو بن عطاء. اهـ\nفهذه علة أخرى مع علة الإرسال.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>مسألة [١]: بول الآدمي</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٥٤٨): فأما بول الآدمي الكبير؛\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٢١)، ومسلم برقم (٢٨٤) واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":87},{"text":"فنجسٌ بإجماع المسلمين، نقل فيه الإجماع ابن المنذر، وأصحابنا، وغيرهم، ودليله الأحاديث السابقة -وقد كان ذكر منها حديث الأعرابي- مع الإجماع.\nوأما بول الصبي الذي لم يطعم؛ فنجسٌ عندنا، وعند العلماء كافة، وحكى العبدري، وصاحب «البيان» عن داود أنه قال: هو طاهرٌ، دليلنا عموم الأحاديث، والقياس على الكبير، وثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نضَحَ ثوبه من بول الصبي، وأمر بالنضح منه، فلو لم يكن نجسًا لم ينضح. انتهى. (^١)\nومما يدل على نجاسة البول حديث ابن عباس -﵄- في «الصحيحين» (^٢): أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرَّ بقبرين يعذبان، فقال في أحدهما: «كان لا يستتر من بوله»، وحديث: «استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه». (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>مسألة [٢]: غائط الآدمي</span>.\nنقل النووي الإجماع على نجاسته في «شرح المهذب» (٢/ ٥٤٩)، وقال: ولا فرق بين غائط الصغير، والكبير بالإجماع. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>مسألة [٣]: هل يتعين الماء لتطهير الأرض</span>.\n• استدل جمهور العلماء بحديث الباب على أنه يتعين لتطهير الأرض أن يكون بالماء، وقالوا: لو كان يحصل التطهير بالجفاف؛ لما حصل التكليف بطلب الماء.\n_________\n(^١) وانظر: «سبل السلام» (١/ ٥٦)، و«نيل الأوطار» (١/ ٨١)، و«شرح مسلم» (٣/ ١٩٤).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢١٦)، ومسلم برقم (٢٩٢).\n(^٣) سيأتي تخريجه إن شاء الله برقم (٩٨).","vol":"1","page":88},{"text":"• وذهب أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف إلى أنَّ النجاسة إذا أُزِيلت بالشمس، أو الريح، حتى ذهب أثرها، صار المحل الذي وقعت فيه النجاسة طاهرًا. وهو قول للشافعي، وقول لمالك، وقولٌ في مذهب أحمد.\n• ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٨٠)، وأبو البركات ابن تيمية، وابن القيم كما في «إغاثة اللهفان» (١/ ١٧٢).\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٧٥): الرَّاجِحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ النَّجَاسَةَ مَتَى زَالَتْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ؛ زَالَ حُكْمُهَا؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ بِعِلَّةِ زَالَ بِزَوَالِهَا، لَكِنْ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ فَسَادِ الْأَمْوَالِ، كَمَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا. اهـ\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ٣٦٢): وهذا هو الصواب لما يلي:\n١) أنَّ النجاسة عين خبيثة، نجاستها بذاتها، إذا زالت عاد الشيء إلى طهارته.\n٢) أنَّ إزالة النجاسة ليس من باب المأمور، بل من باب اجتناب المحظور، فإذا حصل بأي سببٍ كان، زالَ الحكم؛ ولهذا لا يشترط لإزالة النجاسة نية، فلو نزل المطر على الأرض المتنجسة، وزالت النجاسة طهرت، والجواب على ما استدل به الحنابلة: أنه لا ينكر أنَّ الماء طهور، وأنه أيسر شيء تطهر به الأشياء، لكن","vol":"1","page":89},{"text":"إثبات كونه مطهرًا لا يمنع أن يكون غيره مطهرًا، وأما بالنسبة لحديث أنس، وأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأن يصب عليه الماء فلأجل المبادرة بتطهيره؛ لأن الشمس لا تأتي عليه مباشرة حتى تطهره، بل يحتاج ذلك إلى أيام، والماء يطهره في الحال، والمسجد يحتاج إلى المبادرة بتطهيره؛ لأنه مصلى الناس. انتهى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>مسألة [٤]: هل يشترط حفر الأرض، وإلقاء التراب عند تطهيرها</span>.\n• ذهب الحنفية إلى اشتراط ذلك، إذا كانت الأرض صلبة، واستدل لهم بما أخرجه أبو داود في «سننه» (٣٨١) بإسناد صحيح إلى عبد الله بن معقل، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أنه قال: «خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماءً».\nلكن قال أبو داود: هو مرسلٌ؛ ابن معقل لم يدرك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nقلتُ: وقد جاء الأمر بالحفر من حديث ابن مسعود، وواثلة بن الأسقع، وأنس ابن مالك، وكلها منكرة، لا يصح منها شيء. (^٢)\n• وذهب الجمهور إلى عدم اشتراط الحفر، بل يكفي نضح الماء عليه، سواءٌ كانت الأرض رخوة، أو صلبة.\nواستدلوا بحديث الباب، وهو الصحيح، والله أعلم.\n_________\n(^١) وانظر: «السبل» (١/ ٥٦)، و«النيل» (١/ ٨١)، و«الفتح» (٢٢١)، و«شرح العمدة» لابن الملقن (١/ ٦٩٧)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٢٢).\n(^٢) انظر: «التلخيص» (١/ ٥٩ - ٦٠).","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>مسألة [٥]: غُسالة النجاسة</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- -في شرحه لحديث الأعرابي -: وفيه أنَّ غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة، ويلتحق به غير الواقعة؛ لأنَّ البلة الباقية على الأرض غسالة نجاسة، فإذا لم يثبت أنَّ التراب نقل، وعلمنا أنَّ المقصود التطهير، تعين الحكم بطهارة البلة، وإذا كانت طاهرة، فالمنفصلة أيضًا مثلها؛ لعدم الفارق. انتهى «الفتح» (٢٢١).\nقلتُ: في هذه المسألة ثلاثة أوجه عند الشافعية، والحنابلة، والصحيح في مذهب أحمد، والشافعي، هوالطهارة، وهو قول مالك؛ خلافًا لأبي حنيفة.\nوالراجح ما ذكره الحافظ -﵀-، لكن محل هذا الخلاف فيما إذا انفصلت غير متغيرة، أما إذا انفصلت متغيرة؛ فهي نجسة بالإجماع.\nنقل الإجماع النووي في «شرح مسلم» (٣/ ١٩٤)، وابن قدامة في «المغني» (٢/ ٥٠٣ - ٥٠٤) «تنقيح التحقيق» (١/ ٩٠).","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>مَسَائِلُ مُلْحَقَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالبَابِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>مسألة [١]: أبوال، وأرواث الحيوانات</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة مذاهب:\nالمذهب الأول: طهارة بول، وأرواث الحيوانات التي يؤكل لحمها دون غيرها، وهو قول: عطاء، والنخعي، والثوري، وأحمد، ومالك، كما في «المغني» (٢/ ٤٩٢)، و«المجموع» (٢/ ٥٤٩)، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٤١ - وما بعدها)، واستدلوا بما يلي:\n١) حديث أنس -﵁- في «الصحيحين» (^١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر العرنيين أن يشربوا من أبوالها، وألبانها.\n٢) حديث جابر بن سمرة في «صحيح مسلم» (٣٦٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل: أيصلى في مرابض الغنم؟ فقال: «نعم».\n٣) طواف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالبيت الحرام على بعير كما في «الصحيحين» مع إمكان أن يبول البعير، وكذا الحمام ملازمٌ للمسجد الحرام، فلو كان ذرقه نجسًا؛ لأمر الناس بإزالته، وتطهيره، قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦].\n٤) الأصل في الأشياء الطهارة، ولا يحكم بنجاسته إلا بدليل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٣٣)، ومسلم برقم (١٦٧١).","vol":"1","page":92},{"text":"٥) واستدلوا بحديث: «لا بأس ببول ما يؤكل لحمه»، وهو حديث ضعيفٌ جدًّا، جاء من حديث جابر بن عبد الله، والبراء بن عازب، أخرجهما الدارقطني (١/ ١٢٨)، وفي إسناد الأول: عمرو بن الحصين، وهو متروك، ويحيى بن العلاء، وهو كذاب، وفي إسناد الثاني: سوار بن مصعب، وهو متروك.\nالمذهب الثاني: نجاسة بول، وأرواث جميع الحيوانات، ما أُكِل، وما لم يؤكل، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، والحنفية، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن حزم، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه»، وبقوله: «وأما أحدهما؛ فكان لا يستنزه من البول»، فقالوا: كلمة «البول» تعم جميع الأبوال.\nوأُجيب: بأنَّ (أل) عهدية، والمراد به: بول الآدمي. ويؤيده أنَّ في بعض روايات الحديث الثاني «من بوله».\nواستدلوا بالقياس على الآدمي؛ فإن مأكوله، ومشروبه يصير نجسًا، مع أنَّ أكله أطيب من أكل الحيوانات، وهذا القياس معارض للنصوص؛ فهو فاسد الاعتبار.\nالمذهب الثالث: طهارة جميع الأبوال، والأرواث، عدا بول، وغائط الآدمي، وهو قول الشعبي، والنخعي، وحكاه الإسماعيلي وغيره عن ابن وهب، وهو قول الظاهرية عدا ابن حزم، ورجحه الشوكاني.\nقال الشوكاني في «النيل» (١/ ٩٢): والظاهر طهارة الأبوال، والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه، تمسكًا بالأصل، واستصحابًا للبراءة الأصلية، والنجاسة","vol":"1","page":93},{"text":"حكم شرعي، ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل، والبراءة، فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلًا لذلك.\nثم قال: والذي يتحتم القول به في الأبوال، والأزبال هو الاقتصار على نجاسة بول الآدمي، وزبله. انتهى.\nقلتُ: وهذا القول قد استدل له أيضًا بحديث ابن عمر -﵄- في «البخاري»، قال: كانت الكلاب تبول، وتقبل، وتدبر في المسجد في زمان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك.\nوقد قدمنا في مسألة [حكم لعاب الكلب] ذكر أقوال العلماء في توجيه هذا الحديث.\nوالراجح في هذه المسألة هو المذهب الأول؛ لعموم حديث: «استنزهوا من البول»، وخُصَّ منه ما يؤكل لحمه بالأدلة المتقدمة؛ ولأنَّ الإنسان كرَّمه الله على الحيوانات، وبوله، وغائطه نجس، فكذلك الحيوانات أبوالها، وأرواثها نجسة؛ إلا ما خُصَّ بدليل كالحيوانات التي يؤكل لحمها كما تقدم، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٣٧)، «المجموع» (٢/ ٥٤٩)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٤١ -).","vol":"1","page":94},{"text":"١١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا المَيْتَتَانِ: فَالجَرَادُ وَالحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَالُ (^١) وَالكَبِدُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ضَعْفٌ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>مسألة [١]: ميتة الحوت، والجراد</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦١): أما حكم المسألة، فالسمك والجراد إذا ماتا طاهران بالنصوص، والإجماع، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة:٩٦]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل:١٤].\n_________\n(^١) الطحال على وزن كتاب: قال في لسان العرب: لحمة سوداء عريضة في بطن الإنسان وغيره عن اليسار لازقة بالجنب.\nوقال صاحب «توضيح الأحكام»: هو عضو يقع بين المعدة والحجاب الحاجز في يسار البطن وظيفته تكوين الدم، وإتلاف القديم من كريَّاته.\n(^٢) ضعيف، وصح موقوفًا، وله حكم الرفع. أخرجه أحمد (٢/ ٩٧)، وابن ماجه (٣٣١٤) من طريق عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر به.\nوإسناده ضعيف؛ لضعف عبدالرحمن بن زيد بن أسلم. وقد تابعه أخواه أسامة وعبدالله، وكلاهما ضعيف، وعبدالله أحسن حالًا.\n\nوخالفهم جميعًا سليمان بن بلال فرواه عن زيد بن أسلم عن ابن عمر موقوفًا. ورجح الموقوف أبوزرعة وأبوحاتم والدارقطني والبيهقي.\nانظر «التلخيص الحبير» (١/ ٣٥)، و«سنن البيهقي» (١/ ٢٥٤) (١٠/ ٧). وهو مع وقفه له حكم الرفع؛ لأن التحليل والتحريم لا يقال بالرأي، والله أعلم.","vol":"1","page":95},{"text":"وثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»، وعن عبد الله بن أبي أوفى -﵁-، قال: غزونا مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سبع غزوات نأكل الجراد. متفق عليه (^١)، وسواءٌ عندنا الذي مات بالاصطياد، أو حتف نفسه، والطافي من السمك وغير الطافي، وسواء قُطِع رأس الجراد، أم لا، وكذا باقي ميتات البحر، إذا قلنا بالأصح في الجميع، أنها حلال، فميتتها طاهرة. اهـ\nقال عبد الله البسَّام في «توضيح الأحكام» (١/ ١٤٦): الحديث دليل على أنَّ السمك، والجراد إذا ماتا في ماء؛ فإنه لا ينجسه، قليلًا كان الماء، أو كثيرًا، ولو تغير طعمه، أو لونه، أو ريحه؛ فإنه لم يتغير بنجاسة، وإنما تغير بشيء طاهر، وهذا وجه سياق الحديث في باب المياه. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>مسألة [٢]: حكم الطحال، والكبد</span>.\nيدل حديث الباب على طهارتهما؛ لأنه أحل أكلهما، ولو كانا نجسين لما أحل أكلهما، وقد نقل النووي في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٠) الإجماع على طهارتهما.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه إن شاء الله في [كتاب الأطعمة].","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>مسألة [١]: ميتة غير الجراد، والحوت، والآدمي</span>.\nنقل النووي في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٢) الإجماع على نجاستها.\nقلتُ: ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا دُبِغ الإِهاب؛ فقد طَهُر» (^١)، وجلد الميتة هو جزء منها، وقوله: «فقد طَهُر» يدل على أنه نجس، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>مسألة [٢]: ميتة الآدمي</span>.\nأما ميتة المسلم، فقد قال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٣٧١): فأما الحي؛ فطاهرٌ بإجماع المسلمين.\nثم قال: وأما الميت، ففيه خلاف للعلماء، وللشافعي فيه قولان، الصحيح منهما: أنه طاهرٌ. اهـ\nوما صححه الإمام النووي -﵀- هو الصحيح، وهو مذهب أحمد، ومالك، وداود، كما في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٣)، ويدل عليه عموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ المسلم لا ينجس».\nوخالف أبو حنيفة، فقال: ينجس. وهو رواية عن أحمد، ومالك، وقول للشافعي، ومما استدلوا به: أن زنجيًّا سقط في بئر زمزم، فمات، فأمر ابن الزبير، وابن عباس أن ينزح الماء منها. وقد أنكر النووي هذه القصة في «المجموع»\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه برقم (١٦).","vol":"1","page":97},{"text":"(١/ ١١٦)، وقال: إنَّ هذا الذي زعموه باطلٌ لا أصل له.\nقال الشافعي: لقيت جماعة من شيوخ مكة، فسألتهم عن هذا، فقالوا: ما سمعنا هذا.\nوروى البيهقي وغيره عن سفيان بن عيينة إمام أهل مكة، قال: أنا بمكة منذ سبعين سنة، لم أرَ أحدًا، لا صغيرًا، ولا كبيرًا يعرف حديث الزِّنْجِي الذي يقولونه، وما سمعت أحدًا يقول: نزحت زمزم.\nوالقول الأول هو الراجح، وقد رجحه البخاري في «صحيحه»، وقد صح عن ابن عباس أنه قال: لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المؤمن ليس بنجس حيًّا، ولا ميتًا. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٦٧) عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس به.\nوجاء عن ابن عمر -﵄- أنه حنط ابنًا لسعيد بن زيد. أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٥) عن نافع، عنه. وقال سعد بن أبي وقاص: لو كان نجسًا ما مسسته. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٦٨) عن يحيى بن سعيد القطان، عن الجعيد بن عبدالرحمن، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها به. وهذا إسنادٌ صحيح، رجاله ثقات.\nوهذه الآثار علَّقها البخاري في «صحيحه»، وهي صحيحة.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٢٥٣): وقيل تعلق هذا الأثر، وما بعده بالترجمة من جهة أن المصنف يرى أنَّ المؤمن لا ينجس بالموت، وأنَّ غسله إنما هو للتعبد؛ لأنه لو كان نجسًا لم يطهره الماء، والسدر، ولا الماء وحده. اهـ","vol":"1","page":98},{"text":"وأما الكافر، فقد قال ابن الملقن في «شرح العمدة» (٢/ ١٨): وأما الكافر؛ فحكمه في الطهارة، والنجاسة حكم المسلم، هذا مذهبنا، ومذهب الجماهير من السلف، والخلف.\nقلتُ: ويدل عليه حديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ربط ثمامة بن أُثال في المسجد قبل أن يسلم. وحديث عمران بن حصين في «الصحيحين» (^٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استعمل مزادة امرأة مشركة هو، وأصحابه.\nوكذلك إباحة ذبائح أهل الكتاب، وإباحة نسائهم في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥].\nوقد خالف في هذه المسألة بعض الظاهرية، فقالوا: إن المشرك نجس العين، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨].\nوالجواب عن هذا الاستدلال: بأن النجاسة ههنا محمولة على النجاسة المعنوية، وهو خُبْثُ، ونجاسة معتقده، جمعًا بين هذا الدليل، وبين الأدلة المتقدمة، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن المؤمن لا ينجس» (^٣)، وقالوا: مفهومه أنَّ الكافر ينجس.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه إن شاء الله برقم (١٠٧).\n(^٢) سيأتي تخريجه برقم (٢٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٨٣)، ومسلم (٣٧١) عن أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":99},{"text":"وأُجيب عن ذلك: بأنَّ المراد بالحديث أنَّ المؤمن طاهر الأعضاء؛ لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك؛ لعدم تحفظه عن النجاسة.\nواستدلوا بمرسل الحسن، أنَّ وفد ثقيف لما أتوا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ضُرِبت لهم قبة في مؤخرة المسجد؛ لينظروا إلى صلاة المسلمين، فقال الصحابة: يا رسول الله، أتنزلهم المسجد، وهم مشركون؟ فقال: «إنَّ الأرض لا تنجس، إنما ينجس ابن آدم». أخرجه عبد الرزاق (١٦٢٠)، وأبو داود في «المراسيل» (١٧)، وإسناده صحيح إلى الحسن، ولكن مراسيل الحسن ضعيفة، من أضعف المراسيل كما جزم بذلك الذهبي في «الموقظة».\nواستدلوا بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بغسل آنية المشركين، كما في حديث أبي ثعلبة الخشني في «الصحيحين». (^١)\nوأجاب عنه الشوكاني في «السيل» (١/ ٣٦)، فقال: المراد بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالغسل أن يزيلوا منها أثر ما يحرم أكله، وشربه، ولا ملازمة بين التحريم، والنجاسة.\nوأما حكم ميتة الكافر؛ فقيل: إنَّ مفهوم حديث: «إنَّ المؤمن لا ينجس» يدل على نجاسته في حال موته.\nولا يُعلَم دليلٌ يعارض هذا المفهوم؛ فلذلك فميتة الكافر تعتبر نجسة، وقد نقل القرطبي في «المفهم» (٢/ ٦٢٩) عن بعض المتأخرين أنه نقل الاتفاق على\n_________\n(^١) سيأتي برقم (١٩).","vol":"1","page":100},{"text":"نجاسة الكافر الميت.\nوهذا الاتفاق ليس بصحيح؛ فالأشهر في مذهب الحنابلة كما في «الإنصاف» (١/ ٣١٨)، وكذا في مذهب الشافعية كما في «المجموع» (٢/ ٥٦٢) القول بطهارته كالمسلم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ٢٢): ولا ينجس الآدمي بالموت، وهو ظاهر مذهب أحمد، والشافعي، وأصح القولين في مذهب مالك. اهـ\nقلتُ: ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٧٠].\nوقد أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عليًّا أن يدفن والده، وأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقتلى المشركين يوم بدر، فسحبوا إلى طوي من أطواء بدر، ولو كانوا نجسين؛ لأمر بعدم مباشرة أجسامهم، فالذي يظهر -والله أعلم- هو عدم نجاسة الآدمي مطلقًا، وبالله التوفيق. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٣٩)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٥٥).","vol":"1","page":101},{"text":"١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ شِفَاءً». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (^١)، وَأَبُودَاوُد، وَزَادَ: «وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>مسألة [١]: ميتة ما ليس له نفس سائلة</span>.\nاسْتُدِلَّ بحديث الباب على أنَّ ما ليس له نفس سائلة؛ فميتته طاهرة؛ لأنها لو كانت نجسة، ما أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بغمسها في الشراب، وقد جاء في ذلك حديث صريح، ولكنه ضعيفٌ، فأخرج الدارقطني، والبيهقي من حديث سلمان الفارسي -﵁-، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «يا سلمان، كلُّ طعام، وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم، فماتت فهو حلال أكله، وشربه، ووضوؤه».\nوهو حديث ضعيفٌ جدًّا، فيه: علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، وفيه: بقية بن الوليد، وقد تفرد به عن شيخه: سعيد بن أبي سعيد الزبيدي، وهو مجهول، وقد ضُعِّفَ أيضًا.\nقال الحافظ -﵀- في «التلخيص» (١/ ٣٨): واتفق الحفاظ على أنَّ رواية بقية\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٣٢٠).\n(^٢) أخرجه أبوداود (٣٨٤٤) من رواية ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف؛ لضعف ابن عجلان في روايته عن المقبري عن أبي هريرة، ضعفها يحيى القطان والنسائي. وتابعه إبراهيم بن الفضل عند أحمد (٢/ ٤٤٣) وهو متروك لا تنفع متابعته، ولكن لها شاهد من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- بلفظ: «فإنه يقدم السم، ويؤخر الشفاء» أخرجه أحمد (٣/ ٦٧)، وابن ماجه (٣٥٠٤) بإسناد صحيح؛ وعليه فالزيادة صحيحة، والله أعلم.","vol":"1","page":102},{"text":"عن المجهولين واهية.\nقلتُ: واكتفى العلماء عن هذا الحديث الضعيف بحديث الباب.\nقال ابن عبد البر -﵀- في «الاستذكار» (٢/ ١٢٢ - ١٢٣): وقد يكون من الميتة ما ليس بنجس، وهو كل شيء ليس له دم سائل، مثل: الزنبور، والعقرب، والجعلان، والصَّرَّار، والخنفساء، وما أشبه ذلك، والأصل فيه حديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم ...»، فذكر حديث الباب.\nوقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٥٩): ثم عدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة، كالنحلة، والزنبور، والعنكبوت، وأشباه ذلك؛ إذ الحكم يعم بعموم علته، وينتفي بانتفاء سببه، فلما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودًا فيما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجيس؛ لانتفاء علته. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>مسألة [٢]: حكم الطعام والشراب الذي وقع فيه الذباب</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣): وقال عوام أهل العلم: إنَّ الماء لا يفسد بموت الذباب، والخنفساء، وما أشبه ذلك فيه، هذا قول مالك ابن أنس، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وروي معنى هذا القول عن النخعي، والحسن، وعكرمة، وعطاء.\nثم قال: ولا أعلم أحدًا قال غير ما ذكرتُ؛ إلا الشافعي في أحد قوليه، والقول الذي يوافق السنة، وقول سائر أهل العلم أولى به. انتهى بتصرف.\nقلتُ: وقال بنجاسة ميتة ما لا نفس له سائلة ابن حزم -﵀- في «المحلى» (١٣٦).","vol":"1","page":103},{"text":"١٣ - وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَا قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>مسألة [١]: العضو المنفصل من حيوان حَي، غير السمك والجراد، والآدمي</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٢): العضو المنفصل من حيوان حي، كألية الشاة، وسنام البعير، وذيل البقرة، واليد، وغير ذلك، نجسٌ بالإجماع.\nثم استدل بحديث أبي واقد الذي في الباب، ثم قال: قال الترمذي: والعمل\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٢٨٥٨)، والترمذي (١٤٨٠) من طريق عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي واقد الليثي به. وعندهما: «فهي ميتة»، وإسناده ضعيف، لضعف عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار، وقد خالفه سليمان بن بلال وهو ثقة ثبت، فرواه عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلًا، ورجح الدارقطني المرسل فقال: والمرسل أشبه. انظر «العلل» (١١٥٢) للدارقطني.\nهذا هو المحفوظ عن سليمان بن بلال، وقد روى الحديث عنه بعض الضعفاء؛ فوصلوه عن أبي سعيد. أخرجه الحاكم (٤/ ١٢٤)، وغيره. انظر «التلخيص» (١٨).\nوقد رواه هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، بإسناده، وجعله عن ابن عمر. أخرجه ابن ماجه (٣٢١٦) والبزار كما في «التلخيص» (١٨).\nوقد رجح أبو زرعة أنه من مراسيل زيد بن أسلم كما في العلل (٢/ ٣).\n\nوللحديث طريق أخرى عن ابن عمر عند الطبراني في الأوسط (٧٩٣٢) من طريق عاصم بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر به. وعاصم بن عمر، قال فيه أحمد وابن معين وأبو حاتم: ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك. وذكر الحديث ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ١٧)، ونقل عن أبيه أنه قال: حديث منكر.\nوجاء عن تميم الداري عند ابن ماجه (٣٢١٧)، وابن عدي (٤/ ٣٦٤) ط/الكتب العلمية، وفيه أبو بكر الهذلي، وهو متروك.","vol":"1","page":104},{"text":"عليه عند أهل العلم. انتهى.\nونقل الاتفاق أيضًا شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٩٨)، والواقع وجود خلاف شاذ كما في «الإنصاف» (١/ ٩٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>مسألة [٢]: العضو المنفصل من السمك، والجراد، والآدمي</span>.\nقال النووي -﵀-: وأما العضو المُبان من السمك، والجراد، والآدمي، كَيَدِهِ، ورجله، وظفره، ففيها كلها وجهان، أصحها طهارتها. اهـ «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٣).\nوما صححه النووي -﵀- هو الصحيح؛ لأنَّ الحياة إذا فارقت السمك، أو الجراد، أو الآدمي؛ فإنه طاهر، فكذلك إذا فارقت بعضه؛ فإنه طاهر، وهو قول الحنابلة أيضًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>مسألة [٣]: إذا أُبِيْنَ من الحيوان شعره، أو صوفه</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٢٤١): إذا جُزَّ شعر، أو صوف، أو وبر من مأكول اللحم؛ فهو طاهرٌ بنصِّ القرآن، وإجماع الأمة.\nوقوله: (بنص القرآن) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل:٨٠].\nوقال أيضًا: وإذا جُزَّ الشعر، والصوف، والوبر، والريش من حيوان لا يؤكل، فاتفق أصحابنا على أنَّ له حكم شعر الميتة؛ لأن ما أُبِيْنَ من حي فهو ميت.\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الممتع» (١/ ٧٩)، و«غاية المرام» (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥).","vol":"1","page":105},{"text":"قلتُ: وللحنابلة رواية وافقوا فيها الشافعية، كما في «الإنصاف» (١/ ٩٣)، ولهم رواية بطهارته، ورواية أنَّ النجاسة من النجس، والطهارة من الطاهر.\nقلتُ: والراجح هو طهارته؛ لأن الشعر، والصوف لا تحله الحياة، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٩٨)، ومثله على الصحيح أيضًا القرن، والظلف، والظفر؛ فإنها طاهرة، ورجح ذلك شيخ الإسلام أيضًا كما في «الفتاوى» (٢١/ ٩٧). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>مسألة [٤]: شيئان مستثنيان من عموم الحديث المتقدم</span>.\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: ولكن استثنى العلماء رحمهم الله تعالى مسألتين:\nالأولى: الطريدة، وهي الصيد يطرده الجماعة، فلا يدركونه، فيذبحونه، لكنهم يضربونه بأسيافهم، أو خناجرهم، فهذا يَقُصُّ رجله، وهذا يقصُّ يده، وهذا يقص رأسه حتى يموت، وليس فيها دليل عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، إلا أنَّ ذلك فعل الصحابة -﵃-.اهـ\nقلتُ: في المغني لابن قدامة -﵀- (١٣/ ٢٨١): قال أحمد: حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، أنه كان لا يرى بالطريدة بأسا، كان المسلمون يفعلون ذلك في مغازيهم، وما زال الناس يفعلونه في مغازيهم. واستحسنه أبو عبد الله. قال: والطريدة الصيد يقع بين القوم، فيقطع ذا منه بسيفه قطعة، ويقطع الآخر أيضًا،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٩٩ - ١٠٠).","vol":"1","page":106},{"text":"حتى يؤتى عليه وهو حي. قال: وليس هو عندي إلا أن الصيد يقع بينهم، لا يقدرون على ذكاته، فيأخذونه قطعا. اهـ\nالثانية: المسك وفأرته، ويكون من نوعٍ من الغزلان، يسمى غزال المسك، يقال: إنهم إذا أرادوا استخراج المسك؛ فإنهم يركضونه، فينزل منه دمٌ من عند سُرَّتِهِ، ثم يأتون بخيط شديد، قوي، فيربطون هذا الدم النازل ربْطًا قويًّا من أجل أن لا يتصل بالبدن، فيتغذى بالدم، فإذا أخذ مُدَّةً؛ فإنه يسقط، ثم يجدونه من أطيب المسك رائحة، وهذا الوعاء يسمى فأرة المسك، والمسك هو الذي في جوفه، فهذا انفصل من حي، وهو طاهر على قول أكثر العلماء. انتهى. (^١)\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٥٥٣٢):\nوَالْمَشْهُورُ أَنَّ غَزَالَ الْمِسْكِ كَالظَّبْيِ لَكِنْ لَوْنُهُ أَسْوَدُ، وَلَهُ نَابَانِ لَطِيفَانِ أَبْيَضَانِ فِي فَكِّهِ الْأَسْفَلِ، وَأَنَّ الْمِسْكَ دَمٌ يَجْتَمِعُ فِي سُرَّتِهِ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ مِنَ السَّنَةِ؛ فَإِذَا اجْتَمَعَ وَرِمَ الْمَوْضِعُ فَمَرِضَ الْغَزَالُ إِلَى أَنْ يَسْقُطَ مِنْهُ، وَيُقَالُ: إِنَّ أَهْلَ تِلْكَ الْبِلَادِ يَجْعَلُونَ لَهَا أَوْتَادًا فِي الْبَرِّيَّةِ تَحْتَكُّ بِهَا لِيَسْقُطَ. وَنَقَلَ ابن الصَّلَاحِ فِي «مُشْكِلِ الْوَسِيطِ»: أَنَّ النَّافِجَةَ فِي جَوْفِ الظَّبْيَةِ كَالْإِنْفَحَةِ فِي جَوْفِ الْجَدْيِ.\nوَعَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ الطَّبَرِيِّ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا تُلْقِيهَا مِنْ جَوْفِهَا كَمَا تُلْقِي الدَّجَاجَةُ الْبَيْضَةَ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهَا تُلْقِيهَا مِنْ سُرَّتِهَا؛ فَتَتَعَلَّقُ بِهَا إِلَى أَنْ تَحْتَكَّ.\nقَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمِسْكَ طَاهِرٌ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْبَدَنِ\n_________\n(^١) «الشرح الممتع» (١/ ٧٩ - ٨٠).","vol":"1","page":107},{"text":"وَالثَّوْبِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَنَقَلَ أَصْحَابُنَا عَنِ الشِّيعَةِ فِيهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا، وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنَ الْقَاعِدَةِ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ. اهـ.\nوَحكى ابن التِّين عَن ابن شَعْبَانَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ فَأْرَةَ الْمِسْكِ إِنَّمَا تُؤْخَذُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ أَوْ بِذَكَاةِ مَنْ لَا تَصِحُّ ذَكَاتُهُ مِنَ الْكَفَرَةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهَا؛ لِأَنَّهَا تَسْتَحِيلُ عَنْ كَوْنِهَا دَمًا حَتَّى تَصِيرَ مِسْكًا كَمَا يَسْتَحِيلُ الدَّمُ إِلَى اللَّحْمِ؛ فَيَطْهُرَ وَيَحِلَّ أَكْلُهُ وَلَيْسَتْ بِحَيَوَانٍ حَتَّى يُقَالَ نَجِسَتْ بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا هِيَ شَيْءٌ يَحْدُثُ بِالْحَيَوَانِ كَالْبِيضِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى طَهَارَةِ الْمِسْكِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَن عمر من كَرَاهَته (^١)، وَكَذَا حكى ابن الْمُنْذِرِ عَنْ جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَصِحُّ الْمَنْعُ فِيهِ إِلَّا عَنْ عَطَاءٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ جُزْءٌ مُنْفَصِلٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «الْمِسْكُ أَطْيَبُ الطِّيبِ» (^٢)، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) مُقْتَصِرًا مِنْهُ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ. اهـ. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه ابن المنذر (٥/ ٣٦٧) من طريق حجاج، وهو ابن أرطاة، عن فضيل، عن عبد الله بن معقل، أن عمر أوصى في غسله: أن لا تقربوه مسكا. إسناده ضعيف؛ حجاج بن أرطاة فيه ضعف، وعبد الله بن معقل لا يعلم له سماع من عمر بن الخطاب -﵁-.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٢٢٥٢).\n(^٣) أخرجه أبو داود برقم (٣١٥٨).\n(^٤) وانظر «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٢٩٦)، و(٥/ ٣٦٧).","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>بَابُ الآنِيَةِ</span>\n١٤ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي إنَاءِ الفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ (^٢) فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>مسألة [١]: حكم الأكل، والشرب في آنية الذهب، والفضة</span>.\nحديثا الباب يدلان على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» حديث (٢٠٦٥): قال أصحابنا: انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب، وسائر الاستعمالات في إناء ذهب، أو فضة؛ إلا ما حُكي عن داود في تحريم الشرب فقط، ولعله لم يبلغه حديث تحريم الأكل، وقولٌ قديم للشافعي، والعراقيين، فقال بالكراهة دون التحريم، وقد رجع عنه، وتأوله أيضًا صاحب «التقريب» (^٤)، ولم يحمله على ظاهره. انتهى بتصرف.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٤٢٦) (٥٦٣٢)، ومسلم برقم (٢٠٦٧) (٤) (٥).\n(^٢) قال ابن الأثير في «النهاية»: هو صوت وقوع الماء في الجوف، والمعنى: كأنما يجرع نار جهنم.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٥٦٣٤)، ومسلم برقم (٢٠٦٥).\n(^٤) هو كتاب «التقريب في الفروع»، للقاسم بن محمد بن القفال الشاشي الشافعي، من علماء القرن الرابع، وهو من الكتب المعتمدة عند الشافعية.","vol":"1","page":109},{"text":"وقال الحافظ -﵀- في «الفتح» شرح حديث رقم (٥٦٣٢): ونقل ابن المنذر الإجماع على تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة؛ إلا عن معاوية بن قرة، أحد التابعين، فكأنه لم يبلغه النهي. اهـ\nثم ذكر مذهب الشافعي في القديم، ثم رجوعه عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>مسألة [٢]: حكم استعمال الذهب، والفضة في غير الأكل والشرب</span>.\n• ذهب الجمهور إلى تحريم استعمالهما في غير الأكل والشرب، قال القرطبي -﵀- كما في «الفتح» (٥٦٣٥): في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب، والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما، مثل التطيب، والتكحل، وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور، وأغربت طائفةٌ شَذَّت، فأباحت ذلك مطلقًا، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم من قصره على الشرب؛ لأنه لم يقف على الزيادة في الأكل. انتهى.\nوقد تقدم نقل النووي للإجماع على تحريم الاستعمال، وكذا نقله ابن عبد البر، ولا يصح نقل الإجماع.\n• قال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٦٣): والحق ما ذهب إليه القائل بعدم تحريم غير الأكل والشرب فيهما؛ إذ هو ثابت بالنص، ودعوى الإجماع غير صحيحة، وهذا من شؤم تبديل اللفظ النبوي بغيره؛ فإنه ورد بتحريم الأكل والشرب فقط، فعدلوا عن عبارته إلى الاستعمال، وهجروا العبارة النبوية، وجاءوا بلفظ عام من تلقاء أنفسهم. اهـ","vol":"1","page":110},{"text":"• وقال الشوكاني -﵀- في «النيل» (١/ ١١٦): ولا شك أنَّ أحاديث الباب تدل على تحريم الأكل والشرب، وأما سائر الاستعمالات فلا، والقياس على الأكل والشرب قياس مع الفارق، وأما حكاية النووي للإجماع على تحريم الاستعمال فلا تتم مع مخالفة داود، والشافعي، وبعض أصحابه، والحاصل أنَّ الأصل الحِل، فلا تثبت الحرمة إلا بدليل يسلمه الخصم، ولا دليل في المقام بهذه الصفة، فالوقوف على ذلك الأصل المعتضد بالبراءة الأصلية هو وظيفة المنصف الذي لم يخبط بسوط هيبة الجمهور، ولاسيما وقد أيد هذا الأصل حديث: «ولكن عليكم بالفضة، فالعبوا بها لعبًا»، أخرجه أحمد، وأبو داود، وشهد له ما سلف أنَّ أم سلمة جاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. والحديث في البخاري. انتهى بتصرف.\nقلتُ: والحديث: «ولكن عليكم بالفضة، فالعبوا بها لعبًا»، أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٤)، وأبو داود (٤٢٣٦)، وغيرهما، من حديث أبي هريرة، وفيه: أسيد بن أبي أسيد البراد، وفيه ضعفٌ، قال الدارقطني: يعتبر به. كما في «التهذيب».\n• وقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ٦٢): والصحيح أنَّ الاتخاذ، والاستعمال في غير الأكل، والشرب ليس بحرام؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن شيء مخصوص، وهو الأكل، والشرب، ولو كان المحرم غيرهما؛ لكان النبي - ﷺ - أبلغ الناس، وأبينهم في الكلام- لا يخص شيئًا دون شيء، بل إن تخصيصه الأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز؛ لأن الناس ينتفعون بها في غير ذلك.","vol":"1","page":111},{"text":"قال: ولو كانت حرامًا مطلقًا؛ لأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بتكسيرها؛ لأنها إذا كانت محرمة في كل الحالات ما كان لبقائها فائدة، ويدل على ذلك أنَّ أم سلمة، وهي راوية الحديث كان عندها جلجل من فضة، جعلت فيه شعيرات من شعر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فكان الناس يستشفون بها، فيشفون بإذن الله، وهذا في «صحيح البخاري»، وهذا استعمال في غير الأكل والشرب. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>مسألة [٣]: اتخاذ الآنية من الذهب، والفضة دون استعمال</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى تحريم اتخاذها، قياسًا على تحريم استعمالها، كما في «شرح المهذب» (١/ ٢٥٢).\n• وذهب الشافعي في رواية عنه إلى جواز اتخاذها، وهو قول من تقدم أن رجحوا جواز استعمالها، ويدل عليه حديث أم سلمة السابق في المسألة السابقة، والله أعلم.\nوهو قول أبي حنيفة، وأحمد في قول، كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٨٦). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>مسألة [٤]: استعمال الآنية من نفائس المعادن، كالياقوت، واللؤلؤ، والجواهر في الأكل، والشرب، وغيرهما</span>.\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٦٣): ثم هل يلحق بالذهب والفضة نفائس الأحجار، كالياقوت، والجواهر؟ فيه خلافٌ، والأظهر عدم إلحاقه، وجوازه على أصل الإباحة؛ لعدم الدليل الناقل عنها. انتهى.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":112},{"text":"قلتُ: وما رجحه الصنعاني هو الصحيح، وهو مذهب الحنابلة كما في «المغني» (١/ ١٠٥ - ١٠٦)، وجمهور الشافعية، ومالك، كما في «شرح المهذب» (١/ ٢٥٢).\nتنبيه: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة».\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» حديث (٥٦٣٢): قال الإسماعيلي: ليس المراد بقوله: «في الدنيا» إباحة استعمالهم إياه، وإنما المعنى بقوله: «لهم»، أي: هم الذين يستعملونه مخالفة لزي المسلمين، وقوله: «ولكم في الآخرة»، أي: تستعملونه مكافأة لكم على تركه في الدنيا، ويُمْنَعَهُ أولئك، جزاءً لهم على معصيتهم باستعماله. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>مسألة [٥]: إذا تطهر في آنية الذهب، والفضة، هل يصح وضوؤه</span>؟\n• اختلف الجمهور القائلون بتحريم استعمال الآنية في الوضوء، هل يصح وضوؤه إذا توضأ بها، أم لا؟\n• فذهب جمهورهم إلى صحة الوضوء مع الإثم.\n• وذهب أهل الظاهر، ورواية عن أحمد إلى أنه لا يصح.\nوالراجح القول الأول؛ لأنَّ التحريم ليس عائدًا إلى نفس الوضوء، وهذا بناءً على القول بتحريم استعمال الآنية بالوضوء، ولا نقول به. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «شرح المهذب» (١/ ٢٥٢)، و«المغني» (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":113},{"text":"علة التحريم في الحديثين المتقدمين:\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٤/ ٣٥١): فَقِيلَ: عِلّةُ التّحْرِيمِ تَضْيِيقُ النّقُودِ. وَقِيلَ: الْعِلّةُ الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ. وَقِيلَ: الْعِلّةُ كَسْرُ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ إذَا رَأَوْهَا وَعَايَنُوهَا. وَهَذِهِ الْعِلَلُ فِيهَا مَا فِيهَا؛ فَإِنّ التّعْلِيلَ بِتَضْيِيقِ النّقُودِ يَمْنَعُ مِنْ التّحَلّي بِهَا وَجَعْلِهَا سَبَائِكَ، وَنَحْوَهَا مِمّا لَيْسَ بِآنِيَةٍ، وَلَا نَقْدٍ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ حَرَامٌ بِأَيّ شَيْءٍ كَانَ، وَكَسْرُ قُلُوبِ الْمَسَاكِينِ لَا ضَابِطَ لَهُ؛ فَإِنّ قُلُوبَهُمْ تَنْكَسِرُ بِالدّورِ الْوَاسِعَةِ، وَالْحَدَائِقِ الْمُعْجِبَةِ، وَالْمَرَاكِبِ الْفَارِهَةِ، وَالْمَلَابِسِ الْفَاخِرَةِ، وَالْأَطْعِمَةِ اللّذِيذَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُبَاحَاتِ، وَكُلّ هَذِهِ عِلَلٌ مُنْتَقِضَةٌ؛ إذْ تُوجَدُ الْعِلّةُ وَيَتَخَلّفُ مَعْلُولُهَا.\nثُمَّ قَالَ: فَالصّوَابُ أَنّ الْعِلّةَ -وَاللهُ أَعْلَمُ- مَا يُكْسِبُ اسْتِعْمَالُهَا الْقَلْبَ مِنْ الْهَيْئَةِ، وَالْحَالَةِ الْمُنَافِيَةِ لِلْعُبُودِيّةِ مُنَافَاةً ظَاهِرَةً؛ وَلِهَذَا عَلّلَ النّبِيّ - ﷺ - بِأَنّهَا لِلْكُفّارِ فِي الدّنْيَا؛ إذْ لَيْسَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ الْعُبُودِيّةِ الّتِي يَنَالُونَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ نَعِيمَهَا، فَلَا يَصْلُحُ اسْتِعْمَالُهَا لِعَبِيدِ اللهِ فِي الدّنْيَا، وَإِنّمَا يَسْتَعْمِلُهَا مَنْ خَرَجَ عَنْ عُبُودِيّتِهِ، وَرَضِيَ بِالدّنْيَا، وَعَاجِلِهَا مِنْ الْآخِرَةِ. انتهى.","vol":"1","page":114},{"text":"١٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ (^١) فَقَدْ طَهُرَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\nوَعِنْدَ الأَرْبَعَةِ: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ». (^٣)\n\n١٧ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ المُحَبِّقِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «دِبَاغُ جُلُودِ المَيْتَةِ طُهُورُهَا». صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٤)\n\n١٨ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ -﵂- قَالَتْ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا فَقَالَ: «لَوْ أَخْذْتُمْ إِهَابَهَا؟»، فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: «يُطَهِّرُهَا المَاءُ وَالقَرَظُ (^٥)». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. (^٦)\n_________\n(^١) قال في «النهاية»: هو الجلد، وقيل: إنما يقال للجلد إهاب قبل الدبغ، فأما بعده فلا.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٣٦٦).\n(^٣) أخرجه أبوداود (٤١٢٣)، والنسائي (٧/ ١٧٣)، والترمذي (١٧٢٨)، وابن ماجه (٣٦٠٩) وإسناده صحيح، ولفظ أبي داود كلفظ مسلم.\n(^٤) صحيح بشواهده. أخرجه ابن حبان (٤٥٢٢) بلفظ «ذكاة الأديم دباغه».\nوقد أخرجه أيضًا أحمد (٣/ ٤٧٦)، وأبوداود (٤١٢٥)، والنسائي (٧/ ١٧٣) بألفاظ متقاربة، وفي إسناده: جون بن قتادة وهو مجهول.\nولكن يشهد له حديث ابن عباس الذي قبله، وحديث عائشة عند النسائي (٧/ ١٧٤) بلفظ: «ذكاة الميتة دباغها» وإسناده صحيح.\nوهو عند ابن حبان (١٢٩٠) باللفظ الذي ذكره الحافظ، وفي إسناده: شريك القاضي وهو ضعيف.\n(^٥) القرظ: هو ورقُ السَّلَم وحبُّه يدبغ به الأديم. انظر: «لسان العرب»، و«النهاية» لابن الأثير.\n(^٦) ضعيف. أخرجه أبوداود (٤١٢٦)، والنسائي (٧/ ١٧٤) من طريق عبدالله بن مالك بن حذافة عن أمه العالية بنت سبيع عن ميمونة به. وإسناده ضعيف؛ لجهالة عبدالله بن مالك وأمه.","vol":"1","page":115},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>مسألة [١]: دباغ جلود الميتة</span>.\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على سبعة أقوال:\nالأول: أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة؛ إلا الكلب، والخنزير، والمتولد من أحدهما، ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد، وباطنه، ويجوز استعماله في الأشياء اليابسة، والمائعة، وهذا مذهب الشافعي، واستدل باستثناء الخنزير بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥]، وقاس الكلب عليه بجامع النجاسة.\nالثاني: أنه لا يطهر شيء من جلود الميتة بالدباغ، وهذا القول أشهر الروايتين عن أحمد، ورواية عن مالك، واستدلوا بحديث عبد الله بن عكيم مرفوعًا: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب».\nالثالث: أنه يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم، ولا يطهر غيره، قال النووي: وهو مذهب الأوزاعي، وابن المبارك، وأبي ثور، وإسحاق بن راهويه، واستدلوا بحديث: «ذكاة الميتة دباغها»، وهو صحيح، قالوا: فجعل الدباغ في الأُهُبِ كالذكاة.\nقالوا: والذكاة المشبه بها لا يحل بها غير المأكول، فكذلك المشبه لا يطهر جلد غير المأكول، وهذا إن سلم لا ينفي ما استفيد من الأحاديث العامة للمأكول، وغيره.","vol":"1","page":116},{"text":"الرابع: يطهر جلود جميع الميتات؛ إلا الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة.\nالخامس: يطهر جميع جلود الميتة؛ إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه، فلا ينتفع به في المائعات، وهو مذهب مالك المشهور، وهو تفصيل لا دليل عليه.\nالسادس: يطهر الجميع، والكلب، والخنزير ظاهرًا، وباطنًا، وهو مذهب داود، وأهل الظاهر، وهو قول أبي يوسف، ورواية عن مالك.\nالسابع: أنه ينتفع بجلود الميتة، وإن لم تدبغ، ويجوز استعمالها في المائعات، واليابسات.\nقال النووي: وهو مذهب الزهري، وهو وجه شاذ لبعض أصحابنا، لا تعريج عليه، ولا التفات إليه. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: أرجح هذه المذاهب فيما يظهر لنا -والله أعلم- هو القول السادس؛ لعموم حديث الباب «أيما إهاب دُبِغَ؛ فقد طهر»، وكذلك حديث: «دباغها طهورها» وهو ترجيح الصنعاني في «سبل السلام» (١/ ٦٥) والشوكاني في «النيل» (١/ ١٠٩).\nوأما حديث عبد الله بن عكيم: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب»، فقد ضعَّفَهُ بعضهم، وأعلَّهُ بالاضطراب، وعلى صحة الحديث؛ فقد أجيب عنه بأنَّ النهي فيه متوجه على الميتة قبل الدباغ، ويؤيده ما ذكره النضر بن شميل، وغيره","vol":"1","page":117},{"text":"من أهل اللغة على أنَّ الإهاب يطلق على الجلد قبل دباغه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>مسألة [٢]: بماذا يدبغ جلد الميتة</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٤/ ٢٩٤): يَجُوز الدِّبَاغ بِكُلِّ شَيْء يُنَشِّف فَضَلَات الْجِلْد وَيُطَيِّبهُ، وَيَمْنَع مِنْ وُرُود الْفَسَاد عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كَالشَّث، وَالشَّبّ، وَالْقَرَظ، وَقُشُور الرُّمَّان، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْوِيَة الطَّاهِرَة. انتهى.\nوهذا الذي ذكره النووي هو مذهب الحنابلة كما في «المغني» (١/ ٩٥) والمالكية، والحنفية، وقال به ابن وهب، وداود كما في «التمهيد» (١٠/ ٣٨٥) ط/ مرتبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>مسألة [٣]: هل يطهر الجلد بمجرد الدباغ دون غسله بالماء</span>؟\n• في هذه المسألة قولان، وهما وجهان عند الحنابلة، والشافعية، والراجح أنه لا يشترط غسله بالماء، وحديث: «يطهرها الماء والقرظ» تقدم أنه ضعيف، ولكن إذا غسل لإزالة القذارات التي فيه فلا بأس، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>مسألة [٤]: بيع جلد الميتة</span>.\nقال الإمام المروزي كما في «التمهيد» (١٠/ ٣٧٨) ط/ مرتبة: وسائر من ذكرنا جعلها طاهرة بعد الدباغ، وأطلق الانتفاع بها في كل شيء، وهو القول الذي نختاره، ونذهب إليه.\n_________\n(^١) انظر: «نيل الأوطار» (١/ ١٠٧ - ١٠٩)، و«سبل السلام» (١/ ٦٥ - ٦٧)، و«شرح مسلم» (٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، «المغني» (١/ ٨٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١/ ٩٥ - ٩٦)، «شرح مسلم» (٤/ ٢٩٤).","vol":"1","page":118},{"text":"قال ابن عبد البر -﵀-: قوله (أطلق الانتفاع بها في كل شيء) يعني الوضوء فيها، والصلاة فيها، وبيعها، وشراءها، وسائر وجوه الانتفاع بها، وبثمنها، كالجلود المذكاة سواءً، وعلى هذا أكثر أهل العلم بالحجاز، والعراق من أهل الفقه، والحديث، وممن قال بهذا: الثوري، والأوزاعي، وعبيد الله بن الحسن العنبري، والحسن بن حي، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهما، وهو قول: داود ابن علي الظاهري، والطبري، وإليه ذهب ابن وهب صاحب مالك، كل هؤلاء يقولون: دباغ الإهاب طهوره للصلاة، والوضوء، والبيع، وكل شيء. اهـ (^١)\nقلتُ: ويدل عليه عموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ألا أخذوا إهابها فانتفعوا به».\nوأما بيع الجلد قبل الدباغ فلا يجوز؛ لأنه من الميتة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في «الصحيحين» (^٢) عن جابر -﵁-: «إن الله حرَّم بيع الميتة، والخنزير، والأصنام».\nقال الشوكاني -﵀- في «النيل» (٣/ ٥١٧): ونقل ابن المنذر الإجماع على تحريم بيع الميتة، والظاهر أنه يحرم بيعها بجميع أجزائها. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>مسألة [٥]: أكل جلد الميتة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٩٥): ولا يحل أكله بعد الدبغ في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن ابن حامد أنه يحل، وهو وجه لأصحاب الشافعي؛ لقوله: «دباغ الأديم ذكاته»، ولأنه معنى يفيد الطهارة في الجلد،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٩٥)، و«شرح مسلم» (٤/ ٢٩٤).\n(^٢) سيأتي تخريجه في الكتاب برقم (٧٦٧).","vol":"1","page":119},{"text":"فأباح الأكل كالذبح.\nقال: ولنا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]، والجلد منها، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما حرم من الميتة أكلها» متفق عليه، ولأنه جزء من الميتة؛ فحرم أكله كسائر أجزائها، ولا يلزم من الطهارة إباحة الأكل، بدليل الخبائث مما لا ينجس بالموت، ثم لا يسمع قياسهم في ترك كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. انتهى.\nوقول الجمهور هو الراجح؛ لما ذكره ابن قدامة -﵀-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>مسألة [٦]: الانتفاع بجلود السِّباع</span>.\nجاء عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه نهى عن افتراش جلود السِّباع. أخرجه أبو داود (١٠٥٩)، والترمذي (١٧٧٠) (١٧٧١)، وأحمد (٥/ ٧٤)، والبزار (٢٣٣٠) (٢٣٣١)، والطبراني (٥١٠) (٥١١)، وغيرهم، من حديث أسامة بن عمير -﵁-، وهو حديث روي مرسلًا، وموصولًا، والظاهر أن الروايتين محفوظتان؛ ولذلك فإنَّ البخاري لم يرجح إحدى الروايتين على الأخرى، كما في «العلل الكبير» للترمذي (٢/ ٧٤١).\nوجاء عن المقدام بن معدي كرب، ومعاوية -﵄-، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أنه نهى عن لبس جلود السباع، والركوب عليها. وإسناده ضعيفٌ، فيه: بقية بن الوليد، ولم يصرح بالتحديث. أخرجه أبو داود (٤١٣١)، وأخرجه أحمد (٤/ ١٣١ - ١٣٢)، بلفظ: نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الذهب، والحرير، ومياثر النمور. وصرَّح بقية عنده بالتحديث.","vol":"1","page":120},{"text":"ولحديث معاوية إسناد آخر حسن عند أحمد (٤/ ٩٢) بلفظ: «نهى عن ركوب النمور».\nوجاء الحديث عن أبي ريحانة بلفظ: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ركوب النمور. أخرجه أحمد (٤/ ١٣٤)، وفيه مجهول حال، ولكن الحديث في الشواهد؛ فلا يَضُرُّ ذلك.\nفيستفاد من الأحاديث المتقدمة أن جلود السباع وإن دُبِغَتْ، فلا يجوز افتراشها، والركوب عليها. وهو قول الأوزاعي، ويزيد بن هارون، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.\nقال الطحاوي -﵀- في «مشكل الآثار» (٨/ ٢٩٤ - ٢٩٥) -بعد أن ذكر حديث: «أيما إهاب دُبِغَ فقد طهر» -:\nوَدَخَلَ فِي ذَلِكَ جُلُودُ السِّبَاعِ، وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يُخْرِجَ مِمَّا قَدْ عَمَّهُ رَسُولُ - ﷺ - بِذَلِكَ الْقَوْلِ؛ إلَّا بِمَا يُوجِبُ لَهُ إخْرَاجُهُ بِهِ مِنْ آيَةٍ مَسْطُورَةٍ، وَمِنْ سُنَّةٍ مَأْثُورَةٍ، وَمِنْ إجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَجَبَ بِهِ دُخُولُ جُلُودِ السِّبَاعِ فِي الْأُهُبِ الَّتِي تَجِبُ طَهَارَتُهَا بِالدِّبَاغِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَقَلْنَا أَنَّ النَّهْيَ الَّذِي جَاءَ فِي الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ الرُّكُوبِ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّهَا غَيْرُ طَاهِرَةٍ بِالدِّبَاغِ الَّذِي فُعِلَ بِهَا، وَلَكِنْ لِمَعْنًى سِوَى ذَلِكَ، وَهُوَ رُكُوبُ الْعَجَمِ عَلَيْهَا، لَا مَا سِوَى ذَلِكَ.\nقال: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا مَا قَدْ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: ثنا","vol":"1","page":121},{"text":"سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: ثنا يُونُسُ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى رَجُلًا وَعَلَيْهِ قَلَنْسُوَةٌ بَطَائِنُهَا مِنْ جُلُودِ الثَّعَالِبِ، فَأَلْقَاهُ عَنْ رَأْسِهِ، وَقَالَ: مَا يَدْرِيك لَعَلَّهُ لَيْسَ بِذَكِيٍّ. وَفِي هَذَا مَا قَدْ دَلَّ: أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ ذَكِيٌّ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ لُبْسُ مَا هُوَ فِيهِ. اهـ\nقلتُ: يشير الطحاوي -﵀- إلى أنَّ النهي عن الافتراش، والركوب إنما هو لكونه من عمل الأعاجم، ولا يشمل ذلك لبسه، ورواية المقدام، ومعاوية المصرحة بالنهي عن اللبس ضعيفة.\nوقد ذهب بعضهم إلى أنَّ علة النهي إنما هو من أجل أنها مراكب أهل السرف، والخيلاء، ذكر ذلك الخطابي في «معالم السنن» (٤/ ١٨٦)، والشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ١٠٥).\nورخص في افتراش جلود السباع والركوب عليها: الحسن، وابن سيرين، وعروة، وعمر بن عبدالعزيز، والزهري، وغيرهم، ونقل عن جابر بن عبدالله بسند فيه ضعف، فيه الحجاج بن أرطاة كما في «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٣٠٠)، والصحيح أنه لا يجوز ركوبها، ولا افتراشها؛ للأدلة المتقدمة، ولعل المذكورين لم تبلغهم الأدلة في تحريم ذلك، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٩٢ - ٩٣)، «الأوسط» (٢/ ٣٠٠ -)، «النيل» (١/ ١٠٥).","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>ذِكْرُ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>مسألة [١]: شعر الميتة، وصوفها</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنها ليست بنجسة، واستدلوا بأدلة منها:\nقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل:٨٠]، وهذا عام في الحية، والميتة.\nقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما حرم أكلها»، ففيه دلالة على جواز الانتفاع بأشعارها، وصوفها، وذلك يدل على طهارته.\nقالوا: الأصل في الأعيان الطهارة، ولا تنجس إلا بدليل، وقالوا: إن اللحم إنما ينجس لاحتقان الرطوبات، والفضلات، والدم، والصوف، والشعر ليس كذلك.\nوقالوا: إن الشعر لو جُزَّ حال الحياة كان طاهرًا بالإجماع، وهذا يدل على أنها ليست حية كحياة الحيوان؛ فإنه لا يتألم إذا قطعت، بعكس أعضائه.\n• وذهب الشافعي -﵀- إلى نجاستها، واستدل الشافعية على ذلك بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، وهو عام في الشعر وغيره.\nوقد أجاب عن استدلالهم بهذه الآية شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٩٧)، فقال: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ لَا","vol":"1","page":123},{"text":"يَدْخُلُ فِيهَا الشُّعُورُ، وَمَا أَشْبَهَهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَيِّتَ ضِدُّ الْحَيِّ، وَالْحَيَاةُ نَوْعَانِ: حَيَاةُ الْحَيَوَانِ، وَحَيَاةُ النَّبَاتِ، فَحَيَاةُ الْحَيَوَانِ خَاصَّتُهَا الْحِسُّ، وَالْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ، وَحَيَاةُ النَّبَاتِ خَاصَّتُهَا النُّمُوُّ، وَالِاغْتِذَاءُ.\nوَقَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إنَّمَا هُوَ بِمَا فَارَقَتْهُ الْحَيَاةُ الْحَيَوَانِيَّةُ، دُونَ النَّبَاتِيَّةِ؛ فَإِنَّ الزَّرْعَ، وَالشَّجَرَ إذَا يَبُسَ لَمْ يَنْجُسْ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل:٦٥].\nوقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد:١٧]؛ فَمَوتُ الْأَرْض لَا يُوجِبُ نَجَاسَتَهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا الْمَيْتَةُ الْمُحَرَّمَةُ: مَا فَارَقَهَا الْحِسُّ وَالْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالشَّعْرُ حَيَاتُهُ مِنْ جِنْسِ حَيَاةِ النَّبَاتِ لَا مِنْ جِنْسِ حَيَاةِ الحَيَوَانِ؛ فَإِنَّهُ يَنْمُو، وَيَتَغَذَّى، وَيَطُولُ كَالزَّرْعِ، لَيْسَ فِيهِ حِسٌّ، وَلَا يَتَحَرَّكُ بِإِرَادَةٍ، فَلَا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ الْحَيَوَانِيَّةُ حَتَّى يَمُوتَ بِمُفَارَقَتِهَا، فَلَا وَجْهَ لِتَنْجِيسِهِ.\nوَأَيْضًا: فَلَوْ كَانَ الشَّعْرُ جُزْءًا مِنْ الْحَيَوَانِ، لَمَا أُبِيحَ أَخْذُهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ قَوْمٍ يَجُبُّونَ أَسْنِمَةَ الْإِبِلِ، وَأَلْيَاتِ الْغَنَمِ؟ فَقَالَ: «مَا أُبِينَ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتٌ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١)، وَغَيْرُهُ.\nوَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَلَوْ كَانَ حُكْمُ الشَّعْرِ حُكْمَ السَّنَامِ وَالْأَلْيَةِ؛ لَمَا جَازَ قَطْعُهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، فَلَمَّا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ، وَالصُّوفَ إذَا جُزَّ مِنْ الْحَيَوَانِ كَانَ حَلَالًا طَاهِرًا، عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ اللَّحْمِ. انتهى.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه برقم (١٣).","vol":"1","page":124},{"text":"والقول الأول، وهو قول الجمهور هو الراجح، والله أعلم.\nورجَّحه أيضًا ابن القيم ببحث نفيس في «الزاد». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>مسألة [٢]: قرن الميتة، وظلفها</span>.\n• ذهب الشافعية، وجمهور الحنابلة إلى أنها نجسة، وهو قول مالك، وإسحاق، وابن المنذر، كما في «شرح المهذب» (١/ ٢٣٦).\n• وذهب أبو حنيفة، وداود الظاهري إلى طهارة القرن، والظفر، والظلف، وهو وجهٌ عند الحنابلة رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٠٠)، بل قال: وهذا قول جمهور السلف.\nوهذا القول هو الراجح؛ للأدلة المذكورة في المسألة السابقة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>مسألة [٣]: عظام الميتة</span>.\n• ذهب مالك، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وغيرهم من أهل العلم إلى نجاستها، كما في «شرح المهذب» (١/ ٢٣٦)؛ لأنها من الميتة، وتشملها الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، وحياتها حيوانية؛ لأنها تحس، وتتحرك بالإرادة، وقد قال تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩].\n• وذهب الثوري، وأبو حنيفة إلى طهارتها، وهو قول داود الظاهري، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٩٩)، حيث\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، و«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٩٧ - ٩٨)، و«زاد المعاد» (٥/ ٧٥٣ - ٧٥٦).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١/ ٩٩ - ١٠٠).","vol":"1","page":125},{"text":"قال: وَأَمَّا الْعِظَامُ، وَنَحْوُهَا، فَإِذَا قِيلَ: إنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمَيْتَةِ؛ لِأَنَّهَا تَحُسُّ وَتَأَلَّم، قِيلَ لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ: أَنْتُمْ لَمْ تَأْخُذُوا بِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ فَإِنَّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ كَالذُّبَابِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالْخُنْفُسَاءِ، لَا يَنْجُسُ عِنْدَكُمْ، وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، مَعَ أَنَّهَا مَيْتَةٌ مَوْتًا حَيَوَانِيًّا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ»، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزَعْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءٌ، وَفِي الْآخَرُ شِفَاءٌ»، وَمَنْ نَجَّسَ هَذَا قَالَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: إنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَائِعَاتِ الْوَاقِعَةَ فِيهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ عُلِمَ أَنَّ عِلَّةَ نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ إنَّمَا هُوَ احْتِبَاسُ الدَّمِ فِيهَا، فَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ، فَإِذَا مَاتَ لَمْ يَحْتَبِسْ فِيهِ الدَّمُ؛ فَلَا يَنْجُسُ، فَالْعَظْمُ وَنَحْوُهُ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّنْجِيسِ مِنْ هَذَا؛ فَإِنَّ الْعَظْمَ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ، وَلَا كَانَ مُتَحَرِّكًا بِالْإِرَادَةِ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ. فَإِذَا كَانَ الْحَيَوَانُ الْكَامِلُ الْحَسَّاسُ الْمُتَحَرِّكُ بِالْإِرَادَةِ لَا يَنْجُسُ؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ، فَكَيْفَ يَنْجُسُ الْعَظْمُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ.\nثُمَّ قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ خِيَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَتَمَشَّطُونَ بِأَمْشَاطٍ مِنْ عِظَامِ الْفِيلِ. انتهى.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: هذا القول هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>مسألة [٤]: بيض الميتة</span>.\n• إن كان قِشرها قد صلب؛ فهي طاهرة عند الحنابلة، والحنفية، وجمهور الشافعية، واختاره ابن المنذر، فقال كما في «الأوسط» (٢/ ٢٩٠): لا فرق بين\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (١/ ٢٤٤)، و«المغني» (١/ ١٠١).","vol":"1","page":126},{"text":"البيضة التي قد اشتدت وصلبت تقع في البول والدم، وبين كونها في بطن الدجاجة الميتة أنها إذا غسلت تؤكل؛ لأنَّ النجاسة غير واصلة إليها في واحد من الحالين؛ لصلابتها، والحائل بينها وبين النجاسة من القشر الصحيح الذي يحيط العلم أن لا سبيل لوصول شيء إلى داخلها، فإذا كانت غير صلبة لينة فهي نجسة لا يجوز أكلها. انتهى.\n• وخالف في هذه المسألة مالك، والليث، وبعض الشافعية، فقالوا بنجاستها؛ لأنها جزء من الدجاجة.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَقَوْلُهم: (إِنَّها جُزْءٌ مِنْهَا) غَيْرُ صَحِيْحٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مُوْدَعَةٌ فِيْهَا غَيْر مُتَّصِلَةٍ بِهَا، فَأَشْبَهَتِ الَوَلَدَ إِذَا خَرَجَ حَيًّا مِنَ المَيْتَةِ. اهـ\nوقال -﵀-: فَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ الْبَيْضَةُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَا كَانَ قِشْرُهُ أَبْيَضَ، فَهُوَ طَاهِرٌ، وَمَا لَمْ يَبْيَضَّ قِشْرُهُ فَهُوَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ حَائِلٌ حَصِينٌ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ؛ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ عَلَيْهَا غَاشِيَةٌ رَقِيقَةٌ كَالْجِلْدِ، وَهُوَ الْقِشْرُ قَبْلَ أَنْ يَقْوَى، فَلَا يَنْجُسُ مِنْهَا إلَّا مَا كَانَ لَاقَى النَّجَاسَةَ، كَالسَّمْنِ الْجَامِدِ إذَا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ تَطْهُرُ إذَا غَسَلَهَا؛ لِأَنَّ لَهَا مِنْ الْقُوَّةِ مَا يَمْنَعُ تَدَاخُلَ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهَا، بِخِلَافِ السَّمْنِ. انتهى.\nقلتُ: ما ذكره ابن عقيل هو وجهٌ عند الشافعية كما في «شرح المهذب»، وهو الراجح فيما يظهر لنا، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (١/ ٢٤٤)، «المغني» (١/ ١٠١).","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>مسألة [٥]: لبن الميتة، وإنفحَّتُها</span>.\nالإنفحة: هي لكل ذي كرش، شيءٌ يستخرج من بطنه، أصفر، يعصر في صُوْفَةٍ مبتلة في اللبن، فيغلظ كالجبن. «المصباح المنير».\n• ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنَّ اللبن، والإنفحة تعتبر نجسة، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية، والمالكية، وقالوا: إنَّ هذا مائع في وعاء نجس؛ فكان نجسًا، كما لو حُلِبَ في وعاء نجس.\n• وذهب أبو حنيفة، وداود الظاهري، وهو وجه ضعيفٌ عند الحنابلة إلى طهارته، واختاره شيخ الإسلام بناءً على ما اختاره من أنَّ الشيء لا ينجس إلا بالتغير، فقال: إن لم يكن متغيرًا بدمِ الميتة، وما أشبه ذلك؛ فهو طاهرٌ.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ٧٦): والذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة هو المذهب؛ لأنه وإن انفصل، واجتمع في الضرع قبل أن تموت؛ فإنه يسير بالنسبة إلى ما لاقاه من النجاسة؛ لأنها محيطة به من كل جانب، وهو يسير، ثم إنَّ الذي يظهر سريان عفونة الموت إلى هذا اللبن؛ لأنه ليس كالماء في قوة دفع النجاسة عنه، والمذهب، وإن كان فيه نظر من حيث قاعدة: (أن ما لا يتغير بالنجاسة فليس بنجس)، وهذه قاعدة عظيمة، محكمة، فالأخذ به من باب الاحتياط، وأيضًا بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]، واللبن في الضرع داخلٌ في هذا العموم. انتهى. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ١٠٠ -)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٠٢ - ١٠٤).","vol":"1","page":128},{"text":"١٩ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ -﵁-، قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا؛ إلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٢٠ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ (^٢) امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣)، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>مسألة [١]: حكم آنية الكفار</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب»: يكره استعمال أواني الكفار، سواء فيه أهل الكتاب، وغيرهم، والمتدين باستعمال النجاسة، وغيره، ودليله حديث أبي ثعلبة الخشني -﵁-، قال أصحابنا: وأوانيهم المستعملة في الماء أخف كراهة؛ فإن تيقن طهارة أوانيهم؛ فلا كراهة حينئذٍ في استعمالها.\nثم قال: وهذا الذي ذكرناه من الحكم بطهارة أواني الكفار هو مذهبنا، ومذهب الجمهور من السلف، وحكى أصحابنا عن أحمد، وإسحاق نجاسة ذلك؛\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٤٧٨)، ومسلم برقم (١٩٣٠).\n(^٢) قال في «النهاية»: هو الظرف الذي يحمل فيه الماء، كالراوية، والقربة، والسطيحة، والجمع: مزاود، والميم زائدة.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٣٤٤)، ومسلم برقم (٦٨١). وليس في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه توضؤوا من المزادة، ولكن فيه أنهم شربوا منها، واغتسل أحدهم من الجنابة منها. وبهذا يحصل المقصود من الاستدلال بالحديث على طهارة آنية المشركين.","vol":"1","page":129},{"text":"لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، ولحديث أبي ثعلبة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «فاغسلوها»، واحتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥]، ومعلومٌ أن طعامهم يطبخونه في قدورهم، ويباشرونه بأيديهم، وبحديث عمران، وبأنَّ الأصل الطهارة، وبأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يأذن للكفار في دخول المسجد، ولو كانوا أنجاسًا لم يأذن.\nوأجاب أصحابنا عن الآية بجوابين، أحدها: معناها أنَّ المشركين نجس أديانهم، واعتقادهم، وليس المراد أبدانهم، وأوانيهم، بدليل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أدخلهم المسجد، واستعمل آنيتهم، وأكل طعامهم.\nوأجابوا عن حديث أبي ثعلبة: بأنَّ السؤال كان عن الآنية التي يطبخون فيها لحم الخنزير، ويشربون فيها الخمر، كما جاء في رواية أبي داود.\nوجواب آخر: أنه محمول على الاستحباب. ذكره الشيخ أبو حامد، ويدل عليه أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهاهم عن استعمالها مع وجود غيرها، وهذا محمول على الاستحباب بلا شك، والله أعلم. (^١)\nوالحاصل من هذه المسألة: أنَّ آنية الكفار إنْ تُيُقِّنَ من نجاستها؛ حرم استعمالها حتى يغسلها، وإن تيقن من طهارتها؛ فلا كراهة في استعمالها، وما عدا هاتين الصورتين فيكره استعمالها؛ لحديث أبي ثعلبة: «لا تأكلوا فيها ...» الحديث.\n_________\n(^١) انتهى بتصرف من «شرح المهذب» (١/ ٢٦٣ - ٢٦٥).","vol":"1","page":130},{"text":"وإنما حملنا النهي على الكراهة؛ لحديث عمران بن الحصين الذي في الباب، وللآية السابقة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.\nولحديث جابر في «سنن أبي داود» (٣٨٣٨)، وغيره، قال: كنا نغزو مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فنصيب من آنية المشركين، فنستمتع بها، فلا يعيب ذلك علينا.\nولحديث عبد الله بن مغفل في «الصحيحين» (^١) (١٧٧٢)، قال: أصبت جِرَابًا من شحم يوم خيبر، فالتزمته، وقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا، فالتفت، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- متبسمًا. ولأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أكل من آنية اليهودية التي وضعت له السمَّ بالطعام.\nوغسل الآنية في حديث أبي ثعلبة محمول على الاستحباب؛ لعدم غسل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للآنية التي استعملها، كما في الأدلة المتقدمة، وقد أشار إلى هذا النووي في آخر كلامه، فَتَنَبَّه. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٥٠٨)، ومسلم برقم (١٧٧٢).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١/ ١٠٩ - ١١١).","vol":"1","page":131},{"text":"٢١ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-: أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ - ﷺ - انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ (^١) سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>المسائل والأحكام المستفادة من الحديث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>مسألة [١]: التضبيب بالفضة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٥٢٠): وجملة ذلك أنَّ الضبة من الفضة تُباح بشروط: أحدها: أن تكون يسيرة. الثاني: أن تكون من الفضة، فأما الذهب فلا يباح، وقليله، وكثيره حرام. الثالث: أن يكون لحاجة.\nثم قال ابن قدامة -﵀-: وممن رخص في ضبة الفضة: سعيد بن جبير، وميسرة، وزاذان، وطاوس، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وإسحاق، وقال: قد وضع عمر بن عبد العزيز فاه بين ضبتين. انتهى المراد.\nونقل ابن عبد البر في «التمهيد» (١٦/ ١٠٩) جواز الشرب من الإناء المفضض عن عمران بن حصين، وأنس بن مالك (^٣)، وطاوس، ومحمد بن علي ابن الحسن، والحكم بن عتيبة، وإبراهيم النخعي، وحماد، والحسن، وأبي العالية. اهـ، ونقل عن الشافعي كراهة ذلك.\n_________\n(^١) قال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٦٣٨): الشعب بفتح المعجمة وسكون العين المهملة هو الصدع، وكأنه سد الشقوق بخيوط من فضة فصارت مثل السلسلة.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٣١٠٩).\n(^٣) أخرجه عنهما ابن أبي شيبة (٨/ ٢٤)، من طريق عمران القطان، عن قتادة عنهما، وإسناده ضعيف؛ لضعف عمران.","vol":"1","page":132},{"text":"قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٥٢٠): وكره الشرب في الإناء المفضض: علي بن الحسين، وعطاء، وسالم، والمطلب بن عبد الله بن حنطب، ونهت عائشة أن يضبب الإناء، أو يحلقها بالفضة (^١)، ونحو ذلك قول الحسن، وابن سيرين، ولعل هؤلاء كرهوا ما قصد به الزينة، أو كان كثيرًا، فيكون قولهم وقول الأولين واحدًا، ولا يكون في المسألة خلاف، فأما اليسير كتشعيب القدح ونحوه، فلا بأس؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان له قدح فيه سلسلة من فضة شُعِّبَ بها. رواه البخاري بمعناه. انتهى.\nقلتُ: والحاصل مما تقدم أنَّ الضبة من الفضة تُباح بالشروط المتقدمة، وقد رجح ذلك الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ٦٤).\nتنبيه: ذهب أكثر العلماء الذين أجازوا الإناء المضبب إلى كراهة مباشرة الفضة عند الأكل، أو الشرب، لكن قال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ٩٧): والصواب أنه ليس بمكروه، وله مباشرتها؛ لأنَّ الكراهة حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، وما دام ثبت بمقتضى حديث أنس المتقدم أنها مباحة، فما الذي يجعل مباشرتها مكروهة؟ وهل كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يتوقَّى هذه الجهة من قدحه؟ الجواب: لا. انتهى.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (١١/ ٦٩)، وابن أبي شيبة (٨/ ٢٧)، من طريق محمد بن سيرين، عن أم عمرو بنت أبي عمرو، عن عائشة. وأم عمرو المذكورة لم توجد لها ترجمة.\nووقع عند البيهقي (١/ ٢٩): عن ابن سيرين، عن عمرة، عن عائشة به. فإن كان إسناد البيهقي هو المحفوظ؛ فالأثر صحيح؛ وإلا فالمرأة المذكورة مجهولة.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>مسألة [٢]: التضبيب بالذهب</span>.\n• وأما التضبيب بالذهب، فقد ذهب عامة العلماء إلى تحريم ذلك؛ لأن النص إنما جاء في الفضة.\n• ولم يخالف إلا القليل من أهل العلم، وهو وجه ضعيف عند الشافعية، والحنابلة، والراجح عدم الجواز. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (١/ ٢٥٤)، و«المغني» (١٢/ ٥٢٣).","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>بَابُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَبَيَانِهَا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>مسألة [١]: النجاسة الحسية تنقسم إلى قسمين:</span>\n١) نجاسة عينية، وهي ما كان عينها نجسٌ، فلا تطهر أبدًا ما دامت على عينها، كالغائط، والميتة.\n٢) نجاسة حكمية، وهي التي تقع على شيء طاهر، فينجس بها. (^١)\n\n٢٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الخَمْرِ: تُتَّخَذُ خَلًّا (^٢)؟ قَالَ: «لَا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>مسألة [١]: نجاسة الخمر</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى نجاسة الخمر، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠]، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك، ولا يصح، فقد خالف ربيعةُ شيخُ الإمام مالك، وداود الظاهري، كما في «شرح المهذب» (٢/ ٥٦٣).\nبَابُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَبَيَانِهَا\nقال الإمام النووي -﵀- -مع أنه من القائلين بنجاستها-: ولا يظهر من الآية\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الممتع» (١/ ٣٥١)، و«توضيح الأحكام» (١/ ١٦٨)، و«غاية المرام» (١/ ٨٧).\n(^٢) قال ابن منظور في «لسان العرب»: قال ابن سيده: الخلُّ ما حَمُض من عصير العنب وغيره. قال ابن دريد: هو عربي صحيح.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٩٨٣)، والترمذي (١٢٩٤).","vol":"1","page":135},{"text":"دلالة ظاهرة؛ لأن الرجس عند أهل اللغة: القذر، ولا يلزم من ذلك النجاسة، وكذا الأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة. انتهى المراد.\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٧٦): وَالْحَقُّ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ وَأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يُلَازِمُ النَّجَاسَةَ، فَإِنَّ الْحَشِيشَةَ مُحَرَّمَةٌ طَاهِرَةٌ، وَكَذَا الْمُخَدَّرَاتُ وَالسُّمُومُ الْقَاتِلَةُ، لَا دَلِيلَ عَلَى نَجَاسَتِهَا ...، فَإِذَا عَرَفْت هَذَا؛ فَتَحْرِيمُ الْحُمُرِ، وَالْخَمْرِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَجَاسَتُهُمَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا بَقِيَتَا عَلَى الْأَصْلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ الطَّهَارَةِ، فَمَنْ ادَّعَى خِلَافَهُ؛ فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ. انتهى.\nوقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: والصحيح أنها ليست بنجسة، والدليل على ذلك ما يلي:\n١) حديث أنس -﵁- في «الصحيحين» (^١)، أنَّ الخمر لما حُرِّمَتْ خرج الناس، وأراقوها في الأسواق، وأسواق المسلمين لا يجوز أن تكون مكانًا للنجاسة.\n٢) ما رواه مسلم (^٢) عن ابن عباس -﵄-، أنَّ رجُلًا جاء براوية خمرٍ، فأهداها للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: أما علمت أنها حُرِّمَتْ، فسارَّ رجُلًا: أنْ بِعْهَا. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ الله إذا حَرَّمَ شيئًا حَرَّمَ ثمنه»، ففك الرجل الراوية، ثم أراقها بحضرة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يقل له: اغسلها، وهذا بعد التحريم.\n٣) أنَّ الأصل الطهارة، حتى يقوم دليل النجاسة، ولا دليل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٤٦٤)، ومسلم برقم (١٩٨٠)، من حديث أنس -﵁-، وفيه: في سكك المدينة.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٥٧٩).","vol":"1","page":136},{"text":"والجواب عن الآية: أنه يراد بالنجاسة المعنوية لا الحسية؛ لوجهين:\nالأول: أنها قرنت بالأنصاب، والأزلام، والميسر، ونجاسة هذه معنوية.\nالثاني: أنَّ الرجس هنا قُيِّدَ بقوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، فهو رجسٌ عملي، وليس رجسًا عينيًّا تكون به هذه الأشياء نجسة. انتهى، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>مسألة [٢]: حكم تخليل الخمر</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى تحريم تخليل الخمر إذا خللها بإضافة بعض المواد إليها، كالخل، أو الملح، أو خميرة، أو بصل، أو خبز حار، واستدلوا على ذلك بحديث الباب، وجاء عند أبي داود (٣٦٧٥)، وأحمد (٣/ ١١٩) بإسناد صحيح من حديث أنس -﵁-: أنَّ أبا طلحة سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن أيتامٍ ورثوا خمرًا؟ قال: «أهرقها»، قال: أفلا نجعلها خلًّا؟ قال: «لا».\n• وذهب أبو حنيفة إلى جواز ذلك، قال القرطبي كما في «النيل» (٥/ ٤٢١): كيف يصح لأبي حنيفة القول بالتخليل مع هذا الحديث، ومع سببه الذي خرج عليه؛ إذ لو كان جائزًا لكان قد ضيع على الأيتام أموالهم، ولوجب الضمان على من أراقها عليهم، وهو أبو طلحة. انتهى.\nوأما إذا كان التخليل بنقلها من الشمس إلى الظِّل، أو من الظِّل إلى الشمس، فقد أجازه أيضًا الشافعية على الوجه الأصح عندهم، والصحيح أنَّ هذا أيضًا لا يجوز؛ لأنه يشمله حديث الباب. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «شرح مسلم» (١٣/ ١٦٢)، «شرح المهذب» (٢/ ٥٧٨)، «النيل» (٤٢١).","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>مسألة [٣]: إذا تخللت الخمر بنفسها</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٩٨٣): وأجمعوا على أنها إذا انقلبت بنفسها خلًّا؛ طهرت، وقد حكي عن سحنون المالكي أنها لا تطهر؛ فإن صحَّ عنه فهو محجوج بالإجماع قبله. انتهى.\nقلتُ: قوله (طهرت) يعني (وتحل)، وهذا مبني على القول بنجاستها، وتقدم أنَّ الراجح أنها محرمة، وليست بنجسة، فإذا تخللت بنفسها؛ حلَّت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>مسألة [٤]: إذا خلل الإنسان الخمر، فهل تصبح الخمر حلالًا</span>؟\n• ذهب جمهور أهل العلم، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد، إلى أنه يأثم بتخليله، ولا تحل الخمر، إن أصبحت خلًّا؛ لأنها خُلِّلَت بطريقةٍ غير شرعية، مخالفة لأمر الله ورسوله، فيكون باطلًا، مردودًا، فلا يترتب عليه أثر.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تطهر، مع كون الفعل حرامًا، وعللوا ذلك بأنَّ علة النجاسة، والتحريم الإسكار، والإسكار قد ذهب؛ فتكون حلالًا، وهذا القول رواية عن مالك.\n• وقال آخرون: إنْ خلَّلَها مَنْ تحل له، كأهل الكتاب اليهود، والنصارى، حلَّت، وصارت طاهرة، وإنْ خلَّلَها منْ لا تحل له؛ فهي حرام، نجسة. وهذا القول رواية عن مالك.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: وهذا أقرب الأقوال.\n• وذهب أبو حنيفة إلى جواز تخليلها، وهو قول باطل مخالف للأدلة.","vol":"1","page":138},{"text":"قلتُ: الثابت عن الصحابة رضوان الله عليهم، أنه لا يؤكل منها إلا إن تخللت بنفسها؛ فقد أخرج أبو عبيد في الأموال (٣١١) قال: حدثني يحيى بن سعيد، ويزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن القاسم بن محمد، عن أسلم، قال: قال عمر بن الخطاب: لا تأكل خلا من خمر أفسدت، حتى يبدأ الله بفسادها، وذلك حين طاب الخل، ولا بأس على امرئ أصاب خلا من أهل الكتاب أن يبتاعه، ما لم يعلم أنهم تعمدوا إفسادها.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ١٤) عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، بإسناده، قال: لا بأس بخل وجدته مع أهل الكتاب؛ ما لم تعلم أنهم تعمدوا إفسادها بعد ما صارت خمرًا.\nوهذا إسنادٌ صحيحٌ.\nوأخرج ابن أبي شيبة (٨/ ١٢) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، قال: اختلف رجلان من أصحاب معاذ في خل الخمر، فسألا أبا الدرداء؟ فقال: لا بأس به. وإسناده صحيح أيضًا.\nقلتُ: ولكن تقدم أنَّ الخمر طاهرة، ولا يحكم عليها بالنجاسة، فَتَنَبَّه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>مسألة [٥]: استحالة النجاسة</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى أن استحالة النجاسة لا يطهرها، كالعذرة إذا صارت ترابًا، أو جلود الميتة إذا أُحرِقت، وصارت رمادًا، أو وقعت ميتة في\n_________\n(^١) انظر: «تفسير القرطبي» (٦/ ٢٩٠)، و«الشرح الممتع» (١/ ٣٦٨) «الاستذكار» (٢٣/ ٣١٣ -).","vol":"1","page":139},{"text":"مملحة فصارت ملحًا، وقالوا: إنَّ هذه المادة هي أصلها تلك المادة النجسة.\n• وذهب أبو حنيفة، وأهل الظاهر إلى أن النجاسات تطهر بالاستحالات، وهذا القول هو رواية عن أحمد، انتصر لها شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٧٠ - ٧١): وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَعْيَانَ لَمْ تَتَنَاوَلُهَا نُصُوصُ التَّحْرِيمِ لَا لَفْظًا، وَلَا مَعْنًى، فَلَيْسَتْ مُحَرَّمَةً، وَلَا فِي مَعْنَى الْمُحَرَّمِ، فَلَا وَجْهَ لِتَحْرِيمِهَا، بَلْ تَتَنَاوَلُهَا نُصُوصُ الْحِلِّ؛ فَإِنَّهَا مِنْ الطَّيِّبَاتِ، وَهِيَ أَيْضًا فِي مَعْنَى مَا اُتُّفِقَ عَلَى حِلِّهِ، فَالنَّصُّ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي تَحْلِيلَهَا. وَأَيْضًا فَقَدْ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أنَّ الْخَمْرَ إذَا صَارَتْ خَلًّا بِفِعْلِ الله تَعَالَى، صَارَتْ حَلَالًا طَيِّبًا، وَاسْتِحَالَةُ هَذِهِ الْأَعْيَانِ أَعْظَمُ مِنْ اسْتِحَالَةِ الْخَمْرِ، وَاَلَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا قَالُوا: الْخَمْرُ نَجُسَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ؛ فَطَهُرَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ، بِخِلَافِ الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ. وَهَذَا الْفَرْقُ ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ جَمِيعَ النَّجَاسَاتِ نَجُسَتْ أَيْضًا بِالِاسْتِحَالَةِ؛ فَإِنَّ الدَّمَ مُسْتَحِيلٌ عَنْ أَعْيَانٍ طَاهِرَةٍ، وَكَذَلِكَ الْعَذِرَةُ، وَالْبَوْلُ، وَالْحَيَوَانُ النَّجِسُ، مُسْتَحِيلٌ عَنْ مَادَّةٍ طَاهِرَةٍ مَخْلُوقَةٍ. انتهى. (^١)\nوقال ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٩٤): وَعَلَى هَذَا فَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ تَعْدِيَةُ ذَلِكَ إلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ إذَا اسْتَحَالَتْ، وَقَدْ نَبَشَ النَّبِيُّ - ﷺ - قُبُورَ\n_________\n(^١) وانظر: (٢١/ ٤٧٩).","vol":"1","page":140},{"text":"الْمُشْرِكِينَ مِنْ مَوْضِعِ مَسْجِدِهِ، وَلَمْ يَنْقُلْ التُّرَابَ، وَقَدْ أَخْبَرَ الله سُبْحَانَهُ عَنْ اللَّبَنِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا عُلِفَتْ بِالنَّجَاسَةِ، ثُمَّ حُبِسَتْ وَعُلِفَتْ بِالطَّاهِرَاتِ حَلَّ لَبَنُهَا وَلَحْمُهَا، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ وَالثِّمَارُ إذَا سُقِيَتْ بِالْمَاءِ النَّجَسِ، ثُمَّ سُقِيَتْ بِالطَّاهِرِ حَلَّتْ لِاسْتِحَالَةِ وَصْفِ الْخُبْثِ وَتَبَدُّلِهِ بِالطَّيِّبِ، وَعَكْسُ هَذَا أَنَّ الطَّيِّبَ إذَا اسْتَحَالَ خَبِيثًا صَارَ نَجَسًا كَالْمَاءِ وَالطَّعَامِ إذَا اسْتَحَالَ بَوْلًا وَعَذِرَةً، فَكَيْفَ أَثَّرَتْ الِاسْتِحَالَةُ فِي انْقِلَابِ الطَّيِّبِ خَبِيثًا، وَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي انْقِلَابِ الْخَبِيثِ طَيِّبًا؟\nإلى أن قال: وَالْحُكْمُ تَابِعٌ لِلِاسْمِ وَالْوَصْفُ دَائِرٌ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا. انتهى. (^١)\nوقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (١٣٢): وَإِذَا أُحْرِقَتْ الْعَذِرَةُ، أوِ المَيْتَةُ، أو تَغَيَّرَتْ فَصَارَتْ رَمَادًا أو تُرَابًا، فَكُلُّ ذَلِكَ طَاهِرٌ، وَيُتَيَمَّمُ بِذَلِكَ التُّرَابِ، بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الأَحْكَامَ إنَّمَا هِيَ عَلَى مَا حَكَمَ الله تَعَالَى بِهَا فِيهِ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الاِسْمُ الَّذِي بِهِ خَاطَبَنَا الله عَزَّوَجَلَّ، فَإِذَا سَقَطَ ذَلِكَ الاِسْمُ فَقَدْ سَقَطَ ذَلِكَ الْحُكْمُ، وَأَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي حَكَمَ الله تَعَالَى فِيهِ. وَالْعَذِرَةُ غَيْرُ التُّرَابِ وَغَيْرُ الرَّمَادِ، وَكَذَلِكَ الْخَمْرُ غَيْرُ الْخَلِّ، وَالإِنْسَانُ غَيْرُ الدَّمِ الَّذِي مِنْهُ خُلِقَ، وَالمَيْتَةُ غَيْرُ التُّرَابِ. اهـ\nوقد رجَّح هذا القول الشوكاني في «الدراري»، ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ، كما في «توضيح الأحكام» (١/ ١٧٢)، وهو الراجح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «بدائع الفوائد» (٣/ ١١٩ - ١٢٠).\n(^٢) وانظر: «شرح المهذب» (٢/ ٥٧٩)، «المغني» (١/ ٩٧).","vol":"1","page":141},{"text":"٢٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: لمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى: إنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>مسألة [١]: اختلاف العلماء في نجاسة الحمار الأهلي، والبغل</span>.\n• ذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى نجاستهما، وتبعه على ذلك كثير من الحنابلة، واستدلوا بحديث الباب: «فإنها رجسٌ».\n• وذهب الإمامان: مالك، والشافعي إلى أنهما طاهران، وهو رواية عن أحمد، اختارها بعضه أصحابه.\nقال الموفق ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٦٨): والصحيح عندي طهارتهما؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يركبهما، وتركب في زمنه، وفي عصر الصحابة، فلو كان نجسًا؛ لبَيَّنَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذلك، ولأنهما مما لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما، فأشبه السِّنَّور، وقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحمر: «إنها رجس»، أراد أنها محرمة، كقوله تعالى في الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام ﴿رِجْسٌ﴾، ويحتمل أنه أراد لحمها الذي كان في قدروهم؛ فإنه نجس؛ لأن ذبح ما لا يحل أكله لا يطهره. انتهى.\nقلتُ: ويمكن الجواب أيضًا بأنَّ الرجس بمعنى القذر، ولا يلزم منه النجاسة،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٩٩١) (٥٥٢٨)، ومسلم برقم (١٩٤٠)، وليس عند البخاري تسمية: (أبا طلحة).","vol":"1","page":142},{"text":"بل مجرد التقذر، والاستخباث، والله أعلم.\nوهذا القول هو الراجح، قال المرداوي في «الإنصاف» (١/ ٣٢٣): وهو الصحيح، والأقوى دليلًا. اهـ\nوقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٧٦): فَتَحْرِيمُ الْحُمُرِ وَالْخَمْرِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَجَاسَتُهُمَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا بَقِيَتَا عَلَى الْأَصْلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ الطَّهَارَةِ، فَمَنْ ادَّعَى خِلَافَهُ؛ فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ. اهـ\nوقد رجَّح هذا القول الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد الرحمن السعدي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهم، كما في «توضيح الأحكام»، و«شرح بلوغ المرام» للعثيمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>مسألة [٢]: حكم أكل الحمر الأهلية</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٣/ ٩٧): فَقَالَ الْجَمَاهِير مِنْ الصَّحَابَة، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدهمْ بِتَحْرِيمِ لُحُومهَا؛ لِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة -ومنها حديث أنس الذي في الباب- وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَيْسَتْ بِحَرَامٍ. وَعَنْ مَالِك ثَلَاث رِوَايَات، أَشْهَرهَا: أَنَّهَا مَكْرُوهَة كَرَاهِيَة تَنْزِيه شَدِيدَة، وَالثَّانِيَة: حَرَام، وَالثَّالِثَة: مُبَاحَة. وَالصَّوَاب التَّحْرِيم، كَمَا قَالَهُ الْجَمَاهِير؛ لِلْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَة. وَأَمَّا الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي «سُنَن أَبِي دَاوُدَ» (^١) عَنْ غَالِب بْن أَبْجَرَ قَالَ: أَصَابَتْنَا\n_________\n(^١) انظر: «سنن أبي داود» برقم (٣٨٠٩).","vol":"1","page":143},{"text":"سَنَة، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي شَيْء أُطْعِم أَهْلِي إِلَّا شَيْء مِنْ حُمُر، وَقَدْ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - حَرَّمَ لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة، فَأَتَيْت النَّبِيّ - ﷺ -، فَقُلْت: يَا رَسُول الله، أَصَابَتْنَا السَّنَة، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِم أَهْلِي إِلَّا سِمَان حُمُر، وَإِنَّك حَرَّمْت لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة. فَقَالَ: أَطْعِمْ أَهْلَك مِنْ سَمِين حُمُرك، فَإِنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ أَجْل جَوَّال الْقَرْيَة -يَعْنِي بِالْجَوَّالِ الَّتِي تَأْكُل الْجُلَّة، وَهِيَ الْعُذْرَة-، فَهَذَا الْحَدِيث مُضْطَرِب، مُخْتَلَف الْإِسْنَاد، شَدِيد الِاخْتِلَاف، وَلَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى الْأَكْل مِنْهَا فِي حَال الِاضْطِرَار، وَاللهُ أَعْلَم. انتهى.\nقلتُ: كلام النووي كلامٌ مفيدٌ، مختصرٌ، وقول ابن عباس بالإباحة قد صحَّ عنه كما في «البخاري» (٥٥٢٩)، واستدل بالآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥].\nوابن عباس -﵄- قد بلغه النهي الذي في يوم خيبر، ولكنه قال كما في «الصحيحين» (^١): لا أدري أنهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الحمر الأهلية من أجل أنه كان حمولة الناس، فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرمها البتة يوم خيبر؟\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٥٢٩): والاستدلال بهذا -يعني بالآية المتقدمة- إنما يتم فيما لم يأت فيه نصٌّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بتحريمه، وقد تواردت الأخبار بتحريمه، والتنصيص على ذلك مقدم على عموم التحليل، وعلى القياس.\nوقال -مجيبًا عن احتمال ابن عباس، واحتمال غيره-: قلت: وقد أزال هذه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٢٢٧)، ومسلم برقم (٣٢) من [كتاب الصيد والذبائح].","vol":"1","page":144},{"text":"الاحتمالات من كونها لم تُخَمَّس، أو كانت جلالة، أو كانت انتهبت، وكذا قول ابن عباس (لقلة الظهر، وذهاب حمولة الناس) حديث أنس المذكور، وفيه: «فإنها رجسٌ». انتهى.\nوأما حديث غالب بن أبجر، فقد حكم عليه بالاضطراب أيضًا الزيلعي، ونقل عن البيهقي أنه قال في «المعرفة»: حديث غالب بن أبجر إسناده مضطرب، وإنْ صحَّ، فإنما رخص له عند الضرورة، حيث تباح الميتة، كما في لفظه. (^١)\nوقال الحافظ -﵀- في «الفتح» حديث (٥٥٢٩): وإسناده ضعيفٌ، والمتن شاذٌّ، مخالفٌ للأحاديث الصحيحة، فالاعتماد عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>مسألة [٣]: حكم الحيوان الذي لا يؤكل لحمه إذا ذُكِّيَ</span>.\n• ذهب أحمد، والشافعي، وداود، ومالك في رواية إلى أن ما لا يؤكل لحمه إذا ذُبِحَ فهو نجس؛ لأن هذه ذكاة غير شرعية، فلا تحله، ولا تطهره، واستدلوا بحديث: «فإنها رجسٌ»، وبحديث سلمة بن الأكوع -﵁- في «البخاري» (٤١٩٦)، ومسلم (١٨٠٢)، وفيه: أنَّ الصحابة نصبوا القدور يوم خيبر بلحوم الحمر، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اهريقوها، واكسروها»، فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها، ونغسلها؟ فقال: «أو ذاك».\n• وذهب أبو حنيفة، ومالك في رواية إلى أنه إذا ذبح فقد طهر جلده، قال بعض أصحاب أبي حنيفة: ولحمه. وقالوا: لا ملازمة بين التحريم، والنجاسة، فيكون\n_________\n(^١) انظر: «نصب الراية» (٤/ ١٩٨).","vol":"1","page":145},{"text":"أكله محرمًا، مع أنه طاهرٌ. واستدلوا بحديث: «دباغ الأديم ذكاته»، فَشَبَّهَ الدبغ بالذكاة، والمشبه به أقوى من المشبه، فإذا طهَّر الدبغ مع ضعفه، فالذكاة أولى، ولأنَّ الدبغ يرفع العلة بعد وجودها، والذكاة تمنعها، والمنع أقوى من الرفع. واستدل لهم كذلك بأنَّ العلة من نجاسة الميتة احتقان الدم كما تقدم في مسألة (ما لا نفس له سائلة)، ومسألة (عظام الميتة)، والدم يخرج من هذا الحيوان بذبحه، فما هو الدليل على نجاسته، وأما حديث: «فإنها رجسٌ»، فقد تقدم الجواب عليه، وأما كونها ذكاة غير شرعية؛ فإن ذلك لا يستلزم النجاسة، وأما الأمر بغسل الآنية؛ فلكونها فيها لحم محرم، فيجب غسل الإناء من اللحم وأثره.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: يمكن أن يستدل على نجاسة الحيوان الذي لا يؤكل إذا ذكي بأنه صار ميتة، وإنما استثني في الشرع الحيوان الذي يؤكل إذا ذكي ذكاة شرعية، وأما ما لا يؤكل؛ فذكاته غير شرعية؛ فهو ميتة.\nوكذلك الحيوان الذي يؤكل إذا ذكي ذكاة غير شرعية؛ فهو ميتة، وعليه فجلده ولحمه نجس كما هو مذهب أحمد، والشافعي، وهو الراجح، والله أعلم.\nوأما كون العلة (احتقان الدم) في (ما لا نفس له سائلة) فهي علة مستنبطة، وقد يحتمل أيضًا أنَّ العلة أيضًا أنها قليلة الرطوبة، أو معدومتها مع العلة المتقدمة، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٩٦)، و«المجموع» (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦).","vol":"1","page":146},{"text":"٢٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ -﵁- قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِمِنًى، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَلُعَابُهَا يَسِيلُ عَلَى كَتِفِي. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>مسألة [١]: لعاب الحيوانات</span>.\nفي الحديث طهارة لعاب الإبل، وهو كذلك بالإجماع، ويلتحق بطهارة لعابه جميع الحيوانات التي يؤكل لحمها بالإجماع، واختلفوا في لعاب الحمر، والبغال، والسباع، والراجح طهارته كما تقدم الكلام على ذلك، عند الكلام على آسارها في شرح حديث: «إنها ليست بنجس»، يعني الهرة. فراجعه.\nمسألة ملحقة: لعاب الآدمي المسلم طاهرٌ بالإجماع، وقد كان جرير بن عبدالله يأمر أهله أن يتوضؤوا بفضل سواكه. أخرجه عبدالرزاق (١/ ١٨٤) عن الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: كان جرير ... فذكره، وأخرجه البيهقي (١/ ٢٥٥) من طريق قبيصة، عن الثوري به، وهذا إسنادٌ صحيح.\nوأما لعاب الكافر فهو طاهرٌ على الصحيح، خلافًا لابن حزم ومن معه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] المراد به نجاسة معنوية كما تقدم بيان ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ١٨٦ - ١٨٧) (٤/ ٢٣٨)، والترمذي (٢١٢١)، وفي إسناده: شهر بن حوشب مختلف فيه والراجح ضعفه.\nولكن قد جاء عن ابن عمر عند البيهقي (١/ ٢٥٥)، وهو من طريق العباس بن الوليد بن مزيد، عن أبيه، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن زيد بن أسلم، وغيره، عن ابن عمر به ...، في قصة ذكرها في الحج قال: وإني تحت ناقة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يمسني لعابها أسمعه يلبي بالحج. وإسناده صحيح.","vol":"1","page":147},{"text":"ومما يؤيد ذلك الحديث الذي عند النسائي في «الكبرى» (٥٥٠) (٥٥١)، عن أبي هريرة -﵁-: أنَّ عفريتًا من الجن أراد أن يمر بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو في الصلاة.\nوفي الحديث: فخنقه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حتى وجد برد لسانه في يده. وهو حديث صحيح، والله أعلم.","vol":"1","page":148},{"text":"٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَغْسِلُ المَنِيَّ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ. وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الغَسْلِ فِيهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَلِمُسْلِمٍ: لَقَدْ كُنْت أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَرْكًا فَيُصَلِّي فِيهِ. (^٢) وَفِي لَفْظٍ لَهُ: لَقَدْ كُنْت أَحُكُّهُ يَابِسًا بِظُفْرِي مِنْ ثَوْبِهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>مسألة [١]: حكم مني الآدمي</span>.\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالأول: القول بنجاسته، وهو قول أبي حنيفة، ومالك.\nواستدلوا على ذلك بأدلة:\n١) حديث عائشة الذي في الباب؛ فإن فيه غسل المني، وإنما يغسل لنجاسته.\n٢) أنَّ المذي نجسٌ، وهو مبدأُ المني.\n٣) أنه يخرج من مخرج البول، فكان نجسًا كالبول.\n٤) حديث عمار عند أبي يعلى (١٦١١)، والدارقطني (١/ ١٢٧)، وغيرهما: «إنما تغسل ثوبك من الغائط، والبول، والمني، والدم، والقيء».\n٥) أمر بالغسل من المني جماعة من الصحابة، وهم: عائشة، وابن عمر وجابر بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٢٩)، ومسلم برقم (٢٨٩)، واللفظ لمسلم.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٢٨٨).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٢٩٠).","vol":"1","page":149},{"text":"سمرة -﵃- والأسانيد إليهم صحيحة كما في «الأوسط لابن المنذر» (٢/ ٢٨١ -).\nوقد رجَّح الشوكاني -﵀- هذا القول في «نيل الأوطار».\nالثاني: طهارة المني، وهو قول الشافعي، وأحمد.\nواستدلوا على ذلك بأدلة:\n١) حديث عائشة الذي في هذا الباب، وفيه: أنها كانت تكتفي بفرك المني، وحَكِّهِ من دون غسل، وهذا أكبر دليل على طهارته، ولو كان نجسًا لما اكتفي بذلك، فقد ثبت عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال في دم الحيض: «تَحُتُّهُ، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه».\n٢) أنَّ الأصل في الأشياء الطهارة، فمن ادَّعى نجاسته؛ فعليه الدليل الصحيح، الصريح على ذلك.\n٣) لم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بغسله مع عموم البلوى به.\n٤) عدم مبادرة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى إزالته، وتركه حتى ييبس دليل على طهارته، ذلك أنَّ المعروف من هدي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المبادرة في إزالة النجاسة كما أمر الصحابة بغسل بول الأعرابي الذي بال في المسجد، وكما بادر بغسل ثوبه من بول الغلام الذي بال في حجره، ولو قيل: إنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يعلم به حتى صار يابسًا، فالجواب: لو كان نجسًا لأُوْحِي إليه بنجاسته كما أُوحِي إليه بنجاسة نعله، وهذا القول هو","vol":"1","page":150},{"text":"الراجح، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، ثم الشيخ ابن عثيمين، رحمة الله عليهم أجمعين.\n٥) اقتصر بعض الصحابة على فركه، ثبت ذلك عن سعد وعائشة -﵄-، وصحَّ عن ابن عباس -﵄-، أنه قال: امسحه بإذخرة، أو خرقة، ولا تغسله إن شئت إلا أن تقذره، أو تكره أن يرى على ثوبك. «الأوسط» (٢/ ٢٨٣).\nوأما الردُّ عن أدلة المذهب الأول، فكما يلي:\n١) حديث عائشة الذي في الباب، وفيه الغسل.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» حديث (٢٢٩): وليس في حديث الباب ما يدل على نجاسة المني؛ لأنَّ غسلها فعل، وهو لا يدل على الوجوب بمجرده.\nوقال الشوكاني -﵀- في «النيل» (١/ ٩٧): وهذا لا يدل على المطلوب؛ لأنَّ غاية ما هناك أنه يجوز غسل المني من الثوب، وهذا مما لا خلاف فيه، بل يجوز غسل ما كان مُتَّفَقًا على طهارته، كالطيب، والتراب، فكيف بما كان مستقذرًا.\n٢) قولهم: إنَّ المذي هو مبدأُ المني.\nفقد أُجيب: بأنَّ هذه دعوى تحتاج إلى دليل؛ فإنهما حقيقتان مختلفتان في الماهية، والصفات، والعوارض، والرائحة، والطبيعة، وقد فرَّق الشارع بينهما، فأمر بغسل المذي، ولم يأمر بغسل المني.\n٣) أنه وإن كان يخرج من مخرج البول؛ فإنَّ مجرى البول غير مجرى المني.","vol":"1","page":151},{"text":"٤) حديث عمار موضوعٌ، باطلٌ، في إسناده: ثابت بن حماد، وهو متهم بالوضع.\nوقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٥٤٩): باطلٌ لا أصل له.\nقلتُ: وأدلة القائلين بالطهارة لم تسلم من الكلام عليها، ولكن الذي يظهر أن الكلام فيها لا يقدح بالاستدلال بها، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «سبل السلام» (١/ ٧٩)، و«نيل الأوطار» (١/ ٩٧ - ٩٨)، و«شرح المهذب» (١/ ٥٥٤)، و«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٨٧ - ٦٠٧)، و«الفتح» (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤)، و«بدائع الفوائد» (٣/ ١١٩ - ١٢٦)، و«توضيح الأحكام» (١/ ١٨٢ - ١٨٣)، و«الشرح الممتع» (١/ ٣٨٨ - ٣٨٩).","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>ذِكْرُ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>مسألة [١]: مني غير الآدمي</span>.\nقال الشيرازي -﵀- في «المهذب» كما في «المجموع» (٢/ ٥٥٥): وأما منى غير الآدمي، ففيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: الجميع طاهر إلا مني الكلب، والخنزير؛ لأنه خارج من حيوان طاهر يخلق منه مثل أصله، فكان طاهرًا كالبيض، ومني الآدمي.\nوالثاني: الجميع نجس؛ لأنه من فضول الطعام المستحيل، وإنما حكم بطهارته من الآدمي؛ لحرمته، وكرامته، وهذا لا يوجد في غيره.\nوالثالث: ما أكل لحمه؛ فمنيه طاهر كلبنه، وما لا يؤكل لحمه؛ فمنيه نجس كلبنه. انتهى.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٢/ ٥٥٥): وصحح الرافعي النجاسة مطلقًا، والمذهب الأول. اهـ\nقلتُ: والوجه الثالث عند الشافعية هو مذهب الحنابلة، كما في «الإنصاف» (١/ ٣٢٠)، والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ مني الحيوانات كلها طاهرة إلا ما ثبت الدليل في نجاسته كالكلب، وكذا الخنزير على قول الجمهور.","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>مسألة [٢]: رطوبة فرج المرأة</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٥٧٠): رطوبة الفرج ماءٌ أبيض متردد بين المذي، والعرق. اهـ\n• وقد اختلف العلماء فيه على قولين:\nالأول: نجاسته، وهو قولٌ للشافعي، ورواية عن أحمد، واستدلوا بحديث أُبَي ابن كعب في «الصحيحين» (^١): أنه قال: يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة، فلم يُنزل؟ قال: «يغسل ما مسَّ المرأة منه، ثم يتوضأ، ويصلي».\nالثاني: طهارته، وهو الصحيح في مذهب الحنابلة، والأصح عند الشافعية صححه النووي في «شرح المهذب»، ثم ابن الملقن في «شرح العمدة»، واستدلوا بحديث عائشة الذي في الباب، مع أنَّ المني قد خالطته تلك الرطوبة، وأيضًا فإنَّ القول بنجاسته فيه من الحرج، والمشقة ما لا يعلمه إلا الله تعالى، خصوصًا من ابْتُلي به من النساء.\nوقد رجَّحَ هذا القول الشيخ ابن عثيمين -﵀-، وأما الحديث الذي استدلوا به، فليس بصريح، بل يحتمل أن يكون الغسل لما أصابه من مذي المرأة؛ فإنها أشد مذيًا من الرجل، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٣)، ومسلم (٣٤٦).\n(^٢) انظر: «شرح المهذب» (٢/ ٥٧٠)، «الشرح الممتع» (١/ ٣٩١)، «توضيح الأحكام» (١/ ١٨٠ - ١٨١).","vol":"1","page":154},{"text":"٢٦ - وَعَنْ أَبِي السَّمْحِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلَامِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>مسألة [١]: تطهير بول الرضيع</span>.\n• أخذ بظاهر حديث الباب أحمد، وإسحاق، فقالوا: ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية، وذهب إلى هذا من التابعين: عطاء، والحسن، والزهري، وغيرهم، وقال به ابن وهب، وهو وجه عند الشافعية، وقال بهذا القول من الصحابة علي بن أبي طالب، وأم سلمة -﵄-. أخرجه أبو داود (٣٨٠، و٣٨٢)، وابن المنذر (٦٩٦، و٦٩٧).\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكفي النضح فيهما، وهو مذهب الأوزاعي، وهو وجه عند الشافعية.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح»: وحكي عن مالك، والشافعي، وهؤلاء قاسوا الجارية على الغلام، وهذا قياس فاسد الاعتبار؛ لمصادمته للنصوص. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (٣٧٦)، والنسائي (١/ ١٥٨)، والحاكم (١/ ١٦٦)، من طريق يحيى بن الوليد، حدثني محل بن خليفة الطائي، حدثني أبو السمح ... فذكره. وإسناده حسن.\n(^٢) منها: حديث أبي السمح الذي في الباب، وجاء بمعناه من حديث علي بن أبي طالب عند أحمد (٧٦٨)، والترمذي (٦١٠)، وإسناده صحيح، ومن حديث أم الفضل لبابة بنت الحارث -﵂- عند أحمد (٦/ ٣٣٩)، وأبي داود (٣٧٥)، وغيرهما، والثلاثة الأحاديث في «الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين» (١/ ٥٣٠ - ٥٣١) لشيخنا الإمام الوادعي -﵀-.","vol":"1","page":155},{"text":"• وذهب الحنفية، والمالكية إلى وجوب الغسل من بول الجارية، والغلام، وهذا أيضًا مخالفٌ لحديث الباب، والراجح هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>مسألة [٢]: ضابط الغلام الرضيع</span>.\nقلتُ: جاء في حديث علي -﵁-: «وينضح من بول الغلام ما لم يطعم».\nقال الإمام أحمد بن حنبل -﵀- كما في «المغني» (٢/ ٤٩٧): الصبي إذا طعم الطعام، وأراده، واشتهاه؛ غسل بوله، وليس إذا أطعم؛ لأنه قد يلعق العسل ساعة يولد، والنبي - ﷺ - حنك بالتمر، ولكن إذا كان يأكل، أو يريد الأكل. انتهى.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٣/ ١٩٩): ثم إنَّ النَّضح إنما يجزي ما دام الصبي يقتصر به على الرضاع، أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية؛ فإنه يجب الغسل بلا خلاف. اهـ\nوقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «فتح الباري» حديث (٢٢٣): المُرَاد بِالطَّعَامِ مَا عَدَا اللَّبَن الَّذِي يَرْتَضِعُهُ، وَالتَّمْر الَّذِي يُحَنَّكُ بِهِ، وَالْعَسَل الَّذِي يَلْعَقُهُ لِلْمُدَاوَاةِ وَغَيْرهَا، فَكَانَ المُرَاد أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الِاغْتِذَاء بِغَيْرِ اللَّبَنِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ، هَذَا مُقْتَضَى كَلَام النَّوَوِيّ فِي «شَرْحِ مُسْلِم» وَ«شَرْحِ الْمُهَذَّبِ».\nثُم قَالَ: وَحَمَلَ المُوَفَّق الْحَمَوِيّ فِي «شَرْحِ التَّنْبِيهِ» قَوْله: «لَمْ يَأْكُلْ» عَلَى ظَاهِرِهِ، فَقَالَ: مَعْنَاهُ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِجَعْلِ الطَّعَامِ فِي فِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَبِهِ جَزَمَ الْمُوَفَّق بْن قُدَامَةَ وَغَيْره. انتهى.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١/ ٤٢٧)، و«السبل» (١/ ٨١)، و«النيل» (١/ ٨٧ - ٨٨).","vol":"1","page":156},{"text":"وقال ابن الملقن -﵀- في «شرح العمدة» (١/ ٦٨١): معنى «لم يأكل»، أي: لم يستغن به، ويصير له غناءً عوضًا عن الإرضاع، لا أنه لم يدخل في جوفه شيء قط. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>مسألة [٣]: نجاسة بول الرَّضيع</span>.\nأَمْرُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالنَّضْحِ مِنْ بَوْلِهِ يدل على نجاسته، ولكنها نجاسة مخففة.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٣/ ١٩٩): وَلَا خِلَاف فِي نَجَاسَته، وَقَدْ نَقَلَ بَعْض أَصْحَابنَا إِجْمَاع الْعُلَمَاء عَلَى نَجَاسَة بَوْل الصَّبِيّ، وَأَنَّهُ لَمْ يُخَالِف فِيهِ إِلَّا دَاوُدُ الظَّاهِرِيّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره: وَلَيْسَ تَجْوِيز مَنْ جَوَّزَ النَّضْح فِي الصَّبِيّ مِنْ أَجْل أَنَّ بَوْله لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَلَكِنَّهُ مِنْ أَجْل التَّخْفِيف فِي إِزَالَته، فَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَأَمَّا مَا حَكَاهُ أَبُو الْحَسَن بْن بَطَّال، ثُمَّ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ الشَّافِعِيّ وَغَيْره أَنَّهُمْ قَالُوا: بَوْل الصَّبِيّ طَاهِر فَيُنْضَح. فَحِكَايَة بَاطِلَة قَطْعًا. اهـ\nوقال الحافظ -﵀- في «الفتح» حديث (٢٢٣): وَلَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ، وَلَا الْحَنَابِلَةُ، وَكَأَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيق اللَّازِم -يعني أنهم عندما قالوا: يكفي النضح فيلزم أنهم يقولون بطهارته- وَأَصْحَاب الْمَذْهَبِ أَعْلَم بِمُرَادِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ. اهـ\nقال ذلك ردًّا على ابن بطال، وابن عبدالبر؛ إذ نسبوا إلى الشافعي، وأحمد القول بطهارته.","vol":"1","page":157},{"text":"٢٧ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ فِي دَمِ الحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ (^١)، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>مسألة [١]: نجاسة دم الحيض</span>.\nقال الشوكاني -﵀- في «نيل الأوطار» (١/ ٧٧): واعلم أنَّ دمَ الحيض نجسٌ بإجماع المسلمين كما قال النووي. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>مسألة [٢]: حكم بقية الدماء</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٥٥٧) بعد أن استدل على نجاسة الدماء بحديث أسماء الموجود في الباب: والدلائل علي نجاسة الدم متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافًا عن أحدٍ من المسلمين إلا ما حكاهُ صاحبُ «الحاوي» عن بعض المتكلمين أنه قال: هو طاهرٌ. ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع، والخلاف على المذهب الصحيح الذي عليه جمهور أهل الأصول من أصحابنا، وغيرهم. اهـ\nوثبت عن ابن عمر -﵄-، أنه كان إذا رأى في ثوبه دمًا؛ فغسله، فبقي أثره أسود؛ دعا بمقص؛ فقرضه. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٩٨)، وابن المنذر\n_________\n(^١) أما الحتُّ: فهو الحك، والمراد بذلك إزالة عينه. وأما القرص: فهو الدلك لموضع الدم بأطراف الأصابع؛ ليتحلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه. وأما النضح: فهو الغسل. وقيل: الرش بالماء. انظر: «الفتح» (٢٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٢٧)، ومسلم برقم (٢٩١).","vol":"1","page":158},{"text":"٧٠٥ - من طريق أيوب، وعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر به.\nوقد نقل الإجماع على ذلك أيضًا ابن عبدالبر في «التمهيد» (٢٢/ ٢٣٠)، والقرطبي في تفسير سورة البقرة [آية:١٧٣]، وكذلك ابن رشد في «بداية المجتهد» (١/ ١٢٠)؛ إلا أنه قيَّد الإجماع بالحيوان البري، فقال: اتفق العلماء على أنَّ دم الحيوان البري نجس.\nقلتُ: استدلال النووي -﵀- بحديث أسماء لا يستقيم؛ لأنَّ دليله أخصُّ من دعواه، فالدليل يدل على نجاسة دم الحيض فقط، والدَّعوى أعم من ذلك، واستدلال غيره بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] لا يتجه؛ لأنَّ التحريم لا يلزم منه النجاسة، وأما قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:١٤٥]؛ فإنَّ الضمير عائد على لحم الخنزير على الصحيح، ومع ذلك فقد اختلفوا في تفسير الرجس كما تقدم في مسألة [لعاب الخنزير]؛ ولذلك قال الشوكاني -﵀- في «الدراري المضيئة» (١/ ٩٤): وأما سائر الدماء، فالأدلة فيها مختلفة، مضطربة، والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة، أو المساوية.\nوقد صحَّ عن ابن مسعود -﵁- أنه نحر جزورًا، وتلوث بدمائها، ثم صلَّى، ولم يغسلها. أخرجه عبدالرزاق (١/ ١٢٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩٢)، وصححه الإمام الألباني -﵀- في «الصحيحة» (١/ ٥٤٣)، وذهب -﵀- إلى طهارة سائر الدماء ما عدا دم الحيض، وَبَيَّنَ عَدَمَ صِحَّةِ الإجماع بكلامٍ نفيس في «الصحيحة» (٣٠٠)","vol":"1","page":159},{"text":"(١/ ٥٤٣)، وما بعدها، فراجعه.\nوقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «شرح البلوغ» (١/ ٢١٩): وأما بقية الدماء -يعني غير دم الحيض- فالقول الراجح فيها أنها ليست بنجسة، أي: الدماء الخارجة من الإنسان ليست بنجسة؛ لأنني إلى ساعتي هذه ما وجدت دليلًا يدل على النجاسة، وقد تقرر أن الأصل في الأشياء الطهارة إلا بدليل، وذكرنا في حديث: «ما قطع من البهيمة وهي حية؛ فهو ميتة» ذكرنا أنَّ القاعدة تقتضي ألا يكون نجسًا؛ لأن ميتة الآدمي طاهرة فما انفصل منه في حياته يكون طاهرًا كما لو قطعنا يدًا من يديه، أو رجلًا من رجليه؛ فهي طاهرة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: أما دم الآدمي، وكذلك دم ما ميتته طاهرة، كالسمك، وحيوان البحر، فالصحيح طهارته، ولا دليل نعلمه على نجاسته، وكيف يكون نجسًا وميتته طاهرة؟!\nوقد قال بطهارة دم السمك الجمهور كما في «بداية المجتهد» (١/ ١٢٠)، وعلق البخاري في «صحيحه» [باب (٢٤) من كتاب الوضوء] أثرًا عن الحسن أنه قال: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم. اهـ\nوصلى عمر بن الخطاب -﵁- عند أن طعن والدماء تسيل منه. أخرجه المروزي في كتابه «تعظيم قدر الصلاة» (٩٢٣ - ٩٢٥)، والآجري في الشريعة (ص ١٣٤)، وابن سعد (٣/ ٣٥١)، وغيرهم بأسانيد صحيحة، وصح عن ابن عمر في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ١٣٨)، أنه عصر بثرة في وجهه، فخرج شيء","vol":"1","page":160},{"text":"من دم فحكه بين إصبعيه، ثم صلى ولم يتوضأ.\nقلتُ: وكذلك دم الحيوان البري لا دليل على نجاسته كما تقدم، والإجماع لا يصح، ويستثنى من ذلك ما كان نجسًا كالكلب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>مسألة [٣]: هل يتعين الماء لغسل النجاسة</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الماء يتعين لإزالة النجاسة، واستدلوا بحديث أسماء: «ثم تقرصه بالماء».\n• وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، وهو رواية عن أحمد، إلى أنَّ النجاسة تزال بكل مائعٍ، طاهرٍ، وبكل ما أذهب عين النجاسة، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة في «البخاري» (٣١٢)، أنها قالت: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من الحيض قالت بريقها فقصعته بظفرها.\n• وقال الشوكاني -﵀- في «نيل الأوطار» (١/ ٧٦): والحقُّ أنَّ الماء أصلٌ في التطهير؛ لوصفه بذلك كتابًا، وسنةً، وصفًا مطلقًا غير مقيد، ولكن القول بتعينه وعدم إجزاء غيره يرده حديث مسح النعل، وفرك المني وحَتِّهِ، وإزالته بإذخره، وأمثال ذلك كثير، ولم يأت دليل بحصر التطهير في الماء، ومجرد الأمر به في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقًا، وغايته تعينه في ذلك المنصوص بخصوصه إنْ سلم.\nثم اختار الشوكاني -﵀- أنَّ الماء يتعين في كل نجاسة؛ إلا ما جاء فيه نصٌّ كمسح الخفين بالتراب.","vol":"1","page":161},{"text":"والراجح -والله أعلم- هو ما ذهب إليه أبو حنيفة، وقد رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وهو ترجيح الشيخ عبد الرحمن السعدي، وذلك لأنَّ الحكم هنا معقولُ المعنى، وهو: وجود النجاسة بوجود تلك العين النجسة، فإذا زالت العين النجسة زالت النجاسة، والحكم يدور مع عِلَّتِهِ وجودًا وعدمًا. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «نيل الأوطار» (١/ ٧٦)، و«توضيح الأحكام» (١/ ١٧٢ - ١٧٣).","vol":"1","page":162},{"text":"٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَتْ خَوْلَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبِ الدَّمُ؟ قَالَ: «يَكْفِيك المَاءُ وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>مسألة [١]: استخدام مواد منظفة مع الماء في غسل دم الحيض</span>.\nقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَكْفِيك المَاءُ»، استدل به على عدم وجوب استخدام مواد حادَّة منظفة مع الماء، كالسدر، والصابون، وما أشبههما، وقد قال بالاستحباب دون الوجوب كثير من أصحاب الشافعي، وأكثر الحنفية، ورجَّح هذا القول ابن خزيمة -﵀- في «صحيحه» (١/ ١٤١).\n• وذهب الشافعي -﵀- إلى الوجوب، واستدل بحديث أم قيس -﵂-، أنها سألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن دم الحيض يصيب الثوب؟ فقال: «حُكِّيهِ بضلع، واغسليه بماء وسدر» أخرجه أبو داود (٣٦٣)، وهو حديث صحيح.\nوقد مال الصنعاني إلى ترجيح هذا القول كما في «سبل السلام» (١/ ٨٤)، ورجَّحه الإمام الألباني -﵀- في «الصحيحة» (١/ ٥٤١).\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الذي يظهر أنَّ القول الأول أرجح والله أعلم.\nوحديث: «يكفيك الماء» ضعيفٌ كما تقدم، ولكن يغني عنه حديث أسماء\n_________\n(^١) ضعيف. لم يخرجه الترمذي، وقد أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٤، ٣٨٠)، وأبوداود (٣٦٥) وإسناده ضعيف؛ لأن فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف مختلط.","vol":"1","page":163},{"text":"الذي قبله، فقد سألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن دم الحيض؟ فأجابها بغسله بالماء دون السدر، وغيره، وهو مقام الفتوى، ولو كان يجب عليها ذلك لبينه؛ فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والأمر في حديث أم قيس يحمل على الاستحباب، جمعًا بين الأدلة، والله أعلم. (^١)\nوقوله في الحديث: «ولا يضرك أثره»، استدل به على أن بقاء أثر الحيض -أعني اللون، لا طعمه، وريحه- لا يضر، ومُرَخَّصٌ فيه، وقد صحَّ ذلك عن عائشة -﵂-، أخرجه أبو داود (٣٥٧)، وابن المنذر (٢/ ١٤٨).\nوفيه قول آخر: أنه يجب التخلص من أثره، ولو قرضه بالمقراض، وهو فعل ابن عمر، وصحَّ عنه كما في «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ١٤٨).\nقال ابن المنذر -﵀-: وبالقول الأول أقولُ، وهو قول عوام أهل العلم من فقهاء الأمصار.\nقلتُ: والحديث وإن كان ضعيفًا، إلا أنه يدل عليه حديث أسماء المتقدم؛ فإنه أمرها بغسله بالماء، ولم يفصل بين ما ذهب أثره وما لم يذهب أثره، والله أعلم.\n_________\n(^١) وانظر: «نيل الأوطار» (١/ ٧٧ - ٧٨)، و«سبل السلام» (١/ ٨٣ - ٨٤).","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>ذِكْرُ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ فِي البَابِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>مسألة [١]: كيف تُزالُ النجاسة عن الماء</span>؟\nتقدم في [باب المياه] أنَّ الماء إنما ينجس إذا حلت فيه نجاسة بالتغير، سواءً كان قليلًا، أو كثيرًا، وعلى هذا فإنَّ الماء تُزالُ نجاسته بإزالة التغير، وذلك بأنْ يضاف عليه الماء الطاهر حتى يذهب التغير.\nوقد ذهب الحنابلة، والشافعية، وغيرهم إلى ذلك، ولكنهم اشترطوا فيما إذا كان الماء دون القلتين أن يذهب التغير، ويبلغ الماء القلتين؛ وذلك بناءً على ما ذهبوا إليه من أنَّ الماء إذا كان دون القلتين ينجس بمجرد حلول النجاسة فيه، وليس كذلك كما تقدم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>مسألة [٢]: النجاسة تصيب الثوب، ولا يعلم مكانها من الثوب</span>.\n• ذكر ابن المنذر -﵀- في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه ينضح الثوب، وهو قول عطاء، والحكم، وحماد، وأحمد.\nالثاني: أن يتحرى ذلك المكان، فيغسله، هكذا قال ابن شبرمة.\nالثالث: وهو أن يغسل الثوب كله، روي هذا القول عن النخعي، وهو قول\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٥١ - ٥٢)، و«المجموع» (١/ ١٣٦).","vol":"1","page":165},{"text":"الشافعي، ومالك، ورجَّحه ابن المنذر، وهو الراجح؛ لأنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا يتم غسل النجاسة في هذه الحالة إلا بغسل جميع الثوب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>مسألة [٣]: هل تشترط النية في إزالة النجاسة</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- (٢١/ ٥٩): فَإِنَّ الْقَصْدَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ لَيْسَ بِشَرْطِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَكِنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد ذَكَرُوا وَجْهًا ضَعِيفًا فِي ذَلِكَ؛ لِيَطْرُدُوا قِيَاسَهُمْ فِي مُنَاظَرَةِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ، كَمَا أَنَّ زُفَرَ نَفَى وُجُوبَ النِّيَّةِ فِي التَّيَمُّمِ؛ طَرْدًا لِقِيَاسِهِ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مُطَّرَحٌ، وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ مَاءَ الْمَطَرِ يُطَهِّرُ الْأَرْضَ الَّتِي يُصِيبُهَا. اهـ\nوقال في موضع آخر (٢١/ ٤٧٨): وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَحِينَئِذٍ إذَا زَالَ الْخَبَثُ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ؛ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَلَكِنْ إنْ زَالَ بِفِعْلِ الْعَبْدِ وَنِيَّتِهِ أُثِيبَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا إذَا عَدِمَتْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، وَلَا نِيَّتِهِ؛ زَالَتْ الْمَفْسَدَةُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوَابٌ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عِقَابٌ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>مسألة [٤]: يسير النجاسة التي يشق التحرز منها</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٦ - ١٧): وَأَصْلٌ آخَرُ وَهُوَ: أَنَّ الْكُوفِيِّينَ قَدْ عُرِفَ تَخْفِيفُهُمْ فِي الْعَفْوِ عَنْ النَّجَاسَةِ، فَيَعْفُونَ مِنْ\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (٢/ ١٤٥ - ١٤٦).","vol":"1","page":166},{"text":"الْمُغَلَّظَةِ عَنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ البغلي (^١)، وَمِنْ الْمُخَفَّفَةِ عَنْ رُبُعِ الْمَحَلِّ الْمُتَنَجِّسِ.\nوَالشَّافِعِيُّ بِإِزَائِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَلَا يَعْفُو عَنْ النَّجَاسَاتِ إلَّا عَنْ أَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ؛ وَوَنِيمِ الذُّبَابِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَعْفُو عَنْ دَمٍ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ؛ إلَّا عَنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَنَحْوِهِ مَعَ أَنَّهُ يُنَجِّسُ أَرْوَاثَ الْبَهَائِمِ وَأَبْوَالَهَا، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ فِي النَّجَاسَاتِ نَوْعًا وَقَدْرًا أَشَدُّ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.\nوَمَالِكٌ مُتَوَسِّطٌ فِي نَوْعِ النَّجَاسَةِ وَفِي قَدْرِهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ بِنَجَاسَةِ الْأَرْوَاثِ وَالْأَبْوَالِ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَيَعْفُو عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ وَغَيْرِهِ.\nوَأَحْمَد كَذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ مُتَوَسِّطٌ فِي النَّجَاسَاتِ فَلَا يُنَجِّسُ الْأَرْوَاثَ وَالْأَبْوَالَ، وَيَعْفُو عَنْ الْيَسِيرِ مِنْ النَّجَاسَاتِ الَّتِي يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا حَتَّى إنَّهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ يَعْفُو عَنْ يَسِيرِ رَوْثِ الْبَغْلِ، وَالْحِمَارِ، وَبَوْلِ الْخُفَّاشِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، بَلْ يَعْفُو فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْيَسِيرِ مِنْ الرَّوْثِ وَالْبَوْلِ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي «شَرْحِ الْمَذْهَبِ»، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُوجِبُ اجْتِنَابَ النَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ عَنْهُ، لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كَمَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: ما شقَّ التحرز منه؛ فإنه يعفى عنه؛ لأنَّ من قواعد ديننا الحنيف أنَّ (المشقة تجلب التيسير).\n_________\n(^١) الدراهم البغْلِية: دراهم فارسية وتسمى (وافية) أيضًا (معجم البلاذري)، والدرهم البغلي مقداره (٦٤) حبة شعير=٧٧٦، ٣ غراما تقريبًا. «تكملة المعاجم العربية» لدوزي، و«معجم لغة الفقهاء» لقلعجي.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>مسألة [٥]: من وقع على ثوبه ماء لا يدري أنجسٌ أم لا، فهل يسأل عنه</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- (٢١/ ٦٠٧): لَا يَجِبُ غَسْلُهُ، بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَلِكَ لَا يُسْتَحَبُّ السُّؤَالُ عَنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ فَقَدْ مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَعَ رَفِيقٍ لَهُ، فَقَطَرَ عَلَى رَفِيقِهِ مَاءٌ مِنْ مِيزَابٍ، فَقَالَ صَاحِبُهُ: يَا صَاحِبَ الْمِيزَابِ مَاؤُك طَاهِرٌ أَمْ نَجِسٌ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا صَاحِبَ الْمِيزَابِ، لَا تُخْبِرْهُ؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ. وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\nأقول: أثر عمر -﵁- أخرج مالك (١/ ٢٣ - ٢٤)، والدارقطني (١/ ٣٢) معناه بسند منقطع، ومع ذلك فالحكم في المسألة كما ذكر شيخ الإسلام، والله أعلم.","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>بَابُ الوُضُوءِ</span>\nيُضبط (الوضوء) كما يضبط (الطهور)، وقد تقدم ضبط (الطهور) في أول الكتاب.\nوالوضوء في اللغة: أصله من الوضاءة، وهي الحسن، والنظافة.\nوشرعًا: هو التعبد لله عزوجل بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة. «الشرح الممتع» (١/ ١٤٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>مسألة [١]: اشتراط النية</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ النية شرطٌ لصحة الوضوء، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والليث، وأبي عبيد، وداود، وأبي ثور، وغيرهم، ودليلهم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات».\n• وذهبت طائفة إلى أنه يصح الوضوء، والغسل، والتيمم بلا نية، حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، والحسن بن صالح، وحكاه الشافعية عنهما، وعن زفر، وقال أبو حنيفة، والثوري: يصح الوضوء، والغسل بلا نية، ولا يصح التيمم إلا بالنية، وهي رواية عن الأوزاعي.\nوقد احْتُجَّ لهؤلاء بأدلة لا تدل على المطلوب، أوردها النووي -﵀- في «شرح","vol":"1","page":169},{"text":"المهذب» مع الرد عليها، والراجح هو القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>مسألة [٢]: التلفظ بالنية</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢١٨ - ٢١٩): وَالْجَهْرُ بِالنِّيَّةِ لَا يَجِبُ وَلَا يُسْتَحَبُّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ الْجَاهِرُ بِالنِّيَّةِ مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ، إذَا فَعَلَ ذَلِكَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مِنْ الشَّرْعِ؛ فَهُوَ جَاهِلٌ ضَالٌّ يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ، وَإِلَّا الْعُقُوبَةَ عَلَى ذَلِكَ إذَا أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ وَالْبَيَانِ لَهُ، لَا سِيَّمَا إذَا آذَى مَنْ إلَى جَانِبِهِ بِرَفْعِ صَوْتِهِ، أَوْ كَرَّرَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: إنَّ صَلَاةَ الْجَاهِرِ بِالنِّيَّةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْخَافِتِ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا، أَوْ مَأْمُومًا، أَوْ مُنْفَرِدًا. وَأَمَّا التَّلَفُّظُ بِهَا سِرًّا، فَلَا يَجِبُ أَيْضًا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ: إنَّ التَّلَفُّظَ بِالنِّيَّةِ وَاجِبٌ، لَا فِي طَهَارَةٍ وَلَا فِي صَلَاةٍ، وَلَا صِيَامٍ، وَلَا حَجٍّ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «شرح المهذب» (١/ ٣١٢ - ٣١٥).","vol":"1","page":170},{"text":"٢٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\nقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بالسواك».\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٥٢): قال أهل اللغة: السِّواك بكسر السين، وهو يطلق على الفعل، وعلى العود الذي يتسوك به ...، ثم قيل: إنَّ السواك مأخوذٌ من ساك إذا دلك، وقيل: من جاءت الإبل تساوك، أي: تتمايل هزالًا. وهو في اصطلاح العلماء استعمال عود، أو نحوه في الأسنان لتذهب الصفرة، وغيرها عنها، والله أعلم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>المسائل والأحكام المستفادة من الحديث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>مسألة [١]: حكم السواك</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٥٢): ثُمَّ إِنَّ السِّوَاك سُنَّة، لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي حَال مِنْ الْأَحْوَال لَا فِي الصَّلَاة، وَلَا فِي غَيْرهَا، بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدّ بِهِ فِي الْإِجْمَاع، وَقَدْ حَكَى الشَّيْخ أَبُو حَامِد الْإِسْفَرَايِنِيُّ، إِمَام أَصْحَابنَا الْعِرَاقِيِّينَ، عَنْ\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه مالك (١/ ٦٦)، وأحمد (٢/ ٤٦٠)، والنسائي في «الكبرى» (٢/ ١٩٧ - ١٩٨)، وابن خزيمة (١٤٠) من طريق ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة به. وإسناده صحيح.\n\nوعلقه البخاري في «صحيحه» في [كتاب الصيام باب (٢٧) باب السواك الرطب واليابس للصائم]، وقد علقه بصيغة الجزم، والحديث عند مالك موقوف.","vol":"1","page":171},{"text":"دَاوُدَ الظَّاهِرِيّ أَنَّهُ أَوْجَبَهُ لِلصَّلَاةِ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ دَاوُدَ، وَقَالَ: هُوَ عِنْده وَاجِب، لَوْ تَرَكَهُ لَمْ تَبْطُل صَلَاته، وَحُكِيَ عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ وَاجِب؛ فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاته، وَقَدْ أَنْكَرَ أَصْحَابنَا المُتَأَخِّرُونَ عَلَى الشَّيْخ أَبِي حَامِد وَغَيْره نَقْلَ الْوُجُوب عَنْ دَاوُدَ، وَقَالُوا: مَذْهَبه أَنَّهُ سُنَّة كَالْجَمَاعَةِ، وَلَوْ صَحَّ إِيجَابه عَنْ دَاوُدَ لَمْ تَضُرّ مُخَالَفَته فِي اِنْعِقَاد الْإِجْمَاع عَلَى المُخْتَار الَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ، وَأَمَّا إِسْحَاق، فَلَمْ يَصِحَّ هَذَا المَحْكِيّ عَنْهُ، وَالله أَعْلَم.\nقلتُ: حديث الباب صريحٌ أنَّ السواك ليس بواجب، وإنما هو مستحب، وأما قول النووي عن داود: إنه لا تضر مخالفته؛ فقد قال الشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ١٦٨):\nوَعَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِخِلَافِ دَاوُد مَعَ عِلْمِهِ، وَوَرَعِهِ، وَأَخَذِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَكَابِرِ بِمَذْهَبِهِ مِنْ التَّعَصُّبَاتِ الَّتِي لَا مُسْتَنَدَ لَهَا إلَّا مُجَرَّدَ الْهَوَى، وَالْعَصَبِيَّةِ، وَقَدْ كَثُرَ هَذَا الْجِنْسُ فِي أَهْلِ المَذَاهِبِ، وَمَا أَدْرِي مَا هُوَ الْبُرْهَانُ الَّذِي قَامَ لِهَؤُلَاءِ المُحَقِّقِينَ حَتَّى أَخْرَجُوهُ مِنْ دَائِرَةِ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ. انتهى المراد. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «سبل السلام» (١/ ٨٧)، و«نيل الأوطار» (١/ ١٦٨)، و«شرح العمدة» لابن الملقن (١/ ٥٥٣).","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>مسألة [١]: وقت استحبابه</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٥٢): ثُمَّ إِنَّ السِّوَاك مُسْتَحَبّ فِي جَمِيع الْأَوْقَات، وَلَكِنْ فِي خَمْسَة أَوْقَات أَشَدّ اِسْتِحْبَابًا:\nأَحَدهَا: عِنْد الصَّلَاة سَوَاء كَانَ مُتَطَهِّرًا بِمَاءٍ، أَوْ بِتُرَابٍ، أَوْ غَيْر مُتَطَهِّر، كَمَنْ لَمْ يَجِد مَاء وَلَا تُرَابًا.\nالثَّانِي: عِنْد الْوُضُوء.\nالثَّالِث: عِنْد قِرَاءَة الْقُرْآن.\nالرَّابِع: عِنْد الِاسْتِيقَاظ مِنْ النَّوْم.\nالْخَامِس: عِنْد تَغَيُّر الْفَم، وَتَغَيُرُهُ يَكُون بِأَشْيَاء، مِنْهَا: تَرْك الْأَكْل وَالشُّرْب. وَمِنْهَا: أَكْل مَا لَهُ رَائِحَة كَرِيهَة. وَمِنْهَا: طُول السُّكُوت. وَمِنْهَا: كَثْرَة الْكَلَام. اهـ\nأما قوله: (مستحب في جميع الأوقات)، فيدل عليه حديث عائشة -﵂- عند النسائي (١/ ١٠)، وأحمد (٦/ ٤٧، ١٤٦)، وابن خزيمة (١٣٥)، وغيرهم: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب»، وهو حديث صحيح.\nوأما قوله: (عند الصلاة)، فيدل عليه حديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^١) «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٨٧)، ومسلم (٢٥٢).","vol":"1","page":173},{"text":"وأما قوله: (عند الوضوء)، فيدل عليه حديث الباب.\nوأما قوله: (عند قراءة القرآن)، فقد جاء من حديث علي بن أبي طالب -﵁- مرفوعًا: «إنَّ العبد إذا تسوك، ثم قام يصلي، قام الملك خلفه، فتسمع لقراءته، فيدنو منه حتى يضع فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك، فطهروا أفواهكم للقرآن».\nأخرجه البزار (٦٠٣) من طريق: فضيل بن سليمان النميري، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي مرفوعًا به.\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي -﵁- بإسناد أحسن من هذا الإسناد، وقد رواه غير واحد عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيده، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي -﵁-، موقوفًا. اهـ\nقلتُ: فالرَّاجح وقف الحديث على علي -﵁-؛ فإن فضيل بن سليمان ضعيفٌ، ومع ذلك فقد خالفه الثقات، فرووه موقوفًا، وقد أخرجه موقوفًا البيهقي (١/ ٣٨).\nويمكن الاستدلال على استحباب السواك عند تلاوته القرآن بقياسه على الصلاة؛ فإن كُلًّا منهما مناجاةٌ لله ﷿.\nوأما قوله: (عند الاستيقاظ من النوم).\nفيدل عليه حديث حذيفة في «الصحيحين» (^١): كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٥)، ومسلم (٢٥٥).","vol":"1","page":174},{"text":"وأما قوله: (عند تغير الفم)، فيدل عليه حديث عائشة المتقدم، والله أعلم.\nومن المواضع التي يستحب الاستياك فيها: عند دخول المنزل؛ لحديث عائشة -﵂-، قالت: كان رسول الله إذا دخل منزله بدأ بالسواك. أخرجه مسلم برقم (٢٥٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>مسألة [٢]: في أي يد يباشر الاستياك</span>؟\n• ذهب الإمام أحمد إلى أنَّ الأفضل أن يستاك باليسرى، وقال شيخ الإسلام: وما علمنا أحدًا من الأئمة خالف في ذلك، وذلك لأن الاستياك من باب إزالة الأذى، وذلك باليسرى، كما أن إزالة النجاسات كالاستجمار، ونحوه باليسرى، وإزالة الأذى واجبها ومستحبها باليسرى. (^١)\n• وذهب ابن الملقن إلى أنَّ الأفضل الاستياك باليمنى، واستدل بالحديث: «كان يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله»، قال: وفي قولها: «وفي شأنه كله» يدخل الأخذ، والعطاء، والسواك. ثم استدل على ذلك بزيادة عند أبي داود (٤١٤٠) في حديث عائشة: «ونعله، [وسواكه]»، أخرجها أبو داود من طريق: مسلم بن إبراهيم عن شعبة، وأخرج الحديث من طريق: عمر بن حفص، عن شعبة بدون هذه الزيادة، ثم قال أبو داود: رواه عن شعبة معاذ، لم يذكر «سواكه».\nقلتُ: بل رواه أيضًا عن شعبة محمد بن جعفر، وعفان بن مسلم، وبهز بن\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٠٨ - ١١٢).","vol":"1","page":175},{"text":"أسد، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وسليمان بن حرب، وحجاج بن منهال، وعبد الله بن المبارك، وأبو الوليد الطيالسي، وكلهم لم يذكروا قوله: «وسواكه»، فهي زيادة شاذة بدون شك. (^١)\nوقال الإمام ابن عثيمين -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (١١/ ١١٦): والأمر ولله الحمد واسعٌ، فيستاك كما يريد؛ لأنه ليس في المسألة نصٌّ واضح. اهـ. (^٢)\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: قول شيخ الإسلام -﵀- \"وما علمنا أحدًا من الأئمة خالف في ذلك\"، فيقال: وهل علم منهم الموافقة لأحمد على ذلك؟ أو هل بلغهم قول أحمد، وأقروه؟\nوالأظهر -والله أعلم- استحباب ذلك باليمنى، ويدل على ذلك حديث عائشة -﵂- في «صحيح البخاري» (٨٩٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مرض موته نظر إلى سواك في يد عبدالرحمن بن أبي بكر، قالت: فقلت: أعطني هذا السواك يا عبدالرحمن. فأعطانيه، فقضمته، ثم مضغته، ثم أعطيته رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فاستن به، وهو مستند إلى صدري.\nومعلوم أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخذ السواك من عائشة بيمينه، ولم تذكر عائشة أنه نقله إلى اليسرى، ثم استاك به.\nوأيضًا: فإنَّ السواك باليسرى على خلاف المعهود، فلو فعله النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لنقل،\n_________\n(^١) انظر «المسند الجامع» (١٩/ ٢٤٩ - ٢٥٠).\n(^٢) وبنحوه في «الشرح الممتع» (١/ ١٢٧)، وانظر: «شرح العمدة» لابن الملقن (١/ ٣٩٦ - ٣٩٧).","vol":"1","page":176},{"text":"ومع ذلك فالأمر سهل كما قال الإمام العثيمين -﵀-، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>مسألة [٣]: حكم التسوك بالأصابع</span>؟\nجاء عن علي -﵁- عند أحمد (١/ ١٥٨) أنه دعا بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ ثَلاثًا، وَتَمَضْمَضَ ثَلاثًا، فَأَدْخَلَ بَعْضَ أَصَابِعِهِ فِي فِيهِ ... فذكر الحديث.\nوهو من طريق المختار بن نافع، عن أبي مطر البصري، عن علي -﵁- به.\nوالمختار بن نافع ضعيف، وأبو مطر جهله أبو حاتم والذهبي، وتركه حفص بن غياث.\nوجاء من حديث أنس -﵁- عند البيهقي (١/ ٤٠): «يجزئ من السواك الأصابع»، وهو من طريق عيسى بن شعيب، عن عبد الحكم القسملي، عن أنس.\nومن طريق عيسى بن شعيب، ثنا ابن المثنى، عن النضر بن أنس، عن أبيه به.\nقال البيهقي -﵀-: والمحفوظ من حديث ابن المثنى ما أخبرنا ... فساق بإسناده من طريق خالد بن خداش، ثنا عبد الله بن المثنى الأنصاري، حدثني بعض أهل بيتي، عن أنس ... فذكره بمعناه.\nوقد سماه بعض الضعفاء (ثمامة): أخرجه البيهقي (١/ ٤١) من طريق أبي أمية الطرسوسي، عن عبد الله بن عمر الحمال، عن عبد الله بن المثنى به.\nوأبو أمية، قال فيه الحاكم: كثير الوهم. والثاني قال فيه الإمام الألباني -﵀-: الظاهر أنه الذي في «تاريخ بغداد» -﵁- (١٠/ ٢٣) عبد الله بن عمرو الحمال. ولم","vol":"1","page":177},{"text":"يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nقلتُ: وعيسى بن شعيب، هو البصري الضرير، فيه ضعف، وقد اضطرب في الإسناد كما أشار البيهقي، وعبد الحكم القسملي نقل البيهقي عن البخاري أنه قال: منكر الحديث.\nوجاء الحديث عن عمرو بن عوف عند أبي نعيم، وفي إسناده كثير بن عبد الله ابن عمرو بن عوف، وهو متروك.\nوجاء عن عائشة -﵂- عند الطبراني في \"الأوسط؟ -﵁- (٦٦٧٨) وفي إسناده عيسى بن عبد الله، يرويه عن عطاء، عن عائشة. أنكره ابن عدي في \"الكامل؟ (٥/ ١٨٣٩) على عيسى، وقال: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: لم يثبت في الاستياك بالأصابع حديث، ومذهب المالكية، والشافعية في الأصح عندهم، وكذلك الحنابلة، والحنفية حصول الاستياك بالأصابع، وإجزاؤه به عن السنة، والصحيح أنه لا يدخل في فضيلة الاستياك الوارد بالأحاديث، ولكن لا بأس أن يحصل ذلك في الوضوء للمبالغة في تنظيف الفم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (١/ ٩٥)، و«المبدع في شرح المقنع» (١/ ٧١)، و«الشرح الممتع» (١/ ١٤٦)، «الفواكه الدواني» (١/ ٣٨٤). «رسالة القيرواني» (ص ١٥)، «مواهب الجليل» (١/ ٣٨٢)، «حاشية البجيرمي على الخطيب» (١/ ٣٨٨).","vol":"1","page":178},{"text":"٣٠ - وَعَنْ حُمْرَانَ أَنَّ عُثْمَانَ -﵁- دَعَا بِوَضُوءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى إلَى المِرْفَقِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اليُمْنَى إلَى الكَعْبَيْنِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>مسألة [١]: غسل الكفين قبل الوضوء</span>.\nيستحب غسلهما قبل الوضوء بإجماع العلماء، نقله ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٣٧٥)، والنووي في «شرح مسلم» (٣/ ١٠٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>مسألة [٢]: ضابط المضمضة</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٣/ ١٠٧): وَأَمَّا حَقِيقَة الْمَضْمَضَة، فَقَالَ أَصْحَابنَا: كَمَالهَا أَنْ يَجْعَل الْمَاء فِي فَمه، ثُمَّ يُدِيرهُ فِيهِ، ثُمَّ يَمُجّهُ، وَأَمَّا أَقَلّهَا: فَأَنْ يَجْعَل الْمَاء فِي فِيهِ، وَلَا يُشْتَرَط إِدَارَته عَلَى الْمَشْهُور الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُور، وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا: يُشْتَرَط، وَأَمَّا الِاسْتِنْشَاق فَهُوَ إِيصَال الْمَاء إِلَى دَاخِل الْأَنْف، وَجَذْبُهُ بِالنَّفَسِ إِلَى أَقْصَاهُ. (^٢)\nولا يشترط في المضمضة مجُّ الماء من الفم، بل يجوز له أن يبتلعه. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٥٩) (١٦٤)، ومسلم برقم (٢٢٦).\n(^٢) وانظر: «النيل» (١/ ٢٢٢)، و«شرح العمدة» (١/ ٣٢٩)، و«فتح الباري» (١٦٤).\n(^٣) انظر «المغني» (١/ ١٦٩)، و«شرح العمدة» لابن الملقن (١/ ١٦٩).","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>مسألة [٣]: حكم المضمضة والاستنشاق</span>.\n• ذكر النووي -﵀- أنَّ العلماء في هذه المسألة على أربعة مذاهب:\nالمذهب الأول: أنهما سنتان في الوضوء، والغسل، وهو مذهب الشافعية، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري، والزهري، والحكم، وقتادة، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، والأوزاعي، والليث، ورواية عن عطاء، وأحمد.\nواستدل هؤلاء بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمسيء في صلاته عند أن علمه: «إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله»، وهو حديث حسن.\nقالوا: ولم يذكر الله تعالى في كتابه المضمضة، والاستنشاق، واستدلوا بحديث: «عشر من الفطرة»، وذكر منها «المضمضة، والاستنشاق».\nوذكر بعض الفقهاء هذا الحديث بلفظ: «عشر من السنن»، وقد بين الحافظ -﵀- في «التلخيص» أنه لم يثبت بهذا اللفظ، والحديث باللفظ المذكور قبلُ أخرجه مسلم (٢٦١) عن عائشة -﵂-، ولكنه قد انتُقِد، فقد انتقده الدارقطني في «التتبع»، وبيَّنَ أنَّ مصعب بن شيبة رواه موصولًا عن عائشة مرفوعًا، وأنَّ سليمان التيمي، وجعفر بن أبي إياس روياه عن طلق بن حبيب من قوله، ومصعب ضعيفٌ، فالصواب في الحديث أنه موقوفٌ من قول طلق بن حبيب.\nوقد استدلوا أيضًا بحديث: «المضمضة والاستنشاق سنة»، أخرجه الدارقطني (١/ ٨٥) عن ابن عباس -﵄-، وهو حديث ضعيفٌ جدًّا، ففي إسناده:","vol":"1","page":180},{"text":"إسماعيل بن مسلم المكي، وهو شديد الضعف، وهذان الدليلان -وإنْ صحَّا- لا يفيدان استحباب المضمضة والاستنشاق؛ لأنَّ الفطرة، والسنة أعمُّ من أن تكونَ واجبة، أو مستحبة.\nالمذهب الثاني: أنهما واجبتان في الوضوء، والغسل، وشرطان لصحتهما، وهو مذهب ابن أبي ليلى، وحماد، وإسحاق، والمشهور عن أحمد، واستدلوا بالآية: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، والأنف، والفم من الوجه.\nالمذهب الثالث: واجبتان في الغسل دون الوضوء، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوري.\nالمذهب الرابع: الاستنشاق واجب في الوضوء، والغسل دون المضمضة، وهو مذهب أبي ثور، وأبي عبيد، وداود، ورواية عن أحمد، قال ابن المنذر -﵀-: وبه أقول.\nواستدل الموجبون لذلك بحديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^١): «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر»، وفي لفظ لمسلم: «فليستنشق بمنخريه من الماء».\nوبحديث سلمة بن قيس عند الترمذي (٢٧)، والنسائي (١/ ٦٧): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا توضأت فاستنثر»، قالوا: فهذه الأوامر كلها في الاستنشاق، وأما المضمضة فلم يصح فيها أمرٌ، وأما حديث لقيط بن صبرة: «وإذا توضأت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٦٢)، ومسلم برقم (٢٣٧).","vol":"1","page":181},{"text":"فمضمض»، فهذه الزيادة فيها كلام سيأتي إن شاء الله حيث ذكر الحافظ الحديث.\nهذا وليعلم أنَّ أهل هذا المذهب لم يقولوا كلهم بوجوب الاستنشاق في الغسل أيضًا، كما هو ظاهرُ نقْلِ النووي؛ فإنَّ ابن حزم قال في «المحلَّى» (١٩٨): وقال أحمد بن حنبل، وداود: الاستنشاق، والاستنثار فرضان في الوضوء، وليسا فرضين في الغسل من الجنابة، وليست المضمضة فرض، لا في الوضوء، ولا في الغسل من الجنابة، وهذا هو الحق.\nقلتُ: وهذا هو الراجح فيما يظهر لي -والله أعلم- لأنَّ الأدلة المتقدمة في إيجاب الاستنشاق مقيدة بالوضوء.\nوأما استدلال الجمهور بحديث: «توضأ كما أمرك الله»، فيجاب عنه من وجهين:\nالوجه الأول: قال أبو محمد بن حزم -﵀- في «المحلَّى»: وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فكل ما أمر به رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فالله تعالى أمر به.\nالوجه الثاني: أنَّ المأمورات الشرعية لم تحصر في دليل واحد، فالأوامر متقدمة تضاف إلى ما ذكره الله في كتابه قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].\nوأما قول الحنابلة: (إنَّ الفم، والأنف من الوجه، فوجب المضمضة،","vol":"1","page":182},{"text":"والاستنشاق).\nفأجيب عنه: بأنَّ ما أمر الله به هو غسل الوجه، والوجه ما حصلت به المواجهة وباطن الأنف والفم لا تحصل به المواجهة؛ فليس من الوجه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>مسألة [٤]: حكم الاستنثار</span>.\nنقل النووي في «المجموع» (١/ ٣٦٦)، وابن الملقن في «شرح العمدة» (١/ ٢٦٢) الإجماع على عدم وجوب الانتثار، وتعقبهما الحافظ في «الفتح» (١٦١)، فقال: وصرَّح ابن بطال بأن بعض العلماء قالوا بوجوب الاستنثار، وفيه تعقب على من نقل الإجماع على عدم وجوبه. اهـ\nقلتُ: وهو قول أحمد في رواية، وداود، وابن حزم، كما تقدم في المسألة السابقة، وهذا القول هو الراجح للأدلة التي تقدم ذكرها في المسألة السابقة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>مسألة [٥]: غسل الوجه</span>.\nنقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على وجوب غسل الوجه؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦]. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (١/ ٣٦٢ - ٣٦٥)، و«شرح مسلم» (٣/ ١٠٩)، و«نيل الأوطار» (١/ ٢٢٢)، و«شرح العمدة» (١/ ٢٦٣)، و«المحلَّى» (٢/ ٤٩ - ٥٠)، و«المغني» (١/ ١٦٦).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (١٦١)، و«النيل» (١/ ٢٢٢)، و«شرح العمدة» (١/ ٢٦٢)، و«المحلَّى» (٢/ ٤٩ - ٥٠).\n(^٣) انظر: «شرح مسلم» (٣/ ١٠٩)، و«المغني» (١/ ١٦١)، و«المحلَّى» (١٩٨)، و«التمهيد» (٤/ ٣١)، و«الاستذكار» (٢/ ١٣).","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>مسألة [٦]: حَدُّ الوجه</span>.\nحدُّ الوجه: من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين، والذقن، وإلى أصول الأذنين، وقولنا (من منابت الشعر)، أي: المعتاد، والغالب في الناس، فلو كان أجلح، ينحسر شعره عن مقدم رأسه غسل إلى حد منابت الشعر في الغالب، وإذا كان أفرع، وهو الذي نزل شعره على وجهه، يجب عليه غسل الشعر الذي ينزل عن حد الغالب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>مسألة [٧]: البياض الذي بين الأذن واللحية</span>.\n• ذهب الجمهور إلى أنه من الوجه، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وداود، وذلك لأنه تحصل به المواجهة في حقِّ من لا لحية له، فكان منه في حق من له لحية كسائر الوجه.\n• وذهب مالك إلى أنه ليس من الوجه، وعن أبي يوسف: يجب على الأمرد غسله دون الملتحي، والصحيح قول الجمهور؛ لما تقدم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>مسألة [٨]: العِذَار، والعارِضُ، والذَّقَنُ</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ١٦٢): وَيَدْخُلُ فِي الْوَجْهِ الْعِذَارُ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ، الَّذِي هُوَ سَمْتُ صِمَاخِ الْأُذُنِ، وَمَا انْحَطَّ عَنْهُ إلَى وَتِدِ الْأُذُنِ، وَالْعَارِضُ: وَهُوَ مَا نَزَلَ عَنْ حَدِّ الْعِذَارِ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى\n_________\n(^١) انظر «المغني» (١/ ١٦١)، «المحلَّى» (١٩٨).\n(^٢) انظر: «المجموع» (١/ ٣٧٣)، و«المغني» (١/ ١٦٢).","vol":"1","page":184},{"text":"اللَّحْيَيْنِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَالْمُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: مَا جَاوَزَ وَتدَ الْأُذُنِ عَارِضٌ. وَالذَّقَنُ: مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ، فَهَذِهِ الشُّعُورُ الثَّلَاثَةُ مِنْ الْوَجْهِ يَجِبُ غَسْلُهَا مَعَهُ، وَكَذَلِكَ الشُّعُورُ الْأَرْبَعَةُ، وَهِيَ الْحَاجِبَانِ، وَأَهْدَابُ الْعَيْنَيْنِ، وَالْعَنْفَقَةُ، وَالشَّارِبُ. انتهى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>مسألة [٩]: التحذيف</span>.\nهو الشعر الداخل في الوجه، ما بين انتهاء العِذَار والنَّزَعة، قال النووي: سمي بذلك؛ لأن الأشراف والنساء يعتادون إزالة الشعر عنه ليتسع الوجه.\nوهذا الشعر فيه وجهان عند الشافعية، والحنابلة، وصحح ابن قدامة -﵀- أنه من الوجه، قال: لأن محله لو لم يكن عليه شعر؛ لكان من الوجه، فكذلك إذا كان عليه شعر كسائر الوجه، وهو الراجح فيما يظهر، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>مسألة [١٠]: الصدغ والنزعتان</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ١٦٣): فَأَمَّا الصُّدْغُ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي بَعْدُ انْتِهَاءِ الْعِذَارِ، وَهُوَ مَا يُحَاذِي رَأْسَ الْأُذُنِ وَيَنْزِلُ عَنْ رَأْسِهَا قَلِيلًا، وَالنَّزْعَتَانِ، وَهُمَا مَا انْحَسَرَ عَنْهُ الشَّعْرُ مِنْ الرَّأْسِ مُتَصَاعِدًا فِي جَانِبَيْ الرَّأْسِ، فَهُمَا مِنْ الرَّأْسِ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي الصُّدْغِ وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْعِذَارِ، أَشْبَهَ الْعَارِضَ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: رَأَيْت رَسُولَ الله - ﷺ - تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ، وَصُدْغَيْهِ، وَأُذُنَيْهِ، مَرَّةً وَاحِدَةً.\nفَمَسَحَهُ مَعَ الرَّأْسِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ غَسَلَهُ مَعَ الْوَجْهِ؛ وَلِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلٌ بِشَعْرِ\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (١/ ٣٧٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١/ ١٦٣)، و«شرح المهذب» (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣).","vol":"1","page":185},{"text":"الرَّأْسِ لَا يَخْتَصُّ الْكَبِيرَ، فَكَانَ مِنْ الرَّأْسِ، كَسَائِرِ نَوَاحِيهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِيَاسِ طَرْدِيٌّ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ، وَلَيْسَ هُوَ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِنَا. انتهى.\nقلتُ: وفي المسألة وجهان عند الشافعية أيضًا، والراجح ما رجَّحه ابن قدامة، ولكن في حديث الربيع ضعف، فقد أخرجه أبو داود (١٢٩)، وفي إسناده: عبد الله ابن محمد بن عقيل، والرَّاجح ضعفه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>مسألة [١١]: هل يغسل باطن الشعور المتقدمة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ١٦٤): وَهَذِهِ الشُّعُورُ كُلُّهَا إنْ كَانَتْ كَثِيفَةً لَا تَصِفُ الْبَشَرَةَ، أَجْزَأَهُ غَسْلُ ظَاهِرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَصِفُ الْبَشَرَةَ، وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا كَثِيفًا وَبَعْضُهَا خَفِيفًا، وَجَبَ غَسْلُ بَشَرَةِ الْخَفِيفِ مَعَهُ وَظَاهِرِ الْكَثِيفِ، أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ -رحمه الله تعالى-.اهـ\nقلتُ: وهذا هو الراجح، وهو ترجيح ابن رجب -﵀-.\nقال -﵀-: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ ذَكَرَ فِي الشَّارِبِ، وَالْعَنْفَقَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ، وَلِحْيَةِ الْمَرْأَةِ، وَجْهًا آخَرَ فِي وُجُوبِ غَسْلِ بَاطِنِهَا، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتُرُ مَا تَحْتَهَا عَادَةً، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ كَانَ نَادِرًا، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَنَا: أَنَّهُ شَعْرٌ سَاتِرٌ لِمَا تَحْتَهُ، أَشْبَهَ لِحْيَةَ الرَّجُلِ، وَدَعْوَى النُّدْرَةِ فِي الْحَاجِبَيْنِ، وَالشَّارِبِ، وَالْعَنْفَقَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلْ الْعَادَةُ ذَلِكَ. اهـ. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ١٦٣)، و«شرح المهذب» (١/ ٣٩٦).\n(^٢) وانظر: «شرح المهذب» (١/ ٣٧٦ - ٣٧٧)، و«قواعد ابن رجب» (ص ٤).","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>مسألة [١٢]: إذا غسل بعض هذه الشعور، ثم زالت من وجهه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ١٦٤): ومتى غسل هذه الشعور، ثم زالت عنه، أو انقلعت جلدة من بدنه، أو قصَّ ظفره، أو انقلع؛ لم يؤثر في طهارته، وهذا قول أكثر أهل العلم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>مسألة [١٣]: غسل العينين</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٣٦٩): أما حكم المسألة؛ فلا يجب غسل داخل العينين بالاتفاق. انتهى المراد.\nوفي استحبابه وجهان عند الشافعية، والحنابلة، والأصح عندهم عدم استحبابه، لا في الوضوء ولا في الغسل؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يفعله ولا أمر به، وفيه ضررٌ. وقد جاء عن ابن عمر -﵄- أنه كان يغسل عينيه في غسله من الجنابة، وهو ثابت عنه كما في «سنن البيهقي» (١/ ١٧٧)، ولكنه اجتهاد منه، ولم يوافقه على ذلك أكثر أهل العلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>مسألة [١٤]: غسل ما استرسل من اللحية</span>.\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنه يجب غسل ما استرسل من اللحية؛ لأنها تحصل بها المواجهة، وهو المشهور عن أحمد، والشافعي، واستدل بعضهم بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فغسل وجهه إلا خرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء». (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ١٥٢).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٨٣٢)، من حديث عمرو بن عبسة -﵁-.","vol":"1","page":187},{"text":"الثاني: عدم وجوب غسل ما استرسل من اللحية، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، ورواية عن أحمد، وذلك لأنه شعر خارج عن محل الفرض، فأشبه ما نزل من شعر الرأس عنه.\nوهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح ابن رجب -﵀- في «قواعده» (ص ٤)، وأما حديثهم؛ فلا يلزم من خرور الخطايا من أطرافها أن يكون غَسَلَها كما هو ظاهرٌ، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>مسألة [١٥]: غسل اليدين إلى المرفقين</span>.\nنقل النووي، وابن قدامة، وغيرهما الإجماع على وجوب غسل اليدين إلى المرفقين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>مسألة [١٦]: هل يدخل المرفقان في وجوب الغسل</span>؟\n• ذهب أكثر العلماء إلى وجوب إدخال المرفقين في الغسل، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي.\n• وذهب بعض أصحاب مالك، وابن داود، وحكي عن زفر، إلى عدم وجوب غسل المرفقين مع اليدين؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالغسل إليهما، وجعلهما غايته.\nوأجيب: بأن ﴿إِلَى﴾ تأتي بمعنى (مع)، كقوله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ١٦٤ - ١٦٥)، «المجموع» (١/ ٣٧٩)، «النيل» (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، «قواعد ابن رجب» (ص ٤)، «الاستذكار» (٢/ ١٩).\n(^٢) «المجموع» (١/ ٣٨٣)، «شرح مسلم» (٣/ ١٠٩)، «المغني» (١/ ١٧٢)، «شرح العمدة» (١/ ٣٣٤).","vol":"1","page":188},{"text":"قُوَّتِكُمْ﴾ [هود:٥٢]، أي: مع قوتكم، وكقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:٢]، وكقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:٥٢]، وقد ثبت في «صحيح مسلم» (٢٤٦)، عن أبي هريرة -﵁-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غسل يديه حتى أشرع في العضد، ثم غسل رجليه حتى أشرع في الساق، ففعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مبين للمراد من الآية، فالراجح هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>مسألة [١٧]: إذا خلقت له أصبع، أو يد زائدة</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ١٧٣): وَإِنْ خُلِقَ لَهُ إصْبَعٌ زَائِدَةٌ، أَوْ يَدٌ زَائِدَةٌ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا نَابِتَةٌ فِيهِ، أَشْبَهَتْ الثُّؤْلُولَ، وَإِنْ كَانَتْ نَابِتَةً فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ كَالْعَضُدِ أَوْ الْمَنْكِبِ، لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ قَصِيرَةً أَوْ طَوِيلَةً؛ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَأَشْبَهَتْ شَعْرَ الرَّأْسِ إذَا نَزَلَ عَلَى الْوَجْهِ.\nوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَابْنِ عَقِيلٍ.\nوَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ بَعْضُهَا يُحَاذِي مَحَلَّ الْفَرْضِ غَسَلَ مَا يُحَاذِيهِ مِنْهَا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِي فِي ذَلِكَ، كَنَحْوٍ مِمَّا ذَكَرْنَا.\nوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْأَصْلِيَّةَ مِنْهُمَا، وَجَبَ غَسْلُهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ غَسْلَ إحْدَاهُمَا وَاجِبٌ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ يَقِينًا إلَّا بِغَسْلِهِمَا، فَوَجَبَ غَسْلُهُمَا، كَمَا لَوْ تَنَجَّسَتْ إحْدَى يَدَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهَا. انتهى. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١/ ٣٨٢)، و«المغني» (١/ ١٧٢)، و«المجموع» (٣٨٥ - ٣٨٦).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (١/ ٣٨٨)، و«شرح مسلم» (٣/ ١١٠).","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>مسألة [١٨]: إذا قُطِعت يده</span>؟\nقال أبو محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ١٧٣): وَإِنْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ دُونِ الْمِرْفَقِ، غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَإِنْ قُطِعَتْ مِنْ الْمِرْفَقِ غَسَلَ الْعَظْمَ الَّذِي هُوَ طَرَفُ الْعَضُدِ؛ لِأَنَّ غَسْلَ الْعَظْمَيْنِ الْمُتَلَاقِيَيْنِ مِنْ الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ وَاجِبٌ، فَإِذَا زَالَ أَحَدُهُمَا غَسَلَ الْآخَرَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقَيْنِ سَقَطَ الْغَسْلُ؛ لِعَدَمِ مَحَلِّهِ؛ فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ، فَوَجَدَ مَنْ يُوَضِّئُهُ مُتَبَرِّعًا لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُهُ إلَّا بِأَجْرٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ أَيْضًا كَمَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ المَاءِ.\nوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِئْجَارُ مَنْ يُقِيمُهُ، وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْأَجْرِ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، كَعَادِمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُيَمِّمُهُ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُهُ، لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ، كَعَادِمِ الْمَاءِ إذَا وَجَدَ التُّرَابَ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. انتهى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>مسألة [١٩]: إذا كان تحت أظفاره وسخٌ يمنع وصول الماء إلى ما تحته</span>؟\n• ذكر ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ١٧٤) وجهين عند الحنابلة:\nالأول: أنه لا تصح الطهارة حتى يزيله؛ لأنه محل من اليد، استتر بما ليس من خِلْقَةِ الأصل، سترًا منع إيصال الماء إليه، مع إمكان إيصال الماء إليه، وعدم\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (١/ ٣٩٢ - ٣٩٣).","vol":"1","page":190},{"text":"الضرر به، فأشبه ما لو كان عليه شمع، أو غيره، وهذا الوجه نصره ابن عقيل الحنبلي.\nالثاني: أنه لا يلزمه إزالته، وتصح طهارته؛ لأنَّ هذا يستتر عادة، فلو كان غسله واجبًا؛ لبينه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوالوجه الأول هو الراجح، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الرجل الذي ترك في قدمه مثل الظفر أن يعيد وضوءه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>مسألة [٢٠]: حكم مسح الرأس</span>.\nأجمع العلماء على أنَّ مسح الرأس من فروض الوضوء، نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، كابن عبد البر، والنووي، وابن قدامة، وغيرهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>مسألة [٢١]: كم القدر الواجب في مسح الرأس</span>؟\nقال ابن عبد البر -﵀- في «الاستذكار» (٢/ ٢٥): وأما المسح بالرأس؛ فقد أجمعوا أنَّ من مسح برأسه كله فقد أحسن، وعمل أكمل ما يلزمه، على أنهم قد أجمعوا على أن اليسير الذي لا يقصد إلى إسقاطه متجاوز عنه، لا يضر المتوضي. اهـ\nقلتُ: وقد اختلفوا في القدر الواجب على أقوال، قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٣٩٩): (فرعٌ) في مذهب العلماء في أقل ما يجزئ من مسح الرأس، وقد ذكرنا أنَّ المشهور من مذهبنا -الشافعية- أنه ما يقع عليه الاسم، وإن قلَّ، وحكاه ابن الصباغ عن ابن عمر -﵄-، وحكاه أصحابنا عن الحسن البصري، وسفيان الثوري، وداود، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات، أشهرها: ربع الرأس،\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد» (٤/ ٣١)، و«المجموع» (١/ ٣٩٥)، و«شرح مسلم» (٣/ ١٠٩)، و«المغني» (١/ ١٧٥).","vol":"1","page":191},{"text":"والثانية: قدر ثلاث أصابع، والثالثة: قدر الناصية، وعن أبي يوسف: نصف الرأس، وعن مالك، وأحمد، والمزني جميع الرأس على المشهور عنهم، وقال محمد بن مسلمة من أصحاب مالك: إن ترك نحو ثلث الرأس جاز، وهي رواية عن أحمد.\nواحتج لمن أوجب مسح جميع الرأس بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦]، قالوا: وبالباء للإلصاق، كقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، وأيضًا ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه مسح على جميع رأسه، وقياسًا على التيمم في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النساء:٤٣]، ويجب فيه الاستيعاب.\nواحتج من أجاز المسح بما يقع عليه اسم المسح، بأن قوله: ﴿فَامْسَحُوا﴾ يقع على القليل، والكثير، وثبت في «صحيح مسلم» (٢٧٤) (٨٣)، عن المغيرة بن شعبة -﵁-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح بناصيته، وعمامته. فهذا يمنع وجوب الاستيعاب ويمنع التقدير بالربع، والثلث، والنصف، وأيضًا فقد صحَّ عن ابن عمر أنه مسح على يافوخه (^١)، وصحَّ عن سلمة بن الأكوع أنه مسح مقدم رأسه. (^٢)\nوقالوا: قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، لا نسلم أن الباء ههنا للإلصاق، بل هي للتبعيض، ونقلوا ذلك عن بعض أهل العربية، وقالت جماعة منهم: إذا دخلت الباء على فعل يتعدى بنفسه كانت للتبعيض، كقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، وإن لم\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (١/ ١٢) عن معمر، عن أيوب، عن نافع عنه. وهذا إسنادٌ صحيحٌ. وثبت عند ابن أبي شيبة (١/ ١٦) من وجه آخر أنه كان يمسح من وسط رأسه إلى مقدمة رأسه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٦) حدثنا حماد بن مسعدة، عن يزيد، وهو ابن أبي عبيد، عن سلمة به. وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين.","vol":"1","page":192},{"text":"يتعد فللإلصاق، كقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ﴾.\nوأما قولهم: إنه قد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه مسح جميع الرأس، فقد أجاب عنه الشوكاني في «النيل» (١/ ٢٤٦)، فقال: وَأُجِيبَ بِأَنَّ النِّزَاعَ فِي الْوُجُوبِ وَأَحَادِيثِ التَّعْمِيمِ، وَإِنْ كَانَتْ أَصَحَّ، وَفِيهَا زِيَادَةٌ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ، لَكِنْ أَيْنَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ؟ وَلَيْسَ إلَّا مُجَرَّدَ أَفْعَالٍ، وَرُدَّ: بِأَنَّهَا وَقَعَتْ بَيَانًا لِلْمُجْمَلِ، فَأَفَادَتْ الْوُجُوبَ.\nوَالْإِنْصَافُ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ، وَإِنْ زَعَمَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ فِي «مُخْتَصَرِهِ»، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْحَقِيقَةُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى مُبَاشَرَةِ آلَةِ الْفِعْلِ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَفْعُولِ كَمَا لَا يَتَوَقَّفُ فِي قَوْلِكَ: (ضَرَبْتُ عَمْرًا) عَلَى مُبَاشَرَةِ الضَّرْبِ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ، فَمَسْحُ رَأْسِهِ يُوجِدُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ بِوُجُودِ مُجَرَّدِ الْمَسْحِ لِلْكُلِّ، أَوْ الْبَعْضِ. انتهى المراد.\nقلتُ: وأما قياسهم على التيمم، فلا يستقيم؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد بين وجوب التعميم في التيمم بقوله لعمار -﵁-: «إنما كان يكفيك أن تقول هكذا»، وضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسَحَ وجهه وكفيه.\nوالشاهد: قوله «إنما كان يكفيك»، فدَلَّ على أنَّ الصفة المذكورة هي المجزئة، وأن غيرها ليست بمجزئة، ولا تكفي.\nوقول الشافعي في هذه المسألة هو الراجح فيما يظهر -والله أعلم-، وهو ترجيح ابن حزم، والحافظ، والشوكاني. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ١٧٦)، «شرح العمدة» (١/ ٣٤٠)، «السيل» (١/ ٨٤)، «الأوسط» (١/ ٣٩٤)، «المحلى» (٢/ ٥٣).","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>مسألة [٢٢]: مسح الرأس بخرقة مبلولة</span>.\n• ذكر ابن قدامة في هذه المسألة وجهين للحنابلة:\nالوجه الأول: أنه يجزئه ذلك؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالمسح، وقد فعله فأجزأه، كما لو مسح بيده، أو بيد غيره، ولأن مسحه بيده غير مشترط بدليل ما لو مسح بيد غيره.\nالوجه الثاني: لا يجزئه ذلك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح بيده.\nوالراجح هو الوجه الأول، وقد ذكر ابن الملقن أنَّه قول الأوزاعي، والنخعي، والثوري، وبعض المالكية، ومذهب الشافعية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>مسألة [٢٣]: غسل الرأس بدل المسح</span>.\n• إنْ أمرَّ يده على رأسه أثناء الغسل، فيجزئه؛ لأنه قد حصل المسح، وإنْ لم يمرَّ يده، ففيه وجهان عند الشافعية، والحنابلة:\nالوجه الأول: أنه لا يجزئه؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالمسح، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح، وأمر بالمسح.\nالوجه الثاني: أنه يجزئه قياسًا على غسل الجنابة؛ فإنه يجزئه بدون مسح، وهذا الوجه عليه أكثر الشافعية.\nوقد رجح الشيخ العثيمين -﵀- القول الأول في «الشرح الممتع» (١/ ١٥١):\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ١٨٢ - ١٨٣)، «شرح العمدة» (١/ ٣٤٣)، «المجموع» (١/ ٤١٠)، «تفسير السعدي».","vol":"1","page":194},{"text":"واستدل عليه بقوله - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». (^١)\nوهو ترجيح الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير [سورة المائدة]، والذي يظهر لي أنَّ القول الثاني أصح؛ لأنَّ الغاية من المسح هو إصابة الشعر بشيء من الماء، وقد حصل ذلك بالغسل، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>مسألة [٢٤]: المسح على العنق</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٢٧ -): لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى عُنُقِهِ فِي الْوُضُوءِ، بَلْ وَلَا رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ، بَلْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي فِيهَا صِفَةُ وَضَوْءِ النَّبِيِّ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ يَمْسَحُ عَلَى عُنُقِهِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَسْتَحِبَّ ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، كَمَالِكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِمْ، وَمَنْ اسْتَحَبَّهُ فَاعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى أَثَرٍ يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- (^٣)، أَوْ حَدِيثٍ يَضْعُفُ نَقْلُهُ أَنَّهُ: «مَسَحَ رَأْسَهُ حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ» (^٤)، وَمِثْلَ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ عُمْدَةً، وَلَا يُعَارِضُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ، وَمَنْ تَرَكَ مَسْحَ الْعُنُقِ؛ فَوُضُوءُهُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\nقلتُ: فمسح العنق في الوضوء من البدع؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس؛ فهو رد».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٧١٨)، من حديث عائشة -﵂-.\n(^٢) انظر: «المغني» (١/ ١٨٢)، «المجموع شرح المهذب» (١/ ٤١٠).\n(^٣) لم أقف على أثر عن أبي هريرة في ذلك.\n(^٤) أخرجه أحمد (٢/ ٧٥)، والبيهقي (١/ ٦٠)، من طريق: ليث بن أبي سليم، عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده، به، وليث ضعيف، ومصرف مجهول.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>مسألة [٢٥]: غسل القدمين إلى الكعبين</span>.\nنقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على وجوب غسل القدمين؛ إلا عمَّن لا يعتد بخلافه كالشيعة، والصحيح أنه وجد خلافٌ شاذ، فقد حكي عن ابن جرير أنه قال: هو مخير بين المسح، والغسل.\nقال ابن القيم -﵀- في «تهذيب السنن» (١/ ٩٨): وأما حكايته عن ابن جرير فغلطٌ بَيِّنٌ، وهذه كتبه، وتفسيره كله يكذب هذا النقل عليه، وإنما دخلت الشبهة؛ لأنَّ ابن جرير القائل بهذه المقالة رجلٌ آخر من الشيعة، يوافقه في اسمه واسم أبيه، وقد رأيت له مؤلفات في أصول مذهب الشيعة، وفروعهم. اهـ\nوأوجب بعض أهل الظاهر المسح، والغسل جميعًا.\nوقد استدل القائلون بالمسح بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦] بقراءة جرِّ اللام.\nوقد أُجيب عن استدلالهم هذا بأجوبة:\nأحدها: أنَّ قراءة الجرِّ إنما هي للمجاورة، وهو مشهور عند العرب في أشعارهم، وكلامهم، ومنه قولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود:٢٦].\nالثاني: أنَّ السنة بينت ترجيح قراءة النصب، وهي أشهر.\nالثالث: أنَّ قراءة الجر محمولة على المسح على الخفين.","vol":"1","page":196},{"text":"الرابع: أنَّ المراد بالمسح الغسل.\nقال أبو علي الفارسي: العرب تسمي خفيف الغسل مسحًا.\nواستدلوا بقول ابن عباس: ما أجد في كتاب الله إلا غسلتين، ومسحتين (^١). وجاء عن أنس ما يدل على هذا أيضًا (^٢)، وأجيب عنهما بعد التنبيه على أنهما صحيحان بأنهما قد صحَّ عنهما غسل القدمين (^٣)، فيحمل ما ذكراه على أنهما أرادا بمسح القدمين: الغسل الخفيف، أو المسح على الخفين، ومنهم من قال: إنَّ أنسًا أراد أنَّ الآية لا تدل على الغسل، وإنما دلَّ على الغسل سنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوبعد هذا إن صح تأويل كلام ابن عباس، وأنس -﵃- على ما تقدم، وإلا كان ما تواتر عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قولًا، وفعلًا، وعن الصحابة قولًا، وفعلًا، مقدمًا، والله أعلم.\nوالراجح قول الجمهور، وهو وجوب غسل القدمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، على قراءة النصب، وهي الأشهر، وكذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ويل للأعقاب من النار». (^٤)\n_________\n(^١) أخرج عبد الرزاق (١/ ١٩) عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة يقول: قال ابن عباس: الوضوء مسحتان وغسلتان. وإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٩) عن ابن علية، عن حميد، قال: كان أنس إذا مسح على قدميه بلهما. وهذا إسناد صحيح.\n(^٣) أثر أنس -﵁- في الغسل عند ابن أبي شيبة (١/ ١٩) عن ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس -﵁-. وأثر ابن عباس أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (١/ ٢٠) عن ابن المبارك، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿وأرجلَكم﴾ قال: رجع الأمر إلى الغسل. وهذان إسنادان صحيحان.\n(^٤) وانظر: «المغني» (١/ ١٨٤ - ١٨٥)، و«المجموع» (١/ ٤١٧ - ٤٢٠).","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>مسألة [٢٦]: معنى الكعبين</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل القدم، والساق.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٤٢٢): هذا مذهبنا، وبه قال المفسرون، وأهل الحديث، وأهل اللغة، والفقهاء، وقالت الشيعة: هما الناتئان في ظهر القدمين. فعندهم أن في كل رجل كعبًا واحدًا، وحكاه الخطابي عن أهل الكوفة، وحكاه أصحابنا عن محمد بن الحسن، قال المحاملي: ولا يصح عنه. اهـ\nوالدليل على ما ذهب إليه الجمهور قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، وحديث عثمان: «وغسل رجله اليمنى إلى الكعبين».\nوهذا يدل على أنَّ في كل قدم كعبين، وكذلك حديث النعمان بن بشير في «سنن أبي داود» (٦٦٢).\nوعلقه البخاري، قال: فكان أحدنا يلزق كعبه بكعب صاحبه، ومنكبه بمنكبه، وهذا الذي عليه أئمة اللغة، ولا يعرفون القول الآخر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>مسألة [٢٧]: هل يدخل الكعبان في غسل الرجلين</span>؟\n• الخلاف في هذه المسألة كالخلاف الذي تقدم في دخول المرفقين في غسل اليدين، فراجعه. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «شرح المهذب» (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣)، و«المغني» (١/ ١٨٩)، و«الفتح» (١٨٥).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١/ ١٨٩)، و«المجموع» (١/ ٤٢٢)، و«شرح مسلم» (٣/ ١٠٩).","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>مسألة [٢٨]: الزيادة على ثلاث غسلات للعضو الواحد</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١/ ٣٠٨): وَقَالَ أَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَغَيْرهمَا: لَا تَجُوز الزِّيَادَة عَلَى الثَّلَاث. وَقَالَ اِبْن الْمُبَارَك: لَا آمَن أَنْ يَأْثَم. وَقَالَ الشَّافِعِيّ: لَا أُحِبّ أَنْ يَزِيد الْمُتَوَضِّئ عَلَى ثَلَاث؛ فَإِنْ زَادَ لَمْ أَكْرَههُ. أَيْ: لَمْ أُحَرِّمهُ؛ لِأَنَّ قَوْله (لَا أُحِبّ) يَقْتَضِي الْكَرَاهَة، وَهَذَا الْأَصَحّ عِنْد الشَّافِعِيَّة .... انتهى المراد.\nقلتُ: وما ذهب إليه أحمد، وإسحاق هو الراجح؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فمن زاد على الثلاث فقد أساء، وتعدى، وظلم»، أخرجه أبو داود (١٣٥)، وأحمد (٢/ ١٨٠)، عن عبدالله بن عمرو، وهو حديث حسن، ولقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ». (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ١٩٤)، و«المجموع» (١/ ٤٣٨).","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>مسألة [١]: الاقتصار على مرة في غسل الأعضاء</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٤٣٧): أجمع العلماء على أن الواجب مرة واحدة، وممن نقل الإجماع فيه: ابن جرير في كتابه «اختلاف العلماء»، وآخرون، وحكى الشيخ أبو حامد وغيره أن بعض الناس أوجب الثلاث، وحكاه صاحب «الإبانة» عن ابن أبي ليلى، وهذا مذهب باطل لا يصح عن أحد من العلماء، ولو صح لكان مردودا بإجماع من قبله وبالأحاديث الصحيحة. اهـ\nثم ذكر أحاديث منها: حديث ابن عباس -﵄- في «البخاري» (^١)، قال: «توضأ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرةً مرة».\nقلتُ: الإجماع لا يصح مع كونه قول أكثر أهل العلم، فقد خالف مالكٌ فأوجب الغسل، ولم يوقت مرة، ولا ثلاثًا، كما حكاه ابن قدامة في «المغني» وقال الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز: الوضوء ثلاثًا، ثلاثًا، إلا غسل الرجلين؛ فإنه ينقيهما، والصحيح قول الجمهور. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٥٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١/ ١٩٢ - ١٩٣).","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>مسألة [٢]: إذا غسل بعض أعضائه مرة، وبعضها مرتين، وهكذا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ١٩٤): وإن غسل بعض أعضائه مرة، وبعضها أكثر، جاز؛ لأنه إذا جاز ذلك في الكل جاز في البعض، وفي حديث عبد الله ابن زيد أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه مرتين، ومسح برأسه مرة. متفق عليه (^١). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>مسألة [٣]: ما حكم وضوئه إذا زاد على ثلاث</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٤٤٠): إذا زاد على الثلاث فقد ارتكب المكروه، ولا يبطل وضوؤه، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة، وحكى الدارمي في «الاستذكار» عن قوم أنه يبطل كما لو زاد في الصلاة، وهو خطأ ظاهر. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>مسألة [٤]: إذا شك هل غسل مرتين، أو ثلاثًا</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٤٤٠): إذا شك فلم يدر أغسل مرتين، أم ثلاثا؟ فمقتضى كلام الجمهور أنه يبنى على حكم اليقين، وأنهما غسلتان، فيأتي بثالثة. اهـ\nثم حكى عن إمام الحرمين وجهين في هذه المسألة، ثم قال: والصحيح أنه يأتي بأخرى، والله أعلم.\nقلتُ: وما صححه النووي هو الصحيح؛ لأنَّ الشيء لا يثبت بعد عدمه بمجرد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٥)، ومسلم برقم (٢٣٥).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (١/ ٤٣٨).","vol":"1","page":201},{"text":"الشك، والله أعلم.\n\n٣١ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- -فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>مسألة [١]: تكرار مسح الرأس</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ الرأس يمسح مرة واحدة فقط، واستدلوا بحديث الباب، وبحديث عثمان بن عفان، وعبد الله بن زيد في «الصحيحين». (^٢)\n• وذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى استحباب تكرار مسحه ثلاثًا؛ لحديث: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ ثلاثًا، ثلاثًا. (^٣) وحديث عثمان عند أبي داود (١٠٧): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ فمسح على رأسه ثلاثًا.\nولكنه حديث غير محفوظ كما أشار إلى ذلك أبو داود في «سننه» (١٠٨)، ثم البيهقي في «الكبرى» (١/ ٦٢).\nواستدلوا أيضًا بحديث عن علي عند الدارقطني (١/ ٨٩)، وهو غير محفوظ أيضًا، في إسناده: أبو حنيفة، وقد خالفه الحفاظ في ذلك.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (١١١)، والنسائي (١/ ٦٨، ٧٠)، والترمذي (٤٨، ٤٩) من طريق أبي عوانة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي -﵁-، به. وإسناده صحيح.\n(^٢) تقدم تخريج حديث عثمان، وسيأتي تخريج حديث عبد الله بن زيد -﵄-.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٢٣٠)، من حديث عثمان بن عفان -﵁-.","vol":"1","page":202},{"text":"وفي الباب أيضًا أحاديث ضعيفة، وواهية، لا يصح منها شيء، كما في «التلخيص» (١/ ١٤٥ - ١٤٧)، و«النيل».\nوالصحيح هو قول الجمهور، وهو الاقتصار على مسحة واحدة.\nوهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أهل العلم. وأما حديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ ثلاثًا؛ فهو مجملٌ تبينه الأحاديث الأخرى. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (١/ ٤٣٢)، «سبل السلام» (١/ ٩٣)، «المغني» (١/ ١٧٨ - ١٨٠)، «زاد المعاد» (١/ ١٩٧)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٢٦).","vol":"1","page":203},{"text":"٣٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ -﵄- -فِي صِفَةِ الوُضُوءِ- قَالَ: وَمَسَحَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَفِي لَفْظٍ: بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>مسألة [١]: كيفية مسح الرأس</span>.\nأفادت الرواية الثانية صراحةً أنَّ المستحب أن يبدأ الرجل بمقدم رأسه حتى يذهب بيديه إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه.\nوهذه الرواية تعتبر تفسيرًا للرواية الأولى، وهي قوله: فأقبل بيديه وأدبر؛ فإن الواو لا تفيد الترتيب.\nويكون المعنى: فأدبر بيديه إلى قفاه، ثم أقبل بهما إلى مقدمة رأسه.\nويؤيده: أنه قد جاءت رواية في البخاري: فأدبر بيديه، وأقبل.\nوهذه الكيفية، قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٤٠٢): متفق على استحبابها.\nوقال الترمذي -﵀- في «سننه» (٣٥): وحديث عبد الله بن زيد أصح شيء في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٨٥)، ومسلم برقم (٢٣٥).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٨٥)، ومسلم برقم (٢٣٥).","vol":"1","page":204},{"text":"الباب، وأحسن، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق. اهـ\nوهو أيضًا قول مالك، كما في «الاستذكار» (٢/ ٢٧).\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يبدأ بمؤخرة رأسه، وهو قول الحسن بن حي، كما في «الاستذكار» (٢/ ٢٨).\nواستندوا إلى رواية: فأقبل بيديه، وأدبر، وقد تقدم الكلام عليها، وبحديث الربيع بنت معوذ عند أبي داود (١٢٦) بلفظ: «يبدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه ...»، وفيه ضعفٌ؛ ففي إسناده: عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ضعيفٌ.\n• ومنهم من قال: يبدأ بناصيته، ويذهب إلى ناحية الوجه، ثم يذهب إلى جهة مؤخر الرأس، ثم يعود إلى ما بدأ منه، وهو الناصية، كما في «سبل السلام» (١/ ٩٥)، وهذا القائل قصد الجمع بين الروايتين اللتين في الباب، ولا معارضة بينهما كما تقدم بيان ذلك.","vol":"1","page":205},{"text":"٣٣ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄- -فِي صِفَةِ الوُضُوءِ- قَالَ: ثُمَّ مَسَحَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِرَأْسِهِ، وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ (^١) فِي أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>مسألة [١]: هل الأذنان من الرأس</span>؟\n• دلَّ حديث الباب على أنَّ الأذنين من الرأس، وقد جاء في ذلك حديث مرفوعٌ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بلفظ: «الأذنان من الرأس»، ولكنه ضعيفٌ من جميع طرقه، وأفضل من جمع طرق الحديث الدارقطني في «سننه»، ثم البيهقي في «الخلافيات»، والذي يظهر أنه لا يرتقي إلى الحجية بتلك الطرق، ولكنه قد صحَّ موقوفًا عن جمع من الصحابة، وهذا القول هو قول جمهور أهل العلم.\nقال الترمذي -﵀-: وهو قول أكثر العلماء من الصحابة، فمن بعدهم، وبه قال الثوري، وابن المبارك، وأحمد.\nوقال ابن المنذر -﵀-: ورويناه عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي موسى (^٣)، وبه\n_________\n(^١) في نسخة (أ): (السبابتين). والذي في الأصل موافق لما في «سنن أبي داود».\n(^٢) حسن. أخرجه أبوداود (١٣٥)، والنسائي (١/ ٨٨)، وابن خزيمة (١٧٤) من طريق موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ... به وإسناده حسن.\nولكن لفظ النسائي وابن خزيمة مختصر ليس عندهما اللفظ الذي ذكره الحافظ.\n(^٣) ذكر أسانيد هذه الآثار البيهقي في «الخلافيات» (١/ ٣٥٧ -).\nوأثر ابن عباس، وابن عمر صحيحان، وأثر أبي موسى من طريق: الحسن عنه، ولم يسمع منه، وفي إسناده: أشعث بن سوار، وفيه ضعف.","vol":"1","page":206},{"text":"قال عطاء، وابن المسيب، والحسن، وعمر بن عبدالعزيز، والنخعي، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد.\n• وذهب الشافعية إلى أنهما عضوان مستقلان، ليسا من الرأس، ولا من الوجه.\n• وقال الزهري: هما من الوجه، يغسلان معه، واستدل بدعاء السجود: «سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه، وبصره». (^١)\nوالراجح هو قول الجمهور؛ لحديث الباب، وأيضًا حديث ابن عباس عند الترمذي (٣٦)، وغيره بإسناد صحيح: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح رأسه، وأذنيه، ظاهرهما، وباطنهما.\nوأما استدلال الزهري بالحديث، فقد قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ١٦٢): وإنما أضافهما إلى الوجه لمجاورتهما له، والشيء يسمى باسم ما جاوره.\nوعندي على ذلك جواب آخر، وهو أنَّ الرأس كله ساجد، وإنما المباشرة بالوجه، فأطلق السجود على الوجه؛ لأنه هو المباشر لذلك، فيكون أطلق الجزء، وأراد الكل، ويكون الضمير في قوله: «سمعه، وبصره» عائد على الرأس لا على الوجه، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٧١)، من حديث علي بن أبي طالب -﵁-.\n(^٢) انظر: «المجموع» (١/ ٤١٣ - ٤١٤)، «المغني» (١/ ١٦١ - ١٦٢)، «الأوسط» (١/ ٤٠٠ - وما بعدها).","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>مسألة [٢]: ما حكم مسح الأذنين</span>؟\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب مسح الأذنين؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد حكاه بعضهم إجماعًا كما في «شرح المهذب» (١/ ٤١٦)، والصحيح أنه قد خالف إسحاق فيما حكاه عنه ابن المنذر، وحكي عن أحمد.\nلكن قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ١٨٣): والأذنان من الرأس، فقياس المذهب وجوب مسحهما مع مسحه، وقال الخلال: كلهم حكوا عن أبي عبد الله فيمن ترك مسحهما عامدًا، أو ناسيًا، أنه يجزئه، وذلك لأنهما تبعٌ للرأس. اهـ\nقال النووي -﵀- -بعد أن ذكر قول إسحاق-: وهو محجوج بالإجماع قبله، وللحديث الذي ذكره المصنف، والراجح هو قول الجمهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>مسألة [٣]: كيفية مسح الأذنين</span>.\nدلَّ حديث الباب على أنه يستحب أن يمسح داخل الأذنين بالسبابتين، وظاهرهما بالإبهامين.\nوقد صحَّ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب -﵄- أنه فعل ذلك، أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٨)، بإسناد صحيح.\nوثبت أيضًا عن أنس وابن مسعود -﵄- كما في المصدر المذكور.","vol":"1","page":208},{"text":"وقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ٤٠٤): هكذا ينبغي أن يفعل من مسح أذنيه.\nوقال الترمذي -﵀- في «جامعه» (٣٦): والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، يرون مسح الأذنين ظاهرهما، وباطنهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>مسألة [٤]: هل يجزئ مسح الأذنين عن الرأس</span>؟\nلا يجزئ مسح الأذنين عن الرأس بالإجماع، نقله غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن حزم في «المحلَّى» رقم (١٩٩)، والنووي في «شرح المهذب» (١/ ٤١٥).","vol":"1","page":209},{"text":"٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nفي هذا الحديث دلالة على استحباب الاستنثار ثلاثًا عند الاستيقاظ من نوم الليل، وقيدناه بـ (الليل)؛ لقوله في الحديث: «يبيت».\nقال الشوكاني -﵀- في «نيل الأوطار» (١/ ٢٢١): قَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِنْثَارِ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ، وَلَمْ يَذْهَبْ إلَى وُجُوبِهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا شُرِعَ؛ لِأَنَّهُ يُذْهِبُ مَا يُلْصَقُ بِمَجْرَى النَّفْسِ مِنْ الْأَوْسَاخِ، وَيُنَظِّفُهُ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِنَشَاطِ الْقَارِئِ، وَطَرْدِ الشَّيْطَانِ، وَالْخَيْشُومُ أَعْلَى الْأَنْفِ.\nوَقِيلَ: هُوَ الْأَنْفُ كُلُّهُ.\nوَقِيلَ: هُوَ عِظَامٌ رِقَاقٌ لَيِّنَةٌ فِي أَقْصَى الْأَنْفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّمَاغِ.\nوَقَدْ وَقَعَ فِي «الْبُخَارِيِّ» فِي [بَدْءِ الْخَلْقِ] (^٢) بِلَفْظِ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ، فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ»، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ بِالِاسْتِنْثَارِ بِاعْتِبَارِ إرَادَةُ الْوُضُوءِ، وَفِي وُجُوبِهِ خِلَافٌ سَيَأْتِي. اهـ\nقلتُ: قد تقدم نقل الخلاف في حكم الاستنثار عند حديث عثمان، فراجعه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٢٩٥)، ومسلم برقم (٢٣٨). وعند البخاري زيادة «فتوضأ» بعد قوله «من نومه».\n(^٢) انظر رقم (٣٢٩٥).","vol":"1","page":210},{"text":"٣٥ - وَعَنْهُ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>مسألة [١]: حكم غسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى الاستحباب، وأنَّ النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها نهي تنزيه، والقرينة الصارفة عندهم عن الوجوب ذكر العدد؛ فإنَّ ذكره في غير النجاسة العينية دليل الندب، ولأنه علل بأمر يقتضي الشك، والشك لا يقتضي الوجوب في هذا الحكم استصحابًا لأصل الطهارة.\n• وذهب أحمد في المشهور عنه، وإسحاق، وأهل الظاهر إلى الوجوب؛ لظاهر الأمر في حديث الباب، وهو ترجيح ابن حزم، والصنعاني، ثم ابن عثيمين، وغيرهم، وهذا هو الصحيح، والله أعلم، وذكر العدد لا يدل على عدم الوجوب، وكذا التعليل بالشك لا يدل على عدم الوجوب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>مسألة [٢]: هل يشمل هذا الحكم نوم النهار</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى تعميم الحكم في نوم الليل، والنهار، واستدلوا بقوله: «من نومه»، فهو يشمل نوم الليل، والنهار، وقاسوا نوم النهار على نوم الليل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٦٢)، ومسلم برقم (٢٧٨).\n(^٢) انظر: «المجموع (١/ ٣٤٩)، «المغني» (١/ ١٤٠)، «الفتح» (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦).","vol":"1","page":211},{"text":"• وذهب أحمد، وداود إلى اختصاصه بنوم الليل؛ لقوله في آخر الحديث: «باتت يده»؛ لأنَّ حقيقة المبيت أن يكون في الليل.\nوفي رواية لأبي داود (١٠٣) ساق مسلم إسنادها: «إذا قام أحدكم من الليل».\nوكذا للترمذي (٢٤) من وجه آخر صحيح، ولأبي عوانة (٧٣٥)، في رواية ساق مسلم إسنادها: «إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح»، وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>مسألة [٣]: العلة في الأمر بالغسل</span>.\nقيل: إنها تعبدية، وبهذا قال مالك، وأحمد، وابن حزم، وغيرهم.\nوقال الشافعي -﵀-: إنَّ العلة من الأمر هو احتمال تنجس اليد.\nوقال شيخ الإسلام -﵀- في «القواعد النورانية» (٣٠ - ٣١): فلعلَّ الشيطان ينقل اليد إلى أماكن تضر الإنسان، أو يأتي بأشياء يلوث بها يد الإنسان تضر به إذا لم يغسل يديه، فعلى ذلك فلا يستبعد أن يكون هذا هو السبب لغسل يد القائم من نوم الليل.\nقلتُ: إنْ صحت هذه العلة، وإلا فالقول الأول هو الراجح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>مسألة [٤]: حكم الماء إذا غمس فيه يده</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٣٥٠): إذا غمس يده، وهو شاك في نجاستها قبل غسلها فلا ينجس الماء، بل هو باق علي طهارته، ويجوز أن يتطهر\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ١٤٠ - ١٤١)، «المجموع» (١/ ٣٤٩)، «الفتح» (١٦٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١/ ١٤١)، و«المجموع» (١/ ٣٤٨)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٤ - ٤٥).","vol":"1","page":212},{"text":"به، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه أصحابنا عن الحسن البصري -﵀- أنه قال: ينجس إن كان قام من نوم الليل. وحكي هذا عن إسحاق بن راهويه، ومحمد بن جرير، وداود، وهو ضعيف جدًّا؛ لأن الأصل طهارة الماء واليد، فلا ينجس بالشك، وقواعد الشرع متظاهرة على هذا، ولا يمكن أن يقال: الظاهر من اليد النجاسة. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>مسألة [٥]: إذا كانت يد النائم مشدودة بجراب، أو نحوه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ١٤٢): وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ يَدِ النَّائِمِ مُطْلَقَةً، أَوْ مَشْدُودَةً بِشَيْءٍ، أَوْ فِي جِرَابٍ، أَوْ كَوْنِ النَّائِمِ عَلَيْهِ سَرَاوِيلُهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ. قَالَ أَبُو دَاوُد: سُئِلَ أَحْمَدُ إذَا نَامَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ سَرَاوِيلُهُ؟ قَالَ: السَّرَاوِيلُ، وَغَيْرُهُ وَاحِدٌ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا». يَعْنِي أَنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ، فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِعُمُومِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>مسألة [٦]: هل يفتقر غسل اليدين إلى نية</span>؟\n• فيه وجهان عند الحنابلة:\nالأول: أنه لابد من النية؛ لأنه طهارة تعبد، فأشبه الوضوء، والغسل.\nالثاني: أنه لا يفتقر إلى نية؛ لأنه ليس تعبديًّا محضًا، فقد قال في آخر الحديث: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، وهذا القول أرجح، وهو مقتضى مذهب الشافعية؛ لأنَّ العلة عندهم هي احتمال النجس، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» (١٦٢).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١/ ١٤٣ - ١٤٤).","vol":"1","page":213},{"text":"٣٦ - وَعَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَسْبِغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\nوَلِأَبِي دَاوُد فِي رِوَايَةٍ: «إذَا تَوَضَّأْت فَمَضْمِضْ». (^٢)\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (١٤٢)، والترمذي (٧٨٨)، والنسائي (١/ ٦٦، ٧٩)، وابن ماجه (٤٠٧، ٤٤٨)، وابن خزيمة (١٥٠) (١٦٨)، من طريق يحيى بن سليم، حدثني إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه به. وإسناده صحيح، رجاله ثقات.\n(^٢) شاذة، أخرجها أبوداود (١٤٤) من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن كثير، به.\n\nوقد خالف أبا عاصم أربعة من الرواة، فلم يذكروا هذه الزيادة، وهم:\nعبد الرزاق بن همام الصنعاني، رواه عن ابن جريج كما في «مصنفه» (٨٠)، بدون هذه الزيادة.\nويحيى بن سعيد القطان، كما في «مسند أحمد» (٤/ ٢١١).\nوحجاج المصيصي، كما في «سنن البيهقي» (١/ ٥١).\nوخالد بن الحارث، كما في «السنن الكبرى» للنسائي كما في «تحفة الأشراف» (١١١٧٢).\nفهؤلاء كلهم يروون الحديث عن ابن جريج بدون هذه الزيادة؛ فهي تعتبر شاذة، ويؤيد شذوذها أن ابن جريج شيخهم قد توبع بدون ذكر هذه الزيادة.\nفقد تابعه: سفيان الثوري، ويحيى بن سليم الطائفي، وداود بن عبدالرحمن العطار.\nكل هؤلاء الثلاثة رووا الحديث عن إسماعيل بن كثير بدون هذه الزيادة، وانظر تخريج رواياتهم في «المسند الجامع» (١٥/ ٨ - ٩).\nوقد جاءت زيادة أخرى بلفظ: «وبالغ في المضمضة، والاستنشاق؛ إلا أن تكون صائمًا»، أخرجها الدولابي كما في «التلخيص» (١/ ١٣٩)، من طريق: عبدالرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن كثير، به.\nوزيادة: «المضمضة» تعتبر شاذة أيضًا، فقد روى الحفاظ الحديث عن سفيان بدون هذه الزيادة، وهم:\nوكيع بن الجراح، كما في «مسند أحمد» (٤/ ٣٣)، وغيره.\nعبدالرزاق الصنعاني، كما في «مصنفه» (٧٩).\nيحيى بن آدم كما في «سنن النسائي» (١/ ٧٩).\nمحمد بن يوسف الفريابي، كما في «الطبراني» (١٩/ ٤٨٢)، والبيهقي (٤/ ٢٦١).\nأبو نعيم الفضل بن دكين، كما في «الطبراني» (١٩/ ٤٨٢).\nمحمد بن كثير العبدي، كما في «مستدرك الحاكم» (١/ ١٤٧ - ١٤٨).\nفكل هؤلاء رووا الحديث عن سفيان الثوري بدون هذه الزيادة.\nبل إنَّ عبدالرحمن بن مهدي بنفسه روى هذا الحديث عن سفيان بدون هذه الزيادة كما في «مسند أحمد» (٤/ ٣٣)، والنسائي في «الكبرى» (٣٠٤٧)؛ فالزيادة في المضمضة لا تثبت، ولعل الوهم في زيادتها من الدولابي -﵀-، والله أعلم.","vol":"1","page":214},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>مسألة [١]: إسباغ الوضوء</span>.\nإسباغ الوضوء يطلق على إيصال الماء إلى جميع أجزاء العضو، وهذا واجب لا يصح الوضوء إلا به، وعليه يحمل حديث المسيء في صلاته في «الصحيحين» (^١) عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة ...،»، واللفظ لمسلم.\nويطلق إسباغ الوضوء على إكماله المستحب، ويدل على ذلك حديث أسامة في «الصحيحين» (^٢): أنه دفع مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من عرفة، فنزل بالشعب، قال: فبال، وتوضأ، ولم يسبغ الوضوء.\nوالإسباغ بهذا المعنى مستحب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد تركه في هذا الموضع، وقد\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه إن شاء الله برقم (٢٥٨).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٣٩)، ومسلم برقم (٢٧٦)، من [كتاب الحج].","vol":"1","page":215},{"text":"ثبت عنه أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>مسألة [٢]: تخليل الأصابع</span>.\n• ذهب الشوكاني، والصنعاني إلى وجوب تخليل الأصابع؛ لظاهر حديث لقيط ابن صبرة.\n• بينما ذهب جمهور أهل العلم إلى الاستحباب.\n• ومنهم من خصَّه بأصابع الرجلين.\nوالصحيح عمومه في أصابع اليدين، والرجلين؛ لعموم حديث لقيط الذي في الباب، وصرَّح بذلك إسحاق كما في «شرح المهذب» (١/ ٤٢٥).\nقال البغوي -﵀- في «شرح السنة» (١/ ٣٠٩): وتخليل الأصابع سنة في الوضوء مع وصول الماء إلى باطنها من غير تخليل؛ فإن انضمت الأصابع بعضها إلى بعض، بحيث لا يصل الماء إلى باطنها إلا بالتخليل، فيجب حينذاك. اهـ\nوقال ابن سيد الناس -﵀- كما في «النيل» (١/ ٢٤٣): قال أصحابنا: من سنن الوضوء تخليل أصابع الرجلين في غسلهما، وهذا إذا كان الماء يصل إليهما من غير تخليل، فلو كانت الأصابع ملتفة لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل، فحينذٍ يجب التخليل، لا لذاته، ولكن لأداء فرض الغسل. اهـ\nقال البسَّام في «توضيح الأحكام» (١/ ٢١٨): والصارف عن الوجوب دقة الماء، ووصوله إلى ما بينها بدون تخليل، وبهذا يحصل القدر الواجب، فيبقى","vol":"1","page":216},{"text":"الاستحباب على الاحتياط في ذلك. اهـ\nقلتُ: الراجح قول الجمهور؛ لأنَّ الغاية من التخليل هو إيصال الماء، وفي الغالب أن الماء يصل من غير تخليل إذا كُوثِرَ على الرِّجْل كما قال البسام، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>مسألة [٣]: المبالغة في الاستنشاق</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ١٤٧): وذلك سنة مستحبة في الوضوء إلا أن يكون صائمًا، فلا يستحب، لا نعلم في ذلك خلافًا. انتهى.\nوقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٣٥٦): المبالغة في المضمضة، والاستنشاق سنَّةٌ بلا خلاف. انتهى.\nوقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ١٠٠): والحديث دليل على المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم، وإنما لم يكن في حقه المبالغة؛ لئلا ينزل إلى حلقه ما يفطره، ودلَّ ذلك على أنَّ المبالغة ليست بواجبة؛ إذ لو كانت واجبة لوجب عليه التحري، ولم يجز له تركها. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ١٥٢ - ١٥٣).","vol":"1","page":217},{"text":"٣٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي الوُضُوءِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>مسألة [١]: إيصال الماء إلى باطن اللحية</span>.\n• قال النووي -﵀- في «شرح المهذب»: اللحية الكثيفة يجب غسل ظاهرها بلا خلاف، ولا يجب غسل باطنها، ولا البشرة تحته، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي -﵀-، وقطع به جمهور الأصحاب في الطرق كلها، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وجماهير العلماء من الصحابة، والتابعين، وغيرهم. انتهى المراد. وممن ثبت عنه التخليل من الصحابة رضوان الله عليهم ابن عمر، وابن عباس -﵃-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ١٢).\n_________\n(^١) صحيح بشواهده. أخرجه الترمذي (٣١)، وابن خزيمة (١٥١) (١٥٢) واللفظ للترمذي، وفي إسنادهما عامر بن شقيق، وفيه ضعف.\nوله شاهد من حديث أبي أمامة: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣)، وأبوعبيد في «الطهور» (٣١٧) وفي إسناده أبوغالب واسمه حزوَّر مختلف فيه والراجح ضعفه.\nوله شاهد آخر من حديث أنس: أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٤٥٥) وفي إسناده إسحاق بن عبدالله الأدني التميمي وهو مجهول حال.\n\nوله شاهد من حديث عائشة عند أحمد (٦/ ٢٣٤)، وهو من طريق زيد بن الحباب، وعبد الله بن المبارك، عن عمر بن أبي وهب الخزاعي النصري، حدثني موسى بن ثروان، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، عن عائشة به وظاهر إسناده الصحة.\nفالحديث صحيح بهذه الشواهد، وما نقل عن بعض الأئمة من أنه لم يثبت فيه حديث؛ محمول على أنه لم يثبت بنفسه، وأما مجموعها فلا ينزل عن رتبة الحسن، وفي الباب شواهد أخرى قد ذكرنا أحسنها، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":218},{"text":"وقد استدل الشيرازي في «المهذب»، والمجد ابن تيمية في «المنتقى» بحديث ابن عباس، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ، وغرف غرفة، وغسل بها وجهه. وهو في البخاري برقم (١٤٠)، ثم رأيت ابن المنذر قد سبقهما إلى الاستدلال به كما في «الأوسط»، وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى ما تحت الشعر مع كثافة اللحية، ولأنه باطن دونه حائل معتاد، فهو كداخل الأنف، والفم.\n• وذهب المزني، وأبو ثور، وإسحاق إلى وجوب غسل البشرة قياسًا على غسل الجنابة.\nوالراجح هو القول الأول، ويدل عليه أيضًا حديث الباب؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اكتفى بالتخليل؛ فدل على عدم وجوب غسل البشرة، والله أعلم. (^١)\nوأما اللحية الخفيفة، فقد قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٣٧٦): قد ذكرنا أنَّ مذهبنا أنه يجب غسل اللحية الخفيفة، والبشرة تحتها، وبه قال مالك، وأحمد، وداود، قال أصحابنا، وقال أبو حنيفة -﵀- لا يجب غسل ما تحتها كداخل الفم، قال: وكما سوينا بين الخفيف، والكثيف في غسل الجنابة، وأوجبنا غسل ما تحتها فكذا نسوي بينهما في الوضوء، فلا نوجبه.\nقال النووي -﵀-: واحتج أصحابنا بقول الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، وهذه البشرة من الوجه، ويقع بها المواجهة، ولأنه موضع ظاهرٌ من الوجه، فأشبه الخدَّ، ويخالف الكثيف؛ فإنه يشق إيصال الماء إليه بخلاف هذا.\n_________\n(^١) انظر: «شرح المهذب» (١/ ٣٧٤ - ٣٧٥).","vol":"1","page":219},{"text":"والجواب عن داخل الفم: أنه يحول دونه حائل أصلي، فأسقط فرض الوضوء، واللحية طارئ، والطارئ إذا لم يستر الجميع لم يسقط الفرض، كالخف المخرق. اهـ\nوما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>مسألة [٢]: تخليل اللحية الكثيفة</span>.\n• اختلف أهل العلم في تخليل اللحية على أقوال:\nالأول: الوجوب في الوضوء، والغسل، وهو قول إسحاق، والحسن بن صالح، وأبي ثور، والمزني.\nالثاني: الوجوب في الغسل، والاستحباب في الوضوء، وهو قول أحمد، والشافعي، والأوزاعي، وداود، والطبري، والثوري، وغيرهم، بل هو قول جمهور العلماء؛ لأنَّ الغسل يجب فيه غسل جميع الجسد، واللحية منه، وأما الوضوء فيجب فيه غسل الوجه، وهو ما يحصل به المواجهة، وأما باطن اللحية فيستحب تخليلها لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nالثالث: ذهب مالك، وأحمد في رواية، وطائفة من أهل المدينة إلى الاستحباب في الوضوء، والغسل.\nوالقول الثاني هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (١/ ٣٧٤)، و«المغني» (١/ ١٤٩).","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>مسألة [٣]: ضابط اللحية الخفيفة، والكثيفة</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال، وهي ثلاثة أوجه عند الشافعية ذكرها النووي في «شرح المهذب» (١/ ٣٧٥):\nالأول: أنَّ ذلك راجع إلى عرف الناس.\nالثاني: ما وصل الماء إلى تحته بلا مشقة، فهو خفيفٌ، وإلا فكثيفٌ.\nالثالث: أن ما ستر البشرة عن الناظر في مجلس التخاطب؛ فهو كثيف، وما لا؛ فخفيف، وهذا الثالث نصَّ عليه الشافعي، وصححه النووي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>مسألة [٤]: إذا كانت اللحية بعضها خفيف، وبعضها كثيف</span>؟\nقال الشيرازي -﵀- في «المهذب» (١/ ٣٧٤): فإن كان بعضها خفيفًا، وبعضها كثيفًا غسل ما تحت الخفيف، وأفاض الماء على الكثيف.","vol":"1","page":221},{"text":"٣٨ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدٍ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِثُلُثَيْ مُدٍّ، فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>مسألة [١]: حكم الدَّلك</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٣/ ١٠٩): واتفق الجمهور على أنه يكفي في غسل الأعضاء في الوضوء، والغسل جريان الماء على الأعضاء، ولا يشترط الدلك، وانفرد مالك، والمزني باشتراطه. اهـ\nقلتُ: ولا خلاف في استحبابه؛ لحديث الباب، والراجح قول الجمهور، ولكن لو أنَّ مكانًا من العضو لا يصل إليه الماء إلا بالدلك، فيجب دلكه، والله أعلم.\nفائدة: قال الصنعاني -﵀- في «السبل» (١/ ١٠٢): فَثُلُثَا المد هو أقل ما روي أنه توضأ به -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما حديث أنه توضأ بثلث مُدٍّ، فلا أصل له. اهـ\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٣٩)، وابن خزيمة (١١٨) واللفظ لابن خزيمة، وعند أحمد «توضأ» وليس عنده «أتي بثلثي مد». ومدار الحديث على شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عبَّاد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد، به. رواه كذلك أبو داود الطيالسي عند أحمد، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة عند ابن خزيمة، وكذلك يحيى بن سعيد القطان عند ابن حبان (١٠٨٢)، ومعاذ العنبري عند الطحاوي (١/ ٣٢)، بلفظ: «فدلك أذنيه حين مسحهما».\nوخالفهم محمد بن جعفر عند أبي داود (٩٤)، فرواه عن شعبة بإسناده، ولكن قال: (عن جدته أم عمارة) بدل قولهم: (عن عمه عبد الله بن زيد)، ورجح أبو زرعة هذه الرواية في «العلل» (٣٩)، ولا يبعد أن يكون محفوظًا على الوجهين، والله أعلم.","vol":"1","page":222},{"text":"٣٩ - وَعَنْهُ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلافَ المَاءِ الَّذِي أَخَذَهُ لِرَأْسِهِ. أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الوَجْهِ بِلَفْظِ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ، وَهُوَ المَحْفُوظُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>مسألة [١]: أخذ ماء جديد للأذن</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم فيما حكاه النووي في «شرح المهذب» (١/ ٤١٣) إلى أنه يأخذ ماءً جديدًا لمسح الأذن، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وصحَّ ذلك عن ابن عمر -﵄-، وقد استدلوا على ذلك بحديث الباب.\n• وذهب الثوري، وأبو حنيفة إلى أنهما يمسحان بماء الرأس؛ لأنهما من الرأس، وقد صحَّ ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كما في حديث الباب، وحديث ابن عباس\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في «سننه» (١/ ٦٥).\nقال الإمام الألباني -﵀- في «السلسلة الضعيفة» (٢/ ٤٢٣ - ٤٢٤): اختلف في هذا الحديث على ابن وهب، فالهيثم بن خارجة وابن مقلاص وحرملة بن يحيى والعهدة في ذلك على البيهقي رووه عنه باللفظ الأول الذي فيه أخْذ الماء الجديد لأذنيه. قال وخالفهم ابن معروف وابن سعيد الأيلي وأبوالطاهر، فرووه عنه باللفظ الآخر الذي فيه أخذ الماء لرأسه لم يذكر الأذنين. وقد صرح البيهقي بأنه أصح، ومعنى ذلك أن اللفظ الأول شاذ، وقد صرح بشذوذه الحافظ ابن حجر في «بلوغ المرام» ولاشك في ذلك عندي؛ لأن أبا الطاهر وسائر الثلاثة قد تابعهم ثلاثة آخرون وهم: حجاج بن إبراهيم الأزرق وابن أخي ابن وهب واسمه أحمد بن عبدالرحمن بن وهب، أخرجه عنهما أبوعوانة في «صحيحه» (١/ ٢٤٩) وسريج بن النعمان عند أحمد (٤/ ٤١) ولا ريب أن اتفاق الستة على الرواية أولى بالترجيح من رواية الثلاثة عند المخالفة. اهـ\nورواية مسلم في «صحيحه» برقم (٢٣٦).","vol":"1","page":223},{"text":"الذي تقدم قريبًا.\nوقال أبو بكر بن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ٤٠٤): وغير موجود في الأخبار الثابتة التي فيها صفة وضوء رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخذه لأذنيه ماء جديدًا، بل في حديث ابن عباس أنه غرف غرفة، فمسح برأسه، وأذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف بإبهاميه إلى ظاهر أذنيه، فمسح ظاهرهما، وباطنهما. اهـ\nوقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (١/ ١٩٤): ولم يثبت عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه أخذ لهما ماءً جديدًا. اهـ\nوهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح: الألباني، والوادعي، وابن عثيمين رحمة الله عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>مسألة [٢]: مسح الرأس بماء غير فضل اليدين</span>.\n• حديث عبد الله بن زيد الذي في الباب بلفظ رواية مسلم يدل على أن مسح الرأس يكون بماء غير فضل اليدين، وبهذا أخذ أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة، واشترطوا ذلك، وقالوا: لا يجزئ أن يمسح رأسه بفضل يديه، وهذا بناء على ما ذهبوا إليه من أنَّ الماء المستعمل ليس بمطهر.\n• وذهب الحسن، وعروة بن الزبير، والأوزاعي إلى أنه يجزئ أن يمسح رأسه بفضل يديه؛ لأنَّ الماء الملاصق لليد لم يخرج عن حد الطهورية.\nقال ابن المنذر -﵀-: ويشبه أن يكون قول مالك؛ لأنه قال: لا أحب ذلك.","vol":"1","page":224},{"text":"قال ابن قدامة -﵀-: ويتخرج لنا مثل ذلك إذا قلنا: إن المستعمل لا يخرج عن طهوريته سيما الغسلة الثانية والثالثة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: القول بالإجزاء هو الصحيح، والأفضل: أخذ ماء جديد؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوقد قال أبو بكر بن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ٣٩٢): والذي أحب أن يأخذ لمسح رأسه ماءً جديدًا؛ فإن لم يفعل، ومسح رأسه بما في يده من فضل الماء الذي غسل به ذراعيه رجوت أن يجزئه. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) وانظر «المغني» (١/ ١٨١)، و«الأوسط» (١/ ٣٩٢).","vol":"1","page":225},{"text":"٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ (^١)، مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>مسألة [١]: المجاوزة في غسل اليدين والرجلين على المرفقين، والكعبين</span>.\n• ذهب أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم إلى استحباب مجاوزة الفرض في الوضوء، وهو مذهب جمهور العلماء.\nواستدلوا بقوله: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، وتحجيله فليفعل».\nقال النووي -﵀-: واتفق أصحابنا على غسل ما فوق المرفقين، والكعبين.\n• وذهب الإمام مالك، وأهل المدينة إلى عدم استحباب مجاوزة محل الفرض، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام، وابن القيم.\n_________\n(^١) أصل الغرة لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، والتحجيل بياض يكون في ثلاث قوائم من الفرس، والمراد هنا أن النور يكون في وجوه وأقدام أمة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من أثر الوضوء. انظر: «الفتح» (١٣٦).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٣٦)، ومسلم برقم (٢٤٦) (٣٥).\nوزيادة «فمن استطاع منكم ...» مدرج من كلام أبي هريرة، أشار إلى ذلك الحافظ في «الفتح»، وجزم بذلك شيخ الإسلام، وابن القيم، ثم الإمام الألباني كما في «الضعيفة» (٣/ ١٠٦)، وغير واحد من الحفاظ كما أشار إلى ذلك المنذري في «الترغيب»، ويؤيده أنَّ نعيمًا شك في رفع هذه اللفظة كما في «مسند أحمد» (٢/ ٣٣٤) فقال: لا أدري قوله: «فمن استطاع ...» من قول رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أو من قول أبي هريرة -﵁-؟.","vol":"1","page":226},{"text":"واختار هذه الرواية من علمائنا المعاصرين الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد الرحمن السعدي، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ الألباني، والشيخ مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين، وغيرهم، رحمة الله عليهم أجمعين.\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\n١) مجاوزة محل الفرض على أنها عبادة دعوى تحتاج إلى دليل.\n٢) كل الواصفين لوضوء النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذكروا أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يغسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين.\n٣) آية الوضوء حددت محل الفرض: المرفقين، والكعبين، وهي من آخر ما نزل من القرآن.\n٤) لو سلمنا بهذا؛ لاقتضى الأمر أن نتجاوز الحد في الوجه إلى بعض الشعر من الرأس، وهذا لا يسمى غرة، فيكون متناقضًا.\n٥) الحديث لا يدل على الإطالة؛ فإن الحلية إنما تكون زينة في الساعد، والمعصم، لا العضد، والكتف.\n٦) قوله: «من استطاع ...» تقدم أنه مدرج.\nوهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر «توضيح الأحكام» (١/ ٢٢٨).","vol":"1","page":227},{"text":"٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطَهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>مسألة [١]: حكم التيمن في أعضاء الوضوء</span>.\nنقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على استحباب التيمن، وأن ذلك من باب الأفضلية لا الوجوب، وممن نقل ذلك ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٣٨٧)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (٢/ ٢١)، وابن قدامة في «المغني» (١/ ١٥٣)، والنووي في «شرح مسلم» (٣/ ١٦٣).\nوقد خالف الشيعة كما في «شرح مسلم»، وابن حزم كما في «المحلَّى» (٢٠٦)، وهو محجوج بالإجماع قبله، فقد نقله ابن المنذر وهو أقدم منه.\nوقال الشوكاني -﵀- في «نيل الأوطار» (١/ ٢٦٨): حديث الباب المقترن بالتيامن باللبس المجمع على عدم وجوبه صالح لجعله قرينة تصرف الأمر إلى الندب، ودلالة الاقتران، وإن كانت ضعيفة، لكنها لا تقصر عن الصلاحية للصرف، لا سيما مع اعتضادها بدعوى الإجماع على عدم الوجوب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٦٨)، ومسلم برقم (٢٦٨) (٦٧).\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٤١٤١)، وابن ماجه (٤٠٢)، وابن خزيمة (١٧٨) وإسناده صحيح، واللفظ لابن ماجه، وعند أبي داود وابن خزيمة «إذا لبستم وإذا توضأتم ...» ولم يخرج الحديث النسائي والترمذي.","vol":"1","page":228},{"text":"وقال الإمام العثيمين -﵀- في «شرح البلوغ»: هو للاستحباب؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، ولم يرتب، وإنما رتب بين الأعضاء دون العضوين اللذين هما في مقام عضو واحد. اهـ\nتنبيه: قال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٣/ ١٦٣): ثم اعلم أنَّ من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن، وهو الأذنان، والكفان، والخدان، بل يطهران دفعة واحدة؛ فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع، ونحوه، قدم اليمين، والله أعلم.","vol":"1","page":229},{"text":"٤٣ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضَّأَ. فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى العِمَامَةِ وَالخُفَّيْنِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>مسألة [١]: المسح على العمامة</span>.\n• ذهب أكثر العلماء فيما نقله النووي، والخطابي، والماوردي إلى عدم الإجزاء إذا اقتصر بالمسح على العمامة، وحكاه ابن المنذر عن عروة بن الزبير، والشعبي، والنخعي، والقاسم، ومالك، وأصحاب الرأي، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، والعمامة ليست برأس.\n• وذهب جماعة إلى جواز المسح على العمامة، والاقتصار عليه، وهو مذهب الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وأبي ثور، وإسحاق، والطبري، وداود.\nقال ابن المنذر -﵀-: وممن مسح على العمامة: (أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة) (^٢)، وروي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وأبي الدرداء، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والحسن البصري، وقتادة. اهـ\nواستدلوا بحديث عمرو بن أمية الضمري في «البخاري» (٢٠٥)، قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يمسح على عمامته، وخفيه. وبحديث بلال في مسلم (٢٧٥): أنَّ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٧٤) (٨٣).\n(^٢) الآثار عن عمر، وأنس، وأبي أمامة ثابتة كما في «الأوسط» لابن المنذر، وأما أثر أبي بكر -﵁- ففي إسناده: عنعنة ابن إسحاق. انظر: «الأوسط» (١/ ٤٦٧ - ٤٦٨).","vol":"1","page":230},{"text":"النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح على الخفين، والخمار.\nوفي «مسند أحمد» (^١) من حديث ثوبان أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث سرية، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب، والتساخين.\nوقد أجاب الخطابي، والبيهقي، وغيرهما عن هذه الأحاديث: بأنه وقع فيها اختصار، والمراد الناصية، والعمامة ليكمل سنة الاستيعاب، كما في حديث المغيرة بن شعبة الذي في هذا الباب، وهذا تأويل مخالف للظاهر، ولا دليل عليه.\nوأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، فقد أجاب عنه ابن قدامة في «المغني» (١/ ٣٨٠)، فقال: وَالْآيَةُ لَا تَنْفِي مَا ذَكَرْنَاهُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مُبَيِّنٌ لِكَلَامِ الله، مُفَسِّرٌ لَهُ، وَقَدْ مَسَحَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى الْعِمَامَةِ، وَأَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْمَسْحُ عَلَى الرَّأْسِ، أَوْ حَائِلِهِ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمَسْحَ فِي الْغَالِبِ لَا يُصِيبُ الرَّأْسَ، وَإِنَّمَا يَمْسَحُ عَلَى الشَّعْرِ، وَهُوَ حَائِلٌ بَيْنَ الْيَدِ وَبَيْنَهُ، فَكَذَلِكَ الْعِمَامَةُ. اهـ\nوهذا القول هو الصحيح، وفي النفس شيء من عزو القول الأول لأكثر العلماء، فقد قال بالقول الآخر أيضًا جماعة كُثُر كما تقدم، واللهُ أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>مسألة [٢]: إذا مسح مقدمة شعر الرأس مع العمامة</span>؟\nدلَّ حديث المغيرة الذي في الباب على جواز ذلك، وهو قول من تقدم ذكره\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه إن شاء الله برقم (٥٩).\n(^٢) انظر: «شرح المهذب» (١/ ٤٠٧)، «المغني» (١/ ٣٧٩ - ٣٨٠)، «الأوسط» (١/ ٤٦٧)، «النيل» (١/ ٢٥٩).","vol":"1","page":231},{"text":"في ترجيح مشروعية المسح على العمامة.\nوقد قال بجواز ذلك الشافعية أيضًا، وغيرهم ممن منع المسح على العمامة مقتصرًا عليها، ولكنهم يقولون: يجب عليه مسح مقدمة الرأس، وإلا فلا يجزئه.\nوهو وجه عند الحنابلة؛ لأنَّ العمامة نابت عما استتر، فبقي الباقي على مقتضى الأصل كالجبيرة.\nوالوجه الثاني عند الحنابلة: عدم الوجوب؛ لأنَّ العمامة نابت عن الرأس، فتعلق الحكم بها، وانتقل الفرض إليها، فلم يبق لما ظهر حكم.\nولأنَّ وجوبهما معًا يفضي إلى الجمع بين بدلٍ ومبدل في عضو واحد، فلم يجز من غير ضرورة، كالخف، وعلى هذا تخرج الجبيرة. كذا في «المغني» (١/ ٣٨١ - ٣٨٢).\nوالوجه الثاني هو الراجح والله أعلم؛ لأنَّ العمامة وإن غطت الناصية أحيانًا؛ فإنها لا تغطي جميع أجزاء الرأس، ولم ينقل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يمسح على بقية أجزاء رأسه الذي ليس بمغطى مع العمامة، فدل على الاستحباب، والله أعلم.\nورجح ذلك الشيخ ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ١٩٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>مسألة [٣]: مسح الأذنين مع العمامة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٨٢): ولا خلاف في أنَّ الأذنين لا يجب مسحهما؛ لأنه لم ينقل ذلك، وليسا من الرأس إلا على وجه التبع. اهـ","vol":"1","page":232},{"text":"قلتُ: نفى ابن قدامة -﵀- الوجوب، ولم ينف المشروعية، والاستحباب، فتنبه، ومسحهما مع العمامة مستحب؛ لعموم الأدلة في مسح الأذنين. وهو مقتضى مذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة؛ لأنهم لا يرون جواز الاقتصار على مسح العمامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>مسألة [٤]: هل يشترط لبسها على طهارة</span>؟\nقال الشوكاني -﵀- في «النيل» (١/ ٢٥٩): قال أبو ثور: لا يمسح على العمامة، والخمار إلا من لبسهما على طهارة قياسًا على الخفين، ولم يشترط ذلك الباقون. اهـ\nوهذا قول الظاهرية أيضًا.\nقلتُ: والراجح أنه لا يشترط، وهو ترجيح ابن حزم في «المحلَّى» (٢٠٢)، وقال: القياس باطل، وليس هنا علة جامعة بين حكم المسح على العمامة، والخمار، والمسح على الخفين، وإنما نصَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في اللباس على الطهارة على الخفين، ولم ينص ذلك في العمامة، والخمار، قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، فلو وجب هذا في العمامة، والخمار؛ لبينه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما بين ذلك في الخفين. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>مسألة [٥]: هل لها توقيت في المسح عليها</span>؟\nقال الشوكاني -﵀- في «النيل» (١/ ٢٥٩): وكذلك اختلفوا في التوقيت،","vol":"1","page":233},{"text":"فقال أبو ثور أيضًا: إنَّ وقته كوقت المسح على الخفين. وروي مثل ذلك عن عمر، والباقون لم يوقتوا ذلك بوقت. اهـ\nقلتُ: أما أثر عمر بن الخطاب -﵁-، فقال ابن حزم في «المحلَّى»: إنه ثابت عنه أنه يقول بالتوقيت.\nوقد وافق أبا ثور على ذلك جماعة من الحنابلة، كما في «المغني» (١/ ٣٨٣).\nوالصحيح عدم التوقيت؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح على العمامة، ولم يوقت ذلك بحد كالمسح على الخفين.\nوهو ترجيح ابن حزم في «المحلَّى» (٢٠٣)، ثم الشيخ ابن عثيمين كما في «مجموع فتاواه» (١١/ ١٧٠).","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>مسألة [١]: هل يشترط في العمامة أن تكون محنكة، أو ذات ذؤابة</span>؟\nاشترط ذلك جماعة من الحنابلة كما في «المغني» (١/ ٣٨١).\nقال النووي -﵀- بعد أن ذكر القائلين بمشروعية المسح على العمامة: ثم شرط بعض هؤلاء لبسها على طهارة، وشرط بعضهم كونها محنكة، أي: بعضها تحت الحنك، ولم يشترط بعضهم شيئا من ذلك. اهـ «المجموع» (١/ ٤٠٧).\nقال المرداوي -﵀- في «الإنصاف» (١/ ١٤٠): قلت: الخلاف في اشتراط الذؤابة مع التحنيك ضعيف قل من ذكره والمذهب جواز المسح على المحنكة وإن لم تكن بذؤابة وعليه الأصحاب كما تقدم. اهـ\nقلتُ: والصحيح عدم اشتراط ذلك؛ لعدم وجود دليل يدل على الاشتراط، وهذا ترجيح ابن حزم كما في «المحلَّى» (٢٠١)، وشيخ الإسلام كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ١٤)، ثم الشيخ ابن عثيمين كما في «الشرح الممتع» (١/ ١٩٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>مسألة [٢]: إذا نزع العمامة بعد المسح عليها، فهل ينتقض وضوؤه</span>؟\n• ذهب الإمام أحمد إلى أنه ينتقض وضوؤه كما في «المغني» (١/ ٣٨٢)، وذهب ابن حزم في «المحلَّى» (٢١٩) إلى أنه لا ينتقض وضوؤه، وهو الصحيح، واختاره شيخ الإسلام كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ١٥)، وقال ابن حزم:","vol":"1","page":235},{"text":"وهو قول طائفة من السلف.\nوهو ترجيح الشيخ مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما؛ لعدم وجود دليل على انتقاض الطهارة، وهو يشبه شعر الرأس إذا مسح عليه، ثم حلقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>مسألة [٣]: هل يجزئ أن يمسح الرجل العمامة توضع على رأسه بدون عَصْبٍ</span>؟\n• ذهب ابن حزم، وأبو ثور إلى جواز المسح عليه؛ لحديث بلال في «صحيح مسلم» (٢٧٥) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح على الخفين، والخمار.\n• وذهب عامة أهل العلم إلى عدم المسح عليها، وذلك لأنَّ الرخصة جاءت بالعمامة، فلا يتجاوزها إلا بدليل، وأما حديث بلال فليس بصريح في ذلك؛ لأنَّ العمامة يطلق عليها خمار؛ لأنها تخمر الرأس، ولذلك قال النووي -﵀- في شرح الحديث (٣/ ١٧٧): يعني بالخمار العمامة؛ لأنها تخمر الرأس، أي: تغطيه. اهـ\nوقال ابن الأثير -﵀- في «النهاية» (٢/ ٧٨): والخمار أراد به العمامة؛ لأنَّ الرجل يغطي بها رأسه كما أنَّ المرأة تغطيه بخمارها. اهـ\nقلتُ: فالخمار يطلق في لغة العرب على العمامة، وقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غالب لبسه العمامة، فالظاهر أنَّ المراد بحديث بلال هو العمامة، والله أعلم.\nويدل على ذلك أن حديث عمرو بن أمية الضمري الذي تقدم، وهو في البخاري بلفظ: «مسح على عمامته، وخفيه»، جاء في بعض رواياته عند أحمد بلفظ:","vol":"1","page":236},{"text":"«الخمار» بدل العمامة.\nثم رأيت حديث بلال عند البيهقي (١/ ٢٧١) بإسناد صحيح بلفظ: «ومسح على الخفين، والعمامة»، ومخرجه مع مسلم واحد، فلا إشكال بعد ذلك، ولله الحمد.\nفالراجح هو عدم المسح على ما يوضع على الرأس كهيئة الخمار، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>مسألة [٤]: المسح على القلنسوة</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ٤٧٢): وكان الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، والنعمان، وإسحاق، وكل من نحفظ عنه من أهل العلم لا يرون ذلك.\nونقل ابن المنذر عن أنس أنه مسح على قلنسوته، ولكن في إسناده سعيد بن عبد الله بن ضرار، وفيه ضعف، قال أبو حاتم: ليس بقوي، وقد صحَّ عن أبي موسى الأشعري كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٢) أنه مسح على قلنسوته، وقال به الثوري، وابن حزم في «المحلَّى» (٢٠١)، وشيخ الإسلام في «الاختيارات» (ص ١٤)، واختار هذا القول الخلَّال كما في «المغني» (١/ ٣٨٤).\nقلتُ: الذي يظهر -والله أعلم- أنَّ مذهب الجمهور هو الراجح؛ لأنَّ النصوص لم تأت بالقلانس، وإنما جاءت في العمائم مع وجود الفارق بينهما.","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>مسألة [٥]: مسح المرأة على خمارها</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المرأة لا تمسح على خمارها، وهو قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، ورواية عن أحمد، وقال به نافع، والنخعي، وعطاء، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم.\n• وذهب أحمد في رواية، وهو قول ابن حزم إلى أنها تمسح، وهومذهب الحسن، وقد ثبت عن أم سلمة عند ابن أبي شيبة (١/ ٢٢) بإسناد حسن أنها كانت تمسح على خمارها.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الراجح -والله أعلم- أنَّ المرأة إن شق عليها النزع لبردٍ، أو لثبوت الخمار، فيشق نزعه، ثم لفه، فلها أن تمسح؛ لأنها شبيهة بالعمامة، وهو ظاهر ترجيح شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (٢١/ ٢١٨).\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ١٩٦): وعلى كل حال إذا كان هناك مشقة، إما لبرودة الجو، أو لمشقة النزع واللف مرة أخرى، فالتسامح في مثل هذا لا بأس به، وإلا فالأولى أن لا تمسح، ولم ترد نصوص صحيحة في هذا الباب. (^١)\nفائدة: قال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ١٩٦ - ١٩٧): ولو كان الرأس ملبدًا بحناء، أو صمغ، أو عسل، أو نحو ذلك، فيجوز المسح؛ لأنه ثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان في إحرامه مُلَبِّدًا رأسه، فما وُضِعَ على الرأس من التلبيد\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (١/ ٤٧١)، «المغني» (١/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، «المحلَّى» (٢٠١)، «الشرح الممتع» (١/ ١٩٦).","vol":"1","page":238},{"text":"فهو تابع له، وهذا يدل على أنَّ طهارة الرأس فيها شيء من التساهل، وعلى هذا لو لبدت المرأة رأسها بالحناء، جاز لها المسح عليه، ولا حاجة إلى أن تنقض رأسها، وتَحُتَّ هذا الحناء. اهـ","vol":"1","page":239},{"text":"٤٤ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄- -فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ - ﷺ -: «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ هَكَذَا بِلَفْظِ الأَمْرِ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ الخَبَرِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>مسألة [١]: حكم ترتيب أعضاء الوضوء</span>.\n• في المسألة قولان:\nالقول الأول: وجوب الترتيب، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وأبي عبيد، وإسحاق، والمشهور عن أحمد، واستدل هؤلاء بالآية: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية.\nووجه الدلالة منها من أوجه:\n١) أنه أدخل ممسوحًا بين مغسولين، وعادة العرب إذا ذكرت أشياء متجانسة، وغير متجانسة جمعت المتجانسة على نسق، ثم عطفت غيرها، لا يخالفون في ذلك\n_________\n(^١) شاذ بلفظ الأمر، والمحفوظ بلفظ الخبر. أخرجه بلفظ الأمر النسائي (٥/ ٢٣٦) من طريق إبراهيم بن هارون البلخي، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جابر بن عبدالله به.\nوقد تفرد إبراهيم بن هارون بلفظ الأمر «ابدءوا» وغيره يرويه بلفظ الخبر «أبدأ» أو «نبدأ».\nفقد رواه أكثر من سبعة من الأئمة والثقات ودونهم، عن حاتم بن إسماعيل، بإسناده بلفظ الخبر، وهم: أبو بكر بن أبي شيبة، وإسماعيل بن أبان، ومحمد بن سعيد الأصبهاني، وإسحاق بن إبراهيم، وعبدالله بن محمد النفيلي، وعثمان بن أبي شيبة، وهشام بن عمار، وسليمان بن عبدالرحمن الدمشقي، كما في «المسند الجامع» (٤/ ٣٢)، وتابع حاتمًا على رواية الخبر مالك وسفيان ويحيى بن سعيد فرووه عن جعفر بصيغة الخبر، وقد أشار ابن دقيق العيد إلى ترجيح رواية الخبر، وجزم الإمام الألباني -﵀- بشذوذها في «الإرواء» (٤/ ٣١٧). ورواية مسلم في «صحيحه» برقم (١٢١٨).","vol":"1","page":240},{"text":"إلا لفائدة، فلو لم يكن الترتيب واجبًا لما قطع النظير عن نظيره؛ فإن قيل: فائدته استحباب الترتيب. فالجواب من وجهين، أحدهما: أنَّ الأمر للوجوب على المختار، وهو مذهب جمهور الفقهاء. والثاني: أنَّ الآية بيان للوضوء الواجب لا للمسنون، فليس فيها شيء من سنن الوضوء.\n٢) أن مذهب العرب إذا ذكرت أشياء، وعطفت بعضها على بعض تبتدئ الأقرب، فالأقرب، لا يخالف ذلك إلا لمقصود، فلما بدأ سبحانه بالوجه، ثم اليدين، ثم الرأس، ثم الرجلين، دلَّ على الأمر بالترتيب، وإلا لقال: فاغسلوا وجوهكم وامسحوا برؤوسكم، واغسلوا أيديكم وأرجلكم. (^١)\n٣) هذه الجملة وقعت جوابًا للشرط، وما كان جوابًا للشرط؛ فإنه يكون مرتبًا حسب وقوع الجواب، ولأنَّ الله ذكرها مرتبة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَبْدَأُ بِما بَدَأَ اللهُ بِهِ»، وكذلك فإن جميع الواصفين لوضوئه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما ذكروه إلا مرتبًا. (^٢)\nالقول الثاني: استحباب الترتيب، وجواز مخالفة الترتيب، وهو قول الأوزاعي، وأبي حنيفة، ومالك، وأصحابهما، والمزني، وداود، وهو قول ابن المسيب، والحسن، وعطاء، ومكحول، والزهري، ونقله البغوي عن أكثر العلماء، واختاره ابن المنذر، واستدلوا بالآية، وقالوا: الواو لا تفيد الترتيب.\nوالراجح هو القول الأول؛ لأن (الواو) وإن كانت لا تفيد الترتيب، ولكن\n_________\n(^١) «شرح المهذب» (١/ ٤٤٤ - ٤٤٥).\n(^٢) «الشرح الممتع» (١/ ١٥٤).","vol":"1","page":241},{"text":"الآية قد أفادت الترتيب بقرائن أخرى تقدم ذكرها، والله أعلم.\nوهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>مسألة [٢]: هل تدخل المضمضة، والاستنشاق في وجوب الترتيب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ١٧١): وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَسْلِ بَقِيَّةِ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَجْزَائِهِ، وَلَكِنْ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِهِمَا قَبْلَ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ الله - ﷺ - ذَكَرَ أَنَّهُ بَدَأَ بِهِمَا؛ إلَّا شَيْئًا نَادِرًا.\nوَهَلْ يَجِبُ التَّرْتِيبُ، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ غَيْرِ الْوَجْهِ؟\nعَلَى رِوَايَتَيْنِ:\nإحْدَاهُمَا: تَجِبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ، فَوَجَبَ غَسْلُهُمَا قَبْلَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ لِلْآيَةِ، وَقِيَاسًا عَلَى سَائِرِ أَجْزَائِهِ.\nوَالثَّانِيَةُ: لَا تَجِبُ، بَلْ لَوْ تَرَكَهُمَا فِي وُضُوئِهِ، وَصَلَّى، تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَأَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ؛ لِمَا رَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - أُتِيَ بِوَضُوءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «شرح المهذب» (١/ ٤٤٣ - ٤٤٦)، «المغني» (١/ ١٩٠)، «الأوسط» (١/ ٤٢٢)، «الشرح الممتع» (١/ ١٥٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود برقم (١٢١) من طريق حريز، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، سمعت المقدام بن معدي الكندي به، وعبد الرحمن بن ميسرة، لم يوثقه معتمد، وقد تفرد بجعل المضمضة بعد غسل الذراعين، وهذا شذوذ منه؛ فقد خالف جميع من وصف وضوء النبي - ﷺ -؛ حيث ذكروا المضمضة والاستنشاق في أول الوضوء بعد غسل الكفين.","vol":"1","page":242},{"text":"وَلِأَنَّ وُجُوبَهُمَا بِغَيْرِ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ؛ أَنَّ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ التَّرْتِيبِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِيهِمَا. انتهى.\nوأقول: الرواية الثانية أرجح -والله أعلم- لما ذكره ابن قدامة -﵀-.\n\n٤٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ المَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nساق المصنف -﵀- هذا الحديث للاستدلال به على دخول المرفقين في غسل اليدين، ويغني عنه حديث أبي هريرة -﵁- في «مسلم»: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ، فغسل يديه حتى شرع في العضد.\nوقد تقدم ذكر هذه المسألة تحت حديث عثمان -﵁-.\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه الدارقطني (١/ ٨٣) وفي إسناده القاسم بن محمد بن عبدالله بن عقيل، وهو متروك.","vol":"1","page":243},{"text":"٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\n٤٧ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. (^٢)\n\n٤٨ - وَأَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ (^٣)،\nقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٢/ ٤١٨)، وأبوداود (١٠١)، وابن ماجه (٣٩٩) من طريق محمد بن موسى المخزومي عن يعقوب بن سلمة الليثي عن أبيه عن أبي هريرة به.\nوإسناده ضعيف؛ لجهالة يعقوب وأبيه، وأبوه أشد جهالة منه، وقال البخاري: لا يعرف له سماع من أبيه، ولا لأبيه من أبي هريرة.\nولحديث أبي هريرة طريق أخرى عند الدارقطني (١/ ٧١) من طريق: محمود بن محمد الظفري، ثنا أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁- ...، فذكره.\nقال الدارقطني -﵀-: الظفري ليس بالقوي.\nوقال ابن معين: سمعت أيوب النجار يقول: لم أسمع من يحيى بن أبي كثير سوى حديث واحد، وهو حديث: «احتج آدم وموسى».\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: فعلى هذا يكون في السند انقطاع؛ إن لم يكن الظفري دخل عليه إسناد في إسناد. اهـ.\nوله طريق ثالثة عند الدارقطني (١/ ٧٤)، وفي إسناده: مرداس بن محمد، قال الذهبي: لا أعرفه، وخبره في التسمية منكر.\n(^٢) ضعيف. أخرجه الترمذي (٢٥) (٢٦) من طريق أبي ثفال المري، عن رباح بن عبدالرحمن، عن جدته بنت سعيد بن زيد، عن أبيها. وإسناده ضعيف؛ أبوثفال اسمه وائل بن الحصين، وهو مجهول الحال، ورباح أيضًا مجهول الحال، وجدته مجهولة.\n(^٣) أخرجه الترمذي في «العلل الكبير» (١/ ١١٢ - ١١٣) وفي إسناده ربيح بن عبدالرحمن بن أبي سعيد، قال أبوحاتم: شيخ، وقال أحمد: ليس بالمعروف، وقال البخاري: منكر الحديث.\nوللحديث طرق أخرى وشواهد. انظرها في «التلخيص» (١/ ١٢٣ - ١٢٨).\n\nوالذي يظهر أن الحديث لا يتقوى بتلك الطرق؛ لأن بعضها شديد الضعف وبعضها غير محفوظ.\nوقد ضعف الحديث البخاري وأحمد وأبوزرعة وأبوحاتم والبزار والعقيلي وغيرهم.","vol":"1","page":244},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>مسألة [١]: حكم التسمية على الوضوء</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى أن التسمية على الوضوء مستحبة، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد في أشهر الروايات عنه، قال الخلَّال: الذي استقرت الروايات عنه أنه لا بأس به. يعني إذا ترك التسمية.\n• وذهب إسحاق، وأحمد في رواية إلى وجوبها، وهو قول أهل الظاهر، لكن قال إسحاق، وأحمد: إن تركها سهوًا لم تبطل طهارته. وهو اختيار الإمام ابن باز -﵀-.\n• وعن أحمد رواية -وقال بذلك جماعة من أصحابه- أنها لا تسقط بالسهو، بل عليه الإعادة، كقول أهل الظاهر.\nواستدلوا بحديث الباب، وهو ظاهر اختيار الإمام الألباني -﵀-.\n• وجاء عن أبي حنيفة في رواية أنها ليست بمستحبة.\n• وعن مالك رواية أنها بدعة، ورواية أنها مباحة.\nفأما من أوجبها فاستدل بحديث الباب، والحديث ضعيفٌ كما تقدم.\nواستدل لمذهب الجمهور بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يباشر أعماله بالتسمية.\nوهو ترجيح البخاري، وشيخ الإسلام، والصنعاني، والشيخ مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم، وهو الصحيح في المسألة، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «شرح المهذب» (١/ ٣٤٦) «المغني» (١/ ١٤٥) «الأوسط» (١/ ٣٦٧) «الإنصاف» (١/ ١٢٧)، «فتاوى اللجنة» (٥/ ٢٠٣ -).","vol":"1","page":245},{"text":"٤٩ - وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَفْصِلُ بَيْنَ المَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\n٥٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- -فِي صِفَةِ الوُضُوءِ- ثُمَّ تَمَضْمَضَ - ﷺ - وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، يُمَضْمِضُ وَيَنْثُرُ مِنَ الكَفِّ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ المَاءَ. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (^٢)\n\n٥١ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدٍ -﵁- -فِي صِفَةِ الوُضُوءِ- ثُمَّ أَدْخَلَ - ﷺ - يَدَهُ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>مسألة [١]: الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحد</span>.\nدلَّ الحديث الأول على جواز الفصل بين المضمضة، والاستنشاق، وأخذ به جماعة من الشافعية، ولكن الحديث ضعيفٌ كما تقدم، والأحاديث الأخرى الصحيحة تدل على الجمع بين المضمضة، والاستنشاق من ماء من كفٍّ واحد، ونصَّ على ذلك أحمد، وهو مذهب جماعة من الشافعية.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب»: والصحيح، بل الصواب تفضيل الجمع؛ للأحاديث الصحيحة المتظاهرة فيه، كما سبق، وليس لها معارض.\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (١/ ١٩٢ - ١٩٣): ولم يجيء الفصل بين\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (١٣٩) وفي إسناده ليث بن أبي سليم ضعيف، ومصرف والد طلحة وهو مجهول.\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (١١١)، والنسائي (١/ ٦٨) وإسناده صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٩١)، ومسلم برقم (٢٣٥).","vol":"1","page":246},{"text":"المضمضة، والاستنشاق في حديث صحيح البتة. اهـ. (^١)\n\n٥٢ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا، وَفِي قَدَمِهِ مِثْلُ الظُّفُرِ لَمْ يُصِبْهُ المَاءُ. فَقَالَ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَك». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>مسألة [١]: حكم الموالاة</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٤٥٢): التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضر بإجماع المسلمين. اهـ\n• وأما التفريق الكثير، فاختلفوا فيه على قولين:\nالأول: أنه لا يضر، ولا تجب الموالاة، وهو قول ابن المسيب، والنخعي،\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، «المغني» (١/ ١٧٠).\n(^٢) ضعيف. أخرجه أبوداود (١٧٣) ولم يخرجه النسائي، وهومن طريق جرير بن حازم عن قتادة عن أنس. وجرير بن حازم روايته عن قتادة ضعيفة، روى عنه أحاديث مناكير.\n\nوقد ضعفه في روايته عن قتادة أحمد وابن معين، وذكر ابن عدي هذا الحديث في ترجمة جرير من «الكامل» مشيرًا إلى أنه مما أنكر عليه.\nوجاء الحديث عن عمر في «صحيح مسلم» (٢٤٣) من طريق: معقل بن عبيدالله الجزري، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر، به.\nوقد أُعلَّ هذا الحديث؛ فإن رواية معقل الجزري عن أبي الزبير ضعيفة. قال أحمد: تشبه أحاديث ابن لهيعة. قال ابن رجب: ومما أنكر عليه حديث اللمعة. يعني هذا الحديث.\nوالراجح وقف هذا الحديث على عمر -﵁-؛ ففي «التلخيص» (١/ ١٦٦)، قال البزار: لا نعلم أحدًا أسنده عن عمر إلا من هذا الوجه.\nوقال أبو الفضل الهروي: إنما يعرف هذا من حديث ابن لهيعة، ورفعه خطأ، فقد رواه الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن عمر موقوفًا. اهـ","vol":"1","page":247},{"text":"والثوري، وأبي حنيفة، والصحيح عند الشافعية، ورواية عن أحمد، وهو قول داود، وابن المنذر، ورجَّحه الشيخ مقبل الوادعي -﵀-.\nواحتج هؤلاء بأنَّ الله تعالى أمر بغسل الأعضاء، ولم يوجب الموالاة، وقد صحَّ عن ابن عمر أنه توضأ في السوق، ثم دعي إلى الجنازة فدخل المسجد، ثم مسح على خُفَّيْهِ. (^١) واحتجوا أيضًا بحديث الباب: «ارجع فأحسن وضوءك»، ولم يأمره بالإعادة.\nالثاني: أنه يجب الموالاة، وأن التفريق الكثير يضر، وهو قول قتادة، وربيعة، والليث، والأوزاعي، وأحمد في المشهور عنه، ومالك، واستدلوا بحديث خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بنحو حديث الباب، وفيه: فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يعيد الوضوء. أخرجه أبو داود (١٧٥)، وأحمد (٣/ ٤٢٤)، وفي إسناده: بقية بن الوليد، ولم يصرح بالتحديث عن شيخ شيخه، وخالد بن معدان كثير الإرسال، ولم يسمِّ الصحابي؛ فيخشى من الانقطاع.\nووجه الدلالة من الحديث: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بإعادة الوضوء، ولو لم تجب الموالاة؛ لأمره بغسل اللمعة، والآية دلت على وجوب الغسل، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بيَّن كيفيته، وفسَّر مجمله بِفِعْلِهِ، وَأَمْرِهِ؛ فإنه لم يتوضأ إلا متواليًا، وأمر تارك الموالاة بإعادة الوضوء، وهذا القول رجحه ابن عثيمين -﵀-، والشيخ يحيى الحجوري حفظه الله، وهو الراجح عندنا، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في «الكبرى» (١/ ٨٤) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":248},{"text":"واختلف أصحاب هذا القول فيما إذا كان التفريق لعذر، مثل انقطاع الماء، أو فقده، فذهب مالك، والليث إلى أنه إذا ترك الموالاة لعذر لم يضر، ومذهب أحمد، والشافعي في القديم عدم جواز ترك الموالاة مطلقًا.\nورجح شيخ الإسلام -﵀- قول مالك، فقال كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٣٥ - ١٣٧): هُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَشْبَهُ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَبِأُصُولِ مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَدِلَّةَ الْوُجُوبِ لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا الْمُفَرِّطَ، لَا تَتَنَاوَلُ الْعَاجِزَ عَنْ الْمُوَالَاةِ؛ فَالْحَدِيثُ الَّذِي هُوَ عُمْدَةُ الْمَسْأَلَةِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ خَالِدِ ابْنِ معدان عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ. فَهَذِهِ قَضِيَّةُ عَيْنٍ، وَالْمَأْمُورُ بِالْإِعَادَةِ مُفَرِّطٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى غَسْلِ تِلْكَ اللَّمْعَةِ كَمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى غَسْلِ غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا بِإِهْمَالِهَا وَعَدَمِ تَعَاهُدِهِ لِجَمِيعِ الْوُضُوءِ بَقِيَتْ اللُّمْعَةُ، نَظِيرَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ فَنَادَاهُمْ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ»، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ، فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ عَلَى قَدَمِهِ، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَك»، فَرَجَعَ، ثُمَّ صَلَّى.\nرَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَالْقَدَمُ كَثِيرًا مَا يُفَرِّطُ الْمُتَوَضِّئُ بِتَرْكِ اسْتِيعَابِهَا؛ حَتَّى قَدْ اعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ أَنَّهَا لَا تُغْسَلُ، بَلْ فَرْضُهَا مَسْحُ ظَهْرِهَا عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الشِّيعَةِ، وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَسْلِ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ.\nوَالَّذِينَ لَمْ يُوجِبُوا الْمُوَالَاةَ لِفَقْدِ تَمَامِ المَاءِ عُمْدَتُهُمْ فِي الْأَمْرِ حَدِيثٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ دُعِيَ لِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ","vol":"1","page":249},{"text":"عَلَيْهَا حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، وَاَلَّذِي لَمْ يُمْكِنْهُ الْمُوَالَاةُ -لِقِلَّةِ الْمَاءِ، أَوْ انْصِبَابِهِ، أَوْ اغْتِصَابِهِ مِنْهُ بَعْدَ تَحْصِيلِهِ، أَوْ لِكَوْنِ الْمَنْبَعِ، أَوْ الْمَكَانِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ هُوَ وَغَيْرُهُ- كَالْأُنْبُوبِ، أَوْ الْبِئْرِ، لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْهُ الْمَاءُ إلَّا مُتَفَرِّقًا تَفَرُّقًا كَثِيرًا وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ إلَّا هَكَذَا بِأَنْ يَغْسِلَ مَا أَمْكَنَهُ بِالْمَاءِ الْحَاضِرِ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ غَسَلَ الْبَاقِيَ بِمَاءِ حَصَّلَهُ فَقَدْ اتَّقَى اللهَ مَا اسْتَطَاعَ، وَفَعَلَ مَا اسْتَطَاعَ مِمَّا أُمِرَ بِهِ. اهـ\nقلتُ: وما رجحه شيخ الإسلام هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>مسألة [٢]: ضابط التفريق الكثير الذي ينافي الموالاة</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (١/ ٤٥٣): وفي ضبط التفريق الكثير والقليل أربعة أوجه، الصحيح الذي قطع به المصنف والجمهور: أنه إذا مضى بين العضوين زمن يجف فيه العضو المغسول مع اعتدال الزمان، وحال الشخص؛ فهو تفريق كثير، وإلا فقليل، ولا اعتبار بتأخر الجفاف بسبب شدة البرد، ولا بتسارعه لشدة الحر، ولا بحال المبرود والمحموم، ويعتبر التفريق من آخر الفعل المأتي به من أفعال الوضوء، حتى لو غسل وجهه ويديه ثم اشتغل لحظة، ثم مسح رأسه بعد جفاف الوجه وقبل جفاف اليد، فتفريق قليل، وإذا غسل ثلاثًا ثلاثًا؛\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (١/ ٤٥٤ - ٤٥٥)، «المغني» (١/ ١٩١ -)، «الفتح» (٢٦٥)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٣٥).","vol":"1","page":250},{"text":"فالاعتبار من الغسلة الأخيرة، هكذا صرح بمعنى هذه الجملة الشيخ أبو حامد، والبندنيجي، والمحاملى، والروياني، والرافعي، وآخرون، وأهمل المصنف اعتبار اعتدال حال الشخص، ولابد منه، كما صرح به الأصحاب، ومتى كان في غير حال الاعتدال قدر بحال الاعتدال، وكذا في التيمم يقدر لو كان ماء.\nوالوجه الثاني: التفريق الكثير هو الطويل المتفاحش، حكاه صاحب «البيان»، وحكاه الشيخ أبو حامد عن حكاية شيخه أبي القاسم الداركي عن نص الشافعي في الإملاء، قال أبو حامد: ولم أره في الإملاء، ولا حكاه غيره من أصحابنا.\nوالوجه الثالث: يؤخذ التفريق الكثير والقليل من العادة.\nوالرابع: أن الكثير قدر يمكن فيه تمام الطهارة. حكاهما الرافعي. اهـ\nوالوجه الأول هو الأشهر عند الحنابلة أيضًا، والوجه الثاني هو وجه أيضًا للحنابلة، قال الخلال: هو الأشبه بقوله -يعني أحمد- والعمل عليه. واستقرب الإمام العثيمين -﵀- الوجه الأول، وقال: العرف قد لا ينضبط.\nوأقول: الذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الوجه الثاني أقرب؛ لعدم وجود دليل يضبط ذلك بجفاف العضو الذي قبله، والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ١٥٧): ويستثنى من ذلك يعني وجوب الموالاة ما إذا فاتت الموالاة؛ لأمر يتعلق بالطهارة، مثل: أن يكون بأحد أعضائه حائل يمنع وصول الماء، كالبوية مثلًا، فاشتغل بإزالته؛\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ١٩٢)، «الإنصاف» (١/ ١٤٠)، «الشرح الممتع» (١/ ١٥٧).","vol":"1","page":251},{"text":"فإنه لا يضر، وكذا لو نفد الماء وجعل يستخرجه من البئر، أو انتقل من صنبور إلى آخر، ونشفت الأعضاء؛ فإنه لا يضر، أما إذا فاتت الموالاة لأمر لا يتعلق بالطهارة، كأن يجد على ثوبه دمًا فينشغل بإزالته حتى نشفت أعضاؤه؛ فيجب عليه إعادة الوضوء؛ لأنَّ هذا لا يتعلق بطهارته. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>مسألة [٣]: تعميم العضو</span>.\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٢٠٥): ومن ترك مما يلزمه غسله في الوضوء، أو الغسل الواجب، ولو قدر شعرة عمدًا، أو نسيانًا، لم تُجْزِه الصلاة بذلك الغسل والوضوء، حتى يوعيه كله؛ لأنه لم يُصَلِّ بالطهارة التي أُمِرَ بها، وقال -﵇-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ».\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٣/ ١٣٢) في الكلام على حديث عمر في الذي ترك في قدمه مثل الظفر لم يصبه الماء، قال: في هذا الحديث أنَّ من ترك جزءًا يسيرًا مما يجب تطهيره لا تصح طهارته، وهذا متفق عليه. اهـ","vol":"1","page":252},{"text":"٥٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nقال الصنعاني -﵀- في «السبل» (١/ ١١٥): وحديث أنس هذا، وحديث عبدالله بن زيد الذي سلف، يرشدان إلى تقليل ماء الوضوء، والاكتفاء باليسير منه.\nوقال البخاري -﵀- في «صحيحه»: وكره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوزوا فعل النبي - ﷺ -.اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٠١)، ومسلم برقم (٣٢٥) (٥١).","vol":"1","page":253},{"text":"٥٤ - وَعَنْ عُمَرَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ [الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ] (^١)». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٢) وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ: «اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ». (^٣)\n_________\n(^١) ليس موجودًا في (أ)، و(ب) وهي في «صحيح مسلم».\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٢٣٤).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٥٥) من طريق جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي الكوفي، قال: حدثنا زيد بن حباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن أبي إدريس الخولاني، وأبي عثمان، عن عمر بن الخطاب به.\nقال الترمذي -﵀-: خولف زيد بن حباب في هذا الحديث. وروى عبد الله بن صالح، وغيره، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر، عن عمر، وعن ربيعة، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عمر. وهذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي - ﷺ - في هذا الباب كبير شيء. اهـ\n\nوتعقبه الألباني -﵀- في «صحيح أبي داود» (١٦٢)، فقال: كذا قال، وهو بعيد عن الصواب؛ فقد تبين لك مما حررنا آنفًا أن الاضطراب إنما هو في رواية زيد بن الحباب وحده، وأن رواية الجماعة- عند مسلم وأبي عوانة والمصنف وغيرهم- سالمة منه؛ فلا يجوز تضعيف الحديث لمجرد اضطراب راوٍ واحد فيه، قد وافق الجماعة المتابعين له على الصواب. ولذلك قال الحافظ في «التلخيص» (١/ ٤٥٤) - متعقبًا كلام الترمذي المذكور-: لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاعتراض؛ والزيادة التي عنده؛ رواها البزار، والطبراني في «الأوسط» من طريق ثوبان ولفظه: «من دعا بوَضوء فتوضأ، فساعة فرغ من وضوئه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، اللهم! اجعلني من التوابين واجعلتي من المتطهرين ...» الحديث.\nقلتُ: حديث ثوبان هذا سكت عليه الحافظ، وقد أورده الهيثمي في «المجمع» (١/ ٢٣٩) بهذا اللفط؛ ثمّ قال: \"رواه الطبراني في «الأوسط»، و«الكبير» باختصار، وقال في «الأوسط»: \"تفرد به مِسْوَرُ بن مُوَرع\"، ولم أجد من ترجمه. وفيه أحمد بن سهيل الوراق، ذكره ابن حبان في «الثقات». وفي إسناد «الكبير» أبو سعد البقال، والأكثر على تضعيفه، ووثقه بعضهم\".\nقال الألباني -﵀-: \"ورواه ابن السني أيضا (رقم ٣٠) من طريق أبي سعد الأعور عن أبي سلمة عن ثوبان مرفوعًا. والأعور: هو البقال، وهو ضعيف مدلس، كما في «التقريب» \".\nثم ذكر الحافظ أن لفظ رواية البزار عن ثوبان: \"من توضأ فأحسن الوضوء، ثمّ رفع طرفه إلى السماء ... \" الحديث.\nقلتُ: وهذه الزيادة- أعني: رفع الطرف إلى السماء- رويت من طريق أخرى عن عقبة بن عامر أيضا. لكن الراوي لها عنه مجهول؛ من أجل ذلك أوردناها في الكتاب الآخر -يعني: «الضعيفة» - (رقم ٢٤). والشاهد المذكور لا يقويه؛ لما بينا هناك فليراجعه من شاء. انتهى\nقال أبو عبد الله الفضلي عافاه الله: أما زيادة: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين» في حديث عمر فهي شاذة غير محفوظة؛ فقد تفرد بها جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي، عن زيد بن الحباب، وخالفه عدد من الثقات والحفاظ فرووه عن زيد بن الحباب بدون ذكر هذه الزيادة، وهم:\n\n١ - أبو بكر بن أبي شيبة كما في «مصنفه» (١/ ٣) و«صحيح مسلم» (٢٣٤).\n\n٢ - بشر بن آدم عند البزار (٢٤٣)، وهو حسن الحديث.\n\n٣ - محمد بن علي بن حرب المروزي عند النسائي في «الكبرى» (١٤٠)، وفي «الصغرى» (١٤٨).\n\n٤ - عباس بن محمد الدوري عند أبي عوانة (٦٠٤)، والبيهقي في «الدعوات الكبير» (٥٨)، وفي «الصغرى» (١٠٨)، وفي «الكبرى» (١/ ٧٨).\n\n٥ - أبو بكر الجعفي عند أبي عوانة (٦٠٥).\n\n٦ - أبو كريب عند أبي نعيم في «المستخرج على مسلم» (٥٥٤).\nوكذلك قد روى الحديث جمع من الرواة عن معاوية بن صالح بدون هذه الزيادة، وهم:\n\n١ - الليث بن سعد عند أحمد (٤/ ١٤٥).\n\n٢ - عبد الرحمن بن مهدي عند أحمد (٤/ ١٥٣)، ومسلم (٢٣٤).\n\n٣ - عبد الله بن وهب كما في «سنن أبي داود» (١٦٩)، و«صحيح ابن خزيمة» (٢٢٢)، وأبي عوانة (٦٠٦)، وابن حبان (١٠٥٠).\n\n٤ - أسد بن موسى عند النسائي في «الكبرى» (١٤١)، وابن خزيمة (٢٢٣)، وأبي عوانة (٦٠٧).\n\n٥ - عبد الله بن صالح كما في «مسند الشاميين» (١٩٢٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢٤٩٨)، وفي «البعث والنشور» (٢٣٤).\nفتبين مما تقدم أن الزيادة المذكورة في حديث عمر شاذة غير محفوظة.\nوأما حديث ثوبان الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر والإمام الألباني رحمهما الله؛ فراجعه في «الأوسط» (٤٨٩٥)، و«عمل اليوم والليلة» لابن السني (٣٢)، و«تاريخ بغداد» (٥/ ٢٦٩).\nوقد جاء الحديث بالزيادة المذكورة عن ابن عمر وأنس -﵄-:\nأخرجه البيهقي في «السنن الصغرى» (١٠٩)، وابن عساكر في «معجمه» (١٣٥٠) من طريق عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر وأنس به. وهذا إسنادٌ واهٍ؛ عبد الرحيم بن زيد العمي متروك، وأبوه ضعيف.\nونخلص مما تقدم أن الذكر الوارد عقب الوضوء صحيح بدون زيادة النظر إلى السماء، وبدون زيادة: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين».","vol":"1","page":254},{"text":"الحكم المستفاد من الحديث\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٣/ ١٢٣): يُسْتَحَبّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَقُول عَقِب وُضُوئِهِ: أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيك لَهُ، وَأَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله، وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ. انتهى.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>بَابُ المَسْح عَلَى الخُفَّيْنِ</span>\n٥٥ - عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -﵁- قَالَ: كُنْت مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَتَوَضَّأَ، فَأَهْوَيْت لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَلِلْأَرْبَعَةِ عَنْهُ إلَّا النَّسَائِيّ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَسَحَ أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ. (^٢) وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>مسألة [١]: المسح على الخفين</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ٤٣٤): وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وكل من لقيت على القول به. اهـ\nوقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٤٧٦): ومذهبنا، ومذهب العلماء كافة جواز المسح على الخفين في الحضر، والسفر. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٠٦)، ومسلم برقم (٢٧٤) (٧٩).\n(^٢) ضعيف. أخرجه أبوداود (١٦٥)، والترمذي (٩٧)، وابن ماجه (٥٥٠) من طريق الوليد بن مسلم قال: أخبرني ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة به.\nقال الترمذي عقب الحديث: هذا حديث معلول، لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم، وسألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء بن حيوة قال: حدثت عن كاتب المغيرة مرسل عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولم يذكر فيه المغيرة. اهـ. وعليه فهو منقطع ومرسل.","vol":"1","page":257},{"text":"ثم نقل الخلاف عن الشيعة، والخوارج، وعن أبي بكر بن داود، ورواية شاذة عن مالك، ثم قال: وكل هذا الخلاف باطلٌ، مردودٌ، وقد نقل ابن المنذر في كتاب «الإجماع» إجماع العلماء على جواز المسح على الخف.\nقلتُ: وقد تواترت الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في المسح على الخفين، فقد نقل ابن المنذر عن الحسن البصري، أنه قال: حدثني سبعون من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح على خفيه.\nوقال الإمام أحمد: ليس في نفسي من المسح شيء، فيه أربعون حديثًا عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وقال ابن مَنْدَه: ثمانون رجلًا. وقال ابن المبارك: ليس بين الصحابة خلافٌ في جواز المسح على الخفين. (^١)\nثم رأيت أثر الحسن البصري في «الأوسط» (١/ ٤٣٣)، وفي إسناده: محمد ابن الفضل بن عطية، وهو كذاب.\nفائدة: قال الشوكاني -﵀- في «الدراري» (١/ ١٢٦ - ١٢٧): ونقل ابن المنذر عن ابن المبارك أنه قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلافٌ؛ لأنَّ كل من روي عنه منهم إنكاره فقد روي عنه إثباته، وقد ذكر أحمد أنَّ حديث أبي هريرة في إنكار المسح باطلٌ، وكذلك ما روي عن عائشة، وابن عباس، فقد أنكره الحفاظ، ورووا عنهم خلافه، وكذلك ما روي عن علي أنه قال: سبق الكتاب الخفين. فهو منقطع، وقد روى عنه مسلم، والنسائي القول بالمسح عليهما بعد\n_________\n(^١) انظر: «شرح المهذب» (١/ ٤٧٧)، «المغني» (١/ ٣٥٩)، «توضيح الأحكام» (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧).","vol":"1","page":258},{"text":"موت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.انتهى.\nقلتُ: أما أثر ابن عباس؛ فقد صحَّ عنه كما في سنن البيهقي (١/ ٢٧٢)، ولكن قد صحَّ عنه القول بالمسح.\nفقد أخرج ابن أبي شيبة (١/ ١٨٦) فقال: حدثنا ابن إدريس، عن فطر، قال: قلت لعطاء: إن عكرمة، يقول: قال ابن عباس: سبق الكتاب الخفين، فقال عطاء: كذب عكرمة، أنا رأيت ابن عباس يمسح عليهما.\nوقال (١/ ١٨١): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الزبير بن عدي، عن عطاء، عن ابن عباس أنه مسح. إسناده الأول حسن، وإسناده الثاني صحيح.\nقال البيهقي: وأما ابن عباس -﵄-؛ فإنه كرهه حين لم يثبت له مسح النبي - ﷺ - على الخفين بعد نزول المائدة، فلما ثبت له رجع إليه. اهـ\nوأما أثر علي؛ فهو منقطع، محمد بن علي بن الحسين لم يدرك عليًّا.\nوأما أثر عائشة؛ ففيه: محمد بن مهاجر، وهو وضَّاعٌ، قال الحافظ كما في التلخيص (١/ ٢٧٩) وأما ما رواه محمد بن مهاجر، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين، عن القاسم، عن عائشة -﵂-، قالت: لأن أقطع رجلي أحب إلي من أن أمسح على الخفين. فهو باطل عنها. اهـ\nثم وجدت للأثر عنها طريقًا أخرى؛ فقد ثبت عنها -﵂- أنها قالت: لأن أحزهما بالسكاكين أحب إلي من أن أمسح عليهما. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٨٥)، وأبو عبيد في الطهور (٣٩٤) عن هشيم، قال: أنا يحيى بن سعيد، عن","vol":"1","page":259},{"text":"القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: «لأن أحزهما بالسكاكين أحب إلي من أن أمسح عليهما».\nوهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين.\nقال أبو عبيد: على أن بعض، أصحاب الحديث كان يتأوله في المسح على القدمين، ويصدق ذلك حديثها عن النبي - ﷺ -: «ويل للأعقاب من النار» فهل يكون هذا إلا على الأقدام وهي كانت أعلم بمعنى حديثها. اهـ\nوقال البيهقي -﵀-: وأما عائشة فإنها كرهت ذلك، ثم ثبت عنها أنها أحالت بعلم ذلك على علي -﵁-، وعلي أخبر عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالرخصة فيه. اهـ\nتنبيه: ومشروعية المسح في السفر، والحضر عليه عامة أهل العلم، وجاءت رواية عن مالك بأنه مخصوص في السفر، وكرهه في الحضر، والأحاديث الصحيحة المتواترة ترد على هذا القول، وسيأتي بعضها في الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>مسألة [٢]: أيهما أفضل المسح على الخفين، أم غسل الرجلين</span>؟\n• في هذه المسألة أربعة أقوال:\nالأول: تفضيل غسل الرجلين، وهو قول الشافعية، ومالك، وأبي حنيفة؛ لمواظبة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عليه في معظم الأوقات، ولأنَّ غسل الرجل هو الأصل.\nالثاني: تفضيل المسح على الخفين، وهو قول الشعبي، والحكم، وحماد، وأصح الروايتين عن أحمد؛ لأنَّ فيه مخالفة لأهل البدع، وإحياء للسنن، ولأنها","vol":"1","page":260},{"text":"رخصة، والله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.\nالثالث: قال ابن القيم في «زاد المعاد» (١/ ١٩٩): ولم يكن يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخف مسح عليهما، ولم ينزعهما، وإن كانتا مكشوفتين غسل القدمين، ولم يلبس الخفين ليمسح عليهما، وهذا أعدل الأقوال في مسألة الأفضل من المسح، والغسل. قاله شيخنا، والله أعلم. اهـ.\nوهذا القول هو الراجح، والله أعلم.\nالرابع: رواية عن أحمد، أنه قال: هما سواء. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>مسألة [٣]: اشتراط لبسهما على طهارة</span>.\nدَلَّ حديث المغيرة الذي في الباب بقوله: «فإني أدخلتهما طاهرتين»، على اشتراط لبس الخفين على طهارة إذا أراد أن يمسح عليهما، ويدل على ذلك أيضًا حديث أبي بكرة الذي سيأتي -إن شاء الله- ولفظه: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا، وليلة إذا تطهر، فلبس خفيه أن يمسح عليهما.\nقال ابن عبد البر -﵀- في «الاستذكار» (٢/ ٢٥٦): أجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يمسح على الخفين؛ إلا من لبسهما على طهارة. اهـ\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٦١): لا نعلم في اشتراط تقدم الطهارة لمسح الخفين خلافًا. اهـ\nوقال الحافظ -﵀- في «فتح الباري» (٢٠٦): والشافعي، والجمهور حملوا الطهارة على الطهارة الشرعية في الوضوء، وخالفهم داود، فقال: إذا لم يكن على\n_________\n(^١) انظر: «شرح المهذب» (١/ ٤٧٨ - ٤٧٩)، «المغني» (١/ ٣٦٠ - ٣٦١).","vol":"1","page":261},{"text":"رجليه نجاسة عند اللبس جازَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>مسألة [٤]: المستحاضة، وصاحب سلسل البول</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٦٣): وَإِنْ تَطَهَّرَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَشِبْهُهُمَا، وَلَبِسُوا خِفَافًا، فَلَهُمْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُمْ كَامِلَةٌ فِي حَقِّهِمْ. اهـ\nوهذا القول قاله بعض الشافعية، وأكثر الشافعية يقولون: لا يجوز لها أن تمسح في حق فريضة، لا فائتة، ولا مؤداه.\nوالصحيح القول الأول، وهو قول أحمد، وزفر، وهو أن لها أن تمسح يومًا، وليلة إن كانت مقيمة، وثلاثة أيام ولياليهن إن كانت مسافرة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>مسألة [٥]: إذا لبس خفه اليمنى بعد غسل رجله اليمنى قبل غسل رجله اليسرى، ثم غسل اليسرى، ولبس الخُفَّ</span>؟\n• ذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق، وحُكِي عن مالك أنه لا يجوز له المسح على الخفين.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح»: لم يبح له المسح عند الأكثر؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإني أدخلتهما طاهرتين»، فجعل العلة وجود الطهارة فيهما جميعًا وقت إدخالهما، ولم توجد طهارتهما وقت لبس الأول، ولأن ما اعتبرت له الطهارة اعتبر له كمالها، وكذلك الطهارة لا تتبعض؛ فإن الحدث لا يرتفع عن جميع الأعضاء، ولا عن\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (١/ ٥١٥).","vol":"1","page":262},{"text":"بعضها إلا بإتمام الوضوء. قالوا: فعليه أن يخلع الخف اليمنى، ثم يلبسها مرة أخرى بعد تمام طهارته.\n• وذهب أصحاب الرأي، ويحيى بن آدم، وأبو ثور، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن المنذر، وابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵏ إلى جواز المسح؛ لأنه قد أدخل كل واحدة من قدميه بعد غسلها.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢١٠ -) وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ - يعني: المشروعية- هُوَ الصَّوَابُ بِلَا شَكٍّ، وَإِذَا جَازَ الْمَسْحُ لِمَنْ تَوَضَّأَ خَارِجًا ثُمَّ لَبِسَهُمَا؛ فَلَأَنْ يَجُوزَ لِمَنْ تَوَضَّأَ فِيهِمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ فَإِنَّ هَذَا فَعلَ الطَّهَارَةَ فِيهِمَا وَاسْتَدَامَهَا فِيهِمَا، وَذَلِكَ فَعَلَ الطَّهَارَةَ خَارِجًا عَنْهُمَا، وَإِدْخَالُ هَذَا قَدَمَيْهِ الْخُفَّ مَعَ الْحَدَثِ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ لَا يَنْفَعُهُ وَلَا يَضُرُّهُ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالطَّهَارَةِ الْمَوْجُودَةِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ مَعَ الْحَدَثِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إنِّي أَدْخَلْتُهُمَا الْخُفَّ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ» حَقٌّ؛ فَإِنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ هَذَا عِلَّةٌ لِجَوَازِ الْمَسْحِ، فَكُلُّ مَنْ أَدْخَلَهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فَلَهُ الْمَسْحُ، وَهُوَ لَمْ يَقُلْ: (إنَّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَمْ يَمْسَحْ)، لَكِنَّ دِلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَالتَّعْلِيلِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ حِكْمَةُ التَّخْصِيصِ: هَلْ بَعْضُ الْمَسْكُوتِ أَوْلَى بِالْحُكْمِ؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذِكْرَ إدْخَالِهِمَا طَاهِرَتَيْنِ هُوَ الْمُعْتَادُ، وَلَيْسَ غَسْلُهُمَا فِي الْخُفَّيْنِ مُعْتَادًا؛ وَإِلَّا فَإِذَا غَسَلَهُمَا فِي الْخُفِّ فَهُوَ أَبْلَغُ؛ وَإِلَّا فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي نَزْعِ الْخُفِّ ثُمَّ لُبْسِهِ مِنْ غَيْرِ إحْدَاثِ شَيْءٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا عَبَثٌ مَحْضٌ يُنَزَّهُ","vol":"1","page":263},{"text":"الشَّارِعُ عَنْ الْأَمْرِ بِهِ؟! وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: أَدْخِلْ مَالِي وَأَهْلِي إلَى بَيْتِي وَكَانَ فِي بَيْتِهِ بَعْضُ أَهْلِهِ وَمَالِهِ\nهَلْ يُؤْمَرُ بِأَنْ يُخْرِجَهُ ثُمَّ يُدْخِلَهُ، وَيُوسُفُ لَمَّا قَالَ لِأَهْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف:٩٩]، وَقَالَ مُوسَى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة:٢١]، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ كَانَ بِمِصْرِ بَعْضُهُمْ، أَوْ كَانَ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ بَعْضٌ؛ أَوْ كَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ قَدْ دَخَلَ الْحَرَمَ قَبْلَ ذَلِكَ: هَلْ كَانَ هَؤُلَاءِ يُؤْمَرُونَ بِالْخُرُوجِ ثُمَّ الدُّخُولِ؟ فَإِذَا قِيلَ: هَذَا لَمْ يَقَعْ. قِيلَ: وَكَذَلِكَ غَسْلُ الرَّجُلِ قَدَمَيْهِ فِي الْخُفِّ لَيْسَ وَاقِعًا فِي الْعَادَةِ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إذَا فَعَلَ يَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجٍ وَإِدْخَالٍ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ بَاب الْأَوْلَى. اهـ\nوصحح هذا القول أيضًا الحافظ ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٨٢)، وهو الصحيح، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>مسألة [٦]: هل يمسح الخفين إذا لبسهما عقب تيمم</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٦٣): فَإِنْ تَيَمَّمَ، ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ غَيْرِ كَامِلَةٍ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، بَطَلَتْ مِنْ أَصْلِهَا، فَصَارَ كَاللَّابِسِ لَهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. اهـ\nقال شيخ الإسلام -﵀-: وهذا فيمن تيممه؛ لعدم الماء، أما من تيممه لمرض كالجريح ونحوه، فينبغي أن يكون كالمستحاضة. قال: وتعليل أصحابنا يقتضيه. نقله عنه الزركشي في شرحه (١/ ٣٨٢).","vol":"1","page":264},{"text":"• قال النووي -﵀- في «شرح المهذب»: وإن كان التيمم لفقد الماء، فقال الجمهور: لا يجوز المسح، بل إذا وجد الماء وجب الوضوء، وغسل الرجلين، ونقله المتولي عن نص الشافعي -﵁-، وقال ابن سريج: هو كالمستحاضة.\n• وذهب بعض الحنابلة إلى أنَّ له أن يمسح على خفيه، كما في «الإنصاف» (١/ ١٧٤). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>مسألة [٧]: إذا لبس خفين، ثم أحدث، ثم لبس فوقهما خفين، أو جرموقين</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٦٣): لا يجوز المسح عليهما بغير خلاف؛ لأنه لبسهما على حدث. اهـ\nوهو مذهب الشافعية كما في «شرح المهذب» (١/ ٥٠٦)، ونقل وجهًا ضعيفًا عن الخراسانيين أنه يجوز، وشبهوه بترقيع الخفين، وهو قول بعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>مسألة [٨]: إذا لبس الخفين ثم أحدث، ثم مسح عليهما ثم لبس الجرموقين</span>؟\n• ذهب الحنابلة إلى عدم جواز المسح عليهما؛ لأنه لبسهما على طهارة غير كاملة، فأشبه المتيمم، وهو وجه عند الشافعية.\n• وللشافعية وجه آخر في تجويز المسح، وهو وجه للحنابلة أيضًا، وهو الصحيح؛ لأنه يشمله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإني أدخلتهما طاهرتين»، ولا نسلم أن المسح\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (١/ ٥١٦)، «الإنصاف» (١/ ١٧٤)، «شرح الزركشي» (١/ ٣٨٢).","vol":"1","page":265},{"text":"ليس بطهارة كاملة، بل هو طهارة كاملة، ويزيل الحدث، وقد رجَّح هذا الشيخ ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ٢١١).\nوقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٥٠٦): وهو قول الشيخ أبي حامد، ومقتضى كلام الرافعي، وغيره ترجيحه، وهو الأظهر المختار؛ لأنه لبسه على طهارة، وقولهم: (إنها طهارة ناقصة) غير مقبول. انتهى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>مسألة [٩]: المسح على الخف المخرق</span>.\n• في هذه المسألة أقوال:\nالقول الأول: إن ظهر من القدم شيء من الخُرق، لم يجز المسح عليهما، فيهما كان، أو في أحدهما؛ فإن لم يظهر جاز المسح، وهو قول أحمد، والشافعي، والحسن بن حي، ومعمر بن راشد.\nالقول الثاني: إن ظهر من القدم شيء يغسل ما ظهر من القدم، ويمسح الخف، وهو قول الأوزاعي.\nالقول الثالث: إن كان الخُرْق يسيرًا، لا يظهر منه القدم جاز المسح، وإن كان كثيرًا فاحشًا، لم يجز المسح عليهما، فيهما كان أو في أحدهما، وهو قول مالك.\nالقول الرابع: إن كان في خُفِّهِ خُرق تخرج منه أصبع، أو أصبعان، جاز المسح؛ فإن كان ثلاثة أصابع لم يجزئه، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٣٦٣)، «الإنصاف» (١/ ١٧٣).","vol":"1","page":266},{"text":"القول الخامس: يمسح على جميع الخفاف ما أمكن المشي فيهما، وهو قول سفيان الثوري، وإسحاق، وابن المبارك، ويزيد بن هارون، وأبي ثور.\nوقال أبو ثور: لو كان الخرق يمنع المسح لبينه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوقال سفيان الثوري كما في «مصنف عبد الرزاق» (٧٥٣): امسح عليهما ما تعلقت به رجلك، وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلا مخرقة، مشققة، مرقعة.\nقال ابن المنذر -﵀-: وبهذا القول أقول؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما مسح على الخفين، وأذن بالمسح عليهما إذنًا عامًّا، مطلقًا؛ دخل فيه جميع الخفاف، فكل ما وقع عليه اسم خف؛ فالمسح عليه جائز على ظاهر الأخبار.\nوهذا القول قال به الظاهرية، ونصره ابن حزم في «المحلَّى».\nوقال شيخ الإسلام -﵀- في «الاختيارات» (ص ١٣): ويجوز المسح على الخف المخرق مادام الاسم باقيًا، والمشي عليه ممكنًا.\nوقد رجَّح هذا القول الشيخ مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (١/ ٤٤٨ - ٤٥٠) «المحلَّى» (٢١٦) «الشرح الممتع» (١/ ١٩١) «المغني» (١/ ٣٧٥ - ٣٧٦).","vol":"1","page":267},{"text":"٥٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الخُفِّ أَوْلَى بِالمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>مسألة [١]: مسح ظاهر القدم وباطنه</span>.\nدلَّ حديث المغيرة المتقدم على مسح ظاهر القدم، وباطنه.\n• وقد ذهب إلى ذلك ابن عمر، وعمر بن عبدالعزيز، والزهري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وابن راهويه، والشافعي.\nودلَّ حديث علي -﵁- على الاقتصار على مسح ظاهر الخف.\n• وذهب إلى ذلك أحمد، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق، وابن المنذر.\nوهذا القول هو الراجح؛ لصحة حديث علي -﵁-، وضعف حديث المغيرة -﵁- كما تقدم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه أبوداود (١٦٢) من طريق حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي، وإسناده صحيح، لكن خولف حفص بن غياث في لفظ الحديث.\nقال الدارقطني في «العلل» (٤/ ٤٥) بعد أن ذكر رواية حفص بن غياث قال: وقال عيسى بن يونس ووكيع عن الأعمش فيه: (كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من أعلاهما، حتى رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يمسح ظاهرهما) قال: وتابعهما يونس بن أبي إسحاق وإسرائيل عن الثوري عن أبي إسحاق. ثم صحح هذه الرواية التي بهذا اللفظ، ثم ذكر روايات أخرى تؤيد ذلك.\n(^٢) وانظر: «الأوسط» (١/ ٤٥٢ - ٤٥٤)، «المغني» (١/ ٣٧٦ - ٣٧٧).","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>مسألة [٢]: كم هوالقدر المجزئ في المسح</span>؟\n• ذهب الشافعي وأصحابه، والثوري، وأبو ثور، وداود إلى الإجزاء بكل ما يطلق عليه مسح، وإنْ قلَّ.\n• وذهب أحمد إلى وجوب مسح أكثر ظاهره.\n• وذهب أبو حنيفة إلى وجوب مسح قدر ثلاث أصابع.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: لم يأت نصٌّ صحيح في تقدير القدر المجزئ من المسح، فتعين الاكتفاء بما يطلق عليه المسح، وهو قول الشافعي ومن معه، فهو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>مسألة [٣]: الاقتصار على مسح أسفل الخف أو أعلاه</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٧٨): لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: يُجْزِئُهُ مَسْحُ أَسْفَلِ الْخُفِّ دُونَ أَعْلَاهُ؛ إلَّا أَشْهَبَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَبَعْضَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ بَعْضَ مَا يُحَاذِي مَحَلَّ الْفَرْضِ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ مَسَحَ ظَاهِرَهُ.\nوَالْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِفَرْضِ الْمَسْحِ، فَلَمْ يُجْزِئْ مَسْحُهُ كَالسَّاقِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - إنَّمَا مَسَحَ ظَاهِرَ الْخُفِّ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُجْزِئُ مَسْحُ ظَاهِرِهِ.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (١/ ٥٢٢)، «الأوسط» (١/ ٤٥٦)، «المغني» (١/ ٣٧٦).","vol":"1","page":269},{"text":"قال ابن المنذر -﵀-: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَقُولُ: لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى أَعْلَى الْخُفِّ. انتهى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>مسألة [٤]: المسح على العقب</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٧٩): وَالْحُكْمُ فِي الْمَسْحِ عَلَى عَقِبِ الْخُفِّ كَالْحُكْمِ فِي مَسْحِ أَسْفَلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِفَرْضِ الْمَسْحِ، فَهُوَ كَأَسْفَلِهِ.\nوهذا مذهب الشافعية كما في «شرح المهذب» (١/ ٥٢٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>مسألة [٥]: مسح فوق الكعب من الخف، أو مسح باطنه الذي يلي البشرة</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٥٢٠): لو مسح فوق كعبه من الخف، أو مسح باطنه الذى يلي بشرة الرجل، لم يجزئه بالاتفاق. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>مسألة [٦]: مسح الخف بخرقة، أو غسله</span>.\nمسح الخف بخرقة، أو خشبة، وكذلك غسله، حكمه كحكم مسح الرأس، وغسله، وقد تقدمت المسألة عند الكلام على مسح الرأس في الوضوء، فراجعه.\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (١/ ٤٥٤)، «المجموع» (١/ ٥٢١).","vol":"1","page":270},{"text":"٥٧ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ -﵁- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَاهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>مسألة [١]: الحدث الذي يمسح منه</span>.\nدلَّ حديث صفوان على أنَّ الحدث الذي يمسح منه هو الحدث الأصغر؛ فإنَّ جواز المسح مختص به.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٦٢): ولا يجزئ المسح في جنابة، ولا غسل واجب، ولا مستحب، لا نعلم في هذا خلافًا. اهـ\nثم استدل بحديث صفوان -﵁-.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٠٦): المسح على الخفين خاصٌّ بالوضوء، ولا مدخل فيه للغسل بإجماع. اهـ\nتنبيه: بقي بعض المسائل المتعلقة في هذا الحديث، نذكرها تحت حديث علي -﵁- الذي بعده.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه النسائي (١/ ٨٣ - ٨٤)، الترمذي (٩٦)، وابن خزيمة (١٩٦)، من طرق عن عاصم ابن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال به. وإسناده حسن.","vol":"1","page":271},{"text":"٥٨ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ -يَعْنِي فِي المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ-. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>مسألة [١]: التوقيت للمسح على الخفين</span>.\nدلَّ حديث علي بن أبي طالب، وقبله حديث صفوان، وغيرهما على التوقيت في المسح للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن.\n• وقد ذهب إلى هذا جمهور أهل العلم، قال الترمذي: والقول بالتوقيت في المسح هو قول أكثر العلماء من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والتابعين، ومن بعدهم من الفقهاء، مثل الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\n• وذهب الشعبي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن إلى عدم التوقيت للمسح، وهو قول مالك، وحكي عن الليث، وهو قول قديمٌ للشافعي، واستدلوا بما يلي:\n١) حديث أبي بن عمارة -وسيأتي-، وفيه: قال: وثلاثة أيام؟ قال: «نعم، وما شئت»، وهو حديث ضعيفٌ.\n٢) حديث أنس -وسيأتي-، وفيه: «ولا يخلعهما إن شاء إلا من الجنابة».\n٣) أثر عمر بن الخطاب، في فتواه لعقبة بن عامر حين أتاه، وكان مسافرًا، قال: خرجت من الشام يوم الجمعة، ودخلت المدينة يوم الجمعة - يعني الجمعة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٧٦) دون قوله: (يعني في المسح على الخفين)؛ فهي من تفسير الحافظ وتصرفه.","vol":"1","page":272},{"text":"الثانية-، فدخلت على عمر بن الخطاب، فقال: متى أولجت خفيك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة. قال: وهل نزعتهما؟ قلت: لا. قال: أصبت السنة.\nأخرجه ابن المنذر، وغيره، وهو ثابت، ولكن قال ابن المنذر -﵀-: ومنهم من روى أنه قال: (أصبت)، ولم يقل: (السُّنَّة).\nوحكم الدارقطني في «العلل» (٢/ ١١١) (١٤٨) على هذه الزيادة (السُّنَّة) بالشذوذ، وأنَّ المحفوظ بلفظ: (أصبت)، بدون زيادة (السُّنَّة).\nفعلى هذا فهي فتوى من عمر، وهي حادثة عين تحتمل التأويل.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ١٥): ولا تتوقت مدة المسح في حق المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلع، واللبس، كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين، وعليه تحمل قصة عقبة بن عامر. اهـ\nوالراجح هو المذهب الأول، وهو ترجيح جميع كبار أهل العلم المعاصرين فيما نعلم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>مسألة [٢]: متى يبدأ التوقيت</span>؟\n• في المسألة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يبدأ التوقيت من اللبس، وهذا القول مَحْكِيٌّ عن الحسن البصري.\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (١/ ٤٣٥ - ٤٣٧)، «المجموع» (١/ ٤٨٣)، «المغني» (١/ ٣٦٥).","vol":"1","page":273},{"text":"القول الثاني: ابتداء التوقيت من الحدث، وهو مذهب الشافعية، والحنفية، ورواية عن أحمد، وعزاه النووي في «شرح المهذب» للجمهور.\nالقول الثالث: ابتداء التوقيت من أول المسح، وهذا قول الأوزاعي، وأبي ثور، ورواية عن أحمد، وداود، واختاره ابن المنذر؛ لأنَّ الأدلة جاءت بالتوقيت للمسح، قال النووي: وهو المختار الرَّاجح دليلًا.\nوهو ترجيح الإمام الألباني، والإمام محمد الأمين الشنقيطي، والإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين، رحمة الله عليهم أجمعين، وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (^١)\nفائدة: حكى ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٤٤٤) عن الشعبي، وإسحاق، وأبي ثور، وسليمان بن داود، أنَّه لا يصلي بالمسح؛ إلا خمس صلوات، وهذا المذهب باطل، والأحاديث الصحيحة جاءت بالتوقيت بالزمان لا بالصلوات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>مسألة [٣]: إذا انتهت مدة المسح، فهل تنتقض الطهارة، وكذا لو خلع خفيه قبل انتهاءالمدة</span>؟\n• في هذه المسألة أربعة أقوال:\nالأول: يكفيه غسل القدمين، وهو مذهب الحنفية، والثوري، وأبي ثور، والمزني، والأصح عند الشافعية، ورواية عن أحمد.\nالثاني: يلزمه استئناف الوضوء، وطهارته السابقة منتقضة، وهو قول الزهري، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وإسحاق، وهو أصح الروايتين عن أحمد.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (١/ ٤٨٦ - ٤٨٧)، «الأوسط» (١/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، «تفسير الشنقيطي» (٢/ ٢٦)، «المغني» (١/ ٣٧٠)، «صحيح سنن أبي داود» (١٤٥).","vol":"1","page":274},{"text":"الثالث: إنْ غسل رجليه عقب النزع كَفَاهُ، وإنْ أخَّرَ حتى طال الفصل استأنف الوضوء، وبه قال مالك، والليث.\nالرابع: لا شيء عليه، لا غسل القدمين، ولا غيره، بل طهارته صحيحة يصلي بها ما لم يحدث، وهو قول الحسن البصري، وقتادة، وسليمان بن حرب، واختاره ابن المنذر، وهو قول داود الظاهري، واحتجوا على ذلك بأنه قد ثبتت له الطهارة، وطهارته صحيحة؛ فلا تبطل بلا حدث كالوضوء، وأما نزع الخف، فلا يؤثر في الطهارة بعد صحتها، كما لو مسح رأسه، ثم حلقه.\nوهذا القول هو الراجح؛ لقوة مأخذه، قال النووي: وهو المختار الأقوى.\nورجَّحه شيخنا الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما. ومن نزع أحد خفيه، فهو كمن نزعهما عند عامة العلماء؛ إلا الزهري، وأبا ثور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>مسألة [٤]: هل تشمل الرُّخْصَة للمسافر سفر معصية</span>؟\n• ذهب الحنابلة، والشافعية إلى أنَّ المسافر سفر معصية لا يمسح على خفيه كمسح المسافر سفر طاعة، أو سفرًا مباحًا، بل يمسح مسح المقيم؛ لأنه عاصٍ، فلا يرخص له؛ لئلا يعان على معصيته، بل قال بعض الشافعية: لا يمسح مطلقًا.\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (١/ ٥٢٦ - ٥٢٧)، «المغني» (١/ ٣٦٦ - ٣٦٧).","vol":"1","page":275},{"text":"• وذهب أبو حنيفة، وابن حزم إلى أنَّ الرخصة تشمل سفر المعصية؛ لعموم الأدلة، وهو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>مسألة [٥]: من لبس خفيه، ثم أحدث، وهو مقيم، ثم لم يمسح حتى سافر</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٧٠): لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنَّ من لم يمسح حتى سافر أنه يتم مسح المسافر، وذلك لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن»، وهو حال ابتدائه بالمسح كان مسافرًا. انتهى.\nوقد عزاه أيضًا النووي في «شرح المهذب» (١/ ٤٨٨) إلى جميع العلماء، وذكر أنَّ المزني حُكِيَ عنه خلاف هذا، وبين أنه غلط على المزني.\nوأما إذا لم يحدث، فيمسح مسح المسافر بالإجماع، قاله النووي في «شرح المهذب» (١/ ٤٨٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>مسألة [٦]: من لبس خفيه، ثم ابتدأ المسح وهو مقيم، ثم سافر قبل مُضِي يوم وليلة</span>.\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنه يتم على مسح مقيم، ثم يخلع، هو قول الشافعي، ومالك، وإسحاق، وأحمد، وداود في رواية عنهما؛ لأنها عبادة اجتمع فيها الحضر، والسفر، فيغلب حكم الحضر، كما لو أحرم بالصلاة في سفينة في البلد، فسارت وفارقت\n_________\n(^١) انظر «شرح المهذب» (١/ ٤٨٥) «الإنصاف» (١/ ١٧٤) «المحلَّى» (٢١٤).","vol":"1","page":276},{"text":"البلد، وهو في الصلاة؛ فإنه يتمها صلاة حضر بإجماع المسلمين.\nالثاني: أنه يتم على مسح مسافر، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، ورواية عن أحمد، وداود، قال الخلال: رجع أحمد عن قوله الأول إلى هذا؛ لأنه يشمله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ويمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن».\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: وهذه رواية قوية، ومثَّل هذه الصورة بما إذا دخل عليه الوقت، ثم سافر؛ فإنَّ الصحيح أنه يصلي صلاة مسافر.\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لأنَّ الرُّخصة بثلاثة أيام ولياليهن جاءت للمسافر خالصًا، لا لمن جمع بين الإقامة والسفر، فصورة المسألة لا يشملها الحديث، وتحتاج إلى دليل لإلحاقه بحكم المسافر، والله أعلم.\nتنبيه: قال الإمام ابن العثيمين -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (١١/ ١٨٧): إن كانت قد انتهت مدة المسح -يعني مسح المقيم- فلا مسح -يعني إذا سافر- ولم أر في ذلك خلافًا إلا ما ذكره في «المحلى» (٢/ ١٠٩) أنه يتم مسح مسافر. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>مسألة [٧]: إذا مسح مسافرٌ، ثم قدم فأقام</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٧٢): وَإِذَا مَسَحَ مُسَافِرٌ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ أَقَامَ، أَوْ قَدِمَ، أَتَمَّ عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ وَخَلَعَ، وَإِذَا مَسَحَ مُسَافِرٌ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَصَاعِدًا، ثُمَّ أَقَامَ، أَوْ قَدِمَ، خَلَعَ.\nوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا،","vol":"1","page":277},{"text":"لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ مَسْحَ الْمُسَافِرِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: هذا القول هو الصحيح.\nوإن كان قد وجد خلاف، فقد خالف ابن حزم في «المحلى» (٢٢١)، والمزني كما في «شرح المهذب» (١/ ٤٩٠).","vol":"1","page":278},{"text":"٥٩ - وَعَنْ ثَوْبَانَ -﵁- قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَرِيَّةً، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى العَصَائِبِ -يَعْنِي العَمَائِمَ- وَالتَّسَاخِينِ -يَعْنِي الخِفَافَ-. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>مسألة [١]: المسح على الجوارب</span>.\n• ذهب قومٌ إلى جواز المسح على الجوربين، وهو مذهب عطاء، والحسن، وسعيد بن المسيب، والنخعي، وسعيد بن جبير، والأعمش، والثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وحكى ابن المنذر إباحة المسح على الجورب عن تسعة من الصحابة: علي بن أبي طالب، وعمار، وأبي مسعود، وأنس بن مالك، وابن عمر، والبراء بن عازب، وبلال، وأبي أمامة، وسهل بن سعد -﵃-. (^٢)\nواحتج لهم بحديث ثوبان الذي في الباب وقالوا: التساخين تشمل الجوارب.\nقال الخطابي -﵀- في «المعالم» (١/ ٤٩) في تفسير التساخين: ويقال: إنَّ أصل\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٧)، ومن طريقه أبو داود (١٤٦)، والحاكم (١/ ١٦٩)، عن يحيى ابن سعيد، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن ثوبان به.\nوإسناده صحيح، وقد أعل بأن راشد بن سعد لم يسمع من ثوبان، قاله أحمد وأبوحاتم. ولكن الصحيح أنه قد سمع منه، فقد أثبت سماعه منه البخاري في تاريخه.\nتنبيه: التفسير في الحديث بالعمائم والخفاف من كلام الحافظ، وليس موجودًا في المصادر المذكورة.\n(^٢) أخرجها ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٤٦٢ -)، وكلها ثابتة عنهم؛ إلا أثر عمار، وابن عمر، وبلال، وسهل ففي أسانيدها ضعف.","vol":"1","page":279},{"text":"ذلك كل ما يسخن به القدم، من خُفٍّ، وجورب، ونحوه. اهـ\nواحتج بعضهم بحديث المغيرة بن شعبة عند أبي داود (١٥٩): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح على الجوربين، والنعلين. وهذا الحديث تفرد به عبدالرحمن بن ثروان، وأُنْكِرَ عليه هذا الحديث، وقد أعله الثوري، وعبدالرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى ابن معين، ومسلم بن الحجاج، وغيرهم كما في «المجموع» (١/ ٥٠٠). وهذا القول رجَّحه ابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ الألباني، والشيخ مقبل، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.\n• وأنكرت طائفة المسح على الجوربين، وكرهته، وممن كره ذلك ولم يره: مالك، والأوزاعي، والشافعي، والنعمان، وهو مذهب عطاء، وهو آخر قوليه، وبه قال مجاهد، وعمرو بن دينار، والحسن بن مسلم؛ بَيْدَ أنَّ الشافعي أجاز المسح على الجورب إذا كان منعلًا.\nقلتُ: القول الأول هو الراجح؛ لدلالة حديث ثوبان الموجود في الباب عليه، وهو قول من تقدم من الصحابة، وقد صحَّ عن أنس بن مالك، وعلي، وأبي مسعود، والبراء، ولا يعرف لهم مخالف. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>مسألة [٢]: المسح على الجوارب الخفيفة</span>.\n• حكمها حكم الجوارب الصفيقة أي: المتينة وهو مذهب أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وإسحاق، وداود. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (١/ ٤٦٢ - ٤٦٥)، «المجموع» (١/ ٤٩٩ - ٥٠٠)، «المغني» (١/ ٣٧٤).\n(^٢) انظر: «شرح المهذب» (١/ ٥٠٠)، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (١١/ ١٦٦ - ١٦٧).","vol":"1","page":280},{"text":"• ومذهب الحنابلة، وجماعة من أهل العلم عدم جواز المسح على غير الصفيقة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>مسألة [٣]: المسح على القفازين، والبرقع</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٤٧٩): أجمع العلماء على أنه لا يجوز المسح على القفازين في اليدين، والبرقع في الوجه. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>مسألة [٤]: المسح على اللفائف</span>.\n• قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في مجموع الفتاوى (٢١/ ١٨٤ - ١٨٥): -بعد ذكره مشروعية المسح على الجوارب- قال: فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى اللَّفَائِفِ، وَهُوَ: أَنْ يُلَفَّ عَلَى الرِّجْلِ لَفَائِفُ مِنْ الْبُرْدِ، أَوْ خَوْفَ الْحِفَاءِ، أَوْ مِنْ جِرَاحٍ بِهِمَا وَنَحْوَ ذَلِكَ. قِيلَ: فِي هَذَا وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْحَلْوَانِيّ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى اللَّفَائِفِ، وَهِيَ بِالْمَسْحِ أَوْلَى مِنْ الْخُفِّ وَالْجَوْرَبِ؛ فَإِنَّ تِلْكَ اللَّفَائِفَ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ لِلْحَاجَةِ فِي الْعَادَةِ وَفِي نَزعِهَا ضَرَرٌ: إمَّا إصَابَةُ الْبَرْدِ، وَإِمَّا التَّأَذِّي بِالْحِفَاءِ، وَإِمَّا التَّأَذِّي بِالْجُرْحِ، فَإِذَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ؛ فَعَلَى اللَّفَائِفِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَمَنْ ادَّعَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إجْمَاعًا فَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا عَدَمُ الْعِلْمِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْقُلَ المَنْعَ عَنْ عَشَرَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ المَشْهُورِينَ فَضْلًا عَنْ الْإِجْمَاعِ، وَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٣٧٣).","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>مسألة [١]: المسح على النعلين</span>.\n• قال الإمام أحمد في «مسنده» (٩٧٠): حدثنا ابن الأشجعي، حدثنا أبي، عن سفيان، عن السدي، عن عبد خير، عن علي، أنه دعا بكوز من ماء، ثم قال: أين هؤلاء الذين يزعمون أنهم يكرهون الشرب قائمًا؟ قال: فأخذه، فشرب، وهو قائم، ثم توضأ وضوءًا خفيفًا، ومسح على نعليه، ثم قال: هكذا وضوء رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للطاهر، ما لم يُحْدِث.\nوأخرجه ابن خزيمة (٢٠٠)، والبيهقي (١/ ٧٥) من طريق الأشجعي به.\nوإسناده حسن من أجل السدي، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن؛ فإنه حسن الحديث.\nوقال الإمام البزار كما في «نصب الراية» (١/ ١٨٨): حدثنا إبراهيم بن سعيد، ثنا روح بن عبادة، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، أن ابن عمر كان يتوضأ ونعلاه في رجليه، ويمسح عليهما، ويقول: كذلك كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفعل.\nوإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات.\nلكن قال البزار عقبه كما في «نصب الراية» (١/ ١٨٨): لا نعلم رواه عن نافع إلا ابن أبي ذئب، ولا عن ابن أبي ذئب إلا روح. اهـ\nوأشار البخاري إلى تعليل هذا الحديث، فقال: باب غسل الرجلين في النعلين، ولا يمسح على النعلين.","vol":"1","page":282},{"text":"ثم أسند عن عبدالله بن عمر أنه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها.\nاستدل بهذين الحديثين على جواز المسح على النعلين، وهو فعل علي وابن عمر -﵃-، وقال به الأوزاعي، وابن حزم، ورجحه الإمام الألباني -﵀- في «تمام المنة» (ص ١١٥)، وهو قول شيخ الإسلام كما في «الاختيارات» (ص ١٣).\n• وذهب الجمهور إلى عدم جواز المسح على النعلين؛ لعدم ورود دليل صحيح صريح يدل على المسح على النعلين.\nوقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٦٦): واستدل الطحاوي على عدم الإجزاء بالإجماع على أنَّ الخفين إذا تخرقا حتى تبدوَ القدمان أنَّ المسح لا يجزئ عليهما. قال: فكذلك النعلان؛ لأنهما لا يغيبان القدمين.\nقال الحافظ: وهو استدلال صحيح، ولكنه منازع في نقل الإجماع المذكور، وليس هذا موضع بسط هذه المسألة. اهـ\nوأجابوا عن الأدلة المتقدمة بأربعة أجوبة:\nالأول: أنه كان من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الوضوء المتطوع به، لا في وضوءٍ عن حدث، وهو تأويل ابن خزيمة، والبزار، وابن حبان.\nوقد رد الإمام الألباني -﵀- هذا التأويل، وقال كما في «صحيح سنن أبي داود» (١٥٦): وليس يظهر لنا هذا المعنى؛ بل المراد ما لم يحدث حدثًا أكبر، أي: ما لم يُجْنِب؛ فهو بمعنى حديث صفوان بن عسال، والدليل على ما ذهبنا إليه أمور،","vol":"1","page":283},{"text":"الأول: أن راوي الحديث نفسه -أعني: عليًّا -﵁- - قد مسح على نعليه بعد أن بال، ثمّ صلّى إمامًا، وهو أدرى بمعنى كلامه، وأعلم بحديثه -﵇-، فروى الطحاوي (١/ ٥٨) من طريقين عن شعبة عن سلمة بن كُهَيْل عن أبي ظَبْيَانَ: أنه رأى عليًّا بال قائمًا، ثمَّ دعا بماء فتوضأ، ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد، فخلع نعليه ثمّ صلّى. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.\nقال: وأخرجه البيهقي (١/ ٢٨٧) من طريق سفيان، عن سلمة بن كهيل، به، نحوه، وفيه أنه صلى الظهر. ثم أخرجه البيهقي من طريق الأعمش، عن أبي ظبيان، عن علي .... فذكره مطولًا.\nقال: الثاني: أنه ثبت المسح على النعلين مرفوعًا في غير ما حديث.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: يشير الإمام الألباني -﵀- إلى حديث المغيرة بن شعبة الذي تقدم في مسألة الجوارب، وتقدم أنه معل، وكذا حديث أوس بن أبي أوس الثقفي، أخرجه أبو داود (١٦٠)، وفي إسناده: عطاء العامري، وهو مجهول، وأشار إلى حديث ابن عباس -﵄- عند البيهقي (١/ ٢٨٦)، وهو معل كما في «نصب الراية» (١/ ١٨٨)؛ فقد رواه البيهقي (١/ ٢٨٦) من طريق رواد بن الجراح، عن الثوري، بإسناده عن ابن عباس بلفظ: «توضأ مرة مرة، ومسح على نعليه» وخالفه الثقات من أصحاب الثوري؛ فرووه عن سفيان الثوري بلفظ: «توضأ مرة مرة» بدون الزيادة؛ فالزيادة شاذة، والله أعلم.\nوكذا حديث ابن عمر -﵄- المتقدم، وهو معل أيضًا كما تقدم.","vol":"1","page":284},{"text":"قال -﵀-: الثالث: أننا لا نعلم وضوءًا تصح به النافلة دون الفريضة؛ فتأمل.!\nالثاني: معنى (مسح على نعليه)، أي: غسل رجليه في النعل، وهذا تأويل البيهقي.\nالثالث: أنه مسح على النعلين مع الجوربين، فكان مسحه على الجوارب فرضًا، وعلى النعلين نفلًا، وهذا تأويل الطحاوي.\nالرابع: أنَّ المسح المقصود به الغسل الخفيف، وهو الرش، وقد جاء في حديث علي -﵁- ما يدل على ذلك، ففي «سنن النسائي» (١/ ٨٥) بإسناد صحيح أنَّ عليًّا -﵁- أخذ كفًّا من ماء، فمسح به وجهه، وذراعيه، ورجليه.\nوفي «مسند أحمد» (٦٢٥) بإسناد حسن: ثم أخذ بكفيه من الماء، فصكَّ بها على قدميه، وفيهما النعل، ثم قلبها بها، ثم على الرجل الأخرى مثل ذلك.\nوهذا التوجيه أشار إليه ابن القيم -﵀- في «تهذيب السنن» (١/ ٩٦)، وشيخ الإسلام كما في «الاختيارات» (ص ١٤)، وهو من أقوى التوجيهات، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم.\nتنبيه: النعل ما كان تحت الكعبين، وما كان فوقهما يسمى خُفًّا، والنعل الذي يمسح عليه قيده شيخ الإسلام -﵀- بما إذا كان ثابتًا في القدم، ويشق نزعه إلا بيد أو رجل. «الاختيارات الفقهية» (ص ١٣). (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «نصب الراية» (١/ ١٨٨ - ١٨٩)، «سنن البيهقي» (١/ ٢٨٦)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢١٤ - ٢١٥)، «المحلَّى» (٢١٧).","vol":"1","page":285},{"text":"٦٠ - وَعَنْ عُمَرَ، -مَوْقُوفًا- وَعَنْ أَنَسٍ -مَرْفُوعًا-: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا، وَلَا يَخْلَعْهُمَا إنْ شَاءَ إلَّا مِنَ جَنَابَةٍ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nتقدمت مباحث هذا الحديث تحت الأحاديث المتقدمة، وقوله: «وَلَا يَخْلَعْهُمَا إنْ شَاءَ» مقيد بأحاديث التوقيت كما تقدم.\n\n٦١ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ: أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^٢)\n\n٦٢ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ -﵁-، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَثَلَاثَةً؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَمَا شِئْت». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ. (^٣)\nتقدمت مباحث هذين الحديثين تحت الأحاديث المتقدمة.\n_________\n(^١) صحيح مرفوعًا وموقوفًا. أخرجهما الدارقطني (١/ ٢٠٣) بإسناد ظاهره الصحة، والحاكم لم يخرج أثر عمر، وإنما أخرج حديث أنس (١/ ١٨١) وإسناده عنده شديد الضعف، فإن فيه المقدام بن داود بن تليد الرعيني ترجمته في الميزان، قال النسائي: ليس بثقة.\n(^٢) صحيح بشواهده. أخرجه الدارقطني (١/ ١٩٤)، وابن خزيمة (١/ ٩٦) وفي إسناده مهاجر بن مخلد، وفيه ضعف، ولكن الحديث له شواهد يصح بها منها: حديث علي المتقدم، وكذلك حديث عوف بن مالك عند أحمد (٦/ ٢٧)، وابن أبي شيبة (١/ ١٧٥ - ١٧٦) وإسناده حسن. فالحديث صحيح بهذه الشواهد.\n(^٣) ضعيف. أخرجه أبوداود (١٥٨) وفي إسناده عبدالرحمن بن رزين ومحمد بن يزيد وهما مجهولا حال، واختلف في إسناده، قال أبوداود: قد اختلف في إسناده وليس هو بالقوي.","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>بَابُ نَوَاقِضِ الوُضُوءِ</span>\n٦٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى عَهْدِهِ يَنْتَظِرُونَ العِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ (^١) رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^٢)، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ. (^٣)\nالنواقض: جمع ناقض، والنقض في الأجسام: إبطال تركيبها، وفي المعاني: إخراجها عن إفادة ما هو المطلوب منها.\nفنواقض الوضوء: هي عللٌ تؤثر في إخراج الوضوء عمَّا هو المطلوب منه. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>مسألة [١]: هل النوم ناقضٌ من نواقض الوضوء</span>؟\n• اختلف الناس في هذه المسألة على ثمانية مذاهب ذكرها النووي -﵀- في «شرح مسلم» رقم (٣٧٦):\nالأَوَّل: أَنَّ النَّوْم لَا يَنْقُض الْوُضُوء عَلَى أَيّ حَال كَانَ، وَهَذَا مَحْكِيّ عَنْ أَبَى مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب، وَأَبِي مِجْلَز، وَحُمَيْد الْأَعْرَج، وَشُعْبَة.\n_________\n(^١) هو تحرك الرأس من النعاس. انظر: «النهاية».\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٢٠٠)، والدارقطني (١/ ١٣١) وإسناده صحيح.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٣٧٦) (١٢٥)، بلفظ: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينامون، ثم يصلون، ولا يتوضؤون.\n(^٤) انظر: «توضيح الأحكام» (١/ ٢٨٠)، «الملخص الفقهي» (١/ ٥٩).","vol":"1","page":287},{"text":"قلتُ: وأثر أبي موسى ثابتٌ عنه كما في «الأوسط» لابن المنذر (١/ ١٥٤)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣٣)، وإسناد ابن المنذر صحيح، وإسناد ابن أبي شيبة ضعيف، واستدلوا برواية مسلم التي في الباب: ينامون، ثم يصلون، ولا يتوضؤون.\nالثَّانِي: أَنَّ النَّوْم يَنْقُض الْوُضُوء بِكُلِّ حَال، وَهُوَ مَذْهَب الْحَسَن الْبَصْرِيّ، وَالْمُزَنِيّ، وَأَبِي عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَّام، وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ، وَهُوَ قَوْل غَرِيب لِلشَّافِعِيِّ.\nقال ابن المنذر -﵀-: وَبِهِ أَقُول. قَالَ: وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس، وَأَنَس، وَأَبِي هُرَيْرَة -﵃-.\nقلتُ: أثر ابن عباس -﵁-، إسناده ضعيف كما في الأوسط (١/ ١٤٤)، في إسناده يزيد بن أبي زياد الهاشمي، وهو ضعيف، وأثر أبي هريرة -﵁-، لفظه: «من استحق نومًا فقد وجب عليه الوضوء»، وإسناده صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٣)، والبيهقي (١/ ١٩) إلا أنه بين مراده من طريق أخرى كما في سنن البيهقي (١/ ١٢٢) أن استحقاق النوم بالاضطجاع. وإسناده صحيح، وإثر أنس -﵁-، أخرجه ابن المنذر (١/ ١٤٥) بإسناد صحيح.\nواستدل أهل هذا القول بحديث صفوان بن عسال الذي تقدم في [باب المسح على الخفين]، وفيه: «إلا من غائط، وبول، ونوم»، فذكر في هذا الحديث الأحداث التي يُنْزَع منها","vol":"1","page":288},{"text":"الخف، وهي: الجنابة، والأحداث التي لا يُنْزَع منها الخف، وهي: الغائط، والبول، والنوم، فأشعر ذلك بأنه من نواقض الوضوء؛ لاسيما بعد جعله مقترنًا بالبول، والغائط، الَّذَيْنِ هما ناقضان بالإجماع، واستدل ابن المنذر على هذا القول أيضًا بحديث: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»، واستدل بالقياس على الإغماء، والجنون.\nالثَّالِث: أَنَّ كَثِير النَّوْم يَنْقُض بِكُلِّ حَال، وَقَلِيله لَا يَنْقُض بِحَالٍ، وَهَذَا مَذْهَب الزُّهْرِيّ، وَرَبِيعَة، وَالْأَوْزَاعِيّ، وَمَالِك، وَأَحْمَد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.\nوهؤلاء أرادوا الجمع بين الأحاديث السابقة.\nالرَّابِع: أَنَّهُ إِذَا نَامَ عَلَى هَيْئَة مِنْ هَيْئَات الْمُصَلِّينَ كَالرَّاكِعِ وَالسَّاجِد وَالْقَائِم وَالْقَاعِد لَا يُنْتَقَض وُضُوءُهُ سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ نَامَ مُضْطَجِعًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ اِنْتَقَضَ. وَهَذَا مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة، وَدَاوُد وَهُوَ قَوْل لِلشَّافِعِيِّ غَرِيب.\nويُسْتَدَلُّ لهؤلاء بحديث: «إِنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا»، ولكنه حديث ضعيفٌ، وسيأتي إن شاء الله، ونبين هنالك سبب ضعفه.\nالْخَامِس: أَنَّهُ لَا يَنْقُض إِلَّا نَوْم الرَّاكِع وَالسَّاجِد، رُوِيَ هَذَا عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل -رحمه الله تعالى-.\nالسَّادِس: أَنَّهُ لَا يَنْقُض إِلَّا نَوْم السَّاجِد، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَحْمَد أيضًا.\nالسَّابِع: أَنَّهُ لَا يَنْقُض النَّوْم فِي الصَّلَاة بِكُلِّ حَال، وَيَنْقُض خَارِج الصَّلَاة، وَهُوَ قَوْل ضَعِيف لِلشَّافِعِيِّ -رحمه الله تعالى-.","vol":"1","page":289},{"text":"الثَّامِن: أَنَّهُ إِذَا نَامَ جَالِسًا مُمَكِّنًا مَقْعَدَته مِنْ الْأَرْض لم يُنْتَقَض، وَإِلَّا اُنْتُقِضَ سَوَاء قَلَّ أَوْ كَثُرَ، سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَوْ خَارِجهَا، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَعِنْده أَنَّ النَّوْم لَيْسَ حَدَثًا فِي نَفْسه وَإِنَّمَا هُوَ دَلِيل عَلَى خُرُوج الرِّيح، فَإِذَا نَامَ غَيْر مُمَكِّن الْمَقْعَدَة غَلَبَ عَلَى الظَّنّ خُرُوج الرِّيح فَجَعَلَ الشَّرْع هَذَا الْغَالِب كَالْمُحَقَّقِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُمَكِّنًا فَلَا يَغْلِب عَلَى الظَّنّ الْخُرُوج وَالْأَصْل بَقَاء الطَّهَارَة.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: جاء في «الصحيحين» عن عائشة -﵂-، أنها قالت للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ قال: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَان، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي»، فدلَّ هذا الحديث على أنَّ النوم ليس حدثًا بذاته (^١)، ولكنه مظنةٌ للحدث.\nولمَّا كان النوم مَظَنَّةً للحدث أوجب الشارع فيه الوضوء كما في حديث صفوان بن عسال، وهو الذي كان مفهومًا عند عائشة؛ ولذلك سألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ ولذلك فإنَّ النوم يعتبر ناقضًا للوضوء، كما ذهب إليه أهل القول الثاني.\nوهذا ترجيح ابن حزم في «المحلَّى» (١٥٨)، والإمام الألباني في «تمام المنة» (ص ١٠٠ - ١٠١).\nوهو الراجح فيما يظهر لي، والله أعلم.\nوأما حديث أنس الذي في الباب؛ فإنه قد جاء بألفاظ، بلفظ: «تخفق\n_________\n(^١) «قال المزني، وابن حزم: إنه حدثٌ. وهو خلاف الصواب. «التمهيد» (٢/ ٦٤)، «المحلَّى» (١٥٨).\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الفتاوى» (٢١/ ٣٩١): وجمهور السلف والخلف أنَّ النوم نفسه ليس بناقض، ولكنه مظنة خروج الحدث.","vol":"1","page":290},{"text":"رؤوسهم»، وبلفظ: «ينامون، ثم يصلون، ولا يتوضؤون».\nأخرجه أحمد في «مسائل أبي داود» (ص ٤٣٩)، حدثنا ابن المثنى، ثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال: كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يضعون جنوبهم، فينامون، فمنهم من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ.\nوهذا اللفظ إسناده صحيح على شرط الشيخين.\nفتبين من هذه الروايات أنَّ بعضهم نام، وبعضهم نعس، فالذي نام توضأ، والذي لم ينم لم يتوضأ، وذلك لأن قوله (تخفق) معناه: تحرك الرأس عند النعاس كما في «المختار»، وغيره.\nوأما من قيد النوم الناقض بما إذا لم يكن متمكنًا من مقعدته، أو كونه راكعًا، أو ساجدًا؛ لأنه في حالة التمكن من مقعدته، أو لم يكن راكعًا، أو ساجدًا، فالمظنة عدم الحدث، ولا يخرج عن يقين طهارته بشك.\nفيجاب عليهم: بأنَّ المظنة المذكورة قد عارضتها مظنة الحدث من النائم، والشارع اعتبر المظنة الثانية، فأوجب الوضوء من النوم كما في حديث صفوان، وعمم الحكم بين القاعد، والراكع، والساجد، وغيرهم، ولم يخصَّ أحدًا عن الآخر، وألغى المظنة التي ذكروها، فوجب إعمال ما أعمله الشارع، وإلغاء ما ألغاه. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «شرح مسلم» (٣٧٦)، «نيل الأوطار» (١/ ٢٩٧ -)، «الأوسط» (١/ ١٤٢ - وما بعدها)، «المجموع» (٢/ ١٧ -)، «المغني» (١/ ٢٣٥ -).","vol":"1","page":291},{"text":"فائدة: قال الإمام الألباني -﵀- في «تمام المنة» (ص ١٠١): قال الخطابي في «غريب الحديث» (ق ٣٢/ ٢): وحقيقة النوم هو الغشية الثقيلة التي تهجم على القلب، فتقطعه عن معرفة الأحوال الظاهرة، والناعس هو الذي رَهَقَهُ ثِقَلٌ، فقطعه عن معرفة الأحوال الباطنة، وبمعرفة هذه الحقيقة من الفرق بين النوم، والنعاس تزول إشكالات كثيرة، ويتأكد القول بأن النوم ناقض مطلقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>مسألة [٢]: الجنون والإغماء</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٣٧٦): وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ زَوَال الْعَقْل بِالْجُنُونِ، وَالْإِغْمَاء، وَالسُّكْر بِالْخَمْرِ، أَوْ النَّبِيذ، أَوْ الْبَنْج، أَوْ الدَّوَاء، يَنْقُضُ الْوُضُوء، سَوَاء قَلَّ أَوْ كَثُرَ، سَوَاء كَانَ مُمَكِّن الْمَقْعَدَة، أَوْ غَيْر مُمَكِّنهَا.\nوقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ١٥٥): وأجمعوا على إيجاب الطهارة على من زال عقله بجنون، أو إغماء. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: وذلك لأنَّ زوال العقل بالأمور المذكورة أشد من زواله بالنوم، وقد ثبت في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يغمى عليه في مرض موته، ثم يغتسل.\nوالغسل على سبيل الاستحباب لا الوجوب كما سيأتي بيانه في [باب الغسل] إن شاء الله تعالى، والواجب هو الوضوء.","vol":"1","page":292},{"text":"٦٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: «لَا إنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ: فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُك فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَلِلْبُخَارِيِّ: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» وَأَشَارَ مُسْلِمٌ إلَى أَنَّهُ حَذَفَهَا عَمْدًا. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٨)، ومسلم (٣٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٨٨)، من طريق: أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكر الحديث المتقدم. قال هشام: قال أبي: ثم توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت. وهذه الزيادة الظاهر أنها من كلام عروة بن الزبير، ومما يدل على ذلك أنَّ الحديث قد رواه جمعٌ عن أبي معاوية بدون هذه الزيادة، منهم: يحيى بن يحيى عند مسلم (٣٣٣)، وإسحاق بن إبراهيم عند النسائي (٣٥٩)، ويعقوب بن إبراهيم عند الدارقطني (١/ ٢٠٦).\nقال البيهقي (١/ ٣٢٧): وقد روي فيه زيادة: (الوضوء لكل صلاة)، وليست بمحفوظة، يعني من قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوقال ابن رجب في «فتح الباري» (٢/ ٧٢): والصواب أنَّ لفظة: (الوضوء) مدرجة في الحديث، من قول عروة، فقد روى مالك عن هشام عن أبيه، أنه قال: ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلًا واحدًا، ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة. انتهى.\nوقد ذكر زيادة: «الوضوء لكل صلاة» جماعة وهم:\nحماد بن زيد عند النسائي (١/ ١٨٥ - ١٨٦)، وليس فيه: «لكل صلاة»، قال النسائي: قد روى هذا الحديث غير واحد عن هشام بن عروة، ولم يذكر فيه: «وتوضئي» غير حماد، وقال الإمام مسلم: وفي حديث حماد بن زيد حرفٌ تركناه. اهـ وهذا معنى قول الحافظ: وأشار مسلم إلى أنه تركها عمدًا.\n\nأبو حمزة محمد بن ميمون عند ابن حبان (١٣٥٤)، ولكن رواه البيهقي من طريقه (١/ ٥٤٤)، بدون هذه الزيادة.\nأبو حنيفة عند الطحاوي (١/ ١٠٢)، ولكن رواه ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٢/ ١٠٣) من طريقه بدون هذه الزيادة.\nالحجاج بن أرطاة عند الطبراني (٢٤/ ٨٩٧).\nأبو عوانة عند ابن حبان (١٣٥٥).\nمحمد بن عجلان عند البيهقي (١/ ٣٤٤)، وهذان الأخيران والأول أقوى من زاد هذه الزيادة.\nولكن قد خالفهم جمعٌ كبير من الثقات، والأئمة، وهم ثمانية عشر رجلًا، فرووه بدون هذه الزيادة، وهم: مالك بن أنس في «الموطأ» (١/ ٦١)، والبخاري (٣٠٦)، ووكيع بن الجراح عند أحمد (٦/ ١٩٤)، ومسلم (٣٣٢)، ويحيى بن سعيد القطان عند أحمد (٦/ ١٩٤)، ومعمر بن راشد عند عبدالرزاق (١١٦٥)، وزهير بن معاوية عند البخاري (٣٣١)، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي عند مسلم (٣٣٣)، وجعفر بن عون عند الدارمي (٧٨٠)، وأبي عوانة (١/ ٣١٩)، وجرير بن عبد الحميد عند مسلم (٣٣٣)، وعبد الله بن نمير عند مسلم (٣٣٣)، وسفيان بن عيينة عند البخاري (٣٢٠)، والليث بن سعد عند أبي عوانة (١/ ٣١٩)، وعمرو بن الحارث عند أبي عوانة (١/ ٣١٩)، وسعيد بن عبدالرحمن الجمحي عند أبي عوانة (١/ ٣١٩)، وأبو أسامة حماد بن أسامة عند البخاري (٣٢٥)، وأيوب السَّخْتِياني عند أبي عوانة (١/ ٣١٩)، وعبدة بن سليمان عند النسائي (١/ ١٢٢)، وخالد بن الحارث عند النسائي (١/ ١٢٤)، وعبد الله بن المبارك عند النسائي (١/ ١٨٦).\nفهذا العدد الكبير من الثقات والأئمة يروون الحديث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بدون هذه الزيادة، فهذا يدل على أنها ليست محفوظة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإنما هي من قول عروة موقوفًا عليه، فأدرجت في المرفوع فرواها بعض الثقات، والضعفاء على ذلك ظانين أنها من المرفوع، والله أعلم.\nويزداد ما قررناه بيانًا إذا علمنا أنَّ هشامًا قد تابعه الزهري عند مسلم (٣٣٤)، وغيره، فرواه عن عروة بن الزبير أيضًا بدون ذكر هذه الزيادة.","vol":"1","page":293},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>مسألة [١]: حكم الوضوء للمستحاضة</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة، واستدلوا بحديث عائشة -﵂- الذي في هذا الباب بالزيادة التي عند البخاري.","vol":"1","page":294},{"text":"واستدلوا بحديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده عند أبي داود (٢٩٧)، وفيه الأمر بالوضوء لكل صلاة.\nولكنه حديثٌ شديدُ الضعف؛ في إسناده: عثمان بن عمير، أبو اليقظان، شديد الضعف، وشريك القاضي، وهو ضعيف.\nوجاء عن جابر عند الطبراني في «الأوسط»، وفي إسناده: أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وهو ضعيفٌ، بل أشد، وابن عقيل، والرَّاجح ضعفه.\nوجاء عن سودة عند الطبراني في «الأوسط»، وفي إسناده: جعفر، رجلٌ لا يعرف، وشيخ الطبراني مورع بن عبد الله لم توجد له ترجمة. (^١)\nوبهذا القول يفتي الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما، وللعثيمين قول آخر باستحباب الوضوء، لا وجوبه كما في الشرح الممتع.\n• وذهب عكرمة، وربيعة، ومالك، وابن المنذر إلى أن عليها الغسل عند انقضاء حيضها، وليس عليها للاستحاضة وضوء؛ لأن ظاهر حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش الغسل فقط؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لها: «فاغتسلي، وصلي»، ولم يذكر الوضوءَ لكل صلاة، والأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء لكل صلاة ضعيفة، لا يثبت منها شيءٌ.\nوقال بهذا القول شيخ الإسلام كما في «الاختيارات» (ص ١٥)، والشوكاني.\n_________\n(^١) انظر: «مجمع البحرين» (١/ ٣٩٤).","vol":"1","page":295},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: هذا القول أصح، والعمل بالقول الأول أحوط، وبالله التوفيق.\nتنبيه: معنى (تتوضأ لكل صلاة)، أي: أنها لا تتوضأ للصلاة المؤقتة إلا بعد دخول وقتها، أما إذا كانت الصلاة غير مؤقتة؛ فإنها تتوضأ عند إرادة فعلها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>مسألة [٢]: خروج دم الحيض، والنفاس</span>.\nأجمع العلماء على أن خروج دم الحيض والنفاس يعتبر ناقِضًا للوضوء، بل من موجبات الغسل.\nويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وحديث الباب: «وإذا ذهب قدرها -يعني الحيضة- فاغسلي عنك الدم، وصلِّي». (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>مسألة [٣]: صاحب سلس البول</span>.\nالخلاف فيه كالخلاف في المستحاضة.\nوالراجح في هذه المسألة: أنه يتوضأ لكل صلاة؛ لأنَّ خروج البول ناقض للوضوء، وإنما عفي عنه للحاجة، وهذا ترجيح الإمام ابن باز، والإمام العثيمين.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٤٤٨ - ٤٤٩)، «الأوسط» (١/ ١٥٨) وما بعدها، «المجموع» (٢/ ٥ - ٦)، «السيل» (١/ ١٤٩)، «مجموع فتاوى العثيمين» (١١/ ٣٢٤ -)، «مجموع فتاوى ابن باز» (٤/ ٧٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١/ ٢٣٠ - ٢٣٣)، «الأوسط» (١/ ١٥٥).","vol":"1","page":296},{"text":"وقد جاء عن زيد بن ثابت -﵁- بإسناد صحيح عند عبد الرزاق (١/ ١٥١)، والبيهقي (١/ ٣٥٧): أنه أصيب بسلس البول؛ فكان يتوضأ ثم يصلي، وهو يخرج منه.\nوقال بذلك أيضًا يحيى بن أبي كثير، والأوزاعي كما في «الأوسط». (^١)\nقلتُ: ومثل ذلك من عنده سلس في خروج الريح.\nوأفتى بذلك الإمام العثيمين -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (١١/ ١٩٧)، والإمام ابن باز -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (١٠/ ١٢٠ -). (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «مجموع فتاوى ابن باز» (١٠/ ١٢١)، «فتح الباري» (٣٠٦)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٢١)، «مجموع فتاوى العثيمين» (١١/ ١٩٧).\n(^٢) وانظر: «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام (٢١/ ٢٢١، ٢٢٥).","vol":"1","page":297},{"text":"٦٥ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْت المِقْدَادَ (^١) أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَسَأَلَهُ: فَقَالَ: «فِيهِ الوُضُوءُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^٢)\nالمذي: بفتح الميم، وإسكان الذال، وبفتح الميم مع كسر الذال، وتشديد الياء، وبكسر الذال مع تخفيف الياء، والأُولَيان مشهورتان، أولاهما أفصح، وأشهر.\nوالمذي: ماءٌ، رقيقٌ، أبيض، لزجٌ، يخرج عند الشهوة، بلا تدفق، ولا يعقبه فتورٌ.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>مسألة [١]: المذي ناقضٌ من نواقض الوضوء</span>.\nدلَّ حديث علي المذكور في الباب أنَّ المذي يعتبر ناقضًا من نواقض الوضوء.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ١٣٤): وقد روينا عن (عمر بن الخطاب، وعن عبدالله بن عباس، وعن عبد الله بن عمر) (^٣)، وجماعة من التابعين، أنهم أوجبوا الوضوء من المذي، وبه قال مالك بن أنس، وأهل المدينة، والأوزاعي، وأهل الشام، وسفيان الثوري، وأهل العراق، وكذلك قال الشافعي،\n_________\n(^١) في (ب) زيادة: (بن الأسود).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٢)، ومسلم (٣٠٣).\n(^٣) أخرج الآثار عن هؤلاء الصحابة -﵃- ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ١٣٤ - ١٣٥)، وأثر عمر، وعبدالله بن عباس صحيحان، وقد أخرجهما أيضًا عبد الرزاق (٦٠٥، و٦١٠)، وأما أثر ابن عمر -﵄- ففي إسناده: جندب مولى عبدالله بن عياش، ترجمته في «الجرح والتعديل»، وهو مجهول.","vol":"1","page":298},{"text":"وأصحابه، ولستُ أعلم في وجوب الوضوء منه اختلافًا بين أهل العلم. انتهى.\nوقال ابن عبد البر -﵀- في «الاستذكار» (٣/ ٢١ - ٢٢): وكلهم يوجب الوضوء منه، وهي سنة مجمعٌ عليها، لا خلاف -والحمد لله- فيها. اهـ\nفائدة: قال الحافظ -﵀- في «الفتح»: وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ - ﷺ -: «تَوَضَّأْ» عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ بِخُرُوج الْمَذْي، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ، وَهُوَ إِجْمَاع، وَعَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ كَالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنْ الْبَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ اِسْتِدْلَال الْمُصَنِّفِ بِهِ فِي [بَاب مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوء إِلَّا مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ]، وَحَكَى الطَّحَاوِيّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيّ - ﷺ - عَنْ الْمَذْيِ، فَقَالَ: «فِيهِ الْوُضُوء وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْل» (^١)، فَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ حُكْمَ الْمَذْيِ حُكْمُ الْبَوْل، وَغَيْره مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ، لَا أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ بِمُجَرَّدِهِ. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>مسألة [٢]: هل يجب غسل الذكر والأُنثَيين مع الوضوء</span>؟\nجاءت رواية في «الصحيحين» في حديث علي أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «توضأ، واغسل ذكرك»، وجاء في «سنن أبي داود» (٢١١) من حديث عبد الله بن سعد الأنصاري، وهو في «الصحيح المسند»، أنه سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن المذي، فقال: «تغسل من ذلك فرجك، وأُنْثَيَيْكَ، وتوضأُ وضوءك للصلاة».\n• فمن هذه الأحاديث ذهب الأوزاعي، وبعض الحنفية، وبعض المالكية،\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٤٦)، وفي إسناده: يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف.","vol":"1","page":299},{"text":"وبعض الحنابلة إلى وجوب غسل الذكر، والأُنثيين على الممذي.\n• وذهب أكثر أهل العلم، وجمهورهم إلى أنه لا يجب أكثر من الاستنجاء، والوضوء؛ لأنه قد جاء في رواية الإسماعيلي في حديث علي، فقال: «توضأ، واغسله»، فأعاد الضمير على المذي، وهو محتمل.\nواستدلوا بحديث سهل بن حنيف عند أبي داود (٢١٠) وغيره، وإسناده حسنٌ، قال: كنت ألقى من المذي شِدَّةً، وعناءً، فكنت أكثر منه الاغتسال، فذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: «إنما يجزئك من ذلك الوضوءُ»، فدَلَّ هذا الحديث على أنَّ الواجب منه هو الوضوء فقط، والمقام مقام تعليم، واستفتاء، ولا يؤخر البيان عن وقت الحاجة، فلو كان يجب عليه غسل ذكره، وأُنْثَيَيْهِ لبين ذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح ابن حزم، والحافظ ابن حجر، والشوكاني، وغيرهم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>مسألة [٣]: نجاسة المذي</span>.\nأَمْرُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بغسل الذَّكَرِ منه، وبنضح الثوب منه كما تقدم يدل على نجاسته، وقد نُقِلَ على ذلك الإجماع، نقله النووي في «شرح المهذب» (٢/ ٥٥٢)، والشوكاني في «النيل» (١/ ٩٥).\nوالواقع أنه قد خالف بعض الحنابلة فقالوا بطهارته، ونقل روايةً عن أحمد كما في «فتح الباري» لابن رجب (٢٦٩)، والصحيح أنه نجس، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢٦٩)، «النيل» (٣٨)، «الفتح» لابن رجب (٢٦٩).","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>مسألة [١]: المذي إذا أصاب الثوب</span>.\nجاء في حديث سهل بن حنيف المتقدم، فقلت: يا رسول الله، فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: «يكفيك أن تأخذَ كفًّا من ماء، فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه قد أصاب منه».\nقال الترمذي -﵀- في «سننه» (١١٥) عَقِبَ هذا الحديث: واختلف أهل العلم في المذي يصيب الثوب، فقال بعضهم: لا يجزئ إلا الغسل، وهو قول الشافعي، وإسحاق، وقال بعضهم: يجزئه النضح، قال أحمد: أرجو أن يجزئه النضح. اهـ\nوقول الشافعي هو قول الجمهور كما في «شرح المهذب» (٢/ ٥٥٢).\nقلتُ: والراجح قول أحمد؛ لدلالة الحديث عليه، قال الشوكاني في «النيل» رقم (٣٨): ولم يعارض رواية النضح المذكورة في الباب معارضٌ، فالاكتفاء به صحيح مُجْزٍ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>مسألة [٢]: الودي</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ١٣٦): وأما الودي، فهو شيء يخرج من الذكر على أثر البول، والوضوء يجب بخروج البول، وليس يوجب بخروجه شيئًا إلا الوضوء الذي وجب بخروج البول. انتهى.\nوقال الشيرازي -﵀- في «المهذب»: وأما الودي فنجسٌ؛ لأنه خارج من سبيل الحدث، ولأنه يخرج مع البول، فكان حُكْمُهُ حكمه. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٣٦٩).","vol":"1","page":301},{"text":"وقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٥٥٢): أجمعت الأمة على نجاسة المذي، والودي. انتهى.\n\n٦٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَضَعَّفَهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>مسألة [١]: تقبيل المرأة ولمسها</span>.\n• ذكر النووي -﵀- في «شرح المهذب» في هذه المسألة أقوالًا:\nالقول الأول: ينتقض الوضوء بلمس المرأة، سواء كان بشهوة، أو بغير شهوة، قال النووي: هذا مذهبنا، وبهذا قال عمر بن الخطاب (^٢)، وعبد الله بن مسعود،\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٦/ ٢١٠) وهو من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة به.\nوقد قيل: إن عروة هو المزني كما أشار إلى ذلك أبوداود في «سننه» (١٧٩)، وعروة المزني مجهول، وقال بعض الأئمة هو عروة بن الزبير، وقد جاء مصرحًا باسمه في مواضع، منها «مسند أحمد»، وأعلوه بالانقطاع بين حبيب وعروة بن الزبير، فإنه لم يسمع منه شيئًا، وهذا صنيع البخاري.\nوقد ضعف الحديث البخاري ويحيى القطان وأبوحاتم وأبوزرعة والدارقطني والبيهقي وابن حزم وغيرهم. انظر: «التلخيص» (١/ ٢٣٠)، «سنن الترمذي» (٨٦)، «العلل الكبير» للترمذي (١/ ١٦٤)، «الجرح والتعديل» (٣/ ١٠٧)، «علل ابن أبي حاتم» (١١٠)، «سنن الدارقطني» (١/ ١٣٨ - ١٣٩)، «سنن البيهقي» (١/ ١٢٥).\n(^٢) أخرجه البيهقي (١/ ١٢٤) بإسناده عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر -﵄- قال: إن القبلة من اللمس؛ فتوضؤوا منها. هكذا رواه البيهقي.\nوالمحفوظ: عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، من قوله دون ذكر عمر -﵁-، فقد رواه مالك في «الموطأ» (١/ ٤٣)، ومعمر كما في «المصنف» (١/ ١٣٢) عن الزهري بإسناده عن ابن عمر موقوفًا.","vol":"1","page":302},{"text":"وعبد الله بن عمر (^١)، وزيد بن أسلم، ومكحول، والشعبي، والنخعي، وعطاء بن السائب، والزهرى، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، وسعيد بن عبد العزيز، ورواية عن الأوزاعي.\nواستدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] الآية، وقول الثلاثة الصحابة صحيحٌ عنهم.\nالقول الثاني: لا ينتقض الوضوء باللمس مطلقا، وهو مروى عن ابن عباس وهو صحيح عنه، وعطاء، وطاوس، ومسروق، والحسن، وسفيان الثوري.\nواستدل هؤلاء بحديث الباب، وهو ضعيفٌ كما تقدم، واستدلوا بحديث عائشة -﵂- في «صحيح مسلم» (٤٨٦): أنها افتقدت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالليل، فتحسست، فوقعت يدها على بطن قدميه. وحديثها في «الصحيحين» (^٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي وهي مضطجعة في قبلته، فإذا سجد غمز رجلها، فقبضتها .... الحديثَ.\nوأجاب هؤلاء عن الآية: بأنَّ المراد بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ هو الجماع، وقالوا بهذا، وإن كانت الملامسة في اللغة تطلق على أعم من ذلك؛ لوجود قرائن\n_________\n(^١) الأثران صحيحان لهما طرق، انظرها في «تفسير الطبري»، وابن أبي حاتم في تفسير سورة النساء (آية:٤٣)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ١٦٦ -)، و«مصنف عبد الرزاق» (١/ ١٣٢ - ١٣٥)، والبيهقي (١/ ١٢٤).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٣٨٢)، ومسلم برقم (٥١٢) (٢٧٢).","vol":"1","page":303},{"text":"تدل على ذلك، وهذه القرائن هي الأحاديث التي تقدم ذكرها، وقد فسَّر الملامسة في الآية بأنها الجماع حبرُ الأمة، وترجمان القرآن: عبدُ الله بن عباس -﵄-.\nالقول الثالث: إن لمس، أو قبَّل بشهوة انتقض، وإلا فلا، وهو مَرْوِيٌّ عن الحكم، وحماد، ومالك، والليث، وإسحاق، ورواية عن الثوري، وأحمد.\nوهؤلاء جمعوا بين الأدلة المتقدمة بهذا.\nالقول الرابع: إن لمس عمدًا انتقض، وإلا فلا، وهو قول داود الظاهري.\nالقول الخامس: إن لمس من تحل له، لم ينتقض، وإن لمس من لا تحل له انتقض، ذكره ابن المنذر، عن عطاء، وأنكر صحته عنه النووي.\nهذه أشهر الأقوال في المسألة.\nوالقول الثاني هو الراجح، وهو رواية عن أحمد، وهو ترجيح ابن جرير، وابن المنذر، وابن كثير، والشوكاني، والصنعاني، والألباني، وابن عثيمين، والوادعي، وغيرهم، رحمة الله عليهم أجمعين.\nوفي الآية ما يدل على أنه أراد بالملامسة الجماع.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: وبيانه أنَّ الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، فهذه طهارة بالماء، أصلية، صغرى.","vol":"1","page":304},{"text":"ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، فهذه طهارة بالماء أصلية كبرى.\nثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ هذا البدل، وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ هذا بيان سبب الصغرى.\nوقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، هذا بيان سبب الكبرى، ولو حملناه على المس الذي هو الجس باليد؛ لكانت الآية الكريمة ذكر الله فيها سببين للطهارة الصغرى، وسكت عن سبب الطهارة الكبرى، مع أنه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وهذا خلاف البلاغة القرآنية.\nوعليه فتكون الآية دالة على أن المراد بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، أي: جامعتم؛ ليكون الله ذكر السببين الموجبين للطهارة: السبب الأكبر، والسبب الأصغر، والطهارتين الصغرى في الأعضاء الأربعة، والكبرى في جميع البدن، والبدل الذي هو طهارة التيمم في عضوين فقط؛ لأنه يتساوى فيها الطهارة الكبرى، والصغرى.\nفالراجح أنَّ مسَّ المرأة لا ينقض الوضوء إلا إذا خرج منه شيء. انتهى.\nوقد سبق إلى هذا الاستنباط من الآية ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ١٢٨). (^١)\n_________\n(^١) انظر: «شرح المهذب» (٢/ ٣٠)، «الأوسط» (١/ ١١٨ - وما بعدها)، «المغني» (١/ ٢٥٦)، «النيل» (٢٤٨)، «الفتاوى» (٢١/ ٢٣٢ - ٢٣٥) (٢١/ ٤٠١)، «الشرح الممتع» (١/ ٢٣٦ - ٢٤٠).","vol":"1","page":305},{"text":"فائدة: قال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ١٣٠): وقد أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن لا وضوء على الرجل إذا قبَّل أمَّهُ، أو ابنته، أو أخته، إكرامًا لهن، وبرًّا عند قدومٍ من سفرٍ، أو مسَّ بعض بدنه بعض بدنها عند مناولة شيء إنْ ناولها، إلا ما ذُكِرَ من أحد قولي الشافعي، ولستُ أدري أيثبت ذلك عن الشافعي، أم لا؟. انتهى. بتصرف.","vol":"1","page":306},{"text":"٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ: أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>مسألة [١]: اليقين لا يزول بالشك</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٤/ ٢٨٩): وَهَذَا الْحَدِيث أَصْل مِنْ أُصُول الْإِسْلَام، وَقَاعِدَة عَظِيمَة مِنْ قَوَاعِد الْفِقْه، وَهِيَ أَنَّ الْأَشْيَاء يُحْكَم بِبَقَائِهَا عَلَى أُصُولهَا حَتَّى يُتَيَقَّن خِلَاف ذَلِكَ، وَلَا يَضُرّ الشَّكّ الطَّارِئ عَلَيْهَا.\nفَمِنْ ذَلِكَ: مَسْأَلَة الْبَاب الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْحَدِيث، وَهِيَ أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَة وَشَكَّ فِي الْحَدَث، حُكِمَ بِبَقَائِهِ عَلَى الطَّهَارَة، وَلَا فَرْق بَيْن حُصُول هَذَا الشَّكّ فِي نَفْس الصَّلَاة، وَحُصُوله خَارِج الصَّلَاة، هَذَا مَذْهَبنَا، وَمَذْهَب جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف.\nوَحُكِيَ عَنْ مَالِك -رحمه الله تعالى- رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَلْزَمهُ الْوُضُوء إِنْ كَانَ شَكُّهُ خَارِج الصَّلَاة، وَلَا يَلْزَمُهُ إِنْ كَانَ فِي الصَّلَاة، وَالثَّانِيَة: يَلْزَمُهُ بِكُلِّ حَالٍ. وَحُكِيَتْ الرِّوَايَة الْأُولَى عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ، وَهُوَ وَجْه شَاذٌّ مَحْكِيٌّ عَنْ بَعْض أَصْحَابنَا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. انتهى.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٣٦٢).","vol":"1","page":307},{"text":"وقال -﵀- (٤/ ٢٩٠): وأما إذا تيقن الحدث، وشك في الطهارة؛ فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>مسألة [٢]: الرِّيح من نواقض الوضوء، وكذا البول، والغائط</span>.\nدلَّ حديث الباب على انتقاض الوضوء بالفساء، والضراط، ويلتحق به البول، والغائط؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، متفقٌ عليه (^١) عن أبي هريرة -﵁-.\nوقد سئل أبو هريرة -﵁- كما في «البخاري» (١٣٥) عن الحدث، فقال: فساءٌ، أو ضراطٌ. قال أهل العلم: المراد بالحدث الخارج من أحد السبيلين، وإنما فسَّرَهُ أبو هريرة بأخص من ذلك، تنبيهًا بالأخف على الأغلظ، ولأنهما قد تقعان في الصلاة أكثر من غيرهما. (^٢)\nقلتُ: ويدل على أنَّ الغائط، والبول من النواقض الآية: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، وحديث صفوان في المسح: «ولكن من غائط، وبول، ونوم».\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ١٣٧): وأجمع أهل العلم على أن خروج الريح من الدبر حدثٌ ينقض الوضوء.\nوقال أيضًا كما في «المغني»: (١/ ٢٣٠): أجمع أهل العلم على أنَّ خروج الغائط من الدبر، وخروج البول من ذَكَرِ الرَّجُلِ، وَقُبُلِ المرأةِ، وخروج المذي،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٣٥) (٦٩٥٤)، ومسلم برقم (٢٢٥)، واللفظ للبخاري.\n(^٢) انظر: «النيل» (١/ ٢٩١).","vol":"1","page":308},{"text":"وخروج الريح من الدبر أحداث ينقض كل واحد منها الطهارة، ويوجب الوضوء. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>مسألة [٣]: وجود البلة في رأس الذكر عقب الاستنجاء والوضوء</span>.\nأخرج عبد الرزاق في «المصنف» (١/ ١٥١) عن الثوري، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير وغيره، عن ابن عباس قال: شكا إليه رجل فقال: إني أكون في الصلاة فيخيل إلي أن بذكري بللا. قال: قاتل الله الشيطان إنه يمس ذكر الإنسان في صلاته ليريه أنه قد أحدث، فإذا توضأت فانضح فرجك بالماء، فإن وجدت قلت: هو من الماء. ففعل الرجل ذلك فذهب. وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله ثقات.\nوأخرج أيضًا (١/ ١٥٣) عن الثوري، عن الحسن بن عبيد الله النخعي، عن أبي الضحى قال: رأيت ابن عمر توضأ، ثم نضح حتى رأيت البلل من خلفه في ثيابه.\nوعن ابن عيينة، عن الحسن بن عبيد الله قال: سمعت مسلم بن صبيح يقول: رأيت ابن عمر توضأ، ثم أخذ غرفة من ماء فصبها بين إزاره وبطنه على فرجه.\nإسناده صحيح، رجاله ثقات.\nوعن معمر، عن أيوب، عن حميد بن هلال، أن حذيفة بن اليمان قال: إذا توضأت، ثم خرج مني شيء بعد ذلك، فإني لا أعده بهذه -أو قال: مثل هذه- ووضع ريقه على إصبعه.\n_________\n(^١) وانظر: «الإجماع» لابن المنذر رقم (٣).","vol":"1","page":309},{"text":"وهذا إسنادٌ رجاله ثقات؛ إلا أنه لا يعلم لحميد بن هلال سماع من حذيفة -﵁-، ولكنه يتقوى بالإسناد التالي.\nوعن ابن التيمي، عن أبيه، أن حذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، والحسن، وعطاء، كانوا لا يرون بأسا بالبلل يجده الرجل في الصلاة ما لم يقطر.\nوهذا إسنادٌ رجاله ثقات، وسليمان التيمي لا يعلم له سماع من حذيفة، والأثر ثابت عن حذيفة -﵁- بالطريقين.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: فعلى المسلم أن يعمل بما جاء عن هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم لإذهاب الوسواس عن نفسه، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>مسألة [١]: خروج البول، والغائط من غير مخرجيهما</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى أن البول، والغائط ينقضان الوضوء، وإن خرجا من غير مخرجهما، سواء كان السبيلان منسدين، أو مفتوحين، من فوق المعدة، أو من تحتها، واستدلوا بعموم الأدلة المتقدمة.\n• وذهب الشافعية إلى أنه إن كان يخرج من تحت المعدة، فهو ناقضٌ، وإن كان من مخرجٍ فوق المعدة فلا ينقض، ولا دليل على هذا التفصيل، والراجح قول الجمهور، وهو ترجيح الشوكاني في «السيل» (١/ ٩٢). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>مسألة [٢]: خروج النادر من السبيلين</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٣٠): الضّرْبُ الثَّانِي: نَادِرٌ كَالدَّمِ، وَالدُّودِ، وَالْحَصَا، وَالشَّعْرِ، فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَيْضًا، وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَكَانَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ يَرَوْنَ الْوُضُوءَ مِنْ الدُّودِ يَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ، وَلَمْ يُوجِبْ مَالِكٌ الْوُضُوءَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ، أَشْبَهَ الْخَارِجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ، وَلَنَا أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ أَشْبَهَ الْمَذْيَ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ بِلَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ، فَيَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِهَا. انتهى.\nوالراجح قول الجمهور من أنه ينقض الطهارة، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٢٣٣)، «المجموع» (٢/ ٨).","vol":"1","page":311},{"text":"-﵀- كما في «الشرح الممتع» (١/ ٢٢٠ - ٢٢١). وانظر: «شرح المهذب» (١/ ٦ - ٧)، وقد قال بقول مالك: النخعي، وقتادة، وحماد.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ١٩٣): وهذا قول يحتمل النظر، والأكثر من أهل العلم على القول الأول، ولولا أنَّ الدودة لا تخرج إلا بِنَدْوَةٍ من غائطٍ، وكذا الحصى لا يكاد يخرج إلا بِنَدْوَةٍ من بول؛ لكان أصح القولين في النظر قول من لا يرى وضوءًا، فأي ذلك خرج ومعه نَدْوَةٌ من غائط أو بول، ففيه الوضوء. اهـ\nقلتُ: ما قاله ابن المنذر هو المعتمد، وهو راجع إلى قول الجمهور؛ إلا أنه إذا فرض خروج شيء جافٍ، فلا يوجد دليل على انتقاض وضوئه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>مسألة [٣]: خروج الرِّيح من ذَكَرِ الرَّجُلِ، أو فَرْجِ المرأَةِ</span>.\n• ذهب أحمد، والشافعي، ومالك، ومحمد بن الحسن إلى أنه ينقض الوضوء.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا ينقض الوضوء، ورجَّحه ابن حزم في «المحلَّى» (١٦٠)، وأفتى به الشيخ ابن باز، واللجنة الدائمة، والشيخ ابن عثيمين، ومال إليه الشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهم.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: أما خروجه من الرَّجُل؛ فالظَّاهر عدم حصوله، ولا يُعْلَم وجوده، وقد أنكره ابن عقيل الحنبلي، وأما المرأة؛ فهو موجود عند بعض النساء، ولكنه ليس بحدث طبيعي، فالظَّاهر أنه لا ينقض، والأصل الطهارة، ولا يحكم بنقضها إلا بدليل صحيح، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٢٣٠)، «المجموع» (٢/ ٤، ٨)، «الأوسط» (١/ ١٣٧ - ١٣٨)، «فتاوى العثيمين» (١١/ ١٩٧)، «فتاوى اللجنة» (٥/ ٢٥٩).","vol":"1","page":312},{"text":"٦٨ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مَسَسْتُ ذَكَرِي، أَوْ قَالَ: الرَّجُلُ يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ، أَعَلَيْهِ وُضُوءٌ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا، إنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْك». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\nوَقَالَ ابْنُ المَدِينِيِّ: هُوَ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ.\n\n٦٩ - وَعَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ -﵂- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. (^٢)\nوَقَالَ البُخَارِيُّ: هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا البَابِ.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>مسألة [١]: مَسُّ الذَّكرِ، هل يُعَدُّ ناقضًا من نواقض الوضوء</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالقول الأول: انتقاض الوضوء بمس الذكر، وهو مَرْوِيٌّ عن عمر بن\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٤/ ٢٣)، وأبوداود (١٨٢)، والنسائي (١/ ١٠١)، والترمذي (٨٥)، وابن ماجه (٤٨٣)، وابن حبان (١١١٩ -).\nومدار الحديث على قيس بن طلق عن أبيه، وقيس بن طلق الراجح تحسين حديثه، فالحديث حسن.\n(^٢) صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٤٠٧)، وأبوداود (١٨١)، والنسائي (١/ ١٠٠)، والترمذي (٨٢)، وابن ماجه (٤٧٩)، وابن حبان (١١١٢ -).\nوهو حديث صحيح، بعض أسانيده صحيحة، وبعضها دون ذلك، وله شواهد كثيرة.\n\nوقد صححه أحمد، وابن معين، والبخاري، وأبو داود، والدارقطني، والبيهقي، والحازمي، وغيرهم، ثم الإمام الألباني والإمام الوادعي رحمة الله عليهما. وانظر: «التلخيص» (١/ ٢١٤ -).","vol":"1","page":313},{"text":"الخطاب، وسعد بن أبي وقاص (^١)، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة (^٢)، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وعروة، والزهري، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، الشافعي، وأبي ثور، والمزني، واستدلوا بحديث بسرة بنت صفوان، وشواهده.\nوجاء في حديث أبي هريرة -﵁- عند أحمد وغيره، عن النبي - ﷺ -، قال: «من أفضى بيده إلى ذكره، ليس دونه ستر، فقد وجب عليه الوضوء».\nالقول الثاني: عدم انتقاض الوضوء بمس الذكر، وهو قول علي، وابن مسعود، وحذيفة، وعمار (^٣)، وحكاه ابن المنذر أيضًا عن ابن عباس، وعمران بن\n_________\n(^١) يظهر أن سعد بن أبي وقاص -﵁-، كان يرى الاستحباب، وأمر ولده بالوضوء من مس الذكر على سبيل الاستحباب، فقد ثبت عنه -﵁- عند ابن المنذر (١/ ٢٠١) بإسنادٍ صحيح أنه قال، وقد سئل عن مس الذكر في الصلاة، فقال: إن علمت أن فيك بضعة- يعني نجسة- فاقطعها.\n(^٢) أخرجها -إلا أثر عائشة -﵂- - ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ١٩٤)، وأثر سعد، وابن عمر -﵃- صحيحان، وأما أثر عمر، وابن عباس، وأبي هريرة -﵃-، ففي أسانيدها ضعف.\nوأما أثر عائشة -﵂- فأخرجه الحاكم (١/ ٢٣٣) من طريق الدراوردي، عن عبيد الله العمري، عن القاسم، عن عائشة -﵂-، قالت: إذا مست المرأة فرجها توضأت. قال البيهقي: ورواه أيضًا عن أخيه عبيد الله.\nقلتُ: رواية الدراوردي عن عبيد الله العمري ضعيفة؛ لأنها اختلطت عليه بأحاديث عبد الله.\nوأخرجه الشافعي في «الأم» (١/ ٣٥) عن القاسم بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر -قال المزني: أظنه عن عبيد الله- عن القاسم، عن عائشة به. ورجاله ثقات؛ إلا أنه حصل في إسناده الشك، والأثر بالطريقين حسن.\n(^٣) أخرجها عنهم ابن أبي شيبة (١/ ١٦٤ -)، وهي صحيحة عنهم إلا أثر علي؛ ففي إسناده ضعف؛ فإن فيه قابوس بن أبي ظبيان، وهو ضعيف.","vol":"1","page":314},{"text":"حصين، وأبي الدرداء (^١)، وربيعة، وهو مذهب الثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، وابن سحنون، وابن المنذر، واستدلوا بحديث طلق بن علي.\nالقول الثالث: استحباب الوضوء، وهي رواية عن أحمد، واختاره ابن خزيمة، فقال في صحيحه: باب استحباب الوضوء من مس الذكر. ثم ذكر حديث بسرة -﵂-، ثم قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى الصدفي يقول: أخبرنا ابن وهب، عن مالك قال: أرى الوضوء من مس الذكر استحبابا ولا أوجبه.\nوثنا علي بن سعيد النسوي، قال: سألت أحمد بن حنبل عن الوضوء من مس الذكر، فقال: أستحبه ولا أوجبه.\nوسمعت محمد بن يحيى يقول: نرى الوضوء من مس الذكر استحبابا لا إيجابا؛ بحديث عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه عن النبي - ﷺ -.\nقال ابن خزيمة: وكان الشافعي ﵀ يوجب الوضوء من مس الذكر اتباعا بخبر بسرة بنت صفوان لا قياسا، وبقول الشافعي أقول؛ لأن عروة قد سمع خبر بسرة منها لا كما توهم بعض علمائنا أن الخبر واه لطعنه في مروان.\nقلتُ: جزم أولا ابن خزيمة بالاستحباب، ثم رجع إلى الوجوب. وقد رجح الاستحباب شيخ الإسلام، وابن عثيمين، وهؤلاء جمعوا بين الدليلين بذلك.\nالقول الرابع: ينتقض الوضوء إذا مسَّ بشهوة، وهي رواية عن أحمد، ورواية\n_________\n(^١) أخرجها ابن المنذر (١/ ٢٠٠ - ٢٠٢)، وأثر ابن عباس صحيح، وأثر أبي الدراداء من طريق حبيب ابن عبيد، عنه. قال أبو حاتم: روايته عنه مرسلة. وأثر عمران من طريق الحسن عنه، ولم يسمع منه.","vol":"1","page":315},{"text":"عن مالك، ورجحه الإمام الألباني في «تمام المنة»، وعزاه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجحه البسام.\nفأما أصحاب القول الأول، فقد أخذوا بحديث بسرة وشواهده، ولم يأخذوا بحديث طلق، فمنهم من ضعفه، ومنهم من سلك مسلك النَّسْخ، ومنهم من سلك مسلك الترجيح.\nوأما أصحاب القول الثاني، فقد أخذوا بحديث طلق، وأهملوا حديث بسرة وشواهده، فمنهم من ضعفه، ومنهم من رجح حديث طلق، ومن المعلوم في أصول الفقه أنَّ الجمع بين الأحاديث هو فرعُ تصحيحها، وهو مقدم على الترجيح، والنسخ، وقد علمنا صحة حديث بسرة، وحديث طلق، فوجب الجمع بينهما، وهو مسلك أصحاب القول الثالث، والقول الرابع، والقول الثالث أقوى؛ لعدم وجود دليل يقيد المسَّ بالشهوة، والله أعلم.\nوأما حديث أبي هريرة -﵁- الذي فيه: «فقد وجب عليه الوضوء».\nفقد أخرجه الشافعي كما في المسند (١/ ١٢)، وأحمد (٢/ ٣٣٣)، والبزار (٢/ ٤٤٣)، والطحاوي (١/ ٧٤)، وابن المنذر (١/ ٢٠٨)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٤٨)، والبغوي (١/ ٧٤)، والبيهقي (١/ ١٣٣)، من طرق عن يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة -﵁- به. وبعضهم ذكره بلفظ الأمر: «فليتوضأ».\nقال ابن المنذر: وكان أحمد يقول: قد أدخلوا بين يزيد بن عبد الملك وبين","vol":"1","page":316},{"text":"المقبري فيه رجلا يقال له أبو موسى الخياط، وذكر أحمد يزيد فقال: يروي أحاديث مناكير.\nوهذا إسناد شديد الضعف؛ فيزيد بن عبد الملك النوفلي ضعفه عامة الحفاظ، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدا. وقال البخارى: أحاديثه شبه لا شئ. وضعفه جدا. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال فى موضع آخر: ليس بثقة.\nوأبو موسى الخياط، هو عيسى بن أبي عيسى، وهو متروك.\nوقد أخرج الحديث الطبراني في «الأوسط» (١٨٥٠)، و«الصغير» (١١٠) من طريق عبد الملك بن يزيد، ونافع بن أبي نعيم القاري، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به.\nفقرن بعبد الملك بن يزيد، نافع بن أبي نعيم، وحديثه يحتمل التحسين.\nويظهر أن اللفظ المذكور، إنما هو ليزيد بن عبد الملك النوفلي؛ فقد أخرج الحديث الحاكم (١/ ١٣٨) من طريق نافع بن أبي نعيم غير مقرون بلفظ: «من مس فرجه فليتوضأ».\nوأخرج الحديث ابن حبان (١١١٨) من طريقهما مقرونين عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة بلفظ: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، وليس بينهما","vol":"1","page":317},{"text":"ستر ولا حجاب، فليتوضأ». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>مسألة [٢]: الانتقاض بالمس بباطن الكف، أم بظاهره</span>؟\n• ذهب مالك، والليث، والشافعي، وإسحاق إلى أنه لا ينقض مَسُّهُ إلا بباطن كفه؛ لأنَّ ظاهر الكف ليس بآلة لِلْمَسِّ، فأشبه ما لو مَسَّه بفخذه.\n• وذهب أحمد، والأوزاعي، وعطاء، ورجحه ابن حزم، إلى أنه لا فرق بين ظاهر الكف، وباطنه، واستدل أحمد بحديث أبي هريرة: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس بينهما سترة، فليتوضأ» أخرجه ابن حبان (١١١٨) وغيره، وهو حديث حسنٌ، وظاهر الكف من اليد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>مسألة [٣]: هل ينتقض الوضوء إذا مَسَّهُ بذراعه</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى أنه لا ينتقض الوضوء؛ لأنَّ الذراع ليست بآلة لِلْمَسِّ، ولأنَّ الحكم المعلق على مطلق اليد في الشرع لا يتجاوز الكوع، بدليل قطع يد السارق، وغسل اليد من النوم، والمسح في التيمم.\n• وذهب أحمد، والأوزاعي في رواية عنهما إلى أنه ينتقض الوضوء. وصححه ابن قدامة. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (١/ ٤١ - ٤٢)، «الأوسط» (١/ ١٩٣ -)، «المغني» (١/ ٢٤٠)، «صحيح ابن خزيمة» (١/ ٢٢)، «تمام المنة» (١٠٣)، «الشرح الممتع» (١/ ٢٣٠ -)، «توضيح الأحكام» (١/ ٢٩٨)، «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٢٤، ٥٢٦) (٣٥/ ٣٥٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١/ ٢٤٢)، و«المجموع» (١/ ٤١)، و«المحلَّى» (١٦٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (١/ ٢٤٣)، و«المجموع» (١/ ٤١).","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>مسألة [٤]: مَسُّ فرج الغير</span>.\n• ذهب الشافعية، والحنابلة إلى أنه ينقض الوضوء؛ لأنه إذا انتقض بِمَسِّ ذَكَرِ نَفْسِهِ، فَبِمَسِّ ذكر غيرهِ أولى، وقد جاء في بعض ألفاظ حديث بسرة: «من مسَّ الذكر؛ فليتوضأ».\nقلتُ: هذه الرواية عند النسائي (١/ ٢١٦)، وهي ضعيفة؛ فإنَّ فيها مروان بن الحكم، وهو مطعون في عدالته، ومع ذلك فإن الحديث من جميع طرقه بلفظ: «من مسَّ ذكرَهُ».\n• وقد ذهب مالك، وداود، وابن حزم، وابن عبد البر إلى عدم الانتقاض؛ لأنَّ الأدلة جاءت بالتنصيص على ذكر المرء نفسه؛ ولأنَّ الأصل هو الطهارة، ولا يرتفع هذا الأصل إلا بدليل صحيح غير محتمل للتأويل، وقولهم: (إنه أدعى للشهوة)، فيقال: إنه أدعى إلى الشهوة للملموس لا إلى اللَّامس، فَلِمَ أوجبتم الوضوء على اللَّامس؟ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>مسألة [٥]: مسُّ المرأة لفرجها</span>.\n• ذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى أنه ينقض الوضوء.\n• بينما ذهب أبو حنيفة، ومالك، ورواية عن أحمد إلى أنه لا ينقض الوضوء؛ لأنَّ الأدلة جاءت بقوله: «ذكره»، وبقوله: «فرجه».\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٢٤٣)، «المحلَّى» (١٦٣)، «التمهيد» (٢/ ٢٧٤) ط/مرتبة، «المجموع» (٢/ ٣٧).","vol":"1","page":319},{"text":"وأُجِيبَ عن ذلك: بأنه قد ثبت عند ابن الجارود (١٩) بإسناد حسنٍ عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أيما رجل مسَّ فرجَهُ فليتوضأ، وأيما امرأةٍ مسَّتْ فرجها فلتتوضأ» (^١).\nوتقدم أننا نرى أن الوضوء على الاستحباب، لا على الوجوب؛ فيستحب للمرأة أيضًا أن تتوضأ إذا مست فرجها. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه ابن الجارود (١٩)، والبيهقي (١/ ١٣٢) من طريق أحمد بن الفرج الحمصي، عن بقية، نا الزبيدي، نا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده به.\nوأحمد بن الفرج قد تكلم أهل العلم في روايته عن بقية، وخالفه إسحاق عند ابن المنذر؛ فرواه عن بقية، ولم يصرح بالتحديث لا في شيخه، ولا في شيخ شيخه. فإن كان أحمد بن الفرج قد حفظ التصريح بالسماع؛ فالحديث حسن.\nوكذلك رواه أحمد (٢/ ٢٢٣) من طريق عبد الجبار بن محمد الخطابي، عن بقية به. وعبد الجبار مجهول الحال.\nقال الترمذي في «العلل الكبير» (١/ ١٦١): قال محمد: حديث عبد الله بن عمرو في مس الذكر هو عندي صحيح. اهـ\n(^٢) انظر: «المغني» (١/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، و«المجموع» (١/ ٤٣).","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>مسألة [١]: مَسُّ الدُّبُرِ</span>.\n• ذهب الشافعي وأصحابه، ورواية عن أحمد، وهو قول عطاء، والزهري إلى أنه ينقض الوضوء؛ لأنَّ الدُّبر يطلق عليه فَرْج.\n• بينما ذهب مالك، وقتادة، والثوري، وأحمد في رواية إلى أنه لا ينقض الوضوء.\nورجَّح هذا القول ابن حزم، وابن عبد البر، وهو الراجح؛ لعدم وجود دليل على ذلك.\nوأما رواية: «فرجه» فتبينها الروايات الأخرى: «ذكره»، على أن بعضهم قد أنكر إطلاق الفرج على الدبر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>مسألة [٢]: مسُّ الرُّفْغَين، والأُنْثَيَين</span>.\nالرُّفْغُ: هو المفصل الذي بين الرِّجْلِ، والبطن، جوار الخصية.\n• وقد ذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ مسَّ الرفغين، والأنثيين لا ينقض الوضوء؛ إلا الزهري، وعروة، فقد ذهبا إلى أنه ينقض الوضوء، وليس لهما دليل على ما ذهبا إليه، والراجح قول الجمهور. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٢٤٤)، «المجموع» (٢/ ٤٣)، «المحلى» (١٦٣)، «التمهيد» (٢/ ٢٧٤) ط/مرتبة.\n(^٢) انظر: «المغني» (١/ ٢٤٦)، و«المجموع» (٢/ ٤٣).","vol":"1","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>مسألة [٣]: مسُّ فرج البهيمة</span>.\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٤٦): ولا ينتقض الوضوء بمس فرج البهيمة. وقال الليث بن سعد: عليه الوضوء. وقال عطاء: من مسَّ قُنْب حمارٍ، عليه الوضوء، ومن مس ثيل جمل لا وضوء عليه، وما قلناه هو قول جمهور العلماء، وهو أولى؛ لأنَّ هذا ليس بمنصوصٍ على النقض به، ولا هو في معنى المنصوص عليه، فلا وجه للقول به. انتهى. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (١/ ٤٣)، والرَّاجح قول الجمهور.","vol":"1","page":322},{"text":"٧٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلْسٌ (^١)، أَوْ مَذْيٌ (فَلْيَنْصَرِفْ) فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ».أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>مسألة [١]: هل القيء ناقضٌ</span>؟\n• ذهب عطاء، والزهري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى أنه ناقض من نواقض الوضوء، وصحَّ ذلك عن ابن عمر كما في «الأوسط» (١/ ١٨٤)، واستدلوا بحديث أبي الدراداء، وهو في «الصحيح المسند»، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قاءَ، فأفْطَرَ، قال معدان بن أبي طلحة -الراوي عن أبي الدراداء-: فلقيت ثوبان، فسألته، فقال: صدق، وأنا صببت له وضوءه.\nأخرجه أبو داود (٢٣٨١)، والترمذي (٨٧)، وإسناده صحيح، وقد روي\n_________\n(^١) قال في «النهاية»: القَلَس بالتحريك، وقيل: بالسكون: ما خرج من الجوف ملء الفم أو دونه، وليس بقيء.\n(^٢) ضعيف. أخرجه ابن ماجه (١٢٢١) من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به. وإسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين، وهذا منها، وقد أخطأ في إسناد الحديث. وقد رجح غير واحد من الحفاظ أن الحديث عن ابن جريج، عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسل.\nفهو ضعيف؛ لضعف عبدالعزيز والد ابن جريج، ولكونه مرسلًا. وقد أعلَّ هذا الحديث أحمد، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والذهلي، وابن عدي، والدارقطني، والبيهقي، والنووي، وابن دقيق العيد، وابن عبدالهادي، وغيرهم. انظر: «البدر المنير» (٤/ ١٠٠)، «تنقيح التحقيق» (١/ ٢٨٤ - ٢٨٧).","vol":"1","page":323},{"text":"بلفظ: «قاء، فتوضأ»، وهي رواية شاذة، واستدلوا أيضًا بحديث الباب، وهو ضعيفٌ.\n• وذهب مالك، والشافعي، وأصحابهما، وأبو ثور، ورواية عن أحمد، إلى أنه لا ينتقض الوضوء بذلك، ورجَّح ذلك ابن حزم، وابن تيمية، والألباني، والوادعي، وابن عثيمين، وهو الراجح؛ لعدم وجود دليل صحيح يدل على أنَّ القيء ناقضٌ للوضوء، والأصل الطهارة، ولا ترتفع إلا بدليل صحيح.\nوأما استدلالهم بحديث ثوبان؛ فإن رواية: «فتوضأ» شاذَّةٌ.\nوأما قوله في آخره: «صببتُ له وضوءه»، فليس فيه أنه توضأ؛ لأنه تقيأ، وكذا ليس فيه أنه كان على طهارة، ولو صحَّ أنه توضأ عقب قيئه؛ لكان مجرد فعل، والفعل لا يستفاد منه أكثر من الاستحباب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>مسألة [٢]: القَلَس</span>.\nالقَلَس: بفتح اللام، وسكونها، هو ما خرج من الجوف ملء الفم، أو دونه.\n• ذهب عطاء، وقتادة، والنخعي، والشعبي، والحكم، وحماد، وإسحاق، إلى أنه ناقضٌ للوضوء، واستدل لهم بحديث الباب، وهو ضعيفٌ.\n• وذهب الحسن، والزهري، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، واختاره ابن حزم، وشيخ الإسلام، إلى أنَّ القلس لا ينقض الوضوء؛ لعدم وجود دليل صحيح يدل على ذلك، والأصل الطهارة، ولا ترتفع إلا بدليل صحيح. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٢٤٧)، و«الأوسط» (١/ ١٨٥ - ١٨٦)، و«المحلَّى» (١٦٩).\n(^٢) انظر: «الأوسط» (١/ ١٨٦ -)، و«المحلَّى» (١٦٩).","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>مسألة [٣]: الرُّعاف</span>.\n• ذهب عطاء، والنخعي، وقتادة، والثوري، وأحمد إلى أنه ينقض الوضوء، وصحَّ عن ابن عمر أنه كان إذا رَعَفَ ذهب فتوضأ، ثم رجع، فبنى ما مضى، ولم يتكلم، كما في «الأوسط» (١/ ١٦٩).\nواستُدِلَ لهم بحديث الباب، وهو ضعيفٌ.\n• وذهب طاوس، وسالم، ومكحول، وربيعة، ومالك، والشافعي، وأبو ثور -ورجحه ابن المنذر وهو الصحيح- إلى أنَّ الرُّعاف لا ينقض الوضوء؛ لعدم وجود دليل صحيح على ذلك.\nوقد قاسه بعضهم بدم الاستحاضة وهذا قياس غير صحيح لوجود الفارق.\n• وقد ذهب بعضهم إلى التفريق بين قليله، وكثيره.\nوهذا أيضًا غير صحيح، ولا دليل على هذا التفصيل. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (١/ ١٦٧ - وما بعدها).","vol":"1","page":325},{"text":"٧١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -﵄-، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ -: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ؟ قَالَ: «إنْ شِئْت» قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>مسألة [١]: أكل لحوم الإبل، هل ينقض الوضوء</span>؟\nدلَّ حديثُ الباب على أنَّ أكل لحوم الإبل يعتبر ناقضًا من نواقض الوضوء، وقد جاء هذا الحديث أيضًا عن البراء بن عازب -﵄-، أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٨)، وأبو داود (١٨٤)، وغيرهما، وصححه شيخنا الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند».\n• وذهب إلى ذلك أحمد، وإسحاق، وغيرهما من أهل العلم.\n• وذهب مالك، والشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، وغيرهم إلى أنه لا يُعَدُّ ناقضًا من نواقض الوضوء، وهذا قول جمهور الفقهاء، واحتج هؤلاء بحديث جابر: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار.\nوأُجِيبَ عن هذا الدليل: بأنه قد أُعِلَّ كما في «أحاديث معلة ظاهرها الصحة» رقم (٧٤)، وعلى القول بصحته، فقد قال النووي -﵀- في «شرح مسلم»: ولكن هذا الحديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاصٌّ، والخاص مقدم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٣٦٠).","vol":"1","page":326},{"text":"على العام.\nقلتُ: وكذلك فإنَّ حديث الأمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل، جاء بعد نسخ الأمر بالوضوء مما مست النار، ويدل على ذلك حديث الباب؛ فإنَّ قوله في لحوم الغنم: «إن شئت» يدلُّ على تأخر هذا الحديث، وأنَّ هذا السؤال وقع بعد نسخ الأمر بالوضوء مما مست النار، وكذلك فإنَّ الأمر بالوضوء من لحوم الإبل ليس لكونه مما مسته النار، ولكن العلة تعبدية مَحْضَةٌ، والله أعلم.\nولذلك فالقول الأول هو الراجح وقد رجَّحه جمعٌ كبير من العلماء، والمحدثين، قال الخطابي: ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث. وقال ابن خزيمة: لم نرَ خلافًا بين علماء الحديث. وقال الشافعي: إن صحَّ الحديث في لحوم الإبل قلتُ به.\nقال البيهقي -﵀-: قد صحَّ فيه حديثان.\nوقال النووي -﵀- في «المجموع»: القول القديم أنه ينقض، وهو الأقوى من حيث الدليل، وهو الذي اعتقدُ رجحانه.\nوقد رجَّحَ هذا القول البيهقي، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، والألباني، وابن باز، والوادعي، والشيخ ابن عثيمين، وغيرهم من أهل العلم، رحمة الله عليهم أجمعين. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (١/ ١٣٨ -)، «النيل» (١/ ٣١٢)، «توضيح الأحكام» (١/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، «المجموع» (١/ ٥٧)، «المغني» (١/ ٢٥٠ -).","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>مسألة [٢]: أكل بقية أجزاء الإبل مما عدا اللحم، كالكبد، والكرش، والسَّنام، والأمعاء، والمرق</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم، وهو المشهور في مذهب الحنابلة إلى أنها لا تنقض الوضوء؛ لأنَّ النصَّ جاء في اللحم، كما في حديث جابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وهذا القول رجَّحه الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ ابن باز رحمة الله عليهما.\n• وذهب بعض الحنابلة إلى أنه ينقض الوضوء؛ لأنها في معنى اللحم، ورجَّح هذا القول الشيخ عبد الرحمن السعدي، والشيخ ابن عثيمين، وقالوا: وكما أن قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام:١٤٥] يشمل الأمور المذكورة، فكذلك ههنا.\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لأنَّ النص جاء باللحم، والعلة تعبديةٌ مَحْضَةٌ، ولا يحكم على شيء بأنه ناقضٌ إلا بدليل صحيح.\nوأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، فإنما دلَّ على تحريم بقية أجزائه قرائنُ، وأدلة أخرى كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾.\nوكقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من لعب بِالنَّرْدِشِير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه». (^١)\nوكقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يوشك أن ينزل عيسى بن مريم، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير» (^٢)، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٢٦٠)، من حديث بريدة -﵁-.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٤٨)، ومسلم (١٥٥)، من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(^٣) وانظر: «المغني» (١/ ٢٥٤)، «المجموع» (١/ ٦٠)، «فتاوى اللجنة» (٥/ ٢٧٦)، «فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم» (٢/ ٧٦)، «الشرح الممتع» (١/ ٢٥٠ -).","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>مسألة [٣]: ألبان الإبل</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم، وهو قول أحمد في رواية إلى أنه لا ينقض الوضوء؛ لعدم وجود دليل صحيح على ذلك، ويؤيد عدم النقض حديث أنس في قصة العُرَنِيِّين، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرهم أن يشربوا من أبوال الإبل، وألبانها، ولم يأمرهم بالوضوء منها.\n• بينما ذهب أحمد في رواية إلى أنها تنقض الوضوء؛ لحديث أُسيد بن حضير، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «تَوَضَّؤُوا من لحوم الإبل، وألبانها» أخرجه أحمد (٤/ ٣٥٢).\nولكن هذا الحديث ضعيفٌ؛ فإنَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى يرويه عن أسيد، ولم يسمع منه، وفي إسناده: حجَّاج بن أرطاة، وهو ضعيفٌ، وقد اختلف عليه في ذكر الألبان، ومع ذلك فهذه الطريق غير محفوظة، والرَّاجح أن ابن أبي ليلى إنما يرويه عن البراء بن عازب، كما ذكر ذلك الترمذي كما في «العلل الكبير» (١/ ١٥٢ - ١٥٣)، وأبو حاتم كما في «العلل» لولده (٣٨).\nفالراجح هو القول الأول، وهو ترجيح الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، رحمهما الله. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٢٥٤)، «المجموع» (٢/ ٦٠)، «الشرح الممتع» (١/ ٢٥٣)، «فتاوى اللجنة» (٥/ ٢٧٧).","vol":"1","page":329},{"text":"٧٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ غَسَّلَ مَيْتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، (^١)، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا البَابِ شَيْءٌ.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>مسألة [١]: هل على من غسَّل الميت الغسل، أو الوضوء</span>؟\n• قال ابن المنذر -﵀- في كتابه «الإشراف» كما في «شرح المهذب» (٥/ ١٨٦): قال ابن عمر، وابن عباس (^٢)، والحسن البصري، والنخعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: لا غسل عليه.\n• وعن علي، وأبي هريرة (^٣)، وابن المسيب، وابن سيرين، والزهري: يغتسل.\n• وعن النخعي، وأحمد، وإسحاق: يتوضأ.\nقال ابن المنذر -﵀-: لا شيء عليه، ليس فيه حديث يثبت. اهـ\nقلتُ: وما اختاره ابن المنذر قال به ابن المبارك، من أنه ليس عليه وضوء،\n_________\n(^١) ضعيف والراجح وقفه. أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٣)، والترمذي (٩٩٣) وقد رجح وقفه البخاري وأبوحاتم والبيهقي وغيرهم. وضعف المرفوع معهم أحمد وعلي بن المديني والذهلي وابن المنذر وغيرهم. وانظر «التلخيص» (١/ ٢٣٧).\nتنبيه: النسائي لم يخرج الحديث.\n(^٢) أخرجه الأثرين ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٣٤٩)، بإسنادين صحيحين.\n(^٣) أثر علي -﵁- أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٣٥٠)، وفي إسناده: الحارث الأعور، وقد كذب، وأما أثر أبي هريرة -﵁-، فإسناده حسن، كما في «الأوسط» (٥/ ٣٥٠).","vol":"1","page":330},{"text":"ولا غسل، كما في «سنن الترمذي» (٩٩٣).\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٥٦): وهذا قول أكثر الفقهاء -يعني أنه لا وضوء عليه- وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأنَّ الوجوب من الشرع، ولم يرد في هذا نصٌّ، ولا هو في معنى المنصوص، فبقي على الأصل، ولأنه غسل آدمي، فأشبه غسل الحي. اهـ\nوهذا القول هو الراجح، أعني أنه: ليس عليه غسل، ولا وضوء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>مسألة [٢]: هل على من حمل ميتًا أن يتوضأ</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٧٩)، بعد أن ذكر حديث أبي هريرة الذي في الباب: ولا نعلم أحدًا قال به في الوضوء من حمله.\nوقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ١٤٤): ولا أعلم قائلًا يقول بأنه يجب الوضوء من حملِ الميت، ولا يندب. اهـ\nقلتُ: الحديث ضعيف؛ فلا يجب، ولا يستحب.\nوقد خالف ابن حزم -﵀- فقال بوجوب الوضوء من حمله كما في «المحلى» (١٦٧).","vol":"1","page":331},{"text":"٧٣ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي بَكْر، أَنَّ فِي الكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «أَنْ لَا يَمَسَّ القُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ». رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا، وَوَصَلَهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ مَعْلُولٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>مسألة [١]: مسُّ المصحف على غير طهارة</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم، ومنهم: الشافعي، وأحمد، ومالك، وأصحاب الرأي إلى عدم جواز مس المصحف على غير طهارة، وهو قول الحسن، وعطاء، وطاوس، والشعبي، والقاسم بن محمد، وقد صحَّ التحرز عن مسه على غير\n_________\n(^١) حسن بشواهده. أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ١٩٩) عن عبدالله بن أبي بكر به مرسلًا.\nووصله النسائي (٨/ ٥٧ - ٥٨)، وابن حبان (٦٥٥٩).\nواختصره النسائي فلم يذكر قوله: «وأن لا يمس القرآن إلا طاهر» وفي إسناد الموصول سليمان ابن أرقم وهو متروك.\nوقد وقع في بعض الأسانيد سليمان بن داود وهو وهم كما نص على ذلك جمع من الحفاظ.\nوقد أخرجه عبدالرزاق (١٣٢٢) عن معمر، عن عبدالله بن أبي بكر، عن أبيه أبي بكر بن عمرو ابن حزم مرسلًا. وهذا المرسل له شواهد يحسن بها.\nفقد جاء من حديث ابن عمر عند الدارقطني (١/ ١٢١)، والطبراني (١٣٢١٧) ورجاله ثقات، ليس فيه إلا عنعنة ابن جريج.\nوله شاهد آخر من حديث حكيم بن حزام، أخرجه الدارقطني (١/ ١٢٢)، والطبراني (٣١٣٥)\nوفي إسناده: سويد أبوحاتم ومطر الوراق، وكلاهما ضعيف، ولكنهما صالحان للاستشهاد.\nفالحديث حسن بهذه الطرق، لاسيما والمرسل المتقدم قد تُلُقِّيَ بالقَبول كما ذكر ذلك ابن عبدالبر وغيره.","vol":"1","page":332},{"text":"طهارة عن ابن عمر، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٣٦١)، و«الأوسط» لابن المنذر (٢/ ١٠١)، وسعد بن أبي وقاص، كما في «الأوسط» لابن المنذر (١/ ١٩٤)، وسلمان الفارسي، كما في «سنن الدارقطني» (١/ ١٢٣).\nوقد استدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]، وبحديث الباب: «لا يمس القرآن إلا طاهر».\nقال ابن قدامة -﵀-: ولا نعلم لهم مخالفًا، إلا داود؛ فإنه أباح مسه، واحتج بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كتب في كتابه آية إلى قيصر، وأباح الحكم، وحماد مسَّه بظاهر الكف؛ لأن آلة المس باطن الكف، فينصرف إليه النهي دون غيره. اهـ\nوقد أجيب عن أدلة الجمهور: بأنَّ الآية المراد بها الملائكة، كما يدل عليه سياق الآية.\nوأما الحديث، فقال الشوكاني -﵀- في «النيل» (١/ ٣٢٠): وَلَكِنَّ الطَّاهِرَ يُطْلَقُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَالطَّاهِرِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ، وَمَنْ لَيْسَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ، فَمَنْ أَجَازَ حَمَلَ الْمُشْتَرَكَ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ حَمَلَهُ عَلَيْهَا هُنَا، وَالْمَسْأَلَةُ مُدَوَّنَةٌ فِي الْأُصُولِ، وَفِيهَا مَذَاهِبُ، وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ مُجْمَلٌ فِيهَا فَلَا يُعْمَلُ بِهِ حَتَّى يُبَيَّنَ.\nثم استدل بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن المسلم لا ينجس» على أنَّ المراد بالحديث: لا يمس القرآن إلا طاهر، يعني إلا مؤمن، ورجَّح هذا الإمام الألباني، والإمام الوادعي، رحمة الله عليهما.","vol":"1","page":333},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: أما قول ابن قدامة -﵀- (لا نعلم مخالفًا إلا داود)، فليس المخالف داود فقط، بل قد خالف أبو رزين، ومحمد بن سيرين كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٣٦١)، فأجازا مسه على غير طهارة.\nوأما الحديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر» يظهر أنَّ المراد بالطَّاهر، أي: السالم من الحدثين: الأصغر والأكبر، والقرينة على ذلك قوله في الحديث في رواية عبد الرزاق كما تقدم: «إلا على طهر»، وهذا ظاهرٌ في أنَّ المقصود على طهارة من الحدثين.\nوفي رواية ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ١٠٣): «إلا على طهور».\nوكذلك قوله في حديث حكيم بن حزام: «لا تمس القرآن».\nوكذلك في مرسل ابن حزم عند الدارقطني كما تقدم: «لا تمس القرآن ...»، والمخاطب في هذين الحديثين مؤمنان، فظهر أن المقصود بقوله: «إلا على طهر»، أو «إلا طاهر»، أي: طاهرٌ من الحدثين.\nقلتُ: لكن يمكن أن يقال: إن الأمر بالطهارة للاستحباب؛ لحديث: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت للصلاة».\nوالقول الأول هو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، كما في «الشرح الممتع» (١/ ٢٦٥)، والشيخ صالح الفوزان، وآخرين. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٢٠٢)، و«الأوسط» (٢/ ١٠١ -)، «تمام المنة» (ص ١٠٧)، «فتاوى ابن باز» (١٠/ ١٤٩ -).","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>مسألة [٢]: هل يجوز حمل المصحف بعلاقته للمحدث</span>؟\n• ذهب الحسن، وعطاء، وطاوس، والشعبي، والقاسم، وأبو وائل، والحكم، وحماد، وأحمد، وأبو حنيفة إلى جواز ذلك؛ لأنَّه لم يمسَّ المصحف.\n• وذهب الأوزاعي، ومالك، والشافعي إلى عدم الجواز.\nوالراجح القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>مسألة [٣]: كتب التفسير، والفقه</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀-: وَيَجُوزُ مَسُّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ، وَالْفِقْهِ، وَغَيْرِهَا، وَالرَّسَائِلِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَتَبَ إلَى قَيْصَرَ كِتَابًا فِيهِ آيَةٌ؛ وَلِأَنَّهَا لَا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ مُصْحَفٍ، وَلَا تَثْبُتُ لَهَا حُرْمَتُهُ. انتهى. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>مسألة [٤]: عادم الماء</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٠٤): وَإِنْ احْتَاجَ الْمُحْدِثُ إلَى مَسِّ الْمُصْحَفِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، تَيَمَّمَ، وَجَازَ مَسُّهُ، وَلَوْ غَسَلَ الْمُحْدِثُ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ مَسُّهُ بِهِ قَبْلَ إتْمَامِ وُضُوئِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَطَهِّرًا إلَّا بِغَسْلِ الْجَمِيعِ. انتهى.\n_________\n(^١) «المغني» (١/ ٢٠٣).\n(^٢) «المغني» (١/ ٢٠٤).","vol":"1","page":335},{"text":"٧٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَلَّقَهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٣٧٣): هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي جَوَاز ذِكْر الله تَعَالَى بِالتَّسْبِيحِ، وَالتَّهْلِيل، وَالتَّكْبِير، وَالتَّحْمِيد، وَشَبَههَا مِنْ الْأَذْكَار يعني بغير طهارة وَهَذَا جَائِز بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ.\nوقال النووي -﵀- في شرح حديث ابن عمر (٣٧٠): أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُولُ الله - ﷺ - يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. قَالَ أَصْحَابنَا: وَيُكْرَه أَنْ يُسَلِّم عَلَى الْمُشْتَغِل بِقَضَاءِ حَاجَة الْبَوْل وَالْغَائِط؛ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، كُرِهَ لَهُ رَدّ السَّلَام، قَالُوا: وَيُكْرَه لِلْقَاعِدِ عَلَى قَضَاء الْحَاجَة أَنْ يَذْكُر الله تَعَالَى بِشَيْءٍ مِنْ الْأَذْكَار. قَالُوا: فَلَا يُسَبِّح، وَلَا يُهَلِّل، وَلَا يَرُدّ السَّلَام، وَلَا يُشَمِّت الْعَاطِس، وَلَا يَحْمَد الله تَعَالَى إِذَا عَطَسَ، وَلَا يَقُول مِثْل مَا يَقُول الْمُؤَذِّن. قَالُوا: وَكَذَلِكَ لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَذْكَار فِي حَال الْجِمَاع، وَإِذَا عَطَسَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَال يَحْمَد الله تَعَالَى فِي نَفْسه، وَلَا يُحَرِّك بِهِ لِسَانه، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَرَاهَة الذِّكْر فِي حَال الْبَوْل، وَالْجِمَاع هُوَ كَرَاهَة تَنْزِيه، لَا تَحْرِيم، فَلَا إِثْم عَلَى فَاعِله. انتهى المراد.\nوقوله: (يَحْمَد الله تَعَالَى فِي نَفْسه، وَلَا يُحَرِّك بِهِ لِسَانه)، ليس بصحيح، بل يحمد الله بعد أن يتم حاجته، ويتطهر، كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين رد السلام بعد تيممه كما في «الصحيحين»، ولا تصح الحمدلة دون تحريك اللسان.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٣٧٣)، وعلقه البخاري في كتاب الأذان، باب (١٩).","vol":"1","page":336},{"text":"٧٥ - وَعَنْ أَنَسِ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - احْتَجَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَلَيَّنَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>مسألة [١]: خروج الدم من الإنسان بالحجامة، أو الجروح</span>.\n• قال أبو بكر بن المنذر في «الأوسط» (١/ ١٧٧): حكم الحجامة كحكم الرُّعاف، والدم الخارج من غير مواضع الحدث، والوضوء منه غير واجب في مذهب مالك، وأهل المدينة، والشافعي، وأصحابه، وأبي ثور، وغيره، لا ينقض ذلك عندهم طهارةً ولا يوجب وضوءًا، غير أن المحتجم يؤمر بأن يغسل أثر محاجمه، ثم يصلي ... .\n• ثم قال: وفيه قول ثاني، وهو: أنْ لا وضوء عليه، ولا غسل أثر المحاجم. روي هذا القول عن الحسن، ومكحول.\n• ثم قال: وفيه قول ثالث، وهو: أنْ يتوضأ ويغسل أثر المحاجم. روي هذا القول عن ابن عمر (^٢)، وعطاء، والحسن، وقتادة، وهو قول أحمد بن حنبل.\nقلتُ: والراجح هو قول الجمهور: أنه لا وضوء عليه.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الدارقطني (١/ ١٥١ - ١٥٢) وفي إسناده صالح بن مقاتل، وهو ضعيف يرويه عن أبيه، وأبوه مجهول، وفيه أيضًا سليمان بن داود القرشي: مجهول أيضًا.\n(^٢) أخرجه ابن المنذر (١/ ١٧٩)، وفي إسناده: حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ومدلس، ولم يصرح بالسماع.","vol":"1","page":337},{"text":"وأما غسل أثر المحاجم، فالراجح أنه لا يجب غسله؛ لأنه ليس بنجس على الصحيح، كما هو قول الحسن، ومكحول -والله أعلم- وذلك لأنَّ الطهارة لا ترتفع عن الشخص إلا بدليل، ولا نعلم دليلًا صحيحًا على نقض الطهارة من دماء الحجامة، أو الجروح.\nوأما حديث أبي هريرة -﵁- عند الدارقطني (١/ ١٥٧) مرفوعًا: «ليس في القطرة، ولا في القطرتين من الدم وضوء؛ إلا أن يكون دمًا سائلًا»، ففي إسناده: محمد بن الفضل بن عطيه، وهو متروك، بل قد كُذِّب.","vol":"1","page":338},{"text":"٧٦ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «العَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ (^١)، فَإِذَا نَامَتِ العَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الوِكَاءُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَزَادَ: «وَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» (^٢)، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ (^٣) دُونَ قَوْلِهِ: «اسْتَطْلَقَ الوِكَاءُ». وَفِي كِلَا الإِسْنَادَيْنِ ضَعْف.\nالحكم المستفاد من الحديث\nيستفاد من الحديثين أنَّ النوم ناقض من نواقض الوضوء؛ لأنه شبه الدبر -وهو السَّه- بالسِّقاء، والعينين بالوكاء، وهو الخيط الذي يُرْبَطُ به، فإذا نامت العينان ذهب مربط الدبر.\nوالحديثان ضعيفان، وقد تقدم حكم المسألة في أول الباب.\n_________\n(^١) قال في «النهاية»: السَّه: حلقة الدبر. وقال: ومعنى الحديث أن الإنسان مهما كان مستيقظًا كانت استه كالمشدودة الموكى عليها، فإذا نام انحل وكاؤها، كنَّى بهذا اللفظ عن الحدث، وخروج الريح، وهو من أحسن الكنايات وألطفها.\n(^٢) ضعيف، والراجح وقفه. أخرجه أحمد (٤/ ٩٦ - ٩٧)، والطبراني (١٩/ ٨٧٥) من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس، عن معاوية به.\nوإسناده ضعيف؛ لضعف أبي بكر بن أبي مريم، وقد خالفه مروان بن جناح وهو حسن الحديث فرواه عن عطية عن معاوية موقوفًا عليه، أخرجه البيهقي (١/ ١١٨ - ١١٩).\nورجح الموقوف ابن عدي والبيهقي وابن عبدالهادي وابن دقيق العيد.\n(^٣) ضعيف. أخرجه أبوداود (٢٠٣).\nوفي إسناده: الوضين بن عطاء مختلف فيه والراجح تحسين حديثه، لكنه قد أنكر عليه هذا الحديث، أنكره الجوزجاني كما في «التلخيص» (١/ ٢٠٨)، والساجي كما في «التهذيب».\nوفي إسناده أيضًا انقطاع؛ فهو من رواية عبدالرحمن بن عائد عن علي، وروايته عنه مرسلة، قاله أبوزرعة وأبوحاتم.","vol":"1","page":339},{"text":"٧٧ - وَلِأَبِي دَاوُد أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- مَرْفُوعًا: «إنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا». وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيدل هذا الحديث على أنَّ النوم لا ينقض الوضوء؛ إلا إذا كان مضطجعًا، وقد قال به بعضهم، وقد تقدم الخلاف في المسألة في أول الباب.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٢٠٢) من طريق أبي خالد الدالاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، به.\nوهذا إسناد ضعيف وحديث منكر، أنكر على أبي خالد الدالاني، أنكره البخاري، وأحمد، وأبوداود وغيرهم. وقتادة سمع من أبي العالية أربعة أحاديث، وليس هذا منها.\nوانظر: «العلل الكبير» للترمذي (١/ ١٤٩)، و«سنن أبي داود» (٢٠٢).","vol":"1","page":340},{"text":"٧٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فِي صَلَاتِهِ، فَيَنْفُخُ فِي مَقْعَدَتِهِ فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ، وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». أَخْرَجَهُ البَزَّارُ. (^١)\n\n٧٩ - وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدٍ. (^٢)\n\n٨٠ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، نَحْوُهُ. (^٣)\n\n٨١ - وَلِلْحَاكِمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «إذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: إنَّكَ أَحْدَثْت فَلْيَقُلْ: كَذَبْت». وَأَخْرَجَهُ (^٤) ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ: «فَلْيَقُلْ فِي نَفْسِهِ». (^٥)\nفائدة الأحاديث المتقدمة\nيستفاد من هذه الأحاديث القاعدة الفقهية العظيمة: (اليقين لا يزول بالشك)، وقد أشرنا إلى ذلك في شرح حديث أبي هريرة -﵁- المتقدم برقم (٦٧)، ويستفاد من هذه الأحاديث الحذر من الانقياد لوساوس الشيطان الذي يريد أن يعبث بعبادة الإنسان، ويصده عن دين الله، وكم من إنسان انقاد للوسواس؛ فأتعبه ذلك حتى يحدث في دين الله، أو يترك العبادة، والعياذ بالله.\n_________\n(^١) صحيح بشواهده. أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (٢٨١) وفي إسناده أبوأويس وفيه ضعف، ووجد في إسناده اختلاف يسير، والحديث صحيح بشاهديه اللذين بعده.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١). ولفظه: أنه شكي إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا».\n(^٣) تقدم تخريجه في هذا الباب برقم (٦٧).\n(^٤) في (أ): (أخرجه الحاكم وابن حبان).\n(^٥) ضعيف. أخرجه الحاكم (١/ ١٣٤)، وابن حبان (٢٦٦٦) وفي إسناده عياض بن هلال وهو مجهول.\nتنبيه: قد أخرجه أيضًا أبوداود (١٠٢٩)، وأحمد (٣/ ١٢) من نفس الوجه.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>فَصْلٌ فِي بَعْضِ مَا ذُكِرَ مِنْ نَوَاقِضِ الوُضُوءِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الحَافِظُ </span>-﵀-\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>أولا: أكل ما مسته النار</span>.\nجاء في «صحيح مسلم» (٣٥١ - ٣٥٣)، من حديث أبي هريرة، وعائشة، وزيد ابن ثابت، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «توضؤوا مما مست النار»\nوجاء في «الصحيحين» عن ابن عباس، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أكل كتف شاة، ثم صلَّى، ولم يتوضأ. وبنحوه من حديث ميمونة، ومن حديث عمرو بن أمية الضمري -﵃-.\nقال أبو بكر بن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ٢١٣): اختلف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومن بعدهم في الوضوء مما مست النار، فممن روي عنه أنه توضأ، أو أمر بالوضوء منه: (عبدالله بن عمر، وأبو طلحة عم أنس، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة) (^١)، ورُوي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز، وأبي مجلز، وأبي قلابة، ويحيى بن يعمر، والحسن البصري، وأبي ميسرة، والزهري، ومن حجة بعض من قال هذا القول ...، ثم ذكر حديث أبي هريرة المتقدم.\nقال: وأسقطت طائفة الوضوء مما مست النار، فممن كان لا يرى الوضوء\n_________\n(^١) هذه الآثار عن الصحابة أسندها -عدا أثر أبي هريرة- ابنُ المنذر في «الأوسط» (١/ ٢١٤) بأسانيد صحيحة، وأثر أبي هريرة -﵁- أخرجه مسلم (٣٥١).","vol":"1","page":342},{"text":"مما مست النار: (أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي ابن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة الباهلي، وأُبي بن كعب) (^١)، وهذا قول مالك بن أنس فيمن تبعه من أهل المدينة، وسفيان الثوري فيمن وافقه من أهل العراق، وبه قال الأوزاعي وأصحابه، وكذلك قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبوثور، وأصحاب الرأي، ولا أعلم اليوم بين أهل العلم اختلافًا في ترك الوضوء مما مست النار؛ إلا الوضوء من لحوم الإبل خاصَّة.\nوقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٤/ ٢٨٤) بعد أن ذكر الخلاف المتقدم: ثم إنَّ هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار.\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٥٥): ولا نعلم اليوم فيه خلافًا.\nواستدل هؤلاء بحديث ابن عباس، وميمونة، وعمرو بن أمية، وغيرهم، وكذلك بحديث البراء أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل عن الوضوء من لحوم الغنم، فقال: «لا توضؤوا منها»، وقد تقدم.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٥٨): وروى البيهقي عن الإمام الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي، شيخ مسلم، قال: اختلف في الأول والآخر من هذه الأحاديث، فلم نقف على الناسخ منها ببيان يحكم به، فأخذنا بإجماع الخلفاء\n_________\n(^١) أسندها كلها ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٢١ - ٢٢٣)، وكلها ثابتة؛ إلا أثر علي، وأبي الدرداء -﵄-؛ ففي إسنادهما ضعف.","vol":"1","page":343},{"text":"الراشدين، والأعلام من الصحابة -﵃- في الرخصة في ترك الوضوء مع أحاديث الرخصة. اهـ\nوقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ٢٢٥): وقال بعضهم: والدليل على أنَّ الرخصة هي الناسخة اتفاق الخلفاء الراشدين المهديين، أبو بكر الصديق، وعمر ابن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، صلوات الله عليهم، في ترك الوضوء، وقد ثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>ثانيًا: الرِّدَّة عن الإسلام</span>.\n• ذهب الإمام أحمد إلى أنَّ الردة عن الإسلام من نواقض الوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]، وهو مذهب الأوزاعي، وأبي ثور.\n• بينما ذهب مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي إلى أنها لا تنقض الوضوء، قال النووي: وبه قال جمهور العلماء، واستدل هؤلاء بأنَّ الأصل الطهارة، ولا يحكم بنقضها إلا بدليل.\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (١٦٩): فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قِيَاسٌ بِأَنَّ الرِّدَّةَ حَدَثٌ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ، وَهُمْ يُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تَنْقُضُ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، وَلَا غُسْلَ الْحَيْضِ، وَلَا\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (٢/ ٥٧ - ٥٨)، «الأوسط» (١/ ٢١٣ - ٢٢٥)، «المغني» (١/ ٢٥٥).","vol":"1","page":344},{"text":"أَحْبَاسَهُ السَّالِفَةَ، وَلَا عِتْقَهُ السَّالِفَ، وَلَا حُرْمَةَ الرَّجُلِ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنَّهَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ، فَهَلَاّ قَاسُوا الْوُضُوءَ عَلَى الْغُسْلِ في ذَلِكَ، فَكَانَ يَكُونُ أَصَحَّ قِيَاسٍ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْقِيَاسِ صَحِيحًا.\nفَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]، قُلْنَا: هَذَا عَلَى مَنْ مَاتَ كَافِرًا لَا عَلَى مَنْ رَاجَعَ الإِسْلَامَ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة:٢١٧].انتهى المراد.\nوجوابه عن الآية المذكورة هو جواب الجمهور كما في «شرح المهذب» (٢/ ٦١ - ٦٢).\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: سيأتي في [باب الغسل] أنه يجب على الكافر إذا أسلم أن يغتسل؛ فعليه: فالردة تنقض الوضوء، والله أعلم، وهو ترجيح الإمام ابن باز -﵀- كما في «دروس مهمة»، والإمام ابن عثيمين -﵀- كما في «الشرح الممتع» (١/ ٢٥٥). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>ثالثًا: رطوبة فرج المرأة</span>.\n• قال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ٣٩٢): وهل ينقض الوضوء؟ أما ما خرج من مسلك البول، فهو ينقض الوضوء؛ لأنَّ الظاهر أنه من\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٢٣٨)، «المجموع» (٢/ ٦١ - ٦٢)، «الأوسط» (١/ ٢٣٧).","vol":"1","page":345},{"text":"المثاني، وأما ما خرج من مسلك الذكر، فالجمهور أنه ينقض الوضوء، وقال ابن حزم: لا ينقض الوضوء، وقال بأنه ليس بولًا، ولا منيًّا، ومن قال بالنقض، فعليه الدليل، بل هو كالخارج من بقية البدن من الفضلات الأخرى.\nثم جَنَحَ الشيخ -﵀- إلى ترجيح قول الجمهور، فقال: ونقض الوضوء أسهل من القول بنجاسة الرطوبة؛ فإنْ كانت مستمرة فحكمها حكم سلس البول، أي أن المرأة تتطهر للصلاة المفروضة بعد دخول وقتها، وتتحفظ ما استطاعت، وتصلي، ولا يضرها ما خرج، وإن كانت تنقطع في وقت معين قبل خروج وقت الصلاة فيجب عليها أن تنتظر حتى يأتي الوقت الذي تنقطع فيه. اهـ\nوقال الإمام ابن باز -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (١٠/ ١٣٠): إذا كانت الرطوبة مستمرة في غالب الأوقات؛ فعلى كل واحدة ممن تجد هذه الرطوبة الوضوء لكل صلاة إذا دخل الوقت كالمستحاضة، وكصاحب السلس في البول، أما إذا كانت الرطوبة تعرض في بعض الأحيان -وليست مستمرة- فإن حكمها حكم البول: متى وجدت انتقضت الطهارة ولو في الصلاة، وفق الله الجميع لما يرضيه.\nوقال -﵀- (١٠/ ١٣١): كل ما يخرج من الفرجين من السوائل فهو ينقض الوضوء بحق الرجل والمرأة.\nثم استدل بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» متفق عليه.","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>بَابُ آدَابِ قَضَاءِ الحَاجَةِ</span>\nقال الصنعاني -﵀-: في «سبل السلام» (١/ ١٥٢): الحاجة كناية عن خروج البول، والغائط، وهو مأخوذٌ من قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ لِحَاجَتِهِ»، وَيُعَبِّرُ عَنْهُ الْفُقَهَاءُ بـ: [باب الِاسْتِطَابَةِ]؛ لحديث: «وَلَا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ»، والمحَدِّثُون بـ: [باب التَّخَلِّي]، مأخوذٌ من قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا دخل أحدكم الخلاء»، وَالتَّبَرُّزُ مِنْ قَوْلِهِ: «الْبَرَازُ فِي الموَارِدِ»، فَالْكُلُّ مِنْ الْعِبَارَاتِ صَحِيحٌ. انتهى.","vol":"1","page":347},{"text":"٨٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا دَخَلَ الخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَهُوَ مَعْلُولٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nإدخال ما فيه ذكر لله إلى الخلاء:\nاستحب أهل العلم تنحية ما فيه ذكر الله ﷿ عند دخول الخلاء، واستدلوا بحديث الباب، وهو ضعيفٌ كما تقدم، ولكن يُغني عنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].\nقال الشوكاني -﵀-: والحديث يدل على تنزيه ما فيه ذكر الله تعالى عن إدخاله الحشوش، والقرآن بالأَوْلَى، حتى قال بعضهم: يحرم إدخال المصحف الخلاء لغير ضرورة. اهـ\nوقولنا باستحباب تنحية ما فيه ذكر الله، لا ينافي الترخيص باستصحابه إذا كان مكفوتًا، أو احتاج إلى إدخاله.\nوقد رخَّصَ بذلك سعيد بن المسيب، والحسن، ومحمد بن سيرين، وعكرمة، وأحمد، وإسحاق. (^٢)\n_________\n(^١) منكر. أخرجه أبوداود (١٩)، والنسائي (٧/ ١٧٨)، والترمذي (١٧٤٦)، وابن ماجه (٣٠٣) من طريق همام بن يحيى، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس به.\nقال أبوداود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه، والوهم فيه من همام. اهـ، وأعله بذلك أيضًا النسائي في «الكبرى» (٥/ ٤٥٦)، والدارقطني في «العلل» (١٢/ ١٧٥)، والبيهقي في «الكبرى» (١/ ٩٥).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، «المجموع» (٢/ ٧٣)، «النيل» (٧٨)، «الشرح الممتع» (١/ ٩٠)، «الأوسط» (١/ ٣٤٢).","vol":"1","page":348},{"text":"٨٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: «اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n«الخُبُث، والخبائث»، بضم الموحدة في «الخُبُث»، جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، قال الخطابي، وابن حبان، وغيرهما: يريد ذكران الشياطين، وإناثهم.\nورُوِيَ بإسكان الموحدة «الخُبْث»، فمعناه كما قال ابن الأعرابي -﵀-: المكروه: فإن كان من الكلام؛ فهو الشتم، وإن كان من الملل؛ فهو الكفر، وإن كان من الطعام؛ فهو الحرام، وإن كان من الشراب؛ فهو الضار. اهـ\nوعلى هذا فالمراد بـ «الخبائث» المعاصي، أو مطلق الأفعال المذمومة؛ ليحصل التناسب.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٧٥): وهذا الذكر مجمع على استحبابه، وسواء فيه البناء والصحراء. اهـ\nوقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٤٢): ومتى يقول ذلك؟ فمن يكره ذكر الله في تلك الحالة يفصل: أما في الأمكنة المعدة لذلك فيقوله قبيل دخولها، وأما في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥)، وأحمد (٣/ ٩٩)، وأبوداود (٤، ٥)، والنسائي (١/ ٢٠)، والترمذي (٥، ٦)، وابن ماجه (٢٩٨).","vol":"1","page":349},{"text":"غيرها فيقوله في أول الشروع، كتشمير ثيابه مثلًا، وهذا مذهب الجمهور، وقالوا فيمن نسي: يستعيذ بقلبه لا بلسانه. ومن يجيز مطلقًا كما نقل عن مالك لا يحتاج إلى تفصيل. اهـ\nقلتُ: قول الجمهور هو الصواب إلا فيمن نسي؛ فإنه لا يستعيذ بقلبه، ولا بلسانه؛ لأنَّ الاستعاذة ذكر، ولا يحصل بالقلب فقط.\nتنبيه: زيادة «بسم الله» قبل قوله: «أعوذ بك من الخبث والخبائث»، جاءت عند سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة (١/ ١)، وفي إسناده: أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن، وهو ضعيفٌ.\nورواها المعمري كما في «الفتح» (١٤٢)، من طريق: عبد العزيز بن المختار عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس -﵁-.\nقال الإمام الألباني -﵀-: وهي عندي شاذة لمخالفتها لكل طرق الحديث عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس في «الصحيحين»، وغيرهما ممن سبقت الإشارة إليهم. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «تمام المنة» (ص ٥٦ - ٥٧).","vol":"1","page":350},{"text":"٨٤ - وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْخُلُ الخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالمَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nبَوَّبَ البخاري -﵀- في «صحيحه» على هذا الحديث: [باب الاستنجاء بالماء].\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة الرَّدّ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ، وَعَلَى مَنْ نَفَى وُقُوعه مِنْ النَّبِيّ - ﷺ -، وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِأَسَانِيد صَحِيحَة عَنْ حُذَيْفَة ابْن الْيَمَان، وابْن عُمَر، وابْن الزُّبَيْر إِنْكَارَه.\nقَالَ -﵀-: وَنَقَلَ اِبْن التِّين عَنْ مَالِك أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُون النَّبِيّ - ﷺ - اِسْتَنْجَى بِالْمَاءِ، وَعَنْ اِبْن حَبِيب مِنْ الْمَالِكِيَّة أَنَّهُ مَنَعَ الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَطْعُوم. اهـ\n• وأنكره عطاء، وابن المسيب.\nقلتُ: الآثار الواردة عن الصحابة أسانيدها صحيحة في «المصنف» (١/ ١٥٤ - ١٥٥)، كما قال الحافظ؛ إلا أنه ليس في أثر ابن عمر -﵄- الإنكار، وحديث الباب يرد هذا القول، وكذلك ثبت عن عائشة -﵂- في «سنن الترمذي» (١٩) أنها قالت للنساء: مُرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء؛ فإني استحييهم، وإن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يفعله.\n• ولذلك فقد ذهب أكثر العلماء، وجمهورهم إلى جواز الاستنجاء بالماء،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٢)، ومسلم (٢٧١) (٧٠).","vol":"1","page":351},{"text":"ويؤيده الحديث في قصة أهل قباء أنها نزلت فيهم هذه الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨]، وكان ذلك بسبب استنجائهم بالماء، وسيأتي تخريج الحديث إن شاء الله تعالى.\nقال الصنعاني -﵀-: والأحاديث قد أثبتت ذلك، فلا حاجة لإنكار ذلك. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٢٠٧)، «السبل» (١/ ١٥٥)، «المجموع» (٢/ ١٠٠).","vol":"1","page":352},{"text":"٨٥ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «خُذِ الإِدَاوَةَ»، فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>مسألة [١]: الابتعاد عن الناس عند قضاء الحاجة</span>.\nيستحب لمن ذهب إلى قضاء حاجته أن يبتعد عن أعين الناس؛ لهذا الحديث المذكور، وكذلك ثبت عند أبي داود (١)، عن المغيرة بن شعبة -﵁-، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا ذهب المذهب أبعد. وثبت عند أحمد (٣/ ٤٤٣)، من حديث عبد الرحمن بن أبي قُرَاد، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا أتى حاجته أبعد.\nوثبت عند أبي يعلى (٥٦٢٦)، من حديث ابن عمر، قال: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يذهب لحاجته إلى المغمس، قال نافع: المغمس على نحو ميلين من مكة.\nوهذه الثلاثة الأحاديث ذكرها شيخنا الوادعي -﵀- في «الجامع الصحيح» (١/ ٤٩٤)، وهذا الحكم، وهذا الأدب متفقٌ على استحبابه، كما ذكر ذلك النووي في «شرح المهذب» (٢/ ٧٧).\nهذا وليُعْلَم أنَّ البول، الأمر فيه أسهل، وأخف، فقد ثبت في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بال قائمًا، وحذيفة قائمٌ عند عَقِبه.\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٥٧)، عند شرح حديث الأعرابي في بوله في المسجد: وفي الحديث فوائد ...، ومنها: أن الإبعاد عند قضاء الحاجة إنما هو لمن يريد الغائط، لا البول؛ فإنه كان عُرِفَ عند العرب عدم ذلك، وأقرَّهُ الشارع، وقد بال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وجعَلَ رجلًا عند عقبه يستره. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٣)، ومسلم (٢٧٤) (٧٧).","vol":"1","page":353},{"text":"٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «اتَّقُوا اللَّاعنَيْنِ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٨٧ - وَزَادَ أَبُو دَاوُد، عَنْ مُعَاذٍ: «وَالمَوَارِدُ». (^٢)\n\n٨٨ - وَلِأَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَوْ نَقْعَ مَاءٍ». وَفِيهِمَا ضَعْفٌ. (^٣)\n\n٨٩ - وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ النَّهْيَ عَنْ تَحْتَ الأَشْجَارِ المُثْمِرَةِ، وَضِفَّةِ النَّهْرِ الجَارِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>مسألة [١]: بعض الأماكن التي لا يجوز التخلي فيها</span>.\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٢٤): ولا يجوز أن يبول في طريق الناس، ولا مورد ماء، ولا ظل ينتفع به الناس.\nثم استدل بحديث معاذ، وحديث أبي هريرة.\nثم قال: ولا يبول تحت شجرة مثمرة في حال كون الثمرة عليها؛ لئلا تسقط\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٦٩).\n(^٢) ضعيف. أخرجه أبوداود (٢٦) وفي إسناده أبوسعيد الحميري، وهو مجهول، يرويه عن معاذ ولم يسمع منه. ولكن قوله في الحديث: «وقارعة الطريق والظل» يشهد له الحديث الذي قبله.\n(^٣) ضعيف. أخرجه أحمد (١/ ٢٩٩) وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، والراوي عن ابن عباس مبهم لم يسمَّ. ولفظه: «اتقوا الملاعن الثلاث» قيل: وما الملاعن يا رسول الله؟ قال: «أن يقعد أحدكم في ظل يستظل فيه، أو في طريق، أو نقع ماء». والظل والطريق يشهد له ما قبله.\n(^٤) ضعيف جدًّا. أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٢٤١٣) وفي إسناده فرات بن السائب، وهو متروك.","vol":"1","page":354},{"text":"عليه الثمرة، فتنجس به، فأما في غير حال الثمرة، فلا بأس؛ فإنَّ النبي - ﷺ - كان أحب ما استتر لحاجته هدف، أو حائش نخل. اهـ\n• وقد ذهب الشافعية إلى الكراهة فقط، كما في «شرح المهذب» (٢/ ٨٦ - ٨٧)، والصحيح ما تقدم من أنه لا يجوز.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ١٠٢): والعلة أنَّ البول في الطريق أذِيَّة للمَارَّة، وإيذاء المؤمنين محرم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨].\n• وقد رجَّح النووي التحريم في «شرح المهذب» (٢/ ٨٧)، فقال: وظاهر كلام المصنف والأصحاب أنَّ فعل هذه الملاعن، أو بعضها مكروه كراهة تنزية لا تحريم، وينبغى أن يكون محرمًا لهذه الأحاديث، ولما فيه من إيذاء المسلمين، وفى كلام الخطابي وغيره إشارة إلى تحريمه. اهـ\nوقال الشوكاني -﵀- في «النيل» (٩٢): قَوْلُهُ: «أَوْ فِي ظِلِّهِمْ»، المُرَادُ بِالظِّلِّ هُنَا عَلَى مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيّ، وَغَيْره: مُسْتَظَلُّ النَّاسِ الَّذِي يَتَّخِذُونَهُ مَقِيلًا، وَمَنْزِلًا يَنْزِلُونَهُ، وَيَقْعُدُونَ فِيهِ، وَلَيْسَ كُلُّ ظِلٍّ يَحْرُمُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِيهِ، فَقَدْ قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - حَاجَتَهُ فِي حَايِشِ النَّخْلِ كَمَا سَلَف، وَلَهُ ظِلٌّ بِلَا شَكٍّ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيم التَّخَلِّي فِي طُرُق النَّاس وَظِلِّهِمْ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ أَذِيَّةِ المُسْلِمِينَ بِتَنْجِيسِ مَنْ يَمُرّ بِهِ، وَنَتِنِهِ، وَاسْتِقْذَارِهِ. اهـ","vol":"1","page":355},{"text":"٩٠ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا تَغَوَّطَ الرَّجُلَانِ فَلْيَتَوَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَتَحَدَّثَا؛ فَإِنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ». رَوَاهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَابْنُ القَطَّانِ، [وَهُوَ مَعْلُولٌ] (^١). (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>مسألة [١]: الكلام أثناء قضاء الحاجة</span>.\n• ذهب الشافعية، والحنابلة إلى كراهة ذلك، واستدلوا بحديث أبي سعيد الذي تقدم، وقد تقدم بيان ضعفه.\nوالكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، ولذلك قال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ٩٥): والرَّاجح أنه لا ينبغي أن يتكلم حال قضائه لحاجته؛ إلا لحاجة، كما قال الفقهاء ﵏، كأن يرشد أحدًا، أو كلمه أحد\n_________\n(^١) ساقطة من النسخة (أ).\n(^٢) ضعيف. حديث جابر أخرجه ابن السكن كما في «بيان الوهم والإيهام» (٥/ ٢٦٠) من طريق مسكين بن بكير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبدالرحمن، عن جابر بن عبدالله به.\nومسكين بن بكير حسن الحديث له أوهام، وقد خولف في هذا الحديث.\nقال الدارقطني في «العلل» (١١/ ٢٩٨): وقال غير مسكين عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا، وأشبهها بالصواب حديث عياض بن هلال عن أبي سعيد. اهـ\n\nوأخرجه أحمد من حديث أبي سعيد في «مسنده» (٣/ ٣٦)، وأبوداود (١٥)، وابن ماجه (٣٤٢) وهو من طريق عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن عياض بن هلال عن أبي سعيد به. وإسناده ضعيف؛ لجهالة عياض بن هلال وقيل هلال بن عياض والصواب الأول. ولأن رواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير مضطربة.","vol":"1","page":356},{"text":"لابد أن يرد عليه، أو كان له حاجة في شخص، وخاف أن ينصرف، أو طلب ماء، فلا بأس. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>مسألة [٢]: ذكر الله أثناء قضاء الحاجة</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى كراهة الذكر أثناء قضاء الحاجة؛ لحديث ابن عمر -﵄- في «مسلم» (٣٧٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرَّ عليه رجلٌ، وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يرد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وأخرج أحمد (٤/ ٣٤٥)، وأبو داود (١٧)، وغيرهما من حديث المهاجر بن قنفذ -﵁-، قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ حتى توضأ، ثم اعتذر إلي، فقال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٨٩): ثم هذه الكراهة التي ذكرها المصنف، والأصحاب، كراهة تنزيه، لا تحريم، بالاتفاق، وحكى ابن المنذر الكراهة عن ابن عباس (^١)، وعطاء، وعكرمة، وعن النخعي، وابن سيرين قالا: لا بأس به.\nقال ابن المنذر -﵀-: وتَرْكُ الذِّكر أحَبُّ إليَّ ولا أُؤثم من ذكر، والله أعلم. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١١٤)، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٣٤٠)، وفي إسناده: قابوس بن أبي ظبيان، وهو ضعيف.\n(^٢) وانظر: «المغني» (١/ ٢٢٧)، «المجموع» (٢/ ٨٨ - ٨٩)، «الأوسط» (١/ ٣٤١ - ٣٤٢).","vol":"1","page":357},{"text":"٩١ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يُمسِكنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحُ مِنَ الخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>مسألة [١]: حكم مس الذكر باليمين</span>.\n• دلَّ حديث أبي قتادة المذكور على تحريم ذلك؛ لأنَّ ذلك هو الأصل في النهي، وهذا مذهب أهل الظاهر.\n• بينما ذهب الجمهور إلى أنَّ النهي للتنزيه.\nوالراجح ما ذهب إليه أهل الظاهر، وهو ترجيح الصنعاني -﵀-؛ لعدم وجود دليل، أو صارف يصرف النهي إلى الكراهة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>مسألة [٢]: هل تختص الحرمة أثناء البول فقط</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» حديث (١٥٤)، مُعَلِّقًا على قول البُخَارِي: قَوْله: [بَاب لَا يُمْسِك ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ].\nقَالَ: أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَنَّ النَّهْي الْمُطْلَق عَنْ مَسّ الذَّكَر بِالْيَمِينِ كَمَا فِي الْبَاب قَبْله، مَحْمُول عَلَى الْمُقَيَّد بِحَالَةِ الْبَوْل، فَيَكُون مَا عَدَاهُ مُبَاحًا، وَقَالَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧).\n(^٢) «سبل السلام» (١/ ١٦٠).","vol":"1","page":358},{"text":"بَعْض الْعُلَمَاء: يَكُون مَمْنُوعًا أَيْضًا مِنْ بَاب الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَعَ مَظِنَّة الْحَاجَة فِي تِلْكَ الْحَالَة. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة بِأَنَّ مَظِنَّة الْحَاجَة لَا تَخْتَصّ بِحَالَةِ الِاسْتِنْجَاء، وَإِنَّمَا خُصَّ النَّهْي بِحَالَةِ الْبَوْل مِنْ جِهَة أَنَّ مُجَاوِر الشَّيْء يُعْطَى حُكْمه، فَلَمَّا مُنِعَ الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ مُنِعَ مَسّ آلَته حَسْمًا لِلْمَادَّةِ. ثُمَّ اِسْتَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَة بِقَوْلِهِ - ﷺ - لِطَلْقِ بْن عَلِيّ حِين سَأَلَهُ عَنْ مَسّ ذَكَره: «إِنَّمَا هُوَ بَضْعَة مِنْك» (^١)، فَدَلَّ عَلَى الْجَوَاز فِي كُلّ حَال، فَخَرَجَتْ حَالَة الْبَوْل بِهَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح، وَبَقِيَ مَا عَدَاهَا عَلَى الْإِبَاحَة. اِنْتَهَى.\nقلتُ: والراجح ما ذهب إليه البخاري -﵀-؛ لظاهر الحديث، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>مسألة [٣]: حكم الاستنجاء باليمين</span>.\n• دلَّ حديث أبي قتادة، وحديث سلمان الذي بعده على تحريم الاستنجاء باليمين؛ لأنَّ ذلك هو الأصل في النهي، وقد ذهب إلى ذلك الظاهرية، وبعض الشافعية، ورجَّحَ ذلك الصنعاني -﵀-.\n• بينما ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ النهي للكراهة، والتنزيه.\nوالراجح القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>مسألة [٤]: لو استنجى بيمينه، فأنقى، فهل يجزئه</span>؟\n• قال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٥٣): وَمَعَ الْقَوْل بِالتَّحْرِيمِ، فَمَنْ فَعَلَهُ أَسَاءَ،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في [باب نواقض الوضوء].\n(^٢) وانظر: «سبل السلام» (١/ ١٦٠)، «الفتح» (١٥٣)، «المجموع» (٢/ ١٠٩).","vol":"1","page":359},{"text":"وأَجْزَأَهُ، وَقَالَ أَهْل الظَّاهِر وَبَعْض الْحَنَابِلَة: لَا يُجْزِئ، وَمَحَلّ هَذَا الِاخْتِلَاف حَيْثُ كَانَتْ الْيَد تُبَاشِر ذَلِكَ بِآلَةٍ غَيْرهَا كَالْمَاءِ وَغَيْره، أَمَّا بِغَيْرِ آلَة فَحَرَام غَيْر مُجْزِئ بِلَا خِلَاف، وَالْيُسْرَى فِي ذَلِكَ كَالْيُمْنَى، وَالله أَعْلَم.\nقلتُ: الراجح أنَّ الاستنجاء باليمين -مع حرمته- يجزئ؛ لأنَّ العبرة بالإنقاء، وقد حصل، وإزالة النجاسة معناه معقول، وليس تعبديًّا محضًا، والله أعلم.","vol":"1","page":360},{"text":"٩٢ - وَعَنْ سَلْمَانَ -﵁- قَالَ: لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِاليَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٩٣ - وَلِلسَّبْعَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ -﵁-: «وَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>مسألة [١]: حكم استقبال، أو استدبار الكعبة ببول، أو غائط</span>.\n• ذكر الشوكاني -﵀- في «نيل الأوطار» في هذه المسألة ثمانية مذاهب، وأقواها أربعة:\nالأول: لا يَجوز ذلكَ لا في الصَّحَارِي، وَلَا فِي الْبُنْيَانِ، وهو قَول أَبِي أَيُّوبَ الأنصَارِيِّ، الصحَابِيِّ، ومُجاهدٍ وإِبرَاهِيمَ النَّخعي، والثَّورِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، ورواية عَن أحمَدَ، وهو قول عطاء، والأوزاعي، وهو ترجيح ابن العربي، وابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، والألباني، وغيرهم.\nواستدل هؤلاء بحديث أبي أيوب، وحديث سلمان، وردوا على أحاديث المعارض بأنها خاصَّة بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد أُجيب عنهم بأن دعوى الخصوصية بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا دليل عليها؛ إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٤)، ومسلم (٢٦٤)، وأحمد (٥/ ٤١٥)، وأبوداود (٩)، والترمذي (٨)، والنسائي (١/ ٢٣)، وابن ماجه (٣١٨).","vol":"1","page":361},{"text":"الثاني: تحريم ذلك في الصَّحاري دون البنيان، وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، وهو قول البخاري، ونسبه الحافظ في «الفتح» إلى الجمهور، وقال: هو أعدل الأقوال، ورجَّحه ابن المنذر، وابن عبد البر، والخطابي، والصنعاني، والوادعي، رحمة الله عليهم، واستدلوا على جوازه بالبنيان بحديث عبد الله بن عمر في «الصحيحين» (^١)، قال: ارتقيت يومًا على ظهر بيت حفصة، فرأيت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقضي حاجته مستقبل الشام، مستدبر الكعبة.\nالثالث: الجواز في الصَّحاري، والبنيان، وهو قول عروة بن الزبير، وربيعة، وداود الظاهري، واستدل لهم بحديث جابر في «مسند أحمد» (٣/ ٣٦٠)، وغيره، وهو في «الصحيح المسند» قال: نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يُقبض بعامٍ يستقبلها. فهذا الحديث يعتبر ناسخًا لتأخره.\nوأُجِيب: بعدم التسليم في تأخره على الأحاديث الأخرى المانعة، ولو سلم؛ فالجمع بين الدليلين مقَدَّمٌ على النسخ.\nالرابع: يُكْرَه في الصَّحاري، والبنيان، وهو مَحْكِيٌّ عن النخعي، ورواية عن أبي حنيفة، وعن أحمد، وأبي ثور، وهؤلاء جمعوا بين الأحاديث المتقدمة بأنَّ النهي في حديث أبي أيوب، وسلمان يُحمل على الكراهة، والتنزيه، والصارف هو فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث ابن عمر، وجابر، وحديث جابر الظاهر فيه أنه لم يكن في بنيان، وهذا القول هو الراجح والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٤٨)، ومسلم برقم (٢٦٦) (٦٢).\n(^٢) وانظر: «نيل الأوطار» (١/ ١٣١)، «الفتح» (١٤٤)، «المجموع» (٢/ ٨١)، «السبل» (١/ ١٦٣ - ١٦٤)، «المغني» (١/ ٢٢٠ -).","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>مسألة [٢]: استقبال، واستدبار بيت المقدس</span>.\n• حُكِيَ عن إبراهيم النخعي، وابن سيرين تحريم ذلك، وقال به بعض الشافعية كما في «الفتح» (١٤٤)، وقد جاء في ذلك حديث في «سنن أبي داود» (١٠)، من حديث معقل بن أبي معقل الأسدي، قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن نستقبل القبلتين ببول، أو غائطٍ. ولكنه حديث ضعيفٌ، ففي إسناده رجلٌ يقال له: أبو زيد، مجهول.\n• ولذلك فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم تحريم ذلك، وادَّعى الخطابي الإجماع على ذلك، وفيه نظر؛ لما تقدم.\n• وقد ذهب بعض أهل العلم إلى الكراهة، ولا دليل على الكراهة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>مسألة [٣]: حكم استقبال الشمس، والقمر</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٢٢): ويُكرَهُ استقبال الشمس، والقمر بفرجه؛ لما فيهما من نور الله تعالى؛ فإن استتر عنهما بشيء جاز. اهـ\nوهذا القول لا دليل عليه، بل قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أبي أيوب: «ولكن شرِّقوا، أو غَرِّبُوا»، يدل على الجواز.\nقال الشوكاني -﵀- في «السيل الجرَّار» (١/ ٧٠): وأما استقبال القمرين، فهذا من غرائب أهل الفروع؛ فإنه لم يدل على ذلك دليل، لا صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف، وما روي في ذلك فهو كذبٌ على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومن رواية\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٤٤)، «شرح المهذب» (٢/ ٨٠)، «المُفْهِم» (١/ ٥٢٢).","vol":"1","page":363},{"text":"الكذابين، وإن كان ذلك بالقياس على القبلة، فقد اتسع الخَرْقُ على الرَّاقِع، ويقال لهذا القائس: ما هكذا يا سعد تورد الإبل.\nوأعجب من هذا إلحاق النجوم النَّيِّرات بالقمرين؛ فإنَّ الأصل باطلٌ، فكيف بالفرع، وكان ينبغي لهذا القائس أن يُلْحِقَ السماء؛ فإنَّ لها شرفًا عظيمًا؛ لكونها مستقرًا للملائكة، ثم يُلحق الأرض؛ لأنها مكان العبادات، فحينئذٍ يضيق على قاضي الحاجة الأرض بما رحُبَت، ويحتاج أن يخرج عن هذا العالم عند قضاء الحاجة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>مسألة [٤]: الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار</span>.\n• ذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى وجوب ثلاث مسحات، واستدلوا بحديث سلمان الذي في هذا الباب، وبحديث جابر بن عبد الله في «مسند أحمد» (٣/ ٤٠٠)، وغيره، وإسناده صحيح، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا استجمر أحدكم، فليستجمر ثلاثًا»، وجاء من حديث عائشة، ومن حديث خزيمة ابن ثابت عند أحمد (٥/ ٢١٣) (٦/ ١٠٦)، وغيره، وفي كليهما ضعفٌ، ولكنهما يقويان ما تقدم.\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة، وداود إلى أنَّ الواجب الإنقاء، فإذا حصل بحجر، أجزأه، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من استجمر، فليوتر»، والوتر يحصل بواحدة، وبحديث أبي هريرة -﵁-: «ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا؛ فلا حرج»، وبحديث ابن مسعود في «البخاري» -وسيأتي- وفيه أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخذ","vol":"1","page":364},{"text":"منه حجرين، وألقى الروثة، وقال: إنها رِكسٌ.\nوالراجح هو القول الأول، وأما استدلالهم بحديث: «ومن استجمر، فليوتر»، فهو مُجْمَلٌ، مُبَيَّنٌ بحديث سلمان، بأنَّ هذا الوتر لا يقل عن ثلاث، ولفظ حديث سلمان عند ابن المنذر (١/ ٣٤٩)، وغيره، قال: «ولا يكفي أحدكم دون ثلاثة أجحار»، وأما حديث ابن مسعود، فأمره محتمل، فلعله أخذ حجرًا ثالثًا، كما جاء في رواية أنه قال: «ائتني بحجر»، أو اكتفى بطرف أحدهما عن الحجر الثالث، وأما حديث أبي هريرة؛ فهو ضعيفٌ، في إسناده مجهولان: حصين الحميري، وأبو سعد، ويقال: سعيد، الحبراني، الحمصي.\nوأما قولهم: (المقصود هو الإنقاء)، فهذا شرطٌ، وزاد الشارع شرطًا آخرَ، وهو ألَّا يقل عن ثلاثة أحجار، والله أعلم. (^١)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٠٧): ومعنى الإنقاء إزالة عين النجاسة، وبلتها، بحيث يخرج الحجر نقيًّا، وليس عليه أثر؛ إلا شيئًا يسيرًا، ويشترط الأمران جميعًا، الإنقاء، وإكمال الثلاثة، أيهما وُجِدَ دون صاحبه لم يكفِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>مسألة [٥]: الحجر الكبير الذي له ثلاث شعب، هل يقوم مقام ثلاثة أحجار</span>؟\n• ذهب الشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأحمد في رواية إلى أنه يجزئه الحجر الكبير الذي له ثلاثة شُعب، ويقوم مقام ثلاثة أحجار، وذلك لأنَّ العلة في أمره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بثلاثة أحجار لأجل أن لا يكرر الإنسان المسح على وجه واحد؛ لأنه إذا فعل\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٢/ ١٠٤)، «الأوسط» (١/ ٣٤٩ -)، «المغني» (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":365},{"text":"ذلك لا يستفيد، بل ربما يزيده تلوثًا.\nذكر هذا الشيخ ابن عثيمين -﵀-، ثم رجَّح هذا القول، وقال: وذلك لأن الشرع معاني لا مجرد ألفاظ.\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني»: وذلك كما لو فصله ثلاثة صغارًا، واستجمر بها؛ إذا لا فرق بين الأصل والفرع، إلا فصله، ولا أثر لذلك في التطهير.\n• وذهب أحمد في رواية، وهو قول ابن المنذر إلى أنه لا يجزئه أقل من ثلاثة أحجار؛ لحديث سلمان المتقدم.\nوالراجح هو القول الأول، والله أعلم.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٥٦): والدليل على صحته، أنه لو مسح بطرف واحد، ورماه، ثم جاء شخص آخر، فمسح بطرفه الآخر؛ لأجزأهما بلا خلاف. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>مسألة [٦]: حكم الإيتار فيما زاد على الثلاث</span>.\n• ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه، كما ذكر ذلك ابن الملقن في «شرح العمدة» (١/ ٢٤٩)، وهو قول ابن حزم كما في «المحلَّى» (١٢٢)، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ومن استجمر، فليوتر».\n• وذهب جمهور أهل العلم إلى الاستحباب، وجعلوا الصارف حديث أبي هريرة المتقدم: «من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج»، وهو حديث ضعيف\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٢١٦)، «المجموع» (٢/ ١٠٣)، «الشرح الممتع» (١/ ١١١)، «الفتح» (١٥٦).","vol":"1","page":366},{"text":"كما قد بيناه.\nوالراجح هو القول الأول، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>مسألة [٧]: الاستنجاء بالروث، والعظام</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم جواز الاستجمار بالروث، والعظام، وهو قول الشافعي، وإسحاق، وأحمد، والثوري، وغيرهم، واستدلوا بحديث سلمان الذي في الباب، وبحديث جابر بن عبد الله في «صحيح مسلم» (٢٦٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «نهى أن يُتمسح بعظم، أو ببعر».\n• وذهب أبو حنيفة إلى جواز الاستنجاء بهما؛ لأنهما يجففان النجاسة، وأباح مالك الاستنجاء بالطاهر منهما.\nوالراجح هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>مسألة [٨]: هل يجوز الاستنجاء بغير الروث، والعظام</span>؟\n• ذهب جمهور أهل العلم -وهو الصحيح في مذهب الحنابلة- إلى أنَّ كل ما أنقى من الخشب، والخرق، وما أشبهه يجوز الاستنجاء به، كالحجارة؛ إلا الروث، والعظام -لما تقدم- واستدل الجمهور بحديث خزيمة بن ثابت، قال: سئل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الاستطابة، فقال: «بثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع»، أخرجه أحمد (٥/ ٢١٣)، وغيره.\nوفي إسناده: أبو خزيمة، عمرو بن خزيمة، وهو مجهول، ولكن الحديث\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٢١٥).","vol":"1","page":367},{"text":"يشهد له حديث سلمان، وغيره، فهو صحيح بشواهده.\nقال الجمهور: فلولا أنه أراد الحجر، وما في معناه، لم يستثنِ منها الرَّجيع؛ لأنه لا يحتاج إلى ذكره، ولم يكن لتخصيص الرجيع بالذكر معنى، واستدلوا بحديث سلمان في آخره: «وأن نستجمر برجيع، أو عظم»، فقالوا: تخصيص هذين بالنهي عنهما يدل على أنه أراد الحجارة، وما قام مقامها؛ ولأنه متى ورد النص بشيء معقول، وجب تعديته إلى ما وجد فيه المعنى، والمعنى ههنا إزالة عين النجاسة، وهذا يحصل بغير الأحجار، كحصوله بها.\n• وذهب داود، وهو وجه عند الحنابلة إلى الاقتصار على الحجارة؛ لأن النصوص جاءت بالحجارة. والقول الأول هو الراجح؛ لما تقدم، والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢١٤): ولابُدَّ أن يكون ما يستجمر به مُنْقِيًا؛ لأن الإنقاء مُشْتَرَطٌ في الاستجمار، فأما الزَّلج، كالزجاج، والفحم الرخو، وشبههما مما لا يُنْقِي، فلا يجزئ؛ لأنه لا يحصل منه المقصود. اهـ\nفائدة: العلة في النهي عن العظم، والروث.\nثبت في «صحيح البخاري» (١٥٥، ٣٨٦٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لأبي هريرة -﵁-: «ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ»، ثُمَّ إنَّ أَبا هُرَيْرة قَالَ لَهُ: مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟ قَالَ: «هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ، وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٢١٣ - ٢١٤)، و«الفتح» (١/ ٣٣٥) (١٥٥).","vol":"1","page":368},{"text":"نَصِيبِينَ، وَنِعْمَ الْجِنُّ، فَسَأَلُونِي الزَّادَ، فَدَعَوْتُ اللهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طُعْمًا»، وفي روايةٍ: «طعامًا».\nوفي «صحيح مسلم» (٤٥٠)، من حديث عبدالله بن مسعود: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال للجن حين سألوه الزاد: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم، وكل بعرةٍ علفٌ لدوابكم»، قال: «فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم».\nوقد استنبط أهل العلم من هذا الحديث تحريم الاستنجاء بمطعومات الإنس، ومطعومات دوابهم؛ لأَنَّ زادهم أعظم حرمةً من زاد الجن، ودوابهم.\nفائدة: قال النووي -﵀- في «المجموع» (٢/ ٩٣): لا يجوز أن يبول على ما منع الاستنجاء به؛ لحرمته، كالعظم، وسائر المطعومات. اهـ. (^١)\nفائدة: قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ١٢٠): ولو استنجى بشيء من أوراق المصحف -والعياذ بالله- عالمًا، صار كافرًا، مرتدًا، نقله القاضي حسين، والروياني، وغيرهم.\nقلتُ: ويلتحق به الأوراق التي فيها ذكر الله ﷿، وأما كتب الفقه، وما فيه علوم شرعيةٌ، فهو محرمٌ حرمةً شديدة، ولا يُؤْمَن عليه من الكفر. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٢١٥ - ٢١٦)، «المجموع» (٢/ ١١٩)، «الفتح» (١٥٥).\n(^٢) وانظر: «شرح المهذب» (٢/ ١١٩)، «المغني» (١/ ٢١٦)، «الفتح» (١٥٥).","vol":"1","page":369},{"text":"٩٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَتَى الغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nهذا الحديث يدل على وجوب التستر من أعين الناس، وقد تقدم استحباب ابتعاد قاضي الحاجة عن أعين الناس.\nوالواجب هو ستر العورة حتى وإن كان قريبًا من الناس؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «احفظ عورتك إلا من زوجك، أو ما ملكت يمينك».\nأخرجه أبو داود (٤٠١٧)، وغيره، من حديث معاوية بن حيدة بإسناد حسن.\n_________\n(^١) ضعيف. وليس هو من حديث عائشة، إنما هو من حديث أبي هريرة. أخرجه أبوداود برقم (٣٥) وفي إسناده حصين الحميري الحبراني، وأبو سعيد الخير، ويقال: أبوسعد. وهما مجهولان.","vol":"1","page":370},{"text":"٩٥ - وَعَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا خَرَجَ مِنَ الغَائِطِ قَالَ: «غُفْرَانَك». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَالحَاكِمُ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nاستحب أهل العلم أن يدعوَ الإنسانُ بهذا الدعاء عند الخروج من الخلاء، كما في «المغني» (١/ ٢٢٩)، و«المجموع» (٢/ ٧٦).\nولكن الحديث ضعيفٌ؛ فالظاهر أنه يخرج ساكتًا.\nوأما الدعاء بقوله: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى، وعافاني»، فهو أضعف من حديث عائشة -﵂-، فقد أخرجه ابن ماجه (٣٠١) من حديث أنس -﵁-، وفي إسناده: إسماعيل بن مسلم المكي، وهو شديد الضعف.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٦/ ١٥٥)، وأبوداود (٣٠)، والترمذي (٧)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٧٩)، وابن ماجه (٣٠٠)، والحاكم (١/ ١٥٨)، وفي إسناده يوسف بن أبي بردة روى عنه اثنان ولم يوثقه معتبر؛ فهو مجهول حال. فالحديث ضعيف، وقد ضعفه شيخنا مقبل الوادعي -﵀-.","vol":"1","page":371},{"text":"٩٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْت حَجَرَيْنِ، وَلَمْ أَجِدْ ثَالِثًا، فَأَتَيْته بِرَوْثَةٍ. فَأَخَذَهُمَا وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «هَذَا رِكْسٌ» أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^١) وَزَادَ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ: «ائْتِنِي بِغَيْرِهَا». (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديث\nقوله: «رِكْسٌ»، فسَّرها طائفة من أهل العلم بأنَّ معناه: نجس، لكن قال ابن الأثير في «النهاية»: وهو شبيه المعنى بالرجيع، يقال: ركست الشيء، وأركسته، إذا رددته ورجعته. اهـ\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٥٦): وقيل: الركس الرجيع، رُدَّ من حالة الطهارة إلى حالة النجس، قال الخطابي، وغيره: والأولى أن يقال: رُدَّ من حالة الطعام إلى حالة الروث. اهـ\nقلتُ: فعلى هذا، فليست العلة فيها -أعني الروثة- أنها نجسة، بل أشار النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى أنها رجيع، وقد بين النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ الرَّجيع لا يُستنجى به؛ لأنه من زاد الجن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٥٦).\n(^٢) زيادة ضعيفة. أخرجه أحمد (١/ ٤٥٠)، والدارقطني (١/ ٥٥).\n\nولفظ أحمد: «ائتني بحجر»، وفي إسنادهما انقطاع؛ فإنه من طريق أبي إسحاق عن علقمة بن قيس، وقد نص الحفاظ أنه لم يسمع منه قاله شعبة وأبوزرعة وابن المديني والبرديجي وغيرهم، وعند الدارقطني علة أخرى، وهي أبوشيبة إبراهيم بن عثمان وهو شديد الضعف، لكن أخرجه من طريق أخرى بلفظ أحمد ليس فيها إلا العلة السابقة.","vol":"1","page":372},{"text":"كما تقدم.\nومما يدل على أنَّ الروثة ليست بنجسة مباشرة عبد الله بن مسعود لها، ثم مباشرة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لها بيده الشريفة.\nوأما قوله في بعض الروايات: «إنها رجس»، فهو بمعنى القذر، كما في «النهاية».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>مسألة [١]: هل يجزئه إذا استنجى بنجاسة</span>؟\n• ذهب أحمد، والشافعي إلى أنه لا يجزئه، واستدلوا بحديث ابن مسعود: «إنها ركسٌ»، وقد تقدم بيان معناه.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجزئه؛ لأنه يجفف كالطاهر.\nوقول أبي حنيفة هو الراجح إن شاء الله، مع العلم بتحريم ذلك، بشرط إنقاء الموضع، وإزالة النجاسة؛ لأنَّ هذا هو المقصود بالاستجمار، وذلك يحصل في بعض النجاسات دون بعض، كجلد الميتة الغير مدبوغ؛ فإنه ينقي دون أن ينجس والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٢١٤).","vol":"1","page":373},{"text":"٩٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ، أَوْ رَوْثٍ وَقَالَ: «إنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>مسألة [١]: إذا استنجى بالعظام، والروث، فهل يجزئه</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢١٥): ولا يجزئ في قول أكثر أهل العلم. اهـ\nوقد استدلوا بحديث أبي هريرة -﵁- المذكور في الباب، وقالوا: النهي يقتضي الفساد، وعدم الإجزاء.\n• وذهب أبو حنيفة، وبعض المالكية إلى أنَّ الاستنجاء بهما مجزئ، إذا حصل الإنقاء، ورجَّح هذا الطحاوي في «معاني الآثار»، وقال: إنما نُهي عن الاستنجاء بالعظم، والروثة؛ لأنهما طعامٌ للجن، ودوابِّهِم، لا أنها لا تطهر كما يطهر الحجر.\nوهذا القول هو الصحيح؛ لأنَّ إزالة النجاسة معنى معقول، وليس تعبديًّا محضًا، وقد رجَّح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ٩).\nتنبيه: إذا أنقى بأقل من ثلاث، فاقتصر عليها؛ أجزأه أيضًا مع الإثم. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الدارقطني (١/ ٥٦) وفي إسناده يعقوب بن حميد بن كاسب وسلمة بن رجاء وكلاهما ضعيف، ولكن الفقرة الأولى من الحديث يشهد لها ما تقدم من حديث سلمان، وله شاهد من حديث جابر أخرجه مسلم (٢٦٣) وآخر من حديث أبي هريرة أخرجه أبوداود (٨) وإسناده حسن. وأما قوله «فإنهما لا يطهران» فضعيفة لا شاهد لها، والله أعلم.\n(^٢) وانظر: «الاختيارات» (ص ٩).","vol":"1","page":374},{"text":"٩٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اسْتَنْزِهُوا مِنَ البَوْلِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. (^١)\n\n٩٩ - وَلِلْحَاكِمِ «أَكْثَرُ عَذَابِ القَبْرِ مِنَ البَوْلِ»، وَهُوَ صَحِيحُ الإِسْنَادِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n• استدل بحديث الباب على وجوب التنزه من البول، وقد جاء في «الصحيحين» (^٣) من حديث ابن عباس، أنَّ النبي مرَّ بقبرين، فقال: «إنَّهما يعذبان»، وفي الحديث: «إن أحدهما كان لا يستتر من بوله»، وفي رواية: «لا يستنزه من بوله».\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الدارقطني (١/ ١٢٨) وفي إسناده محمد بن الصباح السمان، قال الذهبي في «الميزان»: لا يعرف وخبره منكر. وقال الدارقطني عقب الحديث: الصواب مرسل.\n(^٢) صحيح بشواهده. أخرجه الحاكم (١/ ١٨٣)، والدارقطني أيضًا (١/ ١٢٨) من طريق أبي عوانة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا به. وإسناده ظاهره أنه صحيح على شرط الشيخين، لكن قال أبوحاتم كما في «العلل» (١٠٨١): رفعه باطل. وقال الدارقطني في «العلل» (٨/ ١٥١٨»): أسنده أبوعوانة عن الأعمش، وخالفه ابن فضيل فوقفه ويشبه أن يكون الموقوف أصح. وقد صحح المرفوع البخاري كما في «العلل الكبير» للترمذي (١/ ١٤٠) والدارقطني في «السنن» (١/ ١٢٨)، فالله أعلم بالصواب.\nوله شاهد من حديث أنس -﵁-، أخرجه ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٢٦)، واختلف في وصله وإرساله، ورجح أبو حاتم المرسل، ورجح أبو زرعة الموصول، وإسناده صحيح.\nوله شاهد من حديث ابن عباس -﵄- عند الدارقطني (١/ ١٢٨)، والحاكم (١/ ١٨٣ - ١٨٤)، وفي إسناده: أبو يحيى القتات، وهو ضعيف؛ فالحديث بهذه الطرق صحيح، وقد صححه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٢٨٠).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٢١٦)، ومسلم برقم (٢٩٢).","vol":"1","page":375},{"text":"• واستدل الجمهور بهذا الحديث على وجوب الاستنجاء وإزالة الأذى من المخرجين.\n• وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، وهو رواية عن مالك إلى عدم وجوب الاستنجاء، وحُكِي عن ابن سيرين فيمن صلَّى بقوم، ولم يستنج، أنه قال: لا أعلم به بأسًا، وهذا يحتمل أن يكون فيمن لم يلزمه الاستنجاء، كمن لزمه الوضوء لنوم، أو خروج ريح، أو من ترك الاستنجاء ناسيًا، فيكون موافقًا لقول الجماعة، ويحتمل أنه لم ير وجوب الاستنجاء، كقول أبي حنيفة.\nواستدل الحنفية بحديث أبي هريرة: «ومن استجمر، فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج»، وهذا الحديث ضعيفٌ كما تقدم، والجمهور على أنَّ المقصود بقوله: «فلا حرج» الإيتار.\nوقالت الحنفية: هي نجاسة يُكْتَفى فيها بالمسح، فلم تجب إزالتها، كيسير الدم، وأُجيب بأنَّ هذا ترخيص من الشارع، فأوجب إنقاء الأذى، ويسَّر في أثره.\nقال ابن قدامة -﵀-: وذلك لمشقة الغسل؛ لكثرة تكرره في محل الاستنجاء.\nقال ابن قدامة -﵀-: والقول بوجوب الاستنجاء في الجملة قول أكثر أهل العلم. وقال الصنعاني في «السبل»: ولا يخفى أنَّ أحاديث الأمر بالاستطابة دالة على وجوب إزالة النجاسة. اهـ\nوقول الجمهور هو الراجح بدون شك.","vol":"1","page":376},{"text":"١٠٠ - وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي الخَلَاءِ أَنْ نَقْعُدَ عَلَى اليُسْرَى، وَنَنْصِبَ اليُمْنَى. رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\n١٠١ - وَعَنْ عِيسَى بْنِ يَزْدَادَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>مسألة [١]: كيفية الجلوس لقضاء الحاجة</span>.\nحديث سراقة بن مالك -﵁- في كيفية بيان ذلك ضعيف؛ وعليه فكل إنسان يجلس في قضاء حاجته على ما يتيسر له، ويكون أبعد له من النجاسات، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>مسألة [٢]: حكم نتر الذكر</span>.\n• ذهب بعض أهل العلم من الشافعية، والحنابلة، وغيرهم إلى استحباب نتر الذكر عقب البول، عملًا بحديث الباب، وقد تقدم أنه ضعيفٌ، فالصحيح أنَّ ذلك لا يُستحب، ولا يشرع.\n• قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٠٦):\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه البيهقي (١/ ٩٦)، والطبراني أيضًا (٦٦٠٥) وفي إسناده رجلان مبهمان، ومحمد بن عبدالرحمن: مجهول، وزمعة بن صالح وفيه ضعف.\n(^٢) ضعيف جدًّا. رواه ابن ماجه (٣٢٦) وفي إسناده زمعة بن صالح ضعيف، وعيسى وأبوه مجهولان، وأبوه لا تعلم له صحبة.","vol":"1","page":377},{"text":"وكذلك نتر الذكر بدعة على الصحيح، لم يشرع ذلك، وكذلك سلتُ البول بدعة، لم يشرع ذلك رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والحديث المروي في ذلك ضعيفٌ لا أصل له، والبول يخرج بطبعه، وإذا فرغ انقطع بطبعه، وهو كما قيل: كالضرع، إن تركته قرَّ، وإن حلبته درَّ.\nقال ابن القيم -﵀- في «الزاد» (١/ ١٧٣): ولم يكن يصنع شيئًا مما يصنعه المبتلون بالوسواس، من نتر الذكر، والنحنحة، والقفز، ومسك الحبل، وطلوع الدرج، وحشو القطن في الإحليل، ونحو ذلك من بدع أهل الوسواس. اهـ\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: وكل هذا من الوساوس التي لا أصل لها، والدين -ولله الحمد- يُسْرٌ. «الشرح الممتع» (١/ ٨٩).","vol":"1","page":378},{"text":"١٠٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءَ، [فَقَالَ: «إنَّ اللهَ يُثْنِي عَلَيْكُمْ»] (^١) قَالُوا: إنَّا نُتْبِعُ الحِجَارَةَ المَاءَ. رَوَاهُ البَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (^٢)، وَأَصْلُهُ فِي «أَبِي دَاوُدَ» وَ«التِّرْمِذِيِّ»، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- بِدُونِ ذِكْرِ الحِجَارَةِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>مسألة [١]: الجمع بين الحجارة والماء، وإذا اقتصر على أحدهما فأيهما أفضل</span>؟\nقال ابن الملقن -﵀- في «شرح العمدة» (١/ ٤٨٧): ومذهب جمهور السلف،\n_________\n(^١) زيادة من المطبوع.\n(^٢) ضعيف جدًّا. أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (٢٤٧) وفي إسناده عبدالله بن شبيب وهو واهٍ، ومحمد بن عبدالعزيز بن عمر الزهري وهو ضعيف.\n(^٣) صحيح بشواهده. لم أجده في «صحيح ابن خزيمة» من حديث أبي هريرة، وقد أخرجه أبوداود (٤٤)، والترمذي (٣١٠٠) وفي إسناده يونس بن الحارث وهو ضعيف، وإبراهيم بن أبي ميمونة وهو مجهول. وله شاهد من حديث ابن عباس عند الطبراني (١١٠٦٥)، والحاكم (١/ ١٨٧) وفيه عنعنة ابن إسحاق، وشاهد آخر من حديث محمد بن عبدالله بن سلام أخرجه أحمد (٦/ ٦)، وابن أبي شيبة (١/ ١٥٣) وفي إسناده شهر بن حوشب الراجح ضعفه، وله شاهد صحيح عن الشعبي مرسلًا أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٥٣)، وله شاهد من حديث أبي أيوب وجابر وأنس مقرونين أخرجه ابن ماجه (٣٥٥) وفي إسناده عتبة بن أبي حكيم وهو ضعيف.\nفالحديث بهذه الشواهد يرتقي إلى الصحة، وقد صححه الإمام الألباني في «الإرواء» (٤٥) «وتحقيق السنن» (٣٤)، وفي هذه الأحاديث كلها أنَّ سبب ثناء الله عليهم هو استنجاؤهم بالماء فقط، وليس فيها ذكر الحجارة.","vol":"1","page":379},{"text":"والخلف، والذي أجمع عليه أئمة الفتوى من أهل الأمصار، أنَّ الأفضل أن يجمع بين الماء، والحجر، فيقدم الحجر أولًا، ثم يستعمل الماء، فتخف النجاسة، ويقل مباشرتها بيده، ويكون أبلغ في النظافة؛ فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل؛ لكونه يزيل عين النجاسة، وأثرها، والحجر يزيل العين دون الأثر، لكنه معفوٌ عنه في حق نفسه، وتصح الصلاة معه كسائر النجاسات. اهـ\nقلتُ: أما الجمع بين الماء، والحجارة، فلا يصح فيه دليلٌ.\nقال الإمام الألباني -﵀-: والجمع بين الحجارة، والماء لا يصح عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأخشى أن يكون القول بالجمع من الغلو في الدين؛ لأنَّ هديه الاكتفاء بأحدهما، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وشر الأمور محدثاتها. اهـ «تمام المنة» (ص ٦٥).\nوقال شيخنا مقبل الوادعي -﵀- في أحد دروسه: لم يثبت بالجمع بين الحجارة، والماء شيء. فسئل: هل يصل الجمع بين الحجارة والماء إلى حد البدعة؟ فقال: لا يصل، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإذا استجمر بالحجر أجزأه، وإن اكتفى بالماء، فهو أفضل، وأنقى. اهـ\nوأما إذا اقتصر على أحدهما؛ فالأفضل هو الماء؛ لأنه أطيب، وأطهر، وقد أثنى الله على أهل قباء بسبب تطهرهم بالماء، وقد نصَّ على هذا الشافعية، والحنابلة، وغيرهم.","vol":"1","page":380},{"text":"وقال الشوكاني -﵀- في «السيل» (١/ ٤٢): فإن عدل عن الاستجمار إلى الاستنجاء بالماء، فهو أطيب، وأطهر. اهـ (^١)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٠٨): وإن اقتصر على الأحجار، أجزأه بلا خلاف بين أهل العلم؛ لما ذكرنا من الأخبار، ولأنه إجماع الصحابة. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٢/ ١٠٠)، و«المغني» (١/ ٢٠٨).","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ أُخْرَى تُذْكَرُ فِي بَابِ آدَابِ قَضَاءِ الحَاجَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>مسألة [١]: التبول، أو التغوط في المياه الراكدة، أو الجارية</span>.\nتقدم نقل كلام أهل العلم، وحكم المسألة في باب المياه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>مسألة [٢]: التبول في الجحر</span>.\nجاء في «مسند أحمد» (٥/ ٨٢)، و«سنن أبي داود» (٢٩)، و«وسنن النسائي» (١/ ٣٣)، من حديث عبد الله بن سرجس -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى أن يُبَال في الجحر، وهو من طريق: قتادة، عن عبد الله بن سرجس، وقد نفى سماعه منه أحمد، ولكن أثبته أبو زرعة كما في «جامع التحصيل»، والمثبت مقدم على النافي.\nوهذا الحديث يدل على النهي عن التبول في الجحر، وقد حمله الشافعية، والحنابلة، وغيرهم على كراهة التنزيه كما في «المجموع» (١/ ٨٥ - ٨٦)، و«المغني» (١/ ٢٢٥)، لكن قال الشوكاني -﵀- في «السيل الجرار» (١/ ٦٦): والنهي حقيقة للتحريم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>مسألة [٣]: حكم البول قائمًا</span>.\nجاء عن حذيفة بن اليمان -﵄- في «الصحيحين» (^١): أنه رأى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٢٤)، ومسلم برقم (٢٧٣).","vol":"1","page":382},{"text":"قائمًا. وجاء عن عائشة -﵂- أنها قالت: من حدثكم أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بال قائمًا فقد كذب، ما بال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قائمًا منذ نزل عليه القرآن. أخرجه الترمذي برقم (١٢) بإسناد صحيح.\nفتبين من هذين الحديثين أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان أكثر ما يبول وهو جالس؛ ولذلك أنكرت عائشة، وكذَّبتْ من يقول: إن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بال قائمًا. وهذا حسب علمها، وقد أثبته حذيفة، فيدل على جوازه أيضًا، وإن كان الأكثر هو الجلوس.\nوقد صحَّ عن ابن مسعود أنه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائمٌ. وكان سعد ابن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائمًا، وهؤلاء محجوجون بحديث حذيفة -﵁-؛ ولذلك قال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ٣٣٣ -): ثبت عن جماعة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنهم بالوا قيامًا، وممن ثبت ذلك عنه: عمر بن الخطاب، وروي ذلك عن علي، وثبت ذلك عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وسهل بن سعد، وروي ذلك عن أنس، وأبي هريرة، وفعل ذلك محمد بن الحسن، وعروة بن الزبير.\nقلتُ: وهذه الآثار عن الصحابة كلها صحيحة عنهم؛ إلا أثر أنس، وأبي هريرة -﵄-.\nقال ابن المنذر -﵀-: يبول جالسًا أحب إليَّ للثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه بال جالسًا، ولأنَّ أهل العلم لا يختلفون فيه، ولا أنهى عن البول قائمًا؛ لثبوت حديث حذيفة. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٢/ ٨٤ -)، و«المغني» (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤).","vol":"1","page":383},{"text":"قلتُ: ولكن لا ينبغي له أن يبول في موضع صلب؛ حتى لا يتطاير عليه البول كما ذكر ذلك مالك بن أنس -﵀- كما في «الأوسط» (١/ ٣٣٦)، وكذلك لا يبول قائمًا مع وجود ريح ترد عليه البول كما ذكر ذلك الإمام ابن عثيمين -﵀-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>مسألة [٤]: ارتياد موضع للبول</span>.\nجاء عند أحمد (٤/ ٣٩٦)، وأبي داود (٣)، وغيرهما من حديث أبي موسى -﵁-، قال: مال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى دمث، إلى جنب حائط، فبال، وقال: «إذا بال أحدكم، فليرتد لبوله»، ولكن في إسناده رجلٌ مبهمٌ، فهو حديث ضعيفٌ.\nقال الشوكاني -﵀-: قوله: «فليرتد»، أي: يطلب محلًّا لينًا سهلًا، والحديث يدل على أنه ينبغي لمن أراد قضاء الحاجة أن يعمد إلى مكانٍ ليِّنٍ لا صلابة فيه؛ ليأمن من رشاش البول، ونحوه، وهو وإن كان ضعيفًا، فأحاديث الأمر بالتنزه عن البول تفيد ذلك. اهـ\nوقال النووي -﵀- في «المجموع» (٢/ ٨٤): هذا الأدب متفقٌ على استحبابه. اهـ (^١) وكذلك يستحب له أن لا يبول مقابلًا للريح، حتى لا تَرُدَّ عليه رشاش البول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>مسألة [٥]: البول في المستحم</span>.\nجاء في «مسند أحمد» (٥/ ٥٦)، و«سنن أبي داود» (٢٧)، وغيرهما من حديث عبد الله بن مغفل -﵁-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يبولَنَّ أحدكم في مستحمه؛\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٢٢٣).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٢/ ٩٣).","vol":"1","page":384},{"text":"فإنَّ عامة الوسواس منه»، وصححه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند».\nوجاء النهي عن ذلك أيضًا من حديث رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أخرجه أحمد (٤/ ١١٠)، وهو في «الصحيح المسند» أيضًا.\nقال الترمذي -﵀- في «سننه» (١/ ٣٣) رقم (٢١): وقد كره قومٌ من أهل العلم البول في المغتسل، وقالوا: عامة الوسواس منه، ورخَّص فيه بعض أهل العلم، منهم: ابن سيرين، وقال ابن المبارك: قد وسع في البول في المغتسل، إذا جري فيه.\nقلتُ: وممن ذهب إلى الكراهة مطلقًا، وإن كان يجري: إسحاق بن راهويه، وقال بقول ابن المبارك الثوريُّ، وعطاء، وابن المنذر -أعني جوازه فيما إذا كان له منفذ يجري منه- وكراهته فيما إذا كان مستقرًّا لا يجري. (^١)\nوهذا القول هو المعتمد، والله أعلم.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ١٠٣): أما المستحم الذي يستحم الناس فيه، فلا يجوز التغوط فيه؛ لأنه لا يذهب، أما البول فجائزٌ؛ لأنه يذهب، مع أنَّ الأولى عدمه، لكن قد يحتاج الإنسان إلى البول، كما لو كانت باقي الحمامات مشغولة.\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (١/ ٣٣٢).","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>بَابُ الاغْتِسَالِ وَحُكْمِ الجُنُبِ</span>\n١٠٣ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «المَاءُ مِنَ المَاءِ» (^١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَصْلُهُ فِي «البُخَارِيِّ». (^٢)\nصفات المني:\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ١٤١): مَنِي الرجل في حال صحته أبيض، ثخين، يتدفق في خروجه دفعة بعد دفعة، ويخرج بشهوة، ويتلذذ بخروجه، ثم إذا خرج يعقبه فتور، ورائحته كرائحة طلع النخل، قريبة من رائحة العجين، وإذا يبس كانت رائحته كرائحة البيض هذه صفاته، وقد يفقد بعضها مع أنه مني موجب للغسل.\nثم قال -﵀-: وأما مني المرأة، فأصفر رقيق، قال إمام الحرمين، والغزالي: ولا خاصية له؛ إلا التلذذ، وفتور شهوتها عقيب خروجه، ولا يُعرف إلا بذلك. اهـ\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>مسألة [١]: خروج المني يوجب الغسل</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٦٦): فخروج المني الدَّافق بشهوة يوجب الغسل من الرجل والمرأة في يقظة، أو في نوم، وهو قول عامة الفقهاء، قاله\n_________\n(^١) معناه: الاغتسال من إنزال الماء، فالماء الأول هو الماء المعروف، والثاني المراد به المني.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٣٤٣)، وأصله في «البخاري» برقم (١٨٠).","vol":"1","page":386},{"text":"الترمذي، ولا نعلم فيه خلافًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>مسألة [٢]: خروج المني لمرضٍ، أو إبردة</span>.\nالإبردة: برد الجوف.\n• ذهب أحمد، ومالك، وأبو حنيفة إلى أنه لا غسل عليه، واستدلوا بحديث علي: «إذا فضخت الماء، فاغتسل».\nأخرجه أبو داود (٢٠٦)، وهو حديث ضعيفٌ، والفضخ: هو شدة الخروج.\nقال ابن قدامة -﵀-: ويجوز أن يمنع كونه منيًّا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصف المني بصفة غير موجودة في هذا. اهـ\nوهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الشيخ ابن عثيمين، والإمام ابن باز رحمة الله عليهم أجمعين.\n• وذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى وجوب الغسل إذا تيقن أنه مني.\nورجَّح هذا القول ابن حزم في «المحلَّى»، وهو الصحيح؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الماء من الماء». (^٢)\nفائدة: قال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ١٣٩): وحكى صاحب «البيان» عن النخعي أنه قال: لا يجب على المرأة الغسل بخروج المني.\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٢/ ١٣٩).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٢/ ١٣٩)، «المغني» (١/ ٢٦٦)، «المحلَّى» (١٧٣)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٩٦)، «فتاوى اللجنة» (٥/ ٣٠٩ -).","vol":"1","page":387},{"text":"ولا أظن هذا يصح عنه؛ فإنْ صَحَّ عنه؛ فهو محجوج بحديث أم سلمة.\nوقد نقل أبو جعفر محمد بن جرير الطبري إجماع المسلمين على وجوب الغسل بإنزال المني من الرجل والمرأة، والله أعلم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>مسألة [٣]: إذا أحس بانتقال المني، فأمسك ذكره</span>.\nإذا أمسك ذكره، فلم يخرج منه بالحال، ولا علم خروجه بعد ذلك، فلا غسل عليه عند جمهور العلماء، وهو رواية عن أحمد، وذهب أحمد في المشهور عنه إلى أنه يجب الغسل، قال: ولا يتصور رجوع المني.\nوالراجح هو القول الأول؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الماء من الماء»، ولأنَّ العلماء مجمعون على أن من أحس بالحدث، كالقرقرة، والريح، ثم لم يخرج منه شيء، لا وضوء عليه، فكذلك ههنا.\nوقد رجَّح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الشيخ ابن عثيمين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>مسألة [٤]: إذا اغتسل بعد خروج المني، وبعد اغتساله خرج مني آخر</span>؟\n• ذهب الشافعي، والليث، وأحمد في رواية، وابن حزم إلى أنَّ عليه غسلًا آخر؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الماء من الماء».\n• وذهب مالك، والثوري، وإسحاق، وهو المشهور عن أحمد إلى أنه لا غسل عليه، ويكفيه الوضوء.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٢٦٧)، «المجموع» (٢/ ١٤٠)، «الشرح الممتع» (١/ ٢٨١).","vol":"1","page":388},{"text":"وحكى ابن المنذر هذا القول عن (علي بن أبي طالب، وابن عباس) (^١)،\nوعطاء، والزهري، وغيرهم.\n• وذهب أبو حنيفة في رواية -وروي عن أحمد- إلى أنه إن كان لم يبل بعد الغسل، ثم خرج المني، فلا غسل عليه؛ لأنه بقية المني الذي اغتسل منه، وإلا فيجب الغسل، وروي عن أبي حنيفة عكس هذا.\nقال الخلال -﵀-: تواترت الروايات عن أبي عبد الله يعني أحمد أنه ليس عليه إلا الوضوء، بال، أو لم يبل، فعلى هذا استقر قوله.\nقلتُ: وهو الصحيح؛ لأنَّ خروج المني بعد الاغتسال بدون عمل شيء من مسببات خروج المني يدل على أنه بقية المني الأول الذي اغتسل منه، وإنما تأخر خروجه لانتشار ذكره، فلما اغتسل، وتقلص ذكره، خرج، والله أعلم، وهذا اختيار الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>مسألة [٥]: إذا اغتسلت المرأة، ثم خرج ماء الرجل منها</span>؟\n• جاء عن الحسن البصري أنه قال: تغتسل؛ لأنه مني خارج منها، فأشبه ماءها.\n_________\n(^١) الأثران أخرجهما ابن أبي شيبة (١/ ١٣٩)، وابن المنذر (٢/ ١١٢).\n\nوأثر علي -﵁- ضعيف جدًّا؛ لأنَّ في إسناده: الحارث الأعور، وقد كُذِّب، وأثر ابن عباس -﵄- إسناده صحيح.\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٢/ ١٣٩)، «المغني» (١/ ٢٦٨)، «المحلَّى» (١٧٦)، «مجموع فتاوى ابن باز» (١٠/ ١٨٨)، «فتاوى العثيمين» (١١/ ٢٢١).","vol":"1","page":389},{"text":"• وذهب قتادة، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق إلى أنه لا غسل عليها، وعليها الوضوء.\n• وذهب ابن حزم إلى أنه لا وضوء عليها ولا غسل.\nوالراجح أنه لا غسل عليها، وعليها الوضوء. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>مسألة [٦]: إذا أتى الرجل امرأته في طرف فرجها، ولم يولج شيئًا من ذكره، فدبَّ ماؤه إلى فرجها، فهل عليها الغسل</span>؟\n• ذهب الزهري، وعطاء، وقتادة إلى أنَّ عليها الغسل.\n• وذهب أحمد، وابن حزم إلى أنه لا غسل عليها إلا إذا أَمْنَتْ، وهو الصحيح؛ لأنه لم يحصل الجماع، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٢٧١)، «المحلَّى» (١٧٤).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١/ ٢٧١)، «المحلَّى» (١٧٥).","vol":"1","page":390},{"text":"١٠٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ (^١)، ثُمَّ جَهَدهَا، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢)، زَادَ مُسْلِمٌ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ».\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>مسألة [١]: هل يجب الغسل بالجماع بدون إنزال</span>؟\nدلَّ حديث أبي هريرة -﵁- المذكور على وجوب الغسل من ذلك، وجاءت رواية عند أبي داود (٢١٦): «وألزق الختان بالختان، فقد وجب الغسل»، وإسناده صحيح.\nوأخرج مسلم (٣٤٩) من حديث عائشة -﵂-، قالت: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل».\nوأخرج مسلم (٣٥٠) من حديث عائشة -﵂-: أنَّ رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: الرجل يجامع أهله، ثم يكسل، هل عليهما الغسل؟ فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إني لأفعل ذلك، أنا وهذه، ثم نغتسل».\nفدَلَّت هذه الأحاديث على أن تغييب الحشفة في الفرج موجب للغسل،\n_________\n(^١) قيل: المراد بـ «شعبها الأربع» رجلاها وشفراها. وقيل: يداها ورجلاها. وقيل: ساقاها وفخذاها. وقيل: فخذاها وإسكتاها. وقيل: فخذاها وشفراها. والإسكتان هما: ناحيتا الفرج. والشفران: طرفا الناحيتين. «الفتح» (٢٩١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٩١)، ومسلم (٣٤٨).","vol":"1","page":391},{"text":"وسواء كانا مختتنين، أو لا، وسواء أصاب موضع الختان منه موضع ختانها، أو لم يصبه، ولو مسَّ الختان الختان من غير إيلاج؛ فلا غسل عليه بالإجماع، نقله النووي، وابن قدامة، والحافظ ابن حجر، وغيرهم.\nوقد ذهب إلى وجوب الغسل بمجرد إيلاج الذكر في الفرج كافة العلماء، ولم يخالف إلا داود الظاهري، وأما عن الصحابة، فقد جاء عن بعضهم القول بأنه عليه الوضوء فقط، جاء ذلك في «البخاري» (٢٩٢)، عن عثمان بن عفان، وعلي ابن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب -﵃-.\nوقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في «الصحيحين» (^١) عن عثمان، وأبي بن كعب، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «يغسل ما مسَّ المرأة منه، ثم يتوضأ، ويصلي»، واللفظ لأُبي بن كعب.\nقلتُ: ويؤيد هذه الأحاديث حديث أبي سعيد المتقدم: «الماء من الماء»، لكن قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ١٣٧): والجواب عن الأحاديث التي احتجوا بها أنها منسوخة، هكذا قاله الجمهور، وثبت عن ابن عباس -﵄- جواب آخر، وهو: أن معنى «الماء من الماء»، أي: لا يجب الغسل بالرؤية في النوم إلا أن ينزل، وأما الآثار التي عن الصحابة -﵃-، فقالوها قبل أن يبلغهم النسخ، ودليل النسخ أنهم اختلفوا في ذلك، فأرسلوا إلى عائشة -﵂-، فأخبرتهم أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع، وجهدها وجب الغسل»، فرجع إلى قولها من خالف، وعن سهل بن سعد الساعدي قال: حدثني أُبي بن كعب أن الفُتْيَا التي\n_________\n(^١) أخرجهما البخاري برقم (٢٩٢) (٢٩٣)، ومسلم برقم (٣٤٦) (٣٤٧).","vol":"1","page":392},{"text":"كانوا يفتون: «إنما الماء من الماء»، كانت رخصة رخصها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد، وفى رواية: ثم أُمرنا، حديث صحيح رواه الدارمي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي، وغيرهم بأسانيد صحيحة (^١)، قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح. وعن محمود بن لبيد قال: سألت زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله، ثم يكسل ولا ينزل؟ قال: يغتسل. فقلت: إن أُبَيًّا كان لا يرى الغسل. فقال زيد: إن أُبَيًّا نزع عن ذلك قبل أن يموت. رواه مالك في «الموطإ» (١/ ٤٧) بإسناد حسن، قوله: (نزع)، أي: رجع، ومقصودي بذكر هذه الأدلة بيان أحاديث المسألة، والجمع بينها، وإلا فالمسألة اليوم مُجْمَعٌ عليها، ومخالفة داود لا تقدح في الإجماع عند الجمهور. انتهى كلام النووي -﵀-.\nوقوله: (إن مخالفة داود لا تقدح في الإجماع)، غير صحيح، وقد تقدم تَعَقُّبُ الشوكاني له في مسألة وجوب السواك، فراجعه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>مسألة [٢]: هل يجب الغسل إذا جامع في الدبر، أو الميتة، أو البهيمة، ولم ينزل</span>؟\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الإيلاج في فرج المرأة، ودبرها، ودبر الرجل، ودبر البهيمة، وفرجها، وكذلك فرج المرأة الميتة يوجب الغسل.\n_________\n(^١) أخرجه الدارمي برقم (٧٦٥)، وأبو داود برقم (٢١٥)، والترمذي برقم (١١٠)، وابن ماجه برقم (٦٠٩)، والبيهقي (١/ ١٦٥ -).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٢/ ١٣٦ - ١٣٧)، «المغني» (١/ ٢٧١).","vol":"1","page":393},{"text":"• ومنع أبو حنيفة الغسل بإيلاجه في البهيمة، والميتة، بأنه لا يقصد به اللذة، فلم يجب كإيلاج أصبعه.\nوالجواب عن قوله من وجهين:\nالأول: أنه منتقض بوطء العجوز الشهواء، المتناهية في القبح، العمياء، الجذماء، البرصاء، المقطعة الأطراف؛ فإنه يوجب الغسل بالاتفاق، مع أنه لا يقصد به لذة في العادة.\nالثاني: أن الأصبع ليست آلة للجماع، بخلاف الذكر.\nومنع ابن حزم الغسل من الدبر، والبهيمة، واختار شيخ الإسلام الغسل من الوطء في الدبر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>مسألة [٣]: هل يجب على الصبي، أو الصبية إذا أولجَ، أو أُولِجَ فيه الغسل</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ١٣٢): وأما الصبي إذا أولج في امرأة، أو دبر رجل، أو أولج رجل في دبره؛ فيجب الغسل على المرأة والرجل، وكذا إذا استدخلت امرأة ذكر صبي؛ فعليها الغسل، ويصير الصبي في كل هذه الصور جُنبًا، وكذا الصبية إذا أولج فيها رجل أو صبي، وكذا لو أولج صبي في صبي، وسواء في هذا الصبي المميز وغيره، وإذا صار جنبًا لا تصح صلاته ما لم يغتسل، كما إذا بال لا تصح صلاته حتى يتوضأ، ولا يقال: يجب عليه الغسل،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٢٧٣)، «المجموع» (٢/ ١٣٦ - ١٣٧)، «المحلَّى» (١٨٧)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٤٣ - ٢٤٤).","vol":"1","page":394},{"text":"كما لا يقال: يجب عليه الوضوء، بل يقال: صار مُحْدِثًا، ويجب على الولي أن يأمره بالغسل إن كان مميزًا، كما يأمره بالوضوء؛ فان لم يغتسل حتى بلغ لزمه الغسل، كما إذا بال، ثم بلغ يلزمه الوضوء، وإن اغتسل وهو مميز صح غسله، فإذا بلغ لا تلزمه إعادته كما لو توضأ، ثم بلغ يصلي بذلك الوضوء. انتهى.\nوقد جاء عن أحمد بن حنبل أنه قال: يجب الغسل.\nلكن قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٧٤): وليس معنى وجوب الغسل في الصغير التأثيم بتركه، بل معناه أنه شرطٌ لصحة الصلاة، والطواف، وإنما يأثم البالغ بتأخيره في موضع يتأخر الواجب بتركه، ولذلك لو أخره في غير وقت الصلاة لم يأثم، والصبي لا صلاة عليه، فلم يأثم بالتأخير، وبقي في حقِّه شرطًا كما في حق الكبير، وإذا بلغ كان حكم الحدث في حقه باقيًا كالحدث الأصغر، ينقض الطهارة في حق الصغير والكبير، والله أعلم. انتهى بتصرفٍ يسير.\nتنبيه: يجب الغسل على من أَوْلَجَ، أو أُوْلِجَ فيه، ولو كان ناسيًا، أو مُكْرَهًا، أو نائمًا، أو مجنونًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>مسألة [٤]: إذا لفَّ على ذَكَرِهِ خِرْقَةً، أو كيسًا، ثم جامع</span>؟\n• فيه ثلاثة أقوال، وهي ثلاثة أوجه عند الشافعية:\nالأول: وجوب الغسل عليهما؛ لأنَّ الأحكام متعلقة بالإيلاج، وقد حصل، ويشمله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ثم جهدها، فقد وجب الغسل»، وصححه النووي.\n_________\n(^١) «المغني» (١/ ٢٧٣)، «المجموع» (٢/ ١٣٢).","vol":"1","page":395},{"text":"الثاني: لا يجب الغسل، ولا الوضوء؛ لأنه أولج في خرقة، ولم يلمس بشرة.\nالثالث: إن كانت الخرقة غليظة، تمنع اللذة، لم يجب، وإن كانت رقيقة لا تمنعها، وجب.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: وهذا أقرب، والأحوط أن يغتسل. اهـ. (^١)\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: القول الأول أقرب، والله أعلم.\nفائدة: قال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ١٣٣): وجميع الأحكام المتعلقة بالجماع يشترط فيها تغييب الحشفة بكمالها في الفرج، ولا يشترط زيادة على الحشفة، ولا يتعلق ببعض الحشفة وحده شئ من الأحكام، وهذا كله متفق عليه في جميع الطرق إلا وجهًا شاذًّا -يعني عند الشافعية- ويكفى في بطلانه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا التقى الختانان وجب الغسل».\nأما إذا قطع الذكر؛ فإن كان الباقي دون قدر الحشفة لم يتعلق به شئ من الأحكام باتفاق الأصحاب، وإن كان قدرها فقط تعلقت الأحكام بتغيبه كله دون بعضه، وإن كان أكثر من قدر الحشفة، فوجهان مشهوران -يعني عند الشافعية- ورجَّح الأكثرون تعلق الحكم بقدر الحشفة. انتهى بتصرف يسير. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٢/ ١٣٦)، «الشرح الممتع» (١/ ٢٨٣).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١/ ٢٧٣).","vol":"1","page":396},{"text":"١٠٥ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي المَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ- قَالَ: «تَغْتَسِلُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، زَادَ مُسْلِمٌ: فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟».\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>مسألة [١]: حالات رؤية الماء بعد النوم</span>.\nله ثلاث حالات:\nالأولى: أن يحتلم، ثم يصبح ويرى الماء على ثوبه، فيجب عليه الغسل.\nالثانية: أن يحتلم، ثم يصبح ولا يرى شيئًا، فليس عليه غسل.\nالثالثة: أن لا يذكر أنه رأى شيئًا، ثم يصبح ويرى الماء على ثوبه، فعليه الغسل.\nوهذه الثلاث الحالات مُجْمَعٌ عليها، ودليلها حديث الباب، وقد جاء بنحوه من حديث أم سلمة في «الصحيحين»، وفيه: «نعم إذا رأت الماء». (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>مسألة [٢]: إذا انتبه من النوم، فرأى بللًا، ولا يعلم هل هو مني، أو غيره</span>؟\n• من كان هذا حاله، فعليه أن ينظر، ويتحرى بالشم، وغيره؛ فإن غلب على ظنِّه أنه مني، وجبَ عليه الغسل، وإن غلب على ظنِّه أنه مذيٌ، فلا غسل عليه، وإن لم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٣١١) ولم يخرجه البخاري، وهو عند مسلم من رواية أنس عن أم سليم، فصحابي الحديث أم سليم فتنبه، وجاء عن أنس عند مسلم (٣١٠) (٣١٢) بنحوه.\n(^٢) انظر: «المغني» (١/ ٢٦٩)، «المجموع» (٢/ ١٤٢).","vol":"1","page":397},{"text":"يظهر له، ولم يترجَّح له شيء، بل بقي على شكِّهِ، فقال مجاهد، وقتادة: لا غسل عليه. وهو قول الحكم، وحماد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي يوسف، وأحمد في رواية، كما في «الفتح» لابن رجب (٢٨٢)، وقد أشار ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٨٦) إلى ترجيح هذا القول.\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٧٠): ولأنَّ اليقين بقاء الطهارة، فلا يزول بالشك، والأولى الاغتسال لإزالة الشك.\n• وذهب بعضهم إلى وجوب الغسل عليه، وهو قول عطاء، والشعبي، والنخعي، وسفيان، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، واختار ابن رجب كما في «الفتح» (٢٨٢)؛ لأن ذمته قد اشتغلت بالطهارة فلم تبرأ بدون الوضوء، والغسل.\nويجاب عنه: بأنه اشتغلت بالطهارة عن الحدث الأصغر بيقين، وأما الحدث الأكبر فهو مشكوك فيه، والأصل عدمه، والله أعلم.\nوقد رَجَّح عدم وجوب الغسل الشيخ محمد بن إبراهيم في «فتاواه» (٢/ ٧٩)، والشيخ ابن باز كما في «فتاوى اللجنة الدائمة» (٥/ ٢٩١)، والشيخ ابن عثيمين في «الشرح الممتع» (١/ ٢٨٠)، رحمة الله عليهم أجمعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>مسألة [٣]: إذا رأى المني في ثوبه، أو فراشه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (١/ ٢٧٠): فإن رأى في ثوبه منيًّا، وكان مما لا ينام فيه غيره، فعليه الغسل؛ لأنه لا يحتمل أن يكون إلا منه، ويعيد الصلاة من أحدث نومة نامها فيه، إلا أن يرى أمارة تدل على أنه قبلها، فيعيد من أدنى","vol":"1","page":398},{"text":"نومة يحتمل أنه منها.\nثم قال: فأما إن وجد الرجل منيًّا في ثوب ينام فيه هو وغيره ممن يحتلم؛ فلا غسل على واحد منهما؛ لأنَّ كل واحد منهما بالنظر إليه مفردًا يحتمل أن لا يكون منه، فوجوب الغسل عليه مشكوك فيه، وليس لأحدهما أن يأتم بصاحبه؛ لأنَّ أحدهما جنبٌ يقينًا، فلا تصح صلاتهما. انتهى بتصرف. (^١)\nفائدة: المذي، والودي لا يوجبان الغسل بالإجماع. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٢/ ١٤٢).\n(^٢) «المجموع» (٢/ ١٤٢،١٤٤).","vol":"1","page":399},{"text":"١٠٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ مِنَ الجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الجُمُعَةِ، وَمِنَ الحِجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ المَيِّتِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\n\n١٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- -فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ، عِنْدَمَا أَسْلَمَ- وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَغْتَسِلَ. رَوَاهُ عَبْدُالرَّزَّاقِ (^٢)، وَأَصْلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>مسألة [١]: حكم غسل الكافر إذا أسلم</span>.\n• في المسألة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: وجوب الغسل مطلقًا، سواء كان أصليًّا، أو مرتدًا، سواء كان جنبًا، أو لا، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي ثور، وابن المنذر، والخطابي،\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٣٤٨)، وابن خزيمة (٢٥٦) واللفظ لأبي داود.\nولفظ ابن خزيمة من قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا من فعله. وفي إسناد الحديث مصعب بن شيبة، وهو ضعيف. وضعف أبو داود حديثه هذا، وعدّه الذهبي في «الميزان» (٤/ ١٢٠) من مناكيره، وقال أبو زرعة: لا يصح هذا. انظر: «النكت الظراف على تحفة الأشراف» (١١/ ٤٣٩).\n(^٢) صحيح. أخرجه عبدالرزاق في «مصنفه» (٦/ ٩ - ١٠) وإسناده صحيح، وفيه «فأمره أن يغتسل فاغتسل وصلى ركعتين».\n(^٣) أصله في «البخاري» (٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤).\n\nوفيه: فانطَلَقَ إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ففيه أن الشهادتين بعد الغسل.\nفائدة: قال البيهقي في «سننه» (١/ ١٧١): يحتمل أن يكون أسلم عند النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثم اغتسل ودخل المسجد فأظهر الشهادتين جمعًا بين الروايتين.","vol":"1","page":400},{"text":"واستدلوا بحديث الباب، وبحديث قيس بن عاصم عند أبي داود (٣٥٥)، والنسائي (١/ ١٠٩): أنه أسلم، فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يغتسل بماء وسدر، وقد صححه شيخنا -﵀- في «الجامع الصحيح»، ورجَّح هذا القول، فبوب على الحديث: [باب الكافر إذا أسلم يغتسل]، وقد رجَّح هذا القول الشوكاني في «نيل الأوطار»، و«السيل الجرار»، ورجحه الإمام ابن عثيمين.\nالقول الثاني: استحباب الغسل؛ إلا إذا كان جُنُبًا، فيجب، وهو قول الشافعي -﵀-، ورواية عن أحمد، رجَّحها بعض الحنابلة، منهم صاحب «الإنصاف»، واستدلوا على الاستحباب بالحديثين المتقدمين، وقالوا: الأمر فيهما للاستحباب؛ لأنَّ كثيرًا من الصحابة أسلموا ولم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالغسل.\nوأما غسل الجنابة، وما شابهه، فيجب؛ لأنَّ الإسلام لا يرفع الحدث، وكما أنه يلزمه لرفع الحدث الأصغر الوضوء بلا خلاف، فكذلك يلزمه لرفع الحدث الأكبر الغسل.\nالقول الثالث: استحباب الغسل مطلقًا، وهو قول أبي حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الإسلام يهدم ما كان قبله»، أخرجه مسلم (١٢١) عن عمرو بن العاص -﵁-.\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ للأدلة المتقدمة، ولأنَّ الكافر لا يسلم غالبًا من جنابة تلحقه، وهو لا يغتسل، ولا يرتفع حدثه إذا اغتسل؛ لأنه ليس من أهل العبادات، والعبادة تحتاج إلى نية، ولا تصح من الكافر؛ فَأُقِيمت","vol":"1","page":401},{"text":"مظنَّة ذلك مقام حقيقته، كما أُقِيم النوم مقام الحدث، والتقاء الختانين مقام الإنزال.\nوأما قول الشافعية: (أسلم جمعٌ كبير، ولم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالغسل)، فالجواب أنه لم يأمرهم جميعًا بالغسل؛ لأنه أصبح أمرًا مشهورًا عندهم، أنَّ من أسلم وجب عليه الغسل، وأمر بعض الأمة أمرٌ لجميعها.\nقال الشوكاني -﵀- في «السيل» (١/ ١٢٣) بعد أن ذكر الحديثين المتقدمين: والظاهر الوجوب، ولا وجه لما تمسك به من قال بعدم الوجوب من أنه لو كان واجبًا لأمر به النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من أسلم؛ لأَنَّا نقول: قد كان هذا في حكم المعلوم عندهم، ولهذا فإن ثمامة لما أراد الإسلام ذهب، فاغتسل، كما في «الصحيحين»، والحكم يثبت على الكل بأمر البعض، ومن لم يعلم الأمر بذلك لكل من أسلم لا يكون عدم علمه حجة له. انتهى.\nقلتُ: واستدلال الشافعية على عدم الوجوب؛ لكون النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر كثيرًا ممن أسلموا بالاغتسال ينقض قولهم في وجوبه على الجنب؛ لأنَّ كثيرًا ممن أسلموا كانوا بالغين، متزوجين، ولم يأمرهم بالغسل.\nفإنْ قالوا: كان الاغتسال من الجنابة معلومًا لديهم.\nقيل لهم: وكان أيضًا الاغتسال للإسلام معلومًا لديهم، والله أعلم.\nوأما استدلال أبي حنيفة بالآية، والحديث، فقد قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ١٥٢ - ١٥٣): وأما الآية الكريمة، والحديث، فالمراد بهما غفران","vol":"1","page":402},{"text":"الذنوب، فقد أجمعوا على أنَّ الذمي لو كان عليه دَيْنٌ، أو قِصاصٌ، لا يسقط بإسلامه. اهـ. (^١)\nتنبيه: في حديث عائشة -﵂- المتقدم في الباب ذكر الاغتسال من الحجامة، والحديث ضعيف؛ فلا يعول عليه، وعليه فلا يشرع الغسل من الحجامة، وما يروى عن علي -﵁- أنه قال: الغسل من الحجامة سنة، وإن تطهرت أجزأك. فلم نقف له على إسناد.\nوأما الغسل من غسل الميت فقد تقدم الكلام عليه في [باب نواقض الوضوء] عند حديث رقم (٧٢).\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٢٧٥ - ٢٧٦)، «المجموع» (٢/ ١٥٣)، «نيل الأوطار» (١/ ٣٤٥ -) «السيل الجرار» (١/ ١٢٣)، «توضيح الأحكام» (١/ ٣٨٠ - ٣٨١)، «الشرح الممتع» (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥).","vol":"1","page":403},{"text":"١٠٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «غُسْلُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ. (^١)\n\n١٠٩ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أَفْضَلُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>مسألة [١]: حكم غسل الجمعة</span>.\n• في المسألة قولان مشهوران:\nالأول: الوجوب، وهو قول أبي هريرة، وأبي سعيد، وعمر بن الخطاب،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٥٨)، ومسلم (٨٤٦)، وأحمد (٣/ ٦٠)، وأبوداود (٣٤١)، والنسائي (٣/ ٩٢)، وابن ماجه (١٠٨٩) ولم يخرجه الترمذي فتنبه، وإنما أشار إليه عقب الحديث (٤٩٢).\n(^٢) ضعيف. أخرجه أحمد (٥/ ١٥)، وأبوداود (٣٥٤)، والترمذي (٤٩٧)، والنسائي (٣/ ٩٤) من طريق الحسن، عن سمرة بن جندب به. وقد اختلف في سماع الحسن من سمرة والراجح أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، وبقية الأحاديث من صحيفة وجدها عند أولاد سمرة، والذي يظهر أن ذلك لا يفيده الصحة؛ لعدم معرفتنا لصحة ذلك الكتاب، وسمرة له ولدان: سليمان وسعد وكلاهما مجهول.\nوللحديث شواهد من حديث أنس وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة وابن عباس، وكلها شديدة الضعف لا تصلح لتقوية الحديث. انظرها في «نصب الراية» (١/ ٨٨ - ٩٣).\nتنبيه: ابن ماجه لم يخرج هذا الحديث عن سمرة، وإنما أخرجه في «سننه» (١٠٩١) من حديث أنس، وفي إسناده يزيد الرقاشي، وهو متروك، وإسماعيل بن مسلم المكي وهو شديد الضعف، وقد توبع إسماعيل عند الطحاوي، فبقيت العلة في يزيد، والله أعلم.","vol":"1","page":404},{"text":"وعمار، حكاه عنهم ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٤٠ - ٤١)، وهو ثابتٌ عنهم غير عمار، وهو قول الظاهرية، ورواية عن أحمد، ونقله ابن المنذر عن الحسن البصري، ومالك بن أنس، ورجحه ابن حزم في «المحلَّى»، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي، وغيرهما.\nواستدل هؤلاء بحديث أبي سعيد الخدري -﵁- الذي في الباب، وبحديث عبدالله بن عمر -﵄- في «الصحيحين» (^١): «من أتى منكم الجمعة، فليغتسل».\nوبحديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «حقٌّ على كل مسلم أن يغتسل كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده»، متفق عليه. (^٢)\nوبحديث حفصة -﵂-: «على كل محتلم رواح الجمعة، وعلى كل من راح الجمعة الغسل»، رواه أبو داود (٣٤٢)، وهو في «الصحيح المسند».\nالثاني: الاستحباب، وهو قول جمهور أهل العلم، وقال به من الصحابة: ابن مسعود، وابن عباس -﵃-، كما في «الأوسط» لابن المنذر (٤/ ٤١) وهو ثابت عنهما.\nواستدل الجمهور بحديث سمرة الذي الباب، وبحديث أبي هريرة في «صحيح مسلم» (٨٥٧) (٢٦): أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، واستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، ومن مس الحصا فقد لغا».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٨٩٤)، ومسلم برقم (٨٤٤).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٨٩٧)، ومسلم برقم (٨٤٩).","vol":"1","page":405},{"text":"واستدلوا بحديث ابن عمر، وأبي هريرة في قصة عمر مع عثمان حين دخل عثمان يوم الجمعة، وعمر يخطب، فأنكر عليه عمر تأخره، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، ما زدت على أن توضأت، بعد أن سمعت النداء، ثم أقبلت. فقال عمر: والوضوء أيضًا، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يأمر بالغسل. وفي رواية أبي هريرة: وقد علمت أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من جاء منكم الجمعة، فليغتسل».\nوحديث ابن عمر -﵄- في «الصحيحين» (^١)، وحديث أبي هريرة -﵁- في «مسلم» (^٢)، واستدلوا على الاستحباب بحديث عائشة في «صحيح مسلم» (٨٤٧)، قالت: كان الناس ينتابون الجمعة من العوالي، ويصيبهم الغبار، فتخرج منهم الريح، فأتى رسولَ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنسان منهم، وهو عندي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا»، وفي رواية: «لو اغتسلتم يوم الجمعة»، قالوا: فإذا زالت العلة، زال الوجوب.\nورجح القول بالاستحباب الإمام ابن باز -﵀- كما في «فتاواه» (١٠/ ١٧١ - ١٧٣).\nوالراجح -والله أعلم- هو القول بالوجوب.\nوأما الردُّ على أدلة الجمهور، فكما يلي:\nأما حديث سمرة؛ فالرَّاجح ضعفه، وأما حديث أبي هريرة في «مسلم»: «من توضأ يوم الجمعة ...»، فقد قال الحافظ -﵀- في «الفتح»: يحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدم غسله على الذهاب، فاحتاج إلى إعادة الوضوء. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٨٧٨)، ومسلم برقم (٨٤٤) (٣).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٨٤٥).","vol":"1","page":406},{"text":"وعندي جواب آخر، وهو: أنَّ المراد بإحسان الوضوء، أي: الوضوء الذي مع الغسل؛ لأنَّ مسلمًا قد أخرج حديث أبي هريرة -﵁- (٨٥٧) (٢٦) من طريق أخرى بلفظ: «من اغتسل يوم الجمعة، ثم أتى ...»، الحديث، وكلا الإسنادين من طريق أبي صالح، وأخرجه ابن خزيمة (١٨٠٣) بإسناد صحيح من طريق المقبري عن أبي هريرة -﵁- بذكر الغسل لا الوضوء؛ فإن صحَّ هذا التوجيه، وإلا فرواية: «من اغتسل» أولى؛ لموافقتها لبقية الأحاديث في المعنى، ولموافقتها حديث سلمان في «البخاري» (٨٨٣) باللفظ، والمعنى، والله أعلم.\nوأما استدلالهم بقصة عمر، وعثمان -﵄-، فقد قال الشوكاني -﵀- في «النيل»: فما أراه إلا حجة على القائل بالاستحباب، لا له؛ لأن إنكار عمر على رأس المنبر في ذلك الجمع على مثل ذلك الصحابي الجليل من أعظم الأدلة القاضية بأنَّ الوجوب كان معلومًا عند الصحابة، ولو كان الأمر عندهم على عدم الوجوب؛ لما عوَّل ذلك الصحابي في الاعتذار على غيره، فأي تقرير من عمر، ومن حضر بعد هذا، ولعل النووي، ومن معه ظنُّوا أنه لو كان الاغتسال واجبًا؛ لنزل عمر من منبره، وأخذ بيد ذلك الصحابي، وذهب به إلى المغتسل، أو لقال: لا تقف في هذا الجمع، واذهب فاغتسل، فإنَّا سننتظرك. أو ما أشبه ذلك، ومثل هذا لا يجب على من رأى الإخلال بواجب من واجبات الشريعة، وغاية ما كُلِّفْنا به في الإنكار على من ترك واجبًا هو ما فعله عمر في هذه الواقعة، على أنه يحتمل أن يكون قد اغتسل","vol":"1","page":407},{"text":"أول النهار؛ لما ثبت في «صحيح مسلم» (^١) عن حمران مولى عثمان، أنَّ عثمان لم يكن يمضي عليه يوم حتى يفيض عليه الماء، وإنما لم يعتذر لعمر بذلك كما اعتذر عن التأخر؛ لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة، وقد حكى ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه أن قصة عمر، وعثمان تدل على وجوب الغسل، لا على عدم وجوبه، من جهة ترك عمر الخطبة، واشتغاله بمعاتبة عثمان، وتوبيخ مثله على رؤوس الناس، ولو كان الترك مباحًا؛ لما فعل ذلك عمر.\nوأما استدلالهم بحديث عائشة، فلا يُسَلَّمُ لهم بأنها إذا زالت العلة زال الوجوب، كما حصل في السعي، والرمي، قال الشوكاني: وكم لهذا من نظائر، لو تتبعت؛ لجاءت في رسالة مستقلة.\nوقال الحافظ -﵀- في «الفتح»: وأُجيب عن حديث عائشة بأنه ليس فيه نفي الوجوب، وبأنه سابق على الأمر به، والإعلام بوجوبه.\nقال الشوكاني -﵀- في «النيل»: وبهذا تبين عدم انتهاض ما جاء به الجمهور من الأدلة على عدم الوجوب، وعدم إمكان الجمع بينها، وبين أحاديث الوجوب؛ لأنه، وإن أمكن بالنسبة إلى الأوامر لم يمكن بالنسبة إلى لفظ واجبٍ، وحقٍّ إلا بتعسف لا يلجئ طلب الجمع إلى مثله، ولا يشك من له أدنى إلمام بهذا الشأن أنَّ أحاديث الوجوب أرجح من الأحاديث القاضية بعدمها؛ لأنَّ أوضحها دلالة على ذلك حديث سمرة، وهو غير سالم من مقال، وأما بقية الأحاديث، فليس فيه إلا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٣١).","vol":"1","page":408},{"text":"مجرد استنباطات واهية. اهـ (^١)\nتنبيه: حكى الخطابي، وغيره الإجماع على أنَّ الغسل ليس شرطًا في صحة الصلاة، وأنها تصح بدونه. اهـ «النيل» (١/ ٣٥٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>مسألة [٢]: هل الغسل لصلاة الجمعة، أم لليوم</span>؟\n• دلَّ حديث ابن عمر، وحفصة، وعمر بن الخطاب، وعائشة -﵃- المتقدمة في المسألة السابقة على أن الغسل للجمعة، لا لليوم، فلا يجزئ فعله بعد صلاة الجمعة، وهذا قول جمهور أهل العلم.\n• وذهبت الظاهرية إلى أنَّ الغسل لليوم، لا للصلاة، واستدلوا بحديث أبي سعيد: «غسل يوم الجمعة ...».\nوأُجِيب: بأنَّ هذا مطلق قيدته الروايات، وبينته بأنَّ المراد قبل الصلاة.\n• وذهب مالك إلى اشتراط الاتصال بين الاغتسال، والرواح؛ لحديث ابن عمر: «من جاء منكم الجمعة، فليغتسل».\nوأُجِيب عليه بحديث أبي سعيد -﵁-: «غسل يوم الجمعة ...»، واليوم يبدأ من طلوع الفجر، وبحديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^٢): «من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى؛ فكأنما قرب بدنة ...»، و«ثم» تفيد التراخي.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٢٢٤ - ٢٢٧)، «النيل» (١/ ٣٥٥ - ٣٥٨)، «أحكام الجمعة وبدعها» (ص ٥٩ - ٦٣)، «الأوسط» (٤/ ٣٩ -)، «الفتح» (٨٧٨) (٨٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٨٨١)، ومسلم برقم (٨٥٠).","vol":"1","page":409},{"text":"ويُستفاد من حديث أبي سعيد: «غسل يوم الجمعة ...»، على أنَّ الغسل لا يجزئ قبل طلوع الفجر، وهو قول مجاهد، والحسن، والنخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وغيرهم، وحُكِيَ عن الأوزاعي أنه يجزئه قبل طلوع الفجر، وهو قول له وجه؛ لأن المقصود من الغسل هو حضور الجمعة على نظافة وطهارة، وهو حاصل لمن اغتسل قبل الفجر، ولكن الأحوط العمل بقول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>مسألة [٣]: هل يجب على من لا تلزمه الجمعة غسل</span>؟\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يلزمهم الغسل؛ لأنَّ الجمعة نفسها لا تلزمه، وقد صحَّ عن ابن عمر أنه قال: «إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة»، علقه البخاري في «صحيحه» في كتاب الجمعة [باب: ١٢].\n• وذهب سعيد بن جبير، ومجاهد، وطاوس، وأبو ثور، وهو وجهٌ للشافعية، أنه يلزمه الغسل، واسْتُدِلَّ لهم بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «غسل يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلم»، فهذا عموم يدخل فيه العبيد، والمسافرون، والنساء، والمرضى.\nوأُجِيب: بأن هذا مبين، ومقيد بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «على كل محتلم رواح الجمعة، وعلى كل من راح الجمعة الغسل»، وبحديث ابن عمر، وعمر، وقد تقدم لفظهما.\nوقول الجمهور هو الراجح، وهو ترجيح شيخنا يحيى الحجوري حفظه الله.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٢٢٧)، «النيل» (١/ ٣٥٨)، «أحكام الجمعة وبدعها» (ص ٦٤)، «المجموع» (٤/ ٥٣٦).","vol":"1","page":410},{"text":"وإذا أتى الجمعة من لا تلزمه، فجمهور أهل العلم على استحباب الغسل له، وهناك وجهٌ للحنابلة في وجوبه؛ لأنه يشمله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أتى منكم الجمعة، فليغتسل». (^١)\nقال شيخنا يحيى الحجوري حفظه الله في «أحكام الجمعة» (ص ٦٦ - ٦٧): فالحاصل أنَّ من أتى الجمعة من البالغين، رجالًا، ونساءً، أحرارًا، وعبيدًا، مقيمين، أو مسافرين، وأمكنهم الاغتسال بغير مشقة، فالغسل للجمعة عليهم واجبٌ، ومن لم يأتها من البالغين، فيستحب له الغسل؛ لحديث: «حقٌّ على كل مسلم أن يغتسل في كل أسبوع»، أما الصبيان، فغسلهم في الجمعة وغيرها، إنما هو للتنظف، وقد حثَّ الله على التطهر في كتابه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. انتهى بتصرف يسير.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٢٢٨)، «المجموع» (٤/ ٥٣٦)، «أحكام الجمعة وبدعها» (ص ٦٥).","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>مسألة [١]: هل يجزئ غسل الجنابة عن غسل الجمعة إذا نواه</span>؟\n• قال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٤/ ٤٣): قال أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم: إنَّ المغتسل للجنابة، والجمعة غسلًا واحدًا يجزيه، وروينا هذا القول عن ابن عمر، ومجاهد، ومكحول، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور، وقال أحمد بن حنبل: أرجو أن يجزيه. اهـ\nقلتُ: أما أثر ابن عمر؛ ففي إسناده: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيفٌ، مختلطٌ.\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٢٢٨): فإنْ اغتسل للجمعة، والجنابة غسلًا واحدًا، ونواهما أجزأه، ولا نعلم فيه خلافًا. اهـ\n• وذهب الظاهرية إلى أنه يجب عليه غسلان، غسل الجنابة، وغسل الجمعة، وحجَّتهم أنهما واجبان، مستقلان، فكما أنه لا يجمع بين فرضين في الصلاة، وفي الصوم، وغيرهما، وإن نوى، فكذلك ههنا.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، ولأنَّ المراد من غسل الجمعة هو إيقاع غسل في ذلك اليوم مع النية، وبهذا فارق الصوم، والصلاة، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٤/ ٥٣٦)، «المغني» (٣/ ٢٢٨)، «المحلَّى» (١٩٥).","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>مسألة [٢]: إذا اغتسل للجمعة، ثم أجنب، أو أحدث</span>؟\n• قال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٥٣٦): لو اغتسل للجمعة، ثم أجنب لم يبطل غسله عندنا، وعند الجمهور، وقال الأوزاعي: يبطل، ولو أحدث لم يبطل بالإجماع، واختلفوا في استحباب إعادة الغسل، فمذهبنا أنه لا يستحب، وحكاه ابن المنذر عن الحسن، ومجاهد، ومالك، والأوزاعي. قال: وبه أقول. وَحُكِي عن طاوس، والزهري، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير استحبابه.\nقلتُ: الراجح أن الجنابة لا تبطل غسل الجمعة، وإن كانت توجب عليه غسلًا آخر، وأما استحباب الغسل مرةً أخرى لمن أحدث، فلا دليل عليه، والراجح أنه ليس عليه إلا الوضوء، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٤/ ٤٥ - ٤٦).","vol":"1","page":413},{"text":"١١٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُقْرِئُنَا القُرْآنَ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا. رَوَاهُ الخَمْسَةُ (^١)، وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>مسألة [١]: حكم قراءة القرآن للجنب، والحائض</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز قراءة القرآن للجنب، والحائض، والنفساء، واستدلوا بحديث علي المذكور، وبحديث ابن عمر عند الترمذي (١٣١)، وابن ماجه (٥٩٥): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تقرأ الحائض، ولا الجنب شيئًا من القرآن»، وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: إسماعيل بن عياش، روايته عن غير الشاميين ضعيفةٌ، وهذا الحديث منها؛ فإن شيخه موسى بن عقبة قرشيٌ، وقد صحَّ عن عمر -﵁- كراهيته، وعن علي -﵁- أنه قال في الجنب: لا، ولا آية.\n• وذهب مالك إلى ترخيصه للحائض؛ لأنَّها يطول حدثها، فربما نسيت القرآن.\n• وذهب سعيد بن المسيب إلى الجواز، وصحَّ عن ابن عباس أنه كان يقرأ ورده، وهو جنب، وهو اختيار البخاري -﵀-، واستدل بحديث عائشة، كان النبي\n_________\n(^١) في (أ): رواه أحمد والأربعة.\n(^٢) ضعيف. أخرجه أحمد (١/ ٨٣)، وأبوداود (٢٢٩)، والنسائي (١/ ١٤٤)، والترمذي (١٤٦)، وابن ماجه (٥٩٤)، وابن حبان (٧٩٩) وفي إسناده عبدالله بن سلمة المرادي، وهو ضعيف، وقد أنكر عليه هذا الحديث كما في «الكامل» و«الميزان»، واللفظ المذكور لأحمد. وعند الترمذي زيادة (على كل حال) بعد قوله: (القرآن).","vol":"1","page":414},{"text":"-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يذكر الله على كل أحيانه، ومال إلى ترجيحه الشوكاني في «النيل» (١/ ٣٤٨)، وهو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>مسألة [٢]: قراءة القرآن للمحدث حدثًا أصغر</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ١٦٣): أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث الحدث الأصغر، والأفضل أن يتوضأ لها. انتهى.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ١٩٩)، «المجموع» (٢/ ١٦٢).","vol":"1","page":415},{"text":"١١١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١)، زَادَ الحَاكِمُ «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>مسألة [١]: حكم الوضوء لمن أراد أن يعاود الجماع</span>.\n• ذهب الظاهرية، وابن حبيب إلى وجوب الوضوء على المعاود، واستدلوا بظاهر حديث أبي سعيد، والأمر يقتضي الوجوب.\n• وذهب الجمهور إلى أنَّ ذلك للاستحباب، والصارف للأمر من الوجوب عندهم الزيادة: «فإنه أنشط للعود».\nقال الشوكاني -﵀-: ويؤيده أيضًا الحديث المتقدم بلفظ: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة». انتهى.\nقلتُ: أما الزيادة؛ فضعيفةٌ كما تقدم، وأما الحديث المذكور، فأخرجه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٣٠٨).\n(^٢) زيادة شاذة. أخرجها الحاكم (١/ ١٥٢)، والبيهقي (١/ ٢٠٤)، وابن خزيمة (٢٢١)، والبغوي في «شرح السنة» (٢٧١)، من طريق: مسلم بن إبراهيم عن شعبة عن عاصم الأحول عن أبي المتوكل عن أبي سعيد، فذكره، وقد تفرد بها مسلم بن إبراهيم، فقد روى الحديث عن شعبة ثلاثة بدون هذه الزيادة، وهم: أبو داود الطيالسي في «مسنده» (٢٢١٥)، وخالد بن الحارث عند ابن خزيمة (٢١٩)، ويوسف بن يعقوب عند الطحاوي (١/ ١٢٩)، وتابع شعبة عليه جمع بدون هذه الزيادة، منهم: سفيان بن عيينة، ومحاضر بن المورع، وحفص بن غياث، وزكريا بن أبي زائدة، ومروان بن معاوية، وعبد الواحد بن زياد، وابن المبارك، كما في «المسند الجامع» (٦/ ١٧٣)، فكل هؤلاء رووا الحديث عن عاصم بدون الزيادة المذكورة، فهي زيادة شاذة، غير محفوظة، والله أعلم.","vol":"1","page":416},{"text":"أبوداود (٣٧٦٠)، من حديث ابن عباس بإسناد على شرط الشيخين، والراجح هو القول بالاستحباب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>مسألة ملحقة: الغسل بين الجماعين</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٦٧): وقد أجمعوا على أنَّ الغسل بينهما لا يجب.\nقلتُ: وأما استحبابه؛ فقد قال العظيم آبادي في «عون المعبود» (١/ ٣٧٠): لا خلاف فيه. اهـ\nويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦]، وأما حديث أبي رافع، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- طاف على نسائه يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: فقلت يا رسول الله: ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ قال: «هذا أزكى، وأطيب، وأطهر»؛ فإنه ضعيفٌ؛ لأنَّ في إسناده: عبد الرحمن بن أبي رافع، وهو لَيِّنُ الحديث، وعمته سلمى، وهي مجهولة الحال، وهو يخالف حديث أنس في «الصحيحين» (^٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يطوف على نسائه بغسل واحد، والله أعلم.\nقال ابن العربي -﵀- في «عارضة الأحوذي» (١/ ٢٣٢) عقب حديث أبي رافع: ولا أعلم أحدًا قال به؛ لأنه لا يصح. اهـ\nقلتُ: ولعله أراد القول بالوجوب، وأما الاستحباب فقد قيل به كما تقدم.\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٢/ ١٥٦)، «المغني» (١/ ٣٠٣)، «النيل» (١/ ٣٣٤).\n(^٢) سيأتي تخريجه في الكتاب إن شاء الله برقم (١٠٢٦).","vol":"1","page":417},{"text":"١١٢ - وَلِلْأَرْبَعَةِ عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً، وَهُوَ مَعْلُولٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>مسألة [١]: حكم الوضوء للجنب إذا أراد النوم</span>.\nجاء في «الصحيحين» (^٢) عن ابن عمر -﵄-، أنَّ عمر بن الخطاب -﵁- سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أيرقد أحدنا وهو جنب؟ فقال: «نعم، إذا توضأ».\nوفي رواية لهما: «ليتوضأ، ثم لينم».\nوفي رواية: «توضأ، واغسل ذكرك، ثم نم».\nوجاء في «الصحيحين» (^٣) عن عائشة -﵂-، قالت: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا أراد أن ينام، وهو جنبٌ، توضأ وضوءه للصلاة.\n• فذهب الظاهرية إلى وجوب الوضوء على الجنب إذا أراد أن ينام، واستدلوا\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٢٢٨)، والنسائي في «الكبرى» (٩٠٥٢)، والترمذي (١١٨)، وابن ماجه (٥٨١) من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود، عن عائشة، به.\n\nوقد أنكر الحفاظ هذا الحديث على أبي إسحاق ووهموه فيه، منهم: شعبة، وأحمد، والترمذي، وأبوداود، ويزيد بن هارون، ومسلم بن الحجاج، والأثرم، وأبو بكر بن أبي شيبة، والجوزجاني، والدارقطني، وأحمد بن صالح المصري.\nقال ابن رجب -﵀-: اتفق أئمة الحديث من السلف على إنكاره على أبي إسحاق.\nانظر «التلخيص» (١/ ٢٤٥)، «الفتح» لابن رجب (٢٩٠).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٨٩) (٢٩٠)، ومسلم برقم (٣٠٦).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٢٨٨)، ومسلم برقم (٣٠٥).","vol":"1","page":418},{"text":"بحديث ابن عمر المتقدم؛ لأنَّ الأمر للوجوب.\n• وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه مستحبٌ، واستدلوا بحديث الباب وهو ضعيف.\nواستدل أبو عوانة، وابن خزيمة، وغيرهما على عدم الوجوب بحديث ابن عباس -﵄-: «إنما أُمِرْتُ بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة». (^١)\nوقول الجمهور هو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: جاءت رواية في حديث عمر عند ابن حبان (١٢١٦)، وابن خزيمة (٢١١): «ينام، ويتوضأ إن شاء»، وظاهر إسنادها الصحة، وهي تدل على أنَّ الوضوء ليس للوجوب، وتركنا الاستدلال بها؛ لمخالفتها لما في «الصحيحين».\nفائدة: ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الغسل قبل النوم، والوضوء، فقد أخرج مسلم في «صحيحه» عن عبد الله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة -﵂- عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام، أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل، فنام، وربما توضأ، فنام. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.\nفهذا يدل على مشروعية الأمرين، والتعجيل بالغسل أفضل؛ ليرفع الحدث عن نفسه، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٧٦٠)، عن ابن عباس -﵄- بإسناد صحيح.\n(^٢) انظر: «الفتح» (١/ ٥١١)، «النيل» (١/ ٣٣٢).","vol":"1","page":419},{"text":"١١٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْخُذُ المَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ، ثُمَّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\n\n١١٤ - وَلَهُمَا (^٢)، فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا الأَرْضَ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ، وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ أَتَيْته بِالمِنْدِيلِ، فَرَدَّهُ، وَفِيهِ: وَجَعَلَ يَنْفُضُ المَاءَ بِيَدِهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>مسألة [١]: صفة غسل الجنابة</span>.\nلغسل الجنابة صفتان: صفة إجزاء، وصفة كمال، فالمذكور في حديث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٨)، ومسلم (٣١٦). وزيادة (ثم غسل رجليه) أخرجها مسلم من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة، وقد تفرد بها دون أصحاب هشام فهي شاذة.\nقال أبو الفضل الشهيد -﵀- في «علل الأحاديث في صحيح مسلم» (ص ٦٩): وهذا الحديث رواه جماعة من الأئمة عن هشام، منهم: زائدة، وحماد بن زيد، وجرير، ووكيع، وعلي بن مسهر، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم غسل الرجلين إلا أبو معاوية، ولم يذكر غسل اليدين ثلاثًا في ابتداء الوضوء غير وكيع، وليس زيادتهما عندنا بالمحفوظة. اهـ، ورجح ذلك أيضًا ابن رجب -﵀- كما في «الفتح» (٢٤٨).\n\nوجاءت هذه الزيادة عند أبي داود الطيالسي (١٤٧٤) وفي إسنادها عطاء بن السائب اختلط والراوي عنه حماد بن سلمة وقد روى عنه قبل الاختلاط وبعده ولم يتميز، فروايته ضعيفة، والله أعلم.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٦)، ومسلم (٣١٧). واللفظ المذكور أقرب إلى لفظ مسلم.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٥٩) (٢٧٤)، ومسلم (٣١٧) (٣٦). واللفظ أقرب إلى لفظ البخاري.","vol":"1","page":420},{"text":"عائشة، وميمونة هو صفة الكمال، وأما صفة الإجزاء، فهو تعميم الماء لجميع البدن مع النية. (^١)\nتنبيه: تقدم الكلام على حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل في [باب الوضوء].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>مسألة [٢]: حكم الوضوء قبل غسل الجنابة</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ١٨٦): الوضوء سنة في الغسل، وليس بشرط ولا واجب، هذا مذهبنا، وبه قال العلماء كافة؛ إلا ما حكي عن أبي ثور، وداود أنهما شرطاه، كذا حكاه أصحابنا عنهما، ونقل ابن جرير الإجماع على أنه لا يجب، ودليله أن الله تعالى أمر بالغسل، ولم يذكر وضوءًا، وقوله - ﷺ - لأم سلمة: «يكفيك أن تفيضي عليك الماء» (^٢)، وحديث جبير بن مطعم، قال: تذاكرنا الغسل من الجنابة عند النبي - ﷺ -، فقال: «أما أنا فيكفيني أن أصب على رأسي ثلاثًا، ثم أفيض بعد ذلك على سائر جسدي» (^٣)، وقوله - ﷺ - للذي تأخر عن الصلاة معه في السفر في قصة المزادتين، واعتذر بأنه جنب، فأعطاه إناء، وقال: «اذهب فأفرغه عليك» (^٤)، وحديث أبي ذر: «فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» (^٥)، وكل هذه الأحاديث صحيحة، معروفة، وغير ذلك من الأحاديث، وأما وضوء\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٢٩٢)، «المجموع» (٢/ ١٨٤).\n(^٢) سيأتي تخريجه إن شاء الله في هذا الباب.\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ٨١)، بإسناد صحيح، وأصله عند البخاري برقم (٢٥٤)، ومسلم برقم (٣٢٧).\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (٣٤٤)، من حديث عمران بن حصين -﵄-.\n(^٥) سيأتي تخريجه إن شاء الله في [باب التيمم].","vol":"1","page":421},{"text":"النبي - ﷺ - في غسله؛ فمحمول على الاستحباب، جمعًا بين الأدلة، والله أعلم. اهـ\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٢٤٩): ومن حكى عن أبي ثور، وداود: أنَّ الحدث الأكبر لا يرتفع بدون الوضوء مع الغسل؛ فالظاهر أنه غالط عليهما، وقد حكى ابن جرير، وابن عبدالبر، وغيرهما الإجماع على خلاف ذلك. انتهى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>مسألة [٣]: هل يجزئ الغسل عن الوضوء لصاحب الحدثين إذا نوى رفع الحدثين جميعًا</span>؟\n• ذهب أحمد، والشافعي إلى أنه يجزئه الغسل عن الحدث الأصغر والأكبر إذا نواهما؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»؛ ولأنَّ أكثر من يحدث الحدث الأكبر يحدث معه الحدث الأصغر، ولا يكاد يخلو منه أحد، ومع ذلك لم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالوضوء مع الغسل، وقال الله عزوجل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣]، فجعل الغسل غاية للمنع من الصلاة، فإذا اغتسل يجب أن لا يمنع منها.\n• وذهب أحمد، والشافعي في رواية عنهما وهو قول أبي ثور، وداود إلى عدم الإجزاء؛ لأنَّ الجنابة، والحدث وجدا منه؛ فوجبت لهما الطهارتان كما لو كانا مفردين، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعل ذلك.\n• وذهب إسحاق، وبعض الحنابلة إلى أنَّ الحدث الأصغر لا يرتفع حتى يأتي\n_________\n(^١) وانظر: «التمهيد» (٢٢/ ٩٣).","vol":"1","page":422},{"text":"فيه بخصائص الوضوء من الترتيب، والموالاة.\nوالراجح هو القول الأول، وهو ترجيح شيخ الإسلام، والشوكاني، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>مسألة [٤]: هل يجزئه الغسل عن الوضوء إذا نوى رفع الحدث الأكبر فقط</span>؟\n• المشهور عند الحنابلة، وهو وجهٌ عند الشافعية، أنه لا يجزئه؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، وهو ترجيح الشيخ ابن باز كما في «فتاوى اللجنة الدائمة» (٥/ ٣٢٦).\n• وذهب بعض الحنابلة، وهو الأصح عند الشافعية، إلى أنه يجزئه، وهو قول سعيد بن المسيب، وعزاه شيخ الإسلام لجمهور العلماء، وصحَّ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب -﵁-، أنه قال: وأي وضوءٍ أتم من الغسل، إذا أجنب الفرج؟، أخرجه البيهقي (١/ ١٧٨)، بإسناد صحيح، وبوب البيهقي في «سننه»: [باب الدليل على دخول الوضوء في الغسل، وسقوط فرض المضمضمة، والاستنشاق]، ثم استدل بحديث جبير بن مطعم وقد تقدم وبحديث جابر، وهو في «صحيح مسلم» (٣٢٨): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لقومٍ شكوا إليه أن أرضهم باردة: «إنما يكفي أحدَكم أن يحفن على رأسه ثلاث حفنات»، وبحديث أم سلمة في «صحيح مسلم»: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حفنات، ثم تفيضين عليك الماء،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٢٨٩)، «النيل» (١/ ٣٧٤)، «الشرح الممتع» (١/ ٢٠٨)، «الفتح» لابن رجب (٢٤٩).","vol":"1","page":423},{"text":"فتطهرين»، وفي رواية: «فإذا أنت قد طَهُرْتِ».\nقلتُ: وهذه الأدلة ليست بصريحة، ولكن الظاهر أنها تفيد ذلك؛ لأنَّ صاحب الحدث الأكبر الجنب لا يخلو من حدث أصغر، ومع ذلك، فلم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في هذه الأحاديث بالوضوء، بل اكتفى بالغسل، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وهذا القول هو رواية عن أحمد، قال ابن القيم -﵀- في «بدائع الفوائد» (٤/ ٨٧): وهي الصحيحة دليلًا؛ لأنَّ حكم الحدث الأصغر قد اندرج في الأكبر، وصار جزءًا منه، فلم ينفرد بحكمٍ؛ لاسيما وكل ما يجب غسله من الحدث الأصغر يجب غسله في الأكبر، وزيادة. انتهى.\nوهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الإمام السعدي، ثم الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو الذي نختاره، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>مسألة [٥]: هل يجزئ غسل التنظف أو التبرد عن الوضوء</span>؟\nمن نوى بغسله التنظف، أو التبرد لم يجزئه عن الوضوء؛ لأن النبي - ﷺ - يقول: «إنما الأعمال بالنيات» وهو مقتضى قول أصحاب المذاهب الأربعة.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: الاستحمام إن كان عن جنابة؛ فإنه يكفي عن الوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وإذا نوى بذلك رفع الجنابة، وتمضمض، واستنشق؛ فإنه يرتفع الحدث عنه الأصغر والأكبر.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٢٨٩)، «المجموع» (٢/ ١٩٤)، «الشرح الممتع» (١/ ٣٠٨)، «النيل» (١/ ٣٧٤)، «الفروع» (١/ ٢٠٥)، «الإنصاف» (١/ ٢٤٩)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٩٦).","vol":"1","page":424},{"text":"وقال -﵀-: أمَّا إذا كان الاستحمام لتنظفٍ، أو لتبردٍ؛ فإنه لا يكفي عن الوضوء؛ لأنَّ ذلك ليس من العبادة، وإنما هو من الأمور العادية، وإن كان الشرع يأمر بالنظافة، لكن النظافة لا على هذا الوجه، بل النظافة مطلقًا في أي شيء يحصل فيه التنظيف. اهـ (^١)\nوقال الإمام ابن باز -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (١٠/ ١٧٥): أما إذا كان الغسل مستحبًّا، كغسل الجمعة، أو للتبرد؛ فإنه لا يكفيه عن الوضوء، بل لابد من الوضوء قبله، أو بعده؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» متفق على صحته، ولا يعتبر الغسل المستحب، أو المباح تطهرًا من الحدث الأصغر إلا أن يؤديه كما شرعه الله في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦].\nقال -﵀-: وأما إن كان الغسل عن جنابة، أو حيض، أو نفاس، ونوى المغتسل الطهارتين؛ دخلت الصغرى في الكبرى؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق على صحته. اهـ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>مسألة [٦]: هل يجب الدلك على الأعضاء في الغسل</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى أنَّ الدلك سنةٌ، وليس بواجب، يدل على ذلك حديث الباب؛ فليس فيه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دلك جسده، ويدل عليه أيضًا حديث حديث أم\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(^٢) وانظر: «حاشية البجيرمي» (١/ ٤٣٨).","vol":"1","page":425},{"text":"سلمة، وأبي ذر، وجبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله، وقد تقدمت أحاديثهم، ولأنَّ الغسل في اللغة لا يشترط فيه الدلك.\n• وخالف مالك، والمزني، وأبو العالية، وعطاء، فأوجبوا الدلك، والصحيح هو القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>مسألة [٧]: الترتيب، والموالاة في أعضاء الوضوء في الغسل</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٩١): وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ وَلَا الْمُوَالَاةُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إذَا قُلْنَا: الْغُسْلُ يُجْزِئُ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ دَخَلَتْ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى، فَسَقَطَ حُكْمُ الصُّغْرَى، نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ.\nقَالَ: وَأَكْثُرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ تَفْرِيقَ الْغُسْلِ مُبْطِلًا لَهُ؛ إلَّا أَنَّ رَبِيعَةَ قَالَ: مَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، فَأَرَى عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْغُسْلَ. وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ لَا يَجِبُ فِيهِ التَّرْتِيبُ، فَلَا تَجِبُ الْمُوَالَاةُ. انتهى المراد.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٩٦): وكذلك ليس عليه فعل الوضوء، ولا ترتيب، ولا موالاة عند الجمهور، وهو ظاهر مذهب أحمد. اهـ\nوما رجَّحه ابن قدامة هو الراجح؛ لعدم وجود دليل على وجوب الترتيب، والموالاة في هذا الموضع، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) «المغني» (١/ ٢٩٠)، «المجموع» (٢/ ١٨٥)، «الفتح» لابن رجب (٢٥٧).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٢/ ١٩٧ - ١٩٨).","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>مسألة [٨]: هل يستحب غسل الجسد ثلاثًا في غسل الجنابة</span>؟\n• استحب ذلك طائفة من أهل العلم، وهو قول إسحاق، وجماعة من الحنابلة، وأصحاب الشافعي، وأبي حنيفة، واستدلوا على ذلك بالقياس على الوضوء، وبالحديث: «ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات».\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم استحباب ذلك، وهو ظاهر كلام أحمد، والخرقي، وصرح به الماوردي من الشافعية، وأصحاب مالك؛ وذلك لعدم ثبوت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما حديثهم المتقدم فالمقصود به في غسل الرأس فقط، ولا يفيد ذلك التكرار في جميع الجسد.\nوهذا القول هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الإمام العثيمين رحمة الله عليهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>مسألة [٩]: هل يجب إيصال الماء إلى أصول اللحية</span>؟\n• قال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٢٧٢): ومذهب الشافعي وجوب إيصال الماء إلى باطن اللحية وإن كانت كثيفة في الجنابة دون الوضوء، وعن مالك في وجوب ذلك في الغسل روايتان، وأما أصحابنا يعني الحنابلة فيجب ذلك عندهم في المشهور، ولهم وجهٌ ضعيف أنه لا يجب، وحكي مثله عن المزني. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الظاهر أنه يجب أن يوصل الماء إلى بشرته كما أنه يجب عليه أن يغسل شعر رأسه حتى يصيب جميع بشرته، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» لابن رجب (٢٥٧)، «الاختيارات الفقهية» (ص ١٧)، «الشرح الممتع» (١/ ٣٠٢).","vol":"1","page":427},{"text":"وهو ترجيح الإمام العثيمين -﵀- كما في «الشرح الممتع» (١/ ٣٠٤ - ٣٠٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>مسألة [١٠]: متى يغسل قدميه</span>؟\n• في حديث عائشة -﵂-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غسل قدميه مع الوضوء، وفي حديث ميمونة -﵂-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخَّرَ غسل رجليه إلى آخر الغسل؛ فعلى هذا يجوزالأمران.\n• قال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٤٩): وبحسب اختلاف هاتين الحالتين، اختلف نظر العلماء، فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين في الغسل، وعن مالك: إن كان المكان غير نظيف، فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعية في الأفضل قولان. انتهى المراد.\nهكذا قال الحافظ، وعزا إلى الجمهور تفضيل التأخير، وظاهر كلام ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٢٤٨) أنَّ الجمهور على استحباب تقديم غسل الرجلين مع الوضوء؛ لحديث عائشة -﵂-، فقد عزا القول بذلك للمشهور عند الحنابلة، وللمشهور عند الشافعية، وعزاه أيضًا لمالك، وعزا قولًا لأحمد بأنه مخير.\nفائدة: قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ١٩٦): السُنَّةُ إذا غسل ما على فرجه من أذى أن يدلك يده بالأرض، ثم يغسلها. ثم استدل بحديث ميمونة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>مسألة [١١]: حكم التنشيف للأعضاء بعد الوضوء، والغسل</span>.\nلم يصح عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حديث، لا في إثباته، ولا في نفيه، وليس في الباب إلا حديث ميمونة المذكور في هذا الباب.\n• فذهب بعض أهل العلم إلى كراهته؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ردَّ المنديل، ولم","vol":"1","page":428},{"text":"يتمسح به.\nوممن كره ذلك الحسن بن صالح، وابن مهدي، وبعض التابعين، ونقل رواية عن أحمد أنكرها الخلال، ولم يثبتها.\nوجاءت كراهة ذلك عن جابر بن عبد الله (^١)، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وابن المسيب، وأبي العالية.\n• واستدل بعضهم بحديث ميمونة نفسه على الجواز، بدليل إتيان ميمونة بالمنديل، فهذا يدل على مشروعية ذلك، وكذلك نفض النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الماء يدل على ذلك؛ إذ لا فرق بين نفضه، أو مسحه بمنديل.\nوقد ذهب إلى جواز التمندل بعد الوضوء والغسل: (عثمان بن عفان، وأنس ابن مالك، والحسين بن علي، وبشير بن أبي مسعود) (^٢)، والحسن، ومحمد بن سيرين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، ومالك، وسفيان، وأحمد، وأصحاب الرأي.\nذكر هذا الخلاف ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٤١٥ - ٤١٨)، ورجَّح الجواز، وهو الصحيح، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٤١٨) بإسناد صحيح.\n(^٢) أسند هذه الآثار ابن المنذر في «الأوسط»، وأثر عثمان، والحسين ضعيفان، وأثر أنس، وبشير صحيحان، وبالله التوفيق.\n(^٣) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٢٧٦).","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>ذِكْرُ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>مسألة [١]: إذا أحدث المغتسل أثناء غسله</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٩٠): فإنْ أحدث في أثناء غسله، أتمَّ غسله، وتوضأ، وبهذا قال عطاء، وعمرو بن دينار، والثوري، ويشبه مذهب الشافعي.\n• وقال الحسن: يستأنف الغسل، ولا يصح؛ لأنَّ الحدث لا ينافي الغسل، فلا يؤثر وجوده فيه كغير الحدث. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>مسألة [٢]: إذا اجتمع موجبان للغسل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٩٢): إذَا اجْتَمَعَ شَيْئَانِ يُوجِبَانِ الْغُسْلَ، كَالْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ، أَوْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَالْإِنْزَالِ، فَنَوَاهُمَا بِطَهَارَتِهِ، أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا، قَالَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: عَطَاءٌ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَيُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ فِي الْحَائِضِ الْجُنُبِ، تَغْتَسِلُ غُسْلَيْنِ، وَلَنَا أَنَّ النبي - ﷺ - لَمْ يَكُنْ يَغْتَسِلُ مِنْ الْجِمَاعِ إلَّا غُسْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ؛ إذْ هُوَ لَازِمٌ لِلْإِنْزَالِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ؛ وَلِأَنَّهُمَا سَبَبَانِ يُوجِبَانِ الْغُسْلَ، فَأَجْزَأَ الْغُسْلُ الْوَاحِدُ عَنْهُمَا، كَالْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ إنْ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ الطَّهَارَةَ الصُّغْرَى كَالنَّوْمِ، وَخُرُوجِ\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٢/ ٢٠٠).","vol":"1","page":430},{"text":"النَّجَاسَةِ، وَاللَّمْسِ، فَنَوَاهَا بِطَهَارَتِهِ، أَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ، أَجْزَأَهُ عَنْ الْجَمِيعِ.\nثُمَّ قَال: وَإِنْ نَوَتْ الْمَرْأَةُ الْحَيْضَ دُونَ الْجَنَابَةِ، فَهَلْ يُجْزِئها عَنْ الْآخَرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: يُجْزِئُها عَنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ صَحِيحٌ نَوَت بِهِ الْفَرْضَ، فَأَجْزَأَها، كَمَا لَوْ نَوَت اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ. وَالثَّانِي: يُجْزِئُها عَمَّا نَوَت دُونَ مَا لَمْ تَنْوِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». انتهى بتصرف.\nوقد رجح الإمام العثيمين -﵀- القول بالإجزاء كما في «الشرح الممتع» (١/ ١٦٥ - ١٦٦).\nفائدة: قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ١٩٨): يجب إيصال الماء إلى غضون البدن من الرجل والمرأة، وداخل السُّرَّة، وباطن الأذنين، والإبطين، وما بين الإليين، وأصابع الرجلين، ومما قد يغفل عنه: باطن الإليين، والإبط، والعُكَن، والسُّرَّة، فليتعهد كل ذلك، ويتعهد إزالة الوسخ الذي يكون في الصماخ. اهـ\nوقال في «شرح مسلم» (٣/ ٢٣٣): وينبغي أن يتفطن لدقيقة قد يغفل عنها، وهي أنه إذا استنجى، وطهر محل الاستنجاء بالماء، فينبغي أن يغسل محل الاستنجاء بعد ذلك بنية غسل الجنابة؛ لأنه إذا لم يغسله الآن، ربما غفل عنه بعد ذلك، فلا يصح غسله؛ لترك ذلك. اهـ\nفائدة: إذا بقيت لمعة من جسده لم يصبها الماء؛ فإنْ أخذ بللًا من شعر رأسه،","vol":"1","page":431},{"text":"ثم غسلها، أجزأه، وإلا رجع وغسلها. (^١)\nفائدة: لا يجب غسل داخل العينين، ولا يستحب، كما تقدم في الوضوء، وقد جاء عن ابن عمر -﵄- أنه كان يغسل عينيه في غسله من الجنابة، وهو ثابت عنه كما في «سنن البيهقي» (١/ ١٧٧)، ولكنه اجتهاد منه، ولم يوافقه على ذلك أكثر أهل العلم، وبالله التوفيق. (^٢)\n_________\n(^١) انظر «المغني» (١/ ٢٩٣).\n(^٢) انظر «المجموع» (٢/ ١٩٩).","vol":"1","page":432},{"text":"١١٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂-، قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الجَنَابَةِ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: وَالحَيْضَةِ، قَالَ: «لَا، إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>مسألة [١]: نقض المرأة لشعر رأسها في غسل الجنابة، والحيضة</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المرأة لا يجب عليها نقض شعر الرأس؛ إلا أن لا يصل الماء إلى بشرة رأسها، فيجب عليها نقضه، سواء كانت حائضًا، أو جنبًا، ودليلهم هو وجوب إيصال الماء إلى جميع أجزاء الجسم.\nوبعضهم استدل بحديث أبي هريرة الآتي، وهو ضعيفٌ، وقالوا: حديث أم سلمة محمولٌ على أنَّ الماء يصل إلى البشرة، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (٣٣٢) (٦١) من حديث عائشة -﵂-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لأسماء بنت شكل في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٣٣٠) بزيادة في آخره: «ثم تفيضين عليك الماء؛ فتطهرين».\nوأما زيادة: (والحيضة) فهي من طريق: عبدالرزاق عن الثوري عن أيوب بن موسى بإسناده عن أم سلمة، وقد تفرد بها عبدالرزاق، وخالفه يزيد بن هارون عند مسلم وأحمد، فرواه عن الثوري بدون زيادة (والحيضة)، ورواه سفيان بن عيينة وروح بن القاسم أيضًا عن أيوب بن موسى بدون الزيادة.\n\nفهذه الزيادة شاذة غير محفوظة وقد حكم عليها بذلك ابن القيم في «تهذيب السنن» والإمام الألباني. انظر «الإرواء» (١٣٦)، ثم وجدت الحافظ ابن رجب -﵀- قد أعلها أيضًا كما في «الفتح» (٣١٧).","vol":"1","page":433},{"text":"غسل الحيض، والجنابة: «تأخذ إحداكن ماءها، فتطهر، فتحسن الطهور، ثم تدلك رأسها حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض الماء عليها».\nوحُكِي عن النخعي وجُوب نقضه مطلقًا، وصحَّ ذلك عن عبد الله بن عمرو ابن العاص، كما في «صحيح مسلم» (٣٣١)، وأنكرت عليه عائشة -﵂-.\n• وذهب الحسن، وطاوس، وأحمد إلى وجوب نقضه في الحيضة دون الجنابة، واستدلوا على نقضه للحيض بحديث قصة عائشة في حجة الوداع، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لها: «انقضي رأسك، وامتشطي ...»، وفي رواية: «واغتسلي»، واستدلوا على عدم وجوبه في الجنابة بحديث أم سلمة الذي في هذا الباب.\nوالراجح ما ذهب إليه الجمهور، وهو ترجيح الشيخ ابن باز، والشيخ محمد ابن إبراهيم، وأما حديث: «انقضي رأسك»، فقد قال الصنعاني: لا يخفى أن حديث عائشة كان في الحج؛ فإنها أحرمت بعمرة، ثم حاضت قبل دخول مكة، فأمرها -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن تنقض رأسها، وتمتشط، وتغتسل، وتهل بالحج، وهي حينئذٍ لم تطهر من حيضها، فليس إلا غسل تنظيف، لا حيض، فلا يعارض حديث أم سلمة أصلًا. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٢/ ١٨٧)، «شرح مسلم» (٤/ ٢٥١ - ٢٥٢)، «المغني» (١/ ٢٩٨ -)، «فتاوى اللجنة» (٥/ ٣٢٠)، «غاية المرام» (٢/ ٣٢٧).","vol":"1","page":434},{"text":"١١٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنِّي لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>مسألة [١]: حكم لبث الحائض والجنب في المسجد وحكم المرور فيه</span>.\n• في المسألة أقوال:\nالقول الأول: أنه يحرم عليه المكث في المسجد جالسًا، أو قائمًا، أو مترددًا، ولو كان متوضئًا، ويجوز له العبور، سواء كان لحاجة أو لا، وهو مذهب الشافعية، وحكى ابن المنذر مثل هذا عن (ابن مسعود، وابن عباس) (^٢)، وسعيد ابن المسيب، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وعمرو بن دينار، ومالك، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣]، والمقصود بالصلاة مواضع الصلاة، وهي المساجد؛ لأنَّ عبور السبيل ليس في الصلاة، إنما هو في مواضعها، واحتجوا بحديث عائشة\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٢٣٢)، ابن خزيمة (١٣٢٧) وفي إسناده جسرة بنت دجاجة مجهولة حال، وقال البخاري: عندها عجائب. وقد ضعف الحديث أحمد والبخاري والبيهقي وغيرهم. قال البخاري: وقال عروة وعباد بن عبدالله عن عائشة: «سدوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر» يعني أنهما خالفا جسرة في لفظ الحديث. انظر «سنن البيهقي» (٢/ ٤٤٣).\n(^٢) أسند هذين الأثرين ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ١٠٦ - ١٠٧)، وابن جرير في «تفسيره» (٧/ ٥٤ - ٥٥)، وفي إسنادهما ضعف، فأثر ابن مسعود -﵁- فيه انقطاع، وأثر ابن عباس -﵄- فيه: أبو جعفر الرازي، وهو ضعيف.","vol":"1","page":435},{"text":"المذكور في هذا الباب.\nالقول الثاني: أنه يحرم عليه المُكْث، والمرور؛ إلا أنْ لا يجد بُدًّا منه، فيتوضأ، ثم يمر، وهذا القول حُكِيَ عن الثوري، وإسحاق، وأبي حنيفة، وأصحابه، واستدلوا بعموم الحديث: «لا أحل المسجد لحائضٍ، ولا جنب»، واستدلوا بحديث أبي سعيد عند الترمذي (٣٧٢٧): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لعلي: «يا علي، لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري، وغيرك»، معناه: لا يحل لأحد يستطرقه جنبًا غيري، وغيرك.\nالقول الثالث: يحرم المكث، والمرور، ويستباح بالوضوء، وهو قول أحمد، واستدل لذلك بما رواه عن أبي نعيم، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، قال: كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يتحدثون في المسجد، وهم على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنبًا، فيتوضأ، ثم يدخل المسجد، فيتحدث. وإسناده حسن، وهشام بن سعد، وإن كان ضعيفًا؛ إلا أنه أثبت الناس في زيد بن أسلم، قاله أبو داود.\nالقول الرابع: جواز المكث، والمرور، وهو قول المزني، وداود، وابن المنذر، وحُكِيَ عن زيد بن أسلم.\nقلتُ: ويصلح أن يكون مذهب الصحابة الذي تقدم ذكرهم قريبًا في القول الثالث؛ لأنَّ الوضوء لا يرفع عنهم الجنابة.\nوقد استدل أهل هذا القول بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ المسلم لا ينجس»، مع البراءة","vol":"1","page":436},{"text":"الأصلية، مع ما ثبت من نوم أصحاب الصُّفَّة في المسجد، ومعلوم أنهم يحتلمون.\nوكذلك المرأة السوداء التي كان لها خباء في المسجد، مع أنَّ المرأة يأتيها الحيض، وكذلك مكوث ثمامة، وهو مشرك في المسجد، وهو نجس، يدل على جوازه للمسلم الجنب، وهو غير نجس، وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح الشوكاني -﵀-، والوادعي -﵀-.\nوأما الآية: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، فهي على ظاهرها، أنَّ الشخص لا يصلي وهو جنب؛ إلا أن يكون عابر سبيل، أي: مسافر، فله أن يتيمم، ويصلي.\nوخصص عابر السبيل بالذكر؛ لكونه مظنَّة لعدم وجود الماء.\nوهذا التفسير للآية مذكور عن (علي، وابن عباس) (^١)، ومجاهد، وقتادة، والحكم، ومقاتل، وابن زيد، وغيرهم، كما في «زاد المسير» (٢/ ٩٠).\nوأما حديث: «لا أحل المسجد ...»، فقد تقدم أنه ضعيفٌ، وأما حديث أبي سعيد الذي عند الترمذي، ففي إسناده: سالم بن أبي حفصة، وهو ضعيفٌ، بل أشد، وفيه: عطية العوفي، وهو ضعيفٌ، ومدلس، وقد استغرب الحديث البخاري.\nوأما فعل الصحابة، ففعلهم أكثر أحواله أنه يدل على استحباب الوضوء، ولا ينافي ذلك ما رجحناه، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرج الأثرين ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ١٠٨)، وابن جرير في «تفسيره» (٧/ ٥٠ - ٥١). وأثر ابن عباس -﵄- إسناده صحيح، وأثر علي -﵁- إسناده ضعيف؛ فيه ابن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ.\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٢/ ١٦٠ - ١٦٢)، و«النيل» (١/ ٣٥٣).","vol":"1","page":437},{"text":"١١٧ - وَعَنْهَا -﵂- قَالَتْ: كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١) وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ: وَتَلْتَقِي. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>مسألة [١]: تطهر الرجل مع امرأته من إناء واحد</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٤/ ٢٤١): وأما تطهير الرجل والمرأة يعني زوجته من إناء واحد؛ فهو جائزٌ بإجماع المسلمين.\nوقد نقل الإجماع أيضًا الطحاوي، والقرطبي.\nوتعقبهم الحافظ في «الفتح» (١٩٣)، بأن ابن عبد البر قد حكى عن قوم الخلاف في ذلك.\nوالصحيح قول عامة أهل العلم، ولا يعول على هذا الخلاف الشاذ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦١)، ومسلم (٣٢١) (٤٥).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (١١١١) وإسناده صحيح.\nلكن قال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٦١): ولأبي عوانة وابن حبان من طريق ابن وهب عن أفلح أنه سمع القاسم يقول: سمعت عائشة فذكره وزاد فيه: (وتلتقي) بعد قوله (تختلف أيدينا فيه) وللإسماعيلي من طريق إسحاق بن سليمان عن أفلح: (تختلف أيدينا فيه) يعني حتى تلتقي.\nوللبيهقي من طريقه: (تختلف أيدينا فيه، يعني وتلتقي) وهذا يشعر بأن قوله (وتلتقي) مدرج.","vol":"1","page":438},{"text":"١١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا البَشَرَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَاهُ. (^١)\n\n١١٩ - وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ -﵂- نَحْوُهُ وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>مسألة [١]: حكم غسل ما استرسل من الشعر</span>.\n• في المسألة قولان:\nالأول: وجوب غسل ما استرسل منه، وهو مذهب الشافعي، وحماد، ومالك، ووجهٌ عند الحنابلة، واستدلوا بحديث أبي هريرة، وعائشة اللَّذَيْنِ في الباب، وبحديث علي بن أبي طالب -﵁- عند أبي داود (٢٤٩) مرفوعًا: «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء، فعل به من النار كذا وكذا»، قال علي: فمن ثمَّ عاديت شعري، قال: وكان يجزُّه. وهذا الحديث ضعيفٌ، في إسناده: عطاء بن السائب، رواه عنه حماد بن سلمة، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط، وبعده، فيما رجحه ابن المديني، وغيره؛ فالحديث ضعيفٌ، وليس فيه تعرض لغسل الشعر، إنما فيه الأمر بتعميم الغسل للبدن، ومنه بشرة الرأس. وجاء هذا القول عن ابن\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبو داود (٢٤٨)، والترمذي (١٠٦) وفي إسناده الحارث بن وجيه، وهو ضعيف، وقد ضعف الحديث غير واحد من الأئمة.\n(^٢) ضعيف. أخرجه أحمد (٦/ ١١٠، ٢٥٤) بلفظ: «أما علمت أن على كل شعرة جنابة» وفي إسناده شريك القاضي، وهو ضعيف لسوء حفظه، يرويه عن خصيف بن عبدالرحمن الجزري وهو ضعيف، وهذا يرويه عن رجل مبهم. فالحديث ضعيف.","vol":"1","page":439},{"text":"عباس بإسناد ضعيف؛ فيه مندل العنزي، وهو ضعيف.\nالثاني: عدم وجوب غسل ما استرسل من الشعر، وهو قول الحنفية، ووجهٌ عند الحنابلة، ورواية عن مالك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لأم سلمة: «يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات»، مع إخبارها إياه بشد ضفر رأسها، ومثل هذا لا يبل الشعر المشدود ضَفْرُه بالعادة، ولأنه لو وجب بَلُّهُ؛ لوجب نقضه، ليعلم أنَّ الغسل قد أتى عليه.\nوهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (^١)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٠٢): وأما الحاجبان؛ فيجب غسلهما؛ لأنَّ من ضرورة غسل بشرتهما غسلهما، وكذا كل شعر من ضرورة غسل بشرته غسله، فيجب غسله ضرورة أنَّ الواجب لا يتم إلا به. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٣٠١ - ٣٠٢)، «الفتح» لابن رجب (٢٥٦).","vol":"1","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>فَصْل فِي مَسَائِلَ أُخْرى مُلْحَقَةٌ فِي هَذَا البَابِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>مسألة [١]: من موجبات الغسل الحيض، والنفاس</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ١٤٨): أجمع العلماء على وجوب الغسل بسبب الحيض، وبسبب النفاس، وممن نقل الإجماع فيهما ابن المنذر، وابن جرير الطبري، وآخرون. اهـ\nقلتُ: والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]. والنفاس، حيض مجتمع. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>مسألة [٢]: إذا عريت الولادة من الدم، فهل عليها غسل</span>؟\n• في المسألة قولان، وهما وجهان عند الشافعية، والحنابلة.\nقال ابن قدامة -﵀-: وعدم وجوب الغسل هو الصحيح؛ فإنَّ الوجوب بالشرع، ولم يَرِدْ بالغسل ههنا، ولا هو في معنى المنصوص؛ فإنه ليس بدم، ولا مني، وإنما ورد الشرع بالإيجاب بهذين الشيئين، وقولهم: (إنه مظنة للنفاس الموجب، فقامت مقامه في الإيجاب)، قلنا: المظان إنما يعلم جعلها مَظَنَّة بنص، أو إجماع، ولا نصَّ في هذا، ولا إجماع. انتهى بتصرف.\nوما رجَّحه ابن قدامة هو الراجح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٢٧٧).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١/ ٢٧٨)، «المجموع» (٢/ ١٥٠).","vol":"1","page":441},{"text":"فائدة: قال الماوردي: وتوجد الولادة بلا دم في نساء الأكراد كثيرًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>مسألة [٣]: الحائض تغتسل للجنابة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٧٨): إذَا كَانَ عَلَى الْحَائِضِ جَنَابَةٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ حَتَّى يَنْقَطِعَ حَيْضُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغُسْلَ لَا يُفِيدُ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ؛ فَإِنْ اغْتَسَلَتْ لِلْجَنَابَةِ فِي زَمَنِ حَيْضِهَا، صَحَّ غُسْلُهَا، وَزَالَ حُكْمُ الْجَنَابَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ: تَزُولُ الْجَنَابَةَ، وَالْحَيْضُ لَا يَزُولُ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ. قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: لَا تَغْتَسِلُ، إلَّا عَطَاءً؛ فَإِنَّهُ قَالَ: الْحَيْضُ أَكْبَرُ. قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: تَغْتَسِلُ. وَهَذَا لِأَنَّ أَحَدَ الْحَدَثَيْنِ لَا يَمْنَعُ ارْتِفَاعَ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>مسألة [٤]: المجنون، والمغمى عليه، هل عليهما الغسل إذا أفاقا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَجْنُونِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا أَفَاقَا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.\nقال ابن المنذر -﵀-: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - اغْتَسَلَ مِنْ الْإِغْمَاءِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ وَلِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ فِي نَفَسِهِ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْغُسْلِ، وَوُجُودُ الْإِنْزَالِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا نَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ؛ فَإِنْ تَيَقَّنَ مِنْهُمَا الْإِنْزَالَ فَعَلَيْهِمَا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ احْتِلَامٍ. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) «المجموع» (٢/ ١٥٠).\n(^٢) «المغني» (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠).","vol":"1","page":442},{"text":"واغتسال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الإغماء ثابتٌ في «الصحيحين» (^١) عن عائشة -﵂-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>مسألة [٥]: الجنب إذا أراد أن يأكل</span>.\nأخرج مسلم في «صحيحه» (٣٠٥)، عن عائشة -﵂-، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا كان جُنبًا، فأراد أن يأكل، أو ينام، توضأ وضوءه للصلاة. فهذا الحديث يدل على استحباب الوضوء للجنب إذا أراد أن يأكل، ولا يجب عليه هذا الوضوء.\nقال الشوكاني -﵀- في «النيل» (١/ ٣٣٣): وأما من أراد أن يأكل، أو يشرب، فقد اتفق الناس على عدم وجوب الوضوء عليه. اهـ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>مسألة [٦]: غسل العيدين</span>.\nلم يصح في غسل العيدين حديث مرفوعٌ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقد جاء من حديث الفاكه بن سعد عند ابن ماجه (١٣١٦)، وأحمد (٤/ ٧٨)، وفي إسناده: يوسف بن خالد السمتي، وهو كذابٌ، وضَّاعٌ، وجاء من حديث ابن عباس عند ابن ماجه (١٣١٥)، وفي إسناده: جبارة بن المغلس، وهو شديد الضعف، بل قد كُذِّب، وكذلك حجاج بن تميم، قال فيه النسائي: ليس بثقة.\nوأخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (٦٤٨) من حديث أبي رافع، وفي إسناده: محمد بن عبيدالله، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيفُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٨٧)، ومسلم برقم (٤١٨).\n(^٢) وانظر: «شرح مسلم» (٣/ ٢٢٠ - ٢٢١).","vol":"1","page":443},{"text":"الحديث جدًّا. وقال الدارقطني: منكر الحديث. وفيه أيضًا: مندل العنزي، وهو ضعيفٌ. (^١)\nقال البزار -﵀-: لا أحفظ في الاغتسال في العيدين حديثًا صحيحًا. وقال ابن الملقن في «البدر المنير»: أحاديث غسل العيدين ضعيفةٌ، وفيه آثار عن الصحابة جيدة. اهـ. (^٢)\nوقد صحَّ عن علي بن أبي طالب بإسناد صحيح عند البيهقي (٣/ ٢٧٨)، أنَّ رجلًا سأله عن الغسل؟ فقال: اغتسل كل يوم، إن شئت. فقال: لا، الغسل الذي هوالغسل؟ فقال: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر.\nوصحَّ في «موطإِ مالك» عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو. وأخرجه البيهقي (٣/ ٢٧٨)، وأخرج الأثرين أيضًا ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٢٥٦).\n• وقد ذهب أهل العلم إلى استحباب الغسل يوم العيد، وممن ذهب إلى ذلك: عروة، والنخعي، والشعبي، وقتادة، وأبو الزناد، وأحمد، ومالك، والشافعي، وابن المنذر، وغيرهم، واستدلوا بما تقدم من الأحاديث، والآثار.\nقال ابن قدامة -﵀-: ولأنه يوم يجتمع الناس فيه للصلاة، فاستحب الغسل فيه كيوم الجمعة. اهـ. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «التلخيص» (٢/ ١٦١ - ١٦٢).\n(^٢) انظر: «التلخيص» (٢/ ١٦٢)، «النيل» (١/ ٣٦٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (٣/ ٢٥٦ - ٢٥٧)، «المجموع» (٥/ ٦ - ٧)، «الأوسط» (٤/ ٢٥٦).","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>مسألة [٧]: غسل الإحرام</span>.\nثبت عند الدارمي، والترمذي، والدارقطني عن زيد بن ثابت، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تجرد لإهلاله، واغتسل. (^١)\nوثبت عند البزار كما في «كشف الأستار» (١٠٨٤) من حديث ابن عمر، وهو في «الصحيح المسند» أنه قال: «من السنة أن يغتسل المحرم، إذا أراد أن يحرم».\nقال النووي -﵀-: اتفق العلماء على أنه يستحب الغسل عند إرادة الإحرام بحج، أو عمرة، أو بهما، وسواء كان إحرامه من الميقات الشرعي، أو غيرهن ولا يجب هذا الغسل، وإنما هو سنة متأكدة، يكره تركها، نصَّ عليه الشافعي في «الأم»، واتفق عليه الأصحاب. اهـ\nوالقول بالاستحباب قول أكثر أهل العلم، وهو الصحيح.\nوقد خالف بعضهم كما سيأتي بيانه إن شاء الله في [كتاب الحج].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>مسألة [٨]: غسل دخول مكة</span>.\nأخرج البخاري، ومسلم في «صحيحيهما» (^٢) عن ابن عمر -﵄-، أنه كان لا يدخل مكة حتى يبيت بذي طوى، ثم يصبح، ويغتسل، ويدخل مكة نهارًا، ويذكر عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه فعله.\nقال ابن المنذر -﵀- كما في «الفتح» (١٥٧٣): الاغتسال عند دخول مكة مستحبٌ عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية، وقال أكثرهم: يجزئ الوضوء. اهـ\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه إن شاء الله برقم (٧١٣).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٥٧٤)، ومسلم برقم (١٢٥٩).","vol":"1","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>بَابُ التَّيَمُّمِ</span>\nتعريفه:\nلغة: القصد، قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧].\nوقال الشاعر:\nوما أدري إذا يممت أرضًا ... أريد الخير أيهما يليني\nأألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي لا يأتليني\n\nوشرعًا: هو قصد الصعيد الطيب لمسح الوجه، واليدين، بنية التطهر للصلاة، ونحوها. (^١)\nمشروعيته: هو مشروع بالكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦].\nوأما السنة: فالأحاديث فيه كثيرة، سيأتي بعضها في هذا الباب.\nوأما الإجماع: فأجمعت الأمة على جواز التيمم في الجملة. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٢/ ٢٠٦)، «المغني» (١/ ٣١٠)، «أحكام التيمم» (ص ٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١/ ٣١٠)، «المجموع» (٢/ ٢٠٧).","vol":"1","page":446},{"text":"١٢٠ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أُعْطِيت خَمْسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ»، وَذَكَرَ الحَدِيثَ. (^١)\n\n١٢١ - وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ -﵁- عِنْدَ مُسْلِمٍ: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدِ المَاءَ». (^٢)\n\n١٢٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ [-﵁-] عِنْدَ أَحْمَدَ: «وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا». (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>مسألة [١]: التيمم في السفَر</span>.\nأجمع العلماء على مشروعية التيمم في السفر في الجملة. «تفسير القرطبي» (٥/ ٢١٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>مسألة [٢]: التيمم في الحضر</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى مشروعيته؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «التيمم وضوء المسلم ...» الحديث، وقوله: «وجُعِلت لي الأرض مسجدًا، وطهورًا»، وتيممه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند أن سلَّم عليه الرجل، وغيرها من الأدلة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٥٢٢).\n(^٣) أخرجه أحمد (١/ ٩٨، ١٥٨) وفي إسناده عبدالله بن محمد بن عقيل مختلف فيه، والراجح ضعفه، ولكن الحديث صحيح بشاهديه اللذين قبله.","vol":"1","page":447},{"text":"• وذهب أبو حنيفة إلى عدم مشروعية التيمم في الحضر؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء:٤٣].\nوأجاب الجمهور: بأنَّ هذا القيد خرج مخرج الغالب؛ لأنَّ غالب من يعدم الماء هو المسافر، والله أعلم.\nفإذا تيمم، وصلَّى، ثم وجد الماء في الوقت، فلا إعادة عليه على الصحيح؛ لأنه صلاها بطهارة كاملة، وهذا قول مالك، ورواية عن أحمد، خلافًا للشافعي، ورواية عن أحمد؛ فإنهم رأوا عليه الإعادة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>مسألة [٣]: هل التيمم رافعٌ للحدث، أم مبيحٌ لما تجب له الطهارة فقط</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ التيمم ليس رافعًا للحدث، وإنما هو مبيح للصلاة، ونحوها، وهو مذهب أحمد في المشهور عنه، وكذلك مالك، والشافعي، وغيرهم، واستدلوا بحديث أبي هريرة، وأبي ذر: «الصعيد وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء، فليتق الله، وليمسه بشرته» (^٢)، ومما يستدل لهم به: وقوع الإجماع على أنَّ الماء إذا وُجِدَ لا تصح طهارة التيمم.\nقال ابن عبد البر -﵀- في «الاستذكار» (٢/ ١٤): أجمع العلماء على أن طهارة التيمم لا ترفع الحدث إذا وُجِدَ الماء، بل متى وجد أعاد الطهارة، جُنبًا كان، أو مُحدِثًا. اهـ\nقالوا: فهذا يدلُّ على أنَّ حدثه لم يرتفع.\n_________\n(^١) «المغني» (١/ ٣١١).\n(^٢) سيأتي تخريجه قريبًا إن شاء الله في هذا الباب.","vol":"1","page":448},{"text":"• وذهب أبو حنيفة، وداود الظاهري، وبعض المالكية، ورواية عن أحمد إلى أنه يرتفع حدثه، واستدلوا بحديث جابر، وحذيفة، وعلي المتقدمة في الباب؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سمَّى التراب، والأرض طهورًا، والطهور اسم متعدي، أي: يُكسب غيره الطهارة، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، واستدلوا بحديث أبي هريرة، وأبي ذر: «الصعيد الطيب طهور المسلم»، فهذا نَصٌّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه يطهره، وليس لمجرد الاستباحة.\nوهذا القول هو الراجح، وقد رجَّحه جمع من الحفاظ، والمحققين، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٣٦)، وابن القيم في «زاد المعاد» (١/ ٢٠٠)، والصنعاني في «سبل السلام» (١/ ١٩٩)، والشيخ عبد الرحمن السعدي في «المختارات الجلية» (ص ٢٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز، كما في «غاية المرام» (٢/ ٣٧٠)، والشيخ ابن عثيمين في «الشرح الممتع» (١/ ٣١٤).\nوأجاب هؤلاء عن الجمهور: بأنَّ رفع الحدث مؤقت إلى أن يجد الماء، أو يستطيع استعماله، وعلى هذا، فلا تعارض بين هذا القول، وبين أدلة الجمهور، والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ٣١٥): ويترتب\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٢/ ٢٢١)، «أحكام التيمم» (ص ٦١ - ٦٢).","vol":"1","page":449},{"text":"على هذا الخلاف:\nأ) إذا قلنا: إنه مبيح، إذا نوى التيمم عن عبادة، لم يستبح به ما فوقها، فإذا تيمم لنافلة، لم يصل به فريضة؛ لأنَّ الفريضة أعلى، وإذا تيمم لِمَسِّ المصحف، لم يُصَلِّ به نافلة؛ إذ الوضوء للنافلة أعلى، فهو مُجْمَعٌ على اشتراطه، بخلاف الوضوء لِمَسِّ المصحف، وهكذا، وإذا قلنا: إنه رافعٌ، فإذا تيمم لنافلة جاز أن يصلي به فريضة، وإذا تيمم لفريضة، جاز أن يصلي به نافلة.\nب) إذا قلنا: إنه مبيحٌ، إذا خرج الوقت بطلَ؛ لأنَّ المبيح يقتصر فيه على قدر الضرورة، فإذا تيمم للظهر مثلًا، ولم يحدث حتى دخل وقت العصر، فعليه أن يعيد التيمم، وعلى القول بأنه رافعٌ، لا يجب عليه إعادة التيمم، ولا يبطل بخروج الوقت.\nج) إذا قلنا: إنه مبيحٌ اشترط أن ينوي ما يتيمم له، فلو نوى رفع الحدث فقط، لم يرتفع، وعلى القول بأنه رافع، لا يشترط ذلك، فإذا تيمم لرفع الحدث فقط، جاز. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>مسألة [٤]: هل يشترط للتيمم نية</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٢٩): لا نعلم خلافًا في أنَّ التيمم لا يصلح إلا بنية، غير ما حُكِي عن الأوزاعي، والحسن بن صالح، أنه يصح بغير نية، وسائر أهل العلم على إيجاب النية فيه، وممن قال ذلك: ربيعة، ومالك، والليث، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.","vol":"1","page":450},{"text":"والراجح هو قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>مسألة [٥]: ماذا يشترط للتيمم</span>؟\n• جاء في حديث حذيفة عند مسلم: «إذا لم نجد الماء»، ويقول الله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٤٣/المائدة:٦].\nفهذان الدليلان يدلان على اشتراط طلب الماء قبل التيمم، وهو مذهب أحمد، والشافعي.\n• وذهب أبو حنيفة، وهو رواية عن أحمد إلى عدم اشتراط طلب الماء؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأبي ذر: «الصعيد الطيب وضوء المسلم مالم يجد الماء»؛ ولأنه غير عالم بوجود الماء قريبًا منه، فأشبه ما لو طلب، فلم يجد.\nوالقول الأول هو الراجح؛ لدلالة الأدلة المتقدمة على ذلك، وقد دلَّ الدليلان المتقدمان أيضًا على أنه يشترط للتيمم إعواز الماء بعد الطلب.\nقال ابن قدامة -﵀-: ولا خلاف في اشتراطه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>مسألة [٦]: صفة طلب الماء</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣١٤): وَصِفَةُ الطَّلَبِ أَنْ يَطْلُبَ فِي رَحْلِهِ، ثُمَّ إنْ رَأَى خُضْرَةً، أَوْ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى الْمَاءِ، قَصَدَهُ، فَاسْتَبْرَأَهُ، وَإِنْ كَانَ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٣١٣ - ٣١٤).","vol":"1","page":451},{"text":"بِقُرْبِهِ رَبْوَةٌ، أَوْ شَيْءٌ قَائِمٌ، أَتَاهُ وَطَلَبَ عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَظَرَ أَمَامَهُ وَوَرَاءَهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ رُفْقَةٌ يُدِلُّ عَلَيْهِمْ طَلَبَ مِنْهُمْ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْمَكَانِ سَأَلَهُ عَنْ مِيَاهِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَهُوَ عَادِمٌ، وَإِنْ دُلَّ عَلَى مَاءٍ، لَزِمَهُ قَصْدُهُ إنْ كَانَ قَرِيبًا، مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ يَخْشَى فَوَاتَ رُفْقَتِهِ، وَلَمْ يَفُتْ الْوَقْتُ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. انتهى.\nوقال الشوكاني -﵀- في «السيل الجرار» (١/ ١٢٨): وأما إيجاب الطلب إلى آخر الوقت، فلم يدل عليه دليل، لا من كتاب، ولا سنة، ولا قياس صحيح، ولا إجماع. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>مسألة [٧]: هل يشترط لصحة التيمم دخول الوقت</span>؟\n• ذهب أحمد، والشافعي، ومالك إلى اشتراط دخول الوقت؛ لأنه طهارةُ ضرورة، فلم يجز قبل الوقت، كطهارة المستحاضة، قالوا: وإذا كانت نافلة، لم يجز التيمم لها في وقت نهي عن فعلها فيه؛ لأنه ليس بوقتها، وإن كانت فائتة، جاز التيمم له في كل وقت؛ لأن فعلها جائز في كل وقت.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه يصح التيمم قبل وقت الصلاة؛ لأنها تبيح الصلاة، فأبيح تقديمها على وقت الصلاة، كسائر الطهارات، وروي عن أحمد أنه قال: القياس أن التيمم بمنزلة الطهارة حتى يجد الماء، أو يحدث؛ فعلى هذا يجوز قبل الوقت.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: وهذا القول هو الراجح.","vol":"1","page":452},{"text":"وقد رجحه شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٥٢، ٤٣٨)، وابن القيم في «زاد المعاد» (١/ ٢٠٠)، وكذا الشوكاني، والصنعاني، والشيخ عبدالرحمن السعدي، والشيخ عبد العزيز بن باز، كما في «غاية المرام» (٢/ ٣٧٣).\nقال شيخ الإسلام -﵀-: وإذا كان قد جعل المتيمم مطهرًا، كما أن المتوضئ مطهر، ولم يقيد ذلك بوقت، ولم يقل: إنَّ خروج الوقت يبطله، كما ذكر أنه يبطله القدرة على استعمال الماء، دلَّ ذلك على أنه بمنزلة الماء عند عدم الماء، وهو موجب الأصول. اهـ\nوقال أيضًا: وعلى هذا القول الصحيح يتيمم قبل الوقت إن شاء، ويصلي، ما لم يحدث، أو يقدر على استعمال الماء. اهـ «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٥٢،٤٣٨).\nوقال الشوكاني -﵀- في «نيل الأوطار» (١/ ٣٩٨): لم يرد دليل على عدم الإجزاء يعني إجزاء التيمم قبل الوقت والمراد بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾، إذا أردتم القيام، وإرادة القيام تكون في الوقت، وقبل الوقت، فلم يدل دليل على اشتراط الوقت. (^١)\nفائدة: إذا تيقن عدم وجود ماء في المنطقة التي هو فيها، فلا يلزمه الطلب، والبحث عن الماء.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٢٤٩): وقال جماعات من الخراسانيين: إن تحقق عدم الماء حواليه، لم يلزمه الطلب، وبهذا قطع إمام\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٣١٣)، «المحلَّى» (٢٣٧).","vol":"1","page":453},{"text":"الحرمين، والغزالي، وغيرهما. قال إمام الحرمين: إنما يجب الطلب إذا توقع وجود الماء توقعًا قريبًا، أو مستبعدًا؛ فان قطع بأن لا ماء هناك، بأن يكون في بعض رمال البوادي، فيعلم بالضرورة استحالة وجود ماء، لم نكلفه التردد لطلبه؛ لأن طلب ما يعلم استحالة وجوده محال. انتهى المراد بتصرف يسير.","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>مسألة [١]: إذا وجد الماء بثمن</span>.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَإِنْ بُذِلَ لَهُ مَاءٌ لِطَهَارَتِهِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، وَلَا مِنَّةَ فِي ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ إلَّا بِثَمَنٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَبُذِلَ لَهُ الثَّمَنُ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ الْمِنَّةَ تَلْحَقُ بِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ يُبَاعُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ فِي مَوْضِعِهِ، أَوْ زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ، يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ، لِقُوتِهِ وَمُؤْنَةِ سَفَرِهِ، لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ كَثِيرَةً تُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً، لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيمَنْ بُذِلَ لَهُ مَاءٌ بِدِينَارٍ، وَمَعَهُ مِائَةٌ.\nفَيَحْتَمِلُ إذَنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ، قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ، بِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي الزِّيَادَةِ الْكَثِيرَةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهَا، كَمَا لَوْ خَافَ لِصًّا يَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ، وَلَا كَثِيرَةٍ لِذَلِكَ. انتهى المراد.\nوقول الشافعي عزاه النووي في «المجموع» (٢/ ٢٥٥) للجمهور.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ٣١٨): والصواب أنه إذا كان واجدًا لثمنه، قادرًا عليه، أنه يجب عليه أن يشتريه، والدليل على ذلك قوله","vol":"1","page":455},{"text":"تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، فالله اشترط للتيمم عدم الماء، والماء هنا موجود، ولا ضرر عليه في شرائه؛ لقدرته عليه. اهـ. (^١)\nقال ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (١/ ٢٠٨): وألحقت الأمةُ وَاجِدَ ثمن الماء بِوَاجِدِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>مسألة [٢]: إذا وهب له الماء، أو ثمنه</span>؟\nتقدم كلام ابن قدامة -﵀- في المسألة السابقة.\nوقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٢٥٣): إذا وهب له الماء، لزمه قبوله، هذا هو الصحيح، المنصوص؛ لأنَّ الماء لا يُمَنُّ به في العادة، ولو وهب له ثمن الماء، لم يلزمه قبوله بالاتفاق يعني اتفاق الشافعية ونقل إمام الحرمين الإجماع فيه. اهـ\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٢٥٣): وأما هبة آلة الاستسقاء، فكهبة ثمن الماء، ذكره القاضي حسين، وإمام الحرمين، والغزالي، والمتولي، والبغوي، وآخرون، وأما إعارتها، فقطع الجمهور بوجوب قبولها مطلقًا، وهو الصحيح. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>مسألة [٣]: لو وجد من يبيعه الماء بثمن مؤجل</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٢٥٥): ولو وجد من يبيعه الماء بثمن مؤجل؛ فإن لم يكن له مالٌ غائب، لم يلزمه شراؤه بلا خلاف يعني عند الشافعية، وإن كان، فوجهان، الصحيح: يلزمه شراؤه. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٣١٧).","vol":"1","page":456},{"text":"وهذا الوجهان هما وجهان أيضًا عند الحنابلة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>مسألة [٤]: من يلتحق بعادم الماء</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣١٥): وَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ سَبُعٌ، أَوْ عَدُوٌّ، أَوْ حَرِيقٌ، أَوْ لِصٌّ؛ فَهُوَ كَالْعَادِمِ، وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ بِمَجْمَعِ الْفُسَّاقِ، تَخَافُ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْهُمْ؛ فَهِيَ عَادِمَتُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ عِنْدَ رَحْلِهِ، فَخَافَ إنْ ذَهَبَ إلَى الْمَاءِ ذَهَبَ شَيْءٌ مِنْ رَحْلِهِ، أَوْ شَرَدَتْ دَابَّتُهُ، أَوْ سُرِقَتْ، أَوْ خَافَ عَلَى أَهْلِهِ لِصًّا، أَوْ سَبُعًا، خَوْفًا شَدِيدًا؛ فَهُوَ كَالْعَادِمِ، وَمَنْ كَانَ خَوْفُهُ جُبْنًا، لَا عَنْ سَبَبٍ يُخَافُ مِنْ مِثْلِهِ، لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ. انتهى المراد بتصرف يسير.\nقال ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (١/ ٢٠٨): وألحقت الأمة من خاف على نفسه، أو بهائمه من العطش إذا توضأ بالعادم؛ فجوزت له التيمم وهو واجد للماء، وألحقت من خشي المرض من شدة برد الماء بالمريض في العدول عنه إلى البدل. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>مسألة [٥]: إذا وجد الجنب ما يكفي بعض أعضائه، ومثله المحدِث حدثًا أصغر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣١٤): وَإِذَا وَجَدَ الْجُنُبُ مَا يَكْفِي بَعْضَ أَعْضَائِهِ، لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَيَتَيَمَّمُ لِلْبَاقِي. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، وَمَعْمَرٌ، وَنَحْوَهُ قَالَ عَطَاءٌ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٣١٧ - ٣١٨).","vol":"1","page":457},{"text":"وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي: يَتَيَمَّمُ، وَيَتْرُكُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ لَا يُطَهِّرُهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِعْمَالُهُ، كَالْمُسْتَعْمَلِ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وَخَبَرُ أَبِي ذَرٍّ شَرَطَ فِي التَّيَمُّمِ عَدَمَ الْمَاءِ، وَهَذَا وَاجِدٌ وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». انتهى بتصرف.\nوالراجح هو القول الأول، وهو الذي رجَّحه ابن قدامة، ورجحه الشوكاني في «النيل»، ونقله عن المجد ابن تيمية، وهو ترجيح النووي في «شرح المهذب» (٢/ ٢٦٨)، ورجحه الإمام ابن باز -﵀- كما في «فتاوى اللجنة» (٥/ ٣٣٧)، والشيخ ابن عثيمين في «الشرح الممتع» (١/ ٣٢٢)، وقد عزا القول الآخر النووي في «شرح المهذب» (٢/ ٢٦٨) للجمهور، والخلاف في المحدث حدثًا أصغر كالخلاف السابق، كما ذكر ذلك النووي في المصدر المذكور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>مسألة [٦]: إذا كان معه ماء قبل الوقت، ففرط فيه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: إذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ، فَأَرَاقَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ، أَوْ مَرَّ بِمَاءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَتَجَاوَزَهُ، وَعَدِمَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَلَا إِعَادَة، وَإِلَّا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ. وَلَنَا: أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ. والرَّاجح قول أحمد، والشافعي. (^١)\n_________\n(^١) وانظر «المغني» (١/ ٣١٨).","vol":"1","page":458},{"text":"قال ابن قدامة -﵀-: وَإِنْ أَرَاقَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، أَوْ مَرَّ بِهِ فِي الْوَقْتِ، فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ، ثُمَّ عَدِمَ الْمَاءَ، يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، وَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ. اهـ\nوهذان الوجهان عند الشافعية أيضًا، والصحيح أنه لا إعادة عليه، وعليه الإثم إذا فعل ذلك لغير غرض شرعي، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>مسألة [٧]: لو وَهَبَ الماءَ بعد دخول الوقت</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣١٨): وَإِنْ وَهَبَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ، وَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، فَلَوْ تَيَمَّمَ مَعَ بَقَاءِ الْمَاءِ، لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ الْمَوْهُوبُ لَهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَرَاقَهُ. اهـ\nوالذي رجَّحه ابن قدامة هو الأصح عند الشافعية فيما ذكره النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٣٠٨).\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٣١٨)، «المجموع» (٢/ ٣٠٧).","vol":"1","page":459},{"text":"١٢٣ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ -﵄- قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْت، فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ فَتَمَرَّغْت فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ - ﷺ - فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: «إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْك هَكَذَا»، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>مسألة [١]: التيمم عن الحدث الأصغر</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٢٠٧): يجوز التيمم عن الحدث الأصغر بالكتاب، والسنة، والإجماع. اهـ\nقلتُ: ووجه الدلالة على ذلك من حديث الباب أنه إن شرع التيمم لرفع الحدث الأكبر؛ كان ذلك تنبيهًا على شرعيته لرفع الحدث الأصغر؛ لأنه أخف، فهو أولى، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>مسألة [٢]: التيمم عن الحدث الأكبر</span>.\n• دلَّ حديثُ عمار الذي في هذا الباب على جواز التيمم من الحدث الأكبر،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٧)، ومسلم (٣٦٨).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٣٣٨).","vol":"1","page":460},{"text":"ويؤيده الآية التي في المائدة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:٦].\nوقد ذهب إلى ذلك كافة العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم؛ إلا عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وإبراهيم النخعي؛ فإنهم منعوه. (^١)\nوالأثران عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود ثابتان في «الصحيحين». (^٢)\nوقد احتج عمار بن ياسر على عمر بن الخطاب بهذا الحديث، فلم يتذكره عمر، وقال لعمار: نولك ما توليت.\nواحتج أبو موسى على عبد الله بن مسعود بالآية، والحديث عن عمار، فاحتج ابن مسعود بأن عمر لم يقنع بقول عمار، وأجاب عن الآية بقوله: لو رخص لهم؛ لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا.\nوالصحيح قول الجمهور، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>مسألة [٣]: بمَ يسوغُ التيمم</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: أنه لا يجوز إلا بالتراب، وهذا قول الشافعي، وأحمد، وابن المنذر، وداود.\nوقال النووي -﵀- في «المجموع»: قال الأزهري، والقاضي أبو الطيب: هو\n_________\n(^١) «المجموع» (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨).\n(^٢) انظر تخريج حديث عمار الذي في الباب.","vol":"1","page":461},{"text":"قول أكثر الفقهاء. واستدل هؤلاء بحديث حذيفة الذي تقدم: «وجُعِلت تربتها لنا طهورًا»، وبحديث علي -﵁-: «وجعل التراب لي طهورًا»، فخَصَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه.\nواحتجوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦]، وهذا يقتضي أن يمسح بماله غبار يعلق بعضه بالعضو؛ لأن (من) تبعيضية، ويدل على ذلك حديث عمار؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علَّمَهُ التيمم أن يضرب بيديه الأرض، وفي الحديث أنه نفضهما، وفي رواية: «نفخ فيهما».\nالقول الثاني: أنه يجوز بكل ما صَعُدَ على ظهر الأرض من تراب، أو رمل، أو حجر.\nوهذا قول مالك، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام، وابن القيم.\nواستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:٦]، والصعيد كل ما ظهر على وجه الأرض.\nوبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وجُعِلَت لِيَ الأرض مسجدًا، وطهورًا».\nوجاء في حديث أبي أمامة -﵁-: «حيثما أدركت رجلًا من أمتي الصلاة، فعنده طهوره، ومسجده»، وفي إسناده: سيار الأموي، مجهول حال، والحديث عند أحمد (٥/ ٢٥٦)، وغيره.","vol":"1","page":462},{"text":"قالوا: وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يسافر في الأرض الرملية كما في غزوة تبوك، ولم ينقل أنه حُمِلَ معه ترابٌ، أو صلى بغير طهور.\nوقالوا: حديث عمار يدل على عدم اشتراط التراب؛ لأنه نفضهما، ونفخ التراب، ولو كان يشترط لم يفعل ذلك، وأما الآية التي استدل بها الجمهور؛ فإنَّ (من) ليست للتبعيض، وإنما لابتداء الغاية، وقد رجَّح هذا القول الشيخ السعدي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما.\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأول، وهو ترجيح النووي، والشيرازي، والخِرَقِي، وابن قدامة، وابن رجب الحنبلي، وابن عبدالبر، والشوكاني، وشمس الحق العظيم آبادي، ثم الشيخ يحيى الحجوري عافاه الله. (^١)\nوأما أدلتهم فهي عامة مخصوصة بأدلة الجمهور، كحديث حذيفة، وحديث علي -﵄-.\nوأما نفخ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للغبار؛ فإنما هو لتخفيفه، لا لإزالته؛ لأنه لا يزول بمجرد النفخ، أو النفض اليسير، كما هو ظاهرُ الحديث، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>مسألة [٤]: إذا خالط الترابَ غيرُه من الطاهرات</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٢٧): إذَا خَالَطَ التُّرَابُ مَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، كَالنُّورَةِ، وَالزِّرْنِيخِ، وَالْجِصِّ، فَقَالَ الْقَاضِي: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاءِ إذَا\n_________\n(^١) انظر: «أحكام التيمم» (ص ٤٧).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٢/ ٢١١)، «المغني» (١/ ٣٢٤ -).","vol":"1","page":463},{"text":"خَالَطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ، إنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلتُّرَابِ جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْمُخَالِطِ، لَمْ يَجُزْ.\nوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَمْنَعُ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ فِي الْعُضْوِ، فَمَنَعَ وُصُولَ التُّرَابِ إلَيْهِ. اهـ\nقلتُ: والراجح -والله أعلم- هو قول القاضي؛ لأنَّ الغلبة إذا كانت للتراب، فالظاهر أنَّ وجهه سيصيبه ذلك التراب، والله أعلم.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَهَذَا الخِلافُ فِيمَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ، فَأَمَّا مَا لَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ، فَلَا يَمْنَعُ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مِنْ الشَّعِيرِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ عَلَى الْيَدِ مِنْهُ مَا يَحُولُ بَيْنَ الْغُبَارِ وَبَيْنَهَا. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٢/ ٢١٣).","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>ذِكْرُ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>مسألة [١]: يشترط في التراب أن يكون طاهرًا</span>.\nإذا كان التراب غير طاهر، فلا يجوز التيمم به؛ لأنَّ الله ﷿ يقول: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والطيب هو الطاهر، وعلى ذلك عامة أهل العلم، كما في «المجموع شرح المهذب» (٢/ ٢١٦)، و«الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٤٠)، و«المغني» (١/ ٣٣٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>مسألة [٢]: حمل التراب في السفر</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ٢١): ولا يستحب حمل التراب معه للتيمم، قاله طائفة من العلماء. اهـ\nوقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٣٣٦): وقد استحب الثوري، وأحمد حمل الترابِ للمسافر، كما يستحب له حمل الماء للطهارة، ومن المتأخرين من أنكره، وقال: بدعة.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الظاهر -والله أعلم- أنه لا يستحب حمل التراب في السفر، ولكن إن كان يعلم أنه سيمر، أو سيبقى في مكانٍ ليس فيه تراب، ولا ماء، ولم يجد ماءً يحمله معه، فالظاهر أن حمله للتراب في هذه الحالة لا بأس به، والله أعلم.","vol":"1","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>مسألة [٣]: ترتيب أعضاء التيمم</span>.\n• قال الشيخ يحيى بن علي الحجوري حفظه الله في كتابه «أحكام التيمم» (ص ٨٨ وما بعدها): الأفضل أن يقدم مسح وجهه قبل كفيه، والعكس جائز، وذهب جمهور العلماء إلى وجوب الترتيب في التيمم، قال النووي -﵀- في «المجموع» (٢/ ٤٢٤): يجب الترتيب في التيمم للجنابة كما يجب للتيمم للحدث الأصغر فيمسح وجهه ثم يديه. اهـ\nوالراجح أن الترتيب ليس بواجب.\nثم استدل الشيخ -حفظه الله- بحديث: «ثم مسح بهما وجهه وكفيه»، وهي في «الصحيحين»، وفيهما رواية أخرى: «مسح كفيه ووجهه»، و(الواو) لا تفيد الترتيب، ولكن جاءت رواية: «أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح كفيه، ثم مسح وجهه» و(ثُمَّ) تفيد الترتيب.\nثم نقل الشيخ حفظه الله عن الصنعاني أنه قال في «سبل السلام» (١/ ١٥٥): ومن ذلك اختلافهم في الترتيب بين الوجه واليدين، وحديث عمار كما عرفت قاضي بأنه لا يجب، وإليه ذهب كل من قال: تكفي ضربة واحدة، وقالوا: والواو في الآية لا تنافي ذلك، وذهب من قال بالضربتين إلى أنه لابد من الترتيب بتقديم الوجه على الكفين، وتقديم اليمنى على اليسرى. اهـ\nقال: وقال الحافظ ابن حجر -﵀- عندحديث عمار رقم (٣٤٧): وفيه أن الترتيب غير مشترط في التيمم.","vol":"1","page":466},{"text":"قال الشيخ: وإنما قلنا إن تقديم الوجه على الكفين هو الأفضل لأمرين:\nالأول: رواية تقديم مسح الوجه على الكفين أقوى من رواية تقديم مسح الكفين على الوجه، حتى قال الإمام أحمد -﵀- فيما نقل عنه ابن رجب في «فتح الباري» (٢/ ٩٠): رواية أبي معاوية عن الأعمش في تقديم مسح الكفين على الوجه غلطٌ. كذا قال، وهي في «الصحيحين».\nالثاني: أنه ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، فقدم الله تعالى مسح الوجه قبل الأيدي، وفي حديث جابر عند مسلم في صفة حج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أبدأ بما بدأ الله به». انتهى بتصرف يسير.\nقلتُ: وما رجَّحه الشيخ حفظه الله هو الراجح -والله أعلم-، وهو قول في مذهب أحمد اختاره جماعة من أصحابه كما في «الإنصاف» (١/ ٢٧٤)، وهو اختيار شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٢٣ - ٤٢٤، ٤٤٠)، وليس للقول بالوجوب مستند سوى الآية، وغاية ما تفيده هو الاستحباب كما تقدم، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>مسألة [٤]: إذا وجد طينًا، ولم يجد ترابًا، ولا ماءً</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: إذا كان في طينٍ لا يجد ترابًا، فَحُكِي عن ابن عباس أنه قال: يأخذ الطين، ويطلي به جسده، فإذا جفَّ تيمم به، وإن خاف فوات الوقت قبل جفافه، فهو كالعادم. انتهى المراد. «المغني» (١/ ٣٢٧).","vol":"1","page":467},{"text":"قلتُ: ما ذُكِرَ عن ابن عباس، وقرره ابن قدامة هو الراجح، وأما الأثر عن ابن عباس، فلا يثبت، فقد أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٤٢)، وفي إسناده: النضر بن عبد الرحمن، وهو متروك، ومشايخ ابن المنذر مبهمون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>مسألة [٥]: إذا عدم التراب، والماء</span>.\n• ذهب الشافعي في قول، وأحمد، والمزني، ومالك في رواية، وسحنون، وابن المنذر إلى أنه يصلي على حسب حاله، ولا إعادة عليه.\n• وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي -وهو قول للشافعي-: لا يصلي حتى يقدر على أحدهما، ثم يصلي.\n• وجاء عن مالك رواية أنه قال: لا يصلي، ولا يقضي؛ لأنه عجز عن الطهارة، فلم تجب عليه الصلاة، لكن قال ابن عبد البر: هذه الرواية منكرة، وذكر عن أصحابه قولين، أحدهما كقول أبي حنيفة، والثاني: يصلي على حسب حاله، ويعيد. وهو قول آخر للشافعي، ورواية عن أحمد.\nوالراجح القول الأول الذي ذهب إليه أحمد في المشهور من مذهبه والشافعي في قول؛ لحديث عائشة -﵂- في «الصحيحين» (^١): أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رجالًا في التماسها، فأدركتهم الصلاة، ولم يجدوا ماء، فصلوا على غير وضوء، فلما أصبحوا ذكروا ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فنزلت آية التيمم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٣٦)، ومسلم برقم (٣٦٧) (١٠٩).","vol":"1","page":468},{"text":"وقول الشافعي، وأحمد عزاه الحافظ في «الفتح» لجمهور المحدثين.\nوقد رجح القول الأول الإمام ابن باز -﵀- في تعليقه على «الفتح»، والإمام العثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ٣٢٨)، وهو الصحيح، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>مسألة [٦]: مشروعية النفخ، والنفض</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٢٤): فإذا علا يديه ترابٌ كثير، لم يكره نفخه. وقال الإمام أحمد: لا يضره فعلَ، أم لم يفعلْ. اهـ\nيعني نفض اليدين كما قال ابن المنذر، وبنحوه قال الشافعي في «الأم» (١/ ٥٠)، والنفخ والنفض فيهما إنما هو ليقلَّ الترابُ الذي حصل في كفيه؛ لأنَّ المقصود إنما هو التطهير، لا التغبير الموجب للتنفير.\nوقد خَفِيَ حديث النفض على الإمام أبي بكر بن المنذر -﵀-، فقال في «الأوسط» (٢/ ٥٥)، بعد أن ذكر حديث النفخ، ولم يذكر حديث النفض، قال: كما قال أحمد أقول غير أن النفخ أحب إليَّ؛ لأنَّ النبي - ﷺ - نفخ فيهما. اهـ\nقلتُ: وأيضًا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد نفضهما كما تقدم في «الصحيحين»، فيشرع الأمران: النفخ فيهما، ونفضهما؛ لتقليل التراب الذي عليهما، هذا هو الصحيح، والله أعلم.\nوقد صحَّ عن ابن عمر -﵄- أنه كان يتيمم، ولا ينفض، ولا ينفخ، أخرجه\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب، وابن حجر رقم (٣٣٦)، «المجموع» (٢/ ٢٨٠ -)، «أحكام التيمم» (ص ٦٣ - ٦٦).","vol":"1","page":469},{"text":"عبدالرزاق (١/ ٢١١ -) بإسناد صحيح.\nوثبت عن عمار عند الدارقطني (٤/ ١٨٤)، أنه تيمم، ونفخ في يديه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>مسألة [٧]: تعميم المسح على الوجه، والكفين</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٢/ ٥٠ - ٥١): وقد أجمع العلماء على أن مسح الوجه، واليدين بالتراب في التيمم فرض لابد منه في الجملة؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦].\nولكن اختلفوا في قدر الفرض من ذلك، فأما الوجه، فمذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء: أنه يجب استيعاب بشرته بالمسح بالتراب، ومسح ظاهر الشعر الذي عليه، وسواء كان ذلك الشعر يجب إيصال الماء إلى ما تحته كالشعر الخفيف الذي يصف البشرة، أم لا، هذا هو الصحيح.\nقال: وعن أبي حنيفة روايات، إحداها: كقول الشافعي، وأحمد، والثانية: إن ترك قدر درهم لا يجزئه، وإن ترك دونه أجزأه، والثالثة: إن ترك دون ربع الوجه أجزأه، وإلا فلا، والرابعة: إن مسح أكثره، وترك الأقل منه، أو من الذراع أجزأه، وإلا فلا، وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، وزفر، وحكى ابن المنذر، عن سليمان بن داود الهاشمي: أنَّ مسحَ التيممِ حكمُه حكم مسح الرأس في الوضوء، يجزئ فيه البعض.\nقلتُ: وبقول سليمان الهاشمي قال محمد بن مسلمة المالكي، ويحيى بن","vol":"1","page":470},{"text":"يحيى النيسابوري، والجوزجاني، كما في «الفتح» (٢/ ٥٢) لابن رجب، ونصره ابن حزم في «المحلَّى» (٢/ ١٥٧)، ورجحه الشيخ يحيى الحجوري في «أحكام التيمم» (ص ٩٢).\nودليلهم على ذلك أن قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ يشمل من مسح بعض وجهه.\nوالذي يظهر لي أن الراجح هو قول الجمهور؛ لأنَّ الآية قد بينها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بفعله مع قوله لعمار: «إنما يكفيك أن تقول هكذا».\nفبَيَّنَ أن الصفة المذكورة هي الكافية، وأنَّ غيرها لا يكفي، وقد استوعب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المسح على وجهه، ويديه، وإذا مسح على سائر وجهه، لا يضره، إن لم يصل التراب إلى بعض أجزائه.\nقال إسحاق بن راهويه: تمر بيديك على جميع الوجه، واللحية، أصاب ما أصاب، وأخطأ ما أخطأ.\nوقد نصَّ على هذا أبو المعالي الجويني أيضًا كما في «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٥٢)، وهذا هو مذهب يحيى بن يحيى فيما يظهر؛ لأنه قال: لا يتعمد لترك شيء من ذلك؛ فإن بقي شيءٌ منه لم يعد.\nثم قال ابن رجب -﵀- (٢/ ٥٣): فأما اليدان، فأكثر العلماء على وجوب مسح الكفين، ظاهرهما، وباطنهما بالتراب، إلى الكوعين، وقد ذكرنا أن بعض العلماء لم","vol":"1","page":471},{"text":"يوجب استيعاب ذلك بالمسح. اهـ\nوما تقدم ترجيحه بالوجه هو الراجح أيضًا في اليدين، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>مسألة [٨]: التخليل بين أصابع الكفين في التيمم</span>.\n• جاء عن بعض أهل العلم إيجاب التخليل.\nولكن قال الإمام ابن عثيمين -﵀-: إثبات التَّخليل -ولو سُنَّة- فيه نَظَر؛ لأن الرَّسول - ﷺ - في حديث عمَّار لم يخلِّل أصابعَه؛ فإن قيل: ألا يدخل في عُموم حديث لَقيط بن صَبِرة -﵁-: «أَسبغ الوُضُوء، وخلِّلْ بين الأصابِع، وبالِغْ في الاسْتِنْشاق»؟\nأجيب بالمنْع؛ لأنَّ حديث لَقيط بن صَبِرَة في طَهارة الماء، ولهذا ففي النَّفس شيء من استحِباب التخليل في التَّيمُّم لأمرين:\nأولًا: أنه لم يَرِدْ عن النَّبيِّ - ﷺ -.\nوثانيًا: أنَّ طهارة التَّيمُّم مبنيَّة على التَّيسير والسُّهولة، بخلاف الماء؛ ففي طهارة الماء في الجنابة يجب استيعاب كل البَدَنِ، وفي التَّيمُّم عُضوان فقط، وفي التَّيمُّم لا يجب استيعاب الوَجْه والكفَّين على الرَّاجِح، بل يُتَسامَح عن الشَّيء الذي لا يَصِل إليه المسْح إلا بمشقَّة كباطن الشَّعْر، فلا يجب إيصال التُّراب إليه، ولو كان خفيفًا؛ فيُمْسَح الظَّاهرُ فقط. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٣٣١).\n(^٢) «الشرح الممتع» (١/ ٣٤٩).","vol":"1","page":472},{"text":"١٢٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى المِرْفَقَيْنِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَ الأَئِمَّةُ وَقْفَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>مسألة [١]: عدد ضربات التيمم، وحدُّه من اليد</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ التيمم ضربة واحدة للوجه، والكفين فقط، لا يتجاوز الكفين، وهو قول الشعبي، وعطاء، ويحيى بن أبي كثير، وقتادة، وعكرمة، ومكحول، والأوزاعي، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي خيثمة، وابن أبي شيبة، وداود، وهو قول عامة أهل الحديث، وهو اختيار البخاري، وابن المنذر.\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة، وهو قول الشافعي، والشعبي، والثوري، وأصحاب الرأي، ومن الصحابة: علي بن أبي طالب (^٢)، وابن عمر، وهو قول سالم\n_________\n(^١) المرفوع منكر والراجح وقفه. أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٠) من طريق علي بن ظبيان، عن عبيدالله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به. وعلي بن ظبيان متروك.\nوقد خالفه يحيى القطان وهشيم وغيرهما فرووه عن عبيدالله بإسناده موقوفًا، ورجح الموقوف الدارقطني والبيهقي وغيرهما.\nوقد روي بنحوه مرفوعًا عند أبي داود (٣٣٠) ولكن في إسناده محمد بن ثابت العبدي، وهو ضعيف.\nوقد أنكر عليه الحفاظ هذا الحديث، منهم: أحمد وأبوداود والبيهقي وغيرهم.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٢١٣)، وسنده ضعيفٌ، فيه: عطاء بن السائب، مختلطٌ، وتلميذه فيه سمع منه بعد الاختلاط، وهو من رواية: أبي البختري، سعيد بن فيروز، عن علي بن أبي طالب، ولم يدركه؛ فهو منقطع. وأما أثر ابن عمر؛ فهو صحيح كما تقدم.","vol":"1","page":473},{"text":"ابن عبدالله، والحسن البصري، ذهبوا إلى أنَّ التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، كما في «شرح صحيح مسلم» للنووي و«فتح الباري» لابن رجب وقد عزي هذا القول للجمهور.\nواستدل أصحاب القول الأول بحديث عمار -﵁- الذي تقدم.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح»: ومما يقوي رواية «الصحيحين» في الاقتصار على الوجه، والكفين، كون عمار كان يُفتي بعد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذلك، وراوي الحديث أعرف به من غيره. اهـ\nواستدل أصحاب القول الثاني بحديث ابن عمر -﵄- الذي في الباب، وقد تقدم أنه منكر، وبما رواه أبو داود (٣٢٨)، وغيره من حديث عمار بن ياسر -﵁-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين علَّمه التيمم، علَّمَه أن يمسح إلى المرفقين. وسنده ضعيفٌ، فيه رجل مبهم، قال قتادة: حدثني محدِّثٌ، عن الشعبي، عن عبدالرحمن بن أبزى، عن عمار.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: ولحديث عمار إسناد أحسن من هذا عند أبي داود (٣٢٤، ٣٢٥)، وفيه: «إلى المرفقين»، ورجال إسناده ثقات، ولكن سلمة بن كهيل شك فيه، فقال: لا أدري فيه: «إلى المرفقين، أو الكفين».\nوقد أنكر ذلك عليه شعبة، ومنصور، وقد خالفه الثقات، فروايته شاذة ليست محفوظة، ومع ذلك فليس في حديث عمار إلا ذكر ضربة واحدة.\n• وهناك قول ثالث: أنَّ التيمم ضربتان للوجه، واليدين إلى المنكبين، من أعلى","vol":"1","page":474},{"text":"اليد، وإلى الآباط، من أسفلها، وهذا مروي عن الزهري، ثم حكي عنه إنكاره، وعدم القول به، وقال به محمد بن مسلمة من المالكية.\nولهم حديث ضعيفٌ من حديث عمار عند أبي داود (٣٢٠)، وفيه: فمسحوا بها وجوههم، وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط.\nوهو حديث مضطرب جدًّا، قد بيَّن اضطرابه أبوداود، وضعفه ابن حزم في «المحلى» (٢٥٠)، وأعله أبو حاتم، وأبو زرعة. (^١)\nوقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٢/ ٥٦): وهذا الحديث منكرٌ جدًّا، لم يزل العلماء ينكرونه. انتهى.\n• وهناك قول رابعٌ ذكره الشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ٣١٠)، عن سعيد بن المسيب، وابن سيرين، أنَّ صفة التيمم ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للكفين، وضربة للذراعين، قال الشوكاني: لم أقف لهذا القول على دليل.\nقال الشيخ يحيى حفظه الله: والأمر كما قال، أنه لا دليل على هذا القول، وينبغي أن ينظر في ثبوته إلى هذين الإمامين؛ فإنه قول بعيد، لا يليق بمثلهما. اهـ\nوالصحيح في هذه المسألة هو القول الأول.\nوهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي، والشيخ ابن باز، والشيخ العثيمين رحمة الله عليهم أجمعين. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١/ ٦١).\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٣٤٢) (٣٤٧)، «شرح مسلم» (٤/ ٥٦ - ٥٧)، «الفتح» لابن حجر (٣٤٧)، «أحكام التيمم» (ص ٤٩ - ٥٦).","vol":"1","page":475},{"text":"١٢٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الصَّعِيدُ وَضُوءُ المُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيَتَّقِ اللهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ». رَوَاهُ البَزَّارُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ القَطَّانِ، لَكِنْ صَوَّبَ الدَّارَقُطْنِيُّ إرْسَالَهُ. (^١)\n\n١٢٦ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ نَحْوُهُ، وَصَحَّحَهُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>مسألة [١]: نواقض التيمم</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٥٠): وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ عَنْ الْحَدَثِ بِكُلِّ مَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ، وَيَزِيدُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ الْمَقْدُورِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، وَخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَزَادَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ظَنَّ وُجُودِ الْمَاءِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَزَادَ بَعْضُهُمْ مَا لَوْ نَزَعَ عِمَامَةً، أَوْ خُفًّا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُبْطِلٍ لِلتَّيَمُّمِ، وَهَذَا قَوْلُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ لَمْ يَمْسَحْ فِيهَا عَلَيْهِ، فَلَا يَبْطُلُ بِنَزْعِهِ، كَطَهَارَةِ الْمَاءِ.\n_________\n(^١) حسن لغيره. أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (٣١٠) من طريق القاسم بن يحيى بن عطاء المقدمي عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. وقد تفرد بوصله القاسم بن يحيى وخالفه غيره فرووه عن هشام عن ابن سيرين مرسلًا، وتابع هشامًا آخرون على الإرسال كما أبان ذلك الدارقطني في «العلل» (٨/ ٩٣). ولكن هذا المرسل يشهد له حديث أبي ذر الذي بعده فيصير به حسنًا، والله أعلم.\n(^٢) حسن لغيره. أخرجه الترمذي (١٢٤)، وأخرجه أيضًا أبوداود (٣٣٢)، والنسائي (١/ ١٧١)، وفي إسناده عمرو بن بجدان الرواي عن أبي ذر وهو مجهول، فقد تفرد بالرواية عنه أبوقلابة ولم يوثقه معتبر. ويشهد للحديث المرسل الذي قبله.","vol":"1","page":476},{"text":"ثُمَّ قَالَ: فَأَمَّا التَّيَمُّمُ لِلْجَنَابَةِ؛ فَلَا يُبْطِلُهُ إلَّا رُؤْيَةُ الْمَاءِ، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ، وَمُوجِبَاتُ الْغُسْلِ، وَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ لِحَدَثِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. انتهى بتصرف.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: أما خروج الوقت؛ فليس هناك دليل على جعله من نواقض التيمم، والصحيح أنه لا يعد ناقضًا من نواقض التيمم؛ لأنَّ التيمم طهارة ترفع الحدث، ومن جعَلَهُ من نواقض التيمم؛ فهو بناءٌ على قولهم: إنَّ التيمم مبيح لا رافع.\nوالراجح -كما تقدم- أنه رافع للحدث، على أنه لا يسلم بأنه يلزم من كونه مبيحًا أن ينقض بخروج الوقت، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>مسألة [٢]: هل يبطل التيمم بوجود الماء، وإن كان في الصلاة</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنه يبطل، وإن كان في الصلاة.\nوهذا مذهب أحمد، وأبي حنيفة، ونقله البغوي عن أكثر العلماء، واستدلوا بعموم حديث الباب: «فإذا وجد الماء؛ فليتق الله، وليمسه بشرته».\nقال ابن رشد: وهم أحفظ للأصل؛ لأنه أمر غير مناسب للمشروع أن يوجد شيء واحد لا ينقض الطهارة في الصلاة، وينقضها في غير الصلاة.\nوقد رجَّح هذا القول ابن حزم في «المحلى» (٢٣٤).\nالثاني: قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر: إنْ كان في الصلاة،","vol":"1","page":477},{"text":"مضى فيها، وروي هذا عن أحمد؛ إلا أنه رجع عنه.\nواحتج هؤلاء بعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا»، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣].\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأول.\nوأما استدلالهم بالحديث؛ فقد أجاب عنه شيخنا يحيى الحجوري حفظه الله في «أحكام التيمم»، فقال: وهذه غفلة؛ فإنَّ صدر الحديث فيه السؤال عن شيء بعينه، فأجابهم عليه بعينه، أنه لا يخرج بمجرد الوسواس، حتى يتأكد من الحدث، أما وجود الماء للتيمم، فشيء خارج عن الحديث، وناقض زائد على نواقض الوضوء، شملته أدلة أخرى. اهـ\nوأما استدلالهم بالآية: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾؛ فإنَّ معنى الآية: لا تبطلوها بالشرك، والرياء، والمن، وغير ذلك، ثم إنه لا يبطل هو الصلاة، ولكن الصلاة تبطل بزوال الطهارة، كما في سائر الأحداث، والله أعلم.\nوقد رجح هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-، والشيخ الفاضل يحيى بن علي الحجوري حفظه الله. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٣٤٧)، «أحكام التيمم» (ص ٩٧ - ٩٨).","vol":"1","page":478},{"text":"١٢٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا المَاءَ فِي الوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْت السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْك صَلَاتُك»، وَقَالَ لِلْآخَرِ: «لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>مسألة [١]: إذا تيمم الرجل، وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣١٩ - ٣٢٠): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَادِمَ لِلْمَاءِ فِي السَّفَرِ إذَا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ، إنْ وَجَدَهُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، أَنْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. انتهى المراد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>مسألة [٢]: إذا تيمم، وصلى، ثم وجد الماء قبل خروج الوقت</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٢٠): وَإِنْ وَجَدَهُ فِي الْوَقْتِ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَيْضًا إعَادَةٌ، سَوَاءٌ يَئِسَ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ، أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُجُودُهُ فِيهِ،\n_________\n(^١) ضعيف، والراجح إرساله. أخرجه أبوداود (٣٣٨)، والنسائي (١/ ٢١٣)، وقد أعل بالإرسال، فرجح الحفاظ أنه من رواية عطاء بن يسار عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بدون ذكر أبي سعيد، رجح ذلك أبو داود والدارقطني والبيهقي، ومن وصله فقد وهم.\n(^٢) وانظر: «الإجماع» لابن المنذر رقم (٣١).","vol":"1","page":479},{"text":"وَبِهَذَا قَالَ أَبُو سَلَمَةَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمَكْحُولٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ: يُعِيدُ الصَّلَاةَ.\nوالراجح ما ذهب إليه الجمهور من عدم إعادة الصلاة، وقد استدلوا بحديث أبي سعيد الخدري المتقدم، وقد تقدم الكلام عليه.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَيَمَّمَ، وَهُوَ يَرَى بُيُوتَ الْمَدِينَةِ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، فَلَمْ يُعِدْ (^١)؛ وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ كَمَا أُمِرَ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ، كَمَا لَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ. اهـ\nوقد نقل النووي عن الأوزاعي استحباب الإعادة كما في «شرح المهذب» (٢/ ٣٠٦)، ولا دليل على الاستحباب، بل لا يجوز الإعادة لها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آلوه وسلم-: «لا تصلوا صلاةً في يوم مرتين» (^٢)، وهذا ترجيح ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٢٣٤)، ثم الإمام ابن عثيمين -﵀- «الشرح الممتع» (١/ ٣٤٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>مسألة [٣]: أيهما المختار: تأخير التيمم، أو تقديمه</span>؟\n• في المسألة أربعة أقوال:\nالأول: تأخير التيمم أولى بكل حال، وهو قول عطاء، والحسن، وابن سيرين، والزهري، وأحمد، والثوري، وأبي حنيفة.\n_________\n(^١) أثر ابن عمر -﵄- أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٦٠) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٧٩)، والنسائي (٢/ ١١٤)، من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سليمان بن يسار يعني مولى ميمونة، عن عبدالله بن عمر -﵄- به. وهذا إسنادٌ حسنٌ.","vol":"1","page":480},{"text":"قال ابن قدامة -﵀-: لأنه يستحب تأخير الصلاة إلى بعد العَشَاء، وقضاء الحاجة؛ كيلا يذهب خشوعها، وحضور القلب، ويستحب تأخيرها؛ لإدراك الجماعة، فتأخيرها لإدراك الطهارة المشترطة أولى.\nالثاني: استحباب التأخير إنْ رجا وجود الماء، وإن يئس من وجوده استحب تقديمه، وهو مذهب مالك، وأبي الخطاب الحنبلي.\nالثالث: التقديم أفضل؛ إلا أن يكون واثقًا بوجود الماء في الوقت؛ لأنه لا يستحب ترك فضيلة أول الوقت، وهي متحققة لأمر مظنون، وهذا مذهب الشافعي.\nالرابع: التقديم أفضل مطلقًا وهو قول الظاهرية، وابن حزم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨].\nوقد ثبت عن ابن عمر -﵄- أنه تيمم، وصلى العصر، ثم دخل المدينة، والشمس مرتفعة، فلم يُعِدْ. (^١)\nوثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في «الصحيحين» (^٢)، عن أبي جهيم، قال: أقبل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من نحو بئر جمل، فلقيه رجلٌ، فسَلَّمَ عليه، فلم يَرُدَّ عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه، ويديه، ثم ردَّ ﵇.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في المسألة السابقة.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٧)، ومسلم (٣٦٩).","vol":"1","page":481},{"text":"وهذا القول هو الراجح؛ لما فيه من إبراء الذمة مع ما تقدم ذكره.\nوقد رجَّح هذا القول الشوكاني -﵀- في «السيل الجرار» (١/ ١٣٤)، حيث قال: الأوقات المضروبة للصلاة لا تختص بطهارة دون طهارة، فطهارة التراب كطهارة الماء، في أَنَّ كُلَّ واحدة منهما تُؤَدَّى بها الصلاة في الوقت المضروب لها، ومن زعم أن ذلك يختص بالصلاة المؤَدَّاة بالطهارة بالماء؛ فعليه الدليل، ولا دليل أصلا. اهـ\nوقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٢/ ١٢٠): التعلق بتأخير التيمم لعله يجد الماء لا معنى له؛ لأنه لا نص، ولا إجماع على أن عمل المتوضئ أفضل من عمل المتيمم، ولا على أن صلاة المتوضئ أفضل ولا أتم من صلاة المتيمم، وكلا الأمرين طهارة تامة، وصلاة تامة، وفرض في حالة؛ فإذ ذلك كذلك، فتأخير الصلاة رجاء وجود الماء ترك للفضل في البدار إلى أفضل الأعمال بلا معنى. اهـ\nقلتُ: لكن إذا كانت الصلاة مما يستحب تأخيرها؛ فالأفضل أن يؤخر التيمم كصلاة العشاء إذا لم يفوت على نفسه الجماعة، وصلاة الظهر عند الإبراد، وجمع التأخير للمسافر، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٣١٩)، «المحلَّى» (٢٢٢).","vol":"1","page":482},{"text":"١٢٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- -فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ - قَالَ: إذَا كَانَتْ بِالرَّجُلِ الجِرَاحَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالقُرُوحُ، فَيُجْنِبُ، فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ إنِ اغْتَسَلَ: تَيَمَّمَ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَرَفَعَهُ البَزَّارُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>مسألة [١]: إذا خاف المريض، أو الجريح على نفسه من استعمال الماء</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٣٥): الْجَرِيحُ وَالمَرِيضُ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ المَاءِ، جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَطَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ عَطَاءٌ فِي التَّيَمُّمِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ المَاءِ؛ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَنَحْوُهُ عَنْ الْحَسَنِ فِي المَجْدُورِ الْجُنُبِ، قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ الْغُسْلِ. اهـ\n_________\n(^١) صحيح موقوفًا، والمرفوع ضعيف. أخرج المرفوع الحاكم (١/ ١٦٥)، وابن خزيمة (٢٧٢) من طريق جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به.\nوقد تابع جريرًا في رفعه علي بن عاصم في رواية، وسائر الرواة يروونه عن عطاء بن السائب موقوفًا ومنهم جرير في رواية وعلي بن عاصم في رواية.\n\nفالراجح الموقوف، وقد رجح الموقوف أبوحاتم، والدارقطني كما في «سنن الدارقطني» (١/ ١٧٨) و«علل ابن أبي حاتم» (١/ ٢٥).\nوللموقوف إسناد صحيح عند البيهقي (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥) بمعناه بدون ذكر الآية.","vol":"1","page":483},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].\nوقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا ضرر، ولا ضرار».\nوقد صحَّ عن ابن عباس كما تقدم، ولا يُعْلَمُ له مخالف من الصحابة، والمشقة تجلب التيسير، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>مسألة [٢]: ضابط الخوف المبيح للتيمم</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال، ذكرها ابن قدامة رحمة الله عليه:\nالأول: خَوْفُ التَّلَفِ، وهو رواية عن أحمد، وأحد قولي الشافعي.\nالثاني: أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا خَافَ زِيَادَةَ المَرَضِ، أَوْ تَبَاطُؤَ الْبُرْءِ، أَوْ خَافَ شَيْئًا فَاحِشًا، أَوْ أَلَمًا غَيْرَ مُحْتَمَلٍ، وَهَذَا ظاهِرُ مَذْهَبِ أحمد، وَالقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ، وَقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ.\nالثالث: إبَاحَةُ التَّيَمُّمِ لِلْمَرِيضِ مُطْلَقًا؛ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَهَذَا قَوْلُ دَاوُد، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ.\nوالراجح هو القول الثاني.\nوقد رجَّحه ابن قدامة -﵀-، فقال: وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ","vol":"1","page":484},{"text":"كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا خَافَ ذَهَابَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ ضَرَرًا فِي نَفْسِهِ، مِنْ لِصٍّ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ كَثِيرَةٍ؛ فَلَأَنْ يَجُوزَ هَهُنَا أَوْلَى. اهـ\nقلتُ: ويدل على ذلك الأدلة المتقدمة في المسألة السابقة، وأما القول الثالث؛ فليس بصحيح؛ لأنَّ بعض المرضى يجد الماء ولا يستضر باستعماله، فلم يجز له التيمم، كالصحيح، والآية اشترِطَ فيها عدم الماء، فلم يتناول محل النزاع. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٣٣٦).","vol":"1","page":485},{"text":"١٢٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيَّ (^١)، فَسَأَلَتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الجَبَائِرِ. (^٢) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ وَاهٍ جِدًّا. (^٣)\n\n١٣٠ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- -فِي الرَّجُلِ الَّذِي شُجَّ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ- «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ عَلَى رُوَاتِهِ. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>مسألة [١]: المسح على الجبائر، وعصائب الجروح</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه يستعمل الماء لجميع أعضائه القادر على استعمال الماء فيها، ويمسح على الجبيرة مسحًا، وهذا قول الجمهور، واستدلوا بحديث الباب، وبالقياس على الخُفِّ.\nالثاني: أنه يكتفي بالغسل للأعضاء القادر عليها، ويترك الجبيرة، ولا يمسح عليها، ولا يتيمم عنها، وهذا قول ابن سيرين، والظاهرية، ورجَّحه الألباني،\n_________\n(^١) الزند: بفتح المعجمة، وسكون النون، هو أحد عظمي الساعد، وللساعد عظمان كل واحدٍ منهما زنْد.\n(^٢) الجبائر: جمع جبيرة، وهي ما يوضع على العظم المكسور؛ لينجبر، ويلتئم.\n(^٣) ضعيف جدًّا. أخرجه ابن ماجه (٦٥٧) وفي إسناده عمرو بن خالد الواسطي، وهو كذاب وضاع.\n(^٤) ضعيف. رواه أبوداود (٣٣٦) من طريق الزبير بن خريق، عن عطاء، عن جابر به.\n\nوالزبير بن خريق ضعيف، وقد خالفه الأوزاعي؛ فرواه عن عطاء، عن ابن عباس، وقال في رواية: بلغني عن عطاء، وقد بين أبوحاتم وأبوزرعة أن الواسطة هو إسماعيل بن مسلم المكي، وهو شديد الضعف. انظر «العلل» لابن أبي حاتم (١/ ٣٦).","vol":"1","page":486},{"text":"والوادعي رحمة الله عليهما.\nالثالث: أنه يتيمم عن ذلك العضو، وهذا قول الشافعي، ولكنه قال: ويمسح عليها، واستدل بحديث جابر الذي في الباب، وتقدم أنه ضعيف.\nوالراجح -والله أعلم- أنه يكتفي بالتيمم عنها؛ فإنَّ التيمم كما ناب عن جميع الأعضاء عند عدم القدرة على استعمال الماء فيها، فكذلك ينوب عن بعض الأعضاء عند عدم القدرة على استعمال الماء فيها.\nوقد رجَّح هذا القول شيخنا يحيى بن علي الحجوري حفظه الله في كتابه «أحكام التيمم» (ص ٩٣ - ٩٥).\nثم ظهر لي أنَّ القول الأول أقرب؛ لصحة ذلك عن ابن عمر -﵄- فعلًا وقولًا، فقد صحَّ عنه أنه فعل ذلك كما في «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ٢٤)، و«الكبرى» للبيهقي (١/ ٢٢٨)، وصح عنه أنه قال: من كان به جرح معصوب، فخشي عليه العنت؛ فليمسح ما حوله ولا يغسله. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٦) بإسناد صحيح.\nولا يعلم لابن عمر -﵄- مخالف من الصحابة، بل جاء ذلك عن ابن عباس -﵄- أيضًا عند ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٢٤)، ولكن إسناده ضعيف.\nويؤيد صحة قول الجمهور أنَّ الجروح، والجبائر كانت موجودة بكثرة عندهم، ولم ينقل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالتيمم عنها، والجمع بينها وبين الوضوء، فبقي أن يقال: إما أن تترك، كما قال أصحاب القول الثاني، أو يقال بالمسح،","vol":"1","page":487},{"text":"وهذا أقرب؛ لأنَّ الصحابة قد عاصروا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ففعلهم في مثل هذه المسألة التي لا يوجد فيها نص صريح مقدَّمٌ على غيره، والله أعلم.\nوقد رجح قول الجمهور شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، ثم الإمام العثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>مسألة [٢]: هل يشترط في المسح على الجبيرة لبسها على طهارة</span>؟\n• أكثر العلماء على عدم اشتراط ذلك، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل على اشتراط ذلك.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٧٩): الجبيرة يمسح عليها، وإن شدها على حدث عند أكثر العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصواب. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>مسألة [٣]: هل يستوعب المسح على الجبيرة</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٧٨): الجبيرة يستوعبها بالمسح كما يستوعب الجلد؛ لأن مسحها كغسله. اهـ\nقال الإمام العثيمين -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (١١/ ١٧٣): يعمها كلها يعني بالمسح لأنَّ الأصل أن البدل له حكم المبدل؛ ما لم ترد السنة بخلافه، فهنا المسح بدل عن الغسل، فكما أن الغسل يجب أن يعم العضو كله فكذلك المسح\n_________\n(^١) وانظر: «المحلَّى» (٢/ ٧٤)، و«الأوسط» (٢/ ٢٥)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٧٦ - ١٨٢) (٢١/ ٤٦٧)، «مجموع فتاوى العثيمين» (١١/ ١٧٢ - ١٧٣).","vol":"1","page":488},{"text":"يجب أن يعم جميع الجبيرة، وأما المسح على الخفين فهو رخصة، وقد وردت السنة بجواز الاكتفاء بمسح بعضه. اهـ\nفائدة: المسح على الجبيرة يفارق المسح على الخف من خمسة أوجه:\nأحدها: المسح على الجبيرة واجب، وعلى الخف مستحب.\nالثاني: المسح على الجبيرة مشروع في الطهارتين: الكبرى، والصغرى، بخلاف المسح على الخف؛ فهو في الصغرى فقط.\nالثالث: الجبيرة يمسح عليها حتى يحلها، ليس فيها توقيت، والمسح على الخف مؤقت عند الجمهور.\nالرابع: الجبيرة يستوعبها المسح، بخلاف الخف فلا يشترط، على الصحيح.\nالخامس: الجبيرة لا يشترط أن يشدها على طهارة، وأما المسح على الخف فيشترط لبسه على طهارة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>مسألة [٤]: خلع الجبيرة بعد الوضوء، والمسح عليها</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- في «الفتاوى» (٢١/ ٢١٨): هذا فيه نزاع والأظهر أنه لا ينتقض الوضوء كما أنه لا يعيد الغسل؛ لأنَّ الجبيرة كالجزء من العضو والله أعلم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>مسألة [٥]: إذا كان صاحب الحدث جريحًا، أو مريضًا</span>؟\n• ذهب أحمد، والشافعي إلى أنه يغسل ما أمكنه من أعضائه، ويتيمم للباقي، واستدلوا بالعمومات المتقدمة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:\n_________\n(^١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٧٦ - ١٧٩)، «مجموع فتاوى العثيمين» (١١/ ١٧٤).","vol":"1","page":489},{"text":"«وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم»، واستدلوا بحديث الباب، وقد تقدم أنه ضعيف، وقد رجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-، والشيخ يحيى حفظه الله.\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه إنْ كان أكثر بدنه صحيحًا، غَسَلَه، ولا يتيمم عليه، وإن كان أكثر بدنه جريحًا، تيمم، ولا غسل عليه.\nوالذي يظهر أنَّ القول الأول أرجح، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: هذه المسألة مفروضة فيمن ليس على جرحه عصابة، ولا يمكن استعمال الماء على جرحه لا بالغسل، ولا بالمسح؛ فإن كان على جرحه عصابة فهي المسألة السابقة، وإن كان يمكنه أن يمسح على الجرح بالماء دون الغسل فقد أوجب أحمد -﵀- المسح على الجرح بالماء، ولم يقل في ذلك بالتيمم.\nقال الحافظ ابن القيم -﵀- في «بدائع الفوائد» (٤/ ٦٨) -بعد أن ذكر قول أحمد-: وهذا يدل على أن مسح الجرح البارز أولى من مسح الجبيرة، وأنه خير من التيمم، وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه، وهو المحفوظ عن السلف: من الصحابة والتابعين، ولا ريب أنه بمقتضى القياس؛ فإن مباشرة العضو بالمسح الذي هو بعض الغسل المأمور به أولى من مباشرة غير ذلك العضو بالتراب، ومعلوم أن المسح على الحائل إنما جاء لضرورة المشقة بكشفه.\nقال -﵀-: وقد ذكرت في الكتاب الكبير «الجامع بين السنن والآثار» من قال بذلك من السلف، وذكرت الآثار عنهم بذلك، وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٣٣٦)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٧٨، ٢١٦).","vol":"1","page":490},{"text":"-﵀- يذهب إلى هذا، ويضعف القول بالتيمم بدل المسح. اهـ\nوهذا ترجيح الإمام العثيمين -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (١١/ ١٧٢).\nوهو الصحيح، وبالله التوفيق.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ٢٠): وقال غير واحد من العلماء: ومسح الجرح بالماء أولى من مسح الجبيرة، وهو خير من التيمم، ونقله الميموني، عن أحمد. اهـ\nوقال السعدي -﵀- كما في «غاية المرام» (١/ ٣٨٤): متى قدر على مسح الجرح بالماء؛ وجب المسح، ولم يشرع له مع ذلك تيمم، كما قال النبي - ﷺ -: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».اهـ\nفائدة: قال ابن قدامة رحمة الله عليه في «المغني» (١/ ٣٣٧): مَا لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ مِنْ الصَّحِيحِ إلَّا بِانْتِشَارِ الْمَاءِ إلَى الْجَرِيحِ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْجَرِيحِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ضَبْطُهُ، وَقَدَرَ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَضْبِطُهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَأَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ غَسْلِهِ، فَأَجْزَأَهُ التَّيَمُّمُ عَنْهُ كَالْجَرِيحِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>مسألة [٦]: بِمَ يبدأ: بالتيمم، أو الغسل</span>؟\nقال ابن قدامة -رحمه الله تعالى- في «المغني» (١/ ٣٣٧): إذَا كَانَ الْجَرِيحُ جُنُبًا؛ فَهُوَ مُخَيَّرٌ: إنْ شَاءَ قَدَّمَ التَّيَمُّمَ عَلَى الْغُسْلِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ التَّيَمُّمُ لِعَدَمِ مَا يَكْفِيهِ لِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْعَدَمِ،","vol":"1","page":491},{"text":"وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الْمَاءِ، وَههُنَا التَّيَمُّمُ لِلْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْجَرِيحِ، وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ وَلِأَنَّ الْجَرِيحَ يَعْلَمُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ الْجُرْحِ، وَالْعَادِمُ لِمَا يَكْفِي جَمِيعَ أَعْضَائِهِ لَا يَعْلَمُ الْقَدْرَ الَّذِي يَتَيَمَّمُ لَهُ إلَّا بَعْدَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَفَرَاغِهِ، فَلَزِمَهُ تَقْدِيمُ اسْتِعْمَالِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>مسألة [٧]: إذا تطهر الجريح طهارة صغرى، فهل يلزمه جَعْلَ التيمم مكان العضو المجروح بالترتيب</span>؟\n• ذهب بعض الحنابلة، والشافعية إلى أنه يجعل التيمم في مكان العضو الذي يتيمم عنه.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٢٦): وهذا فعل مبتدع، وفيه ضرر عظيم، ومشقة لم تأت به الشريعة، وهذا ونحوه إسراف في وجوب الترتيب حيث لم يوجبه الله ورسوله. اهـ\nوقال -﵀- في «الاختيارات» (ص ٢١): والجريح إذا كان محدثًا حدثًا أصغر؛ فلا يلزمه مراعاة الترتيب، وهو الصحيح من مذهب أحمد وغيره؛ فيصح أن يتيمم بعد كمال الوضوء، بل هذا هو السنة، والفصل بين أبعاض الوضوء بتيمم بدعة. اهـ\nوهذا القول اختاره المجد ابن تيمية وصاحب «الحاوي الكبير»، وابن رزين، وهذا القول مالَ إليه الشيخ ابن عثيمين في «الشرح الممتع» (١/ ٣٢٤)، وقال: هذا الذي عليه عمل الناس اليوم.\nوقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٥٣): وإذا توضأ،","vol":"1","page":492},{"text":"وتيمم، فسواء قدم هذا أو هذا، لكن تقديم الوضوء أحسن. اهـ\nوقال الشيخ يحيى الحجوري حفظه الله في كتابه «أحكام التيمم» (ص ٩٥): لا دليل على تقديم الوضوء قبل التيمم، ولا العكس، فله أن يتيمم، ثم يتوضأ، وله أن يتوضأ، ثم يتيمم، والأول أحب إلينا.\nواختار هذا القول الشيخ عبد الله أبا بطين، والشيخ محمد بن إبراهيم.\nقلتُ: وهذا القول هو الراجح والله أعلم؛ لأنَّ كلًّا من الوضوء، والتيمم طهارة مستقلة لها شروطها، وأعضاؤها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>مسألة [٨]: إذا كان جريحًا في وجهه، أو يده، ولا يستطيع التيمم أيضًا</span>؟\nقال الشيخ محمد بن إبراهيم -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (٢/ ٨٤): إذا كان يتضرر بالتيمم، بأن كان الجرح في وجهه، أو كفيه، أو إذا استعمل التيمم تضرر من الغبار؛ فإنه يسقط التيمم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>مسألة [٩]: إذا خاف من شدة البرد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٣٩): وَإِنْ خَافَ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يُسَخِّنَ الْمَاءَ، أَوْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَأْمَنُ الضَّرَرَ، مِثْلُ أَنْ يَغْسِلَ عُضْوًا عُضْوًا، وَكُلَّمَا غَسَلَ شَيْئًا سَتَرَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ، تَيَمَّمَ وَصَلَّى فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ: يَغْتَسِلُ، وَإِنْ مَاتَ، لَمْ يَجْعَلْ اللهُ لَهُ عُذْرًا،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٣٣٨ -)، و«غاية المرام» (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٢٦، ٤٦٦).","vol":"1","page":493},{"text":"وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ (^١): أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ أَحَدُهُمْ إذَا بَرَدَ عَلَيْهِ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَدَعَهُ. وَلَنَا قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥].انتهى المراد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٤٦)، ومسلم برقم (٣٦٨).","vol":"1","page":494},{"text":"١٣١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِالتَّيَمُّمِ إلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمَ لِلصَّلَاةِ الأُخْرَى. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>مسألة [١]: التيمم لكل صلاة</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الواجب هو التيمم لكل صلاة مكتوبة، واستدلوا بحديث ابن عباس، وكثير منهم بنى ذلك على قوله: إن التيمم مبيحٌ، وليس برافع للحدث. والراجح كما تقدم أنه رافع للحدث.\nومن قال بأنه رافع للحدث يقول بأنه يجوز له أن يصلي ما شاء بتيممه حتى تنتقض طهارته؛ ولذلك قال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٢٠٥): والأصل أنه تعالى قد جعل التراب قائمًا مقام الماء، وقد عُلِمَ أنه لا يجب الوضوء بالماء؛ إلا من الحدث، فالتيمم مثله، وإلى هذا ذهب جماعة من أئمة الحديث، وغيرهم، وهو الأقوم دليلًا. اهـ\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٣٦ - ٤٣٧): وَقِيلَ: بَلْ التَّيَمُّمُ يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ مُطْلَقًا يَسْتَبِيحُ بِهِ كَمَا يُسْتَبَاحُ بِالْمَاءِ، وَيَتَيَمَّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ كَمَا يَتَوَضَّأُ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَيَبْقَى بَعْدَ الْوَقْتِ كَمَا تَبْقَى طَهَارَةُ الْمَاءِ بَعْدَهُ، وَإِذَا تَيَمَّمَ لِنَافِلَةِ صَلَّى بِهِ الْفَرِيضَةَ كَمَا أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ لِنَافِلَةِ صَلَّى بِهِ الْفَرِيضَةَ، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَالَ أَحْمَد:\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٥) وفي إسناده الحسن بن عمارة وهو متروك.","vol":"1","page":495},{"text":"هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ.\nوَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاعْتِبَارُ؛ فَإِنَّ اللهَ جَعَلَ التَّيَمُّمَ مُطَهِّرًا كَمَا جَعَلَ الْمَاءَ مُطَهِّرًا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة:٦] الْآيَةَ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُطَهِّرَنَا بِالتُّرَابِ كَمَا يُطَهِّرُنَا بِالْمَاءِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِخَمْسِ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَأُحِلَّتْ لَنَا الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدِ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، وَفِي لَفْظٍ: «فَأَيُّمَا رَجُلٌ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ مِنْ أُمَّتِي فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ، وَطَهُورُهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْت إلَى النَّاسِ عَامَّةً»، وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثِ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا»، فَقَدْ بَيَّنَ - ﷺ - أَنَّ اللهَ جَعَلَ الْأَرْضَ لِأُمَّتِهِ طَهُورًا كَمَا جَعَلَ الْمَاءَ طَهُورًا، وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْته الْمَاءَ فَأَمْسِسْهُ بَشَرَتَك؛ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ»، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ\nحَسَنٌ صَحِيحٌ. فَأَخْبَرَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورَ الْمُسْلِمِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَنْ قَالَ: إنَّ التُّرَابَ لَا يُطَهِّرُ مِنْ الْحَدَثِ فَقَدْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَإِذَا كَانَ مُطَهِّرًا مِنْ الْحَدَثِ؛ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْحَدَثُ بَاقِيًا مَعَ أَنَّ اللهَ طَهَّرَ الْمُسْلِمِينَ بِالتَّيَمُّمِ مِنْ الْحَدَثِ فَالتَّيَمُّمُ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ مُطَهِّرٌ لِصَاحِبِهِ، لَكِنْ رَفْعٌ مُوَقَّتٌ إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْمَاءِ، فَهُوَ مُطَهِّرٌ مَا دَامَ الْمَاءُ مُتَعَذِّرًا. اهـ","vol":"1","page":496},{"text":"فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ أُخْرَى مُلْحَقَةٌ فِي هَذَا البَاب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>مسألة [١]: التيمم لخوف فوات وقتِ الفريضة</span>.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٧٠): إذا دخل وقت الصلاة، وهو مستيقظ، والماء بعيد منه يخاف إن طلبه أن تفوته الصلاة، أو كان الماء باردًا يخاف إن سخنه، أو ذهب إلى الحمام، فاتت الصلاة؛ فإنه يصلي بالتيمم في مذهب أحمد، وجمهور العلماء.\nوقال (٢١/ ٤٧١): أما المسافر إذا وصل إلى ماء وقد ضاق الوقت فإنه يصلي بالتيمم على قول جمهور العلماء وكذلك لو كان هناك بئر لكن لا يمكن أن يصنع له حبلا حتى يخرج الوقت أو يمكن حفر الماء ولا يحفر حتى يخرج الوقت فإنه يصلي بالتيمم. اهـ\nقلتُ: يدلُّ على هذه المسألة قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وهذا في صورة من لم يجد الماء؛ لأنه عاجز عن استعماله قبل خروج الوقت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>مسألة [٢]: من استيقظ آخر الوقت، وإن اشتغل بطهارة الماء، خرج الوقت، فهل له أن يتيمم</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ٢٠ - ٢١): ومن استيقظ آخر الوقت، وهو جنبٌ، يغتسل، وإن خرج الوقت، وكذا من نسيها، بخلاف من استيقظ أول الوقت، فليس له أن يفوت وقت الصلاة، بل يتيمم ويصلي. اهـ","vol":"1","page":497},{"text":"وقال -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٧٠): وإن استيقظ آخر الوقت، وخاف إن تَطَهَّرَ طلعت الشمس؛ فإنه يصلي هنا بالوضوء بعد طلوع الشمس؛ فإن عند جمهور العلماء اختلافًا كإحدى الروايتين عن مالك؛ فإنه هنا إنما خوطب بالصلاة بعد استيقاظه، ومن نام عن صلاة صلاها إذا استيقظ، وكان ذلك وقتها في حقه. اهـ\nقلتُ: والدليل على ما ذكره شيخ الإسلام -﵀- حديث أنس في «الصحيحين» (^١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من نام عن صلاة، أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها»، وفي رواية: «فوقتها أن يصليها إذا ذكرها».\nوهو ظاهر اختيار ابن القيم -﵀-، وعزاه للجمهور كما في «مفتاح دار السعادة» (ص ٣٤٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>مسألة [٣]: التيمم لخوف فوت صلاة الجنازة</span>.\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى مشروعية التيمم؛ لخوف فوات صلاة الجنازة، وهو مذهب النخعي، والحسن، والزهري، والليث، وسعد بن إبراهيم، ويحيى الأنصاري، وربيعة وإسحاق، وسفيان، ورواية عن أحمد، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وهذا القول رجَّحَهُ شيخ الإسلام كما في «الاختيارات» (ص ٢٠)، قال: وقد ثبت أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تيمم لردِّ السلام.\nقلتُ: وقد جاء هذا القول عن ابن عباس، وابن عمر، كما في «الأوسط» لابن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٩٧)، ومسلم برقم (٦٨٤).","vol":"1","page":498},{"text":"المنذر (٢/ ٧٠)، وكلاهما ضعيفٌ؛ فأثر ابن عباس في إسناده: المغيرة بن زياد، وقد أخطأ في إسناده؛ فإن الصحيح فيه أنه عن عطاء موقوفًا عليه، وقد جعله هو عن عطاء، عن ابن عباس، كما بين ذلك البيهقي في «السنن» (١/ ٢٣١)، وأما أثر ابن عمر؛ ففي إسناده: إسماعيل بن مسلم المكي، وهو شديد الضعف.\nوقد استُدِلَّ لهذا القول بالقياس على من خاف فوات وقت الفريضة.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم مشروعية التيمم لصلاة الجنازة إذا وُجِدَ الماء، وإن فاتته الصلاة، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، ورواية عن أحمد؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وهذا واجد للماء. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>مسألة [٤]: التيمم لفوات صلاة العيد، والجمعة</span>.\n• ذهب الأوزاعي، والحنفية إلى أنه يتيمم لهما إذا خاف فواتهما.\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من أنه لا يتيمم لهما؛ لأنَّ صلاة العيد، وإن فاتت مع الإمام، فله أن يصليها جماعة ثانية؛ لأنَّ وقتها ممتد إلى زوال الشمس، وأمَّا الجمعة؛ فإنها إذا فاتته صلَّاها ظهرًا، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>مسألة [٥]: إذا نسي الماء في رحله، أو في موضع يمكنه استعماله، وصلَّى بالتيمم، ثم وجد الماء</span>؟\n• ذهب أبو ثور، وأبو حنيفة، ومالك في رواية إلى أنَّ صلاته تجزئه، ولا إعادة\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٢/ ٧٠ - ٧١)، «المغني» (١/ ٣٤٥)، «فتح الباري» [كتاب الجنائز، باب (٥٦)]، «غاية المرام» (٢/ ٤٤٧).\n(^٢) انظر: «الأوسط» (٢/ ٧١)، «المغني» (١/ ٣٤٥)، «الاختيارات» (ص ٢٠).","vol":"1","page":499},{"text":"عليه؛ لأنَّه مع النسيان غير قادر على استعمال الماء، فهو كالعادم.\n• وذهب الشافعي، وأحمد، ومالك في رواية إلى أنه يعيد الصلاة؛ لأنَّه واجد للماء، مفرطٌ في طلبه، وعدم وجوده شرط لصحة التيمم، والصلاة، والشرط لا يفوت بالنسيان، وهذا القول هو ترجيح الإمام النووي، فقد نصر هذا القول ببحث مفيد في «المجموع». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>مسألة [٦]: إذا ضلَّ عليه رحله الذي فيه الماء، أو كان يعرف بئرًا، فطلبها، فلم يجدها، فصلى بتيمم، ثم وجدها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣١٨ - ٣١٩): وَإِنْ ضَلَّ عَنْ رَحْلِهِ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ، أَوْ كَانَ يَعْرِفُ بِئْرًا فَضَاعَتْ عَنْهُ، ثُمَّ وَجَدَهَا، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَالنَّاسِي، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِدٍ لِلْمَاءِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ، بِخِلَافِ النَّاسِي. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>مسألة [٧]: إذا تيمم جماعة من موضع واحد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٣٤): وَيَجُوزُ أَنْ يَتَيَمَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَضَّأَ جَمَاعَةٌ مِنْ حَوْضٍ وَاحِدٍ، فَأَمَّا مَا تَنَاثَرَ مِنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بَعْدَ مَسْحِهِمَا بِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ عند الحنابلة، والشافعية. انتهى بتصرف يسير.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٣١٨)، «المجموع» (٢/ ٢٦٦).","vol":"1","page":500},{"text":"والراجح من الوجهين هو الجواز؛ لأنَّ استعمال التراب لا يفقده طهوريته، كما هو الراجح في الماء أيضًا، كما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>مسألة [٨]: إذا كان معه ماء، وخاف العطش</span>؟\nقال ابن المنذر -﵀-: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ المسافر إذا كان معه ماء، وخَشِيَ العطشَ أنه يبقى ماءه للشرب، ويتيمم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>مسألة [٩]: إذا كان غيره هو المضطر للماء</span>؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ٢٠): ويجب بَذْلُ الماء للمضطر، المعصوم، ويعدل إلى التيمم، كما قاله جمهور العلماء. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>مسألة [١٠]: إذا نسي الجنابة، وتيمم للحدث</span>؟\n• ذهب أحمد، ومالك، وأبو ثور، إلى أنه لا يجزئه؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، ولأنهما طهارتان، مختلفتان، وسببهما مختلف.\n• وذهب الشافعي، وأبو حنيفة إلى أنه يجزئه؛ لأن طهارتهما واحدة، فسقطت إحداهما بفعل الأخرى، كالبول، والغائط.\nوالراجح هو القول الأول.\nوأما قياسهم فهو مع الفارق؛ لأنَّ ما قاسوا عليه حكمهما واحد، وهو الحدث الأصغر؛ ولهذا تجزئ نية أحدهما عن نية الآخر في طهارة الماء.\n_________\n(^١) «المغني» (١/ ٣٤٣)، «الأوسط» (٢/ ٢٨).","vol":"1","page":501},{"text":"وأما مسألتنا فحكمها مختلفٌ؛ فإنَّ فيها حدثًا أكبر، وحدثًا أصغر، والله أعلم. (^١)\nوأما إذا تيمم لرفع الجنابة؛ فالصحيح أنها تجزئه لرفع الحدث الأصغر، كما أنه إذا تطهر بالماء للجنابة ارتفع عنه الحدث الأصغر أيضًا، كما تقدم، على الصحيح أيضًا، وانظر المسألة في [باب الغسل].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>مسألة [١١]: هل يتيمم عن الأغسال المستحبة إذا لم يجد الماء</span>؟\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٥/ ١١٠ - ١١١): قال شيخ الإسلام: جميع الأغسال المستحبة إذا لم يستطع أن يقوم بها؛ فإنه لا يتيمم عنها؛ لأن التيمم إنما شرع للحدث؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦].\nومعلوم أن الأغسال المستحبة ليست للتطهير؛ لأنه ليس هناك حدث حتى يتطهر منه، وعلى هذا، فلو أن الإنسان وصل إلى الميقات وهو يريد العمرة، أو الحج، ولم يجد الماء، أو وجده وكان باردًا لا يستطيع استعماله، أو كان مريضًا،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٣٤٦).","vol":"1","page":502},{"text":"فلا يتيمّم بناء على هذا، والفقهاء -﵏- يقولون: يتيمّم، والصحيح خلاف ذلك. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>مسألة [١٢]: التيمم لرفع النجاسة</span>.\n• ذهب أحمد إلى مشروعية التيمم لرفع النجاسة.\nوالصحيح ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن النجاسة لا يُتَيَمَّم لرفعها، وأنَّ الشرع جاء بالتيمم لرفع الأحداث كما تقدم في الآية المذكورة قريبًا.\nوالواجب عليه أن يتخلص من تلك النجاسة بإزالتها، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>مسألة [١٣]: التسمية على التيمم</span>.\n• ذهب جمهور العلماء من الشافعية، والحنابلة، وغيرهم إلى استحباب التسمية على التيمم قياسًا على الوضوء؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الصعيد وضوء المسلم». (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٢/ ٥٠٩)، «المغني» (١/ ٣٥١ - ٣٥٢).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٢/ ٢٢٦)، «الشرح الممتع» (١/ ٣٤٧)، «أحكام التيمم» (ص ١٠٦).","vol":"1","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>بَابُ الحَيْضِ</span>\nيقال: حاضت المرأة، تحيض حيضًا، ومحيضًا؛ فهي حائض، بحذف الهاء؛ لأنه صفة للمؤنث خاصَّة.\nوالحيض في اللغة: السيلان، من قولهم: حاض الوادي، إذا سال.\nوفي الشرع: دمٌ يخرج من رحم المرأة في أوقات مخصوصة.\nوللحيض أسماء في اللغة، جمعها بعضهم في بيت، وهو:\nحَيضٌ نِفَاسٌ دِرَاسٌ طَمْسٌ اِعْصَارُ ... ضَحِكٌ عِرَاكٌ فِرَاكٌ طَمْثٌ اِكْبَارُ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>مسألة [١]: أنواع الدماء التي تخرج من فرج المرأة</span>.\n١) دم الحيض، وهو دمٌ طبيعي، خارج على جهة الصحة، عند بلوغ المرأة، ثم ينتابها في أوقات معلومة.\n٢) دم النفاس، وهو الخارج بعد فراغ الرحم من الجنين، أو نحوه.\n٣) دم الاستحاضة، وهو دم فساد ليس بعادة، ولا طبع، وإنما يخرج بسبب انقطاع عرقٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>مسألة [٢]: الفرق بين دم الاستحاضة، والحيض</span>.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ٤٢٣): التمييز بينهما له\n_________\n(^١) انظر: «شرح المهذب» (٢/ ٣٤١ - ٣٤٢)، «تفسير القرطبي» (٣/ ٨٢).","vol":"1","page":504},{"text":"أربع علامات:\nالأولى: اللَّون، فدم الحيض أسودُ، والاستحاضةُ أحمرُ.\nالثانية: الرِّقة، فدم الحيض ثخينٌ غليظٌ، والاستحاضةُ رقيقٌ.\nالثالثة: الرَّائحة، فدم الحيض منتنٌ كريهٌ، والاستحاضةُ غيرُ منتنٍ؛ لأنه دَمُ عِرْقٍ عادي.\nالرَّابعةُ: التَّجمُّد، فدم الحيض لا يتجمَّد إذا ظهر؛ لأنه تجمَّد في الرَّحم، ثم انفجر وسال، فلا يعود ثانية للتجمُّد، والاستحاضة يتجمَّد؛ لأنه دم عِرْقٍ.\nوقال -﵀- في «شرح البلوغ»: وقيل: إنه لابد أن يتجمد، لكن لا يتجمد إلا ببطء، بخلاف الدم العادي يتجمد بسرعة. اهـ\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٨٦): خَلَقَ اللهُ الحَيْضَ لِحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ، فَإِذَا حَمَلَتْ انْصَرَفَ ذَلِكَ الدَّمُ بِإِذْنِ الله إلَى تَغْذِيَتِهِ؛ وَلِذَلِكَ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ، فَإِذَا وَضَعْت الْوَلَدَ قَلَبَهُ اللهُ تَعَالَى بِحِكْمَتِهِ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ الطِّفْلُ؛ وَلِذَلِكَ قَلَّمَا تَحِيضُ الْمُرْضِعُ، فَإِذَا خَلَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ حَمْلٍ وَرَضَاعٍ، بَقِيَ ذَلِكَ الدَّمُ لَا مَصْرِفَ لَهُ، فَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَان، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْغَالِبِ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةً، وَقَدْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَقِلُّ، وَيَطُولُ شَهْرُ الْمَرْأَةِ وَيَقْصُرُ، عَلَى حَسَبِ مَا رَكَّبَهُ اللهُ تَعَالَى فِي الطِّبَاعِ. انتهى بتصرف يسير.","vol":"1","page":505},{"text":"فائدة أخرى: جاء في «الصحيحين» (^١)، عن عائشة -﵂-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في الحيض: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم».\nفهذا يدلُّ على أنَّ الحيض عامٌّ في جميع النساء من عهد آدم -﵇-، خلافًا لمن قال: إنه ابتدأ بالنساء من عهد نساء بني إسرائيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>مسألة [٣]: أكبر سن تحيض فيه المرأة</span>.\n• ذهب أحمد في رواية، وإسحاق إلى أن أكثره خمسون، وعن أحمد رواية أخرى ستون سنة.\n• وذهب الشافعي، ومالك إلى أنه لا حَدَّ لأكثره.\nوهذا القول هو الصحيح، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبدالرحمن السعدي، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «زاد المعاد» (٥/ ٦٦٢): وليس في الكتاب، والسنة تحديد اليأس بوقتٍ، ولو كان المراد الآيسة من المحيض من لها خمسون سنة، أو ستون سنة، أو غير ذلك؛ لقيل: واللائي يبلغن من السن كذا، وكذا، ولم يقل: ﴿يَئِسْنَ﴾ ...، وانظر بقية كلامه -﵀-.\nوقال -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٢٤٠): ولا حدَّ لسنٍّ تحيض فيه المرأة، بل لو قدر أنها بعد ستين، أو سبعين رأت الدم المعروف من الرحم؛ لكان حيضًا. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٩٤)، ومسلم برقم (١٢١١) (١٢٠).\n(^٢) انظر: «غاية المرام» (٢/ ٦٠٢)، «المغني» (١/ ٤٤٥)، «المجموع» (٢/ ٣٧٤).","vol":"1","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>مسألة [٤]: أقل سن تحيض فيه المرأة</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ أقل سن تحيض فيه المرأة (تسع سنين)، وإن خرج منها شيءٌ قبل التسع فليس بحيض، بل هو دم فساد، ولا تثبت له أحكام دم الحيض، وحجتهم أنه لم يوجد من النساء من حاضت فيما دون هذا السن، واستدلوا بقول عائشة -﵂-: إذا بلغت المرأة تسع سنين فهي امرأة.\n• وذهب الدارمي، وشيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه لا حد لأقله، وهذا القول هو الراجح؛ لعدم وجود دليل على تحديد ذلك، وأما أثر عائشة -﵂-، فقد ذكره الترمذي بعد حديث (١١٠٩)، ولم يُوقف له على إسناد.\nوقد رجح هذا القول الشيخ السعدي. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>مسألة [٥]: أقل الحيض، وأكثره، وأقل الطهر، وأكثره</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٣٨٠): أجمع العلماء على أنَّ أكثر الطهر لا حد له، قال ابن جرير: وأجمعوا على أنها لو رأت الدم ساعة، وانقطع لا يكون حيضًا، وهذا الإجماع الذي ادَّعاه غير صحيح؛ فإن مذهب مالك أن أقل الحيض يكون دفعة فقط، واختلفوا فيما سوى ذلك: فمذهبنا المشهور: أن أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر، قال ابن المنذر -﵀-: وبه قال عطاء، وأحمد، وأبو ثور. وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: أكثر الحيض عشرة أيام، وأقله ثلاثة أيام. قال: وبلغني عن نساء الماجشون أنهن كن يحضن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٤٤٧)، «غاية المرام» (٢/ ٦٠١)، «المجموع» (٢/ ٣٧٣).","vol":"1","page":507},{"text":"سبع عشرة. قال أحمد: أكثر ما سمعناه سبع عشرة. قال ابن المنذر -﵀-: وقال طائفة: ليس لأقل الحيض، ولا لأكثره حَدٌّ بالأيام، بل الحيض إقبال الدم المنفصل عن دم الاستحاضة، والطهر إدباره. وقال الثوري: أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يومًا. قال أبو ثور: وذلك مما لا يختلفون فيه فيما نعلم. وأنكر أحمد، وإسحاق التحديد في الطهر، قال أحمد: الطهر ما بين الحيضتين على ما يكون. وقال إسحاق: توقيتهم الطهر بخمسة عشر باطل. هذا نقل ابن المنذر، وحكى أصحابنا عن أبي يوسف أقل الحيض يومان، وأكثر الثالث. وعن مالك لا حَدَّ لأقله، وقد يكون دفعة واحدة، وحكى الماوردي عن مالك ثلاث روايات في أكثر الحيض، إحداها: خمسة عشر، والثانية: سبعة عشر، والثالثة: غير محدود. وعن مكحول أكثره سبعة أيام، قال العبدري: واختلف أصحاب مالك في أقل الطهر، فروى ابن القاسم أنه غير محدود، وأنه ما يكون مثله طهرًا في العادة، وروى عبد الملك بن الماجشون أنه خمسة أيام، وقال سحنون: ثمانية أيام. وقال غيره: عشرة أيام.\nوقال محمد بن مسلمة: خمسة عشر. وهو الذي يعتمده أصحابه البغداديون، وقال أحمد في رواية الأثرم، وأبي طالب: أقل الطهر ثلاثة عشر يومًا. وقال الماوردي: قال أكثر العلماء: أقل الطهر خمسة عشر.\nثم ذكر أدلة بعض هذه المذاهب، انتهى. «المجموع» (٢/ ٣٨٠، ٣٨٢). (^١)\nوالراجح من هذه المذاهب قول من قال: لا تحديد لأقل الحيض، ولا\n_________\n(^١) وانظر لهذه المذاهب: «الأوسط» (٢/ ٢٢٧ -)، «التمهيد» (٢/ ٤٢٤).","vol":"1","page":508},{"text":"لأكثره، ولا لأقل الطهر، ولا لأكثره، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبدالرحمن السعدي، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>مسألة [٦]: إذا تغيرت عادة المرأة بنقصٍ، أو زيادةٍ، أو تقدمٍ، أو تأخرٍ</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: وهو المشهور في مذهب أحمد، أنَّهُ لابد من تكرر خلاف العادة ثلاثًا، حتى يحكم بتغيير العادة، وإن لم تتكرر ثلاثًا، فلا تَعدُّ ما زاد، أو نقص، أو تقدم، أو تأخر.\nالثاني: قال أبو حنيفة: ما رأته قبل العادة ليس بحيض حتى يتكرر مرتين، وما تراه بعدها؛ فهو حيضٌ.\nالثالث: أنه يكون حيضًا من غير اشتراط التكرار، وهذا قول الشافعي، ورواية عن أحمد، اختارها جماعة من الحنابلة، منهم: ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٤٣٤): وَهَذَا أَقْوَى عِنْدِي.\nثم قال: لِأَنَّ الشَّارِعَ عَلَّقَ عَلَى الْحَيْضِ أَحْكَامًا، وَلَمْ يَحُدُّهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ رَدَّ النَّاسَ فِيهِ إلَى عُرْفِهِمْ، وَالْعُرْفُ بَيْنَ النِّسَاءِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ مَتَى رَأَتْ دَمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، اعْتَقَدَتْهُ حَيْضًا، وَلَوْ كَانَ عُرْفُهُنَّ اعْتِبَارَ الْعَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ؛ لَنُقِلَ، وَلَمْ يَجُزْ التَّوَاطُؤُ عَلَى كِتْمَانِهِ، مَعَ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَ بَعْضُ\n_________\n(^١) وانظر: «غاية المرام» (٢/ ٦٠٤ - ٦٠٩)، «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٢٤٠ - ٢٤١، ٢٣٧).","vol":"1","page":509},{"text":"أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ، فَجَاءَهَا الدَّمُ، فَانْسَلَّتْ مِنْ الْخَمِيلَةِ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَا لَك، أَنَفِسْت؟» قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَمَرَهَا أَنْ تَأْتَزِرَ، وَلَمْ يَسْأَلْهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: هَلْ وَافَقَ الْعَادَةَ، أَوْ جَاءَ قَبْلَهَا؟ وَلَا هِيَ ذَكَرَتْ ذَلِكَ، وَلَا سَأَلَتْ عَنْهُ، وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّتْ عَلَى الْحَيْضَةِ بِخُرُوجِ الدَّمِ، فَأَقَرَّهَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَكَذَلِكَ حِينَ حَاضَتْ عَائِشَةُ فِي عُمْرَتِهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، إنَّمَا عَلِمَتْ الْحَيْضَةَ بِرُؤْيَةِ الدَّمِ لَا غَيْرُ، وَلَمْ تَذْكُرْ عَادَةً، وَلَا ذَكَرَهَا لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ اسْتَكْرَهَتْهُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا، وَبَكَتْ حِينَ رَأَتْهُ، وَقَالَتْ: وَدِدْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ حَجَجْت الْعَامَ.\nوَلَوْ كَانَتْ تَعْلَمُ لَهَا عَادَةً تَعْلَمُ مَجِيئَهُ فِيهَا، وَقَدْ جَاءَ فِيهَا، مَا أَنْكَرَتْهُ، وَلَا صَعُبَ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ مُعْتَبَرَةً، عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَذْهَبِ، لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - لِأُمَّتِهِ، وَلَمَا وَسِعَهُ تَأْخِيرُ بَيَانِهِ؛ إذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِهِ، وَأَزْوَاجُهُ، وَغَيْرُهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ يَحْتَجْنَ إلَى بَيَانِ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِيُغْفِلَ بَيَانَهُ، وَمَا جَاءَ عَنْهُ ﵇ ذِكْرُ الْعَادَةِ، وَلَا بَيَانُهَا، إلَّا فِي حَقِّ الْمُسْتَحَاضَةِ لَا غَيْرُ، وَأَمَّا امْرَأَةٌ طَاهِرٌ تَرَى الدَّمَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، ثُمَّ يَنْقَطِعُ عَنْهَا، فَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَقِّهَا عَادَةً أَصْلًا. اهـ المراد.\nقال شيخ الإسلام -﵀- (١٩/ ٢٣٩): وكذلك المرأة المنتقلة إذا تغيرت عادتها بزيادة أو نقص، أو انتقال، فذلك حيض حتى يعلم أنه استحاضة باستمرار الدم؛ فإنها كالمبتدأة. اهـ\nقلتُ: وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح الشيخ عبد الرحمن السعدي،","vol":"1","page":510},{"text":"والشيخ ابن عثيمين أيضًا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>مسألة [٧]: إذا رأت المرأة يومًا دمًا، ويومًا نقاءً، قبل أن تستكمل أيامها المعتادة</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: أيام الدم يكون حيضًا، وأيام النقاء يكون طهرًا، وهذا قول مالك، وأحمد، ورواية عن الشافعي، وهذا القول يُسَمَّى (التلفيق).\nالثاني: أيام الدم، وأيام النقاء، كلها تكون حيضًا، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي وهو الرَّاجح عند الشافعية، وهذا القول يُسَمَّى (السحب).\nالثالث: وجهٌ عند الحنابلة، رجَّحه ابن قدامة في «المغني»، فقال: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ انْقِطَاعَ الدَّمِ مَتَى نَقَصَ عَنْ الْيَوْمِ، فَلَيْسَ بِطُهْرٍ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا فِي النِّفَاسِ، أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا دُونَ الْيَوْمِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللهُ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَجْرِي مَرَّةً، وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، وَفِي إيجَابِ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ تَطْهُرُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ حَرَجٌ يَنْتَفِي بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وَلِأَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَا انْقِطَاعَ الدَّمِ سَاعَةً طُهْرًا، وَلَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ الدَّمِ، أَفْضَى إلَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ لَهَا حَيْضٌ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ انْقِطَاعُ الدَّمِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ طُهْرًا، إلَّا أَنْ تَرَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُهُ فِي آخِرِ عَادَتِهَا، أَوْ تَرَى الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ. اهـ\nوهذا القول رجَّحهُ الشيخ ابن عثيمين.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٤٣٢ - ٤٣٥)، «غاية المرام» (٢/ ٦٢٩ - ٦٣١)، «الشرح الممتع» (١/ ٤٣١ - ٤٣٢).","vol":"1","page":511},{"text":"والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني، إن كانت المرأة تعرف انتهاء حيضها بخروج القصة البيضاء، وإن كانت تعرف حيضتها بالجفاف، ولا عادة لها معلومة؛ فالعمل على القول الثالث. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>مسألة [٨]: علامات الطُّهْرِ</span>.\nللطُّهْرِ علامتان:\nالأولى: خروج القصة البيضاء، وهو ماءٌ أبيض، يدفعه الرَّحِم عَقِبَ الحيض، وهو حاصل عند كثير من النساء.\nوصحَّ عن عائشة -﵂-، أنها كانت تقول للنساء: لا تعجلنَ حتى ترين القصة البيضاء. أخرجه مالك (١/ ٥٩)، وعلقه البخاري في [كتاب الحيض باب رقم (١٩)].\nالثانية: الجفاف، وذلك في حقِّ النساء اللاتي لا يخرج منهن القصة البيضاء، وذلك بأن تحتشي بقطنة بيضاء، أي: تدخلها محل الحيض، وتخرج ولم تتغير، والعلامة الأُولى أضبط؛ لأنه قد يحصل الجفاف لتأخر خروج الدم، لا لانقطاعه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>مسألة [٩]: هل يأتي الحاملَ الحيضُ</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أن الحامل لا يأتيها الحيض، وهذا قول جمهور التابعين، منهم: سعيد\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٤٣٧)، «المجموع» (٢/ ٥٠٢)، «الشرح الممتع» (١/ ٤٣٥).","vol":"1","page":512},{"text":"ابن المسيب، وعطاء، والحسن، وجابر بن زيد، وعكرمة، ومحمد بن المنكدر، والشعبي، ومكحول، وحماد، وهو مذهب أحمد، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، وهو ظاهر ترجيح البخاري.\nواستدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، وقال في الحامل: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤].\nواستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لعمر: «مره، فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا، أو حاملًا» (^١)، فجعل الحمل عَلَمًا على عدم الحيض، كما جعل الطُّهْرَ عَلَمًا عليه، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في السبايا: «لا توطأُ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة» (^٢)، فجعل وجود الحيض عَلَمًا على براءة الرحم، واحتجوا بالواقع عند النساء، أن الحامل لا تحيض، حتى قال أحمد: إنما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم.\nالثاني: أنَّ الحامل قد تحيض إذا كان ما يأتيها من الدم هو الحيض المعروف، المعتاد، وهذا قول مالك، والشافعي، والليث، وإسحاق، وأحمد في رواية، قيل: إنه رجع إليه، وعن مالك رواية كالقول الأول، واحتج هؤلاء بالوجود، قال صاحب «الإنصاف»: وهو الصواب، وقد وجد في زماننا وغيره أنها تحيض مقدار حيضها قبل ذلك، ويتكرر في كل شهر على صفة حيضها.\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (١٠٧٠).\n(^٢) سيأتي في الكتاب برقم (١١٢٠).","vol":"1","page":513},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: والحامل إذا رأت الدم على الوجه المعروف لها؛ فهو دم حيض، بناءً على الأصل.\nوقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٣١٨): وما ادَّعاه المخالف من أنه رشح من الولد، أو من فضل غذائه، أو دمِ فساد لعلة، فمحتاج إلى دليل، وما ورد في ذلك من خبر، أو أثر لا يثبت؛ لأنَّ هذا دمٌ بصفات دم الحيض، وفي زمان إمكانه، فله حكم دم الحيض، فمن ادَّعى خلافه؛ فعليه البيان. اهـ\nوقد رجح الشيخ ابن عثيمين -﵀- هذا القول، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة:٢٢٢]، فإذا خرج هذا الأذى، ووجد، ثبت حكمه. وقد رَجَّح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ محمد بن إبراهيم، وغيرهم.\nوهذا القول هو الراجح -والله أعلم-، وأما كون عدة الحامل وضع الحمل، فلا ينافي أنه قد يحصل الحيض عند بعض النساء، ولكنها لا تعتد به، وإنما تعتد بوضع الحمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، وأما جعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استبراء الأَمَة بالحيضة؛ فذلك لأنَّ غالب النساء لا يحضن أثناء الحمل، وإلا فلو وُجِدَ أمة تحيض أثناء حملها؛ لما اكتفي للاستبراء بحيضة، بل لابد من معرفة عدم وجود الحمل، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، «الفتح» (٣١٨)، «المجموع» (٢/ ٣٨٦)، «المحلَّى» (٢٦٤)، «الشرح الممتع» (١/ ٤٠٤ - ٤٠٥)، «غاية المرام» (٢/ ٦٥٢ - ٦٥٣)، «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٢٣٩).","vol":"1","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>مسألة [١٠]: إذا عاود المرأة الدمُ بعد طهرها</span>؟\nله حالتان:\nالأولى: أن يعاودها بعد طهرها، أثناء عِدَّتِها المعلومة.\n• فذهب أحمد في رواية، وهو مذهب الشافعي، والثوري، وأبي حنيفة، أنه يُعَدُّ حيضًا؛ لأنه صادف زمن العادة، فأشبه ما لم ينقطع، ولأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، فإذا وُجِدَ الحيض تعين حكمه.\n• وذهب أحمد في رواية إلى أنه ليس بحيض.\nقال ابن قدامة -﵀-: وهو ظاهر كلام الخِرَقِي، واختيار ابن أبي موسى، ومذهب عطاء؛ لأنه عاد بعد طهر صحيح، فأشبه ما لو عاد بعد العادة، وعلى هذه الرواية يكون حكمه حكم ما لو عاد بعد العادة.\nقلتُ: والراجح هو القول الأول؛ لما تقدم، والله أعلم.\nالثانية: أن يعاودها الدم بعد العادة.\nفهذه المسألة قد تقدم الكلام عليها في المسألة [رقم:٦]، والراجح أنها تعد حيضًا، كما تقدم، إذا كان على صفات حيضها المعلوم عندها، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٤٣٨)، «الشرح الممتع» (١/ ٤٣٣).","vol":"1","page":515},{"text":"١٣٢ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ دَمَ الحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ (^١)\n\n١٣٣ - وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد: «وَلْتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ المَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالعَصْرِ، غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا، وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ». (^٢)\n\n١٣٤ - وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْت أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْت النَّبِيَّ - ﷺ - أَسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: «إنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ،\n_________\n(^١) منكر. أخرجه أبوداود (٢٨٦)، والنسائي (١/ ١٨٥)، وابن حبان (١٣٤٨)، والحاكم (١/ ١٧٤) من طريق محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به.\nقال أبوحاتم كما في «العلل» لولده (١١٧): لم يتابع محمد بن عمرو على هذه الرواية وهو منكر.\nوأشار إلى إعلاله النسائي أيضًا (١/ ١٢٣).\nقلتُ: المراد أن محمد بن عمرو تفرد بهذه الحديث في رد المستحاضة إلى التمييز، وسائر الرواة يروونه بردها إلى عادتها كما في «الصحيحين» وغيرهما.\n(^٢) معل غير محفوظ. أخرجه أبوداود (٢٩٦) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة، عن أسماء بنت عميس به.\nقال البيهقي (١/ ٣٥٤): هكذا رواه سهيل بن أبي صالح عن الزهري عن عروة، واختلف عليه فيه، والمشهور رواية الجمهور عن الزهري عن عروة عن عائشة في شأن أم حبيبة بنت جحش كما مضى. اهـ يعني حديث عائشة الذي سيأتي بعد حديث.\nفالظاهر -والله أعلم- أن هذا الحديث غير محفوظ.","vol":"1","page":516},{"text":"أَوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، وَصُومِي وَصَلِّي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُك، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، فَإِنْ قَوِيت عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي العَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِي حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّي الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ المَغْرِبَ [وَتُعَجِّلِينَ] (^١) العِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ، قَالَ: وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إلَيَّ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>مسألة [١]: كيف تصنع المستحاضة</span>؟\nالمستحاضة على قسمين: إما مبتدئة، أو معتادة.\nالقسم الأول: المبتدئة، وهي التي لم ترَ الدم قبل ذلك، فلها حالتان: الأولى: أن يكون لها تمييز، الثانية: لا يكون لها تمييز.\n_________\n(^١) زيادة من المطبوع.\n(^٢) ضعيف. رواه أحمد (٦/ ٤٣٩)، وأبوداود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٦٢٧)، وفي إسناده عبدالله بن محمد بن عقيل مختلف فيه والراجح ضعفه.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٣٠٦): وضعفه أبو حاتم الرازي، والدارقطني، وابن منده، ونقل الاتفاق على تضعيفه من جهة عبدالله بن محمد بن عقيل؛ فإنه تفرد بروايته، والمعروف عن الإمام أحمد أنه ضعفه ولم يأخذ به، وقال: ليس بشيء. وقال مرة: ليس عندي بذاك، وحديث فاطمة أصح منه وأقوى إسنادًا. وقال مرة: في نفسي منه شيء. ولكن ذكر أبو بكر الخلال أنَّ أحمد رجع إلى القول بحديث حمنة، والأخذ به، والله أعلم. اهـ\nوقد أنكره ابن المنذر أيضًا في «الأوسط» (٢/ ٢٢٤).","vol":"1","page":517},{"text":"أما الحالة الأولى: وهي أن يكون لها تمييز.\nفأوَّلًا: معنى كونها مميزة أن تعرف إقبال حيضها من إدباره؛ وذلك لأن لدم الحيض علامات، وقد تقدمت، وأما حكمها؛ فإنها تعمل بالتمييز، فإذا ميزت دم الحيض، تحيضت، وإذا أدبر اغتسلت، وصَلَّتْ.\n• وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nودليلهم: حديث فاطمة بنت أبي حبيش: «إنَّ دم الحيض أسود يعرف»، وهو ضعيفٌ كما تقدم في الباب.\nواستدلوا بحديث عائشة مرفوعًا: «إذا أقبلت الحيضة، فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغسلي عنك الدم، وصَلِّي». (^١)\nوأثر ابن عباس -وسنده صحيح-: أما ما رأت الدم البحراني، فلا تصلي. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٨)، والدارمي (٨٢٧).\n• وقد خالف أبو حنيفة، وقال: العبرة بالعادة. واستدل بالأحاديث التي فيها الإرجاع إلى العادة.\n• وجواب الجمهور عن استدلال أبي حنيفة هو: أنَّ مسألتنا في امرأة مبتدئة، ليس لها عادة.\nوأما الحالة الثانية: المبتدئة التي ليس لها تمييز.\n_________\n(^١) تقدم في الكتاب برقم (٦٤).","vol":"1","page":518},{"text":"فالراجح في هذه الحالة -والله تعالى أعلم- أنها طالما ابتدأ فيها الدم، وهو غير متميز بصفة دم الحيض، أنه لا يُعَدُّ حيضًا، ولا تترك الصلاة، والصيام، حتى يظهر فيه صفة من صفات دم الحيض، وذلك بقاءً على الأصل، وهو أنه لا تترك ما وجب عليها إلا إذا رأت دم الحيض، مع العلم أنه لا يلزم من المرأة أن تحيض، فهناك من النساء من لا تحيض، ويقال لها: (ضهياء).\nوهذا الذي تقدم أنه الراجح، هو رواية عن مالك، وهو قول داود، وابن حزم.\nوأما مذاهب العلماء الآخرين في هذه المسألة فهي كما يلي:\n• الرَّاجح عند الشافعية هو القول بترك الصلاة، والصيام، يومًا وليلة، ولهم قول أنها ترد إلى أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، والمشهور من مذهب أحمد العمل على اليوم والليلة، وهذا القول لزُفَر.\n• ومذهب عطاء، والأوزاعي، والثوري: أنها تجلس عادة نسائها وأقاربها؛ فإنْ لم يكن لها أقارب؛ فإنها ترد إلى الغالب من الحيض، وهو ستة، أو سبعة أيام، وهو رواية عن أحمد.\n• وأما أبو حنيفة فعنده أنها ترد إلى أكثر الحيض، وهو عنده عشرة أيام.\n• وأما مذهب مالك، فعنه روايتان، الأولى: ترد إلى خمسة عشر يومًا، والثانية: ترد إلى أقرانها. وهاتان الروايتان هما روايتان عن أحمد؛ إلا أنَّ مالكًا يعتبر ذلك في الشهر الأول فقط، فأما ما بعده فلا تجلس فيه شيئًا، بل تغتسل وتصلي أبدًا.","vol":"1","page":519},{"text":"القسم الثاني: المعتادة، وهي التي كانت لها عادة سليمة قبل الاستحاضة، والمعتادة لها حالتان: الأولى: أن لا يكون لها تمييز، الثانية: أن يكون لها تمييز.\nأما الحالة الأولى: وهي المعتادة التي ليس لها تمييز.\nفالراجح أنها تعمل بالعادة، أي أنها تقعد قدر عادتها المعروفة، وهذا قول جمهور أهل العلم، ودليلهم حديث عائشة في شأن فاطمة بنت أبي حبيش مرفوعًا «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها».\nوحديث عائشة -﵂- في شأن أم حبيبة مرفوعًا: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك» أخرجه مسلم (٣٣٤).\nوأيضًا حديث أم سلمة مرفوعًا: «لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن». (^١)\n• وخالف الإمام مالك، فقال: لا اعتبار بالعادة، وإنما الاعتبار بالتمييز، فإذا لم تكن مميزة استطهرت بعد زمان عدتها بثلاثة أيام، إن لم تجاوز خمسة عشر يومًا، وهي بعد ذلك مستحاضة، وليس له دليل في مسألة الاستطهار.\nوأما الحالة الثانية: المعتادة التي لها تمييز.\nفهذه إن اتفقت عادتها، وتمييزها، عملت بهما، والحمد لله.\n• وإن اختلفت العادة، والتمييز، ففيها قولان:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٧٤)، والنسائي (١/ ١١٩، ١٨٢)، وابن ماجه (٦٢٣)، وهو صحيح بشواهده.","vol":"1","page":520},{"text":"القول الأول: يقدم التمييز على العادة، وهذا قول مالك، والشافعي، وداود، وهو رواية عن أحمد، وظاهر كلام الخِرَقِي.\nواستدلوا بحديث فاطمة بنت أبي حبيش الذي فيه: «دم الحيض أسود يعرف ...»، الحديث، وقالوا: إنَّ التمييز علامة ظاهرة، بخلاف العادة، فهي زمان ينقضي.\nوقالوا أيضًا: ربما إذا حصلت لها الاستحاضة تتغير العادة، فتنتقل مثلًا من أول الشهر إلى آخره، وما دام عندنا علامة مميزة؛ فإنَّ الواجب الرجوع إلى التمييز، ويستدل لهم أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، فعَلَّق أحكام الحيض بوجود الأذى، وحملوا أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالرجوع إلى العادة على أنه في غير المميزة.\nالقول الثاني: تقديم العادة على التمييز، وهو مذهب أبي حنيفة، وأبي عبيد، وأحمد في أظهر الروايتين عنه، وإسحاق، وهو وجه عند الشافعية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.\nودليلهم: حديث عائشة في شأن فاطمة مرفوعًا: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها» أخرجه البخاري برقم (٣٢٥).\nوحديث عائشة أيضًا مرفوعًا في شأن أم حبيبة: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك»، رواه مسلم.","vol":"1","page":521},{"text":"وحديث أم سلمة: «لتنظر عدد الأيام، والليالي التي كانت تحيضهن».\nقالوا: ففي هذه الأحاديث رَدَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المستحاضة إلى العادة، ولم يستفصل: هل هي مميزة، أم لا؟ مع أنها يحتمل أن تكون مميزة، فلمَّا لم يستفصل، عُلِمَ أنها ترجع إلى العادة مطلقًا، فَمِنَ القواعد المقررة في أصول الفقه: ترك الاستفصال في مقام الاحتمال، يُنزَّل منزلة العموم في المقال.\nوقالوا أيضًا: العادة قد ثبتت، واستقرت، والتمييز معرض للزوال؛ فالأصل بقاء الحيض دون غيره. انتهى.\nقلتُ: والقولان قويان، والأول أرجح والله أعلم؛ لأنَّ التمييز أضبط عند النساء من العادة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>مسألة [٢]: المستحاضة التي نسيت عادتها ولا تمييز لها</span>؟\n• قال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٣٠٦): ذهب أبو حنيفة إلى أنها تقعد العادة، تجلس أقل الحيض ثم تغتسل وتصلي.\n• ومذهب مالك: أنها تقعد التمييز أبدًا، وتغتسل لكل صلاة.\n• وللشافعي فيها ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها تجلس أقلَّ الحيض.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٣٩٢ -)، «المجموع» (٢/ ٣٩٨، ٤٠٢، ٤١٥)، «المحلى» (٢٦٩)، «الفتح» لابن رجب (٣٠٦)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٦٢٨ -).","vol":"1","page":522},{"text":"والثاني: تجلس غالبه: ستًّا، أو سبعًا.\nوالثالث: -وهو الصحيح عند أصحابه- كقول مالك: أنها لا تجلس شيئًا، بل تغتسل لكل صلاة، وتصلي. ومذهب أحمد: أنَّ الناسية لعادتها تجلس غالب عادات النساء: ستًّا، أو سبعًا من كل شهر، ثم تغتسل، وتصلي، وتصوم، هذا هو المشهور عنه، وحكي عنه رواية: أنها تجلس أقل الحيض، ثم تغتسل، وتصلي. ورواية ثالثة: أنها تجلس عادة نسائها، أو أقاربها، ثم تغتسل، وتصلي. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الذي يظهر أنَّ مذهب مالك، والأصح عند الشافعية هو الراجح، والله أعلم؛ لعدم إمكان معرفة وقت الحيض، ولا يجوز ترك الصلاة والصوم لأمر محتمل، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":523},{"text":"١٣٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الدَّمَ، فَقَالَ: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك ثُمَّ اغْتَسِلِي» فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ»، وَهِيَ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>مسألة [١]: غسل المستحاضة</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٥٣٥ - ٥٣٦): مذهبنا أن طهارة المستحاضة الوضوء، ولا يجب عليها الغسل لشيء من الصلوات؛ إلا مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها، وبهذا قال جمهور السلف والخلف، وهو مروي عن: علي، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة، -﵃-، وبه قال عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبوحنيفة، ومالك، وأحمد، وروي عن ابن عمر، وابن الزبير، وعطاء بن أبي رباح -﵃-، أنهم قالوا: يجب عليها الغسل لكل صلاة.\nوروي هذا أيضًا عن: علي، وابن عباس، وروي عن عائشة أنها قالت: تغتسل كل يوم غسلًا واحدًا، وعن ابن المسيب، والحسن، أنهما قالا: تغتسل من صلاة الظهر إلى الظهر دائمًا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٣٣٤) (٦٥).\n(^٢) تقدم تخريجها في [باب نواقض الوضوء].","vol":"1","page":524},{"text":"ودليلنا: أن الأصل عدم الوجوب، فلا يجب إلا ما ورد الشرع به، ولم يصح عن النبي - ﷺ - أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع الحيض، وهو قوله - ﷺ -: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي» (^١)، وليس في هذا ما يقتضي تكرار الغسل.\nوأما الأحاديث الواردة في «سنن أبي داود، والبيهقي»، وغيرهما أن النبي - ﷺ - أمرها بالغسل لكل صلاة؛ فليس فيها شيء ثابت، وقد بَيَّنَ البيهقي، ومن قبله ضعفها، وإنما صح في هذا ما رواه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» أنَّ أم حبيبة بنت جحش -﵂- استحاضت، فقال لها النبي - ﷺ -: «إنما ذلك عرق، فاغتسلي، ثم صَلِّي»، فكانت تغتسل عند كل صلاة (^٢)، قال الشافعي -﵁-: إنما أمرها رسول الله - ﷺ - أن تغتسل وتصلي، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة. قال: ولا أشك أن غسلها كان تطوعًا غير ما أمرت به، وذلك واسع لها. هذا لفظ الشافعي -﵀-، وكذا قاله شيخه سفيان بن عيينة، والليث بن سعد، وغيرهما، والله أعلم. اهـ\nقلتُ: الراجح أنه ليس عليها إلا غسل واحد، إذا أدبرت حيضتها، وقد تكلم البيهقي على روايات الأمر بالغسل عند كل صلاة في «سننه الكبرى» (١/ ٣٤٩ -)، فأجاد -﵀-.\nوأما قول النووي -﵀-: (وهو مروي عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة) فقد أخرجها ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ١٥٩)؛ إلا أثر ابن مسعود،\n_________\n(^١) أخرجه بهذا اللفظ البخاري برقم (٣٢٠) عن عائشة -﵂-.\n(^٢) جمع النووي -﵀- بين لفظي حديث أم حبيبة بنت جحش، وفاطمة بنت أبي حبيش -﵄-.","vol":"1","page":525},{"text":"وفي إسناد أثر علي -﵁-: الحارث الأعور، وهو كذاب. وأما أثر ابن عباس، وعائشة -﵃- فثابتان، وأما قول علي، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير -﵃- في أنَّ عليها الغسل لكل صلاة فصحيح عنهم كما في «الأوسط» (١/ ١٦٢). (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>مسألة [٢]: وضوء المستحاضة</span>.\nتقدم الكلام على هذه المسألة في باب نواقض الوضوء.\n_________\n(^١) وانظر «الأوسط» (١/ ١٥٨ - ١٦٤).","vol":"1","page":526},{"text":"١٣٦ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ -﵂- قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>مسألة [١]: الكدرة، والصُفْرَة</span>.\nالكُدْرَةُ: ماء مُتَّسِخٌ، ومتكَدِّرٌ، وليس بدمٍ، والصُّفْرَةُ: ماء يعلوه الصفرة، كماء الجروح.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أن الكدرة، والصفرة في أيام الحيض من الحيض، وإنْ رأته بعد أيام حيضها، وطهرها فلا تعتد به، واستدلوا بحديث أم عطية الذي في الباب، وبما ثبت عن عائشة -﵂- أنَّ النسوة كُنَّ يرسلن إليها بالدُّرْجَة فيها الكرسف، فيه الصفرة، فتقول عائشة: لا تَعْجَلْنَ حتى ترين القَصَّة البيضاء.\n• وذهب أبو يوسف، وأبو ثور إلى أنه لا يكون حيضًا؛ إلا أنْ يتقدمه دمٌ، واستحسنه ابن المنذر.\n• والصحيح عند الشافعية أنها في زمن إمكان الحيض، حيض، ولا تقيد بالعادة، وهو قول مالك.\n• وذهب الظاهرية، وابن حزم إلى أنهما ليسا بحيض مطلقًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٢٦)، وأبوداود (٣٠٧)، وإسناد أبي داود أيضًا صحيح، وليس عند البخاري (بعد الطهر).","vol":"1","page":527},{"text":"والراجح -والله أعلم- هو مذهب الجمهور؛ لما تقدم من الأدلة، وهذا ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، ثم الشيخ ابن عثيمين -﵀-.\nوعليه فإنَّ الصفرة، والكدرة إذا سبقت دمَ الحيض، فلا تترك المرأة الصلاة، والصيام حتى ترى دم الحيض؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإذا أقبلت حيضتك، فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها، فاغسلي عنك الدم، وصَلِّي».\nوهو قول أبي ثور، وابن المنذر كما تقدم.\nوهو ظاهر كلام شيخ الإسلام حيث قال كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٢٠): والصحيح أنها إن كانت في العادة مع الدم الأسود، والأحمر، فهي حيضٌ، وإلا فلا. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦)، «المغني» (١/ ٤١٣)، «الأوسط» (٢/ ٢٣٣ -)، «المحلَّى» (٢٥٤)، «الشرح الممتع» (١/ ٤٣٤)، «غاية المرام» (٢/ ٦٥٠ - ٦٥١).","vol":"1","page":528},{"text":"١٣٧ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁-، أَنَّ اليَهُودَ كَانَتْ إذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١٣٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>مسألة [١]: جماع الحائض، ومباشرتها</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩): فَاعْلَمْ أَنَّ مُبَاشَرَة الْحَائِض أَقْسَام: أَحَدهَا: أَنْ يُبَاشِرهَا بِالْجِمَاعِ فِي الْفَرْج؛ فَهَذَا حَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، بِنَصِّ الْقُرْآن الْعَزِيز، وَالسُّنَّة الصَّحِيحَة.\nالقِسْم الثَّانِي: الْمُبَاشَرَة فِيمَا فَوْق السُّرَّة، وَتَحْت الرُّكْبَة بِالذَّكَرِ، أَوْ بِالْقُبْلَةِ، أَوْ الْمُعَانَقَة، أَوْ اللَّمْس، أَوْ غَيْر ذَلِكَ، وَهُوَ حَلَال بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء، وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد الْإِسْفَرَايِينِي، وَجَمَاعَة كَثِيرَة الْإِجْمَاع عَلَى هَذَا، وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ عَبَيْدَة السَّلْمَانِيّ، وَغَيْره، مِنْ أَنَّهُ لَا يُبَاشِر شَيْئًا مِنْهَا بِشَيْءٍ مِنْهُ؛ فَشَاذّ، مُنْكَر، غَيْر مَعْرُوف، وَلَا مَقْبُول، وَلَوْ صَحَّ عَنْهُ؛ لَكَانَ مَرْدُودًا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة الْمَذْكُورَة فِي «الصَّحِيحَيْنِ»، وَغَيْرهمَا فِي مُبَاشَرَة النَّبِيّ - ﷺ - فَوْق الْإِزَار، وَإِذْنه فِي ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ قَبْل الْمُخَالِف وَبَعْده.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٣٠٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠٠)، ومسلم (٢٩٣). واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":529},{"text":"القِسْم الثَّالِث: الْمُبَاشَرَة فِيمَا بَيْن السُّرَّة، وَالرُّكْبَة فِي غَيْر الْقُبُل وَالدُّبُر، وَفِيهَا ثَلَاثَة أَوْجُه لِأَصْحَابِنَا:\nأَصَحّهَا عِنْد جَمَاهِيرهمْ وَأَشْهَرهَا فِي الْمَذْهَب: أَنَّهَا حَرَام.\nوَالثَّانِي: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَرَامٍ، وَلَكِنَّهَا مَكْرُوهَة كَرَاهَة تَنْزِيه، وَهَذَا الْوَجْه أَقْوَى مِنْ حَيْثُ الدَّلِيل، وَهُوَ الْمُخْتَار.\nوَالْوَجْه الثَّالِث: إِنْ كَانَ الْمُبَاشِر يَضْبِط نَفْسه عَنْ الْفَرْج، وَيَثِق مِنْ نَفْسه بِاجْتِنَابِهِ إِمَّا لِضَعْفِ شَهْوَته، وَإِمَّا لِشِدَّةِ وَرَعه؛ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا الْوَجْه حَسَن، قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاس الْبَصْرِيّ مِنْ أَصْحَابنَا.\nوَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى الْوَجْه الْأَوَّل وَهُوَ التَّحْرِيم مُطْلَقًا مَالِك، وَأَبُو حَنِيفَة، وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْعُلَمَاء، مِنْهُمْ: سَعِيد بْن الْمُسَيِّب، وَشُرَيْح، وَطَاوُسٌ، وَعَطَاء، وَسُلَيْمَان بْن يَسَار، وَقَتَادَة. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى الْجَوَاز: عِكْرِمَة، وَمُجَاهِد، وَالشَّعْبِيّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَكَم، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَد بْن حَنْبَل، وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن، وَأَصْبَغ، وَإِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ، وَأَبُو ثَوْر، وَابْن الْمُنْذِر، وَدَاوُدُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا الْمَذْهَب أَقْوَى دَلِيلًا.\nوَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَنَس الْآتِي: «اِصْنَعُوا كُلّ شَيْء إِلَّا النِّكَاح»، قَالُوا: وَأَمَّا اِقْتِصَار النَّبِيّ - ﷺ - فِي مُبَاشَرَته عَلَى مَا فَوْق الْإِزَار، فَمَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب، وَالله أَعْلَمُ.","vol":"1","page":530},{"text":"قلتُ: ويدل على الجواز قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ولفظ: ﴿الْمَحِيضِ﴾، يحتمل أن يكون اسمًا لمكان الحيض، أو أن يكون مصدرًا للحيض.\nوالراجح أن المراد بالآية الأول؛ لأمرين:\nأحدها: أنه لو أراد الحيض؛ لكان أمرًا باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية، والإجماع بخلافه.\nالثاني: أن الآية عند أن نزلت قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، وهذا تفسير لمراد الله تعالى.\nوقد استدل القائلون بالتحريم بحديث: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، ما يحل لي من امرأتي، وهي حائض؟ فقال: «ما فوق الإزار»، وهو حديث حسن، وسيأتي تخريجه قريبًا إن شاء الله.\nوقد أجيب عنه: بأنه يدل على حِلِّ ما فوق الإزار، ولا يدل على تحريم المباشرة؛ إلا بالمفهوم، والأدلة التي ذكرناها تدل بمنطوقها على جواز ذلك، والمنطوق مقدم على المفهوم.\nوالراجح -والله أعلم- هو الجواز، وأما إنْ خاف على نفسه من الوقوع في المحرم، فيكره له. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٤١٤ -)، «شرح مسلم» (٣/ ٢٠٨ - ٢١٠)، «غاية المرام» (٢/ ٥٩١)، «الشرح الممتع» (١/ ٤١٦ - ٤١٧).","vol":"1","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-449>مسألة [٢]: متى يحل للرجل إتيان امرأته الحائض إذا انقطع دمها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٤١٩): وَطْءُ الْحَائِضِ قَبْلَ الْغُسْلِ حَرَامٌ، وَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قال ابن المنذر -﵀-: هَذَا كَالْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرُّوذِيُّ: لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.\nوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ، حَلَّ وَطْؤُهَا، وَإِنْ انْقَطَعَ لِدُونِ ذَلِكَ، لَمْ يُبَحْ حَتَّى تَغْتَسِلَ، أَوْ تَتَيَمَّمَ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ كَالْجَنَابَةِ.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَنَا قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، فَشَرَطَ لِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ شَرْطَيْنِ: انْقِطَاعَ الدَّمِ، وَالِاغْتِسَالَ، فَلَا يُبَاحُ إلَّا بِهِمَا. انتهى بتصرف.\nوقد أجاز ابن حزم إتيان الحائض إذا انقطع دمها، إن تيممت، أو غسلت موضع الدم، وإن لم تغتسل؛ لأنَّ هذا كله يطلق عليه طهارة، والله ﷿ يقول: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، فهذا اللفظ عامٌّ، يَعُمُّ ما ذُكِرَ.\nوالجواب عنه: أنَّ هذا اللفظ مشترك، وقد اختلف أهل الأصول في اللفظ المشترك، هل يكون من باب العموم، أم من باب المجمل؟\nوالرَّاجح عند المحققين من أهل الأصول أنَّ اللفظ المشترك من الألفاظ المجملة، فلا يعمل بها حتى يتبين المراد منها، وقد بيَّنَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ المراد هو","vol":"1","page":532},{"text":"الغسل، كقوله لأم حبيبة بنت جحش: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وصلي»، ومثله لفاطمة بنت أبي حبيش.\nفالراجح هو قول الجمهور، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي، وقبلهما شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمة الله عليهم أجمعين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>مسألة [٣]: ما حكم إتيان المستحاضة</span>؟\n• جاء عن ابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وهو رواية عن أحمد أنهم منعوا من ذلك؛ لأنَّ بها أذى كالحائض.\n• وخالفهم سائر أهل العلم، فقالوا بالجواز؛ لأنَّ النهي جاء في حقِّ الحائض، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، والأصل الإباحة حتى يأتي دليل على التحريم.\nوهذا القول هو الراجح. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٤١٩ - ٤٢٠)، «الشرح الممتع» (١/ ٤١٨)، «المحلَّى» (٢٥٦).\n(^٢) «المغني» (١/ ٤٢٠).","vol":"1","page":533},{"text":"١٣٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ- قَالَ: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ وَابْنُ القَطَّانِ، وَرَجَّحَ غَيْرُهُمَا وَقْفَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>مسألة [١]: هل على من أتى امرأته حائضًا كفارة</span>؟\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩): وَإِنْ وَطِئَهَا -يعني الحائض- عَامِدًا، عَالِمًا بِالْحَيْضِ، وَالتَّحْرِيم، مُخْتَارًا؛ فَقَدْ اِرْتَكَبَ مَعْصِيَة كَبِيرَة، نَصَّ الشَّافِعِيّ عَلَى أَنَّهَا كَبِيرَة، وَتَجِب عَلَيْهِ التَّوْبَة.\nوَفِي وُجُوب الْكَفَّارَة قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، -أَصَحّهمَا وَهُوَ الْجَدِيد-، وَقَوْل مَالِك، وَأَبِي حَنِيفَة، وَأَحْمَد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَجَمَاهِير السَّلَف: أَنَّهُ لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ.\nوَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ السَّلَف: عَطَاء، وَابْن أَبِي مُلَيْكَة، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَكْحُول، وَالزُّهْرِيّ، وَأَبُو الزِّنَاد، وَرَبِيعَة، وَحَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان، وَأَيُّوب\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٢٣٠)، وأبوداود (٢٦٤)، والنسائي (١/ ١٥٣)، والترمذي (١٣٦)، وابن ماجه (٦٤٠)، والحاكم (١/ ١٧٢).\nوقد توسع أحمد بن شاكر -﵀- في جمع طرق الحديث بما لم يسبق إليه فيما نعلم في حاشيته على «سنن الترمذي» (١/ ٢٤٥ - ٢٥٤).\nوالظاهر والله أعلم أن الراجح وقفه، وقد صح عن شعبة أنه وقفه بعد أن كان يرفعه، وقال: كنت مجنونًا فصححت.\n\nورجح الموقوف الدارقطني، والبيهقي، ومال إليه النسائي، وضعفه آخرون. انظر «التلخيص» (١/ ٢٩٣).","vol":"1","page":534},{"text":"السِّخْتِيَانِيّ، وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ، وَاللَّيْث بْن سَعْد -رَحِمَهُمْ الله تَعَالَى أَجْمَعِينَ-، وَالْقَوْل الثَّانِي، وَهُوَ الْقَدِيم الضَّعِيف: أَنَّهُ يَجِب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة.\nوَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس، وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ، وَسَعِيد بْن جُبَيْر، وَقَتَادَة، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاق، وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَنْهُ.\nوَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي الْكَفَّارَة، فَقَالَ الْحَسَن، وَسَعِيد: عِتْق رَقَبَة.\nوَقَالَ الْبَاقُونَ: دِينَار، أَوْ نِصْف دِينَار، عَلَى اِخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي الْحَال الَّذِي يَجِب فِيهِ الدِّينَار، وَنِصْف الدِّينَار، هَلْ الدِّينَار فِي أَوَّل الدَّم، وَنِصْفه فِي آخِره؟ أَوْ الدِّينَار فِي زَمَن الدَّم، وَنِصْفه بَعْد اِنْقِطَاعه؟ وَتَعَلَّقُوا بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس الْمَرْفُوع: «مَنْ أَتَى اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض؛ فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْف دِينَار»، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظ؛ فَالصَّوَاب: أَنْ لَا كَفَّارَة، وَالله أَعْلَم. انتهى كلام النووي -﵀-.\nوهذا البحث من النووي مختصرٌ، مفيدٌ، كافٍ إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":535},{"text":"١٤٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَلَيْسَ إذَا حَاضَت لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>مسألة [١]: الحائض تترك الصلاة والصيام، ثم تقضي الصوم</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٢/ ٢٠٢): أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم على إسقاط فرض الصلاة عن الحائض في أيام حيضها.\nثم استدل بحديث أبي سعيد المذكور في الباب، ثم قال:\nفأخبر أن لا صلاة عليها، ولا يجوز لها الصوم في حال الحيض.\nثم أجمع أهل العلم على أن عليها الصوم بعد الطهر، وَنَفَى الجميعُ عنها وجوب الصلاة، فثبت قضاء الصوم عليها بإجماعهم، وسقط عنها فرض الصلاة لاتفاقهم.\nثم استدل على ذلك بحديث معاذة العدوية -وهو في «الصحيحين» - (^٢)، أنها سألت عائشة -﵂-: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟\nفقالت: أحرورية؟\nقلتُ: لست بحرورية، ولكني أسأل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠). ولم يسق مسلم لفظه، إنما أحال على حديث ابن عمر قبله بمعناه.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٣٢١)، ومسلم برقم (٣٣٥).","vol":"1","page":536},{"text":"قالت: قد كان يصيبنا ذلك مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>مسألة [٢]: إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة قبل أن تصليها</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالقول الأول: عليها القضاء، وهو قول الشعبي، والنخعي، وقتادة، وأحمد، وإسحاق.\nالقول الثاني: إنْ أمكنها أن تصليها في أول وقتها؛ فعليها القضاء؛ فإن لم يمكنها، فلا قضاء عليها، وهو قول الشافعي.\nالقول الثالث: لا قضاء عليها، وهو قول محمد بن سيرين، وحماد بن أبي سليمان، وأبي حنفية، والأوزاعي، والظاهرية.\nوهو ترجيح ابن حزم في «المحلَّى»، قال -﵀-: برهان قولنا: هو أن الله تعالى جعل للصلاة وقتًا محدودًا، أوله وآخره، وصح أن رسول الله - ﷺ - صَلَّى الصلاةَ في أول وقتها، وفي آخر وقتها؛ فصح أن المؤخر لها إلى آخر وقتها ليس عاصيًا؛ لأنه ﵇ لا يفعل المعصية؛ فإذ ليست عاصية، فلم تتعين الصلاة عليها بعد، ولها تأخيرها، فإذا لم تتعين عليها حتى حاضت؛ فقد سقطت عنها، ولو كانت الصلاة تجب بأول الوقت؛ لكان من صلَّاها بعد مُضِي مقدار تأديتها من أول وقتها قاضيًا لها، لا مصليًا، وفاسقا بتأخيرها عن وقتها، ومؤخرًا لها عن وقتها، وهذا باطل لا اختلاف فيه من أحد. اهـ","vol":"1","page":537},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: هذا القول هو الراجح، والله أعلم.\nوقد رجَّح هذا القول أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وعزاه إلى مالك أيضًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>مسألة [٣]: إذا طَهُرَتْ الحائض في آخر وقت الصلاة بمقدارٍ لا يمكنها الغسل حتى يخرج الوقت، فهل تلزمها تلك الصلاة</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: أنها لا تلزمها تلك الصلاة، ولا قضاؤها، وهو قول الأوزاعي، والظاهرية.\nالثاني: إذا طَهُرَت الحائض، وبقي قدر ركعة، فتجب عليها تلك الصلاة، ولو صلَّتها بعد خروج الوقت، وهو قول الشافعي.\nالثالث: إن أدركت شيئًا من الوقت ولو دون ركعة؛ فتجب عليها تلك الصلاة، ولو صلتها بعد خروج الوقت، وهو قول أحمد.\nوالقول الأول هو الراجح، قال ابن حزم -﵀- في «المحلى»: برهان صحة قولنا: أنَّ الله عزوجل لم يبح الصلاة إلا بطهور، وقد حدَّ الله تعالى للصلوات أوقاتها، فإذا لم يمكنها الطهور، وفي الوقت بقية؛ فنحن على يقين من أنها لم تكلف تلك الصلاة التي لم يَحِلَّ لها أن تؤديها في وقتها. اهـ. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧)، «المحلَّى» (٢٥٨)، «الفتاوى» (٢٣/ ٣٣٥).\n(^٢) انظر: «الأوسط» (٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، «المحلَّى» (٢٥٩).","vol":"1","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>مسألة [٤]: إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس، وقبل طلوع الفجر، فماذا عليها أن تصلي</span>؟\n• ذهب الحسن، وقتادة، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، إلى أنها إذا طَهُرَتْ في وقتِ العصر، صلَّتِ العصرَ، وليس عليها صلاة الظهر، وكذا وقت العشاء، تصلي العشاء، وليس عليها صلاة المغرب، وهو قول داود، ورواية عن مالك.\n• وذهب طاوس، والنخعي، ومجاهد، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، والليث، وإسحاق، وأبو ثور، وهو قول جمهور العلماء إلى أنها تصلي الظهر، والعصر، وكذا المغرب، والعشاء.\nواحتج هؤلاء بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جمعَ بين الظهر، والعصر، وبين المغرب، والعشاء، فلما كان وقت الظهر وقتًا للعصر في حال، ووقت العصر وقتًا للظهر في حالٍ، فَطَهُرَت امرأة في وقت العصر، كان عليها أن تصلي الصلاتين؛ لأنَّ وقت الظهر وقت العصر في حال.\nوقد جاء هذا القول عن ابن عباس، وفي إسناده: يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيفٌ.\nوعن عبد الرحمن بن عوف، وفي إسناده مبهمتان.\nوعن أبي هريرة أيضًا، ذكره شيخ الإسلام في «شرح العمدة»، وعزاه لحرب، ولم نقف له على إسناد، وقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ الوادعي -رحمة الله عليهم- هذا القول.","vol":"1","page":539},{"text":"والراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ وذلك لأنَّ وقت صلاة الظهر قد خرج.\nوالفرق بين الحائض، وبين أهل الأعذار أنَّ أهل الأعذار كانوا مخاطبين بصلاة الظهر، وأما الحائض؛ فإنها لم تُخاطب بها حتى خرج وقتها، فمن أين لنا أن نوجب عليها صلاة الظهر، أو المغرب، وقد خرج وقتها، والأحوط أن تصلي الصلاتين؛ لوجود العذر، والله أعلم.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٢/ ٢٤٥): وغير جائزٍ أن يُوجَب عليها باختلافٍ صلاةٌ لا حجةَ مع موجب ذلك عليها، وفي قول النبي - ﷺ -: «من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس؛ فقد أدرك العصر»، دليل على أنه مدركٌ للعصر، لا للظهر. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٦)، «الأوسط» (٢/ ٢٤٣ -)، «المجموع» (٣/ ٦٦).","vol":"1","page":540},{"text":"١٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: لَمَّا جِئْنَا سَرِفَ حِضْت، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٢١٧): وفيه دليل على أنَّ الحائض يصح منها جميع أفعال الحاج؛ غير الطواف بالبيت، وهو مجمع عليه. انتهى.\nوقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٢/ ٣٥٦): وقد أجمع العلماء على تحريم الطواف على الحائض، والنفساء.\nوأجمعوا أنه لا يصح منها طوافٌ مفروضٌ، ولا تطوع، وأجمعوا أن الحائض، والنفساء، لا تُمْنَعُ من شيء من مناسك الحج؛ إلا الطواف، وركعتيه، نقل الإجماع في هذا كله ابن جرير، وغيره، والله أعلم. انتهى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١) (١٢٠).","vol":"1","page":541},{"text":"١٤٢ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁-، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ -: مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ، وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ: «مَا فَوْقَ الإِزَارِ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَضَعَّفَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nتقدم ذكر الأحكام المستفادة من هذا الحديث تحت حديث أنس -﵁-: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، فراجعه.\n_________\n(^١) حسن بشواهده. أخرجه أبوداود (٢١٣) وفي إسناده سعد بن عبدالله الأغطش وفيه لين، وفيه انقطاع؛ لأن الراوي عن معاذ عبدالرحمن بن عائذ لم يسمع منه، وفيه بقية بن الوليد وقد عنعن.\nولكن له طريق أخرى عند الطبراني (٢٠/ ١٩٤) عن عبدالرحمن بن عائذ به، وفيها إسماعيل بن عياش وقد روى عن غير أهل بلده فروايته ضعيفة؛ وعليه فعلة الحديث هي الانقطاع بين ابن عائذ ومعاذ.\nوللحديث شاهد عن عائشة عند أحمد (٦/ ٧٢)، وفي إسناده مبارك بن فضالة مدلس وفيه ضعف يسير وقد عنعن.\nوشاهد آخر عند أحمد (٨٦)، عن عمر -﵁-، وفي إسناده رجل مبهم.\nوله شاهد آخر من حديث عبدالله بن سعد أخرجه أبوداود (٢١٢) وإسناده حسن.\nفالحديث بهذه الشواهد يرتقي إلى الحسن.","vol":"1","page":542},{"text":"١٤٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- قَالَتْ (^١): كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَقْعُدُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُد. وَفِي لَفْظٍ لَهُ: وَلَمْ يَأْمُرْهَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِقَضَاءِ صَلَاةِ النِّفَاسِ. وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>مسألة [١]: أقل النِّفَاس</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا حدَّ لأقل النفاس، وهو قول أحمد، والشافعي، ومالك، والأوزاعي، وغيرهم.\n• وجاء عن أبي حنيفة تحديد أقل النفاس بخمسة وعشرين يومًا، وجاء أيضًا عن أبي عبيد.\n• وجاء عن الثوري، وأحمد في رواية، أقله ثلاثة أيام.\nوالصحيح أنه لا حدَّ لأقله، حتى أن بعض النساء تلدُ، ولا يخرج منها دمٌ، فهذه طاهرٌ، ولا يجب عليها الغسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>مسألة [٢]: أكثر النفاس</span>.\nقال الإمام الترمذي -﵀- في «جامعه» (١/ ٢٥٨): وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ\n_________\n(^١) ساقطة من (أ).\n(^٢) ضعيف. أخرجه أحمد (٦/ ٣٠٠)، وأبوداود (٣١١)، والترمذي (٦٤٨)، وابن ماجه (٦٤٨)، وفي إسناده مسةُ الأزدية وهي مجهولة، وقد جاءت شواهد لهذا الحديث، من حديث أنس وعثمان بن أبي العاص وعبدالله بن عمرو وأبي هريرة وأبي الدرداء ومعاذ وعائشة. وكلها لا تصلح في الشواهد لشدة ضعفها أو لشذوذها ونكارتها. انظرها في كتاب «الخلافيات» للبيهقي (٣/ ٣٩٩) بتحقيق مشهور. والله أعلم.","vol":"1","page":543},{"text":"أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا؛ إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَقُ، وَيُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ خَمْسِينَ يَوْمًا إِذَا لَمْ تَرَ الطُّهْرَ. اهـ\nقلتُ: وجاءت رواية عن أحمد، ومالك، والشافعي، أنَّ أكثره ستون يومًا، وفي المسألة أقوال أخرى انظرها في «الأوسط»، وفي «شرح المهذب»، واستدل الجمهور بحديث أم سلمة -﵂-، وبأثر ابن عباس -﵄- عند ابن المنذر (٢/ ٢٤٩) بإسناد صحيح أنه قال: النفساء تنتظر أربعين يومًا، أو نحوه. وقد رجحه الشيخ ابن باز، كما في «فتاوى اللجنة الدائمة».\nوالذي يظهر -والله أعلم- أنها تنتظر حتى ينقطع الدم، وإن جاوز الأربعين والخمسين، والله أعلم.\nوهو ترجيح شيخ الإسلام -﵀-، فقد قال كما في «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٢٣٩ - ٢٤٠): والنفاس لا حد لأقله، ولا لأكثره، فلو قدر أنَّ امرأة رأت الدم أكثر من أربعين، أو ستين، أو سبعين، وانقطع؛ فهو نفاس، لكن إن اتصل؛ فهو دم فساد، وحينئذ فالحد أربعون؛ فإنه منتهى الغالب جاءت به الآثار. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٢/ ٥٢٤)، «غاية المرام» (٢/ ٦٥٦ - ٦٥٧)، «الأوسط» (٢/ ٢٤٨ -) «المغني» (١/ ٤٢٧).","vol":"1","page":544},{"text":"فرع: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٤٢٨): فإن زاد دم النفساء على أربعين يومًا، فصادف عادة الحيض؛ فهو حيضٌ، وإن لم يصادف عادة؛ فهو استحاضة. اهـ\nثم نقل عن أحمد مثل ذلك.\nفرع: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٤٢٩): وإن ولدت، ولم ترَ دمًا؛ فهي طاهرٌ، لا نفاس لها؛ لأن النفاس هو الدم، ولم يوجد. اهـ\nوأما حكم الغسل، فقد تقدم في [باب أحكام الغسل].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>مسألة [٣]: إذا عاود النفساء الدم بعد طهرها في مدة الأربعين</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٤٣٠): وَإِنْ عَادَ دَمُهَا فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعِينَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ -يعني عن أحمد- إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ مِنْ نِفَاسِهَا، تَدَعُ لَهُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ فِي زَمَنِ النِّفَاسِ، فَكَانَ نِفَاسًا كَالْأَوَّلِ، وَكَمَا لَوْ اتَّصَلَ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، تَصُومُ وَتُصَلِّي، ثُمَّ تَقْضِي الصَّوْمَ احْتِيَاطًا.\nثم رجَّح ابن قدامة -﵀- أنه دمُ نفاسٍ، وهو الراجح -إن شاء الله- إن كان الدم على صفته المعروفة، وقد جاء عن مالك أنه قال: إن رأتِ الدمَ بعد يومين، أو ثلاثة؛ فهو نفاس، وإن تباعد ما بينهما؛ فهو حيضٌ.\nوالراجح ما تقدم، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١/ ٤٣٠)، «غاية المرام» (٢/ ٦٦٢ - ٦٦٣).","vol":"1","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>مسألة [٤]: هل كل وضعٍ يثبت به النفاس</span>؟\nلها أحوال:\nالأولى: أن تضع نطفة، قال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ٤٤٣): وهذا ليس بحيض، ولا نفاس بالاتفاق.\nالثانية: أن تضع ما تَمَّ له أربعة أشهر، قال ابن عثيمين: وهذا نفاسٌ قولًا واحدًا.\nالثالثة: أن تضع علقة، فالمشهور عند الحنابلة، وهو قول الشافعية، والحنفية: أنه لا يُعَدُّ نفاسًا؛ لأنَّ الدم يجوز أن يفسد، ولا ينشأ منه إنسان، وقال بعض أهل العلم وهو وجهٌ ضعيف عند الحنابلة: يُعَدُّ نفاسًا؛ لأنَّ الماء الذي هو نطفة انقلب من حالة إلى أصل الإنسان، وهو الدم، فتيقنا أنَّ هذا النازل إنسان، ورجَّحَ الشيخ ابن باز القول الأول.\nالرابعة: أن تضع مضغة قد تبين فيها خلق الإنسان؛ فهذا نفاس عند أكثر العلماء، وهو مذهب الشافعية، والحنفية، والمشهور في مذهب أحمد، ونص عليه أحمد -﵀-.\nالخامسة: أن تضع مضغة لم يتبين فيها خلق الإنسان، ففيه وجهان عند الحنابلة، قال الإمام ابن عثيمين -﵀-: المشهور من المذهب أنه ليس بنفاس، ولو رأتِ الدم، وهو مذهب الشافعية، والحنفية، وقال بعض أهل العلم: إنه نفاسٌ. وعللوا بأن الدم يجوز أن يفسد، ولا ينشأ منه إنسان، فإذا صار مضغة لحم؛ فقد تيقنَّا أنه إنسان، فدمها دم نفاسٍ. ورجَّح الشيخ ابن باز القول الأول. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١/ ٤٣١)، «الشرح الممتع» (١/ ٤٤٣)، «فتاوى اللجنة» (٥/ ٤١٨ -)، «الفتح» لابن رجب (٣١٨).","vol":"1","page":546},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>مسألة [٥]: حكم النفساء حكم الحائض</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٤٣٢): وَحُكْمُ النُّفَسَاءِ حُكْمُ الْحَائِضِ فِي جَمِيعِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا، وَيَسْقُطُ عَنْهَا، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ وَطْئِهَا وَحِلُّ مُبَاشَرَتِهَا، وَالِاسْتِمْتَاعُ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْهَا، وَالْخِلَافُ فِي الْكَفَّارَةِ بِوَطْئِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ دَمَ النِّفَاسِ هُوَ دَمُ الْحَيْضِ، إنَّمَا امْتَنَعَ خُرُوجُهُ مُدَّةَ الْحَمْلِ؛ لِكَوْنِهِ يَنْصَرِفُ إلَى غِذَاءِ الْحَمْلِ، فَإِذَا وُضِعَ الْحَمْلُ، وَانْقَطَعَ الْعِرْقُ الَّذِي كَانَ مَجْرَى الدَّمِ، خَرَجَ مِنْ الْفَرْجِ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ الْحَائِضِ، وَيُفَارِقُ النِّفَاسُ الْحَيْضَ فِي أَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَحْصُلُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ قَبْلَهُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْبُلُوغِ؛ لِحُصُولِهِ بِالْحَمْلِ قَبْلَهُ. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>مسألة [٦]: هل تتنفس المرأة إذا ولدت بعملية جراحية</span>؟\nقال الشيخ ابن باز، ومن معه من أعضاء اللجنة الدائمة (٥/ ٤٢٠): حكمها حكم النفساء، إنْ رأت دمًا، جلست حتى تطهر، وإنْ لم ترَ دمًا؛ فإنها تصوم، وتصلي كسائر الطاهرات. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>مسألة [٧]: حكم الدم الذي يخرج قبل الولادة</span>.\n• من أهل العلم من جعله نفاسًا، وهو قول الحسن، ووجهٌ عند الحنابلة، والشافعية، وهو قول إسحاق؛ لأنه دمٌ خرج بسبب الولادة، ورجَّحه ابن قدامة، ثم الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀-.\n• ومن أهل العلم من لم يجعله نفاسًا، وهو قول عطاء، ووجهٌ عند الحنابلة،","vol":"1","page":547},{"text":"والمشهور عند الشافعية، ورجَّحه ابن المنذر، وقواه الشيخ ابن عثيمين -﵀-.\nوالراجح أنَّ الدم إذا كان على صفات دم النفاس، أو الحيض، أنها تترك الصلاة، وهو ترجيح شيخ الإسلام -﵀-، فقد قال كما في «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٢٤٠): وما تراه من حين تشرع في الطلق؛ فهو نفاس. (^١)\n_________\n(^١) انظر «المغني» (١/ ٤٤٥)، «المجموع» (٢/ ٥٢١)، «الأوسط» (٢/ ٢٤٢).","vol":"2","page":548},{"text":"فتح العلام\nفي دراسة أحاديث بلوغ المرام\nحديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\nتأليف\nأبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني\nفي دار الحديث بدماج\n\nالجزء الثاني\nكتاب الصلاة\nالَمَوَاقِيْت - الأَذَانِ - شُرُوطِ الصَّلاةِ - سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - الحَثِّ عَلَى الخُشُوعِ فِي الصَّلاةِ - المَسَاجِدِ - صِفَةِ الصَّلاةِ - سُجُودِ السَّهْوِ- صَلَاةِ التَّطَوُّعِ","vol":"2","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>كِتَابُ الصَّلاةِ</span>\nكِتَابُ الصَّلاةِ\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ٢): الصلاة في اللغة الدعاء، وسميت الصلاة الشرعية صلاةً؛ لاشتمالها عليه، هذا هو الصحيح، وبه قال الجمهور من أهل اللغة، وغيرهم من أهل التحقيق. اهـ\nومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا دُعِي أحدكم فليجب؛ فإن كان مفطرًا، فليطعم، وإن كان صائمًا، فليصل». (^١)\nوالصلاة في الشرع هي: أقوال، وأفعال مخصوصة، مُفْتَتَحَةٌ بالتكبير، مختتمة بالتسليم، تعبدًا لله تعالى. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>مسألة [١]: حكم تارك الصلاة</span>.\nأما إنْ تركها جُحودًا؛ فقد أجمع العلماء على أنه كافرٌ، وخارجٌ من الملة.\n• واختلف أهل العلم فيما إذا تركها تكاسلًا، وتهاونًا على قولين، وهي من أعظم المسائل التي اختلف فيها السلف وينبني على الخلاف مسائل كثيرة معروفة عند أهل العلم.\nوأنا ذاكرٌ إن شاء الله القولين مع الأدلة الصحيحة القوية من الجانبين، ثم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٤٣١) من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٥)، «توضيح الأحكام» (١/ ٤٦٩)، «الشرح الممتع» (٢/ ٥).","vol":"2","page":5},{"text":"نُرجِّح بينهما، والله المستعان.\nالقول الأول: أنَّ تركَ الصلاة تكاسلًا كفرٌ أكبر مخرجٌ من الملة.\nوهو قول ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وحكى إسحاق عليه إجماع أهل العلم، وقال محمد بن نصر المروزي: هو قول جمهور أهل الحديث.\nواستدل هؤلاء بما يلي:\n١) قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١].\n٢) قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩].\n٣) قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣].\n٤) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بين الرجل وبين الكفر: ترك الصلاة»، أخرجه مسلم (٨٢) عن جابر -﵁-.\n٥) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها؛ فقد كفر»، رواه الترمذي (٢٦٢١) عن بريدة -﵁-، وإسناده صحيح، وهو في «الصحيح المسند» (١٧١).\n٦) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من ترك صلاة العصر؛ فقد حبط عمله»، رواه البخاري (٥٥٣)","vol":"2","page":6},{"text":"عن بريدة -﵁-.\n٧) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولا تنازعوا الأمر أهله؛ إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله تعالى فيه برهان»، متفق عليه (^١) من حديث عبادة بن الصامت -﵁-.\nوفي حديث عوف بن مالك -﵁-، في «صحيح مسلم» (١٨٥٥): قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة».\nفهذا يدل على أن ترك الصلاة كفرٌ بواحٌ.\n٨) قول عبد الله بن شقيق: لم يكن أصحاب رسول الله - ﷺ - يرون شيئًا تركه كفر غير الصلاة.\n٩) قول عمر بن الخطاب -﵁-: لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة.\n١٠) وقول ابن مسعود -﵁-: من لم يُصَلِّ؛ فلا دين له. وقول علي -﵁-: من تركها؛ فهو كافر.\nالقول الثاني: أنَّ ترك الصلاة تكاسلًا كفرٌ أصغر ليس مُخرجًا من الملة، بل يكون فاسقًا، مرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب.\nوهو قول المالكية، والشافعية، والحنفية، وأحمد في رواية اختارها بعض أصحابه كابن بطة، وابن قدامة، وهو قول الثوري، والمزني، وعزاه بعضهم إلى الأكثرين، كالنووي، والحافظ ابن حجر، والشوكاني.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٧٢٠٠)، ومسلم برقم (١٧٠٩).","vol":"2","page":7},{"text":"واستدل هؤلاء بما يلي:\n١) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨/ ١١٦].\n٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من مات لا يشرك بالله شيئًا؛ دخل الجنة»، أخرجه مسلم (٩٣) عن جابر -﵁-.\n٣) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله؛ دخل الجنة»، رواه مسلم (٢٦) عن عثمان -﵁-.\n٤) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأنَّ الجنة حقٌّ، والنار حقٌّ؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل من أي أبواب الجنة الثمانية شاء»، متفق عليه (^١) عن عبادة -﵁-.\n٥) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما من عبد يشهد أنَّ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، صدقًا من قلبه؛ إلا حرمه الله على النار»، متفق عليه (^٢) عن أنس -﵁-.\n٦) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأبي هريرة -﵁-: «من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه؛ فبشره بالجنة»، رواه مسلم (٣١)، عن أبي هريرة -﵁-.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٤٣٥)، ومسلم برقم (٢٨).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٢٨)، ومسلم برقم (٣٢)، وليس عند مسلم قوله: «صدقًا».","vol":"2","page":8},{"text":"٧) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أسعد الناس بشفاعتي، من قال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه»، رواه البخاري (٩٩)، عن أبي هريرة -﵁-.\n٨) حديث البطاقة، وفيه: أنَّ رجلًا دخل الجنة وليس معه إلا بطاقة لا إله إلا الله. رواه الترمذي (٢٦٣٩)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-.\n٩) حديث أبي سعيد الخدري -﵁- في الشفاعة، وهو في «الصحيحين» (^١)، وفيه: «حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لله فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لله يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا، كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ؛ فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتْ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ؛ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا؛ فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ؛ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا؛ فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ؛ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا.\nوَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ؛ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٧٤٣٩)، ومسلم برقم (١٨٣).","vol":"2","page":9},{"text":"وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠] فَيَقُولُ اللهُ ﷿: شَفَعَتْ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ؛ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجنَّةِ، يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ ...، فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمْ الْخَوَاتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجنَّةِ، هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الله الَّذِينَ أَدْخَلَهُمْ اللهُ الْجنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ ...» الحديث.\n١٠) حديث عبادة بن الصامت -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللهُ تَعَالَى، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وَصَلَاّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ؛ كَانَ لَهُ عَلَى الله عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ؛ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى الله عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» أخرجه أبو داود (٤٢٥) بإسناد صحيح.\n١١) حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ للإسلام صوى، ومنارًا كمنار الطريق، من ذلك أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتسليمك على بني آدم إذا لقيتهم؛ فإن رَدُّوا عليك رَدَّتْ عليك وعليهم الملائكة، وإن لم يردوا عليك؛ ردت عليك الملائكة، ولعنتهم، أو سكتت عنهم، وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم، فمن انتقص منهن شيئًا؛ فهو سهم من الإسلام تركه، ومن تركهن؛ فقد نبذ الإسلام وراء ظهره»، أخرجه ابن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ٤١١)، ورجاله رجال الشيخين، لكن خالد بن معدان رواه عن أبي","vol":"2","page":10},{"text":"هريرة -﵁-، وقد قال أبو حاتم: أدرك أبا هريرة، ولم يذكر له سماع منه.\nقلتُ: فهو على شرط مسلم، وقد أخرج أبو يعلى (٤٥٦٧) بعض معناه بإسناد صحيح عن ابن مسعود -﵁-، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثٌ أحلف عليهن، لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، وسهام الإسلام ثلاثة: الصوم، والصلاة، والصدقة ...» الحديث.\n١٢) ما رواه نصر بن عاصم الليثي عن رجل من قومه أنه أتى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأسلم على أنْ لا يُصلي إلا صلاتين، فقبل منه. أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٣) عن وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم به، ولو كان ترك الصلاة كفرًا مخرجًا؛ ما نفعه إسلامه مع تركه الصلاة، والله أعلم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأدلة قوية من الجانبين، ولكن بالنظر فيها نلاحظ أنَّ أدلة القول الثاني أقوى، وتأويلها أعسر؛ فالراجح هو القول الثاني.\nوأما أدلة أصحاب القول الأول؛ فالجواب عنها كما يلي:\n١) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] أي: إنَّ الأُخُوَّة في الدين تحصل بالإيمان كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، والإيمان يحصل بالشهادتين؛ لحديث معاذ بن جبل عند أن بعثه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى اليمن، فيكون ذكر الصلاة، والزكاة من كمال الأُخُوَّة، ويدل على ذلك أنَّ الزكاة مذكورة مع الصلاة في نفس الآية، وهم لا يقولون: إذا لم يُزَكِ","vol":"2","page":11},{"text":"ليس بأخ لنا في الدين، بل يقولون: أُخُوَّتُه ناقصة؛ لوجود الدليل على أنَّ تارك الزكاة لا يكفر، وكذلك يقال لهم: ومن ترك الصلاة تكاسلًا؛ فأُخُوَّتُه ناقصة؛ لوجود الأدلة على أنَّ تاركها تكاسلًا ليس بكافر، والله أعلم.\n٢) قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [مريم:٥٩ - ٦٠]، هذا وعيد لهم بالنار، ولا يلزم وقوعه، بل هم تحت المشيئة كما دلَّ على ذلك حديث عبادة، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾، فَذِكْرُ قَوْلِهِ: ﴿وَآمَنَ﴾ لا يدل على أنهم كفار، بل يحتمل أنه أراد كمال الإيمان، أو تاب مع بقاء الإيمان، وَحَمَلَنَا على هذا التأويل الجمع بين الأدلة، والله أعلم.\n٣) قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢] هذه الآيات في سياق الكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٦]، وقد ذكروا من أعمالهم: ترك إطعام المساكين، ولا يدل على أنَّ ترك الإطعام هو الذي جعلهم من الكفار، والله أعلم.\n٤) حديث جابر -﵁-: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة» المقصود به كفر أصغر، كما قيل ذلك في قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وقتاله كفر»، وقوله: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، ومن قال بأن الكفر إذا عُرِّفَ أُرِيدَ به الكفر الأكبر؛ فقوله ليس بصحيح، فقد وجد التعريف والمراد به الكفر الأصغر، كما جاء في حديث امرأة ثابت بن قيس عند أن قالت للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أكره الكفر في الإسلام» أخرجه البخاري برقم (٥٢٧٣).","vol":"2","page":12},{"text":"٥) حديث بريدة -﵁-: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر»، المراد به أيضًا كفر دون كفر، أي: الكفر الأصغر، جمعًا بين الأدلة، وأما قوله: «العهد الذي بيننا وبينهم»؛ فالمراد به المنافقون، كما قال ذلك الطِّيبي، والمناوي، والمباركفوري، والمعنى: أنَّ العهد الذي بيننا وبين المنافقين هي الصلاة، بمعنى أنها الموجبة لحقن دمائهم كالعهد في حق المعاهدين، فكما أنَّ أهل الذمة تُحقَنُ دماؤهم بالعهد، فكذلك المنافقون تُحقن دماؤهم بالصلاة. (^١)\n٦) حديث بريدة -﵁-: «من ترك صلاة العصر؛ فقد حبط عمله»، لم يأخذ بظاهره المكَفِّرُون تاركَ الصلاة أيضًا؛ فإنَّ عندهم من ترك فرضًا واحدًا، أو فرضين لا يكفر، هكذا قال كثير منهم، وَأَوَّلُوا الحديث على أنَّ المقصود بـ: «حبط عمله»، أي: حبط عمل يومه، وقيل: المراد بالحبط نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال، وكأنَّ المراد بالعمل الصلاة خاصَّة، أي: لا يحصل على أجر من صلَّى العصر، وهناك أقوال أخرى ذكرها الحافظ في شرح الحديث (٥٥٣)، ثم قال: وأقرب هذه التأويلات قول من قال: إنَّ ذلك خرج مخرج الزجر الشديد، وظاهره غير مرادٍ، والله أعلم.\nقلتُ: وتقييده بالعصر يدل على ذلك، والله أعلم.\n٧) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة»، قال الطِّيبي في «شرح المشكاة» (٨/ ٢٥٦٢): قوله: «ما أقاموا فيكم الصلاة» فيه إشعارٌ بتعظيم أمر الصلاة، وأنَّ\n_________\n(^١) انظر: «تحفة الأحوذي» (٧/ ٣٦٩)، «فيض القدير» (٤/ ٣٩٥)، «شرح المشكاة» (٣/ ٨٧١).","vol":"2","page":13},{"text":"تركها موجبٌ لنزع اليد من الطاعة، كالكفر على ما سبق في حديث عبادة بن الصامت في قوله: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا».اهـ\nومعنى كلام الطِّيبي -﵀-: أنَّ ترك الصلاة يُسَوِّغ الخروج على الإمام كما يسوغه الكفر، ويكون حديث عبادة -﵁- مفهومه: أنَّ كل ما سوى الكفر لا يسوغ الخروج على الإمام، وهذا العموم المفهوم من حديث عبادة مقيد بمنطوق حديث عوف بن مالك، فيكون المسوغ للخروج هو الكفر البواح، وكذلك ترك الصلاة، والله أعلم.\n٨) قول عبد الله بن شقيق أخرجه الترمذي (٢٦٢٢)، وابن أبي شيبة (١١/ ٤٩)، وغيرهما، واللفظ للترمذي، وهو صحيح، ولكن معناه: لا يرون شيئًا تركه كفر؛ فيحتمل على أنَّ المراد كفر أصغر، وتنصيصه على الصلاة يدل على عظمها، وعلى أنَّ تركها أعظم من ترك غيرها، والله أعلم.\nوعلى التسليم بأنه أراد الكفر الأكبر؛ فلا يكون قول جميع الصحابة، بل قول بعضهم، فعبد الله بن شقيق لم يُدرك جميع الصحابة.\n٩) أثر عمر بن الخطاب -﵁- ثابتٌ عنه، أخرجه مالك (١/ ٣٩ - ٤٠)، وابن أبي شيبة (١١/ ٢٥) بإسناد صحيح، وكذلك أثر ابن مسعود أخرجه المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (٩٣٦) (٩٣٧) بإسناد حسن، وأما أثر علي فأخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٤٧)، وفي إسناده: معقل الخثعمي، وهو مجهول، ومن صحَّ عنه يحتمل أنه أراد نفي كمال الإسلام، والإيمان، ولو سُلِّمَ أنه أراد نفي الإسلام","vol":"2","page":14},{"text":"وتكفيره كفرًا أكبر؛ فيكون قولًا لبعض الصحابة، والحجة بالإجماع، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>مسألة [٢]: هل يُقتل تارك الصلاة تكاسلا</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه يُقتل؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك؛ عصموا مني دماءهم، وأموالهم؛ إلا بحقها، وحسابهم على الله» (^٢)، وبحديث: ألا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة» (^٣)، وحديث الخوارج: فقال خالد: ألا أقتله؟ قال: «لا، لعله أن يكون يصلي» (^٤)، وبحديث بريدة: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة»، وقد تقدم بيان معناه.\n• وذهب الحنفية، والمزني، وهو قول الزهري، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبدالعزيز إلى أنه لا يُقتل، بل يُحبس، ويُعزَّر، حتى يُصلي، واستدلوا بحديث: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم، وأموالهم؛ إلا بحقها، وحسابهم على الله»، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يحل دم امرئ مسلم؛ إلا بإحدى ثلاث ...» (^٥)، فذكرها.\n_________\n(^١) وانظر: كتاب «الصلاة» لابن القيم، «تعظيم قدر الصلاة» للمروزي، «منحة الغفار» لعطاء عبداللطيف رسالة الشيخ الألباني في «حكم تارك الصلاة»، «المجموع» (٣/ ١٦ -)، «المغني» (٣/ ٣٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٥)، ومسلم برقم (٢٢)، من حديث ابن عمر -﵄-.\n(^٣) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (٤٣٥١)، ومسلم برقم (١٠٦٤) (١٤٤).\n(^٥) سيأتي في الكتاب برقم (١١٥٧).","vol":"2","page":15},{"text":"والصواب قول الجمهور، وأما حديثهم الأول؛ فهو مختصرٌ، وقد تقدم بتمامه، وأما حديثهم الثاني؛ فمفهومه عامٌّ وهو مخصوص بأدلة أخرى تبيح قتل المسلم بغير الثلاث المذكورة، وأدلتنا التي ذكرناها من ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>مسألة [٣]: من تجب عليهم الصلاة</span>؟\nتجب الصلاة على كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ بإجماع المسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>مسألة [٤]: هل تجب الصلاة على الكافر</span>؟\nأطلق الفقهاء وجوب الصلاة على الكافر، ومرادهم بذلك: مطالبة الكافر قبل إسلامه بالصلاة، وقضاؤها إذا أسلم، وهي لا تجب عليه بهذا الاعتبار.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَأَمَّا الْكَافِرُ؛ فَإِنْ كَانَ أَصْلِيًّا، لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي حَالِ كُفْرِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَقَدْ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وَأَسْلَمَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَبَعْدَهُ، فَلَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِقَضَاءٍ، وَلِأَنَّ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ تَنْفِيرًا عَنْ الْإِسْلَامِ، فَعُفِيَ عَنْهُ. اهـ (^٢)\nتنبيه: أطلق جمهور الأصوليين وجوب الصلاة، وفروع الشريعة على الكافر، ومرادهم بذلك أنهم مخاطبون بها، وأنهم يعاقبون على تركها، مع معاقبتهم على ترك التوحيد؛ لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ\n_________\n(^١) وانظر أوائل كتاب «الصلاة» لابن القيم -﵀-، «المجموع» (٣/ ١٦)، «المغني» (٣/ ٣٥١ -).\n(^٢) «المغني» (٢/ ٤٨).","vol":"2","page":16},{"text":"الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ ... [المدثر:٤٢ - ٤٥].\nوقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>مسألة [٥]: هل يلزم المرتد ما تركه من الصلوات في ردته</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالأول: يقضي ما تركه قبل ردته وبعدها، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنَّ المرتد أقرَّ بوجوب العبادات عليه، وأقرَّ بذلك، وقدر على التسبب إلى أدائها، فلزمه ذلك.\nالثاني: لا قضاء عليه فيما تركه حال كفره، وعليه قضاء ما تركه في إسلامه قبل رِدَّتِه، وهذا قول أحمد في رواية، واختارها القاضي، وابن حامد الحنبليان.\nالثالث: لا يقضي ما تركه قبل رِدَّتِه، ولا ما تركه في حال رِدَّتِهِ، وهذا مذهب مالك، وداود، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية؛ لأنَّ الأدلة التي تسقط القضاء عن الكافر تشمل الأصلي، والمرتد.\nقلتُ: وهذا القول الثالث هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٣/ ٤)، «المغني» (٢/ ٤٨ - ٤٩).","vol":"2","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-470>مسألة [٦]: إذا ارتد المسلم، فهل تحبط أعماله التي عملها في إسلامه</span>؟\n• القول الصحيح من قولي العلماء أن أعماله لا تحبط إلا إذا مات على كفره؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة:٢١٧].\nفالحبوط مُعَلَّقٌ بشرطين: الرِّدَّةُ، والموت عليها، والمعَلَّق بشرطين لا يثبت بأحدهما، وهذا قول الشافعي، وأصحابه، وأحمد في رواية، وجماعة من أصحابه، وهو قول الظاهرية، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>مسألة [٧]: هل تجب الصلاة على الصبي</span>؟\n• جمهور العلماء على أنَّ الصلاة لا تجب عليه، وهو أصح الروايتين عن أحمد، وعنه رواية أنها تجب على من بلغ عشر سنين.\nواستدل الجمهور على ذلك بحديث: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: «الصبي حتى يبلغ». (^٢)\nوقول الجمهور هو الصواب، وأما حديث: «واضربوهم عليها وهم أبناء عشر»، (^٣) فهو من باب التأديب، والتربية، لا لأنها واجبة عليهم، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٣/ ٥)، «غاية المرام» (٣/ ١٨).\n(^٢) سيأتي تخريجه في ا لكتاب برقم (١٠٨٤).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٩٥) (٤٩٦)، وأحمد (٢/ ١٨٠) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄-، وهو حديثٌ حسن.\n(^٤) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٩)، «المجموع» (٣/ ٦)، «غاية المرام» (٣/ ١٩).","vol":"2","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-472>مسألة [٨]: إذا بلغ الصبي بعد أن صلَّى، فهل تلزمه إعادة الصلاة</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى وجوب إعادة الصلاة عليه؛ لأنَّ الأَوْلَى في حَقِّهِ نافلة، ولأنه وجد سبب الوجوب، فيشبه ما إذا صلى قبل الوقت؛ فإنها تلزمه الإعادة بعد الوقت، وقاسوها على الحج.\n• وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنه لا يلزمه إعادتها؛ لأنه قد أدى وظيفة الوقت وصلَّى كما أُمِرَ، وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعض الحنابلة.\nورجَّحَ هذا القول الشيخ ابن عثيمين، فقال: والرَّاجح أنه لا يعيد الصوم، ولا الصلاة؛ لأنه صلَّى وصام على الوجه الذي قد أُمِرَ، فسقط عنه الطلب بالفعل، ويؤيد هذا أنه يقع كثيرًا، ولم يحفظ عن الصحابة أنهم يأمرون من بلغ في أثناء الوقت بالإعادة. اهـ\nقال النووي -﵀-: والجواب عن المصلي قبل الوقت أنه غير مأمور به، ولا مندوب إليه، ولا مأذون فيه، بخلاف مسألتنا. اهـ\nوالجواب عن قياسهم بالحج: أنَّ الحج غير مأمور به كالصلاة؛ فإنه يضرب على تركها، والله أعلم، وهذا القول هو الصواب، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>مسألة [٩]: هل تجب الصلاة على النائم</span>؟\nقال المرداوي -﵀- في «الإنصاف» (١/ ٣٦٤): أما النائم؛ فتجب الصلاة عليه إجماعًا. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٣/ ١٢ - ١٣)، «المغني» (٢/ ٥٠)، «الشرح الممتع» (٢/ ٢١)، «غاية المرام» (٣/ ٢٣).","vol":"2","page":19},{"text":"ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها»، (^١) ولو لم تجب عليه حال نومه، لم يجب عليه قضاؤها، كالمجنون، وَمِثْلُ النائمِ السَّاهِي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>مسألة [١٠]: هل تجب الصلاة على المغْمَى عليه وتلزمه الصلاة إذا أفاق</span>؟\n• فيها ثلاثة أقوال:\nالأول: أنَّ المغمى عليه كالنائم، فإذا أفاق صلَّى جميع ما فاته، وهذا مذهب أحمد، وطائفة من أصحابه، وجاء عن عمار -﵁-، وفي إسناده لؤلؤة، امرأة مجهولة.\nالثاني: لا يصلي إذا أفاق إلا ما كان وقتها باقيًا، وهو قول طاوس، والحسن، محمد بن سيرين، والزهري، وربيعة، وأبي ثور، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، واختارها بعض الحنابلة؛ لأنه فاقدٌ لعقله، وشعوره، فأشبه المجنون، وهو مذهب ابن حزم الظاهري.\nوصح عن ابن عمر كما في «الأوسط» لابن المنذر، أنه مرض أيامًا، لم يعقل الصلاة، ثم صحَّ وعقل، فلم يقض ما فاته. أخرجه من طريقين عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عنه.\nقال أيوب: ومرض ابن سيرين أيامًا لم يعقل الصلاة فلم يقض ما فاته.\nوثبت عن أنس -﵁- عند ابن المنذر أنه أغمي عليه؛ فلم يقض صلاته.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤)، عن أنس -﵁-.","vol":"2","page":20},{"text":"الثالث: يصلي إذا فاته خمس صلوات، فأقل، ولا يصلي إذا فاته أكثر من ذلك، وهو قول أبي حنيفة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الأقرب إلى الصواب، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، والشيخ ابن باز؛ وذلك لأنَّ المغمى عليه يفارق النائم بأن النائم إذا نُبِّهَ انْتَبَهَ، ولأنه قد يطول أيامًا، وأشهرًا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>مسألة [١١]: المجنون هل تجب عليه الصلاة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٥٠): والمجنون غير مكلف، ولا يلزمه قضاء ما ترك في حال جنونه؛ إلا أن يفيق في وقت الصلاة، فيصير كالصبي يبلغ، ولا نعلم في ذلك خلافًا.\nثم استدل بحديث: «رُفِعَ القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يعقل، ...».اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>مسألة [١٢]: هل تجب الصلاة على من زال عقله بشرب المسكر</span>؟\nقال ابن حزم -﵀- في «المحَلَّى» (٢٧٨): وأما من سكر حتى خرج وقت الصلاة، أو نام عنها، أو نسيها حتى خرج وقتها، ففرض على هؤلاء خاصة أن يصلوها أبدًا، قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣]، فلم يبح الله تعالى للسكران أن يصلي حتى يعلم ما يقول، وقال رسول الله - ﷺ -: «إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٠ - ٥١) «المجموع» (٣/ ٧) «الشرح الممتع» (٢/ ١٦) «فتاوى اللجنة» (٦/ ١٨).","vol":"2","page":21},{"text":"صلاة، أو نام عنها؛ فليصلها إذا ذكرها»، وهذا كله إجماعٌ متيقن. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>مسألة [١٣]: هل تجب الصلاة على الحائض، والنفساء</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ٨): أما الحائض، والنفساء؛ فلا صلاة عليهما، ولا قضاء بالإجماع. انتهى.","vol":"2","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>بَابُ الَمَوَاقِيْت</span>\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٢٢٣): والمواقيت جمعُ ميقات، وهوالوقت الذي عينه الله لأداء هذه العبادة، وهو القدر المحدود للفعل من الزمان. اهـ\n\n١٤٤ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ العَصْرِ، وَوَقْتُ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ المَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ وَوَقْتُ صَلَاةِ العِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١٤٥ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فِي العَصْرِ: «وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ». (^٢)\n\n١٤٦ - وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: «وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ». (^٣)\nقبل الشروع في ذكر المسائل المتعلقة بالأحاديث أُضيف إلى هذه الأحاديث حديث جابر -﵁- عند النسائي (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦):\nقال: أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُدَامَةُ يَعْنِي ابْنَ شِهَابٍ، عَنْ بُرْدٍ،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٦١٢) (١٧٣).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٦١٣).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٦١٤).","vol":"2","page":23},{"text":"عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - يُعَلِّمُهُ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ الله - ﷺ - خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ، وَأَتَاهُ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَ شَخْصِهِ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ الله - ﷺ - خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ وَجَبَتْ الشَّمْسُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ الله - ﷺ - خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلَفَ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ الله - ﷺ - خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ الله - ﷺ - خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَصَلَّى الْغَدَاةَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْيَوْمَ الثَّانِيَ حِينَ كَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ مِثْلَ شَخْصِهِ، فَصَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعَ بِالْأَمْسِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ كَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ مِثْلَ شَخْصَيْهِ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ بِالْأَمْسِ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ وَجَبَتْ الشَّمْسُ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ بِالْأَمْسِ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، فَنِمْنَا ثُمَّ قُمْنَا، ثُمَّ نِمْنَا ثُمَّ\nقُمْنَا، فَأَتَاهُ فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ بِالْأَمْسِ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ امْتَدَّ الْفَجْرُ، وَأَصْبَحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ بِالْأَمْسِ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ وَقْتٌ».\nهذا حديثٌ حسنٌ، وقد حسَّنه شيخنا الإمام مقبل الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند».","vol":"2","page":24},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>مسألة [١]: وقت الظهر</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ٢١): أجمعت الأمة على أن أول وقت الظهر زوال الشمس، نقل الإجماع فيه خلائق. اهـ\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٩): أجمع أهل العلم على أنَّ أول وقت الظهر إذا زالت الشمس، قاله ابن المنذر -﵀-، وابن عبد البر، وقد تظاهرت الأخبار بذلك. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>مسألة [٢]: كيفية معرفة زوال الشمس</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٠): ومعنى زوال الشمس، ميلها عن كبد السماء، ويعرف ذلك بطول ظل الشخص، بعد تناهي قِصَرِهِ، فمن أراد معرفة ذلك؛ فليقدر ظل الشخص، ثم يصبر قليلًا، ثم يقدره ثانيًا؛ فإن كان دون الأول، فلم تَزُلْ، وإن زاد ولم ينقص؛ فقد زالت. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>مسألة [٣]: آخر وقت الظهر</span>.\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: أنَّ آخر وقت الظهر هو مصير ظل كل شيء مثله، سوى الظل الذي يكون عند الزوال، وهو أول وقت العصر، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم.\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٣/ ٢٤)، و«الأوسط» (٢/ ٣٢٨).","vol":"2","page":25},{"text":"الثاني: أنَّ وقت الظهر يمتد إلى آخر وقت العصر، وهو قول عطاء، وطاوس.\nالثالث: أنَّ وقت الظهر إلى أن يصير الظل مثله، وبعده قدر أربع ركعات وقت للظهر والعصر، ثم يتمحض الوقت للعصر، وهذا قول إسحاق، وأبي ثور، وابن جرير، والمزني.\nالرابع: أنَّ وقت الظهر يمتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، وهو قول أبي حنيفة، وقد احْتُجَّ لأبي حنيفة بحديث ابن عمر -﵄- في «البخاري» (٢٢٦٨)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ، فَغَضِبَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلًا، وَأَقَلَّ عَطَاءً؟ قَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ».\nقالوا: فهذا دليل على أنَّ وقت العصر أقل من وقت الظهر، ومن حين يصير ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس هو ربع النهار، وليس بأقل من وقت الظهر، بل هو مثله.\nوالراجح هو القول الأول؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي في هذا الباب، وهو صنيع جبريل ﵇ حين صلى بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأصحابه، وفيه: «ثم صلى الظهر حين كان ظل كل شيء مثله»، وفيه: «الوقت بين هذين».","vol":"2","page":26},{"text":"ويدل على ذلك أيضًا حديث أبي قتادة -﵁- في «صحيح مسلم» (٦٨١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى»، وقد استدل من قال بأنَّ وقت الظهر يمتد إلى آخر وقت العصر، بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جمع بين الظهر، والعصر من غير خوف، ولا مطر.\nوالجواب عنه: أنَّ هذه رخصة لمن احتاج إلى ذلك، ففي الحديث نفسه: قيل لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته. (^١)\nوأما استدلال أبي حنيفة؛ فقد أجاب عنه ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (٢/ ٣٨٥)، فقال: وَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ، أَيُّ دَلَالَةٍ فِي هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ الظِّلُّ مِثْلَيْنِ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الدَّلَالَةِ؟ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أَقْصَرُ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ. اهـ\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٤): وَمَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ. وَفِعْلُهَا يَكُونُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَتَكَامُلِ الشُّرُوطِ، عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَنَا قُصِدَ بِهَا بَيَانُ الْوَقْتِ، وَخَبَرُهُمْ قُصِدَ بِهِ ضَرْبُ المَثَلِ، فَالْأَخْذُ بِأَحَادِيثِنَا أَوْلَى، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ هَذَا الْآثَارَ، وَالنَّاسَ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ. اهـ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٤٣)، ومسلم برقم (٧٠٥) من حديث عبدالله بن عباس -﵄-، واللفظ لمسلم.\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٣/ ٢١).","vol":"2","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-482>مسألة [٤]: أول وقت العصر</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر متصلًا به بأدنى زيادة يزيد بها الظل على شخصه؛ لحديث جبريل، وفيه أنه صلى بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأصحابه العصر باليوم الأول حين كان ظل كل شيء مثله، وباليوم الثاني صلَّى بهم العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم قال: «الوقت ما بين هذين».\n• وذهب ربيعة إلى أنَّ وقت الظهر، والعصر من زوال الشمس.\n• وذهب إسحاق، وابن المبارك إلى أنَّ آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر، وبينهما وقتٌ مشتركٌ، واستدلوا بحديث جبريل، وفيه: «ثم صلى الظهر لوقت العصر بالأمس».\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ أول وقت العصر هو مصير ظل كل شيء مثليه.\nوالراجح هو قول الجمهور؛ لحديث جبريل، وأما قول إسحاق، وابن المبارك، فيرده قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث عبدالله بن عمرو -﵄- الذي في الباب: «ووقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر»، وكذلك حديث أبي قتادة في «صحيح مسلم» (٦٨١) مرفوعًا: «أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى».\nوقد رجَّح هذا القول ابن المنذر في «الأوسط»، أعني قول الجمهور.\nوأما قول أبي حنيفة، فقد قال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٢/ ٣٣٠): وهو","vol":"2","page":28},{"text":"قولٌ خالف صاحبه الأخبار الثابتة عن رسول الله - ﷺ -، والنظر غير دال عليه، ولا نعلم أحدًا سبق قائلَ هذا القول إلى مقالته، وعدل أصحابه عن القول به، فبقي قوله منفردًا، لا معنى له. اهـ\nوأما استدلال إسحاق، وابن المبارك بقوله في حديث جبريل: «لِوَقْتِ العَصْرِ بِالأَمْسِ».\nفقد أجاب عنه ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٤)، فقال: وَقَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لِوَقْتِ العَصْرِ بِالأَمْسِ»، أَرَادَ مُقَارَنَةَ الْوَقْتِ، يَعْنِي أَنَّ ابْتِدَاءَ صَلَاتِهِ الْيَوْمَ الْعَصْرَ مُتَّصِلٌ بِوَقْتِ انْتِهَاءِ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، أَوْ مُقَارِبٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ بَيَانَ الْمَوَاقِيتِ، وَإِنَّمَا تَبَيَّنَ أَوَّلُ الْوَقْتِ بِابْتِدَاءِ فِعْلِ الصَّلَاةِ، وَتَبَيَّنَ آخِرُهُ بِالْفَرَاغِ مِنْهَا، وَقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى - ﷺ -: «وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ الْعَصْرِ». انتهى المراد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>مسألة [٥]: آخر وقت العصر</span>.\nلآخر العصر وقتان: وقت اختياري، ووقت اضطراري.\nفأما آخر الوقت الاختياري؛ فقيل: مصير ظل كل شيء مثليه. قال بذلك الشافعي، ومالك، والثوري، ورواية عن أحمد، وعزاه النووي في «شرح المهذب» (٣/ ٢٨) للجمهور، واستدلوا بحديث جبريل، ففيه أنه صلَّى العصر باليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم قال: «الوقت ما بين هذين»، وهذا ترجيح الشيخ\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٢/ ٣٢٩)، «المغني» (٢/ ١٤)، «المجموع» (٣/ ٢٦).","vol":"2","page":29},{"text":"ابن باز كما في «فتاوى اللجنة» (٦/ ١١٣).\nوقيل: آخر وقت العصر الاختياري هو اصفرار الشمس، وهذا القول هو المشهور عن أحمد، وهو قول الأوزاعي، وأبي ثور، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي حنيفة، واستدلوا بحديث عبدالله بن عمرو بن العاص الذي في الباب، وفيه: «ووقت العصر ما لم تصفر الشمس»، وهذا القول هو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن مفلح، والشيخ عبدالرحمن السعدي.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٢/ ١٠٢): وهذا في الغالب يزيد على مصير ظِلِّ كلِّ شيء مثليه، وهذه الزيادة تكون مقبولة؛ لأن الحديث في «صحيح مسلم»، ومن قول الرسول - ﷺ -، ويمكن أن يُجاب عن حديث جبريل: بأنه ابتدأ الصَّلاة بالنبي - ﷺ - حين صار ظِلُّ كلِّ شيء مثليه، وأنها إذا صُلِّيت وانتُهيَ منها تكون الشمس قد اصفرَّت؛ ولاسيَّما في أيام الشتاء، وَقِصَر وقت العصر، وسواءٌ صَحَّ هذا الجمع أم لم يصحَّ؛ فإن الأخذ بالزَّائد متعيِّن؛ لأنَّ الأخذ بالزَّائد أخذٌ بالزَّائد والناقص، والأخذ بالناقص إلغاء للزائد، وعليه فنقول: وقت العصر إلى اصفرار الشمس. انتهى المراد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إذا وُجِدَت الصفرة قريبًا من مصير ظل الشيء مثليه؛ فالأمر سهل، وإلا فالراجح هو القول الثاني، والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال ابن عبدالبر -﵀- كما في «المغني» (٢/ ١٦): أجمع العلماء على أن\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ١٥)، «غاية المرام» (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، «الأوسط» (٢/ ٣٣١ -).","vol":"2","page":30},{"text":"من صلَّى العصر، والشمس بيضاء نقية؛ فقد صلَّاها لوقتها. اهـ\nوأما وقت العصر الاضطراري؛ فهو من بعد الوقت الاختياري إلى غروب الشمس عند أهل العلم، والدليل على أنَّ هذا وقتٌ للعصر قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر»، متفق عليه من حديث أبي هريرة -﵁-. (^١)\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٧): وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.\nوقال -﵀- في «المغني» (٢/ ١٦): وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْعَصْرِ عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِمَا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ - ﷺ - يَقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ، فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، أَوْ عَلَى قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، قَامَ، فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ الله فِيهَا إلَّا قَلِيلًا»، (^٢) وَلَوْ أُبِيحَ تَأْخِيرُهَا؛ لَمَا ذَمَّهُ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ عَلَامَةَ النِّفَاقِ. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>مسألة [٦]: أول وقت المغرب</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٢٤): أَمَّا دُخُولُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ؛ فَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِيهِ، وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَيْهِ. اهـ\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (١٥٤).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٦٢٢)، وأبو داود برقم (٤١٣).","vol":"2","page":31},{"text":"وقد نقل الإجماع أيضًا ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٣٤)، والنووي في «شرح المهذب» (٣/ ٣٤)، وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>مسألة [٧]: آخر وقت المغرب</span>.\n• ذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وأصحاب الرأي إلى أنَّ آخر وقت المغرب هو غروب الشفق.\nواستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو الذي في الباب: «ووقت المغرب ما لم يغب الشفق»، وأيضًا في حديث بريدة، وأبي موسى أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علَّمَ رجلًا مواقيت الصلاة، فصلَّى المغرب في اليوم الثاني قبل غروب الشفق، ثم قال: «الوقت ما بين هذين».\nوقد قال بهذا القول بعض الشافعية، وصححه النووي -﵀-.\n• وذهب الشافعي، ومالك، والأوزاعي، إلى أنه ليس لها إلا وقتٌ واحد عند مغيب الشمس؛ لأنَّ جبريل ﵇ صلَّاها بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في اليومين في وقت واحد.\n• وذهب عطاء، وطاوس إلى أنَّ وقتها ممتد إلى الفجر، وقد تقدم ذكر مستندهم، والجواب عليه.\nوالراجح هو القول الأول، وأما حديث جبريل، وما أشبهه؛ فهو محمول على","vol":"2","page":32},{"text":"الاستحباب والاختيار، وكراهة التأخير. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>مسألة [٨]: أول وقت العشاء</span>.\nأجمع أهل العلم على أنَّ أول وقت العشاء هو غيبوبة الشفق، قاله ابن المنذر، والنووي، وابن قدامة، واختلفوا في الشفق ما هو؟ وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>مسألة [٩]: آخر وقت العشاء</span>.\nله وقتان: وقتٌ اختياري، ووقت اضطراري.\nأما الوقت الاختياري؛ ففيه قولان:\nالأول: أنه إلى ثلث الليل، وهو قول مالك، ورواية عن أحمد، والشافعي، واستدلوا بحديث جبريل، وبحديث بريدة، وأبي موسى، وفي هذه الأحاديث أن صلاة العشاء صُلِّيَتْ في اليوم الثاني في ثلث الليل، ثم قال: «الصلاة ما بين هذين».\nالثاني: أنه إلى نصف الليل، وهذا قول الثوري، وابن المبارك، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، ورواية عن أحمد رجَّحَها جمعٌ من أصحابه، ورجَّحَ هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، ثم الشوكاني، والسعدي، واستدل هؤلاء بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي في الباب، وفيه: «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل»، وبحديث أبي سعيد الخدري عند أحمد (٣/ ٥)، وأبي داود\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٤)، «المجموع» (٣/ ٣٤)، «الأوسط» (٢/ ٣٣٤).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٥)، «الأوسط» (٢/ ٣٣٨)، «المجموع» (٣/ ٣٨).","vol":"2","page":33},{"text":"٤٢٢ -، وهو في «الصحيح المسند»، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخَّرَ صلاة العشاء ذات ليلة إلى نصف الليل، ثم خرج، فصلَّاها، وقال: «لولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم، وحاجة ذي الحاجة؛ لأخَّرْتُ هذه الصلاة إلى شطر الليل»، وجاء بنحوه عن جابر عند أبي يعلى (١٩٣٦)، وهو في «الصحيح المسند»، وبنحوه من حديث أنس في «الصحيحين». (^١)\nوهذا القول هو الراجح؛ لأنَّ فيه زيادة على القول الأول، وكما تقدم: من أخذ بالزائد؛ فقد أخذ بالزائد والناقص، ومن أخذ بالناقص؛ فقد ألغى الزائد.\nوأما الوقت الاضطراري؛ فقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه ممتدٌ إلى طلوع الفجر الصادق، واستدلوا بحديث أبي قتادة -﵁- في «صحيح مسلم» (٦٨١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى».\nوقد ثبت عن أبي هريرة -﵁- في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٣٣٤)، و«شرح المعاني» للطحاوي (١/ ١٦٥)، أنه قال وقد سئل عن التفريط في الصلاة: أن يؤخرها حتى يدخل وقت الذي بعدها.\nوجاء عن ابن عباس -﵄- عند ابن المنذر (٢/ ٣٤٥)، أنه قال: وقت العشاء إلى الصبح. وفي إسناده: ليث بن أبي سليم، وفيه ضعفٌ، ولكن يشهد له قول ابن عباس في الحائض، أنها إذا طهرت قبل الفجر صلَّتِ المغرب والعشاء، وفيه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٧٢)، ومسلم برقم (٦٤٠).","vol":"2","page":34},{"text":"ضعفٌ قد تقدم بيانه في [كتاب الحيض]؛ فالأثر حسنٌ عن ابن عباس -﵄-، إن شاء الله.\nقال الإمام النووي -﵀- في شرح حديث أبي قتادة المتقدم: فِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى اِمْتِدَاد وَقْت كُلّ صَلَاة مِنْ الْخَمْس حَتَّى يَدْخُل وَقْت الْأُخْرَى وَهَذَا مُسْتَمِرّ عَلَى عُمُومه فِي الصَّلَوَات إِلَّا الصُّبْح؛ فَإِنَّهَا لَا تَمْتَدّ إِلَى الظُّهْر، بَلْ يَخْرُج وَقْتهَا بِطُلُوعِ الشَّمْس؛ لِمَفْهُومِ قَوْله - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنْ الصُّبْح قَبْل أَنْ تَطْلُع الشَّمْس فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْح».اهـ\nوقال الحافظ -﵀- تحت حديث رقم (٥٧٢): وعموم حديث أبي قتادة مخصوصٌ بالإجماع بالصبح. اهـ، وهذا القول رجَّحه شيخ الإسلام، والشوكاني، وغيرهما.\nوجاءت عن مالك رواية كما في «بداية المجتهد»، وبعض الشافعية كأبي سعيد الاصطخري أنَّ وقت العشاء إلى نصف الليل، عملًا بظاهر حديث عبد الله ابن عمرو: «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل».\nورجَّح هذا القول الإمام الألباني -﵀- في «تمام المنة»، وقالوا: حديث أبي قتادة مخصوصٌ بهذا الحديث كما خصص الفجر من عموم الحديث.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول -أعني قول الجمهور-، وأما ما ذكره أهل القول الثاني؛ فيرُدُّ عليه حديث عائشة في «صحيح مسلم» قالت: اعتم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذات ليلة بالعشاء حتى ذهب عامة الليل، فخرج","vol":"2","page":35},{"text":"فصلَّاها، وقال: «إنه لوقتها؛ لولا أن أشق على أمتي». (^١)\nوما أحسن استنباط ابن المنذر الذي ذكره في «الأوسط»، فقال: ففي قول النبي - ﷺ -: «لولا أن أشق على أمتي؛ لأخرت العشاء الى شطر الليل»، دليل على أن لا حرج على من أخرها إلى شطر الليل، وإذا كان خروجه إليهم بعد انتصاف الليل؛ فصلاته بعد شطر الليل، وإن كان كذلك، ثبت أن وقتها إلى طلوع الفجر، ويؤيد ذلك حديث أبي قتادة مَعَ أَنَّا قَدْ رُوِّيْنَا عن النبي - ﷺ - أنه اعتم ذات ليلة بالعشاء حتى ذهب عامة الليل. انتهى. (^٢)\nثم أسند حديث عائشة المتقدم ذكره قريبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>مسألة [١٠]: أول وقت الفجر</span>.\nأجمع أهل العلم على أنَّ أول وقت صلاة الصبح هو طلوع الفجر الصادق، نقل الإجماع غيرُ واحدٍ من أهل العلم، منهم: ابن المنذر، وابن عبدالبر، والنووي، وابن قدامة، وغيرهم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>مسألة [١١]: آخر وقت الفجر</span>.\nللفجر وقتان: وقتُ اختيارٍ، ووقتُ اضطرارٍ، وعُذْرٍ؛ فوقت الاختيار مستمر إلى أن يسفر النهار؛ لحديث جبريل، وكذلك حديث بريدة، وأبي موسى في\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (١٥١).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٧)، «المجموع» (٣/ ٣٩)، «الأوسط» (٢/ ٣٤٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (٢/ ٢٩)، «المجموع» (٣/ ٤٣)، «الأوسط» (٢/ ٣٤٧).","vol":"2","page":36},{"text":"«صحيح مسلم»، ويمتد بعده وقت الاضطرار إلى طلوع الشمس؛ لحديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين»، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرك الصبح»، (^١) وقد خالف أبو حنيفة الجمهورَ في هذا الحديث، وقال: من أدرك ركعة، ثم طلعت الشمس؛ فلا يكون مدركًا للصبح، وأما إذا أدرك ركعة من العصر قبل الغروب؛ فقد أدركها.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٢/ ٣٤٩): قد جعل النبي - ﷺ - من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، مدركًا للصلاتين، وجمع بينهما؛ فلا معنى لتفريق من فرق شيئين جمعت السنة بينهما، ولو جاز أن تفسد صلاة من جاء إلى وقت لا تحل الصلاة فيه، ألزم أن تفسد صلاة من ابتدأها في وقت لا تجوز الصلاة فيه، وليس فيما ثبت عن رسول الله - ﷺ - إلا التسليم له، وترك أن يحمل على القياس، والنظر. اهـ\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥٧٩): وجمهور العلماء على أنَّ تأخير صلاة الفجر حتى يبقى منه مقدار ركعة قبل طلوع الشمس لغير ضرورة غير جائز، وقد نصَّ عليه أحمد، وحُكي جوازه عن إسحاق، وداود، وتقدم مثله في صلاة العصر. اهـ. (^٢)\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (١٥٤).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٣٠).","vol":"2","page":37},{"text":"١٤٧ - وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى المَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ العِشَاءِ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى المِائَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٤٨ - وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: وَالعِشَاءُ أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا: إذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحُ؛ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ. (^٢)\n\n١٤٩ - وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: فَأَقَامَ الفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الفَجْرُ، وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. (^٣)\n\n١٥٠ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٤)\n\n١٥١ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - (ذَاتَ لَيْلَةٍ) (^٥) بِالعِشَاءِ، حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى، وَقَالَ: «إنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٤٧)، ومسلم (٦٤٧). واللفظ للبخاري.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٦٠)، ومسلم (٦٤٦).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٦١٤).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٥٩)، ومسلم (٦٣٧).\n(^٥) ساقطة من (أ).\n(^٦) أخرجه مسلم برقم (٦٣٨) (٢١٩).","vol":"2","page":38},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nذكر المؤلف -﵀- هذه الأحاديث استدلالًا بها على أوقات الأفضلية لكل صلاة، وهاك الكلام على كل صلاة:\nأولا: صلاة الظهر.\nقال ابن قدامة -﵀-: ولا نعلم في استحباب تعجيل الظهر في غير الحر، والغيم خلافًا.\nقال الترمذي: وهو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب رسول الله - ﷺ - ومن بعدهم. اهـ\nقلتُ: والأدلة على تعجيلها كثيرة، منها: حديث أبي برزة الذي في الباب، وفيه: «كان يصلي الهاجرة حين تدحض الشمس»، وحديث جابر الذي في الباب، وفيه: «كان يصلي الظهر بالهاجرة»، وكلاهما اختصره المؤلف. (^١)\nثانيًا: صلاة العصر.\n• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تعجيلها، واستدلوا بأدلة كثيرة منها: حديث أبي برزة الذي في الباب، وحديث جابر الذي في الباب، وفيه: «ويصلي العصر، والشمس نقية»، ومنها: حديث رافع بن خديج -﵁- في «الصحيحين»، (^٢) وبنحوه في «مسلم» (^٣) عن أنس، قال: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي العصر، ثم تنحر\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٣٥).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٤٨٥)، ومسلم برقم (٦٢٥).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٦٢٤).","vol":"2","page":39},{"text":"الجزور، فتقسم عشر قسم، ثم نأكل لحمًا نضيجًا قبل غروب الشمس.\n• وذهب أصحاب الرأي إلى أفضلية تأخير العصر إلى آخر وقتها المختار، وروي ذلك عن طاوس، وأبي قلابة، وابن سيرين، وابن شبرمة، وليس معهم دليل على ذلك، والله أعلم. (^١)\nثالثًا: صلاة المغرب.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤١): وأما المغرب؛ فلا خلاف في استحباب تقديمها في غير حال العذر، وهو قول أهل العلم من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ومن بعدهم، قاله الترمذي.\nقلتُ: ويدل على ذلك حديث رافع بن خديج الذي في الباب، وحديث جابر -﵁- الذي في الباب -واختصره المؤلف-، وفيه: «وكان يصلي المغرب إذا وجبت الشمس».\nوحديث سلمة بن الأكوع -﵁- في «صحيح مسلم»، (^٢) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس، وتوارت بالحجاب».\nوفعل جبريل لها في اليومين في وقت واحد دليلٌ على تأكد استحباب تقديمها.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٢/ ٣٦٩): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن التعجيل بصلاة المغرب أفضل، وكذلك نقول. انتهى.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٣٩)، «الأوسط» (٢/ ٣٦٤).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٦٣٦).","vol":"2","page":40},{"text":"رابعًا: صلاة العشاء.\n• ذهب الجمهور إلى استحباب تأخيرها لمن كان منفردًا، أو لجماعة راضين بذلك، ولا يشق عليهم.\nواستدلوا بحديث عائشة -﵂- الذي في الباب، وفيه: «إنه لوقتها؛ لولا أن أشق على أمتي»، وقد جاء بنحوه عن ابن عباس، وابن عمر، وأنس -﵃-، وكلها في «الصحيحين»، وتقدم حديث أبي سعيد -﵁- في آخر وقت العشاء.\nوأما مع المشقة، فلا يستحب تأخيرها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لولا أن أشق ...»، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ومَنْ وَلِيَ من أمر أمتي شيئًا، فشقَّ عليهم، فاشقق عليه»، (^١) وعند ذلك ينبغي للإمام أن يراعي اجتماع المصلين، وعدم ذلك؛ لما في حديث جابر -﵁-: إذا رآهم اجتمعوا، عجَّلَ، وإذا رآهم أبطأوا، أَخَّرَ.\n• وقد حُكِي عن الشافعي أنه ذهب إلى استحباب تعجيل العشاء؛ لحديث: «أول الوقت رضوان الله ...»، وهو حديث ضعيفٌ، سيأتي بيانه إن شاء الله.\nوالراجح هو قول الجمهور. (^٢)\nخامسًا: صلاة الفجر.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ التغليس بها أفضل، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، واستدلوا بأدلة منها: حديث أبي برزة الذي في الباب، وكذلك حديث جابر في الباب -واختصره المؤلف-، وفيه: «والصبح كان النبي\n_________\n(^١) سيأتي إن شاء الله في الكتاب (١٤٨٨).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٤١ - ٤٣)، «الأوسط» (٢/ ٣٦٩ -).","vol":"2","page":41},{"text":"- ﷺ - يصليها بغلس»، وحديث عائشة -﵂-: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي الصبح، فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن، ما يَعْرِفهن أحد من الغلس»، متفق عليه. (^١)\n• وذهب الحنفية، والثوري، إلى أنَّ الأفضل الإسفار؛ لما روى رافع بن خديج -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «اسفروا بالصبح؛ فإنه أعظم لأجوركم». (^٢)\nوقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بجوابين:\nالأول: أنَّ المراد به تأخيرها حتى يتبين طلوعُ الفجر، وينكشف يقينًا، من قولهم: (أسفرت المرأة)، إذا كشفت وجهها.\nوهذا الجواب نقله الترمذي عن الشافعي، وأحمد، وإسحاق، عَقِبَ الحديث المذكور.\nالثاني: أنَّ المراد الأمر بتطويل القراءة فيها حتى يخرج من الصلاة مُسْفِرًا، وارتضى هذا الجواب الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء». (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٧٢)، ومسلم برقم (٦٤٥).\n(^٢) سيأتي تخريجه في هذا الباب إن شاء الله برقم (١٥٣).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٤).","vol":"2","page":42},{"text":"١٥٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>مسألة [١]: الإبراد بصلاة الظهر عند اشتداد الحر</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الإبراد، واستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁- المذكور في الباب، وقد جاء أيضًا عن أبي ذر -﵁- في «الصحيحين»، (^٢) وعن أنس، وأبي سعيد، وابن عمر -﵃-، وثلاثتها في «البخاري». (^٣)\nوقد ادَّعى الكرماني الإجماع على عدم الوجوب، وتعقَّبه الحافظ في حكاية الإجماع بأن عياضًا، وغيره قد نقلوا عن قومٍ الوجوبَ؛ لظاهر الأحاديث.\n• وذهب بعضهم إلى أنَّ التعجيل أفضل مطلقًا، واستدلوا بحديث خبَّاب بن الأَرَت في «صحيح مسلم» (٦١٩)، قال: شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حرَّ الرَّمْضَاء، فلم يشكنا. وقالوا في حديث الباب: معنى «أبردوا»، أي: مأخوذٌ من برد النهار، وهو أوله، فالمراد به أن يُصَلَّى الظهر في أول وقته، وهو عند الزوال.\nوأجاب الجمهور: بأنَّ هذا تأويلٌ مُتَكَلَّفٌ، وفيه تَعَسُّفٌ، وأما حديث خبَّاب؛ فقد أجابوا عنه بأجوبة، فمنهم من قال: إنه منسوخٌ، ومنهم من قال: إن حديث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣٦)، ومسلم (٦١٥).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٥٣٥)، ومسلم برقم (٦١٦).\n(^٣) أخرجها البخاري برقم (٩٠٦) (٥٣٨) (٥٣٤).","vol":"2","page":43},{"text":"خبَّاب للرخصة، وحديث الباب للاستحباب، ومنهم من عكس، وأحسن الأجوبة، وهو الذي اعتمده الحافظ ابن حجر، ثم الصنعاني رحمة الله عليهما، أنَّ الذي شكوه شدةَ الرمضاء في الأَكُف والجِبَاه، وهذه لا تذهب عن الأرض إلا آخر الوقت، أو بعد آخره.\nوما ذهب إليه الجمهور هو الصواب.\n• ثم اختلف الجمهور بينهم في الإبراد، فمنهم من خصَّهُ بالجماعة، فأما المنفرد؛ فالتعجيل في حَقِّهِ أفضل، وهذا قول أكثر المالكية، ومنهم من خصَّهُ بالبلد الحار، وهو قول الشافعي، ومنهم من خصَّه بما إذا كانوا ينتابون المسجد من بعد، فلو كانوا مجتمعين، أو يمشون في ظِلٍّ؛ فالأفضل التعجيل.\n• وذهب أحمد، وإسحاق، والحنفية، وابن المنذر إلى استحباب الإبراد عند اشتداد الحر مطلقًا، وسواءٌ كانوا جماعة، أو أفرادًا، وسواءٌ كانوا في بلد حارة، أم لا، وسواءٌ كانوا مجتمعين، أو متفرقين.\nوهذا القول هو الراجح؛ لعموم حديث الباب، وقد جاء في حديث أبي ذَرٍّ، أنهم كانوا في سفر، ومعلوم أنهم كانوا في سفرهم مجتمعين، ومع ذلك أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالإبراد. والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>مسألة [٢]: الإبراد بصلاة الجمعة في شِدَّة الحرِّ</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الجمعة يُستحب تعجيلها في كل وقت بعد الزوال من غير إبراد، وحديث الباب مخصوصٌ بالجمعة؛ لحديث سلمة بن الأكوع في\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» رقم (٥٣٣)، و«المغني» (٢/ ٣٥).","vol":"2","page":44},{"text":"«الصحيحين» قال: كُنَّا نصلي الجمعة مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثم ننصرف وليس للحيطان ظِلٌّ يُسْتَظَلُّ به. وفي لفظ: كُنَّا نُجَمِّعُ مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثم نرجع نتتبع الفيء. (^١)\nقال ابن قدامة -﵀-: ولم يبلغنا أنه أخَّرَها، بل كان يُعَجِّلُها، حتى قال سهل ابن سعد: ما كُنَّا نَقِيل، ولا نتغدى إلا بعد الجمعة. أخرجه البخاري، ولأنَّ السنة التبكير بالسعي إليها ويجتمع الناس لها فلو أخَّرَها؛ لتأذَّى الناس بتأخير الجمعة. اهـ، والحديث الذي ذكره في «مسلم» (^٢) أيضًا. (^٣)\n\n١٥٣ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأُجُورِكُمْ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n• استدل الحنفية بهذا الحديث على أنَّ الإسفار بالفجر أفضل، بمعنى الدخول فيه بإسفار.\n• وخالفهم الجمهور، فقالوا: الأفضل الدخول في الفجر بغلس وهو الصواب وقد تقدم بيان أدلتهم، وبيان الرد على الحنفية فيما استدلوا فيه تحت حديث رقم (١٥١).\n_________\n(^١) سيأتي الحديث في الكتاب برقم (٤٣٠).\n(^٢) سيأتي في الكتاب برقم (٤٣١).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٢/ ٣٧)، «الفتح» لابن رجب (٩٠٦).\n(^٤) صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٦٥) (٤/ ١٤٠، ١٤٢)، وأبوداود (٤٢٤)، والنسائي (٢/ ٢٧٢)، والترمذي (١٥٤)، وابن ماجه (٦٧٢)، وابن حبان (١٤٩٠)، وهو حديث صحيح.","vol":"2","page":45},{"text":"١٥٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٥٥ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ -﵂- نَحْوُهُ، وَقَالَ: «سَجْدَةً» بَدَلَ «رَكْعَةً». ثُمَّ قَالَ: وَالسَّجْدَةُ إنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>مسألة [١]: من أدرك من الصبح أو من العصر ركعة قبل خروج الوقت</span>.\nدلَّ حديث الباب على أنَّ من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس أو من الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصلاة وقد نُقِلَ الإجماع على ذلك في العصر.\nوأما في الصبح؛ فقد خالف الأحناف، وقد تقدم الرد عليهم؛ فإنَّ حجتهم في ذلك بأنَّ الشمس إذا طلعت صار في وقت نهي عن الصلاة فيه، وهذا باطلٌ؛ لمصادمته للنص المذكور في الباب، وكما أنهم أجازوا ذلك في العصر مع أنه يصلي إحدى الركعتين أيضًا في وقت النهي، يلزمهم أن يُجَوِّزُوا ذلك في الصبح، هذا والنهي إنما هو عن النافلة المطلقة، فأما الفرائض؛ فَتُصلَّى في كل وقت بدليل أن قبل طلوع الشمس وقتُ نهيٍ أيضًا، ولا يمنع من فعل الفجر فيه، وحكم غير الفجر، والعصر في هذه المسألة كحكم الفجر، والعصر. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٩)، ومسلم (٦٠٨).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٦٠٩).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٢/ ٣٠)، «المجموع» (٣/ ٤٧).","vol":"2","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>مسألة [٢]: هل يدرك الرجل الصلاة بإدراك ما دون الركعة قبل خروج الوقت</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالأول: أنه يُعدُّ مُدْرِكًا للصلاة بإدراك جزء منها، وهذا قول أبي حنيفة، وقول للشافعي، ورواية عن أحمد، واستدلوا بحديث عائشة الذي في الباب، وكذلك بحديث أبي هريرة الذي في الباب؛ فقد جاءت في رواية عند البخاري بلفظ: «من أدرك سجدة».\nالثاني: أنه لا يُعَدُّ مدركًا للصلاة إلا بإدراك ركعة كاملة بركوعها، وسجودها، وهذا قول الجمهور، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي، واستدلوا بحديث أبي هريرة الذي في الباب، وقد عزاه إلى الجمهور الحافظ في «الفتح» شرح حديث (٥٧٩)، وهو مذهب مالك، واختاره ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو ترجيح الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ السعدي.\nوأما استدلالهم بحديث: «من أدرك سجدة ...».\nفقد أجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، كما في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٣٦٣)، فقال: وليس في هذا حُجَّة؛ لأنَّ المراد بالسجدة الركعة، كما قال ابن عمر: حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعدها. (^١) ونظائرها متعددة. اهـ\nقلتُ: ومع ذلك فدليلهم أخصُّ من دعواهم؛ فإن الدليل يدل على إدراك\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٣٤١) بنحوه.","vol":"2","page":47},{"text":"الصلاة بإدراك سجدةٍ، وهم قالوا: يدرك الصلاة بإدراك جزءٍ منها، والله المستعان، والراجح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>مسألة [٣]: إذا ترك الصلاة عمدًا بغير عذر حتى خرج وقتُها فهل له أن يقضيها</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ من أخَّرَ الصلاة بغير عذر حتى خرج وقتُها، يأثم إثمًا كبيرًا، وعليه أن يقضيها بعد خروج وقتها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فَدَيْنُ الله أحقُّ أن يُقْضى»، (^٢) وقالوا: إذا كان النائم، والناسي يجب عليهما أن يصليا، مع أنهما معذوران؛ فالمتعمد أولى أن يجب عليه القضاء؛ لأنه غير معذورٍ.\n• وذهب ابن حزم في «المحلَّى»، ونقله عن جمعٍ من الصحابة، والتابعين إلى أنه لا يستطيع القضاء، وهو مذهب الحُميدي، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة، منهم: الجوزجاني، وأبو محمد البربهاري، وابن بطة، ورُوي عن الحسن، واختاره شيخ الإسلام كما في «الإنصاف»؛ لأنَّ الله قد جعل للصلاة وقتًا محدودًا، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١]، ولا فرق بين من صلَّاها قبل وقتها، وبين من صلَّاها بعد وقتها؛ لأنَّ كليهما صلَّى قبل الوقت، وأيضًا فإنَّ القضاء إيجاب شرع، والشرع لا يجوز لغير الله تعالى على لسان رسوله، ولو جاز أداؤها في غير وقتها؛ لما كان لتحديده ﵇ آخر وقتها معنى، وكذلك لو\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ١٧ - ١٨)، «الفتح» (٥٧٩)، «التمهيد» (١/ ١٦٢) ط/مرتبة، «المختارات الجلية» (ص ٣٩)، «فتاوى محمد بن إبراهيم» (٢/ ١٤٥).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٥٣)، ومسلم برقم (١١٤٨) من حديث ابن عباس -﵄-.","vol":"2","page":48},{"text":"صحَّ في غير ذلك الوقت؛ لما كان ذلك الوقت وقتًا له.\nواستدل ابن حزم لهذا القول بحديث: «من فاتته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله»، (^١) فدلَّ على أنَّ ما فات؛ فلا سبيل إلى إدراكه، ولو أدرك، أو أمكن أن يدرك؛ لما فات، كما لا تفوت المنسية أبدًا.\nوقد رجَّح هذا القول الإمام ابن القيم، ونقله عنه الإمام الألباني في «الصحيحة» (١/ ١٠٠ - وما بعدها)، واستدل له بحديث أبي هريرة الذي في الباب: «من أدرك ركعة من العصر ...»، وفي رواية: «فليُتِمَّ صلاته».\nقال الإمام الألباني -﵀- في «الصحيحة» (١/ ١٠٠): ومعنى قوله - ﷺ -: «فليتم صلاته»، أي: لأنه أدركها في وقتها، وصلَّاها صحيحةً، وبذلك برئت ذمته، وإنه إذا لم يدرك الركعة، فلا يتمها؛ لأنها ليست صحيحة؛ فليست مبرئة للذمة، ولا يخفى أن مثله، وأولى منه من لم يُدْرِك من صلاته شيئًا قبل خروج الوقت، أنه لا صلاة له، ولا هي مبرئة لذمته، أي: أنه إذا كان الذي لم يدرك الركعة لا يؤمر بإتمام الصلاة، فالذي لم يدركها إطلاقًا أولى أن لا يؤمر بها.\nثم ردَّ الإمام الألباني -﵀- على قياسهم بالنائم، والناسي، فقال: إنه قياسٌ خاطئٌ، بل لعله مِنْ أفسدِ قياسٍ على وجه الأرض؛ لأنه من باب قياس النقيض على نقيضه، وهو فاسدٌ بَدَاهةً؛ إذ كيف يصح قياس غير المعذور على المعذور، والمتعمد على الساهي، ومن لم يجعل الله له كفارة على من جعل الله له كفارة؟!\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٢)، ومسلم (٦٢٦)، من حديث عبدالله بن عمر -﵄-، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- به.","vol":"2","page":49},{"text":"ثم نقل الإمام الألباني كلامًا نفيسًا لابن القيم راجعه من المصدر المذكور، وهذا القول هو الراجح، وهو الذي رجَّحه شيخنا الوالد مقبل الوادعي -﵀-.\nوأما استدلال بعضهم بالحديث: «فدين الله أحق أن يقضى»؛ فهو استدلالٌ في غير مكانه؛ لأنه مُطالبٌ بتلك العبادة في الوقت الذي وقَّتَهُ الله لها، فإذا خرج ذلك الوقت، لم يَعُد مُطَالبًا بها، بل يكون قد فرَّطَ، وأَثِمَ إثمًا عظيمًا، والله المستعان، وبالله التوفيق. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المحلَّى» (٢٧٩)، «المجموع» (٣/ ٧١)، «الصحيحة» (١/ ١٠٠)، «الفتح» لابن رجب (٥٧٩).","vol":"2","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-495>فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>مسألة [١]: إذا أدرك المكَلَّفُ جزءًا من أول الوقت، ثم طرأ عليه مانعٌ من جنونٍ، أو إغماء، أو حيضٍ، أو نفاس</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: إذا أدرك جزءًا من أول وقتها؛ فعليه القضاء، وهذا مذهب أحمد.\nالثاني: لا يستقر القضاء إلا بِمُضِي زمن يمكن فعلها فيه، ولا يجب القضاء بدون ذلك، وهو قول الشافعي، وإسحاق.\nالثالث: أنه ليس عليه القضاء، وهو قول ابن سيرين، والأوزاعي، والظاهرية، وابن حزم، وأبي حنيفة، وغيرهم، وهذا القول هو الراجح، وانظر ما تقدم في [باب الحيض] من كتابنا هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>مسألة [٢]: إذا أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو بلغ الصبي قبل طلوع الفجر، أو قبل غروب الشمس</span>.\n• في المسألة قولان تقدم ذكرهما في [كتاب الحيض] في مسألة ما إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس، أو قبل طلوع الفجر، والراجح أنه ليس عليهم إلا صلاة العصر، أو صلاة العشاء.","vol":"2","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-498>مسألة [٣]: من أخَّر الصلاة عن أول وقتها ثم مات</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٥): وَإِنْ أخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا بِنِيَّةِ فِعْلِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ فِعْلِهَا؛ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُه، وَالْمَوْتُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ؛ فَلَا يَأْثَم بِه. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>مسألة [٤]: تعجيل ما يُستحب تأخيرها والعكس</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٥): وَلَا يَأْثَمُ بِتَعْجِيلِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا، وَلَا بِتَأْخِيرِ مَا يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ، إذَا أَخَّرَهُ عَازِمًا عَلَى فِعْلِهِ، مَا لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ، أَوْ يَضِقْ عَنْ فِعْلِ الْعِبَادَةِ جَمِيعِهَا.\nثُمَّ قَالَ -﵀-: فَإِنْ أَخَّرَ غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى الْفِعْلِ، أَثِمَ بِذَلِكَ التَّأْخِيرِ الْمُقْتَرِنِ بِالْعَزْمِ، وَإِنْ أَخَّرَهَا بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَتَّسِعُ لِجَمِيعِ الصَّلَاةِ، أَثِمَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ الْوَقْتِ، كَالْأُولَى. انتهى\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>مسألة [٥]: الذي يصلي الصلاة قبل وقتها</span>.\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٦): وَمَنْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ، لَمْ تُجْزِئْهُ صَلَاتُهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، سَوَاءٌ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، كُلَّ الصَّلَاةِ، أَوْ بَعْضَهَا، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مُوسَى أَنَّهُمَا أَعَادَا الْفَجْرَ؛ لِأَنَّهُمَا صَلَّيَاهَا قَبْلَ الْوَقْتِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُسَافِرٍ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ، يُجْزِئُهُ، وَنَحْوَهُ قَالَ الْحَسَنُ،","vol":"2","page":52},{"text":"وَالشَّعْبِيُّ. انتهى المراد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: والراجح قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣].\nوأما أثرا ابن عمر، وأبي موسى -﵃-، فأخرجهما ابن المنذر (٢/ ٣٨٣)، وهما ثابتان، وأما أثر ابن عباس، فأخرجه ابن المنذر (٢/ ٣٨٤)، وفي إسناده: شريك القاضي، وهو ضعيفٌ سيء الحفظ، وسماك يرويه عن عكرمة، وروايته عنه مضطربة.","vol":"2","page":53},{"text":"١٥٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلَا صَلَاةَ بَعْدِ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١) وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ».\n\n١٥٧ - وَلَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ. (^٢)\n\n١٥٨ - وَالحُكْمُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَزَادَ: إلَّا يَوْمَ الجُمُعَةِ. (^٣)\n\n١٥٩ - وَكَذَا لِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي قَتَادَةَ نَحْوُهُ. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>مسألة [١]: الأوقات المنهي عن الصلاة فيها</span>.\nذكر الحافظ -﵀- هذه الأحاديث؛ ليُبَيِّنَ الأوقات المنهي عن الصلاة فيها،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٦)، ومسلم (٨٢٧).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٨٣١).\n(^٣) ضعيف جدًّا. أخرجه الشافعي كما في «المسند» (١/ ١٣٩) ولفظه (نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة) وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى وهو كذاب، وإسحاق بن أبي فروة وهو متروك.\n(^٤) ضعيف. أخرجه أبوداود (١٠٨٣) ولفظه: أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: «إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة» وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف مختلط، وأبو الخليل يرويه عن أبي قتادة ولم يسمع منه.","vol":"2","page":54},{"text":"وهي كما يلي:\nالوقت الأول، والثاني: عند طلوع الشمس، حتى ترتفع، وعند غروب الشمس، حتى تغيب، وأحاديث الباب تدل على ذلك، وقد جاء في حديث عمرو ابن عبسة في «صحيح مسلم» (٨٣٢): «فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار»، وكذلك قال في الغروب.\nويستمر هذا النهي حتى ترتفع الشمس قيد رمح، أي: في رأي العين، جاء مُقيدًا بهذا القيد في حديث عمرو بن عبسة عند أبي داود (١٢٧٧) بإسناد صحيح، وعلى هذا فالروايات التي فيها: «حتى تطلع»، أو: «حتى تشرق»، أو: «حتى تبرز»، مُقيدٌ بالارتفاع، كما في بعض الأحاديث.\nقال النووي -﵀- بعد أن ذكر الروايات في هذا الباب: قال عياض: وهذا كله يُبَيِّنُ أنَّ المراد بالطلوع في الروايات الأخرى ارتفاعها، وإشراقها، وإضاءتها، لا مجرد ظهور قرصها، وهذا الذي قاله القاضي صحيح، مُتَعَيِّنٌ، لا عدول عنه للجمع بين الروايات. اهـ\n• وهذا هو الذي قرره الشافعية، والحنابلة، وغيرهم. (^١)\nالوقت الثالث: حين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، ويدل على هذا الوقت حديث عقبة بن عامر -﵁- الذي في الباب، وكذلك حديث عمرو بن عبسة في «صحيح مسلم» (٨٣٢)، وغيره، قال: «ثم صَلِّ؛ فإنَّ الصلاة مشهودة، محضورة،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٢٦)، و«المجموع» (٤/ ١٦٧).","vol":"2","page":55},{"text":"حتى يستقل الظل بالرمح؛ فإنها حينئذ تُسْجَرُ جهنم، فإذا أقبل الفيء، فَصَلِّ».\n• وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ هذا الوقت من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.\n• وخالف الإمام مالك، فقال: ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون، ويصلون نصف النهار.\nوالراجح قول الجمهور.\nالوقت الرابع، والخامس: من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، ومن بعد صلاة العصر، حتى تغرب الشمس.\nوهذا قول جمهور العلماء، وقد خالف ابن المنذر، وابن حزم فلم يجعلا بعد العصر من الأوقات المنهي عنها، ونقله ابن المنذر عن بعض الصحابة، والتابعين، واستدلوا بحديث علي بن أبي طالب عند أبي داود (١٢٧٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تصلوا بعد العصر؛ إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة»، وفي «صحيح مسلم» (٨٣٣)، عن عائشة أنها قالت: وَهِمَ عمرُ، إنما نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يتحرى طلوع الشمس، وغروبها.\nواستدلوا بحديث بلال، أخرجه أحمد (٦/ ١٢)، وهو في «الصحيح المسند»، قال: لم يكن يُنهى عن الصلاة إلا عند طلوع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان.\nواستدلوا بحديث أنس بن مالك -﵁-، عند ابن المنذر في «الأوسط»","vol":"2","page":56},{"text":"(٢/ ٣٨٩)، والبزَّار (٦١٣)، بإسناد حسنٍ، مرفوعًا: «لا صلاة عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، وصلوا بين ذلك ما شئتم»، واللفظ لابن المنذر، واستدلوا بحديث أم سلمة، وعائشة -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي ركعتين بعد العصر. متفق عليه. (^١)\nوالراجح هو قول الجمهور؛ لحديث أبي سعيد الذي في الباب، وقد جاء عن أبي هريرة، وعمر، وجمعٍ من الصحابة في «الصحيحين»، وغيرهما.\nوأما أدلتهم: فحديث علي بن أبي طالب -﵁-، له طريقان: الطريق الأولى في إسنادها: وهب بن الأجدع، وهو مجهول حال، والطريق الأخرى أخرجها أحمد (١/ ١٣٠)، عن إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي مرفوعًا به.\nوهذا إسناد ظاهره الاحتجاج، ولكن إسحاق بن يوسف قد خالفه الحفاظ من أصحاب سفيان، فقد رواه وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن كثير العبدي، وأبو خالد الأحمر، كما في «المسند الجامع» (١٣/ ٢١٥)، وأبو عامر العقدي كما في «إتحاف المهرة» (١١/ ٤٤٠)، وكذلك أبو نُعيم كما في «الإتحاف»، أيضًا كلهم رووه عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي بلفظ: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي على إثر كل صلاة مكتوبة؛ إلا الفجر، والعصر. فرواية إسحاق بن يوسف تُعتبر شاذة غير محفوظة، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٩٠) (١٢٣٣)، ومسلم برقم (٨٣٤) (٨٣٥).","vol":"2","page":57},{"text":"وأما أحاديثهم الأخرى التي استدلوا بها؛ فليس فيها معارضة لأحاديث الجمهور، وإنما فيها التنصيص على بعض الأوقات التي شملتها أحاديث الجمهور، ولا يلزم من ذلك التخصيص، بل هو من باب التنصيص على بعض أفراد العام، فيزيدها تأكيدًا، وتنبيهًا.\nوأما صلاة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للركعتين بعد العصر؛ فهو حُجَّةٌ عليهم لا لهم، ففي «الصحيحين» (^١) عن أم سلمة، أنها رأت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصليهما، فأرسلت إليه الجارية تقول له: تقول لك أم سلمة: سمعتك تنهى عن الركعتين بعد العصر، ثم رأيتك تصليهما ...، الحديث، وفيه أنه أخبرها أنه شُغِلَ عن الركعتين بعد الظهر، فقضاهما، والشاهد منه قولها: سمعتك تنهى عن هاتين الركعتين. فأقرها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على النَّهي، وأخبرها أنها كانت قضاءً، وكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا صلَّى صلاةً، أثبتها، فهاتان الركعتان من خصوصيات النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>مسألة [٢]: هل النهي بعد الفجر، والعصر مُتَعَلِّقٌ بفعل الصلاة، أم بالوقت</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٥٢٥): وَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ، فَمَنْ لَمْ يُصَلِّ أُبِيحَ لَهُ التَّنَفُّلُ، وَإِنْ صَلَّى غَيْرُهُ، وَمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ؛ فَلَيْسَ لَهُ التَّنَفُّلُ، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ سِوَاهُ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا عِنْدَ مَنْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٢٣ -)، «المجموع» (٤/ ١٦٦ -)، «الأوسط» (٢/ ٣٨٨)، «الفتح» (٥٨١، ٥٨٩).","vol":"2","page":58},{"text":"يَمْنَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَأَمَّا النَّهْيُ بَعْدَ الْفَجْرِ؛ فَيَتَعَلَّقُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ...، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ النَّهْيَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ أَيْضًا كَالْعَصْرِ، وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيِّ. انتهى المراد.\nفهذان قولان لأهل العلم، والأول قول الجمهور، وقد استدلوا له بحديث: «لا صلاة بعد الفجر؛ إلا ركعتي الفجر»، وهو حديث حسنٌ، وسيأتي تخريجه إن شاء الله وكذلك بحديث حفصة في «الصحيحين» (^١)، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا طلع الفجر لم يُصَلِّ إلا ركعتين خفيفتين.\nواستدل أهل القول الثاني برواية مسلم المذكورة في الباب: «لا صلاة بعد صلاة الفجر ...»، وبحديث عمرو بن عبسة -﵁- عند مسلم، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «صَلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما أحاديث الباب؛ فالظاهر أنها لا تدل على النهي عن الصلاة من بعد طلوع الفجر؛ لأنَّ الأحاديث المطلقة مُقَيَّدة بمثل حديث أبي سعيد، وعمرو بن عبسة، ولكن قد استُفِيد تحريم الصلاة من بعد طلوع الفجر من أدلة أخرى، كما أشار إليها الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>مسألة [٣]: هل النهي للتحريم، أم للكراهة</span>؟\n• ذهب بعض الشافعية إلى أنَّ النهي للكراهة، وخالف الجمهور، فحملوا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦١٨)، ومسلم برقم (٧٢٣) (٨٨)، واللفظ لمسلم.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦)، «المجموع» (٤/ ١٦٧).","vol":"2","page":59},{"text":"النهي على التحريم، كما هو الأصل فيه، وهو وجهٌ عند الشافعية أيضًا، رجَّحه النووي، وقال: الوجه الثاني وهو الأصح كراهة تحريم؛ لثبوت الأحاديث في النهي، وأصل النهي التحريم. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>مسألة [٤]: حكم صلاة التطوع في هذه الأوقات</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٥٢٧): لا أعلم خلافًا في المذهب، أنه لا يجوز أن يبتدئ صلاة تطوع غير ذات سبب، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي، وقال ابن المنذر -﵀-: رَخَّصَتْ طائفةٌ في ا لصلاة بعد العصر.\nثم ذكره عن جمعٍ من الصحابة، والتابعين، وقد تقدمت أدلتهم، والرد عليها قريبًا، فراجعه، والصحيح القول الأول؛ للأدلة المذكورة في الباب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>مسألة [٥]: صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي</span>.\n• قال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ١٧١ - ١٧٢): قد ذكرنا أن مذهبنا أنها لا تُكره، وبه قال علي بن أبي طالب (^٢)، والزبير بن العوام، وابنه (^٣)،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٢٧)، «المجموع» (٤/ ١٨١).\n(^٢) حسن. أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٩٣) حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير، قال: ثنا أبو إسحاق، قال: حدثني عاصم بن ضمرة، أن عليا ﵁، صلى وهو منطلق إلى صفين العصر ركعتين، ثم دخل فسطاطه، فصلى ركعتين، فلم أره صلاها بعد. وإسناده حسن.\n(^٣) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٩٣) حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد، قال: أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن تميم الداري، أنه كان يصلي بعد العصر ركعتين، وزعم أن الزبير وعبد الله بن الزبير كانا يصليان بعد العصر ركعتين. وهذا إسناد صحيح إلى عبد الله بن الزبير، أما الإسناد إلى الزبير، وتميم الداري فهو منقطع؛ لأن عروة بن الزبير لم يدركهما.","vol":"2","page":60},{"text":"وأبو أيوب (^١)، والنعمان بن بشير (^٢)، وتميم الداري (^٣)، وعائشة (^٤) -﵃-، وقال أبو حنيفة: لا يجوز شيء من ذلك.\nووافقنا جمهور الفقهاء في إباحة الفوائت في هذه الأوقات، وقال أبو حنيفة: تباح الفوائت بعد الصبح والعصر، ولا تباح في الأوقات الثلاثة؛ إلا عصر يومه، فتباح عند اصفرار الشمس، وتباح المنذورة في هذه الأوقات عندنا، ولا تباح عند أبي حنيفة.\nقال ابن المنذر -﵀-: وأجمع المسلمون على إباحة صلاة الجنائز بعد الصبح والعصر، ونقل العبدري في كتاب الجنائز عن الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق: أن صلاة الجنازة منهي عنها عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند استوائها، ولا تُكره في الوقتين الآخرين، ونقل القاضي عياض في «شرح صحيح مسلم» عن داود الظاهري أنه أباح الصلاة لسبب وبلا سبب في جميع الأوقات، والمشهور من مذهب داود منع الصلاة في هذه الأوقات، سواء ما لها\n_________\n(^١) أخرجه ابن المنذر (٢/ ٣٩٤) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، أن أبا أيوب، كان يصلي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر، فلما استخلف عمر تركهما، فلما توفي عمر ركعهما. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.\n(^٢) أخرجه ابن المنذر (٢/ ٣٩٤) قال: وحدثونا عن الرمادي، قال: ثنا الأسود بن عامر، قال: ثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن حبيب، كاتب النعمان بن بشير قال: كان النعمان بن بشير يصلي بعد العصر ركعتين. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه شريك القاضي، وإبراهيم بن المهاجر، وكلاهما فيه ضعف، وفيه شيخ ابن المنذر، مبهم لا يعرف من هو.\n(^٣) تقدم تخريج أثره ضمن تخريج أثر ابن الزبير.\n(^٤) أخرجه ابن المنذر (٢/ ٣٩٣) من وجهين يحسن بهما.","vol":"2","page":61},{"text":"سبب، وما لا سبب لها، وهو رواية عن أحمد. انتهى المراد.\nقلتُ: جمع النووي -﵀- في كلامه هذا كثيرًا من المسائل بوجه مختصر.\nفأما مسألة قضاء الفوائت، فاستدل الجمهور على جوازها بحديث أنس بن مالك -﵁- في «الصحيحين»: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من نام عن صلاة، أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها». (^١)\nوحديث أبي قتادة في «صحيح مسلم» (٦٨١): «إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها».\nوكما أنَّ خبر النهي مخصوص بالقضاء في الوقتين الآخرين، فيقاس عليه محل النزاع مع الأحناف.\nوأما استدلال الحنفية بحديث أبي قتادة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَمَّا نام عن الصلاة، واستيقظ وقد طلعت الشمس، أخَّرها حتى ابيضت، فإنما يدل على جواز التأخير، لا على تحريم الفعل.\nوقد أُجيب عنه أيضًا: بأن التأخير لأجل المكان، فقد جاء في «مسلم» عن أبي هريرة -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «اقتادوا رواحلكم؛ فإنَّ هذا منزلٌ حضرنا فيه الشيطان». (^٢)\nوأما مسألة المنذورة؛ فقد قال بجوازها أيضًا أحمد في المشهور عنه، وهو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٦٨٠). وانظر: «المغني» (٢/ ٥١٦).","vol":"2","page":62},{"text":"الصحيح من المذهب عند الحنابلة؛ لأنها صلاةٌ واجبة، فأشبهت الفرائض. (^١)\n• أما تحريم الصلاة على الجنازة في الأوقات الثلاثة؛ فهو قول الجمهور.\nواستدلوا بحديث عقبة بن عامر في «صحيح مسلم»، وهو موجود في الباب.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَذِكْرُهُ لِلصَّلَاةِ مَقْرُونًا بِالدَّفْنِ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ غَيْرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، كَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَتْ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُمَا تَطُولُ، فَالِانْتِظَارُ يُخَافُ مِنْهُ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ مُدَّتُهَا تَقْصُرُ.\nوَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا آكَدُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْوَقْتَيْنِ الْآخَرَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ فِيهَا آكَدُ، وَزَمَنُهَا أَقْصَرُ، فَلَا يُخَافُ عَلَى الْمَيِّتِ فِيهَا؛ وَلِأَنَّهُ نُهِيَ عَنْ الدَّفْنِ فِيهَا.\nوَالصَّلَاةُ الْمَقْرُونَةُ بِالدَّفْنِ تَتَنَاوَلُ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَتَمْنَعُهَا الْقَرِينَةُ مِنْ الْخُرُوجِ بِالتَّخْصِيصِ، بِخِلَافِ الْوَقْتَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.\n• وقد ذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى جوازها، قياسًا على الفرائض.\nوالراجح هو القول الأول.\nوهو ترجيح الإمام الألباني -﵀- في «أحكام الجنائز» (ص ١٣٠ - ١٣١). (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «غاية المرام» (٥/ ٥٨٢).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٥١٨).","vol":"2","page":63},{"text":"• وأما ذوات الأسباب الأخرى؛ فأجازها الشافعي، وأحمد في رواية، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.\n• خلافًا للمالكية، والحنفية، والرواية الأخرى عن أحمد.\nوالراجح هو الجواز.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: والقولُ الصحيحُ في هذه المسألةِ: أنَّ ما له سببٌ يجوز فِعْلُه في أوقاتِ النَّهي كلِّها، الطويلةِ والقصيرةِ؛ لِما يأتي:\nأولًا: أنَّ عمومَه محفوظٌ، أي: لم يُخصَّصْ، والعمومُ المحفوظُ أقوى مِن العمومِ المخصوصِ.\nثانيًا: لَيْسَ هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ عُمُومِ قَوْلِه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فَلْيُصلِّها إذا ذَكَرَها».\nوقد استدل به الجمهور.\nوقوله: «إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ؛ فلا يجلسْ حتى يُصلِّيَ ركعتين». (^١)\nثالثًا: أنَّها مقرونة بسبب، فَيَبْعُدُ أنْ يقعَ فيها الاشتباهُ في مشابهة المشركين.\nرابعًا: أنَّه في بعضِ ألفاظِ أحاديثِ النَّهي: «لا تَحرَّوا بصلاتِكُم طُلوعَ الشَّمسِ ولا غُروبَها»، والذي يُصلِّي لسببٍ لا يُقال: إنَّه متحرٍّ. بل يُقال: صَلَّى للسَّببِ. اهـ\nوهذا القول هو ترجيح السعدي، والشيخ ابن باز. (^٢)\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٢٥٧).\n(^٢) وانظر: «الشرح الممتع» (٤/ ١٧٩ - ١٨١).","vol":"2","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>مسألة [٦]: هل يشمل النهي في نصف النهار يوم الجمعة</span>؟\n• ذهب الحسن، وطاوس، والأوزاعي، والشافعي إلى أنَّ النهي لا يشمل يوم الجمعة.\nواستدلوا بحديث أبي هريرة، وأبي قتادة -﵄- اللَّذَيْنِ في الباب، وقد تقدم أنهما ضعيفان.\nواستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁- في «صحيح مسلم»: «من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلَّى ما قُدِّرَ له ثم أنصتَ حتى يَفْرُغَ من خطبته ...» (^١) الحديث.\n• وجاء عن أحمد أنَّ النهي يشمل يوم الجمعة.\nورجَّح هذا القول جمع من الحنابلة، وهو مذهب أبي حنيفة، ومروي عن بعض الصحابة، والتابعين، ورجَّحه ابن المنذر؛ لعموم أحاديث الباب.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح مشروعية الصلاة يوم الجمعة حتى يأتي الإمام؛ لحديث أبي هريرة -﵁- المتقدم.\nوقد عمل بذلك الصحابة -﵃- في عهد عمر -﵁-، ولم ينكر عليهم كما في «موطإِ مالك» (١/ ١٠٣)، و«مصنف عبدالرزاق» (٣/ ٢٠٨) بإسناد صحيح. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٨٥٧).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٣٥)، «المجموع» (٤/ ١٧٥)، «الأوسط» (٤/ ٩٠).","vol":"2","page":65},{"text":"١٦٠ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ وَنَهَارٍ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>مسألة [١]: هل تُصَلَّى ركعتا الطواف في أوقات النهي</span>؟\n• ذهب الإمام أحمد إلى أنه لا يجوز أن يركع ركعتي الطواف في أوقات النهي.\n• وقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٥١٧): وَمِمَّنْ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَالْعَصْرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ: ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ (^٢)، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَفَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَفَعَلَهُ عُرْوَةُ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ ذَلِكَ، مِنْهُمْ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ.\nوَلَنَا مَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، أَنَّ رَسُولَ - ﷺ - قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَصَلَّى فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ»، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّ\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٨٠، ٨١، ٨٢، ٨٣، ٨٤)، وأبوداود (١٨٩٤)، والنسائي (١/ ٢٨٤)، والترمذي (٨٦٨)، وابن ماجه (١٢٥٤)، وابن حبان (١٥٥٢) (١٥٥٣).\nوإسناده صحيح، وقد صححه الإمام الألباني والإمام الوادعي رحمهما الله.\n(^٢) أخرجهما عبدالرزاق (٥/ ٦٢ - ٦٣)، وإسنادهما صحيحان.","vol":"2","page":66},{"text":"رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ تَابِعَةٌ لَهُ، فَإِذَا أُبِيحَ الْمَتْبُوعُ يَنْبَغِي أَنْ يُبَاحَ التَّبَعُ، وَحَدِيثُهُمْ مَخْصُوصٌ بِالْفَوَائِتِ، وَحَدِيثُنَا لَا تَخْصِيصَ فِيهِ؛ فَيَكُونُ أَوْلَى. اهـ\nقلتُ: وهذا الذي رجَّحه ابن قدامة هو الراجح، وقد رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، فقال كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ١٨٥):\nوَالْحُجَّةُ مَعَ أُولَئِكَ -يعني: القائلين بالجواز- مِنْ وُجُوهٍ:\nأَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» عُمُومٌ مَقْصُودٌ فِي الْوَقْتِ؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْمَوَاقِيتُ الْخَمْسَةُ.\nالثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْعُمُومَ لَمْ يَخُصَّ مِنْهُ صُورَةً لَا بِنَصِّ وَلَا إجْمَاعٍ وَحَدِيثُ النَّهْيِ مَخْصُوصٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْعُمُومُ الْمَحْفُوظُ رَاجِحٌ عَلَى الْعُمُومِ الْمَخْصُوصِ.\nالثَّالِثُ: أَنَّ الْبَيْتَ مَا زَالَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيُصَلُّونَ عِنْدَهُ مِنْ حِينِ بَنَاهُ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ يَطُوفُونَ بِهِ وَيُصَلُّونَ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ كَثُرَ طَوَافُ الْمُسْلِمِينَ بِهِ وَصَلَاتُهُمْ عِنْدَهُ. وَلَوْ كَانَتْ رَكْعَتَا الطَّوَافِ مَنْهِيًّا عَنْهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ لَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ نَهْيًا عَامًّا لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَى ذَلِكَ وَلَكَانَ ذَلِكَ يُنْقَلُ وَلَمْ يَنْقُلْ مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الطَّوَافَ طَرَفَيْ النَّهَارِ أَكْثَرُ وَأَسْهَلُ.","vol":"2","page":67},{"text":"الرَّابِعُ: أَنَّ فِي النَّهْيِ تَعْطِيلًا لِمَصَالِحِ ذَلِكَ مِنْ الطَّوَافِ وَالصَّلَاةِ.\nالْخَامِسُ: أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا كَانَ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ وَمَا كَانَ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ يُفْعَلُ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ.\nالْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنْ يُقَالَ: ذَوَاتُ الْأَسْبَابِ إنَّمَا دَعَا إلَيْهَا دَاعٍ؛ لَمْ تُفْعَلْ لِأَجْلِ الْوَقْتِ؛ بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا سَبَبَ لَهُ وَحِينَئِذٍ فَمَفْسَدَةُ النَّهْيِ إنَّمَا تَنْشَأُ مِمَّا لَا سَبَبَ لَهُ دُونَ مَا لَهُ السَّبَبُ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «لَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا»، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا تَدُلُّ أَيْضًا عَلَى قَضَاءِ الْفَوَائِتِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>مسألة [٢]: هل يشمل النهي جميع الأماكن</span>؟\nاستدل الشافعي بحديث الباب على أنَّ النهي المذكور في الأحاديث السابقة لا يشمل مكة؛ لعموم قوله: «وصلَّى أية ساعة شاء»، وهو رواية عن أحمد.\nواستُدِلَّ لهم أيضًا بحديث أبي ذر -﵁- عند الدارقطني (٢/ ٢٦٥)، وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا يصلين أحدٌ بعد الصبح، حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر، حتى تغرب الشمس؛ إلا بمكة، إلا بمكة».\nوهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: عبدالله بن المؤمل، وهو ضعيفٌ، وقد أُنْكِرَ عليه هذا الحديث كما في «الكامل»، و«الميزان»، وشيخه حميد مولى عفراء مجهول، ومجاهد لم يسمع من أبي ذر -﵁-.","vol":"2","page":68},{"text":"ولذلك فقد ذهب أحمد، وهو الأصح عند الحنابلة، ومالك، وأبو حنيفة، إلى أن النهي يشمل مكة.\nوأما حديث جبير بن مطعم؛ فالمراد به ركعتا الطواف، كما في رواية أبي داود: «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَصَلَّى فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ»، وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>مسألة [٣]: من صلَّى فرضه، ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة، فهل يصليها في وقت النهي</span>؟\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه يُستحب له إعادتها، أيَّ صلاةٍ كانتْ، بشرط أن تُقَام وهو في المسجد، أو يدخل المسجد وهم يُصَلُّون، وهذا قول الشافعي، وأحمد، والحسن، وأبي ثور.\nالثاني: إنْ كان صلَّى وحده، أعادها، وإنْ كان صلَّى في جماعة، لم يُعِدْها، وهو قول مالك.\nالثالث: قال أبو حنيفة: لا تُعاد الفجر، ولا العصر، ولا المغرب؛ لأنها نافلة، فلا يجوز فعلها في وقت النهي، ولا تعاد المغرب؛ لأنَّ التطوع لا يكون بوتر، وقد وافقه على منع إعادة المغرب مالك، والأوزاعي، والثوري، وغيرهم.\nوالراجح هو القول الأول؛ لحديث يزيد بن الأسود -﵁-، قال: صلينا الفجر\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٣٥)، «غاية المرام» (٥/ ٦٠٢).","vol":"2","page":69},{"text":"مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فلما انصرف إذا هو برجلين لم يصليا مع القوم، فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» قالا: قد صلينا في رحالنا. قال: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكم، ثم أدركتما الإمام، ولم يُصَلِّ، فصليا معه؛ فإنها لكما نافلة» (^١)، رواه أحمد، وغيره.\nوقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأبي ذرٍّ إذا أدرك أمراءً يؤخرون الصلاة عن ميقاتها: «صَلِّ الصلاة لوقتها، واجعل صلواتك معهم نافلة»، رواه مسلم برقم (٦٤٨). (^٢)\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في الكتاب برقم (٣٩٠).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٥١٩ - ٥٢٠).","vol":"2","page":70},{"text":"١٦١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «الشَّفَقُ الحُمْرَةُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ وَقْفَهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>مسألة [١]: تعيين الشفق الذي يدخل به وقتُ العشاء</span>.\n• تقدم أنَّ وقت المغرب ينتهي بغروب الشفق، وهو أول وقت العشاء بالإجماع، واختلف أهل العلم في تعيين الشفق على قولين:\nالأول: المراد به الحمرة، وهو قول ابن عمر، وجاء عن ابن عباس بسندٍ فيه ضعفٌ، وهو قول عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والزهري، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأحمد، وصاحبي أبي حنيفة.\nواستدلوا على ذلك بحديث الباب، وتقدم أنه موقوفٌ، وبحديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود: «ووقت المغرب ما لم يَغِب فور الشفق»، ورُوِيَ: «ثور الشفق».\n_________\n(^١) الراجح وقفه، والمرفوع وهم. أخرجه الدارقطني (١/ ٢٦٩).\nوتمامه: «فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة» وهو من طريق عتيق بن يعقوب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر به. وعتيق بن يعقوب له بعض التفردات عن مالك، وهذا منها، وقد أخطأ فيه، فقد رواه عبيدالله بن عمر العمري وعبدالله بن نافع، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا.\n\nوقد رجح الموقوف البيهقي (١/ ٣٧٣)، والزيلعي في «نصب الراية» (١/ ٢٣٣)، وابن رجب في «الفتح» (٣/ ١٨٩) وغيرهم.\nتنبيه: الحديث لم يخرجه ابن خزيمة، ولم يعزه الحافظ في «إتحاف المهرة» (١١١٤٠) إلا إلى الدارقطني فقط.","vol":"2","page":71},{"text":"وفور الشفق: فورانه، وسطوعه، وثوره: ثوران حمرته.\nوقد أخرجه ابن خزيمة (٣٥٤) بلفظ: «ووقت العشاء إلى أن تذهب حمرة الشفق»، ولكن أعَلَّهُ ابن خزيمة بتفرد محمد بن يزيد الواسطي بهذا اللفظ عن سائر أصحاب شعبة.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ٤٣): والذي ينبغي أن يعتمد أنَّ المعروف عند العرب أنَّ الشفق الحمرة، وذلك مشهورٌ في شعرهم ونثرهم. اهـ\nالثاني: المراد به البياض، وهو قول أنس -﵁- (^١)، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وابن المنذر.\nواستدلوا بحديث النعمان بن بشير -﵄- عند أبي داود (٤١٩) وهو صحيح قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي العشاء لسقوط القمر الثالثة.\nواستدلوا بحديث أبي مسعود -﵁- عند أبي داود (٣٩٤): رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي هذه الصلاة حين يَسْوَدُّ الأُفُقُ. وهو حديثٌ منكرٌ.\nوالراجح هو القول الأول، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما.\nوأما حديث النعمان الذي استدلوا به؛ فلا حجة لهم فيه؛ فقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يؤخر الصلاة عن أول الوقت قليلًا، وهو الأفضل، والأولى. (^٢)\n_________\n(^١) أثر أنس -﵁- أخرجه عبدالرزاق (١/ ٥٥٩)، وابن المنذر (٢/ ٣٤٠)، وإسناده صحيح.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٥ - ٢٦).","vol":"2","page":72},{"text":"١٦٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الفَجْرُ فَجْرَانِ: فَجْرٌ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَتَحِلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَفَجْرٌ تَحْرُمُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَيْ: صَلَاةُ الصُّبْحِ وَيَحِلُّ فِيهِ الطَّعَامُ». رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ. (^١)\n\n١٦٣ - وَلِلْحَاكِمِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ -﵁- نَحْوُهُ، وَزَادَ فِي الَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ: «إنَّهُ يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا فِي الأُفُقِ»، وَفِي الآخَرِ: «إنَّهُ كَذَنَبِ السِّرْحَانِ». (^٢)\n_________\n(^١) الراجح وقفه والمرفوع خطأ. أخرجه ابن خزيمة (٣٥٦)، والحاكم (١/ ١٩١) من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس به.\nقال الدارقطني كما في «التلخيص» (١/ ٣١٨): لم يرفعه غير أبي أحمد الزبيري عن الثوري عن ابن جريج ووقفه الفريابي وغيره عن الثوري، ووقفه أصحاب ابن جريج عنه أيضًا. اهـ\nوانظر «سنن الدارقطني» (٢/ ١٦٦).\nوقال ابن خزيمة في «صحيحه» (١/ ١٨٥): لم يرفعه في الدنيا غير أبي أحمد الزبيري. اهـ\n(^٢) ضعيف. أخرجه الحاكم (١/ ١٩١) من طريق عبد الله بن روح المدائني، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله، به.\nقلتُ: وهذا إسنادٌ ظاهره الحسن، ولكنه قد اختلف في وصله وإرساله؛ فرواه عبد الله بن روح المدائني، عن يزيد بن هارون به موصولا.\nوخالفه محمد بن إسماعيل الحساني عند الدارقطني في «سننه» (٢/ ١٦٥)؛ فرواه عن يزيد بن هارون بإسناده مرسلا، بدون ذكر جابر بن عبد الله.\n\nوقد رواه كذلك مرسلا عن ابن أبي ذئب، عبد الله بن وهب كما في «جامعه» (٣٢٨)، وأحمد بن يونس كما في «المراسيل» لأبي داود (٩٧)، وابن أبي فديك كما في «سنن الداقطني» (٢١٨٤)، وعلي بن الجعد، وعاصم بن علي عند البيهقي (١/ ٣٧٧)، وصحح إرساله.","vol":"2","page":73},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>مسألة [١]: صفة الفجرين</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ٤٤): قال أصحابنا: الفجر فجران: أحدهما يُسَمَّى الفجر الأول، والفجر الكاذب، والآخر يُسَمَّى الفجر الثاني، والفجر الصادق؛ فالفجر الأول يطلع مستطيلًا نحو السماء كذنب السرحان، وهو الذئب ثم يغيب ذلك ساعة، ثم يطلع الفجر الثاني الصادق مستطيرًا بالراء أي: منتشرًا عرضًا في الأُفُقِ.\nقال أصحابنا: والأحكام كلها متعلقة بالفجر الثاني، فَبِهِ يدخل وقت صلاة الصبح، ويخرج وقت العشاء، ويدخل في الصوم، ويحرم به الطعام والشراب على الصائم، وَبِهِ ينقضي الليل ويدخل النهار، ولايتعلق بالفجر الأول شيء من الأحكام بإجماع المسلمين. انتهى.","vol":"2","page":74},{"text":"١٦٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ، وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ». (^١)\n\n١٦٥ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَوَّلُ الوَقْتِ رِضْوَانُ اللهِ، وَأَوْسَطُهُ رَحْمَةُ اللهِ، وَآخِرُهُ عَفْوُ اللهِ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا. (^٢)\n\n١٦٦ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، دُونَ الأَوْسَطِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا. (^٣)\nفائدة الأحاديث المتقدمة\nفي هذه الأحاديث حثٌّ على الصلاة في أول وقتها.\nوقد تقدم الكلام على استحباب تعجيل الصلوات في أول وقتها إلا العشاء، والظهر في يوم الحر، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (١/ ١٨٨) من طريق علي بن حفص عن شعبة عن الوليد بن العيزار عن أبي عمرو الشيباني عن عبدالله بن مسعود به. ومن طريق عثمان بن عمر عن مالك بن مغول عن الوليد بن العيزار به. قال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٢٧): اتفق أصحاب شعبة على اللفظ المذكور في الباب وهو قوله: «على وقتها» وخالفهم علي بن حفص وهو شيخ صدوق من رجال مسلم فقال: «الصلاة في أول وقتها» أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي من طريقه. قال الدارقطني: ما أحسبه حفظه لأنه كبر وتغير حفظه. اهـ، وقال الحافظ بعد أن ذكر طريق عثمان: وتفرد عثمان بذلك، والمعروف عن مالك بن مغول كرواية الجماعة، كذا أخرجه المصنف يعني البخاري وغيره. اهـ\n\nتنبيه: لفظ الترمذي كلفظ الجماعة «الصلاة لميقاتها». انظر «السنن» (١٨٩٨) ولم يعزه الحافظ إلى الترمذي في «الفتح» و«التلخيص»، وإنما أخرج الترمذي اللفظ المذكور في «سننه» (١٧٠) عن أم فروة، والحديث ضعيف؛ في إسناده: عبدالله العمري وهو ضعيف، والقاسم بن غنام وفيه ضعف، وأخرجه أبوداود أيضًا (٤٢٦).\n(^٢) ضعيف جدًّا. أخرجه الدارقطني (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠) وفي إسناده إبراهيم بن زكريا العجلي، حدّث بالبواطيل، واتهمه ابن حبان.\n(^٣) موضوع. أخرجه الترمذي (١٧٢)، وفي إسناده يعقوب بن الوليد المدني، قال أحمد: كان من الكذابين الكبار.","vol":"2","page":75},{"text":"١٦٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الفَجْرِ إلَّا سَجْدَتَيْنِ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةِ عَبْدِالرَّزَّاقِ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوع الفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيِ الفَجْرِ». (^٢)\n\n١٦٨ - وَمِثْلُهُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ ابْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>مسألة [١]: التطوع بعد طلوع الفجر قبل صلاة الفجر</span>.\nقال الإمام الترمذي -﵀- -عَقِبَ الحديث (٤١٩) -: وهو ما اجتمع عليه أهل العلم، كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر؛ إلا ركعتي الفجر.\nقال الحافظ -﵀- في «التلخيص»: دعوى الترمذي الإجماع على الكراهة لذلك عجيب؛ فإن الخلاف فيه مشهور، حكاه ابن المنذر وغيره، وقال الحسن\n_________\n(^١) حسن لغيره. أخرجه أحمد (٢/ ١٠٤)، وأبوداود (١٢٧٨)، والترمذي (٤١٩).\nولم يخرجه ابن ماجه، وفي إسناده عندهم محمد بن الحصين، ويقال أيوب بن الحصين، وهو مجهول. ولكن يشهد له ما سيأتي عند الدارقطني والبيهقي.\n(^٢) إسناده ضعيف جدًّا. أخرجه عبدالرزاق في «مصنفه» (٣/ ٥٣)، وفي إسناده: أبوبكر بن عبدالله بن محمد بن سبرة، وهو متهم بالوضع.\n(^٣) حسن لغيره. أخرجه الدارقطني (١/ ٤١٩)، وفي إسناده عبدالرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيف.\n\nولكن يشهد له حديث ابن عمر المتقدم، وكذا مرسل سعيد بن المسيب، فقد أخرج البيهقي (٢/ ٤٦٦) بإسناد حسن عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا صلاة بعد النداء إلا سجدتين» فالحديث حسن بشواهده.","vol":"2","page":76},{"text":"البصري: لا بأس به، وكان مالك يرى أن يفعله من فاتته صلاة الليل، وقد أطنب في ذلك محمد بن نصر في «قيام الليل».\nقلتُ: والراجح ما ذهب إليه الجمهور من عدم جواز التطوع في هذا الوقت، وأنه من أوقات النهي؛ لحديث الباب.\nوقد أخرج البيهقي (٢/ ٤٦٦) بإسناد صحيح عن ابن المسيب أنه رأى رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر فيها الركوع، والسجود، فنهاه، فقال: يا أبا محمد، أيعذبني الله على الصلاة؟\nقال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٢/ ٤٠٠)، «المغني» (٢/ ٥٢٥)، «المجموع» (٤/ ١٦٧)، «غاية المرام» (٥/ ٥٧٤).","vol":"2","page":77},{"text":"١٦٩ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂-، قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتِي، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «شُغِلْت عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَصَلَّيْتهمَا الآنَ»، فَقُلْت: أَفَنَقْضِيهِمَا إذَا فَاتَتَا؟ قَالَ: «لَا». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. (^١)\n\n١٧٠ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ -﵂- بِمَعْنَاهُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>مسألة [١]: قَضَاءُ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ بعد العصر</span>.\n• ذهب الشافعي، وأحمد إلى جواز قضاء السُّنَّة الرَّاتبة بعد العصر، واستدلوا بحديث أم سلمة، وعائشة في «الصحيحين» (^٣)، وغيرهما، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- شُغِلَ عن\n_________\n(^١) صحيح دون قوله: (أفنقضيهما إذا فاتتا). أخرجه أحمد (٦/ ٣١٥)، عن يزيد بن هارون عن حماد ابن سلمة عن الأزرق بن قيس عن ذكوان عن أم سلمة. وقد خولف يزيد بن هارون، فقد رواه حجاج بن منهال وهدبة بن خالد وأبوالوليد الطيالسي وعبدالملك بن إبراهيم الجدي كلهم عن حماد بإسناده، ولم يذكروا قولها (أفنقضيهما ...)، وزادوا بين ذكوان وأم سلمة (عن عائشة) فالحديث صحيح دون قولها: (أفنقضيهما ...) وهو كذلك في «الصحيحين» وغيرهما بأسانيد صحيحة.\nثم وجدت البيهقي -﵀- قد ضعَّف الزيادة كما في «المعرفة» (٣/ ٤٢٧ - ٤٢٨) بمثل ما ذكرناه، فلله الحمد، وانظر تحقيق «المسند» (٤٤/ ٢٧٧).\n(^٢) أخرجه أبوداود (١٢٨٠) ولفظه: (كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي بعد العصر وينهى عنها). وهو من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان، عن عائشة.\nومحمد بن إسحاق مدلس ولم يصرح بالسماع، والصحيح في رواية ذكوان هو ما تقدم أنه من روايته عن عائشة عن أم سلمة، فالحديث صحيح، لكن عن أم سلمة، وقد أخرجه البخاري (١٢٣٣) ومسلم (٨٣٤) من وجه آخر بمعناه.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤).","vol":"2","page":78},{"text":"الركعتين بعد الظهر، فقضاهما بعد العصر.\nوأما قول عائشة -﵂- في حديث الباب: «وكان ينهى عنها» مع ضعفه فمعناه: أنه كان يفعلها على الدوام، وينهى عن ذلك، وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- داوم عليها من حينه؛ لأنَّه كان إذا صلَّى صلاةً أثبتها، وهذا خاصٌّ به.\n• وذهب أصحاب الرأي إلى عدم الجواز؛ لعموم النهي.\nوالراجح القول الأول؛ لأنَّ دليلهم خاصٌّ، والخاص يقضي على العام، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>مسألة [٢]: قضاء السنن في سائر أوقات النهي</span>.\nمذاهب العلماء في هذه المسألة كالمسألة السابقة برقم [٥] تحت حديث (١٥٦)، وهي: حكم ذوات الأسباب دون الفوائت، والمنذورة، والجنازة، فراجعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>مسألة [٣]: قضاء سُنَّةِ الفجر بعد صلاة الفجر</span>.\nجاء في هذا الباب ثلاثة أحاديث:\nالأول: حديث قيس بن عمرو عند أحمد (٥/ ٤٤٧)، وأبي داود (١٢٦٧)، والترمذي (٤٢٢)، قال: صليت مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الصبحَ، ثم انصرف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فوجدني أصلي، فقال: «مهلًا يا قيس، أصلاتان معًا؟» قلت: يا رسول الله، إني لم\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٣٣).","vol":"2","page":79},{"text":"أكن ركعتُ ركعتي الفجر. قال: «فلا إذن».\nوهذا الحديث رجاله ثقات، ولكنه من رواية محمد بن إبراهيم التيمي، عن قيس، ولم يسمع منه، قاله الترمذي، والطحاوي.\nالثاني: ما أخرجه الترمذي (٤٢٣)، وابن خزيمة (١١١٧)، وابن حبان (٢٤٧٢)، من طريق: عمرو بن عاصم الكلابي، حدثنا همام، عن قتادة، عن النضر ابن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من لم يُصَلِّ ركعتي الفجر، فليصلهما بعدما تطلع الشمس»، وهذا إسناد ظاهره الحُسْن، ورجاله ثقات؛ إلا عمرو بن عاصم؛ فإنه حسن الحديث، لكن قال الترمذي: لا نعلم أحدًا روى هذا الحديث عن همام بهذا الإسناد نحو هذا إلا عمرو بن عاصم الكلابي، والمعروف من حديث قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح».\nالثالث: ما أخرجه ابن ماجه (١١٥٥)، عن أبي هريرة -﵁-، قال: نام النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن ركعتي الفجر، فصلاهما بعدما طلعت الشمس. وإسناده ظاهره الحُسْن، ولكن بَيَّنَ الحافظ ابن حجر في «النكت الظراف» (١٠/ ٩٨) أنَّ هذا الحديث مختصرٌ، وأنه قطعة من حديث أبي هريرة عند مسلم، وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نام عن الفجر حتى طلعت الشمس، فقام، فصلَّى السُّنَّة، ثم صلَّى الفجر.\n• وقد اختلف أهل العلم: متى يقضي ركعتي الفجر إذا نام عنها؟ فذهب","vol":"2","page":80},{"text":"عطاء، وطاوس، وابن جريج، وهو أحد قولي الشافعي إلى ما دلَّ عليه حديث قيس المتقدم، وهو رواية عن أحمد.\n• وذهب الأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي إلى أنها تُصَلَّى بعدما تطلع الشمس.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: لم يصح في الباب حديث يعتمد عليه، وعلى هذا فهو مُخَيَّرٌ: إن شاء قضاها بعد الصلاة قبل طلوع الشمس قياسًا على السنة التي قضاها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعد العصر، وإن شاء قضاها بعدما تطلع الشمس.\nوقد اختار جمهور العلماء تأخيرها، وذهب أكثرهم إلى جوازها أيضًا بعد الصلاة قبل طلوع الشمس، وهذا هو المُختار، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٣١)، «سنن الترمذي» (٤٢٣)، «تحقيق المسند» (٣٩/ ١٧٣).","vol":"2","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-516>فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُتَعَلِّقَةِ بِالبَاب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>مسألة [١]: من نام عن صلاة، أو نسيها</span>.\nأخرج البخاري، ومسلم عن أنس بن مالك -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من نام عن صلاةٍ، أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها». (^١)\nوقد وقع الإجماع على وجوب الصلاة على النائم إذا استيقظ، أو الناسي إذا ذكرَ؛ إلا أنَّ محمد بن الحسن خالف فيما إذا كان النوم طويلًا فاتته فيه أكثر من خمس صلوات، فقال: حُكْمُهُ حُكْمُ الإِغْمَاء. يعني أنه لا صلاة عليه.\nوالصواب قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>مسألة [٢]: وهل يصليها على الفور، أم على التراخي</span>؟\n• ظاهر حديث أنس المتقدم أنه يصليها على الفور، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي حنيفة.\n• وذهب الشافعي إلى أنه يصليها على التراخي إذا كان لعذر.\nوالقول الأول أقرب.\nوأما حديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نام عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، ثم سار قليلًا، ثم صلَّى، فقد ذُكِرَتِ العِلَّة في الحديث بقوله: «إنَّ هذا منزلٌ حضرنا فيه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم برقم (٦٨٤).\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٣/ ٣٥١).","vol":"2","page":82},{"text":"الشيطان»؛ (^١) فكان التأخير ليغادر ذلك المكان الذي تُكره الصلاة فيه، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>مسألة [٣]: إذا نسيَ أكثر من صلاة، فهل يلزمه الترتيب</span>؟\n• ذهب إلى اشتراط الترتيب أحمد، وزُفر، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، فيما إذا كانت الفوائت خمسًا، فما دون، واستدلوا على ذلك بفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم الخندق؛ فإنه بدأ فصلى الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، وقالوا: مرتبة في القضاء كما هي مرتبة في الأداء، وهذا ترجيح الإمام العثيمين -﵀-.\n• وذهب الشافعي إلى عدم وجوب الترتيب، وهو قول أبي ثور، وداود، ورواية عن الأوزاعي، واستدلوا بحديث أنس: «فليصلها إذا ذكرها».\nفهذا الحديث يدل على أنَّ وقتها حين يذكرها، وقد ذكرها كلها جملة؛ فيكون ذلك وقتها.\nقالوا: والأفضل، والأحوط، والسنة، هو الترتيب بينها كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهذا القول هو الأقرب، والله أعلم، وفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يدل على الوجوب. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>مسألة [٤]: من نسي صلاةً، فذكرها وهو في الصلاة الأخرى</span>.\n• صحَّ عن ابن عمر -﵄- أنه قال: يكمل الصلاة، ثم يصلي الفائتة، ثم يعيد\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٦٨٠) (٣١٠).\n(^٢) انظر: «فتح الباري» لابن رجب (٣/ ٣٥١).\n(^٣) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٥٩٨)، «المغني» (٢/ ٣٣٨)، «مجموع فتاوى العثيمين» (١٢/ ٢٢٢).","vol":"2","page":83},{"text":"الحاضرة. أخرجه مالك (١/ ١٦٨) عن نافع عنه، وبهذا أخذ أبو حنيفة، ومالك، وأحمد.\n• وذهب الحسن، وطاوس، وأبو يوسف، والشافعي، وأبو ثور، واختاره بعض الحنابلة منهم شيخ الإسلام -﵀-، وصححه الإمام العثيمين إلى أنه يكمل الحاضرة، ثم يصلي الفائتة، ولا إعادة عليه للحاضرة؛ وذلك أنَّ الفائتة وقتها حين يذكرها، وقد ذكرها، وهو في الصلاة، ويجوز التأخير لعذرٍ، كما أخر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلاة الفجر، حتى فارق ذلك المنزل، فلا بأس بتأخيرها حتى يكمل الحاضرة، ولا يُشترط الترتيب كما تقدم في المسألة السابقة.\nوقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أنَّ من ذكر فائتةً في وقت حاضرةٍ، أو صلوات يسيرة، أنه إنْ قدَّم العصر على الفائتة أنه لا إعادة عليه للعصر التي صلَّاها وهو ذاكرٌ للفائتة؛ إلا أنْ يبقى من وقتها ما يعيدها فيها قبل غروب الشمس. ذكره ابن رجب (٣/ ٣٧٤).\nوهذا الإجماع يدل على عدم اشتراط الترتيب، والله أعلم. (^١)\nفرع: اختلف من قال بتقديم الفائتة: هل يقطع الصلاة، أم يتمها نفلًا؟ على قولين:\nالأول: أنه يقطعها، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي حنيفة.\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٥٩٨)، «المغني» (٢/ ٣٣٨)، «مجموع فتاوى العثيمين» (١٢/ ٢٢٠ -)، «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٠٦).","vol":"2","page":84},{"text":"واستثنى أبو حنيفة إذا ذكرها في صلاة بعد مرور خمس صلوات، واستثنوا كلهم ما إذا كان مأمومًا، فقالوا بقول ابن عمر السابق.\nالثاني: أنه يتمها نفلًا، وهو قول الليث، والثوري، وأحمد في رواية. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» لابن رجب (٥٩٨).","vol":"2","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-521>بَابُ الأَذَانِ</span>\nالأذان في اللغة: هو الإعلام، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٣]، أي: إعلامٌ، وقال تعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء:١٠٩]، أي: أعلمتكم، فاستوينا في العلم.\nوالأذان في الشرع: هو ذكر مخصوص مشروع، المشروع في أوقات الصلوات؛ للإعلام بوقتها.\nوالإقامة في الأصل: مصدر أقامَ، وحقيقته إقامة القاعد، أو المضطجع، فكأن المؤذن إذا أتى بألفاظ الإقامة أقام القاعدين، وأزالهم عن قعودهم.\nوشرعًا: إعلام بالقيام إلى الصلاة بذكر مخصوص. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>مسألة [١]: فضل الأذان</span>.\nأخرج الشيخان في «صحيحيهما» (^٢)، عن أبي هريرة -﵁-، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه؛ لاستهموا»، وفي «البخاري» (^٣) عن أبي سعيد مرفوعًا: «فإنه لا يسمع صوت المؤذن جِنٌّ، ولا إنسٌ، ولا شيء؛ إلا شهد له يوم القيامة».\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٣)، «غاية المرام» (٣/ ٦٣).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦١٥)، ومسلم برقم (٤٣٧).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٦٠٩).","vol":"2","page":86},{"text":"وفي «صحيح مسلم» (^١) عن معاوية مرفوعًا: «المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة»، وفي الباب أدلة أخرى في فضله الكبير، وبيان الأجر العظيم فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>مسألة [٢]: أيهما أفضل: الأذان، أم الإمامة</span>؟\n• في هذه المسألة وجهان عند الحنابلة، والشافعية، وهما روايتان عن أحمد.\nوالراجح -والله أعلم- أنَّ الإمامة أفضل؛ لأنَّ ذلك هو الذي اختاره الله لنبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والأدلة الواردة في فضل الأذان لا تدل على أنه أفضل من الإمامة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>مسألة [٣]: حكم الأذان، والإقامة</span>.\n• قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ٨٢): مذهبنا المشهور أنهما سنة لكل الصلوات في الحضر والسفر، للجماعة والمنفرد، لا يجبان بحال؛ فإن تركهما صَحَّتْ صلاة المنفرد والجماعة، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق ابن راهويه، ونقله السَّرْخَسِي عن جمهور العلماء، وقال ابن المنذر -﵀-: هما فرض في حق الجماعة في الحضر والسفر. قال: وقال مالك: تجب في مسجد الجماعة. وقال عطاء، والأوزاعي: إنْ نَسِيَ الإقامة أعاد الصلاة. وعن الأوزاعي رواية: أنه يعيد مادام الوقت باقيًا. قال العبدري: هما سُنَّةٌ عند مالك، وفرضا كفاية عند أحمد. وقال داود: هما فرض لصلاة الجماعة، وليسا بشرط لصحتها. وقال مجاهد: إن نَسِيَ الإقامة في السفر، أعاد، وقال المحاملي: قال أهل الظاهر: هما واجبان لكل صلاة، واختلفوا في اشتراطهما لصحتها. انتهى.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٣٨٧).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٤).","vol":"2","page":87},{"text":"قلتُ: والراجح من هذه الأقوال ما ذهب إليه أحمد، وهو قول بعض الشافعية، والمالكية، من أنهما فرض كفاية، ويدل على الوجوب حديث مالك بن الحويرث في «الصحيحين» (^١): «وإذا حضرت الصلاة؛ فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم»، وحديث أنس في «الصحيحين» (^٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا غزا قرية، وطلع الفجر، استمع؛ فإنْ وجد أذانًا أمسك، وإلا أغار. واللفظ لمسلم.\nوفي قصة الأذان قال: فأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بلالًا أن يقوم فينادي بالصلاة، وفي حديث أبي قتادة في «مسلم» (٦٨١) في قصة نومهم عن الصلاة، وفيه: أنَّ بلالًا أذَّن. فهذا يدل مع غيره على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يترك الأذان سفرًا، ولا حضرًا، ولأنه من شعائر الإسلام الظاهرة، وأما كونه فرض كفاية؛ فَلِأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر عثمان بن أبي العاص أن يتخذ مؤذِّنًا -أي: بالمكان الذي هو فيه، وأيضًا لم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من لم يحضر الصلاة معه بالأذان- إنْ صلَّى في جماعة أهله.\nوأيضًا أَمْرُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لمالك بن الحويرث، ووالد عمرو بن سلمة بالأذان إذا حضرت الصلاة، وهما سينزلان في قومهما يدل على أنه يكفي أذانٌ واحد عن الجماعة، وهذا الذي رجَّحْنَاهُ هو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الشيخ ابن عثيمين ﵏. وليس معنى قولنا: (فرض كفاية) أنه شرطٌ لِصِحَّةِ الصلاة، بل هو واجبٌ مستقلٌّ، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٢٨)، ومسلم برقم (٦٧٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦١٠)، ومسلم (٣٨٢).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٢/ ٧٢ -)، «غاية المرام» (٣/ ٨٥)، «المجموع» (٣/ ٨٢)، «الشرح الممتع» (٢/ ٣٨).","vol":"2","page":88},{"text":"فائدة: قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ٨١): قال أصحابنا: فإن قلنا: فرض كفاية؛ فأقل ما يتأدى به الفرض أن ينتشر الأذان في جميع أهل ذلك المكان؛ فإن كانت قرية صغيرة، بحيث إذا أذن واحد سمعوا كلهم، سقط الفرض بواحد، وإن كان بلدًا كبيرًا، وجب أن يؤذن في كل موضع واحد، بحيث ينتشر الأذان في جميعهم؛ فإن أذَّن واحد فحسب، سقط الحرج عن الناحية التي سمعوه دون غيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>مسألة [٤]: هل للنساء الأذان والإقامة</span>؟\nأما تأذينُ النساء للرجال؛ فلا أعلم أحدًا من أهل العلم قال به، وهذا لا يجوز؛ لأنَّ الأذان يحتاج إلى رفع الصوت، والمرأة لا يُشرع لها ذلك، والخطاب، والأوامر في الأذان جاءت للرجال، وقد حكى المتولي وجهًا عن الشافعية بالجواز، وهو وجهٌ شاذٌّ عندهم.\nوأما إذا انفرد النسوة، فهل يُشْرَعُ لهن الأذان، والإقامة؟\nفأقول: أما الوجوب؛ فلا أعلم أحدًا من أهل العلم قال به، واختلفوا: هل يُستحب لهن ذلك، أم لا؟\n• فذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه لا يستحب لهن الأذان، ولا الإقامة، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، والزهري، والثوري، والشافعي في قول، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، قالوا: لأنَّ الأذان شُرِعَ لاجتماع الرجال.","vol":"2","page":89},{"text":"• وذهبت طائفة من أهل العلم إلى استحباب الإقامة دون الأذان، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، وداود، والشافعي في المشهور عنه، وبه قطع جمهور الشافعية.\n• وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنَّ ذلك مشروعٌ في حَقِّهِنَّ، وَحَسَنٌ، وهذا القول رواية عن أحمد، وقول للشافعي، وهو ترجيح ابن المنذر، وابن حزم.\nوقد جاء عن عائشة -﵂-: أنها كانت تُؤَذِّنُ، وتُقِيم. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٣)، وفي إسناده: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيفٌ، مختلطٌ.\nوأخرج ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٣) بإسناد صحيح عن سليمان التيمي، قال: كُنَّا نسأل أنسًا هل على النساء أذانٌ؟ قال: لا، وإنْ فعَلْنَ، فهو ذِكْرٌ.\nوأخرج أيضًا (١/ ٢٢٣)، بإسناد حَسَنٍ عن ابن عمر أنه سُئِل: هل على النساء أذانٌ؟ فغضب، وقال: أنا أنهى عن ذِكْرِ الله. وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.\nتنبيه: استحباب الأذان في حَقِّهِنَّ مُقَيَّدٌ بما إذا لم تَسْمَعْ أذانَ المِصْرِ، وبما إذا لم ترفع صوتها، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٣/ ٥٣ - ٥٥)، «المجموع» (٣/ ١٠٠)، «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، «المحلَّى» (٣٢٠)، «المغني» (٢/ ٦٨)، «غاية المرام» (٣/ ٧٨)، «الشرح الممتع» (٢/ ٣٨ - ٣٩).","vol":"2","page":90},{"text":"١٧١ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ -﵁-، قَالَ: طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ، فَقَالَ: تَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فَذَكَرَ الأَذَانَ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ بِغَيْرِ تَرْجِيعٍ، وَالإِقَامَةَ فُرَادَى، إلَّا قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «إنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ». الحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\nوَزَادَ أَحْمَدُ فِي آخِرِهِ قِصَّةَ قَوْلِ بِلَالٍ فِي أَذَانِ الفَجْرِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. (^٢)\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٤/ ٤٣)، وأبوداود (٤٩٩)، والترمذي (١٨٩)، وابن خزيمة (٣٧١)، من طريق محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: حدثني أبي عبد الله بن زيد ... فذكره. وإسناده حسن.\n(^٢) زيادة ضعيفة. أخرجه أحمد (٤/ ٤٢)، من طريق ابن إسحاق، قال: ذكر محمد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبدالله بن زيد ... فذكر الحديث، وفيه: (فكان بلال يؤذن بذلك ويدعو رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى الصلاة، فجاء فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نائم، قال: فصرخ بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم. قال سعيد: فأدخلت الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر).\n\nوهذه الزيادة ضعيفة؛ لأن ابن إسحاق لم يصرح بالتحديث، ولأنه قد خولف، فقد رواه معمر كما في «مصنف عبدالرزاق» (١٧٧٤)، ويونس كما في «سنن البيهقي» (١/ ٤١٤) عن الزهري عن سعيد مرسلًا، ولم يذكرا هذه الزيادة.\nقال الحافظ في «الفتح» (٦٠٤) بعد أن ذكر الرواية المرسلة: ومنهم من وصله، والمرسل أقوى إسنادًا. اهـ","vol":"2","page":91},{"text":"١٧٢ - وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إذَا قَالَ المُؤَذِّنُ فِي الفَجْرِ: حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، قَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. (^١)\n\n١٧٣ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَّمَهُ الأَذَانَ، فَذَكَرَ فِيهِ التَّرْجِيعَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَلَكِنْ ذَكَرَ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ. وَرَوَاهُ الخَمْسَةُ فَذَكَرُوهُ مُرَبَّعًا. (^٢)\n\n١٧٤ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ: أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ إلَّا الإِقَامَةَ، يَعْنِي قَوْلَهُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ الِاسْتِثْنَاءَ. (^٣)\nوَلِلنَّسَائِيِّ: أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِلَالًا. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>مسألة [١]: عدد كلمات الأذان</span>.\n• ذهب أحمد، وإسحاق، والثوري، وأبو حنيفة إلى أنَّ عدد كلمات الأذان خمس عشرة كلمة؛ لحديث عبد الله بن زيد، وهو أذان بلال.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه ابن خزيمة (٣٨٦)، عن محمد بن عثمان العجلي، نا أبو أسامة، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أنس به. وإسناده صحيح، رجاله ثقات.\nوقد أخرجه أيضًا الدارقطني (١/ ٢٤٣)، والبيهقي (١/ ٤٢٣) من طريق أبي أسامة به، ووقع عندهما تكرار (الصلاة خير من النوم) مرتين.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٣٧٩)، وأحمد (٣/ ٤٠٩) (٦/ ٤٠١)، وأبوداود (٥٠٢)، والنسائي (٢/ ٥٤)، والترمذي (١٩٢)، وابن ماجه (٧٠٩).\nورواية التربيع في التكبير أرجح لأمور:\nأحدها: أن النسائي أخرج الحديث من طريق شيخ مسلم بتربيع التكبير.\nالثاني: وقع عند المذكورين غير مسلم ذكر عدد كلمات الأذان نصًّا، وفيه: قال أبومحذورة: إن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة.\nالثالث: ذكر القاضي عياض أنه وقع في بعض طرق الفارسي في «صحيح مسلم» (أربع مرات).\nالرابع: أن ذلك يوافق رواية عبدالله بن زيد المتقدم في أول الباب.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٠٥)، ومسلم (٣٧٨).\n(^٤) أخرجه النسائي (٢/ ٣)، بإسناد صحيح.","vol":"2","page":92},{"text":"• وذهب الشافعي، وطائفة من أهل العلم بالحجاز إلى أنَّ عدد كلمات الأذان تسع عشرة كلمة؛ لحديث أبي محذورة، وهو كالصفة التي قبلها، وفيه زيادة الترجيع.\n• وذهب مالك إلى أنه سبع عشرة كلمة؛ لحديث أبي محذورة، ولكن جعل التكبير في أوَّلِهِ مرتين فقط، وهذه الرواية قد تقدم أنها مرجوحة.\nوأما القولان السابقان؛ فالراجح أنه يجوز العمل بالكيفيتين، وإن كانت الأُولى أكثر؛ لحديث عبد الله بن عمر الذي أخرجه أبو داود (٥١٠)، بإسنادٍ صحيح -وهو في «الصحيح المسند» -، قال: كان الأذان على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرتين مرتين، والإقامة مرةً مرة؛ إلا أنه يقول: (قد قامت الصلاة) مرَّتين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٦٦): فالصواب مذهب أهل الحديث، ومن وافقهم، وهو تسويغ كل ما ثبت في ذلك عن النبي - ﷺ -، لا يكرهون شيئًا من ذلك. اهـ\nوقال أيضًا (٢٢/ ٣٨٦): فَكُلُّ واحد من أذان بلال، وأبي محذورة سُنَّة، فسواء رَجَّعَ المؤذن في الأذان، أو لم يُرَجِّعْ، وسواء أفرد الإقامة، أو ثناها؛ فقد أحسن، واتَّبع السُّنَّةَ. اهـ\nوقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٢/ ٣٨٩): ثبت عنه - ﷺ - أنه سنَّ التأذين بترجيعٍ، وبغير ترجيع، وشَرَعَ الإقامة مثنى، وفُرادى. اهـ","vol":"2","page":93},{"text":"قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٥٧): وهذا من الاختلاف المباح؛ فإنْ رَجَّعَ، فلا بأس به، نصَّ عليه أحمد، وكذلك قال إسحاق؛ فإنَّ الأمرين كلاهما قد صح عن النبي - ﷺ -.اهـ\nقلتُ: وقد قال بهذا القول أيضًا ابن خزيمة، ورجَّحه الألباني، والوادعي، وابن عثيمين، وقبلهم الشوكاني، والصنعاني، رحمة الله عليهم أجمعين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>مسألة [٢]: كيفية الإقامة</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الإقامة تُوتَرُ، ولا تُثنى؛ إلا قوله: (قد قامت الصلاة)، فَتُقال مرتين، وهو مذهب أحمد، والشافعي، والزهري، وإسحاق، والأوزاعي، وغيرهم.\nواستدلوا بحديث أنس الموجود في الباب، وبحديث عبد الله بن زيد الموجود أيضًا في الباب.\n• وذهب مالك إلى أنَّ الإقامة عشر كلمات، جعل قوله «قد قامت الصلاة» مرةً. واستدل بحديث: «ويوتر الإقامة»، وحديثه مقيد بقوله: «قد قامت الصلاة» بالأدلة التي ذكرناها، وبحديث عبدالله بن عمر -﵄- المتقدم في المسألة السابقة.\n• وذهب ابن المبارك، والثوري، وأبو حنيفة، إلى جواز تثنية الإقامة، وجعلها سبع عشرة كلمة، واستدلوا بحديث أبي محذورة عند أبي داود (٥٠٢)، وابن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٢/ ٥٧)، «الشرح الممتع» (٢/ ٥١)، «غاية المرام» (٣/ ٩٧).","vol":"2","page":94},{"text":"خزيمة (٣٧٧)، وغيرهما، بإسناد حسن، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علَّمَهُ الإقامة سبع عشرة كلمة، فذكره مثل أذان عبدالله بن زيد، وزيادة: (قد قامت الصلاة) مرتين.\nوالراجح جواز العمل بالكيفية الأُولى، والأخيرة، وإن كانت الكيفية الأُولى أكثر؛ لحديث أنس، وابن عمر المتَقَدِّمَيْنِ في المسألة السابقة، وهو ترجيح ابن خزيمة وشيخ الإسلام ابن تيمية، والصنعاني، والشوكاني، وابن القيم وغيرهم. (^١)\nتنبيه وفائدة: قال ابن خزيمة -﵀- في «صحيحه» (١/ ١٩٤): وهذا من جنس اختلاف المباح، فمباح أن يؤذن المؤذن فيرجع في الأذان، ويثني الإقامة، ومباح أن يثني الأذان ويفرد الإقامة؛ إذ قد صح كلا الأمرين من النبي - ﷺ -، فأما تثنية الأذان والإقامة فلم يثبت عن النبي - ﷺ - الأمر بهما. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>مسألة [٣]: التثويب في أذان الفجر</span>.\n• استدل الجمهور بحديث أنس الموجود في الباب، وبأحاديث أخرى على استحباب أن يقول المؤذن في أذان الصبح: (الصلاة خير من النوم) مرتين بعد قوله: (حَيَّ على الفلاح)، وهو قول ابن عمر (^٢)، والحسن، وابن سيرين، والزهري، وأحمد، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، والشافعي، وغيرهم.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ التثويب بين الأذان والإقامة في الفجر أن يقول: (حَيَّ على الصلاة) مرتين، (حَيَّ على الفلاح) مرتين.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٩)، «غاية المرام» (٣/ ١٠٢)، «النَّيْل» (١/ ٥٣٥ - ٥٣٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٠٨)، والبيهقي (١/ ٤٢٣)، وهو صحيح.","vol":"2","page":95},{"text":"والراجح هو القول الأول، وما ذهب إليه أبو حنيفة، قال فيه إسحاق: هذا شيء أحدثه الناس. وقال أبو عيسى الترمذي -﵀-: هذا التثويب الذي كرهه أهل العلم، وهو الذي خرج منه ابن عمر (^١) من المسجد لَمَّا سمعه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>مسألة [٤]: هل التثويب في الأذان الأول، أم الثاني</span>؟\n• أخرج أحمد (٣/ ٣٠٨)، والنسائي (٢/ ١٤)، وغيرهما من حديث أبي محذورة، قال: كنتُ أُؤَذِّن في زمن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في صلاة الصبح، فإذا قلت: حَيَّ على الفلاح، قلت: الصلاة خيرٌ من النوم، الأذان الأول. وفي إسناده: أبو سلمان، مجهول حال.\nوله طريق أخرى عند أحمد (٣/ ٣٠٨)، وأبي داود (٥٠١)، والنسائي (٢/ ٧)، وغيرهم، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «وإذا أَذَّنْتَ بالأول من الصبح، فقل: الصلاة خير من النوم»، وفي إسناده مجهولان.\nوأخرج البيهقي (١/ ٤٢٣) بإسناد حسن عن ابن عمر، قال: كان في الأذان الأول بعد (الفلاح): الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم.\nوأخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٢٢)، من نفس الوجه عن ابن عمر -﵄-: أنه كان يقول: حي على الفلاح، حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم. في الأذان الأول مرتين. يعني في الصبح.\n_________\n(^١) أخرجه عبدالرزاق (١٨٣٢)، وأبو داود (٥٣٨)، من طريقين يحسن بهما.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٦١)، «المجموع» (٣/ ٩٤).","vol":"2","page":96},{"text":"فأخذ بعض أهل العلم من هذه الآثار أنَّ التثويب في الأذان الأول من أذاني الفجر، وذهب إلى هذا الصنعاني، وابن رسلان، والإمام الألباني.\nوأما استدلال بعضهم لكونه في الأذان الثاني بحديث نُعيم بن النَّحَّام عند البيهقي (١/ ٤٢٣)، قال: كنت مع امرأتي في مرطها في غداة باردة، فنادى منادي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى صلاة الصبح، فلما سمعت، قلت: لو قال: (ومن قعد فلا حرج)، قال: فلما قال: الصلاة خير من النوم، قال: ومن قعد فلا حرج. فلا يستقيم؛ لأنَّ إسناده منقطع؛ فإنَّ محمد بن إبراهيم التيمي لم يدرك نعيم بن النحام كما يُعلم ذلك من تاريخ وفاة نعيم، وولادة محمد بن إبراهيم.\nوقد صحَّ حديث نعيم بن النحام من وجه آخر أخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢/ ٦٧)، والحاكم (٣/ ٢٥٩) بإسناد صحيح بلفظ: أذَّنَ مؤذن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ليلة فيها برد، وأنا تحت لحافي، فتمنيت أن يلقي الله على لسانه (ولا حرج)، فقال: ولا حرج. (^١) فهذا اللفظ هو المحفوظ، وليس فيه موضع الشاهد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أصح حديث في هذا الباب حديث أنس -﵁- الذي في الكتاب: «من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر: حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم».\nوظاهر هذا الحديث أنَّ المراد به الأذان الثاني؛ لأنه أضاف الأذان إلى الفجر، والأذان الأول أضافه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى الليل بقوله: «إنَّ بلالًا يؤذن بليل ...»\n_________\n(^١) وصححه شيخنا الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (١١٦٢).","vol":"2","page":97},{"text":"الحديث، ولم أجد أحدًا من الفقهاء المتقدمين قيَّد التثويب في أحد الأذانين، بل يطلقون مشروعية التثويب في أذان الفجر.\nقال الإمام العثيمين -﵀- في «فتاواه» (١٢/ ١٨٥): أما كلام فقهائنا فظاهره أنَّ التثويب يكون في أذان صلاة الفجر، سواء كان قبل الوقت، أم بعده. اهـ\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ٩٢): ثم ظاهر إطلاق الأصحاب أنه يشرع في كل أذان للصبح، سواء ما قبل الفجر وبعده، وقال صاحب «التهذيب»: إنْ ثوَّب في الأذان الأول؛ لم يثوب في الثاني في أصح الوجهين. اهـ\nقلتُ: وأما حديث أبي محذورة فضعيف، وقد حمله الإمام ابن باز، والإمام العثيمين على أنَّ المراد بالأذان الأول، أي: أذان الفجر؛ لأنه أول بالنسبة للإقامة، وفي الحديث: «بين كل أذانين صلاة».\nوأما أثر ابن عمر -﵄-؛ فليس بصريح ونصٍّ في المسألة؛ لكون الراوي قد فسَّر الأذان الأول بالصبح -في رواية ابن المنذر- وأذان الصبح يعتبر هو الأذان الأول بالنسبة لأذان الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.\nوقد رجح الإمام ابن باز والإمام العثيمين أنَّ التثويب في الأذان الثاني، وبالله التوفيق. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «تمام المنة» (ص ١٤٧)، «رد المحتار» (٢/ ٥٤)، «حاشية الدسوقي» (١/ ٣١٣ -)، «شرح المهذب» (٣/ ٩٢)، «المغني» (٢/ ٦١)، «الإنصاف» (١/ ٣٨٥)، «مجموع فتاوى العثيمين» (١٢/ ١٧٨ -)، «مجموع فتاوى ابن باز» (١٠/ ٣٤٣).","vol":"2","page":98},{"text":"١٧٥ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ -﵁- قَالَ: رَأَيْت بِلَالًا يُؤَذِّنُ وَأَتَتَبَّعُ فَاهُ، هَهُنَا وَهَهُنَا، وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (^١)\n_________\n(^١) صحيح. بدون زيادة: «وإصبعاه في أذنيه». أخرجه أحمد (٤/ ٣٠٨)، والترمذي (١٩٧)، وغيرهما من طريق: عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه به. وهذا إسناد صحيح، رجالهُ ثقاتٌ، وعبد الرزاق قد تابعه: مؤمل بن إسماعيل عند أبي عوانة (١/ ٣٢٩)، وقد خالفهما: وكيع، وإسحاق الأزرق، وعبدالرحمن بن مهدي، ومحمد بن يوسف، فرووه عن الثوري، بدون زيادة: «وإصبعاه في أذنيه»، أخرج رواية وكيع: مسلم (٥٠٣)، ورواية إسحاق: ابن حِبَّان (٢٣٨٢)، ورواية عبدالرحمن: أحمد (٤/ ٣٠٨)، ورواية محمد بن يوسف: البخاري (٦٣٤).\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «التغليق» (٢/ ٢٧٠ - ٢٧١): ورواه جماعة عن سفيان، ولم يذكروا هذه الزيادة، لكن رواه بعض أصحاب سفيان عن سفيان، ففصل هذه اللفظة في جعل إصبعيه في أذنيه، فرواها عنه: حجاج، عن عون بن أبي جحيفة، به، ورواها الفريابي عن سفيان، قال: حدثت عن عون بذلك، ذكره البخاري في «تاريخه» عن الفريابي. اهـ، وانظر: «التاريخ الكبير» (٧/ ١٥)، وقد حصل في المطبوع تصحيف.\nوقال ابن رجب -﵀- كما في «الفتح» (٦٣٤): وروى وكيع عن سفيان، عن رجل، عن أبي جحيفة كذا، ولعلها: ابن أبي جحيفة أنَّ بلالًا كان يجعل إصبعيه في أذنيه.\nقال: فرواية وكيع عن سفيان تُعَلَّلُ بها رواية عبدالرزاق عنه. قال: ولهذا لم يخرجها البخاري مسندة، ولم يخرجها مسلم أيضًا، وعلقها البخاري بصيغة التمريض، وهذا من دقة نظره، ومبالغته في البحث عن العلل، والتنقيب عنها -﵁-.اهـ\n\nوقال أيضًا: قال أبو طالب: قلت لأحمد: يدخل إصبعيه في الأذن؟ قال: ليس هذا في الحديث. وهذا يدل على أنَّ رواية عبدالرزاق، عن سفيان التي خرجها في «مسنده»، والترمذي في «جامعه» غير محفوظة. انتهى المراد.\nقلتُ: فيظهر أنَّ سفيان أخذ الزيادة من حجاج بن أرطاة، أو رجل مبهم؛ فهي زيادة ضعيفة.","vol":"2","page":99},{"text":"وَلِابْنِ مَاجَهْ: وَجَعَلَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ (^١) وَلِأَبِي دَاوُد: لَوَى عُنُقَهُ، لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ يَسْتَدِرْ. (^٢) وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ». (^٣) المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>مسألة [١]: حكم وضع الأصبعين في الأذنين أثناء الأذان</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب وضع المؤذن أصبعيه في أذنيه أثناء الأذان.\nواستدلوا بحديث أبي جحيفة الذي في الباب، قال الترمذي عَقِبَ حديث أبي جحيفة: وعليه العمل عند أهل العلم، يستحبون أن يجعل المؤذن أصبعيه في أذنيه. اهـ\nواستدلوا أيضًا بحديث سعد القرظ عند ابن ماجه (٧١٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بلالًا أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وقال: «إنه أرفع لصوتك».\nوإسناده ضعيف؛ فهو من رواية عبدالرحمن بن سعد بن عمار بن سعد القرظ، عن أبيه، عن جده، عن سعد، به، وعبدالرحمن ضعيف، وأبوه مجهول، وجده\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٧١١)، وفي إسناده حجاج بن أرطاة مدلس وفيه ضعف ولم يصرح بالتحديث، وقد تفرد بهذه الزيادة عن عون بن أبي جحيفة دون عدد كبير من الثقات والحفاظ؛ فهي زيادة منكرة، والله أعلم.\n(^٢) رواية ضعيفة. أخرجه أبوداود (٥٢٠) من طريق قيس بن الربيع عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه به. وإسناده ضعيف؛ لضعف قيس بن الربيع، وقد خالف الرواة عن عون، فلم يذكر أحدٌ منهم زيادة: (ولم يستدر) سواه، فهذه الزيادة منكرة.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٣٤)، ومسلم (٥٠٣). وفيه (فأذن بلال، فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا).","vol":"2","page":100},{"text":"مجهول الحال.\nوفي الباب أحاديث أخرى لم يثبت منها شيء كما في «نصب الراية» (١/ ٢٧٨)، و«الفتح» لابن رجب (٦٣٤)، و«سنن البيهقي» (١/ ٣٩٦).\n• وقد ذهب مالك إلى أنَّ ذلك واسعٌ، إنْ وضع، وإنْ لم يضع.\n• وذهب إسحاق، والأوزاعي إلى استحباب وضعهما في الأذنين في الإقامة أيضًا.\n• وجاء عن أحمد رواية أنه يضم أصابعه على راحتيه، ويضعهما على أُذُنَيْهِ.\nوالراجح هو مذهب الجمهور، والله أعلم؛ لأنَّ هذا هو الذي جرى عليه العمل من التابعين ومن بعدهم، فقد ثبت ذلك عن ابن سيرين كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢١٠ - ٢١١).\nوجاء عن سعيد بن جبير، والشعبي بإسنادين ضعيفين كما في «كتاب الصلاة» لأبي نعيم (ص ١٦٩)، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>مسألة [٢]: الالتفات عند الحيعلتين</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الالتفات في الحيعلتين، يمينًا، وشمالًا، وهو قول أحمد، والشافعي، وإسحاق، والأوزاعي، والثوري، وأبي ثور، وغيرهم؛ لحديث أبي جُحيفة الموجود في الباب.\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٣/ ٢٧)، «المغني» (٢/ ٨١)، «فتح الباري» لابن رجب (٦٣٤).","vol":"2","page":101},{"text":"وقد أخرج الالتفات صاحبا «الصحيحين»، ولم يَقُلْ هؤلاء بالدوران؛ إلا أنّ أحمد، وإسحاق، وأبا حنيفة، قالوا بالدوران إذا أذَّن بالمنارة، وليس على الدوران حديث صحيح، فقد جاء في حديث أبي جُحيفة ذِكْرُ الدَّوران في رواية عبد الرزاق، عن سفيان المتقدمة، وبَيَّنَ الحافظ أنها مدرجة، وجاء من رواية: حجاج بن أرطاة، وهو ضعيفٌ، ومن طريق أخرى فيها: محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو شديد الضَّعْفِ. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٨٤ - ٨٥)، «غاية المرام» (٣/ ١٢٥)، «الفتح» حديث (٦٣٤).","vol":"2","page":102},{"text":"فَصْلٌ فِيمَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ فِي أَذَانِهِ\nأولا: استقبال القبلة.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٣/ ٢٨): أجمع أهل العلم على أنَّ من السُّنَّةِ أنْ تُستقبل القبلة في الأذان. انتهى. (^١)\nثانيًا: الأذان قائمًا.\nأخرج البخاري (٥٩٥)، من حديث أبي قتادة -﵁-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لبلال: «قُمْ؛ فأَذِّنْ».\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٣/ ٤٦): ولم يختلف أهل العلم في أنَّ من السُّنَّةِ أن يؤذن وهو قائمٌ؛ إلا من عِلَّةٍ. انتهى. (^٢)\nثالثًا: الأذان من مكان مرتفع.\nأخرج أبو داود في «سننه» (٥١٩)، عن عروة بن الزبير، عن امرأة من بني النجار، قالت: كان بيتي أطول بيتٍ حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسَحَرٍ، فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم، إني استعينك، واستعديك على قريش أن يقيموا دينك. قالت: ثم يؤذن. وإسناده حسن، في إسناده: ابن إسحاق، وقد صرَّح بالتحديث في «سيرة ابن هشام» كما في\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٨٤).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٨٢).","vol":"2","page":103},{"text":"«الإرواء» (٢٢٩).\nوجاء في الحديث في أذان بلال، وابن أم مكتوم للصبح، قال: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا، ويرقى هذا. (^١)\nقال ابن المنذر -﵀-: فقوله: (ينزل هذا، ويرقى هذا) يدل على أنَّ أذانهما كان على منارة، أو على شيء مرتفع.\nقلتُ: أما المنارة؛ فلم يكن هناك منارة، ولكن على شيء مرتفع.\nوقد استدل أهل العلم بهذين الحديثين على استحباب الأذان من مكان مرتفع. (^٢)\nهل يقيم للصلاة من مكان مرتفع؟\nجاء عن بعض الحنابلة، والشافعية، أنهم استحبوا أن يقيم من موضع أذانه، ونصَّ عليه أحمد، واستدلوا بحديث بلال عند أبي داود (٩٣٧): «لا تسبقني بآمين»، يعني لو كان يقيم في موضع صلاته؛ لما خاف أن يسبقه بالتأمين.\nواستدلوا بحديث ابن عمر عند أبي داود (٥١٠) بإسناد صحيح، قال: كُنَّا إذا سمعنا الإقامة توضأنا، ثم خرجنا.\nقلتُ: حديث بلال ضعيفٌ، فيه انقطاع؛ لأنَّ أبا عثمان النهدي لم يلقَ بلالًا، ولا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما حديث ابن عمر فليس بصريح؛ لأنَّ من كان قريبًا من\n_________\n(^١) هو قطعة من الحديث الآتي برقم (١٨٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٢/ ٨٣)، «الأوسط» (٣/ ٢٨)، «غاية المرام» (٣/ ١٢١).","vol":"2","page":104},{"text":"المسجد يسمع الإقامة، وإنْ أقام المؤذن داخل المسجد.\nوقد جاء ما يدل بظاهره على خلاف ذلك، وهو ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (٦٠٦)، من حديث جابر بن سمرة -﵄-، قال: كان بلال يؤذن إذا دحضت، فلا يقيم حتى يخرج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فإذا خرج أقام الصلاة حين يرآه.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ١٠٦): قال المحاملي في «المجموع»، وصاحب «التهذيب»: ولا يُستحب في الإقامة أن تكون على موضع عالٍ. اهـ\nوقال المرداوي في «الإنصاف» (١/ ٣٨٩): وقال في «النصيحة»: السُّنَّة أن يؤذن على المنارة، ويقيم أسفل. وهو الصواب، وعليه العمل في جميع الأمصار، والأعصار. انتهى المراد. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٧١ - ٧٢)، «غاية المرام» (٣/ ١٢٨ -).","vol":"2","page":105},{"text":"١٧٦ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَعْجَبَهُ صَوْتُهُ، فَعَلَّمَهُ الأَذَانَ. رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\nفائدة الحديث\nهذا الحديث يدل على تقديم حسن الصوت بالأذان، ومثله حديث عبدالله بن زيد في رؤيته للأذان عند أن أخبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: «إنها لرؤيا حقٍّ إن شاء الله، قم مع بلال، فألقها عليه؛ فإنه أندى صوتًا منك».\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٩٠): وَإِذَا تَشَاحَّ نَفْسَانِ فِي الْأَذَانِ؛ قُدِّمَ أَكْمَلَهُما فِي الْخِصَالِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّأْذِينِ، فَيُقَدَّمُ مَنْ كَانَ أَعْلَى صَوْتًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - لِعَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ: «أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ؛ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك»، وَقَدَّمَ أَبَا مَحْذُورَةَ؛ لِصَوْتِهِ، وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ مَنْ كَانَ أَبْلَغَ فِي مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ، وَأَشَدَّ مُحَافَظَةً عَلَيْهِ، وَمَنْ يَرْتَضِيهِ الْجِيرَانُ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ يَبْلُغُهُمْ صَوْتُهُ، وَمَنْ هُوَ أَعَفُّ عَنْ النَّظَرِ؛ فَإِنْ تَسَاوَيَا مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ، لَاسْتَهَمُوا» (^٢). ا هـ\n_________\n(^١) حسن. أخرجه ابن خزيمة (٣٧٧)، عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، نا سعيد بن عامر، عن همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة، أن رسول الله - ﷺ - أمر نحوًا من عشرين رجلا فأذنوا فأعجبه صوت أبي محذورة، فعلمه الأذان ... الحديث، وإسناده حسن.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦١٥)، ومسلم (٤٣٧)، عن أبي هريرة -﵁-.","vol":"2","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>مسألة [١]: التلحين في الأذان</span>.\nأخرج ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١/ ٢٠٧)، بإسناد صحيح عن عمر بن عبد العزيز، أنه كان له مؤذنٌ أَذَّنَ، فطرَّبَ في أذانِه، فقال له عمر بن عبد العزيز: أَذِّنْ أذانًا سمحًا، وإلا فاعتزلنا.\nوقد ذكر هذا الأثر البخاري في «صحيحه»، وعلَّقَهُ بصيغة الجزم.\nقال الإمام أحمد -﵀- كما في «غاية المرام» (٣/ ١٥٧): كل شيء محدث أكرَهُهُ مثل التطريب.\nوقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٣/ ٤٢٩): والقول في الأذان بالتطريب كالقول في قراءة القرآن بالتلحين، وكرهه مالك والشافعي أيضا، وقال إسحاق: هو بدعة. نقله عنه إسحاق بن منصور. اهـ\nوقال الشيخ ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٢/ ٦٢): الأذان المُلَحَّن، المطرب به، أي: يؤذن على سبيل التطريب به، كأنما يجر ألفاظ أغنية؛ فإنه يجزئ، لكنه يُكره.\nوقال الشيخ علي بن محفوظ في كتابه «الإبداع» (ص ١٧٦): ومن البدع المكروهة تحريمًا: التلحين في الأذان، وهو التطريب، أي: التغني به، بحيث","vol":"2","page":107},{"text":"يؤدي إلى تغيير كلمات الأذان، وكيفياتها بالحركات، والسكنات، ونقض بعض حروفها، أو زيادة فيها محافظة على توقيع الألحان، فهذا لا يحل إجماعًا في الأذان، ولا يحل أيضًا سماعه؛ لأنَّ فيه تشبهًا بالفسقة؛ فإنهم يترنمون، وخروجًا عن المعروف شرعًا في الأذان، وفي القرآن. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>مسألة [٢]: الكلام في أثناء الأذان</span>.\n• قال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٣/ ٤٣): اختلف أهل العلم في الكلام في الأذان، فرخَّصت فيه طائفةٌ، وممن رخَّص فيه: الحسن البصري، وعطاء، وقتادة، وروينا عن سليمان بن صرد (^٢)، وكانت له صحبة، أنه كان يأمر بالحاجة له، وهو في أذانه، وكان عروة بن الزبير يتكلم في أذانه، وكان أحمد بن حنبل يُرخِّصُ في الكلام في الأذان.\nثم ذكر الكراهة في ذلك عن النخعي، وابن سيرين، والأوزاعي، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الظاهر أنه إِنِ احتاج إلى الكلام، فلا بأس به؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، ويُشْتَرَطُ عدم الإطالة؛ لئلا يقطع الموالاة عن الأذان، والله أعلم.\n_________\n(^١) وانظر: «أحكام الجمعة وبدعها» (ص ٢٨١ - ٢٨٢) لشيخنا يحيى الحجوري عافاه الله.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في «كتاب الصلاة» رقم (٢١٢)، وعنه البخاري في «التاريخ» (١/ ١٢٢)، وأخرجه كذلك ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٤٤)، وإسناده حسن.","vol":"2","page":108},{"text":"١٧٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -﵁-، قَالَ: صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - العِيدَيْنِ، غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١٧٨ - وَنَحْوُهُ فِي المُتَّفَقِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- وَغَيْرِهِ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديثين\nدل الحديثان على أنه لا يؤذن لصلاة العيد، ولا يقام لها، ومثلهما حديث جابر -﵁- في «صحيح مسلم» (٨٨٥)، وفيه: «لا إقامة، ولا نداء، ولا شيء».\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٦/ ١٧٤): في هذا دليل على أنه لا أذان، ولا إقامة للعيد، وهو إجماع العلماء اليوم، وهو المعروف من فعل النبي - ﷺ -، والخلفاء الراشدين، ونقل عن بعض السلف فيه شيء خلاف إجماع من قبله وبعده. اهـ\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٩٥٧): ولا خلاف بين أهل العلم في هذا، وأن النبي - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر، كانوا يصلون العيد بغير أذان ولا إقامة، قال مالك: تلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا.\nواتفق العلماء على أن الأذان والإقامة للعيدين بدعة ومحدث، وممن قالَ: (إنه بدعة): عبد الرحمن بن أبزى، والشعبي، والحكم، وقال ابن سيرين: وهو\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٨٨٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٥٩)، ومسلم (٨٨٦). من حديث ابن عباس -﵄-، وأخرجه البخاري (٩٦٠)، ومسلم (٨٨٥) (٤). من حديث جابر بن عبدالله -﵄-.","vol":"2","page":109},{"text":"محدث. وقال سعيد بن المسيب، والزهري: أول من أحدث الأذان في العيدين معاوية. وقال ابن سيرين: أول من أحدثه آل مروان. وعن الشعبي قالَ: أول من أحدثه بالكوفة ابن دراج، وكان المغيرة بن شعبة استخلفه. وقال حصين: أول من أذن في العيدين زياد.\nوروى ابن أبي شيبة: نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء بن يسار، أن ابن الزبير سأل ابن عباس؟ -وكان الذي بينهما حسنًا يومئذ- فقال: لا تؤذن، ولا تقم. فلما ساء الذي بينهما؛ أذن، وأقام.\nوقال الشافعي: قال الزهري: وكان النبي - ﷺ - يأمر في العيدين المؤذن فيقول: الصلاة جامعة. واستحب ذلك الشافعي، وأصحابنا، واستدلوا بمرسل الزهري، وهو ضعيف.\nوبالقياس على صلاة الكسوف؛ فإن النَّبيّ - ﷺ - صح عنه أنه أرسل مناديًا ينادي: «الصَّلاة جامعة».\nوقد يفرق بين الكسوف والعيد: بأن الكسوف لم يكن الناس مجتمعين لهُ، بل كانوا متفرقين في بيوتهم وأسواقهم، فنودوا لذلك، وأما العيد فالناس كلهم مجتمعون له قبل خروج الإمام.\nوقول جابر: (ولا إقامة، ولا نداء، ولا شيء) يدخل فيه نفي النداء بـ «الصَّلاة جامعة».اهـ","vol":"2","page":110},{"text":"١٧٩ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ، فِي الحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي نَوْمِهِمْ عَنِ الصَّلَاةِ ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، فَصَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>مسألة [١]: هل يُؤَذَّن للفائتة، ويقام، أم لا</span>؟\n• اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:\nالأول: أنه يُؤَذَّنُ، ويُقَام، وإن كانت الفوائت أكثر من واحدة، يُؤَذَّن مرة، ثم يُقَام لكل صلاة، وهذا قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، واستدلوا بحديث أبي قتادة الموجود في الباب، وبحديث ابن مسعود في «مسند أحمد» (١/ ٣٧٥)، وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم الخندق شغله وأصحابَه المشركون عن صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، حتى خرج وقتها، قال: فصلاها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأمر بلالًا، فأذن، ثم أمره، فأقام، فصلَّى الظهر، ثم أمره، فأقام، فصلَّى العصر، ثم أمره، فأقام، فصلَّى المغرب. الحديث، ولكن في سنده انقطاع، أبو عبيدة يرويه عن أبيه ابن مسعود، ولم يسمع منه، ولكن قد جاء الحديث عن أبي سعيد، وسنده صحيح، وليس فيه ذكر الأذان، أخرجه النسائي (٢/ ١٧)، وغيره، وهو في «الصحيح المسند»، فالاعتماد على حديث أبي قتادة، وأبي سعيد.\nالثاني: يقيم للفائتة، أو الفوائت، ولا يؤذن، وهو قول مالك، والأوزاعي، وإسحاق، وهو قول للشافعي، ورواية عن أحمد، واستدلوا بحديث أبي سعيد\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٦٨١).","vol":"2","page":111},{"text":"الذي أشرنا إليه قريبًا، ولكن يَرِدُ عليهم حديث أبي قتادة.\nالثالث: يؤذن لكل صلاة، ويقيم، وهو قول أبي حنيفة، واستدل بحديث أبي قتادة، وَيُرَدُّ عليه بحديث أبي سعيد؛ فإن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يؤذن لكل صلاة.\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأول، والأذان للفائتة ليس بواجب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى الفوائت كما في حديث أبي سعيد بدون أذان. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>مسألة [٢]: الأذان للمسافرين</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى مشروعيته للمسافر، وحكى ابن المنذر عن طائفة أنهم قالوا: ليس على المسافر أذان في جميع صلواته، بل يكتفي بالإقامة؛ إلا الفجر؛ فإنه يؤذن، ويقيم.\nقلتُ: وذهب طائفة من أهل العلم إلى الوجوب، وهو ظاهر تبويب ابن المنذر، فقد بَوَّبَ في كتابه «الأوسط»: [باب الأمر بالأذان والإقامة في السفر للصلوات كلها]، ثم استدل بحديث أبي قتادة الموجود في الباب، وبحديث مالك بن الحويرث، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمره وصاحبه بالأذان، والإقامة. وأخرجه مسلم برقم (٦٧٤) (٢٩٣). (^٢)\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٢/ ٣٩): وهما واجبان\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (٣/ ٣٢ - ٣٣)، «المغني» (٢/ ٧٥)، «المجموع» (٣/ ٨٥)، «الفتح» لابن رجب (٥٩٨).\n(^٢) انظر: «الأوسط» (٣/ ٤٧).","vol":"2","page":112},{"text":"على المقيمين والمسافرين، ودليله: أنَّ النبي - ﷺ - قال لمالك بن الحويرث وصحبِه: «إذا حضرت الصَّلاةُ فليؤذِّن لكم أحدُكُم»، وهم وافدون على الرَّسول ﵊، مسافرون إلى أهليهم، فقد أمر الرَّسول ﵊ أن يُؤذِّن لهم أحدُهم، ولأنَّ النبي - ﷺ - لم يَدَعِ الأذان ولا الإقامة حَضَرًا، ولا سَفَرًا، فكان يُؤذِّن في أسفاره، ويأمر بلالًا أن يُؤذِّنَ؛ فالصَّواب: وجوبُه على المقيمين والمسافرين. اهـ\nقلتُ: والقول بالوجوب هو رواية عن أحمد، كما في «الإنصاف» (١/ ٣٨٠)، وجزم به الشوكاني في «السيل الجرَّار» (١/ ١٩٧)، وصححه السعدي في «المختارات الجلية» (ص ٣٧)، واستظهره الشيخ محمد بن إبراهيم في «فتاواه» (٢/ ١١٤).\nوبالغ ابن حزم، فقال بشرطيته للصلاة، فإذا تركه أعاد الصلاة، كما في «المحلَّى» (٣١٥).\nوالصحيح هو القول بالوجوب.","vol":"2","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-537>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>مسألة [١]: الأذان راكبًا في السفر</span>.\nثبت عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه كان يؤذن على البعير، وينزل، فيقيم.\nأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢١٣)، ومن طريقه ابن المنذر (٣/ ٤٩ - ٥٠).\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٣/ ٥٠): سنَّ رسول الله - ﷺ - الأذان، فإذا أتى بالأذان؛ فقد أتى به، راكبًا أَذَّنَ أو نَازلًا، ولا نحفظ منع المؤذن أن يؤذن راكبًا عن أحد من أهل العلم.","vol":"2","page":114},{"text":"١٨٠ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ. (^١)\n\n١٨١ - وَلَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-: جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ. (^٢)\nوَزَادَ أَبُو دَاوُد: لِكُلِّ صَلَاةٍ، (^٣) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>مسألة [١]: الأذان والإقامة للصلاتين المجموعتين</span>.\n• في هذه المسألة أقوال عند أهل العلم:\nالقول الأول: يؤذن أذان واحد، ويقام لكل صلاة، وهو قول أحمد في رواية، والشافعي في القديم.\nواستدلوا بحديث جابر بن عبد الله الذي في الباب، وبحديث ابن عمر أيضًا،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٢١٨).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٢٨٨) (٢٨٩) (٢٩٠).\n(^٣) أخرجه أبوداود (١٩٢٨)، من طريق عثمان بن عمر، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه به. وإسناده صحيح، رجاله ثقات أثبات.\n(^٤) رواية ضعيفة. أخرجها أبوداود (١٩٢٨) من طريق عثمان بن عمر عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن أبيه به. وتابع عثمان بن عمر عبيدُالله بن عبدالمجيد الثقفي عند الدارمي (١٨٩١)، وسائر الرواة الذين رووا الحديث عن ابن أبي ذئب لم يذكروا هذه الرواية، منهم يحيى بن سعيد القطان ووكيع بن الجراح، وآدم بن أبي إياس، وشبابة بن سوّار، وحماد بن خالد كما في «المسند الجامع» (١٠/ ٣٤٠)، بل يقولون: (لم يسبح بينهما، ولا على إثر واحدة منهما).\nويؤيد أن هذه الرواية غير محفوظة؛ حديثُ جابر المتقدم عند مسلم ففيه إثبات الأذان، وبالله التوفيق.","vol":"2","page":115},{"text":"ورجَّحه ابن حزم، والطحاوي.\nالقول الثاني: يكتفي بأذان وإقامة، ولا يقيم للثانية، وهو قول أبي حنيفة، وكأنه أخذ برواية ابن عمر التي تقدم أنها ليست بمحفوظة.\nالقول الثالث: يكتفي بإقامتين من غير أذان، وهو قول الشافعي في الجديد، والثوري، ورواية عن أحمد.\nواستدلوا بحديث ابن عمر الذي في الباب، وبحديث أسامة بن زيد -﵄- في «الصحيحين» (^١)، فقد ذكر الإقامة للصلاتين، ولم يذكر الأذان.\nالقول الرابع: يجمع بينهما بأذانين وإقامتين، وهو قول مالك، والبخاري، وصحَّ عن ابن مسعود -﵁-، كما في «صحيح البخاري» (١٦٧٥).\nالقول الخامس: التخيير بين الصفات التي تقدمت، وهو المشهور عن أحمد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح هو القول الأول؛ لصحة دليله، وقوة مأخذه، ولا يصح القول بالتخيير؛ لأن حجة الوداع كانت مرة واحدة؛ فلابد من الترجيح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٣٩)، ومسلم برقم (١٢٨٠).\n(^٢) وانظر: «فتح الباري» شرح حديث (١٦٧٥).","vol":"2","page":116},{"text":"١٨٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ -﵃-، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي، حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْت، أَصْبَحْت». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي آخِرِهِ إدْرَاجٌ. (^١)\n\n١٨٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-: أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَرْجِعَ، فَيُنَادِيَ: أَلَا إنَّ العَبْدَ نَامَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَضَعَّفَهُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>مسألة [١]: الأذان قبل دخول الوقت</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٦٢): الْأَذَانُ قَبْلَ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ لَا يُجْزِئُ، وَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، قال ابن المنذر -﵀-: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يُؤَذَّنَ لِلصَّلَوَاتِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا، إلَّا الْفَجْرَ، وَلِأَنَّ الأَذَانَ شُرِعَ لِلإِعْلَامِ بِالوَقْتِ؛ فَلَا يُشْرَعُ قَبْلَ الوَقْتِ؛ لِئَلَّا يَذْهَبَ مَقْصُودُهُ. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١٧) (٦٢٢)، ومسلم (١٠٩٢). وقول الحافظ (وفي آخره إدراج) هو قوله (وكان رجلًا ...) الخ وقد بين الحافظ في «الفتح» أنه من كلام الزهري كما جاء في بعض الرويات مصرحًا بذلك، ثم قال: ولا يمنع كون ابن شهاب قاله أن يكون شيخه قاله، وكذا شيخ شيخه. اهـ\n(^٢) ضعيف مرفوعًا، والراجح أنه موقوف على عمر مع مؤذنه. أخرجه أبوداود (٥٣٢) من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر به.\nقال الحافظ في «الفتح» (٦٢٠): ورجاله ثقات حفاظ، لكن اتفق أئمة الحديث: علي بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري والذهلي وأبوحاتم وأبوداود والترمذي والأثرم والدارقطني على أن حمادًا أخطأ في رفعه وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه، وأن حمادًا انفرد برفعه. ومع ذلك فقد وجد له متابع، أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن زربي عن أيوب موصولًا، ولكنْ سعيد ضعيف. اهـ","vol":"2","page":117},{"text":"وأما الأذان قبل الفجر، فاختلف أهل العلم فيه:\n• فذهب جمهور العلماء إلى مشروعيته؛ لحديث ابن عمر، وعائشة الَّلذّيْنِ في الباب.\n• وخالف الثوري، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، فقالوا: بالمنع، واستدلوا بحديث ابن عمر -﵄- الذي في الباب: «ألا إنَّ العبد نام»، وتقدم أنه ضعيف.\nوقد استُدِلَّ لهم بحديث مالك بن الحويرث: «إذا حضرت الصلاة؛ فليؤذن لكم أحدكم».\nوالجواب: أنَّ هذا الحديث على عمومه في جميع الصلوات، حتى الفجر، ولكن قد جاءت الأدلة بإثبات أذان آخر قبل أذان الفجر، كما في حديث ابن عمر، وعائشة، وكما في حديث ابن مسعود -﵃- في «الصحيحين» (^١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا يمنعن أحدًا منكم أذانُ بلال من سحوره؛ فإنه يؤذن بليل؛ ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم».\nوهذا الأذان ليس للفجر، إنما هو للسبب المذكور في حديث ابن مسعود؛ ولهذا فإن طائفة من أهل العلم يقولون بعدم الاكتفاء بهذا الأذان الذي قبل الفجر، بل يوجبون أذانًا عند دخول الوقت، وهذا هو الثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وممن ذهب إلى ذلك: أحمد في رواية، وابن خزيمة، وابن المنذر، وطائفة من أهل الحديث، وهو ترجيح ابن حزم، ثم الشيخ ابن عثيمين، وهو الراجح، خلافًا لما ذهب إليه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٢١)، ومسلم برقم (١٠٩٣).","vol":"2","page":118},{"text":"مالك، وأحمد، والشافعي، وأصحابهم، من أنَّ الأذان الذي قبل الفجر يكفي عن الأذان الآخر الذي عند دخول الوقت.\nوقد استدلوا بحديث زياد بن الحارث الصُّدَائي، قال: أمرني النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأذنتُ للصبح، فجعلتُ أقول: أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق، فيقول: «لا»، حتى إذا طلع الفجر، نزل، فبرز، ثم انصرف إليَّ وقد تلاحق أصحابه، فتوضأ، فأراد بلال أن يقيم، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ أخا صُداء قد أذَّن، ومن أذن؛ فهو يقيم» (^١)، قال: فأقمت.\nرواه أبو داود، والترمذي، وهذا الحديث الذي استدلوا به ضعيفٌ، فيه: عبدالرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وهو ضعيفٌ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>مسألة [٢]: وقت الأذان الأول</span>.\n• ذهب جمهور الشافعية، والحنابلة إلى أنَّ وقت الأذان الأول من بعد نصف الليل؛ لأنَّه بذلك يخرج وقت العشاء المختار.\nوقد ردَّ هذا القول ابن حزم في «المحلَّى» بكلام قوي، وحاصله، بأنَّ هذه دعوى مفتقرة إلى دليل.\nوالصحيح ما ذهب إليه بعض الشافعية، وصححه جماعة، منهم: البيهقي،\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في هذا الباب برقم (١٩١).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٦٣ - ٦٤)، «شرح المهذب» (٣/ ٨٩)، «المحلى» (٣١٤)، «الأوسط» (٣/ ٣٠ - ٣١)، «الشرح الممتع» (٢/ ٦٧)، «فتح الباري» (٦٢١، ٦٢٢)، «فتح الباري» لابن رجب (٣/ ٥٢٤).","vol":"2","page":119},{"text":"وشيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني، وغيرهم، من أنه يكون مُقاربًا لطلوع الفجر.\nواستدل هؤلاء بحديث عائشة في «الصحيحين» أنها ذكرت أذان بلال، وابن أم مكتوم، قالت: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا، ويرقى هذا.\nوقد قيل: إنه من قول القاسم بن محمد، ورجَّح الحافظ في «الفتح» (٦٢٢)، أنه من قول عائشة، واستدلوا أيضًا بحديث ابن مسعود الذي تقدم ذكره في المسألة السابقة. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٦٢٢، ٦٢٣)، «فتح الباري» لابن رجب (٣/ ٥٢٢ - ٥٢٣)، «المغني» (٢/ ٦٥)، «المحلَّى» (٣١٤).","vol":"2","page":120},{"text":"١٨٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٨٥ - وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ. (^٢)\n\n١٨٦ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عُمَرَ، فِي فَضْلِ القَوْلِ كَمَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً، سِوَى الحَيْعَلَتَيْنِ، فَيَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>مسألة [١]: حكم القول مثل ما يقول المؤذن</span>.\n• ذهب أهل الظاهر، والحنفية، وابن وهب، إلى وجوب إجابة المؤذن، واستدلوا بحديث أبي سعيد الذي في الباب.\n• بينما ذهب الجمهور من أهل العلم إلى الاستحباب، واستدلوا بما أخرجه مسلم (٣٨٢)، وغيره: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سمع مؤذِّنًا، فلما كبَّرَ قال: «على الفطرة»،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦١١)، ومسلم (٣٨٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٩١٤) أن معاوية جلس على المنبر، وأذن المؤذن قال: الله أكبر الله أكبر، فقال معاوية: الله أكبر الله أكبر، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال معاوية: وأنا، فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال معاوية: وأنا، فلما أن قضى التأذين قال: يا أيها الناس: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على هذا المجلس حين أذن المؤذن يقول ما سمعتم من مقالتي.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٣٨٥)، ولفظه: (قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ».","vol":"2","page":121},{"text":"فلما تشهد قال: «خرج من النار»، قالوا: فلما قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غير ما قال المؤذن، عُلِمَ أنَّ الأمر بذلك للاستحباب.\nواستدلوا على ذلك بحديث سعد بن أبي وقاص -﵁- عند مسلم (٣٨٦): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من قال حين يسمع النداء: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا؛ غُفِر له ذنبه».\nوهذا الذكر لو قاله الإنسان؛ شُغِل عن القول بمثل ما يقول المؤذن.\nواستدل الإمام الألباني -﵀- على أنَّ الأمر ليس للوجوب بما صحَّ في «موطإ مالك» (١/ ١٠٣) عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي: أنهم كانوا في زمان عمر -﵁- يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر، وجلس على المنبر، وأذَّن المؤذن جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذن وقام عمر يخطب أنصتنا، فلم يتكلم منا أحد.\nقال الإمام الألباني -﵀- في «تمام المنة»: في هذا الأثر دليل على عدم وجوب إجابة المؤذن؛ لجريان العمل في عهد عمر على التحدث في أثناء الأذان، وسكوت عمر عليه. اهـ\nوهذا ترجيح الإمام ابن باز كما في «مجموع فتاواه» (١٠/ ٣٥٧)، والإمام العثيمين كما في «مجموع فتاواه» (١٢/ ١٩٦).\nوهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٦١١).","vol":"2","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-543>مسألة [٢]: هل يقال مثله في الحيعلتين</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: ظاهر قوله «مثل» أنه يقول مثله في جميع الكلمات، لكن حديث عمر، وحديث معاوية يدلان على أنه يستثنى من ذلك: (حيَّ على الصلاة)، و(حيَّ على الفلاح)، فيقول بدلهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، كذلك استدل به ابن خزيمة، وهو المشهور عند الجمهور.\n• وقد ذهب بعض الحنابلة إلى أنه يجزئه أن يقول مثل المؤذن، وأن يقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، ومال إليه ابن المنذر، واختاره الشوكاني في «الدراري».\nوالراجح هو قول الجمهور؛ لأنَّ حديث أبي سعيد مُبَيَّنٌ بحديث عمر بن الخطاب، وهو ترجيح ابن القيم، والصنعاني، ثم الإمام ابن باز، والعثيمين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>مسألة [٣]: هل يُتابع المؤذن بالتثويب</span>؟\nجاء عن بعض أهل العلم أنهم قالوا: يقول: (صدقت، وبررت).\nقال الصنعاني -﵀-: هذا استحسان من قائله، وإلا فليس فيه سنة تُعتمد. اهـ\nقال العبيكان في كتابه «غاية المرام» (٣/ ١٦٥ - ١٦٦): وقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن: والأظهر أنه يقول في التثويب كما يقول المؤذن. اهـ، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٨٦)، «زاد المعاد» (٢/ ٣٩١)، «السبل» (١/ ٢٤٢)، «الفتح» (٦١١)، «فتاوى اللجنة» (٦/ ٨٤)، «فتاوى العثيمين» (١٢/ ١٩٥).","vol":"2","page":123},{"text":"قلتُ: وبذلك أفتى الإمام العثيمين -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (١٢/ ١٩٥)؛ لعموم حديث أبي سعيد الذي في الباب. ويظهر لي أنه يسكت، ولا يقول شيئًا، كما أن المؤذن لو قال: الصلاة في الرحال. كذلك يسكت، ولا يقول شيئًا؛ فإن الألفاظ المذكورة ليست من ألفاظ الذكر، وإذا تأملنا ألفاظ الأذان التي أمرنا بمتابعة المؤذن فيها نجدها كلها من الذكر، ولما كان لفظ: (حي على الصلاة)، و(حي على الفلاح) ليسا من الذكر؛ أمرنا الشرع أن نقول مكانها: (لا حول ولا قوة إلا بالله).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>مسألة [٤]: هل يُتابع المؤذن في الإقامة</span>؟\n• استحب طائفة من أهل العلم من الشافعية، والحنابلة، وغيرهم، متابعة المؤذن في الإقامة، واستدلوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بين كل أذانين صلاة»، فقالوا: الإقامة يُطلق عليها أذان. وبهذا أفتى الإمام ابن باز -﵀-.\n• وقال بعضهم: أما قوله: (قد قامت الصلاة)، فيقول بدلها: (أقامها الله، وأدامها)، واستدلوا على ذلك بحديث عند أبي داود (٥٢٨)، من حديث أبي أمامة -﵁-، وفي إسناده رجلٌ مجهولٌ، وشهر بن حوشب.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: هذا الذي ذهبوا إليه لا أعلم عليه دليلًا صحيحًا، صريحًا، والأدلة التي جاءت في إجابة المؤذن، الظاهر منها أنه أراد الأذان، وهو ظاهرٌ في حديث عمر بن الخطاب -﵁- أكثر من غيره؛ فالظاهر أنه لا يستحب","vol":"2","page":124},{"text":"الإجابة في الإقامة، وبهذا كان يفتي شيخنا مقبل الوادعي -﵀-.\nقال الشيخ محمد بن إبراهيم -﵀- كما في «فتاواه» (٢/ ١٣٦): وعدم الاستحباب أولى.\nوقال الإمام العثيمين -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (١٢/ ٢٠١): والراجح أنه لا يتابع. يعني في الإقامة.\nقال الشيخ يحيى حفظه الله في «أحكام الجمعة» (ص ٢٧٨): والترديد إنما يكون عند ألفاظ الأذان. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>مسألة [٥]: هل يُتابع المؤذن نفسه بصوت منخفض</span>؟\nقال الشيخ العبيكان في كتابه «غاية المرام» (٣/ ١٦١): صرَّح باستحبابه جماعة، وظاهر كلام آخرين: لا يجيب نفسه، قال ابن رجب في القاعدة السبعين: الأرجح أنه لا يجيب نفسه. واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي، وقال: الصحيح أنَّ ذلك لا يُستحب، بل يكفيه الإتيان بِجُمَل الأذان، والإقامة، وترغيب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في إجابة المؤذن إنما ينصرف إلى السامعين، لا إلى المؤذنين، كما هو المفهوم من السياق. اهـ، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم. انتهى كلام العبيكان.\nوقال الشيخ يحيى حفظه الله في «أحكام الجمعة وبدعها»: والترديد إنما يكون عند ألفاظ الأذان، فإذا أذن، ثم ردد، يكون قد أتى بألفاظ الأذان متكررة،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٨٧)، «غاية المرام» (٣/ ١٦٧).","vol":"2","page":125},{"text":"وهذه بدعة منكرة، وسواء ردد بعد الفراغ، أو أثناء الأذان، كله بدعة. اهـ\nقال أبو عبدالله غفرالله له: ليس عندي شكٌّ أنَّ هذا من البدع، والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>مسألة [٦]: هل يتابع المسلمُ المؤذنَ وهو في صلاته</span>؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٧٢): إذا سمع المؤذن يؤذن، وهو في صلاة؛ فإنه يتمها، ولا يقول مثل ما يقول، عند جمهور العلماء. اهـ\nقلتُ: وقد جاء عن بعض الحنابلة استحباب ذلك، واختاره شيخ الإسلام كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ٣٩)، ورجَّحَه الشيخ عبد الرحمن السعدي.\nوالراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور؛ لحديث ابن مسعود -﵁- في «الصحيحين» (^١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنَّ في الصلاة لشُغلًا».\nوهو ترجيح الشوكاني في «النيل»، والشيخ ابن عثيمين. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>مسألة [٧]: إذا شُغِل عن الأذان لعذر مع كونه سمعه</span>؟\nالظاهر أنَّ له أن يتابع المؤذن حتى ولو سبقه، فيبدأ بالكلمات التي سبقه بها، ثم يتم معه، وبهذا أفتى النووي -رحمه الله تعالى-. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١١٩٩)، ومسلم برقم (٥٣٨).\n(^٢) وانظر: «غاية المرام» (٣/ ١٦٢).\n(^٣) وانظر: «الفتح» (٦١١).","vol":"2","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-549>مسألة [٨]: إذا سمع مؤذنا آخر يؤذن</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ٣٩): ويجيب مؤذنا ثانيًا، وأكثر حيث يُستحب ذلك كما كان المؤذنان يؤذنان على عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوقال العز بن عبد السلام -﵀- كما في «الفتح» (٦١١): يجيب كل واحد بإجابة لتعدد السبب، وإجابة الأول أفضل. اهـ\nقلتُ: وبهذا أفتى الإمام العثيمين -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (١٢/ ١٩٦ - ١٩٧).","vol":"2","page":127},{"text":"١٨٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ -﵁-، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْنِي إمَامَ قَوْمِي، فَقَالَ: «أَنْتَ إمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>مسألة [١]: حكم أخذ الأجرة على التأذين</span>.\n• ذهب الإمام أحمد، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وابن المنذر إلى تحريم ذلك.\nواستدلوا بحديث عثمان بن أبي العاص المتقدم، ولأنه عبادة، وقُربة إلى الله؛ فلا يجوز أخذ الأجرة عليها، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].\nولأنَّ أذانه ليس بصحيح؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد».\n• ورخَّص في أخذ الأجرة: مالك، وبعض الشافعية، وهو رواية عن أحمد، قالوا: لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه، فجاز أخذ الأجرة عليه.\n_________\n(^١) صحيح. أخرج أحمد (٤/ ٢١)، وأبوداود (٥٣١)، والنسائي (٢/ ٢٣)، والترمذي (٢٠٩)، وابن ماجه (٧١٤)، والحاكم (١/ ١٩٩)، وهو حديث صحيح، له طرق بعضها صحيح، وبعضها دون ذلك. ولفظ الترمذي وابن ماجه مختصر، ليس فيه إلا ذكر الأذان.","vol":"2","page":128},{"text":"والراجح هو القول الأول، وهو ترجيح ابن حزم، والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>مسألة [٢]: أخذ الرزق على الأذان</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٧٠): وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةً إلَيْهِ، وَقَدْ لَا يُوجَدُ مُتَطَوِّعٌ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يُدْفَعْ الرِّزْقُ فِيهِ يُعَطَّلُ، وَيَرْزُقُهُ الْإِمَامُ مِنْ الْفَيْءِ؛ لِأَنَّهُ الْمُعَدُّ لِلْمَصَالِحِ، فَهُوَ كَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْغُزَاةِ، وَإِنْ وُجِدَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ لَمْ يَرْزُقْ غَيْرَهُ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٧٠)، «المحلَّى» (٣٢٧)، «شرح المهذب» (٣/ ١٢٧)، «الشرح الممتع» (٢/ ٤٤).","vol":"2","page":129},{"text":"١٨٨ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ -﵁- قَالَ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ - ﷺ -: «إذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمُ» الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>مسألة [١]: أذان الفاسق</span>.\n• ذهب الشافعي، وأصحابه، وهو وجهٌ عند الحنابلة إلى أنَّ أذانه يجزئ، ورجَّح ذلك ابن حزم، واستدل لذلك بحديث الباب: «ليؤذن لكم أحدكم»، قال: والفاسق أحدنا بلا شك؛ لأنه مسلمٌ، قال: ولا شك في اختيار العدل. وهذا ترجيح الإمام ابن باز، والإمام العثيمين.\n• وذهب جمعٌ من الحنابلة إلى أنه لا يجزئ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني في «السيل»، واستدلوا على ذلك بحديث: «الإمام ضامنٌ، والمؤذنُ مؤتمن».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح القول الأول، وهو الإجزاء، ولكن ينبغي أن لا يجعل على الأذان رجلٌ فاسقٌ؛ للحديث المذكور، ولقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٨)، ومسلم (٦٧٤)، وأحمد (٣/ ٤٣٦)، وأبوداود (٥٨٩)، والنسائي (٢/ ٩)، والترمذي (٢٠٥)، وابن ماجه (٩٧٩)، واللفظ للشيخين، وأحمد، والنسائي.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٦٨)، «المحلَّى» (٣٢٣)، «السيل الجرار» (١/ ٢٠٠)، «الاختيارات الفقهية» (ص ٣٧)، «فتاوى اللجنة» (٦/ ٥٧)، «فتاوى العثيمين» (١٢/ ١٦٦ -).","vol":"2","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-553>مسألة [٢]: أذان الصبي</span>.\n• نقل ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٣/ ٤٠) عن طائفة كثيرة من أهل العلم الترخيص في أذان الصبي، ونقل الكراهة عن مالك، والثوري، وكِلَا القولين رواية عن أحمد.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ٣٧): اختلف الأصحاب في تحقيق موضع الخلاف، منهم من يقول: موضع الخلاف سقوط الفرض به، والسنة المؤكدة إذا لم يوجد سواه، وأما صحة أذانه في الجملة، وكونه جائزًا إذا أذن غيره؛ فلا خلاف في جوازه. ومنهم من أطلق الخلاف؛ لأن أحمد قال: لا بأس أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم إذا كان قد راهق. وقال في رواية علي بن سعيد وقد سئل عن الغلام يؤذن قبل أن يحتلم، فلم يعجبه: والأشبه أن الأذان الذي يسقط الفرض عن أهل القرية، ويعتمد في وقت الصلاة والصيام، لا يجوز أن يباشره صبي قولًا واحدًا، ولا يسقط الفرض، ولا يعتد به في مواقيت العبادات، وأما الأذان الذي يكون سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصر، ونحو ذلك؛ فهذا فيه الروايتان، والصحيح جوازه. اهـ\nقلتُ: وهذا الذي رجَّحه شيخ الإسلام هو ظاهر ترجيح ابن حزم أيضًا، فقد قال في «المحلَّى» (٣٢٣): فإذا أذن البالغ، لم يمنع من لم يبلغ من الأذان بعده. وقال أيضًا: وإذا تأدى الفرض؛ فالأذان فعلُ خيرٍ، لا يمنع الصبيان منه؛ لأنه ذكر لله تعالى، وتطوعٌ، وبِرٌّ. اهـ","vol":"2","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>مسألة [٣]: أذان العبد</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٣/ ٤٢): فإذا أذن عبدٌ، أو مكاتب، أو مُدَبَّر، أجزأ في قول الشافعي، وإسحاق، والنعمان، ويعقوب، ومحمد، وكل من نحفظ عنهم من أهل العلم. اهـ\nقلتُ: صحَّ عن عمر -﵁- عند ابن المنذر (٣/ ٤١)، أنه قال لجلسائه: مَنْ مؤذِنُكُم؟ قالوا: عبيدنا، وموالينا. قال: إنَّ ذلك لنقصًا كثيرًا.\nوهذا الأثر محمول على ذَمِّهِم؛ لانشغالهم عن هذه الفضيلة، وجعلها على العبيد، والموالي، لا لأنهم جعلوها على العبيد والموالي فحسب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>مسألة [٤]: الأذان والإقامة لمن صلَّى في بيته</span>.\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: يجزئه أذان المصر، وإقامته، وهو قول مجاهد، والشعبي، والنخعي، وعكرمة، وأحمد، وأصحاب الرأي، وإنْ أذَّنَ، وأقام؛ فحسنٌ.\nالثاني: تجزئه الإقامة، وهو قول مالك، وقال الحسن، وابن سيرين: إنْ شاء أقام.\nالثالث: تجزئ الإقامة إلا في الفجر؛ فإنه يؤذن، ويقيم، وهذا قول ابن سيرين، والنخعي.\nالرابع: أنَّ من صلَّى بغير أذان، ولا إقامة يعيد الصلاة، ويجزيه الإقامة. وهو","vol":"2","page":132},{"text":"قول عطاء.\nقال ابن المنذر -﵀-: أحبُّ إليَّ أن يؤذن، ويقيم إذا صلَّى وحده، ويجزيه إنْ أقام، وإنْ لم يؤذن، ولو صلَّى بغير أذان ولا إقامة لم يجب عليه الإعادة. انتهى.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٥٣٤): وذهب جمهور السلف والخلف إلى أنَّ الإقامة سنة في حقه، ولا يكفيه إقامة الجماعة، واختلفوا في الأذان. انتهى المراد.\nقلتُ: والذي استحبَّهُ ابن المنذر هو الذي نختاره؛ لحديث مالك بن الحويرث الذي في الباب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>مسألة [٥]: الأذان، والإقامة لمن صلَّى في مسجدٍ قد صلَّى فيه أهله</span>.\n• ذهب أحمد، والشافعي في قولٍ، وهو قول الزهري، وسعيد بن المسيب، وقتادة، إلى مشروعية الأذان، والإقامة لمن صلَّى في مسجد قد صلَّى فيه أهله، وصحَّ ذلك عن أنس عند ابن أبي شيبة (١/ ٢٢١)، وابن المنذر (٣/ ٦١).\n• وقالت طائفة: يقيم. رُوِيَ هذا القول عن طاوس، وعطاء، ومجاهد، وبه قال مالك، والأوزاعي.\n• وقالت طائفة: ليس عليه أن يؤذن، ولا يقيم، هكذا قال الحسن، ورُوِيَ عن الشعبي، وعكرمة، وقال به النعمان، وأصحابه، والثوري، وإسحاق، وأحمد\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٣/ ٥٨ - ٦٠)، «المغني» (٢/ ٧٤).","vol":"2","page":133},{"text":"في رواية.\n• وروي عن طائفة من السلف كراهة إعادتهما، منهم: عبدالرحمن بن أبي ليلى وغيره، وحكي أيضًا عن أبي يوسف، ومحمد.\nقال ابن المنذر -﵀-: يؤذن، ويقيم أحبُّ إليَّ، وإنْ اقتصر على أذان أهل المسجد، فصلى؛ فلا إعادة عليه، ولا أحبُّ أن يفوته فضلُ الأذانِ. اهـ\nقلتُ: الراجح القول الأول، وهو الذي استحبَّه ابن المنذر، ونستَحِبُّه نحنُ أيضًا. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٣/ ٦١ - ٦٢)، «الفتح» (٤/ ٢٤) لابن رجب.","vol":"2","page":134},{"text":"١٨٩ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لِبِلَالٍ: «إذَا أَذَّنْت فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْت فَاحْدُرْ وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ» الحَدِيثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>مسألة [١]: صفة التأذين، والإقامة</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٣/ ٥١): هذا على مذهب الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، والنعمان، وصاحبيه، وكذلك نقول -يعني بما دل عليه حديث جابر- وكيف ما جاء بالأذان، والإقامة أجزأ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>مسألة [٢]: الفصل بين الأذان والإقامة</span>.\nاستحب أهل العلم للمؤذن أن يفصل بين الأذان، والإقامة.\nويدل عليه حديث جابر بن سمرة في «صحيح مسلم» (^٢): «كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس، ثم لا يقيم حتى يرى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فإذا دخل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أقام الصلاة حين يراه».\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه الترمذي (١٩٥)، وفي إسناده عبدالمنعم بن نعيم الأسواري ويحيى بن مسلم البكاء وكلاهما شديد الضعف.\nوله شاهد من حديث أبي هريرة وآخر عن علي، وكلاهما شديد الضعف، لا يصلح الاستشهاد به، وقد ضعفه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٢٢٨).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٦٠٦).","vol":"2","page":135},{"text":"واختلف أهل العلم في صلاة المغرب:\n• فذهب الشافعي، وأبو حنيفة، إلى أنه لا يتنفل قبل المغرب، ولا يفصل بين الأذان، والإقامة.\nوالراجح ما ذهب إليه أحمد من استحباب السنة قبل المغرب بدليل حديث أنس في «الصحيحين» (^١)، أنَّ المؤذن كان إذا أذَّن المغرب قام الصحابة، فابتدروا السواري يصلون.\nولحديث عبد الله بن مغفل في «صحيح البخاري» (١١٨٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «صلُّوا قبل المغرب»، قالها ثلاثًا، وقال في الثالثة: «لمن شاء». (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٢٥)، ومسلم برقم (٨٣٧).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٦٦).","vol":"2","page":136},{"text":"١٩٠ - وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ». وَضَعَّفَهُ أَيْضًا. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>مسألة [١]: الأذان على طهارة</span>.\n• ذهب عطاء، ومجاهد، والأوزاعي، إلى أنه لا يؤذن إلا متوضئ، واستدل لهم بحديث الباب.\n• وذهب جمهور أهل العلم إلى ترخيص الأذان بغير طهارة، قالوا: والأفضل أن يكون على طهارة؛ لحديث المهاجر بن قنفذ، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة». (^٢)\nواختلفوا في أذان الجُنُب:\n• فذهب إسحاق، وأحمد في رواية إلى أنه لا يجزئ.\n• وذهب الجمهور إلى إجزائه، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، وقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يذكر الله على كل أحيانه، كما في «صحيح مسلم» (^٣) من حديث عائشة -﵂-. (^٤)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الترمذي (٢٠٠)، وفي إسناده معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف، ورواه الزهري عن أبي هريرة ولم يسمع منه، والراجح وقفه على أبي هريرة، فقد رواه ابن وهب عن يونس عن الزهري عن أبي هريرة موقوفًا، والموقوف ضعيف أيضًا للانقطاع المذكور.\n(^٢) أخرجه أبو داود برقم (١٧) بإسناد صحيح.\n(^٣) تقدم في الكتاب برقم (٧٤).\n(^٤) وانظر: «الأوسط» (٣/ ٣٧ - ٣٨)، «المجموع» (٣/ ١٠٥)، «المغني» (٢/ ٦٧ - ٦٨).","vol":"2","page":137},{"text":"١٩١ - وَلَهُ عَنْ زِيَادِ بْنِ الحَارِثِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ». وَضَعَّفَهُ أَيْضًا. (^١)\n\n١٩٢ - وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا رَأَيْته يَعْنِي الأَذَانَ وَأَنَا كُنْت أُرِيدُهُ، قَالَ: «فَأَقِمْ أَنْتَ»، وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>مسألة [١]: من الذي يتولى الإقامة</span>؟\n• ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه يُستحب أن يتولى الإقامة من تولى الأذان، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد، واستدلوا بحديث زياد بن الحارث المتقدم.\n• وقال مالك، وأبو حنيفة: لا فرق بينه، وبين غيره، واستدلوا بحديث عبد الله ابن زيد المتقدم في الباب.\nوالراجح القول الأول؛ لأنَّ هذا هو صنيع المؤذنين -منهم: بلال- على عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (^٣)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الترمذي (١٩٩)، وفي إسناده عبدالرحمن بن زياد بن أنعُم الإفريقي وهو ضعيف.\n(^٢) ضعيف جدًّا. أخرجه أبوداود (٥١٢)، وفي إسناده محمد بن عمرو الواقفي أبو سهل البصري وهو شديد الضعف، واختلف في تسمية شيخه وهو مجهول الحال.\n(^٣) وانظر: «المغني» (٢/ ٧١).","vol":"2","page":138},{"text":"١٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «المُؤَذِّنُ أَمْلَكُ بِالأَذَانِ، وَالإِمَامُ أَمْلَكُ بِالإِقَامَةِ».رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَضَعَّفَهُ. (^١)\n\n١٩٤ - وَلِلْبَيْهَقِيِّ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ قَوْلِهِ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديث\nاستدل أهل العلم بهذا الحديث، وبأثر علي على أنَّ المؤذنَ أملك بالأذان، أي: أن وقت ابتداء الأذان إليه؛ لأنه هو الأمين على الوقت، والموكول بارتقابه، وعلى أنَّ الإمام أملك بالإقامة، فلا يقيم المؤذن إلا بعد إشارة الإمام بذلك.\nوحديث الباب -وإن كان ضعيفًا- لكن يغني عنه حديث ابن عباس، وعائشة في «الصحيحين» (^٣): أنَّ بلالًا كان يأتي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قبل صلاة الفجر، وهو مضطجعٌ\n_________\n(^١) ضعيف غير محفوظ. أخرجه ابن عدي (٤/ ١٣٢٧) من طريق يحيى بن إسحاق السيلحيني عن شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به.\nوإسناده ضعيف لضعف شريك القاضي، وبه ضعفه ابن عدي.\nوقد خولف يحيى بن إسحاق في لفظ الحديث، فأصحاب شريك يروونه عنه بإسناده بلفظ: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن» ورجح ذلك الدارقطني في «العلل» (١٠/ ١٩٦٨)، والبيهقي (٢/ ١٩).\n(^٢) صحيح. أخرجه البيهقي (٢/ ١٩) قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو بكر بن إسحاق، أنبأ محمد بن غالب، أنبأ أبو عمر الحوضي، وعمرو بن مرزوق، ومسلم بن إبراهيم قالوا: أنبأ شعبة، عن منصور قال: سمعت هلال بن يساف يحدث عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ ... فذكره.\nوهذا إسنادٌ صحيح، رجاله ثقات.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٩٩٤) (١٨٣)، ومسلم برقم (٧٣٦) (٧٦٣).","vol":"2","page":139},{"text":"على شِقِّهِ الأيمن، فيؤذنه بالصلاة، ثم يقيم.\nوكذلك حديث جابر بن سمرة في «صحيح مسلم» (^١): أنَّ بلالًا كان لا يقيم حتى يخرج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (^٢)\n\n١٩٥ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^٣)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث دلالة على أنَّ الوقت بين الأذان، والإقامة من أوقات الإجابة.\nفينبغي لكل مسلم أن يحرص على هذه الأوقات، ويسأل الله العظيم من فضله، وإذا كان في صلاة؛ فَلْيَدْعُ في سجوده، فقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجدٌ، فأكثروا من الدعاء فيه»، أخرجه مسلم (٤٨٢) عن أبي هريرة -﵁-؛ فيجتمع في ذلك سببان من أسباب الإجابة، والله المستعان.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٠٦).\n(^٢) وانظر «سبل السلام» (١/ ٢٦٩).\n(^٣) صحيح. أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (٦٧) (٦٨) (٦٩)، وابن خزيمة (٤٢٥) (٤٢٦) (٤٢٧) وهو حديث صحيح، له طرق، وبعض أسانيده صحيحة.","vol":"2","page":140},{"text":"١٩٦ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» (^١). أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ. (^٢)\nقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من قال حين يسمع النداء».\nظاهره أنه يقول ذلك في حال سماع النداء، ولكن بيَّن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- في «صحيح مسلم» (٣٨٤): أنَّ ذلك بعد النداء؛ ففيه: «إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ؛ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ».\nقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اللهم رب هذه الدعوة التامة».\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: والمراد بها دعوة التوحيد، كقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد:١٤]، وقيل لدعوة التوحيد: تامة؛ لأن الشركة نقصٌ.\nوقال الحافظ ابن رجب -﵀-: المراد بالدعوة التامة: دعوة الأذان؛ فإنها\n_________\n(^١) هذا الحديث ليس موجودًا في المخطوطتين، ووجد في بعض النسخ المطبوعة.\n(^٢) صحيح. وهو في «صحيح البخاري» (٦١٤). وأخرجه أبوداود (٥٢٩)، والنسائي (٢/ ٢٦ - ٢٧)، والترمذي (٢١١)، وابن ماجه (٧٢٢)، وهو حديث صحيح.","vol":"2","page":141},{"text":"دعاء إلى أشرف العبادات، والقيام في مقام القُرب، والمناجاة؛ فلذلك كانت دعوة تامة، أي: كاملة لا نقص فيها، بخلاف ما كانت دعوات أهل الجاهلية. اهـ\nقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «والصلاة القائمة».\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: أي: التي ستقوم، وتحضر.\nفائدة: قال الحافظ ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٣/ ٤٦٧): وإذا قيل: كيف جعل هذه الدعوة مربوبة، مع أن فيها كلمة التوحيد، وهي من القرآن، والقرآن غير مربوب، ولا مخلوق؟ أجيب عن هذا بوجوه:\nمنها: أن المربوب هو الدعوة إلى الصلاة خاصة، وهو قوله: (حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح)، وليس ذلك في القرآن، ولم يرد به التكبير والتهليل، وفيه بعد.\nومنها: أن المربوب هو ثوابها، وفيه ضعف.\nومنها: أن هذه الكلمات من التهليل، والتكبير هي من القرآن بوجه، وليست منه بوجه، كما قال - ﷺ -: «أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وَهُنَّ من القرآن: سبحان الله والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» (^١)، فهي من القرآن إذا وقعت في أثناء القرآن، وليست منه إذا وقعت في كلام خارج عنه؛ فيصح أنْ تكون الكلمات الواقعة من ذلك في ضمن ذلك مربوبة. انتهى المراد.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (٥/ ٢٠)، من حديث سمرة بن جندب -﵁-، وهو حديث صحيح، وأصله في «مسلم» برقم (٢١٣٧) (١٢).","vol":"2","page":142},{"text":"قوله: «حلَّت له شفاعتي».\nقال ابن رجب -﵀- (٣/ ٤٧٠): وليس المراد بهذه الشفاعة الشفاعة في فصل القضاء؛ فإن تلك عامة لكل أحد، ولا الشفاعة في الخروج من النار، ولابد؛ فإنه قد يقول ذلك من لا يدخل النار، وإنما المراد والله أعلم: أنه يصير في عناية رسول الله - ﷺ -، بحيث تتحتم له شفاعته؛ فان كان ممن يدخل النار بذنوبه شفع له في إخراجه منها، أو في منعه من دخولها، وإن لم يكن من أهل النار؛ فيشفع له في دخوله الجنة بغير حساب، أو في رفع درجته في الجنة. اهـ","vol":"2","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-561>فَصْلٌ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ الأُخْرَى الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالأَذَانِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>مسألة [١]: رفع الصوت في الأذان</span>.\nقال العبيكان في كتابه «غاية المرام» (٣/ ١٣٥): ورفع الصوت بالأذان ركنٌ؛ ليحصل السماع، ما لم يؤذن لحاضر، فبقدر ما يسمعه، قال في «الإنصاف»: ويستحب رفع الصوت قدر طاقته؛ لأنه أبلغ في الإعلام. انتهى.\nقلتُ: ويدل على ذلك حديث أبي سعيد في «صحيح البخاري» (٦٠٩): أنه قال لابن أبي صعصعة: «أراك رجلًا تُحِبُّ الغنم، والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فارفع صوتك في التأذين؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جِنٌّ ولا إنس ولا شيء؛ إلا شهد له يوم القيامة».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>مسألة [٢]: الرِّدَّةُ تُبطل الأذان</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٨٤): وَالرِّدَّةُ تُبْطِلُ الْأَذَانَ إنْ وُجِدَتْ فِي أَثْنَائِهِ؛ فَإِنْ وُجِدَتْ بَعْدَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ قَوْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ أَنْ تُبْطِلَ أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ بَعْدَ فَرَاغِهِ، وَانْقِضَاءِ حُكْمِهِ، بِحَيْثُ لَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ مِنْ مُبْطِلَاتِهِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ إذَا وُجِدَتْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا. اهـ","vol":"2","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-564>مسألة [٣]: هل يجوز للرجل أن يؤذن ويبني على أذان غيره</span>؟\n• ذهب الشافعي، وهو مذهب الحنابلة إلى أنه لا يبني، وإذا لم يستطع المؤذن الأول إكمال أذانه؛ فإنه يستأنف الأذان من أوله.\n• وذهب أبو ثور، وأصحاب الرأي إلى جواز البناء.\nقلتُ: وهذا القول هو الصحيح؛ لأنَّ عبادة الأذان لا ينبني صحة آخرها على صحة أولها، وليست عبادة مرتبطة بعضها ببعض، ولكن يُشترط أن لا يطول الفصل، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>مسألة [٤]: لا يصح الأذان إلا مرتبًا</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٨٤): وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إلَّا مُرَتَّبًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ يَخْتَلُّ بِعَدَمِ التَّرْتِيبِ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ؛ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُرَتَّبًا، لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ أَذَانٌ، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ فِي الْأَصْلِ مُرَتَّبًا، وَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَبَا مَحْذُورَةَ مُرَتَّبًا. اهـ\nوقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٢/ ٦١): والدَّليل: أنَّ الأذان عبادة وردت على هذه الصِّفة؛ فيجب أنْ تُفعَلَ كما وردت؛ لقول النبي - ﷺ -: «من عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ».اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>مسألة [٥]: قول المؤذن: الصلاة في الرحال</span>.\nجاء في «الصحيحين» (^٢) عن ابن عمر -﵄-: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يأمر\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٣/ ٦٥)، «المغني» (٢/ ٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٦٦)، ومسلم برقم (٦٩٧).","vol":"2","page":145},{"text":"المؤذن إذا كانت ليلة باردة، أو ذات مطر في السفر، أن يقول: «ألا صَلُّوا في رحالكم».\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٦٣٢): وَقَوْله: «أَوْ» لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ، وَفِي «صَحِيح أَبِي عَوَانَةَ»: «لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ، أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ، أَوْ ذَاتُ رِيحٍ»، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الثَّلَاثَة عُذْرٌ فِي التَّأَخُّر عَنْ الْجَمَاعَة.\nوَنَقَلَ اِبْن بَطَّالٍ فِيهِ الْإِجْمَاع، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّة أَنَّ الرِّيح عُذْرٌ فِي اللَّيْل فَقَطْ. وَظَاهِر الْحَدِيث اِخْتِصَاص الثَّلَاثَة بِاللَّيْلِ، لَكِنْ فِي «السُّنَن» مِنْ طَرِيق: اِبْن إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِع فِي هَذَا الْحَدِيث: «فِي اللَّيْلَة المَطِيرَة وَالْغَدَاة الْقَرَّة».\nوَفِيهَا بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ حَدِيث أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّهُمْ مُطِرُوا يَوْمًا، فَرَخَّصَ لَهُمْ».\nوَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الْأَحَادِيث التَّرَخُّص بِعُذْرِ الرِّيح فِي النَّهَار صَرِيحًا، لَكِنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي إِلْحَاقَهُ، وَقَدْ نَقَلَهُ اِبْن الرِّفْعَة وَجْهًا. انتهى.\nقوله في الحديث: «في السَّفَر».\nظاهره اختصاص ذلك في السفر، ولكن قد صحَّ عن ابن عباس أنه أمر المؤذن بذلك في الحضر، ثم رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. متفق عليه (^١)، وبهذا أخذ الجمهور، ولم يقيدوه بالسفر. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٦٨)، ومسلم برقم (٦٩٩).\n(^٢) «الفتح» (٦٣٢).","vol":"2","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-567>مسألة [٦]: موضع قول المؤذن: «صلوا في رحالكم»</span>.\nثبت في موضع قولها ثلاث كيفيات:\nالأُولى: بدل قوله: حَيَّ على الصلاة؛ لحديث ابن عباس في «الصحيحين» (^١)، أنه جلس على المنبر، فقال لمؤذنه: إذا قلت أشهد أنَّ محمدًا رسول الله؛ فلا تقل: حَيَّ على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم. فكأن الناس استنكروا، فقال: فعله من هو خير مني، إنَّ الجمعة عَزْمة، وإني كرهت أن أُخرجكم فتمشون في الطين، والدحض.\nالثانية: بعد فراغه من الأذان؛ لحديث ابن عمر في «البخاري» (٦٣٢): أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يأمر مؤذنًا يؤذن، ثم يقول على أثره: «ألا صلوا في الرحال» في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر.\nوأخرج مسلم (٦٩٧) (٢٤) إسناده، ولم يسق لفظه.\nالثالثة: أن يقولها بعد الحيعلتين، قبل فراغه من الأذان.\nأخرجه النسائي (٢/ ١٤)، فقال: أخبرنا قتيبة، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، يقول: أنبأنا رجلٌ من ثقيف، أنه سمع مؤذن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ليلة مطيرة في السفر، يقول: حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، صلُّوا في رحالكم. إسناده صحيح على شرط الشيخين.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٣٧٣)، حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، أخبرني\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٦٨)، ومسلم برقم (٦٩٩).","vol":"2","page":147},{"text":"عمرو بن دينار به، فذكره، وقد صحح الحديث شيخنا الإمام مقبل الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>مسألة [٧]: مقاتلة أهل بلد تركوا الأذان</span>.\nقال العبيكان في كتابه «غاية المرام» (٣/ ٨٤): فإنْ ترك الأذان، والإقامة أهلُ بلدٍ، قاتلهم الإمام، أو نائبه، حتى يفعلوهما؛ لأنهما من أعلام الدين الظاهرة، فقوتلوا على تركهما، كصلاة العيد، وإذا قام بهما من يحصل به الإعلام غالبًا، أجزأ عن الكل، وإن كان واحدًا، نص عليه.\nقال الشيخ ابن إبراهيم -﵀-: ثم هل هو في تركهما معًا؟ اختاره ابن نصر الله، والله أعلم أنه ينبغي أن لا يكون الأمر كذلك، وأنَّ مجرد ترك الأذان يكفي لكون إغارة النبي - ﷺ -، وعدمها على الأذان، ولم تذكر الإقامة. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>مسألة [٨]: متى يقوم الناس إذا أُقيمت الصلاة</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (رقم:٦٣٧): وَقَالَ مَالِك فِي «الْمُوَطَّإ»: لَمْ أَسْمَعْ فِي قِيَام النَّاس حِينَ تُقَامُ الصَّلَاة بِحَدٍّ مَحْدُودٍ، إِلَّا أَنِّي أَرَى ذَلِكَ عَلَى طَاقَة النَّاس؛ فَإِنَّ مِنْهُمْ الثَّقِيلَ، وَالْخَفِيفَ.\nوَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُمْ إِذَا كَانَ الْإِمَام مَعَهُمْ فِي الْمَسْجِد لَمْ يَقُومُوا حَتَّى تَفْرُغَ الْإِقَامَةُ، وَعَنْ أَنَس أَنَّهُ كَانَ يَقُوم إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّن: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاة. رَوَاهُ اِبْن\n_________\n(^١) انظر: «كشاف القناع» (١/ ٢٧٠)، «الإنصاف» (١/ ٤٠٨)، «الإفصاح» (١/ ١٠٨)، «الشرح الممتع» (٢/ ٤٢)، «فتاوى ابن إبراهيم» (٢/ ١١٥).","vol":"2","page":148},{"text":"الْمُنْذِرِ وَغَيْره، وَكَذَا رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق: أَبِي إِسْحَاق، عَنْ أَصْحَاب عَبْدالله، وَعَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ: إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّن: اللهُ أَكْبَر. وَجَبَ الْقِيَام، وَإِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاة. عُدِّلَتْ الصُّفُوفُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله. كَبَّرَ الْإِمَام. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: يَقُومُونَ إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاح. فَإِذَا قَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاة. كَبَّرَ الْإِمَام، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ الْإِمَام فِي الْمَسْجِد؛ فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُمْ لَا يَقُومُونَ حَتَّى يَرَوْهُ. انتهى المراد.\nقلتُ: أما إذا كان الإمام خارج المسجد؛ فالراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لحديث أبي قتادة في «الصحيحين» (^١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا أُقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني».\nوأما إذا كان في المسجد فالراجح ما ذهب إليه مالك -﵀-؛ لعدم وجود دليل على التحديد، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣٧)، ومسلم (٦٠٤).\n(^٢) وانظر «المغني» (٢/ ١٢٣ -).","vol":"2","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-570>بَابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ</span>\nالشرط في اللغة: هو تعليق وجود شيء؛ بوجود آخر.\nوفي الاصطلاح: هو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود لذاته. تقدم معنا بعض شروط الصلاة، وبعضها لم يتقدم، ولم يذكر المؤلف لها حديثًا؛ لشهرتها، وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>الشرط الأول: الإسلام</span>.\nوهذا شرطٌ من شروط صحة الصلاة بإجماع أهل العلم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٥٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>الشرط الثاني: العقل</span>.\nفالمجنون لا تقبل صلاته؛ لأنه لا يعقل ما يقول، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رُفِعَ القلم عن ثلاثة، ومنهم: المجنون حتى يعقل». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>الشرط الثالث: التمييز</span>.\nفالصبي الذي لا يميز لا تصحُّ صلاته، وهذه الشروط الثلاثة مُجْمَعٌ عليها في الصلاة.\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (١٠٨٤).","vol":"2","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-574>الشرط الرابع: دخول الوقت</span>.\nوقد تقدم الكلام عليه، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، وهو شرطٌ مُجْمَعٌ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>الشرط الخامس: الطهارة</span>.\nلقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (^١)، وقوله أيضًا: «لا تُقبل صلاةٌ بغير طهور، ولا صدقة من غلول». (^٢)\nوهذا الشرط مُجمعٌ عليه أيضًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٣٥)، ومسلم برقم (٢٢٥) عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٢٤)، عن ابن عمر -﵄-.","vol":"2","page":151},{"text":"١٩٧ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ».رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\n١٩٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ، أَوْ رُعَافٌ، أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ».رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>مسألة [١]: إذا أحدث المصلي في صلاته، فهل عليه الإعادة، أم يجوز له البناء</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٧٥): إنْ أحدثَ المصلي في صلاته باختياره، بَطُلَتْ صلاته بالإجماع، سواء كان حدثه عمدًا، أو سهوًا، سواء علم أنه في صلاة، أم لا.\nوقال ابن سيرين كما في «مصنف ابن أبي شيبة» بإسناد صحيح (٢/ ١٩٦): أجمعوا على أنه إذا تكلم استأنف. اهـ\n• واختلفوا فيما إذا سبقه الحدث، فتوضأ ولم يتكلم، هل يجزئه البناء، أم عليه الإعادة؟ على قولين:\n_________\n(^١) ضعيف. رواه أحمد (١/ ٨٦)، وأبوداود (٢٠٥)، والنسائي في «الكبرى» (٥/ ٣٢٤)، والترمذي (١١٦٦)، وابن حبان (٢٢٣٧) وفي إسناده مسلم بن سلام الحنفي، وهو مجهول الحال، فالحديث ضعيف.\nتنبيه: ابن ماجه لم يخرج هذا الحديث.\n(^٢) هذا الحديث مكرر، تقدم تخريجه في [باب نواقض الوضوء]، وهو زيادة من (أ)، ولم يذكر في (ب).","vol":"2","page":152},{"text":"الأول: أنَّ له أن يبني، جاء ذلك عن علي -﵁- بإسناد حسن، وصحَّ ذلك عن ابن عمر -﵄- في الرعاف، كما في «سنن البيهقي» (٢/ ٢٥٦)، وهو مذهب الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، وهو مذهب الأوزاعي، وأبي حنيفة، وهو قول جماعة من التابعين، وقد استدلوا بحديث عائشة -﵂-: «من أصابه قيءٌ، أو رعافٌ ...؛ فليبن على صلاته».\nالثاني: أنَّ عليه الإعادة، وهو مذهب الشافعي في الجديد، والمشهور من مذهب أحمد، وهو قول مالك وآخرين، وجاء عن المسور بن مخرمة، أخرجه البيهقي (٢/ ٢٥٧)، من رواية الزهري عنه، ولم يسمع منه، واستدلوا بحديث علي بن طلق الذي في الباب.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب -والله أعلم- هو القول بالإعادة؛ لأنه استدبر القبلة، ولعدم وجود دليل صحيح على البناء، وأما حديث عائشة؛ فضعيفٌ، وقد تقدم الكلام عليه في (نواقض الوضوء) برقم (٧٠).\nوالأصل عدم البناء، وكما أنه لا يصح له البناء إذا أحدث باختياره، فكذلك إذا سبقه الحدث؛ لعدم وجود الفارق بينهما من حيث زوال الطهارة، وكما أنه إذا تكلم لا يجوز له البناء؛ لأنه ارتكب مبطلًا من مبطلات الصلاة وهو الكلام فكذلك إذا استدبر القبلة فقد ارتكب مبطلًا من مبطلات الصلاة، فلماذا يُفرَّق بينهما؟!. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (٤/ ٧٦)، «سنن البيهقي» (٢/ ٢٥٦ - ٢٥٧)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٤٣).","vol":"2","page":153},{"text":"١٩٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\n\n٢٠٠ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: «إِنْ كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَالتَحِفْ بِهِ يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ. وَلِمُسْلِمٍ: «فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ»، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n٢٠١ - وَلَهُمَا مِنْ (^٣) حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ». (^٤)\n\n٢٠٢ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - أَتُصَلِّي المَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ، بِغَيْرِ إزَارٍ؟ قَالَ: «إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَ الأَئِمَّةُ وَقْفَهُ. (^٥)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٦/ ١٥٠، ٢٥٩)، وأبوداود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وابن ماجه (٦٥٥)، وابن خزيمة (١/ ٣٨٠).\n\nورجح الدارقطني أنه منقطع بين ابن سيرين وعائشة، وأن رواية الوصل غير محفوظة. انظر «نصب الراية» (١/ ٢٩٦) و«أحاديث معلة ظاهرها الصحة» رقم (٥١٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٦١)، ومسلم (٣٠١٠). واللفظ للبخاري.\n(^٣) في (أ): (في).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٥٩)، ومسلم (٥١٦).\n(^٥) ضعيف مرفوعًا وموقوفًا. أخرجه أبوداود (٦٤٠)، من طريق عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة به.\nوعبدالرحمن ضعيف، وقد خالفه الحفاظ. قال أبوداود عقب الحديث: روى هذا الحديث مالك ابن أنس وبكر بن مضر وحفص بن غياث وإسماعيل بن جعفر وابن أبي ذئب وابن إسحاق عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة، لم يذكر أحد منهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قصروا به على أم سلمة. اهـ\nقلتُ: والموقوف أيضًا ضعيف؛ لأن أم محمد بن زيد مجهولة.","vol":"2","page":154},{"text":"تنبيه: ذكر الحافظ هذه الأحاديث إشارةً إلى:<span data-type=\"title\" id=toc-577> الشرط السادس، وهو: ستر العورة</span>، وقد عبَّر الفقهاء بهذا التعبير (ستر العورة في الصلاة).\nوالأمر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ٤٣): والله أمر بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة، وهو أخذ الزينة، فقال: «خذوا زينتكم عند كل مسجد»، فعلَّقَ الأمر باسم الزينة، لا بستر العورة إيذانًا بأن العبد ينبغي له أن يلبس أَزْيَنَ ثيابه، وأجملها. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>مسألة [١]: حكم ستر العورة</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: أن ستر العورة شرطٌ من شروط صحة الصلاة، وهذا قول جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، وبحديث عائشة، وجابر اللَّذَيْنِ في الباب، وفي حديث جابر: «إن كان واسعًا؛ فالتحف به، وإن كان ضَيِّقًا؛ فاتَّزِرْ به»، فلابد من الاتزار.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: وإذا كان واجبًا في العبادة، فكل واجبٍ في العبادة هو شرطٌ لصحتها، فإذا تركه الإنسان عمدًا؛ بَطُلَتْ هذه العبادة. اهـ\nقلتُ: وكذلك من المعلوم في كتب الأصول أنَّ الأمر بالشيء يستلزم النهي\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الممتع» (٢/ ١٤٥)، و«مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٠٩).","vol":"2","page":155},{"text":"عن ضده، فالأمر بستر العورة يستلزم النهي عن كشفها، والنهي يقتضي الفساد، كما هو مقرر في علم الأصول.\nواستدلوا بما قاله ابن عبد البر -﵀- كما في «المغني» (٢/ ٢٨٤): احتج من قال: (الستر من فرائض الصلاة) بالإجماع على إفساد من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به، وصلَّى عريانًا، قال: وهذا أجمعوا عليه كلهم. اهـ\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١١٧): لا تجوز الصلاة عريانًا مع قدرته على اللباس باتفاق العلماء.\nالقول الثاني: هو شرطٌ مع الذِّكر دون السهو، وهو قول إسحاق، وبعض المالكية، وهذا التفصيل ليس عليه دليلٌ.\nالقول الثالث: أن ستر العورة واجبٌ فقط؛ فإنْ صلَّى مكشوف العورة صَحَّتْ صلاته، سواء تعمدَ، أو سها، وهذا ترجيح الشوكاني -﵀-.\nوقد استدل له الشوكاني بحديث سهل بن سعد -﵁- في «الصحيحين» (^١)، قال: كان الرجال يصلُّون مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عاقدي أُزُرِهِم على أعناقهم، كهيئة الصبيان، وقال للنساء: «لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا».\nوبحديث عمرو بن سلمة في «البخاري» (٤٣٠٢): أنه كان يصلي بقومه في بردة صغيرة، فكان إذا سجد تقلَّصت عنه، فيبدو بعض عورته، حتى قالت امرأة: ألا تُغطُّون عَنَّا است قارئكم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٦٢)، ومسلم برقم (٤٤١).","vol":"2","page":156},{"text":"وأجاب الشوكاني عن أدلة الجمهور: بأنها لا تفيد أكثر من الوجوب.\nوالراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور؛ لما تقدم، وأما أدلة الشوكاني؛ فحديث سهل ليس بصريح؛ فإنَّ فيه خشية انكشاف العورة فقط، وقد قيل أيضًا: إنما نُهِي النساء عن ذلك؛ لئلا يلمحن عند رفع رؤوسهن من السجود شيئًا من عورات الرجال بسبب ذلك عند نهوضهن.\nقال الحافظ -﵀-: ويؤخذ منه أنه لا يجب التستر من أسفل. اهـ\nوأما حديث عمرو بن سلمة؛ فيجاب عنه بأنَّ الظهور اليسير من العورة مع عدم القصد، لا يضرُّ، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>مسألة [٢]: حدُّ العورة من الرجل</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط»: لم يختلف أهل العلم أن مما يجب على المرء ستره في الصلاة القُبُل، والدُّبُر. انتهى.\n• وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ عورة الرجل ما بين السُّرَّة والرُّكْبَة.\nواستدلوا على ذلك بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا زَوَّجَ أحدُكُم خادِمَهُ عبدَهُ، أو أجيرَهُ؛ فلا ينظر إلى ما دون السُّرَّة، وفوق الرُّكْبَة»، وفي رواية: «فإنَّ ما تحت السُّرَّة إلى الركبة من عورته».\nوهذا الحديث أخرجه أحمد (٢/ ١٨٧)، وأبو داود (٤٩٦)، والدارقطني (١/ ٢٣٠)، والبيهقي (٢/ ٢٢٩)، وغيرهم، وهو من رواية: سَوَّار بن داود، عن\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (٣/ ١٦٧)، «المغني» (٢/ ٢٨٣)، «فتح الباري» (٣٦١)، «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ١٥٨ - ١٥٩)، «غاية المرام» (٣/ ٢٩٠ -)، «الشرح الممتع» (٢/ ١٤٥ - ١٤٧).","vol":"2","page":157},{"text":"عمرو بن شعيب به، وسوار بن داود الرَّاجح أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، فقد قال الحافظ في «التقريب»: صدوق له أوهام. وهو إن شاء الله كما يقول، وهذا الحديث قد ذكره الذهبي في «الميزان» مُشِيرًا إلى أنه قد ضُعِّفَ بسببه.\nوهذا الحديث، الظاهر أنه ضعيفٌ لأمرين:\nالأمر الأول: أن سَوَّار بن داود قد اضطرب في ألفاظه، فتارة يرويه بلفظ: «عبده، أو أجيره»، ولا ذِكْر للأمة، وتارة: «عبده، أمته»، وتارة يرويه بِجَعْلِ الخطاب للسيد، أنْ لا ينظر إلى عورة عبده، أو أجيره، وتارة يجعله خطابًا للأمة، أنْ لا تنظر إلى عروة السيد.\nالأمر الثاني: أنَّ الأوزاعي -﵀- قد جوَّدَ الحديث، وأتقن لفظه، فقد قال البيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٢٦): أخبرنا أبو علي الرُّوذباري، نا محمد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «إذا زوج أحدكم عبده أمته، أو أجيره؛ فلا ينظرن إلى عورتها»، وهذا إسناد صحيح إلى الأوزاعي.\nفَبَيَّنَ الأوزاعي في روايته أنَّ الخطاب للسيد أنْ لا ينظر إلى عورة أمته، ولم يذكر التحديد في عورتها، فهذه الرواية هي المحفوظة بدون شك؛ لإمامة الأوزاعي، وضعف سَوَّار بن داود، فكيف تكون زيادة سَوَّار محفوظة؟!\nوقد جاء الحديث عن أبي أيوب الأنصاري بلفظ: «أَسْفَلُ السُّرَّة، وفوق الرُّكْبَتَيْنِ من العَوْرَةِ»، أخرجه الدارقطني (١/ ٢٣١)، وإسناده ضعيفٌ جدًّا، ففيه:","vol":"2","page":158},{"text":"سعيد بن راشد المازني، السماك، قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك. وفيه أيضًا: عَبَّاد بن كثير، وهو متروك.\nواستدل الجمهور أيضًا بحديث علي بن أبي طالب -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «لا تكشف فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حَيٍّ، ولا ميت»، أخرجه أبو داود (٣١٤٠)، وابن ماجه (١٤٦٠)، من رواية ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي -﵁-، وله علَّتان:\nالأولى: أنَّ ابن جريج لم يسمعه من حبيب بن أبي ثابت، فقد قال في رواية أبي داود: أُخْبِرْتُ عن حبيب. قال ابن المديني: رأيته في كتب ابن جريج (أخبرني إسماعيل بن مسلم).\nقلتُ: هو المكي، متروكٌ.\nوقال أبو حاتم الرَّازي كما في «العلل» لابنه (٢٣٠٨): لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من حبيب، إنما هو حديث عمرو بن خالد الواسطي، فأرى أن ابن جريج أخذه عن الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب.\nالثانية: أنَّ حبيب بن أبي ثابت لم تثبت له رواية عن عاصم بالسماع منه، قاله أبو حاتم، والدارقطني.\nواستدل الجمهور بحديث: «الفخذ عورة»، وهذا الحديث جاء عن ابن عباس، ومحمد بن جحش، وجرهد.","vol":"2","page":159},{"text":"أما حديث ابن عباس؛ فهو من رواية أبي يحيى القَتَّات، عن مجاهد، عن ابن عباس، وأبو يحيى القَتَّات ضعيفٌ، وقد قال أحمد: روى عنه إسرائيل أحاديث مناكير جدًّا كثيرة.\nقلتُ: وهذا الحديث من رواية إسرائيل عنه، كما في «مسند أحمد» (١/ ٢٧٥)، و«سنن الترمذي» (٢٧٩٦).\nوأما حديث محمد بن جحش، فأخرجه أحمد من رواية العلاء بن عبدالرحمن، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش، عن محمد بن جحش، به، وإسناده ضعيف؛ لجهالة حال أبي كثير، بل قال بعضهم: إنه لا يعرف إلا في هذا الإسناد؛ فيكون مجهول عين.\nوأما حديث جرهد، فقال الحافظ -﵀- في «تغليق التعليق» (٢/ ٢٠٩): إنه حديثٌ مضطربٌ جدًّا.\nوقال في «فتح الباري»: وقد ضعَّفَه المصنف يعني البخاري في «التاريخ الكبير»؛ للاضطراب في إسناده، وقد ذكرتُ كثيرًا من طرقه في «تغليق التعليق».\nوقال في «التغليق» بعد أن ذكر كثيرًا من طرقه: ولو ذهبتُ أحكي ما عندي من طرق هذا الحديث؛ لاحتمل أوراقًا، ولكن الاختصار أولى، والله أعلم.\nقلتُ: هذه الثلاثة الأحاديث تدلُّ على أنَّ للحديث أصلًا، ولولا مخالفتها للأحاديث الصحيحة التي ستأتي -إن شاء الله- لحَسَّنَّاه، والذي يظهر ضعفُه، والله أعلم.","vol":"2","page":160},{"text":"• وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنَّ الفخذ ليس بعورة، وهو قول ابن أبي ذئب، وداود، والطبري، وأحمد في رواية عنه، رجَّحها طائفة من متأخري أصحابه، والاصطخري من الشافعية، وحكاه بعضهم رواية عن مالك.\nواستدل أهل هذا القول بحديث أنس -﵁- في «الصحيحين» (^١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَمَّا سار إلى خيبر، حَسَرَ الإزار عن فخذه. هكذا رواية البخاري، وفي رواية مسلم: انحسر. قال أنس فيهما: حتى إني لأنظر إلى فخذ نبي الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإنَّ ركبتي لتمس فخذ نبي الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nولا يصح أن يقال في هذا الحديث إنه انحسر من غير إرادة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لأنَّ رواية البخاري تدل على أنه حسره بنفسه، وكذلك لو كان من غير قصد؛ لغَطَّاهُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا يصح أن يقال: إنه لم يعرف بانكشاف فخذه؛ لأنَّ الإنسان يشعر بانكشاف فخذه إذا انكشف، ولأنَّ أنسًا قد أخبر أن ركبته كانت تمس فخذ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ورواية البخاري لا تنافي رواية مسلم؛ إذ يمكن أن يُقال: حسر الإزار، فانحسر.\nواستدل هؤلاء أيضًا بحديث عائشة -﵂- في «صحيح مسلم» (٢٤٠١)، قالت: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مضطجعًا في بيتي، كاشفًا عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له، فدخل، ثم استأذن عمر، فأذن له، فدخل، فلما دخل عثمان، سَوَّى ثيابه، ثم قال: «ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة»، وقد أخرجه الطحاوي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٧١)، ومسلم برقم (١٢٠)، من [كتاب الجهاد].","vol":"2","page":161},{"text":"في «مشكل الآثار» (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، بإسناد صحيح، بل من الوجه الذي أخرجه مسلم بلفظ: كاشفًا عن فخذيه، ولم يشك.\nوهذا القول هو الراجح -أعني أنَّ الفخذ ليس من عورة الرجل-، ولكن ينبغي أن يُعْلَمَ أنَّ الفخذ يجب سترها في الصلاة، كما يجب أن يجعل على عاتقيه شيئًا من ثيابه؛ لحديث جابر بن عبدالله -﵄- الذي في الباب: «إذا كان واسعًا؛ فالتحف به، وخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا؛ فاتزر به».\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: ولا يجوز أن يصلي الرجلُ مكشوف الفخذين، سواء قيل هما عورة، أو لا، ولا يطوف عريانًا، بل عليه أن يصلي في ثوب واحد، ولابد من ذلك، إن كان ضيقًا اتزر به، وإن كان واسعًا التحف به، كما أنه لو صلى وحده في بيت كان عليه تغطية ذلك باتفاق العلماء، وأما صلاة الرجل باديَ الفخذين، مع القدرة على الإزار؛ فهذا لا يجوز، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف، ومن بنى ذلك على الروايتين في العورة، كما فعله طائفة؛ فقد غلطوا، ولم يقل أحمد ولا غيره أنَّ المصلي يصلي على هذه الحال، كيف وأحمد يأمره بستر المنكبين! فكيف يبيح له كشف الفخذين؟ فهذا هذا. انتهى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>مسألة [٣]: حدُّ العورة من المرأة</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٥/ ٦٩): أجمع أهل العلم على أنَّ المرأة،\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٣/ ١٦٩)، «المغني» (٢/ ٢٨٤)، «الفتح» لابن رجب (٢/ ١٩٠ - ١٩٦)، «الأوسط» (٥/ ٦٧)، «الفتاوى» (٢٢/ ١١٦).","vol":"2","page":162},{"text":"الحُرَّة، البالغة، عليها أن تُخَمِّرَ رأسها إذا صلَّت، وعلى أنها إنْ صلَّت، وجميع رأسها مكشوف أنَّ صلاتها فاسدة، وأنَّ عليها إعادة الصلاة. اهـ\nوقال أيضًا (٥/ ٦٩): وأجمع أكثر أهل العلم على أنَّ للمرأة الحُرَّةِ أن تُصليَّ مكشوفة الوجه.\nقلتُ: قوله (أكثر أهل العلم) يشير إلى وجود مخالف، والمخالف هو: أبو بكر بن عبدالرحمن، التابعي، كما في «شرح المهذب» (٣/ ١٦٩)، ولم يعتَدَّ ابن قدامة بخلافه فقال في «المغني» (٢/ ٣٢٦): ولا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم. اهـ\nواختلف أهل العلم في القدمين، هل يجب سترهما، أم لا؟\n• فذهب الجمهور إلى وجوب سترهما، وأنهما عورة، واستدلوا بحديث أم سلمة الموجود في الباب، وقد تقدم الكلام عليه، واستدلوا بحديث ابن عمر: «لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خيلاء»، فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهنَّ؟ قال: «يرخين شبرًا»، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن. فقال: «فيرخينه ذراعًا، لا يزدن»، أخرجه الترمذي (١٧٣١)، وهو حديث صحيح.\n• وذهب الثوري، والمزني، وأبو حنيفة، إلى أنَّ القدمين ليسا بعورة، وهو اختيار شيخ الإسلام، وصوَّبه صاحب «الإنصاف».\nوأما حديث أم سلمة الذي استدل به المخالف؛ فضعيف، ومع ذلك ففيه تغطية ظهور القدمين؛ لقوله: «سابغًا يغطي ظهور قدميها» وهي إذا سجدت انكشفت قدماها من الباطن.","vol":"2","page":163},{"text":"وأما حديث ابن عمر -﵄-: «يرخينه ذراعًا»، فهذا إنما هو الجلباب الذي تلبسه المرأة إذا خرجت من بيتها، وأما داخل بيتها؛ فلا يجب عليها لبسه، والمعروف من النساء عدم تحري تغطية القدمين أمام المحارم، ولم يأتِ دليل صحيح، صريح يوجب عليها تغطية قدميها.\nوهذا القول رجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو الصحيح، والله أعلم. (^١)\nوأما تغطية الكَفَّينِ؛ فعامة أهل العلم على أنه لا يجب سترهما في الصلاة؛ لعدم ورود دليل يوجب ذلك، خلافًا لأبي بكر بن عبد الرحمن، ورواية عن أحمد، واختارها الخِرَقِي.\nوأما بقية بدن المرأة الحُرَّة؛ فقد قال الإمام أحمد: اتفق عامتهم على الدرع، والخمار. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>مسألة [٤]: عورة الأمة</span>.\nقال الخِرَقِي -﵀-: وصلاة الأمة مكشوفة الرأس جائزة.\nقال ابن قدامة -﵀-: هذا قول عامة أهل العلم لا نعلم أحدًا خالف في هذا إلا الحسن؛ فإنه من بين أهل العلم أوجب عليها الخمار إذا تزوجت، أو اتخذها الرجل لنفسه، واستحب لها عطاء أن تقنع إذا صلَّت، ولم يوجبه، ولنا أنَّ عمر بن\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (٣/ ١٦٩)، «غاية المرام» (٣/ ٣١٠)، «المغني» (٢/ ٣٢٨)، «الشرح الممتع» (٢/ ١٥٧).\n(^٢) انظر: «شرح المهذب» (٣/ ١٦٩)، «المغني» (٢/ ٣٢٨، ٣٣٠).","vol":"2","page":164},{"text":"الخطاب -﵁- كان ينهى الإماء عن التقنع، وقال أبو قلابة: إنَّ عمر بن الخطاب كان لا يدع أمة تقنع في خلافته، وقال: إنما القناع للحرائر. وضرب أمة لآل أنس رآها متقنعة، وقال: اكشفي رأسك، ولا تشبهي بالحرائر. اهـ\nوهذا الذي عزاه لعمر ثابتٌ عنه كما في «المُصَنَّفَيْنِ»، و«الأوسط».\n• وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ عورة الأمة من السُّرَّة إلى الركبة، واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا زوج أحدكم عبده أمته، أو أجيره؛ فلا ينظر إلى شيء من عورته؛ فإن ما تحت السُّرَّة إلى ركبته من العورة»، وهذا الحديث ضعيفٌ كما تقدم بيان ذلك في [عورة الرجل]، ولذلك ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنَّ عورتها ما لا يظهر عادة عند الخدمة، وعند التقليب للشراء، وهو رواية عن أحمد، حيث قال: لا بأس أنْ يقلب الرجل الجارية إذا أراد الشراء من فوق الثوب، ويكشف الذراعين، والساقين، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.\n• بينما ذهب ابن حزم إلى أن الأمة عورتها كعورة الحرَّة دون أي فرقٍ، وهذا غير صحيح؛ فالصواب وجود الفرق بينهما؛ لما ثبت في «الصحيحين» (^١) عن أنس أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما تزوج صفية بنت حيي قال المسلمون: إنْ حجبها؛ فقد تزوجها، وإن لم يحجُبْها؛ فهي مما ملكت يمينه. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩]، قال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٢١٣)، ومسلم (٨٧) من [كتاب النكاح].","vol":"2","page":165},{"text":"جماعة من المفسرين: أي يعرفن بأنهن حرائر.\nومع ذلك فقد قال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٢/ ١٥٣): وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: إنَّ الإماء في عهد الرسول ﵊، وإن كُنَّ لا يحتجبن كالحرائر؛ لأن الفتنة بهنَّ أقلُّ، فَهُنَّ يُشبهنَ القواعدَ من النِّساء اللاتي لا يرجون نكاحًا، قال تعالى فيهن: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠]، يقول: وأما الإماء التركيَّات الحِسَان الوجوه، فهذا لا يمكن أبدًا أن يَكُنَّ كالإماء في عهد الرسول ﵊، ويجب عليها أن تستر كلَّ بدنها عن النَّظر، في باب النَّظر.\nوعلَّل ذلك بتعليل جيِّدٍ مقبولٍ، فقال: إن المقصود من الحجاب هو ستر ما يُخاف منه الفِتنة بخلاف الصَّلاة؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يستتر في الصَّلاة، ولو كان خاليًا في مكان لا يطَّلع عليه إلا الله، لكن في باب النَّظر إنما يجب التَّستر حيث ينظر الناس.\nقال: فالعِلَّة في هذا غير العِلَّة في ذاك، فالعِلَّة في النَّظر: خوف الفتنة، ولا فرق في هذا بين النِّساء الحرائر، والنِّساء الإماء. وقوله صحيح بلا شكٍّ، وهو الذي يجب المصير إليه. انتهى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>مسألة [٥]: انكشاف شيء يسير من العورة من غير قصد</span>.\n• ذهب الإمام أحمد، وأبو حنيفة إلى أنَّ الصلاة لا تبطل؛ لحديث عمرو بن\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٣٣١ - ٣٣٣)، «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٠٩ -)، «الشرح الممتع» (٢/ ١٥٣)، «شرح المهذب» (٣/ ١٦٩).","vol":"2","page":166},{"text":"سلمة حين كان يصلي بالناس، وتنكشف بعض عورته، كما في «صحيح البخاري» (٤٣٠٢).\n• بينما ذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى البطلان؛ لأنه حكم تعلَّقَ بالعورة، فاستوى قليله، وكثيره كالنظر.\nوالراجح هو القول الأول.\nوهو اختيار شيخ الإسلام -﵀-، وعزاه للجمهور، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-. (^١)\nتنبيه: إذا كشف الإنسان شيئًا من عورته تعمدًا؛ بطُلت صلاته، حتى على مذهب الحنابلة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>مسألة [٦]: انكشاف شيء فاحش من العورة</span>.\nأما إذا كان متعمدًا؛ فصلاته باطلة عند جمهور العلماء، وأما إذا كان غير متعمدٍ؛ فإنْ طالَ الزمان، ولم يستر عورته؛ فصلاته باطلة، وإن أعادها سريعًا بعد أنْ انكشفت؛ فلا تبطل صلاته، وهو مذهب طائفة من أهل العلم، وصححه الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٨٧)، «الشرح الممتع» (٢/ ١٦٧)، «غاية المرام» (٣/ ٣٢٣)، «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٢٣).\n(^٢) وانظر: «الشرح الممتع» (٢/ ١٦٧).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٨٨)، «غاية المرام» (٣/ ٣٢٥)، «الشرح الممتع» (٢/ ١٦٨)، «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٢٣).","vol":"2","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-584>مسألة [٧]: الستر بما يصف البشرة، أو يجسم العضو</span>.\nقال الإمام أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٢٨٦): وَالْوَاجِبُ السَّتْرُ بِمَا يَسْتُرُ لَوْنَ الْبَشَرَةِ؛ فَإِنْ كَانَ خَفِيفًا يَبِينُ لَوْنُ الْجِلْدِ مِنْ وَرَائِهِ، فَيُعْلَمُ بَيَاضُهُ أَوْ حُمْرَتُهُ، لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَسْتُرُ لَوْنَهَا، وَيَصِفُ الْخِلْقَةَ، جَازَتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ السَّاتِرُ صَفِيقًا. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>مسألة [٨]: وضع الإنسان على عاتقه شيئًا في الصلاة</span>.\n• ذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى وجوب ذلك، وهو قول ابن المنذر، واستدلوا بحديث أبي هريرة الموجود في الباب: «لا يُصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»، والنهي يقتضي الفساد.\nقال: وإذا كان ضَيِّقًا، فلا يجب عليه؛ لحديث جابر: «وإن كان ضيقًا؛ فاتزر به». وهذا القول رجحه الإمام ابن باز -رحمه الله تعالى-، وقبله ابن حزم، والشوكاني، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-.\n• وذهب جمهور العلماء إلى أن ذلك سنة، وليس بواجب، واستدلوا بقوله في حديث جابر -﵁-: «وإن كان ضيقًا؛ فاتزر به»، وقالوا أيضًا: إن ستر العاتقين ليس من أجل أن العاتقين عورة، بل من أجل تمام اللباس، وشد الإزار؛ لأنك إذا لم تشده ربما ينسلخ ويسقط، وهذا القول رجَّحه الشيخ السعدي، والشيخ\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (٣/ ١٧٠).","vol":"2","page":168},{"text":"ابن عثيمين.\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>مسألة [٩]: هل يجب تعميم الثوب على المنكبين</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٢٩٠): وَلَا يَجِبُ سَتْرُ الْمَنْكِبَيْنِ جَمِيعِهِمَا، بَلْ يُجْزِئُ سِتْرُ بَعْضِهِمَا، وَيُجْزِئُ سَتْرُهُمَا بِثَوْبٍ خَفِيفٍ يَصِفُ لَوْنَ الْبَشَرَةِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ سَتْرِهِمَا بِالْحَدِيثِ، وَلَفْظُهُ: «لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، وَهَذَا يَقَعُ عَلَى مَا يَعُمُّ الْمَنْكِبَيْنِ، وَمَا لَا يَعُمُّهُمَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>مسألة [١٠]: هل يجزئه أن يجعل على عاتقه حبلًا، أو خيطًا</span>؟\n• ذكر ابن قدامة -﵀- في هذه المسألة قولين عند الحنابلة، ثم قال: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؛ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ».اهـ\nقلتُ: وكذلك في الحديث: «منه شيء»، و(من) للتبعيض، يعني من الثياب.\nوقال الإمام ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٩): حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق عن إبراهيم التيمي قال: كان الرجل من أصحاب محمد - ﷺ - إذا لم يجد رداء يصلي فيه وضع على عاتقه عقالا، ثم صلى. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٨٩)، «الشرح الممتع» (٢/ ١٦٤)، «غاية المرام» (٣/ ٣١٩)، «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١١٤).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٩١).","vol":"2","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-588>مسألة [١١]: إذا لم يقدر على ستر عورته، فهل يصلي قائمًا، أم قاعدًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: وجملة ذلك أنَّ العادم للسترة لا تسقط عنه الصلاة، لا نعلم فيه خلافًا. اهـ.\n• وقد اختلف أهل العلم فيما إذا لم يجد السترة: هل يصلي قائمًا، أم قاعدًا؟ فذهب أحمد، والأوزاعي، وأصحاب الرأي إلى أنه يصلي قاعدًا، وبه قال عطاء، وعكرمة، وقتادة، وجاء عن ابن عمر كما في «الأوسط»، ولا يثبت؛ لأن في إسناده: عبد العزيز بن عبيد الله الحمصي، وهو شديد الضعف، قالوا: ويومئ بالركوع، والسجود.\n• وذهب مالك، والشافعي، وابن المنذر إلى أنه يصلي قائمًا بركوع، وسجود؛ لحديث عمران بن حصين -﵁- في «البخاري»: «صلِّ قائمًا؛ فإنْ لم تستطع فقاعدًا» (^١)، قالوا: وهذا مستطيع للقيام من غير ضرر، وهذا قول مجاهد، وهذا القول هو الصحيح، وينبغي له أن يصلي في مكان يستتر به عن أعين الناس، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، وللحديث السابق، والستر هنا ساقط عنه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فيقوم لوجود مقتضى القيام، ويصلي عاريًا؛ لسقوط مقتضى الستر، وهو العجز. (^٢)\nتنبيه: قال ابن قدامة -﵀- (٢/ ٣١٣): وإنْ صلَّى العريان قائمًا، وركع،\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٤٢٦).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٣١١ - ٣١٢)، «الأوسط» (٥/ ٧٨).","vol":"2","page":170},{"text":"وسجد، صحَّتْ صلاته أيضًا في ظاهر كلام أحمد -﵀-، وهو قول أصحاب الرأي. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>مسألة [١٢]: إذا لم يجد إلا ما يستر عورته، أو منكبيه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، أَوْ مَنْكِبَيْهِ، سَتَرَ عَوْرَتَهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا؛ فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ»، وَهَذَا الثَّوْبُ ضَيِّقٌ، وَفِي «المُسْنَدِ» عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَوْ عَنْ عُمَرَ، قَالَ: «لَا يَشْتَمِلْ أَحَدُكُمْ اشْتِمَالَ الْيَهُودِ، لِيَتَوَشَّحْ، وَمَنْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ؛ فَلْيَأْتَزِرْ وَلْيَرْتَدِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبَانِ؛ فَلْيَتَّزِرْ، ثُمَّ لِيُصَلِّ» (^١)، وَلِأَنَّ السَّتْرَ لِلْعَوْرَةِ وَاجِبٌ مُتَّفَقٌ عَلَى وُجُوبِهِ مُتَأَكِّدٌ، وَسَتْرَ الْمَنْكِبَيْنِ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّخْفِيفِ مَا فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ. انتهى.\nقلتُ: وهذا قول عامة أهل العلم، غير رواية شاذة عن أحمد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>مسألة [١٣]: إذا لم يجد إلا ما يستر بعض عورته</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ بَعْضَ الْعَوْرَةِ سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ، وَسَتْرَهُمَا آكَدُ، وَهُمَا مِنْ الْعَوْرَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ فَإِنْ كَانَ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا سَتَرَ أَيَّهُمَا شَاءَ. انتهى. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦٣٥٦)، وهو أيضًا عند أبي داود (٦٣٥)، وإسناده صحيح.\n(^٢) انظر: «المغني» (٢/ ٣١٧).\n(^٣) «المغني» (٢/ ٣١٨).","vol":"2","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-591>مسألة [١٤]: إذا وجد العريان جلدًا طاهرًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: وَإِذَا وَجَدَ الْعُرْيَانُ جِلْدًا طَاهِرًا، أَوْ وَرَقًا يُمْكِنُهُ خَصْفُهُ عَلَيْهِ، أَوْ حَشِيشًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْبِطَهُ عَلَيْهِ فَيَسْتُرَ بِهِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ بِطَاهِرٍ لَا يَضُرُّهُ؛ فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى سَتْرِهَا بِثَوْبٍ. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>مسألة [١٥]: إذا وجد طينًا يطلي به جسده</span>؟\n• الظاهر عن الإمام أحمد أنه لا يلزمه ذلك؛ لأنه يجف، ويتناثر عند الركوع، والسجود، ولأنَّ فيه مشقة شديدة.\n• واختار ابن عقيل الحنبلي، وبعض الشافعية أنه يلزمه.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ مَشَقَّةً، وَيَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ كَمَالُ السَّتْرِ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>مسألة [١٦]: إذا أُعْطِيَ سترةً</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: وَإِذَا بُذِلَ لَهُ سُتْرَةٌ لَزِمَهُ قَبُولُهَا إذَا كَانَتْ عَارِيَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، وَإِنْ وُهِبَ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ مِنَّةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَارَ فِي بَقَاءِ عَوْرَتِهِ مَكْشُوفَةً أَكْبَرُ مِنْ الضَّرَرِ فِي الْمِنَّةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَبِيعُهُ ثَوْبًا بِثَمَنِ مِثْلِهِ، أَوْ يُؤَجِّرُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، أَوْ زِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا، وَقَدَرَ عَلَى ذَلِكَ الْعِوَضِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً\n_________\n(^١) «المغني» (٢/ ٣١٤).\n(^٢) «المغني» (٢/ ٣١٤).","vol":"2","page":172},{"text":"لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ، كَمَا قُلْنَا فِي شِرَاءِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ. انتهى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>مسألة [١٧]: إذا وجد العريان ثوبًا نجسًا</span>؟\n• ذهب الإمام أحمد، ومالك، والمزني إلى أنه يصلي فيه؛ لأنَّ ستر العورة آكد من إزالة النجاسة.\n• وذهب الشافعي، وأبو ثور إلى أنه يصلي عريانًا، ولا يعيد؛ لأنها سترة نجسة، فلم تجز له الصلاة فيها.\n• وقال أبو حنيفة: إن كان جميعه نجسًا؛ فهو مُخَيَّرٌ.\nوالراجح هو القول الأول، والله أعلم، ثم وجدت شيخ الإسلام -﵀- يرجحه، وبالله التوفيق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>مسألة [١٨]: هل يصلي العُرَاةُ جماعةً</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالأول: أنهم يصلون جماعة، ويكون إمامهم وسطهم، وهو قول أحمد، وقولٌ للشافعي، وبه قال قتادة.\nالثاني: أنهم يصلون فُرادَى، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وزاد مالك: وإنْ كانوا في ظُلمةٍ صَلَّوا جماعة، ويتقدمهم إمامهم. وهو قول عن الشافعي.\n_________\n(^١) «المغني» (٢/ ٣١٥).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٣١٥)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤٢٩).","vol":"2","page":173},{"text":"قلتُ: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول، ولا يلزم أن يكون إمامهم وسطهم، بل يتقدمهم، ويغضُّون أبصارهم عنه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>مسألة [١٩]: إذا كان مع أحد العُراة ثوب</span>.\nقال ابن قدامة -﵀-: فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُرَاةِ وَاحِدٌ لَهُ ثَوْبٌ، لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى السُّتْرَةِ؛ فَإِنْ أَعَارَهُ وَصَلَّى عُرْيَانًا، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِيرَهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ فِيهِ لِغَيْرِهِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.\nقال: فَإِذَا بَذَلَهُ لَهُمْ صَلَّى فِيهِ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، وَلَمْ تَجُزْ لَهُمْ الصَّلَاةُ عُرَاةً؛ لِأَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى السَّتْرِ، إلَّا أَنْ يَخَافُوا ضِيقَ الْوَقْتِ، فَيُصَلُّون عُرَاةً؛ إلَّا الوَاحِد الَّذِي يُعِيرُ الثَّوْب. انتهى مُلَخَّصًا (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢).\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٣١٩).","vol":"2","page":174},{"text":"٢٠٣ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ -﵁- قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا القِبْلَةُ، فَصَلَّيْنَا، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا إلَى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. (^١)\n\n٢٠٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَوَّاهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\nذكر الحافظ هذين الحديثين إشارة إلى:<span data-type=\"title\" id=toc-597> الشرط السابع، وهو: استقبال القبلة</span>.\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه الترمذي (٣٤٥) (٢٩٥٧)، وفي إسناده أشعث بن سعيد السمان وعاصم بن عبيدالله، الأول متروك، والثاني ضعيف أو أشد، وقد تابع أشعثَ عمرُ بن قيس الملقب ب (سندل) عند الطيالسي (١١٤٥) وهو متروك مثله، فلا تنفع متابعته، وتصحف في «المسند» إلى (عمرو) فظن الإمام الألباني -﵀- أنه الملائي، والصواب ما ذكرناه كما في «سنن البيهقي» (٢/ ١١).\nوللحديث شاهد من حديث جابر بن عبدالله عند الدارقطني (١/ ٢٧١)، والبيهقي (٢/ ١١) وهو شديد الضعف لا يصلح في الشواهد؛ فإنَّ له ثلاث طرق، أحدها: فيها محمد بن سالم، وهو شديد الضعف. والثانية: فيها محمد بن عبيدالله العرزمي، وهو متروك. والثالثة: فيها مجهول حال، وأعلها البيهقي بأنها غير محفوظة.\n(^٢) صحيح. أخرجه الترمذي (٣٤٤)، وفي إسناده شيخه الحسن بن بكر، وهو مجهول الحال، وعبدالله بن جعفر المخرمي يرويه عن شيخه عثمان بن محمد الأخنسي، وهو ثقة، ولكن ضعف ابن حبان روايته عن عثمان.\n\nوالجواب عن هاتين العلتين: أن الحسن بن بكر قد تابعه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢/ ٣٦٢) وأما تضعيف ابن حبان فلا يقبل؛ لأن عامة الأئمة يطلقون توثيقه، وابن حبان متشدد في الجرح، ومع ذلك فله شاهد مرسل من مراسيل أبي قلابة، وموقوف صحيح عن ابن عمر كما في «سنن البيهقي» (٢/ ٩).","vol":"2","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-598>مسألة [١]: استقبال القبلة</span>.\nاستقبال القبلة شرطٌ من شروط صحة الصلاة؛ إلا في حالتين، وذلك بإجماع أهل العلم، نقل الإجماع ابن حزم، وابن رشد، والنووي، وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤]، والحالتان هما: صلاة النافلة على الراحلة في السفر، وصلاة المطلوب الخائف. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>مسألة [٢]: هل يستقبل عين القبلة، أو جهتها</span>؟\nأما من عاين الكعبة؛ فيجب عليه استقبال عينها بالإجماع، نقله ابن عبدالبر في «التمهيد» (١٧/ ٥٤)، وابن قدامة في «المغني» (٢/ ١٠٠).\nوأما من لم يشاهدها؛ فجمهور العلماء على أنه يجب عليه الجهة؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، أي: جهته، ولحديث أبي هريرة الذي في الباب، ولأنَّ استقبال عينها للبعيد غير مستطاع، وخالف الشافعي في قولٍ، فأوجب استقبال عينها، والراجح قول الجمهور.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٢/ ٢٩٦): وقد أجمعت الأمة على صحة الصف المستطيل مع البعد عن الكعبة، مع العلم بأنه لا يمكن أن يكون كل واحد منهم مستقبلًا لعينها بحيث أنه لو خرج من وسط وجهه خط مستقيم لوصل إلى الكعبة على الاستقامة؛ فإن هذا لا يمكن إلا مع التقوس ولو شيئًا يسيرًا، وكلما كثر البعد قلَّ هذا التقوس، لكن لابد منه، ومن حكى عن الإمام أحمد رواية\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٩٢)، «شرح المهذب» (٣/ ١٨٩)، «بداية المجتهد» (١/ ٢٠٧).","vol":"2","page":176},{"text":"بوجوب التقوس لطرفي الصف الطويل فقد أخطأ، وقال عليه ما لم يقله، بل لو سمعه؛ لبادر إلى إنكاره والتبري من قائله، وهو خلاف عمل المسلمين في جميع الأمصار والأعصار. اهـ\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٠٩): فَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ الْفَرْضَ أَنْ يَقْصِدَ الْمُصَلِّي الصَّلَاةَ فِي مَكَانٍ لَوْ سَارَ عَلَى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ وَصَلَ إلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَمَنْ فَسَّرَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ إلَى الْعَيْنِ بِهَذَا وَأَوْجَبَ هَذَا فَقَدَ أَخْطَأَ، وَإِنْ كَانَ هَذَا قَدْ قَالَهُ قَائِلٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ؛ فَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعَ السَّلَفِ، بَلْ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ؛ فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الصَّفِّ الْمُسْتَطِيلِ الَّذِي يَزِيدُ طُولُهُ عَلَى سَمْتِ الْكَعْبَةِ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، وَإِنْ كَانَ الصَّفُّ مُسْتَقِيمًا لَا انْحِنَاءَ فِيهِ وَلَا تَقَوُّسَ. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>مسألة [٣]: من صلى إلى غير القبلة من غير اجتهاد</span>.\nقال ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (١٧/ ٥٤): وأجمعوا على أنه من صلَّى إلى غير القبلة من غير اجتهاد حمله على ذلك أنَّ صلاته غير مجزئة عنه، وعليه إعادتها إلى القبلة، كما لو صلى بغير طهارة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>مسألة [٤]: من صلَّى إلى غير القبلة بعد الاجتهاد ثم تبين له ذلك</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنَّ صلاته تجزئه، وليس عليه إعادة، وهذا قول جمهور العلماء،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ١٠١)، «شرح المهذب» (٣/ ١٩٢).","vol":"2","page":177},{"text":"واستدلوا بحديث عامر بن ربيعة، وجابر بن عبد الله الَّلذينِ تقدَّما، وهما ضعيفان، وقالوا: إنه قد أتى بما أُمِرَ به، وهو في حالة عدم معرفة القبلة الواجب عليه هو الاجتهاد، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وهو قد أدَّى ما عليه.\nالقول الثاني: أنَّ عليه الإعادة؛ لأنَّ الاستقبال شرطٌ، وقد فات، وهو قول الشافعي في قولٍ، وعنه قولٌ كقول الجمهور، وهو قول الطبري.\nالقول الثالث: أنَّ عليه الإعادة ما دام الوقت باقيًا، وهو قول مالك، والأوزاعي.\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأول.\nقال ابن عبد البر في «التمهيد»: النظر في هذا الباب يشهد أن لا إعادة على من صلى إلى غير القبلة، وكان مجتهدًا لخفاء ناحيتها عليه؛ لأنه قد عمل ما أُمر به، وأدَّى ما افتُرِض عليه من اجتهاده بطلب الدليل على القبلة، حتى حسب أنه مستقبلها، ثم لما صلى بان له خطؤه، وقد كان العلماء مجمعين على أنه قد فعل ما أبيح له فعله، بل ما لَزِمَهُ، ثم اختلفوا في إيجاب القضاء عليه إذا بان له أنه أخطأ القبلة، وإيجاب الإعادة إيجاب فرض، والفرائض لا تثبت إلا بيقين لا مدفع له. انتهى.\nوقد رجح عدم الإعادة شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٢٤). (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «التمهيد» (١٧/ ٥٠ - ٥٥)، «المغني» (٢/ ١١١ - ١١٢)، «شرح السنة» (٢/ ٣٢٦).","vol":"2","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-602>مسألة [٥]: من انحرف عن القبلة يسيرًا، ثم تبين له ذلك</span>.\nقال البغوي -﵀- في «شرح السنة» (٢/ ٣٢٦): أما إذا بان أنه كان منحرفًا يمنةً، أو يسرةً، والجهة واحدة؛ فلا إعادة عليه بالاتفاق. انتهى.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٢/ ٢٩٢): وقال مجاهد فيمن مال عن القبلة: لا يضره؛ ما بين المشرق والمغرب قبلة. وقال الحسن فيمن التفت في صلاته: إنِ استدبر القبلة؛ بطلت صلاته، وإنِ التفت عن يمينه، أو شماله؛ مضت صلاته. وروي عن حميد بن عبد الرحمن أنه أعاد صلاة صلاها في مسجد، قيل له: إنَّ في قبلته تياسرًا. ومذهب مالك: أنه إنْ علم في الصلاة أنه استدبر القبلة، أو شرَّق، أو غرَّب؛ قطع وابتدأ الصلاة، وإن علم بذلك بعد الصلاة؛ أعاد في الوقت، وأن علم أنه انحرف يسيرًا؛ فلينحرف الى القبلة ويبني. ذكره في «تهذيب المدونة». ومذهب أحمد: أنَّ ما بين المشرق والمغرب قبلة، لم تختلف نصوصه في ذلك، ولم يذكر المتقدمون من أصحابه فيه خلافًا، وإنما ذكره القاضي أبو يعلى ومن بعده، وأخذوه من لفظ له محتمل، ليس بنص ولا ظاهر، والمحتمل يعرض على كلامه الصريح، ويحمل عليه، ولا يعد مخالفًا له بمجرد احتمال بعيد، ولكن الشافعي له قولان في المسألة، وأما أحمد فلم يختلف قوله في ذلك، وقد صرح بمخالفة الشافعي فيه. قال أحمد في رواية جعفر بن محمد: بين المشرق والمغرب قبلة، ولا يبالي مغرب الصيف ولا مغرب الشتاء، إذا صلى بينهما فصلاته صحيحة جائزة، إلا أنا نستحب أن يتوسط القبلة، ويجعل المغرب عن يمينه، والمشرق عن","vol":"2","page":179},{"text":"يساره، يكون وسطًا بين ذلك، وإن هو صلى فيما بينهما وكان إلى أحد الشقين أميل؛ فصلاته تامة إذا كان بين المشرق والمغرب، ولم يخرج بينهما. ونقل عنه جماعة كثيرون هذا المعنى. اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>مسألة [٦]: إذا بان له يقينًا الخطأ، وهو في الصلاة</span>؟\n• هذه المسألة مبنية على مسألة الإجزاء ممن صلى مجتهدًا، فتبين أنه صلَّى إلى غير القبلة.\nوقد تقدم أنْ رجَّحْنَا قولَ الجمهور، أنه يجزئه، فإذا قلنا بذلك، وعلم الخطأ أثناء الصلاة؛ فإنه يستدير إلى جهة الكعبة، ويبني على ما مضى من صلاته؛ لأنَّ ما مضى منها كان صحيحًا.\nويدل على هذا القول حديث أهل قباء حين تحولوا في الصلاة إلى القبلة، وبنوا على ما مضى من صلاتهم، والجامع بين الصورتين أنَّ كلًّا منهما قد فعل ما يجوز له فعله.\nومن قال بأنَّ الصلاة لا تجزئ إذا تبين الخطأ أوجب عليه الإعادة.\nوالراجح القول الأول. (^١)\n_________\n(^١) وانظر «المغني» (٢/ ١١٣).","vol":"2","page":180},{"text":"٢٠٥ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ -﵁- قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١) زَادَ البُخَارِيُّ: يُومِئُ بِرَأْسِهِ وَلَمْ يَكُنْ يَصْنَعُهُ فِي المَكْتُوبَةِ. (^٢)\n\n٢٠٦ - وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: وَكَانَ إذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ القِبْلَةَ، فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُ رِكَابِهِ. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>مسألة [١]: صلاة النافلة على الراحلة في السفر</span>.\nقال ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (١٧/ ٧٢): أجمعوا على أنه جائز لكل من سافر سفرًا تُقْصَرُ فيه الصلاة أن يصلي التطوع على دابته، وراحلته، حيث توجهت به، يومئ إيماءً يجعل السجود أخفض من الركوع، ويتشهد، ويسلم، وهو جالسٌ على دابته، وفي محمله. انتهى.\nقلتُ: ويدل عليه أحاديث الباب، وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، وهذه الآية نزلت في ذلك كما في «صحيح مسلم» (٧٠٠) (٣٣)، من حديث عبد الله بن عمر -﵄-، واختلفوا في السفر القصير، فذهب الجمهور إلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٩٣)، ومسلم (٧٠١).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٠٩٧).\n(^٣) حسن. أخرجه أبوداود (١٢٢٥)، قال: حدثنا مسدد، حدثنا ربعي بن عبد الله بن الجارود، حدثني عمرو بن أبي الحجاج، حدثني الجارود بن أبي سبرة، حدثني أنس بن مالك به، ووقع عنده: «وَجَّهَهُ رِكَابُهُ» وإسناده حسن، وقد حسنه الإمام الألباني والإمام الوادعي رحمهما الله تعالى. انظر: «تحقيق سنن أبي داود» (١١١٠)، «الصحيح المسند» (٦٧).","vol":"2","page":181},{"text":"جوازه، وخالف مالك، والراجح قول الجمهور؛ لعموم الأدلة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>مسألة [٢]: صلاة النافلة على الراحلة في الحضر</span>.\n• ذهب إلى جواز ذلك أبو يوسف، وأبو سعيد الاصطخري من الشافعية، والطبري.\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من كون ذلك خاصًّا في السفر؛ لأنَّ الأدلة جاءت في السفر، والرُّخصة لا تتجاوز إلى غيرها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>مسألة [٣]: قبلة المصلي على راحلته</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٠٩٧): وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: «حَيْثُ كَانَ وَجْهه» عَلَى أَنَّ جِهَة الطَّرِيق تَكُون بَدَلًا عَنْ الْقِبْلَة، حَتَّى لَا يَجُوز الِانْحِرَاف عَنْهَا عَامِدًا قَاصِدًا لِغَيْرِ حَاجَة الْمَسِير؛ إِلَّا إِنْ كَانَ سَائِرًا فِي غَيْر جِهَة الْقِبْلَة، فَانْحَرَفَ إِلَى جِهَة الْقِبْلَة؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرّهُ عَلَى الصَّحِيح. اهـ. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>مسألة [٤]: كيفية الركوع، والسجود على الراحلة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٩٧): وَحُكْمُ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَنَّهُ يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ، قَالَ جَابِرٌ: بَعَثَنِي رَسُولُ - ﷺ - فِي حَاجَةٍ، فَجِئْت وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالسُّجُودُ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٩٢).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (١٠٩٧)، «الاستذكار» (٦/ ١٣٠ - ١٣١).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٢/ ٩٨).","vol":"2","page":182},{"text":"أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١). ا هـ.\nقلتُ: وقد تقدم في كلام ابن عبد البر -﵀- أنَّ هذا قول عامة أهل العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>مسألة [٥]: هل يستقبل القبلة في أول النافلة</span>؟\n• ذهب أحمد في رواية عنه، وهو وجه عند الشافعية إلى وجوب ذلك، واستدلوا بحديث أنس الذي في الباب.\n• وذهب جمهور العلماء، وهو رواية عن أحمد إلى عدم وجوب ذلك؛ لأنَّ الأدلة المتكاثرة في ذلك جاءت بدون تقييد الاستقبال في بداية النافلة، وحديث أنس فعلٌ، والفعل لا تزيد دلالته على الاستحباب.\nوالراجح هو قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\nوقد رجَّح قول الجمهور أيضًا ابن القيم في «زاد المعاد» (١/ ٤٧٦)، والشيخ السعدي، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>مسألة [٦]: إذا كان على الراحلة محملٌ واسعٌ، فكيف يصلي</span>؟\n• في هذه المسألة روايتان عن أحمد، وهما وجهان عند الشافعية.\nقال ابن القيم -﵀- كما في «بدائع الفوائد» (٤/ ١٠٩): الذي أوجب هذا أن الصحابة لم يكن سفرهم ولا حَجُّهم في المحامل، وإنما حدث في زمن الحجاج؛\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود برقم (١٢٢٧)، وهو عند أحمد أيضًا (٣/ ٢٩٦)، وإسناده حسن.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٩٨).\n(^٣) وانظر: «شرح المهذب» (٣/ ٢٣٤).","vol":"2","page":183},{"text":"فالصلاة فيها دائرة الشبه بين الصلاة في السفينة، والصلاة على الراحلة، فمن راعى شبهها بالسفينة أوجب الاستقبال؛ لأن المحمل بيت سائر في البر كما أن السفينه بيت سائر في البحر، ومن راعى مشقة الاستدارة على المصلي والبعير أسقط الاستقبال، وهو الأقيس، والله أعلم. اهـ\nقلتُ: والراجح هو مشروعية الصلاة في المحامل كالصلاة على الراحلة، كما رجحه ابن القيم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>مسألة [٧]: الماشي في السفر، هل له أن يتنفل</span>؟\n• ذهب إلى جواز ذلك عطاء، والشافعي، وأحمد في رواية، واحتجوا بأن الصلاة أُبيحت للراكب كي لا ينقطع عن القافلة في السفر، وهذا المعنى موجود في الماشي، ولأنه إحدى سير المسافر، فأُبيحت الصلاة فيها كالأخرى.\n• وذهب أحمد في المشهور، ومالك، وأبو حنيفة، وأهل الظاهر إلى عدم الجواز؛ لأنه لم ينقل، ولا هو في معنى المنقول، ولأنَّ قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] عامٌّ ترك في موضع الإجماع بشروط موجودة ههنا، فيبقى وجوب الاستقبال فيما عداه على مقتضى العموم.\nوهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٩٩)، «شرح المهذب» (٣/ ٢٣٢).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٩٩).","vol":"2","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-611>مسألة [٨]: صلاة الفريضة على الراحلة</span>.\nنقل طائفة من أهل العلم الإجماع على عدم الجواز، ومنهم: ابن بطال، وعياض، والنووي، وابن الملقن.\nويدل على ذلك حديث عامر -﵁- الذي في الباب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>مسألة [٩]: إذا اشتد الخوف، وكان مطلوبًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٩٢ - ٩٣): إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، رَاجِلًا وَرَاكِبًا إلَى الْقِبْلَةِ إنْ أَمْكَنَ، أَوْ إلَى غَيْرِهَا إنْ لَمْ يُمْكِنْ، وَإِذَا عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْمَأَ بِهِمَا، وَيَنْحَنِي إلَى السُّجُودِ أَكْثَرَ مِنْ الرُّكُوعِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة:٢٣٩].\nوَرَوَى مَالِكٌ (^٢)، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ خَوْفًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ؛ صَلَّوْا رِجَالًا، قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا. قَالَ نَافِعٌ: لَا أَرَى ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ إلَّا عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -.اهـ. (^٣)\nوَقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٥/ ٤٢): كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (١٠٩٧)، «إكمال المعْلِم» (٣/ ٢٨)، «شرح العمدة» لابن الملقن (٢/ ٤٨٦).\n(^٢) أخرجه مالك (١/ ١٨٤)، ومن طريقه البخاري (٤٥٣٥)، وقد اختلف في رفع هذه الجملة ووقفها، ورجح الحافظ المرفوع كما في «الفتح» (٩٤٣).\n(^٣) وانظر: «شرح المهذب» (٣/ ٢٣٠).","vol":"2","page":185},{"text":"العِلْمِ يَقُوْلُ: إِنَّ المطْلُوْبَ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ، كَذَلِكِ قَالَ عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاح، وَالأَوْزَاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>مسألة [١٠]: إذا كان طالبًا للعدو، خائفًا فواته</span>.\n• جاء عن أحمد رواية أنه يصلي على حسب حاله، كالمطلوب سواء، وروي ذلك عن شرحبيل بن حسنة، وهو قول الأوزاعي.\n• وذهب عامة أهل العلم، وهو رواية عن أحمد إلى أنه لا يصلي؛ إلا صلاة آمن؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، فَشَرَطَ الخوفَ، وهذا غير خائفٍ.\nوهذا القول هو الراجح. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٩٤)، «الأوسط» (٥/ ٤٢).","vol":"2","page":186},{"text":"٢٠٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَهُ عِلَّةٌ. (^١)\n\n٢٠٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: المَزْبَلَةِ، وَالمَجْزَرَةِ، وَالمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللهِ تَعَالَى. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. (^٢)\n\n٢٠٩ - وَعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الغَنَوِيِّ -﵁-، قَالَ: سَمِعَتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا إلَى القُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه الترمذي (٣١٧)، وغيره، وهو من طريق: عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن أبي سعيد.\n\nوقد اختلف في إسناد الحديث على عمرو بن يحيى، فرواه عنه السفيانان مرسلًا بدون ذكر أبي سعيد، ورجح ذلك الترمذي، والدارقطني، والبيهقي، ورواه عنه جماعة موصولًا، وهم: محمد بن إسحاق، وعبد الواحد بن زياد، وحماد بن سلمة، وعبد العزيز الدراوردي، وعبد الله بن عبدالرحمن أبو طوالة، وغيرهم، فرووه عن عمرو بن يحيى موصولًا بذكر أبي سعيد.\nوقد رجَّح الموصول ابن المنذر، والشافعي، وابن حزم، وابن دقيق العيد، وقال شيخ الإسلام: صححه الحفاظ. قال: ومن ضعفه لم يستوعب طُرُقَه.\nقلتُ: الذي يظهر صحة الحديث على الوجهين؛ لكثرة من رواه موصولًا، ولأنَّ عمارة بن غزية رواه عن يحيى بن عمارة موصولًا، ولم يختلف عليه فيه، فرواه ابن خزيمة (٧٩٢)، عن بشر بن معاذ، ثنا بشر بن المفضل، ثنا عمارة بن غزية، عن يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد به.\nفالخلاصة: أنَّ الحديث صحيح، وانظر: «تحقيق المسند» (١١٧٨٤)، «المسند الجامع» (٦/ ١٨٤)، «التبيان» (٣/ ١٨٨).\n(^٢) ضعيف جدًّا. رواه الترمذي (٣٤٦)، وفي إسناده زيد بن جبيرة، وهو متروك.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٩٧٢).","vol":"2","page":187},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>مسألة [١]: الصلاة في المقبرة</span>.\n• ذهب أحمد، وأبو ثور، وابن حزم، وغيرهم إلى عدم الجواز، وإلى بطلان الصلاة.\nواستدلوا بحديث أبي سعيد المتقدم في الباب، وبحديث عائشة -﵂- في «الصحيحين» (^١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لَعَنَ الله اليهود، والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».\nوبحديث جندب -﵁- في «صحيح مسلم» (٥٣٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم، وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك»، وبحديث ابن عمر -﵄-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا»، رواه مسلم (٧٧٧).\n• وذهب جمهور العلماء إلى كراهة الصلاة في المقبرة، وإذا صلَّى؛ فصلاته صحيحة، وهو رواية عن أحمد، واستدلوا بحديث: «وجُعِلت ليَ الأرضُ مسجدًا، وطهورًا». (^٢)\nوالجواب: أنَّ هذا حديث عامٌّ، ولا يعارض الأدلة الخاصة المتقدمة، بل هذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٣٥)، ومسلم برقم (٥٣١).\n(^٢) تقدم تخريجه في [باب التيمم].","vol":"2","page":188},{"text":"الحديث العام مخصوصٌ بالأحاديث المتقدمة؛ فالصواب هو القول الأول، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني، والسعدي، وابن عثيمين، والوادعي رحمة الله عليهم. (^١)\nفائدة: قال شيخ الإسلام -﵀- (١٧/ ٥٠٢ - ٥٠٣): وَالمَقَابِرُ نَهَى عَنْهَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالمُتَّخِذِينَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، وَإِنْ كَانَ المُصَلِّي قَدْ لَا يَقْصِدُ الصَّلَاةَ لِأَجْلِ فَضِيلَةِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ، بَلْ اتَّفَقَ لَهُ ذَلِكَ، لَكِنَّ فِيهِ تَشَبُّهٌ بِمَنْ يَقْصُدُ ذَلِكَ؛ فَنَهَى عَنْهُ كَمَا يَنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ المُطْلَقَةِ وَقْتَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ فَضِيلَةَ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِمَنْ يَقْصِدُ فَضِيلَةَ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهُمْ المُشْرِكُونَ، فَنَهْيُهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ كَنَهْيِهِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ المَكَانِ. اهـ\nوقال -﵀- في (٢١/ ٣٢١): وَكَذَلِكَ تَعْلِيلُ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي المَقْبَرَةِ بِنَجَاسَةِ التُّرَابِ هُوَ ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ المَقْبَرَةِ مُطْلَقًا، وَعَنْ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ممَّا يُبَيِّنُ أَنَّ النَّهْيَ لِمَا فِيهِ مِنْ مَظِنَّةِ الشِّرْكِ، وَمُشَابَهَةِ المُشْرِكِينَ، وَأَيْضًا فَنَجَاسَةُ تُرَابِ المَقْبَرَةِ فِيهِ نَظَرٌ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>مسألة [٢]: هل يُشترط في المقبرة تعدد القبور</span>؟\n• اختار بعض الحنابلة أنه لا يحرم الصلاة في المقبرة حتى يتعدد فيها القبور، من ثلاثة فصاعدًا.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٦٨)، «غاية المرام» (٣/ ٥٢٢)، «الأوسط» (٢/ ١٨٤ - ١٨٥)، «شرح المهذب» (٣/ ١٥٨)، «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٣٩٩)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٠٤).","vol":"2","page":189},{"text":"• وردَّ هذا القول طائفة من الحنابلة، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال كما في «الاختيارات» (ص ٤٤): وذكر طائفة من أصحابنا أن وجود القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة؛ لأنه لا يتناوله اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا، وليس في كلام أحمد، وعامة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم، وتعليلهم، واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قبر فيه، لا أنه جمع قبر. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>مسألة [٣]: صلاة الجنازة في المقبرة</span>.\n• ذهب إلى مشروعية الصلاة في المقبرة على الجنازة جمهور العلماء، وهو مذهب الحنابلة، واستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^١)، وجاء عن غيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى على قبرٍ بعدما دُفِنَ.\n• وذهب أحمد في رواية إلى أنها لا تصح؛ لأنها صلاة، فيشملها النهي المتقدم، وهو قول الشافعي، وإسحاق.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧): وما دام أنه قد ثبت أن رسول الله - ﷺ - صَلَّى على القبر؛ فلا فرق بين أن يُصلَّى على جنازة مدفونة، أو على جنازة غير مدفونة؛ لأن العِلَّة واحدة، وهي أن هذا الميِّت الذي يُصلَّى عليه كان في المقبرة، وعَمَلُ الناس على هذا، أنه يُصلَّى على الميت، ولو قبل الدَّفن في المقبرة. انتهى. (^٢)\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في الكتاب برقم (٥٤٠).\n(^٢) وانظر: «غاية المرام» (٣/ ٥٢٤ - ٥٢٥)، و«فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٤٠٠، ٤٠٤).","vol":"2","page":190},{"text":"ومما يدل على الجواز، ما أخرجه عبد الرزاق (١/ ٤٠٧)، ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ١٨٥)، عن ابن جريج، قال: قلتُ لنافعٍ: أكان ابن عمر يكره أن يصلَّى وسط القبور؟ قال: لقد صلينا على عائشة، وأم سلمة وسط البقيع، والإمام يوم صلينا على عائشة أبو هريرة، وحضر ذلك ابن عمر، وإسناده صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>مسألة [٤]: الصلاة في الحمام</span>.\n• ذهب طائفة من أهل العلم إلى التحريم، والبطلان، وهو مذهب أحمد، وأبي ثور، والظاهرية، واستدلوا بحديث أبي سعيد الموجود في الباب.\n• وذهب الجمهور إلى الكراهة فقط، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَجُعِلت لي الأرض مسجدًا، وطهورًا».\nوالراجح القول الأول، وهو ترجيح الشوكاني، والسعدي، وابن إبراهيم، وابن عثيمين، وأما دليل الجمهور؛ فهو عامٌّ مخصوصٌ بدليلنا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>مسألة [٥]: الصلاة في الحش</span>.\nالحَُش: بضم الحاء، وفتحها، هو المكان المتَّخَذُ للغائط، والبول.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٧١): ولا أعلم في منع الصلاة فيه نصًّا؛ إلا أنه قد منع من ذكر الله تعالى فيه، والكلام، فَمَنْعُ الصلاةِ فيه أولى، ولأنه إذا منع من الصلاة في هذه المواضع؛ لكونها مظانٌ للنجاسة، فهذا أولى؛ لأنه بني لها. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٦٨)، «غاية المرام» (٣/ ٥٣٥ - ٥٣٦).","vol":"2","page":191},{"text":"قلتُ: أخرج عبد الرزاق في «مصنفه» (١٥٨٥)، عن ابن عباس، أنه قال: لا تصلين إلى حش، ولا في الحمام، ولا في المقبرة. وإسناده صحيح، لولا عنعنة حبيب بن أبي ثابت، قال ابن حزم: ما نعلم لابن عباس في هذا مخالفًا من الصحابة.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: فلا تصحُّ الصلاة فيه، لأنه نجس خبيث، ولأنَّه مأوى الشياطين، والشياطين خبيثة، فأحبُّ الأماكن إلى الشياطين أنجس الأماكن، قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور:٢٦]، وهذا من حكمة الله؛ فالمساجد بيوت الله، ومأوى الملائكة، أما الحُشوش؛ فهي مأوى الشَّياطين، فلهذا يُشرع للإنسان عند دخول الخلاء أن يقول: «أعوذ بالله من الخُبْثِ والخَبَائث»، فلا ينبغي أن يكون هذا المكان الخبيث الذي هو مأوى الخبائث مكانًا لعبادة الله، وكيف يستقيم هذا، وأنت تقول في الصَّلاة: أعوذ بالله من الشيطان الرَّجيم، وأنت في مكان الشَّياطين؟!. انتهى «الشرح الممتع» (٢/ ٢٣٧).\nوقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الفتاوى» (٢٠/ ٥٢٤ - ٥٢٥): والحشوش محتضرة؛ فهي أولى بالنهي من أعطان الإبل. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>مسألة [٦]: الصلاة في المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق</span>.\nالْمَزْبَلَةُ: هي الموضع الذي يُجمَعُ فيه الزِّبْلُ، وهو السرجين: (أرواث\n_________\n(^١) وانظر: «غاية المرام» (٣/ ٥٣٥).","vol":"2","page":192},{"text":"البهائم).\nوالْمَجْزَرَةُ: الموضع الذي يَذبَحُ القصابون، وشبههم فيه البهائم.\nوَقَارِعَةُ الطَّرِيْقِ: يعني التي تقرعها الأقدام، وهي الجادة المسلوكة التي تسلكها السَّابِلَةُ.\nوهذه الثلاثة المواضع جاء النهي عن الصلاة فيها في حديث ابن عمر -﵄-، وقد تقدم أنه ضعيفٌ، وقد أخذ به بعض أهل العلم من الحنابلة، وغيرهم.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْخِرَقِيِّ؛ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ جَوَّزَ الصَّلَاةَ فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا»، وَهُوَ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ: الْمَقْبَرَةَ، وَالْحَمَّامَ، وَمَعَاطِنَ الْإِبِلِ، بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ خَاصَّةٍ، فَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ. انتهى، وقول الجمهور هو الراجح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>مسألة [٧]: معاطنُ الإبل</span>.\n• اختلفوا في تفسير العطن، فقال الشافعي: هو الموضع الذي تُناخُ فيه الإبل إذا رويت.\n• وقال أحمد: هو المكان الذي تقيم فيه الإبل، وتأوي إليه.\nوالظاهر أنها تشمل المعنيين، وجوَّد ابن قدامة ما ذهب إليه أحمد، وقال: لأنه\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٧٢).","vol":"2","page":193},{"text":"جعله في مقابل مُراح الغنم.\n• وقد ذهب طائفة من أهل العلم إلى تحريم الصلاة فيها، وبطلانها، وهو قول أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني، والسعدي، وابن عثيمين.\n• بينما ذهب الجمهور إلى أن الصلاة مكروهة فيها، وتصحُّ، واستدلوا بحديث: «وجُعِلتْ لي الأرض مسجدًا، وطهورًا».\nوالراجح القول الأول، وحديثهم عامٌّ، وأدلة القول الأول أحاديثهم خاصَّةٌ، وهي حديث البراء في «مسند أحمد» (٤/ ٢٨٨)، وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تُصَلُّوا في مبارك الإبل»، وجاء عن جابر بن سمرة في «صحيح مسلم» (^١)، والنهي يقتضي الفساد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>مسألة [٨]: الصلاة في مواضع نزول الإبل، وبروكها في غير مباركها</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٢/ ٤٢٤): فليس المنزل الذي تنزله في سيرها عطنًا لها، ولا تكره الصلاة فيه، والنبي - ﷺ - إنما كان يعرض بعيره ويصلي إليه في أسفاره، ولم يكن يدخل في أعطان الإبل فيعرض البعير ويصلي إليه فيها، فلا تعارض حينئذٍ بين صلاته إلى بعيره، وبين نهيه عن الصلاة في أعطان الإبل كما توهمه البخاري ومن وافقه، والله أعلم. اهـ\n_________\n(^١) تقدم في الكتاب برقم (٧١).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٦٩، ٤٧١)، «غاية المرام» (٣/ ٥٣١)، «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٤٢١، ٤٢٣)، «الشرح الممتع» (٢/ ٢٣٨).","vol":"2","page":194},{"text":"وقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٢٤): ولهذا نهي عن الصلاة في أعطانها؛ للزوم الشيطان لها، بخلاف الصلاة في مباركها في السفر؛ فإنه جائز؛ لأنه عارض. اهـ\nوقال ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٩٦): ولما كانت أعطان الإبل مأوى الشيطان؛ لم تكن مواضع للصلاة، كالحشوش، بخلاف مباركها في السفر؛ فإنَّ الصلاة فيها جائزة؛ لأنَّ الشيطان هناك عارض. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>مسألة [٩]: الصلاة في سطح الكعبة</span>.\nأما إذا وقف على طرفها، واستدبر باقيها، فقد قال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ١٩٨): وإن وقف على طرفها، واستدبر باقيها، لم تصح صلاته بالاتفاق؛ لعدم استقبال شيء منها. اهـ\nويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وهذا مولي وجهه إلى مكان آخر.\nوأما إذا وقف في وسط السطح، وأمامه شيء من الكعبة:\n• فذهب الحنابلة إلى جواز النافلة دون الفريضة، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ٤٥).\n• بينما ذهب الجمهور إلى جواز الصلاة فوقها، فريضةً كانت، أو نافلةً؛ لحديث بلال المتقدم، فقد دلَّ على جواز استقبال بعض البيت.","vol":"2","page":195},{"text":"واختلف الجمهور فيما بينهم: هل يُشترط أن يكون بين يديه شاخص -إذا صلى على ظهر البيت- أم لا؟\n• فذهب جمهور الشافعية، وبعض الحنابلة، ومالك في رواية إلى اشتراط ذلك، وقالوا: لا تصحُّ صلاته إذا لم يكن بين يديه شيء.\n• وذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وأبو حنيفة، وداود، ومالك في رواية إلى عدم اشتراط ذلك.\nوهذا القول أقرب، وقد رجَّحه ابن قدامة، فقال: والأولى أنه لا يُشترط كون شيء منها بين يديه؛ لأنَّ الواجب استقبال موضعها، وهوائها دون حيطانها، بدليل ما لوِ انْهدمت الكعبة صحَّتِ الصلاة إلى موضعها، ولو صلَّى على جبل عالٍ صحَّتِ الصلاة إلى هوائها، كذا ههنا. انتهى.\nوقد رجَّح ابن حزم ما رجَّحناه. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (٣/ ١٩٨ - ١٩٩)، «المغني» (٢/ ٤٧٥)، «غاية المرام» (٣/ ٥٤٥ - ٥٤٦)، «المحلى» (٤٣٥).","vol":"2","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-623>فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>مسألة [١]: الصلاة في مرابض الغنم</span>.\nفي «الصحيحين» (^١) عن أنسٍ -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبنى المسجد، وفي «صحيح مسلم» (^٢) عن جابر بن سمرة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سأله رجلٌ: أُصَلِّي في مرابض الغنم؟ قال: نعم.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وقد روي الرخصة في ذلك عن ابن عمر، وأبي ذر، وأبي هريرة، وجابر بن سمرة، وابن الزبير، وغيرهم، وهو قول العلماء بعدهم.\nوقال ابن المنذر -﵀-: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي؛ فإنه قال: لا أكره الصلاة في مراح الغنم إذا كان سليمًا من أبوالها، وأبعارها. اهـ. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-625>مسألة [٢]: الصلاة في مواضع البقر</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٢/ ٤٢٤): وأما مواضع البقر؛ فغير منهي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٣٤)، ومسلم برقم (٥٢٤) (١٠).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٣٦٠).\n(^٣) انظر: «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٤١٦)، و«الأوسط» (٢/ ١٨٧).","vol":"2","page":197},{"text":"عن الصلاة فيه عند أكثر العلماء، ومنهم: عطاء، ومالك، وابن المنذر، واستدل له بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أينما أدركتك الصلاة؛ فَصَلِّ، فهو مسجد».اهـ\nثم ذكر حديثين في النهي والإباحة، وكلاهما ضعيفٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>مسألة [٣]: الصلاة في الأماكن التي يأوي إليها الشيطان</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ١٦٢): الصلاة في مأوى الشيطان مكروهة بالاتفاق، وذلك مثل مواضع الخمر، والحانة، ومواضع المكوس، ونحوها من المعاصي الفاحشة، والكنائس، والبيع، والحشوش، ونحو ذلك؛ فإن صلي في شيءٍ من ذلك ولم يماس نجاسة بيده ولا ثوبه؛ صَحَّتْ صلاته مع الكراهة؛ لحديث أبي هريرة -﵁-، قال: عَرَّسْنَا مع نبي الله - ﷺ -، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي - ﷺ -: «ليأخذ كل رجل برأس راحلته؛ فإن هذا موضع حضرنا فيه الشيطان»، وذكر الحديث. رواه مسلم (^١)، وغيره. انتهى.\nوقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٣): وما عرض الشيطان فيه، كالمكان الذي ناموا فيه عن الصلاة؛ كُرِهَتْ فيه الصلاة. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>مسألة [٤]: الصلاة في الأرض المغصوبة</span>.\n• قال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ١٦٤): الصلاة في الأرض المغصوبة حرامٌ بالاتفاق. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٦٨٠) (٣١٠).","vol":"2","page":198},{"text":"قلتُ: واختلف العلماء فيما إذا صلَّى: هل تصحُّ صلاته أم لا؟\n• فذهب أحمد في رواية إلى أنها لا تصح، وهو أحدُ قولي الشافعي؛ لأنَّ الصلاة عبادة أُتِيَ بها على وجهٍ منهي عنه، فلم تصح كصلاة الحائض.\n• وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الصلاة تصحُّ ويأثم المصلي؛ لأنَّ جهة المعصية غير جهة الطاعة، وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وذلك كما لو صلَّى وهو يرى غريقًا يمكنه إنقاذه، فلم ينقذه، أو حريقًا يقدر على إطفائها، فلم يطفئها، وأما قاعدة: النهي يقتضي الفساد، فذلك فيما إذا كان النهي متوجهًا إلى العبادة نفسها، أو إلى شرطها، لا لأمر خارج عنها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>مسألة [٥]: الصلاة إلى القبر</span>.\n• الخلاف في هذه المسألة كالخلاف السابق في مسألة: [الصلاة في المقبرة]، والصحيح هو التحريم، والبطلان؛ لحديث أبي مرثد. وقد ثبت عن عمر -﵁- أنه نهى أنسًا -﵁-، أن يصلي إلى القبر. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٧٩) بإسناد صحيح. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>مسألة [٦]: الصلاة إلى المواضع المنهي عن الصلاة فيها</span>.\n• ذهب بعض الحنابلة إلى بطلان الصلاة إذا صلَّى إلى موضع منهي عنه.\n• وذهب الجمهور إلى صحة الصلاة؛ لعدم وجود دليل يدل على النهي عن\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٧٦).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٧٣)، «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩).","vol":"2","page":199},{"text":"ذلك، ولا على بطلان الصلاة، وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي رجَّحه ابن قدامة، ولكن يستثنى من ذلك القبر، وقد تقدم الكلام على ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>مسألة [٧]: الصلاة على سطوح المواضع المنهي عن الصلاة فيها</span>.\nقال ابن قدامة (في «المغني» (٢/ ٤٧٤): وَإِنْ صَلَّى عَلَى سَطْحِ الْحُشِّ، أَوْ الْحَمَّامِ، أَوْ عَطَنِ الْإِبِلِ، أَوْ غَيْرِهَا، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُصَلِّي فِيهَا؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، فَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُهُ. وَالصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللهُ قَصْرُ النَّهْيِ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُعَدَّى إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إنْ كَانَ تَعَبُّدِيًّا فَالْقِيَاسُ فِيهِ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ عُلِّلَ، فَإِنَّمَا تَعَلَّلَ بِكَوْنِهِ مَظنَّةً لِلنَّجَاسَةِ، وَلَا يُتَخَيَّلُ هَذَا فِي سَطْحِهَا. اهـ\nوما صححه ابن قدامة هو الصواب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>مسألة [٨]: الصلاة داخل الكعبة</span>.\n• ذهب جمهور العلماء، ومنهم: الشافعي، والثوري، وأبو حنيفة إلى أن الصلاة تصحُّ داخل البيت، سواء كانت فريضة، أو نافلة، واستدلوا بحديث بلال في «الصحيحين» (^٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى في الكعبة، وما جاز في النَّفْلِ جازَ في الفريضة. وثبت عن عائشة -﵂-، أنها قالت: ما أبالي صليت في الحجر، أو في الكعبة. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٩٦) بإسناد صحيح.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٧٣)، «الشرح الممتع» (٢/ ٢٤٦).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٣٩٧)، ومسلم برقم (١٣٢٩).","vol":"2","page":200},{"text":"• وذهب أحمد، ومالك إلى جواز النفل المطلق دون الفريضة، والوتر، واستدلوا بالآية: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، والمصلِّي فيها غير مستقبلٍ لجهتها، ورجَّحَ هذا شيخ الإسلام كما في «الاختيارات».\nوالراجح -والله أعلم- قول الجمهور؛ لأنَّ الأصل أن ما شُرِعَ في النافلة شُرِعَ في الفريضة؛ إلا ما خُصُّ بدليل، وأما الآية؛ فهي عامةٌ تشملُ الفريضة، والنافلة، فبيَّنَ حديث بلال أنَّ من صلى داخلها أنه متوجه أيضًا إلى الكعبة، وإن لم يكن إلى كلها، فإلى بعضها، وهذا القول رجَّحه الإمام السعدي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>مسألة [٩]: الصلاة في الكنيسة</span>.\n• في الصلاة في الكنيسة أربعة أقوالٍ:\nالأول: الجواز مطلقًا، وهذا القول رواية عن أحمد، ورُوي عن أبي موسى، كما في «الأوسط» لابن المنذر (٢/ ١٩٤)، ولكنه لم يصح عنه، ففي إسناده: فرج ابن فضالة، وهو ضعيفٌ، وهذا القول رجَّحه ابن حزم في «المحلى»، واستدلوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وجُعِلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، وبحديث أبي سعيد الذي فيه: «الأرض كلها مسجد؛ إلا المقبرة، والحمام»، وقد نقل ابن المنذر الترخيص عن الحسن، والشعبي، والأوزاعي، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٧٥ - ٤٧٦)، «شرح المهذب» (٣/ ١٩٤)، «الشرح الممتع» (٢/ ٢٥٣)، «غاية المرام» (٣/ ٥٤٥).","vol":"2","page":201},{"text":"الثاني: الجواز فيما إذا لم يكن فيها صورٌ، وإلا فَتُكْرَه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «الاختيارات» (ص ٤٥): والمنصوص عند أحمد، والمذهب الذي نصَّ عليه عامة الأصحاب كراهة دخول الكنيسة التي فيها التصاوير؛ فالصلاة فيها، وفي كل مكان فيه تصاوير أشد كراهةً، وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه، ولا شك. اهـ\nقلتُ: وقد صحَّ عن عمر أنه قال: إنا لا ندخل كنائسكم؛ لما فيها من التصاوير. وجاء عن ابن عباس -﵄- وفي إسناده: خصيف الجزري، وهو ضعيفٌ.\nالثالث: الكراهة مطلقًا، وهو قول أصحاب الشافعي، ورواية عن أحمد، وذلك أنه لا تكاد تخلو كنيسة من الصور، ولأنها مكان يعبد بها غير الله؛ فهي مأوى للشياطين.\nالرابع: المنع من الصلاة فيها، وهو قول مالك، فقد كره الصلاة فيها؛ لنجاستها من أقدامهم، ولما فيها من الصور، وقال: لا يُنْزَلُ بها إلا من ضرورة. وظاهر كلام مالك هو التحريم، كما يُشْعِرُ بذلك تعليله، وكلامه في «المدونة الكبرى» (١/ ٩٠ - ٩١).\nوالذي يظهر لي أنَّ الراجح هو القول الثالث، وهو الكراهة مطلقًا، وهي أشد كراهة عند وجود الصور، وأما ما نُقِل عن السلف من ترخيصٍ، فقد قال ابن رجب -﵀- كما في «فتح الباري»: وأكثر المنقول عن السلف في ذلك قضايا أعيان،","vol":"2","page":202},{"text":"لا عموم لها، فيمكن حملها على ما لم يكن فيه صور.\nوأما كون الصور التي فيها منكرٌ؛ فيحرم السكوت عليه، فقد قال ابن رجب: ...، ولعل الفرق أن صور البِيَعِ، والكنائس تُقَرُّ، ولا يلزم إزالتها، كما يقر أصل البيع، والكنائس، بخلاف الصور التي في بيوت المسلمين؛ فإنه يجب إزالتها، ومحوها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>مسألة [١٠]: الصلاة إلى النار</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٢/ ٤٢٧): وقد كره أكثر العلماء الصلاة إلى النار، منهم: ابن سيرين، كره الصلاة إلى تنور، وقال: هو بيت نار. وقال سفيان: يُكْرَهُ أن يُوْضَعَ السِّرَاج في قبلة المسجد.\nثم قال -﵀-: ووجه الكراهة: أن فيه تشبُّهًا بِعُبَّادِ النَّارِ في الصورة الظاهرة، فكره ذلك، وإن كان المصلي يصلي لله، كما كرهت الصلاة في وقت طلوع الشمس وغروبها؛ لمشابهة سجود المصلي فيه سجود عباد الشمس لها في الصورة، وكما تُكْرَهُ الصلاة إلى صنم، والى صورة مصورة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>مسألة [١١]: صلاة الرجل مستقبلًا وجه غيره</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في شرح حديث (٥١٤): وأما استقبال المصلي وجهَ\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٢/ ١٩٣)، «المغني» (٢/ ٤٧٨)، «أحكام أهل الذمة» (٧١٢ - ٧١٣)، «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٤٣٧)، «شرح المهذب» (٣/ ١٥٨)، «غاية المرام» (٣/ ٥١٤)، «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٦٢)، «المحلى» (٤٣٨)، «مصنف عبد الرزاق» (١/ ٤١١)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٨٠).","vol":"2","page":203},{"text":"غيره، فمذهبنا، ومذهب الجمهور كراهته، ونقله القاضي عياض عن عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى.\nقلتُ: وقد أفتى بذلك أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٩٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>مسألة [١٢]: الصلاة في موضع الخسف، والعذاب</span>.\n• قال الإمام البخاري -﵀- في «صحيحه»: [باب الصلاة في موضع الخسف، والعذاب]، ويُذْكَرُ عن علي رضوان الله عليه أنه كره الصلاة بخسف بابل.\nثم استدل البخاري على ذلك بما أسنده عن ابن عمر -﵄-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحِجْر: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين؛ إلا أن تكونوا باكين؛ فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم» (^١). ا هـ\nقلتُ: أما أثر علي؛ فقد ثبت عنه كما بين ذلك الحافظ ابن رجب، والحافظ ابن حجر بإسنادين، أحدهما فيه ضعفٌ، والآخر حسنٌ، وقد كره الإمام أحمد الصلاة في أرض الخسف تبعًا لعلي بن أبي طالب -﵁-.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ٤٥): ومقتضى كلام الآمدي، وأبي الوفاء بن عقيل أنه لا تصحُّ الصلاة في أرض الخسف، وهو قوي، ونصُّ أحمد: لا يصلي فيه. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٣٣)، وهو عند مسلم أيضًا برقم (٢٩٨٠).","vol":"2","page":204},{"text":"• وذهب ابن حزم في «المحلى» (٤٣٨) إلى الجواز.\nوالراجح القول الأول، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>مسألة [١٣]: الصلاة خلف النائم</span>.\n• قال الإمام الطبراني -﵀- في «الأوسط» (٥٢٤٢): حدثنا محمد بن الفضل السَّقَطِي، قال: حدثنا سهل بن صالح الأنطاكي، قال: حدثنا شجاع بن الوليد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «نُهِيتُ أن أصلي خلف المتحدثين، والنيام».\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عمرو إلا شجاع بن الوليد، تفرد به سهل بن صالح.\nقلتُ: هذا إسناد حسنٌ، رجاله كلهم ثقات؛ إلا محمد بن عمرو، فهو مُخْتَلَفٌ فيه، والراجح تحسين حديثه إذا لم يخالف.\nوأما شيخ الطبراني، فترجمته في «تاريخ بغداد» (٣/ ١٥٣)، و«سؤالات الحاكم للدارقطني» (١٤٦)، قال الدارقطني: صدوقٌ. وقال الخطيب: ثقةٌ. وقد حسَّنَه الإمام الألباني في «الإرواء».\nثم وجدت له شاهدًا من مراسيل مجاهد: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٧) عن إسماعيل ابن علية، عن ليث، عن مجاهد رفعه: لا تأتم بنائم ولا متحدث. وفيه مع إرساله ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، وهو يزيد حديث أبي هريرة -﵁-","vol":"2","page":205},{"text":"قوة، والله أعلم.\n• وقد ذهب إلى كراهة الصلاة إلى النائم طائفة من أهل العلم، منهم: أحمد، وإسحاق؛ لدلالة الحديث السابق، وعلل ذلك بعضُ أصحاب أحمد بأنه لا يُؤْمَنُ أن يكون من النائم ما يشغل المصلي.\n• وذهب الشافعية، والإمام البخاري إلى الجواز، واستدلوا بحديث عائشة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي إليها، وهي معترضة بين يديه. (^١)\nوأُجيب عنه: بأن الحاجة دعت إليه لضيق البيت، أو أنه لبيان الجواز.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وإذا خالف، وصلَّى؛ فلا إعادة عليه في ظاهر مذهب أحمد، وإسحاق، وهو قول جمهور العلماء، وعن أحمد أنه يعيد الفريضة. اهـ\nقلتُ: الصلاة صحيحة بدون شك، ولا ريب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>مسألة [١٤]: الصلاة خلف المتحدث</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٢/ ٦٩١): وأما الصلاة خلف المتحدث؛ فقد كرهها أكثر العلماء، قال ابن المنذر -﵀-: روينا عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير أنهما كرها الصلاة إلى المتحدثين، وبه قال أحمد، وأبو ثور، ورخص فيه الزهري، والنعمان.\nقلتُ: أما أثر ابن مسعود -﵁- فهو عند ابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٧) بإسناد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٨٤)، ومسلم برقم (٥١٢).\n(^٢) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٦٩٠ -).","vol":"2","page":206},{"text":"صحيح.\nوأما الراجح فهو ما ذهب إليه الجمهور؛ لدلالة الحديث السابق الذي في المسألة السابقة.\nوعلل أحمد الكراهة بأنَّ المتحدث يشغل المصلي إليه، ولا إعادة على من صلى إلى متحدثٍ عند الجمهور. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٢/ ٦٩١ - ٦٩٢).","vol":"2","page":207},{"text":"٢١٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ أَذًى أَوْ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\n\n٢١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمُ الأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ» (^٢). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>مسألة [١]: حكم طهارة البدن، والثوب، والمكان</span>.\n• أشار الحافظ ابن حجر -﵀- بهذه الأحاديث إلى:<span data-type=\"title\" id=toc-638> الشرط الثامن من شروط صحة الصلاة، وهو: طهارة البدن، والثوب، والمكان</span>.\n• وقد ذهب إلى اشتراط ذلك جمهور العلماء.\nواستدلوا بأحاديث الباب، وبقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤]، وبحديث\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٦٥٠)، وابن خزيمة (٧٨٦)، من طريقين عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري به. وإسناده صحيح.\n(^٢) سقط هذا الحديث من (أ).\n(^٣) صحيح لغيره. أخرجه أبوداود (٣٨٦)، وابن حبان (١٤٠٤).\nوقد اختلف في الحديث على الأوزاعي على ثلاثة أوجه، وأرجحها رواية عمر بن عبدالواحد والوليد بن مزيد عنه قال: أنبئت عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، فذكره. رواه أبوداود برقم (٣٨٥).\nوهناك وجه آخر يحتمل أن يكون محفوظًا وهو ما رواه يحيى بن حمزة وهو ثقة عن الأوزاعي عن محمد بن الوليد أخبرني سعيد بن أبي سعيد عن القعقاع بن حكيم عن عائشة به، والقعقاع لم يسمع من عائشة، فهاتان الطريقان مع حديث أبي سعيد الذي قبله تجعل الحديث صحيحًا. والله أعلم.","vol":"2","page":208},{"text":"أسماء بنت أبي بكر -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في دم الحيض يصيب الثوب: «تَحُتُّهُ، وَتَقْرُصُه، وَتَنْضَحُه، ثُمَّ تُصَلِّي فِيْهِ».\nوهذه الأدلة تدل على اشتراط الطهارة في الثوب، وأما أدلتهم في اشتراط الطهارة في البدن، فأحاديث الاستنزاه من البول، وأحاديث الاستنجاء، والاستجمار كلها تفيد أنه يجب التنزه من النجاسة في البدن، وأما أدلتهم في اشتراطها في المكان، فقوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ... [البقرة:١٢٥].\nوحديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول، ولا للقذر، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن» (^١)، ثم أمر بذنوب من ماء، فأُهْرِيْقَ عليه.\nويدل إجمالًا على جميع ما تقدم قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١].\n• وقد ذهب مالك في رواية عنه إلى أنَّ إزالة النجاسة سنة، لكن قال النووي: وعن مالك في إزالة النجاسة ثلاث روايات، أصحها، وأشهرها: أنه إنْ صلى عالمًا بها لم تصح صلاته، وإن كان جاهلًا، أو ناسيًا، صَحَّتْ.\n• وذهب أحمد في رواية عنه غير مشهورة إلى أنَّ ذلك واجبٌ، وليس بشرط، ورجَّح ذلك الإمام الشوكاني ببحث قوي كما في «النيل».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٨٥)، من حديث أنس بن مالك -﵁-.","vol":"2","page":209},{"text":"وأجاب عن أدلة الجمهور: بأنها لا تفيد أكثر من الوجوب، واستدل لعدم الشرطية بحديث أبي سعيد.\nلكن قال الإمام ابن عثيمين -﵀-: ولكن بلا شك القول الراجح هو قول الجمهور؛ لأنَّ هذا الواجب خاصٌّ بالصلاة، وكل ما وجب في العبادة؛ فإنَّ فواته مبطل لها إذا كان عمدًا. ثم استدل على ذلك بحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو ردٌّ» اهـ\nقلتُ: ومن القواعد الأصولية المقررة أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، وأنَّ النهي يقتضي الفساد، وأما حديث أبي سعيد الخدري الذي استدل به الشوكاني على عدم الشرطية -وهو حديث الباب- فهو محمول على من صلَّى بالنجاسة جاهلًا بها، أو ناسيًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ٤٣): ومن صلَّى بالنجاسة ناسيًا، أو جاهلًا؛ فلا إعادة عليه، قاله طائفة من العلماء؛ لأنَّ ما كان مقصوده اجتناب المحظور إذا فعله العبد مخطئًا، أو ناسيًا، لا تبطل العبادة به. اهـ\nولهذا فالراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور، وهو ترجيح ابن حزم، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وابن باز، وابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (٣/ ١٢٢)، «المحلى» (٣٤٣)، «المغني» (٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥)، «نيل الأوطار» (٢/ ١٣٣ -)، «الشرح الممتع» (٢/ ٢١٩ -)، «الإنصاف» (١/ ٤٤٤)، «غاية المرام» (٣/ ٤٩٤ -).","vol":"2","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-640>مسألة [٢]: إذا رأى نجاسة على بدنه، أو ثيابه بعد أن صلَّى</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: وَإِذَا صَلَّى، ثُمَّ رَأَى عَلَيْهِ نَجَاسَةً فِي بَدَنِهِ، أَوْ ثِيَابِهِ، لَا يَعْلَمُ: هَلْ كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَا؟ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنْ جَهِلَهَا حَتَّى فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ (^١)، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسَالِمٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَإِسْحَاقَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَالثَّانِيَةُ: يُعِيدُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي قِلَابَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُشْتَرَطَةٌ لِلصَّلَاةِ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِجَهْلِهَا، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ. وَقَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ: يُعِيدُ مَا كَانَ فِي الْوَقْتِ، وَلَا يُعِيدُ بَعْدَهُ. اهـ\nوقد رجَّح ابن قدامة القول الأول، واستدل له بحديث أبي سعيد الذي في الباب؛ فإنَّ فيه قصة، وهي: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي بأصحابه، فخلع نعليه، فلما رأى ذلك القوم خلعوا أنعلتهم، ثم قال لهم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عقب الصلاة: «إنَّ جبريل أتاني، فأخبرني أنَّ فيهما قذرًا أو قال: أذًى فإذا جاء أحدكم المسجد ...» الحديث.\nثم قال: وَلَوْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ شَرْطًا، مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهَا، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ، وَتُفَارِقُ طَهَارَةَ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ؛ لِأَنَّهَا لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا، وَتَخْتَصُّ بِالْبَدَنِ. اهـ\n_________\n(^١) وهو ثابت عنه بإسناد صحيح كما في «مصنف عبدالرزاق» (١/ ٣٧٢)، و«الأوسط» لابن المنذر (٢/ ١٦٣).","vol":"2","page":211},{"text":"وقد رجَّح النووي القولَ الأول أيضًا، وعزاه للجمهور، كما في «شرح المهذب» (٣/ ١٥٧).\nقلتُ: القول الأول هو الراجح؛ لحديث أبي سعيد، وهو ترجيح شيخ الإسلام كما في المسألة السابقة، وابن القيم، والسعدي، وابن عثيمين، وابن إبراهيم، وغيرهم.\nوما عزاه ابن قدامة لمالك من القول بأنَّ عليه الإعادة خلاف المشهور عنه بأنه يوجب الإعادة في الوقت فيما إذا نسي طهارة الحدث، وأما طهارة الخبث فالمعروف في مذهبه عدم الإعادة، وإن كان في الوقت، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>مسألة [٣]: إذا حُبِسَ إنسان في مكان نجس</span>؟\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ١٥٤): فإذا حُبِسَ إنسان في مكان نجس، وجب عليه أن يصلي، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة؛ إلا أبا حنيفة؛ فإنه قال: لا يجب أن يصلي فيه. دليلنا حديث أبي هريرة -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»، رواه البخاري، ومسلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>مسألة [٤]: إذا سقطت عليه نجاسة وهو يصلي</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٦٧): وَإِذَا سَقَطَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ، ثُمَّ زَالَتْ عَنْهُ، أَوْ أَزَالَهَا فِي الْحَالِ، لَمْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا عَلِمَ بِالنَّجَاسَةِ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٦٦)، «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٨٤ -)، «غاية المرام» (٣/ ٥١٠ - ٥١١).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٧٢٨٨)، ومسلم برقم (١٣٣٧)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٥٧).","vol":"2","page":212},{"text":"فِي نَعْلَيْهِ خَلَعَهُمَا، وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ، وَلِأَنَّ النَّجَاسَةَ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا، فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِ زَمَنِهَا، كَكَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>مسألة [٥]: لو حمل قارورة فيها نجاسة محبوسة فيها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٦٨): وَلَوْ حَمَلَ قَارُورَةً فِيهَا نَجَاسَةٌ مَسْدُودَةً، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَخْرُجُ مِنْهَا، فَهِيَ كَالْحَيَوَانِ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا فِي غَيْرِ مَعْدِنِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَمَلَهَا فِي كُمِّهِ. اهـ\nوالذي رجَّحه ابن قدامة رجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٢/ ٢٢٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>مسألة [٦]: إذا وُضِعَ على الأرض النجسة بساط</span>؟\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٢/ ١٩٢): وإذا كانت الأرض نجسة، فَبُسِط عليها بساط صلَّى عليه، وهذا قول طاوس، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وقال أحمد: إذا بسط عليه، وكان لا يعلق بالثوب، ولا يرى بولًا، ولا عذرة بعينه؛ فجائز.\nوقد رجَّح الجواز ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٧٨)، وقد أفتى بعض أهل العلم مع الصحة، والجواز بالكراهة، لكن قال الإمام ابن عثيمين -﵀-: ولكن الصحيح أنها لا تكره؛ لأنه صلى على شيء طاهر يحول بينه وبين النجاسة. اهـ «الشرح الممتع» (٢/ ٢٢٥).","vol":"2","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-645>مسألة [٧]: إذا وُضِعَ على النجاسة تراب، أو بناء</span>؟\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٢/ ١٩٢): ولا أعلم أحدًا يمنع أن يُصَلَّى على موضع نجاسة بُنِيَ عليها بناء، أو صُيِّرَ عليها تراب يمنع النجاسة أن يصيب المصلي، وحكم قليل الحائل الذي يحول بين المصلي، وبين النجاسة، وحكم كثيره سواء. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>مسألة [٨]: الصلاة في النعال</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٢/ ٢٧٤): والصلاة في النعلين جائزة لا اختلاف بين العلماء في ذلك. اهـ\nوقال أيضًا -بعد أن ذكر بعض الأحاديث في ذلك-: وهذا يدل على أن عادة النبي - ﷺ - المستمرة الصلاة في نعليه، وكلام أكثر السلف يدل على أن الصلاة في النعلين أفضل من الصلاة حافيًا، وقد أنكر ابن مسعود على أبي موسى خلعه نعليه عند إرادة الصلاة، وقال لهُ: أبالوادي المقدس أنت؟! (^١)\nوكان أبو عمرو الشيباني يضرب الناس إذا خلعوا نعالهم في الصلاة، وأنكر الربيع بن خثيم على من خلع نعليه عند الصلاة، ونسبه إلى أنه أحدث يريد: أنه ابتدع وكان النخعي، وأبو جعفر محمد بن علي إذا قاما إلى الصلاة لبسا نعالهما وصليا فيها، وأمر غير واحد منهم بالصلاة في النعال، منهم: أبو هريرة وغيره.\nوقال أصحاب الشافعي -ونقلوه عنه-: إنَّ خلع النعلين في الصلاة أفضل؛\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٨٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤١٨)، بإسناد صحيح.","vol":"2","page":214},{"text":"لما فيه من مباشرة المصلي بأطراف القدمين إذا سجد عليهما. ووافقهم على ذلك القاضي أبو يعلي، وغيره من أصحابنا. اهـ\nقلتُ: وما ذهب إليه الجمهور هو الراجح أعني أنَّ الأفضل هو الصلاة في النعال؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا خفافهم»، أخرجه أبو داود (٦٥٢)، من حديث شداد بن أوس، وهو في «الصحيح المسند».\nولولا أنَّه ثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى حافيًا كما في «مسند أحمد» (٧٣٨٤)، من حديث أبي هريرة وجاء عن غيره لكان القول بالوجوب أقرب؛ لظاهر حديث شداد، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>مسألة [٩]: أين يضع نعليه إذا لم يصلِّ بهما</span>؟\nإذا كان يصلي وليس عن يساره أحد؛ فله أن يضع نعليه بين رجليه، أو عن يساره، وإذا كان عن يساره أحدٌ، فيضعهما بين رجليه، فقد ثبت في «سنن أبي داود» (٦٥٥)، من حديث أبي هريرة -﵁-، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا صلَّى أحدكم، فخلع نعليه، فلا يؤذِ بهما أحدًا، ليجعلهما بين رجليه، أو لِيُصَلِّ فيهما».\nوأخرج أبو داود (٦٤٨) بإسناد صحيح عن عبد الله بن السائب، قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي يوم الفتح، ووضع نعليه عن يساره.\nوأخرج ابن أبي شيبة (٢/ ٤١٨)، بإسناد صحيح عن أبي سعيد، قال: بينما رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي، فخلع نعليه، فوضعهما عن يساره. وانظر: «شرعية الصلاة","vol":"2","page":215},{"text":"بالنعال» لشيخنا مقبل -﵀- (ص ١٨ - ١٩)، ضمن «مجموعة رسائل».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>مسألة [١٠]: تطهير نجاسة أسفل النعل</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٢/ ٢٧٧): وقد اختلف العلماء في نجاسة أسفل النعل ونحوه: هل تطهر بدلكها بالأرض، أم لا تطهر بدون غسل، أم يفرق بين أن يكون بول آدمي أو عذرته، فلابد من غسلها وبين غيرها من النجاسات، فتطهر بالدلك؟ على ثلاثة أقوال، وقد حكى عن أحمد ثلاث روايات كذلك، والقول بطهارتها بالدلك اختيار كثير من أصحابنا، وهو قول قديم للشافعي، وقول ابن أبي شيبة، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وقال ابن حامد من أصحابنا: تطهر بذلك. والقول بالفرق بين البول، والعذرة قول أبي خيثمة، وسليمان بن داود الهاشمي. اهـ\nقلتُ: الراجح أنها تطهر بالدلك؛ إلا إذا لم تذهب النجاسة، فيغسلها بالماء.","vol":"2","page":216},{"text":"٢١٢ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٢١٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ -﵁-، أَنَّهُ قَالَ: إنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الكَلَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>مسألة [١]: حكم الكلام في الصلاة متعمدًا</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٣/ ٢٣٤): أجمع أهل العلم على أنَّ من تكلم في صلاته عامدًا لكلامه، وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها أنَّ صلاته فاسدة. انتهى.\nقلتُ: ويدل على ذلك حديثا الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>مسألة [٢]: من تكلم في صلاته متعمدًا لإصلاح الصلاة</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الصلاة تبطل، واستدلوا بحديثي الباب، مع قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من نابه شيء في صلاته؛ فليسبح»، ولو كان الكلام مباحًا لمصلحتها؛ لكان\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٥٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٠٠)، ومسلم (٥٣٩). وليس عند البخاري قوله: (ونهينا عن الكلام).","vol":"2","page":217},{"text":"أسهل، وأَبْيَن.\n• وذهب الأوزاعي إلى عدم البطلان، وهو رواية عن مالك، وأحمد؛ لحديث ذي اليدين.\nوالجواب عنه: أنَّ الترخيص في الكلام في تلك الحالة ليس بسبب كونه من مصلحة الصلاة، ولكن لكون النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان ناسيًا، ظانًّا أنه قد أتم الصلاة، ومثله الصحابة ظنُّوا أنها قَصُرَت الصلاة، والراجح ما ذهب إليه الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>مسألة [٣]: من تكلم ناسيًا أنه في صلاة</span>.\n• ذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، إلى أنَّ الصلاة لا تبطل؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تكلم في حديث ذي اليدين، ولم يأمر معاوية بن الحكم بالإعادة إذ تكلم جاهلًا، وما عُذِرَ فيه بالجهل عُذِرَ فيه بالنسيان.\n• بينما ذهب النخعي، وقتادة، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية إلى أنَّ صلاته تبطل؛ لعموم أحاديث الباب.\nوالراجح القول الأول، وقد عزاه النووي للجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>مسألة [٤]: من تكلم ظَانًّا أن صلاته تمت</span>.\nإنْ تكلم هذا بالسلام؛ لم تبطل الصلاة.\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٣/ ٢٣٤)، «المجموع» (٤/ ٨٥)، «غاية المرام» (٥/ ١٩٠).\n(^٢) وانظر: «شرح المهذب» (٤/ ٨٥)، «المغني» (٢/ ٤٤٦).","vol":"2","page":218},{"text":"قال ابن قدامة -﵀-: لم تبطل الصلاة رواية واحدة. اهـ\nقلتُ: ولم يخالف في هذا أيضًا أبو حنيفة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأصحابه فعلوه، ثم بنوا على صلاتهم. (^١)\n• وأما إن تكلم بغير السلام؛ فالجمهور من أهل العلم على أنَّ الصلاة لا تبطل بذلك؛ لحديث ذي اليدين.\n• وأما أحمد فعنه ثلاث روايات: رواية كقول الجمهور، ورواية كقول أصحاب الرأي بالفساد مطلقًا، ورواية يقول فيها: إذا كان الكلام مما تتم به الصلاة، أو في شيء من شأن الصلاة لم تفسد، وإنْ تكلم بشيء من غير أمر الصلاة؛ فصلاته باطلة. (^٢)\nتنبيه: اشترط بعض أهل العلم في كلام الناسي، والجاهل، أنه لا يفسد الصلاة إذا كان يسيرًا؛ فإن كَثُرَ وطالَ، فسدت الصلاة، وهو قول الشافعي، وبعض الحنابلة، وقال بعض الحنابلة: لا فرق بين القليل والكثير في ظاهر كلام أحمد؛ لأنَّ ما عُفِيَ عنه بالنسيان استوى قليله وكثيره، كالأكل في الصيام، وهذا قول بعض الشافعية.\nقلتُ: وهذا القول -أعني الثاني- أقرب، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٤٦).\n(^٢) وانظر: «شرح المهذب» (٤/ ٨٥)، «المغني» (٢/ ٤٤٧)، «المحلى» (٣٨٠).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٤٩).","vol":"2","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-653>مسألة [٥]: من تكلم في الصلاة جاهلًا بتحريمه</span>.\nدلَّ حديث معاوية بن الحكم الذي في «صحيح مسلم» على أنَّ من تكلم جاهلًا فلا شيء عليه، وصلاته صحيحة، وهذا مذهب الشافعي، وأصحابه، وجماعة من الحنابلة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>مسألة [٦]: من تكلم بكلام واجب</span>.\nوذلك مثل أن يخشى على صبي، أو ضرير الوقوع في هلكة، أو يرى حية، ونحوها تقصد غافلًا، أو نائمًا، أو يرى نارًا يخاف أن تشتعل في شيء، ونحو هذا، ولا يمكنه التنبيه بالتسبيح.\n• فذهب بعض الحنابلة، وبعض الشافعية إلى البطلان.\n• وذهب الشافعي، وأكثر أصحابه إلى عدم البطلان، ويقتضيه مذهب أحمد كما بينه ابن قدامة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأصل أنَّ الكلام من مبطلات الصلاة، ولا نخرج عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح صريح، ولا نعلم ههنا شيئًا من ذلك. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩).","vol":"2","page":220},{"text":"٢١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ مُسْلِمٌ: «فِي الصَّلَاةِ». (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>مسألة [١]: إِذَا أَتَى المصَلِّي بِذِكْرٍ مَشْرُوعٍ لِيُذَكِّرَ إِمَامَهُ، أو غَيْرَه كالتَّسْبيح، وما أَشْبَهَه</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية ذلك؛ لحديث الباب، ولحديث سهل بن سعد في «الصحيحين» (^٢): «من نابه شيء في صلاته، فليسبح؛ فإنه إذا سبح التفت إليه».\n• وخالف أبو حنيفة، فقال: من أفهم غير إمامه بالتسبيح، فسدت صلاته؛ لأنه خطاب آدمي، فيدخل في عموم أحاديث النهي عن الكلام.\nوالراجح قول الجمهور؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من نابه شيء». (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>مسألة [٢]: التصفيق للنساء</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٨٢): ذكرنا أن مذهبنا استحباب التسبيح للرجل، والتصفيق للمرأة إذا نابهما شيء، وبه قال أحمد، وداود، والجمهور، وقال مالك: تسبح المرأة أيضًا. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٠٣)، ومسلم (٤٢٢).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٢٣٤)، ومسلم برقم (٤٢١).\n(^٣) وانظر: «الأوسط» (٣/ ٢٣٩)، و«المغني» (٢/ ٤٥٤).","vol":"2","page":221},{"text":"وقد احتج مالك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من نابه شيء في صلاته، فليسبح؛ فإنما التصفيق للنساء»، وقال: هذا فيه ذَمٌّ للتصفيق أنه من شأن النساء، وليس فيه الإباحة بذلك.\nورُدَّ على قول الإمام مالك بأنَّ حديث سهل قد أخرجه البخاري (٧١٩٠) في رواية بلفظ: «من نابه شيء، فليسبح، ولتصفح النساء»، وكذلك حديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب رَدٌّ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>مسألة [٣]: كيفية تصفيق النساء في الصلاة</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٦/ ٣٨٠): وتصفيق المرأة هو أن تضرب بظهر كفها على بطن الأخرى، هكذا فسره أصحابنا، والشافعية، وغيرهم، قالوا: ولا تضرب بطن الكف على بطن الكف؛ فإن فعلت ذَلِكَ كره. وقال بعض الشافعية، منهم: القاضي أبو الطيب الطبري: تبطل صلاتها به إذا كان على وجه اللعب؛ لمنافاته صلاتها؛ فإن جهلت تحريمه، لم تبطل. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ولا كراهة، ولا بطلان في التصفيق ببطن اليد على بطن الأخرى؛ لعدم وجود دليل على ذلك، وقد أفتى بهذا الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>مسألة [٤]: هل تسبح المرأة إذا كانت مع النساء</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٦/ ٣٧٩): وإنما تصفق المرأة إذا كان هناك رجال، فأما إن لم يكن معها غير النساء، فقد سبق أن عائشة سبحت لأختها أسماء","vol":"2","page":222},{"text":"في صلاة الكسوف؛ فإن المحذور سماع الرجال صوت المرأة، وهو مأمون ههنا، فلا يكره للمرأة أن تسبح للمرأة في صلاتها، ويكره أن تسبح مع الرجال. انتهى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>مسألة [٥]: الفتح على الإمام</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى مشروعيته استدلالًا بحديث الباب، وكذلك بحديث ابن عمر، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى صلاةً، فقرأ فيها، فَلُبِّسَ عليه، فلما انصرف قال لِأُبَيٍّ: «أصليت معنا؟» قال: نعم. قال: «فما منعك أن تفتح علي»، أخرجه أبو داود (٩٠٧)، والطبراني (١٢/ ٣١٣)، ورجَّح أبو حاتم في «العلل» (٢/ ٧٧) أنه من مراسيل عروة، لكن يشهد له حديث المسور بن يزيد المالكي بنحوه عند أبي داود (٩٠٧)، وابن خزيمة (١٦٤٨)، وغيرهما، وفي إسناده: يحيى بن كثير الكاهلي، وهو ضعيفٌ؛ فالحديث بمجموع الطريقين لا بأس به.\n• وحُكِيَ عن أبي حنيفة أنَّ الصلاة تبطل بالفتح على الإمام، واستدل على ذلك بحديث علي عند أبي داود (٩٠٨)، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تفتح على الإمام»، وهو حديث تالفٌ، في إسناده: الحارث الأعور، وهو كذاب.\n• وذهب ابن حزم إلى جواز الفتح على الإمام في الفاتحة دون غيرها، واستدل على ذلك بحديث: «لعلكم تقرءُون خلف إمامكم؟» قالوا: نعم. قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». (^٢)\n_________\n(^١) انظر حديث عائشة في «صحيح البخاري» رقم (٨٦).\n(^٢) سيأتي تخريجه في الكتاب برقم (٢٧٠).","vol":"2","page":223},{"text":"والجواب على استدلاله: أنَّ دليله في مسألة القراءة، ومسألتنا على الفتح على الإمام لا على القراءة، وقول الجمهور هو الصواب، إلا أن يخطئ في الفاتحة؛ فيجب الرد عليه كما جزم بذلك جماعة من أهل العلم؛ لأنَّ الخطأ في الفاتحة يبطل الصلاة، ولذلك فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند أن زاد ركعة خامسة قال للناس: «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت؛ فذكروني» (^١)، فأمر بتذكيره عند أن أخطأ خطأً يبطل الصلاة من المتعمد، وأما عند أن التبست عليه آية، قال: «ما منعك أن تفتح علي»، وفي رواية المسور: «هلَّا ذكرتنيها».\nوقد رجَّح الإمام ابن عثيمين أنَّ الفتح واجبٌ في الفاتحة، مستحبٌ في غيرها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>مسألة [٦]: فتح المصلي على غير إمامه</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٥٩ - ٤٦٠): يُكْرَهُ أَنْ يَفْتَحَ مَنْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ هُوَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى، أَوْ عَلَى مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» (^٣)، وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ جَالِسٍ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي يَقْرَأُ، فَإِذَا أَخْطَأَ فَتَحَ عَلَيْهِ الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ: كَيْفَ يَفْتَحُ إذَا أَخْطَأَ هَذَا. وَيَتَعَجَّبُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في الكتاب برقم (٣٢٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٢/ ٤٥٤ - ٤٥٨)، «الشرح الممتع» (٣/ ٣٤٥)، «المحلَّى» (٣٧٩)، «غاية المرام» (٥/ ١٣٦ - ١٣٨).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١١٩٩)، ومسلم برقم (٥٣٨)، من حديث عبدالله بن مسعود -﵁-.","vol":"2","page":224},{"text":"قُرْآنٌ، وَإِنَّمَا قَصَدَ قِرَاءَتَهُ دُونَ خِطَابِ الْآدَمِيِّ بِغَيْرِهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى الْمُصَلِّي مَنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>مسألة [٧]: ذكر الله لأسباب خارج الصلاة</span>.\nوذلك كمن عطس؛ فحمد الله، أو رأى عجبًا، فسبح الله، أو قيل له: وُلِدَ لك غلام. فقال: الحمد لله. أو: احترق دكانك. فقال: لا إله إلا الله. ونحو ذلك من قراءة القرآن وغيره.\n• فقد ذهب أبو حنيفة في مثل هذا إلى أنه تبطل الصلاة؛ لأنه كلام آدمي.\n• وخالفه جمهور العلماء، فقالوا بصحة الصلاة؛ لأنَّ هذا الكلام جنسه مشروعٌ في الصلاة؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث معاوية بن الحكم: «إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن».\nوفي «الصحيحين» من حديث سهل بن سعد الساعدي -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تأخر عن الصلاة في بني عمرو بن عوف، فتقدم أبو بكر الصديق، فجاء وقد صلَّى بهم أبو بكر، فذهب ليتأخر للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأشار إليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن مكانك. فرفع يديه أبو بكر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم تأخر، وتقدم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأتم الصلاة. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٥٧).","vol":"2","page":225},{"text":"٢١٥ - وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي، وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ (^١) مِنَ البُكَاءِ. أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>مسألة [١]: حكم البكاء، والتأوه، والأنين، والنحيب في الصلاة</span>.\n• قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٨٩): قد ذكرنا أنَّ مذهبنا أنه إن بان منه حرفان بطلت صلاته، وإلا فلا، وبه قال أحمد، وحكاه ابن المنذر عن أبى ثور، قال: وقال الشعبي، والنخعي، والمغيرة، والثوري: يعيد الصلاة. قال العبدري: وقال مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: إن كان لخوف الله تعالى، أو خوف النار؛ لم تبطل صلاته، وإلا فتبطل. اهـ\nقلتُ: أما إذا كان البكاء، والنحيب من خشية الله، غلبه ذلك، ولم يتكلفه؛ فجمهور العلماء على مشروعيته، وأما إذا كان لغير حاجة؛ فجمهور العلماء على أنه إن انتظم منها حرفان، بطلت صلاته.\n_________\n(^١) قال ابن الأثير -﵀- في «النهاية»: المِرجَل هو بالكسر: الإناء الذي يُغلى فيه الماء، وسواء كان من حديد، أو صفر، أو حجارة، أو خزف، والميم زائدة، قيل: لأنه إذا نصب كأنه أقيم على أرجل.\n(^٢) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٥)، وأبوداود (٩٠٤)، والنسائي (٣/ ١٣)، والترمذي في «الشمائل» (٣١٦)، وابن حبان (٧٥٣) من طرق عن حَماد بن سلمة، عن ثابت البُناني، عن مطرف بن عبد الله ابن الشخير، عن أبيه به. وإسناده صحيح.","vol":"2","page":226},{"text":"• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكره له ذلك، ولكن لا تبطل الصلاة، وإن انتظم منها حرفان؛ لأنَّ هذا ليس من جنس الكلام، فلا يصح قياسه على الكلام.\nوهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وقول أبي يوسف -﵀-، ورجحه شيخنا مقبل الوادعي -﵀-. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (٤/ ٨٥)، «المغني» (٢/ ٤٥٣)، «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٦٢١).","vol":"2","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-663>فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>مسألة [١]: الضحك في الصلاة</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٣/ ٢٥٤): وأجمعوا أن الضحك في الصلاة يفسد الصلاة. اهـ\nكذا أطلق ابن المنذر -﵀-، والمعلوم من مذهب الشافعية أنه يبطل إذا بان منه حرفان، وهو وجهٌ عند الحنابلة، لكن قال صاحب «الإنصاف» (٢/ ١٣٥): وعن الإمام أحمد أنه كالكلام، ولو لم يُبن حرفين، اختاره الشيخ تقي الدين، وقال: إنه الأظهر، وجزم به في «الكافي»، و«المغني»، وقال: لا نعلم فيه خلافًا، وقدمه في «الشرح»، وحكاه ابن هبيرة إجماعًا، وأطلقهما في «الفروع»، و«الفائق».اهـ\nقلتُ: عبارة شيخ الإسلام كما في «الاختيارات» (ص ٥٩): والأظهر أن الصلاة تبطل بالقهقهة إذا كان فيها أصوات عالية؛ فإنها تنافي الخشوع الواجب في الصلاة، وفيها من الاستخفاف، والتلاعب ما يناقض مقصود الصلاة، فأبطلت لذلك، لا لكونها كلامًا. اهـ\nقلتُ: وقد صحَّ عن جابر بن عبد الله، أنه قال: من ضحك في الصلاة؛ فليُعِد الصلاة، ولا يعد الوضوء. ولا نعلم له مخالفًا من الصحابة، وقد روى الدارقطني الحديث عن جابر مرفوعًا بلفظ: «من ضحك منكم في صلاته؛ فليتوضأ، ثم ليعد الصلاة»، وفي إسناده: محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي، وأبوه، وهما ضعيفان،","vol":"2","page":228},{"text":"وبَيَّنَ الدارقطني أنَّ الرَّاجح أنه موقوف على جابر بن عبد الله -﵁- باللفظ السابق. انظر: «السنن» (١/ ١٧٢).\nوالراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وقد فرق ابن قدامة بين القهقهة، والضحك المجرد من القهقهة، فنقل الإجماع على أنَّ القهقهة تبطل، فقال: ولا نعلم فيه مخالفًا.\nوأما الضحك، فاشترط أن يبين منه حرفان، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>مسألة [٢]: التبسم في الصلاة</span>.\n• ذهب عامة العلماء إلى أنَّ التبسم لا يفسد الصلاة، وخالف ابن سيرين، وابن حزم، فقالا: إنَّ التبسُّمَ يبطل الصلاة، والراجح قول الجمهور؛ لعدم وجود دليل يدل على البطلان. انظر المصادر السَّابِقة.\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (٤/ ٨٩)، «المغني» (٢/ ٤٥١).","vol":"2","page":229},{"text":"٢١٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁-، قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَدْخَلَانِ، فَكُنْت إذَا أَتَيْته وَهُوَ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ لِي. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>مسألة [١]: حكم التنحنح في الصلاة</span>.\n• ذهب الشافعي، وأحمد في رواية، ومالك في أحد قوليه إلى أن النحنحة إن أبانت حرفين؛ فهي كالكلام.\n• وذهب أبو يوسف، وأحمد في رواية، ومالك في أحد قوليه، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنها ليست مبطلة للصلاة، وكرهوا النحنحة بلا حاجة؛ وذلك لأنَّ المحَرَّمَ هو الكلام، والنحنحة لا تدخل في مسمى الكلام أصلًا؛ فإنها لا تدل بنفسها، ولا مع غيرها من الألفاظ على معنى، ولا يسمى فاعلها متكلمًا، وإنما يفهم مراده بقرينة، فصارت كالإشارة.\nوهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح الوادعي، والسعدي، وابن عثيمين رحمة الله عليهم. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه النسائي (٣/ ١٢)، وابن ماجه (٣٧٠٨).\nقال الحافظ في «التلخيص» (١/ ٥١٣): وقال البيهقي: هذا مختلف في إسناده ومتنه، قيل: سبح، وقيل: تنحنح. قال: ومداره على عبدالله بن نجي، قال الحافظ: واختلف عليه، فقيل: عنه عن علي، وقيل عن أبيه عن علي، وقال يحيى بن معين لم يسمعه عبدالله من علي، بينه وبينه أبوه. اهـ\nقلتُ: وأبوه نجي الحضرمي مجهول، تفرد بالرواية عنه ولده ولم يوثقه معتبر، وأما عبدالله بن نجي فوثقه النسائي، وقال البخاري: فيه نظر. وقال الدارقطني: ليس بقوي في الحديث.\n(^٢) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٦١٦ - ٦٢٢)، «المغني» (٢/ ٤٥٢)، «غايةالمرام» (٥/ ٢٥٠ - ٢٥١).","vol":"2","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-667>فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>مسألة [١]: حكم النَّفْخِ في الصلاة</span>.\nكره أهل العلم النفخ في الصلاة.\n• واختلفوا: هل يبطل الصلاة، أم لا؟ على ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه يبطل الصلاة إذا بان منه حرفان، وهو قول أحمد، والشافعي، ومالك، والثوري، وصحَّ عن ابن عباس أنه قال: من نفخ في صلاته؛ فقد تكلم. وهو في «مصنف عبدالرزاق (٢/ ١٨٩)، وابن أبي شيبة» (٢/ ٢٦٤).\nالثاني: أنه لا يبطل الصلاة، وهو قول النخعي، وابن سيرين، ويحيى بن أبي كثير، وأحمد في رواية، وإسحاق، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنَّ النفخ ليس بكلام، وقد صحَّ في «مسند أحمد» (٢/ ١٨٨)، و«سنن أبي داود» (١١٩٤)، وغيرهما عن عبدالله بن عمرو بن العاص، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في سجوده في صلاة الكسوف في الركعة الثانية بكى، وقال: «أف، أف، ربِّ ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم ...» الحديث.\nالثالث: إنْ كان النفخ يسمع؛ فهو كالكلام، وإن لم يكن يسمع؛ فلا يبطل الصلاة، قال ابن قدامة -﵀- بعد أن نسب هذا القول لأبي حنيفة: فإنْ أراد ما لا يسمعه الإنسان من نفسه؛ فليس ذلك بنفخ، وإنْ أراد ما لا يسمعه غيره؛ فلا يصح؛ لأنَّ ما أبطل الصلاة إظهارُه أبطلها إسرارُه، وما لا، فلا، كالكلام. اهـ","vol":"2","page":231},{"text":"والراجح هو القول الثاني. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>مسألة [٢]: ما يغلب على المصلي، كالعطاس، ونحوه</span>.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٦٢٣): فأما ما يغلب على المصلي من عطاسٍ، وبكاءٍ، وتثاؤبٍ؛ فالصحيح عند الجمهور أنه لا يبطل، وهو منصوص أحمد وغيره، وقد قال بعض أصحابه: إنه يبطل، وإن كان معذورًا كالناسي. اهـ\nفائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: فاللفظ على ثلاث درجات:\nأحدها: أن يدل على معنى بالوضع، إما بنفسه، وإما مع لفظ غيره، كـ: (في) و: (عن)، فهذا الكلام مثل: يد، و: دم، و: فم، و: خد.\nالثاني: أن يدل على معنى بالطبع، كالتأوه، والأنين، والبكاء، ونحو ذلك.\nالثالث: أن لا يدل على معنى، لا بالطبع ولا بالوضع، كالنحنحة.\nثم بيَّنَ أنَّ الذي يبطل هو النوع الأول، ببحث نفيس كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٦١٥ - ٦٢٤).\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٥٢)، و«مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٦١٨، ٦٢٠)، «الأوسط» (٣/ ٢٤٥)، و«شرح المهذب» (٤/ ٨٩)، «غاية المرام» (٥/ ٢٤٦ - ٢٤٧).","vol":"2","page":232},{"text":"٢١٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-[قَالَ] (^١): قُلْت لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْت النَّبِيَّ - ﷺ - يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>مسألة [١]: الرَّدُّ على السَّلام كلامًا</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الردَّ على السلام كلامًا يبطل الصلاة، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم.\nواستدلوا على ذلك بحديث جابر في «صحيح مسلم» (٥٤٠)، قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حاجة، فرجعت وهو يصلي على راحلته، ووجهه إلى غير القبلة، فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ، فلما انصرف قال: «إنه لم يمنعني أنْ أردَّ عليك إلا أني كنت أصلي».\n_________\n(^١) زيادة من المطبوع.\n(^٢) صحيح بشواهده. أخرجه أبوداود (٩٢٧)، والترمذي (٣٦٨)، وفي إسناده هشام بن سعد وهو ضعيف.\nوله طريق أخرى عند أحمد (٢/ ١٠)، وفيه أن ابن عمر سأل صهيبًا وفي إسناده احتمال الانقطاع؛ لأن سفيان قال: فقلت للرجل: سلم زيد بن أسلم: أسمعه من ابن عمر؟ فسأله؛ فقال: أما إني قد سمعته وكلمته. اهـ\nوله شاهد من حديث صهيب عند أبي داود (٩٢٥) وفي إسناده نابل صاحب العباء وهو مجهول. فالحديث صحيح بهذه الطرق، والله أعلم.\nوقد أخرج مسلم (٥٤٠) عن جابر بن عبدالله -﵄-: أنه سلم على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو يصلي فأشار إليه بيده.","vol":"2","page":233},{"text":"وبحديث ابن مسعود في «الصحيحين» (^١)، أنه قال: يا رسول الله، كُنَّا نسلم عليك في الصلاة، فترد علينا، فقال: «إنَّ في الصلاةَ لشُغْلًا».\n• وكان سعيد بن المسيب، وقتادة، والحسن، لا يرون بذلك بأسًا، وكأنهم لم تبلغهم الأدلة، والله أعلم.\nوالراجح قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>مسألة [٢]: الرد على السلام إشارةً</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب أن يرد المصلي على السلام بالإشارة، واستدلوا بالأحاديث المذكورة في الباب.\n• وقد قال أبو حنيفة: لا يرد السلام، ولا أحب أن يشير.\nقال ابن المنذر -﵀-: فاستحب خلاف ما سنَّه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأمته.\nقلتُ: وقد استُدِلَّ له بحديث أبي هريرة -﵁-: «من أشار بالصلاة إشارة تفهم عنه؛ فلْيُعِدِ الصلاة»، رواه أبو داود (٩٤٤).\nوهو حديث ضعيفٌ، فيه: ابن إسحاق، مدلسٌ، وقد عنعن.\nوقال أبو داود: هذا الحديث وهَمٌ.\nوقال أحمد: لا يثبت إسناده، ليس بشيء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١١٩٩)، ومسلم (٥٣٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٢/ ٤٦٠) «شرح مسلم» (٥٤٠)، «الأوسط» (٣/ ٢٥١)، «شرح المهذب» (٤/ ١٠٤).","vol":"2","page":234},{"text":"قلتُ: والحديث في «الصحيحين» بلفظ: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» بدون الزيادة المذكورة؛ فهي زيادة منكرة، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.\nوقد ثبت عن ابن عباس -﵄- عند عبد الرزاق (٢/ ٣٣٧)، وابن أبي شيبة (٢/ ٧٤)، أنه سلم عليه موسى بن جميل، وهو يصلي؛ فقبض ابن عباس بيده.\nوأخرج ابن أبي شيبة (٢/ ٧٤) فقال: حدثنا حفص، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: ما كنت لأسلم على رجل وهو يصلي، زاد أبو معاوية: ولو سلم علي لرددت عليه.\nوهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وأخرجه ابن المنذر (٣/ ٢٥١).\nوهذا محمول على أنه قصد الرد بالإشارة؛ فقد ثبت عنه عند ابن المنذر (٣/ ٢٥٢) أنه قال: لا ترد عليه حتى تنقضي صلاتك.\nوقد روى أيضًا جابر -﵁-، عن النبي - ﷺ - أنه سلم عليه وهو يصلي؛ فرد عليه النبي - ﷺ - بالإشارة. أخرجه مسلم (١٢٣٤).\nوالصحيح ما ذهب إليه الجمهور.\n• وقد ذهب النخعي إلى أنه يرد بنفسه.\n• وذهب قومٌ إلى أنه يرد بعد الصلاة، منهم: عطاء، والنخعي، والثوري، وهذا","vol":"2","page":235},{"text":"القول لا بأس به، والأفضل ما ذهب إليه الجمهور من أنه يرد بالإشارة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>مسألة [٣]: هل يكره السلامُ على المصلي</span>؟\n• ذهب عطاء، وأبو مجلز، والشعبي، وإسحاق إلى كراهته؛ لأنه ربما غلط المصلي، فرد كلامًا. وتقدم آنفًا الأثر عن جابر -﵁- في اختياره لترك ذلك.\n• بينما ذهب أحمد، والشافعي، وأصحابهما، ومالك، وغيرهم إلى عدم الكراهة.\nوهذا القول هو الصحيح.\nقال النووي -﵀-: وهو الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة.\nوقد ثبت عن ابن عمر -﵄- بإسنادٍ صحيحٍ عند ابن المنذر (٣/ ٢٥١) أنه مر برجل قائم يصلي، فسلم عليه ثم قعد، فرد عليه المصلي السلام، ورجع الدار فقال: إن المصلي لا يتكلم؛ فإذا سلم عليك أحد وأنت تصلي؛ فأشر بيدك ولا تتكلم. وهو عند عبد الرزاق (٢/ ٣٣٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٧٤) بنحوه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>مسألة [٤]: الإشارة في الصلاة بغير السلام</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٣/ ٢٥٣): وقد سنَّ النبي - ﷺ - الإشارة في الصلاة في غير موضعٍ، من ذلك إشارته إلى الذين صلوا خلفه قيامًا أنِ اجلسوا، وأومأ إلى أبي بكر يوم خرج إلى بني عمرو بن عوف أنِ امضه. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٦٠)، «الأوسط» (٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، «غاية المرام» (٥/ ١٢٨).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٦١)، «شرح المهذب» (٤/ ١٠٥).","vol":"2","page":236},{"text":"قلتُ: وفي «الصحيحين» (^١) من حديث أم سلمة أنَّ جاريتها سألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الركعتين بعد العصر، فأشار بيده، فاستأخرت.\nوأخرج ابن المنذر بإسنادٍ صحيحٍ عن ثابت، عن أبي رافع قال: كان يجيء الرجلان إلى الرجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - وهو في الصلاة، فيشهد أنه على الشهادة، فيصغي لهما بسمعه، فإذا فرغا يومئ برأسه أي نعم.\nولذلك فقد ذهب الجمهور إلى جواز الإشارة للحاجة، وخالف أبو حنيفة، واستدل بالحديث السابق، وقد تقدم أنه ضعيفٌ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤).\n(^٢) وانظر: «نيل الأوطار» (٢/ ٣٣٢).","vol":"2","page":237},{"text":"٢١٨ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ -﵁-، قَالَ: كَانَ رَسُولُ - ﷺ - يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَلِمُسْلِمٍ: وَهُوَ يَؤُمَّ النَّاسَ فِي المَسْجِدِ.\n\n٢١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الحَيَّةَ، وَالعَقْرَبَ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>مسألة [١]: حمل الصبي في الصلاة</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى جوازه، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، واستدلوا بحديث أبي قتادة الذي في الباب، وخالف أبو حنيفة، فقال بفساد صلاته.\nوالراجح قول الجمهور. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>مسألة [٢]: المرأة ترضع صبيها</span>.\n• قال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٣/ ٢٧٨): واختلفوا في المرأة ترضع صبيها، فقال الأوزاعي مرةً: قطعت صلاتها. وقال مرةً: إنْ كانت من ضرورة؛ فلا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٦)، ومسلم (٥٤٣).\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٩٢١)، والنسائي (٣/ ١٠)، والترمذي (٣٩٠)، وابن ماجه (١٢٤٥)، وابن حبان (٢٣٥٢)، وأخرجه أيضًا أحمد (٢/ ٢٣٣، ٢٥٥، ٤٧٣، ٤٧٥)، كلهم من طريق يحيى ابن أبي كثير، عن ضمضم بن جوس، عن أبي هريرة به. وإسناده صحيح، وقد صرح ابن أبي كثير بالسماع في بعض طرق أحمد.\n(^٣) وانظر: «الأوسط» (٣/ ٢٧٧).","vol":"2","page":238},{"text":"بأس به. وقال أبو ثور: إنْ لم ينكشف ثديها؛ فصلاتها تامة. اهـ\nقلتُ: قول أبي ثور أقرب، وهو قول الحسن والنخعي كما في «فتح الباري» لابن رجب (٥١٦)، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>مسألة [٣]: قتل الحية، والعقرب أثناء الصلاة</span>.\nقال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى- في «نيل الأوطار» (٢/ ٣٤٢): والحديث يدل على جواز قتل الحية، والعقرب في الصلاة من غير كراهة، وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء كما قال العراقي، وحكى الترمذي عن جماعة كراهة ذلك، منهم: إبراهيم النخعي. اهـ\nقلتُ: والراجح ما ذهب إليه الجمهور، وهو الجواز من غير كراهة، وقد صحَّ ذلك عن ابن عمر -﵄- كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٩٠).\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٣/ ٢٧١): وكره قتل العقرب في الصلاة النخعي، ولا معنى لقوله مع أمر رسول الله - ﷺ - بقتله، ثم هو بنفسه قولٌ شاذٌّ لا نعلم أحدًا قال به. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>مسألة [٤]: قتل القمل، والبراغيث في الصلاة</span>.\n• ذهب الإمام أحمد، وإسحاق إلى جوازه.\nواستدلوا بحديث الباب بجامع الأذية والانشغال عن الصلاة، وهو ثابت عن معاذ -﵁- عند ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٧، ٣٦٨).\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٣٩٩).","vol":"2","page":239},{"text":"• وكرهه الليث، وأبو يوسف، وقال الأوزاعي: تركُ ذلك أحبُّ إليَّ.\nوالراجح القول الأول -والله أعلم-؛ لأنها ربما تؤذيه، وإذا أخَّرَ قتلها شغلته عن الصلاة. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٣/ ٢٧٧)، «الفتح» لابن رجب (٦/ ٣٩٨).","vol":"2","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-678>فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>مسألة [١]: العمل في الصلاة من غير جنس الصلاة</span>.\nنقل جماعةٌ من أهل العلم الإجماعَ على أنَّ العمل الكثير المتوالي في الصلاة يبطلها، وممن نقل الإجماع: الحافظ في «الفتح» (١٢١١)، وصاحب «الشرح الكبير» (١/ ٧٠٥)، وصاحب «المبدع» (١/ ٤٨٤).\n• ثم اختلف أهل العلم في ضابط الكثير الذي يبطل الصلاة على أقوال، ذكر النووي في «شرح المهذب» أربعة أوجه في مذهب الشافعية، وهي:\n١) القليل ما لا يسع زمانه فعل ركعة، والكثير ما يسعها. قال النووي: وهذا ضعيفٌ، أو غلطٌ.\n٢) كل عمل لا يحتاج إلى يديه جميعًا، قليل، وما احتاج كثيرٌ.\n٣) القليل ما لا يظن الناظر إليه أنَّ فاعله ليس في الصلاة، والكثير ما يظن أنه ليس فيها.\n٤) وهو الصحيح المشهور، وبه قطع المصنف -يعني الشيرازي- والجمهور أنَّ الرجوع فيه إلى العادة، فلا يضر ما يعده الناس قليلًا، كالإشارة برد السلام، وخلع النعل، ورفع العمامة ووضعها، ولبس ثوب خفيف، ونزعه، وحمل صغير ووضعه، ودفعِ مارٍّ، ودلك البصاق في ثوبه، وأشباه هذا، وأما ما عدَّهُ الناس كثيرًا، كخطوات كثيرة متوالية، وفعلات متتابعة؛ فتبطل الصلاة. اهـ","vol":"2","page":241},{"text":"والراجح في تعيين الكثير هو ما صححه النووي، وهو الذي عليه جمهور الحنابلة، وأما تقدير الشافعية العمل الكثير بثلاث حركات متوالية؛ فليس عليه دليل، وقد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خلع النعال، وحمل البنت في الصلاة، والصعود على المنبر، والهبوط منه، وهذا يظهر منه أنه أكثر من ثلاث حركات. (^١)\nفائدة: قال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٣/ ٣٥٦ - ٣٥٨): والحركة التي ليست مِن جِنْسِ الصَّلاة تنقسم إلى خمسة أقسام:\n١) واجبة. ... ٢) مندوبة. ... ٣) مباحة. ... ٤) مكروهة. ... ٥) محرَّمة.\nوالذي يبطل الصلاة منها هو المُحرَّم؛ فالحركة الواجبة: هي التي يتوقَّف عليها صحَّةُ الصَّلاة، والحركة المندوبة هي التي يتوقف عليها كمال الصلاة، والحركة المباحة هي الحركة اليسيرة للحاجة، أو الكثيرة للضرورة، والحركة المكروهة هي اليسيرة لغير حاجة، والحركة المحرمة هي الكثيرة المتوالية لغير ضرورة. انتهى باختصار.\nوقد ذكر -﵀- أمثلة لكل قسم منها، فراجعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>مسألة [٢]: عمل القلب في الصلاة هل يبطلها</span>؟\n• ثبت في «الصحيحين» (^٢) عن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٦/ ٣٨٢ - ٣٨٣) «شرح المهذب» (٤/ ٩٣) «الشرح الممتع» (٣/ ٤٨٠).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٠٨)، ومسلم برقم (٣٨٩).","vol":"2","page":242},{"text":"أذَّنَ المؤذنُ بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراطٌ، حتى لا يسمع التأذين، فإذا سكت المؤذن أقبل، فلا يزال بالمرء يقول له: اذكر ما لم يكن يذكر، حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم؛ فليسجد سجدتين وهو جالسٌ».\nوفي «مسند أحمد» (٣/ ٤٢٧)، من حديث أبي اليسر بإسناد صحيح مرفوعًا: «منكم من يصلي الصلاة كاملة، ومنكم من يصلي النصف، والثلث، والربع، والخمس»، حتى بلغ العشر، وعنده (٤/ ٣١٩، ٣٢١)، بنحوه بإسناد حسنٍ عن عمار بن ياسر -﵁-.\nوقال الإمام البخاري في «صحيحه» في [كتاب العمل في الصلاة]: باب تفكر الرجل في الشيء في الصلاة. وقال عمر: إني لأُجَهِّزُ جيشي، وأنا في الصلاة.\nثم استدل بحديث أبي هريرة المتقدم.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٦/ ٤٣٥): والمقصود من تخريجه في هذا الباب: أن الشيطان يأتي المصلي، فيذكره ما لم يكن يذكره، حتى يلبس عليه صلاته، فلا يدري كم صلى، وأنَّ صلاته لاتبطل بذلك، بل يؤمر بسجود السهو؛ لِشَكِّهِ في صلاته، وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على ذَلِكَ، ومنهم من قال: هو إجماع من يعتد به. وهذا يشعر بأنه خالف فيه من لا يعتد به، وقد قال طائفة قليلة من متأخري أصحابنا والشافعية: إنه إذا غلب الفكر على المصلي في أكثر صلاته، فعليه الإعادة؛ لفوات الخشوع فيها.\nثم ذكر الخلاف أيضًا عن أبي زيد المروزي الشافعي، وابن حامد الحنبلي.","vol":"2","page":243},{"text":"ثم قال: والحديث حجَّةٌ على هذه الأقوال كلها. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>مسألة [٣]: إذا عمل في الصلاة عملًا زائدًا من جنسها</span>.\nقال شمس الدين ابن قدامة -﵀- في «الشرح الكبير» (١/ ٧٠١): الزيادة في الصلاة تنقسم إلى قسمين: زيادة أقوال، وزيادة أفعال، وزيادة الأفعال تتنوع نوعين، أحدهما: زيادة من جنس الصلاة، مثل أن يقوم في موضع جلوس، أو يجلس في موضع قيام، أو يزيد ركعة، أو ركنًا؛ فإنْ فعله عمدًا؛ بطلت صلاته إجماعًا، وإنْ كان سهوًا؛ سجدَ له، قليلًا كان أو كثيرًا؛ لقول رسول الله - ﷺ -: «إذا زاد الرجلُ، أو نقص؛ فليسجد سجدتين»، رواه مسلم. (^١) اهـ المراد.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٣/ ٤٦٤): الظاهر أن المراد بالفعل ما ذَكَرَهُ المؤلِّف وبيَّنه بقوله: (قيامًا)، أو (قعودًا)، أو (ركوعًا)، أو (سجودًا)؛ لأن كلمة (فِعْل) هذه مجملة.\nوقوله: (قيامًا) (قعودًا) (ركوعًا) (سجودًا) هذه مبيِّنة؛ فالظاهر أن هذا هو المراد، وأنه لو زَادَ فِعْلًا غير هذه الأفعال الأربعة كرَفْعِ اليدين مثلًا في غير مواضع الرَّفْع، فإنه لا يدخل في عموم كلام المؤلِّف، فلا تبطل الصلاة بعمده، ولا يجب السجود لسهوه. انتهى.\nقلتُ: ولم أر من أبطل الصلاة؛ بزيادة فِعْلٍ لا يغير هيئة الصلاة، كرفع اليدين.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٥٧٢) (٩٦).","vol":"2","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-682>مسألة [٤]: من قرأ الفاتحة مرتين</span>.\nقال الشيرازي -﵀- في «المهذب» (٤/ ٩٠): فإن قرأ فاتحة الكتاب مرتين عامدًا؛ فالمنصوص أنه لا تبطل صلاته؛ لأنه تكرار ذكر، فهو كما لو قرأ السورة بعد الفاتحة مرتين، ومن أصحابنا من قال: تبطل؛ لأنه ركنٌ زادَه في الصلاة، فهو كالركوع والسجود. اهـ\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٩١): فإن قرأ الفاتحة مرتين سهوًا لم يضر، وإن تعمد؛ فوجهان: الصحيح المنصوص: لا تبطل؛ لأنه لا يخل بصورة الصلاة، والثاني: تبطل كتكرار الركوع، وهذا الوجه حكاه إمام الحرمين عن أبي الوليد النيسابوري من متقدمي أصحابنا الكبار، تفقه على ابن سريج، وحكاه صاحب «العدة» عن أبي علي بن خيران، وأبي يحيى البلخي، قال: وحكاه الشيخ أبو حامد عن القديم، والمذهب أنها لا تبطل، وبه قال الأكثرون، وكذا لو كرر التشهد الأخير، والصلاة على رسول - ﷺ - عمدًا لا تبطل؛ لما ذكرناه، قال المتولي وغيره: وإذا كرر الفاتحة، وقلنا لا تبطل صلاته، لا يجزيه عن السورة بعد الفاتحة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>مسألة [٥]: العمل الكثير من غير جنس الصلاة سهوًا، أو جهلًا هل يبطل الصلاة</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٦/ ٣٨٤): فأما الناسي والجاهل؛ فأكثر أصحابنا، والشافعية أن عمله الكثير يبطل كَعَمْدِهِ، ومن الشافعية من قال:","vol":"2","page":245},{"text":"فيه وجهان، أصحهما: لايبطل كالكلام، وكذلك حكى بعض أصحابنا رواية عن أحمد، أنه لايبطل عمل الساهي وإن كثر. وقال: هي أصح. واستدل بما فعله النبي - ﷺ - في خبر ذي اليدين، حين سلم ساهيًا، ثم لمَّا ذكرَ بنى على صلاته. اهـ\nقلتُ: القول بعدم البطلان أقرب، ويدل عليه أيضًا حديث معاوية بن الحكم السلمي عند أن عطس في الصلاة، فتكلم جهلًا، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>مسألة [٦]: القراءة من المصحف في الصلاة</span>؟\n• ذهب إلى جواز ذلك ابن سيرين، والحسن، وعطاء، والحكم، وعائشة بنت طلحة، وصح ذلك عن عائشة وأنس -﵄-.\nقال ابن أبي شيبة -﵀- (٢/ ٣٣٨): حدثنا ابن علية، عن أيوب، قال: سمعت القاسم، يقول: كان يؤم عائشة عبد يقرأ في المصحف. إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين.\nقال: وحدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا عيسى بن طهمان، قال: حدثني ثابت البناني، قال: كان أنس يصلي وغلامه يمسك المصحف خلفه، فإذا تعايا في آية، فتح عليه. وإسناده صحيح، رجاله ثقات.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى كراهة ذلك، وهو قول النخعي ومجاهد وحماد وقتادة وأبي عبد الرحمن السلمي.\nوالصحيح هو القول الأول؛ لأنه عمل يسير لحاجة، وقد فعله الصحابة رضوان الله عليهم.","vol":"2","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-685>مسألة [٧]: الأكل والشرب في الصلاة</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩): أجمع أهل العلم على أنَّ المصلي ممنوع من الأكل والشرب، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنَّ على من أكل، أو شرب في الصلاة عامدًا الإعادة.\n• قال: وقد اختلفوا في الشرب في التطوع: فَرُوِيَ عن ابن الزبير، وسعيد بن جبير أنهما شربا في الصلاة التطوع، حدثونا عن يحيى بن يحيى قال: ثنا هشيم، عن منصور، عن أبي الحكم، قال: رأيت ابن الزبير يشرب الماء، وهو في الصلاة.\nقال: ورُوِي عن طاوس أنه قال: لا بأس به. وقال إسحاق: إنْ فعله في التطوع؛ فلا إعادة عليه، وتَرْكُهُ أَسْلَم.\nثم قال ابن المنذر -﵀-: إذا شرب المصلي في الصلاة التطوع عامدًا؛ فعليه الإعادة، وكل من حُكِيَ عنه أنه شرب في التطوع كان شربه ساهيًا إنْ ثبت ذلك عن ابن الزبير، والذي رَوَى عن طاوس ما ذكره ليث. اهـ\nقلتُ: أثر ابن الزبير ضعيفٌ؛ لجهالة شيخ ابن المنذر، وأبو الحكم لم أعرفه، وأثر طاوس أيضًا ضعيفٌ؛ لضعف ليث بن أبي سليم، الراوي عنه، والراجح ما رجحه ابن المنذر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>مسألة [٨]: الأكل والشرب في الصلاة ناسيًا</span>.\n• قال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٣/ ٢٤٨): واختلفوا فيمن أكل، أو شرب","vol":"2","page":247},{"text":"في الصلاة ناسيًا، فكان عطاء يقول: إذا شرب في الصلاة ناسيًا؛ أتَمَّ صلاته، وسجد سجدتي السهو، وإن شرب عامدًا؛ أعاد. اهـ\nثم رَّجح ابن المنذر ما ذهب إليه عطاء، واستدل عليه بحديث ذي اليدين، فقاس الأكل، والشرب على الكلام، واستدل عليه أيضًا بنسيان الصائم، فقاس عليه نسيان المصلي، وهو مذهب الشافعي، وأحمد.\n• وخالف الأوزاعي، وأصحاب الرأي، فقالوا بالبطلان، وهو وجه للشافعية فيما إذا أكل كثيرًا.\nوالراجح القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>مسألة [٩]: بقايا الطعام في الفم</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٦٢): إنْ ترك في فيه ما يذوب، كالسُّكَّرِ، فذاب منه شيء، فابتلعه؛ أفسد صلاته؛ لأنَّه أَكْلٌ، وإنْ بقي في أسنانه، أو في فيه من بقايا الطعام يسير، يجري به الريق لم تفسد صلاته؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه. اهـ\nوهذا الذي قرره ابن قدامة هو مذهب الشافعية أيضًا كما في «شرح المهذب» (٤/ ٨٩ - ٩٠).\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٦٢)، «شرح المهذب» (٤/ ٩٠).","vol":"2","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-688>مُلْحَقٌ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلاةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>الشرط التاسع: النية</span>.\nنقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أنَّ الصلاة لا تجزئ إلا بالنية، منهم: ابن المنذر، والشيرازي، وغيرهما. (^١)\nوالدليل على اشتراط النية قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، والنية هي: القصد والإرادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>مسألة [١]: حكم الجهر بالنية</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢١٨): والجهر بالنية لا يجب، ولا يستحب باتفاق المسلمين، بل الجاهر بالنية مبتدع، مخالف للشريعة إذا فعل ذلك معتقدًا أنه من الشريعة؛ فهو جاهل، ضال يستحق التعزير والعقوبة على ذلك. اهـ\nوقال في (٢٢/ ٢٣٥): وأما الجهر بالنية، وتكريرها؛ فبدعة سيئة ليست مستحبة باتفاق المسلمين؛ لأنها لم يكن يفعلها رسول الله - ﷺ -، ولا خلفاؤه الراشدون. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٣/ ٧١)، و«المغني» (٢/ ١٣٢)، «شرح المهذب» (٣/ ٢٧٦).","vol":"2","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-691>مسألة [٢]: حكم التلفظ بالنية دون جهر</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٣١): ولكن تنازع العلماء: هل يستحب التلفظ بالنية سرًّا أم لا؟ هذا فيه قولان معروفان للفقهاء:\nفقالت طائفة من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد: يستحب التلفظ بها؛ لكونه أوكد.\nوقالت طائفة من أصحاب مالك، وأحمد، وغيرهما: لا يستحب التلفظ بها؛ لأن ذلك بدعة لم تنقل عن رسول الله - ﷺ -، ولا عن أصحابه، ولا أمر النبي - ﷺ - أحدًا من أمته أن يتلفظ بالنية، ولا عَلَّمَ ذلك أحدًا من المسلمين، ولو كان هذا مشهورًا مشروعًا لم يهمله النبي - ﷺ - وأصحابه، مع أن الأمة مبتلاة به كل يوم وليلة.\nوهذا القول أصح الأقوال، بل التلفظ بالنية نقصٌ في العقل والدين، أما في الدين؛ فَلِأَنَّه بدعة، وأما في العقل؛ فَلِأَنَّه بمنزلة من يريد أن يأكل طعامًا فيقول: نويت بوضع يدي في هذا الإناء أني أريد أن آخذ منه لقمةً، فأضعها في فمى، فأمضغها، ثم أبلعها؛ لأشبع. اهـ\nقلتُ: القول بأنَّ التلفظ بها بدعة هو القول الصواب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>مسألة [٣]: محل النية</span>.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٣٠): نية الطهارة من وضوء، أو غسل، أو تيمم، والصلاة، والصيام، والحج، والزكاة،","vol":"2","page":250},{"text":"والكفارات، وغير ذلك من العبادات لا تفتقر إلى نطق اللسان باتفاق أئمة الإسلام، بل النية محلها القلب دون اللسان باتفاقهم، فلو لفظ بلسانه غلطًا بخلاف ما نوى في قلبه؛ كان الاعتبار بما نوى، لا بما لفظ، ولم يذكر أحدٌ في ذلك خلافًا، إلا أن بعض متأخري أصحاب الشافعى -﵀- خَرَّجَ وجهًا في ذلك، وَغَلَّطَهُ فيه أئمة أصحابه، وكان سبب غلطه أن الشافعي قال: (إن الصلاة لابد من النطق في أولها)، وأراد الشافعي بذلك التكبير الواجب في أولها، فظن هذا الغالط أن الشافعي أراد النطق بالنية، فَغَلَّطَهُ أصحابُ الشافعي جميعهم. انتهى.\nقلتُ: وهذا الغالط الذي غَلِطَ في كلام الشافعي هو أبو عبد الله الزبيري، ذكر ذلك صاحب «الحاوي»، ونقله عنه النووي في «شرح المهذب» (٣/ ٢٧٧)، ونصُّ كلام الشافعي بتمامه: إذا نوى حجًّا، أو عمرةً أجزأَ، وإن لم يتلفظ، وليس كالصلاة، لا تصح إلا بالنطق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>مسألة [٤]: محل النية من الصلاة</span>.\nأجمع العلماء على أن نية الصلاة تكون عند التكبير.\nثم اختلفوا: هل يُشترط مقارنتها للتكبير أم لا؟\n• فذهب الشافعي، وابن المنذر إلى وجوب مقارنة النية للتكبير، لا بعده، ولا قبله.\n• وذهب أحمد، وأبو حنيفة إلى جواز تقديمها بالزمن اليسير.\n• وذهب ابن حزم إلى وجوب تقديمها على التكبير متصلة به.","vol":"2","page":251},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٢٩): والمقارنة المشروطة قد تُفَسَّرُ بوقوع التكبير عقيب النية، وهذا ممكن لا صعوبة فيه، بل عامة الناس إنما يُصَلُّونَ هكذا، وهذا أمر ضروري، لو كُلِّفُوا تَرْكَه؛ لَعَجزوا عنه.\nوقد تُفَسَّرُ بانبساط آخر النية على آخر التكبير، بحيث يكون أولها مع أوله، وآخرها مع آخره، وهذا لا يصح؛ لأنه يقتضي عزوب كمال النية في أول الصلاة، وخلو أول الصلاة عن النية الواجبة، وقد تفسر بحضور جميع النية مع جميع آخر التكبير، وهذا تنازعوا في إمكانه.\nفمن العلماء من قال: إن هذا غير ممكن، ولا مقدور للبشر عليه فضلًا عن وجوبه، ولو قيل بإمكانه؛ فهو متعسر، فيسقط بالحرج، وأيضا فمما يبطل هذا والذي قبله: أن المكبر ينبغي له أن يتدبر التكبير ويتصوره، فيكون قلبه مشغولًا بمعنى التكبير لا بما يشغله عن ذلك من استحضار النية، ولأن النية من الشروط، والشروط تتقدم العبادات، ويستمر حكمها إلى آخرها كالطهارة، والله أعلم. انتهى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يتبين من هذا الكلام النفيس لشيخ الإسلام -﵀- أنَّ النية تكون قبل تكبيرة الإحرام متصلة بها، كما قال ابن حزم، بحيث لا يخلو جزء من التكبير من تمام النية، وهذا هو الراجح، والله أعلم.\nولكن ابن حزم لا يجيز تقدمها بزمنٍ يسير، ولا كثير، وقد تقدم أنَّ مذهب","vol":"2","page":252},{"text":"أحمد، وأبي حنيفة، ونقله ابن حزم عن مالك جواز تقدمها بالزمن اليسير، وهذا هو الراجح، ويُشترط أن لا يقطعها.\nواختلفوا في تقدمها على العبادة بالزمن الكثير:\n• فذهب أكثر أهل العلم إلى عدم الجواز.\n• وذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى الجواز ما لم يفسخها، واختاره جماعة من الحنابلة كما في «الإنصاف»، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الحنفية، وأبي يوسف، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنَّه مستصحب للنية حكمًا، ويشمله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات».\nوقد صحح هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\nتنبيه: إذا نوى الصلاة قبل أدائها بزمن يسير، أو كثير، وما زال مستصحبًا لها ذِكرًا؛ صَحَّت صلاته باتفاق العلماء. قاله شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٢٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>مسألة [٥]: استصحاب النية في الصلاة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٣٤): وَالْوَاجِبُ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ النِّيَّةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْوِي قَطْعَهَا، وَلَوْ ذَهَلَ عَنْهَا، وَعَزَبَتْ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ١٣٦)، «المجموع» (٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨)، «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٢٩)، «المحلَّى» (٣٥٤)، «الإنصاف» (٢/ ٢١)، «الأوسط» (٣/ ٧١)، «الشرح الممتع» (٢/ ٢٩٠ - ٢٩١).","vol":"2","page":253},{"text":"الصَّلَاةِ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهَا؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُعْتَبَرُ حَقِيقَتُهَا فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ، بِدَلِيلِ الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ حُصَاصٌ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اُذْكُرْ كَذَا، اُذْكُرْ كَذَا، حَتَّى يَظَلَّ أَحَدُكُمْ لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١) اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>مسألة [٦]: هل يُشترط في النية تعيين الصلاة</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط تعيين الصلاة بعينها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».\n• وذهب الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أنه يكفيه أن ينوي فرضَ الوقت، وإن لم يُعَيِّنْهُ.\nوالراجح القول الأول؛ لأنه إذا كان قد نوى فرض الوقت؛ فإنه يكون قد نوى عين الصلاة حالًا، أو ماضيًا، ويكون مستصحبًا لها حكمًا، وهذا جائزٌ كما تقدم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>مسألة [٧]: هل يُشترط نية الفرضية</span>؟\n• للشافعية، والحنابلة وجهان في اشتراط الفرضية، ومعنى ذلك أن ينوي أن يصلي الظهر فرضًا، لا نافلةً.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٢٣١)، ومسلم برقم (٨٣)، من [كتاب المساجد] عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ١٣٢)، «المجموع» (٣/ ٢٧٩).","vol":"2","page":254},{"text":"والصحيح أنه لا يُشترط؛ لأنَّ تعيين الفريضة يُغني عنها؛ لكون الظهر مثلًا لا يكون من المكلف إلا فرضًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>مسألة [٨]: حكم قطع النية، والتردد في قطعها</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٣٣ - ١٣٤): وَإِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةٍ مُتَرَدِّدَةٍ بَيْنَ إتْمَامِهَا وَقَطْعِهَا، لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ عَزْمٌ جَازِمٌ، وَمَعَ التَّرَدُّدِ لَا يَحْصُلُ الْجَزْمُ، وَإِنْ تَلَبَّسَ بِهَا بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، ثُمَّ نَوَى قَطْعَهَا، وَالْخُرُوجَ مِنْهَا؛ بَطَلَتْ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ صَحَّ دُخُولُهُ فِيهَا، فَلَمْ تَفْسُدْ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا كَالْحَجِّ.\nوَلَنَا: أَنَّهُ قَطَعَ حُكْمَ النِّيَّةِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ، فَفَسَدَتْ، كَمَا لَوْ سَلَّمَ يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْهَا، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ قَطَعَهَا بِمَا حَدَثَ، فَفَسَدَتْ؛ لِذَهَابِ شَرْطِهَا، وَفَارَقَتْ الْحَجَّ؛ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِمَحْظُورَاتِهِ، وَلَا بِمُفْسِدَاتِهِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. فَأَمَّا إنْ تَرَدَّدَ فِي قَطْعِهَا، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا بِنِيَّةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ النِّيَّةِ شَرْطٌ وَمَعَ التَّرَدُّدِ لَا يَكُونُ مُسْتَدِيمًا لَهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى قَطْعَهَا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ما قرره ابن قدامة في هذا الكلام هو الصواب، وأما مسألة التردد؛ فالصحيح ما ذهب إليه ابن حامد، وهو وجهٌ عند الحنابلة، من أنَّ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٢/ ١٣٢)، «المجموع» (٣/ ٢٧٩).","vol":"2","page":255},{"text":"النية لا تنقطع بالتردد، وقد صحح الإمام ابن عثيمين هذا القول؛ وذلك لأنَّ الأصل بقاء النية، والتردد لا يبطلها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>مسألة [٩]: تحويل النية من فريضة إلى فريضة أخرى أثناء الصلاة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٣٥): وَإِذَا أَحْرَمَ بِفَرِيضَةٍ، ثُمَّ نَوَى نَقْلَهَا إلَى فَرِيضَةٍ أُخْرَى، بَطَلَتْ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ نِيَّتَهَا، وَلَمْ تَصِحَّ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا مِنْ أَوَّلِهَا. اهـ\nقلتُ: وهو مذهب الشافعية بغير خلاف بينهم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>مسألة [١٠]: تحويل النية من فريضة إلى نافلة مطلقة</span>.\n• إذا كان الوقت واسعًا، والتحويل لغرض صحيح، مثل أن يحرم منفردًا، ثم تحصل جماعةٌ؛ فيصح تحويل النية إلى نفل على الأصح من مذهب الشافعية، والحنابلة؛ وذلك لأنَّ نية الفريضة تشمل نيةَ الصلاة وزيادة على ذلك نية الفرضية، والتعيين، فإذا ألغى نية الفرضية والتعيين، بقي نية الصلاة، وهي النافلة، وهذا القول هو الصحيح، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-.\n• وأما إذا كان التحويل لغير غرضٍ صحيح؛ فالأصح عند الشافعية، والحنابلة عدم الصحة، وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى الصحة مع الكراهة، وهذا القول أقرب؛ لِمَا تقدم، وأما الكراهة فلكون الفريضة مقدمة على النافلة، ولكونه\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٢٢)، «الشرح الممتع» (٢/ ٢٩١).\n(^٢) انظر: «شرح المهذب» (٣/ ٢٨٦).","vol":"2","page":256},{"text":"أسرع إلى إبراء الذمة.\nوقد رجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-، وقال في «الإنصاف»: إنه الصحيح في مذهب الحنابلة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>مسألة [١١]: تحويل النية من فريضة إلى نافلة معينة كالوتر، والنافلة المعينة إلى نافلة مطلقة</span>.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: إذا انتقل من نَفْل معيَّن إلى نَفْل معيَّن؛ فالحكم كما لو انتقل من فَرْض إلى فَرْض، فلو انتقل مثلًا من راتبة العشاء إلى الوِتر، فالرَّاتبة معيَّنة والوِتر معيَّنة، بطل الأول، ولم ينعقد الثاني؛ لأن الانتقال من معيَّن إلى معيَّن يُبطل الأول، ولا ينعقد به الثَّاني، سواء أكان فريضة أم نافلة.\nوإن انتقل من فَرض معيَّن، أو من نَفْل معيَّن إلى نَفْل مطلق؛ صحَّ، وهذه الصُّورة الرابعة، لكن يُشترط في الفرض أن يكون الوقت مُتَّسعًا، والتَّعليل: لأن المعيَّن اشتمل على نيَّتين: نيَّة مطلقة، ونيَّة معيَّنة، فإذا أبطل المعيَّنة بقيت المطلقة. اهـ (^٢)\nونستفيد مما تقدم: أنَّ تحويل النافلة المطلقة إلى فريضة، أو إلى نافلة معينة لا يصح؛ لأنَّ نية التعيين سواء للفريضة أو النافلة تحصل أثناء الصلاة، ولا تصح الفريضة، ولا النافلة المعينة إلا بتعيينها من بداية الصلاة، والله أعلم.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ١٣٥)، «شرح المهذب» (٣/ ٢٨٧)، «الشرح الممتع» (٢/ ٢٩٨)، «الإنصاف» (٢/ ٢٤).\n(^٢) «الشرح الممتع» (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨).","vol":"2","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-701>مسألة [١٢]: إذا أحرمَ بصلاة قبل الوقت، أو أحرم بفائتة فتذكر أنه قد أداها</span>؟\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ٢٨٧): إِنْ كَانَ عَالمًا بِحَقِيْقَةِ الحَالِ؛ فَالْأَصَحُّ البُطْلَان؛ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ، وَإِنْ جَهِلَ، وَظَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ، فَالصَّحِيْحُ انْعِقَادُهَا نَفْلًا، وَبِهِ قَطَعَ المصَنِّفُ وَالأَكْثَرُوْنَ.\nقلتُ: وهذا هو مذهب الحنابلة أيضًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-702>مسألة [١٣]: إذا شك هل نوى الصلاة فرضًا، أو نفلًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٣٥): وإنْ شَكَّ هل نوى فَرْضًا، أو نفلًا؟ أَتَمَّها نَفْلًا؛ إلَّا أنْ يَذْكُرَ أنَّه نَوى الفَرْضَ قَبَلَ أنْ يُحْدِثَ عَمَلًا. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٢/ ١٣٥)، «الإنصاف» (٢/ ٢٣ - ٢٤).","vol":"2","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-703>بَابُ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي</span>\nسُتْرَةُ المُصَلِّي: هي ما يجعله المصلي أمامه؛ لمنع المرور بين يديه.\n\n٢٢٠ - عَنْ أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ، خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\nوَوَقَعَ فِي البَزَّارِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: «أَرْبَعِينَ خَرِيفًا». (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٠)، ومسلم (٥٠٧). واللفظ متفق عليه، وأما زيادة (من الإثم) فليست في «البخاري» ولا في «مسلم».\n\nقال الحافظ في «الفتح» (٥١٠): زاد الكشميهني أحد رواة البخاري (من الإثم) وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات عند غيره، والحديث في الموطأ بدونها. وقال ابن عبدالبر: لم يختلف على مالك في شيء منه. وكذا رواه باقي الستة وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها، ولم أرها في شيء من الروايات مطلقًا، لكن في «مصنف ابن أبي شيبة» (يعني من الإثم) فيحتمل أن تكون ذكرت في أصل البخاري حاشية فظنها الكشميهني أصلًا؛ لأنه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفاظ بل كان راوية. اهـ\n(^٢) أخرجها البزار كما في «مسنده» (٣٧٨٢) عن أحمد بن عبدة الضبي عن سفيان بن عيينة عن أبي النضر مولى عمر بن عبيدالله عن بسر بن سعيد عن أبي جهيم به.\nوالمحفوظ عن أبي النضر في «الصحيحين» وغيرهما أنه قال: لا أدري أقال: أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة. رواه عن أبي النضر كذلك مالك والثوري وغيرهما؛ ولذلك فهذه الرواية (أربعين خريفًا) تعتبر شاذة، وقد جعل بعضهم المخالف بها سفيان بن عيينة، وهذا لا يصح، فقد قال الحافظ في «الفتح»: لكن رواه أحمد وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وغيرهم من الحفاظ عن ابن عيينة عن أبي النضر على الشك. اهـ، فتعين أن الخطأ ممن دون سفيان بن عيينة، والله أعلم.","vol":"2","page":259},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>مسألة [١]: حكم المرور بين يدي المصلي</span>.\nدلَّ حديث الباب على تحريم المرور بين يدي المصلي؛ ولذلك قال ابن عبدالبر -﵀- في «التمهيد» (٢١/ ١٤٨): لا خلاف بين العلماء في كراهية المرور بين يدي المصلي، والإثم على المار بين يدي المصلي فوق الإثم على الذي يدعه يمر بين يديه، وكلاهما عاصٍ إذا كان بالنهي عالمًا، والمار أشد إثمًا إذا تعمد ذلك، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا. اهـ\nوقال ابن حزم -﵀- كما في «مراتب الإجماع» (٣٥): واتفقوا على كراهية المرور بين المصلي وسترته، وأنَّ فاعل ذلك آثم. اهـ\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥١٠): وحكاه الترمذي عن أهل العلم، وقد حمل إطلاق هؤلاء للكراهة على التحريم؛ فإنَّ متقدمي العلماء كانوا يستعملون ذلك كثيرًا. اهـ\nقلتُ: وهو واضح في كلام الإمامين ابن عبد البر، وابن حزم؛ فإنَّ كليهما نقل الإجماع على الإثم أيضًا، والمكروه لا إثم فيه؛ إلا أن يكون كراهة تحريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>مسألة [٢]: هل يحرم المرور بين يدي المصلي إذا لم يكن بين يديه سترة</span>؟\n• جمهور الحنابلة، وكذا الحنفية على التحريم؛ لعموم حديث أبي جهيم.\n• وذهب بعض الحنابلة، والشافعية إلى أنه يكره ولا يحرم، واستدلوا بحديث","vol":"2","page":260},{"text":"ابن عباس، والمطلب بن أبي وداعة وهما حديثان ضعيفان، وسيأتي ذكرهما في بيان حكم السترة.\nوالراجح هو القول الأول، وقد صححه ابن رجب -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-706>مسألة [٣]: حد القرب الذي يمنع المار منه إذا صلَّى بدون سترة</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٢/ ٦٨٢): وفي قدر القرب الذي يمنع المرور فيه وجهان لأصحابنا:\nأحدهما: أنه محدود بثلاثة أذرع؛ لأنها منتهى المسنون في وضع السترة.\nوالثاني: حده بما لو مشى إليه لدفع المار أو غيره، لم تبطل صلاته. وجاء في حديث مرفوع من حديث ابن عباس: تقديره بقدر قذفة بحجر، أخرجه أبو داود. (^٢)\nوحكي عن الحنفية أنه لا يمنع من المرور إلا في محل سجود المصلي خاصة. انتهى المراد. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٢/ ٦٨٢) لابن رجب.\n(^٢) أخرجه أبو داود برقم (٧٠٤)، وضعَّفه؛ فقد وهَّم أبو داود فيه محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، وهو شيخه، ولكنه قد توبع؛ فقد أخرجه ابن عدي من وجهٍ آخر، وبين الحافظ ابن رجب أن الصحيح فيه أنه موقوف على عكرمة؛ فوهم بعض الرواة برفعه. والمرفوع من طريق هشام، عن أبيه، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس به. والموقوف من طريق أبي داود الطيالسي، عن هشام، عن يحيى، عن عكرمة به.\n(^٣) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٩٢).","vol":"2","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-707>مسألة [٤]: حكم المرور بين يدي المأمومين</span>.\nأخرج الشيخان (^١) عن ابن عباس -﵄-، قال: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ وَرَسُولُ الله - ﷺ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ. واللفظ للبخاري.\nقال ابن عبد البر -﵀- كما في «الفتح» (٤٩٣): حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس هَذَا يَخُصُّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيد: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ» (^٢)؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَخْصُوص بِالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِد، فَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس هَذَا، قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.\nثم نقل الحافظ الخلاف عن الحكم بن عمرو الغفاري، قال: فَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا نُقِلَ مِنْ الِاتِّفَاقِ. اهـ\nقلتُ: أثر الحكم الغفاري عند عبد الرزاق (٢/ ١٨ - ١٩)، وإسناده صحيح.\n• وقد منع ذلك أيضًا أحمد في رواية عنه، وقال سفيان: لا يعجبني ذلك.\n• وذهب الشافعية إلى الكراهة.\nوالراجح قول الجمهور، وهو الجواز؛ لحديث ابن عباس -﵄-. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٧٦)، ومسلم برقم (٥٠٤).\n(^٢) ذكره بالمعنى، وسيأتي في الكتاب برقم (٢٢٦).\n(^٣) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٤٩٣) (٢/ ٦١٤ - ٦١٥)، «الفتح» (٤٩٣) لابن حجر.","vol":"2","page":262},{"text":"٢٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ سُتْرَةِ المُصَلِّي؟ فَقَالَ: «مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>مسألة [١]: مقدار طول السترة</span>.\n• جاء عن أحمد أنه قال: طولها ذراع. وبه قال عطاء، والثوري، وأصحاب الرأي.\n• ورُوي عن أحمد أنه قدر عظم الذراع يعني من الرسغ إلى المرفقين وهو قول مالك، والشافعي.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ لَا التَّحْدِيدِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَدَّرَهَا بِآخِرَةِ الرَّحْلِ، وَآخِرَةُ الرَّحْلِ تَخْتَلِفُ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ، فَتَارَةً تَكُونُ ذِرَاعًا، وَتَارَةً تَكُونُ أَقَلَّ مِنْهُ، فَمَا قَارَبَ الذِّرَاعَ أَجْزَأَ الِاسْتِتَارُ بِهِ، وَاَلله أَعْلَمُ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٥٠٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٣/ ٨٢)، و«الأوسط» (٥/ ٨٩).","vol":"2","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-709>فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>مسألة [١]: مقدار عرض السترة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٨٣): فَأَمَّا قَدْرُهَا فِي الْغِلَظِ وَالدِّقَّةِ، فَلَا حَدَّ لَهُ نَعْلَمُهُ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ دَقِيقَةً كَالسَّهْمِ وَالْحَرْبَةِ وَغَلِيظَةً كَالْحَائِطِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ينبغي أن تكون متميزةً يراها من أراد المرور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>مسألة [٢]: مقدار ما بين المصلي، وبين سترته</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجعل بينه وبين السترة ثلاثة أذرع؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين دخل الكعبة جعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، وكان ابن عمر يفعل ذلك كما في «صحيح البخاري» (٥٠٦) من حديث بلال -﵁-.\n• وذهب مالك، والحسن إلى أنه ليس لها حدٌّ، وصحَّ عن عبدالله بن مغفل كما في «مصنف عبد الرزاق» (٢/ ١٦) أنه جعل سبعة أذرع، وقال ابن بطال، وغيره: أقل ما يكون بين المصلي، وبين سترته ممر شاة؛ لحديث سهل بن سعد -﵁- في «الصحيحين» (^١): كان بين مصلى رسول الله - ﷺ -، وبين الجدار ممر شاةٍ.\nقال ابن رجب -﵀-: قال القرطبي: وقد حمل بعض شيوخنا حديث ممر الشاة على ما إذا كان قائمًا، وحديث ثلاثة أذرع على ما إذا ركع أو سجد. كذا وجدته، وينبغي أن يكون بالعكس؛ فإن الراكع والساجد يدنوان من السترة أكثر من القائم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٩٦)، ومسلم برقم (٥٠٨).","vol":"2","page":264},{"text":"كما لا يخفى. اهـ\nوالراجح هو قول الجمهور، وذلك على سبيل الاستحباب لا الوجوب؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما حديث سهل بن سعد، فهو محمول على حال السجود. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٤٩٦)، «فتح الباري» لابن حجر (٤٩٦)، «الأوسط» (٥/ ٩٠)، «المغني» (٣/ ٨٤).","vol":"2","page":265},{"text":"٢٢٢ - وَعَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ وَلَوْ بِسَهْمٍ». أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>مسألة [١]: حكم سترة المصلي</span>.\n• ذهب طائفة من أهل العلم إلى الوجوب، نقله ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٢/ ١٣٠)، عن الإمام أحمد، وهو خلاف المشهور عنه، وإنما قال بالوجوب بعض أصحابه كما في «الإنصاف» (٢/ ١٠١)، وقال بالوجوب أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ٤٧): وهو ظاهر تبويب ابن خزيمة.\nورجَّحَ هذا القول الإمام الألباني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهما.\nواستدل هؤلاء الأئمة بأدلة، منها:\nحديث الباب، وهو ضعيفٌ، ويُغْنِي عنه حديث ابن عمر في «البخاري» (٤٩٤)، ومسلم (٥٠١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه.\nوحديث ابن عمر -﵄- عند ابن خزيمة (٨٠٠): «لا تُصَلِّ إلا إلى سترة، ولا تدع أحدًا يمر بين يديك، وبين السترة»، وهو حديث صحيح.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الحاكم (١/ ٢٥٢)، وأخرجه أيضًا البيهقي (٢/ ٢٧٠) من طريقه، وفي إسناده: عبدالملك بن الربيع بن سبرة، وهوضعيف، ضعفه ابن معين وغيره. وقد سقط من إسناد الحاكم كما يتبين من «سنن البيهقي».","vol":"2","page":266},{"text":"واستدلوا أيضًا بحديث أبي ذر: «يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل ...» الحديث، قالوا: فالسترة تحافظ على الصلاة من القطع، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومنها حديث سهل بن أبي حثمة عند أبي داود (٦٩٥) وغيره بإسناد جيد، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا صلَّى أحدكم إلى سترة، فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته»، قالوا: ومحافظة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على السترة حضرًا، وسفرًا يدل على الوجوب.\n• وذهب جمهور العلماء إلى استحباب الصلاة إلى سترة، وجعلوا الصارف للأحاديث السابقة من الوجوب إلى الاستحباب بعض الأحاديث، أصحُّها حديث ابن عباس في «البخاري»، وقد تقدم لفظه، وفيه: والنبي - ﷺ - يصلي إلى غير جدار.\nوقد أُجِيبَ على الجمهور: بأن نفي الجدار لا يدل على نفي وجود سترة أخرى، فاستدل الجمهور بروايةٍ عند ابن خزيمة (٨٣٨): والنبي - ﷺ - يصلي إلى غير شيء يستره.\nوهذه الرواية من طريق: عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيفٌ جدًّا.\nواستدلوا بحديث الفضل بن عباس عند أبي داود (٧١٨)، والنسائي (٢/ ٦٥)، قال: أتانا رسول الله - ﷺ -، ونحن في بادية لنا، ومعه عباس، فصَلَّى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا، وكلبة تعبثان بين يديه.\nوهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: عباس بن عبيدالله بن العباس، وهو مجهول حال، يرويه عن عمه الفضل بن عباس، ولم يدركه؛ فهو منقطعٌ، قاله ابن حزم،","vol":"2","page":267},{"text":"ووافقه الحافظ في «التهذيب».\nواستدل الجمهور أيضًا بحديث ابن عباس عند أبي يعلى (٢٤٢٣)، قال: جئت أنا وغلام من بني هاشم على حمار، فمررنا بين يدي النبي - ﷺ -، وهو يصلي، فنزلنا عنه، وتركنا الحمار يأكل من بقل الأرض، فدخلنا معه في الصلاة، فقال رجلٌ: أكان بين يديه عَنَزَة؟ قال: لا.\nوهذا الحديث أقوى ما يستدل به الجمهور؛ لأنَّ رجاله ثقات، ولكن الحديث لم يَسْلَمْ؛ فإنه من رواية علي بن الجعد، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن يحيى الجزار، عن ابن عباس، وعلي بن الجعد وإن كان ثقة ثبتًا إلا أنه قد خُولف:\nفقد رواه محمد بن جعفر، وعفان بن مسلم كما في «مسند أحمد» «٣١٦٧)، عن شعبة، وهما أثبت في شعبة، فلم يذكرا زيادة: أكان بين يديه عنزة؟، وخالفاه في الإسناد؛ فجعلاه عن شعبة، عن الحكم، عن يحيى الجزار، عن صهيب البصري، عن ابن عباس به.\nورواه عفان مرة بمثل ما رواه علي بن الجعد بدون الزيادة، كما في «مسند أحمد» (١/ ٢٥٤)، وكذلك عبد الوهاب الثقفي كما في «المسند» أيضًا (١/ ٢٥٠).\nوكذلك فإن يحيى الجزار لم يسمعه من ابن عباس، إنما سمعه بواسطة أبي الصهباء البكري، وعند أنْ رواه بالواسطة لم يذكر الزيادة (٥٤٧).\nوكذلك رواه الحسن العرني، عن ابن عباس عند البيهقي (٢/ ٢٧٧)، والطبراني (١٢٧٠٣) بدون الزيادة، والحسن العرني لم يسمع من ابن عباس -﵄-.","vol":"2","page":268},{"text":"فهذه الزيادة في النفس منها شيء، وكذلك في الحديث أنهم مروا بين يدي النبي - ﷺ - على حمار، فلو لم يكن بين يديه سترة؛ لقطعت الصلاة كما سيأتي.\nفالراجح -والله أعلم- هو القول بالوجوب. (^١)\nتنبيه: نقل ابن قدامة في «المغني» (٣/ ٨٠) عدم الخلاف على استحباب السترة، وهذا لا ينافي القول بالوجوب؛ لأنَّ فيه زيادة على الاستحباب، ولو قصد عدم الوجوب؛ لكان النقل غير صحيح لِمَا قدمناه من وجود الخلاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>مسألة [٢]: السترة في مكة</span>.\n• فيها قولان:\nالقول الأول: أنَّ حكمها في سترة الصلاة حكم سائر البلدان، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية، ورُوي عن ابن عمر (^٢)، واختاره البخاري في «صحيحه»، واستدل بحديث أبي جحيفة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى بالبطحاء وهو أبطح مكة في حجته إلى عنزة.\nالقول الثاني: أنَّ مكة يجوز الصلاة فيها إلى غير سترة، والمرور بين يدي المصلي فيها من غير كراهة، وهو قول طاوس، وعطاء، وأحمد، وجاء عن ابن الزبير (^٣)، ومحمد بن الحنفية، واستدل الإمام أحمد بحديث المطلب بن أبي\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٨٠) (٣/ ٩٠ - ٩١)، «الفتح» لابن رجب (٤٩٣).\n(^٢) وإسناده صحيح عنه، أخرجه أبو نعيم في «كتاب الصلاة» كما في «فتح الباري» لابن رجب (٥٠١).\n(^٣) ذكره ابن رجب في «الفتح» (٥٠١)، وفي إسناده عنعنة ابن جريج، عن غير عطاء؛ فالأثر ضعيف لا يثبت.","vol":"2","page":269},{"text":"وداعة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى ركعتين في حاشية المطاف، ليس بينه وبين الطواف أحدٌ.\nوهذا الحديث من رواية ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده المطلب، ورجاله ثقات.\nولكن رواه ابن عيينة عن كثير بن كثير، عن بعض أهله، عن جده، قال ابن عيينة: وكان ابن جريج أخبرنا عنه، فقال: حدثنا كثير عن أبيه، فسألته؟ فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن من بعض أهلي.\nقال ابن رجب -﵀-: فقد تبين من رواية ابن عيينة هذه أنها أصح من رواية ابن جريج، ولكن يصير في إسناده من لا يعرف. اهـ\nوعليه فالحديث ضعيفٌ، والراجح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>مسألة [٣]: الدنو من السترة</span>.\nاستحب العلماء للمصلي أن يدنو من سترته.\nوبَوَّبَ ابن خزيمة في «صحيحه»: [باب الأمر بالدنو من السترة]، ثم ذكر حديث سهل بن أبي حثمة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا صلَّى أحدكم إلى سترة؛ فليدنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته». (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٥٠١)، «المغني» (٣/ ٨٩).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٨٣).","vol":"2","page":270},{"text":"٢٢٣ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَقْطَعُ صَلَاةَ المَرْءِ (^١) المُسْلِمِ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ المَرْأَةُ، وَالحِمَارُ، وَالكَلْبُ الأَسْوَدُ» الحَدِيثُ، وَفِيهِ: «الكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\n٢٢٤ - وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، نَحْوُهُ دُونَ الكَلْبِ. (^٣)\n\n٢٢٥ - وَلِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- نَحْوُهُ دُونَ آخِرِهِ. وَقَيَّدَ المَرْأَةَ بِالحَائِضِ. (^٤)\n_________\n(^١) الحديث ذكره الحافظ في أوله بالمعنى.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٥١٠).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٥١١). وفيه ذكر الكلب، وليس فيه تقييده بالسواد.\n(^٤) الراجح وقفه على ابن عباس. أخرجه أبوداود (٧٠٣)، والنسائي (٢/ ٦٤)، من طريق شعبة عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس به. وهذا إسناد ظاهره الصحة، إلا أن شعبة قد خولف في رفعه، فقد رواه سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي وهمام، عن قتادة بإسناده موقوفًا.\nقال يحيى القطان في رواية شعبة بالرفع: أنا أفرقه، وأخاف أن يكون وهمًا.\nوقال أحمد: شعبة رفعه وهشام لم يرفعه، وكان هشام حافظًا.\nوقال في موضع آخر: لعل وقفه أشبه.\n\nقال أبوعبدالله غفر الله له: الراجح وقفه لأمور: أحدها: أن شعبة نفسه قد رواه موقوفًا. ذكر ذلك ابن رجب في «الفتح» فقال: وكذا وقفه غندر عن شعبة. الثاني: أن سليمان التيمي تابع قتادة فرواه عن جابر بن زيد موقوفًا. أخرجه عبدالرزاق (٢/ ٢٨). الثالث: أن عكرمة وعبيدالله بن أبي يزيد المكي تابعا جابر بن زيد فروياه عن ابن عباس موقوفًا. أخرجه عبدالرزاق (٢/ ٢٧ - ٢٨). الرابع: أن هشامًا وسعيدًا أرجح في قتادة من شعبة كما في الملحق من «شرح العلل».\nانظر «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٧٠٢ - ٧٠٣)، «شرح العلل» (٢/ ٦٩٧ - ٦٩٨)، والبيهقي (٢/ ٢٧٤)، و«العلل» لابن أبي حاتم (٦٠٦).","vol":"2","page":271},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>مسألة [١]: ما هو الذي يقطع الصلاة بمروره بين يدي المصلي</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: أنه لا يقطع الصلاة شيء، وهذا قول الجمهور، واستدلوا على ذلك بحديث أبي سعيد الخدري: «لا يقطع الصلاة شيء، وادرأوا ما استطعتم»، رواه أبوداود (^١)، وهو حديث ضعيفٌ، فيه: مجالد بن سعيد الهمداني، وهو ضعيفٌ، واستدلوا بحديث ابن عباس في «الصحيحين» (^٢)، أنه مرَّ بين يدي الصف على حماره، وبحديث عائشة في «الصحيحين» (^٣)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي إليها، وهي معترضة بين يديه نائمة. وهذا القول صحَّ عن علي، وعثمان، وابن عمر -﵃-.\nالثاني: أنه يقطع الصلاة ثلاثة أشياء: المرأة، والحمار، والكلب الأسود.\nوهذا قول أنس بن مالك، وابن عمر، وهو صحيح عنهما، وقال به عطاء، والحسن، وابن جريج، وابن خزيمة، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث أبي ذر، وأبي هريرة اللَّذَيْنِ في الباب.\nوهذا القول رجَّحه شيخ الإسلام، وابن القيم، وابن حزم.\nالثالث: يقطع الصلاة الكلب الأسود، والمرأة الحائض، وهو قول ابن\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في آخر الباب برقم (٢٢٨).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٧٦)، ومسلم برقم (٥٠٤).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٥١١)، ومسلم برقم (٥١٢).","vol":"2","page":272},{"text":"عباس، ورُوي عن عطاء.\nالرابع: يقطع الصلاة الكلب الأسود فقط، وهو قول أحمد، وإسحاق، واستدل هؤلاء بإخراج المرأة، والحمار، بالحديثين المتقدمين في قول الجمهور.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح هو القول الثاني؛ لظاهر الأدلة المذكورة، وتأويلها بقطع النقصان خلاف الظاهر منها، وأما حديث عائشة في نيامها بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فلا يدل على المراد؛ لأنَّ كلامنا على المرور لا على الوقوف بين يدي المصلي، وأما حديث ابن عباس -﵄-؛ فمروره كان بين يدي بعض الصف وهذا لا يضر؛ لأنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>مسألة [٢]: هل مرور المرأة أمام المرأة يقطع الصلاة</span>؟\n• ... تقدم أن الجمهور يرون بعدم قطع الصلاة بالكلية؛ فهم في هذه المسألة من باب أولى؛ لايرون أن مرور المرأة أمام المرأة يقطع الصلاة.\n• وأما القائلون بأن مرور المرأة أمام الرجل يقطع صلاته؛ فاختلفوا في هذا المسألة؛ فمنهم من يقول: إن مرورها أمام المرأة يقطع الصلاة؛ لأن الأصل عموم التشريع، واختار هذا القول الإمام ابن باز -﵀- كما في مجموع فتاواه (١١/ ٩٠)، والإمام العثيمين -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (١٣/ ٣١٨)، وكما في كتابه «لقاء الباب المفتوح» (رقم: ٧٨ ص ٩).\nوقال بعض أهل العلم: جاء في الحديث: «يقطع صلاة الرجل»؛ وقد يختص\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٥/ ١٠٠ -)، «المغني» (٣/ ٩٧ -)، «الفتح» لابن رجب (٥١٤).","vol":"2","page":273},{"text":"مرور المرأة أمام الرجل بحكمة لا تتعدى إلى المرأة أمام المرأة، وهو اختيار شيخنا الإمام الوادعي -﵀- كما في «الشفاء في أسئلة نساء المكلا»، وهذا القول يظهر لي أنَّه أقرب؛ لما تقدم ذكره، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>مسألة [٣]: سترة الإمام سترة لمن خلفه</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٨١): إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَذَلِكَ قال ابن المنذر -﵀-، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ.\nقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: كُلُّ مَنْ أَدْرَكْت مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ يُنْتَهَى إلَى قَوْلِهِمْ: سَعِيدُ بْن الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَغَيْرُهُمْ، يَقُولُونَ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ.\nوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (^١)، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ، وَلَمْ يَأْمُرْ أَصْحَابَهُ بِنَصْبِ سُتْرَةٍ أُخْرَى، وَفِي حَدِيثٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلْت رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْت بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ أَهْلِ الصَّفِّ، فَنَزَلْت، فَأَرْسَلْت الْأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْت فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ أَحَدٌ.\n_________\n(^١) أخرجه عبدالرزاق (٢/ ١٨)، وابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ١٠٧)، وفي إسناده: عبدالله العمري، وهو ضعيف.","vol":"2","page":274},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْإِمَامِ وَسُتْرَتِهِ شَيْءٌ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَصَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ صَحِيحَةٌ، لَا يَضُرُّهَا مُرُورُ شَيْءٍ بَيْنَ أَيْدِيهمْ فِي بَعْضِ الصَّفِّ، وَلَا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِمَامِ، وَإِنْ مَرَّ مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَسُتْرَتِهِ قَطَعَ صَلَاتَهُ، وَصَلَاتَهُمْ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>مسألة [٤]: إذا مرَّ من وراء السترة، أو من مكان بعيد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ١٠٢): وَمَنْ صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ، فَمَرَّ مِنْ وَرَائِهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؛ لَمْ تَنْقَطِعْ، وَإِنْ مَرَّ مِنْ وَرَائِهَا غَيْرُ مَا يَقْطَعُهَا، لَمْ يُكْرَهْ؛ لِمَا مَرَّ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَإِنْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، قَطَعَهَا إنْ كَانَ مِمَّا يَقْطَعُهَا، وَكُرِهَ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْطَعُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْهُ مَا يَقْطَعُهَا، قَطَعَهَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْطَعُهَا، كُرِهَ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَدَّ الْبَعِيدَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا الْقَرِيبَ، إلَّا أَنَّ عِكْرِمَةَ قَالَ: إذَا كَانَ بَيْنَك وَبَيْنَ الَّذِي يَقْطَعُ الصَّلَاةَ قَذْفَةٌ بِحَجَرٍ، لَمْ يَقْطَعْ الصَّلَاةَ.\nثم قال ابن قدامة -﵀-: وَلَا يُمْكِنُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِمَوْضِعِ السُّجُودِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ - ﷺ -: «إذَا لَمْ تَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، قَطَعَ صَلَاتَهُ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ»، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ السُّتْرَةِ تَنْقَطِعُ صَلَاتُهُ بِمُرُورِ الْكَلْبِ فِيهِ، وَالسُّتْرَةُ تَكُونُ أَبْعَدَ مِنْ مَوْضِعِ السُّجُودِ، وَالصَّحِيحُ تَحْدِيدُ ذَلِكَ بِمَا إذَا مَشَى إلَيْهِ، وَدَفَعَ الْمَارَّ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"2","page":275},{"text":"بَيْنَ يَدَيْهِ، لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ بِدَفْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَتَقَيَّدَ بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ بِمَا يَقْرُبُ مِنْهُ، بِحَيْثُ إذَا مَشَى إلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَاللَّفْظُ فِي الْحَدِيثَيْنِ وَاحِدٌ، وَقَدْ تَعَذَّرَ حَمْلُهُمَا عَلَى إطْلَاقِهِمَا، وَقَدْ تَقَيَّدَ أَحَدُهُمَا بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ بِقَيْدٍ، فَتَقَيَّدَ الْآخَرُ بِهِ، وَاَلله أَعْلَمُ. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ١٠٢ - ١٠٣).","vol":"2","page":276},{"text":"٢٢٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِنَّ مَعَهُ القَرِينَ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nقوله في حديث أبي سعيد: «...؛ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ».\nقال ابن رجب في «فتح الباري» (٥٠٩): قال أصحاب الشافعي: يدفعه دفع الصائل بالأسهل فالأسهل، ويزيد بحسب الحاجة، وإن أدى إلى قتله؛ فمات منه، فلا ضمان فيه كالصائل. وحكى القاضي أبو يعلى، ومن تابعه من أصحابنا عن أحمد في قتاله روايتين:\nإحداهما: يقاتله، وذكروا نصوصًا عن أحمد تدل عليه، وفيها: أنه كان يدفع في الثانية دفعًا شديدًا حتى ربما رمى بالمار.\nوالثانية: لا يفعل؛ فإنه قال في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي: يدرأ ما استطاع، وأكره القتال في الصلاة.\nقال: وقال ابن عبد البر في «التمهيد» في قوله: «فليقاتله»: المراد بالمقاتلة:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٩)، ومسلم (٥٠٥).\n(^٢) هذه الرواية لمسلم (٥٠٦) من حديث ابن عمر -﵄-.","vol":"2","page":277},{"text":"المدافعة، وأظنه كلامًا خرج على التغليظ، ولكل شيء حَدٌّ. قال: وأجمعوا على أنه لا يقاتله بسيف ولا بخاطفة ولا يبلغ معه مبلغا تفسد به صلاته.\nوَحُكِي عن أشهب، أنه قال: يرده بإشارة، ولا يمشي إليه؛ لأن مشيه إليه أشد من مروره بين يديه؛ فإن فعل، لم تبطل صلاته إذا لم يكن عملًا كثيرًا.\nقال: وقد كان الثوري يدفع المار بين يديه دفعًا عنيفًا.\nقال: وقال ابن عبد البر في «الاستذكار»: فإن دافعه مدافعة لا يقصد بها قتله، فكان فيها تلف نفسه؛ كانت عليه ديته كاملة في ماله. وقد قيل: الدية على عاقلته. وقيل: هي هدر على حسب ثنية العاض. اهـ\nوالقول الأخير قال به ابن حزم كما في «المحلى» (٢٠٩٢).\nقوله في حديث أبي سعيد: «فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ».\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥٠٩) (٢/ ٦٧٦): وقد اختلف في معناه، فقيل: المعنى أن معه الشيطان المقترن به، وهو يأمره بذلك، وهو اختيار أبي حاتم، وغيره، ويدل عليه حديث ابن عمر: «فإن معه القرين». وقيل: المراد أن فعله هذا فعل الشيطان، فهو بذلك من شياطين الإنس، وهو اختيار الجوزجاني، وغيره. انتهى.\nقلتُ: الراجح القول الأول؛ لحديث ابن عمر، ومن أجل ذلك ذكر الحافظ روايته عقب حديث أبي سعيد.","vol":"2","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-719>مسألة [١]: حكم المدافعة من المصلي للمار بين يديه</span>.\n• قال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٥٠٩) بعد أن ذكرَ الحديث: وظاهره الوجوب، وقد وقع في كلام ابن عبد البر ما يقتضيه، وأنه لا يعلم فيه خلافًا، ووقع في كلامه أيضًا ما يقتضي أنه على الندب دون الوجوب، وهو قول كثير من أصحابنا والشافعية، وغيرهم.\nثم قال: وفي كلام بعض المالكية ما يقتضي وجوب الدفع، إذا كان للمار مندوحة عنه، وكان المصلي قد تعرض لذلك في ابتداء صلاته. اهـ\nقلتُ: الظاهر أنَّ مذهب الجمهور هو الاستحباب، والحق ما ذهب إليه الظاهرية وغيرهم وهو الوجوب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>مسألة [٢]: إذا عبر من بين يديه، وتجاوز، فهل يرد</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يرد؛ لأنَّه مرور آخر، وجاء عن ابن مسعود، وسالم، والحسن خلاف ذلك، وهؤلاء الثلاثة لم يصح عنهم ذلك؛ فإنَّ في إسناد أثر ابن مسعود رجلًا مبهمًا، وله إسناد آخر فيه: ابن إسحاق، مدلِّسٌ، وقد عنعن في موضع الرجل المبهم، وأثر سالم في إسناده: عبدالله بن عمر العمري، وهو ضعيفٌ، وأثر الحسن فيه مبهمٌ، والصحيح قول الجمهور. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٩٢)، «المحلى» (٢٠٩٢).\n(^٢) انظر: «الأوسط» (٥/ ٩٥ - ٩٦)، «مصنف عبد الرزاق» (٢/ ٢٥)، «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٨٢)، «الفتح» لابن رجب (٢/ ٦٧١) (٥٠٩).","vol":"2","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-721>مسألة [٣]: هل يرد البهيمة إذا مرت بين يديه</span>؟\nصح من حديث عبدالله بن عباس -﵄- عند الحاكم (١/ ٢٥٤)، وهو في «الصحيح المسند»: أنَّ شاة أرادت أن تمر بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فساعاها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حتى ألزق بطنه بالحائط، ومرت من ورائه.\nورواه أحمد (٢/ ١٩٦)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- بنحوه، بإسناد حسن.\nفاستدل أهل العلم بهذا الحديث على أنَّ البهيمة أيضًا تُرد عن المرور؛ فإن لم ترجع صنع كما صنع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (^١)\n_________\n(^١) وانظر «المغني» (٣/ ٩٣).","vol":"2","page":280},{"text":"٢٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ بَلْ هُوَ حَسَنٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>مسألة [١]: الاستتار بالخط لمن لم يجد سترة</span>.\n• ذهب إلى ذلك أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والأوزاعي، وغيرهم.\n• ومنع من ذلك مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والليث، وابن عيينة، وغيرهم، وقالوا: لا يجزئ. وهو الصواب؛ لضعف الحديث الدال عليه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>مسألة [٢]: الاستتار بالشيء الذي لا ينتصب</span>.\n• ذهب أحمد، والأوزاعي، وهو قول سعيد بن جبير إلى أنه يعرضها عرضًا، ويصلي إليها.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٩)، وابن ماجه (٩٤٣)، وابن حبان (٢٣٦١)، ومدار طرقه على إسماعيل بن أمية، وقد اضطرب في هذا الحديث اضطرابًا كثيرًا، ومع ذلك فشيخه مجهول، فلو سلم من الاضطراب لبقيت الجهالة، فأنَّى له الحسن، بل هو حديث ضعيف.\nقال النووي -﵀- في «الخلاصة» (١/ ٥٢٠): قال الحفاظ: هو ضعيف؛ لاضطرابه، وممن ضعفه: سفيان بن عيينة فيما حكاه عنه أبو داود، وأشار إلى تضعيفه أيضًا الشافعي، والبيهقي، وصرح به آخرون. اهـ، وضعفه أيضًا أحمد كما في «الفتح» لابن رجب رقم (٥٠٠).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٨٦)، «الأوسط» (٥/ ٩١ - ٩٢).","vol":"2","page":281},{"text":"• ومنع ذلك النخعي، واستحب سفيان الخط، وقدمه على ذلك.\nوالراجح القول الأول؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (٥/ ٩٠).","vol":"2","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-724>فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>مسألة [١]: الاستتار بالبعير، والحيوان</span>.\n• ذهب أحمد إلى مشروعية ذلك، وفعله ابن عمر، وأنس، وحكي عن الشافعي أنه لا يستتر بالدابة، والصحيح قول أحمد؛ لحديث ابن عمر في «الصحيحين» (^١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلى إلى بعير. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>مسألة [٢]: هل يجعل السترة أمام وجهه، أم يميل عنها يسيرًا</span>؟\nأخرج أحمد (٦/ ٤)، وغيره من حديث المقداد بن الأسود -﵁-، قال: ما رأيت رسول الله - ﷺ - صلى إلى عود، أو إلى عمود، أو إلى شجرة؛ إلا جعله على حاجبه الأيمن، أو الأيسر، ولا يصمد له صمدًا. أي: لا يستقبله بجعله وسطًا. وهذا الحديث ضعيفٌ، أو أشد، فيه: الوليد بن كامل، ضعيفٌ، والمهلب بن حجر، وضباعة بنت المقداد، وهما مجهولان.\nوقد استدل به بعض أهل العلم على استحباب ذلك، ولكن الحديث ضعيفٌ كما عرفت، وظاهر أحاديث السترة المتكاثرة أنه يجعلها أمامه تلقاء وجهه، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٣٠)، ومسلم برقم (٥٠٢) (٢٤٨).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٨٥)، «الأوسط» (٥/ ٨٦).\n(^٣) انظر: «المغني» (٣/ ٨٧).","vol":"2","page":283},{"text":"٢٢٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَادْرَءُوا (^١) مَا اسْتَطَعْتُمْ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. (^٢)\nالحديث استدل به الجمهور كما تقدم على أنه لا يقطع الصلاة شيء، وقد تقدمت المسألة، ولله الحمد.\n_________\n(^١) في المخطوطتين: (وادرأ ما استطعت)، وفي «سنن أبي داود» بالجمع.\n(^٢) ضعيف. أخرجه أبوداود (٧١٩)، وفي إسناده مجالد بن سعيد الهمداني وهو ضعيف، وقد اضطرب في رفعه ووقفه.","vol":"2","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-727>بَابُ الحَثِّ عَلَى الخُشُوعِ فِي الصَّلاةِ</span>\nقال ابن القيم -﵀- في «مدارج السالكين»: الخشوع قيام القلب بين يدي الرَّب بالخضوع، والذل، والجمعية عليه. اهـ\n• وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الخشوع سُنَّةٌ، وادعى النووي الإجماع على عدم وجوبه.\n• والواقع وجود الخلاف، فقد ذهب ابن حامد الحنبلي، وأبو حامد الغزالي إلى أنه إنْ غلب عليه عدم الخشوع فيها؛ فعليه الإعادة، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.\nوقد ذكر ابن القيم لهذا القول حججًا قوية، ثم ذكر أنَّ الجمهور استدلوا على عدم الوجوب بحديث أبي هريرة -﵁-، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «فإذا قضي التثويب أقبل الشيطان حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، واذكر كذا، حتى يظل الرجل ما يدري كم صلَّى، فإذا وجد ذلك أحدكم؛ فليسجد سجدتين وهو جالسٌ». (^١)\nقالوا: فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها حتى لم يدر كم صلَّى بأن يسجد سجدتي السهو، ولم يأمره بإعادتها، ولو كانت باطلة؛ لأمره بإعادتها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٢٣١)، ومسلم برقم (٨٣) من [كتاب المساجد].","vol":"2","page":285},{"text":"ثم ذكر ابن القيم حججًا أخرى لأهل هذا القول، ثم رجَّح قول الجمهور، وهو ترجيح ابن رجب أيضًا، وهو الراجح، والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال الشوكاني في «فتح القدير» (٣/ ٤٧٣): وادَّعى عبد الواحد بن زيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته، حكاه النيسابوري في «تفسيره».انتهى المراد.\nقلتُ: ويدل على هذا القول حديث أبي اليسر، وعمار بن ياسر، اللَّذَيْنِ تقدم ذكرهما في مسألة: [عمل القلب في الصلاة]، فراجع ذلك.\n_________\n(^١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٥٥٣، ٦١٢)، «فتح الباري» لابن رجب (٧٤١)، «فتح الباري» لابن حجر (٧٤١)، «مدارج السالكين» (١/ ٥٢٢، ٥٢٦ -).","vol":"2","page":286},{"text":"٢٢٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\nوَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ.\n\n٢٣٠ - وَفِي «البُخَارِيِّ» عَنْ عَائِشَةَ -﵂-: أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ اليَهُودِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>مسألة [١]: معنى الاختصار، وحكمه</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٦/ ٤٢٨): والاختصار فَسَّرَهُ الأكثرون بوضع اليد على الخاصرة في الصلاة، وبذلك فَسَّرَهُ الترمذي في «جامعه»، وعليه يدل تبويب النسائي ...، وبهذا التفسير فسره جمهور أهل اللغة، وأهل غريب الحديث، وعامة المحدثين والفقهاء، وهو الصحيح الذي عليه الجمهور. اهـ\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ تَفْسِيرِهِ، وَحَكَى الْهَرَوِيّ فِي اَلْغَرِيبَيْنِ أَنَّ اَلْمرَادَ بِالِاخْتِصَارِ قِرَاءَة آيَةٍ، أَوْ آيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ اَلسُّورَة، وَقِيلَ: أَنْ يَحْذِفَ اَلطُّمَأْنِينَة. وَهَذَانِ اَلْقَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدهمَا مِنْ اَلِاخْتِصَارِ مُمْكِنًا، لَكِنَّ رِوَايَة اَلتَّخَصُّر وَالْخَصْر تَأْبَاهُمَا، وَقِيلَ: اَلِاخْتِصَارُ أَنْ يَحْذِفَ اَلْآيَةَ اَلَّتِي فِيهَا اَلسَّجْدَة إِذَا مَرَّ بِهَا فِي قِرَاءَتِهِ حَتَّى لَا يَسْجُدَ فِي اَلصَّلَاةِ لِتِلَاوَتِهَا حَكَاهُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢١٩)، ومسلم (٥٤٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤٥٨) عنها أنها كانت تكره أن يجعل المصلي يده في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله.","vol":"2","page":287},{"text":"اَلْغَزَالِيّ، وَحَكَى اَلْخَطَّابِيّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يُمْسِكَ بِيَدِهِ مِخْصَرَة، أَيْ: عَصًا يَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا فِي اَلصَّلَاةِ، وَأَنْكَرَ هَذَا اِبْن اَلْعَرَبِيِّ فِي «شَرْحِ اَلتِّرْمِذِيّ» فَأَبْلَغَ، وَيُؤَيِّدُ اَلْأَوَّل مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ. اهـ، ثم ذكر حديث ابن عمر الذي تقدم ذكره.\nقال ابن رجب -﵀- (٦/ ٤٣٠): وحكى ابن المنذر كراهة الاختصار على هذا الوجه عن ابن عباس،، وعائشة، ومجاهد، والنخعي، وأبي مجلز، ومالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وهو قول عطاء، والشافعي، وأحمد أيضًا. اهـ\nقلتُ: وقد ثبت عند أبي داود (٩٠٣)، عن زياد بن صبيح، قال: صليت إلى جنب ابن عمر، فوضعت يدي على خاصرتي، فقال ابن عمر: هذا هو الصلب في الصلاة، وقد كان النبي - ﷺ - ينهى عنه، وإسناده صحيح.\nوهذا الأثر عن ابن عمر ظاهره أنَّ ابن عمر يرى تحريم ذلك، وعدم الجواز، وهو ظاهر قول عائشة أيضًا.\nوأما أثر ابن عباس ففيه ضعفٌ، وقد ذهب إلى التحريم الظاهرية، والشوكاني، والمباركفوري، وشرف الحق آبادي، وهذا القول هو الصواب؛ لعدم وجود صارف للنهي عن حقيقته، وهي التحريم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٣/ ٢٦٣)، و«النيل» (٨٥٠).","vol":"2","page":288},{"text":"٢٣١ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إذَا قُدِّمَ العَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا المَغْرِبَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>مسألة [١]: تقديم الطعام إذا قُرِّبَ على الصلاة</span>.\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: استحباب تقديم العشاء، والطعام على الصلاة، سواء كانت الحاجة شديدة، أو خفيفة، وهو قول جماعة من الصحابة، منهم: ابن عمر، وأبو الدرداء، وابن عباس، وهو ثابت عنهم، وجاء عن غيرهم، وهذا قول أحمد في المشهور عنه، وإسحاق، والثوري، وابن المنذر، قالوا: ويكره تقديم الصلاة في مثل هذه الحالة على الطعام.\nالثاني: يبدأ بالصلاة؛ إلا أن تكون نفسه شديدة التَّوَقَان إلى الطعام، وهذا مذهب الشافعي، وابن حبيب المالكي.\nالثالث: يبدأ بالصلاة؛ إلا أن يكون الطعام خفيفًا، نقله ابن المنذر عن مالك.\nالرابع: يبدأ بالصلاة؛ إلا أن يكون الطعام يخاف فساده، وهذا قول وكيع، رواه الترمذي في «جامعه» عنه، قال ابن رجب: وفي هذا القول بُعْدٌ، وهو مخالفٌ لظاهر الأحاديث الكثيرة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٢)، ومسلم (٥٥٧). وعندهما زيادة: «ولا تعجلوا عن عشائكم».","vol":"2","page":289},{"text":"الخامس: وجوب تقديم الطعام على الصلاة مطلقًا، وهو قول الظاهرية، واستدلوا بحديث الباب، وما أشبهه من الأحاديث.\nوالراجح هو القول الأول، والصارف للأمر من الوجوب إلى الاستحباب حديث عمرو بن أمية الضمري في «الصحيحين» (^١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دُعِيَ إلى الصلاة، وهو يحتز من كتف شاة، فقام، وطرح السكين، وصلَّى. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>مسألة [٢]: إذا قدم الصلاة على الطعام</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٤/ ١١٠): ومتى خالف، وصلَّى بحضرة طعام تتوق نفسه إليه؛ فصلاته مُجْزِئة عند جميع العلماء المعتبرين، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن عبدالبر، وغيره، وإنما خالف فيه شذوذ من متأخري الظاهرية، لا يَعْبَأُ بخلافهم الإجماعُ القديمُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>مسألة [٣]: هل يقدم الطعام إذا خشي خروج وقت الصلاة</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤/ ١٠٩): فأما الوقت؛ فلا يرخص بذلك تفويته عند جمهور العلماء، ونصَّ عليه أحمد، وغيره، وشذَّت طائفةٌ فرخصت في تأخير الصلاة عن الوقت بحضور الطعام أيضًا، وهو قول الظاهرية، ووجهٌ ضعيف عند الشافعية. انتهى.\nوالراجح قول الجمهور.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٨)، ومسلم برقم (٣٥٥).\n(^٢) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ١٠٥ - ١٠٧).","vol":"2","page":290},{"text":"٢٣٢ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَمْسَحِ الحَصَى، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. (^١) وَزَادَ أَحْمَدُ: «وَاحِدَةً أَوْ دَعْ». (^٢)\n\n٢٣٣ - وَفِي «الصَّحِيحِ» عَنْ مُعَيْقِيبٍ نَحْوُهُ بِغَيْرِ تَعْلِيلٍ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>مسألة [١]: حكم مسح الحصى في الصلاة</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «فتح الباري» (١٢٠٧): وَحَكَى اَلنَّوَوِيّ اِتِّفَاق اَلْعُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَةِ مَسْح اَلْحَصَى وَغَيْره فِي اَلصَّلَاةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَقَدْ حَكَى اَلْخَطَّابِيّ فِي «الْمَعَالِمِ» عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، وَكَانَ يَفْعَلُهُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ اَلْخَبَرُ، وَأَفْرَطَ بَعْضُ أَهْل اَلظَّاهِر، فَقَالَ: إِنَّهُ حَرَامٌ إِذَا زَادَ عَلَى وَاحِدَةٍ لِظَاهِرِ اَلنَّهْيِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا إِذَا تَوَالَى أَوْ لَا، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِ اَلْخُشُوعِ، وَاَلَّذِي\n_________\n(^١) صحيح دون قوله: «فإن الرحمة تواجهه». أخرجه أحمد (٥/ ١٥٠) (٥/ ١٦٣)، وأبوداود (٩٤٥)، والنسائي (٣/ ٦)، والترمذي (٣٧٩)، وابن ماجه (١٠٢٧)، وفي إسناده أبوالأحوص رجل مجهول تفرد بالرواية عنه الزهري ولم يوثقه معتبر.\nولكن للحديث طريق أخرى عند أحمد ستأتي، وليس فيها «فإن الرحمة تواجهه»، وله شاهد أيضًا سيأتي من حديث معيقيب بدون التعليل أيضًا. فالحديث صحيح بدون الزيادة المذكورة.\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ١٦٣)، وفي إسناده محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ، وهذه الطريق تقوي الطريق المتقدمة، وهذه الزيادة يشهد لصحتها الحديث الآتي.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٠٧)، ومسلم (٥٤٦). ولفظه: ذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المسح على الحصى فقال: «إن كنت لابد فاعلًا فواحدة» واللفظ لمسلم.","vol":"2","page":291},{"text":"يَظْهَرُ أَنَّ عِلَّة كَرَاهِيَته المُحَافَظَة عَلَى اَلْخُشُوعِ أَوْ لِئَلَّا يَكْثُرَ اَلْعَمَلُ فِي اَلصَّلَاةِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح قول الجمهور، وهو الكراهة.\nوالصارف للنهي من التحريم إلى الكراهة ما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في التحرك في الصلاة بما هو أكثر من مسح الحصى، كحمله أمامة بنت زينب إذا قام في الصلاة، ووضعها إذا سجد، وصعوده على المنبر، ونزوله عنه، ومساعاته للشاة حتى ألزق بطنه بالحائط، فهذا يدل على أنَّ النهي للكراهة، والله أعلم.","vol":"2","page":292},{"text":"٢٣٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الِالتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n٢٣٥ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ (عَنْ أَنَسٍ) وَصَحَّحَهُ: «إيَّاكَ وَالِالتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ». (^٢)\nمعنى قوله: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ»، يعني أنَّ الشيطان يسترق من العبد في صلاته التفاتة فيها، ويختطفه منه اختطافًا حتى يدخل عليه بذلك نقص في صلاته، وخلل.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>مسألة [١]: حكم الالتفات في الصلاة</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى كراهة الالتفات في الصلاة بالعُنُقِ، ما لم يستدبر القبلة؛ فإن استدبرها بطلت صلاته، وهذا قول عطاء، وسعيد بن جبير، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.\nوقال الإمام ابن أبي شيبة -﵀- (٢/ ٤٠ - ٤١): حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى ابن سعيد، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمير قال: كان أبو بكر «لا يلتفت إذا صلى».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥١).\n(^٢) ضعيف. أخرجه الترمذي (٥٨٩)، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، وفيه انقطاع بين سعيد بن المسيب وأنس، فإنه يرويه عنه ولم يسمع منه.","vol":"2","page":293},{"text":"وحدثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب، أن عمر بن الخطاب، رأى رجلا صلى ركعتين بعد غروب الشمس، وقبل الصلاة فجعل يلتفت، فضربه بالدرة حين قضى الصلاة، فقال: «لا تلتفت لا تُعبِ الركعتين».\nحدثنا حفص، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان «يكره الالتفات في الصلاة».\nحدثنا حفص، عن الأعمش، عن عمارة، عن أبي عطية قال: قالت عائشة: «الالتفات في الصلاة خلسة يختلسها الشيطان».\nحدثنا غندر، عن ابن جريج، عن عطاء قال: سمعت أبا هريرة، يقول: «إذا صليت فإن ربك أمامك وأنت مناجيه؛ فلا تلتفت»\nوهذا الأسانيد كلها ثابتة إلى الصحابة المذكورين -﵃-، ويزيد بن عبد الرحمن الدالاني في إسناد أثر عمر، مختلف فيه، وحديثه يحتمل التحسين إذا لم يتفرد.\n• وذهب الحكم، وابن حزم إلى التحريم، والبطلان.\nوهذا القول غير صحيح؛ لعدم وجود دليل صحيح في تحريم الالتفات، وحديث الباب غاية ما يدل عليه الكراهة.\nفالصحيح قول الجمهور. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٤/ ٤٠١ -)، «الأوسط» (٣/ ٩٦).","vol":"2","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-734>مسألة [٢]: الالتفات لحاجة</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: فأما الالتفات لمصلحة الصلاة، كالتفات أبي بكر لما صفق الناس خلفه وأكثروا التصفيق؛ فلا ينقص الصلاة، ويدل عليه قول النبي - ﷺ -: «من نابه شيء في صلاته فليسبح؛ فإنه إذا سبح التفت إليه» (^١)، وكذلك التفت النبي - ﷺ - إلى من صلى خلفه، لما صلى بهم جالسًا وصلوا وراءه قيامًا، وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه كان يلتفت في صلاته لمصلحة غير مصلحة الصلاة، فروى سهل بن الحنظلية، قال: ثوب بالصلاة يعني: صلاة الصبح، فجعل رسول الله - ﷺ - يصلي، وهو يلتفت إلى الشعب. خَرَّجَه أبو داود (^٢)، وقال: كان أرسل فارسًا إلى الشعب من الليل يحرس. وهذا فيه جمع بين الصلاة والجهاد. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>مسألة [٣]: النظر يمينا وشمالا أثناء الصلاة بدون التفات</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وقد روي عن النبي - ﷺ -، أنه كان يلحظ في صلاته، فروى الفضل بن موسى، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - كان يلحظ يمينًا وشمالًا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره.\nخرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي، وقال: غريب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٤)، ومسلم (٤٢١)، عن سهل بن سعد -﵁-.\n(^٢) أخرجه أبو داود برقم (٩١٦)، فقال: حدثنا الربيع بن نافع، حدثنا معاوية يعني ابن سلام، عن زيد، أنه سمع أبا سلام، قال: حدثني السلولي هو أبوكبشة، عن سهل بن الحنظلية به. وإسناده صحيح، رجاله ثقات.","vol":"2","page":295},{"text":"ثم خرجه من طريق وكيع، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن بعض أصحاب عكرمة، أن النبي - ﷺ - كان يلحظ في الصلاة - فذكر نحوه. اهـ\nقلتُ: رواية وكيع أرجح؛ فالصحيح في الحديث الإرسال.\nوقال الإمام الترمذي -﵀- كما في «العلل الكبير» (١/ ٩٨): ولا أعلم أحدًا روى هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند مسندا مثل ما رواه الفضل بن موسى. اهـ\nوسئل الإمام الدارقطني كما في «سؤالات البرقاني» (٤٨) عن حديث الفضل بن موسى، فقال: ليس بصحيح.\nقال الإمام ابن أبي شيبة -﵀- في «المصنف» (٢/ ٤٢): حدثنا هشيم قال: أخبرنا خالد، عن أنس بن سيرين قال: رأيت أنس بن مالك، يتشرف إلى الشيء ينظر إليه في الصلاة.\nحدثنا أبو خالد الأحمر، عن حميد، عن معاوية بن قرة قال: قيل لابن عمران بن الزبير: إذا قام إلى الصلاة لم يلتفت ولم يتحرك. قال: لكنَّا نلتفت ونتحرك.\nإسناده الأول صحيح، وخالد هو ابن مهران الحذاء، وإسناده الثاني حسن.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ليس في الأدلة الشرعية ما يمنع النظر يمينا وشمالا بدون التفات، وقد نص كثير من أهل العلم على مشروعية ذلك، ولا شك أن النظر إلى موضع السجود أفضل؛ لأنه أحضر للقلب، وأقرب للخشوع.","vol":"2","page":296},{"text":"٢٣٦ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ: «أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>مسألة [١]: البصاق جهة القبلة</span>.\nقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فَلَا يَبْصُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ»، فيه تحريم البزاق إلى القبلة في الصلاة، وقد ثبت عند ابن خزيمة (٩٢٥)، وابن حبان (١٦٣٩)، وغيرهما من حديث حذيفة -﵁-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «مَنْ تَفَلَ تُجَاه الْقِبْلَة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَتَفْلُهُ بَيْن عَيْنَيْهِ».\nوجاء من حديث السائب بن خلَّاد أنَّ رجلًا أمَّ قومًا، فبصق في القبلة، فلما فرغ قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يصلي لكم ...» الحديث، وفيه: «إنك آذيت الله، ورسوله» أخرجه أبو داود (٤٨١)، وأحمد (٤/ ٥٦)، وهو حديث حسنٌ لغيره.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في شرح حديث أنس (٤١٣): وهذا التعليل يدل على أن البزاق في القبلة حرامٌ، سواء كان في المسجد أم لا، ولاسيما من المصلي. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢١٤)، ومسلم (٥٥١).\n(^٢) هذه الرواية في البخاري (٤١٣).","vol":"2","page":297},{"text":"وقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤٠٥): وهذا الحديث دالٌّ على كراهة أن يبصق المصلي في قبلته التي يصلي إليها، سواء كان في مسجد، أو لا؛ فإنْ كان في مسجد تأكدت الكراهة بأنَّ البزاق في المسجد خطيئة؛ فإن كان في قبلة المسجد كان أشد كراهة. اهـ\nومراده بالكراهة كراهة تحريم، وهو ظاهرٌ لمن تأمل كلامه، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تحريم البزاق إلى القبلة في الصلاة، وخارج الصلاة، في المسجد، وغير المسجد، واستدل على ذلك بالأحاديث المطلقة، والصحيح أنه لا يحرم إلا إذا كان في الصلاة، أو المسجد.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤٠٥): وإنما يكره البصاق إلى القبلة في الصلاة، أو في المسجد، فأما من بصق إلى القبلة في غير مسجد، فلا يكره له ذلك. انتهى.\nقلتُ: وهو الصواب؛ لأن الروايات المطلقة تقيدها الروايات المقيدة بالصلاة كما في حديث أنس -﵁-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>مسألة [٢]: بصاق المصلي عن يمينه</span>.\nقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَلَا عَنْ يَمِينِهِ»، فيه النهي، والتحريم للمصلي أن يبصق عن يمينه، وقد بوب البخاري في «صحيحه»: [باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة].\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤١٢): وقد يُفهم من تبويب","vol":"2","page":298},{"text":"البخاري اختصاص كراهة البصاق عن اليمين حال الصلاة، وهو قول المالكية، والأكثرون على خلاف ذلك، قال معاذ: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت. ورُوي كراهته عن ابن مسعود، وابن سيرين.\nقلتُ: أثر معاذ، وابن مسعود أخرجهما عبد الرزاق (١/ ٤٣٥)، وهما ثابتان عنهما، وأثر ابن مسعود أصح من أثر معاذ، وقد علل الكارهون للبصاق عن اليمين خارج الصلاة بما جاء في «البخاري» (٤١٦)، عن أبي هريرة -﵁-: «فإنَّ عن يمينه ملكًا»، وهو خارج «الصحيح» عن حذيفة بلفظ: «فإنَّ كاتب الحسنات عن يمينه»، وهو صحيح، موقوفٌ عليه، أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٥)، وعبدالرزاق (١/ ٤٣٢)، والذي يظهر لي أنَّ الصواب ما ذهب إليه المالكية، والبخاري، أنَّ النهي عن ذلك خاصٌّ بالصلاة؛ للقيد المذكور في حديث أنس، وأبي هريرة، وغيرهما، وهو قوله: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة»، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>مسألة [٣]: بصاق المصلي عن يساره، وحكم البصاق والتنخم في المسجد</span>.\nقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ»، فيه جواز بَصقِ، وَتَنَخُّم المصلي عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى.\n• واستدل بعض العلماء بهذا الحديث أعني قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» على جواز التنخم في المسجد، لكن بشرط أن يدفنه، وقال به أحمد في رواية عنه، وأبو عبيد كما في «الفتح» لابن رجب (٢/ ٣٤٣).","vol":"2","page":299},{"text":"• وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز له أن يفعل ذلك في المسجد، قال ابن رجب: وهذا هو أكثر النصوص عن أحمد.\nقلتُ: ونصر القولَ الأولَ القاضي عياضٌ، والقولَ الثاني الإمامُ النوويُّ رحمة الله عليهما، واستدل الإمام النووي على ذلك بحديث: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها»، متفق عليه عن أنس -﵁-. (^١)\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤١٥): وهذا يستدل به من يقول: إن البزاق لا يجوز في المسجد مع دفنه، كما لا يجوز لأحد أن يعمل ذنبًا، ويتبعه بما يكفره من الحسنات الماحية. اهـ\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٤١٥): قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: إِنَّمَا يَكُون خَطِيئَة إِذَا لَمْ يَدْفِنهُ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ دَفْنه، فَلَا. وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هُوَ خِلَافُ صَرِيحِ الْحَدِيثِ.\nقال الحافظ -﵀-: قُلْت: وَحَاصِلُ النِّزَاع أَنَّ هُنَا عُمُومَيْنِ تَعَارَضَا، وَهُمَا قَوْله: «الْبُزَاق فِي المَسْجِد خَطِيئَة»، وَقَوْله: «وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَاره أَوْ تَحْت قَدَمه»، فَالنَّوَوِيُّ يَجْعَل الْأَوَّل عَامًّا، وَيَخُصّ الثَّانِي بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِد، وَالْقَاضِي بِخِلَافِهِ، يَجْعَل الثَّانِي عَامًّا، وَيَخُصّ الْأَوَّل بِمَنْ لَمْ يُرِدْ دَفْنهَا، وَقَدْ وَافَقَ الْقَاضِي جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: اِبْن مَكِّيّ فِي «التَّنْقِيب»، وَالْقُرْطُبِيّ فِي «المُفْهِم»، وَغَيْرهمَا، وَيَشْهَد لَهُمْ مَا رَوَاهُ أَحْمَد بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٢٥٣).","vol":"2","page":300},{"text":"قَالَ: «مَنْ تَنَخَّمَ فِي المَسْجِد، فَلْيُغَيِّبْ نُخَامَته أَنْ تُصِيب جِلْد مُؤْمِن أَوْ ثَوْبه فَتُؤْذِيه» (^١)، وَأَوْضَحُ مِنْهُ فِي المَقْصُود مَا رَوَاهُ أَحْمَد أَيْضًا، وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَن مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «مَنْ تَنَخَّعَ فِي المَسْجِد فَلَمْ يَدْفِنهُ فَسَيِّئَةٌ، وَإِنْ دَفَنَهُ فَحَسَنَةٌ» (^٢)، فَلَمْ يَجْعَلهُ سَيِّئَة إِلَّا بِقَيْدِ عَدَم الدَّفْن.\nوَنَحْوه حَدِيث أَبِي ذَرٍّ عِنْد مُسْلِم مَرْفُوعًا قَالَ: «وَوَجَدْت فِي مَسَاوِئِ أَعْمَال أُمَّتِي النُّخَاعَة تَكُون فِي المَسْجِد لَا تُدْفَن»، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: فَلَمْ يُثْبِتْ لَهَا حُكْم السَّيِّئَة لِمُجَرَّدِ إِيقَاعهَا فِي المَسْجِد، بَلْ بِهِ وَبِتَرْكِهَا غَيْر مَدْفُونَة. اِنْتَهَى.\nوَرَوَى سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ أَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح أَنَّهُ تَنَخَّمَ فِي الْمَسْجِد لَيْلَة، فَنَسِيَ أَنْ يَدْفِنهَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَنْزِله، فَأَخَذَ شُعْلَة مِنْ نَار، ثُمَّ جَاءَ فَطَلَبهَا حَتَّى دَفَنَهَا، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لله الَّذِي لَمْ يَكْتُب عَلَيَّ خَطِيئَة اللَّيْلَة. (^٣)\nفَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْخَطِيئَة تَخْتَصّ بِمَنْ تَرَكَهَا لَا بِمَنْ دَفَنَهَا، وَعِلَّة النَّهْي تُرْشِد إِلَيْهِ، وَهِيَ تَأَذِّي الْمُؤْمِن بِهَا، وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ عُمُومه مَخْصُوص: جَوَاز ذَلِكَ فِي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ١٧٩)،قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن ابن إسحاق، ويعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن محمد، قال يعقوب: ابن أبي عتيق عن عامر بن سعد، حدثه عن أبيه سعد به.\nوهذا إسناد حسن، وابن إسحاق قد صرح بالسماع.\n(^٢) أخرجه الطبراني برقم (٨٠٩٢)، وفي إسناده: أبو غالب حزور، الراجح ضعفه، ولا بأس بقبول روايته عن أبي أمامة؛ لأنه أكثر عنه.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧) بإسنادين منقطعين، لا بأس بتحسين الأثر بهما، وليس عنده زيادة: «الحمد لله الذي لم يكتب ....».","vol":"2","page":301},{"text":"الثَّوْب، وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِد، بِلَا خِلَاف، وَعِنْد أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَبْد الله بْن الشِّخِّير، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيّ - ﷺ -، فَبَصَقَ تَحْت قَدَمه الْيُسْرَى، ثُمَّ دَلَكَهُ بِنَعْلِهِ. (^١) إِسْنَاده صَحِيح، وَأَصْله فِي «مُسْلِم»، وَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْجِد، فَيُؤَيِّد مَا تَقَدَّمَ. انتهى.\nقلتُ: فالحافظ في هذا البحث يؤيد ما ذهب إليه القاضي عياض.\nلكن قال الشوكاني -﵀- في «نيل الأوطار» (٨٥٨): فَيُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ النَّوَوِيِّ تَصْرِيحُهُ - ﷺ - في الْحَدِيثِ الْمتَّفَقِ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْبُزَاقَ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَأَنَّ دَفْنَهَا كَفَّارَةٌ لَهَا؛ فَإِنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى كَتْبِ الْخَطِيئَةِ بِمُجَرَّدِ الْبُزَاقِ فِي الْمَسْجِدِ ظَاهِرَةٌ غَايَةَ الظُّهُورِ، وَلَكِنَّهَا تَزُولُ بِالدَّفْنِ وَتَبْقَى بِعَدَمِهِ. انتهى.\nقلتُ: الذي قاله النووي، وأيده الشوكاني هو الصواب؛ لأنَّ حديث أنس: «البصاق في المسجد خطيئة» نَصٌّ في ذلك، وتأويله مستبعد، وأما الأدلة التي ساقها الحافظ فدونك بيانها:\nفأما حديث سعد بن أبي وقاص: «من تنخم في المسجد؛ فليغيب نخامته»؛ فإنه لا يفيد الجواز؛ لأنَّ الشرط لا يدل على ذلك، كما يقال: من عصى الله، فليستغفره. فليس فيه إباحة للمعصية.\nوأما حديث أبي أمامة؛ فاللفظ المذكور لفظ الطبراني، وأما غير الطبراني\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٨٣) بإسناد صحيح، وأصله في «مسلم» برقم (٥٥٤).","vol":"2","page":302},{"text":"فيرويه بلفظ: «التفل في المسجد سيئة، ودفنه حسنة».\nوفي إسناده: أبو غالب، والرَّاجح ضَعْفُه، ومع ذلك فهو وحديث أبي ذر الذي بعده لا ينافيان حديث أنس، بل يحملان على حديث أنس؛ فإنهما يدلان على أنَّ النخاعة إذا لم تدفن سيئة، ومعناهما أنَّ السيئة ما زالت موجودة؛ لأنها لم تدفن.\nوحديث أنس يدل على ذلك أيضًا، فتأمل، ويؤيد عدم جواز التفل، والتنخم في المسجد حديث: «فإنْ عجلت به بادرة، فليقل بثوبه هكذا»، أخرجه مسلم (٣٠٠٨) عن جابر -﵁-.\nفأرشد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى التنخم في الثوب، والله أعلم.","vol":"2","page":303},{"text":"٢٣٧ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ قِرَامٌ (^١) لِعَائِشَةَ -﵂- سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَك هَذَا؛ فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\n٢٣٨ - وَاتَّفَقَا عَلَى حَدِيثِهَا فِي قِصَّةِ أَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، وفيه: «فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي». (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nقال الإمام الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٣١٣): وفي الحديث دلالة على كراهة ما يشغل عن الصلاة من النقوش ونحوها مما يشغل القلب، وفيه مبادرته - ﷺ - إلى صيانة الصلاة عما يلهي، وإزالة ما يشغل عن الإقبال عليها.\nوقال أيضًا: وفيه كراهة الصلاة على المفارش، والسجاجيد المنقوشة، وكراهة نقش المساجد ونحوه.\nوقال أيضًا: ولا دليل فيه على بطلان الصلاة؛ لأنه لم يُرْوَ أنه - ﷺ - أعادها. اهـ\n_________\n(^١) هو ستر رقيق من صوف ذو ألوان.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٧٤) (٥٩٥٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٧٣)، ومسلم (٥٥٦). ولفظه عند البخاري: إن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بإنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي»، والخميصة قال في «النهاية»: هي ثوب خزٍّ، أو صوفٍ معلم، والأنبجانية: كساء من صوف لا علم له. وإنما خصَّ أبا جهم بالخميصة؛ لأنه كان أهداها له كما في بعض طرق الحديث خارج «الصحيحين»، وطلب منه ثوبًا غيرها؛ ليعلمه أنه لم يرد هديته استخفافًا به.","vol":"2","page":304},{"text":"٢٣٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ؛ أَوْ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>مسألة [١]: حكم رفع البصر إلى السماء في الصلاة</span>.\nقلتُ: حديث الباب قد أخرجه أيضًا البخاري (٧٥٠)، ولكن من حديث أنس، وجاء أيضًا من حديث أبي هريرة عند مسلم (٤٢٩)، ومن حديث صحابي مبهم أخرجه أحمد (٣/ ٤٤١)، وإسناده صحيح، وهو في «الصحيح المسند».\nوهذا يدل على تحريم النظر إلى السماء في الصلاة؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٧٥٠): وعلى هذا؛ فالفعل المذكور حرامٌ.\nوقال الشوكاني -﵀- في «النيل» (٢/ ١٩٠): وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَفْعَ الْبَصَرِ إلَى السَّمَاءِ حَالَ الصَّلَاةِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ بِالْعَمَى لَا تَكُونُ إلَّا عَنْ مُحَرَّمٍ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَبَالَغَ ابْنُ حَزْمٍ، فَقَالَ: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ. اهـ\nوقال الصنعاني -﵀-: والنَّهْيُ يُفِيْدُ تَحْرِيْمه. «السبل» (١/ ٣١٣).\nقلتُ: ومذهب الجمهور هو الكراهة، قال ابن بطال كما في «الفتح» (٧٥٠): أجمعوا على كراهة رفع البصر في الصلاة.\nوهو كراهة تحريم عند من تقدم، وهو الراجح، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٤٢٨).","vol":"2","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-740>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>مسألة [١]: موضع نظر المصلي في الصلاة</span>.\nقال الحافظ ابن كثير -﵀- في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]: وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه، لا إلى موضع سجوده كما ذهب إليه الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، قال المالكية: لقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء. اهـ\nوقد استدل المالكية أيضًا بحديث خبَّاب في «البخاري» (٧٦١)، أنهم كانوا يعرفون قراءة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- باضطراب لحيته.\nواستدل الجمهور بأنه ينظر إلى موضع سجوده بحديث أبي هريرة عند الحاكم (٢/ ٣٩٣)، والبيهقي (٢/ ٢٨٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا صلَّى رفع رأسه إلى السماء تدور عيناه ينظر ههنا، وههنا، حتى نزل عليه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]، فطأطأ رأسه، ونكس في الأرض. وهذا الحديث الرَّاجح أنه من مراسيل ابن سيرين، وقد رجَّح المرسل البيهقي، والنووي، والذهبي، وابن كثير، وابن رجب، وغيرهم.","vol":"2","page":306},{"text":"واستدل الجمهور أيضًا بحديث عائشة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما دخل الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده. أخرجه الحاكم (١/ ٤٧٩)، والبيهقي (٥/ ١٥٨)، وهو من رواية عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد التميمي، ورواية الشاميين عن زهير منكرة، وهذا منها، وقد أنكره أبو حاتم.\nقلتُ: لم يصح في هذه المسألة شيء صريح يُعتمد عليه، وينظر المصلي إلى ما كان إلى الخشوع أقرب، وهو موضع السجود، والله أعلم.\nقال ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (١٧/ ٣٩٣): قال مالك: يكون نظر المصلي أمام قبلته. وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي والحسن بن حي: يستحب أن يكون نظره إلى موضع سجوده. وقال شريك القاضي: ينظر في القيام إلى موضع السجود، وفي الركوع إلى موضع قدميه، وفي السجود إلى أنفه، وفي قعوده إلى حجره.\nقال: وهذا كله تحديد لم يثبت به أثر، وليس بواجب في النظر، ومن نظر إلى موضع سجوده كان أسلم له وأبعد من الاشتغال بغير صلاته إن شاء الله، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>مسألة [٢]: تغميض العينين في الصلاة</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٧٥٠): وأما تغميض البصر فِي الصلاة، فاختلفوا فِيهِ: فكرهه الأكثرون، منهم: أبو حنيفة، والثوري، والليث،\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب، ولابن حجر رقم (٧٤٦)، «النيل» (٢/ ١٩٠).","vol":"2","page":307},{"text":"وأحمد. قَالَ مُجَاهِد: هُوَ من فعل اليهود. اهـ\nقلتُ: وقد رخَّص فيه الحسن، وكذا ابن سيرين فيما إذا كان يكثر الالتفات.\nوقال ابن القيم -﵀-: لم يكن من هديه تغميض عينيه في الصلاة.\nثم قال: والصواب أن يقال: إنْ كان فَتْحُهُما لا يخل بالخشوع فهو أفضل، وإنْ كان يحول بينه وبين الخشوع؛ لما في قبلته من زخرف، وتزويق، أو غيره مما يشوش قلبه، فهناك لا يكره التغميض قطعًا، والقول في استحبابه في هذه الحال أقرب إلى أصول الشرع، ومقاصده من القول بالكراهة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الجمهور -أعني الكراهة- إلا في حالة الانشغال بالزخارف، والتزويقات؛ فلا يكره التغميض، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٣٩٦)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٢٦١)، «الفتح» لابن رجب (٧٥٠)، «توضيح الأحكام» (٢/ ١٠٣).","vol":"2","page":308},{"text":"٢٤٠ - وَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ». (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>مسألة [١]: حكم الصلاة بحضرة الطعام، أو مع مدافعة الأخبثين</span>.\n• في هذا الحديث كراهة الصلاة مع وجود الطعام، أو مدافعة الأخبثين، وهما: البول، والغائط، وقد تقدم الكلام على تقديم الطعام على الصلاة.\nوالخلاف في تقديم الصلاة على الخلاء كالخلاف هنالك.\n• فذهب الظاهرية إلى البطلان.\n• وذهب الجمهور إلى الكراهة؛ إلا أن يُؤَدِّي به الحال إلى أن يفوت الطمأنينة في الصلاة؛ فصلاته باطلة.\nوالكراهة في مدافعة الأخبثين أشد من الكراهة عند حضور الطعام؛ لأنَّ الانشغال بذلك أكثر، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٥٦٠).","vol":"2","page":309},{"text":"٢٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ: «فِي الصَّلَاةِ». (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٣٩٩): وَإِذَا تَثَاءَبَ فِي الصَّلَاةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَكْظِمَ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله - ﷺ -: ...، -فذكر حديث الباب- وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ».اهـ\nوالحديث الثاني أخرجه مسلم أيضًا (٢٩٩٥)، من حديث أبي سعيد، وعنده رواية من حديثه: «في الصلاة»، كزيادة الترمذي.\nويكره أن يصدر صوتًا عند التثاؤب، ففي «البخاري» (٣٢٨٩)، عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «فإنَّ أحدكم إذا قال: ها. ضحكَ الشيطان».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٩٩٤)، والترمذي (٣٧٠)، وزيادته بنفس إسناد مسلم.","vol":"2","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-744>فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ بِالبَابِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>مسألة [١]: التروح في الصلاة</span>.\n• كرهه عطاء، والنخعي، ومالك؛ لما فيه من تحريك اليد، والعبث في الصلاة، ورخَّصَ فيه ابن سيرين، والحسن، وقال أحمد، وإسحاق: يكره ذلك؛ إلا أن يأتي الأمر الشديد، أو الغم الشديد. وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّه إذا أصابه الغمُّ الشديد لم يستطع أن يخشع في صلاته. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>مسألة [٢]: المراوحة بين القدمين</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٣٩٠): ويستحب أن يفرج بين قدميه، ويراوح بينهما، يعتمد على هذه مرة، وعلى هذه مرة، ولا يكثر ذلك. اهـ\nقلتُ: أما الاستحباب فيحتاج إلى دليل، والظاهر أنه لا بأس به كما نقله ابن المنذر عن مالك، وأحمد، وإسحاق، وقال هو أيضًا به. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>مسألة [٣]: التفريج بين القدمين</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٣٩٦): وَيُكْرَهُ أَنْ يُلْصِقَ إحْدَى قَدَمَيْهِ بِالْأُخْرَى فِي حَالِ قِيَامِهِ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: كُنْت مَعَ أَبِي فِي الْمَسْجِدِ، فَرَأَى رَجُلًا يُصَلِّي، قَدْ صَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، وَأَلْزَقَ إحْدَاهُمَا\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٣/ ٢٧٥).\n(^٢) انظر «الأوسط» (٣/ ٢٧٦).","vol":"2","page":311},{"text":"بِالْأُخْرَى، فَقَالَ أَبِي: لَقَدْ أَدْرَكْت فِي هَذَا الْمَسْجِدِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - مَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْهُمْ فَعَلَ هَذَا قَطُّ.\nوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُفَرِّجُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، وَلَا يَمَسُّ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، لَا يُقَارِبُ وَلَا يُبَاعِدُ. انتهى.\nوأثر عيينة صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣١٩)، عن وكيع، عن عيينة به.\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀-: يُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَ شيئًا مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ. وقال: وَيُكْرَهُ الْعَبَثُ كُلُّهُ، وَمَا يَشْغَلُ عَنِ الصَّلَاةِ، وَيَذْهَبُ بِخُشُوْعِهَا. (^١)\n_________\n(^١) «المغني» (٢/ ٣٩١، ٣٩٥ - ٣٩٦).","vol":"2","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-748>بَابُ المَسَاجِدِ</span>\n٢٤٢ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِبِنَاءِ المَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَ إرْسَالَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nدلَّ الحديث على أمرين:\nأولهما: استحباب بناء المساجد، ويدل عليه حديث عثمان في «الصحيحين» (^٢) مرفوعًا: «من بنى مسجدًا لله تعالى بنى الله له في الجنة مثله».\nوجاء عن غيره خارج «الصحيح»، وإذا لم يكن في القرية مسجدٌ، فبناؤه فرض كفاية؛ لأنَّ الجماعة واجبة، وما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب.\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٢/ ٥٠٥): وبناء المساجد المحتاج\n_________\n(^١) ضعيف مرسل. أخرجه أحمد (٦/ ٢٧٩)، وأبوداود (٤٥٥)، والترمذي (٥٩٤).\nوأخرجه أيضًا ابن ماجه (٧٥٨) (٧٥٩)، وأبويعلى (٤٦٩٨) وابن خزيمة (١٢٩٤)، وابن حبان (١٦٣٤)، كلهم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به.\nورواه عن هشام هكذا موصولًا ثلاثة: (عامر بن صالح الزبيري وهو متروك، ومالك بن سعير وهو لا بأس به، وزائدة بن قدامة وهو ثقة).\nوقد رواه وكيع وعبدة بن سليمان وسفيان بن عيينة عن هشام عن أبيه مرسلًا، أخرجه عنهم الترمذي (٥٩٥) (٥٩٦)، ورجح إرساله وهو كما يقول؛ لأن من رواه مرسلًا أرجح وأتقن، والله أعلم.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٤٥٠)، ومسلم برقم (٥٣٣) بنحوه.","vol":"2","page":313},{"text":"إليها مستحبٌّ، وعدَّه بعض أصحابنا من فروض الكفايات، ومراده: أنه لا يجوز أن يُخلَى مصرٌ، أو قريةٌ يسكنها المسلمون من بناء مسجد فيها. انتهى.\nثانيهما: الأمر بتنظيف المساجد وتطهيرها، والتنظيف مستحبٌّ، والتطهير واجبٌ، قال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥].\nوقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦].\nوفي «الصحيحين» (^١) عن أبي هريرة أنَّ امرأةً كانت تَقُمُّ المسجد، فلما ماتت سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن قبرها، فصلَّى عليها بعدما دُفِنَتْ.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في الكتاب برقم (٥٤٠).","vol":"2","page":314},{"text":"٢٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ: «وَالنَّصَارَى». (^١)\n\n٢٤٤ - وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ -﵂-: «كَانُوا إذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا» وَفِيهِ: «أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nيدل الحديثان على تحريم بناء المساجد على القبور، أو بناء القبور في المساجد، وللشيخ الإمام محمد ناصر الدين الألباني -﵀- كتاب مفيد في ذلك سمَّاه: «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد»، جمعَ عددًا من الأحاديث، وتكلم عن هذه المسألة، فأفاد، وأجاد -﵀-، ونقل عن المذاهب الأربعة تحريم ذلك، وزاد الإمام أحمد على التحريم بطلان الصلاة، وهو الصحيح، وراجع الكتاب المذكور آنفًا.\nوقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٩٤ -): اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ لَا يُبْنَى مَسْجِدٌ عَلَى قَبْرٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ»، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْنُ مَيِّتٍ فِي مَسْجِدٍ؛ فَإِنْ كَانَ المَسْجِدُ قَبْلَ الدَّفْنِ غُيِّرَ، إمَّا بِتَسْوِيَةِ الْقَبْرِ، وَإِمَّا بِنَبْشِهِ إنْ كَانَ جَدِيدًا، وَإِنْ كَانَ المَسْجِدُ بُنِيَ بَعْدَ الْقَبْرِ؛ فَإِمَّا أَنْ يُزَالَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٧)، ومسلم (٥٣٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨).","vol":"2","page":315},{"text":"المَسْجِدُ، وَإِمَّا أَنْ تُزَالَ صُورَةُ الْقَبْرِ؛ فَالمَسْجِدُ الَّذِي عَلَى الْقَبْرِ لَا يُصَلَّى فِيهِ فَرْضٌ، وَلَا نَفْلٌ؛ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. اهـ\nوقال -﵀- في (٢٧/ ١٤٠): بَلْ الْمَسَاجِدُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا، وَبِنَاؤُهَا مُحَرَّمٌ كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ؛ لِمَا اسْتَفَاضَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».\nوَقَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَكَانَتْ حُجْرَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - خَارِجَةً عَنْ مَسْجِدِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي إمْرَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِالْعَزِيزِ عَامِلِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ أَنْ يَزِيدَ فِي الْمَسْجِدِ، فَاشْتَرَى حُجَرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَانَتْ شَرْقِيِّ الْمَسْجِدِ وَقِبْلَتَهُ، فَزَادَهَا فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَتْ الْحُجْرَةُ إذْ ذَاكَ فِي الْمَسْجِدِ، وَبَنَوْهَا مُسَنَّمَةً عَنْ سَمْتِ الْقِبْلَةِ؛ لِئَلَّا يُصَلِّيَ أَحَدٌ إلَيْهَا. اهـ","vol":"2","page":316},{"text":"٢٤٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَيْلًا، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ ... الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>مسألة [١]: دخول المشرك مساجد المسلمين</span>.\n• أما بالنسبة للمسجد الحرام؛ فالجمهور على منع الكفار، والمشركين من دخوله؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]، وخالف أبو حنيفة، فأجازه لأهل الكتابين.\n• وأما بالنسبة للمساجد الأخرى؛ فذهب مالك، والمزني، وهو المشهور عن أحمد إلى منع المشركين من دخولها، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة:١١٤]، وهو قول عمر بن عبد العزيز.\n• وذهبت طائفةٌ من أهل العلم إلى الجواز، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية، اختارها جماعة من أصحابه، وهو اختيار البخاري في «صحيحه»، واستدلوا على ذلك بحديث الباب، وبحديث أنس -﵁- في «البخاري» (٦٣)، قال: دخل رجلٌ على جمل، فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال: أيُّكم محمد؟، ورسول الله متكئ بين ظهرانيهم ... الحديث، وفيه أنه أسلم. وبحديث المسور بن مخرمة، ومروان في «صحيح البخاري» (٢٧٣١) في قصة صلح الحديبية، فلما أسلم أبو بصير بعث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤).","vol":"2","page":317},{"text":"المشركون رجلين يأتيان به، فردَّه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فلما بلغ ذا الحليفة قتل أحدهما، وفرَّ الآخر، حتى دخل مسجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ... الحديث، وغيرها من الأحاديث، وهذا القول هو الصواب، وهو اختيار شيخنا مقبل الوادعي -﵀-.\nوأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾، فليس لهم فيها مأخذ؛ لأنَّ الآية كما قال ابن كثير: وقيل: إنَّ هذه بشارة من الله للمسلمين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام، وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحدٌ منهم إلا خائفًا يخاف أن يؤخذ، ويعاقب، أو يُقتل إن لم يسلم، وقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول الحرم، وأوصى رسول الله - ﷺ - أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن تُجْلَى اليهود، والنصارى منها، ولله الحمد والمنة. اهـ\nقلتُ: فهذا المعنى هو الصواب في الآية، ويؤيد ذلك أنَّ آيتهم نزلت في صلح الحديبية على الصحيح، وقد تقدم في الحديث أنَّ المشرك فرَّ من أبي بصير، ودخل المسجد، وكان ذلك بعد صلح الحديبية، والله أعلم.\nثم رأيت ابنَ حزم رجَّح هذا القول أيضًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>مسألة [٢]: وهل يُشترطُ إذن المسلمين في دخولهم</span>؟\n• اشترط ذلك الشافعية، وجماعة من الحنابلة.\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن حجر، وابن رجب (٤٦٩)، «المحلَّى» (٤٩٩)، «تفسير القرطبي» آية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾.","vol":"2","page":318},{"text":"• وذهب جمع من الحنابلة إلى عدم اشتراط ذلك، وهو الصحيح؛ لحديث أبي بصير الذي تقدم، وحديث أنس أيضًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>مسألة [٣]: هل يجوز أن يُظْهِروا بعض شعائرهم في المسجد</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٢/ ٤٨٢): واتفقوا على منع الكفار من إظهار دينهم في مساجد المسلمين، لا نعلم في ذلك خلافًا. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>مسألة [٤]: هل يلتحق مسجد المدينة بالمسجد الحرام</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤٦٩): فأما مسجد المدينة؛ فالمشهور عندنا، وعند الشافعية أن حكمه حكم مساجد الحل، ولأصحابنا وجهٌ أنه مُلحقٌ بالمسجد الحرام؛ لأنَّ المدينة حرمٌ، وهذا بعيد؛ فإنَّ الأحاديث الدالة على الجواز إنما وردت في مسجد المدينة بخصوصه، فكيف يمنع منه، ويخص الجواز بغيره؟! اهـ.\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٤٦٩).","vol":"2","page":319},{"text":"٢٤٦ - وَعَنْهُ، -﵁- أَنَّ عُمَرَ -﵁- مَرَّ بِحَسَّانَ يُنْشِدُ فِي المَسْجِدِ، فَلَحَظَ إلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْت أُنْشِدُ (فِيهِ) (^١)، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nدلَّ حديث الباب على جواز إنشاد الشعر في المسجد، وعارضه حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن إنشاد الشعر في المسجد. أخرجه أحمد (٢/ ١٧٩)، وأبو داود (١٠٧٩).\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤٥٣): وجمهور العلماء على جواز إنشاد الشعر المباح في المسجد، وحمل بعضهم حديث عمرو بن شعيب على أشعار الجاهلية، وما لا يليق ذكره في المسجد. انتهى المراد.\n_________\n(^١) ساقطة من (ب).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢١٢) (٤٥٣)، ومسلم (٢٤٨٥).","vol":"2","page":320},{"text":"٢٤٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي المَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْك؛ فَإِنَّ المَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالضالة: قال ابن الأثير: هي الضائعة من كل ما يُقْتَنى من الحيوان، وغيره.\nوقال المناوي في «فيض القدير» (١/ ٣٥٧): ويختص أصالةً بالحيوان، والمراد هنا شيء ضاع. اهـ\nوفي «فتاوى اللجنة الدائمة» (٦/ ٢٨٢): الضالة تشمل المتاع، والحيوان، والإنسان.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>مسألة [١]: حكم إنشاد الضالة</span>.\n• نصَّ جمعٌ من أهل العلم على كراهة إنشاد الضالة.\n• ونصَّ ابن حزم في «المحلَّى» (٥٠٣)، والصنعاني في «سبل السلام» على التحريم، وعدم الجواز.\nوهو الصحيح؛ لدلالة حديث الباب، ولحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند أحمد (٢/ ١٧٩)، وأبي داود (١٠٧٩): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى أن تُنْشَدَ الضالة في المسجد. والنهي يقتضي التحريم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٥٦٨).","vol":"2","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-754>مسألة [٢]: حكم قوله: لا ردَّها الله عليك</span>؟\nصرَّح ابن حزم بالوجوب كما في «المحلَّى» (٥٠٣)، وقال المناوي في «فيض القدير» (١/ ٣٥٧): قال جمعٌ من أئمتنا: يُندب لمن رأى من يبيع، أو يشتري، أو ينشد ضالة أن يقول: لا أربح الله تجارتك، ولا وَجَدْتَ. انتهى.\nقلتُ: القول بالاستحباب أظهر؛ لأنه قد ثبت في «صحيح مسلم» (٥٦٩)، من حديث بريدة أنَّ رجلًا قال: من دعا إلى الجمل الأحمر، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتْ المَسَاجِد لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» فلم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يقولوا ذلك؛ فَدَلَّ على الاستحباب والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>مسألة [٣]: حكم تعريف الضالة في المسجد</span>.\nقال المناوي -﵀- في «فيض القدير» (١/ ٣٥٧): وألحق جمعٌ منهم الحافظ العراقي بإنشاد الضالة تعريفَها؛ ولذلك قال الشافعية: يعرفها على باب المسجد. اهـ وهو قولُ جماعة من الحنابلة كما في «توضيح الأحكام» (٢/ ١٢٣).","vol":"2","page":322},{"text":"٢٤٨ - وَعَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي المَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَك». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>مسألة [١]: حكم البيع والشراء في المسجد</span>.\n• قال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٢/ ٥٢٥): وحكى الترمذي في «جامعه» قولين لأهل العلم من التابعين في كراهة البيع في المسجد، والكراهة قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وهو عند أصحابنا كراهة تحريم، وعند كثير من الفقهاء كراهة تنزيه، وللشافعي قَوْلٌ: أنه لا يكره بالكلية. وَهُوَ قَوْلِ عَطَاء وغيره، وفرق مالك بين اليسير والكثير، فكره الكثير دون اليسير، وحكي عن أصحاب أبي حنيفة نحوه. اهـ\nوالصحيح هو التحريم؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عند أحمد (٢/ ١٧٩)، وأبي داود (١٠٧٩): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن البيع والشراء في المسجد، وهو ترجيح الصنعاني، والشوكاني. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (١٧٦)، والترمذي (١٣٢١)، من طريق محمد ابن عبدالرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة.\n\nوقد اختلف في وصله وإرساله كما ذكر ذلك الدارقطني في «العلل» (١٠/ ٦٤) رقم (١٨٧٠) وصوَّب الدارقطني أنه من مراسيل محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان. فالحديث ضعيف لكونه مرسلًا.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٦/ ٣٨٣)، «النيل» (٦٤١)، «السبل» (١/ ٣٢١).","vol":"2","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-757>مسألة [٢]: هل ينعقد البيع إذا بيع في المسجد</span>؟\n• نقل العراقي، والماوردي الإجماع على انعقاد البيع كما في «نيل الأوطار» (١/ ٧٠٥)، وهذا الإجماع لا يصح، فقد قال ابن رجب كما في «فتح الباري» (٢/ ٥٢٥)، واختلف أصحابنا في انعقاد البيع على وجهين. اهـ\nوقد استدل بعضهم على انعقاد البيع بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فقولوا لا أربح الله تجارتك»، ولكن قد تقدم أنَّ الحديث مرسلٌ، والأصل أنَّ النهي يقتضي الفساد؛ فالظاهر هو فساد هذا البيع، وعدم انعقاده، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-758>مسألة [٣]: ذكر البيع والشراء في المسجد</span>.\nإنْ كان ذلك على وجه الإفاضة في حديث الدنيا، فكرهه الحنابلة، ورخَّصه أصحاب الشافعي.\nواستندوا إلى حديث جابر بن سمرة، قال: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي الفجر، ثم يجلس حتى تطلع الشمس، وكانوا يأخذون في أمور الجاهلية، فيضحكون، ويتبسم. رواه مسلم (٦٧٠).\nوهذا الحديث ليس بصريح في المراد، بل يحتمل أنهم يتذكرون ما منَّ الله عليهم به من الإسلام، وترك أمور الجاهلية، وهذه عبادةٌ، وقُرْبَةٌ.\nوالراجح ما ذهب إليه الحنابلة من الكراهة؛ لحديث: «إنما بُنِيَتِ المساجد لما بُنيت له». (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٣٨٣).\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٢/ ٥٢٢).","vol":"2","page":324},{"text":"٢٤٩ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ، وَلَا يُسْتَقَادُ فِيهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>مسألة [١]: حكم إقامة الحدود في المساجد</span>.\n• ذهب الجمهور إلى كراهة ذلك.\n• وذهب بعض الحنابلة إلى التحريم، وصرَّح بذلك الصنعاني، والشوكاني، واستدلوا بحديث الباب، وبحديث: «إنما بنيت المساجد لما بنيت له».\n• وكان ابن أبي ليلى يقيم حد الجلد في المسجد.\n• وقال مالك: لا بأس بخفيف الأدب، ولا بأس بضرب الخصم فيه إذا تبين لدده. نقله صاحب «تهذيب المدونة».\nقلتُ: حديث الباب يدل على تحريم ذلك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ذلك، والأصل في النهي التحريم، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٣/ ٤٣٤)، وأبوداود (٤٤٩٠)، وأخرجه أيضًا الدارقطني (٣/ ٨٥ - ٨٦).\nوله طريقان: إحداهما فيها العباس بن عبدالرحمن المدني وهو مجهول، والثانية فيها انقطاع بين زفر بن وثيمة وحكيم بن حزام. وللنهي عن إقامة الحدود شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الحاكم (٤/ ٣٦٩) وفي إسناده سعيد بن بشير وفيه ضعف.\nوله شاهد آخر من حديث ابن عمر -﵄-، أخرجه ابن ماجه (٢٦٠٠)، وفي إسناده: ابن لهيعة، وهو ضعيف مختلط؛ فالحديث حسن بشواهده.\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٢/ ٣٧٤)، «النيل» (٦٣٩)، «فيض القدير» (٦/ ٤١٤)، «توضيح الأحكام» (٢/ ١٢٧).","vol":"2","page":325},{"text":"٢٥٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَيْمَةً فِي المَسْجِدِ، لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nفي الحديث دلالة على جواز اتخاذ الخيمة في المسجد للمريض، وكذا للمعتكف، والمحتاج.\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٤٦٣): كره أحمد للمعتكف أن يضرب خيمة ونحوها في المسجد، إلا لشدة البرد، ورخص فيه إسحاق إذا كان قصده أن يصون المسجد عما يكون منه من حدث، أو سقوط شيء من طعامه في المسجد، نقله عنهما إسحاق بن منصور في «مسائله». ومن رخص في ضرب الأخبية ونحوها في المساجد -كما دلت عليه الأحاديث في هذا الباب- قال: هي لا تتأبد، فلا تكون ممنوعة، بخلاف ما يتأبد كالغراس والبناء؛ فإنه لا يجوز. وقد نص أحمد على منع الغراس في المساجد، وهو قول مالك، وقال أصحاب الشافعي: يكره. وحكي جوازه عن الأوزاعي. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب في هذه المسألة هو جواز ضرب الخيمة للحاجة كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما الغراس، والبناء؛ فيمنع منه كما قال أحمد، ومالك؛ لأنَّ فيه تصرف بالوقف بما لم يبن من أجله، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦٣)، ومسلم (١٧٦٩).","vol":"2","page":326},{"text":"٢٥١ - وَعَنْهَا قَالَتْ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْتُرُنِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى الحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ ... الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٣٢٣): قَدْ بَيَّنَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (^٢) أَنَّ لَعِبَهُمْ كَانَ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (^٣): يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ بِالْحِرَابِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (^٤): وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ.\nفَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي المَسْجِد فِي يَوْمِ مَسَرَّةٍ.\nوَقَدْ حُكِيَ أَنَّ لَعِبَهُمْ كَانَ خَارِجَ المَسْجِدِ، وَعَائِشَةُ كَانَتْ فِي المَسْجِدِ. وَهَذَا مَرْدُودٌ بِمَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ هَذَا، أَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ لَعِبَهُمْ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «دَعْهُمْ» (^٥)، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ لِعُمَرَ: «لِتَعْلَمَ الْيَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً، وَأَنِّي بُعِثْت بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ» (^٦)، وَكَأَنَّ عُمَرَ بَنَى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٤)، ومسلم (٨٩٢) (١٧).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٩٥٠)، وهي عند مسلم أيضًا برقم (٨٩٢) (١٩).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٨٩٢) (١٨).\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (٩٥٠)، وهي عند مسلم أيضًا (٨٩٢) (١٩).\n(^٥) أخرجه مسلم (٨٩٣)، من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(^٦) أخرجه أحمد (٦/ ١١٦)، والحميدي (٢٥٤)، واللفظ لأحمد، وهو حديث حسن.","vol":"2","page":327},{"text":"عَلَى الْأَصْلِ فِي تَنْزِيهِ المَسَاجِدِ، فَبَيَّنَ لَهُ - ﷺ - أَنَّ التَّعَمُّقَ وَالتَّشَدُّدَ يُنَافِي قَاعِدَةَ شَرِيعَتِهِ - ﷺ - مِنْ التَّسْهِيلِ وَالتَّيْسِيرِ، وَهَذَا يَدْفَعُ قَوْلَ الطَّبَرِيِّ: إنَّهُ يُغْتَفَرُ لِلْحَبَشِ مَا لَا يُغْتَفَرُ لِغَيْرِهِمْ، فَيُقَرُّ حَيْثُ وَرَدَ وَيُدْفَعُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّعِبَ بِالْحِرَابِ لَيْسَ لَعِبًا مُجَرَّدًا، بَلْ فِيهِ تَدْرِيبُ الشُّجْعَانِ عَلَى مَوَاضِعِ الْحُرُوبِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْعَدُوِّ؛ فَفِي ذَلِكَ المَصْلَحَةُ الَّتِي تَجْمَعُ عَامَّةَ المُسْلِمِينَ، وَيُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي إقَامَةِ الدَّيْنِ؛ فَأُجِيزَ فِعْلُهَا فِي المَسْجِدِ. اهـ\nتنبيه: قال الصنعاني -﵀- (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤): هَذَا، وَأَمَّا نَظَرُ عَائِشَةَ إلَيْهِمْ وَهُمْ يَلْعَبُونَ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ؛ فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إلَى جُمْلَةِ النَّاسِ مِنْ دُونِ تَفْصِيلٍ لِأَفْرَادِهِمْ، كَمَا تَنْظُرُهُمْ إذَا خَرَجَتْ لِلصَّلَاةِ فِي المَسْجِدِ، وَعِنْدَ الْمُلَاقَاةِ فِي الطَّرَقَاتِ. اهـ","vol":"2","page":328},{"text":"٢٥٢ - وَعَنْهَا أَنَّ وَلِيدَةً سَوْدَاءَ كَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي المَسْجِدِ، فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي .... الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nفي هذا الحديث دلالة على جواز ضرب الخيمة في المسجد للحاجة، وكذا على جواز النوم في المسجد للرجل، وللمرأة إذا أُمِنَتِ الفتنة، وقد بوب عليه البخاري: [باب نوم المرأة في المسجد].\nثم بوب بابًا آخر: [باب نوم الرجال في المسجد]، واستدل على ذلك بنوم أصحاب الصُّفَّة في المسجد، وبحديث سهل بن سعد، وهو في «الصحيحين» (^٢)، أنَّ عليًّا قال في المسجد، فجاءه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «قم أبا تراب، قم أبا تراب».\nوبحديث ابن عمر أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وهو في «الصحيحين». (^٣)\nقلتُ: وقد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من حديث بلال -﵁- عند أبي داود (٣٠٥٥): أنه بات ليلة في المسجد. وهو في «الصحيح المسند».\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: واعلم أنَّ النوم في المسجد على قسمين:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٩) واختصره الحافظ وتصرف في لفظه، ولم يخرجه مسلم.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٤٤١)، ومسلم برقم (٢٤٠٩).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٤٤٠)، ومسلم برقم (٢٤٧٩).","vol":"2","page":329},{"text":"أحدهما أن يكون لحاجة عارضة مثل نوم المعتكف فيه، والمريض، والمسافر، ومن تدركه القائلة، ونحو ذلك، فهذا يجوز عند جمهور العلماء، ومنهم من حكاه إجماعًا ...، قال: والقسم الثاني: أن يتخذ مقيلًا، ومبيتًا على الدوام، فكرهه ابن عباس، وقال مرة: إن كنت تنام فيه لصلاة؛ فلا بأس. وهذا القسم أيضًا على نوعين: أحدهما: أن يكون لحاجةٍ كالغريب، ومن لا يجد مسكنًا؛ لفقره، فهذا هو الذي وردت فيه الرخصة لأهل الصفة، والوفود، والمرأة السوداء، ونحوهم.\nقلتُ: وهذا قد أجازه الجمهور.\nقال: والثاني: أن يكون ذلك مع القدرة على اتخاذ مسكن، فهذا كرهه أحمد، وإسحاق، ومالك، ورخَّصَ فيه طائفة، منهم: الشافعي، ورواية عن أحمد، واختاره الأثرم. انتهى بتصرفٍ واختصار.\nقلتُ: وهو قول الثوري، والبخاري، وقد عزا الشوكاني في «النيل» الجواز مطلقًا للجمهور. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٤٥٦ - ٤٥٨)، «النيل» (٦٤٦).","vol":"2","page":330},{"text":"٢٥٣ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «البُزَاقُ (^١) فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nفي هذا الحديث تحريم البصاق في المسجد، وسواء في ذلك أرضه، أو جدرانه، ولا يُنهى عن البصاق في المنديل داخل المسجد بالإجماع.\nوقد تقدم الكلام على هذا الحديث في [باب الحث على الخشوع في الصلاة] تحت الحديث الثامن، فراجعه.\n_________\n(^١) في المطبوع: (البصاق).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤١٥)، ومسلم (٥٥٢).","vol":"2","page":331},{"text":"٢٥٤ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\n\n٢٥٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ المَسَاجِدِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nدلَّ الحديثان على كراهة زخرفة المساجد، وأنَّ ذلك من علامات الساعة، وأول من زخرف المساجد هو الوليد بن عبد الملك الأموي.\nوزخرفة المساجد فيه إسراف، وتبذير، وإشغال للمصلي عن صلاته، وتقليد لأعداء الإسلام، فقد قال ابن عباس عقب حديثه المذكور: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود، والنصارى. ثم هو أيضًا من المحدثات والبدع.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ١٣٤)، وأبوداود (٤٤٩)، والنسائي (٢/ ٣٢)، وابن ماجه (٧٣٩)، وابن خزيمة (١٣٢٣)، من طرق عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس به. وإسناده صحيح.\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٤٤٨)، وابن حبان (١٦١٥)، من طريق محمد بن الصباح، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن سفيان الثوري، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس به. وإسناده صحيح.","vol":"2","page":332},{"text":"٢٥٦ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى القَذَاةُ (^١) يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَاسْتَغْرَبَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^٢)\nفائدة الحديث\nفيه فضيلة تنظيف المسجد، ويُغني عنه حديث المرأة السوداء التي كانت تَقُمُّ المسجد، وقد أشرنا إليه في أول الباب.\n_________\n(^١) القذى: هو أذى العين، المسمى بالغَمَصِ، وَالرَّمَص. لسان العرب.\n(^٢) ضعيف. أخرجه أبوداود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦)، وابن خزيمة (١٢٩٧) من طريق ابن جريج عن المطلب بن عبدالله بن حنطب عن أنس به، وتمامه: «وعرضت عليَّ ذنوب أمتي، فلم أرَ ذنبًا أعظم من سورة أو آية أوتيها رجل مسلم ثم نسيها» وهو حديث ضعيف؛ لأن المطلب لم يسمع من أنس ولا من أحد من الصحابة، وابن جريج لم يسمع من المطلب.","vol":"2","page":333},{"text":"٢٥٧ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>مسألة [١]: حكم صلاة ركعتين عند دخول المسجد</span>.\n• استدل أهل الظاهر بحديث الباب على وجوب صلاة ركعتين عند دخول المسجد قبل الجلوس، وتابعهم على ذلك الإمام الشوكاني في «النيل»، واستدلوا أيضًا بحديث جابر في «الصحيحين» (^٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يخطب يوم الجمعة، فدخل رجلٌ، فجلس، فقال له النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أصليتَ يا فلان؟» قال: لا. قال: «قم، فاركع ركعتين».\n• وقد حمل الجمهور هذه الأدلة على الاستحباب، واستدلوا على ذلك بحديث عبدالله بن بسر عند أبي داود (١١١٨) وغيره: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى رجلًا يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، فقال: «اجلس؛ فقد آذيت»، وبحديث أبي واقد الليثي في «الصحيحين» (^٣)، أنَّ ثلاثة نفرٍ دخلوا المسجد، فجاء اثنان إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأدبر الثالث، فأما أحدهما فرأى فُرجةً في الحلقة فجلس فيها، وأما الثاني، فجلس خلفهم ...، الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٦٣)، ومسلم (٧١٤).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٩٣٠)، ومسلم برقم (٨٧٥).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٦٦)، ومسلم برقم (٢١٧٦).","vol":"2","page":334},{"text":"وقد أُجيب عن هذين الحديثين: بأنه لم يذكر فيهما أنهم لم يصلوا؛ فلا يصلح أن تُصرف الأوامر المتقدمة لأمر محتمل.\nواستدل الجمهور على الاستحباب بحديث: «خمسُ صلوات في اليوم والليلة»، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا؛ إلا أن تطوع».\nوأُجيب عنه: بأنه كان في أول التشريع؛ فإنه قد حصل مأمورات، وواجبات شرعية غير الأمور المذكورة في هذا الحديث.\nوأُجيب بجواب آخر، وهو: أنَّ الحديث إنما يدل على عدم وجوب صلاة أخرى في يومه وليلته تتكرر عليه بدون أي سبب، وأما إذا كان هناك سببٌ؛ فليس في الحديث ما ينفيه، كصلاة الجنازة، وصلاة العيدين، وصلاة الكسوف، وصلاة النذر على قول بعض أهل العلم في بعضها.\nواستدل الجمهور على الاستحباب بحديث أبي هريرة -﵁-، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أنه دخل المسجد، فاحتبى، ولم يصل ركعتين، لكن قال الحافظ ابن رجب -﵀-: وهذا الحديث غريب جدًّا، ورَفْعُهُ عجيب، ولعله موقوفٌ، والله أعلم.\nقلتُ: القول بالوجوب أقرب، وهو قول شيخنا مقبل الوادعي ﵀ وعفا عنه، ثم ظهر لي أنَّ القول بالاستحباب أقرب؛ لما تقدم ذكره من الأدلة، ولأن في إجماعهم على أنه لا يلزم من دخل المسجد محدثًا أن يذهب ويتوضأ دليلًا على عدم الوجوب.","vol":"2","page":335},{"text":"ويدل على ذلك أيضًا: حديث الأعرابي الذي دخل المسجد، وعقل جمله، ثم جعل يسأل النبي - ﷺ - عن الإسلام.\nففي الحديث أنه جلس وجعل يسأل النبي - ﷺ -، ولم يأمره النبي - ﷺ - بالركعتين. متفق عليه عن أنس، وعن طلحة بن عبيد الله -﵄-.\nويدل على ذلك أيضًا: ما أخرجه مسلم (٨٧٦) عن أبي رفاعة -﵁-، قال: انتهيت إلى النبي - ﷺ - وهو يخطب، قال: فقلت: يا رسول الله رجل غريب، جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه، قال: فأقبل علي رسول الله - ﷺ -، وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتي بكرسي، حسبت قوائمه حديدًا، قال: فقعد عليه رسول الله - ﷺ -، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها. وليس في الحديث أن النبي - ﷺ - أمره أن يصلي ركعتين.\nويدل على ذلك أيضًا: ما أخرجه أبو داود (١١١٨)، وغيره عن عبد الله بن بسر -﵁-، قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي - ﷺ - يخطب، فقال له النبي - ﷺ -: «اجلس فقد آذيت». ولم يأمره النبي - ﷺ - بالركعتين.\nويدل على ذلك أيضًا: ما أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٦٤٦) تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣]، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة.","vol":"2","page":336},{"text":"قلتُ: إسناده صحيح، وهشام بن سعد، وإن كان ضعيف الحفظ؛ إلا أنه أثبت الناس في زيد بن أسلم، قاله أبو داود.\nويدل على ذلك أيضًا: أنه لا يشترط لتحية المسجد نية؛ فأي صلاة صلاها حين يدخل المسجد من فريضة ونافلة؛ تجزئه عن تحية المسجد.\nوأيضًا: فإن من صلى نافلة؛ أجزأته عن تحية المسجد، ولو لم ينو؛ فلو كانت واجبة؛ ما أجزأت النافلة عن الفريضة بدون نية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>مسألة [٢]: هل يجب على من دخل المسجد، وهو محدثٌ أن يتوضأ، أو يغتسل إن كان جُنُبًا</span>؟\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٢/ ٤٦٣): هذا لم يوجبه أحدٌ من المسلمين. اهـ\nوأخرج سعيد بن منصور في «سننه» كما في تفسير سورة النساء من «تفسير ابن كثير» تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣]، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضأوا وضوء الصلاة.\nوهذا إسناد صحيح.\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٤٤٤)، «الفتح» لابن حجر (٤٤٤)، «نيل الأوطار» (٢/ ٥٣٢).","vol":"2","page":337},{"text":"فائدة: من خرج إلى جوار المسجد لحاجة، ثم رجع خلال زمن قصير، فلا تلزمه الصلاة؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث جابر في البخاري (١١٧٠)، ومسلم (٨٧٥) (٥٩): «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب؛ فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما»، واللفظ لمسلم.\nوالشاهد في قوله: «إذا جاء» والله أعلم.","vol":"2","page":338},{"text":"مُلْحَقٌ في مَسَائِلَ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِالمَسَاجِدِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>مسألة [١]: حكم الملاعنة في المسجد</span>.\nجاء في حديث سهل بن سعد -﵁- في «الصحيحين» (^١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لاعن بين عويمر، وامرأته في المسجد، وقد بوب على ذلك البخاري في «صحيحه»، فقال: [باب القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء].\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٢/ ٣٧٢): ولا خلاف نعلمه بين العلماء في جواز الملاعنة في المساجد بين الزَّوْجَيْنِ المُسْلِمَيْنِ، وإنما اختلفوا: هل ذلك مستحبٌ، أو واجبٌ، أو مباحٌ؟ فأوجبه الشافعي في قولٍ له، واستحبه في قوله الآخر، وأكثر أصحابنا، ومنهم من قال: هو جائزٌ غير مستحب. اهـ\nوالقول بالجواز هو الأقرب؛ وأما فعله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقد لاعن بينهما في المسجد؛ لأنه كان حينذاك في المسجد، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>مسألة [٢]: القضاء في المسجد</span>.\n• أجازه شُريح، والحسن، والشعبي، ومحارب، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وأبو حنيفة، والثوري.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٢٣)، ومسلم برقم (١٤٩٢) (٣).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (٤٢٣).","vol":"2","page":339},{"text":"• وكرهه الشافعي، وعمر بن عبد العزيز، وأبو حنيفة في رواية.\nوالراجح القول الأول؛ لعدم وجود دليل على الكراهة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>مسألة [٣]: دخول المسجد باليمنى، والخروج باليسرى</span>.\nاستحب أهل العلم أن يدخل الرجل المسجد مُقدِّمًا رجله اليمنى، وأن يخرج مُقدِّمًا رجله اليسرى، والدليل على ذلك ما أخرجه البيهقي (٢/ ٤٤٢)، والحاكم (١/ ٢١٨)، عن أنس بن مالك -﵁-، قال: «من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى».\nقلتُ: ورجاله ثقات؛ إلا أنَّ فيه أبا طلحة الراسبي، قال البيهقي -﵀-: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: يُعتبر به. ولكن قد وثَّقه غيرهما، فقد قال أحمد: شيخٌ ثقةٌ. وقال ابن معين: ثقةٌ. وقال أبو خيثمة: ثقةٌ. وقال النسائي: ثقةٌ. وقال ابن عدي: لم أرَ له حديثًا منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به. وقال البزار: ثقةٌ. وقال البخاري: ضعَّفَهُ عبد الصمد بن عبد الوارث.\nفمثلُ هذا الرجل لا ينزل حديثه عن الحسن، وقد بوب الإمام البخاري في «صحيحه»، فقال: [باب التيمن في دخول المسجد وغيره]، وكان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى، فإذا خرج بدأ برجله اليسرى، ثم استدل بحديث عائشة مرفوعًا: «كان يعجبه التيمن ..». (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٤٢٣).\n(^٢) «الفتح» (٤٢٦).","vol":"2","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-765>مسألة [٤]: دعاء الدخول إلى المسجد، والخروج منه</span>.\nأخرج مسلم في «صحيحه» (٧١٣)، من حديث أبي حُميد، أو أبي أُسيد، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا دخل أحدكم المسجد؛ فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذاخرج؛ فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك».\nوأخرج أبو داود (٤٦٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم»، قال: «فإذا قال ذلك قال الشيطان: حُفِظَ مني سائر يومه»، وقد حسَّنَهُ الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>مسألة [٥]: الخروج من المسجد بعد الأذان</span>.\nأخرج مسلم في «صحيحه» (٦٥٥)، عن أبي الشعثاء، قال: كُنَّا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة، فأذَّن المؤذن، فقام رجلٌ من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -.\nقال الترمذي -﵀- -عَقِبَ هذا الحديث من «سننه» (٢٠٤) -: وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ لَا يَخْرُجَ أَحَدٌ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ: أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، أَوْ أَمْرٍ لَابُدَّ مِنْهُ، وَيُرْوَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَخْرُجُ مَا لَمْ يَأْخُذْ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ. قال الترمذي: وَهَذَا عِنْدَنَا لِمَنْ لَهُ عُذْرٌ فِي الْخُرُوجِ مِنْهُ. اهـ","vol":"2","page":341},{"text":"وقد صرَّح الشوكاني -﵀- في «النيل» بالتحريم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>مسألة [٦]: المرور في المسجد بدون صلاة</span>.\nبَوَّبَ البخاري -﵀- في «صحيحه»: [باب المرور في المسجد]، ثم استدل على ذلك بحديث أبي موسى -وهو في «الصحيحين» (^٢) - أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من مرَّ في شيء من مساجدنا، أو أسواقنا بِنَبْلٍ؛ فليمسك على نصالها، لا يعقر بِكَفِّهِ مسلمًا».\nوقد جاء في النهي عن اتخاذ المسجد طريقًا أحاديث مرفوعة، ولكنها ضعيفة. (^٣)\nولذلك جاء عن أحمد، وإسحاق، ومالك الترخيص في المرور بغير صلاة، بل صحَّ ذلك عن جمعٍ من الصحابة، منهم: ابن عمر، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٣٤٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>مسألة [٧]: الحدثُ في المسجد أعني الفساء والضراط</span>.\n• بَوَّبَ البخاري -﵀- في «صحيحه»: [باب الحدث في المسجد]، ثم استدل بحديث أبي هريرة -﵁-، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنَّ الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، ما لم يُحدث، تقول: اللهم\n_________\n(^١) «نيل الأوطار» (٦٥٣).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٤٥٢)، ومسلم برقم (٢٦١٥).\n(^٣) انظر: «الفتح» لابن رجب (٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨).","vol":"2","page":342},{"text":"اغفر له، اللهم ارحمه» (^١)، وقد رخَّصَ في الحدث في المسجد جماعة منهم: الحسن، وعطاء، وإسحاق، وقال أصحاب الشافعي: والأولى اجتناب إخراج الريح فيه؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإنَّ الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم». (^٢)\nقلتُ: الظاهر هو الجواز؛ مالم يؤذ، والأولى ما قاله أصحاب الشافعي، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-769>مسألة [٨]: الصلاة بين سواري المسجد</span>.\nجاء في النهي عن ذلك حديثان:\nأحدهما: حديث قُرَّة بن إياس عند ابن ماجه (١٠٠٢)، وابن خزيمة (١٥٦٧)، قال: كُنَّا نُنْهَى أنَّ نَصُفَّ بين السواري على عهد رسول الله - ﷺ -، وَنُطْرَدُ عنها طردًا.\nوفي إسناده: أبو مسلم هارون بن مسلم، وقد قال فيه ابن المنذر، وأبو حاتم: مجهول.\nوالثاني: حديث أنس عند أحمد (٣/ ١٣١) وأبي داود (٦٧٣) عن عبدالحميد ابن محمود، قال: صليت مع أنس يوم الجمعة، فدفعنا إلى السواري، فتقدمنا وتأخرنا، فقال أنس: كُنَّا نتقي هذا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وإسناده صحيح.\n_________\n(^١) انظر: «البخاري» برقم (٤٤٥)، وهو عند مسلم برقم (٢٧٢)، من [كتاب المساجد].\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٥٦٤) (٧٤)، من حديث جابر بن عبدالله -﵄-.\n(^٣) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٤٦٩).","vol":"2","page":343},{"text":"وقد دلَّ هذا الحديث على كراهية صلاة المأمومين بين السواري؛ لما يحصل من انقطاع الصف، أو عدم تسويته.\n• وقد كره ذلك الشافعية، والحنابلة، وغيرهم، وهو الصحيح.\n• ورخَّص في ذلك ابن سيرين، وأبو حنيفة، ومالك، وابن المنذر، وأما الإمام والمنفرد؛ فقد أجازه أيضًا من كره ذلك للمأموم، وبَوَّبَ البخاري في «صحيحه»: [باب الصلاة بين السواري في غير جماعة].\nثم استدل عليه بحديث ابن عمر، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دخل الكعبة، قال: فسألت بلالًا حين خرج: ما صنع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ قال: جعلَ عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، ثم صلَّى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>مسألة [٩]: حضور المسجد لمن أكل البصل، والثوم، والكراث، ولم يذهب الريح</span>.\nأخرج البخاري، ومسلم من حديث جابر، وابن عمر، وأنس -﵃-، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أنه نهى مَنْ أكل البصل والثوم أن يقرب المسجد، وفي بعض الروايات: «فليعتزلنا»، أو «ليعتزل مسجدنا».\nوفي بعضها: «فلا يُصلين معنا».\nوفي بعضها: «وليقعد في بيته»، وذكر «الكراث» في رواية جابر عند مسلم فقط.\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٥٠٤) (٥٠٥).","vol":"2","page":344},{"text":"• وقد ذهب جمهور العلماء إلى كراهة حضور المسجد بعد أكل هذه الأشياء المذكورة.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٢٨٨): وظاهر كلامِ أحمد: أنه يحرمُ؛ فإنه قال في رواية إسماعيل بن سعيد: إن أكل وحضر المسجدَ أثمَ. وهو قولُ ابن جرير أيضًا، وأهل الظاهر وغيرهم.\nثم قال -﵀-: ودخولُ المسجد مع بقاء ريح الثوم محرمٌ، وهو قولُ طائفةٍ من أصحابنا، وابن جرير، وغيرهم من العلماء. اهـ\nقلتُ: والقول بالتحريم هو الصواب؛ لظاهر الأحاديث المتقدمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>مسألة [١٠]: هل يلتحق بما تقدم الفُجْل</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٥/ ٢٩٠): وقد ذكرنا أنَّ هذا الحكم يتعدى إلى كل مأكول له رائحة كريهة، كالفجل وغيره، وأنَّ أحمد نصَّ عليه. اهـ\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٨٥٦): ونقل ابن التين عن الإمام مالك: إن كان يظهر ريحه؛ فهو كالثوم. وقيَّده عياض بالجُشاء. اهـ\nقلتُ: الفجل يظهر ريحه عند الجشاء فقط، فمن كان يعلم من نفسه أنه يتجشأ، ويتكرر منه ذلك؛ فلا يأكله، ويلتحق بما تقدم، ومن كان يعلم من نفسه أنه لا يتجشأ، أو يخرج منه على ندور؛ فيجوز أكله، والله أعلم.","vol":"2","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-772>مسألة [١١]: بائعو السمك</span>.\nقال ابن رجب -﵀-: وألحق أصحاب مالكٍ به: كل من له رائحةٌ كريهةٌ يتأذى بها، كالحُرَّاثِ، والحُوَّاتِ.\nثم قال: وفيه نظر؛ فإن هذا أثر عملٍ مباحٍ، وصاحبه محتاج اليه، فينبغي أن يُؤمر إذا شهد الصلاة في جماعة بالغسل، وإزالة ما يتأذى برائحته منه، كما أمر النبي - ﷺ - من كان يشهد الجمعة من الأنصار الذين كانوا يعملون في نخلهم، ويلبسون الصوف، ويفوح ريحهم بالغسل. انتهى المراد.\nفائدة: جاء في «سنن أبي داود» (٣٨٢٦)، و«مسند أحمد» (٤/ ٢٤٩)، وغيرهما، عن المغيرة بن شعبة أنه أكل ثومًا، ثم جاء ليصلي مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فوجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ريح الثوم، فلما قضى الصلاة قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أكل ثومًا؛ فلا يُصليَّنَّ معنا»، قال: فأتيته، فقلت: يا رسول الله، إني لي عذرًا. قال: فأخذتُ يده، فأدخلتها في كُمِّي، فوجد صدري معصوبًا، فقال: «إنَّ لك عذرًا».\nوهو حديث ظاهره الصحة، ولكن الإمام الدارقطني -﵀- رجَّحَ في «العلل» (٧/ ١٤٠ - ١٤١)، أنه من مراسيل أبي بردة بن أبي موسى.\nفائدة أخرى: البصل، والثوم المطبوخ جائزٌ؛ لما أخرجه أبو داود (٣٨٢٧)، والنسائي في «الكبرى» (٦٦٨١)، من حديث معاوية بن قُرَّة، عن أبيه قُرَّة بن إياس، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن هاتين الشجرتين، وقال: «من أكلهما؛ فلا يقربن مسجدنا»، وقال: «إن كنتم لابُدَّ آكليها؛ فأميتوهما طبخًا»، يعني: البصل، والثوم، والحديث في «الصحيح المسند».","vol":"2","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-773>بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ</span>\n٢٥٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\nوَلِابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادِ مُسْلِمٍ: «حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا». (^٢)\n\n٢٥٩ - وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ. (^٣)\nوَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: «فَأَقِمْ صُلْبَك حَتَّى تَرْجِعَ العِظَامُ». (^٤)\nوَلِلنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ: «إنَّهَا لَنْ تَتِمَّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللهَ تَعَالَى وَيَحْمَدَهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ». (^٥) وَفِيهَا: «فَإِنْ كَانَ مَعَك قُرْآنٌ فَاقْرَأْ وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ». (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٥١)، ومسلم (٣٩٧)، وأحمد (٢/ ٤٣٧)، وأبوداود (٨٥٦)، والنسائي (٢/ ١٢٤)، والترمذي (٣٠٣)، وابن ماجه (١٠٦٠)، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري قريب منه.\n(^٢) أخرجه برقم (١٠٦٠).\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ٣٤٠)، بإسناد حسن، ولم أجدها عند ابن حبان.\n(^٤) أخرجه أحمد (٤/ ٣٤٠)، بزيادة «إلى مفاصلها». وإسناده حسن.\n(^٥) صحيح. أخرجه النسائي (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، وأبوداود (٨٥٨) و(٨٥٧)، بإسناد صحيح.\n(^٦) زيادة ضعيفة. أخرجه أبوداود (٨٦١)، وفي إسناده يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، وهو مجهول، وقد تابعه عليها شريك بن أبي نمر عند الطحاوي (١/ ٢٣٢) ومع ذلك فلا تتطمئن النفس لتحسينها؛ لأن عامة الرواة الذي رووا الحديث عن علي بن يحيى بن خلاد لم يذكروا هذه الزيادة.","vol":"2","page":347},{"text":"وَلِأَبِي دَاوُد: «ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ القُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ اللهُ». (^١)\nوَلِابْنِ حِبَّانَ: «ثُمَّ بِمَا شِئْت». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>مسألة [١]: حكم القيام لصلاة الفريضة</span>.\nالقيام لصلاة الفريضة ركنٌ من أركان الصلاة على كل مستطيع، بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨].\nوأما السنة: فحديث عمران بن حصين -﵄- في «صحيح البخاري»، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «صلِّ قائمًا؛ فإن لم تستطع فقاعدًا؛ فإن لم تستطع فعلى جنب».\n_________\n(^١) أخرجه أبوداود (٨٥٩)، بإسناد حسن.\n(^٢) أخرجه ابن حبان (١٧٨٧) بإسناد حسن، ورواية أبي داود، وابن حبان من طريق: محمد بن عمرو ابن علقمة، وقد تفرد بذكر «أم القرآن».\nوخالفه: إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عجلان، وداود بن قيس، وعبدالله بن عون، وشريك بن أبي نمر، ويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، كلهم رووا الحديث بلفظ: «ثم اقرأ ما تيسر عليك من القرآن» أو بمعناه.\nوقد ذكرت مصادر هذه الروايات في رسالة لي في تخريج حديث المسيء في صلاته، يسر الله بطبعها، والنفع بها.","vol":"2","page":348},{"text":"وأما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن عبد البر في «التمهيد» (١/ ١٣٦)، (٦/ ١٣٨)، والنووي في «شرح المهذب» (٣/ ٢٥٨)، وغيرهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-775>مسألة [٢]: حكم القيام لصلاة الفريضة من العاجز</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الإجماع» (٨٣): وأجمعوا على أنَّ فرض من لا يطيق القيام أن يصلي جالسًا. اهـ\nقلتُ: ويدل عليه حديث عمران بن حصين المتقدم في المسألة السابقة، ومن صلَّى قاعدًا لغير استطاعة؛ فله أجره كاملًا؛ لما رواه أحمد، وغيره من حديث أنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- -وكلاهما في «الصحيح المسند»، وألفاظهما متقاربة- مرفوعًا: «إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده، قال الله ﷿ لملائكته: اكتبوا لعبدي ما كان يعمل صحيحًا مُقيمًا، فإذا شفاه غسله، وطهره، وإذا قبضه غفر له، ورحمه».\nوفي حديث عبد الله بن عمرو: «حتى أطلقه، أو أكفته إليَّ»، وأما حديث عمران بن حصين عند البخاري (١١١٦): «من صلَّى قائمًا؛ فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا؛ فله نصف أجر القائم»، فهو محمول عند الجمهور على صلاة النافلة لمن كان مستطعيًا للقيام، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>مسألة [٣]: حكم القيام لصلاة النافلة</span>.\nثبت في «صحيح مسلم» (٧٣٠)، عن عائشة -﵂- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-","vol":"2","page":349},{"text":"يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا.\nقال النووي -﵀- -في شرحه (٧٣٠) -: وفيه جواز التنفل قاعدًا مع القدرة على القيام، وهو إجماع العلماء.\nوقال ابن عبد البر -﵀- في «الاستذكار» (٥/ ٣٨٩): وقد أجمع العلماء على جواز صلاة الجالس خلف الإمام القائم في النافلة. اهـ\nقلتُ: ولكنه إذا صلى قاعدًا مع القدرة على القيام؛ فله نصف أجر القائم؛ لحديث عمران بن حصين عند البخاري: «من صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا؛ فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا -يعني مضطجعًا- فله نصف أجر القاعد».\nوأخرج مسلم (٧٣٥)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، قال: حُدِّثْتُ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة»، قال: فأتيته، فوجدته يصلي جالسًا، فوضعت يدي على رأسه، فقال: «مالك يا عبد الله بن عمرو؟» قلت: حُدِّثْتُ يا رسول الله أنك قلت: «صلاة الرجل قاعدًا على نصف الصلاة»، وأنت تصلي قاعدًا. قال: «أجل، ولكني لست كأحدٍ منكم».\nوأما إذا كان يشق عليه القيام؛ فأجرهُ كاملٌ كما تقدم، ويُستفاد من الحديث الأخير أنَّ من خصوصيات النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه إذا صلَّى قاعدًا؛ فأجره كامل بخلاف غيره، فله نصف الأجر، وقد جزم بهذا النووي، وغيره.","vol":"2","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-777>مسألة [٤]: حكم تكبيرة الإحرام</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أن تكبيرة الإحرام ركنٌ من أركان الصلاة، واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة الذي في الباب، وفيه: «ثم استقبل القبلة، فكبَّر»، واستدلوا بحديث علي -وهو حديثٌ حسن- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» أخرجه أبو داود (٦١٨)، والترمذي (٣)، وغيرهما.\n• وذهب الحنفية إلى أنها شرطٌ من شروط صحة الصلاة، بدليل إضافتها إلى الصلاة في قوله: «تحريمها التكبير»، قالوا: ولا يُضاف الشيء إلى نفسه.\nقال ابن قدامة -﵀-: وما ذكروه غلطٌ؛ فإنَّ أجزاء الشيء تُضاف إليه كـ: يد الإنسان، ورأسه، وأطرافه.\nوقد قيل: إنها سنة. قال ابن المنذر -﵀-: لم يقل به أحدٌ غير الزهري.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: وقد نقله غيره عن سعيد بن المسيب، والأوزاعي، ومالك، ولم يثبت عن أحد منهم تصريحًا، وإنما قالوا فيمن يدرك الإمام راكعًا تجزئه تكبيرة الركوع. اهـ\nوقد نصَّ على ذلك ابن قدامة، فقال: وقال سعيد بن المسيب، والحسن، والزهري، وقتادة، والحكم، والأوزاعي: من نسي تكبيرة الافتتاح أجزأته تكبيرة الركوع. انتهى.","vol":"2","page":351},{"text":"والصَّوابُ ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>مسألة [٥]: صيغة التكبير</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ ذلك لا يجزئ؛ إلا بالتكبير، وذهب أبو حنيفة، وعامة أصحابه إلى أنه يجزئ بكل اسم لله على وجه التعظيم، كقوله: (الله عظيم)، أو (كبير)، أو (جليل)، و(سبحان الله)، و(الحمد لله)، و(لا إله إلا الله)، ونحوه، وقال بهذا: الحكم، وجاء عن الشعبي بإسناد فيه مجهول.\nوالراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تحريمها التكبير»، وفي حديث المسيء في صلاته: «ثم استقبل القبلة، فَكَبِّرْ»، وكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفتتح الصلاة بقوله: «الله أكبر»، ولم يُنقل عنه عدولٌ عن ذلك حتى فارق الدنيا.\n• ثم ذهب الشافعي إلى أنه يجوز بقوله: (الله الأكبر) بالتعريف؛ لأنَّ الألف واللام لم تغيره عن بنيته، ومعناه، وإنما أفادت التعريف.\n• وذهب ابن حزم إلى أنه يجزئ التكبير مضافًا إلى أي اسم من أسماء الله، كقوله: (الرحمن أكبر)، (العظيم أكبر)، ونحوه.\nوالراجح ما ذهب إليه غيرهما، وهو أنه لا يجزئ إلا قوله: (الله أكبر)؛ لأنه هو الثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يُنقل عنه خلافه، فقد ثبت عند ابن ماجه (٨٠٣)، من حديث أبي حميد، بإسناد صحيح، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا استفتح الصلاة\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب، ولابن حجر (٧٣٤)، «المغني» (٢/ ١٢٨)، (٢/ ١٣١)، «شرح المهذب» (٣/ ٢٩١).","vol":"2","page":352},{"text":"استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: «الله أكبر».\nوأخرج البزار (٥٣٦)، عن علي -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا قام إلى الصلاة قال: «الله أكبر، وجَّهتُ وجهي ...» الحديث.\nقال الحافظ -﵀-: وإسناده على شرط مسلم.\nوأخرج الطبراني في «الكبير» (٤٥٢٦) بإسناد صحيح عن رفاعة بن رافع أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنه لا تتم صلاة لأحدٍ من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يقول: الله أكبر».\nوثبت عند النسائي (٣/ ٦٢)، وغيره من حديث ابن عمر، أنه سُئل عن صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: «الله أكبر كلما وضع، الله أكبر كلما رفع»، وهو في «الصحيح المسند».\nوفي «صحيح مسلم» عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو ردٌّ».\nوهذا قول أحمد، ومالك، ورجَّحه ابن القيم، وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية.\nوقال ابن قدامة -﵀-: وقول الشافعي عدولٌ عن المنصوص، فأشبه ما لو قال: الله العظيم. وقولهم: (لم تغير بنيته ولا معناه) لا يصح؛ لأنه نقله عن التنكير إلى التعريف، وكان متضمنًا لإضمارٍ، أو تقدير، فزال؛ فإنَّ قوله: (الله أكبر) التقدير: (من كل شيء)، ولم يَرِدْ في كلام الله تعالى، ولا في كلام رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا","vol":"2","page":353},{"text":"في المتعارف في كلام الفصحاء إلا هكذا؛ فإطلاق لفظ التكبير ينصرف إليها دون غيرها كما أنَّ إطلاق لفظ التسمية ينصرف إلى قول: (بسم الله) دون غيره، وهذا يدل على أن غيرها ليس مثلًا لها. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-779>مسألة [٦]: تنكيس صيغة التكبير</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٢٨): وَلَا يَصِحُّ التَّكْبِيْرُ إِلَّا مُرَتَّبًا؛ فَإِنْ نَكَسَهُ لَم يَصِح؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ تَكْبِيْرًا. اهـ\nوهو مَذهبُ الشَّافعيَّةِ أيضًا كما في «شرح المهذب» (٣/ ٢٩٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>مسألة [٧]: اللحن في التكبير</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٢٩): وَيُبَيِّنُ التَّكْبِيرَ، وَلَا يَمُدُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ المَدِّ؛ فَإِنْ فَعَلَ بِحَيْثُ تَغَيَّرَ المَعْنَى، مِثْلُ أَنْ يَمُدَّ الْهَمْزَةَ الْأُولَى، فَيَقُولَ: (آللهُ؟) فَيَجْعَلَهَا اسْتِفْهَامًا، أَوْ يَمُدَّ أَكْبَرَ، فَيَزِيدَ أَلِفًا، فَيَصِيرَ جَمْعَ كَبَرٍ، وَهُوَ الطَّبْلُ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ المَعْنَى يَتَغَيَّرُ بِهِ، وَإِنْ قَالَ: (اللهُ أَكْبَرُ، وَأَعْظَمُ، وَأَجَلُّ)، وَنَحْوَهُ، لَمْ يُسْتَحَبَّ، وَانْعَقَدَتْ الصَّلَاةُ بِالتَّكْبِيرَةِ الْأُولَى. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>مسألة [٨]: التكبير بغير العربية</span>.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَا يُجْزِئُهُ التَّكْبِيرُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُهُ؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى:\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ١٢٧)، «فتح الباري» لابن رجب (٧٣٢، ٧٣٣)، «التلخيص» (١/ ٣٩٢)، «غاية المرام» (٢/ ٤٣ -)، «المجموع» (٣/ ٣٠٢).","vol":"2","page":354},{"text":"﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٥]، وَهَذَا قَدْ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ. وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ النُّصُوصِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَعْدِلْ عَنْهَا، وَهَذَا يَخُصُّ مَا ذَكَرُوا. اهـ\nوقول الجمهور هو الراجح، وهو عدم الإجزاء. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>مسألة [٩]: إذا كان أخرسًا، أو عاجزًا عن التكبير</span>.\n• ذهب الشافعية تبعًا للشافعي، وبعض الحنابلة إلى أنه عليه أن يحرك لسانه بما يقدر عليه، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم». (^٢)\n• وذهب الحنابلة، وهو الأصح عندهم، إلى أنه يسقط عنه باللسان، ويحرم بقلبه؛ لأنَّ الصحيح يلزمه النطق بتحريك لسانه، فإذا عجز عنه لم يلزمه تحريك لسانه في موضعه كالقراءة.\nقالوا: وإنما لزمه تحريك لسانه بالتكبير مع القدرة عليه ضرورة توقف التكبير عليها، فإذا سقط التكبير سقط ما هو من ضرورته، كمن سقط عنه القيام، سقط عنه النهوض إليه، وإن قدر عليه، ولأنَّ تحريك اللسان من غير نطق عبثٌ، لم يَرِدِ الشرع به، فلا يجوز في الصلاة، كالعبث بسائر جوارحه.\nوهذا القول أرجح، والله أعلم.\nوهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (٣/ ٣٠١)، (٣/ ٢٩٣)، «المغني» (٢/ ١٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)، عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٣) وانظر: «شرح المهذب» (٣/ ٢٩٤)، «المغني» (٢/ ١٣٠)، «الإنصاف» (٢/ ٣٩).","vol":"2","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-783>مسألة [١٠]: تكبيرة الإحرام أثناء القيام</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «المجموع» (٣/ ٢٩٦): يجب أن يكبر للإحرام قائمًا حيث يجب القيام، وكذا المسبوق الذي يدرك الامام راكعًا يجب أن تقع تكبيرة الإحرام بجميع حروفها في حال قيامه؛ فإن أتى بحرف منها في غير حال القيام لم تنعقد صلاته فرضًا بلا خلاف، وفى انعقادها نفلًا الخلاف السابق قريبًا في فصل النية، هذا مذهبنا، وهو رواية عن مالك، والأشهر عنه أنه تنعقد صلاته فرضًا إذا كبر، وهو مسبوق، وهو نصه في «الموطأ» و«المدونة».اهـ\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٣٠): وعليه أن يأتي بالتكبير قائمًا؛ فإن انحنى إلى الركوع بحيث يصير راكعًا قبل إنهاء التكبير لم تنعقد صلاته؛ إلا أن تكون نافلة؛ لسقوط القيام فيها ...، ولو كان ممن تصح صلاته قاعدًا كان عليه الإتيان بالتكبير قبل وجود الركوع منه. اهـ\nقلتُ: وما ذهب إليه هذان الإمامان هو الصواب، وهو مذهب الجمهور، وكلام ابن قدامة أضبط، فتأمله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-784>مسألة [١١]: متى يُكبر المأموم</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٣١): وَلَا يُكَبِّرُ الْمَأْمُومُ حَتَّى يَفْرُغَ إمَامُهُ مِنْ التَّكْبِيرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُكَبِّرُ مَعَهُ، كَمَا يَرْكَعُ مَعَهُ. وَلَنَا: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» (^٢)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالرُّكُوعُ مِثْلُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٢/ ١٣٠)، «المجموع» (٣/ ٢٩٦)، «فتح الباري» لابن رجب (٧٣٢، ٧٣٣).\n(^٢) سيأتي في الكتاب برقم (٣٩١).","vol":"2","page":356},{"text":"ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَرْكَعُ بَعْدَهُ، إلَّا أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالرُّكُوعِ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَهَهُنَا بِخِلَافِهِ؛ فَإِنْ كَبَّرَ قَبْلَ إمَامِهِ، لَمْ يَنْعَقِدْ تَكْبِيرُهُ، وَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ التَّكْبِيرِ بَعْدَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ. انتهى.\nقلتُ: وما رجَّحه ابن قدامة هو قول الجمهور، وهو الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-785>مسألة [١٢]: النطق بالتكبير</span>.\nاشترط الشافعية، والحنابلة للتكبير أنْ يُسْمع نفسه إلا أن يكون به عارضٌ من صمم، أو غيره، فيأتي به بحيث لو كان سميعًا، وقالوا: الكلام لا يكون بدون صوت، والصوت ما يتأتى سماعه، وأقرب السامعين إليه نفسه، فمتى لم يسمع لم يعلم أنه أتى بالقول.\nقال المرداوي -﵀- في «الإنصاف» (٢/ ٣٩): واختار الشيخ تقي الدين الاكتفاء بالإتيان بالحروف، وإنْ لم يسمعها، وذكره وجهًا في المذهب.\nثم قال -﵀-: والنفس تميل إليه. اهـ\nويعني بالشيخ تقي الدين: شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-.\nوقد رجَّح هذا القول الإمام ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٨٢)، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nوهو الأقرب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ١٢٨)، «المجموع» (٣/ ٢٩٥).","vol":"2","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-786>مسألة [١٣]: الجهر بالتكبير للإمام، والمأموم، والمنفرد</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «المجموع» (٣/ ٢٩٤): يُستحب للإمام أن يجهر بتكبيرة الإحرام، وبتكبيرات الانتقال؛ ليُسْمِعَ المأمومين، وأما غير الإمام فالسنة الإسرار بالتكبير، سواء المأموم والمنفرد، وأدنى الإسرار أن يُسْمِعَ نفسه إذا كان صحيح السمع، ولا عارض عنده من لَغَطٍ، أو غيره ... .انتهى بتصرف.\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٢٨): وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ المَأْمُومُونَ لِيُكَبِّرُوا؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّكْبِيرُ إلَّا بَعْدَ تَكْبِيرِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إسْمَاعَهُمْ، جَهَرَ بَعْضُ المَأْمُومِينَ لِيُسْمِعَهُمْ، أَوْ ليَسْمَعَ مَنْ لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله - ﷺ -، وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ، فَإِذَا كَبَّرَ رَسُولُ الله - ﷺ - كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ؛ لِيُسْمِعَنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. اهـ\nقلتُ: حديث جابر انفرد به مسلم (٤١٣)، وهو في «الصحيحين» (^١) من حديث عائشة -﵂-، وقد صحح الإمام ابن عثيمين -﵀- وجوب الجهر على الإمام بحيث يسمع بعض من خلفه لأمرين:\nأولًا: لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فإنه لو كان الأمر غير واجب لم يكن هناك داعٍ إلى أن يُبَلِّغَ أبو بكر التكبير لمن خلف النبي ﵊.\nثانيًا: لأنه لا يتم اقتداء المأمومين بالإمام إلا بسماع التكبير، وما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٧١٢)، ومسلم برقم (٤١٨) (٩٦).","vol":"2","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-787>مسألة [١٤]: تبليغ التكبير إذا لم يُسْمِع الإمام</span>.\nاستحب العلماء تبليغ التكبير من بعض المأمومين إذا لم يُسمع الإمام، واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله، وعائشة -﵃- اللَّذَيْنِ تقدَّما في المسألة السابقة، واتفقوا على عدم مشروعيته لغير حاجة.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٤٠٢): لا يشرع الجهر بالتكبير خلف الامام الذى هو المبلغ لغير حاجة باتفاق الأئمة؛ فإن بلالا لم يكن يبلغ خلف النبى - ﷺ - هو ولا غيره، ولم يكن يبلغ خلف الخلفاء الراشدين، لكن لما مَرِضَ النبى - ﷺ - صلى بالناس مرة وصوته ضعيف، وكان أبو بكر يصلي إلى جنبه يُسْمِعُ الناس التكبير، فاستدل العلماء بذلك على أنه يُشرع التكبير عند الحاجة، مثل ضعف صوته، فأما بدون ذلك، فاتفقوا على أنه مكروه غير مشروع، وتنازعوا في بطلان صلاة من يفعله على قولين، والنزاع في الصحة معروف في مذهب مالك، وأحمد، وغيرهما، غير أنه مكروه باتفاق المذاهب كلها. اهـ\nوقال ابن عابدين -﵀- في «الرد المختار» (٢/ ١٧٢): وفي «حاشية أبي السعود»: واعلم أنَّ التبليغ عند عدم الحاجة إليه بأن بَلَّغَهُم الإمام صوته، مكروه.\nوفي «السيرة الحلبية»: اتفق الأئمة الأربعة على أن التبليغ حينئذٍ بدعةٌ منكرةٌ. انتهى المراد.","vol":"2","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-788>مسألة [١٥]: من أدرك الإمام راكعًا، فهل تجزئه تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الانتقال</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه تجزئه تكبيرة الإحرام، وتنعقد صلاته، وخالف: ابن سيرين، وحماد بن أبي سليمان، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمر بن عبد العزيز، فقالوا: لا تجزئه، حتى يكبر تكبيرتين.\nقال ابن رجب -﵀-: وحكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد، ولا يصح هذا عن أحمد.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٨٣): ولأنه قد نقلت تكبيرة واحدة عن زيد بن ثابت، وابن عمر، ولم يُعرَف لهما مخالفٌ من الصحابة، فيكون ذلك إجماعًا، ولأنه اجتمع واجبان من جنس في محل واحد، وأحدهما ركنٌ؛ فسقط به الآخر، كما لو طاف الحاج طواف الزيارة الإفاضة عند خروجه من مكة، أجزأه عن طواف الوداع.\nقلتُ: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه الجمهور؛ لاسيما وأكثرهم يرون استحباب تكبيرات الانتقال، وأما أثر ابن عمر، وزيد بن ثابت، فأخرجهما ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١/ ٢٤٢) بإسناد صحيح عنهما، وقد ذهب إليه من التابعين: سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وميمون بن مهران، والنخعي، وغيرهم.\nقال ابن رجب -﵀-: فعلى قول الجمهور: إذا كبر تكبيرةً واحدةً، فله أربعةُ أحوال:","vol":"2","page":360},{"text":"إحداها: أن ينوي بها تكبيرة الافتتاح؛ فتجزئه صلاته بغير توقف.\nالحالة الثانية: أن ينوي تكبيرة الركوع خاصةً، فلا تجزئه عند الأكثرين، قاله الثوري، ومالك. ونص عليهِ أحمد في رواية أبي الحارث، واحتج بأن النبي - ﷺ - قالَ: «تحريمها التكبير»، وهذا لَم يحرم بالصلاة؛ فإن كانَ ساهيًا عَن تكبيرة الإحرام، فقالَ مالك في «الموطأ»: تجزئه. وَهوَ رواية حنبل عَن أحمد. ولا تجزئه عند الثوري، وَهوَ المشهور عَن أحمد، ومذهب الأكثرين.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وهو الصواب؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات».\nالحالة الثالثة: أن ينويهما معًا، ففيه قولان:\nأحدهما: تجزئه، حكي عَن أبي حنيفة، ومالك، وأبي ثور، وَحُكي رواية عَن أحمد، اختارها ابن شاقلا.\nوالثاني: لا تجزئه، وَهوَ المشهور عند أصحابنا، وقول الشَافِعي وإسحاق.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب أنها تُجزِئُه، والله أعلم.\nالحالة الرابعة: أن لا ينوي شيئًا، بل يطلق النية، فهل تجزئه، أم لا؟ فيه قولان:\nأحدهما: لا تجزئه حتى ينوي بها الافتتاح؛ فإنه قَد اجتمع في هَذا المحل تكبيرتان: إحداهما فرض، فاحتاج الفرض إلى تمييزه بالنية، بخلاف تكبير الإمام، أو المنفرد، أو المأموم إذا أدرك الإمام قبل الركوع؛ فإنه لَم يجتمع في حقه","vol":"2","page":361},{"text":"تكبيرتان في وقت واحدٍ. وهذا القول حُكِيَ عَن أبي حنيفة، وَهوَ قول الثوري، ومالك، وإسحاق، ونقله ابن منصور وغير واحدٍ عَن أحمد.\nوالثاني: تجزئه وإن أطلق النية. نقله ابن منصورأيضًا عَن أحمد، ونقله أيضًا صالح، ومهنا، وأبو طالب عَن أحمد. وقال: ما علمنا أحدًا قالَ: ينوي بها الافتتاح. يشير إلى الصحابة والتابعين وعلل: بأنَّهُ خرج مِن بيته وَهوَ يريد الصلاة. يشير إلى أن نية الصلاة موجودة معه بخروجه إلى الصلاة فلا يكبر للصلاة إلا بتلك النية، ولا يكبر للركوع إلا مِن دخل في الصلاة، فأما مِن لَم يكن دخل فيها فإنما يكبر لدخوله في الصلاة أولًا، ولا يضره عدم استحضاره لهذه النية عند التكبيرة؛ لأن تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير جائزٌ عنده. وللشافعي قولان في هَذهِ المسألة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: والراجح أنها تُجزِئُه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>مسألة [١٦]: إذا أدرك الإمام في ركنٍ غير الركوع</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٨٣): وَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكْنٍ غَيْرِ الرُّكُوعِ، لَمْ يُكَبِّرْ إلَّا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ، وَيَنْحَطُّ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ، وَقَدْ فَاتَهُ مَحَلُّ التَّكْبِيرِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي السُّجُودِ أَوْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ؛ كَبَّرَ فِي حَالِ قِيَامِهِ مَعَ الْإِمَامِ إلَى الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُومٌ لَهُ فَيُتَابِعُهُ فِي التَّكْبِيرِ كَمَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ مِنْ أَوَّلِهَا. انتهى.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ١٨٢ - ١٨٣)، «الفتح» لابن رجب شرح حديث (٧٣٢، ٧٣٣، ٧٣٤)، «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣).","vol":"2","page":362},{"text":"قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحديث: «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنَ القُرْآنِ».\nسيأتي الكلام على قراءة الفاتحة وغيرها إن شاء الله عند الحديث رقم (٢٧٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>مسألة [١٧]: حكم الركوع</span>.\nالركوع ركنٌ من أركان الصلاة بالكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧]، وأما السنة؛ فحديث الباب: «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا»، وأما الإجماع؛ فقد نقل الإجماع على وجوبه غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن عبد البر في «التمهيد» (١٠/ ١٨٩)، والنووي في «شرح المهذب» (٣/ ٣٩٦)، وابن قدامة في «المغني» (٢/ ١٦٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-791>مسألة [١٨]: حكم الاطمئنان في الركوع</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أن الاطمئنان في الركوع ركنٌ من أركان الصلاة، واستدلوا بحديث الباب: «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا»، وبحديث أبي مسعود البدري، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل صلبه فيها في الركوع، والسجود»، رواه أبو داود (٨٥٥)، وهو في «الصحيح المسند»، ومعنى الاطمئنان: أن يمكث إذا بلغ حدَّ الركوع قليلًا، بحيث يمكنه أن يأتي بالذكر الواجب.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أن الطمأنينة غير واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾، ولم يذكر الطمأنينة.","vol":"2","page":363},{"text":"قال ابن قدامة -﵀-: والآية حجة لنا؛ لأنَّ النبي - ﷺ - فسَّر الركوع بفعله، وقوله؛ فالمراد بالركوع ما بينه النبي - ﷺ -. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-792>مسألة [١٩]: حكم الاعتدال من الركوع</span>.\n• ذهب الجمهور إلى وجوب الاعتدال بعد الركوع؛ لحديث الباب: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا»، وذهب أبو حنيفة، وبعض أصحاب مالك إلى عدم وجوبه؛ لأنَّ الله تعالى لم يأمر به، وإنما أمر بالركوع، والسجود، والقيام، فلا يجب غيره، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>مسألة [٢٠]: حكم الطمأنية فيه</span>.\n• ذهب الجمهور إلى وجوب الطمأنينة في الاعتدال من الركوع؛ لحديث الباب: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَافِعًا» وخالف أبو حنيفة، ومالك في رواية، فقالوا بعدم وجوبه؛ لقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾، ولم يأمر بالقيام، والصحيح قول الجمهور. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>مسألة [٢١]: حكم السجود</span>.\nالسجود واجبٌ، وركنٌ من أركان الصلاة بالكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾.\n_________\n(^١) وانظر «المغني» (٢/ ١٧٧)، «المجموع» (٣/ ٤١٠).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ١٨٥)، «المجموع» (٣/ ٤١٩).\n(^٣) وانظر: «المجموع» (٣/ ٤١٠)، والمصادر السابقة.","vol":"2","page":364},{"text":"وأما السنة: فحديث الباب: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا».\nوأما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن عبد البر في «التمهيد» (١٠/ ١٨٩)، وابن قدامة في «المغني» (٢/ ١٩٢)، والنووي في «المجموع» (٣/ ٤٢١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>مسألة [٢٢]: حكم الطمأنينة فيه</span>.\n• ذهب الجمهور إلى وجوب الطمأنينة في السجود؛ لحديث الباب: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا»، وخالف الحنفية.\nوالراجح قول الجمهور، وقد تقدمت الأدلة في الطمأنينة في الركوع. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-796>مسألة [٢٣]: حكم الجلوس بين السجدتين، والاطمئنان فيه</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى وجوب ذلك، وخالف أبو حنيفة، ومالك، فقالا: ليس بواجب. وقال أبو حنيفة: يكفي أن يرفع رأسه مثل حدِّ السيف؛ لأنَّ هذه جلسة فصل بين متشاكلين.\nوعن أبي حنيفة، ومالك أنه يجب أن يرتفع بحيث يكون إلى القعود أقرب منه. قال النووي: وليس لهما دليل يصح التمسك به.\nقلتُ: والصواب قول الجمهور؛ لحديث الباب: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا». (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٣/ ٤١٠)، «المغني» (٢/ ١٩٢).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٠٤)، «المجموع» (٣/ ٤٤٠).","vol":"2","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-797>مسألة [٢٤]: حكم السجود الثاني والطمأنينة فيه</span>.\nالكلام في حكم السجود الثاني، والطمأنينة فيه كالكلام في السجود الأول، وحكمه حكمه. (^١)\nقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في رواية أبي داود، والنسائي: «ثُمَّ يُكَبِّرَ اللهَ تَعَالَى، وَيَحْمَدَهُ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ».\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٣٦٩): التحميد المذكور، والتمجيد المذكور هو قراءة أم القرآن، برهان ذلك قول رسول الله - ﷺ -: «إذا قال العبد في صلاته: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: مجدني عبدي».اهـ\nقلتُ: وفيه: «وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله: أثنى عليَّ عبدي».\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٠٧ -)، «المجموع» (٣/ ٤٤٠).","vol":"2","page":366},{"text":"٢٦٠ - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ -﵁- قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - إذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ (^١) مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nقوله: ثم هصر ظهره. في «غريب الحديث» لابن الأثير: أي ثناه إلى الأرض. وأصل الهصر: أن تأخذ برأس العود فتثنيه إليك وتعطفه.\nوقال الخطابي -﵀- كما في «الفتح» (٨٢٨): أي: ثناه في استواء من غير تقويس. اهـ\nقوله: كل فقار.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٨٢٨): الفقار، بفتح الفاء، والقاف، جمع فقارة، وهي عظام الظهر، وهي العظام التي يقال لها خرز الظهر، قاله القزاز. اهـ\nتنبيه: سيأتي -إن شاء الله- الكلام على كثير من مباحث هذا الحديث، وسأتكلم هنا على ثلاث مسائل.\n_________\n(^١) في (أ): (حذاء).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٢٨).","vol":"2","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-798>مسألة [١]: حكم وضع اليدين على الركبتين</span>.\nفي حديث الباب، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يضع يديه على ركبتيه، وقد أمر بذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما ثبت في «الصحيحين» (^١) عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: صليت إلى جنب أبي، فطبقت بين كَفَّيَّ، ثم وضعتهما بين فَخِذَيَّ، فنهاني أبي، فقال: كُنَّا نفعله، فنهينا عنه، وأُمرنا أن نضرب بالأَكُف على الرُّكَبِ.\nوثبت عن عمر بن الخطاب وولده عبد الله أنهما كانا يضعان اليدين على الركبتين كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٤٤).\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» شرح حديث (٧٩٠): ذكر أكثر العلماء أنَّ التطبيق كان شُرِعَ أولًا، ثم نُسِخَ حكمه، واستدلوا بحديث سعد، وما في معناه.\nوقال -﵀-: وأكثر العلماء على أن وضع اليدين على الركبتين في الركوع من سنن الصلاة، ولا تبطل الصلاة بتركه ولا بالتطبيق ...، وذهب طائفة من أهل الحديث إلى المنع من التطبيق، وإبطال الصلاة به؛ للنهي عنه كما دل حديث سعد، منهم: أبو خيثمة زهير بن حرب، وأبو إسحاق الجوزجاني.\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة -فيمن طبق ولم يضع يديه على ركبتيه-: أحب إلي أن يعيد. وهي رواية عن أحمد أخذ بها بعض أصحابه.\nقال ابن رجب: فعلى قول هؤلاء يكون وضع اليدين على الركبتين في الركوع من واجبات الصلاة، وقد روي عن طائفة من السلف ما يدل على ذلك؛ فإنه رُوِيَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٧٩٠)، ومسلم برقم (٥٣٥).","vol":"2","page":368},{"text":"عن جماعة أنهم قالوا: إذا وضع يديه على ركبتيه أجزأه في الركوع. وممن روي ذلك عنه: سعد بن أبي وقاص (^١)، وابن مسعود (^٢)، وابن سيرين، ومجاهد، وعطاء، وقال: هو أدنى ما يجزئ في الركوع. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: استدل الجمهور على عدم الوجوب بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر بذلك المسيء في صلاته.\nوالظاهر -والله أعلم- أنَّ حديث المسيء في صلاته لم يستوعب جميع الواجبات، فما صحَّ الأمر به في حديث آخر فينبغي أن يُحمل على الوجوب أيضًا، والأوامر الشرعية بعد حديث المسيء ما زالت تَنْزل، وتُشْرَع، ثم وجدت الأمر بذلك ثابت في حديث المسيء في صلاته عند أحمد (٤/ ٣٤٠)، وأبي داود (٨٥٩)، وابن خزيمة (٥٩٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٤٤)، والطبراني (٤٥٢٦)، والبيهقي (٢/ ٣٧٤)، بإسناد حسن عن رفاعة بن رافع -﵁-، بلفظ: «وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك» وبنحوه؛ فقول من أوجب وضع اليدين على الركبتين أقرب إلى الصواب، والله أعلم.\nثم إنَّ الشافعية، وجمهور الحنابلة يقولون: إنَّ أقل ما يجزئ في الركوع الانحناء، بحيث يمكنه مسُّ ركبتيه، فما هو الدليل على هذا إنْ كان وَضْعُ اليدين\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٥١) من طريق رجل من أهل المدنية، عن ابنة سعد، عن أبيها. وهذا إسناد ضعيف؛ فيه رجل مبهم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٥١) من طريق الضحاك، عن ابن مسعود -﵁-. وهذا إسناد ضعيف منقطع؛ لأن الضحاك بن مزاحم لم يدرك ابن مسعود -﵁-.","vol":"2","page":369},{"text":"على الركبتين من السنن؟!!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-799>مسألة [٢]: استقبال القبلة بأطراف الأصابع في السجود، وغيره</span>.\nقال البخاري -﵀- في «صحيحه»: [باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة، قاله أبو حميد عن النبي - ﷺ -].\nوفي حديث أبي حميد دليل على استحباب هذا العمل في الصلاة.\nقال ابن رجب -﵀-: وابن عمر كان يفعله، وكذلك الإمام أحمد، ونصَّ عليه الشافعي، وخالف فيه بعض أصحابه، وقالوا: يضع أصابع رجليه من غير تحامل عليها، وردَّه عليه صاحب «شرح المهذب»، وقال: هذا شاذٌّ، مردودٌ، مخالفٌ للأحاديث الصحيحة ولنصِّ الشافعي. اهـ\nقلتُ: أثر ابن عمر أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٤/ ١٥٧) بإسناد حسن، أنَّ ابن عمر كان يُحِبُّ أن يستقبل القبلة بكل شيء منه -إذا صلَّى- حتى كان يستقبل بإبهامه القبلة.\nوكذلك بين السجدتين؛ فقد ثبت عنه عند النسائي (٢/ ١٨٧)، أنه كان يقول: من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى، واستقباله بأصابعه القبلة.\nوفي «مصنف عبد الرزاق» (٢/ ١٧٣) عن الثوري، عن ابن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان قال: «كان ابن عمر يحب أن يعتدل في الصلاة حتى أصابعه إلى القبلة» وإسناده صحيح.","vol":"2","page":370},{"text":"وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٦٤) بإسناد صحيح قال ابن عمر: إذا سجد أحدكم فليستقبل القبلة بيديه؛ فإنهما يسجدان مع الوجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>مسألة [٣]: كيفية الجلوس في التشهد الأول، والأخير</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في شرح حديث أبي حميد رقم (٨٢٨): وقد دَلَّ الحديث على أن النبي - ﷺ - كان يجلس في التشهد الأول مفترشًا، وفي التشهد الثاني متوركًا ....، ثم قال: وقد أخذ بهذا الحديث في التفريق بين الجلوس في التشهد الأول، والآخر في الصلاة فقهاء الحديث كالشافعي، وأحمد، وإسحاق، ثم اختلفوا: فقال الشافعي: يتورك في التشهد الذي يعقبه السلام بكل حال سواء كانت الصلاة فيها تشهد واحد أو تشهدان؛ لأن التشهد الذي يسلم فيه يطول بالدعاء فيه فيتورك فيه؛ لأن التورك أهون من الافتراش. وقال أحمد وإسحاق: إن كان فيها تشهدان تورك في الأخير منهما، وإن كان فيها تشهد واحد لم يتورك فيه، بل يفترش.\nفيكون التورك للفرق بين التشهدين، ويكون فيه فائدتان: نفي السهو عن المصلي، ومعرفة الداخل معه في التشهد: هل هو في الأول أو الثاني؟\nثم قال ابن رجب -﵀-: وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يفترش في جميع التشهدات، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك ...، وقال طائفة: يتورك في جميعها، وهو قول مالك، وكذا قال في الجلوس بين السجدتين، وجميع من سبق ذكره من العلماء، قالوا: إنه يفترش فيه.","vol":"2","page":371},{"text":"ثم قال: وقال ابن جرير الطبري: كل ذلك جائز؛ لأنه يروى عن النبي - ﷺ -، فَيُخَيَّر المصلي بينه، فيفعل منه ما شاء. ومال إلى قوله ابن عبد البر. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول أحمد، وإسحاق هو الصواب في هذه المسألة؛ لحديث أبي حُميد الذي في هذا الباب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>مسألة [٤]: كيفية جلوس المرأة في التشهد الأول، والأخير</span>.\n• قال الإمام البخاري -﵀- في «صحيحه»: باب سنة الجلوس في التشهد. وكانت أم الدرداء تجلس في صلاتها جلسة الرجل، وكانت فقيهة. اهـ\nقال حرب الكرماني: نا عمرو بن عثمان: نا الوليد بن مسلم، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، أن أم الدرداء كانت تجلس في الصلاة جلسة الرجل إلا إنها تميل على شقها الأيسر، وكانت فقيهةً.\nوهذا قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وهو رواية عن النخعي، وروي عن نافع، أن ابن عمر كان يأمر نساءه أن يتربعن في الصلاة، وروي من وجه آخر عن صفية بنت أبي عبيد امرأة ابن عمر، أنها كانت تتربع في الصلاة.\nوقال زرعة بن إبراهيم، عن خالد بن اللجلاج: كن النساء يؤمرن بأن يتربعن إذا جلسن في الصلاة، ولا يجلسن جلوس الرجال على أوراكهن، يتقى ذلك عن المرأة، مخافة أن يكون الشيء منها. خرّجه ابن أبي شيبة.\n• وقال الإمام أحمد: تتربع في جلوسها أو تسدل رجليها عن يمينها. والسدل","vol":"2","page":372},{"text":"عنده أفضل. وهو قول النخعي والثوري وإسحاق؛ لأنه أشبه بجلسة الرجل، وأبلغ في الاجتماع والضم. وحمل بعض أصحابنا فعل أم الدرداء على مثل ذلك، وأما الإمام أحمد فصرّح بأنه لا يذهب إلى فعل أم الدرداء.\nوروى سعيد بن منصور بإسناده، عن عبد الرحمن بن القاسم، قال كانت عائشة تجلس في الصلاة عن عرقيها وتضم فخذيها، وربما جلست متربعة.\nوقال الشعبي: تجلس كما تيسر عليها. وقال قتادة: تجلس كما ترى أنه أستر.\nوقال عطاء: لا يضرها أي ذلك جلست، إذا اجتمعت. قال: وجلوسها على شقها الأيسر أحب إلى من الأيمن. وقال حماد: تفعل كيف شاءت. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: تجلس كما يجلس الرجل؛ لقوله ﵊: «صلوا كما رأيتموني أصلي».","vol":"2","page":373},{"text":"٢٦١ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ» إلَى قَوْلِهِ: «مِنَ المُسْلِمِينَ، اللهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُك» إلَى آخِرِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: أَنَّ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ. (^٢)\n\n٢٦٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً، قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَسَأَلْته، فَقَالَ: أَقُولُ: «اللهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْت بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\n٢٦٣ - وَعَنْ عُمَرَ -﵁- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: سُبْحَانَك اللهُمَّ وَبِحَمْدِك، وَتَبَارَكَ اسْمُك، وَتَعَالَى جَدُّك، وَلَا إلَهَ غَيْرُك. رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ. وَالدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولًا وَمَوْقُوفًا. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٧٧١).\n(^٢) هذا وهم من الحافظ -﵀-؛ فليست هذه الرواية عند مسلم، ولا عند غيره، بل عند أبي داود (٧٦١)، وابن حبان (١٧٧١) (١٧٧٢): أن ذلك في الصلاة المكتوبة. وإسناد ابن حبان صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨).\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (٣٩٩) (٥٢)، من طريق عبدة بن أبي لبابة عن عمر، ولم يسمع منه؛ فهو منقطع كما قال الحافظ، ومسلم أورده عرضًا لا قصدًا.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ٢٩٩ - ٣٠٠) بإسناد صحيح عنه وله عنه طرق في «مصنف ابن أبي شيبة» وغيره.","vol":"2","page":374},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>مسألة [١]: دعاء الاستفتاح</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٧٤٣، ٧٤٤): وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ استدل بِهِ من يَقُول: إنه يستحب استفتاح الصلاة بذكر قَبْلَ الشروع فِي القراءة، وَهُوَ قَوْلُ أكثر العلماء، ثُمَّ اختلفوا: فَقَالَ كثير منهم: يستحب استفتاح الصلاة بقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك»، صح هَذَا عَن عُمَر بْن الخَطَّاب، روي عَنْهُ من وجوه كثيرة، وعن ابن مَسْعُود (^١)، وروي عَن أَبِي بَكْر الصديق (^٢)،\nوعثمان بْن عَفَّانَ (^٣)، وعن الْحَسَن، وقتادة والنخعي، وَهُوَ قَوْلِ الأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق فِي رِوَايَة، وقد رُوي فِي ذَلِكَ أحاديث مرفوعة من وجوه متعددة، أجودها: من حَدِيْث أَبِي سَعِيد، وعائشة (^٤). ا هـ\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٧٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٣٠)، وابن المنذر (١٢٦٤) من طريق خصيف الجزري، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود به. وإسناده ضعيف؛ خصيف الجزري ضعيف، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٧٦) عن ابن جريج، قال: حدثني من أصدق، عن أبي بكر، وعن عمر، وعن عثمان، وعن ابن مسعود، أنهم كانوا إذا استفتحوا قالوا: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. وهذا إسنادٌ ضعيف؛ شيخ ابن جريج مبهم، وهو منقطع؛ لأن مشايخ ابن جريج لم يدركوا أبا بكر وعمر -﵄-.\nوأخرجه ابن المنذر (١٢٦١) من طريق مكحول عنه -﵁-، ومكحول لم يدرك أبا بكر -﵁-.\n\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٣١) من طريق ابن عجلان، قال: بلغني أن أبا بكر -﵁- ... فذكره. وهذا إسناد منقطع. فقد يتقوى بهذه الطرق عن أبي بكر -﵁-.\n(^٣) ضعيف. تقدم تخريجه في الذي قبله.\n(^٤) ضعيف. أخرجه الترمذي (٢٤٣) من طريق حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة -﵂- به. وهذا إسنادٌ واهٍ؛ حارثة بن أبي الرجال متروك.\nوأخرجه أبو داود (٧٧٦) من طريق طلق بن غنام، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة به. قال أبو داود: تفرد به طلق، وقد روى جماعة قصة الصلاة عن بديل، ولم يذكروا ذلك فيه. اهـ وقال البيهقي في «المعرفة» (١/ ٥٠٢): ليس بمحفوظ.","vol":"2","page":375},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: وأجود منها حديث أنس عند الطبراني في «الدعاء» (٥٠٦) قال: حدثنا محمود بن محمد الواسطي، ثنا زكريا بن يحيى زحمويه، ثنا الفضل بن موسى السيناني، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، -﵁- قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا استفتح الصلاة قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك».\nوزكريا بن زحمويه روى عنه أبو زرعة وعبد الله بن أحمد كما في «تعجيل المنفعة»، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان من المتقنين. وبقية رجاله ثقات معروفون.\nوأخرجه الطبراني من طريق أخرى في «الدعاء» (٥٠٥)، من طريق عائد بن شريح، عن أنس -﵁-، به، وعائذ بن شريح ترجمته في «ميزان الاعتدال». قال أبو حاتم: في حديثه ضعف. وقال ابن طاهر: ليس بشيء.\nوالحديث بطرقه قد يتقوى إلى الحسن، ولا تطمئن النفس إلى ذلك اطمئنانًا كاملًا.\nقال ابن رجب -﵀-: وَقَالَ الإمام أحمد: نذهب فِيهِ إلى حَدِيْث عُمَر، وقد رُوي فِيهِ من وجوه ليست بذاك، فذكر حَدِيْث عَائِشَة، وأبي هُرَيْرَةَ. (^١)\n_________\n(^١) ضعيف. تقدم تخريجه في الذي قبله.","vol":"2","page":376},{"text":"فصرح بأن الأحاديث المرفوعة ليست قوية، وأن الاعتماد عَلَى الموقوف عَن الصَّحَابَة؛ لصحة مَا رُوي عَن عُمَر.\nقال: وذهب طائفة إلى الاستفتاح بقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا ...، وممن ذهب إلى الاستفتاح بهذا: الشَّافِعِيّ، وأصحابه، وإسحاق فِي رِوَايَة، وروي عَن عَلِيّ أَنَّهُ كَانَ يستفتح بِهِ من وجه منقطع.\nوظاهر كلام الشَّافِعِيّ، وبعض أصحابه أَنَّهُ يستفتح بِهِ كله الإمام وغيره، وَقَالَ كثير من أصحابه: يقتصر الإمام عَلَى قوله: وأنا من المُسْلِمِين.\nوقالت طائفة: يجمع بَيْن قوله: سبحانك اللهم وبحمدك. وقوله: وجهت وجهي. وَهُوَ قَوْلِ أَبِي يوسف، وإسحاق فِي رِوَايَة، وطائفة من الشافعية، ومنهم: أبو إِسْحَاق المروزي، وطائفة قليلة من أصحابنا، وقد ورد فِي الجمع بَيْنَهُمَا أحاديث غير قوية الأسانيد.\nقال ابن رجب -﵀-: وَقَالَ أحمد فِي رِوَايَة الميموني: مَا أحسن حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الاستفتاح.\nقال ابن رجب -﵀-: وذهبت طائفة قليلة: إلى أن من ترك الاستفتاح عمدًا أعاد صلاته، منهم: ابن بطة وغيره من أصحابنا، وربما حكي رِوَايَة عَن أحمد.\nقال ابن رجب -﵀-: وذهب مَالِك إلى أَنَّهُ لا يشرع الاستفتاح فِي الصلاة، بل يتبع التكبير بقراءة الفاتحة، واستدل لمن ذهب إلى هَذَا القول بظاهر حَدِيْث أَنَس","vol":"2","page":377},{"text":"الَّذِي خرجه البخاري ههنا. -يعني حديث: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يستفتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين-. انتهى كلام ابن رجب -﵀-.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب، أعني أن دعاء الاستفتاح مستحبٌّ وليس بواجب؛ لأنه لم يصح عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الأمر به، بل إنه كان يستفتح، ولم يأمر الصحابة بذلك حتى سأله أبو هريرة -﵁-.\nوأما قول مالك: إنه لا يستفتح. فترُدُّه الأحاديث المتكاثرة في الاستفتاح.\nوأما حديثه؛ فالمراد منه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يُسِرُّ البسملة ولا يجهر بها في الصلاة الجهرية، والمختار في الأدعية أنه ينوع، فيقرأ بهذا تارة، وبذلك أخرى، وما صح عنه أنه استفتح به في صلاة الليل جاز أيضًا في المكتوبة، والعكس.\nوذكر المؤلف من أدعية الاستفتاح ثلاثة أنواع، وهناك أنواع أخرى راجعها في «صفة الصلاة» للعلامة الألباني -﵀-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-803>مسألة [٢]: دعاء الاستفتاح في الرواتب والنوافل المطلقة</span>.\n• مذهب الحنابلة والشافعية والحنفية استحباب ذلك، كما يستحب في الفريضة.\nوفي النافلة التي تتعدد ركعاتها كصلاة الضحى وصلاة الليل فيها وجهان عند الحنابلة هل يكتفي فيها بالاستفتاح في الركعتين الأوليين، أم يكرر، والأصح عندهم الاكتفاء بذلك، وهو الصحيح؛ لأنه ﵊ لم يرد عنه في صلاة","vol":"2","page":378},{"text":"الليل أنه استفتح في كل ركعتين، بل ظاهر النقل عنه أنه كان يستفتح في أول الصلاة فحسب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>مسألة [٣]: إذا لم يستفتح المأموم حتى شرع الإمام في القراءة</span>.\n• مذهب الحنفية عدم الاستفتاح؛ لأنه قد ذهب موضعه.\n• ومذهب الشافعية الاستفتاح مطلقًا، وإن شرع الإمام في القراءة، في السرية والجهرية.\n• ومذهب الحنابلة أنه يستفتح في السرية دون الجهرية، وهو الأقرب؛ لأنه في الجهرية مأمور بالإنصات، وفي غير الجهرية لا بأس أن يستفتح؛ إلا أنه إذا خشي أن يركع الإمام فينبغي له أن يقرأ الفاتحة. (^٢)\n_________\n(^١) «المجموع شرح المهذب» (٣/ ٣١٨)، «مطالب أولى النهى» (١/ ٤٢٧) «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٤/ ٥٥).\n(^٢) انظر «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٤/ ٥٢).","vol":"2","page":379},{"text":"٢٦٤ - وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، مَرْفُوعًا عِنْدَ الخَمْسَةِ، وَفِيهِ: وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ: «أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ (^١)». (^٢)\n_________\n(^١) قال ابن الأثير -﵀- في «جامع الأصول» (٤/ ١٨٥): جاء في متن الحديث تفسير هذه الأشياء، فقال: (نفخه: الكبر)، وذلك لأن المتكبر ينتفخ ويتعاظم ويجمع نفْسه ونفَسه، فيحتاج إلى أن ينفخ. وقال: (نفْثه الشعر)، لأن الشعر مما يخرج من الفم، ويلفظ به اللسان، وينفثه كما ينفث الريق. (وهمزه): وقال: وهمزه المُوتَة، والموتة: الجنون، لأن المجنون ينخسه الشيطان، والهمز والنخس أخوان. اهـ\n(^٢) ضعيف. أخرجه أحمد (٣/ ٥٠)، وأبوداود (٧٧٥)، والنسائي (٢/ ١٣٢)، والترمذي (٢٤٢)، وابن ماجه (٨٠٤)، وليس عند النسائي وابن ماجه ذكر الزيادة في الاستعاذة.\nوقد ضعف هذا الحديث يحيى القطان، وأحمد، وابن خزيمة، وأبوداود، ورجح أنه من مراسيل الحسن.\nوله شاهد من حديث جبير بن مطعم -﵁- عند أحمد (٤/ ٨٥)، وأبي داود (٧٦٤)، وابن ماجه (٨٠٧) وغيرهم من طرق عن شعبة، أخبرني عمرو بن مرة أنه سمع عاصمًا العنزي، يحدث عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، به. وعاصم مجهول.\nوله شاهد من حديث ابن مسعود -﵁-: أخرجه أحمد (٣٨٢٨)، وأبو يعلى (٥٣٨٠)، والبيهقي (٢/ ٣٦) من طريق عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود، به.\nوأخرجه الطيالسي (٣٧١)، والطبراني (٩٣٠٢)، والبيهقي (٢/ ٣٦) من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء به موقوفًا.\n\nوله شاهد من حديث أبي أمامة -﵁-: أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٣) من طريق يعلى بن عطاء، عن شيخ من أهل دمشق، عن أبي أمامة به. وعنده: (وشركه)، بدل: (ونفثه).\nوهذا إسنادٌ ضعيفٌ، فيه شيخ مبهم مجهول. والحديث بهذه الطرق قد يتقوى إلى الحسن، وقد حسنه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٣٤٢).","vol":"2","page":380},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-805>مسألة [١]: حكم الاستعاذة</span>.\n• ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الاستعاذة، وهو قول ابن حزم، وبعض الظاهرية، وحُكِيَ عن الثوري، وعطاء، وهو قول ابن بطة من الحنابلة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، والأمر يقتضي الوجوب.\n• وذهب جمهور العلماء إلى الاستحباب.\nوقولهم أرجح، وأصح؛ لأنه قد ورد عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه كان يقرأ الآيات في خُطَبِهِ، ولم يَرِدْ أنه كان يستعيذ كما في خطبة الحاجة، وعندما أرسل رسالة إلى هرقل كتب رسالة وفيها آية من آل عمران، وليس في الرسالة ذِكْرُ الاستعاذة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>مسألة [٢]: هل يستعيذ في كل ركعة</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: يُستحب في كل ركعة، وهو قول ابن سيرين، والحسن، والشافعي، وأحمد في رواية، وهو قول ابن حزم الظاهري، وهو الأصح عند الشافعية؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.\nالثاني: أنه يختص بالركعة الأولى، وهو قول عطاء، والحسن، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية عنه، واستدلوا بحديث الباب، وقد يستدل\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ٣٨٦)، «المجموع» (٣/ ٢٧٩)، «المحلَّى» (٢/ ٢٧٨).","vol":"2","page":381},{"text":"لهذا القول بأن المصلي لا يزال في ذكر وصلاة، فأشبه من سجد للتلاوة؛ فإنه لا يعيد الاستعاذة بعد سجوده للتلاوة.\nوالراجح القول الأول؛ لظاهر الآية، ومن عمل بالقول الثاني؛ للمعنى الذي ذكرناه؛ فنرجو أن يكون له وجهٌ، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>مسألة [٣]: هل يُسِرُّ بالتعوذ، أم يجهر</span>؟\n• قال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤/ ٣٨٦): والجمهور على أنه يُسِرُّ في الصلاة الجهرية، وهو قول ابن عمر، وابن مسعود (^٢)، والأكثرين، ورُوي عن أبي هريرة الجهر به، وللشافعي قولان، وعن ابن أبي ليلى: الإسرار والجهر سواء. اهـ\nوقول الجمهور هو الصواب؛ لأنَّ الأصل بأذكار الصلاة، وأدعيتها هو الإسرار؛ إلا ما خصَّه الدليل، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>مسألة [٤]: الاستعاذة قبل القراءة</span>.\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الاستعاذة بعد القراءة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، وهؤلاء هم: داود الظاهري، وحُكي عن ابن سيرين، والنخعي، ورُوي عن أبي هريرة -﵁-، وفي إسناده: إبراهيم بن أبي\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» لابن رجب (٤/ ٣٨٧)، «المجموع» (٣/ ٢٧٩)، «المحلَّى» (٢/ ٢٧٨)، «مصنف عبد الرزاق» (٢/ ٨٤ -).\n(^٢) ضعيف. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤١١)، وفي إسناده سعيد بن المرزبان، وهو ضعيف ومدلس، وقد عنعن، وفيه عنعنة هشيم أيضًا.","vol":"2","page":382},{"text":"يحيى، وهو كذَّابٌ، وقال ابن كثير: وهو غريبٌ. (^١)\n• وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الاستعاذة قبل القراءة، وأنَّ معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ﴾، أي: إذا أردت القراءة، مثل قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة:٦]، أي: إذا أردتم القيام.\nواستدلوا بحديث الباب، وهذا القول هو الصواب، ورجَّحه ابن حزم؛ لنقل القراءة خلفًا عن سلف على هذا النحو، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه وفائدة: ذهب مالك، وأصحابه إلى أنه لا يتعوذ في الصلاة المكتوبة، بل يفتتح بعد التكبير بقراءة الفاتحة من غير استعاذة، ولا بسملة، واستدلوا بظاهر حديث أنس: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفتتح الصلاة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢].\nويُجابُ عنه بأنه:\nإنما أراد أنه يفتتح قراءة الصلاة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وافتتاح القراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، إما أن يُراد به افتتاح القراءة بالفاتحة كما يقوله الشافعي، أو افتتاح الصلاة الجهرية بكلمة: ﴿الْحَمْدُ﴾ من غير بسملة كما يقوله الآخرون. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «نصب الراية» (١/ ٣٣٩).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٣/ ٢٧٩)، «المحلَّى» (٢/ ٢٧٨)، مقدمة «تفسير ابن كثير».\n(^٣) انظر: «الفتح» لابن رجب (٤/ ٣٨٧).","vol":"2","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-809>مسألة [٥]: صيغة الاستعاذة</span>.\nيجوز للمسلم أن يستعيذ بقوله: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) كما في حديث الباب. وبقوله: (أعوذ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) لظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، وكلاهما قد ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم.\nقال الإمام ابن أبي شيبة -﵀- (١/ ٢٣٧): حدثنا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: افتتح عمر الصلاة، ثم كبر، ثم قال: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الحمد لله رب العالمين).\nحدثنا حفص، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، كان يتعوذ يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، أو «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم».\nإسناده الأول صحيح، رجاله رجال الشيخين. وإسناده الثاني صحيح؛ لولا عنعنة ابن جريج، ولكنه صرح بالسماع عند عبد الرزاق:\nوقال الإمام عبد الرزاق -﵀- (٢/ ٨٤) عن ابن جريج قال: سألت نافعًا، مولى ابن عمر: عن هل تدري كيف كان ابن عمر يستعيذ؟ قال: كان يقول: «اللهم أعوذ بك من الشيطان الرجيم»، وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين.","vol":"2","page":384},{"text":"فائدة: قال الإمام عبد الرزاق (٢/ ٨٤): عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: \"همزُه: المؤتة. يعني: الجنون، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر\".\nوهذا إسنادٌ صحيح، رجاله رجال الشيخين.","vol":"2","page":385},{"text":"٢٦٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالقِرَاءَةِ: ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وَكَانَ إذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ. وَكَانَ إذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا. وَكَانَ إذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا. وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ. وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَيَنْصِبُ اليُمْنَى. وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ. وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلَهُ عِلَّةٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nقولها: كان يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nالأدلة متواترة بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يستفتح صلاته بتكبيرة الإحرام، وهي ركنٌ، وقد تقدم الكلام عليها.\nوأما قولها: والقراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ فيشهد له حديث أنس في «الصحيحين» (^٢)، وحديث أبي هريرة في «مسلم». (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٤٩٨) من طريق: أبي الجوزاء عن عائشة، ولم يسمع منها؛ فهو منقطع وهي العلة التي أشار إليها الحافظ، ولكن للحديث شواهد يصحُّ بها، وسنذكرها إن شاء الله عند التعليق على كل فقرة.\n(^٢) سيأتي تخريجه قريبًا برقم (٢٧١).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٥٩٩)، بلفظ: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولم يسكت.","vol":"2","page":386},{"text":"قولها: وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه.\nمعنى: (يشخص)، أي: يرفع، ومعنى: (يصوبه)، أي: يخفضه، ومثل هذا الحديث حديث أبي حميد في «البخاري» وقد تقدم: ثم هصر ظهره، ويُستفاد من ذلك استحباب استواء الظهر عند الركوع من غير تقويس.\nقولها: وكان إذا رفع رأسه من الركوع .... إلى قولها: جالسًا.\nهو بمعنى حديث المسيء في صلاته، وقد تقدم.\nقولها: وكان يقول في كل ركعتين التحية.\nمعلوم هذا بأدلة أخرى متواترة.\nقولها: وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى.\nيشهد له ما صح عند ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ١٩١)، عن ابن عمر -﵄-، قال: إنَّ من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى، وتنصب اليمنى.\nقولها: وكان ينهى عن عقبة الشيطان.\nهو الإقعاء في الصلاة، والإقعاء نوعان:\nالأول: الإقعاء كإقعاء الكلب، وهو أن يلصق إليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، وقد جاء النهي عن هذا في حديث أبي هريرة عند أحمد (٢/ ٣١١)، والبيهقي (٢/ ١٢٠)، وغيرهما: «نهى عن إقعاء كإقعاء الكلب»، وهو حديث صالح في الشواهد، والإقعاء بهذا التفسير هو قول أبي عبيدة، وأبي عبيد، والبيهقي، وابن الصلاح، والنووي، وهذا الإقعاء كرهه أهل العلم؛ للحديثين","vol":"2","page":387},{"text":"المتقدمين، ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ليس لنا مثل السوء، مثل الذي يعود في هبته كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه، فيأكله». (^١)\nقال الترمذي -﵀- في «سننه» (٢/ ٧٣): والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، يكرهون الإقعاء.\nالثاني: أن ينصب قدميه، ويُمِسَّ إليتيه عقبيه، وهذا التفسير للإقعاء فسَّره ابن الأثير كما في «النهاية»، وهو قول جماعة من أهل العلم، وكره هذا الإقعاء جمهور العلماء، بينما ذهب الشافعي، وجماعة من المحدثين إلى مشروعية الإقعاء بهذه الصورة، وقد صحَّ هذا عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر كما في «سنن البيهقي» (٢/ ١٢٠)، بل قال ابن عباس كما في «صحيح مسلم» (٥٣٦)، و«سنن البيهقي»، وغيرهما: هي السنة.\nوهذا القول هو الصواب.\nوأما حديث علي الذي استدل به الجمهور عند الترمذي (٢٨٢)، وغيره: «يا علي لا تُقْعِ بين السجدتين»، ففي إسناده: الحارث الأعور، وقد كذب، ومع ذلك فليس بصريح؛ لاحتمال أن يريد الكيفية الأخرى، والله أعلم. (^٢)\nقولها: وكان ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع.\nأخرج الشيخان (^٣) من حديث أنس بن مالك -﵁-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٩٢١).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٠٦)، «المجموع» (٣/ ٤٣٨)، «سنن البيهقي» (٢/ ١٢٠).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٥٣٢)، ومسلم برقم (٤٩٣).","vol":"2","page":388},{"text":"«اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب».\nقال ابن رجب -﵀- في شرحه لهذا الحديث رقم (٨٢٢): وفي النهي عن افتراش الذراعين في السجود أحاديث أُخَر، وقد خرج مسلم من حديث عائشة ثم ذكر حديث الباب ومن حديث البراء عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «إذا سجدت، فضع كفيك، وارفع مرفقيك» (^١)، وقد ذكر الترمذي أنَّ العمل على هذا عند أهل العلم يختارون الاعتدال في السجود، ويكرهون الافتراش كافتراش السبع، وهذا يُشعر بحكاية الإجماع عليه، وهو قول جمهور العلماء. اهـ\nقلتُ: وظاهر النهي التحريم.\nقولها: وكان يختم الصلاة بالتسليم.\nالأدلة متواترة على ذلك.\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٢٩٠).","vol":"2","page":389},{"text":"٢٦٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٢٦٧ - وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، عِنْدَ أَبِي دَاوُد: يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ. (^٢)\n\n٢٦٨ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، -﵁- نَحْوُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ قَالَ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>مسألة [١]: حكم رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام</span>.\nقال ابن رجب -﵀-: رفع اليدين عند افتتاح الصلاة مشروعٌ، وهذا كالمجمع عليه، قال ابن المنذر -﵀-: لم يختلف أهل العلم أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة.\nثم حكى ابن رجبٍ رواية عن مالك على خلاف ذلك، ثم قال: ولعل ذلك لا يصح عن مالك. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣٥)، ومسلم (٣٩٠).\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٧٣٠)، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، ح وحدثنا مسدد، حدثنا يحيى - وهذا حديث أحمد - قال: أخبرنا عبد الحميد يعني ابن جعفر، أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ - منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - ﷺ - ... فذكره مطولًا. وإسناده صحيح، رجاله ثقات.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٣٩١).","vol":"2","page":390},{"text":"ثم قال -﵀-: والرفع في افتتاح الصلاة سنةٌ مسنونة، وليس بركنٍ، ولا فرض عند جمهور العلماء، ولا تبطل الصلاة بتركهِ عند أحد مِنهُم، وحُكي عَن الحميدي، وداود، وأحمد بنِ يسار مِن الشافعية: أنه تبطل الصلاة بتركه، ورُوي عن علي بنِ المديني ما يشبهه، وأن الرفع واجب، لا يحل تركه، ونقل حرب، عَن إسحاق ما يدل على بطلان الصلاة بترك الرفع عند تكبيرة الإحرام، وأنه واجب، وَهوَ قول أبي بكر بنِ أبي شيبة، والجوزجاني. وقال ابن خزيمة: هوَ ركن مِن أركان الصلاة، حكاه الحاكم في «تاريخ نيسابور» عَن خاله أبي علي المؤذن وأثنى عليهِ أنَّهُ سمع ابن خزيمة يقوله.\nثم قال ابن رجب: واستدل الأكثرون على أنه غير واجب بأنَّ النبي - ﷺ - لم يعلمه المسيء في صلاته كما علمه التكبير لافتتاح الصلاة، ولو كان حكم الرفع حكم التكبير لعلمه إياه. انتهى من «الفتح» (٧٣٥).\nقلتُ: وقول الجمهور هو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>مسألة [٢]: متى يرفع يديه</span>؟\nله ثلاث حالات:\nالرفع مع التكبير؛ لحديث ابن عمر -﵄- الذي في الباب، وله رواية عند البخاري (٧٣٨): «يرفع يديه حين يكبر»، كذلك في حديث مالك بن الحويرث -﵁- عند النسائي (٨٨٠) بإسناد صحيح، أن رسول الله - ﷺ - كان إذا صلى رفع يديه حين يكبر حيال أذنيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. وفي","vol":"2","page":391},{"text":"«صحيح مسلم» (٤٠١) عن وائل بن حجر -﵁-: أنه رأى النبي - ﷺ - رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر حيال أذنيه وقد ذهب إلى هذا أحمد، والشافعي، وابن المديني، وهو المختار عند الحنفية والمالكية.\nالرفع قبل التكبير؛ لحديث ابن عمر -﵄- في «صحيح مسلم» (٣٩٠) (٢٢): «رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم كبر»، ولحديث أبي حميد الذي في الباب، وقال بهذا إسحاق، وأحمد في رواية، واختاره بعض الشافعية، وبعض الحنفية، وذهب جماعة من الحنابلة إلى التخيير بين هاتين الكيفيتين.\nالرفع بعد التكبير؛ لحديث مالك بن الحويرث -﵁- في «صحيح مسلم» (٣٩١): كان رسول - ﷺ - إذا كبر رفع يديه ... الحديثَ. وفي لفظ عنده: إذا صلى كبر، ثم رفع يديه.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٧٣٥): ولم أر من قال بتقديم التكبير على الرفع.\nقال الإمام الألباني -﵀- في «تمام المنة» (١٧٣): قلتُ: بلى، هو قولٌ في مذهب الحنفية وبعد صحة الحديث فلا عذر لأحد في التوقف عن العمل به. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>مسألة [٣]: رفع اليدين عند الركوع، وعند القيام منه</span>.\nدلَّتْ أحاديث الباب على الرفع في هذين الموضعين، وبهذا قال جمهور العلماء، وخالف أهل الكوفة، ومنهم: الحنفية.\n_________\n(^١) وانظر: «صفة الصلاة» (١/ ١٩٣ - ١٩٨).","vol":"2","page":392},{"text":"قال ابن رجب -﵀- في شرح حديث (٧٣٦، ٧٣٧): وأكثر الصحابة والتابعين على الرفع عندَ الركوع، والرفع منه أيضًا.\nثم قال: وهو قول عامة التابعين، وقول عامة فقهاء الأمصار. اهـ\nوقد احتج أهل الكوفة على مذهبهم بحديث البراء بن عازب عند أبي داود (٧٤٩): أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود. وبحديث ابن مسعود عند أبي داود (٧٤٨)، والترمذي (٢٥٧): أنَّه قال: ألا أُصلي بكم صلاة رسول الله - ﷺ -؟ فصلَّى، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة.\nوالجواب عن أدلتهم:\nأما حديث البراء؛ ففي إسناده: يزيد بن أبي زياد، وهو سيء الحفظ، وقال ابن عيينة، كما في «المغني» لابن قدامة (٢/ ١٧٤): حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، ولم يقل: ثم لا يعود. فلما قدمت الكوفة سمعته يحدث به، فيقول: ثم لا يعود. فظننت أنهم لقَّنوه. اهـ\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «التلخيص» (١/ ٤٠٠): واتفق الحفَّاظُ على أن قوله: (ثم لم يعد) مدرجٌ في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد.\nقال: وقال الحميدي: إنما روى هذه الزيادة يزيد، ويزيد يُزِيد. وقال عثمان الدارمي، عن أحمد بن حنبل: لا يصح. وكذا ضعفه البخاري، وأحمد، ويحيى، والدارمي، والحميدي، وغير واحد. وقال يحيى بن محمد بن يحيى: سمعت","vol":"2","page":393},{"text":"أحمد بن حنبل يقول: هذا حديث واهي؛ قد كان يزيد يحدث به برهة من دهره لا يقول فيه «ثم لا يعود»، فلما لقنوه تلقن، فكان يذكرها. انتهى المراد.\nوأما حديث ابن مسعود؛ فقد قال ابن المبارك: لم يثبت عندي. وقال أبو حاتم: هذا خطأ. وقال أحمد، ويحيى بن آدم: هو ضعيفٌ. وضعَّفَهُ البخاري، وقال أبو داود: ليس هو بصحيح. وقال الدارقطني: لا يثبت. (^١)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٧٤): ولو صحَّا؛ كان الترجيح لأحاديثنا؛ لخمسة أوجه ..... ثم ذكرها، فراجعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-813>مسألة [٤]: رفع اليدين عند القيام من التشهد الأول</span>.\n• صحَّ عند البخاري (٧٣٩)، والنسائي (٣/ ٣)، من حديث ابن عمر، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «كان إذا قام من الركعتين رفع يديه». وقد أعلَّه بعضهم بما لا يقدح فيه، وقد صححه البخاري، والنسائي، والاختلاف في وقفه ورفعه إنما هو في طريق نافع، وأما طريق سالم فليس فيها اختلاف في رفعه.\nوقد صحَّ أيضًا من حديث أبي حميد عند أبي داود (٧٣٠) وغيره، مرفوعًا: «وكان إذا قام من الركعتين كبَّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة»، وهذا الحديث قاله أبو حميد في عشرة من الصحابة.\n• وقد ذهب إلى الرفع في هذا الموضع جمعٌ من المحدثين، والفقهاء، منهم: البخاري، والنسائي، وأحمد في رواية، وأبو بكر بن إسحاق، وقال: لم أر من أئمة\n_________\n(^١) وانظر: «التلخيص» (١/ ٤٠٢).","vol":"2","page":394},{"text":"الحديث أحدًا يرجع إلى معرفة الحديث إلا وهو يستعملها.\nوقد ذهب إلى هذا أيضًا ابن المنذر، ومن أصحاب الشافعي: أبو علي الطبري، والبيهقي، والبغوي، وغيرهم من المتأخرين، ورجَّحه جماعة من الحنابلة.\n• وقد خالف الجمهور في هذه المسألة، فقالوا بعدم استحباب الرفع في هذا الموضع، والصواب القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>مسألة [٥]: رفع اليدين عند القيام من السجود</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى عدم الرفع في هذه المواضع، واستدلوا بحديث ابن عمر في «البخاري» (٧٣٥): أنه قال بعد أن ذكر الرفع عند الركوع، والقيام منه، قال: وكان لا يفعل ذلك في السجود.\n• وذهب طائفة إلى استحباب رفع اليدين إذا قام من السجود، منهم: ابن المنذر، وأبو علي الطبري الشافعي، واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود في «سننه» (٧٢٣): حدثنا عبيدالله بن عمر بن ميسرة الجشمي، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن [وائل بن علقمة] (^٢)، عن وائل بن حجر، قال: صليت مع رسول الله - ﷺ -، فكان إذا كبَّر رفع يديه، قال: ثم التحف، ثم أخذ شماله بيمينه، وأدخل يديه في ثوبه، قال: فإذا أراد أن يركع أخرج يديه، ثم رفعهما، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع رفع\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٧٣٩).\n(^٢) كذا في «سنن أبي داود» وهو وهم، والصواب (علقمة بن وائل)، كما نبه على ذلك الحافظ في «التهذيب».","vol":"2","page":395},{"text":"يديه، ثم سجد ووضع وجهه بين كفيه، وإذا رفع رأسه من السجود أيضًا رفع يديه، حتى فرغ من صلاته.\nقال أبو داود -﵀-: روى هذا الحديث همام، عن ابن جحادة، لم يذكر الرفع مع الرفع من السجود.\nقلتُ: وإسناد حديث أبي داود صحيح على شرط مسلم، وعبد الوارث بن سعيد أرفع رتبة من همام بن يحيى، فزيادته صحيحة، مقبولةٌ.\nوقد أخرج الحديث ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢٦١٩)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٢٨)، من طريق: عبد الوارث بن سعيد به.\nورواية همام أخرجها مسلم في «صحيحه» (٤٠١).\nوقد صحَّ رفع اليدين بين السجدتين عن أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٧١).\nوصحَّ ذلك أيضًا عن طاوس، ونافع، وأيوب، وجاء عن الحسن، وابن سيرين كما في «المصنف» (١/ ٢٧١).\nوهذا القول هو الصواب؛ لصحة الحديث فيه، ولكن لا يداوم على هذا الرفع، بل يفعله أحيانًا جمعًا بينه وبين قول ابن عمر في «البخاري»: وكان لا يفعل ذلك في السجود؛ فإنَّ ابن عمر لازم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمَّا وائل بن حُجْر فإنما مكث عنده يسيرًا. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٧٣٩)، «صفة الصلاة» (٢/ ٧١٠ - ٧١١).","vol":"2","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-815>مسألة [٦]: رفع اليدين عند كل خفضٍ ورفعٍ</span>.\n• ذهب الجمهور إلى عدم استحباب ذلك؛ لحديث ابن عمر الذي تقدم في المسألة السابقة.\n• وذهب بعض أهل الظاهر إلى مشروعية الرفع في كل خفضٍ، ورفعٍ، وهو رواية عن أحمد، حملها بعض أصحابه على الجواز، وقد جاء في ذلك أحاديث متعددة ذكرها ابن رجب في «الفتح» (٧٣٩)، وذكر عللها، فراجعها.\nوأحسن تلك الأحاديث حديثان:\nأولهما: حديث مالك بن الحويرث عند النسائي في «الكبرى» (٦٧٢)، من طريق: ابن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث مرفوعًا، وفيه: «وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود، حتى يحاذي بهما فروع أُذُنَيْه. ثم أخرجه النسائي من طريق: عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة مثله، وأخرجه من طريق: معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة به مثله.\nوأكثر طرق هذا الحديث ليس فيها زيادة الرفع عند السجود، والرفع منه، فقد رواه جمعٌ عن سعيد بن أبي عروبة بدون الرفع عند السجود، واقتصروا على الثلاثة المواضع المشهورة، وهم: محمد بن جعفر، وإسماعيل بن علية، ويزيد بن زريع كما في «المسند الجامع» (١٥/ ٢٩)، وابن أبي عدي عند مسلم، والبيهقي، وعبد الله بن نمير عند الطبراني والطحاوي.","vol":"2","page":397},{"text":"ورواه جمعٌ عن هشام الدستوائي بدون زيادة الرفع عند السجود، والرفع منه، وهم: عبدالصمد بن عبد الوارث، وأبو عامر العقدي، ويزيد بن زريع كما في «المسند الجامع» (١٥/ ٢٩)، وكذلك معاذ بن هشام عند ابن حبان كما في «إتحاف المهرة» (١٣/ ٨٩).\nورواه شعبة، وهمام بن يحيى، وأبو عوانة، وحماد بن سلمة، كلهم عن قتادة بدون ذكر الزيادة، كما في «المسند الجامع» (١٥/ ٢٩). (^١)\nوكذلك روى الحديث أبو قلابة، عن مالك بن الحويرث، فلم يذكر الزيادة في جميع مصادر الحديث، ومنها «صحيح مسلم»؛ فزيادة الرفع عند السجود، والرفع منه في هذا الحديث الأقرب أنها شاذَّة، والله أعلم.\nثانيهما: حديث وائل بن حجر في «مسند أحمد» (٤/ ٣١٦)، وغيره، أنه صلى مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فكان يكبر إذا خفضَ، وإذا رفعَ، ويرفع يديه عند التكبير. وفي إسناده: عبد الرحمن اليحصبي، وهو مجهولٌ.\nثم رأيت له إسنادًا آخر بمعناه عند الدارقطني (١/ ٢٩١) من طريق هشيم وجرير، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: دخلنا على إبراهيم فحدثه عمرو بن مرة، قال: صلينا في مسجد الحضرميين؛ فحدثني علقمة بن وائل، عن أبيه، أنه رأى رسول الله - ﷺ - يرفع يديه حين يفتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا سجد. وإسناده ظاهره الصحة على شرط مسلم.\n_________\n(^١) وانظر «تحقيق المسند» (١٥٦٠٠)، و«معجم الطبراني» (١٩/ ٢٨٤ -).","vol":"2","page":398},{"text":"فالراجح قول الجمهور في هذه المسألة، وهو عدم الرفع في كل خفضٍ، ورفعٍ؛ إلا فيما تقدم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>مسألة [٧]: حكم رفع اليدين عند الركوع، والرفع منه</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٧٣٩): ولم يوجب الرفع عند الركوع، والاعتدال منه، ويبطل الصلاة بتركه إلا شذوذ من الناس من أصحاب داود، ونحوهم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-817>مسألة [٨]: إلى أين يرفع يديه</span>؟\n• في المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: إلى المنكبين، وهو قول جمهور العلماء؛ لحديث ابن عمر، وأبي حميد.\nالثاني: إلى فروع الأذنين، وهو قول أهل الكوفة، منهم: النخعي، وأبو حنيفة، والثوري، وقول أحمد في رواية عنه رجَّحها الخلَّال، ودليلهم حديث مالك بن الحويرث عند مسلم، وقد تقدم، وحديث وائل بن حجر أخرجه أبو داود (٧٢٦) بإسناد صحيح، وهو في «الصحيح المسند».\nالثالث: منهم من قال: هما سواء؛ لصحة الأحاديث بهما، وهو رواية عن أحمد اختارها الخِرَقِي، وأبو حفص العكبري، وغيرهما، وقال ابن المنذر: وهو قول بعض أهل الحديث، وهو حسنٌ.\nقلتُ: وهذا القول الثالث هو الصواب وانظر «فتح الباري» لابن رجب (٧٣٨).","vol":"2","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-818>مسألة [٩]: هل يضم أصابعه عند الرفع، أم يفرقها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٣٨): وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمُدَّ أَصَابِعَهُ وَقْتَ الرَّفْعِ، وَيَضُمَّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا (^١). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ أَنْ يُفَرِّقَ أَصَابِعَهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَنْشُرُ أَصَابِعَهُ لِلتَّكْبِيرِ». (^٢)\nوَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَحَدِيثُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا خَطَأٌ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَيْنَاهُ ثُمَّ لَوْ صَحَّ كَانَ مَعْنَاهُ مَدَّ أَصَابِعِهِ، قَالَ أَحْمَدُ: أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ قَالُوا: هَذَا الضَّمُّ. وَضَمَّ أَصَابِعَهُ، وَهَذَا النَّشْرُ، وَمَدَّ أَصَابِعَهُ، وَهَذَا التَّفْرِيقُ، وَفَرَّقَ أَصَابِعَهُ، وَلِأَنَّ النَّشْرَ لَا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ كَنَشْرِ الثَّوْبِ، وَلِهَذَا يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَلَا تَفْرِيقَ فِيهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-819>مسألة [١٠]: كيف ترفع المرأة يديها</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٧٣٨): واختلفوا في المرأة كيف ترفع يديها في الصلاة؟ فقالت طائفة: ترفع كما يرفع الرجل إلى المنكبين. روي عن أم الدرداء، أنها كانت تفعله (^٣)، وهو قول الأوزاعي والشافعي، وقالت طائفة: ترفع\n_________\n(^١) «صحيح. أخرجه أبو داود (٧٥٣)، قال: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد ابن سمعان، عن أبي هريرة ﵁ به. وإسناده صحيح، رجاله ثقات.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٣٩)، وفي إسناده: يحيى بن اليمان وهو ضعيف، وقد وهموه في الرواية المذكورة، والمحفوظ باللفظ المتقدم كما ذكر ذلك الدارمي، ونقله عنه الترمذي، وبالله التوفيق.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٤٠)، وفي إسناده: عبد ربه بن سليمان بن عمير بن زيتون، له ترجمة في «الجرح والتعديل»، و«التاريخ الكبير»، و«الثقات»، وهو مجهول الحال، لم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان.","vol":"2","page":400},{"text":"إلى ثدييها، ولا تزيد على ذَلِكَ، وهو قول حماد وإسحاق. وروي نحوه عن حفصة بنت سيرين (^١)، أنها كانت تفعله. وقال أحمد في رواية عنه: ترفع يديها في الصلاة، ولا ترفع كما يرفع الرجل، دون ذَلِكَ. ونقل عنه جماعة أنه قالَ: ما سمعنا في المرأة؛ فإن فعلت فلا بأس. قالَ القاضي أبو يعلى: ظاهر هذا أنه رآه فعلا جائزًا، ولم يَرَهُ مسنونًا. وقال عطاء: ترفع دون رفع الرجل، وإن تركته فلا بأس. انتهى\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب ما ذهب إليه الشافعي، والأوزاعي؛ لأنَّ الشرع عامٌّ للرجال، والنساء.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٤٠)، وإسناده صحيح.","vol":"2","page":401},{"text":"٢٦٩ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ -﵁-، قَالَ: صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى يَدِهِ اليُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\n_________\n(^١) زيادة (على صدره) منكرة. أخرجه ابن خزيمة (٤٧٩) من طريق مؤمل بن إسماعيل نا سفيان عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر به.\n\nومؤمل بن إسماعيل ضعيف سيئ الحفظ، وقد تفرد بزيادة: (على صدره)، فقد رواه جمعٌ عن سفيان الثوري، ولم يذكروا هذه الزيادة، وهم: عبد الرزاق عند أحمد (٤/ ٣١٧)، وعبد الله بن الوليد عند أحمد (٤/ ٣١٨)، ويحيى بن آدم، وأبو نعيم الفضل بن دكين عند أحمد أيضًا (٤/ ٣١٨)، ومحمد بن يوسف الفريابي عند النسائي (٣/ ٣٥)؛ فعلى هذا تُعتبر زيادة مؤمل بن إسماعيل منكرة، ويؤيد ذلك أيضًا أن جميع الحفاظ الذين رووا الحديث مع الثوري عن عاصم لم يذكروا هذه الزيادة، وهم بضعة عشر راويًا.\nوقد جاءت هذه الزيادة: (الوضع على الصدر) في حديث هُلْب الطائي، أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٦)، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني سماك بن حرب، عن قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال: رأيت النبي - ﷺ - ينصرف عن يمينه، ويساره، ورأيته قال: يضع هذه على صدره، وصف يحيى: اليمنى على اليسرى فوق المفصل.\nقلتُ: قبيصة بن هلب مجهول، وقوله في الحديث: (رأيته قال: يضع هذه على صدره) أظنها مدرجة، وأنها من كلام بعض الرواة، وأظنه أحمد بن حنبل يحكيها عن يحيى بن سعيد، فقد رواه الإمام أحمد أيضًا (٥/ ٢٢٧): حدثنا وكيع، ثنا سفيان بإسناده. فلم يذكر هذه الزيادة، بل قد رواه محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد بإسناده، فلم يذكر هذه الزيادة، أخرجه الطوسي (٢٣٤)، ومما يؤيد ذلك أنَّ شعبة، وزائدة، وأبا الأحوص، وشريكًا كلهم رووا الحديث عن سماك بن حرب بدون هذه الزيادة، وإنْ لم تكن هذه الزيادة مدرجة؛ فهي غير محفوظة.\nوأحسن ما في هذا الباب هو مرسل طاوس، أخرجه أبو داود (٧٥٩)، بإسناد صحيح عنه، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بينهما على صدره، وهو في الصلاة. وهذا المرسل ليس هناك ما يصلح لتقويته.\nوالخلاصة من هذا البحث المتقدم أنَّ حديث الباب صحيح دون قوله (على صدره)؛ فهي زيادة لا تثبت.","vol":"2","page":402},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>مسألة [١]: حكم وضع اليد اليمنى على اليسرى</span>.\nأخرج البخاري في «صحيحه» (٧٤٠)، من حديث سهل بن سعد -﵁-، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.\nوأخرج مسلم في «صحيحه» (٤٠١)، من حديث وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وفيه: «ثم وضع يده اليمنى على اليسرى».\nقال الترمذي -﵀- في «سننه» (٢٥٢): العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، والتابعين، ومن بعدهم يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة. اهـ\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٧٤٠): وهو قول عامة الفقهاء في الأمصار، منهم: الثوري، وأبو حنيفة، والحسن بن صالح، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وغيرهم. اهـ\nقال ابن المنذر -﵀-: وقد روينا عن غير واحد من أهل العلم أنهم كانوا يرسلون أيديهم في الصلاة إرسالًا، ولا يجوز أن يجعل إغفال من أغفل استعمال السنة، أو نسيها، أو لم يعلمها حجة على من علمها، وعمل بها، فممن روينا عنه أنه كان يرسل يديه: عبد الله بن الزبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين. اهـ","vol":"2","page":403},{"text":"قلتُ: وهو رواية عن مالك، أخذ بها جماعة من أصحابه، وهو قول الليث بن سعد، كما في «شرح ابن رجب»، وقال الأوزاعي: من شاء فعل، ومن شاء ترك، وهو قول عطاء، وحُكي رواية عن أحمد، كما في «شرح ابن رجب».\nوأثر ابن الزبير الذي ذكره ابن المنذر أخرجه في «الأوسط» (٣/ ٩٣)، من طريق ابن أبي شيبة، وهذا في «مصنفه» (١/ ٣٩١)، بإسناد صحيح عنه.\nوالصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور العلماء. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-821>مسألة [٢]: أين يضع يديه</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٧٤٠): واختلف القائلون بالوضع: هل يضعهما على صدره، أو تحت سرته، أو يخير بين الأمرين؟ على ثلاثة أقوال، هي ثلاث روايات عن أحمد، وممن روي عنه أنه يضعهما تحت سرته: علي، وأبوهريرة، والنخعي، وأبومجلز، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، ومالك، وإسحاق، وروي عن علي أيضًا، وعن سعيد بن جبير، أنه يضعهما على صدره، وهو قول الشافعي، وقال أبو إسحاق المروزي من أصحابه: يضعهما تحت سرته. وحكى ابن المنذر التخيير بينهما، قالَ الترمذي في «جامعه»: رأى بعضهم أن يضعهما فوق سرته، ورأى بعضهم أن يضعهما تحت سرته، كل ذَلِكَ واسع عندهم. اهـ\nقلتُ: الأثران عن علي، وأبي هريرة في وضع اليدين تحت السرة لا يثبتان؛\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٧٤٠)، «المجموع» (٣/ ٣١١ -).","vol":"2","page":404},{"text":"ففي إسنادهما: عبدالرحمن بن إسحاق الكوفي، قال النووي: وهو ضعيفٌ باتفاق أئمة الجرح والتعديل.\nوالأثر عن علي في الوضع على الصدر لا يثبت أيضًا؛ ففي إسناده مجهولٌ، والأمر في هذه المسألة واسعٌ؛ لعدم صحة الدليل فيه، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي -﵀-.\nوالأقرب وضعهما أعلا من السرة؛ لما رواه النسائي (٢/ ١٢٦)، من حديث وائل بن حجر بإسناد صحيح: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وضع يده اليمنى على كفه اليسرى، والرسغ والساعد. وإسناده صحيح، ومثل ذلك إنما يتأتى عادةً فيمن جعل يديه أعلا من السرة، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر «الأوسط» لابن المنذر (٣/ ٩٣ - ٩٤) «المجموع» (٣/ ٣١٣) «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٣٩٠).","vol":"2","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-822>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>مسألة [١]: وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد الركوع</span>.\n• ذهب بعض أهل العلم إلى وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى بعد الركوع، واستدلوا بعموم حديث سهل بن سعد المتقدم، وبحديث وائل بن حجر عند النسائي (٢/ ١٢٥)، قال: رأيت النبي - ﷺ - إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله.\nواستدلوا بحديث أبي حميد وقد تقدم: «حتى يعود كل فقار إلى مكانه»، وبحديث رفاعة بن رافع عند أحمد، وفيه: «حتى ترجع العظام إلى مفاصلها»، وقد تقدم أيضًا في أول الباب، وهذا القول هو رواية عن أحمد، فقد سأله ولده صالح عن ذلك، فقال: أرجو أن يكون الأمر واسعًا، وهذا القول اختاره الشيخ ابن إبراهيم، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، وغيرهم رحمة الله عليهم.\n• وذهب أحمد في رواية، وهو مذهب الشافعية، وعزاه البسام -﵀- في «توضيح الأحكام» لجمهور العلماء، إلى إرسال اليدين بعد الركوع، وحجتهم في ذلك عدم تنصيص أحد من الصحابة على ذلك مع كثرة من وصف صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وكل من وصف الصلاة بالتفصيل، وذكر وضع اليمنى على اليسرى، يذكره قبل الركوع، ولا يذكره بعد الركوع، قالوا: والعموم الذي في الأحاديث المذكورة لا","vol":"2","page":406},{"text":"يصلح أن يحمل أيضًا على القيام بعد الركوع بعد وجود أحاديث مبينة مفصلة لفعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يذكر فيها ذلك بعد الركوع، وقد جاء ذلك من حديث وائل بن حجر نفسه عند أبي داود (٧٢٦)، وغيره بإسناد صحيح، قال: قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله - ﷺ -، فقام، فاستقبل القبلة، فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، ووضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه ...، الحديث.\nفأنت ترى أنَّ وائل بن حجر ذكر موضع اليدين قبل الركوع، وأثناء الركوع، وأثناء السجود، وسكت على حالهما بعد الركوع مما يدل على أنه ليس لهما حالة تخالف ما عليه هيئة الإنسان قبل الصلاة، وإلا لذكرها، وكذلك يدل على أن مراده بالحديث: «إذا كان قائمًا»، أي: قبل الركوع، بدلالة حديثه هذا الذي فصَّل فيه ما أجمله بذلك الحديث.\nوأما استدلالهم بحديث: «حتى يعود كل فقار مكانه»، وبحديث: «حتى ترجع العظام إلى مفاصلها»، فليس لهم فيهما مأخذ؛ لأنَّ المراد منهما تمام الاطمئنان بعد الركوع، والاعتدال حتى يعود عظام الظهر إلى حاله السابق قبل الركوع، وكيف يكون المراد منهما أن يضع اليمنى على اليسرى بعد الركوع، ولم يأتِ ذلك قبل الركوع في حديث المسيء في صلاته من جميع طرقه.\nوبعد هذا البحث؛ فالأقرب عندي إلى الصواب قول من قال بالإرسال بعد","vol":"2","page":407},{"text":"الركوع، وهو ترجيح الإمام الألباني -﵀-، واختيار شيخنا الإمام مقبل الوادعي -﵀-، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>مسألة [٢]: كيفية وضع اليمنى على اليسرى</span>.\nأخرج النسائي -﵀- (٢/ ١٢٥) بإسناد صحيح عن وائل بن حجر -﵁- قال: رأيت رسول الله - ﷺ - إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله. وأخرج أيضًا (٢/ ١٢٦)، بإسناد صحيح عن وائل بن حجر قال: «...، ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى، والرسغ، والساعد».\nوتقدم حديث سهل بن سعد في «البخاري»: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.\n_________\n(^١) وانظر: «مسائل أحمد» لابنه صالح (٢/ ٢٠٥)، «الفروع» (١/ ٤٣٣)، «شرح المهذب» (٣/ ٤١٧)، «الشرح الممتع» (٣/ ١٤٦)، «توضيح الأحكام» (٢/ ١٨٢)، «غاية المرام» (٤/ ٢٥٨).","vol":"2","page":408},{"text":"٢٧٠ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ القُرْآنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ، لِابْنِ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيّ: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ». (^٢)\nوَفِي أُخْرَى لِأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إمَامِكُمْ؟» قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا». (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-825>مسألة [١]: حكم القراءة بفاتحة الكتاب</span>.\n• ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنَّ قراءتها ركنٌ من أركان الصلاة، وواجبٌ من واجباتها، واستدلوا بحديث عبادة بن الصامت، وأبي هريرة المذكورين في الباب.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجزئ قراءة آية من القرآن من أي موضع كان؛ وهو رواية عن أحمد خلاف المشهور عنه لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠]،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤).\n(^٢) أخرجها الدارقطني (١/ ٣٢١ - ٣٢٢) بإسناد صحيح. وأما رواية ابن حبان فأخرجها (١٧٨٩) من حديث أبي هريرة -﵁- بإسناد حسن، ولم يخرجها عن عبادة.\n(^٣) صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٢١ - ٣٢٢)، وأبوداود (٨٢٣)، والترمذي (٣١١)، وابن حبان (١٧٨٥)، بإسناد حسن وفي الإسناد محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث عند أحمد وغيره.\nوله شاهد من حديث رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخرجه أحمد (٥/ ٦٠)، بإسناد صحيح.","vol":"2","page":409},{"text":"وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمسيء في صلاته: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن».\nويُجَابُ عنه: بأنه قد جاء في بعض ألفاظه: «ثم اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ»، وأما الآية فهي مُجْمَلةٌ مُبَيَّنَة بالأدلة المتقدمة، والله أعلم.\nوقول الجمهور هو الصواب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-826>مسألة [٢]: هل تجب قراءة الفاتحة في كل ركعة</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، واستدلوا بحديث المسيء في صلاته: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها».\n• وذهب النخعي، والثوري، وأبو حنيفة إلى أنها لا تجب إلا في الركعتين الأُولَيَيْن؛ لما رُوي عن علي -﵁-، أنه قال: اقرأ في الأُولَيَيْنِ، وسَبِّحْ في الأُخْرَيَيْن. (^٢) وهو قول أحمد في رواية عنه خلاف المشهور من مذهبه.\n• وعن الحسن أنه إن قرأ في ركعة أجزأه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾.\n• وعن مالك: إنْ قرأ في ثلاث ركعات أجزأه؛ لأنها في معظم الصلاة.\n• وفي المسألة أقوال أخرى.\nوالصواب قول الجمهور. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ١٤٦)، «المجموع» (٣/ ٣٢٧).\n(^٢) أثر علي -﵁- أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٧٢)، وابن المنذر (٣/ ١١٤)، وفي إسناده: الحارث الأعور، وقد كذب.\n(^٣) وانظر: «المغني» (٢/ ١٥٦ - ١٥٧)، «المجموع» (٣/ ٣٦١).","vol":"2","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-827>مسألة [٣]: قراءة المأموم للفاتحة</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنْ لا يقرأ المأموم شيئًا، سواء كان ذلك في الصلاة السِّرية، أو الجهرية؛ لحديث: «من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة» (^١)، وهذا القول حكاه ابن المنذر، عن الثوري، وابن عيينة، وجماعة من أصحاب الكوفة، وهو مذهب أبي حنيفة.\nالقول الثاني: أنَّ المأموم يقرأ في السرية، ولا يقرأ في الجهرية؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا قرأ فأنصتوا»، وهذا القول حكاه ابن المنذر عن الزهري، ومالك، وأحمد، وإسحاق.\nالقول الثالث: أنَّ المأموم يقرأ في الصلاة السرية، وبالفاتحة في الصلاة الجهرية؛ لعموم أحاديث الباب، وحكى ابن المنذر هذا القول عن ابن عون، والأوزاعي، وأبي ثور، وأصحاب الشافعي، وهو مذهب البخاري.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: هذا القول الأخير هو الصواب؛ لدلالة أحاديث\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٨٥٠)، وغيره، من حديث جابر بن عبدالله -﵄-، وفي إسناده: جابر بن يزيد الجعفي، وهو شديد الضعف، وقد كذب.\nوقد تابع جابرًا الجعفي ليثُ بن أبي سليم عند الدارقطني (١/ ٣٣١)، والبيهقي في «جزء القراءة» (٣٤٣) (٣٤٥)، وليث ضعيف، وصوَّب البيهقي وقفه كما في «جزء القراءة»\n(ص ١٥٩ - ١٦٠).","vol":"2","page":411},{"text":"الباب عليه، وأما دليل القول الأول فهو ضعيفٌ، جاء من طريق: جابر الجعفي، وهو كذابٌ، ومن طريق أخرى مرسلة، قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره»: جاء هذا الحديث من طرقٍ لا يصح شيء منها عن النبي - ﷺ -.\nوأما أدلة القول الثاني فهي عامة، وأدلتنا خاصة، ولا تعارض بين عام وخاص، وقد رجَّح القول الثالث شيخنا مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>مسألة [٤]: متى يقرأ المأموم الفاتحة</span>؟\nقال الإمام البخاري -﵀- في جزء «القراءة خلف الإمام» (ص ١٧١): حدثنا صدقة، قال: أخبرنا عبد الله بن رجاء، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: قلت لسعيد بن جبير: أقرأ خلف الإمام؟ قال: نعم، وإن سمعت قراءته، إنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه، إن السلف كان إذا أم أحدهم الناس كبر ثم أنصت حتى يظن أن من خلفه قد قرأ فاتحة الكتاب، ثم قرأ ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال الحكم بن عتيبة: ابدره واقرأه.\nحدثنا موسى، قال: حدثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، قال: للإمام سكتتان؛ فاغتنموا القراءة فيهما بفاتحة الكتاب.\nوزاد هارون حدثنا أبو سعيد، مولى بني هاشم قال: حدثنا حماد، عن محمد بن\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٣/ ١٠٢ - ١٠٨)، «المجموع» (٣/ ٣٦٥)، «المغني» (٢/ ١٦٣)، «تفسير ابن كثير».","vol":"2","page":412},{"text":"عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، -﵁-.\nحدثنا موسى، قال: حدثنا حماد، عن هشام، عن أبيه، قال: يا بني اقرءوا فيما يسكت الإمام، واسكتوا فيما جهر، ولا تتم صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فصاعدا، مكتوبة ومستحبة.\nقلتُ: أسانيده حسنة، والإسناد الآخر صحيح.\nوفي جزء «القراءة خلف الإمام» للإمام البيهقي -﵀- (ص ١٠٥ -):\nبإسناد صحيح عن مكحول: اقرأ بها يعني بالفاتحة فيما جهر به الإمام إذا قرأ بفاتحة الكتاب وسكت سرا، وإن لم يسكت اقرأ بها قبله ومعه وبعده لا تتركنها على حال.\nثم أسند بإسناد صحيح عن القاسم بن محمد، قال: كان رجال أئمة يقرءون وراء الإمام. وبإسناد صحيح عن الحسن، أنه كان يقول: اقرأ خلف الإمام في كل صلاة بفاتحة الكتاب في نفسك. وبإسناد صحيح عن الشعبي: اقرأ خلف الإمام في خمسهن.\nوبإسناد صحيح عن الأوزاعي، قال: يحق على الإمام أن يسكت سكتة بعد التكبيرة الأولى استفتاح الصلاة وسكتة بعد قراءة فاتحة الكتاب؛ ليقرأ من خلفه بفاتحة الكتاب، فإن لم يمكن قرأ معه بفاتحة الكتاب إذا قرأ بها، وأسرع القراءة ثم استمع.","vol":"2","page":413},{"text":"قال: وقرأت في كتاب القراءة خلف الإمام للبخاري -﵀- حكاية عن الحسن وسعيد بن جبير وميمون بن مهران، وما لا أحصي من التابعين، وأهل العلم أنه يقرأ خلف الإمام وإن جهر قال: وقال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف الإمام أعاد الصلاة. وكذلك قال عبد الله بن الزبير. اهـ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يتبين من هذه الآثار أن المأموم يقرأ الفاتحة متى تيسر له ذلك؛ سواءٌ قرأها مع الإمام، أو قبله أو بعده فكل ذلك مشروع، وأحسنها أن يقرأ مع الإمام فيجمع بين القراءة والاستماع، ثم يليه أن يقرأ بعد إكمال الإمام، وأما القراءة قبله فنختار تركها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>مسألة [٥]: قراءة الفاتحة مرتبة غير ملحون بها</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٥٤): يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مُرَتَّبَةً مُشَدَّدَةً، غَيْرَ مَلْحُونٍ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى؛ فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيبَهَا، أَوْ شَدَّةً مِنْهَا، أَوْ لَحَنَ لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى، مِثْلُ أَنْ يَكْسِرَ كَافَ ﴿إيَّاكَ﴾، أَوْ يَضُمَّ تَاءَ ﴿أَنْعَمْتَ﴾، أَوْ يَفْتَحَ أَلِفَ الْوَصْلِ فِي ﴿اهْدِنَا﴾، لَمْ يَعْتَدَّ بِقِرَاءَتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَاجِزًا عَنْ غَيْرِ هَذَا. ذَكَرَ الْقَاضِي نَحْوَ هَذَا فِي «الْمجَرَّدِ»، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. اهـ (^١)\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٦٨): عَامَّةُ الْخَلْقِ مِنْ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ يَقْرَءُونَ الْفَاتِحَةَ قِرَاءَةً تُجْزِئُ بِهَا الصَّلَاةَ؛ فَإِنَّ اللَّحْنَ الْخَفِيَّ وَاللَّحْنَ الَّذِي لَا يُحِيلُ المَعْنَى لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٣/ ٣٩٢).","vol":"2","page":414},{"text":"وقال -﵀- في (٢٣/ ٣٥٠): وَأَمَّا مَنْ لَا يُقِيمُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ؛ فَلَا يُصَلِّي خَلْفَهُ إلَّا مَنْ هُوَ مِثْلُهُ، فَلَا يُصَلَّى خَلْفَ الْأَلْثَغِ الَّذِي يُبَدِّلُ حَرْفًا بِحَرْفِ؛ إلَّا حَرْفَ الضَّادِ إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرَفِ الْفَمِ كَمَا هُوَ عَادَةُ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، فَهَذَا فِيهِ وَجْهَانِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ، وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَبْدَلَ حَرْفًا بِحَرْفِ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ الضَّادِ الشِّدْقُ، وَمَخْرَجَ الظَّاءِ طَرَفُ الْأَسْنَانِ. فَإِذَا قَالَ: (وَلَا الظَّالِّينَ) كَانَ مَعْنَاهُ (ظَلَّ يَفْعَلُ كَذَا). وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَصِحُّ. وَهَذَا أَقْرَبُ؛ لِأَنَّ الْحَرْفَيْنِ فِي السَّمْعِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَحِسُّ أَحَدِهِمَا مِنْ جِنْسِ حِسِّ الْآخَرِ؛ لِتَشَابُهِ المَخْرَجَيْنِ، وَالْقَارِئُ إنَّمَا يَقْصِدُ الضَّلَالَ المُخَالِفَ لِلْهُدَى، وَهُوَ الَّذِي يَفْهَمُهُ المُسْتَمِعُ، فَأَمَّا المَعْنَى المَأْخُوذُ مِنْ (ظَلَّ)؛ فَلَا يَخْطِرُ بِبَالِ أَحَدٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْحَرْفَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ صَوْتًا، وَمَخْرَجًا، وَسَمْعًا، كَإِبْدَالِ الرَّاءِ بِالْغَيْنِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الْقِرَاءَةِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-830>مسألة [٦]: الموالاة في الفاتحة</span>.\nمعناه: عدم الفصل بين الآيات بالفاصل الكبير.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٥٦): فَإِنْ قَطَعَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ بِذِكْرٍ، مِنْ دُعَاءٍ، أَوْ قِرَاءَةٍ، أَوْ سُكُوتٍ يَسِيرٍ، أَوْ فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ الْفَاتِحَةِ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ المَأْمُومِ، قَالَ: آمِينَ. وَلَا تَنْقَطِعُ قِرَاءَتُهُ؛ لِقَوْلِ أَحْمَدَ: إذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ عَذَابٍ اسْتَعَاذَ. وَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ اسْتَأْنَفَ قِرَاءَتَهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ مَأْمُورًا بِهِ، كَالمَأْمُومِ يَشْرَعُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ،","vol":"2","page":415},{"text":"فَيُنْصِتُ لَهُ، فَإِذَا سَكَتَ الْإِمَامُ أَتَمَّ قِرَاءَتَهَا، وَأَجْزَأَتْهُ. أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ السُّكُوتُ نِسْيَانًا، أَوْ نَوْمًا، أَوْ لِانْتِقَالِهِ إلَى غَيْرِهَا غَلَطًا، لَمْ يَبْطُلْ، فَمَتَى ذَكَرَ أَتَى بِمَا بَقِيَ مِنْهَا؛ فَإِنْ تَمَادَى فِيمَا هُوَ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ، أَبْطَلَهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-831>مسألة [٧]: التلفظ بالفاتحة</span>.\nجاء في «البخاري» عن خباب بن الأَرَت أنه سُئل: كيف كنتم تعلمون قراءة رسول الله - ﷺ - في الظهر، والعصر؟ فقال: باضطراب لحيته.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- (٧٦٠) -بعد أن ذكر هذا الحديث، وأحاديث أخرى بمعناه-: وفي هذه الأحاديث دليل على أن قراءة السِّرِّ تكون بتحريك اللسان والشفتين، وبذلك يتحرك شعر اللحية، وهذا القدر لابد منه في القراءة والذكر وغيرهما من الكلام، فأما إسماع نفسه فاشترطه الشافعي، وبعض الحنفية، وكثير من أصحابنا، وقال الثوري: لا يشترط، بل يكفي تصوير الحروف، وهو قول الحرقي من الحنفية، وظاهر كلام أحمد.\nقالَ أبو داود: قيل لأحمد: كم يرفع صوته بالقراءة؟ فقالَ: قالَ ابن مسعود (^٢): من أسمع أذنيه فلم يخافت. فهذا يدل على أن إسماع الأذنين جهر، فيكون السر دونه. وكذا قالَ ابن أبي موسى من أصحابنا: القراءة التي يسرها في الصلاة يتحرك اللسان والشفتان بالتكلم بالقرآن، فأما الجهر فيسمع نفسه ومن يليه. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٣/ ٣٥٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٦) بإسناد صحيح.","vol":"2","page":416},{"text":"والصواب أنه لا يُشترط أن يُسمع نفسه، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وقد تقدم نحو هذا عند مسألة النطق بتكبيرة الإحرام. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>مسألة [٨]: قراءة الفاتحة بغير العربية</span>.\n• ذهب الجمهور إلى عدم جواز القراءة بغير العربية؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣]، وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥].\n• وذهب أبو حنيفة إلى الجواز، وقال بعض أصحابه: لمن لم يُحسن. واستدل بقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، قال: ولا يُنذر كل قوم إلا بلسانهم.\nوالصواب قول الجمهور؛ لأنَّ القرآن إذا غُيِّرت ألفاظه، وخرج عن نظمه لم يكن قرآنًا، ولا مثله، وإنما يكون تفسيرًا له، أما الإنذار، فإذا فسَّره لهم كان الإنذار بالمفسَّر دون التفسير. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ١٥٤)، «المجموع» (٣/ ٣٩٤).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ١٥٨)، و«المجموع» (٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠).","vol":"2","page":417},{"text":"٢٧١ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nزَادَ مُسْلِمٌ: لَا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا. (^٢)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ: لَا يَجْهَرُونَ بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (^٣)، وَفِي أُخْرَى لِابْنِ خُزَيْمَةَ: كَانُوا يُسِرُّونَ. (^٤)\nوَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ النَّفْيُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، خِلَافًا لِمَنْ أَعَلَّهَا.\n\n٢٧٢ - وَعَنْ نُعَيْمٍ المُجْمِرِ، قَالَ: صَلَّيْت وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ (فَقَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ القُرْآنِ، حَتَّى إذَا بَلَغَ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: آمِينَ. وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الجُلُوسِ: اللهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ يَقُولُ إذَا سَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -. رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٣)، ومسلم (٣٩٩).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٣٩٩) وقد أعلها بعض أهل العلم بما لا يقدح فيها، وانظر كلام الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٧٤٣).\n(^٣) أخرجها أحمد (٣/ ٢٧٥)، والنسائي (٢/ ١٣٥)، وابن خزيمة (١/ ٢٥٠) واللفظ لأحمد، وهي رواية صحيحة على شرط الشيخين.\n(^٤) أخرجها ابن خزيمة (٤٩٨) وإسناده ضعيف، فيه سويد بن عبدالعزيز، وهو شديد الضعف.\nولها طريق أخرى عند الطبراني (٧٣٩) وفي إسناده ابن أبي السري والراجح ضعفه.\n(^٥) رواه النسائي (٢/ ١٣٤)، وابن خزيمة (٤٩٩) وإسناده صحيح، لكن قوله (فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم) شاذة تفرد بها نعيم المجمر ولم يذكرها سائر الرواة عن أبي هريرة الذين رووا هذا الحديث عنه. انظر «نصب الراية» (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦).","vol":"2","page":418},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>مسألة [١]: الإسرار، أو الجهر بالبسملة</span>.\n• هذه المسألة مما كَثُرَ فيها النزاع بين الفقهاء، حتى ألفوا فيها مصنفات، فممن أفردها بالتصنيف: ابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، وابن عبد البر، وآخرون.\nوسأذكر في هذه المسألة أصح، وأشهر ما عند الفريقين من الأدلة:\nفأما القائلون بالإسرار بالبسملة فاحتجوا بحديث أنس المذكور في الباب، وبحديث أبي هريرة -﵁- في «صحيح مسلم» (٣٩٥)، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي»، واحتجوا بحديث أبي هريرة -﵁- في «صحيح مسلم» (٥٩٩): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا قام في الركعة الثانية استفتح القراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولم يسكت.\nواستدلوا بحديث عائشة -﵂- في «صحيح مسلم» (٤٩٨): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقالوا: هذا هو عمل كبار الصحابة، كما حكاه أنس عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وذكره ابن المنذر عن علي، وعمار، بإسناد فيه: شريك القاضي، وهو سيء الحفظ، وذكره عن ابن مسعود، بإسناد فيه: سعيد بن المرزبان، وهو ضعيفٌ.","vol":"2","page":419},{"text":"وأخرج عبد الرزاق (٢/ ٨٩)، وغيره بإسناد صحيح، عن ابن عباس -﵄-، أنه قال: الجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قراءة الأعراب. وأخرج ابن أبي شيبة (١/ ٤١١)، بإسناد حسن عن الأسود بن يزيد، قال: صليت خلف عمر سبعين صلاة، فلم يجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nوأما القائلون بالجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فاستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁- الموجود في الباب، واستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁-: «إذا قرأتم فاتحة الكتاب، فاقرءُوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ فإنها إحدى آياتها». (^١)\nواستدلوا بحديث أنس بن مالك -﵁-، أنه سُئل عن قراءة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فقال: كانت مدًّا، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يمد ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، ويمُدُّ ﴿الرَّحْمَنِ﴾، ويمدُّ ﴿الرَّحِيمِ﴾.\nواستدلوا بحديث أم سلمة أنها قالت: كانت قراءة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ...، فوصفت: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حرفًا، حرفًا، قراءة بطيئة، وفي رواية: كان يصلي في بيتها، فيقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، إلى آخر الفاتحة.\nوللقائلين بالجهر أحاديث كثيرة مرفوعة، ولكنها كلها مردودة، فهي إما موضوعة، أو واهية، أو ليست محفوظة، انظرها في «نصب الراية» (١/ ٣٣٥ - ٣٥٦).\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٢٧٣).","vol":"2","page":420},{"text":"واستدلوا بما أخرجه البيهقي في «سننه» (٢/ ٤٨)، والطحاوي في «معاني الآثار» (١/ ٢٠٠) عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: صليت خلف عمر بن الخطاب، فجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وهو ثابت عنه.\nوأسند البيهقي (٢/ ٤٨)، عن علي بن أبي طالب من طريق: الشعبي، قال: رأيت علي بن أبي طالب، وصليت خلفه، فسمعته يجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nوفي إسناده رجلان لم أقف على من وثقهما. وأسند البيهقي (٢/ ٤٨)، بإسناد حسن، عن عبد الله بن عمر أنه كان يفتتح أم الكتاب بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nوهو عند ابن أبي شيبة (١/ ٤١٢)، بإسناد صحيح، بلفظ: كان إذا افتتح الصلاة قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nوأخرج ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ١٢٦ - ١٢٧)، بإسناد صحيح عن عكرمة، قال: كان ابن عباس يستفتح القراءة بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ويقول: إنما هو شيء استرقه الشيطان من الناس.\nوصحَّ عن عبد الله بن الزبير عند ابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي، أنه كان يجهر بها، وصحَّ عند البيهقي أنه قال: ما يمنعهم منها إلا الكبر.\nواستدلوا بأثر معاوية بن أبي سفيان، أنه صلى بالناس بالمدينة صلاةً، فجهر فيها بالقراءة، فبدأ بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، فلما","vol":"2","page":421},{"text":"سلم ناداه من شهد ذلك من المهاجرين من كل مكان: يا معاوية، أسرقت الصلاة، أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، للسورة التي بعد أم القرآن، وكبر حين يهوي ساجدًا.\nأخرجه الحاكم (١/ ٢٣٣)، من طريق: أبي بكر بن حفص، عن أنس -﵁-، فذكر القصة.\nوقال هؤلاء في حديث أنس الذي في «الصحيحين»: المحفوظ فيه رواية «الصحيحين»: كان النبي - ﷺ - يستفتح الصلاة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قالوا: ومراد أنس أنَّ النبي - ﷺ - كان يبتدئ القراءة بسورة الفاتحة، وليس مراده نفي قراءة البسملة، أو الجهر بها.\nقالوا: ويؤيد ذلك ما صحَّ عن سعيد بن زيد أنه سأل أنس بن مالك، كما في «مسند أحمد» (٣/ ١٦٦)، و«سنن الدارقطني» (١/ ٣١٦): أكان رسول الله - ﷺ - يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ أو ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؟ قال إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، أو ما سألني عنه أحد قبلك. قالوا: والروايات الأخرى وَهَمٌ من الرواة؛ لأنهم ظنوا ذلك معنى الحديث، فرووه بالمعنى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القولان قويان كما ترى، ولكن الأقرب إلى الصواب هو القول الأول، وهو قول جمهور العلماء.\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٧٤٣، ٧٤٤): وإلى ذلك ذهب أكثر","vol":"2","page":422},{"text":"أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، لا يرون أن يجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وحكى ابن المنذر هذا القول عن سفيان، وأهل الرأي، وأحمد، وأبي عبيد.\nثم قال: وحكاه ابن شاهين عن عامة أهل السنة.\nقال: وهو السواد الأعظم. قال النخعي: ما أدركت أحدًا يجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.اهـ\nوأما رد القائلين بالجهر لحديث أنس -﵁- بأنه غير محفوظ إلا لفظ «الصحيحين»، فغير صواب، فالروايات الأخرى التي فيها التصريح بنفي الجهر بالبسملة رواها جمعٌ عن شعبة، ورواها مع شعبة جمعٌ عن قتادة، ورواها مع قتادة جمعٌ عن أنس كما بيَّنَ ذلك الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح».\nوعلى التسليم أنها رُويت بالمعنى؛ فقد أجاب عن ذلك الحافظ ابن رجب -﵀- في «فتح الباري»\nفقال: والجواب عَن ذَلِكَ: أن مَا ذكروه من اخْتِلَاف ألفاظ الرواية يدل عَلَى أنهم كانوا يروون الحَدِيْث بالمعنى، ولا يراعون اللفظ، فإذا كَانَ أحد الألفاظ محتملًا، والآخر صريحًا لا احتمال فِيهِ، علم أنهم أرادوا باللفظ المحتمل هُوَ مَا دل عَلَيْهَا اللفظ الصريح الَّذِي لا احتمال فِيهِ، وأن معناهما عندهم واحد، وإلا","vol":"2","page":423},{"text":"لكان الرواة قَدْ رووا الحَدِيْث الواحد بألفاظ مختلفة متناقضة، ولا يظن ذَلِكَ بهم مَعَ علمهم، وفقههم، وعدالتهم، وورعهم؛ لاسيما وبعضهم قَدْ زاد فِي الحَدِيْث زيادة تنفي كل احتمال وشك، وهي عدم ذكر قراءة البسملة فِي القراءة، وهذه زيادة من ثقات عدول حفاظ، تقضي عَلَى كل لفظ محتمل، فكيف لا تقبل؟ لاسيما وممن زاد هذه الزيادة الأوزاعي، فقيه أهل الشام، وإمامهم، وعالمهم.\nقال: والذي رَوَى نفي قراءة البسملة من أصْحَاب حميد هُوَ: مَالِك، ومالك مَالِك فِي فقهه، وعلمه، وورعه، وتَحَرِّيِه فِي الرواية، فكيف تُرَدُّ روايته المصرحة بهذا المعنى برواية شيوخ ليسوا فقهاء لحديث حميد بلفظ محتمل؟ فالواجب فِي هَذَا ونحوه أن تجعل الرواية الصريحة مفسرة للرواية المحتملة؛ فإن هَذَا من بَاب عرض المتشابه على المحكم، فأما رد الروايات الصريحة للرواية المحتملة فغير جائز، كما لا يجوز رد المحكم للمتشابه. انتهى المراد.\nوأما استدلالهم على ردِّ الحديث بقول أنس: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، أو ما سألني عنه أحد قبلك. فقد أجاب عنه الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح»\nفقال: فالمراد: هَلْ كَانَ يقرأ البسملة فِي نفسه، أم لا؟ فَلَمْ يكن عنده مِنْهُ علم؛ لأنه لَمْ يسمع قراءتها، فلا يدري: هَلْ كَانَ يسرها، أم لا؟ وأيضًا فقد شك الرَّاوي: هَلْ قَالَ: لا أحفظه. أو: مَا سألني عَنْهُ أحد قبلك؟ فالظاهر أَنَّهُ إنما قَالَ: مَا سألني عَنْهُ أحد قبلك. كما رواه شعبة وغيره عَن قتادة، كما تقدم، وعلى تقدير","vol":"2","page":424},{"text":"أن يكون قَالَ: مَا أحفظه. فيجوز أن يكون نسي مَا أخبر بِهِ قتادة وغيره من قبل ذلك، ويكون قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ كبره، وبعد عهده بما سئل عَنْهُ. قَالَ ابن عَبْد البر: من حفظ عَنْهُ حجة عَلَى من سأله فِي حال نسيانه. والله أعلم. اهـ\nوأما استدلالهم بحديث نُعيم بن المجَمِّر، عن أبي هريرة الذي في الكتاب، فقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وسعيد، وخالد -يعني سعيد بن أبي هلال، وخالد ابن يزيد اللَّذَيْنِ في سند حديث أبي هريرة- وإن كانا ثقتين، لكن قال أبو عثمان البرذعي، عن أبي زرعة الرَّازي، أنه قال فيهما: ربما وقع في قلبي من حسن حديثهما، قال: وقال أبو حاتم: أخاف أن يكون بعضها مراسيل عن ابن أبي فروة، وابن سمعان. يعني مُدلسة عنهما.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: ثم هذا الحديث ليس بصريح في الجهر، إنما فيه أنه قرأ البسملة، وهذا يصدق بقراءتها سِرًّا، وقد خرَّجه النسائي في [باب ترك الجهر بالبسملة]، وعلى تقدير أن يكون جهر بِهَا، فيحتمل أن يكون جهر بِهَا ليعلم النَّاس استحباب قراءتها فِي الصلاة، كما جهر عُمَر بالتعوذ لذلك، وأيضًا فإنه قَالَ: قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثُمَّ قرأ بأم القرآن، وهذا دليل عَلَى أنها ليست من أم القرآن، وإنما تقرأ قَبْلَ أم القرآن تبركًا بقراءتها، وأيضًا فليس فِي الحَدِيْث تصريح بأن جميع مَا فعله أبو هُرَيْرَةَ فِي هذه الصلاة نقله صريحًا عَن النَّبِيِّ - ﷺ -، وإنما فِيهِ أن صلاته أشبه بصلاة النَّبِيِّ - ﷺ - من غيره. اهـ\nوأما حديثهم الثاني عن أبي هريرة -﵁-؛ فالراجح أنه موقوف على أبي هريرة،","vol":"2","page":425},{"text":"وسيأتي بيانه إن شاء الله في هذا الباب.\nوأما حديث أنس -﵁-؛ فهو في «البخاري» (٥٠٤٦)، من طريق: عمرو بن عاصم، عن همام، عن قتادة، عن أنس -﵁-.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح»: فتفرد عَمْرِو بْن عاصم عَن همام بذكر البسملة فِي هَذَا الحَدِيْث، وقد روي عَن شعبة، عَن همام بدون هذه الزيادة، خرجه أبو الحسين بن المظفر فِي «غرائب شعبة».\nقال: وعلى تقدير أن تكون محفوظة، فليس فِي الحَدِيْث التصريح بقراءته فِي الصلاة، فَقَدْ يكون وصف قراءته فِي غير الصلاة، ويحتمل وَهُوَ أشبه أنْ يكون أَنَس، أو قتادة قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ عَلَى هَذَا الوجه، وأراد تمثيل قراءته بالمد، ولم يُرِدْ بِهِ حكاية عين قراءته للبسملة. اهـ\nوأما حديث أم سلمة، فقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وفي لفظ الحديث اختلافٌ في ذكر البسملة، وإسقاطها، وفي إسناده أيضًا اختلاف، فقد أدخل الليث ابن سعد في روايته، عن ابن أبي مليكة بينه، وبين أم سلمة: يعلى بن مملك، وصحح روايته الترمذي وغيره. وقال النسائي: يعلى هذا ليس بالمشهور.\nقلتُ: هو مجهول، تفرَّد بالرواية عنه: ابن أبي مُليكة، ولم يوثقه معتبر، وقد قيل: إنَّ قراءة الآيات في حديث أم سلمة إنما هو من حكاية ابن جريج لحديث أم سلمة، وقولها: كان النبي - ﷺ - يقطع قراءته آيةً آية. كذلك قاله النسائي، وأبو داود السجستاني حكاه عنها أبو بكر بن أبي داود","vol":"2","page":426},{"text":"في كتابه «المصاحف»، وكذلك قاله الإمام أحمد في رواية ابن القاسم عنه، وقالوا: ابن جريج هو الذي قرأ: (ملك)، وليس ذلك في حديث أم سلمة. انتهى، قاله ابن رجب.\nقلتُ: وأكثر روايات الحديث بلفظ: كانت قراءة النبي - ﷺ -، وليس فيها: (في الصلاة)؛ إلا في رواية عمر بن هارون، وهو كذاب، ورواية حفص بن غياث عند الطحاوي، ولا يُعتمد عليها؛ لمخالفته لمن هو أحفظ منه.\nوأما أثر عمر بن الخطاب -﵁-، فقال ابن رجب -﵀-: وأما المروي عن عمر فقد ثبت عنه في «صحيح مسلم» (^١) من حديث أنس أنه لم يكن يجهر بها، فلعله جهر بها مرةً ليُبَيِّن جواز ذلك، وخرَّج ابن أبي شيبة (١/ ٤١١)، بإسناد جيد عن الأسود، قال: صليت خلف عمر سبعين صلاة، فلم يجهر فيها بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nوأما أثر ابن عمر -﵄-، فقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وليس عن ابن عمر تصريح بالجهر، بل بقراءة البسملة.\nوأما قصة معاوية -﵁- مع من معه من الصحابة، فقد أجاب الزيلعي في «نصب الراية» عنه بأجوبة، فقال -﵀-: وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:\nأَحَدُهَا: أَنَّ مَدَارَهُ عَلَى عَبْدِ الله بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ، لَكِنَّهُ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ، أَسْنَدَ ابْنُ عَدِيٍّ إلَى ابْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: أَحَادِيثُهُ غَيْرُ قَوِيَّةٍ.\n_________\n(^١) تقدمت روايته لذلك في أحاديث الباب.","vol":"2","page":427},{"text":"وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيِّنُ الْحَدِيثِ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِيهِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ضَعِيفٌ لَيَّنُوهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَلَا يُقْبَلُ مَا تَفَرَّدَ بِهِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ اضْطَرَبَ فِي إسْنَادِهِ، وَمَتْنِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَسْبَابِ الضَّعْفِ.\nالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ شَرْطَ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ أَنْ لَا يَكُونَ شَاذًّا، وَلَا مُعَلَّلًا، وَهَذَا شَاذٌّ مُعَلَّلٌ؛ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ الْأَثْبَاتُ عَنْ أَنَسٍ، وَكَيْفَ يَرْوِي أَنَسٌ مِثْلَ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ هَذَا مُحْتَجًّا بِهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَعَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ أَنَسٍ الْمَعْرُوفِينَ بِصُحْبَتِهِ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِمَّا يَرُدُّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ هَذَا أَنَّ أَنَسًا كَانَ مُقِيمًا بِالْبَصْرَةِ، وَمُعَاوِيَةُ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ عَلِمْنَاهُ أَنَّ أَنَسًا كَانَ مَعَهُ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ، وَالله أَعْلَمُ.\nالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَدِيمًا، وَحَدِيثًا تَرْكُ الْجَهْرِ بِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى قِرَاءَتَهَا أَصْلًا، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ: أَدْرَكْت الْأَئِمَّةَ وَمَا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ إلَّا بِـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: مَا سَمِعْت الْقَاسِمَ يَقْرَأُ بِهَا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ: أَدْرَكْت الْأَئِمَّةَ وَمَا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ إلَّا بِـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهَا إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ، وَلَهُ مَحْمَلٌ، وَهَذَا عَمَلُهُمْ يَتَوَارَثُهُ آخِرُهُمْ عَنْ أَوَّلِهِمْ، فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ عَلَى مُعَاوِيَةَ مَا هُوَ شَبَهُهُمْ؟ هَذَا بَاطِلٌ.","vol":"2","page":428},{"text":"الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَوْ رَجَعَ إلَى الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ، كَمَا نَقَلُوهُ؛ لَكَانَ هَذَا مَعْرُوفًا مِنْ أَمْرِهِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ الَّذِينَ صَحِبُوهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْهُمْ، بَلْ الشَّامِيُّونَ كُلُّهُمْ خُلَفَاؤُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ، كَانَ مَذْهَبُهُمْ تَرْكَ الْجَهْرِ بِهَا.\nالوجه الخامس: مَعْلُومٌ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَلَوْ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ لَمَا تَرَكَهَا حَتَّى يُنْكِرَ عَلَيْهِ رَعِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ مَنْ تَدَبَّرَهَا عَلِمَ أَنَّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ هَذَا بَاطِلٌ، أَوْ مُغَيَّرٌ عَنْ وَجْهِهِ. انتهى المراد.\nوهناك جواب آخر للحافظ ابن رجب -﵀-:\nقال في «الفتح»: وليس هَذَا الحَدِيْث مرفوعًا، وإنما فِيهِ إنكار من كَانَ حاضرًا تلك الصلاة من المهاجرين، وإنما حضر ذَلِكَ قليل منهم؛ فإن أكابرهم توفوا قَبْلَ ذَلِكَ، فغاية هَذَا أن يكون موقوفًا عَلَى جماعة من الصَّحَابَة، فكيف ترد بِهِ الرواية المرفوعة، وليس فِيهِ تصريح بإنكار ترك الجهر بالبسملة؟ بل يحتمل أنهم إنما أنكروا ترك قراءتها فِي الجملة.\nثم قال: وعلى كل حال؛ المضطرب إسناده وألفاظه لا يجوز أن يكون معارضًا لأحاديث أَنَس الصحيحة الصريحة، وقد تفرد بهذا الحَدِيْث عَبْد الله بْن عُثْمَان بْن خثيم، وليس بالقوي؛ تَرَكَ حديثَه يَحْيَى القطان، وابنُ مهدي. اهـ\nقلتُ: وقد ذكر شيخ الإسلام -﵀- ستة أوجه في الجواب عن أثر معاوية -﵁-، بنحو كلام الزيلعي، وابن رجب رحمة الله عليهما، كما في «مجموع الفتاوى»","vol":"2","page":429},{"text":"(٢٢/ ٤٣٠ -).\nوالقائلون بالجهر هم: الشافعي، وأصحابه، وأبو ثور، ورُوي عن الليث بن سعد، وذكر ابن عبد البر جماعةً ممن كان يرى الجهر بها، منهم: مكحول، وعمر ابن عبد العزيز، ومحمد بن كعب القُرَظي، قال البيهقي: رُوينا الجهر بها عن فقهاء مكة: عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير.\nوقال الإمام أحمد في رواية مهنا: عامة أهل المدينة يجهر بها، الزهري، وربيعة، وذكر ابن عباس، وابن الزبير.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وأما ما ذكره الخطيب في كتابه «الجهر بالبسملة من الآثار الكثيرة في المسألة»، حتى اعتقد بعض من وقف عليه أنه قول الجمهور، فغالب آثاره، أو كثير منها معلولٌ لا يصح عند التحقيق، وكثير منهم يروي الجهر، والإسرار. اهـ\nقال ابن رجب -﵀-: ورُوي عن طائفة أنه يُخَيَّر بين الجهر والإسرار، ولا يُكره الجهر، وإن كان الإسرار أفضل، وحُكِي هذا عن ابن أبي ليلى، وإسحاق، ورجَّحه طائفة من أهل الحديث، ومنهم من قال: الجهر أفضل.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الإسرار بالبسملة هو الصواب، ويُكره الجهر بها عند جمهور القائلين بالإسرار، وهو ترجيح الإمام الألباني، والإمام ابن باز،","vol":"2","page":430},{"text":"والإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين، رحمة الله عليهم. (^١)\nفائدة مهمة: قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٣٦): وَمَعَ هَذَا فَالصَّوَابُ أَنَّ مَا لَا يُجْهَرُ بِهِ قَدْ يُشْرَع الْجَهْرُ بِهِ لِمَصْلَحَةِ رَاجِحَةٍ؛ فَيُشْرَعُ لِلْإِمَامِ أَحْيَانًا لِمِثْلِ تَعْلِيمِ الْمَأْمُومِينَ، وَيَسُوغُ لِلْمُصَلِّينَ أَنْ يَجْهَرُوا بِالْكَلِمَاتِ الْيَسِيرَةِ أَحْيَانًا، وَيَسُوغُ أَيْضًا أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ الْأَفْضَلَ لِتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ، وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ؛ خَوْفًا مِنْ التَّنْفِيرِ عَمَّا يَصْلُحُ، كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِنَاءَ الْبَيْتِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ؛ لِكَوْنِ قُرَيْشٍ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ، وَخَشِيَ تَنْفِيرَهُمْ بِذَلِكَ، وَرَأَى أَنَّ مَصْلَحَةَ الِاجْتِمَاعِ والائتلاف مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ الْبِنَاءِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمَّا أَكْمَلَ الصَّلَاةَ خَلْفَ عُثْمَانَ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ. وَلِهَذَا نَصَّ الْأَئِمَّةُ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَلَى ذَلِكَ بِالْبَسْمَلَةِ، وَفِي وَصْلِ الْوِتْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ الْعُدُولُ عَنْ الْأَفْضَلِ إلَى الْجَائِزِ الْمَفْضُولِ؛ مُرَاعَاةَ ائْتِلَافِ الْمَأْمُومِينَ، أَوْ لِتَعْرِيفِهِمْ السُّنَّةَ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٧٤٣، ٧٤٤)، «نصب الراية» (١/ ٣٢٣ - ٣٦٢)، «الأوسط» (٣/ ١٢٥)، «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٤١٠)، «مصنف عبدالرزاق» (٢/ ٨٨ -)، «سنن البيهقي» (٢/ ٤٦).","vol":"2","page":431},{"text":"٢٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا قَرَأْتُمُ الفَاتِحَةَ فَاقْرَءُوا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ فَإِنَّهَا إحْدَى آيَاتِهَا». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَوَّبَ وَقْفَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>مسألة [١]: هل البسملة آية من الفاتحة</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنها آية من الفاتحة، وهو مذهب الشافعي، وابن المبارك (^٢)، وإسحاق، وأبي عبيد، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب، وقد تقدم أنَّ الرَّاجح وقفه وبحديث أم سلمة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قرأ في الصلاة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وعدَّها آية، و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ اثنتين، وهذا الحديث أخرجه ابن المنذر، وغيره، وفي إسناده: عمر بن هارون، وهو كذاب، والمشهور في حديث أم سلمة غيرُ هذا اللفظ، وقد تقدم. واستدلوا على ذلك بأن الصحابة أثبتوها في المصاحف، ولم يثبتوا بين الدفتين سوى القرآن.\nالثاني: أنها ليست من الفاتحة، ولا آية من غيرها، ولا يجب قراءتها في الصلاة، وهو رواية عن أحمد، وهي المنصورة عند أصحابه، وهو قول أبي حنيفة،\n_________\n(^١) الراجح وقفه. أخرجه الدارقطني (١/ ٣١٢) مرفوعًا وموقوفًا، ورجح في «العلل» (٨/ ١٤٩) الموقوف، والذي وهم في رفعه هو عبدالحميد بن جعفر.\n(^٢) هذا نقل ابن قدامة عنه، ونقل عنه شيخ الإسلام أنه يقول بالقول الثاني، كما في «الفتاوى» (٢٢/ ٤٣٤).","vol":"2","page":432},{"text":"ومالك، والأوزاعي.\nوالدليل على هذا القول حديث أبي هريرة -﵁- في «صحيح مسلم» (٣٩٥)، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «قَالَ الله تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».\nفلو كانت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من الفاتحة؛ لعدَّها، وبدأ بها، ولم يتحقق التنصيف؛ لأنَّ آيات الثناء تكون أربعًا، ونصفًا، وآيات الدعاء اثنتين ونصفًا، وعلى ما ذكرناه يتحقق التنصيف.\nقال ابن قدامة -﵀-: وأما إثباتها بين السُّوَرِ في المصحف؛ فللفصل بينها؛ ولذلك أفردت سطرًا على حدتها. اهـ\nقلتُ: ويدل عليه حديث ابن عباس عند أبي داود (^١) بسند صحيح عن ابن عباس -﵄-، قال: كان النبي - ﷺ - لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود برقم (٧٨٨).","vol":"2","page":433},{"text":"الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وجاء من وجه آخر عند الحاكم (^١) بنحوه.\nقلتُ: القول الثاني هو الصواب، وهذا الحديث يدل على أنها آية تنزل للفصل بين السور، وهو قول أحمد في المشهور عنه، وعبدالله بن المبارك، وذكر أبو بكر الرازي أن هذا مقتضى مذهب أبي حنيفة عنده.\nوهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام -﵀-، بل صرح بترجيحه في بعض المواضع، خلافًا للأوزاعي، ومالك، وبعض الحنفية الذين يقولون: ليست من القرآن؛ إلا في سورة النمل.\nتنبيه وفائدة: فاتحة الكتاب هي سبع آيات باتفاق أهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ﴾، ولكنهم اختلفوا في تعيين الآية السابعة:\nفعد الكوفي والمكي ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من الفاتحة، ولم يعدوا قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وبالعكس المدنيان والبصري، والشامي. ذكر هذا السخاوي -﵀- في كتابه: «جمال القراء وإكمال الإقراء» (١/ ١٩٠).\nقلتُ: أراد بالكوفي عاصمًا، وحمزة، والكسائي، وأراد بالمكي ابن كثير، وأراد بالمدنيين نافعًا، وأبا جعفر، وأراد بالبصري أبا عمرو، وأراد بالشامي ابن عامر، رحمة الله عليهم أجمعين. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٢٣١).\n(^٢) وانظر «المغني» (٢/ ١٥١ - ١٥٤)، «المجموع» (٣/ ٣٣٤)، «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٣٤ -) (٢٢/ ٤٣٨ -).","vol":"2","page":434},{"text":"٢٧٤ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ القُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ: «آمِينَ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. (^١)\n\n٢٧٥ - وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ نَحْوُهُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>مسألة [١]: حكم التأمين</span>.\nاستحب أهل العلم التأمين للإمام، والمأموم، والمنفرد؛ للحديثين المذكورين في الباب، ولحديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^٣) مرفوعًا: «إذا أمَّنَ الإمامُ فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه».\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٧٨٠): دَلَّ هذا الحديث على أن الإمام والمأمومين يؤمنون جميعًا، وهذا قول جمهور أهل العلم، ورُوي عن أبي بكر، وعمر، وابن عمر، وأبي هريرة (^٤)، وقال عطاء: لقد كنت أسمع الأئمة يقولون على\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه الدارقطني (١/ ٣٣٥)، والحاكم (١/ ٢٢٣) وفي إسناده إسحاق بن إبراهيم ابن زبريق، قال النسائي: ليس بثقة، وقال أبوداود: ليس بشيء، وكذبه محدث حمص محمد بن عوف الطائي.\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٩٣٢)، والترمذي (٢٤٨) من طريق سفيان، عن سلمة، عن حجر بن عنبس الحضرمي، عن وائل بن حجر به، ولفظه: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا قرأ: ﴿ولا الضَّالين﴾ قال: «آمين» ورفع بها صوته. واللفظ لأبي داود، وإسناده صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٧٨٠)، ومسلم برقم (٤١٠).\n(^٤) أثر ابن عمر وأبي هريرة -﵄- عند عبد الرزاق (٢/ ٩٦ -) بأسانيد صحيحة، وكذلك أخرجه عبد الرزاق عن ابن الزبير بإسناد صحيح. وأما أثر أبي بكر وعمر -﵄- فلم أقف عليه.","vol":"2","page":435},{"text":"إثر أم القرآن: آمين. هم أنفسهم، ومن وراءهم، حتى إن للمسجد للجة. وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وهو رواية المدنيين عن مالك واختيارهم. اهـ\nثم نقل ابن رجب عن الإمام مالك أنه قال: الإمام لا يؤمن. وهو اختيار جماعة من أصحابه، واستدل على ذلك بحديث: «إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، فقولوا: آمين». (^١)\nقال ابن رجب -﵀-: وليس فيه ما يدل على أنَّ الإمام لا يؤمن، بل فيه دليل على اقتران تأمين المأمومين بتأمين الإمام. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: والصارف للأمر: «فأمنوا» من الوجوب إلى الاستحباب أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر المسيء في صلاته بذلك، وكذلك واجبات الصلاة تكون في حق الإمام، والمأموم، والمنفرد، فلمَّا لم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذلك الإمام والمنفرد؛ دلَّ على أنَّ ذلك للاستحباب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>مسألة [٢]: حكم الجهر بالتأمين</span>.\n• فيه ثلاثة أقوال:\nالأول: يجهر بها الإمام، ومن خلفه، وهو قول عطاء، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن أبي شيبة، وعامة أهل الحديث.\nواستدل بعضهم بقوله: «إذا أمَّن الإمام فأمنوا»، فدل على سماعهم لتأمينه،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٤٠٤)، من حديث أبي موسى -﵁-.","vol":"2","page":436},{"text":"وكذلك بحديث الباب، أعني حديث وائل بن حجر.\nالثاني: يخفيها الإمام ومن خلفه. وهو قول الحسن، والنخعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة وأصحابه.\nواستدل بعضهم برواية شعبة في حديث وائل: «وخفض بها صوته» أخرجه الترمذي برقم (٢٤٨)، وقد خالفه سفيان الثوري كما في رواية الباب، فرواه بلفظ: «ورفع بها صوته».\nوهذا اللفظ هو المحفوظ، ووهم شعبة في روايته كما نصَّ على ذلك البخاري، وأبو زرعة وغيرهما. (^١)\nالثالث: يخفيها المأموم، ويجهر بها الإمام، وهو قول الشافعي.\nوالصواب هو القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>مسألة [٣]: معنى آمين</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أن معناها: (اللهم استجب).\n• وقد ذكروا أقوالًا أخرى في معناها. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>مسألة [٤]: كم لغة في (آمين)</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ٣٧٠): وأما لغاته؛ ففي (آمين)\n_________\n(^١) انظر: «سنن الترمذي».\n(^٢) وانظر «فتح الباري» لابن رجب (٧٨٠).\n(^٣) انظر: «شرح المهذب» (٣/ ٣٧٠).","vol":"2","page":437},{"text":"لغتان مشهورتان، أفصحهما، وأشهرهما، وأجودهما عند العلماء: (آمين) بالمد، وبتخفيف الميم، وبه جاءت روايات الحديث، والثانية (آمين) بالقصر، وبتخفيف الميم حكاها ثعلب وآخرون. اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>مسألة [١]: متى يؤمِّن المأموم</span>؟\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٧٨٠): ويكون تأمين المأمومين مع تأمين الإمام، لا قبله ولا بعده، عند أصحابنا، وأصحاب الشافعي، وقالوا: لا يُستحب للمأموم مقارنة إمامه في شيء غير هذا؛ فإنَّ الكل يؤمنون على دعاء الفاتحة، والملائكة يؤمنون أيضًا على هذا الدعاء، فيشرع المقارنة بالتأمين للإمام والمأموم؛ ليقارن ذلك تأمين الملائكة في السماء؛ بدليل قوله في رواية معمر: «فإن الملائكة تقول: آمين، والإمام يقول: آمين» (^١)، فعلل باقتران تأمين الإمام والملائكة، ويكون معنى قوله: «إذا أمن الإمام فأمنوا»، أي: إذا شرع في التأمين، أو أراده. اهـ\n_________\n(^١) رواية معمر للحديث عند أحمد (٢/ ٢٧٠)، والنسائي (٢/ ١٤٤)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.","vol":"2","page":438},{"text":"٢٧٦ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى -﵄-، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي. فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ» الحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nدلَّ هذا الحديث على أنَّ من لم يستطع أن يحفظ من الفاتحة، أو غيرها شيئًا؛ فإنه يأتي بالأذكار الواردة فيه.\nوإذا كان يحفظ من القرآن، شيئًا فيلزمه أن يأتي به، ولا يعدل إلى هذه الأذكار إلا عند عدم قدرته على قراءة شيء من القرآن؛ لقوله في هذا الحديث: لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا. ولقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠]، ولحديث المسيء في صلاته، وقد تقدم في أول الباب.\nوقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن كان يحفظ آية كررها سبعًا، وإن كانت آيتين كررها ثلاثًا، ومرةً، وهكذا.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٤/ ٣٥٣، ٣٥٦)، وأبوداود (٨٣٢)، والنسائي (٢/ ١٤٣)، وابن حبان (١٨٠٨)، والدارقطني (١/ ٣١٣)، والحاكم (١/ ٢٤١) كلهم من طريق إبراهيم بن عبدالرحمن السكسكي، وهو ضعيف، ولكن تابعه الفضل بن موفق عند ابن حبان (١٨١٠) وهو ضعيف أيضًا، فالحديث حسن بالطريقين، والله أعلم.","vol":"2","page":439},{"text":"ولا أعلم دليلًا على هذا، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (^١)، فإذا لم يستطع الذكر أيضًا، لزمه القيام بقدر قراءة الفاتحة عند أحمد، والشافعي، وهو الصحيح خلافًا لمالك. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)، عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) انظر: «المجموع» (٣/ ٣٧٩).","vol":"2","page":440},{"text":"٢٧٧ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِنَا فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى، وَيَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَيْنِ (^١) بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-841>مسألة [١]: الجهر، والإسرار بالقراءة في الصلوات الخمس</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «المجموع» (٣/ ٣٨٩): السُّنَّةُ الجهر في ركعتي الصبح، والمغرب، والعشاء، وفي صلاة الجمعة، والإسرار في الظهر، والعصر، وثالثة المغرب، والثالثة، والرابعة من العشاء، وهذا كله بإجماع المسلمين مع الأحاديث الصحيحة المتظاهرة على ذلك. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>مسألة [٢]: من صلَّى منفردًا، فهل يَجْهَرُ فيما يُجْهَرُ فيه</span>؟\n• قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ٣٨٩): وأما المنفرد؛ فَيُسَنُّ له الجهر عندنا، وعند الجمهور، قال العبدري: هو مذهب العلماء كافة إلا أبا حنيفة، فقال: جهرُ المنفرد، وإسراره سواء.\nدليلنا: أنَّ المنفرد كالإمام في الحاجة إلى الجهر للتدبر، فَسُنَّ له الجهر\n_________\n(^١) في (أ): (الآخرتين).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٥٩)، ومسلم (٤٥١).\n(^٣) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٧٦٥).","vol":"2","page":441},{"text":"كالإمام، وأولى؛ لأنه أكثر تدبرًا لقراءته؛ لعدم ارتباط غيره به، وقدرته على إطالة القراءة. انتهى المراد.\n• ومذهب أبي حنيفة هو مذهب طاوس، وأحمد؛ فإنهما قالا: إن شاء جهر، وإن شاء لم يجهر، وكره الجهر للمنفرد بعض الحنابلة.\nوقول الجمهور هو الصواب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-843>مسألة [٣]: المأموم يسر بالقراءة</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٣/ ٣٩٠): وأجمعت الأمة على أن المأموم يُسَنُّ له الإسرار ويُكره له الجهر، سواء سمع قراءة الإمام أم لا، قال صاحب «الحاوي»: حَدُّ الجهر أن يُسمع من يليه، وَحَدُّ الإسرار أن يُسْمِعَ نفسَه، ودليل كراهة الجهر للمأموم حديث عمران بن الحصين -﵄- أن رسول الله - ﷺ - صلى الظهر، فجعل رجلٌ يقرأ خلفه ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، فلما انصرف قال: «أيكم قرأ»؟ أو: «أيكم القارئ»؟ فقال رجل: أنا. فقال: «قد ظننت أن بعضهم خالجنيها»، رواه مسلم (^٢)، ومعني خالجنيها: جاذبنيها، ونازعنيها. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>مسألة [٤]: المرأة هل تجهر بالقراءة</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٣/ ٣٩٠): وأما المرأة، فقال أكثر أصحابنا: إنْ كانت تصلي خالية، أو بحضرة نساء، أو رجال محارم؛ جهرت بالقراءة، سواء صلَّتْ بنسوة، أو منفردة، وإنْ صلَّتْ بحضرة أجنبي؛ أسَرَّتْ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٣/ ٣٨٩ - ٣٩٠)، «الفتح» لابن رجب (٤/ ٤٣٩)، رقم (٧٦٥).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٣٩٨).","vol":"2","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-845>مسألة [٥]: هل يجهر بالفائتة، أو يسر</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٣/ ٣٩٠): واما الفائتة؛ فإن قضى فائتة الليل بالليل جهر بلا خلاف، وإن قضى فائتة النهار بالنهار أسَرَّ بلا خلاف، وإن قضى فائتة النهار ليلا، أو الليل نهارًا، فوجهان يعني عند الشافعية أصحهما عند الشافعية: أن الاعتبار بوقت القضاء في الإسرار والجهر، صححه البغوي، والمتولي، والرافعي. والثاني: الاعتبار بوقت الفوات، وبه قطع صاحب «الحاوي».انتهى المراد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح أنَّ الاعتبار بوقت الفريضة الأصلي، ولهذا فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما نام عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، صلَّاها بعد طلوع الشمس، وجهر بالقراءة؛ لقول أبي قتادة -﵁- في «صحيح مسلم» (٦٨١): فصنع كما كان يصنع كل يوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>مسألة [٦]: الجهر والإسرار في الصلوات الأخرى</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٣/ ٣٩١): أما صلاة العيد، والاستسقاء، والتراويح، وخسوف القمر، فَيُسَنُّ فيها الجهر بلا خلاف، وأما نوافل النهار فَيُسَنُّ فيها الإسرار بلا خلاف، وأما السنن الراتبة مع الفرائض فيُسر بها كلها باتفاق أصحابنا، ونقل القاضي عياض في «شرح مسلم» عن بعض السلف الجهر في سنة الصبح، وعن الجمهور الإسرار كمذهبنا. اهـ\nوقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٧٧٧): وأما غير ذلك من التطوع؛ فالأكثرون على أنه لا يجهر فيها بالقراءة يعني التطوع بالنهار ورخَّصت طائفة في","vol":"2","page":443},{"text":"الجهر في التطوع بالنهار إذا لم يؤذ أحدًا، وهو قول النخعي، والثوري، وإسحاق، ولأصحابنا وجهٌ أنه لا بأس به. انتهى باختصار.\nوالصواب قول الجمهور؛ لأنه لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الجهر فيها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>مسألة [٧]: حكم الجهر بالقراءة فيما يجهر فيه</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤/ ٤٣٨ - ٤٣٩): والجهر فيما يجهر فيه سنة لا تبطل الصلاة بتركه عند جمهور العلماء، وحُكي عن ابن أبي ليلى أنه تبطل الصلاة بتركه، وهو وجهٌ ضعيفٌ لأصحابنا إذا تعمد ذلك. انتهى من الفتح رقم (٧٦٥).\nوالصواب قول الجمهور؛ لعدم وجود دليل على الوجوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-848>مسألة [٨]: إذا جهر في موضع الإسرار، أو العكس ناسيًا</span>.\n• فيه أقوال:\nالأول: ليس عليه شيء، ولا يسجد للسهو، ورُوي عن أنس -﵁-، (^١) وعلقمة، والأسود، أنهم فعلوا ذلك، ولم يسجدوا للسهو، وهو قول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد في أصح الروايتين عنه.\nالثاني: أنه يسجد للسهو، وهو قول النخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وإسحاق، وأحمد في رواية.\nالثالث: قال مالك: إنْ تطاول ذلك يسجد للسهو، ولا أرى عليه في\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٣)، وفي إسناده: سعيد بن بشير، يرويه عن قتادة، عن أنس، مختلف فيه، والراجح ضعفه.","vol":"2","page":444},{"text":"السِّرِّ سهوًا.\nوالصواب القول الأول؛ لحديث أبي قتادة في الباب: ويسمعنا الآية أحيانًا. فهذا السهو وافق مكانًا يجوز فيه الجهر أحيانًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>مسألة [٩]: أدنى الجهر، ومنتهاه</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤/ ٤٣٨): وأدنى الجهر أن يُسمع من يليه، هذا قول أصحابنا، والشافعية، وغيرهم، وقد سبق عن ابن مسعود، قالَ: من أسمع أذنيه فلم يخافت، وهو يدل على أنَّ أدنى الجهر: أن يسمع نفسه، روى وكيع، عن سفيان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود، قالَ: لم يخافت من أسمع أذنيه. (^٢)\nومنتهى الجهر: أن يُسمع من خلفه إن أمكن ذَلِكَ من غير مشقة، وقد كانَ عمر بن الخطاب يَسْمعُ قراءَته في المسجد مَنْ خارجَه. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-850>مسألة [١٠]: إسماع الآية في السرية أحيانًا</span>.\n• دلَّ حديث أبي قتادة على استحباب ذلك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يفعل ذلك، وقد جاء ذلك أيضًا من حديث البراء بن عازب عند بعض أصحاب «السنن» (^٣)، قال: كان النبي - ﷺ - يصلي بنا الظهر، فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان،\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٣/ ٣٩٠ - ٣٩١)، «الفتح» لابن رجب (٤/ ٤٨٦ - ٤٨٧)، رقم (٧٧٨)، «الأوسط» (٣/ ٢٩٩).\n(^٢) إسناده صحيح؛ رجاله ثقات مشهورون، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٦).\n(^٣) أخرجه ابن ماجه برقم (٨٣٠)، والنسائي (٢/ ١٦٣)، وإسناده صحيح.","vol":"2","page":445},{"text":"والذاريات. وقد قال بذلك الشافعي، وأحمد.\n• وكره ذلك الحنفية.\n• وقال بعض أهل العلم: لعلَّ ذلك كان من غير قصدٍ بسبب الاستغراق في القراءة، والصواب ما ذهب إليه الشافعي، وأحمد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-851>مسألة [١١]: حكم قراءة سورة بعد فاتحة الكتاب في الركعتين الأوليين</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى الاستحباب، واستدلوا بحديث عبادة بن الصامت -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وظاهره الاكتفاء بها في الوجوب، وجاء عن أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^٢)، قال: في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله - ﷺ -، أسمعناكم، وما أخفى عنَّا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأتك، وإن زدت؛ فهو خير.\nواستدلوا بما رواه أبو داود (٧٩٣)، وابن خزيمة (١٦٣٤)، بإسناد حسن عن جابر بن عبدالله -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال للفتى: «كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليتَ؟» قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك، ودندنة معاذ. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إني ومعاذ حول هاتين».\n• وقد نقل بعضهم عدم الخلاف في الاستحباب، والصحيح أنَّ هناك من أوجب القراءة بعد الفاتحة، قال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٧٥٦):\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٧٧٨) (٤/ ٤٨٤ - ٤٨٥) لابن رجب.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٧٧٢)، ومسلم برقم (٣٩٦).","vol":"2","page":446},{"text":"وادَّعى ابن حبان، والقرطبي، وغيرهما الإجماع على عدم وجوب قدر زائد عليها، وفيه نظر؛ لثبوته عن بعض الصحابة، ومن بعدهم فيما رواه ابن المنذر، وغيره، ولعلهم أرادوا أنَّ الأمر استقر على ذلك. اهـ\nقلتُ: أما عن الصحابة؛ فقد أورد ابن المنذر الوجوب عن صحابيين، كما في «الأوسط» (٣/ ١٠١):\nأحدهما: عثمان بن أبي العاص، وسنده صحيح، ولفظه: «لا تتم صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وثلاث آيات فصاعدًا».\nأخرجه ابن المنذر من طريق حماد بن سلمة، قال: أخبرنا سعيد الجريري، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين، أن عثمان بن أبي العاص، قال ... فذكره. ثم رأيت ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٠) أخرجه من طريق ابن علية عن سعيد الجريري بإسناده بدون ذكر عثمان بن أبي العاص، وهذه الرواية أرجح؛ لأن ابن علية سمع من الجريري قبل الاختلاط، وأما حماد بن سلمة؛ فقد سمع منه قبل الاختلاط وبعده.\nوكذلك أخرجه البيهقي في «جزء القراءة خلف الإمام» (٢٣٤) من طريق بشر ابن المفضل، عن الجريري، بإسناده بدون ذكر عثمان بن أبي العاص. وبشر سمع من الجريري قبل الاختلاط.\nوعليه فالأصح أن الأثر عن عمران بن حصين -﵄-، وليس عن عثمان بن أبي العاص -﵁-.","vol":"2","page":447},{"text":"وثانيهما: عن عمر بن الخطاب -﵁-، ولفظه: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وشيء معها.\nوأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٠) وفي إسناده: عباية بن ربعي، وهو ابن رداد، لَيَّنَهُ أبو حاتم، فقال: شيخ.\nوقد استدل من ذهب إلى الوجوب بزيادة: «فصاعدًا» عند مسلم برقم (٣٩٤) (٣٧)، من حديث عبادة بن الصامت -﵁- بلفظ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدًا»، وهذه الزيادة شاذة، شذَّ بها معمرٌ، قال الإمام البخاري في «جزء القراءة» (٤): وعامة الثقات لم يتابع معمرا في قوله: فصاعدا مع أنه قد أثبت فاتحة الكتاب وقوله: فصاعدا غير معروف ما أردته حرفا أو أكثر من ذلك؟ إلا أن يكون كقوله: لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا فقد تقطع اليد في دينار وفي أكثر من دينار.\nقال البخاري -﵀-: ويقال: إن عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمرا، وأن عبد الرحمن ربما روى عن الزهري، ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره ولا نعلم أن هذا من صحيح حديثه أم لا. اهـ\nواستدلوا بحديث أبي سعيد في «سنن أبي داود» (^١) وغيره: أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر.\nوالجواب عن هذا: أنَّ الأمر محمول على الاستحباب، والصارف له عن\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود برقم (٨١٨)، وإسناده صحيح.","vol":"2","page":448},{"text":"الوجوب حديث الفتى المتقدم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>مسألة [١٢]: قراءة شيء من القرآن بعد الفاتحة في الركعتين الأُخريين</span>.\n• دلَّ حديث أبي قتادة الذي في الباب على عدم قراءة شيء بعد الفاتحة في الركعتين الأخريين.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤/ ٤٧٦ - ٤٧٨): وقد ذهب أكثر العلماء إلى القول بذلك، وأنه لا يزيد في الركعتين الأخريين، والثالثة من المغرب على فاتحة الكتاب، ورُوي نحو ذلك عن علي، وابن مسعود، وعائشة، وأبي هريرة، وجابر، وأبي الدرادء (^٢)، وعن ابن سيرين، قال: لا أعلمهم يختلفون أنه يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب. وقد دل على ذلك أيضًا: حديث سعد (^٣) في الحذف في الأخريين وقد تقدم في مواضع من الكتاب.\n• وروى مالك (^٤) عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعًا، في كل ركعة بأم القرآن وسورة.\n• وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنه يستحب أن يقرأ سورة مع أم القرآن في\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩)، «الفتح» (٧٥٦)، «الأوسط» (٣/ ١٠٠ - ١٠١).\n(^٢) هذه الآثار عن هؤلاء الصحابة ﵃، كلها ثابتة عنهم، وهي عند ابن أبي شيبة (١/ ٣٧٠)، وعبد الرزاق (٢/ ١٠٠).\n(^٣) يشير إلى حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- عند أن قال لعمر -﵁-: إني لأركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين. يعني في صلاة العشاء. أخرجه البخاري (٧٥٥)، ومسلم برقم (٤٥٣).\n(^٤) أخرجه في «الموطإ» (١/ ٧١)، وإسناده صحيح.","vol":"2","page":449},{"text":"الركعات كلها، ومن أصحابنا من حكاه رواية عن أحمد، وأكثر أصحابنا قالوا: لا يستحب. رواية واحدة.\n• وفي كراهيته عنه روايتان، وقد تقدم عن أبي بكر الصديق، أنه قرأ في الثالثة من المغرب بعد الفاتحة: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨]. (^١)\n• وقد استحب أحمد ذلك في رواية.\nقال القاضي أبو يعلى: يحتمل أنه استحبه؛ لأنه دعاء؛ فإنه قال في رواية الأثرم: إن شاء قاله. قال: ولا تدري أكان ذلك من أبي بكر قراءة أو دعاء. وقد تقدم من حديث أبي سعيد الخدري ما يدل على أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الركعتين الأخريين على قدر نصف قراءته في الأوليين، وحمله طائفة من أصحابنا وغيرهم على أن هذا كان يفعله أحيانًا لبيان الجواز، فيدل على أنه غير مكروه، خلافا لمن كرهه، والله أعلم. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب؛ لحديث أبي قتادة؛ فإن ظاهره الاستمرار بخلاف حديث أبي سعيد؛ فإن ظاهره عدم ذلك، ومع ذلك فيجوز قراءة شيء بعد الفاتحة؛ لحديث أبي سعيد المذكور، ولعموم حديث: «أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر».\nوالأفضل الاقتصار على الفاتحة، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٧١)، وإسناده صحيح.\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٣/ ٣٨٦).","vol":"2","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-853>مسألة [١٣]: المسبوق بركعتين من الرباعية، هل يقرأ في الركعتين الأخريين غير الفاتحة</span>؟\n• ذهب الشافعية -كما في «شرح المهذب» (٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨) - إلى استحباب قراءة شيء مع الفاتحة؛ لئلا تخلو صلاته من قرآن غير الفاتحة، وهو رواية عن أحمد، ووجه عند الحنابلة، وهو مذهب الحنفية.\n• وذهب أحمد في رواية إلى أنه يقتصر على الفاتحة.\nوقد رجَّح هذه الرواية المجد ابن تيمية، ومال إليه ابن رجب -﵀-، وهو وجهٌ عند الشافعية.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: هذه المسألة مبنية على الاختلاف فيما يدركه المسبوق: هل هو أول صلاته، أو آخرها؟\nوالراجح في هذه المسألة أنَّ ما أدركه المسبوق مع الإمام؛ فهو أول صلاته، وما قام يقضيه؛ فهو آخر صلاته.\nوعلى هذا فالراجح هو القول الثاني، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-854>مسألة [١٤]: لو ابتدأ المصلي بالسورة قبل الفاتحة</span>.\n• قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٣/ ٣٨٨): لو قرأ السورة، ثم قرأ الفاتحة؛ أجزأته الفاتحة ولا تحسب له السورة على المذهب، وهو المنصوص في «الأم»، وقطع به الأكثرون. انتهى المراد.\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٢٢٠ - ٢٢١).","vol":"2","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-855>مسألة [١٥]: لو ترك الإمام السورة في الأوليين</span>؟.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٣/ ٣٨٨): قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه «التبصرة»: لو ترك الإمام السورة في الأوليين؛ فإن تمكن المأموم فقرأها قبل ركوع الإمام حصلت له فضيلة السورة، وإن لم يتمكن لإسراع الإمام، وكان يود أن يتمكن فللمأموم ثواب السورة، وعلى الإمام وبال تقصيره؛ لحديث أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «يُصَلُّونَ لَكُم؛ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُم، وَإِنْ أَخْطَأوا فَلَكُم وَعَلَيْهِم»، رواه البخاري (^١)، قال: وربما تأخر المأموم بعد ركوع الإمام لقراءة السورة، وهذا خطأ؛ لأن المأموم يتعين عليه فرض المتابعة إذا هوى الإمام للركوع، فلا يجوز أن يشتغل عن الفرض بنفل. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>مسألة [١٦]: تطويل الركعة الأولى على الثانية</span>.\n• استحب طائفة من أهل العلم تطويل الركعة الأولى على الثانية، ومنهم: الثوري، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، وطائفة من أصحاب الشافعي، واستدلوا بحديث أبي قتادة.\n• وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى أنه لا يطيل سوى الركعة الأولى من الفجر؛ لأنه وقت غفلة، ونوم، ويسوي بين الركعتين في سائر الصلوات.\n• وقال مالك، والشافعي: يسوي بين الركعتين الأوليين في سائر الصلوات.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأفضل ما ذهب إليه أهل القول الأول؛ لحديث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٩٤).","vol":"2","page":452},{"text":"أبي قتادة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-857>مسألة [١٧]: تطويل الركعة الثالثة على الرابعة</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤/ ٤٢٠): الأكثرون على عدم الاستحباب، ومن الشافعية من نقل الاتفاق، ومنهم من حكى لأصحابهم فيه وجهين. اهـ\nقلتُ: الصواب هو عدم الاستحباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>مسألة [١٨]: كيف يصنع الأخرس الذي لا يستطيع القراءة</span>؟\n• ذهب الشافعية إلى أنه يجب عليه أن يحرك لسانه؛ لأنَّ القراءة تتضمن النطق، وتحريك اللسان، فسقط ما عجز عنه، ووجب ما قدر عليه، وذهب إلى هذا القاضي أبو يعلى من الحنابلة.\n• وذهب جمهور الحنابلة إلى أنه لا يجب عليه تحريك لسانه، بل يجب عليه القيام بقدر الفاتحة فحسب.\nوهذا القول هو الصواب؛ لأنَّه لا فائدة من تحريك لسانه، وهو ترجيح شيخ الإسلام وابن القيم، وابن رجب، وانظر ما تقدم عند تكبيرة الإحرام من العاجز، والأخرس. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ٤١٨ - ٤١٩).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٣/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، «الإنصاف» (٢/ ٤٩ - ٥٠).","vol":"2","page":453},{"text":"٢٧٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: كُنَّا نَحْزِرُ قِيَامَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ: ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ (^١) قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي الأُولَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ عَلَى قَدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَالأُخْرَيَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\n٢٧٩ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: كَانَ فُلَانٌ يُطِيلُ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ العَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ وَفِي العِشَاءِ بِوَسَطِهِ وَفِي الصُّبْحِ بِطِوَالِهِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا صَلَّيْت وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ هَذَا. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. (^٣)\n\n٢٨٠ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-859>مسألة [١]: حزب المفصل وتعيينه</span>.\n• سمي حزب المفصل بهذا الاسم؛ لكثرة الفصول فيه بين سوره، واختلف أهل العلم من أين يبدأ حزب المفَصَّل، والجمهور على أنه يبدأ من [ق] أو [الحجرات]، واتفقوا على أنه ينتهي بسورة [الناس].\n_________\n(^١) في (أ): (الآخرتين).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٤٥٢).\n(^٣) حسن. أخرجه النسائي (٢/ ١٦٧ - ١٦٨)، بإسناد حسن على شرط مسلم.\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٦٥)، ومسلم (٤٦٣).","vol":"2","page":454},{"text":"• واختلفوا في تعيين طواله وقصاره ووسطه:\nفالمشهور عند الحنفية: أن طواله من [الحجرات] إلى [البروج]، ووسطه من [البروج] إلى [البينة]، وقصاره من [البينة] إلى سورة [الناس].\nوالمشهور عند المالكية: أن طواله من [الحجرات] إلى [النازعات]، ووسطه إلى [الضحى]، وقصاره إلى [الناس].\nوالمشهور عند الشافعية: أن طواله من [الحجرات] إلى [عم]، ووسطه إلى [الضحى]، وقصاره إلى [الناس].\nوالمشهور عند الحنابلة: أن طواله من [ق] إلى [عم]، ووسطه إلى [الضحى]، وقصاره إلى [الناس].\nقلتُ: جاء في تعيين حزب المفصل حديث ضعيف، وهو:\nما أخرجه أحمد (١٦١٦٦)، وأبو داود (١٣٩٣)، وابن ماجه (١٣٤٥) وغيرهم من طرق عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده أوس بن حذيفة، قال: كنت في الوفد الذين أتوا النبي - ﷺ - أسلموا من ثقيف، من بني مالك، أنزلنا في قبة له، فكان يختلف إلينا بين بيوته، وبين المسجد، فإذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلينا، ولا نبرح حتى يحدثنا، ويشتكي قريشا، ويشتكي أهل مكة، ثم يقول: «لا سواء، كنا بمكة مستذلين، ومستضعفين، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب علينا، ولنا» فمكث","vol":"2","page":455},{"text":"عنا ليلة لم يأتنا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء، قال: قلنا: ما أمكثك عنا يا رسول الله؟ قال: «طرأ علي حزب من القرآن، فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه» قال: فسألنا أصحاب رسول الله - ﷺ - حين أصبحنا، قال: قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من قاف حتى يختم.\nوهذا إسنادٌ ضعيف؛ لضعف عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، وجهالة حال عثمان بن عبد الله بن أوس.\nقلتُ: والحديث وإن كان ضعيفًا؛ إلا أن أكثر أهل العلم أخذوا بالتحديد الوارد فيه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-860>مسألة [٢]: القراءة في صلاة الظهر</span>.\n• ذهب إسحاق، وطائفة من الحنابلة إلى أنه يقرأ بوسط المفصل؛ لحديث جابر بن سمرة في «صحيح مسلم» (٤٦٠): كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقرأ في الظهر بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك، وأخرج الترمذي (٣٠٧) عن جابر بن سمرة بإسناد حسن، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقرأ في الظهر، والعصر بـ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، وشبههما.\nوأخرج البزار كما في «كشف الأستار» (٤٨٢) من حديث أنس بإسناد\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٤٢)، و«الفواكه الدواني» (١/ ٤٦١)، و«تحفة المحتاج في شرح المنهاج» (٢/ ٥٥)، «الموسوعة الكويتية» (٣٣/ ٤٨).","vol":"2","page":456},{"text":"صحيح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقرأ في الظهر، والعصر بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وهذان الحديثان في «الجامع الصحيح» لشيخنا -﵀- (٢/ ١٠٣ - ١٠٤).\n• وذهب جماعة إلى أنه يقرأ بطوال المفصل، وهو قول الثوري، والشافعية، وبعض الحنابلة، واستدلوا بحديث أبي سعيد، وأبي هريرة -﵄-، اللَّذَيْنِ في الباب، وبحديث البراء بن عازب عند النسائي (٢/ ١٦٣)، قال: كُنَّا نصلي خلف النبي - ﷺ - الظهر، فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان، والذاريات.\n• وقد استحب بعض أهل العلم القراءة بقدر ثلاثين آية، وهم النخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: والخلاف في المسألة إنما هو في الأفضل.\nوالظاهر أنَّ الأفضل أن يُعمل بهذا تارة، وبذاك أخرى، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>مسألة [٣]: القراءة في العصر</span>.\n• ذهب أحمد إلى أنه يجعلها على النصف من الظهر، ودليله حديث أبي سعيد -﵁-، الذي في الباب.\n• وذهب الشافعية إلى أنه يقرأ بوسط المفصل، واستدلوا بالأحاديث المتقدمة في المسألة السابقة.\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٧٥٩).","vol":"2","page":457},{"text":"• وذهب النخعي، والثوري، وإسحاق إلى أنه يقرأ بقصار المفصل.\nوالراجح ما ذهب إليه أحمد، والشافعي. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-862>مسألة [٤]: القراءة في المغرب</span>.\n• قال ابن رجب -﵀-: وذهب أكثر العلماء إلى استحباب تقصير الصلاة في المغرب، وحكى الترمذي أنَّ العمل عند أهل العلم على القراءة في المغرب بقصار المفصل، وهذا يُشعر بحكاية الإجماع عليه، وممن استحب ذلك: ابن المبارك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وقال: كانوا يستحبون ذلك. انتهى بتصرف.\nقلتُ: ويدل على هذا حديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب، وحديث رافع بن خديج في «الصحيحين»، قال: كُنَّا نصلي المغرب مع النبي - ﷺ -، ثم ينصرف أحدنا، وإنه ليبصر مواقع نبله. (^٢)\n• وقد ذهبت طائفة إلى استحباب تطويلها، واستدلوا بحديث زيد بن ثابت في «البخاري» (٧٦٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قرأ فيها بَطُولَى الطُّولَيين. يعني الأعراف، وبحديث جبير بن مطعم الذي في الباب، وبحديث أم الفضل في «الصحيحين» (^٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قرأ فيها بالمرسلات.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأفضل في المغرب أن يُقَصِّرَ القراءة فيها، ولا\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ٤٢٤).\n(^٢) تقدم في الكتاب برقم (١٥٠).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٧٦٣)، ومسلم برقم (٤٦٢).","vol":"2","page":458},{"text":"بأس بالتطويل أحيانًا.\nوقد نصَّ على ذلك الشافعي، وأحمد، ولكن ينبغي أن لا يشقَّ على المأمومين بذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>مسألة [٥]: القراءة في العشاء</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب القراءة فيها بوسط المفصل.\nودليلهم حديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب، وحديث معاذ -﵁-: «إذا أممت الناس؛ فاقرأ بـ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾.\n• وذهب النخعي، وإسحاق إلى أنها تكون مثل الظهر.\nوالصواب قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>مسألة [٦]: القراءة في الفجر</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب القراءة في الفجر بطوال المفصل، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nودليلهم حديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب، وحديث أبي برزة -﵁- في «الصحيحين» (^٣): وكان يقرأ بالستين إلى المائة. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ٤٢٩ - ٤٣١، ٤٣٥).\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩)، رقم (٧٦٩).\n(^٣) تقدم في الكتاب برقم (١٤٧).\n(^٤) وانظر: «الفتح» (٤/ ٤٥٦ - ٤٥٧).","vol":"2","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-865>مسألة [٧]: قراءة سورة تامة</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٧٥٩): والأفضل القراءة بسورة تامة بالاتفاق. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>مسألة [٨]: القراءة ببعض السورة من أولها، أو آخرها، أو وسطها</span>.\n• قال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤/ ٤٦٥): وأكثر العلماء على أنه لا يُكره قراءة أوائل السُّوَر، وأوساطها، وخواتيمها في الصلاة، وعن أحمد أنه يكره القراءة من أوساط السور دون خواتيمها، وعنه أنه يكره القراءة من أواخر السور، ومن أصحابه من حملها على كراهة المداومة. اهـ\nقلتُ: الصواب قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>مسألة [٩]: الجمع بين السورتين في ركعة</span>.\n• قال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤/ ٤٧١): وأكثر العلماء على أنه لا يُكره الجمع بين السور في الصلاة المفروضة، ورُوي فعله عن عمر، وابن عمر (^١)، وعمر بن عبد العزيز، وعلقمة، وهو قول قتادة، والنخعي، ومالك، وعن أحمد في كراهته روايتان، وكرهه أصحاب أبي حنيفة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور؛ للأدلة السابقة آنفًا.\n_________\n(^١) لم أجد أثر عمر، وأما أثر ابن عمر فأخرجه عبدالرزاق (٢/ ١٤٨ -)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٦٨) من طرق صحيحة.","vol":"2","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-868>مسألة [١٠]: ترداد السورة في الركعتين</span>.\nأخرج أبو داود (٨١٦) عن رجلٍ من جهينة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى بهم الفجر، فقرأ: «﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾» في الركعتين كلتيهما، وقد نصَّ أحمد على جواز ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>مسألة [١١]: قراءة القرآن على غير ترتيب المصحف</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤/ ٤٦٨): الأكثرون على أنَّ ذلك غير مكروه، وعن أحمد رواية أنه يُكره إنْ تعمد ذلك. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، ويدل عليه حديث حذيفة ابن اليمان في «صحيح مسلم» (٧٧٢): أنه صلَّى مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلاة الليل، فقرأ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سورة البقرة، ثم سورة النساء، ثم آل عمران.\n_________\n(^١) «الفتح» (٤/ ٤٦٩) لابن رجب.","vol":"2","page":461},{"text":"٢٨١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ، وَهَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٢٨٢ - وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: يُدِيمُ ذَلِكَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-870>مسألة [١]: حكم قراءة هاتين السورتين في فجر يوم الجمعة</span>.\n• قال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٨٩١): وقد اختلف العلماء في قراءة سورةٍ معينةٍ في صلاةٍ معينةٍ، فكرهته طائفة، وحُكي عن أبي حنيفة، ومالك، ولم يكرهه الأكثرون، بل استحبوا منه ما رُوي عن النبي - ﷺ -.\n• وممن استحب قراءة سورة ﴿الم﴾ [سورة السجدة] و: ﴿هَلْ أَتَى﴾ في صلاة الفجر يوم الجمعة: الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو خيثمة، وابن أبي شيبة، وسليمان بن داود الهاشمي، والجوزجاني، وغيرهم من فقهاء الحديث،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٩١)، ومسلم (٨٨٠).\n(^٢) ضعيف. أخرجه الطبراني في «الصغير» (٩٨٦) من طريق عمرو بن قيس الملائي عن أبي الأحوص عن ابن مسعود به. وفي الطريق إلى عمرو مَن لم توجد له ترجمة.\nوقد أخرجه ابن ماجه (٨٢٤)، بإسناد ظاهره الصحة من نفس الوجه، بدون قوله (يديم ذلك) ومع ذلك فهو معل؛ فإن الراجح في حديث ابن مسعود أنه من مراسيل أبي الأحوص، فقد رواه الناس عن أبي الأحوص مرسلًا، وقد رجح ذلك البخاري وأبوحاتم والدارقطني.\nانظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١/ ٢٠٤)، و«العلل» للدارقطني (٩٢٣)، و«العلل الكبير» (١/ ٢٧٩).","vol":"2","page":462},{"text":"وهذا هو المروي عن الصحابة، منهم: عليٌّ، وابن عباسٍ، وأبو هريرة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>مسألة [٢]: هل يُستحبُّ المداومة في قراءتهما</span>؟\n• قال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٨٩١): ثم اختلفوا: هل يستحب المداومة على ذلك في كل جمعةٍ؟ فقال بعضهم: لا يستحب ذلك، بل يستحب فعله أحيانًا، وهو قول الثوري، وأحمد -في المشهور عنه-، وإسحاق، وعَلَّلا بأنه يُخشى من المداومة عليه اعتقاد الجهال وجوبه، وأن صلاة الفجر يوم الجمعة فيها زيادة سجدة، أو أنها ثلاث ركعات، ونحو ذلك مما قد يتخيله بعض من هو مفرطٌ في الجهل.\n• وقال الأكثرون: بل يستحب المداومة عليه، وهو قول الشافعي، وسائر من سَمَّيْنَا قوله، وهو ظاهر ما نقله إسماعيل بن سعيدٍ الشالنجي عن أحمد؛ فإنه قالَ: سألته عن القراءة في الفجر يوم الجمعة؟ فقال: نراه حسنًا، أن تقرأ: ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾ [السجدة:١ - ٢]، و: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان:١]، ورجحه بعض أصحابنا، وهو الأظهر.\nوكان السلف يداومون، قال الأعرج: كان مروان، وأبو هريرة يقرءان في صلاة الصبح بـ: ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾، و: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ في كل جمعة.\nوقال الشعبي: ما شهدت ابن عباسٍ قرأ يوم الجمعة إلا ﴿تَنْزِيلُ﴾، و: ﴿هَلْ","vol":"2","page":463},{"text":"أَتَى﴾ [الإنسان:١].\nخرَّجه ابن أبي شيبة، واعتقاد فرضية ذلك بعيدٌ جدًّا، فلا يترك لأجله السنة الصحيحة، واتباع عمل الصحابة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٤٠ - ١٤١)، وفي إسناده: جابر بن يزيد الجعفي، وهو كذاب.\nوالأظهر في هذه المسألة هو استحباب المداومة على ذلك؛ لظاهر حديث أبي هريرة؛ إلا أنْ يحصل مشقة على المأمومين فيترك، والله أعلم.","vol":"2","page":464},{"text":"٢٨٣ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ -﵁- قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَمَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا يَسْأَلُ، وَلَا آيَةُ عَذَابٍ إلَّا تَعَوَّذَ مِنْهَا. أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>مسألة [١]: سؤال الرحمة، والاستعاذة من العذاب أثناء القراءة</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٦٦ - ٦٧): قال الشافعي، وأصحابنا: يُسَنُّ للقارئ في الصلاة، وخارجها إذا مرَّ بآية رحمة أن يسأل الله تعالى الرحمة، أو آية عذاب أن يستعيذ به من العذاب، أو بآية تسبيح أن يُسَبِّحَ.\nقال: وكل هذا يُستحب لكل قارئ في صلاته، أو غيرها، سواء صلاة الفرض، والنفل، والمأموم، والإمام، والمنفرد؛ لأنه دعاء، فاستووا فيه كالتأمين، ودليل هذه المسألة حديث حذيفة .... ثم ذكر حديث الباب، وعن عوف بن مالك -﵁- قال: قمت مع رسول الله - ﷺ - ليلة، فقام، فقرأ سورة البقرة، ولا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوَّذ، ثم ركع ...، الحديث رواه أبو داود، والنسائي (^٢)، ثم نقل النووي عن الحنفية كراهة ذلك، وردَّ عليهم بمخالفتهم للأدلة، ولجمهور العلماء. انتهى.\nقلتُ: ومذهب الحنابلة استحباب ذلك في النافلة دون الفريضة؛ لأنَّ الأدلة\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٣٨٢)، وأبوداود (٨٧١)، والنسائي (٢/ ١٧٦)، والترمذي (٢٦٢)، وابن ماجه (١٣٥١)، وإسناده صحيح وأصله في مسلم برقم (٧٧٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود برقم (٨٧٣)، والنسائي (٢/ ١٩١)، وإسناده حسن.","vol":"2","page":465},{"text":"جاءت في النافلة، وهذا اختيار الصنعاني، وهو الصواب. (^١)\n\n٢٨٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَلَا وَإِنِّي نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\n٢٨٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَك اللهُمَّ [رَبَّنَا] (^٣) وَبِحَمْدِك، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>مسألة [١]: حكم أذكار الركوع، والسجود</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: الاستحباب، وهو قول جمهور العلماء، ومنهم: الشافعي، ومالك، والثوري، وغيرهم، واستدل هؤلاء بحديث المسيء في صلاته؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُعَلِّمْهُ ذلك.\nالثاني: الوجوب، وهو قول أحمد، وإسحاق، قالوا: فإنْ تركه عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا وجب عليه أنْ يجبره بسجود السهو.\nالثالث: ركنٌ لا يسقط في عمدٍ، ولا سهوٍ، حُكي رواية عن أحمد، وهو قول\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٣٩).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٤٧٩).\n(^٣) زيادة من «الصحيحين».\n(^٤) أخرجه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤).","vol":"2","page":466},{"text":"داود، ورجَّحه الخطابي، وهو قول يحيى بن يحيى، وعلي بن دينار، من أئمة المالكية، ويُستدل لهم بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الصلاة: «إنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن»، وكذلك سمَّى الله الصلاة تسبيحًا كما سماها قرآنًا، فدلَّ على أنَّ الصلاة لا تخلوا عن القرآن، والتسبيح.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب إلى الصواب هو القول الثاني؛ لحديث ابن عباس الذي في الباب، ولحديث: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلي»، ولم نَقُلْ بالقول الثالث؛ لأنه قد وردَ في «الصحيحين» (^١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نسي التشهد الأول، وتكبيرة الانتقال، وجبر ذلك بسجدتي السهو، والتكبير والتسبيح جنسهم واحد، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-874>مسألة [٢]: ما هو الذي يجزئ عن الوجوب</span>؟\n• قال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٦٥): وعلى القول بالوجوب، فقال أصحابنا: الواجب في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، لا يجزئ غير ذلك. وقال إسحاق: يجزئ كل ما رُوي عن النبي - ﷺ - من تسبيح، وذكر، ودعاء، وثناء.\nقال ابن رجب -﵀-: وهو قياس مذهبنا في جواز جميع أنواع الاستفتاحات، والتشهدات الواردة في الصلاة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول إسحاق هو الصواب، والله أعلم.\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٣٢٠).\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٥/ ٦٤ - ٦٥) رقم (٧٩٤)، «المجموع» (٣/ ٤١٤).","vol":"2","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-875>مسألة [٣]: الدعاء في الركوع</span>.\nدلَّ حديث عائشة الذي في الباب على استحبابه، وبوب عليه البخاري في «صحيحه»: [باب الدعاء في الركوع]، وهو قول أكثر العلماء، وقال مالك: يُكره الدعاء في الركوع دون السجود؛ لحديث ابن عباس الذي في الباب.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأصل في الركوع هو الثناء، والتعظيم، ولا بأس بالدعاء بما ورد في حديث عائشة -﵂-، بل يُستحبُّ كما قال الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-876>مسألة [٤]: قراءة القرآن في الركوع، والسجود</span>.\nدلَّ الحديث الذي في الباب -أعني حديث ابن عباس -﵄- - على النهي عن ذلك، ومثله حديث علي -﵁- في «صحيح مسلم» (٤٨٠)، قال: نهاني رسول الله - ﷺ - أنْ أقرأ القرآن راكعًا، أو ساجدًا.\nوذهب أكثر العلماء إلى كراهية القراءة في الركوع، والسجود، ومنهم من حكاه إجماعًا.\nوهل الكراهة للتحريم، أو للتنزيه؟\n• فيه خلاف، وحكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز.\n• ومذهب الشافعي، وأكثر الحنابلة أنه مكروه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو التحريم؛ لأنه هو الأصل في النهي.\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٧٩٤).","vol":"2","page":468},{"text":"قال ابن رجب -﵀-: وهل تبطل به الصلاة، أو لا؟ فيه وجهان لأصحابنا، والأكثرون على أنها لا تبطل بذلك، وللشافعية وجهٌ: إنْ قرأ بالفاتحة خاصَّة بطلت صلاته؛ لأنه نقل ركنًا إلى غير موضعه. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» لابن رجب (٤/ ٦٩).","vol":"2","page":469},{"text":"٢٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: «رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ» ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ اثْنَتَيْنِ (^١) بَعْدَ الجُلُوسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>مسألة [١]: حكم تكبيرات الانتقال</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ تكبيرات الانتقال سُنَّةٌ لا تبطل الصلاة بتركها عمدًا، ولا سهوًا، وحجتهم في ذلك أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر المسيء في صلاته بها.\n• وذهب الإمام أحمد، وإسحاق، إلى أنَّ هذه التكبيرات واجبة، من تركها عمدًا بطلت صلاته، ومن تركها سهوًا؛ فلا شيء عليه، ويسجد للسهو، واستدلوا على الوجوب بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلي»، وبأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرَ بها المسيء في صلاته كما في «سنن أبي داود» (٨٥٧)، والنسائي (٢/ ٢٢٥)، وغيرهما من حديث رفاعة بن رافع، وإسناده صحيح، واستدل الإمام أحمد لسقوطه بالسهو بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نسي التشهد الأول؛ فأتم صلاته، وسجد للسهو، وقد ترك بتركه التشهد التكبيرة للجلوس له؛ فدل على أنها تسقط بالسهو، ويُجبرُ بالسجود له.\n_________\n(^١) في (أ): (الثنتين).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٨٩)، ومسلم (٣٩٢) (٢٨).","vol":"2","page":470},{"text":"وقد حُكي عن أحمد رواية أنَّ هذه التكبيرات من فروض الصلاة لا تسقط الصلاة بتركها عمدًا، ولا سهوًا، وحُكي عنه رواية أخرى أنها فرضٌ في حقِّ غير المأموم، وأما المأموم فتسقط عنه بالسهو.\nقال أبو عبدالله غفرالله له: الصواب ما ذهب إليه أحمد وإسحاق والله أعلم. (^١)\nتنبيه: الحُكْمُ السَّابق يشمل الإمام، والمأموم، والمنفرد، ويشمل قول: «سمع الله لمن حمده» بدل التكبير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>مسألة [٢]: جمع الإمام بين التسميع والتحميد</span>.\n• دلَّ حديث الباب على أنَّ الإمام يجمع بين التسميع، والتحميد، وهو قول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد.\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة، إلى أنَّ الإمام يقتصر على التسميع، والمأموم على التحميد؛ لحديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^٢) مرفوعًا: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم، ربنا ولك الحمد؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^٣)\nتنبيه: حكم المنفرد في هذه المسألة المذكورة كحكم الإمام.\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٧٨٤)، «المجموع» (٣/ ٣٩٧).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٧٩٦)، ومسلم برقم (٤٠٩).\n(^٣) وانظر: «الفتح» (٧٩٦).","vol":"2","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-879>مسألة [٣]: هل يقول المأموم: سمع الله لمن حمده، أم يقتصر على التحميد</span>؟\n• ذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، إلى أنَّ المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده. بل يقتصر على قوله: ربنا ولك الحمد؛ لحديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^١): «وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا، ولك الحمد»، ومثله حديث أبي موسى -﵁- في «صحيح مسلم» (٤٠٤)، وجاء عن غيرهما.\n• وذهب عطاء، وأبو بردة، وابن سيرين، والشافعي، وإسحاق، إلى أنَّ المأموم يجمع بين التسميع، والتحميد؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلي».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مقام التعليم، لم يأمرهم إلا أن يقولوا: «ربنا لك الحمد»، ولم يأمرهم بأكثر من ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-880>مسألة [٤]: كيفية التحميد</span>.\nله أربع كيفيات، كلها في «الصحيحين»، أو أحدهما، وهي: «ربنا لك الحمد»، «ربنا، ولك الحمد»، وبزيادة: «اللهم» في الصِّيغتين، وكله جائزٌ، وأفضله عند مالك، وأحمد بزيادة الواو، وذهب الثوري، والكوفيون إلى أنَّ الأفضل بدون الواو.\nوالراجح القول الأول؛ لأنَّ زيادة الواو تتضمن معطوفًا محذوفًا، تقديره:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٧٩٦)، ومسلم برقم (٤١٥).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (٧٩٦) لابن رجب.","vol":"2","page":472},{"text":"(ربنا حمدناك، ولك الحمد)، أو نحو ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>مسألة [٥]: موضع قول: ربنا ولك الحمد، وقول: سمع الله لمن حمده</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٨٩): وَمَوْضِعُ قَوْلِ: «رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمنْفَرِدِ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ رَفْعِهِ يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ قَوْلُ: «سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ»، فَأَمَّا الْمأْمُومُ فَفِي حَالِ رَفْعِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» يَقْتَضِي تَعْقِيبَ قَوْلِ الْإِمَامِ قَوْلَ الْمَأْمُومِ، وَالْمَأْمُومُ يَأْخُذُ فِي الرَّفْعِ عَقِيبَ قَوْلِ الْإِمَامِ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ حِينَئِذٍ، وَاَلله أَعْلَمُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>مسألة [٦]: محل تكبيرات الانتقال</span>.\n• ظاهر حديث أبي هريرة يدلُّ على أنَّ تكبيرات الانتقال تُقال عند الانتقال من الرُّكن السَّابق، وقبل الدخول في الرُّكن الذي بعده، وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، وغيرهم.\nوفي «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٥٥): حدثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، قال: كان عبد الله بن يزيد الخطمي إذا رفع رأسه من الركعة هوى بالتكبيرة، فكأنه في أرجوحة حتى يسجد.\nحدثنا يعلى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: كان عمر إذا رفع رأسه من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، قبل أن يقيم ظهره، وإذا كبر\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٧٩٦)، «المغني» (٢/ ١٨٨).","vol":"2","page":473},{"text":"كبر وهو منحط.\nحدثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: كبر وأنت تهوي، وأنت تركع. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: هذا إسانيد صحيحة، رجالها ثقات.","vol":"2","page":474},{"text":"٢٨٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nهذه الزيادة في هذا الحديث على قوله: «ربنا لك الحمد» مستحبة، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد.\nوقد ذهب أكثر الحنابلة إلى أنَّ المأموم لا يزيد على قوله: «ربنا ولك الحمد»؛ لأنه مأمورٌ بها في قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد»؛ فدلَّ على أنه لا يُشرع في حقِّهم سواه.\nوالصواب القول الأول، وهو الاستحباب في حقِّ الإمام، والمأموم، والمنفرد؛ لأنَّه ذِكْرٌ مشروع في الصلاة أشبه سائر الأذكار، وهو مذهب إسحاق أيضًا. (^٢)\nتنبيه: للركوع، والسجود، والاعتدال من الركوع أذكار متعددة وردت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- راجعها في «صفة الصلاة» للعلامة محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى-.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٤٧٧) وليس عنده لفظ «اللهم» في أوله.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ١٨٩)، «فتح الباري» لابن رجب (٧٩٨).","vol":"2","page":475},{"text":"٢٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ- وَاليَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-883>مسألة [١]: حكم السجود على الأعضاء السبعة</span>.\nلا خلاف في أنَّ السجود على هذه الأعضاء هو السجود الكامل.\n• واختلفوا في الواجب من ذلك على قولين:\nالأول: يجب السجود على جميعها، وهو أحد القولين للشافعي، ورجَّحه كثير من أصحابه، والصحيح المشهور عن أحمد، وعليه أصحابه وأكثرهم لم يَحْكِ عنه خلافًا، وهو قول مالك، وإسحاق، وزُفَر، وحُكِي عن طاوس، واستدلوا بحديث ابن عباس -﵄-، الذي في الباب، والأمر للوجوب.\nالثاني: إنما يجب بالجبهة فقط، ولا يجب بغيرها، وهو القول الثاني للشافعي، وحُكي رواية عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة، وصاحبيه، واحتجوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «سجد وجهي ...».\nوهذا يدل على أنَّ السجود على الوجه، ولأنَّ الساجد على الوجه يُسمى ساجدًا، وإذا وضع غير الوجه على الأرض لا يُسمى بذلك ساجدًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠) (٢٣٠).","vol":"2","page":476},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لدلالة الحديث عليه، وأما حديث: «سجد وجهي ...».\nفسجود الوجه لا ينافي سجود ما عداه، وإنما أضاف السجود إليه؛ لأنَّه أشرف الأعضاء السبعة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-884>مسألة [٢]: حكم السجود على الأنف</span>.\n• في حديث الباب: «أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة»، وأشار بيده إلى أنفه، ولمسلم في رواية: «الجبهة والأنف»، فاستدل بهذا وذاك من يقول: يجب السجود على الأنف مع الجبهة.\nوهو قول مالك، وأحمد في رواية عنهما، وإسحاق، وأبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وحُكي قولًا للشافعي.\nوجاء في المسألة حديث صريح عن ابن عباس -﵄- عند الدارقطني (١/ ٣٤٨)، والحاكم (١/ ٢٧٠)، مرفوعًا: «لا تُقبل صلاة لا يمس فيها الأنف ما يمس الجبين».\nولكن الصواب في هذا الحديث أنه من مراسيل عكرمة، صوَّبَ ذلك أبوداود، والترمذي، والدارقطني، وغيرهم.\nقال ابن رجب: ورُوي معناه عن طاوس، والنخعي، وسعيد بن جبير.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ١٩٤ -)، «الفتح» لابن رجب (٥/ ١١٤ - ١١٥) (٨٠٩).","vol":"2","page":477},{"text":"وقد جاء عن ابن عباس -﵄-، كما في «سنن البيهقي» (٢/ ١٠٤)، أنه قال: «إذا سجد أحدكم؛ فليضع أنفه على الأرض؛ فإنكم قد أُمرتم بذلك».اهـ\nوهو من طريق سماك عن عكرمة، وقد أعله الترمذي بالإرسال.\n• وذهب كثير من العلماء إلى أنَّ السجود على الأنف مستحبٌّ غير واجب، ورُوي عن الحسن، والشعبي، والقاسم، وسالم، وهو قول الشافعي، وسفيان،، ومالك، وأحمد في الرواية الثانية عنهما.\nوحَمَلَ من قال بذلك حديث ابن عباس -﵄- على الاستحباب دون الوجوب، وقالوا: لأنه عدَّ الأعضاء المأمور بالسجود عليها سبعًا، ولو كان الأنف معها؛ لكانت ثمانيًا.\nواستدلوا بحديث جابر -﵁- كما في «فوائد تمَّام» (٣٤٠)، قال: رأيت النبي - ﷺ - سجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر.\nوهو حديث ضعيفٌ؛ في إسناده: أبو بكر بن أبي مريم، وهو شديد الضعف.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب في المسألة هو القول الأول، وجعلها سبعة أعضاء باعتبار أنَّ الأنف، والجبهة كالعضو الواحد؛ لاتصاله به، وعدم وجود الفاصل بينهما، والله أعلم.\nوقد رجَّح هذا القول الإمام الشوكاني -﵀-، فقال: وبهذا البيان يتضح لك أنَّ رواية ذكر الجبهة مع الإشارة إلى الأنف لبيان أنَّ السجود على الجبهة لا يكون","vol":"2","page":478},{"text":"تامًّا، كاملًا؛ إلا بوضع الأنف معها، ومع هذا فقد أغنانا عن ذلك ذكرهما معًا في الأحاديث كما أشرنا إليه، وقد اجتمع في السجود على الجبهة، والأنف البيان للسجود المأمور به في القرآن المعلوم وجوبه بالضرورة الشرعية بالقول والفعل، فكان ذلك كافيًا في فرضية السجود على تلك الأعضاء من غير انضمام أمر الأمة بذلك، فكيف وقد ثبت كما ذكرناه لك. اهـ «السَّيل» (١/ ٢١٧). (^١)\nتنبيه: قال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ١١٨): ولو اقتصر على السجود على أنفه دون جبهته؛ لم يجزئه عند أحد من العلماء ممن أوجب السجود على الأنف غير أبي حنيفة، وهي رواية عن الثوري، رواها عنه حسَّان بن إبراهيم. اهـ\nقال ابن المنذر -﵀- كما في «المغني» (٢/ ١٩٧): لا أعلم أحدًا سبقه إلى هذا القول. يعني أبا حنيفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-885>مسألة [٣]: مباشرة الساجد بأعضائه الأرض</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب مباشرته بأعضائه الأرض.\nوكرهوا أن يفصل بين جبهته، أو أنفه، أو يديه فاصل متصل بالمصلي، قالوا: وإذا فعله؛ فصلاته صحيحة، مجزئة، وَتَرَكَ الأفضلَ. وأجازوه بوجود العذر.\n• بينما ذهب الشافعي إلى أنه لا يجزئه أن يسجد على كور عمامته، ولا على طرف ثوبه المتصل به، حتى يكشف عن بعض محل سجوده، وهو قول له في\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ١٩٦)، «الفتح» (٥/ ١١٨ -) لابن رجب.","vol":"2","page":479},{"text":"اليدين أيضًا، والأصح عنه أنه يجوز في اليدين.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح قول الجمهور؛ قياسًا على الخُفين، والركبتين، وعلى القفازين، وقد علَّق البخاري في «صحيحه» عن الحسن، أنه قال: كان القوم يسجدون على العمامة، والقلنسوة، ويداه في كُمِّه.\nثم استدل بحديث أنس بن مالك -﵁-، قال: كُنَّا نصلي مع النبي - ﷺ -، فيضع أحدنا طرف الثوب من شِدَّة الحر في مكان السجود، فيسجد عليه.\nوهو في «صحيح مسلم» أيضًا برقم (٦٢٠). (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ١٩٧)، «الفتح» لابن رجب (٢/ ٢٦٦ -).","vol":"2","page":480},{"text":"٢٨٩ - وَعَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: كَانَ إذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٢٩٠ - وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -﵄-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>مسألة [١]: حكم التفريج بين اليدين في السجود</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٨٠٧): وفي استحباب التجافي في السجود أحاديث كثيرة، لم يخرج البخاري منها غير هذا -يعني حديث ابن بحينة- والقول باستحبابه قول جمهور العلماء، وذكر الترمذي أن العمل عندهم عليه، وهذا يشعر بأنه إجماع منهم.\nثم قال ابن رجب -﵀-: فان أطال السجود ولحقته مشقة بالتفريج، فله أن يعتمد بمرفقيه على ركبتيه، وقد روى ابن عجلان، عن سُمَي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: اشتكى أصحاب رسول الله - ﷺ - مَشَقَّةَ السجود عليهم إذا تفرجوا، فقال: «استعينوا بالركب» خَرَّجَه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وهذا لفظه، وابن حبان في «صحيحه» والحاكم (^٣)، ورواه الثوري، وابن عيينة، وغيرهما، عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٠٧)، ومسلم (٤٩٥).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٤٩٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٩ -)، وأبو داود (٩٠٢)، والترمذي (٢٨٦)، وابن حبان (١٩١٨)، والحاكم (١/ ٢٢٩).","vol":"2","page":481},{"text":"سُمَي، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، والمرسل أصح عند البخاري وأبي حاتم الرازي والترمذي والدارقطني وغيرهم، ورخص فيه عمر بن عبد العزيز والأوزاعي ومالك في النافلة، وكذلك قال بعض أصحابنا، وأصحاب الشافعي، والمنصوص عن أحمد في رواية حرب أنه لا يفعل، بل يجافي، ومتى كان التجافي يَضُرُّ بمن يليه في الصف للزحام؛ فإنه يضم إليه من جناحه، قاله الأوزاعي. انتهى المراد بتصرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-887>مسألة [٢]: رفع المرفقين عن الأرض في السجود</span>.\nأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- -كما في حديث البراء -﵁- - برفع المرفقين، وعليه فيجب على الساجد أن يرفع مرفقيه عن الأرض، ولا يضعهما على الأرض؛ فإنَّ ذلك من فعل بعض السباع.\nوفي «الصحيحين» عن أنس -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب».\nوقد تقدم الكلام على ذلك عند حديث عائشة -﵂- المتقدم برقم (٢٦٥).","vol":"2","page":482},{"text":"٢٩١ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: كَانَ إذَا رَكَعَ فَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ. رَوَاهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>مسألة [١]: كيفية وضع الأصابع في الركوع والسجود</span>.\nدلَّ حديث الباب على أنَّ المصلي يُفرِّج أصابعه في الركوع، ويضمها، ويبسطها في السجود، وقد استحب ذلك أهل العلم كما في «المغني»، و«شرح المهذب»، وتقدم أنَّ الحديثَ ضعيفٌ.\nوقد جاء التفريج بين الأصابع في الركوع في حديث أبي حميد عند أبي داود (٧٣١)، والبيهقي (٢/ ٨٤)، وفي إسناده: ابن لهيعة، وهو ضعيفٌ، مختلطٌ.\nوجاء من طريق أخرى عند أبي داود (٧٣٤)، والبيهقي أيضًا (٢/ ٨٥) بلفظ: كأنه قابضٌ عليها.\nوفي إسناده: فُليح بن سليمان، وجاء في حديث المسيء في صلاته في «الطبراني»: «فأثبت يديك على ركبتيك».\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الحاكم (١/ ٢٢٤، ٢٢٧) من طريق هشيم بن بشير، عن عاصم بن كليب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه به.\nوإسناده ضعيف؛ لانقطاعه بين هشيم وعاصم. قال أحمد: لم يسمع من عاصم شيئًا. انظر «تهذيب التهذيب» و«جامع التحصيل». والحديث له طرق عند أصحاب «السنن» وغيرهم عن علقمة، وله طرق عن وائل، وليس عندهم هذا اللفظ الذي أخرجه الحاكم وغيره من طريق هشيم.","vol":"2","page":483},{"text":"وهذا اللفظ محتمل، وهو أقرب إلى كونه مُفَرِّجًا بين أصابعه، والله أعلم.\nوأما في السجود؛ فقد أخرج ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٤)، بإسناد صحيح عن ابن عمر -﵄-، أنه قال: إذا سجد أحدكم؛ فليستقبل القبلة بيديه؛ فإنهما يسجدان مع الوجه.\nوأخرج ذلك أيضًا عن الحسن، وابن سيرين، وسالم، والقاسم، وغيرهم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٠١)، «المجموع» (٣/ ٤٣١).","vol":"2","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-889>فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>مسألة [١]: موضع اليدين في السجود</span>.\nجاء في حديث أبي حُميد في «سنن أبي داود» (٧٣٤)، وغيره: «ووضع كفيه حذو منكبيه».\nوهذه الرواية من طريق: فُليح بن سليمان، وهو ضعيفٌ.\nوهذه الرواية اعتمدها الحنابلة، والشافعية، واستحبوا وضع اليدين حذو المنكبين في السجود.\nوقد صحَّ في حديث وائل بن حُجر في «صحيح مسلم» (٤٠١): فلما سجد وضع وجهه بين كفيه.\nوفي «سنن النسائي» (٣/ ٣٥): «فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من بين يديه».\nوفي رواية: «قريبتان من أُذُنيه» (^١)، وهذا أولى؛ لصحة الحديث في ذلك، وقد عمل به أحمد، قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله سجد، ويداه بحذاء أُذُنيه. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ٣١٦) بإسناد صحيح، وصححه الإمام الوادعي في «الصحيح المسند» (١١٨٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٢/ ٢٠١)، «المجموع» (٣/ ٤٣١).","vol":"2","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-891>مسألة [٢]: هل يلزمه السجود على جميع العضو، أم يجزئ بعضه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٢٠١ - ٢٠٢): وَالْكَمَالُ فِي السُّجُودِ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ يَضَعَ جَمِيعَ بَطْنِ كَفَّيْهِ، وَأَصَابِعِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَرْفَعَ مِرْفَقَيْهِ؛ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ بَاطِنِهِمَا، أَجْزَأَهُ، قَالَ أَحْمَدُ: إنْ وَضَعَ مِنْ الْيَدَيْنِ بِقَدْرِ الْجَبْهَةِ، أَجْزَأَهُ، وَإِنْ جَعَلَ ظُهُورَ كَفَّيْهِ إلَى الْأَرْضِ، وَسَجَدَ عَلَيْهِمَا، أَوْ سَجَدَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ، فَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ عَلَى الْيَدَيْنِ، وَقَدْ سَجَدَ عَلَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ سَجَدَ عَلَى ظُهُورِ قَدَمَيْهِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ سَجَدَ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، وَلَا يَخْلُو مِنْ إصَابَةِ بَعْضِ أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ الْأَرْضَ، فَيَكُونَ سَاجِدًا عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ الْأَحْسَنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ. اهـ\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ١١٥ - ١١٦) رقم (٨١١): وقال القاضي أبو يعلى: يجزئه أن يضع من يديه وجبهته على الأرض شيئًا، وإنْ قلَّ، ومن أصحابنا من حكى الإجماع على ذلك.\nثم بيَّنَ ابن رجب -﵀- عدم صحة الإجماع، وأنَّ هناك من أوجب السجود على جميع اليدين.\nثم قال: ومذهب الشافعي الذي عليه أكثر أصحابه، ونصَّ عليه في «الأم» أنه لو سجد على بعض جبهته كره، وأجزأه، ولأصحابه وجهٌ: لا يجزئه حتى يسجد على جميع الجبهة. اهـ","vol":"2","page":486},{"text":"٢٩٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا. رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\nسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله- في آخر باب صلاة المسافر، والمريض.\n_________\n(^١) ضعيف معل. أخرجه النسائي (٣/ ٢٢٤)، وابن خزيمة (١٢٣٨)، والحاكم (١/ ٢٥٨، ٢٧٥ - ٢٧٦) من طريق أبي داود الحفري عن حفص عن حميد عن عبدالله بن شقيق عن عائشة -﵂-، به.\nوقد أعل هذا الحديث النسائي والمروزي. قال النسائي عقب الحديث: لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث غير أبي داود الحفري وهو ثقة، ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأً، والله تعالى أعلم. اهـ\nقلتُ: أما التفرد، فلم يتفرد به أبو داود الحفري، فقد تابعه محمد بن سعيد بن الأصبهاني الملقب بـ (حمدان) وهو ثقة، كما في «المستدرك» (١/ ٢٥٨)؛ ولذلك فإن محمد بن نصر جعل الخطأ من حفص بن غياث.\nقال ابن نصر المروزي -﵀- في «قيام الليل» (ص ١٨٤): أخطأ فيه حفص، وحديث الصلاة جالسًا رواه عن حميد عن عبدالله بن شقيق غير واحد، كما رواه الناس عن عبدالله بن شقيق -﵀-، ولا ذكر للتربع فيه ... وانظر كلامه بتمامه في «أحاديث معلة ظاهرها الصحة» للإمام الوادعي رقم (٥١٥).","vol":"2","page":487},{"text":"٢٩٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَاللَّفْظ لِأَبِي دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-892>مسألة [١]: ما يقول بين السجدتين</span>.\nقال ابن رجب -﵀-: رُوي عن أكثر العلماء استحباب ما في حديث ابن عباس -﵄-، منهم: مكحول، والثوري، وأصحاب الشافعي. اهـ\nقلتُ: وقد أخرج ابن ماجه (٨٩٧)، وابن خزيمة (٦٨٤)، وأبو داود (٨٧٤)، والنسائي (٣/ ٢٢٦)، وغيرهم من حديث حذيفة بن اليمان، أنه ذكر صفة صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: ثم رفع، فقال: «رَبِّ اغفِرْ لِي» نحوًا مما سجد، وهو حديث صحيح.\nقال ابن رجب -﵀-: واستحب الإمام أحمد ما في حديث حذيفة؛ فإنه أصح عنده من حديث ابن عباس، وقال: يقول: «رب اغفر لي»، ثلاث مرات، أو ما شاء. ومن أصحابه من قال: يقولها مرتين فقط. ومنهم من قال: يقولها ثلاثًا كتسبيح الركوع والسجود، وحمل حديث حذيفة أنه كان يكرر ذلك؛ فإن في\n_________\n(^١) ضعيف. رواه أبوداود (٨٥٠)، والترمذي (٢٨٤)، وابن ماجه (٨٩٨)، والحاكم (١/ ٢٦٢) وفي إسناده حبيب بن أبي ثابت مدلس وقد عنعن، وفيه كامل بن العلاء أبوالعلاء التميمي، وقد أنكر عليه هذا الحديث كما في «الكامل» لابن عدي، وقد اختلف عليه في وصله وإرساله.","vol":"2","page":488},{"text":"حديثه: أن جلوسه بين السجدتين كان نحوًا من سجوده.\nورُوي عن أكثر العلماء استحباب ما في حديث ابن عباس، منهم: مكحول، والثوري، وأصحاب الشافعي. وقال إسحاق: كله جائز، وعنده: إن قال ما في حديث ابن عباس لم يكرره، وإن قال: «رب اغفر لي» كرره ثلاثًا. انتهى كلام ابن رجب.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب ما ذهب إليه أحمد، أنه يقول: «ربِّ اغفر لي»، ويكررها ما شاء، ويجعل الجلوس بين السجدتين نحوًا من سجوده، كما في حديث حذيفة، وكما في حديث البراء -﵁- في «الصحيحين» (^١)، قال: رمَقتُ صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فوجدت قيامه، فركوعه، واعتداله بعد ركوعه، وسجوده، وجلوسه بين السجدتين قريبًا من السواء.\nوهذا ترجيح شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>مسألة [٢]: حكم الأذكار بين السجدتين</span>.\nقال ابن رجب -﵀- (٥/ ١٣٣ - ١٣٤): وحكم هذا الذكر بين السجدتين عند أكثر أصحاب أحمد حكم التسبيح في الركوع والسجود، وأنه واجب تبطل الصلاة بتركه عمدًا، ويسجد لسهوه، وَرُوي عن أحمد أنه ليس بواجب. قال حرب:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٨٠١)، ومسلم برقم (٤٧١)، واللفظ لمسلم.\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب -﵀- رقم (٨١٨ - ٨٢٠).","vol":"2","page":489},{"text":"مذهب أحمد أنه إن قال؛ جاز، وإن لم يقل؛ جاز، والأمر عنده واسع. وكذا ذكر أبو بكر الخلال، أن هذا مذهب أحمد، وهذا قول جمهور العلماء، وحكي عن أبي حنيفة أنه ليس بين السجدتين ذكر مشروع بالكلية. وعن بعض أصحابه أنه يسبح فيه. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور؛ لأنَّ ذلك هو الذي يدل عليه فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.","vol":"2","page":490},{"text":"٢٩٤ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ -﵁-، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>مسألة [١]: حكم جلسة الاستراحة</span>.\n• فيها أقوال:\nالأول: استحبابها، وهو قول الشافعي، وهو قول إسحاق في رواية، وطائفة من أهل الحديث، منهم: حماد بن زيد، وهو قول أحمد في رواية عنه، ذكر الخلَّال أنَّ قول أحمد استقرَّ عليها، واختارها الخلال، وصاحبه أبو بكر بن جعفر.\nواستدلوا بحديث مالك بن الحويرث الذي في الباب، وبحديث أبي حميد في «مسند أحمد» (٥/ ٤٢٤)، و«سنن أبي داود» (٧٣٠)، وابن ماجه (١٠٦١)، والبيهقي (٢/ ١٢٣)، وغيرهم، قال في صفة صلاة رسول الله - ﷺ - بعد السجدة الثانية: ثم يُكبر، ويجلس على رجله اليسرى، حتى يرجع كل عظم منه إلى موضعه. وقد قاله أبو حميد بمحضر عشرة من الصحابة، رضوان الله عليهم.\nالثاني: عدم الاستحباب، وهو قول أحمد في رواية، وهو المشهور عند الحنابلة، قال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم يعني على عدم الجلوس وقد عزاه ابن رجب إلى الأكثرين.\n_________\n(^١) رواه البخاري برقم (٨٢٣).","vol":"2","page":491},{"text":"وحجتهم في ذلك: أنَّ هذا هو المروي عن الصحابة، منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس -﵃-، وقال النعمان بن أبي عياش: أدركتُ غير واحد من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فكان إذا رفع من السجدة الأخيرة أول ركعة والثالثة قام كما هو، ولم يجلس. (^١) وهذا يدل على أنهم علموا أنَّ ذلك ليس من سنن الصلاة مطلقًا.\nالثالث: أنها تستحب لمن كبر، وثقل بدنه، وشق عليه النهوض معتمدًا على ركبتيه من غير جلسة، وهو قول بعض الشافعية، والحنابلة، ورواية عن إسحاق.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لصحة الأدلة فيه، وأما ما جاء عن الصحابة، فأثر عمر، وعلي، لا يثبتان؛ فإنَّ في إسنادهما: عيسى بن أبي عيسى الحنَّاط، وهو متروك، وأما أثر ابن مسعود؛ فهو صحيح.\nوأما أثر ابن عباس، وابن عمر؛ فهما صحيحان، ولكنهما ليسا بصريحين؛ فإنَّ لفظهما: «كانا يقومان على صدور أقدامهما»، وأما أثر النعمان بن أبي عياش؛ فإسناده حسنٌ، ولكن قد خالفهم صحابة آخرون، فأثبتوا جلسة الاستراحة، ومن علم حجة على من لم يعلم، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-895>مسألة [٢]: كيفية جلسة الاستراحة</span>.\nتقدم في حديث أبي حميد ما يدل على أنه يجلس مفترشًا، وبهذا أخذ الشافعي،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٩٥)، وابن المنذر (٣/ ١٩٥)، وإسناده حسن.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٢١٢ -)، «الفتح» لابن رجب (٨٢٣)، «الفتح» لابن حجر (٨٢٣).","vol":"2","page":492},{"text":"وأحمد في رواية، وفي رواية عنه أنه يجلس على إليتيه، والقول الأول أصح؛ لدلالة الحديث عليه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>مسألة [٣]: موضع تكبيرة الانتقال إذا جلس للاستراحة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٢١٥): يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرِهِ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ السُّجُودِ، وَانْتِهَاؤُهُ عِنْدَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا؛ لِيَكُونَ مُسْتَوْعِبًا بِالتَّكْبِيرِ جَمِيعَ الرُّكْنِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا بَقِيَّةُ التَّكْبِيرَاتِ، إلَّا مَنْ جَلَسَ جَلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ؛ فَإِنَّهُ يَنْتَهِي تَكْبِيرُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ جُلُوسِهِ، ثُمَّ يَنْهَضُ لِلْقِيَامِ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَنْهَضُ مُكَبِّرًا. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ فِي رُكْنٍ وَاحِدٍ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِجَمْعِهِمَا فِيهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>مسألة [٤]: هل ينهض بعد جلوس الاستراحة معتمدًا على يديه، أم قدميه</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنه يقوم معتمدًا على يديه، وهو قول الزهري، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، ودليلهم حديث مالك بن الحويرث عند النسائي (٢/ ٢٤٣)، قال في صفة صلاة رسول الله - ﷺ -: ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله - ﷺ -؟ قال أبو قلابة: فكان إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول الركعة استوى قاعدًا، ثم قام، فاعتمد على الأرض.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٢١٣).","vol":"2","page":493},{"text":"والحديث في البخاري أيضًا برقم (٨٢٤)، ولفظ النسائي أصرح.\nالثاني: أنه ينهض على صدور قدميه، وهذا القول صحَّ عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس كما تقدم في جلسة الاستراحة، وهو قول النخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وأحمد. ولهؤلاء أدلة مرفوعة كلها ضعيفةٌ، قال ابن رجب: وفي النهوض على صدور القدمين أحاديث مرفوعة أسانيدها ليست قوية. اهـ\nمن تلك الأحاديث: حديث أبي هريرة -﵁- عند الترمذي (٢٨٨)، قال: كان النبي - ﷺ - في الصلاة ينهض على صدور قدميه. وفي إسناده: خالد بن إلياس، وهو متروك، ومنها: حديث وائل بن حُجر عند النسائي (٢/ ٢٠٦)، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. وهو ضعيفٌ، في إسناده: شريك القاضي، وقد خُولِفَ، فرواه غيره مرسلًا، وهو أصح.\nومن ذلك: حديث ابن عمر -﵄-، عند أبي داود (٩٩٢)، قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة»، وهو حديث شاذٌّ، شذَّ به محمد بن عبدالملك الغزَّال، والحفاظ يروونه عن عبد الرزاق بلفظ: «نهى أن يجلس الرجل في صلاته، وهو معتمد على يديه»، أو بمعناه، وقد وهمه البيهقي وغيره.\nوجاء عن علي بن أبي طالب -﵁-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٣٩٥)، و«الأوسط» لابن المنذر (٣/ ٢٠٠)، أنه قال: من السنة في الصلاة المكتوبة إذانهض الرجل في الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض؛ إلا أن يكون","vol":"2","page":494},{"text":"شيخًا كبيرًا لا يستطيع. وفي إسناده: عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي مُتَّفَقٌ على ضعفه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول. (^١)\nفائدة: قال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٨٢٤): والأكثرون على أنه لا تلازم بين الجلسة والاعتماد، فقد كان من السلف من يعتمد، ولا يجلس للاستراحة، منهم: عبادة بن نسي، وحكاه عن أبي ريحانة الصحابي، وهذا مذهب أصحاب الشافعي، وأحمد؛ فإن أصحاب الشافعي، قالوا: يعتمد، سواء قلنا: يجلس للاستراحة أو قلنا: لا يجلس. وقال أصحاب أحمد: لا يعتمد، سواء قلنا: يجلس، أو قلنا: لا يجلس. اهـ\nقلتُ: وهذا يُقوِّي الاحتمال في أثر ابن عمر، وابن عباس -﵃-، اللَّذَيْنِ تقدَّما في جلسة الاستراحة؛ فإنَّ الثابت عنهما أنهما كانا ينهضان على صدور القدمين، وهذا لا يلزم منه ترك جلسة الاستراحة، كما تبين لك ذلك من كلام ابن رجب -﵀-.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٢١٣ - ٢١٤)، «الفتح» لابن رجب رقم (٨٢٤)، «السنن الكبرى» (٢/ ١٣٥).","vol":"2","page":495},{"text":"٢٩٥ - وَعَنْ أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَنَتَ شَهْرًا، بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنَ أَحْيَاءِ العَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَلِأَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنِيّ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ: وَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. (^٢)\n\n٢٩٦ - وَعَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: كَانَ لَا يَقْنُتُ إلَّا إذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ. صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^٣)\n\n٢٩٧ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ الأَشْجَعِيِّ -﵁-، قَالَ: قُلْت لِأَبِي: يَا أَبَتِ، إنَّك قَدْ صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، أَفَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الفَجْرِ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٠٨٩)، ومسلم (٦٧٧) (٣٠٤).\n(^٢) زيادة منكرة. أخرجه أحمد (٣/ ١٦٢)، والدارقطني (٢/ ٣٩) وغيرهما من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك به. وإسناده ضعيف؛ لأن أبا جعفر الرازي الراجح ضعفه، ومع ذلك فقد خالف الثقات الذين يروونه عن أنس بدون هذه الزيادة، فهي زيادة منكرة. قال ابن رجب في «الفتح» (١٠٠٢): وهذا منكر. اهـ\nتنبيه: الذي عند أحمد والدارقطني ذكر الزيادة فقط ولم يذكرا غيرها كما يوهمه قول الحافظ: (نحوه، وزاد).\n(^٣) صحيح لغيره. أخرجه ابن خزيمة (٦٢٠) من طريق محمد بن عبدالله الأنصاري عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس. ومحمد بن عبدالله سمع من سعيد بعد الاختلاط كما في «مقدمة الفتح».\nويشهد لصحة الحديث ما أخرجه البخاري (٤٥٦٠) من حديث أبي هريرة بلفظ: (كان إذا أراد أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد قنت بعد الركوع) وهو عند ابن خزيمة (٦١٩) بإسناد صحيح، ولو ذكر الحافظ حديث أبي هريرة لكان أجود.\n(^٤) صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٢)، والنسائي (٢/ ٢٠٤)، والترمذي (٤٠٢)، وابن ماجه (١٢٤١) من طرق عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه به. وهو صحيح على شرط مسلم.","vol":"2","page":496},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-898>مسألة [١]: القنوت في النوازل</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه يُشرع القنوت في الصلوات إذا نزل بالمسلمين نازلة؛ لثبوت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كما في أحاديث الباب.\nقال الرافعي -﵀-: مقتضى كلام أكثر الأئمة أنه لا يُستحب القنوت في غير الصبح بحال، وإنما الخلاف في الجواز فحيث يجوز فالاختيار فيه إلي المصلي. قال: ومنهم من يُشعر كلامه بالاستحباب.\nقال النووي -﵀-: قلتُ: وهذا أقرب إلى السنة؛ فإنه ثبت عن النبي - ﷺ - القنوت للنازلة، فاقتضى أن يكون سنَّة، وممن صرح بأن الخلاف في الاستحباب صاحب «العدة»، قال: ونصَّ الشافعي في «الأم» على الاستحباب مطلقًا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-899>مسألة [٢]: في أي الصلوات يقنت</span>؟\n• قال أحمد، وإسحاق: يقنت في الفجر، وهو المشهور عند المالكية؛ لحديث أنس -﵁- الذي في الباب، فقد جاء في بعض الروايات في «الصحيحين» (^٢) تقييده بصلاة الفجر.\n• وجاء عن بعض أهل العلم أنه يقنت في المغرب، والفجر؛ لأنهما صلاتا جهر في طرفي النهار، وقد جاء عن أنس في «البخاري» (١٠٠٤)، وعن البراء عند مسلم\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (٣/ ٤٩٤)، «المغني» (٢/ ٥٨٦ - ٥٨٧).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٠٠١)، ومسلم برقم (٦٧٧).","vol":"2","page":497},{"text":"٦٧٨ -: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقنت في المغرب والفجر. وقال به أبو الخطاب الحنبلي.\n• وذهب الشافعية وبعض المالكية إلى أنه يقنت في الصلوات كلها؛ لما ثبت في «الصحيحين» (^١) عن أبي هريرة، أنه قال: لأقربنَّ بكم صلاة رسول الله - ﷺ -، فكان يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر، والعشاء الآخرة، وصلاة الصبح ... .\nوثبت في «مسند أحمد» (١/ ٣٠١)، و«صحيح ابن خزيمة» (٦١٨)، وغيرهم، بإسناد صحيح عن عبد الله بن عباس -﵄-، قال: قنت رسول الله - ﷺ - شهرًا متتابعًا في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح، في دبر كل صلاة، إذا قال: «سمع الله لمن حمده» من الركعة الأخيرة يدعو عليهم، علي حي من بني سُلَيم، على رِعْلٍ، وذكوان، وعُصيَّة، ويؤمن من خلفه، أرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام، فقتلوهم.\nقلتُ: قول الشافعية هو الصواب، وهو ترجيح الشوكاني في «نيل الأوطار»، وذكر بعض الصلوات في أحاديثهم لا يدل على أنه لم يقنت في غيرها، وإنما يُستفاد منها المحافظة على القنوت فيها أكثر من غيرها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>مسألة [٣]: موضع القنوت</span>.\nجاء في حديث ابن عمر -﵄-، في «البخاري» (٤٥٥٩): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَنَتَ بعد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٧٩٧)، ومسلم برقم (٦٧٦).\n(^٢) وانظر: «شرح المهذب» (٣/ ٥٠٥ - ٥٠٦)، «المغني» (٢/ ٥٨٦ - ٥٨٧)، «شرح السنة» (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٥)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٣٤/ ٦٦).","vol":"2","page":498},{"text":"الرُّكوع، وكذلك من حديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^١)، ومن حديث خفاف بن إيماء الغفاري في «صحيح مسلم» (٦٧٩)، وأكثر روايات حديث أنس في «الصحيحين» أنه بعد الركوع، وجاءت بعض الروايات في حديث أنس أنه قبل الركوع.\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٦/ ٢٧٦): وقد أنكر الأئمة على عاصم روايته عن أنس القنوتَ قبل الركوع، قال أحمد: خالفهم عاصم كلهم. يعني: خالف أصحاب أنس. ثم قال: هشام، عن قتادة، عن أنس، أن النبي - ﷺ - قنت بعد الركوع. والتيمي، عن أبي مجلز، عن أنس. وأيوب، عن محمد: سألت أنسًا. وحنظلة السدوسي عن أنس: أربعة أوجه. وقال أبوبكر الخطيب في كتاب «القنوت»: أما حديث عاصم الأحول، عن أنس؛ فإنه تفرد بروايته، وخالف الكافة من أصحاب أنس، فرووا عنه القنوت بعد الركوع، والحكم للجماعة على الواحد. وقد حمل بعض العلماء المتأخرين حديث عاصم عن أنس في القنوت قبل الركوع على أن المراد به: إطالة القيام، كما في الحديث: «أفضل الصلاة طول القنوت».اهـ\nقلتُ: وهذا المحمل قرره ابن القيم في «زاد المعاد»، وأشاد به. وفي حديث عاصم الأحول إشارة إلى ذلك؛ فقد قال عاصم: سألت أنس بن مالك عن القنوت، فقال: قد كان القنوت. قلت: قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قال: فإن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"2","page":499},{"text":"فلانا أخبرني عنك أنك قلت بعد الركوع، فقال: «كذب إنما قنت رسول الله - ﷺ - بعد الركوع شهرا يدعو على أناس قتلوا أناسا من أصحابه، يقال لهم القراء». متفق عليه، واللفظ للبخاري. (^١)\nوقال البيهقي -﵀- في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٠٨): ورواة القنوت بعد الركوع أكثر، وأحفظ، وعلى هذا درج الخلفاء الراشدون -﵃- في أكثر الروايات عنهم، وأشهرها. اهـ\nقلتُ: وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ القنوت بعد الركوع، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وهو الصواب.\nوثبت ذلك عن أبي بكر الصديق، وعمر بن بالخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب -﵃- كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٣١٢)، و«الأوسط» لابن المنذر (٥/ ٢٠٨)، و«الكبرى» للبيهقي (٢/ ٢١٠).\n• وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن القنوت قبل الركوع، بعد فراغه من القراءة، إلا أن أبا حنيفة يقول: يكبر ويقنت. وقال مالك: يقنت من غير تكبير.\nوقد ثبت عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أنهم قنتوا قبل الركوع؛ ففي «مصنف ابن أبي شيبة» ثبوت ذلك عن ابن عباس والبراء -﵄-، ولكن جاء فيه أن ذلك في صلاة الصبح.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٠٠٢)، ومسلم برقم (٦٧٧).","vol":"2","page":500},{"text":"وثبت أيضًا عن عمر -﵁- بإسناد صحيح أنه قنت في صلاة الصبح قبل الركوع. أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٠٩)، والبيهقي (٢/ ٢١١).\nوثبت أيضًا عن علي وأبي موسى وأنس -﵃- عند ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٢٠٨ - ٢٠٩) أنهم قنتوا قبل الركوع في صلاة الصبح.\nوثبت عن ابن مسعود -﵁- أنه قنت قبل الركوع في الوتر. أخرجه الطبراني في الكبير (٩١٦٥) بإسنادٍ صحيحٍ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: من أخذ بهذه الآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم، وقنت قبل الركوع لا ننكر عليه، ولا سيما في صلاة الصبح، كما هو وارد في عامة الآثار المذكورة عدا أثر ابن مسعود -﵁-.\nوالذي نختاره هو: القنوت بعد الركوع؛ للأحاديث المتقدمة، وبالله التوفيق.\nتنبيه: الذين قنتوا قبل الركوع من الصحابة ثبت عن بعضهم أنه كبر قبل أن يقنت، ثم كبر عند ركوعه.\nثبت ذلك عن عمر بن الخطاب والبراء بن عازب عند عبد الرزاق (٣/ ١٠٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣١٥)، وابن المنذر (٥/ ٢١١)، وجاء عن علي ابن أبي طالب -﵁- عند ابن أبي شيبة، وابن المنذر، بإسناد فيه عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وفيه ضعف. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٨١ - ٥٨٢)، «المجموع» (٣/ ٥٠٦)، «الحاوي» (٢/ ١٥٤)، «الموسوعة الكويتية» (٣٤/ ٥٧، و٦٦ -)، «شرح المعاني» (١/ ٢٤٥).","vol":"2","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-901>مسألة [٤]: مداومة القنوت في صلاة الصبح لغير نازلة</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم مشروعيته.\nواستدلوا بحديث طارق بن أشيم الذي في الكتاب، وبقوله: (أي بُني محدث)، وبحديث أنس الذي في الكتاب: «قنت شهرًا، ثم تركه»، واستدلوا أيضًا بحديث: كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو دعا عليهم.\nوقد عزا هذا القول لأكثر أهل العلم الإمامُ الترمذيُّ عَقِبَ حديث طارق بن أشيم المذكور.\n• وذهب الشافعي، ومالك، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح إلى استحباب ذلك.\nواستدلوا بحديث أنس بن مالك الذي في الباب: «فأما الفجر، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا»، وقد تقدم أنه حديث منكر.\nواستدلوا بأنَّ هذا فعل أبي بكر، وعمر، وعثمان -﵃-، كما في «سنن البيهقي» (٢/ ٢٠٨)، وهذا لا يثبت عنهم؛ لأنَّ في إسناده: العَوَّام بن حمزة، وقد أُنكر عليه هذا الحديث كما في «الكامل»، و«الميزان».\nوالصواب ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٨٥)، «المجموع» (٣/ ٥٠٤).","vol":"2","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-902>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-903>مسألة [١]: رفع اليدين في القنوت</span>.\n• في هذه المسألة قولان:\nالأول: استحباب رفع اليدين، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والصحيح من مذهب الشافعية. وثبت الرفع بعد الركوع عن عمر بن الخطاب وابن عباس -﵄-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٣١٦).\nواستدلوا بعموم الأدلة التي فيها الحث على رفع اليدين في الدعاء، منها: حديث سلمان -﵁-: «إنَّ الله حيي كريم، يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرًا، خائبتين». (^١)\nواستدلوا بحديث أنس بن مالك -﵁-، قال: لقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كلما صلَّى الغداة رفع يديه يدعو عليهم. يعني على الذين قتلوهم.\nالثاني: عدم رفع اليدين، وهو قول مالك، والأوزاعي، ويزيد بن أبي مريم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول؛ لحديث أنس المذكور، فقد أخرجه أحمد (١٢٤٠٢)، فقال: حدثنا هاشم، وعفان، قالا: حدثنا سليمان بن\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في الكتاب برقم (١٥٥٠).","vol":"2","page":503},{"text":"المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، فذكر الحديث مُطوَّلًا، وفيه: قال أنس: فما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وجد على شيء قط وَجْدَهُ عليهم، فلقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كلما صلَّى الغداة رفع يديه، فدعا عليهم ...، وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.\nوقد رواه حماد بن سلمة، عن ثابت مُختصرًا، أخرجه أحمد (١٣٨٥٤)، ولا يقال: إنَّ حماد بن سلمة خالف سليمان بن المغيرة في ثابت؛ لأنه اختصر الحديث، ولم يذكر القنوت من أصله، والله أعلم.\nفهذه الزيادة زادها ثابت البناني على بقية الرواة، وسياق الحديث يدل على أنها محفوظة لمن تأمل ذلك، والله أعلم.\nوقد أخرج الحديث المذكور أيضًا عبد بن حميد (١٢٧٦)، من طريق: هاشم ابن القاسم به، وأخرجه أيضًا أبو عوانة (٥/ ٤٠ - ٤١)، والبيهقي في «الدلائل» (٣/ ٣٤٩)، من طريق: عفان بن مسلم به. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>مسألة [٢]: تأمين المأمومين</span>.\nتقدم (^٢) حديث ابن عباس -﵄-، عند أحمد، وأبي داود، وابن خزيمة، والبيهقي، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قنت شهرًا متتابعًا ...، الحديث، وفيه: ويؤمن من خلفه.\nوَقَدِ اسْتدلَّ أهلُ العلم بهذا الحديث على استحباب تأمين المأمومين عند\n_________\n(^١) وانظر: «شرح المهذب» (٣/ ٥٠٧).\n(^٢) تقدم قريبًا.","vol":"2","page":504},{"text":"دعاء الإمام، وقد بوب ابن خزيمة -﵀- على ذلك، فقال (١/ ٣١٣): [باب القنوت في الصلوات كلها، وتأمين المأمومين عند دعاء الإمام في القنوت]. وقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٥٨٤): إذا أخذ الإمام في القنوت أَمَّنَ من خلفه، لا نعلم فيه خلافًا. اهـ","vol":"2","page":505},{"text":"٢٩٨ - وَعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ -﵄-، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الوِتْرِ: «اللهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْت وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْت، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْت، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْت، فَإِنَّك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْك، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْت، تَبَارَكْت رَبَّنَا وَتَعَالَيْت». رَوَاهُ الخَمْسَة. (^١)\n_________\n(^١) صحيح، دون قوله (في قنوت الوتر). الحديث مدار طرقه على بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء، عن الحسن بن علي -﵄-، به.\nوهو حديث صحيح، رجاله ثقات، إلا أنه اختلف على بريد في زيادة: «في قنوت الوتر».\nفقد روى الحديث بدون تقييد: «في قنوت الوتر»:\n\n١ - شعبة بن الحجاج. عند الطيالسي عنه (١٢٧٥)، ومن طريقه أخرجه البزار (١٣٣٦). وعند أحمد (١٧٢٣)، من طريق يحيى بن سعيد القطان عنه. وعند أحمد (١٧٢٧)، وابن خزيمة (١٠٩٦)، وابن حبان (٩٤٥)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٤١٦) من رواية محمد بن جعفر عنه. وعند أبي يعلى (٦٧٦٢) من رواية عبد الملك بن عمرو عنه، وعند أبي طاهر السلفي في «الطيوريات» (٥٤٤)، واللالكائي (١١٧٥) من رواية عبد الله بن إدريس عنه. وعند الدولابي في «الذرية الطاهرة» (١٣٤) من رواية حجاج بن محمد المصيصي عنه.\n\n٢ - الحسن بن عبيد الله النخعي، وهو ثقة؛ فقد رواه عن بريد بن أبي مريم بإسناده بلفظ: «وعقلت عنه الصلوات الخمس، وكلمات أقولهن عند انقضائهن»: أخرجه الطوسي في «مختصر الأحكام» (٤٤٣)، وابن الأعرابي في «معجمه (٢٣٤٤)، والطبراني في «الكبير (٢٧٠٨)، والدولابي في «الذرية الطاهرة» (١٣٥)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٢٦٤) من طرق عن أبي صالح محبوب بن موسى الفراء، عن أبي إسحاق الفزاري، عن الحسن بن عبيد الله، عن بريد به. وزاد الطوسي وابن الأعرابي والدولابي في روايتهم: قال بريد: فدخلت على محمد بن علي الشِّعب، فحدثته بهذا الحديث، عن أبي الحوراء، عن الحسن، فقال: صدق، هن كلمات عُلِّمْناهن أن نقولهن في القنوت.\n\n٣ - العلاء بن صالح التيمي في رواية، وهو حسن الحديث. وروايته عند البيهقي في الكبرى» (٢/ ٢٩٧)، وفي الدعوات» (٤٣١)، وفي الصغرى» (٤٣٥)، بإسنادٍ صحيحٍ إليه، وعنده زيادة: قال بريد قال: فذكرت ذلك لمحمد بن الحنفية فقال: إنه الدعاء الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر في قنوته\".\nوروى الحديث مقيدًا بقنوت الوتر:\n\n١ - أبو إسحاق السبيعي، وقد رواه بالعنعنة، ولم يصرح بالسماع في جميع الطرق، وروايته عند الدارمي (١٦٣٤)، وأبي داود (١٤٢٥)، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي في «المجتبى» (٣/ ٢٤٨)، وفي «الكبرى» (١٤٤٦)، وأبي يعلى (٦٧٨٦)، وابن خزيمة (١٠٩٥)، وابن الجارود (٢٧٣) وغيرهم\n\n٢ - يونس بن أبي إسحاق، وهو حسن الحديث، وقد يهم. وروايته عند أحمد (١٧١٨)، وابن خزيمة (١٠٩٥)، وابن الجارود (٢٧٢)، وابن نصر المروزي في كتابه «مختصر قيام الليل» (ص ٣٢١)، وغيرهم.\n\n٣ - الحسن بن عمارة، وهو متروك، وروايته عند عبد الرزاق (٣/ ١١٧)، والطبراني (٢٧١١).\n\n٤ - العلاء بن صالح في رواية كما في «الدعاء» للطبراني (٧٤٨).\n\n٥ - شعبة في رواية عمرو بن مرزوق عنه، عند الطبراني في «الكبير» (٢٧٠٧)، وفي «الدعاء» (٧٤٤) وقد شذ عمرو بن مرزوق؛ فقد رواه الحفاظ من أصحاب شعبة عنه كما تقدم بدون ذكر القنوت.\n\n٦ - الحسن بن عبيد الله النخعي في رواية كما في الدعاء» للطبراني (٧٤٥) بلفظ: عند انقضاء الوتر. وهي رواية مرجوحة؛ لأن شيخ الطبراني فيه ضعف، والراجح عنه من رواية الثقات عدم ذكرها كما تقدم.\nقال ابن خزيمة في صحيحه» (٢/ ١٥٢ - ١٥٣)، وشعبة أحفظ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق لا يُعْلَم: أسمع هذا الخبر من بريد، أو دلسه عنه؟ اللهم إلا أن يكون كما قال بعض علمائنا: إن كل ما رواه يونس عمن روى عنه أبوه أبو إسحاق هو مما سمعه يونس مع أبيه ممن روى عنه.\nقال: «ولو ثبت الخبر عن النبي - ﷺ - أنه أمر بالقنوت في الوتر، أو قنت في الوتر لم يجز عندي مخالفة النبي - ﷺ -، ولست أعلمه ثابتًا».\nوقال ابن حبان - كما في «إتحاف المهرة» (٤/ ٢٩٥) -: «لم يقل شعبة في حديثه: «قنوت الوتر». وهو أحفظ من مائتين مثل أبي إسحاق، وابنه، فليست هذه اللفظة محفوظة؛ لأن المصطفى - ﷺ - قبض والحسن بن علي ابن ثمان سنين، فكيف يعلمه المصطفى - ﷺ - قنوت الوتر، ولا يعلمه لهؤلاء الصحابة المهاجرين؟».اهـ\nقلتُ: فيظهر لي والله أعلم أن الحديث صحيح بدون زيادة (في قنوت الوتر)؛ فإنها شاذة، والله أعلم.","vol":"2","page":506},{"text":"وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ: «وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْت». (^١)\nزَادَ النَّسَائِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي آخِرِهِ: «وَصَلَّى اللهُ عَلَى النَّبِيِّ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-905>مسألة [١]: حكم القنوت في صلاة الوتر</span>.\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: أنه يقنت في الوتر في السنة كلها، رُوي هذا القول عن ابن مسعود (^٣)، وقال به الحسن، والنخعي، وهو مذهب إسحاق، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وهو المشهور عند الحنابلة، وهو مذهب الحنفية، وأوجبه أبو حنيفة دون صاحبيه.\nواستدلوا بحديث الحسن بن علي الذي في الباب، وبحديث علي -﵁-: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول في آخر وتره: «اللهم، إني أعوذ برضاك من سخطك،\n_________\n(^١) زيادة صحيحة. أخرجه الطبراني (٢٧٠١)، والبيهقي (٢/ ٢٠٩)، وهي كذلك عند أبي داود (١٤٢٥)، وقد أخرجوها من طرق عن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء، عن الحسن بن علي -﵄-، وإسنادها صحيح.\n(^٢) ضعيف. أخرجه النسائي (٣/ ٢٤٨)، من طريق عبدالله بن علي، عن الحسن بن علي.\nوإسناده ضعيف؛ لأن عبدالله بن علي إن كان هو ابن الحسين بن علي، فهو منقطع، لأنه لم يدرك جده الحسن بن علي، وإن كان غيره فهو مجهول لا يعرف.\n(^٣) أخرجه عبدالرزاق (٣/ ١٢٠)، وفي إسناده: أبان بن أبي عياش، وهو متروك، ثم وجدت له إسنادًا آخر صحيحًا عند الطبراني (٩١٦٥).","vol":"2","page":508},{"text":"وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»، أخرجه أبو داود (١٤٢٧)، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا -﵀- برقم (٩٥٧).\nالثاني: أنه يقنت في النصف الثاني من رمضان، وهذا صحَّ عن ابن عمر -﵄-، فقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر بإسناد صحيح عن نافع، قال: كان ابن عمر لا يقنت إلا في النصف. يعني من رمضان.\nوجاء هذا القول عندهما عن علي بن أبي طالب، وفي إسناده: الحارث الأعور، وأخرجه ابن خزيمة (١١٠٠)، عن أبي بن كعب بحضرة عمر بإسناد صحيح. ثم تبين لي أن زيادة القنوت مدرج من كلام الزهري، وأصل الحديث عند البخاري (١٩٢١)، وغيره بدون زيادة القنوت، وقد عزاه للزهري من قوله ابن نصر المروزي في كتاب الوتر (٧٢).\nوهذا قول جماعة من أهل العلم، منهم: ابن سيرين، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية.\nالثالث: أنه لا يقنت في الوتر مطلقًا، وهو قول طاوس، وحكاه ابن وهب عن الإمام مالك، وأخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر -﵄-، أنه كان لا يقنت في الفجر، ولا في الوتر، فكان إذا سئل عن القنوت؟ قال: ما نعلم القنوت؛ إلا طول القيام، وقراءة القرآن.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي نختاره عدم القنوت؛ لأنَّ حديث الحسن لم","vol":"2","page":509},{"text":"تثبت فيه زيادة: «في قنوت الوتر»؛ ولأنه لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- القنوت في الوتر مع مداومته ﵇ لقيام الليل، وحديث علي يُحمل على ظاهره، بأنَّ هذا الدعاء يقال قبل التسليم.\nوقد بوب عليه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، فقال: [باب ما يقول الرجل في آخر وتره] ومن قنت في الوتر كما فعل بعض الصحابة فلا ينكر عليه، وبالله التوفيق. (^١)\nتنبيه: لم يثبت حديث عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قنت في الوتر، جزمَ بذلك الإمام أحمد، وابن خزيمة، وابن المنذر، والبيهقي، وغيرهم، وهذا يدل على عدم القنوت في الوتر كما رجَّحناه، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه آخر: القائلون بالقنوت، مذهبهم في رفع اليدين، والتأمين، ومحل القنوت كما تقدم في قنوت النوازل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-906>مسألة [٢]: هل في دعاء القنوت دعاء مؤقت مخصوص</span>.\n• نَصَّ كثير من أهل العلم أنه ليس في دعاء القنوت دعاء مؤقت، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة.\nوثبت عن ابن عباس -﵄- كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٣٠٠) أنه قال في قنوت الوتر: «لك الحمد ملء السماوات السبع، وملء\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٥/ ٢٠٥ -)، «المصنف» لابن أبي شيبة (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، «المغني» (٢/ ٥٨٠)، «المجموع» (٤/ ٢٤)، «البحر الرائق» (٤/ ٢٤)، «بدائع الصنائع» (٤/ ٢٤)، «الموسوعة الكويتية» (٣٤/ ٦١ -).\n(^٢) انظر: «التلخيص» (٢/ ١٨).","vol":"2","page":510},{"text":"الأرضين السبع، وملء ما بينهما من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، حق ما قال العبد، كلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ولم أجد أحدًا من أهل العلم القائلين بمشروعية القنوت، يرون فيه دعاءً مؤقتًا، لا يتجاوز فيه، وعليه فمن دعا بغير حديث الحسن ابن علي -﵄- فلا بأس عليه في ذلك، والله أعلم، ولكن ليس من السنة الإطالة في هذا الدعاء، وليس من السنة ترتيله كما يرتل القرآن، فضلًا عن تمطيط الدعاء والتغني فيه، وبالله التوفيق. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٨٤)، «شرح مسلم» (٥/ ١٧٦)، «الموسوعة الكويتية» (٣٤/ ٥٩ - ٦٢)، «البحر الرائق» (١/ ٣١٨، و٢/ ٤٥)، «المبسوط» (١/ ٣٠١)، «المدونة» (١/ ١٩٢)، «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٦)، «الحاوي» (٢/ ١٥٣).","vol":"2","page":511},{"text":"٢٩٩ - وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ فِي القُنُوتِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ. وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nاستدل بهذا الحديث من ذهب إلى استمرار القنوت في صلاة الصبح.\nوكذلك استدل به من يدعو بالدعاء المذكور في حديث الحسن المتقدم في صلاة الفجر.\nوالحديث ضعيف منكر، فلا يصلح للاستدلال به على المسألتين، والعمل بذلك من البدع، والله أعلم.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه البيهقي (٢/ ٢١٠) من طريق عبدالرحمن بن هرمز، عن بريد بن أبي مريم، عن ابن عباس به.\nقال الحافظ في «التلخيص»: عبدالرحمن بن هرمز ليس هو الأعرج، ويحتاج إلى الكشف عن حاله. اهـ\nقلتُ: وقد خالف الحفاظ والثقات الذين رووا الحديث عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء، عن الحسن بن علي باللفظ المتقدم، فقد شذّ بالإسناد والمتن، والله أعلم.","vol":"2","page":512},{"text":"٣٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ البَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ». أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ. (^١)\nوَهُوَ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ:\n\n٣٠١ - رَأَيْت النَّبِيَّ - ﷺ -: إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ. (^٢)\nفَإِنَّ لِلْأَوَّلِ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَذَكَرَهُ البُخَارِيُّ مُعَلَّقًا مَوْقُوفًا. (^٣)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٨٤٠)، والنسائي (٢/ ٢٠٧)، والترمذي (٢٦٩)، ومدار طرقه على محمد بن عبدالله بن الحسن الملقب ب (النفس الزكية) عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة -﵁- به.\nوهو حديث قد أعله غير واحد من الأئمة. قال البخاري: محمد بن عبدالله لا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا. وقال حمزة الكناني: منكر. وقال الترمذي: غريب. وقال ابن رجب: لا يثبت، وأورده الذهبي في «ميزان الاعتدال». وقال المناوي في «فيض القدير»: أعله البخاري والترمذي والدارقطني بتفرد محمد بن عبدالله بن الحسن.\n(^٢) ضعيف. أخرجه أبوداود (٨٣٨)، والنسائي (٢/ ٢٠٦، ٢٠٧)، والترمذي (٢٦٨)، وابن ماجه (٨٨٢) من طريق شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر ﵁ به. وفي إسناده شريك القاضي وهو سيئ الحفظ، وقد تفرد به كما قال الدارقطني، وخولف في إسناده.\nقال الترمذي -﵀- في «العلل الكبير» (١/ ٢٢١): وروى همام بن يحيى عن شقيق عن عاصم بن كليب شيئًا من هذا مرسلًا، لم يذكر فيه وائل بن حجر، وشريك بن عبدالله كثير الغلط والوهم. اهـ\n\nوقال الحازمي في «الاعتبار» (ص ١٢٣) بعد أن ذكر الرواية المرسلة: وهو المحفوظ.\n(^٣) المرفوع والموقوف معلان. أخرجه ابن خزيمة (٦٢٧) من طريق الدراوردي عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، ويقول: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفعل ذلك.\nوقد اختلف على الدراوردي في رفعه ووقفه، وصوب الدارقطني الموقوف ورجح ذلك البيهقي كما في «الفتح» لابن رجب (٥/ ٨٩). وقد أعله البيهقي بعلة أخرى فقال كما في «السنن» (٢/ ١٠٠ - ١٠١): والمشهور عن عبدالله بن عمر في هذا ما أخبرنا ... وساق إسناده من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: إذا سجد أحدكم فليضع يديه، فإذا رفع فليرفعها فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه. ثم قال: والمقصود منه وضع اليدين في السجود لا التقديم، والله تعالى أعلم. اهـ\nقلتُ: وهذه الرواية عن ابن عمر هي المحفوظة؛ لأن الدراوردي قد تكلم في روايته عن عبيدالله ابن عمر وهذه الرواية أصح، والله أعلم. ورواية البخاري المعلقة في كتاب الأذان، باب (١٢٨).","vol":"2","page":513},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>مسألة [١]: ماذا يقدم المصلي عند سجوده: أيديه، أم ركبتيه</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى تقديم الركبتين على اليدين، واستدلوا بحديث وائل ابن حُجر -﵁-، الذي في الباب، وقد تقدم بيان ضعفه، وقد جاء حديث بمعناه، من حديث سعد بن أبي وقاص (^١)، وفي إسناده متروكان، وضعيف، وجاء عن أبي هريرة -﵁-، (^٢) وفي إسناده متَّهَمٌ، وأصح ما عندهم مرسلُ عاصم بن كليب الذي في الباب في تخريج حديث وائل، وقد صحَّ هذا القول عن عمر بن الخطاب -﵁-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٦٣)، و«الأوسط» (٣/ ١٦٥).\n• وذهب مالك، والأوزاعي، وأحمد في رواية، وهوقول الحسن إلى تقديم اليدين على الركبتين، وجاء عن ابن عمر -﵄-، ذلك، وعلَّقه البخاري في «صحيحه»، واستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁-، الذي في الباب.\n• وذهب مالك في رواية عنه إلى أنهما سواء، وقال قتادة: يضع أهون ذلك عليه.\n_________\n(^١) أخرجه ابن خزيمة (١/ ٣١٩)، وفي إسناده: إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، يرويه عن أبيه، عن جده، وهو ضعيف، وأبوه وجده متروكان.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٣)، وفي إسناده: عبدالله بن سعيد المقبري، وهو متروك، وقد اتهم.","vol":"2","page":514},{"text":"قال أبوعبدالله غفر الله له: لم يصح في المسألة حديثٌ؛ فالأمر واسعٌ، والأقرب إلى السُّنَّة تقديم اليدين على الركبتين؛ لحديث أبي هريرة -﵁-: «ثم يُكَبِّر حين يهوي ساجدًا» (^١)، وكأنَّ البخاري استند إليه في هذه المسألة، ولحديث البراء بن عازب: كان لا يحني أحدٌ مِنَّا ظهره حتى يقع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده. وهو متفق عليه (^٢). (^٣)\n_________\n(^١) تقدم في الكتاب برقم (٢٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٩٠)، ومسلم برقم (٤٧٤).\n(^٣) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٥/ ٩٠)، «المغني» (٢/ ١٩٣ - ١٩٤)، «الأوسط» (٣/ ١٦٥ - ١٦٦).","vol":"2","page":515},{"text":"٣٠٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: كَانَ إذَا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ اليُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ اليُسْرَى، وَاليُمْنَى عَلَى اليُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثًا (^١) وَخَمْسِينَ (^٢)،\nوَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ.\n_________\n(^١) في (ب): (ثلاثة).\n(^٢) قال الحافظ ابن حجر -﵀- في «التلخيص»: وصورتها أن يجعل الإبهام معترضة تحت المسبحة. اهـ\nوقال الإمام الصنعاني -﵀- في كتابه «سبل السلام» في شرح حديث الباب: واعلم أن قوله في حديث ابن عمر: (وعقد ثلاثا وخمسين) إشارة إلى طريقة معروفة تواطأت عليها العرب في عقود الحساب، وهي أنواع من الآحاد، والعشرات، والمئين، والألوف.\nأما الآحاد: فللواحد عقد الخنصر إلى أقرب ما يليه من باطن الكف، وللاثنين عقد البنصر معها كذلك، وللثلاثة عقد الوسطى معها كذلك، وللأربعة حل الخنصر، وللخمسة حل البنصر معها دون الوسطى، وللستة عقد البنصر وحل جميع الأنامل، وللسبعة بسط البنصر إلى أصل الإبهام مما يلي الكف، وللثمانية بسط البنصر فوقها كذلك، وللتسعة بسط الوسطى فوقها كذلك.\n\nوأما العشرات: فلها الإبهام والسبابة، فللعشرة الأولى عقد رأس الإبهام على طرف السبابة، وللعشرين إدخال الإبهام بين السبابة، والوسطى، وللثلاثين عقد رأس السبابة على رأس الإبهام عكس العشرة، وللأربعين تركيب الإبهام على العقد الأوسط من السبابة، على ظهر الإبهام إلى أصلها، وللخمسين عطف الإبهام إلى أصلها، وللستين تركيب السبابة على ظهر الإبهام عكس الأربعين، وللسبعين إلقاء رأس الإبهام على العقد الأوسط من السبابة ورد طرف السبابة إلى الإبهام، وللثمانين رد طرف السبابة إلى أصلها، وبسط الإبهام على جنب السبابة من ناحية الإبهام. وللتسعين عطف السبابة إلى أصل الإبهام، وضمها بالإبهام. وأما المئين فكالآحاد إلى تسعمائة في اليد اليسرى، والألوف كالعشرات في اليسرى. اهـ\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٥٨٠) (١١٥) (١١٦).","vol":"2","page":516},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nفي هذا الحديث بيان صفة وضع اليدين أثناء التشهد.\nوقد جاء في ذلك أحاديث أخرى:\nمنها: حديث عبد الله بن الزبير في «مسلم» (٥٧٩) أيضًا، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قعد يدعو، وضع يده اليمنى على فَخذِه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفَّه اليسرى ركبته.\nومنها: حديث وائل بن حجر -﵁- في «سنن أبي داود» (٧٢٦)، والبيهقي (٢/ ١٣١)، وغيرهما: «ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم عقد الخنصر، والبنصر، ثم حلق الوسطى بالإبهام، وأشار بالسبابة».\nواللفظ للبيهقي، وهو حديث حسن.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٥٧٩): وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى اِسْتِحْبَاب وَضْعهَا عِنْد الرُّكْبَة، أَوْ عَلَى الرُّكْبَة، وَبَعْضهمْ يَقُول بِعَطْفِ أَصَابِعهَا عَلَى الرُّكْبَة، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله: «وَيُلْقِم كَفّه الْيُسْرَى رُكْبَته»، وَالْحِكْمَة فِي وَضْعهَا عِنْد الرُّكْبَة مَنْعهَا مِنْ الْعَبَث، وَأَمَّا قَوْله: «وَوَضَعَ يَده الْيُمْنَى عَلَى فَخِذه الْيُمْنَى»؛ فَمُجْمَعٌ عَلَى اِسْتِحْبَابه. اهـ","vol":"2","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-908>مسألة [١]: حالات أصابع اليد اليمنى</span>.\nلها حالتان:\nالأولى: أن يقبض الأصابع كلها، ويُشير بالسَّبابة، وعليه يدل حديث ابن عمر -﵄-، الذي في الباب.\nالثانية: أن يقبض الخنصر، والبنصر، ويضع الإبهام على الوسطى، مُحَلِّقًا بها حلقة، ويشير بالسبابة، وعليه يدل حديث وائل بن حجر المتقدم، وحديث عبد الله بن الزبير، ويُحتمل في حديث عبد الله بن الزبير أن يضع إبهامه على الوسطى بدون تحليق، والله أعلم.\nتنبيه: ذهب بعض أهل العلم إلى تخصيص رفع السبابة عند التشهد أعني عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، وهذا قول الشافعية، والحنفية، وهو قولٌ لا دليل عليه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-909>مسألة [٢]: لو كانت سبَّابة اليد اليمنى مقطوعة</span>.\n• قال النووي -﵀- في «شرح مسلم»: ويشير بِمُسَبِّحتِه اليمنى لا غير، فلو كانت مقطوعة، أو عليلة لم يُشِرْ بغيرها، لا من الأصل باليمنى، ولا باليسرى. اهـ\nقلتُ: وما ذكره النووي هو مذهب الحنابلة أيضًا، وهو الصحيح.\n• وقد ذهب المالكية إلى استحباب رفع الأصبع اليسرى. (^٢)\n_________\n(^١) «الموسوعة الكويتية» (٢٧/ ١٠٠).\n(^٢) «الموسوعة الكويتية» (٢٧/ ١٠١).","vol":"2","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-910>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-911>مسألة [١]: موضع البصر في التشهد</span>.\nقال النووي -﵀-: والسُّنَّةُ أن لا يجاوز بصره إشارتَه، وفيه حديث صحيح في «سنن أبي داود». انتهى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يُشيرُ النووي -﵀- إلى حديث عبد الله بن الزبير عند أبي داود (٩٩٠)، والنسائي (٣/ ٣٩)، وغيرهما، وفيه: «وأشار بالسبابة، ولا يجاوز بصره إشارته»، وهو حديثٌ حسنٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>مسألة [٢]: تحريك الإصبع في التشهد</span>.\n• ذهب بعض أهل العلم إلى تحريك الإصبع، وهو قول بعض الشافعية والمالكية واستدلوا بما جاء في حديث وائل بن حُجر -﵁-، في صفة صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها»، أخرجه البيهقي (٢/ ١٣٢)، وغيره.\n• وذهب أكثر أهل العلم إلى عدم التحريك؛ لأنَّ كل من روى صفة جلوس النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في التشهد ذكر الإشارة، ولم يذكر التحريك، بل ثبت عند أبي داود، والنسائي بإسناد ظاهره الحسن عن عبدالله بن الزبير، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يُشير","vol":"2","page":519},{"text":"بإصبعه إذا دعا ولا يحركها. (^١)\nوأما حديثهم؛ فقد أُعِلَّ بالشذوذ، تفرد بالزيادة المذكورة: زائدة بن قدامة، وخالفه جمعٌ من الرواة، فلم يذكروها، وقد أشار إلى شذوذها ابن خزيمة، والبيهقي. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود برقم (٩٨٩)، والنسائي (٣/ ٣٧) من طريق: زياد بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن عامر بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه، به، وقد خولف زياد بن سعد، فرواه جمعٌ عن ابن عجلان بدون زيادة: «ولا يحركها»، وهم: الليث بن سعد، وأبو خالد الأحمر، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد. ورواه عثمان بن حكيم، ومخرمة بن بكير، عن عامر كذلك بدون الزيادة المذكورة.\nوقد ضعف هذه الزيادة ابنُ القيم، والإمام الألباني رحمة الله عليهما، وانظر البحث المتقدم في «صفة الصلاة» (ص ٨٥٢ - ٨٥٣).\n(^٢) وانظر «الموسوعة الكويتية» (٢٧/ ١٠١)، «مواهب الجليل» (٢/ ٢٥٠)، «البشارة في شذوذ التحريك وثبوت الإشارة».","vol":"2","page":520},{"text":"٣٠٣ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁-، قَالَ: التَفَتَ إلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ للهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ، فَيَدْعُو». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\nوَلِلنَّسَائِيِّ: كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ. (^٢)\nوَلِأَحْمَدَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢).\n(^٢) زيادة شاذة. أخرجها النسائي في «الكبرى» (١٢٠٠)، من طريق سفيان بن عيينة عن الأعمش ومنصور عن شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود به.\nقال ابن عبدالبر في «الاستذكار» (٤/ ٢٨٧): تفرد ابن عيينة بقوله: (قبل أن يفرض علينا التشهد). ا هـ\nقلتُ: قد رواه جماعة كثر بدون هذه الزيادة، فرواه عن الأعمش أبومعاوية وزائدة بن قدامة ويحيى بن سعيد وشعبة ويعلى وأبونعيم وحفص بن غياث وعبدالله بن نمير وأبو أسامة وابن فضيل ووكيع وابن إدريس وغيرهم بدون الزيادة. وانظر مصادر رواياتهم في «المسند الجامع» (١١/ ٥٣٥).\nورواه عن منصور بدون الزيادة: زائدة وشعبة وجرير بن عبدالحميد كما في «المسند الجامع» (١١/ ٥٣٦).\nوقد تابع الأعمشَ ومنصورًا على عدم ذكر هذه الزيادة جامعُ بن أبي راشد، وحمادُ بن أبي سليمان، وحصينُ بن عبدالرحمن، وأبو هاشم يحيى بن دينار، والمغيرةُ بن مقسم وغيرهم كلهم رووه عن شقيق بن سلمة بدون هذه الزيادة كما في «المسند الجامع» (١١/ ٥٣٧) فتبين أنها زيادة شاذة بدون ريب، والله أعلم.\n(^٣) ضعيف. أخرجه أحمد (١/ ٣٧٦)، وفي إسناده خصيف بن عبدالرحمن الجزري، وهو سيئ الحفظ، وفيه انقطاع فإن أبا عبيدة بن عبدالله بن مسعود يرويه عن أبيه ولم يسمع منه.","vol":"2","page":521},{"text":"٣٠٤ - وَلِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ: «التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلهِ» إلَى آخِرِهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>مسألة [١]: حكم التشهد الأول</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه مُستحبٌّ، واستدلوا بحديث عبد الله ابن بحينة في «الصحيحين» (^٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نساه، فجبره بسجود السهو، ولم يرجع إليه.\n• وذهب الثوري، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وغيرهم إلى وجوبه، وأنه إنْ تركه عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا سجد للسهو، وحكاه الطحاوي عن مالك.\nواستدلوا بحديث ابن مسعود عند النسائي (٢/ ٢٣٨)، وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا قعدتم في كل ركعتين، فقولوا: التحيات لله ...»، وهو حديث صحيح، واستدلوا بمداومة فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع قوله: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلي»، وحديث ابن بحينة يدل على سقوطه بالسهو، ويجبره بالسجدتين.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: هذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٤٠٣).\n(^٢) سيأتي في الكتاب برقم (٣٢٠).\n(^٣) وانظر: «فتح الباري» (٥/ ١٦٦ - ١٦٧) لابن رجب، «المغني» (٢/ ٢١٧)، «المجموع» (٣/ ٤٥٠).","vol":"2","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-914>مسألة [٢]: حكم التشهد الأخير</span>.\n• ذهب كثير من العلماء إلى أنَّ التشهد الأخير من أركان الصلاة، وهو قول الحسن، ومكحول، ونافع، والشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وحُكي عن مالك.\nواستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم في المسألة السابقة، وبقوله في حديث الباب: «كنا نقول قبل أن يُفرض علينا التشهد»، وقد تقدم أنها زيادة شاذة، وبحديث أبي موسى عند مسلم (٤٠٤) مرفوعًا: «إذا كان أحدكم عند القعدة؛ فليكن من أول قول أحدكم: التحيات لله ...».\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه سنَّة لا تبطل الصلاة بتركه، منهم: النخعي، وقتادة، وحماد، والأوزاعي، وهو المشهور عن مالك، وهو رواية عن أحمد، واستدلوا بحديث ابن بحينة كما في المسألة السابقة.\n• وقال طائفة من أهل العلم: هو واجبٌ تبطل الصلاة بتركه عمدًا، ويسجد لسهوه، وهو قول الزهري، والثوري، وحُكي عن الأوزاعي، وهو رواية عن أحمد.\nواستدلوا بالأدلة السابقة للوجوب.\nواستدلوا بأنه يسقط لسهوه، ويجبر بسجدتي السهو: بحديث عبد الله ابن بحينة، وهو قول أبي خيثمة، وابن أبي شيبة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: هذا القول الأخير هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ١٦٧ - ١٦٩)، «المغني» (٢/ ٢٢٦).","vol":"2","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-915>مسألة [٣]: المختار من صيغ التشهد</span>.\nأكثر العلماء اختاروا تشهد ابن مسعود -﵁-، واختار الشافعي، والليث تشهد ابن عباس -﵄-، واختار مالك تشهد عمر بن الخطاب -﵁-، ولفظه: «التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات، الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»، أخرجه مالك في «الموطإ» (١/ ٩٠)، وإسناده صحيح.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: كل ما صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من التشهدات؛ فإنه يجزئ، وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك، والواقع وجود خلاف شاذ، والمختار عندي: أن يقول بهذا تارة وبذاك أخرى، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-916>مسألة [٤]: هل يقول: السلام عليك أيها النبي، أم: السلام على النبي</span>؟\nأخرج البخاري (٦٢٦٥) حديث ابن مسعود في التشهد، وفي آخره: قال ابن مسعود: وهو بين ظهرانينا، فلما قُبِضَ قلنا: السلام. يعني: على النبي.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في شرح حديث (٨٣١): كَذَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة فِي «صَحِيحه»، وَالسَّرَّاج، وَالْجَوْزَقِيّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة إِلَى أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ: «فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: السَّلَام عَلَى النَّبِيّ» بِحَذْفِ لَفْظ: (يَعْنِي)، قَالَ السُّبْكِيُّ فِي «شَرْح الْمِنْهَاج» بَعْد أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ عِنْد أَبِي عَوَانَة وَحْده: إِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ١٧٨ - ١٨١) رقم الحديث (٨٣١).","vol":"2","page":524},{"text":"الصَّحَابَة دَلَّ عَلَى أَنَّ الْخِطَاب فِي السَّلَام بَعْد موت النَّبِيّ - ﷺ - غَيْر وَاجِب، فَيُقَال: السَّلَام عَلَى النَّبِيّ. قُلْتُ: قَدْ صَحَّ بِلَا رَيْب، وَقَدْ وَجَدْت لَهُ مُتَابِعًا قَوِيًّا. قَالَ عَبْد الرَّزَّاق: أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاء، أَنَّ الصَّحَابَة كَانُوا يَقُولُونَ -وَالنَّبِيّ - ﷺ - حَيٌّ-: السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ، فَلَمَّا مَاتَ قَالُوا: السَّلَام عَلَى النَّبِيِّ. وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح. انتهى كلام الحافظ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: والذي ذهب إليه أكثر العلماء أن يقال: السلام عليك أيها النبي، وهو الصواب؛ لأنَّ هذا هو الذي علمناه رسولنا، ونبينا محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فلا نعدل عنه.\nوما جاء عن بعض الصحابة؛ فقد خالفهم غيرهم من الصحابة، فقد ثبت عن عمر -﵁- في «موطإِ مالك» (١/ ٩٠) وغيره: أنه كان يُعَلِّم الناس التشهد على المنبر، ويقول فيه: السلام عليك أيها النبي. وهو بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحدٌ، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-917>مسألة [٥]: زيادة التسمية قبل التشهد</span>.\nجاءت زيادة التسمية قبل التشهد في حديث جابر -﵁-، عند النسائي (٢/ ٢٤٣)، وابن ماجه (٩٠٢)، والبيهقي (٢/ ١٤١)، وغيرهم، وهو حديث مُعَلٌّ، وزيادة شاذَّةٌ؛ فإنَّ راويه: أيمن بن نابل رواه عن أبي الزبير، فجعله عن جابر سَلَكَ الجادَّةَ وزاد فيه التسمية، وقد رواه: الليث بن سعد، وغيره عن أبي\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٢٠)، «المجموع» (٣/ ٤٥٥).","vol":"2","page":525},{"text":"الزبير، عن سعيد بن جبير، وطاوس، عن ابن عباس -﵄-، فذكر حديث الباب، وليس فيه التسمية.\nوحديث جابر -﵁-، قد أعلَّهُ البخاري، والنسائي، والدارقطني، والترمذي، وابن المنذر، وغيرهم، وعلى هذا فلا يُسَمَّى في بداية التشهد، بل يُبْدَأ بالتحيات، ويؤيد ذلك حديث أبي موسى عند مسلم (٤٠٤): «إذا كان أحدكم في القعدة؛ فليكن من أول قوله: التحيات لله ..».\nوفي «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٩٤): حدثنا ابن فضيل، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية، قال: سمع ابن عباس، رجلا يصلي، فلما قعد يتشهد قال: الحمد لله، التحيات لله، قال: فقال ابن عباس وهو ينتهره: «الحمد لله إذا قعدت، فابدأ بالتشهد بالتحيات لله». إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين.\nوأخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٩٨) عن الثوري، عن داود بن أبي هند به.\nهذا وقد جاء عن ابن عمر -﵄- بإسنادٍ صحيح عند مالك (١/ ٩١)، وعبد الرزاق (٢/ ١٩٨) أنه كان يزيد في أول التشهد قوله: «بسم الله».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-918>مسألة [٦]: إذا نقص المصلي بعض ألفاظ التشهد</span>.\nفي «الموسوعة الفقهية الكويتية» (١٢/ ٣٦) ما نصُّه:\n• ذهب الحنفية إلى أنه يكره تحريمًا أن يزيد في التشهد حرفًا، أو يبتدئ بحرف قبل حرف.","vol":"2","page":526},{"text":"قال أبو حنيفة: ولو نقص من تشهده أو زاد فيه كان مكروها؛ لأن أذكار الصلاة محصورة، فلا يزاد عليها.\nثم أضاف ابن عابدين قائلا: والكراهة عند الإطلاق للتحريم.\n• ويكره كذلك عند المالكية الزيادة على التشهد، واختلفوا في ترك بعض التشهد، فالظاهر من كلام بعض شيوخهم عدم حصول السنة ببعض التشهد، خلافا لابن ناجي في كفاية بعضه، قياسا على السورة.\n• وأما الشافعية فقد فصلوا الكلام، وقالوا: إن لفظ المباركات والصلوات، والطيبات والزاكيات سنة ليس بشرط في التشهد، فلو حذفها كلها واقتصر على الباقي أجزأه من غير خلاف عندهم.\nوأما لفظ: «السلام عليك ...» إلخ فواجب لا يجوز حذف شيء منه، إلا لفظ: «ورحمة الله وبركاته».\nوفي هذين اللفظين ثلاثة أوجه:\nأصحها عدم جواز حذفهما.\nوالثاني: جواز حذفهما.\nوالثالث: يجوز حذف «وبركاته»، دون: «رحمة الله».\nوكذلك الترتيب بين ألفاظها مستحب عندهم على الصحيح من المذهب، فلو قدم بعضه على بعض جاز، وفي وجه لا يجوز كألفاظ الفاتحة.","vol":"2","page":527},{"text":"والحنابلة يرون أنه إذا أسقط لفظة هي ساقطة في بعض التشهدات المروية صح تشهده في الأصح. وفي - ﷺ - واوا أو حرفا أعاد الصلاة، لقول الأسود: فكنا نتحفظه عن رسول الله - ﷺ - كما نتحفظ حروف القرآن. انتهى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أصح الأقوال في المسألة ما ذهب إليه الحنابلة من أنه لا يجوز إسقاط لفظة من التشهد، مما لم تسقط من جميع التشهدات، وأنه إذا أسقط لفظة قد سقطت من بعض التشهدات الثابتة عن النبي - ﷺ - أن تشهده صحيح.","vol":"2","page":528},{"text":"٣٠٥ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ -﵁- قَالَ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ، وَلَمْ يَحْمَدِ اللهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «عَجِلَ هَذَا» ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ (^١) رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (^٢)\n\n٣٠٦ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ -﵁-، قَالَ: قَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَرَنَا اللهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْك فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: «قُولُوا اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\nوَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِيهِ: فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْك فِي صَلَاتِنَا؟ (^٤)\n_________\n(^١) وقع في المخطوطتين: (بتمجيد)، والمثبت هو الصواب كما في مصادر الحديث.\n(^٢) صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ١٨)، وأبو داود (١٤٨١)، والنسائي (٣/ ٤٤ - ٤٥)، والترمذي (٣٤٧٧)، وابن حبان (١٩٦٠)، والحاكم (١/ ٢٣٠)، من طرق عن حيوة بن شريح، عن أبي هانئ الخولاني حميد بن هانئ، عن عمرو بن مالك أبي علي الجنبي، عن فضالة بن عبيد به. وإسناده صحيح، رجاله ثقات.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٤٠٥).\n(^٤) حسن. أخرجه ابن خزيمة برقم (٧١١)، وهو في «مسند أحمد» (٤/ ١١٩)، من طريق محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري، عن أبي مسعود الأنصاري به. وإسناده حسن، وابن إسحاق قد صرح بالسماع.","vol":"2","page":529},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-919>مسألة [١]: حكم الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في التشهد الأخير</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: أنها ركنٌ من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة بدونها على كل حال، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية عنه، واستدلوا بالأمر بها في حديث فضالة، وأبي مسعود.\nالثاني: تصحُّ الصلاة بدونها مع السهو دون العمد، وهو رواية عن أحمد، وإسحاق.\nالثالث: الاستحباب، وتصحُّ الصلاة بدونها بكل حال، وهو قول أكثر العلماء، منهم: أبو حنيفة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد وإسحاق في رواية عنهما، وداود، وابن جرير، وغيرهم، واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم: «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو»، يعني بعد التشهد.\nواستدلوا بحديث فَضَالة بن عبيد؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر من صلَّى، ولم يصلِّ عليه بالإعادة، حيث لم يكن يعلم ذلك، وقد أمر المسيء في صلاته بالإعادة؛ فدلَّ على أنَّ ذلك غير واجب.\nواستدلوا بحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لرجلٍ: «ما تقول في الصلاة؟» قال: أتشهد، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، أَمَا إني لا أُحسنُ دندنتك، ولا دندنة","vol":"2","page":530},{"text":"معاذ، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «حولها ندندن»، جاء عن رجلٍ من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- (^١)، وهو في «الصحيح المسند» (١٤٦١).\nوأما الأمر بها في الحديث الآخر؛ فلا يدل على الوجوب؛ فإنه إنما أمرهم عند سؤالهم عنه، وهذه قرينة تُخْرِجُ الأمر عن الوجوب على ما ذكره طائفة من الأصوليين؛ فإنه لو كان أمره للوجوب لابتدأهم به، ولم يؤخره إلى سؤالهم مع حاجتهم إلى بيان ما يجب في صلاتهم؛ فإنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ فدلَّ على أنه اكتفى بالسلام عليه عن الصلاة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثالث هو الصواب، والله أعلم، وقد ثبت عن ابن عمر -﵄- أنه كان يوالي التشهد بالتسليم. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٠٤) بإسنادٍ صحيح. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>مسألة [٢]: هل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تكون في التشهد الأول أيضًا</span>؟\n• ذهب أحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، والشافعي في قول، والثوري، وعزاه ابن رجب إلى أكثر العلماء، إلى أنَّ الجلوس الأول يُقتصر فيه على التشهد، ولا يزيد عليه الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، واستدلوا بحديث ابن مسعود -﵁- عند أحمد (٣٦٥٦)، وأبي داود (٩٩٥)، والترمذي (٣٦٦)، وغيرهم، أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قعد في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف. ولكن الحديث ضعيف؛ فإنه من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود برقم (٧٩٢).\n(^٢) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب -﵀- (٥/ ١٩٧ - ١٩٩)، رقم الحديث (٨٣٥).","vol":"2","page":531},{"text":"واستدلوا بما جاء عن أبي بكر الصديق -﵁-، أنه كان إذا جلس في الركعتين كأنه على الرضف. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٩٥) من طريقين: أحداهما فيها انقطاع؛ سلمة بن تميم لم يسمع من أبي بكر -﵁-. والثانية: فيها رجل مبهم.\n• وذهب الشافعي في الجديد، وهو الأصح عند الشافعية إلى أنه يُشرع للمصلي أن يصلي على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في التشهد الأول.\nوقد استدل بعضهم لهذا القول بحديث عائشة عند أبي عوانة (٢٢٩٥): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي من الليل تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيدعو ربَّه، ويصلي على نَبِيِّهِ، ثم ينهض، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيقعد، ثم يحمد ربَّه، ويصلي على نبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يُسْمِعُنا. وإسناده صحيح، وأصله في «مسلم» بغير هذا اللفظ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب -والله أعلم- القول الأول؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالصلاة عليه، ولم يعين التشهد الأول أو الأخير، وقد أجمعوا على مشروعيته في الأخير دون الأول، وحديث فَضَالَة يؤيد ذلك؛ فإن فيه بعد الصلاة ذكر الدعاء، وهذا في التشهد الأخير.\nثم ظهر لي أن الإتيان به في التشهدين أقرب؛ لحديث عائشة -﵂- في قيام الليل، الذي تقدم ذكره؛ ولأن قول الصحابة: (قد علمنا كيف نسلم عليك؛ فكيف نصلي عليك)، يشمل التشهد الأول والأخير؛ فإن السلام حاصلٌ في التشهدين؛ فكذلك الصلاة في التشهدين. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٣/ ٤٦٠)، «الفتح» لابن رجب (٥/ ١٨٦ - ١٨٧) برقم: (٨٣٥).","vol":"2","page":532},{"text":"٣٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمِ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «إذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ».\n\n٣٠٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ قُلْ: «اللهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك وَارْحَمْنِي، إنَّك أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-921>مسألة [١]: الدعاء بعد التشهد</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ١٨٧): الدعاء في التشهد الأخير قبل السلام مشروعٌ بلا خلاف. اهـ\nقلتُ: وقد اختلفوا في حكم الاستعاذة من الأربع، فذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها، حُكي ذلك عن طاوس، وقال به بعض أهل الظاهر.\nقال ابن رجب -﵀-: وحكى بعض أصحابنا وجهًا لهم بمثل ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٥٨٨). ولم يخرجه البخاري بهذا اللفظ، بل أخرجه (١٣٧٧) من قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا من أمره، فالحديث باللفظين انفرد به مسلم (٥٨٨) (١٢٨) (١٣٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥).","vol":"2","page":533},{"text":"• وذهب جمهور العلماء إلى استحباب الاستعاذة من الأربع، وصرفوا الأمر في حديث أبي هريرة من الوجوب إلى الاستحباب، والصارف عندهم حديث ابن مسعود، وحديث الفتى الَّلذان تقدَّما في [حكم الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-]، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-922>مسألة [٢]: الدعاء بما ليس في القرآن</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ١٨٨ - ١٨٩): وقوله «ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ، فَيَدْعُو» يستدل به على أنه يجوز الدعاء في الصلاة بما لا يوافق لفظه لفظ القرآن، وعامة الأدعية المروية عن النبي - ﷺ - في صلاته كذلك، وقد سبق في الباب الماضي بعض ذلك، وهذا قول جمهور العلماء، خلافًا لأبي حنيفة، والثوري في قولهما: لا يدعو في صلاته إلا بما يوافق لفظَ القرآن؛ فإن خالف بطلت صلاته. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن حجر (٨٣٥)، ولابن رجب (٨٣٥).","vol":"2","page":534},{"text":"٣٠٩ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ -﵁- قَالَ: صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ» وَعَنْ شِمَالِهِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-923>مسألة [١]: حكم التسليم</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أن التسليم ركنٌ من أركان الصلاة، واستدلوا بحديث علي -﵁-، قال: قال رسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (^٢)،\n_________\n(^١) معل. أخرجه أبوداود (٩٩٧)، والطبراني في «الكبير» أيضًا (٢٢/ ٤٥) من طريق موسى بن قيس الحضرمي عن سلمة بن كهيل عن علقمة بن وائل عن أبيه فذكره.\nقال الطبراني عقب الحديث: هكذا رواه موسى بن قيس، عن سلمة قال: (عن علقمة بن وائل) وزاد في السلام (وبركاته). اهـ\n\nقال أبوعبدالله وفقه الله: هذه إشارة من الطبراني أن موسى بن قيس لم يحفظ الحديث على وجهه. وموسى بن قيس حسن الحديث، وقد خالفه سفيان الثوري عند أحمد (٤/ ٣١٧)، والطبراني (٢٢/ ٤٤) وشعبة بن الحجاج عند الطحاوي (١/ ٢٦٩) والطبراني (٢٢/ ٤٥) والبيهقي (٢/ ١٧٨) وكذلك العلاء بن صالح عند الطبراني (٢٢/ ٤٥). ثلاثتهم رووا الحديث عن سلمة ابن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر بلفظ: (ويسلم عن يمينه ويساره) وليس فيه لفظ السلام. فروايته شاذة، والله أعلم.\nتنبيه: زيادة (وبركاته) على الشمال في حديث وائل جاءت في بعض النسخ من «سنن أبي داود» وقد أثبتها جمع من العلماء منهم ابن عبدالهادي وابن دقيق العيد والحافظ في «التلخيص» والنووي وابن قدامة وذكر الحديث بدونها جمع، منهم: عبدالحق الأشبيلي في «الأحكام الوسطى» وابن الأثير في «جامع الأصول» والحافظ ابن حجر في «نتائج الأفكار» والزيلعي وابن رجب في «الفتح».\nوهذا أقرب؛ لأن البغوي رواه من طريق أبي داود، ورواه الطبراني من طريق موسى بن قيس بدونها، والله أعلم.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٦١٨)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٢٧٥)، وأحمد (١/ ١٢٣)، وفي إسناده: عبدالله بن محمد بن عقيل، مختلف فيه، والراجح ضعفه، ولكن الحديث حسن يشهد له فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقد كان يفتتح الصلاة بالتكبير، ويختمها بالتسليم، وداوم على ذلك حتى توفاه الله.\nويشهد له حديث عائشة -﵂- في «صحيح مسلم» (٤٩٨): كان النبي - ﷺ - يستفتح الصلاة بالتكبير ... قالت: وكان يختم الصلاة بالتسليم.","vol":"2","page":535},{"text":"وهو حديث حسنٌ -إن شاء الله-، واستدل ابن حزم على ذلك بحديث ابن مسعود في سجود السهو، وفيه: «فليتم صلاته، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين».\n• وذهب طائفة من الفقهاء إلى أنه لا يجب، بل يجوز له الخروج من صلاته بفعل كل منافٍ لها من أكل، أوشربٍ، أو كلامٍ، أو حَدَثٍ، وهو قول الحكم، وحماد، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، وإسحاق.\nواستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «إذا أحدث أحدكم، وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يُسلم جازت صلاته»، خرَّجه الترمذي (٤٠٨)، وفي إسناده: عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيفٌ، وقد اضطرب في إسناده.\nقال ابن رجب -﵀-: ورفعه منكرٌ جدًّا، ولعله موقوفٌ، والإفريقي لا يُعتمد على ما ينفرد به. انتهى.\nواستدلوا بقول ابن مسعود بعد ذكره التشهد: إذا قلت هذا فقد قضيتَ صلاتَكَ، إنْ شئت أن تقوم؛ فقم، وإن شئت أن تقعد؛ فاقعد. وهذا لا يدل على ما ذهبوا إليه، بل مراد ابن مسعود -﵁-: فقد قضيتَ صلاتك، وبقي عليك التسليم، ويدل على ذلك أنه قد ثبت عنه أنه قال كما في «الأوسط» (٣/ ٧٦) لابن المنذر: الصلاة تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم.","vol":"2","page":536},{"text":"والصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-924>مسألة [٢]: هل تجب التسليمة الثانية</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٢١٣ - ٢١٤): والقائلون بالتسليمتين أكثرهم على أنه لو اقتصر على تسليمة واحدة أجزأه، وصحت صلاته، وذكره ابن المنذر إجماعًا ممن يحفظ عنه من أهل العلم. وذهب طائفة منهم إلى أنه لا يخرج من الصلاة إلا بالتسليمتين معًا، وهو قول الحسن بن حي وأحمد في روايةٍ عنه وبعض المالكية وبعض أهل الظاهر، واستدلوا بقوله -﵇-: «تحليلها التسليم»، وقالوا: التسليم هو ما عهد منه فعله، وهو التسليمتان، وبقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وقدكان يسلم تسليمتين. ومن ذهب إلى قول الجمهور، قال: التسليم مصدرٌ، والمصدر يصدق على القليل والكثير، ولا يقتضي عددًا، فيدخل فيه التسليمة الواحدة، واستدلوا بأن الصحابة قد كان منهم من يسلم تسليمتين، ومنهم من يسلم تسليمةً واحدةً، ولم ينكر هؤلاء على هؤلاء، بل قد روي عن جماعةٍ منهم التسليمتان، والتسليمة الواحدة، فَدَلَّ على أنهم كانوا يفعلون أحيانًا هذا، وأحيانًا هذا، وهذا اجماع منهم على أن الواحدة تكفي. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب، وقد صحَّت التسليمة عن أنس، وابن عمر، وعائشة -﵃-. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ٢١٦)، «المغني» (٢/ ٢٤٠)، «المحلَّى» (٣٧٦)، «المجموع» (٣/ ٤٨١).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٤٣)، «الأوسط» (٣/ ٢٢٣)، «المجموع» (٣/ ٤٨١ - ٤٨٢).","vol":"2","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-925>مسألة [٣]: صفة التسليم</span>.\n• ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ صفة التسليم: «السلام عليكم ورحمة الله»، عن يمينه وشماله، وقد جاء في ذلك أحاديث:\nمنها: حديث جابر بن سمرة في «مسلم» (٤٣١)، قال: كُنَّا إذا صلينا مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قلنا: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «علامَ تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمس ...»، الحديث.\nومنها: حديث ابن عمر -﵄- في «مسند أحمد» (٦٣٩٧)، و«أبي يعلى» (٥٧٦٤)، و«سنن النسائي» (٣/ ٦٢)، وغيرهم: أنه سئل عن صلاة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كيف كانت؟ قال: «الله أكبر»، كلما وضع ورفع، ثم يقول: «السلام عليكم ورحمة الله»، عن يمينه، «السلام عليكم ورحمة الله» عن يساره.\nومنها: حديث عمار بن ياسر -﵁- في «سنن ابن ماجه» (٩١٦)، وهو في «الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين»، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُسلم عن يمينه، وعن يساره، حتى يُرى بياض خَدِّه: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله».\nقال ابن رجب -﵀-: ولو اقتصر على قوله: «السلام عليكم»؛ أجزأه عند جمهورهم، ولأصحاب أحمد فيه وجهان. انتهى.","vol":"2","page":538},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: أما الإجزاء؛ فإنه يجزئه، ولكنه ترك الأفضل؛ وذلك لأنه يشمله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تحليلها التسليم».\nوقد صحَّ عن علي كما في «مصنف عبد الرزاق» (٢/ ٢١٩)، أنه اقتصر عليها في الجانبين.\nقال ابن رجب -﵀-: وكان من السلف من يقول في التسليمة الأولى: «السلام عليكم ورحمة الله»، ويقتصر في الثانية على: «السلام عليكم»، ورُوي عن عمار -﵁- (^١)، وغيره، وقد تقدم حديث ابن عمر -﵄-، المرفوع بموافقة ذلك. اهـ\nقلتُ: أراد بحديث ابن عمر -﵄-، ما أخرجه أحمد (٥٤٠٢)، والنسائي (٣/ ٦٣)، من طريق: عبد العزيز الدراوردي، عن عمرو بن يحيى المازني، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر -﵄-، عن صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فقال: «الله أكبر»، كلما وضع ورفع، ثم يقول: «السلام عليكم، ورحمة الله»، عن يمينه، وعن يساره: «السلام عليكم»، وهذا إسناد ظاهره الصحة.\nولكن قد رواه أحمد (٦٣٩٧)، والنسائي (٣/ ٦٢)، وأبو يعلى (٥٧٦٤)، وغيرهم من طريق: ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن يحيى بإسناده، فذكر الحديث، وزاد في الشمال: «ورحمة الله».\n_________\n(^١) ثبت عن عمار -﵁- في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٢٩٩)، أنه سلم عن يمينه وشماله: «السلام عليكم ورحمة الله».","vol":"2","page":539},{"text":"وأخرجه الطبراني (١٣٣١٣) بإسناد صحيح من طريق: خالد الواسطي، عن عمرو بن يحيى كذلك بزيادة: «ورحمة الله»؛ فالظاهر أنَّ زيادة: «ورحمة الله» محفوظة، وقصَّر الدراوردي.\nقال ابن رجب -﵀-: وقالت طائفة: يزيد مع ذلك: (وبركاته)، ومنهم: الأسود بن يزيد كان يقولها في التسليمة الأولى، وقال النخعي: أقولها، وأُخفيها، واستحبه طائفة من الشافعية، وقد خرَّج أبو داود من حديث وائل بن حُجر ...، فذكر حديث الباب. انتهى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: تقدم أنَّ حديث وائل بن حجر -﵁- ليس بمحفوظ؛ فعلى هذا فلا يزيد: «وبركاته».\nتنبيه: جاءت أحاديث مرفوعة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أنه كان يُسلم تسليمة واحدة، ولم يثبت منها شيء، وقد جزم بذلك بعض الحفاظ والأئمة، منهم: أحمد، وابن المديني، والأثرم، وابن حزم، والعقيلي، والبزار، وابن عبد البر، والنووي، وابن القيم، وابن رجب، وغيرهم ... . (^١)\n_________\n(^١) وانظر رسالة «كشف اللثام في ضعف حديث التسليمة الواحدة ووجوب الإتمام»، وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ٢٠٨، ٢١٥)، «المغني» (٢/ ٢٤٤)، «المجموع» (٣/ ٤٧٨)، «نصب الراية» (١/ ٤٣٣)، «نظم المتناثر» (١/ ٩٨)، «فتح الباري» (٨٣٨).","vol":"2","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-926>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>مسألة [١]: متى يُسلم المأموم</span>؟\n• استحب أهل العلم أن يُسلم المأموم عَقِبَ الإمام مباشرة، وبوَّبَ البخاري في «صحيحه»: [باب: يسلم حين يسلم الإمام]، وهو قول أحمد، وإسحاق، والشافعي، واستدل عليه البخاري بحديث عتبان بن مالك، قال: صلينا مع رسول الله - ﷺ -، فسلمنا حين سلَّم.\n• وقال القاضي أبو الطيب الطبري -﵀- -من الشافعية-: إذا سلَّم الإمام؛ فالمأموم بالخيار: إنْ شاء سلَّم بعده، وإن شاء استدام الجلوس للتعوذ، والدعاء، وأطال ذلك، وعلل ذلك بأنه قد انقطعت قدوته بالإمام بسلامه.\nوهذا مخالفة لنص الشافعي، وعامة أصحابه، وللمأثور عن الصحابة.\nقال البخاري -﵀- في «صحيحه»: وكان ابن عمر يستحب إذا سلَّم الإمام أن يسلم من خلفه.\nقال ابن رجب -﵀-: روى وكيع بإسناده عن مجاهد قال: سألت ابن عمر، قلت: يُسلم الإمام وقد بقي شيء من الدعاء أدعو، أو أُسلم؟ قال: لا، بل سلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» لابن رجب (٥/ ٢٢٠)، حديث رقم (٨٣٨).","vol":"2","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-928>مسألة [٢]: هل يسلم المأموم عقب فراغ الإمام من التسليمتين، أم التسليمة الأولى فقط</span>؟\n• قال ابن رجب -﵀-: والأُولى للمأموم أن يسلم عقب فراغ الإمام من التسليمتين؛ فإنْ سلَّمَ بعد تسليمته الأُولى؛ جاز عند من يقول: إنَّ الثانية غير واجبة؛ لأنه يرى أنَّ الإمام قد خرج من صلاته بتسليمته الأُولى، ولم يَجُزْ عند من يرى أنَّ الثانية واجبة، لا يخرج من الصلاة بدونها. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>مسألة [٣]: إذا سلَّمَ المأموم مع تسليم إمامه</span>.\n• قال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٢٢١): ولو سلَّم المأموم مع تسليم إمامه؛ ففي بطلان صلاته لأصحابنا وأصحاب الشافعي وجهان، والأصح عندنا، وعندهم أنه لا تبطل صلاته، كما لو قارنه في سائر الأركان، سوى تكبيرة الإحرام، ومذهب مالك البطلان. انتهى.\nقلتُ: والأصح عدم البطلان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-930>مسألة [٤]: إذا سلَّمَ المأموم قبل تسليم إمامه</span>.\nقال ابن رجب -﵀-: وإنْ سلَّم المأموم قبل سلام إمامه؛ لم يَجُزْ، وبطلت صلاته إنْ تعمد ذلك، ولم ينو مفارقته على وجهٍ يجوز معه المفارقة إلا عند من يرى أنَّ السلام ليس من الصلاة، ويخرج منها بانتهاء التشهد، أو بدون تشهد عند من يرى أنَّ التشهد الأخير سُنَّة. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) «الفتح» (٥/ ٢٢٠).\n(^٢) «الفتح» (٥/ ٢٢٢).","vol":"2","page":542},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-931>مسألة [٥]: الالتفات عند السلام</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٢٤٧): ويُسَنُّ أنْ يلتفت عن يمينه في التسليمة الأُولى، وعن يساره في الثانية، كما جاءت السنة في حديث ابن مسعود، وسعد، ووائل بن حُجر، وجابر بن سمرة، وغيرهم. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-932>مسألة [٦]: حكم رَدِّ المأموم على سلام الإمام، وكذا على سلام المأمومين</span>.\n• جاء في هذه المسألة حديثان:\nالأول: ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (٤٣١)، من حديث جابر بن سمرة، قال: كُنَّا إذا صلينا مع رسول الله - ﷺ -، فقلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله - ﷺ -: «عَلَامَ تُومِئُون بِأَيْدِيْكُم كَأَنَّها أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، إِنَّما يَكْفِي أَحَدَكُم أَنْ يَضَعَ يَدَهَ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيْهِ مِنْ عَلَى يَمِيْنِهِ وَشِمَالِهِ».\nالثاني: ما أخرجه أبو داود (١٠٠١)، وابن ماجه (٩٢٢)، من حديث سمرة، قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نردَّ على الإمام، وأن نتحابَّ، وأنْ يسلم بعضنا على بعض. وهو من طريق: الحسن عن سمرة، وقد اختُلِف في سماعه منه، والرَّاجح أنه لم يسمع منه؛ إلا حديث العقيقة.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وقال إسحاق: لا اختلاف بين أهل العلم في الرد على الإمام إذا سلَّمَ كما سلَّم. اهـ","vol":"2","page":543},{"text":"قلتُ: ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أن سلام المأمومين يكفيهم عن الرد على الإمام، فقد بوب البخاري في «صحيحه»: [باب من لم يرد السلام على الإمام، واكتفى بتسليم الصلاة].\nوهو قول أحمد في رواية، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والنخعي.\nوهذا القول هو الصواب، والله أعلم.\nواستدل عليه البخاري (٨٤٠) بحديث عتبان بن مالك -﵁-، لما دعا النبي - ﷺ - ليصلي في بيته؛ فجاء النبي - ﷺ - فقال: «أين تحب أن أصلي من بيتك؟»، فأشار إلي المكان الذي يحب أن يصلي فيه. قال: فقام، فصففنا خلفه، ثم سلم وسلمنا حين سلم. وأصله في الصحيحين.\n• وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المأموم يرد السلام، واختلفوا على ثلاثة أقوال:\nفمنهم من قال: يرد قبل السلام. وهو قول ضعيفٌ.\nومنهم من قال: يرد بعد السلام.\nومنهم من قال: ينوي بتسليمه الرد على الإمام مع نيته الخروج من الصلاة. وهذا القول أقرب من الذي قبله، وهو قريب من قول من قال: يكتفي بتسليمه ولا يرد على الإمام. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٨٣٩، ٨٤٠)، «المغني» (٢/ ٢٥٠ - ٢٥١)، «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٣٠٧)، «مصنف عبد الرزاق» (٢/ ٢٢٣).","vol":"2","page":544},{"text":"٣١٠ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: «لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت، وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعْت، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْك الجَدُّ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٣١١ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: «اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنَ البُخْلِ، وَأَعُوذُ بِك مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ القَبْرِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\n٣١٢ - وَعَنْ ثَوْبَانَ -﵁-، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ اللهَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\n٣١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، قَالَ: «مَنْ سَبَّحَ اللهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ المِائَةِ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٨٢٢).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٥٩١).\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (٥٩٧).","vol":"2","page":545},{"text":"٣١٤ - [وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ] (^١). (^٢)\n\n٣١٥ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ [-﵁-]، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ لَهُ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك، وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ. (^٣)\n\n٣١٦ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ إلَّا المَوْتُ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٤)\nوَزَادَ فِيهِ الطَّبَرَانِيُّ: «وَقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ». (^٥)\n_________\n(^١) زيادة من المطبوع.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٥٩٦) من حديث كعب بن عجرة -﵁-.\n(^٣) صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٤)، وأبوداود (١٥٢٢)، والنسائي (٣/ ٥٣)، وإسناده صحيح.\n(^٤) أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (١٠٠)، وأخرجه الروياني (١٢٦٨)، والطبراني (٧٥٣٢) من طريق محمد بن حمير، عن محمد بن زياد، عن أبي أمامة به. وهذا الإسناد يحتمل التحسين؛ إلا أن في النفس شيئا من تفرد محمد بن حمير بهذا الحديث؛ فإنه ممن لا يحتمل تفرده به؛ ولذلك قال الدارقطني في «أطراف الغرائب والأفراد» (٤٥٨٦): تفرد به محمد بن حمير.\nوأورد الذهبي هذا الحديث في ترجمته من «ميزان الاعتدال» (٣/ ٥٣٢)، وذكر أنه تفرد بهذا الحديث، وكأنه يشير إلى نكارته. وضعف الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٥٠٨). وقد حسن الحديث الإمام الألباني -﵀- في «الصحيحة» (٩٧٢)، والإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (٤٧٨).\nتنبيه: لم يخرج ابن حبان الحديث في «صحيحه» لكن قال المنذري في «الترغيب»: أخرجه ابن حبان في «كتاب الصلاة» وصححه. فلعل له كتابًا مفردًا في ذلك كما نبه على ذلك الإمام الألباني -﵀- في «صحيحته» (٩٧٢).\n(^٥) أخرجه الطبراني برقم (٧٥٣٢) وفي إسناده محمد بن إبراهيم بن العلاء الحمصي وهو متهم.","vol":"2","page":546},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-933>مسألة [١]: حكم الأذكار عقب الصلاة</span>.\n• قال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٨٤٤): وجمهور أهل العلم على استحبابه، وقد رُويَ عن علي، وابن عباس، وابن الزبير، وغيرهم، وهو قول عطاء، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وخالف فيه طائفة قليلة من الكوفيين. انتهى المراد.\nوالصواب قول الجمهور، ويكون الذكر بما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-934>مسألة [٢]: الدعاء عَقِبَ الصلوات</span>.\nروى الترمذي (٣٤٩٩) عن أبي أمامة -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، سُئل: أيُّ الدعاء أسمع؟ فقال: جَوفُ الليل الآخر، ودُبُرَ الصلوات المكتوبات.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «نتائج الأفكار» (٢/ ٢٣٢): له علل: إحداها: الانقطاع، قال عباس الدُّوري في «تاريخه» عن يحيى بن معين: لم يسمع عبدالرحمن بن سابط من أبي أمامة. ثانيتها: عنعنة ابن جريج. ثالثتها: الشذوذ؛ فإنه جاء عن خمسة من أصحاب أبي أمامة أصل هذا الحديث من رواية أبي أمامة عن عمرو بن عبسة، واقتصروا كلهم على الشق الأول من الحديث. اهـ\nوقد استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على استحباب الدعاء عَقِبَ الصلوات المكتوبات.","vol":"2","page":547},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٥١٢ - ٥١٣): وَاسْتَحَبَّ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ الدُّعَاءَ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ الدُّعَاءَ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ مُخْطِئٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ، لَا أَمْرَ إيجَابٍ وَلَا أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ، وَالْمُنْكِرُ عَلَى التَّارِكِ أَحَقُّ بِالْإِنْكَارِ مِنْهُ، بَلْ الْفَاعِلُ أَحَقُّ بِالْإِنْكَارِ؛ فَإِنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - ﷺ - يُدَاوِمُ عَلَيْهِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَيْسَ مَشْرُوعًا؛ بَلْ مَكْرُوهٌ.\nثم قال: وَلَوْ دَعَا الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ أَحْيَانًا عَقِيبَ الصَّلَاةِ لِأَمْرٍ عَارِضٍ لَمْ يُعَدَّ هَذَا مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ، كَاَلَّذِي يُدَاوِمُ عَلَى ذَلِكَ.\nوقال أيضًا كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٥١٧ - ٥١٨): وَبِالْجُمْلَةِ فَهُنَا شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: دُعَاءُ الْمُصَلِّي الْمُنْفَرِدِ كَدُعَاءِ الْمُصَلِّي صَلَاةَ الِاسْتِخَارَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَدُعَاءُ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ، إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا، وَالثَّانِي: دُعَاءُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ جَمِيعًا، فَهَذَا الثَّانِي لَا رَيْبَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَفْعَلْهُ فِي أَعْقَابِ الْمَكْتُوبَاتِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ الْأَذْكَارَ الْمَأْثُورَةَ عَنْهُ؛ إذْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَنَقَلَهُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ التَّابِعُونَ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ، كَمَا نَقَلُوا مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ عَلَى أَقْوَالٍ:\nمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ عَقِيبَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ","vol":"2","page":548},{"text":"يَحْتَجُّونَ بِهَا، وَإِنَّمَا احْتَجُّوا بِكَوْنِ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ لَا صَلَاةَ بَعْدَهُمَا.\nوَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَحَبَّهُ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، وَقَالَ: لَا يُجْهَرُ بِهِ، إلَّا إذَا قُصِدَ التَّعْلِيمُ. كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرُهُمْ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ، إلَّا مُجَرَّدَ كَوْنِ الدُّعَاءِ مَشْرُوعًا، وَهُوَ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى الْإِجَابَةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ قَدْ اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ، فَالدُّعَاءُ فِي آخِرِهَا قَبْلَ الْخُرُوجِ مَشْرُوعٌ مَسْنُونٌ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَبِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.\nقال: وَالْمُنَاسَبَةُ الِاعْتِبَارِيَّةُ فِيهِ ظَاهِرَةٌ؛ فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَمَا دَامَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَنْصَرِفْ؛ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَالدُّعَاءُ حِينَئِذٍ مُنَاسِبٌ لِحَالِهِ، أَمَّا إذَا انْصَرَفَ إلَى النَّاسِ مِنْ مُنَاجَاةِ الله لَمْ يَكُنْ مَوْطِنَ مُنَاجَاةٍ لَهُ، وَدُعَاءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْطِنُ ذِكْرٍ لَهُ، وَثَنَاءٍ عَلَيْهِ، فَالْمُنَاجَاةُ وَالدُّعَاءُ حِينَ الْإِقْبَالِ، وَالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، أَمَّا حَالَ الِانْصِرَافِ مِنْ ذَلِكَ؛ فَالثَّنَاءُ وَالذِّكْرُ أَوْلَى، وَكَمَا أَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ اسْتَحَبَّ عَقِبَ الصَّلَاةِ مِنْ الدُّعَاءِ مَا لَمْ تَرِدْ بِهِ السُّنَّةُ، فَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ تُقَابِلُ هَذِهِ لَا يَسْتَحِبُّونَ الْقُعُودَ الْمَشْرُوعَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَلَا يَسْتَعْمِلُونَ الذِّكْرَ الْمَأْثُورَ، بَلْ قَدْ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ، وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ، فَهَؤُلَاءِ مُفَرِّطُونَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمَشْرُوعِ، وَأُولَئِكَ مُجَاوِزُونَ الْأَمْرَ بِغَيْرِ الْمَشْرُوعِ، وَالدِّينُ إنَّمَا هُوَ الْأَمْرُ بِالْمَشْرُوعِ دُونَ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ. اهـ","vol":"2","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-935>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-936>مسألة [١]: رفع الصوت بالذكر</span>.\n• ذهب بعض أهل العلم إلى رفع الصوت بالذكر عَقِبَ الصلاة، واستدلوا بحديث ابن عباس -﵄-، في «الصحيحين» (^١)، قال: إنَّ رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوفي رواية: كنتُ أعرف انقضاء صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالتكبير. واستدلوا بحديث المغيرة بن شعبة الذي في الباب، وبنحوه عن ابن الزبير في «مسلم» (٥٩٤)، وبحديث ثوبان الذي في الباب، وهذا قول بعض أهل الظاهر.\n• وذهب جمهور العلماء إلى أن الأفضل الإسرار بالذكر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف:٢٠٥]، وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥]، وقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لمن جهر بالذكر من أصحابه: «إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا».\nوقال ابن خزيمة -﵀-: باب رفع الصوت بالتكبير والذكر.\nثم ذكر الحديث السابق.\nوقال أبو عوانة -﵀-: باب ذكر الأخبار التي تبين قول النبي - ﷺ - عقب تسليمه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٨٤١) (٨٤٢)، ومسلم برقم (٥٨٣).","vol":"2","page":550},{"text":"من التشهد، وإعلامه من يخفى عليه فراغه من الصلاة بالتكبير.\nثم ذكر حديث ابن عباس المتقدم.\nوقال ابن الأثير -﵀- في «جامع الأصول»: الجهر بالذكر بعد الصلاة.\nوقال أبو داود -﵀-: باب التكبير بعد الصلاة.\nوقال النسائي -﵀-: التكبير بعد تسليم الإمام.\nوقال البخاري -﵀-: باب الذكر بعد الصلاة.\nوقال ابن دقيق العيد -﵀- في «الإحكام» (١/ ٣٢٠): فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، وَالتَّكْبِيرُ بِخُصُوصِهِ مِنْ جُمْلَةِ الذِّكْرِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: فِيهِ الْإِبَانَةُ عَنْ صِحَّةِ فِعْلِ مَنْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمَرَاءِ، يُكَبِّرُ بَعْدَ صَلَاتِهِ، وَيُكَبِّرُ مَنْ خَلْفَهُ. قَالَ غَيْرُهُ: وَلَمْ أَجِدْ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَالَ هَذَا إلَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّكْبِيرَ فِي الْعَسَاكِرِ وَالْبُعُوثِ إثْرَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ تَكْبِيرًا عَالِيًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَهُوَ قَدِيمٌ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ، وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مُحْدَثٌ.\nقال ابن رجب -﵀-: وذَكَرَ-يعني: أبا يعلى- عن أحمد نصوصًا تدل على أنه كان يجهر ببعض الذكر، ويُسرُّ الدعاء، وهذا هو الأظهر. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: هذا القول أقرب الأقوال؛ فيجهر ببعض الأذكار، وهي الأذكار التي ثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جهر بها، وما عدا ذلك فيُسر به؛ بقاءً على الأصل في الأذكار، وهو الإسرار، كقول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، برقم (٨٤١، ٨٤٢).","vol":"2","page":551},{"text":"٣١٧ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\nالأحكام المستفادة من الحديث\nتقدَّمتْ مباحث الحديث ضمن المسائل المتقدمة.\nويُستفاد من هذا الحديث أيضًا أنَّ جميع ما تقدم من المسائل تشمل الرجال، والنساء؛ لعموم هذا الحديث.\nوقد استثنى بعض أهل العلم بعض المسائل، فقالوا: لا تفعلها المرأة، وهي: رفع اليدين حذو المنكبين، والتورك، والمجافاة في السجود، خشية أن تنكشف العورة.\nوالصواب أنها تعمل هذه السنن؛ لأنَّ انكشاف العورة أمرٌ مظنونٌ، فلا تترك السنن من أجله، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٣١).","vol":"2","page":552},{"text":"٣١٨ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «صَلِّ قَائِمًا؛ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا؛ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n٣١٩ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالَ لِمَرِيضٍ صَلَّى عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمَى بِهَا وَقَالَ: «صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إنِ اسْتَطَعْت، وَإِلَّا فَأَوْمِ إيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَك أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِك» (^٢) رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَلَكِنْ صَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ. (^٣)\nسيأتي الكلام على هذين الحديثين في آخر صلاة المسافر والمريض، إن شاء الله تعالى.\n\nتم باب صفة الصلاة بحمد الله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١١١٧).\n(^٢) هذا الحديث والذي قبله ليسا موجودين في المخطوطة الظاهرية.\n(^٣) الراجح وقفه. أخرجه البيهقي (٢/ ٣٠٦) بسند ظاهره الحسن، لكن قال أبوحاتم في «العلل» (١/ ١١٣): هذا خطأ، إنما هو عن جابر موقوف. وقال أيضًا: ليس بشيء هو موقوف.","vol":"2","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-937>بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ وَغَيْرِهِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>مسألة [١]: حكم سجود السهو</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى وجوبه، منهم: أحمد، ومالك، والثوري، وإسحاق، وأبو حنيفة، وغيرهم، وخصَّه مالك، وأبو ثور بما قبل السَّلام.\nواستدلوا بحديث ابن مسعود -﵁-، عند مسلم (٥٧٢) (٩٦): «وإذا زاد الرجل، أو نقص؛ فليسجد سجدتين قبل أن يسلِّم»، وبحديث ابن مسعود -﵁-، في «الصحيحين» (^١): «فليتحر الصواب؛ فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين».\n• وخالف الشافعي وأصحابه، وأصحاب الرأي، فقالوا: هو سُنَّةٌ. قال شيخ الإسلام: وليس مع من لم يوجبها حجَّة تقارب ذلك. يعني أدلة الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-939>مسألة [٢]: من ترك سجود السهو نسيانًا</span>.\n• إنْ تركه نسيانًا، ثم ذكره قبل طول الفصل؛ سجد للسهو متى ذكره عند جمهور العلماء.\n• خلافًا للحسن، وابن سيرين حيث قالا: إذا صرف وجهه عن القبلة لم يسجد.\n• ولأبي حنيفة، حيث قال: إنْ تكلم سقط عنه سجود السهو.\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٣٢٤).\n(^٢) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٢٨)، «فتح الباري» لابن رجب (٦/ ٥١٥)، «المغني» (٢/ ٤٣٣).","vol":"2","page":554},{"text":"وقول الجمهور هو الصواب.\nوأما قول الحسن، وابن سيرين؛ فيرده حديث ذي اليدين وسيأتي وأما قول أبي حنيفة؛ فيرده حديث ذي اليدين، وحديث ابن مسعود، وسيأتي أيضًا في الباب.\n• وأما إنْ نسي السجود، وذكر بعد طول الفصل؛ ففيه قولان:\nالأول: أنه لا يسجد للسهو، وهو قول أحمد في رواية، والشافعي في رواية، وهو قول مالك إذا كان السجود قبل السلام، وكثير من أصحاب الشافعي، وأحمد.\nالثاني: أنه يسجد للسهو، وإن طال الفصل، وهو قول مالك فيما إذا كان السجود بعد السلام، وأحمد، والشافعي في رواية عنهما، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب -والله أعلم-؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالسجدتين قبل السلام، أو بعده.\nوجاء عنه أنه سجد مع قرب الفصل ولم يأت عنه حديث في أنه سجد للسهو بعد طول الفصل.\nوكما أنه لا يبني إذا نسي ركعةً، وذكرها بعد طول الفصل، فكذلك السجدتان للسهو، هذا والقول الثاني فيه قوة أيضًا.\nواختلف القائلون بعدم السجود: هل تبطل الصلاة، أم لا؟\n• فذهب الأكثر منهم إلى عدم البطلان.","vol":"2","page":555},{"text":"• وذهب أحمد في رواية إلى البطلان، وهو قول الحكم، وابن شبرمة، ومالك، فيما إذا كان السجود قبل السلام.\nوالصواب هو عدم البطلان، والله أعلم.\nواختلف القائلون بعدم السجود أيضًا في تحديد طول الفصل:\n• فذهب أحمد في رواية اختارها الخِرَقِي إلى أنَّ طولَ الفصل حدُّه إذا خرج من المسجد.\n• وذهب الشافعي، وجماعة من الحنابلة إلى أنه يرجع في طول الفصل، وقصره إلى العرف، وهذا القول أقرب.\nويُستفاد أيضًا بقرب الفصل من صنيع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فكلما كان قريبًا من صنيعه سجد فيه للسهو، وسيأتي حديث ذي اليدين إن شاء الله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-940>مسألة [٣]: هل تبطل الصلاة بترك سجود السهو عمدًا</span>؟\n• إن كان السجود قبل السلام؛ فذهب جماعة من أهل العلم إلى بطلان الصلاة، وهو قول مالك، وأبي ثور، والثوري، وأحمد في رواية؛ وذلك لأنه واجبٌ في الصلاة؛ فهو من واجبات الصلاة.\n• وعن أحمد رواية أنها لا تبطل، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة؛ لأنهما لا يريان وجوب السجود للسهو.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٣٠ - ٤٣٢)، «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٢)، «الفتح» لابن رجب (٦/ ٥١٦ - ٥١٧).","vol":"2","page":556},{"text":"والصواب هو القول بالبطلان، والله أعلم. (^١)\n• وأما إن كان السجود بعد السلام؛ فجمهور العلماء على أنَّ صلاته لا تبطل؛ لأنه واجبٌ خارجٌ عن الصلاة، فأشبه وجوب الجماعة، والأذان، والإقامة، والسترة؛ فإنَّ هذه الأمور لا تبطل الصلاة بتركها عمدًا.\n• وذهب أحمد في رواية إلى البطلان، ومال إليها شيخ الإسلام -﵀-؛ لأنه تعمد ترك واجب يجبر النقص الحاصل في الصلاة بسبب السهو؛ فهو في حكم من ترك واجبًا من واجبات الصلاة عمدًا، وتعمده ترك الواجبات يدل على تعظيم شعائر الله، وعلى مشاقته لأوامر الله، والنبي - ﷺ - يقول: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٦/ ٥١٦)، «المغني» (٢/ ٤٣٢)، «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٢).\n(^٢) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٣)، «الفتح» (٦/ ٥١٧).","vol":"2","page":557},{"text":"٣٢٠ - عَنْ عَبْدِاللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، قَبْل أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، وَهَذَا اللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الجُلُوسِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-941>مسألة [١]: حكم من نسي التشهد الأول من الفريضة</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٦/ ٤٤١): وقد أجمع العلماء على أنَّ من ترك التشهد الأول من الصلاة الرباعية، أو المغرب، وقام إلى الثالثة سهوًا؛ فإنَّ صلاته صحيحة، ويسجد للسهو، وقد رُوي عن خَلْقٍ من الصحابة بأنهم فعلوه. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-942>مسألة [٢]: إنْ نسي التشهد من صلاة التطوع، فقام إلى ثالثة</span>؟\n• قال الحافظ ابن رجب -﵀-: فإن كانت صلاته نافلة، وكان نوى ركعتين، ثم قام إلى ثالثة نهارًا؛ فهو مخير: إن شاء أتمها أربعًا، وهو أفضل؛ لأنَّ صلاة أربع بالنهار لا كراهة فيها، وبذلك يصون عمله عن الإلغاء، فكان أولى، وإن شاء رجع، وتشهد، وسجد للسهو، هذا قول أصحابنا، وجمهور العلماء. ومن الشافعية من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٢٩)، ومسلم (٥٧٠)، وأبوداود (١٠٣٤)، والنسائي (٣/ ١٩)، والترمذي (٣٩١)، وابن ماجه (١٢٠٦)، وأحمد (٥/ ٣٤٥).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٥٧٠) (٨٦). وهو عند البخاري أيضًا برقم (١٢٣٠).","vol":"2","page":558},{"text":"قال: الأفضل أن يرجع؛ لئلا يزيد على ركعتين، ورُوي عن مالك: الأفضل الرجوع مالم يركع في الثالثة. وعنه: مالم يرفع رأسه من ركوعها، ثم يكون المُضي أفضل. ومتى أتمها أربعًا؛ فعند أصحابنا: إن كان قد تشهد عقب الركعتين؛ لم يسجد، وإلَّا سجد، وحُكي عن مالك، والأوزاعي، والشافعي: يسجد؛ لتأخيره السلام عن هذا التشهد. اهـ\nوقال الماوردي -﵀- في كتاب «الحاوي» (٢/ ٢١٨): لا خلاف بين العلماء أنه يجوز أن يتمها أربعًا ويجوز أن يرجع إلى الثانية ويجوز أن يكمل الثالثة ويسلم. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الوجه الثالث فيه نظر، ولا إجماع فيه؛ فإنه لا يجوز التنفل بوتر في النهار، والمختار أنه يتمها، ولا يلزمه سجود السهو، أو يرجع ويسجد للسهو، وهذا اختيار بعض الحنابلة.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وإن كان ذلك في صلاة الليل؛ فإنه يرجع، ولا يتمها أربعًا، ويسجد للسهو، نصَّ عليه أحمد؛ فإنْ أتمها أربعًا، ففي بطلان صلاته وجهان بناء على الوجهين في صحة تطوعه بالليل أربعًا. وحُكي عن مالك، والشافعي أنَّ الأفضل أن يمضي فيها. وقال الأوزاعي، ومالك في رواية: إنْ كان قد ركع في الثالثة؛ لم يرجع، وإلَّا رجع .... انتهى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنه يمضي، ولا سجود عليه، وإذا رجع سجد للسهو، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٦/ ٤٤٥ - ٤٤٦)، «الحاوي الكبير» للماوردي (٢/ ٢١٨)، «الإنصاف» (٢/ ٩٣)، «الأوسط» (٣/ ٣٢٧).","vol":"2","page":559},{"text":"٣٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - إحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ المَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ - ﷺ - ذَا اليَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسِيت أَمْ قُصِرَتِ؟ فَقَالَ: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ» فَقَالَ بَلَى، قَدْ نَسِيت، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، [ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ] (^١)، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^٢)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: صَلَاةُ العَصْرِ. (^٣)\nوَلِأَبِي دَاوُد: فَقَالَ: «أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟» فَأَوْمَئُوا: أَيْ نَعَمْ. (^٤) وَهِيَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»، لَكِنْ بِلَفْظِ: فَقَالُوا.\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَقَّنَهُ اللهُ ذَلِكَ. (^٥)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-943>مسألة [١]: إذا سلَّم المصلي قبل إتمام الصلاة؛ فهل يبني أم يعيد</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (١٢٢٧)، (٦/ ٤٦١): وقد دلَّ هذا الحديث\n_________\n(^١) زيادة من المطبوع، و«صحيح البخاري».\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٢٩)، ومسلم (٥٧٣).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٥٧٣) (٩٩).\n(^٤) قوله: (فأومئوا) شاذة. أخرجها أبوداود (١٠٠٨)، من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة به. قال أبوداود: ولم يذكر (فأومئوا) إلا حماد بن زيد.\nقلتُ: تفرد بها حماد بن زيد ولم يذكرها سائر الرواة عن أيوب ولا سائر الرواة عن ابن سيرين ولا سائر الرواة عن أبي هريرة. فهي شاذة، والله أعلم.\n(^٥) رواية ضعيفة. أخرجها أبوداود (١٠١٢)، وفي إسناده محمد بن كثير الصنعاني، وهو ضعيف.","vol":"2","page":560},{"text":"من جميع طرقه على أنَّ من سلم من نقصِ ركعةٍ فأَزْيَد، من صلاته، ناسيًا، ثم ذكر قريبًا، أنه يبني على ما مضى من صلاته، ولا يلزمه إعادتها، وهو قول جمهور أهل العلم. انتهى. يعني: ويسجد للسهو.\nقال: واختلفوا: هل يُشترط للبناء على ما مضى من الصلاة أن يذكر مع قرب الفصل، أم لا يُشترط ذلك؟ بل يبنى، ولو ذكر بعد طول الفصل على قولين: أحدهما: لا يبني إلا مع قُرب الفصل؛ فإنْ طال الفصل بطلت الصلاة، واستأنفها، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبي خيثمة، وسليمان بن داود الهاشمي. الثاني: يبني ولو طال الفصل، وهو قول مكحول، والأوزاعي، ويحيى الأنصاري، والحسن بن حي، ونُقل عن أحمد ما يدل عليه، وقال الليث: يبني ما لم ينتقض وضوؤه. انتهى المراد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: البناء بعد الخروج من الصلاة على خلاف الأصل؛ لأنَّ الأصل هو الإتيان بركعات الصلاة متوالية، فإذا جاء دليل بالخروج عن هذا الأصل اقتصرنا على ما جاء، ولم نتجاوزه، وإذا نظرنا في حديث ذي اليدين الذي في الباب، والذي أخرجه مسلم (٥٧٤) عن عمران بن حصين، وجدنا أنَّ الفصل لم يَطُلْ؛ ولذلك فالقول الأول هو الصواب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-944>مسألة [٢]: إذا خرج المصلي من صلاته ناسيًا، فتكلم، فهل يبني، أم يعيد</span>؟\n• ذهب النخعي، والثوري، وأصحاب الرأي إلى أنه إذا تكلم أعاد الصلاة، وقالوا: حديث ذي اليدين منسوخٌ.","vol":"2","page":561},{"text":"• وذهب الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية إلى أنه يُتم، وإنْ تكلم؛ لأنه ناسٍ، ويظن أنَّ صلاته قد تمَّتْ.\n• وذهب أحمد، وإسحاق إلى أنَّ الإمام إنْ تكلم وهو يرى أنه قد أكمل صلاته، ثم علم أنه لم يكملها يُتمُّ صلاته، ومن تكلم خلف الإمام وهو يعلم أنَّ عليه بقية من صلاته؛ فعليه أن يستقبلها.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إذا تكلم المصلي، سواء كان إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا، وهو يظن أنَّ الصلاة قد تمت؛ فيبني على صلاته، ثم يسجد للسهو بعد التسليم كما صنع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا يجوز للمأموم أن يخرج من صلاته إنْ علمَ أنَّ الصلاة لم تتم، بل ينبه الإمام بالتسبيح.\nوالقول الثاني، والثالث ليس بينهما تعارضٌ لمن تأمل، وهو الصواب، والله أعلم، ولا دليل على نسخ حديث ذي اليدين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-945>مسألة [٣]: حكم التكبير لسجود السهو</span>.\nقال ابن رجب -﵀- (٦/ ٤٩٠): والعمل على هذا عند أهل العلم، أنه يكبر في كل سجدة تكبيرة للسجود، وتكبيرة للرفع منه، وبه قال عطاء، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، ولا فرق في ذلك بين سجود السهو قبل السلام، وبعده، ومن الشافعية من قال في السجود بعد السلام: يُكبر تكبيرة الإحرام، ثم يسجد للسجود. اهـ\nقلتُ: الصواب قول الجمهور أنه: لا يكبر تكبيرة إحرام، كما في حديث ذي اليدين، والله أعلم.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٤٧)، «سنن الترمذي» (٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، «الفتح» لابن رجب (٦/ ٤٦٣).","vol":"2","page":562},{"text":"٣٢٢ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمْ، فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. (^١)\n_________\n(^١) صحيح دون قوله (ثم تشهد) فإنها شاذة.\nأخرجه أبوداود (١٠٣٩)، والترمذي (٣٩٥)، والحاكم (١/ ٣٢٣)، من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أشعث بن عبدالملك الحمراني، عن محمد بن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي المهلب عن عمران.\n\nوهو حديث صحيح، إلا أن قوله: (ثم تشهد) شاذة، شذ بها أشعث بن عبدالملك الحمراني، كما ذكر ذلك الذهلي، والبيهقي، فقد رواه غيره عن ابن سيرين بدون ذكر التشهد، ورواه جمع عن خالد الحذاء بدون ذكر هذه الزيادة، وقد ضعف هذه الزيادة الذهلي، وابن عبدالبر وابن المنذر والبيهقي والحافظ ابن حجر وغيرهم.\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (١٢٢٨): وعندى؛ أن نسبة الوهم إلى الأنصاري فيهِ أقرب، وليس هوَ بذاك، المتقن جدًا في حفظه، وقد غمزه ابن معين وغيره.\nويدل عليه: أن يحيى القطان رواه عن أشعث، عن ابن سيرين، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران في السلام خاصة، كما رواه عنه الإمام أحمد -: ذكره ابنه عبد الله، عنه في (مسائله).\nفهذه رواية يحيى القطان - مع جلالته وحفظه وإتقانه -، عن أشعث، إنما فيها ذكر السلام فقط.\nوخرجه النسائي، عن محمد بن يحيى بن عبد الله، عن الأنصاري، عن أشعث، ولم يذكر التشهد.\nفإما أن يكون الأنصاري اختلف عليه في ذكره، وهو دليل على أنه لم يضبطه، وإما أن يكون النسائي ترك ذكر التشهد من عمد؛ لأنه استنكره.\nوقد روى معتمر بن سليمان، وهشيم، عن خالد الحذاء حديث عمران بن حصين، وذكرا فيهِ: أن النَّبيّ - ﷺ - صلى ركعة، ثُمَّ تشهد وسلم، ثُمَّ سجد سجدتي السهو، ثُمَّ سلم.\nفهذا هو الصحيح في حديث عمران، ذكر التشهد في الركعة المقضية، لا في سجدتي السهو. اهـ","vol":"2","page":563},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-946>مسألة [١]: التشهد بعد سجدتي السهو</span>.\nأما إذا كان السجود قبل السلام، فقد قال ابن رجب -﵀-: لا يتشهد فيه عند أحد من العلماء؛ إلا رواية عن مالك رواها عنه ابن وهب، ورُوي عن ابن مسعود من وجه فيه انقطاع، ومُختلف في لفظه، وفي رفعه ووقفه.\n• وأما إذا كان بعد السلام، فقال بالتشهد جمعٌ من العلماء منهم: الثوري، والليث، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحاب الرأي، والحنابلة، واستدلوا بحديث عمران الذي في الباب.\n• وذهب إلى عدم التشهد ابن سيرين، والحسن، وقتادة، وابن المنذر، والجوزجاني، وعلَّقه البخاري في «صحيحه» عن أنس بن مالك، وهو ظاهرُ اختيار البخاري، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، ثم الإمام السعدي، والإمام الوادعي رحمة الله عليهما، وهو الصواب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-947>مسألة [٢]: التسليم بعد سجدتي السهو</span>.\nأما إذا كان السجود قبل السلام؛ فإنه يعقبه السلام من الصلاة، فلا يحتاج إلى تسليم آخر، ولا خلاف في هذا.\nوأما إذا كان السجود بعد السلام؛ فقد ثبت في حديث ابن مسعود -﵁-، في «الصحيحين»، وحديث عمران بن حصين في «صحيح مسلم».\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٣١ - ٤٣٢)، «الفتح» لابن رجب (٦/ ٤٧٧)، «غاية المرام» (٥/ ٢٩٢).","vol":"2","page":564},{"text":"وفي الباب أيضًا: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سلَّمَ بعد سجدتي السهو الَّلتين بعد التسليم، وبهذا قال جمهور العلماء، خلافًا لما رُوي عن الحسن، وعطاء: أنه لا تسليم منها. (^١)\nتنبيه: أخرج أبو داود (١٠١١)، والبيهقي في «الكبرى» (٢/ ٣٥٤)، من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، وهشام، ويحيى بن عتيق، وابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي - ﷺ - في قصة ذي اليدين: أنه كبر وسجد. وقال هشام -يعني ابن حسان-: كبر ثم كبر، وسجد.\nقال أبو داود: روى هذا الحديث أيضا حبيب بن الشهيد، وحميد، ويونس، وعاصم الأحول، عن محمد، عن أبي هريرة، لم يذكر أحد منهم ما ذكر حماد بن زيد، عن هشام، أنه كبر، ثم كبر وسجد، وروى حماد بن سلمة، وأبو بكر بن عياش، هذا الحديث عن هشام لم يذكرا عنه هذا الذي ذكره حماد بن زيد، أنه كبر، ثم كبر. اهـ\nوقال البيهقي -﵀-: تفرد به حماد بن زيد عن هشام وسائر الرواة عن ابن سيرين ثم سائر الرواة عن هشام بن حسان لم يحفظوا التكبيرة الأولى وحفظها حماد ابن زيد -﵀-.اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب أنه لم يحفظها، وإنما أخطأ بذكرها؛ حيث لم يذكرها سائر الرواة؛ فهي زيادة شاذة، كما إشار إلى ذلك أبو داود -﵀-.\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٦/ ٤٧٧ - ٤٧٨).","vol":"2","page":565},{"text":"٣٢٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ؛ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى تَمَامًا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٣٢٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁-، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟» قَالُوا: صَلَّيْت كَذَا، قَالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «إنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيت فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَلْيُتِمَّ ثُمَّ يُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ». (^٣)\nوَلِمُسْلِمٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالكَلَامِ. (^٤)\n\n٣٢٥ - وَلِأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللهِ بْنِ جَعْفَرٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ». وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٥٧١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢).\n(^٣) أخرجها البخاري برقم (٤٠١).\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (٥٧٢) (٩٥).\n(^٥) ضعيف. أخرجه أحمد (١/ ٢٠٥)، وأبوداود (١٠٣٣)، والنسائي (٣/ ٣٠)، وابن خزيمة (١٠٣٣) وإسناده ضعيف، فيه مصعب بن شيبة: ضعيف. وفيه عبدالله بن مسافع وعتبة بن محمد بن الحارث، وهما مجهولان.","vol":"2","page":566},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-948>مسألة [١]: كيف يصنع المصلي إذا شك في صلاته</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالأول: أنه يبني على اليقين مُطلقًا، سواءٌ كان إمامًا، أو منفردًا، وسواءٌ غَلَبَ على ظَنِّهِ أمرٌ، أم لم يغلب، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، واختارها كثير من الحنابلة، واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري -﵁-، الذي في الباب.\nالثاني: إذا كان إمامًا؛ فيتحرى الصواب، ويبني عليه؛ لحديث ابن مسعود، وإنْ كان منفردًا بنى على اليقين؛ لحديث أبي سعيد الخدري، وهذا مذهب أحمد في رواية. قيل: إنه المشهور عن أحمد، واختارها الخِرَقِي، وبعض الحنابلة.\nالثالث: إنْ لم يغلب على ظنه شيء بنى على اليقين، وإنْ تحرى وغلب على ظنه شيء بنى عليه، وفي الحالة الأولى يسجد قبل السلام، وفي الثانية يسجد بعد السلام، وهذا قول النخعي، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد في رواية، ورجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الإمام ابن عثيمين -﵀-. وثبت عن ابن مسعود أنه قال: إذا شك الرجل في صلاته فلم يدر: ثلاثًا صلَّى أم ثنتين فليبن على أوثق ذلك، ثم يسجد سجدتي السهو. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٠٥)، ومن طريقه ابن المنذر (٣/ ٢٨١) بإسنادٍ صحيح.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وهو الصواب في المسألة؛ لأنَّ فيه إعمالًا لجميع الأدلة، وأصحاب القول الأول أهملوا حديث ابن مسعود، وبعضهم تأوله على","vol":"2","page":567},{"text":"خلاف ظاهره، وأصحاب القول الثاني خصصوا حديث ابن مسعود بلا دليل، والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (١٢٣١):وقد دلت هذه الأحاديث على أن من شك في عدد صلاته، فإنه ليس عليه إعادتها، ولا تبطل صلاته بمجرد شكه، بل يسجد سجدتي السهو بعد بنائه على يقينه أو تحريه، وهو قول جمهور العلماء.\nوروي عن طائفة، أن من شك في صلاته فإنه يعيدها. رواه همام بن منبه وابن سيرين، عن ابن عمر (^٢). وهو خلاف رواية ابنه سالم ومولاه نافع وعبد الله بن دينار ومحارب بن دثار وغيرهم، كلهم رووا، عن ابن عمر، أنه يسجد ولا يعيد (^٣).\nوقد سبق عن ابن عمر رواية أخرى، أنه لا يسجد.\nوذكر عطاء، انه سمع ابن عباس يقول: إن نسيت الصلاة المكتوبة فعد لصلاتك. وأنه بلغه عن ابن عمر وابن عباس، أنه إذا شك أعاد مرة. اهـ\nفائدة أخرى: قال ابن رجب -﵀- (٦/ ٥١٥): من وسوس في صلاته، ولم يشك في عدد صلاته؛ فلا يسجد عند جمهور العلماء، وحكاه بعضهم إجماعًا. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٧ - ٨).\n(^٢) أخرج ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٢٨٢) عن ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص -﵃- القول بالإعادة حتى يحفظ صلاته، وأسانيده إليهم صحيحة.\n(^٣) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٢٨١) بإسناد صحيح.","vol":"2","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-949>مسألة [٢]: كيف يصنع من قام إلى خامسة في صلاته</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩): فَإِنَّهُ مَتَى قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ، أَوْ إلَى الرَّابِعَةِ فِي الْمَغْرِبِ، أَوْ إلَى الثَّالِثَةِ فِي الصُّبْحِ؛ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ مَتَى مَا ذَكَرَ، فَيَجْلِسُ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَشَهَّدَ عَقِيبَ الرَّكْعَةِ الَّتِي تَمَّتْ بِهَا صَلَاتُهُ، سَجَدَ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَإِنْ كَانَ تَشَهَّدَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ، تَشَهَّدَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ؛ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ، سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، عَقِيبَ ذِكْرِهِ، وَتَشَهَّدَ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَبِهَذَا قَالَ عَلْقَمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. اهـ\nثم ذكر عن أبي حنيفة قولًا ليس عليه دليل.\nقلتُ: ما قاله ابن قدامة هو الصواب، وهو قول الجمهور، إلا أن سجود السهو يكون بعد التسليم، ولا يكون بعده تشهد على الصحيح من أقوال أهل العلم، وسيأتي الكلام على محل سجود السهو قريبًا إن شاء الله.\nتنبيه: هذا الحكم يشمل ما إذا زاد ركنًا غير القيام، كالركوع، والسجود، والقعود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-950>مسألة [٣]: من شكَّ في صلاته، ثم زال شكه، وتيقن</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٦/ ٤٥٩): لو شك في شيء من صلاته، ثم","vol":"2","page":569},{"text":"زال شكه قبل السلام، وتبين أنه لم يزد في صلاته ولم ينقص، فهنا يُستحب السجود ولا يجب، نقله ابن منصور عن أحمد، وإسحاق. وقال أصحابنا: الصحيح من مذهبنا، ومذهب الشافعي أنه لا يسجد إلا أن يكون قد فعل قبل زوال شكه ما يجوز أن يكون زائدًا؛ فإنه يسجد. وفي المذهبين وجه آخر: لا يسجد بحال؛ لأنَّ السجود إنما يُشرع من زيادةٍ، أو نقصٍ، أو تجويزهما، ولم يوجد شيء من ذلك، وهذا قول سفيان الثوري. انتهى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا المذهب الأخير هو الصواب، ويدل عليه آخر حديث أبي سعيد -﵁-: «فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ ...» الحديث؛ فإنه يدل على بقاء الشك، ويُفهم منه أنه إذا زال الشك؛ فلا سجود، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>مسألة [٤]: محل سجود السهو</span>.\nقد تقدم الكلام على محل سجود السهو في مسألة الشك، والتحري.\n• وقد اختلف أهل العلم في محل سجود السهو للزيادة، والنقص، وللشك على أقوال:\nالقول الأول: أنَّ جميع السجود بعد السلام، وهو مذهب الحسن، والنخعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأصحاب الرأي، واسْتُدِلَّ لهم بحديث ثوبان: «لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم»، وهو حديث ضعيفٌ، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى، ويجزئ عندهم أن يسجدها قبل السلام.","vol":"2","page":570},{"text":"القول الثاني: أنَّ جميع سجود السهو قبل السلام، وهو قول مكحول، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، والليث، والشافعي، واستدلوا بحديث ابن بُحينة، وأبي سعيد، وحملوا حديث ذي اليدين على أنه منسوخ.\nالقول الثالث: إنْ كان من نقصٍ؛ فالسجود قبل السلام، وإنْ كان من زيادة؛ فالسجود بعد السلام، وهو قول مالك، والشافعي في القديم، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وإسحاق في رواية.\nواستدل هؤلاء على النقص بحديث ابن بُحينة، وقاسوا عليه كل نقص في الصلاة من واجباتها، واستدلوا على الزيادة بحديث ذي اليدين، وبحديث ابن مسعود، وقاسوا عليه كل زيادة يبطل عمدها الصلاة.\nالقول الرابع: سجود السهو كله قبل السلام؛ إلا في موضعين: من سلَّمَ من نقص ركعةٍ تامة، أو أكثر؛ لحديث ذي اليدين، وإنْ شكَّ الإمام في عدد الركعات فتحرى؛ لحديث ابن مسعود، وهذا هو ظاهر مذهب أحمد، وعليه عامة أصحابه، وهو قول سليمان الهاشمي، وأبي خيثمة، وابن المنذر.\nهذه الأقوال هي أشهر الأقوال في المسألة، وقد رجَّح القولَ الثالث شيخُ الإسلام ابن تيمية -﵀-، ثم الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الحالات التي جاءت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يجب علينا أن نتابعه فيها، فإذا حصل السهو في غيرها فما ذكره أهل القول الثالث قريب.","vol":"2","page":571},{"text":"تنبيه: نقل ابن عبد البر، والماوردي عدم الخلاف في الإجزاء عند أهل العلم بين سجود السهو قبل السلام وبعده، وإنما الاختلاف عندهم في الأَوْلَى، والأفضل.\nقال ابن رجب -﵀-: وكذلك صرَّح بهذا طوائفُ من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ومن أصحابنا كالقاضي أبي يعلى، وأبي الخطاب، وغيرهما.\nقال: وأنكر ذلك طوائفُ من أصحابنا، والشافعية، وقالوا: إنما الاختلاف في محل سجود السهو في وجوبه عند من يراه واجبًا، وفي الاعتداد به، وحصول السنة عند من يراه سُنَّةً. وهذا ظاهر على قواعد أحمد، وأصحابه؛ لأنهم يفرقون في بطلان الصلاة بترك سجود السهو عمدًا، بين ما محله قبل السلام، وما محله بعد السلام؛ فيبطلون الصلاة بترك السجود الذي محله قبل السلام دون الذي محله بعده، ولو كان ذلك على الأولوية لم يكن له أثر في إبطال الصلاة. اهـ\nثم ذكر أنَّ هذا وجه عند الشافعية.\nقلتُ: والصواب أنَّه قد وجد خلاف عند بعضهم في الإجزاء، لا في الأفضلية، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أعني: أنه اختار عدم الإجزاء، ولكن قد وجد جماعة من الصحابة، سجدوا فيما حقه قبل السلام، سجدوه بعد السلام:\nمن ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦) بإسنادٍ صحيح عن الضحاك بن قيس -﵁-، أنه صلَّى بالناس الظهر، فلم يجلس في الركعتين الأوليين، فلما سلم","vol":"2","page":572},{"text":"سجد سجدتين، وهو جالس.\nوأخرج ابن المنذر (٣/ ٣٠٩)، والطحاوي (١/ ٤٤١) بإسناد صحيح، عن سعد بن أبي وقاص -﵁-، وفيه أنه ترك التشهد الأول، ثم سجد سجدتين، وهو جالس بعد ما سلم.\nوأخرج الطحاوي (١/ ٤٤١) بإسناد صحيح عن ابن الزبير أنه قام في الركعتين الأوليين من الظهر، فسبحنا به، فقال: سبحان الله ولم يلتفت إليهم، فقضى ما عليه، ثم سجد سجدتين بعد ما سلم.\nوأخرج ابن أبي شيبة (٢/ ٢٩) بإسناد صحيح عن أبي هريرة والسائب القاري أنهما كانا يقولان: السجدتان قبل الكلام وبعد التسليم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: فالذي يظهر أن من صنع كما صنع هؤلاء الصحابة، فسجد فيما حقه قبل السلام بعد السلام، أو فيما حقه بعد السلام قبل السلام أنه يجزئه، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٦/ ٤٩١)، «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ١٧ -).","vol":"2","page":573},{"text":"٣٢٦ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَاسْتَتَمَّ قَائِمًا، فَلْيَمْضِ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-952>مسألة [١]: من قام ولم يجلس للتشهد الأول، فله ثلاث حالات</span>.\nالحالة الأولى: أن يتذكر قبل أن يستتم قائمًا، فقال الجمهور: له أن يرجع. وقال أحمد: يجب أن يرجع. وقول أحمد هو الصواب؛ لأنَّ الجلوس واجبٌ، ولم يتلبس المصلي بركن آخر.\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه أبوداود (١٠٣٦)، وابن ماجه (١٢٠٨)، والدارقطني (١/ ٣٧٨) وفي إسناده جابر بن يزيد الجعفي وهو متروك، وقد اتُّهِمَ.\nوله طريق عند الطحاوي فرواه في «شرح المعاني» (١/ ٤٤٠) عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر العقدي، عن إبراهيم بن طهمان، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة به. وهذا إسناد ظاهره الصحة؛ رجاله كلهم ثقات.\nوقد شكَّك الزهيري -وفقنا الله وإياه- في صحة الإسناد في تحقيقه لـ «بلوغ المرام» (ص ٩١)، فقال: \"إنني في شك كبير من ذلك؛ لأن إبراهيم بن طهمان لا تعرف له رواية عن مغيرة بن شبيل، ومن كتب التراجم يُلاحظ أنهم يذكرون جابر بن يزيد الجعفي في شيوخ ابن طهمان، وفي تلاميذ المغيرة، بينما لا نجد في شيوخ ابن طهمان ذكرًا للمغيرة بن شبيل، ولا نجد في تلاميذ المغيرة ذكرًا لابن طهمان، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحديث مداره على جابر الجعفي، علمنا أن خطأ وقع في هذا السند إما من الناسخ أو من الطابع، وذلك بسقوط الجعفي، وإما من شيخ الطحاوي فإنه مع ثقته كان يخطئ ولا يرجع والله أعلم\".\nقال أبو عبد الله: ما قاله الزهيري وجيه عندي، ونسأل الله لنا وله السداد والثبات.","vol":"2","page":574},{"text":"الحالة الثانية: أن يتذكر بعد أن يستتم القيام، وقبل القراءة.\nقال ابن رجب -﵀-: فيه قولان: الأول: لا يجوز أن يجلس، وحُكي عن علقمة، والضحاك، وقتادة، وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وممن كان لا يجلس إذا استتم قائمًا: سعد بن أبي وقاص، وعقبة ابن عامر، وابن الزبير (^١)، وغير واحد من الصحابة. الثاني: أن له أن يرجع ما لم يشرع في القراءة، وهو قول النخعي، وحماد، والثوري مع قوله بكراهة الرجوع ورُوي نحوه عن الأوزاعي أيضًا، وهو قول أحمد في المشهور عنه عند أكثر أصحابه، ووجهٌ لأصحابه، ووجهٌ لأصحاب الشافعي، واستدلوا بأن القراءة هي المقصود الأعظم من القيام من لم يأت به، فلم يأت بالمقصود من القيام، فكأنه لم يوجد القيام تامًّا، وفي هذا نظر. اهـ\nقلتُ: القول الأول هو الصواب، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين، ويدل عليه حديث ابن بُحينة الذي في أول الباب، وحديث عقبة بن عامر، أنه صلى بالناس، فقام ولم يجلس، فقال الناس: سبحان الله! فلم يجلس، ثم قال: هي السنة. أخرجه ابن حبان (١٩٤٠)، وإسناده صحيح، وهو في «الصحيح المسند»، وجاء عن معاوية (^٢) أيضًا نحو ذلك، وكذلك عن المغيرة (^٣) -﵃-.\n_________\n(^١) الآثار عن الثلاثة الصحابة -﵃- ثابتة: انظرها في الأوسط (٣/ ٣٠٩)، وشرح المعاني (١/ ٤٤١)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٣٣٨).\n(^٢) حديث معاوية أخرجه الطحاوي (١/ ٤٣٩)، والدارقطني (١/ ٣٧٥)، وإسناده ضعيف؛ لجهالة يوسف القرشي، ولكن يشهد له حديث ابن بحينة، وحديث عقبة؛ فهو صحيح بشواهده.\n(^٣) حديث المغيرة -﵁- هو الذي في الكتاب.","vol":"2","page":575},{"text":"الحالة الثالثة: أن يتذكر بعد قيامه، وشروعه في القراءة؛ فلا يجوز له الرجوع عند جمهور العلماء، وخالف الحسن، فقال: يرجع مالم يركع، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ للأدلة المتقدمة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-953>مسألة [٢]: هل تفسد الصلاة إذا رجع</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٦/ ٤٤٤): وحكى ابن عبد البر عن جمهور القائلين بأنه لا يرجع إذا تمَّ قيامه، أنه إذا رجع لم تفسد صلاته؛ لأن الأصل ما فعله، وَتَرْكُ الرجوع له رخصة، وحكى عن بعض المتأخرين أنه تفسد صلاته، قال: وهو ضعيفٌ. كذا قال، ومذهب الشافعي أنه إنْ رجع عالمًا بالحال بطلت صلاته، والجمهور على كراهة الرجوع، وإنْ لم تفسد به الصلاة عند من يرى ذلك، وإنما حُكي الخلاف في كراهته عن أحمد. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤١٩ - ٤٢٠)، «فتح الباري» لابن رجب (٦/ ٤٤٢ - ٤٤٣).","vol":"2","page":576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-954>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-955>مسألة [١]: إذا نسي المصلي ركنًا في صلاته، ثم ذكره بعد أن فات محله</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٢٣): مَنْ قَامَ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى، وَلَمْ يَجْلِسْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَهَذَا قَدْ تَرَكَ رُكْنَيْنِ: جَلْسَةَ الْفَصْلِ، وَالسَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ، فَلَا يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَذْكُرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَيَلْزَمَهُ الرُّجُوعُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، فَإِذَا رَجَعَ؛ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ جَلْسَةَ الْفَصْلِ، ثُمَّ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ يَقُومُ إلَى الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَحْتَاجُ إلَى الْجُلُوسِ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ قَدْ حَصَلَ بِالْقِيَامِ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْجَلْسَةَ وَاجِبَةٌ، وَلَا يَنُوبُ عَنْهَا الْقِيَامُ كَمَا لَوْ عَمَدَ ذَلِكَ ...؛ فَإِنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَجَلَسَ جَلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ، لَمْ يَجْزِهِ عَنْ جَلْسَةِ الْفَصْلِ؛ لِأَنَّهَا هَيْئَةٌ، فَلَا تَنُوبُ عَنْ الْوَاجِبِ، كَمَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ، ثُمَّ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي تَرْكِ رُكْنٍ غَيْرِ السُّجُودِ مِثْلِ الرُّكُوعِ، أَوْ الِاعْتِدَالِ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ مَتَى ذَكَرَهُ، قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى، فَيَأْتِي بِهِ، ثُمَّ بِمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ؛ لِفَوَاتِ التَّرْتِيبِ.\nالْحَالُ الثَّانِي: تَرَكَ رُكْنًا؛ إمَّا سَجْدَةً، أَوْ رُكُوعًا، سَاهِيًا، ثُمَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ الَّتِي تَرَكَ الرُّكْنَ مِنْهَا، وَصَارَتْ الَّتِي شَرَعَ فِي قِرَاءَتِهَا مَكَانَهَا. نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ....، وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ.\n• وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا ذَكَرَ الرُّكْنَ الْمَتْرُوكَ قَبْلَ الوُصُولِ إِلَى مَحلّهُ مِنَ الرَّكْعَةِ","vol":"2","page":577},{"text":"الثَّانِيَةِ؛ فَإِنَّهُ يَعُودُ، وَإِلَّا فَلَا يَعُودُ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى قَدْ صَحَّ فِعْلُهَا، وَمَا فَعَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ سَهْوًا لَا يُبْطِلُ الْأُولَى، كَمَا لَوْ ذَكَرَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَحْمَدُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَرَّبَه ... .\n• وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ تَرَكَ سَجْدَةً فَذَكَرَهَا قَبْلَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ سَجَدَهَا وَأَعْتَد بِالرَّكْعَةِ الأُولَى، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ أَلْغَى الْأُولَى.\n• وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: مَنْ نَسِيَ سَجْدَةً، ثُمَّ ذَكَرَهَا، سَجَدَهَا فِي الصَّلَاةِ مَتَى مَا ذَكَرَهَا. وهو قول أصحاب الرأي. انتهى كلام ابن قدامة -﵀- بتصرف.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الشافعي هو الصواب؛ لعدم وجود دليل يفرِّق بين ما إذا شرع في القراءة، أو لم يشرع.\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٣/ ٥٠٧): وهذا القول هو الصحيح، وذلك لأن ما بعد الرُّكن المتروك يقع في غير محلِّه لاشتراط الترتيب، فكل رُكن وَقَعَ بعد الرُّكن المتروك؛ فإنه في غير محلِّه لاشتراط الترتيب بين الأركان، وإذا كان في غير محلِّه؛ فإنه لا يجوز الاستمرار فيه، بل يرجع إلى الرُّكن الذي تَرَكَه كما لو نسيَ أن يغسل وجهه في الوُضُوء، ثم لما شرع في مسح رأسه ذَكَرَ أنه لم يغسل الوجه، فيجب عليه أن يرجع ويغسل الوجه وما بعده؛ فإنْ وَصَلَ إلى محلِّه مِن الرَّكعة الثانية؛ فإنه لا يرجع؛ لأن رجوعه ليس له فائدة، لأنه إذا رَجَعَ فسيرجع إلى نفس المحل، وعلى هذا؛ فتكون الرَّكعة الثانية هي الأُولى،","vol":"2","page":578},{"text":"ويكون له ركعة مُلفَّقَة مِن الأُولى ومِن الثانية. اهـ\nوهو ترجيح الإمام السعدي -﵀- كما في «المختارات الجلية» (ص ٤٨).\nتنبيه: المأموم إذا نسي ركنًا؛ فلا يرجع له، سواءٌ ذكره قبل القراءة، أم بعدها، بل يتابع الإمام، ويلغي ركعته الأولى، ويجعل الثانية مقامها، ثم يقضيها بعد تسليم الإمام؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-956>مسألة [٢]: إذا نسي ركنًا أثناء الصلاة، ثم ذكره بعد السلام</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يعيد ركعة كاملة سواء كان السهو في آخر ركعة، أو كان قبل ذلك؛ بشرط ألا يطول الفصل. وهذا القول رواية عن أحمد، واختارها بعض الحنابلة.\n• ومذهب الشافعي، وأحمد في رواية أنه يرجع إلى الموضع الذي نسيه فيبني عليه إذا ذكره قبل طول الفصل.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٣/ ٥٠٨): لا يلزمه أن يأتي بركعة كاملة، وإنما يأتي بما تَرَكَ وبما بعده؛ لأن ما قبل المتروك وَقَعَ في محلِّه صحيحًا، فلا يُلزم الإِنسان مرَّة أخرى، أما ما بعد المتروك، فإنما قلنا بوجوب الإِتيان به من أجل الترتيب ...، وهذا القول هو الصحيح. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما إن كان الركن المنسي في الركعة الأخيرة؛ فإنه يأتي به وبما بعده فحسب، ولا يلزمه ركعة كاملة، وأما إن كان في غير الركعة","vol":"2","page":579},{"text":"الأخيرة فالظاهر أنه يكون كترك ركعة كاملة؛ فيلزمه أن يزيد ركعة بعد السلام إذا لم يطل الفصل، ثم يسجد للسهو، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-957>مسألة [٣]: هل يسجد المصلي للسهو إذا نسي تكبيرة الانتقال</span>؟\n• في المسألة قولان لأهل العلم:\nالقول الأول: أن عليه السجود، وهو قول عطاء، والشافعي، والحنفية. والحجة لهذا القول أن النبي - ﷺ - أمر بتكبيرات الانتقال كما في حديث المسيء في صلاته.\nالقول الثاني: لا يسجدون لها سجود السهو، وهو قول الحكم، وأبي ثور، وإسحاق، وكأن هؤلاء رأوا ذلك من السنن التي لا توجب سجود السهو.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: تقدم معنا في صفة الصلاة أن الراجح هو وجوب تكبيرات الانتقال؛ لأن النبي - ﷺ - أمر بها، وعلى هذا فمن نسيها؛ فعليه سجود السهو، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>مسألة [٤]: من قال موضع: سمع الله لمن حمده، الله أكبر، والعكس من ذلك</span>؟\n• قال الإمام مالك -﵀-: إن رجع واستدرك فلا سجود عليه، وإلا فيسجد للسهو.\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الممتع» (٣/ ٥٠٧ - ٥٠٨)، «شرح المهذب» (٤/ ١١٣).\n(^٢) وانظر: «الأوسط» (٣/ ٣٠٤).","vol":"2","page":580},{"text":"• وقال بعض أهل العلم: لا سجود عليه للسهو، وهو قول النخعي، والشعبي، والقاسم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أن عليه سجود السهو؛ فإن استدرك قبل أن يفارق المحل؛ فلا سجود عليه. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٣/ ٣٠٤)، وانظر: «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (١/ ٢٧٥).","vol":"2","page":581},{"text":"٣٢٧ - وَعَنْ عُمَرَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ سَهْوٌ؛ فَإِنْ سَهَا الإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ». رَوَاهُ البَزَّارُ، وَالبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-959>مسألة [١]: إذا سها الإمام؛ فعلى المأموم أن يسجد معه</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٣٩): وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ؛ فَعَلَى الْمَأْمُومِ مُتَابَعَتُهُ فِي السُّجُودِ، سَوَاءٌ سَهَا مَعَهُ، أَوْ انْفَرَدَ الْإِمَامُ بِالسَّهْوِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ. وَذَكَرَ إِسْحَاقُ أَنَّهُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ، سَوَاءٌ كَانَ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ، أَوْ بَعْدَهُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله - ﷺ -: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا»، وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ. (^٢) وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ مَسْبُوقًا، فَسَهَا الْإِمَامُ فِيمَا لَمْ يُدْرِكْهُ فِيهِ؛ فَعَلَيْهِ مُتَابَعَتُهُ فِي السُّجُودِ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ. رُوِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَإِسْحَاقُ: يَقْضِي ثُمَّ يَسْجُدُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ كَقَوْلِنَا، وَبَعْدَهُ كَقَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي «زَادِ الْمُسَافِرِ»؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ خَارِجٌ مِنْ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَتَّبِعْ الْإِمَامَ فِيهِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأخير هو الصواب في المسألة -والله أعلم-؛\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه البيهقي (٢/ ٣٥٢) تعليقًا، ورواه الدارقطني موصولًا (١/ ٣٧٧). وفي إسناده خارجة بن مصعب، وهو شديد الضعف، وأبو الحسين المديني وهو مجهول.\n(^٢) يعني حديث عمر -﵁- الذي في الباب.","vol":"2","page":582},{"text":"لأنَّ الإمام قد تحلل من صلاته بالتسليم؛ فالمتابعة متعذرة لوجود الحائل، وهو السلام، ولو سلَّمَ المسبوق بطلت صلاته، وهذا هو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٣/ ٥٢٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-960>مسألة [٢]: هل على المأموم سجود سهو إذا سها في نفسه</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المأموم لا سجود عليه في مثل هذه الحال؛ لحديث عمر الذي في الباب، ولقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه».\n• وذهب مكحول، وحُكي عن ابن سيرين إلى أنه يسجد للسهو، وهو قول داود الظاهري، وابن حزم، ورجَّحه الصنعاني، واستدلوا بعموم الأدلة في سجود السهو، وهي تشمل الإمام، والمأموم، والمنفرد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٣/ ٥٢٤): وذلك لأن النبي - ﷺ - قال: «إنما جُعل الإِمام ليؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه»؛ ولأن سجود السَّهو واجب، وليس برُكن، والواجب يسقط عن المأموم من أجل متابعة الإِمام، وذلك في عدَّة صُور: منها: لو قام الإِمامُ عن التشهُّدِ الأول ناسيًا سَقَطَ عن المأموم. ومنها: لو دخل المأمومُ مع الإِمام في ثاني ركعة في رباعية سَقَطَ عن المأموم التشهُّد الأول؛ لأنَّ التشهُّد الأول يقع لهذا المأموم في الرَّكعة الثالثة للإِمام، ومعلوم أن الإِمام لا يجلس في الرَّكعة الثالثة؛ فيلزم المأموم أن يقوم معه، فيسقط عنه واجب","vol":"2","page":583},{"text":"من واجبات الصَّلاة، فإذا كان الواجب يسقط عن المأموم مِن أجل المتابعة، فسجود السَّهو واجب؛ فيسقط عن المأموم من أجل المتابعة، وبناءً على هذا التَّعليل: لا سجود على المأموم إذا لم يفته شيء من الصلاة؛ فإن فاته شيء مِن الصَّلاة، ولزمه الإِتمام بعد سلام إمامه؛ لزمه سجود السَّهو إنْ سها سهوًا يوجب السُّجود؛ لأنه إذا سَجَدَ لم يحصُل منه مخالفة لإمامه. اهـ\nوقال الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٢/ ١٣٢): نحن نعلم يقينًا أنَّ الصحابة الذين كانوا يقتدون به - ﷺ - كانوا يسهون وراءه سهوًا يوجب السجود عليهم لو كانوا منفردين، هذا أمر لا يمكن لأحد إنكاره، فإذا كان كذلك؛ فلم يُنقل أنَّ أحدًا منهم سجد بعد سلامه - ﷺ -، ولو كان مشروعًا لفعلوه، ولو فعل لنقلوه، فإذا لم يُنقل؛ دلَّ على أنه لم يُشرع، وهذا ظاهرٌ إن شاء الله تعالى. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٤٠): فإنْ سها المأموم فيما ينفرد به من القضاء؛ يسجد، رواية واحدة؛ لأنه قد صار منفردًا، فلم يتحمل عنه الإمام، وهكذا لو سها فسلَّم مع إمامه؛ قام، فأتمَّ صلاته، ثم يسجد بعد السلام كالمنفرد سواء. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-961>مسألة [٣]: إذا سها الإمام ولم يسجد سهوا أو عمدا، أيسجد من خلفه</span>؟\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أن المأمومين يسجدون، وهو قول ابن سيرين، والحكم،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٣٩ -)، «المحلَّى» (٤٦٩).","vol":"2","page":584},{"text":"وقتادة، والأوزاعي، ومالك، والليث، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وإسحاق.\nقال أبو ثور: وذلك أن هذا شيء وجب عليهم وعليه؛ فلا يزول عنهم تركه ما وجب عليه، وذلك أن كل مؤد فريضة وما وجب عليه، فلا يزول عنه إلا بأدائه.\nالقول الثاني: أنهم لا يسجدون، وهو قول الحسن، وعطاء، والنخعي، والقاسم، وسالم، وحماد، والثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية، وقول عن إسحاق، وقال به بعض الشافعية، منهم المزني، وأبو حفص بن الوكيل.\nقال هؤلاء: وذلك لأنه إنما وجب السجود على المأمومين متابعة للإمام؛ فإذا لم يسجد فلا سجود عليهم.\nوهذا القول أقرب؛ لأن سجود السهو إنما يكون جبرانا لسهو حصل منهم، ولم يحصل منهم السهو، ولا سجد إمامهم حتى تحصل المتابعة، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ١٥٢)، «البيان في مذهب الشافعي» (٢/ ٣٤٠)، «الأوسط» (٣/ ٣٢٢)، «الحاوي» (٢/ ٢٢٨).","vol":"2","page":585},{"text":"٣٢٨ - وَعَنْ ثَوْبَانَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-962>مسألة [١]: تعدد السهو</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٣٧): إذَا سَهَا سَهْوَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ جِنْسٍ، كَفَاهُ سَجْدَتَانِ لِلْجَمِيعِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ. اهـ\nومعنى قوله: (مِنْ جِنْسٍ واحِدٍ) أنَّ كليهما قبل السلام، أو بعد السلام، ويدل على هذا حديث ابن بُحينة الذي في أول الباب؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سها عن التشهد الأول، وبسهوه عنه سها أيضًا عن الجلوس للتشهد، وعن تكبيرة انتقال، ومع ذلك سجد سجدتين فقط.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٣٧): وَإِنْ كَانَ السَّهْوُ مِنْ جِنْسَيْنِ، فَكَذَلِكَ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَوْلًا لِأَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: النَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِيهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَا. وَالثَّانِي، يَسْجُدُ سُجُودَيْنِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (١٠٣٨)، وابن ماجه (١٢١٩)، من طريق زهير بن سالم العنسي عن ثوبان به.\nقال الدارقطني عن زهير: حمصي منكر الحديث، روى عن ثوبان ولم يسمع منه. اهـ\nوعليه فالحديث ضعيف، وقد أعله بعض أهل العلم بإسماعيل بن عياش، وليس كذلك، فإنه قد روى هذا الحديث عن شامي، وروايته عن الشاميين مستقيمة.","vol":"2","page":586},{"text":"أَبِي حَازِمٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: إذَا كَانَ عَلَيْهِ سُجُودَانِ، أَحَدُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ، سَجَدَهُمَا فِي مَحِلَّيْهِمَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ».اهـ\nقلتُ: والصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «إذا نسي أحدكم؛ فليسجد سجدتين»، أخرجه مسلم (٥٧٢) (٩٤)، عن ابن مسعود -﵁-، وأما حديثهم؛ فضعيفٌ.\nقال ابن قدامة -﵀-: فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ، ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِهِ لِكُلِّ سَهْوٍ فِي صَلَاةٍ، وَالسَّهْوُ، وَإِنْ كَثُرَ؛ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي لَفْظِ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لِكُلِّ صَلَاةٍ فِيهَا سَهْوٌ سَجْدَتَانِ. اهـ","vol":"2","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-963>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-964>مسألة [١]: هل يشمل سجود السهو صلاة النافلة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٤٣): وَحُكْمُ النَّافِلَةِ حُكْمُ الْفَرْضِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، إلَّا أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ قَالَ: لَا يُشْرَعُ فِي النَّافِلَةِ. وَهَذَا يُخَالِفُ عُمُومَ قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ»، وَقَالَ: «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ»، وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ؛ فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهَا كَالْفَرِيضَةِ. اهـ\nوأخرج ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٣٢٥) بإسناد صحيح عن ابن عباس -﵄- قال: إذا أوهمت في التطوع؛ فاسجد سجدتين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-965>مسألة [٢]: هل يسجد للسهو في صلاة الجنازة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٤٤٤): وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِلسَّهْوِ فِي صَلَاةِ جِنَازَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا سُجُودَ فِي صُلْبِهَا، فَفِي جَبْرِهَا أَوْلَى، وَلَا فِي سُجُودِ تِلَاوَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شُرِعَ؛ لَكَانَ الْجَبْرُ زَائِدًا عَلَى الْأَصْلِ، وَلَا فِي سُجُودِ سَهْوٍ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: هُوَ إجْمَاعٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى التَّسَلْسُلِ وَلَوْ سَهَا بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ لَمْ يَسْجُدْ لِذَلِكَ. اهـ\nونقل ابن المنذر عن قتادة أنه يعيد سجدتي السهو. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٦/ ٥٢٠)، «الأوسط» (٣/ ٣٢٥)، «البيهقي» (٢/ ٣٥٣).\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٦/ ٥٢٢)، «الأوسط» لابن المنذر (٣/ ٣٢٦).","vol":"2","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-966>مسألة [٣]: هل يسجد لترك المستحب</span>؟\n• ذهب الشافعي، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية إلى مشروعية السجود عن ترك المستحب، واتفقوا على أنه لا يجب، وعن أحمد رواية بعدم مشروعيته، وهذه الرواية هي الصواب في المسألة؛ لعدم وجود دليل فيما نعلم عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه سجد للسهو لترك بعض سنن الصلاة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-967>مسألة [٤]: المسبوق الذي يدرك وترا من صلاة الإمام، هل عليه سجود سهو لجبر ما فاته مع الإمام</span>؟\n• أخرج ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٣/ ٣٠٦) من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، قال: «رأيت ابن عمر تفوته ركعة فيجلس في وتره والإمام في شفع، فإذا سلم قام فأوفى ما بقي عليه، ثم سجد سجدتي السهو».\nوأخرج أيضًا (٣/ ٣٠٦) من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري، وابن عمر أنهما كانا يفعلان ذلك، قال ابن جريج: وأخبرت بعدما مات عطاء أنه يأثر حديث ابن عمر، عن إسماعيل بن عبد الرحمن ابن ذويب الأسدي.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأسانيد صحيحة إليهما، وهي في «مصنف عبد الرزاق» (٢/ ٢١٠).\nقال الإمام ابن المنذر -﵀-: وروي ذلك عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، وقال\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٤٣٣)، «الإنصاف» (٢/ ١١٨ - ١١٩)، «الشرح الممتع» (٣/ ٤٥٠، ٥٣٠).","vol":"2","page":589},{"text":"إسحاق: نرى أن يفعل بهذا اتباعا لهؤلاء.\nقال: وقال أكثر فقهاء الأمصار من المتأخرين: ليس عليه سجود السهو، هذا قول أهل المدينة، وأهل الكوفة، والشافعي وأصحابه، وروي ذلك عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومحمد بن سيرين، واحتج محتجهم بحديث أبي هريرة ثم أسنده -﵀- عنه، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن ائتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم صلوا وما فاتكم فأتموا».\nثم أسند -﵀- عن المغيرة بن شعبة، قال: «تخلف رسول الله - ﷺ - وتخلفت معه، وذكر الحديث، فلما انتهينا إلي القوم، وقد قاموا إلي الصلاة، وصلى بهم عبد الرحمن بن عوف، وقد ركع بهم ركعة، فلما أحس بالنبي - ﷺ - ذهب ليتأخر فأومأ إليه فصلي بهم، فلما سلم قام النبي - ﷺ - وقمت فركعنا الركعة التي سبقتنا».\nقال أبو بكر بن المنذر: وبهذا نقول، وليس في شيء من الأخبار أنهم سجدوا سجود السهو.\nقال أبو بكر: ودل حديث المغيرة على أن على المأموم إذا جاء إلى الإمام فدخل معه في صلاته، أن يقتدي به ويفعل كفعله، ومن ألزم من فعل هذا الفعل سجود السهو إنما يلزمه سجود العمد؛ لأن فاعله قاصد إلى دخوله معه، لا ساهيًا لفعل فعله. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنه لا سجود عليه، وحديث المغيرة","vol":"2","page":590},{"text":"المتقدم نص في المسألة، ولعل ابن عمر وأبا سعيد -﵄- لم يبلغهما الحديث، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-968>مسألة [٥]: من فاته بعض صلاة الإمام فأغفل القضاء حتى دخل في صلاة تطوع ثم ذكر؛ فكيف يصنع</span>؟\n• قال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٣/ ٣٢٤): اختلف أهل العلم في المسبوق ببعض الصلاة يغفل القضاء حتى يدخل في صلاة تطوع:\nفقالت طائفة: يلغي ما صلى من التطوع، ويتم ما في صلاته، ويسجد سجدتي السهو.\nنسي أنس ركعة من صلاة الفريضة حتى دخل في التطوع ثم ذكر، فصلى بقية صلاة الفريضة، ثم سجد سجدتين وهو جالس، وبه قال الحكم، والأوزاعي، وقال الأوزاعي: لو ذكر بعد أن ركع ركعتين، أتم ما بقي من صلاته، ولا يعتد بركعتي التطوع.\nوقالت طائفة: إذا دخل في تطوع بطلت عنه المكتوبة ويستأنف، كذلك قال الحسن البصري، وحماد بن أبي سليمان.\nوقال مالك: إذا ذكر ذلك وقد تنفل بركعتين، أحب إلي أن يبتدي إذا تطوع بين فريضته.\nوفيه قول ثالث: وهو أن ما عمل في النافلة إن كان قريبا رجع إلى المكتوبة، فأتمها وسجد للسهو، وإن كان قد تطاول ذلك وركع فيها ركعة بطلت المكتوبة","vol":"2","page":591},{"text":"وعليه أن يعيدها، هذا قول الشافعي.\nوقد روينا عن النخعي، أنه قال: إن ذكرها قبل أن يركع جعلها تمام صلاته، وإن لم يذكرها حتى يركع ويسجد فإنه يستأنف صلاته.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح في هذه المسألة قول من قال: يلغي التطوع، ويتم ما بقي من صلاته كما فعل النبي - ﷺ - في قصة ذي اليدين.\nوأثر أنس -﵁- الذي ذكره ابن المنذر، أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣١٧) من طريق معمر، عن قتادة، عن أنس به. ورواية معمر عن قتادة فيها ضعف.","vol":"2","page":592},{"text":"فَصْل\n\n٣٢٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وَ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٣٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: ﴿ص﴾ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْجُدُ فِيهَا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\n٣٣١ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَجَدَ بِالنَّجْمِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٣)\n\n٣٣٢ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -﵁-، قَالَ: قَرَأْت عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - النَّجْمَ، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٤)\n\n٣٣٣ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ -﵁-، قَالَ: فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «المَرَاسِيلِ». (^٥)\n\n٣٣٤ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَزَادَ: «فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهَا». وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٥٧٨).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٠٦٩).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٠٧١).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٠٧٢)، ومسلم (٥٧٧).\n(^٥) ضعيف. أخرجه أبوداود في «المراسيل» (٧٨) بإسناد حسن عن خالد بن معدان، وهو ضعيف؛ لكونه مرسلًا.\n(^٦) ضعيف. أخرجه أحمد (٤/ ١٥١)، والترمذي (٥٧٨)، وهو ضعيف؛ لأن في إسناده ابن لهيعة: ضعيف مختلط. ومشرح بن هاعان وهو ضعيف لاسيما في روايته عن عقبة وهذا منها.","vol":"2","page":593},{"text":"٣٣٥ - وَعَنْ عُمَرَ -﵁-، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَفِيهِ: إنَّ اللهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إلَّا أَنْ نَشَاءَ. وَهُوَ فِي «المُوَطَّأِ». (^١)\n\n٣٣٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ عَلَيْنَا القُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ فِيهِ لِينٌ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>مسألة [١]: حكم سجود التلاوة</span>.\n• ذهب الحنفية إلى وجوب سجود التلاوة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق:٢٠ - ٢١]، وقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٦٢].\n• وذهب جمهور العلماء إلى أنه سنَّة مستحبة، واستدلوا على أنه ليس بواجب بحديث زيد بن ثابت الذي في الباب، وبحديث عمر كذلك.\nوأجابوا عن أدلة الحنفية: بأنَّ الآية الأولى في ذمِّ الكفار في تركهم السجود إعراضًا، وتكبرًا، والآية الثانية المقصود بها جنس السجود؛ فيشمل سجود\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٧٧) وهو في «الموطأ» (١/ ٢٠٦) وإسناده عند مالك منقطع.\n(^٢) ذكر التكبير ضعيف منكر. أخرجه أبوداود (١٤١٣)، وفي إسناده عبدالله بن عمر العمري وهو ضعيف، وقد تفرد بذكر التكبير، فالحديث عند الحاكم (١/ ٢٢٢) من طريق أخيه عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بدون ذكر التكبير، والحديث أيضًا في «الصحيحين» بدون ذكر التكبير. أخرجه البخاري (١٠٧٥)، ومسلم (٥٧٥). فزيادة التكبير منكرة.","vol":"2","page":594},{"text":"الصلاة، ولو سُلِّمَ بأنَّ المقصودَ بها سجود التلاوة فقط؛ فيكون الأمر للاستحباب، والصارف له عن الوجوب حديث زيد بن ثابت -﵁- الذي في الباب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-970>مسألة [٢]: عدد سجدات التلاوة في القرآن</span>.\n• في المسألة أقوال:\nالقول الأول: خمس عشرة سجدة، وهو قول إسحاق، وأحمد في رواية، وبعض الشافعية، وقد جاء عن عمرو بن العاص -﵄- عند أبي داود (١٤٠١)، وابن ماجه (١٠٥٧): أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أقرأه خمس عشرة سجدة، منها ثلاث في المُفَصَّل، وفي سورة [الحج] سجدتان، وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: عبد الله بن منين، مجهول عين، والحارث بن سعيد مجهول حال.\nالقول الثاني: أربع عشرة سجدة، وهو المشهور عند الحنابلة، والشافعية، وهو قول أصحاب الرأي، ولكن أبا حنيفة أسقط الثانية من [الحج]، والباقون أسقطوا سجدة ﴿ص﴾ ووافق أبا حنيفة ابن حزمٍ.\nالقول الثالث: إحدى عشرة سجدة، وهو قول مالك، والشافعي في رواية، وجاء عن بعض التابعين، وهؤلاء أسقطوا الثانية من [الحج]، والثلاث التي في المُفَصَّل، وهي سورة [النجم، والانشقاق، والعلق].\nواستدلوا على سقوط سجدات المُفَصَّل بحديث أبي الدراداء عند ابن ماجه\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٦١)، «المغني» (٢/ ٣٦٤).","vol":"2","page":595},{"text":"١٠٥٥ -، قال: سجدت مع النبي - ﷺ - إحدى عشرة، ليس فيها من المُفَصَّل شيء. وهو حديث ضعيفٌ، فيه انقطاع، والساقط رجلٌ مبهمٌ، واستدلوا بحديث ابن عباس -﵄-، عند أبي داود (١٤٠٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يسجد في شيء من المُفَصَّل منذ تحول إلى المدينة. وهو حديث ضعيفٌ، فيه: الحارث بن عبيد الإيادي، ومطر الورَّاق، وكلاهما ضعيفٌ.\nواستدلوا بما أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٦) بإسناد صحيح، عن أبي بن كعب -﵁-، أنه قال: ليس في المفصل سجود.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، أعني أنَّ عدد السجدات خمس عشرة سجدة، وقد أجمع العلماء على السجود فيما عدا الثانية من الحج، وسجدة ﴿ص﴾، والثلاث التي في المفصل.\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٥٥٦): فأما السجدات إلى: ﴿الم * تَنْزِيلُ﴾، فلا خلاف فيها.\nثم ذكر الخلاف في السجدة الثانية من [الحج]، ونقل الاتفاق على ذلك أيضًا الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٣٦٠).\nوقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٠٦٧): وقد أجمع العلماء على أنه يسجد في عشرة مواضع، وهي متوالية؛ إلا ثانية [الحج]، و﴿ص﴾.اهـ\nقلتُ: فهذه عشر سجدات مُجمعٌ عليها، وسجد فيها الصحابة، وأما سجدة ﴿ص﴾؛ فهي ثابتة كما في حديث ابن عباس -﵄-، الذي في الباب، ولكنها ليست","vol":"2","page":596},{"text":"متأكدة كغيرها؛ لحديث أبي سعيد عند أبي داود (١٤١٠)، قال: قَرَأَ رَسُولُ الله - ﷺ -، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ﴿ص﴾، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزَّنْتُمْ لِلسُّجُودِ»، فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدُوا.\nوأما سجدات المفصَّل الثلاث؛ فلا ينبغي أن يُختلف في مشروعية السجود فيها؛ لضعف أدلة المانعين من ذلك كما تقدم، ولصحة الأحاديث في السجود كما في حديث أبي هريرة، وابن عباس -﵃-، اللَّذَيْنِ في الباب.\nوقد ثبت عن عمر وابن مسعود -﵄- السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. أخرجهما ابن أبي شيبة (٢/ ٧) بإسنادٍ صحيحٍ.\nوأما سجدة [الحج] الثانية؛ فقد صحَّ عن جمعٍ من الصحابة السجود فيها، وهم: عمر بن الخطاب، وعلي، وابن عمر، وأبو الدراداء، وأبو موسى، وابن عباس -﵃-، وصحَّ عن عبدالله بن عمر -﵄-، أنه قال: لو سجدت واحدة كانت الآخرة أحب إليَّ. وصحَّ عن أبي إسحاق السبيعي أنه قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في [الحج] سجدتين.\nولا يُعلم لهؤلاء الصحابة مخالف، والله أعلم، وهناك أقوال أخرى في المسألة. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٦٢)، «الفتح» (٢/ ٥٥١)، «المغني» (٢/ ٣٥٢ -)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١١)، «الأوسط» (٥/ ٢٥٣ -)، «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٣٣٥ - ٣٤٣).","vol":"2","page":597},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-971>مسألة [٣]: موضع سجدة سورة فصلت</span>.\n• قال الإمام ابن المنذر -﵀- في كتابه «الأوسط» (٥/ ٢٦٨): اختلف أهل العلم في الآية التي يسجد فيها من حم السجدة، فقالت طائفة: يسجد في الأولى منهما ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] الآية، روي هذا القول عن ابن عمر: وابن عباس.\nحدثنا علي بن عبد العزيز، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عبد السلام، عن الحجاج، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يسجد في الأولى من الحم\".\nحدثنا علي، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عبد السلام، عن الحجاج، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه كان يسجد في أول الآيتين من الحم\".\nوبه قال الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقال مسروق: كان أصحاب عبد الله يسجدون بالأولى، وقال الأعمش: «أدركت إبراهيم، وأبا صالح، وطلحة، وزبيدا، يسجدون بالآية الأولى من حم السجدة» وقاله مالك بن أنس، والليث بن سعد.\n• وقالت طائفة: السجدة فيها عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] الآية، روي عن ابن عباس أنه قال ذلك، وهذه الرواية أثبت من الرواية الأخرى، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، وابن سيرين، والنخعي، وأبي وائل، وبه قال سفيان الثوري، وإسحاق.","vol":"2","page":598},{"text":"حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن سعيد الزبيدي، عن فطر، عن مجاهد، أن ابن عباس، كان يسجد في الآخرة من حم ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] الآية \". انتهى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الرواية عن ابن عمر وابن عباس -﵄- بالقول الأول لم تثبت عنهما؛ فهي من طريق حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف.\nوالرواية الثانية عن ابن عباس بالقول الثاني إسنادها صحيح رجاله ثقات، وسعيد الزبيدي، هو سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله الزبيدي، وهو ثقة، وثقه أبو داود وغيره.\nفالصواب في المسألة: القول الثاني؛ لصحة ذلك عن ابن عباس -﵄-، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-972>مسألة [٤]: هل يكبر لسجود التلاوة</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه يكبر لسجود التلاوة عند الخفض، وعند الرفع، واستدلوا بحديث ابن عمر -﵄- الذي في الباب.\n• وذهب أبو حنيفة في رواية إلى أنه يكبر إذا سجد، ولا يكبر إذا رفع، وهو اختيار بعض الحنابلة.\n• وذهب أبو حنيفة، ومالك في رواية عنهما إلى أنه لا يكبر مطلقًا.\nوهذا القول هو الصواب، وهو ترجيح الإمام الألباني، والإمام الوادعي","vol":"2","page":599},{"text":"رحمة الله عليهما.\n• وعن مالك -﵀- رواية: أنه يكبر إذا كان في صلاة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>مسألة [٥]: التسليم بعد سجود التلاوة</span>.\n• ذهب إلى مشروعيته بعض أهل العلم، منهم: أبو قلابة، وابن سيرين، وإسحاق، وأحمد في رواية، وقاسوه على سجود السهو.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم مشروعيته، وهو قول النخعي، والحسن، وسعيد بن جبير، والشافعي، وأحمد في رواية، ومالك.\nوهذا القول هو الصواب؛ لعدم وجود دليل يدل على مشروعيته، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (٥/ ٢٧٢)، «المغني» (٢/ ٣٠٩)، «المجموع» (٤/ ٦٥)، «التمهيد» (٦/ ٨١)، «غاية المرام» (٥/ ٥٥٥)، «الشرح الممتع» (٤/ ١٤٢).\n(^٢) انظر: «التمهيد» (٦/ ٨١)، «الأوسط» (٥/ ٢٧٩)، «المغني» (٢/ ٣٦٢).","vol":"2","page":600},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-974>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>مسألة [١]: هل تشترط الطهارة لسجود التلاوة</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى الاشتراط، وعَدُّوا سجود التلاوة صلاة، وحكى البخاري عن ابن عمر -﵄- تعليقًا: أنه كان يسجد على غير وضوء، وهو قول الشعبي، وسعيد بن المسيب، واختاره البخاري، وابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، ورجحه الإمام الوادعي، والإمام العثيمين، والإمام ابن باز رحمة الله عليهم أجمعين.\nوهو الصواب؛ لأنَّ سجود التلاوة ليس بصلاة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-976>مسألة [٢]: هل يشترط استقبال القبلة في سجود التلاوة</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط ذلك أيضًا؛ لأنها عندهم صلاة.\n• وذهب الذين لم يعدوها صلاة إلى أنه لا يُشترط ذلك، منهم: الشعبي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ورجَّح ذلك ابن حزم، وشيخ الإسلام، ثم الشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهم.\nوهذا القول هو الراجح، انظر المراجع السابقة.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٣٥٨)، «الفتح» (١٠٧١)، «المحلى» (٥٥٦)، «الشرح الممتع» (٤/ ١٢٥)، «المجموع» (٤/ ٦٣).","vol":"2","page":601},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-977>مسألة [٣]: هل يسجد المستمع لسجود التلاوة</span>؟\nاستحب أهل العلم للمستمع أن يسجد.\nقال ابن قدامة -﵀-: لا نعلم فيه خلافًا.\nقلتُ: ويدل عليه حديث ابن عمر في «الصحيحين» (^١)، قال: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد، ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا موضعًا لجبهته. وكذلك حديث أبي سعيد -﵁- في سجدة ﴿ص﴾، وقد تقدم.\nواختلفوا: هل يسجد المستمع إذا لم يسجد القارئ، أم لا؟\n• فذهب الشافعي، وهو المشهور عند أصحابه إلى أنه يسجد؛ لوجود الاستماع.\n• وذهب أحمد، وأصحابه إلى أنه لا يسجد، وهو اختيار بعض الشافعية.\nواستدلوا بحديث ابن عمر -﵄-، المتقدم؛ فإنَّ الصحابة كانوا يسجدون لسجود النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وبوَّب عليه البخاري في «صحيحه»: [باب من سجد لسجود القارئ]، وذكر عن ابن مسعود معلَّقًا بصيغة الجزم أنه قال لتميم بن حذلم وهو غلام فقرأ عليه سجدة، فقال: اُسْجُدْ، فأنت إمامنا فيها.\nواستدلوا بحديث زيد بن ثابت، أنه قرأ على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سورة النجم، فلم يسجد فيها. وقالوا: وذلك لأنَّ زيدًا لم يسجد. وهذا محتمل، واستدلوا بمرسل عطاء بن يسار عند البيهقي (٢/ ٣٢٤) بإسناد صحيح عنه أنَّ غلامًا قرأ عند النبي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٠٧٥)، ومسلم برقم (٥٧٥).","vol":"2","page":602},{"text":"-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سجدة، فانتظرَ الغلام سجود النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فلم يسجد، فقال: يا رسول الله: قرأت السجدة، فلم تسجد؟ فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «كنتَ إمامًا، فلو سجدتَ سجدتُ معك».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب قول أحمد؛ لمجموع ما استدل به هو وأصحابه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-978>مسألة [٤]: هل يسجد السامع الذي سمع، ولم يقصد الاستماع</span>؟\n• ذهب أحمد، وأصحابه إلى أنه لا يسجد، وصحَّ ذلك عن عثمان بن عفان، وابن عباس، وعمران بن حصين، وسلمان الفارسي -﵃-، وهو قول مالك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-.\n• وذهب النخعي، وسعيد بن جبير، وأصحاب الرأي، وإسحاق إلى أنه يسجد، قال الشافعي: لا أؤكد عليه السجود، وإنْ سجد؛ فَحَسَنٌ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب ما ذهب إليه أحمد، ومالك؛ لأنَّ أدلة السجود جاءت في حق القارئ، والمستمع.\nولا نعلم دليلًا في حَقِّ السَّامِع الذي لا يقصد الاستماع، وتأيد ذلك بقول أربعة من الصحابة صحَّ عنهم، ولا يُعلم لهم مخالفٌ من الصحابة رضوان الله عليهم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٣٦٦)، «المجموع» (٤/ ٥٨).\n(^٢) وانظر: «الأوسط» (٥/ ٢٨٠ - ٢٨٢)، «المغني» (٢/ ٣٦٦)، «غاية المرام» (٥/ ٥٣٦).","vol":"2","page":603},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-979>مسألة [٥]: هل يُشترط لسجود المستمع أن يكون التَّالي ممن يصلح للإمامة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٣٦٧): وَيُشْتَرَطُ لِسُجُودِ الْمُسْتَمِعِ أَنْ يَكُونَ التَّالِي مِمَّنْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُ إمَامًا؛ فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا، أَوْ امْرَأَةً، فَلَا يَسْجُدُ السَّامِعُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ، وَمِمَّنْ قَالَ لَا يَسْجُدُ إذَا سَمِعَ الْمَرْأَةَ: قَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: هِيَ إمَامُك. اهـ\nثم استدل بمرسل عطاء الذي تقدم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-980>مسألة [٦]: هل للمستمع أن يرفع رأسه من السجود قبل القارئ</span>؟\n• في هذه المسألة وجهان عند الحنابلة، وصوَّبَ صاحب «الإنصاف» جواز الرفع قبل القارئ، وهذا أظهر؛ لأنها ليست إمامة، إنما هي شبيهة بها؛ ولذلك يجوز للمستمع أن يسجد ولو كان أمام القارئ، أو عن يساره، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>مسألة [٧]: هل يقوم الركوع مقام السجود</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٣٦٩): وَلَا يَقُومُ الرُّكُوعُ مَقَامَ السُّجُودِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقُومُ مَقَامَهُ اسْتِحْبَابًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤]، وَلَنَا: أَنَّهُ سُجُودٌ مَشْرُوعٌ، فَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ الرُّكُوعُ، كَسُجُودِ الصَّلَاةِ، وَالْآيَةُ\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٥/ ٢٨٦).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ١٩٠).","vol":"2","page":604},{"text":"الْمُرَادُ بِهَا السُّجُودُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَخَرَّ﴾، وَلَا يُقَالُ لِلرَّاكِعِ: خَرَّ، وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ دَاوُد ﵇ السُّجُودُ لَا الرُّكُوعُ، إلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالرُّكُوعِ. اهـ\nوالصواب ما قرره ابن قدامة -﵀-، وعلى ذلك جمهور العلماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-982>مسألة [٨]: إذا قرأ السجدة على الراحلة في السفر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٣٧٠): وَإِذَا كَانَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ؛ جَازَ أَنْ يُومِئَ بِالسُّجُودِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ. فَعَلَ ذَلِكَ: (عَلِيٌّ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ) (^١)، وَالنَّخَعِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>مسألة [٩]: السجود للتلاوة في الصلاة</span>.\n• ذهب الجمهور إلى مشروعيته في الجهرية.\n• وكرهها مالك في رواية، وفي رواية عنه أنه كرهها في السرية دون الجهرية، وقد كرهها في السرية بعض الحنابلة، والحنفية.\n• وذهب بعض الحنابلة، والحنفية إلى مشروعيتها في السرية أيضًا، وهو قول الشافعي وأصحابه، واستدلوا بحديث ابن عمر -﵄-، عند أبي داود (٨٠٧): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سجد في صلاة الظهر. وهو حديث ضعيفٌ في إسناده انقطاع، والساقط\n_________\n(^١) أثر ابن عمر -﵄- إسناده صحيح، وأثر علي -﵁- ضعيف جدًّا؛ في إسناده ثوير بن أبي فاختة، وهو متروك، وأثر ابن الزبير كذلك ضعيف جدًّا في إسناده ثوير أيضًا، وأثر سعيد بن زيد ضعيف جدًّا؛ في إسناده جابر الجعفي، وهو متروك. انظر «الأوسط» (٥/ ٢٧٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤).","vol":"2","page":605},{"text":"رجلٌ مجهول.\nقلتُ: أما في الجهرية؛ فالسجود مشروعٌ، مستحبٌّ؛ لحديث أبي هريرة في «الصحيحين» أنه سجد مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ في صلاة العتمة.\nوأما في السرية: فالذي يظهر لي هو الكراهة؛ لما يحصل من تهويش على المأمومين، ولم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه سجد للتلاوة في الصلاة السرية، ولو ثبت لقلنا به. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-984>مسألة [١٠]: من لم يجد موضعًا للسجود</span>.\nقال ابن بطال -﵀- كما في «الفتح» (١٠٧٩): لم أجد هذه المسألة إلا في سجود الفريضة، فقال عمر: يسجد على ظهر أخيه، وبه قال الكوفيون، وأحمد، وإسحاق، وقال عطاء، والزهري: يؤخر حتى يرفعوا، وبه قال مالك، والجمهور، وإذا كان هذا في سجود الفريضة؛ فيجري مثله في سجود التلاوة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أثر عمر بن الخطاب أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٥)، بإسناد صحيح، وقد عزا هذا القول ابن حزم في «المحلَّى» (٤٤٠) إلى أبي حنيفة، والشافعي، وداود الظاهري، ورجَّحه قائلًا: أمرنا الله تعالى بالسجود، ولم يخص شيئًا نسجد عليه من شيء ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]. ثم ساق أثر عمر بإسناده.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٣٧١)، «النيل» (٢/ ٣٠٦) رقم (١٠٠٣).","vol":"2","page":606},{"text":"ثم قال: وروينا عن الحسن البصري، وطاوس: إذا كثر الزحام؛ فاسجد على ظهر أخيك. وعن مجاهد: اسجد على رجل أخيك.\nثم قال: ولا يُعرف في هذا لعمر -﵁-، من الصحابة -﵃-، مخالفٌ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب -والله أعلم- أنه إن كان يعلم أنه سيجد موضعًا للسجود إذا تأخر؛ فإنه يتأخر، ثم يسجد على الأرض، وإنْ لم يجد؛ فإنه يسجد على ظهر أخيه، أو رجله، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>مسألة [١١]: هل يُستحب في السجود للتلاوة أن يقف، ثم يخر ساجدًا</span>؟\n• استحب بعض الحنابلة، والشافعية للساجد للتلاوة أن يقوم، ثم يسجد عن قيام، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]، وبقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء:١٠٩].\n• وذهب جماعة من أهل العلم من الحنابلة، والشافعية، وغيرهم إلى عدم استحباب ذلك، وقالوا: إذا قرأ وهو قائم؛ سجد، وخرَّ ساجدًا، وإذا قرأ وهو قاعد؛ فيسجد عن قعود، والخرور في اللغة بمعنى السقوط، وهو يحصل من القائم، والقاعد، ويدل على ذلك أنَّ كعب بن مالك كان جالسًا حين بُشِّرَ بالتوبة، فلما سمع الصوت قال: فخررت ساجدًا. وهذا القول هو الصواب.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٦٥): قلت: ولم يذكر الشافعي، وجمهور الأصحاب هذا القيام، ولا ثبت فيه شيء يعتمد عليه مما يُحتج","vol":"2","page":607},{"text":"به، فالاختيار تَرْكُهُ؛ لأنه من جملة المحدثات.\nوقال الإمام ابن باز -﵀-، وأعضاء اللجنة الدائمة كما في «الفتاوى» (٧/ ٢٦٥): لا نعلم دليلًا على شرعية القيام من أجل سجود التلاوة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>مسألة [١٢]: ما هي الأذكار التي تقال في سجود التلاوة</span>؟\nجاءت بعض الأدعية عن النبي - ﷺ - في سجود التلاوة، ولكنها معلة وضعيفة:\nمنها: ما أخرجه أبو داود (١٤١٤)، والترمذي (٥٨٠) وغيرهما من حديث عائشة -﵂-، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقول في سجود القرآن بالليل، يقول في السجدة مرارًا: «سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته».\nقال الإمام الدارقطني -﵀- في «العلل» (٣٧٥٠): يرويه خالد الحذاء، واختلف عنه؛ فرواه هشيم، ومحبوب بن الحسن، عن خالد، عن أبي العالية، عن عائشة.\nوخالفهما ابن علية؛ فرواه عن خالد الحذاء، عن رجل لم يسمه، عن أبي العالية، عن عائشة، وهو الصواب. اهـ\nقلتُ: وفي «جامع التحصيل»: قال أحمد: خالد الحذاء لم يسمع من أبي العالية.\nومنها: ما أخرجه الترمذي (٥٧٩) من طريق الحسن بن محمد بن عبيد الله ابن أبي يزيد، قال: قال لي ابن جريج: يا حسن، أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إني رأيتني الليلة،","vol":"2","page":608},{"text":"وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: «اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود».\nقال الحسن: قال لي ابن جريج: قال لي جدك: قال ابن عباس: فقرأ النبي - ﷺ - سجدة، ثم سجد، فقال ابن عباس: فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة.\nوهذا إسنادٌ ضعيف؛ لجهالة الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وقال الذهبي: لا يعرف.\nوقد ضعف الحديث العقيلي، وغيره.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وإذا كان لم يثبت حديث عن النبي - ﷺ - في تخصيص دعاء لسجود التلاوة؛ فيقال فيه كما يقال في سجود الصلاة، والله أعلم.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٥/ ٢٧٢): وكان أحمد بن حنبل يقول في سجود القرآن ما يقول في سجود الصلاة، وقال إسحاق: ليقل ما جاء عن النبي - ﷺ -: «سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره ... إلى الخالقين»، و«رب ظلمت نفسي؛ فاغفر لي؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».اهـ\nقلتُ: الدعاء الأول الذي ذكره إسحاق -﵀- ثابت عن النبي - ﷺ - في سجود الصلاة كما في «صحيح مسلم» عن علي بن أبي طالب -﵁-.","vol":"2","page":609},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-987>مسألة [١٣]: هل يسجد للتلاوة إذا قرأها بعد صلاة الصبح والعصر</span>؟\n• قال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٥/ ٢٧٣): اختلف أهل العلم في السجود بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس: فكرهت طائفة أن يقرأ السجدة في هذين الوقتين. كره ذلك مالك بن أنس. وقال أحمد: لا يسجد إذا قرأ السجدة بعد الصبح، وبعد العصر ولا يعيدها.\nوقال إسحاق: يعيدها إذا غربت الشمس.\nوقال أبو ثور: إذا قرأ سجدة بعد العصر، أو بعد الفجر لم يسجد فيها، وقد كان ابن عمر يصيح عليهم إذا رآهم، يعني القُصاص يسجدون بعد الصبح.\nوروينا عن كعب بن عجرة: أنه قرئت عنده السجدة قبل طلوع الشمس؛ فلم يسجد حتى طلعت الشمس، ثم سجد.\nوروينا عن أبي أمامة: أنه كان إذا رأى أنهم يقرءون آية، أو سورة فيها سجدة بعد العصر؛ لم يجلس معهم.\nحدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، قال: «كان ابن عمر يصيح عليهم إذا رآهم، يعني القصاص، يسجدون بعد الصبح» قال معمر: وأخبرنيه أيوب، عن نافع.\nحدثنا علي بن عبد العزيز، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن الحجاج، عن طلحة بن مصرف، عن المسيب بن رافع، أن كعب بن عجرة، قرئت عنده السجدة","vol":"2","page":610},{"text":"قبل طلوع الشمس، فلم يسجد حتى طلعت الشمس، ثم سجد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أثر ابن عمر صحيح، رجاله رجال الشيخين، وأثر كعب بن عجرة ضعيف؛ في إسناده حجاج بن أرطاة، وفيه ضعف.\nثم قال ابن المنذر -﵀-: وكان أهل الشام يقرءون السجدة.\nوكان سعيد بن المسيب ينهى عن سجدة القرآن بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس.\n• قال: ورخصت طائفة في السجود بعد العصر وبعد الصبح، روينا عن الشعبي أنه قال: إذا قرأت القرآن فأتيت على السجدة فاسجد أي ساعة كانت، ولا تختصرن السجدة، من يقرأ القرآن فيسجد فيها. وقرأ الحسن البصري سجدة بعد العصر فسجد.\nوممن روي عنه أنه قال: يسجد بعد صلاة العصر، وقبل طلوع الشمس: عطاء، وسالم، والقاسم، وعكرمة، وكان النخعي يقول: إذا قرأ السجدة بعد الغداة، أو بعد العصر سجد إذا كان وقت صلاة.\nوقال حماد بن أبي سليمان: إذا كان في وقت صلاة، فلا بأس.\nوقال الشافعي: من قرأ سجدة بعد العصر، أو بعد الصبح، أو بعد الفجر، فليسجد.\nوقال أصحاب الرأي في السجدة يقرؤها بعد العصر قبل أن تغيب الشمس،","vol":"2","page":611},{"text":"وبعدما صلى الفجر قبل أن تطلع الشمس، قالوا: يسجدها. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما قراءة السجدة في هذا الوقت؛ فلا ينبغي أن يختلف في جوازه؛ إذ لا دليل يدل على المنع من ذلك.\nوأما السجود في هذين الوقتين؛ فالذي يظهر لي أن لا بأس بذلك؛ لأنها ليست بصلاة، وإنما هو سجود تلاوة؛ ولأن ذوات الأسباب مخصوصة من النهي الوارد في ذلك، ولكن إن وافق قراءة السجدة وقت بزوغ الشمس، ووقت غروبها؛ فالأقرب هو كراهة السجود في ذلك الوقت؛ لأنه وقت يسجد فيه الكفار للشمس، وقد كره الشارع مشابهتهم في الصورة، ومن سجد لم نستطع أن نؤثمه؛ لأنه سجود عارض لسبب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-988>مسألة [١٤]: هل يسجد الماشي إذا قرأ السجدة</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يومئ إيماءً. وهو قول الأسود، وعلقمة، وعطاء ومجاهد.\n• وقال بعضهم: يسجد على الأرض. وهو قول أبي العالية، والتيمي، وأبي زرعة بن عمرو، وأصحاب الرأي.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا القول أقرب؛ لأنه ليس بمسافر، ولا هو على راحلته، وليس هناك دليل على الإيماء في حالة المشي، والله أعلم.\nوفي «صحيح مسلم» (٥٢٠) عن إبراهيم بن يزيد التيمي، قال: كنت أقرأ على","vol":"2","page":612},{"text":"أبي القرآن في السُّدَّة، فإذا قرأت السجدة سجد، فقلت له: يا أبت، أتسجد في الطريق؟ قال: إني سمعت أبا ذر يقول: سألت رسول الله - ﷺ - عن أول مسجد وضع في الأرض؟ قال: «المسجد الحرام» قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى» قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون عاما، ثم الأرض لك مسجد، فحيثما أدركتك الصلاة فصل».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-989>مسألة [١٥]: هل تسجد الحائض إذا قرأت السجدة</span>؟\n• ذهب جمع من أهل العلم إلى أنها لا تسجد؛ لأنها قد تركت ما هو أعظم من ذلك: الصلاة، وهو قول عطاء والزهري، وقتادة، وسعيد بن جبير، والنخعي، والحسن. وهو مذهب مالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي.\n• وجاء عن عثمان -﵁-، أنه قال: تومئ إيماء، وهو من طريق قتادة عن سعيد ابن المسيب، عن عثمان. ورواية قتادة عن سعيد بن المسيب فيها ضعف؛ لأنه يدلس عنه كثيرًا، وقد عنعن في هذا الأثر كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١٤)، و«الأوسط» لابن المنذر (٥/ ٢٨٣).\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنَّ لها أن تسجد؛ لأنها ليست بصلاة كما تقدم، وهو مقتضى قول من قال: لا تشترط الطهارة لسجود التلاوة.","vol":"2","page":613},{"text":"٣٣٧ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا جَاءَهُ أمرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِدًا للهِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. (^١)\n\n٣٣٨ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -﵁-، قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: «إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَبَشَّرَنِي، فَسَجَدْتُ للهِ شُكْرًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^٢)\n\n٣٣٩ - وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ عَلِيًّا إلَى اليَمَنِ -فَذَكَرَ الحَدِيثَ- قَالَ: فَكَتَبَ عَلِيٌّ [-﵁-] بِإِسْلَامِهِمْ فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الكِتَابَ خَرَّ سَاجِدًا. رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ. وَأَصْلُهُ فِي «البُخَارِيِّ». (^٣)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٥/ ٤٥)، وأبوداود (٢٧٧٤)، والترمذي (١٥٧٨)، وابن ماجه (١٣٩٤)، من طريق بكار بن عبدالعزيز، عن أبيه، عن أبي بكرة. وإسناده ضعيف؛ لأن بكارًا ضعيف، وأباه مجهول الحال، وذكر ابن عدي هذا الحديث في «الكامل» في ترجمة بكار.\n(^٢) ضعيف. رواه أحمد (١/ ١٩١)، والحاكم (١/ ٥٥٠)، وقد اختلف في إسناد هذا الحديث كما في «العلل» للدارقطني (٤/ ٢٩٦ - ٢٩٧) رقم (٥٧٧)، ورجح الدارقطني قول سعيد بن سلمة والدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو يعني عن عبدالواحد بن محمد بن عبدالرحمن بن عوف عن جده عبدالرحمن بن عوف به. وهذا الإسناد ضعيف لجهالة عبدالواحد بن محمد.\n(^٣) حسن. أخرجه البيهقي (٢/ ٣٦٩) من طريق أبي عبيدة بن أبي السفر عن إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق عن البراء به. وإسناده ضعيف، فيه أبوعبيدة بن أبي السفر وإبراهيم بن يوسف ابن أبي إسحاق، كلاهما ضعيف.\nوأصله في «البخاري» (٤٣٤٩) -وليس فيه ذكر قصة الإسلام والسجود- من طريق شريح بن مسلمة عن إبراهيم بن يوسف به. وكأن البخاري انتقى له هذا الحديث، والزيادة المذكورة، تابع أبا عبيدة عليها يحيى بن عبدالرحمن الأرحبي عند الطبري في «التاريخ» (٢/ ١٩٧) وفيه لين، فبمجموع الطريقين يحسن الحديث، والله أعلم.","vol":"2","page":614},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-990>مسألة [١]: حكم سجود الشكر</span>.\n• ذهب إلى مشروعية سجود الشكر الشافعي، وأحمد وأصحابهما، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وغيرهم، وذلك عند تجدد النعم، أو مجيء خبر يسر، واستدلوا على ذلك بأحاديث الباب، وبحديث كعب بن مالك -﵁- عند البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩)، حين بُشِّر بالتوبة، فخرَّ ساجدًا شكرًا لله تعالى على ذلك.\n• وذهب النخعي، ومالك، وأبو حنيفة إلى كراهته؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان في أيامه الفتوح، واستسقى فسقي، ولم ينقل أنه سجد، ولو كان مستحبًّا؛ لما تركه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب هو مشروعية واستحباب سجود الشكر؛ للأدلة المتقدمة ولو تركه في بعض الأحيان، وفعله في بعضها كان أقرب إلى فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: أحكام سجدة الشكر مثل أحكام سجود التلاوة عند أهل العلم القائلين بها.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٢/ ٣٧١)، «الأوسط» (٥/ ٢٨٧).","vol":"2","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-991>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-992>مسألة [١]: هل يسجد للشكر في الصلاة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٣٧٢): وَلَا يَسْجُدُ لِلشُّكْرِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ السَّجْدَةِ لَيْسَ مِنْهَا؛ فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ؛ فَلَا يُبْطِلُهَا؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ كَثِيْرٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَادَ سُجُوْدًا فِي الصَّلَاةِ سَهْوًا. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-993>مسألة [٢]: هل يُشرع السجود مجردًا بلا سبب</span>؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «مجموع الفتاوى» (١١/ ٥٠٢ - ٥٠٣): فإن السجود لا يكون إلا على الوجه المشروع، وهو السجود في الصلاة، وسجود السهو، وسجود التلاوة، وسجود الشكر على أحد قولي العلماء، وأما السجود عقيب الصلاة بلا سبب؛ فقد كرهه العلماء، وكذلك ما يفعله بعض المشايخ من سجدتين بعد الوتر لم يفعله أحد من السلف ولا استحبه أحد من الأئمة ...، وأما السجدتان؛ فلا أصل لهما، ولا للسجود المجرد بلا سبب، وقالوا: هو بدعة. اهـ","vol":"2","page":616},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-994>بَابُ صَلَاة التَّطَوُّعِ</span>\n٣٤٠ - عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ -﵁-، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «سَلْ» فَقُلْت: أَسْأَلُك مُرَافَقَتَك فِي الجَنَّةِ، فَقَالَ: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟» فَقُلْت: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث حثٌّ على تكثير التَّنَفُّلِ لله بالصلاة، ومثله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنك لن تسجد لله سجدة؛ إلا رفعك الله بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة»، أخرجه مسلم (٤٨٨)، من حديث ثوبان، وأبي الدرداء -﵄-.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٢٤٨) (٥/ ١٦٤) من حديث أبي أمامة، وأبي ذر -﵄-، وهما في «الصحيح المسند» لشيخنا -﵀- برقم (٤٨٨) (٢٧١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٤٨٩).","vol":"2","page":617},{"text":"٣٤١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: حَفِظْت مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ. (^٢)\nوَلِمُسْلِمٍ: كَانَ إذَا طَلَعَ الفَجْرُ لَا يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. (^٣)\n\n٣٤٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٤)\n\n٣٤٣ - وَعَنْهَا -﵂-، قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٥)\nوَلِمُسْلِمٍ: «رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». (^٦)\n\n٣٤٤ - وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ -﵂-، قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٧) وَفِي رِوَايَةٍ: «تَطَوُّعًا».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٨٠)، ومسلم (٧٢٩). واللفظ للبخاري.\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٣٧)، ومسلم (٧٢٩). وهي بالمعنى.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٧٢٣) (٨٨). من حديث حفصة -﵂-.\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (١١٨٢).\n(^٥) أخرجه البخاري (١١٦٩)، ومسلم (٧٢٤) (٩٤).\n(^٦) أخرجه مسلم برقم (٧٢٥).\n(^٧) أخرجه مسلم برقم (٧٢٨).","vol":"2","page":618},{"text":"٣٤٥ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ، وَزَادَ: «أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ». (^١)\nالحكم المستفاد من الأحاديث المتقدمة\nدلَّتْ الأحاديث المتقدمة على تأكد استحباب الرَّواتب التي مع صلاة الفريضة، وهي: أربعٌ قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، وسُمِّيَت (راتبة)؛ لاستمرارها، ودوامها، وسنة الظهر القبلية (أربعٌ) و(اثنتان)، وأكثرُ فِعْلِ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أربع كما يظهر من الأحاديث، والله أعلم.\nوقد أجمع العلماء على استحباب هذه النوافل، وخالف الحسن في سنة الفجر، فقال بوجوبها.\nوالراجح استحبابها؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولقوله: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، قال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: «لا، إلا أنْ تطوَّع» (^٢)، ولحديث معاذ -﵁-: «فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم، والليلة» (^٣)، وآكدُ هذه الركعات ركعتا الفجر؛ لحديثي عائشة -﵂- اللَّذَيْنِ في الباب.\n_________\n(^١) زيادة صحيحة. أخرجه الترمذي (٤١٥)، وفي إسناده مؤمل بن إسماعيل، ولكن للحديث طريق أخرى صحيحة عند عبد بن حميد في «المنتخب» (١٥٥٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٦)، ومسلم (١١)، عن طلحة بن عبيدالله -﵁-.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٣٩٥)، ومسلم برقم (١٩).","vol":"2","page":619},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-995>مسألة [١]: وقت رواتب الصلاة</span>.\n• قال ابن قدامة -﵀-: كلُّ سُنَّةٍ قبل الصلاة، فوقتها من دخول وقتها إلى فعل الصلاة، وكل سُنَّةٍ بعدها، فوقتها من فعل الصلاة إلى خروج وقتها. اهـ\n• وذهب الشافعية إلى أنَّ السُّنَّةَ القبلية يمتد وقتها إلى آخر وقت الفريضة.\nوالصواب القول الأول، وهو قول بعض الشافعية أيضًا. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٤٤)، «المجموع» (٤/ ١٠ - ١١).","vol":"2","page":620},{"text":"٣٤٦ - وَلِلْخَمْسَةِ عَنْهَا: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ». (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه فضيلة المحافظة على أربعٍ قبل الظهر، وأربعٍ بعدها، ومن عمل بهذا الحديث؛ فإنه يشمله أيضًا الأجر.\nوالثواب الحاصل في الحديث الذي قبله وزيادة، والله أعلم.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٣٢٥، ٤٢٦)، وأبوداود (١٢٦٩)، والنسائي (٣/ ٢٦٤ - ٢٦٦)، والترمذي (٤٢٧)، وابن ماجه (١١٦٠)، من طُرُقٍ عن: عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة. وقد رواه عن عنبسة أربعة:\n\nالأول: حسَّان بن عطية، عند أحمد، والنسائي، وهو ثقةٌ، فقيهٌ، وهذه الطريق صحيحة، وهي أصح طُرُقِ الحديث.\nالثاني: مكحول، عند أبي داود، والنسائي، وقد قيل: إنه لم يسمع من عنبسة. قاله جماعةٌ من الحفاظ، وقد أثبته دُحَيم الشامي، وهو أعلم بحديث الشام.\nالثالث: عبد الله بن المهاجر الشعيثي، عند أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي، وهو مجهولٌ.\nالرابع: القاسم بن عبد الرحمن الشامي عند الترمذي، والنسائي، وهو حسنُ الحديث.\nفالحديث صحيح بدون شك، والله أعلم.","vol":"2","page":621},{"text":"٣٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ العَصْرِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَصَحَّحَهُ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nاستدل بعض الفقهاء بهذا الحديث على استحباب التطوع بأربع قبل العصر.\nوالحديث ضعيف كما بيناه؛ فعليه فلا يستحب التقييد بأربع، بل يشرع التنفل بين الأذان والإقامة؛ لحديث: «بين كل أذانين صلاة»، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٢/ ١١٧)، وأبوداود (١٢٧١)، والترمذي (٤٣٠).\nوفي إسناده: محمد بن مسلم بن مهران، قال فيه الدارقطني وابن معين: لا بأس به، وقال فيه أبوزرعة: واهٍ، ولينه ابن مهدي، وقال الفلاس: روى عنه أبوداود الطيالسي مناكير. انظر «تهذيب التهذيب».\nوالحديث المذكور من رواية أبي داود الطيالسي عنه، وقد أنكره ابن عدي فأورده في «الكامل»، والذهبي في «الميزان»، فالحديث ضعيف لا يثبت.","vol":"2","page":622},{"text":"٣٤٨ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ» ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ»؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\nوَفِي رِوَايَة ابنِ حِبَّانَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ. (^٢)\n\n٣٤٩ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَنْسٍ: كُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَرَانَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا. (^٣)\nالحكم المستفاد من الأحاديث\nدَلَّتِ الأحاديثُ على استحباب التطوع بالركعتين قبل المغرب.\nوقد صحَّ عن أنس عند الشيخين (^٤): أنَّ الصحابة -﵃-، كانوا يبتدرون\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٨٣). بلفظ: «قبل صلاة المغرب».\n(^٢) أخرجها ابن حبان (١٥٨٨) عن ابن خزيمة، عن عبدالوارث بن عبدالصمد بن عبدالوارث، حدثنا أبي قال: حدثني أبي: حدثنا حسين المعلم، عن عبدالله بن بريدة، عن عبدالله المزني أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلى قبل المغرب ركعتين ثم قال: «صلوا قبل المغرب ...» فذكره كرواية البخاري.\nوهذا الإسناد ظاهره الصحة، إلا أن الزيادة التي من فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ثبوتها نظر، فقد أخرج الحديث أحمد (٥/ ٥٥)، عن عبدالصمد بإسناده بدون هذه الزيادة.\nوأخرج الحديث البخاري (١١٨٣) وابن خزيمة (١٢٨٩) من طريق أبي معمر عبدالله بن عمرو، وأخرجه أبوداود (١٢٨١)، من طريق عبيدالله بن عمر، وأخرجه أحمد (٥/ ٥٥)، عن حسين بن محمد بن بهرام المروذي وعفان -أربعتهم- رووا الحديث عن عبدالوارث عن حسين المعلم بإسناده بدون الزيادة المذكورة. فهي زيادة غير محفوظة، والله أعلم.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٨٣٦).\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (٦٢٥)، ومسلم برقم (٨٣٧).","vol":"2","page":623},{"text":"السواري، يُصلُّون هاتين الركعتين.\nوفي «البخاري» (١١٨٤)، عن عقبة بن عامر، قال: إنَّا كُنَّا نفعله على عهد رسول الله - ﷺ -.\nيعني: صلاة ركعتين قبل المغرب.\n• وقد ذهب إلى استحباب هاتين الركعتين: أحمد، وإسحاق، وبعض الشافعية. وهو الصواب، وليس لمن كره هاتين الركعتين حُجَّة مقبولة.\n• وقد ذهب إلى الكراهة مالك، والشافعي. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٦٢٥).","vol":"2","page":624},{"text":"٣٥٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى إنِّي أَقُولُ: أَقَرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ؟ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\n• استدل أهل العلم بهذا الحديث على استحباب تخفيف ركعتي الفجر، حتى إنَّ الإمام مالكًا قال: أما أنا فلا أزيد على أم القرآن. يعني لحديث عائشة المذكور.\n• وذهب الحسن، وعطاء إلى أنه لا بأس بتطويلها.\nقال ابن المنذر -﵀-: أما الاقتصار على قراءة أم القرآن؛ فلا أحسِّنُه، ولا إعادة على من فعل ذلك، وأُحِبُّ أن يقرأ فيهما بما روينا أنَّ النبي - ﷺ - كان يقرأ به، ويخففهما أَحَبُّ إليَّ؛ لاتباع السنة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب، ويقرأ مع الفاتحة بشيء من القرآن، ويخففهما. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٧١)، ومسلم (٧٢٤) (٩٢).\n(^٢) انظر: «الأوسط» (٥/ ٢٢٥)، «المغني» (٢/ ٥٤١)، «المجموع» (٤/ ٢٧).","vol":"2","page":625},{"text":"٣٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nاستحب أهل العلم أن يقرأ في ركعتي الفجر بالسورتين المذكورتين.\nوكذلك بما أخرجه مسلم (٧٢٧)، وغيره، من حديث ابن عباس -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأُولى منهما آية البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة:١٣٦]، وفي الآخرة منهما: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٦٤].\nوفي رواية: وفي الأخرى: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٥٢]، وهذه الرواية أرجح من التي قبلها؛ لأنه رواها خمسة من الثقات، وهم: مروان بن معاوية الفزاري، وعيسى بن يونس عند مسلم (٧٢٧)، وزهير بن معاوية عند أبي داود (١٢٥٩)، وعبدالله بن نمير، ويعلى بن عبيد عند أحمد (١/ ٢٣٠، ٢٣١).\nوأما التي قبلها فتفرد بها أبو خالد الأحمر، وهو حسن الحديث لا يقوى على مخالفة الخمسة، والآية المشار إليها هي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:٥٢] الآية.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٧٢٦).","vol":"2","page":626},{"text":"٣٥٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n٣٥٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-996>مسألة [١]: حكم الاضطجاع بعد ركعتي الفجر</span>.\n• كره جماعة من أهل العلم هذا الاضطجاع، ومنهم: الأسود، والنخعي، والحسن، وسعيد بن جبير، وصحَّ عن ابن عمر، وابن مسعود، وهو مذهب مالك، وعزاه عياض للجمهور.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١١٦٠)، وأخرج مسلم نحوه (٧٣٦) (١٢٢) ضمن حديث أطول.\n(^٢) ضعيف. أخرجه أحمد (٢/ ٤١٥)، وأبوداود (١٢٦١)، والترمذي (٤٢٠)، من طريق عبدالواحد ابن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به. وهذا إسناد ظاهره الصحة، ولكن عبدالواحد بن زياد قد تكلم في روايته عن الأعمش، وهذا الحديث مما أنكر عليه.\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (١/ ٣١٩) سمعت ابن تيمية يقول: هذا حديث باطل وليس بصحيح وإنما الصحيح عنه الفعل لا الأمر بها، والأمر بها تفرد به عبدالواحد بن زياد وغلط فيه. اهـ\n\nوقال الذهبي -﵀- في «الميزان»: احتجا به في «الصحيحين» وتجنبا تلك المناكير التي نقمت عليه ... ثم ذكر هذا الحديث. اهـ\nوقال الإمام أحمد -﵀- كما في «مسائل ابن هانئ» (١/ ١٠٦): ليس هو أمرًا من النبي - ﷺ - إنما هو فعله - ﷺ -.اهـ\nوقال البيهقي في «السنن» (٣/ ٤٥): رواه محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح عن أبي هريرة حكاية عن فعل النبي - ﷺ - لا خبرًا عن قوله. ثم قال: وهذا أولى أن يكون محفوظًا. اهـ","vol":"2","page":627},{"text":"• وذهب الشافعي، وأحمد وأصحابهما إلى استحباب هذه الضجعة بعد ركعتي الفجر، وصحَّ عن أبي موسى، ورافع بن خديج، وأنس بن مالك، أنهم كانوا يضطجعون بعد ركعتي الفجر.\nوهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعلها كما في حديث الباب، وأما من كرهها؛ فليس لهم حجة في ذلك، ولعل بعضهم لم تبلغهم الأدلة، وبعضهم حملها على أنَّ ذلك لمن كان متعبًا من القيام، وهذا لا دليل عليه.\n• وبالغ ابن حزم الظاهري، فقال: الاضطجاع بعد ركعتي الفجر واجب لا تصح صلاة الفجر إلا بها. وهذا قولٌ مردودٌ، منكرٌ؛ لأنَّ حديث الأمر لم يصح كما تقدم، ولو صحَّ فمن أين له بطلان الصلاة؟!. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-997>مسألة [٢]: الاضطجاع في المسجد</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١١٦١): وَذَهَبَ بَعْض السَّلَف إِلَى اِسْتِحْبَابهَا فِي الْبَيْت دُون الْمَسْجِد، وَهُوَ مَحْكِيّ عَنْ اِبْن عُمَر، وَقَوَّاهُ بَعْض شُيُوخنَا بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ النَّبِيّ - ﷺ - أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي الْمَسْجِد، وَصَحَّ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يُحَصِّب مَنْ يَفْعَلهُ فِي الْمَسْجِد. أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة. اهـ\nقلتُ: أثر ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٤٨)، بإسناد صحيح عن ابن المسيب عنه، ووقع في المطبوع (عمر) بدل (ابن عمر)، فالله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٢/ ٥٤٢)، «المجموع» (٤/ ٢٩)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٢٤٧ - ٢٤٩)، «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٤٢ -).","vol":"2","page":628},{"text":"٣٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةٍ، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَلِلْخَمْسَةِ -وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ-: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى». وَقَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا خَطَأٌ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-998>مسألة [١]: كيفية التطوع بالليل والنهار</span>.\n• اختار جمهور العلماء التطوع بـ: ركعتين ركعتين في الليل، أو في النهار؛ لحديث ابن عمر -﵄-، الذي في الباب، قالوا: وهو صنيع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في النهار، وفي غالب أحواله بالليل.\n• وأما التطوع بأكثر من ركعتين بالليل؛ فكرهه الجمهور، ومنهم من قال بعدم مشروعيته، والصواب ما ذهب إليه النخعي، وأبو حنيفة، وابن المنذر، وابن نصر المروزي، وهو مشروعية ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٩٠)، ومسلم (٧٤٩).\n(^٢) زيادة «والنهار» شاذة. أخرجه أحمد (٢/ ٢٦)، وأبوداود (١٢٩٥)، والنسائي (٣/ ٢٢٧)، والترمذي (٥٩٧)، وابن ماجه (١٣٢٢)، من طريق علي بن عبدالله البارقي الأزدي عن ابن عمر، به.\nوإسناده صحيح إلا أن زيادة «والنهار» شاذة، شذ بها علي البارقي، وخالف قريبًا من خمسة عشر رجلًا، قاله ابن قدامة وابن رجب.\nوقد حكم عليها بالشذوذ أكثر الأئمة كما قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» منهم النسائي وابن معين وأحمد وغيرهم.","vol":"2","page":629},{"text":"ويدل عليه ما ثبت في «صحيح مسلم» (٧٤٦)، عن عائشة -﵂-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أوتر بتسعٍ، وعنده أيضًا (٧٤٦) أنه أوتر بسبعٍ، وفي «مسلم» أيضًا (^١)، أنه أوتر بخمسٍ.\n• وأما التطوع بالنهار؛ فقد أجاز التطوع بأكثر من ركعتين جمعٌ من أهل العلم، وهو مذهب الحنابلة، وإسحاق، والأوزاعي، وأصحاب الرأي؛ فقد أجازوا التطوع بأربعٍ، لا يُسلم إلا في آخرها.\nوقد ثبت عن ابن عمر -﵄-، بإسناد صحيح عند ابن أبي شيبة (٢/ ٢٧٤)، أنه كان يتطوع بالنهار أربعًا، أربعًا.\nقال الإمام ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (١٣/ ٢٤٤): حدثنا خلف بن قاسم، قال: حدثنا أبو طالب محمد بن زكرياء المقدسي ببيت المقدس، قال: حدثنا أبو محمد مضر بن محمد، قال: سألت يحيى بن معين عن صلاة الليل والنهار، فقال: صلاة النهار أربعا، لا يفصل بينهن، وصلاة الليل ركعتين. فقلت له: إن أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. فقال: بأي حديث؟ فقلت: بحديث شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن علي الأزدي، عن ابن عمر -﵁-، أن النبي - ﷺ - قال «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» فقال: ومن علي الأزدي حتى أقبل منه هذا؟! أدع يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، أنه كان يتطوع بالنهار أربعا لا يفصل بينهن. وآخذ بحديث علي الأزدي لو كان\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٣٦٤).","vol":"2","page":630},{"text":"حديث علي الأزدي صحيحًا؛ لم يخالفه ابن عمر. قال يحيى: وقد كان شعبة ينفي هذا الحديث، وربما لم يرفعه.\nوقد روى أبو داود (١٢٧٠) من حديث أبي أيوب، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «أربعٌ قبل الظهر لا يسلم فيهن، تُفتح لهن أبواب السماء»، وفي إسناده: عبيدة بن معتب، وهو ضعيفٌ. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨)، «الفتح» لابن رجب رقم (٩٩٠، ٩٩١).","vol":"2","page":631},{"text":"٣٥٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٣٥٦ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثِ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ وَقْفَهُ. (^٢)\n\n٣٥٧ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: لَيْسَ الوِتْرُ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ المَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالنَّسَائِيُّ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. (^٣)\n\n٣٥٨ - وَعَنْ جَابِرِ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنَ القَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَقَالَ: «إنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الوِتْرُ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١١٦٣).\n(^٢) الراجح وقفه. أخرجه أبوداود (١٤٢٢)، والنسائي (٣/ ٢٣٨)، وابن ماجه (١١٩٠)، وابن حبان (٢٤١٠)، وظاهر إسناده الصحة، لكن رجح النسائي وقفه كما في «السنن الكبرى». وقال الحافظ في «التلخيص» (٢/ ٢٩): وصحح أبوحاتم والذهلي والدارقطني في «العلل» والبيهقي وغير واحد وقفه وهو الصواب. اهـ\n(^٣) حسن. أخرجه النسائي (٣/ ٢٢٩)، والترمذي (٤٥٣) (٤٥٤)، والحاكم (١/ ٣٠٠) وإسناده حسن رجاله ثقات إلا عاصم بن ضمرة فإنه حسن الحديث.\n(^٤) ضعيف. أخرجه ابن حبان (٢٤٠٩) وفي إسناده عيسى بن جارية، قال النسائي: منكر الحديث، وقال ابن معين: عنده مناكير، وقد ذكر ابن عدي والذهبي هذا الحديث في ترجمته، يشيران إلى أنه حديث منكر.","vol":"2","page":632},{"text":"٣٥٩ - وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ اللهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» قُلْنَا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الوِتْرُ، مَا بَيْنَ صَلَاةِ العِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الفَجْرِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\n٣٦٠ - وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ نَحْوَهُ. (^٢)\n\n٣٦١ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^٣)\n\n٣٦٢ - وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عِنْدَ أَحْمَدَ. (^٤)\n_________\n(^١) صحيح لغيره، دون قوله: «هي خير لكم من حمر النعم».\nأخرجه أحمد (٣٩/ ٤٤٢)، وأبوداود (١٤١٨)، والترمذي (٤٥٢)، وابن ماجه (١١٦٨)، والحاكم (١/ ٣٠٦) من طريق عبدالله بن راشد الزوفي عن عبدالله بن أبي مرة الزوفي عن خارجة به. وإسناده ضعيف لجهالة عبدالله بن راشد وابن أبي مرة، وقال البخاري: لا يعرف لبعضهم سماع من بعض.\nقلتُ: لكن الحديث صحيح من حديث أبي بصرة، أخرجه أحمد (٦/ ٧)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٤٤٩٢) بلفظ: «إن الله زادكم صلاة وهي الوتر، فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر» وإسناده صحيح.\n(^٢) صحيح لغيره. أخرجه أحمد (٢/ ٢٠٨)، من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب به. ولفظه: «إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم هي الوتر»، وحجاج ضعيف ومدلس ولم يصرح بالتحديث، ولكن الحديث صحيح بشاهديه اللذين قبله.\n(^٣) ضعيف. أخرجه أبوداود (١٤١٩)، والحاكم (١/ ٣٠٥ - ٦٠٣) وفي إسناده أبوالمنيب عبيدالله بن عبدالله العتكي فيه ضعف، وقد أنكر عليه هذا الحديث كما في «الكامل» و«الميزان».\n(^٤) ضعيف. أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٣)، وفي إسناده الخليل بن مرة، قال البخاري: منكر الحديث. ومعاوية بن قرة لم يسمع من أبي هريرة شيئًا. قاله أحمد كما في «نصب الراية» (٢/ ١١٣).","vol":"2","page":633},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-999>مسألة [١]: فضيلة صلاة الليل والوتر</span>.\nإنَّ من أعظم القربات إلى الله صلاة الليل والوتر، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩].\nويدل على فضل هذه العبادة حديث أبي هريرة، وحديث خارجة بن حذافة، وشواهده التي في الباب، وقد حافظ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على الوتر سفرًا وحضرًا، وكان إذا فاته من الليل قضاه في النهار؛ لفضيلة هذه العبادة.\nنسأل الله عزوجل أن يوفقنا وجميع المسلمين للمحافظة عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1000>مسألة [٢]: حكم الوتر</span>.\n• ذهب أبو حنيفة إلى وجوب الوتر، واحْتُجَّ له بحديث أبي أيوب -﵁-، الذي في الباب، وبحديث علي -﵁-، وإسناده حسن، -وسيأتي إن شاء الله-: «أوتروا يا أهل القرآن؛ فإنَّ الله وِتْرٌ يُحِبُّ الوتر».\nوبحديث خارجة بن حذافة، وعمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، وحديث بريدة -﵁- وكلها مذكورة في الباب.\nوبحديث ابن عمر -﵄-: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا»، رواه البخاري (٤٧٢)، ومسلم (٧٥١)، وبحديث أبي سعيد وسيأتي: «أوتروا قبل أن تصبحوا».","vol":"2","page":634},{"text":"• وذهب جمهور العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم إلى أنَّ الوتر سُنَّةٌ متأكدة.\nواستدلوا على عدم وجوبه بحديث طلحة بن عبيدالله -﵁- في «الصحيحين» (^١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «خمسُ صلوات في اليوم والليلة»، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا؛ إلا أن تطوع».\nوبحديث ابن عباس -﵄-، في «الصحيحين» (^٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث معاذًا إلى اليمن، فقال له: «فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأخبرهم أنَّ الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم، والليلة».\nوصحَّ عن عبادة بن الصامت أنه قيل له: إنَّ أبا محمد -رجلٌ بالشام- يقول: إنَّ الوتر واجبٌ، فقال عبادة: كذبَ أبو محمد، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، من أتى بهن لم يضيع منهن شيئًا جاء وله عند الله عهد أنْ يدخله الجنة، ومن ضيعهنَّ استخفافًا بحقِهِنَّ؛ جاء ولا عهد له، إنْ شاء عذَّبه، وإنْ شاء غفر له».\nرواه مالك (١/ ١٢٣)، وأبو داود (٤٢٥)، والنسائي (١/ ٢٣٠)، وهو حديث صحيح، وهو في «الصحيح المسند» (٥٣٩).\nواستدلوا بحديث علي بن أبي طالب -﵁-، الذي في الباب، وبحديث ابن عمر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٦)، ومسلم برقم (١١).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٣٩٥)، ومسلم برقم (١٩).","vol":"2","page":635},{"text":"-﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يُوتر على راحلته. متفق عليه. (^١)\n• وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «الاختيارات» إلى أنَّ الوتر واجبٌ على من قام من الليل؛ لحديث ابن عمر: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا»، ولحديث: «أوتروا يا أهل القرآن».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور؛ لِمَا تقدَّم من الأدلة، والله تعالى أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1001>مسألة [٣]: أقل الوتر، وأكثره</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٢١ - ٢٢): قد سبق أنَّ مذهبنا أنَّ أقلَّه ركعة، وأكثره إحدى عشرة، وفى وجهٍ ثلاث عشرة، وما بين ذلك جائز، وكلما قرب من أكثرِه كان أفضل، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم. وقال أبو حنيفة: لا يجوز الوتر إلا بثلاث ركعات موصولة بتسليمة واحدة، كهيئة المغرب. قال: ولو أوتر بواحدة، أو بثلاث، بتسليمتين لم يصح. انتهى المراد.\nوقد استُدِلَّ لأبي حنيفة بحديث أبي سعيد مرفوعًا: «نهى عن البُتيراء: أنْ يصلي الرجل ركعة واحدة يوتر بها»، أخرجه ابن عبد البر (١٣/ ٢٥٤)، وهو حديث ضعيفٌ، فيه: عثمان بن محمد بن ربيعة، قال العُقيلي: الغالب على حديثه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٩٩٩)، ومسلم برقم (٧٠٠) (٣٨).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٤/ ١٩ - ٢٠)، «الفتح» لابن رجب (٦/ ٢١٠ - ٢١١).","vol":"2","page":636},{"text":"الوَهَم. قال ابن رجب: وقبله في الإسناد من لا يُعرف، وقد رُوي مرسلًا، خرَّجه سعيد بن منصور من حديث: محمد بن كعب القرظي مرسلًا.\nواستدل الجمهور بحديث ابن عمر -﵄-، في «الصحيحين» (^١): «فإذا خِفْتَ الصبحَ؛ فأوتر بواحدة»، وبحديث ابن عمر -﵄- في مسلم (٧٥٢) مرفوعًا بلفظ: «الوتر ركعة من آخر الليل»، وبحديث عائشة في «مسلم» (^٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة»،\nوقد صحَّ عن جمعٍ من الصحابة أنهم كانوا يوترون بركعة، ولا يُعلم لهم مُخالفٌ. والصواب قول الجمهور. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1002>مسألة [٤]: الوتر بركعة ليس قبلها شيء</span>.\n• قال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٥/ ١٨٤): وقد اختلف أهل العلم في الرجل يوتر بركعة ليس قبلها شيء، كأنْ صلَّى العشاء الآخرة، ثم أراد أن يوتر بركعة، فقالت طائفة: ذلك جائزٌ، ورُوي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، أنهم فعلوا ذلك، فممن رُوي عنه فعل ذلك: (عثمان بن عفان، وسعد بن مالك، ومعاوية بن أبي سفيان، وقال ابن عباس -لما قيل له: إنَّ معاوية فعل ذلك- قال: أصاب، إنه فقيه. ورُوي ذلك عن أبي موسى الأشعري، وابن عمر،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١١٣٧)، ومسلم برقم (٧٤٩) (١٤٧).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٧٣٦).\n(^٣) انظر: «المغني» (٢/ ٥٧٨)، «المجموع» (٤/ ٢١ - ٢٣)، «الفتح» لابن رجب (٦/ ١٩٨)، «النيل» (٢/ ٢٠٨)، «الأوسط» (٥/ ١٧٧).","vol":"2","page":637},{"text":"وابن الزبير) (^١)،\nوسعيد بن المسيب.\n_________\n(^١) أثر عثمان: صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٤) ومن طريقه ابن المنذر (٥/ ١٧٨) عن ابن جريج قال: أخبرني يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، عن عثمان بن عفان به. إسناده صحيح، رجاله ثقات.\nوله طرق أخرى في «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٢٤ - ٢٥)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٢٩٢)، وابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ١٧٨ - ١٧٩).\nأثر سعد: صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢١ - ٢٢)، من طرق عن سعد بن أبي وقاص، منها:\nأخرج عن الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، أن سعدًا كان يوتر بركعة.\nوإسناده صحيح، رجاله ثقات.\nوأخرج عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن محمد بن سعد قال: سمعت مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن سعد نحوه. وإسناده صحيح، رجاله ثقات.\nوله طرق أخرى في «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٢٤ - ٢٥)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٢٩٢)، وابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ١٧٨ - ١٧٩).\nأثر معاوية وابن عباس -﵃- صحيح: أخرجه البخاري (٣٧٦٤)، وعبد الرزاق (٣/ ٢٤) وابن أبي شيبة (٢/ ٢٩٢)، وابن المنذر (٥/ ١٧٩).\nأثر أبي موسى صحيح: أخرجه ابن المنذر (٥/ ١٧٩) عن علي قال: ثنا حجاج قال: ثنا حماد، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز أن أبا موسى كان بين مكة والمدينة فصلى العشاء ركعتين، ثم قام فصلى ركعة أوتر بها. إسناده صحيح، رجاله ثقات.\n\nأثر ابن عمر: صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٩٢) حدثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن ابن شقيق، عن ابن عمر، قال: صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر واحدة.\nإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين.\nوأخرجه ابن المنذر (٥/ ١٧٨) عن علي بن عبد العزيز قال: ثنا أبو النعمان عن حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يوتر بركعة. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات أئمة.\nأثر ابن الزبير ضعيف: أخرجه ابن المنذر (٥/ ١٧٩) من طريق قزعة بن سويد، عن ابن أبي مليكة، عن ابن الزبير به. وهذا إسنادٌ ضعيف؛ لضعف قزعة بن سويد.","vol":"2","page":638},{"text":"قال: وممن كان يرى هذا جائزًا: أحمد، وأبو خيثمة، وأبو أيوب، وهذا على مذهب الشافعي، وكان مالك يكره ذلك.\nقال ابن المنذر: والذي نُحِبُّ أن يصلي الرجل ركعتين، ركعتين، ثم يوتر بواحدة، وإنْ أوتر بواحدة ليس قبلها شيء جاز له ذلك. اهـ\nقلتُ: وقد كره ذلك أيضًا أحمد في أكثر الروايات عنه، واستثنى إسحاق، وسفيان صاحب العذر كالمرض، والسفر، والتأخر، ونحو ذلك.\nوالصواب ما ذهب إليه الجمهور، وقد صحَّ عن الصحابة الذين ذكرهم ابن المنذر، ولا يُعلم لهم مُخالفٌ، ويدل عليه حديث: «الوتر ركعة من آخر الليل». (^١)\nفائدة: قال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٦/ ٢٠٦ -): وقول النبي - ﷺ - في حديث ابن عمر: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى» يدل على أن هذه الركعة الواحدة جعلت مجموع ما صلى قبلها وترًا، فيكون الوتر هو مجموع صلاة الليل الذي يختم بوتر، وهذا قول إسحاق بن راهويه، واستدل بقول النبي - ﷺ -: «أوتروا يا أهل القرآن»، وإنما أراد صلاة الليل. وقالت طائفة: الوتر هو الركعة الأخيرة، وما قبله فليس منه. وهو قول طائفة من أصحابنا، منهم: الْخِرَقِي، وأبو بكر، وابن أبي موسى. وفي كلام\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٦/ ١٩٩).","vol":"2","page":639},{"text":"أحمد ما يدلُّ عليه، ومن أصحابنا من قال: الجميع وتر.\nثم ذكر ابن رجب -﵀- أنه وجه عند الشافعية، وعندهم وجه: أنَّ الجميع وتر.\nقال: ويشهد له قول أبي إسحاق، وغيره: أقل الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة. وفي بعض كلام الشافعي إيماء إليه.\nقال ابن رجب: وفي «شرح المهذب»: الصحيح المنصوص يعني عند الشافعي في «الأم» و«المختصر» أنَّ الوتر يسمَّى تهجُّدًا.\nقال ابن رجب: وينبغي أن يكون الاختلاف في تسمية ما قبل الركعة الأخيرة وترًا مختصًّا بما إذا كانت الركعات مفصولة بالتسليم بينها، فأما إنْ أوتر بتسع، أو بسبع، أو بخمس، أو بثلاث، بسلام واحد؛ فلا ينبغي التردد في أن الجميع وتر. انتهى بتصرف.\nوقال -﵀- (٦/ ٢٢٥): وخرّج الإمام أحمد، وأبو داود من حديث معاوية بن صالح، عن عبدالله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة: بكم كان رسول الله - ﷺ - يوتر؟ قالت: بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشرٍ، وثلاث، ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة، ولا بأنقص من سبع، وكان لا يدع ركعتين قبل الفجر. ففي هذه الرواية أن مجموع صلاة الليل تسمى وترًا، وأنه كان يوتر بثلاث عشرة سوى ركعتي الفجر، ولعلها أدخلت في ذلك الركعتين بعد صلاة العشاء حتى توافق سائر الروايات عنها. اهـ","vol":"2","page":640},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: الظاهر أنَّ الوتر هو مجموع صلاة الليل إذا خُتمت بوتر، وأما حديث: «فإذا خشيت الصبح؛ فأوتر بواحدة»، ففيها محذوف تقديره: فأوتر ما مضى من صلاتك بواحدة، كما صرَّح به في الرواية الأخرى المتقدمة، وهو ظاهر اختيار الإمام ناصر الدين الألباني -﵀- في كتابه «صلاة التراويح».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1003>مسألة [٥]: إذا أوتر بثلاث، فهل يفصل بينهن، أم يوصل</span>؟\n• قال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٢٤): ذكرنا اختلاف أصحابنا في الأفضل من ذلك، وأن الصحيح عندنا: أنَّ الفصل أفضل، وهو قول ابن عمر، ومعاذ القارئ (^١)، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، ومالك وأحمد، وإسحق، وأبي ثور، وقال الأوزاعي: كلاهما حسن. وقال أبو حنيفة: لا تجوز إلا موصولات. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، وهو جواز الوصل والفصل، والفصل أفضل؛ لحديث ابن عمر -﵄-: «مثنى، مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح؛ صلَّى واحدة توتر له ما قد صلَّى»، وحديث: «الوتر ركعة من آخر الليل»، والله أعلم.\nوكثير ممن أجاز الوصل يختارون أن يكون بتشهدين، وصحَّ ذلك عن ابن مسعود (^٢)، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الوتر بثلاث موصولة يكون بتشهد\n_________\n(^١) حسن. أخرجه عنهما ابن المنذر (٥/ ١٧٨) بأسانيد صحيحة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٨٣) بإسناد صحيح.","vol":"2","page":641},{"text":"واحد، وهو وجهٌ عند الحنابلة، والشافعية، ورُوي عن عطاء، وصحَّ عن أبي هريرة -﵁-، أنه قال: لا توتروا بثلاث، تشبهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمس ... وقد رُوي مرفوعًا، قال ابن رجب: وفي رفعه نكارة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: المُختار أن يكون بتشهد واحد، وهو اختيار الإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما؛ لما صحَّ عن عائشة في «الصحيحين»، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يوتر بخمسٍ لا يجلس إلا في آخرها.\nوهو ظاهر حديثها في الثلاث: كان يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن، وطولهن ..، ثم يُصلي ثلاثًا. والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٦/ ٢٠١): وأجاز أحمد وأصحابه، وإسحاق، أن يوتر بثلاث موصولة، وأن يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن، وبتسع لا يجلس إلا في الثامنة، ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي ركعة، ثم يسلم؛ لما جاء في حديث عائشة المتقدم، وجعلوا هذه النصوص تخص عموم حديث: «صلاة الليل مثنى مثنى»، وقالوا -في التسع، والسبع، والخمس-: الأفضل أن تكون بسلام واحد؛ لذلك. فأما الوتر بسبع، فنصَّ أحمد على أنه لا يجلس إلا في آخرهن، ومن أصحابنا من قالَ: يجلس عقيب السادسة بتشهد، ولا يسلم. وقد اختلف ألفاظ حديث عائشة في ذلك. اهـ\nوقد دلَّتِ الأدلة على ما ذهب إليه أحمد، وإسحاق.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» لابن رجب (٩٩٠)، و«روضة الطالبين» (١/ ٣٢٨)، «الإنصاف» (٢/ ١٦٦)، «شرح الهداية» (٢/ ٥٧٥).","vol":"2","page":642},{"text":"٣٦٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا.\nقَالَتْ عَائِشَةُ، قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٣٦٤ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْهَا: كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. (^٢)\n\n٣٦٥ - وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهَا. (^٣)\nالأحكام المستفادة من الأحاديث\nاختلفت الروايات المتقدمة في عدد ركعات النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الليل، وفي «الصحيحين» (^٤) عن ابن عباس -﵄-، قال: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة. وأخرج البخاري (١١٣٩) عن مسروق، قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ -﵂-، عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِالَّليْلِ؟ فَقَالَتْ: سَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سِوَى رَكْعَتِي الْفَجْرِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٤٧)، ومسلم (٧٣٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٤٠)، ومسلم (٧٣٨) (١٢٨) واللفظ لمسلم.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٧٣٧). ولم يخرجه البخاري.\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (١١٣٨)، ومسلم برقم (٧٦٤).","vol":"2","page":643},{"text":"وقد جمع أهل العلم بين الروايات بأنَّ صلاة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كانت لا تزيد على إحدى عشرة ركعة، ومن ذكرها ثلاث عشرة، فعدَّها مع ركعتي الفجر كما في بعض الروايات، أو عَدَّ منها الركعتين الخفيفتين كما في روايات أخرى.\nصلاة التراويح.\nحديث عائشة المتقدم: «ما كان يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة»، كان جوابًا لأبي سلمة بن عبد الرحمن حيث سأل: كيف كانت صلاة رسول الله - ﷺ - في رمضان؟ وفيه ردٌّ على من ذهب إلى استحباب صلاة التراويح بثلاث وعشرين ركعة، أو بست وثلاثين ركعة، أو بأربعين ركعة، ثم يوتر، فكل هذه تحديدات لا دليل عليها.\nوقد استدل القائلون بأنها عشرون ركعة بدون الوتر بحديث ابن عباس -﵄-، عند البيهقي (٢/ ٤٩٦)، قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي عشرين ركعة، والوتر. وهو حديث ضعيفٌ جدًّا، في إسناده: إبراهيم بن عثمان أبو شيبة العبسي، وهو متروكٌ، واستدلوا بما أخرجه البيهقي (٢/ ٤٩٦) من طريق: يزيد بن خُصيفة عن السائب بن يزيد، قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب -﵁-، في شهر رمضان بعشرين ركعة. قال: وكانوا يقرءُون بالمئين، وكانوا يتوكؤون على عِصِيِّهِم في عهد عثمان -﵁-، من شدة القيام. وهذا إسنادٌ ظاهره الصحة.\nقال الإمام الألباني -﵀- في «صلاة التراويح» (ص ٤٩ - ٥١): لكن له علة، بل عللٌ تمنع القول بصحته، وتجعله ضعيفًا مُنْكَرًا، وبيان ذلك من وجوه:","vol":"2","page":644},{"text":"الأول: أنَّ ابن خصيفة وإن كان ثقة؛ إلا أنه تفرد بما لم يروه الثقات، وهذا الأثر من هذا القبيل؛ فإنَّ مداره على السائب بن يزيد، وقد رواه عنه محمد بن يوسف، وابن خصيفة، واختلفا عليه في العدد، فالأول قال عنه: (١١)، والآخر قال: (٢٠)، والرَّاجح قول الأول؛ لأنه أوثق منه، فقد وصفه الحافظ ابن حجر بأنه ثقة ثبتٌ، واقتصر في الثاني على قوله: ثقة.\nالثاني: أن محمد بن يوسف هو ابن أخت السائب بن يزيد؛ فهو لقرابته للسائب أعرف بروايته من غيره، وأحفظ؛ فما رواه من العدد أولى مما رواه عنه مُخالِفُه ابن خصيفة، ويؤيده أنه موافقٌ لحديث عائشة يعني الذي في الباب. انتهى كلام الشيخ -﵀- بتصرفٍ، واختصار.\nوللأثر عن عمر -﵁-، طريق أخرى عند البيهقي (٢/ ٤٩٦) وغيره، من طريق: يزيد بن رومان، عن عمر، وهو منقطعٌ؛ لأنَّ يزيدًا لم يدرك عمر بن الخطاب -﵁-.\nوقد جاء ذلك أيضًا عن علي -﵁-، كما في «سنن البيهقي» (٢/ ٤٩٦)، من طريقين:\nإحداهما فيها: أبو الحسناء، مجهولٌ، ويروي عن علي، وهو لا يروي عنه إلا بواسطة.\nوالثانية فيها: حماد بن شعيب، ضعيفٌ جدًّا، يرويه عن عطاء بن السائب، وهو مختلطٌ.","vol":"2","page":645},{"text":"وجاء عن أبي بن كعب -﵁-، وفي إسناده انقطاع، وطريق أخرى فيها ضعفٌ، ونكارة.\nوجاء عن ابن مسعود -﵁- بإسناد منقطع.\nوقد أبان هذه الآثار بعللها الإمام الألباني -﵀- في كتابه «صلاة التراويح» (ص ٤٨ - ٧١).\n\n٣٦٦ - وَعَنْهَا -﵂-، قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيستفاد من الحديث مشروعية صلاة الليل في أوله، وفي أوسطه، وفي آخره، فكله مشروع، والأفضل في آخره لمن أمن النوم، وفوات وقت الوتر.\nوسيأتي الكلام على وقت الوتر، ووقته المفضل، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٩٦)، ومسلم (٧٤٥).","vol":"2","page":646},{"text":"٣٦٧ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -﵄-، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَبْدَاللهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيُستفاد من الحديث الحثُّ على قيام الليل، والاستمرار عليه، وعلى فعل جميع الطاعات.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في شرح الحديث: وفيه استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط، ويستنبط منه كراهة قطع العبادة، وإن لم تكن واجبة. اهـ\nقلتُ: وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أنه قال: «أحبُّ العمل إلى الله تعالى أدومه وإن قلَّ». (^٢)\n\n٣٦٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ القُرْآنِ؛ فَإِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^٣)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه الحث على قيام الليل، والوتر، وعلى استحباب ذلك استحبابًا مُؤَكَّدًا، وقد استدل بالحديث على وجوب الوتر، وقد تقدم الكلام على ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٥٢)، ومسلم (١١٥٩) (١٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٨٦١)، ومسلم برقم (٧٨٢)، من حديث عائشة -﵂-.\n(^٣) حسن. أخرجه أحمد (١/ ١١٠)، وأبوداود (١٤١٦)، والنسائي (٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩) والترمذي (٤٥٣)، وابن ماجه (١١٦٩) وابن خزيمة (١٠٦٧) من طريق عاصم بن ضمرة عن علي -﵁- به، وإسناده حسن.","vol":"2","page":647},{"text":"٣٦٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٣٧٠ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ -﵁-، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، يَقُولُ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1004>مسألة [١]: من أوتر في أول الليل، ثم قام، فأراد أن يتنفل، فكيف يصنع</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: ينقض وتره؛ فيصلي في أول تهجده ركعة، ثم يوتر في آخر صلاته، حكاه ابن المنذر عن عثمان بن عفان، وعلي، وسعد، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعمرو بن ميمون، وابن سيرين، وإسحاق، وهو قول بعض الشافعية، ورواية عن أحمد، واستدلوا بحديث ابن عمر -﵄-: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا»، والصحابة الذين ذكرهم ابن المنذر كلهم صحَّ عنهم القول بذلك؛ إلا سعدًا ففي إسناده: إبراهيم بن مهاجر، وهو ضعيفٌ.\nالقول الثاني: لا ينقض وتره، بل يصلي ما شاء شفعًا، وهو مذهب الشافعي،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٩٨)، ومسلم (٧٥١).\n(^٢) حسن. أخرجه أحمد (٤/ ٢٣)، وأبوداود (١٤٣٩)، والنسائي (٣/ ٢٢٩)، والترمذي (٤٧٠)، وابن حبان (٢٤٤٩)، ومداره على قيس بن طلق وهو حسن الحديث، وفي الحديث: قال قيس بن طلق: زارني أبي يومًا في رمضان، فأمسى عندنا وأفطر، فقام بنا تلك الليلة وأوتر، ثم انحدر إلى مسجده فصلى بأصحابه، حتى إذا بقي الوتر قدم رجلًا فقال: أوتر بأصحابك؛ فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول ... فذكر الحديث.","vol":"2","page":648},{"text":"ومالك، وأحمد، وأبي ثور، وعزاه القاضي عياض، ثم الحافظ ابن رجب إلى أكثر أهل العلم، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق، وسعد، وعمار بن ياسر، وابن عباس، وعائذ بن عمرو، وعائشة، وطاوس، وعلقمة، والنخعي، وأبي عمرو، وأبي مجلز، والأوزاعي، واستُدِلَّ لهذا القول بحديث طلق بن علي الذي في الباب: «لا وتران في ليلة».\nوالصحابة الذين ذكرهم ابن المنذر قد صحَّ عنهم القول بذلك كما في «الأوسط»، (٥/ ١٩٦ -)، و«مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٢٩)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٢٧٥)؛ إلا أثر أبي بكر؛ فهو من رواية سعيد بن المسيب عنه، ولم يدركه؛ فهو منقطع، وإلا أثر سعد؛ فإنه من طريق إبراهيم بن مهاجر، وهو ضعيفٌ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب؛ لعدم وجود دليل على النقض، وحديث: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا»، محمول على الاستحباب، والأفضلية؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد صحَّ عنه أنه صلى ركعتين بعد الوتر كما في «صحيح مسلم» وغيره، والله أعلم. (^١)\nفائدة: هذه المسألة المتقدمة تدل على أنَّ الصحابة كانوا يرون جواز التنفل من الليل بما شاء دون التقييد بعدد معين، وهذا هو قول عامة أهل العلم، وإنْ كُنَّا نختار أن يُكتفى بإحدى عشرة ركعة؛ لأنَّ ذلك هو فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والدليل على\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٥/ ١٩٦ - ٢٠٠)، «المجموع» (٤/ ٢٤)، «الفتح» لابن رجب (٦/ ٢٥٥).","vol":"2","page":649},{"text":"مشروعية ما تقدم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح، فأوتر بواحدة» (^١)، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَا بَنِي عَبْد مَنَاف، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ، وَصَلَّى، أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ، أَوْ نَهَارٍ». (^٢)\nوأخرج أبو داود (١٢٧٧)، بإسناد صحيح عن عمرو بن عبسة، قال: قلت: يا رسول الله، أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: «جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَصَلِّ مَا شِئْتَ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَتَرْتَفِعَ قِيسَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ»، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ».\nونهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الصلاة في خمسة أوقات؛ فدلَّ على أنَّ غير هذه الأوقات يصلي العبد فيها ما شاء، وكما أنه يُشرع للعبد التنفل من بعد ارتفاع الشمس إلى الظهر دون التقيد بعدد؛ لحديث عمرو بن عبسة، مع أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يثبت عنه أنه صلَّى في هذا الوقت بأكثر من ثمان؛ فالأمر كذلك في صلاة الليل، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1005>مسألة [٢]: حكم الركعتين بعد الوتر</span>.\nأخرج مسلم في «صحيحه» (٧٤٦) عن عائشة -﵂-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى من الليل تسع ركعات جلس في الثامنة، ولم يسلم، ثم جلس في التاسعة، وسلم، ثم صلَّى ركعتين وهو قاعدٌ.\nوأخرج من وجه آخر (٧٣٨) (١٢٦) عنها: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي من الليل ثمان ركعات، ويوتر، ثم يصلي ركعتين، وهو قاعد، فإذا أراد أن يركع قام فركع.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٩٩٠)، ومسلم برقم (٧٤٩)، من حديث ابن عمر -﵄-.\n(^٢) تقدم في الكتاب برقم (١٦٠).","vol":"2","page":650},{"text":"وأخرج أحمد (٥/ ٢٦٠) بإسناد حسنٍ عن أبي أمامة -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصليهما بعد الوتر، وهو جالسٌ، يقرأ فيهما: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١]، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وهو في «الصحيح المسند» (٤٩٥).\nوأخرج الدارقطني (٢/ ٣٦)، من حديث ثوبان -﵁-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ هذا السفر جَهدٌ، وثِقَل، فإذا أوتر أحدكم؛ فليصل ركعتين؛ فإن قام من الليل، وإلا كانتا له»، وهو حديث حسنٌ، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا -﵀- برقم (١٩٠).\nفمن هذه الأدلة ذهب طائفة من أهل العلم إلى استحباب هاتين الركعتين بعد الوتر منهم: كثير بن ضمرة، وخالد بن معدان، والحسن، وأبو مجلز، وجماعة من الحنابلة.\nوبالغ بعضهم فعدَّها من الرواتب، ومن أهل العلم من رخَّصَ فيها، ولم يكرهها، وهو قول الأوزاعي، وأحمد، ومنهم من كرهها، وهو قول مالك، وحُكي عن الشافعي.\nقلتُ: الراجح هو الاستحباب؛ للأدلة المتقدمة، وقد صح عن ابن عباس -﵄- أنه صلاهما، وأفتى بهما. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٨٣)، ويُستحب عدم المداومة عليها؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يداوم عليها، بل فعلها أحيانًا، وقال: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا». (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣).","vol":"2","page":651},{"text":"٣٧١ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -﵁-، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، يُوتِرُ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ: وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ. (^١)\n\n٣٧٢ - وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، وَفِيهِ: كُلُّ سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ، وَفِي الأَخِيرَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَالمُعَوِّذَتَيْنِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1006>مسألة [١]: ما يقرأ في الوتر</span>؟\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٢٣): مذهبنا أنه يقرأ بعد الفاتحة في الأولى: ﴿سَبِّحِ﴾ وفى الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفى الثالثة:\n_________\n(^١) صحيح دون الزيادة. أخرجه أحمد (٥/ ١٢٣)، وأبوداود (١٤٢٣)، والنسائي (٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦). وهو حديث صحيح.\nوأما الزيادة التي للنسائي فهي من طريق عبدالعزيز بن خالد وهو لين، وقد تفرد بهذه الزيادة فهي شاذة إن لم تكن منكرة.\n(^٢) صحيح لغيره، وزيادة المعوذتين منكرة. أخرجه أبوداود (١٤٢٤)، والترمذي (٤٦٣).\nوفي إسناده: خصيف الجزري سيئ الحفظ، وعبد العزيز بن جريج فيه ضعف، ولم يسمع من عائشة -﵂-.\nوقد أنكر زيادة المعوذتين: أحمد، وابن معين والعقيلي وغيرهم.\nوجاء هذا الحديث أيضًا من طريق: يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة -﵂-، به. أخرجه ابن المنذر (٥/ ٢٠٤)، الدارقطني (٢/ ٣٤)، والبيهقي (٣/ ٣٧).\nوأنكره الإمام أحمد ففي «البدر المنير» (٤/ ٣٣٥) سئل عنه فقال: من يحتمل هذا؟!، وقال مرة: كم قد روى هذا (الحديث) عن عائشة من الناس ليس فيه هذا. وأنكر حديث يحيى خاصة. اهـ","vol":"2","page":652},{"text":"﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مرةً، والمعوذتين، وحكاه القاضى عياض عن جمهور العلماء، وبه قال مالك، وأبو داود، وقال أبوحنيفة، والثوري، وإسحاق كذلك؛ إلا أنهم قالوا: لا تُقْرَأُ المعوذتان. وحكي عن أحمد مثله، ونقله الترمذي عن أكثر العلماء من الصحابة ومن بعدهم. انتهى المراد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب عدم قراءة المعوذتين؛ لعدم صحة الحديث فيه، وقد وقع في بعض الروايات، بيان أن كل سورة في ركعة؛ ففي رواية النسائي (٣/ ٢٣٥)، وابن المنذر (٥/ ٢٠٣)، في حديث أبي بن كعب -﵁-، واللفظ للنسائي: «كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد».","vol":"2","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1007>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>مسألة [١]: ماذا يُقال بعد صلاة الوتر</span>؟\nاستحب أهل العلم أن يقول بعد صلاة الوتر: سبحان الملك القُدُّوس، ثلاث مرات؛ لما أخرجه أحمد (٣/ ٤٠٦)، وغيره من حديث عبد الرحمن بن أبزى، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كان يوتر بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فإذا سلَّمَ قال: «سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس»، ورفع بها صوته.\nوهو حديث صحيح، وقد صححه شيخنا مقبل الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» برقم (٨٩٠).","vol":"2","page":654},{"text":"٣٧٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nوَلِابْنِ حِبَّانَ: «مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يُوتِرْ فَلَا وِتْرَ لَهُ». (^٢)\n\n٣٧٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ نَامَ عَن الوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. (^٣)\n\n٣٧٥ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٤)\n\n٣٧٦ - وَعنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إذَا طَلَعَ الفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَالوِتْرِ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٧٥٤).\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٢٤٠٨) من طريق قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد.\nوإسناده ظاهره الصحة لكن قال البيهقي: رواية يحيى بن أبي كثير أشبه، يعني الرواية التي في «مسلم» باللفظ السابق؛ لأنها من رواية يحيى عن أبي نضرة عن أبي سعيد.\n(^٣) صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٤)، وأبوداود (١٤٣١)، والترمذي (٤٦٥)، وابن ماجه (١١٨٨).\nوإسناد أبي داود صحيح. وعند غيره فيه عبدالرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (٧٥٥).\n(^٥) الراجح وقفه دون قوله: «فأوتروا قبل الفجر» فهي مرفوعة.\nأخرجه الترمذي (٤٦٩)، وقد تفرد سليمان بن موسى بهذا اللفظ وأبان الحافظ ابن رجب في «الفتح» (٦/ ٢٣٨) أنه أدرج الموقوف في المرفوع، وأن الصحيح عن ابن عمر قوله: إذا كان الفجر فقد ذهبت كل صلاة الليل والوتر؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أوتروا قبل الفجر». اهـ\n\nوقد أخرج ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ١٩٠) الرواية التي فصل المرفوع من الموقوف؛ فقال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: حدثني سليمان بن موسى، قال: حدثني نافع، أن ابن عمر، كان يقول: «من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترا، وكان رسول الله - ﷺ - أمر بذلك، فإذا كان الفجر فقد ذهبت صلاة الليل، والوتر، فإن رسول الله - ﷺ - قال: «أوتروا قبل الفجر».","vol":"2","page":655},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1009>مسألة [١]: وقت صلاة الوتر</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ أول وقت صلاة الوتر من بعد صلاة العشاء، واستدلوا على ذلك بحديث خارجة بن حذافة، وأبي بصرة، وقد تقدَّما في الكتاب برقم (٣٥٩).\n• وللشافعية وجهٌ أنه يدخل وقته بدخول وقت العشاء؛ فيجوز على ذلك فعله قبل صلاة العشاء، ولهم وجهٌ آخر: أنَّ وقته يدخل بعد العشاء، وصلاة أخرى إن كان وتره بركعة وإن كان بأكثر من ركعة صحَّ فعله بعد صلاة العشاء.\nوالصواب ما ذهب إليه الجمهور من أهل العلم؛ لدلالة حديث أبي بصرة، وخارجة، والله أعلم.\nوأما آخر وقت الوتر:\n• فذهب الأكثرون إلى أنه يخرج وقته بذهاب الليل، وطلوع الفجر، فإذا طلع الفجر صار فعله قضاءً، وما دام الليل باقيًا؛ فإنَّ وقته باقٍ، وهو قول الشافعي، وأحمد في المشهور عنهما، وقول أبي حنيفة، والثوري، ورُوي عن عمر (^١)، وابن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٨٨) من طريق الحسن، عن عمر ﵁، فهو ضعيف منقطع؛ لأن الحسن لم يدرك عمر بن الخطاب -﵁-.","vol":"2","page":656},{"text":"عمر (^١)، وأبي موسى (^٢)، وأبي الدرداء (^٣)، وسعيد بن جبير، وعطاء، والنخعي، واستدل هؤلاء بأحاديث كثيرة منها: حديث: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا»، وحديث: «إذا خشيت الصبح؛ فأوتر بواحدة» (^٤)، وبحديث أبي سعيد الذي في الباب: «أوتروا قبل أن تصبحوا»، وبحديث ابن عمر: «بادروا الصبح بالوتر» أخرجه مسلم برقم (٧٥٠).\n• وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنَّ الوتر لا يفوت وقته حتى يُصَلَّى الصبح، صحَّ ذلك عن علي، وابن مسعود (^٥)، وهو قول أيوب، وحميد الطويل، والقاسم بن محمد، ومالك، والشافعي في القديم، وأحمد في رواية عنه، وإسحاق، وفي حديث أبي بصرة الغفاري: «ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح»، وممن رُوي عنه أنه أوتر بعد طلوع الفجر: (عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وحذيفة، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة). (^٦)\n_________\n(^١) أثر ابن عمر ثابت عنه كما في رواية حديث الباب، وكما في روايته للأحاديث المرفوعة بهذا المعنى.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٠) عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة قال: جاء نفر إلى أبي موسى الأشعري فسألوه عن الوتر؟ فقال: «لا وتر بعد الأذان»، فأتوا عليًّا فأخبروه، فقال: «لقد أغرق النزع، وأفرط في الفتيا، الوتر ما بينك وبين صلاة الغداة» وهذا إسناد حسن. وأخرجه ابن المنذر (٥/ ١٩١) من طريق عبد الرزاق به. وأخرجه البيهقي (٢/ ٤٧٩) من طريق زهير، عن أبي إسحاق به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١١) عن ابن جريج، قال: أخبرت عن أبي الدرداء ... فذكره. وإسناده ضعيف؛ فيه مبهم.\n(^٤) تقدم في الكتاب برقم (٣٥٤).\n(^٥) أخرجهما ابن المنذر (٥/ ١٩٠ -) بأسانيد صحيحة عنهما.\n(^٦) أخرجها كلها -عدا أثر حذيفة -﵁- - ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ١٩٢ -)، وأثر أبي الدرداء لم يثبت؛ فإنه من طريق أبي قلابة، عنه. وأبو قلابة لم يسمع من أبي الدرداء؛ لأنه مات مبكرًا في خلافة عثمان -﵁-، وبقية الآثار أسانيدها صحيحة، أو حسنة. وانظر: «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ١٠)، وكذلك «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٢٨٦).","vol":"2","page":657},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول، وهو قول الجمهور، وأما حديث أبي بصرة الغفاري: «إلى صلاة الصبح»؛ فالمقصود: إلى وقت صلاة الصبح، كما جاء ذلك في بعض طُرُقِهِ بلفظ: «إلى طلوع الصبح»، وهي من طريق: ابن لهيعة، ويؤيدها حديث خارجة، وبهذا التأويل تجتمع الأدلة.\nوأما فعل الصحابة، فقال ابن عبد البر: يُحتمل أن يكونوا قالوه فيمن نسي، أو نام عنه، دون من تعمده.\nقلتُ: وهي وقائع عين فعلوها، يُحتمل أن يكونوا صَلَّوهُ قضاءً، أو رأوه وقتًا اضطراريًّا لمن شغل أو نام، وهذا المحمل أحسن، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1010>مسألة [٢]: من صلى الوتر وكان قد نسي أن يصلي صلاة العشاء، أو نسي بعض شروطها</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه يصلي العشاء، ثم يعيد الوتر؛ لأنه صلَّاه قبل دخول وقته، وهو قول مالك، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجزئه، ولا إعادة عليه؛ لأنَّ وقته عنده بدخول وقت العشاء، ويجب أن يكون بعد صلاة العشاء بالذكر، لا بالنسيان، فإذا صلَّاه قبل\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٦/ ٢٣٤ - ٢٣٩)، «المغني» (٢/ ٥٢٩)، «الأوسط» (٥/ ١٩٠ -).","vol":"2","page":658},{"text":"العشاء ناسيًا أجزأه.\nوالصواب ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1011>مسألة [٣]: من صلى العشاء مع المغرب جمع تقديم، فهل يدخل وقت الوتر بعد صلاة العشاء أيضًا</span>؟\n• الجمهور من أهل العلم على أنَّ وقت الوتر يدخل بصلاة العشاء، وإنْ صلَّاها جمع تقديم؛ لعموم حديث أبي بصرة، وخارجة بن حذافة -﵄-، وقد تقدما برقم (٣٥٩).\n• وذهب أبو حنيفة، والمالكية، وبعض الشافعية إلى أنه لا يدخل وقتها حتى يدخل وقت العشاء. والصواب ما ذهب إليه الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1012>مسألة [٤]: هل يقضي الوتر إذا فاته</span>؟\n• قال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٦/ ٢٤٣ - ٢٤٧): وقد اختلف العلماء في قضاء الوتر إذا فات، فقالت طائفة: لا يقضي، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، ورواية عن أحمد، وإسحاق، وأحد قولي الشافعي، وحكاه أحمد عن أكثر العلماء، ويُروى عن النخعي أنه لا يقضي بعد صلاة الفجر، وعن الشعبي. وقالت طائفة: يقضي. وهو قول الثوري، والليث بن سعد، والمشهور عن الشافعي، ورواية عن أحمد.\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٦/ ٢٣٤)، «المغني» (٢/ ٥٢٩).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٢٩)، «الشرح الممتع» (٤/ ١٥) مع الحاشية.","vol":"2","page":659},{"text":"قال ابن رجب: واستدل من قال: لا يقضي الوتر بأن النبي - ﷺ - كان إذا نام أو شغله مرض أو غيره عن قيام الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة. خرجه مسلم من حديث عائشة؛ فدل على أنه كان يقضي التهجد دون الوتر. اهـ\nواستدل القائلون بالقضاء بعموم حديث: «من نام عن صلاة، أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها» أخرجه البخاري برقم (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) عن أنس -﵁-، بل قد صرَّح في حديث أبي سعيد بصلاة الوتر كما في الباب.\nقال ابن رجب: وممن رُوي عنه الأمر بقضاء الوتر من النهار: علي (^١)، وابن عمر (^٢)، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، والشعبي، وحماد، وهو قول الشافعي في الصحيح عنه، وأحمد في رواية، والأوزاعي، إلا أنه قال: يقضيه نهارًا وبالليل؛ ما لم يدخل وقت الوتر بصلاة العشاء الآخرة، ولا يقضيه بعد ذلك؛ لئلا يجتمع وتران في ليلة. وعن سعيد بن جبير، قالَ: يقضيه من الليلة القابلة. وظاهر هذا أنه لا يقضيه إلا ليلًا؛ لأنَّ وقته الليل، فلا يفعل بالنهار. انتهى باختصار من «الفتح» لابن رجب.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يقضيه من النهار، ويشفعه؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو قول من نفى قضاء الوتر، فَتَنَبَّهْ، والله أعلم.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه عنه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٩١) من طريق نعيم بن حكيم، عن أبي مريم، قال: جاء رجل إلى علي، فقال: إني نمت ونسيت الوتر حتى طلعت الشمس؟ فقال: إذا استيقظت وذكرت، فصل. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لجهالة حال أبي مريم، وهو الثقفي المدائني.\n(^٢) أخرجه عنه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٩٠) بإسناد صحيح.","vol":"2","page":660},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1013>مسألة [٥]: أفضل أوقات الوتر</span>.\n• ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنَّ الوتر قبل النوم أفضل، وهو وجهٌ عند الشافعية، وصحَّ عن جماعة من الصحابة، أنهم كانوا يوترون أول الليل.\nوقد أوصى النبيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أبا هريرة، وأبا الدرداء أن يوتروا قبل النوم كما في «الصحيح». (^١)\n• وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الوتر آخر الليل أفضل لمن وثق من نفسه أن يقوم، ومن ليس كذلك؛ فالأفضل في حقِّه أن يوتر قبل النوم.\nواستدلوا بحديث جابر الذي في الباب، وهو عمل جمعٍ من الصحابة، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم.\nوقد ثبت عن أبي بكر الصديق -﵁-، أنه كان يقوم ويوتر في أول الليل، وكان عمر -﵁- يقوم ويوتر في آخر الليل؛ فقال النبي - ﷺ -: «أخذ هذا بالحزم -وفي رواية: بالوثقى- وأخذ هذا بالقوة».\nأخرجه أحمد (٣/ ٣٣٠) عن جابر -﵁-، وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه ضعف.\nوأخرجه أبو داود (١٤٣٤)، وابن خزيمة (١٠٨٤) عن أبي قتادة -﵁- بنحوه. ورجح ابن خزيمة أنه من مراسيل عبد الله بن رباح.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٧٨)، ومسلم (٧٢١)، من حديث أبي هريرة -﵁-، وأخرجه مسلم (٧٢٢)، من حديث أبي الدرداء -﵁-.","vol":"2","page":661},{"text":"وجاء الحديث عن ابن عمر -﵄- عند ابن خزيمة (١٠٨٥)، وابن المنذر (٥/ ١٧١)، وفيه يحيى بن سليم الطائفي، وفيه ضعف.\nوجاء من مراسيل سعيد بن المسيب، أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٤).\nومن مراسيل محمد بن يوسف، أخرجه كذلك عبد الرزاق (٣/ ١٤)؛ فالحديث بهذه الطرق صحيح، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، «المجموع» (٤/ ٢١).","vol":"2","page":662},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1014>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1015>مسألة [١]: الوتر على الراحلة</span>.\n• قال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٢١): مذهبنا أنه جائز على الراحلة في السفر، كسائر النوافل، سواء كان له عذر أم لا، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم، فمنهم: علي بن أبي طالب (^١)، وابن عمر (^٢)، وابن عباس (^٣)، وعطاء، والثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وداود.\n• وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز إلا لعذر.\nدليلنا حديث ابن عمر، أن النبي - ﷺ - كان يوتر على راحلته في السفر. رواه البخاري، ومسلم. اهـ\nقلتُ: قول الجمهور هو الصواب. (^٤)\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٧٩)، وابن أبي شيبة (١٤/ ٢٣٢)، وابن المنذر (٥/ ٢٤٦) من طريق ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، أن عليًّا -﵁-، كان يوتر على راحلته. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًا؛ لأن ثوير بن أبي فاختة متروك.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٠٩٥)، ومسلم برقم (٧٠٠).\n(^٣) ضعيف. أخرجه ابن أبي شيبة (١٤/ ٢٣١)، ومن طريقه ابن المنذر (٥/ ٢٤٧) من طريق عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أنه أوتر، وقال: الوتر على الراحلة. وهذا إسنادٌ ضعيف؛ لضعف عباد بن منصور.\n(^٤) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٦/ ٢٦٥ - ٢٦٦).","vol":"2","page":663},{"text":"٣٧٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٣٧٨ - وَلَهُ عَنْهَا: أَنَّهَا سُئِلَتْ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ. (^٢)\n\n٣٧٩ - وَلَهُ عَنْهَا: مَا رَأَيْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطّ، وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا. (^٣)\n\n٣٨٠ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: «صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ». (^٤) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (^٥)\nالجمع بين ألفاظ حديث عائشة:\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١١٧٧): وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ وَجَمَاعَة (^٦) إِلَى تَرْجِيحِ مَا اِتَّفَقَ اَلشَّيْخَانِ عَلَيْهِ دُونَ مَا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٧١٩).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٧١٧).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٧١٨)، وأخرجه أيضًا البخاري (١١٧٧).\n(^٤) قال ابن الأثير -﵀-: وهي أن تحمى الرمضاء وهي الرمل فتبرك الفصال من شدة حرها وإحراقها أخفافها.\n(^٥) لم يخرجه الترمذي، بل أخرجه مسلم (٧٤٨).\n(^٦) نقل ابن رجب -﵀- في «شرح العلل» (٢/ ٨٩١)، عن أحمد، والأثرم، وابن عبدالبر أنهم ردوا رواية مسلم بالمخالفة لحديثها بالنفي، وهذا فيه نظر؛ لإمكان الجمع بين الروايات، وقد رواه قتادة، ويزيد الرشك، كلاهما عن معاذة، عن عائشة -﵂-، به.","vol":"2","page":664},{"text":"اِنْفَرَدَ بِهِ مُسْلِم، وَقَالُوا: إِنَّ عَدَمَ رُؤْيَتِهَا لِذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَم اَلْوُقُوعِ، فَيُقَدَّمُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ اَلصَّحَابَةِ اَلْإِثْبَاتُ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى اَلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. وَحَمَلَ اَلْبَيْهَقِيّ النَّفْيَ عَلَى اَلْمدَاوَمَةَ. وَذَهَبَ عِيَاض وَغَيْره إِلَى أنَّ قَوْلَهَا: (مَا صَلَّاهَا) مَعْنَاهَا: مَا رَأَيْته يُصَلِّيهَا، وَالْجَمْع بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهَا: (كَانَ يُصَلِّيهَا أَرْبَعًا) أَنَّهَا أَخْبَرَتْ فِي اَلْإِنْكَارِ عَنْ مُشَاهَدَتِهَا، وَفِي اَلْإِثْبَاتِ عَنْ غَيْرِهَا. اهـ بتصرفٍ، واختصار.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: توجيهُ عياض هو الصواب المختار، والله أعلم.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1016>مسألة [١]: حكم صلاة الضحى</span>.\n• فيها أقوال:\nالأول: استحبابها، قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٤٠): وهو مذهبنا، ومذهب جمهور السلف، وبه قال الفقهاء المتأخرون كافة. اهـ\nويدل عليه حديث أبي ذر -﵁-، في «صحيح مسلم» (٧٢٠)، وبريدة -﵁-، بنحوه في «مسند أحمد» (٥/ ٣٥٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى».\nويدل عليه حديث عمرو بن عبسة -﵁- في «صحيح مسلم» (٨٣٢): أنَّ النبي","vol":"2","page":665},{"text":"-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال بعد نهيه عن الصلاة حتى ترتفع الشمس: «ثُمَّ صَلِّ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ».\nوفي «الصحيحين» (^١)، عن أبي هريرة -﵁-، قال: أَوْصَانِي خَلِيلِي - ﷺ - بِثَلَاثٍ: «بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَلَا أَنَام حَتَّى أُوتِرَ».\nوأخرج مسلم (٧٢٢)، عن أبي الدرداء، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مثله، وفيه قال: لن أدعهن ما عشت. واستدلوا بحديث زيد بن أرقم في «صحيح مسلم» (٧٤٨): «صَلَاةُ الأَوَّابِيْن حِيْنَ تَرْمَضُ الفِصَالُ».\nالثاني: ذهب بعض أهل العلم إلى أنها لا تُشرع؛ إلا لسببٍ، واحتجوا بأنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يفعلها إلا لسبب، واتفق وقوعها وقت الضحى، واختار هذا القول ابن القيم -﵀-.\nالثالث: لا تُستحبُّ أصلًا، قال ابن حجر -﵀-: وصحَّ عن عبد الرحمن بن عوف أنه لم يصلها، وكذلك ابن مسعود -﵄- (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١١٧٨)، ومسلم برقم (٧٢١).\n(^٢) أثر عبد الرحمن بن عوف ضعيف. أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٨٠) عن رجل، عن شعبة، عن سعد ابن إبراهيم، عن أبيه، عن جده، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: ما رأيته صلاها. وإسناده ضعيف؛ شيخ عبد الرزاق مبهم لم يسمَّ.\nأثر ابن مسعود صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٠٥) قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، قال: لم يخبرني أحد من الناس أنه رأى ابن مسعود يصلي الضحى.\nحدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: كنا نقرأ في المسجد فيثبت الناس في القراءة بعد قيام ابن مسعود، ثم نقوم فنصلي الضحى، فبلغ ذلك ابن مسعود، فقال: عباد الله لم تحملوا، عباد الله ما لم يحملهم الله إن كنتم لا بد فاعلين ففي بيوتكم.\nوهذان الإسنادان صحيحان، وتبين بالرواية الثانية أن ابن مسعود كان يكره أن يظن الناس وجوبها.","vol":"2","page":666},{"text":"الرابع: يُستحب تركها تارة، وفعلها تارة، ولا يواظب، وهو رواية عن أحمد، وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يواظب عليها، وقد صحَّ عن أبي هريرة -﵁-، أنه قال: ما رأيت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصلي الضحى قطُّ إلا مرة. أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٦).\nالخامس: تُستحبُّ صلاتها والمواظبة عليها في البيوت.\nالسادس: أنها بدعة، صحَّ ذلك من رواية عروة، عن ابن عمر، وصحَّ عن أبي بكرة -﵁-، أنه رأى ناسًا يُصلُّون الضحى، فقال: إنكم لتصلون صلاةً ما صلاها رسول الله - ﷺ -، ولا عامة أصحابه. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٤٧٨) بإسناد صحيح.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، أعني القول الأول؛ لما تقدم من الأدلة، وعدم مداومة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يدل على عدم الاستحباب، بعد أنْ حثَّ عليها، وأوصى بالمحافظة عليها، وإنما ترك المداومة عليها خشية أن تُفرضَ على الناس، كما ذكرت ذلك عائشة -﵂-.\nوأما قول ابن عمر: بدعة. فقال النووي -﵀-: ويتأول قوله (بدعة) على أنه لم يبلغه الأحاديث المذكورة، أو أراد أنَّ النبي - ﷺ - لم يداوم عليها، أو أنَّ الجهارة في المساجد ونحوها بدعة، وإنما سُنَّتْ النافلة في البيت.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول ابن عمر -﵄-: (بدعة) يُحمل على أنه أراد","vol":"2","page":667},{"text":"البدعة اللغوية، وهي أنَّ مداومة الناس عليها، وإن كان مستحبًا؛ فإنَّ ذلك لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ويؤيد ذلك أنه صحَّ عنه كما في «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٧٨ - ٧٩) أنه قال: ما أحدث الناس أحبَّ إليَّ منها.\nوقال ابن القيم -﵀- في «الزاد»: وقال ابن عمر مرةً: ونعمت البدعة (^١). وقال الشعبي: سمعت ابن عمر يقول: ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة الضحى (^٢). اهـ (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1017>مسألة [٢]: وقت صلاة الضحى</span>.\nعامة أهل العلم على أنَّ وقتها من ارتفاع الشمس إلى زوالها؛ لحديث عمرو ابن عبسة في «صحيح مسلم» (٨٣٢): «ثم اقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشمس، ثم صلِّ؛ فإنَّ الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح». (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1018>مسألة [٣]: وقتها المختار</span>.\nاستحب أهل العلم أن تكون في وقت اشتداد الحر؛ لحديث زيد بن أرقم -﵁- المذكور في الباب. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٠٥) بإسنادٍ صحيح.\n(^٢) هو معنى ما ذكرناه عنه من مصنف عبد الرزاق، ولم أجده باللفظ المذكور.\n(^٣) وانظر: «فتح الباري» للحافظ ابن حجر (١١٧٦)، «زاد المعاد» (١/ ٣٤١ - ٣٦٠)، «المجموع» (٤/ ٣٦ - ٤٠).\n(^٤) انظر: «المجموع» (٤/ ٣٦)، «المغني» (٢/ ٥٥٠).\n(^٥) انظر: «المجموع» (٤/ ٣٦)، «المغني» (٢/ ٥٥٠).","vol":"2","page":668},{"text":"٣٨١ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ صَلَّى الضُّحَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا فِي الجَنَّةِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ. (^١)\n\n٣٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْتِي فَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ. رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1019>مسألة [١]: عدد ركعات الضحى</span>.\n• الأشهر في مذهب الحنابلة أنَّ أكثرها ثمان ركعات؛ لأنَّ هذا هو أكثر ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كما في «الصحيحين» (^٣)، من حديث أم هانئ -﵂-، ولهم رواية أنَّ أكثرها اثنتا عشرة ركعة؛ لحديث أنس الذي في الباب، وهذان القولان وجهان في مذهب الشافعية أيضًا، والأكثرون على أن أكثرها ثمان ركعات.\n• وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه لا حدَّ لأكثرها، منهم: أبو جعفر الطبري، وبه جزم الحليمي، والروياني من الشافعية، وهو قول الأسود بن يزيد.\nوهذا القول هو الصواب؛ لحديث عائشة -﵂- في «صحيح مسلم»: كان النبي - ﷺ - يصلي الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله. ولحديث عمرو بن عبسة في «مسلم»\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الترمذي (٤٧٣)، وفي إسناده موسى بن فلان، أو ابن حمزة، وهو مجهول، فالحديث ضعيف.\n(^٢) ضعيف. أخرجه ابن حبان (٢٥٣١) من طريق المطلب بن حنطب عن عائشة -﵂-، ولم يسمع منها، فهو منقطع، وهو مخالف لحديثها المتقدم. فالحديث ضعيف.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١١٠٣)، ومسلم برقم (٨٠) من [كتاب صلاة المسافرين].","vol":"2","page":669},{"text":"٨٣٢ - أيضًا: «ثُمَّ صَلِّ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ»، وهذا القول رجَّحه الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^١)\nتنبيه: أمَّا أقل الضحى؛ فركعتان عند عامة أهل العلم؛ لحديث أبي هريرة -﵁-: «وركعتي الضحى ...»، وقد تقدم، وحديث أبي ذر أيضًا وقد تقدم: «ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى».\nفائدة: حديث: «يا ابن آدم تقرَّب إليَّ بأربع ركعات من أول النهار أكْفِك آخره»، من حديث نعيم بن همار (^٢)، وأبي الدرداء (^٣)، وهو حديث صحيح، وقد حمله كثير من أهل العلم على أنَّ المراد به من الضحى، وهو ظاهر صنيع عبد الرزاق الصنعاني، وأبي داود، والترمذي، وابن حبان، والبيهقي، والبغوي، وغيرهم؛ فإنهم أوردوه في صلاة الضحى، واختار بعض أهل العلم أنَّ المراد به ركعتا الفجر، وسنتها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «زاد المعاد».\nقلتُ: ويشبهه حديث جندب بن عبد الله في «صحيح مسلم» (٦٥٧): «من صلَّى الفجر؛ فهو في ذمة الله؛ فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء؛ فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم». وينبغي للمسلم أن يحافظ على الأمرين؛ لينال الفضيلة المذكورة؛ فيحافظ على سنة الفجر مع فريضتها،\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١١٧٦)، «المجموع» (٤/ ٣٦)، «غاية المرام» (٥/ ٤٣٩).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٨٦) (٥/ ٢٨٧)، وأبو داود (١٢٨٩)، والنسائي في «الكبرى» (٤٦٦) (٤٦٧) (٤٦٨)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) أخرجه أحمد (٦/ ٤٤٠)، والترمذي (٤٧٥)، وإسناد أحمد منقطع، وإسناد الترمذي حسن، ووقع عند الترمذي الشك في الصحابي: أهو أبو الدرداء، أم أبو ذر.","vol":"2","page":670},{"text":"ويحافظ على أربع ركعات من الضحى في أول النهار، والله المستعان.\nفائدة أخرى: حديث: «من صلَّى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى طلعت الشمس، ثم صلَّى ركعتين كتبت له أجر حجَّة، وعمرة تامة»، أخرجه الترمذي (٥٨٦) من حديث أنس -﵁-، وفي إسناده: أبو ظلال هلال بن أبي هلال، وهو إلى الضعف الشديد أقرب، وأخرجه الطبراني في «الأوسط» (٥٥٩٨)، عن ابن عمر -﵄-، وفي إسناده: الفضل بن موفق، وهو ضعيفٌ، وأخرجه الطبراني في «الكبير» (٧٧٤١) من حديث أبي أمامة، وفي إسناده: عثمان بن عبدالرحمن الحراني، وهو ضعيفٌ، وله إسناد آخر في «الكبير» أيضًا (٧٦٤٩)، وقرن بأبي أمامة عتبة بن عبد السلمي -﵄-، وفي إسناده: الأحوص بن حكيم، وهو ضعيفٌ، سيء الحفظ. والحديث بهذه الطُّرُق يرتقي إلى الحُسْنِ إن شاء الله، والله أعلم.","vol":"2","page":671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1020>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1021>مسألة [١]: التنفل المطلق</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٥٥٥): فأمَّا النوافل المطلقة؛ فتُشرع في الليل كله، وفي النهار فيما سوى أوقات النهي، وتطوع الليل أفضل من تطوع النهار. اهـ\nويدل عليه حديث عمرو بن عبسة عند مسلم، وأبي داود، وغيرهما، وقد تقدمت ألفاظه، فراجعها. (^١)\nفائدة: صلاة التسابيح لم يثبت فيها حديث، وقد جزم بذلك غير واحد من الحُفَّاظ، منهم: الإمام أحمد، والعُقيلي، وأبو بكر بن العربي، وابن الجوزي، والمزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم، وأحسن طرقها: حديث ابن عباس عند أبي داود (١٢٩٧)، وغيره، وقد تفرد به موسى بن عبد العزيز العدني، وأُنكر عليه كما في «الميزان»، وأعلَّه ابن المديني بالوقف على عكرمة كما في «إتحاف المهرة» (٨٢٨١).\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «التلخيص»: والحقُّ أنَّ طُرُقَهُ كلها ضعيفة، وإن كان حديث ابن عباس يقرب من شرط الحَسَنِ؛ إلا أنه شاذٌّ؛ لشدَّة الفردية\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٤٣)، و«روضة الطالبين» (١/ ٣٣٥ -).","vol":"2","page":672},{"text":"فيه، وعدم المتابع، والشاهد من وجه معتبر، ومخالفة هيئتها لهيئة باقي الصلوات. انتهى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1022>مسألة [٢]: هل للمصلي أن يتنفل بأكثر من ركعتين متصلة، بدون تقييد عدد</span>؟\n• قال الإمام ابن عبد البر -﵀- في كتابه «التمهيد» (١٣/ ٢٤٤):\nوَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الحسن: صلاةالليل وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَحْمَدِ بْنِ حَنْبَلٍ.\nوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: صَلِّ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِنْ شِئْتَ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شِئْتَ أَرْبَعًا أَوْ سِتًّا أَوْ ثَمَانِيًا. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: صَلِّ مَا شِئْتَ بَعْدَ أَنْ تَقْعُدَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ.\nوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَصَلَاةُ النَّهَارِ أَرْبَعًا. وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالنَّهَارِ أَرْبَعُ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، إِنْ شَاءَ لَا يسلم إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ.\nوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَسْأَلُ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي النَّافِلَةِ؛ فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي أَخْتَارُ فَمَثْنَى مَثْنَى، وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا فَلَا بَأْسَ وَأَرْجُو أَنْ لَا يُضَيَّقَ عَلَيْهِ. فَذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَلِيٍّ\n_________\n(^١) وانظر: «التلخيص» (٢/ ١٣ - ١٤)، «اللآلئ المصنوعة» (٢/ ٤٣ - ٤٤).","vol":"2","page":673},{"text":"الْأَزْدِيِّ؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ يَثْبُتُ، وَمَعَ هَذَا حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي تَطَوُّعِهِ بِالنَّهَارِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَالْفَجْرِ وَالْأَضْحَى وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا بِالنَّهَارِ.\nوَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: قَالَ لِي نَافِعٌ: أَمَّا نَحْنُ فَنُصَلِّي بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا قَالَ فَذَكَرْتُهُ لِمُحَمَّدٍ فَقَالَ: لَوْ صَلَّى مَثْنَى كَانَ أَجْدَرُ أَنْ يُحْفَظَ.\nقَالَ أَبُو عُمَرَ: قَوْلُهُ - ﷺ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى جَوَابِ السَّائِلِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي بِاللَّيْلِ؟ فَقَالَ: مَثْنَى مَثْنَى. وَلَوْ قَالَ لَهُ: وَبِالنَّهَارِ؟ جَازَ أَنْ يَقُولَ كَذَلِكَ أَيْضًا مَثْنَى مَثْنَى وَمَا خَرَجَ عَلَى جَوَابِ السَّائِلِ فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا عَدَاهُ وَسَكَتَ عَنْهُ لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بِخِلَافِهِ وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ فَصَلَاةُ النَّهَارِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى دَلَائِلِهَا:\nفَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهَا وَصَلَاةَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى جَمِيعًا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى تَشَهُّدٌ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» لَمْ يَخُصَّ لَيْلًا مِنْ نَهَارٍ.\nحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُعَاذٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ أبي أنس عن عبد الله بن نافع عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ الْمُطَّلِبِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى يُتَشَهَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» (^١) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١١٥٢)، وأحمد في «المسند» (١/ ٢١١، و٤/ ١٦٧)، وأبوداود (١٢٩٦)، والترمذي (٣٨٥)، وابن خزيمة (١٢١٢)، والمروزي كما في «مختصر قيام الليل» (ص ١٢٧)، والنسائي في «الكبرى» (٦١٨، و١٤٤٤)، والطبراني (١٨/ ٢٩٥)، والدارقطني (١/ ٤١٨)، والبيهقي (٢/ ٤٨٧) وغيرهم، وفي إسناده: عبد الله بن نافع بن أبي العمياء، وهو مجهول الحال، وقد اختلف في إسناد هذا الحديث فمنهم من جعله عن الفضل بن عباس، ومنهم من جعله عن المطلب بن ربيعة بن الحارث، وعلى كُلٍّ علة الحديث هو جهالة الرجل المذكور.","vol":"2","page":674},{"text":"فَخَالَفَ شُعْبَةَ فِي إِسْنَادِهِ.\nثم استدل بحديث علي البارقي الأزدي عن ابن عمر: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى»، وقد تقدم أنه غير محفوظ.\nثم قال: وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى يُسَلِّمُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَهَذِهِ فَتْوَى ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى»، وَعَلِمَ مَخْرَجَهُ وَفَهِمَ مُرَادَهُ، وَحَدِيثُ مَالِكٍ هَذَا وَإِنْ كَانَ مِنْ بَلَاغَاتِهِ؛ فَإِنَّهُ مُتَّصِلٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بكير بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ أن مُحمدَ بنَ عَبدَ الرَّحمنِ بْنِ ثَوْبَانَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» يَعْنِي التَّطَوُّعَ.\nوَمِنَ الدَّلِيلِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ صَلَاةَ النَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى كَصَلَاةِ اللَّيْلِ سَوَاءً: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَكْعَتِي الْفَجْرِ، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، وَصَلَاةُ الْفِطَرِ وَالْأَضْحَى وَالِاسْتِسْقَاءِ.\nوَقَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ»، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ. اهـ","vol":"2","page":675},{"text":"وفي «الأوسط» لابن المنذر (٥/ ٢٣٦): وَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ: \"الَّذِي نَخْتَارُ لَهُ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، إِلَّا الْوِتْرَ؛ فَإِنَّ لَهُ أَحْكَامًا مُخْتَلِفَةً، وَأَمَّا صَلَاةُ النَّهَارِ فَأَخْتَارُ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا، وَضَحْوَةً أَرْبَعًا، لِمَا جَاءَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ؛ فَإِنْ صَلَّى بِالنَّهَارِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ كَانَ جَائِزًا.\nوَفِيهِ قَوْلٌ آخر: وَهُوَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يُجْزِيكَ التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَكَ حَاجَةٌ فَتُسَلِّمَ. هَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَقَالَ عَطَاءٌ كَذَلِكَ.\nوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: الرَّجُلُ فِي سَعَةٍ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ أَنْ لَا يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ ثِنْتَيْنِ، وَإِنْ فَصَلَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ بَعْدَ أَنْ يَتَشَهَّدَ فِي كُلِّ ثِنْتَيْنِ. اهـ\nوقال النووي -﵀- في «المجموع» (٤/ ٤٩): قال أصحابنا: التطوع الَّذِي لَا سَبَبَ لَهُ، وَلَا حَصْرَ لَهُ، وَلَا لِعَدَدِ رَكَعَاتِ الْوَاحِدَةِ مِنْه لَهُ أَنْ يَنْوِيَ عَدَدًا وَلَهُ أَنْ لَا يَنْوِيَهُ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى نِيَّةِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا شَرَعَ فِي تَطَوُّعٍ وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا فَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَةٍ وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ فَيَجْعَلَهَا رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ عَشْرًا أَوْ مِائَةً أَوْ أَلْفًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَوْ صَلَّى عَدَدًا لَا يَعْلَمُهُ ثُمَّ سَلَّمَ صَحَّ بِلَا خِلَافٍ اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ -﵀- فِي الْإِمْلَاءِ.\nوَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ أبا ذر -﵁- صَلَّى عَدَدًا كَثِيرًا، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ لَهُ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ -﵀-: هَلْ تَدْرِي: انْصَرَفْتَ عَلَى شَفْعٍ أَمْ على وِتْرٍ؟ قَالَ: إلَّا أَكُنْ أَدْرِي فَإِنَّ اللَّهَ يَدْرِي إنِّي سَمِعْتُ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ - ﷺ - يَقُولُ -ثُمَّ بَكَى- ثُمَّ قَالَ:","vol":"2","page":676},{"text":"إنِّي سَمِعْتُ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يسجد لله سجدة الا رفع اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً» وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي «مُسْنَدِهِ» بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَّا رَجُلًا اخْتَلَفُوا فِي عَدَالَتِهِ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: بالنظر إلى فعله ﵊؛ فإن عامة ما ورد عن النبي - ﷺ - من الأحاديث فيه أنه كان يصلي ركعتين ركعتين، وورد في صلاة الليل أنه صلَّى ﵊ أربعًا متصلة، وخمسًا، وسبعًا، وتسعًا، كما تقدم بيان ذلك.\nوأما في النهار فلم يثبت عنه صريحًا، أنه ﵊ صلَّى أكثر من ركعتين متصلة بسلام واحد، ولكن ثبت عن ابن عمر -﵄- بإسناد صحيح كما تقدم أنه كان يتنفل بأربعٍ متصلة في النهار؛ وعليه فلا بأس بذلك كما فعل هذا الصحابي الجليل -﵁-.\nوأما التنفل بأكثر من أربع متصلة في النهار؛ فنختار تركه، ومن عمل ذلك قياسًّا على ما جاء في الليل؛ فلا نستطيع أن نحكم على صلاته بالبطلان.\nوأما الحديث الوارد عن أبي ذر -﵁-؛ فإنه من طريق هارون بن رئاب، عن الأحنف بن قيس، عن أبي ذر -﵁-. قال ابن عساكر كما في «معجم الشيوخ» (٦٥٢): منقطع، هارون بن رئاب لم يدرك الأحنف بن قيس. اهـ\nوالتنفل بالنهار لا يكون بالوتر؛ فالنبي - ﷺ - لما كان يقضي ما فاته من الليل في النهار كان يصلي من النهار اثنتي عشرة ركعة. وكذلك في حديث سجود السهو،","vol":"2","page":677},{"text":"قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان» أخرجه مسلم (٥٧١) عن أبي سعيد الخدري.\nفقوله ﵊: «شفعن له صلاته» يدل على عدم مشروعية التنفل بالنهار وترًا.\nوحديث أبي ذر المتقدم تقدم أنه ضعيف، وكذلك ما أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٥٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٣٢)، والبيهقي (٣/ ٢٤) من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، قال: دخل عمر بن الخطاب المسجد فركع ركعة، فقيل له: فقال: إنما هو تطوع فمن شاء زاد، ومن شاء نقص، كرهت أن أتخذه طريقا. فإنه أيضًا ضعيف؛ فإن قابوس بن أبي ظبيان ضعيف، وأبو ظبيان لا يعلم له سماع من عمر -﵁-.\nفائدة: صلاة الحاجة. أخرج الترمذي (٤٧٩)، وابن ماجه (١٣٨٤) من حديث عبدالله بن أبي أوفى -﵄-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى الله حَاجَةٌ، أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ؛ فَلْيَتَوَضَّأْ، فَلْيُحْسِنْ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللهِ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ لِيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَلِيُّ العَظِيْمُ، سُبْحَانَ الله رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ","vol":"2","page":678},{"text":"كُلِّ إِثْمٍ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ».\nوهو ضعيفٌ جدًّا، في إسناده: أبو الورقاء فائد بن عبد الرحمن، قال أحمد: متروكٌ. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: منكرُ الحديث.\nفائدة: صلاة التوبة. روى أبو داود (١٥٢١)، والترمذي (٤٠٦) عن علي بن أبي طالب، عن أبي بكر الصديق -﵄-، مرفوعًا: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ الله، إِلَّا غَفَرَ لَهُ»، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: «﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران:١٣٥]».\nوفي إسناده: أسماء بن الحكم الفزاري، وهو مجهولٌ، تفرد بالرواية عنه علي ابن ربيعة الوالبي، ولم يوثقه سوى العِجْلِي، وابن حِبَّان، وقال الترمذي: لا نعرف لأسماء بن الحكم حديثًا غير هذا. واستنكر البخاري حديثَه هذا، كما في «الميزان».\nفائدة: صلاة الطهارة. يُستحبُّ لمن توضأ أن يصلي ركعتين بخشوع؛ فإنَّ ذلك من أسباب غفران الذنوب، ودخول الجنة، ثبت ذلك في «الصحيحين» (^١) عن عثمان، وأبي هريرة -﵄-، وأخرجه مسلم (٢٣٤) من حديث عقبة بن عامر، وأحمد (٥/ ٣٥٤) من حديث بريدة، وأبو داود (٩٠٥) من حديث زيد بن خالد الجهني.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٥٩) (١١٤٩)، ومسلم برقم (٢٢٦) (٢٤٥٨).","vol":"2","page":679},{"text":"والحديثان الأخيران في «الصحيح المسند» لشيخنا -﵀- (١٥٩) (٣٥٧).\nفائدة: التنفل بالصلاة بين مغرب وعشاء.\nلم يثبت حديث في فضيلة التنفل في هذا الوقت بعدد معين، وقد بينا بعض علل الأحاديث الواردة في ذلك في شرحنا على منتقى الأخبار، ولكن ثبت فيه حديثان عن النبي - ﷺ -:\nأحدهما: ما أخرجه أحمد (٢٣٣٢٩)، والترمذي (٣٧٨١)، والنسائي في «الكبرى» (٨٢٤٠)، وغيرهم بإسناد صحيح عن حذيفة -﵁-، قال: سألتني أمي: منذ متى عهدك بالنبي - ﷺ -؟ قال: فقلت لها: منذ كذا وكذا، قال: فنالت مني وسبتني، قال: فقلت لها: دعيني، فإني آتي النبي - ﷺ - فأصلي معه المغرب، ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك، قال: فأتيت النبي - ﷺ - فصليت معه المغرب، فصلى النبي - ﷺ - إلى العشاء، ثم انفتل فتبعته، فعرض له عارض فناجاه، ثم ذهب فاتبعته فسمع صوتي، فقال: «من هذا؟»، فقلت: حذيفة، قال: «ما لك؟»، فحدثته بالأمر، فقال: «غفر الله لك ولأمك»، ثم قال: «أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل؟»، قال: قلت: بلى، قال: «فهو ملك من الملائكة لم يهبط الأرض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلم علي، ويبشرني أن الحسن، والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة».\nوالحديث الثاني: ما أخرجه أبو داود (١٣٢١) بإسناد صحيح عن أنس بن مالك، في هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا","vol":"2","page":680},{"text":"وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]، قال: «كانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون».\nفالتنفل بين المغرب والعشاء مشروع بدون تحديد عدد يعتقد فيه الفضيلة، ويدل على ذلك أيضًا أن الشرع نهى عن الصلاة في ثلاثة أوقات؛ فما عدا ذلك من الأوقات له أن يتنفل من الصلاة ما شاء؛ فتأمل ذلك، وبالله نستعين.\nوممن نص على مشروعية التنفل في هذا الوقت أنس بن مالك -﵁-، وأبو الشعثاء، وسعيد بن جبير، وشريح، والحسن بن مسلم. كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١٩٦).\nوممن كره التنفل في هذا الوقت الحسين بن علي -﵁-، وطاوس، ومجاهد، وكان ابن عمر لا يصليها إلا في رمضان كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١٩٧)، وانظر «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٤٤ -).","vol":"2","page":681},{"text":"صلاة الاستخارة\nقَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ -﵀- في «صَحِيحِه» (٦٣٨٢): بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الِاسْتِخَارَةِ حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي المَوَالِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ -﵁-، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَالسُّورَةِ مِنَ القُرْآنِ: «إِذَا هَمَّ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ، وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1023>مسألة [١]: مشروعية صلاة الاستخارة</span>.\nقَالَ الإِمَامُ الشَّوكانيُّ -﵀- في «النَّيلِ» (بَابُ صَلاةِ الاسْتِخَارة): \"وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ وَالدُّعَاءِ عَقِيبَهَا وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا\".اهـ","vol":"2","page":682},{"text":"وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ -﵀- في «الفَتْحِ» (٦٣٨٢): \"قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِخَارَةِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهَا وَلِتَشْبِيهِهَا بِتَعْلِيمِ السُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ، كَمَا اسْتَدَلَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي وُجُوبِ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ فِي قَوْلِهِ: «فَلْيَقُلْ»، وَلِتَشْبِيهِهِ بِتَعْلِيمِ السُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ. فَإِنْ قِيلَ: الْأَمْرُ تَعَلَّقَ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ» قُلْنَا: وَكَذَلِكَ فِي التَّشَهُّدِ إِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهِ مَنْ صَلَّى، وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ، وَإِنِ اشْتَرَكَا فِيمَا ذُكِرَ أَنَّ التَّشَهُّدَ جُزْءٌ مِنَ الصَّلَاةِ؛ فَيُؤْخَذُ الْوُجُوبُ مِنْ قَوْلِهِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وَدَلَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِاسْتِخَارَةِ مَا دَلَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ صَلَاةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْخَمْسِ فِي حَدِيثِ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ:» لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ».\nقال الحافظ -﵀-: وَهَذَا وَإِنْ صَلُحَ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ رَكْعَتَيِ الِاسْتِخَارَةِ لَكِنْ لَا يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى وُجُوبِ دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ؛ فَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلْإِرْشَادِ فَعَدَلُوا بِهِ عَنْ سُنَنِ الْوُجُوبِ، وَلَمَّا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّفْوِيضِ إِلَيْهِ كَانَ مَنْدُوبًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ\".اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1024>مسألة [٢]: وقت الدعاء في صلاة الاستخارة</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ١٧٧): \"يَجُوزُ الدُّعَاءُ فِي صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ وَغَيْرِهَا: قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ، وَالدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلَامِ أَفْضَلُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَكْثَرُ دُعَائِهِ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَالْمُصَلِّي قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَنْصَرِفْ؛ فَهَذَا أَحْسَنُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ\".اهـ","vol":"2","page":683},{"text":"وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ -﵀- في «الفَتْحِ» (٦٣٨٢): \"هُوَ ظَاهِرٌ فِي تَأْخِيرِ الدُّعَاءِ عَنِ الصَّلَاةِ، فَلَوْ دَعَا بِهِ فِي أثناء الصَّلَاة احْتمل الإجزاء وَيَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ عَلَى تَقْدِيمِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّ مَوْطِنَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ السُّجُود أَو التَّشَهُّد. وَقَالَ ابن أَبِي جَمْرَةَ: الْحِكْمَةُ فِي تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الدُّعَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِخَارَةِ حُصُولُ الْجَمْعِ بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَيَحْتَاجُ إِلَى قَرْعِ بَابِ الْمَلِكِ، وَلَا شَيءَ لِذَلِكَ أَنْجَعُ وَلَا أَنْجَحَ مِنَ الصَّلَاةِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالِافْتِقَارِ إِلَيْهِ مَآلًا وَحَالًا\".اهـ\nقلتُ: الظاهر من الحديث: «إِذَا هَمَّ أحدكم بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ» أن الدعاء عقب الصلاة، ومن دعا قبل التسليم كما أشار شيخ الإسلام -﵀-؛ فله وجه، ولا ينكر على من فعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1025>مسألة [٣]: بأي الأمرين يأخذ المصلي بعد الاستخارة</span>؟\nقَالَ الإِمَامُ الشَّوكانيُّ -﵀- في «النَّيلِ» (بَابُ صَلاةِ الاسْتِخَارة): \"قَالَ النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ مَا يَنْشَرِحُ لَهُ\".اهـ\nقال الشوكاني: \"ولَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى انْشِرَاحٍ كَانَ لَهُ فِيهِ هَوًى قَبْلَ الِاسْتِخَارَةِ، بَلْ يَنْبَغِي لِلْمُسْتَخِيرِ تَرْكُ اخْتِيَارِهِ رَأْسًا وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ مُسْتَخِيرًا لِلَّهِ، بَلْ يَكُونُ مُسْتَخِيرًا لِهَوَاهُ وَقَدْ يَكُونُ غَيْر صَادِقٍ فِي طَلَبِ الْخِيَرَةِ، وَفِي التَّبَرِّي مِنْ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَإِثْبَاتِهِمَا لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا صَدَقَ فِي ذَلِكَ تَبَرَّأَ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَمِنْ اخْتِيَارِهِ لِنَفْسِهِ\".اهـ","vol":"2","page":684},{"text":"قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ -﵀- في «الفَتْحِ» (٦٣٨٢): \"ويستدل لَهُ-يعني: قول النووي- بِحَدِيث أنس عِنْد ابن السُّنِّيِّ: «إِذَا هَمَمْتَ بِأَمْرٍ فَاسْتَخِرْ رَبَّكَ سَبْعًا ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الَّذِي يَسْبِقُ فِي قَلْبِكَ؛ فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيهِ»، وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ هُوَ الْمُعْتَمَدَ لَكِنَّ سَنَدَهُ وَاهٍ جِدًّا (^١) وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ مَا يَنْشَرِحُ بِهِ صَدْرُهُ مِمَّا كَانَ لَهُ فِيهِ هَوًى قَوِيٌّ قَبْلَ الِاسْتِخَارَةِ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه» (^٢).\nوقال العز بن عبد السلام: يفعل بعد الاستخارة ما اتفق له\".\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ما ذكره النووي من أنه يفعل ما ينشرح له صدره أقرب؛ لقوله ﵊: «البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس»، ولما أشار عمر -﵁- على أبي بكر الصديق -﵁- بجمع القرآن، لم يزل يراجعه. قال أبو بكر: حتى شرح الله صدري لذلك؛ فدعيا زيد بن ثابت -﵁-. قال زيد: فلم يزالا يراجعاني حتى شرح الله\n_________\n(^١) سيأتي سبب وهائه وضعفه في كلام الشوكاني الآتي في المسألة اللاحقة.\n(^٢) صحيح لغيره. أخرجه أبو يعلى (١٣٤٢)، وابن حبان (٨٨٥) من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «إذا أراد أحدكم أمرا فليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كان كذا وكذا -من الأمر الذي يريد- لي خيرًا في ديني، ومعيشتي، وعاقبة أمري، وإلا فاصرفه عني، واصرفني عنه، ثم قدر لي الخير أينما كان، لا حول ولا قوة إلا بالله».\nوهذا إسنادٌ ضعيف؛ عيسى بن عبد الله بن مالك مجهول الحال، والحديث صحيح بشاهده عن جابر -﵁-، الذي ذكرناه في الكتاب.","vol":"2","page":685},{"text":"صدري لذلك.\nوكذلك لما قاتل أبو بكر الصديق -﵁- مانعي الزكاة، فراجعه عمر -﵁- في ذلك فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا؛ كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعها. قال عمر -﵁-: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر -﵁- بالقتال؛ فعرفت أنه الحق. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1026>مسألة [٤]: حكم تكرار صلاة الاستخارة</span>.\nقَالَ الإِمَامُ الشَّوكانيُّ -﵀- في «النَّيلِ» (بَابُ صَلاةِ الاسْتِخَارة): \"وَهَلْ يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: الظَّاهِرُ الِاسْتِحْبَابُ. وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ تَكْرَارِ الِاسْتِخَارَةِ سَبْعًا، رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «إذَا هَمَمْت بِأَمْرٍ فَاسْتَخِرْ رَبَّكَ فِيهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى الَّذِي يَسْبِقُ إلَى قَلْبِك فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيهِ»، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «الْأَذْكَارِ»: إسْنَادُهُ غَرِيبٌ؛ فِيهِ مَنْ لَا أَعْرِفهُمْ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: كُلُّهُمْ مَعْرُوفُونَ وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ مَعْرُوفٌ بِالضَّعْفِ الشَّدِيدِ وَهُوَ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي «الضُّعَفَاءِ» الْعُقَيْلِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ عَدِيٍّ، وَالْأَزْدِيُّ.\nقَالَ الْعُقَيْلِيُّ: يُحَدِّثُ عَنْ الثِّقَاتِ بِالْبَوَاطِيلِ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: شَيْخٌ كَانَ يَدُورُ بِالشَّامِ يُحَدِّثُ عَنْ الثِّقَاتِ بِالْمَوْضُوعَاتِ، لَا يَجُوزُ ذِكْرُهُ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْقَدْحِ فِيهِ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَوْصِلِيِّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ","vol":"2","page":686},{"text":"ابْنُ حِبَّانَ بْنِ النَّجَّارِ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ النجار، عَنْ أَنَسٍ فَكَأَنَّهُ دَلَّسَهُ وَسَمَّاهُ النَّجَّارَ لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: فَالْحَدِيثُ عَلَى هَذَا سَاقِطٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ.\nنَعَمْ قَدْ يُسْتَدَلُّ لِلتَّكْرَارِ بِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا؛ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ تَكْرَارَ الدُّعَاءِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ، فَالدُّعَاءُ الَّذِي تُسَنَّ الصَّلَاة لَهُ تُكَرَّرُ الصَّلَاةُ لَهُ كَالِاسْتِسْقَاءِ\".اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ويستدل على مشروعية تكرار الاستخارة بحديث عبد الله بن الزبير في «صحيح مسلم» (١٣٣٣) لما أراد أن يعيد بناء الكعبة، قال: لو كان أحدكم احترق بيته، ما رضي حتى يجده، فكيف بيت ربكم؟ إني مستخير ربي ثلاثا، ثم عازم على أمري. فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1027>مسألة [٥]: دعاء الاستخارة يكون بعد صلاة ركعتين:</span>\nقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ -﵀- في «الفَتْحِ» (٦٣٨٢): \"قَوْلُهُ: «فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» يُقَيِّدُ مُطْلَقَ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ حَيْثُ قَالَ: «صَلِّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكَ»، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَيَكُونُ ذِكْرُهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى؛ فَلَوْ صَلَّى أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَجْزَأَ.\nوَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كل رَكْعَتَيْنِ ليحصل مُسَمّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَا يجزئ لَوْ صَلَّى أَرْبَعًا مَثَلًا بِتَسْلِيمَةٍ وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ يُشْعِرُ بِالْإِجْزَاءِ\".اهـ\nوقَالَ الإِمَامُ الشَّوكاني -﵀- في «النَّيلِ» (بَابُ صَلاةِ الاسْتِخَارة): \"قَوْلُهُ: «فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» فِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الِاسْتِخَارَةِ كَوْنُهَا رَكْعَتَيْنِ فَلَا تُجْزِئُ الرَّكْعَةُ","vol":"2","page":687},{"text":"الْوَاحِدَةُ، وَهَلْ يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّي أَرْبَعًا أَوْ أَكْثَر بِتَسْلِيمَةٍ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يُجْزِئُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ: «ثُمَّ صَلِّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَك» فَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَضُرُّ الزِّيَادَةُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ فِي قَوْلِهِ: «فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ\".اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: حديث أبي أيوب حديث ضعيف، أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٣)، وابن خزيمة (١٢٢٠)، وابن حبان (٤٠٤٠)، والطبراني (٣٩٠١)، والحاكم (١/ ٣١٤)، والبيهقي (٧/ ١٤٧) من طريق الوليد بن أبي الوليد، عن أيوب بن خالد بن أبي أيوب الأنصاري، عن أبيه، عن جده أبي أيوب، به.\nوهذا إسناد ضعيف؛ أيوب بن خالد فيه ضعف، وأبوه خالد بن أبي أيوب مجهول.\nوعليه فيعمل بظاهر حديث جابر -﵁-، فيصلي ركعتين، ثم يدعو عقبها، وأما الركعة الواحدة فلا يجزئ الاستخارة بعدها، وإذا زاد على الركعتين؛ فلا نستطيع الجزم بعدم الإجزاء، ولكن يخشى من ذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1028>مسألة [٦]: هل يشرع جعل الاستخارة عقب ركعتين من الرواتب</span>؟\n• قَالَ الإِمَامُ الشَّوكاني -﵀- في «النَّيلِ» (بَابُ صَلاةِ الاسْتِخَارة): \"قَوْلُهُ: «مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ» فِيهِ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ التَّسَنُّنُ بِوُقُوعِ الدُّعَاءِ بَعْد صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ، وَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّوَافِلِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «الْأَذْكَارِ»: إنَّهُ يَحْصُلُ التَّسَنُّنُ بِذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ - ﷺ - إنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ بَعْدَ حُصُولِ الْهَمّ بِالْأَمْرِ","vol":"2","page":688},{"text":"فَإِذَا صَلَّى رَاتِبَةً أَوْ فَرِيضَةً ثُمَّ هَمَّ بِأَمْرٍ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَمْ يَحْصُلْ بِذَلِكَ الْإِتْيَانُ بِالصَّلَاةِ الْمَسْنُونَةِ عِنْدَ الِاسْتِخَارَةِ.\nقَالَ الْعِرَاقِيُّ: إنْ كَانَ هَمَّهُ بِالْأَمْرِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الرَّاتِبَةِ وَنَحْوِهَا ثُمَّ صَلَّى مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الِاسْتِخَارَةِ وَبَدَا لَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْإِتْيَانُ بِدُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ فَالظَّاهِرُ حُصُولُ ذَلِكَ\".اهـ\nقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ -﵀- في «الفَتْحِ» (٦٣٨٢): \"وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «الْأَذْكَارِ» لَوْ دَعَا بِدُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ عَقِبَ رَاتِبَةِ صَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا أَوْ غَيْرِهَا مِنَ النَّوَافِلِ الرَّاتِبَةِ وَالْمُطْلَقَةِ سَوَاءٌ اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَجْزَأَ. كَذَا أَطْلَقَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ نَوَى تِلْكَ الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا وَصَلَاةَ الِاسْتِخَارَةِ مَعًا أَجْزَأَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَنْوِ وَيُفَارِقْ صَلَاةَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا شَغْلُ الْبُقْعَةِ بِالدُّعَاءِ، وَالْمُرَادُ بِصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ أَنْ يَقَعَ الدُّعَاءُ عَقِبَهَا أَوْ فِيهَا وَيَبْعُدُ الْإِجْزَاءُ لِمَنْ عَرَضَ لَهُ الطَّلَبُ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْخَبَرِ أَنْ تَقَعَ الصَّلَاةُ وَالدُّعَاءُ بَعْدَ وُجُودِ إِرَادَةِ الْأَمْرِ\".اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الظاهر لي -والله أعلم- مشروعية الاستخارة عقب كل ركعتين من غير الفريضة، ولكن الأمر على ما ذكره العراقي -﵀-؛ فلا يشرع حتى ينوي ذلك؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات».","vol":"2","page":689},{"text":"بَابُ صَلاةِ الجَمَاعَةِ وَالإِمَامَةِ\nكِتَابُ الصَّلَاةِ\n\nفتح العلام\nفي دراسة أحاديث بلوغ المرام\nحديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\nتأليف\nأبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني\nفي دار الحديث بدماج\n\nالجزء الثالث\nتابع كتاب الصلاة\n\nصَلاةِ الجَمَاعَةِ وَالإِمَامَةِ - صَلاةِ المُسَافِرِ وَالمَرِيضِ - صَلاةِ الجُمُعَةِ - صَلاةِ الخَوْفِ صَلاةِ العِيدَيْنِ- صَلاةِ الكُسُوفِ- صَلاةِ الاسْتِسْقَاءِ- اللّبَاسِ- كِتَابُ الجَنَائِزِ","vol":"3","page":1},{"text":"كِتَابُ الصَّلاةِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1029>بَابُ صَلاةِ الجَمَاعَةِ وَالإِمَامَةِ</span>\n٣٨٣ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الفَذِّ (^١) بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n٣٨٤ - وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا. (^٣)\n\n٣٨٥ - وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ: دَرَجَةً. (^٤)\nالجمع بين هذه الأحاديث:\nذكر أهل العلم أقوالًا في الجمع بين قوله: «سَبْعٍ وَعِشْرِينَ»، و«خَمْسٍ وَعِشْرِينَ»، أقواها ثلاثة أقوال:\nالأول: ذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في كل وقت ما أعلمه الله، وأوحاه إليه من الفضل، فبلغه كما أُوحِيَ إليه، وكان قد أُوحِي إليه أنَّ صلاة الجماعة تَفْضُلُ على صلاة الفَذِّ بخمس وعشرين، والعدد لا مفهوم له عند كثير من العلماء، ثم أُوحِي إليه زيادة على ذلك.\n_________\n(^١) في «النهاية»: الفذُّ: الواحد.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٥)، ومسلم (٦٥٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٤٨)، ومسلم (٦٤٩).\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (٦٤٦).","vol":"3","page":5},{"text":"الثاني: صلاة الجماعة يتفاوت ثوابها في نفسها، وذلك بإقامة حقوقها، وخشوعها.\nالثالث: صلاة الجماعة يتفاوت ثوابها بما تقترن به من الخشوع، والمشي إلى المسجد، وكثرة الجماعة فيه، وكون المشي على طهارة، والتبكير إلى المسجد، والمسابقة إلى الصف الأول ... .\nوهذا القول استظهره الحافظ ابن رجب -﵀-، وهو يشمل القول الذي قبله وزيادة.\nثم وقفت على قول رابع في الجمع بينهما:\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٢٢٢): وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا: بِأَنَّ حَدِيثَ الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ ذُكِرَ فِيهِ الْفَضْلُ الَّذِي بَيْنَ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ وَالصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَالْفَضْلُ: خَمْسُ وَعِشْرُونَ، وَحَدِيثُ السَّبْعَةِ وَالْعِشْرِينَ ذُكِرَ فِيهِ صَلَاتُهُ مُنْفَرِدًا وَصَلَاتُهُ فِي الْجَمَاعَةِ، وَالْفَضْلُ بَيْنَهُمَا؛ فَصَارَ الْمَجْمُوعُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ. اهـ. (^١)\nفائدة: قال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤/ ٣٠): والمراد بهذه الأجزاء، والأضعاف، والدرج معنى واحد والله أعلم وهو أنَّ صلاة الفذ لها ثواب مقدَّر معلوم عند الله، تزيد صلاة الجماعة على ثواب صلاة الفذ خمسة، وعشرين، أو سبعة وعشرين. اهـ.\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٦٤٥،٦٤٧)، ولابن حجر (٦٤٥، ٦٤٧) ..","vol":"3","page":6},{"text":"٣٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ (^١) حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ العِشَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^٢)\n\n٣٨٧ - وَعَنْهُ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ: صَلَاةُ العِشَاءِ وَصَلَاةُ الفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا».مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\nفائدة: قال الحافظ ابن رجب -﵀- في شرح هذا الحديث: وإنما ثَقُلَتْ هاتان الصلاتان فِي المساجد عَلَى المنافقين أكثر من غيرهما من الصلوات؛ لأن المنافقين كما وصفهم الله فِي القرآن: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٤٢]، والمرائي إنما ينشط للعمل إذا رآه النَّاس، فإذا لَمْ يشاهدوه ثَقُلَ عَلِيهِ العمل، وقد كَانَ النَّبِيّ - ﷺ - يُصلِّي هاتين الصلاتين فِي الظلام؛ فإنه كَانَ يغلس بالفجر غالبًا، ويؤخر العشاء الآخرة، ولم يكن فِي مسجده حينئذ مصباح ...، وأيضًا؛ فالمشي إلى المساجد فِي هذين الوقتين أشق؛ لما فِيهِ من المشي فِي الظُّلَمِ. اهـ\n_________\n(^١) العَرْق: هو العظم إذا كان عليه لحم. والمرماتين: تثنية مِرماة، قيل: ما بين ظلفي الشاة من اللحم، وقيل: سهم يتعلم به الرماية، وقيل غير ذلك. انظر: «الفتح».\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٤)، ومسلم (٦٥١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٥٧)، ومسلم (٦٥١) (٢٥٢).","vol":"3","page":7},{"text":"٣٨٨ - وَعَنْهُ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلَى المَسْجِدِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَجِبْ». رَوَاهُ مُسْلِم. (^١)\n\n٣٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَهُ. (^٢)\n\n٣٩٠ - وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ -﵁- أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، إذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا، فَدَعَا بِهِمَا، فَجِيءَ بِهِمَا تَرْعُدُ فَرَائِصُهُمَا (^٣)، فَقَالَ لَهُمَا: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟» قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٦٥٣).\n(^٢) الراجح وقفه. أخرجه ابن ماجه (٧٩٣)، والدارقطني (١/ ٤٢٠)، والحاكم (١/ ٢٤٥)، وابن حبان (٢٠٦٤)، من طريق هشيم عن شعبة عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وإسناده ظاهره الصحة، ولكن أكثر أصحاب شعبة يروونه موقوفًا على ابن عباس، ورجح الموقوف جماعة من الحفاظ، منهم: أحمد وغيره.\n\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وخرجه أبو داود مرفوعًا أيضًا من رِوَايَة أَبِي جناب الكلبي عَن مغراء، عَن عدي بْن ثابت، بِهِ. وأبو جناب، ليس بالقوي، وقد اختلف عَلِيهِ أيضًا فِي رفعه ووقفه.\nوروي أبو بَكْر بْن عياش، عَن أَبِي حصين، عَن أَبِي بردة، عَن أَبِي موسى، عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ: «من سَمِعَ النداء فارغًا صحيحًا فَلَمْ يجب فلا صلاة لَهُ». خرجه الحَاكِم، وصححه.\nوقد اختلف عَلَى أبي بَكْر بْن عياش فِي رفعه ووقفه. ورواه قيس بْن الربيع، عَن أَبِي حصين مرفوعًا.\nورواه مِسْعَر وغيره عَن أَبِي حصين موقوفًا. والموقوف أصح، قَالَه البيهقي وغيره. انظر: «الفتح» لابن رجب [باب (٢٩) من كتاب الأذان].\n(^٣) الفرائص: جمع فريصة، وهو اللحم الذي بين الكتف والصدر. «لسان العرب».","vol":"3","page":8},{"text":"قَالَ: «فَلَا تَفْعَلَا، إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَدْرَكْتُم الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ فَصَلِّيَا مَعَهُ؛ فَإِنَّهَا لَكُم نَافِلَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالتِّرْمِذِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1030>مسألة [١]: حكم صلاة الجماعة</span>.\n• في هذه المسألة أربعة أقوال:\nالقول الأول: واجبة عينيًّا على كل رجلٍ، وهو قول الحسن، وعطاء، وأحمد، وأبي ثور، وإسحاق، والأوزاعي، والثوري، والفضيل بن عياض، والبخاري، وعامة فقهاء الحديث، منهم: ابن خزيمة، وابن المنذر، ورجح ذلك شيخ الإسلام -﵀-.\nواستدل أهل هذا القول بأحاديث أبي هريرة التي في الباب، وبحديث ابن مسعود -﵁- في «صحيح مسلم» (٦٥٤)، قال: من سرَّه أن يلقى الله تعالى غدًا مسلمًا؛ فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادَى بهنَّ؛ فإنَّ الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته؛ لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادى بين\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٦٠ - ١٦١)، والنسائي (٢/ ١١٢)، وأبوداود (٥٧٥) (٥٧٦)، والترمذي (٢١٩)، وابن حبان (١٥٦٤) (١٥٦٥)، من طرق عن يعلى بن عطاء، قال: سمعت جابر بن يزيد بن الأسود السوائي، يحدث عن أبيه ... ذكره. وإسناده صحيح، رجاله ثقات. وصححه شيخنا الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» برقم (١٢٠٠).","vol":"3","page":9},{"text":"الرجلين حتى يقام في الصَّفِّ.\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] الآية، ولو لم تكن واجبة؛ لرَخَّصَ لهم فيها حالة الخوف، ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها.\nالقول الثاني: واجبة عينيًّا على كل رجلٍ، ولا تصحُّ الصلاة إلا بالجماعة، وهو قول داود الظاهري، وابن حزم، وبعض الحنابلة، واستدلوا بحديث ابن عباس -﵄-، الذي في الباب، وبحديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد».\nالقول الثالث: أنها فرضُ كفاية، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، وعليه جمهور المتقدمين من أصحاب الشافعي، وبعض الحنابلة، وهو قول جماعةٍ من الحنفية، والمالكية، واستدل أهل هذا القول على أنها فرض كفاية بحديث أبي الدرداء: «ما من ثلاثة في بدوٍ، ولا حَضَرٍ لا تُقام فيهم الصلاة؛ إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»، واستدلوا بحديث ابن عمر، وأبي هريرة -﵃-، في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفَذِّ.\nالقول الرابع: أنها سُنَّة مؤكدة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، ووجهٌ عند الشافعية، واستدلوا على أنها سُنَّة بحديث التفضيل لصلاة الجماعة على صلاة الفَذِّ، وبحديث يزيد بن الأسود الذي في الباب.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لقوة أدلته، وقد تأول","vol":"3","page":10},{"text":"المخالف هذه الأدلة بتأويلات مُتَكَلَّفَة لا دليل عليها.\nوأما القول بأنها شرطٌ لصحة الصلاة؛ فهو قول ضعيفٌ، ويرده حديث التفضيل بين صلاة الرجل في الجماعة، وصلاته منفردًا في بيته، وسوقه، وأما حديث ابن عباس -﵄-؛ فهو موقوفٌ عليه، وأما حديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»؛ فهو حديث ضعيفٌ لا يثبت (^١)، ومع التسليم بصحة الحديثين، فيكون النفي للكمال لا للصحة جمعًا بينها وبين حديث التفضيل.\nوأما القول بأنه فرض كفاية؛ فيرده حديث الأعمى؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُرخِّصْ له في التخلف، وكذلك لا دليل على حمل الأدلة الموجبة لحضور الجماعة على ذلك، وأما حديث: «ما من ثلاثة في بدوٍ ...»؛ فهو حديث ضعيفٌ، أخرجه أبو داود برقم (٥٤٧)، وفي إسناده: السائب بن حُبيش، وفيه ضعفٌ، ومع ذلك فهو يدل على الوجوب العيني.\nوأما حديث التفضيل فإنما يدل على صحة صلاة المنفرد، وذكر الفضيلة لا يدل على عدم الوجوب.\nوأما حديث يزيد بن الأسود؛ فهي واقعةُ عينٍ تحتمل التأويل، فقد كانوا في سفر؛ لأنَّ هذه الصلاة كانت بمسجد الخِيْف بِمِنَى كما في ألفاظ الحديث؛ فيحتمل أنهم ما علموا وجوبها على المسافر، أو كانت رحالهم بعيدة، فَظَنَّا أنهما\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (١/ ٤٢٠)، والحاكم (١/ ٢٤٦)، والبيهقي (٣/ ٥٧)، وفي إسناده: سليمان بن داود اليمامي، وهو ضعيف جدًّا.\nوقد ضعفه الإمام الألباني -﵀- في «الضعيفة» برقم (١٨٣).","vol":"3","page":11},{"text":"لن يدركا الجماعة مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا تُتْرَك الأدلة القوية في وجوب الجماعة لدليل محتمل، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1031>مسألة [٢]: هل تجب صلاة الجماعة في المسجد</span>؟\n• عن أحمد في هذه المسألة روايتان، واختار كثير من أصحابه أنه يُشرع أن تُصَلَّى الجماعة في البيت.\n• وذهب بعض أصحابه إلى وجوبها في المسجد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، والشيخ ابن باز، والسعدي، والشيخ ابن عثيمين، رحمهم الله تعالى.\nوهذا القول هو الصواب؛ لحديث الأعمى، وحديث الهَمِّ بالتحريق، ولما رواه مسلم في «صحيحه» (٦٥٤) عن ابن مسعود -﵁- قال: «من سره أن يلقى الله غدا مسلما، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن؛ فإن الله شرع لنبيكم - ﷺ - سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٥ -)، «المجموع» (٤/ ١٨٩)، «الفتح» لابن رجب (٤/ ٧ -)، «الفتح» لابن حجر [باب (٢٩) من كتاب الأذان]، «الأوسط» (٤/ ١٣٤ -)، «عبد الرزاق» (١/ ٤٩٦ -)، «شيبة» (١/ ٣٤٥ -).","vol":"3","page":12},{"text":"الرجلين حتى يقام في الصف».\nوأخرج ابن المنذر (٤/ ١٣٤) بإسناد صحيح عن ابن عمر -﵄-، قال: كنا من فقدناه في صلاة العشاء والفجر؛ أسأنا به الظن. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1032>مسألة [٣]: إذا صلى الفريضة، ثم دخل المسجد فوجدهم يصلونها، فهل يعيدها</span>؟\n• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى استحباب إعادة الفريضة، أيًّا كانت، وهو قول الحسن، وأبي ثور، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وغيرهم، واستدلوا على ذلك بحديث يزيد بن الأسود الذي في الباب.\n• وذهب مالك، والثوري، والأوزاعي إلى استحباب إعادة الصلوات كلها؛ إلا المغرب، حتى لا يتنفل بوتر.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ الفجر، والعصر، والمغرب لا تُعاد.\n• وذهب ابن عمر -﵄- (^٢)، والنخعي إلى أنَّ الصبح، والمغرب لا تُعاد.\nقلتُ: والصواب هو القول الأول؛ لحديث يزيد بن الأسود؛ فإنه عامٌّ يشمل جميع الصلوات. (^٣)\nفائدة: قد يظن أنَّ حديث يزيد بن الأسود الذي في الباب يتعارض مع حديث\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٨)، «الفتح» لابن رجب (٦٤٤)، «غاية المرام» (٦/ ٣٧ - ٣٨)، «الشرح الممتع» (٤/ ٢١١)، «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٢٥٤ -).\n(^٢) أخرجه عبدالرزاق (٢/ ٤٢٢) بإسناد صحيح.\n(^٣) انظر: «المغني» (٢/ ٥١٩)، «الشرح الممتع» (٤/ ٢٢٢).","vol":"3","page":13},{"text":"ابن عمر -﵄- عند أبي داود (٥٧٩)، والنسائي (٢/ ١١٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تصلوا صلاة في يوم مرتين».\nوقد أجاب عن ذلك شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٢٦٠)، فقال: أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ فِي الْإِعَادَةِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَأَنَّهُ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْصِدَ إعَادَةَ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِي الْإِعَادَةَ؛ إذْ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لِلصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ كَانَ يُمْكِنُ الْإِنْسَانَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ مَرَّاتٍ، وَالْعَصْرَ مَرَّاتٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا لَا رَيْبَ فِي كَرَاهَتِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ الْأَسْوَدِ: فَهُوَ إعَادَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِسَبَبِ اقْتَضَى الْإِعَادَةَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ؛ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ»، فَسَبَبُ الْإِعَادَةِ هُنَا: حُضُورُ الْجَمَاعَةِ الرَّاتِبَةِ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَلَّى ثُمَّ حَضَرَ جَمَاعَةً رَاتِبَةً أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُمْ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1033>مسألة [٤]: إذا أعاد المغرب، فهل يشفعها بركعة</span>؟\n• ذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق إلى أنه يشفعها حتى لا يتطوع بوتر، وجاء ذلك عن علي -﵁-، ولم يثبت عنه؛ أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٧٦)، وفي إسناده الحارث الأعور، وقد كذب.\nوجاء عن حذيفة -﵁-، أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٧٦)، وعبد الرزاق (٢/ ٤٢١ -)، بإسنادين أحدهما: فيه جابر الجعفي، وهو متروك. والثاني: فيه ليث ابن أبي سليم، وهو ضعيف مختلط.","vol":"3","page":14},{"text":"• وذهب أحمد في رواية، واختارها بعض الحنابلة إلى أنه يصليها كما هي بدون أن يشفعها، وهو قول الشافعية.\nوهذا القول هو الصحيح، ويدل عليه حديث يزيد بن الأسود -﵁-، وصحح هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1034>مسألة [٥]: هل تجب الإعادة</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى إيجاب الإعادة، وهو قول بعض الحنابلة، وذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ الإعادة مستحبَّة غير واجبة؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث يزيد بن الأسود: «فإنها لكما نافلة». (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1035>مسألة [٦]: إذا أعاد الصلاة، فأيهما فرضه</span>؟\n• ذهب أحمد، وإسحاق، والشافعي، والثوري، وغيرهم، إلى أنَّ الأولى هي فرضه؛ لحديث يزيد بن الأسود الذي في الباب، وثبت هذا القول عن ابن عمر -﵄-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٥٧٢)، وأخرجه أيضًا عن علي -﵁-، ولم يثبت عنه؛ ففي إسناده الحارث الأعور، وقد كذب.\n• وذهب سعيد بن المسيب، وعطاء، والشعبي إلى أنَّ الثانية فرضه، وقد جاء في ذلك حديث في «سنن أبي داود» (٥٧٧)، من حديث يزيد بن الأسود، ولفظه: «فصَلِّ معهم تَكُنْ لك نافلة وهذه مكتوبة»، وهو حديث ضعيفٌ؛ فيه: نوح بن\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٢١)، «الشرح الممتع» (٤/ ٢٢٢)، «المجموع» (٤/ ٢٢٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٢/ ٥٢٣)، «المجموع» (٤/ ٢٢٣).","vol":"3","page":15},{"text":"صعصعة وهو مجهول وقد خالفه الثقات في لفظ الحديث والصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1036>مسألة [٧]: اختلاف نية الإمام والمأموم في التنفل والافتراض</span>.\n• قال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٢٧١): ذكرنا أن مذهبنا جواز صلاة المتنفل والمفترض خلف متنفل ومفترض في فرض آخر، وحكاه ابن المنذر عن طاوس، وعطاء، والأوزاعي، وأحمد، وأبي ثور، وسليمان بن حرب. قال: وبه أقول. وهو مذهب داود.\nوقالت طائفة: لا يجوز نفل خلف فرض ولا فرض خلف نفل، ولا خلف فرض آخر. قاله الحسن البصري، والزهري، ويحيي بن سعيد الأنصاري، وربيعة، وأبو قلابة، وهو رواية عن مالك.\nوقال الثوري، وأبو حنيفة: لا يجوز الفرض خلف نفل ولا فرض آخر، ويجوز النفل خلف فرض. وَرُوي عن مالك مثله. واحتج لمن منع بقوله - ﷺ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به».اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول من يُجيزُ صلاة المتنفل خلف المفترض، والعكس، وصلاة المفترض خلف إنسان في فريضة أخرى، ويدل على جواز صلاة المتنفل خلف المفترض حديث يزيد بن الأسود الذي في الباب، وحديث أبي سعيد أن رجلًا دخل المسجد بعدما صلَّى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال النبي\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٢٢).","vol":"3","page":16},{"text":"-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من يتصدق على هذا، فيصلي معه ...» (^١) الحديث.\nويدل على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل حديث معاذ أنه كان يصلي خلف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم. (^٢)\nوحديث صلاة الخوف، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى بطائفة من أصحابه ركعتين، ثم سلَّمَ، ثم صلَّى بطائفة من أصحابه ركعتين، ثم سلَّمَ. (^٣)\nوهذه الأدلة تدل على جواز اختلاف نية الإمام، والمأموم؛ وعليه فتجوز صلاة المفترض خلف مفترض في صلاة أخرى.\nوأما الجواب عن حديث: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به»، فهو: أنَّ المراد ليؤتم به في الأفعال الظاهرة أعني الأركان، لا في النية؛ ولهذا قال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإذا كبَّر؛ فكبروا، وإذا ركع؛ فاركعوا، وإذا سجد؛ فاسجدوا ...» الحديث.\nثم رأيت شيخ الإسلام -﵀- يرجح ذلك كما في مواضع كثيرة من «مجموع الفتاوى» منها (٢٣/ ٣٨٣ -،٢٤٧ -،٢٦٢) حتى إنه أجاز صلاة العشاء خلف من يصلي التراويح كما في (٢٣/ ٣٨٦) وأجاز صلاة الفجر أن تصلَّى خلف من يصلي الظهر على مذهب الشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى كما في (٢٣/ ٣٩١). (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣/ ٥)، وأبو داود (٥٧٤) بإسناد صحيح.\n(^٢) هو قطعة من الحديث الآتي برقم (٣٩٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (٥/ ١٩، ٤٩)، وأبو داود (١٢٤٨)، والنسائي (٢/ ١٠٣)، من حديث أبي بكرة -﵁-، وإسناده حسن.\n(^٤) وانظر: «المجموع» (٤/ ٢٧١ - ٢٧٢)، «المغني» (٣/ ٦٧ - ٦٨)، «الأوسط» (٤/ ٢١٨).","vol":"3","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1037>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1038>مسألة [١]: الجماعة الثانية في مسجد قد صُلِّيَ فيه</span>.\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى كراهة ذلك، وهو قول سالم، وأبي قلابة، وحكاه بعضهم عن سعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، والضحاك، والقاسم، والزهري، والليث، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، ومالك، وحكاه الترمذي عن ابن المبارك، والشافعي، وقد جاء عن ابن مسعود أنه جاء إلى المسجد، فوجدهم قد صلَّوا، فرجع إلى منزله، فصلَّى بالأسود، وعلقمة في بيته. أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٤٠٩)، وهو من طريق: حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، وفي روايته عنه ضعفٌ، كما في «التهذيب»، وأخرج ابن أبي شيبة (٢/ ٣٢٣) عن الحسن، أنه قال: كان أصحاب محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا دخلوا المسجد، وقد صُلِّيَ فيه، صلَّوا فُرادى، وفي إسناده: أبو هلال محمد بن سليم الرَّاسبي، مُختلفٌ فيه، والرَّاجح ضعفُه، وأخرج الطبراني في «الأوسط» (٤٥٩٨) من حديث أبي بكرة -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجد الناس قد صلَّوا، فمال إلى منزله، فجمع أهله، فصلَّى بهم. وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: معاوية بن يحيى الأطرابلسي الدمشقي، وهو حسن الحديث له مناكير، وهذا الحديث منها كما في «الكامل» و«الميزان».","vol":"3","page":18},{"text":"قال ابن رجب -﵀-: وذهب أكثر العلماء إلى جواز إعادة الجماعة في المساجد في الجملة، كما فعله أنس بن مالك، منهم: عطاء، وقتادة، ومكحول، وهو قول إسحاق، وأبي يوسف، ومحمد، وداود، واختلف فيه عن الحسن، والنخعي، فرُوي عنهما كالقولين، وهي رواية عن أحمد. اهـ\nواستدل هؤلاء بحديث أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: جاء رجلٌ وقد صلَّى رسول الله - ﷺ -، فقال: أيكم يتجر على هذا؟ فقام رجلٌ فصلَّى معه. أخرجه أحمد (٣/ ٥)، وأبو داود (٥٧٤)، واللفظ لأحمد، وهو حديث صحيح.\nوهذا القول هو الصواب؛ لصحة دليله، وهو اختيار الإمام ابن باز، والإمام العثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم.\nوأما أهل القول الأول فدليلهم ضعيفٌ، واستند أهل ذلك القول إلى أنَّ هذا العمل يُكره؛ لكونه ذريعة لتخلف بعض من يخرجون على الأئمة، فلا يرون الصلاة معهم، بل يُصَلُّون جماعة أخرى.\nويُجاب عنه: بأنَّ فضيلة الجماعة لا تُتْرَكُ لمثل هذا الأمر، والله أعلم.\nتنبيه: الخلاف المتقدم فيما إذا كان للمسجد إمام راتبٌ، وأما إذا لم يكن للمسجد إمام راتبٌ؛ فلا يُكره إعادة الجماعة فيه عند أحد من العلماء؛ خلا الليث بن سعد؛ فإنه كره الإعادة فيه أيضًا. قاله الحافظ ابن رجب -﵀-.اهـ. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٤/ ٢٣ -) لابن رجب، «المغني» (٣/ ١٠)، «تمام المنة» (ص ١٥٥ -)، «فتاوى اللجنة» (٧/ ٣٠٩)، «فتاوى العثيمين» (١٥/ ٨٤ -).","vol":"3","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1039>مسألة [٢]: من فاتته الجمعة؛ فهل يصلي الظهر جماعة في المسجد</span>؟\n• كره بعض أهل العلم أن يصلوا الظهر جماعة في المسجد؛ لأنَّ في إظهار ذلك افتئاتًا على الأئمة، ويتستر به أهل البدع إلى أن يتركوا الجمعة، ويصلوا الظهر في المسجد كسائر الأيام، وممن كره ذلك: الحسن، وأبو قلابة، وهو قول أبي حنيفة.\n• وكرهه أحمد إذا كثروا.\n• وَرُوِيَتِ الرُّخصة فيه عن ابن مسعود، وإياس بن معاوية (^١)، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nقلتُ: وهذا القول هو الصواب، ولا تترك فضيلة الجماعة لفعل أهل البدع، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1040>مسألة [٣]: إذا صلوا جماعة أخرى، فهل يبتدئون بالسنة الراتبة، أم الفرض</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنهم يبتدئون بالسنة الراتبة، ثم يصلون الفرض جماعة، وصحَّ عن أنس -﵁-، أنه فعل ذلك (^٣)، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية.\n_________\n(^١) أثر ابن مسعود لم أجده، وأما أثر إياس بن معاوية فأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٣٥) عنه بإسناد صحيح.\n(^٢) وانظر: «الفتح» (٤/ ٢٦ - ٢٧) لابن رجب -﵀-.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٢١)، وعبد الرزاق (٢/ ٢٩١)، وابن المنذر (٤/ ٢١٥) من طريقه. وإسناد ابن أبي شيبة صحيح، وإسناد عبد الرزاق حسن.","vol":"3","page":20},{"text":"• وذهب جماعة من أهل العلم إلى الابتداء بالفريضة، وهو قول الشعبي، والنخعي، وعطاء، والثوري، والليث، وأحمد في رواية، واستثنى الحسن ركعتي الفجر، ورُوي هذا القول عن ابن عمر -﵄-، بسند ضعيفٍ، فيه رجلٌ مبهم.\nقال أبو عبدالله غفر الله له: القول الأول هو الصحيح، ولكن إن خشي أن يأتي أناس آخرون، ويقيمون جماعة، وهو يصلي الراتبة؛ فلا بأس أن يبدؤوا بالفريضة، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٤/ ٢٧ - ٢٨) لابن رجب -﵀-.","vol":"3","page":21},{"text":"٣٩١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد (^١)، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1041>مسألة [١]: هل يُشترط لصحة الجماعة أن ينوي المؤتمون الائتمام</span>؟\nلا خَلافَ عند الشافعية والحنابلة في اشتراط ذلك، وهو الصحيح؛ لحديث «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به»، وحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، ثم رأيته مذهب المالكية والحنفية أيضًا. (^٣)\n_________\n(^١) صحيح دون بعض الزيادات. أخرجه أبوداود (٦٠٣)، من طريق مصعب بن محمد عن أبي صالح عن أبي هريرة به. وإسناده حسن؛ لأن مصعبًا حسن الحديث، وقد خالفه الأعمش وسهيل وزيد ابن أسلم، فرووا الحديث عن أبي صالح بدون ذكر الزيادات: «ولا تكبروا حتى يكبر» «ولا تركعوا حتى يركع» «ولا تسجدوا حتى يسجد»، وروى هذا الحديث عن أبي هريرة جمعٌ بدون هذه الزيادات، وهم: أبوسلمة وهمام والأعرج وعجلان وأبوعلقمة وأبو يونس مولى أبي هريرة وغيرهم. وانظر: «المسند الجامع» (١٦/ ٧٣٦) وما بعدها.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٧٢٢)، ومسلم برقم (٤١٤) بدون الزيادات المتقدمة.\n(^٣) وانظر: «المجموع» (٤/ ٢٠٠)، «المغني» (٣/ ٧٣)، «الإنصاف» (٢/ ٢٥)، «المدخل لابن الحاج المالكي» (٢/ ٢٧٤)، «شرح مختصر خليل للخرشي» (٢/ ٣٨)، «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (١/ ٤٢٤)، «البناية شرح الهداية» (٢/ ١٤٢).","vol":"3","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1042>مسألة [٢]: هل يُشترَط أن ينوي الإمام الإمامة</span>؟\n• المشهور عند الشافعية أنه لا يُشترط، وبه قال مالك، وأحمد في رواية، وآخرون.\n• وذهب الأوزاعي، والثوري، وإسحاق إلى وجوب النية، وهو رواية عن أحمد.\n• وقال أبو حنيفة وصاحباه: إنْ صلَّى بِرَجُلٍ لم تجبْ النية، وإنْ صلَّى بامرأة وجبتْ.\nقال أبو عبدالله غفر الله له: الصواب هو القول الأول؛ لما أخرجه مسلم في «صحيحه» (١١٠٤)، من حديث أنس بن مالك -﵁-، قال: كان رسول الله - ﷺ - يُصلي في رمضان، فجئتُ، فقمتُ إلى جَنْبِهِ، وجاء رجلٌ آخر، فقام أيضًا حتى كُنَّا رهطًا، فلما أحسَّ أنَّا خلفه، جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رَحْلَه ... الحديث. وهذا القول رجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1043>مسألة [٣]: إذا نوى الإمام الإمامة ولم ينو المأموم الائتمام</span>؟\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٢/ ٣٠٠): الصورة الخامسة: أن ينوي الإمام الإمامة دون المأموم، كرجل جاء إلى جنب رجل، وكبر،\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٢٠٣)، «المدخل لابن الحاج المالكي» (٢/ ٢٧٤)، «شرح مختصر خليل للخرشي» (٢/ ٣٨)، «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (١/ ٤٢٤)، «البناية شرح الهداية» (٢/ ١٤٢).","vol":"3","page":23},{"text":"فظن الأول أنه يريد أن يكون مأمومًا به، فنوى الإمامة، وهذا الرجل لم ينو الائتمام، فهنا لا يحصل ثواب الجماعة لا للإمام، ولا للمأموم؛ لأنه ليس هناك جماعة، فالمأموم لم يأتم بالإمام، ولا اقتدى به، والإمام نوى الإمامة، لكن بغير أحد، فلا يحصل ثواب الجماعة من غير أن يكون هناك جماعة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1044>مسألة [٤]: إذا أحرم منفردًا، ثم نوى الائتمام في الصلاة</span>؟\n• في هذه المسألة خلافٌ عند الشافعية، وهما روايتان عن أحمد، في الصِّحَّةِ وعدمها، والصواب الجواز، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1045>مسألة [٥]: إذا أحرم منفردًا، ثم نوى الإمامة</span>؟\n• في هذه المسألة روايتان عن الإمام أحمد، الرواية الأولى: جواز ذلك بالنَّفل دون الفرض، واختارها أكثر أصحابه.\n• والرواية الثانية: جواز ذلك في النَّفلِ والفرض، واختار ذلك ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية.\nوالقول الثاني هو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثبت عنه أنه صلَّى النافلة منفردًا، ثم جاء خلفه من يأتم به، فأمهم (^٢)، وما جاز في النافلة؛ جاز في الفريضة، ومن فرَّق فعليه الدليل، وقد رجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٢٦)، «المجموع» (٤/ ٢٠٠)، «الشرح الممتع» (٢/ ٣٠١).\n(^٢) سيأتي الحديث في ذلك في الكتاب برقم (٣٩٣).\n(^٣) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٢٦ - ٢٧)، «الشرح الممتع» (٢/ ٣٠٣).","vol":"3","page":24},{"text":"فائدة: سُئل شيخ الإسلام عمَّا إذا أدرك الرجلُ مع الإمام بعض الصلاة، وقام ليأتي بما فاته، فأتم به آخرون، هل يجوز أم لا؟ فأجاب: إذا أدرك مع الإمام بعضًا، وقام يأتي بما فاته، فأتم به آخرون؛ جاز في أظهر قولي العلماء. «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٨٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1046>مسألة [٦]: إذا انفرد المؤتم وصلى منفردًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «الْمُقْنِع»: فإنْ أحرم مأمومًا، ثم نوى الانفراد لعذر؛ جازَ. قال المرداوي: بلا نزاع.\nثم قال المرداوي: العذر، مثل: تطويل إمامه، أو مرضٍ، أو خوف نعاس، أو شيئ يُفسد صلاته، أو على مال، أو أهل، أو فوات رُفْقَةٍ، ونحوه.\nويدل على الانفراد لعذرٍ حديث معاذ حين طوَّلَ بأصحابه، فانفرد الرجل، وإنْ كان الانفراد بلا عذرٍ، ففيها روايتان عن أحمد، وهما وجهان عند الحنابلة، وهما: الصِّحَّةُ، والبطلان، والأقرب إلى الصواب هو الصِّحَّة، ويأثم على ترك الجماعة إنْ كان فرضًا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1047>مسألة [٧]: إذا تابع إمامًا ولا ينوي الائتمام</span>؟\n• في هذه المسألة وجهان عند الشافعية، والأكثرون على عدم البطلان، وهو الصحيح، ولكن تفوته فضيلة الجماعة، وإنْ كانت واجبة عليه يأثم لتركها،\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٢٨ - ٢٩)، «الشرح الممتع» (٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧).","vol":"3","page":25},{"text":"والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1048>مسألة [٨]: حالات المأموم مع الإمام</span>.\nللمأموم مع إمامه أربع حالات:\n١) المتابعة. ٢) الموافقة. ٣) السَّبق. ٤) الفوات.\nالحالة الأولى: المتابعة.\nوهي المأمور بها، والمشروعة عند جميع أهل العلم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به» كما في الحديث الذي في الباب، ومعنى المتابعة: أنْ يشرع المأموم في أفعال الصلاة فور شروع الإمام، بدون موافقة.\nالحالة الثانية: الموافقة.\nومعناها: أنْ يركع المأموم مع إمامه، ويسجد معه، ويرفع معه.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَيُكْرَهُ فِعْلُهُ مَعَهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُهُ مَعَ أَفْعَالِ الْإِمَامِ.\nثم استدل ابن قدامة -﵀- بحديث البراء بن عازب في «الصحيحين» (^٢)، وفيه: لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ الله - ﷺ - سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ.\nوبحديث أَبِي مُوسَى في «صحيح مسلم» (٤٠٤)، وفيه: «فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ».اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٢٠١).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٩٠)، ومسلم (٤٧٤).","vol":"3","page":26},{"text":"وجاءت رواية عن الإمام مالك بموافقة الجمهور، وقد ذهب ابن حزم الظاهري إلى بطلان صلاته إذا وافق إمامه، وقال به بعض الحنابلة، وقول الجمهور هو الصواب؛ لأنَّ التحريم جاء في حقِّ المسابق كما سيأتي، ويُفهم منها مشروعية المتابعة، والموافقة، ولكن الائتمام الكامل لا يحصل إلا بالمتابعة، فلذلك كره له الموافقة، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: ما تقدَّم من كراهية الجمهور للموافقة إنما هو في الأفعال الظاهرة، كالركوع، والسجود، والقيام، والقعود، وأما الأفعال التي ليست بظاهرة، وكذلك الأقوال في الصلاة؛ فيُشرع فعلها مع الإمام، وقبل الإمام؛ ما خلا تكبيرة الإحرام، والسلام؛ فإنه يقولها بعد الإمام، وقد تقدَّم حكم من كبَّرَ، أو سلَّمَ قبل إمامه في موضعه.\nالحالة الثالثة: السَّبْق.\nوهو أن يركع المأموم، أو يسجد، أو يقوم، أو يقعد قبل إمامه، وهو مُحرَّمٌ عند عامة أهل العلم، بل عدَّه بعضهم من الكبائر.\nويدل على تحريمه حديث أبي هريرة في «الصحيحين» (^٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار».\nوحديث أنس في «مسلم» (٤٢٦) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنِّي إمامكم، فلا\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٠٨)، «الفتح» لابن رجب (٤/ ١٦١ - ١٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٩١)، ومسلم برقم (٤٢٧).","vol":"3","page":27},{"text":"تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف»، وفي «سنن أبي داود» (٦١٩)، عن معاوية -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تبادروني بالركوع، ولا بالسجود ...» الحديث، وإسناده حسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1049>مسألة [٩]: إذا سبق المأموم إمامه متعمدًا</span>؟\nهذه المسألة لها صور:\nالأولى: أن يسبق إمامه بركنين أو أكثر متعمدًا.\n• فمذهب الشافعية، والحنابلة، والظاهرية هو بطلان صلاته بغير خلاف عندهم.\nالثانية: أن يسبق إمامه بركنٍ كاملٍ بأن يركع، ثم يرفع قبل ركوع إمامه، أو يسجد، ثم يرفع قبل سجود إمامه، وما أشبهه.\n• فوجهٌ للشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة هو بطلان الصلاة، وهو مذهب الظاهرية أيضًا.\n• وللحنابلة وجهٌ بعدم البطلان، وهو وجهٌ عند الشافعية.\nالثالثة: أن يسبق إمامه إلى الركن، ثم يتبع الإمام فيدركه في ذلك الركن قبل أن يتمه.\n• فمذهب أكثر العلماء أنها لا تبطل، ويعتد بها إذا اجتمع مع إمامه فيما بعد، قاله ابن رجب.\n• وعن أحمد رواية أنَّ صلاته تبطل، وقيل: إنه ظاهر مذهب أحمد، وهو وجهٌ","vol":"3","page":28},{"text":"عند الحنابلة، وقول الظاهرية، وهو وجهٌ شاذٌّ عند الشافعية، واختار هذا القول الإمام السعدي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما؛ لأنه ارتكب ما حُرِّمَ عليه متعمدًا، وذلك يُبطل الصلاة؛ فإنَّ النهي يقتضي الفساد، وَفِعْلُ المحظور عمدًا في الصلاة يُوجب بطلانها، إذا كان المحظور عائدًا إلى ذات الصلاة، أو شرطها، وهذا القول هو الصواب، وهو الصواب أيضًا في الصورتين الَّلتَيْنِ قبلها والله أعلم.\nواختلف الحنابلة، والشافعية في هذه الصورة الثالثة: هل يجب عليه أن يعود، فيأتي بالركن بعد الإمام، أم لا؟\n• فأكثر الحنابلة، وبعض الشافعية أوجبوا عليه الرجوع، وقالوا: إنْ لم يرجع متعمدًا؛ بَطلت صلاته، وإن كان ساهيًا، أو جاهلًا، لم تبطل.\n• وذهب أكثر الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أنه لا يلزمه الرجوع.\n• وبالغ بعضهم فقالوا: إنْ عاد؛ بطلت صلاته؛ لأنه يزيد ركنًا متعمدًا، وهذا غير صحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1050>مسألة [١٠]: إذا سبق المأموم إمامه ساهيًا</span>؟\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤/ ١٤٣): ولو سَبَقَ الإمامَ سهوًا حتى أدركه إمامه، اعتُدَّ لَهُ بذلك عند أصحابنا، وغيرهم، خلافًا لزُفَر. اهـ\nقلتُ: والواجب عليه إذا ذكر أن يرجع إلى الركن الذي سبق الإمام منه حتى\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٢٠٩ - ٢١٠)، «الإنصاف» (٢/ ٢٢٩ -)، «المجموع» (٤/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، «الفتح» لابن رجب (٤/ ١٤٣)، «الشرح الممتع» (٤/ ٢٥٨ -)، «غاية المرام» (٦/ ١٤٩).","vol":"3","page":29},{"text":"يُتابع إمامَه، والله أعلم.\nالحالة الرابعة: الفوات.\nوهو أن يفوت المأموم بعض الصلاة، ويسبقه الإمام، والفوات إما أن يكون لعذر، كنعاس، أو زحام، أو غفلة، أو عجلة في الإمام، وإما أن يكون لغير عذر.\nفأما إنْ كان لعذرْ، فله ثلاث حالات:\nالأولى: أن يسبقه الإمام بركن واحد.\nقال ابن قدامة -﵀-: يفعل ما سبق به، ويدرك إمامه، ولا شيئ عليه، نصَّ عليه أحمد، وهذا لا أعلم فيه خلافًا. اهـ\nالثانية: أن يسبقه الإمام بركعة كاملة، أو أكثر.\nقال ابن قدامة -﵀-: يتبع إمامه، ويقضي ما سبقه الإمام به، وقد نصَّ عليه أحمد -﵀-.\nقلتُ: وهو قول الجمهور، وذكر الحافظ ابن رجب -﵀- عن الثوري أنه قال: يُصلي ما سبقه، ثم يتابع. قال: وهذا قول غريب.\nالثالثة: أن يسبقه الإمام بركنين، فأكثر دون الركعة كاملة.\n• فمذهب الإمام أحمد هو الإلغاء، ولا يعتد بتلك الركعة، ثم يقضي ركعةً بعد الصلاة. وذهب الشافعي -﵀- إلى أنه يصلي ما سبقه، ثم يُتابع الإمام، وهو قول أحمد في المزحوم، واختار قول الشافعي جماعةٌ من الحنابلة، منهم: ابن قدامة -﵀-، واستُدل للشافعي بفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأصحابه في صلاة الخوف حين أقامهم خلفه","vol":"3","page":30},{"text":"صفين، فسجد بالصف الأول، والصف الثاني قائم حتى قام النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى الثانية، فسجد الصف الثاني، ثم تبعه، وكان ذلك جائزًا للعذر، فهذا مثله.\n• وذهب مالك، والأوزاعي إلى أنه يُصلي ما سبقه إذا علم أنه سيدرك الإمام في السجود، وإنْ علم أنه لن يدركه حتى يقوم، فيلغي الركعة.\nقال أبو عبد الله: قول الشافعي هو الصواب؛ لحديث صلاة الخوف.\nقال ابن قدامة -﵀-: والأَوْلَى في هذا -والله أعلم- ما كان على قياس فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في صلاة الخوف؛ فإنَّ ما لا نصَّ فيه يُرَدُّ إلى أقرب الأشياء به من المنصوص عليه. اهـ\nوأما إن كان تخلف المأموم لغير عذر:\nفإن كان تخلفه بركنين فأكثر؛ فاتفق الشافعية، والحنابلة على بطلان صلاته، وإن كان تخلفه بركنٍ واحدٍ، ففيه وجهان عند الشافعية، والحنابلة، والأصح عند الحنابلة البطلان، والأصح عند الشافعية عدم البطلان.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: لا دليل على التفريق بين ركنٍ، أو ركنين، بل إذا تخلَّف متعمدًا في ركن؛ فقد ارتكب ما حُرِّمَ عليه، كما لو تخلف في ركنين؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما جعُل الإمام ليؤتم به؛ فلا تختلفوا علىه»، فالصواب هو البطلان، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٢١١ - ٢١٢)، «الإنصاف» (٢/ ٢٣٢ -)، «الفتح» لابن رجب (٤/ ١٤٤ - ١٤٦)، «الشرح الممتع» (٤/ ٢٦٤ -)، «المجموع» (٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦).","vol":"3","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1051>مسألة [١١]: هل يُتابع الإمام على ترك بعض أفعال الصلاة المسنونة</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤/ ٢٨٤): وأدخل بعضهم متابعته في ترك بعض أفعال الصلاة المسنونة، كرفع اليدين، فقال: لا يرفع المأموم يديه؛ إلا إذا رفع الإمام. وهو قول أبي بكر بن أبي شيبة، والجمهور على خلاف ذلك، وأنَّ المأموم يتابع إمامه فيما فعله، ويفعل ما تركه من السنن عمدًا، أو سهوًا، كرفع اليدين، والاستفتاح، والتعوذ، والتسمية، وغير ذلك فيما لا يفعله بعض الأئمة، معتقدًا له، فكل هذا يفعله المأموم، ولا يَقتدِي بإمامه في تركه. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب.\nوأما قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما جُعِل الإمام ليؤتم به»، فالمراد به الأفعال الظاهرة، كالركوع، والسجود، والقيام، والقعود كما بينه بقية الحديث، والله أعلم.\nفائدة: قال الحافظ ابن رجب -﵀-: ومما يدخل في ائتمام المأموم بإمامه أنه لا يتخلف عنه تخلُّفًا كثيرًا، بل تكون أفعال المأموم عَقِبَ أفعال إمامه حتى السلام. اهـ «الفتح» (٤/ ٢٨٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1052>مسألة [١٢]: إذا ارتكب الإمام ما يبطل صلاته، فما حكم صلاة المأموم</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٥٢): وَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَوْ أَخْطَأَ أَوْ نَسِيَ؛ لَمْ يُؤَاخَذْ بِذَلِكَ الْمَأْمُومُ كَمَا فِي «الْبُخَارِيِّ» وَغَيْرِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَئِمَّتُكُمْ يُصَلُّونَ لَكُمْ وَلَهُمْ؛ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ","vol":"3","page":32},{"text":"وَعَلَيْهِمْ» (^١)، فَجُعِلَ خَطَأُ الْإِمَامِ عَلَى نَفْسِهِ دُونَهُمْ، وَقَدْ صَلَّى عُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ -﵃-، وَهُوَ جُنُبٌ نَاسِيًا لِلْجَنَابَةِ، فَأَعَادَ وَلَمْ يَأْمُرْ الْمَأْمُومِينَ بِالْإِعَادَةِ (^٢)،\nوَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، كَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد، فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَ الْإِمَامُ مَا يَسُوغُ عِنْدَهُ وَهُوَ عِنْدَ الْمَأْمُومِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مِثْلَ أَنْ يَفْتَصِدَ وَيُصَلِّيَ وَلَا يَتَوَضَّأَ، أَوْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ، أَوْ يَتْرُكَ الْبَسْمَلَةَ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ صَلَاتَهُ تَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ، وَالْمَأْمُومُ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَحْمَد فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، بَلْ فِي أَنَصِّهِمَا عَنْهُ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ اخْتَارَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْإِمَامَ صَلَّى بِلَا وُضُوءٍ مُتَعَمِّدًا، وَالْمَأْمُومُ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى مَاتَ الْمَأْمُومُ؛ لَمْ يُطَالِبْ اللهُ الْمَأْمُومَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إثْمٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُصَلِّي بِلَا وُضُوءٍ؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَهُ؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُصَلٍّ؛ بَلْ لَاعِبٌ، وَلَوْ عَلِمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ صَلَّى بِلَا وُضُوءٍ فَفِي الْإِعَادَةِ نِزَاعٌ. اهـ\nوقال -﵀- في (٢٣/ ٣٧٥ - ٣٧٨): هَذِهِ الْمَسَألة لَهَا صُورَتَانِ، إحْدَاهُمَا: أَنْ لَا يَعْرِفَ الْمَأْمُومُ أَنَّ إمَامَهُ فَعَلَ مَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ؛ فَهُنَا يُصَلِّي الْمَأْمُومُ خَلْفَهُ بِاتِّفَاقِ السَّلَفِ، وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ مُتَقَدِّمٌ، وَإِنَّمَا خَالَفَ بَعْضُ الْمُتَعَصِّبِينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَزَعَمَ أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْحَنَفِيِّ لَا تَصِحُّ وَإِنْ أَتَى بِالْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا، وَقَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ إلَى أَنْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٩٤) عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) أخرجه مالك (١/ ٤٩)، والبيهقي (١/ ١٧٠) بإسناد صحيح ..","vol":"3","page":33},{"text":"يُسْتَتَابَ كَمَا يُسْتَتَابُ أَهْلُ الْبِدَعِ أَحْوَجُ مِنْهُ إلَى أَنْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِهِ؛ فَإِنَّهُ مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَعَهْدِ خُلَفَائِهِ يُصَلِّي بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ، وَأَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْمَفْرُوضِ وَالْمَسْنُونِ، بَلْ يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ الشَّرْعِيَّةَ، وَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِهَذَا وَاجِبًا؛ لَبَطَلَتْ صَلَوَاتُ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُمْكِنْ الِاحْتِيَاطُ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ فِيهِ نِزَاعٌ، وَأَدِلَّةُ ذَلِكَ خَفِيَّةٌ، وَأَكْثَرُ مَا يُمْكِنُ الْمُتَدَيِّنُ أَنْ يَحْتَاطَ مِنْ الْخِلَافِ وَهُوَ لَا يَجْزِمُ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ فَإِنْ كَانَ الْجَزْمُ بِأَحَدِهِمَا وَاجِبًا فَأَكْثَرُ الْخَلْقِ لَا يُمْكِنُهُمْ الْجَزْمُ بِذَلِكَ، وَهَذَا الْقَائِلُ نَفْسُهُ لَيْسَ مَعَهُ إلَّا تَقْلِيدُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَلَوْ طُولِبَ بِأَدِلَّةِ شَرْعِيَّةٍ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ إمَامِهِ دُونَ غَيْرِهِ لَعَجَزَ عَنْ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ مِثْلِ هَذَا فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ\nالِاجْتِهَادِ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَيَقَّنَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ عِنْدَهُ، مِثْلَ: أَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ، أَوْ النِّسَاءَ لِشَهْوَةِ، أَوْ يَحْتَجِمَ، أَوْ يَفْتَصِدَ، أَوْ يَتَقَيَّأَ، ثُمَّ يُصَلِّيَ بِلَا وُضُوءٍ، فَهَذِهِ الصُّورَةُ فِيهَا نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ: لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ إمَامِهِ.\nكَمَا قَالَ ذَلِكَ مَنْ قَالَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد، بَلْ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرُ نُصُوصِ أَحْمَد عَلَى هَذَا، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»، فَقَدْ بَيَّنَ - ﷺ - أَنَّ خَطَأَ الْإِمَامِ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْمَأْمُومِ؛ وَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْإِمَامُ سَائِغٌ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِيمَا فَعَلَ؛ فَإِنَّهُ مُجْتَهِدٌ أَوْ مُقَلِّدٌ مُجْتَهِدٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا قَدْ","vol":"3","page":34},{"text":"غَفَرَ اللهُ لَهُ خَطَأَهُ فَهُوَ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صَلَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ إذَا لَمْ يُعِدْهَا، بَلْ لَوْ حَكَمَ بِمِثْلِ هَذَا؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ نَقْضُ حُكْمِهِ، بَلْ كَانَ يُنْفِذُهُ، وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ قَدْ فَعَلَ بِاجْتِهَادِهِ فَلَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، وَالْمَأْمُومُ قَدْ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ؛ كَانَتْ صَلَاةُ كُلٍّ مِنْهُمَا صَحِيحَةً، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ أَدَّى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَقَدْ حَصَلَتْ مُوَافَقَةُ الْإِمَامِ فِي الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ. وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ الْمَأْمُومَ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْإِمَامِ.\nخَطَأٌ مِنْهُ؛ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْإِمَامَ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا أَخْطَأَ فِيهِ، وَأَنْ لَا تَبْطُلَ صَلَاتُهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَلَوْ أَخْطَأَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فَسَلَّمَ الْإِمَامُ خَطَأً وَاعْتَقَدَ الْمَأْمُومُ جَوَازَ مُتَابَعَتِهِ فَسَلَّمَ كَمَا سَلَّمَ الْمُسْلِمُونَ خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَمَّا سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ سَهْوًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ إنَّمَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَمَا لَوْ صَلَّى خَمْسًا سَهْوًا فَصَلَّوْا خَلْفَهُ خَمْسًا كَمَا صَلَّى الصَّحَابَةُ خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَمَّا صَلَّى بِهِمْ خَمْسًا فَتَابَعُوهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ صَلَّى خَمْسًا؛ لِاعْتِقَادِهِمْ جَوَازَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْمُخْطِئُ هُوَ الْإِمَامَ وَحْدَهُ، وَقَدْ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ سَلَّمَ خَطَأً لَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ إذَا لَمْ يُتَابِعْهُ، وَلَوْ صَلَّى خَمْسًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ إذَا لَمْ يُتَابِعْهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْإِمَامُ خَطَأً لَا يَلْزَمُ فِيهِ بُطْلَانُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1053>مسألة [١٣]: هل صحة صلاة المأموم مرتبطة بصحة صلاة الإمام</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- (٢٣/ ٣٧٠ -): النَّاسُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا ارْتِبَاطَ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، وَفَائِدَةُ الِائْتِمَامِ فِي تَكْثِيرِ الثَّوَابِ بِالْجَمَاعَةِ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ، لَكِنْ قَدْ عُورِضَ بِمَنْعِهِ اقْتِدَاءُ","vol":"3","page":35},{"text":"الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ، وَالرَّجُلُ بِالمَرْأَةِ، وَإِبْطَالُ صَلَاةِ المُؤْتَمِّ بِمَنْ لَا صَلَاةَ لَهُ: كَالْكَافِرِ وَالمُحْدِثِ، وَفِي هَذِهِ المَسَائِلِ كَلَامٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ، وَمِنْ الْحُجَّةِ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْأَئِمَّةِ: «إنْ أَحْسَنُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ». وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُنْعَقِدَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، وَفَرْعٌ عَلَيْهَا مُطْلَقًا، فَكُلُّ خَلَلٍ حَصَلَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ يَسْرِي إلَى صَلَاةِ المَأْمُومِ؛ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ» (^١)، وَعَلَى هَذَا فَالمُؤْتَمُّ بِالمُحْدِثِ النَّاسِي لِحَدَثِهِ يُعِيدُ كَمَا يُعِيدُ إمَامُهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَد اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، حَتَّى اخْتَارَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ كَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: أَنْ لَا يَأْتَمَّ المُتَوَضِّئُ بِالمُتَيَمِّمِ لِنَقْصِ طَهَارَتِهِ عَنْهُ.\nوَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا مُنْعَقِدَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، لَكِنْ إنَّمَا يَسْرِي النَّقْصُ إلَى صَلَاةِ المَأْمُومِ مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ مِنْهُمَا، فَأَمَّا مَعَ الْعُذْرِ فَلَا يَسْرِي النَّقْصُ، فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ يَعْتَقِدُ طَهَارَتَهُ فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي الْإِمَامَةِ، وَالمَأْمُومُ مَعْذُورٌ فِي الِائْتِمَامِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا، وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ مَا يُؤْثَرُ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَوْسَطُ الْأَقْوَالِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي نَفْسِ صِفَةِ الْإِمَامِ النَّاقِصِ أَنَّ حُكْمَهُ مَعَ الْحَاجَةِ يُخَالِفُ حُكْمَهُ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، فَحُكْمُ صَلَاتِهِ كَحُكْمِ نَفْسِهِ، وَعَلَى هَذَا أَيْضًا يَنْبَنِي اقْتِدَاءُ الْمُؤْتَمِّ بِإِمَامِ قَدْ تَرَكَ مَا يَعْتَقِدُهُ المَأْمُومُ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ مُتَأَوِّلًا تَأْوِيلًا يَسُوغُ، كَأَنْ لَا يَتَوَضَّأَ مِنْ خُرُوجِ النَّجَاسَاتِ، وَلَا مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ اعْتِقَادَ الْإِمَامِ هُنَا صِحَّةُ صَلَاتِهِ كَاعْتِقَادِهِ صِحَّتَهَا مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْحَدَثِ وَأَوْلَى؛ فَإِنَّهُ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٨٤)، وأبو داود (٥١٨)، والترمذي (٢٠٧) من حديث أبي هريرة -﵁-، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٦٠) من حديث أبي أمامة -﵁-، وهو حديث حسن، وفي كلا الحديثين زيادة: «والمؤذن مؤتمن».","vol":"3","page":36},{"text":"هُنَاكَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَهَذَا أَصْلٌ نَافِعٌ أَيْضًا، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»، فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْإِمَامَ إذَا أَخْطَأَ كَانَ دَرْكُ خَطَئِهِ عَلَيْهِ لَا عَلَى المَأْمُومِينَ، فَمَنْ صَلَّى مُعْتَقِدًا طَهَارَتَهُ، وَكَانَ مُحْدِثًا، أَوْ جُنُبًا، أَوْ\nكَانَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ، وَقُلْنَا: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لِلنَّجَاسَةِ كَمَا يُعِيدُ مِنْ الْحَدَثِ، فَهَذَا الْإِمَامُ مُخْطِئٌ فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ فَيَكُونُ خَطَؤُهُ عَلَيْهِ فَيُعِيدُ صَلَاتَهُ، وَأَمَّا المَأْمُومُونَ فَلَهُمْ هَذِهِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ خَطَئِهِ شَيْئ كَمَا صَرَّحَ بِهِ رَسُولُ الله - ﷺ -، وَهَذَا نَصٌّ فِي إجْزَاءِ صَلَاتِهِمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ بَعْضَ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ بِتَأْوِيلِ أَخْطَأَ فِيهِ عِنْدَ المَأْمُومِ، مِثْلَ أَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ وَيُصَلِّيَ، أَوْ يَحْتَجِمَ وَيُصَلِّيَ، أَوْ يَتْرُكَ قِرَاءَةَ الْبَسْمَلَةِ، أَوْ يُصَلِّيَ وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا يُعْفَى عَنْهَا عِنْدَ المَأْمُومِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَهَذَا الْإِمَامُ أَسْوَأُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مُخْطِئًا إنْ لَمْ يَكُنْ مُصِيبًا؛ فَتَكُونُ هَذِهِ الصَّلَاةُ لِلْمَأْمُومِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ خَطَإِ إمَامِهِ شَيْئٌ. اهـ","vol":"3","page":37},{"text":"٣٩٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ: «تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nقال الإمام الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (٢/ ٥٠): وَقَوْلُهُ: «ائْتَمُّوا بِي»، أَيْ: اقْتَدُوا بِأَفْعَالِي، وَلْيَقْتَدِ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ مُسْتَدِلِّينَ بِأَفْعَالِكُمْ عَلَى أَفْعَالِي. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ اتِّبَاعُ مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ مِمَّنْ لَا يَرَاهُ، وَلَا يَسْمَعُهُ، كَأَهْلِ الصَّفِّ الثَّانِي يَقْتَدُونَ بِالْأَوَّلِ، وَأَهْلِ الصَّفِّ الثَّالِثِ بِالثَّانِي، وَنَحْوِهِ أَوْ بِمَنْ يُبَلِّغُ عَنْهُ. اهـ\nقلتُ: وقد بالغ الشعبي في هذه المسألة.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤/ ٢٣٧): قال الشعبي: إذا انتهيت إلى الصف الآخر، ولم يرفعوا رؤوسهم، وقد رفع الإمام، فاركع؛ فإنَّ بعضكم أئمة بعض. وهذا قول غريب، والجمهور على خلافه، وأنَّ الاعتبار بالإمام وحده في إدراك الركعة بإدراك ركوعه. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٤٣٨).","vol":"3","page":38},{"text":"٣٩٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -﵁- قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حُجْرَةً بِخَصَفَةً (^١)، فَصَلَّى فِيهَا، فَتَتَبَّعَ إلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ ... الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «أَفْضَلُ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا المَكْتُوبَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1054>مسألة [١]: صلاة المأموم خلف الإمام، وبينهما حائل</span>.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٤٠٧): وَأَمَّا صَلَاةُ الْمَأْمُومِ خَلْفَ الْإِمَامِ، خَارِجَ المسْجِدِ، أَوْ فِي المَسْجِدِ، وَبَيْنَهُمَا حَائِلٌ؛ فَإِنْ كَانَتْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً، جَازَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ، أَوْ نَهْرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ، فَفِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ: أَحَدُهُمَا: المَنْعُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّانِي: الجوَازُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. انتهى المراد\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٤٦) بعد أن ذكر الرواية الثانية: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي مَنْعِ ذَلِكَ، وَلَا إجْمَاعَ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ؛ فَإِنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ، أَوْ سَمَاعَ الصَّوْتِ، وَلَيْسَ هَذَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ... .اهـ\nوعزا هذا القول النووي للأكثرين كما في «شرح المهذب» (٤/ ٣٠٩).\n_________\n(^١) الخَصْفُ: هو ضم الشيء إلى الشيء، والمراد: شيء منسوج من الخوص، وهو ورق النخل. انظر «النهاية»، و«لسان العرب».\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٣١)، ومسلم (٧٨١).","vol":"3","page":39},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: أما وجود الحائل مع اتصال الصفوف فلا يمنع الاقتداء بلا إشكال، ويدل عليه حديث الباب.\nوأما إذا وُجِدَ ما يمنع اتصال الصفوف كالسيل؛ فالصحيح ما صححه ابن قدامة، وأما إن كان الفاصل طريقًا فيصلون في الطريق، ولا تصح صلاتهم مع الفصل بالطريق إلا إذا عجزوا عن الصلاة فيه، والله أعلم، وهو ترجيح شيخ الإسلام -﵀- كما سيأتي.","vol":"3","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1055>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1056>مسألة [١]: صلاة المأمومين في مؤخرة المسجد ولم تتصل الصفوف إليهم</span>.\nسُئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٤٠٨): عَمَّنْ يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ حَائِلٌ، بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ، وَلَا يَرَى مَنْ يَرَاهُ: هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ أَمْ لَا؟\nأَجَابَ: الْحَمْدُ لله، نَعَمْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَنْ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمِنْبَرَ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ، وَالسُّنَّةُ فِي الصُّفُوفِ أَنْ يُتِمُّوا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ؛ فَمَنْ صَلَّى فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ مَعَ خُلُوِّ مَا يَلِي الْإِمَامَ كَانَتْ صَلَاتُهُ مَكْرُوهَةً، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\nقلتُ: ولا خلاف في مذهب الشافعي، وأحمد في صحة الصلاة إذا كان الإمام والمأمومون في مسجد واحد، ويمكنه الاقتداء به بمشاهدةٍ، أو سماعٍ، والله أعلم، ونقل بعض الشافعية في جوازه الإجماع. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٤٤)، «المجموع» (٤/ ٣٠٢).","vol":"3","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1057>مسألة [٢]: صلاة المأمومين خارج المسجد</span>.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٤١٠): إذَا امْتَلَأَ المسْجِدُ بِالصُّفُوفِ؛ صَفُّوا خَارِجَ المسْجِدِ، فَإِذَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ حِينَئِذٍ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْأَسْوَاقِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ، وَأَمَّا إذَا صَفُّوا وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الصَّفِّ الْآخَرِ طَرِيقٌ يَمْشِي النَّاسُ فِيهِ؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الصُّفُوفِ حَائِطٌ بِحَيْثُ لَا يَرَوْنَ الصُّفُوفَ، وَلَكِنْ يَسْمَعُونَ التَّكْبِيرَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ؛ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى فِي حَانُوتِهِ وَالطَّرِيقُ خَالٍ؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِي الْحَانُوتِ وَيَنْتَظِرَ اتِّصَالَ الصُّفُوفِ بِهِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إلَى المسْجِدِ فَيَسُدَّ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٤/ ٤٢٠ -): والقول الثاني، وهو الذي مشى عليه صاحبُ «المقنع»: أنَّه لابُدَّ مِن اتِّصالِ الصُّفوفِ، وأنَّه لا يَصِحُّ اقتداءُ مَن كان خارجَ المسجدِ إلا إذا كانت الصُّفوفُ متَّصلةً؛ لأنَّ الواجبَ في الجماعةِ أن تكون مجتمعةً في الأفعالِ، وهي متابعة المأمومِ للإِمام، والمكان، وإلا لقلنا: يَصِحُّ أن يكون إمامٌ ومأمومٌ واحد في المسجد، ومأمومان في حجرة بينها وبين المسجد مسافة، ومأمومان آخران في حجرة بينها وبين المسجدِ مسافة، ومأمومان آخران بينهما وبين المسجد مسافة في حجرة ثالثة، ولا شَكَّ أنَّ هذا توزيعٌ للجماعةِ، ولاسيَّما على قولِ مَن يقول: إنَّه يجب أن تُصلَّى الجماعةُ في","vol":"3","page":42},{"text":"المساجد.\nفالصَّوابُ في هذه المسألة: أنَّه لابُدَّ في اقتداءِ مَن كان خارجَ المسجدِ مِن اتِّصالِ الصُّفوفِ؛ فإنْ لم تكن متَّصِلة؛ فإنَّ الصَّلاة لا تَصِحُّ. اهـ\nتنبيه: قال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٣٠٩): يُشترط لصحة الاقتداء علم المأموم بانتقالات الإمام، سواء صَلَّيَا في المسجد، أو في غيره، أو أحدهما فيه والآخر في غيره، وهذا مُجمع عليه. قال أصحابنا: ويحصل له العلم بذلك بسماع الإمام، أو من خلفه، أو مشاهدة فعله، أو فعل من خلفه، ونقلوا الإجماع في جواز اعتماد كل واحد من هذه الأمور. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1058>مسألة [٣]: هل للإمام أن يكون أعلى من المأموم</span>؟\n• كره جماعة من أهل العلم أن يكون الإمام أعلى من المأموم، وهو مذهب أحمد، وكثير من أصحابه، وقال به مالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وسواء أراد التعليم، أم لم يُرِدْ ذلك.\nواستدلوا بما أخرجه أبو داود (٥٩٧)، عن حذيفة -﵁-، أنه أمَّ الناس في المدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه، فجبذه، فلما فرغ من صلاته، قال: ألم تعلم أنهم كانوا يُنْهَون عن ذلك؟ قال: قد ذكرتُ حين مددتني. وإسناده صحيح.\n• وذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى جواز ذلك إذا أراد التعليم، واستدلوا","vol":"3","page":43},{"text":"بحديث سهل بن سعد في «الصحيحين» (^١) في صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على المنبر وفيه: «إنما صنعت ذلك لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي».\nوهذا القول هو الصواب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1059>مسألة [٤]: عُلو المأموم على الإمام</span>.\n• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو قول أحمد، والمشهور من مذهبه، وبه قال الشافعي، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي.\nوصحَّ عن أبي هريرة أنَّه صلَّى مأمومًا في سطح المسجد. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٣)، وعبدالرزاق (٣/ ٨٣)، وعلَّقه البخاري في «الصحيح» [باب (١٨) من كتاب الصلاة].\nوقال مالك: لا تصح صلاته إذا صلَّى الجمعة فوق سطح المسجد بصلاة الإمام. وفي سائر الصلوات عنه روايتان: الجواز، والكراهة، وهي آخر الروايتين عنه.\nوالصواب القول الأول، ولا نعلم دليلًا على المنع من ذلك. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1060>مسألة [٥]: الصلاة على ما وضع على وجه الأرض مما ينقل</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٢/ ٤٤٢) ط/الغرباء: الصلاة على ما وضع على الأرض مما يتأبد فيها، أو ينقل عنها كمنبر وسرير ونحوه، يجوز ذلك عند\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٩١٧)، ومسلم برقم (٥٤٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٣/ ٤٧ - ٤٨).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٣/ ٤٤)، «فتح الباري» لابن رجب (باب/١٨/كتاب الصلاة).","vol":"3","page":44},{"text":"أكثر العلماء. قال أبو طالب: سألت أحمد عن الصلاة على السرير الفريضة والتطوع؟ قال: نعم، إذا كان يمكنه مثل السطح. وقال حرب: سألت إسحاق عن الصلاة على السرير من الخشب؟ قال: لا بأس به.\nوروى حرب بإسناده، عن الأوزاعي، أنه لم ير بأسا بالصلاة على الأسرة وأشباهها. وليس في هذا اختلاف بين العلماء، إلا خلاف شاذ قديم. روى أبو نعيم الفضل بن دكين: ثنا أبو بكر بن عياش، عن إسماعيل بن سميع، عن علي بن أبي كثير، قال: رأى عمار رجلا يصلي على دابته، فمده من خلفه، فقال: هاهنا صل في القرار. ولعل هذا المصلي كان إماما لقوم يصلون تحته. اهـ\nقلتُ: علي بن أبي كثير، لم أر له توثيقًا من معتبر؛ فهو مجهول الحال، والله أعلم.","vol":"3","page":45},{"text":"٣٩٤ - وَعَنْ جَابِرِ -﵁- قَالَ: صَلَّى مُعَاذٌ بِأَصْحَابِهِ العِشَاءَ فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ يَا مُعَاذُ فَتَّانًا؟ إذَا أَمَمْت النَّاسَ فَاقْرَأْ بِـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، وَ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1061>مسألة [١]: تخفيف الصلاة</span>.\nهذا الحديث يدل على تخفيف الصلاة، وقد أخرج البخاري (٧٠٦)، ومسلم (٤٦٩) من حديث أنس -﵁-، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخفَّ الناس صلاة في تمام. واللفظ لمسلم.\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (١/ ٢١٣ - ٢١٤): فَالتّخْفِيفُ أَمْرٌ نِسْبِيّ يَرْجِعُ إلَى مَا فَعَلَهُ النّبِيّ - ﷺ -، وَوَاظَبَ عَلَيْهِ لَا إلَى شَهْوَةِ الْمَأْمُومِينَ؛ فَإِنّهُ لَمْ يَكُنْ يَأْمُرُهُمْ بِأَمْرٍ، ثُمّ يُخَالِفُهُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ، وَالضّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ، فَاَلّذِي فَعَلَهُ هُوَ التّخْفِيفُ الّذِي أَمَرَ بِهِ؛ فَإِنّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، فَهِيَ خَفِيفَةٌ بِالنّسْبَةِ إلَى أَطْوَلِ مِنْهَا، وَهَدْيُهُ الّذِي كَانَ وَاظَبَ عَلَيْهِ هُوَ الْحَاكِمُ عَلَى كُلّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُتَنَازِعُونَ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النّسَائِيّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَأْمُرُنَا بِالتّخْفِيفِ، وَيَؤُمّنَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥) (١٧٩).","vol":"3","page":46},{"text":"بِـ: [الصَّافَّاتِ] (^١)، فَالْقِرَاءَةُ بِـ: [الصَّافَّاتِ] مِنْ التّخْفِيفِ الّذِي كَانَ يَأْمُرُ بِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤/ ٢٠٩): فالصلاة الَّتِيْ كَانَ النَّبِيّ - ﷺ - يُصَلِّيها بالناس هِيَ التخفيف الَّذِي أمر بِهِ غيره، وإنما أنكر عَلَى من طَوَّلَ تَطْويلًا زائدًا عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ مُعَاذَ بن جبل كَانَ يصلي مَعَ النَّبِيّ - ﷺ - بالمدينة صلاة العشاء، وكان النَّبِيّ - ﷺ - يُؤَخِّرُها كثيرًا، كما سبق ذكره فِي [المواقيت]، ثُمَّ ينطلق إلى قومه فِي بني سَلَمَة فيصلي بهم، وقد استفتح حينئذ بسورة البقرة، فهذا هُوَ الَّذِي أنكره عَلَى معاذ، ويشهد لهذا: حَدِيْث ابن عُمَر، قَالَ: كَانَ رَسُول الله - ﷺ - لَيَأْمُرُنَا بِالتَّخْفِيْفِ، وَإِنْ كَانَ لَيَؤُمُّنَا بالصَّافَات. خَرَّجَهُ الإِمَامُ أَحْمَد، وَالنَّسَائِي، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي «صحيحه». والمراد: أَنَّ التَّخْفِيْفَ المأمُور بِهِ هُوَ مَا كَانَ يَفْعَلُه. اهـ\nوقد سبق إلى هذا البيان شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٥٧٥، ٥٩٦ - ٥٩٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1062>مسألة [٢]: إعادة الصلاة ليؤم غيره</span>؟\nجاء في بعض طرق حديث الباب في «الصحيحين» أنَّ معاذًا -﵁- كان يصلي مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم. ومثله ما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه صلَّى بأصحابه صلاة الخوف مرتين كما سيأتي إن شاء الله في بابه.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٨٦ - ٣٨٨): أَظْهَرُ\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٢/ ٩٥)، وأحمد (٢/ ٢٦)، وابن خزيمة (١٦٠٦)، وإسناده صحيح.","vol":"3","page":47},{"text":"الْأَقْوَالِ جَوَازُ هَذَا كُلِّهِ، لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِهِمْ ثَانِيًا إلَّا لِحَاجَةِ أَوْ مَصْلَحَةٍ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ غَيْرُهُ، أَوْ هُوَ أَحَقُّ الْحَاضِرِينَ بِالْإِمَامَةِ؛ لِكَوْنِهِ أَعْلَمَهُمْ بِكِتَابِ الله وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، أَوْ كَانُوا مُسْتَوِينَ فِي الْعِلْمِ وَهُوَ أَسْبَقُهُمْ إلَى هِجْرَةِ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ، أَوْ أَقْدَمُهُمْ سِنًّا؛ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله؛ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ؛ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً؛ فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا». (^١)\nفَقَدَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالْفَضِيلَةِ فِي الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْعِلْمِ قُدِّمَ بِالسَّبْقِ إلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَقُدِّمَ السَّابِقُ بِاخْتِيَارِهِ وَهُوَ الْمُهَاجِرُ عَلَى مَنْ سَبَقَ بِخَلْقِ الله لَهُ وَهُوَ الْكَبِيرُ السِّنِّ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ» (^٢)، فَمَنْ سَبَقَ إلَى هَجْرِ السَّيِّئَاتِ بِالتَّوْبَةِ مِنْهَا فَهُوَ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَيُقَدَّمُ فِي الْإِمَامَةِ، فَإِذَا حَضَرَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ وَكَانَ قَدْ صَلَّى فَرْضَهُ؛ فَإِنَّهُ يَؤُمُّهُمْ كَمَا أَمَّ النَّبِيُّ - ﷺ - لِطَائِفَةٍ بَعْدَ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مَرَّتَيْنِ، وَكَمَا كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي ثُمَّ يَؤُمُّ قَوْمَهُ أَهْلَ قُبَاء؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَحَقَّهُمْ بِالْإِمَامَةِ.\nوَقَدْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ حَدِيثَ مُعَاذٍ مَنْسُوخٌ، وَلَمْ يَأْتُوا عَلَى ذَلِكَ بِحُجَّةِ صَحِيحَةٍ، وَمَا ثَبَتَ مِنْ الْأَحْكَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا يَجُوزُ دَعْوَى نَسْخِهِ بِأُمُورِ\n_________\n(^١) سيأتي في «البلوغ» برقم (٣٩٨).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٠)، ومسلم برقم (٤٠)، وليس عند مسلم ذكر المهاجر.","vol":"3","page":48},{"text":"مُحْتَمِلَةٍ لِلنَّسْخِ وَعَدَمِ النَّسْخِ، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ قَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ إذَا صَلَّى عَلَيْهَا الرَّجُلُ إمَامًا، ثُمَّ قَدِمَ آخَرُونَ؛ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ إذَا كَانَ أَحَقَّهُمْ بِالْإِمَامَةِ، وَلَهُ إذَا صَلَّى غَيْرُهُ عَلَى الْجِنَازَةِ مَرَّةً ثَانِيَةً أَنْ يُعِيدَهَا مَعَهُمْ تَبَعًا كَمَا يُعِيدُ الْفَرِيضَةَ تَبَعًا، مِثْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدًا فِيهِ إمَامٌ رَاتِبٌ فَيُصَلِّي مَعَهُمْ؛ فَإِنَّ هَذَا مَشْرُوعٌ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد بِلَا نِزَاعٍ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُهُ فِيمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى الْجِنَازَةِ؛ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا بَعْدَ غَيْرِهِ، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْقَبْرِ إذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ، هَذَا مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ قَاطِبَةً كَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ، وَمَالِكٌ لَا يَرَى الْإِعَادَةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَاهَا إلَّا لِلْوَلِيِّ، وَأَمَّا إذَا صَلَّى هُوَ عَلَى الْجِنَازَةِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا غَيْرُهُ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُعِيدَهَا مَعَ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد، قِيلَ: لَا يُعِيدُهَا. قَالُوا: لِأَنَّ الثَّانِيَةَ نَفْلٌ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَا يُتَنَفَّلُ بِهَا. وَقِيلَ: بَلْ لَهُ أَنْ يُعِيدَهَا.\nوَهُوَ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا صَلَّى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ صَلَّى مَعَهُ مَنْ كَانَ صَلَّى عَلَيْهَا أَوَّلًا، وَإِعَادَةُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مِنْ جِنْسِ إعَادَةِ الْفَرِيضَةِ فَتُشْرَعُ حَيْثُ شَرَعَهَا اللهُ وَرَسُولُهُ، وَعَلَى هَذَا: فَهَلْ يُؤَمُّ عَلَى الْجِنَازَةِ مَرَّتَيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. اهـ","vol":"3","page":49},{"text":"٣٩٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- فِي قِصَّةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالنَّاسِ وَهُوَ مَرِيضٌ قَالَتْ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1063>مسألة [١]: كيفية صلاة القادر على القيام خلف الإمام القاعد</span>.\n• ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز ائتمام المأموم خلف الإمام القاعد، وهو قول محمد بن الحسن، والحسن بن حي، ومالك في ظاهر مذهبه، والثوري في رواية عنه، وجاء في ذلك حديث مرسلٌ من مراسيل الشعبي: «لا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا»، وفي إسناده: جابر الجعفي، وهو كذَّابٌ.\n• وذهب عامة أهل العلم إلى جواز ائتمام المأموم وصلاته وراء الإمام الجالس، واختلفوا: هل يُصلي وراءه جالسًا، أم قائمًا على قولين:\nالقول الأول: أنَّ المأموم يُصلي قائمًا، وإنْ قعد إمامُه، وهذا قول المغيرة، وحماد، وأبي حنيفة، والثوري، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، واعتمدوا على أَقْيسة، أو عمومات مثل قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلِّ قائمًا؛ فإنْ لم تستطع فقاعدًا»، وتبعهم على ذلك طائفة من المحدثين، كالحميدي، والبخاري، وادَّعَوا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٣)، ومسلم (٤١٨) (٩٥).","vol":"3","page":50},{"text":"نسخ أحاديث الأمر بالجلوس بصلاة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مرضِ موته قاعدًا، والناس خلفه قيامًا، ولم يأمرهم بالجلوس كما قرره البخاري، وحكاه عن الحميدي.\nالقول الثاني: يُصلِّي القادر على القيام خلف الإمام الجالس جالسًا، هذا هو المروي عن الصحابة، ولا يُعرف عنهم اختلاف في ذلك.\nوممن رُوي عنه ذلك من الصحابة: أُسيد بن حضير، وقيس بن قهد، وجابر ابن عبدالله، وأبو هريرة، ومحمود بن لبيد، ولا يُعرف عن صحابي خلاف ذلك، بل كانوا يفعلون ذلك في مساجدهم ظاهرًا، ولم ينكر عليهم عملهم صحابيٌّ، ولا تابعي.\nوهو قول الأوزاعي، وحماد بن زيد، وأحمد، وإسحاق، وأبي خيثمة، وسليمان الهاشمي، وأبي بكر بن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن خزيمة، وغيرهم.\nواستدل هؤلاء بحديث أبي هريرة -﵁-، في «الصحيحين» (^١) مرفوعًا: «...، وإذا صلى قاعدًا؛ فَصَلُّوا قعودًا أجمعين».\nوهذا القول هو الصواب.\nوأما ادِّعاءُ النسخ؛ فليس بصحيح؛ لأنَّ النسخ لا يُرجع إليه إلا إذا لم يمكن الجمع بين الدليلين.\nقال ابن رجب -﵀-: ويدل على أنَّ الأمر بالقعود غير منسوخ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علَّله بِعِللٍ لم تُنسخ، ولم تبطل منذ شُرعت، منها: أنه علَّله بأنَّ الإمام إنما جُعل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٧٢٢)، ومسلم برقم (٤١٧).","vol":"3","page":51},{"text":"إمامًا؛ ليؤتم به، ويُقتدى به في أفعاله. وقال: «وإذا كبَّرَ؛ فكبروا ...، وإذا صلَّى جالسًا، فَصَلُّوا جلوسًا أجمعون»، وما قبل الصلاة جالسًا لم يُنسخ منه شَيْئ، فكذلك القعود؛ لأنَّ الجميع مرتَّب على أنَّ الإمام يؤتم به، ويُقتدى به.\nومنها: أنه جعل القعود خلفه من طاعة الأمراء، وهو من طاعته، كما في «مسند أحمد» (^١) من حديث ابن عمر، وفيه قال: «فإنَّ من طاعة الله أن تطيعوني، ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم، فإذا صلوا قعودًا، فصلوا قعودًا».\nوفي رواية: «ومن طاعتي أن تطيعوا أئمتكم»، ومنها: أنه جعل القيام خلف الإمام الجالس من جنس فعل فارس، والروم بعظمائها، حيث يقومون، وملوكهم جلوس. اهـ\nثم ذكر حديث جابر في «صحيح مسلم» (^٢) بهذا المعنى.\nوأما الجواب عن جلوس النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مرض موته، وصلاة من خلفه قائمين، فمن وجهين:\nأحدهما: أنَّ المؤتمين بأبي بكر ائتموا بإمام ابتدأ بهم الصلاة، وهو قائم، فيقال: إنْ ابتدأ بهم الإمام الصلاة جالسًا؛ صلوا وراءه جلوسًا، وإنْ ابتدأ بهم قائمًا، ثم اعتلَّ فجلس؛ أتموا خلفه قيامًا، وهذا جواب الإمام أحمد، وأصحابه.\nالثاني: أن تُحمل أحاديث الأمر بالقعود على الاستحباب، ويُحمل القيام\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٩٣) بإسناد صحيح، وهو في «الصحيح المسند» للشيخ -﵀- (٧٤٩).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٤١٣).","vol":"3","page":52},{"text":"الذي في مرض موته على الجواز، وهذا الحمل وجهٌ للحنابلة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا الوجه الثاني أقرب عندي، والله أعلم.\nتنبيه: الآثار المتقدمة عن الصحابة: أُسيد بن حُضير، وجابر، وأبي هريرة، وقيس، كلها أخرجها ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٦)، وعبد الرزاق (٢/ ٤٦١)، وابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٢٠٦) بأسانيد صحيحة.\nتنبيه آخر: يظهر، والله أعلم: أن الخلاف السابق فيما إذا كان جلوس الإمام عارضًا لمرض طارئ، وأما إن كان الإمام مقعدًا، لا يستطيع القيام باستمرار، فيظهر وجوب القيام على المأمومين في هذه الصورة، وكثير من الفقهاء يرون أن الإمام المقعد باستمرار لا يصلح لإمامة الأصحاء، وهذا غير صحيح، بل تصح إمامته، ولكن يصلي المأمومون خلفه قيامًا، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٦٨٩)، «المغني» (٣/ ٦٠ -).","vol":"3","page":53},{"text":"٣٩٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ وَالكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيستفاد من هذا الحديث وجوب التخفيف في الصلاة على الناس.\nوفي «الصحيحين» عن أبي مسعود الأنصاري -﵁-: أنَّ رجلًا شكى تطويل إمامه إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فغضب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقال: «يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليوجز» أخرجه البخاري برقم (٩٠)، ومسلم برقم (٤٦٦).\nوتقدم في شرح الحديث رقم (٣٩٤) بيان التخفيف المأمور به، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٣)، ومسلم (٤٦٧).","vol":"3","page":54},{"text":"٣٩٧ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: قَالَ أَبِي: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - حَقًّا، فَقَالَ: «إذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا». قَالَ: فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، فَقَدَّمُونِي، وَأَنَا ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (^١)\n\n٣٩٨ - وَعَنِ أَبِي مَسْعُودٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» وَفِي رِوَايَةٍ: «سِنًّا» «وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ (^٢) إلَّا بِإِذْنِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1064>مسألة [١]: الأحق بالإمامة</span>.\n• ذهب طائفة من أهل العلم إلى تقديم الأفقه، وهو قول عطاء، والثوري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي؛ لأنه قد يَنُوبُه في الصلاة ما لا يدري ما يفعل فيه إلا بالفقه؛ فيكون أولى.\n• وذهب طائفة من أهل العلم إلى تقديم الأقرأ على الأفقه، وهو قول ابن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٣٠٢). وأبوداود (٥٨٥)، والنسائي (٢/ ٨٠ - ٨١).\n(^٢) قال النووي: قال العلماء: التكرمة الفراش ونحوه مما يبسط لصاحب المنزل ويخص به.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٦٧٣).","vol":"3","page":55},{"text":"سيرين، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، ونصَّ أحمد على أنه يُقدَّم الأقرأ إذا كان يعرف ما تحتاج إليه الصلاة من الفقه، وكذلك قال كثير من المحققين من أصحابه، وحكوا مذهبه على هذا الوجه.\nواستدل هؤلاء بحديث عمرو بن سلمة، وأبي مسعود اللذَيْنِ في الباب.\nوأخرج مسلمٌ أيضًا (٦٧٢)، عن أبي سعيد مرفوعًا: «إذا كانوا ثلاثة؛ فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم»، وفي حديث مالك بن الحويرث في «الصحيحين» (^١): «فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا»، وهذه النصوص في محل النزاع.\nوقد استدل القائلون بتقديم الأفقه: بتقديم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأبي بكر مع أنَّ أُبي بن كعب هو أَقرأُ الصحابة.\nوأُجِيبَ: بمنع أن يكون أُبي بن كعب أَقرأ من أبي بكر؛ لأنَّ المراد بالأقرأ في الإمامة الأكثر قرآنًا، وأبو بكر يقرأ القرآن كلَّه، فلا مزية لأُبي بن كعب عليه في ذلك، وامتاز أبو بكر بالعلم، والفضل.\nوأجاب الإمام أحمد: بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أراد بذلك التنبيه على خلافته.\nوقد تأول الشافعي الأحاديث المتقدمة التي نصَّتْ على تقديم الأكثر قرآنًا على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما خاطب أصحابه، وكان أكثرهم قرآنًا أكثرهم فِقهًا؛ فإنَّ قراءتهم كانت علمًا، وعملًا.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الكتاب برقم (١٨٨).","vol":"3","page":56},{"text":"وأُجيب عن هذا بوجهين:\nأحدهما: أنَّ هذا خطابٌ عامٌّ للأمة كلها، فلا يختص بالصحابة.\nالثاني: أنه فرَّقَ بين الأقرأ، والأعلم بالسُّنَّةِ، وقدم الأقرأ عليه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب، ويجب على القارئ أن يتعلم أحكام الصلاة والإمامة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1065>مسألة [٢]: إمامة الغلام الذي لم يحتلم</span>.\n• في المسألة أربعة أقوال:\nالأول: الجواز في الفرض، والنافلة، وهو قول الشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأحمد في رواية.\nالثاني: الكراهة في الفرض، والنافلة؛ لأنه غير مكلف، وهو قول النخعي، وعطاء، والشعبي، ومجاهد، ومالك، والثوري، وأصحاب الرأي.\nالثالث: يؤمهم في النَّفْلِ دون الفرض؛ لأن عبادة الطفل تقع نافلةً، رُوي عن الحسن، وهو قول أحمد في رواية.\nالرابع: يؤمهم في الفريضة إذا لم يكن معهم شَيْئ من القرآن؛ لموضع الحاجة، وهو قول الزهري، والأوزاعي.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لحديث عمرو بن سلمة الذي في الباب. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» لابن رجب (٦٧٨)، «المغني» (٣/ ١١ -).\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٤/ ١٧٠ -)، «المجموع» (٤/ ٢٤٩).","vol":"3","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1066>مسألة [٣]: إمامة العبد</span>.\n• كرهها جماعةٌ، منهم: أبو مجلز، والضحاك، ومالك، وقال: إلا أن يكون من خلفه أعراب لا يقرؤون.\n• وذهب أكثر العلماء إلى ترخيص ذلك، منهم: الشعبي، والنخعي، والحسن، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم.\nوهذا القول هو الصواب؛ لعموم حديث: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، ولحديث أبي ذر -﵁- في «صحيح مسلم» (٦٤٨)، قال: أوصاني خليلي - ﷺ -: «أنْ أسمع، وأُطيع، وإنْ كان عبدًا مُجَدَّع الأطراف، وأنْ أُصلي الصلاة لوقتها؛ فإنْ أدركت القوم وقد صلوا كنت قد أحرزت صلاتك، وإلا كانت لك نافلة». وصحَّ عن أبي ذر، وحذيفة، وابن مسعود -﵃-، أنهم صلوا خلف أبي سعيد مولى أبي أسيد، وصحَّ عن عائشة -﵂-، أنه كان يؤمها غلامها ذكوان. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1067>مسألة [٤]: إمامة الرجل في بيته، ومسجده</span>.\n• ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الرجل لا يقدم على رب البيت، وإمام المسجد؛ إلا بإذنه؛ لحديث أبي مسعود في الباب.\nوصحَّ عن أبي سعيد مولى أبي أُسيد، قال: بنيت على أهلي وأنا مملوك، فدعوت أُناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فيهم: عبد الله بن مسعود، وأبو ذر،\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٤/ ١٦٧)، «المغني» (٣/ ٢٦ - ٢٧)، «ابن أبي شيبة» (٢/ ٢١٧)، «الأوسط» (٤/ ١٥٥ -).","vol":"3","page":58},{"text":"وحذيفة، فحضرت الصلاة، فقلت: يتقدم بعضكم، فقالوا: لا، تقدَّمْ أنت أحق. (^١)\nوظاهر هذا أنه لا يتقدم أحدٌ وإن أَذِنَ؛ لأنه أحق بالإمامة، وهو قول إسحاق.\nوجاء فيه حديثٌ عند الترمذي (٣٥٦) وأبي داود (٥٩٦) من حديث مالك ابن الحويرث مرفوعًا: «من زار قومًا فلا يؤمهم، وليؤمهم رجلٌ منهم» وفي إسناده: أبو عطية، قال ابن المديني: لا يُعرَف.\nوالصواب ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم.\nولا خلاف في أنَّ صاحب البيت أحقُّ بالإمامة، قاله ابن قدامة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1068>مسألة [٥]: إذا جاء الإمام الراتب، وقد تقدم أحدٌ، فهل له تأخيره</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: عدم جواز التأخير، ونقله ابن عبد البر إجماعًا، وحكاه بعض الحنابلة عن أكثر العلماء.\nالثاني: الجواز، وهو قول الشافعي، وأحد الوجهين عند الحنابلة، وهو قول ابن القاسم المالكي.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو الجواز؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعلَ ذلك مع أبي بكر الصديق -﵁-، في مرض موته.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه بنحوه ابن أبي شيبة (٢/ ٢١٧)، وابن المنذر (٤/ ٢٣٣) من طريقين عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد به. وهو أثر صحيح.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٢٦،٢٧).","vol":"3","page":59},{"text":"ولكن ذلك يُكرهُ في حقِّ غير النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لِمَا يحدث في القلوب من نفور، وكراهية، إلا أنْ يكون عند قوم كلهم يحبون إمامته، ولا يجد أحد في نفسه من ذلك شيئًا؛ فيكون جائزًا لِمَا تقدَّم، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» لابن رجب (٤/ ١٣٠ - ١٣١).","vol":"3","page":60},{"text":"٣٩٩ - وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ -﵁-، «وَلَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا». وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1069>مسألة [١]: إمامة المرأة الرجل</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٣٣): وأما المرأة؛ فلا يصح أنْ يأتم بها الرجل بحالٍ، في فرض، ولا نافلة، في قول عامة الفقهاء، وقال أبو ثور: لا إعادة على من صلَّى خلفها. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، وحديث الباب ضعيفٌ، ولكن يُغني عنه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لن يُفلح قومٌ وَلوا أمرهم امرأة» (^٢)، والمؤتمون يولون أمرهم إمامهم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1070>مسألة [٢]: إمامة الأعرابي</span>.\nالأعرابي هو من لم يُهاجر إلى الأمصار من أهل البادية.\n• وقد رخَّصَ في إمامة الأعرابي جمعٌ من أهل العلم، منهم: الثوري، والشافعي،\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه ابن ماجه (١٠٨١)، وفي إسناده: عبدالله بن محمد العدوي وهو متروك، وعلي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٤٤٢٥)، من حديث أبي بكرة -﵁-.\n(^٣) وانظر: «الشرح الممتع» (٤/ ٣١٢ - ٣١٣)، «المجموع» (٤/ ٢٥٥).","vol":"3","page":61},{"text":"وأحمد في المشهور عنه، وإسحاق.\n• وكره إمامته أبو مِجْلَز، والشعبي، والحسن، وعطاء، ومالك، وأحمد في رواية.\nقلتُ: والراجح جواز إمامة الأعرابي بغيره، ولا دليل على كراهة ذلك؛ إلا أنْ يكون لا يُحسن القراءة، ولا يفقه أحكام الصلاة؛ فلا يؤمهم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1071>مسألة [٣]: إمامة الكافر</span>.\n• ذهب عامة أهل العلم إلى أنه لا تصح الصلاة خلفه، سواء أظهر كفره، أو أسره.\n• وذهب أبو ثور، والمزني إلى أنه إنْ أسرَّ بكفره، ولم يَعلم المأموم بكفره إلا بعد الصلاة؛ فلا إعادة عليه.\nورجَّح هذا الإمام السعدي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1072>مسألة [٤]: إمامة الفاسق</span>.\n• فيها قولان:\nالأول: لا تصح الصلاة خلفه، وهو مذهب أحمد في رواية، وقال بعضهم: إنه المشهور من مذهبه.\nالثاني: تصح الصلاة خلفه، وهو مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي، وكثير\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٤/ ١٦٩ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٣/ ٣٢ - ٣٣)، «المجموع» (٤/ ٢٥١)، «الإنصاف» (٢/ ٢٥٠ - ٢٥١)، «الشرح الممتع» (٤/ ٣١٠)، «غاية المرام» (٦/ ٢٤٠).","vol":"3","page":62},{"text":"من المالكية، وأحمد في رواية اختارها جماعة من أصحابه، وعزاه شيخ الإسلام إلى الجمهور.\nوهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ من صحَّتْ صلاته، صحَّتْ إمامته، إلا ما خصَّه الدليل، ولِأَنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر أبا ذَرٍّ بالصلاة خلف أئمة الجور كما تقدم.\nوالصحابة -﵃- كانوا يُصلُّون خلف أمراء بني أمية، وخلف الحجاج، وهم فُسَّاقٌ، وقد صوَّب هذا القول الإمام ابن باز، والإمام العثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٥٢ - ٣٥٤): وَلَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ مُبْتَدِعٌ يَدْعُو إلَى بِدْعَتِهِ، أَوْ فَاسِقٌ ظَاهِرُ الْفِسْقِ، وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ الَّذِي لَا تُمْكِنُ الصَّلَاةُ إلَّا خَلْفَهُ، كَإِمَامِ الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَالْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْحَجِّ بِعَرَفَةَ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُصَلِّي خَلْفَهُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَغَيْرِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالُوا فِي الْعَقَائِدِ: إنَّهُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَ خَلْفَ كُلِّ إمَامٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ إلَّا إمَامٌ وَاحِدٌ؛ فَإِنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَهُ الْجَمَاعَاتُ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فَاسِقًا.\nهَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ: أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، بَلْ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد، وَمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْفَاجِرِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ،","vol":"3","page":63},{"text":"كَمَا ذَكَرَهُ فِي رِسَالَةِ عبدوس، وَابْنِ مَالِكٍ، وَالْعَطَّارِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا وَلَا يُعِيدُهَا؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الْأَئِمَّةِ الْفُجَّارِ وَلَا يُعِيدُونَ، كَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ (^١)، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ يُصَلُّونَ خَلْفَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَكَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، حَتَّى إِنَّهُ صَلَّى بِهِمْ مَرَّةً الصُّبْحَ أَرْبَعًا ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا مَعَك مُنْذُ الْيَوْمَ فِي زِيَادَةٍ. (^٢) وَلِهَذَا رَفَعُوهُ إلَى عُثْمَانَ.\nوَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» (^٣): أَنَّ عُثْمَانَ -﵁- لَمَّا حُصِرَ صَلَّى بِالنَّاسِ شَخْصٌ فَسَأَلَ سَائِلٌ عُثْمَانَ، فَقَالَ: إنَّك إمَامُ عَامَّةٍ، وَهَذَا الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ إمَامُ فِتْنَةٍ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، إنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَحْسَنِ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنُوا فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إسَاءَتَهُمْ.\nوَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ، وَالْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ صَحِيحَةٌ، فَإِذَا صَلَّى الْمَأْمُومُ خَلْفَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، لَكِنْ إنَّمَا كَرِهَ مَنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ بِدْعَةً أَوْ فُجُورًا لَا يُرَتَّبُ إمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ حَتَّى يَتُوبَ، فَإِذَا أَمْكَنَ هَجْرُهُ حَتَّى يَتُوبَ كَانَ حَسَنًا، وَإِذَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ وَصَلَّى خَلْفَ غَيْرِهِ أُثِرَ ذَلِكَ حَتَّى يَتُوبَ، أَوْ يُعْزَلَ، أَوْ يَنْتَهِيَ النَّاسُ عَنْ مِثْلِ ذَنْبِهِ، فَمِثْلُ هَذَا إذَا تَرَكَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٧٨) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه عمر بن شبة كما في «الاستيعاب» (٤/ ١٥٥٤) بإسناد منقطع، وأصله في «صحيح مسلم» (١٧٠٧).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٦٩٥).","vol":"3","page":64},{"text":"الصَّلَاةَ خَلْفَهُ؛ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَفُتِ الْمَأْمُومَ جُمُعَةٌ وَلَا جَمَاعَةٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَ تَرَكُ الصَّلَاةِ يُفَوِّتُ الْمَأْمُومَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ؛ فَهُنَا لَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ خَلْفَهُمْ إلَّا مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلصَّحَابَةِ -﵃-.اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1073>مسألة [٥]: الصلاة خلف مستور الحال</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٥١): يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَالْجُمُعَةَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ خَلْفَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ بِدْعَةً وَلَا فِسْقًا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِائْتِمَامِ أَنْ يَعْلَمَ الْمَأْمُومُ اعْتِقَادَ إمَامِهِ، وَلَا أَنْ يَمْتَحِنَهُ فَيَقُولُ: مَاذَا تَعْتَقِدُ؟ بَلْ يُصَلِّي خَلْفَ مَسْتُورِ الْحَالِ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٢٥٣)، «الشرح الممتع» (٤/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٥٣).","vol":"3","page":65},{"text":"٤٠٠ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1074>مسألة [١]: حكم تسوية الصفوف</span>.\nتسوية الصفوف واجبة، ويأثم من قصَّرَ في ذلك؛ لحديث الباب، ولقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لتُسَوُّنَّ صفوفكم أو ليُخَالِفَنَّ الله بين وجوهكم» (^٢)، وقوله: «استووا ولا تختلفوا؛ فتختلف قلوبكم». (^٣)\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في الفتح (٧١٨): وقد توعد على ترك تسوية الصفوف بالمخالفة بين الوجوه، وظاهره: يقتضي مسخ الوجوه وتحويلها إلى صور الحيوانات أو غيرها، كما قالَ: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار - أو صورته صورة حمار». وظاهر هذا الوعيد: يدل على تحريم ما توعد عليهِ. اهـ\nوقد بوب البخاري -﵀- في «صحيحه»: (باب إثم من لم يتم الصف). ثم\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٦٦٧)، والنسائي (٢/ ٩٢)، وابن حبان (٢١٦٦)، من طرق عن أبان بن يزيد العطار، ثنا قتادة، عن أنس بن مالك به. وإسناده صحيح، رجاله ثقات، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا -﵀- (٥٥).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٧١٧)، ومسلم برقم (٤٣٦)، من حديث النعمان بن بشير -﵄-.\n(^٣) أخرجه مسلم (٤٣٢)، من حديث أبي مسعود الأنصاري -﵁-.","vol":"3","page":66},{"text":"استدل بحديث أنس بن مالك، أنه قدم المدينة فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله - ﷺ -؟ قال: «ما أنكرت شيئا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1075>مسألة [٢]: حث الإمام على تسوية الصفوف</span>.\nيُستحَبُّ للإمام أن يحث على تسوية الصفوف، ويأمر بذلك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يفعله، ويُستحَبُّ له أن يتلفظ بالأقوال التي كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقولها، وإنْ أتى بمعناها؛ فلا بأس، ما لم يفعله رغبة عن أقوال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1076>مسألة [٣]: كيفية تسوية الصفوف</span>.\nذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في حديث الباب أنَّ التسوية تحصل بالمحاذاة بالأعناق، وفي حديث آخر ذكر ﵊ أنَّ التسوية تحصل بالمحاذاة بين المناكب كما في «سنن أبي داود» (٦٦٦)، من حديث ابن عمر -﵄-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «حاذوا بين المناكب»، وإسناده صحيح.\nوكذلك بيَّن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ التسوية تحصل بالتراص، والتراص: هو التلاصق مع التسوية، قال أنس بن مالك -﵁- كما في «البخاري» (٧٢٥): فكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه.\nوثبت عن النعمان بن بشير -﵄- أنه قال: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه. أخرجه أبو داود (٦٦٢)، وإسناده حسن.","vol":"3","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1077>مسألة [٤]: المقاربة بين الصفوف</span>.\nأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالمقاربة بين الصفوف، وهذا الأمر أقل أحواله أنه يفيد استحباب ذلك.\nقال بعض أهل العلم: وذلك يحصل بأن لا يفرق بينهما تفريق كثير بحيث يمكن دخول صف آخر بينهما. قاله صاحب «المرقاة»، وتبعه صاحب «عون المعبود»، وبالله التوفيق.","vol":"3","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1078>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1079>مسألة [١]: الأحق في الصف الأول</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٥٧): السُّنَّةُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أُولُو الْفَضْلِ وَالسِّنِّ، وَيَلِي الْإِمَامَ أَكْمَلُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ. قَالَ أَحْمَدُ: يَلِي الْإِمَامَ الشُّيُوخُ، وَأَهْلُ الْقُرْآنِ، وَتُؤَخَّرُ الصِّبْيَانُ، وَالْغِلْمَانُ، وَلَا يَلُونَ الْإِمَامَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَقُولُ: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (^١)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1080>مسألة [٢]: هل الصبيان يصفون مع الرجال، أم يختصون بصف مؤخر</span>؟\nجاء حديث يتعلق بتأخير الصبيان إلى صف متأخر عقب الرجال، وهو ما أخرجه أحمد (٢٢٨٩٦)، وأبو داود (٦٧٧)، وغيرهما من طريق شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم قال: قال أبو مالك الأشعري -﵁- لقومه: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله - ﷺ -، فصف الرجال، ثم صف الولدان خلف الرجال، ثم صف النساء خلف الولدان.\nوهذا الحديث ضعيف؛ لأنه من طريق شهر بن حوشب، وهو ضعيف.\nوقد اعتمد كثير من الفقهاء على هذا الحديث؛ فقالوا بتأخير الصبيان إلى صف\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٤٣٢).","vol":"3","page":69},{"text":"منفرد عقب صف الرجال، وهو قول جمهور الشافعية، والحنابلة، والحنفية، وهذا القول لم يثبت دليله.\nوالصحيح أن الصبيان يدخلون مع الرجال في الصفوف، وهو قول المالكية، وبعض الشافعية، ويدل على ذلك حديث ابن عباس -﵄-، في الصحيحين: «أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله - ﷺ - يصلي بمنى، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي».\nوأخرج البخاري (١٣٢١) عن ابن عباس -﵄-: أن رسول الله - ﷺ -، مر بقبر قد دفن ليلا، فقال: «متى دفن هذا؟» قالوا: البارحة، قال: «أفلا آذنتموني؟» قالوا: دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك. فقام، فصففنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم؛ فصلى عليه.\nوقد بوب البخاري -﵀- على هذا الحديث: باب صفوف الصبيان مع الرجال في الجنائز.\nوفي «الصحيحين» عن أنس -﵁-، قالَ: صليتُ أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي - ﷺ -، وأمي أم سليمٍ خلفنا.\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٧٢٧): واستدل أيضًا بحديث أنسٍ هَذا على أنَّ الصبي يقوم في صفِّ الرجال مِن غير كراهةٍ. اهـ","vol":"3","page":70},{"text":"وقال ابن الملقن -﵀- في كتابه «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» (٢/ ٥٣٢): فيه أن للصبي موقفًا في الصف، وبه قال الجمهور.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم»: وهو الصحيح المشهور من مذهبنا، وعن أحمد كراهته في الفرائض، والمساجد. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أن الصبي الذي يحسن الصلاة، ويصلي صلاة صحيحة أن له حقًّا في الدخول في الصف مع الرجال كما تدل علىه الأحاديث المتقدمة، والله أعلم.\nهذا وإفرادهم في صف واحد فيه مفسدة؛ فإنهم يلعبون في الصلاة ويتخاصمون فيها، ودخولهم مع الرجال في الصفوف يبعد هذه المفسدة عنهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1081>مسألة [٣]: هل يؤخر الصبي الذي يحسن الصلاة من الصف الأول إذا سبق إليه</span>؟\nروى النسائي في «سننه» (٨٠٨) بإسناد صحيح عن قيس بن عباد قال: بينا أنا في المسجد في الصف المقدم فجبذني رجل من خلفي جبذة فنحاني، وقام مقامي فوالله ما عقلت صلاتي، فلما انصرف فإذا هو أبي بن كعب فقال: «يا فتى، لا يسؤك الله؛ إن هذا عهد من النبي - ﷺ - إلينا أن نليه»، ثم استقبل القبلة، فقال: «هلك أهل العقد ورب الكعبة» -ثلاثا- ثم قال: «والله ما عليهم آسى، ولكن آسى على من أضلوا» يعني بأهل العقد: «الأمراء».\n_________\n(^١) وانظر: «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (١/ ٥٧١).","vol":"3","page":71},{"text":"قال المرداوي -﵀- في «الإنصاف» (٢/ ٢٨٥) ط/إحياء التراث: الذي قطع به الإمام ابن رجب في القاعدة الخامسة والثمانين: جواز تأخير الصبي عن الصف الفاضل، وإذا كان في وسط الصف، وقال: صرح به القاضي، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، وعليه حمل فعل أبي بن كعب بقيس بن عباد. اهـ\nقلتُ: وذهب بعض الحنابلة إلى عدم تأخيره كما في «الإنصاف».\nقال الإمام العثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٣/ ١٧ - ١٨): في هذا نظرٌ، بل نقول: إنَّ الصبيان إذا تقدَّموا إلى مكانٍ، فهم أحقُّ به مِن غيرهم؛ لعموم الأدلَّة على أنَّ مَن سبقَ إلى ما لم يسبق إليه أحدٌ فهو أحقُّ به، والمساجدُ بيوتُ الله، يستوي فيها عباد الله، فإذا تقدَّم الصبيُّ إلى الصفِّ الأول -مثلًا- وجَلَسَ فليكنْ في مكانِه، ولأننا لو قلنا بإزاحة الصِّبيان عن المكان الفاضل، وجعلناهم في مكان واحد أدى ذلك إلى لَعبِهم؛ لأنَّهم ينفردون بالصَّفِّ، ثم هنا مشكل، إذا دخل الرِّجالُ بعد أن صفَّ الجماعة هل يُرجعونهم، وهم في الصلاة؟ وإن بَقَوا صفًّا كاملًا فسيُشوِّشون على مَنْ خلفَهم مِن الرِّجَال، ثم إنَّ تأخيرهم عن الصَّفِّ الأول بعد أن كانوا فيه يؤدِّي إلى محذورين:\nالمحذور الأول: كراهة الصَّبيِّ للمسجدِ؛ لأن الصَّبيَّ -وإنْ كان صبيًّا- لا تحتقره، فالشيء ينطبع في قلبه.\nالمحذور الثاني: كراهته للرَّجُل الذي أخَّره عن الصَّفِّ.\nفالحاصل: أنَّ هذا القولَ ضعيفٌ، أعني: القول بتأخير الصِّبيان عن أماكنهم،","vol":"3","page":72},{"text":"وأما قوله - ﷺ -: «لِيَلِني منكم أُولُو الأحلامِ والنُّهى» فمرادُه -صلوات الله عليه وسلامه- حَثُّ البالغين العقلاء على التقدُّم؛ لا تأخير الصِّغار عن أماكنهم. اهـ\nقلتُ: ويدل على عدم تأخيره، أن الصحابة قدموا عمرو بن سلمة الجرمي يصلي بهم، وهو ابن ست سنين، أو سبع، وكان أكثرهم قرآنًا، فكيف يؤخر من كان هذا حاله عن الصف الأول؟!.\nوقال عبد الرحمن بن القاسم النجدي -﵀- في «حاشيته على الروض المربع» (٢/ ٣٤١): قال بعض الأصحاب: الأفضل تأخير مفضول، وكذا تأخير صبي، واختاره الشيخ، وقطع به ابن رجب، لقصة عمر (^١)، وقال أحمد: يكره أن يقوم الصبي مع الناس في المسجد خلف الإمام. وقال في «الفروع»: وظاهر كلامهم في الإيثار بمكانه، وفيمن سبق إلى مكان، ليس له ذلك. أي: تأخير صبيان لبالغين لاتحاد جنسهم، وقاله الحافظ وغيره، واختاره القاضي وغيره، وهو مذهب الشافعي، وعليه عمل الناس، وصوبه في «الإنصاف» وقطع به المجد وغيره، وصرحوا بعدم الإيثار.\nوقوله:» ليلني ... «الحديث، لا يتم الاستدلال به على إخراجهم من صفوف الرجال البالغين، إنما فيه تقديم البالغين، أو نوع منهم، وإذا كانوا أقرأ ففيهم أهلية لذلك، واحتمال: أن يكونوا أولى فيعمل بالأحوط، وتقديمه فعل لا يدل على فساد\n_________\n(^١) ضعيف. يريد به ما أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤١٣) من طريق إبراهيم النخعي، أن عمر بن الخطاب -﵁-، كان إذا رأى غلامًا في الصف أخرجه. وهو ضعيف؛ لانقطاعه؛ فإن إبراهيم النخعي لم يدرك عمر بن الخطاب -﵁-.","vol":"3","page":73},{"text":"خلافه فإن الصبي إذا عقل القربة، كالبالغ في الجملة، وقد قدم عمرو في الإمامة وهو ابن ست أو سبع سنين، ففي المصافة أولى وقد يكون صبي أقرأ من مكلف ولا ينضبط.\nوقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وأحاديث «من سبق إلى مكان فهو أحق به» (^١)، و«لا يقم أحدكم أخاه من مجلسه» (^٢)، ونحو ذلك، مطلقة، وحديث أبي مالك، فيه شهرٌ، ويحمل فعل عمر، وقول أحمد، على نقرة الإمام (^٣) ما لم يكن أقرأ؛ لكونه أولى بالإمامة عند الحاجة إليه للاستخلاف، ولو كان تأخيرهم أمرًا مشهورًا؛ لاستمر العمل عليه، كتأخير النساء، ولنقل كما نقلت الأمور المشهورة نقلا لا يحتمل الاختلاف، وقال الحافظ على قول ابن عباس (وأنا فيهم): فيه أن الصبيان مع الرجال، وأنهم يصفون معهم، لا يتأخرون عنهم. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأفضل للصبيان الذين يحسنون الصلاة، أن لا يجلسوا خلف الإمام، وأن يتنحوا إلى جوانب الصف، فإذا سبق أحدهم إلى الصف الأول خلف الإمام، وهو يحسن الصلاة والطهارة، ويحفظ من القرآن؛ فإن وجد من هو أفضل منه أو مثيله من كبار السن البالغين في الصف الأول؛ فينحى إلى أحد جانبي الصف الأول، ويؤتى بالآخر مكانه؛ لأنه أحق بالاستخلاف إذا احتاج الإمام إلى استخلافه.\nوليس في حديث أبي بن كعب -﵁-، أن النبي - ﷺ - أمرهم بتأخير الصبيان الذين\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبو داود (٣٠٧١) من حديث أسمر بن مضرس، وفيه أربعة مجاهيل، يروي أحدهم عن الآخر، فهو مسلسل بالمجاهيل؛ فهو شديد الضعف.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٢٦٩)، ومسلم برقم (٢١٧٧) عن ابن عمر -﵄-.\n(^٣) يعني بذلك: نقرة القفا، وهي التي في مؤخرة الرقبة، عنى بذلك أن يكون مسامتًا للإمام.","vol":"3","page":74},{"text":"يحسنون الصلاة، وإنما هو فعل فعله أبي بن كعب -﵁-، وهو اجتهادٌ منه، ومن فعل كفعله فلا ينكر عليه ولكن يظهر أن تنحيته إلى جانب الصف أولى، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1082>مسألة [٤]: التعاون على تسوية الصفوف</span>.\nقال الإمام عبد الرزاق (٢/ ٤٧): عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، مولى ابن عمر قال: كان عمر يبعث رجلا يُقَوِّمُ الصفوفَ، ثم لا يكبر حتى يأتيه، فيخبره أن الصفوف قد اعتدلت.\nقلتُ: ورجال إسناده ثقات؛ إلا أن نافعًا لم يدرك عمر -﵁-، والأثر صحيح بالطريق التالية:\nقال الإمام عبد الرزاق -﵀- (٢/ ٤٨): وعن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان عمر لا يكبر حتى تعتدل الصفوف، يوكل بذلك رجالا. وإسناده أيضًا صحيح.\nوقال الإمام عبد الرزاق (٢/ ٤٩): عن هشام، عن مالك بن أبي عامر، عن عثمان بن عفان، أنه كان يقول في خطبته، قل ما يدع أن يخطب به: «إذا قام الإمام فاستمعوا وأنصتوا، فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظ مثل الذي يسمع، فإذا أقيمت الصلاة فاعدلوا الصفوف، حاذوا بالمناكب، فإن اعتدال الصف من تمام الصلاة»، ثم لا يكبر حتى يأتيه رجال قد وكلهم لتسوية الصفوف، يخبرونه أنها قد استوت، فيكبر.\nقلتُ: وإسناده أيضًا صحيح، رجاله رجال الشيخين.","vol":"3","page":75},{"text":"٤٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفقه الحديث:\nقال الإمام النووي -﵀- في شرح الحديث: أما صفوف الرجال فهي على عمومها، فخيرها أولها أبدًا، وشرها آخرها أبدًا، وأما صفوف النساء فالمراد بالحديث: صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، وأما إذا صلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها، والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء: أقلها ثوابًا، وفضلًا، وأبعدها من مطلوب الشرع، وخيرها بعكسه. انتهى المراد.\nوقال أيضًا: واعلم أنَّ الصف الأول الممدوح الذي قد وردت الأحاديث بفضله، والحث عليه هو الصف الذي يلي الإمام، سواء جاء صاحبه متقدمًا، أو متأخرًا، وسواء تخلله مقصورة ونحوها أم لا، هذا هو الصحيح الذي يقتضيه ظواهر الأحاديث، وصرح به المحققون.\nوقال طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه لا يتخلله مقصورة ونحوها؛ فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء فليس بأول،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٤٤٠).","vol":"3","page":76},{"text":"بل الأول ما لا يتخلله شيء وإن تأخر. وقيل: الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولًا، وإن صلى في صف متأخر. وهذان القولان غلط صريح، وإنما أذكره ومثله لأنبه على بطلانه؛ لئلا يغتر به، والله أعلم. انتهى.\nفائدة: يستفاد من حديث الباب أن صفوف النساء إذا كنَّ مع الرجال في مسجد واحد، بدون حاجز من الجدر؛ فتبنى من آخرها؛ فيبدَأْن بالصف المؤخر؛ ثم الذي أمامه، والله الموفق.","vol":"3","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1084>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1083>مسألة [١]: أيهما أفضل: ميمنة الصف، أم ميسرته</span>؟\nأكثر العلماء على أن ميمنة الصفوف أفضل، وجاء في ذلك حديث عن عائشة -﵂- عند أبي داود (٦٧٦): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنَّ الله، وملائكته يصلون على ميامن الصفوف».\nولكنه مُعَلٌّ، أعلَّه البيهقي في «سننه» (٣/ ١٠٣)، فقال: كذا قال يعني الراوي والمحفوظ بهذا الإسناد عن النبي - ﷺ -: «إن الله، وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف».\nويُغني عنه حديثها في «الصحيحين» (^١): «كان النبي - ﷺ - يعجبه التيمن ...».\nوفي حديث البراء -﵁- في «مسلم» (٧٠٩): «كُنَّا إذا صلينا خلف النبي - ﷺ - أحببنا أن نكون عن يمينه».\n_________\n(^١) تقدم الحديث في الكتاب برقم (٤١).","vol":"3","page":78},{"text":"٤٠٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْت عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1085>مسألة [١]: موقف الواحد من الإمام</span>.\n• ذهب عامة أهل العلم إلى أنه يقف عن يمينه بحذائه سواء، حتى قال ابن رجب -﵀-: هو كالإجماع من أهل العلم.\nوالدليل حديث ابن عباس -﵄-، الذي في الباب، ورُوي عن سعيد بن المسيب قال: يقيمه عن يساره، ورُوي عن النخعي أنه قال: يقوم خلف الإمام ما بينه وبين أن يركع الإمام؛ فإنْ جاء أحدٌ، وإلا تقدم إلى يمين الإمام.\nوالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1086>مسألة [٢]: إذا صلى المأموم عن يسار الإمام</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الصلاة صحيحة، ويكون مُسيئًا خالف السُّنَّةَ، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأصحاب الرأي.\n• وخالف أحمد وأصحابه فقالوا ببطلان صلاته إلا أن يكون عن يمين الإمام أحد.\nوالصواب قول الجمهور؛ لحديث ابن عباس -﵄- الذي في الباب والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٦)، ومسلم (٧٦٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٣/ ٥٣)، «الفتح» لابن رجب (٤/ ١٩١)، «شرح مسلم» (٥٣٤).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٣/ ٥٠ - ٥١)، «الفتح» لابن رجب (٤/ ١٩٦ - ١٩٧).","vol":"3","page":79},{"text":"٤٠٣ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقُمْت وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1087>مسألة [١]: موقف الاثنين من الإمام</span>.\n• ذهب ابن مسعود -﵁- إلى أنَّ أحدهما يقوم عن يمينه، والآخر عن شماله، وفعل ذلك مع الأسود، وعلقمة.\nقال النووي -﵀-: هذا مذهب ابن مسعود، وصاحبيه، وخالفهم جميع العلماء من الصحابة، فمن بعدهم إلى الآن، فقالوا: إذا كان مع الإمام رجلان وقفا وراءه صفًّا؛ لحديث جابر، وجبَّار بن صخر، وقد ذكره مسلم في «صحيحه» (^٢) في آخر الكتاب في الحديث الطويل عن جابر. انتهى من «شرح مسلم» (٥٣٤).\nوالحديث الذي أشار إليه فيه أنَّ جابرًا قام عن يمين النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وجاء جبَّار، فقام عن يسار رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأخذ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بيديهما جميعًا، وردَّهما إلى خلفه.\nويدل على ذلك أيضًا حديث أنس الذي في الباب، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٧)، ومسلم (٦٥٨).\n(^٢) انظر «صحيح مسلم» رقم (٣٠١٠).\n(^٣) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٢/ ٢٦٨).","vol":"3","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1088>مسألة [٢]: موقف الثلاثة فأكثر من الإمام</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٥٣٤): ...، وأجمعوا إذا كانوا ثلاثة، أنهم يقفون وراءه. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1089>مسألة [٣]: موقف المرأة من الإمام</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٥٣): وإنْ أمَّ امرأةً؛ وقفت خلفه؛ لأنَّ أم أنس وقفت خلفهما وحدها؛ فإنْ كان معهما رجلٌ؛ وقف عن يمينه، ووقفت المرأة خلفهما، وإنْ كان معهما رجلان؛ وقفا خلفه، ووقفت المرأة خلفهما؛ لحديث أنس.\nقال: وإنْ وقفت معهم في الصف في هذه المواضع؛ لم تبطل صلاتها، ولا صلاتهم. انتهى باختصار وتصرف.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٩٥ - ٣٩٦): وَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ يُحَاذِيهَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ. كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي حَفْصٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد. وَالثَّانِي: لَا تَبْطُلُ. كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمَا، مَعَ تَنَازُعِهِمْ فِي الرَّجُلِ الْوَاقِفِ مَعَهَا: هَلْ يَكُونُ فَذًّا أَمْ لَا؟ وَالمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَد بُطْلَانُ صَلَاةِ مَنْ يَلِيهَا فِي الْمَوْقِفِ. اهـ","vol":"3","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1091>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1090>مسألة [١]: إذا صلى المأمومون أمام الإمام</span>؟\n• في المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: لا تصح الصلاة، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما جُعِل الإمام ليؤتم به»، ولأنه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات وراءه؛ ولأنه خلاف هدي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد».\nالثاني: تصح الصلاة، ويُكره له ذلك، وهو قول مالك، وإسحاق؛ لأنه لا يمنع الاقتداء.\nالثالث: اختار شيخ الإسلام أنه لا تصح إلا لحاجة، كما يحصل في الجمعة، والعيد، وما أشبهه، قال: وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَأَرْجَحُهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَ التَّقَدُّمِ عَلَى الْإِمَامِ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَالْوَاجِبَاتُ كُلُّهَا تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ، وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ فَالْوَاجِبُ فِي الْجَمَاعَةِ أَوْلَى بِالسُّقُوطِ؛ وَلِهَذَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُصَلِّي مَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِنْ الْقِيَامِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَاللِّبَاسِ، وَالطَّهَارَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. اهـ\nواختار هذا القول الحافظ ابن القيم، ثم الشيخ ابن عثيمين رحمهما الله وهو الصحيح في المسألة، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٥٢)، «الشرح الممتع» (٤/ ٣٧٢)، «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٤٠٤)، «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٢).","vol":"3","page":82},{"text":"٤٠٤ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ -﵁-، أَنَّهُ انْتَهَى إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الصَّفِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «زَادَك اللهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ، (^١) وَزَادَ أَبُودَاوُد فِيهِ: فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إلَى الصَّفِّ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1092>مسألة [١]: من أدرك الإمام راكعًا، فهل تُعَدُّ له ركعة</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالأول: أنها تُعَدُّ ركعة، وهذا قول عامة أهل العلم، بل قال الإمام أحمد: إنه لم يخالف في ذلك أحدٌ من أهل الإسلام، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعًا.\nوقد صحَّ الاعتداد بذلك ركعةً عن بعض الصحابة، وهم: ابن مسعود، وابن عمر، وزيد بن ثابت -﵃-، وجاء عن غيرهم، وقد جاء في ذلك أحاديث صريحة، ولكنها ليست صحيحة، وهي:\nحديث أبي هريرة -﵁- عند أبي داود (٨٩٣)، وغيره مرفوعًا: «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود؛ فاسجدوا، ولا تَعدوا شيئًا، ومن أدرك الركعة؛ فقد أدرك الصلاة»، وفي إسناده يحيى بن أبي سليمان المدني، قال البخاري: منكر الحديث. وحديث أبي هريرة -﵁- عند ابن خزيمة (١٥٩٥) وغيره مرفوعًا بلفظ: «من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الإمام صلبه؛ فقد أدرك الصلاة»، وفي إسناده: يحيى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٧٨٣).\n(^٢) أخرجه أبوداود (٦٨٤)، وإسناده صحيح.","vol":"3","page":83},{"text":"ابن حميد ضعيفٌ، وقد تفرَّد بهذا اللفظ، والحديث في «الصحيحين»، وغيرهما بلفظ: «من أدرك ركعة من الصلاة؛ فقد أدرك الصلاة».\nوأصحُّ أدلة الجمهور حديث أبي بكرة الذي في الباب، وقد قيل: إنه ليس فيه دلالة؛ لأنه ليس فيه أنَّ أبا بكرة لم يَزِدْ ركعة، لكن قال الحافظ ابن رجب -﵀-: لم يكن حرص أبي بكرة على الركوع دون الصف؛ إلا لإدراك الركعة، وكذلك كل من أمر بالركوع دون الصف، ولو لم تكن الركعة تُدرك به؛ لم يكن فيه فائدة بالكلية؛ ولذلك لم يقل منهم أحد: إنَّ من أدركه ساجدًا؛ فإنه يسجد حيث أدركته السجدة، ثم يمشي بعد قيام الإمام حتى يدخل في الصف.\nثم قال: وهذا أمرٌ يفهمه كل أحد من هذه الأحاديث، والآثار الواردة في الركوع خلف الصف، فقول القائل: (لم يُصرِّحوا بالاعتداد بتلك الركعة)، هو من التَّعنُّت، والتشكيك في الواضحات.\nالقول الثاني: أنها لا تُعَدُّ ركعة، وهو قول ابن المديني، والبخاري، وابن خزيمة، والظاهرية؛ وذلك لأنه فاته مع الإمام القيام، والقراءة، وفي حديث عبادة -﵁-: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».\nوقد أخرج البخاري في «جزء القراءة» (ص ٣٧)، من طريق: ابن إسحاق، حدثني الأعرج، عن أبي هريرة، قال: لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائمًا قبل أن يركع. وإسناده ظاهره الحُسْن. وقد جاء عن أبي هريرة من طريق: عبد الرحمن بن إسحاق المديني، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أنه قال بالاعتداد بها ركعة.","vol":"3","page":84},{"text":"قال ابن رجب -﵀-: وأما المروِي عن أبي هريرة قد اختُلِفَ عليه فيه، وليس عبد الرحمن بن إسحاق المديني عند العلماء بدون ابن إسحاق.\nثم ذكر نصوص بعض العلماء في تقديم عبد الرحمن بن إسحاق على محمد بن إسحاق، ثم قال: وأيضًا فأبو هريرة لم يقل: (إنَّ من أدرك الركوع فاتته الركعة؛ لأنه لم يقرأ بفاتحة الكتاب) كما يقوله هؤلاء، إنما قال: (لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائمًا قبل أن يركع)، فعلَّلَ بفوات لحوق القيام مع الإمام، وهذا يقتضي أنه لو كبَّر قبل أن يركع الإمام ولم يتمكن من القراءة، فركع معه؛ كان مُدرِكًا للركعة، وهذا لا يقوله هؤلاء، فتبين أن قول هؤلاء مُحدث، لا سلف لهم به. اهـ\nوقال الإمام الألباني -﵀- في «الصحيحة»: وهذا لا يُخالف الآثار المتقدمة، بل يوافقها في الظاهر؛ إلا أنه يشترط إدراك الإمام قائمًا، وهذا من عند أبي هريرة، ولا نرى له وجهًا، والذين خالفوه أفقه منه، وأكثر، ورضي الله عنهم أجمعين. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، وهو أنَّ إدراك الركوع يُعتبر إدراكًا للركعة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1093>مسألة [٢]: إذا شك هل ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه، أم بعد رفعه</span>؟\nلا يُعتَدُّ بتلك الركعة عند جمهور العلماء؛ لأنَّ الأصل عدم ذلك، واليقين لا يزول بالشك. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ٨ -) «الصحيحة» (١/ ٤٠٣ -) رقم (٢٢٩) «المغني» (٢/ ١٨٢).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (٥/ ١٠) لابن رجب.","vol":"3","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1094>مسألة [٣]: هل يُشترط في إدراكه للركوع أن يطمئن فيه قبل أن يرفع الإمام رأسه</span>؟\n• أكثر العلماء قالوا: لا يكون مُدرِكًا للركعة إلا إذا كبَّر وركع قبل أن يرفع إمامه رأسه، ولم يشترط أكثرهم الطمأنينة مع الإمام قبل رفعه، واشترط بعض الحنابلة الطمأنينة مع الإمام قبل رفعه.\n• وذهب بعضهم إلى أنه يُدرك الركوع بإدراكه تكبيرة الإحرام، وهو قول عبدالرحمن بن أبي ليلى، والليث، وزُفَر.\nقلتُ: الصواب قول الجمهور، وهو أنه يُدرك الركعة بالركوع، ولا يُشترط أن يطمئن مع إمامه، ولكن يجب عليه أن لا يرفع رأسه حتى يطمئن بنفسه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1095>مسألة [٤]: الركوع دون الصف</span>.\n• صحَّ عن بعض الصحابة أنهم كانوا يركعون دون الصف، ثم يمشون إلى الصف، إذا أدركوا الإمام في ركوعه، وهم: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير -﵃-، وجاء عن أبي بكر الصديق -﵁-، بسند منقطع، وفعله جمعٌ من التابعين، منهم: عروة، ومجاهد، وأبو سلمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، وفي هذه المسألة حديث عبد الله بن الزبير -﵁-، عند الطبراني في «الأوسط» (٧٠١٢) بإسناد صحيح، أنه قال: إذا دخل أحدكم المسجد، والناس ركوع؛\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٥/ ١٣).","vol":"3","page":86},{"text":"فليركع حين يدخل، ثم يدبُّ راكعًا حتى يدخل في الصف؛ فإنَّ ذلك السُّنَّة. وصححه الإمام الألباني -﵀- في «الصحيحة» (٢٢٩).\nوقد قَيَّدَ جمعٌ من أهل العلم جواز ذلك بما إذا كان قريبًا من الصف، وهم: القاسم، والحسن، والزهري، والشافعي، والليث، والأوزاعي، وأحمد في رواية، وحُكِيَ عن مالك.\n• وذهب طائفة من أهل العلم إلى المنع من ذلك، وهو قول النخعي، وحُكِيَ عن الحسن، وهو قول أحمد في رواية، وهو ظاهر اختيار البخاري، وثبت عن أبي هريرة بإسناد حسن أنه قال: إذا دخلت والإمام راكع، فلا تركع حتى تأخذ مصافك من الصف. ورُوي مرفوعًا، وَوَقْفُهُ أصح.\nواستدل من قال بالمنع من ذلك بحديث أبي بكرة: «زادك الله حرصًا، ولا تعد».\n• وذهب بعضهم إلى أنه إنْ كان منفردًا لم يركع حتى يدخل الصف، وإنْ كان معه غيره ركعوا دون الصف، وهو قول إسحاق، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد في رواية، وحكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو القول بالجواز إذا كان قريبًا من الصف؛ لحديث عبد الله بن الزبير، وأما إذا كان بعيدًا من الصف، فلا؛ لأنه يحتاج إلى عملٍ كثيرٍ ينافي الصلاة، وفعل الصحابة يُحمل على أنهم كانوا قريبين من الصفوف، وهو صريحٌ في أثر زيد بن ثابت، وأما حديث أبي بكرة؛ فيُحمل قوله: «ولا تعد»،","vol":"3","page":87},{"text":"أي: إلى الإسراع، فيوافق الحديث الآخر: «إذا أُقيمت الصلاة؛ فلا تأتوها وأنتم تسعون ...» الحديث، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٧٨٣)، «المغني» (٣/ ٧٦ - ٧٧)، «الصحيحة» (٢٢٩).","vol":"3","page":88},{"text":"٤٠٥ - وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\n٤٠٦ - وَلَهُ عَنْ طَلْقِ (^٢) -﵁-: «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» (^٣)، وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ: «أَلَا دَخَلْت مَعَهُمْ أَوِ اجْتَرَرْت رَجُلًا؟». (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1096>مسألة [١]: صلاة الفذ خلف الصف</span>.\n• في المسألة قولان:\nالأول: الصحة، وهو قول الشافعي، وابن المبارك، والليث، واستدلوا بحديث أبي بكرة السابق.\nالثاني: البطلان، وهو قول الحسن بن صالح، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، ووكيع، وابن المنذر وأكثر أهل الظاهر وغيرهم. واستدلوا بحديث وابصة وعلي\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٨)، وأبوداود (٦٨٢)، والترمذي (٢٣٠)، وابن حبان (٢١٩٨ - ٢٢٠١)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) صوابه: (علي بن شيبان) كما في التخريج، والمثبت في «البلوغ» يُعتبر وهَمًا من الحافظ، والله أعلم.\n(^٣) صحيح لغيره. أخرجه ابن حبان (٢٢٠٢) من حديث علي بن شيبان، وفي إسناده عبدالرحمن بن علي بن شيبان وهو مجهول الحال. والحديث صحيح بشاهده الذي قبله.\n(^٤) ضعيف جدًا. أخرجه الطبراني (٢٢/ ١٤٥ - ١٤٦) وفي إسناده السري بن إسماعيل، وهو متروك بل قد كُذِّب.","vol":"3","page":89},{"text":"ابن شيبان اللَّذَيْنِ في الباب.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الراجح، وأما حديث أبي بكرة، فقد أجاب عنه شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٩٧)، فقال: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ صَلَّى مُنْفَرِدًا خَلْفَ الصَّفِّ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، فَقَدْ أَدْرَكَ مِنْ الِاصْطِفَافِ المَأْمُورِ بِهِ مَا يَكُونُ بِهِ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقِفَ وَحْدَهُ ثُمَّ يَجِيءُ آخَرُ فَيُصَافُّهُ فِي الْقِيَامِ؛ فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فِيهِ النَّهْيُ بِقَوْلِهِ: «وَلَا تَعُدْ»، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الرَّكْعَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْفَذِّ؛ فَإِنَّهُ أَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا مُبَيَّنٌ مُفَسَّرٌ، وَذَلِكَ مُجْمَلٌ، حَتَّى لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ بِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّفِّ بَعْدَ اعْتِدَالِ الْإِمَامِ كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ؛ لَكَانَ سَائِغًا فِي مِثْلِ هَذَا دُونَ مَا أَمَرَ فِيهِ بِالْإِعَادَةِ، فَهَذَا لَهُ وَجْهٌ. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1097>مسألة [٢]: إذا دخل في الصف بعد أن رفع الإمام رأسه</span>؟\n• ذهب الإمام أحمد في رواية إلى بطلان صلاته؛ إلا أن يكون جاهلًا، وهو المشهور عنه، واختار ذلك الخِرَقِي.\n• والرواية الأخرى عن أحمد بصحة الصلاة، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وهذا أقرب إلى الصواب؛ لأنَّ الركوع دون الصف مشروعٌ؛ لحديث عبد الله بن الزبير الذي تقدم، وقد شُرِعَ لإدراك الركعة، ومعلوم أنه إن\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٥/ ١٧)، لابن رجب.","vol":"3","page":90},{"text":"ركع دون الصف في آخر ركوع الإمام؛ فإنه لن يتقدم حتى يرفع رأسه، وليس هناك دليل على إبطال صلاته إذا تقدم بعد ركوعه، وإنْ رفع الإمام رأسه، وكذلك ليس في حديث أبي بكرة التصريح بأنه دخل في الصف، وما زال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- راكعًا، بل هو محتمل، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1098>مسألة [٣]: ماذا يصنع من لم يجد من يصف معه</span>؟\n• إذا استطاع أن يُقارب بين المأمومين حتى يجد مكانًا فيدخل فيه؛ فعَلَ، وإنْ لم يستطع واستطاع أن يدخل إلى يمين الإمام بدون إساءة إلى المأمومين؛ فعل ذلك، وقد رخَّص في ذلك جمهور الحنابلة.\nوأما إذا لم يستطع ذلك؛ لِبُعْدِ الإمام، أو المشقة، فهل له أن يجذب بعض من في الصف، أم لا؟\n• كره ذلك جماعة من أهل العلم، وهم: أحمد، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو حنيفة، وداود، واستحب ذلك الشافعي، وهو الصحيح عند الشافعية، وحكاه ابن المنذر عن عطاء والنخعي.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأظهر أنه يجوز جذبه إن كان الصف لا ينقطع، وذلك بتقارب المأمومين، وسدِّ الفُرْجَة، وأما إن لم تُسد الفرجة؛ فلا، والله أعلم.\n• وذهب شيخ الإسلام إلى عدم الجذب، بل قال: يُصلي منفردًا للحاجة إلى ذلك، واختاره الشيخ ابن عثيمين. وهذا القول هو الصحيح؛ فإنه لا تُفَوَّتُ الجماعةُ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٧٧).","vol":"3","page":91},{"text":"من أجل المصافة مع آخر؛ فقد أمر الشرع بالمحافظة على الجماعة في صلاة الخوف، مع تفويت أمور أخرى واجبة متعلقة بالجماعة، وهي المتابعة؛ فههنا كذلك.\nويحمل حديث وابصة وعلي بن شيبان -﵄- على من وجد قدرة على الدخول في الصف؛ فقصَّر ولم يدخل، أو صلى بصف منفرد قبل تمام الصف الأول، والله أعلم.\n• بينما اختار الإمام ابن باز، والإمام الوادعي رحمة الله عليهما أنه ينتظر حتى يأتيه إنسان آخر يصافه؛ فإن انتهت الجماعة صلَّى منفردًا، وذلك فيما إذا لم يستطع الانضمام معهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1099>مسألة [٤]: من الذي تصح مصافته، وتزول الفردية به</span>؟\nكل من صحَّتْ صلاته جازت مصافته، وتزول الفردية به؛ إلا المرأة؛ فإنه لا يجوز مصافتها، ولكنها إذا صفَّتْ مع الرجل زالت الفردية على الصحيح.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٥٦): ومن وقف معه كافرٌ، أو من لا تصح صلاته؛ لم تصح مصافته؛ لأنَّ وجوده وعدمه واحد، وإنْ وقف معه فاسق، أو متنفل صار صفًّا؛ لأنهما رجلان صلاتهما صحيحة.\nوكذلك لو وقف قارئ مع أُمِيٍّ، أو من به سلس البول مع صحيح، أو متيمم مع متوضئ؛ كان صفًّا لما ذكرنا. انتهى المراد.\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٢٩٩)، «غاية المرام» (٦/ ٣١١ - ٣١٢)، «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٩٦)، «فتاوى اللجنة» (٨/ ٦ - ١٠).","vol":"3","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1100>مسألة [٥]: إذا ابتدأ الصلاة منفردًا فجاء آخر فصف معه ومازال قائمًا قبل أن يركع</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- -ضمن كلامه على حديث أبي بكرة -﵁- -: ...، فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مُدرِكًا للركعة؛ فهو بمنزلة أن يقف وحده، ثم يجيء آخر فيصافه في القيام؛ فإنَّ هذا جائزٌ باتفاق الأئمة. انتهى من «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٩٧).","vol":"3","page":93},{"text":"٤٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، وَالوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1101>مسألة [١]: حكم الإسراع في المشي إلى الصلاة</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٣/ ٥٦٧): وقد أجمع العلماء على استحباب المشي بالسكينة إلى الصلاة، وترك الإسراع والهرولة في المشي؛ لما في ذلك من كثرة الخطا إلى المساجد. اهـ\n• وقد رخَّصَ بعض أهل العلم بالإسراع إذا خشي أن تفوته الركعة، أو تكبيرة الإحرام، منهم: الأسود، وعبد الرحمن بن يزيد، وسعيد بن جبير، وإسحاق، ومالك، وأحمد في رواية، قال أحمد: ما لم يكن فيه عجلة تقبح.\n• بينما ذهب الجمهور من أهل العلم إلى عدم الإسراع بكل حال، وهو قول بعض الصحابة، والتابعين، وقال به الثوري، وأحمد في رواية.\nوهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\nفائدة: سئل شيخ الإسلام -﵀- عن الإسراع ممن خشي أن تفوته\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣٦)، ومسلم (٦٠٢).\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٣/ ٥٦٧ - ٥٦٨).","vol":"3","page":94},{"text":"صلاة الجمعة؟\nفأجاب: الحمد لله، إذا خشي فوت الجمعة؛ فإنه يسرع حتى يدرك منها ركعة فأكثر، وأما إذا كان يدركها مع المشي وعليه السكينة؛ فهذا أفضل، بل هو السنة، والله أعلم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1102>مسألة [٢]: هل ما يدركه المسبوق مع الإمام هو أول صلاته، أم آخرها</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنَّ ما أدركه مع الإمام هو أول صلاته، وما قام يتمه هو آخر صلاته، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، وعمر بن عبدالعزيز، ومكحول، وعطاء، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية. واستُدِلَّ لهم بحديث الباب: «ما أدركتم؛ فصلوا، وما فاتكم؛ فأتموا»، وقد ثبت عن علي -﵁- كما في «مصنف ابن أبي شيبة» القول به من طريقين يقوي أحدهما الآخر.\nالثاني: أنَّ ما أدركه مع الإمام هو آخر صلاته، وما قام يقضيه هو أول صلاته، وهو قول الحنفية، وأحمد، ومالك في رواية عنهما، وهو قول الثوري، واسْتُدِلَّ لهم برواية: «وما فاتكم؛ فاقضوا» وصحَّ هذا عن ابن عمر وابن مسعود -﵄- كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و«الأوسط» لابن المنذر.\nقال الإمام ابن المنذر -﵀-: وبالقول الأول أقول، وذلك أنهم مجمعون لا اختلاف بينهم أن تكبيرة الافتتاح تكون في أول ركعة من الصلاة، ويلزم من خالفنا أن يقول: إن الذي يدركه مع الإمام أول صلاته؛ لأن التكبيرة الأولى تفتتح","vol":"3","page":95},{"text":"الصلاة، وغير جائز أن يجمعوا على أن التكبيرة الأولى التي يفتتح بها المصلي الصلاة في أول ركعة، ثم يقلب ما أجمعوا عليه أنها أولى فتجعل آخره؛ لأن الآخرة غير الأولى، ومن زعم أنها أول ركعة في افتتاح الصلاة وهي آخر ركعة في باب القراءة، فقد جعل الأولى آخرة، والآخرة أولى.\nويقال لمن خالفنا: ما تقول في رجل أدرك مع الإمام من المغرب ركعتين؟، فإن زعم أنهما الركعتان الآخرتان، قيل له: فلم أمرته بالجلوس في الركعة التي يقضيها وهي عندك أولى، والأولى لا جلوس فيها؟ وفي أمر كل من نحفظ عنه من أهل العلم بالجلوس في هذه الركعة والتسليم فيها بيان أنها الثالثة، إذ لا جلوس في الأولى من صلاة المغرب ولا تسليم له. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، وهو ترجيح الإمام العثيمين -﵀-، وأما رواية: «وما فاتكم؛ فاقضوا»، فالمراد بالقضاء الإتمام، كما بينته الرواية الأخرى، وكما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:٢٠٠].\nوقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٠٣].\nوقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة:١٠]. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٦٣٦)، «فتاوى العثيمين» (١٥/ ١٢١)، «المغني» (٣/ ٣٠٦)، «الأوسط» (٤/ ٢٣٨)، «ابن أبي شيبة» (٢/ ٣٢٤).","vol":"3","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1103>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1104>مسألة [١]: المسبوق بركعتين، هل يقرأ سورةً مع فاتحة الكتاب في الأخريين</span>؟\n• في المسألة قولان مبنيان على المسألة السابقة:\nالأول: أنه لا يقرأ؛ إلا بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة]، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، وعطاء، والزهري، والمزني، وإسحاق، وداود، ومكحول، والأوزاعي، وابن الماجشون؛ لأنها في حقِّ المأموم ثالثة، ورابعة، والمشروع فيها قراءة الفاتحة. وهو قول علي -﵁- كما تقدمت الإشارة في المسألة السابقة.\nالثاني: أنه يقرأ مع الفاتحة بما تيسر من القرآن؛ صحَّ هذا عن ابن عمر وابن مسعود -﵄- كما في مصنف ابن أبي شيبة، والأوسط لابن المنذر، وهو قول مجاهد، ومحمد بن سيرين، ومالك، والثوري والشافعي، وأحمد، وذلك لئلا تخلو الصلاة من قراءة شيء غير الفاتحة، ولأنها قضاء، وهي تُعتبر في حَقِّه أول صلاته.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو القول الأول، قال ابن عبد البر: وهو","vol":"3","page":97},{"text":"قياس مذهب من يقول: إنَّ ما أدركه مع الإمام هو أول صلاته. اهـ\nولا بأس إذا كان في صلاة الظهر أن يقرأ؛ فقد أخرج مسلم (٤٥٢)، عن أبي سعيد أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقرأ في الأُخْرَيين من الظهر قدر خمس عشرة آية، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: من تمكن من قراءة شيء مع الفاتحة فيما أدركه مع الإمام؛ فإنه يجزئه ولا يقرأ في الأخريين حتى عند القائلين بذلك، قال ابن رجب: ولم أجد لأحمد، ولا لغيره من الأئمة نصًّا صريحًا أنه يقرأ بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وسورة فيما أدركه خلف الإمام، ثم يعيد ذلك فيما يقضيه. انتهى المراد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1105>مسألة [٢]: بِمَ تُدرَكُ الجماعة</span>؟\n• فيها قولان:\nالأول: أنَّ الجماعة تُدرك بإدراك المأموم الإمامَ قبل أن يسلم، ولو بشيء يسير، وهذا قول أحمد في المشهور عنه، والشافعي وأصحابه، والحنفية، وهو قول أبي وائل، ويدل على هذا القول حديث أبي هريرة الذي في الباب: «ما أدركتم؛ فصلوا، وما فاتكم؛ فأتموا».\nالثاني: أنَّ الجماعة تُدرك بإدراك ركعة كاملة، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، ووجهٌ عند الشافعية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قول عطاء، واستدلوا بحديث: «من أدرك ركعةً من الصلاة؛ فقد أدرك الصلاة» (^٣)، قالوا:\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٦٣٦)، «ابن أبي شيبة» (٢/ ٣٢٤)، «الأوسط» (٤/ ٣٢٨).\n(^٢) انظر: «الفتح» لابن رجب (٣/ ٥٧٥ - ٥٧٦، ٥٧٧، ٥٧٨).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٥٨٠)، ومسلم برقم (٦٠٧) من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"3","page":98},{"text":"المراد به إدراك الجماعة، فقد جاء في رواية في «صحيح مسلم»: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام؛ فقد أدرك الصلاة».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القولان قويان، والقول الأول أقرب إلى الصواب، وأما حديثهم؛ فالمراد به إدراك الوقت قبل خروجه كما جاء في حديث أبي هريرة -﵁-، في «الصحيحين» (^١) من طرق أخرى بلفظ: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرك الصبح»، ومثله في العصر.\nوأما زيادة: «مع الإمام» في رواية مسلم؛ فهي زيادة غير محفوظة.\nفقد أخرجها مسلم (٦٠٧)، من طريق حرملة عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁-.\nثم أخرج من طريق: ابن عيينة، والأوزاعي، ومالك بن أنس، ويونس من رواية ابن المبارك عنه، وعبيد الله بن عمر، بدون الزيادة.\nقال الإمام مسلم -﵀-: لم يذكروا قوله: «مع الإمام».\nقلتُ: ورواه عن الزهري أيضًا: شعيب بن أبي حمزة، ويحيى بن سعيد، ويزيد ابن الهاد، وابن جريج، وقُرَّة بن عبد الرحمن، بدون هذه الزيادة. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٧٩)، ومسلم برقم (٦٠٨).\n(^٢) انظر: «المسند الجامع» (١٦/ ٦٤٥)، «غاية المرام» (٦/ ٦٦)، «الشرح الممتع» (٤/ ٢٤١)، «الفتح» لابن رجب (٣/ ٢٥٠ -)، رقم (٥٨٠)، «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٢٥٥ - ٢٥٧، ٣٣٠ - ٣٣٢).","vol":"3","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1106>مسألة [٣]: إذا وافق التشهدُ الأوسطُ للمسبوق التشهدَ الأخيرَ للإمام، فهل يتابعه في الدعاء</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكتفي بالتشهد، ولا يتابعه في الدعاء، وهو قول الحسن، وأحمد.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يتم مع الإمام ويدعو، وهو قول عطاء، ويظهر أن هذا أقرب؛ لعموم قوله ﵊: «إنما جعل الإمام ليؤتم به». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1107>مسألة [٤]: إذا تشهد الإمام في موضع ليس للمسبوق فيه تشهد</span>؟\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- (٣/ ٥٨١): فإن كان تشهد الإمام في وتر من صلاة المأموم؛ فإنه يتابعه في جلوسه بغير خلاف، وهل يتشهد معه فيه، أم لا؟ على قولين:\nأحدهما: يتشهد معه، وهو قول الحسن، وابن المسيب، وعطاء، ونافع، والزهري، والثوري، وأحمد قال: أحبُّ إليَّ أن يتشهد.\nوالثاني: لا يتشهد، وهو قول النخعي، ومكحول، وعمرو بن دينار، والأوزاعي، قال النخعي، والأوزاعي: يسبح، ويكتفي به. اهـ\nقلتُ: الصواب القول الأول؛ لعموم قوله ﵊: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، والله أعلم.\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٣/ ٥٨١).","vol":"3","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1108>مسألة [٥]: هل للمسبوقين الذين أدركوا الجماعة إذا سلم إمامهم أن يقدموا أحدًا يؤمهم</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالأول: الجواز، وهو قول عطاء، وابن سابط، ورواية عن أحمد، ووجه للشافعية.\nالثاني: المنع، وهو قول الحسن، ورواية عن أحمد، ووجهٌ للشافعية.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني أقرب إلى الصواب، والله أعلم؛ لأنهم قد أدركوا الجماعة.\nوالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سُبِقِ مع المغيرة بن شعبة بركعة، فلمَّا سلَّم عبد الرحمن بن عوف قام النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والمغيرة، فصلَّيا ما سُبِقَا به، ولم يؤم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المغيرة بن شعبة (^١)، وخير الهدي هديه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1109>مسألة [٦]: هل يتابع المسبوق إمامه في سجود السهو</span>؟\n• ذهب مالك إلى أنه لا يلزمه المتابعة، ووافقه الأوزاعي، والليث.\n• وخالفهم الجمهور، فقالوا بالمتابعة؛ لحديث: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به».\nوقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1110>مسألة [٧]: هل يُتابع المسبوق المسافر إمامه الحاضر في إتمام الصلاة</span>؟\n• ذهب مالك، وأحمد في رواية إلى أنه لا يلزمه المتابعة، بل له أن يصليها قصرًا.\n• وخالفهم الجمهور، وهو قول أحمد في رواية، فقالوا بالمتابعة للحديث المتقدم.\nقال أبو عبدالله غفر الله له: إن كان نوى الإتمام؛ لزمه الإتمام، وإن كان نوى القصر؛ فله أن يقصر؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات».\nوكما يجوز لمن فاتته الفجر أن يصليها خلف من يصلي الظهر فكذلك ههنا، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٧٤) (٨١)، من حديث المغيرة -﵁-.\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٣/ ٥٨٤).\n(^٣) انظر: «الفتح» (٣/ ٢٥٣)، رقم (٥٨٠).\n(^٤) وانظر: «الفتح» (٣/ ٢٥٣)، رقم (٥٨٠).","vol":"3","page":101},{"text":"٤٠٨ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللهِ ﷿». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه فضيلة الجماعة، والاجتماع، ويؤيده حديث ابن عباس -﵄-، عند الترمذي (٢١٦٦) مرفوعًا: «يد الله مع الجماعة»، وهو في «الصحيح المسند» برقم (٦٠٣) للإمام الوادعي -﵀-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1111>مسألة [١]: ما هو أقل الجماعة</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤/ ٥٣): لا نعلم خلافًا أنَّ الجماعة تنعقد باثنين إذا كانا من أهل التكليف، ولو كان المأموم امرأة، فأما إنْ كان صبيًّا؛ فعن أحمد رواية أنها تنعقد به النافلة دون المكتوبة، والجمهور على أنها تنعقد به مطلقًا،\n_________\n(^١) أخرجه أبوداود (٥٥٤)، والنسائي (٢/ ١٠٤ - ١٠٥)، وابن حبان (٢٠٥٦)، وفي إسناده أبو بصير رجل مجهول.\nوفي الباب حديث قباث بن أشيم -﵁-: أخرجه ابن سعد (٧/ ٤١١)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٧/ ١٩٢)، وابن أبي عاصم (٩٢٦)، والبزار (٤٦١)، والطبراني (١٩/ ٧٣، و٧٤)، والحاكم (٣/ ٦٢٥)، من طرق عن يونس بن سيف، عن عبد الرحمن بن زياد، عن قباث بن أشيم الليثي -﵁-، أن رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة الرجلين أحدهما مع الآخر أزكى عند الله ﷿ من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله ﷿ من صلاة مائة تترى»، وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لأن عبد الرحمن بن زياد مجهول، ومن قَوَّى الحديث بالطريقين فله وجهٌ.","vol":"3","page":102},{"text":"سواء المكتوبة والنافلة. اهـ\nويدل على انعقادها باثنين صلاة ابن عباس -﵄-، مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في صلاة الليل، وكذلك حذيفة، وابن مسعود، وكلها في «الصحيح».\nوحديث أبي سعيد: «من يتصدق على هذا، فيصلي معه؟» فقام رجلٌ، فصلَّى معه. (^١)\nوتنعقد بالصبي كما قال الجمهور؛ لأنَّ ما صحَّ في النافلة، صحَّ في الفريضة، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣/ ٥)، وأبو داود (٥٧٤) بإسناد صحيح.","vol":"3","page":103},{"text":"٤٠٩ - وَعَنْ أُمِّ وَرَقَةَ -﵂-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1112>مسألة [١]: حكم صلاة النساء جماعة بينهن</span>.\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: الاستحباب، وهو قول عطاء، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأحمد في رواية، واستدلوا على ذلك بحديث أم ورقة الذي في الباب، وبما جاء عن أم سلمة، وعائشة أنهن كُنَّ يَؤُمَنَّ النساء، وأثر أم سلمة له طريقان يحسَّن بهما كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٨٨ - ٨٩)، وأثر عائشة له ثلاثة طرق يُحَسَّن بها كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٨٩)، و«مصنف عبدالرزاق» (٣/ ١٤١).\nالثاني: الكراهة مع الإجزاء، وهو قول الحنفية، وأحمد في رواية.\nالثالث: الجواز في التطوع، وهو قول الشعبي، والنخعي، وقتادة.\nالرابع: المنع، وهو قول الحسن، وسليمان بن يسار، ومالك.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٥٩٢)، وابن خزيمة (١٦٧٦)، وأخرجه أيضًا أحمد (٦/ ٤٠٥)، وغيرهم، ومدار طرقه على الوليد بن عبدالله بن جميع، وهو حسن الحديث، ولكنه اضطرب في هذا الحديث، فتارة يرويه عن عبدالرحمن بن خلاد الأنصاري عن أم ورقة، وتارة يرويه عن جدته عن أم ورقة، وتارة يرويه عن عبدالرحمن بن خلاد وجدته عن أمها عن أم ورقة، وتارة يرويه عن جدته عن أبيها. وعبدالرحمن بن خلاد، وجدة الوليد كلاهما مجهول، فالحديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"3","page":104},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، وهو ترجيح ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (٢/ ٣٥٧)، فقد قال بعد أن ذكر حديث أم ورقة، وأثر عائشة، وأم سلمة: \"ولو لم يكن في المسألة إلا عموم قوله - ﷺ -: «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»؛ لَكَفَى\". انتهى.\nقلتُ: ولكن ينبغي أن لا تتكلف الجماعة في حق النساء؛ لأنَّ التكلف في ذلك لم يكن معهودًا، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٣٧)، «المجموع» (٤/ ١٩٩).","vol":"3","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1113>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1114>مسألة [١]: إذا صلَّتِ المرأةُ بالنساء، فأين تقوم</span>؟\n• جاء في أثر عائشة -﵂-، أنها كانت تؤم النساء، فتقوم وسطهن، وكذلك في أثر أم سلمة، وكلاهما صالح للحجية بطرقه، وقد أخذ بذلك أهل العلم.\nقال ابن قدامة -﵀-: لا نعلم خلافًا بين من رأى لها أن تؤمهن أنها تقوم وسطهن.\nقلتُ: والواقع وجود الخلاف، فقد خالف ابن حزم في «المحلَّى»، فقال بأنها تتقدم كما يفعل الرجال.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب أنها تؤمهن في وسط الصف، كما فعلت عائشة وأم سلمة -﵄- وإن تقدمت كما يصنع الرجال فلا ينكر ذلك والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1115>مسألة [٢]: وقوف المرأة مع الرجال في الصف</span>.\nوقوف المرأة مع الرجال في الصف لغير ضرورة خلاف السنة، وغير مشروع، واختلفوا في بطلان من صلَّى بجوار المرأة على قولين:\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٣٨)، «المحلَّى» (٤٩١)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٨٨ - ٨٩)، «مصنف عبد الرزاق» (٥٠٨٢ -).","vol":"3","page":106},{"text":"الأول: أنَّ صلاته لا تبطل.\nوهو قول الشافعي، ومالك، وجماعة من الحنابلة، وعزاه النووي للجمهور.\nالثاني: أنها تبطل.\nوهو قول أبي حنيفة، وجماعة من الحنابلة.\nواختار ابن قدامة -﵀- القول الأول، وهو الذي نختاره، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1116>مسألة [٣]: صلاة المرأة منفردة خلف صف النساء في جماعة النساء</span>.\n• في هذه المسألة وجهان عند الحنابلة:\nفمنهم من قال: حكمها حكم صلاة الرجل منفردًا خلف الصف.\nومنهم من قال: إنَّ صلاتها تصح؛ لأنَّ المرأة وحدها صف.\nواختار الشيخ ابن عثيمين -﵀- القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1117>مسألة [٤]: خروج المرأة إلى جماعة الرجال في المسجد</span>.\n• عامة أهل العلم على جواز الخروج إلى المسجد لِتُصلِّيَ جماعة مع الرجال.\n• ولكن أصبح كثير من أهل العلم يكرهون خروجها؛ لما يحصل من فتنة بخروجها؛ حتى جاء عن عائشة -﵂- كما في «الصحيحين» (^٣) أنها قالت: لو يعلم\n_________\n(^١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٩٥)، و«المغني» (٣/ ٤١)، «المجموع» (٤/ ٢٩٩).\n(^٢) انظر: «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ٢٦٧)، «الشرح الممتع» (٤/ ٣٨٧).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٨٦٩)، ومسلم برقم (٤٤٥).","vol":"3","page":107},{"text":"رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما أحدث النساء؛ لَمنَعَهُنَّ المسجد كما مُنِعَتْ نساء بني إسرائيل.\n• وجاء عن بعض أهل العلم أنه رخَّص للعجائز دون الشابات؛ لما يحصل من فتنة بخروجهن، وهو قول الشافعي، ومالك في رواية، وجمعٍ من الحنابلة.\n• وجاء عن بعضهم أنه رخَّص لها في الجُمَعِ دون سائر الصلوات، وهو قول مالك في رواية، وجمعٍ من الحنابلة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي نختاره جواز خروجها إلى المسجد إذا لم تحصل فتنة، وصلاتها في بيتها خير لها، كما في الحديث: «وبيوتهن خير لهن»، وهو قول عامة أهل العلم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1118>مسألة [٥]: هل يجب عليها استئذان زوجها</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٣١٨): لا نعلم خلافًا بين العلماء أنَّ المرأة لا تخرج إلى المسجد إلا بإذن زوجها، وهو قول ابن المبارك، والشافعي، ومالك، وأحمد، وغيرهم. لكن من المتقدمين من كان يكتفي في إذن الزوج بعلمه بخروج المرأة من غير منعٍ.\nثم ذكر قصة عاتكة بنت زيد أنها كانت تخرج بعلم عمر، وكانت تقول: لأَخْرُجَنَّ إلا أن تمنعني. فلا يمنعها. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ٣٠٨ -)، رقم (٨٦٧ -).\n(^٢) أخرجه مالك (١/ ١٩٨) بإسناد منقطع، وأخرجه أحمد (١/ ٤٠) من وجه آخر بإسناد منقطع بنحوه؛ فالقصة ثابتة من الطريقين، وأصلها في «البخاري» برقم (٩٠٠) من غير تسمية عاتكة -﵂-.","vol":"3","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1119>مسألة [٦]: هل للزوج أن يمنع امرأته من الخروج، أم لا</span>؟\n• فيها قولان:\nالأول: أنه لا يجوز له المنع، وهو قول عمر، وابنه عبد الله، وقال به ابن المبارك، ومالك، وغير واحد.\nالثاني: أنَّ له المنع، حُكي عن الشافعي، وقاله القاضي أبو يعلى من الحنابلة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، ولا ينبغي أن يُخْتَلَف فيه بعد قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها» (^١) متفق عليه عن ابن عمر -﵄-.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وهذا لابد من تقييده بما إذا لم يَخَفْ فتنةً، أو ضررًا.\nقلتُ: وفي المسألة قولٌ ثالث، وهو الكراهة، قال به بعض الحنابلة. (^٢)\nتنبيه: إذا خرجت المرأة إلى المسجد؛ فيجب عليها أن تخرج غيرَ مُتطيبة، ولا مُظهِرة زينتها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولكن لِيَخْرُجن تَفِلَات»، أخرجه أبو داود (٥٦٥) عن أبي هريرة، وهو في «الصحيح المسند» (١٢٧٦)، ولقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا شهدت إحداكن العشاء الآخرة؛ فلا تَمس طيبًا»، أخرجه مسلم (٤٤٣) عن زينب الثقفية -﵂-.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٨٦٥)، ومسلم برقم (٤٤٢).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (٥/ ٣١٩ - ٣٢٠).","vol":"3","page":109},{"text":"٤١٠ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، يَؤُمُّ النَّاسَ، وَهُوَ أَعْمَى. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد. (^١)\n\n٤١١ - وَنَحْوُهُ لِابْنِ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ -﵂-. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1120>مسألة [١]: حكم إمامة الأعمى</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٢٧ - ٢٨): وَأَمَّا الْأَعْمَى فَلَا نَعْلَمُ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ خِلَافًا، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَا حَاجَتُهُمْ إلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ أَؤُمُّهُمْ وَهُمْ يَعْدِلُونَنِي إلَى الْقِبْلَةِ؟!، وَالصَّحِيحُ عَنْ ابْنِ\n_________\n(^١) حسن لغيره. أخرجه أحمد (٣/ ١٣٢)، وأبوداود (٥٩٥)، من طريق عمران القطان، عن قتادة، عن أنس به. واللفظ لأبي داود. وإسناده ضعيف، عمران القطان فيه ضعف، وقد خولف في الإسناد، فرواه همام بن يحيى عن قتادة مرسلًا بدون ذكر أنس. أخرجه كذلك ابن سعد في «الطبقات» (٤/ ١٥٥) قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: حدثنا همام عن قتادة قال: استخلف النبي - ﷺ - ابن أم مكتوم مرتين على المدينة، وهو أعمى. والحديث حسن بشاهده الذي بعده.\n(^٢) حسن. أخرجه ابن حبان (٢١٣٤) قال: أخبرنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا أمية بن بسطام، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا حبيب المعلم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂- به. وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات؛ إلا أمية بن بسطام؛ فإنه حسن الحديث.\n\nوله شاهد من مراسيل الشعبي: أخرجه ابن سعد (٤/ ١٥٥) قال: أخبرنا وكيع بن الجراح، ومحمد بن عبد الله الأسدي ويحيى بن عباد، قالوا: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي، قال: استخلف رسول الله - ﷺ - عمرو ابن أم مكتوم يؤم الناس، وكان ضرير البصر. وهذا إسناد حسن إلى الشعبي -﵀-؛ رجاله ثقات، إلا يونس بن أبي إسحاق؛ فإنه حسن الحديث. وانظر «الإرواء» (٢/ ٣١١ - ٣١٢).","vol":"3","page":110},{"text":"عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّ وَهُوَ أَعْمَى، وَعِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ وَجَابِرٌ. اهـ، ثم ذكر حديث أنس الذي في الباب.\nقلتُ: أثر أنس، وابن عباس -﵃-، أخرجهما ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ١٥٤)، وأثر أنس فيه: زياد النميري، ضعيفٌ، وأثر ابن عباس فيه: عبد الأعلى ابن عامر الثعلبي، وهو ضعيفٌ أيضًا.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٤/ ١٥٤): وإباحة إمامة الأعمى كالإجماع من أهل العلم، وقد روينا عن ابن عباس أنه أَمَّهُم وهو أعمى، وليس في قول أنس: (ما حاجتهم إليه) نهيًا عن إمامة الأعمى، فيكون اختلافًا. اهـ","vol":"3","page":111},{"text":"٤١٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1121>مسألة [١]: الصلاة خلف المبتدع، ومستور الحال</span>.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٥١): يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَالجمُعَةَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ خَلْفَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ بِدْعَةً، وَلَا فِسْقًا، بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِائْتِمَامِ أَنْ يَعْلَمَ المَأْمُومُ اعْتِقَادَ إمَامِهِ، وَلَا أَنْ يَمْتَحِنَهُ، فَيَقُولُ: مَاذَا تَعْتَقِدُ؟ بَلْ يُصَلِّي خَلْفَ مَسْتُورِ الْحَالِ. وَلَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ فَاسِقٌ، أَوْ مُبْتَدِعٌ؛ فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَمَالِكٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ الصِّحَّةُ. انتهى المراد.\nقلتُ: والقول بالصحة هوالصواب، ما لم يكفر ببدعته، والخلاف المذكور هو ما لم يؤد به إلى ترك الجمعة، والجماعة.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٥٣): وَلِهَذَا قَالُوا فِي الْعَقَائِدِ: إنَّهُ يُصَلِّي الجُمُعَةَ وَالْعِيدَ خَلْفَ كُلِّ إمَامٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَكَذَلِكَ إذَا\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه الدارقطني (٢/ ٥٦) وفي إسناده عثمان بن عبدالرحمن الوقاصي، وهو متروك بل قد كذبه بعض الحفاظ، وله طريق أخرى عنده (٢/ ٥٦) فيها: أبو الوليد المخزومي، وهو خالد بن إسماعيل، متهم بالكذب.","vol":"3","page":112},{"text":"لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ إلَّا إمَامٌ وَاحِدٌ؛ فَإِنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَهُ الجمَاعَاتُ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فَاسِقًا، هَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ: أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، بَلْ الجمَاعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَمَنْ تَرَكَ الجمُعَةَ وَالجمَاعَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْفَاجِرِ؛ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ. اهـ\nوقال -﵀- (٢٣/ ٣٤٥): وَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَ فِعْلُ الجُمُعَةِ وَالجَماعَةِ خَلْفَ البَرِّ؛ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهَا خَلْفَ الفَاجِرِ، وَحِيْنَئِذٍ فَإِذَا صلَّى خَلْفَ الفَاجِرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَهُوَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ لِلْعُلَمَاءِ. اهـ\nقلتُ: وتقدم نقل الخلاف في ذلك، والصواب صحة صلاته مع الكراهة، والخلاف المتقدم فيما إذا لم يكفر ببدعته.\nقال شيخ الإسلام -﵀- (٢٣/ ٣٤٥): وَأَمَّا الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فَهُنَاكَ قَدْ تَنَازَعُوا فِي نَفْسِ صَلَاةِ الجُمُعَةِ خَلْفَهُ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَكْفُرُ أَمَرَ بِالإِعَادَةِ؛ لِأَنَّها صَلَاةٌ خَلْفَ كَافِرٍ، لَكِنْ هَذِهِ المَسْأَلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَكْفِيْرِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَالنَّاسُ مُضْطَرِبُونَ فِي هَذِهِ المسْأَلَةِ، وَحَقِيْقَةُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا، فَيُطْلَقُ الْقَوْلُ بِتَكْفِيْرِ صَاحِبِهِ، وَلَكِنَّ الشَّخْصَ المُعَيَّنَ الَّذِي قَالَهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَةُّ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا. اهـ\nقلتُ: من أصبح كافرًا ببدعته، وثبتت عليه الشروط، وانتفت الموانع، فلا تصح الصلاة خلفه، والله أعلم.","vol":"3","page":113},{"text":"٤١٣ - وَعَنْ عَلِيِّ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ، وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nقال الإمام الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (٢/ ٧٢): وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ لَحِقَ بِالْإِمَامِ أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ فِي أَيِّ جُزْءٍ كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ قَائِمًا، أَوْ رَاكِعًا؛ فَإِنَّهُ يَعْتَدُّ بِمَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ كَمَا سَلَفَ، فَإِذَا كَانَ قَاعِدًا، أَوْ سَاجِدًا؛ قَعَدَ بِقُعُودِهِ وَسَجَدَ بِسُجُودِهِ، وَلَا يَعْتَدُّ بِذَلِكَ. اهـ\n_________\n(^١) صحيح لغيره. أخرجه الترمذي (٥٩١)، وفي إسناده حجاج بن أرطاة، فيه ضعف، وهو مدلس وقد عنعن، ولكن يشهد له حديث أبي هريرة المتقدم: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» فهو صحيح بشاهده، والله أعلم.","vol":"3","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1122>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة بِالبَابِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1123>مسألة [١]: ابتداء التطوع بعد إقامة الصلاة</span>.\n• قال ابن رجب -﵀- في «الفتح»: ولا نعلم خلافًا أنَّ إقامة الصلاة تقطع التطوع فيما عدا ركعتي الفجر. اهـ\nثم ذكر الخلاف في ركعتي الفجر، وذكره الشوكاني في «النيل» بأوسع مما ذكره ابن رجب.\nوالصواب من تلك الأقوال: أنه لا يجوز له الدخول في ركعتي الفجر بعد الإقامة، سواء كان في المسجد، أو في البيت بحديث أبي هريرة -﵁- في «صحيح مسلم» (٧١٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا أُقيمت الصلاة؛ فلا صلاة إلا المكتوبة».\nقال الشوكاني -﵀-: وهو قول أهل الظاهر، ونقله ابن حزم عن الشافعي، وعن جمهور السلف، وكذا قال الخطابي، وحَكى الكراهة عن الشافعي، وأحمد. ثم استظهر الشوكاني قول الظاهرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1124>مسألة [٢]: إذا أُقيمت وهو في تطوع، فهل يستديمه أم يقطعه</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالأول: أنه يتم، قال ابن رجب: وهو قول الأكثرين، منهم: النخعي، والثوري،","vol":"3","page":115},{"text":"والشافعي، وأحمد، وإسحاق، حملًا للنهي على الابتداء دون الاستدامة.\nالثاني: يقطعها، وهو قول سعيد بن جبير، وأهل الظاهر، وحُكي رواية عن أحمد، قال ابن رجب -﵀-: وهي غريبة.\nالثالث: إنْ أدرك الجماعة أتمها، وإنْ خشي أنْ لا يدركها؛ قطعها، وهو قول أحمد في رواية.\nالرابع: إنْ أدرك مع الإمام الركعة الأولى؛ أتمها، وإلَّا فيقطعها، وهو قول مالك.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الإمام مالك هو الأقرب عندي إلى الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1125>مسألة [٣]: الأعذار المبيحة لترك الجماعة</span>.\n١ - الأول: المرض.\nقال ابن المنذر -﵀-: ولا أعلم اختلافًا بين أهل العلم أنَّ للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض. اهـ\nودليل ذلك ما ثبت في «البخاري» (٦٦٤)، و«مسلم» برقم (٤١٨) (٩٥)، عن عائشة -﵂-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في مرض موته: «مُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناس».\nقال ابن رجب -﵀-: وخروج المريض إلى المسجد، ومحاملته أفضل كما خرج\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ٧٣) رقم (٦٦٣)، «نيل الأوطار» (٩٨٥)، «المجموع» (٤/ ٢١٢).","vol":"3","page":116},{"text":"النبي - ﷺ - يهادَى بين رجلين، وقد قال ابن مسعود: ولقد كان الرجل يهادَى بين رجلين حتى يُقام في الصف. اهـ\n\n٢ - الثاني: المطر والطين.\nدليله: حديث ابن عمر -﵄- في «الصحيحين»: أنه قال: إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة برد، ومطر يقول: «ألا صلوا في الرحال»، وفي رواية: «في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر».\nوفي «الصحيحين» عن ابن عباس -﵄-: أنه أمر مؤذنه يوم الجمعة أن يقول: «صلوا في بيوتكم»، ثم قال: قد فعل ذلك رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإن الجمعة عزمة عليكم، فكرهت أن أحرجكم فتمشون في الطين، والدحض.\n\n٣ - الثالث: إذا حضر الطعام.\nوقد تقدم ذكر الأحاديث في ذلك في [باب الخشوع في الصلاة].\nقال ابن رجب -﵀-: وحاصل الأمر أنه إذا حضر الطعام كان عذرًا في ترك صلاة الجماعة، فيقدم تناول الطعام، وإن خشي فوات الجماعة، ولكن لابد أن يكون له ميل إلى الطعام، ولو كان ميلًا يسيرًا، صرح بذلك أصحابنا وغيرهم، فأما إذا لَمْ يكن لَهُ ميل بالكلية إلى الطعام، فلا معنى لتقديم الأكل عَلَى الصلاة، وقالت طائفة أخرى: يبدأ بالصلاة قَبْلَ الأكل؛ إلا أن تكون نفسه شديدة التوقان إلى الطعام. وهذا مذهب الشَّافِعِيّ، وقول ابن حبيب المالكي، واستدل لَهُ ابن حبان بالحديث الَّذِي فِيهِ التقييد بالصائم، وألحق بِهِ كل من كَانَ شديد التوقان إلى","vol":"3","page":117},{"text":"الطعام فِي الصلاة؛ لأنه يمنع من كمال الخشوع، بخلاف الميل اليسير. وقالت طائفة أخرى: يبدأ بالصلاة إلا أن يكون الطعام خفيفًا. حكاه ابن المنذر عَن مَالِك، وهذا يحتمل أَنَّهُ أراد أن الخفيف من الطعام يطمع مَعَهُ فِي إدراك الجماعة، بخلاف الطعام الكثير فيختص هَذَا بالعشاء، وهذا بناء عَلَى أن وقت المغرب وقت واحد، كما هُوَ قَوْلِ مَالِك، والشافعي فِي أحد قوليه، ونقل حرب عَن إِسْحَاق أَنَّهُ يبدأ بالصلاة؛ إلا فِي حالين، أحدهما: أن يكون الطعام خفيفًا. والثاني: أن يكون أكله مَعَ الجماعة، فيشق عليهم قيامه إلى الصلاة. وهؤلاء قالوا: إن النَّبِيّ - ﷺ - أمر بتقديم العشاء عَلَى الصلاة حيث كَانَ عشاؤهم خفيفًا، كما كَانَتْ عادة الصَّحَابَة -﵃- فِي عهد النَّبِيّ - ﷺ -، فَلَمْ يتناول أمره غير مَا هُوَ معهود فِي زمنه.\nثم قال -﵀-: وبكل حال؛ فلا يرخص مَعَ حضور الطعام فِي غير ترك الجماعة، فأما الوقت فلا يرخص بذلك فِي تفويته عِنْدَ جمهور العلماء، ونص عَلِيهِ أحمد وغيره، وشذت طائفة فرخصت فِي تأخير الصلاة عَنِ الوقت بحضور الطعام أَيْضًا، وَهُوَ قَوْلِ بعض الظاهرية، ووجه ضَعِيف للشافعية، حكاه المتولى وغيره. اهـ\n\n٤ - الرابع: إذا احتاج إلى الخلاء.\nلحديث عائشة -﵂- المتقدم في [باب الخشوع في الصلاة] مرفوعًا: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان»، وفي «سنن الترمذي» (١٤٢) من حديث عبدالله بن الأرقم -﵁-، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أُقيمت الصلاة، وأراد أحدكم الخلاء؛ فليبدأ بالخلاء».","vol":"3","page":118},{"text":"٥ - الخامس: الخوف الشديد.\nكأن يخشى عدوًّا يريد قتله، أو الاعتداء عليه، أو يخاف من السلطان أن يحبسه ظلمًا.\n\n٦ - السادس: السفر.\nكأن تقام الصلاة وهو يريد السفر، ويخشى أن ترحل القافلة ولا يلحقها؛ فله ترك الجماعة؛ لأنَّ عليه ضررًا بتخلفه عن القافلة.\n\n٧ - السابع: أن يكون قيّمًا بمريض يخاف ضياعه.\nلأنَّ حفظ الآدمي آكد من حرمة الجماعة، وفي «البخاري» (٣٩٩٠) عن ابن عمر -﵄-: أنه ذكر له أنَّ سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وكان بدريًّا مرض في يوم جمعة، فركب إليه بعد أن تعالى النهار واقتربت الجمعة، وترك الجمعة.\n\n٨ - الثامن: شدة النعاس.\nلحديث عائشة -﵂- عند البخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا نعس أحدكم وهو يصلي؛ فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإنَّ أحدكم إذا صلَّى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه».\n\n٩ - أكل البصل، والكراث، والثوم.\nويدل على ذلك حديث جابر في «الصحيحين» أن النبي - ﷺ - قال: «من أكل ثومًا، أو بصلًا، أو كراثًا؛ فليعتزل مسجدنا»، وفيهما عن أنس وابن عمر -﵃- بنحوه.","vol":"3","page":119},{"text":"ولا يجوز أكله بدون حاجة؛ قاصدًا بذلك ترك الجماعة. (^١)\nتنبيه: لا تُتْرَك الجماعة، أو الجمعة مطلقًا من الناس جميعًا عند وجود الأعذار العامَّة، كالمطر، والطين، والبرد الشديد، بل يجب على الإمام أن يصلي بمن حضر، وقد بوَّب البخاري في «صحيحه»: [باب هل يصلي الإمام بمن حضر؟ وهل يخطب يوم الجمعة في المطر؟]، ثم ذكر حديث ابن عباس -﵄- عند أن جلس على المنبر يوم الجمعة، وأمر مؤذنَهُ أن يقول: «الصلاة في الرحال»، وقد تقدم الحديث.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٤/ ٩٧): يعني بهذا الباب: أن المطر والطين، وإن كَانَ عذرًا فِي التخلف عَن الجماعة فِي المسجد؛ إلا أَنَّهُ عذر لآحاد النَّاس، وأما الإمام فلا يترك الصلاة لذلك فِي المسجد، ويصلي جماعة فِي المسجد بمن حضر، وكذلك يوم الجمعة لا يترك الخطبة وصلاة الجمعة فِي المسجد بمن حضر فِيهِ إذا كانوا عددًا تنعقد بهم الجمعة، وإنما يباح لآحاد النَّاس التخلف عَن الجمعة والجماعات فِي المطر ونحوه إذا أقيم شعارهما فِي المساجد؛ وعلى هَذَا فلا يبعد أن يكون إقامة الجماعات والجمع فِي المساجد فِي حال الأعذار كالمطر فرض كفاية لا فرض عين، وأن الإمام لا يدعهما، وَهُوَ قريب من قَوْلِ الإمام أحمد فِي الجمعة إذا كَانَتْ يوم عيد: أَنَّهُ يسقط حضور الجمعة عمن حضر العيد، إلا الإمام ومن تنعقد بِهِ الجمعة؛ فتكون الجمعة حينئذ فرض كفاية، والله أعلم، ولا شك أن النَّبِيّ - ﷺ - كَانَ لا يترك إقامة الجمع فِي المطر، ويدل عَلِيهِ: أَنَّهُ\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» لابن رجب (٦٦٤ - ٦٧٤)، «البيان» (٢/ ٣٧٠ - ٣٧٢).","vol":"3","page":120},{"text":"لما استسقى للناس عَلَى المنبر يوم الجمعة، ومطروا من ذَلِكَ الوقت إلى الجمعة الأخرى؛ أقام الجمعة الثانية فِي ذَلِكَ المطر حَتَّى شكي إليه كثرة المطر فِي خطبته يومئذ، فدعا اللهَ بإمساك المطر عَن المدينة. اهـ\nتنبيه آخر: الأعذار المتقدمة هي عذر أيضًا في ترك الجمعة؛ إلا العذر الثالث، وبالله التوفيق.","vol":"3","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1126>بَابُ صَلاةِ المُسَافِرِ وَالمَرِيضِ</span>\n٤١٤ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحَضَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَلِلْبُخَارِيِّ: ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الأَوَّلِ. (^٢) زَادَ أَحْمَدُ: إلَّا المَغْرِبَ فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ وَإِلَّا الصُّبْحَ فَإِنَّهَا تَطُولُ فِيهَا القِرَاءَةُ. (^٣)\n\n٤١٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ وَيُتِمُّ، وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ (^٤)،\nإلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ، وَالمَحْفُوظُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ فِعْلِهَا، وَقَالَتْ: إنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيَّ. أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٩٠)، ومسلم (٦٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٣٩٣٥).\n(^٣) صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٢٤١)، من طريق الشعبي عن عائشة، وقد قال بعض الحفاظ: إنه لم يسمع منها، ولكن أثبت سماعه منها أبوداود كما في سؤالات الآجري، فالحديث صحيح إن شاء الله، والله أعلم.\n(^٤) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٨٩) وفي إسناده سعيد بن محمد بن ثواب، قال ابن حبان عنه في «الثقات» مستقيم الحديث. وبقية رجاله ثقات.\n\nوله طريق أخرى عنده فيها طلحة بن عمرو، وهو متروك، وطريق أخرى ليس فيها ذكر الصوم، وفيها المغيرة بن زياد الموصلي مختلف فيه، والراجح أنه حسن الحديث له مناكير. ومع ذلك فقد قال شيخ الإسلام -﵀-: (هو كذب على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-). وأعله البيهقي بالوقف. وقال ابن القيم -﵀-: لا يصح. وقال الحافظ ابن حجر -﵀-: صحته بعيدة. انظر «التلخيص» (٢/ ٤٤) «زاد المعاد» (١/ ٤٦٤ - ٤٦٥).\n(^٥) أخرجه البيهقي (٣/ ١٤٣) فقال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن علي الرازي الحافظ، أنبأ زاهر بن أحمد، ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا محمد بن يحيى، وإبراهيم بن مرزوق، ومحمد بن عبيد الله قالوا: ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أنها كانت تصلي في السفر أربعا، فقلت لها: لو صليت ركعتين؟ فقالت: يا ابن أختي، إنه لا يشق علي. وهذا إسناد صحيح عنها، رجاله ثقات معروفون.","vol":"3","page":122},{"text":"٤١٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ (^١)، وَفِي رِوَايَةٍ: «كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1127>مسألة [١]: حكم قصر الصلاة في السفر</span>.\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوب القصر، وهو قول الحنفية، والظاهرية، وحماد، والثوري، ومالك في رواية، وحُكِي عن قتادة، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، واحتجوا على ذلك بأدلة:\n١) حديث عائشة -﵂- الذي في الباب.\n٢) حديث ابن عباس -﵄- في مسلم (٦٨٧)، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيه - ﷺ - صلاة الحضر أربعًا، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة.\n٣) عن عمر بن الخطاب -﵁-، قال: صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر\n_________\n(^١) صحيح لغيره. أخرجه أحمد (٢/ ١٠٨)، وابن خزيمة (٩٥٠)، وابن حبان (٢٧٤٢) (٣٥٦٨)، وغيرهم من طرق عن حرب بن قيس، عن نافع، عن ابن عمر به. ورجال الإسناد ثقات إلا حرب ابن قيس، فقد روى عنه ثقتان، وقال عمارة بن غزية: كان رضا. فلا بأس إن شاء الله بتحسين حديثه. وللحديث شاهد يصح به عن ابن عباس -﵄-:\nأخرجه الطبراني (١١/ ٣٢٣) برقم (١١٨٨٠) فقال: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا الحسين بن محمد الذراع، ثنا حصين بن نمير، ثنا هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس به بلفظ: «كما يحب أن تؤتى عزائمه» وإسناده صحيح، رجاله ثقات.\n(^٢) هذه الرواية هي عند ابن حبان بالرقم الثاني المتقدم، وهو لفظ حديث ابن عباس الذي ذكرناه قريبًا، فهي رواية صحيحة، والله أعلم.","vol":"3","page":123},{"text":"ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد - ﷺ -. رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه. (^١)\n٤) أثر ابن عباس -﵄-، عند ابن المنذر (٤/ ٣٣٤)، أنه قال: من صلَّى في السفر أربعًا، فهو كمن صلَّى في الحضر ركعتين.\n٥) أثر ابن عمر -﵄-، عند ابن المنذر (٤/ ٣٣٣)، أنه قال: صلاة السفر ركعتان، من خالف السنة كفر.\n• وذهب جمهور العلماء إلى عدم وجوب القصر، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١].\nفهذه الآية تدل على أن القصر مباح، ومن لازمه أنَّ الإتمام جائزٌ أيضًا؛ وذلك لأنَّ نفي الجناح يدل على الإباحة.\nوقد أجيب على استدلال الجمهور بهذه الآية بأنَّ المراد بالقصر فيها إنما هو قصر هيئة الصلاة، لا قصر عددها، وهذا الجواب لا يصح؛ لما أخرجه مسلم في «صحيحه» برقم (٦٨٦) من حديث يعلى بن أمية، أنه سأل عمر بن الخطاب عن هذه الآية، فقال: كيف وقد أمن الناس؟ فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك؟ فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٥٧)، والنسائي (٣/ ١١١، ١١٨، ١٨٣)، وابن ماجه (١٠٦٣)، من طريق: عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن عمر، وهو منقطع؛ لأنَّ عبدالرحمن لم يسمع من عمر -﵁-، وقد جاءت رواية عند ابن ماجه (١٠٦٤) بذكر الواسطة (كعب بن عجرة)، وهي رواية غير محفوظة، وقد أعلها أبو حاتم كما في «العلل» (٥٨٥)، والدارقطني في «العلل» (١٥٠).","vol":"3","page":124},{"text":"صدقته»، فهذا الحديث يدل دلالة صريحة على أنَّ قصر عدد الصلاة مما هو مرادٌ بالآية؛ لأنَّ قصر العدد هو الذي استمر في حالة الأمن، لا قصر الهيئة، والله أعلم.\nوأُجيب عن استدلال الجمهور بهذه الآية بأنَّ الآية دليل عليهم؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد قال عند أن سأله عمر: «فاقبلوا صدقته»، والأمر يقتضي الوجوب.\nوأجاب الجمهور: بأنَّ الأمر للندب؛ لأنه وقع جوابًا لسؤالهم، ولأنَّ الآية تدل على عدم الوجوب؛ لقوله فيها: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾.\nوأُجيب عن استدلال الجمهور بهذه الآية بأنها دلَّت على إباحة القصر، وقد استُفيدَ الوجوب من أدلة أخرى، وقد تقدمت، فيؤخذ بها لأنَّ فيها زيادة.\nوأجاب الجمهور على ذلك بما سيأتي إن شاء الله عند الجواب على أدلة القائلين بالقصر.\nواستدل الجمهور على أنَّ القصر غير واجب بحديث عائشة الذي في الباب، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقصر في الصلاة، ويتم. وهو حديث باطلٌ، واستدل الجمهور أيضًا على عدم الوجوب: بإتمام عائشة، وعثمان، ولا يُعلم أنَّ أحدًا من الصحابة حكم على صلاتهما بالبطلان، بل كانوا يُصلُّون خلف عثمان.\nوقال ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد»: وفي إجماع الجمهور من الفقهاء على أنَّ المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين، فأدرك منها ركعة أنه يلزمه أن يصلي أربعًا، فلو كان فرض المسافر ركعتين لم ينتقل فرضه إلى أربع، كما أنَّ المقيم إذا","vol":"3","page":125},{"text":"دخل خلف المسافر لم ينتقل فرضه إلى اثنتين، وهذا واضح لمن تدبر وأنصف. اهـ\nواستدل الجمهور على أنَّ القصر غير واجب بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صدقة تصدق الله بها عليكم»، فسمَّاها صدقة، والصدقة والرخصة لا يجب العمل بها.\nوقد ردَّ الجمهور على أدلة القائلين بالوجوب بما يلي:\n١) حديث عائشة: «فُرِضت الصلاة ركعتين ركعتين ...».\nأُجيب عنه بأجوبة أحسنها إجابة الحافظ في «فتح الباري».\nقال -﵀- (٣٥٠): وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي -وَبِهِ تَجْتَمِع الْأَدِلَّة السَّابِقَة- أَنَّ الصَّلَوَات فُرِضَتْ لَيْلَة الْإِسْرَاء رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِب، ثُمَّ زِيدَتْ بَعْد الْهِجْرَة عَقِب الْهِجْرَة إِلَّا الصُّبْح، ثُمَّ بَعْد أَنْ اِسْتَقَرَّ فَرْض الرُّبَاعِيَّة خُفِّفَ مِنْهَا فِي السَّفَر عِنْد نُزُول الْآيَة السَّابِقَة، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.\nقال: فَعَلَى هَذَا المُرَاد بِقَوْلِ عَائِشَة: (فَأُقِرَّتْ صَلَاة السَّفَر)، أَيْ: بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ الْأَمْر مِنْ التَّخْفِيف، لَا أَنَّهَا اِسْتَمَرَّتْ مُنْذُ فُرِضَتْ، فَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقَصْر عَزِيمَة. انتهى بتصرف.\nقلتُ: ويؤيد ما قاله الحافظ حديث أنس بن مالك الكعبي عند أبي داود (٢٤٠٨)، والنسائي (٤/ ١٩٠)، وأحمد (٤/ ٣٤٧)، وغيرهم مرفوعًا: «إنَّ الله وضع شطر الصلاة عن المسافر» وإسناده حسن، فهذا الحديث يدل على أنَّ القصر","vol":"3","page":126},{"text":"تخفيف حصل بعد أن كانت على المسافر أربعًا، كالمقيم، والله أعلم.\n٢) أثر ابن عباس -﵄-.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني»: وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ قَوْلِهَا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْهَا؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ فَرْضِ الصَّلَاةِ فِي سِنِّ مَنْ يَعْقِلُ الْأَحْكَامَ، وَيَعْرِفُ حَقَائِقَهَا، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، أَوْ كَانَ فَرْضُهَا فِي السَّنَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا؛ فَإِنَّهَا فُرِضَتْ بِمَكَّةَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ حِينَ مَاتَ النَّبِيُّ - ﷺ - ابْنَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي حَدِيثِهِ مَا اُتُّفِقَ عَلَى تَرْكِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَالْخَوْفُ رَكْعَةٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا أَرَادَتْ عَائِشَةُ مِنْ ابْتِدَاءِ الْفَرْضِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْ مَنْ أَتَمَّ بِالْإِعَادَةِ. اهـ\nقلتُ: ويُحتمل أن يكون ذلك اجتهادًا من ابن عباس -﵄-، بدليل أنَّ صلاة الخوف ليست مفروضة ركعة واحدة، وسيأتي بيانه إن شاء الله في صلاة الخوف.\n٣) قال ابن قدامة -﵀-: وَقَوْلُ عُمَرَ: (تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ)، أَرَادَ بِهَا تَمَامٌ فِي فَضْلِهَا غَيْرُ نَاقِصَةِ الْفَضِيلَةِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُورَةِ الرَّكَعَاتِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ إذْ الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ. اهـ\nقلتُ: ومع ذلك فهو منقطعٌ كما تقدم.\n٤) أثر ابن عباس -﵄-، من طريق: الضحاك بن مزاحم عنه، والضحاك لم يلق","vol":"3","page":127},{"text":"ابن عباس؛ فهو منقطعٌ (^١)، ضعيفٌ.\n٥) أثر ابن عمر -﵄-، عند ابن المنذر إسناده ضعيف؛ لأنه من رواية معمر عن قتادة، ولكن أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (٤/ ٣٧٣)، بإسناد صحيح، ثم قال: الكفر ها هنا كفر النعمة، وليس بكفر يَنْقُل عن المِلَّة، كأنه قال: كفرٌ لنعمة التأسي التي أنعم الله على عباده بالنبي - ﷺ -، ففيه الأسوة الحسنة في قبول رخصته، كما في امتثال عزيمته - ﷺ -.اهـ\n• ثم اختلف القائلون بعدم وجوب القصر في حكم الإتمام على أقوال:\nالأول: الإتمام أفضل، وهو قول للشافعي.\nالثاني: قول من يُسوِّي بينهما، كبعض أصحاب مالك. وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي قلابة الجرمي، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٢).\nالثالث: قول من يقول: القصر أفضل، كقول الشافعي الصحيح، وإحدى الروايتين عن أحمد.\nالرابع: قول من يقول: الإتمام مكروهٌ، كقول مالك في إحدى الروايتين، وأحمد في الرواية الأخرى.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٩): وأظهر الأقوال قول من يقول: إنه سُنَّة -يعني القصر-، وإنَّ الإتمام مكروه. اهـ\n_________\n(^١) في إسناده أيضًا: حميد بن علي العقيلي، يرويه عن الضحاك، قال البخاري في «التاريخ»: مرسل. وحميد فيه ضعف، وصحَّ عن ابن عباس بمعناه في «الأوسط» لابن المنذر (٤/ ٣٣٣).","vol":"3","page":128},{"text":"قلتُ: وهذا هو الذي اختاره الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو الذي نراه أقرب إلى الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1128>مسألة [٢]: ما هي الصلوات التي تُقصر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ١٢١): قَالَ ابْنُ المنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنْ لَا يُقْصَرَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ، وَأَنَّ الْقَصْرَ إنَّمَا هُوَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ. اهـ\nقلتُ: ويدل على ذلك حديث عائشة -﵂- الذي في الباب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1129>مسألة [٣]: هل يترخص في سفر المعصية بقصر الصلاة، أم لا</span>؟\n• ذهب الشافعي، وأحمد، ومالك إلى جواز القصر في كل سفر؛ إلا سفر المعصية، وعزا النووي هذا القول إلى جماهير العلماء، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٧٣].\n• وذهب الأوزاعي، والثوري، والمزني، وأبو حنيفة إلى أنه يقصر في كل سفر، حتى في سفر المعصية؛ لعموم الأدلة القاضية بالقصر لمن سافر، وأما قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾، فقال شيخ الإسلام: قوله ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ حال من اضطر،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ١٢٢ -)، «المجموع» (٤/ ٣٣٧ -)، «التمهيد» (٤/ ٣٨٥)، «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٩)، «الأوسط» (٤/ ٣٣٢ -)، «ابن أبي شيبة» (٢/ ٤٥٢)، «عبد الرزاق» (٢/ ٥١٥).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٤/ ٣٢٢).","vol":"3","page":129},{"text":"فيجب أن يكون حال اضطراره، وأكله الذي يأكل فيه غير باغٍ، ولا عادٍ؛ فإنه قال: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، ومعلوم أنَّ الإثم إنما ينفى عن الأكل الذي هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه، فمعنى الآية: (فمن اضطر، فأكل غير باغٍ، ولا عادٍ)، وهذا يبين أنَّ المقصود أنه لا يبغي في أكله، ولا يتعدى.\nوهذا القول هو الصواب، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-.\nفائدة: ثبت عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: لا تقصر الصلاة إلا في حج، أو جهاد. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٦٦)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٢٢)، وابن المنذر (٤/ ٣٤٥) بإسناد صحيح. وخالفه غيره من الصحابة منهم ابن عمر، وابن عباس -﵄-، كما في المصادر المتقدمة بإسناد صحيح، وعزا ابن المنذر إلى عامة أهل العلم مشروعية ذلك، وهو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1130>مسألة [٤]: هل تُشترط النية في القصر</span>؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٠ - ٢١): وَالْعُلَمَاءُ مُتَنَازِعُونَ فِي المُسَافِرِ: هَلْ فَرْضُهُ الرَّكْعَتَانِ؟ وَلَا يَحْتَاجُ قَصْرُهُ إلَى نِيَّةٍ؟ أَمْ لَا يَقْصُرُ إلَّا بِنِيَّةٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:\nالأوَّلُ: قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ.\nوَالثَّانِي: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ اخْتَارَهُ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ١١٥)، «المجموع» (٤/ ٣٤٦)، «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١١٠ - ١١٣).","vol":"3","page":130},{"text":"الْخِرَقِيِّ وَغَيْرُهُ.\nوَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ سُنَّةُ النَّبِيِّ - ﷺ -؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ بِأَصْحَابِهِ، وَلَا يُعْلِمُهُمْ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَقْصُرُ، وَلَا يَأْمُرُهُمْ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ، وَلِهَذَا لَمَّا سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ نَاسِيًا، قَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيت؟ فَقَالَ: «لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ»، قَالَ: بَلَى، قَدْ نَسِيت. وَفِي رِوَايَةٍ: «لَوْ كَانَ شَيْءٌ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِهِ»، وَلَمْ يَقُلْ: لَوْ قَصُرَتْ لَأَمَرْتُكُمْ أَنْ تَنْوُوا الْقَصْرَ. وَكَذَلِكَ لَمَّا جَمَعَ بِهِمْ لَمْ يُعْلِمْهُمْ أَنَّهُ جَمَعَ قَبْلَ الدُّخُولِ، بَلْ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَجْمَعُ حَتَّى يَقْضِيَ الصَّلَاةَ الْأُولَى، فَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّ الْجمْعَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى أَنْ يَنْوِيَ حِينَ الشُّرُوعِ فِي الْأُولَى، كَقَوْلِ الْجمْهُورِ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ يُوَافِقُ ذَلِكَ. انتهى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ما صَوَّبَهُ شيخ الإسلام في هذه المسألة هو الصحيح، وبحثُه مفيد، ليس عليه مزيد. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ١١٩ -)، «الشرح الممتع» (٤/ ٥٢٥).","vol":"3","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1131>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1132>مسألة [١]: إذا صلى المسافر خلف من لا يعلم أمقيم هو أم مسافر</span>؟\nإنْ عَرَف بالقرائن أنَّ هذا الإمام مسافر؛ نوى القصر، أو أنه مقيم؛ نوى الإتمام.\n• وأما إذا لم يعرف: فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ينوي الإتمام؛ لأنه هو الأصل في الصلاة.\n• واختار بعضهم أنه ينوي القصر؛ لأنه هو الأصل في صلاة السفر.\nوالذي يظهر: أنه يطلق النية بنية الإمام، وهو قول بعض الشافعية، والحنابلة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1133>مسألة [٢]: مسافر صلى خلف مقيم، ثم فسدت صلاته، فهل يعيدها تامة، أم يقصرها</span>؟\n• قال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٣٥٨): فرعٌ: في مذاهبهم في مسافر اقتدى بمقيم، ثم أفسد المأموم صلاته؛ لزمه إعادتها تامة، وبه قال مالك، وأحمد، ورواية عن أبي ثور، وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأبو ثور في\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ١٤٥)، «المجموع» (٤/ ٣٥٧)، «الضياء» (١٠٦).","vol":"3","page":132},{"text":"رواية: يقصر. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنه يقصر؛ لأنَّ الإتمام إنما كان متابعةً للإمام، فإذا انفرد رجع إلى أصله، والأصل في صلاة المسافر القصر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1134>مسألة [٣]: إذا نسي صلاةً في حال إقامته، وذكرها في حال سفره</span>؟\nنقل الإمام أحمد، وابن المنذر الإجماع على أنه يصليها تمامًا، صلاة المقيم، وخالف ابن حزم، فقال: يصليها قصرًا؛ لأنَّ ذلك وقتها؛ لحديث أنس في «الصحيحين» (^٢): «من نام عن صلاة، أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها»، وقد قال بعض أهل العلم: إن الحديث دليل على ابن حزم؛ لأنه قال: «فليصلها»، والضمير عائدٌ إلى الصلاة التي فاتته، وهي أربع ركعات، وغاية ما يدل عليه الحديث أنَّ ذلك الوقت يكون وقتها.\nوقد رجَّح القول الأول الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1135>مسألة [٤]: إذا نسي الصلاة في حال سفره، وذكرها في حال إقامته</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالأول: يصليها تمامًا، وهو قول أحمد، والأوزاعي، وداود، ورواية عن\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ١٢٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤).\n(^٣) انظر: «المغني» (٣/ ١٤١)، «المحلى» (٥١٧)، «الشرح الممتع» (٤/ ٥٤٣)، «الأوسط» (٤/ ٣٦٨).","vol":"3","page":133},{"text":"الشافعي، ورجَّحه ابن حزم، واستدل على ذلك بحديث أنس المتقدم، وأما غيره، فقالوا: يُتِمُّها احتياطًا.\nالثاني: يصليها قصرًا، وهو قول مالك، والثوري، وأصحاب الرأي، والشافعي في القديم، وهو قول الحسن، وحماد؛ لأنَّ الصلاة التي نسيها ركعتان، وفي الحديث المتقدم: «فليصلها أي: الصلاة المنسية إذا ذكرها».\nقلتُ: الأقرب -والله أعلم- أنه يتمها؛ لأن الأصل فيها هو الإتمام، وإنما قصرت في حال سفره تخفيفًا عليه، وقذ ذهب السفر؛ فترجع إلى أصلها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1136>مسألة [٥]: إذا دخل وقت الصلاة، وهو مقيم، ثم سافر، فهل له أن يقصر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ١٤٣): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لَهُ قَصْرَهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ سَافَرَ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ وُجُوبِهَا. اهـ\nوذكر ابن قدامة خلافًا للحنابلة المتأخرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1137>مسألة [٦]: إذا صلى المسافر خلف المقيم</span>؟\n• إذا صلَّى المسافر خلف المقيم؛ فإنه يصلي بصلاة المقيم، فيُتِمّها؛ لحديث: «إنما جُعِل الإمام ليؤتم به»، وسواءٌ أدرك الصلاة كاملة، أو ركعة، أو أقل من\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ١٤٢)، «الأوسط» (٤/ ٣٦٨)، «المحلى» (٥١٧)، «الشرح الممتع» (٤/ ٥٤٣)، «ضياء السالكين» (ص ١٠٠).","vol":"3","page":134},{"text":"ركعة، وهذا قول الجمهور، وصحَّ ذلك عن ابن عمر، وابن عباس -﵃-.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أدركهم جلوسًا في آخر الصلاة؛ صلَّى ركعتين، وهو قول الحسن، والنخعي، والزهري، وقتادة، ومالك.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إنْ أدرك ركعتين؛ أجزأته، وهو قول طاوس، والنخعي. وقد تقدم النقل عن مالك، وأحمد في رواية في آخر شرح الحديث رقم (٤٠٧) أنه يجوز للمسافر أن ينوي القصر في هذه الحالة، ولا يلزمه الإتمام.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، ولكن إن نوى القصر فيما إذا أدرك ركعتين أو أقل أجزأه ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1138>مسألة [٧]: إذا صلَّى المقيم خلف المسافر</span>؟\nنقل ابن المنذر، وابن عبد البر، وابن قدامة عدم الخلاف في أنَّ المقيم يُتِمُّ صلاته، ولا يقصرها، وصحَّ عن عمر -﵁-، أنه صلى بالناس، وهو مسافر، ثم قال: أتِمُّوا صلاتكم، فإنَّا قومٌ سُفْرٌ. وثبت ذلك أيضًا عن ابن عمر -﵄-، أخرجهما عبد الرزاق (٢/ ٥٤٠) بأسانيد صحيحة. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ١٤٣ -)، «المجموع» (٤/ ٣٥٧)، «الأوسط» (٤/ ٣٣٨).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ١٤٦)، «ضياء السالكين» (١١٠).","vol":"3","page":135},{"text":"٤١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمعنى الحديث:\nقال السندي -﵀- في حاشيته على «مسند أحمد» كما في «تحقيق المسند» (١٩/ ٣٣٥): ظاهره أنَّ هذا المقدار مسيرة القصر، لكن أصل هذا الحديث فيما يظهر ما جاء عن أنس في حجة الوداع أنه صلَّى بذي الحليفة ركعتين، فالمراد أنه إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال بنية سفر طويل صلى ركعتين. اهـ\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٠٨٦): وحكى النووي أن أهل الظاهر ذهبوا إلى أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال، وكأنهم احتجوا في ذلك بما رواه مسلم، وأبو داود من حديث أنس قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو فراسخ قصر الصلاة. وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه، وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر، لا غاية السفر. ولا يخفى بُعْد هذا الحمل، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة يعني من البصرة فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع، فقال أنس: ...، فذكر الحديث، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٦٩١).","vol":"3","page":136},{"text":"ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منها، ورده القرطبي بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ؛ فإن الثلاثة أميال مدرجة فيها فيؤخذ بالأكثر. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1139>مسألة [١]: متى يبدأ في القصر</span>؟\n• قال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٠٨٩): قَالَ اِبْن المنْذِر: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِمَنْ يُرِيد السَّفَر أَنْ يَقْصُر إِذَا خَرَجَ عَنْ جَمِيع بُيُوت الْقَرْيَة الَّتِي يَخْرُج مِنْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا قَبْل الْخُرُوج عَنْ الْبُيُوت، فَذَهَبَ الْجمْهُور إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُفَارَقَة جَمِيع الْبُيُوت، وَذَهَبَ بَعْض الْكُوفِيِّينَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ السَّفَر يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَلَوْ كَانَ فِي مَنْزِله، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِذَا رَكِبَ قَصَرَ إِنْ شَاءَ. وَرَجَّحَ اِبْن الْمُنْذِر الْأَوَّل بِأَنَّهُمْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَقْصُر إِذَا فَارَقَ الْبُيُوت، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا قَبْل ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْإِتْمَام عَلَى أَصْل مَا كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى يَثْبُت أَنَّ لَهُ الْقَصْر، قَالَ: وَلَا أَعْلَم النَّبِيّ - ﷺ - قَصَرَ فِي شَيْء مِنْ أَسْفَاره إِلَّا بَعْد خُرُوجه عَنْ الْمَدِينَة. اهـ. (^١)\nوقد ثبت عن علي بن أبي طالب، وعلَّقه البخاري في «صحيحه»، باب (٥) من كتاب تقصير الصلاة، أنه كان في سفر، فقصر بأصحابه، وهم يرون البيوت، ثم رجع من سفره فقصر بهم وهم يرون البيوت. أخرجه عبد الرزاق، وابن المنذر وغيرهما.\nوثبت عن ابن عمر -﵄-، أنه كان يقصر إذا خرج من بيوت المدينة من طريقين يشهد أحدهما للآخر. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر كلام ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٥١ - ٣٥٤).\n(^٢) وانظر: «ضياء السالكين» (ص ٨٥)، «عبد الرزاق» (٢/ ٥٢٩)، «نصب الراية» (٢/ ١٨٣).","vol":"3","page":137},{"text":"٤١٨ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنَ المَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\n\n٤١٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - تِسْعَةَ عَشَرَ (يَوْمًا) (^٢) يَقْصُرُ. وَفِي لَفْظٍ: بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٣)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد: سَبْعَ عَشْرَةَ (^٤)، وَفِي أُخْرَى: خَمْسَ عَشْرَةَ. (^٥)\n\n٤٢٠ - وَلَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁-: ثَمَانِيَ عَشْرَةَ. (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٨١)، ومسلم (٦٩٣).\n(^٢) ساقطة من (ب).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٠٨٠) (٤٢٩٨).\n(^٤) أخرجها أبوداود (١٢٣٠)، بإسناد ظاهره الصحة، ولكن رواية البخاري أصح.\nوقد جمع البيهقي بينهما بأن يكون من قال سبعة عشر يومًا لم يعد يوم الدخول ويوم الخروج. قال الحافظ: وهو جمع متين.\n(^٥) ضعيفة معلولة. أخرجه أبوداود (١٢٣١)، من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس.\nورجح البيهقي (٣/ ١٥١) الإرسال، فرواه من وجه آخر بإسناد صحيح عن محمد بن إسحاق حدثني الزهري فذكره مرسلًا. ثم قال: هذا هو الصحيح مرسل.\nثم قال: ورواه عراك بن مالك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسلًا، ورواية عكرمة عن ابن عباس أصح من ذلك كله، والله أعلم. اهـ، يعني بذلك رواية البخاري المتقدمة.\nقلتُ: وقد روي من طريق عراك بن مالك، عن عبيدالله بن عبدالله، عن ابن عباس فذكره. أخرجه النسائي (٣/ ١٢١) وإسناده ظاهره الصحة، وقد اختلف في إسناده كما أشار البيهقي قريبًا إلى أنه قد روي عن عراك مرسلًا، فلا يقوى هذا على معارضة رواية الصحيح، والله أعلم.\n(^٦) ضعيف. أخرجه أبوداود (١٢٢٩) وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.","vol":"3","page":138},{"text":"٤٢١ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ -﵁-: أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ؛ إلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1140>مسألة [١]: إذا أقام المسافر ببلدٍ، فهل يقصر، أم يُتِم</span>؟\n• هذه المسألة تُعتبر أصعب مسائل هذا الباب، وقد اختلف العلماء فيها اختلافًا كثيرًا، ونذكر هاهنا أشهر الأقوال في المسألة:\nالقول الأول: إذا عزم على إقامة خمسة عشر يومًا؛ أتم الصلاة، ثبت هذا عن ابن عمر -﵄-، بمجموع بعض الطرق كما في «الأوسط» (٤/ ٣٥٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٥)، وقال بهذا القول أصحاب الرأي، والثوري، وهو قول المزني من الشافعية.\nالقول الثاني: إذا عزم على إقامة اثني عشر يومًا فأكثر؛ أتم الصلاة، ثبت هذا القول عن ابن عمر -﵄-، كما في «الأوسط» (٤/ ٣٥٥)، بإسناد حسنٍ، وكان هذا آخر أمره، كما بينه نافع، كما في الأوسط، وهو قول عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، والأوزاعي.\n_________\n(^١) الراحج إرساله. رواه أبوداود (١٢٣٥) من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبدالله به. ثم قال: غير معمر يرسله لا يسنده.\nوإسناده ظاهره الصحة، ولكن الحديث معل بالإرسال، فقد رجح الدارقطني في «العلل» الإرسال كما ذكر ذلك الحافظ في «التلخيص» (٢/ ٩٤)، وذلك أن علي بن المبارك وغيره من الحفاظ رووا الحديث عن يحيى، عن ابن ثوبان مرسلًا.","vol":"3","page":139},{"text":"القول الثالث: إذا عزم على إقامة تسعة عشر يومًا؛ أتمَّ، وإن كان دونها قصر، صحَّ هذا عن ابن عباس -﵄-، وقال به إسحاق بن راهويه.\nالقول الرابع: إذا عزم على إقامة عشرة أيام؛ أتَمَّ، وهو قول الحسن بن صالح، ومحمد بن علي. وثبت هذا القول عن ابن عمر -﵄-، كما في «الأوسط»، وجاء عن ابن عباس -﵄-، كما في «الأوسط»، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.\nالقول الخامس: إذا عزم على إقامة أربعة أيام؛ أتمَّ، وإن كان دونها؛ قَصَرَ، وهذا قول ابن المسيب في رواية، والشافعي، ومالك، وأبي ثور، إلا أنَّ الشافعي لا يعد منها يوم الدخول، ويوم الخروج.\nالقول السادس: إذا عزم على إقامة أكثر من أربعة أيام؛ أتمَّ، وهو قول أحمد، وداود، وعن أحمد رواية إنْ عزم على (٢١) صلاةً؛ أتمَّ، وهذه الرواية لا تبعد عن الرواية الأولى، واختارها ابن المنذر.\nالقول السابع: أنَّ المسافر لا يزال مسافرًا، وإنْ أقام في بلد؛ مالم يستوطن ذلك البلد، أو ينوِ به إقامةً مطلقةً، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-، وقد استند شيخ الإسلام لهذا المذهب على بعض الآثار، وهي ما ثبت عن ابن عباس -﵄-، بإسناد صحيح عند ابن المنذر (٤/ ٣٥٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٣)، عن ابن عباس -﵄-، أنَّ أبا جمرة الضُّبَعِي قال له: إِنَّا نُطيل المقام بالغزو في خراسان، فكيف ترى؟ قال: صَلِّ ركعتين، وإنْ أقمت عشر سنين. وصحَّ عنه عندهما أيضًا أنه قال: إنْ أقمت في بلدة خمسة أشهر،","vol":"3","page":140},{"text":"فاقصر الصلاة.\nوصحَّ عن أنس بن مالك -﵁-، أنه أقام بنيسابور سنةً، أو سنتين يُصلِّي ركعتين. أخرجه ابن المنذر (٤/ ٣٦٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٤)، وإسناده صحيح.\nوثبت عن سعد بن أبي وقاص أنه أقام بِعُمان شهرين يقصر الصلاة، أخرجه أيضًا ابن المنذر، وابن أبي شيبة، وثبت عن عبد الرحمن بن سمرة أنه أقام بكابل شتوة، أو شتوتين، يصلي ركعتين. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٤)، وثبت عن ابن عمر -﵄-، أنه أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، حبسه الثلج. أخرجه البيهقي.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: هذه المسألة ليس فيها نَصٌّ صريح يُعتمد عليه، ولكن أقرب هذه الأقوال إلى الصواب -والله أعلم- هو القول السادس؛ وذلك لأنَّ المسافر إذا عزم على الإقامة أصبح مُقيمًا.\nومما يدل على ذلك أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رخَّص للمهاجر إقامة ثلاثة أيام في بلده. أخرجاه في «الصحيحين» (^١) من حديث العلاء بن الحضرمي، ولو كانت إقامة المهاجر أربعة أيام، أو أكثر، لا تجعله مُقيمًا لما حُرِّم عليه البقاء.\nوقوله: (رخَّص) يدل على أنَّ هذه تُعتبر إقامة، ولكنه رُخِّصَ فيها، وعلى هذا: فمن أقام فهو مقيم، والمقيم عليه أن يُتمَّ الصلاة، ولكن صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٩٣٣)، ومسلم برقم (١٣٥٢).","vol":"3","page":141},{"text":"«الصحيحين» (^١) أنه أقام في حجة الوداع أربعة أيام، وهو يقصر الصلاة؛ فإنه وصل مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة، ثم أقام بها إلى صبيحة الثامن، فهذا يدل على أنَّ من عزم على إقامة أربعة أيام فحكمه حكم المسافر، فإذا زاد على هذه المدة فحكمه حكم المقيم على الأصل، والله أعلم.\nوهذا القول رجَّحه الإمام ابن باز -﵀-، وهو اختيار الشيخ يحيى حفظه الله.\nوأما القائلون بتحديد خمسة عشر يومًا، فليس عندهم ما يعتمد عليه إلا أثر ابن عمر -﵄-، وقد جاء عن ابن عمر خلاف ذلك، وأمَّا رواية: «أقام بمكة خمسة عشر يومًا» فقد تقدم أنها ليست صحيحة.\nوأما القائلون بتحديد تسعة عشر يومًا، فاستندوا إلى حديث ابن عباس -﵄-، الذي في الباب، وليس لهم فيه دلالة؛ لأنَّ الظاهر من الحديث أنَّ هذه الفترة أقامها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غيرَ عازم على إقامتها، بل وقعت اتفاقًا من غير قصد.\nوأما القائلون بتحديد عشرة أيام؛ فحجتهم حديث أنس الذي في الباب، وهو في «الصحيحين»، وفيه زيادة: (قلت لأنس: كم أقمتم بها؟ قال: عشرًا)، لكن قال الإمام أحمد، وغيره: ليس لحديث أنس وجه؛ إلا أنه حسب أيام إقامته - ﷺ - في حجته منذ دخل مكة إلى أن خرج منها، لا وجه له إلا هذا.\n_________\n(^١) أخرج البخاري برقم (١٠٨٥)، ومسلم برقم (١٢٤٠)، من حديث ابن عباس -﵄-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه قدموا صبيحة رابعة، مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة. الحديث\nوفي «صحيح مسلم» (١٢١٨)، من حديث جابر -﵁-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توجه إلى منى في اليوم الثامن يوم التروية.","vol":"3","page":142},{"text":"وأما ما ذهب إليه شيخ الإسلام؛ فلا يستقيم من حيث اللغة؛ لأنَّ من عزم إقامة سنة مثلًا، أو سنتين، أو أكثر؛ فإنه ليس بضارب في الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وهذا لا يُعدُّ ضاربًا في الأرض، شرعًا، ولا لغةً، ولا عُرْفًا.\nوأما الآثار المذكورة؛ فقد جاء عن ابن عباس -﵄-، التحديد بتسعة عشر يومًا كما في «البخاري»، وجاء عن ابن عمر -﵄-، التحديد باثني عشر يومًا، فهذا يدل على أنَّ الآثار المذكورة عنهما ليس المراد بها أنهم عزموا على إقامة تلك المدة، بل ذلك في حقِّ من لم يعزم على الإقامة.\nوكذلك سعد بن أبي وقاص، قد ثبت في «الصحيحين» (^١) عنه أنه عند أنْ وَلِيَ الكوفة، وأقام بها كان يصلي تمامًا، فهذا يدل على أنه في تلك الواقعة لم يَعزِم على الإقامة، وكذلك الآثار الأخرى تُحمل على أنهم لم يعزموا على الإقامة، وهذا يحصل في الجهاد؛ فإنَّ المجاهد إنما يريد أن يفتح تلك البلدة، ثم ينصرف، ومما ينبه عليه أن أثر أنس، وعبد الرحمن بن سمرة من طريق الحسن عنهما، وقد عنعن، وهو مدلس.\nولْيُعْلَم أيضًا أن شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- قد تردد في المسألة في بعض المواضع، فقد قال كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٧): إذا نوى أن يُقيم بالبلد\n_________\n(^١) أخرج البخاري برقم (٧٥٥)، ومسلم برقم (٤٥٣): أنَّ أهل الكوفة شكوا سعدًا -﵁- إلى عمر -﵁-، حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فقال سعد: والله، إني لأصلي بهم صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، لا أخرم عنها، أركد في الأوليين، وأخف في الأخريين. فقال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق.","vol":"3","page":143},{"text":"أربعة أيام فما دونها؛ قصر الصلاة، وإنْ كان أكثر ففيه نزاعٌ، والأحوط أن يُتمَّ الصلاة. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1141>مسألة [٢]: إذا أقام ببلدٍ لحاجة يتوقعها قبل أربعة أيام</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٣٦٥): أمَّا إذا أقام في بلد لانتظار حاجة يتوقعها قبل أربعة أيام، فقد ذكرنا أنَّ الأصح عندنا أنه يقصر إلى ثمانية عشر يومًا. وقال أبوحنيفة ومالك وأحمد: يقصر أبدًا. وقال أبو يوسف ومحمد: هو مقيم. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول مالك، وأحمد، وعليه تحمل الآثار الواردة عن الصحابة في القصر في أكثر من أربعة أيام، التي تقدم ذكرها في المسألة السابقة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1142>مسألة [٣]: صلاة الملَاّح في السفينة</span>.\nإنْ كان له مسكن يسكنه في البر؛ فحكمه حكم المسافر بدون إشكال، واختلفوا فيما إذا كانت السفينة مَسْكَنَهُ، ومعه أهله، وليس له مأوى في البر.\n• فذهب أحمد، وعطاء إلى أنَّ حكمه حكم المقيم؛ فيتم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٣٦٤)، «الأوسط» (٤/ ٣٥٥ -)، «المغني» (٣/ ١٤٧)، «الفتح» (١٠٨٠ - ١٠٨١)، «ضياء السالكين» (ص ٩٠ -)، «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٨، ١٣٧)، «الاختيارات الفقهية» (ص ٧٣)، «الشرح الممتع» (٤/ ٥٤٤).","vol":"3","page":144},{"text":"• وذهب الشافعي، ومالك، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور، إلى أنَّ له القصر؛ لأنَّه مسافر، لكن قال الإمام الشافعي: أُحِبُّ له أن يُتم احتياطًا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنَّ له القصر؛ لأنه ما زال مسافرًا، ولا شك أنَّ له بلد إقامة، وإنْ أتمها احتياطًا كما قال الشافعي؛ فهو أفضل، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1143>مسألة [٤]: إذا مرَّ ببلدة له فيها أهل، ودار، فهل يتم، أم يقصر</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالقول الأول: أنه يتم، صحَّ هذا القول عن ابن عباس -﵄-، فقد أخرج عبد الرزاق (٢/ ٥٢٤)، بإسناد صحيح عن ابن عباس، أنه قال: إذا قدمت على أهلٍ لك، أو ماشية؛ فأتم الصلاة. وهذا قول أحمد، وعنه رواية أنه قال: يُتم؛ إلا أن يكون مارًّا.\nالقول الثاني: إذا أراد أن يقيم بها يومًا وليلة؛ أتمَّ، وإلا قصر، وهو قول مالك.\nالقول الثالث: إذا أقام بها أربعة أيام؛ يتم، وإلا فيقصر، وهو قول الشافعي، وابن المنذر.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح -والله أعلم- القول الأول، وإنْ مرَّ مرورًا ولم يمكث فالأقرب أنه يقصر، وبالله التوفيق. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ١١٨)، «الأوسط» (٤/ ٣٦٨)، «الضياء» (ص ١١٨).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ١٥١)، «الأوسط» (٤/ ٣٦٤)، «الضياء» (ص ١٠٢).","vol":"3","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1144>مسألة [٥]: إذا شرع في الصلاة، وهو مسافر، ثم أقام، وكذا العكس</span>؟\nقال الإمام أبو محمد بن حزم -﵀- في «المحلى» (٥١٦): ومن ابتدأ صلاة وهو مقيم، ثم نوى فيها السفر، أو ابتدأها وهو مسافر ثم نوى فيها أن يقيم أتم في كلا الحالين. برهان ذلك ما ذكرناه من أن الإقامة غير السفر، وأنه لا يخرج عن حكم الإقامة مما هو إقامة؛ إلا ما أخرجه نَصٌّ، فهو إذا نوى في الصلاة سفرًا فلم يسافر بعد، بل هو مقيم، فله حكم الإقامة، وإذا افتتحها وهو مسافر؛ فنوى فيها الإقامة؛ فهو مقيم بعدُ، لا مسافر؛ فله أيضًا حكم الإقامة؛ إذ إنما كان له حكم السفر بالنص المخرج لتلك الحال عن حكم الإقامة، فإذا بطلت تلك الحال ببطلان نيته صار في حال الإقامة، وبالله تعالى التوفيق. اهـ\nوهذا الذي قرره ابن حزم هو مذهب الحنابلة كما في «المغني» (٣/ ١٤٢)، والشافعية كما في «شرح المهذب» (٤/ ٣٥٢)، بل قال النووي: بل نقل الشيخ أبو حامد وغيره إجماع المسلمين على هذا. اهـ","vol":"3","page":146},{"text":"٤٢٢ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ الْحَاكِمِ فِي الأَرْبَعِينَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: صَلَّى الظُّهْرَ، وَالعَصْرَ ثُمَّ رَكِبَ. (^٢)\nوَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ: كَانَ إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ، فَزَالَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ، وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ ارْتَحَلَ. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١١٢)، ومسلم (٧٠٤).\n(^٢) زيادة (والعصر) غير محفوظة. أخرجه الحاكم كما في «الفتح» (١١١٢) من طريق حسان بن عبدالله الواسطي عن المفضل بن فضالة عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك به.\n\nقال الحافظ في «الفتح» (١١١٢): لكن في ثبوتها نظر يعني زيادة (والعصر) لأن البيهقي أخرج هذا الحديث عن الحاكم بهذا الإسناد مقرونًا برواية أبي داود عن قتيبة وقال: إن لفظهما سواء إلا أن في رواية قتيبة (كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-) وفي رواية حسان (أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-). اهـ\nقلتُ: وكذلك فإن البخاري أخرج الحديث برقم (١١١١) عن حسان الواسطي بإسناده بدون زيادة (والعصر). قال الحافظ في «الفتح»: كذا فيه (الظهر) فقط، وهو المحفوظ عن عقيل في الكتب المشهورة. اهـ\n(^٣) معل. أخرجه أبونعيم (٢/ ٢٩٤) من طريق جعفر الفريابي عن إسحاق بن راهويه عن شبابة بن سوار ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس فذكره.\nقال الحافظ في «التلخيص»: في ذهني أن أبا داود أنكره على إسحاق بن راهويه. وقال في «الفتح»: أُعِلَّ بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة، ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق وليس ذلك بقادح فإنهما إمامان حافظان. اهـ\nقلتُ: والذين خالفوا إسحاق هم: عمرو بن محمد الناقد، وعيسى بن أحمد البلخي، وسعيد بن بحر القراطيسي، والحسن بن محمد الصباح. هؤلاء الأربعة رووه عن شبابة بإسناده بلفظ: (كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخّر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما). ويظهر أن هذه الرواية هي المحفوظة، والله أعلم.","vol":"3","page":147},{"text":"٤٢٣ - وَعَنْ مُعَاذٍ -﵁- قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ، وَالعَصْرَ جَمِيعًا، وَالمَغْرِبَ، وَالعِشَاءَ جَمِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1145>مسألة [١]: الجمع بين الصلاتين في السفر</span>.\nأجمع أهل العلم على أنَّ الجمع يكون في صلاة الظهر مع صلاة العصر، وفي صلاة المغرب مع صلاة العشاء، ولا يجمع بين غيرها، نقل الإجماع النووي وغيره.\n• واختلفوا في جواز الجمع المذكور في السفر على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: جواز الجمع بين الظهر، والعصر، وكذلك المغرب والعشاء، سواء كان جمع تقديم، أو جمع تأخير، وهذا قول جمهور العلماء، منهم: أحمد، والشافعي، ومالك، وجماعة من الصحابة والتابعين، واستدلوا بحديث أنس -﵁-، الذي في الباب، وكذلك حديث معاذ، وفي «الصحيحين» (^٢) عن ابن عمر -﵄-، قال: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا أعجله السير في السفر أخَّرَ صلاة المغرب حتى يجمع\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٧٠٦).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٠٩١)، ومسلم (٧٠٣).","vol":"3","page":148},{"text":"بينها، وبين العشاء حين يغيب الشَّفَق. وفي الباب أحاديث أخرى.\nالقول الثاني: جواز جمع التأخير دون جمع التقديم، وهو قول أحمد في رواية، وابن حزم، ورُوي عن مالك؛ لأن أدلة جمع التقديم لا تخلو من ضعفٍ.\nالقول الثالث: لا يجمع في السفر، لا جمع تقديم، ولا تأخير، وهو قول الحسن، وابن سيرين، والنخعي، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ لكل صلاة وقتًا محدودًا؛ فلا يجوز أن يصلي الصلاة خارج وقتها المحدود لها.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو القول الأول، وأما جمع التقديم؛ فهو ثابت في «الصحيح» (^١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جمعَ قبل ذهابه إلى عرفة بين الظهر، والعصر، وما ثبت وجاز في يوم عرفة؛ جاز في غيره.\nوأما قول أصحاب الرأي؛ فهو قول باطل؛ لأنَّ أدلة المواقيت عامَّة، وأدلة الجمع خاصَّة، ولا تعارض بين عام وخاص، بل العام يُخَصُّ بالنص الخاص، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1146>مسألة [٢]: هل يجمع المسافر النازل، أم هو خاص بالسائر</span>؟\n• ذهب مالك -﵀- إلى أنَّ المسافر يجمع إذا كان على سير؛ لحديث ابن عمر -﵄-، المتقدم في المسألة السابقة.\n• وأما إذا كان نازلًا؛ فلا يجمع، بل يصلي كل صلاة في وقتها كما فعل النبي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٨)، من حديث جابر -﵁-.\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٤/ ٣٧١)، «المغني» (٣/ ١٢٧)، «الفتح» (١١٠٨)، «نيل الأوطار» (١١٧١).","vol":"3","page":149},{"text":"-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بمِنَى، وهو قول الليث.\n• وذهب جمهور العلماء إلى جواز الجمع للنازل؛ لحديث معاذ في «صحيح مسلم» (^١)، قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، فكان يجمع الصلاة، فصلَّى الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، حتى إذا كان يومًا أخَّرَ الصلاة، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعًا.\nقال ابن عبد البر -﵀- كما في «الفتح» (١١١٢): فِي هَذَا أَوْضَح دَلِيل عَلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا يَجْمَع إِلَّا مَنْ جَدَّ بِهِ السَّيْر. وَهُوَ قَاطِع للِالْتِبَاسِ. اهـ\nوقال الشافعي -﵀- في «الأم»: قَوْلُه: دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ. لَا يَكُونُ إِلَّا وَهُوَ نَازِلٌ، فَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يَجْمَعَ نَازِلًا وَمُسَافرًا. اهـ\nوالصواب قول الجمهور، وما استدل به مالك يدل على جواز الأمرين، لا على عدم جواز الجمع للنازل، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1147>مسألة [٣]: هل تشترط النية للجمع بين الصلاتين</span>؟\n• الخلاف في هذه المسألة كالخلاف المتقدم في مسألة النية للقصر، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام -﵀-، وقد تقدم الكلام على ذلك.\nوالراجح عدم اشتراط النية، وراجع ما تقدم ذكره في المسألة المذكورة. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٠) من [كتاب الفضائل].\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٤/ ٣٧٣)، «الفتح» (١١١٢)، «الشرح الممتع» (٤/ ٥٥٠).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٣/ ١٣٧)، «المجموع» (٤/ ٣٧٤)، «الشرح الممتع» (٤/ ٥٥٠).","vol":"3","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1148>مسألة [٤]: هل يُشترط الترتيب بين الصلاتين في الجمع</span>؟\nاشترط أهل العلم للجمع بين الصلاتين الترتيب؛ لأنه هو الذي فعله رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ولو بدأ بالثانية لم تصح، ويجب إعادتها بعد الأولى جامعًا.\nقال النووي -﵀- (٤/ ٣٧٤): ولو صلى الأولى، ثم الثانية، فبان فساد الأولى؛ فالثانية فاسدة أيضًا، ويعيدهما جميعًا جامعًا. اهـ\nقلتُ: وهو مذهب جمهور الحنابلة، وذهب بعض الحنابلة إلى أنَّ صلاته الأولى تفسد، ويعيدها، وأما صلاته الثانية؛ فتجزئه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1149>مسألة [٥]: هل يُشترط الموالاة بين الصلاتين في الجمع</span>؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٥٣): فصارت الأقوال للعلماء في اقتران الفعل ثلاثة:\nأحدها: أنه لا يجب الاقتران، لا في وقت الأُولى، ولا الثانية، كما قد نص عليه أحمد كما ذكرناه في السفر، وجمع المطر.\nوالثانى: أنه يجب الاقتران في وقت الأُولى دون الثانية.\nوهذا هو المشهور عند أكثر أصحابه المتأخرين، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ فإن كان الجمع في وقت الأُولى اشترط الجمع، وإن كان في وقت الآخِرَة؛ فإنه\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٣٣٠)، «غاية المرام» (٦/ ٥٢١)، «الشرح الممتع» (٤/ ٥٧١)، «المجموع» (٤/ ٣٧٤).","vol":"3","page":151},{"text":"يصلي الأُولى في وقت الثانية، وأما الثانية فيصليها في وقتها؛ فتصح صلاته لها، وإن أَخَّرَها، ولا يأثم بالتأخير، وعلى هذا تُشترط الموالاة في وقت الأُولى دون الثانية.\nوالثالث: تُشترط الموالاة في الموضعين كما يُشترط الترتيب.\nوهذا وجهٌ في مذهب الشافعي، وأحمد، ومعنى ذلك أنه إذا صلى الأُولى وأَخَّرَ الثانية؛ أثم، وإن كانت وقعت صحيحة؛ لأنه لم يكن له إذا أَخَّرَ الأُولى إلا أن يصلي الثانية معها، فإذا لم يفعل ذلك كان بمنزلة من أخَّرَها إلى وقت الضرورة، ويكون قد صلَّاها في وقتها مع الإثم.\nقال: والصحيح أنه لا تشترط الموالاة بحال، لا في وقت الأُولى، ولا في وقت الثانية؛ فإنه ليس لذلك حد في الشرع، ولأن مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: والقول الأول هو الصواب، كما صححه شيخ الإسلام، وهو ترجيح شيخنا الفاضل أبي عبد الرحمن الحجوري حفظه الله. (^١)\nتنبيه: اشترط أهل العلم للجمع بين الصلاتين وجود العذر المبيح للجمع عند ابتداء الصلاة الثانية، وبعضهم شرط وجود العذر من ابتداء الصلاة الأولى، وهذا بناء على اشتراط النية، وقد تقدم أنها لا تُشترط؛ فالصحيح أنه لا يُشترط وجود العذر إلا عند الصلاة الثانية، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٣٧٥).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ١٣٩)، «الشرح الممتع» (٤/ ٥٧٤).","vol":"3","page":152},{"text":"٤٢٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ (^١)، مِنْ مَكَّةَ إلَى عُسْفَانَ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. كَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1150>مسألة [١]: ما ضابط السفر الذي يقصر به المسافر</span>؟\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال، منها:\nالقول الأول: أنَّ ضابط ذلك خروج مسيرة ثمانية وأربعين ميلًا، وهو قول الحسن، والزهري، ومالك، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.\nواستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس -﵄- الذي في الباب، وتقدم أنه شديد الضعف.\nوصحَّ هذا القول عن ابن عباس، وابن عمر -﵃-.\nالقول الثاني: إذا خرج مسيرة ثلاثة أيام بلياليهن، وهو قول الشعبي، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة.\n_________\n(^١) جمع بَريد، والبريد: أربعة فراسخ. والفرسخ: ثلاثة أميال. والميل: ستة آلاف ذراع. وقيل: أربعة آلاف ذراع.\n(^٢) المرفوع ضعيف جدًّا، والموقوف صحيح.\nأخرج المرفوع الدارقطني (١/ ٣٨٧) وفي إسناده عبدالوهاب بن مجاهد بن جبر، وهو متروك، بل كذبه الثوري. والموقوف أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٤٧) بإسناد صحيح عنه.","vol":"3","page":153},{"text":"وقد احتج لهم بحديث ابن عمر -﵄-، في «الصحيحين»: «لا تسافر امرأة ثلاثًا؛ إلا ومعها ذو محرم». (^١)\nالقول الثالث: مسيرة يوم تام، وهو قول الأوزاعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر، وثبت هذا القول عن ابن عمر، وابن عباس -﵃-، وقال به الزهري أيضًا.\nوقد احتُجَّ لهم بحديث أبي هريرة -﵁-، في «الصحيحين»: «لا تسافر المرأة مسيرة يوم؛ إلا ومعها ذو محرم». (^٢)\nالقول الرابع: يقصر في كل سفرة طويلة، وقصيرة، فكل ما يُسمى سفرًا؛ قصر فيه الصلاة، وهو قول داود الظاهري، وطائفة من الحنابلة.\nواختاره ابن قدامة في «المغني»، فقال: ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة؛ لأنَّ أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف، وقد رُوي عن ابن عباس، وابن عمر -﵃-، خلاف ما احتج به أصحابنا، ثم لو لم يوجد ذلك لم يكن في قولهم حجة مع قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وفعله، وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه لوجهين:\nأحدهما: أنه مخالف لسنة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- التي رويناها، ولظاهر القرآن؛ لأنَّ ظاهره إباحة القصر لمن ضرب في الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٠٨٦)، ومسلم برقم (١٣٣٨).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٠٨٨)، ومسلم برقم (١٣٣٩).","vol":"3","page":154},{"text":"عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يمسح المسافر ثلاثة أيام»، جاء لبيان أكثر مدة المسح؛ فلا يصح الاحتجاج به هاهنا، وعلى أنه يمكنه قطع المسافة القصيرة في ثلاثة أيام، وقد سمَّاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سفرًا، فقال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم؛ إلا مع ذي محرم».\nالثاني: أنَّ التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد لاسيما وليس له أصل يرد إليه، ولا نظير يُقاس عليه، والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر؛ إلا أنْ ينعقد الإجماع على خلافه. اهـ\nوهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، فقال كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٥): وهذا قول كثير من السلف والخلف، وهو أصح الأقوال في الدليل، ولكن لا بد أن يكون ذلك مما يُعَدُّ في العُرْفِ سفرًا، مثل أن يتزود له، ويبرز للصحراء. انتهى المراد.\nوقال في (٢٤/ ٤٠): كل اسم ليس له حد في اللغة، ولا في الشرع؛ فالمرجع فيه إلى العرف، فما كان سفرًا في عرف الناس فهو السفر الذي علق به الشارع الحكم، وذلك مثل سفر أهل مكة إلى عرفة؛ فإن هذه المسافة بريد، وهذا سفر ثبت فيه جواز القصر والجمع بالسنة، والبريد هو نصف يوم بسير الإبل والأقدام، وهو ربع مسافة يومين وليلتين، وهو الذي قد يسمى مسافة القصر، وهو الذي يمكن الذاهب اليها أن يرجع من يومه. اهـ\nوقال -﵀- كما في (٢٤/ ٤٧ - ٤٨): فلو كانت المسافة محدودة؛ لكان حدها","vol":"3","page":155},{"text":"بالبريد أجود، لكن الصواب أنَّ السفر ليس محددًا بمسافة، بل يختلف: فيكون مسافرًا في مسافة بريد، وقد يقطع أكثر من ذلك، ولا يكون مسافرًا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الرابع هو الصواب، وهو اختيار ابن القيم أيضًا، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين.\nإلا أننا نجزم أنَّ الضرب في الأرض بمقدار مسيرة ليلة يعتبر سفرًا؛ وعليه فإنَّ مسافة نصف يوم كذلك تعتبر سفرًا؛ لأنَّ من ذهب هذا المقدار ورجع استغرق يومه كاملًا، وقد سمعت شيخنا مقبلًا الوادعي -﵀- يفتي بذلك، وبالله التوفيق. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٣٢٥) «الأوسط» (٤/ ٣٤٦ -) «المغني» (٣/ ١٠٨ - ١٠٩) «الفتح» (١٠٨٨)، «ابن أبي شيبة» (٢/ ٤٤٣)، «عبد الرزاق» (٢/ ٥٢٥ -).","vol":"3","page":156},{"text":"٤٢٥ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَيْرُ أُمَّتِي الَّذِينَ إذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذَا سَافَرُوا قَصَرُوا وَأَفْطَرُوا». أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (^١)، وَهُوَ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عِنْدَ البَيْهَقِيّ مُخْتَصَرًا. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيستفاد من هذا الحديث أنَّ القصر للمسافر أفضل من الإتمام، والحديث ضعيف، ولكن يغني عنه مداومة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وخلفائه على القصر، وتقدم الكلام على حكم القصر في أول الباب.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٦٥٥٤) وفي إسناده ابن لهيعة، ضعيف مختلط، والراوي عنه عبدالله بن يحيى بن معبد المرادي، لم توجد له ترجمة، وأبوالزبير لم يصرح بالسماع أو التحديث من جابر. فالحديث ضعيف.\n(^٢) ضعيف. أخرجه البيهقي في «المعرفة» (٤/ ٢٥٩) من طريق الشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب فذكره مرسلًا بنحو حديث جابر. وإسناده ضعيف جدًّا؛ لأن ابن أبي يحيى متروك قد كذب. والحديث في «مسند الشافعي» (١/ ٥١٢)، ثم وجدتُ له طريقًا أخرى إلى ابن المسيب، أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٩) عن حاتم بن إسماعيل، عن عبدالرحمن بن حرملة أنه سمع سعيد بن المسيب ...، فذكره، وهذا إسناد حسن إلى سعيد، فتبقى العلة بالإرسال.","vol":"3","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1151>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1152>مسألة [١]: حكم صلاة الجماعة على المسافر</span>.\nيجب على المسافرين أن يصلوا جماعة، إذا لم يشق عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢]، وصلاة الخوف كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصليها في غزواته، وذلك في السفر، وفي «الصحيحين» (^١) عن مالك بن الحويرث، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لهم: «فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ».\nوقد ذهب إلى وجوبها على المسافرين الإمام ابن عثيمين -﵀-، كما في «مجموع فتاواه» (١٥/ ٣٦٠، ٣٦٢)، وكذا الإمام ابن باز -﵀-، كما في «مجموع فتاواه» (١٢/ ٣٩ - ٤٠)، وهو مقتضى قول من استدل بالآية المتقدمة على وجوب الجماعة على المقيم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1153>مسألة [٢]: هل يجمع بسبب وجود المطر</span>؟\n• أما بين المغرب، والعشاء؛ فذهب جمهور العلماء إلى مشروعية الجمع، وصحَّ ذلك عن ابن عمر، وجاء عن أبي سلمة بن عبدالرحمن أنه قال: إنَّ من السنة إذا كان يومٌ مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء. رواه الأثرم، وهو قول مالك،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٧٠٥) (٥٤).","vol":"3","page":158},{"text":"والشافعي، وأحمد، وغيرهم.\n• وذهب أصحاب الرأي إلى عدم مشروعية الجمع في المطر، والصواب هو القول الأول، ويدل عليه حديث ابن عباس في «صحيح مسلم» (^١)، قال: جمع النبي - ﷺ - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة في غير خوف، ولا مطر. وفي رواية لمسلم برقم (٧٠٥): «من غير خوفٍ، ولا سفر».\nفمفهوم الحديث أنَّ الجمع يُشرع عند الخوف، والسفر، والمطر، والله أعلم.\nوأما بين الظهر، والعصر؛ فمنع الجمع بينهما مع الحنفية: مالك، وأحمد، وذهب إلى مشروعيته الشافعي، وأصحابه، وجمعٌ من الحنابلة، وهو الصواب؛ لحديث ابن عباس المتقدم، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ١٣٣): والمطر المبيح للجمع هو ما يبل الثياب، وتلحق المشقة بالخروج فيه، وأما الطَّل، والمطر الخفيف الذي لا يبل الثياب؛ فلا يبيح، والثلج كالمطر في ذلك؛ لأنه في معناه، وكذلك البرد. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1154>مسألة [٣]: هل الطين والوحل عذرٌ في الجمع، أم لا</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالأول: أنَّ ذلك عذرٌ يبيح الجمع، وهو قول مالك، ووجهٌ عند الحنابلة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٧٠٥) (٥٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٣/ ١٣٢ - ١٣٣).","vol":"3","page":159},{"text":"الثاني: أنَّ ذلك لا يبيح الجمع، وهو قول الشافعي، ووجهٌ عند الحنابلة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر أن ذلك عذرٌ في الجمع؛ لأنَّ المشقة في الطين، والوحل أشد منها في المطر، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-، ولو ترك ذلك خروجًا من الخلاف؛ فهو أفضل، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1155>مسألة [٤]: هل الريح الشديدة في الليلة الباردة عذرٌ في الجمع</span>؟\n• ذهب بعض الحنابلة إلى أنه يُعتبر عُذرًا؛ لوجود المشقة، وهو قول عمر بن عبدالعزيز.\n• ومذهب الشافعية، وجماعة من الحنابلة أنه لا يُعتبر عذرًا، ويشهد للقول الأول حديث ابن عمر -﵄-، في «الصحيحين» أنَّ مؤذن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقول: «صلوا في رحالكم»، في الليلة المطيرة، أو الليلة ذات البرد. وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1156>مسألة [٥]: هل يجمع في المطر، وما ذُكِرَ بعده جمع تأخير</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ١٣٦): فَأَمَّا الجمْعُ لِلْمَطَرِ، فَإِنَّمَا يُجْمَعُ فِي وَقْتِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ السَّلَفَ إنَّمَا كَانُوا يَجْمَعُونَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ يُفْضِي إلَى لُزُومِ المَشَقَّةِ، وَالْخُرُوجِ فِي الظُّلْمَةِ ...، وَرُبَّمَا يَزُولُ الْعُذْرُ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْأُولَى، فَيَبْطُلُ الجمْعُ وَيَمْتَنِعُ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ١٣٣ - ١٣٤)، «الشرح الممتع» (٤/ ٥٥٦ - ٥٥٨).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ١٣٤)، «المجموع» (٤/ ٣٨٣)، «الشرح الممتع» (٤/ ٥٥٨).","vol":"3","page":160},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٥٦):\nوكذلك جمع المطر، السنة أن يجمع للمطر في وقت المغرب، حتى اختلف مذهب أحمد: هل يجوز أن يجمع للمطر في وقت الثانية؟\nعلى وجهين، وقيل: إن ظاهر كلامه أنه لا يجمع. وفيه وجه ثالث: أن الأفضل التأخير، وهو غلطٌ، مخالف للسنة والإجماع القديم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1157>مسألة [٦]: هل للمريض أن يجمع بين الصلاتين</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالقول الأول: الجواز، وهوقول عطاء، ومالك، وأحمد، وبعض الشافعية.\nالقول الثاني: لا يجوز له الجمع، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب؛ لأنَّ المريض عذره أشد من عذر المسافر، وعذر المطر؛ ولذلك قال النووي -﵀- في «شرح المهذب»:\nوهذا الوجه قويٌّ جدًّا، ويُسْتَدل له بحديث ابن عباس قال: جمع رسول الله - ﷺ - بالمدينة من غير خوف، ولا مطر. رواه مسلم (^١)، ووجه الدلالة منه أنَّ هذا الجمع إما أن يكون بالمرض، وإما بغيره مما في معناه، أو دونه، ولأنَّ حاجة المريض، والخائف آكد من الممطور. اهـ. (^٢)\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ١٣٥)، «المجموع» (٤/ ٣٨٣)، «الشرح الممتع» (٤/ ٥٥٣).","vol":"3","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1158>مسألة [٧]: الجمع لغير عذر</span>.\n• ذهب الجمهور إلى عدم الجواز، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وحملوا حديث ابن عباس المتقدم على أنَّ ذلك كان لعذرٍ، كمرض أو غيره، ومنهم من تأوله بأنه جمعٌ صوري، بأنْ يكون أخَّرَ الصلاة الأُولى إلى آخر وقتها، والصلاة الثانية قدَّمها إلى أول وقتها، وهناك تأويلات أخرى، وكلها تأويلات باطلة.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم»: وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّة إِلَى جَوَاز الْجمْع فِي الْحَضَر لِلْحَاجَةِ لِمَنْ لَا يَتَّخِذهُ عَادَة، وَهُوَ قَوْل اِبْن سِيرِينَ، وَأَشْهَب مِنْ أَصْحَاب مَالِك، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْقَفَّال، وَالشَّاشِيّ الْكَبِير مِنْ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْمَرْوَزِيِّ، عَنْ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب الْحَدِيث، وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر، وَيُؤَيِّدهُ ظَاهِر قَوْل اِبْن عَبَّاس: أَرَادَ أَلَّا يُحْرِج أُمَّته، فَلَمْ يُعَلِّلهُ بِمَرَضٍ وَلَا غَيْره، وَالله أَعْلَم. اهـ\nقلتُ: وهو قول ربيعة، وابن شبرمة، وهو الصواب، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي -﵀-. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ١٣٧)، «الفتح» (٥٤٣)، «شرح مسلم» (٥/ ٢٢٥) ط/المنهاج، «المجموع» (٤/ ٣٨٤).","vol":"3","page":162},{"text":"٤٢٦ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁- قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ (^١)، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا؛ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا؛ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\n٤٢٧ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: عَادَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَرِيضًا فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ فَرَمَى بِهَا، وَقَالَ: «صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إنِ اسْتَطَعْت، وَإِلَّا فَأَوْمِ إيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَك أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِك». رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَ أَبُوحَاتِمٍ وَقْفَهُ. (^٣)\n\n٤٢٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: رَأَيْت النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا، رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1159>مسألة [١]: إذا لم يستطع المريض أن يُصلي قائمًا</span>؟\nنقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أنه يصلي قاعدًا؛ لحديث عمران بن حصين الذي في الباب، وممن نقل الإجماع على ذلك النووي، وابن قدامة. (^٥)\n_________\n(^١) قال الحافظ -﵀- في «الفتح»: البواسير جمع باسور، يقال بالموحدة، وبالنون، أو الذي بالموحدة ورم في باطن المقعدة، والذي بالنون قرحة فاسدة لا تقبل البرء مادام فيها ذلك الفساد.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١١١٧).\n(^٣) تقدم تخريجه برقم (٣١٩).\n(^٤) تقدم تخريجه برقم (٢٩٢).\n(^٥) انظر: «المغني» (٢/ ٥٧٠)، «المجموع» (٤/ ٣١٠).","vol":"3","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1160>مسألة [٢]: إذا استطاع مع المشقة الشديدة أن يقوم</span>؟\n• جمهور العلماء على أنه يصلي قاعدًا أيضًا، والمشقة الشديدة، أو زيادة المرض من الأعذار في ترك القيام في الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].\nوفي حديث أنس -﵁-، في «الصحيحين» (^١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جحش شقه الأيمن؛ فصلى قاعدًا، والظاهر أنه لم يعجز عن القيام بالكلية، ولكنه شقَّ عليه القيام، وهذا قول أحمد، والشافعي، ومالك، وإسحاق.\n• وعن أحمد رواية أنه يصلي قائمًا، ونقله عياض عن الشافعي، وهو خلاف المشهور عند الشافعية؛ فإنَّ المشهور عندهم أنه يقول بالقول الأول.\nوالصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1161>مسألة [٣]: إذا ابتدأ صلاته قائمًا، ثم عجز عن القيام أثناء الصلاة</span>؟\nقال الإمام النووي -﵀-: إذا افتتح الصلاة قائمًا، ثم عجز؛ قعد وبنى عليها بالإجماع، نقل الإجماع فيه الشيخ أبو حامد، وغيره. اهـ\nقلتُ: ويشمله الأدلة السابقة. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٧٨)، ومسلم برقم (٤١١).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٧١)، «الفتح» (١١١٧).\n(^٣) وانظر: «المجموع» (٤/ ٣٢١).","vol":"3","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1162>مسألة [٤]: من قدر على القيام، وعجز عن الركوع، والسجود، فهل يسقط عنه القيام</span>؟\n• لا يسقط عنه القيام عند جمهور العلماء، وهو قول أحمد، والشافعي، ومالك؛ لأنه قادر عليه، ويركع، ويسجد حسب طاقته.\n• وقال أبو حنيفة: لا يلزمه القيام.\nقلتُ: الصواب قول الجمهور، ويومئ برأسه في الركوع وهو قائم، ثم يومئ برأسه في السجود وهو جالس، ودليل الجمهور حديث عمران الذي في الباب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1163>مسألة [٥]: إذا كان يصلي قاعدًا لعذر، ثم استطاع القيام أثناء الصلاة</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٣٢١): وإنْ افتتحها قاعدًا للعجز، ثم قدر على القيام؛ قامَ، وبنى عندنا، وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، والجمهور، وقال محمد: تبطل صلاته. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، ولا دليل على البطلان، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1164>مسألة [٦]: القيام على مُتَّكَأ كالعصا، وشبهها</span>.\nقال القاضي عياض -﵀- في «شرح مسلم» (٣/ ١٤٩): وأما الاتكاء على العِصِيِّ؛ لطول القيام في النوافل، فما أعلم أنه اختلف في جوازه، والعمل به إلا ما رُوي عن ابن سيرين في كراهة ذلك، وقول مجاهد: ينقص من أجره بقدر ذلك.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٧٢)، «المجموع» (٤/ ٣١٣).","vol":"3","page":165},{"text":"هو من باب قوله: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم».\n• واختلف فيه في الفرائض لغير ضرورة، فمذهب مالك، وجمهور العلماء أنه لا يجوز، وأنه لا يجزئ من القيام، ومن اعتمد على عصي، أو حائط اعتمادًا لو زال سقط؛ فسدت صلاته، وكأنه لم يقم فيها، وأجاز ذلك جماعة من الصحابة، والسلف، منهم: أبو سعيد الخدري، وأبو ذر، وغيرهم. وأما الضرورة، وعند العجز عن القيام؛ فيجوز، وهو أولى من الصلاة جالسًا. قاله مالك وغيره. انتهى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما في النافلة؛ فقد ثبت عن جماعة من الصحابة، والتابعين فعل ذلك، فقد أخرج مالك في «الموطأ» عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أُبي بن كعب، وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كُنَّا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع (^١) الفجر. وهذا إسناد صحيح جدًّا.\nوالذي نختاره عدم الاعتماد؛ ويدل عليه حديث جابر -﵁- الذي في الباب، وهو ضعيف، ولكن يغني عنه حديث أنس بن مالك -﵁-، في «الصحيحين» (^٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دخل المسجد، وحبلٌ ممدود بين ساريتين، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «ما هذا؟»، قالوا: حبل لزينب تصلي، فإذا كسلت، أو فترت تعلقت به. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:\n_________\n(^١) فرع كل شيء: أعلاه. ومنه حديث قيام رمضان: «فما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر». أَي أَوَائِله وَأول مَا يبدوا ويرتفع مِنْهُ. وفروع أُذُنَيْهِ أَي أعاليهما.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١١٥٠)، ومسلم برقم (٧٨٤)، من حديث أنس -﵁-.","vol":"3","page":166},{"text":"«حُلُّوه، لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل، أو فتر؛ فليقعد»، وهو فعل جابر ابن عبدالله كما في الباب.\nوأما في الفريضة لضرورة، فقال الشوكاني -﵀- في «النيل» (٨٥٢): وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ احْتَاجَ فِي قِيَامِهِ إلَى أَنْ يَتَّكِئَ عَلَى عَصًا، أَوْ عُكَّازٍ، أَوْ يَسْتَنِدَ إلَى حَائِطٍ، أَوْ يَمِيلَ عَلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ؛ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِاللُّزُومِ، وَعَدَمِ جَوَازِ الْقُعُودِ مَعَ إمْكَانِ الْقِيَامِ، مَعَ الِاعْتِمَادِ، مِنْهُمْ: الْمُتَوَلِّي، وَالْأَذْرَعِيُّ، وَكَذَا قَالَ بِاللُّزُومِ ابْنُ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِيُّ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ الْقُعُودُ. اهـ\nقلتُ: وظاهر نقل القاضي عياض أنَّ مالكًا لا يقول بوجوب الاعتماد على العصا إذا كان قادرًا على القيام بها.\n• وأما مذهب الشافعية، والحنابلة فهو لزوم الاعتماد.\n• وذهب ابن حزم في «المحلَّى» (٤٠٦)، إلى بطلان الصلاة.\nوالذي يظهر لي -والله أعلم- أنه لا يعتمد، بل يصلي قاعدًا؛ لحديث عمران، وإنْ اعتمد؛ جاز له ذلك، وأما القول بالبطلان فلا يصح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1165>مسألة [٧]: إذا عجز المريض عن الصلاة قاعدًا، فكيف يصلي</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه يصلي على جنبه؛ لحديث عمران بن حصين الذي\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٧١)، «المحلى» (٤٠٦)، «المجموع» (٣/ ٢٦٤)، «النيل» (٨٥٢).","vol":"3","page":167},{"text":"في الباب، قالوا: فإذا عجز عن الصلاة على جنبه؛ صلَّى مستلقيًا.\n• وذهب أبو ثور، وأصحاب الرأي إلى أنه إنْ عجز عن الصلاة قاعدًا؛ صلَّى مستلقيًا، واستدلوا بحديثٍ لا أصل له كما في «نصب الراية» (٢/ ١٧٦)، ولفظه: «يصلي المريض قائمًا؛ فإن لم يستطع فقاعدًا؛ فإن لم يستطع فعلى قفاه يومئ إيماءً؛ فإن لم يستطع فالله أحق بقبول العذر منه»، قال الزيلعي -﵀-: حديث غريب. وهذا اصطلاحه فيما لا أصل له.\nوالصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لحديث عمران، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1166>مسألة [٨]: إذا صلى المريض قاعدًا وعجز عن الركوع والسجود: أيرفع لرأسه شيئا يسجد عليه، أم يومئ إيماءً</span>؟\n• قال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٤/ ٣٧٩ -): فيها لأهل العلم قولان:\nأحدهما: أن يومي إيماء، ولا يرفع إلى وجهه شيئا يسجد عليه، روي هذا القول عن ابن مسعود، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وسئل أنس عن صلاة المريض فقال: يسجد، ولم يرخص في أن يرفع إليه شيئا.\nثم أسنده عن ابن مسعود -﵁- بإسناد فيه زيد بن معاوية العبسي، وهو مجهول الحال. وعن ابن عمر بأسانيد صحيحة، وعن جابر بن عبد الله -﵄-، بإسناد رجاله ثقات، فيه عنعنة أبي الزبير، وأسنده عن أنس -﵁- بإسناد\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٢/ ٥٧٣)، «المجموع» (٤/ ٣١٦).","vol":"3","page":168},{"text":"شيخه مبهم.\nقال ابن المنذر -﵀-: وقال عطاء: يومي برأسه إيماء، ويجعل السجود أخفض من الركعة، وقال سفيان الثوري، في المريض الذي لا يستطيع السجود على الأرض يومي إيماء، وقال مالك: إذا لم يستطع السجود لا يرفع إلي جبهته شيئا، ولا ينصب بين يديه وسادة، ولا شيئا من الأشياء، وكان أبو ثور يقول: وإن صلى المريض قاعدا ولم يقدر على السجود أومى إيماء، وإن رفع إلى وجهه شيئا فسجد عليه أجزأه ذلك، والإيماء أحب إلي.\nوقالت طائفة: لا يرفع إلى وجهه شيئا يسجد عليه، وإن وضع وسادة على الأرض فسجد عليها أجزأه ذلك إن شاء الله، هذا قول الشافعي.\nوقد روينا عن أم سلمة: أنها كانت تسجد على مرفقة من رمد كان بها، وروي عن ابن عباس: أنه رخص في السجود على المرفقة الظاهرة، وروينا عن أنس: أنه كان إذا اشتكى سجد على مرفقة.\nثم أسنده عن أم سلمة -﵂- بإسناد حسنٍ، وعن ابن عباس من طريقين يحسن بهما، وعن أنس -﵁-، بإسناد صحيحٍ.\nقال ابن المنذر -﵀-: وقال أحمد: في المريض يسجد على شيء رفعه إلى جبهته أحب إلى أن لا يرفعه، فإن فعل فلا بأس ويسجد على المرفقة أحب إلي من أن يومي برأسه، لحديث أم سلمة، وابن عباس، وكذلك قال إسحاق. ويجزي عند أصحاب الرأي السجود على الوسادة أو المرفقة إذا وضعت بالأرض. اهـ","vol":"3","page":169},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنه يومئ إيماء، لأنه الثابت عن النبي - ﷺ - في حال سفره. ولم يثبت عن النبي - ﷺ - رفع المرفقة، والوسادة ونحو ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1167>مسألة [٩]: هل لمن شكى عينيه أن يصلي مستلقيًا إذا أمره الطبيب بذلك للحفاظ على عينيه، ومعالجتها</span>؟\n• قال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٤/ ٣٨٣): واختلفوا في المرء يعالج عينيه، فقالت طائفة: لا يجزيه الصلاة إلا قائما إذا أمكنه القيام روينا عن ابن عباس، أنه لما كف بصره قال له رجل: إن صبرت سبعًا لا تصلي إلا مستلقيا؛ داويتك ورجوت أن تبرأ عينك، فأرسل ابن عباس إلى عائشة، وأبي هريرة، وغيرهم من أصحاب النبي - ﷺ - فكلهم يقول: أرأيت إن مت في هذه السبع كيف تصنع بالصلاة؟، فترك معالجة عينيه فلم يداوها.\nثم أسنده عن موسى بن هارون، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن ابن عباس به. وهذا إسنادٌ صحيح، وهو في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٢٣٦).\nقلتُ: وقد كره ذلك عبيد الله، وأبو وائل، ومالك، والأوزاعي.\n• وذهب إلى مشروعية ذلك جابر بن زيد، وأصحاب الرأي، وهو قول قريب؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.\n_________\n(^١) وانظر: «ابن أبي شيبة» (١/ ٢٧٤).","vol":"3","page":170},{"text":"ولقوله - ﷺ -: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1168>مسألة [١٠]: هل تصح الصلاة إذا صلى مستلقيًا مع القدرة على الصلاة على جنب</span>؟\n• ظاهر مذهب الشافعية أنها لا تصح، فقد قال إمام الحرمين، والغزالي، وغيرهما: هذا الخلاف في الكيفية الواجبة، فمن قال بكيفية لا يُجَوِّز غيرها. اهـ\nقلتُ: وهو قولٌ في مذهب الحنابلة، كما في «الإنصاف».\nوقال صاحب «الشرح الكبير»: عدم الصحة أظهر.\nوهو ترجيح الإمام ابن عثيمين.\n• والقول الثاني في مذهب أحمد -وهو المشهور- أنها تصح الصلاة؛ لأنه نوع استقبال، ويشبه الاضطجاع.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، وهو ترجيح ابن قدامة -﵀-، فقد قال في «المغني»: والدليل يقتضي أن لا يصح؛ لأنه خالف أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في قوله: «فعلى جنب».انتهى المراد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1169>مسألة [١١]: هل يضطجع على جنبه الأيمن، أم الأيسر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٢/ ٥٧٤): إذا ثبت هذا؛ فالمستحب أن يصلي على جنبه الأيمن؛ فإنْ صلَّى على الأيسر جاز؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُعَيِّنْ جنبًا\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٣١٧)، «المغني» (٢/ ٥٧٤)، «الشرح الممتع» (٤/ ٤٦٥ - ٤٦٦)، «الإنصاف» (٢/ ٢٩٧).","vol":"3","page":171},{"text":"بعينه، ولأنه يستقبل القبلة على أي الجنبين كان. اهـ\nقلتُ: وهو مذهب الشافعية، والمالكية، وغيرهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1170>مسألة [١٢]: إذا لم يستطع أن يومئ برأسه</span>؟\n• مذهب الشافعية، والحنابلة أنه يومئ بطرفه، فعند الركوع يخفض طرفه قليلًا، وعند السجود يُغمض عينه، وهو قول الحسن، وزُفَر.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ الصلاة تسقط عنه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وحكاها رواية عن أحمد، وهو قول عند المالكية.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه تسقط عنه الأفعال، ويصلي بقدر استطاعته، فينوي بقلبه الأفعال، ويأتي بالأقوال، وهو قول بعض الحنابلة، كما في «الإنصاف» وقال به المالكية، والشافعية، والحنابلة، عند العجز عن الإيماء بالطرف.\nوهذا القول الثالث هو الصواب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1171>مسألة [١٣]: كيفية الجلوس لمن صلَّى جالسًا</span>.\n• اختار طائفة من أهل العلم أنه يجلس متربعًا، وهو قول مالك، والثوري، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأحد قولي الشافعي، وغيرهم؛ لحديث عائشة الذي في\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٣١٦).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٧٦)، «المجموع» (٤/ ٣١٧ -)، «الشرح الممتع» (٤/ ٤٦٩)، «الإنصاف» (٢/ ٢٩٨)، «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٧٢ - ٧٣).","vol":"3","page":172},{"text":"الباب. وممن ثبت عنه التربع في الصلاة من الصحابة: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس -﵃-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٢١٩)، و«الأوسط» لابن المنذر (٤/ ٤٣٢) ط/الفلاح.\n• واختار طائفة من أهل العلم أنْ يجلس مفترشًا، وهو قول أبي حنيفة، وزُفر، والقول الثاني للشافعي.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: لم يثبت في الكيفية حديثٌ؛ فيجلس كيف شاء، كما قال بذلك أبو حنيفة في رواية، وذكره ابن قدامة عن ابن المسيب، وعروة، والخلاف المتقدم في الأفضل، والمختار؛ فَتَنَبَّهْ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1172>مسألة [١٤]: إذا كان المريض يستطيع أن يصلي قائمًا إذا ترك الجماعة، وصلَّى في بيته</span>؟\n• للحنابلة وجهٌ: أنه يلزمه القيام، وتسقط عنه الجماعة؛ لأنَّ القيام ركنٌ، والجماعة واجبة، فالقيام مقدَّمٌ.\n• والوجه الثاني عند الحنابلة: أنه مُخَيَّرٌ بين الأمرين.\nقال ابن قدامة -﵀-: واحتمل أنه مخير بين الأمرين؛ لأننا أبحنا له ترك القيام المقدور عليه مع إمام الحي العاجز عن القيام، مراعاةً للجماعة، فهاهنا أولى، ولأنَّ الأجر يتضاعف بالجماعة أكثر من تضاعفه بالقيام، وهذا أحسن، وهو مذهب الشافعي. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٣١١)، «المغني» (٢/ ٥٦٨).","vol":"3","page":173},{"text":"قلتُ: ولكن الذي نصَّ عليه الشافعي هو أفضلية الصلاة منفردًا مع القيام، وهو قول جمهور أصحابه، والذي نختاره له هو حضور الجماعة؛ لحديث ابن مسعود -﵁-، في «صحيح مسلم»: ولقد كان الرجل يُؤتَى به يُهادَى بين الرجلين حتى يُقام في الصف. ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج، فصلَّى مع الناس قاعدًا في مرض موته.\nولا يجب عليه حضور الجماعة، فقد قال ابن المنذر كما في «الفتح» لابن رجب (٤/ ٧٨): ولا أعلم خلافًا بين أهل العلم أنَّ للمريض أن يتخلَّفَ عن الجماعات من أجل المرض. اهـ\nوالذي اخترته هو قول بعض الشافعية، والحنابلة. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٢/ ٥٧٢)، «المجموع» (٤/ ٣١٣)، «الشرح الممتع» (٤/ ٤٧٨).","vol":"3","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1173>بَابُ صَلاةِ الجُمُعَةِ</span>\n٤٢٩ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ،، وَأَبِي هُرَيْرَةَ -﵃-، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ -عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ-: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1174>مسألة [١]: حكم صلاة الجمعة</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٣٢٥): صلاة الجمعة فريضة من فرائض الأعيان على الرجال دون النساء، بشرائط أخر، هذا قول جمهور العلماء، ومنهم من حكاه إجماعًا كابن المنذر، وَشَذَّ من زعم أنها فرض كفايةٍ من الشافعية، وحكاه بعضهم قولًا للشافعي، وأنكر ذلك عامة أصحابه، حتى قال طائفة منهم: لا تحل حكايته عنه. وحكاية الخطابي لذلك عن أكثر العلماء، وهم منه، ولعله اشتبه عليه الجمعة بالعيد.\nوحكي عن بعض المتقدمين أن الجمعة سنةٌ. وقد رَوَى ابن وهبٍ، عن مالكٍ: أن الجمعة سنة. وحملها ابن عبد البر على أهل القرى المختلف في وجوب الجمعة عليهم خاصة، دون أهل الأمصار. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٨٦٥).","vol":"3","page":175},{"text":"قلتُ: الصحيح بدون مرية أنَّ الجمعة فرضٌ واجبٌ على كل رجل مسلم، حرٍّ، بالغٍ، ذكرٍ، مقيمٍ.\nوقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، ويدل على ذلك حديث الباب، وحديث طارق بن شهاب الذي في آخر الباب.\nوحديث أبي الجعد الضمري عند أبي داود (١٠٥٢)، والنسائي (٣/ ٨٨)، والترمذي (٥٠٠) وابن ماجه (١١٢٥)، وأحمد (٣/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من ترك ثلاث جُمَعٍ تهاونًا طُبِعَ على قلبه»، وإسناده حسن. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1175>مسألة [٢]: من صلَّى ظهرًا وليس له عذر، وترك الجمعة فما حكمه</span>؟\n• من أهل العلم من يقول: لا تجزئه الصلاة، وإن لم يدرك الجمعة؛ فيعيد الظهر مرة أخرى، وهذا قول الثوري، والشافعي، وأحمد.\n• وقال الحنفية: إذا صلى الجمعة انتقضت الظهر.\n• وقال أبو ثور، والشافعي في القديم: يصلي مع الإمام الجمعة وتكون له نافلة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنه لمَّا صلى ظهرًا بغير عذر؛ فهو عمل مردود عليه لقوله ﵊: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وعليه فعمله باطل مردود عليه، فإن أدرك الجمعة؛ وإلا فعليه الإعادة، وبالله التوفيق. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٤/ ١٧).\n(^٢) «المغني» (٣/ ٢٢١)، «المجموع» (٤/ ٤٩٦)، «الأوسط» (٤/ ١١٨).","vol":"3","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1176>مسألة [٣]: هل يجب حضور الجمعة على كل من كان في القرية من المقيمين، وغيرهم</span>؟\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٥/ ٤٠٣ -): وهذا الذي في القرية، إنْ كان من أهلها المستوطنين بها؛ فلا خلاف في لزوم السَّعي إلى الجمعة له، وسواء سمع النداء، أو لم يسمع، وقد نصَّ على ذلك الشافعي، وأحمد، ونقل بعضهم الاتفاق عليه.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وإن كان من غير أهلها؛ فإنْ كان مسافرًا، يُباح له القصر، فأكثر العلماء على أنه لا يلزمه الجمعة مع أهل القرية، وحُكِيَ عن الزهري، والنخعي أنه يلزمه تبعًا لأهل القرية، ورُوي عن عطاء أيضًا أنه يلزمه، وكذا قال الأوزاعي: إنْ أدركه الأذان قبل أن يرتحل؛ فليجب. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني أقرب إلى الصواب فيما إذا كان نازلًا، وأما إن كان على ارتحال فلا تجب عليه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، فعمومها يشمل المسافر المذكور.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وإنْ كان المسافر قد نوى إقامةً بالقرية تمنعه من قصر الصلاة، فهل يلزمه الجمعة؟ فيه وجهان لأصحابنا، وأوجب عليه الجمعة في هذه الحال: مالك، وأبو حنيفة، ولم يوجبها الشافعي وأصحابه. اهـ","vol":"3","page":177},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: مذهب مالك ومن معه هو الصواب؛ لعموم الآية المتقدمة، وعموم حديث الباب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1177>مسألة [٤]: من كان يسكن خارج القرية، أو المصر، هل يلزمه حضور الجمعة، أم لا</span>؟\n• قال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٤٠٤): هذا مما اختلف فيه العلماء، فقالت طائفةٌ: لا تلزم من كان خارج المصر، أو القرية الجمعة مع أهله بحالٍ، إذا كان بينهم وبين المصر فرجة، ولو كانوا من ربض المصر. وهذا قول الثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، إلحاقًا لهم بأهل القرى؛ فإنَّ الجمعة لا تُقام عندهم في القرى. وقال أكثر أهل العلم: تلزمهم الجمعة مع أهل المصر، أو القرية، مع القرب دون البعد. ثم اختلفوا في حد ذلك:\n• فقالت طائفةٌ: المعتبر إمكان سماع النداء، فمن كان موضع الجمعة بحيث يمكنه سماع النداء لزمه، وإلا فلا. هذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، واستدلوا بظاهر قول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]، وخَّرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي - ﷺ -: «الجمعة على من سمع النداء»، وروي موقوفًا، وهو أشبه. اهـ\nقال أبو عبد الله: الحديث المذكور أخرجه أبو داود برقم (١٠٥٦).\nثم قال: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصورًا على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه، وإنما أسنده قبيصة. اهـ","vol":"3","page":178},{"text":"قلتُ: والموقوف لا يثبت؛ فإنه من طريق أبي سلمة بن نبيه، عن عبد الله بن هارون، عن عبد الله بن عمرو به. وأبو سلمة، وشيخه مجهولان. ولكن هذا القول هو الصواب؛ للآية المذكورة، وما سواه من الأقوال ليس عليها دليل.\nقال ابن رجب -﵀-: وقالت طائفة: تجب الجمعة على من بينه وبين الجمعة فرسخ، وهو ثلاثة أميال، وهو قول ابن المسيب، والليث، ومالك، ومحمد بن الحسن، وهو رواية عن أحمد.\nقال: ومن أصحابنا من قال: لا فرق بين هذا القول، والذي قبله؛ لأنَّ الفرسخ هو منتهى ما يسمع فيه النداء غالبًا.\nقال: وقالت طائفة: تجب الجمعة على من بينه وبينها أربعة أميال، ورُوي عن ابن المنكدر، والزهري، وعكرمة، وربيعة.\nوعن ربيعة أيضًا: تجب على من إذا نودي لصلاة الجمعة، وخرج من بيته ماشيًا، أدرك الجمعة.\nقال: وقالت طائفة: تجب على من أَوَاه الليل إلى منزله، قال ابن المنذر: رُوي ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، والحسن، ونافع، وكذلك قال عكرمة، والحكم، وعطاء، والأوزاعي، وأبو ثور، وهو قول أبي خيثمة زهير بن حرب، وسليمان بن داود الهاشمي، وفيه حديث مرفوعٌ عن أبي هريرة، ذكره الترمذي، وبيَّنَ ضعفَ إسناده، وأنَّ أحمد أنكره أشد الإنكار. اهـ","vol":"3","page":179},{"text":"قال أبو عبد الله: أما حديث أبي هريرة المذكور؛ فضعيفٌ جدًّا أخرجه الترمذي برقم (٥٠١)، وفي إسناده: عبد الله بن سعيد المقبري، وهو متروك، وفيه: معارك بن عبَّاد، وحجَّاج ابن نصير، وكلاهما شديد الضَّعف. ثم رأيت حجاج بن نصير قد تابعه مسلم بن إبراهيم عند البيهقي (٣/ ١٧٦) فبقيت العلة في الآخرين.\nوأما الآثار المتقدمة عن الصحابة، فأثر أنس من طريق: معمر عن قتادة، وهي رواية ضعيفة، وأثر أبي هريرة فيه: أيوب بن عتبة، وهو ضعيفٌ، وأثر ابن عمر إسناده صحيح.\nقال أبو عبد الله: وفي المسألة أقوال أخرى، والتي ذكرناها هي الأشهر، والصواب -فيما يظهر لي- هو قول ربيعة: تجب على من إذا نودي لصلاة الجمعة، وخرج من بيته ماشيًا، أدرك الجمعة. لأن الله ﷿ لم يلزم الناس بالسعي للجمعة؛ إلا عند سماع النداء، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، فإذا كان لا يدرك الجمعة بعد سماع النداء؛ فكيف يلزم بحضورها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1178>مسألة [٥]: هل تجب الجمعة على الأعمى</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى وجوبها على الأعمى القادر على الإتيان، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، وقال أبو حنيفة: لا تجب عليه.\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» لابن المنذر (٤/ ٣٤ -)، «ابن أبي شيبة» (٢/ ١٠٢ -)، «عبد الرزاق» (٢/ ٥١٥)، «البيهقي» (٣/ ١٧٣).","vol":"3","page":180},{"text":"والصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يرخص للأعمى في ترك الجماعة؛ فالجمعة من باب أولى، ولأنَّه يشمله عموم الآية، وعموم حديث الباب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1179>مسألة [٦]: حكم البيع بعد أذان الجمعة</span>؟\nقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، فهذه الآية نص صريح في تحريم البيع بعد سماع النداء يوم الجمعة، والمراد به النداء الثاني الذي كان على عهد النبي - ﷺ -؛ إذ لم يكن في عهده ﵊ غيره، وهو حين يجلس الخطيب على المنبر. هذا هو الصحيح، وعليه أكثر العلماء.\nوعن أحمد رواية: أن التحريم يحصل بالأذان الأول، وهو قول إسحاق، والأصح عند الحنفية. وعن أحمد رواية بتحريم البيع بالزوال، لا بالنداء، وقال بذلك الثوري وإسحاق في رواية.\nوقد نقل إسحاق بن راهويه الإجماع على تحريم البيع. وممن صرح بالمنع الحسن، وعطاء، وأيوب، والضحاك، والشعبي، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز.\nوحكى القاضي إسماعيل عمن لم يسمه أنه يقول: مكروه. لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ورد ذلك بقول تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾.","vol":"3","page":181},{"text":"وهل يفسد البيع أم لا؟\nفيه خلاف بين أهل العلم:\n• فقال بعض أهل العلم: إن البيع فاسد، وهو قول القاسم، وربيعة، ومالك، والليث، والثوري، وأحمد، وإسحاق. وهذا هو الصحيح؛ لأنه عمل مخالف للشرع منهي عنه؛ فاقتضى النهي الفساد.\n• وقال بعض أهل العلم: لا يفسد البيع، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، والعنبري، وبعض المالكية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1180>مسألة [٧]: هل يشمل النهيُ البيعَ في حال المشي وهما ساعيان إلى الجمعة</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أن النهي لا يشمل البيع في حالة المشي؛ لأنهما ساعيان، وهذا قول الشافعية، وبعض الحنفية، وبعض المالكية؛ لأنه قد سعى إلى ذكر الله، ولم يشغله البيع عن السعي.\n• وذهب الحنابلة وبعض المالكية، وبعض الحنفية إلى المنع؛ عملًا بعموم الآية المتقدمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩].\nوالعمل بهذا القول أحوط، والقول الأول له وجهٌ. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٤٨٦)، «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ٤٣٣ - ٤٣٥)، «الموسوعة الكويتية» (٩/ ٢٢٣ - ٢٢٥).\n(^٢) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ٤٣٦)، «الموسوعة الكويتية» (٩/ ٢٢٧).","vol":"3","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1181>مسألة [٨]: ما حكم بيع من لا تلزمه الجمعة كالعبد والمسافر والمرأة</span>؟\n• إذا باع المذكورون بعد أذان الجمعة؛ فبيعهم صحيح؛ لأنهم لا تلزمهم الجمعة، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد، وهو الصحيح.\n• وذهب أحمد في رواية إلى أن العبد والمسافر لا يجوز لهما البيع بعد النداء. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1182>مسألة [٩]: ما حكم عقود المعاملات الأخرى غير البيع بعد نداء الجمعة</span>؟\n• ذهب الحنفية والشافعية، وبعض الحنابلة إلى أن النهي يشمل جميع العقود؛ لأنها تشغل عن السعي للجمعة.\n• وذهب المالكية إلى تخصيص ذلك بعقود المعاوضات، لا النكاح، والهبة، والخلع، والصدقة ... ونحوها. وهو مذهب الحنابلة.\nوهذا القول أقرب؛ لظاهر الآية، ولكن المسلم مأمور بالسعي للجمعة، فلا يجوز له أن يشتغل بشاغل عن السعي، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ٤٣٦)، «الموسوعة الكويتية» (٩/ ٢٢٧).\n(^٢) «الموسوعة الكويتية» (٩/ ٢٢٦).","vol":"3","page":183},{"text":"٤٣٠ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ -﵁- قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الجُمُعَةَ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يُسْتَظَلُّ بِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\nوَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَهُ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ، نَتَتَبَّعُ الفَيْءَ. (^٢)\n\n٤٣١ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -﵁- قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ، وَلَا نَتَغَدَّى إلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^٣) وَفِي رِوَايَةٍ: فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1183>مسألة [١]: أول وقت الجمعة</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ أول وقت الجمعة هو زوال الشمس؛ لأنها بدل صلاة الظهر، وصلاة الظهر تبدأ بزوال الشمس بالإجماع، والذي هو معذور في ترك الجمعة؛ فإنه يصلي الظهر.\nواستدلوا على ذلك بحديث أنس في «صحيح البخاري» (^٥)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس، وقد بوَّبَ عليه البخاري في «صحيحه»: [باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس]، قال: وكذلك يروى عن عمر، وعلي، والنعمان\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤١٦٨)، ومسلم (٨٦٠) (٣٢).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٨٦٠) (٣١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٩٣٩)، ومسلم (٨٥٩). واللفظ للشيخين ولم ينفرد به مسلم.\n(^٤) الرواية في «صحيح مسلم» (٨٥٩).\n(^٥) أخرجه البخاري برقم (٩٠٤).","vol":"3","page":184},{"text":"ابن بشير، وعمرو بن حريث.\nقلتُ: وهي آثار صحيحة، وقد بيَّن من وصلها الحافظ في «التغليق».\n• وذهب أحمد، وإسحاق، إلى جواز إقامة الجمعة قبل الزوال، واستدلوا بحديث سلمة بن الأكوع، وسهل بن سعد اللَّذَيْنِ في الباب، واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله في «صحيح مسلم» (٨٥٨)، قال: كُنَّا نصلي الجمعة مع النبي - ﷺ -، ثم نرجع إلى نواضحنا، فنريحها حين تزول الشمس.\nواستدلوا بأثر عبد الله بن سيدان، عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل نصف النهار، أو عند انتصافه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وقول الجمهور هو الصواب.\nوأما حديث سلمة بن الأكوع: فالمقصود منه نفي الظل الكبير الذي يصلح للاستظلال به كما في الرواية الأخرى: «ثم نرجع نتتبع الفيء».\nوأما حديث سهل بن سعد: فليس فيه إشكال؛ فإنه أطلق على الأكلة غداءً، وعلى الاستراحة تلك قيلولة، باعتبار أصلها، لا أنها فُعِلَتْ في وقتها.\nوأما حديث جابر: ففيه التعجيل الشديد بالصلاة بعد الزوال، ولا يُنافي ذلك أنْ يكونوا صلَّوها بعد الزوال؛ لأنَّ لفظة: «حين تزول الشمس» تشمل وقت الزوال وقبله بقليل، وبعده بقليل.\nوعلى التسليم؛ فإنما يستفاد من الحديث جواز التعجيل اليسير قبل الوقت؛","vol":"3","page":185},{"text":"بحيث تقع الخطبة، أو بعضها مع الصلاة في الوقت، والله أعلم.\nوأما أثر عبد الله بن سيدان: فلا يصح، ولا يثبت؛ فإنه مجهول العدالة، وقال البخاري: لا يُتابع على حديثه. يعني حديثه المذكور.\n• وقد اختلف القائلون بجواز فعلها قبل الزوال في أول وقتها؛ فالمشهور في مذهب الحنابلة أنَّ وقتها من طلوع الشمس قيد رمح، وقال بعضهم: من الساعة السادسة؛ لحديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^١) أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من راح في الساعة الأولى ...، ومن راح في الساعة الخامسة ...» الحديث.\n• وقال بعض الحنابلة: يجوز فعلها من بعد صلاة الفجر، وأنكر هذا القول ابن رجب -﵀-، وقال: وهذا القول غُلُوٌّ من قائله، وكيف يجوز إقامة الجمعة في وقت صلاة الفجر .... إلخ.\nوقد جاء عن ابن مسعود، ومعاوية، أنهما صلَّيا الجمعة ضُحًى، ولا يثبت عن واحد منهما؛ فإنَّ أثر ابن مسعود في إسناده: عبد الله بن سلمة المرادي، وفيه ضعفٌ، وأثر معاوية في إسناده: سعيد بن سويد، وهو مجهول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1184>مسألة [٢]: آخر وقت الجمعة</span>.\nقال ابن رجب -﵀- (٥/ ٤٢٠): وأما آخر وقت الجمعة: فهو آخر وقت الظهر، هذا هو قول جمهور العلماء، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والحسن بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٨٨١)، ومسلم برقم (٨٥٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٣/ ٢٣٩)، «المجموع» (٤/ ٥١١)، «الفتح» لابن رجب (٥/ ٤١٣ -)، «أحكام الجمعة» (ص ١٠٨).","vol":"3","page":186},{"text":"حي، ومالك في رواية، والشافعي، وأحمد، وعبد العزيز بن الماجشون ...، ونقل ابن القاسم، عن مالكٍ، أن آخر وقتها: غروب الشمس. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب؛ لحديث أبي قتادة في «صحيح مسلم» (٦٨١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى»، فهذا الحديث نصٌّ على أنَّ صلاة الجمعة ينتهي وقتها بدخول وقت صلاة العصر، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1185>مسألة [٣]: إذا خرج وقت الظهر، وهو في صلاة الجمعة</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٤/ ٥١٣): إذا خرج وقت الظهر وهم في صلاة الجمعة، فمذهبنا أنها تفوت الجمعة ويتمونها ظهرًا، وقال أبو حنيفة: تبطل، ويستأنفون الظهر. وقال عطاء: يتمها جمعة. وقال أحمد: إن كان صلى منها ركعة؛ أتمها جمعة، وإن كان أقل؛ يتمها ظهرًا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول من قال: يتم الصلاة إن كان قد صلَّى ركعة. وأما إذا لم يدرك ركعةً قبل خروج الوقت؛ فإنه لا يصلي، ويأثم إثمًا كبيرًا إنْ أخَّرها حتى خرج وقتها لغير عذرٍ.","vol":"3","page":187},{"text":"٤٣٢ - وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1186>مسألة [١]: ما هو العدد الذي تنعقد به الجمعة</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال، منها:\nالأول: تنعقد بأربعين رجلًا. وهو مذهب الشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وإسحاق، ورواية عن مالك، واستدلوا بأن أسعد بن زرارة أول من جمَّع بهم في نقيع الخضمات، وكانوا أربعين رجلًا. (^٢) واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله عند الدارقطني، أنه قال: مضت السُّنَّة أنَّ في كل أربعين فصاعدًا جمعة. وهو حديث شديد الضعف، وسيأتي في الكتاب.\nالثاني: تنعقد بخمسين رجلًا، رُوي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وهو رواية عن أحمد.\nالثالث: تنعقد باثني عشر رجلًا، وهو قول ربيعة، واسْتُدِلَّ له بحديث جابر المتقدم في الباب.\nالرابع: تنعقد بأربعة، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه، والأوزاعي، ومالك\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٨٦٣) وهو أيضًا في «البخاري» برقم (٩٣٦) واللفظ لمسلم.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٠٦٩)، وابن ماجه (١٠٨٢)، وابن خزيمة (١٧٢٤) بإسناد حسن.","vol":"3","page":188},{"text":"والثوري في رواية عنهما، والليث.\nالخامس: تنعقد بثلاثة، وهو قول ابن المبارك، والأوزاعي، والثوري، وأبي ثور، وأحمد في رواية، واختار هذا القول الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمهما الله، واستدلوا على ذلك بأن أقل الجمع ثلاثة، وبحديث أبي الدرداء: «ما من ثلاثة في قرية لا تُقام فيهم الصلاة إلا كان قد استحوذ عليهم الشيطان».\nأخرجه أبوداود (٥٤٧) وفي إسناده: السائب بن حبيش، وهو مجهول الحال.\nالسادس: أنها تنعقد بما تنعقد به الجماعة، وهما اثنان، وهو قول الحسن بن صالح، وأبي ثور، وداود الظاهري، وحُكي عن مكحول، وهو اختيار ابن حزم، والصنعاني، والشوكاني، والألباني، والوادعي، واستدلوا على ذلك بحديث طارق ابن شهاب: «الجمعة حقٌّ واجبٌ على كل مسلم في جماعة» والجماعة تحصل باثنين، وقالوا: لا دليل على التحديد بأكثر من ذلك.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأخير هو الصواب؛ لما تقدم، وأما استدلال القائلين بأربعين، وكذا باثني عشر، فهي وقائع حصلت اتفاقًا من غير قصد، وأما التحديد بأربعة، وثلاثة؛ فليس عليه دليل، والله أعلم. (^١)\nفائدة: الجمعة لا تُصلَّى إلا جماعة، ولا تصح من منفرد كما دلَّ على ذلك حديث طارق بن شهاب، وقد نقل الإجماع على ذلك الإمام النووي، والحافظ ابن رجب رحمة الله عليهما. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ٥٢٤)، «أحكام الجمعة» (ص ٤٨)، «المغني» (٣/ ٢٠٤ -)، «المجموع» (٤/ ٥٠٤)، «فتاوى اللجنة» (٨/ ٢١٥) (٨/ ١٧٨).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٥/ ٥٢٨)، «المجموع» (٤/ ٥٠٨).","vol":"3","page":189},{"text":"٤٣٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فَلْيُضِفْ إلَيْهَا أُخْرَى، وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ قَوَّى أَبُوحَاتِمٍ إرْسَالَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1187>مسألة [١]: بماذا تُدركُ صلاة الجمعة</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالقول الأول: أنَّ الجمعة تُدرَكُ بإدراك الخطبة، ومن فاتته الخطبة؛ صلَّى ظهرًا، وهو قول طاوس، وعطاء، ومجاهد، ومكحول، وسعيد بن جبير، وقالوا: الخطبة بدلٌ عن الركعتين، وقد رُوي هذا القول عن عمر بن الخطاب، ولا يثبت؛ فإنه منقطعٌ؛ فقد أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٣٧)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٢٨) من\n_________\n(^١) معل غير محفوظ. أخرجه النسائي (١/ ٢٧٤)، وابن ماجه (١١٢٣)، والدارقطني (٢/ ١٢)، كلهم من طريق بقية بن الوليد ثنا يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر به.\nقال أبوحاتم في «العلل» (٤٩١): هذا خطأ المتن والسند، إنما هو الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أدرك من صلاة ركعة فقد أدركها» وأما قوله: «من صلاة الجمعة» فليس هذا في الحديث فوهم في كليهما. اهـ\n\nوقال الدارقطني في «العلل» (٩/ ٢١٦): ورواه بقية بن الوليد عن يونس فوهم في إسناده ومتنه، والصحيح قول ابن المبارك ومن تابعه يعني عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. بدون ذكر الجمعة. اهـ، وللحديث طريق أخرى عند الدارقطني (٢/ ١٣)، وقد أعلها الدارقطني بالوقف كما في «التنقيح» (٢/ ١٢٢٦).\nتنبيه: تقدم كلام أبي حاتم في إعلال الحديث، فقول الحافظ (قوى أبوحاتم إرساله) وهَم؛ فإني لم أجد ذلك عنه، وإنما وجدت كلامه المتقدم.","vol":"3","page":190},{"text":"طريق عمرو بن شعيب، عن عمر به. وهو لم يدرك عمر -﵁-.\nالقول الثاني: أنَّ الجمعة تُدركُ بإدراك الإمام قبل التسليم، وهو قول الحكم، وحماد، وأبي حنيفة وأصحابه، وداود، وابن حزم، وغيرهم، واستدلوا بحديث أبي هريرة: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» متفق عليه. (^١)\nالقول الثالث: أنَّ الجمعة تُدركُ بإدراك ركعة، وهو قول أكثر العلماء، منهم: الحسن، والنخعي، والزهري، والأوزاعي، والليث، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقد استدل هؤلاء بحديث الباب، وبعموم حديث أبي هريرة في «الصحيحين»: «من أدرك ركعة من الصلاة؛ فقد أدرك الصلاة»، وقد صحَّ هذا القول عن جماعة من الصحابة، وهم: ابن عمر، وابن مسعود، وأنس -﵃-، ولا يُعلم لهم مخالف من الصحابة.\nوهذا القول رجَّحه الإمام الألباني، والإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، وغيرهم رحمة الله عليهم، وهو اختيار شيخنا يحيى حفظه الله في كتابه «أحكام الجمعة»، وهو الصواب؛ لعموم حديث أبي هريرة المتقدم.\nفإن قيل: إنَّ حديث أبي هريرة المقصود به إدراك الركعة من الصلاة قبل خروج وقتها؟\nقلنا: هذا هو الظاهر من حديث أبي هريرة، والأمر في مسألتنا كذلك؛ فإنَّ المسبوق ينتهي عليه وقت الجمعة بانتهاء صلاة الجمعة، فيكون مُدْرِكًا لها\n_________\n(^١) تقدم في الكتاب برقم (٤٠٧).","vol":"3","page":191},{"text":"بإدراك ركعة، والله أعلم، وهذا هو قول الصحابة كما تقدم، وهم أعلم بالشرع مِنَّا، وبالله التوفيق.\nتنبيه: إذا فاتت القوم الجمعة صلوا ظهرًا بالإجماع، نقله ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ١٠٧)، وخالف ابن حزم فقال: يصلون جمعة، وهو قول محدث، مخالف للإجماع قبله، ومخالف لفعل الصحابة. (^١)\nفائدة: قال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٥٢٨): وذهب عطاءٌ إلى أن من حضر الخطبة فقد أدرك الجمعة، فلو أحدث بعد حضوره الخطبة، فذهب، فتوضأ، ثم رجع وقد فرغ الإمام من صلاة الجمعة، أنه يصلي ركعتين؛ لأنه قد حضر الخطبة. نقله عبد الرزاق، عن ابن جريجٍ عنه. وخالفه جمهور العلماء، فقالوا: يصلي أربعًا. اهـ\nقلتُ: والصواب قول الجمهور، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1188>مسألة [٢]: إذا أدرك المسافر من صلاة الجمعة التشهد</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يصلي أربعًا ظهرًا؛ لأنه صلى خلف مقيم، وهو قول الأوزاعي، والثوري، وأحمد، والشافعي.\n• وقال إسحاق: يصلي الظهر ركعتين؛ لأنه مسافر فيقصر.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر أنه يجوز له أن ينوي الإتمام؛ لأنه\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٥/ ٥٢٩)، «الأوسط» (٤/ ١٠٠ -)، «أحكام الجمعة» (ص ١٢٧)، «عبد الرزاق» (٣/ ٢٣٤)، «ابن أبي شيبة» (٢/ ١٢٨).","vol":"3","page":192},{"text":"صلى خلف مقيم، ويجوز له أن ينوي القصر؛ لأنه لم يدرك أكثر من ركعتين، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1189>مسألة [٣]: إذا ذكر المصلي أثناء صلاة الجمعة أنه لم يصلِّ الفجر</span>؟\n• قال بعض أهل العلم: يتم الجمعة، ثم يصلي الصلاة الفائتة، وهو قول الشافعي، وهو الصحيح في المسألة؛ لأن المصلى مشغول بصلاة قد ضاق وقتها، وبخروجه عنه يذهب عليه وقتها.\nوهذا القول مقتضى قول الجمهور.\n• وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: ينصرف، ويصلي الغداة، ثم إن أدرك الجمعة، وإلا صلى ظهرًا.\n• وقال محمد بن الحسن، وزفر: إن خاف فوات الجمعة؛ صلى الجمعة. (^٢)\n_________\n(^١) «الأوسط» (٤/ ١٠٧).\n(^٢) وانظر «الأوسط» (٤/ ١٢٨).","vol":"3","page":193},{"text":"٤٣٤ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ (، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَك أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1190>مسألة [١]: حكم الخطبة قائمًا</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٤٧٤): واختلف العلماء في الخطبة جالسًا، فمنهم من قال: لا يصح. وهو قولُ الشافعي، وَحُكِي رواية عن مالكٍ، وأحمد. وقال ابن عبدالبر: أجمعوا على أن الخطبة لا تكون إلا قائمًا لمن قدر على القيام. ولعله أراد إجماعهم على استحباب ذلك؛ فإن الأكثرين على أنها تصح من الجالس، مع القدرة على القيام، مع الكراهة، وهو قولُ أبي حنيفة ومالك، والمشهور عن أحمد، وعليه أصحابه، وهو قول إسحاق أيضًا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، أعني استحباب القيام، وكراهة الجلوس؛ لمداومة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على ذلك، وهذ لا يفيد أكثر من تأكد الاستحباب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1191>مسألة [٢]: حكم الجلوس بين الخطبتين</span>.\n• ذهب الشافعي وأصحابه إلى وجوبها؛ لمداومة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على فعل ذلك.\n• وذهب أكثر العلماء إلى الاستحباب، وعدم الوجوب، وهو الصواب؛ لما تقدم في المسألة السابقة. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٨٦٢) (٣٥).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٤/ ٥١٥)، «عبد الرزاق» (٣/ ١٨٥)، «ابن أبي شيبة» (٢/ ١١٢).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٣/ ١٧٦)، «المجموع» (٤/ ٥١٥).","vol":"3","page":194},{"text":"٤٣٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا خَطَبَ، احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (^٢): كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ الجُمُعَةِ: يَحْمَدُ اللهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (^٣): «مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ». وَلِلنَّسَائِيِّ: «وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ». (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1192>مسألة [١]: حكم خطبة الجمعة</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنها شرطٌ لصلاة الجمعة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلوا كما رأيتموني أصلي» مع مداومة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على ذلك، وقال بعضهم: خطبتا الجمعة بدل ركعتي الظهر، والبدل يأخذ حكم المبدل منه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٨٦٧).\n(^٢) أخرجها برقم (٨٦٧) (٤٤).\n(^٣) أخرجها برقم (٨٦٧) (٤٥).\n(^٤) صحيح. أخرجه النسائي (٣/ ١٨٩)، بإسناد صحيح، وقد تكلم فيه بعض المتأخرين بما لا يقدح فيه.","vol":"3","page":195},{"text":"• ثم اختلف الجمهور: هل الخطبتان شرطٌ، أم تجزئه خطبة واحدة؟\nفذهب إلى الأول: أحمد، وهو المشهور من مذهبه، والشافعي وأصحابه، وذهب إلى الثاني: مالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية.\nوذهب الحسن، وابن سيرين، وداود، وابن حزم، والجويني، وعبدالملك المالكي، ومالك في رواية إلى عدم وجوب الخطبة وإلى أنها مستحبة استحبابًا شديدًا؛ لمداومة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عليها.\nوقد رجَّح الإمام الشوكاني هذا القول في «نيل الأوطار»، فقال: وَقَدْ عَرَفْتَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ مُجَرَّدَ الْفِعْلِ لَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ.\nوقال أيضًا: وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ - ﷺ -: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرُ صَالِحٍ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ لِمَا قَدَّمْنَا فِي أَبْوَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْأَمْرُ بِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَ يُوقِعُهَا عَلَيْهَا، وَالْخُطْبَةُ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ.\nوقال في جوابه عن الآية: وَرُدَّ بِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالْأَمْرِ هُوَ السَّعْيُ فَقَطْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ السَّعْيَ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ لِذَاتِهِ بَلْ لِمُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ الذِّكْرُ، وَيُتَعَقَّبُ هَذَا التَّعَقُّبِ بِأَنَّ الذِّكْرَ الْمَأْمُورَ بِالسَّعْيِ إلَيْهِ هُوَ الصَّلَاةُ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْخُطْبَةِ، وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالنِّزَاعِ فِي وُجُوبِ الْخُطْبَةِ؛ فَلَا يَنْتَهِضُ هَذَا الدَّلِيلُ لِلْوُجُوبِ. اهـ","vol":"3","page":196},{"text":"وقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٥٢٧): ومن لهذا الْمُقْدِم أن الله تعالى أراد بالذكر المذكور فيها الخطبة، بل أول الآية، وآخرها يكذبان ظنَّه الفاسد؛ لأنَّ الله تعالى إنما قال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ثم قال ﷿: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة:١٠]، فصح أن الله إنما افترض السعي إلى الصلاة إذا نودي لها، وأمر إذا قضيت بالانتشار وذكره كثيرًا؛ فصح يقينا أن الذكر المأمور بالسعي له هو الصلاة، وذكر الله تعالى فيها بالتكبير، والتسبيح، والتمجيد، والقراءة، والتشهد لا غير ذلك. اهـ.\nقلتُ: يظهر لي -والله أعلم- أنَّ الصحيح قول الجمهور، أن الخطبة شرط لصلاة الجمعة؛ فإن لم تقم الخطبة؛ فلا يصلوا الجمعة، وإنما يصلون ظهرًا، لأنه لم يعهد عن النبي - ﷺ -، وأصحابه صلاة جمعة بدون خطبة، ويدل على ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم، لما وافق يوم الجمعة يوم العيد، وصلوا العيد مع ابن الزبير، ثم لم يخرج عليهم لصلاة الجمعة؛ صلوا الظهر وحدانًا، ولم يصلوا الجمعة.\nفقد أخرج أبو داود (١٠٧١) بإسنادٍ صحيحٍ عن عطاء بن أبي رباح، قال: صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد، في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة، فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: «أصاب السنة». (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٥١٤)، «المغني» (٣/ ١٧٣)، «المحلَّى» (٥٢٧).","vol":"3","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1193>مسألة [٢]: الحمد والثناء على الله في الخطبة</span>.\nنقل ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٤٨٥)، عدم الخلاف في أنَّ خطبة الجمعة تُستفتح بالحمد. ثم ذكر حديث جابر الذي في الباب.\n• وقد اختلف أهل العلم في وجوب الحمد في الخطبة: فذهب الشافعية، والحنابلة إلى أنَّ الحمد ركنٌ من أركان الخطبة، واستدلوا بمداومة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على ذلك مع حديثٍ ضعيفٍ وهو: «كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله؛ فهو أجذم». (^١)\n• وذهب المالكية، والحنفية إلى أنَّ الحمد سنَّةٌ، وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام، وابن حزم، والسعدي؛ فإنهم قالوا: يكفي في الخطبة ما يقع عليه اسم الخطبة عُرفًا، ومال إلى ذلك الشيخ ابن عثيمين -﵀-، وهذا القول أقرب إلى الصواب؛ لأنَّ فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يدل إلا على الاستحباب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1194>مسألة [٣]: الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الخطبة</span>.\n• ذهب الشافعية، والحنابلة إلى اشتراط ذلك، وجعلوا ذلك ركنًا من أركان الخطبة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤]، وقالوا: معناه: لا أُذْكَرُ؛\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٨٤٠)، من طريق قرة بن عبدالرحمن المعافري، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به، مرفوعًا، وقرة بن عبدالرحمن ضعيف، وقد خالفه الثقات، فرووه عن الزهري مرسلًا، منهم: يونس، وعقيل، وشعيب، وقد رجح أبو داود الإرسال، وكذلك الدارقطني كما في «سننه» (١/ ٢٢٩).\n(^٢) وانظر: «المحلَّى» (٥٢٧)، «الاختيارات» (ص ٧٩)، «المجموع» (٤/ ٥١٩،٥٢٢)، «بدائع الصنائع» (١/ ٥٩٠)، «الإنصاف» (٢/ ٣٦٦)، «مدونة الفقه المالكي» (١/ ٥٣٧).","vol":"3","page":198},{"text":"إلا ذُكِرتَ معي.\n• وذهب المالكية، والحنفية إلى عدم الوجوب، واختاره ابن حزم، وابن القيم، والسعدي، ومال إليه ابن عثيمين، وهذا القول هو الصواب؛ لعدم وجود دليل يدل على الوجوب، ودليلهم لا دلالة فيه على ما استدلوا به؛ فإنَّ معناه: أنَّ الله رفع ذكره، وقدْرَهُ، ولم يُعلم أحد قال بأنه يجب أن يذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كلما ذُكر الله عزوجل، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1195>مسألة [٤]: هل يجب على الخطيب الموعظة في الخطبة</span>؟\n• ذهب إلى وجوب ذلك الشافعية، والحنابلة، وأكثرهم على أنه لا يتعين في الموعظة لفظ: (تقوى الله)، بل يقوم مقامه أي وعظٍ كان مما هو في معناه، واشترط جماعة منهم لفظ: (تقوى الله).\n• وذهب الحنفية، والمالكية إلى أنها سنة، ويجزئه كل ما يطلق عليه خطبة، وإنْ لم يشتمل على الأمر بتقوى الله تعالى، وهو ظاهر اختيار ابن حزم. (^٢)\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٥٢٢): قد ذكرنا أنَّ أركانها عندنا خمسة، وبه قال أحمد. -يعني الثلاثة المتقدمة والدعاء للمسلمين، وقراءة شيء من القرآن-.\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٥١٩،٥٢٢)، «غاية المرام» (٧/ ١٨٢)، «الإنصاف» (٢/ ٣٦٦)، «مدونة الفقه المالكي» (١/ ٥٣٧)، «البيان» (٢/ ٥٧٣).\n(^٢) وانظر: «خطبة الجمعة» (ص ١٣٤ -) للحجيلان، «الإنصاف» (٢/ ٣٦٧)، «المجموع» (٤/ ٥٢٠ -)، «البيان» (٢/ ٥٧١ - ٥٧٣).","vol":"3","page":199},{"text":"قال: وقال الأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن القاسم المالكي، وأبو يوسف، ومحمد، وداود: الواجب ما يقع عليه اسم الخطبة. وقال أبو حنيفة: يكفيه أن يقول: سبحان الله، أو باسم الله، أو الله أكبر. اهـ\nقلتُ: وما ذهب إليه الأوزاعي، وإسحاق، ومن معهم هو الصواب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1196>مسألة [٥]: قول الخطيب: (أما بعد)، بعد الحمد والثناء</span>.\nدلَّ حديث الباب على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقول هذه الكلمة في خُطَبِهِ، وقد بوب البخاري في «صحيحه»: [باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد]. ثم ذكر في الباب ستة أحاديث عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ذلك.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٤٨٤): فَدَلَّتْ هذه الأحاديث كلها على أن الخطب كلها، سواء كانت للجمعة، أو لغيرها، وسواء كانت على المنبر، أو على الأرض، وسواء كانت من جلوس، أو قيام؛ فإنها تبتدأ بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله، ثم يذكر بعد ذلك ما يحتاج إلى ذكره من موعظة، أو ذكر حاجة يحتاج إلى ذكرها، ويفصل بين الحمد والثناء، وبين ما بعده بقوله: (أما بعد)، والمعنى في الفصل بـ: (أما بعد) الإشعار بأن الأمور كلها وإن جلت وعظمت؛ فهي تابعة لحمد الله والثناء عليهِ، فذاك هوَ المقصود بالإضافة، وجميع المهمات تبعٌ له من أمور الدين والدنيا. انتهى المراد.","vol":"3","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1197>مسألة [٦]: رفع الصوت في الخطبة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ١٧٨): ويُستحبُّ أن يرفع صوته ليُسْمِعَ الناس. اهـ. ثم استدل بحديث جابر الموجود في الباب.\nوقال شيخنا يحيى حفظه الله تعالى في «أحكام الجمعة» (ص ١٥٧): قال النووي في «شرح مسلم»، والشوكاني في «النيل» رحمهما الله: فيه أنَّه يُستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته، ويجزل كلامه، ويظهر الغضب، والفزع؛ لأنَّ تلك الأمور إنما تكون عند اشتدادها. قلت: نعم، لكن لا ينبغي أن يتكلف رفع الصوت فوق طاقته، فلربما بُحَّ صوته، وتعب، وبعد أن يتعب من رفع الصوت يكون مُعرَّضًا لكثرة اللحن، وسوء التعبير، وعدم استحضار الأدلة ... انتهى المراد من كلامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1198>مسألة [٧]: هل يشترط في خطبة الجمعة أن تكون باللغة العربية</span>؟\n• أما مع عدم القدرة على اللغة العربية، أو عدم فهمها إن كان عند أعاجم فيجوز الخطبة بغير اللغة العربية عند أهل العلم، وقد نص على ذلك جمع من الشافعية، والحنابلة.\n• وأما مع القدرة على اللغة العربية؛ فجعلها الشافعية والحنابلة من شروط صحة الخطبة، في الأصح في المذهبين.\n• ويوجد وجه عند المذهبين بصحة الخطبة، ولو كانت بغير العربية، وهذا أقرب مع الكراهة؛ لأن القصد هو إبلاغ الخير والوعظ للناس، وقد قال تعالى:","vol":"3","page":201},{"text":"﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾.\nهذا وما يتعلق بالآيات القرآنية؛ فلا يجوز أن تقرأ بغير العربية؛ لأن القرآن أنزل باللغة العربية، ولكن لا بأس أن يفسر الآيات بغير العربية، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1199>مسألة [٨]: هل تُشترط الطهارة للخطبة</span>؟\n• اشترطها الشافعي في الجديد، وهي رواية عن أحمد.\n• والرواية الأخرى عن أحمد وهي الأشهر: أنه لا يُشترط، وهو قول الشافعي في القديم، وهو قول مالك، وداود، وأبي حنيفة، وهذا القول هو الصواب؛ لعدم وجود دليل على الاشتراط، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1200>مسألة [٩]: جلوس الإمام على المنبر إذا رقاه حتى يفرغ المؤذن من الأذان</span>.\nأخرج البخاري في «صحيحه» (٩١٥) عن السائب بن يزيد قال: إنَّ التأذين الثاني في يوم الجمعة أمر به عثمان بن عفان حين كثر أهل المسجد وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في شرح هذا الحديث: وجلوس الإمام على المنبر يوم الجمعة إذا رَقَى المنبر حتى يفرغ من الأذان سنة مسنونة، تلقتها الأمة بالعمل بها، خلفًا عن سلف.\nثم قال: ولا خلاف أنه غير واجب. اهـ\n_________\n(^١) «الإنصاف» (٢/ ٣٨٧) ط/إحياء التراث، «المجموع» (٤/)، «البيان» (٢/ ٥٧١ - ٥٧٣).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٤/ ٥١٥)، «المغني» (٣/ ١٧٧).","vol":"3","page":202},{"text":"٤٣٦ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nتتمة الحديث في «صحيح مسلم»: «فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة، وإنَّ من البيان لسحرًا».\nقال النووي -﵀-: وليس هذا الحديث مخالفًا للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف الصلاة؛ لأنَّ المراد بالحديث الذي نحن فيه أنَّ الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلًا يشق على المأمومين. اهـ\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ١٧٩): ويُستحب تقصير الخطبة؛ لما رَوى عمَّار ... فذكر حديث الباب.\nقال: وقال جابر بن سمرة: كنت أصلي مع النبي - ﷺ -، فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا. رواه مسلم. اهـ (^٢)\nقلتُ: وهذا هو قول الجمهور، أعني استحباب تقصير الخطبة.\n• وقد ذهب ابن حزم إلى عدم جواز تطويل الخطبة، والظاهر هو قول الجمهور؛ إلا إنْ شقَّ على الناس بالتطويل، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٨٦٩).\n(^٢) انظر: «صحيح مسلم» رقم (٨٦٦).","vol":"3","page":203},{"text":"٤٣٧ - وَعَنْ أُمِّ هِشَامِ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ -﵂-، قَالَتْ: مَا أَخَذْت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] إلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى المِنْبَرِ إذَا خَطَبَ النَّاسَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1201>مسألة [١]: استحباب قراءة القرآن في الخطبة</span>.\nفيه استحباب الإكثار من قراءة القرآن في الخطبة، واستحباب الخطبة بهذه السورة.\nقال النووي -﵀-: قال العلماء: سبب اختيار ﴿ق﴾ أنها مشتملة على البعث، والموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة، وفيه دليل للقراءة في الخطبة، وفيه استحباب قراءة ﴿ق﴾، أو بعضها في كل خطبة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1202>مسألة [٢]: هل قراءة شيء من القرآن شرط لصحة الخطبة</span>؟\n• ذهب إلى اشتراط ذلك الشافعي وأصحابه في المشهور عنهم، والإمام أحمد في الرواية المشهورة عنه، وهو الصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليها أكثرهم، واستدلوا بفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في حديث الباب، وكما سيأتي من حديث جابر بن سمرة -﵄-.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٨٧٣) (٥٢).","vol":"3","page":204},{"text":"• وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنَّ ذلك سنة، وليس بواجب، وهو قول المالكية، والحنفية، ووجهٌ عند الشافعية، ورواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه، وهو اختيار ابن حزم، وابن القيم، والشوكاني، والسعدي.\nوهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٥٢٠،٥٢٢)، «الإنصاف» (٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧)، «مدونة الفقه المالكي» (١/ ٥٣٧)، «خطبة الجمعة» (ص ١٤١ -) للحجيلان، «البيان» (٢/ ٥٧١ - ٥٧٣).","vol":"3","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1203>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1204>مسألة [١]: إذا قرأ الخطيب بسورة فيها سجدة، فهل ينزل ويسجد، أم لا</span>؟\n• منع مالك من ذلك، وقال: هي تطوع؛ فلا يشتغل بها أثناء الخطبة.\n• وخالفه جمهور العلماء، فقالوا بمشروعية سجود التلاوة.\nواستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري -﵁-، في «سنن أبي داود» (١٤١٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قرأ على المنبر يوم الجمعة سورة [ص]، فلما جاء السجدة، نزل فسجد، وسجد الناس معه.\nوإسناده صحيح، وصححه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (٤١٧).\nوصحَّ عن عمر بن الخطاب -﵁- في «البخاري» (١٠٧٧) أنه قرأ بسورة النحل على المنبر يوم الجمعة، فنزل، فسجد، وسجد الناس.\nومذهب الجمهور هو الصواب. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ١٨٠ - ١٨١)، «المجموع» (٤/ ٥١٧).","vol":"3","page":206},{"text":"٤٣٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا. وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ (^١)، وَهُوَ يُفَسِّرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مَرْفُوعًا:\n\n٤٣٩ - «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِك: أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1205>مسألة [١]: حكم الكلام أثناء الخطبة</span>.\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى تحريم الكلام أثناء الخطبة، وهو مذهب أحمد في المشهور عنه، ومالك، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وهو قول الشافعي في القديم، وقال به من التابعين: عطاء، ومجاهد، وعزا ابن رجب هذا القول إلى الأكثرين، واستدلوا بأحاديث الباب، وبحديث أبي هريرة أنَّ أبا ذرٍّ سأل أُبي بن كعب في الخطبة عن سورة متى نزلت؟ فأعرض عنه، فلما انتهت الخطبة، قال أُبي لأَبي ذر: ليس لك من صلاتك إلا ما لغوت. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صدق أُبي»، وفي الباب أحاديث أخرى في الإنصات إلى كلام الخطيب.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (١/ ٢٣٠)، وفي إسناده مجالد بن سعيد الهمداني، وهو ضعيف، ولكن قوله «والذي يقول له أنصت ...» يشهد لصحته حديث أبي هريرة الذي بعده، وله شاهد آخر عند أبي داود (١١١٣) بإسناد حسن من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄-.\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٣٤)، ومسلم (٨٥١).","vol":"3","page":207},{"text":"• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى كراهة ذلك، ولم يقولوا بالتحريم، وهو الجديد من مذهب الشافعي، والصحيح عند الشافعية، وحُكي رواية عن أحمد، وبه قال عروة، وسعيد بن جبير، والشعبي، والنخعي، والثوري، وداود، واستدلوا ببعض الأحاديث التي فيها كلام بعض الناس للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو على المنبر، كالذي سأل الاستسقا، والذي سأل عن صلاة الليل والذي جاء يسأل عن دينه، وغيرهم.\nوقد أجاب أصحاب القول الأول عن هذه الأحاديث بأنها مخصوصة بالكلام مع الخطيب للحاجة جمعًا بين الأدلة، والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1206>مسألة [٢]: متى يجب الإنصات</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الإنصات يجب بشروع الإمام في الخطبة، وهو المروي عن عمر بن الخطاب -﵁- بإسناد صحيح (^٢)، أنهم كانوا ينصتون له إذا شرع في الخطبة.\n• وقد ذهب طائفة من أهل الكوفة إلى أنه يجب بخروج الإمام، وهو قول الحكم، وأبي حنيفة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أبي هريرة: «والإمام يخطب». (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٥٢٥)، «الفتح» لابن رجب (٥/ ٤٩٩).\n(^٢) تقدم تخريجه في باب الأذان.\n(^٣) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٥/ ٥٠١).","vol":"3","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1207>مسألة [٣]: متى ينتهي النهي عن الكلام في الخطبة</span>؟\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه ينتهي بفراغ الإمام من الخطبتين، ويجوزون الكلام مع نزوله، وبين الصلاة والخطبة.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ النهي يمتد إلى الدخول في الصلاة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب؛ لحديث أبي هريرة السابق، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1208>مسألة [٤]: حكم الكلام بين الخطبتين عند جلوس الإمام</span>.\n• منع من ذلك الأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب مالك، وبعض الشافعية، والحنابلة، وقالوا: هو سكوت يسير يشبه سكوت الإمام للتنفس.\n• وذهب طائفة من الحنابلة، والشافعية، إلى جواز الكلام في ذلك الوقت، وهذا القول أصحُّ؛ لحديث أبي هريرة السابق: «والإمام يخطب»، وفي حديثه الآخر في «صحيح مسلم»: «ثم أنصت إذا تكلم الإمام ...»، ومع ذلك فالأولى أن يسكت إذا لم يحتج إلى الكلام، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1209>مسألة [٥]: الإشارة في الخطبة</span>.\nمن احتاج إلى الكلام في الخطبة؛ فلا يتكلم، وله أن يُشير، قال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٤٩٦): ولا خلاف في جواز الإشارة بين العلماء؛ إلا ما حُكِي عن\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٥/ ٥٠٢).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (٥/ ٥٠٤)، «المغني» (٣/ ٢٠٠).","vol":"3","page":209},{"text":"طاوس وحده يعني أنه كره ذلك ولا يصح؛ لأنَّ الإشارة في الصلاة جائزة، ففي حال الخطبة أولى. اهـ\nوثبت عن ابن عمر -﵄- كما في «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٢٢٥) أنه كان يشير في الخطبة، وهو كذلك عند ابن أبي شيبة (٢/ ١١٧)، وأخرج أيضًا ذلك عن مجزأة بن زاهر الأسلمي -﵁- بإسناد صحيح أنه رأى رجلا يتكلم يوم الجمعة، فأشار إليه أن اسكت. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1210>مسألة [٦]: إذا تكلم الخطيب بالبدعة والفسوق</span>؟\n• قال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٥٠٣): فأما إنْ تَكَلَّم بكلام محرم، كبدعةٍ، أو كَسَبِّ السَّلف، كما كان يفعله بنو أمية، سوى عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، فقالت طائفةٌ: يلحق بالخطب وينصت لهُ، رُوي عن عمرو بن مُرَّة، وقتادة.\n• قال: والأكثرون على خلاف ذلك، منهم: الشعبي، وسعيد بن جبيرٍ، وأبو بردة، وعطاءٌ، والنخعي، والزهري، وعروة، والليث بن سعدٍ، وهو الصحيح؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨] الآية، وما كانَ مُحرَّمًا حرم استماعه والإنصات إليه، ووجب التشاغل عنه، كسماع الغناء، والآت اللهو، ونحو ذلك، ولعل قول عمرو بن مرة، وقتادة في كلامٍ مباحٍ، لا في محرمٍ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ١٩٨)، «الأوسط» (٤/ ٧٥) ط/الفلاح.","vol":"3","page":210},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: ما صححه ابن رجب هو الصواب، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1211>مسألة [٧]: هل للمستمع للخطبة أن يصلي على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا ذُكِرَ</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالقول الأول: أنه يصلي على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في نفسه، وهو مذهب مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، واستدلوا بحديث: «البخيل من ذُكِرتُ عنده، فلم يصل عليَّ» (^٢)، وحديث: «رغم أنف رجلٍ ذُكرتُ عنده، فلم يُصَلِّ عليَّ» (^٣)، قالوا: وعموم الأمر بالإنصات مُقيَّد بهذه الأدلة، وهو يصلي في نفسه، فلا يُنافي الإنصات. قالوا: وتخصيص عموم أحاديث النهي عن الكلام أولى؛ لأنَّ عمومها ضعيفٌ، فقد خصص في الكلام مع الخطيب، وخصص بصلاة تحية المسجد، وفيها الصلاة على النبي - ﷺ -، وخصص بالكلام الواجب، كتنبيه الضَّرير، أو تنبيه الغافل عن بعض الهوام، ونحو ذلك.\nالقول الثاني: أنه يُنصت، ولا يُصلي على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو اختيار الثوري، وأبي حنيفة، ومحمد، والليث، ومالك في رواية، والشافعي، واستدلوا بعموم\n_________\n(^١) وانظر: «عبد الرزاق» (٣/ ٢٢٦)، «الأوسط» (٤/ ٧٥) ط/الفلاح، «التمهيد» (١٩/ ٣٤ -).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٥٤٦)، والنسائي في «الكبرى» (٨١٠٠)، وأحمد (١٧٣٦) من حديث الحسين ابن علي -﵄-، وفي إسناده: عبدالله بن علي بن الحسين بن علي الهاشمي، روى عنه أربعة، ووثقه ابن حبان، وابن خلفون؛ فلا بأس بتحسين حديثه، والله أعلم.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٣٥٤٥)، من حديث أبي هريرة -﵁- بإسناد حسن، وحسنه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (١٢٨٢).","vol":"3","page":211},{"text":"أحاديث النهي عن الكلام، وهو اختيار شيخنا مقبل الوادعي -﵀-.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب إلى الصواب؛ لما تقدم والله أعلم وهو اختيار الإمام ابن باز -﵀- وحكم الحمد في العطاس كحكم الصلاة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1212>مسألة [٨]: من تكلم متعمدًا في الخطبة، فهل يصلي جمعة، أو ظهرًا</span>؟\nجاء عن عكرمة، وعطاء الخراساني، أنهما قالا: من لغا فلا جمعة له.\nوبنحوه قال الأوزاعي. والمراد أنه يفوته ثواب الجمعة، وبذلك فسَّره عطاء، وابن وهب.\nوقال إسحاق: يُخشى عليه فوات الأجر. وبذلك قال عطاء.\nوقال الحسن، والزهري: يصلي ركعتين.\nوقال الثوري: يستغفر الله، ويصلي.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: ولا يصح عن أحدٍ خلاف ذلك، والله أعلم.\nيعني: أنه يصلي الجمعة، لا الظهر.\nقال الحافظ ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (١٩/ ٣٧): على هذا جماعة الفقهاء من أهل الرأي والأثر وجماعة أهل النظر لا يختلفون في ذلك وحسبك بهذا أصلا وإجماعا. اهـ. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٥/ ٤٩٧ - ٤٩٨)، «خطبة الجمعة» (ص ٣٣٨)، «البيان» (٢/ ٦٠٠)، «مدونة الفقه المالكي» (١/ ٥٣٨)، «الفروع» (٢/ ١٢٥)، «فتاوى اللجنة» (٨/ ٢٤٧).\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٥/ ٥٠٠ -).","vol":"3","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1213>مسألة [٩]: من لم يسمع الخطبة؛ لبعده، أو صممه، فهل ينصت</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالقول الأول: يذكر الله في نفسه، ويقرأ القرآن، وهو قول علقمة، وعطاء، وسعيد بن جبير، والنخعي، والشافعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق.\nالقول الثاني: أنه يُنصت، ولا يتكلم بشيء، وهو قول الزهري، والأوزاعي، ومالك، وأبي حنيفة.\nالقول الثالث: لا يجب عليه الإنصات مطلقًا، بل يُباح له الكلام، وهو قول عروة بن الزبير، وطائفة من أصحاب الشافعي، وأومأ إليه أحمد، فقال: يشرب الماء إذا لم يسمع. واختاره القاضي أبو يعلى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالإنصات، ولم يخص من سمع ممن لم يسمع، ولكن من المعلوم أنَّ المراد من الإنصات هو سماع كلام الخطيب، وعدم التهويش على غيره، وعلى هذا؛ فالظَّاهر أنَّ له أن يذكر الله في نفسه، ولا يلزمه الانصات، وإن أنصت؛ فحسن، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1214>مسألة [١٠]: حكم تشميت العاطس، ورد السلام</span>.\n• في المسألة أقوال:\nالقول الأول: الجواز، وهو قول الحسن، والشعبي، والنخعي، والحكم،\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٥/ ٤٩٨ -)، «المغني» (٣/ ١٩٧)، و«التمهيد» (١٩/ ٣٧)، «الأوسط» (٤/ ٧٩)، «ابن أبي شيبة» (٢/ ١٢٢).","vol":"3","page":213},{"text":"وقتادة، والثوري، وإسحاق، وأحمد في رواية، وهو قول الشافعي في الجديد، وبعض الشافعية، وذلك لوجوب الرد، فهو مخصوص من الإنصات.\nالقول الثاني: عدم جواز ذلك، وهو قول عطاء، ومالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية، وهو قول الشافعي في القديم، وبعض الشافعية، واستدلوا بعموم أحاديث الأمر بالإنصات، وعدم الكلام.\nالقول الثالث: يحرم على من يسمع الخطبة، ويُباح الرد على من كان بعيدًا لا يسمع، وهو قول أحمد في رواية، واختارها بعض أصحابه.\nالقول الرابع: لا يجوز رد السلام، ويجوز تشميت العاطس، وهو قول بعض الشافعية؛ وذلك لأنَّ الذي سلَّم كان ينبغي له أن لا يُسلم؛ فلم يستحق الرَّد، بخلاف العاطس؛ فإنَّ ذلك أمرٌ غالب عليه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح هو القول الثاني، ومن كان لا يسمع الخطبة؛ فردَّ كما قال أحمد، فلا بأس عليه إن شاء الله، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1215>مسألة [١١]: هل يجب الإنصات على من كان في المسجد قبل أن يجلس</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٥٠٤): فأما من دخل المسجد في حال الخطبة، فقالت طائفة: إنما يمتنع عليه الكلام إذا جلس، وأخذ مجلسه، وما دام يمشي؛ فله أن يتكلم، ويكلم من معه، وهذا قول الزهري، وقتادة، والثوري،\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٣٩٤)، «البيان» (٢/ ٥٩٩)، «خطبة الجمعة» (ص ٣٢٩) للحجيلان، «المغني» (٣/ ١٩٨ -)، و«التمهيد» (١٩/ ٣٧ - ٣٨)، «الأوسط» (٤/ ٨٠) ط/الفلاح.","vol":"3","page":214},{"text":"والشافعي، وعموم قوله: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِك: أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ» يشمل القائم، والقاعد، والماشي. اهـ\nوما اختاره ابن رجب هو المختار عندي، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1216>مسألة [١٢]: شرب الخطيب الماء أثناء الخطبة</span>.\n• ذهب إلى إباحة ذلك جمع من أهل العلم، ومنهم: طاوس، ومجاهد، والشافعي.\n• وذهب بعضهم إلى المنع من ذلك، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأحمد، بل بالغ الإمام الأوزاعي؛ فقال: تفسد جمعته.\nقال ابن المنذر -﵀-: لا بأس به؛ لأن الأشياء على الإباحة، ولا نعلم حجة تمنع منه، والوقوف عنه أحسن في الأدب.\nقال العبدري: قول الأوزاعي مخالف للإجماع. اهـ\nقلتُ: والصحيح هو القول الأول؛ لعدم وجود دليل يدل على منع ذلك، وبالله التوفيق. (^١)\n_________\n(^١) «الأوسط» (٤/ ٨١)، و«الإنصاف» (٢/ ٢٩٤)، «المجموع» (٤/ ٤٤٨).","vol":"3","page":215},{"text":"٤٤٠ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ، فَقَالَ: «صَلَّيْتَ؟» قَالَ لَا، قَالَ: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1217>مسألة [١]: تحية المسجد، والإمام يخطب</span>.\n• كره جماعة من أهل العلم أن يصلي الداخل ركعتين حال خطبة الخطيب، وقالوا: الاستماع واجبٌ؛ فيُقَدَّم على السنة.\nوممن كره ذلك الثوري، ومالك، والليث، وأبو حنيفة.\n• بينما ذهب طائفة من أهل العلم إلى مشروعية الصلاة حال الخطبة، واستحبوا ذلك مع التخفيف.\nواستدلوا بحديث الباب، وهم: أحمد، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر.\nوثبت عن أبي سعيد (^٢) أنه لم يرضَ أن يجلس حتى صلَّى ركعتين.\nوهذا القول هو الصواب، وهذا يدل على تأكد استحباب تحية المسجد كما تقدم في آخر باب المساجد، فراجعه. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٣١)، ومسلم (٨٧٥) (٥٥).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٥١١) بإسناد حسن.\n(^٣) وانظر: «المغني» (٣/ ١٩٢).","vol":"3","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1218>مسألة [٢]: هل يركع الخطيب تحية المسجد قبل الخطبة</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى عدم مشروعية ذلك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والخلفاء بعده لم يُحفظ عن أحدٍ منهم أنهم كانوا يصلون تحية المسجد قبل الخطبة، بل يدخلون إلى الخطبة مباشرة، والله أعلم.\n• وذهب بعض الشافعية إلى أنه يصلي.\nوقد ضعف النووي هذا القول في «الروضة»، وقال: غريب، وشاذ، ومردود. وهو ضعيف كما يقول، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٥٢٩)، «الإنصاف» (٢/ ٣٩٢)، «روضة الطالبين» (٢/ ٣٣)، «الفروع» (٢/ ١٢٣)، «المنتقى» للباجي (١/ ١٨٩)، «خطبة الجمعة» (ص ٢٩٣).","vol":"3","page":217},{"text":"٤٤١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الجُمُعَةِ سُورَةَ الجُمُعَةِ، وَالمُنَافِقِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٤٤٢ - وَلَهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -﵁- قَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فِي العِيدَيْنِ، وَفِي الجُمُعَةِ: بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1219>مسألة [١]: حكم قراءة السُّوَر المذكورة في صلاة الجمعة</span>.\nاستحبَّ أهل العلم القراءة في صلاة الجمعة بالسُّور المذكورة.\nفي الأولى: [سورة الجمعة]، وفي الثانية: [سورة المنافقين]، أو في الأولى: سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1220>مسألة [٢]: يتولى الصلاة من يتولى الخطبة</span>.\n• ذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ الصلاة يتولَّاها الذي يتولى الخطبة، وهو مذهب أحمد، والشافعي، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي، ويجزئ عندهم أن يُصلي بالناس من لم يخطب.\n• ولكن اختلفوا: هل يُشترط أن يكون ممن حضر الخطبة، أم لا؟ وفي ذلك\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٨٧٩).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٨٧٨).","vol":"3","page":218},{"text":"روايتان عن الإمام أحمد:\nإحداهما: أنه يُشترط أن يكون ممن حضر الخطبة، وهو قول الثوري، وأصحاب الرأي، وأبي ثور.\nوالثانية: أنه لا يُشترط، وهو قول الأوزاعي، والشافعي.\nقال أبو عبد الله: والقول الثاني هو الصواب -والله أعلم-؛ لأنه تصح منه الجمعة؛ فتصحُّ منه الإمامة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1221>مسألة [٣]: الخطبة تُقَدَّمُ على الصلاة</span>.\n• ذهب أصحاب المذاهب الأربعة إلى أنَّ تقديم الخطبة على الصلاة شرطٌ من شروط صحَّتها، وأنها لو أُخِّرَت عن الصلاة؛ فإنها لا تصح.\nوقد قال بذلك الحنفية كما في «بدائع الصنائع» (١/ ٥٨٩)، والمالكية كما في «مدونة الفقه المالكي» (١/ ٥٣٧)، والشافعية كما في «المجموع» (٤/ ٥١٤)، والحنابلة كما في «الإنصاف» (٢/ ٣٦٥) (٢/ ٣٦٨).\n• وقال في «الإنصاف» مبينًا عدم الخلاف في ذلك عند الحنابلة: ويُشترط تقدمها على الصلاة بلا نزاع.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ويدل على ذلك مداومة فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لها قبل الصلاة، وهو القائل: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو ردٌّ».\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ١٧٧ - ١٧٨)، «الأوسط» (٤/ ٨٣).","vol":"3","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1222>مسألة [٤]: الخطبة لا تكون إلا بعد دخول وقت الصلاة، كالصلاة</span>.\n• ذهب أصحاب المذاهب الأربعة إلى أنه يُشتَرطُ في خطبة الجمعة أن تكون بعد دخول وقت صلاة الجمعة؛ فإنْ وقعت، أو جزء منها قبله لم تجزئ، وقد قال بذلك الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وقال به ابن حزم أيضًا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ويدل على ذلك أنَّ الخطبة لا تكون إلا بعد النداء، والنداء لا يجوز إلا عند دخول الوقت، وفي «البخاري» (٩١٢)، عن السائب بن يزيد -﵄-: أنَّ الأذان يوم الجمعة أوله حين يجلس الإمام على المنبر، كان ذلك على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر ... . الحديث.\nولكن كونها لا تصح إذا حصل جزء منها قبل الوقت موضع نظر؛ لأنه قد حصل بعضها في الوقت، والأظهر صحتها، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٤/ ٥١٤، ٥٢٢)، «الفروع» (٢/ ١٠٩)، «بدائع الصنائع» (١/ ٥٨٩)، «خطبة الجمعة» (ص ٥٦ -).","vol":"3","page":220},{"text":"٤٤٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ -﵁- قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - العِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الجُمُعَةِ، فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1223>مسألة [١]: حكم صلاة الجمعة إذا اجتمعت مع العيد في يوم واحد</span>.\n• في المسألة أقوال:\nالقول الأول: يسقط وجوب الجمعة على أهل القرى دون أهل البلد، والمصر، وهو قول الشافعي وأصحابه، واستدلوا بأثر عثمان في «صحيح البخاري» (٥٥٧١)، أنه قال: يا أيها الناس، إنَّ هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحبَّ أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي؛ فلينتظر، ومن أحبَّ أن يرجع؛ فقد\n_________\n(^١) حسن لغيره. أخرجه أحمد (٤/ ٣٧٢)، وأبوداود (١٠٧٠)، والنسائي (٣/ ١٩٤)، وابن ماجه (١٣١٠)، وابن خزيمة (١٤٦٤) من طريق إياس بن أبي رملة عن زيد بن أرقم. وإياس مجهول.\nوله شاهد من حديث أبي هريرة -﵁-: أخرجه أبوداود (١٠٧٣)، وابن ماجه (١٣١١)، وفي إسناده اختلاف ورجح الدارقطني وأحمد أنه من مراسيل أبي صالح. انظر: «العلل» (١٩٨٤)، «التلخيص» (٣/ ١٠٩٩). وفي «صحيح البخاري» (٥٥٧٢) عن عثمان بن عفان -﵁- أنه خطب العيد يوم جمعة ثم قال: يا أيها الناس، إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له.\nفالحديث حسن بهذه الطرق، والله أعلم.\nتنبيه: ابن خزيمة لم يجزم بصحته، بل قال: إن صح الخبر، فإني لا أعرف إياس بن أبي رملة بعدالة ولا جرح.","vol":"3","page":221},{"text":"أذنت له.\nالقول الثاني: إذا صَلَّوا العيد لم تجب بعده صلاة حتى يصلي العصر، فيسقط عنه وجوب الجمعة، والظهر، وهذا قول عطاء، وذكر أنَّ ذلك صنيع ابن الزبير، وقال به إبراهيم النخعي، ونقل عن الشعبي، وهو من طريق مجالد عنه، وفيه ضعف، واختاره الشوكاني.\nالقول الثالث: يسقط وجوب الجمعة عن أهل البلد، ولكن ينبغي للإمام أن يصلي الجمعة، وهذا قول أحمد، وأصحابه، واستدلوا على سقوط وجوب الجمعة بأحاديث الباب، وصحَّ عن عمر بن الخطاب -﵁-، بإسناد صحيح عند ابن المنذر (٤/ ٢٨٨)، أنه لم يُصلِّ الجمعة عند أن اجتمعت مع العيد، وصحَّ ذلك عن عثمان -﵁- كما تقدم، وعن علي -﵁- كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، وثبت عن ابن الزبير، وابن عباس بإسناد صحيح كما في «المصنف» أيضًا، واستدلوا على أنَّ الإمام ينبغي له أن يصلي الجمعة بحديث أبي هريرة -﵁-، الذي في الباب، ففيه قال: وإنَّا مُجَمِّعون. وهو إن كان مرسلًا؛ فإنه يشهد له حديث النعمان بن بشير -﵄- في «صحيح مسلم» (٨٧٨)، قال: كان النبي - ﷺ - يقرأ في العيد، والجمعة بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، قال: وإذا اجتمعا في يوم؛ قرأ بهما أيضًا في الصلاتين.\nالقول الرابع: لا تسقط الجمعة مطلقًا، وهو قول مالك، وأبي حنيفة.\nقال أبو عبد الله: قول أحمد وأصحابه هو الصواب؛ لأدلتهم المذكورة.","vol":"3","page":222},{"text":"وقد اختلف أصحاب أحمد: هل يجب على الإمام إقامة الجمعة، أم لا؟\nعلى قولين، والصواب عدم وجوبها؛ لحديث ابن الزبير وابن عباس ولأثر عمر -﵃-، والله أعلم.\nوأما استدلال الشافعية بأثر عثمان؛ فليس لهم فيه دلالة، بل الظاهر أنَّ عثمان يقول بالرخصة كقول غيره من الصحابة، ورأي أصحاب العوالي أحق بهذه الرخصة من غيرهم للمشقة الحاصلة عليهم؛ فخصَّهم بالذكر، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٤٩٢)، «المغني» (٣/ ٢٤٢)، «الأوسط» (٤/ ٢٨٩)، «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٨٩)، و«مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٣٠٣)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١٨٦ -).","vol":"3","page":223},{"text":"٤٤٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1224>مسألة [١]: استحباب سنة الجمعة، وعدد ركعاتها</span>.\nفيه استحباب السنة الراتبة بعد الجمعة، وقد جاء في «الصحيحين» عن ابن عمر -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصليها في بيته ركعتين.\n• وقد اختلف أهل العلم في الجمع بين الحديثين على أقوال:\nالقول الأول: أنه مُخَيَّرٌ بين الركعتين، والأربع، وهو قول النخعي، وأحمد في رواية، وثبت عن ابن مسعود -﵁- بإسناد صحيح أنه كان يصلي أربعًا.\nالقول الثاني: إنْ صلَّى في المسجد؛ صلَّى أربعًا، وإنْ صلَّى في البيت؛ صلَّى ركعتين، وهو قول إسحاق.\nالقول الثالث: الإمام يصلي في البيت ركعتين، والمأموم في المسجد أربعًا، وهو قول أبي خيثمة، والجوزجاني.\nالقول الرابع: قال الشافعي: ما أكثر المصلي من التطوع بعد الجمعة؛ فهو أحب إلي.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٨٨١).","vol":"3","page":224},{"text":"القول الخامس: يصلي أربعًا، أو ستًّا، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، والثوري.\nالقول السادس: يصلي ركعتين، ثم يصلي أربعًا، ثبت ذلك عن علي، وابن عمر، وأبي موسى، بأسانيد صحيحة، وقال به مجاهد، وعطاء، وحميد بن عبد الرحمن، والثوري.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: بعض الأقوال المتقدمة تتداخل، والأقرب في هذه المسألة: أنه مخير بين ركعتين، وأربع؛ لأنه هو الذي ثبت عن النبي - ﷺ -، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٥/ ٥٣٥)، «التمهيد» لابن عبد البر (١٤/ ١٧١)، «الأوسط» لابن المنذر (٤/ ١٢٥).","vol":"3","page":225},{"text":"٤٤٥ - وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ -﵁-، أَنَّ مُعَاوِيَةَ -﵁- قَالَ لَهُ: إذَا صَلَّيْت الجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ، حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَنَا بِذَلِكَ: أَنْ لَا نوصِلَ صَلَاةً بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1225>مسألة [١]: الفصل بين الفريضة والنافلة بكلام، أو تحول</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم»: فِيهِ دَلِيل لِمَا قَالَهُ أَصْحَابنَا، أَنَّ النَّافِلَة الرَّاتِبَة وَغَيْرهَا يُسْتَحَبّ أَنْ يَتَحَوَّل لَهَا عَنْ مَوْضِع الْفَرِيضَة إِلَى مَوْضِع آخَر، وَأَفْضَله التَّحَوُّل إِلَى بَيْته، وَإِلَّا فَمَوْضِع آخَر مِنْ الْمَسْجِد أَوْ غَيْره؛ لِيَكْثُر مَوَاضِع سُجُوده، وَلِتَنْفَصِل صُورَة النَّافِلَة عَنْ صُورَة الْفَرِيضَة.\nوَقَوْله: (حَتَّى نَتَكَلَّم) دَلِيل عَلَى أَنَّ الْفَصْل بَيْنهمَا يَحْصُل بِالْكَلَامِ أَيْضًا. انتهى المراد.\nقلتُ: وقول النووي: (لِيَكْثُر مَوَاضِع سُجُوده)، هذه عِلَّة ليس عليها دليل، ولكن العلة هي ما ذكره -﵀- من انفصال النافلة عن الفريضة، ولذلك يحصل ذلك بالكلام، والتحول.\nوقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٥٣٦): وأما مكان الصلاة بعد الجمعة؛ فالأفضل أن يكون في البيت لمن له بيت يرجع إليه؛ فإنْ صلَّى في المسجد، فهل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٨٨٣).","vol":"3","page":226},{"text":"يُكْرَه، أم لا؟ ذهب الأكثرون إلى أنه لا يُكره، ولكن يؤمر بالفصل بينها، وبين صلاة الجمعة، ومذهب مالك أنه يُكره للإمام أن يصلي بعد الجمعة في المسجد، ولا يُكره للمأموم إذا انتقل من موضع مصلَّاه. انتهى بتصرف.\nقلتُ: الصواب قول الجمهور، والله أعلم.\n\n٤٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nتقدم كثير من مباحث هذا الحديث.\nوقوله: «فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ»، يدل على استحباب التنفل قبل خروج الإمام يوم الجمعة.\nقال النووي -﵀-: وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور.\nقلتُ: وأما تحديد النافلة قبلها بأربع، أو إنكار التنفل مطلقًا؛ فليس عليه دليل، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٨٥٧).\n(^٢) وانظر: «نيل الأوطار» (١٢٢٠)، «شرح مسلم» (٨٥٧).","vol":"3","page":227},{"text":"٤٤٧ - وَعَنْهُ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللهَ ﷿ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ»، وَأَشَارَ بِيَدِهِ: يُقَلِّلُهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ». (^٢)\n\n٤٤٨ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ -﵄-، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي بُرْدَةَ. (^٣)\n\n٤٤٩ - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِاللهِ بْنِ سَلَامٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ... .\n\n٤٥٠ - وَجَابِرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ: أَنَّهَا مَا بَيْنَ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٣٥)، ومسلم (٨٥٢).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٨٥٢) (١٥).\n(^٣) معل، والراجح وقفه على أبي بردة. أخرجه مسلم (٨٥٣) من طريق مخرمة بن بكير عن أبيه عن أبي بردة عن أبيه به.\nوقد انتقد هذا الحديث الإمامُ الدارقطني فقال -﵀- في «التتبع»: هذا الحديث لم يسنده غير مخرمة بن بكير عن أبيه عن أبي بردة، وقد رواه جماعة عن أبي بردة من قوله، ومنهم من بلغ به أبا موسى ولم يسنده، والصواب من قول أبي بردة منقطع. كذلك روى يحيى بن سعيد القطان عن الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة، وتابعه واصل الأحدب رواه عن أبي بردة قوله. اهـ\nوزاد في «العلل» (٧/ ٢١٢): وكذلك رواه معاوية بن قرة ومجالد عن أبي بردة قوله. اهـ\nوقد ارتضى شيخنا الوادعي -﵀- إعلال الدارقطني كما في تعليقه على «التتبع».\n(^٤) الراجح في الحديثين الوقف على عبدالله بن سلام.\n\nأما حديث عبدالله بن سلام: فأخرجه ابن ماجه (١١٣٩) من طريق الضحاك بن عثمان عن سالم أبي النضر عن أبي سلمة عن عبدالله بن سلام قال: قلت ورسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جالس: إنا لنجد في كتاب الله في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله ﷿ فيها شيئًا إلا قضى له حاجته. قال عبدالله: فأشار إليَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أو بعض ساعة. فقلت: صدقت أو بعض ساعة. قلت: أي ساعة هي؟ قال: «هي آخر ساعات النهار». قلت: إنها ليست ساعة صلاة، قال: «بلى إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يحبسه إلا الصلاة فهو في صلاة».\nوظاهر إسناده الصحة، لكن قال ابن رجب -﵀-: ورواته كلهم ثقات، ولكن له علة مؤثرة، وهي أن الحفاظ المتقنين رووا هذا الحديث عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ذكر ساعة الإجابة، وعن عبدالله بن سلام في تعيينها بعد العصر، كذلك رواه محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن أبي هريرة. خرجه من طريقه مالك في «الموطأ» وأحمد وأبوداود والترمذي وصححه. اهـ «الفتح» (٩٣٥).\nوقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٩٣٥): ويحتمل أن يكون القائل: (قلت: أي ساعة ...) عبدالله بن سلام، فيكون مرفوعًا، ويحتمل أن يكون أبا سلمة فيكون موقوفًا وهو الأرجح لتصريحه في رواية يحيى بن أبي كثير بأن عبدالله بن سلام لم يذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. اهـ\nوأما حديث جابر -﵁-:\nفأخرجه أبوداود (١٠٤٨)، والنسائي (٣/ ٩٩ - ١٠٠)، من طريق الجُلاح مولى عبدالعزيز عن أبي سلمة عن جابر مرفوعًا بلفظ: يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد مسلم يسأل الله شيئًا إلا آتاه الله عزوجل، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر.\nوالجُلاح أبوكثير: حسن الحديث، لكن قد خالفه من هو أثبت منه، فرواه موسى بن عقبة عن أبي سلمة عن عبدالله بن سلام موقوفًا عليه. أخرجه عبدالرزاق (٣/ ٢٦٢).\nقال ابن رجب: وعندي أن رواية موسى بن عقبة الموقوفة أصح، ويعضده أن جماعة رووه عن أبي سلمة عن عبدالله بن سلام، ومنهم من قال: عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن عبدالله بن سلام. اهـ\nتنبيه: لفظ الحديثين كما تقدم: «آخر ساعات النهار» «آخر ساعة بعد العصر» فاللفظ الذي ذكره الحافظ «ما بين العصر إلى غروب الشمس» لعله ذكره من حفظه فوهم فيه، والله أعلم.","vol":"3","page":228},{"text":"وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَمْلَيْتهَا فِي «شَرْحِ البُخَارِيِّ».","vol":"3","page":229},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1226>مسألة [١]: تعيين ساعة الجمعة المستجابة</span>.\n• اخْتُلِفَ في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا كما في «الفتح» للحافظ ابن حجر -﵀-، وأقوى تلك الأقوال قولان:\nالأول: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضى الصلاة، واستدلوا بحديث أبي موسى الذي في الباب، وقد تقدم ما فيه، وقد قال بهذا القول ابن عمر (^١)، وأبو بردة، والحسن، وأبو العالية، والشعبي، وغيرهم.\nالثاني: هي آخر ساعة بعد العصر، واستدلوا بحديث جابر، وعبد الله بن سلام اللَّذَيْنِ في الباب، وصحَّ هذا القول عن عبدالله بن سلام، وأبي هريرة، وجاء عن عبدالله بن عباس من طريقين يحسَّن بهما، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و«عبدالرزاق»، وهو قول طاوس، وعطاء، وغيرهم، وقد رجَّح الإمام الشوكاني هذا القول، وقال: والقول بأنها آخر ساعة من اليوم هو أرجح الأقوال، وإليه ذهب الجمهور من الصحابة (^٢)، والتابعين، والأئمة. انتهى المراد. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٤٣) بإسناد صحيح؛ لولا أنَّ فيه عنعنة هشيم، ومغيرة.\n(^٢) يدل على ما قاله الشوكاني: ما أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ١٣) بإسناد صحيح عن أبي سلمة بن عبدالرحمن أنَّ ناسًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اجتمعوا، فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة، فتفرقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.\n(^٣) انظر: «الفتح» للحافظين (٩٣٥)، «النيل» (١٢٠٤)، «الأوسط» (٤/ ١١ -)، «ابن أبي شيبة» (٢/ ١٤٣)، «عبدالرزاق» (٣/ ٢٦٠ -).","vol":"3","page":230},{"text":"٤٥١ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا جُمُعَةً. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nدلَّ هذا الحديث على أنَّ الجمعة إنما تقام بأربعين فصاعدًا، وقد استدل به من اشترط ذلك.\nوقد تقدم ذكر هذه المسألة مع بيان الراجح فيها تحت حديث رقم (٤٣٢).\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه الدارقطني (٢/ ٤٣)، وفي إسناده: عبدالعزيز بن عبدالرحمن البالسي.\nقال النسائي: ليس بثقة. واتهمه أحمد بوضع الحديث.\nوفيه: إسحاق بن خالد البالسي، وخصيف الجزري، وكلاهما ضعيف.","vol":"3","page":231},{"text":"٤٥٢ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. رَوَاهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1227>مسألة [١]: حكم الدعاء للمؤمنين في الخطبة</span>.\n• ذهب أهل العلم إلى مشروعيته في الخطبة، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية، والمالكية، والحنفية، حتى قال صاحب «الإنصاف»: وهذا بلا نزاع. اهـ، يعني في مذهبهم.\n• وقد بالغ الشافعية في ظاهر مذهبهم، فقالوا: إنَّ ذلك ركنٌ من أركان الخطبة، واختاره النووي.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: لم أر أحدًا من المتقدمين منع من ذلك، وهو وقت يستجاب فيه الدعاء، ويجتمع فيه المسلمون، وقد دعا النبي - ﷺ - في الاستسقاء، وسيأتي أيضًا حديث عمارة بن رويبة، وسهل بن سعد -﵄-، في المسألة التالية،\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه البزار (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨) وفي إسناده يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب، وولده خالد وهو ضعيف، وفي إسناده أيضًا خبيب بن سليمان بن سمرة يرويه عن أبيه وكلاهما مجهول.\nفالحديث شديد الضعف إن لم يكن موضوعًا، فقول الحافظ (بإسناد لين) فيه تساهل بيّن، ثم وجدت الحديث من غير طريق السمتي، فقد أخرجه الطبراني (٧٠٧٩)، من طريق: محمد بن إبراهيم بن خبيب بن سلمان بن سمرة، عن جعفر بن سعد بن سمرة، عن خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن سمرة، به. وهذا إسناد مسلسل بالمجاهيل.","vol":"3","page":232},{"text":"وهما يدلان أيضًا على مشروعية الدعاء، وبالله التوفيق.\nوأخرج عبد الرزاق (٣/ ٢١٦) عن ابن جريج، عن ابن شهاب قال: كان النبي - ﷺ - يدعو على المنبر يوم الجمعة فيؤمن الناس.\nوهو مرسل يتقوى بما تقدم، وقد روي موصولًا، ولم يثبت؛ فأخرجه البيهقي (٣/ ٢١٠) من طريق قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به. ولا يثبت مرفوعًا. فإن قرة بن عبد الرحمن فيه ضعف، وتفرد بوصله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1228>مسألة [٢]: حكم رفع اليدين في الدعاء في خطبة الجمعة</span>.\nأخرج مسلم (٨٧٤) عن عمارة بن رؤيبة -﵁-، أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه، فقال: «قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله - ﷺ - ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة».\nوأخرجه أبو داود (١١٠٤)، ولفظه: «وهو يدعو في يوم جمعة»، وأخرجه الدارمي (١٥٦١)، ولفظه: «يدعو على المنبر»، وابن خزيمة (١٧٩٣)، ولفظه: «فرفع يديه في الدعاء»، والبيهقي (٣/ ٢١٠)، ولفظه: «يرفع يديه في الدعاء».\nوأخرج أبو داود (١١٠٥)، وغيره، عن سهل بن سعد -﵁-، قال: ما رأيت رسول الله - ﷺ - شاهرًا يديه قط يدعو على منبره، ولا على غيره، ولكن رأيته، يقول: هكذا، وأشار بالسبابة وعقد الوسطى بالإبهام. وفي إسناده عبد الرحمن بن معاوية،\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٥٢١)، «الفروع» (٢/ ١١٩)، «الإنصاف» (٢/ ٣٧٥)، «خطبة الجمعة» للحجيلان» (ص ٢٧٣)، «أحكام الجمعة» (ص ٣٢٢).","vol":"3","page":233},{"text":"أبو الحويرث، وهو ضعيف، ويشهد له الحديث الذي قبله فيما يتعلق بخطبة الجمعة.\nوأسند ابن أبي شيبة (٢/ ١٤٧) بإسناد صحيح عن الزهري قال: رفع الأيدي يوم الجمعة محدث.\nوبإسناد صحيح عن ابن سيرين قال: أول من رفع يديه في الجمعة عبيد الله بن عبد الله بن معمر.\nوأسند من طريق ليث بن أبي سليم، عن طاوس، أنه كان يكره دعاءهم الذي يدعونه يوم الجمعة، وكان لا يرفع يديه. وليث ضعيف.\nوأسند بإسناد صحيح عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: رفع الإمام يوم الجمعة يديه على المنبر، فرفع الناس أيديهم، فقال مسروق: قطع الله أيديهم.\nوأسند في موضع آخر (١٤/ ٧٧) بإسناد صحيح عن الزهري، قال: رفع الأيدي يوم الجمعة محدث، وأول من أحدث رفع الأيدي يوم الجمعة مروان.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يستفاد من الأدلة السابقة أن رفع الأيدي للدعاء في خطبة الجمعة ليس من السنة، بل هو من البدع والمحدثات.\nويستثنى من ذلك الاستسقاء فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك -﵁-: أن رجلا، دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله - ﷺ - قائم يخطب، فاستقبل رسول الله - ﷺ - قائما، ثم قال: يا رسول الله، هلكت","vol":"3","page":234},{"text":"الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله - ﷺ - يديه، ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» ... الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1229>مسألة [٣]: حكم التأمين</span>.\nالذين تقدم عنهم أنهم يقولون بمشروعية الدعاء يقولون بمشروعية التأمين للمستمعين، وقيده بعض الحنابلة بكونه سرًّا، وهو قول المالكية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1230>مسألة [٤]: حكم تخصيص صلاة الجمعة بالقنوت</span>.\nقال ابن أبي شيبة -﵀- في «المصنف» (٢/ ١٣٨): حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن نافع، قال: لم يكن عبد الله بن عمر -﵄-، يقنت في الفجر والجمعة. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.\nوأسند ابن أبي شيبة في «مصنفه» كراهة ذلك عن طاوس، ومكحول، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز.\nوأسند عبد الرزاق (٣/ ١٩٤) الكراهة عن الزهري، وقتادة، والحسن، وعطاء بن أبي رباح.\nقال أبو عبد الله: هذا القنوت من البدع، لا دليل عليه، ولا يدخل في ذلك قنوت النوازل إذا قنت في الجمعة ضمنًا، كسائر الصلوات، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) انظر: «الفروع» (٢/ ١٢٥)، «خطبة الجمعة» للحجيلان» (ص ٣٤١)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (١/ ١١٥ -).","vol":"3","page":235},{"text":"٤٥٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ فِي الخُطْبَةِ يَقْرَأُ آيَاتٍ مِنَ القُرْآنِ، يُذَكِّرُ النَّاسَ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَأَصْلُهُ فِي «مُسْلِمٍ». (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيستفاد من الحديث استحباب التذكير بقراءة القرآن، وهكذا الأحاديث النبوية، وقد تقدم ذكر حكم ذلك.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (١١٠١) بإسناد حسن بلفظ (كانت صلاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قصدًا وخطبته قصدًا، يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس). وأخرجه مسلم (٨٦٦) إلى قوله قصدًا دون ما بعده.\nوأخرجه مسلم برقم (٨٦٢) من نفس الوجه عن سماك عن جابر بن سمرة بلفظ (كانت للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس). فلو ذكر الحافظ هذا اللفظ من صحيح مسلم لكان أولى، والله أعلم.","vol":"3","page":236},{"text":"٤٥٤ - وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا أَرْبَعَةً: مَمْلُوكٌ، وَامْرَأَةٌ، وَصَبِيٌّ، وَمَرِيضٌ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْ طَارِقٌ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -. (^١)\nوَأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ طَارِقٍ المَذْكُورِ عَنْ أَبِي مُوسَى. (^٢)\n\n٤٥٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1231>مسألة [١]: من صلى الجمعة من المعذورين، فهل تجزئه عن صلاة الظهر</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٤/ ٤٩٥): المعذورون إنْ تركوا الظهر،\n_________\n(^١) صحيح. أخرج أبوداود (١٠٦٧)، وإسناده صحيح، وقد صححه شيخنا -﵀- في «الصحيح المسند» (٥١٧)، وطارق بن شهاب وإن لم يكن سمع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقد رآه وأدركه فهو صحابي، ومراسيل الصحابة مقبولة، والله أعلم.\n(^٢) زيادة (عن أبي موسى) شاذة. أخرجه الحاكم (١/ ٢٨٨) وتفرد بزيادة (عن أبي موسى) عبيد بن محمد العجل، فرواها عن إسحاق بن منصور، وزادها. وخالفه أصحاب إسحاق بن منصور فرووا الحديث بدون هذه الزيادة، فهي زيادة شاذة، وقد حكم عليها بالشذوذ البيهقي ثم الإمام الألباني -﵀- كما في «الإرواء» (٣/ ٥٥).\n(^٣) ضعيف مرفوعًا، والصواب وقفه. أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٨٢٢) من طريق عبدالله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر. وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف عبدالله بن نافع، ضعفه بعض الأئمة، وتركه آخرون، ومع ذلك فقد خولف، فقد رواه عبيدالله بن عمر وغيره عن نافع عن ابن عمر موقوفًا. وقد رجح وقفه البيهقي وغيره. انظر «سنن البيهقي» (٣/ ١٨٤)، و«الأوسط» (٤/ ١٩).","vol":"3","page":237},{"text":"وصلوا الجمعة؛ أجزأتهم بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر، وإمام الحرمين، وغيرهما. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1232>مسألة [٢]: هل تجب الجمعة على النساء</span>؟\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٤/ ١٦): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنْ لا جمعة على النساء، وأجمعوا على أنهن إذا حضرن الإمام، فصلين معه، أنَّ ذلك يجزئ عنهن. اهـ\nقلتُ: ويدل على ذلك حديث طارق بن شهاب الذي في الباب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1233>مسألة [٣]: هل تجب الجمعة على العبيد</span>؟\n• في المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه ليس عليهم جمعة، وهو قول الجمهور؛ لحديث طارق بن شهاب الذي في الباب.\nالثاني: أنَّ الجمعة واجبة على العبد الذي يؤدي الضريبة، وهو قول الحسن، وقتادة، والأوزاعي.\nالثالث: أنَّ الجمعة واجبة على العبد، ولكن لا يجوز له الذهاب إذا لم يأذن له سيده، وهو قول داود الظاهري، وأحمد في رواية؛ لعموم الآية: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] الآية.\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٣/ ٢١٦)، «الفتح» لابن رجب (٥/ ٣٣٨).","vol":"3","page":238},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: حديث طارق بن شهاب نَصٌّ في محل النزاع؛ فالصواب قول الجمهور، ولولا حديث طارق؛ لَرَجَّحْنَا القول الثالث، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1234>مسألة [٤]: هل تجب الجمعة على المسافر</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المسافر لا تجب عليه الجمعة، وصحَّ عن ابن عمر -﵄-، بإسناد صحيح أنه قال: ليس على المسافر جمعة. وصح عن عبد الرحمن ابن سمرة أنه أقام بكابل شتوة، أو شتوتين يصلي ركعتين، ولا يجمع. وصح عن أنس أنه أقام بنيسابور سنة، أو سنتين يصلي ركعتين، ولا يجمع. أخرجهما ابن أبي شيبة (٢/ ١٠٤).\n• وحُكِيَ عن الزهري، والنخعي، وعطاء أنها تجب عليه الجمعة كالجماعة، وهو قول الأوزاعي، وبعض الظاهرية.\nوالصواب هو قول الجمهور؛ لحديث جابر بن عبد الله في «صحيح مسلم» (^٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم عرفة صلَّى الظهر، وجمعها مع العصر، وقد كان يوم عرفة يوم الجمعة، ولم يُصَلِّها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جمعةً.\nواستدل لهذا القول بحديث ابن عمر -﵄- الذي في الباب، وهو حديثٌ ضعيفٌ، والراجح وقفه على ابن عمر، ولا يُعلم لابن عمر مخالفٌ من الصحابة، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (٤/ ١٧ - ١٨)، «المجموع» (٤/ ٤٨٥)، «المغني» (٣/ ٢١٧).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٢١٨).","vol":"3","page":239},{"text":"قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٧٨): وَالصَّوَابُ بِلَا رَيْبٍ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ: أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ لِلْمُسَافِرِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يُسَافِرُ أَسْفَارًا كَثِيرَةً، قَدْ اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ سِوَى عُمْرَةِ حَجَّتِهِ، وَحَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَمَعَهُ أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ، وَغَزَا أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ غَزَاةٍ، وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ قَطُّ أَنَّهُ صَلَّى فِي السَّفَرِ لَا جُمُعَةً وَلَا عِيدًا، بَلْ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي جَمِيعِ أَسْفَارِهِ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ، وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ قَطُّ أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ مُسَافِرٌ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَا وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى قَدَمَيْهِ وَلَا عَلَى رَاحِلَتِهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ، وَلَا عَلَى مِنْبَرٍ كَمَا كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ كَانَ أَحْيَانًا يَخْطُبُ بِهِمْ فِي السَّفَرِ خُطَبًا عَارِضَةً فَيَنْقُلُونَهَا كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِالله بْنِ عَمْرٍو، وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ قَطُّ أَحَدٌ أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي السَّفَرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ بَلْ وَلَا نَقَلَ عَنْهُ أَحَدٌ أَنَّهُ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ غَيَّرَ الْعَادَةَ فَجَهَرَ وَخَطَبَ؛ لَنَقَلُوا ذَلِكَ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ خَطَبَ بِهِمْ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ جَهَرَ، وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْخُطْبَةُ لِلْجُمُعَةِ؛ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلْجُمُعَةِ؛ لَخَطَبَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ أَيَّامِ الْجُمَعِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ لِأَجْلِ\nالنُّسُكِ. اهـ\nتنبيه: المسافر إذا كان نازلًا، وسمع نداء الجمعة، ولا مشقة عليه بالحضور، الظاهر أنه يلزمه حضورها، ويشمله عموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٢١٦)، «الأوسط» (٤/ ١٨ -)، و«ابن أبي شيبة» (٢/ ١٠٤)، و«عبد الرزاق» (٣/ ١٧٢)، «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ٤٣٦).","vol":"3","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1235>مسألة [٥]: ما حكم السفر يوم الجمعة</span>؟\n• أما قبل الزوال، فجمهور العلماء على جواز السفر، وهو قول أحمد، ومالك، والحسن، وابن سيرين، وهو قولٌ للشافعي، وصحَّ عن عمر بن الخطاب -﵁-، أنه قال: إنَّ الصلاة لا تحبس عن سفر. يعني يوم الجمعة. أخرجه الشافعي كما في «المسند» (٤٣٥)، وابن المنذر (٤/ ٢١).\n• وكره السَّفر يوم الجمعة طائفة من أهل العلم، منهم: سعيد بن المسيب، ومجاهد وصحَّ عن عائشة -﵂- وهو قولٌ للشافعي، قال النووي: الأصح عندنا تحريمه.\n• وأما بعد زوال الشمس؛ فجمهور العلماء على عدم جواز السفر؛ لأنه مأمور بحضور الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾.\n• وخالف أبو حنيفة، والأوزاعي، فقالا بجواز السفر، مالم يحرم بالصلاة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور في كلا الحالتين، قبل الزوال وبعده، ولكن ينبغي أن يقيد بسماع النداء، لا بزوال الشمس؛ لأنَّ الجمعة تجب بسماع النداء، وقد نبَّه على ذلك الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nتنبيه: وجوب حضور الجمعة بعد سماع النداء مخصوصٌ بما إذا احتاج إلى السفر في ذلك الوقت، وبمن يستطيع صلاة الجمعة في مكان آخر، فلكليهما أن يسافرا ولو بعد النداء، والله أعلم. وقد نبَّه على ذلك الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع». (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٤/ ٤٩٩)، «الأوسط» (٤/ ٢٢ - ٢٣)، «غاية المرام» (٧/ ٤٨ - ٤٩)، «الشرح الممتع» (٥/ ٢٧ -) و«عبد الرزاق» (٣/ ٢٥٠) و«ابن أبي شيبة» (٢/ ١٠٥) و«البيهقي» (٣/ ١٨٧).","vol":"3","page":241},{"text":"٤٥٦ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\n٤٥٧ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1236>مسألة [١]: حكم اتخاذ المنبر، والخطبة عليه</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» في الكلام على بعض الأحاديث (٦/ ١٥٢): وفيه استحباب اتخاذ المنبر، وهو سنة مُجْمَعٌ عليها. اهـ\nوقال صاحب «المبدع» -﵀- (٢/ ١٦١): واتخاذه سنة مُجمع عليها.\nقلتُ: والأدلة على اتخاذ المنبر كثيرة جدًّا تبلغ حد التواتر، والخطبة على المنبر أيضًا سنة مجمع عليها؛ فقد قال النووي -﵀- في «المجموع» (٤/ ٥٢٧): أجمع العلماء على أنه يستحب كون الخطبة على منبر.\nقلتُ: وإذا لم يوجد منبر، أو تساهل؛ فخطب قائمًا على الأرض؛ فالخطبة صحيحة، ولا ينقصها شيء من واجباتها، والله أعلم.\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه الترمذي (٥٠٩) وفي إسناده محمد بن الفضل بن عطية، وقد كُذِّب.\n(^٢) ضعيف، والراجح إرساله. أخرجه ابن خزيمة كما في «إتحاف المهرة» (٢/ ٤٩١) من طريق علي بن غراب، عن أبان بن عبدالله البجلي، عن عدي بن ثابت، عن البراء به. وأخرجه أيضًا البيهقي (٣/ ١٩٨) من طريق ابن خزيمة به. وقد أعله ابن خزيمة والبيهقي؛ فإن علي بن غراب تفرد بوصله، وقد رواه ابن المبارك ووكيع والنضر بن إسماعيل عن أبان عن عدي مرسلًا بدون ذكر البراء، ورواية النضر ليس فيها الرفع، بل موقوف على بعض الصحابة. وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١١٧)، و«المراسيل» لأبي داود (٥٤).","vol":"3","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1237>مسألة [٢]: استقبال وجه الخطيب، واستقبال الخطيب الناس</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٤٧٦): وذكر الترمذي أَنَّ العمل على ذلك عند أهل العلم من الصحابة وغيرهم، يستحبون استقبال الإمام إذا خطب، قال: وهو قولُ سفيان، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال ابن المنذر: هو كالإجماع ...، وقال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون فيه. والأكثرون على إنهم إنما يستقبلوه في حال الخطبة، وهو قولُ أحمد. وقال إسحاق: يستقبلونه إذا خرج.\nقال ابن رجب: أما استقبال الإمام أهل المسجد، واستدباره القبلة؛ فمجمع عليه أيضًا، والنصوص تدل عليه أيضًا؛ فإنه يخاطبهم ليفهموا عنه أيضًا، وذلك كله سنة، فلو خالفها الإمام؛ فقد خالف السنة، وَصَحَّت جمعته، ولأصحاب الشافعي وجه ضعيف: أنها لا تصح، والله أعلم. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما المسألة الأولى؛ فقد استدل عليها البخاري بحديث أبي سعيد -﵁-، وهو في «الصحيحين» (^١)، قال: جلس النبي - ﷺ - على المنبر، وجلسنا حوله. وأما المسألة الثانية؛ فالراجح ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم، خلافًا لما ذهب إليه بعض الشافعية.\nوقد صح استقبال المستمع للخطيب عن أنس -﵁- كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١١٨)، وجاء عن ابن عمر عند عبد الرزاق (٣/ ٢١٧)، وفي إسناده عبد الله العمري، وهو ضعيف. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «صحيح البخاري رقم (٩٢١)، ومسلم رقم (١٠٥٢) (١٢٣).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٤/ ٤٩٩)، «الأوسط» (٤/ ٢٢ - ٢٣).","vol":"3","page":243},{"text":"٤٥٨ - وَعَنِ الحَكَمِ بْنِ حَزْنٍ -﵁- قَالَ: شَهِدْنَا الجُمُعَةَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1238>مسألة [١]: حكم الاعتماد على القوس والعصا</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب ذلك، واستدلوا بأحاديث أصحها حديث الحكم بن حزن الذي في الباب، وكره الحنفية ذلك، ولا دليل لهم على ذلك.\nوقد حمل ابن القيم حديث الحكم بن حزن، وشواهده على أنَّ ذلك كان قبل اتخاذ المنبر، ولا دليل له على هذا المحمل، بل الظاهر من حديث الحكم بن حزن أنَّ ذلك كان متأخرًا؛ لأنَّ الوفود التي وفدت كانت في الأعوام الأخيرة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1239>مسألة [٢]: الاعتماد على السيف</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية الاعتماد على السيف، كالسوط، والقوس، وذهب الحنفية إلى استحباب ذلك في البلاد التي فُتِحت عنوة دون البلاد التي\n_________\n(^١) حسن. رواه أبوداود (١٠٩٦) عن سعيد بن منصور، حدثنا شهاب بن خراش، حدثني شعيب بن رزيق الطائفي، قال: جلست إلى رجل له صحبة من رسول الله - ﷺ -، يقال له: الحكم بن حزن -﵁- ... فذكره ضمن حديث طويل. وإسناده حسن، رجاله ممن يحسن لهم.\n(^٢) وانظر: «المدونة الكبرى» (ص ١٥٦)، «المجموع» (٤/ ٥٢٨)، «الفروع» (٢/ ١١٩)، «خطبة الجمعة» للحجيلان (ص ٢٣٥ - ٢٣٧).","vol":"3","page":244},{"text":"فُتِحت صُلْحًا.\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (١/ ٤٢٩): ولم يُحفظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائمًا؛ فمن فرط جهله.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما تخصيص السيف بالاعتماد عليه كما أشار ابن القيم؛ فلا دليل على ذلك، بل هو من البِدَع، ولكن لو اعتمد عليه وفاقًا من غير قصد، أو لعدم وجود العصا؛ فلا بأس بذلك، والله أعلم.\nوانظر المراجع السابقة.","vol":"3","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1240>فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1241>مسألة [١]: سلام الخطيب إذا صعد المنبر</span>.\nقلتُ: جاء في هذه المسألة أحاديث، منها: حديث جابر -﵁- عند ابن ماجه (١١٠٩)، وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا صعد المنبر سلَّم. وفي إسناده: ابن لهيعة، وهو ضعيفٌ، مختلطٌ. وقال أبو حاتم في «العلل» (١/ ٢٠٥): حديث موضوعٌ. اهـ\nقلتُ: فلعله أُدخل على ابن لهيعة من قِبَلِ بعض الكذابين، والله أعلم.\nوجاء من حديث ابن عمر -﵄-، أخرجه البيهقي (٣/ ٢٠٥)، وفي إسناده: عيسى بن عبد الله الأنصاري، يرويه عن نافع، عن ابن عمر، وهو ضعيفٌ، بل هو منكر الرواية عن نافع، وهذا الحديث مما أُنكر عليه كما في «الكامل» لابن عدي، وفي الباب مرسل من مراسيل الشعبي، أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١١٤)، وفي إسناده: مجالد الهمداني، وهو ضعيفٌ، ومرسل آخر من مراسيل عطاء، وإسناده صحيح كما في «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ١٩٢)، والحديث بهذه الطُّرُق لا ينهض للحجية، والله أعلم.\nوأما حكم المسألة: فقد ذهب أحمد، والأوزاعي، والشافعي إلى استحباب السلام من الخطيب إذا صعد المنبر، ومنع من ذلك أبو حنيفة، ومالك، وقالوا:","vol":"3","page":246},{"text":"يكفيه السلام الذي عند خروجه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: والأقرب -والله أعلم- هو استحباب ذلك؛ إلا أن يكون قد سلَّم عند دخوله المسجد سلامًا أسمع الناس كلهم؛ فلا يُستحب له ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1242>مسألة [٢]: حكم الحبوة والإمام يخطب</span>.\nجاء في النهي عن ذلك أحاديث لم يصح منها شيء، منها: حديث معاذ بن أنس، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب. أخرجه أبو داود (١١١٠)، والترمذي (٥١٤)، وفي إسناده: أبو مرحوم، وسهل بن معاذ، وكلاهما ضعيفٌ.\nوجاء الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه ابن ماجه (١١٣٤)، وفي إسناده: بقية بن الوليد، وهو مدلس، وقد عنعن، وشيخه عبد الله بن واقد مجهول، ورواية بقية عن مشايخه المجهولين ليست بشيء كما نصَّ على ذلك بعض الحفاظ.\nوأما حكم المسألة: فقد ذهب أكثر أهل العلم إلى إباحة الاحتباء والإمام يخطب، ولم يكرهوا ذلك، ذكر ذلك العراقي كما في «نيل الأوطار»، وصحَّ عن ابن عمر -﵄-، أنه كان يحتبي كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١١٩). (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ١٦١)، «ابن أبي شيبة» (٢/ ١١٤)، «عبدالرزاق» (٣/ ١٩٢)، «المجموع» (٤/ ٥٢٧).\n(^٢) وانظر: «نيل الأوطار» (١٢١٥)، «أحكام الجمعة» (ص ١٧٨).","vol":"3","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1243>مسألة [٣]: تحول الناعس من مكانه قبل الخطبة، أو أثنائها</span>.\nجاء في المسألة حديثان مرفوعان، أحدهما: حديث ابن عمر -﵄-، عند أبي داود (١١١٩)، والترمذي (٥٢٦)، وغيرهما، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة؛ فليتحول منه»، وفي إسناده: محمد بن إسحاق، مدلس، وقد عنعن، ولم يصرح بالسماع، أو التحديث.\nثم وقفت على تصريحه بالسماع في «مسند أحمد» (٦١٨٧)، ولكن ابن المديني -﵀- قد أنكره على ابن إسحاق كما في «التهذيب»، فقال: لم أجد لابن إسحاق إلا حديثين منكرين فذكر هذا الحديث مع حديث آخر. اهـ وأعله بالوقف أيضًا الإمام أحمد كما في معرفة السنن والآثار (٢/ ٥٢٠).\nقال البيهقي -﵀- في «الكبرى» (٣/ ٢٣٧): ولا يثبت رفع هذا الحديث، والمشهور عن ابن عمر من قوله، ثم أسنده من طريق الشافعي عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار عن ابن عمر موقوفًا.\nوجاء من حديث سمرة بن جندب، أخرجه الطبراني في الكبير (٦٩٥٦)، والبيهقي (٣/ ٢٨٣) وغيره، وفي إسناده: إسماعيل بن مسلم المكي، وهو شديد الضعف. وأخرجه برقم (٧٠٠٣، و٧٠٠٤) من طريق خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن سمرة به. وخبيب، وأبوه مجهولان.\nوقد استحب جماعة من أهل العلم لمن أصابه النعاس أن يتحول عن مكانه؛ للأدلة المتقدمة مع أثر ابن عمر -﵄-. وأفتى الإمام أحمد بالتحول لمن نعس أخذًا","vol":"3","page":248},{"text":"بأثر ابن عمر -﵄-، كما في «مسائل أبي داود» (١/ ٨٥).\nوأقول: الاستحباب حكمٌ شرعي، ولا يثبت إلا بدليل صحيح، ولكن من نعس قبل الخطبة، فأراد التحول لإذهاب النعاس؛ فلا يُنكر عليه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1244>مسألة [٤]: حكم التبكير يوم الجمعة</span>.\nاستحب أهل العلم التبكير إلى الجمعة؛ لما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من اغتسل يوم الجمعة كغسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأُولى، فكأنما قرَّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرَّب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرَّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر».\nوقد اختلف العلماء: متى تبدأ هذه الساعات؟\n• فذهب مالك، وطائفة من أصحاب الشافعي إلى أنَّ هذه الساعات تبدأ من بعد زوال الشمس، واستدلوا بقوله في الحديث: «ثم راح»، والرَّواح يكون بعد زوال الشمس.\n• وذهب الثوري، وأبو حنيفة إلى أنها تبدأ من طلوع الشمس، ورجَّحه الخطابي، وابن حبيب المالكي، وقالوا: ما قبل ذلك يُعتبر وقتًا لصلاة الفجر.\n• وذهب الشافعي، وأحمد إلى أنَّ أول الساعات تبدأ بطلوع الفجر، وحجتهم أنَّ\n_________\n(^١) وانظر: «أحكام الجمعة» للشيخ يحيى (ص ١٠٦ - ١٠٧).","vol":"3","page":249},{"text":"اليوم يبدأ بطلوع الفجر، وفي الحديث: «إذا كان يوم الجمعة كان على أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول ...». (^١)\nقال أبو عبد الله: وهذا القول هو الصواب؛ لقوة دليله، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: استدلال المالكية بأنَّ الرَّواح لا يكون إلا بعد زوال الشمس غير مسلَّم، وقد أنكر الأزهري ذلك، وغلط قائله، فقد يستعمل ذلك فيما قبل الزوال، ولو سُلِّم بأنَّ حقيقة الرَّواح بعد الزوال؛ وجبَ حمله هنا على ما قبله مجازًا، ومن الأدلة على حمله على ذلك: حديث سهل بن سعد في «الصحيحين»: ما كُنَّا نقيل، ولا نتغدى إلا بعد الجمعة. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1245>مسألة [٥]: حكم تخطي رقاب الناس يوم الجمعة</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى كراهة ذلك؛ لحديث عبد الله بن بسر عند أبي داود وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى رجلًا يتخطى الرِّقاب، فقال: «اجلس؛ فقد آذيت». (^٤)\n• وذهب ابن المنذر إلى تحريم ذلك، قال الشوكاني: وحكى أبو حامد في تعليقه عن الشافعي التصريح بالتحريم، وقال النووي في «زوائد الروضة»: المختار تحريمه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٩٢٩)، ومسلم برقم (٢٤) من [كتاب الجمعة].\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٥/ ٣٥٤)، «المجموع» (٤/ ٥٤٠).\n(^٣) تقدم في الكتاب برقم (٤٣١)، وانظر: «المجموع» (٤/ ٥٤١) ..\n(^٤) أخرجه أبو داود (١١١٨)، وإسناده حسن، وقد حسنه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (٥٥٧).","vol":"3","page":250},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: الظاهر أنَّ قول الجمهور هو الصواب.\nوالصارف للحديث إلى الكراهة هو حديث عقبة بن الحارث، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى العصر، ثم قام، فتخطى رقاب الناس إلى بيته .... الحديث. (^١)\nولكن إذا حصل منه أذية شديدة للقاعدين؛ فلا يؤمن عليه أن يقع في الإثم، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1246>مسألة [٦]: متى يمنع التخطي</span>؟\nقال ابن رجب -﵀- (٥/ ٤٤٠): وأكثر العلماء على كراهة تخطي الناس يوم الجمعة، سواء كان الإمام قد خرج، أم لم يخرج بعد، وقالت طائفة: لا يُكره التخطي؛ إلابعد خروجه، منهم: الثوري، ومالك، والأوزاعي في روايه، ومحمد ابن الحسن، ولهم في ذلك حديث ضعيف من حديث أرقم بن الأرقم المخزومي مرفوعًا: «الذي يتخطَّى الناس يوم الجمعة، ويفرِّق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبه إلى النار» (^٣)، وفي إسناده: هشام بن زياد، أبو المقدام، ضعَّفوه. انتهى من الفتح بتصرف.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب؛ لعموم قوله: «اجلس؛ فقد آذيت»، فعلَّل ذلك بالأذية، وهي تحصل قبل خروج الإمام وبعده.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٨٥١).\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٥/ ٤٤٢) «نيل الأوطار» (٢/ ٥٢٨)، «المجموع» (٤/ ٥٤٦ - ٥٤٧).\n(^٣) الحديث أخرجه أحمد (٣/ ٤١٧).","vol":"3","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1247>مسألة [٧]: إذا وجد فرجة يصل إليها بالتخطي</span>؟\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٤٤١): فإذا وجد فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي؛ ففيه قولان: أحدهما: يجوز له التخطي حينئذٍ، وهو قول الحسن، وقتادة، والأوزاعي، والشافعي، وغيرهم. والثاني: أنه يُكره، وهو قول عطاء، والثوري. وعن أحمد روايتان كالقولين. انتهى المراد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر والله أعلم هو كراهة ذلك؛ إلا أن يحتاج إلى ذلك الموضع، كمن لا يجد موضعًا يجلس فيه، وما أشبهه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1248>مسألة [٨]: تخطي الرقاب للحاجة</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: ومتى احتاج إلى التخطي لحاجة لابدَّ منها، من وضوءٍ، أو غيره، أو لكونه لا يجد موضعًا للصلاة بدونه، أو كان إمامًا لا يمكنه الوصول إلى مكانه بدون التخطي؛ لم يُكره، وقد سبق حديث عقبة بن الحارث في قيام النبي - ﷺ - من صلاته مسرعًا يتخطى رقاب الناس. اهـ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1249>مسألة [٩]: التفريق بين اثنين</span>.\nفي «البخاري» (٩١٠) من حديث سلمان الفارسي -﵁-، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ ادَّهَنَ، أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ أَنْصَتَ؛\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٥٤٦).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٤/ ٥٤٦).","vol":"3","page":252},{"text":"غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجمُعَةِ الْأُخْرَى».\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- (٩١٠): مما يدخل في التفريق بين اثنين: الجلوس بينهما إن كانا جالسين، أو القيام بينهما أن كانا قائمين في صلاة؛ فإن كان ذلك من غير تضييق عليهما، ولا دفع، ولا أذى، مثل أن يكون بينهما فرجة؛ فإنه يجوز، بل يستحب؛ لأنه مأمور بِسَدِّ الخلل في الصف، وإلَّا فهو منهي عنه، إلَّا أن يأذنا في ذلك. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين؛ إلا بإذنهما» (^١)، خرّجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي. وقال: حديثٌ حسنٌ. فإن كان الجالسان بينهما قرابة، أو كانا يتحدثان فيما يباح، كان أشد كراهةً. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1250>مسألة [١٠]: إذا ازدحم المصلون في المسجد، ولم يستطع بعضهم أن يسجد على الأرض، فكيف يصنع</span>؟\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٤/ ٥٧٥): أما إذا زُحم عن السجود، وأمكنه السجود على ظهر أخيه؛ فقد ذكرنا أنَّ الصحيح من مذهبنا أنه يلزمه ذلك، وبه قال عمر بن الخطاب، ومجاهد، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وقال عطاء، والزهري، والحكم، ومالك: لا يجوز ذلك، بل ينتظر زوال الزحمة؛ فلو سجد لم يجزئه. وقال الحسن البصري: هو مُخَيَّرٌ بين السجود على ظهره، والانتظار. وقال نافع مولى ابن عمر: يومئ برأسه. انتهى المراد.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٢١٣)، وأبو داود (٤٨٤٥)، والترمذي (٢٧٥٢)، وإسناده حسن.","vol":"3","page":253},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: أثر عمر أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٥) بإسناد صحيح، والصواب في هذه المسألة أنَّ المصلي إذا علم أنه سيجد موضعًا للسجود إذا تأخر؛ فإنه يتأخر كما قال مالك، وإلَّا فإنه يسجد على ظهر أخيه، أو رجله، كما هو قول الجمهور، والله أعلم.\nويدل على مشروعية التأخُّر: تأخرُ بعض الصحابة عن متابعة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في صلاة الخوف، ففي كلا المسألتين وُجِدَت الحاجة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1251>مسألة [١١]: إذا زحم المأموم عن الركوع والسجود حتى سلَّم الإمام من صلاة الجمعة</span>؟\n• قال الإمام النووي -﵀- في شرح المهذب (٤/ ٥٧٥): مذهبنا أنَّ المأموم المزحوم تفوته الجمعة، ويتمها ظهرًا، وبه قال أيوب السختياني، وقتادة، ويونس، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال الحسن، والنخعي، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد: يصلي الجمعة. وقال مالك: أُحِبُّ أن يتمها أربعًا. انتهى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: مذهب الأوزاعي، وأحمد أقرب، والله أعلم، وتأخر المأموم عن متابعة الإمام كان لعذر كما في صلاة الخوف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1252>مسألة [١٢]: الصلاة في أكثر من مسجد، أعني صلاة الجمعة</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز الصلاة في أكثر من مسجد في بلد واحد؛ لأنَّ صلاة الجمعة يُشرع فيها اجتماع المسلمين، وتعدد المساجد يؤدي إلى التفرقة، قالوا: ولم يُعلم أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأصحابه كانوا يتفرقون في أكثر من مسجد،","vol":"3","page":254},{"text":"بل الثابت أنهم كانوا كلهم يجتمعون في مسجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\n• وقد استثنى الحنابلة احتياج أهل البلد إلى تعدد المساجد؛ لكون البلد كبيرًا.\n• وقد ذهب من تقدم ذكرهم إلى أنها إن أُقيمت جمعتان في بلد واحد من غير حاجة أنَّ إحدى الجمعتين باطلة، واختلفوا فيما بينهم في أي الجمعتين تبطل.\n• وذهب عطاء، وداود الظاهري، وابن حزم إلى جواز تعدد صلاة الجمعة في أكثر من مسجد من بلد واحد؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، واستدل ابن حزم على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فلم يقل الله عزوجل: في موضع، ولا موضعين، ولا أقل، ولا أكثر ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، وله كلام جيد في «المحلَّى» فراجعه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: هذا القول هو الصواب، مع أنَّ الأفضل هو الاجتماع في مسجد واحد؛ إلا لحاجة، ومما ينبه عليه أنَّ الإمام إذا ألزم الناس أن يجتمعوا في مسجد واحد؛ وجب عليهم ذلك؛ إلا أن يشق عليهم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1253>مسألة [١٣]: إذا احتاج المستمع للخطبة إلى الخروج لرعافٍ، أو قضاء حاجة</span>؟\nقال أبو محمد بن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٥٣٣): ومن رعف والإمام يخطب، واحتاج إلى الخروج؛ فليخرج، وكذلك من عرض له ما يدعوه إلى الخروج، ولا معنى لاستئذان الإمام، قال الله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٢١٢)، «المحلَّى» (٥٢٣).","vol":"3","page":255},{"text":"مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ولم يأت نص بإيجاب استئذان الإمام في ذلك، ويقال لمن أوجب ذلك: فإن لم يأذن له الإمام؟ أتراه يبقى بلا وضوء، أو هو يلوث المسجد بالدم، أو يضيع ما لا يجوز له تضييعه من نفسه، أو ماله، أو أهله، ومعاذ الله من هذا؟!.اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1254>مسألة [١٤]: إقامة الجمعة في السجن</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٥/ ٣٣٢): ولهذا لا تُقام الجمعة في السجن، وإن كان فيه أربعون، ولا يُعلم في ذلك خلاف بين العلماء، وممن قاله الحسن، وابن سيرين، والنخعي، والثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم. انتهى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قد خالف ابن حزم، فقال: ويصليها المسجونون. وقوله أصوب، والله أعلم؛ لعدم وجود دليل يمنع من ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1255>مسألة [١٥]: لبس الثياب الجميلة، والحسنة يوم الجمعة</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: ولا خلاف بين العلماء نعلمه في استحباب لبس أجود الثياب لشهود الجمعة، والأعياد. اهـ «الفتح» (٥/ ٣٧٢).\nقلتُ: وقد استدل أهل العلم على ذلك بحديث عمر -﵁-، في «الصحيحين» (^٢)، أنه قال للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: لو اشتريتَ حُلَّةً عطارد، فلبستها للوفد\n_________\n(^١) وانظر: «المحلَّى» (٥٢٣).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٨٨٦) (٩٤٨)، ومسلم (٢٠٦٨).","vol":"3","page":256},{"text":"والجمعة. وفي رواية: والعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1256>مسألة [١٦]: السواك، والطِّيب يوم الجمعة</span>.\n• استحب أهل العلم أن يتسوك الرجل، ويتطيب يوم الجمعة؛ لحديث سلمان المتقدم في المسألة [٩]، والأحاديث التي في معناه في الباب.\n• وذهب ابن حزم في «المحلَّى» إلى وجوب السواك والطِّيب، واستدل بحديث أبي سعيد الخدري -﵁-، في «الصحيحين» (^١)، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «غسل يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلم، وأن يستَنَّ، وأنْ يمسَّ طيبًا إنْ وجد». وقد خالفه عامة أهل العلم، فقالوا بالاستحباب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1257>مسألة [١٧]: كم أذان لصلاة الجمعة</span>؟\nأخرج البخاري في «صحيحه» (٩١٢) من حديث السائب بن يزيد -﵁-، قال: كان الأذان يوم الجمعة أَوَّلُهُ إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، فلما كان عثمان، وكَثُرَ الناس؛ زاد الأذان الثالث على الزوراء.\nومعنى قوله: (الثالث)، أي: باعتبار تسمية الإقامة أذانًا؛ فالثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبي بكر، وعمر، أنهم كانوا يؤذنون أذانًا واحدًا.\nوهذا هو الذي ينبغي العمل به، فخير الهَدي هدي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\n• ومع ذلك فقد ذهب أكثر العلماء إلى العمل بما زاده عثمان -﵁-، واستدلوا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٨٨٠)، ومسلم برقم (٨٤٦).\n(^٢) انظر: «الفتح» لابن رجب (٥/ ٣٧٣)، «المحلَّى» (٥٣٦) (١٧٨).","vol":"3","page":257},{"text":"بقوله ﵊: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي».\nوالراجح عدم العمل به، وقد صحَّ عن ابن عمر عند ابن أبي شيبة (٢/ ١٤٠) أنه قال في هذا الأذان: بدعة.\nوأخرج عن الحسن البصري أنه قال: محدث. وإسناده صحيح؛ لولا عنعنة هشيم. ولا نرى الإنكار على من أخذ بقول عثمان -﵁-، ولكن نرى أنه ترك سنة النبي - ﷺ - والخليفتين من بعده -﵄-.","vol":"3","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1258>بَابُ صَلاةِ الخَوْفِ</span>\n\n٤٥٩ - عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ -﵁- عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً (صَفَّتْ) (^١) مَعَهُ وَطَائِفَةً وِجَاهَ العَدُوِّ. فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا؛ لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (^٢). وَوَقَعَ فِي المَعْرِفَةِ لِابْنِ مَنْدَهْ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ أَبِيهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في شرح الحديث رقم (٩٤٤): وقد ذهب كثير من العلماء إلى استحباب صلاة الخوف على ما صلى النبي - ﷺ - بذات الرِّقاع في هذا\n_________\n(^١) في (أ) و(ب): (صلت) والمثبت هو الصواب كما في «الصحيحين».\n(^٢) أخرجه البخاري (٤١٢٩)، ومسلم (٨٤٢).\n(^٣) أخرجها ابن منده كما في «الفتح» من طريق أبي أويس، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عن أبيه به. وأبوأويس فيه ضعف.\n\nوقد خالفه مالك كما في «الصحيحين»، فرواه عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فجعل الصحابي مبهمًا، فرواية أبي أويس غير محفوظة، وقد وهمه في ذلك أبوزرعة كما في «العلل» لابن أبي حاتم (٣٥٢).\nوالظاهر أن الصحابي المبهم هو سهل بن أبي حثمة، فقد روى البخاري من طريق القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة مثل حديث الباب، والله أعلم. وانظر «الفتح» (٤١٢٩).","vol":"3","page":259},{"text":"الحديث. قال القاسم بن محمد: ما سمعت في صلاة الخوف أحب إليَّ منه. وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وداود، والثوري في رواية، وحكاه إسحاق عن أهل المدينة وأهل الحجاز، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي، وحكاه الترمذي عن إسحاق، وَصَرَّحَ إسحاق في رواية ابن منصور على أنه يجوز العمل به، ولا يختاره على غيره من الوجوه؛ إلَّا أنهم اختلفوا: هل تقضي الطائفة الركعة الثانية قبل سلام الإمام، أو بعده؟ فعند الشافعي، وأحمد، وداود: تقضي قبل سلام الإمام، ثُمَّ يسلم بهم، وهو رواية عن مالك، ثُمَّ رجع عنها، وقال: إنما يقضون بعد سلام الإمام. وهو قول أبي ثور، وأبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا، ذكره في كتابه «الشافي»، ونص أحمد على أن هذه الكيفية تُصَلَّى وإن كان العدو في جهة القبلة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الشافعي، وأحمد؛ لظاهر الحديث المتقدم، والله أعلم.\nوأما اختيار أحمد لهذه الكيفية في حالة كون العدو في القبلة؛ فقد حمل جمعٌ من الحنابلة ذلك على ما إذا لم يمكن أن يصلي بهم صلاة عسفان لاستتار العدو.","vol":"3","page":260},{"text":"٤٦٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: غَزَوْت مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا العَدُوَّ فَصَافَفْنَاهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَصَلَّى بِنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى العَدُوِّ، وَرَكَعَ بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا فَرَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا اللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٩٤٢): وَظَاهِره أَنَّهُمْ أَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَتَمُّوا عَلَى اَلتَّعَاقُبِ، وَهُوَ اَلرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَإِلَّا فَيَسْتَلْزِمُ تَضْيِيع اَلْحِرَاسَةِ الْمَطْلُوبَةِ، وَإِفْرَاد اَلْإِمَامِ وَحْدَهُ. وَيُرَجِّحُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢) مِنْ حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود، وَلَفْظه: ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ هَؤُلَاءِ، أَيْ: اَلطَّائِفَةُ اَلثَّانِيَةُ، فَقَضَوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَة ثُمَّ سَلَّمُوا، ثُمَّ ذَهَبُوا، وَرَجَعَ أُولَئِكَ إِلَى مَقَامِهِمْ، فَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمُوا.\nوَظَاهِرُهُ أَنَّ اَلطَّائِفَةَ اَلثَّانِيَةَ، وَالَتْ بَيْنَ رَكْعَتَيْهَا، ثُمَّ أَتَمَّتْ اَلطَّائِفَةُ اَلْأُولَى بَعْدَهَا، وَوَقَعَ فِي اَلرَّافِعِيِّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ اَلْفِقْهِ أَنَّ فِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر هَذَا أَنَّ اَلطَّائِفَةَ اَلثَّانِيَةَ تَأَخَّرَتْ وَجَاءَتْ اَلطَّائِفَة اَلْأُولَى فَأَتَمُّوا رَكْعَة، ثُمَّ تَأَخَّرُوا وَعَادَتْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٤٢)، ومسلم (٨٣٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٢٤٤)، من طريق: خصيف الجزري، عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود، وهذا إسناد ضعيفٌ؛ لسوء حفظ خصيف، ولأنَّ أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، ولكن الحديث في الشواهد، فلا يضر.","vol":"3","page":261},{"text":"الطَّائِفَةُ اَلثَّانِيَةُ فَأَتَمُّوا، وَلَمْ نَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ اَلطُّرُقِ، وَبِهَذِهِ اَلْكَيْفِيَّةِ أَخَذَ اَلْحَنَفِيَّةُ، وَاخْتَارَ اَلْكَيْفِيَّة اَلَّتِي فِي حَدِيثِ اِبْن مَسْعُود أَشْهَب، وَالْأَوْزَاعِيُّ. انتهى المراد.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٩٤٢): واختلف العلماء في صلاة الخوف على الصفة المذكورة في حديث ابن عمر، وما وافقه، فذهب الأكثرون إلى أنها جائزة وحسنة، وإن كان غيرها أفضل منها، هذا قول الشافعي في أصح قوليه، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم.\nوقالت طائفة: هي غير جائزة على هذه الصفة؛ لكثرة ما فيها من الأعمال المباينة للصلاة من استدبار القبلة، والمشي الكثير، والتخلف عن الإمام، وادعوا أنها منسوخة، وهو أحد القولين للشافعي. ودعوى النسخ هاهنا لا دليل عليها.\nوقالت طائفة: هي جائزة كغيرها من أنواع صلاة الخوف الواردة عن النبي - ﷺ -، لا فضل لبعضها على بعض، وهو قول إسحاق، نقله عنه ابن منصور، ونقل حرب عن إسحاق: أَنَّ حديث ابن عمر، وابن مسعود يُعمل به إذا كان العدو في غير جهة القبلة. وكذلك حكى بعض أصحاب سفيان كلام سفيان في العمل بحديث ابن عمر على ذلك.\nوقالت طائفة: هي أفضل أنواع صلاة الخوف، هذا قول النخعي، وأهل الكوفة، وأبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن سفيان، وَحُكِيَ عن الأوزاعي، وأشهب المالكي. انتهى كلام ابن رجب.","vol":"3","page":262},{"text":"وقد رجَّح ابن عبد البر القول الأخير؛ لموافقته الأصل بأنَّ المأموم لا ينصرف من الصلاة إلا بعد انصراف الإمام.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: والراجح هو قول الأكثرين من أهل العلم، أعني القول الأول، والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال الحافظ ابن رجب -﵀- (٩٤٢): وقد قال أصحابنا، وأصحاب الشافعي: لو صلَّى صلاة خوف على ما في حديث ابن عمر في غير خوف؛ لم تصح صلاة المأمومين كلهم؛ لإتيانهم بما لا تصح معه الصلاة في غير حالة الخوف من المشْي والتَّخَلُّف عن الإمام. انتهى المراد.\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٩٤٢) لابن حجر، «النيل» (٢/ ٦٢٥).","vol":"3","page":263},{"text":"٤٦١ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الخَوْفِ، فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ: صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَالعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القِبْلَةِ فَكَبَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَأَقَامَ الصَّفَّ المُؤَخَّرَ فِي نَحْرِ العَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى السُّجُودَ قَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ ... فَذَكَرَ الحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الأَوَّلُ وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي ... وَذَكَرَ مِثْلَهُ.\nوَفِي أَوَاخِرِهِ: ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٤٦٢ - وَلِأَبِي دَاوُد، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ مِثْلُهُ، وَزَادَ: إنَّهَا كَانَتْ بِعُسْفَانَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٩٤٤): وقد ذهب أكثر العلماء إلى صحة الصلاة على وجه الحَرْسِ على ما في حديث أبي عياش الزرقي، وما وافقه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٨٤٠).\n(^٢) صحيح لغيره. أخرجه أبوداود (١٢٣٦) من طريق منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي به. وقد أعل البخاري هذا الحديث بالإرسال ورجح أنه من مراسيل مجاهد كما في «العلل الكبير» (١/ ٣٠١) للترمذي.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» في (باب صلاة الخوف): وكذلك صحح إرساله عبدالعزيز النخشبي وغيره من الحفاظ ... ثم نقل عن أبي حاتم وأحمد تصحيح الحديث. «الفتح» (٩٤٤).\nقلتُ: الحديث صحيح. وإن كان الراجح إرساله؛ للشاهد الذي قبله عن جابر، والله أعلم.","vol":"3","page":264},{"text":"من رواية جابر، وابن عباس، وحذيفة، والصلاة بهذه الصفة، والعدو في جهة القبلة إذا لم يخش لهم كمين؛ حسن؛ فإنَّ أكثر ما فيها تأخر كل صف عن متابعة الإمام في السجدتين، وقضاؤهما قبل سلامه، وتكون الحراسة في السجود خاصَّة، هذا قول الشافعي وأصحابه، وللشافعية وجهٌ آخر: أنهم يحرسون في الركوع والسجود، وقد سبق في رواية البخاري لحديث ابن عباس ما يدل عليه. انتهى باختصار.\nوقد ذكر ابن رجب في ضمن كلامه أنَّ أبا حنيفة رُوي عنه أنه لا يجوز الصلاة بها، ولا يجوز إلا على حديث ابن مسعود، وما وافقه كما سبق.","vol":"3","page":265},{"text":"٤٦٣ - وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِآخَرِينَ أَيْضًا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ. (^١)\n\n٤٦٤ - وَمِثْلُهُ لِأَبِي دَاوُد، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٩٤٤): وصلاة الخوف على هذه الصفة: أن يصلي الإمام أربع ركعات، وتصلي كل طائفة خلفه ركعتين، لها صورتان: إحداهما: أن يسلم الإمام من كل ركعتين، فهو جائز عند الشافعي وأصحابه.\nواختلفوا: هل هي أفضل من صلاة ذات الرقاع؟ على وجهين لهم، وكذلك اختار الجوزجاني هذه الصلاة على غيرها من أنواع صلوات الخوف؛ لما فيها من تكميل الجماعة لكل طائفة، واختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من أجازها في صلاة الخوف دون غيرها، وهو منصوص أحمد، وهو قول الحسن البصري أيضًا، واختاره طائفة من أصحابنا.\nومن أصحابنا من قال: هي مُخرجة على الاختلاف عن أحمد في صحة ائتمام\n_________\n(^١) حسن لغيره. أخرجه النسائي (٣/ ١٧٨) من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن جابر به.\n\nوإسناده ضعيف؛ لانقطاعه بين الحسن وجابر، ولأن رواية حماد بن سلمة عن قتادة فيها ضعف. ولكن الحديث حسن بشاهده الذي بعده.\n(^٢) حسن. أخرجه أبو داود (١٢٤٨) قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة به. وهذا إسناد حسن.","vol":"3","page":266},{"text":"المفترض بالمتنفل، كما سبق ذكره. ومنع منها أصحاب أبي حنيفة؛ لذلك. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، وهو جواز صلاة الخوف بالكيفية المتقدمة؛ لدلالة أحاديث الباب عليها، ولا دليل مع من منع من هذه الكيفية، والله أعلم.\nقال ابن رجب -﵀-: والصورة الثانية: أن لايسلم الإمام، ويكون ذلك في سفر، فينبني على أنه: هل يصح أن يقتدي القاصر بالمتم في السفر؟ والأكثرون على أنه إذا اقتدى المسافر بمن يتم الصلاة فأدرك معه ركعة فصاعدًا؛ فإنه يلزمه الإتمام؛ فإن أدرك معه دون ركعة، فهل يلزمه الإتمام؟ قالَ الزهري، وقتادة والنخعي، ومالك: لا يلزمه. وهو رواية عن أحمد. والمشهور عنه: أنه يلزمه الإتمام بكل حال، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأبي ثور. وقالت طائفة: لا يلزمه الإتمام، وله القصر بكل حال، وهو قول الشعبي، وطاوس، وإسحاق.\nفعلى قول هؤلاء: لاتردد في جواز أن يصلي الإمام أربع ركعات في السفر، وتصلي معه كل طائفة ركعتين، وعلى قول الأولين: فهل يجوز ذلك في صلاة الخوف خاصة؟ فيه لأصحابنا وجهان، ومن منع ذلك قال: ليس في حديث جابر تصريح بأن النبي - ﷺ - لم يسلم بين كل ركعتين، بل قد ورد ذلك صريحًا في روايات متعددة، فتحمل الروايات المحتملة على الروايات المفسرة المبينة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: مراده بحديث جابر ما أخرجه مسلم في «صحيحه»","vol":"3","page":267},{"text":"٨٤٣ - من طريق: أبي سلمة، عن جابر، فذكر الحديث، وفيه: فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنبي - ﷺ - أربع ركعات، وللقوم ركعتان.\nوظاهر الحديث ليس فيه نفي التسليم، ولا عدمه؛ فالأولى حمله على حديث جابر، وأبي بكرة اللَّذَيْنِ في الباب كما قال بعض الحنابلة كما تقدم، والله أعلم. وعلى هذا فهذه الصورة الثانية لا يُعمل بها.","vol":"3","page":268},{"text":"٤٦٥ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى صَلَاةَ الخَوْفِ بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَبِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَلَمْ يَقْضُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\n٤٦٦ - وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-. (^٢)\n\n٤٦٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: صَلَاةُ الخَوْفِ رَكْعَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ رَوَاهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nدلَّت الأحاديث المذكورة على جواز الاقتصار في صلاة الخوف على ركعة، وقال الحافظ ابن حجر -﵀- (٩٤٤): «وَلَمْ يَقْضُوا»، وَهَذَا كَالصَّرِيحِ فِي اِقْتِصَارِهِمْ عَلَى رَكْعَة رَكْعَة.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٣٨٥)، وأبوداود (١٢٤٦)، والنسائي (٣/ ١٦٧)، وابن حبان (١٤٥٢) (٢٤٢٥) كلهم من طريق الأسود بن هلال عن ثعلبة بن زهدم عن حذيفة به. وثعلبة بن زهدم مختلف في صحبته.\nوالراجح عدم ثبوت صحبته، وهو اختيار البخاري ومسلم والعجلي وغيرهم. وعلى هذا فهو مجهول الحال، ولكنه قد توبع. فقد أخرج أحمد (٥/ ٣٩٥)، من طريق صحيحة عن مُخْمِل بن دماث، عن حذيفة به. ومخمل بن دماث مجهول العين، فالحديث بطريقيه حسن، ويتقوى بحديث ابن عباس الذي بعده.\n(^٢) صحيح. أخرجه ابن خزيمة (١٣٤٤) حدثنا محمد، وأبو موسى قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سفيان، حدثني أبو بكر بن أبي الجهم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس به. وإسناده صحيح، ولم يسق لفظه، بل أحال لفظه على حديث حذيفة.\nوأخرجه النسائي (٣/ ١٦٩) من نفس الوجه وذكر لفظه.\n(^٣) ضعيف جدًّا. أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (٦٧٨) بلفظ: «صلاة المسايفة ركعة» وفي إسناده محمد بن عبدالرحمن البيلماني وهو متروك، وأبوه، وهو ضعيف.","vol":"3","page":269},{"text":"ثم قال: وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِم، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق: مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ: فَرَضَ اَلله اَلصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي اَلْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي اَلسَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي اَلْخَوْفِ رَكْعَة. (^١)\nقال: وَبِالِاقْتِصَارِ فِي اَلْخَوْفِ عَلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُ إِسْحَاق، وَالثَّوْرِيّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا، وَقَالَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَة، وَأَبُو مُوسَى اَلْأَشْعَرِيّ (^٢)، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ اَلتَّابِعِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِشِدَّة اَلْخَوْف.\nقال: وَقَالَ الْجمْهُور: قَصْرُ اَلْخَوْف قَصْر هَيْئَةٍ لَا قَصْرُ عَدَدٍ، وَتَأَوَّلُوا رِوَايَة مُجَاهِدٍ هَذِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ رَكْعَة مَعَ اَلْإِمَامِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْي اَلثَّانِيَة، وَقَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْله فِي اَلْحَدِيثِ اَلسَّابِقِ: «لَمْ يَقْضُوا»، أَيْ: لَمْ يُعِيدُوا اَلصَّلَاةَ بَعْدَ اَلْأَمْنِ، وَاَلله أَعْلَمُ. اهـ\nقال الشوكاني -﵀- في «النيل» (٢/ ٦٣٠): وَيَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَلَمْ يَقْضُوا رَكْعَةً»، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: «وَلَمْ يَقْضُوا»، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّانِي: «وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً»، وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ قَوْلَهُ: «لَمْ يَقْضُوا» بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ: لَمْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ بَعْد الْأَمْنِ؛ فَبَعِيدٌ جَدًّا. اهـ\nقلتُ: القول بأنه يجوز الاقتصار على ركعة هو الصواب؛ لقوة أدلته، وقد عزا هذا القول ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٩٤٤) إلى الحسن، وطاوس، ومجاهد،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٦٨٧)، وأبو داود (١٢٤٧)، والنسائي (٣/ ١٦٩).\n(^٢) أثر أبي موسى -﵁- فيه أنه صلى ركعة بطائفة، ثم الركعة الأخرى بطائفة أخرى، وقضت كل طائفة ركعة: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٦٢) بإسناد صحيح، وأما أثر أبي هريرة -﵁- فلم أجده.","vol":"3","page":270},{"text":"وسعيد بن جبير، والنخعي، والضحاك، والحكم، وقتادة، وحماد، وإسحاق، ومحمد بن نصر المروزي، وهو رواية عن أحمد اختارها جماعة من أصحابه.\nواختار هذا القول ابن القيم -﵀- كما في «زاد المعاد» (١/ ٥٣١ -)، وعزاه أيضًا إلى ابن عباس وجابر -﵄-. (^١)\nكيفية صلاة المغرب في الخوف:\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٩٤٤): لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ اَلْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي صَلَاةِ اَلْخَوْفِ تَعَرُّض لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا قَصْر، وَاخْتَلَفُوا: هَلْ اَلْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِالْأُولَى ثِنْتَيْنِ، وَالثَّانِيَة وَاحِدَة، أَوْ اَلْعَكْس؟.اهـ\nقلتُ: وقد ذهب أحمد، ومالك، والأوزاعي، وسفيان، والشافعي في أحد قوليه إلى أنه يصلي بالأولى ثنتين، وبالثانية ركعة، وذهب الشافعي في قوله الآخر إلى العكس.\nتنبيه وفائدة: نقل ابن رجب -﵀- عن طائفة من أهل العلم أنهم يقولون بجواز الاقتصار على ركعة في الخوف، وقد تقدم ذكرهم، ومنهم: محمد بن نصر المروزي، قال: حتى قاله في صلاة الصبح، مع أنَّ ابن حزم وغيره حَكَوا الإجماع على أنَّ الفجر، والمغرب لا ينقص عن ركعتين، وثلاث في حضر، ولا سفر. ولم يفرِّق هؤلاء -الذين ذكرهم- بين حضرٍ ولا سفر، وهذا يدل على أنهم رأوا قصر الصلاة في الحضر للخوف أشد القصر، وأبلغه، وهو عود الصلوات كلها إلى ركعة، وحُكي رواية عن أحمد. اهـ\n_________\n(^١) أثر ابن عباس تقدم ذكره قريبًا، وهو في مسلم برقم (٦٨٧).","vol":"3","page":271},{"text":"٤٦٨ - وَعَنْهُ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ سَهْوٌ»، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1259>مسألة [١]: سجود السهو في صلاة الخوف</span>.\nالذي عليه أهل العلم أنَّ سجود السهو يكون أيضًا في صلاة الخوف، وذلك لضعف حديث الباب؛ فإنْ سها الإمام سجد، وسجد معه من كان معه عند التسليم.\nوأما إنْ كان معه طائفة قد انصرفوا؛ فإنْ كان سهو الإمام قبل مفارقتهم له؛ سجدوا للسهو عند إتمام صلاتهم، وإنْ كان سهو الإمام بعد مفارقتهم؛ فلا سجود عليهم. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف منكر. أخرجه الدارقطني (٢/ ٥٨) وفي إسناده عبدالحميد بن السري، وهو ضعيف، وحديثه هذا مما أنكر عليه، بل حكم عليه أبوحاتم بالوضع كما في «الجرح والتعديل» (٦/ ١٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٣/ ٣٠٤)، «المجموع» (٤/ ٤١١).","vol":"3","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1260>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1261>مسألة [١]: هل يعمل بصلاة الخوف بعد موت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم</span>-؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ صلاة الخوف خاصَّة بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو قول أبي يوسف، والمزني، ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء:١٠٢] الآية.\nوردَّ عليهم عامة العلماء بأنَّ ذلك الخطاب يشمل الأمة تبعًا لنبيها -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وبأنَّ الصحابة قد فعلوها بعد موت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1262>مسألة [٢]: هل تُصَلَّى في أيامنا هذه</span>؟\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٤/ ٥٨٤): إذا دعت الضرورة إلى الصلاة في وقت يخاف فيه من العدو؛ فإنهم يصلّون صلاة أقرب ما تكون إلى الصفات الواردة عن النبي - ﷺ -، إذا كانت الصفات الواردة عن النبي - ﷺ - لا تتأتى؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1263>مسألة [٣]: هل تُصلَّى صلاة الخوف في الحضر، أم ذلك خاص في السفر</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀-: صَلَاةُ الْخَوْفِ جَائِزَةٌ فِي الْحَضَرِ، إذَا اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ بِنُزُولِ الْعَدُوِّ قَرِيبًا مِنْ الْبَلَدِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَحُكِيَ عَنْ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٢٩٦)، «الفتح» لابن رجب (٨/ ٣٥٣).","vol":"3","page":273},{"text":"مَالِكٍ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي الْحَضَرِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَاةُ الْحَضَرِ أَرْبَعًا؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَفْعَلْهَا فِي الْحَضَرِ. وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا كَقَوْلِنَا، وَلَنَا، قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الْآيَةُ، وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ حَالٍ، وَتَرْكُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِعْلَهَا فِي الْحَضَرِ إنَّمَا كَانَ لِغِنَاهُ عَنْ فِعْلِهَا فِي الْحَضَرِ ... .اهـ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وقول الجمهور هو الصواب، أنه يُصلَّى صلاة الخوف في الحضر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1264>مسألة [٤]: كيفية الصلاة إذا صلَّى بهم أربعًا</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٣٠٥): فَإِذَا صَلَّى بِهِمْ الرُّبَاعِيَّةَ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ، فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَهَلْ تُفَارِقُهُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، أَوْ حِينَ يَقُومُ إلَى الثَّالِثَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حِينَ قِيَامِهِ إلَى الثَّالِثَةِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَالثَّانِي؛ فِي التَّشَهُّدِ؛ لِتُدْرِكْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ جَمِيعَ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَة، وَلِأَنَّ الِانْتِظَارَ فِي الْجلُوسِ أَخَفُّ عَلَى الْإِمَامِ، وَلِأَنَّهُ مَتَى انْتَظَرَهُمْ قَائِمًا احْتَاجَ إلَى قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَأَيًّا مَا فَعَلَ كَانَ جَائِزًا. انتهى\nقلتُ: والأَوْلى هو القول الأول؛ موافقةً لحديث سهل بن أبي حثمة الذي في أول الباب، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، «المجموع» (٤/ ٤١٩).","vol":"3","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1265>مسألة [٥]: هل يصلي في شدة الخوف، وعند التحام القتال</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى أنه يصلي كيفما أمكنه، راكبًا، أو راجلًا، مستقبل القبلة، أو غير مستقبلها، يومئ بالركوع، والسجود؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة:٢٣٩]، وقال ابن عمر -﵄-، كما في «البخاري» (٤٥٣٥): فإنْ كان خوف أشد من ذلك؛ صلوا رجالًا، قيامًا على أقدامهم، وركبانًا، مُستقبلي القبلة، وغير مستقبليها.\n• وذهب أبو حنيفة، وابن أبي ليلى إلى أنه لا يصلي مع المسايفة، ولا مع المشي؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُصلِّ يوم الخندق.\nوأجاب عليهما الجمهور: بأنَّ ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1266>مسألة [٦]: ما حكم حمل السلاح في الصلاة</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب حمل السلاح؛ لقوله تعال: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢] الآية، وقالوا: الأمر ليس للوجوب في الآية؛ لأنه لو وجب لكان شرطًا في الصلاة، ولأنَّ الأمر به للرفق بهم والصيانة لهم فلم يكن للإيجاب.\nقال ابن قدامة -﵀-: ويحتمل أن يكون واجبًا، وبه قال داود، والشافعي في القول الآخر، والحجة معهم؛ لأنَّ ظاهر الأمر الوجوب، وقد اقترن به ما يدل على إرادة الوجوب، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٣١٦ - ٣١٧)، «المجموع» (٤/ ٤٣٣).","vol":"3","page":275},{"text":"أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء:١٠٢]، ونفي الحرج مشروطًا بالأذى دليل على لزومه عند عدمه، فأما إنْ كان بهم أذى من مطر، أو مرض؛ فلا يجب بغير خلاف بتصريح النص بنفي الحرج فيه. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول بالوجوب هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1267>مسألة [٧]: هل يؤذَّن ويقام في صلاة الخوف</span>؟\nأخرج مسلم في «صحيحه» (٨٤٣)، من حديث جابر -﵁- ...، فذكر صلاة الخوف، وفيه: «فنُودي بالصلاة».\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٩٤٤): وذكره في الحديث دليل على أنَّ صلاة الخوف ينادى لها بالأذان، والإقامة، كصلاة الأمن، ولا أعلم في هذا خلافًا؛ إلا ما حكاه أصحاب سفيان الثوري في كتبهم عنه، أنه قال: ليس في صلاة الخوف أذان، ولا إقامة في حضر، ولا سفر. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1268>مسألة [٨]: كيف يصلي المطلوب، وهل الطالب يصلي صلاة الخوف</span>؟\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٦/ ٢٢): وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المطلوب يصلي على دابته - كذلك قال عطاء بن أبي رباح، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور - وإذا كان طالبا نزل فصلى بالأرض.\nقال الشافعي: إلا في حالة واحدة، وذلك أن يقل الطالبون عن المطلوبين، وينقطع الطالبون عن أصحابهم، فيخافون عودة المطلوبين عليهم، فإذا كانوا\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٣١٠ - ٣١١).","vol":"3","page":276},{"text":"هكذا كان لهم أن يصلوا يومئون إيماءً. انتهى.\nوممن قال: يصلي على دابته ويومئ: الحسن والنخعي والضحاك، وزاد: أنه يصلي على دابته طالبا كان أو مطلوبًا. وكذا قال الأوزاعي.\nواختلفت الرواية عن أحمد: هل يصلي الطالب على دابته، أم لا يصلي إلا على الأرض؟ على روايتين عنه، إلا أن يخاف الطالب المطلوب، كما قال الشافعي، وهوقول أكثر العلماء.\nقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر: أما المطلوب، فلا يختلف القول فيه، أنه يصلي على ظهر الدابة، واختلف قوله في الطالب فقالوا عنه: ينزل فيصلي على الأرض، وإن خاف على نفسه صلى وأعاد، وإن أخر فلا بأس.\nوالقول الآخر: أنه إذا خاف أن ينقطع عن أصحابه أن يعود العدو عليه، فإنه يصلي على ظهر دابته، فإنه مثل المطلوب لخوفه، وبه أقول. انتهى.\nوما حكاه عن أحمد من أن الطالب إذا خاف فإنه يصلي ويعيد، فلم يذكر به نصا عنه، بل قد نص على أنه مثل المطلوب.\nقال -في رواية أبي الحارث-: إذا كان طالبا وهو لا يخاف العدو، فما علمت أحدا رخص له في الصلاة على ظهر الدابة، فإن خاف إن نزل أن ينقطع من الناس، ولا يأمن العدو فليصل على ظهر دابته ويلحق بالناس، فإنه في هذه الحال مثل المطلوب.","vol":"3","page":277},{"text":"ونقل هذا المعنى عنه جماعة، منهم: أبو طالب والأثرم.\nوله أن يصلي مستقبل القبلة وغير مستقبلها على حسب القدرة. وفي وجوب استفتاح الصلاة إلى القبلة روايتان عن أحمد: فمن أصحابنا من قال: الروايتان مع القدرة، فأما مع العجز فلا يجب رواية واحدة.\nوقال أبو بكر عبد العزيز عكس ذلك، قالَ: يجب مع القدرة، ومع عدم الإمكان، روايتان. وهذا بعيدٌ جدًا - أعني: وجوب الاستفتاح إلى القبلة مع العجز، ولعل فائدته إيجاب الإعادة بدونه. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: مذهب الشافعي، وأحمد هو الصحيح في المسألة، أعني أن الطالب إذا خاف من العود عليه، صلى على دابته صلاة الخوف.\nوأما استقبال القبلة عند استفتاح الصلاة، فالأحوط أن يستقبلها إذا قدر على ذلك، ويظهر أنه ليس بواجب؛ كما لا يجب في صلاة النافلة على الراحلة في السفر، والله أعلم.","vol":"3","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1269>بَابُ صَلاةِ العِيدَيْنِ</span>\n٤٦٩ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\n• اختلف العلماء في معنى الحديث على أقوال ذكرها الشوكاني -﵀- في «نيل الأوطار» (٢/ ٦١٤)، وأحسن تلك الأقوال هو قول الخطابي -﵀- حيث قال: إنَّ الْخَطَأَ مَرْفُوعٌ عَنْ النَّاسِ فِيمَا كَانَ سَبِيلُهُ الِاجْتِهَادَ، فَلَوْ أَنَّ قَوْمًا اجْتَهَدُوا فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ إلَّا بَعْدَ الثَّلَاثِينَ؛ فَلَمْ يُفْطِرُوا حَتَّى اسْتَوْفَوا الْعَدَدَ، ثُمَّ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الشَّهْرَ كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ؛ فَإِنَّ صَوْمَهُمْ وَفِطْرَهُمْ مَاضٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِنْ وِزْرٍ أَوْ عَيْبٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَجِّ إذَا أَخْطَؤا يَوْمَ عَرَفَةَ؛ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إعَادَةٌ. اهـ\nثم نقل الشوكاني -﵀- عن الجمهور أنهم فسروا الحديث بمثل ما ذكر الخطابي. (^٢)\n_________\n(^١) حسن من حديث أبي هريرة. حديث عائشة أخرجه الترمذي (٨٠٢) من طريق يحيى بن اليمان، عن معمر عن محمد بن المنكدر، عن عائشة به.\nويحيى بن اليمان ضعيف. وقد أخطأ في إسناده؛ فإن جماعة من الثقات يروونه عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة، وهذا هو المحفوظ. وحديث أبي هريرة بهذا السند منقطع؛ لأن محمد ابن المنكدر لم يلق أبا هريرة -﵁-.\nولكن لحديث أبي هريرة إسناد آخر حسن، أخرجه الترمذي (٦٩٧) وزاد: «والصوم يوم تصومون» وقد حسنه الإمام الوادعي، والإمام الألباني رحمة الله عليهما.\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٨/ ٤٦٣).","vol":"3","page":279},{"text":"٤٧٠ - وَعَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسِ، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوُا الهِلَالَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُفْطِرُوا وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إلَى مُصَلَّاهُمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد وَهَذَا لَفْظُهُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1270>مسألة [١]: وقت صلاة العيد</span>.\nينتهي وقت صلاة العيد بزوال الشمس؛ لحديث الباب، ولفظه عند أحمد: «فجاء ركب من آخر النهار».\nوأول وقته فيه خلاف:\n• فذهب أحمد، وأصحاب الرأي، وهو أحد الوجهين عند الشافعية، إلى أنَّ أول وقته إذا ارتفعت الشمس، وذهب وقت الكراهة.\n• وذهب مالك، وهو الوجه الثاني للشافعية، أنَّ وقته إذا طلعت الشمس، وإن لم يزل وقت النهي.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لحديث عبد الله بن بسر عند أبي داود (١١٣٥)، وهو في «الصحيح المسند» (٥٥٧): أنه خرج يوم فطر، أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إنا كنا فرغنا ساعتنا هذه من الصلاة، وذلك حين التسبيح.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٥٧ - ٥٨)، وأبوداود (١١٥٧)، من طريق شعبة، عن جعفر بن أبي وحشية، عن أبي عمير بن أنس به. وإسناده صحيح، رجاله ثقات.","vol":"3","page":280},{"text":"والسبحة يبتدئ وقتها من ارتفاع الشمس إلى قبيل زوالها عند استقلال الظل بالرمح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1271>مسألة [٢]: إذا علم الناس أنَّ يومهم عيدٌ أثناء ذلك اليوم</span>؟\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- (٩٦٨): وأما إن لم يعلم بالعيد إلا في أثناء النهار؛ فإن علم به قبل زوال الشمس؛ خرجوا من وقتهم، وصلوا صلاة العيد، وإن شهدوا بعد الزوال في أثناء النهار، فقال أكثر العلماء: يخرجون من الغد للصلاة، وهو قول عمر بن عبد العزيز، والثوري، وأبي حنيفة، والأوزاعي، والليث، وإسحاق، وأحمد، وابن المنذر، واستدلوا بما روى أبو عمير بن أنس.\nفذكر حديث الباب بلفظ: «فجاء ركبٌ من آخر النهار»، وهذا اللفظ عند أحمد بإسناد صحيح.\nثم قال: وقالت طائفة: تسقط، ولا تُصَلَّى بعد ذلك، كما لا تُقْضَى الجمعة إذا فاتت، وهو قول مالك، وأبي ثور، والشافعي في قول له، والقول المشهور عنه: أنه إن أمكن جمع الناس في بقية يومهم لصغر البلد؛ خرجوا، وصلوا في بقية اليوم، وإلا أخَّرُوه إلى الغد. انتهى المراد.\nقال أبو عبد الله: الصواب قول الجمهور؛ لحديث أبي عمير الذي في الباب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٩٦٨).\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٩٦٨)، «التمهيد» (١٤/ ٣٦٠)، «نيل الأوطار» (٢/ ٦١٢).","vol":"3","page":281},{"text":"٤٧١ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ مُعَلَّقَةٍ -وَوَصَلَهَا أَحْمَدُ-: وَيَأْكُلُهُنَّ أَفْرَادًا. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديث\n• ذهب عامة أهل العلم إلى استحباب الأكل قبل الخروج يوم الفطر، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم.\nوقال ابن قدامة -﵀-: لا نعلم فيه خلافًا. اهـ\n• لكن قد ذُكِرَ عن ابن مسعود -﵁- (^٣)، والنخعي، التخيير: من شاء أكل، ومن شاء؛ لم يأكل.\nوالصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لورود الأدلة في ذلك.\nقال ابن رجب -﵀- عقب أثر ابن مسعود: ولعله أراد به بيان أنَّ الأكل قبل الخروج ليس بواجب، وهذا حق، وإن أراد أنه ليس هو الأفضل؛ فالجمهور على خلافه، والسنة تدل عليه. اهـ. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٩٥٣).\n(^٢) أخرجها البخاري عقب الحديث السابق معلقة بلفظ «يأكلهن وترًا» ووصلها أحمد (٣/ ١٢٦) باللفظ الذي ذكره الحافظ وإسنادها حسن.\n(^٣) أثر ابن مسعود -﵁- أخرجه عبدالرزاق (٣/ ٣٠٧)، وابن المنذر (٤/ ٢٥٤)، وفي إسناده: عبدالكريم بن أبي المخارق، وهو شديد الضعف.\n(^٤) انظر: «المغني» (٣/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، «الفتح» لابن رجب (٨/ ٤٤٤) (٩٥٣).","vol":"3","page":282},{"text":"٤٧٢ - وَعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ -﵄- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nاستحب العلماء للإنسان في يوم النحر أن لا يأكل حتى يرجع من المصلَّى؛ للأحاديث المذكورة.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٩٥٤) -بعد أن ذكر الأحاديث المتقدمة-: وقد أخذ أكثر الفقهاء بما دلَّت عليه. اهـ\nوقد بوَّبَ البخاري -﵀- في «صحيحه»: [باب الأكل يوم النحر]، واستدل\n_________\n(^١) حسن. رواه أحمد (٥/ ٣٥٢)، والترمذي (٥٤٢)، وابن حبان (٢٨١٢)، وفي إسناده ثواب بن عتبة وهو ضعيف، ولكنه قد توبع عند أحمد (٥/ ٣٥٣)، والدارمي (١٦٠٠) وغيرهما، تابعه عقبة بن عبدالله الأصم الرفاعي، وهو ضعيف، ولكنه يصلح في المتابعات؛ وعليه فالحديث حسن.\n\nوله شاهد من حديث ابن عباس عند الطبراني في «الأوسط» (٤٥٤) قال: (من السنة ألا تخرج يوم الفطر حتى تطعم ولا يوم النحر حتى ترجع). ورجاله ثقات إلا إسحاق بن عبدالله التميمي الأذني، فقد روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات، فهو مجهول الحال.\nوله شاهد من مراسيل سعيد بن المسيب. أخرجه مالك (١/ ١٧٩) عن الزهري عن سعيد قال: إن الناس كانوا يؤمرون بالأكل يوم الفطر قبل الغدو.\nوأخرجه الشافعي في «الأم» (١/ ٢٣٢) عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: كان المسلمون يأكلون يوم الفطر قبل الصلاة ولا يفعلون ذلك يوم النحر. وإسناده صحيح إلى سعيد بن المسيب.\nفالحديث بهذه الطرق يرتقي إلى الحسن، وله طرق أخرى لم أذكرها لشدة ضعفها.","vol":"3","page":283},{"text":"بحديث البراء بن عازب، أنَّ خاله ذبح قبل الصلاة، وقال: يا رسول الله، إني عرفت اليوم يوم أكلٍ، وشربٍ، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يُذبح في بيتي ...، الحديث.\nقال الحافظ: وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: «إنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ»، وَلَمْ يُقَيَّدْ ذَلِكَ بِوَقْتٍ.\nقال: وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى تَضْعِيفِ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ مُغَايَرَةِ يَوْمِ الْفِطْرِ لِيَوْمِ النَّحْرِ مِنْ اِسْتِحْبَابِ الْبُدَاءَةِ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الْأَكْلِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: حديث بريدة الذي في الباب يرتقي بشواهده إلى الحسن؛ فيعمل به، ويستحب أن لا يأكل يوم الفطر حتى يرجع، ويأكل من أضحيته.","vol":"3","page":284},{"text":"٤٧٣ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ -﵂- قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ العَوَاتِقَ، وَالحُيَّضَ فِي العِيدَيْنِ: يَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1272>مسألة [١]: حكم صلاة العيد</span>.\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:\nالقول الأول: أنها فرض كفاية، وهوالظاهر من مذهب الحنابلة، وقال به بعض أصحاب الشافعي، واختاره الإمام ابن باز -﵀-.\nواستدلوا على أنها فرض بحديث أبي عمير المتقدم، وحديث أم عطية المذكور، واستدلوا على أنها ليست بفرض عينٍ بأنه لا يُؤذن لها، ولا يُقام كالصلوات الخمس.\nالقول الثاني: أنها سنة مؤكدة، وهو قول مالك، والشافعي، وأكثر أصحابه، وعزاه النووي للجمهور، واستدلوا على عدم وجوبه بالأحاديث التي فيها أنَّ الواجب على المسلم خمس صلوات في اليوم والليلة.\nالقول الثالث: أنها فرض عين، تجب على كل مسلم، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، وهو قول للشافعي كما في «مختصر المزني»، وَأَوَّلَهُ أصحابُه بتأويلات.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٤)، ومسلم (٨٩٠).","vol":"3","page":285},{"text":"وهذا القول اختاره الشوكاني، والسعدي، وابن عثيمين رحمة الله عليهم، وهو الصواب؛ لحديث أبي عمير، وأم عطية، والله أعلم.\nوأما استدلالهم بفرضية الصلوات الخمس في اليوم والليلة؛ فليس في ذلك نفيٌ لما وجب لسبب، وإنما فيه نفيٌ لفرضية صلاة أخرى في كل يوم بدون سبب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1273>مسألة [٢]: ما حكم صلاة العيد للمرأة</span>؟\nظاهر الأمر في حديث أم عطية، وكذلك في حديث أبي عمير يدل على وجوب الخروج للمرأة لصلاة العيد، وقد قال شيخ الإسلام في «الاختيارات»: وقد يقال بوجوبها على المرأة.\nوقد نقل القاضي عياض وجوبه عن أبي بكر، وعلي، وابن عمر -﵃-.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: والذي وقع لنا عن أبي بكر، وعلي، ما أخرجه ابن أبي شيبة، وغيره عنهما قالا: حقٌّ على كل ذات نطاق الخروج إلى العيدين.\nقال: وقوله: (حقٌّ)، يحتمل الوجوب، ويحتمل تأكد الاستحباب.\nقال: وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن ابن عمر، أنه كان يُخْرِجُ إلى العيدين من استطاع من أهله، وهذا ليس صريحًا بالوجوب. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أثر أبي بكر سنده منقطعٌ، وأثر علي فيه: الحارث\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٨/ ٤٢٣)، «المجموع» (٥/ ٣)، «الاختيارات»، «كتاب الصلاة» لابن القيم، «فتاوى اللجنة» (٨/ ٢٩٠).","vol":"3","page":286},{"text":"الأعور، وقد كُذِّب. (^١)\nولذلك قال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٩٨٠): وهذا مما لا يُعلم به قائل، أعني وجوب الخروج على النساء في العيد. اهـ\nوأما كلام المتقدمين، فمنهم من قال: مباح. كعلقمة، وإسحاق، وأحمد في رواية، ومنهم من قال: مكروهٌ بعد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لظهور الفتن، وهو قول النخعي، والأنصاري، والثوري، وابن المبارك، وأحمد في رواية، ومنهم من رخَّص للعجائز دون الشواب، رُوي عن النخعي، وهو قول أصحاب الرأي، ونقله حنبل عن أحمد ومنهم من استحبه للعجائز ومن ليس من ذوات الهيئات وهو قول الشافعي. (^٢)\nتنبيه: البُعد الذي يلزم صاحبه فيه حضور العيد كالبُعد الذي يلزم صاحبه حضور الجمعة عند أكثر أهل العلم. وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك في باب صلاة الجمعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1274>مسألة [٣]: حكم التكبير في العيدين</span>.\nاتفق العلماء على مشروعية التكبير في عيد الأضحى، وعيد الفطر؛ إلا رواية عن أبي حنيفة، والنخعي: أنه لا يكبر في عيد الفطر، وبالغ داود الظاهري، فقال بوجوب التكبير في عيد الفطر.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٢١): أَمَّا التَّكْبِيرُ\n_________\n(^١) انظر: «المصنف» (٢/ ١٨٢).\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٩/ ٣٩)، «المغني» (٣/ ٢٦٤).","vol":"3","page":287},{"text":"فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي عِيدِ الْأَضْحَى بِالِاتِّفَاقِ. وَكَذَلِكَ هُوَ مَشْرُوعٌ فِي عِيدِ الْفِطْرِ: عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. وَذَكَرَ ذَلِكَ الطَّحَاوِي مَذْهَبًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمْ خِلَافُهُ لَكِنَّ التَّكْبِيرَ فِيهِ هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَالتَّكْبِيرُ فِيهِ أَوْكَدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وَالتَّكْبِيرُ فِيهِ: أَوَّلُهُ مِنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَآخِرُهُ انْقِضَاءُ الْعِيدِ وَهُوَ فَرَاغُ الْإِمَامِ مِنْ الْخُطْبَةِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَأَمَّا التَّكْبِيرُ فِي النَّحْرِ فَهُوَ أَوْكَدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُشْرَعُ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ\nقلتُ: ويدل على مشروعية التكبير حديث أم عطية الذي في الباب، ففيه زيادة: «يكبرن مع الناس» كما في «الصحيحين».\nوقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣].","vol":"3","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1275>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1276>مسألة [١]: وقت التكبير في عيد الفطر</span>.\n• ذهب عامة العلماء إلى أنه ينتهي بصلاة العيد، واختلفوا: متى يبدأ وقت التكبير، فذهب الشافعي وأصحابه، والحنابلة، إلى أنه يبدأ بظهور هلال شوال، وغروب شمس رمضان، وهو قول سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة، وزيد بن أسلم، واختار ذلك شيخ الإسلام -﵀-.\n• وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يبدأ من عند الغُدُوِّ إلى المصلَّى، منهم: مالك، والأوزاعي، وقد عُزي هذا القول للجمهور، وليس بصحيح، والصواب هو القول الأول؛ لأنَّ الله ﷿ ذكر التكبير بعد انتهاء صوم رمضان، وذلك يبدأ من غروب الشمس، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1277>مسألة [٢]: وقت التكبير في عيد الأضحى</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح»: [كتاب العيدين، باب:١٢]، وذكر الله في هذه الأيام نوعان: أحدهما: مقيد عقيب الصلوات. والثاني: مطلق في سائر الأوقات. فأما النوع الأول: فاتفق العلماء على أنه يُشرع التكبير عقيب الصلوات\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٥/ ٤١)، «الأوسط» (٤/ ٢٥٠)، «المغني» (٣/ ٢٥٥)، «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٢١).","vol":"3","page":289},{"text":"في هذه الأيام في الجملة، وليس فيهِ حديث مرفوع صحيح، بل إنما فيهِ آثار عن الصحابة ومن بعدهم، وعمل المسلمين عليهِ. اهـ\n• وقد اختُلِف في أول وقت هذا التكبير على أقوال، أقواها قولان:\nالقول الأول: أنَّ أول وقتها من صبح يوم عرفة، صحَّ هذا القول عن علي، وابن مسعود، وابن عباس -﵃-، وجاء عن عمر -﵁-، وفي إسناده: الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، وقد عنعن، وهذا قول أحمد، والشافعي في قول، وأصحاب الرأي وغيرهم، وعزاه شيخ الإسلام إلى الجمهور.\nالقول الثاني: أنه يبدأ من صلاة الظهر يوم النحر؛ لأنَّ الحُجَّاج مشغولون قبل ذلك بالتلبية، وهذا القول جاء عن ابن عمر، وفي إسناده: عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف، ورُوي عن عمر بن عبد العزيز، وهو قول مالك، والشافعي في المشهور عنه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول؛ لحديث أنس في «الصحيحين» (^١)، وابن عمر في «مسلم» (^٢) أنهم كانوا يوم عرفة يَغْدُون إلى عرفة، منهم الملبِّي، ومنهم المكَبِّر، ولا ينكر أحدهم على صاحبه. وقد رجح هذا القول شيخ الإسلام -﵀- كما في «الفتاوى» (٢٤/ ٢٢٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1278>مسألة [٣]: آخر وقت التكبير في الأضحى</span>.\n• ذهب أحمد، والشافعي في قولٍ، إلى أنه ينتهي في صلاة العصر من آخر أيام\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٦٥٩)، ومسلم برقم (١٢٨٥).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٢٨٤).","vol":"3","page":290},{"text":"التشريق، وصحَّ هذا عن ابن عباس، وعلي، وجاء عن عمر -﵃-، وفيه: حجاج بن أرطاة، وهو قول الثوري، وإسحاق، وعزاه ابن رجب، وشيخ الإسلام لأكثر العلماء، وصححه شيخ الإسلام -﵀-، واختاره الإمام ابن باز.\n• وذهب مالك، والشافعي في المشهور، إلى أنَّ التكبير يستمر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وجاء عن ابن عمر بإسناد فيه: عبدالله بن عمر العمري، وهو ضعيف.\n• وذهب أصحاب الرأي، وجماعة من أصحاب ابن مسعود -﵁- إلى أنَّ التكبير يستمر إلى صلاة العصر من يوم النحر، وصحَّ هذا عن ابن مسعود -﵁-.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، إلا أنه لا يقيد انتهاؤه بصلاة العصر، ولكن بغروب الشمس، وتقييده بصلاة العصر باعتبار التكبير المقيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أيام التشريق أيام أكل، وشرب، وذكر لله» (^١)، وهذا يشمل جميع أيام التشريق، فمن قطع التكبير قبل انتهاء هذه الأيام؛ فعليه البرهان، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: تقدم أنَّ ابن رجب نقل الاتفاق على مشروعية التكبير عقب الصلوات في عيد الأضحى، وقد نقل الإجماع أيضًا النووي -﵀- في «المجموع» (٥/ ٣٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في «صحيحه» برقم (١١٤١)، من حديث نبيشة الهذلي -﵁-.\n(^٢) انظر للمسألتين السابقتين: «الأوسط» (٤/ ٣٠٠ - ٣٠٣)، «المجموع» (٥/ ٣١، ٣٩)، «المغني» (٣/ ٢٨٨)، «الفتح» لابن رجب [باب (١٢) من كتاب العيدين]، «ابن أبي شيبة» (٢/ ١٦٥).","vol":"3","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1279>مسألة [٤]: هل يكبر عقب النوافل</span>؟\n• ذهب أبو جعفر الصادق، والشافعي في أحد قوليه وهو الأشهر، واختاره ابن المنذر، أنه يكبر عقب النوافل، كما يكبر عقب الفرائض.\n• وذهب أكثر العلماء إلى التكبير عقب الفرائض فقط؛ لأنَّ هذا هو الثابت عن الصحابة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: تقدم أن لا دليل على تخصيص التكبير عقب الفرائض، فكذلك النوافل، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1280>مسألة [٥]: من صلَّى الفرض وحده، فهل يكبِّر</span>؟\n• فيه قولان:\nالأول: لا يكبر، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية.\nالثاني: يكبر، وهو قول الشعبي، والنخعي، والأوزاعي، والثوري في رواية، ومالك، والنخعي، والشافعي، وأحمد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الحكم في الرجل منفردًا كحكمه في الجماعة، وتقدم حكم المسألة. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٤/ ٣٠٨)، «الفتح» لابن رجب [باب (١٢) من كتاب العيدين]، «المجموع» (٥/ ٣٩).\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب [باب (١٢) من كتاب العيدين]، «الأوسط» (٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦).","vol":"3","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1281>مسألة [٦]: هل يكبر المسافر</span>؟\n• ذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ المسافر يكبر أيضًا، وخالف أبو حنيفة، فقال: لا يكبر؛ إلا إذا اقتدى بمقيم، ولا دليل على ما ذهب إليه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1282>مسألة [٧]: تكبير النساء</span>.\nأما إذا صَلَّيْنَ مع الرجال؛ فقد قال ابن رجب -﵀- في «الفتح» [باب (١٢) من كتاب العيدين]: ولا خلاف أنَّ النساء يُكبِّرنَ مع الرجال تبَعًا إذا صلين معهم جماعة، ولكن المرأة تخفض صوتها. اهـ\nوأما إذا صلَّيْنَ منفردات في جماعة، فقال مالك، وأحمد والثوري في رواية عنهما: يُكبِّرنَ. وقال أبو حنيفة، وأحمد والثوري في رواية عنهما: لا يكبرن.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الشرع عام، والحكم للنساء كالحكم للرجال، وقد تقدم الحكم للرجال. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1283>مسألة [٨]: إظهار التكبير في الخروج إلى العيدين في الأمصار</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «الفتح» [باب (١٢) من كتاب العيدين]: وهو إجماعٌ من العلماء لا يُعلم بينهم فيه خلاف في عيد النحر. -يعني في إظهار التكبير عند الخروج إلى العيدين-.\nثم قال: وعن النخعي، وأبي حنيفة: أنه لا يكبر في عيد الفطر بالكلية، ورُوي\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٤/ ٣٠٧)، «الفتح» لابن رجب [باب (١٢) من كتاب العيدين].\n(^٢) وانظر: «الأوسط» (٤/ ٣٠٦ - ٣٠٧).","vol":"3","page":293},{"text":"عنهما موافقة الجماعة. انتهى باختصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1284>مسألة [٩]: صيغة التكبير في العيدين</span>.\n• منهم من اختار أن يقول: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، ولله الحمد).\nثبت هذا عن علي، وابن مسعود، وجاء عن عمر بإسنادٍ فيه: الحجاج بن أرطاة.\nوهذا قول النخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، والنعمان، ومحمد بن الحسن.\n• ومنهم من قال: يكبر ثلاثًا (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)، وهذا قول مالك، والشافعي، والحسن.\n• ومنهم من قال يقول: (الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر تكبيرًا، الله أكبر وأجل، الله أكبر ولله الحمد)، وصح هذا القول عن ابن عباس -﵄-.\n• وجاء عن ابن عمر -﵄-: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)، وفي إسناده: عبدالله بن عمر العمري، وهو ضعيفٌ.\n• وجاء عن سلمان الفارسي -﵁-: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا). أخرجه عبدالرزاق بإسناد صحيح، قاله الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٩٧٠).","vol":"3","page":294},{"text":"• وذهب بعض أهل العلم إلى عدم التوقيت، والتحديد في ذلك.\nوهو قول الحكم، وحماد، وجاء عن أحمد أنه قال: هو واسع.\nوفي «تفسير القرطبي»: قال ابن المنذر: وكان مالك لا يحد فيه حدًّا.\nقلتُ: وهذا القول هو الصواب في المسألة، والله أعلم.\nفائدة: قال الشافعي -﵀- في «الأم» (١/ ٢٧٦): وَالتَّكْبِيرُ كما كَبَّرَ رسول اللَّهِ - ﷺ - في الصَّلَاةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ. فَيَبْدَأُ الْإِمَامُ فيقول: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ حتى يَقُولَهَا ثَلَاثًا. وَإِنْ زَادَ تَكْبِيرًا فَحَسَنٌ.\nوَإِنْ زَادَ فقال: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا اللَّهَ مُخْلِصِينَ له الدَّيْنَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. فَحَسَنٌ.\nوما زَادَ مع هذا من ذِكْرِ اللَّهِ أَحْبَبْتُهُ غير أَنِّي أُحِبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِثَلَاثِ تَكْبِيرَاتٍ نَسْقًا وَإِنْ اقْتَصَرَ على وَاحِدَةٍ أَجْزَأَتْهُ وَإِنْ بَدَأَ بِشَيْءٍ من الذِّكْرِ قبل التَّكْبِيرِ أو لم يَأْتِ بِالتَّكْبِيرِ فَلَا كَفَّارَةَ عليه. اهـ\nقلتُ: إن قالها بدون تحرٍ لها، أو تفضيل؛ فلا بأس بذلك، وإن اقتصر على ما جاء عن الصحابة؛ فهو أحب إلينا.\nفائدة أخرى: قال الحافظ ابن حجر -﵀-: وقد أحدث في هذا الزمان زيادة في","vol":"3","page":295},{"text":"ذلك لا أصل لها. اهـ\nقلتُ: ومن ذلك ما يزيده بعضهم من الصلاة على النبي - ﷺ - في هذا الموضع، ويكررون ذلك، ولم يفعل ذلك السلف، ولم يستحبه العلماء في هذا الموضع. (^١)\nتنبيه: التكبير الجماعي بصوت واحد ليس بمشروع، بل ذلك من البدع، ولكن يجهر كل واحد بالتكبير بدون التزام صوت واحد؛ لأنَّ ذلك لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه -﵃-، وفي الحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1285>مسألة [١٠]: المسبوق في الصلاة متى يكبر</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه يكَبِّرُ بعد أن يقضي ما سبقه.\n• وذهب الحسن، ورُوي عن عطاء أنه يُكبِّر ويقضي، وعن مجاهد، ومكحول: يكبر، ثم يقضي، ثم يكبر، وهذان القولان بعيدان، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٤/ ٣٠٣ - ٣٠٥)، «ابن أبي شيبة» (٢/ ١٦٧ - ١٦٨)، «المجموع» (٥/ ٤٠)، «المغني» (٣/ ٢٩٠).\n(^٢) انظر: «فتاوى اللجنة» (٨/ ٣١٠ -).\n(^٣) وانظر: «الأوسط» (٤/ ٣٠٨ - ٣٠٩).","vol":"3","page":296},{"text":"٤٧٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1286>مسألة [١]: صلاة العيدين قبل الخطبة</span>.\nدلَّ الحديث على أنَّ خطبة العيد بعد الصلاة، وقد جاء الحديث أيضًا عن ابن عباس، وجابر وغيرهما، في «الصحيحين» (^٢)، وغيرهما.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٢٧٦): لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا عَنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا فَعَلَاهُ، وَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْهُمَا، وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ بَنِي أُمَيَّةَ؛ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُمْ، وَمُخَالِفٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ الله - ﷺ - الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُمْ، وَعُدَّ بِدْعَةً وَمُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ. اهـ\nقال أبو عبدالله غفر الله له: أما الأثر عن عثمان ففي «نيل الأوطار» (١٢٨٤): قال العراقي: لم أجد له إسنادًا. وقال أبو بكر بن العربي: يقال: إنَّ أول من قدمها عثمان، وهو كذب لا يلتفتون إليه (^٣). اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٦٣)، ومسلم (٨٨٨).\n(^٢) انظر: «البخاري» رقم (٩٦٢) (٩٥٨)، ومسلم رقم (٨٨٤) (٨٨٥).\n(^٣) أثر عثمان أخرجه ابن أبي شيبة (١٤/ ١٨٢) وابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٢٧٢) من طريق حُمَيْدٌ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ: مَنْ أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: عُثْمَان بْنُ عَفَّانَ صَلَّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ خَطَبَهُمْ فَرَأَى نَاسًا كَثِيرًا لَمْ يُدْرِكُوا الصَّلَاةَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. وهذا إسنادٌ ضعيف؛ لأن الحسن لم يدرك عثمان -﵁-، ثم وجدت له طريقًا أخرى: أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٨٤) عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن عثمان به، ولعله فعل ذلك نادرًا؛ لما رآه من المصلحة في إدراك الناس الصلاة، أو يكون ما ثبت عنه في «الصحيحين» أرجح من هذا، والله أعلم.","vol":"3","page":297},{"text":"وأما الأثر عن ابن الزبير فأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٧٠) بإسناد صحيح.\nقال العراقي -﵀- كما في «النيل» (١٢٨٤): وأما فعل ابن الزبير فرواه ابن أبي شيبة، وإنما فعل ذلك لأمر وقع بينه وبين ابن عباس، ولعل ابن الزبير كان يرى ذلك جائزًا. اهـ\nقلتُ: وابن الزبير -﵁- مجتهد أخطأ؛ لأنه خالف هدي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وخلفائه الراشدين.\nوقد جاء عن عمر -﵁- أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة، ففي «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١٧١) عن عبدة بن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن يوسف بن عبدالله بن سلام، قال: كان الناس يبدءون بالصلاة ثم يثنون بالخطبة حتى إذا كان عمر، وكثر الناس في زمانه، فكان إذا ذهب يخطب ذهب جفاة الناس، فلما رأى ذلك عمر؛ بدأ بالخطبة حتى ختم بالصلاة.\nقلتُ: إسناده ظاهره الصحة، لكن قال العراقي كما في «النيل» (١٢٨٤): وهذا الأثر وإن كان رجاله ثقات؛ فهو شاذ، مخالف لما ثبت في «الصحيحين» عن عمر من رواية ابنه عبدالله، وابن عباس، وروايتهما عنه أولى (^١). اهـ\n_________\n(^١) قلتُ: ويؤيد شذوذه أن عبدة بن سليمان قد خولف في إسناده؛ فقد خالفه ابن عيينة فرواه عن يحيى ابن سعيد، عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن عثمان به. وتقدم تخريج أثر عثمان قريبًا.","vol":"3","page":298},{"text":"فائدة: قال الحافظ -﵀- في «الفتح» [باب (٧) من كتاب العيدين]: واختلف في أول من غيَّر ذلك، فرواية طارق بن شهاب عن أبي سعيد عند مسلم صريحة في أنه مروان، كما تقدم في الباب قبله، وقيل: بل سبقه إلى ذلك عثمان. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، صلى بالناس ثم خطبهم. يعني على العادة، فرأى ناسًا لم يدركوا الصلاة ففعل ذلك، أي: صار يخطب قبل الصلاة (^١)، وهذه العلة غير التي اعتل بها مروان؛ لأن عثمان رأى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة، وأما مروان فراعى مصلحتهم في إسماعهم الخطبة، لكن قيل: إنهم كانوا في زمن مروان يتعمدون ترك سماع خطبته؛ لما فيها من سب من لا يستحق السب، والإفراط في مدح بعض الناس. فعلى هذا إنما راعى مصلحة نفسه، ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانًا بخلاف مروان فواظب عليه؛ فلذلك نسب إليه، وقد روي عن عمر مثل فعل عثمان، قال عياض ومن تبعه: لا يصح عنه. وفيما قالوه نظر؛ لأن عبدالرزاق وابن أبي شيبة روياه جميعًا عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن يوسف بن عبدالله بن سلام. وهذا إسناد صحيح، لكن يعارضه حديث ابن عباس المذكور في الباب الذي بعده، وكذا حديث ابن عمر؛ فإن جمع بوقوع ذلك منه نادرًا وإلا فما في «الصحيحين» أصح، وقد أخرج الشافعي عن عبدالله بن يزيد نحو حديث ابن عباس، وزاد: حتى قدم معاوية، فقدم الخطبة. (^٢)\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٢) أخرجه الشافعي في «الأم» (١/ ٢٣٥) عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود بن الحصين، عن عبد الله بن يزيد الخطمي به. وهذا إسنادٌ تالف؛ إبراهيم بن أبي يحيى قد كذب، وداود بن الحصين لم يدرك أحدًا من الصحابة -﵃- ..","vol":"3","page":299},{"text":"فهذا يشير إلى أن مروان إنما فعل ذلك تبعًا لمعاوية؛ لأنه كان أمير المدينة من جهته، وروى عبدالرزاق عن ابن جريج، عن الزهري قال: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية (^١). وروى ابن المنذر عن ابن سيرين: أن أول من فعل ذلك زياد بالبصرة. قال عياض: ولا مخالفة بين هذين الأثرين وأثر مروان؛ لأن كلًّا من مروان وزياد كان عاملًا لمعاوية فيحمل على أنه ابتدأ ذلك وتبعه عماله، والله أعلم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1287>مسألة [٢]: حكم خطبة العيد</span>.\nقال الشوكاني -﵀- في «نيل الأوطار» (١٢٩٩): وقد اتَّفقَ الموجبون لصلاة العيد وغيرهم على عدم وجوب خطبته، ولا أعلم قائلًا يقول بوجوبها. اهـ\nقلتُ: والدليل على استحبابها وعدم وجوبها: فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقد داوم عليها، ولم يأمر بها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1288>مسألة [٣]: كم خطبة بعد صلاة العيد</span>؟\n• دلَّ حديث ابن عمر الذي في الباب على أن الإمام يخطب خطبة واحدة؛ لقوله: «قبل الخطبة»، وجاء ذلك أيضًا من حديث ابن عباس -﵄-، في «الصحيحين»، ومن حديث أبي سعيد، وجابر فيهما أيضًا (^٢)، وهذا القول اختاره شيخنا الإمام الوادعي -﵀-، والإمام ابن عثيمين -﵀-.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٨٤) عن ابن جريج به، وهذا إسنادٌ ضعيف؛ لأن ابن جريج قد عنعن، والزهري لم يدرك معاوية ﵁.\n(^٢) تقدم تخريج حديث ابن عباس، وجابر، وأما حديث أبي سعيد فسيأتي في الباب برقم (٤٧٨).","vol":"3","page":300},{"text":"• وقد ذهب عامة العلماء إلى أنه يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلوس، واستدلوا على ذلك بحديث سعد بن أبي وقاص -﵁- عند البزار (٦٥٧)، وحديث جابر -﵁- عند ابن ماجه (١٢٨٩)، وفي كليهما أنه ﵊ كان يخطب خطبتين يوم العيد، يفصل بينهما بجلسة، وكلاهما شديد الضعف؛ فالأول في إسناده: عبد الله بن شبيب، شيخ البزار، وهو واهٍ، وفيه من لم يعرف، والثاني في إسناده: إسماعيل بن مسلم المكي، وهو شديد الضعف. وفيه: أبو بحر عبدالرحمن بن عثمان البكراوي، وهو ضعيف.\nواستدلوا بأثر موقوف عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبه، أخرجه الشافعي في الأم (١/ ٢٧٣) عن إبراهيم بن محمد، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، عن إبراهيم بن عبد الله، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: السنة في التكبير يوم الأضحى، والفطر على المنبر قبل الخطبة أن يبتدئ الإمام قبل أن يخطب، وهو قائم على المنبر بتسع تكبيرات تترى لا يفصل بينها بكلام، ثم يخطب، ثم يجلس جلسة، ثم يقوم في الخطبة الثانية، فيفتتحها بسبع تكبيرات تترى لا يفصل بينها بكلام ثم يخطب.\nوهذا أثر واهٍ؛ لأن إبراهيم بن أبي يحيى هو الأسلمي، وهو متروك، وقد كذب، ثم إن الأثر أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٩٠) عن وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن القاري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بلفظ: من السنة أن يكبر الإمام على المنبر في العيدين تسعا قبل الخطبة، وسبعا بعدها.","vol":"3","page":301},{"text":"وهذا إسناد صحيح، ومحمد بن عبد الرحمن، صوابه: عبد الرحمن بن محمد ابن عبد الله بن عبد القاري، وهو ثقة، ترجمته في الجرح والتعديل. وهذا اللفظ لا يستفاد منه خطبتان، وقوله: وسبعًا بعدها. يحمل على أنه في آخر الخطبة، والله أعلم.\nوقد أخرجه عبد الرزاق أيضًا (٣/ ٢٩٠) عن معمر، عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد القاري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أنه قال: «يكبر الإمام يوم الفطر قبل أن يخطب تسعا حين يريد القيام وسبعا في». عالجته على أن يفسر لي أحسن من هذا فلم يستطع - فظننت أن قوله -: حين يريد القيام في الخطبة الآخرة.\nقلتُ: وهذا اللفظ أيضًا لا يستفاد منه الجزم بخطبتين؛ فإنما هو من ظن الراوي، والله أعلم.\nواستدلوا بالقياس على الجمعة، وهو قياس مع الفارق، ولا قياس أيضًا في الأمور التعبدية المحضة، والله أعلم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لو كان يخطب خطبتين؛ لَنُقِلَ إلينا، وخير الهدي هدي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٢٧٩)، «المجموع» (٥/ ٢٣)، «المحلَّى» (٥٤٣)، «الشرح الممتع» (٥/ ١٩١).","vol":"3","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1289>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1290>مسألة [١]: حكم الاستماع لخطبة العيد</span>.\n• روى أبو داود (١١٥٥)، والنسائي (٣/ ١٨٥)، من رواية عطاء، عن عبدالله ابن السائب، قال: شهدت مع رسول الله - ﷺ - العيد، فلما قضى الصلاة، قال: «إنَّا نخطب؛ فمن أحب أن يجلس، فليجلس، ومن أحب أن يذهب، فليذهب».\nوقد رجَّح أبو داود إرساله، وصوَّب إرساله أيضًا أحمد، وابن معين، وأبو زرعة كما في «الفتح» لابن رجب (٩٧٨).\nفهذا الحديث يدل على عدم وجوب حضور الخطبة، والاستماع لها.\nواختلفوا فيما إذا حضر: هل يحرم عليه الكلام، أم لا؟\n• فذهب الحنابلة في المشهور في مذهبهم إلى أنه يحرم الكلام كخطبة الجمعة.\n• وذهب بعض الحنابلة، وهو مذهب الشافعية وغيرهم إلى عدم تحريم الكلام في خطبة العيد، وهذا هو الصواب؛ لعدم وجود دليل على التحريم، ولكن إذا هوَّش على غيره بالكلام؛ فيحرم من هذه الجهة، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٢٧٩)، «الإنصاف» (٢/ ٤٠٤)، «المجموع» (٥/ ٢٣).","vol":"3","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1291>مسألة [٢]: بماذا يستفتح خطبة العيد</span>؟\n• ذهب كثير من الفقهاء إلى استحباب استفتاح خطبة العيد بالتكبير، واستدلوا بقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: من السنة أن يكبر الإمام على المنبر في العيدين تسعا قبل الخطبة، وسبعا بعدها.\nأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٩٠) عن وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن القاري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة به. وهذا إسناد صحيح، ومحمد بن عبد الرحمن، صوابه: عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، وهو ثقة، ترجمته في الجرح والتعديل.\nقلتُ: ومع صحته عن عبيد الله؛ فلا يُحْتَجُّ به، وقول التابعي: (من السنة) لا يفيد الرفع، بل هو موقوفٌ عليه، والثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه كان يستفتح جميع خطبه بالحمد، والثناء.\nقال الحافظ ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (١/ ٤٤٧): وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد، والثناء، ولم يُحفَظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير. اهـ\nثم نقل عن شيخ الإسلام ترجيح افتتاح خطبة العيد بالحمد.","vol":"3","page":304},{"text":"٤٧٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى يَوْمَ العِيدِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1292>مسألة [١]: صلاة العيد ركعتان</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ١٧): صلاة العيد ركعتان بالإجماع، وصفتها المجزئة كصفة سائر الصلوات، وسننها وهيئاتها كغيرها من الصلوات، وينوي بها صلاة العيد. اهـ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1293>مسألة [٢]: التنفل قبل صلاة العيد، وبعدها</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: فَذَكَرَ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ أَحْمَد أَنَّهُ قَالَ: الْكُوفِيُّونَ يُصَلُّونَ بَعْدهَا لَا قَبْلهَا، وَالْبَصْرِيُّونَ يُصَلُّونَ قَبْلهَا لَا بَعْدهَا، وَالْمَدَنِيُّونَ لَا قَبْلهَا وَلَا بَعْدهَا.\nقال الحافظ: وَبِالْأَوَّلِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْحَنَفِيَّة، وَبِالثَّانِي قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ، وَجَمَاعَة، وَبِالثَّالِثِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَابْن جُرَيْجٍ، وَأَحْمَد. وَأَمَّا مَالِك فَمَنَعَهُ فِي المُصَلَّى، وَعَنْهُ فِي المَسْجِد رِوَايَتَانِ. وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي «الْأُمّ»\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٦٤)، ومسلم (٨٨٤)، وأبوداود (١١٥٩)، والنسائي (٣/ ١٩٣)، والترمذي (٥٣٧)، وابن ماجه (١٢٩١)، وأحمد (١/ ٣٤٠).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٢٦٨).","vol":"3","page":305},{"text":"بَعْد أَنْ رَوَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس حَدِيث الْبَاب مَا نَصّه: وَهَكَذَا يُحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يَتَنَفَّل قَبْلهَا وَلَا بَعْدهَا، وَأَمَّا المَأْمُوم فَمُخَالِف لَهُ فِي ذَلِكَ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وقول أحمد ومن معه هو الصواب في المسألة والله أعلم؛ لدلالة حديث الباب عليه، ومرادهم بنفي التطوع نفي راتبة للعيد قبلها، أو بعدها، وليس مرادهم نفي التنفل المطلق، وما أحسن كلام الحافظ حيث قال: والحاصل أنَّ صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها، خلافًا لمن قاسها على الجمعة، وأما مطلق النفل؛ فلم يثبت فيه منع، بدليل خاص إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام، والله أعلم. اهـ «الفتح» (٩٨٩).","vol":"3","page":306},{"text":"٤٧٦ - وَعَنْهُ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى العِيدَ بِلَا أَذَانٍ، وَلَا إقَامَةٍ. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَأَصْلُهُ فِي «البُخَارِيِّ». (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1294>مسألة [١]: هل يؤذن لصلاة العيد ويقام</span>؟\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- (٩٦٠): واتفق العلماء على أن الأذان والإقامة للعيدين بدعة ومحدث، وممن قالَ: (إنه بدعة): عبد الرحمن بن أبزى، والشعبي، والحكم. وقال ابن سيرين: وهو محدث. وقال سعيد بن المسيب، والزهري: أول من أحدث الأذان في العيدين معاوية (^٢). وقال ابن سيرين: أول من أحدثه آل مروان. وعن الشعبي، قالَ: أول من أحدثه بالكوفة ابن دراج، وكان المغيرة بن شعبة استخلفه. وقال حصين: أول من أذن في العيدين زياد. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: روى مسلم (٨٨٥)، عن جابر بن عبدالله -﵄-، أنه قال: لا إقامة، ولا نداء، ولا شيء. وهذا يدل على نفي الأذان والإقامة، كما هو\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (١١٤٧)، وإسناده صحيح، والحديث في «البخاري» بنحوه (٩٦٢) وهو كذلك في «مسلم» (٨٨٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٦٩) عن وكيع، عن هشام، عن قتادة، عن ابن المسيب، قال: أول من أحدث الأذان في العيد معاوية.\nوهذه الرواية رجالها ثقات؛ إلا أن رواية قتادة عن ابن المسيب فيها ضعف؛ لكونه كان يكثر التدليس عنه.\nولكن قد رواه عن معاوية أيضًا الزهري كما ذكر ابن رجب -﵀-، وهو منقطع؛ لكون الزهري لم يسمع من معاوية -﵁-؛ فيتقوى الأثر بالطريقين إلى الحسن.","vol":"3","page":307},{"text":"قول عامة العلماء.\nويدل على نفي قولهم: (الصلاة جامعة)، كما هو قول الجمهور، خلافًا للشافعي، وبعض الحنابلة، وقد تقدمت هذه المسألة في كتاب الأذان من هذا الكتاب، ولله الحمد.","vol":"3","page":308},{"text":"٤٧٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ -﵁- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَا يُصَلِّي قَبْلَ العِيدِ شَيْئًا، فَإِذَا رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيستفاد من الحديث أنَّ صلاة العيد ليس لها سنة راتبة قبلها، وليس لها سنة راتبة بعدها أيضًا كما تقدم بيان ذلك في حديث ابن عباس -﵄- برقم (٤٧٥)، وأما حديث أبي سعيد المذكور فهو ضعيف، ولو صح؛ فقد حمله طائفة من العلماء على النفل المطلق من الضحى، وهو أقرب، والله أعلم.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه ابن ماجه (١٢٩٣)، وفي إسناده عبدالله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف فيه، والراجح ضعفه والجملة الأولى من الحديث صحيحة بشواهدها منها حديث ابن عباس المتقدم.","vol":"3","page":309},{"text":"٤٧٨ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إلَى المُصَلَّى وَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ وَالنَّاسُ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nفيه: أنَّ الصلاة قبل الخطبة، وقد تقدم الكلام على ذلك، وفيه أنه يُستحبُّ أن يخطب الناس قائمًا مقابلًا لهم بدون منبر، وقد بوَّبَ عليه البخاري في «صحيحه»: [باب الخروج إلى العيدين بغير منبر].\nوفيه: أن الخطبة تكون بعد الصلاة، وقد تقدم ذلك، والله أعلم.\n\n٤٧٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: «التَّكْبِيرُ فِي الفِطْرِ سَبْعٌ فِي الأُولَى وَخَمْسٌ فِي الآخِرَة وَالقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ البُخَارِيِّ تَصْحِيحَهُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1295>مسألة [١]: عدد التكبيرات في صلاة العيد</span>.\n• في المسألة أقوالٌ، أقواها قولان:\nالقول الأول: يكبر في الأولى سبعًا، وفي الركعة الثانية خمسًا، وكلاهما قبل القراءة، وهذا قول جمهور العلماء، ورُوي عن جمعٍ من الصحابة، والتابعين.\nثم اختلف هؤلاء: هل يحسب من السبع تكبيرة الإحرام، أم لا؟\n• فمنهم من قال: تحسب التحريمة من السبع، وهو قول مالك، وأحمد، وصحَّ ذلك عن ابن عباس -﵄-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١٧٣)، وهو ظاهر فعل أبي هريرة -﵁- كما في «الموطإ» (١/ ١٨٠)، و«مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٢٩٢) بإسناد صحيح.\n• ومنهم من قال: لا تحسب التحريمة من السبع، وهو قول الشافعي.\nولِلَّيث، والأوزاعي قولان كالمذهبين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٥٦)، ومسلم (٨٨٩).\n(^٢) حسن لغيره. أخرجه أبوداود (١١٥١)، وفي إسناده عبدالله بن عبدالرحمن الطائفي، وهو ضعيف.\nوله شاهد من حديث عائشة: أخرجه أبوداود (١١٥٠)، وابن ماجه (١٢٨٠)، وأحمد (٦/ ٧٠)، والبيهقي (٣/ ٢٨٧) وفي إسناده ابن لهيعة، فالحديث حسن بطريقيه. وانظر «الإرواء» (٦٣٩).","vol":"3","page":310},{"text":"قلتُ: حديث الباب يحتمل القولين، وما فعله ابن عباس -﵄-، هو ظاهر اختيار شيخ الإسلام، واختاره الإمام ابن باز رحمة الله عليهما.\nويظهر لي: أن تكبير الإحرام لا تدخل في السبع التكبيرات؛ لأن حديث الباب ظاهره في ذكر تكبير آخر غير تكبيرة الإحرام.\nالقول الثاني: يكبر خمسًا في الأولى، ومنها تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الركوع، بمعنى أنه يقرأ بعد أن يكبر أربع تكبيرات، وفي الركعة الثانية يبدأ بالقراءة، ثم يكبر أربعًا بتكبيرة الركوع.\nوهذا القول صحَّ عن ابن مسعود، وثبت عن ابن عباس في رواية عنه، وصحَّ عن ابن مسعود أنه أفتى بذلك بحضور حذيفة، وأبي موسى، كما في «الأوسط» (٤/ ٢٧٥)، وهو قول النخعي، والثوري، وأهل الكوفة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1296>مسألة [٢]: هل يرفع يديه مع التكبيرات، أم لا</span>؟\n• ذهب أحمد، والشافعي، والأوزاعي، وأبو حنيفة إلى أنه يرفع يديه؛ لأنها تشبه تكبيرة الإحرام؛ لكونها كلها في حالة القيام، وجاء عن عمر كما عند البيهقي (٣/ ٢٩٣)، أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في الجنازة والعيد. وفي إسناده انقطاع، وفيه أيضًا ابن لهيعة وهو ضعيف، ومدلس. واستدل هؤلاء أيضًا بأنه قد ثبت عن ابن عمر -﵄- أنه كان يرفع يديه في صلاة الجنازة؛ فيقاس عليها صلاة العيد.\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٤/ ٢٧٣)، «الفتح» لابن رجب (٩/ ٨٣ - ٨٥)، «المغني» (٣/ ٢٧١ -)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ١٧٢ - ١٧٦)، «نيل الأوطار» (١٢٨٩)، «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٢٠)، «فتاوى اللجنة» (٨/ ٢٩١)، «مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٢٩١).","vol":"3","page":311},{"text":"• وذهب مالك، والثوري إلى أنه لا يرفعهما فيما عدا تكبيرة الإحرام؛ لأنه لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الرفع فيما سوى ذلك، وهذا القول أقرب، وهو اختيار شيخنا الإمام الوادعي -﵀-، وما جاء عن ابن عمر -﵄- إنما هو موقوف عليه، ثم هو في الجنائز؛ ولا قياس في العبادات المحضة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1297>مسألة [٣]: هل يفصل بين كل تكبيرتين بذكر، أم يوالي بينها</span>؟\n• ذهب الشافعية، والحنابلة إلى أنه يفصل بينهما بذكر، ثم اختلفوا ما يقال: فمنهم من قال: يقول: (الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا)، ومنهم من قال: يقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، ومنهم من قال غير ذلك.\n• وذهب مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة إلى الموالاة بينها، فإذا كبَّر وقف يسيرًا بغير ذكر يأخذ نفسًا، ثم يكبِّر، وهكذا، وهذا القول هو الصواب؛ لعدم ورود ذكر عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في هذا الموضع وهو اختيار ابن القيم -﵀-، ورجَّحه شيخنا -رحمه الله تعالى-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1298>مسألة [٤]: حكم التكبيرات</span>.\nقال ابن قدامة -﵀-: والتكبيرات، والذكر بينهما سُنَّةٌ، وليس بواجب، ولا تبطل الصلاة بتركه عمدًا، ولا سهوًا، ولا أعلم فيه خلافًا. اهـ\nقلتُ: أما الذكر بينهما؛ فليس بمشروع كما تقدم. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٢٧٢).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٢٧٤)، «النَّيْل» (١٢٨٩)، «الأوسط» (٤/ ٢٨٠).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٣/ ٢٧٥).","vol":"3","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1299>مسألة [٥]: من نسي التكبير وشرع في القراءة</span>؟\n• منهم من قال: يعود للتكبير، ثم يقرأ، وهو قول مالك، وأبي ثور، وقول للشافعي، ووجهٌ للحنابلة.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يعود، وهو قول للشافعي، ووجهٌ للحنابلة.\nقلتُ: والقول الثاني أرجح؛ لأنها سنة فات محلها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1300>مسألة [٦]: من شك في عدد التكبيرات</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٢٧٦): وإذا شك في عدد التكبيرات؛ بنى على اليقين؛ فإن كبَّر، ثم شك: هل نوى الإحرام، أم لا؟ ابتدأ صلاته هو ومن خلفه؛ لأنَّ الأصل عدم النية؛ إلا أن يكون وسواسًا، فلا يلتفت إليه. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1301>مسألة [٧]: متى يقال دعاء الاستفتاح</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقال عقب تكبيرة الإحرام، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد.\n• وذهب بعضهم إلى أنه يستفتح عقب التكبيرات كلها، وهذا قول الأوزاعي، ورواية عن أحمد.\nقال أبو عبد الله: الصواب القول الأول؛ لأنَّ الاستفتاح شرع ليستفتح به الصلاة، فكان في أولها كسائر الصلوات، وبهذا قال ابن قدامة -﵀-. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٢٧٥).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٢٧٣) «الأوسط» (٤/ ٢٨١).","vol":"3","page":313},{"text":"٤٨٠ - وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ -﵁- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الأَضْحَى والفطر بِـ: ﴿ق﴾ وَ﴿اقْتَرَبَتِ﴾. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيستحب أن يقرأ في ركعتي العيد بهاتين السورتين المذكورتين في الحديث.\nوقد اختار القراءة بهاتين السورتين الشافعي -﵀-.\nواختار أحمد القراءة بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾؛ لأنَّ ذلك ثبت أيضًا عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في «صحيح مسلم» (٨٧٨)، عن النعمان بن بشير، وكما في «مسند أحمد» (٥/ ٧)، عن سمرة بن جندب -﵃-.\nقلتُ: وبأيهما قرأ؛ فقد أصاب السنة، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٨٩١).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٢٦٩).","vol":"3","page":314},{"text":"٤٨١ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا كَانَ يَوْمُ العِيدِ خَالَفَ الطَّرِيقَ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n٤٨٢ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1302>مسألة [١]: حكم مخالفة الطريق في يوم العيد</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- (٩٨٦): وقد استحب كثير من أهل العلم للإمام وغيره إذا ذهبوا في طريق إلى العيد أن يرجعوا في غيره، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، ولو رجع من الطريق الذي خرج منه لم يُكره. انتهى المراد.\nقال الحافظ ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (١/ ٤٤٩) -وهو يذكر الاختلاف في بيان الحكمة من ذلك-، قال: قِيْلَ: لِيُسَلّمَ عَلَى أَهْلِ الطّرِيقَيْنِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٩٨٦). وقد اختلف في صحابيه، فقيل عن جابر، وقيل عن أبي هريرة.\nورجح البخاري أنه عن جابر، ورجح أبومسعود الدمشقي أنه عن أبي هريرة، وهو ترجيح البيهقي أيضًا والتركماني وابن رجب، وذكر أن أحمد أشار إلى ذلك، ورجح ذلك أيضًا الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٣/ ١٠٤ - ١٠٥). وانظر «الفتح» (٩٨٦) لابن رجب وابن حجر.\n(^٢) الراجح وقفه على ابن عمر. أخرجه أبوداود (١١٥١) من طريق عبدالله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر به. وإسناده ضعيف من أجل العمري، وقد قال أحمد: لم أسمع هذا قط، وقال أيضًا: العمري يرفعه، ومالك وابن عيينة لا يرفعانه يعني يقفانه على ابن عمر من فعله.\nقال ابن رجب: وقد رواه وكيع عن العمري موقوفًا.\nفالراجح في الحديث الوقف على ابن عمر -﵄-. وانظر «الفتح» لابن رجب (٩٨٦).","vol":"3","page":315},{"text":"وَقِيلَ. لِيَنَالَ بَرَكَتَهُ الْفَرِيقَانِ. وَقِيلَ: لِيُظْهِرَ شَعَائِرَ الْإِسْلَامِ فِي سَائِرِ الْفِجَاجِ وَالطّرُقِ. وَقِيلَ: لِيَغِيظَ الْمُنَافِقِينَ بِرُؤْيَتِهِمْ عِزّةَ الْإِسْلَامِ وَأَهْلَهُ، وَقِيَامَ شَعَائِرِهِ. وَقِيلَ: لِتَكْثُرَ شَهَادَةُ الْبِقَاعِ؛ فَإِنَّ الذّاهِبَ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْمصَلّى إحْدَى خُطْوَتَيْهِ تَرْفَعُ دَرَجَةً وَالْأُخْرَى تَحُطّ خَطِيئَةً حَتّى يَرْجِعَ إلَى مَنْزِلِهِ. وَقِيلَ وَهُوَ الْأَصَحّ: إنّهُ لِذَلِكَ كُلّهِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحِكَمِ الّتِي لَا يَخْلُو فِعْلُهُ عَنْهَا. اهـ","vol":"3","page":316},{"text":"٤٨٣ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - المَدِينَةَ، وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: «قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الفِطْرِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nقال المغربي -﵀- في «البدر التمام» (٤/ ٤٤): في الحديث دلالة على أنَّ السرور، وإظهار النشاط والحبور في العيدين مندوبٌ، وأنَّ ذلك من الشريعة التي شرعها الله لعباده؛ إذ في إبدال عيدي الجاهلية بالعيدين المذكورين دلالة على أنه يفعل في العيدين المشروعين مثلما تفعله الجاهلية في أعيادها، وإنما خالفهم في تعيين الوقت. اهـ\nقال الصنعاني -﵀- في «السبل»: ومراده من أفعال الجاهلية ما ليس بمحظور، ولا شاغل عن طاعة. اهـ\nقلتُ: وفي «الصحيحين» (^٢) عن عائشة -﵂-، أنَّ أبا بكر دخل بيتها، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مضطجعٌ، وعندها جاريتان تغنِّيان، وتضربان بالدف، فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله - ﷺ -. فقال رسول الله - ﷺ -: «دعهما يا أبا بكر؛ فإنها أيام عيد»، وفي رواية: «إنَّ لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا».\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- (٩٥٢): قوله: «وهذا عيدنا» يريد أنَّ إظهار السرور في العيد من شعار الدين، وحكم اليسير من الغناء خلاف الكثير. اهـ\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (١١٣٤)، والنسائي (٣/ ١٧٩ - ١٨٠)، وإسناده صحيح كما قال الحافظ -﵀-.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٩٤٩) (٩٥٢)، ومسلم برقم (٨٩٢).","vol":"3","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1303>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1304>مسألة [١]: حكم ضرب الدف من الرجال</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- (٩٥٢): وقد وردت الشريعة بالرخصة للنساء؛ لضعف عقولهن بما حرم على الرجال من التحلي والتزين بالحرير، والذهب، وإنما أُبيح للرجال منها اليسير دون الكثير، فكذلك الغناء يرخص فيه للنساء في أيام السرور، وإن سمع ذلك الرجال تبعًا؛ ولهذا كان جمهور العلماء على أن الضرب بالدف للغناء لا يباح فعله للرجال؛ فإنه من التشبه بالنساء، وهو ممنوع منه، هذا قول الأوزاعي، وأحمد، وكذا ذكر الحليمي وغيره من الشافعية، وإنما كان يضرب بالدفوف في عهد النبي - ﷺ - النساء، أو من يشبه بهن من المخنثين، وقد أمر النبي - ﷺ - بنفي المخنثين وإخراجهم من البيوت. اهـ\nقلتُ: ويدل على تحريم ضرب الدف في حق الرجال قول أبي بكر في الحديث المتقدم: «أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله»، وأقرَّه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على ذلك، وإنما أباحه للنساء بسبب أنها أيام العيد كما في الحديث.\nقال ابن رجب -﵀- (٩٥٢): وقد أقرَّ أبا بكر على تسمية الدف مزمور الشيطان، وهذا يدل على وجود المقتضي للتحريم لولا وجود المانع. اهـ\nويدل على تحريمه في حق الرجال أيضًا دخوله في عموم حديث أبي عامر الأشعري في «البخاري» (٥٥٩٠): «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر،","vol":"3","page":318},{"text":"والحرير، والخمر، والمعازف»، والدف من المعازف، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1305>مسألة [٢]: حكم الدف في حق النساء</span>.\n• إذا كان خاليًا من الجلاجل المصوتة ونحوها؛ فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب:\nالأول: أنه يرخص فيه مطلقًا للنساء، رُوي عن أحمد ما يشهد له، واختاره طائفة من أصحابه.\nالثاني: إنما يرخص فيه في الأعراس ونحوها، وهو مروي عن عمر بن عبدالعزيز، والأوزاعي، وهو قول كثير من الحنابلة، أو أكثرهم.\nالثالث: أنه لا يرخص فيه بحال، وهو قول النخعي، وأبي عبيد، وطائفة من أصحاب ابن مسعود -﵁-.\nقلتُ: القول الثاني هو الصواب؛ للأحاديث المتقدمة في المسألة قبلها؛ لأنَّ الأحاديث التي فيها الرخصة للنساء بضرب الدف جاءت في المسرَّة، وما أشبهها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1306>مسألة [٣]: الدف إذا كان مجلجلا</span>.\nقال ابن رجب -﵀- «الفتح» (٩٥٢): وليس الغناء والدف المرخص فيهما في معنى ما في غناء الأعاجم ودفوفها المصلصلة؛ لأن غناءهم ودفوفهم تحرك الطباع وتهيجها إلى المحرمات، بخلاف غناء الأعراب، فمن قاس أحدهما على\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٩٥٢).","vol":"3","page":319},{"text":"الآخر فقد أخطأ أقبح الخطأ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل، فقياسه من أفسد القياس وأبعده عن الصواب. اهـ\nوقال -﵀- أيضًا: وأما استماع آلات الملاهي المطربة المتلقاة من وضع الأعاجم؛ فمحرم مُجمع على تحريمه، ولا يعلم عن أحد منه الرخصة في شيء من ذَلِكَ، ومن نقل الرخصة فيه عن إمام يعتد به؛ فقد كذب وافترى. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1307>مسألة [٤]: الغناء المهيج للطباع</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٩٥٢): وأما الغناء المهيج للطباع، المثير للهوى؛ فلا يباح لرجل ولا لامرأة فعله، ولا استماعه؛ فإنه داع إلى الفسق، والفتنة في الدين، والفجور؛ فيحرم كما يحرم النظر بشهوة إلى الصور الجميلة؛ فإن الفتنة تحصل بالنظر وبالسماع؛ ولهذا جعل النبي - ﷺ - زنا العينين النظر، وزنا الأذن الاستماع. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: كتاب «تحريم آلات اللهو والطرب» للألباني -﵀-.","vol":"3","page":320},{"text":"٤٨٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى العِيدِ مَاشِيًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nاستحب أهل العلم الذهاب إلى المصلَّى مشيًا، وأن لا يُركب إلا من عذرٍ، أو حاجة، قال الترمذي عقب حديث الباب: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، يستحبون أن يُخْرَجَ إلى العيد ماشيًا .... اهـ. (^٢)\nقلتُ: ويدل على استحباب المشي قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «دِيَارَكُم تُكتَبُ آثَارُكُم»، وقوله: «كل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة»، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه الترمذي (٥٣٠)، وفي إسناده الحارث الأعور، وقد كُذِّب، وفيه: شريك القاضي، وهو سيئ الحفظ؛ فتحسين الترمذي فيه تساهل.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٢٦٢)، «الأوسط» (٤/ ٢٦٣).\n(^٣) وانظر: «الأوسط» (٤/ ٢٦٣).","vol":"3","page":321},{"text":"٤٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاةَ العِيدِ فِي المَسْجِدِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1308>مسألة [١]: أين تُصلَّى صلاة العيد</span>؟\nدلَّ حديث الباب على أنَّ صلاة العيد تُصلَّى في المسجد إذا احتيج إلى ذلك من مطرٍ، أو بردٍ شديد ونحوه.\nوحديث الباب، وإن كان ضعيفًا؛ فيغني عنه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ الدين يسر».\nوأما إذا لم يُحْتَجْ إلى المسجد؛ فالجمهور يستحبون أن تكون الصلاة في المصلَّى؛ لمداومة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على ذلك.\n• وخالف الشافعي، فقال: إنْ كان المسجد واسعًا يسعهم؛ فيصلون فيه؛ لأنها أحب الأماكن إلى الله.\n• وردَّ عليه الجمهور بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ترك مسجده مع ما فيه من الفضيلة. والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (١١٦٠)، وفي إسناده عيسى بن عبدالأعلى الفروي وهو مجهول، وعبيدالله بن عبدالله بن موهب، وهو مجهول الحال؛ فالحديث ضعيف لا يثبت.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٢٦٠)، «سبل السلام».","vol":"3","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1309>فَصْل فِي ذِكْرِ مَسَائِلَ مُلْحَقَةٍ فِي هَذَا البَاب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1310>مسألة [١]: التعجيل بصلاة العيد</span>.\n• ذهب مالك، وربيعة إلى استحباب تعجيل صلاة العيد، سواء الفطر، أو الأضحى؛ لحديث عبدالله بن بسر المتقدم في المسألة رقم [١] تحت حديث (٤٧٠).\n• وذهب الجمهور إلى استحباب تأخير الفطر شيئًا حتى يتمكن الناس من إخراج صدقة الفطر، وإدراك الصلاة، وتعجيل عيد الأضحى حتى يرجع الناس إلى ذبائحهم.\nوتفصيل الجمهور لا دليل عليه، ولكن لو عمل به مراعاةً لحاجة الناس؛ فلا بأس، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1311>مسألة [٢]: من فاتته صلاة العيد مع الإمام، فكم يصليها</span>؟\n• ذهب أكثر العلماء إلى أنه يصليها ركعتين، ويكبر تكبير الإمام، وهو قول عطاء، وابن سيرين، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، والحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وغيرهم؛ إلا أنَّ عطاء، والأوزاعي، وأحمد في رواية قالوا: لا يكبر كتكبير الإمام.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» لابن رجب (٩٦٨)، «المغني» (٣/ ٢٦٧).","vol":"3","page":323},{"text":"• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يصليها أربعًا، ثبت ذلك عن ابن مسعود (^١)، وهذا قول الشعبي، والثوري، وأحمد في رواية، وكأنهم قاسوها على الجمعة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنَّ الله تعالى شرع صلاة العيد ركعتين، فما هو دليلهم أنَّ من فاتته الصلاة مع الإمام صلَّاها أربعًا؟!. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1312>مسألة [٣]: إذا أدرك الإمامَ وقد صلى، وهو في الخطبة</span>؟\n• اختار بعض أهل العلم أنه يجلس يسمع الخطبة، ثم إذا فرغ صلَّى، وهو قول الأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد.\n• واختار الليث أنه يصلي والإمام يخطب.\nوللشافعية وجهان فيما إذا كان ذلك في المسجد:\n• فمنهم من قال: يصلي التحية، ويؤخر صلاة العيد إلى عقب الخطبة.\n• ومنهم من قال: بل يصلي العيد، وتجزئه عن تحية المسجد.\nقلتُ: والوجه الثاني أقرب وأولى، والله أعلم.\nوأما إذا كان في المصلَّى؛ فالمختار ما قاله أحمد، والشافعي، ومن معهما، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٨٣)، بإسنادين: أحدهما منقطع، والثاني: فيه حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ومدلس، ولم يصرح بالسماع؛ فالأثر حسن بالطريقين.\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب «[باب (٢٥) من كتاب العيدين].\n(^٣) وانظر: «الفتح» لابن رجب [باب (٢٥) من كتاب العيدين].","vol":"3","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1313>مسألة [٤]: هل يُشترط لصلاة العيد عدد</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنه لا يُشترط، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وهو قول أكثر العلماء.\nالثاني: أنه يُشترط، وهو قول أبي حنيفة، وإسحاق، وأحمد في رواية، وكأنهم قاسوه على الجمعة.\nوالقول الأول هو الصواب؛ لعدم وجود دليل يدل على اشتراط ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1314>مسألة [٥]: هل يُصلي في البيت من له عذر عن الخروج إلى المصلى</span>؟\n• ذهب أكثر العلماء إلى أنه يصليها في بيته ركعتين كصلاة الإمام.\n• وذهب الثوري، وإسحاق إلى أنه يصليها أربعًا.\n• وأما الحنفية فقالوا: لا يصلي.\nوالصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1315>مسألة [٦]: هل يصلي المسافر صلاة العيد</span>؟\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يصليها، وهو قول جمهور الحنابلة، ورواية عن أحمد، وهو\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب [باب (٢٥) من كتاب العيدين].\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب [باب (٢٥) من كتاب العيدين].","vol":"3","page":325},{"text":"قول إسحاق، وأصحاب الرأي وغيرهم.\nالقول الثاني: أنه يصليها، وهو قول مالك، والشافعي وأصحابهما، وأحمد في رواية اختارها بعض أصحابه.\nوالقول الأول أصح؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُنقل عنه أنه صلَّاها في سفره كما في حجة الوداع، وكما في فتح مكة، وغيرهما.\nوهذا القول رجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠)، «غاية المرام» (٧/ ٢٩٥)، «شرح ابن رجب» [باب (٢٥) من كتاب العيدين].","vol":"3","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1316>بَابُ صَلاةِ الكُسُوفِ</span>\n٤٨٦ - عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -﵁- قَالَ: انْكَسَفَتِ (^١) الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ، (فَقَالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ) (^٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَادْعُوا اللهَ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْكَشِفَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣)، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «حَتَّى تَنْجَلِيَ». (^٤)\n\n٤٨٧ - وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ -﵁-: «فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشفَ مَا بِكُمْ». (^٥)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1317>مسألة [١]: حكم صلاة الكسوف</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنها سنة مؤكدة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بها، وصلَّاها، ولم يقولوا بوجوبها؛ لحديث: «خمس صلوات في اليوم والليلة ...» (^٦)، الحديث.\n_________\n(^١) الكسوف، والخسوف هو ذهاب نور الشمس، أو القمر، أو ذهاب بعضه.\n(^٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٠٤٣)، ومسلم (٩١٥). وليس عند مسلم قول الناس، ولا عند البخاري «حتى تنكشف».\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (١٠٦٠). بلفظ «حتى ينجلي» وهو كذلك في (أ).\n(^٥) أخرجه البخاري برقم (١٠٤٠).\n(^٦) تقدم تخريجه في أوائل الصلاة.","vol":"3","page":327},{"text":"ولأن النبي - ﷺ - قد قرن بالأمر بها، الأمر بالصدقة، والعتق، وليس واحدٌ منهما واجبًا؛ لأن النبي - ﷺ - لم يرد عنه فعله يوم كسفت الشمس فدل على عدم الوجوب.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب صلاة الكسوف، وهو قول أبي عوانة في «صحيحه»، وحُكي عن أبي حنيفة، وقال به بعض الحنابلة.\nقلتُ: وهذا القول أقرب -والله أعلم-؛ للأمر بذلك من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما إيجاب الخمس الصلوات في اليوم والليلة؛ فليس فيه دلالة على أنَّ صلاة الكسوف مستحبة وليست واجبة؛ لأنَّ المقصود من الحديث بيان الواجب عليه من الصلوات في اليوم والليلة، لا نفي غيرها مما يجب عليه بسبب، وأما الصدقة والعتق؛ فإن النبي - ﷺ - لم يفعل ذلك يوم الكسوف؛ فدل على عدم الوجوب، وأما الصلاة؛ فإنه ﵊ بادر إليها، وأمر بها، والله أعلم، ورجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- أنها فرض على الكفاية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1318>مسألة [٢]: وقت صلاة الكسوف</span>.\nيبدأ وقتها بحصول الكسوف، وينتهي وقتها بانجلاء الشمس، أو القمر؛ لحديث المغيرة، وأبي بكرة اللَّذَيْنِ في الباب، والعمل على هذا عند أهل العلم. (^٢)\nفائدة مهمة: قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٧٤ - ١٧٦): وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - «لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٤١٦)، «الفتح» (١٠٤٠)، «المغني» (٣/ ٣٣٠)، «صحيح أبي عوانة» (٢/ ٩٢)، «الشرح الممتع» (٥/ ٢٣٧).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٥/ ٥٤)، «المغني» (٣/ ٣٣٠).","vol":"3","page":328},{"text":"وَلَا لِحَيَاتِهِ»، أَيْ: لَا يَكُونُ الْكُسُوفُ مُعَلَّلًا بِالْمَوْتِ؛ فَهُوَ نَفْيُ الْعِلَّةِ الْفَاعِلَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -؛ إذْ رُمِيَ بِنَجْمِ فَاسْتَنَارَ، فَقَالَ: «مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟» فَقَالُوا: كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ عَظِيمٌ، أَوْ مَاتَ عَظِيمٌ.\nفَقَالَ: «إنَّهُ لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ إذَا قَضَى بِالْأَمْرِ سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ»، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي مُسْتَرِقِ السَّمْعِ، فَنَفَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَكُونَ الرَّمْيُ بِهَا لِأَجْلِ أَنَّهُ قَدْ وُلِدَ عَظِيمٌ أَوْ مَاتَ عَظِيمٌ؛ بَلْ لِأَجْلِ الشَّيَاطِينِ الْمُسْتَرِقِينَ السَّمْعَ، فَفِي كِلَا الْحَدِيثَيْنِ مِنْ أَنَّ مَوْتَ النَّاسِ وَحَيَاتَهُمْ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِكُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَلَا الرَّمْيَ بِالنَّجْمِ؛ وَإِنْ كَانَ مَوْتُ بَعْضِ النَّاسِ قَدْ يَقْتَضِي حُدُوثَ أَمْرٍ فِي السَّمَوَاتِ كَمَا ثَبَتَ فِي «الصِّحَاحِ»: «إنَّ الْعَرْشَ عَرْشَ الرَّحْمَنِ اهْتَزَّ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ»، وَأَمَّا كَوْنُ الْكُسُوفِ أَوْ غَيْرُهُ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِحَادِثِ فِي الْأَرْضِ مِنْ عَذَابٍ يَقْتَضِي مَوْتًا أَوْ غَيْرِهِ فَهَذَا قَدْ أَثْبَتَهُ الْحَدِيثُ نَفْسُهُ، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - لَا يُنَافَى لِكَوْنِ الْكُسُوفِ لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ يَكُونُ فِيهِ حَيْثُ لَا يَكُونُ كُسُوفُ الشَّمْسِ إلَّا فِي آخِرِ الشَّهْرِ لَيْلَةَ السِّرَارِ وَلَا يَكُونُ خُسُوفُ الْقَمَرِ إلَّا فِي وَسَطِ الشَّهْرِ وَلَيَالِي الْإِبْدَارِ، وَمَنْ ادَّعَى خِلَافَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ أَوْ الْعَامَّةِ؛ فَلِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْحِسَابِ؛ وَلِهَذَا يُمْكِنُ الْمَعْرِفَةُ بِمَا مَضَى مِنْ الْكُسُوفِ وَمَا يَسْتَقْبِلُ كَمَا يُمْكِنُ الْمَعْرِفَةُ بِمَا مَضَى مِنْ الْأَهِلَّةِ وَمَا يَسْتَقْبِلُ؛ إذْ كُلُّ ذَلِكَ بِحِسَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام:٩٦]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿\nالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ","vol":"3","page":329},{"text":"بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن:٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس:٥]، وَقَالَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، وَمِنْ هُنَا صَارَ بَعْضُ الْعَامَّةِ إذَا رَأَى الْمُنَجِّمَ قَدْ أَصَابَ فِي خَبَرِهِ عَنْ الْكُسُوفِ الْمُسْتَقْبَلِ يَظُنُّ أَنَّ خَبَرَهُ عَنْ الْحَوَادِثِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ؛ فَإِنَّ هَذَا جَهْلٌ؛ إذْ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ بِمَنْزِلَةِ إخْبَارِهِ بِأَنَّ الْهِلَالَ يَطْلُعُ: إمَّا لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، وَإِمَّا لَيْلَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ؛ فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ أَجْرَى اللهُ بِهِ الْعَادَةَ لَا يُخْرَمُ أَبَدًا، وَبِمَنْزِلَةِ خَبَرِهِ أَنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ آخِرَ النَّهَارِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، فَمَنْ عَرَفَ مَنْزِلَةَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَجَارِيَهُمَا عَلِمَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عِلْمًا قَلِيلَ الْمَنْفَعَةِ، فَإِذَا كَانَ الْكُسُوفُ لَهُ أَجَلٌ مُسَمًّى لَمْ يُنَافِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَجَلِهِ يَجْعَلُهُ اللهُ سَبَبًا لِمَا يَقْضِيهِ مِنْ عَذَابٍ وَغَيْرِهِ لِمَنْ يُعَذِّبُ اللهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يُنْزِلُ اللهُ بِهِ ذَلِكَ. اهـ\nوقال -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٥٩): وَفِي رِوَايَةٍ فِي «الصَّحِيحِ»: «وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ»، وَهَذَا بَيَانٌ مِنْهُ - ﷺ - أَنَّهُمَا سَبَبٌ لِنُزُولِ عَذَابٍ بِالنَّاسِ؛ فَإِنَّ اللهَ إنَّمَا يُخَوِّفُ عِبَادَهُ بِمَا يَخَافُونَهُ إذَا عَصَوْهُ وَعَصَوْا رُسُلَهُ، وَإِنَّمَا يَخَافُ النَّاسُ مِمَّا يَضُرُّهُمْ فَلَوْلَا إمْكَانُ حُصُولِ الضَّرَرِ بِالنَّاسِ عِنْدَ الْخُسُوفِ؛ مَا كَانَ ذَلِكَ تَخْوِيفًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩]، وَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِمَا يُزِيلُ الْخَوْفَ، أَمَرَ بِالصَّلَاةِ، وَالدُّعَاءِ، وَالِاسْتِغْفَارِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقِ؛ حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِالنَّاسِ، وَصَلَّى بِالْمُسْلِمِينَ فِي الْكُسُوفِ صَلَاةً طَوِيلَةً. اهـ","vol":"3","page":330},{"text":"٤٨٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَهَرَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1319>مسألة [١]: الجهر في صلاة الكسوف</span>.\n• اختلف أهل العلم في كسوف الشمس: هل يُسَرُّ بالقراءة، أم يُجهر؟ على قولين:\nالأول: الإسرار بالقراءة، وهو قول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، والليث، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس في «مسند أحمد» (١/ ٢٩٣)، قال: صليت خلف النبي - ﷺ - الكسوف، فلم أسمع منه حرفًا، وفي إسناده: ابن لهيعة، وهو ضعيف.\nواستدلوا بحديث سمرة بن جندب -﵁- عند أحمد (٥/ ١٩)، بمثل حديث ابن عباس، وفي إسناده: ثعلبة بن عباد، وهو مجهول.\nواستدلوا بحديث عائشة -﵂- في «سنن أبي داود» (١١٨٧)، قالت: حزرتُ قراءة رسول الله - ﷺ - في الكسوف، فرأيت أنه قرأ سورة البقرة. وظاهر إسناده\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٦٥)، ومسلم (٩٠١) (٥).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٩٠١) (٤).","vol":"3","page":331},{"text":"الحُسْن، فيه: محمد بن إسحاق، وقد صرَّح بالتحديث.\nواستدلوا بحديث ابن عباس -﵄- الذي في الكتاب: «فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة».\nالثاني: الجهر بالقراءة، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وداود، وابن المنذر، وابن خزيمة، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، واستدلوا بحديث عائشة -﵂- الذي في الباب.\nوهذا القول هو الراجح، وأدلة أصحاب القول الأول ضعيفة، وأما حديث عائشة؛ فهو مُعَارَضٌ بحديثها في «الصحيحين»، وابن إسحاق لا يُحتَجُّ به إذا خالف، ويمكن أن يُأَوَّل هو وحديث ابن عباس الذي بعده بأنهم كانوا بعيدين، فلم يسمعوا قراءة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والله أعلم.\nوأما في كسوف القمر فلا إشكال بينهم أنه يجهر؛ لأنها صلاة ليلية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1320>مسألة [٢]: كيف يُنادَى لصلاة الكسوف</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (٣/ ٣٢٢): وَيُسَنُّ أَنْ يُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِالله بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: لَمَّا كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - نُودِيَ بِالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢)، وَلَا يُسَنُّ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّاهَا بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَلِأَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ النَّوَافِلِ. اهـ. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٥/ ٥٢)، «شرح السنة» (٤/ ٣٨٢)، «المغني» (٣/ ٣٢٥).\n(^٢) انظر: «البخاري» رقم (١٠٤٥)، ومسلم رقم (٩١٠).\n(^٣) وانظر: «المجموع» (٥/ ٤٤).","vol":"3","page":332},{"text":"٤٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَصَلَّى، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدِ انْجَلَتِ (^١) الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^٢)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: صَلَّى حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ. (^٣)\n\n٤٩٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- مِثْلُ ذَلِكَ. (^٤)\n_________\n(^١) في (ب): (تجلت).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧).\n(^٣) معل غير محفوظ. أخرجه مسلم (٩٠٨) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس به. وحبيب مدلس، ولم يصرح بالتحديث، وقد أعل البيهقي وابن حبان الحديث بسبب ذلك.\nقلتُ: وهو معل بمخالفته للأحاديث الصحيحة التي فيها أنه صلى ركوعين في كل ركعة. وهي أصح من هذه الرواية. أخرجها الشيخان عن عائشة وابن عباس.\nوأخرجها مسلم عن جابر، وجاءت عن جماعة من الصحابة؛ ولذلك فقد أعل رواية مسلم الشافعيُّ وأحمد والبخاري، ثم شيخ الإسلام وابن القيم. وانظر: «زاد المعاد» (١/ ٤٥٣).\n(^٤) ذكره مسلم في «صحيحه» عقب الحديث السابق، كما ذكره الحافظ وبنفس اللفظ. وقد أخرجه أحمد (١/ ١٤٣) من طريق حنش بن ربيعة، [ويقال ابن المعتمر] عن علي موقوفًا. وحنش بن ربيعة ضعيف. فالأثر ضعيف.","vol":"3","page":333},{"text":"٤٩١ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ -﵁-: صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ. (^١)\n\n٤٩٢ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -﵁-: صَلَّى فَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَفَعَلَ فِي الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1321>مسألة [١]: كم عدد الركوعات في صلاة الكسوف</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالأول: ركوعان في كل ركعة، وهذا قول الشافعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والجمهور؛ لأنَّ هذا هو الثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في صلاة الكسوف، وهذا اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني، وعليه الفتوى عند علمائنا المعاصرين.\nالثاني: يجوز ركوعان، وثلاثة، وأربعة في كل ركعة، عملًا بالأحاديث الواردة في ذلك، وهذا القول رُوي عن أحمد، وأخذ به بعض الحنابلة، والشافعية، ومن المحدثين: ابن خزيمة، وابن المنذر، والخطابي، وغيرهم، وقد تقدم أنَّ\n_________\n(^١) معل غير محفوظ. أخرجه مسلم برقم (٩٠٤) (١٠). من طريق عبدالملك، عن عطاء، عن جابر به مطولًا، وعبدالملك هو ابن أبي سليمان له أخطاء، وقد أشار البيهقي بالمعرفة إلى توهيم عبدالملك في هذا الحديث.\nقلتُ: وهو مخالف لأحاديث الصحيحين. وقد أعله جماعة من الحفاظ كما تقدم.\n(^٢) ضعيف منكر. أخرجه أبوداود (١١٨٢)، وفي إسناده أبوجعفر الرازي وهو ضعيف. وقد خالف أحاديث «الصحيحين»، فحديثه منكر، والله أعلم.","vol":"3","page":334},{"text":"الأحاديث لم يثبت منها إلا ركوعان في كل ركعة.\nالثالث: يصلي ركعتين كما يصلي الجمعة والصبح، يعني ركوع في كل ركعة، وهذا قول النخعي، والثوري، وأبي حنيفة. وقد استُدِلَّ لهم بحديثين: أحدهما عن النعمان بن بشير في «سنن أبي داود» (١١٩٣)، والآخر عن قبيصة بن المخارق في «مسند أحمد» (٥/ ٦٠)، وفي إسنادهما انقطاع، واختلاف في الإسناد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1322>مسألة [٢]: حكم الجماعة في صلاة الكسوف</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ صلاة الجماعة في الكسوف مستحبة؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنَّ كسوف القمر لا يُصلى فيه جماعة، بل يصلون في بيوتهم فُرادى، وذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن إلى أنَّ الجماعة شرطٌ فيها. والصواب قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1323>مسألة [٣]: حكم الخطبة بعد صلاة الكسوف</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٥٣): قد ذكرنا أنَّ مذهبنا استحباب خطبتين بعد صلاة الكسوف، وبه قال جمهور السلف، ونقله ابن المنذر عن الجمهور، وقال مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وأحمد في رواية: لا تُشرع لها الخطبة. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٥/ ٦٢)، «المغني» (٣/ ٣٢٩)، «غاية المرام» (٧/ ٤٨٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٣/ ٣٢٢)، «غاية المرام» (٧/ ٤٦٤).","vol":"3","page":335},{"text":"قلتُ: وحُجَّةُ من قال: (لا تشرع) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما خطب ليعلم الناس أن الكسوف آية، وأنها لا تحصل لموت أحد، ولا لحياته وما أشبه ذلك، وهذا معلوم لا يحتاج إليه اليوم.\nوحُجَّة الجمهور أنها خطبة مقصودة بحمد، وثناء، وموعظة، وتذكير، وغير ذلك، وهذا هو الراجح، ولكن لا دليل على كونها خطبتين؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يخطب إلا خطبة واحدة؛ فالصواب أنها خطبة واحدة، وهو ظاهر كلام الشوكاني، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1324>مسألة [٤]: الإطالة في صلاة الكسوف</span>.\nاستحب أهل العلم إطالة صلاة الكسوف؛ فيُطيل قيامها وركوعها وسجودها.\n• وقد خالف في إطالة السجود كثير من الشافعية، وبعض الحنابلة، كما في «شرح مسلم»، و«الإنصاف».\n• وأما القيام بعد الركوع الثاني، والجلوس بين السجدتين، فذهب الجمهور وادُّعِيَ إجماعًا إلى أنه لا يطيل فيهما، والواقع وجود خلاف يسير من بعض الحنابلة، وغيرهم، فقالوا بإطالتهما.\nورجَّح هذا الإمام ابن عثيمين -﵀-، وقد جاء في ذلك حديث جابر -﵁- في «صحيح مسلم» (٩٠٤)، وفيه: «ثم ركع، فأطال، ثم قام، فأطال، ثم سجد»، وحديث عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄- في «مسند أحمد» (٦٤٨٣)، وغيره، وفيه: «ثم ركع، فلم يكد يرفع،","vol":"3","page":336},{"text":"ثم رفع، فلم يكد يسجد، ثم سجد، فلم يكد يرفع، ثم رفع، فلم يكد يسجد، ثم سجد، فلم يكد يرفع، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك»، وفي إسناده: عطاء بن السائب، وهو مختلط، ولكن قد روى عنه هذا الحديث شعبة، وسفيان كما في مصادر أخرى كما في «تحقيق المسند» (٦٤٨٣)، وقد رويا عنه قبل الاختلاط. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1325>مسألة [٥]: ماذا يقول المصلي عند رفعه من الركوع الأول</span>؟\nقال النووي -﵀-: يُستحبُّ أن يقول عند رفعه من كل ركوع: (سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد ... إلخ)، ثبت ذلك في «الصحيحين» من فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ونصَّ عليه الشافعي في «الأم»، و«مختصر البويطي»، والمزني والأصحاب. اهـ\nقلتُ: ثبت ذلك من حديث عائشة في «الصحيحين» (^٢)، وقد قال بذلك أيضًا الحنابلة وغيرهم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1326>مسألة [٦]: حكم القيام الثاني، وقراءة الفاتحة فيه، والركوع الثاني من كل ركعة</span>.\nقال الشوكاني -﵀- في «نيل الأوطار»: ولابد من القراءة بالفاتحة في كل ركعة؛ للأدلة الدالة على أنها لا تصح ركعة بدون فاتحة. اهـ\nوقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٩٠١): واتفق العلماء على أنه يقرأ الفاتحة في القيام الأول من كل ركعة، واختلفوا في القيام الثاني، فمذهبنا، ومذهب\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٥/ ٥٠ - ٥١)، «المغني» (٣/ ٣٢٣)، «الإنصاف» (٢/ ٤١٧ -).\n(^٢) انظر: «البخاري» رقم (١٠٤٦)، ومسلم رقم (٩٠١) (٣).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٥/ ٥٢)، «المغني» (٣/ ٣٢٢).","vol":"3","page":337},{"text":"مالك، وجمهور أصحابه أنها لا تصح الصلاة؛ إلا بقراءتها فيه، وقال محمد بن مسلمة من المالكية: لا يقرأ الفاتحة في القيام الثاني. انتهى المراد.\nقلتُ: ويُفهم من كلام النووي أنَّ القيام الثاني، والركوع الثاني من كل ركعة تُعتبر أركانًا عندهم، وعند المالكية.\n• وقد ذهب الحنابلة إلى أنَّ القيام الثاني والركوع الثاني من كل ركعة يُعتبر سنة، والقيام الأول، والركوع الأول هما الركن.\nوالأقرب -والله أعلم- هو المذهب الأول؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالصلاة، وبيَّنَ كيفيتها بفعله، وهو القائل: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلي». (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٤٢١).","vol":"3","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1327>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1328>مسألة [١]: إذا أدرك المأمومُ الإمامَ وقد فاته الركوع الأول</span>؟\n• ذهب الشافعي وأصحابه، وهو وجهٌ للحنابلة أنه لا يكون مُدرِكًا للركعة الأولى، بل إذا سلَّم الإمام؛ قام فزاد ركعة كاملة بقيامين، وركوعين.\n• وذهب جماعةٌ من الحنابلة إلى أنه يكون مُدْرِكًا للركعة.\nوالصواب هو القول الأول، وقد رجَّحه الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1329>مسألة [٢]: صلاة الكسوف في أوقات النهي</span>.\n• منع من ذلك: الحنفية، والمالكية، وأحمد في رواية.\n• وأجاز ذلك: الشافعية، وأحمد في رواية، واختارها جماعة من أصحابه، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وغيره.\nوهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ صلاة الكسوف تُصَلَّى لسبب، وقد تقدم أنَّ ذوات الأسباب تُصلَّى في أوقات النهي على الرَّاجح. انظر: (باب المواقيت من كتاب الصلاة).\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٥/ ٦١)، «المغني» (٣/ ٣٣٢)، «الإنصاف» (٢/ ٤٢١).","vol":"3","page":339},{"text":"٤٩٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: مَا هَبَّتِ رِيْحٌ قَطُّ إلَّا جَثَا النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ: «اللهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nحديث الباب ضعيف جدًّا كما بيناه، وعليه فلا يدعى بالدعاء المذكور فيه عند هبوب الريح.\nولكن ثبت في «صحيح مسلم» (٨٩٩) (١٥)، عن عائشة -﵂-، وفي «السنن» عن أُبي بن كعب، وأبي هريرة وغيرهما -﵃-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقول: «اللهم، إني أسألك خيرها، وخير ما أُمِرت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما أُمرت به». (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه الشافعي كما في «المسند» (١/ ١٧٥) وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى وهو كذاب. وأخرجه الطبراني في «الكبير» (١١/ ٢١٣ - ٢١٤) وفي إسناده الحسين بن قيس أبوعلي الرحبي وهو متروك.\n(^٢) حديث أبي بن كعب -﵁- أخرجه الترمذي (٢٢٥٢)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٩٣٤)، بإسناد صحيح.\n\nوحديث أبي هريرة -﵁- أخرجه أبو داود (٥٠٩٧)، وابن ماجه (٣٧٢٧)، وإسناده صحيح، واللفظ لأبي بن كعب، وحديث أبي هريرة بلفظ الأمر.","vol":"3","page":340},{"text":"٤٩٤ - وَعَنْهُ -﵁-: أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَقَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ الآيَاتِ. رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ. (^١)\n\n٤٩٥ - وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيِّ -﵁- مِثْلَهُ دُونَ آخِرِهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1330>مسألة [١]: هل يُصلَّى في الآيات غير كسوف الشمس والقمر</span>؟\n• في المسألة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: يُصلَّى للزلازل دون غيرها من الآيات، وهو المشهور عند الحنابلة، وهو قول إسحاق، وأبي ثور، واستدلوا بفعل ابن عباس، وعلي -﵃-، وجاء عن حُذيفة -﵁- بسند منقطع.\nالقول الثاني: يُصلَّى لكل آية تخويف؛ لحديث أبي موسى -﵁- في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «هذه الآيات يرسلها الله يخوف بها عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك؛ فافزعوا إلى ذكر الله، ودعائه، واستغفاره» (^٣)، وهذا قول أبي حنيفة، وابن حزم، وأحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام.\nالقول الثالث: لا يُصلَّى إلا لكسوف الشمس، والقمر، وهو مذهب مالك،\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه البيهقي (٣/ ٣٤٣)، وهو في «مصنف عبدالرزاق» أيضًا (٣/ ١٠١). وإسناده صحيح.\n(^٢) ضعيف. أخرجه الشافعي بلاغًا كما في «سنن البيهقي» (٣/ ٣٤٣) فهو منقطع ضعيف.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٠٥٩)، ومسلم برقم (٩١٢).","vol":"3","page":341},{"text":"والشافعي، إلا أنَّ الشافعي يرى مشروعية الصلاة على الانفراد حتى لا يكون الناس في غفلة، والصحيح قول مالك؛ لأنَّ هذا هو الثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يُنقَلْ أنه صلَّى لِمَا سوى هاتين الآيتين، وقد وُجِدَ في زمنه الريح الشديدة، وقد جاء عن عمر بن الخطاب -﵁-، أنه حدثت في عهده زلزلة، فلم يُصَلِّ.\nقال ابن أبي شيبة -﵀- (٢/ ٤٧٣): حدثنا ابن نمير، عن عبيدالله، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، قالت: زلزلت الأرض على عهد عمر حتى اصطفقت السُّرُر، فوافق ذلك عبدالله بن عمر، وهو يصلي، فلم يدر، قالت: فخطب عمر الناس فقال: أحدثتم، لقد عجلتم. قالت: ولا أعلمه إلا قال: لئن عادت؛ لأخرجن من بين ظهرانيكم. وإسناده صحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1331>مسألة [٢]: إذا اجتمعت صلاة الكسوف مع صلاة أخرى</span>؟\nذهب أكثر أهل العلم إلى أنها إنْ اجتمعت مع فريضة؛ قُدِّمت صلاة الكسوف؛ ما لم يُخشَ فوت وقت الفريضة، وإنْ اجتمعت مع نافلة؛ قُدِّمت عليها، وإنْ كانت تراويح أو وترًا، وإنْ اجتمع مع جنازة؛ قُدِّمت الجنازة؛ لأنَّ الإسراع بها مأمور به، ويُخشى تغيرها. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٥/ ٥٥)، «الشرح الممتع» (٥/ ٢٥٦) مع الحاشية.\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٤٢٣)، «المغني» (٣/ ٣٣١)، «المجموع» (٥/ ٥٥)، «بداية المجتهد» (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤).","vol":"3","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1332>بَابُ صَلاةِ الاسْتِسْقَاءِ</span>\n٤٩٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا (^١)،\nفَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي العِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. (^٢)\n\n٤٩٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قُحُوطَ المَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ بِالمُصَلَّى (^٣)، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى المِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إلَهَ إلَّا اللهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللهُمَّ أَنْتَ اللهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ: أَنْتَ الغَنِيُّ وَنَحْنُ الفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الغَيْثَ،\n_________\n(^١) التبذل: هو ترك التزين، والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع. وقوله: (متخشعًا) أي مظهرًا للخشوع. وقوله: (مترسلًا) أي غير مستعجل في مشيه.\n\nوقوله: (متضرعًا) أي مظهرًا للضراعة، وهي التذلل عند طلب الحاجة. انظر: «النهاية»، و«شرح أبي داود والترمذي».\n(^٢) ضعيف. أخرجه أحمد (١/ ٢٣٠)، وأبوداود (١١٦٥)، والنسائي (٣/ ١٦٣)، والترمذي (٥٥٨) (٥٥٩)، وابن ماجه (١٢٦٦)، وأبوعوانة (٢/ ١٢٢) وابن حبان (٢٨٦٢)، من طريق هشام بن إسحاق بن عبدالله بن كنانة، عن أبيه، عن ابن عباس به. وإسناده ضعيف؛ لأن هشام بن إسحاق مجهول الحال، وأبوه لم يسمع من ابن عباس. قال أبوحاتم: إسحاق بن عبدالله، عن ابن عباس مرسل.\n(^٣) في (ب): (في المصلى).","vol":"3","page":343},{"text":"وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْت عَلَيْنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ» ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللهُ تَعَالَى سَحَابَةً فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. (^١)\n\n٤٩٨ - وَقِصَّةُ التَّحْوِيلِ فِي «الصَّحِيحِ» مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدٍ وَفِيهِ: فَتَوَجَّهَ إلَى القِبْلَةِ يَدْعُو، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ. (^٢)\n\n٤٩٩ - وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ البَاقِرِ: وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ القَحْطُ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1333>مسألة [١]: مشروعية صلاة الاستسقاء</span>.\n• ذهب عامة أهل العلم إلى شرعية صلاة الاستسقاء؛ للأدلة المتكاثرة الدالة عليها، منها الأحاديث المذكورة في الباب.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (١١٧٣) قال: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا خالد بن نزار، حدثني القاسم بن مبرور، عن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به. وإسناده حسن؛ خالد ابن نزار، والقاسم بن مبرور كلاهما ممن يحسن له.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٢٤)، ومسلم (٨٩٤). وليس عند مسلم (جهر فيهما بالقراءة).\n(^٣) حسن. أخرجه الدارقطني (٢/ ٦٦) مرسلًا، ووصله الحاكم (١/ ٣٢٦)؛ فقال: حدثنا أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن المنصور في دار أمير المؤمنين المنصور إملاء، ثنا محمد بن يوسف بن عيسى بن الطباع، حدثني عمي إسحاق بن عيسى، ثنا حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ... فذكره. وظاهر إسناده الحسن.","vol":"3","page":344},{"text":"• وخالف أبو حنيفة، فقال: لا تشرع؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما استسقى في خطبة الجمعة.\nوأجاب عنه الجمهور: بأنَّ دليله لا ينافي الأدلة التي تدل على شرعية الصلاة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1334>مسألة [٢]: صفة صلاة الاستسقاء</span>.\n• قال العيني -﵀- في «عمدة القاري» (٧/ ٣٤) مُعلِّقًا على حديث ابن عباس -﵄-، السَّابق: فيه دلالة على أنه يكبر كما يكبر في العيدين، وإليه ذهب الشافعي، وهو قول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، ومحمد بن جرير الطبري، وهو رواية عن أحمد.\nقال: وذهب جمهور العلماء إلى أنه يكبر فيها كسائر الصلوات تكبيرة واحدة للافتتاح، وهو قول مالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد في المشهور عنه، وأبي ثور، وأبي يوسف، ومحمد وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة، وقال داود: إنْ شاء كبَّر كتكبير العيد، وإن شاء كبر تكبيرة واحدة. اهـ\nقال أبو عبدالله غفر الله له: الصواب قول الجمهور؛ لظاهر حديث عبدالله بن زيد، وعائشة -﵄-؛ فإنهما لم يذكرا أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كبر كتكبير العيد، وأما حديث ابن عباس؛ فقد تقدم أنه ضعيف. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٣٣٦).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٣٣٥).","vol":"3","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1335>مسألة [٣]: هل الخطبة قبل الصلاة، أم بعد الصلاة</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الخطبة قبل الصلاة، وهو قول الليث، وابن المنذر، وأحمد في رواية، وجاء عن بعض التابعين، وصحَّ عن عبد الله بن الزبير -﵁-، واستدلوا بحديث عائشة، وابن زيد -﵄-، اللَّذَيْنِ في الباب.\n• وذهب أحمد، ومالك، والشافعي إلى أنَّ الخطبة بعد الصلاة، وقال ابن عبد البر: وعليه جماعة الفقهاء.\nواستدلوا بحديث ابن عباس -﵄-، الذي تقدم، وفيه ضعفٌ، وبحديث أبي هريرة في «مسند أحمد» (٢/ ٣٢٦)، وفيه: «فصلَّى، ثم خطب»، وفي إسناده: النعمان بن راشد، وهو ضعيفٌ.\nوصحَّ عن عبد الله بن يزيد، أنه صلَّى بالناس الاستسقاء، فصلَّى قبل الخطبة، وفي القوم زيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وهو في «صحيح البخاري» (١٠٢٢).\n• وذهب أحمد في رواية عنه إلى التَّخيير؛ لوجود الأدلة من الطرفين.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو تقديم الخطبة على الصلاة كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأدلة الجمهور ضعيفة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1336>مسألة [٤]: كم خطبة لصلاة الاستسقاء</span>؟\n• ظاهر أدلة الباب أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خطب خطبة واحدة، وهو مذهب أحمد، وعليه أكثر أصحابه، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي، وأبي يوسف، ورجَّحه الزيلعي.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٣٣٨)، «الفتح» (١٠٢٢)، «الأوسط» لابن المنذر (٤/ ٣١٨).","vol":"3","page":346},{"text":"• وذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية إلى أنها خطبتان؛ لحديث ابن عباس -﵄-، وقد تقدم أنه ضعيف، وتقدم أيضًا أن العيد ليس فيه إلا خطبة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1337>مسألة [٥]: متى تُصلَّى صلاة الاستسقاء</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٣٣٧): وَلَيْسَ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ؛ إلَّا أَنَّهَا لَا تُفْعَلُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا مُتَّسِعٌ، فَلَا حَاجَةَ إلَى فِعْلِهَا فِي وَقْتِ النَّهْيِ، وَالْأَوْلَى فِعْلُهَا فِي وَقْتِ الْعِيدِ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - خَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1338>مسألة [٦]: هل يُؤَذَّنُ وَيُقَامُ لصلاة الاستسقاء</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٣٣٧): وَلَا يُسَنُّ لها أَذَانٌ، ولَا إِقَامَة، وَلَا نَعْلَمُ فِيِهِ خِلَافًا. اهـ\nونقل ابن بطال الإجماع أيضًا على أنه لا يُؤذَّنُ لها، ولا يقام، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقال فيها: (الصلاة جامعة)، والصواب قول الآخرين: أنه لا يُنَادَى لها بشيء. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1339>مسألة [٧]: تحويل الرِّداء</span>.\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٣٤٠): وَيُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّدَاءِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٤٣٠)، «الأوسط» (٤/ ٣٢٤)، «المغني» (٣/ ٣٣٩، ٣٤٢)، «نصب الراية» (٢/ ٢٤٢).\n(^٢) وانظر: «غاية المرام» (٧/ ٥٣٨).","vol":"3","page":347},{"text":"• وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُسَنُّ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، فَلَا يُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّدَاءِ فِيهِ كَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ. وَسُنَّةُ رَسُولِ الله - ﷺ - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ، وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، أَنَّ تَحْوِيلَ الرِّدَاءِ مُخْتَصٌّ بِالْإِمَامِ دُونَ الْمَأْمُومِ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - دُونَ أَصْحَابِهِ، وَلَنَا: أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ دَلِيلٌ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب -والله أعلم- اختصاصه بالإمام دون المأموم؛ لأنه لم ينقل أنَّ أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حولوا أرديتهم، ولا أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرهم بذلك.\nوما جاء في «مسند أحمد» (٤/ ٤١)، وفي «المختارة» للضياء (٣٢٧)، «وتحول الناس معه»، فهي زيادة تفرد بها ابن إسحاق؛ فقد روى الحديث بالزيادة المذكورة عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد، به.\nوابن إسحاق شذ بذكره لهذه الزيادة؛ فقد روى الحديث عن عبد الله بن أبي بكر، مالك، والثوري، وابن عيينة، كلهم رووا الحديث بدون الزيادة المذكورة.\nوكذلك روى الحديث أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، والزهري، ومحمد بن أبي بكر، وعمرو بن يحيى المازني، عن عباد بن تميم به، بدون الزيادة. كما في «المسند المصنف المعلل» (١١/ ٢٤٤ -). (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «شرح مسلم» (٨٩٤).","vol":"3","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1340>مسألة [٨]: صفة التحويل</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٣٤١): وَصِفَةُ تَقْلِيبِ الرِّدَاءِ: أَنْ يَجْعَلَ مَا عَلَى الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ، وَمَا عَلَى الْيَسَارِ عَلَى الْيَمِينِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهِشَامِ بْنِ إسْمَاعِيلَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ حَزْمٍ، وَمَالِكٍ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُول بِهِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَ .. .اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب قول الجمهور، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1341>مسألة [٩]: هل يجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء</span>؟\nثبت في حديث عبد الله بن زيد -وهو في الباب- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء.\nوقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٠٢٤): ونقل ابن بطال أيضًا الإجماع عليه. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1342>مسألة [١٠]: استحباب صلاة العيد في المصلى</span>.\nقال الإمام ابن رجب -﵀- في «فتح الباري» (٦/ ٢٩٤): الخروج لصلاة الاستسقاء إلى المصلى مجمع عليه بين العلماء، حتى وافق الشافعي عليه مع قوله: إن الأفضل في العيد أن يصلَّى في الجامع إذا وسعهم؛ وذلك لأن الاستسقاء يجتمع له الخلق الكثير، فهو مظنة ضيق المسجد عنهم، ويحضره النساء والرجال، وأهل الذمة، والبهائم، والأطفال، فلا يسعهم غير الصحراء. اهـ\nقلتُ: وقد دلت أحاديث الباب على استحباب كون صلاة العيد في المصلى.","vol":"3","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1343>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1344>مسألة [١]: إذا استسقى الناس فلم يسقوا، فهل يكررون صلاة الاستسقاء</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والمالكية، والشافعية: أنهم إنْ سُقُوا، وإلا عادوا في اليوم الثاني، والثالث. وقال إسحاق: لا يخرجون إلا مرة؛ لأنَّ النبي - ﷺ - لم يخرج إلا مرة.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَنَا أَنَّ هَذَا أَبْلَغُ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» (^١)، وَأَمَّا النَّبِيُّ فَلَمْ يَخْرُجْ ثَانِيًا؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الْخُرُوجِ بِإِجَابَتِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَالْخُرُوجُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى آكَدُ مِمَّا بَعْدَهَا؛ لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ما رجَّحه ابن قدامة هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1345>مسألة [٢]: إذا عزم الناس على الخروج؛ فسُقُوا قبل أن يخرجوا</span>؟\nقال أبو محمد ابن قدامة -﵀-: وَإِنْ تَأَهَبُوا لِلْخُرُوجِ؛ فَسُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِم، لم يَخْرُجُوا، وشَكَرُوا الله عَلَى نِعْمَتِهِ، وَسَأَلُوه المَزِيْدَ مِنْ فَضْلِهِ. اهـ\nقلتُ: وكذلك إذا خرجوا، وسقوا قبل أن يصلوا، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٤/ ٤٥٢)، وابن عدي في «الكامل» (٧/ ٢٦٢١) عن عائشة -﵂-، وفي إسناده: يوسف بن السفر وهو متروك، وقال ابن عدي في هذا الحديث وغيره مما رواه يوسف: بواطيل كلها. وانظر: «الضعيفة» للإمام الألباني -﵀- (٦٣٧).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٣٤٧).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٣/ ٣٤٧).","vol":"3","page":350},{"text":"٥٠٠ - وَعَنْ أَنَسٍ (-﵁-) أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - قَائِمٌ يَخْطُبُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللهَ يُغِيثُنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ أَغِثْنَا، اللهُمَّ أَغِثْنَا» فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَفِيهِ الدُّعَاءُ بِإِمْسَاكِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nالأحكام المستفادة من الحديث\nفيه استحباب استسقاء الإمام يوم الجمعة في الخطبة كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال النووي: ولا خلاف في جوازه. (^٢)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٣٤٩): وَإِذَا كَثُرَ الْمَطَرُ بِحَيْثُ يَضُرُّهُمْ، أَوْ مِيَاهُ الْعُيُونِ؛ دَعَوْا اللهَ تَعَالَى أَنْ يُخَفِّفَهُ، وَيَصْرِفَ عَنْهُمْ مَضَرَّتَهُ، وَيَجْعَلَهُ فِي أَمَاكِنَ تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، كَدُعَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ -.اهـ\nقلتُ: يُشير إلى ما جاء في حديث أنس الذي في الباب؛ فإنَّ فيه أنَّ رجلًا قام في الجمعة الثانية، فقال يا رسول الله: هلكت الأموال، وانقطعت السبل؛ فادع الله يمسكها عنا. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اللهم، حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضِّرَاب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر».\nقال النووي -﵀-: وفيه استحباب طلب انقطاع المطر على المنازل، والمرافق إذا كثر وتضرروا به، ولكن لا تشرع له صلاة، ولا اجتماع في الصحراء. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠١٤)، ومسلم (٨٩٧).\n(^٢) انظر: «شرح مسلم» (٨٩٤)، «المغني» (٣/ ٣٤٨).","vol":"3","page":351},{"text":"٥٠١ - وَعَنْهُ أَنَّ عُمَرَ -﵁- كَانَ إذَا قُحِطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِالمُطَّلِبِ، وَقَالَ: اللهُمَّ إنَّا كُنَّا نَسْتَسْقِي إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٣٤٦): وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَسْقَى بِمَنْ ظَهَرَ صَلَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إجَابَةِ الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّ عُمَرَ -﵁- اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ - ﷺ -. ثم ذكر حديث الباب.\nثم قال: وَرُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَلَمَّا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ: أَيْنَ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْجرَشِيُّ؟ فَقَامَ يَزِيدُ، فَدَعَاهُ مُعَاوِيَةُ، فَأَجْلَسَهُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ، إنَّا نَسْتَشْفِعُ إلَيْك بِخَيْرِنَا وَأَفْضَلِنَا: يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، يَا يَزِيدُ، ارْفَعْ يَدَيْكَ. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَثَارَتْ فِي الْغَرْبِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، وَهَبَّ لَهَا رِيحٌ، فَسُقُوا حَتَّى كَادُوا لَا يَبْلُغُونَ مَنَازِلَهُمْ، وَاسْتَسْقَى بِهِ الضَّحَّاكُ مَرَّةً أُخْرَى. اهـ\nقلتُ: أثر معاوية مع يزيد أخرجه الفسوي في «المعرفة» (٢/ ٣٨٠) بإسناد صحيح، واستسقاء الضحاك بن قيس الفهري بيزيد أخرجه الفسوي أيضًا في «المعرفة» بإسناد حسن.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٠١٠).","vol":"3","page":352},{"text":"٥٠٢ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَطَرٌ قَالَ: فَحَسَرَ ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ المَطَرِ، وَقَالَ: «إنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nقال الإمام النووي -﵀- في شرح الحديث: مَعْنَى «حَسَرَ»: كَشَفَ، أَيْ: كَشَفَ بَعْض بَدَنه، وَمَعْنَى «حَدِيث عَهْد بِرَبِّهِ»، أَيْ: بِتَكْوِينِ رَبّه إِيَّاهُ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَطَر رَحْمَة، وَهِيَ قَرِيبَة الْعَهْد بِخَلْقِ الله تَعَالَى لَهَا؛ فَيَتَبَرَّك بِهَا، وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِقَوْلِ أَصْحَابنَا: إِنَّهُ يُسْتَحَبّ عِنْد أَوَّل الْمَطَر أَنْ يَكْشِف غَيْر عَوْرَته لِيَنَالَهُ الْمَطَر، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا. اهـ\nقلتُ: وقال بذلك أيضًا الحنابلة كما في «المغني» (٣/ ٣٤٨)، ولكن مع ضعف الحديث؛ فلا يُستحبُّ ما ذُكِر، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٨٩٨). وفي إسناده جعفر بن سليمان الضبعي، وقد أنكر عليه هذا الحديث كما في «الكامل» و«الميزان».","vol":"3","page":353},{"text":"٥٠٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا رَأَى المَطَرَ قَالَ: «اللهُمَّ، صَيِّبًا نَافِعًا». أَخْرَجَاهُ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيُستحبُّ أن يُقال: «اللهُمَّ، صَيِّبًا نَافِعًا» عند نزول المطر؛ لهذا الحديث، ويُستحبُّ أن يُقال بعد المطر: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ لحديث زيد بن خالد الجهني في «الصحيحين» (^٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لهم بعد مطر: «قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا، وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمنٌ بالكوكب».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٠٣٢) ولم يخرجه مسلم.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٨٤٦)، ومسلم برقم (٧١).","vol":"3","page":354},{"text":"٥٠٤ - وَعَنْ سَعْدٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَعَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ: «اللهُمَّ جَلِّلْنَا سَحَابًا، كَثِيفًا، قَصِيفًا، دَلُوقًا، ضَحُوكًا، (^١) تُمْطِرُنَا مِنْهُ رَذَاذًا، قِطْقِطًا، سَجْلًا، (^٢) يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ». رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي «صَحِيحِهِ». (^٣)\nالحكم المستفاد من الحديث\nالحديث ضعيف؛ فلا ينبني عليه حكم، ويدعى في الاستسقاء بما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في حديث أنس المتقدم: «اللهم أغثنا»، أو بما دعا به رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث عائشة المتقدم في أول الباب، أو بما تيسر من الأدعية المشروعة.\nوفي الباب أحاديث أخرى:\nمنها: حديث كعب بن مرة، أو مرة بن كعب -﵁-: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا، مريئا مريعا، طبقا غدقا عاجلا غير رائث نافعا غير ضار» أخرجه أحمد (١٨٠٦٦)،\n_________\n(^١) القصيف: هو المتزاحم لكثرته. والدلوق: هو خروج الماء من السحاب. والضحوك: ذو البرق.\n(^٢) الرذاذ: قليل المطر. والقطقط: أقل منه. وقوله (سجلًا) مصدر سجلت، أي يصب الماء من السحاب صبًّا.\n(^٣) موضوع. أخرجه أبوعوانة (٢/ ١١٩) وفي إسناده شيخه عبدالله بن محمد بن عبدالله الأنصاري المدني أبومحمد، وشيخه عمارة بن زيد الأنصاري، وقد سقط من المطبوع، وهو مثبت في «إتحاف المهرة».\nالأول لم أعرفه، ثم وجدت ترجمته في «الميزان»، و«اللسان» بنسبة (البلوي).\n\nقال الدارقطني: يضع الحديث. وقال الذهبي: روى عنه أبو عوانة في «صحيحه» في الاستسقاء خبرًا موضوعًا. والثاني قال فيه الأزدي: يضع الحديث كما في «الميزان» و«اللسان». وقال الحافظ في «التلخيص»: أخرجه أبوعوانة بسند واهٍ.","vol":"3","page":355},{"text":"والطيالسي (١٢٩٥)، وعبد بن حميد (٣٧٢)، وابن ماجه (١٢٦٩)، وغيرهم من طريق سالم بن أبي الجعد، عن شرحبيل بن السمط، عنه. وهو منقطع؛ لأن سالمًا لم يسمع من شرحبيل بن السمط. قاله أبوداود كما في جامع التحصيل.\nومنها: حديث جابر بن عبد الله -﵄-، قال: أتت النبي - ﷺ -، بواكي، فقال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا، مريئا مريعا، نافعا غير ضار، عاجلا غير آجل»، قال: فأطبقت عليهم السماء. أخرجه أبو داود (١١٦٩)، وابن خزيمة (١٤١٦)، وأبو عوانة (٢٥٢٧)، والحاكم (١٢٢٢)، والبيهقي (٣/ ٣٥٥) من طرق عن محمد بن عبيد، حدثنا مسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله به.\nوأسند البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال: أعطانا محمد بن عبيد كتابه عن مسعر فنسخناه، ولم يكن هذا الحديث فيه ليس هذا بشيء، كأنه أنكره من محمد بن عبيد، قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: فحدثناه يعلى أخو محمد، ثنا مسعر عن يزيد الفقير مرسلا. اهـ\nوقد رجح المرسل أيضًا الدارقطني في العلل (٣٢٨٤)؛ فقال: يرويه مسعر، واختلف عنه؛ فرواه جعفر بن عون، ومحمد بن عبيد، عن مسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر، أتت هوازن النبي - ﷺ -، وغيرهما يرويه عن مسعر، عن يزيد الفقير، مرسلا، وهو أشبه بالصواب. اهـ\nومنها: حديث ابن عباس، عند ابن ماجه (١٢٧٠)، قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله لقد جئتك من عند قوم ما يتزود لهم راع، ولا يخطر","vol":"3","page":356},{"text":"لهم فحل، فصعد المنبر، فحمد الله، ثم قال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا طبقا مريعا غدقا عاجلا غير رائث» ثم نزل، فما يأتيه أحد من وجه من الوجوه إلا قالوا قد أحيينا. الحديث أخرجه ابن ماجه، من طريق عبد الله بن إدريس، عن حصين، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس به.\nورواه ابن أبي شيبة (١١/ ٤٩٩) من طريق زائدة، عن حصين، عن حبيب بن أبي ثابت به مرسلًا. بدون ذكر ابن عباس.\nوأخرجه عبد الرزاق (٣/ ٨٩) عن ابن جريج، قال أخبرني حبيب بن أبي ثابت، فذكره مرسلًا. بدون ذكر ابن عباس.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٦/ ٢٨٤): وهو أشبه. يعني المرسل.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: فبمجموع الأحاديث المذكورة يثبت الدعاء المذكور عن النبي - ﷺ -، ويدعا به.","vol":"3","page":357},{"text":"٥٠٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «خَرَجَ سُلَيْمَانُ ﵇ يَسْتَسْقِي، فَرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةً قَوَائِمَهَا إلَى السَّمَاءِ تَقُول: اللهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِك، لَيْسَ بِنَا غِنًى عَنْ سُقْيَاك، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nقال الصنعاني -﵀- في شرح هذا الحديث من «سبل السلام»: فيه دلالة على أنَّ الاستسقاء شرع قديم، والخروج له كذلك، وفيه أنه يحسن إخراج البهائم في الاستسقاء، وأن لها إدراكًا يتعلق بمعرفة الله، ومعرفة بذكره، وبطلب الحاجات منه، وفي ذلك قصص يطول ذكرها، وآيات من كتاب الله دالة على ذلك، وتأويل\n_________\n(^١) ضعيف. لم يخرجه أحمد، وقد أخرجه الحاكم (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦) والدارقطني أيضًا (٢/ ٦٦) من طريق محمد بن عون مولى أم يحيى بنت الحكم، عن أبيه، قال: حدثنا ابن شهاب، أخبرني أبوسلمة، عن أبي هريرة، به.\nومحمد بن عون وأبوه كلاهما مجهول، وأبوه قال البخاري فيه: (عن الزهري مرسل).\nقلتُ: وكلام البخاري مقدم على التصريح الذي في الإسناد؛ لأنه من طريق مجهول.\n\nوقد روي الحديث عن الزهري موقوفًا عليه بإسناد صحيح.\nأخرجه عبدالرزاق (٣/ ٩٥ - ٩٦) عن معمر عن الزهري موقوفًا عليه من قوله، ولعل هذا هو الصواب، ويكون المرفوع منكرًا.\nوللمرفوع طريق أخرى عند الطحاوي في «المشكل» (٨٧٥)، والخطيب (١٢/ ٦٥) وفي إسناده محمد بن عُزَيز وسلامة بن روح، وكلاهما فيه ضعف. فالحديث ضعيف.\nتنبيه: أخرج أحمد الحديث في «الزهد» (ص ١١٠)، من طريق: زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي من قوله، وزيد ضعيف، وأبو الصديق لم يسنده.","vol":"3","page":358},{"text":"المتأوّلين لها لا ملجأ له. اهـ\nقلتُ: قوله: (وفيه أنه يحسن إخراج البهائم في الاستسقاء) غير صحيح؛ لأنَّ الحديث ضعيف، وليس فيه دليل على ما ذكر؛ ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يفعل ذلك، وقد قال الشافعي -﵀-: ولا آمر بإخراج البهائم. «الأوسط» (٤/ ٣١٧).","vol":"3","page":359},{"text":"٥٠٦ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nقال النووي -﵀- في شرح الحديث: قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كل دعاء لرفع البلاء كالقحط ونحوه أن يرفع يديه، ويجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله؛ جعل بطن كفيه إلى السماء، واحتجوا بهذا الحديث. اهـ\nقلتُ: وهو اختيار جماعة من الحنابلة، وذهب جماعة منهم إلى أنه يرفع يديه ببطونها، ويجعل ظهور الكفين إلى الأرض كالأدعية الأخرى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-.\nقال كما في «الإنصاف»: صار كفها نحو السماء؛ لشدة الرفع، لا قصدًا له، وإنما كان يوجه بطونهما مع القصد، وَأَنَّه لَو كَانَ قَصَدَهُ؛ فَغَيْرُه أولى وأشهر.\nقال: ولم يقل أحدٌ ممن يرى رفعهما في القنوت: إنه يرفع ظهورهما، بل بطونهما. اهـ\nقلتُ: وكلام شيخ الإسلام كلامٌ قويٌّ، وهو اختيار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٨٩٦).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٤٣٢).","vol":"3","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1346>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1347>مسألة [١]: خروج أهل الذمة للاستسقاء</span>.\n• قال الإمام ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (١٧/ ١٧٥): واختلف العلماء في خروج أهل الذمة إلى الاستسقاء؛ فأجاز ذلك بعضهم، وممن ذهب إلى ذلك: مالك، وابن شهاب، ومكحول، وقال ابن المبارك: إن خرجوا عدل بهم عن مصلى المسلمين. وقال إسحاق: لا يؤمروا بالخروج، ولا ينهوا عنه. وكرهت طائفة من أهل العلم خروج أهل الذمة إلى الاستسقاء منهم أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما. وقال الشافعي فإن خرجوا متميزين لم أمنعهم. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٣٤٩): لَا يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْدَاءُ الله الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ، وَبَدَّلُوا نِعْمَتَهُ كُفْرًا، فَهُمْ بَعِيدُونَ مِنْ الْإِجَابَةِ، وَإِنْ أُغِيثَ المُسْلِمُونَ فَرُبَّمَا قَالُوا: هَذَا حَصَلَ بِدُعَائِنَا وَإِجَابَتِنَا. وَإِنْ خَرَجُوا لَمْ يُمْنَعُوا؛ لِأَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ، فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجِيبَهُمْ اللهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ فِي الدُّنْيَا، كَمَا ضَمِنَ أَرْزَاقَ المُؤْمِنِينَ، وَيُؤْمَرُوا بِالِانْفِرَادِ عَنْ المُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ، فَيَعُمَّ مَنْ حَضَرَهُمْ؛ فَإِنَّ قَوْمَ عَادٍ اسْتَسْقَوْا، فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا، فَأَهْلَكَتْهُمْ؛ فَإِنْ قِيلَ: فَيَنْبَغِي","vol":"3","page":361},{"text":"أَنْ يُمْنَعُوا الْخُرُوجَ يَوْمَ يَخْرُجُ المُسْلِمُونَ؛ لِئَلَّا يَظُنُّوا أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْ السُّقْيَا بِدُعَائِهِمْ. قُلْنَا: وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَتَّفِقَ نُزُولُ الْغَيْثِ يَوْمَ يَخْرُجُونَ وَحْدَهُمْ، فَيَكُونُ أَعْظَمَ لِفِتْنَتِهِمْ، وَرُبَّمَا افْتَتَنَ غَيْرُهُمْ بِهِمْ. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1348>مسألة [٢]: خروج النساء في صلاة الاستسقاء</span>.\nقال الإمام ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (١٧/ ١٧٥): وكلهم كره خروج النساء الشواب إلى الاستسقاء، ورخصوا في خروج العجائز. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: لم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه أمر بإخراج النساء كما صنع في العيد؛ فالأقرب إلى السنة عدم خروجهن، والله أعلم.\n_________\n(^١) وانظر «الحاوي الكبير» (٢/ ٥١٦)، «الأوسط» (٤/ ٣١٧).","vol":"3","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1349>بَابُ اللّبَاسِ</span>\n٥٠٧ - عَنْ أَبِي عَامِرٍ الأَشْعَرِيِّ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ (^١) وَالحَرِيرَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَأَصْلُهُ فِي «البُخَارِيِّ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1350>مسألة [١]: حكم لباس الحرير</span>.\nدلَّ حديث الباب على تحريم لبس الحرير على الرجال، وكذلك الأحاديث المذكورة بعده في الباب تدلُّ على ذلك، وقد نقل الإجماع على تحريمه غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن عبد البر، والنووي، وابن قدامة، وابن تيمية، وغيرهم، وقد وُجِدَخلافٌ شاذٌّ لا يُعبَأُ به كما في «الفتح» و«النيل». (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1351>مسألة [٢]: حكم الصلاة في لباس الحرير</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنها تجزئ، وعن أحمد روايتان، ومذهب أهل الظاهر أنَّ الصلاة فيه غير مُجزِئة، وتلزم الإعادة، وهو اختيار كثير من الحنابلة،\n_________\n(^١) الحِرَ: هو الفرج، أي: يستحلون الفرج الحرام، عنى به الزنا.\n(^٢) حسن. أخرجه أبوداود (٤٠٣٩)، بإسناد حسن، وأصله في «البخاري» برقم (٥٥٩٠) معلقًا مجزومًا به. وهو موصول من طرق كثيرة. انظر «تغليق التعليق» (٥/ ١٧).\n(^٣) انظر: «المغني» (٢/ ٣٠٤)، «المجموع» (٤/ ٤٣٥)، «التمهيد» (١٥/ ١٤٦)، «النيل» (١/ ٥٩٤)، «غاية المرام» (٣/ ٤٠٦).","vol":"3","page":363},{"text":"وهو قول إسحاق، إذا كان عالمًا بالنهي، وقال ابن القاسم صاحب مالك: يعيد ما دام في الوقت.\nوقول الجمهور هو الصواب؛ لأنَّ تحريم الحرير ليس عائدًا إلى الصلاة بنفسها، بل هو محرم في الصلاة، وفي غير الصلاة، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: حكم لباس الثوب المغصوب والمُشْتَرى بالمال الحرام كحكم الحرير في التحريم، وفي كونه تُجْزِئُهُ الصلاة عند الجمهور مع الإثم، ولكن تحريم هذا عامٌّ في حقِّ الرجال والنساء. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٣٧٥).\n(^٢) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٣٧٥).","vol":"3","page":364},{"text":"٥٠٨ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ -﵁- قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1352>مسألة [١]: حكم الجلوس على الحرير</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى تحريمه؛ لحديث حذيفة الذي في الباب، ولأنَّ الافتراش من اللبس، ففي «الصحيحين» (^٢) عن أنس -﵁-، أنه قال: فقمنا إلى حصير لنا قَدِ اسْوَدَّ من طول ما لُبِسَ.\nوهذا التحريم في حق الرجال، وأما النساء؛ فيباح لهن الجلوس عليه كما يُباح لهن لبسه؛ فإنَّ من لبسته فستقعد على الحرير لِزامًا.\n• وجاء عن بعض الشافعية تعميم تحريمه في حق النساء أيضًا.\n• وذهب ابن الماجشون، وبعض الشافعية، ونقله النووي عن أبي حنيفة إلى إباحة افتراشه للرجال والنساء، وهذا القول مردود بحديث حذيفة المذكور، وبعموم حديث أبي موسى الذي سيأتي في الباب إن شاء الله. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٨٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٣٨١)، ومسلم برقم (٦٥٨).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٤/ ٤٣٥)، «نيل الأوطار» (١/ ٥٩٩)، «الفتح» (١٠/ ٥٨٣٧).","vol":"3","page":365},{"text":"٥٠٩ - وَعَنْ عُمَرَ -﵁- قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1353>مسألة [١]: حُكمُ عَلَمِ الحرير في الثَّوب</span>.\n• قال الإمام النووي -﵀- في شرح حديث عمر الذي في الباب: وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَة إِبَاحَة الْعَلَم مِنْ الْحَرِير فِي الثَّوْب إِذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَع أَصَابِع، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجمْهُور، وَعَنْ مَالِك رِوَايَة بِمَنْعِهِ، وَعَنْ بَعْض أَصْحَابه رِوَايَة بِإِبَاحَةِ الْعَلَم بِلَا تَقْدِير بِأَرْبَعِ أَصَابِع، بَلْ قَالَ: يَجُوز؛ وَإِنْ عَظُمَ. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مَرْدُودَانِ بِهَذَا الْحَدِيث الصَّرِيح، وَاللهُ أَعْلَم. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب، والعَلَمُ هو: وَشْمُ الثوب، وَرَقْمُهُ بالحرير، وذلك كالطراز والسجاف. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٢٨)، ومسلم (٢٠٦٩) (١٥). وليس عند البخاري (أو ثلاث أو أربع).\nوقد انفرد بها مسلم من وجه آخر، وأعله الدارقطني بالوقف ودافع عن الحديث الإمام الوادعي -﵀- والشيخ ربيع عافاه الله في تعليقهما على «التتبع».\n(^٢) انظر: «القاموس»، و«النيل» (١/ ٦٠٦).","vol":"3","page":366},{"text":"٥١٠ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَخَّصَ لِعَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصِ الحَرِيرِ فِي سَفَرٍ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1354>مسألة [١]: حكم لباس الحرير لمرض كالحكة</span>.\n• قال الإمام الشوكاني -﵀- في «نيل الأوطار» (١/ ٦٠٤): والحديث يدلُّ على جواز لبس الحرير لعذر الحكة، والقمل عند الجمهور، وقد خالف مالك في ذلك، والحديث حجة عليه. انتهى المراد.\n• وخالف في ذلك أيضًا أبو حنيفة.\n• وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ لباسه جائز للحرب، واستدلوا بهذا الحديث، والظاهر أنَّ العلة في لبس الحرير هو الحكة، لا لكونهما في غزوة، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩١٩)، ومسلم (٢٠٧٦).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (٢٩١٩)، «المجموع» (٤/ ٤٤٠)، «المغني» (٢/ ٣٠٦).","vol":"3","page":367},{"text":"٥١١ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: كَسَانِي النَّبِيُّ - ﷺ - حُلَّةً سِيَرَاءَ (^١) فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَرَأَيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَقْتهَا بَيْنَ نِسَائِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1355>مسألة [١]: حكم الثوب المنسوج بالحرير مع غيره</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الحكم للأغلب؛ فإنْ كان الأغلب حريرًا؛ فهو محرم، وإنْ كان الأغلب الصوف، أو القطن ونحوه؛ فهو مُباح، واختلفوا إنْ كانا متساويين: فذهب بعضهم إلى التحريم تغليبًا لجانب الحظر على جانب الإباحة، وذهب بعضهم إلى الإباحة؛ لأنَّ الأصل هو الإباحة، والتحريم جاء في الثوب الخالص، هكذا زعموا.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى التحريم، وعزاه الحافظ في «الفتح» إلى ابن عمر، وابن سيرين، وبعض المالكية، ونصره ابن دقيق العيد، والشوكاني بالقيد المتقدم، وهو (موضع أربع أصابع)، فهذا المقدار جائزٌ؛ لحديث عمر المتقدم، وهذا القول هو الصواب؛ لحديث عمر.\nوحديث علي الذي في الباب يرد على تفصيل الجمهور؛ لأنَّه حرمها مع أنها مخلوطة بالحرير، ولم يقل: إذا كان الحرير أقل؛ فهي مباحة، وما أشبه ذلك. (^٣)\n_________\n(^١) السيراء: هو المضلع بالحرير كما في «الفتح».\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٨٤٠)، ومسلم (٢٠٧١).\n(^٣) وانظر: «الفتح» (٥٨٣٨)، «المجموع» (٤/ ٤٣٨)، «المغني» (٢/ ٣٠٧)، «نيل الأوطار» (١/ ٦٠٧).","vol":"3","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1356>مسألة [٢]: الجبة المحشوة بالحرير</span>.\n• ذهب إلى جوازها الشافعي وأصحابه، وهو قول بعض الحنابلة، وحُجَّتُهم أنَّ الحرير غير ظاهر؛ فلا يحصل الفخر والخُيَلاء.\n• وذهب إلى التحريم بعض الحنابلة، وهو وجهٌ شاذٌّ عند الشافعية، وهذا القول أقرب؛ لأنَّه يُعَدُّ لابسًا للحرير، ويدخل في عمومات الأحاديث التي فيها النهي عن ذلك، والله المستعان. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1357>مسألة [٣]: ثياب الخَزِّ</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في «الفتح» (٥٨٣٨): وَالْأَصَحّ فِي تَفْسِير الْخَزّ أَنَّهُ ثِيَاب سُدَاهَا مِنْ حَرِير وَلُحْمَتهَا مِنْ غَيْره، وَقِيلَ: تُنْسَج مَخْلُوطَة مِنْ حَرِير وَصُوف أَوْ نَحْوه. وَقِيلَ: أَصْله اِسْم دَابَّة يُقَال لَهَا الخَز، سُمِّيَ الثَّوْب الْمُتَّخَذ مِنْ وَبَره خَزًّا؛ لِنُعُومَتِهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَا يُخْلَط بِالْحَرِيرِ؛ لِنُعُومَةِ الْحَرِير.\nثم قال: وَعَلَى هَذَا فَلَا يَصِحّ الِاسْتِدْلَال بِلُبْسِهِ عَلَى جَوَاز لُبْس مَا يُخَالِطهُ الْحَرِير مَا لَمْ يَتَحَقَّق أَنَّ الْخَزّ الَّذِي لَبِسَهُ السَّلَف كَانَ مِنْ الْمَخْلُوط بِالْحَرِيرِ، وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ\nقلتُ: قد صحَّ لبسه عن جمعٍ من الصحابة، منهم: أنس، وعمران، والحسين\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٤/ ٤٣٨)، «المغني» (٢/ ٣٠٧)، «غاية المرام» (٣/ ٤٢٥).","vol":"3","page":369},{"text":"ابن علي، وعائذ المزني، وأبو هريرة، وعائشة، وابن الزبير، وغيرهم. (^١)\nوعلى هذا فالأظهر أنَّ هذه الثياب ليس فيها حرير، وإلا لما لبسها صحابة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإنْ كان فيها حرير، فلعل الحرير كان قليلًا دون أربع أصابع، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٨/ ١٥١)، «نصب الراية» (٤/ ٢٢٧).","vol":"3","page":370},{"text":"٥١٢ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه تحريم لباس الحرير، والجلوس عليه للرجال، وإباحة ذلك للنساء، وفيه تحريم الذهب مطلقًا للرجال، وإباحته للنساء.\nوينبغي التنبيه على أنَّ بعض الفقهاء ألحق الذهب بالحرير في جواز العَلَمِ بالثوب منه فيما دون أربع أصابع، وقاسه على الحرير.\nوهذا قياس فاسدٌ مُعَارَضٌ بالنصوص الدالة على تحريم الذهب للرجال\n_________\n(^١) حسن بشواهده. أخرجه أحمد (٤/ ٣٩٤، ٤٠٧)، والنسائي (٨/ ١٦١)، والترمذي (١٧٢٠)، وهو من طريق سعيد بن أبي هند عن أبي موسى، وروايته عنه مرسلة كما في «جامع التحصيل»، وقد جاء في بعض طرق الحديث ذكر الواسطة (عن رجل عن أبي موسى) فتبين أن الساقط رجل مبهم، فالحديث ضعيف، وله شواهد يحسن بها:\nمنها: حديث علي بن أبي طالب عند أبي داود (٤٠٥٧)، والنسائي (٨/ ١٦٠)، وابن ماجه (٣٥٩٥)، وغيرهم وهو حديث اختلف في إسناده، ولكن رجح الدارقطني في «العلل» (٣٩٤) منها طريقًا، وهذه الطريق فيها أبوأفلح الهمداني وهو مجهول الحال.\nومن شواهده: حديث عبدالله بن عمرو بن العاص عند ابن ماجه (٣٥٩٧) والطحاوي (٤/ ٢٥١) وفي إسناده عبدالرحمن بن زياد الإفريقي وهو ضعيف، وعبدالرحمن بن رافع وهو ضعيف أيضًا.\nومن شواهده: حديث زيد بن أرقم أخرجه ابن أبي شيبة في «مسنده» كما في «نصب الراية» (٤/ ٢٢٥)، وفيه ثابت بن زيد بن أرقم ضعيف، وأخته أنيسة بنت زيد بن أرقم مجهولة.\nفالحديث حسن بهذه الشواهد.\nوله شواهد أخرى لم أذكرها؛ لأنها شديدة الضعف. انظر: «نصب الراية» (٤/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، و«تحقيق المسند» (٣٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨).","vol":"3","page":371},{"text":"عمومًا، قليله وكثيره، كحديث الباب.\nوحديث ابن عباس عند مسلم (٢٠٩٠)، أن رسول الله - ﷺ - رأى خاتما من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه، وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده»، فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله - ﷺ -: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله، لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله - ﷺ -.\nوفي «الصحيحين» عن البراء بن عازب -﵄- أن النبي - ﷺ - نهى عن سبع: وذكر منها: التختم بالذهب. وفيهما عن أبي هريرة -﵁- أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - نهى عن خاتم الذهب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1358>مسألة [١]: مسألة: شد الأسنان وتضبيبها بالذهب للرجال</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى الجواز؛ لأن ذلك يراد للمداواة والعلاج، لا للبس والزينة، وهو قول الحسن، والنخعي، وموسى بن طلحة، وثابت، والمغيرة بن عبد الله، وأبي جمرة، والزهري، وشريك، وحفص بن غياث، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وأحمد، والمالكية.\n• وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى التحريم؛ للأحاديث المتقدمة في تحريم الذهب على الرجال.\nقال أبو عبد الله: الصحيح القول الأول، والأفضل اتخاذها من الفضة، ولا يجوز تلبيس الذهب، أو تضبيبها للرجال من أجل الزينة، وبالله التوفيق. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٨/ ٣١٠)، «التمهيد» (١٦/ ١١٧ -)، «الحاوي الكبير» (٢/ ٢٥٥)، «البحر الرائق» (٨/ ٢١٧)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (١١/ ١٢٠).","vol":"3","page":372},{"text":"٥١٣ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ إذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ». رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nقال الإمام الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (٢/ ١٧٧): فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ مِنْ الْعَبْدِ إظْهَارَ نِعْمَتِهِ فِي مَأْكَلِهِ، وَمَلْبَسِهِ؛ فَإِنَّهُ شُكْرٌ لِلنِّعْمَةِ فِعْلِيٌّ، وَلِأَنَّهُ إذَا رَآهُ الْمُحْتَاجُ فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ قَصَدَهُ؛ لِيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَبَذَاذَةُ الْهَيْئَةِ سُؤَالٌ، وَإِظْهَارٌ لِلْفَقْرِ بِلِسَانِ الْحَالِ، وَلِذَا قِيلَ: وَلِسَانُ حَالِي بِالشِّكَايَةِ أَنْطَقُ. وَقِيلَ: وَكَفَاك شَاهِدُ مَنْظَرِي عَنْ مَخْبَرِي. اهـ\n_________\n(^١) حسن. أخرجه البيهقي (٣/ ٢٧١)، وأخرجه أيضًا أحمد (٤/ ٤٣٨) من طريق روح بن عبادة، حدثنا شعبة، عن الفضيل بن فضالة، عن أبي رجاء العطاردي به.\n\nوإسناده حسن، رجاله ثقات إلا الفضيل بن فضالة؛ فإنه حسن الحديث.","vol":"3","page":373},{"text":"٥١٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ وَالمُعَصْفَرِ (^١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\n٥١٥ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄- قَالَ: رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: «أُمُّك أَمَرَتْك بِهَذَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1359>مسألة [١]: حكم لبس الثياب المعصفرة</span>.\n• ذكر الحافظ ابن رجب -﵀- في هذه المسألة أقوالًا:\nالأول: الكراهة، قال: روي عن عمر (^٤)،\nوعثمان (^٥)، وابن عمر (^٦)، وأنس (^٧)، وهو قول الزهري، وسعيد بن جبير، ومالك، وأحمد، ورخصوا فيه للنساء، وحكى\n_________\n(^١) القسي من ثياب الحرير، والمعصفر هو المصبوغ بنبات العصفر، ولونه أحمر.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٢٠٧٨).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٢٠٧٧) (٢٨).\n(^٤) ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ١٨٣) من طريق تميم الخزاعي، قال: حدثتنا عجوز لنا، قالت: كنت أرى عمر إذا رأى على رجل ثوبا معصفرا ضربه، وقال: ذروا هذه البراقات للنساء.\n\nوهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة المرأة الراوية عن عمر -﵁-؛ فإنها مبهمة لا يدرى من هي، والراوي عنها مجهول.\n(^٥) لم أقف على إسناد أثر عثمان -﵁-.\n(^٦) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ١٨٣) عن وكيع، عن فضيل، عن نافع أن ابن عمر رأى على ابنٍ له معصفرا، فنهاه. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.\n(^٧) لم أقف على إسناده.","vol":"3","page":374},{"text":"ابن عبد البر الإجماع على جوازه لهن، وفي الرخصة لهن حديث مرفوع.\nالثاني: الرخصة مطلقًا للرجال والنساء، ثبت ذلك عن طلحة بن عبيد الله (^١)، وجابر (^٢)، وابن عمر (^٣)، وأنس (^٤)، وعن أبي وائل، وعروة، وموسى بن طلحة، والشعبي، وأبي قلابة، وابن سيرين، والنخعي، وغيرهم، وهو قول الشافعي.\nالثالث: كراهة المشبع منه، وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، وَحُكِيَ عن مالك، وأحمد أيضًا.\n• وقد ذهب الشوكاني -﵀- إلى التحريم، وهو قول الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو الصواب؛ لدلالة حديث علي، وابن عمرو اللَّذَيْنِ في الباب على ذلك، بل جاءت رواية في حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم، قال: «إنَّ هذا من ثياب الكفار؛ فلا تلبسها»، ولعله قول بعض أهل القول الأول.\n_________\n(^١) صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ١٧٩) عن عبيد الله بن موسى، عن عمرو بن عثمان، عن موسى ابن طلحة؛ أن طلحة كان يلبس المعصفر. وهذا إسنادٌ صحيح، رجاله ثقات.\n(^٢) حسن، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٠٦) حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: إذا لم يكن في الثوب المعصفر طيب؛ فلا بأس به للمحرم أن يلبسه. إسناده حسن، رجاله ثقات، إلا أبا الزبير؛ فإنه حسن الحديث، وحميد هو ابن عبد الرحمن الرؤاسي، وهو وأبوه ثقتان\n(^٣) حسن، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٠٦) حدثنا حميد، عن أبيه، عن أبي الزبير، قال: كنت عند ابن عمر فأتاه رجل عليه ثوبان معصفران وهو محرم، فقال: في هذين علي بأس؟ قال: فيهما طيب؟ قال: لا، قال: فلا بأس به. إسناده حسن، رجاله ثقات، إلا أبا الزبير؛ فإنه حسن الحديث، وحميد هو ابن عبد الرحمن الرؤاسي، وهو وأبوه ثقتان.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (١١/ ٧٥) عن معمر، عن عبد العزيز، قال: رأيت على أنس بن مالك ثوبين موردين قد مسهما العصفر. وإسناده صحيح، رجاله ثقات.","vol":"3","page":375},{"text":"وقد استدل على الجواز بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصبغ بالصُّفْرَة، كما في «الصحيحين» (^١) عن ابن عمر -﵄-.\nولا حجة في ذلك؛ فإن المراد به صبغ الشعر، وكلامنا في مسألتنا على صبغ الثياب بالعصفر، وأما الآثار الواردة عن الصحابة؛ فلعله لم يبلغهم النهي، ولعل ابن عمر بلغه بعد ذلك النهي؛ فمنع منه. والله أعلم.\nوأما ما يتعلق بلبس المعصفر للنساء فهو مشروع في حقهن عند عامة أهل العلم، وقد ثبت عن عائشة، وأم سلمة، وأسماء بنت أبي بكر (أنهن لبسن المعصفرات، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و«مصنف عبد الرزاق».\nوأخرج عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عائشة بنت سعد -﵂-، قالت: رأيت ستًّا من أزواج النبي - ﷺ - يلبسن المعصفر.\nويدل على مشروعية لبسه للنساء: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، عند أحمد (٦٨٥٢)، وأبي داود (٤٠٦٦) قال: هبطنا مع رسول الله - ﷺ - من ثنية فالتفت إلي وعلي ريطة مضرجة بالعصفر، فقال: «ما هذه الريطة عليك؟». فعرفت ما كره؛ فأتيت أهلى وهم يسجرون تنورا لهم فقذفتها فيه، ثم أتيته من الغد، فقال «يا عبد الله ما فعلت الريطة؟». فأخبرته فقال: «ألا كسوتها بعض أهلك؛ فإنه لا بأس به للنساء». وإسناده حسن. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٦٦)، ومسلم برقم (١١٨٧).\n(^٢) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب -﵀- (٢/ ٢٢١ - ٢٢٢)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٨/ ١٧٧ -)، «مصنف عبد الرزاق» (١١/ ٧٦).","vol":"3","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1360>مسألة [٢]: حكم التزعفر للرجل</span>.\nأما بالنسبة لتزعفر الرجل في جسده؛ فعامة العلماء على تحريمه، وفي الصحيحين عن أنس -﵁-، قال: نهى النبي - ﷺ - أن يتزعفر الرجل.\nقال ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (٢١/ ٨٦): وهو معناه عند مالك وأكثر العلماء تخليق الجسد وتزعفره. اهـ\nوقال -﵀- في «التمهيد» (٢/ ١٨٢): حملوا هذا على الثياب وغيرها، وأما الجسد فلا خلاف علمته فيه -يعني: في النهي عنه-، والله أعلم. اهـ\n• وأما بالنسبة لتزعفر الرجل في ثيابه: فأجازه جماعة من أهل العلم للرجل غير المُحْرِم، وهو قول مالك وأحمد، وهو ظاهر اختيار البخاري، وعزاه ابن عبد البر لأكثر السلف، وثبت عن ابن عمر أنه كان يلبسه كما في «الموطأ». واستدل هؤلاء بأن النبي - ﷺ - نهى الرجل المحرم عن لبسه؛ فدل على أن غير المحرم يجوز له لبسه. كما في الصحيحين عن ابن عمر -﵄-.\nويدل عليه أيضًا حديث يعلى بن أمية -﵁-، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - وهو بالجعرانة، عليه جبة وعليها خلوق -أو قال أثر صفرة- فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ ... الحديث، وفيه قال: «أين السائل عن العمرة؟ اغسل عنك أثر الصفرة -أو قال أثر الخلوق- واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك» متفق عليه، واللفظ لمسلم، ولم يذكر في الحديث أنه زجره عن التزعفر.","vol":"3","page":377},{"text":"• ومنع من ذلك الإمام الشافعي -﵀-؛ أخذًا بعموم الحديث المتقدم.\n• وكره ذلك أحمد في رواية، والحنفية.\nوالأقرب أن يحمل الحديث على النهي عن التزعفر بالجسد، كما ذكره ابن عبد البر؛ جمعًا بين الأحاديث، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1361>مسألة [٣]: حكم لباس الأحمر</span>.\n• ذكر الحافظ ابن رجب -﵀- في هذه المسألة أيضًا أقوالًا:\nالأول: الرخصة، ذكره عن ابن المسيب، والشعبي، والنخعي، والحسن، وعلي بن حسين، وروي عن علي بن أبي طالب أنه كان يلبس بُرْدًا أحمر، وفي «صحيح مسلم» (٢٠٦٩)، أن أسماء بنت أبي بكر أرسلت إلى ابن عمر تقول له: بلغني أنك تحرم مياثر الأرجوان، فقال: هذه ميثرتي أرجوان، والأرجوان: الشديد الحمرة.\nوقد استُدِلَّ لأهل هذا القول بحديث أبي جحيفة، والبراء -﵄- في «الصحيحين» (^٢)،أنهما رأيا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حُلَّةٍ حمراء.\nالثاني: الكراهة، وهو قول طاوس، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وابن سيرين، وهو مذهب أحمد.\n_________\n(^١) وانظر: «التمهيد» لابن عبد البر -﵀- (٢/ ١٨٠ -)، (٢١/ ٨٢)، «شرح النووي» (١٤/ ٥٤)، «الفتح» (٥٨٤٦، و٥٨٤٧)، «المجموع» (٤/ ٣٣٩)، «شرح العمدة» (ص ٣٨١).\n(^٢) حديث أبي جحيفة أخرجه البخاري برقم (٦٣٤)، ومسلم برقم (٥٠٣)، وحديث البراء: أخرجه البخاري برقم (٥٩٠١)، ومسلم برقم (٢٣٣٧).","vol":"3","page":378},{"text":"الثالث: الكراهة فيما هو شديد الحُمْرَة، ورُوي ذلك عن مالك، وأحمد، ورجَّحه كثير من الحنابلة.\nوقد استدل القائلون بالكراهة بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن المعصفر؛ فالأحمر يدخل في ذلك من باب أولى، واستدلوا على ذلك بحديث البراء بن عازب عند البخاري (٥٨٤٩)، وفيه النهي عن المياثر الحُمُر، واستدلوا على ذلك بحديث علي بن أبي طالب عند أحمد (٩٦٣) (١١٦٢) بإسناد صحيح أنه قال في ضمن حديث طويل: «ونهانا عن القسي، والميثرة الحمراء»، وعند أبي داود (٤٠٥٠) بإسناد صحيح: «نهي عن مياثر الأرجوان».\nوحملوا حديث أبي جحيفة، والبراء على أنها لم تكن حمراء خالصة، بل كانت مخططة بألوان أخرى.\nوقد رجح هذا القول شيخ الإسلام -﵀-، فقال كما في كتاب «شرح الصلاة من شرح العمدة» (ص ٣٧٨ -): فقد نهى - ﷺ - عن المياثر الحمر، وذلك يقتضي أن تكون الحمرة مؤثرة في النهي، والحديث عام في ا لمياثر الحمر، سواء كانت حريرًا أو لم تكن، ولو كان المراد بها الحرير؛ فتخصيصه الحمر بها دليل على أنَّ الأحمر من الحرير أشد كراهة من غيره، وذلك يقتضي أن يكون للحمرة تأثير في الكراهة، ثم أحاديث علي في بعضها: «عن القسي، والميثرة الحمراء»، وفي بعضها: «عن القسي والمعصفر»، وفي بعضها: «عن مياثر الأرجوان»، وهي كلها دليل على أنَّ المياثر هي الحمر، وإن لم تكن حريرًا، وأنَّ مناط الحكم حمرتها لا مجرد كونها حريرًا، وذلك أنَّ الأرجوان هو الأحمر الشديد الحمرة، كأنَّ اشتقاقه","vol":"3","page":379},{"text":"من الأرج، وهو توهج رائحة الطيب؛ لأنَّ الأحمر يسطع لونه، ويتوقد كما تسطع الرائحة الزكية في الأرائج، قال أبو عبيد: الأرجوان الشديد الحمرة، والنهرمان دونه في الحمرة، والمفدم المشبع حمرة، والمضرج دونه، ثم المورد بعده. ثم قول علي: «نهى عن لبس الميثرة الحمراء» بدل قوله: «المعصفر» دليل على أنَّ المعصفر إنما نهاه عنه لحمرته، فتارة يعبر عنها باسمه الخاص، وتارة يعبر عنه بالاسم العام الذي هو مناط الحكم.\nقال: وأيضًا إنَّ النبي - ﷺ - إذا نهى عن المعصفر، فغيره من الأحمر المشبع أولى بالنهي منه؛ إذ ليس في المعصفر ما يكره سوى لونه، وليس هو بأشدها حمرة، فغيره من الأحمر الذي يساويه في لونه، وبريقه، أو يزيد عليه؛ أولى أن ينهى عنه، والتفريق بينهما تفريق بين الشيئين المتماثلين، وذلك غير جائز، وأيضًا فإن هذا اللون يوجب الخيلاء، والبطر، والمرح، والفخر؛ فكان منهيًّا عنه كالحرير، والذهب؛ ولهذا أبيح هذا للنساء كما أبيح لهن الحرير، والذهب، فأما الخفيف الحمرة مثل المورد ونحوه فقد ذهبت بهجته، وتوقده، وصار قريبًا من الأصفر؛ فلا يكره، والأحاديث التي جاءت في الرخصة في الأحمر محمولة على هذا؛ فإنه يسمى أحمر، وإن كانت حمرته خفيفة، وعلى ما يكون بعضه أحمر مثل البرود التي فيها خطوط حمر، وهذا معنى قولهم: حلة حمراء.\nقال: وهل هذه كراهة تحريم، أو تنزيه؟ فيه وجهان ... .\nثم ذكر وجهين في مذهب أحمد، والأصح في مذهب أحمد كراهة التنزيه. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب -﵀- (٢/ ٢٢٠ - ٢٢١)، «زاد المعاد» (١/ ١٣٧).","vol":"3","page":380},{"text":"٥١٦ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -﵄-: أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، مَكْفُوفَةَ الجَيْبِ وَالكُمَّيْنِ وَالفَرْجَيْنِ (^١) بِالدِّيبَاجِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد.\nوَأَصْلُهُ فِي «مُسْلِمٍ» (^٢) وَزَادَ: كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَقَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى نَسْتَشْفِي بِهَا.\nوَزَادَ البُخَارِيُّ فِي «الأَدَبِ المُفْرَدِ»: وَكَانَ يَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ وَالجُمُعَةِ. (^٣)\nمفردات الحديث:\nقولها: (مكفوفة): يعني جُعِلَ لها كُفَّة، بضم الكاف، وهو ما يُكفُّ به جوانبها، ويُعْطَف عليها، ويكون ذلك في الذَّيْل، وفي الفرجين، وفي الكمين.\nقولها: (الجيب): هو مدخل الرأس من القميص، ونحوه.\nقولها: (لبنة): هو بكسر اللام، وإسكان الباء، وهي رقعة في جيب القميص.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1362>مسألة [١]: جواز لبس ما فيه حرير يسير</span>.\nهذا الحديث فيه دلالة على جواز لبس ما فيه حرير، ولكن هو محمول على ما كان موضع أربع أصابع فما دون؛ لحديث عمر المتقدم في الباب، والله أعلم.\n_________\n(^١) الفرجان: هما الشقان اللذان في أسفل الجبة.\n(^٢) أخرجه أبوداود (٤٠٥٤) وفي إسناده المغيرة بن زياد وهو ضعيف، وأصله عند مسلم (٢٠٦٩) بلفظ: (فأخرجت جبة طيالسية كسروانية لها لبنة ديباج وفرجيها مكفوفين بالديباج، فقالت: هذه كانت عند عائشة ... فذكرت الحديث.\n(^٣) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٣٤٨) بإسناد صحيح.","vol":"3","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1363>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1364>مسألة [١]: حكم لباس ما فيه تصاوير ذوات الأرواح</span>.\n• في المسألة أقوال:\nالأول: الرخصة، وهو قول أحمد في رواية، وسليمان بن داود الهاشمي، وأبي خيثمة زهير ابن حرب، واستدلوا بحديث: «إلا رقمًا في ثوب».\nالثاني: الكراهة، وهو قول مالك، والثوري، وبعض الحنابلة.\nالثالث: التحريم، وهو قول الشافعية، وأحمد في رواية، وبعض الحنابلة، وعزاه النووي للجمهور، واستدلوا بالأدلة المتكاثرة في تحريم صور ذوات الأرواح، وهذا القول هو الصواب بدون مِرْيَة.\nوأما حديث: «إلا رقمًا في ثوب»؛ فهو محمول على ما إذا كانت مقطوعة الرأس، أو صورة من غير ذوات الأرواح.\nومال شيخ الإسلام -﵀- في «شرح الصلاة من العمدة» (ص ٣٩٤ -) إلى تضعيف هذه الزيادة، وإلى كونها مدرجة من الراوي، وليست من كلام النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال -﵀-: يبين ذلك: أن حديث الاستثناء مبهم محتمل؛ إذا سيق بلفظه عن بسر ابن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني، عن أبي طلحة الأنصاري -﵁- أن النبي - ﷺ -","vol":"3","page":382},{"text":"قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة» قال بسر بن سعيد: ثم اشتكى زيد؛ فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة. قال: فقلت لعبيد الله الخولاني ربيب ميمونة زوج النبي - ﷺ -: ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ قال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: إلا رقما في ثوب.\nفهذه الزيادة لم يقلها زيد كما قال أول الحديث، وإنما خفض به صوته حتى سمعها عبيد الله دون بسر بن سعيد؛ فلعله قالها من عنده، ولم يرفعها في حديث عن النبي - ﷺ -، وكثيرا ما يدرج المحدث في حديثه زيادة يحسب المستمع أنها مسوقة عمن حدث عنه.\nيؤيد ذلك أنه اعتقد رقم الستور من جملة المستثنى منه، وقد صحت الأحاديث الصحيحة الصريحة أنها من جملة التي قصدت بالحديث، وبأن الملائكة لا تدخل بيتا هي فيه، وقد روى غير واحد الحديث عن أبي طلحة دون هذه الثنيا.\nوان كانت هذه الزيادة محفوظة عن رسول الله - ﷺ - فالمراد بها، والله أعلم ما رقم من الصور التي لا روح فيها أو كان يوطأ ويداس من الصور في الثياب كما جاء ذلك مفسرًا بالأحاديث الأُخر.\nوقد روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده فوجد عنده سهل بن حنيف، قال: فدعا أبو طلحة إنسانا ينزع نمطا تحته فيه تصاوير. فقال له سهل: لم تنزعه؟ قال: لأن فيه تصاوير. وقال فيه النبي - ﷺ - ما قد","vol":"3","page":383},{"text":"علمت. قال سهل: أو لم يقل إلا ما كان رقما في ثوب. قال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي. رواه مالك وأحمد والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.\nفهذا الحديث قد قال فيه ابن عبد البر: هو منقطع غير متصل؛ لأن عبيد الله بن عبد الله لم يدرك سهل بن حنيف، ولا أبا طلحة، ولا حفظ عنهما، ولا له عن أحدهما سماع ولا له سن يدركهما به، ولا خلاف أن سهل بن حنيف مات سنة ثمان وثلاثين بعد شهود صفين، وصلى عليه علي -﵁-، وكبر عليه ستا، وليس كما قال ابن عبد البر.\nفهذا الحديث يقتضي أن أبا طلحة علم أن النبي - ﷺ - استثنى الرقم في الثوب، وليس فيه أنه سمعه منه فيجوز أن يكون المستثنى ما كان من الثياب يوطأ ويداس، أو أن تلك التصاوير لم تكن صور ما فيه روح، كما فسرته سائر الأحاديث. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1365>مسألة [٢]: حكم لبس المرأة لباس الرجل، والعكس</span>.\nثبت في «سنن أبي داود» (٤٠٩٨) وغيره عن أبي هريرة -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل»، وحسنه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (١٣٠٠)، وفي «البخاري» (٥٨٨٥) عن ابن عباس -﵄-: لعن رسول الله - ﷺ - المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء.\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٢١١)، «المغني» (٢/ ٣٠٨)، «شرح مسلم» (٢١٠٤).","vol":"3","page":384},{"text":"قال الشوكاني -﵀- في «النيل» (١/ ٦٤٥ - ٦٤٦): وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ تَشَبُّهِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَالرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّعْنَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجمْهُورُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي «الْأُمِّ»: إنَّهُ لَا يَحْرُمُ زِيُّ النِّسَاءِ عَلَى الرَّجُلِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ، فَكَذَا عَكْسُهُ انْتَهَى. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَرُدُّ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «الرَّوْضَةِ»: وَالصَّوَابُ أَنَّ تَشَبُّهَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَعَكْسُهُ حَرَامٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1366>مسألة [٣]: حكم إسبال الثياب إلى تحت الكعبين</span>.\nأخرج الشيخان (^١) عن ابن عمر -﵄-، مرفوعًا: «لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خُيلاء»، وأخرجا عن أبي هريرة -﵁- نحوه. (^٢)\nوأخرج مسلم (١٠٦) عن أبي ذرٍّ -﵁-، مرفوعًا: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنَّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب».\nوأخرج البخاري (٥٧٨٧)، عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «ما تحت الكعبين من الإزار ففي النار».\n• ذهب جمهور العلماء إلى تحريم إسبال الثياب إذا كان خيلاء، بل عَدُّوهُ من الكبائر؛ للأحاديث المذكورة، وغيرها مما هو في معناها، وقالوا: إذا أسبله لغير الخيلاء؛ فهو مكروه، واستدلوا على ذلك بأنَّ أبا بكر قال للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: إنَّ إزاري\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٧٨٣)، ومسلم برقم (٢٠٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٥٧٨٨)، ومسلم برقم (٢٠٨٧).","vol":"3","page":385},{"text":"يسترخي؛ إلا أن أتعاهده. فقال له: «إنك لست ممن يفعله خيلاء» أخرجه البخاري (٥٧٨٤)، من حديث ابن عمر -﵄-.\n• وذهب أحمد في رواية، واختارها بعض الحنابلة إلى تحريم جرِّ الثوب، وإنْ لم يكن خيلاء، وهو اختيار شيخ الإسلام -﵀- كما في «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص ١٣٠) وإليه مال الحافظ ابن حجر، واستدلوا على ذلك بحديث جابر بن سليم في «سنن أبي داود» (٤٠٨٤)، وأحمد (٥/ ٦٣، ٦٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «إياك وإسبال الإزار؛ فإنَّ إسبال الإزار من المخيلة»، وصححه شيخنا الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (١٩٦).\nقال الشوكاني -﵀- في «نيل الأوطار» (١/ ٦٤٠): وَقَدْ عَرَفْت مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ - لِأَبِي بَكْرٍ: «إنَّك لَسْت مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ»، وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَنَاطَ التَّحْرِيمِ الْخُيَلَاءُ، وَأَنَّ الْإِسْبَالَ قَدْ يَكُونُ لِلْخُيَلَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ، فَلَابُدَّ مِنْ حَمْلِ قَوْلِهِ «فَإِنَّهَا مِنَ المَخِيلَةُ» فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سُلَيم عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ فَيَكُونُ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مُتَوَجِّهًا إلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اخْتِيَالًا، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ كُلَّ إسْبَالٍ مِنْ الْمَخِيلَةِ أَخْذًا بِظَاهِرِ حَدِيثِ جَابِرٍ ابنِ سُلَيم تَرُدُّهُ الضَّرُورَةُ؛ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُسْبِلُ إزَارَهُ مَعَ عَدَمِ خُطُورِ الْخُيَلَاءِ بِبَالِهِ، وَيَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ - لِأَبِي بَكْرٍ مَا عَرَفْت. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: هذا كلامٌ نفيسٌ من الإمام الشوكاني -﵀-، ولكنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اعتبر هذا الغالب، وهذه المظنة أعني أنَّ إسبال الثوب مظنة الخيلاء","vol":"3","page":386},{"text":"في الغالب، وحرَّم الإسبال فقال لجابر بن سليم -﵁-: «إياك وإسبال الإزار»، وفي «صحيح مسلم» (٢٠٨٦): أنه قال لعبد الله ابن عمر -﵄-: «ارفع إزارك»، وذلك عند أنْ رأى فيه استرخاء، ولم يسأله النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عنِ استرخاء ثوبه: أذلك خيلاء أم لا؟ بل فهم الصحابة أنهم مأمورون بالرفع مطلقًا؛ ولذلك شكا أبو بكر للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استرخاء ثوبه، ولو فهم أنَّ ذلك للخيلاء فقط؛ لَما سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوإذا عُلِمَ هذا؛ فإسبال الثوب خُيلاء كبيرة من الكبائر، وإسباله لغير خيلاء؛ محرمٌ ومعصية، ونسأل الله أن يشرح صدورنا للحق، والحمد لله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1367>مسألة [٤]: إسبال الثياب في حق النساء</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٠٨٥): وأجمع العلماء على جواز الإسبال للنساء، وقد صحَّ عن النبي - ﷺ - الإذن لهن في إرخاء ذيولهن ذراعًا، والله أعلم. اهـ\nقلتُ: يشير النووي -﵀- إلى ما أخرجه أبو داود (٤١١٨)، والنسائي (٨/ ٢٠٩)، وأحمد (٢٦٥١١) بإسناد صحيح عن أم سلمة -﵂-: أنها قالت: يا رسول الله، فكيف بالنساء؟ فقال: «يرخين شبرًا»، قالت: قلت: إذًا ينكشف عنهن؟ قال: «فذراع لا يزدن عليه».\nتنبيه: الحكم في الإسبال يشمل إسبال القميص، والإزار، والسراويل؛ لأنَّ كلها يشملها قوله: «ثوبه» في الأحاديث المتقدمة.\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٥٧٨٧ - ٥٧٩١)، «النيل» (١/ ٦٤٠)، «شرح مسلم» (٢٠٨٥).","vol":"3","page":387},{"text":"وأخرج أحمد (٢/ ١١٠، و١٣٧)، وأبو داود (٤٠٩٥) بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عمر -﵄-، قال: «ما قال رسول الله - ﷺ - في الإزار، فهو في القميص».\nوأما الحديث الذي أخرجه أبو داود (٤٠٩٤)، وابن ماجه (٣٥٧٦)، والنسائي (٨/ ٢٠٨) من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، عن سالم، عن أبيه عن النبي - ﷺ - قال: «الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جر منها شيئا خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة». فقد قال ابن أبي شيبة كما في سنن ابن ماجه: ما أغربه.\nقلتُ: تفرد عبد العزيز بن أبي رواد بقوله: «الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة»، وغيره من الرواة يروون الحديث، عن سالم، وعن ابن عمر بدون ذكر هذا الزيادة، وإنما اقتصروا على آخر الحديث: «من جر ثوبه خيلاء ...».\nفقد روى الحديث عن سالم جماعة بدون الزيادة المذكورة، وهم: عمر بن محمد، وموسى بن عقبة، والزهري.\nوروى الحديث عن ابن عمر جماعة، واقتصروا على قوله: «من جر ثوبه خيلاء ...»، وهم: نافع مولاه، وعبد الله بن دينار، وزيد بن أسلم، وجبلة بن سحيم، ومحارب بن دثار، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، ومحمد بن عباد بن جعفر، ومسلم بن يسار، ومحمد بن زيد، ومسلم يناق. (^١)\nفائدة: روى أبو داود (٦٣٨) وغيره، عن أبي هريرة، قال: بينما رجل يصلي مسبلا إزاره إذ قال له رسول الله - ﷺ -: «اذهب فتوضأ»، فذهب فتوضأ، ثم جاء، ثم\n_________\n(^١) انظر مصادر رواياتهم في «المسند المصنف المعلل» (١٦/ ٥ -).","vol":"3","page":388},{"text":"قال: «اذهب فتوضأ»، فذهب فتوضأ، ثم جاء، فقال له رجل: يا رسول الله ما لك أمرته أن يتوضأ، ثم سكت عنه، فقال: «إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله تعالى لا يقبل صلاة رجل مسبل إزاره». وهذا الحديث ضعيف؛ فإنه من طريق أبي جعفر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة به.\nوأبو جعفر المذكور، رجل من أهل المدينة، مجهول، تفرد بالرواية عنه يحيى بن أبي كثير، ولم يوثقه معتمد على توثيقه؛ فهو مجهول العين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1368>مسألة [٥]: حكم السدل</span>.\nجاء في النهي عن السدل أحاديث، وهي: حديث أبي هريرة -﵁-، في «سنن أبي داود» (٦٤٣)، نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يسدل الرجل ثوبه. وفي إسناده: الحسن بن ذكوان، وهو ضعيفٌ، وذُكِر الحديث في ترجمته من «الكامل» لابن عدي، وكأنه قد أُنكر عليه، وله طريق أخرى في «مسند أحمد» (٧٩٣٤)، فيها: عِسْل بن سفيان، وهو ضعيفٌ، وجاء من حديث ابن مسعود -﵁-، عند البيهقي (٢/ ٢٤٣)، وفي إسناده: بِشر بن رافع، وهو شديد الضعف، وفيه انقطاع؛ لأنَّ أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، كما نصَّ على ذلك الحفاظ.\n• وقد اختلف أهل العلم في تفسير السدل على أقوال:\nفمنهم من فسَّره بالإسبال المتقدم، ومنهم من فسَّره بوضع الرداء على الرأس، ثم يرميه من جانبيه من وراء ظهره، ومنهم من فسَّره باشتمال الصَّمَّاء الذي سيأتي، وهو أن يلتحف بثوب ويدخل يديه من داخل، ومنهم من قال: هو أن يطرح ثوبًا","vol":"3","page":389},{"text":"على كتفيه، ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الأخرى.\nوهذا التفسير الأخير هو الأصح عند الحنابلة، وعزاه شيخ الإسلام لعامة العلماء. فقال بعد أن ذكر قول الإمام أحمد في تفسير السدل بأنه: طرح الثوب على الكتف، ولا يرده على الكتف الأخرى. قال: وهذا الذي عليه عامة العلماء. اهـ\nقلتُ: والتفسير الأول هو الأصح عند الشافعية. وأنكر شيخ الإسلام -﵀- تفسير السدل بالإسبال فقال -﵀- في «الاقتضاء»: وأما ما ذكره أبو الحسن الآمدي وابن عقيل من أن السدل هو إسبال الثوب بحيث ينزل عن قدميه ويجره، فيكون هو إسبال الثوب، وجره المنهي عنه؛ فغلط مخالف لعامة العلماء وإن كان الإسبال والجر منهيا عنه بالاتفاق والأحاديث فيه أكثر، وهو محرم على الصحيح، لكن ليس هو السدل.\n• وقد ذهب إلى كراهة السدل: النخعي، ومجاهد، وعطاء، والثوري، والشافعي، والحنابلة، وصحَّ عن علي -﵁- كراهة ذلك (^١).\n• ورخَّصَ فيه: مكحول، والزهري، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، وابن المنذر، وصحَّ عن ابن عمر -﵄-، أنه كان يسدل في الصلاة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٦٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٩)، وابن المنذر (٥/ ٥٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٢/ ٢٤٣)، من طرق عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن أبيه؛ أن عليًّا رأى قوما يصلون، وقد سدلوا، فقال: كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٦٠) من طريق الثوري، عن عطاء بن السائب، عن محارب، قال: رأيت ابن عمر يسدل في الصلاة. وهذا إسناد صحيح، والثوري روى عن عطاء قبل الاختلاط.\nوقد صح عن ابن عمر -﵄- خلاف ذلك، فأخرج ابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٩) عن وكيع، قال: حدثنا فضيل بن غزوان، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه كره السدل في الصلاة، مخالفة لليهود، وقال: إنهم يسدلون. وهذا إسنادٌ صحيحٌ أيضًا.","vol":"3","page":390},{"text":"قال ابن المنذر -﵀- كما في «شرح المهذب»: لا أعلم في النهي عن السدل خبرًا يثبت، فلا نهي عنه بغير حجة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الحديث فيه ضعفٌ، ولكن قد كره ذلك الصحابة؛ لأنه من فعل اليهود. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1369>مسألة [٦]: اشتمال الصماء</span>.\nأخرج البخاري (٣٦٧) (٣٦٨)، من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة -﵄-، ومسلم (٢٠٩٩)، من حديث جابر -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن اشتمال الصماء.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- -بعد أن ذكر أحاديث في تفسير الصماء عن التابعين، وبعضها عن الصحابة-: فحاصل ما دلت عليه الأحاديث في لبسة الصماء هو أن يلبس ثوبًا واحدًا، وهو الرداء؛ فيشتمل به على بدنه من غير إزار، ثم يضع طرفيه على أحد منكبيه، ويُبْقِي منكبه الآخر وشقه مكشوفًا، فتبدو عورته منه، وبذلك فَسَّرَ الصَّمَّاء أكثر العلماء، ومنهم: سفيان الثوري، وابن وهب، وأحمد، وأبو عبيد، وأكثر العلماء (^٢).\nقال ابن رجب: قال أبو عبيد: قال الأصمعي: اشتمال الصماء عند العرب: أن يشتمل الرجل بثوبه، فيجلل به جسده كله، ولا يرفع منه جانبًا فيخرج منه يده. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٣/ ١٧٧ - ١٧٨)، «المغني» (٢/ ٢٩٧)، «الأوسط» (٥/ ٥٧ -)، «النهاية» لابن الأثير، «ابن أبي شيبة» (٢/ ٢٥٩ -)، «الاقتضاء» (ص ١٢٩ -)، «عبد الرزاق» (١/ ٣٦٢).\n(^٢) وصح هذا التفسير عن أبي سعيد الخدري -﵁-، كما في البخاري (٥٨٢٠).","vol":"3","page":391},{"text":"وهذا التفسير أخذ به الشافعية كما في «شرح المهذب».\nقلتُ: وعلى التفسير الأول؛ فتبطل الصلاة إذا انكشفت العورة.\nوأما التفسير الآخر فقالوا بكراهته؛ لأنَّه لا يدري لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه، وأن يتقيه بيده؛ فلا يقدر على ذلك.\nقال ابن رجب -﵀-: وهذا الذي قاله أبو عبيد في تقديم تفسير الفقهاء على تفسير أهل اللغة حسنٌ جدًّا؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد يتكلم بكلام من كلام العرب يستعمله في معنى هو أخص من استعمال العرب أو أعم منه ويتلقى ذلك عنه حملة شريعته من الصحابة ثم يتلقاه عنهم التابعون ويتلقاه عنهم أئمة العلماء ... إلخ.\nقال ابن رجب -﵀-: ولو صلَّى وهو مشتمل الصماء، ولم تبدُ عورته؛ لم تبطل صلاته عند أكثر العلماء، ومنهم من قال ببطلانها، وهو وجهٌ لأصحابنا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وكذلك من صلَّى وهو مسبلٌ لإزاره، أو بلباس امرأة، أو بثوب فيه تصاوير؛ فإنه يأثم، وصلاته صحيحة عند الجمهور، وهو الصواب؛ لأنَّ النهي ليس عائدًا لذات الصلاة، بل لأمر خارجٍ عنها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1370>مسألة [٧]: الصلاة في ثوب واحدٍ وفي ثوبين</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- (٣٧٠): وقد أجمع العلماء على صحة صلاة من صلى في ثوب واحدٍ، وستر منكبيه. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» لابن رجب (٢/ ١٨١ - ١٨٤)، «المجموع» (٣/ ١٧٦)، «الفتح» لابن حجر (٣٦٧، و٥٨٢٠).","vol":"3","page":392},{"text":"ثم ذكر بعدُ أنَّ ابن المنذر أيضًا نقل الإجماع على ذلك.\n• وأما الصلاة في ثوبين فأكثر العلماء على استحباب ذلك، وجاء عن علي، وجابر، وأُبي بن كعب، وابن عباس، وخالد بن الوليد، وأنس بن مالك -﵃- (^١)، أنهم كانوا يصلون في الثوب الواحد، وَحُمِل فعلهم ذلك على بيان الجواز.\nوأخرج عبد الرزاق (١/ ٣٥٨)، وابن المنذر (٥/ ٥٣) من طريقه، عن معمر، عن أيوب، عن نافع قال: رآني ابن عمر أصلي في ثوب واحد فقال: «ألم أكسك ثوبين؟» فقلت: بلى. قال: «أرأيت لو أرسلتك إلى فلان أكنت ذاهبا في هذا الثوب؟» فقلت: لا. فقال: «الله أحق من تزين له -أو من تزينت له-» وإسناده صحيح.\nوقد دلَّ على استحباب ذلك حديث أبي هريرة -﵁-، في «الصحيحين» (^٢) أنَّ رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال: «أوكلكم يجد\n_________\n(^١) أثر علي -﵁- أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٣) بإسناد صحيح، وأثر جابر -﵁- أخرجه مسلم (٣٠٠٨).\nوأثر أبي بن كعب -﵁-: ضعيف. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٢) من طريق أبي نضرة، عن أبي ابن كعب به. وهو منقطع؛ أبو نضرة لم يدرك أبي بن كعب؛ لأن أبيًا مات في خلافة عمر بن الخطاب -﵁-.\nوأثر ابن عباس -﵄-: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٢) بإسناد صحيح.\nوأثر خالد بن الوليد -﵁- أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٢)، وعبد الرزاق (١/ ٣٥٥) بإسناد صحيح.\nوأثر أنس بن مالك -﵁-: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٢) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٣٥٨)، ومسلم برقم (٥١٥).","vol":"3","page":393},{"text":"ثوبين؟!»؛ ولذلك قال عمر ابن الخطاب -﵁-، كما في «صحيح البخاري» (٣٦٥): إذا وسَّع الله فأوسعوا، صلَّى رجلٌ في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تبَّان وقباء، في تبَّان وقميص. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1371>مسألة [٨]: كفتُ الثوب والشعر</span>.\nأخرج الشيخان (^٢) عن ابن عباس -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أُمِرتُ أن أسجد على سبعة أعظم ..، وأنْ لا أكفت ثَوبًا، ولا شَعْرًا».\n• فأما كفت الثوب؛ فكرهه مالك فيما إذا كان للصلاة، سواءٌ كفته في الصلاة، أو قبلها، ولا يُكره عنده إذا كفته لأمرٍ غير الصلاة، ثم بقي على حالته مكفوتًا في الصلاة.\n• وبوَّبَ البخاري في «صحيحه»: [باب لا يكف الثوب في الصلاة]. وظاهره أنَّ الكراهة إنما هي في أثناء الصلاة، قال الحافظ ابن حجر: وهو قول الداودي.\n• وذهب الجمهور إلى الكراهة في الحالتين: قبل الصلاة، وأثناء الصلاة، منهم: الأوزاعي، والليث، وأحمد، وأبو حنيفة، والشافعي، وغيرهم.\nوأما كفُّ الشعر؛ فقال ابن رجب -﵀-: وكفُّ الشعر مكروه كراهة تنزيه عند أكثر الفقهاء، وحرَّمه طائفة من أهل الظاهر وغيرهم، واختاره ابن جرير الطبري،\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» أيضًا (٢/ ١٧٤) (٣٦٥)، «الأوسط» (٥/ ٥١)، «ابن أبي شيبة» (١/ ٣١٠)، «عبد الرزاق» (١/ ٣٤٩).\n(^٢) تقدم الحديث في الكتاب برقم (٢٨٨).","vol":"3","page":394},{"text":"وقال: لا إعادة على من فعله لإجماع الحجة وراثةً عن نبيها -﵇- أنْ لا إعادة عليه. اهـ\nقال: وحكى ابن المنذر الإعادة منه عن الحسن، ورخَّص فيه مالك إذا كان قبل الصلاة لمعنى غير الصلاة. اهـ\nقلتُ: وفي النهي عن كفت الشعر حديث ابن عباس في «صحيح مسلم» (٤٩٢): أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي وهو معقوص الشعر، فقام يحله، فلما انصرف قال: مالك وشعري؟ قال: إني سمعت رسو الله - ﷺ - يقول: «مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف».\nوالصواب في المسألتين: أنه يُكره الكفت في الصلاة، سواء كان مكفوتًا من قبل الصلاة، أم كُفِتَ في أثنائها، ويدل عليه فعل ابن عباس -﵄- مع عبدالله بن الحارث، فالظاهر أنَّ شعره كان معقوصًا من قبل الصلاة، ولا يشمل النهي من كان كُمُّه طويلًا فكفته؛ ليقصره ويلبسه على ذلك الحال دائمًا، والله أعلم. (^١)\n\nتم بحمد الله كتاب الصلاة يوم الثلاثاء\nالموافق: /٤/ ١٤٢٥ ه\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ١٢٧ - ١٢٨)، «شرح مسلم» (٤٩١،٤٩٢).","vol":"3","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1372>كِتَابُ الْجَنَائِزِ</span>\nالجنائز: جمع جنازة، بفتح الجيم، وكسرها لغتان مشهورتان، كما في «شرح المهذب».\n\n٥١٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ (^١) اللَّذَّاتِ: المَوْتِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٢)\nالفائدة والأدب المستفاد من الحديث\nفيه الحث على تذكر الموت، ويحصل بتذكر الموت والإكثار من ذلك فوائد كثيرة، منها: الاجتهاد في الطاعة، والبعد عن المعاصي، والإخلاص في الأعمال، والابتعاد عن الكبر، والعُجب، والحسد، والخوف من الله، والاستعداد للقائه، وغير ذلك.\n_________\n(^١) كذا الرواية -بالذال المعجمة- ومعناه قاطع اللذات.\n(^٢) حسن لغيره. أخرجه الترمذي (٢٣٠٧)، والنسائي (٤/ ٤)، وابن حبان (٢٩٩٢ - ٢٩٩٥)، من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به. وهذا إسناد ظاهره الحسن، ولكن قد اختلف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني في «العلل» (١٣٩٧) المرسل، وكذلك الإمام أحمد في «مسائل أبي داود» (ص ٤٠٩) (١٩٢٢). وله شاهد من حديث ابن عمر -﵄-، أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٥٧٦٦)، والبيهقي في «الشعب» (١٠٥٥٨)، وفي إسناده: أبوعامر القاسم بن محمد الأسدي وهو مجهول الحال، له ترجمة في «الجرح والتعديل» (٧/ ١١٩)، وفيه أيضًا: عبدالله بن عمر العمري، وهو ضعيفٌ سيئ الحفظ، وتصحف في «الأوسط» إلى عبيدالله. فالحديث حسن بمجموع الطريقين -أعني المرسل مع حديث ابن عمر -﵄- -.","vol":"3","page":396},{"text":"وفي «البخاري» (^١) عن عبد الله بن عمر -﵄-، قال: أخذ النبي - ﷺ - بمنكِبَي وقال: «يا عبدالله بن عمر، كُنْ في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل»؛ فكان ابن عمر -﵄- يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لهرمك، ومن حياتك لموتك.\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (١٤٦٨).","vol":"3","page":397},{"text":"٥١٨ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ يَنْزِلُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1373>مسألة [١]: حكم تمني الموت</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٦٨٠): فِيهِ التَّصْرِيح بِكَرَاهَةِ تَمَنِّي الْمَوْت لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ مِنْ مَرَض، أَوْ فَاقَة، أَوْ مِحْنَة مِنْ عَدُوّ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ مَشَاقّ الدُّنْيَا، فَأَمَّا إِذَا خَافَ ضَرَرًا فِي دِينه، أَوْ فِتْنَة فِيهِ، فَلَا كَرَاهَة فِيهِ؛ لِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره، وَقَدْ فَعَلَ هَذَا الثَّانِي خَلَائِق مِنْ السَّلَف عِنْد خَوْف الْفِتْنَة فِي أَدْيَانهمْ، وَفِيهِ أَنَّهُ إِنْ خَالفَ وَلَمْ يَصْبِر عَلَى حَاله فِي بَلْوَاهُ بِالْمَرَضِ وَنَحْوه؛ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ، أَحْيِنِي إِنْ كَانَتْ الْحَيَاة خَيْرًا ... إِلَخْ، وَالْأَفْضَل الصَّبْر، وَالسُّكُون لِلْقَضَاءِ. اهـ\nقلتُ: هكذا قال النووي بالكراهة، والنهي حقيقته التحريم، ولا نعلم صارفًا له عن حقيقته، وقد صرَّح بعدم الجواز، وعدم الْحِل ابن حزم في «المحلَّى» (٦٠٨)، والإمام الألباني في «أحكام الجنائز» (ص ١٢)، ولا يُعارض الحديث قوله تعالى عن يوسف -﵇-: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]؛ فإنَّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣٥١)، ومسلم (٢٦٨٠).","vol":"3","page":398},{"text":"المراد منه أن يثبته على الإسلام، وأن يتوفاه عليه كما هو ظاهر.\nوقد جاء في ضمن حديث طويل في «مسند أحمد» (^١) من حديث معاذ بن جبل، وابن عباس -﵃-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون».\nفهذا يدلُّ على ما ذكره النووي من جواز الدعاء بالموت إذا خاف الفتنة على دينه، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٣٦٨) (٥/ ٢٤٣)، وهو حديث حسن بشواهده وطرقه.","vol":"3","page":399},{"text":"٥١٩ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «المُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الجَبِينِ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\nشرح الحديث\nقال السِّنْدي -﵀-: قيل: هو لما يعالج من شدة الموت؛ فقد تبقى عليه بقية من ذنوب، فيُشدد عليه وقت الموت؛ ليخلص عنها، وقيل: هو من الحياء؛ فإنه إذا جاءته البُشرى مع ما كان قد اقترف، حصل له بذلك خجلٌ، وحياءٌ من الله تعالى، فعرق لذلك جبينه، وقيل: يحتمل أنَّ عرق الجبين علامة جُعلت لموت المؤمن، وإنْ لم يعقل معناه. اهـ (^٢)\nقلتُ: والقول الأول أقرب، وهو علامة لحسن الخاتمة، وقد تتخلف عن البعض، ولا يدل ذلك على سوء خاتمته، والله أعلم.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه النسائي (٤/ ٦٥)، والترمذي (٩٨٢)، وابن ماجه (١٤٥٢)، وابن حبان (٣٠١١)، وهو حديث صحيح.\nتنبيه: الحديث لم يخرجه أبوداود، وأخرجه ابن ماجه مع من تقدم.\n(^٢) «حاشية سنن النسائي» (٤/ ٧٠٦).","vol":"3","page":400},{"text":"٥٢٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ،\n\n٥٢١ - وَأَبِي هُرَيْرَةَ -﵄- قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالأَرْبَعَةُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1374>مسألة [١]: حكم التلقين وكيفيته</span>.\nقال الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في شرح الحديث: مَعْنَاهُ: مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْت، وَالْمُرَاد ذَكِّرُوهُ لَا إِلَه إِلَّا اللهُ؛ لِتَكُونَ آخِر كَلَامِه كَمَا فِي الْحَدِيث: «مَنْ كَانَ آخِر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجنَّة» (^٢)، وَالْأَمْر بِهَذَا التَّلْقِين أَمْر نَدْب، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى هَذَا التَّلْقِين، وَكَرِهُوا الْإِكْثَار عَلَيْهِ وَالْمُوَالَاة؛ لِئَلَّا يَضْجَر بِضِيقِ حَاله، وَشِدَّة كَرْبه؛ فَيَكْرَه ذَلِكَ بِقَلْبِهِ، وَيَتَكَلَّم بِمَا لَا يَلِيق. قَالُوا: وَإِذَا قَالَهُ مَرَّة، لَا يُكَرِّر عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّم بَعْده بِكَلَامٍ آخَر، فَيُعَاد التَّعْرِيض بِهِ؛ لِيَكُونَ آخِر كَلَامه، وَيَتَضَمَّن الْحَدِيث الْحُضُور عِنْد الْمُحْتَضَر لِتَذْكِيرِهِ، وَتَأْنِيسه، وَإِغْمَاض عَيْنَيْهِ، وَالْقِيَام بِحُقُوقِهِ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ. اهـ. (^٣)\n_________\n(^١) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم (٩١٦)، وأبوداود (٣١١٧)، والنسائي (٤/ ٥)، والترمذي (٩٧٦)، وابن ماجه (١٤٤٥). وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم برقم (٩١٧)، وابن ماجه (١٤٤٤)، ولم يخرجه بقية الأربعة.\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٣)، وأبو داود (٣١١٦) من حديث معاذ بن جبل -﵁-، وإسناده حسن، وحسنه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٦٨٧).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٣/ ٣٦٣).","vol":"3","page":401},{"text":"قلتُ: والتلقين يحصل إما بالتذكير، أو التعريض، أو يأمره بأن يقولها، ولا كراهة في ذلك؛ فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه دخل على رجل من الأنصار، فقال: «يا خال، قل: لا إله إلا الله ...» الحديث أخرجه أحمد (٣/ ١٥٢)، وهو صحيح، وقد صححه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (٣٧). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1375>مسألة [٢]: تلقين الكافر</span>.\nإذا مرض الكافر؛ اُسْتُحِبَّ الذهاب إليه، ودعوته إلى الإسلام بأن ينطق بالشهادتين كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع عَمِّه أبي طالب كما في «الصحيحين»، (^٢) ومع الغلام اليهودي الذي كان يخدمه، فمرض، فعاده النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال له: «أسلم»، فأسلم، فخرج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «أحكام الجنائز» (ص ٢٠).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٣٦٠)، ومسلم برقم (٢٤) من حديث المسيب بن حزن -﵁-.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٣٥٦) من حديث أنس بن مالك -﵁-.","vol":"3","page":402},{"text":"٥٢٢ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1376>مسألة [١]: حكم قراءة سورة [يس] عند المحتضر، وعلى الميت</span>؟\nاستحبَّ بعض الفقهاء أن يقرأ عند الميت وهو في الاحتضار بهذه السورة، أعني سورة [يس]، وبعضهم استحب ذلك بعد موته.\nولكن تقدم أنَّ الحديث ضعيفٌ؛ فهذا العمل لا يُشرع، بل يُعَدُّ من البدع، والله أعلم.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٣١٢١)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (١٠٧٤) (١٠٧٥)، وابن حبان (٣٠٠٢).\nوفي إسناده رجل يقال له (أبوعثمان) وهو مجهول يرويه عن أبيه عن معقل، وأبوه مجهول أيضًا، وفيه أيضًا اضطراب، فربما رواه أبوعثمان عن أبيه عن معقل مرفوعًا، وربما وقفه، وربما أسقط أباه ورواه عن معقل مباشرة؛ فالحديث ضعيف.","vol":"3","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1377>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1378>مسألة [١]: المريض ماذا يغلب: جانب الرجاء، أم جانب الخوف</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى استحباب تغليب جانب الرجاء؛ لحديث جابر -﵁- في «صحيح مسلم» (٢٨٧٧) قال: سمعت النبي - ﷺ - قبل موته بثلاث يقول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يُحسنُ الظَّن بربه ﵎»، وفي «الصحيحين» (^١) عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي ...» الحديث.\n• وذهب بعضهم إلى التسوية بين الرجاء، والخوف، واستُدِلَّ لهم بحديث أنس ابن مالك -﵁- عند الترمذي (٩٨٣)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دخل على شاب وهو في الموت، فقال: «كيف تجدك؟» قال: والله، يا رسول الله، إنِّي لأرجو الله، وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يجتمعان في قلب عبدٍ في مثل هذا الموطن؛ إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمَّنَهُ مما يخاف»، وفي إسناده: سيار بن حاتم، وهو ضعيفٌ، يرويه عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، ولجعفر مناكير.\nوقال الترمذي -﵀- عقب الحديث: وقد روى بعضهم هذا الحديث عن ثابتٍ، عن النبي - ﷺ - مرسلًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٧٤٠٥)، ومسلم برقم (٢٦٧٥).","vol":"3","page":404},{"text":"ولو كان الحديث ثابتًا؛ فليس فيه أنَّ الرجاء والخوف كانا متساويين؛ فيحتمل أنهما اجتمعا، ولكن كان الرجاء أقوى، فلا يخالف ما تقدم، والصواب هو قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1379>مسألة [٢]: توجيه المحتضر إلى القبلة</span>.\n• استحبَّ كثير من أهل العلم، أو أكثرهم توجيه المحتضر إلى القبلة، على اختلافٍ بينهم: هل يوجه مستلقيًا؟ أم على جنبه الأيمن؟ وعلى هذا أكثرهم.\nواستدلوا بحديث: «قبلتكم أحياءً وأمواتًا»، (^٢) وهذا الحديث ليس بصريح، إنما المراد به في اللحد.\nواستدلوا بحديث عبدالله بن أبي قتادة عند الحاكم (١/ ٣٥٣ -)، والبيهقي (٣/ ٣٨٤)، أنَّ البراء بن معرور تُوفِّي، وأوصى أن يُوَجَّهَ إلى القبلة لما احتضر، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أصاب الفطرة».\nوالحديث محتمل أنه أراد أن يوجه إلى القبلة في قبره؛ لِمَا تُشْعِر ذلك كلمة (أوصى)، ومع ذلك ففي إسناده: نُعيم بن حماد، وهو ضعيفٌ، وهو كذلك مرسل؛ لأنَّ عبدالله بن أبي قتادة تابعي وقد روى بنفسه القصة، ولم يسندها.\nقال الإمام الألباني -﵀- في «أحكام الجنائز»: وأما قراءة سورة [يس] عنده، وتوجيهه نحو القبلة فلم يصح فيه حديث، بل كره سعيد بن المسيب توجيهه إليها. اهـ. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٣٦٠)، «المجموع» (٥/ ١٠٨).\n(^٢) حديثٌ ضعيف، سيأتي تخريجه إن شاء الله تحت حديث رقم (٥٥٨).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٥/ ١١٥ - ١١٦)، «المغني» (٣/ ٣٦٤)، «أحكام الجنائز» (ص ١١).","vol":"3","page":405},{"text":"٥٢٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ -﵁- وَقَدْ شُقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: «إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ اتَّبَعَهُ البَصَرُ»، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إلَّا بِخَيْرٍ؛ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى مَا تَقُولُونَ»، ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي المَهْدِيِّينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالأحكام المستفادة من الحديث\nقال الإمام النووي -﵀- في شرح الحديث: فيه دليل على استحباب إغماض الميت، وأجمع المسلمون على ذلك، قالوا: والحكمة فيه أن لا يقبح بمنظره لو تُرك إغماضه. اهـ\nواستحب أهل العلم أيضًا أن يشد لحييه بعصابة عريضة، يربطها من فوق رأسه؛ لأنَّ الميت إذا كان مفتوح العينين والفم، فلم يغمض حتى يبرد؛ بقي مفتوحًا، فيقبح منظره، ولا يؤمن دخول الهوام فيه، والماء في وقت غسله. (^٢)\nقلتُ: وفي الحديث استحباب الدعاء للميت عند موته، ولأهله، وذريته بأمور الآخرة، والدنيا، قاله النووي -﵀-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1380>مسألة [١]: وضع سيف أو حديد على بطن الميت</span>؟\nهذا العمل ليس من السنة، ولكن ما وضع على بطن الميت مما ذكر، أو من\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٩٢٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٣/ ٣٦٦)، «المجموع» (٥/ ١٢٠).","vol":"3","page":406},{"text":"الطين، أو الزجاج؛ إذا كان لغرض صحيح كحمايته من أن ينتفخ ويجيف؛ فلا بأس به. وممن قال بذلك الشعبي والشافعي، وابن المنذر رحمة الله عليهم. (^١)\n\n٥٢٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدِ حِبَرَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\nالأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1381>مسألة [١]: تسجية الميت</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٣٤٢): مَعْنَاهُ: غُطِّيَ جَمِيع بَدَنه، وَالْحِبَرَة: بِكَسْرِ الْحَاء، وَفَتْح الْبَاء الْمُوَحَّدَة، وَهِيَ ضَرْب مِنْ بُرُود الْيَمَن، وَفِيهِ: اِسْتِحْبَاب تَسْجِيَة الْمَيِّت، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ، وَحِكْمَته: صِيَانَته مِنْ الِانْكِشَاف، وَسَتْر عَوْرَته الْمُتَغَيِّرَة عَنْ الْأَعْيُن.\nقَالَ أَصْحَابنَا: وَيَلُفّ طَرَف الثَّوْب الْمُسَجَّى بِهِ تَحْت رَأْسه، وَطَرَفه الْآخَر تَحْت رِجْلَيْهِ؛ لِئَلَّا يَنْكَشِف عَنْهُ قَالُوا: تَكُون التَّسْجِيَة بَعْد نَزْع ثِيَابه الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا؛ لِئَلَّا يَتَغَيَّر بَدَنه بِسَبَبِهَا. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَا يُتْرَكُ الميِّتُ عَلَى الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِفَسَادِهِ، وَلَكِنْ عَلَى سَرِيْرٍ، أَوْ لَوْحٍ؛ لِيَكُوْنَ أَحْفَظَ لَه. اهـ. (^٣)\n_________\n(^١) «الأوسط» (٥/ ٣٢١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٤١)، ومسلم (٩٤٢).\n(^٣) وانظر: «المجموع» (٥/ ١٢٣)، «المغني» (٣/ ٣٦٨).","vol":"3","page":407},{"text":"٥٢٥ - وَعَنْهَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -﵁- قَبَّلَ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعْدَ مَوْتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (^١)\nالأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1382>مسألة [١]: تقبيل الميت</span>.\nهذا الحديث يدل على مشروعية تقبيل الميت، وجوازه.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ١٢٧): يجوز لأهل الميت، وأصدقائه تقبيل وجهه، ثبتت فيه الأحاديث، وصرَّح به الدارمي في «الاستذكار»، والسَّرْخَسِي في «الأمالي». (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٧٠٩).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٣٩٠).","vol":"3","page":408},{"text":"٥٢٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nقال النووي -﵀- في معناه كما في «شرح المهذب» (٥/ ١٢٢): والمختار أنَّ معناه: أنَّ نفسه مطالبة بما عليه، ومحبوسة عن مقامها الكريم حتى يُقْضَى، لا أنه يعذب؛ لاسيما إنْ كان خلفه وفاء، وأوصى به. اهـ\nقلتُ: وقد جاءت أحاديث كثيرة تُبين عِظَمَ الدَّيْن، والتحذير من التساهل فيه، منها حديث: «يُغفر للشهيد كل ذنب إلا الدَّيْن»، رواه مسلم (١٨٨٦) عن عبد الله ابن عمرو بن العاص -﵄-، وجاء نحوه عن أبي قتادة -﵁- في «مسلم» أيضًا برقم (١٨٨٥).\nولذلك قال أهل العلم: ينبغي أن يسارع أولياء الميت بقضاء دين ميتهم، فإذا عجزوا عن ذلك، أو كانت تركة الميت عقارًا يحتاج إلى بيع؛ فإنهم يسألون الغرماء أن يحتالوا عليهم، ويتحملوا عن ميتهم الدَّين كما جاء في «البخاري» (٢٢٨٩) عن سلمة بن الأكوع -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ترك الصلاة على رجلٍ، فتحمل دينه\n_________\n(^١) رواه أحمد (٢/ ٤٤٠، ٤٧٥)، والترمذي (١٠٧٩). وقد اختلف في إسناد هذا الحديث كما أبانه الدارقطني في «العلل» (٩/ ٣٠٣) ورجح طريق سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة. وهذه الطريق ضعيفة لضعف عمر بن أبي سلمة، ولكن للحديث طريق أخرى. أخرجه ابن حبان (٣٠٦١)، من طريق إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به. وهذا إسناد ظاهره الصحة.","vol":"3","page":409},{"text":"أبو قتادة؛ فصلَّى عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإذا تحملها الأولياء، ورضي الغرماء؛ برئت ذمة الميت.\nوأما حديث: «الآن بردت عليه جلدته» (^١)؛ فهو حديث ضعيفٌ، فيه: عبدالله ابن محمد بن عقيل، وهو ضعيفٌ، وقد تفرد بهذه الزيادة. (^٢)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨): ويُستحب المسارعة إلى تفريق وصيته؛ ليعجل له ثوابها بجريانها على الموصى له.\nقلتُ: والدَّين مُقَدَّمٌ على الوصية بالإجماع، نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم كالترمذي، والنووي، وابن قدامة، والقرطبي، وغيرهم.\nقالوا: وقدم الله الوصية بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]؛ لأنه حقٌّ لضعيفٍ في الغالب، ولا يُطالب بها، وأما الدَّين؛ فإنه حقٌّ لقويٍّ في الغالب، ويطالب به؛ فقدَّم الوصية ليهتم بها، والله أعلم.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في الكتاب إن شاء الله برقم (٨٦٦).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٥/ ١٢٣ - ١٢٤)، «المغني» (٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨).","vol":"3","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1383>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1384>مسألة [١]: إذا أقر في مرض موته بدينٍ لشخص، فهل يُقبل إقراره؟ وأيهما يقدم: أهذا الدين، أم الدين الذي هو معروف عنه في صحته</span>؟\nقال القرطبي -﵀- في تفسير سورة النساء (٥/ ٨٠ - ٨١): وأجمع العلماء على أن إقراره بدينٍ لغير وارثٍ حال المرض؛ جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحة.\nقال: فإن كان عليه دين في الصحة ببينة، وأقر لأجنبي بدين، فقالت طائفة: يبدأ بدين الصحة، هذا قول النخعي، والكوفيين، قالوا: فإذا استوفاه صاحبه؛ فأصحاب الإقرار في المرض يتحاصون. وقالت طائفة: هما سواء إذا كان لغير وارث. هذا قول الشافعي، وأبي ثور، وأبي عبيد، وذكر أبو عبيد أنه قول أهل المدينة، ورواه عن الحسن. اهـ\nقلتُ: والقول الثاني هو الصواب؛ لأنَّ كلًّا من الدَّيْنَيْنِ حقٌّ ثابت في ذمته، ولا دليل على تقديم أحدهما، والله أعلم.","vol":"3","page":411},{"text":"٥٢٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ فِي الَّذِي سَقَطَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَاتَ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْن». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٥٢٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: لَمَّا أَرَادُوا غُسْلَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالُوا: وَاللهِ مَا نَدْرِي نُجَرِّدُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ لَا؟ ... الحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد. (^٢)\n\n٥٢٩ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ -﵂- قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ - وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ»، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَألقَى إلَيْنَا حِقْوَهُ، فَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\nوَفِي رِوَايَةٍ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا». (^٤)\nوَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ فَألقَيْنَاهَا خَلْفَهَا. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦).\n(^٢) حسن. رواه أحمد (٦/ ٢٦٧)، وأبوداود (٣١٤١)، من طريق محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير قال: سمعت عائشة، تقول ... فذكره، وإسناده حسن، وفي الحديث أنهم عند أن اختلفوا في ذلك ألقى الله عليهم النوم، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرى من هو: اغسلوا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعليه ثيابه، فقاموا فغسلوه وعليه ثيابه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٥٣)، ومسلم (٩٣٩).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٦٧)، ومسلم (٩٣٩) (٤٢) (٤٣).\n(^٥) أخرجه البخاري برقم (١٢٦٣)، وبنحوه في «مسلم» (٩٣٩) (٤١).","vol":"3","page":412},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1385>مسألة [١]: حكم غسل الميت</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ١٢٨): وغسل الميت فرض كفاية بإجماع المسلمين، ومعنى فرض كفاية: أنه إذا فعل من فيه كفاية سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم؛ أثموا كلهم.\n• وقد تعقبه الحافظ على نقل الإجماع، فقال في «الفتح» (١٢٥٣): وقد نقل النووي الإجماع على أنَّ غسل الميت فرض كفاية، وهو ذهول شديد؛ فإنَّ الخلاف مشهور عند المالكية حتى أنَّ القرطبي رجَّح في «شرح مسلم» أنه سنة، ولكن الجمهور على وجوبه.\nقلتُ: والصواب قول الجمهور؛ لحديث ابن عباس، وحديث أم عطية اللذينِ في الباب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1386>مسألة [٢]: كم هو الغسل الواجب في غسل الميت</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الغسل الواجب مرة واحدة، يُعمم بها جميع البدن؛ لحديث ابن عباس الذي في الباب: «اغسلوه بماءٍ وسدر».\n• وذهب الحنفية، والمزني، وأهل الظاهر إلى وجوب ثلاث غسلات؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أم عطية: «اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا ...» الحديث.\nقلتُ: وقول الجمهور هو الصواب؛ لحديث ابن عباس المذكور؛ فإنه لم يأمره","vol":"3","page":413},{"text":"بثلاث، وهو متأخر على حديث أم عطية، ويحمل قوله: «اغسلنها ثلاثًا ...»، على الاستحباب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1387>مسألة [٣]: هل يجرد من ثيابه عند غسله</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنه يجرد من ثيابه إلاما يستر العورة، وهو قول أحمد في رواية، وأخذ بها كثير من أصحابه، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وقال به من التابعين: ابن سيرين، والدليل على هذا ما جاء في حديث عائشة -﵂-: كما نُجَرِّد موتانا. وقالوا: هذا أمكن لغسل الميت، ورجَّح هذا ابن قدامة.\nالثاني: أنه يجلل بثوب، أو قميص ينفذ منه الماء، ثم يدخل يده من تحت الثوب، ويغسله؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يجرد من ثيابه، وهذا قول الشافعي وأصحابه، وأحمد في رواية.\nوالراجح هو القول الأول؛ لِمَا تقدم، وظاهر الحديث أنَّ ما فُعِلَ بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خاصٌّ به، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1388>مسألة [٤]: صفة غسل الميت</span>.\nيبدأ الغاسل، فيلف على يده خرقة، فينقي ما به من نجاسة، ويحني الميت حنيًا رقيقًا، لا يبلغ به قريبًا من الجلوس؛ لأنَّ في الجلوس أذية له، ثم يمر بيده على بطنه يعصره عصرًا رفيقًا؛ ليخرج ما معه من نجاسة؛ لئلا يخرج بعد ذلك، ثم بعد\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (١٢٥٣)، «المغني» (٣/ ٣٧٨).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٣٦٨).","vol":"3","page":414},{"text":"غسل النجاسة يبدأ فيوضيه وضوءه للصلاة، فيغسل كفيه، ثم يأخذ خرقة، فيبلها، ويجعلها على إصبعه، فيمسح أسنانه، وأنفه حتى ينظفهما، ويكون ذلك في رفقٍ، ولا يدخل الماء فاه، ولا منخريه في قول أكثر أهل العلم، وهو مذهب أحمد، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة، ومن التابعين: سعيد بن جبير؛ لأنَّ المضمضة والاستنشاق متعذرة في حق الميت، وقال الشافعي وأصحابه: يمضمضه، ويُنَشِّقُهُ كما يفعل الحي، والأقرب هو القول الأول، ثم يغسل وجهه، ويتم وضوءه، وذلك لحديث أم عطية: «ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها»، ثم إذا وضأه بدأ بغسل رأسه ولحيته، ثم يغسل جانبه الأيمن من باطنه وظاهره، وذلك بأن يغسل الباطن، ثم ينحي الميت على جنبه الأيسر؛ فيغسل الأيمن من ظاهره، ثم يغسل الجانب الأيسر كذلك من باطنه وظاهره.\n• وقال جماعة من الشافعية، والحنابلة: يبدأ بالباطن الأيمن، ثم الباطن الأيسر، ثم يغسل ظاهره الأيمن، ثم ظاهره الأيسر.\nوالأول أقرب، وهو قول جماعة من الشافعية؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ابدأن بميامنها»، ويكون الماء مخلوطًا بالسدر في جميع الغسلات، أو ما يقوم مقامه من المنظفات، كالصابون، والأشنان، ويُجتنب الصابون المعطر في حق المحرم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولا تمسوه طيبًا» (^١)، فإذا كانت الغسلة الأخيرة؛ خلط مع الماء كافورًا؛ لحديث أم عطية: «واجعلن في الأخيرة كافورًا»، وهو قول الجمهور، وهو الصواب.\n_________\n(^١) هو قطعة من حديث ابن عباس -﵄- الآتي في الكتاب برقم (٥٢٧).","vol":"3","page":415},{"text":"• وذهب النخعي، والكوفيون إلى أنه يُجْعَل في الكفن -أعني الكافور- ولا يخلط بالماء، وظاهر حديث أم عطية يدل على خلاف قولهم.\nويُستحبُّ أن يغسله ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك وترًا؛ إن احتاجوا إلى ذلك؛ لحديث أم عطية، ثم بعد فراغه من غسله يُنشفه بثوبٍ، ثم يكفنه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1389>مسألة [٥]: غسل الميت أكثر من سبع غسلات</span>.\n• قال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٢٥٣): وَلَمْ أَرَ فِي شَيْء مِنْ الرِّوَايَات بَعْد قَوْله: «سَبْعًا» التَّعْبِير بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ إِلَّا فِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ، وَأَمَّا مَا سِوَاهَا، فَإِمَّا: «أَوْ سَبْعًا»، وَإِمَّا: «أَوْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ»، فَيَحْتَمِل تَفْسِير قَوْله أَوْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ بِالسَّبْعِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَد، فَكَرِهَ الزِّيَادَة عَلَى السَّبْع. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: لَا أَعْلَم أَحَدًا قَالَ بِمُجَاوَزَةِ السَّبْع، وَسَاقَ مِنْ طَرِيق قَتَادَة أَنَّ اِبْن سِيرِينَ كَانَ يَأْخُذ الْغُسْل عَنْ أُمّ عَطِيَّة ثَلَاثًا، وَإِلَّا فَخَمْسًا، وَإِلَّا فَأَكْثَر، قَالَ: فَرَأَيْنَا أَنَّ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ سَبْع. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: الزِّيَادَة عَلَى السَّبْع سَرَف. وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر: بَلَغَنِي أَنَّ جَسَد الْمَيِّت يَسْتَرْخِي بِالْمَاءِ؛ فَلَا أُحِبّ الزِّيَادَة عَلَى ذَلِكَ. اهـ\nقلتُ: الرواية التي ذكر الحافظ أنها في أبي داود، هي أيضًا في «صحيح البخاري» برقم (١٢٥٩)، و«صحيح مسلم» (٩٣٩) (٣٩)؛ فالعجب من الحافظ كيف غفل عنها، والزيادة على السبع مكروهة؛ إلا إذا احتاج؛ لظاهر حديث أم عطية، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٣٧٢ - ٣٨٢)، «المجموع» (٥/ ١٧١ -).","vol":"3","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1390>مسألة [٦]: عصر بطن الميت أثناء الغسل</span>؟\n• قال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٥/ ٣٢٩): واختلفوا في عصر بطن الميت فكان ابن سيرين، والنخعي، والحسن البصري، ومالك يقولون: يعصر بطن الميت، قال بعضهم: عصرا خفيفا، وكان سفيان الثوري يقول: يمسح مسحا رقيقا بعد الغسلة الأولى، قال الشافعي: يمر يده على بطنه إمرارا بليغا ليخرج شيئا إن كان فيه.\n• وقال أحمد، وإسحاق: يمسح بطنه مسحا رقيقا خرج منه شيئا أو لم يخرج.\n• وقد روينا عن الضحاك بن مزاحم أنه أوصى أنه لا يعصر بطنه، وكان أحمد ابن حنبل يستحب أن يعصر بطنه في الثانية قال: فإنه تلين في الغسلة الأولى.\nقال أبو بكر: ليس في عصر البطن سنة تتبع، وقد رواه من ذكرنا ذلك عنهم من أهل العلم، فإن أمر الغاسل يديه إمرارا خفيفا على بطنه ليخرج شيئا إن كان هناك فحسن، وإن ترك فلم يفعل ذلك، فلا بأس به. اهـ\nقال أبو عبد الله: ما اختاره ابن المنذر هو المختار عندي، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1391>مسألة [٧]: إذا خرجت نجاسة بعد غسل الميت</span>؟\n• ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يُوضَأ، ويُعاد غسله إلى تمام سبع إن احتيج إلى ذلك، وهو قول ابن سيرين، وأحمد، وإسحاق، واستدلوا بحديث أم عطية: «أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك»، وهو قول للشافعي.","vol":"3","page":417},{"text":"• وذهب الثوري، ومالك، وأبو حنيفة إلى أنه يكفيه الوضوء، وغسل موضع النجاسة، وهو قول للشافعي، وحجَّتهم أنَّ النجاسة لا تزيل أثر الغسل، كما أنَّ الجنب الحي إذا أحدث أعاد الوضوء، ولا يعيد الغسل، فكذلك الميت.\nقال أبو عبدالله غفر الله له: الظاهر أنه لا يلزم إعادة الغسل، ويكفيه ما ذكره أصحاب القول الثاني، والأفضل أن يُعاد غسله كما ذكر أصحاب القول الأول؛ لحديث أم عطية -﵂-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1392>مسألة [٨]: استخدام الماء الحار</span>.\n• ذهب أبو حنيفة إلى تفضيل الماء الحار في غسل الميت؛ لأنه ينظف أكثر، وخالفه الجمهور، فقالوا: يغسل بالماء البارد؛ لأنَّ الحار يؤدي إلى استرخاء جسم الميت، ومقصودهم بالبارد، أي: البرود المعتاد، وقالوا: يستخدم الحار إذا احتيج إليه لإزالة الأوساخ التي ربما لا تزول بالماء البارد.\nوقول الجمهور هو الصواب؛ فالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لمَّا أمر بغسل ابنته لم يأمرهم أن يغسلوها بالماء الحار، وهذا يدل على أنهم غسلوها بالماء المعتاد، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1393>مسألة [٩]: المرأة الحائض، والجنب إذا توفيا، كم يُغْسَلا</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٥/ ١٥٢): مذهبنا أنَّ الجنب، والحائض إذا ماتا؛ غُسِلا غسلًا واحدًا، وبه قال العلماء كافة؛ إلا الحسن البصري، فقال:\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٣٨٠)، «تنقيح التحقيق» (٢/ ٦١٩).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٣٧٨).","vol":"3","page":418},{"text":"يغسلان غسلين. قال ابن المنذر: لم يقل به غيره. اهـ\nقلتُ: والصواب قول الجمهور؛ لعدم أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بغسلهما مرتين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1394>مسألة [١٠]: هل يضفر شعر الميتة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٣٩٣): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ شَعْرَ الْمَيِّتَةِ يُغْسَلُ، وَإِنْ كَانَ مَعْقُوصًا؛ نُقِضَ، ثُمَّ غُسِلَ، ثُمَّ ضُفِّرَ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، قَرْنَيْهَا، وَنَاصِيَتَهَا، وَيُلْقَى مِنْ خَلْفِهَا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُضَفَّرُ، وَلَكِنْ يُرْسَلُ مَعَ خَدَّيْهَا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: والصواب قول الجمهور -وهو الأول-؛ لحديث أم عطية المذكور في الكتاب.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٣٨١)، «الأوسط» (٥/ ٣٤٠).","vol":"3","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1395>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1396>مسألة [١]: هل يُختن الميت إذا لم يكن مختونًا</span>؟\n• ذهب الحنابلة إلى تحريم ختان الميت؛ لأنَّ فيه قطع جلدة من الميت، لا حاجة إلى قطعها، وفيه كشف للعورة بدون حاجة، ولا نزاع بين الحنابلة في تحريم ذلك، وهو قول جمهور الشافعية، وذهب بعض الشافعية إلى جواز ختنه.\nوالراجح القول الأول وقد رجَّحه الإمام ابن باز والإمام ابن عثيمين رحمهما الله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1397>مسألة [٢]: هل يؤخذ من شعره، وأظفاره</span>؟\n• استحب جماعة من أهل العلم أن يُقصَّ شاربه، ويؤخذ شعر إبطيه إذا احتاج إلى ذلك، وممن قال بذلك: سعيد بن المسيب، وابن جبير، والحسن، وأحمد، وإسحاق، وجماعة من الشافعية.\n• وكره ذلك جماعة من أهل العلم، منهم: مالك، وأبو حنيفة، والثوري، والمزني، وابن المنذر، وجماعة من الشافعية؛ لأنه قطع شيء من الميت، وأجزاء الميت محترمة، قالوا: ولم يُنقل ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأصحابه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب؛ لأنَّ تحسين الميت،\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ١٨٢ - ١٨٣)، «الإنصاف» (٢/ ٤٦٩)، «الشرح الممتع» (٥/ ٣٥٦)، «فتاوى اللجنة» (٨/ ٣٦٩).","vol":"3","page":420},{"text":"وتحسين كفنه، وتحسين قبره مطلوبٌ شرعًا كما هو معلوم من الأدلة، وكما أنه يُغمَّض، ويربط لِحْيَاه إذا مات حتى لا يَقْبُح منظره، كذلك إذا كان شعره طويلًا، أو أظفاره طويلة؛ فينبغي أن تقص حتى يحسن منظره، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1398>مسألة [٣]: هل يؤخذ من شعر العانة</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٤٨٣): وَأَمَّا الْعَانَةُ؛ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ؛ لِتَرْكِهِ ذِكْرَهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ فِي أَخْذِهَا إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَلَمْسِهَا، وَهَتْكِ الْمَيِّتِ، وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ لَا يُفْعَلُ لِغَيْرِ وَاجِبٍ، وَلِأَنَّ الْعَوْرَةَ مَسْتُورَةٌ يُسْتَغْنَى بِسَتْرِهَا عَنْ إزَالَتِهَا.\nوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ أَخْذَهَا مَسْنُونٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ الله، وَسَعِيدِ بْن جُبَيْرٍ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ جَزَّ عَانَةَ مَيِّتٍ، (^٢) وَلِأَنَّهُ شَعْرٌ إزَالَتُهُ مِنْ السُّنَّةِ، فَأَشْبَهَ الشَّارِبَ.\nوَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَيُفَارِقُ الشَّارِبُ الْعَانَةَ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ يُتَفَاحَشُ لِرُؤْيَتِهِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي أَخْذِهِ إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَلَا مَسِّهَا. انتهى المراد.\nوما رجَّحه ابن قدامة هو الراجح فيما يظهر، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ١٨٠)، «الإنصاف» (٢/ ٤٦٨)، «المغني» (٣/ ٤٨٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٤٧)، وعبدالرزاق (٣/ ٤٣٧) من طريق: أبي قلابة، عن سعد -﵁- به، وأبوقلابة لم يدرك سعدًا؛ فهو منقطع، والأثر ضعيف لا يثبت.\n(^٣) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٤٦٨)، «المجموع» (٥/ ١٨٠ - ١٨١).","vol":"3","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1399>مسألة [٤]: إذا تعذر غسل الميت لفقد الماء، أو عدم القدرة على استعماله</span>؟\n• مذهب الشافعية، وأكثر الحنابلة أنه ييمم؛ لأنَّ التيمم قائمٌ مقام الماء عند العجز عنه.\n• وذهب أحمد في رواية إلى أنه لا ييمم، وهو قول الأوزاعي في مسألة أخرى، ومقتضاه أن يقول بذلك هاهنا.\nوالأول أقرب، وهو اختيار ابن حزم في «المحلَّى» (٥٦٩). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1400>مسألة [٥]: هل يشرع للجنب والحائض أن يغسلا الميت</span>؟\n• كره ذلك بعض أهل العلم، ونقل ذلك عن الحسن، وابن سيرين.\n• ولم يكره ذلك أكثر أهل العلم منهم: علقمة، وعطاء، وإسحاق، وابن المنذر، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، والحنفية؛ لعدم وجود دليل يدل على الكراهة، ولأن المقصود هو التطهير، وهو حاصل بالجنب والحائض، ولأنه لا يشترط في الغاسل الطهارة.\n• وكرهه مالك للجنب دون الحائض؛ لإمكان الجنب أن يتطهر.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب عدم كراهة ذلك، ولا نعلم دليلًا يدل على الكراهة. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٥/ ١٧٨)، «الإنصاف» (٢/ ٤٨٠).\n(^٢) وانظر: «الأوسط» (٥/ ٣٣٩)، «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٣٤٥)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٣٩/ ٤١٣).","vol":"3","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1401>مسألة [٦]: هل يصح تغسيل الصبي للجنازة</span>؟\n• مذهب الحنفية والحنابلة الجواز، وهو مقتضى أقوال المالكية والشافعية، وهو الذي يظهر؛ لأنه تصح إمامته للناس، ويصح إذانه؛ فيصح منه هذا العمل، والله أعلم.\n• وعن أحمد: رواية بعدم صحته؛ لأنه فرض كفاية؛ فلا يقوم به إلا من يصح منه الفرض، وهذا مردود بما ذكرناه من صحة إمامته؛ فقد أمَّ عمرو بن سلمة الجرمي الناس في عهد النبي - ﷺ -، وهو ابن سبع سنين. رواه البخاري، وقد تقدمت المسألة في باب الإمامة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1402>مسألة [٧]: هل يُغَسَّل الجنين</span>؟\nأما إذا استهل الجنين صارخًا فيغسل بالإجماع، نقله ابن المنذر.\n• وأما إذا أسقط قبل الأربعة الأشهر؛ فلا يغسل عند الجمهور؛ إلا شيئًا روي عن ابن سيرين، وقال به بعض الحنفية.\n• وأما إذا أسقط لأربعة أشهر، وما فوق ذلك؛ فالأصح من قولي العلماء أنه يغسل، وهو قول الحنفية، والحنابلة، والشافعية.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يغسل، وهو قول المالكية، وبعض الحنفية، والشافعية. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «حاشية ابن عابدين» (١/ ٥٧٧)، «مواهب الجليل» (٢/ ٢٢٣)، «المغني» (٢/ ٥٢٧).\n(^٢) وانظر: «روضة الطالبين» (٢/ ١١٧)، «المغني» (٢/ ٥٢٢)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (١٣/ ٦٣)، «حاشية ابن عابدين» (١/ ٥٩٤).","vol":"3","page":423},{"text":"٥٣٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كُفِّنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ (^١) مِنْ كُرْسُفٍ (^٢)، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1403>مسألة [١]: حكم تكفين الميت</span>.\nنقل النووي الإجماع في «شرح المهذب» (٥/ ١٢٨)، على أن تكفين الميت فرضُ كفاية.\nقلتُ: ويدل على الوجوب حديث ابن عباس المتقدم: «وكفنوه في ثوبيه»، وحديثه الذي سيأتي برقم (٥٣٢): «وكفنوا فيها موتاكم».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1404>مسألة [٢]: ما هو أقل ما يجزئ في الكفن</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ أقل ما يجزئ هو ثوب واحد.\n• قال بعض الشافعية: ما يغطي عورته.\n• وقال الحنابلة وجماعة من الشافعية: ما يغطي جسده، وهذا القول أقرب؛ لحديث خباب بن الأرت في «البخاري» (١٢٧٦)، ومسلم (٩٤٠) في قصة مصعب بن عمير، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بمصعب بن عمير أن يكفن ببردته، وتجعل\n_________\n(^١) روي بضم المهملتين جمع سحل، وهو الثوب الأبيض النقي ولا يكون إلا من القطن، ويروى بفتح أوله نسبة إلى قرية باليمن.\n(^٢) الكُرسُف -بضم الكاف والمهملة بينهما راء ساكنة- هو القطن.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٦٤)، ومسلم (٩٤١).","vol":"3","page":424},{"text":"مما يلي رأسه، ويجعل على رجليه من الإذخر.\n• وذهب بعض الحنابلة إلى وجوب ثلاثة أثواب؛ لحديث عائشة، وهذا غير صحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1405>مسألة [٣]: في كم يُكفن الرجل استحبابًا</span>؟\n• جمهور العلماء على استحباب ثلاثة أثواب -لفائف- ليس فيها قميص، ولا عمامة؛ لحديث عائشة -﵂- الذي في الباب.\n• وذهب أبو حنيفة إلى استحباب إزار، ورداء، وقميص، وقد استُدِلَّ له بحديث ابن عمر -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كفَّنَ عبد الله بن أُبي بقميصه.\nورُدَّ عليه بأنَّ ذلك كان تكرمة لولده عبد الله، حيث طلب ذلك من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومع ذلك فليس فيه ذكر الإزار، والرداء. والصحيح قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1406>مسألة [٤]: في كم تُكفن المرأة استحبابًا</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تكفن في خمسة أثواب، ثم اختلفوا في نوع الثياب، فمن قائلٍ: قميص، ومئزر، ولفافة، ومقنعة، وثوب يُشدُّ به فخذاها. ومن قائلٍ: إزار، ودرع، وخمار، ولفافتان. وقيل غير ذلك. وقد جاء في ذلك حديثٌ في «سنن أبي داود» (٣١٥٧) من حديث ليلى بنت قائف الثقفية، ولكن في سنده: نوح ابن حكيم، وهو مجهول؛ ولذلك فالرَّاجح أنَّ حكمها حكم الرجل، تكفن في\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٣٨٦)، «المجموع» (٥/ ١٩١).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤).","vol":"3","page":425},{"text":"ثلاثة أثواب -لفائف- تدرج فيها إدراجًا، وهو ترجيح الإمام الألباني -﵀- في «أحكام الجنائز» (ص ٦٥). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1407>مسألة [٥]: تكفين الصبي</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٣٨٧): قَالَ أَحْمَدُ: يُكَفَّنُ الصَّبِيُّ فِي خِرْقَةٍ، وَإِنْ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ، وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ، وَنَحْوُهُ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ ثَوْبًا يُجْزِئُهُ، وَإِنْ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرٌ فَأَشْبَهَ الرَّجُلَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1408>مسألة [٦]: صفة التكفين</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٣٨٤): وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤْخَذَ أَحْسَنُ اللَّفَائِفِ، وَأَوْسَعُهَا، فَيَبْسُطَها أَوَّلًا، ثُمَّ يَبْسُطُ الثَّانِيَةَ الَّتِي تَلِيهَا فِي الْحُسْنِ وَالسَّعَةِ عَلَيْهَا، وَيَجْعَلُ فَوْقَهَا حَنُوطًا وَكَافُورًا، ثُمَّ يَبْسُطُ فَوْقَهُمَا الثَّالِثَةَ، ثُمَّ يُحْمَلُ الْمَيِّتُ مَسْتُورًا بِثَوْبٍ، فَيُوضَعُ فِيهَا مُسْتَلْقِيًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِإِدْرَاجِهِ فِيهَا، وَيُجْعَلُ مَا عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَيُجْعَلُ مِنْ الطِّيبِ عَلَى وَجْهِهِ، وَمَوَاضِعِ سُجُودِهِ، وَمَغَابِنِهِ ...، ثُمَّ يَثْنِي طَرَفَ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يَرُدُّ طَرَفَهَا الْآخَرَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَسْقُطَ عَنْهُ الطَّرَفُ الْأَيْمَنُ إذَا وُضِعَ عَلَى يَمِينه فِي الْقَبْرِ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِالثَّانِيَةِ، وَالثَّالِثَةِ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَجْمَعُ مَا فَضَلَ عِنْدَ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، فَيُرَدَّ عَلَى وَجْهِهِ وَرِجْلَيْهِ، وَإِنْ خَافَ انْتِشَارَهَا؛ عَقَدَهَا، وَإِذَا وُضِعَ فِي الْقَبْرِ؛ حَلَّهَا، وَلَمْ يَخْرِقْ الْكَفَنَ. انتهى باختصار وحذف.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٣٩١)، «الأوسط» (٥/ ٣٥٦).","vol":"3","page":426},{"text":"٥٣١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُاللهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفِّنُهُ فِيهِ فَأَعْطَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1409>مسألة [١]: التكفين بالقميص</span>.\nفيه دلالة على مشروعية التكفين في القميص.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٣٨٦): التَّكْفِينُ فِي الْقَمِيصِ، وَالْمِئْزَرِ، وَاللِّفَافَةِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَإِنَّمَا الْأَفْضَلُ الْأَوَّلُ، يعني بثلاث لفائف وَهَذَا جَائِزٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَلْبَسَ عَبْدَ الله بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ لَمَّا مَاتَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٢)، فَيُؤْزَرُ بِالْمِئْزَرِ، وَيُلْبَسُ الْقَمِيصَ، ثُمَّ يُلَفُّ بِاللِّفَافَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٦٩)، ومسلم (٢٧٧٤).\n(^٢) بل الحديث في «الصحيحين» كما تقدم في الكتاب.","vol":"3","page":427},{"text":"٥٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «البَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ البَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1410>مسألة [١]: حكم التكفين بالثياب البيض</span>.\nاستحب أهل العلم أن يكون لون الكفن أبيض؛ لهذا الحديث المذكور، ولحديث عائشة المتقدم.\nوقال النووي -﵀- في شرح حديث عائشة (٩٤١): قولها (بِيْض) دليل لاستحباب التكفين في الأبيض، وهو مُجمعٌ عليه. اهـ\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (١/ ٢٤٧)، وأبوداود (٣٨٧٨)، والترمذي (٩٩٤)، وابن ماجه (١٤٧٢)، كلهم من طريق عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. وإسناده حسن.\nوله شاهد من حديث سمرة بن جندب: أخرجه أحمد (٥/ ٢٠)، وغيره، وفيه ضعف، ولكنه يقوي حديث ابن عباس.","vol":"3","page":428},{"text":"٥٣٣ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1411>مسألة [١]: تحسين كفن الميت</span>.\nقال النووي -﵀- في شرح الحديث: وَفِي الْحَدِيث الْأَمْر بِإِحْسَانِ الْكَفَن، قَالَ الْعُلَمَاء: وَلَيْسَ الْمُرَاد بِإِحْسَانِهِ السَّرَف فِيهِ، وَالْمُغَالَاة، وَنَفَاسَته، وَإِنَّمَا المرَاد: نَظَافَته، وَنَقَاؤُهُ، وَكَثَافَته، وَسَتْره، وَتَوَسُّطه، وَكَوْنه مِنْ جِنْس لِبَاسه فِي الْحَيَاة غَالِبًا، لَا أَفْخَر مِنْهُ، وَلَا أَحْقَر. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٩٤٣).","vol":"3","page":429},{"text":"٥٣٤ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟» فَيُقَدِّمُهُ فِي اللَّحْدِ. وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1412>مسألة [١]: إذا ضاق الكفن، أو قلَّت الأكفان</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الرَّجُلُ ثَوْبًا يَسْتُرُ جَمِيعَهُ، سَتَرَ رَأْسَهُ، وَجَعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ حَشِيشًا، أَوْ وَرَقًا.\nثم استدل بحديث مصعب بن عمير -﵁-. (^٢)\nثم قال: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ؛ سَتَرَهَا؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ فِي السَّتْرِ، بِدَلِيلِ حَالَةِ الْحَيَاةِ؛ فَإِنْ كَثُرَ الْقَتْلَى، وَقَلَّتْ الْأَكْفَانُ، كُفِّنَ الرَّجُلَانِ، وَالثَّلَاثَةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، كَمَا صُنِعَ بِقَتْلَى أُحُدٍ. اهـ (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1413>مسألة [٢]: هل ينزع ما على الشهيد من ثياب وغيرها</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٥/ ٢٦٧): مذهبنا أنه يُزال ما عليه من حديد، وجلود، وجبة محشوة، وكل ما ليس من عام لباس الناس، ثم وَلِيُّه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٣٤٣). وفيه: (وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» وأمر بدفنهم في دمائهم).\n(^٢) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٣) «المغني» (٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨).","vol":"3","page":430},{"text":"بالخيار: إن شاء كفنه بما بقي عليه مما هو من عام لباس الناس، وإن شاء نزعه وكفنه بغيره، وتركه أفضل كما سبق، وقال مالك، وأحمد: لا ينزع عنه فرو، ولا خف، ولا محشو، ولا يُخَيَّر وَلِيُّه في نزع شيء، ولأصحاب داود خلاف كالمذهبين، وأجمع العلماء على أن الحديد، والجلود ينزع عنه. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وبقول الشافعية قال بعض الحنابلة، والصواب قول مالك، وأحمد، واختاره الإمام الألباني -﵀-؛ لحديث جابر الذي في الباب: وأمرَ بدفنهم بدمائهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1414>مسألة [٣]: هل يُغَسَّلُ شَهِيْد المعركة</span>؟\nنقل البغوي في «شرح السنة» الاتفاق على عدم غسله (٥/ ٣٦٦).\n• ولكن نقل النووي، وابن قدامة الخلاف عن سعيد بن المسيب، والحسن، وعامة أهل العلم على عدم جواز غسله، واستدلوا على ذلك بشهداء أُحد؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يغسلهم كما في حديث جابر الذي في الكتاب، وحديث جُلَيْبِيْب -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دفنه ولم يغسله، أخرجه مسلم (٢٤٧٢) عن أبي برزة -﵁-، وقصة حنظلة بن أبي عامر أنه غسلته الملائكة. أخرجه ابن حبان (٧٠٢٥) عن عبدالله بن الزبير -﵄- بإسناد حسن، وهو في «الصحيح المسند» (٥٧٥) وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٤٧٤)، «المغني» (٣/ ٤٧١)، «أحكام الجنائز» (ص ٦٠).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٥/ ٢٦٤)، «المغني» (٣/ ٤٦٧).","vol":"3","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1415>مسألة [٤]: هل يُغَسَّل إذا كان جنبًا</span>؟\n• ذهب طائفة من أهل العلم إلى تغسيله، وهو قول الحنابلة، وأبي حنيفة، وقول للشافعي، واستدلوا على ذلك بأنَّ حنظلة لما كان جُنبًا غسلته الملائكة.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم تغسيله، وهو قول مالك، والشافعي في أحد قوليه، وهو رواية عن أحمد، وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يغسل شهداء أحد، ولم يستثن من كان جُنُبًا، ولم يستفصل في ذلك، وقد رجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1416>مسألة [٥]: هل يصلى على شهيد المعركة</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى المنع من الصلاة عليه، واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله -﵄- الذي في الكتاب.\n• وذهب الثوري، وأبو حنيفة، والمزني، وإسحاق إلى أنه يصلى عليه، واستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ورد عنه أنه صلى على حمزة مع شهداء أُحُد -﵃-، (^٢) واستدلوا بحديث عقبة بن عامر -﵁- في «الصحيحين» (^٣) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج قبل موته بأيام فصلى على شهداء أحد صلاته على الميت، ثم صعد المنبر .... الحديث، واستدلوا بحديث شداد بن الهاد -﵁- أنَّ أعرابيًّا أسلم، ثم قتل في المعركة، فصلى\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٦٩)، «الإنصاف» (٢/ ٤٧٣)، «المجموع» (٥/ ٢٦٣).\n(^٢) جاء من عدة أوجهٍ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلى على حمزة مع شهداء أُحد، وهي أحاديث ما بين موضوع، ومنكر. انظر: «البدر المنير» (٥/ ٢٤٣ - ٢٥٠)، «تنقيح التحقيق» (٢/ ٦٣٣ - ٦٣٨).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٣٤٤)، ومسلم برقم (٢٢٩٦).","vol":"3","page":432},{"text":"عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو عند النسائي (٤/ ٦٠) بإسناد صحيح، وصححه شيخنا الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (٤٧٤).\nوقد ردَّ الجمهور على هذه الأدلة بأن حديث صلاته على حمزة ضعيفٌ، منكرٌ، قال الشافعي -﵀- كما في «الفتح» (١٣٤٣): جَاءَتْ الْأَخْبَار كَأَنَّهَا عِيَان مِنْ وُجُوه مُتَوَاتِرَة أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَتْلَى أُحُد، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَى حَمْزَة سَبْعِينَ تَكْبِيرَة لَا يَصِحّ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ عَارَضَ بِذَلِكَ هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة أَنْ يَسْتَحِي عَلَى نَفْسه. قَالَ: وَأَمَّا حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر؛ فَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْس الْحَدِيث أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد ثَمَان سِنِينَ، يَعْنِي وَالْمخَالِف يَقُول: لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْر إِذَا طَالَتْ الْمدَّة. قَالَ وَكَأَنَّهُ - ﷺ - دَعَا لَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ حِين عَلِمَ قُرْب أَجَله مُوَدِّعًا لَهُمْ بِذَلِكَ. اهـ\nوقد أوَّل الجمهور حديث عقبة بنفس تأويل الشافعي، بأنَّ المقصود أنه دعا لهم كدعائه للموتى، ويدل على هذا التأويل أنَّ الصلاة على القبر لا تقع بعد هذه المدة عند المخالفين كما تقدم من كلام الشافعي، وكذلك ظاهر الحديث أنَّ الدعاء كان في المسجد، والصلاة تكون عند القبر. وأما حديث شداد؛ فقد أُجيب عنه بأنه مرسل، وليس بصحيح، بل هو حديث صحيحٌ، متصلٌ.\n• وقد ذهب الإمام أحمد إلى مشروعية الصلاة على الشهيد، وظاهر كلامه أنَّ الترك أفضل؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في غالب الشهداء، ودليل الجواز حديث شداد بن الهاد.","vol":"3","page":433},{"text":"• وقد ذهب إلى التخيير الحافظ ابن القيم في «تهذيب السنن» (٤/ ٢٩٥)، والإمام الألباني في «أحكام الجنائز» (٨٠)، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1417>مسألة [٦]: الصبي الشهيد</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٤٧٠): وَالْبَالِغُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ المُنْذِرِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الشَّهَادَةِ لِغَيْرِ الْبَالِغِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ. وَلَنَا: أَنَّهُ مُسْلِمٌ قُتِلَ فِي مُعْتَرَكِ المُشْرِكِينَ بِقِتَالِهِمْ، أَشْبَهَ الْبَالِغَ.\nثم قال: وَالْحَدِيثُ عَامٌّ فِي الْكُلِّ، وَمَا ذَكَرَهُ -يعني أبا حنيفة- يَبْطُلُ بِالنِّسَاءِ. اهـ\nيعني أنَّ النساء لسن من أهل القتال، ومع ذلك فيثبت لها حكم الشهادة إذا قُتِلت في المعركة.\nوما صوَّبه ابن قدامة هو الصحيح، وهو قول الجمهور عزاه إليهم النووي -﵀- كما في «شرح المهذب» (٥/ ٢٦٦)، وقال: دَلِيْلُنُا أَنَّهُ مُسْلِمٌ قُتِلَ فِي مُعْتَرَكِ المشْرِكِيْنَ بِسَبَبِ قِتَالِهم، فَأَشْبَهَ البَالِغَ وَالمرْأَةَ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «شرح السنة» (٥/ ٣٦٦)، «المجموع» (٥/ ٢٦٤)، «المغني» (٣/ ٤٦٧)، «الإنصاف» (٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥)، «الفتح» (١٣٤٣).","vol":"3","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1418>فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْض المَسَائِل المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1419>مسألة [١]: من مات في أرض المعركة بسبب دابة، أو سقوط، أو عاد عليه سلاحه</span>؟\n• قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٦٧): مذهبنا أنه لا يغسل، ولا يصلى عليه، وكذا لو وُجِدَ ميتًا، ولا أثر عليه.\n• وقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد: يغسل، ويصلى عليه.\nقلتُ: وقد قال بقول الشافعية بعض الحنابلة، وهو رواية عن أحمد، وقال به ابن حزم في «المحلى» (٥٦٢)، وهو أقرب إلى الصواب؛ لأنه قُتل، أو مات في معترك المشركين بسبب قتالهم، وقد قُتل والد حذيفة -﵄- يوم أحد خطأً من المسلمين، ولم يستثنه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من شهداء أُحُد بغسله، والصلاة عليه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1420>مسألة [٢]: من جُرِح في أرض المعركة، ثم حمل ومات بعد ذلك</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٤٧٢): وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ مَتَى طَالَتْ حَيَاتُهُ بَعْدَ حَمْلِهِ؛ غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ فِي المُعْتَرَكِ، أَوْ عَقِبَ حَمْلِهِ، لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، قَالَ: إنْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، أَوْ بَقِيَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً غُسِّلَ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ: إنْ تَكَلَّمَ، أَوْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ؛\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٤٧٣ - ٤٧٤)، «الإنصاف» (٢/ ٤٧٦).","vol":"3","page":435},{"text":"صُلِّيَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ المجْرُوحِ إذَا بَقِيَ فِي المُعْتَرَكِ يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ ثُمَّ مَاتَ؟ فَرَأَى أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ مَاتَ حَالَ الْحَرْبِ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا. وَالصَّحِيحُ: التَّحْدِيدُ بِطُولِ الْفَصْلِ، أَوْ الْأَكْلِ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ ذِي حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ، وَطُولُ الْفَصْلِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ المَوَاضِع، وَأَمَّا الْكَلَامُ وَالشُّرْبُ، وَحَالَةُ الْحَرْبِ، فَلَا يَصِحُّ التَّحْدِيدُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي صححه ابن قدامة -﵀- اختاره المجد ابن تيمية، وصححه ابن تميم، وقال صاحب «الإنصاف»: وهو عين الصواب، وقد رجَّح هذا الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو الصحيح إن شاء الله، والله أعلم.\nويدل على الصلاة عليه، وتغسيله إذا طال الفصل ما هو مشهور في السيرة أن سعد بن معاذ تأخر موته بعد أن رُمِيَ في غزوة الخندق أيامًا، فغسَّله النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وصلَّى عليه.\nويدل على عدم اعتبار الكلام أنَّ عمرو بن أقيش استشهد بأحُد، وحُمِلَ إلى أخته جريحًا، فأتاه سعد بن معاذ، فقال: أقاتلت غضبًا لله ولرسوله، أم لقومك؟ فقال: بل لله ولرسوله. فمات؛ فدخل الجنة، (^١) ولم يُنقل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استثناه من شهداء أحد بالغسل، والصلاة، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٥٣٧) من حديث أبي هريرة -﵁- بإسناد حسن، وهو في «الصحيح المسند» (١٣٩٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٣/ ٤٧٢)، «الإنصاف» (٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧)، «المجموع» (٥/ ٢٦١)، «الشرح الممتع» (٥/ ٣٧٠).","vol":"3","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1421>مسألة [٣]: مَنْ قُتِل من البغاة</span>؟\n• ذهب أكثر العلماء إلى أنه يصلى عليهم، ويغسلون، وهو قول أحمد، والشافعي، ومالك، وداود وأصحابهم؛ إلا أنَّ مالكًا قال: لا يُصلِّي عليهم الإمام، وأهل الفضل.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنهم لا يغسلون، ولا يُصَلَّى عليهم.\nوالصواب هو القول الأول؛ لأنهم بُغاة، وليسوا بشهداء. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1422>مسألة [٤]: إذا قتل البغاة رجلا من أهل العدل الذين يقاتلون مع الإمام</span>؟\n• الأصح عند الشافعية أنه يغسل، ويصلى عليه، وهو قول مالك، وأحمد في رواية.\n• وذهب بعض الشافعية، وأبو حنيفة إلى أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وهو الأصح عن أحمد.\nوالقول الثاني هو الراجح، وقد صحَّ هذا القول عن عمار -﵁- كما في «سنن البيهقي» (٤/ ١٧)، وصحَّ عن زيد بن صوحان أنه أوصى بذلك في معركة صفين، ولم ينكره علي -﵁-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1423>مسألة [٥]: المطعون والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٤٧٦): فَأَمَّا الشَّهِيدُ بِغَيْرِ قَتْلٍ، كَالمَبْطُونِ، وَالمَطْعُونِ، وَالْغَرِقِ، وَصَاحِبِ الْهَدْمِ، وَالنُّفَسَاءِ؛ فَإِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ،\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٢٦٧)، «المغني» (٣/ ٤٧٥).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٥/ ٢٦٧)، «المغني» (٣/ ٤٧٤).","vol":"3","page":437},{"text":"وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا مَا يُحْكَى عَنْ الْحَسَنِ: لَا يُصَلَّى عَلَى النُّفَسَاءِ؛ لِأَنَّهَا شَهِيدَةٌ. وَلَنَا: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسَطَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، (^١) وَصَلَّى عَلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَهُوَ شَهِيدٌ، وَصَلَّى المُسْلِمُونَ عَلَى عُمَرَ، وَعَلِيٍّ -﵄-، وَهُمَا شَهِيدَانِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1424>مسألة [٦]: من قُتِل ظلمًا، أو قُتِل دون ماله، أو نفسه، أو أهله</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٤٧٥): فَأَمَّا مَنْ قُتِلَ ظُلْمًا، أَوْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، أَوْ دُونَ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:\nإحْدَاهُمَا: يُغَسَّلُ. اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ؛ لِأَنَّ رُتْبَتَهُ دُونَ رُتْبَةِ الشَّهِيدِ فِي الْمُعْتَرَكِ، فَأَشْبَهَ الْمَبْطُونَ؛ وَلِأَنَّ هَذَا لَا يَكْثُرُ الْقَتْلُ فِيهِ، فَلَمْ يَجُزْ إلْحَاقُهُ بِشُهَدَاءِ الْمُعْتَرَكِ.\nوَالثَّانِيَةُ: لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ شَهِيدًا، أَشْبَهَ شَهِيدَ الْمُعْتَرَكِ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ».اهـ (^٢)\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنه يُصلَّى عليه؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما ترك الصلاة على شهيد المعركة، وأما غيره من الشهداء، فيبقون على الأصل، وهو وجوب الغسل، والصلاة عليهم، والله أعلم.\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٥٤٤).\n(^٢) سيأتي الحديث في الكتاب برقم (١١٩٦).","vol":"3","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1425>مسألة [٧]: التكفين، ومؤن التجهيز</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ١٨٩): تكفين الميت، وسائر مؤنة تجهيزه يحسب من رأس ماله، سواءٌ كان موسرًا، أو غيره.\nثم ذكر أنَّ هذا مذهب عامة أهل العلم؛ إلا خِلاس بن عمرو، فقال: من ثلث التركة. وقال طاوس: إن كان المال قليلًا؛ فمن الثلث، وإلا فمن رأس المال. دليلنا: حديث المحرم؛ فإن النبي - ﷺ - لم يسأل: هل أوصى بالثلث، أم لا؟.اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1426>مسألة [٨]: كفن الزوجة</span>.\n• الأصح عند الشافعية أنه على الزوج، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وذلك لأنَّ الزوج تجب عليه النفقة، والكسوة؛ فوجب عليه تجهيزها، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لعائشة: «لو مت قبلي لهيأتك، ودفنتك»، (^١) وفي رواية: «وكفنتك»، وهذا القول رواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه.\n• وذهب الشعبي، ومحمد بن الحسن، وأحمد، ورُوي عن مالك، أنَّ كفن الزوجة من مالها؛ فإنْ لم يكن لها مال؛ فعلى أوليائها، وذلك لأنَّ الزوج كان ينفق عليها مقابل الخدمة، والاستمتاع، وقد انقطع ذلك بموتها.\nقلتُ: القول الأول هو الصواب؛ لما تقدم، والزوج تجب عليه النفقة إذا كانت امرأته مريضة مع كونها لا تخدمه، وكذلك إذا كان مسافرًا، ونحو ذلك. (^٢)\n_________\n(^١) هو قطعة من الحديث الآتي برقم (٥٣٦).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٥/ ١٩١)، «المغني» (٣/ ٤٥٧)، «الإنصاف» (٢/ ٤٨٥ - ٤٨٦).","vol":"3","page":439},{"text":"٥٣٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا تُغَالُوا فِي الكَفَنِ؛ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا» رَوَاهُ أَبُودَاوُد. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1427>مسألة [١]: حكم المغالاة في الكفن</span>.\nفيه كراهة المغالاة في الكفن، وقد كره أهل العلم الإسراف فيه.\nوالحديث وإن لم يصح؛ فقد دلَّ على النهي عن ذلك حديث المغيرة بن شعبة -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إن الله حرَّم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعًا وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». (^٢)\nوهو دليل يدل على تحريم ذلك إذا وصل إلى حدِّ الإسراف، والتبذير، والله أعلم.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٣١٥٤) من طريق عمرو بن هاشم الجنبي أبي مالك، عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن علي به.\nوإسناده ضعيف لضعف عمرو بن هاشم، ولانقطاعه، فإن الشعبي لم يسمع من علي إلا حديثًا واحدًا وهو في «البخاري» (٦٨١٢)، كما ذكر ذلك الدارقطني في «العلل» (٤/ ٩٧)، ثم رجعت إلى القول بإثبات سماع الشعبي من علي -﵁- لغير الحديث المذكور؛ فقد وقفنا على عدد من الآثار؛ فيها تصريح الشعبي بالسماع من علي -﵁-، وعليه فعلة الحديث مقصورة على الضعف المذكور.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٧٢٩٢)، ومسلم برقم (٥٩٣).","vol":"3","page":440},{"text":"٥٣٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهَا: «لَوْ مُتِّ قَبْلِي فَغَسَلْتُك» ... الحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\n٥٣٧ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ -﵂-: أَنَّ فَاطِمَةَ -﵂- أَوْصَتْ أَنْ يُغَسِّلَهَا عَلِيٌّ -﵁-. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1428>مسألة [١]: من هو الأولى في غسل الميت</span>؟\nأولى الناس في غسل الميت وَصِيُّهُ إنْ كان أوصى، ثم يُقدَّم الأقرب فالأقرب إلى الميت.\nقال الشيرازي -﵀- في «المهذب» كما في «المجموع» (٥/ ١٢٩): فإن كان الميت رجلًا لا زوجة له؛ فأولى الناس بغسله الأب، ثم الجد، ثم الابن، ثم ابن الابن، ثم الأخ، ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن العم. انتهى المراد.\nوقال -﵀- كما في «المجموع» (٥/ ١٣٢): وإن ماتت امرأة، ولم يكن لها\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٢٢٨)، وابن ماجه (١٤٦٥)، وابن حبان (٦٥٨٦)، وإسناده حسن؛ فإن في إسناده محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٦٤٢) وكما في «دلائل النبوة» (٧/ ١٦٨ - ١٦٩)، ولكن في سند «دلائل النبوة» ضعف. وقد تابع ابن إسحاق صالح ابن كيسان كما في «مسند أحمد» (٦/ ١٤٤) لكن فيه: «فهيأتك ودفنتك» والتهيؤ يدخل فيه الغسل، فالحديث صحيح، وقد صححه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٣/ ١٦٠).\n(^٢) ضعيف. أخرجه الدارقطني (٢/ ٧٩) وفي إسناده: عبدالله بن نافع المدني، وهو شديد الضعف، وفيه عون بن محمد الهاشمي، وأمه أم جعفر، وكلاهما مجهول الحال، ولكن عبدالله بن نافع المدني قد توبع عند البيهقي (٣/ ٣٩٦) فتبقى علة الحديث في عون وأمه.","vol":"3","page":441},{"text":"زوجٌ؛ غسلها النساء، وأولاهن ذات رحم، ثم ذات رحم غير محرم، ثم الأجنبية. انتهى المراد.\nوقال صاحب «الإنصاف» (٢/ ٤٥١): وأما الأقارب فأحق الناس بغسلها أمها، ثم أمهاتها وإن علت، ثم بنتها وإن نزلت، ثم القربى، وعمتها، وخالتها سواء؛ لاستوائهما في القرب والمحرمية، وكذا بنت أخيها، وبنت أختها على الصحيح من المذهب. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1429>مسألة [٢]: هل للمرأة أن تغسل زوجها</span>؟\nنقل ابن المنذر الإجماع على أنَّ للمرأة أنْ تُغسِّل زوجها. وقال أحمد: ليس فيه اختلاف بين الناس. ونقل الإجماع أيضًا النووي، وابن قدامة، ويدل عليه حديث أسماء بنت عميس الذي في الكتاب، وكذلك حديث عائشة في «مسند أحمد» وغيره بإسناد حسن، قالت: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسَّل رسول الله - ﷺ - إلا نساؤه، (^١) وثبت عن أبي بكر -﵁- أنه غسلته امرأته أسماء بنت عميس (^٢). (^٣)\n_________\n(^١) هو قطعة من الحديث المتقدم برقم (٥٢٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٤٩)، وعبدالرزاق (٣/ ٤٠٩، و٤١٠)، وابن المنذر (٥/ ٣٣٥)، والبيهقي (٣/ ٣٩٧)، وله طرق:\nأحدها: فيها محمد بن أبي ليلى، وهو ضعيف سيئ الحفظ.\nوالثانية: فيها انقطاع: من طريق ابن أبي ملكية، عن أبي بكر، ولم يسمع منه.\nوالثالثة: فيها انقطاع أيضًا، من طريق: إبراهيم النخعي، عن أبي بكر، ولم يدركه.\nفالأثر حسنٌ بهذه الطرق، والله أعلم.\n(^٣) وانظر: «المجموع» (٥/ ١٤٩)، «المغني» (٣/ ٤٦٠).","vol":"3","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1430>مسألة [٣]: هل للرجل أن يغسل امرأته</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى الجواز، واستدلوا بحديث عائشة المذكور في الكتاب.\n• وذهب أبو حنيفة، والثوري، وأحمد في رواية عنه إلى عدم الجواز؛ لأنَّ الموت فُرقة تُبيح للرجل أختها، وأربعًا سواها، فَحرَّمت النظر، واللمس كالطلاق.\nقال ابن قدامة -﵀- رادًّا عليهم: مَا قَاسُوا عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الزَّوْجَةَ مِنْ النَّظَرِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إلَّا بَقَاءُ الْعِدَّةِ، وَلَا أَثَرَ لَهَا، بِدَلِيلِ، مَا لَوْ مَاتَ المُطَلِّقُ ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا غَسْلُهُ مَعَ الْعِدَّةِ. اهـ\nقلتُ: والصواب القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1431>مسألة [٤]: إذا طلق امرأته ثم مات أحدهما</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٤٦٢): فَإِنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا فِي الْعِدَّةِ، وَكَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ، وَتَرِثُهُ وَيَرِثُهَا، وَيُبَاحُ لَهُ وَطْؤُهَا، وَإِنْ كَانَ بَائِنًا؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ اللَّمْسَ وَالنَّظَرَ مُحَرَّمٌ حَالَ الْحَيَاةِ، فَبَعْدَ الْمَوْتِ أَوْلَى. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٦١)، «المجموع» (٥/ ١٤٩).","vol":"3","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1432>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1433>مسألة [١]: هل يجوز للرجل أن يُغَسِّل امرأةً غير زوجته</span>؟\n• ذهب أكثر العلماء إلى عدم الجواز، قاله ابن قدامة، وسواءٌ كانت المرأة محرمًا له، أو أجنبية.\n• وذهب الحسن، ومحمد، ومالك، والأوزاعي، والشافعية إلى جواز تغسيل الرجل لذات محرم عند الضرورة. قال الأوزاعي كما في الأوسط: يصبوا عليها صبًّا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصحيح، وأما إذا اضطروا لذلك، فسيأتي بيان ما هو العمل في المسألة التي بعدها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1434>مسألة [٢]: إذا مات الرجل بين نسوةٍ أجانب، والعكس</span>؟\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: يُيَمَّم، وهو قول سعيد، وعطاء في رواية، والنخعي، وحماد، ومالك، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وهو الأصح عند الشافعية، وأحمد في رواية، واختاره الإمام ابن باز -﵀-.\nالثاني: يُغَسَّل من فوق القميص، وهو قول الحسن، والزهري، وقتادة،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٤٦٣)، «المجموع» (٥/ ١٥١)، «الأوسط» (٥/ ٣٣٦).","vol":"3","page":444},{"text":"والنخعي، وعطاء في رواية، وإسحاق، وبعض الشافعية، وهو رواية عن أحمد، واختاره ابن حزم. وجاء عن ابن عمر -﵄-، أنه قال: ترمس بالماء. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٤٩)، وفي إسناده مطر الوراق، وفيه ضعف.\nالثالث: يُدفن بدون غسل وتيمم، وهو قول الأوزاعي، وعطاء في رواية.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح القول الثاني؛ للقدرة على استعمال الماء من فوق القميص، وقد فُعِل ذلك برسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فيُفعل في غيره للضرورة، والحاجة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1435>مسألة [٣]: هل للمرأة أن تُغَسِّل الصبي</span>؟\nقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ -﵀-: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُغَسِّلُ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ. اهـ\nقلتُ: وتبعه في نقل الإجماع النووي، وابن قدامة، ثم اختلفوا في تعيين سن الصبي، فقَالَ الْحَسَنُ: تَغْسِلُه إذَا كَانَ فَطِيمًا، أَوْ فَوْقَهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: ابْنُ أَرْبَعٍ، أَوْ خَمْسٍ. وقَالَ أَحْمَدُ ومالكُ: لَهُنَّ غَسْلُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ. وقال إسحاق: ابن ثلاث إلى خمس. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تُغَسِّله مَالَمْ يَتَكَلَّمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: تُغَسِّلْه مَالَمْ يَبْلُغ حَدًّا يُشْتَهَى.\nوهذا القول أقربُ، وَاللهُ أَعْلَم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٦٤)، «المجموع» (٥/ ١٥١ - ١٥٢)، «المحلَّى» (٦١٨)، «فتاوى اللجنة» (٨/ ٣٦٤)، «الأوسط» (٥/ ٣٣٧)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ٢٤٨)، «البيهقي» (٣/ ٣٩٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٣/ ٤٦٤)، «المجموع» (٥/ ١٥٢)، «الأوسط» (٥/ ٣٣٨)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ٢٥١).","vol":"3","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1436>مسألة [٤]: هل للرجل أن يغسل الصغيرة</span>؟\n• كره بعض أهل العلم ذلك، منهم: سعيد، والزهري، وأحمد، وأجرى النووي الخلاف السابق في هذه المسألة أيضًا.\n• وظاهره أنَّ ذلك جائزٌ عند الجمهور، وهو الصواب، وحَدُّ الصغيرة ما تقدم عند الشافعية أنْ لا تبلغ حدًّا تُشْتَهَى فيه، فإذا بلغت هذا الحد؛ فلا يغسلها إلا النساء. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1437>مسألة [٥]: إذا كان الميت خنثى مُشكِلا، فمن يغسله</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ١٤٧ - ١٤٨): إذا مات الخنثى المشكل؛ فإنْ كان هناك محرم له من الرجال، أو النساء؛ غسله بالاتفاق.\n• وإن لم يكن له محرم منهما؛ فإن كان الخنثى صغيرًا؛ جاز للرجال والنساء جميعًا غسله بالاتفاق، -وإنْ كان كبيرًا، فذكر النووي قولين للشافعية: أحدهما: ييمم. قال: وأصحهما: الغسل من فوق ثوب باتفاق الأصحاب. انتهى بتصرف.\nقلتُ: والقول بالتيمم هو قول الحنابلة والحنفية، والصحيح أنه يغسل من فوق القميص، وكذلك في الصورة الأولى إنْ كان المغسِّل رجلًا من محارمه؛ فالأقرب أنه يغسله من فوق القميص، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٦٥)، «المجموع» (٥/ ١٥٢).\n(^٢) وانظر: «حاشية ابن عابدين» (١/ ١١٢ - ١١٣)، و«الروضة» (٢/ ١٠٥)، و«المغني» (٢/ ٥٢٦).","vol":"3","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1438>مسألة [٦]: هل يغسل المسلم الكافر</span>؟\n• قال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ١٥٣): مذهبنا أنَّ للمسلم غسله، ودفنه، واتباع جنازته، ونقله ابن المنذر عن أصحاب الرأي، وأبي ثور.\n• وقال مالك، وأحمد: ليس للمسلم غسله، ولا دفنه. ولكن قال مالك: يُوَارَى. اهـ\nقلتُ: وقال أحمد أيضًا بمواراته. وقول مالك، وأحمد هو الصواب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]، وعند أن مات عمه أبو طالب لم يغسله، ولم يدفنه، ولكن قال لعلي -﵁-: «اذهب، فَوَارِه»، (^١) وعند أن قتل يوم بدر جماعة من المشركين أمر بهم، فسُحِبوا إلى طوي من أطواء بدر (^٢). (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1439>مسألة [٧]: هل يجزئ تغسيل الكافر للمسلم</span>؟\n• مذهب الشافعية، وسفيان، ومكحول صحة ذلك.\n• وذهب أحمد وأصحابه إلى عدم صحته؛ لأنه عبادة، وليس الكافر من أهلها، وهذا القول هو الصحيح، ولا يسقط الوجوب عن المسلمين بفعل الكافر، كما لا يسقط بفعل المجنون. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٧٥٩) و(٨٠٧) من وجهين، وهو حديث حسن، وهو في «الصحيح المسند» للإمام الوادعي -﵀- برقم (٩٥٢).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٣٩٧٦)، ومسلم برقم (٢٨٧٥) من حديث أبي طلحة -﵁-.\n(^٣) وانظر: «المغني» (٣/ ٤٦٦).\n(^٤) انظر: «المغني» (٣/ ٤٦٥ - ٤٦٦)، «المجموع» (٥/ ١٤٥).","vol":"3","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1440>مسألة [٨]: إذا كان المسلم متزوجًا ذمية، فمات أحدهما</span>؟\n• قلتُ: هو مبني على الخلاف السابق؛ ولذلك قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٤٦٣): وَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ ذِمِّيَّةً، فَلَيْسَ لَهَا غَسْلُ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمَ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ وَاجِبَةٌ فِي الْغُسْلِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَيْسَ لِزَوْجِهَا غَسْلُهَا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُغَسِّلُ الْكَافِرَ، وَلَا يَتَوَلَّى دَفْنَهُ، وَلِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا، وَلَا مُوَالَاةَ، وَقَدْ انْقَطَعَتْ الزَّوْجِيَّةُ بِالْمَوْتِ، وَيَتَخَرَّجُ جَوَازُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ غَسْلِ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1441>مسألة [٩]: هل للمرأة أن تغسل الرجل من محارمها</span>؟\n• ذكر النووي -﵀- في «المجموع» (٥/ ١٣١)، أنَّ الشافعية يقولون: يجوز للنساء المحارم غسله، وهُنَّ مؤخرات عن الرجال الأقارب والأجانب، والزوج؛ لأنهن في حقه كالرجال. اهـ\nقلتُ: وما ذكره النووي -﵀- هو مذهب المالكية، والحنابلة أيضًا. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الصغير» (١/ ٥٤٤)، و«شرح منتهى الإرادات» (١/ ٣٤٥).","vol":"3","page":448},{"text":"٥٣٨ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ -﵁- -فِي قِصَّةِ الغَامِدِيَّةِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجْمِهَا فِي الزِّنَا- قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصُلِّيَ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1442>مسألة [١]: هل يصلى على المقتول حدًّا، أو قِصاصًا</span>؟\n• قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٦٧): يغسل ويصلى عليه عندنا، وذلك واجب، وحكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب (^٢)، وجابر بن عبدالله (^٣)، وعطاء، والنخعي، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.\n• وقال الزهري: يُصَلَّى على المقتول قصاصًا دون المرجوم.\n• وقال مالك -﵀-: لا يصلي الإمام على واحد منهما، وتصلي عليه الرعية. اهـ\nقلتُ: والصواب أنه يُصلَّى عليه، ويغسل وجوبًا كما قال النووي -﵀-.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٦٩٥) (٢٣).\n(^٢) صحيح، أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٥٣٧)، وابن المنذر (٥/ ٤٠٦) بإسنادٍ صحيحٍ، من طريق الشعبي، عن علي -﵁-.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٥٠)، وابن المنذر (٥/ ٤٠٦) من طريق أشعث بن سوار، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله به. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعف أشعث بن سوار.","vol":"3","page":449},{"text":"٥٣٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -﵁- قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1443>مسألة [١]: من قتل نفسه، فهل يُصلَّى عليه</span>؟\n• قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٦٧): من قتل نفسه، أو غَلَّ في الغنيمة؛ يغسل ويصلى عليه عندنا، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وداود.\n• وقال أحمد: لا يُصَلي عليهما الإمام، وتصلي بقية الناس. اهـ\nقلتُ: وممن قال بالصلاة عليه الحسن، والنخعي، وقتادة.\n• وذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي إلى ترك الصلاة عليه لعصيانه، وحديث الباب يدل على قول أحمد، ولكن ذلك على سبيل الزجر، وإلا فلو صلَّى عليه كقول الجمهور؛ فلا بأس. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٩٧٨).\n(^٢) وانظر: «شرح مسلم» (٩٧٨)، و«الأوسط» (٥/ ٤٠٨).","vol":"3","page":450},{"text":"٥٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- -فِي قِصَّةِ المَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ فَسَأَلَ عَنْهَا النَّبِيُّ - ﷺ -[فَقَالُوا: مَاتَتْ فَقَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟» فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا]، (^١) فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا» فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\nوَزَادَ مُسْلِمٌ: ثُمَّ قَالَ: «إنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ». (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1444>مسألة [١]: الصلاة على القبر</span>.\n• ذهب إلى مشروعية الصلاة على القبر جمهور العلماء، وهو مذهب أحمد، والشافعي، والظاهرية، واستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁-، الذي في الباب، وقد جاء في الصلاة على القبر عن ابن عباس -﵄-، في «الصحيحين» (^٤)، وعن أنس -﵁- في «مسلم» (^٥)، وعن غيرهم خارج «الصحيح»، وسواءٌ كان قد صُلِّي عليه أم لا،\n_________\n(^١) زيادة من المطبوع.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٣٧)، ومسلم (٩٥٦).\n(^٣) من مراسيل ثابت أدرجت في المرفوع. أخرجها مسلم (٩٥٦) من طريق أبي كامل الجحدري عن حماد بن زيد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة به. قال الحافظ في «الفتح» (٤٥٨): هي زيادة مدرجة في هذا الإسناد، وهي من مراسيل ثابت، بين ذلك غير واحد من أصحاب حماد بن زيد، وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتاب «بيان المدرج».\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (١٢٤٧)، ومسلم برقم (٩٥٤).\n(^٥) أخرجه مسلم برقم (٩٥٥).","vol":"3","page":451},{"text":"وهذا القول هو الصحيح.\n• وثبت عن عائشة -﵂-، أنها صلت على قبر أخيها عبد الرحمن بعد ما دفن. أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٥١٨)، وابن أبي شيبة (٣/ ٥١٨)، وابن المنذر (٥/ ٤١٢) بإسناد صحيح. وثبت عن ابن عمر -﵄-، أنه صلى على أخيه عاصم بعد ما دفن بثلاثة أيام. أخرجه ابن المنذر (٥/ ٤١٢) بإسناد صحيح.\n• وذهب أبو حنيفة، ومالك، والثوري، وقبلهم النخعي إلى عدم الصلاة على القبر، وادَّعوا الخصوصية، ولا دليل على هذه الدعوى؛ إلا أنَّ أبا حنيفة استثنى من دُفِنَ بغير صلاة، فقال: يُصلَّى عليه ما بين دفنه إلى ثلاثة أيام. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1445>مسألة [٢]: ما هو الحد الذي يُصَلَّى فيه على القبر</span>؟\n• اختلف الجمهور في الحد الذي تجوز الصلاة فيه على القبر، فمنهم من قال: إلى شهر، وهو قول أحمد وأصحابه.\nواستدلوا بحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر، وهو حديث ضعيفٌ، أخرجه الترمذي (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٤٤)، «المحلَّى» (٥٨١)، «الفتح» (١٣٣٧)، «الأوسط» (٥/ ٤١١ - ٤١٣)، و«عبد الرزاق» (٣/ ٥١٩)، و«ابن أبي شيبة» (٣/ ٣٦١).\n(^٢) أخرجه الترمذي برقم (١٠٣٨)، والبيهقي (٤/ ٤٨)، وابن سعد (٣/ ٦١٤ - ٦١٥)، من طريق: قتادة عن سعيد بن المسيب، به.\n\nوهو مع إرساله فيه عنعنة قتادة، وهو يدلس، لاسيما عن سعيد بن المسيب إذا عنعن كما في «التهذيب».","vol":"3","page":452},{"text":"عن سعيد بن المسيب مرسلًا، وهو قول إسحاق أيضًا، قاله الترمذي.\nوأخرج ابن المنذر بإسنادٍ صحيحٍ عن عائشة -﵂-، أن صلاتها على أخيها كانت بعد شهر.\nقال -﵀-: حدثنا يحيى، قال: ثنا أبو الربيع، قال: ثنا حماد، قال: ثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، قال: قدمت عائشة بعد موت أخيها بشهر، فقالت: أين قبر أخي؟ فأتت فصلت عليه. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات أثبات.\n• ومنهم من قال: يُصَلَّى عليه أبدًا. واختاره ابن عقيل الحنبلي، وهو قول ابن حزم.\n• وقال بعضهم: يُصَلَّى عليه مالم يَبْلَ جسده.\n• وقال أبو حنيفة: يصلي عليه الولي إلى ثلاث. وقال إسحاق: يصلي عليه الغائب إلى شهر، والحاضر إلى ثلاث.\n• وذهب الشافعية في الأصح عندهم إلى أنَّ ذلك يختص بمن كان من أهل الصلاة عليه حين موته.\nوهذا القول رجَّحه الشيخ الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٥٥)، «الفتح» (١٣٣٧)، «الإنصاف» (٢/ ٥٠٦)، «المحلى» (٥٨١)، و«الأوسط» (٥/ ٤١٣).","vol":"3","page":453},{"text":"٥٤١ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَنْهَى عَنِ النَّعْيِ (^١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (^٢)\n\n٥٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1446>مسألة [١]: حكم نعي الميت</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- (١٢٤٥): إنَّ النعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نُهِي عمَّا كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يُعلِن بخبر الميت على أبواب الدور، والأسواق. اهـ\nوقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢١٦): والصحيح الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة التي ذكرناها وغيرها: أن الإعلام بموته لمن لم يعلم؛ ليس بمكروه، بل إنْ قُصِدَ به الإخبار؛ لكثرة المصلين؛ فهو مستحب، وانما يُكره ذِكْرُ المآثر، والمفاخر، والتطواف بين الناس بذكره بهذه الأشياء، وهذا نعي الجاهلية\n_________\n(^١) قال ابن الأثير في «النهاية»: يقال: نعى الميت ينعاه نعيًا، ونِعيًّا، إذا أذاع موته، وأخبر به، وإذا ندبه.\n(^٢) ضعيف. أخرجه أحمد (٥/ ٣٨٥)، والترمذي (٩٨٦)، من طريق حبيب بن سليم العبسي، عن بلال ابن يحيى العبسي، عن حذيفة به. وإسناده ضعيف، فحبيب مجهول الحال، وبلال بن يحيى لم يسمع من حذيفة. وانظر تحقيق «المسند» (٢٣٢٧٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٤٥)، ومسلم (٩٥١).","vol":"3","page":454},{"text":"المنهي عنه، فقد صحت الأحاديث بالإعلام؛ فلا يجوز إلغاؤها، وبهذا الجواب أجاب بعض أئمة الفقه، والحديث المحققين، والله أعلم. اهـ\nقلتُ: كلام النووي كلامٌ جيد جدًّا، ومما يدل على الإعلام حديث أبي هريرة المتقدم: «أفلا كنتم آذنتموني»، وفي حديث ابن عباس -﵄-، في «البخاري» (١٢٤٧) في رجلٍ آخر قال: «ما منعكم أن تُعلِموني».\nوأما نعي الجاهلية؛ فيدل على عدم جوازه قولُه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد»، ومع ما في ذلك من الفخر، والمباهاة المعلوم تحريمها من أدلة كثيرة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1447>مسألة [٢]: الصلاة على الغائب</span>.\n• في المسألة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: مشروعية الصلاة على الغائب، وهو قول أحمد، والشافعي، واستدلوا بحديث أبي هريرة الذي في الكتاب.\nالقول الثاني: عدم مشروعيتها، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وادَّعوا خصوصية ذلك بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nالقول الثالث: يُصلَّى عليه إن كان في أرضٍ لم يصل عليه فيها أَحَدٌ، وهذا القول اختاره جماعة من الحنابلة، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره بعض الشافعية، كالخطابي، والروياني، وهو ظاهر تبويب أبي داود، فقد بوب في «سننه»:","vol":"3","page":455},{"text":"[باب في الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك]، وهو ظاهر اختيار ابن القيم في «زاد المعاد»، ونصر هذا القول الإمام الألباني، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي رحمة الله عليهما، وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال الحافظ ابن حجر -﵀-: أجمع كل من أجاز الصلاة على الغائب أن ذلك يسقط فرض الكفاية إلا ما حكي عن ابن القطان أحد أصحاب الوجوه من الشافعية أنه قال: يجوز ذلك، ولا يسقط الفرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1448>مسألة [٣]: إذا غرق الميت، وأكلته الحيتان، أو أكلته السباع، فهل يُصَلَّى عليه صلاة الغائب</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يُصَلَّى عليه صلاة الغائب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند أن تُوُفِّيَ النجاشي صلَّى عليه صلاةَ الغائب للحاجة إلى ذلك؛ لأنَّه تُوُفِّي في أرض المشركين، ولم يُصَلَّ عليه، ومقتضى ذلك جوازه في من أكلته السباع. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1449>مسألة [٤]: حكم الصلاة على الميت</span>.\nنقل النووي -رحمه الله تعالى- الإجماع على وجوب الصلاة على الميت، قال: إلا ما حُكِي عن بعض المالكية أنه جعلها سنة وهذا المروي عن بعض المالكية مردود. اهـ. (^٣)\nقلتُ: ويدل على الوجوب قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في النجاشي: «إنَّ أخًا لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه»، رواه مسلم (٩٥٣)، من حديث عمران بن حصين -﵄-،\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٥/ ٢٥٣)، «أحكام الجنائز» (ص ١١٨ - ١٢٠).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٥٠٩).\n(^٣) «المجموع» (٥/ ٢١٢)، وانظر: (٥/ ١٢٨).","vol":"3","page":456},{"text":"وقوله: «صلوا على أخٍ لكم مات بغير أرضكم»، قالوا: من هو؟ قال: «النجاشي»، أخرجه ابن ماجه (١٥٣٧) بإسناد صحيح من حديث حذيفة بن أسيد -﵁-، وهو في «الصحيح المسند» برقم (٢٩٢) للإمام الوادعي -﵀-.\nواستدلوا على الوجوب بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلوا على صاحبكم»، أخرجه البخاري (٢٢٨٩)، عن سلمة بن الأكوع، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٩٧)، والنسائي (٤/ ٦٥) وغيرهما، عن أبي قتادة -﵁-، وهو حديث صحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1450>مسألة [٥]: حكم الصلاة على الصبيان</span>.\nقال النووي -﵀-: أما الصبي؛ فمذهبنا ومذهب جمهور السلف والخلف وجوب الصلاة عليه، ونقل ابن المنذر -﵀- الإجماع فيه، وحكى أصحابنا عن سعيد بن جبير أنه قال: لا يُصَلَّى عليه مالم يبلغ. وخالف العلماء كافة، وحكى العبدري عن بعض العلماء أنه قال: إن كان قد صَلَّى صُلِّيَ عليه، وإلا فلا. وهذا أيضًا شاذٌّ مردودٌ. اهـ\nوقد استدل من قال بالوجوب بأنه يدخل في عموم الأدلة، وإذا ثبت الوجوب؛ فالأصل هو التعميم بين الكبير، والصغير، والذكر، والأنثى، وغيرهم.\n• وذهب ابن حزم إلى أنَّ الصلاة على الصبي مالم يبلغ سُنَّةٌ، وإنْ تُرِكَ فلا بأس، وهو اختيار الإمام الألباني -﵀- في «أحكام الجنائز»، واستدلا بحديث عائشة، وهو في «سنن أبي داود» (٣١٨٧)، قالت: مات إبراهيم ابن النبي - ﷺ -، وهو ابن ثمانية\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٤٤٣).","vol":"3","page":457},{"text":"عشر شهرًا، فلم يُصَلِّ عليه رسول الله - ﷺ -. وإسناده ظاهره الحسن، فيه: محمد بن إسحاق، وقد صرَّح بالتحديث، ولكن قال الحافظ ابن القيم في «زاد المعاد»: نقل حنبل عن أحمد أنه قال: حديثٌ منكرٌ جدًّا، وَوَهَّى ابن إسحاق.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: فالأقرب هو ضعف الحديث، ونكارته، وعلى هذا فالصواب هو قول الجمهور، والله أعلم.\nوقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه صلى على صبي من صبيان الأنصار. أخرجه مسلم (٢٦٦٢) عن عائشة -﵂-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1451>مسألة [٦]: الصلاة على السَّقْط</span>.\n• له ثلاث حالات:\nالأولى: أن يخرج بحياة مستقرة، فيستهل، أو يتحرك؛ فهذا يُصَلَّى عليه بغير خلاف، نقل ذلك ابن المنذر، وغيره من أهل العلم. وأخرج ابن أبي شيبة (٣/ ٣١٨) بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عمر أنه سئل عن الصلاة على الأطفال قال: «لأن أصلي على من لا ذنب له أحب إلي».\nالثانية: أن يخرج قبل بلوغه أربعة أشهر؛ فلا يُصَلَّى عليه، قال العبدري: بلا خلاف. قال النووي: يعني بالإجماع.\nالثالثة: إذا بلغ أربعة أشهر فما فوق، ولم يستهل، فذهب سعيد، وابن سيرين،\n_________\n(^١) انظر: «أحكام الجنائز» (ص ٧٩ - ٨٠)، «المجموع» (٥/ ٢٥٧) «المحلَّى» (٥٩٨) «زاد المعاد» (١/ ١٤٣).","vol":"3","page":458},{"text":"وأحمد، وإسحاق، وداود إلى أنه يغسل، ويصلى عليه؛ لأنه قد نُفِخت فيه الروح، كما في حديث ابن مسعود في «الصحيحين» (^١)، وهو يعتبر ميتًا؛ لأنَّ روحه قد فارقت الجسد، وهو قول الشافعي في القديم، وجماعة من أصحابه. وهذا هو الوارد عن الصحابة -﵃-، فقد ثبت عن ابن عمر -﵄-، أنه صلى على مولود لم يستهل. أخرجه ابن المنذر (٥/ ٤٠٤) بإسناد صحيح.\nوثبت عن المغيرة بن شعبة -﵁-، أنه قال: السقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣١٧)، وعبد الرزاق (٣/ ٥٣١) بإسناد صحيح، وقد روي مرفوعًا.\nوقد ذكر الدارقطني -﵀- الخلاف فيه كما في «العلل» (١٢٥٨). وثبت عن أبي هريرة -﵁-، أنه كان يقوم على المنفوس من ولده الذي لم يعلم خطيئة؛ فيقول: اللهم أجره من عذاب القبر. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣١٧)، وعبد الرزاق (٣/ ٥٣٣).\n• وذهب الحسن، وإبراهيم، وعطاء، والزهري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي في الجديد، وأصحاب الرأي، إلى أنه لا يغسل ولا يصلى عليه.\nوالصواب هو القول الأول، وهو ترجيح الإمام الألباني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهما. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٢٠٨)، ومسلم برقم (٢٦٤٣).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٥/ ٢٥٨)، «المغني» (٣/ ٤٥٨)، «المحلَّى» (٥٩٨)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ٣١٧)، «عبد الرزاق» (٣/ ٥٣١).","vol":"3","page":459},{"text":"٥٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا إلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه استحباب تكثير المصلين على الجنازة، وفي «صحيح مسلم» أيضًا برقم (٩٤٧) عن عائشة، وأنس -﵄-، مرفوعًا: «ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه».\nقال النووي -﵀-: وَفِي حَدِيث آخَر: «ثَلَاثَة صُفُوف»، رَوَاهُ أَصْحَاب السُّنَن. قَالَ الْقَاضِي: قِيلَ: هَذِهِ الْأَحَادِيث خَرَجَتْ أَجْوِبَة لِسَائِلِينَ سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَأَجَابَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ عَنْ سُؤَاله. هَذَا كَلَام الْقَاضِي، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّبِيّ - ﷺ - أُخْبِرَ بِقَبُولِ شَفَاعَة مِائَة، فَأَخْبَرَ بِهِ، ثُمَّ بِقَبُولِ شَفَاعَة أَرْبَعِينَ، ثُمَّ ثَلَاثَة صُفُوف، وَإِنْ قَلَّ عَدَدهمْ، فَأَخْبَرَ بِهِ، وَيَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يُقَال: هَذَا مَفْهُوم عَدَد، وَلَا يَحْتَجّ بِهِ جَمَاهِير الْأُصُولِيِّينَ؛ فَلَا يَلْزَم مِنْ الْإِخْبَار عَنْ قَبُول شَفَاعَة مِائَة مَنْع قَبُول مَا دُون ذَلِكَ، وَكَذَا فِي الْأَرْبَعِينَ مَعَ ثَلَاثَة صُفُوف، وَحِينَئِذٍ كُلّ الْأَحَادِيث مَعْمُول بِهَا، وَيَحْصُل الشَّفَاعَة بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثَلَاثَة صُفُوف، وَأَرْبَعِينَ. اهـ\nقلتُ: حديث الثلاثة الصفوف أخرجه أحمد (١٦٧٢٤)، وأبو داود (٣١٦٦)،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٩٤٨).","vol":"3","page":460},{"text":"وغيرهما، من حديث مالك بن هبيرة، ولفظه: «ما من مسلم يموت فيصلى عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب» وفي إسناده عنعنة ابن إسحاق، وقد تفرد بالحديث؛ فهو حديث ضعيفٌ، فحديث ابن عباس في الباب هو أقل عدد فيه الفضل المذكور، والله أعلم.\nفائدة: حديث مالك بن هبيرة المتقدم، استدل به بعض أهل العلم على استحباب جعل الصفوف ثلاثة، وقال بذلك مالك، وأحمد، والشافعية. إلا أن أحمد كره أن يجعل في صف واحدٍ رجلًا.\nوقد استدل على ذلك أيضًا بما وراه الطبراني (٧٧٨٥) عن أبي أمامة -﵁-، قال: صلى النبي - ﷺ - على جنازة، ومعه سبعة نفر؛ فجعل ثلاثةً صفًّا، اثنين صفًّا، واثنين صفًّا. وإسناده ضعيف؛ فيه ابن لهيعة، ضعيف، ولا يصلح أن يقوى هذا الحديث بحديث مالك بن هبيرة؛ فإن حديث مالك بن هبيرة -﵁-، فيه ذكر الفضيلة، وهذا الحديث فيه فعله - ﷺ - بواقعة من الوقائع، والله أعلم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر لي -والله أعلم- أن المراد من حديث مالك ابن هبيرة لو كان ثبت، هو الحث على تكثير المصلين أن يبلغوا ثلاثة صفوف، وأن الصفوف بنفسها ليس لها الفضيلة المذكورة في الحديث، وعليه فلا يستحب تكلف جعلها ثلاثة صفوف، ولو كان العدد قليلًا؛ لعدم ثبوت دليل على ذلك، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) «أسنى المطالب في شرح روض الطالب» (١/ ٣٢٣)، «المجموع» (٥/ ٢١٥)، «المغني» (٣/ ٤٢٠)، «التمهيد» (٦/ ٣٢٩)، «الفتح» لابن رجب (٥/ ٢٩٦).","vol":"3","page":461},{"text":"٥٤٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -﵁- قَالَ: صَلَّيْت وَرَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسَطَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1452>مسألة [١]: موقف الإمام من الجنازة</span>.\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: يقف عند رأس الرجل، ووسط المرأة، وهو قول الشافعي، وجمهور أصحابه، وأحمد في رواية، وإسحاق، ورواية عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، واستدلوا بحديث الكتاب، وبحديث أنس عند أبي داود (٣١٩٤) بإسناد صحيح، أنه صلى على جنازة رجل، فقام عند رأسه، ثم صلى على جنازة امرأة، فقام عند عجيزتها، فقال له العلاء بن زياد: هكذا كان رسول الله - ﷺ - يفعل؟ قال: نعم.\nالثاني: يقف عند صدر الرجل، ووسط المرأة، وهو قول أحمد، وأبي يوسف في رواية عنهما، وقول بعض الشافعية، واستدلوا أيضًا بما تقدم.\nالثالث: عند صدر الرجل والمرأة، وهو قول أبي حنيفة.\nالرابع: عند وسط الرجل، ومنكبي المرأة، وهو قول مالك، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز.\nوالصواب هو القول الأول، وهو ترجيح الإمام الألباني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهما. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٣٢)، ومسلم (٩٦٤).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٥/ ٢٢٥)، «المغني» (٣/ ٤٥٢)، «أحكام الجنائز» (ص ١٣٨ -)، «الأوسط» (٥/ ٤١٨).","vol":"3","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1453>مسألة [٢]: إذا كانوا جماعة أعني الموتى</span>؟\n• أجاز أهل العلم أن يُصلَّى عليهم صلاة واحدة، وذهب الجمهور إلى أن الرجال، أو الصبيان يجعلون مما يلي الإمام والنساء من وراء ذلك مما يلي القبلة.\n• وذهب الحسن، والقاسم، وسالم إلى جعل النساء مما يلي الإمام، والرجال مما يلي القبلة.\nوالصواب قول الجمهور، وفي ذلك حديثان: الأول: ما أخرجه أبو داود (٣١٩٣)، والنسائي (٤/ ٧١)، عن عمار مولى الحارث بن نوفل أنه شهد جنازة أم كلثوم وابنها، فَجُعِل الغلام مما يلي الإمام، فأنكرتُ ذلك، وفي القوم ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، وأبو هريرة، فقالوا: هذه السنة. وإسناده صحيح، والثاني: ما أخرجه النسائي (٤/ ٧١)، عن ابن عمر -﵄-، أنه صلى على تسع جنائز، فجعل الرجال يلون الإمام، والنساء يلين القبلة، فصفهن صفًّا واحدًا. وإسناده صحيح، وكلاهما في «الجامع الصحيح» لشيخنا -﵀- (٢/ ٢٥٥).\nوثبت أيضًا عن عثمان -﵁- عند عبد الرزاق (٣/ ٤٦٤)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣١٥) بإسناد صحيح. (^١)\nتنبيه: ظاهر صنيع الصحابة أنهم صفوا الجنائز واحدة خلف الأخرى مما يلي القبلة، وهو مذهب الجمهور، وذهب أبو حنيفة، وبعض الشافعية إلى أنه يوضع الجميع صفًّا واحدًا رأس كل واحد عند رجل الآخر، ويجعل الإمام\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٥٣)، «المجموع» (٥/ ٢٢٥)، (٥/ ٢٢٨)، وعبد الرزاق (٣/ ٤٦٣)، «الأوسط» (٥/ ٤٢١)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣١٤).","vol":"3","page":463},{"text":"جميعهم عن يمينه، ويقف عند رأس الآخر منهما إنْ كان رجلًا، أو عجيزته إن كان امرأة، والصواب قول الجمهور؛ لأنه عمل الصحابة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1454>مسألة [٣]: هل يسوي بين رؤوسهم، أم يجعل وسط المرأة عند رأس الرجل</span>؟\n• ظاهر آثار الصحابة المتقدمة أنهم سووا بين الرؤوس وهو مذهب أحمد في رواية.\nقال ابن قدامة -﵀-: وهو اختيار القاضي، وقول إبراهيم، وأهل مكة، ومذهب أبي حنيفة؛ لأنه يروى عن ابن عمر أنه كان يسوي بين رؤوسهم. اهـ\nوأثر ابن عمر -﵄-، عند عبد الرزاق (٣/ ٤٦٧)، وفيه عنعنة ابن جريج.\n• وعن أحمد رواية أنه يصف النساء، فيجعل وسط المرأة مقابلًا لصدر الرجل، وذهب مالك، وسعيد بن جبير إلى وضع رأس المرأة عند وسط الرجل.\nقلتُ: والقول الأول أقرب الأقوال؛ لأنه فعل الصحابة، والثاني لا بأس به، فإذا سوى بين الرؤوس قام عند رأس الرجل، أو وسط المرأة إن كُنَّ نساء فقط، وإذا فعل بالقول الثاني؛ فلا إشكال.\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٥/ ٢٢٦).","vol":"3","page":464},{"text":"٥٤٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: وَاللهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي المَسْجِدِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1455>مسألة [١]: أين يصلى على الجنائز</span>؟\n• استحب أهل العلم أن يُصلَّى على الجنائز في مصلى خاص بذلك عند المقبرة إنْ تيسر، أو في مكان آخر، وعلى ذلك أدلة كثيرة منها: حديث أبي هريرة -﵁-، في صلاته على النجاشي، وفيه: فخرج بهم إلى المصلى (^٢)، وجاء عن ابن عمر -﵄-، في «البخاري» (^٣) أنَّ اليهود جاءوا إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- برجل منهم، وامرأة زنيا، فأمر بهما، فرُجِما قريبًا من موضع الجنائز عند المسجد.\nومنها: حديث عائشة -﵂- الذي في «مسلم»، أنها أمرت أن يمر عليها بجنازة سعد بن أبي وقاص إلى المسجد لتصلي عليها، فأنكر الناس ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يُدخَلُ بها إلى المسجد. فقالت عائشة -﵂-: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٩٧٣) (١٠١) من طريق الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة به. وقد أعل الدارقطني هذا الإسناد، وذكر أن مالكًا وعبدالعزيز الماجشون رووا الحديث عن أبي النضر عن عائشة مرسلًا بدون ذكر (أبي سلمة) وصوب الإرسال. وأقره شيخنا في تعليقه على «التتبع» ولكن الحديث صحيح من طرق أخرى عند مسلم وغيره بلفظ: (ما صلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد).\n(^٢) تقدم في الكتاب برقم (٥٤٢).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٣٢٩).","vol":"3","page":465},{"text":"لا علم لهم به، وما صلى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن البيضاء إلا في جوف المسجد.\nفهذا الحديث فيه دلالة على أنَّ أكثر صلاة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للجنائز في خارج المسجد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1456>مسألة [٢]: هل تُشرع الصلاة على الجنازة في المسجد</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية ذلك وجوازه، واستدلوا بحديث عائشة الذي في الكتاب.\nوثبت عن ابن عمر -﵄- بإسناد صحيح عند عبد الرزاق وابن أبي شيبة أن عمر -﵁- صُلِّيَ عليه في المسجد.\nوأخرجا أيضًا بإسناد صحيح عن عروة بن الزبير، أنه قال: ما على صُلِّيَ أبي بكر إلا في المسجد.\nوأخرج ابن أبي شيبة بإسناد حسن إلى المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: صُلِّيَ على أبي بكر وعمر تجاه المنبر.\nوهو منقطع؛ لأن ابن حنطب لم يدرك الصحابة، وهو صحيح بالطرق التي قبله.\n• وذهب ابن أبي ذئب، ومالك، وأبو حنيفة إلى أنها لا تصح في المسجد؛ لِما رواه أحمد (٢/ ٤٤٤)، وغيره من حديث أبي هريرة -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من صلى على جنازة في المسجد؛ فلا شيء له»، وهذا الحديث من طريق: ابن أبي ذئب، عن صالح بن نبهان مولى التوأمة، عن أبي هريرة به، وصالح مولى التوأمة ضعيفٌ، مختلطٌ، ولكن روى عنه ابن أبي\n_________\n(^١) وانظر: «أحكام الجنائز» (ص ١٠٦).","vol":"3","page":466},{"text":"ذئب قبل الاختلاط؛ فَحَسَّنَ بعض أهل العلم هذا الحديث من أجل ذلك، والأقرب هو ضعفُه؛ لأنَّ الأئمة أنكروه، وضعفوه؛ فإنَّ صالحًا مولى التوأمة تفرد به، ولم يرو الحديث من وجه آخر غيره؛ لذلك أعل الحديث وضعفَّه جمعٌ من الحفاظ، منهم: أحمد، وابن حبان، وابن المنذر، والبغوي، والخطابي، والبيهقي، وابن عبد البر، وغيرهم.\nومن حسَّنَه من أهل العلم أولوه؛ للجمع بينه وبين حديث عائشة -﵂-، فقال بعضهم: «فلا شيء له» يعني: فلا شيء عليه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧].\nوبعضهم قال: «فلا شيء له» يعني زائدًا على أجر صلاة الجنازة لمزية المسجد، وهذا الجواب ارتضاه الإمام الألباني في «أحكام الجنائز».\nوعلى كُلٍّ فالصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1457>مسألة [٣]: هل تُشترط الطهارة لصلاة الجنازة</span>؟\n• ذهب عامَّةُ أهل العلم إلى اشتراط الطهارة لصلاة الجنازة.\n• وخالف الشعبي، وابن جرير، فقالا: تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة، مع إمكان الوضوء، والتيمم؛ لأنها دعاء.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٤٢١)، «المجموع» (٥/ ٢١٣)، «الصحيحة» رقم (٢٣٥١)، «عبدالرزاق» (٣/ ٥٢٦)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ٤٦٤)، «الأوسط» (٥/ ٤١٥).","vol":"3","page":467},{"text":"واستدل الجمهور على اشتراط الطهارة أنها تُدْعَى صلاة كما في حديث الكتاب، وكما قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة:٨٤]، فسماها صلاةً، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلُّوا على صاحبكم»، وقال: «من صلى على جنازة» (^١)، وغيرها من الأدلة.\nوالصلاة تُشتَرط لها الطهارة؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] الآية، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يقبل الله صلاةً بغير طهور». (^٢)\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٥٥٤)، واللفظ المذكور في بعض طرقه.\n(^٢) انظر: «المجموع» (٥/ ٢٢٣).","vol":"3","page":468},{"text":"٥٤٦ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ -﵁- يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَأَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَألته، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُكَبِّرُهَا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالأَرْبَعَةُ. (^١)\n\n٥٤٧ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁-، أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا، وَقَالَ: إنَّهُ بَدْرِيٌّ. رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَصْلُهُ فِي «البُخَارِيِّ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1458>مسألة [١]: عدد تكبيرات الجنازة</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٣١): قال ابن المنذر -﵀-: ثبت أن النبي - ﷺ - كبر أربعًا، وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت، والحسن بن علي، وابن أبي أوفى، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وابن عامر، ومحمد بن الحنفية، وعطاء، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وقال ابن مسعود، وزيد بن أرقم: يكبر خمسًا. وقال ابن عباس، وأنس بن مالك، وجابر بن زيد: يكبر ثلاثًا. وعن ابن سيرين نحوه، وقال بكر بن عبد الله\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٩٥٧)، وأبوداود (٣١٩٧)، والنسائي (٤/ ٧٢)، والترمذي (١٠٢٣)، وابن ماجه (١٥٠٥).\n(^٢) صحيح. أخرجه عبدالرزاق (٣/ ٤٨١) عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عبدالله بن معقل عن علي به. وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الشيخين.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٠٤) وابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٤٣٣) من طريق إسماعيل به. وأصله في «البخاري» (٤٠٠٤) بلفظ: إن عليًّا -﵁- كبر على سهل بن حنيف فقال: إنه شهد بدرًا.","vol":"3","page":469},{"text":"المزني: لا ينقص من ثلاث تكبيرات، ولا يزاد على سبع. وقال أحمد: لا ينقص من أربع، ولا يزاد على سبع، وعن ابن مسعود: يكبر ما يكبر الإمام. وقال علي -﵁-: يكبر سِتًّا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: جميع آثار الصحابة المذكورة أخرجها ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٤٢٩ - ٤٣٤)، وكلها آثار ثابتة، ما بين صحيح، وحسن، وأكثرها صحيحة؛ إلا أثر ابن أبي أوفى، ففي إسناده: إبراهيم الهجري، وهو ضعيفٌ، ثم وجدت له طريقًا أخرى صحيحة عند البزار (٨/ ٢٢٧)، والبيهقي (٤/ ٣٥)، وإلا أثر الحسن بن علي؛ فإنه منقطع.\nوقد صحَّ عن علي أيضًا كما في «الأوسط» (٥/ ٤٣٣)، أنه كبر على أبي قتادة ستًّا. وجاءت رواية عنده أنه كبر عليه سبعًا، ولم تثبت؛ فهي من طريق موسى بن عبد الله بن يزيد، والظاهر أنه لم يسمع من علي -﵁-، وهو مخالف للرواية الصحيحة.\nوقد ثبت بإسناد صحيح عن معاذ بن جبل -﵁-، أنه كبر خمسًا كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٣٠٣).\nوأخرج ابن المنذر بإسناد صحيح عن عمر -﵁- أنه قال: كل ذلك قد كنا نفعل: أربعًا، وخمسًا؛ فجمع الناس على أربع.\nوينبغي التنبيه على أن من ذكر من الصحابة أنه يقول بالثلاث، والخمس إنما صحَّ من فعلهم لا من قولهم.","vol":"3","page":470},{"text":"وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر بإسناد صحيح عن عبد خير الهمداني، أنه قال: كان علي -﵁- يكبر على أهل بدر ستًّا، وعلى أصحاب رسول الله - ﷺ - خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٣٠): وقد كان لبعض الصحابة وغيرهم خلافٌ في أنَّ التكبير المشروع خمس، أم أربع، أم غير ذلك، ثم انقرض ذلك الخلاف، وأجمعت الأمة الآن على أنه أربع تكبيرات بلا زيادة، ولا نقص. اهـ\nقلتُ: أكثر الأحاديث الواردة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ذلك فيه أربع تكبيرات، كحديث أبي هريرة -﵁-، في قصة النجاشي، وحديث ابن عباس في الصلاة على القبر وغيرهما (^١)، ولكن قد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه كبَّر خمسًا كما في حديث زيد بن أرقم الذي في الكتاب، فلا بأس بالعمل بها، بل يستحب أحيانًا، وهو قول ابن حزم، وقال أحمد، وإسحاق، وبعض الشافعية: إذا كبَّرَ الإمام خمسًا؛ فيتابع، وهذا يدل على أنهم يرونها ثابتة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1459>مسألة [٢]: إذا زاد الإمام على أربع تكبيرات</span>؟\n• ذهب الثوري، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي إلى أنَّ المأموم لا يُتابِع الإمام على ذلك، وهو رواية عن أحمد، وجاء عن أحمد رواية أشهر أنَّ المأموم يتابِع إمامه في الخامسة، وهو قول إسحاق، وبعض الشافعية، وعن أحمد رواية ثالثة أنه يتابعه\n_________\n(^١) تقدم الحديثان في الكتاب برقم (٥٤٠).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٤٥١)، «المجموع» (٥/ ٢٣١)، «الأوسط» (٥/ ٤٣٠ -) «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٢٩٩ -)، «عبد الرزاق» (٣/ ٤٧٩).","vol":"3","page":471},{"text":"إلى سبع تكبيرات؛ لثبوت ذلك عن الصحابة، ولا يتابعه في أكثر من ذلك.\nوالصواب هو القول الثاني: أنه يتابعه إلى الخامسة، ولا يتابعه في أكثر من ذلك؛ لأنَّ ذلك ثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوأما أفعال أصحابه في الأكثر، والأقل؛ فلا حجة فيها؛ لمخالفتهم لصحابة آخرين، ولأنَّ الحجة في المرفوع، لا في الموقوف، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1460>مسألة [٣]: حكم تكبيرات الجنازة</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٣٠): التكبيرات الأربع أركانٌ لا تصح هذه الصلاة إلا بهن، وهذا مُجْمَعٌ عليه. اهـ\nيعني بعد وجود الخلاف في عدد التكبيرات، ثم انقرض الخلاف.\nوقال صاحب «الإنصاف» (٢/ ٤٩٨): بلا نزاع. اهـ، يعني وجوبها.\nقلتُ: وكأنهم أخذوا الوجوب من كونه بيانًا لهيئة الصلاة المأمور بها بقوله: «صلوا على صاحبكم» مع قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^٢)، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1461>مسألة [٤]: هل يرفع يديه في التكبيرات</span>؟\nأجمعوا على مشروعية رفع اليدين في التكبيرة الأولى، نقله ابن المنذر وغيره.\n• واختلفوا في غيرها من التكبيرات هل يرفع، أم لا؟ على قولين:\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٥/ ٢٣١)، «المغني» (٣/ ٤٤٧)، وما بعدها.\n(^٢) تقدم في الكتاب برقم (٣١٧).","vol":"3","page":472},{"text":"الأول: أنه يرفع يديه مع كل تكبيرة، وهو ثابت عن ابن عمر -﵄-، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٩٦)، وعبدالرزاق (٣/ ٤٧٠)، وقال به عطاء، وسالم، والزهري، وعمر بن عبدالعزيز، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وغيرهم.\nوقد رُوي أثر ابن عمر مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولكنه وَهَمٌ، شذَّ برفعه: عمر بن شبة، ورجَّح الدارقطني وقفه كما في «العلل» (١٢/ ٣٤٨) (١٣/ ٢١).\nالثاني: أنه لا يرفع يديه في ما سوى الأولى، وهو قول الثوري، ومالك في رواية، والحسن ابن صالح، وأصحاب الرأي، وهذا القول أرجح؛ لعدم الدليل على الرفع، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي -﵀-، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٢٣٢)، «المغني» (٣/ ٤١٧)، «الأوسط» (٥/ ٤٢٦).","vol":"3","page":473},{"text":"٥٤٨ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَيَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ فِي التَّكْبِيرَةِ الأُولَى. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\n٥٤٩ - وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ عَوْفٍ -﵁- قَالَ: صَلَّيْت خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جِنَازَةٍ، فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الكِتَابِ فَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1462>مسألة [١]: هل يقرأ دعاء الاستفتاح بعد التكبيرة الأولى</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى عدم قراءته، بل يقرأ الفاتحة مباشرة، وهذا هو ظاهر حديث جابر، وابن عباس اللذين في الكتاب، وحديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف الذي سيأتي إن شاء الله.\n• وذهب الثوري، وأحمد في رواية إلى أنه يستفتح.\nوالصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^٣)\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٥/ ٤٣٦): لم نجد في الأخبار التي جاءت عن النبي - ﷺ - أنه قال بعد أن افتتح\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه الشافعي كما في «المسند» (١/ ٢٠٩) وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى، وهو كذاب، فقول الحافظ بإسناد ضعيف فيه تساهل، وفي إسناده أيضًا: عبدالله بن محمد بن عقيل، وفيه ضعف.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٣٣٥) بلفظ: «لتعلموا».\n(^٣) وانظر: «المغني» (٣/ ٤١٠).","vol":"3","page":474},{"text":"الصلاة على الجنازة، كما قال بعد أن افتتح الصلاة المكتوبة قولا، ولا وجدنا ذلك عن أصحابه، ولا عن التابعين. وقد كان الثوري، وإسحاق بن راهويه يستحبان أن يقول المرء بعد التكبيرة الأولى من الصلاة على الجنازة: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وذكر ذلك لأحمد، فقال: ما سمعت. قال أبو بكر: ولم أجد ذكر ذلك في كتب سائر علماء الأمصار، فإن قاله قائل فلا شيء عليه، وإن تركه فلا شيء عليه. اهـ\nقلتُ: الأقرب أنه لا يقوله، ويخشى عليه إذا قاله أن يدخل في الإحداث في الدين، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1463>مسألة [٢]: ما حكم قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: وجوب قراءة الفاتحة، وهو قول أحمد، والشافعي، وإسحاق، وداود؛ لحديث عبادة -﵁-: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (^١)، ولحديث ابن عباس -﵄- الذي في الكتاب، وحديث أبي أمامة -﵁- المشار إليه آنفًا.\nالثاني: ليس في صلاة الجنازة قراءة قرآن، وهو قول ابن عمر، وأبي هريرة وصحَّ عنهما كما في «الأوسط»، وقال به جماعة من التابعين، وهو قول الثوري، والأوزاعي، ومالك، وأبي حنيفة، وحجتهم أنها دعاء للميت فلا تشترط فيه قراءة، وذهب شيخ الإسلام -﵀- إلى أن قراءتها سنة. والصواب هو القول الأول؛\n_________\n(^١) تقدم في الكتاب برقم (٢٧٠).","vol":"3","page":475},{"text":"للأدلة المذكورة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1464>مسألة [٣]: حكم قراءة سورة بعد الفاتحة</span>.\n• جاء في المسألة حديث، وهو ما أخرجه النسائي (١٩٨٧) من طريق الهيثم ابن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا أبي، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وسورة وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته، فقال: سنة وحق.\nفهذه الرواية فيها زيادة: (وسورة)، زادها الهيثم بن أيوب، وهو ثقة، وتابعه على ذكرها محرز بن عون عند أبي يعلى (٢٦٦١)، وهو حسن الحديث، وسليمان ابن داود الهاشمي، وإبراهيم بن زياد، عند ابن الجارود (٥٣٧)، وهما ثقتان، ومحمد بن جعفر الوركاني، وعبد الله بن عون الهلالي عند ابن المنذر (٥/ ٤٣٧)، وهما ثقتان.\nوقال البيهقي -﵀- في «الكبرى» (٤/ ٣٨): ورواه إبراهيم بن حمزة، عن إبراهيم بن سعد، وقال فى الحديث: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة. وذكر السورة فيه غير محفوظ. اهـ\nقال أبو عبد الله: الأمر كما قال الإمام البيهقي فذكر السورة غير محفوظ؛ فقد روى الحديث عن إبراهيم بن سعد جماعة بغير ذكر السورة، منهم: الإمام الشافعي\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٤١١)، «المجموع» (٥/ ٣٤٢) «الأوسط» (٥/ ٤٣٨) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٧٤).","vol":"3","page":476},{"text":"كما في «المسند» (٥٧٩)، ومنصور بن أبي مزاحم، عند ابن حبان (٣٠٧٢).\nوروى الحديث عن سعد والد إبراهيم جماعة بدون ذكر الفاتحة:\nمنهم: سفيان الثوري، عند البخاري (١٣٣٥)، وأبي داود (٣١٩٨)، والترمذي (١٠٢٧)، وابن المنذر (٥/ ٤٣٨)، وابن الجارود (٥٣٥)، والدارقطني (٢/ ٧٢)، والحاكم (١/ ٣٨٥)، والبيهقي (٤/ ٣٨)، وغيرهم.\nوكذلك شعبة، عند البخاري (١٣٣٥)، والنسائي (١٩٨٨)، وابن الجارود (٥٣٤)، والبيهقي (٤/ ٣٩).\nوله طريق أخرى عن ابن عباس بدون ذكر الفاتحة: أخرجه الشافعي في «المسند» (٥٨٧)، ومن طريقه البيهقي (٤/ ٣٩) عن ابن عيينة، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، قال: سمعت ابن عباس -﵄- يجهر بفاتحة الكتاب على الجنازة، ويقول: إنما فعلت لتعلموا أنها سنة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: تبين من البحث المتقدم أن إبراهيم بن سعد، اختلف عليه في ذكر السورة مع الفاتحة، فعنه -﵀- روايتان: رواية بذكرها، ورواية بعدم ذكرها، وقد روى الحديث أميرا المؤمنين في الحديث: الثوري وشعبة فلم يختلفا في روايتهما عن سعد والد إبراهيم في ذكر الفاتحة فحسب بدون ذكر السورة، وهذه الرواية هي المحفوظة بلا تردد. لا سيما وقد ثبت عن ابن عباس من وجهٍ آخر الاقتصار على الفاتحة كما تقدم، والله أعلم.\nوبناء على ما تقدم؛ فلا يقرأ بعد الفاتحة شيء، ويقتصر على قراءة الفاتحة،","vol":"3","page":477},{"text":"وهو قول جمهور الفقهاء، وعن الشافعية وجهٌ بقراءة سورة بعد الفاتحة، والأقرب عدم قراءتها؛ لعدم ثبوت دليل يدل عليها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1465>مسألة [٤]: الإسرار في القراءة والدعاء</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٤١٢): وَيُسِرُّ الْقِرَاءَةَ وَالدُّعَاءَ فِي صَلَاةِ الْجنَازَةِ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ خِلَافًا، وَلَا يَقْرَأُ بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ شَيْئًا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَهَرَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا جَهَرَ لِيُعَلِّمَهُمْ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٣٦٤)، «المجموع» (٥/ ٢٣٢) «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٢٥/ ٢٩١) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٧٤).","vol":"3","page":478},{"text":"٥٥٠ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى جِنَازَةٍ فَحَفِظْت مِنْ دُعَائِهِ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الخَطَايَا كَمَا (يُنَقَّى) (^١) الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَقِه فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\n٥٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ يَقُولُ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا، وَأُنْثَانَا، اللهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ، اللهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا (^٣) بَعْدَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالأَرْبَعَةُ. (^٤)\n_________\n(^١) في المخطوطتين: (نقيت)، والمثبت من «صحيح مسلم».\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٩٦٣).\n(^٣) في (أ): (تفتنا).\n(^٤) حسن بشواهده. لم يخرجه مسلم، بل أخرجه أبوداود (٣٢٠١)، والترمذي (١٠٢٤)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (١٠٨٠)، وأحمد (٢/ ٣٦٨)، كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به.\nقال أبوحاتم في «العلل» (١/ ٣٥٤): هذا خطأ، الحفاظ لا يقولون (أبوهريرة)، إنما يقولون أبوسلمة أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوأخرجه ابن ماجه (١٤٩٨)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (١٠٨١)، من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة.\n\nقال أبوحاتم في «العلل» (١/ ٣٥٧) لا يقول أبوهريرة ولا يوصله عن أبي هريرة إلا غير متقن، والصحيح أنه مرسل.\nوللحديث شواهد: فقد جاء من حديث والد أبي إبراهيم الأشهلي ومن حديث أبي قتادة ومن حديث عائشة ومن حديث عبد الله بن سلام:\nأما حديث والد أبي إبراهيم الأشهلي فهو من طريق الأوزاعي وهشام الدستوائي، وأبان العطار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه، أخرجه أحمد (٤/ ١٧٠)، والترمذي (١٠٢٤)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (١٠٨٤) (١٠٨٥).\nقال البخاري: أصح شيء فيه حديث أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه، ولوالده صحبة. اهـ\nقلتُ: لكن أبوإبراهيم مجهول.\nوأماحديث أبي قتادة فهو من طريق همام عن يحيى بن أبي كثير عن عبدالله بن أبي قتادة عن أبيه به. أخرجه أحمد (٥/ ٣٠٨) (٥/ ٢٩٩)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (١٠٨٦).\nوهذا إسناد ظاهره الصحة، لكن الذي يظهر أنه معل، فإن أكثر الرواة عن يحيى بن أبي كثير يروونه عنه عن أبي سلمة مرسلًا، أو عنه عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه، ولذلك قال الحافظ ابن كثير في «جامع المسانيد والسنن» (١٤/ ٣٦٣) بعد أن ذكر رواية همام: ورواه غيره عن يحيى عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوأما حديث عائشة -﵂-، فأخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (١٠٧٩) من طريق: عكرمة ابن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، به، وقد أخطأ فيه عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير، والصواب مرسل. قاله الترمذي (٣/ ٣١٤)، وقال الدارقطني في «العلل» (١٤/ ٣٠٨) بعد أن ذكر الخلاف المتقدم: والصحيح حديث يحيى عن أبي إبراهيم الأنصاري، عن أبيه، وعن يحيى عن أبي سلمة مرسلًا. وأما حديث عبدالله بن سلام فهو من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن عبدالله بن سلام.\nأخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (١٠٨٢) ومحمد بن عمرو في حفظه شيء، فيحتمل أنه وهم أيضًا في الحديث والصواب إرساله، ويحتمل أيضًا أنه حفظ الحديث؛ لأنه سلك غير الجادة. والحديث يرتقي إلى الحسن إن شاء الله بمرسل أبي سلمة مع حديث الأشهلي وعبدالله بن سلام. والله أعلم.","vol":"3","page":479},{"text":"٥٥٢ - وَعَنْهُ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (٣١٩٩)، وابن حبان (٣٠٧٦) (٣٠٧٧)، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث عند ابن حبان في الموضع الثاني؛ فالحديث حسن.","vol":"3","page":480},{"text":"حديث آخر فيه صفة صلاة الجنازة:\nقال النسائي -﵀- في «السنن الصغرى» (١٩٨٩): أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة، أنه قال: «السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثا، والتسليم عند الآخرة». قلت: إسناده صحيح، وهو مرسل صحابي، وقد وصل كما سيأتي بعده.\nوقال البيهقي -﵀- (٤/ ٣٩ - ٤٠): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو إسماعيل بن أحمد التاجر، أنبأ محمد بن الحسن العسقلاني، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس ابن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف، وكان من كبراء الأنصار وعلمائهم ومن أبناء الذين شهدوا بدرًا مع رسول الله - ﷺ -، أخبره رجال من أصحاب النبي - ﷺ - في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يصلي على النبي - ﷺ - ويخلص الصلاة يعني على الميت في التكبيرات الثلاث، ثم يسلم تسليمًا خفيفًا حين ينصرف، والسنة أن يفعل من وراءه مثل ما فعل إمامه.\nقال الزهري: حدثني بذلك أبو أمامة وابن المسيب يسمع، فلم ينكر ذلك عليه. قال ابن شهاب: فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من السنة في الصلاة على الميت لمحمد بن سويد، فقال: وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث عن حبيب ابن مسلمة في صلاة صلاها على الميت مثل الذي حدثنا أبو أمامة.\nقال البيهقي -﵀-: ورواه الحجاج بن أبي منيع، عن جده عبيد الله بن أبي","vol":"3","page":481},{"text":"زياد الرصافي، عن الزهري، عن أبي أمامة، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، وفيه ذكر الفاتحة بعد التكبيرة الأولى. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إسناد البيهقي الأول صحيح رجاله ثقات معروفون، وإسناده الثاني فيه: محمد بن سويد، وهو مجهول الحال، وإسناده الثالث لم يذكره كاملًا، والموجود منه حسنٌ رجاله ثقاتٌ؛ إلا عبيد الله الرصافي؛ فإنه حسن الحديث، فالحديث بهذه الطرق صحيح بل بالطريق الأولى فقط، والله أعلم.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1466>مسألة [١]: ما يقال بعد التكبيرة الثانية</span>؟\nذكر أهل العلم أنه بعد التكبيرة الثانية يصلي على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، واستدلوا بحديث أبي أمامة المتقدم، واستحبوا أن تكون كالصلاة التي عقب التشهد، ويجزئ أن يصلي على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأدنى كيفية، وهي: اللهم صل على محمد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1467>مسألة [٢]: ما حكم الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعد التكبيرة الثانية</span>؟\n• ذهب الشافعية، والحنابلة إلى وجوبها؛ لحديث: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ولحديث أبي أمامة المتقدم.\nقلتُ: ويؤيده أنَّ هذا بيان للواجب، وهو الصلاة على الميت.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٢٣٥)، «المغني» (٣/ ٤١٢)، «الإنصاف» (٢/ ٤٩٥).","vol":"3","page":482},{"text":"• وذهب الحنفية، والمالكية، والمروزي من الشافعية، ووجهٌ ضعيفٌ عند الحنابلة إلى الاستحباب فقط، والقول الأول أقرب؛ لما تقدم، وهو نفس الدليل الذي استدلوا به على وجوب التكبيرات. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1468>مسألة [٣]: ماذا يقال بعد التكبيرة الثالثة</span>؟\nذكر أهل العلم أنه يدعو للميت بعد التكبيرة الثالثة، واستدلوا على ذلك بحديث أبي أمامة بن سهل المتقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1469>مسألة [٤]: حكم الدعاء للميت بعد الثالثة</span>.\nذهب أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وغيرهم إلى وجوب الدعاء للميت، واستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁-، الذي في الكتاب: «إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء»، وهو حديث حسن، قالوا: وأقل ما يجزئ في الدعاء هو ما يطلق عليه (دعاء). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1470>مسألة [٥]: الدعاء بأدعية النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم</span>-.\nدلَّ حديث أبي هريرة: «إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء»، على أنه يُدعى للميت بما تيسر من الأدعية بالمغفرة، والرحمة، والوقاء من النار، وما أشبهه، وعلى أنه لا يتعين في ذلك دعاء، ونقل النووي الاتفاق عليه.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٢٣٥)، «المغني» (٣/ ٤٢٠)، «الإنصاف» (٢/ ٤٩٩)، «الموسوعة الكويتية» (١٦/ ٢١).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٥/ ٢٣٦)، «المغني» (٣/ ٤١٣) (٣/ ٤٢٠)، «الإنصاف» (٢/ ٤٩٥)، «الشرح الممتع» (٥/ ٤٣١)، «مدونة الفقه المالكي» (١/ ٥٧٩)، «الموسوعة الفقهية» (١٦/ ٢١).","vol":"3","page":483},{"text":"قال الشوكاني -﵀- في «النيل» (٢/ ٧٤١): قَوْلُهُ: «فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ دُعَاءٌ مَخْصُوصٌ مِنْ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ الْوَارِدَةِ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ أَنْ يُخْلِصَ الدُّعَاءَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ مُحْسِنًا أَوْ مُسِيئًا؛ فَإِنَّ مُلَابِسَ الْمَعَاصِي أَحْوَجُ النَّاسِ إلَى دُعَاءِ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْقَرُهُمْ إلَى شَفَاعَتِهِمْ. اهـ. (^١)\nقلتُ: والأفضل أن يدعو بالأدعية الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كحديث عوف بن مالك الذي في الباب، وما أشبهه.\nتنبيه: الدعاء للميت لا يتعين أن يكون في الثالثة، بل يجوز وقوعه في الرابعة، وفي الثانية أيضًا بعد الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ويدل على ذلك حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف المتقدم، وهو قول الحنابلة. وذهب الشافعية إلى تعينه، والراجح الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1471>مسألة [٦]: بماذا يُدعى للصغير</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٣٨): قال أصحابنا: فإن كان الميت صبيًّا، أو صبية؛ اقتصر على حديث: «اللهم اغفر لحينا وميتنا ...» إلى آخره، وضم إليه: اللهم، اجعله فرطًا لأ بويه، وسلفًا، وذخرًا، وعظة، واعتبارًا وشفيعًا، وَثَقِّل به موازينهما، وافرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٥/ ٢٣٦).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٤٩٥)، «النيل» (٢/ ٧٤٣)، «المجموع» (٥/ ٢٣٦)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ٢٩١ - ٢٩٦).","vol":"3","page":484},{"text":"وذكر أصحاب المذاهب الأخرى نحوه، وذكروا أنه يؤنث الضمائر في حق المرأة، وله أن يذكرها بصيغة التذكير على نية الشخص، أو الميت، أو المتوفَّى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1472>مسألة [٧]: حكم الدعاء بعد الرابعة</span>.\n• الدعاء بعد الرابعة غير واجب بلا خلاف عند الحنابلة، والشافعية.\n• ولكن ذهب الشافعية إلى استحبابه، وهو قول أحمد في رواية، وجماعة من الحنابلة.\n• وذهب جماعة منهم إلى أنه لا يدعو فيه بشيء، وهو رواية عن أحمد.\n• ومذهب المالكية: أنه إن أحب دعا، وإن أحب لم يدع.\nوالصواب القول الأول؛ لحديث أبي أمامة بن سهل المتقدم، ولفظه عند ابن أبي شيبة (٣/ ٢٩٦): قال: حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، قال: سمعت أبا أمامة، يحدث سعيد بن المسيب قال: «من السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب، ثم يصلي على رسول الله - ﷺ -، ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ، ولا يقرأ إلا مرة واحدة، ثم يسلم في نفسه»، وهذا إسناد صحيح. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1473>مسألة [٨]: هل يدعو بعد الخامسة</span>؟\n• لم يأت نصٌّ صريحٌ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الدعاء بعد الخامسة، فقال بعض الفقهاء: يسلم بعدها بدون أن يدعو.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٤١٦)، و«الموسوعة الفقهي الكويتية» (١٦/ ٢٢ -).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٥/ ٢٣٩)، «المغني» (٣/ ٤١٦)، «الإنصاف» (٢/ ٤٩٦).","vol":"3","page":485},{"text":"• وعند الحنابلة احتمال أنه يدعو قياسًا على الرابعة، وهذا أقرب؛ لعموم الحديث المتقدم: «ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ»، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1474>مسألة [٩]: السلام وحكمه</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٤٣ - ٢٤٤): ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا تسليمتان، وبه قال أبو حنيفة، وقال أكثر العلماء: تسليمة واحدة. حكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبدالله، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وأبي هريرة، وعبدالله بن أبي أوفى، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، والحسن البصري، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، والثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، وعيسي بن يونس، ووكيع، وعبدالرحمن بن مهدي، وأحمد، وإسحاق -﵃-.\nقلتُ: أما آثار الصحابة -﵃-؛ فصحَّت عن بعضهم كابن عمر، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، وواثلة بن الأسقع -﵃-، كما في «الأوسط» لابن المنذر (٥/ ٤٤٥ - ٤٤٦)، وأما أثر علي -﵁-؛ ففي إسناده حجاج بن أرطاة، وفيه ضعف. وأثر ابن عباس -﵄- في إسناده إبراهيم بن المهاجر، فيه لين، وأثر أبي هريرة -﵁-، فيه والد أبي العنبس، وهو مجهول الحال. وأثر جابر بن عبد الله -﵄-، في إسناده الفضل بن مبشر، وفيه ضعف. وأثر ابن أبي أوفى في إسناده عطاء بن السائب، وهو مختلط، روى عنه الجراح والد وكيع، وفيه لين.\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٥٠٢).","vol":"3","page":486},{"text":"وأما أحاديثهم فقد استدلوا بحديث أبي هريرة -﵁-، أنَّ رسول الله - ﷺ - صلَّى على جنازة، فكبر عليها أربعًا، وسلَّم تسليمة واحدة. أخرجه الحاكم (١/ ٣٦٠)، وعنه البيهقي (٤/ ٤٣)، وفي إسناده: أبو بكر بن أبي دارم، وهو كذاب، وله إسناد آخر عند الدارقطني (٢/ ٧٢)، وفيه: الحسين بن عمرو العنقزي، قال أبو حاتم: لَيِّن، يتكلمون فيه. وقال أبو زرعة: كان لا يُصَدَّق. وقال أبو داود: كتبت عنه، ولا أُحدِّث عنه. وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن البصير، مُتَكَلَّمٌ فيه، كما في «تراجم رجال الدارقطني» لشيخنا -﵀-.\nوقد أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٠٨)، ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٤٤٦) من وجهٍ أصح عن أبي هريرة موقوفًا، وهو الصواب، ومع ذلك؛ فالموقوف أيضًا من طريق كثير بن عبيد التيمي، عن أبي هريرة به. ولم يوثقه معتمد على توثيقه.\nوأما القائلون بتسليمتين؛ فاستدلوا بحديث ابن مسعود كما في «سنن البيهقي» (٤/ ٤٣)، ورجاله ثقات؛ إلا حماد بن أبي سليمان، فهو حسن الحديث؛ فالحديث حسن، ولفظ الحديث: قال ابن مسعود: ثلاث خِلَال كان رسول الله - ﷺ - يفعلهن تركهن الناس، إحداهن: التسليم على الجنازة مثل التسليم على الصلاة.\nوقد حسَّنه الإمام الألباني -﵀- في «أحكام الجنائز»، وسمعتُ شيخنا -﵀- يحسنه، أو يحتج به.\nوظاهر حديث ابن مسعود أنه ينكر على من لا يسلم كتسليم الصلاة، وهذا","vol":"3","page":487},{"text":"يدل على أنَّ الصحابة لم يجمعوا على تسلمية، والقول بأنه سلم تسليمتين أرجح، وقد رجَّحه ابن حزم في «المحلَّى» قياسًا على بقية الصلوات، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1475>مسألة [١٠]: حكم التسليم</span>.\nحكم التسليم في صلاة الجنازة كحكمه في بقية الصلوات، أعني أنه ركنٌ، وهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة، والركن هو التسليمة الأولى.\nوأما التسليمة الثانية؛ فمستحبة، ويدل على ذلك حديث علي -﵁-، مرفوعًا: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (^٢)، وهو حديث حسنٌ، وعليه العمل. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1476>مسألة [١١]: أركان صلاة الجنازة</span>.\nتقدم من أركانها الأربع التكبيرات، وقراءة الفاتحة، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والدعاء للميت، والتسليم، وبقي ركنٌ سادس، وهو القيام؛ لأنها صلاة مفروضة، والقيام في الفريضة واجبٌ كما تقدم في صفة الصلاة، وهذا قول أكثر الشافعية، والحنابلة، بل قال ابن قدامة -﵀- في «المغني»: ولا يجزئ أن يصلي على الجنازة وهو راكبٌ؛ لأنه يفوت القيام الواجب، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي ثور، ولا أعلم فيه خلافًا. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٤١٨)، «الأوسط» (٥/ ٤٤٤ -)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ٣٠٧)، «عبد الرزاق» (٣/ ٤٩٣)، «المحلَّى» (٥٧٣).\n(^٢) تقدم تخريجه في [كتاب الصلاة].\n(^٣) انظر: «المجموع» (٥/ ٢٣٩)، «المغني» (٣/ ٤٢٠)، «الإنصاف» (٢/ ٤٩٩)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (١٦/ ١٨).","vol":"3","page":488},{"text":"وبقي ركنٌ سابع، وهو النية؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1477>مسألة [١٢]: شروط صلاة الجنازة</span>.\nقال المرداوي -﵀- في «الإنصاف» (٢/ ٥٠٠): يُشتَرَطُ لصلاة الجنازة ما يُشتَرَطُ للصلاة المكتوبة على ما تقدم؛ إلا الوقت. اهـ\nومن الشروط الخاصة بالجنازة حضور الجنازة بين يدي المصلي في حال عدم غيبة الميت.\nواشترط الحنفية وضعه على الأرض، أو قريبًا منها، ولم يشترط ذلك الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1478>مسألة [١٣]: هل يُشترط لصلاة الميت تقدم غسله</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٢٢): قال أصحابنا: ويُشتَرَطُ لصحتها تقديم غسل الميت، وهذا لا خلاف فيه. اهـ، يعني عند الشافعية.\nوقال صاحب «الإنصاف» (٢/ ٥٠٠): ويُشْتَرَطُ أيضًا تطهير الميت بماء، أو تيمم لعذر، أو عدم. اهـ\nقال أبو عبد الله: اشتراط ذلك لا نعلم عليه دليلًا صحيحًا، وغاية ما يكون من ذلك هو وجوب تقديم غسله، أما أن يبلغ حدَّ الشرط؛ فلا، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٢٢٢)، «المغني» (٣/ ٤٢٠)، «الإنصاف» (٢/ ٤٩٨)، «مدونة الفقه المالكي» (١/ ٥٧٧).\n(^٢) وانظر: «شرح المهذب» (٥/ ٢٢٢)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (١٦/ ١٩ - ٢٠).","vol":"3","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1479>مسألة [١٤]: إذا سُبِقَ الرجل ففاتته بعض التكبيرات</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالقول الأول: وجوب قضاء ما فاته، ثم يسلم، وهو قول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة وأصحابهم، وهو رواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه، وقال به من التابعين: ابن المسيب، وعطاء، وابن سيرين، والنخعي، والزهري، وقتادة، وغيرهم، واستدلوا بحديث: «ما أدركتم؛ فصلُّوا، وما فاتكم؛ فأتموا». (^١)\nالقول الثاني: استحباب القضاء، ويجوز له الانصراف مع الإمام، وهو قول الحسن، وأيوب، والأوزاعي، وأحمد في المشهور، وجاء عن ابن عمر -﵄-، من وجهين يحسن بهما، وجهٌ فيه عنعنة ابن إسحاق، ووجهٌ فيه عبد الله بن عمر العمري: (أنه لا يقضي).\nوالرَّاجح هو القول الأول، وهو ترجيح ابن حزم في «المحلَّى»؛ للحديث المتقدم ذكره، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1480>مسألة [١٥]: كيفية قضائه</span>.\n• فيه قولان:\nالأول: يقضيه متواليًا، وهو مذهب أحمد، وجماعة من أصحابه، وجماعة\n_________\n(^١) تقدم في الكتاب برقم (٤٠٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٣/ ٤٢٤)، «المجموع» (٥/ ٢٤٣)، «الأوسط» (٥/ ٤٤٨)، «المحلَّى» (٦٢٣)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ٣٠٦).","vol":"3","page":490},{"text":"من الشافعية.\nالثاني: يقضيه على صفته، ويأتي بالأذكار بينهما، ويخفف، وهو قول جماعة من الحنابلة، وهو الأصح عند الشافعية؛ لحديث أبي هريرة المتقدم: «ما أدركتم؛ فصلوا، وما فاتكم؛ فأتموا»، وهذا القول هو الصحيح.\nوقال المجد ابن تيمية -﵀- بعد أن حكى القولين في مذهبه: ومحل الخلاف فيما إذا خشي رفع الجنازة، أما إن علم بعادةٍ، أو قرينةٍ أنها تترك؛ فلا تردد أنه يقضي التكبيرات بذكرها على مقتضى تعليل أصحابنا. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1481>مسألة [١٦]: إذا أدركه في الثالثة مثلا، فهل يبدأ بالفاتحة، أم يدعو للميت</span>؟\n• ذهب أحمد -﵀- إلى أنه يبدأ بالدعاء للميت متابعةً للإمام، فإذا سلم؛ كبَّر، وقرأ الفاتحة.\n• وذهب الشافعي -﵀- إلى أنه يبدأ بالفاتحة، ويصلي على الترتيب المعلوم؛ لأنه يمكنه أن يأتي بما تقتضيه ترتيب صلاته مع المتابعة.\nقلتُ: وقول الشافعي أقرب وأصح، ويؤيده ما تقدم في باب الجماعة والإمامة، أنَّ ما يقضيه المسبوق هو آخر صلاته، وأنَّ ما يدركه مع الإمام هو أول صلاته، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٢٤ - ٤٢٥) «المجموع» (٥/ ٢٤١) «الإنصاف» (٢/ ٥٠٤ - ٥٠٥) «المحلَّى» (٦٢٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٣/ ٤٢٥)، «الأذكار» للنووي (١/ ٤٢٣).","vol":"3","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1482>مسألة [١٧]: إذا أدرك الإمام بين التكبيرتين، فهل يكبر، أو ينتظر حتى يكبر ويكبر معه</span>؟\n• فيها قولان:\nالأول: يكبر عند وصوله، وهو قول الشافعي، والأوزاعي، وأبي يوسف، ورواية عن مالك، ورواية عن أحمد، واختاره ابن حزم.\nالثاني: ينتظر حتى يكبر، ويكبر معه، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، ورواية عن أحمد، ورواية عن مالك.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما أدركتم؛ فصلوا، وما فاتكم؛ فأتموا» يدل على القول الأول، وهو الصواب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1483>مسألة [١٨]: إذا جاء المسبوق بعد التكبيرة الأولى، فشرع في الفاتحة، فكبر الإمام الثانية</span>؟\n• لو كبَّر المسبوق، ثم كبر الإمام الثانية قبل أن يشرع المسبوق في الفاتحة، فنقل النووي عدم الخلاف عند الشافعية أنه يكبر الثانية، وتسقط عنه الفاتحة، وهو مذهب الحنابلة أيضًا.\n• وأما إنْ كان في أثنائها؛ فأكثر الشافعية على أنه يقطعها، وتسقط عنه، وعندهم وجهٌ شاذٌّ أنه يتمها، وقال بعضهم: يقطعها، ويتمها بعد التكبيرة الثانية.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٢٥)، «المجموع» (٥/ ٢٤٣)، «المحلَّى» (٦٢٣)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ٣٠٦).","vol":"3","page":492},{"text":"وذكر ابن قدامة -﵀- في «المغني» أنه يقطع القراءة كالمسبوق في بقية الصلوات إذا ركع الإمام قبل إتمام القراءة.\nقال أبو عبدالله غفر الله له: يقرأ الفاتحة حتى يتمها، ثم يكبر، ويخفف حتى يدرك الإمام، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1484>مسألة [١٩]: لو تأخر المأموم عن التكبير حتى كبر الإمام التكبيرة التي بعدها بغير عذر</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٤٢): لو تخلف المقتدي، فلم يكبر التكبيرة الثانية، أو الثالثة، حتى كبر الإمام التكبيرة التي بعدها بغير عذر؛ بطلت صلاته، صَرَّح به الشيخ أبو محمد الجويني، وإمام الحرمين، والغزالي، وآخرون من الخراسانيين قالوا: لأن القدوة في هذه الصلاة لا تظهر إلا بالموافقة في التكبيرات، وكأنه تخلف بركعة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1485>مسألة [٢٠]: من نسي التكبيرة الرابعة، وسلَّم من ثلاث</span>؟\nثبت عن أنس بن مالك -﵁-، أنه سلَّم من ثلاث، فقيل له في ذلك، فاستقبل القبلة، فزاد تكبيرة، ثم سلَّم. أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٤٨٦)، عن معمر، عن قتادة، عنه، وفي رواية معمر عن قتادة ضعفٌ، ولكنه قد توبع، فقد قال الحافظ في «التغليق» (٢/ ٤٨٣) بعد أن ذكر رواية عبدالرزاق: وكذلك رواه عبدالوهاب بن عطاء في «الجنائز» له، عن سعيد، عن قتادة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٢٥)، «المجموع» (٥/ ٢٤١).","vol":"3","page":493},{"text":"وقد علَّقَ البخاري الأثر في «صحيحه» من طريق: حميد عن أنس.\nفصحَّ الأثر إن شاء الله، والعمل عليه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1486>مسألة [٢١]: جعل الصفوف ثلاثة</span>.\n• استحبَّ جماعةٌ من الفقهاء أن تُجعَلَ الصفوف على الجنازة ثلاثة صفوف.\nواستدلوا بحديث مالك بن هبيرة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من صلَّى عليه أمةٌ من المسلمين يبلغون أن يكونوا ثلاثة صفوف؛ فقد أوجب»، أخرجه أحمد (^٢) وغيره.\nوهذا الحديث مداره على محمد بن إسحاق، ولم يصرح بالتحديث في جميع مصادر الحديث؛ فهو حديثٌ ضعيفٌ.\nومع ذلك فليس فيه صراحة باستحباب الثلاثة صفوف، وإنما المراد به فضل من صلَّى عليه أمة من المسلمين يبلغون ثلاثة صفوف؛ فيكون موافقًا لحديث ابن عباس، وعائشة اللَّذَيْنِ تقدَّما في الكتاب تحت حديث (٥٤٣)، فراجعهما.\nولا ينبغي أن يتكلف جعل ثلاثة صفوف والعدد قليل لا يصلح لذلك.\nوأما حديث أبي أمامة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى على جنازة ومعه سبعة، فجعل ثلاثة خلفه، واثنين خلفهم، واثنين خلفهما؛ فهو حديثٌ ضعيفٌ، أخرجه الطبراني (٧٧٨٥)، وفي إسناده: ابن لهيعة، وقد تفرَّد به.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٣/ ٢٥٧) [باب (٦٤) من كتاب الجنائز].\n(^٢) تقدم تخريجه تحت حديث (٥٤٣).","vol":"3","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1487>مسألة [٢٢]: حكم تسوية الصفوف</span>.\nتسوية الصفوف في الصلاة على الجنازة حُكْمُه كَحُكم تسوية الصفوف في الصلوات المكتوبة، وهو الوجوب؛ لأنه يشمله حديث: «لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم» (^١)، وحديث: «استووا ولا تختلفوا؛ فتختلف قلوبكم» (^٢)، وحديث: «سووا صفوفكم؛ فإنَّ تسوية الصفوف من تمام الصلاة» (^٣)، وغيرها من الأحاديث، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1488>مسألة [٢٣]: من هو الأولى بالصلاة على الميت</span>؟\n• اختار أحمد وأصحابه أنَّ أولى الناس بالصلاة عليه هو من أوصى به إنْ كان أوصى، ثم الأمير، ثم أقرباؤه، واحتج بأن جماعة من الصحابة أوصوا ببعض الناس أن يُصلوا عليهم.\n• وذهب كثير من أهل العلم إلى تقديم الأمير، ثم الأقرباء، وهو مذهب الجمهور، وعن الشافعي رواية بتقديم الولي، وهو قول أبي يوسف، واستدل الجمهور بحديث: «لا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه» (^٤)، وعند أن تُوُفِّيتْ أم كلثوم بنت علي، وابنها، صلَّى عليهما سعيد بن العاص، وهو الأمير مع وجود ابن عباس، وأبي سعيد، وأبي قتادة، وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة والتابعين.\nوقال البخاري -﵀- في «صحيحه» في [كتاب الجنائز باب: (٥٦)]: قال\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في [كتاب الصلاة].\n(^٢) تقدم تخريجه في [كتاب الصلاة].\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٧٢٣)، ومسلم برقم (٤٣٣)، من حديث أنس -﵁-.\n(^٤) تقدم تخريجه في الكتاب برقم (٣٩٨).","vol":"3","page":495},{"text":"الحسن: أدركت الناس، وأحقهم على جنائزهم من رضوهم لفرائضهم.\nقلتُ: وهذا فيه إشارة من البخاري إلى تقديم الأقرأ لكتاب الله؛ لحديث: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» (^١)، وهذا القول أقرب، ولكن ذلك بعد الوصي، والأمير، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1489>مسألة [٢٤]: هل يغسل أطفال المشركين ويصلى عليهم</span>؟\nقال ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (٦/ ٣٩٣) ط/مرتبه: ذكر المروزي وغيره أنَّ أهل العلم بأجمعهم قد اتفقوا على أنَّ حكم الأطفال في الدنيا حكم آبائهم؛ مالم يبلغوا، فإذا بلغوا؛ فحكمهم حكم أنفسهم. اهـ\nقلتُ: ويدل عليه حديث الصعب بن جثامة -﵁- في «الصحيحين» (^٣)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سُئل عن ذراري المشركين يبيتون فيصيبونهم معهم؟ فقال: «هم منهم»، وحديث عائشة -﵂-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سُئل عن أطفال المسلمين؟ فقال: «هم من آبائهم»، وسُئل عن أطفال المشركين؟ فقال: «هم من آبائهم»، فقيل: بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (^٤)، قال جماعة من أهل العلم: أي: هم من آبائهم في أحكام الدنيا، فعلى هذا: فلا يغسلون، ولا يصَلَّى عليهم.\nقال ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (٦/ ٣٩٣): وكذلك أطفال الحرب\n_________\n(^١) تقدم في الكتاب برقم (٣٩٨).\n(^٢) انظر: «الفتح» (١٣٢٢)، «المغني» (٣/ ٤٠٥ - ٤٠٧).\n(^٣) سيأتي في الكتاب برقم (١٢٧٠).\n(^٤) أخرجه أبو داود برقم (٤٧١٢)، وأحمد (٦/ ٨٤)، وإسناده صحيح، وصححه شيخنا -﵀- في «الصحيح المسند» (١٥٥١).","vol":"3","page":496},{"text":"حكمهم حكم آبائهم في جميع أحكامهم؛ إلا ما خَصَّت السنة منهم ومن نسائهم ألا يُقتلوا في دار الحرب؛ إلا أن يُقَاتِلوا. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1490>مسألة [٢٥]: حكم الطفل الحربي المشرك يكون أسيرًا بين المسلمين</span>.\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: أنَّ حكمه حكم والديه إنْ كان معه منهما أحد، وهذا قول الأكثر، ومنهم: أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، وحماد بن أبي سليمان، ورواية عن الثوري، قالوا: وإلا يكون حكمه حكم مالكه.\nالثاني: أنَّ حكمه حكم والديه، وإنْ لم يكن معه منهما أحد، حتى يصلي، وهو قول الشعبي، وابن عون، ومالك، وأبي ثور، وحجتهم أنه باقٍ على أصله حتى يخرج عن ذلك.\nالثالث: يكون حكمه حكم مالكه، أي: من المسلمين، وإنْ كان معه أحدُ والديه، قالوا: والملك هاهنا أولى به من النسب، وهو قول الأوزاعي، وبعض المالكية، وأبي عبيد، ورواية عن الثوري.\nقلتُ: والأقرب من هذه الأقوال هو القول الأول، والله أعلم، ويدل عليه الحديثان المتقدمان في المسألة السابقة، وعلى هذا: فلا يغسلون، ولا يُصلَّى عليهم إنْ كان معهم أحدُ والديهم، وإلا فيغسلوا، ويُصلَّ عليهم؛ لحديث: «كل مولود يولد على الفطرة»، وقد استدل به الإمام أحمد -﵀-. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٥٠٧).\n(^٢) وانظر: «التمهيد» (٦/ ٣٩٣ - ٣٩٧) «الفتح» (١٣٨٣) «المغني» (٣/ ٥٠٧).","vol":"3","page":497},{"text":"٥٥٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ؛ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ».مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1491>مسألة [١]: حكم الإسراع بالجنازة وكيفيته</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٥/ ٢٧١): واتفق العلماء على استحباب الإسراع بالجنازة؛ إلا أن يخاف من الإسراع انفجار الميت، أو تغيره، أو نحوه، فيُتأنى، قال الشافعي والأصحاب: المراد بالإسراع فوق المشي المعتاد ودون الخبب. اهـ\nوقد نقل ابن قدامة أيضًا عدم الخلاف في الاستحباب، وقد ذهب ابن حزم إلى الوجوب؛ لظاهر قوله: «أسرعوا بالجنازة»، وهو ترجيح الإمام الألباني، وهو الصحيح؛ لعدم وجود صارف عن الوجوب، وقد أنكر أبو بكرة -﵁- على من أبطأ بها، وقال: لقد رأيتنا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نكاد أن نرمل بها رملًا. (^٢) ودلَّ هذا الحديث أيضًا على أنَّ الإسراع دون الرمل، وهو قول عامة أهل العلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣١٥)، ومسلم (٩٤٤).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٧، ٣٨)، وأبو داود (٣١٨٢)، والنسائي (٤/ ٤٢، ٤٣)، وإسناده صحيح، وقد صححه شيخنا الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (١١٧١).\n(^٣) وانظر: «فتح الباري» (١٣١٥)، «أحكام الجنائز» (ص ٩٤)، «المغني» (٣/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، «المجموع» (٥/ ٢٧١).","vol":"3","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1492>مسألة [٢]: نقل الجنازة إلى بلد آخر</span>.\n• قال النووي -﵀- في كتابه «الأذكار» (١/ ٤٣٣): إذا أوصى أن ينقل إلى بلد آخر لا تنفذ وصيته؛ فإنَّ النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون، وصرَّح به المحققون. اهـ\nقلتُ: وقال جماعة من الشافعية بالكراهة فقط.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٤٤٢): ولا ينقل الميت من بلده إلى بلد آخر؛ إلا لغرض صحيح، وهو مذهب الأوزاعي، وابن المنذر. اهـ، وانظر بقية كلامه.\nوسئل الزهري -﵀- كما في «الأوسط» (٥/ ٤٦٤) بإسنادٍ صحيحٍ عن نقل الميت إلى بلد آخر، فقال: قد حمل سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب من العقيق إلى المدينة، فدفنا بها. اهـ وقال ابن عيينة: مات ابن عمر ههنا، يعني: بمكة؛ فأوصى ألا يدفن بها، وأن يدفن بسرف.\nوأجاز ذلك الحنفية، وقيد بعضهم الجواز بالميل والميلين، وأجازه أحمد في رواية، والجواز مذهب المالكية.\nوممن كره نقل الميت عائشة -﵂-، حيث قالت: لو حضرت عبد الرحمن -تعني أخاها- ما دفن إلا حيث مات، وقالت: أكثر ما أجد فيه من شأن أخي أنه لم يدفن حيث مات. أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٥١٧)، ومن طريقه ابن المنذر","vol":"3","page":499},{"text":"(٥/ ٤٦٤) بإسناد صحيح.\nتنبيه: إذا كان نقل الميت من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام؛ فقد أجازه أهل العلم، وأفتى بذلك الشيخ ابن باز -﵀-، ومن معه من أعضاء اللجنة الدائمة.\nوإذا كان نقله لغرض صحيح؛ فلا بأس.\nوقد بوب البخاري -﵀- في صحيحه: (باب من أحب الدفن بالأرض المقدسة). واستدل بقصة موسى -﵇-، عند أن حضره الموت؛ فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٣٣٩): واختلف في جواز نقل الميت من بلد إلى بلد؛ فقيل: يكره لما فيه من تأخير دفنه، وتعريضه لهتك حرمته.\nوقيل: يستحب، والأولى تنزيل ذلك على حالتين: فالمنع حيث لم يكن هناك غرض راجح كالدفن في البقاع الفاضلة، وتختلف الكراهة في ذلك؛ فقد تبلغ التحريم.\nوالاستحباب حيث يكون ذلك بقرب مكان فاضل كما نص الشافعي على استحباب نقل الميت إلى الأرض الفاضلة كمكة وغيرها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1493>مسألة [٣]: ما حكم حمل الجنازة إلى المقبرة</span>؟\nهو فرض كفاية عند أهل العلم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحديث: «أسرعوا بالجنازة»،\n_________\n(^١) انظر: «فتاوى اللجنة» (٨/ ٤٥١)، و«الأوسط» (٥/ ٤٦٤)، و«عبد الرزاق» (٣/ ٥١٧)، و«حاشية ابن عابدين» (٦/ ٤٢٨)، و«المجموع» (٥/ ٣٠٣)، و«الموسوعة الفقهية الكويتية» (٢١/ ١٠).","vol":"3","page":500},{"text":"ولأنه لا يتم دفنه إلا بحمله، وما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب.\nوالسنة أن يحملوه على أعناقهم؛ لحديث الباب: «فشرٌّ تضعونه عن رقابكم».\nولحديث أبي سعيد في «البخاري» (١٣٨٠): «إذا وُضِعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم؛ فإنْ كانت صالحة قال: قالت: قدموني ...» الحديث.\nوأما حملها بسيارة، أو عربة فخلاف السنة، إلا أن يُحتاج إلى السيارة؛ لبعد المقبرة بُعْدًا يشق على الحاملين ذلك البعد؛ فلا بأس إن شاء الله، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٥/ ٢٧٠).","vol":"3","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1494>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1495>مسألة [١]: من يحمل الجنازة</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٧٠): قال الشافعي في «الأم»، والأصحاب: لا يحمل الجنازة إلا الرجال، سواء كان الميت ذكرًا، أو أنثى، ولا خلاف في هذا؛ لأنَّ النساء يضعفن عن الحمل وربما انكشف منهن شيء لو حملن. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1496>مسألة [٢]: كيفية حمل الميت</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ الميت يحمل على سرير، أو لوح، أو محمل، وقالوا: أي شيء حمل عليه أجزأ، ولكنهم استثنوا ما كان فيه إهانة للميت؛ فلا يجوز حمله به.\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٦٠٩): ويحمل النعش كما يشاء الحامل، إنْ شاء من أحد قوائمه، وإنْ شاء بين العمودين، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي سليمان (^١)، وقال أبو حنيفة: يحمله من قوائمه الأربع. اهـ\nقلتُ: ولكن مذهب الشافعي وأصحابه تفضيل الحمل بين العمودين، ومذهب أحمد، وإسحاق، والثوري، وغيرهم تفضيل التربيع كما قال أبو حنيفة، وذهب مالك، وداود الظاهري إلى أنهما سواء في الفضيلة، وهو ظاهر ترجيح ابن حزم، وهو الأقرب، الله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أبو سليمان هو: داود بن علي الظاهري.\n(^٢) انظر: «المغني» (٣/ ٤٠٣)، «المجموع» (٥/ ٢٧٠).","vol":"3","page":502},{"text":"٥٥٤ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ شَهِدَ الجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ» قِيلَ: وَمَا القِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَلِمُسْلِمٍ: «حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ». (^٢)\nوَلِلْبُخَارِيِّ: «مَنْ تَبِعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ». (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1497>مسألة [١]: فضيلة اتباع الجنازة</span>.\nفي حديث الباب الحث العظيم على اتباع الجنازة، وفضيلة ذلك بأنَّ من تبعها حتى يصلي عليها، ويدفن؛ يرجع بقيراطين، كل قيراط مثل جبل أُحُد من الأجر، وأصل القيراط جزء من الدينار والدرهم، وهو يساوي نصف عشر الدينار،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٢٥)، ومسلم (٩٤٥).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٩٤٥) من طريق عبدالرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به. وخالف عبدَالرزاق عبدُالأعلى فرواه عن معمر بإسناده بلفظ: (حتى يفرغ منها) وهذه الرواية توافق رواية الجماعة عن أبي هريرة، فقد رواه كذلك جمع، منهم الأعرج وأبوصالح وخباب وأبوسلمة ومحمد بن سيرين والحسن وسالم البراد ونافع بن جبير وأبوسعيد المقبري وغيرهم كما في «المسند الجامع» (١٧/ ١٣) ورواه كذلك جماعة من الصحابة، فإما أن تحمل رواية عبدالرزاق على وضعها في اللحد مع الفراغ من الدفن، وإما أن تكون رواية شاذة، والله أعلم.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٤٧).","vol":"3","page":503},{"text":"ونصف سدس الدرهم، وذكر القيراط في الحديث تقريبًا للفهم؛ لَمَّا كان الإنسان يعرف القيراط، ويعمل العمل في مقابلته، والمقصود أنَّ له نصيبًا من الأجر بَيَّنَه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأنه كالجبلين العظيمين. (^١)\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٧٧): قال الشافعي والأصحاب: يستحب للرجال اتباع الجنازة حتى تُدفن، وهذا مُجمعٌ عليه؛ للأحاديث الصحيحة فيه.\nقلتُ: ويحمل الاستحباب على ما زاد على من يستطيع حمله، وتجهيزه، وقبره؛ فإنَّ هذا فرض كفاية كما تقدم، وفي «الصحيح»: «حقُّ المسلم على المسلم ست»، وفيه: «وإذا مات، فاتبعه». (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1498>مسألة [٢]: ما هو متعلق القيراطين</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ القيراط الأول يحصل لمن صلَّى عليها، سواءٌ تبعها، أم لم يتبعها؛ لأنَّ أكثر ألفاظ الحديث تدل على ذلك.\n• وذهب المحب الطبري، وغيره إلى أنَّ القيراط الأول يحصل لمن حضر معها من أول الأمر إلى أن يصلي عليها؛ لظاهر الحديث: «من شهد جنازة حتى يصلى عليها»، وفي بعض الروايات عند مسلم (٩٤٥) (٥٦): «من خرج مع جنازة من بيتها حتى يصلي عليها»، ونحو ذلك، ولكن جاءت رواية فيها: «من صلى على جنازة؛ فله قيراط»، وفي بعض روايات الحديث: «من صلى\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٣٢٣).\n(^٢) سيأتي في الكتاب برقم (١٤٣٦).","vol":"3","page":504},{"text":"على جنازة ولم يتبعها؛ فله قيراط»، أخرج الروايتين مسلم في «صحيحه» برقم (٩٤٥)؛ فتُحمل على أنَّ المراد بالاتباع، أي: للصلاة، لا أنَّ القيراط لا يحصل إلا بالاتباع مع الصلاة جمعًا بين ألفاظ الحديث، والله أعلم.\nوأما القيراط الثاني، ففي حديث الباب: «حتى تدفن»، وظاهره أن حصول القيراط الثاني متوقف على فراغ الدفن، وهو أصح الأوجه عند الشافعية وغيرهم، وقيل: يحصل بمجرد الوضع في اللحد؛ لرواية مسلم التي في الباب، قال النووي: والصحيح أنه لا يحصل إلا بالفراغ من الدفن؛ لرواية البخاري، ومسلم في هذا الحديث: «من تبعها حتى يفرغ من دفنها؛ فله قيراطان»، وفي رواية مسلم: «حتى يفرغ منها»، أو يُتأول رواية: «حتى توضع في اللحد» أنَّ المراد وضعها مع الفراغ، وتكون إشارة إلى أنه ينبغي أنْ لا يرجع قبل وصولها القبر. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٣٢٥)، «شرح المهذب» (٥/ ٢٧٨).","vol":"3","page":505},{"text":"٥٥٥ - وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ -﵄-: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الجِنَازَةِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيّ وَطَائِفَةٌ بِالإِرْسَالِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1499>مسألة [١]: أين يكون المتبع للجنازة</span>؟\n• أجاز أهل العلم أن يمشي أمامها، أو خلفها، أو عن يمينها وشمالها، واختلفوا في الأفضل، فذهب جمهور العلماء إلى تفضيل المشي أمامها؛ لحديث ابن عمر المذكور في الكتاب، ولأنَّ الشفيع يتقدم المشفوع له. وثبت عن جمعٍ من الصحابة المشي أمام الجنازة، ثبت ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، والحسن بن علي، وابن الزبير -﵃- كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و«الأوسط» لابن المنذر. وثبت في «مصنف ابن أبي شيبة» عن أبي صالح، أنه قال: كان أصحاب محمد - ﷺ - يمشون أمام الجنازة حتى إذا تباعدوا عنها؛ قاموا ينتظرونها.\n_________\n(^١) ضعيف مرسل. أخرجه أحمد (٢/ ٨)، وأبوداود (٣١٧٩)، والنسائي (٤/ ٥٦)، والترمذي (١٠٠٧) (١٠٠٨)، وابن ماجه (١٤٨٢)، وابن حبان (٣٠٤٥ - ٣٠٤٧)، من طرق عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه به. قال النسائي -﵀-: هذا خطأ، والصواب مرسل. وقال الترمذي: هكذا رواه ابن جريج وزياد بن سعد وغير واحد عن الزهري عن سالم عن أبيه نحو حديث ابن عيينة، وروى معمر ويونس بن يزيد ومالك وغير واحد من الحفاظ عن الزهري: أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يمشي أمام الجنازة، وأهل الحديث كلهم يرون أن المرسل في ذلك أصح.\nقلتُ: وعلى هذا فالصواب في الحديث أنه من مراسيل الزهري، وقد جاء الحديث عن أنس، أخرجه ابن ماجه (١٤٨٣)، والترمذي (١٠١٠)، وحكم عليه البخاري وأحمد بالوهم والخطأ. «مسائل أبي داود» للإمام أحمد (١٩٢٠).","vol":"3","page":506},{"text":"• وذهب جماعة من الفقهاء إلى تفضيل المشي خلفها، وهو قول الأوزاعي، وإسحاق، وأبي حنيفة، وابن حزم.\nواستدلوا بظاهر قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من اتبع جنازة ...»، والاتباع يكون بالمشي خلفها، واختاره الألباني.\n• وذهب جماعة إلى أن ذلك سواء، وهو بالخيار، وهو قول أنس، والبخاري، والثوري، قال أنس: أنتم مشيعون؛ فامشوا بين يديها، وخلفها، وعن يمينها، وعن شمالها. علَّقه البخاري في «صحيحه». (^١)\nقلتُ: وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1500>مسألة [٢]: الركوب في اتباع الجنازة</span>.\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى كراهة الركوب في اتباع الجنازة، وهو قول كثير من الشافعية، والحنابلة.\nواستدلوا بحديث ثوبان في «سنن الترمذي» (١٠١٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى أناسًا ركوبًا في جنازة، فقال: «ألا تستحيون، إن ملائكة الله على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب»، وفي إسناده: أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف.\n_________\n(^١) علقه البخاري بصيغة الجزم في [كتاب الجنائز] من «صحيحه» باب: (٥١)، ووصله ابن أبي شيبة (٣/ ٢٧٨)، وعبدالوهاب بن عطاء الخفاف في «كتاب الجنائز» كما في «التغليق» (٢/ ٤٧٥)، من طريق: حميد، عن أنس؛ فهو صحيح، والله أعلم.\n(^٢) وانظر: «الفتح» (١٣١٥)، «المغني» (٣/ ٣٩٧)، «المجموع» (٥/ ٢٧٩)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٢٧٨)، «الأوسط» (٥/ ٣٨٠ -).","vol":"3","page":507},{"text":"وقد روي موقوفًا على ثوبان بإسناد صحيح رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٨٠)، وابن المنذر (٥/ ٣٨٦) بنحوه، ورجح البخاري الموقوف، ذكره الترمذي عقب الحديث.\n• وقد ذهب بعض الحنابلة إلى الجواز مع تفضيل المشي، وهذا القول أقرب، والدليل على أفضلية المشي أنَّ هذا هو فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه. والدليل على جواز الركوب قوله ﵊: «الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه»، أخرجه الترمذي (١٠٣١)، والنسائي (١٩٤٢) وغيرهما، وإسناده صحيح، وقد رجح بعضهم وقفه، ويظهر أن رفعه محفوظ أيضًا، والله أعلم. وثبت بإسناد صحيح عند ابن أبي شيبة (٣/ ٢٧٩) عن أبي بكرة -﵁- أنه كان في جنازة عبد الرحمن بن سمرة على بغلة له. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1501>مسألة [٣]: الركوب عند الرجوع من المقبرة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٣٩٩): فَأَمَّا الرُّكُوب فِي الرُّجُوعِ مِنْهَا؛ فَلَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: إنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اتَّبَعَ جِنَازَةَ ابْنِ الدَّحْدَاحِ مَاشِيًا، وَرَجَعَ عَلَى فَرَسٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ. (^٢)\nوقال النووي -﵀-: واتفقوا على أنه لا بأس بالركوب في الرجوع. اهـ (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٢٧٩) «المغني» (٣/ ٣٩٩) «الإنصاف» (٢/ ٥١٧).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٩٦٥)، والترمذي برقم (١٠١٤)، واللفظ للترمذي.\n(^٣) «المجموع» (٥/ ٢٧٩).","vol":"3","page":508},{"text":"٥٥٦ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ -﵂- قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1502>مسألة [١]: حكم اتباع النساء للجنازة</span>.\n• قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٧٨): هذا الذي ذكرناه من كراهة اتباع النساء الجنازة هو مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود، وابن عمر (^٢)، وأبي أمامة (^٣)، وعائشة (^٤)، ومسروق، والحسن، والنخعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وبه قال الثوري، وعن أبي الدرداء، والزهري، وربيعة أنهم لم ينكروا ذلك، ولم يكرهه مالك إلا للشابة. اهـ\nقلتُ: وذهب ابن حزم إلى الجواز أيضًا، وذهب بعض الحنابلة، وبعض الشافعية إلى التحريم، وهو ظاهر مذهب الأوزاعي؛ فإنَّ ابن المنذر قال: وكان الأوزاعي يرى منع النساء الخروج مع الجنائز.\nقلتُ: أما من قال بالتحريم؛ فاستدلوا بقول أم عطية: نُهِينا عن اتباع الجنائز.\nوأما من قال بالكراهة؛ فاستدلوا بقولها: ولم يُعزم علينا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٢٧٨)، ومسلم (٩٣٨).\n(^٢) أخرجه عبدالرزاق (٣/ ٤٥٧)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢٨٤)، وفي إسناده: ليث بن أبي سليم وهو ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٨٤)، بإسناد حسن، وفيه: أنه طرد بعض النسوة من الجنازة.\n(^٤) أخرجه عبدالرزاق (٣/ ٤٥٥)، بإسناد صحيح عنها، قالت: لو أنَّ رسول الله - ﷺ - رأى النساء اليوم؛ نهاهن عن الخروج، أو حرَّم عليهن الخروج.","vol":"3","page":509},{"text":"وأما من قال بالجواز فقد استُدِلَّ لهم بحديث أبي هريرة عند أحمد (٧٦٩١) (٩٧٣١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان في جنازة، فرأى عمر امرأةً، فصاح بها، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «دعها يا عمر؛ فإنَّ العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب»، وهو من طريق: محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي هريرة، ولم يسمعه منه، فقد رواه عن سلمة بن الأزرق عنه كما في بعض الطرق، وسلمة بن الأزرق مجهول.\nوالأقرب من هذه الأقوال قول الجمهور، أعني القول بالكراهة، وهو اختيار ابن المنذر، والله أعلم. (^١)\nفائدة: جاءت أحاديث تدل على تحريم الاتباع ولكنها لم تصح ولم تثبت، وهي:\n١) حديث علي عند ابن ماجه (١٥٧٨)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لنساءٍ: «ارجعن مأزورات، غير مأجورات»، وفي إسناده: إسماعيل بن سلمان الكوفي، وهو متروك، وفيه أيضًا: دينار أبو عمر الأسدي، كذبه الخليلي، وقال البخاري: كان مختاريًا. يعني من شُرَط المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب.\n٢) حديث عبدالله بن عمروبن العاص عند أحمد (٢/ ١٦٨)، وأبي داود (٣١٢٣) والنسائي (٤/ ٢٧)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لفاطمة في ضمن حديث طويل: «لو كنت بلغت معهم الكُدَى -المقبرة- ما دخلت الجنة حتى يدخل جد أبيك»، وفي إسناده ربيعة بن سيف المعافري، ضعيفٌ، وأُنكر عليه هذا الحديث.\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (٥/ ٣٨٧)، «الإنصاف» (٢/ ٥١٨ - ٥١٩)، «المغني» (٣/ ٤٠١)، «شرح مسلم» (٩٣٨).","vol":"3","page":510},{"text":"٥٥٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمُ الجِنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَعَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1503>مسألة [١]: القيام لمن رأى الجنازة</span>.\n• ذهب طائفة من أهل العلم إلى استحباب القيام لمن مرت به جنازة حتى تخلفه، أو توضع، وهو قول أحمد في رواية، وإسحاق، وابن الماجشون، وابن حبيب، وبعض الشافعية، واختاره ابن حزم، والنووي، واستدلوا بحديث أبي سعيد المذكور في الكتاب، وبحديث عامر بن ربيعة، وهو في «الصحيحين» مرفوعًا: «إذا رأيتم الجنازة؛ فقوموا حتى تخلفكم أو توضع» (^٢)، وقد صحَّ العمل بذلك عن جمعٍ من الصحابة منهم: أبو مسعود البدري، وأبو سعيد، وقيس بن سعد، وسهل بن حنيف، بل إنَّ قيس بن سعد، وسهل بن حنيف سُئلا عن ذلك، فقالا: إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مُرَّ عليه بجنازة، فقام، قيل: إنها يهودية، فقال: «أليست نفسًا»، والحديث في «الصحيحين». (^٣)\n• وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنَّ القيام لها منسوخ، واستدلوا بحديث علي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣١٠)، ومسلم (٩٥٩) (٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٣٠٧)، ومسلم برقم (٩٥٨).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٣١٢)، ومسلم برقم (٩٦١)، وأثر أبي مسعود، وأبي سعيد كلاهما عند البخاري برقم (١٣٠٩) (١٣١٣).","vol":"3","page":511},{"text":"ابن أبي طالب في «صحيح مسلم» (٩٦٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قام للجنازة، ثم قعد.\nوهو قول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، وهي الأشهر عند أصحابه، وقالوا: هذا هو آخر الأمرين من فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد جاء الحديث المذكور بلفظ الأمر بالقعود عند أحمد (٦٢٣)، وابن حبان (٣٠٥٦)، وغيرهما.\nوهي رواية شاذة؛ لأنها من طريق: محمد بن عمرو بن علقمة، وهو صدوق يخطئ، وقد خالفه: يحيى بن سعيد الأنصاري كما في «صحيح مسلم»، وهو ثقةٌ ثبتٌ، فروى الحديث بلفظ الخبر، ثم رواه مسلم من وجه آخر أيضًا بلفظ الخبر.\nوقد أجاب أهل القول الأول على حديث علي بأنَّ المشهور المحفوظ في الحديث هو لفظ الخبر، والفعل، وذلك لا يفيد النسخ، بل يمكن العمل بالحديثين، ويحمل الأمر على الاستحباب، وهذا هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1504>مسألة [٢]: إذا تبع الجنازة، فهل يجلس قبل أن توضع</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجلس حتى توضع؛ لحديث أبي سعيد المذكور في الكتاب.\nوهو قول أحمد وأصحابه، وإسحاق، والأوزاعي، وصحَّ هذا عن جمع من الصحابة، وهم: ابن عمر، وأبو هريرة، وأبو سعيد، والحسن بن علي، وابن الزبير، وغيرهم، وقال به من التابعين: النخعي، والشعبي، فكل هؤلاء كرهوا القعود قبل\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (٥/ ٣٩٢)، «المجموع» (٥/ ٢٨٠)، «المغني» (٣/ ٤٠٤)، «الإنصاف» (٢/ ٥١٧ - ٥١٨)، «المحلَّى» (٥٩١).","vol":"3","page":512},{"text":"أن توضع الجنازة.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ ذلك منسوخ أيضًا بحديث علي المتقدم، وهو قول الشافعي، وجماعة من أصحابه، ومالك، والحميدي، وغيرهم، وصحَّ ذلك عن علي -﵁-، وعن ابن عباس -﵄-، أعني عدم القيام، واستدلا بأنه آخرالأمرين من فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أرجح؛ لما تقدم في المسألة السابقة، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٥/ ٣٩١)، «المجموع» (٥/ ٢٨٠)، «الفتح» (١٣١٠)، «التمهيد» (٦/ ٢٦٥ -) ط/مرتبه، «المحلَّى» (٥٩١).","vol":"3","page":513},{"text":"٥٥٨ - وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ يَزِيدَ -﵁- أَدْخَلَ المَيِّتَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ القَبْرِ وَقَالَ: هَذَا مِنَ السُّنَّةِ. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1505>مسألة [١]: كيفية إدخال الميت القبر</span>.\n• قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٩٤): قد ذكرنا أن مذهبنا: أن السنة أن يوضع رأسه عند رجلي القبر، ثم يُسَلُّ سَلًّا.\n• وقال أبو حنيفة: يوضع عرضًا من ناحية القبلة، ثم يُدْخَلُ القبر معترضًا.\n• وَحَكَى ابنُ المنذر عن ابن عمر، وأنس بن مالك، وعبد الله بن يزيد الخطمي الصحابي، والشعبي، والنخعي مثل مذهبنا، وهو مذهب أحمد، واختاره ابن المنذر، وعن علي بن أبي طالب -﵁-، وابنه محمد، وإسحاق بن راهويه كمذهب أبي حنيفة، وقال مالك -﵀-: كلاهما سواء. وعنه رواية كمذهبنا. اهـ\nقلتُ: وذهب ابن حزم إلى أنَّ ذلك سواء، فكيفما أمكن أُدْخِلَ.\nوأما الآثار التي ذكرها ابن المنذر، فأثر ابن عمر فيه جابر الجعفي، وهو مُتَّهَمٌ.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٣٢١١)، ثنا عبيدالله بن معاذ ثنا أبي ثنا شعبة عن أبي إسحاق به، وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الشيخين وأبوإسحاق السبيعي قد روى عنه شعبة فأمنّا من شبهة تدليسة، والله أعلم.","vol":"3","page":514},{"text":"وأما أثر أنس، وعبد الله بن يزيد، وعلي فكلها ثابتة كما في «الأوسط» (٥/ ٤٥٢ - ٤٥٣).\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يجوز إدخاله على ما يتيسر، ولكن الأفضل أن يدخل من قِبَلِ رِجْلَي القبر؛ لقول عبد الله بن يزيد كما في الكتاب: إنَّ ذلك من السنة. وقول الصحابي: (من السُّنَّة)، له حكم الرفع عند المحدثين، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٤٢٦)، «المحلَّى» (٦٢١)، «الإنصاف» (٢/ ٥١٩)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨).","vol":"3","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1506>فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدَّفْن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1507>مسألة [١]: حكم دفن الميت</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٨٢): دفن الميت فرض كفاية بالإجماع.\nقلتُ: ويدل عليه حديث أبي سعيد الخدري في «صحيح مسلم» (٢٢٣٦) في قصة الذي قتل الحية، وقتلته، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اذهبوا فادفنوا صاحبكم»، وقوله في شهداء أحد: «زملوهم بدمائهم».\nوفي «البخاري»: «وأمر بدفنهم بدمائهم» (^١)، وأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بسحب جثث المشركين يوم بدر إلى بئر من آبارها، وأمر عليًّا أن يواري أباه (^٢)، فإذا كان هذا في حق الكافر؛ فالمؤمن من باب أولى، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1508>مسألة [٢]: حكم الدفن في المقبرة</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٨٢ - ٢٨٣): يجوز الدفن في البيت، وفي المقبرة، والمقبرة أفضل بالاتفاق. اهـ\n_________\n(^١) تقدم الحديث في الكتاب برقم (٥٣٤).\n(^٢) تقدم تخريج الحديثين تحت حديث (٥٣٧).","vol":"3","page":516},{"text":"واستدلوا على أنَّ المقبرة أفضل أنَّ ذلك هو صنيع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقد كان يدفن أصحابه بالبقيع، واستدلوا على الجواز في البيت بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وصاحبيه دُفِنا في حجرة عائشة، وقد عزا ابن رجب القول بجواز الدفن في البيوت إلى جمهور العلماء كما في «فتح الباري» (٤٣٢).\nقلتُ: ومع القول بالجواز في غير المقبرة؛ فلا يخلو من كراهة؛ لأنها قد تتعرض للامتهان، ولما فيه من عَزْلِه عن المقبرة التي هي محل زيارة المسلمين، ودعائهم للموتى فيها، والله أعلم.\nثم إنَّ القول بالجواز -فيما يظهر لي - إنما هو فيما إذا كان في غير البيت، وأما في البيت فلا يجوز؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى أنَّ تتخذ البيوت مقابر.\nقال الحافظ الذهبي -﵀- كما في «السير» (٨/ ٢٩ - ٣٠): وقد نهى -﵇- أن يبنى على القبور، ولو اندفن الناس في بيوتهم؛ لصارت المقبرة والبيوت شيئًا واحدًا، والصلاة في المقبرة منهي عنها نهي كراهية، أو نهي تحريم، وقد قال -﵇-: «أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة»، فناسب ذلك ألا تتخذ المساكن قبورًا، وأما دفنه في بيت عائشة صلوات الله عليه وسلامه فمختص به، كما خص ببسط قطيفة تحته في لحده، وكما خص بأن صلوا عليه فرادى بلا إمام، فكان هو إمامهم حيًّا وميتًا، في الدنيا والآخرة، وكما خص بتأخير دفنه يومين، ويكره تأخير أمته؛ لأنه هو أُمِنَ عليه التغير بخلافنا، ثم إنهم أخروه حتى صلوا كلهم عليه داخل بيته، فطال لذلك الأمر؛ ولأنهم ترددوا شطر اليوم الأول في موته حتى قدم أبو بكر","vol":"3","page":517},{"text":"الصديق من السنح؛ فهذا كان سبب التأخير. انتهى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1509>مسألة [٣]: من يتولى الدفن</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٨٨): قال الشافعي والأصحاب ﵏: الأَوْلَى أن يتولى الدفنَ الرجالُ، سواء كان الميت رجلًا، أو امرأة، وهذا لا خلاف فيه، وعللوه بعلتين:\nإحداهما: التي ذكرها المصنف أنَّ الرجال أقوى وأشد بطشًا.\nوالثانية: أن المرأة لو تولت ذلك أدى إلى انكشاف بعض بدنها. اهـ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1510>مسألة [٤]: من هو الأولى بدفن الميت</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ أولى الناس بالميت أرحامه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٥].\nفأولى الناس بدفن الميت: أبوه، وجده وإن علا، ثم ابنه، وابن ابنه وإن سفل، ثم إخوانه، ثم أبناء إخوانه، ثم أعمامه، ثم أبناء أعمامه، ثم الأقرب فالأقرب.\n• واختلفوا في أيهما يقدم في دفن ذات الزوج: محارمها، أم زوجها؟\nوالأشهر عند الحنابلة تقديم المحارم، وهو قول بعض الشافعية، واختاره ابن حزم للآية المتقدمة.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٢٨٣)، «الفتح» لابن حجر (٤٣٢)، «المغني» (٣/ ٤٤١)، «أحكام الجنائز» (ص ١٧٤).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٥١٩).","vol":"3","page":518},{"text":"• وذهب كثير من الشافعية إلى تقديم الزوج، وهو قول بعض الحنابلة؛ لأنه يجوز له غسلها، فكان أولى في الدفن، وكِلا القولين له وجهٌ، والقول الأول أقرب؛ لظاهر الآية، وعمومها.\nوقد قدم بعض أهل العلم في دفن المرأة من لم يقارف -يجامع- في الليلة السابقة -وإن كان أجنبيًّا- على من قارف، وإن كان مَحرَمًا؛ لحديث أنس في «البخاري» (١٢٨٥) في دفن بنتٍ لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أيكم لم يقارف الليلة؟»، فقال أبو طلحة: أنا. قال: «فانزل في قبرها»، فنزل، فقبرها.\nوقد نَصَّ على ذلك ابن حزم، والشوكاني، والألباني، والوادعي، وغيرهم، وهذا هو الصواب، ويكون ذلك مُخَصِّصًا لما تقدم، ويخصِّص ما تقدم أيضًا الوصي، فإذا أوصى الميت أن يدفنه إنسان؛ لصلاحه، أو علمه، أو ورعه؛ نفذت وصيته، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1511>مسألة [٥]: تعميق القبر، وتوسيعه</span>.\nاستحب أهل العلم أن يُعَمَّقَ القبر، وأن يوسع من جوانبه، وفي الباب حديثان صحيحان:\nأحدهما: حديثُ هشام بن عامر، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في شهداء أُحُد: «احفروا، وأعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين، والثلاثة في القبر».\nوثانيهما: حديثُ رجلٍ من الأنصار أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج في جنازة، فكان يقول للحافر: «أوسع من قِبَلِ رِجْلَيْهِ، أوسع من قِبَلِ رأسه»، والأول عند أحمد (٤/ ٢٠)،\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٥١٩)، «المحلَّى» (٥٨٥)، «المغني» (٣/ ٤٣٣)، «المجموع» (٥/ ٢٩٠).","vol":"3","page":519},{"text":"والنسائي (٤/ ٨٣)، وهو صحيح. (^١)\nوالثاني عند أبي داود (٣٣٣٢) بإسناد صحيح وقد صحح الحديثين الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٧٤٣، ٧٤٤) وصحح الثاني أيضًا شيخنا مقبل الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (١٤٨٣).\nقال أهل العلم: وأقل ما يجب في الحفر هو ما يمنع ظهور الرائحة، ونبش السباع، واختلفوا في الأفضل: فعن أحمد رواية: إلى الصدر. وعنه رواية: قامة، وبسطة. وهو اختيار الشافعية، وعن أحمد رواية: أنَّ ذلك لا حدَّ له، وقال صاحب «الإنصاف»: هو الصحيح من المذهب. اهـ\nقلتُ: وهو ظاهر مذهب مالك، وهو أظهر الأقوال، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1512>مسألة [٦]: حل عُقَدِ الكفن في القبر</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ العُقَدَ التي عُقِدَ بها الكفن تُحَلُّ في القبر؛ لأنَّ المقصود من\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ١٩ - ٢٠)، والنسائي (٤/ ٨٣) من طريق: حميد بن هلال، عن هشام بن عامر، به، وحميد بن هلال قال فيه أبو حاتم: لم يلق هشام بن عامر. اهـ\n\nقلتُ: قد جاء أنه صرح بسماعه من هشام بن عامر عند أحمد (٤/ ٢٠)، فيحتمل أنه قد سمع منه، ويحتمل أنه لم يسمع كما قال أبو حاتم، ويكون التصريح بالسماع وهم من بعض الرواة، ولكن قد عرفت الواسطة كما في «مسند أحمد» (٤/ ٢٠) بإسنادين صحيحين عنه، أحدهما: عن أبي الدهماء، عن هشام بن عامر. والآخر: عن سعد بن هشام، عن أبيه.\nوأبو الدهماء اسمه قِرْفَة بن بُهَيس، وهو ثقة، من رجال مسلم، وسعد بن هشام ثقة، من رجال الشيخين. قال الحافظ في «أطراف المسند» (٥/ ٤٣٢): والظاهر أن حميدًا سمعه من أبي الدهماء، ومن سعد بن هشام، ثم سمعه من هشام نفسه.\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٥٢٠)، «المجموع» (٥/ ٢٨٨)، «الأوسط» (٥/ ٤٥٤).","vol":"3","page":520},{"text":"تلك العقد أن لا ينفك الكفن عن الميت، وقد ذهبت هذه العِلَّة.\nقلتُ: وإن تركت ولم تحل؛ فلا أعلم في ذلك بأسًا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1513>مسألة [٧]: وضع الميت في القبر مستقبلا القبلة</span>.\nأخرج أبو داود (٢٨٧٥)، والنسائي (٧/ ٨٩)، من حديث عمير والد عبيد حديثًا فيه ذكر الكبائر، وفي الحديث قال: «واستحلال البيت الحرام، قبلتكم أحياءً، وأمواتًا»، وهو من طريق: يحيى بن أبي كثير عن عبد الحميد بن سنان، عن عبيد بن عمير، عن أبيه، فذكره، وإسناده ضعيفٌ؛ لأنَّ عبد الحميد بن سنان مجهول، تفرد بالرواية عنه يحيى بن أبي كثير، ولم يوثقه معتبر، بل قال البخاري: في حديثه نظر. وذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمته من «الميزان»، ويحيى بن أبي كثير مدلس، ولم يصرح بالتحديث.\nوقد ذكر الإمام الألباني -﵀- لهذا الحديث شاهدًا عن ابن عمر -﵄-، كما في «الإرواء» (٦٩٠)، فحسَّنه به، وحديث ابن عمر -﵄-، أخرجه البيهقي (٣/ ٤٠٩) من طريق: أيوب بن عتبة، عن طيسلة بن علي، عن ابن عمر -﵄-، فذكره، وفيه ذكر الكبائر، قال: «وإلحاد بالبيت الحرام، قبلتكم أحياءً، وأمواتًا»، وأيوب بن عتبة ضعيفٌ، وقد خُولِف، فقد خالفه زياد بن مِخراق، وهو ثقة، فروى الحديث عن طيسلة، عن ابن عمر -﵄-، موقوفًا عليه، وليس فيه ذكر: «قبلتكم أحياءً وأمواتًا».\nوقد رجَّح الموقوف الإمام الألباني -﵀- في «الصحيحة» (٢٨٩٨)، وعلى هذا؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٣٤)، «المجموع» (٥/ ٢٠٤) «البيهقي» (٣/ ٤٠٧).","vol":"3","page":521},{"text":"فالحديث ضعيفٌ، لا يثبت، ورواية زياد بن مِخراق عند البخاري في «الأدب المفرد» (٨).\nوقد استدل جماعة من أهل العلم بالحديث المذكور على توجيه الميت إلى القبلة في القبر، وهو لا يثبت كما تقدم، لكن ذكر ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» أنَّ هذا عمل المسلمين من عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى يومنا هذا، وعليه؛ فهذا يُغني عن الحديث المتقدم؛ لضعفه.\nقلتُ: ويمكن أن يستدل على توجيه الميت المسلم في القبر إلى القبلة بحديث الصلاة على القبر؛ في الصحيحين وغيرهما، عن عدد من الصحابة؛ فإنه لا يصلى على القبر؛ إلا مع توجيهه إلى القبلة، وهذا واضح بين.\nولكن هل توجيهه إلى القبلة على سبيل الوجوب، أم الاستحباب؟\n• ذهب الشافعية، وأكثر الحنابلة إلى الوجوب.\n• وذهب بعض الحنابلة، والقاضي أبو الطيب من الشافعية إلى الاستحباب، وهو اختيار ابن حزم -﵀-.\nوالقول بالوجوب هو الصواب؛ لأن هذا العمل جرى عليه عمل المسلمين، وصار من شعائر قبور المسلمين، أعني أن تكون موجهة إلى القبلة، والله أعلم، ولقوله ﵊: «من رغب عن سنتي؛ فليس مني» متفق عليه عن أنس -﵁-. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٢٩٣)، «الإنصاف» (٢/ ٥٢١)، «المحلَّى» (٦١٦) (٦١٥).","vol":"3","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1514>مسألة [٨]: على أي جنب يوضع الميت في القبر</span>.\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلى» (٦١٥): ويُجعل الميت في قبره على جنبه اليمين، ووجهه قبالة القبلة، ورأسه ورجلاه إلى يمين القبلة، ويسارها، وعلى هذا جرى عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى يومنا هذا، وهكذا كل مقبرة على ظهر الأرض. اهـ\nوقال صاحب «الإنصاف» (٢/ ٥٢١): وضعه في لحده على جنبه الأيمن مستحبٌّ بلا نزاع. اهـ\nوقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٩٣): واتفقوا على أنه يُستحبُّ أن يُضْجَعَ على جنبه الأيمن، فلو أُضْجِعَ على جنبه الأيسر مستقبل القبلة؛ جاز وكان خلاف الأفضل. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1515>مسألة [٩]: دفن الجنازة في أوقات النهي</span>.\nتقدم في باب المواقيت حديث عقبة: «ثلاث ساعات كنا ننهى أن نصلي فيها، أو أن ندفن فيهن موتانا» الحديث، فهذا الحديث فيه النهي عن ذلك.\nوقد جزم بعدم الجواز ابن حزم، ثم الإمام الألباني -﵀-، ونصَّ أحمد على الكراهة، وأوَّله النووي على من تعمد ذلك، والصواب عدم الجواز، والله أعلم. أما بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر فقد نُقِل الإجماع على جواز الدفن فيها. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٥٠٢)، «المحلى» (٥٦٠)، «أحكام الجنائز» (ص ١٧٥ - ١٧٦)، «الإنصاف» (٢/ ٥٢٢).","vol":"3","page":523},{"text":"٥٥٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «إذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي القُبُورِ، فَقُولُوا: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالوَقْفِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1516>مسألة [١]: ماذا يقال عند دفن الميت في قبره</span>؟\nاستحب أهل العلم للذي يتولى الدفن أن يقول هذا الذكر المذكور في حديث الباب عند وضعه الميتَ في القبر. (^٢)\n_________\n(^١) الراجح عن ابن عمر وقفه، وصح مرفوعًا عن غيره. أخرجه أحمد (٢/ ٢٧)، وأبوداود (٣٢١٣)، والنسائي في «الكبرى» (١٠٩٢٧)، وابن حبان (٣١١٠)، من طريق همام بن يحيى عن قتادة عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر به مرفوعًا.\nقال البيهقي -﵀- (٤/ ٥٥): الحديث تفرد برفعه همام بن يحيى بهذا الإسناد وهو ثقة، إلا أن شعبة وهشام الدستوائي روياه عن قتادة موقوفًا على ابن عمر. اهـ\nورجح الدارقطني الموقوف كما في «العلل» (١٢/ ٤١٠)، و«نصب الراية» (٢/ ٣٠٢).\nقلتُ: ولكن الحديث قد صح من حديث البياضي -﵁-، أخرجه الحاكم (١/ ٣٦٦): حدثنا أبوعبدالله محمد بن عبدالله بن الصفار ثنا أبوإسماعيل محمد بن إسماعيل ثنا سعيد بن أبي مريم وابن بكير قالا: ثنا الليث بن سعد حدثني ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي حازم مولى الغفاريين قال: حدثني البياضي عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «الميت إذا وضع في قبره، فليقل الذين يضعونه حين يوضع في اللحد: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-».\nوهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات كلهم من رجال الشيخين إلا محمد بن إسماعيل أبا إسماعيل الترمذي وهو ثقة حافظ وهو من رجال الترمذي والنسائي، وإلا أبا حازم مولى الغفاريين وهو ثقة، وثقه أبوداود وابن عبدالبر، وأما ابن الهاد فهو يزيد بن عبدالله بن الهاد.\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٥٢١)، «المجموع» (٥/ ٢٩٢).","vol":"3","page":524},{"text":"تنبيه: ما يفعله بعض الناس من الأذان والإقامة عند دفن الميت من البدع المنكرة التي لا أصل لها في دين الله ﷿، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».","vol":"3","page":525},{"text":"٥٦٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا». رَوَاهُ أَبُودَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. (^١)\n\n٥٦١ - وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂-: «فِي الإِثْمِ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1517>مسألة [١]: تحريم إهانة الميت بكسر، أو قطع، أو نحو ذلك</span>.\nدلَّ الحديثان على حرمة المسلم في حال موته كحرمته في حال حياته؛ إلا أنَّ الميت لا يماثل الحي في الدية إذا تُعُدِّيَ على بعض أعضائه، وقد دلَّ على تحريم ذلك أيضًا حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري في «البخاري» (٢٤٧٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن النهبى والمُثْلة. والمثلة هي تقطيع بعض أجزاء الميت، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن ذلك حتى في حق الكفار، كما في حديث بريدة في «مسلم»: «اغزوا،\n_________\n(^١) الراجح وقفه. أخرجه أبوداود (٣٢٠٧)، وابن ماجه (١٦١٦)، وأحمد (٦/ ٥٨، ٢٠٠)، من طرق عن سعد بن سعيد عن عمرة عن عائشة به. وسعد ضعيف لسوء حفظه، وقد تابعه محمد بن عمارة عند الطحاوي في «المشكل» (٢/ ١٠٨) لكن قال البخاري -﵀- في «التاريخ» (١/ ١٥٠) بعد أن ذكر الحديث من رواية محمد بن عبدالرحمن عن عمرة عن عائشة موقوفًا؛ قال: ورفعه سعد بن سعيد وحارثة عن عمرة عن عائشة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وروى سليمان والدراوردي عن سعد ولم يرفعاه.\nقال أبوعبدالله هو البخاري وغير مرفوع أكثر، ورواه عروة والقاسم عن عائشة قولها. اهـ\nفالراجح والله أعلم هو وقف الحديث على عائشة.\n(^٢) ضعيف. أخرجه ابن ماجه (١٦١٧) وفي إسناده عبدالله بن زياد مجهول، قال البوصيري في «الزوائد»: ولعله عبدالله بن زياد بن سمعان المدني أحد المتروكين.","vol":"3","page":526},{"text":"ولا تغلوا، ولا تمثلوا ...» (^١)، وأيضًا قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام ...» (^٢)، الحديث يشمل الحي، والميت، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨].\nوعلى هذا فلا يجوز تقطيع أجزاء الميت، أو كسر عظم من عظامه، كما لا يجوز ذلك من الحي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1518>مسألة [٢]: إذا ماتت المرأة وجنينها حَيٌّ</span>؟\n• ذهب أحمد -وهو المشهور عند أصحابه- إلى أنَّ القوابل تسطوا عليه، بمعنى يدخلن أيديهن في فرج الميتة، ويخرجن جنينها، وذلك إذا علمن حياته، قالوا: وإنْ لم يوجد نساء؛ لم يسط الرجال عليه، بل تترك أمه حتى يتيقن موته، ثم تدفن. وهو قول مالك، وإسحاق.\n• وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنَّ الأم تُشَقُّ بطنها، ويُخرج الجنين؛ لأنَّه إتلاف جزء من الميت؛ لإبقاء حي، ولأنَّ حياته تتوقف على ذلك، وهذا وجهٌ عند الحنابلة، واختاره ابن حزم، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة إن لم تستطع القوابل إخراجه كما قال أصحاب المذهب الأول؛ وذلك لأنَّ إتلاف جزء من الميت أولى من ترك نفس معصومة لتموت، وذلك يدخل تحت القاعدة الفقهية\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (١٢٦٧).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٧)، ومسلم برقم (١٦٧٩)، من حديث أبي بكرة -﵁-.","vol":"3","page":527},{"text":"المقررة بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وهي: (دفع المفسدة الكبرى بارتكاب أخفهما)، أي: عند تعارضهما، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: المسألة المذكورة فيما إذا عُلِمَت حياة الجنين، وبلغ ستة أشهر، فأما إذا كان دون ذلك؛ فلا تشق بطنها عند جمهور العلماء؛ لأنَّ هذا السن لا يعيش معه الجنين إذا خرج، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1519>مسألة [٣]: إذا كان الميت له سن من الذهب</span>؟\nجاء في «فتاوى اللجنة الدائمة» برئاسة الإمام ابن باز -﵀- ما نَصُّه: \"إن قدر على نزعها قبل الدفن، ولم يترتب على نزعها ضرر عليه؛ فإنها تنزع؛ فإن دفن ولم تنزع فلا ينبش لنزعها. قال أحمد في الميت تكون أسنانه مربوطة بذهب: إن قدر على نزعه من غير أن تسقط بعض أسنانه نزعه، وإن خاف سقوط بعضها تركه\".اهـ\nوبهذا أفتى الإمام العثيمين -﵀-، لكنه ذكر أنَّ الورثة إن أرادوا أخذ الذهب فلهم حفر القبر، وأخذ السن بعد أن يبلى الميت؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن إضاعة المال. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1520>مسألة [٤]: إذا بلع الميت قبل موته جوهرة؛ فهل تُشق بطنه</span>؟\n• ذهب الشافعية إلى أنَّ الجوهرة إنْ كانت لغيره يشق عن بطنه، وتُخرج، وإن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٩٧)، «المجموع» (٥/ ٣٠١)، «الإنصاف» (٢/ ٥٣٠)، «المحلَّى» (٦٠٧)، «الأوسط» (٥/ ٣٦٤).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٥/ ٣٠١)، «المغني» (٣/ ٤٩٧).\n(^٣) انظر: «فتاوى اللجنة» (٨/ ٣٥٦)، «فتاوى العثيمين» (١٧/ ٨٨).","vol":"3","page":528},{"text":"كانت لنفسه؛ فوجهان عندهم في الشق، وعدمه، فوجهُ القولِ بالشق: أنها أصبحت ملكًا للورثة، ووجهُ القولِ بعدم الشق: أنَّ الميت استهلكها في حياته.\nوعند الشافعية قولٌ آخر: أنه لا تشق بطنه مطلقًا، بل تجب قيمتها في تركته، وهو وجهٌ عند الحنابلة، وعنهم وجهٌ كالقول الأول للشافعية.\n• وذهب أبو حنيفة، وسحنون المالكي إلى الشق مطلقًا، وهو قول ابن حزم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٣٠٠ - ٣٠١)، «المغني» (٣/ ٤٩٨)، «الإنصاف» (٢/ ٥٢٩)، «المحلى» (٦٠٦).","vol":"3","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1521>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1522>مسألة [١]: إذا سقط في القبر ما لهُ قيمة؛ فهل ينبش لأخذه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المقنع»: وإنْ وقع في القبر ما له قيمة نُبِشَ، وأُخِذَ. اهـ\nقال المرداوي -﵀- في «الإنصاف» (٢/ ٥٢٨) مُعلِّقًا عليه: هذا المذهب مطلقًا، وعليه الأصحاب، وعنه -يعني أحمد- المنع إنْ بُذِلَ له عِوَضُهُ. اهـ\nوقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٣٠٠): إذا وقع في القبر مالٌ؛ نُبِشَ، وأُخْرِجَ، سواء كان خاتمًا، أو غيره، قليلًا، أو كثيرًا، هكذا أطلقه أصحابنا. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1523>مسألة [٢]: بعض الأغراض الشرعية لنبش القبر</span>؟\nمن الأغراض الشرعية في نبش القبر عند أهل العلم: أن يدفن الميت في أرض مغصوبة، أو يكون الكفن مغصوبًا، ولم يرض صاحب الحق بالقيمة، بل يريد أرضه بعينها؛ فيجوز نبشها لإعادة الحق لأهله. (^٢)\nومن الأغراض الشرعية في نبش القبر: إصلاح القبر إذا وهى، أو خشي تهدمه على الميت، أو ما أشبه ذلك. ويدل على ذلك ما رواه ابن أبي شيبة\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٤٩٩).\n(^٢) انظر: «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٣٢/ ٢٥٢).","vol":"3","page":530},{"text":"(٣/ ٣٨٩) قال: حدثنا أبو أسامة، أنا إسماعيل، أنا قيس، قال: رمى مروان طلحة يوم الجمل بسهم في ركبته فمات، فدفناه على شاطئ الكلاء، فرأى بعض أهله، أنه قال: ألا تريحوني من هذا الماء، فإني غرقت. ثلاث مرات يقولها، قال: فنبشوه، فاشتروا له دارا من دار آل أبي بكرة بعشرة آلاف فدفنوه فيها.\nوهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله رجال الشيخين.\nقلتُ: ويمكن أن يستدل لذلك أيضًا بحديث جابر بن عبد الله -﵄-، في «صحيح البخاري» (١٣١٥) قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل، فقال: ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي - ﷺ -، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك، غير نفس رسول الله - ﷺ -، فإن علي دينا فاقض، واستوص بأخواتك خيرا، فأصبحنا، فكان أول قتيل ودفن معه آخر في قبر، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه.\nومن الأغراض الشرعية لنبش القبر: أن يدفن الميت بغير تكفين، أو بغير تغسيل، أو بغير صلاة، أو يدفن لغير القبلة، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسائل، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله عقب دراسة الحديث رقم (٥٦٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1524>مسألة [٣]: جعل علامة على القبر لِيُعْرَف</span>.\nجاء عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه وضع حجرًا عند قبر عثمان بن مظعون؛ ليعرفه. أخرجه أبو داود (٣٢٠٦) بسند ضعيف؛ لأنه مرسل من مراسيل المطَّلِب بن عبدالله بن حنطب، والمطَّلب روايته عن الصحابة مرسلة؛ فتكون روايته عن النبي","vol":"3","page":531},{"text":"-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- معضلة، وقد جاء الحديث عند ابن ماجه (١٥٦١)، عن أنس -﵁-، وفي إسناده: زينب بنت نبيط مجهولة الحال.\nوقد قال جمعٌ من الفقهاء: لا بأس بالتعليم على القبر؛ لهذه الأحاديث، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة.\nقلتُ: أما ما يفعله الناس من وضع حجرٍ على الرجل، وحجرين على قبر المرأة؛ فهو من البدع، وأما إذا أراد إنسان أن يتعلم على قبرٍ بعلامةٍ مَا، ولم يقترن بذلك محظورٌ شرعيٌّ؛ فلا بأس إن شاء الله، ونختار عدم ذلك، والله المستعان. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٣٦)، «المجموع» (٥/ ٢٩٥)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٣٢/ ٢٥١).","vol":"3","page":532},{"text":"٥٦٢ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- قَالَ: الحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٥٦٣ - وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ جَابِرٍ -﵁- نَحْوُهُ، وَزَادَ: وَرُفِعَ قَبْرُهُ عَنِ الأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1525>مسألة [١]: اللحد والشَّقُّ في القبر</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٥/ ٢٨٧): أجمع العلماء أنَّ الدفن في اللحد، وفي الشَّقِّ جائزان، لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها؛ فاللحد أفضل، وإنْ كانت رخوة تنهار؛ فَالشَّقُّ أفضل. اهـ\nقلتُ: أما دليل الجواز للأمرين؛ فهو حديث أنس -﵁- عند ابن ماجه (١٥٥٧)، قال: لما توفي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان بالمدينة رجلٌ يلحد، وآخر يضرح،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٩٦٦).\n(^٢) ضعيف، الراجح إرساله. أخرجه البيهقي (٣/ ٤١٠)، وابن حبان (٦٦٣٥)، من طريق الفضيل بن سليمان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر فذكره.\nقال البيهقي -﵀-: كذا وجدته ثم ساق بإسناده من طريق عبدالعزيز الدراوردي عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلًا.\nقلتُ: فهذا البيهقي يرجح المرسل، والأمر كذلك، فإن الفضيل بن سليمان ضعيف، والدراوردي ثقة فروايته هي المحفوظة، والله أعلم.","vol":"3","page":533},{"text":"فقالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأُرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد؛ فلحدوا للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوهو حديث حسنٌ لغيره في إسناده: مبارك بن فضالة، وهو مدلس، وفيه ضعف يسير، وقد صرح بالسماع، وله شاهد مرسل عن عروة. أخرجه مالك (١/ ٢٣١)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٢٢)، وعبد الرزاق (٣/ ٤٧٦).\nوله شاهد آخر من مراسيل القاسم بن محمد: أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٤٧٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٢٢) بإسنادٍ صحيحٍ إليه.\nوأما تفضيل اللحد، وهو قول أكثر العلماء؛ فلحديث الكتاب، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لحدوا له لحدًا. ولحديث: «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا»، وهو حديث حسنٌ، جاء عن جرير، وابن عباس -﵃-. (^١)\nبل قد كره جماعة من أهل العلم الشَّقَّ، وهو المشهور عند الحنابلة، وهذا الظاهر؛ لحديث جرير، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أما حديث جرير فأخرجه أحمد (٤/ ٣٥٧، ٣٥٩)، من ثلاثة أوجه:\nأحدها: فيه عثمان بن عمير أبو اليقظان، وهو شديد الضعف.\nالثاني: فيه أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي، وهو ضعيف كثير التدليس.\nالثالث: فيه الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، وقد ضعف.\nوأما حديث ابن عباس فأخرجه أبو داود (٣٢٠٨)، والترمذي (١٠٤٥) وغيرهما، وفي إسناده: علي بن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وأبوه، وكلاهما ضعيف، والحديث بمجموع هذه الطرق حسن.\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٥٢٠)، «المجموع» (٥/ ٢٨٧)، «المحلَّى» (٥٧٦).","vol":"3","page":534},{"text":"تنبيه: اللحد: هو الشَّقُّ في جانب القبر، ويُجعل جهة القبلة، والشَّقُّ، أو الضَّرِيْحُ: هو الحفر في وسط القبر كهيئة النهر له جانبان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1526>مسألة [٢]: تغطية اللحد باللبن</span>.\n• استحب أهل العلم تغطية اللحد باللبن كما فُعِل بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأجازوا التغطية بالحجارة، والقصب، والخشب، وكره جماعةٌ من أهل العلم الخشب، منهم: أحمد -﵀-.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٥/ ٢٩٣): إذا وضعه في اللحد على الصفة السابقة فالسنة أن ينصب اللبن على المنفتح من اللحد بحيث يسد جميع المنفتح ويسد الفُرَج بِقِطَعِ اللبن ونحوه، ويسد الفُرَج اللطاف بحشيشٍ أو نحوه. وقال جماعة من أصحابنا: أو بطين. والله أعلم. اهـ\nوأما إن قبر الميت في ضريح -وهو الشق- فيوضع الميت فيه، ويسقف عليه اللبن ونحوها، وتكون موضوعة على الأرض وضعًا ويرفع السقف قليلًا بحيث لا يمس الميت، ويجعل في شقوقه قِطَع اللبن، أو الإذخر، أو ما أشبهه. «المجموع» (٥/ ٢٨٧). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1527>مسألة [٣]: الحد الذي يرفع إليه القبر</span>.\nذكر بعض أهل العلم أنَّ الحد الذي يرفع القبر إليه هو ما يبلغه إذا أعاد التراب إليه، ولا يزيد على ترابه الذي خرج منه، وكرهوا الزيادة على ذلك؛ إلا أن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٢٩)، «المجموع» (٥/ ٢٩٣)، «المحلَّى» (٥٧٦)، «الإنصاف» (٢/ ٥٢١).","vol":"3","page":535},{"text":"يحتاج إلى ذلك؛ لكونه مثلًا مستويًا بالأرض لا يتميز.\nوقد جاء في حديث جابر في «سنن أبي داود» (٣٢٢٦): نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يُبنى على القبر، أو يزاد عليه، أو يجصص. وهو من طريق: ابن جريج عن سليمان ابن موسى، وأبي الزبير، عن جابر، وإسناده ضعيف؛ لأنَّ ابن جريج لم يصرح بالتحديث، وسليمان بن موسى لم يسمع من جابر، وأبو الزبير لم يصرح بالسماع من جابر، والحديث في «صحيح مسلم» وغيره من طريق: ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، وعندهم التصريح بالسماع، ولكن ليس فيه: وأن يُزاد عليه. وقال أبو داود: وزاد سليمان بن موسى: وأن يُكتب عليه.\nقلتُ: وسليمان لم يسمع من جابر كما تقدم، وابن جريج لم يصرح بالتحديث، وأكثر طرق الحديث ليس فيها ذكر هذه الزيادة. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٥٢٢)، «المجموع» (٥/ ٢٩٦)، «النيل» (٢/ ٧٧١).","vol":"3","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1528>فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1529>مسألة [١]: ستر الميت عند إدخاله القبر</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٩٥): قد ذكرنا أنَّ مذهبنا استحبابه في الرجل، والمرأة، وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: يُستحبُّ في قبر المرأة دون الرجل. وحكى ابن المنذر عن عبدالله بن يزيد (^١)، وشريح أنهما كرها ذلك في قبر الرجل. اهـ\nقال أبو عبد الله: وبقول مالك، وأحمد يقول إسحاق وابن المنذر، والظاهر أنَّ فعل ذلك من أجل ستر الميت، والمرأة تحتاج إلى ذلك؛ لذلك قال ابن قدامة -﵀- في «المغني»: لا نعلم في استحباب هذا بين أهل العلم خلافًا. اهـ\nوأما الرجل؛ فالأظهر أنه لا يفعل به ذلك؛ لعدم الحاجة إليه، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1530>مسألة [٢]: وضع قطيفة تحت الميت</span>.\n• جمهور أهل العلم على كراهة هذا العمل؛ لأنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - أنه فعله في دفن أحد من أصحابه.\n_________\n(^١) أثر عبدالله بن يزيد -﵁- أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٢٦) بإسناد صحيح.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٣/ ٤٣١)، «الأوسط» (٥/ ٤٥٧).","vol":"3","page":537},{"text":"وأما ما جاء في «صحيح مسلم» (٩٦٧) عن ابن عباس -﵄-، قال: «جعل في قبر رسول الله - ﷺ - قطيفة حمراء». فقد قيل: إن شقران مولى رسول - ﷺ - وضعها في قبره، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك، فدفنت مع رسول الله - ﷺ -. أخرج ذلك البيهقي (٦٧٢٢) من وجه آخر ضعيف عن عبد الله بن عباس -﵄-.\nفهذا شيئ فعله شقران للمعنى الذي ذكر، ولم يفعله أحدٌ غيره من الصحابة، بل ثبت عن ابن عباس -﵄-، وهو راوي الحديث المتقدم أنه كره ذلك، أخرجه عنه ابن المنذر (٥/ ٤٥٦) بإسنادٍ صحيح.\n• وقد ذهب أحمد في رواية، والبغوي إلى جواز هذا العمل، والأقرب هو المنع منه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1531>مسألة [٣]: إذا أعادوا التراب إلى القبر، فهل يجعلوه مُسَنَّمًا، أم مُسطَّحًا</span>؟\n• ذهب أحمد، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة إلى ترجيح التسنيم، بمعنى أن يُجْعَلَ التراب مائلًا كالسنام، واستدلوا بقول سفيان التمار كما في «صحيح البخاري» (١٣٩٠): رأيت قبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسنمًا. وهو قول بعض الشافعية. وأخرج ابن أبي شيبة (٣/ ٣٣٤) بإسنادٍ صحيحٍ عن الشعبي، أنه قال: رأيت قبور شهداء أحد جثًا مسنمةً.\n• وذهب الشافعي وأصحابه، وقال النووي: وهو مذهب مالك، وداود إلى ترجيح التسطيح؛ لحديث علي -﵁-: بعثني النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلا\n_________\n(^١) وانظر: «شرح مسلم» (٧/ ٣٤)، «الأوسط» (٥/ ٤٥٦).","vol":"3","page":538},{"text":"سويته. وحديث فضالة -﵁- قال: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يأمر بتسويتها. وكلاهما في «صحيح مسلم» (٩٦٩) (٩٦٨).\nواستدلوا بما أخرجه أبو داود (٣٢٢٠)، وغيره من طريق: عمرو بن عثمان ابن هانئ، عن القاسم بن محمد، قال: دخلت على عائشة، فقلت: يا أمه، اكشفي لي عن قبر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وصاحبيه -﵄-. فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة، ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء.\nوعمرو بن عثمان مستور الحال.\nوقد رجَّح الإمام الشوكاني -﵀- في «النيل» القول الثاني؛ لحديث علي، وفضالة، وهذا الذي يظهر، والله أعلم.\nوأما قول سفيان التمار، فقد قال الحافظ ابن حجر -﵀-: وقول سفيان التمار لا حجة فيه كما قال البيهقي؛ لاحتمال أنَّ قبره - ﷺ - لم يكن في الأول مسنمًا.\nثم ذكر حديث القاسم بن محمد المتقدم.\nثم قال: وهذا كان في خلافة معاوية، فكأنها كانت في الأول مسطحة، ثم لما بُني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قِبَلِ الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة. اهـ\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: ثم الاختلاف في ذلك أيهما أفضل؟ لا في","vol":"3","page":539},{"text":"أصل الجواز. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1532>مسألة [٤]: رش الماء على القبر عند الفراغ</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المقنع»: ويُرَشُّ عليه الماء. قال المرداوي: وكذا قال الأصحاب. اهـ\nوقال الشيرازي -﵀- في «المهذب»: ويُرشُّ عليه الماء؛ لما روى جابر أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رشَّ على قبر ابنه إبراهيم الماء. ولأنه إذا لم يرش عليه الماء زال أثره؛ فلا يُعرف. اهـ\nقلتُ: حديث جابر ضعيف جدًّا، أخرجه الشافعي في «الأم» (١/ ٢٧٣)، ومن طريقه البيهقي في «السنن» (٣/ ٤١١)، و«المعرفة» (٣/ ١٨٧) من مراسيل أبي جعفر الصادق، وفي إسناده: إبراهيم بن أبي يحيى، وهو كذاب، ولكن يُستحبُّ الرش على القبر للمعنى الذي ذكروه، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1533>مسألة [٥]: حكم الدفن في التابوت</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٥/ ٢٨٧): وهذا الذي ذكرناه من كراهية التابوت مذهبنا، ومذهب العلماء كافة، وأظنه إجماعًا، قال العبدري -﵀-: لا أعلم فيه خلافًا. يعني لا خلاف فيه بين المسلمين كافة. اهـ. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٣٧)، «المجموع» (٥/ ٢٩٧)، «الفتح» (١٣٩٠).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٥٢٣)، «المجموع» (٥/ ٢٩٦).\n(^٣) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٥٢١).","vol":"3","page":540},{"text":"٥٦٤ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْهُ -﵁-: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1534>مسألة [١]: الجلوس على القبر</span>.\n• قال النووي -﵀- في «المجموع» (٥/ ٣١٢): قد ذكرنا أنَّ ذلك مكروه عندنا، وبه قال جمهور العلماء، منهم: النخعي، والليث، وأبو حنيفة، وأحمد، وداود، وقال مالك: لا يُكره. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأدلة تدل على التحريم، كحديث جابر المذكور في الكتاب، وحديث أبي هريرة في «مسلم» (٩٧١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لَأنْ يجلس أحدكم على جمرة؛ فتحرق ثيابه؛ فتخلص إلى جلده، خيرٌ له من أن يجلس على قبر».\nوفي ابن ماجه (١٥٦٧) عن عقبة بن عامر -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لَأنْ أمشي على جمرة، أو سيف، أو أخصف نعلي برجلي، أحبُّ إليَّ من أن أمشي على قبر مسلم، وما أُبالي أوسط القبور قضيت حاجتي، أو في السوق»، وإسناده صحيح، وقد صححه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» برقم (٩٣٢).\nوقد حمل الشوكاني الكراهة على التحريم، فجزم أنَّ مذهب الجمهور هو\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٩٧٠).","vol":"3","page":541},{"text":"التحريم كما في «نيل الأوطار»، والظاهر أنَّ مراد الفقهاء هو كراهة التنزيه؛ لأنَّ هذا هو الأصل في إطلاق الفقهاء، وقد بين ذلك النووي في «شرح المهذب»، ثم رأيته في «شرح مسلم» يذكر أنَّ النهي عن القعود للتحريم، وأنَّ ذلك هو مذهبهم، يعني الشافعية.\nإلا أن داود الظاهري نقل عنه ابن حزم التحريم، ورجَّح ذلك، ونقله عن أبي هريرة، وابن مسعود، وابن عمر (^١)، وسعيد بن جبير، ورجَّحه الشوكاني، وقال الشيرازي، والمحاملي: لا يجوز. وظاهر هذه العبارة هو التحريم، وهذا هو الحق الذي لا مِرْيَةَ فيه، وعليه فتوى الإمام الألباني، والإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1535>مسألة [٢]: البناء على القبر، وتجصيصه</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى كراهة البناء على القبر، أو تجصيصه، كما ذكر ذلك النووي -﵀- في «شرح مسلم»، ثم قال: وأما البناء؛ فإنْ كان في ملك الباني؛ فمكروهٌ، وإنْ كان في مقبرة مسبلة؛ فحرام، نصَّ عليه الشافعي، والأصحاب، قال\n_________\n(^١) أثر ابن عمر أخرجه وكيع كما في «المحلى» (٥٧٨) بإسناد صحيح، وأما أثر أبي هريرة فأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٣٩) بإسناد حسن، وأخرجه عبدالرزاق (٣/ ٥١١) من وجه آخر بإسناد منقطع؛ لأنه من طريق: زيد بن أسلم، عن أبي هريرة، ولم يسمع منه.\nوأما أثر ابن مسعود فأخرجه عبدالرزاق (٣/ ٥١١)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٣٨)، وله ثلاث طرق في كلٍّ منها ضعف، وهو ثابت بمجموعها، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٣٨) بإسناد حسن عن أبي بكرة.\nتنبيه: ظاهر الآثار عنهم التحريم؛ لأنهم فضلوا وطأ الجمر على وطئ القبر.\n(^٢) انظر: «المجموع» (٥/ ٣١٢)، «الإنصاف» (٢/ ٥٢٥)، «المحلَّى» (٥٧٨).","vol":"3","page":542},{"text":"الشافعي في «الأم»: ورأيت الأئمة بمكة يهدمون ما يُبنى، ويؤيد الهدم قوله - ﷺ -: «ولا قبرًا مُشرِفًا إلا سويته».اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: والأدلة تدل على التحريم، كحديث جابر المذكور في الكتاب، وحديث علي الذي ذكره النووي.\nوجزم الشوكاني -﵀- بالتحريم مطلقًا.\nوقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (١/ ٥٢٤): ولم يكن من هديه - ﷺ - تعلية القبور، ولا بناؤها بِآجُر، ولا بحجر ولبن، ولا تشييدها، ولا تنظيفها، ولا بناء القِباب عليها، فكل هذا بدعة مكروهةٌ، مخالفة لهديه - ﷺ -.اهـ.\nوقال في تفصيل الشافعية: لا دليل عليه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1536>مسألة [٣]: المشي بين القبور بالنعال</span>.\nأخرج أبو داود (٣٢٣٠)، وأحمد (٥/ ٨٣) من حديث بشير بن الخصاصية -﵁-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى رجلًا يمشي بين القبور، وعليه نعلان، فقال: «يا صاحب السِّبْتِيَّتين، ويحك ألق سِبْتِيَّتَيْكَ».\nوهو حديث صحيح، وقد صححه شيخنا في «الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين»، وبَوَّبَ عليه: [تحريم المشي بين القبور بالنعال].\n• وقد ذهب إلى التحريم ابن حزم في «المحلَّى» (٥٧٨)، ولكنه خصَّ التحريم بالنعال السِّبتِيَّة، وهي التي فيها شعر، وهذا جمود منه -﵀-، ونصَّ الشوكاني أيضًا\n_________\n(^١) وانظر: «شرح مسلم» (٩٧٠)، «نيل الأوطار» (٢/ ٧٧٤).","vol":"3","page":543},{"text":"على عدم الجواز مطلقًا، وهو قول الإمام ابن باز والإمام الوادعي رحمة الله عليهما.\n• وذهب جمهور العلماء إلى الجواز، وقال بعضهم: مع الكراهة، واختاره الإمام العثيمين -﵀-.\nواستدلوا بحديث أنس -﵁- في «الصحيحين» (^١)، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا وُضِعَ العبد في القبر، وتولَّى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم».\nوهذا الحديث ليس صريحًا؛ فلا ينبغي أن يُصرَف به الحديث السَّابق؛ لأنه ليس فيه أنهم يمشون بها بين القبور، بل يحتمل أنهم كانوا في طرف المقبرة، فلما انصرفوا سمع قرع نعالهم، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1537>مسألة [٤]: التغوط على القبور</span>.\nتقدم حديث عقبة بن عامر في تحريم ذلك، وأنَّ ذلك كمثل من يتغوط بالسوق، فكما تحصل الأذية لِلْحَيِّ؛ تحصل كذلك للميت.\nقال في «الإنصاف» (٢/ ٥٢٥): ولا يجوز التَّخَلِّي عليه، على الصحيح من المذهب. اهـ\nوقد بَوَّبَ شيخنا -﵀- في «الجامع الصحيح»: [تحريم المشي، والجلوس-يعني على القبر-، والتغوط في المقبرة]. ثم ذكر حديث عقبة بن عامر -﵁-.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٣٧٤)، ومسلم برقم (٢٨٧٠).\n(^٢) وانظر: «شرح المهذب» (٥/ ٣١٢)، «النيل» (٢/ ٧٧٧) «المغني» (٣/ ٥١٤).","vol":"3","page":544},{"text":"٥٦٥ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَأَتَى القَبْرَ، فَحَثَى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ وَهُوَ قَائِمٌ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1538>مسألة [١]: حكم الحثو على القبر ثلاثًا</span>.\n• استحبَّ كثير من الفقهاء ذلك؛ اعتمادًا منهم على الحديث المتقدم وقد تقدم بيان ضعفه، وعلى هذا فلا يُشرع هذا العمل؛ لعدم ثبوت دليل عليه، والله أعلم.\nتنبيه: صحَّ عن علي بن أبي طالب أنه حثى في قبر يزيد بن المكفف (^٢) ولكن لا يصح فيها تعيين العدد.\nوهو محمول على أنه دَفَنَ مع الدافنين، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه الدارقطني (٢/ ٧٦) وفي إسناده القاسم بن عبدالله العمري متروك، وعاصم ابن عبيدالله العمري ضعيف.\nوجاء الحديث عن أبي هريرة عند ابن ماجه (١٥٦٥) من طريق سلمة بن كلثوم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وفيه سلمة بن كلثوم وإن كان محتجًّا به، إلا أن الدارقطني قال عنه في «العلل»: شامي يهم كثيرًا، ويحيى بن أبي كثير مدلس، ولم يصرح بالتحديث. وقال أبوحاتم في «العلل» (٤٨٣): هذا حديث باطل.\nوجاء من مراسيل جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أخرجه الشافعي كما في «المسند» (١/ ٢١٦)، ولكن الراوي عن جعفر هو إبراهيم بن أبي يحيى وهو كذاب. فالحديث بهذه الطرق لا يصلح للحجيَّة.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٣١)، وعبدالرزاق (٣/ ٥٠١) بإسناد صحيح.\n(^٣) انظر: «الأوسط» (٥/ ٤٦١)، «المغني» (٣/ ٤٢٩)، «المجموع» (٥/ ٢٩٣).","vol":"3","page":545},{"text":"٥٦٦ - وَعَنْ عُثْمَانَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1539>مسألة [١]: الاستغفار للميت عقب الدفن</span>.\nفيه الحث على الاستغفار للميت، والدعاء له بالتثبيت عقب دفنه، وذلك لأنه في تلك الحال يُسْأَل كما في هذا الحديث؛ فهو في حاجة إلى المعونة بالدعاء.\nويُستحبُّ تذكير الناس بذلك إنْ كانوا غافلين حتى يدعوا للميت كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوفيه أنَّ الميت ينتفع بالدعاء من المؤمنين، وقد جاءت أدلة تدل على أنه ينتفع أيضًا بالصدقة، وبالصيام الواجب، والحج الواجب عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1540>مسألة [٢]: قراءة القرآن لروح الميت عند القبور، ووضع المصاحف هنالك</span>.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٠١): والأئمة قد تنازعوا في القراءة عند القبر، فكرهها: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (٣٢٢١)، والحاكم (١/ ٣٧٠)، من طريق هشام بن يوسف، عن عبد الله ابن بحير، عن هانئ، مولى عثمان، عن عثمان بن عفان به. وإسناده حسن، وقد حسنه شيخنا الإمام الوادعي -﵀- في «الجامع الصحيح» (٢/ ٢٦٣) وذلك من أجل هانئ مولى عثمان؛ فإنه حسن الحديث، وبقية رجال الحديث ثقات.","vol":"3","page":546},{"text":"أكثر الروايات، ورخص فيها في الرواية الأخرى عنه هو وطائفة من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم، وأما جعل المصاحف عند القبور لمن يقصد قراءة القرآن هناك وتلاوته فبدعة منكرة لم يفعلها أحد من السلف. بل هي تدخل في معنى \"اتخاذ المساجد على القبور\" وقد استفاضت السنن عن النبي - ﷺ - في النهي عن ذلك حتى قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا». قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره؛ ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وقال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك»، ولا نزاع بين السلف والأئمة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد. ومعلوم أن المساجد بنيت للصلاة والذكر وقراءة القرآن، فإذا اتخذ القبر لبعض ذلك كان داخلا في النهي، فإذا كان هذا مع كونهم يقرءون فيها فكيف إذا جعلت المصاحف بحيث لا يقرأ فيها؟ ولا ينتفع بها لا حي ولا ميت، فإن هذا لا نزاع في النهي عنه. ولو كان الميت ينتفع بمثل ذلك لفعله السلف فإنهم كانوا أعلم بما يحبه الله ويرضاه وأسرع إلى فعل ذلك وتحريه. اهـ\nوقال -﵀- في «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٤١): ولا قال أحد قط من علماء الأمة المتبوعين: إن الصلاة أو القراءة عند القبر أفضل منها عند غيره؛ بل القراءة عند القبر قد اختلفوا في كراهتها فكرهها أبو حنيفة، ومالك، والإمام أحمد في إحدى الروايتين. وطوائف من السلف. ورخص فيها طائفة أخرى من أصحاب أبي حنيفة والإمام أحمد وغيرهم. وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وليس عن الشافعي في ذلك كله نص نعرفه. اهـ","vol":"3","page":547},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: القراءة عند القبور من البدع والمحدثات، ولم يفعله النبي - ﷺ -، وأصحابه -﵃-، وما نقل عن ابن عمر -﵄- أنه أوصى أن يقرأ عند رأسه بعد دفنه بفاتحة الكتاب؛ فلم يثبت عنه، فقد أخرجه الخلال وغيره، كما في كتاب «الروح» لابن القيم (ص ١٠)، وهو من طريق عبد الرحمن بن العلاء بن اللَّجلاج، عن أبيه، عن ابن عمر به. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فعبد الرحمن بن العلاء مجهول، وأبوه مستور الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1541>مسألة [٣]: حكم إهداء ثواب العبادات للموتى</span>.\nأما العبادات المالية فيجوز إهداء ثوابها عند عامة أهل العلم، كالصدقات، والزكوات، والكفارات، والديات، وما أشبه ذلك، وكذلك العبادات المالية البدنية كالحج، والعمرة، والأضاحي.\n• وأما العبادات البدنية، كالصلاة، والصيام، وقراءة القرآن، وما أشبه ذلك؛ فذهب بعض أهل العلم إلى جواز إهداء ثوابها قياسًا على ما جاء في الصدقة، وما جاء في الصوم عن الميت. وهذا القول قال به أحمد، وأكثر أصحابه، والحنفية، وبعض الشافعية، والمالكية.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز ذلك، وهو قول الشافعي، وأكثر أصحابه، وهو قول أكثر المالكية، وبعض الحنابلة؛ لأنه لم يأت عن النبي - ﷺ -، ولا عن أصحابه النيابة في الصلاة، وقراءة القرآن، والصيام غير الواجب. ويدل على ذلك حديث الباب؛ فقد أمر النبي - ﷺ - الصحابة أن يستغفروا للميت، ولم يأمرهم أن يهدوا له ثواب العبادات.","vol":"3","page":548},{"text":"واستدل الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، فليس له من عمل غيره؛ إلا ما دل عليه الدليل، ودل الدليل على انتفاع الميت من الصدقات، والدعاء، والحج، والعمرة، وقضاء الصوم الواجب. وأما غير ذلك فليس لنا دليل على لحوقه بذلك.\nوإلى القول الأول مال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، ولكنه قال: ومع هذا فلم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعا وصاموا وحجوا أو قرءوا القرآن يهدون ثواب ذلك لموتاهم المسلمين ولا لخصوصهم بل كان عادتهم كما تقدم -يعني: الدعاء والصدقة فحسب- فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريق السلف فإنه أفضل وأكمل والله أعلم. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنه لا يشرع إهداء الثواب في العبادات البدنية، لعدم ورود ذلك عن النبي - ﷺ -، وأصحابه، ولأن الإنسان لا يستطيع أن يتصرف في حسناته، وينقلها لمن شاء، وأما ماله فله أن يجعله لمن شاء. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٢٢)، (٣١/ ٥١)، «الموسوعة الكويتية» (١٥/ ٥٧).","vol":"3","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1542>فَصْل فَي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِل المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1543>مسألة [١]: إذا دفن الميت من غير غسل، أو إلى غير القبلة</span>؟\n• قال النووي -﵀- في «المجموع» (٥/ ٣٠٠): ذكرنا أنَّ مذهبنا أنه إذا دُفِنَ من غير غسل، أو إلى غير القبلة؛ يجب نبشه؛ ليُغسل، ويوجه للقبلة؛ ما لم يتغير، وبه قال مالك، وأحمد، وداود، وقال أبو حنيفة: لا يجب ذلك بعد إهالة التراب عليه. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب؛ لأنَّ الأمور المذكورة واجبةٌ؛ فلا تسقط بدفنه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1544>مسألة [٢]: إذا دفن الميت من غير أن يُصلَّى عليه</span>؟\n• ذهب أحمد في رواية إلى أنه ينبش ليصلى عليه، وهو مذهب المالكية؛ لأنَّ ذلك واجب، كما لو دفن من غير غسل، وهذا فيما إذا كان لم يتغير، وأما إذا تغير فلا ينبش قولًا واحدًا.\n• وذهب في الرواية الثانية عنه إلى أنه يصلى عليه في قبره، ولا ينبش، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى على القبر، وهذا أقرب؛ لأنها\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٥٠٠).","vol":"3","page":550},{"text":"موضع حاجة، فجاز ذلك، واختار هذا الإمام ابن باز -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1545>مسألة [٣]: إذا دفن الميت من غير أن يكفن فهل ينبش ليكفن</span>؟\n• مذهب الحنفية، ووجه للشافعية، وللحنابلة: أنه لا ينبش؛ لأن القصد بالكفن ستره، وقد حصل ستره بالتراب، وهذا القول أقرب، والله أعلم.\n• وللشافعية والحنابلة وجه: أنه ينبش؛ لأن التكفين واجب، فأشبه الغسل. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1546>مسألة [٤]: دفن الميت في قبر قديم</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٤٤٣): وإن تيقن أنَّ الميت قد بلي وصار رميمًا؛ جاز نبش قبره، ودفن غيره فيه، وإن شك في ذلك؛ رجع إلى أهل الخبرة؛ فإن حفر فوجد فيها عظامًا؛ دفنها، وحفر في مكان آخر، نصَّ عليه أحمد، واستدل بأنَّ كسر عظم الميت ككسر عظم الحي. اهـ\nوهذا الذي عليه الحنابلة هو مذهب الشافعية أيضًا كما في «شرح المهذب» (٥/ ٢٨٤)، والمالكية، والحنفية كما في «الموسوعة الفقهية»، وفي «فتاوى نور على الدرب» للعثيمين -﵀-: قال: يجوز الدفن في المقبرة القديمة عند الضرورة، وإذا حفر ووجدت جثة؛ يعاد عليها التراب. اهـ. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٥٠٠)، «فتاوى اللجنة» (٨/ ٤٠٠)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٤٠/ ٣٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٣/ ٥٠٠)، «حاشية ابن عابدين» (١/ ٦٠٢)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٤٠/ ٣١).\n(^٣) وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٥٢٧)، «الموسوعة الفقهية» (٤٠/ ٣٣).","vol":"3","page":551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1547>مسألة [٥]: هل يقبر المشرك بمقبرة المسلمين، والعكس</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٥/ ٢٨٥): اتفق أصحابنا ﵏ أنْ لا يُدفن مسلم في مقبرة كفار، ولا كافر في مقبرة مسلمين. اهـ\nوقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٥٨٢): عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله - ﷺ - أن لا يُدفن مسلم مع مشرك. اهـ\nثم استدل بحديث بشير بن الخصاصية -﵁-، قال: كنتُ أمشي مع النبي - ﷺ -، فمرَّ على قبور المشركين، فقال: «لقد سبق هؤلاء خيرًا كثيرًا»، ثم مرَّ على قبور المسلمين، فقال: «لقد أدرك هؤلاء خيرًا كثيرًا»، والحديث أخرجه أبو داود (٣٢٣٠)، وأحمد (٥/ ٨٣)، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا -﵀- برقم (١٨١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1548>مسألة [٦]: إذا ماتت امرأة ذمية، وهي حامل من رجل مسلم، ومات جنينها</span>؟\n• اختار بعض أهل العلم أن تُدْفَنَ بين مقبرة المسلمين، ومقبرة النصارى، وهو مذهب أحمد، والصحيح عند الشافعية، وجاء عن واثلة بن الأسقع عند ابن أبي شيبة، والبيهقي أنه دفنها في مقبرةٍ ليست مقبرة النصارى، ولا المسلمين، وفي إسناده انقطاع، سليمان بن موسى لم يدرك واثلة -﵁-، والأثر من روايته عنه.\n• وجاء عن بعض الشافعية أنها تُدفن في مقبرة المسلمين، وجاء عن عمر -﵁-، أنه دفن امرأة من أهل الكتاب في بطنها وَلَدُ مُسْلِمٍ في مقبرة المسلمين. أخرجه ابن","vol":"3","page":552},{"text":"أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي، وفي إسناده رجلٌ مبهمٌ.\n• وقال الزهري، وعطاء: تدفن مع أهل دينها.\n• وقال بعض الشافعية: تُدفن في طرف مقبرة المسلمين. وقال النووي: هذا حسنٌ. واختار هذا القول ابن حزم في «المحلَّى».\nقلتُ: إنْ أمكن القول الأول، وإلَّا عُمِلَ بالقول الأخير، والله أعلم.\nقال أهل العلم: ويُجعل ظهرها إلى القبلة، على جانبها الأيسر؛ ليكون وجه الجنين إلى القبلة على جانبه الأيمن؛ لأنَّ وجه الجنين إلى ظهرها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1549>مسألة [٧]: إذا مات رجل في سفينة، وهم في البحر، فكيف يُصْنَع به</span>؟\nإذا رجوا أن يجدوا موضعًا يدفنون فيه قبل تغيره؛ أخَّروه، وقد صحَّ أنَّ أبا طلحة -﵁- مات في سفينة، فدفنوه بعد سبعة أيام ولم يتغير. أخرجه ابن سعد (٣/ ٥٠٧) بإسناد صحيح.\nوأما إنْ خشوا تغيره قبل أن يجدوا له مدفنًا في جزيرة، أو بلدة، فقال أحمد وأصحابه: يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ثم يثقل بشيء، ويلقى في البحر. وهذا قول عطاء، والحسن. وقال الشافعي: يُربط بين لوحين، فيحمله البحر إلى الساحل، فربما وقع إلى قوم يدفنونه، وإنْ ألقوه في البحر لم يأثموا.\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٥٣١)، «المغني» (٣/ ٥١٣) «المجموع» (٥/ ٢٨٥)، «المحلَّى» (٥٨٢)، «سنن البيهقي» (٤/ ٥٨ - ٥٩)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ٣٥٥)، «عبد الرزاق» (٣/ ٥٢٨)، «الأوسط» (٥/ ٤٦٣).","vol":"3","page":553},{"text":"قال ابن قدامة -﵀-: والأول أولى؛ لأنه يحصل به الستر المقصود من دفنه، وإلقاؤه بين لوحين تعريض له للتغير، والهتك، وربما وقع على الساحل مهتوكًا، عريانًا، وربما وقع إلى قوم من المشركين. اهـ\nقلتُ: وما ذكره ابن قدامة -﵀- هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1550>مسألة [٨]: إذا وُجِدَ بعض أجزاء الميت، فكيف يُصْنع</span>؟\n• قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٢٥٥): إذا وجد بعض الميت؛ ذكرنا أنَّ مذهبنا أنه يصلَّى عليه، سواء قلَّ البعض، أم كثر، وبه قال أحمد.\n• وقال داود: لا يصلَّى عليه مطلقًا.\n• وقال أبو حنيفة: إنْ وُجِدَ أكثر من نصفه؛ غُسِّلَ وصُلِّيَ عليه، وإنْ وُجِدَ النصف؛ فلا غسل، ولا صلاة.\n• وقال مالك: لا يُصَلَّى على اليسير منه. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما مذهب داود الظاهري فهو الصلاة كما ذكر ذلك عنه ابن حزم وهو أعلم بمذهب صاحبه، وقول أحمد والشافعي هو الراجح، وينوي عند الصلاة: الصلاة على بدن الميت وروحه كاملًا، وإنْ وُجِدَ جزءٌ آخر بعد دفن الميت؛ فيُغَسَّل، ويُكفَّن.\nواختلفوا في الصلاة عليه على قولين والأقرب عدم تكرار الصلاة، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٣١) «المجموع» (٥/ ٢٨٥ - ٢٨٦).","vol":"3","page":554},{"text":"• وقد بالغ ابن حزم -﵀- في هذه المسألة، فقال: يصلَّى على أي جزء من الميت، حتى ولو كان الشعر، أو الظفر.\n• وخالفه عامة أهل العلم، فقالوا: لا يُصلَّى على الشعر، والظفر. والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1551>مسألة [٩]: إذا وُجِدَ ميت لا يُدْرَى أمسلمٌ هو، أم كافر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٤٧٨): وَإِنْ وُجِدَ مَيِّتٌ، فَلَمْ يُعْلَمْ أَمُسْلِمٌ هُوَ أَمْ كَافِرٌ؟ نُظِرَ إلَى الْعَلَامَاتِ: مِنْ الْخِتَانِ، وَالثِّيَابِ، وَالْخِضَابِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ، وَكَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْكُفْرِ، لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارٍ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُمْ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ. اهـ\nقلتُ: وما ذكره ابن قدامة -﵀- هو قول جمهور الفقهاء؛ خلافًا لبعض المالكية الذين قالوا: يترك الغسل والصلاة مطلقًا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1552>مسألة [١٠]: إذا اختلط موتى مسلمون بموتى مشركين</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣/ ٤٧٧): فَإِنِ اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى الْمُشْرِكِينَ، فَلَمْ يُمَيَّزُوا، صَلَّى عَلَى جَمِيعِهِمْ يَنْوِي الْمُسْلِمِينَ. قَالَ أَحْمَدُ: وَيَجْعَلُهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٣/ ٤٨٠ - ٤٨١)، «المجموع» (٥/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، «المحلَّى» (٥٨٠)، «الإنصاف» (٢/ ٥١٢).\n(^٢) «الموسوعة الفقهية» (١٣/ ٦٢).","vol":"3","page":555},{"text":"وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَكْثَرَ؛ صَلَّى عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْأَكْثَرِ. اهـ\nقلتُ: والصواب قول الجمهور: أنه يُصَلِّي عليهم، وينوي المسلمين كما قال أحمد، مرةً واحدة، وهذا اختيار الإمام ابن باز -﵀- كما في «فتاوى اللجنة» (٨/ ٣٧٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1553>مسألة [١١]: أين يُدفن الشهيد</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ الشهيد يُدفن حيث قُتِلَ، واستدلوا على ذلك بحديث جابر -﵁- عند أحمد (٣/ ٣٠٨)، بإسناد صحيح، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بقتلى أُحُد أن يُرَدُّوا إلى مصارعهم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٤٢)، «أحكام الجنائز» (ص ١٧٥).","vol":"3","page":556},{"text":"٥٦٧ - وَعَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ -أَحَدِ التَّابِعِينَ- قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إذَا سُوِّيَ عَلَى المَيِّتِ قَبْرُهُ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ عَنْهُ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ قَبْرِهِ: يَا فُلَانُ، قُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَا فُلَانُ: قُلْ رَبِّي اللهُ، وَدِينِي الإِسْلَامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ - ﷺ -. رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مَوْقُوفًا. (^١)\n\n٥٦٨ - وَلِلطَّبَرَانِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا مُطَوَّلًا. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1554>مسألة [١]: تلقين الميت بعد الدفن</span>.\n• استحب كثيرٌ من الفقهاء من الشافعية، والحنابلة تلقين الميت بعد الدفن، اعتمادًا منهم على الحديث المتقدم، وقد تقدم أنه باطل؛ ولذلك فالعمل به من البدع.\n_________\n(^١) «سنن ابن منصور» مفقودة، ولم أجد له إسنادًا، وهو قول تابعي لا حجة فيه. وفي البدر المنير (٥/ ٣٣٨ -): قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله - يعني: ابن حنبل -: فهذا الذي تصنعونه إذا دفن الميت! يقف الرجل ويقول: يا فلان ابن فلانة، اذكر ما فارقت عليه؛ شهادة أن لا إله إلا الله.؟! فقال: ما رأيت أحدا فعل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة، جاء إنسان فقال ذلك، وكان أبو المغيرة يروي متنه عن أبي بكر بن أبي مريم، عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه، وكان ابن عياش يروي به. يشير بذلك إلى حديث أبي أمامة السالف.\n(^٢) ضعيف جدًّا. أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٧٩٧٩)، و«الدعاء» (١٢١٤) من طريق محمد ابن إبراهيم بن العلاء الحمصي الزبيدي حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا عبدالله بن محمد القرشي عن يحيى بن أبي كثير عن سعيد بن عبدالله الأزدي عن أبي أمامة به. وهذا إسناد تالف؛ سعيد الأزدي وعبدالله القرشي: مجهولان، ومحمد بن إبراهيم الحمصي يسرق الحديث، وإسماعيل ابن عياش يروي عن غير أهل بلده وهي رواية ضعيفة. فهذا الحديث باطل موضوع.","vol":"3","page":557},{"text":"• وقد كرهه طائفة من العلماء من أصحاب مالك، وغيرهم.\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام»: ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيفٌ، والعمل بدعة، ولا يغتر بكثرة من يفعله. اهـ\nقلتُ: وقد جزم العز بن عبد السلام بأن ذلك بدعة كما في «كشف الخفاء» (١/ ٣١٦)، وكذلك الإمام الألباني في «أحكام الجنائز» (ص ٣١٨).\nوقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (١/ ٥٢٢): ولم يكن يجلس يقرأ عند القبر، ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم. قال أحمد: ما رأيت أحدًا يفعله إلا أهل الشام. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٣٠٣)، و«الإنصاف» (٢/ ٣٨٤) ط/إحياء التراث، «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٩٦).","vol":"3","page":558},{"text":"٥٦٩ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الحُصَيْبِ الأَسْلَمِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «[كُنْتُ] (^١) نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، زَادَ التِّرْمِذِيُّ: «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ». (^٢)\n\n٥٧٠ - زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «وَتُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا». (^٣)\n\n٥٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَعَنَ زَائِرَاتِ القُبُورِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1555>مسألة [١]: حكم زيارة القبور</span>.\nأما بالنسبة للرجال؛ فقد قال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٢٨٣): قَالَ\n_________\n(^١) زيادة من المطبوع وهي كذلك في «مسلم».\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٩٧٧)، والترمذي (١٠٥٤) وزيادة الترمذي صحيحة على شرط مسلم.\n(^٣) زيادة ضعيفة. أخرجه ابن ماجه (١٥٧١) وفي إسناده أيوب بن هانئ وهو ضعيف، وفيه أيضًا عنعنة ابن جريج، والحديث صحيح لغيره لشاهده الذي قبله دون الزيادة المذكورة.\n(^٤) حسن بشواهده. أخرجه الترمذي (١٠٥٦)، وابن حبان (٣١٧٨) واللفظ لابن حبان، ولفظ الترمذي «زوارات»، وفي إسناده عمر بن أبي سلمة بن عبدالرحمن وهو ضعيف.\nوله شاهد من حديث ابن عباس -﵄- عند أبي داود (٣٢٣٦) والترمذي (٣٢٠) وغيرهما وفيه زيادة «والمتخذين عليها المساجد والسرج» وفي إسناده أبوصالح مولى أم هانئ وهوضعيف، وقال ابن حبان: لم يسمع من ابن عباس.\nوله شاهد من حديث حسان بن ثابت -﵁- بلفظ «زوارات القبور» عند ابن ماجه (١٥٧٤) وفي إسناده عبدالرحمن بن بهمان مجهول وعبدالرحمن بن حسان بن ثابت مجهول الحال. فالحديث بمجموع هذه الطرق يرتقي إلى الحسن إن شاء الله تعالى دون قوله: «والمتخذين عليها المساجد والسرج». وقد حسنه الإمام الألباني -﵀- في «أحكام الجنائز».","vol":"3","page":559},{"text":"النَّوَوِيّ تَبَعًا لِلْعَبْدَرِيِّ، وَالْحَازِمِيّ وَغَيْرهمَا: اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ زِيَارَة الْقُبُور لِلرِّجَالِ جَائِزَة. كَذَا أَطْلَقُوا، وَفِيهِ نَظَر؛ لِأَنَّ اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره رَوَى عَنْ اِبْن سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ، وَالشَّعْبِيّ الْكَرَاهَة مُطْلَقًا حَتَّى قَالَ الشَّعْبِيّ: لَوْلَا نَهْي النَّبِيّ - ﷺ -؛ لَزُرْت قَبْر اِبْنَتِي (^١). فَلَعَلَّ مَنْ أَطْلَقَ أَرَادَ بِالِاتِّفَاقِ مَا اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْر بَعْد هَؤُلَاءِ، وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَبْلُغهُمْ النَّاسِخ، وَاَللهُ أَعْلَم. وَمُقَابِل هَذَا قَوْل اِبْن حَزْم: إِنَّ زِيَارَة الْقُبُور وَاجِبَة، وَلَوْ مَرَّة وَاحِدَة فِي الْعُمْر؛ لِوُرُودِ الْأَمْر بِهِ. اهـ\nقلتُ: والصارف للأمر من الوجوب إلى الاستحباب أنَّ الأمر وقع بعد الحظر، ووقوع الأمر بعد الحظر من الصوارف للأمر عن ظاهره، والله أعلم.\n• وأما بالنسبة لزيارة النساء؛ فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فذهب أكثر أهل العلم إلى أنهن يدخلن في الإذن المذكور في حديث بريدة: «فزوروها»، ومحله إذا أُمِنَت الفتنة، واستدلوا على الجواز أيضًا بحديث أنس -﵁- في «الصحيحين» (^٢) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرَّ على امرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتق الله، واصبري»، وموضع الدلالة منه: أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حُجَّة.\nواستدلوا أيضًا بحديث عائشة -﵂- عند الحاكم بإسناد صحيح (١/ ٣٧٦)، أنها أقبلت ذات يوم من المقابر، فقال لها ابن أبي مليكة: يا أم المؤمنين، من أين\n_________\n(^١) انظر الآثار المذكورة في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٣٤٥)، وأثر الشعبي في إسناده مجالد الهمداني، وهو ضعيف، والآثار المذكورة محمولة على الزيارة البدعية، أو الشركية.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٢٥٢)، ومسلم برقم (٩٢٦).","vol":"3","page":560},{"text":"أقبلت؟ قالت: من قبر عبدالرحمن بن أبي بكر. فقلت لها: أليس كان رسول الله - ﷺ - نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، ثم أمر بزيارتها.\nوأخرجه ابن ماجه (١٥٧٠) مختصرًا بلفظ: رخَّص رسول الله - ﷺ - في زيارة القبور. واستدلوا على الجواز بحديث عائشة -﵂- في «صحيح مسلم» (٩٧٤): كيف أقول؟ تعني في المقبرة، قال: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ الله الْمسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله بِكُمْ لَلَاحِقُونَ».\n• وذهب أكثر الحنابلة، وجماعة من الشافعية إلى الكراهة، واختلفوا: هل الكراهة للتحريم، أم للتنزيه، فذهب بعض الحنابلة إلى التحريم، وهو رواية عن أحمد، وهو وجهٌ للشافعية، ورجَّح هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، واستدلوا بحديث: «لعن اللهُ زواراتِ القبور»، وبحديث أم عطية -﵂-: «نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يُعزَم علينا»، وبحديث عبدالله بن عمرو -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لفاطمة -﵂-: «لو كنت بلغت معهم الكُدَى؛ ما دخلت الجنة»، وهو ضعيفٌ، منكرٌ كما تقدم.\n• وذهب جماعة من الشافعية، والحنابلة إلى الكراهة فقط.\nوأقرب الأقوال هو القول الأول، وأما حديث: «لعن اللهُ زواراتِ القبور»؛ فهو منسوخ، وهو الذي فهمته عائشة -﵂-، وحمله بعضهم على المكثِرات من الزيارة؛ لقوله: «زَوَّارَات»؛ لما قد يؤدي من التبرج، والمخالفات الشرعية، والمحمل الأول أقرب؛ لأنَّ الحديث جاء باللفظين: «زائرات»، «وزوارات»، وهذا يدل على","vol":"3","page":561},{"text":"أنَّ صيغة المبالغة ليست مقصودة، والله أعلم.\nتنبيه: الزيارة المشروعة في حق الرجال، والنساء: ما كانت للتذكر، وللدعاء لأموات المسلمين، وأما إذا كانت مصحوبة بدعاء الأموات، وتعظيمهم، واتخاذ القبور مساجد؛ فهذه زيارة ليست مشروعة، بل قد تكون بدعية، وقد تكون شركية، بحسب ما يكون في قلب الزائر وفعله. وقد تكون الزيارة معصية إنْ اقترنت بمعاصٍ، وذنوب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1556>مسألة [٢]: زيارة قبر الكافر</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ ذلك مشروعٌ للاعتبار، واستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁-، في «صحيح مسلم» (٩٧٦)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «استأذنت ربي أنْ استغفر لأمي؛ فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها؛ فأذن لي». (^٢)\nتنبيه: لا يُشرع السَّفر إلى بلد من أجل زيارة قبر أحد، حتى قبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فلا يُشرع السفر من أجل زيارة قبره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، بل يُسافر من أجل الصلاة في المسجد النبوي، ومن ثمَّ فلا بأس عليه إن زار القبر النبوي، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٥٣٥)، «المجموع» (٥/ ٣١٠)، «الفتح» (١٢٨٣)، «أحكام الجنائز» (ص ٢٢٩)، «شرح مسلم» (٩٧٤)، «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٣٣ -)، «المغني» (٣/ ٥١٧) (٣/ ٥٢٣)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ٣٤٥)، «عبد الرزاق» (٣/ ٥٦٩).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٥٣٦).","vol":"3","page":562},{"text":"٥٧٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّائِحَةَ وَالمُسْتَمِعَةَ. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد. (^١)\n\n٥٧٣ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ -﵂- قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ لَا نَنُوحَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n٥٧٤ - وَعَنْ عُمَرَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\n٥٧٥ - وَلَهُمَا نَحْوُهُ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -﵁-. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1557>مسألة [١]: تعريف النياحة وحكمها</span>.\nالنياحة: هي رفع الصوت بتعديد محاسن الميت، وشمائله، ويصحبه البكاء غالبًا، وقد لا يصحبه. وأما حكمها؛ فقد قال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٩٣٤): فِيهِ دَلِيل عَلَى تَحْرِيم النِّيَاحَة وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ. اهـ\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٣١٢٨) من طريق محمد بن الحسن بن عطية العوفي عن أبيه عن جده عن أبي سعيد، به.\nوإسناده ضعيف، محمد بن الحسن ضعيف، وأبوه ضعيف، وجده ضعيف ومدلس لا سيما عن أبي سعيد. فالحديث ضعيف.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٠٦)، ومسلم (٩٣٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٢٩٢)، ومسلم (٩٢٧) (١٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٢٩١)، ومسلم (٩٣٣). وعنده زيادة: «يوم القيامة».","vol":"3","page":563},{"text":"ذكر هذا الكلام تحت حديث أبي مالك الأشعري -﵁- في «مسلم» (٩٣٤): «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ»، وهذا يدل على أنَّ النياحة من كبائر الذنوب، ومثله حديث أبي هريرة -﵁-، في «مسلم» (٦٧): «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ».\nولكن ذكر الشوكاني -﵀- في «النيل» (٢/ ٨٠٥) أنَّ بعض المالكية حكي عنهم أن النياحة ليست بحرام، قال: وَاسْتَدَلَّ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٩٣٧) عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ -﵂-، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ إلَى قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢]، قَالَتْ: كَانَ مِنْهُ النِّيَاحَةُ، قَالَتْ: فَقُلْت: يَا رَسُولَ الله: إلَّا آلَ فُلَانٍ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَسْعَدُونِي فِي الْجاهِلِيَّةِ، فَلَابُدَّ لِي مِنْ أَنْ أُسْعِدَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «إلَّا آلَ فُلَانٍ»، وَغَايَةُ مَا فِيهِ التَّرْخِيصُ لِأُمِّ عَطِيَّةَ فِي آلِ فُلَانٍ خَاصَّةً، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى حِلِّ ذَلِكَ لِغَيْرِهَا فِي غَيْرِ آلِ فُلَانٍ؟ وَلِلشَّارِعِ أَنْ يَخُصَّ مِنْ الْعُمُومِ مَا شَاءَ. اهـ\nإشكال في حديث الباب:\nقال الإمام الألباني -﵀- في «أحكام الجنائز» (ص ٤١ - ٤٢): ثم إنَّ ظاهر هذا الحديث مُشكل؛ لأنَّه يتعارض مع أصول الشريعة، وقواعدها المقررة في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].\n• وقد اختلف العلماء في الجواب عن ذلك على ثمانية أقوال، وأقربها إلى الصواب","vol":"3","page":564},{"text":"قولان:\nالأول: ما ذهب إليه الجمهور، وهو أنَّ الحديث محمول على من أوصى بالنوح عليه، أو لم يوصِ بتركه، مع علمه بأنَّ الناس يفعلونه عادة؛ ولهذا قال عبد الله بن المبارك: إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئًا من ذلك بعد وفاته، لم يكن عليه شيء. والعذاب عندهم بمعنى العقاب.\nوالآخر: أن معنى: «يعذب»، أي: يتألم بسماعه بكاء أهله، ويرق لهم ويحزن، وذلك في البرزخ، وليس يوم القيامة، وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره، ونصره ابن تيمية، وابن القيم وغيرهما، قالوا: ليس المراد أن الله يعاقبه ببكاء الحي عليه، والعذاب أعم من العقاب كما في قوله: «السفر قطعة من العذاب»، وليس هذا عقابًا على ذنب، وإنما هو تعذيب وتألم.\nقال الألباني -﵀-: وقد يؤيد هذا قوله في الحديث «في قبره»، وكنت أميل إلى هذا المذهب برهة من الزمن، ثم بدا لي أنه ضعيف؛ لمخالفته للحديث السابع يعني حديث المغيرة بن شعبة المذكور في الكتاب الذي قَيَّدَ العذاب بأنه «يوم القيامة»، ومن الواضح أنَّ هذا لا يمكن تأويله بما ذكروا؛ ولذلك فالراجح عندنا مذهب الجمهور، ولا منافاة عندهم بين هذا القيد، والقيد الآخر في قوله: «في قبره»، بل يضم أحدهما إلى الآخر، وينتج أنه يعذب في قبره، ويوم القيامة، وهذا بَيِّنٌ إن شاء الله تعالى. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧٠ -)، و«تهذيب السنن» (٨/ ٢٧٨).","vol":"3","page":565},{"text":"٥٧٦ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁-، قَالَ: شَهِدْتُ بِنْتًا لِلنَّبِيِّ - ﷺ - تُدْفَنُ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسٌ عِنْدَ القَبْرِ، فَرَأَيْت عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1558>مسألة [١]: حكم البكاء على الميت</span>.\nدل حديث الباب على جواز البكاء على الميت.\nوفي «الصحيح» عن أنس -﵁-، أنَّ إبراهيم بن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يجود بنفسه بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربَّنَا، وإنَّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»، متفق عليه. (^٢)\nوفي «الصحيحين» (^٣) عن جابر -﵁-، أنَّ عمته فاطمة بكت على أبيه، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تبكين أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تُظِلُّه بأجنحتها حتى رفعتموه».\nوفي «الصحيحين» (^٤) عن عبد الله بن عمر -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عاد سعد بن عبادة، فبكى، وبكى من حوله.\nوفي «الصحيح» عن أسامة بن زيد -﵄-، أنَّ ولدًا لابنته رُفِعَ إليه، ونفسه تقعقع، ففاضت عينا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثم قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٢٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٣٠٣)، ومسلم برقم (٢٣١٥).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٢٤٤)، ومسلم برقم (٢٤٧١).\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (١٣٠٤)، ومسلم برقم (٩٢٤).","vol":"3","page":566},{"text":"عباده» (^١)، والأحاديث كثيرة في هذا الباب.\nويُشترط أن لا يصحب البكاء نياحة، ولا ضرب للخدود، ولا شق للجيوب، ولا نتف للشعر، ولا مخالفة شرعية.\nوالبكاء جائز، سواء قبل موته، أو بعده، ولكن لا ينبغي أن يُبكى عليه بعد ثلاثة أيام؛ لحديث عبد الله بن جعفر عند أبي داود (٤١٩٢)، والنسائي (٨/ ١٨٢)، وغيرهما، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثم أتاهم، فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم». (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٢٨٤)، ومسلم برقم (٩٢٣).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٥/ ٣٠٧)، «أحكام الجنائز» (ص ٣١ - ٣٢)، «المغني» (٣/ ٤٨٧).","vol":"3","page":567},{"text":"٥٧٧ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَدْفِنُوا مَوْتَاكُمْ بِاللَّيْلِ إلَّا أَنْ تَضْطَرُّوا». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ، لَكِنْ قَالَ: زَجَرَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ، حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1559>مسألة [١]: حكم الدفن بالليل</span>.\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يدفن بالليل؛ إلا من ضرورة، وهو مذهب الحسن البصري، ورواية عن أحمد ذكرها في «الإنصاف»، وهو مذهب ابن حزم، واختاره الإمام الألباني، واستدلوا بحديث الباب.\n• قال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم»: وَقَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف: لَا يُكْرَه، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق -﵁-، وَجَمَاعَة مِنْ السَّلَف دُفِنُوا لَيْلًا مِنْ غَيْر إِنْكَار (^٢)، وَبِحَدِيثِ الْمَرْأَة السَّوْدَاء، وَالرَّجُل الَّذِي كَانَ يَقُمّ الْمَسْجِد، فَتُوُفِّيَ بِاللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، وَسَأَلَهُمْ النَّبِيّ - ﷺ - عَنْهُ؟ فَقَالُوا: تُوُفِّيَ لَيْلًا، فَدَفَنَّاهُ فِي اللَّيْل، فَقَالَ: «أَلَا آذَنْتُمُونِي؟» (^٣) قَالُوا: كَانَتْ ظُلْمَة. وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٥٢١) وإسناده شديد الضعف؛ لأن فيه إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو متروك. وأصل الحديث في «مسلم» (٩٤٣) بلفظ (أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل وقبر ليلًا فزجر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه»).\n(^٢) دَفْنُ أَبي بكر -﵁- ليلًا ثابتٌ في «صحيح البخاري» برقم (١٣٨٧)، من حديث عائشة -﵂-.\n(^٣) تقدم في الكتاب برقم (٥٤٠).","vol":"3","page":568},{"text":"وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ النَّهْي كَانَ لِتَرْكِ الصَّلَاة، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُجَرَّد الدَّفْن بِاللَّيْلِ، وَإِنَّمَا نَهَى لِتَرْكِ الصَّلَاة، أَوْ لِقِلَّةِ الْمُصَلِّينَ، أَوْ عَنْ إِسَاءَة الْكَفَن، أَوْ عَنْ المَجْمُوع كَمَا سَبَقَ. اهـ\nقلتُ: ويدل على جواز الدفن في الليل حديث جابر -﵁- عند أبي داود (١٣٦٤)، قال: رأى ناسٌ نارًا في المقبرة، فجاءوا، فإذا النبي - ﷺ - في القبر، وهو يقول: «ناولوني صاحبكم»، وإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر.\nوقد حسَّنه شيخنا الإمام الوادعي -﵀- في «الجامع الصحيح» (٢/ ٢٦٣)، وبَوَّبَ عليه: [باب جواز الدفن ليلًا]. وبَوَّبَ عليه كذلك أبو داود في «سننه» بذلك.\nوقد دفن النبي - ﷺ - ليلًا في ليلة الأربعاء: أخرجه ابن المنذر من طريقين يحسن بهما.\nوممن دفن ليلًا: فاطمة -﵂-، كما في البخاري (٤٢٤٠)، ومسلم (١٧٥٩). وعند ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن الزبير -﵄-، أنه دفن عائشة -﵂- ليلًا.\nقلتُ: فالصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «شرح مسلم» (٩٤٣)، «أحكام الجنائز» (ص ١٧٦ -)، «الإنصاف» (٢/ ٥٢٢)، «المغني» (٣/ ٥٠٣).","vol":"3","page":569},{"text":"٥٧٨ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ جَعْفَرٍ -﵁-، قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ حِينَ قُتِلَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1560>مسألة [١]: صنع الطعام لأهل الميت</span>.\nاستحبَّ أهل العلم أن يُصْنَعَ لأهل الميت طعامًا؛ لأنهم شُغِلوا بمصيبتهم، وقد قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». (^٢)\nوفي «الصحيحين» (^٣) عن عائشة -﵂-، أنها كانت إذا مات الميت من أهلها، فاجتمع لذلك النساء، ثم تفرقنَ إلا أهلها وخاصَّتها، أمرت ببرمة من تلبينة، فَطُبِخت، ثم صُنِع ثريد، فصبت التلبينة عليها، ثم قالت: كُلْنَ منها؛ فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب بعض الحزن». (^٤)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (١/ ٢٠٥)، وأبوداود (٣١٣٢)، والترمذي (٩٩٨)، وابن ماجه (١٦١٠)، وفي إسناده خالد بن سارة وهو مجهول الحال.\nوله شاهد من حديث أسماء بنت عميس عند ابن ماجه (١٦١١) وأحمد (٦/ ٣٧٠) وفي إسناده أم عون بنت محمد بن جعفر والراوي عنها هي أم عيسى الجزار وكلتاهما مجهولة، فالأظهر أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٦٩٩)، من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٥٤١٧)، ومسلم برقم (٢٢١٦).\n(^٤) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٥٣٤)، «المجموع» (٥/ ٣١٧)، «المغني» (٣/ ٤٩٦).","vol":"3","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1561>مسألة [٢]: الاجتماع في بيت الميت للطعام</span>.\nكره أهل العلم الاجتماع في بيت الميت للطعام، وعدُّوه من البدع.\nوأخرج ابن ماجه (١٦١٢)، عن جرير بن عبد الله -﵁-، أنه قال: كُنَّا نرى الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام من النياحة.\nوفي إسناده: هُشيم بن بشير، مدلِّسٌ، وقد عنعن، وقد تابعه نصر بن باب عند أحمد (٦٩٠٥)، ولم يفعل شيئًا؛ لأنه متروك، بل قد كُذِّب.\nوعلى هذا؛ فالحديث ضعيفٌ، ولكن يغني عنه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد»، وكذلك فيه أذية لأهل الميت، وتكليف لهم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٢/ ٥٣٤)، «المجموع» (٥/ ٣٢٠)، «أحكام الجنائز» (ص ٢١٠ - ٢١١)، «المغني» (٣/ ٤٩٦).","vol":"3","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1562>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1563>مسألة [١]: تعزية أهل الميت</span>.\nاستحبَّ أهل العلم أن يُعَزِّي الناس أهل الميت، ومعناه: يُسلِّي عليهم بأمرهم بالصبر، والدعاء لميتهم، وليس لذلك صيغة محدودة، بل يُعَزِّيهم بكل ما يحصل به المقصود، وَإنْ أتى بما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فهو أفضل، كحديث أسامة بن زيد -﵄-، في «الصحيحين» (^١): «إنَّ لله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى؛ فَلتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ».\nوحديث أم سلمة في «صحيح مسلم» مرفوعًا: «اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ». (^٢)\nوتجوز التَّعْزِيَةُ قبل الموت، وبعده، ما دام يُحتاج إلى ذلك، وخصَّه الشافعي، وأحمد إلى ثلاثة أيام، وذهب الثوري، وأبو حنيفة إلى أنَّ التعزية قبل الدفن لا بعده، ويرد ذلك حديث قُرَّة بن إياس -﵁-، أنَّ رجلًا تُوُفِّيَ ولد له يُحِبُّه، فذهب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال له: «ألا يسرك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك ...»\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٢) تقدم في الكتاب برقم (٥٢٣).","vol":"3","page":572},{"text":"الحديث أخرجه النسائي (٤/ ٢٢، ١١٨)، وإسناده صحيح، وصححه شيخنا الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» برقم (١٠٨١).\nوأما التحديد بثلاثة أيام؛ فليس عليه دليلٌ صحيحٌ صريح؛ ولذلك فقد ذهب جماعة من الحنابلة، وهو وجهٌ عند الشافعية إلى عدم التحديد بثلاثة أيام، ورجَّح ذلك الإمام الألباني، فقالوا: يُعَزِّيه ما دام محتاجًا إلى ذلك، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: الاجتماع في بيت الميت للتعزية لا دليل عليه، وهو من المحدثات، ويعزيه أينما وجده، سواء في المسجد، أو في المصلَّى، أو في المقبرة، أو في البيت. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٣٠٧)، «الإنصاف» (٢/ ٥٣٨)، «المغني» (٣/ ٤٨٥)، «أحكام الجنائز» (ص ٢١٠).\n(^٢) انظر «أحكام الجنائز» (ص ٢١٠،٣٢٠).","vol":"3","page":573},{"text":"٥٧٩ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ -﵄-، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعَلِّمُهُمْ إذَا خَرَجُوا إلَى المَقَابِرِ [أَنْ يَقُولُوا] (^١): «السَّلَامُ عَلَى أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العَافِيَةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\n٥٨٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِقُبُورِ المَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ القُبُورِ، يَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالأَثَرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1564>مسألة [١]: الدعاء للموتى من المسلمين عند زيارة القبور</span>.\nيُستفاد من حديثي الباب: استحباب الدعاء للميت بذلك الدعاء الذي علمه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أصحابه، وقد سألته عائشة كما في «صحيح مسلم» (٩٧٤) (١٠٣): كيف أقول؟ تعني في المقبرة، قال: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ الله الْمسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله بِكُمْ لَلَاحِقُونَ».\nوعند مسلم (٩٧٤) (١٠٢)، عن عائشة -﵂-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يخرج إلى\n_________\n(^١) زيادة من المطبوع.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٩٧٥).\n(^٣) ضعيف. أخرجه الترمذي (١٠٥٣) وفي إسناده قابوس بن أبي ظبيان، وهو ضعيف.","vol":"3","page":574},{"text":"البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون».\nويُسْتَفَادُ من هذه الأحاديث: أنَّ قراءة الفاتحة، أو القرآن عند القبور لأرواح الموتى من البدع والمحدثات.\nوأمَّا دعاؤهم، وطلب الحاجات منهم؛ فهو شركٌ بالله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦].","vol":"3","page":575},{"text":"٥٨١ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إلَى مَا قَدَّمُوا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n٥٨٢ - وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ المُغِيرَةِ -﵁- نَحْوَهُ، لَكِنْ قَالَ: «فَتُؤْذُوا الأَحْيَاءَ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1565>مسألة [١]: حكم سب الأموات</span>.\nفيه تحريم سبِّ الأموات؛ لأنَّ أعراض المسلمين محرمة أحياءً، وأمواتًا، قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في البلد الحرام، في الشهر الحرام في يوم النحر: «إنَّ دِمَاءَكُم، وَأَمْوَالَكُم، وَأَعْرَاضَكُم، عَلَيْكُم حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هَذَا، فِي شَهْرِكُم هَذَا، فِي بَلَدِكُم هَذَا» متفق عليه عن أبي بكرة -﵁-.\nويُستثنى من ذلك جرح المجروحين من الرواة، وأهل البدع، والأهواء، وغيرهم؛ نصيحةً للأمة.\nوقد نَقَلَ الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم: النووي، والحافظ ابن حجر، والشوكاني، وغيرهم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٣٩٣).\n(^٢) صحيح. أخرجه الترمذي (١٩٨٢) حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبوداود الحفري، حدثنا سفيان، عن زياد بن علاقة، عن المغيرة مرفوعًا «لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء». وإسناده صحيح رجاله ثقات، وقد صححه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (١١٣٤).\n(^٣) انظر: «الفتح» (١٣٩٣)، «نيل الأوطار» (١٥١٩)، «شرح مسلم» (٩٤٩)، «رياض الصالحين».","vol":"3","page":576},{"text":"بَابُ صَلاةِ الجَمَاعَةِ وَالإِمَامَةِ\nكِتَابُ الصَّلَاةِ\n\nفتح العلام\nفي دراسة أحاديث بلوغ المرام\nحديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\nتأليف\nأبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني\nفي دار الحديث بدماج\n\nالجزء الرابع\nالزكاة - الصيام\nصَدَقَةِ الفِطْرِ - صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ - قَسْم الصَّدَقَاتِ - كِتَابُ الصِّيَام - صَوْمُ التَّطَوُّعِ وَمَا نُهِيَ عَنْ صَوْمِهِ - الاعْتِكَافُ وَقِيَامُ رَمَضَانَ","vol":"4","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1566>كِتَابُ الزَّكَاةِ</span>\nالزكاة لغة: النماء، والزيادة.\nوتأتي بمعنى الطهارة المعنوية، وهي صلاح القلب.\nفَمِنَ الأول قولهم: (زكا الزرع: إذا كثر ريْعه).\nومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١].\nوالآيات في هذا المعنى كثيرة.\nوتعريف الزكاة شرعًا: هي اسم لأخذ شيء مخصوص، من مالٍ مخصوص، على أوصافٍ مخصوصة، لطائفة مخصوصة. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «شرح المهذب» (٥/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، «المغني» (٤/ ٥).","vol":"4","page":5},{"text":"٥٨٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ مُعَاذًا -﵁- إلَى اليَمَنِ -فَذَكَرَ الحَدِيثَ- وَفِيهِ: «أَنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدَّ فِي فُقَرَائِهِمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1568>مسألة [١]: حكم الزكاة، وحكم من أنكرها</span>.\nالزكاة فرضٌ، وركنٌ من أركان الإسلام، وهي واجبة بكتاب الله تعالى، وبالسنة، وإجماع المسلمين.\nأما في القرآن: فآيات كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ومنها قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾\nثبت عن علي بن أبي طالب -﵁-، أنه قال: هي الزكاة المفروضة.\nوثبت ذلك أيضًا عن عبد الله بن عمر -﵄-.\nوثبت عن ابن مسعود وابن عباس -﵄- أن المراد بالآية ما يعيره الناس بعضهم بعضا، كعارية الدلو، والقدر، والفأس، ونحو ذلك. (^٢)\nوأما بالسنة: فأحاديث كثيرة، منها: حديث ابن عباس -﵄-، الذي في الكتاب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩). ولكن في رواية البخاري: «على فقرائهم» بدل «في» وهي أيضًا في «مسلم».\n(^٢) انظر الآثار المذكورة بأسانيدها في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٢٠٢)، «البيهقي» (٤/ ١٨٣)، «تفسير ابن جرير».","vol":"4","page":6},{"text":"وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون في جميع الأعصار على ذلك.\nوأما من أنكر فرضية الزكاة؛ فهو كافرٌ مالم يكن جاهلًا؛ لأنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1569>مسألة [٢]: من منعها بُخْلا لا جُحودًا</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه يُعَدُّ فاسقًا، مُرتَكِبًا لكبيرة من الكبائر، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في حديث أبي هريرة -﵁-، في «صحيح مسلم» (٩٨٧): «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».\n• وذهب بعض أهل العلم إلى تكفيره، نقله ابن رجب كما في «جامع العلوم والحكم» (ص ١٤٧)، عن سعيد بن جبير، ونافع، والحكم، قال: وهي رواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه، وهو قول ابن حبيب من المالكية.\nوقد استُدِلَّ لهذا القول بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥].\nوفي الآية الأخرى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١].\nواستدلوا بما أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١١٤) بإسناد صحيحٍ عن ابن مسعود\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٥)، «المجموع» (٥/ ٣٢٦)، «المحلَّى» (٦٣٧).","vol":"4","page":7},{"text":"-﵁-، أنه قال: من لم يؤد الزكاة؛ فلا صلاة له. وبإسنادٍ صحيحٍ عنه أنه قال: ما مانع الزكاة بمسلم.\nوأجاب الجمهور: أنَّ حديث أبي هريرة -﵁- دلَّ على أنَّ مانع الزكاة تحت المشيئة، قالوا: فَتُحْمَل الآية على أنَّ المقصود به تمام الأُخُوَّة، وكمالها بإيتاء الزكاة.\nوأما أثر ابن مسعود فخرج مخرج الزجر: يعني ما يصدر هذا العمل من المسلم الكامل الإسلام. والله أعلم.\nوقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1570>مسألة [٣]: ماذا يصنع الإمام بمن منعها بُخلا</span>؟\n• ذكر أهل العلم أنَّ الإمام يأخذها منه قهرًا، وقال الجمهور: يُعَزِّره على منعها. وقال إسحاق، وأبو بكر بن عبد العزيز: يأخذها وشطر ماله. وقد استُدِلَّ لهذا القول بحديث بهز ابن حكيم، عن أبيه، عن جَدِّه: «من أعطاها مؤتجرًا بها؛ فله أجره، ومن منعها؛ فإنَّا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات رَبِّنَا، لا يحل لآل محمد منها شيء».\nوأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأجوبة، منها وهو جواب بعضهم:\n١) أنَّ الحديث لا يثبت، فقد قال ابن حِبَّان مُنكِرًا لهذا الحديث قال في بهز: ولولا حديثُه: «فإنَّ آخذوها وشطر ماله»؛ لأدخلته في الثقات. وأشار\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٨)، «المجموع» (٥/ ٣٣٤).","vol":"4","page":8},{"text":"الشافعي إلى عدم ثبوته.\n١) أجاب جمعٌ من العلماء على الحديث بأنه منسوخ، ويؤيد ذلك عدم عمل الصحابة به فقد منع طائفةٌ الزكاةَ في عهد أبي بكر -﵁- ولم يَرِدْ أنَّ الصحابة أخذوا منهم نصف أموالهم.\nوقول الجمهور هو الصواب -والله أعلم- وهو أنَّ الإمام يُعَزِّره، ويُعَاقِبه، ولا يأخذ نصف ماله، كما فعل الصحابة -﵃-.\nوأما إن كان الذي منعها طائفةً لهم شوكة، ومَنَعَة؛ فيقاتلهم الإمام حتى يُؤدُّوها كما فعل أبو بكر الصِّدِّيق -﵁-، والصحابة مع الذين منعوا الزكاة.\nوهذا عليه إجماع الصحابة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾.\nوقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أُمِرتُ أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله تعالى» (^١). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1571>مسألة [٤]: إذا أخذ الإمام الزكاة قهرًا، فهل يؤجر عليها صاحبها</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٠): وقد اختلف أصحابنا في الإمام إذا أخذ الزكاة قهرًا هل تجزئه في الباطن؟ على وجهين، مع أنها\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٥)، ومسلم برقم (٢٢) من حديث ابن عمر -﵄-.\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٧ -)، «المجموع» (٥/ ٣٣٤).","vol":"4","page":9},{"text":"لا تستعاد منه: أحدهما: لا تجزيه؛ لعدم النية مع القدرة عليها. والثاني: أن نية الإمام تقوم مقام نية الممتنع؛ لأن الإمام نائب المسلمين في أداء الحقوق الواجبة عليهم، والأول أصح؛ فإن النبي - ﷺ - كان يأخذها منهم بإعطائهم إياها، وقد صرح القرآن بنفي قبولها؛ لأنهم ينفقون وهم كارهون، فعلم أنه إنْ أنفق مع كراهة الإنفاق؛ لم تقبل منه، كمن صلى رياءً.\nوقال -﵀- في (٢٢/ ١٩): فمن أقام الصلاة، وآتى الزكاة نفاقًا، أو رياءً؛ فإنَّ هذا يجزئه في الظاهر، ولا يُقبَل منه في الباطن قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]، وقال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢].اهـ\nثم قرر شيخ الإسلام -﵀- أنه لا إعادة عليه إذا تاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1572>مسألة [٥]: هل تجب الزكاة على الكافر</span>؟\nأما وجوبها بمعنى أنه يُطالَب بها إذا أسلم؛ فقد أجمع أهل العلم أنها لا تجب عليه بهذا الاعتبار، كما قال ذلك ابن حزم -﵀-، وأما من أطلق وجوبَها من أهل العلم؛ فمراده أنَّ الكافر يُعاقَب على تركها مع معاقبته على الكفر، وهذا هو الأصح","vol":"4","page":10},{"text":"من قَوْلَي أهل العلم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٨].\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل:٨٨]، فالكافر يؤاخذ على سائر المعاصي مع كفره بالله، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1573>مسألة [٦]: هل تجب الزكاة على المرتد</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٣٢٨): إنْ وجب عليه زكاة قبل رِدَّتِه؛ لم تسقط عنه بالرِّدَة عندنا باتفاق الأصحاب، وقال أبو حنيفة: تسقط. اهـ\nقلتُ: والذي اختاره الشافعية هو أحد القولين في مذهب أحمد، وهو الصواب؛ لأنَّ هذا حقٌّ للفقراء أوجبه الله في ماله حال الإسلام فمن أسقطه فعليه الدليل. (^٢)\nوأما وجوبها على المرتد حال رِدَّته؛ فالمشهور عند الحنابلة، والشافعية: عدم وجوبها عليه؛ لأنَّ حكمه حكم الكافر الأصلي؛ لأنَّ الأدلة التي جاءت في ذكر الكافرين تشمل الأصلي والمرتد؛ إلا ما خصَّ بدليل آخر، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٣/ ٥)، «المغني» (٤/ ٦٩)، «المجموع» (٥/ ٣٢٨)، «المحلَّى» (٦٣٩).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (١/ ٣٦٥ - ٣٦٦).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٥/ ٣٢٨)، «الإنصاف» (٣/ ٥)، «المغني» (٤/ ٢٧٥).","vol":"4","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1574>مسألة [٧]: هل تجب الزكاة في مال الصبي، والمجنون</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٣٣١): مذهبنا وجوبها في مالهما وبه قال الجمهور، وحكى ابن المنذر وجوبها في مال الصبي، عن عمر بن الخطاب، وعلي، وابن عمر، وجابر، والحسن بن علي، وعائشة، وطاوس، وعطاء، وجابر بن زيد، ومجاهد، وابن سيرين، وربيعة، ومالك، والثوري، والحسن بن صالح، وابن عيينة، وعبيد الله بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وسليمان بن حرب -﵃-. وقال أبو وائل، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، والنخعي: لا زكاة في مال الصبي. وقال سعيد بن المسيب: لا يزكي حتى يصلي ويصوم رمضان. وقال الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز: في ماله الزكاة، لكن لا يخرجها الولي، بل يحصيها، فإذا بلغ الصبي أعلمه فيزكي عن نفسه. وقال ابن أبي ليلى: فيما ملكه زكاة، لكن إن أداها الوصي ضَمِنَ. وقال ابن شبرمة: لا زكاة في ذهبه، وفضته، وتجب في إبله، وبقره، وغنمه. وقال أبو حنيفة: لا زكاة في ماله إلا عشر المعشرات. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو قول الجمهور؛ لحديث ابن عباس الذي في الكتاب، ففيه: «صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم؛ فتُرَدُّ في فقرائهم»، وهذا صريح أنَّ هذا واجبٌ، وحقٌّ في المال من كل مالِ غني، سواء كان صبيًّا، أو كبيرًا، أو مجنونًا، وقد جاء من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده","vol":"4","page":12},{"text":"مرفوعًا: «من وَليَ يتيمًا له مال؛ فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة»، (^١) ولكنه حديث ضعيفٌ، فيه: المثنى بن الصباح، وهو ضعيفٌ، أو أشد، ويُغني عنه حديث ابن عباس المتقدم.\nوقد احتج المانعون من ذلك، أو القائلون بعدم وجوب الزكاة في مال الصبي، والمجنون بحديث: «رُفِعَ القلم عن ثلاثة» ومنهم: «الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يعقل». (^٢)\nوأجاب الجمهور: أنَّ الزكاة حقٌّ في المال؛ فليس له علاقة في التكليف، وعدمه؛ لدلالة حديث ابن عباس المتقدم على ذلك، وهذا القول هو الثابت عن الصحابة، أعني قول الجمهور كما نقل ذلك ابن المنذر عنهم.\nوأقوال الصحابة -﵃- الذين ذكرهم ابن المنذر أخرجها عبد الرزاق (٤/ ٦٦ - ٧٠)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٤٩ - ١٥٠)، والبيهقي (٤/ ١٠٧ - ١٠٨)؛ إلا أثر الحسن بن علي، وكلها ثابتة محتجٌّ بها. (^٣)\nتنبيه: جاء عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: من ولي يتيمًا؛ فليُحْصِ عليه السنين، فإذا دفع إليه ماله أخبره بما فيه من الزكاة؛ فإنْ شاء زكَّى، وإنْ شاء ترك. أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والبيهقي، وفيه علَّتان: إحداهما: ليث بن أبي سليم ضعيفٌ مُختلطٌ، والثانية: انقطاعٌ بين مجاهد، وابن مسعود.\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٥٩٢).\n(^٢) سيأتي في الكتاب برقم (١٠٨٤).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٥/ ٣٣١)، «الإنصاف» (٣/ ٤)، «المغني» (٤/ ٦٩)، «المحلَّى» (٦٣٨).","vol":"4","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1575>مسألة [٨]: هل يجب على العبد زكاة في ماله</span>؟\n• ذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يجب على العبد زكاة في ماله، ثم اختلفوا: هل تجب الزكاة على السيد في ذلك المال، أو لا؟ على قولين:\nالأول: أنَّ على السيد الزكاة في مال العبد، وقالوا: لأنَّ الملك حقيقة للسيد، وليس للعبد ملك، وبعضهم قال: له ملك ضعيفٌ، وهذا قول أحمد، والشافعي في رواية عنهما، وهو قول سفيان، وإسحاق، وأصحاب الرأي.\nالثاني: ليس فيه زكاة، لا على العبد، ولا على السيد، وهو قول الزهري، وقتادة، ومالك، وأبي عبيد، ورواية عن أحمد، والشافعي، وحجَّتُهم أنَّ السيد قد مَلَّكَهُ العَبْدَ؛ فليس ملكًا له، وليس للعبد فيه ملك تام. وقد ثبت هذا القول عن ابن عمر، وجابر -﵄- كما في الأموال لأبي عبيد، ولابن زنجويه، وكما في مصنف ابن أبي شيبة.\n• وذهب عطاء، وأبو ثور، ونقله ابن حزم عن الحسن، وطاوس، بأسانيد صحيحة، ونقله عن عكرمة، وسالم، وابن أبي ذئب، وداود الظاهري وأصحابه، ذهب هؤلاء كلهم إلى أنه يجب على العبد زكاة في ماله؛ لأنه يملك ماله، وهو مسلم تشمله الأدلة في وجوب الزكاة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: تجب الزكاة في مال العبد، سواء قلنا: (إنه يملك ماله، أو لا يملكه).","vol":"4","page":14},{"text":"والأقرب قول من قال: إنه يملك ماله؛ لحديث: «من باع عبدًا له مال؛ فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع»، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1576>مسألة [٩]: هل تجب الزكاة على المكاتب في ماله</span>؟\n• ذهب أكثر العلماء إلى أنه لا تجب الزكاة فيه؛ لأنه ملك لم يستقر، ولم يوجبوه على السيد؛ لأنَّ السيد ليس له حق في التصرف في مال المكاتب.\nوثبت هذا عن جابر -﵁-، كما في الأموال لأبي عبيد، وابن زنجويه.\n• وذهب أبو ثور، والظاهرية إلى وجوبه على المكاتب؛ لأنَّه ملك له، وكيف يقال: له التصرف فيه. ويمنع من كل أحد، وليس هو ملكًا له.\nقال ابن حزم -﵀-: فليت شعري! في أيِّ الأصول وجدوا مالًا محكومًا به لإنسان، ممنوعًا منه كل أحد سواه، مطلقة عليه يده في بيع، وشراء، ونفقة، وكسوة، وسكنى، وهو ليس له؟\nأم في أيِّ سُنَّةٍ وجدوا هذا؟\nأم في أيِّ قرآن؟ أم فيِّ أي قياس؟.اهـ\nقلتُ: والصواب القول بوجوب الزكاة على المكاتب في ماله. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٣٣١)، «المغني» (٤/ ٦٩)، «المحلَّى» (٦٣٨)، «الأموال» (٤٦١)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ١٦١).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٥/ ٣٣٠)، «المغني» (٤/ ٧٢)، «المحلَّى» (٦٣٨)، «الأموال» (٤٦٥).","vol":"4","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1577>مسألة [١٠]: المال المنسوب إلى الجنين، هل تجب فيه الزكاة إذا خرج حيًّا، ثم حال عليه الحول</span>؟\n• ذهب أكثر الشافعية، والحنابلة إلى أنه لا تجب عليه فيه الزكاة؛ لأنَّ الجنين لا يُتيقن حياته، ويُوثَق بها؛ فلا يحصل تمام الملك، واستقراره؛ فعلى هذا يبتديء حولًا من حين ينفصل.\n• وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى أنه يجب فيه الزكاة إذا حال عليه الحول؛ لأنَّه يحكم له بالملك في الظاهر، حتى إنه يمنع منه بقية الورثة، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1578>مسألة [١١]: هل يجب إخراج الزكاة على الفور إذا حلَّ وقتها</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٣٣٥): ذكرنا أنَّ مذهبنا أنها إذا وجبت الزكاة، وتمكن من إخراجها؛ وجب الإخراج على الفور؛ فإنْ أَخَّرَها أثم، وبه قال مالك، وأحمد، وجمهور العلماء، ونقله العبدري عن أكثرهم، ونقل أصحابنا عن أبي حنيفة أنها على التراخي. اهـ\nوقيد ابن قدامة مذهب أبي حنيفة بما إذا لم يطالب، وحُجَّةُ الجمهور أنَّ الله أمر بالزكاة بقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، والأمر المطلق يقتضي الفور.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ١٤٦): هَاهُنَا قَرِينَةٌ تَقْتَضِي الْفَوْرَ، وَهُوَ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ لِحَاجَةِ الْفُقَرَاءِ، وَهِيَ نَاجِزَةٌ؛ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ، نَاجِزًا،\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٣/ ٤)، «المجموع» (٥/ ٣٣٠).","vol":"4","page":16},{"text":"وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَكَرَّرُ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا إلَى وَقْتِ وُجُوبِ مِثْلِهَا، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.\nثم قال: فَأَمَّا إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ فِي تَعْجِيلِ الْإِخْرَاجِ، مِثْلُ مَنْ يَحُولُ حَوْلُهُ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي، وَيَخْشَى إنْ أَخْرَجَهَا بِنَفْسِهِ أَخَذَهَا السَّاعِي مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَهُ تَأْخِيرُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.\nوَكَذَلِكَ إنْ خَشِيَ فِي إخْرَاجِهَا ضَرَرًا فِي نَفْسِهِ، أَوْ مَالٍ لَهُ سِوَاهَا، فَلَهُ تَأْخِيرُهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، (^١) وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ تَأْخِيرُ قَضَاءِ دَيْنِ الْآدَمِيِّ لِذَلِكَ، فَتَأْخِيرُ الزَّكَاةِ أَوْلَى. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1579>مسألة [١٢]: إذا وجبت الزكاة، وتمكن من أدائها، ثم مات قبل أن يخرجها</span>؟\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:\nالأول: أنها تجب في ماله، وهو قول عطاء، والحسن، والزهري، وقتادة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، ومالك، وابن المنذر، وداود؛ لأنَّ الزكاة حقٌّ في المال؛ لحديث ابن عباس الذي في الكتاب، قالوا: فيخرج هذا الحق قبل الوصية، وقسمة التركة.\nالثاني: إنْ أوصى بها؛ أُخْرِجَت، وإلا فلا تلزم الورثة، وهو قول ابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وحماد، والثوري، وغيرهم، وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنَّ المال انتقل بموته إلى الورثة.\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٩١٠).","vol":"4","page":17},{"text":"الثالث: تُخرَج من ماله قبل الوصايا، بحيث لا تتجاوز الثلث، وهو قول الليث، والأوزاعي.\nوالقول الأول هو الصواب؛ لأنَّ هذا حقٌّ في المال فلا يسقط بموته، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1580>مسألة [١٣]: إذا مضت عليه سنون لا يؤدي الزكاة، ثم أراد إخراجها</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٣٣٧): إذا مضت عليه سنون ولم يؤد زكاتها؛ لزمه إخراج الزكاة عن جميعها، سواء علم وجوب الزكاة، أم لا، وسواء كان في دار الإسلام، أم دار الحرب، هذا مذهبنا.\nقال ابن المنذر: لو غلب أهل البغي على بلد، ولم يؤد أهل ذلك البلد الزكاة أعوامًا، ثم ظفر بهم الإمام؛ أخذ منهم زكاة الماضي في قول مالك، والشافعي، وأبي ثور.\nقال: وقال أصحاب الرأي: لا زكاة عليهم لما مضى. وقال أصحاب الرأي: لو أسلم قوم في دار الحرب، وأقاموا سنين، ثم خرجوا إلى دار الإسلام؛ لا زكاة عليهم لما مضى، والله أعلم. اهـ\nقلتُ: ومأخذ من قال بوجوبها أنَّ هذا حقٌّ في المال، ولا يسقط بالبخل، ولا بالجهل، ومنِ ادَّعى سقوطه بأحدهما؛ فعليه أن يأتي بالدليل الصحيح على ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٣٣٥ -)، «المغني» (٤/ ١٤٥).","vol":"4","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1581>مسألة [١٤]: إذا تلفت الزكاة قبل وصولها إلى الفقير</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: لا تسقط عنه، وهو قول الزهري، والحكم، وحماد، والثوري، وأبي عبيد، وحجتهم أنه حق متعين على رب المال تلف قبل وصوله إلى مستحقه؛ فلم يبرأ منه بذلك، كدين الآدمي، وهو مذهب الحنابلة.\nالثاني: إنْ كان لم يفرط؛ فيُنظر في بقية ماله؛ فإنْ كان فيما بقي زكاة؛ أُخرج عنها، وإن لم يكن بَقِيَ؛ فتسقط عنه، وإنْ كان فرط؛ فلا تسقط مطلقًا، وهذا قول الشافعي.\nالثالث: يزكي ما بقي؛ إلا أنْ ينقص عن النصاب؛ فتسقط الزكاة، فرَّط، أم لم يفرط، وهو قول أصحاب الرأي.\nالرابع: يزكي ما بقي بقسطه، وإنْ لم يبق إلا عشرة دراهم، قاله مالك.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب؛ لأنه حق تعلقت به ذمته، ولم يصل إلى مستحقه، وهو ترجيح ابن حزم.\nوأفتى بذلك الإمام ابن باز، وعبدالرزاق عفيفي، وابن غديان كما في «فتاوى اللجنة الدائمة» (٩/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: هذه المسألة هي فيما إذا تلفت الزكاة بيد صاحبها، أو وكيله، أما إذا تلفت بيد السلطان، أو الساعي؛ فلا ضمان عليه فيما يظهر؛ لأنه قد أخرجها إلى محل شرعي؛ فبرئت عهدته، والله أعلم.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٤/ ١٤٨)، «المحلى» (٦٦٦)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ١٨٧).","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1582>مسألة [١٥]: هل يُشترط النية في إخراج الزكاة، أم لا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٨٨): مَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجِبُ لَهَا النِّيَّةُ؛ لِأَنَّهَا دَيْنٌ فَلَا تَجِبُ لَهَا النِّيَّةُ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَلِهَذَا يُخْرِجُهَا وَلِيُّ الْيَتِيمِ، وَيَأْخُذُهَا السُّلْطَانُ مِنْ المُمْتَنِعِ.\nوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وَأَدَاؤُهَا عَمَلٌ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَنَوَّعُ إلَى فَرْضٍ وَنَفْلٍ، فَافْتَقَرَتْ إلَى النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ، وَتُفَارِقُ قَضَاءَ الدَّيْنِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ مُسْتَحِقِّهِ، وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ، وَالسُّلْطَانُ يَنُوبَانِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّ النِّيَّةَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهَا زَكَاتُهُ، أَوْ زَكَاةُ مَنْ يُخْرِجُ عَنْهُ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الِاعْتِقَادَاتِ كُلِّهَا الْقَلْبُ. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (٦٨٨).","vol":"4","page":20},{"text":"٥٨٤ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -﵁-، كَتَبَ لَهُ: هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى المُسْلِمِينَ وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ «فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا الغَنَمُ: فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى (^١)، (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ) (^٢)،\nفَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ (^٣) طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ (^٤)، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتِسْعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا.\nوَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا (^٥) إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ\n_________\n(^١) هي التي استكملت سنة ودخلت في الثانية.\n(^٢) هذه الجملة ليست موجودة في «البخاري»، وهي عند أبي داود (١٥٦٧) وغيره بإسناد الصحيح، وهي بمعناها في البخاري (١٤٤٨).\n\nواللبون: هو الذي استكمل السنتين ودخل في الثالثة.\n(^٣) الحِقَّة: هي التي استكملت ثلاثًا ودخلت في الرابعة، وسميت حقة؛ لأنها في هذا استحقت أن يطرقها الفحل.\n(^٤) هي التي استكملت أربع سنين.\n(^٥) السائمة: هي التي ترعى في المباح، لا من نفقة صاحبها.","vol":"4","page":21},{"text":"رَبُّهَا، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ (^١)، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ (^٢)، [وَلَا تَيْسٌ] (^٣) إلَّا أَنْ يَشَاءَ المُصَّدِّقُ، وَفِي الرِّقَةِ: رُبُعُ العُشْرِ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ (^٤) إلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الجَذَعَةُ؛ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ المُصَّدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٥)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1583>مسألة [١]: زكاة الإبل، والغنم، والبقر</span>.\nأجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام، وهي الثلاثة الأصناف المذكورة، ونقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن عبد البر، والنووي، وابن قدامة، وابن حزم، وغيرهم.\nودلَّ على ذلك حديث أنس -﵁- الذي في الكتاب، وكذلك حديث معاذ -﵁- الآتي في الكتاب أيضًا، وكذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما من صاحب إبلٍ، ولا بقرٍ، ولا غنم\n_________\n(^١) الكبيرة التي سقطت أسنانها.\n(^٢) أي: المعيبة.\n(^٣) زيادة من المطبوع، و«صحيح البخاري».\n(^٤) في (أ) و(ب): (يكن)، والمثبت من «البخاري».\n(^٥) رواه البخاري مفرَّقًا، انظر أطرافه في (١٤٤٨).","vol":"4","page":22},{"text":"لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت، وأسمنه، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأخفافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها، حتى يُقضى بين الناس».\nأخرجه البخاري (١٤٦٠)، ومسلم (٩٩٠)، عن أبي ذرٍّ -﵁-، وأخرجه مسلم (٩٨٧) (٩٨٨) بنحوه عن أبي هريرة، وعن جابر -﵄-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1584>مسألة [٢]: المتولد من الغنم والظِّباء</span>.\n• في المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: فيها الزكاة، وهو مذهب أحمد، سواء كانت الظِّباء هي الإناث، أو الذكور.\nالثاني: إنْ كانت الإناث غنمًا وجبت فيها الزكاة، وإلا فلا، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة.\nالثالث: لا زكاة فيها مطلقًا، وهو قول الشافعي، وداود، وهذا هو الراجح؛ لأنَّ الأصل عدم وجوب الزكاة في جنس من الحيوانات إلا بدليل صريح، ولا دليل على ذلك، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1585>مسألة [٣]: هل يُشترط في زكاتها أن تكون سائمة</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط السَّوم في الزكاة، واستدلوا بحديث أنس\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد» (٧/ ١٠ -)، «المحلَّى» (٦٤٠)، «المغني» (٤/ ١٠، ٣٠، ٣٨)، «المجموع» (٥/ ٣٣٨)، «الإجماع» لابن المنذر (١٠٧).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٥/ ٣٣٩)، «المغني» (٤/ ٣٦ - ٣٧).","vol":"4","page":23},{"text":"الذي في الكتاب، وفيه: «وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ: شَاةٌ»، وبحديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جَدِّه: «في كل سائمة إبلٍ في أربعين: بنت لبون ...» (^١) الحديث مرفوعًا، وهو حسن، وقاسوا البقر على الإبل، والغنم.\n• وذهب مالك، والليث، وبعض الظاهرية إلى عدم اشتراط ذلك، واستدلوا ببعض الأدلة المطلقة في إيجاب الزكاة بدون تقييد بالسَّوم.\n• وذهب بعض الظاهرية إلى اشتراط ذلك في الغنم، والبقر دون الإبل، وبعضهم شرط ذلك في البقر فقط.\nوالصواب هو قول الجمهور؛ لظاهر الأدلة المتقدمة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1586>مسألة [٤]: فإذا كانت سائمة بعض الحول، وبعضه غير سائمة</span>؟\nمن أهل العلم من قال: العبرة بالأغلب؛ فإن كانت أكثر العام سائمة؛ ففيها الزكاة، وإن كانت أكثر العام معلوفة؛ فلا زكاة فيها. وهذا قول الحنابلة، والحنفية، وبعض الشافعية. وهذا القول هو الصواب؛ فالنادر لا حكم له.\nوقال بعض الشافعية: يعتبر بما يقوم به البدن؛ فإن علفت ما يقوم البدن بدونه، كاليوم واليومين؛ فلا تزال سائمة؛ وإن علفت ما لا يقوم البدن بدونه صارت معلوفة.\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٥٨٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ١٢، ٣٢، ٣٨)، «المجموع» (٥/ ٣٥٧)، «المحلَّى» (٦٧٨).","vol":"4","page":24},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: وإن تساوى الأمران وجبت الزكاة أيضًا؛ لأنه يطلق عليها سائمة، ولأنه أحظ للفقراء. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1587>مسألة [٥]: نصاب الإبل، والواجب فيها</span>.\nيجب في خمس من الإبل شاة من الغنم، وكذلك أيضًا فيما زاد على خمس إلى أن تتم له عشر من الإبل؛ ففيها: شاتان من الغنم -الضأن أو الماعز-.\nوكذلك فيما زاد حتى تتم له خمس عشرة؛ ففيها: ثلاث شياه.\nوكذلك فيما زاد حتى تتم له عشرون؛ ففيها: أربع شياه.\nوكذلك فيما زاد حتى تتم له خمسة وعشرون؛ ففيها: بنت مخاض أنثى، وهي التي بلغت سنة، واستكملتها، ودخلت في الثانية؛ فإنْ لم يكن عنده بنت مخاض، وعنده ابن لبون ذكر، وهو الذي بلغ سنتين، واستكملها، ودخل في الثالثة؛ فإنه يجزئ عنه، وليس عليه معه شيئ.\nوكذلك فيما زاد على خمس وعشرين، حتى تتم له ستة وثلاثون؛ ففيها: بنت لبون، وهي التي استكملت سنتين، ودخلت في الثالثة.\nوكذلك فيما زاد على ستة وثلاثين حتى تبلغ ستة وأربعين؛ ففيها: حِقَّة، وهي التي استكملت ثلاث سنوات، ودخلت في الرابعة.\nوكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تبلغ إحدى وستين؛ ففيها: جذعة، وهي\n_________\n(^١) انظر: «الحاوي الكبير» (٣/ ١٩٠)، «الموسوعة» (٢٣/ ٢٥٠)، «الروضة» (٢/ ٤٧، ١٩٢).","vol":"4","page":25},{"text":"التي استكملت أربع سنوات، ودخلت في الخامسة.\nوكذلك فيما زاد حتى تبلغ ستة وسبعين؛ ففيها: بنتا لبون.\nوكذلك فيما زاد حتى تبلغ إحدى وتسعين؛ ففيها: حِقَّتان.\nوكذلك فيما زاد حتى تبلغ مائة وعشرين؛ ففيها أيضًا: حِقَّتان، فإذا زادت على عشرين ومائة؛ ففي كل أربعين: بنت لبون، وفي كل خمسين: حِقَّة، باعتبار الإبل كلها، ففي إحدى وعشرين ومائة: ثلاث بنات لبون.\nوكذلك فيما زاد حتى تكون له ثلاثون ومائة؛ ففيها: بنتا لبون وحِقَّة.\nوكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تكون له أربعون ومائة، ففيها حِقَّتان وبنت لبون.\nوكذلك فيما زاد على ذلك حتى تكون له خمسون ومائة؛ ففيها: ثلاث حِقَاق.\nوكذلك فيما زاد على ذلك حتى تكون له ستون ومائة؛ ففيها: أربع بنات لبون.\nوكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تكون له سبعون ومائة؛ ففيها: ثلاث بنات لبون وحِقَّة.\nوكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تكون له ثمانون ومائة؛ ففيها: حِقَّتَان، وبنتا لبون.\nوكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تكون له تسعون ومائة؛ ففيها: ثلاث","vol":"4","page":26},{"text":"حِقَاق، وبنت لبون واحدة.\nوكذلك فيما زاد على ذلك، حتى تكون له مائتان؛ ففيها: أربع حِقَاق، أو خمس بنات لبون.\nوهكذا يستمر على هذا الحساب فيما زاد على ذلك، وليس على من معه أقل من خمس من الإبل صدقة.\nوالأحكام التي تقدم ذكرها بعضها مجمع عليها، وبعضها مختلف فيها، وسأذكر المختلف فيها مما تقدم لبيان وجه الاختلاف والترجيح وما عداها فمُجمعٌ عليه كما نقل ذلك ابن حزم، وابن عبد البر، والنووي، وابن قدامة وغيرهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1588>مسألة [٦]: إذا بلغت الإبل خمسًا وعشرين</span>؟\nتقدم أنَّ عليه فيها بنت مخاض أنثى؛ فإنْ لم تكن؛ فابن لبون ذكر، وهذا قول عامة أهل العلم؛ إلا ما رُوي عن علي -﵁-، أنَّ فيها خمسَ شياهٍ، وهو من طريق: عاصم بن ضمرة، عنه، قال: فإذا زادت على خمسٍ وعشرين؛ ففيها: بنت مخاضٍ. وقد رُوي عن علي مرفوعًا.\nوقد أَنكر أهل العلم ثبوت المرفوع، والموقوف، وعاصم بن ضمرة يروي عن علي منكرات، كما في «الكامل»، و«الميزان».\n_________\n(^١) انظر: «المحلَّى» (٦٧٤)، «التمهيد» (٧/ ١٠ -) ط/مرتبة، «المغني» (٤/ ١٦ -)، «المجموع» (٥/ ٤٠٠).","vol":"4","page":27},{"text":"قال النووي -﵀- في الحديث المرفوع: متفقٌ على ضعفه، ووهائه، وضعَّفَ ابن المنذر الموقوف، فقال: أجمعوا على أنَّ في خمسٍ وعشرين بنت مخاض، ولا يصح عن علي ما رُوي عنه فيها. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1589>مسألة [٧]: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة</span>؟\n• ذكرنا أنَّ فيها ثلاث بنات لبون، وهو مذهب أكثر أهل العلم، ومنهم: الأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، ورواية عن أحمد، ورواية عن مالك، واستدلوا بحديث أنس -﵁- الذي في الباب، وبنحوه كتاب آل عمر بن الخطاب. (^٢)\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الفرض لا يتغير حتى يبلغ مائة وثلاثين؛ ففيها: حِقَّة وبنتا لبون، وهذا قول أبي عبيد، ورواية عن مالك؛ لأنَّ الفرض لا يتغير بزيادة واحدة كسائر الفروض.\n• وذهب النخعي، والثوري، وأبو حنيفة إلى أنها إنْ زادت على عشرين ومائة؛ استؤنِفت الفريضة في كل خمسٍ: شاةٌ، إلى أن تبلغ خمسين؛ ففيها: حِقَّة إلى الحقتين المتقدمتين، وهكذا في كل خمسٍ: شاةٌ، إلى أن تبلغ الخمسين؛ ففيها: حِقَّة أخرى، وهكذا. واستدلوا بكتاب عمرو بن حزم، ففيه ما يدل على ما ذكروا، وهو حديث مرسل، ومع ذلك قال ابن قدامة -﵀-: وأما كتاب عمرو بن حزم فقد اختلف في صفته، فرواه الأثرم في «سننه» مثل مذهبنا، والأخذ بذلك أولى؛ لموافقته الأحاديث الصحاح. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ١٦)، «المجموع» (٥/ ٤٠٠)، «الفتح» (١٤٥٤)، «المحلَّى» (٦٧٤).\n(^٢) سيأتي اللفظ المراد منه قريبًا.","vol":"4","page":28},{"text":"واحتجَّ أهلُ هذا القول بما أسنده ابن حزم (٦/ ٣٤)، بإسناده عن علي -﵁-، قال: فإذا زادت على عشرين ومائة؛ فبحساب الأول، وتُسْتَأنف الفرائض.\nوهذا الأثر قد أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٢٥) أيضًا، وهو من طريق عاصم ابن ضمرة عن علي، وله عن علي -﵁- بعض التفردات.\nوهذا القول عن علي -﵁-، ليس بصريح في مذهبهم، ولو سُلِّم بأنه أراد مذهبهم؛ فالحجة في قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وعليٌّ قد خالفه أكثر منه من الصحابة، وأجلّ منه، كأبي بكر، وعمر، وعثمان -﵃-.\nوقد استُدِلَّ لأهل القول الثاني بما رواه أبو عبيد في «الأموال» بإسناد صحيح عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: إنَّ في كتاب صدقةِ النبي - ﷺ -، وفي كتاب عمر في الصدقة: «إنَّ الإبل إذا زادت على عشرين ومائة؛ فليس فيها دون العشر شيء، حتى تبلغ ثلاثين ومائة».\nوهذا حديثٌ مرسلٌ، وقد أخطأ فيه محمد بن عبد الرحمن؛ فإنَّ الثابت عن كتاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الذي في حديث أنس عن أبي بكر الصديق، وهو المذكور في الباب، وإسناده صحيح، وأما الذي في كتاب عمر؛ فقد أخرجه أبو داود (١٥٧٠) بإسناد صحيح عن ابن شهاب، قال: هذه نسخة كتاب رسول الله - ﷺ - الذي كتبه في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب، قال: أقرأني إياها سالم بن عبد الله بن عمر، فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله، وسالم ابني عبد الله بن عمر، وذكر الحديث، وفيه: «وإذا كانت إحدى وعشرين","vol":"4","page":29},{"text":"ومائة؛ ففيها: ثلاث بنات لبون إلى ثلاثين ومائة، فإذا بلغتها؛ ففيها: بنتا لبون وحِقَّة».\nقال ابن حزم -﵀-: وهذا خير مما أتونا به، وهذا في كتاب عمر حقًّا، لا تلك المكذوبة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: فالصواب هو القول الأول، وقد نصره ابن حزم، ودافع عنه بكلام جيد كما في «المحلَّى». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1590>مسألة [٨]: إذا بلغت الإبل حدًّا يستوي فيه بنات اللبون، والحِقَاق كالمائتين</span>؟\n• ذكرنا أنَّ له أن يُخرِج خمس بنات لبون، أو أربع حِقاق، وهذا القول هو قول الشافعي في الجديد، وهو الأصح عند الشافعية، وهو مذهب أحمد، والأصح عند أصحابه.\n• وذهب الشافعي في القديم، وهو قول بعض أصحابه، وهو رواية عن أحمد إلى أنَّ عليه أربع حِقَاق؛ لأنها أنفع للمساكين، والله يقول: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧] الآية، وحَمَلَ ابن قدامة الرواية التي عن أحمد بأنَّ المقصود أنَّ عليه أربع حِقاق بصفة التخيير.\nقلتُ: والصواب هو القول الأول؛ لأنَّ ذلك يشمله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حِقَّة»، بل جاء ذلك صريحًا في كتاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-\n_________\n(^١) وانظر: «المحلَّى» (٦٧٤)، «المغني» (٤/ ٢٠)، «المجموع» (٥/ ٤٠٠)، «الأموال» (ص ٥٠٣ -).","vol":"4","page":30},{"text":"الذي كان عند آل عمر ابن الخطاب، ففيه: «فإذا كانت مائتين؛ ففيها أربع حِقَاق، أو خمس بنات لبون». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1591>مسألة [٨]: هل يتعين عليه إخراج الغنم فيما دون خمس وعشرين من الإبل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ١٥): فَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ الشَّاةِ بَعِيرًا؛ لَمْ يُجْزِئْهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَدَاوُد. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُجْزِئُهُ الْبَعِيرُ عَنْ الْعِشْرِينَ فَمَا دُونَهَا.\nقال: وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُخْرَجُ مِمَّا يُجْزِئُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَالْعِشْرُونَ دَاخِلَةٌ فِيهَا، وَلِأَنَّ مَا أَجْزَأَ عَنْ الْكَثِيرِ أَجْزَأَ عَمَّا دُونَهُ. اهـ\nقلتُ: أما إذا كان المخرج يُجزئ عن خمس وعشرين؛ فالأظهر أنه يُجزئ عمَّا دونها، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nوأما إذا كان دون ذلك؛ فالأظهر أنه لا يُجزئ؛ لأنَّ الشارع نصَّ على الشاة، وإنما أجزناه فيما إذا كانت تجزئ عن خمس وعشرين؛ لأنَّ الشارع قد اعتبرها في عدد أكبر؛ فجازت في العدد الأصغر إذا طابت نفسُ صاحب المال، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1592>مسألة [١٠]: إذا لم يكن عند صاحب المال بنت مخاض</span>؟\nذكرنا أنه يُخرِج ابن لبون ذكر؛ لحديث أنس الذي في الكتاب، وهو قول الجمهور، وخالف أبو حنيفة، فقال: إنْ لم تكن عنده بنت مخاض؛ فإنه يؤدي\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٢٣)، «المجموع» (٥/ ٤١١).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (١٤٥٤)، «المجموع» (٥/ ٣٩٥ -).","vol":"4","page":31},{"text":"قيمتها، ولا يؤدي ابن لبون ذكر.\nقال ابن حزم -﵀-: وقول أبي حنيفة خلاف لرسول الله - ﷺ - وأصحابه -﵃-. (^١)\nتنبيه: لا يُجزئه إخراج ابن لبون ذكر ومعه في ماله بنت مخاض أنثى؛ لظاهر الحديث المتقدم، وأجاز أبو حنيفة إخراجه على وجه القيمة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1593>مسألة [١١]: إذا لم يكن معه بنت مخاض، ولا ابن لبون</span>؟\nذكر أهل العلم أنه يلزمه الشراء، وهل يلزمه شراء بنت مخاض، أم ابن لبون؟ على قولين:\n• ذهب أحمد، ومالك إلى أنه يلزمه شراء بنت مخاض؛ لأنهما استويا في العدم؛ فلزمته بنت المخاض كما لو استويا في الوجود، والحديث محمول على وجوده للرفق به، وإغناء له عن الشراء، ومع عدمه لا يستغني عن الشراء، فكان شراء الأصل أولى، وهذا قول بعض الشافعية.\n• وذهب الشافعي، وهو قول الأكثر من أصحابه إلى أنه يشتري أيهما شاء، ويجزئه. قالوا: والأفضل بنت مخاض؛ لأنها الأصل. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1594>مسألة [١٢]: إذا كان عنده خمس إبل ضِعَافٍ لا تساوي شاةً</span>؟\n• ذهب الشافعي، وأبو يوسف إلى أنه يجزئه أن يُخرج بعيرًا منها.\n_________\n(^١) انظر: «المحلَّى» (٦٧٤) (٦/ ٢٢ - ٢٣)، «المجموع» (٥/ ٤٠١)، «الحاوي الكبير» (٣/ ٧٩، و١٨٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ١٧)، «المجموع» (٥/ ٤٠١)، «الحاوي الكبير» (٣/ ٧٩).\n(^٣) انظر: «المغني» (٤/ ١٧)، «المجموع» (٥/ ٤٠١).","vol":"4","page":32},{"text":"• وذهب مالك، وداود، وابن حزم، وغيرهم إلى أنه لا يُجزئه إلا شاة، وهو الصواب، إلا أن يكون أحد الخمسة مما يجزئ عن زكاة خمس وعشرين من الإبل؛ كابنة مخاض، أو ابن لبون ذكر؛ فلا بأس به، ويجزئه إن شاء الله كما ذكر الشافعي؛ لأنه إذا أجزأ عن العدد الأكبر؛ أجزأ عن الأصغر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1595>مسألة [١٣]: إذا وجب عليه سنٌّ من الإبل، فأخرج سِنًّا أعلى منه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ١٨): وإنْ أخرج عن الواجب سِنًّا أعلى من جنسه، مثل أن يُخرِج بنت لبون عن بنت مخاض، وحِقَّة عن بنت لبون، أو بنت مخاض، أو أخرج عن الجذعة ابنتي لبون، أو حِقَّتَيْن؛ جاز، لا نعلم فيه خلافًا. اهـ\nوقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٦٧٤) (٦/ ٢٣): وأجازوا كلهم إعطاء أفضل مما لزمه من الأسنان إذا تطوع بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1596>مسألة [١٤]: من وجب عليه سِنٌّ وفقده في ماله</span>؟\n• ذهب كثير من العلماء إلى أنه يُعطي سِنًّا فوقها، أو دونها، ويجبر النقص بشاتين، أو عشرين درهمًا، وهذا قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وداود، وإسحاق في رواية، وهو قول النخعي، واستدلوا بحديث أنس الذي في الكتاب، وهو مختصر، وهو في «صحيح البخاري» أتم؛ فإن أعطى سِنًّا فوقها؛ أعطاه الساعي جبرًا، وإنْ أعطى سِنًّا دونها؛ أعطى الساعي جبرًا.\n_________\n(^١) انظر: «المحلَّى» (٦/ ٢٢)، (٦٧٤).","vol":"4","page":33},{"text":"• وذهب الثوري، وأبو عبيد، وإسحاق في رواية إلى أنَّ الجُبران بشاتين، أو عشرة دراهم؛ لأنَّ نصاب الغنم أربعون شاةً، ونصاب الفضة مائتا درهم؛ فكانت الشاة تعدل خمسة دراهم.\n• وذهب مكحول، والأوزاعي، وأصحاب الرأي إلى أنه يخرج قيمة السن الواجب وجوبًا.\n• وذهب مالك إلى أنه يلزم رب المال شراء ذلك السِّن.\nقلتُ: والقول الأول هو الصواب بدون ريب؛ لدلالة حديث أنس عليه، ولكن إذا أحب أن يشتري كما قال مالك؛ فلا بأس عندهم، وأما من قال بعشرة دراهم فدليلهم مفهوم، ودليلنا نصٌّ في محل النزاع؛ فوجب تقديمه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1597>مسألة [١٥]: من عدم السن الواجبة، والتي تليها</span>؟\n• ذهب الشافعي -﵀- إلى أنه يخرج السن التي بعد التي تليها، ويكون الجبر بأربعين درهمًا، أو أربع شياه.\nقال ابن قدامة -﵀-: وأومأ إليه أحمد، وذلك لأنَّ النص معقول المعنى؛ فإنَّ الجبر بشاتين، أو عشرين درهمًا كان لنقص سنة، فإذا كان النقص سنتين؛ كان الجبر بالضعف. اهـ\n• وذهب بعض الحنابلة، وابن المنذر، وابن حزم إلى أنه لا يجوز زيادة على جبران واحد كما ثبت في الحديث المذكور في الكتاب، ولم يذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٢٥ - ٢٦)، «المجموع» (٥/ ٤١٠)، «المحلَّى» (٦/ ٢٣)، (٦٧٤).","vol":"4","page":34},{"text":"الانتقال إلى سن أبعد، ويجب عليه شراء السن الواجب.\nقلتُ: والقول الأول أظهر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1598>مسألة [١٦]: نصاب زكاة الغنم، والواجب فيها</span>.\nليس على صاحب الغنم زكاة حتى تبلغ عنده أربعين شاة، فإذا بلغت أربعين؛ ففيها: شاةٌ، وكذلك فيما زاد، حتى تبلغ عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة على عشرين ومائة؛ ففيها: شاتان، إلى أن تبلغ مائتين، فإذا زادت واحدة على مائتين؛ ففيها: ثلاث شياه، إلى أن تبلغ ثلاثمائة، وهذا كله مجمع عليه، قاله ابن قدامة -﵀-، ثم استثنى خلافًا رُوي عن معاذ، ولا يثبت عنه؛ فإنه منقطع.\nوإذا زادت الغنم على ثلاثمائة؛ ففي كل مائةٍ: شاةٌ، ومعناه أنَّ جميع المال، ينظر كم فيه من المئات؛ فعليه في كل مائةٍ: شاةٌ، فالثلاثمائة عليها ثلاث شياه، والثلاثمائة والخمسون عليها ثلاث شياه، إلى أن تبلغ أربعمائة؛ ففيها: أربع شياه، وعلى هذا فيكون الوقص ما بين المائتين وواحدة إلى أربعمائة، وذلك مائة وثمانية وتسعون، وهذا القول يدل عليه حديث أنس -﵁- الذي في الكتاب، وحديث كتاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي عند آل عمر بن الخطاب، واللفظ فيه أصرح مما في حديث أنس، ففيه: «فإذا زادت على ثلاثمائة وواحدة؛ فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة شاة؛ ففيها: أربع شياه».\n• وذهب النخعي، والحسن بن صالح، وأحمد في رواية إلى أنها إذا زادت على\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٢٧)، «المجموع» (٥/ ٤٠٨)، «المحلَّى» (٦/ ٢٣).","vol":"4","page":35},{"text":"ثلاثمائة واحدة؛ ففيها أربع شياه، ثم لا يتغير الفرض حتى تبلغ خمسمائة؛ فيكون في كل مائةٍ: شاةٌ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جَعَلَ الثلاثمائة حدًّا للوقص وغايةً له، فيجب أن يتعقبه تغير النصاب كالمائتين، وهذا قياسٌ يرده قول النبي: «فإذا زادت على ثلاثمائة؛ ففي كل مائةٍ: شاةٌ»، واللفظ الآخر الذي تقدم، والصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1599>مسألة [١٧]: العيوب التي لا تؤخذ في زكاة الماشية</span>.\nجاء في حديث أنس المذكور في الكتاب: «ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس؛ إلا أنْ يشاء المصدق».\nالهرمة: هي الكبيرةُ السِّن، التي قد سقطت أسنانها، وذات العوار: بفتح العين، أي: ذات العيب، والتيس هو: فحل الغنم.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- (١٤٥٥): (الْمُصَدِّق) اُخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ، فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهُ بِالتَّشْدِيدِ يعني تشديد الصاد وَالْمُرَادُ: الْمَالِكُ، وَهَذَا اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد، وَتَقْدِير الْحَدِيث: لَا تُؤْخَذُ هَرِمَة وَلَا ذَاتُ عَيْبٍ أَصْلًا، وَلَا يُؤْخَذُ التَّيْس، وَهُوَ فَحْل الْغَنَم؛ إِلَّا بِرِضَا الْمَالِكِ؛ لِكَوْنِهِ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَفِي أَخْذِهِ بِغَيْرِ اِخْتِيَارِهِ إِضْرَار بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.\nقال: وَعَلَى هَذَا فَالِاسْتِثْنَاء مُخْتَصّ بِالثَّالِثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِتَخْفِيف الصَّاد، وَهُوَ السَّاعِي، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى التَّفوِيضِ إِلَيْهِ فِي اِجْتِهَادِهِ؛ لِكَوْنِهِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٩)، «المجموع» (٥/ ٤١٧ - ٤١٨)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ١٣٣).","vol":"4","page":36},{"text":"يَجْرِي مَجْرَى الْوَكِيلِ؛ فَلَا يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ الْمَصْلَحَةِ، فَيَتَقَيَّدُ بِمَا تَقْتَضِيه الْقَوَاعِدُ، وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيّ، وَلَفْظه: وَلَا تُؤْخَذُ ذَات عَوَارٍ، وَلَا تَيْس، وَلَا هَرِمَة؛ إِلَّا أَنْ يَرَى الْمُصَدِّقُ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَل لِلْمَسَاكِينِ، فَيَأْخُذُهُ عَلَى النَّظَرِ. اِنْتَهَى. وَهَذَا أَشْبَهُ بِقَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ فِي تَنَاوُلِ الِاسْتِثْنَاءِ جَمِيع مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ، فَلَوْ كَانَتْ الْغَنَمُ كُلُّهَا مَعِيبَة مَثَلًا، أَوْ تُيُوسًا؛ أَجْزَأَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهَا، وَعَنْ الْمَالِكِيَّةِ: يَلْزَمُ الْمَالِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَاة مُجْزِئَةً؛ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَهُمْ كَالْأَوَّلِ. اهـ\nقلتُ: وهناك اختلاف آخر في ضبط (الْمُصَدِّق)، فذهب أبو عبيد إلى أنها بتخفيف الصاد، وفتح الدَّال المشددة، أي: صاحب المال، وتعقَّبَه الخطَّابي بأنَّ أكثر الرُّواة يضبطونه بتخفيف الصاد، وكسر الدال المشددة، أي: السَّاعي. وقد تقدم من كلام الحافظ -﵀- معنى الروايتين.\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٤٠ - ٤١): وَعَلَى هَذَا لَا يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ، وَهُوَ السَّاعِي، أَحَدَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ؛ إلَّا أَنْ يَرَى ذَلِكَ، بِأَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النِّصَابِ مِنْ جِنْسِهِ؛ فَيَكُونَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ، فَيَأْخُذَ هَرِمَةً، وَهِيَ الْكَبِيرَةُ مِنْ الْهَرِمَاتِ، وَذَاتَ عَوَارٍ مِنْ أَمْثَالِهَا، وَتَيْسًا مِنْ التُّيُوسِ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: إنْ رَأَى الْمُصَدِّقُ أَنَّ أَخْذَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ خَيْرٌ لَهُ، وَأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، فَلَهُ أَخْذُهُ؛ لِظَاهِرِ الِاسْتِثْنَاءِ. اهـ","vol":"4","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1600>مسألة [١٨]: ضابط العيب الذي يمنع الإجزاء في الزكاة</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٤٥٥): وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهَا، فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّدُّ فِي الْبَيْعِ، وَقِيلَ: مَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاء فِي الْأُضْحِيَّةِ. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1601>مسألة [١٩]: هل يأخذ المصدِّقُ الماخض، والرُّبَّى، والأكولة</span>؟\nالماخض: هي التي قاربت الوضع. والرُّبَّى: هي التي قد وضعت، وهي تربي ولدها، يعني قريبة العهد بالولادة. والأكولة: أي السَّمينة.\nوهذه الثلاث لا تؤخذ في الصدقة؛ لأنها من الكرائم، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإيَّاكَ وكرائم أموالهم»، وأخرج عبد الرزاق (٤/ ١١ - ١٢) بإسناد صحيح عن عمر -﵁- أنه قال: إني لا آخذ فيه الأكولة، ولا فحل الغنم، ولا الرُّبَّى، ولا الماخض، ولكني آخذ العَنَاق، والجذعة، والثَّنيَّة. انتهى المراد.\nوأما إذا كانت كلها كرائم؛ فإنه يأخذ منها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1602>مسألة [٢٠]: هل تجزئ السِّخال في الزكاة</span>؟\nالسِّخال: هي الصِّغار من أولاد الغنم، وهي مالم تبلغ أن تكون جَذَعَة، وهي الجدي من أولاد المعز، والخروف من أولاد الضأن.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٤٧): السَّخْلَة لا تُؤخذ في الزكاة، ولا نعلم فيه خلافًا. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٥/ ٤٢٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٤٤)، «المجموع» (٥/ ٤٢٥ -).","vol":"4","page":38},{"text":"وقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٦٧٢) (٥/ ٢٧٨): أجمعوا على أن لا يؤخذ خروف، ولا جدي في الواجب في الزكاة عن الشاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1603>مسألة [٢١]: ما هو السِّنُّ الذي يُجزئ إخراجه في الغنم</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الذي يُجزئ هو الثَّنِي من المعز، والجذع من الضأن، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، واستدلوا بما جاء عن سعر بن ديسم، قال: أتاني رجلان على بعير، فقالا: إنا رسولا رسول الله - ﷺ - إليك لتؤدي صدقة غنمك. قلت: فأي شيء تأخذان؟ قالا: عناق جذعة، أو ثنية. وبما جاء عن سويد بن غفلة، قال: أتانا مصدِّقُ رسول الله - ﷺ -، وقال: أُمِرْنا نأخذ الجذعة من الضأن، والثَّنيَّة من المعز.\nوحديث سعر بن ديسم أخرجه أحمد (٣/ ٤١٤ -)، والنسائي (٥/ ٢٣)، وفي إسناده: مسلم بن شعبة، مجهولٌ، وحديث سويد بن غفلة ذكره ابن قدامة، ولم أجده باللفظ المذكور، وإنما وجدته في مصادره عند أحمد (٤/ ٣١٥)، وأبي داود (١٥٧٩)، والنسائي (٥/ ٢١)، وغيرهم بلفظ: فقال: إنَّ في عهدي أن لا آخذ من راضع لبن، ولا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. وأتاه رجلٌ بناقة كوماء، فأبى أن يقبلها. الحديث. وفي إسناده ميسرة أبو صالح، مجهول الحال.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: لَا يُجْزِئُ إلَّا الثَّنِيَّةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُمَا نَوْعَا جِنْسٍ، فَكَانَ الْفَرْضُ مِنْهُمَا وَاحِدًا، كَأَنْوَاعِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ.","vol":"4","page":39},{"text":"وقال: وَقَالَ مَالِكٌ تُجْزِئُ الْجذَعَةُ مِنْهُمَا؛ لِأنَّهُمَا نَوعُ جِنْسٍ، فَكَانَ الفَرْضُ وَاحِدًا.\nقلتُ: وقد تقدم عن عمر -﵁-، أنه قال: ولكني آخذ العَنَاق، والجذعة، والثنية. وهو صحيح عنه.\nقال أبو عبيد -﵀- في «الأموال» (٣٩٧): وهذا هو الذي عليه الناس اليوم؛ إلا أن مالك بن أنس كان يختار أن تؤخذ الجذعة من الضأن، والثنية من المعز، يشبهها بالأضاحي، وهذا فيما نرى مذهبٌ حسن. اهـ\nقلتُ: وهذا القول هو ظاهر اختيار ابن حزم؛ فإنه أجاز إخراج كل ما يطلق عليه شاة، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: اختلف الفقهاء، وأهل اللغة في ضبطِ سِنِّ الجَذَعَة، والثنية، والأصح عند الشافعية أنَّ الجذعة ما بلغت سنةً، ودخلت في الثانية، والثنية ما بلغت سنتين، ودخلت في الثالثة، سواء في ذلك الضأن، أو المعز، والأصح عند الحنابلة أنَّ الجذع من الضأن ما بلغ ستة أشهر، والثني من المعز هو ما له سنة. (^٢)\nتنبيه آخر: يُشترط في الشَّاة الواجبة في زكاة الإبل نفس الشروط في الشاة الواجبة في زكاة الغنم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٤٩)، «الأموال» (ص ٣٩٦ - ٣٩٧)، «المجموع» (٥/ ٣٩٧)، «المحلَّى» (٦٧٢).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٥/ ٣٩٧)، «المغني» (٤/ ٤٩).","vol":"4","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1604>مسألة [٢٢]: هل يُجزئ إخراج الذكور</span>؟\nأما في الإبل، فذكر أهل العلم أنه لا يجزئ إخراج الذكور فيها؛ إلا إذا وجبت عليه بنت مخاض، وليست عنده، وعنده ابن لبون؛ فإنه يُجزئ عنه.\nوأما في البقر، فأجاز أهل العلم إخراج الذكر، أو الأنثى إذا كان النصاب ثلاثين، وأما إذا بلغ أربعين؛ فليس فيها إلا مُسِنَّة أنثى.\n• وأما الغنم، فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا تجزئ إلا أنثى، وهو قول الشافعية بغير خلاف عندهم، وهو قول أكثر الحنابلة قياسًا على الإبل، ولأنَّ الأنثى يُنْتَفَعُ بها أكثر.\n• وذهب بعض الحنابلة إلى أنَّ الذكر يُجزئ، وهو قول ابن حزم؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «في أربعين إلى عشرين ومائة شاةٍ: شاةٌ»، والشاة تُطلق على الذكر والأنثى، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن أخذ التيس في الزكاة، وقال: «إلا أن يشاء المصدق»، فعلى رواية تشديد الصاد يُفهم منه أن الذكر يُجزئ، وهذا هو الصواب، والله أعلم.\nتنبيه: الشاة التي تخرج عن الإبل يجزئ أيضًا كونها ذكرًا، وقد قال بذلك جمهور الشافعية، وجماعة من الحنابلة، وكان يلزمهم أن يجعلوا الحكم فيهما واحدًا، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٣٩٧، ٤٢٢) «المغني» (٤/ ١٤، ٤١) «المحلَّى» (٦٧١) «الإنصاف» (٣/ ٥٢ - ٥٣).","vol":"4","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1605>مسألة [٢٣]: إذا كان النِّصَابُ كلُّه ذكورًا</span>؟\nأما في مسألة الغنم، فجمهور الشافعية، والحنابلة على أنه يجزئ إخراج الذكر عنها، واستدلوا بحديث الباب، بقوله: «ولا تيس إلا أن يشاء المصدق»، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.\nوأما في مسألة البقر والإبل، فوجهان، والصحيح عند الشافعية، والحنابلة الإجزاء، وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى عدم الإجزاء، وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ ما أوجبه الله ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يُخْرَجُ عنه إلا بدليل صحيح، وعلى هذا؛ فالواجب هو الإناث في الإبل؛ إلا ابن لبون إذا لم يكن عنده بنت مخاض، وإلا في ثلاثين بقرة؛ ففيها: تبيع، أو تبيعة، كما سيأتي إن شاء الله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1606>مسألة [٢٤]: إذا كان مع صاحب الماشية عشرون من الضأن، وعشرون من المعز</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٥٠): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ضَمِّ أَنْوَاعِ الْأَجْنَاسِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ضَمَّ الضَّأْنِ إلَى الْمَعْزِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ أَيِّ الْأَنْوَاعِ أَحَبَّ، سَوَاءٌ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ، بِأَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا، أَوْ لَا يَكُونَ أَحَدُ النَّوْعَيْنِ مُوجِبًا لِوَاحِدٍ، أَوْ لَمْ تَدْعُ الحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ، بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ النَّوْعَيْنِ يَجِبُ فِيهِ فَرِيضَةٌ كَامِلَةٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ: يُخْرِجُ مِنْ أَكْثَرِ الْعَدَدَيْنِ؛ فَإِنْ اسْتَوَيَا أَخْرَجَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ.\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٣/ ٥٣)، «المجموع» (٥/ ٤٢٢).","vol":"4","page":42},{"text":"وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقِيَاسُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مَا يَخُصُّهُ. واخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. اهـ\nقلتُ: والصواب ما ذهب إليه الحنابلة من أنه يُجزِئ من أي النوعين شاء، سواء كان الضأن والمعز متساويين، أو متفاوتين في العدد، وهذا هو اختيار ابن حزم -﵀-.\nإلا أنَّ الحنابلة قالوا: يخرج من أحد النوعين ما قيمته كقيمة المخرج من النوعين، فإذا كان النوعان سواء، وقيمة المخرج من أحدهما اثنا عشر، ومن الآخر خمسة عشر؛ أخرج من أحدهما ما قيمته ثلاثة عشر ونصف، وهكذا ينظر إلى نسبة الشقص، فيخرج بحسبه، وأما ابن حزم فيرى الإجزاء مطلقًا بدون هذا التفصيل، وقوله أقرب، والله أعلم.\nقال ابن حزم -﵀- رادًّا على قول مالك، والشافعي: وهذا قول بلا برهان، لا من قرآن، ولا من سنة صحيحة، ولا رواية سقيمة، ولا قول صاحب، ولا قياس، بل الذي ذكروا خلاف للسنن المذكورة، وقد اتفقوا على جمع المعزى مع الضأن، وعلى أن اسم غنم يعمها، وأن اسم الشاة يقع على الواحد من الماعز ومن الضأن، ولو أن رسول الله - ﷺ - علم في حكمها فرقًا؛ لبينه كما خص التيس، وإن وجد في اللغة اسم التيس يقع على الكبش؛ وجب أن لا يؤخذ في الصدقة إلا برضى المصدق، والعجب أن المانع من أخذ الماعزة عن الضأن أجاز أخذ الذهب عن الفضة والفضة عن الذهب وهما عنده صنفان يجوز بيع بعضهما ببعض متفاضلًا. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المحلَّى» (٦٧١).","vol":"4","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1607>مسألة [٢٥]: هل تحسب السِّخال من النِّصاب</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ السِّخال تُعَدُّ على صاحب الماشية، ولا يؤخذ منها، واستدلوا على ذلك بما جاء عن عمر بن الخطاب -﵁- بإسناد صحيح، أنَّ سفيان بن عبد الله الثَّقفي قَدِمَ عليه من الطائف، فقال: يا أمير المؤمنين، شكى إلينا أهل الشاء، فقالوا: تَعْتَدُّوا علينا بالبُهم، ولا تأخذونه؟ قال: فاعْتَدَّ عليهم بالبهم، ولا تأخذه حتى يعتد عليهم بالسخلة يريحها الرَّاعي على يديه، وقل لهم: إنَّا ندعُ لكم الرُّبَّى، والوالدة، وشاة اللحم، والفحل، ونأخذ منكم العَنَاق، والجَذَعَة، والثنية، وذلك وسط بيننا وبينكم.\nأخرجه مالك (١/ ٢٦٥)، وعبد الرزاق (٤/ ١١ - ١٢)، وأبو عبيد (ص ٥٣٥)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٣٤)، والبيهقي (٤/ ١٠٠ - ١٠١)، وغيرهم.\nقالوا: ولا يُعْلَم لعمر مخالفٌ له من الصحابة.\n• وذهب الحسن، والنخعي، إلى أنه لا زكاة في السِّخال حتى يحول عليها الحول، ولا تُعدُّ على أصحاب الماشية قبل ذلك، وهذا القول نصره ابن حزم في «المحلَّى»، وذكر أنَّ عمر قد خُولِف، واستدل على ذلك بقول ابن عمر، وعلي، وغيرهما -﵃-: من استفاد مالًا؛ فلا زكاة عليه حتى يحول الحول. وقال بأنَّ جماعة من أهل الطائف خالفوا في ذلك كما في أثر عمر -﵁-.\nقال: والظاهر أن فيهم صحابة؛ لقرب العهد بالنبي - ﷺ -.\nواستدل أيضًا بحديث أنس -﵁- الذي في الكتاب، وفيه: «وفي كل أربعين إلى","vol":"4","page":44},{"text":"عشرين ومائة شاةٍ: شاةٌ».\nقال: والسِّخال لا يُطلق عليها شاة.\nوقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى»: وَأَيْضًا: فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ خَرُوفٌ، وَلَا جَدْيٌ فِي الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ عَنِ الشَّاءِ؛ فَأَقَرُّوا بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَاةً، وَلَا لَهُ حُكْمُ الشَّاءِ، فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا زَكَاةٌ؛ فَلَا تَجُوزُ هِيَ فِي الزَّكَاةِ بِغَيْرِ نَصٍّ فِي ذَلِكَ.\nقال: وَأَيْضًا فإن زَكَاةَ مَاشِيَةٍ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهَا حَوْلٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ.\nقال أبو عبدالله غفر الله له: لم يأت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه أمر سُعاته أن يجعلوا للسخال حولًا خاصًّا بها، ولا يعدوها مع الكبار، ولو أمرهم بذلك؛ لنُقِل، وأيضًا: إنَّ ذلك شاقٌّ ومُتعذر، أعني أن يحسب لكل سخلة حولًا منفصلًا؛ وعليه فالذي أفتى به عمر -﵁- ولم يخالفه فيه أحد من الصحابة هو الحق إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\nوقد رجَّح هذا القول الإمام ابن باز، والإمام العثيمين -رحمه الله تعالى-، وبالله التوفيق. (^١)\nتنبيه: حكم الفصلان صغار الإبل والعجول صغار البقر نفس حكم السِّخال في المسألة المذكورة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٤٦)، «الأموال» (٥٣٥ -)، «المحلَّى» (٦٧٢)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ١٣٤).","vol":"4","page":45},{"text":"تتمة للمسألة السابقة:\n• اختلف الجمهور فيما بينهم فيما إذا لم يكمل النصاب إلا بالسِّخال على قولين:\nالأول: أنَّ الحول يُحسب من حين ملك السِّخال، وكمل النصاب، وهذا القول رواية عن أحمد، وهو الصحيح عند الحنابلة، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.\nوهذا القول هو الصحيح؛ لأنَّ الأموال لا يحسب حولها حتى تستكمل نصابًا.\nالثاني: يُعتبر حول الجميع من حين ملك الأمهات، وهو قول مالك، ورواية عن أحمد. (^١)\nوقد قال ابن حزم -﵀-: وَحَصَلُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنْ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ قَلَّدُوا عُمَرَ -﵁-، وَهُمْ قَدْ خَالَفُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا، فَلَمْ يَرَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ أَنْ تُعَدَّ الأَوْلَادُ مَعَ الأُمَّهَاتِ إلَاّ إذَا كَانَتْ الأمَّهَاتُ نِصَابًا، وَلَمْ يَقُلْ عُمَرُ ذَلِكَ.\nقال أبو عبدالله غفر الله له: عمر -﵁- لم يصرح بأن ذلك فيما زاد على النصاب، ولكن هو ظاهر كلامه -﵁-؛ لأنه قد عُلِم عن الصحابة -﵃- أنهم يشترطون حَوَلَان الحول كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.\nوعليه فكلامه محمول على ما إذا كان هناك نصاب، وأما إن كانت السخال مكملة للنصاب فالذي يظهر أنه يبدأ حساب الحول من حين الكمال والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٤٧).\n(^٢) انظر: «المحلَّى» (٦٧٢) (٥/ ٢٧٩).","vol":"4","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1608>مسألة [٢٦]: من ملك سِخالا، أو فصلانًا، أو عُجولا عامًا كاملا</span>؟\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٥/ ٢٧٢): وَأَمَّا مَنْ مَلَكَ خِرْفَانًا، أَوْ عُجُولًا، أَوْ فُصْلَانًا سَنَةً كَامِلَةً؛ فَالزَّكَاةُ فِيهَا وَاجِبَةٌ عِنْدَ تَمَامِ الْعَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُسَمَّى غَنَمًا، وَبَقَرًا، وَإِبِلًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1609>مسألة [٢٧]: هل يجزئ أن يُخرج القيمة في زكاة الماشية</span>؟\n• ذهب طائفة من العلماء إلى عدم الجواز، وقالوا: لا يجزئ؛ لأنَّ النصوص جاءت بالإخراج من جنسها؛ إلا في الإبل في أقل من خمس وعشرين؛ فيجب عليه من الغنم، وهذا قول الأكثر، ومنهم: أحمد، والشافعي، ومالك، وداود.\n• وأجاز أبو حنيفة أخذ القيمة، وأجازه الثوري في العُروض، وهو ظاهر اختيار البخاري، فقد بوَّبَ في «صحيحه»: [باب العرض في الزكاة]، قال: وقال طاوس: قال معاذ -﵁- لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميص، أو لبيس مكان الشعير، والذرة، أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي - ﷺ - بالمدينة.\nوقد ردَّ ابن حزم -﵀- على هذا الأثر، وحكم عليه بالضَّعف، والنكارة، أما الضَّعف؛ فَلِأَنَّ طاوسًا لم يَلقَ معاذًا -﵁-، وأما النكارة؛ فلِأَنَّ معاذًا خالف النصوص في هذا الأثر.\nقال: وحاشاه أن يخالف النصوص، ويزعم أنَّ ذلك خير للصحابة مما جاء به الله ورسوله. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٤٢٩)، «الفتح» (١٤٤٨)، «المحلَّى» (٦٧٤).","vol":"4","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1610>مسألة [٢٨]: هل تؤثِرُ الخُلطَة في زكاة الماشية</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٥١ - ٥٢): الْخُلْطَةُ فِي السَّائِمَةِ تَجْعَلُ مَالَ الرَّجُلَيْنِ كَمَالِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ فِي الزَّكَاةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ خُلْطَةَ أَعْيَانٍ، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ الْمَاشِيَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبٌ مَشَاعٌ، مِثْلُ أَنْ يَرِثَا نِصَابًا أَوْ يَشْتَرِيَاهُ، أَوْ يُوهَبَ لَهُمَا، فَيُبْقِيَاهُ بِحَالِهِ، أَوْ خُلْطَةَ أَوْصَافٍ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُمَيَّزًا، فَخَلَطَاهُ، وَاشْتَرَكَا فِي الْأَوْصَافِ الَّتِي نَذْكُرُهَا، وَسَوَاءٌ تَسَاوَيَا فِي الشَّرِكَةِ، أَوْ اخْتَلَفَا، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِرَجِلٍ شَاةٌ، وَلِآخَرَ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ، أَوْ يَكُونَ لِأَرْبَعِينَ رَجُلًا أَرْبَعُونَ شَاةً، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَاةٌ، نَصَّ عَلَيْهِمَا أَحْمَدُ، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ إذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ نِصَابٌ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَثَرَ لَهَا بِحَالٍ؛ لِأَنَّ مِلْكَ كُلِّ وَاحِدٍ دُونَ النِّصَابِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يَخْتَلِطْ بِغَيْرِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا اخْتَلَطَا فِي نِصَابَيْنِ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْلِكُ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ؛ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ شَاةٌ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ».\nقال: وَلَنَا مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي ذَكَرْنَا أَوَّلَهُ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ؛ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ»، وَلَا يَجِيءُ التَّرَاجُعُ إلَّا عَلَى قَوْلِنَا فِي خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ. وَقَوْلُهُ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ» إنَّمَا يَكُونُ هَذَا إذَا كَانَ لِجَمَاعَةٍ؛ فَإِنَّ الْوَاحِدَ يَضُمُّ","vol":"4","page":48},{"text":"مَالَهُ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ فِي أَمَاكِنَ. انتهى المراد.\nقلتُ: وقد ذهب ابن حزم إلى قول أبي حنيفة، وعزاه أيضًا إلى الثوري، وشريك، والحسن بن حي، وحملوا قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما كان من خليطين» على الاشتراك بالعين بدون تميز، وذهب الجمهور إلى أنه عام يشمل اختلاط الأعيان، واختلاط الأوصاف، وقول الجمهور أقرب، والله أعلم، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1611>مسألة [٢٩]: ضابط اختلاط الأوصاف</span>.\nاعتبر أهل العلم في الاختلاط اتحاد المرعى، والمراح، وهو المبيت، والمسرح، والمشرب، وزاد جماعةٌ اتحاد الفحل، واتحاد الراعي، واتحاد المحلب.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ضابط اختلاط الأوصاف لم يأت فيه نصٌّ صحيح، وعلى هذا فيرجع إلى اللغة، فما كان يطلق عليه مختلط في اللغة؛ فهو ضابط اختلاط الأوصاف، وإنْ لم تجتمع الأمور التي ذكروها، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1612>مسألة [٣٠]: هل يُشترط في خلطة الأوصاف أن تكون في جميع الحول</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٥٥): وَيُعْتَبَرُ اخْتِلَاطُهُمْ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ؛ فَإِنْ ثَبَتَ لَهُمْ حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِهِ؛ زَكَّوْا زَكَاةَ الْمُنْفَرِدِينَ، وَبِهَذَا قَالَ\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٤٣٢ -)، «المحلَّى» (٦٨١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٥٣)، «الإنصاف» (٣/ ٦١)، «المجموع» (٥/ ٤٣٤ - ٤٣٥).","vol":"4","page":49},{"text":"الشَّافِعِيُّ فِي الْجدِيدِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْتَبَرُ اخْتِلَاطُهُمْ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ». يَعْنِي فِي وَقْتِ أَخْذِ الزَّكَاةِ.\nوَلَنَا: أَنَّ هَذَا مَالٌ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ؛ فَكَانَتْ زَكَاتُهُ زَكَاةَ الْمُنْفَرِدِ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ فِي آخِرِ الْحَوْلِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُجْتَمِعِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ. اهـ\nقلتُ: وقول مالك أقرب إلى الدليل المذكور، وهو قول الشافعي في القديم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1613>مسألة [٣١]: إذا كانت سائمةُ الرَّجُل متفرقة</span>؟\nإذا كانت متفرقة في بلدان بينهما مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ فتُجمع بلا خلاف عند العلماء، وأما إذا كان بينهما مسافة قصر؛ فذهب أحمد في رواية إلى أنها لا تُجمع، والرواية الأخرى عنه أنها تُجمع وهو قول عامة أهل العلم وهو الصواب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1614>مسألة [٣٢]: الاختلاط في غير الماشية</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- (٤/ ٦٤ - ٦٥): وَإِنِ اخْتَلَطُوا فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ، كَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَالزُّرُوعِ، وَالثِّمَارِ؛ لَمْ تُؤَثِّرْ خُلْطَتُهُمْ شَيْئًا، وَكَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمَ المُنْفَرِدِينَ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ شَرِكَةَ الْأَعْيَانِ تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ نِصَابٌ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ، فَعَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ. وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي الْحَبِّ، وَالثَّمَرِ.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٤٣٧).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٦٣ - ٦٤)، «الفتح» (١٤٥٠).","vol":"4","page":50},{"text":"قال: وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.\nثم قال: وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا حَكَيْنَا فِي مَذْهَبِنَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخُلْطَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «وَالْخَلِيطَانِ مَا اشْتَرَكَا فِي الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّاعِي». وَقَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ»، إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَاشِيَةِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَقِلُّ بِجَمْعِهَا تَارَةً، وَتَكْثُرُ أُخْرَى، وَسَائِرُ الْأَمْوَالِ تَجِبُ فِيهَا فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ، فَلَا أَثَرَ لِجَمْعِهَا. اهـ\nقلتُ: وما رجَّحه ابن قدامة هو الصحيح، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-، ولكن حديثه الأول الذي استدل به لا يثبت، أخرجه الدارقطني (٢/ ١٠٤)، عن سعد بن أبي وقاص -﵁-، وفي إسناده: ابن لهيعة، وقد تفرد به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1615>مسألة [٣٣]: الأوقاص في الماشية</span>.\nالوقص: بفتح الواو، والقاف، ويجوز إسكانها: هو ما بين الفريضتين عند الجمهور، واستعمله الشافعي فيما دون النصاب الأول أيضًا.\n• وفي مسألة الأوقاص قولان:\nالأول: لا شيء في الأوقاص، والزكاة على النصاب فقط دون العفو، وهو مذهب أحمد، والشافعي في الجديد، ومالك في رواية، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، وداود، وهو قول أكثر العلماء، قاله ابن المنذر.\nالثاني: الزكاة على النصاب وما زاد، وهو مذهب الشافعي في القديم، ومالك في رواية، ومحمد بن الحسن، وزُفَر، ويظهر أثر الخلاف فيمن له مثلًا تسعٌ من","vol":"4","page":51},{"text":"الإبل، فتلف أربعة بعد الحول، وقبل التمكن من الأداء حيث قلنا: إنه شرط في الوجوب، وجبت عليه شاة بلا خلاف، وكذا إن قلنا: التمكن شرطٌ في الضمان، وقلنا: الوقص عفو، وإن قلنا: يتعلق به الفرض؛ وجب خمسة أتساع شاة.\nقلتُ: وقول الجمهور هو الصواب والعمل عليه، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٣٩٣)، «شرح سنن النسائي» للأثيوبي (٢٢/ ٧٥).","vol":"4","page":52},{"text":"٥٨٥ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَهُ إلَى اليَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً (^١)، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِر. (^٢) رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَشَارَ إلَى اخْتِلَافٍ فِي وَصْلِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (^٣)\n_________\n(^١) التبيع: هو الذي استكمل سنة، والمسنة: ما استكملت سنتين.\n(^٢) معافر: هي قبيلة باليمن تنسب إليها الثياب المعافرية.\n(^٣) حسن بشواهده، دون قوله: (ومن كل حالم ...). أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٠)، وأبوداود (١٥٧٦)، والنسائي (٥/ ٢٥ - ٢٦)، والترمذي (٦٢٣)، وابن ماجه (١٨٠٣)، وابن حبان (٤٨٨٦)، والحاكم (١/ ٣٩٨)، كلهم من طريق الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ به.\n\nوهذا الإسناد ظاهره الصحة، ولكنه قد أعل بالإرسال، قال الترمذي في «السنن»: وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه بعث معاذًا ... وهذا أصح. اهـ، ورجح الدارقطني أيضًا المرسل كما في «التلخيص». وانظر من رواه مرسلًا: «تحقيق المسند» (٣٦/ ٣٤٠).\nقلتُ: كذا قال الحافظ، والذي في العلل (٩٨٥) أنه رجح رواية الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ -﵁-، وكذا رجح ذلك البيهقي (٩/ ١٩٣).\nوله طريق أخرى عن معاذ: أخرجها أحمد (٥/ ٢٤٠)، من طريق يزيد بن أبي حبيب عن سلمة ابن أسامة عن يحيى بن الحكم أن معاذًا قال بعثني رسول الله ... فذكره مطوَّلًا. وإسناده ضعيف؛ لأن سلمة مجهول، وشيخه مجهول الحال، ولم يدرك معاذًا كما قال الحافظ في «التعجيل».\nوله طريق أخرى: أخرجها مالك في «الموطأ» (١/ ٢٥٩) عن حميد بن قيس المكي عن طاوس أن معاذ بن جبل أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا ومن أربعين مسنة، وأتي بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئًا، وقال: لم أسمع من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيه شيئًا حتى ألقاه فأسأله ... .\nورجاله ثقات، ولكن طاوسًا لم يلقَ معاذًا، لكن قال الشافعي: طاوس عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذًا، وهذا مما لا أعلم من أحد فيه خلافًا.\nثم وجدت له طريقًا أخرى: أخرجه أبو عبيد (٩٩٣)، وابن زنجويه (١٠٥، ١٤٥٤)، من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن معاذ. وهذا إسنادٌ منقطعٌ؛ لأن إبراهيم لم يدرك معاذا -﵁-، وهو يقوي ما تقدم.\nوله شاهد من حديث ابن مسعود -﵁- أخرجه أحمد (١/ ٤١١)، والترمذي (٦٢٢)، وابن ماجه (١٨٠٤)، وغيره، وفي إسناده خصيف الجزري ضعيف سيئ الحفظ، وأبوعبيدة لم يسمع من أبيه.\nفالحديث بهذه الطرق لا ينزل عن رتبة الحسن بل يرتقي إلى الصحة، وقد صححه الإمام الألباني، بل وأكثر العلماء المتقدمين والمتأخرين. انظر: «الإرواء» (٣/ ٢٦٨)، و«تحقيق المسند» (٣٩٠٥) (٢٢٠١٣) (٢٢٠٨٤).\nتنبيه: الطرق الأخرى للحديث التي ذكرنا وحديث ابن مسعود ليس فيه ذكر الجزية (ومن كل حالم ... إلخ) فهي زيادة ضعيفة.","vol":"4","page":53},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1616>مسألة [١]: نصاب البقر وزكاتها</span>.\nقال الخِرَقِي -﵀-: وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ سَائِمَةً صَدَقَةٌ.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا: فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ؛ لِأَنَّهَا عَدَلَتْ بِالْإِبِلِ فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ، فَكَذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ.\nثم استدل ابن قدامة -﵀- على ترجيح قول الجمهور بحديث معاذ المذكور في الكتاب.\nثم قال: وَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ؛ فَإِنَّ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ مِنْ الْغَنَمِ تَعْدِلُ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ فِي الْهَدْيِ، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا.\nقال الخِرَقِي -﵀-: وَإِذَا مَلَكَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ، فَأَسَامَهَا أَكْثَرَ السَّنَةِ؛ فَفِيهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، إلَى تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ؛ فَفِيهَا مُسِنَّةٌ، إلَى تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتِّينَ؛ فَفِيهَا تَبِيعَانِ، إلَى تِسْعٍ وَسِتِّينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سَبْعِينَ؛","vol":"4","page":54},{"text":"فَفِيهَا تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ، فَإِذَا زَادَتْ؛ فَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ.\nقال ابن قدامة -﵀-: التَّبِيعُ: الَّذِي لَهُ سَنَةٌ، وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ. وَالمُسِنَّةُ: الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ، وَهِيَ الثَّنِيَّةُ، وَلَا فَرْضَ فِي الْبَقَرِ غَيْرُهُمَا، وَبِمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المَاجِشُونِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ: فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ بِحِسَابِهِ، فِي كُلِّ بَقَرَةٍ رُبْعُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ. اهـ\nقلتُ: وذهب ابن جرير، وابن حزم إلى أنَّ نصاب البقر خمسون بقرة، ففيها بقرة، وحجتهما أنَّ ما دون ذلك مختلف فيه، أما الخمسون ففيها إجماع متيقن.\nوالصواب هو مذهب الجمهور، وهو ترجيح أئمة العصر، كالألباني، وابن باز، وابن عثيمين، والوادعي ﵏. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1617>مسألة [٢]: حكم الجواميس</span>.\nقال الخِرَقِي -﵀-: وَالْجوَامِيسُ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبَقَرِ.\nقال ابن قدامة -﵀-: لَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا، وَلِأَنَّ الْجوَامِيسَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَقَرِ. اهـ. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٤١٥)، «المحلَّى» (٦٧٣)، «التلخيص» (٢/ ١٦٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٣٤ - ٣٥).","vol":"4","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1618>مسألة [٣]: بقر الوحش</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٣٥): وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ يعني عن أحمد فِي بَقَرِ الْوَحْشِ، فَرُوِيَ أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَقَرِ يَشْمَلُهَا، فَيَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ الْخَبَرِ، وَعَنْهُ: لَا زَكَاةَ فِيهَا. وَهِيَ أَصَحُّ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَقَرِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهَا، وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ إذَا كَانَتْ لَا تُسَمَّى بَقَرًا بِدُونِ الْإِضَافَةِ، فَيُقَالُ: بَقَرُ الْوَحْشِ، وَلِأَنَّ وُجُودَ نِصَابٍ مِنْهَا مَوْصُوفًا بِصِفَةِ السَّوْمِ حَوْلًا لَا وُجُودَ لَهُ، وَلِأَنَّهَا حَيَوَانٌ لَا يُجْزِئُ نَوْعُهُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ، فَلَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، كَالظِّبَاءِ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَلَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، كَسَائِرِ الْوُحُوشِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1619>مسألة [٤]: المتولد من البقر الوحشي، والأهلي</span>.\n• فيها ثلاثة أقوال:\nالأول: وجوب الزكاة فيها، سواء كانت الإناث وحشية، أو إنسية، وكذا الفحول، وهذا مذهب الحنابلة.\nالثاني: إنْ كانت الأمهات أهلية؛ وجبت الزكاة وإلا فلا، وهو قول مالك، وأبي حنيفة.\nالثالث: لا زكاة فيها، وهو قول الشافعي، وقد رجَّح ابن قدامة -﵀- هذا القول بكلامٍ لا بأس به.\nوحاصله أنَّ الأصل عدم الوجوب، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بدليل صريح، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٥).","vol":"4","page":56},{"text":"٥٨٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ، أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ -﵄-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تُؤْخَذُ صَدَقَاتُ المُسْلِمِينَ عَلَى مِيَاهِهِمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ.\nوَلِأَبِي دَاوُد: «لَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إلَّا فِي دُورِهِمْ». (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1620>مسألة [١]: أخذ الزكاة من أصحاب الأموال عند ديارهم ومياههم</span>.\nيدل الحديث المتقدم على أنَّ السعاة يذهبون إلى أصحاب الأموال، فيأخذون زكاتها عند ديارهم، وأموالهم، وقد جرى العمل على هذا في زمن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثم الخلفاء بعده.\nوالأدلة متواترة في ذلك، منها: حديث أبي هريرة -﵁-، في «الصحيحين»، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث عمر -﵁- على الصدقة. (^٢)\nوفيهما (^٣) عن أبي حميد الساعدي: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث رجلًا من الأَزد، يقال له: ابن الُّلتْبِيَّة. والأدلة في هذا الباب متكاثرة، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١٨٠)، وأبوداود (١٥٩١)، وإسناده حسن. والراوي عن عمرو بن شعيب هو محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث عند أحمد (٢/ ٢١٦)، والبيهقي (٤/ ١١٠) وقد تابعه أسامة بن زيد الليثي عند أحمد (٢/ ١٨٤ - ١٨٥)، وعنده اللفظ المذكور «في مياههم». وأسامة فيه ضعف.\n(^٢) سيأتي في الكتاب برقم (٨٧٤).\n(^٣) «البخاري» برقم (٩٢٥)، و«مسلم» برقم (١٨٣٢).\n(^٤) انظر: «المحلَّى» (٦٩٢).","vol":"4","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1621>مسألة [٢]: هل يجزئ إخراج الصدقة إلى السلطان الجائر</span>؟\n• ذهب عامة أهل العلم إلى أنها تجزئ؛ لحديث ابن مسعود في «الصحيحين»، (^١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ»، وحديث وائل بن حُجر في «صحيح مسلم» (١٨٤٦)، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - ورجلٌ يسأله: أرأيت إن كانت علينا أمراء يمنعونا حقَّنَا، ويسألونا حقَّهم؟ فقال: «اسْمَعُوا، وَأَطِيْعُوا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِم مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُم».\nوقد ثبت عن جمع من الصحابة الأمر بإخراجها إلى السلطان الجائر، ثبت ذلك عن سعد، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد -﵃-. أخرجها عنهم عبد الرزاق (٤/ ٤٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٥٦).\nقال الشوكاني -﵀- في «النيل»: وَحَكَى الْمَهْدِيُّ فِي «الْبَحْرِ» عَنْ الْعِتْرَةِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى الظَّلَمَةِ، وَلَا يُجْزِئ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، وَيُجَابُ: بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى تَسْلِيمِ صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ عُمُومُهَا مُخَصَّصٌ بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1622>مسألة [٣]: أيهما أفضل: دفع الزكاة إلى الإمام، أو إخراجها بنفسه</span>؟\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٦٠٣)، ومسلم برقم (١٨٤٣).","vol":"4","page":58},{"text":"الأول: أنَّ الأفضل أن يُخرِجها بنفسه، وهو مذهب أحمد، والحسن، ومكحول، وابن جبير، وميمون بن مهران، والثوري، وطاوس، وعطاء، والشعبي، وأبي جعفر، والنخعي، وبعض هؤلاء يقيد ذلك بما إذا كانوا أهل جَورٍ، والحجَّة لأهل هذا القول أنه إذا أخرجها بنفسه يكون على يقين من وصولها إلى مستحقها، وربما أعطاها بعض أقاربه؛ فتكون صدقة، وصِلة.\nالثاني: دفع الزكاة إلى الإمام العادل أفضل، وهو مذهب الشافعية، وقال به الشعبي، ومحمد بن علي، وأبو رزين، والأوزاعي، وبعض الحنابلة، وبعض من قال بهذا القول يَعُمُّ الحكم، حتى ولو كان الإمام جائرًا.\nومنع مالك، وأبو حنيفة، وأبو عبيد أن يخرج الإنسان بنفسه الأموال الظاهرة، كالمواشي، والزروع؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، ولأنَّ أبا بكر -﵁-، قاتلهم على منعهم الزكاة.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَنَا عَلَى جَوَازِ دَفْعِهَا بِنَفْسِهِ، أَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ الْجائِزِ تَصَرُّفُهُ؛ فَأَجْزَأهُ، كَمَا لَوْ دَفَعَ الدَّيْنَ إلَى غَرِيمِهِ، وَكَزَكَاةِ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الزَّكَاةِ، فَأَشْبَهَ النَّوْعَ الْآخَرَ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَخْذَهَا، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَمُطَالَبَةُ أَبِي بَكْرٍ لَهُمْ بِهَا؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُؤَدُّوهَا إلَى أَهْلِهَا، وَلَوْ أَدَّوْهَا إلَى أَهْلِهَا لَمْ يُقَاتِلْهُمْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِي إجْزَائِهِ. انتهى المراد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنَّ الإمام إذا كان عادلًا يضعُ الزكاةَ في مواضعها: أنَّ الأفضل أن يُعْطَى الزَّكاةَ، وأما إذا كان جائرًا؛ فالأفضل أن يفرِّقَها","vol":"4","page":59},{"text":"بنفسه؛ إذا لم يطالب الإمام بها، والله أعلم.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٨١): أَمَّا مَا يَأْخُذُهُ وُلَاةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعُشْرِ، وَزَكَاةِ الْمَاشِيَةِ، وَالتِّجَارَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبِهِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَادِلًا يَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَا يَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَيَنْبَغِي لِصَاحِبِهِ أَنْ لَا يَدْفَعَ الزَّكَاةَ إلَيْهِ، بَلْ يَصْرِفُهَا هُوَ إلَى مُسْتَحِقِّيهَا؛ فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهَا إلَى الظَّالِمِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَدْفَعْهَا إلَيْهِ لَحَصَلَ لَهُ ضَرَرٌ؛ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ ظَلَمُوا مُسْتَحِقِّيهَا، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، وَنَاظِرِ الْوَقْفِ إذَا قَبَضُوا مَالَهُ وَصَرَفُوهُ فِي غَيْرِ مَصَارِفِهِ. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٩٢ - ٩٤).","vol":"4","page":60},{"text":"٥٨٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\nوَلِمُسْلِمٍ: «لَيْسَ فِي العَبْدِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةُ الفِطْرِ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1623>مسألة [١]: هل في الخيول زكاة</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٣٣٩): مذهبنا أَنَّهُ لا زكاة فيها مُطْلقًا، وحكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب (^٣)، وابن عمر (^٤)، والشعبي، والنخعي، وعطاء، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، والحكم، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وحكاه غيره عن عمر بن الخطاب (^٥)، والأوزاعي، ومالك، والليث، وداود، وقال حماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة: يفرق، فتجب الزكاة فيها إن كانت ذكورًا وإناثا، وإن كانت ذكورًا متمحضة؛ فلا زكاة على المشهور، وعنه رواية شاذة بالوجوب، ويُعتبر فيها الحول دون النصاب، قال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٦٤). وأخرجه أيضًا مسلم (٩٨٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٩٨٢) (١٠).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٣٤) بإسناد حسن.\n(^٤) أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٣٦٢)، وفي إسناده عبد الله بن عمر العمري، وفي حفظه ضعف.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٥٢)، وإسناده صحيح، وأخرج أيضًا هذا القول عن ابن عباس -﵄- بإسنادٍ صحيحٍ.","vol":"4","page":61},{"text":"ومالكها بالخيار، إنْ شاء أعطى من كل فرس دينارًا، وإنْ شاء قومها وأخرج ربع عشر قيمتها. واحتج بحديث جابر عن النبي - ﷺ -، أنه قال في الخيل السائمة: «في كل فرس دينار»، واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة المذكور هنا -يعني حديث الباب-، وهو في «الصحيح» كما سبق، وفى المسألة أحاديث أخر، والجواب عن حديث جابر: أنَّه ضعيفٌ باتفاق المحدثين، قال الدارقطني: تفرد به غورك، وهو الحضرمي وهو ضعيف جِدًّا، واتفقوا على تضعيف غورك. اهـ\nوقد استدل من قال بأنه لا زكاة فيه بما روى أحمد (١/ ١٤)، بإسناد صحيح عن حارثة بن مضرب، قال: جاء ناسٌ من أهل الشام إلى عمر، فقالوا: إنَّا قد أصبنا أموالًا، وخيلًا، ورقيقًا، ونُحِبُّ أن يكون لنا فيها زكاة وطهور، قال: ما فعله صاحباي قبلي فأفعله. واستشار أصحاب محمد - ﷺ -، وفيهم علي، فقال علي: هو حسنٌ إنْ لم يكن جزية راتبة يؤخذون بها من بعدك.\nقال ابن قدامة -﵀-: حَدِيثُ عُمَرَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنْ وُجُوهٍ:\nأَحَدُها: (قَوْلُهُ: مَا فَعَلَهُ صَاحِبَايَ)، يَعْنِي النَّبِيَّ - ﷺ -، وَأَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا؛ لَمَا تَرَكَا فِعْلَهُ.\nالثَّانِي: أَنَّ عُمَرَ امْتَنَعَ مِنْ أَخْذِهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْوَاجِبِ.\nالثَّالِثُ: قَوْلُ عَلِيٍّ: (هُوَ حَسَنٌ إنْ لَمْ يَكُنْ جِزْيَةٌ يُؤْخَذُونَ بِهَا مِنْ بَعْدِكَ)؛ فَسَمَّاه جِزْيَةً إنْ أُخِذُوا بِهَا، وَجَعَلَ حُسْنَهُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ أَخْذِهِمْ بِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَخْذَهُمْ بِذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.","vol":"4","page":62},{"text":"الرَّابِعُ: اسْتِشَارَةُ عُمَرَ أَصْحَابَهُ فِي أَخْذِهِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا؛ لَمَا احْتَاجَ إلَى الِاسْتِشَارَةِ.\nالْخَامِسُ: أَنَّهُ لَمْ يُشِرْ عَلَيْهِ بِأَخْذِهِ أَحَدٌ سِوَى عَلِيٍّ بِهَذَا الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَشَارُوا بِهِ. انتهى المراد.\nوالصواب قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1624>مسألة [٢]: هل على السيد في عبيده زكاة</span>؟\nدل حديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب أنه ليس فيهم زكاة، وذكر ابن الملقن في «شرح العمدة» (٥/ ٥٤) أنَّ هذا قول العلماء كافة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1625>مسألة [٣]: هل في الحمير زكاة</span>؟\nقال الشوكاني -﵀-: ولا أعرف قائلًا من أهل العلم يقول بوجوب الزكاة في الحُمُر لغير تجارة واستغلال. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٦٦ - ٦٨).\n(^٢) «النيل» (٣/ ٣٦).","vol":"4","page":63},{"text":"٥٨٨ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فِي كُلِّ سَائِمَةِ إبِلٍ: فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ إبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا بِهَا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ القَوْلَ بِهِ عَلَى ثُبُوتِهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nتقدمت مباحث هذا الحديث.\nوقوله: «فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ ...» إنْ صحَّت؛ فهي محمولةٌ على التهديد، وعدم إرادة ظاهرها، أو أن هذا الحكم منسوخ؛ فإنَّ الصحابة لم يرد عنهم أنهم فعلوا ذلك في عهد أبي بكر الصِّدِّيق مع الذين منعوا الزكاة، وقد تقدم أنَّ جمهور العلماء لا يقولون بذلك، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٢، ٤)، وأبوداود (١٥٧٥)، والنسائي (٥/ ١٥ - ١٧)، والحاكم (١/ ٣٩٨)، كلهم من طريق بهز بن حكيم به.\nوإسناده حسن، وقد قال ابن حبان -﵀- في بهز بن حكيم: لولا حديثه: «فإنا آخذوها وشطر ماله ...» لأدخلته في الثقات، وهو ممن أستخير الله فيه.\nوقد دافع عنه الذهبي في «تاريخ الإسلام»، وقد حسن الإمام الألباني -﵀- هذا الحديث في «الإرواء» (٧٩١).","vol":"4","page":64},{"text":"٥٨٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا كَانَتْ لَك مِائَتَا دِرْهَمٍ وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْك شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ لَك عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي مَالِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَهُوَ حَسَنٌ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1626>مسألة [١]: وجوب الزكاة في الذهب والفضة</span>.\nدلَّ على وجوبها الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤].\n_________\n(^١) ضعيف والراجح وقفه. أخرجه أبوداود (١٥٧٣)، من طريق سليمان بن داود المصري ثنا ابن وهب ثنا جرير بن حازم وسمَّى آخر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث عن علي -﵁-، به.\nوهذا إسناد ظاهره الصحة، ولكن الراجح وقفه، فقد رواه الحفاظ عن أبي إسحاق موقوفًا.\nقال الحافظ في «التلخيص» (٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧): وقال ابن حزم: هو عن الحارث، عن علي مرفوع، وعن عاصم بن ضمرة عن علي موقوف، كذا رواه شعبة وسفيان ومعمر عن أبي إسحاق عن عاصم موقوفًا. قال: وكذا كل ثقة رواه عن عاصم. اهـ وللمرفوع علة أخرى قادحة، قال الحافظ في «التلخيص»: نبه ابن المواق على علة خفية فيه وهي أن جرير بن حازم لم يسمعه من أبي إسحاق، فقد رواه حفاظ أصحاب ابن وهب عن جرير بن حازم والحارث بن نبهان عن الحسن ابن عمارة عن أبي إسحاق ... فذكره.\nقال ابن المواق: الحمل فيه على سليمان شيخ أبي داود، فإنه وهم في إسقاط رجل. اهـ\nقلتُ: والحسن بن عمارة متروك أو كذاب، فالحديث شديد الضعف، والله أعلم.","vol":"4","page":65},{"text":"وأما السنة: فحديث الباب، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا؛ إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ ...» أخرجه مسلم عن أبي هريرة -﵁-.\nوكذلك حديث أنس -﵁- في «البخاري» المتقدم في الكتاب.\nوأجمع العلماء على وجوب الزكاة في الذهب، والفضة، نقله ابن المنذر، وابن قدامة، وغيرهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1627>مسألة [٢]: كم نصاب الفضة، وكم يجب فيها</span>؟\nدلَّ حديثُ الباب على أنَّ نصاب الفضة مائتا درهم.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني»: نصاب الفضة مائتا درهم، لا خلاف في ذلك بين علماء الإسلام، وقد بَيَّنَتْهُ السنة التي رويناها، والحمد لله. اهـ\nقلتُ: يعني حديث أنس الذي في «البخاري»، وهو المذكور في أول الكتاب، وحديث أبي سعيد في «الصحيحين» (^٢): «ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة»، والواجب في الفضة إذا بلغت النِّصاب هو ربع العُشْرِ، بلا خلاف.\nويدل عليه حديث أنس المتقدم وحديث الباب، وأثر علي -﵁- والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٢٠٨)، «المجموع» (٦/ ٤).\n(^٢) سيأتي تخريجه في الكتاب برقم (٥٩٦).\n(^٣) انظر: «المغني» (٤/ ٢٠٩ -)، «المجموع» (٦/ ١٦ -).","vol":"4","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1628>مسألة [٣]: نصاب الذهب والواجب فيه</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٢١٢): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الذَّهَبَ إذَا كَانَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ، أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، وَلَا يَبْلُغُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ؛ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀-: نِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قِيمَتِهَا؛ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ، أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ مُعْتَبَرٌ بِالْفِضَّةِ، فَمَا كَانَ قِيمَتُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - تَقْدِيرٌ فِي نِصَابِهِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْفِضَّةِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: تقدير نصاب الذهب بعشرين دينارًا جاء في حديث علي المذكور في الكتاب، وتقدَّم أنَّ الراجح وقفه، وجاء من حديث عائشة، وابن عمر -﵃-، أخرجه ابن ماجه (١٧٩١)، عن عبيد الله بن موسى، ثنا إبراهيم بن إسماعيل، عن عبد الله بن واقد، عن ابن عمر، وعائشة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يأخذ من كل عشرين دينارًا نصف دينار، ومن الأربعين دينارًا دينارًا. وإسناده ضعيفٌ؛ لأنَّ إبراهيم بن إسماعيل -وهو ابن مجمع- قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو نُعيم: لا يُساوي فلسين. وقال البخاري: كثير الوهم. وقال النسائي: ضعيفٌ. وقال أبو حاتم: كثير الوهم، ليس بالقوي، يُكتب حديثه، ولا يُحتجُّ به. وقال ابن عدي: مع ضعفه يُكتب حديثه. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين","vol":"4","page":67},{"text":"عندهم. وقال أبو داود: ضعيفٌ، متروكُ الحديث، سمعت يحيى يقوله.\nقلتُ: لم يذكر ابن عدي الحديث المذكور في ترجمته، والرجل قد استشهد له البخاري، فروى له تعليقًا، ذكره المِزِّي في «تهذيب الكمال»، والذهبي في «الميزان»؛ فالأظهر أن مثله لا بأس أن يصلح بالشواهد، والمتابعات.\nوله شاهد من حديث: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أخرجه أبوعبيد (١١١٣)، والدارقطني (٢/ ٩٣)، وفي إسناده: عبدالكريم بن أبي المخارق، وابن أبي ليلى، والأول شديد الضعف، والثاني ضعيف.\nوله شاهد آخر من حديث: محمد بن عبدالله بن جحش عند الدارقطني (٢/ ٩٥)، في إسناده: عبدالله بن شبيب، وهو واهٍ.\nوله شاهدٌ من طريق: محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، أخرجه أبو عبيد في «الأموال» (١١٠٦): حدثنا يزيد، عن حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم، عن محمد بن عبدالرحمن الأنصاري، أنَّ في كتاب رسول الله - ﷺ -، وفي كتاب عمر في الصدقة أنَّ الذهب لا يؤخذ منه شيء حتى يبلغ عشرين دينارًا، فإذا بلغ عشرين دينارًا؛ ففيه نصف دينار ... .\nوهذا إسناد صحيح مرسل، قال الإمام الألباني -﵀-: ولكنه في حكم المسند؛ لأنَّ الأنصاري أخذه عن كتاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وكتاب عمر -﵁-. ثم قال: فالحديث صحيح من هذا الوجه؛ لأنَّ التابعي نقله عن كتاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى عمرو ابن حزم المحفوظ عند آل عمرو؛ فهي وجادة من أقوى الوجادات، وهي حجة.","vol":"4","page":68},{"text":"قلتُ: وثبت عن بعض الصحابة القول بما يوافق هذه الأحاديث، منهم: علي بن أبي طالب كما تقدم، ومنهم: عمر بن الخطاب كما في «الأموال» لأبي عبيد (١١٦٧)، وفي إسناده: يحيى بن أيوب الغافقي، وحديثه يحتمل التحسين، ومنهم: ابن مسعود كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ١٢٠)، بإسنادٍ لا بأس به.\nقلتُ: وعامة أهل العلم على ما أفتى به هؤلاء الصحابة الذين لا يُعرف لهم مخالفٌ من الصحابة، وعلى تلك الأحاديث التي ترتقي إلى الحُجِّيَّة إن شاء الله؛ لاسيما طريق محمد بن عبد الرحمن مع حديث عائشة، وابن عمر، وهذا هو الصواب، والله حسبنا ونِعْمَ الوكيل.\nوقد رجَّح هذا جمعٌ من علمائنا في هذا اليوم، وعلى رأسهم الألباني، وابن باز، والوادعي، وابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين. (^١)\nتنبيه: مقدار نصاب الذهب، والفضة بالجرامات.\nذكر جماعة من العلماء أنَّ نصاب الذهب بالجرامات يُساوي (٨٥) جرامًا، وأنَّ نصاب الفضة بالجرامات يساوي (٥٩٥) جرامًا.\nفيكون الدينار يساوي أربع جرامات وربعًا (٤،٢٥)، والدرهم يساوي (٢،٩٧٥) جرامًا، قريبًا من ثلاث جرامات، وهذا التقدير ارتضاه الإمام العثيمين -﵀-. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الأموال» (ص ٥٥٩ -)، «نصب الراية» (٢/ ٣٦٩)، «المغني» (٤/ ٢١٢ -)، «الإرواء» (٨١٣)، «المجموع» (٦/ ١٦ -).\n(^٢) انظر: «الشرح الممتع» (٦/ ١٠٣)، «فتاوى العثيمين» (١٨/ ٩٣)، «توضيح الأحكام» (٣/ ٣١٨ - ٣١٩).","vol":"4","page":69},{"text":"وفي «فتاوى اللجنة الدائمة» (٩/ ٢٥٥) تقدير الذهب بواحد وتسعين جرامًا وثلاثة أسباع جرام، وكان ذلك برئاسة الإمام ابن باز، ونائبه العفيفي، وعضوية ابن غديان، وابن قعود.\nقلتُ: والأخذ بالأقل أحوط، وأبرأ للذمة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1629>مسألة [٤]: هل في الأوراق النقدية والعملة المعدنية زكاة</span>؟\nقال البسَّام في «توضيح الأحكام» (٣/ ٣١٩): والآن بعد أن اختفى النقدان من الذهب والفضة من أيدي الناس، وحلَّ محلهما في التعامل والثمنية الورق النقدي، أجمعت المجامع الفقهية على أنَّ الحكم منوط بالورق النقدي، بجامع الثمنية بينهما، فصار الحكم للعملة الحاضرة، بكل ما يقوم به النقدان، من الزكاة، والديات، وأثمان المبيعات، وأحكام الربا، والمصارفة، وغير ذلك. اهـ\nقلتُ: وأفتى علماؤنا بأنَّ نصاب العملة النقدية الورقية والمعدنية ما يعادل نصاب الذهب، أو الفضة، ويكون ذلك بالأحظ للفقراء من أحد النصابين، وذلك نظرًا إلى اختلاف سعرها باختلاف الأوقات، والبلاد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1630>مسألة [٥]: هل يضم الذهب إلى الفضة لتكملة النصاب</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى عدم ضم أحدهما بالآخر، ولو كان النقص يسيرًا، وهو مذهب أحمد، والشافعي، والحسن بن صالح، وأبي عبيد، وأبي ثور، وغيرهم.\n_________\n(^١) انظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» (٩/ ٢٥٧).","vol":"4","page":70},{"text":"• وذهب الحسن، وقتادة، والأوزاعي، والثوري، ومالك، وأصحاب الرأي إلى ضم أحدهما إلى الآخر، وهو رواية عن أحمد، ثم اختلفوا في كيفية الضم، وحجتهم أنَّ كلًّا منهما ثمن من الأثمان، فأشبها أنواع الجنس الواحد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو القول الأول؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة»، ولأنَّ كلًّا منهما مال له نصاب يختص به، فلا يضم أحدهما إلى الآخر كأجناس الماشية، وقد رجَّح ذلك الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1631>مسألة [٦]: الواجب في الذهب والفضة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٢١٤): إذَا تَمَّتْ الْفِضَّةُ مِائَتَيْنِ، وَالدَّنَانِيرُ عِشْرِينَ؛ فَالْوَاجِبُ فِيهَا رُبْعُ عُشْرِهَا، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ زَكَاةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ رُبْعُ عَشْرِهَا. اهـ\nويدل على ذلك حديث الباب، وحديث أنس الذي تقدم في الكتاب، وفيه: «وَفِي الرِّقَةِ: رُبُعُ العُشْرِ»، والأحاديث المتقدمة في نصاب الذهب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1632>مسألة [٧]: هل يعتبر نصاب الذهب والفضة بالوزن، أم العدد</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٦/ ١٨ - ١٩): مذهبنا، ومذهب العلماء كافة أن الاعتبار في نصاب الذهب والفضة بالوزن لا بالعدد، وحكى\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ١٨)، «المغني» (٤/ ٢١٠ - ٢١١)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٣ - ١٤).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٦/ ١٦ - ١٧).","vol":"4","page":71},{"text":"صاحب «الحاوي» وغيره من أصحابنا عن المغربي، وبشر المريسي المعتزلي أن الاعتبار بمائتي درهم عددًا لا وزنًا، حتى لو كان معه مائة درهم عددًا وزنها مائتان؛ فلا شئ فيها، وإن كانت مائتان عددًا وزنها مائة؛ وجبت الزكاة، قال أصحابنا: وهذا غلط منهما؛ لمخالفته النصوص والإجماع؛ فهو مردود. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1633>مسألة [٨]: هل في المغشوش زكاة</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٦/ ١٩): ذكرنا أن مذهبنا أنه لا زكاة في المغشوش من ذهب ولا فضة، حتى يبلغ خالصه نصابًا، وبه قال جمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: إن كان الغش مثل نصف الفضة، أو الذهب، أو أكثر؛ فلا زكاة حتى يبلغ الخالص نصابًا، وإن كان أقل؛ وجبت الزكاة إذا بلغ بغشه نصابًا. قال الماوردي: وفساد هذا القول ظاهر، والاحتجاج عليه تكلف، ويكفي في رَدِّه قوله - ﷺ -: «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة» (^٢). انتهى.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٦/ ١٠٣): إن كان في الذهب خلطٌ يسير؛ فهو تبعٌ لا يضره؛ لأنَّ الذهب لابد أن يُجعل معه شيء من المعادن لأجل أن يقويه، ويصلبه، وإلا لكان لَيِّنًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1634>مسألة [٩]: ما زاد على النصاب من الذهب والفضة، هل فيه زكاة</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالقول الأول: أنَّ ما زاد؛ ففيه زكاة، وإنْ كانت الزيادة قليلة، وكلما زاد\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الممتع» (٦/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(^٢) سيأتي تخريجه في الكتاب برقم (٥٩٥) (٥٩٦).","vol":"4","page":72},{"text":"فبحسابه، وهذا القول ثبت عن علي -﵁-، بإسناد حسن، وجاء عن ابن عمر بسند منقطع؛ لأنَّ خالدًا الحذاء يرويه عن ابن عمر، ولم يسمع منه، وهو قول جمهور العلماء، ومنهم: عمر بن عبد العزيز، والنخعي، ومالك، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وآخرون، واستدل بعضهم بحديث علي الذي في الكتاب: «فما زاد؛ فبحساب ذلك»، وقد تقدم أن الرَّاجح وقفه.\nواستدل على ذلك أبو عبيد بحديث أبي سعيد الخدري -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة»، فيدل على أنَّ الخمسة، وما زاد فيها زكاة، ولم يأت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه جعل فيها أوقاصًا لا شيء فيها.\nالقول الثاني: لا شيء في زيادة الدراهم، حتى تبلغ أربعين؛ ففيها درهم، ولا شيء في زيادة الدنانير، حتى تبلغ أربعة؛ ففيها درهم، أو ربع عشرها.\nوهذا القول جاء عن عمر بن الخطاب، أخرجه أبو عبيد في «الأموال» من طريق: يحيى بن أيوب، عن حميد، عن أنس، أنَّ عمر أمره بذلك.\nوهذا الإسناد يحتمل التحسين.\nوقال بهذا القول: سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن، والشعبي، ومكحول، والزهري، وعمرو بن دينار، وأبو حنيفة.\nقلتُ: وقد جاء في هذا المذهب حديثٌ شديد الضعف، أخرجه الدارقطني","vol":"4","page":73},{"text":"(٢/ ٩٣)، من حديث معاذ -﵁- مرفوعًا: «إذا بلغ الورق مائتين؛ ففيها خمسة دراهم، ثم لا شيء فيها، حتى يبلغ أربعين درهمًا»، وفي إسناده: أبو العطوف الجراح بن منهال، متروكٌ، وعُبَادَةُ بْنُ نُسَي يرويه عن معاذ، ولم يلقه.\nالقول الثالث: ذهب طاوسٌ إلى أنها إذا زادت على مائتين؛ فليس فيها شيء، حتى تبلغ أربعمائة، ثم كذلك حتى تبلغ ستمائة، رُوي هذا عن طاوس، وقد تقدم أنه من القائلين بالقول الثاني.\nقال أبو عبيد: لا نعلم أحدًا وافق طاوسًا على هذا، ولا عمل به.\nوقال أبو عبيد: وأما القول الذي يُروى عن عمر، والحسن، وابن شهاب؛ فإنه عندي على تأويل الأواقي: أنه لما جاء في الأثر: «إنه ليس في أقل من خمس أواق شيء»، ثم فيها خمسة دراهم، رأوا أن في كل أوقية درهمًا، ولم يروا في الكسور شيئًا؛ إذ لم يكن لها ذكرٌ في الحديث.\nقال: وقد يحتمل قول عمر بن الخطاب: في كل أربعين درهمًا: درهمٌ، وفي كل أربعة دنانير: درهمٌ. أن يكون إنما أراد أن يفهم الناس الحساب، وأن يعلمهم أنَّ في كل أوقية درهمًا، وهو مع هذا يرى أن ما زاد على المائتين، وعلى عشرين دينارًا؛ ففيه الزكاة بالحساب.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، وهو اختيار أئمة العصر","vol":"4","page":74},{"text":"كالألباني، وابن باز، والوادعي، وابن عثيمين ﵏. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1635>مسألة [١٠]: هل يجزئ إخراج أحد النقدين عن الآخر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٢١٨): وَهَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا يعني أحمد إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ أَنْوَاعَ الْجنْسِ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ إذَا كَانَ أَقَلَّ فِي الْمِقْدَارِ، فَمَعَ اخْتِلَافِ الْجنْسِ أَوْلَى. وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، وَهُوَ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ أَحَدِهِمَا يَحْصُلُ بِإِخْرَاجِ الْآخَرِ؛ فَيُجْزِئُ كَأَنْوَاعِ الْجنْسِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا جَمِيعًا الثَّمَنِيَّةُ وَالتَّوَسُّلُ بِهَا إلَى الْمَقَاصِدِ، وَهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ ... اهـ\nقلتُ: وما صححه ابن قدامة هو الصحيح؛ لما ذكره، ودليل المخالف محل نزاع، والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1636>مسألة [١١]: هل يجزئ إخراج النقود الورقية، والمعدنية عن الذهب، والفضة</span>؟\nقال الإمام ابن باز -﵀-: لا حرج في إخراج زكاة الذهب، والفضة عملة ورقية بما تُساوي وقت تمام الحول؛ لاشتراكهما جميعًا في الثمنية. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الأموال» (ص ٥٧٥ -)، «المغني» (٤/ ٢١٥ -)، «المجموع» (٦/ ١٦ -)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١١ - ١٢).\n(^٢) «فتاوى اللجنة» (٩/ ٢٥٩ - ٢٦٠).","vol":"4","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1637>فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1638>مسألة [١]: من كان عليه دين ينقص النصاب الذي عنده، هل عليه زكاة، أم لا</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الدَّين يمنع الزكاة، وهو قول عطاء، وسليمان بن يسار، وميمون، والحسن، والنخعي، والليث، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، والشافعي في القديم، وحجتهم في ذلك أنَّ من هذا حاله يعتبر فقيرًا، والزكاة تؤخذ من الأغنياء، وكذلك كيف تؤخذ منه الزكاة، وهو يصلح أن يكون مصرفًا للزكاة، واستدلوا بأثرٍ عن عثمان بن عفان -﵁-، أنه كان يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دينٌ؛ فليقضه، وزكوا بقية أموالكم. وهذا الأثر ثابتٌ عن عثمان -﵁-، (^١) قالوا: ولا يُعلم له مخالفٌ.\nوفي «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ١٤٧)، و«سنن البيهقي» (٤/ ١٤٨) بإسناد صحيح، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وابن عمر -﵃-، في الرجل يستقرض، فينفق على ثمرته، وأهله. قال: قال ابن عمر: يبدأ بما استقرض فيقضيه، ويزكي ما بقي، وقال ابن عباس: يقضي ما أنفق على الثمرة، ثم يزكي ما بقي.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ دَينَهُ لا يمنع وجوب الزكاة عليه، وهو مذهب الشافعي في الجديد، وحماد، وربيعة، والظاهرية، وحجتهم أنه مالٌ مملوك له بلغ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٩٤) بإسناد صحيح.","vol":"4","page":76},{"text":"النصاب، وحال عليه الحول؛ فوجب فيه الزكاة.\nوهذا القول رجَّحه ابن حزم بكلام قوي، وهو اختيار الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: وأما أثر عثمان؛ فإننا نسلم أنه إن كان على الإنسان دينٌ حال، وقام بالواجب، وهو أداؤه؛ فليس عليه زكاة؛ لأنه سيؤدي من ماله، وسبق الدين يقتضي أن يقدم في الوفاء على الزكاة؛ لأنَّ الزكاة لا تجب إلا إذا حالَ الحول، والدين سابق، فكان لسبقه أحق بالتقديم من الزكاة، ونحن نقول لمن اتقى الله وأوفى ما عليه: لا زكاة عليك؛ إلا فيما بقي، أما إذا لم يف ما عليه، وماطل؛ لينتفع بالمال، ثم نقول: هذا الدين الذي عليك يسقط عليك الزكاة؛ فهذا لا يتطابق مع الأثر.\nقال: فإن قال قائل: فكيف يكون مُزَكِّيًا وله أن يأخذ الزكاة؟ فنقول: ليس فيه غرابة، لو كان عند الإنسان نصاب، أو نصابان لا تكفيه المؤنة، لكنهما يبقيان عنده إلى الحول، فنقول: نعطيه المؤنة، ونأمره بالزكاة، ولا تناقض. اهـ\nوأما قولهم: (إنه فقير)؛ فالغني في قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تؤخذ من أغنيائهم» هو من ملك النصاب.\nقلتُ: وقد استدل الإمام ابن عثيمين -﵀- على ترجيح القول الثاني بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يبعث العمال الذين يقبضون الزكاة بدون استفصال مع أنَّ الغالب أنَّ أهل الثمار عليهم ديون؛ لأنَّ من عادتهم السَّلف، قال: ولأنَّ الدين يجب في","vol":"4","page":77},{"text":"الذمة، والزكاة في العين؛ فالجهة مختلفة. واستدل أيضًا بعموم الأدلة؛ فإنها تشمل المديون وغيره، وهذا هو الصواب، والله أعلم.\nتنبيه: ذهب بعض أهل العلم القائلين بأنَّ الدين يمنع الزكاة بأنه لا يمنعها إذا كان المال من الأموال الظاهرة، وإليه ذهب الزهري، وابن سيرين، ومالك، والأوزاعي، والشافعي في القديم، وأحمد في رواية، وقد اختار هذا التفصيل الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀-، والصواب أنَّ الدين لا يمنع الزكاة مطلقًا، سواء كان المال ظاهرًا، أو باطنًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1639>مسألة [٢]: هل على صاحب الدين أن يزكي عن دينه</span>؟\nله حالتان:\nالحالة الأولى: أن يكون الذي عنده الدين معترفًا باذلًا له.\n• ففيه أقوال:\nالأول: أنَّ عليه الزكاة عن كل عام إذا قبضها، ولا يلزمه قبل ذلك، وهذا مذهب الثوري، وأبي ثور، والحنابلة، وأصحاب الرأي؛ لأنَّه في ملكه، وإن كان غائبًا، ويزكيه إذا قبضه؛ لاحتمال أن يصبح صاحب الدين معسرًا.\nالثاني: أنَّ عليه الزكاة عن ماله في كل عام بوقته، وهذا مذهب طاوس، والنخعي، والحسن، وميمون بن مهران، والزهري، وقتادة، وحماد، والشافعي،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، «المحلى» (٦٩٥)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٣ - ٤٠)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٩)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ١٩٣)، «عبد الرزاق» (٤/ ٩١)، «البيهقي» (٤/ ١٤٨).","vol":"4","page":78},{"text":"وإسحاق، وأبي عبيد، وصحَّ هذا عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وجابر -﵃-، كما في كتاب «الأموال» و«مصنف ابن أبي شيبة».\nالثالث: يزكيه إذا قبضه لعام واحد، وهو مذهب سعيد بن المسيب، وعطاء، وأبي الزناد، ومالك.\nالرابع: ليس عليه في دَيْنِه زكاة، وهذا قول عطاء، وعكرمة، والظاهرية، ورُوي عن عائشة -﵂-، من وجهين يُحسَّن بهما كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، وحجتهم أنَّ هذا مال في الذمة، وليس موجودًا حتى يزكي عليه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما، وذلك لأنه وإن كان غائبًا؛ فهو ماله، ويملكه؛ فوجب عليه فيه الزكاة، والله أعلم.\nالحالة الثانية: أن يكون الدَّيْن عند معسرٍ، أو جاحدٍ، أو مماطل.\n• فذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه ليس عليه زكاة، وهو قول قتادة، وأبي ثور، وأهل العراق، وإسحاق، وأحمد في رواية، وذلك لأنه يشبه ما ليس مملوكًا له، وهذا قولٌ للشافعي، واختاره الإمام ابن باز -﵀-.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يزكيه إذا قبضه لِما مضى، وهو قول الثوري، وأبي عبيد، ورواية عن أحمد، وقول للشافعي، وصحَّ هذا عن علي بن أبي طالب، وعبدالله ابن عباس -﵃-.","vol":"4","page":79},{"text":"• وذهب بعضهم إلى أنه إذا قبضه زَكَّاهُ لعام واحد، وهذا قول مالك، وعمر بن عبدالعزيز والحسن والليث والأوزاعي واختار هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nقال أبو عبدالله غفر الله له: لا دليل على التفريق بين المعسر والموسر، وكله ماله مدخر له؛ فيجب عليه فيه الزكاة، إلا أنه في حق المعسر، والجاحد، والمماطل يتأخر في تزكيته حتى يقبض ماله ثم يزكيه؛ لاحتمال عدم القدرة على ماله، وعلى هذا فالراجح هو قول علي بن أبي طالب -﵁-، ومن قال بقوله، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1640>مسألة [٣]: المال المغصوب أو المسروق، هل على مالكه زكاة</span>؟\n• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه لا زكاة فيه، وهو قول قتادة، والليث، والثوري في رواية، وأحمد في رواية، وهو القول القديم للشافعي، قالوا: فإذا قبضه يستقبل به حولًا.\n• وذهب أحمد في رواية إلى أنَّ فيه الزكاة، وهو مذهب أبي عبيد، وداود، والثوري في رواية؛ لأنَّ ملكه عليه مستقر، ونماءه له متى قدر عليه.\n• وذهب مالك، وعمر بن عبد العزيز إلى أنه يزكيه إذا قبضه لعام واحد.\nوالراجح -والله أعلم- أن فيه الزكاة؛ لِمَا تقدم ذكره. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠)، «الأموال» (٥٨٧ - ٥٩٣)، «المحلى» (٦٩٤)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ١٦٣)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣١)، «فتاوى اللجنة الدائمة» (٩/ ١٩١).\n(^٢) انظر: «المحلَّى» (٦٩٠)، «المغني» (٤/ ٢٧٢)، «الأموال» (ص ٥٩٣ - ٥٩٤).","vol":"4","page":80},{"text":"فائدة عن دين الماشية: قال أبوعبيد -﵀- في كتاب «الأموال» (ص ٥٩٩): الصدقة لم تكن تؤخذ من ديون الماشية، ولا تنازع المسلمون في ذلك قط. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1641>مسألة [٤]: هل يجوز لصاحب الدين أن يجعل الدين زكاةً لماله</span>؟\n• ذهب إلى جواز ذلك: الحسن، وعطاء، ونصرَ قولَهم ابن حزم -﵀-، وذهب الجمهور إلى عدم الإجزاء.\nقال أبو عبيد -﵀- -بعد أن ذكر قول الحسن وعطاء-: ولا أعلم أحدًا يعمل به، ولا يذهب إليه من أهل الأثر، وأهل الرأي. اهـ\nورجَّح أبو عبيد قول الجمهور؛ لأنَّ سنة رسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الصدقة على خلاف هذا الفعل؛ لأنه كان يأخذها من الأغنياء، فيردها على الفقراء، ولأنه مال غير موجود، قد خرج عن يد صاحبه على معنى القرض، والدَّيْن، ثم يريد تحويله بعد ذلك بالنية.\nقال: ولا آمن أن يكون إنما أراد أن يقي ماله بهذا الدَّين الذي قد يئس منه؛ فيجعله ردءًا لماله يقيه به إذا كان منه يائسًا، ولا يقبل الله إلا ما كان خالصًا له.\nوهذا القول هو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما، وهو الذي أختاره في المسألة؛ إلا أني لا أحكم على من فعل ذلك بأنه مانع للزكاة، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الأموال» (ص ٥٩٥)، «المحلَّى» (٦٩٨)، «فتاوى اللجنة» (١٠/ ٣٣)، «فتاوى العثيمين» (١٨/ ٣٧٧ - ٣٧٨)، «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٢٠ -).","vol":"4","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1642>مسألة [٥]: هل على مهر المرأة وصداقها الذي في ذمة الزوج زكاة</span>؟\n• قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٤٧ - ٤٨): هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا لِلْعُلَمَاءِ أَقْوَالٌ: قِيلَ: يَجِبُ تَزْكِيَةُ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، كَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد، وَقَدْ نَصَرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا. وَقِيلَ: يَجِبُ مَعَ يَسَارِهِ، وَتَمَكُّنِهَا مِنْ قَبْضِهَا، دُونَ مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَمْكِينُهُ مِنْ الْقَبْضِ كَالْقَوْلِ الْآخَرِ فِي مَذْهَبِهِمَا. وَقِيلَ: تَجِبُ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ. كَقَوْلِ مَالِكٌ، وَقَوْلٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَقِيلَ: لَا تَجِبُ بِحَالِ. كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. اهـ\n• وذهب ابن حزم إلى أنه ليس فيه زكاة؛ إلا أن يكون المهر مالًا معينًا يجب فيه الزكاة، فعليها زكاته.\nقال أبو عبدالله غفر الله له: حكمه كحكم الدَّين؛ لأنه دين في ذمة الزوج، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1643>مسألة [٦]: هل على المؤجر في إجارته زكاة</span>؟\nلو استأجر إنسان من إنسان محلًّا، أو عقارًا لمدة عامين مثلًا، فهل على المؤجر الزكاة، أم لا؟ لها حالتان:\nالحالة الأولى: أن لا يقبض المال في مجلس العقد ويقبضه عند انتهاء العامين.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٢٧٧)، «المجموع» (٦/ ٢٣)، «المحلَّى» (٦٩٧)، «فتاوى العثيمين» (١٨/ ٣٠).","vol":"4","page":82},{"text":"• فذهب أحمد وأصحابه إلى أنَّ حكمها حكم الدين.\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه لا يزكيها حتى يقبضها، ثم يحول عليها الحول عنده.\nوالراجح ما ذهب إليه أحمد؛ لأنَّ المؤجر يملك المال من حين العقد، بدليل أنه إذا قبضه فله حقُّ التصرف فيه، ولو كانت جارية جاز له وطؤها.\nالحالة الثانية: أن يقبض المال.\n• فذهب أحمد إلى أنَّ عليه زكاة جميع المال إذا حال الحول، وهو مذهب الشافعي وأصحابه.\nولكن اختار كثير من الشافعية أنه يقدم زكاة المال الذي قد ملكه ملكًا مستقرًّا، وهو إجارة العام الأول، ويؤخر زكاة بقية المال حتى يحول الحول الثاني، فيخرجه مع زكاة المال كاملًا للحول الثاني.\nفمثلا: إذا كان معه في كل عام مائتا درهم، فيخرج في العام الأول خمسة دراهم، ويؤخر الخمسة الأخرى، فيخرج في العام الثاني خمسة عشر درهمًا.\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنَّ الأجرة إنما تستحق بانقضاء مدة الإجارة، وعلى هذا فلا زكاة عليه عندهم، وإنْ قبض المال.\nوالصواب ما ذهب إليه أحمد، والشافعي، والاحتراز الذي ذكره الشافعية من","vol":"4","page":83},{"text":"عمل به؛ فلا بأس، ومن تركه فهو أفضل، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1644>مسألة [٧]: هل على الرجل في ماله المرهون زكاة</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ عليه فيه الزكاة، وقالوا: يؤدي من غيره إذا كان له ما يؤديه؛ وإلا فيخرج من ذلك المال الذي عند المرتهن، ولا يلزمه أن يعوضه؛ لأنه لم يخرج ما أخرجه منه بباطل وعدوان، فيقضى عليه برده، وإنما أخرجه بحق مفترض إخراجه. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٢٧١، ٢٤٧)، «المجموع» (٦/ ٢٣).\n(^٢) انظر: «المحلى» (٦٩١)، «المغني» (٤/ ١٤٩).","vol":"4","page":84},{"text":"٥٩٠ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-: مَنِ اسْتَفَادَ مَالًا، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ. وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1645>مسألة [١]: هل يُشترط في الزكاة أن يحول الحول على المال</span>؟\nنقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أنَّ الماشية، والذهب، والفضة، لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول، منهم: ابن قدامة، والنووي. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1646>مسألة [٢]: هل يُعتبر وجود النصاب في جميع الحول</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٦/ ١٩ - ٢٠): مذهبنا ومذهب مالك، وأحمد، والجمهور: أنه يُشترط في المال الذي تجب الزكاة في عينه، ويعتبر فيه الحول كالذهب، والفضة، والماشية وجود النصاب في جميع الحول؛ فإنْ نقص النصاب في لحظة من الحول؛ انقطع الحول؛ فإنْ كمل بعد ذلك؛ استؤنف الحول من حين يكمل النصاب.\n_________\n(^١) ضعيف والراجح وقفه. أخرجه الترمذي (٦٣١)، من طريق عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا به. وإسناده ضعيف؛ لضعف عبدالرحمن بن زيد، وقد رواه الترمذي بعده من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر موقوفًا ثم قال: وهذا أصح، ورواه أيوب وعبيدالله بن عمر وغير واحد عن نافع عن ابن عمر موقوفًا.\nقلتُ: فالراجح هو وقفه على عبدالله بن عمر وهو ترجيح الدارقطني والبيهقي أيضًا. انظر: «البدر المنير» (٥/ ٤٥٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٧٣)، «المجموع» (٥/ ٣٦١)، «المحلَّى» (٦٧٠).","vol":"4","page":85},{"text":"وقال أبو حنيفة: المعتبر وجود النصاب في أول الحول وآخره، ولا يضر نقصه بينهما، حتى لو كان معه مائتا درهم فتلفت كلها في أثناء الحول إلا درهمًا، أو أربعون شاة، فتلفت في أثناء الحول إلا شاة، ثم ملك في آخر الحول تمام المائتين، وتمام الأربعين؛ وجبت زكاة الجميع، والله أعلم. اهـ\nقلتُ: وقول الجمهور هو الصواب، وقول أبي حنيفة ظاهر الفساد، لا يحتاج إلى التكلف في ردِّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1647>مسألة [٣]: إذا باع ماله: ماشيةً، أو ذهبًا، أو فضةً قبل حَوَلَانِ الحول بمثلها</span>؟\n• ذهب أحمد، ومالك إلى أنه يتم حوله، ولا يستأنف؛ لأنها نوع واحد.\n• وذهب الشافعي، وداود إلى أنه يستأنف حولًا آخر، ونصره ابن حزم.\n• وأما أبو حنيفة فوافق أحمد، ومالكًا في الأثمان، ووافق الشافعي، وداود في الماشية.\nوقد رجح الإمام العثيمين -﵀- قول أحمد، ومالك، وهو الأقرب فيما يظهر لي؛ لأنه باع بمثله؛ فصار كأنه لم يخرج من ملكه، ولأن القول بعدم وجوب الزكاة عليه يؤدي إلى فتح باب التحيل، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1648>مسألة [٤]: من باع ماشيته مثلًا قبل الحول فرارًا من الزكاة</span>؟\n• في المسألة قولان:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ١٣٥)، «المحلَّى» (٦٨٩)، «فتاوى العثيمين» (١٨/ ٤٥).","vol":"4","page":86},{"text":"الأول: أنَّ الزكاة لا تسقط عنه، وتؤخذ من ماله، وهو قول أحمد، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وابن الماجشون، وأبي عبيد.\nالثاني: تسقط عنه الزكاة، ويأثم لنِيَّتِه، وهذا قول الشافعي، وداود وأصحابه، وأبي حنيفة، ورجَّحه ابن حزم، وهو الصواب؛ لأنه لا يملك نصابًا وقت حلول الزكاة، ويأثم على صنيعه، والله المستعان. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1649>مسألة [٥]: حكم المال المستفاد أثناء الحول</span>.\nإنِ استفاد مالًا كمَّل النصاب ولم يكن عنده قبل ذلك نصاب انعقد عليه الحول من حينئذ، فإذا تم حولٌ؛ وجبت الزكاة فيه، وأما إنْ كان المال المستفاد قد أُضيف إلى ما فيه نصاب؛ فله حالات:\nالحالة الأولى: أن يكون المستفاد من نمائه كنتاج السائمة.\n• فجمهور العلماء كما تقدم يضمونه إلى أصله، فيعتبرون حوله بحوله، بل قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا. والواقع وجود الخلاف، وقد تقدمت المسألة.\nالحالة الثانية: أن يستفيد مالا من غير جنسِ ما عنده.\n• فهذا له حكم نفسه، فلا يضم إلى ما عنده من حولٍ، ولا نصاب، بل إنْ كان نصابًا؛ استقبل به حولًا كاملًا، وزكَّاه، وإلا فلا شيء فيه، وهذا قول جمهور العلماء.\nقال ابن عبد البر: على هذا جمهور العلماء، والخلاف في ذلك شذوذٌ، ولم يعرج\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ١٣٦ -)، «المحلَّى» (٦٨٩).","vol":"4","page":87},{"text":"عليه أحدٌ من العلماء، ولا قال به أحدٌ من أئمة الفتوى. اهـ\nوفي قوله: (والخلاف في ذلك شذوذ) إشارة إلى قول من قال: يزكيه حين يستفيده، وقد ثبت هذا القول عن ابن عباس -﵄- كما في «مصنف عبد الرزاق» (٤/ ٤٦)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ١٦٠)، واستحب ذلك الزهري، كما في «مصنف عبد الرزاق» (٤/ ٣٢)، ولا دليل على هذا القول.\nالحالة الثالثة: أن يستفيد مالا من جنس نصاب ما عنده.\nوقد انعقد عليه حول الزكاة بسبب مستقل، مثل أن يكون عنده أربعون من الغنم مضى عليها بعض الحول، فيشتري أو يوهب له مائة، فهذا لا تجب فيه الزكاة حتى يمضي عليه حولٌ أيضًا، وبهذا قال أحمد، والشافعي، وقال أبو حنيفة: يضمه إلى ما عنده في الحول، فيزكيهما جميعًا عند تمام حول المال الذي كان عنده؛ إلا أن يكون عِوَضًا عن مالٍ مُزكَّى؛ لأنه يضم إلى جنسه في النصاب؛ فوجب ضمه إليه في الحول كالنتاج، ولأنه إذا ضم في النصاب وهو سبب؛ فضمه إليه في الحول الذي هو شرطٌ أولى. وقال مالك كقول أبي حنيفة في السائمة دفعًا للتشقيص، وكقول أحمد، والشافعي في الأثمان؛ لعدم ذلك فيها. اهـ\nقلتُ: وقول أحمد، والشافعي هو الصواب، وهو قول الظاهرية؛ لأنَّ المال أصلًا لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول، فمن أين لهم أن يخرجوا المال المستفاد من هذا الحكم، ولأنَّ هذا قول الصحابة، منهم: علي، وابن عمر، وهو ثابتٌ عنهما، وجاء عن أبي بكر، وعائشة عند ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وفيهما","vol":"4","page":88},{"text":"ضعفٌ؛ فأثر أبي بكر -﵁-، فيه عند ابن أبي شيبة رجل مبهم، وعند عبد الرزاق، فيه انقطاع، وأما أثر عائشة -﵂-؛ ففي إسناده عند ابن أبي شيبة حارثة بن أبي الرجال، وهو شديد الضعف.\nوأما مسألة تشقيص الماشية فيمكن أن يخرج منها بتقديم الزكاة، ويكون ذلك للحاجة، والله المستعان. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1650>مسألة [٦]: هل الزكاة تجب في الذمة، أم في عين المال</span>؟\n• فيه قولان:\nالأول: أنها تجب في الذمة، وهو قول الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، وهو قول الظاهرية؛ وذلك لأنَّ إخراج الزكاة من غير (النصاب) من جنسه جائز بلا خلاف، ولو وجبت في عينه؛ لامتنع تصرف المالك فيه؛ لأنَّ ماله أصبح مُشتركًا.\nالثاني: أنها تجب في عين المال، وهو قول الشافعي في الجديد، وهو الأصح عند أصحابه، وهو رواية عن أحمد، وهي الظاهرة عند جماعة من الحنابلة؛ لحديث: «في أربعين شاة شاة» «فيما سقت السماء العشر ...»، وغير ذلك من الألفاظ الواردة بحرف (في) وهي للظرفية، وإنما جاز الإخراج من غير النصاب رخصة.\nقلتُ: قال صاحب «زاد المستقنع»: وتجب الزكاة في عين المال، ولها\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٧٤ -)، «المحلَّى» (٦٨٥).","vol":"4","page":89},{"text":"تعلق بالذمة.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- (٦/ ٤٥): فالقول الذي مشى عليه المؤلف قولٌ جامعٌ بين المعنيين، وهو أنها تجب في عين المال، ولها تَعَلُّقٌ في الذمة، فالإنسان في ذمته مُطَالبٌ بها، وهي واجبة في المال، ولولا المال لم تجب الزكاة؛ فهي واجبة في عين المال.\nفائدة هذا الخلاف: لو كان عند رجلٍ نصاب كأربعين شاة، فلم يؤد زكاتها حتى حال عليه حولٌ آخر؛ فإنْ قلنا: إنَّ الزكاة في العين؛ فعليه شاةٌ عن الحول الأول، ولا يجب عليه في الحول الثاني شاةٌ؛ لأنَّ ماله قد نقص عن النصاب، وإنْ قلنا: إنها تجب في الذمة؛ وجبت عليه شاتان، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ١٤٠)، «المجموع» (٥/ ٣٧٧)، «المحلَّى» (٦٦٤).","vol":"4","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1651>فَصْل فِي ذَكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1652>مسألة [١]: هل يُشترط في الزكاة إمكان الأداء</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالأول: أنَّ إمكانَ الأداءِ شرطٌ في الضمان لا في الوجوب، وهو قول الشافعي، وهو الأصح عند الشافعية.\nالثاني: أنَّ إمكان الأداء ليس شرطًا في الضمان، ولا في الوجوب، وهو مذهب أحمد.\nالثالث: قال أبو حنيفة: إذا تلف بعد التمكن لم يضمن إلا أن يطالبه الإمام، أو الساعي.\nالرابع: قال بعض الشافعية: لا يضمن، وإنْ طُولِبَ.\nالخامس: أنَّ إمكان الأداء شرطٌ في الوجوب، وهو قولٌ للشافعي، ومذهب مالك.\nقلتُ: الذي يظهر أنَّ الوجوب يتعلق بالذمة بحلول الحول، وأما إنْ تلف النصاب قبل أن يتمكن من إخراج الزكاة، وليس ذلك عن تفريط منه؛ فالصواب القول الأول: أنه لا يضمن، فيكون إمكان الأداء شرطًا في الضمان كما قال","vol":"4","page":91},{"text":"الشافعي، وهو رواية عن أحمد، وهو قول إسحاق، وأبي ثور، والحسن بن صالح، وابن المنذر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1653>مسألة [٢]: إذا تلفت الزكاة على العامل؛ فهل يضمن</span>؟\nأما إن كان فرَّط في حفظها، أو تعدى فيها فتلفت؛ فهو ضامن عند أهل العلم؛ لأن يده صارت يدًا متعدية؛ فعليه الضمان.\n• وأما إن لم يحصل منه تفريط، أو تعدي فلا ضمان عليه؛ لأن يده يد أمينه، وقد قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، ويعطى نصيب عمله عند الجمهور. وخالف أبو حنيفة؛ فقال: لا يعطى نصيبه؛ لأن لم يوصل الزكاة إلى محلها. والصحيح قول الجمهور. (^٢)\nفائدة: العامل على الصدقة ليس له أن يبيع منها شيئًا إلا لضرورة أو حاجة. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1654>مسألة [٣]: إذا مات صاحب المال، وانتقل المال إلى الوارث، أيبنى الحول أم يستأنف</span>؟\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٣٦٣): إذا مات في أثناء الحول وانتقل المال إلى وارثه، هل يبني على الحول؟ فيه قولان، وهما مشهوران، أصحهما باتفاقهم: لا يبني، بل يستأنف حولًا من حين انتقل إليه الملك، هذا\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٣٧٧)، «المغني» (٤/ ١٤٤)، «المحلَّى» (٦٧٧).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ١٧٥)، «مغني المحتاج» (٣/ ١١٩)، «بدائع الصنائع» (٢/ ٤٤)، «الموسوعة الكويتية» (٢٩/ ٢٣١).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٦/ ١٧٥)، «الموسوعة الكويتية» (٢٩/ ٢٣١).","vol":"4","page":92},{"text":"نصه في الجديد، والثاني وهو القديم: أنه يبني على حول الميت؛ لأنه يقوم مقامه في الرد بالعيب، وغيره. اهـ\nقلتُ: الخلاف المذكور على مذهب الشافعية، والراجح أنه يستأنف حولًا جديدًا، وهو مقتضى قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1655>مسألة [٤]: هل تتكرر زكاة الأموال من الماشية، والأثمان في كل عام</span>؟\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلى» (٦٧٦): والزكاة تتكرر في كل سنة في الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، بخلاف البر، والشعير، والتمر؛ فإنَّ هذه الأصناف إذا زُكِّيت فلا زكاة فيها بعد ذلك أبدًا، وإنما تُزَكَّى عند تصفيتِها، وَكَيْلِهِا، وَيُبْسُ التمر، وَكَيْلِهِ، وهذا لا خلاف فيه من أحد؛ إلا في الحلُي والعوامل. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «بدائع الصنائع» (٢/ ٥٣)، «الفواكه الدواني» (٢/ ٧٨١).","vol":"4","page":93},{"text":"٥٩١ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁-، قَالَ: لَيْسَ فِي البَقَرِ العَوَامِلِ صَدَقَةٌ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1656>مسألة [١]: هل في البقر، والإبل العوامل صدقة</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه ليس فيها زكاة، واستدلوا بحديث الكتاب، وبأنه قد صح عن علي، وجابر -﵄-، بأنه ليس فيها زكاة، ولا يُعلم لهما من الصحابة مخالفٌ.\n• وذهب مالك إلى أنَّ فيها زكاة، وهو قول مكحول، وقتادة، ورواية عن الليث رواها عنه ابن وهب، واستدلوا بعموم الأحاديث التي فيها إيجاب الزكاة على الإبل، والبقر؛ فليس فيها تخصيص العوامل من غيرها.\nقلتُ: الصواب في المسألة أنَّ العوامل إن كانت معلوفة، وليست سائمة كما هو الأغلب فيها؛ فليس فيها زكاة كما تقدم، وأما إنْ كانت عاملة، وهي سائمة؛ ففيها الزكاة؛ لعموم الأدلة.\n_________\n(^١) ضعيف والراجح وقفه. أخرجه أبوداود (١٥٧٢)، والدارقطني (٢/ ١٠٣)، من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق، عن الحارث وعاصم بن ضمرة، عن علي مرفوعًا به. وهذا الإسناد فيه ضعف؛ لأن زهير ابن معاوية روى عن أبي إسحاق بعد التغير.\nقال البيهقي (٤/ ١١٦): رواه غيره عن أبي إسحاق موقوفًا. اهـ\nوممن رواه موقوفًا الثوري ومعمر كما في «مصنف عبدالرزاق» (٤/ ١٩)، وأبو بكر بن عياش كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ١٣٠)، فالأثر ثابت عن علي موقوفًا، والمرفوع ضعيف.","vol":"4","page":94},{"text":"والذي يظهر أنَّ الصحابة قالوا: ليس فيها زكاة؛ لأنَّ العوامل لم تكن سائمة عندهم؛ ولذلك فإنَّ جماعةً من أهل العلم يذكرون أثر علي، وجابر في مسألة اشتراط السَّوم في زكاة الإبل، والبقر، والله أعلم. (^١)\n\n٥٩٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ لَهُ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث دلالة على وجوب الزكاة في مال اليتيم، وقد تقدمت هذه المسألة في أوائل [كتاب الزكاة].\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد» (٧/ ١٤ - ١٥)، «المغني» (٤/ ١٢)، «الأموال» (ص ٥١٩،٥٢٥).\n(^٢) ضعيف. أخرجه الترمذي (٦٤١)، والدارقطني (٢/ ١٠٩)، وفي إسناده المثنى بن الصباح، وهو ضعيف أو أشد، وقد أعل بأنه موقوف على عمر، قال الدارقطني في «العلل» (٢/ ١٥٦ - ١٥٧): رواه حسين المعلم عن مكحول عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن عمر، ورواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن شعيب عن عمر، ولم يذكر ابن المسيب، ورواه حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن مكحول، عن عمر، ولم يذكر فيه عمرو بن شعيب، ولا ابن المسيب، قال: ورواه المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. ثم قال: وحديث عمر أصح. اهـ\nفالراجح أنه موقوف على عمر، وأثر عمر له طرق يصح بها عند أبي عبيد (ص ٦١٢)، وعبدالرزاق (٤/ ٦٨ -)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٥٠).\nوأما المرسل الذي ذكره الحافظ، فأخرجه الشافعي كما في «المسند» (١/ ٢٢٤) من طريق ابن جريج عن يوسف بن ماهك، مرسلًا وفيه مع إرساله عنعنة ابن جريج.","vol":"4","page":95},{"text":"٥٩٣ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1657>مسألة [١]: الدعاء لصاحب الصدقة</span>.\nدلَّ الحديث على استحباب الدعاء لمن جاء بالصدقة، وقد أمر الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذلك بقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣].\nقال الأثيوبي في «شرح النسائي» (٢٢/ ١٣٢): اختلف في حكم الدعاء للمتصدق: ذهب الجمهور إلى أنَّ الدعاء لدافع الزكاة سُنَّة مستحبة، وليس بواجب، وذهب أهل الظاهر إلى أنه واجب، قال النووي: وبه قال بعض أصحابنا، حكاه أبو عبد الله الحناطي، واعتمدوا الأمر في الآية، قال الجمهور: الأمر في حقنا للندب؛ لأنَّ النبي - ﷺ - بعث معاذًا وغيره لأخذ الزكاة، ولم يأمرهم بالدعاء. انتهى المراد.\nوقول الجمهور أقرب، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨).","vol":"4","page":96},{"text":"٥٩٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- أَنَّ العَبَّاسَ -﵁- سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1658>مسألة [١]: حكم تعجيل الزكاة قبل تمام الحول بعد سبب الوجوب</span>.\nقال البغوي -﵀- في «شرح السنة» (١٥٧٧): واختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل تمام الحول، فذهب أكثرهم إلى جوازه، وهو قول الزهري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال الثوري: أُحِبُّ أن لا تعجل. وذهب قومٌ إلى أنه لا يجوز التعجيل، ويعيد لو عجل، وهو قول الحسن، ومذهب مالك. قال: واتفقوا على أنه لا يجوز إخراجها قبل كمال\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الترمذي (٦٧٨)، والحاكم (٣/ ٣٣٢)، وأخرجه أيضًا أحمد (١/ ١٠٤)، وابن ماجه (١٧٩٥)، والدارقطني (٢/ ١٢٣)، والبيهقي (٤/ ١١١) كلهم من طريق إسماعيل بن زكريا عن حجاج بن دينار عن الحكم عن حجية بن عدي عن علي به. وهذا إسناد ضعيف لجهالة حال حجية بن عدي.\nوقد رواه الترمذي (٦٧٩)، من طريق إسرائيل عن حجاج فقال: (عن حجر العدوي) وقال (الحكم ابن حجل). قال الترمذي: ورواية إسماعيل عندي أصح. اهـ\n\nقلتُ: وحجر العدوي استظهر الحافظ أنه هو نفسه حجية بن عدي، وإلا فهو مجهول.\nقلتُ: وهذه الطريق معلة سواء كان هو نفسه أو غيره. فقد رواه منصور عن الحكم عن الحسن ابن مسلم بن يناق عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسلًا، ورجح رواية الإرسال أبوداود، والدارقطني كما في «التلخيص» (٢/ ٣١٦)، و«العلل» للدارقطني (٣/ ١٨٧) رقم (٣٥١)، وكذلك البيهقي كما في «الكبرى» (٤/ ١١١)، وقد رجَّح أبو حاتم، وأبو زرعة المرسل على طريق أخرى كما في «العلل» لابن أبي حاتم (٦٢٣).\nقلتُ: والحسن بن مسلم ليس له سماع من الصحابة فتكون روايته معضلة.","vol":"4","page":97},{"text":"النصاب، ولا يجوز تعجيل صدقة عامين عند الأكثر. اهـ\nقلتُ: ووافق مالكًا على عدم جواز التعجيل ربيعةُ، والليث، وداود الظاهري، ونصر ذلك ابن حزم -﵀-.\nوقد استدل الجمهور على جواز تعجيل الزكاة بحديث الباب، وبحديث أبي هريرة -﵁-، أنَّ العباس منع الزكاة، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أما العباس فهي عليَّ ومثلها معها» متفق عليه. (^١)\nفقالوا: معناه: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد تعجل منه صدقة عامين، كما جاء ذلك في بعض الروايات، منها: ما أخرجه البيهقي (٤/ ١١١) بإسناد صحيح إلى أبي البختري عن علي -﵁- بنحو حديث أبي هريرة -﵁-، وفيه: «أما علمت يا عمر أنَّ عم الرجل صنو أبيه، إنا كنا احتجنا فاستلفنا العباس صدقة عامين»، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع؛ لأنَّ أبا البختري لم يدرك عليًّا -﵁-، كما في «جامع التحصيل».\nوقالوا: حقوق الأموال كلها جائزٌ تعجيلها قبل أجلها قياسًا على ديون الناس المؤجلة، وحقوقهم، كالنفقات وغيرها.\nوقد أجاب القائلون بعدم جواز التعجيل عن حديثهم بأنه ضعيفٌ.\nوأما حديث أبي هريرة -﵁- الذي في «الصحيحين» فليس فيه التنصيص على ما ذكروا، بل يحتمل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تحمَّل الصدقة عن عمه العباس كما هو ظاهر اللفظ، ويؤيد ذلك أنَّ عمر بن الخطاب لم يكن ليقول: (منع العباس)، وهو قد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٤٦٨)، ومسلم برقم (٩٨٣).","vol":"4","page":98},{"text":"قدمها، ولكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سيخبره أن العباس قد قدمها؛ فلا يأخذ منه، أو لاعتذر العباس بأنه قد قدم الصدقة.\nوأجابوا على القياس على ديون الناس: بأنَّ الدَّيْنَ واجبٌ في الذمة من حين أخذه، وأما الزكاة فلا تجب إلا بحلول الحول، فقياس ما لم يجب على ما قد وجب في الأداء باطل.\nقالوا: وأولى أن يُقاس تعجيل الزكاة قبل وقتها على تعجيل الصلاة قبل وقتها، والصوم قبل وقته.\nقال ابن حزم -﵀-: نَسْأَلُهُمْ: أَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ قَبْلَ الْحَوْلِ، أَمْ لَمْ تَجِبْ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَمْ تَجِبْ. قُلْنَا: فَكَيْفَ تُجِيزُونَ أَدَاءَ مَا لَمْ يَجِبْ، وَمَا لَمْ يَجِبْ فِعْلُهُ تَطَوُّعٌ؟ وَمَنْ تَطَوَّعَ فَلَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ. وَإِنْ قَالُوا: قَدْ وَجَبَتْ. قُلْنَا: فَالْوَاجِبُ إجْبَارُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ عَلَى أَدَائِهِ ...\nقال: وَنَسْأَلُهُمْ: كَيْفَ الْحَالُ إنْ مَاتَ الَّذِي عَجَّلَ الصَّدَقَةَ قَبْلَ الْحَوْلِ، أَوْ تَلِفَ الْمَالُ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ مَاتَ الَّذِينَ أَعْطُوهَا قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ خَرَجُوا عَنِ الصِّفَاتِ الَّتِي بِهَا تُسْتَحَقُّ الزَّكَوَاتُ؟ فَصَحَّ أَنَّ تَعْجِيلَهَا بَاطِلٌ، وَإِعْطَاءٌ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَمَنْعٌ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا، وَإِبْطَالُ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ؛ وَكُلُّ هَذَا لَا يَجُوزُ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول بجواز التعجيل أظهر؛ لحديث أبي هريرة، وعلي اللذين تقدما، وما ذكره ابن حزم مُعَارَضٌ بالحديث.","vol":"4","page":99},{"text":"والذي نختاره: عدم التعجيل إلا لحاجة، وبالله التوفيق.\nوقد أفتى بجواز التعجيل الإمام الألباني، والإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهم أجمعين. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٧٩)، «المحلَّى» (٦٩٣)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٨٥).","vol":"4","page":100},{"text":"٥٩٥ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁-، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ (^١) مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ (^٢) مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاق مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\n٥٩٦ - وَلَهُ (^٤) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ -﵁-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ (^٥) مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ». وأصل حديث أبي سعيد متفق عليه. (^٦)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1659>مسألة [١]: النصاب الذي تجب فيه الزكاة في المزروعات، والثمار</span>.\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ الزكاة لا تجب في شيء من الزروع، والثمار، حتى تبلغ خمسة أوسق.\nقال ابن قدامة -﵀-: ولا نعلم أحدًا خالف؛ إلا مجاهدًا، وأبا حنيفة، ومن تابعه، قالوا: تجب الزكاة في قليل ذلك وكثيره؛ لعموم قوله -﵇-: «فيما سقتِ السماء العُشر» (^٧)، ولأنَّه لا يعتبر له حول، فلا يعتبر له نصاب.\n_________\n(^١) الأواق: جمع وقية، والوقية: تساوي أربعين درهمًا.\n(^٢) الذود: اسم لجماعة الإبل، قال ابن الأثير: ما بين الثنتين إلى التسع. وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٩٨٠).\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (٩٧٩) (٤).\n(^٥) في (أ) و(ب): (أوساق).\n(^٦) أصله أخرجه البخاري (١٤٤٧)، ومسلم (٩٧٩).\n(^٧) سيأتي تخريجه في الكتاب برقم (٥٩٧).","vol":"4","page":101},{"text":"قال: ولنا قوله - ﷺ -: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» متفق عليه، وهذا خاصٌّ يجب تقديمه، وتخصيص عموم ما رووه به.\nثم قال: وإنما لم يعتبر الحول؛ لأنه يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غيره؛ لأنه مظنة لكمال النماء في سائر الأموال. اهـ. (^١)\nفائدة: الوسق يساوي ستين صاعًا بالإجماع، نقل الإجماع ابن المنذر، والنووي، وغيرهما. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1660>مسألة [٢]: متى تعتبر الخمسة الأوسق</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: وَتُعْتَبرُ الْخَمْسَة الأَوْسُق بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ، وَالْجفَافِ فِي الثِّمَارِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ عِنَبًا لَا يَجِيْءُ مِنْهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ زَبِيْبًا؛ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ حَالُ وُجُوبِ الْإِخْرَاجِ مِنْهُ فَاعْتُبِرَ النِّصَابُ بِحَالِهِ. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1661>مسألة [٣]: هل يعتبر النصاب بالكيل، أم بالوزن</span>؟\nدلَّ حديث أبي سعيد، وجابر المتقدمان في الباب في ذكر الأوسق على أنَّ النصاب مُعتبرٌ بالكيل لا بالوزن، وعلى هذا أكثر أهل العلم.\nوالكيل المعتبر هو كيل أهل المدينة؛ لحديث ابن عمر -﵄- عند أبي داود (٣٣٤٠)، وهو في «الصحيح المسند» (٧٦٧) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة». (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ١٦١ -)، «المجموع» (٥/ ٤٥٧).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٥/ ٤٥٧).\n(^٣) انظر: «المغني» (٤/ ١٦٢).\n(^٤) انظر: «المغني» (٤/ ١٦٨)، «المجموع» (٥/ ٤٥٨).","vol":"4","page":102},{"text":"٥٩٧ - وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِاللهِ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا (^١) العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\nوَلِأَبِي دَاوُد: «أَوْ كَانَ بَعْلًا العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي (^٣) أَوِ النَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ». (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1662>مسألة [١]: مقدار الزكاة في الثمار، والمزروعات</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ١٦٤): الْعُشْرُ يَجِبُ فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ، كَاَلَّذِي يَشْرَبُ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَنْهَارِ، وَمَا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُغْرَسُ فِي أَرْضٍ مَاؤُهَا قَرِيبٌ مِنْ وَجْهِهَا، فَتَصِلُ إلَيْهِ عُرُوقُ الشَّجَرِ، فَيَسْتَغْنِي عَنْ سَقْيٍ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَتْ عُرُوقُهُ تَصِلُ إلَى نَهْرٍ أَوْ سَاقِيَةٍ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِالمُؤَنِ، كَالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَغَيْرِهِمْ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ ...» اهـ. وذكر حديث الباب.\n_________\n(^١) هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي كأن يكون جوار نهر أو بركة أو ما أشبه ذلك، وهو معنى (البعل) في رواية أبي داود.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٤٨٣).\n(^٣) السواني جمع سانية، وهي الدابة التي يسقى عليها.\n(^٤) صحيح على شرط مسلم. أخرجه أبوداود (١٥٩٦) بإسناد على شرط مسلم.","vol":"4","page":103},{"text":"وقد ثبت الفتوى بما تضمنه حديث الباب عن عدد من الصحابة -﵃-، منهم عمر، وعلي، وجابر بن عبد الله، وابن عمر -﵃-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1663>مسألة [٢]: إذا سقاه بالسَّواني نصف العام، والنصف الآخر بماء السماء</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ١٦٦): فَإِنْ سُقِيَ نِصْفَ السَّنَةِ بِكُلْفَةٍ، وَنِصْفَهَا بِغَيْرِ كُلْفَةٍ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ وُجِدَ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ لَأَوْجَبَ مُقْتَضَاهُ، فَإِذَا وُجِدَ فِي نِصْفِهَا؛ أَوْجَبَ نِصْفَهُ. اهـ\nقلتُ: أما الخلاف فقد وُجِد، ذكره النووي عن بعض الشافعية أنهم أوجبوا العشر كاملًا، والراجح قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1664>مسألة [٣]: إذا سُقِي بأحدهما أكثر من الآخر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ١٦٦): وَإِنْ سُقِيَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ؛ اُعْتُبِرَ أَكْثَرُهُمَا، فَوَجَبَ مُقْتَضَاهُ، وَسَقَطَ حُكْمُ الْآخَرِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ. وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا نِصْفَيْنِ؛ أَخَذَ بِالْحِصَّةِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ نَوْعَيْنِ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ اعْتِبَارَ مِقْدَارِ السَّقْيِ، وَعَدَدِ مَرَّاتِهِ، وَقَدْرِ مَا يُشْرَبُ فِي كُلِّ سَقْيَةٍ يَشُقُّ وَيَتَعَذَّرُ، فَكَانَ\n_________\n(^١) وانظر: «ابن أبي شيبة» (٣/ ١٤٥ -)، «عبد الرزاق» (٤/ ١٣٥).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٥/ ٤٦٣).","vol":"4","page":104},{"text":"الْحُكْمُ لِلْأَغْلَبِ مِنْهُمَا، كَالسَّوْمِ فِي الْمَاشِيَةِ، وَإِنْ جُهِلَ الْمِقْدَارُ، غَلَّبْنَا إيجَابَ الْعُشْرِ احْتِيَاطًا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الله؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْعُشْرِ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ بِوُجُودِ الْكُلْفَةِ، فَمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُسْقِطُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْكُلْفَةِ فِي الْأَكْثَرِ، فَلَا يَثْبُتُ وُجُودُهَا مَعَ الشَّكِّ فِيهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ السَّاعِي، وَرَبُّ الْمَالِ فِي أَيِّهِمَا سُقِيَ بِهِ أَكْثَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَا يُسْتَحْلَفُونَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ. اهـ\nقلتُ: وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- ما قرره ابن قدامة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1665>مسألة [٤]: هل تجب الزكاة فيما زاد على النصاب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ١٦٩): وَلَا وَقْصَ فِي نِصَابِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، بَلْ مَهْمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ؛ أَخْرَجَ مِنْهُ بِالْحِسَابِ، فَيُخْرِجُ عُشْرَ جَمِيعِ مَا عِنْدَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَبْعِيضِهِ، بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ؛ فَإِنَّ فِيهَا ضَرَرًا، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. اهـ\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٤٦٤ - ٤٦٥): وتجب فيما زاد على النصاب بحسابه، بإجماع المسلمين، نقل الإجماع فيه صاحب «الحاوي»، وآخرون، ودليله من السنة قوله - ﷺ -: «فيما سَقَتِ السماء العُشر ...» الحديث، والله تعالى أعلم. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٥/ ٤٦٣)، «الشرح الممتع» (٦/ ٨٣).","vol":"4","page":105},{"text":"٥٩٨ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ وَمُعَاذٍ -﵄-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُمَا: «لَا تَأْخُذَا فِي الصَّدَقَةِ إلَّا مِنْ هَذِهِ الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرُ، وَالحِنْطَةُ، وَالزَّبِيبُ، وَالتَّمْرُ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالحَاكِمُ. (^١)\n\n٥٩٩ - وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ، عَنْ مُعَاذٍ -﵁-: فَأَمَّا القِثَّاءُ، وَالبِطِّيخُ وَالرُّمَّانُ وَالقَصَبُ، فَقَدْ عَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. (^٢)\n_________\n(^١) صحيح موقوفًا. أخرجه الدارقطني (٢/ ٩٨)، والحاكم (١/ ٤٠١)، والبيهقي (٤/ ١٢٥)، من طريق أبي حذيفة النهدي عن سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى ومعاذ به.\nوطلحة بن يحيى مختلف فيه والراجح تحسين حديثه، ولكن أبا حذيفة النهدي في روايته عن الثوري ضعف، وقد خولف في إسناده:\nفرواه عبيدالله بن عبيدالرحمن الأشجعي عن سفيان الثوري بإسناده عن أبي موسى ومعاذ أنهما حين بعثا إلى اليمن لم يأخذا إلا من الحنطة والشعير والتمر والزبيب. أخرجه يحيى بن آدم في «الخراج» (٥٣٧)، والبيهقي في «السنن» (٤/ ١٢٥)، وعبيدالله الأشجعي من الأثبات في سفيان، فروايته أرجح، فالراجح في هذه الطريق الوقف. ورواه وكيع أيضًا عن طلحة بن يحيى بإسناده موقوفًا، ولم يذكر (معاذًا). أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٣٨)، ولكن للحديث طريق أخرى.\n\nأخرجه أحمد (٥/ ٢٢٨)، حدثنا عبدالرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن عمرو بن عثمان يعني ابن موهب عن موسى بن طلحة قال: عندنا كتاب معاذ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه إنما أخذ الصدقة من الحنطة والشعير والزبيب والتمر. وهذا الإسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين، إلا أن موسى بن طلحة لم يلق معاذًا، لكنه يرويه وجادة، قال الإمام الألباني -﵀-: وهي من أقوى الوجادات لقرب العهد بصاحب الكتاب.\nقلت: وظاهره أيضًا أنه موقوف كالذي قبله. وقد أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٣٨) من نفس الوجه موقوفًا؛ فقال: حدثنا وكيع، عن عمرو بن عثمان، عن موسى بن طلحة؛ أن معاذا لما قدم اليمن لم يأخذ الزكاة إلا من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. وانظر: «الإرواء» (٨٠١)، تحقيق «المسند» (٣٦/ ٣١٤ - ٣١٥).\n(^٢) ضعيف جدًّا. أخرجه الدارقطني (٢/ ٩٧) وفي إسناده إسحاق بن يحيى بن طلحة التيمي وهو متروك، وفيه عبدالله بن نافع الصائغ، وفيه ضعف، وفيه انقطاع موسى بن طلحة لم يلق معاذًا.","vol":"4","page":106},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1666>مسألة [١]: ما هي الأصناف التي تجب فيها الزكاة من المزروعات، والثمار</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال منها:\nالأول: أنَّ الزكاة تجب في التمر، والزبيب، وفي كل الحبوب التي تقتات، وتدَّخر، ولا زكاة في الخضروات، والفواكه، وهو قول الشافعي، ومالك، وأبي يوسف، ومحمد.\nالثاني: تجب الزكاة في كل ما يُكال، ويُدَّخر من الحبوب، والثمار، وهو مذهب أحمد، فيدخل في ذلك من الحبوب: الحنطة، والشعير، والذرة، والأرز، والدُّخن، وغير ذلك، ويدخل في الثمار: التَّمر، والزبيب، واللوز، والفُستُق، والبندق، وغيرها.\nالثالث: تجب الزكاة في أربعة أصناف فقط، وهي: التمر، والزبيب، والحنطة، والشعير، وهذا قول أحمد في رواية، وهو قول موسى بن طلحة، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وأبي عبيد، والثوري، وصحَّ عن ابن عمر، وأبي موسى، ومعاذ -﵃-، واستدلوا بحديث الكتاب، وآثار الصحابة المذكورة.\nالرابع: تجب الزكاة في التمر، والحنطة، والشعير، ولم يذكر الزبيب، وهو قول شُريح، وابن حزم.","vol":"4","page":107},{"text":"الخامس: أنَّ الزكاة تجب في كل ما أخرجته الأرض؛ إلا الحطب، والقصب الفارسي، والحشيش الذي ينبتُ بنفسه، وهو قول أبي حنيفة، وزُفر، وقول داود الظاهري بنحو قول أبي حنيفة؛ إلا أنه قال: ما كان موسَّقًا؛ فلا زكاة فيه حتى يبلغ خمسة أوسق، وما لم يكن موسَّقًا؛ فتجب الزكاة في قليله، وكثيره.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما من عمَّمَ في كل ما يخرج من الأرض؛ فاستدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧]، وبحديث ابن عمر -﵄-: «فيما سقتِ السماء العُشر»، وأما من قال في كل ما يُقتات ويُدَّخر؛ فحجَّتُهم القياس على ما ورد فيه النصوص، وهذا قول له حظه من النظر؛ لأنه في بعض البلدان لا يقتاتون الأربعة المذكورة في حديث الباب؛ ففي بعض البلدان أقواتهم الأرز، وفي بعضها أقواتهم الذرة، وفي بعضها لهم أقوات أخرى، وعليه فما سيعطى الفقراء من أموال الأغنياء، ولا تلزم الأغنياء في ذلك المكان زكاة واجبة، وهذا فيه ما فيه؟!.\nوأما ابن حزم فاستدل على مذهبه بحديث جابر المذكور في الكتاب: «وليس فيما دون خمسة أوسق من تمر، ولا حبٍّ صدقة»، قال: والحبُّ في اللغة يُطلق على الشعير، والبر.\nوالأقرب في هذه المسألة هو قول مالك والشافعي؛ لما تقدم ذكره.\nوأما حديث الباب فالأقرب أنه موقوف، ثم يتأول الموقوف على أنهم في ذلك الوقت ما وجدوا إلا هذه المزروعات، والله أعلم.","vol":"4","page":108},{"text":"وقول ابن حزم في الحب دعوى تحتاج إلى بينة، والمعروف أنَّ الحبَّ يُطلق على ما هو أعم مما ذُكِر، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: جاءت أحاديث تُوجِبُ الزكاة في الذرة، ولكنها لا تثبت، منها: حديث عبدالله ابن عمرو بن العاص عند ابن ماجه (١٨١٥)، وفي إسناده: محمد ابن عبيد الله العرزمي متروكٌ، وإسماعيل بن عياش يرويه عن غير أهل بلده، وفي روايته عن غير أهل بلده ضعفٌ.\nومنها: مرسل مجاهد عند البيهقي (٤/ ١٢٩)، ومع إرساله فيه: خُصيف الجزري سيء الحفظ، وعتاب الجزري مختَلَفٌ فيه.\nفائدة: قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠): قال ابن المنذر الإمام أبو بكر النيسابوري: أجمع أهل العلم على أن الزكاة تجب في تسعة أشياء: في الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتَّمر، والزبيب إذا بلغ من كل صنف منها ما تجب فيه الزكاة. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ١٥٥ -)، «المجموع» (٥/ ٤٥٦)، «الأموال» (ص ٦٣٤)، «المحلَّى» (٦٤٠)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ١٣٨)، «الحاوي الكبير» (٣/ ٢٣٨).","vol":"4","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1667>فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْض المَسَائِل المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1668>مسألة [١]: وقت وجوب الزكاة</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٤٦٥): قال الشافعي والأصحاب -﵃-: وقتُ وجوب زكاة النخل، والعنب بدو الصلاح، ووقت الوجوب في الحبوب اشتداداها. اهـ\nوقال ابن قدامة أيضًا (٤/ ١٦٩ - ١٧٠): وَوَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَبِّ إذَا اشْتَدَّ، وَفِي الثَّمَرَةِ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: تَجِبُ زَكَاةُ الْحَبِّ يَوْمَ حَصَادِهِ؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ تَصَرَّفَ فِي الثَّمَرَةِ أَوْ الْحَبِّ قَبْلَ الْوُجُوبِ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ الْوُجُوبِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ السَّائِمَةَ أَوْ بَاعَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ؛ لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي السَّائِمَةِ. اهـ\nقلتُ: وخالف ابن حزم في الحب، فقال: تجب الزكاة في البر، والشعير على من ملكهما قبل دراسهما، وإمكان تصفيتها من التبن، وكيلهما، سواء ملكهما بشراء أو هبة أو زراعة، ولا تجب عليه إلا بعد تصفيتها؛ فإن صفى الحب فالزكاة عليه، وإذا باعها قبل تصفيتها؛ فليس عليه زكاة، وهي على المشتري بعد تصفيتها.","vol":"4","page":110},{"text":"وحجَّةُ الجمهور: أنه ملك نصابًا من الشعير، أو البر عند اشتداده، وإن كان ما زال في الزرع؛ فتعلق به الوجوب.\nوالصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1669>مسألة [٢]: متى يجب إخراج الزكاة</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٥/ ٤٦٦): قال الشافعي والأصحاب: لا يجب الإخراج في ذلك الوقت بلا خلاف -يعني عند بدو الصلاح واشتداد الحب- لكن ينعقد سببًا لوجوب الإخراج إذا صار تمرًا، أو زبيبًا، أو حبًّا مصفى، ويصير للفقراء في الحال حق يجب دفعه إليهم بعد مصيره تمرًا، أو حبًّا، فلو أخرج الرطب، أو العنب في الحال؛ لم يجزئه بلا خلاف. اهـ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1670>مسألة [٣]: هل عليه إخراج الزكاة أكثر من مرة من محصول واحد</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٥٦٧ - ٥٦٨): قال أصحابنا: إذا وجب العُشر في الزروع، والثمار؛ لم يجب فيها بعد ذلك شيء، وإنْ بقيت في يد مالكها سنين، هذا مذهبنا، وبه قال جميع الفقهاء؛ إلا الحسن البصري، فقال: على مالكها العشر في كل سنة، كالماشية، والدراهم، والدنانير. قال الماوردي: وهذا خلاف الإجماع، ولأنَّ الله تعالى علَّق وجوب الزكاة بحصاده، والحصاد لا يتكرر؛ فلم يتكرر العُشر. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المحلَّى» (٦٤٩).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٤/ ١٧٩ - ١٨٠)، «الإنصاف» (٣/ ٩٤).","vol":"4","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1671>مسألة [٤]: هل يضم القمح إلى الشعير</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ القمح لا يُضم إلى الشعير في الزكاة، بل يخرج من كل منهما إذا بلغ النصاب بمفرده، وهذا مذهب عطاء، ومكحول، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، والحسن بن صالح، وأبي حنيفة، وابن المنذر، وهو قول الظاهرية.\n• وذهب مالك، وأحمد في رواية إلى أنَّ القمح، والشعير، والسّلت يُضمُّ بعضها إلى بعض، و(السّلت) ضرب من الشعير ليس له قشرة.\n• وذهب طاوس، وعكرمة، والليث، وأبو يوسف إلى ضم الحبوب مطلقًا.\nقلتُ: الصواب هو القول الأول؛ لأنَّ كلًّا منهما جنس آخر، فأشبه الماشية؛ فإن الإبل لا تضم إلى البقر، ولا إلى الغنم، ولا يُضم كل منها إلى الآخر بالإجماع، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1672>مسألة [٥]: هل يُضم التمر إلى الزبيب</span>؟\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٥/ ٢٥٢): وكلهم متفق على أن لا يُجمع التمر إلى الزبيب. اهـ\nوقد نقل الإجماع أيضًا ابن المنذر كما في «المجموع» (٥/ ٥١٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1673>مسألة [٦]: هل يضم التمر إلى البر أو الشعير</span>؟\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٥/ ٢٥٢): ولا خلاف بين كل من يرى\n_________\n(^١) انظر: «المحلَّى» (٦٤٥)، «المجموع» (٥/ ٥١٢ -).","vol":"4","page":112},{"text":"الزكاة في الخمسة الأوسق فصاعدًا لا في أقل في أنه لا يجمع التمر إلى البر، ولا إلى الشعير. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1674>مسألة [٧]: هل تُضم أنواع البر مع بعضها، وكذا الشعير، والتمر، والزبيب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٥٠): ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم في ضم أنواع الأجناس بعضها إلى بعض في إيجاب الزكاة. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1675>مسألة [٨]: هل تضم ثمرة المحصولين</span>؟\n• إذا كانت ثمرة المحصول الأول في عام، وثمرة المحصول الثاني في عام آخر؛ فلا تُضم لتكملة النصاب كما ذكر ذلك أهل العلم، وأما إن كانت ثمرة المحصول الأول، وثمرة المحصول الثاني في عام واحد، فأكثر الحنابلة والشافعية على أنها تضم.\n• وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى أنها لا تضم، بل يؤدي من كل محصول إذا بلغ النصاب، وإذا لم يبلغ النصاب كل واحد منهما بمفرده؛ فليس فيه زكاة، وهذا القول اختاره ابن حزم، وهو أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1676>مسألة [٩]: إذا باع المحصول بعد بدو الصلاح، فعلى من زكاتُه</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ الزكاة على البائع صاحب الزرع؛ إلا أن يشترط\n_________\n(^١) وانظر: «المحلَّى» (٦٤٦).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٥/ ٤٥٩)، «المغني» (٤/ ٢٠٧)، «الإنصاف» (٣/ ٨٧)، «المحلَّى» (٦٦١).","vol":"4","page":113},{"text":"على المشتري، وهو مذهب أحمد، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، والليث، والحسن، وغيرهم.\n• وذهب ابن حزم إلى أنَّ الزكاة على المشتري بناء على مذهبه: أنَّ الوجوب لا يتعلق بِبُدُوِّ الصلاح، بل بمصيره حبًّا يمكن كيله.\nوالصواب قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1677>مسألة [١٠]: إذا وهب المحصول لإنسان قبل بدو الصلاح</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ الزكاة على الموهوب له، وعلى من أصبح مالكًا لها؛ لأنَّ وجوب الزكاة إنما يكون عند بدو الصلاح، وقد بدا صلاحها، وهي في ملكه؛ فوجبت عليه فيها الزكاة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1678>مسألة [١١]: هل مؤنة العمل تخرج من المحصول ثم يزكى لما بقي</span>؟\nجاء عن عطاء أنه قال: يسقط مما أصاب النفقة؛ فإنْ بقي مقدار ما فيه الزكاة؛ زكَّى، وإلا فلا. وصح هذا القول عن ابن عمر، وابن عباس -﵃-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ١٤٧)، و«سنن البيهقي» (٤/ ١٤٨)، وهو قول للحنابلة.\nقال ابن حزم -﵀-: أوجب رسول الله - ﷺ - في التمرِ، والبرِّ، والشعيرِ الزكاةَ جملة إذا بلغ الصنف منها خمسة أوسق فصاعدًا، ولم يسقط الزكاة عن ذلك بنفقة الزارع، وصاحب النخل، فلا يجوز إسقاط حقٍّ أوجبه الله تعالى بغير نص قرآن، ولا سنة\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ١٧١)، «المجموع» (٥/ ٤٦٨)، «المحلَّى» (٦٤٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ١٧٢)، «المجموع» (٥/ ٤٦٥).","vol":"4","page":114},{"text":"ثابتة، وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابنا. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1679>مسألة [١٢]: إذا استأجر إنسان أرضًا فزرع فيها، فعلى من الزكاة</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٥٦٢): مذهبنا أنَّ عُشر زرعها على المستأجر الزارع، وبه قال مالك، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وداود، وقال أبو حنيفة: يجب على صاحب الأرض. ولو استعار أرضًا فَزَرَعَهَا؛ فَعُشر الزرع على المستعير عندنا، وعند العلماء كافة، وعند أبي حنيفة روايتان أشهرهما هكذا، والثانية رواها عنه ابن المبارك أنه علي المعير، وهذا عجب. اهـ\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٥٤ -): وَأَمَّا الْعُشْرُ: فَهُوَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، كَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ، عَلَى مَنْ نَبَتَ الزَّرْعُ عَلَى مِلْكِهِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧]، فَالْأَوَّلُ يَتَضَمَّنُ زَكَاةَ التِّجَارَةِ، وَالثَّانِي يَتَضَمَّنُ زَكَاةَ مَا أَخْرَجَ اللهُ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ، فَمَنْ أَخْرَجَ اللهُ لَهُ الْحَبَّ فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ، فَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا فَالْعُشْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ كُلِّهِمْ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْعُشْرُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ. وَإِذَا زَارَعَ أَرْضًا عَلَى النِّصْفِ فَمَا حَصَلَ لِلْمَالِكِ فَعَلَيْهِ عُشْرُهُ، وَمَا حَصَلَ لِلْعَامِلِ فَعَلَيْهِ عُشْرُهُ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُشْر مَا أَخْرَجَهُ اللهُ له، وَمَنْ أُعِيرَ أَرْضًا، أَوْ أُقْطِعَهَا، أَوْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى عَيْنِهِ، فَازْدَرَعَ فِيهَا زَرْعًا؛ فَعَلَيْهِ عُشْرُهُ، وَإِنْ آجَرَهَا؛\n_________\n(^١) انظر: «المحلَّى» (٦٥٧).","vol":"4","page":115},{"text":"فَالْعُشْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَإِنْ زَارَعَهَا؛ فَالْعُشْرُ بَيْنَهُمَا. اهـ\nوقال -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٥٢): وَالْعُشْرُ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ الزَّرْعَ، فَإِذَا زَارَعَ الْفَلَّاحُ فَفِي صِحَّةِ الْمُزَارَعَةِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، فَمَنْ اعْتَقَدَ جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ أَخَذَ نَصِيبَهُ وَأَعْطَى الْفَلَّاحَ نَصِيبَهُ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا زَكَاةُ نَصِيبِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصَحِّحْ الْمُزَارَعَةَ؛ جَعَلَ الزَّرْعَ كُلَّهُ لِصَاحِبِ الْحَبِّ، فَإِذَا كَانَ هُوَ الْفَلَّاحَ؛ اسْتَحَقَّ الزَّرْعَ كُلَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ إلَّا أُجْرَةُ الْأَرْضِ، وَالزَّكَاةُ حِينَئِذٍ عَلَى الْفَلَّاحِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: إنَّ المُقَاسَمَةَ جَائِزَةٌ، وَالْعُشْرَ كُلَّهُ عَلَى الْفَلَّاحِ. بَلْ مَنْ قَالَ: الْعُشْرُ عَلَى الْفَلَّاحِ. قَالَ: لَيْسَ لِلْمَالِكِ فِي الزَّرْعِ شَيْءٌ. وَلَا الْمُقْطِعُ، وَلَا غَيْرُهُمَا. فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْعُشْرَ عَلَى الْفَلَّاحِ مَعَ جَوَازِ المُقَاسَمَةِ؛ فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَ المُسْلِمِينَ. اهـ\nقلتُ: والصواب قول الجمهور، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1680>مسألة [١٣]: من كان يزرع في أرض عليه فيها الخراج لبيت المال، فهل عليه زكاة أيضًا</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٥/ ٥٤٣ -): مذهبنا: اجتماعهما، ولا يمنع أحدهما وجوب الآخر، وبه قال جمهور العلماء، قال ابن المنذر: هو قول أكثر العلماء، ممن قال به: عمر ابن عبد العزيز، وربيعة، والزهرى، ويحيى الأنصاري، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، والليث، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وداود، وقال أبو حنيفة: لا يجب العشر مع","vol":"4","page":116},{"text":"الخراج. واحتج بحديث يُروى عن ابن مسعود مرفوعًا: «لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم».\nثم ذكر النووي -﵀- أنَّ هذا الحديث باطلٌ، مُجمَعٌ على ضعفه، انفرد به يحيى ابن عنبسة، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن علقمة، عن ابن مسعود مرفوعًا.\nقال البيهقي -﵀- في «معرفة السنن والآثار»: هذا المذكور إنما يرويه أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم من قوله، فرواه يحيى بن عنبسة هكذا مرفوعًا، ويحيى بن عنبسة مكشوف الأمر في الضعف؛ لروايته عن الثقات الموضوعات، قاله أبو أحمد بن عدي الحافظ فيما أخبرنا أبو سعيد الماليني عنه. اهـ\nقلتُ: وقد حكم عليه بالوضع أيضًا الدارقطني، وابن حبان كما في «لسان الميزان»، والراجح قول الجمهور؛ لأنهما حَقَّان وجبا عليه، فما هو الدليل على إسقاط أحدهما؟!\nقال شيخ الإسلام -﵀- بعد أن رجَّح قول الجمهور: وَأَصْلُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ: أَنَّ الْعُشْرَ حَقُّ الزَّرْعِ؛ وَلِهَذَا كَانَ عِنْدَهُمْ يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ حَقُّ الزَّرْعِ، وَمُسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الزَّكَاةِ، وَالْخَرَاجُ حَقُّ الْأَرْضِ، وَمُسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الْفَيْءِ، فَهُمَا حَقَّانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَاجْتَمَعَا كَمَا لَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ لِأَهْلِهِ، وَالْكَفَّارَةُ حَقٌّ لله، وَكَمَا لَوْ قَتَلَ صَيْدًا مَمْلُوكًا وَهُوَ مُحْرِمٌ؛ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ لِمَالِكِهِ وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ حَقًّا لله، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْعُشْرُ حَقُّ الْأَرْضِ؛ فَلَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهَا حَقَّانِ. وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ فِي الْأَرْضِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ","vol":"4","page":117},{"text":"تُزْرَعَ سَوَاءٌ زُرِعَتْ أَوْ لَمْ تُزْرَعْ، وَأَمَّا الْعُشْرُ فَلَا يَجِبُ إلَّا فِي الزَّرْعِ. وَالْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ: «لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ» كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1681>مسألة [١٤]: هل يجب إخراج الزكاة من عين المال الذي وجبت فيه الزكاة، أم لا</span>؟\nقال الإمام أبو محمد بن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٦٦٤): لا خلاف بين أحد من الأمة من زمننا إلى زمن رسول الله - ﷺ - في أنَّ من وجبت عليه زكاة بُرٍّ، أو شعير، أو تمر، أو فضة، أو ذهب، أو إبل، أو بقر، أو غنم، فأعطى زكاته الواجبة عليه من غير ذلك الزرع، ومن غيرذلك التمر، ومن غيرذلك الذهب، ومن غير تلك الفضة، ومن غير تلك الإبل، ومن غير تلك البقر، ومن غير تلك الغنم؛ فإنه لا يمنع من ذلك، ولايكره ذلك له، بل سواء أعطى من تلك العين، أو مما عنده من غيرها، أو مما يشتري، أومما يُوهب، أو مما يُستقرض. انتهى المراد. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٥/ ٣٧٩).","vol":"4","page":118},{"text":"٦٠٠ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ -﵁-، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1682>مسألة [١]: معنى الخرص، والحكمة منه</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- (١٤٨١): وَالْخَرْص بِفَتْح الْمُعْجَمَة، وَحُكِيَ كَسْرهَا، وَبِسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَة: هُوَ حَزْرُ مَا عَلَى النَّخْلِ مِنْ الرُّطَبِ تَمْرًا، حَكَى التِّرْمِذِيّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ تَفْسِيرَهُ: أَنَّ الثِّمَارَ إِذَا أُدْرِكَتْ مِنْ الرُّطَبِ، وَالْعِنَبِ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاة بَعَثَ السُّلْطَان خَارِصًا يَنْظُرُ، فَيَقُولُ: يُخْرَجُ مِنْ هَذَا كَذَا وَكَذَا زَبِيبًا، وَكَذَا وَكَذَا تَمْرًا، فَيُحْصِيهِ وَيَنْظُرُ مَبْلَغ الْعُشْر، فَيُثْبِتُهُ عَلَيْهِمْ، وَيُخَلِّي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الثِّمَارِ، فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ الْجذَاذِ أُخِذَ مِنْهُمْ الْعُشْر اِنْتَهَى. وَفَائِدَة الْخَرْص التَّوْسِعَة عَلَى أَرْبَاب الثِّمَار فِي التَّنَاوُلِ مِنْهَا، وَالْبَيْعِ مِنْ زَهْوِهَا، وَإِيثَار الْأَهْلِ، وَالْجيرَانِ، وَالْفُقَرَاء؛ لِأَنَّ فِي مَنْعِهِمْ مِنْهَا تَضْيِيقًا لَا يَخْفَى. اهـ\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (١٦٠٥)، والنسائي (٥/ ٤٢)، والترمذي (٦٤٣)، وأحمد (٣/ ٤٤٨)، وابن حبان (٣٢٨٠)، والحاكم (١/ ٤٠٢)، كلهم من طريق خبيب بن عبدالرحمن الأنصاري، عن عبدالرحمن بن مسعود بن نيار، عن سهل بن أبي حثمة به. وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة عبدالرحمن ابن مسعود.\nوقد أخرج الحاكم (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، بإسناد صحيح من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة أن عمر بن الخطاب بعثه إلى خرص التمر، فقال: إذا أتيت أرضًا فاخرصها ودع لهم ما يأكلون. فالراجح في الحديث الوقف على عمر باللفظ المذكور، والله أعلم.","vol":"4","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1683>مسألة [٢]: حكم الخرص</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى مشروعيته، واستدلوا بحديث الباب، وبحديث أبي حميد الساعدي في «الصحيحين» (^١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج إلى تبوك، فلما جاء وادي القرى إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأصحابه: «اخرصوا»، وخرص رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عشرة أوسق، فقال لها «أحصي ما يخرج منها»، فلما رجع قال للمرأة: «كم جاء حديقتك؟» قالت: عشرة أوسق كخراص رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nواستدلوا بحديث جابر -﵁- عند أبي داود (٣٤١٤) (٣٤١٥)، قال: لما أفاء الله على رسوله خيبر، فأقرهم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما كانوا، وجعلها بينه، وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة، فخرصها عليهم.\nوفي رواية: فخرصها عبدالله بن رواحة أربعين ألف وسق، وزعم أنَّ اليهود لما خيرهم ابن رواحة أخذوا التمر وعليهم عشرون ألف وسق.\nوقد حسَّنه الإمام الوادعي -﵀- في «الجامع الصحيح» (٢/ ٣٢٧).\n• وذهب إلى عدم مشروعيته الشعبي، والثوري، وأصحاب الرأي.\nقَالَ الْخَطَّابِيّ -﵀-: أَنْكَرَ أَصْحَاب الرَّأْيِ الْخَرْص، وَقَالَ بَعْضهمْ: إِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ تَخْوِيفًا لِلْمُزَارِعِينَ؛ لِئَلَّا يَخُونُوا لا لِيُلْزَم بِهِ الْحُكْم؛ لِأَنَّهُ تَخْمِين وَغُرُور، أَوْ كَانَ يَجُوزُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا وَالْقِمَارِ.\nوَتَعَقَّبَهُ الْخَطَّابِيُّ: بِأَنَّ تَحْرِيمَ الرِّبَا وَالْمَيْسِرِ مُتَقَدِّم، وَالْخَرْص عُمِلَ بِهِ فِي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٤٨١)، ومسلم برقم (١١) من [كتاب الفضائل].","vol":"4","page":120},{"text":"حَيَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ أَبُو بَكْر، وَعُمَر، فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ تَرْكُهُ إِلَّا عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّهُ تَخْمِينٌ وَغُرُورٌ؛ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ اِجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ التَّمْرِ وَإِدْرَاكِهِ بِالْخَرْصِ الَّذِي هُوَ نَوْعٌ مِنْ المَقَادِيرِ. انتهى المراد. (^١)\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- (١٤٨١): وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ: هَلْ هُوَ وَاجِب أَوْ مُسْتَحَبّ؟ فَحَكَى الصَّيْمَرِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهًا بِوُجُوبِهِ. وَقَالَ الجمْهُورُ: هُوَ مُسْتَحَبٌّ؛ إِلَّا إِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِمَحْجُورٍ مَثَلًا، أَوْ كَانَ شُرَكَاؤُهُ غَيْر مُؤْتَمَنِينَ؛ فَيَجِبُ لِحِفْظِ مَالِ الْغَيْرِ. اهـ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1684>مسألة [٣]: هل يترك لأصحاب النخل شيء ليأكلونه، ولا يخرص عليهم</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٤٨١) بعد أن ذكر حديث سهل بن أبي حثمة الذي في الباب: وَقَالَ بِظَاهِرِهِ اللَّيْث، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَغَيْرُهُمْ. وَفَهِمَ مِنْهُ أَبُو عُبَيْد فِي كِتَاب «الْأَمْوَال» أَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ بِحَسَبِ اِحْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يُتْرَكُ قَدْر اِحْتِيَاجهمْ. وَقَالَ مَالِك، وَسُفْيَان: لَا يُتْرَكُ لَهُمْ شَيْء. وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ، قَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ: وَالْمُتَحَصَّلُ مِنْ صَحِيحِ النَّظَرِ أَنْ يُعْمَلَ بِالْحَدِيثِ، وَهُوَ قَدْر المؤنَة، وَلَقَدْ جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ مِمَّا يُؤْكَلُ رُطَبًا. انتهى كلام الحافظ.\n_________\n(^١) «الفتح» (١٤٨١).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٤/ ١٧٣)، «المجموع» (٥/ ٤٧٨).","vol":"4","page":121},{"text":"قلتُ: وما ذهب إليه الشافعي، ومالك هو الصواب، وهو مذهب أصحاب الرأي، وقد خالفوا مذهبهم هنا في الاحتجاج بقول الصحابي إذا لم يوجد له مخالفٌ، وقد تقدم أن أثر عمر أنه يترك لهم قدر ما يأكلون، ولا يُعلم له مخالف، وأما حديث سهل بن أبي حثمة، فقد تقدم أنه ضعيفٌ، وظاهر حديث أبي حميد، وحديث جابر اللذين تقدما أنه لم يترك لهم قدر ما يأكلون، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1685>مسألة [٤]: إذا تلف النخل بعد أن خُرِص</span>؟\nقال ابن المنذر -﵀-: أجمع أهل العلم على أنَّ الخارص إذا خرص الثمرة، ثم أصابته جائحة، فلا شيء عليه إذا كان قبل الجذاذ. وقال ابن قدامة -﵀-: لا نعلم فيه خلافًا.\nقلتُ: قد خالف ابن حزم، والراجح قول الجمهور، وكذلك الزرع إذا تلف بعد بُدُوِّ صلاحه؛ فلا شيء على صاحبها، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1686>مسألة [٥]: هل يكفي الخارص الواحد، أم لا بد من اثنين</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٤٨١): وهل يكفي خارصٌ واحدٌ عارفٌ ثقةٌ، أو لابد من اثنين؟ وهما قولان للشافعي، والجمهور على الأول. اهـ\nقلتُ: ويدل على قول الجمهور إرسال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عبدالله بن رواحة على اليهود، وإرسال عمرُ سهلَ بن أبي حثمة كما تقدم، والله أعلم.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٤/ ١٧٧)، «المجموع» (٥/ ٤٧٩)، «المحلَّى» (٥/ ٢٧٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ١٧٠)، «المحلَّى» (٦٥١).","vol":"4","page":122},{"text":"٦٠١ - وَعَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ -﵁-، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَنْ يُخْرَصَ العِنَبُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ وَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا. رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1687>مسألة [١]: هل يخرص العنب كما يخرص النخل</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٤٨١): وَاخْتُلِفَ أَيْضًا هَلْ يَخْتَصُّ بِالنَّخْلِ، أَوْ يُلْحَقُ بِهِ الْعِنَب، أَوْ يَعُمُّ كُلّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ رَطِبًا وَجَافًّا؟ وَبِالْأَوَّلِ قَالَ شُرَيْح الْقَاضِي، وَبَعْضُ أَهْل الظَّاهِر، وَالثَّانِي قَوْل الجمْهُورِ، وَإِلَى الثَّالِثِ نَحَا الْبُخَارِيّ. اهـ\nقال أبو عبدالله غفر الله له: الذي يظهر -والله أعلم- هو دخول العنب في الخرص؛ لأنَّ كثيرًا من أصحاب الأعناب ينتفعون بها، ويأكلون منها قبل تحويلها إلى زبيب.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (١٦٠٣) (١٦٠٤)، والنسائي (٥/ ١٠٩)، والترمذي (٦٤٤)، وابن ماجه (١٨١٩)، من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عتاب به. والانقطاع الذي أشار إليه الحافظ هو ما قاله أبو داود عقب الحديث: سعيد لم يسمع من عتاب شيئًا.\nقلتُ: وقد اختلف فيه على الزهري، فرواه محمد بن صالح التمار وعبدالرحمن بن إسحاق وفيهما ضعف عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عتاب، وخالفهما أكثر أصحاب الزهري فرووه عن الزهري مرسلًا، منهم مالك وعقيل ومعمر وابن جريج، ورجح الإرسال الدارقطني وأبوزرعة. انظر «الإرواء» (٣/ ٢٨٣).\nتنبيه: الحديث لم يخرجه أحمد.","vol":"4","page":123},{"text":"وفي «سنن البيهقي» (٤/ ١٢٢) بإسناد صحيح عن الزهري، قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يحدثنا في مجلس سعيد بن المسيب، قال: مضت السنة أن لا تؤخذ الزكاة من نخل ولا عنب حتى يبلغ خرصها خمسة أوسق. قال الزهري: ولا نعلم يخرص من الثمر إلا التمر والعنب.\nهذا وننبه على أنَّ العنب الذي لا يأتي منه زبيب ليس فيه زكاة على الصحيح خلافًا للجمهور؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أوجب الزكاة في الزبيب.\nوإليه يميل الإمام العثيمين -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (١٨/ ٦٢).\nقال -﵀-: والأحوط أن يزكيه. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٥٦ -).","vol":"4","page":124},{"text":"٦٠٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ -﵄-: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا، وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسْكَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لَهَا: «أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟» قَالَتْ: لَا، قَالَ: «أَيَسُرُّك أَنْ يُسَوِّرَك اللهُ بِهِمَا يَوْمَ القِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟» فَألقَتْهُمَا. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ. (^١)\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (١٥٦٣)، والنسائي (٥/ ٣٨)، من طريق خالد بن الحارث، عن حسين المعلم. وأخرجه الترمذي (٦٣٧)، من طريق ابن لهيعة، كلاهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به.\nوقد أخرجه أحمد (٢/ ١٧٨)، أيضًا من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب به.\nقال الترمذي: هذا حديث قد رواه المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب نحوهذا، والمثنى بن الصباح وابن لهيعة يضعفان في الحديث، ولا يصح في هذا الباب عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- شيءٌ. وقد اعترض على كلام الترمذي بإسناد أبي داود والنسائي؛ فإنه إسناد صحيح إلى عمرو بن شعيب.\nقلتُ: ولكن أخرجه النسائي (٥/ ٣٨)، من طريق المعتمر بن سليمان عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب قال جاءت امرأة ... فذكره، ثم قال النسائي: خالد أثبت عندنا من معتمر، وحديث معتمر أولى بالصواب. نقله عنه المزي في «التحفة» والزيلعي في «نصب الراية» والحافظ في «الدراية». والذي في المطبوع بدون قوله (وحديث معتمر ...) وقد تبع المزي النسائيَّ فرجح رواية معتمر، ثم طبعت «السنن الكبرى» بطبعة مؤسسة الرسالة فوجدنا الكلام المذكور موجودًا فيها، انظر الكبرى (٢٢٧١).\nقلتُ: وكأنهما رجحا روايته لأنه سلك غير الجادة، والله أعلم. وعلى هذا فالحديث معضل؛ لأن عمرو بن شعيب أكثر روايته عن التابعين، ومن ثم فالحديث ضعيف.\n\nثم رأيت متابعات لخالد بن الحارث تُبَيِّنُ أن روايته هي المحفوظة؛ فقد تابعه ابن أبي عدي محمد بن إبراهيم، وهو ثقة ثبت؛ فروى الحديث عن حسين المعلم، كما رواه خالد بن الحارث، موصولًا. أخرج روايته أبو عبيد في «الأموال» (١٢٦٠).\nوتابعه أبو أسامة حماد بن أسامة، وهو ثقة ثبت؛ فروى الحديث عن حسين المعلم، كما رواه خالد بن الحارث موصولًا. أخرج روايته الدارقطني في السنن (١٩٨٢).\nوعلى هذا فرواية الوصل هي المحفوظة؛ فقد اجتمع عليها ثلاثة من الثقات الأثبات، ولعل المعتمر بن سليمان شك في وصل الحديث، فأرسله.\nويؤيد الوصل: أنه قد رواه موصولًا أيضًا: ابن لهيعة، وحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب به، كما تقدم.","vol":"4","page":125},{"text":"٦٠٣ - وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. (^١)\n\n٦٠٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ أَوْضَاحًا (^٢)، مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَنْزٌ هُوَ؟ قَالَ: «إذَا أَدَّيْت زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1688>مسألة [١]: هل في الحُلي من الذهب، والفضة زكاة</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالقول الأول: تجب فيه الزكاة.\nوهذا القول جاء عن عمر -﵁- بسند ضعيفٍ مُنقطعٍ، وعن ابن مسعود -﵁- بإسناد حسنٍ، وعن عبد الله بن عمرو -﵄- بإسناد ضعيفٍ، وعن عائشة -﵂-\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠)، وأخرجه أيضًا أبوداود (١٥٦٥)، من طريق يحيى بن أيوب الغافقي، عن عبيدالله بن أبي جعفر، أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره، عن عبدالله بن شداد بن الهاد أنه قال: دخلنا على عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقالت: دخل عليَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فرأى في يدي فتخات من ورق فقال: «ما هذا يا عائشة؟» فقلت: صنعتهن أتزين لك فيهن يا رسول الله، فقال: «أتؤدين زكاتهن؟» فقلت: لا، أو ما شاء الله من ذلك، قال: «هي حسبك من النار».\nقلتُ: رجاله ثقات غير يحيى بن أيوب فإنه مختلف فيه وحديثه يحتمل التحسين إن شاء الله إذا لم يخالف أو ينكر عليه، وقد قال ابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ٧٨): وقد قيل: إنَّ الحديث من مناكير يحيى بن أيوب، وإن كان من رجال «الصحيحين».\n(^٢) جمع (وضح) وهي نوع من الحلي يعمل من الفضة، سميت بذلك لبياضها. «النهاية».\n(^٣) ضعيف. رواه أبوداود (١٥٦٤)، والدارقطني (٢/ ١٠٥)، والحاكم (١/ ٣٩٠)، من طريق عطاء عن أم سلمة به. وعطاء لم يسمع من أم سلمة، قاله ابن المديني كما في «جامع التحصيل» فالحديث منقطع ضعيف.","vol":"4","page":126},{"text":"بإسناد حسنٍ، وهو قول سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، ومحمد بن سيرين، والزهري، وعطاء، ومكحول، وعلقمة، والأسود، والنخعي، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز، وهو مذهب الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، والحسن بن حي، وأحمد في رواية، وداود الظاهري، ورجَّحه ابن المنذر، ثم ابن حزم، ثم الصنعاني، ثم ابن باز وابن عثيمين والوادعي رحمة الله عليهم أجمعين.\nوقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤]، فالآية عامة تشمل الحُلي، وكذلك الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «ما من صاحب ذهبٍ، ولا فضَّةٍ لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار ...» يشمل الحُلي، واستدلوا أيضًا بأحاديث الباب.\n• القول الثاني: لا زكاة فيه.\nصحَّ عن ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر -﵃-، وهو قول الحسن، والشعبي، وقتادة، ورُوي عن ابن المسيب، والقاسم، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، والليث، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد، وابن خزيمة.\nواستدلوا بحديث جابر -﵁- عند الدارقطني (٢/ ١٠٧)، وغيره مرفوعًا: «ليس في الحُلي زكاة»، وفي إسناده: أبو حمزة ميمون، وهو متروك.\nوله طريق أخرى أحسن منها أخرجه ابن الجوزي في «التحقيق» برقم","vol":"4","page":127},{"text":"٩٨١ -، وهو من طريق: إبراهيم بن أيوب، عن عافية بن أيوب، عن ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، وهو حديثٌ ضعيفٌ، أعلَّه بعضهم بجهالة عافية ابن أيوب، والواقع أنه ليس بمجهول؛ فقد قال فيه أبو زرعة: لا بأس به.\nولكن علة الحديث إبراهيم بن أيوب؛ فإنه ضعيفٌ، أو مجهول؛ فقد ضعفه أبو الطاهر المقدسي، وأبو العرب الأفريقي، وقال أبو حاتم: لا أعرفه.\nوالصواب في الحديث الوقف على جابر، فقد رواه ابن جريج، وأيوب، وعبد الملك عن أبي الزبير، عن جابرٍ موقوفًا، وإسناده صحيح، وفيه تصريح أبي الزبير بالسماع من جابر.\nوقالوا: وجدت الحُلي عند الصحابة، ولم يؤمروا بإخراج الزكاة منها، ولأنها مستعملة وليست للتجارة والتنمية.\n• القول الثالث: زكاته عاريته.\nوهو قول الشعبي، والحسن، وقتادة، ورُوي عن جابر، ورُوي عن ابن عمر بإسنادٍ ضعيفٍ، وقال به أحمد في رواية، ومعنى كلام أحمد: أنه إذا لم يُعَرْ؛ ففيه زكاة، ورجَّح ذلك ابن القيم في «الطرق الحكمية».\n• القول الرابع: تجب الزكاة فيه مرة واحدة.\nوهذا القول ثبت عن أنس بن مالك -﵁-، أخرجه ابن زنجويه (٣/ ٩٨٤)، والبيهقي (٤/ ١٣٨).\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح هو القول الأول؛ لقوة أدلته، ولا معارض","vol":"4","page":128},{"text":"لها يصلح للمعارضة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1689>مسألة [٢]: هل في السيف المحلى زكاة</span>؟\nمقتضى القول الصحيح في المسألة الأولى من وجوب زكاة الحلي أنه واجب أيضًا ههنا، وقد ثبت عن أبي أمامة -﵁- القول بالزكاة فيه، وهو قول مكحول، ومالك بن مغول.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا زكاة فيه، نقل عن عطاء، وحماد، وإبراهيم، وهو قول لا دليل عليه؛ فإن الأدلة العامة التي تقدمت في المسألة السابقة واضحة الدلالة في وجوب الزكاة فيها، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1690>مسألة [٣]: الأواني المتخذة من الذهب والفضة، هل فيها زكاة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٢٢٨): فِيْهَا الزَّكَاةُ بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ، وَلَا زَكَاةَ فِيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ نِصَابًا بِالْوَزْنِ، أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يَبْلُغُ نِصَابًا بِضَمِّهَا إِلَيْهِ. انتهى المراد.\nقال الإمام ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (١٦/ ١٠٩): أجمع العلماء على أن متخذ الآنية من الفضة أو الذهب عليه الزكاة فيها؛ إذا بلغت من وزنها ما تجب فيها الزكاة، وليس ذلك عندهم من باب الحلي المتخذ لزينة النساء، ولا من باب\n_________\n(^١) انظر: «الأموال» (ص ٥٣٨ -)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ١٥٤ - ١٥٥)، «مصنف عبد الرزاق» (٤/ ٨٢ - ٨٦)، «سنن البيهقي» (٤/ ١٣٨ - ١٣٩)، «الأموال لابن زنجويه» (٣/ ٩٧٨ -)، «مجموع الفتاوى» (ج ٢٥/ ١٦ - ١٧).\n(^٢) وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ١٩٣).","vol":"4","page":129},{"text":"السيف المحلى، ولا المصحف المحلى في شيء فقف على هذا الأصل، واعلم أن ما أجمعوا عليه؛ فهو الحق الذي لا شك فيه وبالله التوفيق. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1691>مسألة [٤]: هل يعتبر نصاب الحلي بالوزن، أم بالقيمة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٢٢٣): وَيُعْتَبَرُ فِي النِّصَابِ فِي الْحُلِيِّ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ بِالْوَزْنِ، فَلَوْ مَلَكَ حُلِيًّا قِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَوَزْنُهُ دُونَ الْمِائَتَيْنِ؛ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، وَإِنْ بَلَغَ مِائَتَيْنِ وَزْنًا؛ فَفِيهِ الزَّكَاةُ وَإِنْ نَقَصَ فِي الْقِيمَةِ؛ لِقَوْلِهِ -﵇-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ». (^١) انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1692>مسألة [٥]: الجواهر الأخرى من غير الذهب والفضة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٢٢٤): فَإِنْ كَانَ فِي الْحُلِيِّ جَوْهَرٌ وَلَآلِئُ مُرَصَّعَةٌ؛ فَالزَّكَاةُ فِي الْحُلِيِّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ دُونَ الجوْهَرِ؛ لِأَنَّهَا لَا زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. اهـ\n_________\n(^١) تقدم الحديث في الكتاب برقم (٥٩٥).","vol":"4","page":130},{"text":"٦٠٥ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -﵁-، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نَعُدُّهُ لِلْبَيْعِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَإِسْنَادُهُ لَيِّنٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1693>مسألة [١]: هل في الأشياء المعروضة للتجارة زكاة</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ المعروضات للتجارة فيها الزكاة إذا حال عليها الحول، وذلك بأن تُقَوَّم ثم يُخرج ربع عشر قيمتها، وقد حكاه بعضهم إجماعًا، كابن المنذر وتبعه آخرون، والواقع وجود الخلاف؛ فقد قال الشافعي -﵀- في القديم: اختلف الناس في زكاة التجارة، فقال بعضهم: لا زكاة فيها، وقال بعضهم: فيها الزكاة، وهذا أحب إلينا.\nوهذا صريح في وجود الخلاف، وكذا قال أبو عبيد في «الأموال»: وقد قال بعض من يتكلم في الفقه: إنه لا زكاة في أموال التجارة. وهذا صريحٌ أيضًا في وجود الخلاف.\nومن الذين قالوا بأنه لا زكاة في معروضات التجارة: عطاء، وداود الظاهري، ونصره ابن حزم، وهو ترجيح الشوكاني، وصديق بن حسن، والإمام الألباني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم أجمعين.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (١٥٦٢)، من طريق جعفر بن سعد بن سمرة عن خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه سليمان عن سمرة بن جندب به. وهذا إسناد ضعيف أو أشد؛ فإن جعفرًا مجهول الحال، وخبيبًا وسليمان مجهولا عين.","vol":"4","page":131},{"text":"وقد استدل الجمهور على ذلك بأدلة منها:\nحديث سمرة بن جندب -﵁- الذي في الباب، وقد تقدم بيان ضعفه.\nوبحديث أبي ذرٍّ -﵁- عند الدارقطني (٢/ ١٠٠ - ١٠١)، والحاكم (١/ ٣٨٨) وغيرهما، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البز صدقته».\nوبحديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين»، وفيه: «فأما خالد؛ فإنكم تظلمون خالدًا، فقد احتبس أدراعه، وأعتاده في سبيل الله» (^١)، قالوا: إنما طالبوا خالدًا الزكاةَ في أدراعه، وأعتاده؛ لأنهم ظنوها معروضة للتجارة، فأخبرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قد وقفها في سبيل الله.\nواستدلوا بأثر عمر بن الخطاب -﵁- عند أبي عبيد (ص ٥٨٠) وغيره، أنه قال لحماس: يا حماس، أَدِّ زكاة مالك. قال: فقلت: مالي مالٌ إلا جِعَاب وأُدُم. فقال: قَوِّمْها، ثم أَدِّ زكاتها.\nوأخرج ابن أبي شيبة (٣/ ١٨٣)، والبيهقي (٤/ ١٤٧) بإسناد صحيح عن ابن عمر -﵄-، قال: ليس في العروض زكاة؛ إلا ما كان للتجارة.\nوقد أجاب القائلون بأنه لا زكاة في عروض التجارة عن حديث سمرة: بأنه ضعيفٌ كما تقدم، وكذلك حديث أبي ذر؛ فإنه من طريق: عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن أبي ذر به.\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٨٧٤).","vol":"4","page":132},{"text":"وقد رواه عنه ابن جريج، وموسى بن عبيدة الرَّبَذي، وسعيد بن سلمة بن أبي الحسام، وابن جريج لم يسمع من عمران كما قال البخاري، وقد جاء في «مسند أحمد» أنه قال: بلغه عن عمران. وموسى بن عبيدة الربذي شديد الضعف، ويحتمل أن ابن جريج دلَّسه، فهذه طبقته، وقد كان يدلس عن مثل هؤلاء، وأما سعيد بن سلمة بن أبي الحسام فهو مُختلف فيه، ومع ذلك فالظاهر أنه سقط من إسناد الحاكم موسى بن عبيدة، فرواه من طريق: ابن أبي الحسام عن عمران، وقد رواه الدارقطني بإسناد الحاكم، وذكر فيه (موسى بن عبيدة) بين سعيد وعمران، وكذلك البيهقي.\nولذلك قال الحافظ في «إتحاف المهرة» (١٤/ ١٨٢): ومدار الحديث عليه. يعني موسى ابن عبيدة الربذي.\nقلتُ: فالحديث شديد الضعف. (^١)\nقالوا: وأما حديث أبي هريرة -﵁- الذي في «الصحيحين» فيحتاجون إلى إثبات دعواهم، وهي أنَّ خالدًا كان يعرض سلاحه وأعتاده للبيع، وهذا الأمر غير ظاهرٍ، وإثبات أنَّ الساعي ظنَّ ذلك تكلف في التأويل، وللحديث تأويلان أقرب من هذا التأويل ذكرهما الحافظ في «الفتح» أولهما: أنَّ هذا اعتذار من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لخالد -﵁- بأنَّ له عذرًا في المنع، واستدل على ذلك بأنَّ خالدًا قد وضع سلاحه وأعتاده في سبيل الله، فكيف يمنع الواجب ويتطوع. وثانيهما: أنَّ خالدًا كان نوى\n_________\n(^١) انظر «تحقيق المسند» (٢١٥٥٧).","vol":"4","page":133},{"text":"بإخراجها من ملكه الزكاة عن ماله؛ لأنَّ أحد الأصناف (في سبيل الله)، وهم المجاهدون.\nوالتأويل الأول أقرب، وهو أحسن ما يحمل عليه الحديث.\nوأما أثر عمر بن الخطاب -﵁-؛ فإنه من رواية أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، وكلاهما مجهول. ثم وجدت له طرقًا يتقوى بها: من ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٨٤)، وأبو عبيد (١١٢٠) من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري، قال: كنت على بيت المال زمن عمر بن الخطاب؛ فكان إذا خرج العطاء جمع أموال التجار، ثم حسبها شاهدها، وغائبها، ثم أخذ الزكاة من شاهد المال على الشاهد والغائب. وفيه عنعنة ابن إسحاق. وله طرق أخرى عند أبي عبيد بمعنى ذلك، يتقوى بها إلى الحسن على أقل أحواله.\nوأما أثر عبدالله بن عمر فأجاب عنه بعضهم: بأنه اجتهاد من صحابي، والحجة بإجماع الصحابة لا بقول بعضهم -﵃-.\nواستدل القائلون بأنه لا زكاة فيها بأنَّ الأصل حرمة أموال المسلمين، ولا نُوجب الزكاة فيها إلا بدليلٍ صحيحٍ صريحٍ في المسألة.\nقلتُ: قد ثبت عن عمر وابن عمر -﵄- الفتوى بالزكاة فيها، وهما صحابيان لازما النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة، فالذي نقول به ونفتي به هو ما أفتى به هذان الصحابيان الجليلان -﵄-، لا سيما وقد صار الأغنياء أكثرهم","vol":"4","page":134},{"text":"وجلهم أموالهم معروضة للتجارة والعمل، وليست ثابتة، ونسأل الله أن يشرح صدورنا للحق والصواب، وبالله التوفيق. (^١)\nتنبيه: الذين يقولون بوجوب الزكاة في عروض التجارة لا يشترطون أن يَحُولَ على المعروضات الحول وهي عنده، بل يقولون: في كل عام يُقَوِّم ما عنده من المعروضات، ويُخْرِج ربع عشرها.\nويُنبَّهُ أيضًا على أنَّ التاجر إذا كان لديه ذهبٌ، أو فضةٌ معروض للبيع وحال عليه الحول ولم يُبَعْ، وهو نصاب؛ فيجب فيه الزكاة قولًا واحدًا؛ لأنه مالٌ في ملكه حال عليه الحول، والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1694>مسألة [٢]: هل في العسل ز كاة</span>؟\nجاء في زكاة العسل أحاديث، وهي كما يلي:\nجاء من حديث أبي هريرة -﵁- عند البيهقي (٤/ ١٢٦) مرفوعًا: «فِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ»، وفي إسناده: عبد الله بن محرر، وهو كذابٌ.\nوجاء عند ابن ماجه (١٨٢٤) من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخذ من العسل العُشرَ، وفي إسناده: نُعيم بن حماد فيه ضَعْفٌ، وأسامة بن زيد الليثي مُتَكَلَّمٌ فيه، والحديث مختصر، وهو عند أبي داود (١٥٩٦) بإسناد صحيح إلى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء هلال أحد بني\n_________\n(^١) انظر: «المحلَّى» (٦٤١)، «المجموع» (٦/ ٤٧)، «نصب الراية» (٢/ ٣٧٦ -) «كتاب الأموال» (ص ٥٨٠ -)، «المغني» (٤/ ٢٤٩ -).","vol":"4","page":135},{"text":"متعان إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعشور نحل له، وسأله أن يحمي واديًا يقال له (سلبة)، فحمى له رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذلك الوادي، فلما وَلِيَ عمر ابن الخطاب -﵁- كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك. فكتب عمر: إنْ أدَّى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من عشور نَحْلِهِ فاحم له سلبه، وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من شاء.\nفتبين من سياق الحديث بطوله أنَّ الرجل جاء بعشور نحله بنفسه لا أنه زكاة أوجبها عليه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولذلك فإنَّ عمر بن الخطاب -﵁- جعل ذلك مُقابِلًا للحماية، ولم يأخذه عليه إلا بذلك.\nوجاء من حديث أبي سيارة، أخرجه ابن ماجه (١٨٢٣) عنه قال: قلت: يا رسول الله، إنَّ لي نحلًا. قال: «أدِّ العشور»، قلت: يا رسول الله، احمها لي. فحماها لي. وهو من طريق: سليمان بن موسى عن أبي سيارة.\nقال الترمذي -﵀-: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: حديثٌ مرسل، وسليمان بن موسى لم يدرك أحدًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وليس في زكاة العسل شيء يصحُّ. اهـ\nوأخرج الترمذي (٦٢٩) عن ابن عمر -﵄- مرفوعًا: «فِي الْعَسَلِ فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَزُقٍ زقٌّ»، وفي إسناده: صدقة بن عبد الله السمين، وهو متروكٌ، واتُّهِمَ بالوضع.\nوروى ابن أبي شيبة (٣/ ١٤٢) من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي","vol":"4","page":136},{"text":"ذباب الدوسي عن منير بن عبد الله، عن أبيه، عن سعد بن أبي ذباب، فذكر الحديث، وفيه أنه أخذ من قومه زكاةَ العسل العشرَ، فأقره عمر وجعله في صدقات المسلمين.\nقلتُ: وهو مع وقفه ضعيفٌ؛ لأنَّ منيرًا وأباه مجهولان، وبناءً على ما تقدم فلا يثبت في زكاة العسل شيءٌ، وهو قول البخاري كما تقدم، وكذلك قال ابن المنذر، والشافعي، والترمذي رحمة الله عليهم أجمعين. (^١)\nاختلاف الفقهاء في هذه المسألة:\n• ذهب أحمد إلى أنَّ فيه الزكاة، قال ابن قدامة: ويُروَى ذلك عن عمر بن عبد العزيز، ومكحول، والزهري، وسليمان بن موسى، والأوزاعي، وإسحاق.\nواستدلوا ببعض الأحاديث المتقدمة.\n• وقال مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وابن المنذر: لا زكاة فيه. وهو مذهب البخاري، والظاهرية، وهذا هو الصواب؛ لعدم ثبوت الأحاديث المتقدمة، وهو ترجيح الإمام الألباني، والإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «التلخيص» (٢/ ٣٢٤ -)، «نصب الراية» (٢/ ٣٩٠ -)، «البدر المنير» (٥/ ٥١٦ -) «التنقيح» (٣/ ٥٨ -).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٤/ ١٨٣).","vol":"4","page":137},{"text":"٦٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nتعريف الركاز:\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الرِّكاز هو دِفن الجاهلية، وهو مأخوذٌ من الرَّكز بفتح الرَّاء، يقال: ركزه يركزه ركزًا إذا دفنه فهو مركوز. وهو مذهب أحمد، والشافعي، ومالك، وغيرهم.\n• وذهب أبو حنيفة، والثوري وغيرهما إلى أنَّ الرِّكاز يشمل المعادن أيضًا؛ لأنه يشملها الاسم اللغوي أعني الرِّكاز.\nواستدل لهما أيضًا بحديث أبي هريرة -﵁- عند البيهقي (٤/ ١٥٢)، قال: سُئل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الركاز؟ فقال: «هو الذهب الذي خلقه الله في الأرض يوم خلق السماوات والأرض»، وفيه: عبد الله بن سعيد المقبري، وهو متروك، ومع ذلك فهذا الدليل أخصُّ من دعواهم، والله أعلم.\nوحُجَّةُ الجمهور في أنَّ المعادن لا تدخل في الرِّكاز تفرقة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بين المعدن والرِّكاز بقوله: «والمعدن جُبار، وفي الرِّكاز الخُمُس».\nوالراجح قول الجمهور. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٩٩)، ومسلم (١٧١٠).\n(^٢) انظر: «الفتح» (١٤٩٩)، «المغني» (٤/ ٢٣٢)، «التمهيد» (٧/ ٣١).","vol":"4","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1695>مسألة [١]: ما الذي يجب في الركاز</span>؟\nأوجب أهل العلم فيه الخُمُس، ورُوي عن الحسن أنه قال: ما كان في أرض الحرب؛ ففيه الخمس، وما كان في أرض السلم؛ ففيه الزكاة. يعني ربع العشر.\nقال ابن المنذر -﵀-: ولا أعلم أحدًا فرَّق هذه التفرقة غير الحسن.\nقلتُ: وحُجَّةُ الجمهور حديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1696>مسألة [٢]: هل يُشترط في الركاز أن يكون نِصابًا</span>؟\n• ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه لا يُشترط أن يكون نِصابًا، بل يجب عليه الخمس في قليله وكثيره، وهو قول الشافعي في القديم، واختاره ابن المنذر.\n• وذهب الشافعي في الجديد إلى أنه لا يخرج منه الخمس إلا أنْ يبلغ النصاب: نصاب الذهب والفضة وما يعادلهما وظاهر حديث الباب يرجح قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1697>مسألة [٣]: هل يُشترط أن يَحُول عليه الحول</span>؟\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٤٩٩): وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ، بَلْ يَجِبُ إِخْرَاجُ الْخُمُسِ فِي الْحَالِ، وَأَغْرَبَ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ» فَحَكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ الِاشْتِرَاطَ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ، وَلَا مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِهِ. اهـ\nوقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحديث: «وفي الرِّكاز الخُمُس» يدل على عدم الاشتراط.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٤٩٩)، «المغني» (٤/ ٢٣٦).\n(^٢) انظر: «الفتح» (١٤٩٩)، «المغني» (٤/ ٢٣٥)، «التمهيد» (٧/ ٣١).","vol":"4","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1698>مسألة [٤]: ما هو مصرف الركاز</span>؟\n• فيه قولان:\nالأول: مصرفه مصرف خُمُس الفيء، وهو قول الجمهور، ومنهم: مالك، وأحمد في الأصح عنه، وهو قولٌ عن الشافعي، وهو قول أصحاب الرأي، واختاره بعض الشافعية ومنهم: المُزَني؛ وذلك لأنه مالٌ مخموس زالت عنه يد الكافر، فأشبه خُمُسَ الغنيمة.\nومقصودهم بمصرف الفيء المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر:٧]، والفيء: هو ما يُؤخذ من الكفار بدون قتال.\nالثاني: مصرفه مصرف الزكاة، وهم الأصناف الثمانية المذكورون في آية التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠]، وهذا قول الشافعي في الأصح عنه، وأحمد في رواية.\nقلتُ: القول الأول أقرب؛ لأنه مالُ كافرٍ أُخِذ بغير حرب، فأشبه الفيء، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1699>مسألة [٥]: من يجب عليه الخُمُس</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٢٣٧): يَجِبُ الْخُمْسُ عَلَى كُلِّ مَنْ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٤/ ٢٣٦)، «الفتح» (١٤٩٩).","vol":"4","page":140},{"text":"وَجَدَهُ، مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ، وَحُرٍّ وَعَبْدٍ، وَمُكَاتَبٍ، وَكَبِيرٍ وَصَغِيرٍ، وَعَاقِلٍ وَمَجْنُونٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي الرِّكَازِ يَجِدُهُ الْخُمْسَ. قَالَهُ مَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ الْخُمْسُ إلَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ زَكَاةٌ. وَحُكِيَ عَنْهُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ أَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ الرِّكَازَ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ: إذَا كَانَ الْوَاجِدُ لَهُ عَبْدًا، يُرْضَخُ لَهُ مِنْهُ، وَلَا يُعْطَاهُ كُلَّهُ.\nقال ابن قدامة: وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ -﵇-: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ»؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى وُجُوبِ الْخُمْسِ فِي كُلِّ رِكَازٍ يُوجَدُ، وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ بَاقِيَهُ لِوَاجِدِهِ مَنْ كَانَ، وَلِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيهِ الْخُمْسُ عَلَى مَنْ وَجَدَهُ وَبَاقِيه لِوَاجِدِهِ، كَالْغَنِيمَةِ ... انتهى المراد.\nقلتُ: وما رجَّحه ابن قدامة هو الصحيح في المسألة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1700>مسألة [٦]: هل يختص الركاز بالذهب والفضة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٢٣٥): صِفَةِ الرِّكَازِ الَّذِي فِيهِ الْخُمْسُ، وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ مَالًا عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، مِنْ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَالصُّفْرِ، وَالنُّحَاسِ، وَالْآنِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (١٤٩٩).","vol":"4","page":141},{"text":"الشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: لَا تَجِبُ إلَّا فِي الْأَثْمَانِ يعني الذهب والفضة.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ -﵇-: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ»، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ، فَوَجَبَ فِيهِ الْخُمْسُ مَعَ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، كَالْغَنِيمَةِ. اهـ\nقلتُ: الصحيح أنَّ الركاز واجب في كل مال من الذهب والفضة وغيرهما. (^١)\n_________\n(^١) وانظر «التمهيد» (٧/ ٣١).","vol":"4","page":142},{"text":"٦٠٧ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ فِي كَنْزٍ وَجَدَهُ رَجُلٌ فِي خَرِبَةٍ: «إنْ وَجَدْته فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ فَعَرِّفْهُ، وَإِنْ وَجَدْته فِي قَرْيَةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1701>مسألة [١]: موضع الركاز</span>.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:\nأَحَدُهَا: أَنْ يَجِدَهُ فِي مَوَاتٍ، أَوْ مَا لَا يُعْلَمُ لَهُ مَالِكٌ، مِثْلُ الْأَرْضِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا آثَارُ الْمُلْكِ، كَالْأَبْنِيَةِ الْقَدِيمَةِ، وَالتُّلُولِ، وَجُدْرَانِ الْجاهِلِيَّةِ، وَقُبُورِهِمْ، فَهَذَا فِيهِ الْخُمْسُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ يعني خلاف الحسن المتقدم.\nقال: وَلَوْ وَجَدَهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِهَا، أَوْ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، أَوْ قَرْيَةٍ خَرَابٍ، فَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. فذكر حديث الباب.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وإن وجده في طريق مسلوك؛ ففيه خلاف بين أهل\n_________\n(^١) حسن. لم يخرجه ابن ماجه، بل أخرجه الشافعي في «مسنده» (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، وأبوداود (١٧١٠)، والنسائي (٥/ ٤٤)، من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بنحوه، ولفظ الشافعي: «إن وجدته في قرية مسكونة أو في سبيل ميتاء فعرفه، وإن وجدته في خربة جاهلية أو في قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس». وإسناده صحيح إلى عمرو بن شعيب. والحديث حسن؛ لأن سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده سلسلة حسنة، والله أعلم. ومعنى «الميتاء» التي يأتيها الناس ويسلكونها.","vol":"4","page":143},{"text":"العلم؛ فمذهب الشافعية والحنابلة أنه لقطة، ومذهب المالكية أنه ركاز، والأول هو الصحيح لدلالة حديث الباب عليه.\nالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَجِدَهُ فِي مِلْكِهِ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ، فَهُوَ لَهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَانَ لِمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ كَالْغَنَائِمِ، وَلِأَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا، وَإِنَّمَا يُمْلَكُ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَهُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: هُوَ لِلْمَالِكِ قَبْلَهُ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ فَهُوَ لِلَّذِي قَبْلَهُ كَذَلِكَ إلَى أَوَّلِ مَالِكٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَتْ يَدُهُ عَلَى الدَّارِ، فَكَانَتْ عَلَى مَا فِيهَا.\nثم قال ابن قدامة -﵀-: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ -إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- لِأَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهَا وَإِنَّمَا هُوَ مُودَعٌ فِيهَا. اهـ\nقلتُ: وما صححه ابن قدامة هو الصواب إن شاء الله، وهو قول أبي يوسف، وبعض المالكية، والله أعلم.\nومذهب الشافعي، هو قول المالكية، والحنفية أيضًا.\nتنبيه: إن ملك الأرض بالإحياء؛ فالكنز له عند أهل العلم، وهو ركاز عليه فيه الخمس، وألحق الشافعية ما ملكه بالإقطاع، وألحق المالكية ما ملكه بالإرث.\nالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَجِدَهُ فِي مِلْكِ آدَمِيٍّ مُسْلِمٍ مَعْصُومٍ.","vol":"4","page":144},{"text":"فذكر ابن قدامة أقوالا مختصرها:\n• أنَّ المال لصاحب الدار، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأحمد في رواية.\n• أنَّ المال لواجده، وهو رواية عن أحمد، والحسن بن صالح، وأبي ثور، وأبي يوسف، وذلك لأنَّ الرِّكاز لا يملك بملك الدار كما تقدم.\n• وقال الشافعي: هو لمالك الدَّار إن اعترف به، وإن لم يعترف به، فهو لأول مالك؛ لأنه في يده.\n• إن استأجر حفَّارًا ليحفر له طلبًا لكنز يجده فوجده؛ فلا شيء للأجير، ويكون الواجد له هو المستأجر، وإن كان استأجره لأمر غير طلب الركاز؛ فالواجد له هو الأجير وهو له، وهذا قول الأوزاعي، وجماعة من الحنابلة.\nواختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين -﵀-، وهو الصواب إن شاء الله، ولا يتنافى هذا القول مع القول الثاني؛ فتأمل.\nالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَجِدَهُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ؛ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إلَّا بِجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ فَهُوَ غَنِيمَةٌ لَهُمْ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ؛ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ.\nوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: إنْ عُرِفَ مَالِكُ الْأَرْضِ، وَكَانَ حَرْبِيًّا، فَهُوَ غَنِيمَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فِي حِرْزِ مَالِكٍ مُعَيَّنٍ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ بَيْتٍ أَوْ خِزَانَةٍ.","vol":"4","page":145},{"text":"قال ابن قدامة -﵀-: وَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ لِمَوْضِعِهِ مَالِكٌ مُحْتَرَمٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُعْرَفْ مَالِكُهُ.\nقلتُ: والقول الأول أرجح، لما ذكره ابن قدامة -﵀-، وهو قول أبي ثور، وأبي يوسفٍ أيضًا، والله أعلم بالصواب. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٤/ ٢٣٢ - ٢٣٥)، «المجموع» (٦/ ٣٨ -)، «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٤٠٠)، «الفواكه الدواني» (١/ ٣٤٩)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٢٣/ ١٠٥ -)، «الحاوي الكبير» (٣/ ٣٤١).","vol":"4","page":146},{"text":"٦٠٨ - وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الحَارِثِ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَخَذَ مِنَ المَعَادِنِ القَبَلِيَّةِ (^١) الصَّدَقَةَ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1702>مسألة [١]: هل في المعادن زكاة؟ وما هي المعادن التي تجب فيها الزكاة</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالأول: تجب الزكاة في كل معدن يُخْرَج من الأرض وله قيمة، وهو مذهب الحنابلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧].\nالثاني: تجب الزكاة في الذهب، والفضة فقط، وهو مذهب مالك، والشافعي،\n_________\n(^١) منسوبة إلى (قَبَل)، وهي من ناحية الفُرع: موضع بين نخلة والمدينة. وقيل: ناحية من ساحل البحر بينه وبين المدينة خمسة أيام. انظر: «النهاية» لابن الأثير.\n(^٢) ضعيف. أخرجه أبوداود (٣٠٦١)، من طريق مالك، وهذا في «موطئه» (١/ ٢٤٨) عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن غير واحد أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية، وهي من ناحية الفُرع، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم. وهذا إسناد ضعيف فيه من لم يسمَّ ومرسل. وعلى هذا يتبين أن قول الحافظ في «البلوغ» (عن بلال بن الحارث) فذكره غير صواب، وكذلك ليس في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخذ من المعادن الصدقة فتأمل.\nوذكر الزيلعي في «نصب الراية» (٢/ ٣٨١) أن ابن عبدالبر ذكر أنه قد روي موصولًا من طريق الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه.\nقلتُ: أخرجه ابن خزيمة (٢٣٢٣)، وابن الجارود (٣٧١)، والحاكم (١/ ٤٠٤)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ١٥٢) من طريق نعيم بن حماد، قال: ثنا عبد العزيز، عن ربيعة، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه به.\nوهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ الحارث بن بلال لا يعرف، ونعيم بن حماد فيه ضعف، فالحديث ضعيف.\nوقال ابن خزيمة -﵀-: إن صح الخبر؛ فإن في القلب من اتصال هذا الإسناد. اهـ","vol":"4","page":147},{"text":"واستدلوا بحديث: «لا زكاة في حجر» أخرجه البيهقي (٤/ ١٤٦)، وابن عدي (٥/ ١٦٨١)، وهو من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ورواه عنه ثلاثة: عمر بن أبي عمر الكلاعي، وعثمان الوقاصي، ومحمد العرزمي، والأول منكر الحديث، والآخران متروكان، ومع ذلك فدليلهم يشمل غير الذهب والفضة؛ فإنَّ كثيرًا من المعادن ليست أحجارًا.\nالثالث: ليس في المعادن زكاة إلا أن يكون ذهبًا، أو فضةً وبلغ النِّصَاب، وحال عليه الحول، وهو قول داود الظاهري، والليث، وأحد قولي الشافعي، ونصره ابن حزم؛ لأدلة الزكاة المعلومة.\nالرابع: تجب الزكاة في الذهب، والفضة، والنحاس، والقصدير، والحديد، وهو قول أبي حنيفة، واختلف قوله في الزئبق.\nوالصواب هو القول الثالث، والآية: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ مُبَيَّنة بالأدلة الأخرى. (^١)\nتفريعات على مذهب الجمهور في وجوب الزكاة في المعادن:\nنصاب المعدن:\n• ذهب أحمد، والشافعي إلى أنَّ نصاب المعدن ما يُعادل نصاب الذهب، أو الفضة، وأوجب أبو حنيفة الخمس في قليله وكثيره. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٢٣٩)، «المحلَّى» (٧٠٠).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٢٤١).","vol":"4","page":148},{"text":"قدر الواجب منه وصفته:\n• فيه قولان:\nأولهما: ربع العشر؛ لأنه زكاة، وهو قول عمر بن عبد العزيز، ومالك، والحنابلة.\nثانيهما: فيه الخُمُس؛ لأنه فَيْءٌ، وهو قول أبي حنيفة، وأبي عبيد، واختار الشافعي أنه زكاة، واختلف عنه في القدر كالمذهبين. (^١)\nوقت الوجوب:\n• فيه قولان:\nأولهما: إذا تناوله -وكان نصابًا كاملًا- فَيُخرج الواجب منه عند تناوله وتملكه، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.\nثانيهما: يُشترط أن يحول عليه الحول، وهو مذهب إسحاق، وابن المنذر. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1703>مسألة [٢]: المستخرج من البحر كاللؤلؤ، والمرجان، والعنبر</span>.\n• في المسألة قولان:\nالأول: لا زكاة فيه، ولا شيء، وهو مذهب أحمد، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبي ثور، وأبي عبيد، وهو قول عطاء، وعمر بن عبدالعزيز، والحسن بن صالح؛ لأنَّ هذه الأشياء قد كانت تخرج\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٢٣٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٢٤٣).","vol":"4","page":149},{"text":"على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وخلفائه، فلم يأت فيها سنة عنه، ولا عن أحد من خلفائه من وجه يصح؛ ولأنَّ الأصل عدم الوجوب فيه.\nالثاني: فيه الزكاة، وهو رواية عن أحمد، ويحكى عن عمر بن عبدالعزيز، وهو قول الحسن، والزهري؛ لأنه خارج من معدن، فأشبه الخارج من معدن البَرِّ.\nقال ابن قدامة -﵀-: ولا يصح قياسه على معدن البَرِّ؛ لأنَّ العنبر إنما يلقيه البحر، فيوجد ملقًى في البر على الأرض من غير تعب، فأشبه المباحات المأخوذة من البر، كالمن، والزنجبيل، وغيرهما. اهـ\nقلتُ: والقول الأول هو الصواب، وهو اختيار الظاهرية. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٢٤٤)، «المحلى» (٧٠٣).","vol":"4","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1704>بَابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ</span>\n٦٠٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَكَاةَ الفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ: عَلَى العَبْدِ، وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالكَبِيرِ، مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٦١٠ - وَلِابْنِ عَدِيٍّ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: «أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ فِي هَذَا اليَوْمِ». (^٢)\n\n٦١١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ. (^٣)\nقَالَ أَبُوسَعِيدٍ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْت أُخْرِجُهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. (^٤)\nوَلِأَبِي دَاوُد: لَا أُخْرِجُ أَبَدًا إلَّا صَاعًا. (^٥)\n\n٦١٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ، وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٤)، (٩٨٦). واللفظ للبخاري.\n(^٢) ضعيف. أخرجه ابن عدي (٧/ ٢٥١٩) والدارقطني (٢/ ١٥٢ - ١٥٣) من طريق أبي معشر نجيح ابن عبدالرحمن السندي، عن نافع، عن ابن عمر. وهذا إسناد ضعيف لضعف أبي معشر.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٥٠٨) (١٥٠٦)، ومسلم (٩٨٥).\n(^٤) انفرد به مسلم عقب الحديث (٩٨٥) (١٨).\n(^٥) أخرجه أبوداود (١٦١٨)، وإسناده على شرط مسلم.","vol":"4","page":151},{"text":"مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1705>مسألة [١]: حكم صدقة الفطر</span>.\nدلَّ حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس اللذان في الباب على وجوبها؛ لقولهما: «فرض ...».\nقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ صدقةَ الفطر فرضٌ.\nوقال إسحاق: هو كالإجماع من أهل العلم.\nوقال ابن قدامة: وزعم ابن عبد البر أنَّ بعض المتأخرين من أصحاب مالك، وداود يقولون: هي سنة متأكدة.\nقلتُ: وزعم ابن حزم أنه أيضًا مذهب مالك، والصواب قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1706>مسألة [٢]: على من تجب زكاة الفطر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (٤/ ٢٨٣): زَكَاةُ الْفِطْرِ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَعَ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَامَّةً، وَتَجِبُ عَلَى الْيَتِيمِ،\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧)، والحاكم (١/ ٤٠٩)، من طريق مروان بن محمد ثنا أبويزيد الخولاني ثنا سيار بن عبدالرحمن عن عكرمة عن ابن عباس. وإسناده حسن؛ لأن أبا يزيد وسيارًا كلاهما حسن الحديث.\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٢٨١)، «المجموع» (٦/ ١٠٤) (٦/ ١٤٠)، «المحلى» (٧٠٤).","vol":"4","page":152},{"text":"وَيُخْرِجُ عَنْهُ وَلِيُّهُ مِنْ مَالِهِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا، إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ، قَالَ: لَيْسَ فِي مَالِ الصَّغِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ صَدَقَةٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ: صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ صَامَ مِنْ الْأَحْرَارِ، وَعَلَى الرَّقِيقِ. اهـ\nثم استدل ابن قدامة -﵀- بحديث ابن عمر الذي في الباب على وجوبها في مال اليتيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1707>مسألة [٣]: هل تجب زكاة الفطر على الكافر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (٤/ ٢٨٣): وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي الْحُرِّ الْبَالِغِ، وَقَالَ إمَامُنَا، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَيْضًا، وَلَا عَلَى الصَّغِيرِ. وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، أَنَّ عَلَى السَّيِّدِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُخْرِجَ الْفِطْرَةَ عَنْ عَبْدِهِ الذِّمِّيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُخْرِجُ عَنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ إذَا ارْتَدَّ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «صَدَقَةُ الفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، ذَكَرٍ وَأُنْثَى، يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير».اهـ\nقلتُ: الحديث أخرجه الدارقطني (٢/ ١٥٠) عن ابن عباس -﵄-، وفيه: سلام الطويل، قال الدارقطني: متروك، ولم يسنده غيره.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «مِنْ الْمُسْلِمِينَ».اهـ","vol":"4","page":153},{"text":"ثم ذكر حديث ابن عباس الذي في الباب.\nقلتُ: وزيادة: «من المسلمين» زيادة صحيحة متفق عليها، والراجح في المسألة هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1708>مسألة [٤]: هل تجب على العبد المسلم زكاة الفطر</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٦/ ١٤٠): تجب فطرة العبد على سيده، وبه قال جميع العلماء إلا داود فأوجبها على العبد، قال: ويلزم السيد تمكينه من الكسب لأدائها؛ لحديث ابن عمر: «عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ»، وقال الجمهور: «على» بمعنى (عن). اهـ\nقلتُ: واستدل الجمهور على وجوبها على السيد بحديث أبي هريرة -﵁- في مسلم (٩٨٢): «ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر».\nوقول الجمهور هو الصواب، وهو ترجيح ابن حزم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1709>مسألة [٥]: إذا كان العبد مسلمًا وسيده كافرًا</span>؟\n• حُكيَ عن أحمد أنَّ على الكافر إخراج صدقة الفطر عنه، واختاره بعض الحنابلة، وهو وجهٌ عند الشافعية.\n• وذهب أكثر أهل العلم إلى عدم الوجوب، حتى قال ابن المنذر: أجمع كل من\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٦/ ١٤٠).\n(^٢) انظر: «المحلى» (٧٠٥).","vol":"4","page":154},{"text":"نحفظ عنه من أهل العلم أنْ لا صدقة على الذِّمِّي في عبده المسلم؛ لقوله -﵇-: «من المسلمين».\nوهذا هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1710>مسألة [٦]: هل يجب على السيد الفطرة على عبيد التجارة</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أن عليه أن يُخرِجَ عنهم زكاة الفطر؛ لعموم الحديث، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.\n• وذهب أبو حنيفة، والثوري إلى أنه ليس فيهم زكاة، وهو قول عطاء، والنخعي.\nوالصواب القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1711>مسألة [٧]: إذا كان العبد غائبًا فهل على السيد زكاة</span>؟\nقال ابن المنذر -﵀- كما في «المغني» (٤/ ٣٠٤): أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ الرَّقِيقِ، غَائِبِهِمْ وَحَاضِرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُمْ، فَوَجَبَتْ فِطْرَتُهُمْ عَلَيْهِ كَالْحَاضِرِينَ. وَمِمَّنْ أَوْجَبَ فِطْرَةَ الْآبِقِ: الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَوْجَبَهَا الزُّهْرِيُّ إذَا عُلِمَ مَكَانُهُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ إنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَمَالِكٌ إنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً، وَلَمْ يُوجِبْهَا عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، فَلَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ كَالْمَرْأَةِ النَّاشِزِ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٤/ ٢٨٤ - ٢٨٥)، «المجموع» (٦/ ١٤٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٣٠٣)، «المجموع» (٦/ ١٤٠).","vol":"4","page":155},{"text":"قال ابن قدامة -﵀-: وَلَنَا أَنَّهُ مَالٌ لَهُ، فَوَجَبَتْ زَكَاتُهُ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ، كَمَالِ التِّجَارَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى يَدِهِ كَزَكَاةِ الدَّيْنِ وَالمَغْصُوبِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: عليه أن يُخْرِجَ عنه زكاة الفطر؛ إلا إنْ يئس من رجوعه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1712>مسألة [٨]: إذا كان العبد، أو العبيد في ملك أكثر من سيد</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٦/ ١٤١): لو كان بينهما عبدٌ، أو عبيد كثيرون مشتركون مناصفة؛ وجب عن كل عبد صاع يلزم كل واحد من الشريكين نصفه، هذا مذهبنا، وبه قال مالكٌ، وعبد الملك الماجشون، وإسحاق، وأبو ثور، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر، وقال الحسن البصري، وعكرمة، والثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف: لا شيء على واحد منهما؛ لأنه ليس عليه لأحد منهما ولاية تامة، وعن أحمد روايتان (إحداهما) كمذهبنا، (والثانية) على كل واحد صاع عن نصيبه من كل عبد. اهـ\nقلتُ: الراجح ما ذهب إليه الأكثر من أنهم يشتركون في الزكاة كُلًّا بقدر نصيبه، وأحمد قد قيل إنه رجع عن الرواية الثانية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1713>مسألة [٩]: إذا كان الرجل نصفه عبدٌ ونصفه حرٌّ</span>؟\nقال النووي -﵀- (٦/ ١٤١): مذهبنا وجوب صاع، عليه نصفُه، وعلى مالك نصفِه نصفُه، وقال أبو حنيفة: عليه نصف صاع، ولا شيء على سيده. وقال مالك:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣١٢ - ٣١٣).","vol":"4","page":156},{"text":"على سيده نصف صاعٍ، ولا شيء على العبد. وقال أبو يوسف، ومحمد: عليه صاعٌ، ولا شيء على سيده. وقال عبد الملك الماجشون: على سيده صاعٌ، ولا شيء على العبد. اهـ\nقلتُ: ومذهب الحنابلة كمذهب الشافعية، ومذهب الظاهرية كمذهب أبي يوسف، ومحمد؛ لأنه ليس بعبدٍ كاملٍ، ولا حُرٍّ كامل؛ فتجب عليه؛ لدخوله تحت قوله: «ذكر أو أنثى، صغير أو كبير». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1714>مسألة [١٠]: هل فطرة المتزوجة على زوجها، أم على نفسها</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ الفطرة على زوجها، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، واستدلوا بحديث ابن عمر الذي في الباب، وقالوا: «على» بمعنى (عن) بدليل أنَّ العبد والطفل الذي لا يملك يُخْرِج عنهما السيد والوالد، ولأنه تجب عليه النفقة؛ فوجبت عليه أيضًا الفطرة.\n• وذهب أبو حنيفة، والثوري، وابن المنذر إلى أنه لا تجب عليه فطرة امرأته، بل فطرتها على نفسها، وهو قول الظاهرية، واستدلوا بقوله: «على كل ذكر وأنثى».\nقلتُ: قول الجمهور قريب، واختاره شيخ الإسلام -﵀-، وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- القول الثاني. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المحلَّى» (٧٠٧)، «المغني» (٤/ ٣١٣ -).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ١١٨)، «المغني» (٤/ ٣٠٢)، «المحَّلى» (٧٠٩)، «الشرح الممتع» (٦/ ١٥٥)، «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣١١).","vol":"4","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1715>مسألة [١١]: من تبرع بمؤنة إنسان، فهل تلزمه فطرته</span>؟\n• ذهب أحمد إلى أنه تلزمه فطرته، واختاره كثير من أصحابه.\nقال ابن قدامة -﵀-: واختار أبو الخطاب أنه لا تلزمه فطرته؛ لأنه لا تلزمه مؤنته، فلم تلزمه فطرته، وهذا قول أكثر أهل العلم، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، وكلام أحمد في هذا محمول على الاستحباب، لا على الإيجاب ... انتهى المراد.\nقلتُ: الصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1716>مسألة [١٢]: ما ضابط اليسار الذي تجب به زكاة الفطر</span>؟\nقال ابن المنذر -﵀-: أجمعوا على أنَّ من لا شيء له؛ فلا فطرة عليه.\nقلتُ: واختلفوا في ضابط اليسار الذي تجب به زكاة الفطر على قولين:\nالأول: أن يملك فاضلًا عن قوته وقوت من يلزمه نفقته ليلة العيد ويومه، وهو قول عطاء، والشعبي، وابن سيرين، وأبي العالية، والزهري، ومالك، والشافعي، وابن المبارك، وأحمد، وأبي ثور.\nالثاني: أن يملك نصابًا من الذهب، والفضة، أو ما يعادلهما زائدًا عن مسكنه، وأثاثه الذي لابد له منه، وهو قول أبي حنيفة. قال العبدري: ولا يُحفظ هذا عن أحد غير أبي حنيفة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول؛ لحديث: «ابدأ بمن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٠٦).","vol":"4","page":158},{"text":"تعول» (^١)، وحديث: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» (^٢). (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1717>مسألة [١٣]: هل تجب زكاة الفطر عن الجنين</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (٤/ ٣١٦): الْمَذْهَبُ أَنَّ الْفِطْرَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْجنِينِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ لَا يُوجِبُونَ عَلَى الرَّجُلِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ الْجنِينِ فِي بَطْنِ أُمَّهُ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ وَبِهِ وَيَرِثُ؛ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ. اهـ\nقلتُ: وهذه الرواية عن أحمد بالوجوب قال بها ابن حزم الظاهري؛ لأنه يدخل في قوله: «كل صغير»، والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الجنين لا يدخل في ذلك؛ لأنه لم يتحقق خروجه حيًّا بعدُ، فكيف يوجب عليه، ولأنه لم تثبت له أحكام الدنيا إلا في الإرث والوصية بشرط أن يخرج حيًّا، والله أعلم. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1718>مسألة [١٤]: المكاتب هل يُخْرِج عن نفسه، أم يُخْرِج عنه السيد</span>؟\n• فيها أقوال:\nالأول: أنه يُخْرِج عن نفسه، وهو مذهب أحمد، وهو قول الحسن.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٣٥٥)، ومسلم برقم (١٠٤٢)، عن أبي هريرة -﵁-، وسيأتي من حديث حكيم ابن حزام برقم (٦١٦).\n(^٢) سيأتي في الكتاب برقم (١١٤٢).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٦/ ١١٣)، «المغني» (٤/ ٣٠٧).\n(^٤) وانظر: «المحلَّى» (٧٠٤).","vol":"4","page":159},{"text":"الثاني: أنها تجب على سيده، وهو قول عطاء، وميمون بن مهران، ومالك، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنَّ المكاتب ما زال عبدًا حتى يتخلص من الكتابة.\nالثالث: لا تجب على المكاتب ولا على السيد، وهو قول الشافعية في الأصح عندهم، وهو قول أصحاب الرأي.\nقلتُ: والقول الثاني هو الصحيح، وهو اختيار ابن حزم -﵀-، ويدل عليه حديث عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «المكاتب عبدٌ ما بقي عليه من مكاتبته درهم»، وهو حسن، وسيأتي في [كتاب العتق] إن شاء الله تعالى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1719>مسألة [١٥]: ما هي الأصناف التي يخرج منها زكاة الفطر</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالقول الأول: التمر، والزبيب، وكل ما يُقتات ويدخر من الحبوب، بشرط أن يكون من قوت البلد، وهو مذهب الشافعية، والمالكية، وقال بهذا القول بعض الحنابلة دون اشتراط، وعند الشافعية قول بشرطية أن يكون قوت نفسه لا قوت البلد.\nالقول الثاني: التمر، والزبيب، والبر، والشعير، والأَقِط، وهذا هو ظاهر مذهب الحنابلة، وعند أكثرهم لا يجوز العدول عن هذه الأصناف مع القدرة عليها، سواء كان المعدول إليه قوت البلد أو لم يكن.\nالقول الثالث: أنه يتخير بين البر والدقيق، والسويق، والزبيب، والتمر، والشعير، والقيمة بالمال، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه.\n_________\n(^١) انظر: «المحلَّى» (٧٠٧)، «المغني» (٤/ ٣١١)، «المجموع» (٦/ ١٤١).","vol":"4","page":160},{"text":"القول الرابع: أنه لا يجزئ إلا الشعير، والتمر، وهو قول ابن حزم الظاهري، واستدل بحديث ابن عمر الذي في الباب، وأما حديث أبي سعيد فأجاب عنه بأنه مضطربٌ وموقوفٌ.\nقلتُ: والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول؛ لحديث أبي سعيد: «صاعًا من طعامٍ»، وهذا القول نصره شيخ الإسلام، وعزاه للجمهور.\nقال شيخ الإسلام -﵀- -بعد أن عزا هذا القول لأكثر العلماء-: وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّدَقَاتِ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى وَجْهِ الْمُسَاوَاةِ لِلْفُقَرَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ قُوتَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا لَيْسَ قُوتَهُمْ، بَلْ يَقْتَاتُونَ غَيْرَهُ؛ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ أَنْ يُخْرِجُوا مِمَّا لَا يَقْتَاتُونَهُ، كَمَا لَمْ يَأْمُرْ اللهُ بِذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ مِنْ جِنْسِ الْكَفَّارَاتِ هَذِهِ مُعَلَّقَةٌ بِالْبَدَنِ، وَهَذِهِ مُعَلَّقَةٌ بِالْبَدَنِ، بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْمَالِ؛ فَإِنَّهَا تَجِبُ بِسَبَبِ الْمَالِ مِنْ جِنْسِ مَا أَعْطَاهُ اللهُ. اهـ\nقلتُ: وإذا أخرج مما ذكر في حديث أبي سعيد الخدري المذكور في الباب، ولم يكون من قوت البلد؛ فلا نتجاسر على الحكم بعدم صحة صدقته، ولكنا نأمره بأن يخرج من قوت بلده. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٢٩٢ -)، «المجموع» (٦/ ١٤٤)، «المحلَّى» (٧٠٤)، «شرح النسائي» (٢٢/ ٢٩٦ -).","vol":"4","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1720>مسألة [١٦]: هل يجزئ الأقط (اللبن المجفف)</span>؟\nدلَّ حديث أبي سعيد الخدري الذي في الباب أنه يجزئ، وهو رواية عن أحمد أخذ بها جماعة من أصحابه، وقال بذلك بعض الشافعية.\nوالرواية الثانية عن أحمد أنَّ الأَقِط لا يجزئ إذا كان قادرًا على غيره من الأصناف الأخرى، وكذلك يجزئ أهل البادية إذا كان قوتهم.\n• وذهب مالك، والشافعي في أحد قوليه إلى أنه يجزئ إذا كان من غالب القوت، والقول الثاني عن الشافعي أنه لا يجزئ.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ الأقط تعتبر فيه القيمة، ولا يجزئ أن يأخذه أقطًا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأقط يجزئ مطلقًا؛ لحديث أبي سعيد الخدري -﵁-، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1721>مسألة [١٧]: هل يجزئ الدقيق في صدقة الفطر</span>؟\n• ذهب أحمد، وأصحاب الرأي إلى أنه يجزئ، واستدلوا بزيادة في حديث أبي سعيد: «أو صاعًا من دقيق»، أخرجها النسائي، ولأنَّ الدقيق أجزاء الحب بحتًا يمكن كيله وادِّخاره؛ فجاز إخراجه.\n• وذهب مالك، والشافعي إلى أنه لا يجزئ؛ لأنه لم يذكر في حديث أبي سعيد.\nوالصواب -والله أعلم- هو القول الأول؛ للمعنى الذي ذكروه، وأما زيادة:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، «المجموع» (٦/ ١٣٠ - ١٣١)، «شرح النسائي» (٢٢/ ٣٠٧).","vol":"4","page":162},{"text":"«أو صاعًا من دقيق» عند النسائي؛ فهي زيادة شاذَّة، والوهم فيها من ابن عيينه كما بين ذلك أبو داود في «سننه»، ولكنه يُخرج بالوزن لا بالكيل؛ لأنَّ الدقيق يريع إذا طحن. قاله شيخ الإسلام -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1722>مسألة [١٨]: هل تجزئ القيمة بالدراهم</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجزئ إخراج القيمة في زكاة الفطر، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، والظاهرية، وقال الثوري، وأبو حنيفة: يجوز. ورُوي عن الحسن، وعمر بن عبد العزيز.\nوالصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لحديث ابن عمر، وأبي سعيد اللَّذَيْنِ في الباب، وقد استدل المخالف بأثر معاذ بن جبل أنه قال لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير؛ فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة. أخرجه يحيى بن آدم في «الخراج» (٥٢٥)، من طريق طاوس، عن معاذ، وهو منقطع؛ فإن طاوسًا لم يلق معاذًا -﵁-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1723>مسألة [١٩]: ما هو القدر الذي يجب إخراجه في صدقة الفطر</span>؟\nذكر أهل العلم أنه يخرج صاعًا؛ إلا أنهم اختلفوا في البر، فقال طائفة من أهل العلم: يخرج نصف صاع، وألحق أبو حنيفة الزبيب بالبر، فقال: يجب فيه نصف صاع أيضًا. وفي رواية عنه: يجب فيه صاع أيضًا.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٢٩٤)، «شرح النسائي» (٢٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٦٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٢٩٦)، «المجموع» (٦/ ١٤٤)، «المحلَّى» (٧٠٤).","vol":"4","page":163},{"text":"والقائلون بأنَّ البر فيه نصف صاع فقط، هم: سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وسالم، وغيرهم، وهو مذهب أهل الكوفة، والأوزاعي، والليث، والثوري.\nونقل هذا القول عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبي هريرة، ومعاوية، وأسماء -﵃-.\nوقد رُوي في هذا القول أحاديث:\nمنها: حديث أسماء بنت أبي بكر عند أحمد (٦/ ٣٤٦ -)، والطحاوي (٢/ ٤٣)، قالت: كُنَّا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله - ﷺ - مُدَّيْن من قمح. وله إسنادان: إسناد فيه ابن لهيعة، والراوي عنه ابن المبارك، وإسناد آخر فيه يحيى بن أيوب الغافقي.\nثم وجدت له إسنادًا ثالثًا عند الطحاوي (٢/ ٤٣) من طريق محمد بن عُزَيز، حدثنا سلامة، وهو ابن روح الأيلي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء به.\nوهذه متابعة ليحيى بن أيوب؛ لأنه رواه عن هشام كذلك.\nثم رأيت وكيع بن الجراح قد خالفهم جميعًا، وهو ثقة حافظ؛ فرواه عن هشام ابن عروة، عن فاطمة عن أسماء -﵂- موقوفًا عليها. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٧٢)، وتابعه محاضر بن المورع عند ابن زنجويه (٢٣٧٨).","vol":"4","page":164},{"text":"قلتُ: رواية وكيع أرجح، والراجح في الحديث الوقف على أسماء -﵂-.\nومنها: حديث ثعلبة بن أبي صُعير عن أبيه، وفيه: «صاع من قمح بين كل اثنين» أخرجه أبو داود برقم (١٦١٩)، والرَّاجح أنه مرسل من مراسيل الزهري، رجَّح ذلك أحمد كما في «المغني» (٤/ ٢٨٧)، ورجح الدارقطني أنه من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا كما في «العلل» (١١٩٥).\nومنها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أخرجه الترمذي (٦٧٤)، والدارقطني (٢/ ١٤٢)، وهو من طريق: ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال البخاري: لم يسمع منه. وقد رواه عبد الرزاق كما في «نصب الراية» (٢/ ٤٢١) عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال: بلغني أنَّ النبي - ﷺ -، وهذا معضلٌ.\nومنها: حديث ابن عباس عند أبي داود (١٦٢٢)، والنسائي (٣/ ١٩٠)، وهو من طريق: الحسن عنه، ولم يسمع منه.\nوأخرج الطحاوي (٢/ ٤٦) بأسانيده عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبدالرحمن، وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة، والقاسم، وسالم، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر في صدقة الفطر بِمُدَّيْنِ من حنطة. وفي أحد أسانيده أبو زرعة وهب الله بن راشد، وفي الإسناد الآخر: يحيى بن أيوب، وله أوهام، وفي الإسناد الثالث ابن لهيعة.\nوأما القائلون بهذا من الصحابة المتقدمين فبعضها لا يثبت.\nفأثر أبي بكر -﵁- منقطع؛ فإنه من طريق سعيد بن المسيب عنه. ولم يدركه.","vol":"4","page":165},{"text":"وله طريق أخرى عند الطحاوي (٢/ ٤٦) من طريق أبي قلابة، قال: أخبرني من دفع إلى أبي بكر الصديق -﵁- صاع بر بين اثنين. وهو ضعيف؛ في إسناده رجل مبهم.\nوقد خالف أبو سعيد الخدري كما في البخاري (١٥٠٨)، ومسلم (٩٨٥)، فقال: فلم نزل نخرجه -يعني: صاعًا- حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجا، أو معتمرا فكلم الناس على المنبر، فكان فيما كلم به الناس أن قال: «إني أرى أن مدين من سمراء الشام، تعدل صاعا من تمر» فأخذ الناس بذلك قال أبو سعيد: «فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه، أبدا ما عشت». وهذا النقل من أبي سعيد -﵁- يقتضي أن أبا بكر -﵁-، والخلفاء بعده كانوا يأخذون منه كغيره صاعًا، والله أعلم.\nوأثر عمر -﵁-، له عند الطحاوي طريقان:\nأحدهما: فيه حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف مدلس، وفيه عبد الله بن نافع العدوي، وهو متروك.\nوالثاني: من طريق ثعلبة بن أبي صُعير، عن عمر، وهي طريق ضعيفة مضطربة.\nوما تقدم من نقل أبي سعيد الخدري -﵁-، عن عمر -﵁- أصح وأثبت.\nوأما أثر عثمان -﵁-؛ فقد أخرجه الطحاوي (٢/ ٤٦) من طريق حماد بن زيد، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، قال: خطبنا عثمان بن عفان","vol":"4","page":166},{"text":"-﵁- فقال في خطبته: «أدوا زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، عن كل صغير وكبير، حر ومملوك، ذكر وأنثى». وهذا إسنادٌ ظاهره الصحة، ولكن له علة قادحة فيه:\nفقد أخرج الأثر ابن أبي شيبة (٣/ ١٧٠) من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عثمان -﵁- فذكره، بدون ذكر: أبي الأشعث.\nوأخرجه ابن زنجويه (١٩٣٩) من طريق ابن المبارك، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عثمان -﵁-، به.\nقلتُ: فابن المبارك والثقفي رويا الحديث؛ فجعلاه بدون ذكر أبي الأشعث، وعليه فهو منقطع؛ لأن أبا قلابة لم يدرك عثمان -﵁-.\nوأما أثر علي -﵁-؛ فقد أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وهو ضعيف.\nوأما أثر ابن مسعود؛ فقد أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وهو من طريق عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو متروك.\nوأما أثر ابن عباس؛ فقد أخرجه ابن أبي شيبة، وفي إسناده حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ومدلس، وقد ثبت عن ابن عباس بالإسناد الصحيح القول بأن فيه صاعًا كما سيأتي إن شاء الله.\nوأما أثر جابر بن عبد الله؛ فقد أخرجه عبد الرزاق بإسناد حسن.","vol":"4","page":167},{"text":"وأما أثر ابن الزبير فقد أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة بإسناد صحيح.\nوأما أثر أبي هريرة؛ فقد أخرجه عبد الرزاق، وإسناده صحيح.\nوأما أثر معاوية، وأسماء -﵄-؛ فهو ثابت عنهم كما تقدم.\nوأما القائلون بأنَّ البر يجب فيه صاع، فهم: مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر المتأخرين، وصحَّ عن أبي سعيد الخدري إنكار القول بنصف صاع، وثبت عن ابن عباس بإسناد حسن عند النسائي في الكبرى (٢٣٠٠) أنه قال: صاع من بر، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو صاع من سلت.\nواستدلوا بحديث: «صاع من طعام»، وبالقياس على الأصناف الأخرى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح في المسألة أنه يجب فيه صاع؛ لعدم ثبوت الأحاديث المرفوعة في الأمر بنصف صاع، ولعدم ثبوت ذلك عن الخلفاء الراشدين -﵃-.\nوقد اختلف الصحابة في المسألة، وحديث أبي سعيد الخدري -﵁- في «الصحيحين» يدل على أن الخلفاء الراشدين كانوا يأخذون في زكاة الفطر في البر صاعًا كاملًا، وهذا هو الذي تبين لي في المسألة بعد أن كنا نقول بنصف صاع؛ اعتمادًا على الأحاديث المتقدمة، فلما تبين لنا ضعفها رجعنا إلى القول بوجوب الصاع، والله أعلم بالصواب. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «شرح معاني الآثار» (٢/ ٤٣ - ٤٧)، «المحلَّى بالآثار» (٧٠٤)، «المغني» (٤/ ٢٨٥)، «المجموع» (٦/ ١٤٢ - ١٤٣)، «تمام المنة» (ص ٣٨٦)، «نصب الراية» (٢/ ٤١٧ -)، «عبد الرزاق» (٣/ ٣١١)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ١٧٠).","vol":"4","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1724>مسألة [٢٠]: إذا زاد الإنسان عن القدر الواجب، ونواه نافلة</span>؟\nسئل شيخ الإسلام -﵀- عن ذلك كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٧٠)؟ فقال: يَجُوزُ بِلَا كَرَاهِيَةٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، كَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا تُنْقَلُ كَرَاهِيَتُهُ عَنْ مَالِكٌ، وَأَمَّا النَّقْصُ عَنْ الْوَاجِبِ فَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1725>مسألة [٢١]: وقت وجوب إخراج صدقة الفطر</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٦/ ١٤١ - ١٤٢): تجب الفطرة بغروب الشمس ليلة عيد الفطر على الصحيح عندنا، وبه قال الثوري، وأحمد، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: بطلوع الفجر يوم الفطر. وبه قال صاحباه، وأبو ثور، وداود، وعن مالك روايتان كالمذهبين، وقال بعض المالكية: بطلوع الشمس يوم الفطر. اهـ\nواستدل القائلون بأنها تجب بغروب الشمس بحديث ابن عباس الذي في الباب، ولأنها تضاف إلى الفطر، فكانت واجبة به.\nواستدل الآخرون بحديث ابن عمر في «الصحيح» (^١) «وأمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة».\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم.\nوحديث ابن عمر -﵄- لا يعارض دليل أهل القول الأول، وبالله التوفيق. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٥٠٩)، ومسلم برقم (٩٨٦)، من حديث ابن عمر -﵄-.\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٢٩٨ - ٢٩٩)، «المحلَّى» (٧١٨).","vol":"4","page":169},{"text":"فائدة: ينبني على الخلاف المتقدم بعض المسائل كما لو أسلم إنسان بعد غروب الشمس، أو وُلِدَ له ولَدٌ؛ فعلى القول الأول لا تجب عليه زكاة الفطر، ذكر ذلك بعض الشافعية، والصحيح أنه لا تلازم، وتجب عليهم زكاة الفطر؛ لأنهم أدركوا وقت الوجوب.\nوعلى القول الثاني تجب بلا إشكال، وكذا لو أسلم قبل الغروب؛ وجبت عليه الزكاة، ومن مات بعد غروب الشمس؛ وجبت عليه الزكاة على القول الأول دون القول الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1726>مسألة [٢٢]: حكم تأديتها يوم العيد بعد الصلاة</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ الأفضل أن يؤديها قبل صلاة العيد، وإنْ أدَّاها بعد الصلاة من نفس اليوم أجزأته، ولا إثم عليه.\n• وذهب داود الظاهري، وابن حزم إلى أنه يأثم إذا لم يؤدِّها قبل صلاة العيد، وهذا هو الصواب؛ لحديث ابن عمر: «أمر أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة»، ولحديث ابن عباس الذي في الباب، والله أعلم، وقد صحح هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1727>مسألة [٢٣]: تأخيرها عن يوم العيد</span>.\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى تحريم ذلك، وذكر الشوكاني -﵀- في «النيل» أنَّ ابن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٢٩٨)، «المجموع» (٦/ ١٤٢)، «المحلَّى» (٧١٨)، «الشرح الممتع» (٦/ ١٧١)، «الموسوعة الكويتية» (٢٣/ ٣٤١).","vol":"4","page":170},{"text":"رسلان ادَّعَى الإجماع على ذلك، والواقع وجود الخلاف، فقد حكى ابن المنذر عن النخعي، وابن سيرين الرخصة في ذلك. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد.\nقلتُ: والصواب قول الجمهور؛ للأحاديث المتقدمة في المسألة السابقة، والله أعلم.\nوهل تسقط عنه زكاة الفطر، أم يخرجها بعد الصلاة وإن لم تجزئه؟\n• ذهب إلى الأول داود، والحسن بن زياد، وذهب إلى الثاني الجمهور، وهو أقرب؛ لأنه حق من حقوق الفقراء، فيجب عليه إخراجه، واختاره ابن حزم.\nقال في «المحلَّى» (٦/ ١٤٣): فمن لم يؤدها حتى خرج وقتها؛ فقد وجبت في ذمته، وماله لمن هي له، فهي دين لهم وحقٌّ من حقوقهم قد وجب إخراجها من ماله، وحرم عليه إمساكها في ماله؛ فوجب عليه أداؤها أبدًا، وبالله تعالى التوفيق، ويسقط في ذلك حقهم، ويبقى حق الله تعالى في تضييعه الوقت، لا يقدر على جبره إلا بالاستغفار والندامة، وبالله تعالى نتأيد. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1728>مسألة [٢٤]: تقديم زكاة الفطر قبل وقتها</span>.\n• في المسألة أقوال:\nالقول الأول: يجوز تقديمها قبل العيد بيومين، ولا يجوز أكثر من ذلك، وهو مذهب أحمد، ومالك.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ١٤٢)، «المغني» (٤/ ٢٩٨)، «الموسوعة الكويتية» (٢٣/ ٣٤١).","vol":"4","page":171},{"text":"القول الثاني: يجوز تقديمها من بعد نصف شهر رمضان، وهو قول بعض الحنابلة.\nالقول الثالث: يجوز تقديمها من بداية شهر رمضان، وهذا قول الشافعي، وأصحابه.\nالقول الرابع: يجوز تقديمها من أول الحول، وهذا قول أبي حنيفة.\nالقول الخامس: لا يجوز تقديمها عن وقتها، وهو مذهب الظاهرية.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما حُجَّةُ من جَوَّزَ قبل العيد بيوم ويومين؛ فحديث ابن عمر -﵄- في «صحيح البخاري» (١٥١١)، قال نافع: وكان ابن عمر -﵄- يعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم، أو يومين.\nوفي «الموطأ» (١/ ٢٨٥) عن نافع عن ابن عمر أنه كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاث. وأخذ بزيادة الثلاث بعض المالكية.\nوأما حجة من أجاز تقديمها من نصف الشهر؛ فقياسًا على تقديم أذان الفجر، والدفع من المزدلفة بعد نصف الليل، وأما حجة من أجاز تعجيلها من أول الشهر؛ فلأنَّ الصوم من أسبابها كما في حديث ابن عباس.\nوأما حجة من أجازها من أول الحول؛ فقياسًا على زكاة المال.\nوأما حجة من منع؛ فلأنها عبادة مؤقتة، ولا تجب على الإنسان حتى","vol":"4","page":172},{"text":"يأتي وقتها.\nقلتُ: والمنع من إخراجها قبل وقتها هو الصواب؛ إلا إذا احتيج إلى ذلك؛ لبعد الفقراء عنه فلا بأس بتقديم اليوم واليومين.\nوأما إخراج الصحابة قبل العيد بيوم أو يومين، فكانت تخرج لجمعها لا للفقراء كما ذكر ذلك البخاري، فإذا أُخرِجت للجمع فلا بأس كما فعل الصحابة، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٠٠)، «المجموع» (٦/ ١٤٢)، «الفتح» (١٥١١)، «المحلَّى» (٧١٨).","vol":"4","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1729>بَابُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ</span>\n٦١٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ» فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٦١٤ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (^٢)\n\n٦١٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَأٍ سَقَاهُ اللهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَفِي إسْنَادِهِ لِينٌ. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١).\n(^٢) صحيح. أخرجه ابن حبان (٣٣١٠)، والحاكم (١/ ٤١٦)، وأخرجه أيضًا أحمد (٤/ ١٤٧)، من طريق عبد الله بن المبارك، أخبرنا حرملة بن عمران أنه سمع يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر ... فذكره. وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات، وقد صححه الإمام الألباني -﵀- في «صحيح الترغيب» (٨٧٢)، والإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (٩٢٨).\n(^٣) ضعيف. أخرجه أبوداود (١٦٨٢) من طريق أبي خالد الدالاني، عن نبيح العنزي، عن أبي سعيد به. وأبوخالد الدالاني فيه ضعف وله أخطاء، ويخشى أن يكون قد وهم في الحديث؛ فإنَّ الحديث معروف من طريق عطية، عن أبي سعيد، أخرجه الترمذي (٢٤٤٩)، وأحمد (٣/ ١٣ - ١٤)، وعطية ضعيف ورجح الترمذي وقفه وكذا أبوحاتم في «العلل» (٢٠٠٧) والموقوف ضعيف أيضًا بسبب عطية.","vol":"4","page":174},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1730>مسألة [١]: استحباب صدقة التطوع</span>.\nدلَّت أحاديث الباب على أنَّ الصدقة تطوعًا من أفضل القربات إلى الله عزوجل، ويكون صاحبها يوم القيامة مستظِلًّا في ظل الله.\nوالمقصود به ظِلُّ العرش كما جاء مبينًا في أدلة أخرى، وقد قرر ذلك الشيخ ربيع المدخلي عافاه الله في رسالة له اسمها «القول الواضح المبين في المراد بظل الله الذي وعد به المؤمنين العاملين»، وإضافته إلى الله إضافة تشريف، والآيات والأحاديث في الترغيب في صدقة التطوع كثيرة، وليس هذا مقام ذكرها، وليراجع من شاء: «الترغيب والترهيب» للمنذري، وغيره من المصادر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1731>مسألة [٢]: الإسرار بصدقة التطوع</span>.\nدلَّ حديثُ أبي هريرة -﵁- على أفضلية الإسرار بها على الإعلان، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١]، وقد نقل الطبري وغيره الإجماع على أنَّ الإخفاء في صدقة التطوع أفضل من الإعلان. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1732>مسألة [٣]: الإسرار بصدقة الفرض</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٣/ ٣٦٥): وَنَقَلَ الطَّبَرِيّ وَغَيْره الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْإِعْلَانَ فِي صَدَقَة الْفَرْض أَفْضَل مِنْ الْإِخْفَاءِ. اهـ\n_________\n(^١) «الفتح» (٣/ ٣٦٥).","vol":"4","page":175},{"text":"ثم قال: وَنَقَلَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج أَنَّ إِخْفَاء الزَّكَاة فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - كَانَ أَفْضَل، فَأَمَّا بَعْدَهُ فَإِنَّ الظَّنَّ يُسَاءُ بِمَنْ أَخْفَاهَا، فَلِهَذَا كَانَ إِظْهَار الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ أَفْضَل. قَالَ اِبْن عَطِيَّة: وَيُشْبِهُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَكُونَ الْإِخْفَاء بِصَدَقَة الْفَرْض أَفْضَل، فَقَدْ كَثُرَ الْمَانِع لَهَا وَصَارَ إِخْرَاجهَا عُرْضَة لِلرِّيَاءِ. اِنْتَهَى.\nقال الحافظ: وَأَيْضًا فَكَانَ السَّلَف يُعْطُونَ زَكَاتهمْ لِلسُّعَاةِ، وَكَانَ مَنْ أَخْفَاهَا اِتُّهِمَ بِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَصَارَ كُلُّ أَحَدٍ يُخْرِجُ زَكَاتَهُ بِنَفْسِهِ؛ فَصَارَ إِخْفَاؤُهَا أَفْضَلَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. اهـ\nقلتُ: ومذهب الظاهرية أفضلية الإسرار كما في «المحلَّى» (٧٢٤)، وهو الصواب، والله أعلم.\nوأما إذا ترتبت مصالح شرعية من الإظهار مع أمن الفتنة؛ فالإظهار أفضل لتلك المصلحة، وقد ذكر ذلك ابن المنير كما في «الفتح».","vol":"4","page":176},{"text":"٦١٦ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\n\n٦١٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «جُهْدُ المُقِلِّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1733>مسألة [١]: اليد العُليا واليد السفلى</span>.\nجاءت أحاديث تُبَيِّنُ أنَّ اليد العليا هي اليد المنفقة، والسُّفْلَى هي السائلة، ففي «الصحيحين» (^٣) عن ابن عمر -﵄-: «والعليا هي المنفقة، والسُّفْلَى هي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤).\n(^٢) حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٨)، وأبوداود (١٦٧٧)، وابن خزيمة (٢٤٤٤)، وابن حبان (٣٣٤٦)، والحاكم (١/ ٤١٤)، كلهم من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن يحيى بن جعدة، عن أبي هريرة به. وهذا إسناد حسن، وقد حسنه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (١٣٩١).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٤٢٩)، ومسلم برقم (١٠٣٣).","vol":"4","page":177},{"text":"السائلة»، وفي النسائي (٥/ ٦١)، وغيره عن طارق المحاربي مرفوعًا: «يد المُعْطِي العليا»، وإسناده صحيح.\nوذكر الحافظ ابن حجر -﵀- (١٤٢٩) أحاديث أخرى تدل على ذلك، ثم قال: فهذه الأحاديث متضافرة على أنَّ اليد العليا هي المنفقة، وأنَّ السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد، وهو قول الجمهور، وقيل: اليد السفلى الآخذة، سواء كان بسؤال أم بغير سؤال. اهـ\nفائدة: قال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٤٢٩): وَأَمَّا يَدُ الْآدَمِيِّ فَهِيَ أَرْبَعَة: يَد الْمُعْطِي، وَقَدْ تَضَافَرَتْ الْأَخْبَارُ بِأَنَّهَا عُلْيَا. ثَانِيهَا: يَد السَّائِلِ، وَقَدْ تَضَافَرَتْ بِأَنَّهَا سُفْلَى سَوَاء أَخَذَتْ أَمْ لَا، وَهَذَا مُوَافِق لِكَيْفِيَّةِ الْإِعْطَاءِ وَالْأَخْذِ غَالِبًا. ثَالِثُهَا: يَد الْمُتَعَفِّف عَنْ الْأَخْذِ وَلَوْ بَعْدَ أَنْ تُمَدَّ إِلَيْهِ يَد الْمُعْطِي مَثَلًا، وَهَذِهِ تُوصَفُ بِكَوْنِهَا عُلْيَا عُلُوًّا مَعْنَوِيًّا. رَابِعُهَا: يَد الْآخِذِ بِغَيْرِ سُؤَال، وَهَذِهِ قَدْ اِخْتُلِفَ فِيهَا فَذَهَبَ جَمْع إِلَى أَنَّهَا سُفْلَى، وَهَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَمْرِ الْمَحْسُوسِ، وَأَمَّا الْمَعْنَوِيّ فَلَا يَطَّرِدُ فَقَدْ تَكُونُ عُلْيَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1734>مسألة [٢]: خير الصدقة وأفضلها</span>.\nفي حديث حكيم بن حزام أنَّ خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومعنى الحديث: أفضل الصدقة ما وقع من غير محتاج إلى ما يتصدق به لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته.\nوقال الخطابي -﵀-: والمعنى أنَّ أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية، ولذلك قال بعده: «وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول»، ولا تعارض بين هذا الحديث، وبين حديث أبي هريرة: «جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ».اهـ\nقال القرطبي -﵀- في «المفهم»: المختار أنَّ معنى الحديث: أفضل الصدقة ما وقع بعد القيام بحقوق النفس، والعيال بحيث لا يصير المتصدق محتاجًا بعد","vol":"4","page":178},{"text":"صدقته إلى أحد، فمعنى الغني في هذا الحديث حصول ما تدفع به الحاجة الضرورية كالأكل عند الجوع المشوش الذي لا صبر عليه، وستر العورة والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى، وما هذا سبيله؛ فلا يجوز الإيثار به، بل يحرم؛ وذلك أنه إذا آثر غيره به أدى إلى إهلاك نفسه، أو الإضرار بها، أو كشف عورته، فمراعاة حقِّه أولى على كل حال، فإذا سقطت هذه الواجبات صحَّ الإيثار، أو كانت صدقته هي الأفضل لأجل ما يتحمل من مضض الفقر، وشدة مشقته، فبهذا يندفع التعارض بين الأدلة إن شاء لله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1735>مسألة [٣]: التصدق بالمال كاملا</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٤٢٦): قَالَ الطَّبَرِيّ وَغَيْره: قَالَ الْجمْهُور: مَنْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلّه فِي صِحَّةِ بَدَنِهِ وَعَقْلِهِ، حَيْثُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَكَانَ صَبُورًا عَلَى الْإِضَاقَةِ، وَلَا عِيَالَ لَهُ، أَوْ لَهُ عِيَال يَصْبِرُونَ أَيْضًا؛ فَهُوَ جَائِز؛ فَإِنْ فُقِدَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ كُرِهَ. وَقَالَ بَعْضهمْ: هُوَ مَرْدُود ... .\nوَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ لَهُ بِقِصَّةِ الْمُدَبَّرِ (^٢) الْآتِي ذِكْرُهُ؛ فَإِنَّهُ - ﷺ - بَاعَهُ وَأَرْسَلَ ثَمَنه إِلَى الَّذِي دَبَّرَهُ؛ لِكَوْنِهِ كَانَ مُحْتَاجًا.\nوَقَالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ مِنْ الثُّلْثِ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ الثُّلْثَانِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيّ، وَمَكْحُول. وَعَنْ مَكْحُولٍ أَيْضًا: يُرَدُّ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ.\nقَالَ الطَّبَرِيّ: وَالصَّوَابُ عِنْدنَا الْأَوَّل مِنْ حَيْثُ الْجوَاز، وَالْمُخْتَار مِنْ حَيْثُ\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٤٢٧).\n(^٢) سيأتي حديث المدبر في الكتاب برقم (١٤٢٩).","vol":"4","page":179},{"text":"الِاسْتِحْبَاب أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ الثُّلْثِ جَمْعًا بَيْنَ قِصَّةِ أَبِي بَكْر (^١) وَحَدِيث كَعْب (^٢)، وَاللهُ أَعْلَمُ. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀-: فإنْ كان الرجل وحده، أو كان لمن يمون كفايتهم، فأراد الصدقة بجميع ماله، وكان ذا مكسب، أو كان واثقًا من نفسه بحسن التوكل، والصبر على الفقر، والتعفف عن المسألة؛ فَحَسَنٌ. اهـ\nثم استدل بقصة أبي بكر -﵁- عند أن تصدق بماله كُلِّه، ثم قال: أبقيت لهم الله، ورسوله.\n_________\n(^١) فيها أنه تصدق بماله كله، أخرجه أبو داود (١٦٧٨)، والترمذي (٣٦٧٥)، من حديث عمر -﵁- بإسناد حسن.\n(^٢) حديث كعب في قصة توبته، وفي آخره: قال: يا رسول الله، إنَّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله، وإلى رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أمسك بعض مالك؛ فهو خير لك» أخرجه البخاري برقم (٤٤١٨)، ومسلم برقم (٢٧٦٩).","vol":"4","page":180},{"text":"٦١٨ - وَعَنْهُ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تَصَدَّقُوا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي دِينَارٌ قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِك» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِك» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِك» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «أَنْتَ أَبْصَرُ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1736>مسألة [١]: من تصدق بما هو محتاج إليه</span>؟\nقال البخاري -﵀- في «صحيحه» [باب ١٨] من كتاب الزكاة: لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ، أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنْ الصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقِ، وَالْهِبَةِ، وَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ» (^٢)، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ، فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ -﵁- حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ، وَكَذَلِكَ آثَرَ الْأَنْصَارُ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ كَعْبُ ابْنُ مَالِكٍ -﵁-: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى الله وَإِلَى رَسُولهِ\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (١٦٩١)، والنسائي (٥/ ٦٢)، وابن حبان (٣٣٣٧)، والحاكم (١/ ٤١٥)، من طريق محمد بن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة به.\n\nوهذا إسناد ضعيف؛ لأن محمد بن عجلان اختلطت عليه أحاديث المقبري عن أبي هريرة؛ فهو ضعيف في روايته عن المقبري عن أبي هريرة، وقد ضعفها يحيى القطان والنسائي.\n(^٢) الحديث أخرجه البخاري برقم (٢٣٨٧)، من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"4","page":181},{"text":"- ﷺ -. قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ؛ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» (^١)، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. اهـ\nقلتُ: ويدل على كراهة صدقة المحتاج بما يحتاجه حديث المدبر الذي أشار إليه الحافظ قريبًا، وحديث أبي سعيد عند النسائي (٥/ ٦٣)، وغيره أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أعطى رجلًا ثوبين، ثم قال: «تصدقوا»، فوضع الرجل أحد ثوبيه، فقال النبي - ﷺ -: «خذ ثوبك»، وانتهره، وحسنه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» رقم (٣٨١).\nقال الحافظ -﵀- مُعَلِّقًا على قول البخاري (فهو ردٌّ عليه): مقتضاه أنَّ ذا الدين المستغرق لا يصح منه التبرع، لكن محل هذا عند الفقهاء إذا حجر عليه الحاكم بالفلس، وقد نقل فيه صاحب «المغني» وغيره الإجماع، فيحمل إطلاق المصنف عليه. اهـ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"4","page":182},{"text":"٦١٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1737>مسألة [١]: ما حكم إنفاق المرأة من مال زوجها، والعبد من مال سيده</span>؟\nقال النووي -﵀- في شرح الحديث: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدّ لِلْعَامِلِ -وَهُوَ الْخَازِن- وَلِلزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوك مِنْ إِذْن الْمَالِك فِي ذَلِكَ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِذْنٌ أَصْلًا فَلَا أَجْر لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، بَلْ عَلَيْهِمْ وِزْر بِتَصَرُّفِهِمْ فِي مَال غَيْرهمْ بِغَيْرِ إِذْنه. وَالْإِذْن ضَرْبَانِ:\nأَحَدهمَا: الْإِذْن الصَّرِيح فِي النَّفَقَة وَالصَّدَقَة.\nوَالثَّانِي: الْإِذْن الْمَفْهُوم مِنْ اِطِّرَاد الْعُرْف وَالْعَادَة، كَإِعْطَاءِ السَّائِل كِسْرَة وَنَحْوهَا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَة بِهِ وَاطَّرَدَ الْعُرْف فِيهِ، وَعُلِمَ بِالْعُرْفِ رِضَاء الزَّوْج وَالْمَالِك بِهِ، فَإِذْنه فِي ذَلِكَ حَاصِل وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّم، وَهَذَا إِذَا عَلِمَ رِضَاهُ لِاطِّرَادِ الْعُرْف، وَعَلِمَ أَنَّ نَفْسه كَنُفُوسِ غَالِب النَّاس فِي السَّمَاحَة بِذَلِكَ وَالرِّضَا بِهِ؛ فَإِنْ اِضْطَرَبَ الْعُرْف وَشَكَّ فِي رِضَاهُ، أَوْ كَانَ شَخْصًا يَشُحّ بِذَلِكَ وَعَلِمَ مِنْ حَاله ذَلِكَ أَوْ شَكَّ فِيهِ؛ لَمْ يَجُزْ لِلْمَرْأَةِ وَغَيْرهَا التَّصَدُّق مِنْ مَاله إِلَّا بِصَرِيحِ إِذْنه.\nثم قال: وأما قوله - ﷺ - يعني في حديث أبي هريرة-: «وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٢٥)، ومسلم (١٠٢٤).","vol":"4","page":183},{"text":"مِنْ غَيْر أَمْره؛ فَإِنَّ نِصْف أَجْره لَهُ» (^١) فَمَعْنَاهُ: مِنْ غَيْر أَمْره الصَّرِيح فِي ذَلِكَ الْقَدْر الْمُعَيَّن، وَيَكُون مَعَهَا إِذْن عَامٌّ سَابِقٌ مُتَنَاوِلٌ لِهَذَا الْقَدْر وَغَيْره، وَذَلِكَ الْإِذْن الَّذِي قَدْ أَوَّلْنَاهُ سَابِقًا إِمَّا بِالصَّرِيحِ وَإِمَّا بِالْعُرْفِ، وَلَابُدّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيل؛ لِأَنَّهُ - ﷺ - جَعَلَ الْأَجْر مُنَاصَفَة، وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ: «فَلَهَا نِصْف أَجْره» (^٢)، وَمَعْلُوم أَنَّهَا إِذَا أَنْفَقَتْ مِنْ غَيْر إِذْن صَرِيح وَلَا مَعْرُوف مِنْ الْعُرْف فَلَا أَجْر لَهَا، بَلْ عَلَيْهَا وِزْر، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيله. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا كُلّه مَفْرُوض فِي قَدْرٍ يَسِيرٍ يُعْلَم رِضَا الْمَالِك بِهِ فِي الْعَادَة؛ فَإِنْ زَادَ عَلَى الْمُتَعَارَف لَمْ يَجُزْ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله - ﷺ -: «إِذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَة مِنْ طَعَام بَيْتهَا غَيْر مُفْسِدَة»، فَأَشَارَ - ﷺ - إِلَى أَنَّهُ قَدْر يُعْلَم رِضَا الزَّوْج بِهِ فِي الْعَادَة، وَنَبَّهَ بِالطَّعَامِ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُسْمَح بِهِ فِي الْعَادَة بِخِلَافِ الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فِي حَقّ أَكْثَر النَّاس، وَفِي كَثِير مِنْ الْأَحْوَال.\nقال: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَاد بِنَفَقَةِ الْمَرْأَة، وَالْعَبْد، وَالْخَازِن: النَّفَقَة عَلَى عِيَال صَاحِب الْمَال، وَغِلْمَانه، وَمَصَالِحه، وَقَاصِدِيهِ مِنْ ضَيْفٍ، وَابْن سَبِيلٍ وَنَحْوهمَا، وَكَذَلِكَ صَدَقَتهمْ الْمَأْذُون فِيهَا بِالصَّرِيحِ أَوْ الْعُرْف. وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٠٦٦)، ومسلم برقم (١٠٢٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود برقم (١٦٨٧)، وإسناده صحيح.","vol":"4","page":184},{"text":"٦٢٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، قَالَ: جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁-، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّك أَمَرْت اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْت أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ أَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُك وَوَلَدُك أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْهِمْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1738>مسألة [١]: حكم التصدق على الأقارب</span>.\nفي حديث الباب الحث على تقديم الأقارب في الصدقة، ويكون للمتصدق أجران: أجر صلة القرابة، وأجر الصدقة كما في «الصحيحين» (^٢) عن زينب الثقفية -﵂-، مرفوعًا: «لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة»، والحديث الظاهر أنَّ المراد به صدقة التطوع؛ لقولها: (فأردت أن أتصدق به)، فتعليق ذلك بالإرادة، والتصدق بالحلي كاملًا يدل على ذلك، وقولها: (إنك أمرت اليوم بالصدقة) دليل على أنها ليست الصدقة الواجبة؛ لأنَّ تلك تجب بِحَوَلَانِ الحَوْل، وأما قولها في بعض الروايات: (أَيُجزئ عني؟) فمحمولٌ -كما قال النووي- على معنى: (أيجزئ عنها في الوقاية من النار؟)، والله أعلم.\nومع ذلك فليس فيه المنع من أن تصرف المرأة الصدقة الواجبة على زوجها، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله في الباب القادم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٤٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٤٦٦)، ومسلم برقم (١٠٠٠).\n(^٣) انظر: «الفتح» (١٤٦٦) (١٤٦٧).","vol":"4","page":185},{"text":"٦٢١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ (^١) لَحْمٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n٦٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1739>مسألة [١]: تحريم المسألة بغير حاجة</span>.\nالحديثان صريحان في تحريم المسألة لغير حاجة، وفي الباب أحاديث كثيرة، انظر رسالة شيخنا مقبل الوادعي -﵀-: «ذَمُّ المسْأَلة».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1740>مسألة [٢]: ضابط الغِنَى الذي لا تحل معه المسألة</span>.\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: إذا كان يملك خمسين درهمًا؛ لحديث ابن مسعود عند الترمذي (٦٥١) مرفوعًا: «من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش» قيل: يا رسول الله، وما يُغنيه؟ قال: «خمسون درهمًا، أو قيمتها من الذهب»، وفي إسناده: حكيم بن جبير، وهو متروك. وقد أخذ بهذا الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، نقله عنهم الترمذي عَقِبَ الحديث.\n_________\n(^١) مزعة، أي: قطعة يسيرة من اللحم. «النهاية».\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٠٤١).","vol":"4","page":186},{"text":"الثاني: إذا كان يملك أربعين درهمًا؛ لحديث أبي سعيد عند النسائي (٥/ ٩٨) بإسناد صحيح مرفوعًا: «من سأل الناس وعنده قيمة أوقية؛ فقد ألحف»، وجاء عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند النسائي (٥/ ٩٨) أيضًا بمثله، وحديث أبي سعيد في «الصحيح المسند» برقم (٣٩٢)، وحديث عمرو بن شعيب حديثٌ حسن، وأخذ بهذا القول الحسن، وأبو عبيد.\nالثالث: أن يملك قوت يومه وليلته؛ لحديث سهل بن الحنظلية عند أبي داود (١٦٢٩): «من سأل وعنده ما يغنيه؛ فإنما يستكثر من النار»، قالوا: وما يغنيه؟ قال: «قدر ما يغديه ويعشيه»، وإسناده صحيح.\nوهذا قول أحمد، فقد أسند ابن عبد البر في «التمهيد» بإسناده عن أحمد أنه سُئِلَ: متى تحل المسألة؟ فقال: إذا لم يكن عنده ما يغديه ويعشيه على حديث سهل بن الحنظلية. قيل له: فإن اضطر إلى المسألة؟ قال: هي مباحة له إذا اضطر. قيل له: فإن تعفف؟ قال: ذلك خير له، ما أظن أحدًا يموت من الجوع، الله يأتي برزقه. ثم ذكر حديث أبي سعيد: «مَنِ اسْتَعَفَّ أعَفَّهُ اللهُ» (^١)، وحديث أبي ذر: «تعفَّفْ يا أبا ذر». (^٢)\nقلتُ: وهذا القول عن أحمد أحسن ما قيل في هذا الباب، والدليل يدل عليه، والرواية الأولى المذكورة عنه الظاهر أنَّ المقصود بها الغِنَى الذي تحرم عليه فيه\n_________\n(^١) الحديث أخرجه البخاري برقم (١٤٦٩)، ومسلم برقم (١٠٥٣)، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- بلفظ: «من يستعفف يعفه الله».\n(^٢) أخرجه ابن حبان برقم (٥٩٦٠) من حديث أبي ذر -﵁- بإسناد صحيح في ضمن حديث طويل.","vol":"4","page":187},{"text":"الصدقة، ولا تلازم بين هذا وذاك.\nوأكثر الأقوال المذكورة أراد أصحابها (الغنى الذي تحرم فيه الصدقة).\nوأما دليل القول الأول فضعيفٌ، وأما أهل القول الثاني فدليلهم لا يُعارض دليلنا، بل يدل على أنَّ من سأل وعنده أربعون درهمًا فهو ملحف، ولا ينافي تحريم من سأل وله دون ذلك، فتأمل. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٤٧٦ - ١٤٨٠)، «التمهيد» (١٦/ ٤٨١) ط/مرتبة.","vol":"4","page":188},{"text":"٦٢٣ - وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةٍ مِنَ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nالحث على الاستعفاف:\nفي حديث الباب الحث على الاستعفاف، والسعي في العمل إن كان محتاجًا، ولا ينبغي له أن يذل نفسه عند الناس، سواء أعطوه أو منعوه، وكما تقدم في الحديث: «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله» متفق عليه عن أبي سعيد -﵁-. (^٢)\nوالاستعفاف باللسان: وهو أن يترك سؤال الناس، والتعرض له، والاستغناء بالقلب، وهو أن لا يتطلع بقلبه إلى أموال الناس، نسأل الله ﷿ أن يرزقنا العفاف، والغنى بفضله ورحمته.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٤٧١).\n(^٢) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"4","page":189},{"text":"٦٢٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «المَسْأَلَةُ كَدٌّ (^١) يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1741>مسألة [١]: تحريم المسألة من غير السلطان</span>.\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام»: أَيْ سُؤَالُ الرَّجُلِ أَمْوَالَ النَّاسِ كَدٌّ، أَيْ: خَدْشٌ، وَهُوَ الْأَثَرُ، وَفِي رِوَايَةٍ: «كُدُوحٌ» بِضَمِّ الْكَافِ، وَأَمَّا سُؤَالُهُ مِنْ السُّلْطَانِ؛ فَإِنَّهُ لَا مَذَمَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْأَلُ مِمَّا هُوَ حَقٌّ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا مِنَّةَ لِلسُّلْطَانِ عَلَى السَّائِلِ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ، فَهُوَ كَسُؤَالِ الْإِنْسَانِ وَكِيلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ حَقِّهِ الَّذِي لَدَيْهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ وَإِنْ سَأَلَ السُّلْطَانَ تَكَثُّرًا؛ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ فِيهِ، وَلَا إثْمَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ قَسِيمًا لِلْأَمْرِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ فَسَّرَ الْأَمْرَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ حَدِيثَ قَبِيصَةَ. انتهى المراد، وسيأتي حديث قبيصة في الباب الآتي.\n_________\n(^١) الكدُّ: هو الإتعاب، والمعنى: أنه يتعب وجهه بإذهاب مائه ورونقه. «النهاية».\n(^٢) صحيح. رواه الترمذي (٦٨١)، وأخرجه أيضًا أبوداود (١٦٣٩)، والنسائي (٥/ ١٠٠)، وهو حديث صحيح رجاله ثقات، وقد صححه الإمام الألباني والإمام الوادعي رحمة الله عليهما.","vol":"4","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1742>بَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ</span>\n٦٢٥ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ. (^١)\n\n٦٢٦ - وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيَارِ -﵁- أَنَّ رَجُلَيْنِ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْأَلَانِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَلَّبَ فِيهِمَا النَّظَرَ، فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: «إنْ شِئْتُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ».رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَوَّاهُ، وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (^٢)\n\n٦٢٧ - وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الهِلَالِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا (^٣) مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَا (^٤)\n_________\n(^١) ضعيف، والراجح إرساله. أخرجه أحمد (٣/ ٥٦)، وأبوداود (١٦٣٦)، وابن ماجه (١٨٤١)، والحاكم (١/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، كلهم من طريق معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، به.\nقلتُ: وقد خالف معمرًا مالكٌ والسفيانان فرووه عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلًا. ورجح المرسل أبوداود والدارقطني وأبوحاتم وأبوزرعة، إلا أن الثوري لم يسم عطاء بن يسار. انظر «تحقيق المسند» (١١٥٣٨).\n(^٢) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٤)، وأبوداود (١٦٣٣)، والنسائي (٥/ ٩٩ - ١٠٠)، من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار به. وإسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(^٣) القِوَام: هو ما يُقيم الشخص، ويسد حاجته.\n(^٤) ذوي الحجا، أي: ذوي العقول.","vol":"4","page":191},{"text":"مِنْ قَوْمِهِ، لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا سُحْتًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُودَاوُد وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1743>مسألة [١]: هل يُعْطَى الغني من الزكاة</span>؟\nقال ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (١٦/ ٤٨٤): ولا خلاف بين علماء المسلمين أن الصدقة المفروضة لا تحل لغني إلا ما ذُكِرَ في حديث أبي سعيد الخدري، واختلفوا في الصدقة التطوع: هل تحل للغني؟ فمنهم من يرى التنزه عنها، ومنهم من لم يَرَ بها بأسًا إذا جاءت من غير مسألة؛ لقوله - ﷺ - لعمر: «ما جاءك من غير مسألة فكله وتموله؛ فإنما هو رزق ساقه الله اليك» (^٢) مع إجماعهم على أن السؤال لا يحل لغني معروف الغنى. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1744>مسألة [٢]: ضابط الغني الذي لا تصرف إليه الزكاة</span>.\n• اختلفوا في هذه المسألة على أقوال، وهي كالأقوال التي تقدمت في الغني الذي تحرم عليه فيه المسألة:\nالقول الأول: من ملك خمسين درهمًا، فلا تحل له الزكاة، وتقدم دليلهم هنالك، وهو قول الثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٠٤٤). وأبوداود (١٦٤٠)، وابن خزيمة (٢٣٦١) وابن حبان (٣٣٩٥).\n(^٢) سيأتي حديث عمر برقم (٦٣١).","vol":"4","page":192},{"text":"القول الثاني: من ملك أربعين درهمًا، وتقدم دليلهم أيضًا، وهو قول الحسن، وأبي عبيد.\nالقول الثالث: من ملك مائتي درهم، أو عشرين دينارًا، وهو قول أبي حنيفة، واستدلوا بحديث: «تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم» (^١)، ولا تجب عليه الزكاة حتى يملك القدر المذكور؛ فدلَّ على أنَّ هذا هو الغني الذي تحرم عليه فيه الصدقة الواجبة، وتحرم عليه فيه المسألة.\nالقول الرابع: من لم يكن محتاجًا فهو الغني الذي لا تصرف له، وأما إذا كان محتاجًا فليس بغني وإن ملك خمسين درهمًا، أو مائتين، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، واستدل بعضهم على ذلك بحديث قبيصة بن المخارق الذي في الباب في قوله: «فحلَّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش».\nقلتُ: وهذا القول الأخير هو الصواب، وقد رجَّحه ابن عبد البر في «التمهيد»، وأمَّا التحديد بخمسين درهمًا فحديثهم ضعيفٌ جدًّا، وكذلك التحديد به، والتحديد بأربعين إنما هو في النهي عن المسألة، وليس فيهما تحريم أخذ الصدقة إذا كان محتاجًا، وأما استدلال أبي حنيفة بالحديث؛ فالحديث فيه بيان الغِنَى الموجِب للزكاة، لا بيان الغنى المانع من أخذ الزكاة، وضابط الغِنَى الموجب للزكاة هو من ملك نصابًا من الماشية، أو الأثمان، أو الزروع والثمار؛ فإنه تجب\n_________\n(^١) تقدم الحديث في الكتاب برقم (٥٨٣).","vol":"4","page":193},{"text":"عليه الزكاة وإنْ كان فقيرًا يأخذ من زكاة غيره، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1745>مسألة [٣]: القوي الذي له قدر كفايتة في كل يوم من مكسبه، أو أجرة عقاره، وما أشبه ذلك</span>.\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه تحرم عليه الصدقة، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وابن المنذر، وغيرهم.\nواستدلوا بحديث الباب: «لا حظَّ فيها لغنيٍّ، ولا لقويٍّ مُكتسِب».\nوبحديث رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنَّ الصدقة لا تحل لغنيٍّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِي» أخرجه أحمد (٥/ ٣٧٥)، وحسنه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» رقم (١٤٩٧).\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه تحل له الصدقة؛ لأنه ليس بغنيٍّ، وقد تقدم أنَّ الغني عنده من ملك النصاب.\nوالصواب ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1746>مسألة [٤]: من كان صحيحًا ولا كسب له</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (٩/ ٣١٠): وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ صَحِيحًا جَلْدًا، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ، أُعْطِيَ مِنْهَا، وَقُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ إذَا لَمْ يُعْلَمْ يَقِينُ كَذِبِهِ، وَلَا يُحَلِّفُهُ. اهـ\nثم استدل بحديث عبيد الله بن عدي بن الخيار المذكور في الكتاب. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد» (١٦/ ٤٨١ -)، «المغني» (٤/ ١١٧ - ١٢٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ١٢١) (٩/ ٣٠٩)، «تفسير القرطبي» (٨/ ١٧٢).\n(^٣) وانظر «المجموع» (٦/ ١٩٠ - ١٩١).","vol":"4","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1747>مسألة [٥]: من كان له دار وخادم لا يستغني عنهما</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ من له دار وخادم لا يستغني عنهما؛ له أن يأخذ من الزكاة، وللمعطي أن يعطيه.\n• وقال مالك: إنْ لم يكن في ثمن الدار والخادم فضلة عمَّا يحتاج إليه منهما؛ جاز له الأخذ، وإلا لم يجز. ذكره ابن المنذر، وبه قال النخعي، والثوري.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ العبرة بملكه نصابًا زائدًا على مسكنه وأثاثه.\nوالصواب -والله أعلم- هو القول الأول، وهو ظاهر اختيار ابن عبد البر، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي عبيد، وأبي ثور، والطبري، وغيرهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1748>مسألة [٦]: هل لِمُخْرِج الزكاة أن يشتريها ممن صارت إليه</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالقول الأول: المنع من ذلك، وهو قول الحسن، وقتادة، وأحمد، ومالك؛ لحديث عمر بن الخطاب في «الصحيحين» قال: حملت على فرسٍ في سبيل الله، فأضاعه صاحبه، فظننت أنه بائعه بِرُخْصٍ، فأردت أن أشتريه، فقال النبي - ﷺ -: «لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك؛ فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه». (^٢)\nالقول الثاني: الجواز، وهو قول الشافعي وآخرين؛ لحديث أبي سعيد الذي في الكتاب: «أو رجلٌ اشتراها بماله»، وقد قيل: إنَّ حديث عمر منعه من شرائه أنه\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد» (١٦/ ٤٨٠ - ٤٨١) «تفسير القرطبي» (٨/ ١٧١).\n(^٢) سيأتي في الكتاب برقم (٩٢٧).","vol":"4","page":195},{"text":"كان حبيسًا في سبيل الله.\nوالقول الأول هو الصواب؛ لما تقدم من حديث عمر -﵁-.\nوحديث أبي سعيد الذي استدلوا به ضعيفٌ، ولو صحَّ لكان عامًّا مخصوصًا بحديثنا؛ لأنَّ حديثنا فيه نهي صاحب الصدقة أن يشتري صدقته.\nوأما قولهم عن حديث عمر: (إنه كان حبيسًا)؛ فَيُجَابُ عنه بأنه لو كان حبيسًا لما باعها الذي هي في يده، ولا هَمَّ عمر بشرائها، بل كان ينكر على البائع بيعه، ولأنَّ النبي - ﷺ - ما أنكر بيعها، وإنما أنكر على عمر الشِّراء معللًا بكونه عائدًا في الصدقة، ثم لو سلمنا بما قالوا؛ لكان العبرة بعموم اللفظ، لابخصوص السبب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ١٠٣ - ١٠٤).","vol":"4","page":196},{"text":"٦٢٨ - وَعَنْ عَبْدِالمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٦٢٩ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ -﵁-، قَالَ: مَشَيْت أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ -﵁- إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطَيْت بَنِي المُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَتَرَكْتنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ (^٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّمَا بَنُو المُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1749>مسألة [١]: من هم آل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذين تحرم عليهم الصدقة</span>؟\nاتَّفقوا على أنَّ بني هاشم داخلون في ذلك، وهم (آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث).\n• واختلفوا: هل من أولاد أبي لهب من أسلم، أم لا؟ واختلفوا في بني\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٠٧٢). ضمن حديث طويل، وأما اسم (عبدالمطلب) ففيه تعبيد لغير الله. قال الحافظ في «الإصابة»: قال ابن عبدالبر: كان على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولم يغير اسمه فيما علمت. قال الحافظ: وفيما قاله نظر، فإن الزبير بن بكار أعلم من غيره بنسب قريش وأحوالهم، ولم يذكر أن اسمه إلا (المطلب) وقد ذكر العسكري أن أهل النسب إنما يسمونه (المطلب)، وأما أهل الحديث فمنهم من يقول (المطلب) ومنهم من يقول (عبدالمطلب). اهـ\n(^٢) وذلك لأنَّ عثمان -﵁- من بني عبد شمس، وجبير من بني نوفل، وعبدُ شمس، ونوفلُ، والمطلبُ، وهاشمُ كلهم أبناء عبد مناف؛ فهم بمنزلة واحدة مع بني المطلب في الانتساب إلى عبد مناف.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٣١٤٠).","vol":"4","page":197},{"text":"المطلب: هل يدخلون في آل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذين تحرم عليهم الصدقة، أم لا؟\nفذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى أنهم يدخلون في ذلك؛ لحديث جبير بن مطعم المذكور في الكتاب: «إنما بنو المطلب، وبنو هاشم شيء واحد»، وهو مذهب الظاهرية أيضًا.\nوذهب مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى أنهم لا تحرم عليهم الصدقة؛ لدخولهم في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠]، وخرج بنو هاشم بحديث: «إنَّ الصدقة لا تنبغي لآل محمد»، فيختص المنع بهم، ولا يصح قياس بني المطلب على بني هاشم؛ لأنَّ بني هاشم أقرب إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأشرف، وهم آل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومشاركة بني المطلب لهم في خمس الخمس لم يستحقوه بمجرد القرابة، بدليل أنَّ بني عبد شمس، وبني نوفل يساوونهم بالقرابة، ولم يعطوا شيئًا، وإنما شاركوهم بالنصرة، أو بهما جميعًا، والنصرة لا تقتضي منع الزكاة، هذا كلام ابن قدامة، وقد اختار هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nوالأول أظهر -والله أعلم-؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد جعلهم شيئًا واحدًا، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nوهو ترجيح الإمام الصنعاني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ١٠٩ - ١١١)، «السبل»، «النيل» (١٦١٠).","vol":"4","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1750>مسألة [٢]: وهل هناك خلافٌ في تحريم الزكاة على بني هاشم</span>؟\n• نقل بعض أهل العلم عدم الخلاف في ذلك، منهم ابن قدامة، والواقع وجود الخلاف، فقد نقل الطبري عن أبي حنيفة رواية أخرى بالجواز إذا حُرِمُوا من سهم ذوي القربى، وهذا وجهٌ لبعض الشافعية، وبعض الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام.\nوعن أبي يوسف أنه يجوز لهم أن يأخذوا من زكاة بني هاشم، وهي رواية عن أبي حنيفة، واختاره شيخ الإسلام؛ للحديث: «إنما هي أوساخ الناس».\nقلتُ: والصواب هو التحريم مطلقًا، وإذا حرموا مما أباحه الله لهم، فليس لنا أن نعطيهم مما حرم الله عليهم، وأما قول أبي يوسف فبعيدٌ؛ لأنَّ بني هاشم زكاتهم أيضًا من أوساخ أموالهم، وهم يدخلون في عموم «الناس» الذين في الحديث، والله أعلم، وهو ترجيح الصنعاني، والإمام الوادعي -رحمه الله تعالى-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1751>مسألة [٣]: وهل تحرم عليهم إذا كانوا من العاملين عليها</span>؟\n• ذهب مالك، والشافعي، وهو وجهٌ عند الحنابلة إلى جواز الأخذ من الزكاة؛ لأنَّ ما يأخذونه هو أجرٌ على عملهم؛ فأُبيح لهم كسائر الأعمال.\n• وذهب أبو حنيفة، وهو وجهٌ عند الحنابلة إلى تحريم الزكاة عليهم، وإن كانوا من العاملين، واستدلوا بحديث عبد المطلب بن ربيعة الذي في الباب، وسبب\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ١٠٩)، «المجموع» (٦/ ٢٢٧)، «الشرح الممتع» (٦/ ٢٥٦)، «الإنصاف» (٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، «الفتح» (١٤٩١).","vol":"4","page":199},{"text":"الحديث أنَّ رجلين من آل بني هاشم سألا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يجعلهم من العاملين حتى يصيبوا منها، وهذا نصٌّ في محل النزاع، وهذا هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1752>مسألة [٤]: وهل تحرم عليهم صدقة التطوع</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ صدقة التطوع تُباح لهم، وأنَّ الذين تحرم عليهم هي صدقة الفرض فقط؛ لقوله في الحديث: «إنما هي أوساخ الناس»، وادَّعى الخطابي الإجماع على ذلك، ولا يصح الإجماع؛ فقد نقل ابن قدامة عن أحمد رواية بالتحريم، وهو قول الظاهرية، ونقله الشوكاني عن بعض أهل العلم، ورجَّح ذلك الصنعاني في «حاشيته على ضوء النهار» (٢/ ٣٤٤) حيث قال: وقد علمت أنَّ أحاديث تحريم الصدقة وردت بألفاظ عامة مثل: «إنما هذه الصدقات أوساخ الناس»، «أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة»، وأنها بعمومها شاملة لصدقة النفل، والفرض، وإن كان إنما وردت في تحريم صدقة الفرض، لكنه تقرر في الأصول أنَّ العام لا يقصر على سببه، ويدل لذلك أيضًا أحاديث أنه - ﷺ - كان إذا أُتِي بطعامٍ سأل عنه؛ فإن قيل: هدية؛ أكل منها، وإن قيل: صدقة؛ لم يأكل، وهي في النفل أظهر؛ إذ إخراج الطعام عن صدقة الفرض غير معهود، وأيضًا وأوضح من ذلك حديث سلمان (^٢) أنه أتى إليه - ﷺ - بعد قدوم المدينة بتمر، وقال: إنه صدقة. فلم يأكل منه، وسلمان كان مملوكًا لا تجب عليه صدقة فرض؛ فهو صدقة نفل.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ١١٢ - ١١٣)، «تفسير القرطبي (٨/ ١٧٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٤٤١)، من حديث سلمان بإسناد حسن، وحسنه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (٤٤٠).","vol":"4","page":200},{"text":"قال: وفي كتب الشافعية، والحنفية أنَّ تركه - ﷺ - لصدقة النفل تورعًا لا أنها محرمة، وهي دعوى بلا دليل. اهـ\nوهذا القول رجَّحه الإمام الوادعي -﵀-، وشيخنا يحيى الحجوري عافاه الله، والقول الأول رجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\nتنبيه: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تحرم عليه صدقة التطوع أيضًا، وحملوا الأحاديث التي ذكرها الصنعاني على الخصوصية به، بل نقل جماعةٌ الإجماع على ذلك، منهم: الخطابي كما في «النيل» (١٦١٠).\nقال الشوكاني -﵀-: وتعقب بأنه قد حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولًا، وكذا في رواية عن أحمد، وقال ابن قدامة: ليس ما نقل عنه في ذلك بواضح الدلالة.\nقلتُ: وفي قول الصنعاني المتقدم (وفي كتب الشافعية ...) دليل على أنه ليس في المسألة إجماع. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1753>مسألة [٥]: هل تحرم الصدقة على أزواج بني هاشم</span>؟\nقال الصنعاني -﵀- في «حاشيته على ضوء النهار» (٢/ ٣٣٤): قال الحافظ السيوطي -﵀- في «أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب»: إنها تحرم الصدقة على أزواج النبي - ﷺ - بالإجماع. فقال: كذا قال. وفي «شرح البخاري» لابن بطال أنَّ\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٤٩١).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (١٤٩١)، «التمهيد» (٣/ ٩٢ -)، «المحلى» (١٦٤٥).","vol":"4","page":201},{"text":"الفقهاء كافة على أنَّ أزواجه - ﷺ - لا يدخلن في آله الذين حرمت عليهم الصدقة.\nقال الصنعاني: قلت: وتفسير زيد بن أرقم للآل يؤيد هذا المقال، وفي حديث جويرية عند مسلم (^١) أنه - ﷺ - قال: «هل عندكم طعام؟» فقالت جويرية: لا والله، ما عندنا طعام؛ إلا عظم من شاة أعطيتها مولاتي من الصدقة. فقال: «قَرِّبِيها؛ فقد بلغت محلها»، وكذلك اللحم من شاة بريرة مولاة عائشة الذي قال النبي - ﷺ - فيه: «هو لها صدقة، ولنا هدية» (^٢)، دلت على أنه لا يحرم على موالي أزواجه كما لا يحرم عليهن. اهـ. (^٣)\nقلتُ: حديث زيد بن أرقم في «صحيح مسلم» (٢٤٠٨) أنه سُئل: أليس نساؤه من أهل بيته؟ فقال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، وهم: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس.\nوفي رواية: أنه قال عند أن سُئل عن نسائه: مِنْ أهل بيته؟ فقال: لا وايم الله، إنَّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها، وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده.\nقال ابن القيم -﵀- في «جلاء الأفهام» (ص ١٢٣ - ١٢٤): وإنما دخل الأزواج في الآل، وخصوصًا أزواج النبي - ﷺ -؛ تشبيهًا لذلك بالنسب؛ لأن اتصالهن بالنبي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٠٧٣).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٤٩٣)، ومسلم برقم (١٠٧٥).\n(^٣) وانظر: «النيل» (٣/ ٨٩ - ٩٠).","vol":"4","page":202},{"text":"- ﷺ - غير مرتفع، وهن محرمات على غيره في حياته وبعد مماته، وهن زوجاته في الدنيا والآخرة، فالسبب الذي لهن بالنبي - ﷺ - قائم مقام النسب، وقد نص على الصلاة عليهن؛ ولهذا كان القول الصحيح وهو منصوص الإمام أحمد -﵀-: أنَّ الصدقة تحرم عليهم؛ لأنها أوساخ الناس، وقد صان الله سبحانه ذلك الجناب الرفيع وآله من كل أوساخ بني آدم، ويالله العجب! كيف يدخل أزواجه في قوله: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا»، وقوله في الأضحية: «اللهم هذا عن محمد وآل محمد»، وفي قول عائشة -﵂-: ما شبع آل رسول الله - ﷺ - من خُبز بُرٍّ، وفي قول المصلي: «اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد»، ولا يدخلن في قوله: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» مع كونها من أوساخ الناس، فأزواج رسول الله - ﷺ - أولى بالصيانة عنها والبعد منها؛ فإن قيل: لو كانت الصدقة حرامًا عليهن؛ لحرمت على مواليهن، كما أنها لما حرمت على بني هاشم حرمت على مواليهم، وقد ثبت في «الصحيح» أن بريرة تصدق عليها بلحم فأكلته، ولم يحرمه النبي - ﷺ - وهي مولاة لعائشة -﵂-.\nقيل: هذا هو شبهة من أباحها لأزواج النبي - ﷺ -، وجواب هذه الشبهة: أن تحريم الصدقة على أزواج النبي - ﷺ - ليس بطريق الأصالة وإنما هو تبع لتحريمها عليه؛ وإلا فالصدقة حلال لهن قبل اتصالهن به، فهن فرع في هذا التحريم، والتحريم على المولى فرع التحريم على سيده، فلما كان التحريم على بني هاشم أصلًا؛ استتبع ذلك مواليهم، ولما كان التحريم على أزواج النبي - ﷺ - تبعًا؛ لم يقو ذلك على استتباع مواليهن؛ لأنه فرع عن فرع. قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ","vol":"4","page":203},{"text":"وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * ... وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٠ - ٣٤]، فدخلن في أهل البيت؛ لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهن فلا يجوز إخراجهن في شيء منه، والله أعلم. اهـ\nقلتُ: وهذا الكلام من ابن القيم كلام مفيد، وما عندنا عليه مزيد.","vol":"4","page":204},{"text":"٦٣٠ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي، فَإِنَّك تُصِيبُ مِنْهَا، فَقَالَ: حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَأَسْأَلَهُ. فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَوْلَى القَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1754>مسألة [١]: هل تحرم الصدقة على موالي آل محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم</span>-؟\n• ذهب أحمد، والشافعي في أحد قوليه إلى تحريم الصدقة على مواليهم أيضًا، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وبعض المالكية كابن الماجشون، وهو الصحيح عند الشافعية؛ لحديث أبي رافع الذي في الباب.\n• وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الصدقة تجوز لهم؛ لأنهم ليسوا منهم حقيقة، ولأنهم لم يعوضوا عنها من خمس الخمس.\nقلتُ: والقول الأول أرجح لوجود الدليل الفاصل في محل النزاع، وهو حديث أبي رافع، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ١٠)، وأبوداود (١٦٥٠)، والنسائي (٥/ ١٠٧)، والترمذي (٦٥٧)، وابن خزيمة (٢٣٤٤)، وابن حبان (٣٢٩٣)، وهو صحيح على شرط الشيخين، وقد صححه الإمام الألباني -﵀- في «صحيح أبي داود» برقم (١٤٥٦)، والإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» برقم (١٢٢١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ١١٠)، «الفتح» (١٤٩٣).","vol":"4","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1755>مسألة [١]: الصدقة على موالي أزواج آل محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم</span>-؟\nجاء في «الصحيحين» (^١) وغيرهما أنَّ بريرة تصدق عليها وهي مولاة لعائشة، ولم ينكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عليها، وكذلك جويرية كما في «صحيح مسلم» (١٠٧٣) تصدق على مولاتها، فلم ينكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عليها.\nقال ابن المنير كما في «الفتح» (١٤٩٣): إِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ [بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -] لِيُحَقِّقَ أَنَّ الْأَزْوَاجَ لَا يَدْخُلُ مَوَالِيهِنَّ فِي الْخِلَافِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ الصَّدَقَةُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِئَلَّا يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ بِدُخُولِ الْأَزْوَاجِ فِي الْآلِ أَنَّهُ يَطَّرِدُ فِي مَوَالِيهنَّ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ. اهـ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"4","page":206},{"text":"٦٣١ - وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ -﵄-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُعْطِي عُمَرَ العَطَاءَ، فَيَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ مِنِّي، فَيَقُولُ: «خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَك (^١) مِنْ هَذَا المَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَك». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1756>مسألة [١]: إعطاء العامل من الصدقة وإن كان غنيًّا</span>.\nدل حديث الباب على أنَّ العامل على الزكاة من المستحقين منها أجرةً على عمله، وأنه يُعطى وإن كان غير محتاجٍ إليها كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع عمر بن الخطاب -﵁-.\nوفيه أيضًا أنَّ من نوى التبرع يجوز له أخذ الأجرة بعد ذلك، ففي «الصحيحين» (^٣) أنَّ عمر -﵁- قال: يا رسول الله، إنما عملت لله. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أُعطِيت شيئًا من غير أن تسأل؛ فكُل وتصدق».\n_________\n(^١) في (أ): (أتاك).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٠٤٥) (١١١). وهو في «البخاري» (٧١٦٤) ومسلم (١٠٤٥) عن عمر بن الخطاب -﵁-.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٧١٦٣)، ومسلم برقم (١٠٤٥) (١١٢)، واللفظ لمسلم.","vol":"4","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1757>مَسَائِلُ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِالبَاب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1758>مسألة [١]: دفع زكاة الرجل إلى امرأته</span>.\nقال ابن المنذر -﵀-: أجمعوا على أنَّ الرجل لا يُعْطِي زوجته من الزكاة شيئًا؛ لأنَّ نفقتها واجبة عليه، فتستغني بها عن أخذ الزكاة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1759>مسألة [٢]: دفع المرأة زكاتها إلى زوجها</span>.\n• في المسألة قولان:\nالأول: الجواز إن كان مستحقًّا؛ بكونه من الأصناف الثمانية، وهو مذهب الشافعي، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر، ورواية عن مالك، ورواية عن أحمد؛ لأنه يدخل في ضمن الأصناف الثمانية، فما المانع من أن يُعطَى، واستدل بعضهم بحديث زينب الثقفية (^٢) عند أن تصدقت على زوجها بعد أن سألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأباح لها ذلك، واستحبه.\nالثاني: المنع، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، ومالك؛ لأنها تنتفع بدفعها إليه، وقد أُجيب عن ذلك كما في «الفتح» أنَّ احتمال رجوع الصدقة إليها واقعٌ في التطوع أيضًا، ويؤيد المذهب الأول أنَّ ترك الاستفصال ينزل منزلة\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ١٠٠)، «الفتح» (١٤٦٨).\n(^٢) تقدم تخريجه في الباب السابق.","vol":"4","page":208},{"text":"العموم، فلما ذكرت الصدقة، ولم يستفصلها عن تطوع ولا واجب، فكأنه قال: يجزئ عنكِ، فرضًا كان أو تطوعًا. اهـ\nقلتُ: وأيضًا فإنَّ رجوعها إليها محتمل، فقد ينتفع بها الزوج في أمور أخرى يكون النفع فيها عائدًا على غيرها، والله أعلم.\nوالمذهب الأول هو الراجح، وقد رجَّحه ابن قدامة -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1760>مسألة [٣]: دفع الزكاة إلى الوالدين</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- كما في «المغني» (٤/ ٩٨): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى الْوَالِدَيْنِ فِي الْحَالِ الَّتِي يُجْبَرُ الدَّافِعُ إلَيْهِمْ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ. اهـ وَلِأَنَّ دَفْعَ زَكَاتِهِ إلَيْهِمْ تُغْنِيهِمْ عَنْ نَفَقَتِهِ، وَتُسْقِطُهَا عَنْهُ، وَيَعُودُ نَفْعُهَا إلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ تَجُزْ، كَمَا لَوْ قَضَى بِهَا دَيْنَهُ. اهـ\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٩٠): وَأَمَّا دَفْعُهَا إلَى الْوَالِدَيْنِ إذَا كَانُوا غَارِمِينَ، أَوْ مُكَاتَبِينَ، فَفِيهَا وَجْهَانِ، وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ نَفَقَتِهِمْ؛ فَالْأَقْوَى جَوَازُ دَفْعِهَا إلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ؛ لِأَنَّ المُقْتَضِيَ مَوْجُودٌ، وَالمَانِعَ مَفْقُودٌ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالمُقْتَضِي السَّالِمِ عَنْ المُعَارِضِ المُقَاوِمِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1761>مسألة [٤]: دفع الزكاة إلى الولد</span>.\nكذلك ذكر أهل العلم أنه لا يجوز للوالد أن يدفع زكاته إلى ولده؛ لأنه إن كان\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٤٦٦)، «المغني» (٤/ ١٠١ - ١٠٢).","vol":"4","page":209},{"text":"غنيًّا، فلا تجزئ، وإن كان فقيرًا؛ فإنَّ نفقته واجبة عليه، فيكون غنيًّا بنفقته، ويكون الوالد بصرفه الزكاةَ له في تلك الحالة منتفعًا بها، وكأنه ينفقها على نفسه.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٩٢): إذَا كَانَ عَلَى الْوَلَدِ دَيْنٌ، وَلَا وَفَاءَ لَهُ؛ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ زَكَاةِ أَبِيهِ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى النَّفَقَةِ وَلَيْسَ لِأَبِيهِ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ، فَفِيهِ نِزَاعٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ زَكَاةِ أَبِيهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مُسْتَغْنِيًا بِنَفَقَةِ أَبِيهِ؛ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى زَكَاتِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1762>مسألة [٥]: دفع الزكاة إلى بقية الأقارب</span>.\nأما إذا لم يكن ممن يرثه فذكر أهل العلم أنها تجزئ، بل يستحب؛ لأنها صدقة وصِلَة، وإن كان ممن يرثه فذهب أكثر أهل العلم إلى الجواز أيضًا، وذهب بعض أهل العلم إلى عدم الجواز؛ لأنه يجب عليه أن ينفق عليه، وهذه رواية عن أحمد، وسيأتي الكلام على النفقة على الأقارب في باب النفقات إن شاء الله تعالى.\nوقد أخرج ابن أبي شيبة (٣/ ١٩١) بإسنادٍ صحيحٍ، من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس -﵄-، قال: لا بأس أن تجعل زكاتك في ذوي قرابتك؛ مالم يكونوا من عيالك.\nوقد أجاز شيخ الإسلام -﵀- دفع الزكاة لهم لأجل الدَّين، وإن كانوا هم الذين ينفقون عليهم، وهو قول قوي. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٩٨) «المجموع» (٦/ ٢٢٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٩٩)، «المجموع» (٦/ ٢٢٩)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٩١).","vol":"4","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1763>مسألة [٦]: إن كان في عائلته من لا يجب عليه الإنفاق عليه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ١٠٢): فَإِنْ كَانَ فِي عَائِلَتِهِ مِنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، كَيَتِيمِ أَجْنَبِيٍّ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ، لِإِغْنَائِهِ بِهَا عَنْ مُؤْنَتِهِ. وَالصَّحِيحُ -إنْ شَاءَ اللهُ- جَوَازُ دَفْعِهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْأَصْنَافِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلزَّكَاةِ، وَلَمْ يَرِدْ فِي مَنْعِهِ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ، فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْ عُمُومِ النَّصِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1764>مسألة [٧]: هل تصرف الزكاة للكافر والمملوك</span>؟\nقال ابن المنذر -﵀-: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يُعْطَى مِنْ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ شَيْئًا. اهـ\nوقال ابن قدامة -﵀-: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ لَا تُعْطَى لِكَافِرٍ وَلَا لِمَمْلُوكٍ. اهـ\nثم استدل بحديث معاذ: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1765>مسألة [٨]: مصارف الزكاة</span>.\nقال الله ﷿ في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠].\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ١٠٦ - ١٠٧).","vol":"4","page":211},{"text":"أخرج أبو داود في «سننه» (١٦٣٠) من حديث زياد بن الحارث الصدائي، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أتاه رجلٌ، فقال: أعطني من الصدقة. فقال له رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء؛ فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقَّك».\nقلتُ: هو حديث ضعيفٌ، ذكرته للتنبيه عليه، وفي إسناده: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وهو ضعيفٌ.\nأولا، وثانيًا: الفقراء والمساكين.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٣٠٦): الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ صِنْفَانِ فِي الزَّكَاةِ، وَصِنْفٌ وَاحِدٌ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الِاسْمَيْنِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِمَا، فَأَمَّا إذَا جُمِعَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ، وَمُيِّزَ بَيْنَ الْمُسَمَّيَيْنِ تَمَيَّزَا، وَكِلَاهُمَا يُشْعِرُ بِالْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ وَعَدَمِ الْغِنَى، إلَّا أَنَّ الْفَقِيرَ أَشَدُّ حَاجَةً مِنْ الْمِسْكِينِ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَدَأَ بِهِ، وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَصْمَعِيُّ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ أَشَدُّ حَاجَةً. وَبِهِ قَالَ الْفَرَّاءُ، وَثَعْلَبٌ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٦]، وَهُوَ الْمَطْرُوحُ عَلَى التُّرَابِ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ ... .\nقال: وَلَنَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَدَأَ بِالْفُقَرَاءِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَهَمُّ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩]، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمَسَاكِينَ لَهُمْ سَفِينَةٌ يَعْمَلُونَ بِهَا ... .","vol":"4","page":212},{"text":"قال: فَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي ذَكَرُوهَا فَهِيَ حُجَّةٌ لَنَا؛ فَإِنَّ نَعْتَ الله تَعَالَى لِلْمِسْكِينِ بِكَوْنِهِ ذَا مَتْرَبَةٍ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّعْتَ لَا يَسْتَحِقُّهُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَسْكَنَةِ. اهـ\nقلتُ: وبقول الحنفية، مذهب المالكية، والخلاف في أيهما المقل وأيهما المعدم خلافٌ في الاسم، فلا يضر، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1766>مسألة [٩]: ما هو المقدار الذي إذا ملكه الفقير والمسكين صار غنيًّا ولم يجز له أن يأخذ من الزكاة</span>؟\n• مذهب المالكية، والحنابلة، وهو وجه عند الشافعية: أن الفقير يعطى كفاية سنة؛ لأن الزكوات تتكرر على كل عام، ولأن النبي - ﷺ - كان يدخر لأهله قوت سنة؛ فيعطى ما يكفيه إلى قدر سنة، وبعد ذلك لا يعطى مزيدًا عليه.\n• وذهب الشافعية، وهو وجهٌ للحنابلة إلى أن الفقير والمسكين يعطيان ما يخرجهما من الفاقة إلى الغنى، وهو ما تحصل به الكفاية على الدوام؛ لحديث قبيصة مرفوعًا: «إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة، وذكر منهم: رجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة؛ فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال: سدادا من عيش».\nقالوا: فإن كان من عادته الاحتراف أعطي ما يشتري به أدوات حرفته قلت قيمتها أو كثرت بحيث يحصل له من ربحه ما يفي بكفايته غالبا تقريبًا، وإن كان تاجرا أعطي بنسبة ذلك، وإن كان من أهل الضياع يشترى له ضيعة تكفيه غلتها على الدوام. قال بعضهم: يشتريها له الإمام ويلزمه بعدم إخراجها عن ملكه.","vol":"4","page":213},{"text":"• وذهب الحنفية إلى أن من لا يملك نصابا زكويا كاملا يجوز أن يدفع إليه أقل من مائتي درهم أو تمامها. ويكره أكثر من ذلك، وقال زفر لا يجوز تمام المائتين أو أكثر.\nوهذا عند الحنفية لمن لم يكن له عيال ولا دين عليه، فإن كان له عيال فلكل منهم مائتا درهم، والمدين يعطى لدينه ولو فوق المائتين.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يُعطَى ما يسد الحاجة؛ فإن كان ممن له تكسب لا يفي بحاجته؛ أعطي معها ما يسد الحاجة، وإن كان لا تكسب له فيعطى ما يسد حاجته حتى إذا ملك قوت سنة؛ كف عن الزكاة، ولا بأس أيضًا أن يعطى ما يستعين به على التكسب لأهله وأولاده، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1767>مسألة [١٠]: هل تصرف الزكاة لمن يجد كفاية نفقته، وهو بحاجة إلى الزواج، ولا يقدر عليه</span>؟\n• ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الزكاة تختص بالمطعم والمشرب والمسكن؛ لأنها هي حاجة الإنسان الضرورية.\n• وذهب المالكية إلى أنها تصرف بذلك؛ لأن الزواج أيضًا من حاجة الشباب الضرورية أيضًا، وقد تكون عند بعض الناس أهم من سكناه. وهذا القول أقرب، وقد رجحه الإمام العثيمين -﵀-. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «شرح الدسوقي» (١/ ٤٩٤)، «المجموع» (٦/ ١٩٤)، «الموسوعة الكويتية» (٢٣/ ٣١٧).\n(^٢) انظر: «شرح الدسوقي» (١/ ٤٩٤)، «المجموع» (٦/ ١٩١)، «الموسوعة الكويتية» (٢٣/ ٣١٦).","vol":"4","page":214},{"text":"ثالثًا: العاملون عليها.\nوهم الصنف الثالث من أصناف الزكاة، وهم السُّعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذها من أربابها، وجمعها، وحفظها، ونقلها، ومن يعينهم ممن يسوقها، ويرعاها، ويحملها، وكذلك الحاسب، والكاتب، والكيال، والوزان، والعداد، وكل من يحتاج إليه فيها؛ فإنه يُعْطَى أجرته منها؛ لأنَّ ذلك من مؤنتها. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1768>مسألة [١١]: شروط العامل على الزكاة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٣١٣): وَمِنْ شَرْطِ الْعَامِلِ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، عَاقِلًا، أَمِينًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرْبٌ مِنْ الْوِلَايَةِ، وَالْوِلَايَةُ تُشْتَرَطُ فِيهَا هَذِهِ الْخِصَالُ، وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَا قَبْضَ لَهُمَا، وَالْخَائِنَ يَذْهَبُ بِمَالِ الزَّكَاةِ وَيُضَيِّعُهُ عَلَى أَرْبَابِهِ، وَيُشْتَرَطُ إسْلَامُهُ، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَاضِي، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إسْلَامُهُ؛ لِأَنَّهُ إجَارَةٌ عَلَى عَمَلٍ، فَجَازَ أَنْ يَتَوَلَّاهُ الْكَافِرُ، كَجِبَايَةِ الْخَرَاجِ. وَقِيلَ: عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهُ الْأَمَانَةُ، فَاشْتُرِطَ لَهُ الْإِسْلَامُ، كَالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّاهَا الْكَافِرُ، كَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الْعِمَالَةَ كَالْحَرْبِيِّ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ بِأَمِينٍ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1769>مسألة [١٢]: كم يُعْطى العاملون عليها</span>؟\n• مذهب الشافعية: أنهم يُعْطَون الثمن إن بلغته أجرتهم، وإن كانت أجرتهم أقل\n_________\n(^١) «المغني» (٩/ ٣١٢).","vol":"4","page":215},{"text":"من الثمن؛ رد الفضل على غيرهم، وإن كانت أجرتهم أكثر من الثمن؛ فلا يزادون من الزكاة، وإنما يزادون من بيت المال، لأن الله ذكرهم صنفًا من بين أصناف ثمانية، وقيل: يتمم لهم من حق باقي الأصناف.\n• وذكر القرطبي عن مالك أنهم يُعْطَون أجرتهم الكافية مقابل عملهم من الزكاة وإن كثرت عن الثمن، وهو قول، وهذا أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1770>مسألة [١٣]: هل للساعي الذي جمع الزكاة أن يفرقها للمستحقين بنفسه</span>؟\nيجوز للإمام أن يولي السَّاعي جبايتها دون تفريقها؛ لحديث أبي حميد الساعدي لما بعث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ابن اللتبية، فقدم بصدقته على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: هذا لكم، وهذا أُهدي إلي. (^٢) وحديث قبيصة بن المخارق في «صحيح مسلم»، وفيه: «أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها». (^٣)\nويجوز أن يوليه جبايتها، وتفريقها؛ لحديث عمران بن حصين عند أبي داود (١٦٢٥) وغيره، أنَّ زيادًا، أو بعض الأمراء بعثه على الصدقة، فلما قَدِمَ عمران قال له: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني، أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وإسناده صحيح. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «تفسير القرطبي» (٨/ ١٧٧)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٢٣/ ٣١٨)، و(٢٩/ ٢٢٩)، «المجموع» (٦/ ١٦٨، و١٨٧)، «حاشية الدسوقي» (١/ ٤٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٦٣٦)، ومسلم برقم (١٨٣٢).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٠٤٤).\n(^٤) انظر: «المغني» (٩/ ٣١٥).","vol":"4","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1771>مسألة [١٤]: هل تدفع الزكاة إلى الوالي وإن كان ظالمًا لا يؤديها إلى المستحقين</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٨١): أَمَّا مَا يَأْخُذُهُ وُلَاةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعُشْرِ، وَزَكَاةِ الْمَاشِيَةِ، وَالتِّجَارَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبِهِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَادِلًا يَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَا يَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَيَنْبَغِي لِصَاحِبِهِ أَنْ لَا يَدْفَعَ الزَّكَاةَ إلَيْهِ، بَلْ يَصْرِفُهَا هُوَ إلَى مُسْتَحِقِّيهَا؛ فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهَا إلَى الظَّالِمِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَدْفَعْهَا إلَيْهِ لَحَصَلَ لَهُ ضَرَرٌ؛ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ ظَلَمُوا مُسْتَحِقِّيهَا، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، وَنَاظِرِ الْوَقْفِ إذَا قَبَضُوا مَالَهُ وَصَرَفُوهُ فِي غَيْرِ مَصَارِفِهِ. اهـ\nوقد تقدمت الإشارة إلى هذا المسألة تحت دراسة الحديث رقم (٥٨٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1772>مسألة [١٥]: ما يأخذه العشارون على الجسور والقناطر</span>؟\n• قال بعض أهل العلم: يدفع إليهم، ويحتسبه الدافع من الزكاة، ثبت ذلك عن أنس -﵁-، وهو قول الحسن، وإبراهيم، وعطاء، وأبي عبيد.\n• وقال بعضهم: ليس له احتسابها من الزكاة، وهو قول أبي قلابة، وطاوس، ومجاهد، والضحاك، ونقل عن ابن عمر بإسناد واهٍ؛ فيه ثوير بن أبي فاختة، وهو متروك.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: المراد بالعشَّار، هو الذي يأخذ من التجار عشر","vol":"4","page":217},{"text":"تجارتهم، فإن كان أخذها من المسلمين بدون مقابل؛ فهي مكس، وضريبة، وأكل مال المسلم بالباطل.\nوإن كانت مأخوذة من تجار أهل الكتاب جزية؛ فلا بأس بذلك إذا تم العهد على ذلك.\nوأما ما يتعلق باحتسابها زكاة، إذا أخذت من المسلم بغير حق؛ فإن كانت تصرف في مصارف الزكاة، واحتسبها من الزكاة عند إخراجها أجزأته إن شاء الله تعالى، وعلى هذا يحمل الأثر الوارد عن أنس -﵁-، وأما إن كانت لا تصرف في مصارفها؛ فلا يجزئه احتسابها من الزكاة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1773>مسألة [١٦]: هل تدفع الزكاة للخوارج إذا ظهروا على بلاد من بلاد الإسلام</span>؟\nأما بالاختيار فلا يجوز دفعها إليهم؛ لأنهم ليسوا بولاة شرعيين، بل هم بغاة معتدون. وقد جزم بعدم إجزائها في حال الاختيار الحنفية، وأحمد في رواية، وعليها أكثر أصحابه، وعنه رواية بالتوقف.\nوأما في حال الإجبار؛ فقد ثبت عن ابن عمر -﵄- كما في «مصنف ابن أبي شيبة» الفتيا بأنها تسلم لنجدة الحروري الخارجي. وهي تجزئ صاحبها عند أكثر العلماء، وقال الحنفية: إن لم يصرفوها مصرفها؛ فعليه إخراج أخرى فيما بينه وبين الله، ولا يطالبه الإمام لعدم الحماية. وقال أبو عبيد: عليه الإعادة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: والصحيح هو الإجزاء، والإثم على من غلبوه،\n_________\n(^١) انظر: «ابن أبي شيبة» (٣/ ١٦٦)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٣٠/ ١٠٣)، «الأموال لابن زنجويه».","vol":"4","page":218},{"text":"وأخذوا حقوق الفقراء والمساكين من بين يديه. وكما أن المسلم لو كان في يديه وديعة؛ فأخذت منه قهرًا بدون تفريط لا يضمن الوديعة، فكذلك إذا أخذت حقوق الفقراء من تحت يده؛ فلا ضمان عليه، والله أعلم. (^١)\nرابعًا: المؤلفة قلوبهم.\n• ذهب بعضهم إلى أنَّ سهمهم انقطع، فلا يُعْطَون من الزكاة، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، وأحد قولي الشافعي، ورواية غير مشهورة عن أحمد؛ لأنَّ الله تعالى أظهر الإسلام، وقمع المشركين، فلا حاجة إلى التأليف، ولأنه لم ينقل عن عمر، وعثمان، وعلي أنهم أعطوا شيئًا من ذلك.\n• وذهب أحمد وأصحابه، وهو وجهٌ للشافعية إلى أنهم يُعطون منها؛ للآية، وقد نقل عن أبي بكر أنه فعل ذلك (^٢)، وهذا القول هو الصواب؛ للآية، وليس لهم دليل على نسخها. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1774>مسألة [١٧]: أنواع المؤلفة قلوبهم</span>.\nقال ابن كثير -﵀- في تفسير الآية: وأما المؤلفة قلوبهم فأقسام: منهم من يعطى ليُسْلِم، كما أعطى النبي - ﷺ - صفوان بن أمية من غنائم حنين، وقد كان\n_________\n(^١) انظر: «ابن أبي شيبة» (٣/ ٢٢٣)، «البحر الرائق» (٢/ ٢٤٨)، «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٨)، «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٢٨٩، و٣١٠)، «المدونة» (١/ ٣٣٥)، «الإنصاف» (٣/ ١٣٧، و١٠/ ٢٣٩)، «الفروع» (٤/ ٢٦١).\n(^٢) لا يثبت ذلك عنه، ذكره الشافعي بدون إسناد كما في «سنن البيهقي» (٧/ ١٩ - ٢٠).\n(^٣) انظر: «المغني» (٤/ ١٢٤) (٩/ ٣١٦).","vol":"4","page":219},{"text":"شهدها مشركًا. ومنهم من يُعْطَى ليحسُن إسلامه، ويثبت قلبه، كما أعطى يوم حنين أيضًا جماعةً من صناديد الطلقاء وأشرافهم مائة من الإبل. ومنهم من يُعطَى لما يرجى من إسلام نظرائه. ومنهم من يُعطَى ليجبي الصدقات ممن يليه، أو ليدفع عن حَوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد. اهـ. (^١)\nخامسًا: وفي الرقاب.\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن المقصود بقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة:٦٠] المكاتبون، وهو مذهب الشافعي، والحنفية، والليث، ومن التابعين: الحسن، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، ذكره ابن كثير وغيره.\n• وذهب مالك إلى أنه يختص بعتق العبيد.\nقلتُ: أما المكاتبون فيدخلون في الآية عند الجمهور، وأما عتق العبيد فيدخلون عند مالك، ووافقه على دخولهم فيها أحمد في رواية، وهو قول الحسن، والزهري، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وغيرهم؛ إلا أنهم لم يخصوا الآية بعتق العبيد كما صنع مالك في المشهور عنه.\nوالصواب دخول الصنفين في الآية؛ لأنها تشملهم، فالمكاتب يُعان في رقبته، والعبد تعتق رقبته، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٩/ ٣١٧ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٣١٩ - ٣٢٠)، «النيل» (٣/ ٧٩)، «تفسير ابن كثير» «المجموع» (٦/ ٢٠٠)، «تفسير القرطبي» (٨/ ١٨٢).","vol":"4","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1775>مسألة [١٨]: هل يجوز صرف الزكاة في فكاك الأسير من المسلمين</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٣٢١ -): وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ زَكَاتِهِ أَسِيرًا مُسْلِمًا مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّهُ فَكُّ رَقَبَةٍ مِنْ الْأَسْرِ، فَهُوَ كَفَكِّ رَقَبَةِ الْعَبْدِ مِنْ الرِّقِّ، وَلِأَنَّ فِيهِ إعْزَازًا لِلدِّينِ، فَهُوَ كَصَرْفِهِ إلَى الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلِأَنَّهُ يَدْفَعُهُ إلَى الْأَسِيرِ لِفَكِّ رَقَبَتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا يَدْفَعُهُ إلَى الْغَارِمِ لِفَكِّ رَقَبَتِهِ مِنْ الدَّيْنِ. اهـ وللحنابلة وجهٌ بعدم الجواز.\nقلتُ: وللمالكية قولان في المسألة. (^١)\nسادسًا: الغارمون.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٣٢٣): وَهُمْ الْمَدِينُونَ الْعَاجِزُونَ عَنْ وَفَاءِ دُيُونِهِمْ ....، وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقِهِمْ، وَثُبُوتِ سَهْمِهِمْ. اهـ\nوهم صنفان: من غرم في دين عليه، ومن غرم في إصلاح ذات البين، ويدل على هذا الثاني حديث قبيصة أنه تحمَّل حمالةً، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أقم حتى تيأتينا الصدقة، فنأمر لك بها»، وهذا الصنف الثاني يُعْطَى وإن كان غنيًّا عند الجمهور، وخالف أبو حنيفة وصاحباه، فقالوا: لا يُعْطَى إلا إذا كان فقيرًا.\nوالصواب قول الجمهور؛ لحديث قبيصة؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يستفصله، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «تفسير القرطبي (٨/ ١٨٣)، «الإنصاف» (٣/ ٢٠٨)، «الشرح الممتع» (٦/ ٢٣٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٣٢٣، ٣٢٦).","vol":"4","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1776>مسألة [١٩]: إن كان غرم في معصية</span>؟\nأما قبل التوبة فلا يُدْفَع إليه شيء؛ لأنها إعانة على معصية، وأما بعد التوبة، ففيه وجهان عند الحنابلة، والصحيح من القولين -والله أعلم- أنها تُدفَع إليه كالفقير الذي افتقر بالمعاصي، ثم تاب، ولأنَّ الآية تشمله، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1777>مسألة [٢٠]: هل تُدفع الزكاة إلى الغارم، أم إلى صاحب الدين</span>؟\n• ذهب الشافعية إلى أنها تُدفع إلى الغارم ولا تُدفع إلى صاحب الدين؛ إلا بإذن الغارم، وعن أحمد رواية كقول الشافعية، والرواية الأخرى بجواز أن تُدفع إلى صاحب الدين، ولو بغير إذنٍ، وهذا القول أقرب، والأول أحوط، والله أعلم. (^٢)\nسابعًا: وفي سبيل الله.\nأما الغزاة الذين ليس لهم حقٌّ من الديوان فيدخلون في الآية بلا خلاف نعلمه، وأما الغُزاة الذين لهم حقٌّ فذهب الشافعية، والحنابلة إلى أنهم لا يُعْطَون، وهو مذهب مالك، واستثنى بعضهم إذا كانوا يُعطون من الديوان وما زال لهم حاجة؛ فَيُعْطَون.\nوهؤلاء الغزاة في سبيل الله يُعطون وإن كانوا أغنياء عند الجمهور، وخالف أبو حنيفة وصاحباه، فقالوا: لا يُعْطَى إلا إذا كان فقيرًا.\nوالراجح قول الجمهور؛ لعموم الآية. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٢٣).\n(^٢) انظر: «شرح المهذب» (٦/ ٢١٠)، «المغني» (٩/ ٣٢٥).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٦/ ٢١٢)، «المغني» (٩/ ٣٢٦).","vol":"4","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1778>مسألة [٢١]: وهل يصح أن تصرف الزكاة في شراء الأسلحة وما أشبهه</span>؟\n• للشافعية والحنابلة وجهان، والأصح عند الشافعية جواز شراء الأسلحة، والأصح عند الحنابلة أن تسلم الزكاة للغازي، ثم يشتري بها الغازي ما شاء.\nوالأظهر هو جواز شراء الأسلحة بها، وكل ما يتعلق بالجهاد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦٠]، وهو قول مالك، واختاره الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1779>مسألة [٢٢]: هل تصرف الزكاة للحج</span>؟\n• ذهب أحمد، وإسحاق إلى أنها تصرف في إعانة مريد الحج؛ لحديث المرأة التي قالت لزوجها: احججني على جملك فلان. فقال: ذاك حبيس في سبيل الله. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَمَا إِنَّكَ لَو أَحْجَجْتَهَا عَلَيْهِ كَانَ فِي سَبِيْلِ الله»، وهو حديث صحيح، جاء من طرق صحيحة.\n• وعن أحمد رواية أخرى أنها لا تصرف في الحج، وبه قال مالك، والليث، وأبو حنيفة، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر.\nقال ابن قدامة -﵀-: وهذا أصح؛ لأنَّ سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد؛ فإنَّ كل ما في القرآن من ذكر (سبيل الله) إنما أُريد به الجهاد؛ إلا اليسير، فيجب أن يحمل ما في هذه الآية على ذلك. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٢١٣)، «الإنصاف» (٣/ ٢١٢)، «الشرح الممتع» (٦/ ٢٤٣)، «المغني» (٩/ ٣٢٧ -).","vol":"4","page":223},{"text":"وأما حديثهم فليس فيه أن الحج مما أراده الله ﷿ في الآية، بل فيه أنَّ الحج من سبيل الله، وهذا أمر لا نجادل فيه؛ فإنَّ جميع القُرَبِ والطاعات كلها في سبيل الله، والظاهر في الجمل أنه لم يكن من أموال الزكاة، بل كان من الوقف؛ لقوله: (ذاك حبيس في سبيل الله)، ومسألتنا هي في صرف الزكاة إلى الحجاج، فالقول الثاني هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1780>مسألة [٢٣]: إصلاح الطرق، وبناء المساجد</span>.\nجاء عن بعضهم أنه عمم في سبيل الله، وأدخل فيه مثل إصلاح الطرق، وبناء المساجد، وما أشبهه من فعل الخير، حُكِي عن الحسن، وبعض الحنفية، وخالفهم عامة أهل العلم.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٦/ ٢٤٢): هذا القول ضعيفٌ؛ لأننا لو فسَّرنا الآية بهذا المعنى لم يكن للحصر فائدة إطلاقًا، والحصر هو: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ...﴾؛ فالصواب أنها خاصة بالجهاد في سبيل الله. اهـ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1781>مسألة [٢٤]: هل يجزئ أن تصرف الزكاة لطلاب العلم</span>؟\n• مذهب الحنابلة والحنفية مشروعية صرفها لطلاب العلم؛ ينتفعون بها في طلب العلم، وفي الرحلة، وفي شراء الكتب، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٢٨)، «الإنصاف» (٣/ ٢١٢)، «المجموع» (٦/ ٢١٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ١٢٥).","vol":"4","page":224},{"text":"تيمية، ثم الإمام العثيمين رحمة الله عليهما، وهو الصحيح؛ لأن طالب العلم يعتبر مجاهدًا في سبيل الله، فقد قال الله ﷿: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، وهذه الآية كان نزولها في مكة قبل الإذن بقتال المشركين، ومع ذلك سمَّاه الله ﷿ جهادًا. وقال جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ﴾، فسمَّى الله بيان حال المنافقين جهادًا، وهم يجاهدون باللسان. وقال النبي - ﷺ -: «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم» أخرجه أحمد، والنسائي من حديث أنس -﵁-، بإسناد صحيح.\n• ومذهب الشافعية أيضًا مشروعية صرفها لطالب العلم؛ إلا أن بعضهم اشترط أن يكون طالب العلم نجيبًا يرجى أن ينتفع المسلمون بتفقهه. واشترط بعضهم أن لا يكون قادرًا على التكسب مع التعلم والتعليم. وهذا الأخير مذهب المالكية أيضًا.\n• وقال بعض الحنفية: لا يعطى من الزكاة إلا أن يكون فقيرًا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: العلم والتعليم من الجهاد في سبيل الله فيدخل في قوله ﷿: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقد تقدم ذكر بعض الأدلة الدالة على ذلك، والله المستعان. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٤٥٤)، «مطالب أولي النهى» (٢/ ١٣٤، و١٣٧)، «المجموع» (٦/ ١٩١)، «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٣٤٠)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٢٨/ ٣٣٦)، «الإقناع» (١/ ٢٩١)، «الشرح الممتع» (٦/ ٢٢٢).","vol":"4","page":225},{"text":"ثامنًا: ابن السبيل.\nقال ابن قدامة -﵀- (٩/ ٣٣٠): هُوَ الصِّنْفُ الثَّامِنُ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ، وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقِهِ وَبَقَائِهِ. اهـ\nوابن السبيل هو المسافر الذي ليس له ما يرجعه إلى بلده، وإن كان له اليسار في بلده، وهذا قول الجمهور، وزاد الشافعي: الذي يريد إنشاء السفر إلى بلد أيضًا، والصواب أنَّ هذه الصورة لا تدخل في ابن السبيل، ولكن إذا كان هذا السفر مُهمًا؛ فقد يدخل في الفقير إذا كان لا يستطيع السفر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1782>مسألة [٢٥]: هل يجب استيعاب الدفع إلى الأصناف الثمانية</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالأول: وجوب الاستيعاب، وهو قول الشافعي، والظاهرية، وقالوا: يُعْطَى من كل صنف أقل ما يُطلق عليه الجمع، وهم ثلاثة أو أكثر، واستدلوا بالآية.\nالثاني: عدم وجوب الاستيعاب، وهو قول الجمهور، ومنهم: أحمد، ومالك، وأبو حنيفة، واستدلوا بحديث: «تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم» (^٢)، وبحديث قبيصة: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها». (^٣) قالوا: والآية المراد بها بيان المصرف، لا وجوب الاستيعاب، وهذا القول هو\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٣٠).\n(^٢) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٥٨٣).\n(^٣) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٦٢٧).","vol":"4","page":226},{"text":"الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1783>مسألة [٢٦]: مصرف زكاة الفطر</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٧٢ - ٧٣): هَذِهِ الصَّدَقَةَ هَلْ تَجْرِي مَجْرَى صَدَقَةِ الْأَمْوَالِ، أَوْ صَدَقَةِ الْأَبْدَانِ كَالْكَفَّارَاتِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ، وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ وُجُوبُ الِاسْتِيعَابِ؛ أَوْجَبَ الِاسْتِيعَابَ فِيهَا. وَعَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ يَنْبَنِي مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ -﵁-، وَمَنْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ، كَقَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ دَفْعَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ إلَى وَاحِدٍ كَمَا عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي: إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ تَجْرِي مَجْرَى كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَالظِّهَارِ، وَالْقَتْلِ، وَالْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ، وَمَجْرَى كَفَّارَةِ الْحَجِّ؛ فَإِنَّ سَبَبَهَا هُوَ الْبَدَنُ لَيْسَ هُوَ الْمَالَ كَمَا فِي «السُّنَنِ» عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -: أَنَّهُ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ طهرة لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ، وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَنْ المَسْأَلَةِ»؛ وَلِهَذَا أَوْجَبَهَا اللهُ طَعَامًا كَمَا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ طَعَامًا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَلَا يُجْزِئُ إطْعَامُهَا إلَّا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْكَفَّارَةَ، وَهُمْ الْآخِذُونَ لِحَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ؛ فَلَا يُعْطِي مِنْهَا فِي الْمُؤَلَّفَةِ، وَلَا الرِّقَابِ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى فِي الدَّلِيلِ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ١٢٧ - ١٢٨)، «المحلَّى» (٧١٩)، «تفسير ابن كثير»، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٧١ - ٧٢).","vol":"4","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1784>مسألة [٢٧]: الفقير كم يُعْطَى</span>؟\n• الجمهور من أهل العلم على أنه يُعْطَى من الزكاة ما يغنيه ويغطي حاجته، ولا يعطى زيادة على ما يحصل به الغنى وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، والثوري.\n• وقال أصحاب الرأي: يعطى ألفًا، أو أكثر إذا كان محتاجًا إليها، ويكره أن يُزاد على المائتين.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَنَا أَنَّ الْغِنَى لَوْ كَانَ سَابِقًا مَنَعَ، فَيَمْنَعُ إذَا قَارَنَ، كَالْجمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ. اهـ\nقلتُ: الصواب قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1785>مسألة [٢٨]: هل تُسترجع الزكاة بعد صرفها لأحد الأصناف الثمانية</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ١٣٠): وَأَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا، فَلَا يُرَاعَى حَالُهُمْ بَعْدَ الدَّفْعِ، وَهُمْ: الْفُقَرَاءُ، وَالْمَسَاكِينُ، وَالْعَامِلُونَ، وَالْمُؤَلَّفَةُ، فَمَتَى أَخَذُوهَا مَلَكُوهَا مِلْكًا دَائِمًا مُسْتَقِرًّا، لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ رَدُّهَا بِحَالٍ، وَأَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ، وَهُمْ: الْغَارِمُونَ، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ الله، وَابْنُ السَّبِيلِ؛ فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُرَاعًى؛ فَإِنْ صَرَفُوهُ فِي الْجهَةِ الَّتِي اسْتَحَقُّوا الْأَخْذَ لِأَجْلِهَا، وَإِلَّا اُسْتُرْجِعَ مِنْهُمْ ... اهـ\nوقد أخرج ابن أبي شيبة (١٢/ ٢٩٢)، والبيهقي (٧/ ٢٢) بإسناد صحيح عن عمر -﵁-، قال: إن أناسًا يأخذون من هذا المال يجاهدون في سبيل الله، ثم\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٤/ ١٢٩ - ١٣٠).","vol":"4","page":228},{"text":"يخالفون، ولا يجاهدون؛ فمن فعل ذلك منهم؛ فنحن أحق بماله حتى نأخذ منه ما أخذ. وعلقه البخاري -﵀- في «صحيحه»، في كتاب الجهاد (باب/١١٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1786>مسألة [٢٩]: إذا أعطى من يظنه فقيرًا فبان غنيًّا</span>؟\n• فيها قولان:\nالأول: تُجزِئه، وهو قول الحسن، وأبي عبيد، وأبي حنيفة، وهو قول للشافعي، وأحمد في رواية، وقد استدل بعضهم بحديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^١)، أنَّ رجلًا خرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ ..، وذكر في الحديث أنَّ صدقته قُبِلَت.\nالثاني: لا تجزئه، وهو قول الثوري، والحسن بن صالح، وأبي يوسف، وابن المنذر، وهو قولٌ للشافعي، ورواية عن أحمد، وهو قول الظاهرية، ورجَّحه ابن حزم؛ لأنَّ الصدقة لم تصل إلى مستحقها.\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٦/ ١٤٧ - ١٤٨): وأما قولنا: إنها لا تجزئ إن وضعت في يد من لا تجوز له؛ فلِأنَّ الله تعالى سمَّاها لقوم خصَّهم بها، فصار حقهم فيها، فمن أعطى منها غيرهم؛ فقد خالف ما أمر الله تعالى به، وقال رسول الله - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ»؛ فوجب على المعطي إيصال ما عليه إلى من هو له، ووجب على الآخذ رد ما أخذ بغير حقٍّ، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨].اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٤٢١)، ومسلم برقم (١٠٢٢).","vol":"4","page":229},{"text":"وهذا القول هو الصواب، وحديثهم ليس فيه تعرض للزكاة؛ لأنها صدقة تطوع، ثم ليس فيه الإجزاء، وعدمه، وأيضًا فهو شرعٌ لمن قبلنا، وشرعنا أمر بصرفها إلى أُناسٍ معينين، ولكن يظهر أنَّ الإنسان إذا اجتهد في إيصال الصدقة للمستحق؛ فليس عليه إثم إذا وضعت في غيره، وتجزئه إن لم يستطع استدراكها، ولا إخبار من أخذها، لأنه قد اجتهد وفعل ما أوجبه الله عليه، وإما إن كان يستطيع استدراكها؛ وجب عليه استدراكها، أو إخبار من أخذها بأنه زكاة واجبة، وتصير العهدة على من وقعت في يده إن كان مأمونًا، وإن لم يكن مأمونًا؛ وجب على المزكي استرجاع الزكاة، وإيصالها إلى محلها.\nوإذا أخبر المزكي من أخذ الزكاة أنها زكاة برئت ذمته، والإثم على من أخذها إن لم يكن مستحقًا؛ لقوله ﵊: «إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب».\nتنبيه: ومثل هذه المسألة إن صرفها لمن يظنه غارمًا، أو غازيًا، أو غيره، فبان غير ذلك؛ فهي لا تجزئه أيضًا، ويجب عليهم ردها؛ لأنهم أخذوها بغير حقٍّ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1787>مسألة [٣٠]: نقل الصدقة إلى بلد آخر</span>.\n• جمهور العلماء يستحبون أن لا تنقل إلى بلد آخر، بل تصرف إلى المستحقين من ذلك البلد، وقد يدل على ذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تؤخذ من أغنيائهم فترد\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ١٢٦ - ١٢٧).","vol":"4","page":230},{"text":"على فقرائهم».\n• وذهب أحمد في رواية إلى عدم الجواز.\nوالصواب قول الجمهور، وإذا صرفها إلى بلد آخر أجزأت عند الجمهور، وعند أحمد، وحكى بعض الحنابلة وجهًا أنها لا تجزئ.\nوالصواب قول الجمهور، وبالله التوفيق. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ١٣١).","vol":"4","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1788>كِتَابُ الصِّيَام</span>\nتعريفه:\nالصيام لغة: الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦].\nومنه قول النابغة:\nخَيْلٌ صيام وخيل غير صائمة ... تحت العَجَاج وأخرى تَعْلُكُ اللُّجُما\n\nأي: خيلٌ ممسكة عن السير، وخيل غير ممسكة.\nوشرعًا: قال النووي -﵀-: إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص من شخص مخصوص. وتبعه الحافظ على التعريف؛ إلا أنه قال: بشرائط مخصوصة. بدل قوله: من شخص مخصوص.\nوقال القرطبي -﵀-: هو الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. اهـ. (^١)\nأسماء أخرى للصوم:\n\nقال شيخ الإسلام -﵀- في كتاب الصيام من «شرح العمدة» (١/ ٢٤ -): وسُمِّي الصيام: الصبر، ومنه قول النبي - ﷺ -: «صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٤٧)، «المغني» (٤/ ٣٢٣)، «تفسير القرطبي» [البقرة، آية: ١٨٣]، «البيان» (٣/ ٤٥٧).","vol":"4","page":232},{"text":"كل شهر تعدل صوم الدهر»، (^١) وسُمِّي أيضًا: السِّياحة. اهـ\nومن الثاني قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ﴾ [التوبة:١١٢]، وقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم:٥].\nقلتُ: تسمية الصوم (الصبر) فيه نظر؛ فالظاهر في الحديث أنه تسمية للشهر؛ لوجود الصبر فيه، والله أعلم. (^٢)\nأنواع الصيام:\nقال شيخ الإسلام -﵀- في «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٢٦): الصوم خمسة أنواع: الصوم المفروض بالشرع وهو صوم شهر رمضان أداءً وقضاءً، والصوم الواجب في الكفارات، والواجب بالنذر، وصوم التطوع. اهـ\nصوم رمضان:\nصيام رمضان فرضٌ على كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، مقيمٍ، قادرٍ على الصوم، وقد دلَّ على ذلك الكتاب والسنة، والإجماع.\nأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٦٣)، والنسائي في «الكبرى» (٢٧١٦) من حديث أبي هريرة -﵁- بإسناد صحيح.\n(^٢) وانظر: «التمهيد» (٧/ ٣٠٧) ط/مرتبة.","vol":"4","page":233},{"text":"مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٥].\nوأما السنة: فقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث ابن عمر -﵄- في «الصحيحين:» «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ ...»، وذكر منها: «وَصِيَامِ رَمَضَانَ».\nوفي «الصحيحين» من حديث طلحة بن عبيد الله -﵁-، أنَّ رجلًا جاء يسأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الإسلام ...، فذكر الحديث وفيه: «وصيام رمضان»، فقال الرجل: هل عليَّ غيره؟ فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ»، وفي السنة أحاديث كثيرة متواترة تدل على ذلك.\nوأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة إجماعًا ظاهرًا على وجوب صيام شهر رمضان، وعلى أنَّ من أنكر وجوبه كفر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1790>مسألة: متى فُرض شهر رمضان</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٦/ ٢٥٠): صام رسول الله - ﷺ - رمضان تسع سنين؛ لأنه فُرِضَ في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وتُوفي النبي - ﷺ - في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة. اهـ\nوقال عبد الله البسام في «توضيح الأحكام» (٣/ ١٢٩): وفُرِض صوم رمضان\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٢٣)، «المجموع» (٦/ ٢٤٨)، شرح [كتاب الصيام] من «العمدة» (١/ ٢٦ - ٢٩)، «تفسير القرطبي» [البقرة:١٨٣].","vol":"4","page":234},{"text":"في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله - ﷺ - تسع رمضانات إجماعًا. اهـ\nوقد نقل الإجماع المرداوي -﵀- في «الإنصاف»، في أول كتاب الصوم، والبهوتي في «الروض المربع» (١/ ١٥٧)، وابن مفلح في «المبدع» (٢/ ٤٠٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1791>مسألة: أحوال فرضية الصوم</span>.\nأُمِرَ المسلمون أولًا بصيام يوم عاشوراء كما في «الصحيحين» (^١) من حديث عائشة، وابن عمر -﵃-، ثم فَرض الله شهر رمضان؛ فصار صيام عاشوراء مستحبًّا، وعند أن فُرِض شهر رمضان كان الناس مخيرين بين الصيام والإطعام، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤].\nثم نَسخ اللهُ ذلك، فأوجب الصيام بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، والدليل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع في «الصحيحين» (^٢) قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها»، وفي رواية لمسلم: «كنا في رمضان على عهد رسول الله - ﷺ - من شاء صام، ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين، حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾».\nفائدة: كان في أول الإسلام يحرم على الصائم الأكل، والشرب، والجماع من حين ينام، أو يصلي العشاء الآخرة، فأيهما وجد أولًا حصل به التحريم، ثم نسخ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٨٩٣) (١٨٩٢)، ومسلم برقم (١١٢٥) (١١٢٦).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٤٥٠٧)، ومسلم برقم (١١٤٥).","vol":"4","page":235},{"text":"ذلك، وأُبيح له الجميع إلى طلوع الفجر، سواء نام أم لا، ويدل عليه حديث البراء ابن عازب عند البخاري برقم (١٩١٥) قال: «كان أصحاب النبي - ﷺ - إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يُفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يُمسي، وأنَّ قيس بن صرمة الأنصاري -﵁- كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال لها: عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أَنْطَلِقُ فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي - ﷺ -، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧].\nفهذا الحديث يدل على أنَّ ذلك كان محرمًا عقب النوم، وأما تحريمه عقب صلاة العشاء فقد ثبت ذلك من حديث أبي هريرة -﵁- بإسناد صحيح، أخرجه ابن جرير كما في «الدر المنثور»، وكما في «تفسير ابن كثير»، وكما في «العجاب في بيان الأسباب» في تفسير الآية: [١٨٧] من سورة البقرة، وزاد الحافظ -﵀- في «العجاب» نسبته إلى أحمد، وابن أبي حاتم.\nوأخرجه أبو داود (٢٣١٣) من حديث ابن عباس -﵄-، وفي إسناده: علي بن الحسين بن واقد، وفيه ضعفٌ. وله طريق أخرى عند ابن جرير (٢/ ٩٦)، وفي إسناده: عبدالله بن صالح كاتب الليث، وفيه ضعف، وفيه انقطاع بين علي بن أبي طلحة، وابن عباس؛ فالحديث صحيح مع شاهده عن أبي هريرة الذي قبله. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩١٥)، «شرح المهذب» (٦/ ٢٥١)، «البيان» (٣/ ٤٦٠).","vol":"4","page":236},{"text":"٦٣٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1792>مسألة [١]: سبب تسمية رمضان بهذا الاسم</span>.\nقيل: لأنه يرمض الذنوب، أي: يحرقها ويهلكها.\nوقيل: لارتماض الناس فيه من حر الجوع، ومقاساة شدته.\nوقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، فسُمِّي بذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1793>مسألة [٢]: هل يقال رمضان، أم شهر رمضان</span>؟\n• ذهب الجمهور من أهل العلم إلى جواز إطلاق رمضان دون التقييد بـ (شهر)، واستدلوا بحديث الباب، وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». (^٣)\nوقوله: «إذا جاء رمضان فُتِحَتْ أبواب الجنة وأُغلقت أبواب النار وصُفِّدت الشياطين». (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢). واللفظ لمسلم.\n(^٢) انظر: «الفتح» (١٨٩٨)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٣٥).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٩٠١)، ومسلم برقم (٧٦٠) عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (١٨٩٨)، ومسلم برقم (١٠٧٩) من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"4","page":237},{"text":"وقوله: «من صام رمضان، ثم اتبعه سِتًّا من شوال كان كصيام الدهر»، (^١) والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًّا.\nوقد بوَّبَ البخاري على الجواز في «صحيحه»، وكذا النسائي، ورجَّحه النووي، وغيره من أهل العلم.\nوقد نقل عن أصحاب مالك الكراهية، وكذا عن ابن الباقلاني، وأكثر الشافعية؛ إلا أنَّ هؤلاء أعني الشافعية قيدوا الكراهة بما إذا لم يكن هناك قرينة تصرفه إلى الشهر، أما إذا وجدت قرينة؛ فلا يُكره عندهم، وعمدتهم في ذلك حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تقولوا جاء رمضان؛ فإنَّ رمضان اسم الله، ولكن قولوا: جاء شهر رمضان».\nأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٧/ ٥٣)، وضعَّفه بأبي معشر نجيح بن عبدالرحمن. قال البيهقي: وقد رُوي عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، وهو أشبه.\nقلتُ: والراجح في المسألة هو القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1794>مسألة [٣]: الصيام قبل رمضان بيوم، أو يومين</span>.\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى الكراهة، حتى قال الترمذي -﵀-: العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى\n_________\n(^١) سيأتي في الكتاب برقم (٦٦٣).\n(^٢) انظر: «شرح المهذب» (٦/ ٢٤٨)، «الفتح» (١٨٩٨) «سبل السلام».","vol":"4","page":238},{"text":"رمضان. اهـ\nوقوله: (لمعنى رمضان) تقييدٌ للنهي بأنه مشروطٌ بكون الصوم احتياطًا لا ما إذا كان صومًا مطلقًا، كالنفل المطلق، والنذر ونحوه.\nوقد ارتضى هذا القيد الحافظ في «الفتح»، لكن قال الإمام الصنعاني -﵀-: قلت: ولا يخفى أنَّ بعد هذا التقييد يلزم منه جواز تقدم رمضان بأي صوم كان، وهو خلاف الظاهر من النهي؛ فإنه عامٌّ لم يُستثن منه إلا صوم من اعتاد صوم أيام معلومة، ووافق آخر يوم من شعبان، ولو أراد رسول الله - ﷺ - الصوم المقيد بما ذُكِر؛ لقال: (إلا متنفلًا)، أو نحو هذا من اللفظ.\nوقال الإمام الشوكاني -﵀- بعد أن نقل التقييد المتقدم: وهو خلاف ظاهر حديث النهي؛ لأنه لم يستثن منه إلا من كانت له عادة. اهـ\n• وقد ذهب قومٌ إلى التحريم، عزاه إليهم الصنعاني في «السبل»، وذكر الحافظ في «الفتح» أنه قول الروياني.\nواستحسن ذلك الصنعاني في «السبل»، وصرَّح الشوكاني في «الدراري» بالتحريم.\nوهذا القول هو الراجح إن شاء الله.\nوقد أوردوا على هذا القول حديث عمران بن حصين أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لرجلٍ: «هل صمت من سرر هذا الشهر شيئًا؟».","vol":"4","page":239},{"text":"وفي رواية: «من سرر شعبان» قال: لا. قال: «فإذا أفطرت؛ فصم يومين مكانه». (^١)\nوالسرر عند أكثر أهل اللغة المراد به آخر الشهر، سُمِّيت بذلك؛ لاستسرار القمر فيها، وهي ليلة ثمان وعشرين، وتسع وعشرين، وثلاثين.\nوقد أُجيب عن هذا الحديث بأجوبة منها:\nأنَّ السرر جمع سرة، وسرة الشيء وسطه، ويؤيده أنه قد جاءت رواية في مسلم: «سرة».\nويؤيد هذا أيضًا الندب إلى صيام أيام البيض، وهي وسط الشهر.\nوأجاب بعضهم: بأنَّ النهي إنما هو لمن قصد التحري لأجل رمضان، وأما من لم يقصد ذلك؛ فلا يتناوله النهي، وقد تقدم ما في هذا الجواب من نظر.\nقال القرطبي -﵀- في «المفهم»: ويرتفع ما يتوهم من المعارضة بأن يحمل النهي على من لم تكن له عادة بصوم شيء من شعبان، فيصومه لأجل رمضان، وأما من كانت له عادة أن يصوم؛ فليستمر على عادته، وقد جاء هذا أيضًا في بقية الخبر؛ فإنه قال: «إلا أن يكون أحدكم يصوم صومًا؛ فليصمه».\nوقد أجاب بهذا الجواب المازري، وتبعه القاضي عياض، وارتضاه النووي، والشوكاني. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٨٣)، ومسلم برقم (١١٦١).\n(^٢) انظر: «الفتح» (١٩١٤)، «النيل» (١٧٤٨)، «السبل»، «المفهم» (٣/ ٢٣٤)، «شرح مسلم» (٨/ ٥٤).","vol":"4","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1795>مسألة [٤]: الحكمة من النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين</span>.\nقيل: التَّقوي بالفطر لرمضان؛ ليدخل فيه بقوة، ونشاط.\nقال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنَّ مقتضى الحديث أنه لو تقدمه بصوم ثلاثة أيام، أو أربعة أيام جازَ. اهـ\nوقيل: لأنَّ الحكم معلق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين، فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، واعتمد الحافظ هذا القول، ولم يذكر الصنعاني في «سبل السلام» غيره.\nوهذا القول إنما يصلح بناء على أنَّ النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين إنما هو إذا كان احتياطًا؛ لأجل رمضان، وقد تقدم ما فيه.\nوقيل: الحكمة من ذلك هي خشية اختلاط النفل بالفرض.\nقال القرطبي -﵀- في «المفهم»: هذا النهي لما يخاف من الزيادة في شهر رمضان.\nوهذا القول هو الراجح، وهو الذي جزم به شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩١٤)، «النيل» (١٧٤٨)، «المفهم» (٣/ ١٤٦).","vol":"4","page":241},{"text":"٦٣٣ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ -﵁-، قَالَ: مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ - ﷺ -. ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\n٦٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-[قَالَ] (^٢): سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\nوَلِمُسْلِمٍ: «فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا ثَلَاثِينَ». (^٤) وَلِلْبُخَارِيِّ: «فَأَكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» (^٥).\n_________\n(^١) حسن موقوفًا. لم يخرجه أحمد، وقد أخرجه أبوداود (٢٣٣٤)، والترمذي (٦٨٦)، والنسائي (٤/ ١٥٣)، وابن ماجه (١٦٤٥)، وابن خزيمة (١٩١٤)، وابن حبان (٣٥٨٥)، وعلقه البخاري في «صحيحه» [كتاب الصيام/ باب ١١]. وهو من طريق عمرو بن قيس الملائي عن أبي إسحاق عن صلة عن عمار بن ياسر أنه أتي بشاة مصلية فقال: كلوا فتنحى بعض القوم وقال: إني صائم، فقال عمار بن ياسر ... فذكره. وهذا الإسناد رجاله ثقات، لكن قال الحافظ ابن حجر في «التغليق» (٣/ ١٤١): وللحديث علة خفية ذكر الترمذي في «العلل» أن بعض الرواة قال فيه عن أبي إسحاق قال: حُدِّثْتُ عن صلة فذكره.\n\nقلتُ: فتبين أن في الإسناد انقطاعًا. وللأثر طريق أخرى: أخرجه عبدالرزاق في «مصنفه» (٤/ ١٥٩) عن الثوري عن منصور عن ربعي بن حراش عن رجل قال: كنا عند عمار بن ياسر في اليوم الذي يشك فيه في رمضان فجيء بشاة مصلية فتنحى رجل من القوم، قال: ادنُ، قال: إني صائم، وما هو إلا صوم كنت أصومه، فقال: أما أنت تؤمن بالله واليوم الآخر فاطعم. وأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٧٢) من غير ذكر الرجل، وطريق عبدالرزاق أرجح. فالأثر عن عمار يحسن بمجموع الطريقين، ولكن موقوفًا على عمار لا مرفوعًا، والله أعلم.\n(^٢) زيادة من المطبوع.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٠٠)، ومسلم (١٠٨٠) (٨).\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (١٠٨٠) (٤).\n(^٥) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٧).","vol":"4","page":242},{"text":"٦٣٥ - وَلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ (^١) شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1796>مسألة [١]: حكم صيام يوم الشك</span>.\n• ذهب الجمهور إلى أنَّ يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال ما يمنع الرؤية من سحابٍ، أو غيمٍ، أو دخانٍ، أو نحو ذلك، وهو رواية غير مشهورة عن أحمد، وذهبوا إلى تحريم صومه؛ لحديث عمار -﵁- الذي في الباب، وحديث ابن عمر، وأبي هريرة -﵃- كذلك. وثبت عن عمر -﵁-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٧٣)، أنه قال: ليتق أحدكم أن يصوم يومًا من شعبان، أو يفطر يومًا من رمضان؛ فإن تقدم قبل الناس؛ فليفطر إذا أفطر الناس. وإسناده صحيح.\nوقد رجَّح كون يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون الرؤية حائل شيخ الإسلام، وابن القيم، وابن عبد الهادي، والحافظ، والصنعاني، والشوكاني، وغيرهم من أهل العلم.\nقال ابن الجوزي -﵀- في «التحقيق»: ولأحمد في هذه المسألة وهي ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم، أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال: أحدها: يجب صومه على أنه من رمضان. وثانيهما: لا يجوز فرضًا، ولا نفلًا مطلقًا، بل قضاءً،\n_________\n(^١) في (أ) و(ب): «العدة» بدون قوله «شعبان»، والمثبت من «البخاري».\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٩).","vol":"4","page":243},{"text":"وكفارةً، ونذرًا، ونفلًا وافق عادةً. ثالثها: المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر. اهـ\nوالمشهور عن أحمد القول الأول، واستدل عليه بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فاقدروا له»، قالوا: وذلك بمعنى (ضيقوا عليه)، مثل قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، وقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد:٢٦]، فالتضييق لا يكون إلا بأن يحسب له أقل زمان يطلع فيه، وهو طلوعه ليلة الثلاثين.\nقالوا: ويؤيد ذلك أنه قد جاء عن ابن عمر، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر أنهم كانوا يصومونه، وهو ثابت عنهم (^١). وقال أبو هريرة -﵁-: لأن أصوم اليوم الذي يشك فيه أحب إلي من أن أفطر يومًا من رمضان. أخرجه البيهقي (٤/ ٢١١) بإسنادٍ حسن.\nوأجاب الجمهور عن استدلالهم بأن قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فاقدروا له»، أي: احسبوا له تمام الثلاثين.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام الثلاثين.\nوقال ابن القيم -﵀-: فإن القدر هو الحساب المقدر، والمراد به الإكمال كما قال: «فأكملوا العدة»، والمراد بالإكمال إكمال عدة الشهر الذي غُمَّ. اهـ\n_________\n(^١) أثر ابن عمر، وعائشة -﵃- أخرجه عنهما أحمد (٦/ ١٢٥ - ١٢٦) بإسناد صحيح، وأثر أسماء -﵂- أخرجه أحمد، وسعيد بن منصور كما في «زاد المعاد» (٢/ ٤٥) بإسنادين صحيحين.","vol":"4","page":244},{"text":"ويؤيد ما قاله هذان الإمامان رواية مسلم: «فاقدروا له ثلاثين»، وكذا فإنه قد جاءت أحاديث كثيرة فيها الأمر بإتمام العدة ثلاثين من قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومن فعله، وقد ساق كثيرًا منها شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٧٨ - ٨٩).\nوأما استدلالهم بأفعال الصحابة المذكورين؛ فالعبرة بما رووا لا بما رأوا، وقد جاء عن غيرهم من الصحابة خلافهم، كعمَّار، وابن مسعود، وأنس، وغيرهم، وهي ثابتة عن المذكورين. (^١)\nقال الشوكاني -﵀-: والحاصل أنَّ الصحابة مختلفون في ذلك، وليس قول بعضهم بحجة على أحد، والحق ما جاء من الشارع. اهـ\nوقال الصنعاني -﵀-: واختلف الصحابة في ذلك، منهم من قال بجواز صومه، ومنهم من منع منه، وعدَّه عصيانًا لأبي القاسم، والأدلة مع المُحَرِّمِين. اهـ\nومع ذلك فقد جاء عن ابن عمر -﵄- بإسناد حسن عند ابن أبي شيبة (٣/ ٧١) أنه قال: لو صمت السنة كلها؛ لأفطرت اليوم الذي يشك فيه. وكذلك جاء عن غيره من الصحابة ممن قالوا بالصوم المنع من الصوم.\nقال الحافظ -﵀- -في الجمع بين أثري ابن عمر-: فَالْجمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي\n_________\n(^١) أما أثر عمار -﵁-، فقد خرَّجناه في «البلوغ»، وأما أثر ابن مسعود -﵁-، فأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٧١)، والبيهقي (٤/ ٢٠٩) بإسنادٍ حسن، ولفظه: لأن أفطر يومًا من رمضان، ثم أقضيه أحب إلي من أزيد فيه ما ليس منه. وأما أثر أنس -﵁-، فأخرجه عبدالرزاق (٤/ ١٥٩)، وابن أبي شيبة (٣/ ٧١) بإسناد صحيح.","vol":"4","page":245},{"text":"الصُّورَةِ الَّتِي أَوْجَبَ فِيهَا الصَّوْمَ لَا يُسَمَّى يَوْمَ شَكٍّ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ خَصَّ يَوْمَ الشَّكِّ بِمَا إِذَا تَقَاعَدَ النَّاس عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، أَوْ شَهِدَ بِرُؤْيَتِهِ مَنْ لَا يَقْبَلُ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُ، فَأَمَّا إِذَا حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ شَيْء؛ فَلَا يُسَمَّى شَكًّا. اهـ\nوقد حمل شيخ الإسلام أفعال الصحابة في ذلك كما حمله الحافظ ابن حجر -﵀- كما في «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٠٥ -).\nثم ذكر -﵀- جوابًا آخر (١/ ١٢٦)، وهو أن تحمل الآثار في الصوم على الجواز والاستحباب، وتُحمل أحاديث الفطر على عدم الوجوب، ويكون التغليظ فيها على من يجزم بأنه من رمضان، ويعتقد وجوب صومه كوجوب صوم الذي يليه حتى يلحق برمضان ما لم يتيقن أنه منه ...، ثم قال: والقياس يقتضي صحة هذا القول؛ فإنَّ إيجاب ما لم يتيقن وجوبه خلاف القياس، وكراهة التحري والاحتياط في العبادات خلاف القياس أيضًا.\nوارتضى هذا الجواب ابن القيم في «زاد المعاد».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر -والله أعلم- هو تحريم صيام يوم الشك، حتى وإن كان للاحتياط والتحري، وحتى إذا لم يعتقد وجوبه؛ لما تقدم من الأدلة، وأما فعل الصحابة فقد عارضهم غيرهم من الصحابة؛ فوجب الرجوع إلى الأدلة كما تقدم في كلام الصنعاني، والشوكاني، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «فتح الباري» (١٩٠٦)، «سبل السلام» (٤/ ١٠٦)، «زاد المعاد» (٢/ ٤١ - ٤٦)، «نيل الأوطار» (١٦٣٠)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٧٥ - ١٢٦)، «التمهيد» (٧/ ١٤٨ -).","vol":"4","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1797>مسألة [٢]: متى يجب صوم رمضان</span>؟\nيجب صوم رمضان برؤية هلال رمضان، أو بإكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا؛ لحديث ابن عمر، وأبي هريرة المذكورين في الباب، وفي الباب أحاديث أخرى، منها: حديث عائشة -﵂- في «سنن أبي داود» (٢٣٢٥) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان؛ فإنْ غُمَّ عليه عَدَّ ثلاثين يومًا، ثم صام. وإسناده حسن.\nومنها حديث حذيفة -﵁- عند أبي داود (٢٣٢٦)، والنسائي (٤/ ١٣٥) بإسناد صحيح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1798>مسألة [٣]: معرفة دخول الشهر بطريقة الحساب</span>.\nتقدم في الأحاديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علَّقَ الصوم بالرؤية، وفي ذلك إبطال لطريقة أهل الحساب.\nقال ابن دقيق العيد -﵀-: الذي أقول: إنَّ الحساب لا يجوز أن يُعتمد عليه في الصوم؛ لمقارنة القمر للشمس على ما يراه المنجمون؛ فإنهم قد يقدمون الشهر بالحساب على الرؤية بيوم، أو يومين، وفي اعتبار ذلك إحداثُ شرعٍ لم يأذن به الله. انتهى المراد. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٦/ ٢٦٩ - ٢٧٠)، «الجامع الصحيح» لشيخنا -﵀- (٢/ ٤١٥)، «نيل الأوطار» (١٦٣٠ -).\n(^٢) «شرح العمدة» (٢/ ٢٠٦).","vol":"4","page":247},{"text":"قال ابن بطال -﵀- كما في «سبل السلام» (٤/ ١١٠): في الحديث دفعٌ لمراعاة المنجمين، وإنما المعول عليه رؤية الهلال، وقد نهينا عن التكلف. اهـ\nوقال ابن بريرة -﵀- كما في «السبل» (٤/ ١١٠): هو مذهبٌ باطل، وقد نهت الشريعة في الخوض في علم النجوم؛ لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطعٌ.\nثم قال الصنعاني -﵀-: والجواب الواضح عليهم ما أخرجه البخاري عن ابن عمر أنه - ﷺ - قال: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، وهكذا»، وعقد في الثالثة إصبعًا، «والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا»، يعني تمام الثلاثين. اهـ\nقلتُ: وقد أخرج الحديث مسلمٌ أيضًا. (^١)\nوقال صديق حسن -﵀- في «الروضة الندية» (١/ ٢٢٤): والتوقيت في الأيام، والشهور بالحساب للمنازل القمرية بدعة باتفاق الأمة. اهـ\nوسُئِلَت اللجنة الدائمة عن هذه المسألة برقم (٣٨٦)، فأجابوا بجواب فيه: فالرجوع في إثبات الشهور القمرية إلى علم النجوم في بدء العبادات، والخروج منها دون الرؤية من البدع التي لا خير فيها، ولا مستند لها من الشريعة. اهـ\nوقد ذهب إلى القول بحساب المنازل مطرف بن عبد الله من التابعين، وابن قتيبة.\nقال ابن عبد البر -﵀-: لا يصح عن مطرف، وأما عن ابن قتيبة فهو ممن لا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩١٣)، ومسلم برقم (١٠٨٠) (١٥).","vol":"4","page":248},{"text":"يعرج عليه في مثل هذا. انتهى المراد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1799>مسألة [٤]: استعمال المنظار المقرب للرؤية</span>.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: وأما استعمال ما يُسمَّى بـ (الدِّربيل)، وهو المنظار المقرب في رؤية الهلال؛ فلا بأس به، ولكن ليس بواجب؛ لأن الظاهر من السنة أنَّ الاعتماد على الرؤية المعتادة لا على غيرها، ولكن لو استعمل فرآه من يوثق به؛ فإنه يعمل بهذه الرؤية، وقد كان الناس قديمًا يستعملون ذلك لما كانوا يصعدون المنائر ليلة الثلاثين من شعبان أو ليلة الثلاثين من رمضان، فيتراءون بواسطة هذا المنظار، على كل حال متى ثبتت رؤيته بأي وسيلة؛ فإنه يجب العمل بمقتضى هذه الرؤية؛ لعموم قوله - ﷺ -: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته». (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1800>مسألة [٥]: إذا رأى الهلال أهل بلدة، فهل يلزم بقية البلدان الصوم</span>؟\n• اختلف في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا، حتى تفرقوا في ذلك إلى ما يقارب ثمانية أقوال كما ذكر ذلك صديق بن حسن في «الروضة الندية» (١/ ٢٢٤).\nوقد أَلَّفَ الإمام الشوكاني في هذه المسألة رسالة سمَّاها «إطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال»، وأقوى هذه المذاهب ثلاثة:\nالمذهب الأول: أنه يلزم بقية البلدان الصوم، وهو قول مالك، والشافعي،\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد» (٧/ ١٥٦) ط/مرتبة، «الفتح» (١٩٠٦)، «سبل السلام» (٤/ ١١٠)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٣٢، ١٣٣)، «فتاوى اللجنة» (١٠/ ١٠٥ - ١٠٦).\n(^٢) انظر: «مجموع فتاوى العثيمين» (١٩/ ٣٧).","vol":"4","page":249},{"text":"وأحمد، والليث، وغيرهم، وهو ترجيح جمعٍ من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»، والإمام الشوكاني، وصديق بن حسن، والإمام الألباني، والإمام ابن باز رحمة الله عليهم أجمعين. واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته».\nقال الشوكاني -﵀-: وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِأَهْلِ نَاحِيَةٍ عَلَى جِهَةِ الِانْفِرَادِ، بَلْ هُوَ خِطَابٌ لِكُلِّ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى لُزُومِ رُؤْيَةِ أَهْلِ بَلَدٍ لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ أَظْهَرُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ؛ لِأَنَّهُ إذَا رَآهُ أَهْلُ بَلَدٍ فَقَدْ رَآهُ الْمُسْلِمُونَ؛ فَيَلْزَمُ غَيْرَهُمْ مَا لَزِمَهُمْ. انتهى من «نيل الأوطار».\nالمذهب الثاني: أنه يلزم بقية البلدان الصوم ممن توافق البلدة التي رأته في مطالع الهلال، وهو مذهب الشافعية، وقول عن أحمد، واختاره ابن عبد البر في «التمهيد»، وشيخ الإسلام كما في «الاختيارات»، وهو ترجيح شيخنا مقبل بن هادي الوادعي، والشيخ ابن عثيمين، وغيرهما من أهل العلم رحمة الله عليهم، واستدلوا:\n١) بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، قالوا: والذين لا يوافقون من شاهده في المطالع لا يقال: إنهم شاهدوه، لا حقيقة ولا حكمًا، والله تعالى أوجب الصوم على من شاهده.\n٢) بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته»، فعلل الصوم بالرؤية، ومن يخالف من رآه في المطالع لا يقال: إنه رآه، لا حقيقة ولا حُكمًا.","vol":"4","page":250},{"text":"٣) حديث ابن عباس -﵄- في «صحيح مسلم» (١٠٨٧)، أنه سأل كُريبًا: متى رأى الهلال؟ وكان بالشام، فقال: رأيناه ليلة الجمعة. فقال ابن عباس: لَكِنَّا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال، أو نكمل العدة. فقال كُريب: أفلا تكتفي برؤية معاوية؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ -.\nالمذهب الثالث: أنه لا يلزم أهل البلد رؤية غيرهم؛ إلا أن يثبت ذلك عند الإمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم؛ لأنَّ البلاد في حقِّه كالبلد الواحد؛ إذ حُكْمُه نافذٌ في الجميع، وهو قول ابن الماجشون.\nوقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: وعمل الناس اليوم على هذا، وهو من الناحية الاجتماعية قولٌ قويٌّ.\nقلتُ: قبل الترجيح، قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٣): حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه، فأما ما كان مثل الأندلس وخراسان؛ فلا خلاف أنه لا يعتبر.\nوعلى هذا فرؤية أهل المغرب لا تعتبر على أهل المشرق، ولكن يظهر أن رؤية أهل المشرق تعتبر على أهل المغرب؛ لأن مطلعهم بعدهم؛ فإذا رأى الهلال أهل المشرق كانت رؤيتهم معتبرة على كل من كان بعدهم في المطلع، وإن تباعدوا، والله أعلم.\nوالقولان الأولان قويان، إلا أنَّ الذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الأول أقوى؛","vol":"4","page":251},{"text":"لعموم الدليل الذي استدلوا به، والشرع عام، ولو كان الحكم على غير ذلك لَبَيَّنَه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوقد ردُّوا على القول الثاني بما يلي:\n١) إنَّ اختلاف المطالع أمرٌ لا ينضبط بحدٍّ محدود، فما هو الضابط الذي يفصل بين كل مطلع وآخر؟\nقال الإمام الألباني -﵀- في «تمام المنة»: والمطالع أمورٌ نسبيةٌ ليس لها حدودٌ مادية يمكن للناس أن يتبينوها. اهـ\n٢) قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى»: إذا اعتبرنا حدًّا كمسافة القصر، أو الأقاليم، فكان رجلٌ في آخر المسافة والإقليم؛ فعليه أن يصوم ويُفطر وينسك، وآخر بينه وبينه غلوة سهم لا يفعل شيئًا من ذلك، وهذا ليس من دين المسلمين. اهـ\n٣) المقصود بالآية والحديث الذي استدل بهما أصحاب القول الثاني هو العلم بحلول شهر رمضان، وقد حصل ذلك برؤية أهل بلد معين، وكما أنه يلزم أهل البلد الواحد الصوم برؤية بعض أفرادهم؛ فكذلك يلزم البلدان الأخرى الصوم برؤية أهل هذا البلد.\nاستدلالهم بحديث ابن عباس أُجِيب عنه بأجوبة:\nالأول: أنَّ ابن عباس لم يصرِّح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار، بل أراد ابن عباس أنه أمرهم بإكمال الثلاثين، أو يروه كما في","vol":"4","page":252},{"text":"الأحاديث الأخرى.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في كتاب الصيام (١/ ١٧٤): ويجوز أن يكون ذلك؛ لأنَّ النبي - ﷺ - أمرهم أن يصوموا لرؤيته ويفطروا لرؤيته، ولا يفطروا حتى يروه، أو يكملوا العدة كما قد رواه ابن عباس وغيره مفسرًا، فاعتقد ابن عباس أنَّ أهل كل بلد يصومون حتى يروه، أو يكملوا العدة، وقد تقدم عنه - ﷺ - أنه قصد رؤية بعض الأمة في الجملة؛ لأنَّ الخطاب لهم وهذا عمل برؤية قوم في غير مصره. اهـ\nوقد أجاب بهذا الجواب أيضًا ابن دقيق العيد، والشوكاني في «النيل»، وصديق ابن حسن في «الروضة الندية».\nالثاني: قال الإمام الألباني -﵀- في «تمام المنة»: إنَّ حديثَ ابن عباس ورد فيمن صام على رؤية بلده، ثم بلغه في أثناء رمضان أنهم رأوا الهلال في بلد آخر قبله بيوم، ففي هذه الحالة يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا العدة ثلاثين، أو يروا الهلال. اهـ\nوقد سبق شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- إلى الإشارة إلى مثل هذا الجواب كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٩).\nالثالث: أنَّ هذه شهادة من كُريب، وهو واحدٌ، وقد أمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يُفطروا بشهادة اثنين، ولو عملوا بخبره لأفطروا بشهادة واحد، كذا أجاب شيخ الإسلام -﵀- في «شرح العمدة»، وأشار إلى هذا الجواب الإمام النووي في «شرح","vol":"4","page":253},{"text":"مسلم»، والله أعلم.\nقلتُ: ومما يبين أنَّ الحديث ليس فيه وجهٌ لما استدلوا به أنَّ مطلع الشام، والمدينة النبوية لا يختلف، بل هو مطلع واحد، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٧٣ - ٢٧٤)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٧٠ - ١٧٥)، «المغني» (٤/ ٣٢٨)، «المفهم» (٣/ ١٤٢)، «الفتح» (١٩٠٦)، «شرح مسلم» (٧/ ١٩٧)، «نيل الأوطار» (١٦٣٦)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٣ -)، «الروضة الندية» (١/ ٢٢٤ -)، «تمام المنة» (ص ٣٩٨)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٢٠ - ٣٢٣)، «توضيح الأحكام» (٣/ ١٤٠ -).","vol":"4","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1801>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1802>مسألة [١]: رؤية الهلال بالنهار</span>.\nأما إذا كانت الرؤية بعد الزوال؛ فقد نقل ابن حزمٍ الإجماع على أنه لا يجب الصوم إلا من الغد، وأما قبل الزوال؛ ففيه مذاهب:\nالأول: أنه للَّيلة الماضية، وهو قول الثوري، وأبي يوسف، وسليمان بن ربيعة، وابن حبيب الأندلسي، ورواية عن عمر بن عبد العزيز، ورواية عن أحمد، وهو ترجيح ابن حزم.\nقالوا: فإن كانت الرؤية في أول الشهر؛ أمسكوا وقضوا، وإن كانت آخر الشهر؛ أفطروا وعيدوا؛ لأنَّ وقت العيد باقٍ؛ إلا أنَّ ابن حزم لم يذكر القضاء.\nوقد استدلوا على ذلك بما رواه عبد الرزاق (٤/ ١٦٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ٦٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ٢١٣)، من طريق: إبراهيم النخعي، أنَّ عمر بن الخطاب كتب إلى عتبة بن فرقد: (إذا رأيتم الهلال في آخر النهار؛ فأتموا صومكم؛ فإنه لِلَّيْلَةِ المقبلة، وإذا رأيتموه في أول النهار؛ فأفطروا؛ فإنه لليلة الماضية) يعني هلال شوال.\nالثاني: كالمذهب الأول؛ إلا أن الهلال في آخر الشهر للمقبلة احتياطًا للصوم، وهي رواية عن أحمد نقلها الأثرم، والميموني.\nالثالث: أنه لِلَّيْلَةِ المقبلة، وهو رواية عن أحمد اختارها الخِرَقِي، وهو مذهب","vol":"4","page":255},{"text":"مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وإسحاق، والليث، والأوزاعي، ومحمد بن الحسن، ورواية عن عمر بن عبد العزيز، ورجَّحه ابن عبد البر، ونقله عن أكثر العلماء، ورجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، ثم الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nواستدلوا على ذلك بما أخرجه عبد الرزاق (٤/ ١٦٢ - ١٦٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ٦٧)، والدارقطني (٢/ ١٦٨ - ١٦٩)، والبيهقي (٤/ ٢١٣)، بأسانيد صحيحة عن أبي وائل، قال: جاءنا كتاب عمر بن الخطاب ونحن بخانقين، أنَّ الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال فلا تفطروا حتى تمسوا؛ إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما أهلاه بالأمس عشيًّا.\nوقد ثبت ذلك عن عثمان -﵁-، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٦٥).\nوجاء ذلك أيضًا عن ابن مسعود، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٦٦)، من طريق: القاسم بن عبد الرحمن عنه، أنه قال: إذا رأيتم الهلال نهارًا؛ فلا تفطروا؛ فإنَّ مجراه في السماء، لعله أن يكون قد أهل ساعتئذٍ. وإسناده ضعيفٌ بسبب انقطاعه بين القاسم، وابن مسعود.\nوقد جاء ذلك أيضًا عن ابن عمر، أخرجه عبد الرزاق (٤/ ١٦٦) بإسناد صحيح عنه.\nوجاء عن أنس بن مالك، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٦٥) بإسناد صحيح عنه أيضًا.\nقالوا: والتفريق بين رؤيته قبل الزوال وبعد الزوال لا يستند إلى كتاب ولا سنة،","vol":"4","page":256},{"text":"وهذا القول هو الراجح؛ للاحتمال الذي ذُكِرَ في أثر ابن مسعود المتقدم.\nوأما أثر عمر المتقدم الذي استدل به أهل القول الأول؛ فهو منقطع؛ لأنَّ إبراهيم النخعي لم يدرك عمر.\nقال البيهقي -﵀-: هكذا رواه إبراهيم النخعي منقطعًا، وحديث أبي وائل أصح. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1803>مسألة [٢]: إذا أصبح الرجل مُفطرًا يعتقد أنه من شعبان، ثم قامت البينة أنَّ اليوم من رمضان، وأنَّ الهلال قد أهل بالأمس</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالقول الأول: أنه لا يصوم، وليس عليه القضاء، وهو قول داود، والظاهرية؛ إلا ابن حزم؛ لأنه لم يدرك زمن صوم ذلك اليوم من أوله.\nالقول الثاني: أنه يأكل بقية يومه، ثم يقضيه، وهذا القول مَرْوِيٌّ عن عطاء.\nالقول الثالث: أنه يمسك فيه عما يمسك الصائم، ولا يُجزِئه وعليه قضاؤه، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، والجمهور؛ لأنه لم يصم يومًا كاملًا.\nالقول الرابع: أنه يمسك ولا يُجزِئه، وعليه قضاؤه إنْ أكل، أو علم بعد الزوال، أكلَ أو لم يأكل، وهو قول أبي حنيفة.\n_________\n(^١) انظر: «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٦١ - ١٧٠)، «التمهيد» (٧/ ١٧٧ - ١٧٨)، «الفتح» (١٩٠٦)، «الروضة» (١/ ٢٢٤)، «المجموع» (٦/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، «المحلَّى» (٧٥٨)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣١٩)، «السنن الكبرى» (٤/ ٢١٣).","vol":"4","page":257},{"text":"القول الخامس: أنه يصوم يومه، ويُجزئه، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني، واستدلوا بحديث سلمة بن الأكوع، والربيع بنت معوذ، وغيرهما من الصحابة في صيام يوم عاشوراء، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من أصبح صائمًا؛ فلْيُتِمَّ صومه، ومن أصبح مفطرًا؛ فليتم بقية يومه». (^١)\nوهذا القول هو الصحيح، وهو ظاهر ترجيح صديق بن حسن في «الروضة الندية».\nقال ابن حزم -﵀- -رادًّا على الجمهور-: ولا يخلو هذا الإمساك الذي أمروه به من أن يكون صومًا يجزئه، وهم لا يقولون بهذا، أو لا يكون صومًا ولا يجزئه، فمن أين وقع لهم أن يأمروه بعمل يتعب فيه ويتكلفه، ولا يجزئه؟ وأيضًا: فإنه لا يخلو من أن يكون مفطرًا أو صائمًا؛ فإن كان صائمًا فَلِمَ يقضيه إذن؟ فيصوم يومين وليس عليه إلا واحد، وإن كان مفطرًا فَلِمَ أمروه بعمل الصوم؟ وهذا عجب جدًّا، وحسبنا الله ونعم الوكيل. اهـ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1804>مسألة [٣]: إذا لم يعلم بالرؤية إلا بعد غروب الشمس</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه يلزمه القضاء؛ لأنه مأمور بصيام شهر رمضان كاملًا.\n• وذهب الظاهرية، وابن حزم، وشيخ الإسلام إلى أنه لا قضاء عليه؛ لأنه لم\n_________\n(^١) أخرجهما البخاري برقم (١٩٢٤) (١٩٦٠)، ومسلم برقم (١١٣٥) (١١٣٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٣٨٧)، «المجموع» (٦/ ٢٧١)، «المحلَّى» (٧٢٩)، «الإنصاف» (٣/ ٢٥٤).","vol":"4","page":258},{"text":"يعلم بوجوب الصوم إلا بعد خروج وقته.\nقال ابن حزم -﵀-: وأما من لم يعلم بوجوب صوم ذلك اليوم عليه إلا بعد غروب الشمس؛ فإنه لم يصمه كما أمر، ولأنه لم يَنْوِ في شيء منه صومًا، ولم يتعمد ترك النية؛ فلا إثم عليه فيما لم يتعمد ولا قضاء عليه؛ لأنه لم يأت بإيجاب القضاء عليه نص ولا إجماع، ولا يجب في الدين حكم إلا بأحدهما، وإنما أمر بصيام ذلك اليوم لا بصوم غيره مكانه؛ فلا يجزئ ما لم يؤمر به مكان ما أمر به. اهـ\nقلتُ: والقول الأول أحوط، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1805>مسألة [٤]: إذا أصبح الناس صيامًا في ثلاثين من رمضان، ثم جاءهم الخبر بأنَّ الهلال قد استهل ليلا</span>؟\nقال ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (٧/ ١٦١): وأجمع العلماء على أنه إذا ثبت أن الهلال من شوال رُئِيَ بموضع استهلاله ليلًا، وكان ثبوت ذلك، وقد مضى من النهار بعضه، أنَّ الناس يفطرون ساعة جاءهم الخبر الثبت في ذلك؛ فإن كان قبل الزوال صلوا العيد بإجماع من العلماء وأفطروا، وإن كان بعد الزوال فاختلف العلماء في صلاة العيد حينئذ. اهـ\nوقد تقدم الخلاف في صلاة العيد في باب صلاة العيد، فراجعه، والله المستعان.\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٦)، «المحلَّى» (٧٢٩).","vol":"4","page":259},{"text":"٦٣٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الهِلَالَ، فَأَخْبَرْت النَّبِيَّ - ﷺ - أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\n٦٣٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: إنِّي رَأَيْت الهِلَالَ، فَقَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَا بِلَالُ: أَنْ يَصُومُوا غَدًا». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ إرْسَالَهُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1806>مسألة [١]: ما يثبت به الصوم والفطر من الشهود</span>؟\n• اختلف في ذلك على ثلاثة مذاهب:\nالمذهب الأول: أنَّ المعتبر شهادة اثنين عند الصوم والإفطار.\nوهو قول مالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، والشافعي في أحد قوليه، وهي رواية غير مشهورة عن أحمد، واستدلوا بما أخرجه أحمد (٤/ ٣٢١) عن\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (٢٣٤٢)، وابن حبان (٣٤٤٧)، والحاكم (١/ ٤٢٣)، كلهم من طريق مروان بن محمد الدمشقي، حدثنا عبدالله بن وهب، حدثنا يحيى بن عبدالله بن سالم، عن أبي بكر ابن نافع، عن أبيه عن ابن عمر. وإسناده حسن، وقد حسنه شيخنا الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (٧٤٥).\n(^٢) ضعيف، والراجح إرساله. لم يخرجه أحمد، وأخرجه أبوداود (٢٣٤٠)، والنسائي (٤/ ١٣١ - ١٣٢)، والترمذي (٦٩١)، وابن ماجه (١٦٥٢)، وابن خزيمة (١٩٢٣)، وابن حبان (٣٤٤٦)، كلهم من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس -﵄-، وإسناده ضعيف؛ لأن رواية سماك عن عكرمة مضطربة، ورجح الحفاظ أنه مرسل كما جزم بذلك النسائي والترمذي وأبوداود. انظر «نصب الراية» (٢/ ٤٤٣)، و«التلخيص» (٢/ ٣٥٨)، و«الإرواء» (٩٠٧).","vol":"4","page":260},{"text":"عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أنه خطب في اليوم الذي يشك فيه، فقال: ألا إني جالست أصحاب محمد - ﷺ - وسألتهم، وإنهم حدثوني أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها؛ فإنْ غُمَّ عليكم فأكملوا ثلاثين؛ فإنْ شهد شاهدان مسلمان؛ فصوموا وأفطروا»، وفي إسناده: الحجاج بن أرطاة، مدلسٌ، وفيه ضعفٌ.\nوقد سقط الحجاج من سند النسائي (٤/ ١٣٢ - ١٣٣)، وهو وَهَمٌ من سعيد ابن شبيب، كما أشار إلى ذلك الحافظ المزي في «تحفة الأشراف» (١١/ ١٧٨)، وكذلك ابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ٢١٦).\nولكن للحديث شاهد يُحَسَّن به، فقد أخرج أبو داود (٢٣٣٨)، والدارقطني (٢/ ١٦٧) من حديث أمير مكة الحارث بن حاطب -﵁-، أنه قال: عهد إلينا رسول الله - ﷺ - أن ننسك للرؤية؛ فإنْ لم نره، وشهد شاهدا عدل؛ نسكنا بشهادتهما، وأقره ابن عمر -﵄-. وإسناده حسن.\nالمذهب الثاني: أنَّ المعتبر عند الصيام شهادة واحد، وعند الإفطار شهادة اثنين.\nوهو قول أحمد، والشافعي في أحد قوليه، وابن المبارك، واستدلوا بحديث ابن عمر، وابن عباس اللَّذَيْنِ في الباب، وبالأحاديث المتقدمة في المسألة السابقة.\nويؤيده أن ابن عمر -﵄- أجاز شهادة رجل في الهلال، أخرجه ابن جرير في «تهذيب الآثار» (٢/ ٧٦٢) [مسند ابن عباس -﵄-]، وابن أبي شيبة في «مصنفه»","vol":"4","page":261},{"text":"٩٥٥٩ -\nقالوا: وهذا إخبارٌ عن عبادة لا يتعلق بها حق آدمي، فقُبل فيها قول الواحد.\nالمذهب الثالث: أنه يكفي شهادة رجل عند الصوم والإفطار.\nوهو قول أبي ثور، وابن حزم، والشوكاني، واستدلوا بحديث ابن عمر، وابن عباس المَذْكُورَين في الباب، وقاسوا عليه شهادة الفطر، وهو قول الصنعاني.\nوقد رجح أصحاب القول الأول قولهم مع أدلتهم المتقدمة بأنه هلال من الأهلة، فلم يثبت إلا بشاهدين كسائر الأهلة، ولأنه إيجاب حقٍّ على الناس؛ فلم يجب إلا بشاهدين، كسائر الحقوق، ولأنَّ رؤية الواحد معرضة للغلط، ولاسيما إنْ كان بين الناس والسماء مصحية، وربما يتهم في ذلك؛ فكان إزالة الشبهة باثنين.\nوأجابوا عن أدلة القول الثاني: بأنَّ حديث ابن عباس ضعيف كما تقدم، وحديث ابن عمر ليس فيه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالصيام لشهادة ابن عمر وحده، بل يحتمل أنه قد شهد غيره عند النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوقولهم: إنه إخبار بعبادة لا يتعلق بها حق آدمي؛ فلا يسلم هذا؛ فإنه يتعلق بهذا الهلال سائر حقوق الآدميين من الآجال، والإجارات، وعدة الطلاق، والعتاق، وغيرها.\nوأجاب أصحاب القول الثاني عن أدلة القول الأول: بأنَّ أدلتهم لا تدل على ما","vol":"4","page":262},{"text":"استدلوا به إلا بطريق المفهوم، وحديث ابن عمر منطوق؛ فيقدم عليه.\nقال ابن القيم -﵀-: ولا يقوى ما يتوهم من عموم المفهوم على معارضته هذين الخبرين. يعني حديث ابن عمر، وابن عباس.\nقال: وأصول الشرع تشهد للاكتفاء بقول الواحد؛ فإنَّ ذلك خبر عن دخول وقت الصيام، فاكتفي فيه بالشاهد الواحد، كالإخبار عن دخول وقت الصلاة بالأذان، ولا فرق بينهما. اهـ\nوقال شيخ الإسلام -﵀- في «شرح العمدة»: المفهوم عارضه نص، والمنطوق مقدم على المفهوم؛ فإنَّ المفهوم أحسن أحواله أن يكون كالعام مع الخاص، وكالقياس مع النص، وهذا يترك من غير نسخ، والنص لا يترك إلا بناسخ. اهـ\nقلتُ: فالذي يظهر أنَّ القول الثاني هو الصحيح، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام العثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1807>مسألة [٢]: إذا رأى الهلال وحده، فهل يلزمه الصوم والفطر</span>؟\n• في هذه المسألة ثلاثة مذاهب:\nالمذهب الأول: أنه يلزمه الصوم إذا رأى هلال رمضان، ويلزمه الفطر إذا رأى هلال شوال، ويُفطر سرًّا حتى لا يُتَّهَم.\nوهو مذهب الشافعي، والحسن بن حي، ورواية عن أحمد، ورجَّحه ابن حزم؛\n_________\n(^١) انظر: «نيل الأوطار» (١٦٢٥)، «المحلى» (٧٥٧) «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٣٥ -)، «سبل السلام» (٤/ ١١١ -)، «شرح المهذب» (٦/ ٢٨٢)، «الطرق الحكمية» (ص ١٤٦ -).","vol":"4","page":263},{"text":"لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته»، فهذا قد تيقن أن رمضان قد دخل، أو قد خرج؛ فوجب عليه العمل به.\nالمذهب الثاني: أنه يلزمه الصوم إذا رأى هلال رمضان، وأما إذا رأى هلال شوال؛ فلا يُفطر.\nوهو المشهور عن أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، واستدلوا بما استدل به الفريق الأول، وقالوا: لا يُفطر احتياطًا لرمضان.\nالمذهب الثالث: يصوم مع الناس، ويُفطر مع الناس.\nوهو مذهب الشعبي، والحسن، وابن سيرين، ورواية عن أحمد، ورجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ الألباني، والشيخ ابن باز، واستدلوا بحديث أبي هريرة مرفوعًا: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون» أخرجه الترمذي، (^١) وإسناده حسن.\nوثبت عن أنس -﵁-، أنه كره مخالفة الأمير، وصام معه قبل دخول الشهر. أخرجه أحمد كما في مسائل الفضل بن زياد، كما في «زاد المعاد» (٢/ ٤٣) بإسنادٍ حسنٍ.\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأول، وقد أجابوا عن هذا الحديث بِحَمْلِه على من لم يعلم خلاف ما عليه الناس، ولم يتيقن من رؤية الهلال، كما ذكر ذلك الصنعاني في «سبل السلام»، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في «البلوغ» برقم (٤٦٩).\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١١٤ - ١١٨)، «المغني» (٤/ ٤١٦)، «التمهيد» (٧/ ١٥٨ - ١٥٩)، «سبل السلام» (٣/ ٢١٧ - ٢١٨)، «المحلَّى» (٧٥٧)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٥٤ -) «الشرح الممتع» (٦/ ٣٢٨ - ٣٣٠).","vol":"4","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1808>مسألة [٣]: إذا أخبره من يثق بقوله أنه رأى الهلال</span>؟\nقطع جماعة من الشافعية، والحنابلة أنه يلزمه الصوم وإن لم يثبت ذلك عند الحاكم؛ لأنَّ رد الحاكم يجوز أن يكون لعدم علمه بالمخبر وحاله، ولا يتعين ذلك في عدم العدالة، وقد يجهل الحاكم عدالة من يعلم غيره عدالته. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1809>مسألة [٤]: شهادة النساء للهلال</span>.\nأما في هلال شوال؛ فقد قال أبو عمر بن عبد البر: أما الشهادة على رؤية الهلال؛ فأجمع العلماء على أنه لا يُقبل في شهادة شوال في الفطر إلا رجلان عدلان. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ وَإِنْ كَثُرْنَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الشُّهُورِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَلَيْسَ بِمَالِ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، فَأَشْبَهَ الْقِصَاصَ، وَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي مِثْلَ ذَلِكَ فِي رَمَضَان، لَكِنْ تَرَكْنَاهُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ. اهـ\nقلتُ: الإجماع الذي نقله ابن عبد البر لا يصح؛ فقد خالف ابن حزم كما في «المحلَّى»، وقبله أبو ثور، ومال إليه ابن رشد، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، ثم الإمام العثيمين، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يدل على تخصيص\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١١٤ - ١١٨)، «المغني» (٤/ ٤١٦)، «التمهيد» (٧/ ١٥٨ - ١٥٩)، «سبل السلام» (٣/ ٢١٧ - ٢١٨)، «المحلَّى» (٧٥٧)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٥٤ -)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٢٨ - ٣٣٠).","vol":"4","page":265},{"text":"شهادة النساء بالأموال، وبما لا يطلع عليه الرجال غالبًا فحسب، كما سيأتي تقريره إن شاء الله في باب الشهادات. (^١)\nوأما هلال رمضان، ففي ذلك خلافٌ مبني على أنَّ الإخبار بدخول رمضان هل هو من باب الشهادة، أم من باب الإخبار؟\nوقد ذهب الشافعي في «الأم» -وعليه أكثر الشافعية، وذهب إليه بعض الحنابلة- إلى أنه لا تقبل شهادتها؛ لأنَّ هذا مما يطلع عليه الرجال، وليس بمال، ولا يقصد به المال، وهو مذهب الليث، وابن الماجشون المالكي.\nوالمشهور عند الحنابلة -وهو قول أبي حنيفة، ورجَّحه ابن حزم- أنه يُعمل بقولها.\nقال أبو عبدالله غفر الله له: الراجح -والله أعلم- هو قبول شهادة النساء في ذلك؛ لأنَّ الراجح كما في [باب الشهادات] أنَّ شهادة النساء مقبولة في غير الحدود، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، والإمام العثيمين رحمة الله عليهم، وهذا على القول بأنها شهادة، وأما على القول بأنها إخبار؛ فيقبل قولها بلا إشكال، وهذا أقرب، والله أعلم.\nوعليه فيقبل قول المرأة الواحدة العدل، وبالله التوفيق. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد» (٧/ ١٥٧)، «المغني» (٣/ ١٤٩)، «بداية المجتهد» (٥/ ١٣٦).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٧٧)، «المغني» (٣/ ٤٨)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٤٥)، تفسير سورة البقرة (٢٨١) من «تفسير القرطبي»، «المجموع» (٦/ ٢٨٤).","vol":"4","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1810>مسألة [٥]: شهادة الصبي المميز الموثوق بخبره</span>.\n• قال الإمام النووي -﵀-: وأما الصبي المميز الموثوق بخبره؛ فلا يقبل قوله، إنْ شَرَطْنَا اثنين، أو قلنا: شهادة، وهذا لا خلاف فيه، وإنْ قلنا: رواية، فطريقان: المذهب، وبه قطع الجمهور: لا يقبل قطعًا. والثاني: فيه وجهان: بناء على الوجهين المشهورين في قبول روايته إنْ قبلناها قبل هذا، وإلا فلا، وبهذا الطريق قطع إمام الحرمين. اهـ.\n• ومذهب الحنفية، والأصح عند الحنابلة عدم العمل بشهادته.\nقلتُ: والراجح عدم قبول قوله؛ لأنه غير مكلف، ولا يوصف بالعدالة قبل التكليف. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1811>مسألة [٦]: شهادة الكافر، والفاسق، والمغفل</span>.\nقال النووي -﵀-: لا يقبل قولهم فيه بلا خلاف. اهـ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1812>مسألة [٧]: لو غُمَّ الهلال فرأى إنسانٌ النبيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في المنام، فقال له: الليلة أول رمضان</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٦/ ٢٨١ - ٢٨٢): لا يصح الصوم بهذا المنام، لا لصاحب المنام ولا لغيره، ذكره القاضي حسين في «الفتاوى» وآخرون من أصحابنا، ونقل القاضي عياض الإجماع عليه، وقد قررته بدلائله في أول «شرح\n_________\n(^١) «شرح المهذب» (٦/ ٢٧٧)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (١٩/ ١٦)، و«الإنصاف» (٣/ ١٩٥).\n(^٢) انظر: «شرح المهذب» (٦/ ٢٧٧).","vol":"4","page":267},{"text":"صحيح مسلم»، ومختصره: أنَّ شرط الراوي والمخبر والشاهد أن يكون متيقظًا حال التحمل، وهذا مُجمع عليه، ومعلوم أن النوم لا تيقظ فيه، ولا ضبط؛ فَتَرْكُ العملِ بهذا المنام لاختلال ضبط الراوي، لا للشك في الرؤية، فقد صح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «من رآني في المنام فقد رآني حَقًّا؛ فإنَّ الشيطان لا يتمثل في صورتي».اهـ (^١)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٩٩٣)، ومسلم برقم (٢٢٦٦) من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"4","page":268},{"text":"٦٣٨ - وَعَنْ حَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ (-﵂-) أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَمَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ، وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. (^١)\nوَلِلدَّارَقُطْنِيِّ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللَّيْلِ».\n\n٦٣٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قُلْنَا: لَا، قَالَ: «فَإِنِّي إذًا صَائِمٌ»، ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: «أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْت صَائِمًا» فَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف مرفوعًا، والراجح وقفه. أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٧)، وأبوداود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي (٤/ ١٩٦)، وابن ماجه (١٧٠٠)، وابن خزيمة (١٩٣٣)، وابن حبان في كتابه «المجروحين» (٢/ ٤٦) ولم أجده في «صحيحه»، والدارقطني (٢/ ١٧٢).\nوالحديث من طريق الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة، وقد اختلف فيه على الزهري:\n\nقال الدارقطني: رفعه عبدالله بن أبي بكر عن الزهري، وهومن الثقات الرفعاء، ورواه معمر عن الزهري فوقفه، وتابعه الزبيدي وعبدالرحمن بن إسحاق وجماعة. زاد أبوداود: (وابن عيينة ويونس الأيلي). وقد تابع عبدَالله على رفعه ابنُ جريج، لكن قال النسائي: وحديث ابن جريج هذا غير محفوظ.\nقلتُ: والحديث فيه اختلاف كثير، ولكن قد رجح الحفاظ وقفه وهم جمع، منهم:\nالإمام أبوداود، حيث قال: لا يصح رفعه.\nالإمام الترمذي حيث قال: الوقف أصح.\nالإمام البخاري، نقل عنه الترمذي في «العلل» أنه قال: هو خطأ وهو حديث فيه اضطراب والصحيح عن ابن عمر موقوف.\nالنسائي، حيث قال: الصواب عندي موقوف ولم يصح رفعه.\nأبوحاتم، قال: وهو عندي أشبه أي الوقف.\nالدارقطني كما سبق نقل كلامه.\nانظر: «نصب الراية» (٢/ ٤٣٣)، و«التلخيص» (٢/ ٣٦١)، و«تحقيق المسند» (٤٤/ ٥٣).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١١٥٤).","vol":"4","page":269},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1813>مسألة [١]: هل تُشترط النية للصوم</span>؟\nلا يصح الصوم إلا بنيةٍ، سواء كان فرضًا، أو تطوعًا؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات» متفق عليه عن عمر بن الخطاب -﵁-.\n• وهذا قول الجمهور، بل نقل ابن قدامة عليه الإجماع كما في «المغني» (٤/ ٣٣٣)، والصحيح وجود الخلاف، فقد ذهب الزهري، وعطاء، وزُفَر، ومجاهد إلى أنَّ الصوم إذا كان متعيِّنًا بأن يكون صحيحًا مُقيمًا في شهر رمضان؛ فلا يفتقر إلى نية. (^١)\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٦/ ٣٠٠ - ٣٠١): قال الماوردي: فأما صوم النذر، والكفارة، فيُشترط له النية بإجماع المسلمين. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1814>مسألة [٢]: تعيين النية في الصوم الواجب</span>.\n• ذهب الجمهور إلى وجوب التعيين، وهو أنْ يعتقد أنه يصوم غدًا من رمضان، أو من قضائه، أو من كفارته، أو من نذره.\nوهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا القول هو الراجح، وهو الذي رجَّحه ابن قدامة، والنووي.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٠٠)، «النيل» (١٦٣٧)، «المحلَّى» (٧٢٨).","vol":"4","page":270},{"text":"• وذهب أبو حنيفة إلى عدم وجوب التعيين في صوم رمضان، فلو نوى في رمضان الصوم مطلقًا، أو نفلًا؛ وقع عن رمضان وصحَّ صومه، وهو رواية عن أحمد. والصحيح القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1815>مسألة [٣]: التعيين في صوم التطوع</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٦/ ٢٩٥): وأما صوم التطوع فيصحُّ بنية مطلق الصوم كما في الصلاة، هكذا أطلقه الأصحاب، وينبغي أن يشترط التعيين في الصوم المرتب، كصوم عرفة، وعاشوراء، وأيام البيض، وستة من شوال، ونحوها، كما يشترط ذلك في الرواتب من نوافل الصلاة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1816>مسألة [٤]: تبييت النية في صيام الفرض</span>.\n• ذهب الجمهور، وفيهم أحمد، ومالك، والشافعي إلى وجوب تبييت النية في الفرض من الليل، واستدلوا بحديث حفصة الذي في الباب، وقد تقدم أنَّ الرَّاجح وقفه، واستدلوا بحديث: «إنما الأعمال بالنيات».\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه يصح بنية قبل الزوال في صوم رمضان، والنذر المعين، ووافق الجمهور على أنَّ صوم القضاء والكفارة لا يصحان إلا بنية من الليل، واستدل له بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في يوم عاشوراء: «من كان صائمًا؛ فليتم صومه، ومن كان أكلَ؛ فليتم بقية يومه» متفق عليه بمعناه من حديث سلمة بن الأكوع، والربيع بنت معوذ -﵄-.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٣٨) «المجموع» (٦/ ٢٩٤، ٣٠٢) «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٩٩ -).","vol":"4","page":271},{"text":"والراجح هو القول الأول، وهو ترجيح ابن قدامة، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والصنعاني، والشوكاني.\nوأما الدليل الذي استدل به لأبي حنيفة فقد أجاب عنه شيخ الإسلام، وكذا الشوكاني بأنَّ النية إنما صحَّت في نهار عاشوراء؛ لكون الرجوع إلى الليل غير مقدور، ولكونه ابتدأ وجوبه من النهار، ولم يكن واجبًا عليهم من الليل بخلاف صوم رمضان.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٦/ ٣٠١): لو سَلَّمْنَا أَنَّه كان فرضًا يعني عاشوراء، فقد كان ابتداء فرضه عليهم من حين بلغهم، ولم يخاطبوا بما قبله كأهل قُباء في استقبال الكعبة؛ فإنَّ استقبالها بلغهم في أثناء الصلاة، فاستداروا وهم فيها من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة، وأجزأتهم صلاتهم، حيث لم يبلغهم الحكم إلا حينئذ، وإن كان الحكم باستقبال الكعبة قد سبق قبل هذا في حق غيرهم ويصير هذا كمن أصبح بلا نية ثم نذر في أثناء النهار صوم ذلك اليوم. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1817>مسألة [٥]: تبييت النية في صوم التطوع</span>.\n• ذهب الجمهور إلى عدم وجوب تبييت النية في صوم التطوع، وقالوا: يجزئه أن يبتدئ النية من النهار؛ مالم يأكل.\nوهو قول أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، واستدلوا بحديث عائشة -﵂- الذي\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٣٣ -)، «المجموع» (٦/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، «النيل» (١٦٣٧) «المحلَّى» (٧٢٨).","vol":"4","page":272},{"text":"في الباب، وفيه: «إني إذًا صائم»، وجاء في بعض الروايات: «فإني صائم»، وفي «صحيح أبي عوانة»: «فأصوم».\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «شرح العمدة» في كتاب الصيام (١/ ١٨٦): وهذا يدل على أنه أنشأ الصيام من النهار؛ لأنه قال: «فإني صائم»، وهذه الفاء تفيد السببية والعلة، فيصير المعنى: (إني صائم؛ لأنه لا طعام عندكم)، وأيضًا فقوله: «إني إذًا صائم»، و(إذًا) أصرح بالتعليل من الفاء. اهـ\nقلتُ: ورواية أبي عوانة: «فأصوم» ظاهرة أيضًا في أنه أنشأ الصوم؛ لأنَّ الفعل: (أصوم) مضارع يُفيدُ الاستقبال، والله أعلم.\nواستدل أهل هذا القول أيضًا بأنه قد صحَّ عن جمع من الصحابة أنهم يبتدئون صوم التطوع من النهار، منهم: أبو الدرداء، وأبو طلحة، وحذيفة، وابن مسعود، وأنس، ومعاذ بن جبل -﵃- كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٣١، ٢٨، ٢٩)، وعبد الرزاق (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، والطحاوي في «شرح المعاني» (٢/ ٥٦)، ولا يُعلم لهم مخالف من الصحابة.\nوهذا القول هو ترجيح الإمام الألباني، والإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.\n• وذهب مالك، وداود، وابن حزم، والصنعاني، والشوكاني إلى وجوب تبييت النية من الليل؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، ورجَّح هذا القول الإمام الوادعي.","vol":"4","page":273},{"text":"وأجابوا عن حديث عائشة: بأنه محمول على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان صائمًا فأراد أن يُفطر، ويؤيد هذا أنه جاءت رواية في «مسند أحمد» صريحة بذلك.\nأخرجه أحمد (٦/ ٤٩) عن يحيى بن سعيد، عن طلحة بن يحيى، قال: حدثتني عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، أنَّ النبي - ﷺ - كان يأتيها وهو صائمٌ، فيقول: «أصبح عندكم شيء؟»، فتقول: لا. فيقول: «إني صائمٌ».\nوهذه الزيادة أعني: (وهو صائم)، تفرد بها يحيى بن سعيد القطان، وقد أخرجه أيضًا النسائي (٤/ ١٩٤ - ١٩٥) عن الفَلَّاس، عن يحيى بن سعيد بإسناده.\nورواه جمعٌ من الرواة عن طلحة بن يحيى بدون هذه الزيادة، وهم: سفيان بن عيينة، ووكيع، وعبد الله بن نمير، وعبد الواحد بن زياد، وسفيان الثوري، وشعبة، ومحمد بن سعيد.\nفهؤلاء سبعة، انظر مصادر رواياتهم في «المسند الجامع» (١٩/ ٧٣٥)، وتابعهم: عيسى بن يونس عند إسحاق بن راهويه (١٠٢٣)، وأبو معاوية عند أبي يعلى (٤٥٦٣)، وإسماعيل ابن زكريا عند أبي يعلى (٤٥٩٦)، وابنِ حبان (٣٦٣٠)، ويعلى بن عبيد عند البيهقي في «السنن الصغرى» (١٢٩٣) (١٢٩٤)، وأبي عوانة (٢/ ١٩٨)، وجعفرُ بن عون عند أبي عوانة (٢/ ١٩٩)، وأبو أسامة حماد بن أسامة عند أبي عوانة (٢/ ١٩٩)، فهؤلاء ستة مع السبعة المتقدمين، فصاروا ثلاثة عشر راويًا يروون الحديث عن طلحة بن يحيى بدون زيادة (وهو صائمٌ)، فهذه الزيادة ليست محفوظة، والله أعلم.","vol":"4","page":274},{"text":"فعلى هذا: فالذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ قول الجمهور هو الراجح، وأما حديث: «إنما الأعمال بالنيات»؛ فلا يُعارِض ما تقدم؛ لأنه يؤجر على صيامه منذ ابتدأ النية، أما قبل ذلك؛ فلا يؤجر على الصحيح من أقوال أهل العلم، ولئن سلمنا أنه يؤجر عليه؛ فيكون الحديث عامًّا مخصوصًا بحديث عائشة المتقدم، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: اختلف القائلون بجواز التطوع من النهار، هل يجزئه إحداث النية بعد الزوال، أم لا؟\n• فذهب الشافعي، والحنفية إلى عدم الجواز، وذهب أحمد إلى الجواز، وهو وجهٌ للشافعية، وهو الصحيح.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: والأظهر صحته كما نقل عن الصحابة. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1818>مسألة [٦]: هل يلزم النية لكل يوم على حِدَة، أم تكفيه نية واحدة لشهر رمضان، ولما يشترط فيه التتابع</span>؟\n• ذهب الجمهور وفيهم: الإمام أحمد في المشهور عنه، والشافعي، وأبوحنيفة، ورواية عن إسحاق إلى وجوب النية لكل يوم على حِدَةٍ، وعللوا ذلك بأن كل يوم عبادة مستقلة؛ ولذلك لا يفسد صيام يوم الأحد بفساد صيام الإثنين مثلًا.\n• وذهب الإمام مالك، وأحمد في رواية نصرها ابن عقيل، وإسحاق في رواية،\n_________\n(^١) انظر: «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٨٥)، «المجموع» (٦/ ٢٩٢)، (٦/ ٣٠٣)، «المغني» (٤/ ٣٤٠ -)، «النيل» (٤/ ١٩٧ - ١٩٨)، «المحلَّى» (٧٣٠).\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٢٠)، «المغني» (٤/ ٣٤١)، «الموسوعة الفقهية» (٢٨/ ٨٨).","vol":"4","page":275},{"text":"ورجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- إلى أنَّ رمضان وما لحق به مما يُشترط فيه التتابع تكفي النية في أوله ما لم يقطعه لعذر، فيستأنف النية، وهذا القول هو الراجح، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nويدل على هذا القول عموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، وأيضًا هو عبادة واحدة؛ فتكفيه نية واحدة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: وكون الفساد يختص ببعضه إذا صادفه لا يمنع كونه عبادة واحدة كالحج؛ فإنه يشتمل على إحرام، ووقوف، وطواف، وسعي، ثم لو فسد الطواف لكونه على غير طهارة، أو قد اخترق الحِجْر، ونحو ذلك؛ لم يتعد الفساد إلى غيره، ومع هذا فهو عبادة واحدة. انتهى المراد.\nوتظهر صورة الخلاف في صورة، وهي: إذا نام المكلف من قبل غروب الشمس، ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر الثاني؛ فعلى قول الجمهور لا يجزئه صوم ذلك اليوم، وعلى القول الثاني -وهو الصحيح- يجزئه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1819>مسألة [٧]: إنْ نوى من النهار صوم الغد</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالقول الأول: أنَّ ذلك لا يجزئه، وهو رواية عن أحمد، فقد قال في رواية حنبل: يحتاج الرجل في شهر رمضان أن يجمع على الصيام في كل يوم من الليل، ويدل\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٣٧)، «المجموع» (٦/ ٣٠٢)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٩٨ - ١٩٩) «الشرح الممتع» (٦/ ٣٦٩)، «التوضيح» (٣/ ١٥١).","vol":"4","page":276},{"text":"عليه قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل».\nالقول الثاني: يجزئه ذلك؛ إلا أن يكون فسخ النية بعد ذلك، وهذا هو الراجح، ويدل عليه عموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات».\nوأما دليلهم فقد تقدم أنَّ الصحيح فيه الوقف، ومع القول بصحة رفعه، فقد قال شيخ الإسلام -﵀-: فإنَّ قوله: «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل» ليس بنص؛ فإنَّ من نوى من النهار واستصحب النية إلى الفجر، فقد أجمع الصيام من الليل؛ لأنَّ الإجماع أعم من أن يكون مبتدئًا، أو مستصحبًا ذكرًا، أو حكمًا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1820>مسألة [٨]: إذا نوى بالليل الصوم، ثم أكل، أو شرب، أو جامع قبل طلوع الفجر، فهل تبطل نيته</span>؟\nالذي عليه أكثر الحنابلة، وأكثر الشافعية، ونصَّ عليه الشافعي أنها لا تبطل؛ لعدم وجود دليل على إبطال نيته، وهذا القول هو الصحيح؛ لما تقدم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1821>مسألة [٩]: إذا نوت الحائض صوم الغد قبل انقطاع دمها</span>؟\nإن كانت لها عادة وقد عرفت من حالها الطُّهر قبل الفجر؛ فتصح نيتها، وإنْ كانت مُبْتَدَأة، أو لم يكن لها عادة؛ فلا تصح؛ لأنها لم تجزم ولا بَنَتْ على أصل، ولا أمارة، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٣٦)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٩٦).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٩١)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٩٥)، «المغني» (٤/ ٣٣٦).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٩٨)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٩٦).","vol":"4","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1822>مسألة [١٠]: من قال: سأصوم غدًا إن شاء الله</span>؟\nإن كان مراده الاستعانة بالتعليق على المشيئة لتحقيق مراده؛ فصيامه صحيح، وإنْ كان مترددًا لا يدري هل يصوم، أو لا يصوم؛ فلا يصح؛ لأنَّ النية لابد لها من الجزم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1823>مسألة [١١]: من نوى الصوم قبل الفجر ثم جُنَّ</span>؟\nإذا جُنَّ جميع النهار من رمضان؛ فلا يصح صومه؛ لأنه ليس أهلًا للعبادة، ومن شرط الوجوب صحةُ العقل، وعلى هذا فصومه غير صحيح، ولا يلزمه القضاء؛ لأنه ليس أهلًا للوجوب؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رُفِع القلم عن ثلاثة ...»، وذكر منهم: «المجنون حتى يعقل» (^٢)، وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، وأبي حنيفة، وغيرهم. وخالف أبو العباس بن سريج، والمالكية؛ فقالوا بالقضاء.\n• وأما إذا جُنَّ جزءًا من النهار: فذهب جمهور الحنابلة، وهو وجهٌ للشافعية، إلى أنه يصح صومه، وهو ترجيح ابن حزم، وابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية.\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٤/ ٣٦٣): كنا نذهب إلى أن المجنون والمغمى عليه يبطل صومهما، ولا قضاء عليهما، وكذلك الصلاة، ونقول: إن الحجة في ذلك ... .\nثم ذكر الحديث المتقدم «رُفِعَ القلم عن ثلاثة».\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٩٨)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٧١).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١٠٨٤).","vol":"4","page":278},{"text":"قال: ثم تأملنا هذا الخبر بتوفيق الله تعالى فوجدناه ليس فيه إلا ما ذكرنا من أنه غير مخاطب في حال جنونه حتى يعقل، وليس في ذلك بطلان صومه الذي لزمه قبل جنونه، ولا عودته عليه بعد إفاقته، وكذلك المغمى عليه؛ فوجب أن من جُنَّ بعد أن نوى الصوم من الليل فلا يكون مفطرًا بجنونه، لكنه فيه غير مخاطب، وقد كان مخاطبًا به؛ فإنْ أفاق في ذلك اليوم أو في يوم بعده من أيام رمضان؛ فإنه ينوى الصوم من حينه ويكون صائمًا؛ لأنه حينئذ علم بوجوب الصوم عليه. اهـ\n• وذهب الشافعي إلى أنَّ صومه فاسد، وعلل ذلك بأنه معنى يمنع وجوب الصوم، فأفسده وجوده في بعضه كالحيض، وقد رجَّح هذا المجد ابن تيمية جد شيخ الإسلام.\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأول، وأما ما استدل به الشافعي؛ فقد أجاب عنه ابن قدامة فقال: ولنا على الشافعي أنه زوال عقل في بعض النهار، فلم يمنع صحة الصوم كالإغماء، والنوم، ويُفارق الحيض؛ فإنَّ الحيض لا يمنع الوجوب، وإنما يجوز تأخير الصوم ويحرم فعله. اهـ\nتنبيه: الحنفية يقولون: إذا جُنَّ بعض الشهر، وأفاق بعضه؛ لزمه قضاء ما فاته، وخالفهم الجمهور؛ فرأوا أنه لا قضاء عليه، ومذهب المالكية قضاء رمضان، ولو جنَّ فيه كله. والصحيح قول الجمهور. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٣٤ -)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٤٥)، «الإنصاف» (٣/ ٢٦٤)، «المحلَّى» (٧٥٤)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٦٥)، «الحاوي الكبير» (٣/ ٤٦٣).","vol":"4","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1824>مسألة [١٢]: من نوى الصيام، ثم أُغمي عليه</span>؟\n• إذا أُغمي عليه جميع النهار؛ فقد ذهب أحمد، والشافعي إلى أنه لا يصح صومه، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن قدامة، واستدل ابن قدامة لهذا القول بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فيما يرويه عن ربه عزوجل: «يدع طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلي» (^١)، قال: فأضاف ترك الطعام، والشراب إليه، فإذا كان مغمى عليه؛ فلا يُضاف الإمساك إليه؛ فلم يجزئه، ولأنَّ النية أحد رُكْنَي الصوم، فلا تجزئه وحدها كالإمساك وحده.\nوأما القضاء: فالذي عليه الجمهور أنه يلزمه؛ لأنه مازال مكلَّفًا، ولأنَّ الإغماء مرضٌ، وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين -﵀-.\nوقد قال ابن قدامة -﵀-: بغير خلافٍ علمناه. اهـ\nلكن الصحيح وجود الخلاف كما في «الإنصاف».\nثم قلتُ: لعل الخلاف لبعض المتأخرين، فقد نقل الإجماع المزني، وهو متقدم؛ فقال -﵀- كما في «الحاوي» (١٥/ ٤٩٦): وأجمعوا أنه لو أغمي عليه الشهر كله؛ فلم يعقل فيه أن عليه قضاءه. اهـ\n• وأما إذا أُغمي عليه بعض النهار: فالذي عليه الحنابلة، وأحد قولي الشافعي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٨٩٤)، ومسلم برقم (١١٥١) (١٦٤) من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"4","page":280},{"text":"أنَّ صومه يجزئه، وهو قول الحنفية.\nورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «شرح العمدة» حيث قال بعد أن ذكر الحديث المتقدم: والإمساك لا يكون إلا مع حضور العقل، ولم نشترط وجود الإمساك في جميع النهار، بل اكتفينا بوجوده في بعضه؛ لأنه دخل في عموم قوله: «يدع طعامه، وشهوته من أجلي». وقال بهذا القول المالكية؛ إلا أنهم اعتبروه بشرط أن يفيق أكثر اليوم.\n• وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنَّ الإفاقة تعتبر إذا كانت في أول النهار. وهو قول المالكية فيما إذا أفاق أقل اليوم. والراجح القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1825>مسألة [١٣]: من أُغمي عليه أثناء النهار واستمر أيامًا</span>؟\nأما اليوم الذي أُغمي عليه فيه؛ فيجزئه كما تقدم قريبًا، وكذا اليوم الذي استيقظ فيه على قول من يقول: إنه يكفي لجميع الشهر نية واحدة. وأما الأيام التي بينهما فلا يجزئه صومها؛ لأنه أُغمي عليه في جميع نهارها، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1826>مسألة [١٤]: نوم الصائم</span>.\nالنوم لا يؤثر في الصوم، سواء وجد في بعض النهار، أو في جميعه، وذلك لأنَّ النوم عادة، ولا يزيل الإحساس بالكلية، ومتى نبه انتبه.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٤٣ -)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٦٥)، «الإنصاف» (٣/ ٢٦٤)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٤٧)، «المحلَّى» (٤/ ٣٦٥)، «المدونة الكبرى» (١/ ٢٧٧)، «شرح مختصر خليل» (٢/ ٢٤٨)، «البحر الرائق» (٢/ ٢٧٧)، «بدائع الصنائع» (٢/ ٨٣).\n(^٢) انظر: «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٤٧).","vol":"4","page":281},{"text":"قال شيخ الإسلام -﵀- في «شرح العمدة»: هذا هو المنصوص المشهور في المذهب. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1827>مسألة [١٥]: صرع الصائم</span>.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٤٦): فأما الصرع -وهو الخنق الذي يعرض وقتًا ثم يزول- فينبغي أن يلحق بالإغماء والغشي؛ لأنه يزيل الإحساس من السمع، والبصر، والشم، والذوق، فيغطي، فيزول العقل تبعًا لذلك، بخلاف الجنون؛ فإنه يزيل العقل خاصَّة، فيلحقه بالبهائم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1828>مسألة [١٦]: إذا نوى الإفطار أثناء صومه</span>؟\n• المشهور من مذهب المالكية، والحنابلة أنَّ من نوى الإفطار ولم يتناول شيئًا من المفطرات أنه يُعَدُّ مُفطِرًا، وهو قول الظاهرية، والفيروز آبادي، والبغوي، وغيرهما من الشافعية، واستدلوا:\n١) بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».\n٢) قالوا: النية شرط في جميع الصوم، فإذا قطعها في أثنائه بقي الباقي بغير نية، فبطل، وإذا بطل البعض بطل الجميع؛ لأنه لا ينفرد بعضه عن بعض.\n• وذهب الحنفية إلى أنَّ الصائم إذا نوى الإفطار لا يُعَدُّ مُفْطِرًا بمجرد النية،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٤٤)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٤٦)، «الإنصاف» (٣/ ٢٦٤)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٦٥).","vol":"4","page":282},{"text":"وهو مذهب الأكثر من الشافعية.\nواستدل الحنفية بأنَّ مجرد النية لا عبرة به في الأحكام الشرعية؛ مالم يتصل به الفعل؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها مالم تعمل، أو تتكلم» (^١) متفق عليه عن أبي هريرة -﵁-.\nوقالوا أيضًا: النية شرطُ انعقاد الصوم لا شرط بقائه منعقدًا، ألا ترى أنه يبقى مع النوم والنسيان؟.\nوالصواب هو القول الأول، وقد اختاره ابن قدامة، ورجَّحه السعدي، والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله.\nوأما الجواب عن استدلالات الحنفية، فيقال:\nإنَّ الإرادة والعزم من أفعال القلوب، فإذا عزم على رفض نية الصوم؛ فقد أتى بنية متصل بها فعل القلب.\nوحديث النفس الذي لا يصاحبه عزمٌ وتصميم معفوٌّ عنه بنص الحديث.\nوأما إذا صاحبه العزم، والتصميم على الفعل، ولو لم يحصل الفعل ترتب الثواب والعقاب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥].\nوفي الحديث: «القاتل والمقتول في النار»، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل،\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١٠٧٦).","vol":"4","page":283},{"text":"فما بال المقتول؟! قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (^١) متفق عليه عن أبي بكرة -﵁- مرفوعًا.\nوأما قولهم: إنَّ النية شرطُ انعقاد الصوم لا شرط بقائه.\nفالجواب: إنَّ بقاء النية يتناول أمرين:\n١) استصحاب الذكر.\n٢) استصحاب الحكم.\nفأما استصحاب الذكر إلى نهاية العمل؛ فمعفوٌّ عنه للمشقة البالغة التي لم يكلفنا الله بها.\nوأما استصحاب الحكم؛ فهو البقاء على استصحاب حكم النية، وهو بأنْ لا ينوي قطعها، ولهذا لا يؤثر النوم، ولا الغفلة في بقاء حكم النية، وهذا الثاني هو الذي يُشترط في بقاء النية. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣١)، ومسلم برقم (٢٨٨٨).\n(^٢) انظر: «النية وأثرها في الأحكام الشرعية» للسدلان (٢/ ١٨ - ٢١)، «المغني» (٤/ ٣٧٠)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٧٦)، «فتاوى رمضان» (١/ ١٧٥) جمع أشرف، «المحلَّى» (٧٣٢).","vol":"4","page":284},{"text":"٦٤٠ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٦٤١ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ اللهُ ﷿: أَحَبُّ عِبَادِي إلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1829>مسألة [١]: تعجيل الفطور</span>.\nفي أحاديث الباب دلالة ظاهرة على استحباب وأفضلية تعجيل الفطر، وقد أخرج الإمام أبو داود (٢٣٥٣) من حديث أبي هريرة -﵁-، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «لا يزال الدين ظاهرًا ما عجَّل الناسُ الفطرَ؛ لأنَّ اليهود والنصارى يؤخرون»، وصححه شيخنا في «الجامع الصحيح» (٢/ ٤٢٠).\nوظهور الدين مستلزم لدوام الخير، وقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُعَجِّل الفطر، ففي «الصحيحين» (^٣) من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: كنَّا مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في سفر، فلما غربت الشمس قال: «يا فلان، انزل فاجدح لنا»، قال: يا رسول الله، إنَّ عليك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٥٧)، ومسلم (١٠٩٨).\nتنبيه: وهم صاحب العمدة فزاد في الحديث «وأخروا السحور» وهذه الزيادة ليست في الحديث المذكور، وإنما رواها أحمد (٥/ ١٤٦) من حديث أبي ذر، وهو ضعيف؛ لأن في إسناده ابن لهيعة ضعيف مختلط، وسليمان بن أبي عثمان مجهول. انظر «الإرواء» (٩١٧).\n(^٢) ضعيف. أخرجه الترمذي (٧٠٠)، وفي إسناده قرة بن عبدالرحمن، قال فيه أحمد: منكر الحديث جدًّا، وضعفه ابن معين وأبوحاتم والنسائي، وهذا الحديث مما أنكر عليه.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٩٤١)، ومسلم برقم (١١٠١).","vol":"4","page":285},{"text":"نهارًا. قال: «انزل فاجدح لنا»، قال: يا رسول الله، لو أمسيت. قال: «انزل فاجدح لنا»، قال: فنزل فجدح لهم، فشرب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. والعلة في ذلك ما جاء في الحديث المتقدم آنفًا أنه مخالفة لليهود والنصارى.\nوقال المهلب: والحكمة في ذلك أنْ لا يُزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم، وأقوى له على العبادة.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: واتفق العلماء على أنَّ محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية، أو بإخبار عدلين، وكذا عدل واحد في الأرجح. اهـ\nوقال ابن عبد البر -﵀-: والتعجيل إنما يكون بعد الاستيقان بغروب الشمس، ولا يجوز لأحد أن يفطر وهو شاكٌّ: هل غربت الشمس، أم لا؟ لأنَّ الفرض إذا لزم بيقين لم يخرج عنه إلا بيقين، والله ﷿ يقول: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، وأول الليل مغيب الشمس كلها في الأُفُقِ عن أعين الناظرين، ومن شكَّ لزمه التمادي؛ حتى لا يشك في مغيبها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1830>مسألة [٢]: حكم الإفطار قبل غروب الشمس</span>.\nالإفطار قبل غروب الشمس في صوم رمضان يُعَدُّ من الكبائر، وقد أخرج الحاكم (١/ ٤٣٠) (٢/ ٢٠٩)، من حديث أبي أمامة -﵁- في حديث طويل: قال النبي - ﷺ -: «ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم تسيل أشداقهم دمًا، فقلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم ...».\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٥٧)، «التمهيد» (٧/ ١٨١).","vol":"4","page":286},{"text":"وقد صححه الإمام مقبل بن هادي الوادعي -﵀- في «الجامع الصحيح» (٢/ ٤٢١ - ٤٢٢).\nتنبيه: قال الحافظ ابن حجر -﵀-: مِنْ الْبِدَع الْمُنْكَرَة مَا أُحْدِثَ فِي هَذَا الزَّمَان مِنْ إِيقَاع الْأَذَان الثَّانِي قَبْل الْفَجْر بِنَحْوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ فِي رَمَضَان، وَإِطْفَاء الْمَصَابِيح الَّتِي جُعِلَتْ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْأَكْل وَالشُّرْب عَلَى مَنْ يُرِيد الصِّيَام زَعْمًا مِمَّنْ أَحْدَثَهُ أَنَّهُ للِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَة، وَلَا يَعْلَم بِذَلِكَ إِلَّا آحَاد النَّاس، وَقَدْ جَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ صَارُوا لَا يُؤَذِّنُونَ إِلَّا بَعْد الْغُرُوب بِدَرَجَةٍ لِتَمْكِينِ الْوَقْت زَعَمُوا، فَأَخَّرُوا الْفِطْر وَعَجَّلُوا السُّحُور، وَخَالَفُوا السُّنَّةَ، فَلِذَلِكَ قَلَّ عَنْهُمْ الْخَيْر، وَكَثُرَ فِيهِمْ الشَّرُّ، وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1831>مسألة [٣]: هل يجوز الإفطار إذا غلب على الظن أنَّ الشمس قد غربت</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز ذلك عند عدم القدرة على تيقن الغروب كوجود الغيم.\nويدل عليه ما أخرجه البخاري (١٩٥٩) من حديث أسماء بنت أبي بكر -﵂- قالت: أفطرنا على عهد رسول الله - ﷺ - يوم غَيْمٍ، ثم طلعت الشمس.\nوقد ثبت بأسانيد صحيحة عند ابن أبي شيبة (٣/ ٢٤ -)، والبيهقي (٤/ ٢١٧)، وغيرهما أنَّ ذلك حصل أيضًا في عهد عمر بن الخطاب -﵁-. (^٢)\n_________\n(^١) «الفتح» (١٩٥٧).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٠٦).","vol":"4","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1832>مسألة [٤]: إذا تعجل في الإفطار ظانًّا أنَّ الشمس قد غربت، ثم تبين له أنَّ الشمس لم تغرب؛ فما الحكم</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى أنه يجب عليه الإمساك والقضاء، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي ثور، ورجَّح ذلك الشيخ ابن باز -﵀-.\nواستدلوا بما يلي:\n١) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.\n٢) قول هشام بن عروة وهو من رواة حديث أسماء المتقدم عند أن سُئل، فقيل له: فأُمروا بالقضاء؟ فقال: بُدٌّ مِنْ قَضَاء.\n٣) ثبت عن عمر بن الخطاب -﵁- عند عبد الرزاق (٤/ ١٧٨) أنه قال بعد أن حصل له ذلك: الخطب يسير، وقد اجتهدنا نقضي يومًا.\n٤) قال الحافظ -﵀-: ويرجحه أنه لو غُمَّ هلال رمضان، فأصبحوا مفطرين، ثم تبين لهم أنَّ ذلك اليوم من رمضان؛ فالقضاء واجب بالاتفاق، فكذلك هذا.\n• وذهب إسحاق، وأحمد في رواية، وداود، وبه قال المزني من الشافعية إلى أنه يجب عليه الإمساك، ولا يجب عليه القضاء، ورجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الشيخ ابن عثيمين رحمهما الله.","vol":"4","page":288},{"text":"واستدلوا بما يلي:\n١) قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].\n٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ اللهَ تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه»، وهو حديثٌ لا يثبت، له طرقٌ ذكرها الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» رقم (٣٩) وتكلم عليها بما يشفي ويكفي، ولكن معناه صحيح؛ لدلالة الكتاب والسنة على ما جاء فيه.\n٣) حديث: «من نسي وهو صائمٌ، فأكل، أو شرب؛ فليتم صومه ...»، (^١) فيقاس عليه من أفطر ظانًّا غروب الشمس بجامع الجهل بالحال؛ فإنَّ كليهما يجهل أنه في حال يحرم عليه الأكل والشرب.\n٤) أنَّ الأصل عدم الإيجاب عليه؛ إلا بدليل، فما هو الدليل على وجوب القضاء.\n٥) أنَّ الحديث المذكور أعني حديث أسماء ليس فيه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرهم بالقضاء، ولو أمرهم لَنُقِلَ، وهذا القول هو الراجح، وقد اختاره إمام الأئمة ابن خزيمة -﵀-.\nوأما الرد على أدلة المذهب الأول:\n١) أما عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فهذا قد أفطر ظانًّا أن الليل قد أتى، وقد تقدم أنه يجوز الإفطار لغلبة الظن.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في الكتاب برقم (٦٥١).","vol":"4","page":289},{"text":"٢) قول هشام بن عروة (بُدٌّ مِنْ قَضَاء)، يجاب عنه بأنَّ البخاري أورد في «صحيحه» أيضًا أنَّ هشامَ بن عروة سُئل، فقال: لا أدري أقضوا أم لا؟\nفهذا يدل على أنه رأى ذلك اجتهادًا منه، وقد قال شيخ الإسلام: أبوه أعلم منه، وقد كان يقول: لا قضاء عليهم.\n٣) أما أثر عمر؛ فقد صحَّ عنه، وأورد له البيهقي عدَّةَ طرق. (^١)\nوقد أخرج عبد الرزاق (٤/ ١٧٩)، والبيهقي (٤/ ٢١٧) عن زيد بن وهب، عن عمر -﵁- أنه قال: والله لا نقضيه، وما تجانفنا لإثم.\nوقد خطَّأَ البيهقي رواية زيد بن وهب، ونقل عن يعقوب بن سفيان الفارسي أنه كان يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة، بينما رجَّح شيخ الإسلام رواية زيد بن وهب، وقال: إسنادها أثبت، وعلى كُلٍّ فإنْ صح عن عمر القضاء؛ فهو اجتهاد منه -﵁-، والحجة بالكتاب والسنة.\nويمكن أن يُجمع بين الأثرين بأن عمر رأى عدم القضاء، ثم قال: (نقضيه)، أي: احتياطًا، ويشير إليه قوله: الخطب يسير.\n٤) الاتفاق الذي نقله الحافظ لم يصح؛ فقد وُجِد الخلاف في الصورة التي ذكرها كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٩) و«الإنصاف» (٣/ ٢٥٤) و«المحلَّى» (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤).\nوقد تقدمت المسألة تحت حديث (٦٣٥). (^٢)\n_________\n(^١) انظر «السنن الكبرى» (٤/ ٢١٧).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٠٧ - ٣٠٨)، «التمهيد» (٧/ ١٨١ - ١٨٢)، «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧١ - ٥٧٣)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٤٩٠ -)، «فتاوى رمضان» (٢/ ٥٧٢)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٠٢ - ٤٠٣، ٤١٠ - ٤١١)، «الفتح» (١٩٥٩).","vol":"4","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1833>مسألة [٥]: إذا أكل، أو شرب، أو جامع وهو شاك في غروب الشمس</span>؟\nلا يجوز له فعل أي واحد من ذلك، وقد نُقِلَ الإجماع أنَّ عليه القضاء؛ إلا إذا تبين له أنَّ ذلك وقع بعد غروب الشمس، لكن الإجماع لم يصح.\nفقد قال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى» (٤/ ٣٦٦): ومن أكل شاكًّا في غروب الشمس، أو شرب؛ فهو عاصٍ لله تعالى، مُفسِدٌ لصومه، ولا يقدر على القضاء؛ فإنْ جامع شاكًّا في غروب الشمس؛ فعليه الكفارة. اهـ\nويُحمل كلامه على ما إذا لم يعلم بعد ذلك أنَّ ذلك كان بعد الغروب.\nوالذي ذهب إليه ابن حزم -﵀- هو الراجح؛ لأنه أفطر متعمدًا، فلا يقدر على القضاء، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\nوالعمدة في هذه المسألة هي القاعدة المقررة بالأدلة الشرعية (اليقين لا يزول بالشك)، فبقاء النهار يقين، فلا يكفي الشك في غروب الشمس، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1834>مسألة [٦]: إذا أفطر شخصٌ لغروب الشمس، ثم أقلعت به الطائرة، فرأى الشمس، فهل يلزمه الإمساك</span>؟\nلا يلزمه الإمساك، ويستمر مُفطِرًا، وحكمه حكم البلد الذي أقلع منها، وقد انتهى النهار وهو فيها.\nوأما إذا أقلعت به الطائرة قبل غروب الشمس بدقائق، واستمر معه النهار؛\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٣/ ٢٧٩)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٠٩)، «المحلَّى» (٤/ ٣٦٦).","vol":"4","page":291},{"text":"فلا يجوز له أن يُفطر، ولا أن يصلي المغرب حتى تغرب الشمس من الجو الذي يسير فيه، حتى ولو مرَّ بسماءِ بلدٍ أهلها قد أفطروا، وصلوا المغرب، وهو في سمائها يرى الشمس.\nوهذا مقتضى الأدلة الشرعية، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا؛ فقد أفطر الصائم» (^١). (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٥٤)، ومسلم برقم (١١٠٠) من حديث عمر بن الخطاب -﵁-.\n(^٢) انظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» (١٠/ ٢٩٥).","vol":"4","page":292},{"text":"٦٤٢ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1835>مسألة [١]: بركة السحور</span>.\nالسَّحور: بفتح السين وضمها، فبالفتح اسم للمأكول في وقت السَّحَر، وبالضم اسم للفعل، وهو الأكل.\nوالمراد بالبركة قيل: الأجر والثواب. فيناسب رواية الضم؛ لأنه مصدر بمعنى التسحر.\nوقيل: البركة تحصل بتقوي الصائم على الصيام، ونشاطه له، فيناسب الفتح؛ لأنه برواية الفتح اسم لما يتسحر به.\nوفي الحديث دلالة ظاهرة على استحباب السحور، وهناك أدلة أخرى فيها الحث على السحور، منها:\nما أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٠٩٦) عن عمرو بن العاص -﵁-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر».\nوثبت عند النسائي (٤/ ١٤٥) من حديث رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: دخلت على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو يتسحر، فقال: «إنها بركة أعطاكم الله إياها؛ فلا تدعوه».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥).","vol":"4","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1836>مسألة [٢]: حكم السحور</span>.\nقال الإمام النووي -﵀-: قال ابن المنذر في «الإشراف»: أجمعت الأمة على أنَّ السحور مندوب إليه، مستحبٌّ، لا إثم على من تركه. اهـ\nوقال ابن قدامة -﵀-: لا نعلم بين العلماء خلافًا يعني في استحبابه. اهـ\nقلتُ: وذكر أبو عوانه في «صحيحه» أنَّ الصارف للأوامر من الوجوب إلى الاستحباب هو حديث وصال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع أصحابه، وسبقه إلى ذلك البخاري -﵀-، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٦٠)، «المغني» (٤/ ٤٣٣)، «الفتح» (١٩٢٢).","vol":"4","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1837>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1838>مسألة [١]: تأخير السحور</span>.\nيُستحبُّ تأخير السحور؛ لما جاء في «الصحيحين» (^١) من حديث أنس بن مالك، عن زيد ابن ثابت -﵄-، قال: تسحرنا مع رسول الله - ﷺ -، ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية.\nوروى البخاري في «صحيحه» برقم (٥٧٧) من حديث سهل بن سعد -﵁-، قال: كنتُ أتسحر في أهلي، ثم يكون بي سرعة أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله - ﷺ -. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1839>مسألة [٢]: ما يحصل به السحور</span>.\nقال ابن قدامة، ثم الحافظ ابن حجر رحمهما الله: يحصل السحور بأقل ما يتناول المرء من مأكول، أو مشروب. اهـ\nوقد أخرج هذا الحديث أحمد (٣/ ١٢)، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- مرفوعًا بلفظ: «إنَّ السحور بركة؛ فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإنَّ الله وملائكته يصلون على المتسحرين»، لكن هذا الحديث في سنده: رفاعة أبو رفاعة، وهو مجهول الحال، وفيه عنعنة يحيى بن أبي كثير، وله طريق أخرى عند أحمد (٣/ ٤٤)، وفي إسناده: عبدالرحمن ابن زيد بن أسلم، وهو متفق على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٢١)، ومسلم برقم (١٠٩٧).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٦٠)، «المغني» (٤/ ٤٣٢)، «الفتح» (٤/ ١٦٤).","vol":"4","page":295},{"text":"ضعفه، ويشهد لأوله حديث أنس المتقدم في الباب.\nويشهد لوسطه -أعني قوله: «ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء» - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند ابن حبان (٣٤٧٦)، وفي إسناده: عمران القطان، وهو ضعيف.\nوأما آخره فلم أجد له شاهدًا يصلح لتقويته. وقد جاء من حديث ابن عمر عند ابن حبان (٣٤٦٧)، والطبراني في «الأوسط» (٦٤٣٤)، وأبي نعيم في «الحلية» (٨/ ٣٢٠)، وهو من طريق عبد الله بن سليمان المصري، عن نافع، عن ابن عمر به.\nقال ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٢٤٣): قال أبي: هذا حديث منكر. اهـ وعبد الله بن سليمان المصري الطويل، قال فيه البزار إنه حدث بأحاديث لم يتابع عليها.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: والأشبه أنه إنْ قدر على الأكل؛ فهو السنة. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1840>مسألة [٣]: آخر وقت السحور، وهو أول وقت الصيام</span>.\n• مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، ومالك، وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنه يحرم الطعام، والشراب، والجماع بطلوع الفجر الثاني؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٤٣٣)، «الفتح» (٤/ ١٦٦)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٥٢٠ - ٥٢١).","vol":"4","page":296},{"text":"لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧].\nويدل على ذلك حديث عدي بن حاتم في «الصحيحين» أنه قال: يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين عِقالًا أبيض، وعقالًا أسود أعرف الليل والنهار، فقال له رسول الله - ﷺ -: «إنَّ وسادك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار»، وبنحوه أيضًا في «الصحيحين» عن سهل بن سعد -﵁-. (^١)\nوفي «الصحيحين» (^٢) أيضًا عن عبد الله بن مسعود -﵁-، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يمنعن أحدكم أذانُ بلال من سحوره؛ فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم، وليس أن يقول: هكذا، وهكذا»، وصوب بيده ورفعها، «حتى يقول: هكذا»، وفرَّج بين أصبعيه.\nوفي «صحيح مسلم» برقم (١٠٩٤) عن سمرة بن جندب -﵁-، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يغرَّنَّكم أذان بلال، ولا هذا البياض -لعمود الصبح- حتى يستطير».\n• وحكى ابن المنذر عن طائفة أنهم أجازوا الأكل والشرب بعد طلوع الفجر إلى أن ينتشر البياض في الطرق، والسكك، والبيوت، وهذا القول شاذٌّ، وقد حُكِيَ عن الأعمش، ومسروق.\n_________\n(^١) أخرجهما البخاري برقم (١٩١٦) (١٩١٧)، ومسلم برقم (١٠٩٠) (١٠٩١).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٢١)، ومسلم برقم (١٠٩٣).","vol":"4","page":297},{"text":"وقال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن على من تأول الرخصة كالقول الثاني، ولا أرى عليه قضاء ولا كفارة. اهـ\nوقد جاء في هذا حديث مرفوعٌ، فأخرج أحمد (٥/ ٤٠٠، ٤٠٥)، والنسائي في «الكبرى» (٢/ ٧٧) عن حذيفة، أنه قال: كان بلال يأتي النبي - ﷺ - وهو يتسحر، وإني لأبصر مواقع نبلي. قلت: أبعد الصبح؟ قال: بعد الصبح؛ إلا أنها لم تطلع الشمس، واللفظ لأحمد.\nولكن هذا الحديث مُعَلٌّ؛ فإنه من طريق: عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن حذيفة به مرفوعًا.\nوقد خالفه عدي بن ثابت، وَصِلَةُ بن زُفَر، وكل واحد منهما أوثق منه، فجعلا الحديث موقوفًا على حذيفة، وخالفاه باللفظ.\nأخرجه النسائي في «الكبرى» (٢/ ٧٧)، ولفظه: قال زر: تسحرت مع حذيفة، ثم خرجنا إلى الصلاة، فلما أتينا المسجد صلينا ركعتين، وأُقيمت الصلاة، وليس بينهما إلا هنية.\nقال النسائي -﵀- كما في «تحفة الأشراف» (٣/ ٣٢): لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم. اهـ\nوقال ابن مفلح -﵀- في «الفروع» (٣/ ٧٠): عاصم في حديثه اضطراب، ونكارة، فرواية الأثبات أولى. اهـ","vol":"4","page":298},{"text":"قال الجوزقاني -﵀- في «الأباطيل» (٢/ ١٠٥): هذا حديثٌ منكر، وقول عاصم (هو النهار؛ إلا أنَّ الشمس لم تطلع) خطأ منه، وهو وهم فاحش؛ لأنَّ عديًّا رواه عن زر بن حبيش بخلاف ذلك، وعدي أحفظ وأثبت من عاصم. اهـ\nوقد أورد هذا الحديث شيخنا في «أحاديث معلة» ثم قال: وحديث عاصم بن أبي النجود يزداد ضعفًا أنه خالف قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1841>مسألة [٤]: إذا استمر في الأكل والشرب أثناء الأذان</span>؟\nإذا كان المؤذن لا يؤذن إلا بعد تيقن طلوع الفجر؛ فإنَّ الواجب الإمساك؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». (^٢)\nوإنْ كان المؤذن يؤذن ولم يتيقن طلوع الفجر؛ فيجوز له أن يأكل حتى يفرغ المؤذن ما دام لم يتيقن؛ لأنَّ الأصل بقاء الليل، وقد قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.\nوالأولى والأحوط له أن يمسك احتياطًا لدينه، ولقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٦/ ٣٠٥ - ٣١١)، «البيان» (٣/ ٤٩٧ -)، «الفتح» (١٩١٧) (١٩١٨)، «المغني» (٤/ ٣٢٥).\n(^٢) تقدم تخريجه في الكتاب برقم (١٨٢).\n(^٣) أخرجه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٨/ ٣٢٧)، وأحمد (١/ ٢٠٠) بإسناد صحيح، من حديث الحسن بن علي -﵄-.","vol":"4","page":299},{"text":"هذا قول جماهير العلماء من المتقدمين كما تقدم، وبهذا أفتى سماحة الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهم أجمعين، ثم رأيت شيخ الإسلام قد أفتى بهذا أيضًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1842>مسألة [٥]: هل يجوز الأكل والشرب مادام شاكًّا في طلوع الفجر</span>؟\nالذي عليه الجمهور هو الجواز؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.\nوالأصل بقاء الليل، ولا يزول ذلك إلا بيقين، وقد نقل بعضهم في ذلك الإجماع.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٦٠): والشَّاكُّ في طلوع الفجر يجوز له الأكل، والشرب، والجماع بالاتفاق. اهـ\nوالصحيح وجود الخلاف، فقد خالف مالك كما في «المجموع» (٦/ ٣٠٦)، و«الفتح» (٤/ ١٦١). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1843>مسألة [٦]: إذا أكل ظانًّا أنَّ الفجر لم يطلع فتبين له أنَّ الفجر قد طلع</span>؟\nالحكم في هذه المسألة كالحكم المتقدم في من أكل ظانًّا أنَّ الشمس قد غربت.\n_________\n(^١) انظر: «فتاوى رمضان» (١/ ٢٠١ - ٢٠٣) جمع أشرف، «الفتاوى» (٢٥/ ٢١٦).\n(^٢) انظر: «التمهيد» (٧/ ١٨١ - ١٨٢)، «الإنصاف» (٣/ ٢٧٩)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٠٨)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٤٩٥).","vol":"4","page":300},{"text":"وقد تقدم أنَّ الصحيح أنَّ عليه الإمساك، وليس عليه القضاء.\nراجع المسألة تحت حديث رقم (٦٤٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1844>مسألة [٧]: إذا أذن المؤذن لصلاة الفجر، والشراب في اليد أيشربه أم لا</span>؟\nورد في هذه المسألة أحاديث، أحسنها ما أخرجه أحمد (١٠٦٢٩، و١٠٦٣٠)، وأبو داود (٢٣٥٠) وغيرهما، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه».\nقال ابن أبي حاتم في «العلل» (٣٤٠): سألت أبي عن حديث رواه روح بن عبادة، عن حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه».\nقلت لأبي: وروى روح أيضا عن حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، مثله، وزاد فيه: وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر.\nقال أبي: هذان الحديثان ليسا بصحيحين؛ أما حديث عمار: فعن أبي هريرة موقوف، وعمار ثقة. والحديث الآخر: ليس بصحيح. اهـ\nوله شاهد من مراسيل الحسن البصري -﵀-:\nأخرجه أحمد (٢/ ٤٢٣) عن غسان، عن حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن به.","vol":"4","page":301},{"text":"وهذا إسناد ضعيف؛ غسان هو ابن الربيع، وفيه ضعف، والحسن رواه مرسلًا. ولكنه يقوى ما قبله، وما بعده.\nوله شاهد من حديث جابر بن عبد الله -﵄-:\nأخرجه أحمد (٣/ ٣٤٨) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا عن الرجل يريد الصيام، والإناء على يده ليشرب منه، فيسمع النداء؟ قال جابر: كنا نُحدَّث أن النبي - ﷺ - قال: ليشرب.\nوهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعف ابن لهيعة، والحديث حسن بما تقدم له من شواهد، والله أعلم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: هذه الأحاديث تدل على مشروعية تناول ما رفعه إلى فيه ليشربه أو يأكله، ومثل ذلك إن كان الطعام، أو الشراب قد صار في فمه، ولا يلتحق بذلك ما لم يكن قد رفعه في يده، والله أعلم.\nوقد تأول أكثر الفقهاء هذا الحديث، ولم يقولوا به، والأخذ بظاهره أسلم، والله أعلم.\nوقال الإمام الألباني -﵀- كما «تمام المنة» (ص ٤١٧): وفيه دليل على أن من طلع عليه الفجر، وإناء الطعام أو الشراب على يده: أنه يجوز له أن لا يضعه؛ حتى يأخذ حاجته منه؛ فهذه الصورة مستثناة من الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فلا تعارض بينها وما في معناها من","vol":"4","page":302},{"text":"الأحاديث، وبين هذا الحديث ولا إجماع يعارضه. اهـ المراد.\nوقال الشيخ عبد المحسن العباد عافاه الله في «شرح سنن أبي داود» (١٣/ ٧٨): إذا كان المؤذن الذي يؤذن يعتمد عليه في معرفة الوقت؛ فإن الإنسان إذا كان قد بدأ يشرب فإنه يكمل الشرب، ولكنه لا يبدأ بعد الأذان، وكونه عندما يسمع الأذان يبادر ويذهب ليشرب لا يجوز له ذلك؛ لأن الأذان حصل بعد دخول الوقت، وإذا دخل وقت الفجر؛ فإنه يمنع الأكل ويبيح الصلاة، أي: صلاة الفجر؛ لأنه جاء وقتها، والأكل ذهب وقته في حق من يريد أن يصوم.\nفمن أذن المؤذن وهو يشرب؛ فإنه يكمل الشرب، وإذا كان لم يبدأ فإنه لا يجوز له، وهذه المسألة من ضمن المسائل التي يقال فيها: يجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء، يعني: أن الإنسان لا يجوز له أن يبدأ الشرب، ولكنه إذا كان قد بدأ يكمل، وليس معناه: أن الذي في فمه يقذفه ولا يشرب، بل يبلع الذي في فمه ويكمل أيضًا؛ لأن الذي جاء عنه التحديد جاء عنه استثناء هذه الحالة، فيجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء. اهـ","vol":"4","page":303},{"text":"٦٤٣ - وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ (-﵁-) عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1845>مسألة [١]: ما الذي يُستحبُّ أن يُفطر عليه</span>؟\nدلَّ حديثُ البابِ على استحباب الفطر على الرطب والتمر، وإلا فالماء، وهو حديث ضعيفٌ كما تقدم.\nوقد أخرج الترمذي في «سننه» (٦٩٦)، من حديث أنس بن مالك -﵁-، قال: كان النبي - ﷺ - يُفطر قبل أن يصلي على رطبات؛ فإنْ لم تكن رطبات فتميرات؛ فإنْ لم تكن تميرات حسا حسوات من الماء.\nوقد حسَّنه الإمام الوادعي -﵀- في «الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين» (٢/ ٤١٩ - ٤٢٠).\nثم رأيت أبا حاتم، وأبا زرعة قد أنكراه كما في «العلل» لابن أبي حاتم (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، فقالا: لا نعلم روى هذا الحديث غير عبد الرزاق، ولا ندري من أين جاء عبد الرزاق. اهـ\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٤/ ١٧، ١٨)، وأبوداود (٢٣٥٥)، والترمذي (٦٥٨)، والنسائي في «الكبرى» (٢/ ٢٥٤)، وابن ماجه (١٦٩٩)، وابن خزيمة (٢٠٦٧)، وابن حبان (٣٥١٥)، والحاكم (١/ ٤٣١ - ٤٣٢)، وفي إسناده الرباب بنت صليع أم الرائح، وهي مجهولة، وقد ضعفه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٤/ ٤٩ - ٥٠).","vol":"4","page":304},{"text":"قلتُ: الحديثُ مَدارُه على عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، وقد ذكره الذهبي في «الميزان» في ترجمة جعفر بن سليمان، وذكر أنَّ هذا الحديث مما أُنكِر عليه.\nقلتُ: فعلى هذا فيفطر الإنسان على ما تيسر له من الطيبات، حتى ولو على شربة ماء، فقد ثبت عند أبي يعلى (٣٧٩٢)، وابن حبان (٣٥٠٤)، من حديث أنس -﵁- قال: ما رأيت النبي - ﷺ - قَطُّ صلى صلاة المغرب حتى يُفطر، ولو كان على شربة ماء.\nوتقدم حديث ابن أبي أوفى، وفيه: «يا فلان، انزل فاجدح لنا».\nوَالْجدْح هو: تَحْرِيك السَّوِيق وَنَحْوه بِالْمَاءِ بِعُودٍ يُقَال لَهُ: الْمِجْدَحُ مُجَنَّح الرَّأْس، والسويق هو دقيق القمح، والشعير، يُقْلَى ثم يُطحَن، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٥٥).","vol":"4","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1846>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1847>مسألة [١]: دعاء الإفطار</span>.\nجاءت أدعية عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يصح منها شيءٌ.\nفجاء عنه أنه كان يقول: «اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا إنك أنت السميع العليم»، أخرجه الدارقطني (٢/ ١٨٥)، من طريق عبد الملك ابن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس به. وعبد الملك بن هارون بن عنترة متروك، وأبوه ضعيفٌ.\nوأخرجه الطبراني من حديث أنس في «الأوسط» (٧٥٤٥)، و«الصغير» (٩١٢) بلفظ: «بسم الله، اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرتُ»، وفي سنده: إسماعيل بن عمرو، ضعيفٌ، وداود بن الزبرقان متروكٌ.\nوجاء عند أبي داود (٢٣٥٧) من حديث ابن عمر -﵄- مرفوعًا: كان يقول: «ذهب الظمأُ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى»، ولكنه ضعيفٌ أيضًا؛ ففي سنده: مروان بن سالم بن المقفع، وهو مجهول الحال. (^١)\nفائدة: حديث: «إنَّ للصائم عند فطره دعوة لا تُردُّ»، أخرجه ابن ماجه (١٧٥٣)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ولا يثبت؛ لأنَّ في إسناده\n_________\n(^١) انظر: «الإرواء» (٩١٩) (٩٢٠).","vol":"4","page":306},{"text":"إسحاق بن عبيدالله بن أبي المهاجر، وهو مجهول.\nوللحديث طريق أخرى عند الطيالسي (٢٢٦٢)، وفي إسناده: أبو محمد المليكي.\nقال الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٩٢١): لم أعرفه، ويحتمل أنه عبدالرحمن بن أبي بكر بن عبيدالله بن أبي مليكة المدني؛ فإن يكن هو؛ فإنه ضعيف كما في «التقريب»، بل قال النسائي: ليس بثقة، وفي روايةٍ: متروك الحديث. اهـ\nوضعَّف الحديث شيخُنا الوادعي في تعليقه على «تفسير ابن كثير» عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] الآية.\nولكن قد ثبت عند ابن ماجه (١٧٥٢) من حديث أبي هريرة -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين»، وقد صححه شيخنا في «الجامع الصحيح» (٢/ ٥٠٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1848>مسألة [٢]: يطول النهار في بعض البلدان أكثر من أربع وعشرين ساعة، فهل يلزمهم إمساك النهار كاملا</span>؟\nإذا كان لديهم نهار وليل في ظرف أربعة وعشرين ساعة؛ فيلزمهم إمساك النهار كله، ولو كان عشرين ساعة؛ لعموم الأدلة، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى","vol":"4","page":307},{"text":"اللَّيْلِ﴾، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم» متفق عليه عن عمر -﵁-.\nوأما إذا كان نهارهم يطول على أربعة وعشرين ساعة، كأنْ يستمر ما يقارب يومين أو ثلاثة، أو أكثر، أو أقل؛ فيقدرون ليلهم ونهارهم على أقرب بلد إليهم يتميز فيه الليل والنهار؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في قصة الدجال بعد أن ذكر أنَّ بعض أيامه تعدل سنة، وبعضها شهرًا، فقال له الصحابة: فذلك اليوم الذي كسنة، أتجزئنا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له قدره». أخرجه مسلم (٢٩٣٧).\nوبذلك أفتى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وهيئة كبار العلماء في المملكة. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «تحفة الإخوان» (١٦٤ - ١٦٩)، «فتاوى رمضان» (١/ ١٢٧ -) جمع أشرف.","vol":"4","page":308},{"text":"٦٤٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: فَإِنَّك يا رسول الله تُوَاصِلُ؟ فَقَالَ: «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الهِلَالَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ» كَالمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1849>مسألة [١]: معنى قوله: «يطعمني ربي ويسقيني»</span>.\n• فيه ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه على حقيقته، وأنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يُؤتى بطعام، وشراب من عند الله كرامةً له في ليالي صيامه، وَتُعُقِّبَ بأنه لو أكل حقيقةً لم يبق وصال، وكذلك فقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أنس: «إني أظل يطعمني ربي ويسقيني» أخرجه مسلم (١١٠٤) (٦٠)، ولا يقال: (ظل) إلا في النهار، فلو كان الأكل والشرب حقيقةً لم يكن صائمًا.\nالثاني: قول الجمهور أنه مجاز عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة، فكأنه قال: يعطيني قوةَ الآكل والشارب.\nالثالث: قال ابن القيم -﵀-: المراد ما يغذيه الله من معارفه، وما يفيضه على قلبه من لذة مناجاته، وقرة عينه بقربه، وتنعمه بحبه، والشوق إليه، وتوابع ذلك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣).","vol":"4","page":309},{"text":"من الأحوال التي هي غذاء القلوب حتى يُغني عن غذاء الأجسام برهةً من الزمان كما قيل:\nلها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد\nلها بوجهك نور يستضاء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي\n\nقال أبو عبدالله غفر الله له: قول ابن القيم يرجع إلى قول الجمهور، وقد قال به قبله شيخ الإسلام -﵀-، وهو الصحيح، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1850>مسألة [٢]: حكم الوصال في الصيام</span>.\n• اختلفوا في حكمه على أقوال:\nالقول الأول: جواز ذلك لمن لم يشق عليه، وقد جاء عن عبد الله بن الزبير بأسانيد صحيحة عند ابن أبي شيبة، (^٢) وغيره أنه كان يواصل، فربما واصل خمسة عشر يومًا، وربما واصل سبعة أيامٍ، وهكذا.\nوذهب إلى ذلك أيضًا أخت أبي سعيد الخدري، (^٣) ومن التابعين: عبدالرحمن ابن أبي نُعْم، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وإبراهيم التيمي، وأبو الجوزاء.\nوحُجَّةُ أهل هذا القول أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- واصل بهم بعد أن نهاهم، فَعُلِمَ أنه أراد الرحمة بهم، والتخفيف عنهم.\n_________\n(^١) انظر: «فتح الباري» (٤/ ٢٤٤)، «السبل» (٤/ ١٢٤ - ١٢٥)، «المجموع» (٦/ ٣٥٨)، «زاد المعاد» (٢/ ٣٢)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٥٣٧).\n(^٢) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٨٤)، «تفسير الطبري» [آية:١٨٧] من سورة البقرة.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٨٢)، وفي إسناده: بشر بن حرب الأزدي، وهو شديد الضعف.","vol":"4","page":310},{"text":"القول الثاني: التحريم، وهو مذهب الجمهور، ونصَّ عليه الشافعي في «الأم»، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وصرَّح به ابن حزمٍ، وصححه ابن العربي، وصرَّح به الشوكاني في «الدراري» وصديق في «الروضة».\nواستدلوا:\n١) بنهي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في حديث الباب، وجاء من حديث ابن عمر، وعائشة، وأنس -﵃- كما في «الصحيحين»، (^١) ومن حديث أبي سعيد الخدري -﵁- في «البخاري» (١٩٦٣).\n٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أبي هريرة -﵁-: «لو تأخر الهلال؛ لزدتكم» كالْمُنَكِّلِ بهم حين أَبوا أن ينتهوا.\n٣) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أنس: «أَمَا وَالله، لَوْ تَمَادَّ لِي الشَّهْرُ؛ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ»، فسماهم متعمِّقين، وقد قال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُون» قالها ثلاثًا. رواه مسلم (٢٦٧٠) عن ابن مسعود -﵁-.\n٤) قالوا: وقد ذكر في الحديث ما يدل على أنَّ الوصال من خصائصه، فقال: «إني لست كهيئتكم»، ولو كان مباحًا لهم؛ لم يكن من خصائصه.\n٥) ما أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٥)، والطبراني (١٢٣١)، وغيرهما بإسناد صحيح، أنَّ ليلى امرأة بشير بن الخصاصية -﵄- قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير، وقال: إنَّ النبي - ﷺ - نهى عن هذا، وقال: «يفعل ذلك\n_________\n(^١) أخرجها البخاري برقم (١٩٦٢) (١٩٦٤) (٧٢٤١)، ومسلم برقم (١١٠٢) (١١٠٥) (١١٠٤).","vol":"4","page":311},{"text":"النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا».\nالقول الثالث: الكراهة، وهو مذهب الحنابلة، ورجَّحه الحافظ في «الفتح»، والشوكاني في «النيل».\nواستدلوا:\n١) بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- واصل بأصحابه؛ فدلَّ ذلك على الجواز مع الكراهة جمعًا بين الأدلة.\n٢) بما أخرجه أبو داود (٢٣٧٤) وغيره من طريق: عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة قال: نهى النبي - ﷺ - عن الحجامة، والمواصلة، ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه.\n٣) ما رواه البزار كما في «كشف الأستار» (١٠٢٤)، والطبراني (٧٠١١) (٧٠١٢) من حديث سمرة: نهى النبي - ﷺ - عن الوصال، وليس بالعزيمة.\n٤) إقدام الصحابة على الوصال بعد النهي، فدلَّ على أنهم فهموا أنَّ النهي للتنزيه لا للتحريم، وإلا لما أقدموا عليه.\nوالصحيح -والله أعلم- هو المذهب الثاني -أعني قول الجمهور-؛ للأدلة التي ذكروها، وقد رجَّح ذلك الإمام ابن عثيمين -﵀-.","vol":"4","page":312},{"text":"وأما الرَّدُّ على أدلة المذهب الثالث والأول فكما يلي:\n١) أما عن مواصلة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأصحابه؛ فلم يكن تقريرًا لهم، كيف وقد نهاهم؟ ولكن تقريعًا وتنكيلًا، فاحتمل منهم الوصال بعد نهيه لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم؛ لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي، وليس إقراره لهم على الوصال لهذه المصلحة الرَّاجحة بأعظم من إقرار الأعرابي على البول في المسجد لمصلحة التأليف، ولئلا ينفر عن الإسلام، ولا بأعظم من إقراره المسيء في صلاته على الصلاة التي أخبرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنها ليست بصلاة؛ لمصلحة تعليمه وقبوله بعد الفراغ؛ فإنه أبلغ في التعليم والتعلم. انتهى من «زاد المعاد» بتصرفٍ يسير.\n٢) ما أخرجه أبو داود إسنادُه صحيحٌ، وقد صرَّح عبد الرحمن بالتحديث من هذا الصحابي، ولكن قوله: (ولم يحرمهما) إنما هو فهمٌ من هذا الصحابي كما فهم ذلك عبدالله بن الزبير، ولم يَعْنِ هذ الصحابي أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: (ليس بحرام).\n٣) وأما حديث سمرة؛ فضعيفٌ، وقد ضعَّفَهُ الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٥٨)، وسبب ضعفه هو: جعفر بن سعد بن سمرة، وهو ضعيفٌ، وسليمان بن سمرة بن جندب، وهو مجهول.\n٤) أنَّ فعل الصحابة الذين واصلوا ليس بحجة علينا، بل الأمر كما قال ابن حزم -﵀-: يجعلنا نعلم أنه لا حجة في قول أحد غير الله ورسوله - ﷺ -.اهـ","vol":"4","page":313},{"text":"ومع هذا فإن كبار الصحابة لم يواصلوا كأبي بكر، وعمر، وغيرهما ممن هو أسبق إلى فعل الخيرات ممن واصل، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1851>مسألة [٣]: الوصال إلى السَّحَر</span>.\n• ذهب أحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وابن خزيمة، وجماعةٌ من المالكية إلى جواز الوصال إلى السَّحر؛ لحديث أبي سعيد عند البخاري (١٩٦٣)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «فأيُّكم أراد أن يواصل؛ فليواصل إلى السَّحَر».\nواستدل من منع بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أدبر النهار من هاهنا، وأقبل الليل من هاهنا؛ فقد أفطر الصائم» متفق عليه عن عمر -﵁-؛ إذ لم يجعل الليل محلًّا لسوى الفطر، فالصوم فيه مخالفة لوضعه كيوم الفطر.\nوالجواب عن ذلك:\nهو ما قاله الإمام الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» بعد أن ذكر الحديث الذي استدل به المخالِف: فإنه لا ينافي الوصال؛ لأنَّ المراد بـ (أفطر) دخل وقت الإفطار، لا أنه صار مُفطِرًا حقيقةً؛ لأنه لو صار مُفطِرًا حقيقةً لما ورد الحث على التعجيل بالإفطار، ولا النهي عن الوصال، ولا استقام الإذن بالوصال إلى السحر. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٤٣٦ -)، «الفتح» (٤/ ٢٣٩ - ٢٤٢)، «زاد المعاد» (٢/ ٣٥ - ٣٧)، «المحلَّى» (٧٩٧)، «نيل الأوطار» (١٦٦٧)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٤٣)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٥٣٧)، «المجموع» (٦/ ٣٥٨)، «سبل السلام» (٤/ ١٢٣ - ١٢٤)، «توضيح الأحكام» (٣/ ١٦١).","vol":"4","page":314},{"text":"وقال الإمام الشوكاني -﵀-: فإنْ كان اسم (الوصال) إنما يصدق على إمساك جميع الليل؛ فلا معارضة بين الأحاديث، وإنْ كان يصدق على أعم من ذلك؛ فيُبْنَى العام على الخاص، ويكون المحرم ما زاد على الإمساك إلى ذلك الوقت. اهـ\nوالراجح هو المذهب الأول، وهو الجواز، وقد رجَّح ذلك ابن القيم -﵀-. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٦٤)، «النيل» (١٦٦٧)، «السبل» (٤/ ١٢٥)، «الزاد» (٢/ ٣٨).","vol":"4","page":315},{"text":"٦٤٥ - وَعَنْهُ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَبُودَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1852>مسألة [١]: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فليس لله حاجة في أنْ يدع طعامه وشرابه»</span>.\nقال ابن بَطَّال -﵀-: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُؤْمَرَ بِأَنْ يَدَعَ صِيَامَهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّحْذِير مِنْ قَوْلِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ. اهـ «شرح ابن بطال».\nقال الحافظ -﵀-: ولَا مَفْهُومَ لذلك؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْء، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: فَلَيْسَ لله إِرَادَةٌ فِي صِيَامِهِ، فَوَضَعَ الْحَاجَةَ مَوْضِعَ الْإِرَادَةِ، وقَالَ اِبْن الْمُنَيِّرِ: هُوَ كِنَايَة عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ، كَمَا يَقُولُ الْمُغْضَب لِمَنْ رَدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا طَلَبه مِنْهُ فَلَمْ يَقُمْ بِهِ: لَا حَاجَةَ لِي بِكَذَا. اهـ «الفتح».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1853>مسألة [٢]: شهادة الزور، والغيبة، والمعاصي هل تبطل الصوم</span>؟\n• ذهب الأوزاعي -﵀- إلى أنَّ الغيبة تبطل الصوم، وألحق ابن حزم بالغيبة جميع المعاصي، فذهب إلى أنَّ أي معصية تبطل الصوم، واحتجا بحديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب، وبحديث أبي هريرة -﵁- عند أحمد (٢/ ٣٧٣)، والنسائي في «الكبرى» (٢/ ٢٣٩): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٣) (٦٠٥٧)، وأبوداود (٢٣٦٢)، واللفظ هو للبخاري بالموضع الثاني، وأما أبوداود فليس عنده زيادة «والجهل» وعلى هذا فاللفظ للبخاري.","vol":"4","page":316},{"text":"الجوع، ورُبَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلا السَّهَر».\n• وذهب سائر العلماء إلى أنَّه يُعْتَبَرُ عاصيًا، ولا يبطل صومه، وأما استدلالهم بالأحاديث.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٦/ ٣٥٦): وأجاب بعض أصحابنا عن هذه الأحاديث بأنَّ المراد أنَّ كمال الصوم وفضيلته المطلوبة إنما يكون بصيانته عن اللغو والكلام الرَّديء لا أنَّ الصوم يبطل به. اهـ\nوأيضًا يُجاب بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد أثبت له الصيام ونفى الأجر، حيث قال: «ليس له من صيامه ...»، وأيضًا في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا». (^١)\nوعلى هذا فإنه لا يسلم لأحدٍ صومُه، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٥٧٧)، من حديث أبي ذر -﵁-.\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٥٦)، «المحلَّى» (٧٣٤).","vol":"4","page":317},{"text":"٦٤٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ. (^١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: فِي رَمَضَانَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1854>مسألة [١]: إذا باشر، أو قَبَّلَ، أو نظر، فأمنى، أو أمذى</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالقول الأول: قال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أمنى في غير النظر، ولا قضاء في الإمذاء.\nالقول الثاني: قال مالك، وإسحاق: يقضي في كل ذلك، ويُكفِّر إلا في الإمذاء فيقضي فقط، واحتج له بأنَّ الإنزال أقصى ما يطلب بالجماع من الالتذاذ في كل ذلك، وتُعُقِّبَ بأنَّ الأحكام عُلِّقَتْ بالجماع، ولو لم يكن إنزال؛ فافترقا.\nالقول الثالث: لا قضاء عليه، ولا كفارة، وهو قول أبي محمد بن حزم، ورجَّحه الصنعاني حيث قال: الأظهر أنه لا قضاء، ولا كفارة إلا على من جامع، وإلحاق غير المجامع به بعيد. اهـ\nوهذا هو الذي رجَّحه الإمام الألباني -﵀-، والإمام الوادعي -﵀-، وبهذا\n_________\n(^١) هو بفتح الهمزة والراء، وبالموحدة، أي: حاجته، ويروى بكسر الهمزة وسكون الراء، أي: عضوه، والأول أشهر.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٢٧)، ومسلم (١١٠٦) (٦٥) (٧١).","vol":"4","page":318},{"text":"القول يُعلم أنَّ قول ابن قدامة: (إنْ قبَّل فأنزل؛ أفطر بلا خلاف) غير صحيح، فقد وُجِدَ الخلاف كما تقدم، وكما في «الإنصاف» (٣/ ٢٧١ -).\nوالراجح -والله أعلم- أنه إنْ تعمَّد إنزال المني بمباشرة، أو تقبيل؛ فإنه يُفطر، وإنْ لم يقصد الإنزال عند المباشرة، أو التقبيل، فأمنى من غير قصد؛ فلا شيء عليه، وكذلك إذا أمذى؛ فلا شيء عليه مطلقًا.\nوإذا أنزل المني متعمدًا؛ بطل صومه، وليس عليه كفارة، ولا يقدر على القضاء، وعليه التوبة.\nقال الإمام الشوكاني -﵀- في «السيل الجرَّار» (٢/ ١٢١): إنْ وقع من الصائم سببٌ من الأسباب التي وقع الإمناء بها؛ بطلَ صومه، وإنْ لم يتسبب بسبب، بل خرج مَنِيُّهُ لشهوة ابتداءً، أو عند النظر إلى ما يجوز له النظر إليه مع عدم علمه بأن ذلك مما يتسبب عنه الإمناء؛ فلا يبطل صومه، وما هو بأعظم ممن أكل ناسيًا. اهـ\nثم وجدت في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٧٠) بإسنادٍ صحيحٍ عن جابر بن زيد -﵀- أنه قال فيمن نظر إلى امرأته فأمنى، قال: لا يفطر، ويتم صومه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1855>مسألة [٢]: القبلة والمباشرة للصائم إذا لم ينزل</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالأول: الكراهة مطلقًا، وهو المشهور عند المالكية.","vol":"4","page":319},{"text":"الثاني: نقل ابن المنذر وغيره عن قومٍ التحريم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، وزاد بعضهم فقال: يبطل صومه، كعبد الله بن شبرمة، وحُكي عن سعيد بن المسيب.\nالثالث: الإباحة، وقد صحَّ عن أبي هريرة -﵁- عند ابن أبي شيبة (٣/ ٦٠)، وجاء عن سعد بن أبي وقاص -﵁-، قال ابن حزم -﵀- في «المحلَّى»: من طُرُقٍ صحاح عنه، وهو قول طائفة. وبالغ ابن حزم فقال بالاستحباب.\nالرابع: يُكره للشاب، ويُباح للشيخ، واستدلوا بما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة -﵁-، أنَّ رجلًا أتى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فسأله عن المباشرة للصائم، فرخَّص له، وأتاه آخر فسأله عنها فنهاه، فإذا الذي رخَّص له شيخ، والذي نهاه شابٌّ. أخرجه أبو داود (٢٣٨٧)، وإسناده صحيح، وقد أعلَّهُ بعضُهم بأبي العنبس الحارث بن عبيد، وقالوا: مجهولٌ، والصحيح أنه ثقة، فقد وثَّقه ابن معين كما في «تاريخ الدارمي».\nالخامس: إنْ ملك نفسه؛ جازَ، وإلا فلا، وهو قول الشافعي، والثوري، وهذا هو الصحيح؛ لحديث عائشة -﵂- الذي في الباب، وإنما منعناه لمن لا يملك نفسه للأدلة القاضية بسد الذرائع الموصلة إلى الحرام، ويشير إلى ذلك الحديث الذي استدل به أهل القول الرابع.","vol":"4","page":320},{"text":"وأما عن الأقوال السابقة:\nفالقول الأول: يرده حديث عائشة -﵂-، وكذلك حديث حفصة، وأم سلمة (في «صحيح مسلم» (١١٠٦ - ١١٠٨): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يُقَبِّلُ وهو صائمٌ، ودعوى الخصوصية في هذه الأحاديث تحتاج إلى برهان، بل قد ثبت أنَّ رجلًا من الأنصار قبَّل امرأته على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو صائمٌ، فأمرها، فسألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن ذلك؟ فقال لها: إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفعل ذلك، فأخبرته امرأته، فقال لها: إنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يرخص له في أشياء، فارجعي إليه، فرجعت إليه، فأخبرته، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أنا أتقاكم، وأعلمكم بحدود الله» أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٤)، وصححه الوادعي -﵀- في «الجامع الصحيح».\nوروى مسلم في «صحيحه» (١١٠٨): أنَّ عمر بن أبي سلمة سأل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أيقبل الصائم؟ فقال: «سل هذه» -يعني أم سلمة- فأخبرته أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفعل ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فال: «أَمَا والله، إني لأتقاكم لله، وأخشاكم».\nوأما القول الثاني: فالرد عليه بما رُدَّ على القول الأول.\nوأما استدلالهم بالآية: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾.\nفالجواب عن ذلك:\nأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو المبين عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة، والقبلة نهارًا، فدلَّ على أنَّ المراد بالمباشرة في الآية هو الجماع لا ما دونه، والله أعلم.","vol":"4","page":321},{"text":"وأما الرد على أهل القول الرابع:\nفإنَّ الحديث الذي ذكروه واقعة عين لا تفيد العموم، والناس يختلفون، فرُبَّ شيخ أشد شهوة من الشاب، وكذا العكس.\nويدل على عدم اعتبار هذ التفريق حديث عمر بن أبي سلمة الذي تقدم قريبًا؛ فهذا يدل على أنَّ النظر في ذلك لمن يتأثر بالمباشرة والتقبيل، ويجره إلى الحرام، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٢٧)، «سبل السلام» (٤/ ١٢٨ - ١٢٩)، «المحلَّى» (٧٥٣)، «المجموع» (٦/ ٣٥٥).","vol":"4","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1856>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1857>مسألة [١]: استمناء الصائم</span>.\n• ذهب الجمهور، ومنهم: أحمد، ومالك، والشافعي، إلى أنه يفسد الصوم، واستدلوا بقوله تعالى في الحديث القدسي: «يدع طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلي» متفق عليه عن أبي هريرة -﵁-، وهذا لم يدع شهوته، وهذا ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما. واستدلوا أيضًا بقياسه على الجماع؛ فإنَّ غاية الجماع هو خروج المني، وقد حصل بالاستمناء.\n• وذهب ابن حزم إلى أنه لا يفسد صومه؛ لأنه لم يأت نصٌّ بأنه ينقض الصوم، ورجَّح ذلك الصنعاني، والألباني رحمة الله عليهما، وهو ظاهر اختيار الشيخ الوادعي كما في «إجابة السائل» (ص ١٧٤ - ١٧٥).\nوالراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور؛ لدلالة الحديث على ذلك، أعني قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيما يرويه عن ربه ﷿: «يدع طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلي»، والمستمني لم يدع شهوته.\nويستثنى من الشهوة الواردة في الحديث ما استثناه الدليل، وهو المباشرة، والتقبيل؛ لحديث عائشة -﵂- المذكور في الباب.","vol":"4","page":323},{"text":"وما أحسن وأجود ما قرره الإمام الشوكاني -﵀- في «السيل الجرَّار» (٢/ ١٢١)، حيث قال: إنْ وقع من الصائم سبب من الأسباب التي وقع الإمناء بها؛ بطل صومه، وإنْ لم يتسبب بسبب، بل خرج منيه لشهوة ابتداءً، أو عند النظر إلى ما يجوز له النظر إليه مع عدم علمه بأنَّ ذلك مما يتسبب عنه الإمناء؛ فلا يبطل صومه، وما هو بأعظم ممن أكل ناسيًا. اهـ\nقلتُ: هذا الذي قرره هذا الإمام هو الصحيح، وعليه الاعتماد، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1858>مسألة [٢]: احتلام الصائم</span>.\nإذا احتلم الصائم فلا يُفطِر بالإجماع، نقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر في «التمهيد» (٧/ ١٩٢)، والنووي في «شرح المهذب» (٦/ ٣٢٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في «شرح كتاب الصيام» (١/ ٣٠٧، ٤٨٥).\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٤١)، «المحلَّى» (٧٥٣)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، «تمام المنة» (ص ٤١٨ - ٤١٩).","vol":"4","page":324},{"text":"٦٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n٦٤٨ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ (-﵁-) أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ. (^٢)\n\n٦٤٩ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (-﵁-) قَالَ: أَوَّلُ مَا كُرِهَتِ الحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ: أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «أَفْطَرَ هَذَانِ» ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَعْدُ فِي الحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَوَّاهُ. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٩٣٨). وأخرجه برقم (١٩٣٩) بلفظ: (احتجم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو صائم) فقط. وقد أعلّ الحديث أحمد ويحيى القطان وابن المديني فذكروا أن الصوم ليس محفوظًا في الحديث، وإنما هو (احتجم وهو محرم)، وذكر أحمد أن عطاء وطاوسًا وسعيد بن جبير رووا الحديث عن ابن عباس ولم يذكروا الصوم، ودافع الحافظ ابن حجر عن الحديث في «الفتح» وبين أن المعل إنما هو لفظ (احتجم وهو صائم محرم) وأنهما قضيتان كما يشير إليه لفظ البخاري مرة: احتجم وهو محرم، ومرة: احتجم وهو صائم، فوهم بعض الرواة فجعلها قضية واحدة، والله أعلم.\nانظر: «نصب الراية» (٢/ ٤٧٨)، و«التلخيص» (٢/ ٣٦٦)، و«الفتح» (١٩٣٨).\n(^٢) صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٢٨٣)، وأبوداود (٢٣٦٩)، والنسائي في «الكبرى» (٢/ ٢١٧ - ٢١٩)، وابن ماجه (١٦٨١)، وابن خزيمة (١٩٦٢)، وابن حبان (٣٥٣٣)، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وقد ذكره شيخنا في «الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين».\nتنبيه: ابن خزيمة أخرجه من حديث ثوبان لا من حديث شداد بن أوس، وهذا الحديث جاء عن جمع من الصحابة أكثرها معل، وأصحها حديث ثوبان وشداد. انظر «التلخيص» (٢/ ٣٦٨)، و«نصب الراية» (٢/ ٤٧٢).\n(^٣) ضعيف منكر. أخرجه الدارقطني (٢/ ١٨٢) من طريق خالد بن مخلد القطواني، ثنا عبدالله بن المثنى، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، فذكره.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لأن خالد بن مخلد: صدوق له مناكير، وعبدالله بن المثنى صدوق كثير الخطإِ. وهذا الحديث أنكره ابن عبدالهادي في «التنقيح» (٣/ ٢٧٦)، وشيخ الإسلام كما في «شرح كتاب الصيام» (١/ ٤٤٧ - ٤٤٨) والحافظ ابن حجر في «الفتح» (١٩٣٨) ولم يخرجه أحد غير الدارقطني أو من رواه من طريقه.","vol":"4","page":325},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1859>مسألة [١]: احتجام الصائم</span>.\n• ذهب الجمهور، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة إلى أنَّ الحجامة لا تفطر الصائم، وصحَّ هذا القول عن ابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي سعيد، والحسين بن علي -﵃-، وجاء عن ابن مسعود، وأم سلمة، وفيهما ضعفٌ.\nوقال به من التابعين: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والشعبي، والنخعي.\nواستدلوا بما يلي:\n١) حديث ابن عباس -﵄- الذي في «البخاري»، وهو المذكور في الكتاب.\n٢) حديث أنس -﵁- عند البخاري (١٩٤٠)، أنَّ ثابتًا البناني قال: سُئل أنس: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف. ولفظه عند أبي داود (٢٣٧٥): ما كُنَّا ندع الحجامة للصائم إلا كراهية الجهد.\n٣) ما أخرجه أبو داود (٢٣٧٤) بإسناد صحيح عن رجل من الصحابة أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن الحجامة، والمواصلة ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه.","vol":"4","page":326},{"text":"٤) ما أخرجه النسائي في «الكبرى (٢/ ٢٣٧)، وغيره من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: أرخص النبي - ﷺ - في الحجامة للصائم. وإسناده ظاهره الصحة؛ إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وقد رجَّح وقفه أبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذي، وابن خزيمة، وغيرهم.\n٤) حديث أنس: «أول ما كُرهت الحجامة للصائم»، وهو المذكور في الباب، وقد تقدَّم أنه ضعيفٌ.\nاستدلوا بالقياس على الفصد، والرُّعاف، وقد ثبت عن ابن عباس -﵄-، أنه قال: الفطر مما دخل، وليس مما خرج.\nوهذا المذهب رجَّحه البخاري في «صحيحه»، وابن حزم في «المحلَّى»، وهو ترجيح الإمام الألباني -﵀-.\n• وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه يفطر الحاجم، والمحجوم، وعليهما القضاء، وهو قول عطاء، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، ومن الشافعية ابن خزيمة، وابن المنذر، وأبو الوليد النيسابوري، وابن حبان، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ورجَّحه الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، وقد جاء عن علي -﵁-، أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٢١٠)، من طريق: الحسن عنه، وهو منقطعٌ، وجاء عن عائشة -﵂- عند ابن أبي شيبة، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وفيه ضعف.\n• وقد شذَّ عطاء فأوجب الكفارة أيضًا، ولا دليل على ذلك. واستدل هؤلاء","vol":"4","page":327},{"text":"بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أفطر الحاجم، والمحجوم».\nوأوردوا على القول الأول ما يلي:\n١) حديث ابن عباس -﵄- أعلَّه الإمام أحمد وغيره كما تقدم.\n١) أجاب ابن خزيمة بما حاصله: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان مُحرمًا، والمحرم يكون مسافرًا، والمسافر يجوز له أن يُفطِرَ، سواء بالأكل، أو بالشرب، أو الحجامة، فليس في حديث ابن عباس -﵄- ما يمنع الإفطار.\n٢) أنَّ حديث ابن عباس -﵄- مُبْقِي على الأصل، وحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» ناقلٌ عن الأصل، والناقل مُقَدَّمٌ على المبْقِي.\nوالصحيح هو القول الأول، وهو قول الجمهور.\nوأما قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أفطر الحاجم، والمحجوم»، فقد أُجِيبَ عنه بأجوبة منها:\n١) ما ذكره الشافعي في «الأم»، وتبعه عليه الخطابي، والبيهقي، وسائر الشافعية من أنَّ هذا الحديث منسوخٌ بحديث ابن عباس، وغيره مما ذكرنا.\nقالوا: ويدل على النسخ أنَّ ابن عباس لم يصحب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مُحرِمًا إلا في حجة الوداع، وحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» كان يوم الفتح كما جاء في بعض ألفاظه.\nويؤيده حديث أبي سعيد، وحديث أنس الَّلذان تقدم ذكرهما في أدلة المذهب الأول.","vol":"4","page":328},{"text":"وقد اعتمد على هذا الجواب ابن حزم، ثم الشيخ الألباني رحمهما الله، مُعْتَمِدَيْنِ على حديث أبي سعيد، وحديث أنس -﵄-.\nوَيَرِدُ على هذا الجواب: أنَّ الرَّاجح في حديث ابن عباس أنهما قضيتان (احتجم وهو محرمٌ) (احتجم وهو صائمٌ)، وجمع بينهما بعض الرُّواة كما في «البخاري»، قرر ذلك الحافظ في «التلخيص».\nوحديث أبي سعيد، وأنس مُعَلَّان كما تقدم، فيبقى هذا الجواب احتمالًا، وهو أقوى الأجوبة، والله أعلم.\n٢) ما أجاب به الشافعي أيضًا، وتبعه الخطابي، وبعض الشافعية من أنَّ المراد بحديث: «أفطر الحاجم، والمحجوم» أنهما كانا يغتابان في صومهما، كما جاء في بعض طرق الحديث (^١)، وعلى هذا التأويل يكون المراد بإفطارهما أنه ذهب أجرهما، كما قال بعض الصحابة لمن تكلم حال الخطبة: (لا جمعة لك)، أي: ليس لك أجرها، وإلا فهي صحيحة مُجزئةٌ عنه.\nلكن لم يصح في الحديث أنهما كانا يغتابان، فيبقى هذا الجواب احتمالًا فقط.\n٣) ما أجاب به الخطابي، والبغوي رحمة الله عليهما، أنَّ معناه: (تَعَرَّضَا للإفطار)، أما الحاجم؛ فلأنه لا يأمن وصول شيء من الدم إلى جوفه عند المص، وأما المحجوم؛ فلأنه لا يأمن ضعف قوته بخروج الدم، فيؤول\n_________\n(^١) لا يثبت ذكر الغيبة في الحديث، أخرجه البيهقي في «الكبرى» (٤/ ٢٦٨)، من حديث ثوبان -﵁-، وفي إسناده: يزيد بن ربيعة الرحبي الدمشقي، وهو متروك، وذكر الحافظ ابن حجر عن ابن المديني أنه قال: حديث باطل.","vol":"4","page":329},{"text":"أمره إلى أن يفطر.\nوإلى هذا القول أشار الشوكاني -﵀-، وسيأتي كلامه.\n٤) ما ذكره الخطابي -﵀- أيضًا أنه مرَّ بهما قريب المغرب، فقال: «أفطر الحاجم، والمحجوم» أي: حان فطرهما، كما يقال: أمسى الرجل، إذا دخل في وقت المساء، أو قاربه.\n٥) أنه تغليظٌ ودعاءٌ عليهما؛ لارتكابهما ما يعرضهما لفساد صومهما.\n٦) أنَّ حديث ابن عباس أصح، ويعضده القياس؛ فوجب تقديمه، أجاب بهذا الشافعي.\nوأقوى هذه الأجوبة الأول، ثم الثالث.\nوأما ما أوردوه على الجمهور، فالجواب عنه كما يلي:\n١) إعلال الإمام أحمد لذكر الصيام فيه قد عارضه في ذلك الإمام البخاري، وصحح ذكر الصيام في الحديث.\nوقد بيَّنَ الحافظ أنهما قضيتان:\nالأولى: احتجم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو محرمٌ، وهذا الحديث متفق على صحته.\nالثانية: احتجم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو صائمٌ، فجاء بعض الرواة فجمع بينهما، ومن هنا حصل الإشكال؛ لكون أكثر الرواة يروونه بلفظ: «وهو محرمٌ» فقط.\n٢) قال الحافظ ابن حجر -﵀- بعد أن ذكر كلام ابن خزيمة: وتعقب بأنَّ","vol":"4","page":330},{"text":"هذا الحديث ما ورد هكذا إلا لفائدة؛ فالظاهر أنها وجدت منه الحجامة وهو صائمٌ لم يتحلل من صومه واستمر.\nوقال الخطابي -﵀- في «معالم السنن»: وهذا تأويلٌ باطلٌ؛ لأنه قال: احتجم وهو صائمٌ. فأثبت له الصيام مع الحجامة ولو بطل صومه بها لقال: أفطر بالحجامة.\nقال النووي -﵀-: قلت: ولأنَّ السابق إلى الفهم من قول ابن عباس «احتجم وهو صائمٌ» الإخبار بأنَّ الحجامة لا تبطل الصوم، ويؤيده باقي الأحاديث المذكورة. اهـ\n٣) أنَّ هذا الترجيح لا يُرجع إليه إلا عند عدم إمكان الجمع وعند عدم النسخ، والأمر هنا بخلاف ذلك، ومع التسليم فقد يُعارض بترجيح حديث ابن عباس على حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم»، والله أعلم.\nونسأله تعالى أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\nوما أحسن ما قاله الشوكاني -﵀- بعد أن ذكر الخلاف: فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْحِجَامَةَ مَكْرُوهَةٌ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ يَضْعُفُ بِهَا، وَتَزْدَادُ الْكَرَاهَةُ إذَا كَانَ الضَّعْفُ يَبْلُغُ إلَى حَدٍّ يَكُونُ سَبَبًا لِلْإِفْطَارِ، وَلَا تُكْرَهُ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ لَا يَضْعَفُ بِهَا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تَجَنُّبُ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ أَوْلَى، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» عَلَى المَجَازِ؛ لِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ الصَّارِفَةِ لَهُ عَنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «شرح المهذب» (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٣)، «الفتح» (١٩٣٨)، «نصب الراية» (٢/ ٤٧٢ -)، «التلخيص» (٢/ ٣٦٦ -)، «سبل السلام» (٤/ ١٣٠ - ١٣٥)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٩٢)، «نيل الأوطار» (١٦٤٤)، «توضيح الأحكام» (٣/ ١٦٩ - ١٧١)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٤٠٦ - ٤٥٠)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٥١)، «مصنف عبد الرزاق» (٤/ ٢١٠ -).","vol":"4","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1860>مسألة [٢]: فصد العرق وشرطه</span>.\nالفصد والشرط: هو شق العرق؛ فإنْ شققته طولًا فهو شرط، وإنْ شققته عرضًا فهو فصدٌ.\n• والذي عليه الشافعية، وأكثر الحنابة، ومنهم: القاضي، وابن عقيل أنه لا يُفَطِّرُ، وهذا هو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يدل على فطره.\n• وذهب بعض الحنابلة، ورجَّحه شيخ الإسلام إلى أنه يُفَطِّر قياسًا على الحجامة بجامع وجود الضعف في كليهما، واستقرب ذلك الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1861>مسألة [٣]: من نزفه الدم من رُعافٍ، أو غيره</span>؟\n• النزيف الذي يحصل من الأسنان، أو من الأنف، وما أشبه ذلك لا يؤثر في الصوم مادام يحترز من ابتلاعه ما أمكن، وهذا مذهب الحنابلة، والجمهور، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1862>مسألة [٤]: سحب الدم للتبرع</span>.\n• ذهب الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والشيخ صالح الفوزان إلى أنه إنْ كان كثيرًا؛ أفطر قياسًا على الحجامة.\n_________\n(^١) انظر: «شرح المهذب» (٦/ ٣٤٩)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٤٥١ - ٤٥٣)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٤٦)، «مصنف عبد الرزاق» (٤/ ٢٠٧).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٣/ ٢٧٣)، كتاب الصيام (١/ ٤٥٠)، «فتاوى ابن عثيمين» (١/ ٥١٤)، «فتاوى اللجنة» (١٢٠٧٧)، «فتاوى رمضان» (٢/ ٤٠٦)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٦٧).","vol":"4","page":332},{"text":"وقد تقدم أنَّ الراجح في الحجامة أنها لا تفطر، فالظاهر -والله أعلم- أنَّ سحب الدم للتبرع لا يُعَدُّ مُفَطِّرًا، وهو مقتضى مذهب الجمهور. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «فتاوى رمضان» (٢/ ٤٦٥ - ٤٦٧) جمع أشرف.","vol":"4","page":333},{"text":"٦٥٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ فِيْهِ شَيْءٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1863>مسألة [١]: اكتحال الصائم</span>.\n• مذهب الشافعي وأصحابه، وحكاه ابن المنذر عن عطاء، والحسن، والنخعي، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور: أنه جائزٌ، ولا كراهة فيه، ولا يفطر، سواء وجد طعمه في حلقه، أم لا.\nوجاء عن أنس -﵁- أنه كان يكتحل، وهو صائم. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٧)، وفي إسناده أبو معاذ عتبة بن حميد الضبي، وفيه ضعف. واستدلوا بحديث عائشة -﵂- الذي في الباب، وبأحاديث أخرى ضعيفة، وأقوى ما استدلوا به هو البراءة الأصلية، فالأصل أن الصائم لا يُحكم عليه بالفطر إلا بدليل صحيحٍ، صريحٍ، ولا نستطيع أن نُفْسِدَ عبادة شخصٍ إلا بذلك.\nوهذا المذهب هو الراجح، وهو الذي رَجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وأشار إلى ترجيحه الصنعاني، واستظهره الشوكاني، ورجَّحه الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرج ابن ماجه (١٦٧٨)، وفي إسناده سعيد بن عبدالجبار الزبيدي، وقد كذبه ابن جرير، وضعفه النسائي، وقال ابن المديني: لم يكن بشيء، وقال مسلم: متروك الحديث. وانظر: «التنقيح» (٣/ ٢٤٩)، «التلخيص» (٢/ ٣٦٥)، «شرح العلل» (٢/ ٨٢٤).","vol":"4","page":334},{"text":"• ومذهب أحمد، ومالك، والثوري، وإسحاق: أنه يُكره، وقال مالك، وأحمد: وإنْ وصل إلى الحلق؛ أفطر، واستدلوا بحديث ابن عباس -﵄-، مرفوعًا: «الفطر مما دخل وليس مما خرج» أخرجه ابن عدي (٦/ ٢٠٤٢)، وقالوا: هذا يجد طعمه في حلقه، فيدل على أنه قد دخل، وبالإفطار قال ابن شبرمة، وابن أبي ليلى.\nوالصحيح هو القول الأول، وأما حديث: «الفطر مما دخل ...»، ففي سنده: الفضل بن مختار، وهو ضعيفٌ جدًّا، وفيه أيضًا: شعبة مولى ابن عباس، وهو ضعيفٌ، وقال ابن عدي: الأصل في هذا الحديث أنه موقوفٌ. انتهى، ورجَّح ذلك البيهقي.\nوقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام»: وأُجيب عنه: بأنَّا لا نسلم كونه داخلًا؛ لأنَّ العين ليست بمنفذ، وإنما يصل من المسام؛ فإنَّ الإنسان قد يدلك قدميه بالحنظل؛ فيجد طعمه في فيه. اهـ\nوقدِ استُدِلَّ للمانعين بحديث معبد بن هوذة، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال في الإثمد: «ليتقه الصائم» رواه أبو داود (٢٣٧٧)، من طريق: عبد الرحمن بن النعمان ابن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جده به.\nوهذا الحديث سنده ضعيفٌ؛ لأنَّ عبد الرحمن ضعيفٌ، والنعمان مجهول، وقد أنكر هذا الحديث ابن معين وأحمد، ثم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عبد الهادي. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٥٣)، «شرح المهذب» (٦/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، «النيل» (٤/ ٢٠٥ -)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٨٢)، «سبل السلام» (٤/ ١٣٦)، «التنقيح» (٣/ ٢٤٦)، «مسائل أبي داود» (ص ٢٩٨)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٣٤).","vol":"4","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1864>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1865>مسألة [١]: القطرة في الأذن</span>.\n• الذي عليه الحنابلة، وجمهور الشافعية أنها تعتبر مفطرة؛ لكونها تصل إلى الدماغ.\n• وذهب بعض الشافعية كأبي علي السنجي، والقاضي حسين، والفوراني، وصححه الغزالي إلى أنها لا تفطر، وهو مذهب ابن حزم، وترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لكون الأُذُن ليست بمنفذٍ إلى الحلق، والمعدة.\nوهذا هو الصحيح، وهو ترجيح الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1866>مسألة [٢]: السعوط والقطرة في الأنف</span>.\nالسُّعوط: بضم السين، هو نفس الفعل، وهو جعل الشيء في الأنف، وجذبه إلى الدماغ.\nوالسَّعوط: بالفتح، هو اسمٌ للشيء الذي يتسعطه كالماء، والدهن، وغيرهما، والمراد هنا الضم.\n• وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب:\nالأول: أنه إنْ وصل إلى الدماغ؛ أفطر، وهو قول الشافعية، والحنابلة، ورجَّحه\n_________\n(^١) انظر: «شرح المهذب» (٦/ ٣١٤ - ٣١٥)، «المغني» (٤/ ٣٥٣)، «المحلى» رقم (٧٥٣)، «فتاوى رمضان» (٢/ ٥٠٩ - ٥١١).","vol":"4","page":336},{"text":"شيخ الإسلام ابن تيمية.\nقال: وسواءٌ تيقن من وصوله إلى حلقه، أو جوفه، أو لم يتحققه بناء على أنَّ بين الدماغ والجوف مجرى، فما يصل إلى الدماغ لابد أن يصل إلى الجوف، وإلى الحلق.\nالثاني: قول الإمام مالك -﵀-، وهو أنه لا يفطر بالسُّعوط؛ إلا إذا دخل إلى حلقه، وهو ظاهرُ ترجيح الإمام ابن عثيمين، والإمام ابن باز رحمهما الله.\nوعزا هذا القول الحافظُ لمالكٍ، والشافعي.\nالثالث: أنه لا بأس به للصائم، وهو قول النخعي، وابن حزم.\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الثاني؛ لحديث لقيط بن صبرة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن تكون صائمًا». (^١)\nولا يُعلم لهذا علَّة، إلا أنَّ المبالغة تكون سببًا لوصول الماء إلى المعدة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1867>مسألة [٣]: احتقان الصائم</span>.\nالاحتقان: هو إدخال الأدوية من طريق الدُّبُر، وهو معروفٌ ولا يزال يُعمل.\n• فالمشهور من مذهب أحمد، والشافعي أنها تفطر؛ لأنها تصل إلى شيء مُجَوَّفٍ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الكتاب برقم (٣٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٣٥٣)، «المجموع» (٦/ ٣١٣)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٣٨٥)، «المحلَّى» (٧٥٣)، «الفتح» [باب (٢٨) من كتاب الصوم]، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٧٩)، «فتاوى رمضان» (٢/ ٥١١).","vol":"4","page":337},{"text":"في الإنسان، وهو الأمعاء؛ فتكون مفطرة، سواء وصلت إلى المعدة أم لا.\n• وذهب ابن حزمٍ، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو رواية عن مالك.\nوهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، والشيخ ابن باز إلى أنه لا بأس بذلك؛ لأنه لا يطلق عليه اسم الأكل والشرب لغة، ولا عُرْفًا، وليس هناك دليل من الكتاب والسنة يدل على أنَّ مناط الحكم بالإفطار: وصول الشيء إلى الجوف.\nوهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1868>مسألة [٤]: التقطير في الإحليل الذَّكَر</span>.\n• الذي عليه جمهور الشافعية، والحنابلة أنه يُعَدُّ مفطِّرًا؛ لأنه يصل إلى الجوف.\n• وهناك وجهٌ عند الشافعية، والحنابلة، وهو ترجيح شيخ الإسلام أنه لا يُعَدُّ مُفَطِّرًا؛ لأنه ليس أكلًا ولا شربًا، ولا في معناهما.\nقال ابن حزم -﵀-: وما علمنا أكلًا، ولا شُربًا يكون على دبرٍ وإحليل. اهـ\nوهذا القول هو الراجح؛ لعدم وجود دليل من الكتاب والسنة أنَّ مناط الحكم وصول الشيء إلى الجوف، وهذا هو الذي رجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٣١٣)، «المغني» (٤/ ٣٥٣)، «المحلَّى» (٧٥٣)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٨٠)، «فتاوى رمضان» (٢/ ٤٨٥)، «الفتاوى» (٢٥/ ٢٤٥).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٣١٣)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٣٩٣)، «المحلَّى» (٧٥٣)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٨٤)، «الإنصاف» (٣/ ٢٧٦)، «المغني» (٤/ ٣٦٠).","vol":"4","page":338},{"text":"٦٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَلِلْحَاكِمِ: «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ». وَهُوَ صَحِيحٌ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1869>مسألة [١]: إذا نسي الصائم فأكل أو شرب</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنه لا يفطر، وصومه تامٌّ، وهو قول الجمهور، منهم: أحمد، والشافعي.\nواستدلوا بما يأتي:\n١) قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥].\n٢) قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].\n٣) حديث: «إنَّ الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه»، وهو حديثٌ مُعَلٌّ كما في «جامع العلوم والحكم» رقم (٣٩).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥).\n(^٢) أخرجه الحاكم (١/ ٤٣٠) وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (١٩٩٠)، من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وهذا إسناد حسن، ومحمد بن عمرو بن علقمة حسن الحديث، ولفظ «الصحيحين» أرجح؛ لأن ابن علقمة وإن كان حسن الحديث فله أوهام، وقد روى الحديث غير واحد عن أبي هريرة -﵁- باللفظ المتقدم.","vol":"4","page":339},{"text":"٤) حديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب، وهو نصٌّ في المسألة.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: وفي هذا الحديث دلالة من وجوهٍ: أحدها: أنه أمره بإتمام صومه؛ فَعُلِمَ أنَّ هذا إتمام لصومٍ صحيح، ولو أراد وجوب الإمساك فقط؛ لقال: فليتم صيامًا، أو فليصم بقية يومه. الثاني: أنه لم يأمره بالقضاء، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. الثالث: أنه قال: «الله أطعمه وسقاه» تعليلًا وجوابًا، ومعلومٌ أنَّ إطعام الله وإسقاء الله للعبد على وجهين:\n١) أنَّ الله خلق له الطعام والشراب، والحركة التي بها يأكل ويشرب، وعلى هذا فالعامد، والناسي، وجميع الخلق؛ فالله أطعمهم وسقاهم، وهذا المعنى لم يقصده النبي - ﷺ -.\n١) أنْ يطعمه ويسقيه بغير فعل من العبد، ولا قصد، ولا عمد كما في هذه الصورة، فصار غير مكلَّفٍ لأجل النسيان، فأُضِيفَ الفعل إلى الله قدرًا وشرعًا، فسقط قلم التكليف عن هذا الفعل، فقوله: «الله أطعمه وسقاه»، أي: لا صنع له في هذا الفعل، وإنما هو فعل الله فقط، فلا حرج عليه فيه، ولا إثم؛ فأتم صومك. اهـ بتصرفٍ.\nالثاني: أنه يفطر وعليه القضاء دون الكفارة، وهو قول مالك، وربيعة.\nقالوا: لأنَّ الإمساك عن المفطرات ركنُ الصوم؛ فحكمه حكم من نسي ركنًا من الصلاة؛ فإنها تجب عليه الإعادة، وإنْ كان ناسيًا.","vol":"4","page":340},{"text":"والجواب: أنَّ هذا قياسٌ فاسدُ الاعتبار؛ لمخالفته للنصوص المتقدمة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1870>مسألة [٢]: من أكل، أو شرب ناسيًا، فهل يجب إعلامه على من رآه</span>؟\n• ذكر ابن مُفْلِح -﵀- في الفروع وجهين:\nالأول: أنه يلزمه الإعلام. قال المرداوي في «الإنصاف»: وهو الصواب، وهو في الجاهل آكد.\nالثاني: لا يلزمه الإعلام.\nثم وجَّه ابن مفلح وجهًا آخر: أنه يلزمه إعلام الجاهل لا الناسي.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وما صوَّبه المرداوي هو الصواب -والله أعلم- لكون الأكل، أو الشرب في نهار رمضان من الصائم مُحرَّم، وإنما الجهل والنسيان عذرٌ في عدم تأثيمه، فيشمله قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإنْ لم يستطع فبلسانه؛ فإنْ لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» أخرجه مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.\nومن المعلوم أيضًا أنَّ الإمام إذا قام إلى ركعة خامسة ناسيًا فيجب على المأموم إعلامه؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإذا نسيتُ فذكِّروني» (^٢)، فكذلك هذه الصورة، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٣٣)، «نيل الأوطار» (١٦٥١)، «سبل السلام» (٤/ ١٣٨)، «شرح المهذب» (٦/ ٣٢٤)، «المغني» (٤/ ٣٦٧ -)، «المحلَّى» (٧٥٣)، «توضيح الأحكام» (٣/ ١٧٩)، كتاب الصيام (١/ ٤٥٧ - ٤٥٨).\n(^٢) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٣٢٤).\n(^٣) انظر: «الفروع» (٣/ ٥٣)، «الإنصاف» (٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥).","vol":"4","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1871>مسألة [٣]: لو أكل ناسيًا فظنَّ أنَّه قد أفطر، فأكل عمدًا</span>؟\n• ذكر صاحب «الفروع»، وصاحب «الإنصاف» في ذلك قولين، والأكثر على أنه يفطر، وهو قول الحنفية، والأصح عند الشافعية، وإليه مال الشيخ ابن عثيمين -﵀- مُعَلِّلًا ذلك بكونه قد تعمد الأكل وهو عالمٌ أنه صائمٌ دون أن يسأل ويتحرى، فيكون بذلك مفرِّطًا. ثم قال: وعلى كُل حال يقضي يومًا، ولا يضرُّه إن شاء الله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1872>مسألة [٤]: جماع الصائم ناسيًا</span>.\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: أنه لا شيء عليه، وهو قول مجاهد، والحسن، والشافعي، وأبي حنيفة، وإسحاق، وداود، وابن المنذر، وغيرهم، وهو ترجيح ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا هو الصحيح؛ للأدلة المتقدم ذكرها في مسألة الأكل والشرب ناسيًا، ورواية الحاكم: «من أفطر ...» تشمل الجماع أيضًا.\nالثاني: وجوب القضاء، وهو قول عطاء، والأوزاعي، والليث، ومالك، وأحمد، وأحد الوجهين للشافعية، وحُجَّتُهم قصور حال المجامع ناسيًا عن حالة الأكل.\nالثالث: وجوب القضاء والكفارة، وهو المشهور من مذهب أحمد، وحجتهم حديث الرجل الذي جامع امرأته في نهار رمضان، وهو صائم، فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالكفارة.\n_________\n(^١) «الإنصاف» (٣/ ٢٧٥)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٠٠)، «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٤١١)، «المجموع» (٦/ ٣٣٩)، «حاشية إعانة الطالبين» (٢/ ٢٦٠).","vol":"4","page":342},{"text":"قالوا: ولم يستفصل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الرجل: أَنَسِي، أم لا؟ قالوا: وترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّلْ مَنْزِلَةَ العموم في المقال.\nوالرَّدُّ على ذلك: أنَّ في سياق الحديث ما يدل على أنَّ الرجل لم يكن ناسيًا، بل كان متعمدًا، وهو قوله: (هلكتُ)، وقوله: (احترقت)، فهذه الألفاظ لا يقولها إلا من كان متعمدًا للمعصية، لا من وقعت منه نسيانًا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1873>مسألة [٥]: من دخل في حلقه الذباب وهو صائمٌ، وكذا الغبار والدقيق</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: ونقل ابن المنذر الاتفاق على أنَّ من دخل حلقه الذباب وهو صائمٌ أنْ لا شيء عليه، لكن نقل غيره عن أشهب أنه قال: أحبُّ إليَّ أن يقضي. حكاه ابن التين. اهـ\nوالصواب أنه لا شيء عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥].\nوألَحَق الحنابلة، والشافعية، وغيرهم بهذه المسألة ما لو دخل الغبار إلى حلقه من غير قصدٍ، وكذا نخل الدقيق، وما أشبه ذلك. اهـ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1874>مسألة [٦]: من أكل، أو شرب، أو جامع جاهلًا بالتحريم</span>؟\n• المشهور عند الحنابلة أنه يُعَدُّ مُفْطِرًا، وإنْ كان جاهلًا؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرَّ\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٣٣) (١٩٣٦)، «المجموع» (٦/ ٣٢٤)، «توضيح الأحكام» (٣/ ١٧٩)، «المحلَّى» (٧٥٣)، «المغني» (٤/ ٣٧٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٣٦٤)، «الفتح» (١٩٣٣)، «الإنصاف» (٣/ ٢٧٦)، «الحاوي الكبير» (٣/ ٤١٩)، «المجموع» (٦/ ٣٢٧).","vol":"4","page":343},{"text":"بالذي يحتجم فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، ولم يكن واحدٌ منهما يعلم أنَّ ذلك منهي عنه.\n• وذهب بعض الحنابلة كأبي الخطاب، والمجد ابن تيمية، وجزم به الشيرازي في «المهذب» أنه لا يُعَدُّ مُفْطِرًا، ويُعذَرُ بجهله، واستدلوا بحديث عدي بن حاتم عند أن نزل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فأخذ عقالًا أبيضَ، وعقالًا أسود، فلم يزل يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن وسادك لعريض، إنما هو سواد الليل، وبياض النهار» متفق عليه عنه، وعن سهل ابن سعد بنحوه.\nوهذا القول هو الصحيح، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-، وأما استدلالهم بحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فقد تقدم الجواب عليه في مسألة الحجامة، وعلى التسليم بأنه أفطر؛ فلم يأتِ في الحديث أنهما لم يكونا يعلمان أنَّ الحجامة منهي عنها. (^١)\nفائدة تتعلق بالمسألة السابقة: قال النووي -﵀- في «المجموع» (٦/ ٣٢٤): إذا أكل الصائم، أو شرب، أو جامع جاهلًا بتحريمه؛ فإنْ كان قريب عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة بحيث يخفى عليه كون هذا مفطرًا؛ لم يفطر؛ لأنه لا يأثم، فأشبه الناسي الذي ثبت فيه النص، وإن كان مخالطًا للمسلمين؛ بحيث لا يخفى عليه تحريمه؛ أفطر؛ لأنه مقصر. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٣/ ٢٧٤)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٤٦٣ - ٤٦٤)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٠١ -)، «المجموع» (٦/ ٣٢٣ -).","vol":"4","page":344},{"text":"قلتُ: والأظهر أنه لا يفطر أيضًا إن كان جاهلًا، وإن كان مخالطًا للمسلمين، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1875>مسألة [٧]: إذا أجري المفطر فيه قهرًا</span>؟\nقال النووي -﵀-: إذا فعل به غيره المفطرَ بأن أوجر الطعام قهرًا، أو أسعط الماء وغيره، أو رُبِطت المرأة وَجُومِعت، أو جُومِعَت نائمةً؛ فلا فطر في كل ذلك. اهـ بتصرفٍ.\nوهذا الذي ذكره النووي هو مذهب الشافعية، ونقله جماعةٌ عن الإمام أحمد في غير الجماع، وعنه رواية في الجماع: أنه لا يفطر أيضًا، وهو الصواب، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦].\nوفي الحديث: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه»، وقد أُعِلَّ هذا الحديث كما في «جامع العلوم والحكم» رقم (٣٩). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1876>مسألة [٨]: لو أُكره الصائم على أن يأكل بنفسه، فأكل، أو شرب، أو أُكرِهت المرأة على التمكين؛ فمَكَّنَت</span>؟\n• قال النووي -﵀-: فى بطلان الصوم به قولان مشهوران قَلَّ من بَيَّن الأصحَّ منهما، والأصح: لا يبطل، وممن صححه المصنف -يعني الشيرازي- في «التنبيه»، والغزالي في «الوجيز»، والعبدري في «الكفاية»، والرافعي في «الشرح» وآخرون، وهو الصواب، ولا تغتر بتصحيح الرافعي في «المحرر» البطلان، وقد\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٢٤)، «الإنصاف» (٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤)، «شرح كتاب الصيام» (١/ ٣٣١).","vol":"4","page":345},{"text":"نبهت عليه في «مختصر المحرر»، واحتجوا لعدم بطلانه بأنه بالإكراه أسقط أثر فعله؛ ولهذا لا يأثم بالأكل؛ لأنه صار مأمورًا بالأكل لا مَنْهِيًّا عنه؛ فهو كالناسي، بل أولى منه بأنه لا يفطر؛ لأنه مُخاطَبٌ بالأكل لدفع ضرر الإكراه عن نفسه، بخلاف الناسي؛ فإنه ليس بمخاطب بأمر ولا نهيٍ، وأما قول القائل الآخر: (إنه أكل لدفع الضرر عنه؛ فكان كالأكل لدفع الجوع والعطش)، ففرَّقوا بينهما بأن الإكراه قادحٌ في اختياره، وأما الجوع والعطش فلا يقدحان في اختياره بل يزيدانه. اهـ\nوالذي اختاره النووي -﵀- هو المنقول عن أحمد أيضًا؛ إلا في مسألة إكراه المرأة على الوطء؛ فالمشهور عنه أنه يفسد صومها، ولا كفارة عليها.\nوالصحيح ما ذهب إليه النووي: بأنَّ الإكراه يشمل إكراه المرأة على الوطء بشروطه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1877>مسألة [٩]: شروط الإكراه</span>.\nذكر أهل العلم للإكراه شروطًا، منها:\n١) أن يكون المُكْرِه قادرًا على تحقيق ما هدد به، إما لولاية، أو تَغَلُّب، أو فرط هجوم.\n٢) أن يكون المُكْرَه عاجَزًا عن الدفع؛ فإنْ قدر على الدفع بمقاومةٍ، أو استغاثةٍ، أو فرارٍ ونحوه، فلم يفعل؛ لم يكن مُكرهًا.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٢٥)، «الإنصاف» (٣/ ٢٧٤،٢٨٢)، «المغني» (٣/ ٢٧).","vol":"4","page":346},{"text":"٣) أن يكون المتهدد به مما يحرم على المكرِه تعاطيه منه، فلو قال وَلِيُّ القصاص للجاني: طلق امرأتك. أو: أفطر هذا اليوم من رمضان وإلا اقتصصت منك. لم يكن ذلك إكراهًا.\n٤) أن يكون المتهدد به عاجلًا، ويغلب على ظن المكلف بأن يوقعه ناجزًا إن لم يفعل ما أمره به، فلو قال: أقتلك غدًا. أو نحو ذلك؛ لم يكن إكراهًا، والله أعلم.\n٥) أن يحصل بفعل المكرَه عليه التخلص من المتوعد به.\n٦) أن لا يحصل منه الاختيار بعد أن كان مكرهًا كمن أُكره على الزنا ثم أصبح مختارًا له بعد الإيلاج -والعياذ بالله- فهذا لا يُعَدُّ مُكْرَهًا. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «روضة الطالبين» (٨/ ٥٨، ٦١)، «قواعد الحصني» (٢/ ٣٠٦)، «الأشباه والنظائر» (٢٠٩ - ٢١٠).","vol":"4","page":347},{"text":"٦٥٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَأَعَلَّهُ أَحْمَدُ، وَقَوَّاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1878>مسألة [١]: تقيؤ الصائم</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه يُفطِر إن استقاء وطلب القيء، وأما إنْ غلبه القيء؛ فلا يفطر، واستدلوا:\n١) بحديث أبي هريرة -﵁- الموجود في الكتاب، وقد تقدم أنه ضعيفٌ، مُعَلٌّ.\n_________\n(^١) ضعيف معل. رواه أحمد (٢/ ٤٩٨)، وأبوداود (٢٣٨٠)، والنسائي في «الكبرى» (٣١٣٠)، والترمذي (٧٢٠)، وابن ماجه (١٦٧٦)، من طرق عن عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة -﵁- به.\nوقد تابع عيسى حفصُ بن غياث عند ابن ماجه (١٦٧٦)، وابن خزيمة (١٩٦١)، والبيهقي (٤/ ٢١٩)، ولكن الحديث قد أعله جمع من الحفاظ منهم:\nالإمام أحمد -﵀-، حيث قال: حدث به عيسى وليس هو في كتابه، غلط فيه وليس هو من حديثه، ونقل عنه أبوداود أنه قال: ليس من ذا شيءٌ، قال الخطابي: يريد أن الحديث غير محفوظ.\nالإمام البخاري -﵀-: قال: لا أراه محفوظًا، وقال في «التاريخ»: لم يصح.\nأبوداود: قال في «السنن»: نخاف ألا يكون محفوظًا، وقال أيضًا: وبعض الحفاظ لا يراه محفوظًا.\nالدارمي: قال: زعم أهل البصرة أن هشامًا وهم فيه.\nقال النسائي: وقفه عطاء، ثم ساقه بسنده عنه.\nانظر: «التلخيص» (٢/ ٣٦٣)، و«نصب الراية» (٢/ ٤٤٨)، و«السنن الكبرى للنسائي» (٢/ ٢١٥)، و«سنن الترمذي» (٣/ ٩٨).","vol":"4","page":348},{"text":"٢) بحديث أبي الدرداء، وثوبان -﵄-: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قاءَ، فأفطرَ. رواه أبو داود (٢٣٨١)، والترمذي (٨٧)، والنسائي في «الكبرى» (٢/ ٢١٣ - ٢١٤)، والحاكم (١/ ٥٨٩)، وهو في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» (١٩٥)، وقد رُوي الحديث بلفظ: «استقاء»، ولكنها شاذة غير محفوظة، أخرجها النسائي في «الكبرى» (٢/ ٢١٥)، وأحمد (٦/ ٤٤٩)، من طريق: معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن يعيش، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء، فذكره بلفظ: «استقاء»، وقد وهم معمر في الإسناد والمتن، فقد رواه هشام الدستوائي، وحسين المعلم، وحرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن يعيش، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء بلفظ: «قاء» كما في المصادر السابقة.\n٣) حديث فضالة بن عبيد -﵁-، قال: أصبح رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صائمًا، فقاءَ؛ فأفطرَ، فَسُئل عن ذلك، فقال: «إنِّي قئتُ». أخرجه أحمد (٢٣٩٦٣)، وإسناده حسن؛ لأنَّ ابن إسحاق قد صرَّح بالتحديث.\nوقد صحَّ هذا القول عن عبد الله بن عمر -﵄-، أخرجه مالك في «الموطإِ» (١/ ٣٤٠)، عن نافعٍ، عنه، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على هذا القول، والصحيح وجود الخلاف.\nفقد جاء عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه قال: الفطر مما دخل، وليس مما خرج. وقد تقدم، وجاء أيضًا عن ابن مسعود، أخرجه عبد الرزاق كما في «نصب","vol":"4","page":349},{"text":"الراية» (٢/ ٤٥٤) بإسناد منقطع، وقولهما يشمل القَيء.\nوقال به أبو هريرة، أسنده البخاري عنه في «صحيحه»، وهو قول عكرمة، وربيعة، ورواية عن مالك، واختاره البخاري، فهؤلاء كلهم يقولون: إنَّ القيءَ لا يفطر، سواء تعمد القيء، أم لا.\nواستدلوا بالبراءة الأصلية، وقالوا: لا نحكم بفساد الصوم إلا بدليل صحيح، صريح.\nوأجابوا عن أدلة الجمهور بما يلي:\n١) حديث أبي هريرة -﵁-، تقدم أنه مُعَلٌّ.\n١) حديث أبي الدرداء، وثوبان -﵄- وإنْ كان صحيحًا فليس في الحديث التفريق بين الاستقاءة والقيء بدون استقاءة، بل لفظ الحديث: «قاء؛ فأفطر»، ولذلك فقد قال الطحاوي -﵀-: ليس في الحديث أنَّ القيء فَطَّرَه، وإنما فيه أنه قاء فأفطر بعد ذلك. وقال بعض أهل العلم فيما حكاه عنهم الترمذي: معناه: قاءَ، فضعفَ، فأفطر.\n٢) حديث فضالة -﵁-، يقال فيه ما قيل في حديث ثوبان، والقول الثاني هو الراجح، وقد رجح القول الأول شيخنا -﵀- في «الجامع الصحيح»، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «فتح الباري» [باب (٣٢) من كتاب الصيام]، «نيل الأوطار» (١٦٤٩)، «المجموع» (٦/ ٣٢٠) «سبل السلام» (٤/ ١٤٠)، كتاب الصيام (١/ ٣٩٥ -).","vol":"4","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1879>فَصْلٌ فِي ذْكْرِ مَسَائِلَ أُخْرَى مِنَ المُفَطّرَات\nيبطل الصيام بالأكل، والشرب، والجماع، بالكتاب، والسنة، والإجماع</span>.\nأما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧].\nوأما من السنة: فقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيما يرويه عن ربه: «يدع طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلي» متفق عليه عن أبي هريرة -﵁-.\nوأما الإجماع: فقد نقله جمعٌ من العلماء، كابن حزم، وابن المنذر، وابن قدامة، وغيرهم. (^١)\nتنبيه: الأكل والشرب الذي يفطر بالإجماع هو الذي يُتَغَذَّى به، وأما ما لا يُتَغَذَّى به؛ فقد ذهب بعض أهل العلم إلى الجواز كالحسن بن صالح، وصحَّ عن أبي طلحة الأنصاري -﵁- أنه كان يأكل البرد في الصوم، ويقول: ليس بطعامٍ، ولا شرابٍ. (^٢) وبناءً على هذا؛ فمن بلع خاتمًا، أو خرزةً، أو لؤلؤةً، ونحو ذلك فلا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٤٩ -)، «المجموع» (٦/ ٣١٣)، «المحلى» (٧٣٣).\n(^٢) أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (١٠٢٢) بإسناد صحيح.","vol":"4","page":351},{"text":"يُعَدُّ مُفطِرًا.\nوالذي عليه سائر العلماء أنه يُعَدُّ مُفْطِرًا؛ لعموم الأدلة، وهو الذي رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذا الشيخ ابن عثيمين -﵀-، وهو الحق بلا ريب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1880>مسألة [١]: ابتلاع الريق</span>.\nإذا كان على العادة فلا يُفَطِّر بالإجماع، نقل الإجماع على ذلك النووي -﵀-؛ وذلك لأنه يَعْسُر الاحتراز منه؛ ولأنه مما تعم به البلوى، ولو كان مُفَطِّرًا؛ لَبَيَّنَ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوأما إذا جمع ريقه في فيه وابتلعه: ففيه وجهان عند الشافعية، والحنابلة، والأصح في المذهبين أنه لا يُفَطِّر؛ لعدم وجود دليل على تفطيره، وهو الذي رجحه ابن قدامة -﵀-.\nوكما أنه لا يُفَطِّر إذا لم يجمعه -وإن قصد ابتلاعه- فكذلك إذا جمعه، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1881>مسألة [٢]: إذا ابتلع ريق غيره</span>؟\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٦/ ٣١٨): اتفق العلماء على أنه إذا ابتلع ريق غيره أفطر. انتهى.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٥٠)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٧٨)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٣٨٤).\n(^٢) انظر: «الشرح الممتع» (٦/ ٤٢٧)، «المغني» (٤/ ٣٥٧ -)، «المجموع» (٦/ ٣١٧ - ٣١٨).","vol":"4","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1882>مسألة [٣]: لو بلَّ الخياط خيطًا بريقه، ثم ردَّه إلى فيه</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٦/ ٣١٨): قال أصحابنا: إنْ لم يكن عليه رطوبة تنفصل؛ لم يفطر بابتلاع ريقه بعده بلا خلاف؛ لأنه لم ينفصل شيءٌ يدخل جوفه، وممن نقل اتفاق الأصحاب على هذا: المتولي. وإن كانت رطوبة تنفصل وابتلعها فوجهان حكاهما إمام الحرمين ومتابعوه، والمتولي:\nأحدهما: -وهو قول الشيخ أبي محمد الجويني-: لا يفطر. قال: كما لا يفطر بالباقي من ماء المضمضة. وأصحهما -وبه قطع الجمهور-: يفطر؛ لأنه لا ضرورة إليه، وقد ابتلعه بعد مفارقة معدنه وانفصاله. اهـ\nقلتُ: ما صححه النووي هو الصحيح -إن شاء الله تعالى- ويلتحق به السواك، فإذا أخرجه من فمه وفيه من ريقه؛ فلا يبلع ذلك الريق مرة أخرى، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1883>مسألة [٤]: بقية الطعام الذي في خلل الأسنان</span>.\n• ذهب الجمهور إلى أنه إذا بلع منه شيئًا؛ فإنه يعد مفطرًا، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي وهو الصحيح؛ لأنه يعد أكل طعام ويمكنه الاحتراز منه، ولا تدعو الحاجة إليه.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يفطر، ولا دليل على ما ذهب إليه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1884>مسألة [٥]: بقايا الطعام الذي يصاحب الريق</span>.\nقال ابن المنذر -﵀-: أجمع العلماء على أنه لا شيء على الصائم فيما يبلعه مما\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٣١٧).","vol":"4","page":353},{"text":"يجري مع الريق مما بين أسنانه مما لا يقدر على رده. قال: فإن قدر على رده فابتلعه عمدًا قال أبو حنيفة: لا يفطر. وقال سائر العلماء: يفطر، وبه أقول. اهـ\nقلتُ: وما ذهب إليه ابن المنذر هو الصحيح؛ لكونه طعامًا، فله حكمه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1885>مسألة [٦]: ما يوضع في الفم من الطعام للتذوق والمضغ</span>؟\n• ذهب أحمد، والشافعي إلى أنه لا بأس به إذا كان لحاجة، كذوق الطعام من القِدْرِ، والمضغ للطفل، ونحوه، وإذا كان لغير حاجة؛ فيكره.\nقال ابن عباس -﵄-: لا بأس أن يتطعم الصائم من القدر. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٧) من طريقين، أحدهما فيه: شريك القاضي. والثاني فيه: جابر الجعفي، والأول ضعيف، والثاني متروك، وقد علَّقه البخاري في [كتاب الصيام (٢٥)] بصيغة الجزم.\nقال ابن حزم -﵀-: وكره بعضهم مضغ الطعام وذوقه، وهذا لا شيء؛ لأنَّ كراهة ما لم يأت قرآن ولا سنة بكراهته خطأ، وهم لا يكرهون المضمضة، ولا فرق بينهما. اهـ\nقال المرداوي -﵀-: إذا ذاقه فعليه أن يستقصي في البصق، ثم إنْ وجد طعمه في حلقه؛ لم يفطر كالمضمضة، وإنْ لم يستقص في البصق أفطر؛ لتفريطه على الصحيح من المذهب. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٢٠)، «المغني» (٤/ ٣٦٠).","vol":"4","page":354},{"text":"قال ابن حزم -﵀-: ولا يَنْقُض الصومَ مضغُ طعامٍ، أو ذوقه؛ مالم يتعمد بلعه. اهـ. (^١)\nتنبيه: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أنه ليس هناك دليل يدل على أنَّ مناط الحكم بالإفطار وصول الطعم إلى الحلق.\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: وهو واضحٌ؛ لأنه أحيانًا يصل الطعم إلى الحلق، ولكن لا يبتلعه، ولا ينزل، ويكون منتهاه الحلق، فمثل هذا لا يمكن أن نتجاسر ونقول: إن الإنسان يفطر بذلك. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1886>مسألة [٧]: مضغ العِلْك</span>.\nالْعِلْك: بكسر المهملة، وسكون اللام، بعدها كاف: كل ما يمضغ ويبقى في الفم، كالمصطك، واللبان، وله حالتان:\nالأولى: أنْ يتحلل منه أجزاء.\nقال ابن المنذر: فإنْ تحلَّبَ منه شيء، فازدرده؛ فالجمهور على أنه يفطر. اهـ\nوجزم بفطره ابن قدامة، والحافظ ابن حجر، ثم الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nالثانية: أنْ لا يتحلل منه شيء.\nقال ابن المنذر -﵀-: ورخص في مضغ العلك أكثر العلماء إنْ كان لا يتحلب\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٥٩)، «المجموع» (٦/ ٣٥٤)، «الإنصاف» (٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٣٠) «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٤٧٨)، «المحلَّى» (٧٥٣).\n(^٢) «الشرح الممتع» (٦/ ٤٣١).","vol":"4","page":355},{"text":"منه شيء. اهـ\nوقد كرهه أحمد، والشافعي، والشعبي، والنخعي، وأصحاب الرأي؛ وذلك لأنه يمتص الريق، ويجهد الصائم، ويورثه العطش، وذهب ابن حزم إلى إباحته.\nقال النووي -﵀-: ولو نزل طعمه في جوفه، أو ريحه دون جرمه لم يفطر؛ لأنَّ ذلك الطعم بمجاورة الريق له، هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور، وحكى الدارمي وجهًا عن ابن القطان أنه إنِ ابتلع الريق وفيه طعمه أفطر، وليس بشيء. اهـ\nفائدة: جاء الترخيص عن عائشة -﵂- في العلك للصائم. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٧)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف مختلط. وجاء عن أم حبيبة -﵂- كراهة ذلك، أخرجه ابن أبي شيبة، والبيهقي، وفي إسناده عدد من المجاهيل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1887>مسألة [٨]: ابتلاع النخامة هل يعد مفطرًا</span>؟\nلها حالتان:\nالأولى: أن لا تصل إلى الفم، وإلى حَدِّهِ الظاهر، بل تنزل من الدماغ، فتذهب إلى الجوف؛ فلا تُعَدُّ مُفَطِّرَة.\nقال النووي -﵀-: قال أصحابنا: النخامة إنْ لم تحصل في حد الظاهر من الفم؛ لم تضر بالاتفاق. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٥٨)، «المجموع» (٦/ ٣٥٣ -)، «المحلَّى» (٧٥٣)، «الفتح» (٤/ ١٩٠)، «الإنصاف» (٣/ ٢٩٥)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٣١ -).","vol":"4","page":356},{"text":"الثانية: أن تصل إلى الفم، ثم يبتلعها، ففيه قولان:\nأحدهما: المشهور عند الحنابلة وهو مذهب الشافعية أنه يفطر، وقال به خليل المالكي، وهو ظاهر ترجيح الإمام ابن باز -﵀- حيث قال: ولا يجوز للصائم بلعها؛ لإمكان التحرز منها، وليست مثل الريق.\nثانيهما: رواية عن أحمد نصرها ابن عقيل الحنبلي، وهو وجهٌ شاذٌّ عند الشافعية، أنه لا يعد مفطرًا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وهو ترجيح شيخنا مقبل بن هادي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما؛ لأنها لم تخرج من الفم؛ فأشبهت الريق، ولا يُعدُّ بلعها أكلًا، ولا شربًا، وهذا القول هو الراجح -والله أعلم- لأنَّ الأصل صحة الصوم، ولا يحكم بفساده إلا بدليل صحيح صريح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1888>مسألة [٩]: من تمضمض، أو استنشق، فغلبه الماء، فدخل جوفه</span>؟\n• ذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى أنه لا يبطل صومه، وهو قول الحسن البصري، وترجيح ابن حزم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] وبالحديث: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان» وهو مُعَلٌّ (^٢) وهذا هو ظاهر ترجيح البخاري، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين، وهو الراجح، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٥٥)، «المجموع» (٦/ ٣١٨ - ٣١٩) «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٤٧٦)، «فتاوى رمضان» (٢/ ٥٢٦)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٢٨)، «الدر المختار» (٢/ ٤٠٠)، «التاج الإكليل لمختصر خليل» (٢/ ٤٢٦)، «الموسوعة» (٢٨/ ٦٥).\n(^٢) انظر تخريجه في «جامع العلوم والحكم» رقم (٣٩).","vol":"4","page":357},{"text":"• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى بطلان صومه مطلقًا، قال الماوردي: وهو قول أكثر الفقهاء، لكن شرط أبو حنيفة أن يكون ذاكرًا لصومه.\nواحتج من حكم عليه بالفطر بحديث لقيط بن صبرة: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن تكون صائمًا»، ولا حجة لهم في هذا الحديث؛ فإنَّ غاية ما في هذا أنَّ الصائم ليس مأمورًا بالمبالغة، وليس فيه أنه إذا بالغ فدخل حلقه شيء من غير قصده أنه يفطر، لكن ينبغي له أن لا يبالغ؛ لكون المبالغة مظنة لدخول شيء إلى جوفه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1889>مسألة [١٠]: استعمال الإبر التي في الوريد وفي العضل</span>.\nالذي يظهر أنَّ هذه الإبر إنْ كانت للتغذية؛ فَتُفَطِّر، وإن لم تكن كذلك فلا تُفَطِّر، وقد أفتى بهذا سماحة الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز، والإمام العثيمين، والإمام الفوزان رحمة الله عليهم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1890>مسألة [١١]: القَلَْس</span>.\nالْقَلَْس: بفتح القاف، وسكون اللام وفتحها هو أن يبلغ الطعام إلى الحلق، وربما إلى الفم، وقد يرجع إلى المعدة إذا كان إلى الحلق، ويحصل للشبعان.\nوأما حكمه: فإذا خرج، ثم عاد بغير اختياره لم يفطره، وإذا ابتلعه عمدًا؛\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٢٦ -)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٠٦ -)، «المحلى» (٧٥٣)، «الفتح» (١٩٣٣).\n(^٢) انظر: «تحفة الإخوان» (ص ١٧٥)، «فتاوى العثيمين» (١٩/ ٢٢٠)، «الملخص الفقهي» (١/ ٣٨٣).","vol":"4","page":358},{"text":"فإنه يفطر، وقد نصَّ عليه أحمد، ثم ابن حزم رحمة الله عليهما، وهو مقتضى قول الجمهور؛ لأنهم لم يحكموا على المتقيء بالفطر؛ فهذا من باب أولى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1891>مسألة [١٢]: هل يلزم الصائم تنشيف فمه بعد المضمضة</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٦/ ٣٢٧): قال المتولي وغيره: إذا تمضمض الصائم لزمه مج الماء، ولا يلزم تنشيف فمه بخرقة ونحوها بلا خلاف. قال المتولي: لأنَّ في ذلك مشقة. قال: ولأنه لا يبقى في الفم بعد المج إلا رطوبة لا تنفصل عن الموضع؛ إذ لو انفصلت لخرجت في المج، والله تعالى أعلم. اهـ\nقلتُ: ولو كان يلزمه التنشيف؛ لأمر بذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لعموم البلوى به وحاجة الناس إليه، فهذا يدل على ما ذكر المتولي، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1892>مسألة [١٣]: لو استاك الصائم بسواك رطب فانفصل من رطوبته، أو خَشَبهِ الْمُتشعِّب شيءٌ وابتلعه</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٦/ ٣١٨): يفطر بلا خلاف، صرَّح به الفوراني وغيره. اهـ\nوالمقصود بالرطوبة هو السائل الذي يخرج من السواك عند أن يكون رطبًا، ويكون حارًّا، وإنما جزم النووي -﵀- بأنه يفطر لكونه يمكن التحرز منه.\nأما إذا استاك بالسواك بعد التحرز من تلك المادة الرطبة وذهابها؛ فلا يضره ذلك وإنْ وجد له طعمٌ؛ لأنه لا يوجد إلا ريقه، وإنما أصابه ذلك الطعم\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٥٥ -) «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٤٧٧)، «المحلى» (٧٥٣).","vol":"4","page":359},{"text":"لمجاورته للسواك، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1893>مسألة [١٤]: ما حكم استعمال الصائم للسواك</span>؟\n• أما إن كان السواك يابسًا: فذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق إلى استحبابه قبل الزوال، وكراهته بعد الزوال.\nواستدلوا بما يلي:\n١) حديث علي -﵁- مرفوعًا: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي» أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٠٤).\n٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» متفق عليه عن أبي هريرة -﵁-.\n• وذهب الإمام مالك، وأبو حنيفة إلى استحبابه مطلقًا، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-.\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\n١) حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» متفق عليه، وفي رواية صحيحة عند غيرهما: «عند كل وضوء».\n٢) حديث عامر بن ربيعة -﵁- قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما لا أحصي يتسوك وهو صائم. أخرجه أحمد (٣/ ٤٤٥)، وأبو داود (٢٣٦٤)، والترمذي (٧٢٥)،","vol":"4","page":360},{"text":"وهو حديث ضعيفٌ، فيه: عاصم بن عبيد الله ضعيفٌ.\n٣) حديث عائشة -﵂- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب» رواه النسائي (١/ ١٠) وغيره، وهو حديث حسن.\nوهذا القول هو ترجيح الإمام البخاري في «صحيحه»، وهو الراجح.\nوأما الرد على أدلة المذهب الأول فكما يلي:\n١) حديث علي ضعيفٌ، في إسناده: كيسان أبو عمر القصار ليس بالقوي، ويزيد بن بلال غير معروفٍ، وقد ضعَّفه الإمام الألباني في «الإرواء» (٦٧).\n٢) السواك لا يزيل الخلوف؛ لأنَّ مصدره من المعدة لا من الفم الذي يطهره السواك، ثم إنَّا لسنا متعبدين بإبقائه، ثم إنَّ على من ذهب إلى التفصيل بين ما قبل الزوال وما بعده، الدليلُ على هذا التفصيل، ومن المعلوم أيضًا أنَّ الخلوف قد يأتي لبعض الناس قبل الزوال، وقد لا يأتي لبعض الناس إلا قبل المغرب بيسير؛ لتفاوتهم في الأكل والشرب، وصحة الجسم، والهضم.\n• وأما إذا كان السواك رطبًا فذهب إلى كراهته: الشعبي، وقتادة، والحكم، وإسحاق، ومالك في رواية، وهي رواية عن أحمد؛ لاحتمال أن يتحلل منه أجزاء إلى حلقه فيفطره.\n• وذهب أحمد في رواية إلى أنه لا يكره، وبه قال الثوري، والأوزاعي، وأبو","vol":"4","page":361},{"text":"حنيفة، ورُوي عن علي، وابن عمر (^١)،\nوعروة، ومجاهد، وهو ترجيح البخاري، وابن حزم، وهو الراجح لعموم الأدلة؛ إلا أنه ينبغي له أن يتحرز من الرطوبة في أول الأمر، ولا يبلعها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1894>مسألة [١٥]: استعمال معجون الأسنان</span>.\nاستعمال المعجون للصائم لا بأس به إذا لم ينزل إلى جوفه، وبهذا أفتى الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والإمام صالح الفوزان وغيرهم رحمة الله عليهم أجمعين.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: لكن الأولى عدم استعماله؛ لأنَّ له نفوذًا قويًّا، قد ينفذ إلى المعدة، والإنسان لا يشعر به، ولهذا قال النبي - ﷺ - للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (^٣). (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1895>مسألة [١٦]: شرب الدخان</span>.\nشرب الدخان يُعَدُّ من المفطرات؛ لأنَّ له أجرامًا تصل إلى المعدة، ولذلك فإنَّ الذي يشرب الدخان تكون معدته مُسْوَدَّة من الدخان، وقد أفتى الإمام ابن\n_________\n(^١) أثر علي -﵁- لم أقف على إسناده.\n\nأثر ابن عمر حسن، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٧) قال: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، أخبرنا أبو حمزة، عن إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا بأس أن يستاك الصائم بالسواك الرطب واليابس. وهذا إسنادٌ صحيح؛ رجاله ثقات، وإبراهيم هو ابن ميمون الصائغ، وأبو حمزة هو محمد بن ميمون السكري.\n(^٢) انظر: «الفتح» (١٩٣٤)، «المحلى» (٧٥٣)، «المغني» (٤/ ٣٥٩)، «كتاب الصيام» (١/ ٤٨٣)، «نيل الأوطار» (١٢٥)، «الشرح الممتع» (١/ ١٢٠)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٢٦).\n(^٣) تقدم تخريجه في الكتاب برقم (٣٦).\n(^٤) انظر: «فتاوى رمضان» (٢/ ٤٩٤ - ٤٩٧).","vol":"4","page":362},{"text":"عثيمين -﵀- بأنَّ الدخان يُعَدُّ من المفطرات، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1896>مسألة [١٧]: البخاخ الذي يستعمل في مرض الربو</span>.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: استعمال هذا البخاخ جائزٌ للصائم، سواء كان صيامه في رمضان، أم في غير رمضان ...؛ وذلك لأنَّ هذا البخاخ لا يصل إلى المعدة، وإنما يصل إلى القصبات الهوائية، فتنفتح بما فيه من خاصِيَّة، ويتنفس الإنسان تنفسًا عاديًّا بعد ذلك، فليس هو بمعنى الأكل والشرب، ولا أكلًا ولا شربًا يصل إلى المعدة، ومعلوم أنَّ الأصل صحة الصوم حتى يوجد دليل على الفطر من كتابٍ، أو سنةٍ، أو إجماعٍ، أو قياسٍ صحيح. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1897>مسألة [١٨]: إذا أفسد الصائم صومَه بإحدى المبطلات التي تقدمت، فهل يلزمه إمساك بقية يومه</span>؟\nقال النووي -﵀-: إذا أفطر الرجل، أو المرأة في نهار رمضان بالجماع لغير عذرٍ؛ لزمه الإمساك بقية النهار بلا خلاف؛ لأنه أفطر بغير عذر. اهـ\nوقد نقل ابن قدامة الإجماعَ على ذلك.\nقلتُ: أما الإجماع؛ فلم يثبت، فقد خالف عطاء كما في مصنف عبد الرزاق (٧٤٦٤)، وابن أبي شيبة (٣/ ٥٤)؛ فقال: إن شاء أكل وشرب.\nوالصحيح أنه لا يباح له ذلك، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾،\n_________\n(^١) انظر: «فتاوى رمضان» (٢/ ٥٢٧ - ٥٢٨).\n(^٢) «فتاوى رمضان» (٢/ ٥٣١ - ٥٣٢) جمع أشرف.","vol":"4","page":363},{"text":"فقد حرَّمَ الله عليه الأكل، والشرب، والجماع طوال النهار بهذا النص.\nثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- جزم بذلك كما في «مجموع الفتاوى»، واستدل بالآية التي ذكرتها، فلله الحمد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1898>مسألة [١٩]: من تعمد فطر يومٍ من رمضان؛ فهل عليه قضاؤه</span>؟\n• ذهب الجمهور، والأئمة الأربعة إلى أنه يجب عليه قضاؤه؛ لأنَّ الصوم كان عليه في الذمة، فلا تبرأ إلا بأدائه.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني»: عليه القضاء، لا نعلم في ذلك خلافًا.\nقلتُ: إنْ أراد نفي الخلاف في مذهبه فذاك، وإلا فالواقع وجود الخلاف، فقد خالف ابن مسعود (^٢)، وأبو هريرة (^٣)، فقالا: لا يجزئه قضاؤه وإنْ صام الدهر.\nورُوي ذلك عن علي بن أبي طالب (^٤)، وذكره ابن حزم عن أبي بكر بسند منقطع. (^٥)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٣١)، «المغني» (٤/ ٣٨٧)، «المحلى» (٧٦١)، «الفتاوى» (٢٠/ ٥٦٨).\n(^٢) أثر ابن مسعود -﵁- أخرجه عبدالرزاق (٤/ ١٩٩)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٠٥)، وفي إسناده رجل مبهم، ولكن أخرجه الطبراني (٩٥٧٥) بإسناد صحيح عن ابن مسعود، وسمَّى المبهم (بلال بن الحارث).\nقلتُ: وهو صحابي.\n(^٣) ذكره ابن حزم في «المحلى» (٧٣٥)، من طريقين، إحداهما صحيحة، والأخرى حسنة.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٠٦)، من طريق: عمر بن يعلى، عن عرفجة، عن علي، به. وهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ لأنَّ عمر هو ابن عبدالله بن يعلى بن مرة الثقفي، وهو متروك، وعرفجة مجهول الحال.\n(^٥) ذكر ذلك الحافظ في «الفتح» (١٩٣٥) أيضًا، والانقطاع المذكور هو بين عبدالرحمن بن البيلماني، وأبي بكر الصديق، ثم إنَّ عبدالرحمن بن البيلماني ضعيف.","vol":"4","page":364},{"text":"ورجَّح ذلك ابن حزم -واستثنَى القيء عمدًا-؛ لحديث: «ومن استقاء فعليه القضاء»، وقد تقدم ما فيه.\nوقد رجَّح هذا شيخنا -﵀-، وهذا هو الراجح؛ لأنّ الله ﷿ أوجب صيام أيامٍ محدودة، فمن لم يفعل ما أمره الله يكون قد تعدى حدود الله، وليس هناك دليل يدل على أنه إذا صام يومًا بدلًا منه أنه يجزئه.\nوقد جاء حديث يدل على ذلك، ولكنه ضعيفٌ، وهو ما أخرجه الأربعة (^١) عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «من أفطر يومًا من رمضان لغير عذر؛ لم يجزه صيام الدهر»، وفيه: أبو المطوس مجهول الحال، وفي سنده اضطراب على حبيب بن أبي ثابت، وأبو أبي المطوس مجهول، ولا يُدرى أسمع من أبي هريرة أم لا.\nوأما الرد على قول من قال: (الصوم في الذمة، فلا تبرأ الذمة إلا بأدائه).\nفالجواب: أنَّ الله قد حدَّ حدًّا لأدائه، فمن لم يؤده في الوقت الذي أمره الله أن يؤديه فيه؛ فقد فرَّط وعصى، ولا دليل يدل على أنه يمكنه أن يستدركه بعد خروج الوقت الذي حدَّه الله تعالى له.\nوقد جاء عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: يلزمه أن يصوم اثني عشر يومًا. وقال سعيد بن المسيب: يلزمه صوم ثلاثين يومًا. ولا دليل على ما ذهبا إليه. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٣٩٦)، والنسائي في «الكبرى» (٢/ ٢٤٤ -)، والترمذي (٧٢٣)، وابن ماجه (١٦٧٢).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٢٩)، «المغني» (٤/ ٣٦٥ - ٣٦٦)، «المحلى» (٧٥٣)، «الفتح» (١٩٣٥)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ١٠٥).","vol":"4","page":365},{"text":"٦٥٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ عَامَ الفَتْحِ إلَى مَكَّةَ، فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ العُصَاةُ».\nوَفِي لَفْظٍ: فَقِيلَ لَهُ: إنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْت، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ العَصْرِ، فَشَرِبَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٦٥٤ - وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أَجِدُ فِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\n٦٥٥ - وَأَصْلُهُ فِي المُتَّفَقِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو سَأَلَ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1899>مسألة [١]: إفطار المسافر</span>.\nيجوز للمسافر في الجملة الفطر بدلالة الكتاب والسنة، والإجماع.\nأما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١١١٤).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١١٢١) (١٠٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٤٣)، ومسلم (١١٢١).","vol":"4","page":366},{"text":"وأما من السنة: فالأحاديث فيه كثيرة، منها: أحاديث الباب، وجاءت الرخصة أيضًا في ذلك من حديث ابن عباس، وأبي سعيد، وعائشة، وأبي الدرداء، وكلها في «الصحيح».\nوأما الإجماع: فقد نقل النووي، وابن قدامة الإجماع على ذلك في الجملة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1900>مسألة [٢]: هل تشمل الرخصةُ سفرَ المعصية، أم لا</span>؟\n• ذهب مالك، والشافعي، وغيرهما إلى أنَّ الرخصة لا تشمل سفر المعصية؛ لأنه عاصٍ، فلا يُعان على ذلك.\n• وذهب أبو حنيفة، وداود الظاهري إلى أنها تشمل سفر المعصية، ورجَّح ذلك ابن حزمٍ، ثم قال: وبرهان صحة قولنا قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فعمَّ تعالى الأسفار كلها، ولم يخص سفرًا من سفر: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].اهـ\nوهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1901>مسألة [٣]: هل يجوز للمسافر الصوم في سفره</span>؟\n• ذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز للمسافر الصوم في السفر، وهو قول بعض أهل الظاهر، كداود، وابن حزم، وحُكِي هذا المذهب عن أبي هريرة، وابن عباس، (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٤٥)، «المجموع» (٦/ ٢٦١)، «الفتاوى» (٢٥/ ٢٠٩).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٦١)، «المحلَّى» (٧٦٢).\n(^٣) أثر أبي هريرة -﵁- ذكره ابن حزم في «المحلى» (٧٦٢)، وفي إسناده: محرر بن أبي هريرة، وهو مجهول، وأثر ابن عباس -﵄- أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٤) بإسناد صحيح عنه: أنه قال: الإفطار في السفر عزيمة.","vol":"4","page":367},{"text":"وعن النخعي، والزهري.\nواستدلوا بما يلي:\n١) حديث: «صَائِمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ كَالمُفْطِرِ فِي الْحضَرَ» أخرجه النسائي (٤/ ١٨٣)، وابن ماجه (١٦٦٦)، من حديث عبدالرحمن بن عوف -﵁-.\n١) قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥].\n٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» أخرجه البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥) من حديث جابر -﵁-.\n٣) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الذين صاموا: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ».\n• وذهب جمهور العلماء، والأئمة الأربعة إلى جواز الصيام في السفر، واستدلوا بأحاديث كثيرة منها: حديث أنس، وجابر، وأبي سعيد، وكلها في «الصحيح» (^١)، والمعنى متقارب: «كُنَّا نسافر مع رسول الله - ﷺ - فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. وحديث حمزة بن عمرو الأسلمي الذي في الكتاب.\nوأجابوا عن أدلة المذهب الأول بما يلي:\n١) أما حديث: «صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر»: فالصحيح فيه أنه من قول عبد الرحمن بن عوف، وليس مرفوعًا، رجَّح ذلك أبو زرعة كما\n_________\n(^١) أخرجها مسلم برقم (١١١٦) (١١١٧) (١١١٨)، وأخرج البخاري حديث أنس -﵁- برقم (١٩٤٧).","vol":"4","page":368},{"text":"في «العلل» لابن أبي حاتم (١/ ٢٣٩)، والدارقطني في «العلل» (٤/ ٢٨٣)، وأشار إليه النسائي.\nقال البيهقي -﵀- في «الكبرى» (٤/ ٢٨٣): ورُوي مرفوعًا، وإسناده ضعيفٌ.\nقلتُ: والموقوف على عبد الرحمن بن عوف لا يثبت أيضًا؛ فإنه من رواية ولده أبي سلمة عنه، وقد نصَّ أئمة العلل أنه لم يسمع منه.\n٢) قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، معناها: أو على سفر، فأراد الفطر، فأفطر؛ فعليه عدة من أيام أُخر، وقلنا ذلك جمعًا بين الآية وبين الأحاديث.\n٣) حديث: «ليس من البر الصيام في السفر»، هذا الحديث قد خرج على حالةٍ يقصر عليها، وهي أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرَّ برجلٍ قد غُشي عليه من الصوم، ثم ظلل عليه، فقال: «ما شأنه؟» قالوا: صائم. قال: «ليس من البر الصيام في السفر»، فيحمل هذا الحديث على من كان الصوم يشق عليه، أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من الصوم من وجوه القُرَب.\nقال ابن دقيق العيد: والمانعون في السفر يقولون: إنَّ اللفظ عامٌّ، والعبرة بعمومه لا بخصوص السبب.\nقال: وينبغي أن ينتبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام على مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب؛ فإنَّ بين العامين فرقًا","vol":"4","page":369},{"text":"واضحًا، ومن أجراهما مجرًى واحدًا لم يصب. اهـ\nقال الصنعاني -﵀-: وأما حديث: «ليس من البر»، فإنما قاله - ﷺ - فيمن شقَّ عليه الصيام، نعم يتم الاستدلال بتحريم الصوم في السفر على من شق عليه. اهـ\n١) قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للذين صاموا: «أولئك العصاة»، فعنه جوابان:\nالأول: أنه كان قد شق عليهم كما ورد في نفس الحديث، كما في الباب، فيختص المنع بمن شق عليه كما تقدم في كلام الصنعاني -﵀-.\nالثاني: وهو المعتمد أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرهم بالفطر عزيمةً كما جاء في «صحيح مسلم» من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- قال: فنزلنا منزلًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم، فأفطروا»، فكانت عزمة، فأفطرنا ...\n٢) قول ابن عباس -﵄-: إن الفطر عزمة. محمول على من شق عليه الصيام، ويدل على ذلك أنه قال، كما في «الصحيحين»: قد صام رسول الله - ﷺ - في السفر، وأفطر؛ فمن شاء صام، ومن شاء أفطر، وبالله التوفيق.\nوقول الجمهور هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1902>مسألة [٤]: أيهما أفضل للمسافر: الصوم، أم الفطر</span>؟\n• ذهب الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق إلى أنَّ الفطر أفضل، واستدلوا:\n١) بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ليس من البر الصيام في السفر». (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٤٦)، «المجموع» (٦/ ٢٦٤)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢١١)، «المحلَّى» (٧٦٢)، «سبل السلام» (٤/ ١٤١ - ١٤٢)، «التمهيد» (٧/ ٢٣٢).\n(^٢) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"4","page":370},{"text":"٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم». (^١)\n٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله يحب أن تؤتى رُخَصُهُ كما يكره أن تُؤتى معصيتُه». (^٢)\n٣) حديث حمزة بن عمرو الأسلمي الذي في الكتاب.\n٤) قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].\nوقد رجَّح هذا القول ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية.\n• وذهب عمر بن عبد العزيز، ورجَّحه ابن المنذر إلى أنَّ أفضلهما أيسرهما، واستدلوا بالآية الأخيرة التي استدل بها أهل القول الأول.\n• وذهب الجمهور، ومنهم مالك، والشافعي، إلى أنَّ الصوم أفضل لمن قَوِي عليه، ولم يشق عليه، واستدلوا:\n١) بحديث أبي الدَّرْدَاء في «الصحيحين» (^٣): خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في حرٍّ شديد في شهر رمضان، وما فينا صائمٌ إلا رسول الله - ﷺ -، وعبد الله بن رواحة.\n٢) حديث أبي سعيد في «صحيح مسلم» (١١١٦) (٩٦): ...، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أنَّ من وجد قوةً فصام؛ فإنَّ ذلك حسنٌ، ومن وجد ضعفًا فأفطر؛ فإنَّ ذلك حسنٌ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١١١٥).\n(^٢) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٤١٦).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٩٤٥)، ومسلم برقم (١١٢٢).","vol":"4","page":371},{"text":"٣) قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨ /المائدة:٤٨].\n٤) أنه أسرع في إبراء الذمة، وصومه مع الناس أسهل على المكلف.\nوأجاب الجمهور على أدلة المتقدمين: بأنها محمولة على من يشتد عليه الصوم، ويتضرر به، وكذلك من ظُنَّ به الإعراض عن قبول الرخصة، وكذلك من خاف على نفسه العُجب، أو الرياء إذا صام في السفر.\nوقول عمر بن عبد العزيز المتقدم راجع إلى قول الجمهور.\n• وقد ذهب بعضهم إلى أنَّ المسافر يستوي في حقه الصيام والفطر.\nوالراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور، وقد رجَّحه النووي، والحافظ ابن حجر رحمة الله عليهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1903>مسألة [٥]: لو أصبح في أثناء سفره صائمًا، ثم أراد أن يُفطر في نهاره من غير عذر، فهل له ذلك</span>؟\n• الذي نصَّ عليه الشافعية، والحنابلة، وغيرهم: أنَّ له أن يفطر، واستدلوا بحديث ابن عباس في «الصحيحين» (^٢) أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد أفطر، فأفطر الناس. وبحديث جابر الذي في الباب.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٤٦)، «السبل» (٤/ ١٤٢ - ١٤٣)، «الإنصاف» (٣/ ٢٥٩)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٥٥ - ٣٥٦)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢١٣ -)، «المجموع» (٦/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، «المغني» (٤/ ٤٠٦ -).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٤٤)، ومسلم برقم (١١١٣).","vol":"4","page":372},{"text":"• وذهب مالك إلى أنه لا يجوز له الفطر، وإذا أفطر؛ فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه كان مخيرًا بين الصوم والفطر، فلما اختار الصوم صار من أهله، وعنه رواية: أنَّ عليه القضاء فقط، واختارها أكثر أصحابه.\nوالراجح القول الأول، وهو ترجيح النووي، وابن قدامة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1904>مسألة [٦]: إذا سافر المقيم، فهل له الفطر في ذلك اليوم</span>؟\nهذه المسألة لها أربع حالات:\nالحالة الأولى: أن يبدأ السفر في الليل، ويفارق عمران البلد قبل الفجر.\n• قال النووي: له الفطر بلا خلاف. وقال ابن قدامة: له الفطر في قول عامة أهل العلم. وقال عبيدة السلماني، وأبو مجلز، وسويد بن غفلة: لا يفطر من سافر بعد دخول الشهر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].\nالحالة الثانية: أن يسافر بعد طلوع الفجر.\n• فمذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة: أنه ليس له الفطر في ذلك اليوم، وهو رواية عن أحمد؛ وذلك لأن الصوم عبادة تختلف في السفر والحضر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة. قالوا: وإذا أفطر فليس عليه إلا القضاء، وخالف بعض أصحاب مالك، فأوجبوا الكفارة، وردَّ عليهم ابن عبد البر.\n• وذهب أحمد في رواية، وهو قول إسحاق، وداود، وابن المنذر، والشعبي إلى\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٦١)، «المغني» (٤/ ٣٤٨)، «الإنصاف» (٣/ ٢٦٠)، «التمهيد» (٧/ ٢٢٢، ٢٢٧).","vol":"4","page":373},{"text":"أنَّ له الفطر، واسْتُدِلَّ لهم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، فالآية عامة، وقالوا: السفر معنى لو وجد ليلًا واستمر في النهار لأباح له الفطر، فإذا وجد في أثنائه أباحه كالمرض، وهذا القول هو الراجح.\nقال ابن قدامة: وهو أصح؛ للخبر، ولأنَّ الصوم يفارق الصلاة؛ فإنَّ الصلاة يلزم إتمامها بنيته بخلاف الصوم. اهـ\nالحالة الثالثة: أن ينوي الصيام من الليل، ثم يسافر، ولا يعلم هل سافر قبل الفجر، أم بعده؟\nفعلى القول الذي اخترناه في الحالة التي قبل هذه فلا إشكال في أنه يجوز له الفطر، وعلى القول الثاني أعني مذهب الشافعي ومن معه أنه لا يجوز له الفطر، فقد قطع الصيمري وصاحب «البيان» وغيرهما أنه ليس له الفطر؛ لأنه يشك في مبيح الفطر، ولا يباح بالشك. والراجح هو الجواز، والله أعلم.\nالحالة الرابعة: أن يسافر من بعد الفجر، ولم يكن نوى الصيام.\nقال النووي -﵀-: فهذا ليس بصائم؛ لإخلاله بالنية من الليل، فعليه قضاؤه، ويلزمه الإمساك هذا اليوم؛ لأنَّ حرمته قد ثبتت بطلوع الفجر وهو حاضرٌ، وهكذا ذكر الصيمري، والماوردي، وصاحب «البيان»، وهو ظاهرٌ، ويجيء فيه قول المزني والوجه الموافق له يعني أن له أن يفطر والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٤٥ -) «المجموع» (٦/ ٢٦١ - ٢٦٢) «الإنصاف» (٣/ ٢٦٠) «التمهيد» (٧/ ٢٢٦).","vol":"4","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1905>مسألة [٧]: إذا سافر المقيم فمتى يباح له الفطر</span>؟\n• ذهب الشافعية، والمالكية، والحنابلة إلى أنه يفطر عند أن يُفارق بيوت قريته، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وهذا شاهد، ولا يوصف بكونه مسافرًا حتى يخرج من البلد، ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين، ولذلك لا يقصر الصلاة.\n• وذهب الحسن البصري، وهو قول إسحاق، ورُوي عن عطاء أنَّ له أن يفطر، ولو من بيته إذا كان قد عزم على السفر وتهيأ له.\nواستدلوا بما أخرجه الترمذي (٧٩٩)، من طريق: عبد الله بن جعفر المديني -والد علي- ومحمد بن جعفر، واللفظ للمديني، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن كعب، قال: أتيت أنسًا وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام، فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة. ثم ركب.\nوهذا الحديث ذكره ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٢٣٩) وذكر أنَّ الدراوردي رواه عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب به، وفيه: فقلنا: سنة؟ قال: ليس بسنة. ثم قال: قال أبي: حديث الدراوردي أصح. اهـ\nوعلى هذا فالراجح هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٤٧)، «التمهيد» (٧/ ٢٢٧).","vol":"4","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1906>فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1907>مسألة [١]: مقدار السفر الذي يفطر فيه</span>.\n• ذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام، وهو ستة عشر فرسخًا كما بين مكة وعسفان.\n• وذهب أبو حنيفة إلى تحديده بثلاثة أيام.\n• وذهب طائفة من السَّلف والخَلَف إلى عدم التحديد، وقالوا: يفطر ويقصر فيما سُمِّي سفرًا، ولو كان أقل من يومين، وقواه شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: فإنه قد ثبت أنَّ النبي - ﷺ - كان يصلي بعرفة، ومزدلفة، ومنى بالناس، يقصر وخلفه أهل مكة، وغيرهم يصلون بصلاته، ولم يأمر أحدًا منهم بالإتمام. اهـ\nوقد رجَّح هذا القول الحافظ ابن القيم في «زاد المعاد» وهو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1908>مسألة [٢]: إذا قدم المسافر وهو مفطر، فهل يلزمه إمساك بقية يومه</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: أنه لا يلزمه، وهو قول مالك، والشافعي، وأصحابهما، وهو قول\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢١١ - ٢١٢)، «المحلى» (٧٦٢)، «زاد المعاد» (٢/ ٥٥).","vol":"4","page":376},{"text":"أحمد في رواية، وداود، حتى قال مالك والشافعي: ولو قدم مسافرٌ في هذه الحال، فوجد امرأته قد طهرت في ذلك اليوم؛ جاز له وطؤها. وقال الشافعي: أحب لهما أن يستترا بالأكل، والجماع خوف التهمة.\nالقول الثاني: أنه يلزمه الإمساك، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والحسن بن حي، وعبيد الله بن الحسن، وأحمد في رواية، وعليها أكثر أصحابه، واحتج لهم الطحاوي بأنْ قال: لم يختلفوا أنَّ من غُمَّ عليه هلال رمضان، فأكل ثم علم، أنه يمسك عما يمسك عنه الصائم. اهـ\nوالصواب هو القول الأول، وأما ما ذكره الطحاوي؛ فلا يخفى أنَّ بين الصورتين اختلافًا: فالمسافر له الفطر، والحاضر الجاهل بدخول الشهر ليس جهله برافع عنه الواجب عليه إذا علمه؛ لزوال جهله بذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1909>مسألة [٣]: لو قدم المسافر وهو صائم، فهل له أن يفطر وقد أقام</span>؟\n• فيها قولان:\nالأول: نعم، يجوز له ذلك، قاله بعض الشافعية، منهم ابن أبي هريرة.\nالثاني: لا يجوز، وعليه جمهور الشافعية، وهو الأصح عند أبي الطيب، وهو قول أبي إسحاق الشيرازي، والقول الثاني هو الراجح، وهو مقتضى قول الجمهور؛ لأنه قد أصبح مقيمًا، وزالت عنه رخص السفر. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد» (٧/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، «المجموع» (٦/ ٢٦٢)، «زاد المعاد» (٢/ ٥٦)، «الاستذكار» (١٠/ ٩١)، «الإنصاف» (٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٦٢).","vol":"4","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1910>مسألة [٤]: هل يجوز للمقيم الذي يريد أن يسافر بالغد أن يبيت الفطر</span>؟\nقال ابن عبد البر -﵀-: واتفق الفقهاء في المسافر في رمضان أنه لا يجوز له أن يبيت الفطر؛ لأنَّ المسافر لا يكون مسافرًا بالنية، وإنما يكون مسافرًا بالعمل والنهوض في السفر، وليست النية في السفر كالنية في الإقامة؛ لأنَّ المسافر إذا نوى الإقامة كان مقيمًا في الحال؛ لأنَّ الإقامة لا تفتقر إلى عمل. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1911>مسألة [٥]: إذا أقام المسافر ببلدة، فهل يلزمه الإمساك، أم أن له أن يفطر</span>؟\nقال الإمام النووي -﵀-: لو نوى المسافر الإقامة ببلد بحيث تنقطع رخصه، فطريقان ... .\nثم ذكر أنَّ الأصح عند الشافعية وجهان، وأنَّ الأصح من الوجهين أنه يحرم الفطر، وهو الذي رجحه الشيرازي، والقاضي أبو الطيب، ورجحه كذلك الفوراني، وجماعة من الخراسانيين، وجعلوه وجهًا واحدًا.\nقلتُ: قوله (بحيث تنقطع رخصه) يخرج ما إذا عزم على الإقامة أربعة أيام فما دون، كما هو معلوم من مذهب الشافعية، وهو مذهب طائفة غيرهم أيضًا كما تقدم ذكره عند الكلام على قصر الصلاة لمن أقام، وهذا هو الراجح، والله أعلم، أنه إن عزم على الإقامة أكثر من أربعة أيام؛ فليس له أن يترخص بالفطر؛ لأنه يعتبر مقيمًا، وقد رجَّح هذا الشيخ ابن باز -﵀-، وهو مقتضى مذهب الحنابلة.\nوقال ابن حزم -﵀-: ومن أقام من قبل الفجر، ولم يسافر إلى بعد غروب\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد» (٧/ ٢٢٥)، «الاستذكار» (١٠/ ٨٩)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٧٨).","vol":"4","page":378},{"text":"الشمس في سفره، فعليه إذا نوى الإقامة المذكورة أن ينوي الصوم، ولابد، سواء كان في جهاد، أو عمرة، أو غير ذلك؛ لأنه إنما ألزم الفطر إذا كان على سفر، وهذا مقيم؛ فإن أفطر عامدًا فقد أخطأ إن كان جاهلًا متأولًا، وعصى إن كان عالمًا. اهـ\nوالصواب هو القول الأول؛ لما تقدم ذكره في باب القصر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1912>مسألة [٦]: هل يجوز للمسافر أن يصوم في رمضان قضاءً، أو نذرًا، أو كفارةً، أو تطوعًا</span>؟\n• الذي عليه الجمهور، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد: أنه لا يجوز له ذلك؛ لأنَّ الفطر أُبيح رخصة وتخفيفًا، فإذا لم يُرِد التخفيف عن نفسه؛ لزمه الأصل؛ فإن نوى صومًا غير رمضان لم يصح صومه لا عن رمضان ولا عمَّا نواه.\n• وذهب أبو حنيفة إلى الجواز إذا كان الصوم واجبًا، كالكفارة، والنذر، وهذا القول ليس عليه دليل.\nوالراجح هو القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1913>مسألة [٧]: إذا خرج المسافر، فأفطر، ثم عاقه عائقٌ، فرجع فما الحكم</span>؟\nعليه القضاء، وليس عليه كفارة.\nقال ابن عبد البر -﵀-: وقد أجمعوا أنه لو مشى في سفره حتى تغيب بيوت\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٦٢)، «المحلى» (٧٦٣)، «فتاوى رمضان» (١/ ٣١٦ - ٣١٧)، «ضياء السالكين» (ص ١٩٣).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٦٣)، «المغني» (٤/ ٣٤٩).","vol":"4","page":379},{"text":"قريته والمصر، فنزل، فأكل، ثم عاقه عائق عن النهوض في ذلك السفر؛ لم تلزمه كفارة. اهـ\nيعني: ويلزمه القضاء. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1914>مسألة [٨]: أهل البادية المتنقلون</span>.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢١٣): وَأَهْلُ الْبَادِيَةِ كَأَعْرَابِ الْعَرَبِ، وَالْأَكْرَادِ، وَالتُّرْكِ، وَغَيْرِهِمْ الَّذِينَ يُشَتُّونَ فِي مَكَان، وَيُصَيِّفُونَ فِي مَكَان، إذَا كَانُوا فِي حَالِ ظَعْنِهِمْ مِنْ الْمَشْتَى إلَى الْمَصِيفِ، وَمِنْ الْمَصِيفِ إلَى الْمَشْتَى؛ فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ، وَأَمَّا إذَا نَزَلُوا بِمَشْتَاهُمْ، وَمَصِيفِهِمْ، لَمْ يُفْطِرُوا، وَلَمْ يَقْصُرُوا، وَإِنْ كَانُوا يَتَتَبَّعُونَ الْمَرَاعِيَ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «الاستذكار» (١٠/ ٩٠).","vol":"4","page":380},{"text":"٦٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الكَبِيرِ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1915>مسألة [١]: الشيخ الكبير، والمرأة العجوز اللذان لا يطيقان الصيام</span>.\nنقل غير واحد الإجماع على أنَّ لهما الفطر، ولا قضاء عليهما، كابن المنذر، وابن عبد البر، والقرطبي، والنووي. (^٢)\n• واختلف أهل العلم: هل يلزمهما إذا أفطرا الفدية، أم لا؟ على قولين:\nالقول الأول: أنه يلزمهما الفدية، وهو قول الجمهور ومنهم: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، وذهب إليه من الصحابة: أنس، وابن عباس، وقيس بن السائب، وأبو هريرة، وكلها ثابتة عنهم (^٣)، وهو قول عكرمة، وسعيد بن\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٠٥)، والحاكم (١/ ٤٤٠)، كلاهما من طريق محمد بن عبدالله الرقاشي ثنا وهيب عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس، وإسناده صحيح رجاله رجال الشيخين.\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٥٨، ٢٥٩)، «الاستذكار» (١٠/ ٢١٣)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٨٩).\n(^٣) أثر أنس -﵁- علقه البخاري في «صحيحه» قبل حديث رقم (٤٥٠٥)، ووصله البيهقي (٤/ ٢٧١) بإسناد صحيح، وكذلك عبد بن حميد كما في «الفتح».\nوأما أثر ابن عباس -﵄-، فأخرجه عبد الرزاق (٤/ ٢٢١)، والطبري (٣/ ٤٢٥) بأسانيد صحيحة عنه.\nوأما أثر قيس بن السائب -﵁- فأخرجه البيهقي (٤/ ٢٧١) بإسناد حسن.\nوأما أثر أبي هريرة -﵁-، فأخرجه البيهقي (٤/ ٢٧١) بإسناد صحيح.","vol":"4","page":381},{"text":"المسيب، وعطاء، وقتادة وسعيد بن جبير وغيرهم.\nواستدلوا بما يلي:\n١) قراءة ابن عباس: (وعلى الذين يُطَوَّقُونَه فدية طعام مسكين)، بمعنى: يتكلفون صومه، قالوا: والآية بالقراءة المشهورة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، معناها: يطيقونه بمشقة، فيتفق معنى القراءتين.\n١) قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] قال الإمام ابن عثيمين -﵀-: وجه الدلالة من الآية أنَّ الله تعالى جعل الفدية عديلًا للصوم لمن قدر عليه، فإذا لم يقدر بقي عديله، وهو الفدية، وهذا في الحقيقة يدل على غور فقهه يعني ابن عباس -﵁- وإلا فالإنسان إذا قرأ الآية ليس فيها تعرض لمن لا يطيق، بل فيها لمن يطيق، هذا وجه الدلالة، فصار العاجز عجزًا لا يُرجى زواله الواجب عليه الإطعام عن كل يومٍ مسكينًا. اهـ\nقلتُ: يريد الشيخ -﵀- أنَّ ظاهر الآية أنَّ المستطيع للصوم كان مخيرًا بين الإطعام، والصوم، والأمر كما قال -﵀-؛ فقد ثبت في «الصحيحين» من حديث سلمة بن الأكوع -﵁-، قال: لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر، ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.\nقلتُ: يعني قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، كما جاء مصرحًا به في رواية «صحيح مسلم»، وقد صح عن ابن عمر أيضًا القول بنسخ","vol":"4","page":382},{"text":"الآية كما في «صحيح البخاري» (٤٥٠٦).\n٢) أنَّ هذا عمل بعض الصحابة، كأنس، وابن عباس، وأبي هريرة، وقيس بن السائب -﵃-، وقد قال ابن حزم: ولا يعرف لهم من الصحابة مخالفٌ.\nوقد رجَّح هذا القول ابن قدامة، والنووي، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وابن كثير، وهو ترجيح: الشيخ الألباني، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهم.\n\nالقول الثاني: أنه لا يلزمهما الفدية، وهو قول مالك، والثوري، وأبي ثور، ومن التابعين: القاسم بن محمد، وسالم بن عبد لله، ومكحول الدمشقي، وربيعة ابن أبي عبد الرحمن، وسعيد بن عبد العزيز، وهو أحد قولي الشافعي، ورجَّحه ابن المنذر، وابن عبد البر، وابن حزم رحمة الله عليهم أجمعين.\nقال ابن حزم -﵀-: والشيخ، والعجوز اللذان لا يطيقان الصوم؛ فالصوم لا يلزمهما، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وإذا لم يلزمهما الصوم؛ فالكفارة لا تلزمهما؛ لأنَّ الله تعالى لم يلزمهما إياها، ولا رسوله - ﷺ -، والأموال محرمة إلا بنصٍّ، أوإجماعٍ. اهـ\nقال ابن عبد البر -﵀-: والصحيح في النظر -والله أعلم- قول من قال: إنَّ الفدية غير واجبة على من لا يطيق الصيام؛ لأنَّ الله تعالى لم يوجب الصيام على من لا يطيقه؛ لأنه لم يوجب فرضًا إلا على من أطاقه، والعاجز عن الصوم كالعاجز عن القيام في الصلاة، وكالأعمى العاجز عن النظر لا يكلفه، وأما الفدية فلم تجب","vol":"4","page":383},{"text":"بكتاب مجتمع على تأويله، ولا سنة يفقهها من تجب الحجة بفقهه، ولا إجماع في ذلك عن الصحابة ولا عن من بعدهم، والفرائض لا تجب إلا من هذه الوجوه، والذمة بريئة. اهـ\nوأجابوا عن أدلة الجمهور بما يلي:\n١) قراءة ابن عباس: (وعلى الذين يطوَّقونه) خلاف القراءة المتواترة، قال ابن عبدالبر: قوله تعالى: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ هو الثابت بين لَوْحَي المصحف المجتمع عليه، وهي القراءة الصحيحة، ويقطع الفرد بمجيئها. اهـ\nوقد تكلم على قراءة ابن عباس -﵄- جمعٌ، منهم: الطبري في «تفسيره»، وأبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ»، وابن العربي في «أحكام القرآن»، وابن الجوزي في «الناسخ والمنسوخ»، وابن التركماني في «الجوهر النقي» (٤/ ٢٧١)، وابن حزم في «المحلى»، والجصاص في «أحكام القرآن»، وغيرهم.\nوقولهم: إن قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ معناها: (يطيقونه بمشقة) لا يستقيم مع ما تقدم في حديث سلمة بن الأكوع في «الصحيحين»؛ فإنَّ ظاهره العموم في إباحة الفطر مع الفدية على من وجد المشقة أو لم يجد، وأيضًا فإن محل النزاع في العاجز الذي لا يطيق الصيام، ولذلك فقد رجَّح ابن المنذر أنَّ الآية منسوخة، وأنها لم تتناول الشيخ الكبير العاجز.\nقال -﵀-: لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام؛ لم يناسب أن يقال له: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤].انتهى من «الفتح».","vol":"4","page":384},{"text":"٢) وأما وجه الدلالة الذي ذكره الإمام ابن عثيمين -﵀-، ففيه إشكال من حيث أنَّ الله عزوجل أوجب على المطيق الفدية، أو الصوم، وفهم من الآية أنَّ الذي لا يطيق ليس عليه فدية، ولا صوم، ويؤيده قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فلما نسخها الله عزوجل بالآية التي بعدها، وأوجب على المطيق الصوم، فمن أين لنا أن نوجب على غير المطيق أن يأتي بما يعادل الصوم، وهو الفدية مع كون الصوم نفسه لا يجب عليه؟!\n٣) أجابوا عمَّا ورد عن الصحابة في ذلك: أنَّ الحجة بإجماعهم لا باجتهاد بعض أفرادهم، ومنهم من قال: هي محمولة على أنهم أطعموا استحبابًا لا وجوبًا.\nوهذا القول -أعني القول الثاني- هو الأقرب والأرجح فيما يظهر لنا، والله أعلم.\nتنبيه: المراد بالذي (لا يطيق) هو العاجز عن الصيام مطلقًا، أو يطيق الصيام لكن بمشقة تلحقه الضرر. (^١)\n_________\n(^١) انظر معنى ذلك في «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٠٣).\nوانظر للمسألة: «المجموع» (٦/ ٢٥٨)، «المحلَّى» (٧٧٠)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٨٨)، «الاستذكار» (١٠/ ٢١٢ - ٢٢٠)، «الفتح» (٤٥٠٧)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، «تفسير ابن كثير» [آية:١٨٤/من سورة البقرة]، «سنن البيهقي» (٤/ ٢٧١).","vol":"4","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1916>تَفْرِيْعَاتٌ عَلَى مَذْهَبِ الجُمْهُور</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1917>مسألة [١]: مقدار الفدية</span>.\n• اختلف في تقديرها على أقوال:\nالأول: أنها مدٌّ من طعام عن كل يوم، سواء في الطعام البر، والتمر، والشعير، وغيرها من أقوات البلد، وهذا قول الشافعي، وطاوس، وسعيد بن جبير، والثوري، والأوزاعي.\nالثاني: يجب لكل يوم صاع تمر، أو نصف صاع حنطة، وهو قول أبي حنيفة.\nالثالث: مُدُّ حنطة، أو مُدَّان من شعير، أو تمر، وهو قول أحمد.\nالرابع: ليس فيه حدٌّ محدود، قال الشوكاني -﵀-: وليس في المرفوع ما يدل على التقدير. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ويؤيد ما قاله الشوكاني ما جاء عن أنس بن مالك -﵁-، أنه كان ضَعُفَ قبل موته بعامٍ، أو عامين، فأطعم الخبز واللحم. علَّقه البخاري في «صحيحه» [باب (٢٥) من كتاب التفسير]، ووصله البيهقي","vol":"4","page":386},{"text":"(٤/ ٢٧١)، وغيره، وهو صحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1918>مسألة [٢]: إذا أوجبنا الفدية على الشيخ الكبير العاجز، والمريض المأيوس من برئه، وكان معسرًا، فهل تلزمه إذا أيسر، أم تسقط</span>؟\nقال النووي -﵀-: فيه قولان، كالكفارة، والأصح في الكفارة بقاؤها في ذمته إلى اليسار؛ لأنها في مقابلة جناية، فهي جزاء الصيد، وينبغي أن يكون الأصح هنا أنها تسقط ولا تلزمه إذا أيسر، كالفطرة؛ لأنه عاجز حال التكليف بالفدية، وليست في مقابلة جناية ونحوها. انتهى المراد.\nوما صححه النووي هو قول الحنفية والحنابلة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1919>مسألة [٣]: إذا تكلف العاجز عن الصيام، فصام فهل تلزمه الفدية</span>؟\nقال النووي -﵀-: واتفقوا على أنه لو تكلف الصوم وصام، فلا فدية، والعجوز كالشيخ في جميع هذا، وهو إجماع. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1920>مسألة [٤]: إذا أفطر الشيخ العاجز عن الصيام، ثم قدر على الصوم، فهل يلزمه القضاء</span>؟\nقال النووي -﵀-: فيه وجهان حكاهما الدارمي، وقال البغوي -ونقله القاضي حسين-: إنه لا يلزمه؛ لأنه لم يكن مخاطبًا بالصوم، بل بالفدية. قال: ثم اختار\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٥٩)، «النيل» (١٦٩٥)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٨٩)، «المحلى» (٧٤٦).\n(^٢) «المجموع» (٦/ ٢٥٩)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٣٢/ ٦٧).\n(^٣) «المجموع» (٦/ ٢٥٨).","vol":"4","page":387},{"text":"البغوي لنفسه أنه إن قدر على القضاء قبل أن يفدي؛ لزمه الصوم، وإن قدر بعد الفدية فلا يلزمه. اهـ\nقلتُ: وهذا الذي اختاره البغوي، هو قول الحنابلة.\nوالذي يظهر -والله أعلم- أنه يلزمه؛ لكون العجز كان لعارض فأشبه المرض، وهذا قول الحنفية، والمالكية، وبعض الحنابلة. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٥٩)، «حاشية ابن عابدين» (١/ ٢٥٩)، «منح الجليل شرح مختصر خليل» (٢/ ١٢٠)، «الفقه على المذاهب الأربعة».","vol":"4","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1921>فَصْل فِي ذِكْرِ مَسَائِلَ فِي صِيَامِ أَهْلِ الأعْذَار</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1922>أولا: المريض</span>.\nحالاته:\nقال القرطبي -﵀-: للمريض حالتان: إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال، فعليه الفطر واجبًا. الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1923>مسألة [١]: ضابط المرض الذي يرخص فيه الفطر</span>.\nقال النووي -﵀-: قال أصحابنا: شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها، وأما المرض اليسير الذي لا يلحقه مشقة ظاهرة؛ لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا، خلافًا لأهل الظاهر. اهـ\nوما قرره الشافعية هو الذي عليه الحنابلة والمالكية، حكاه عن الحنابلة ابن قدامة، والمرداوي، وعن المالكية أبو عبد الله القرطبي. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1924>مسألة [٢]: المريض مرضًا لا يُرجى برؤه</span>.\nقال النووي -﵀-: حكمه كحكم الشيخ العاجز عن الصيام بلا خلاف. (^٣)\n_________\n(^١) «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٧٦).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٥٨)، «الإنصاف» (٣/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، «المغني» (٤/ ٤٠٤)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٧٦).\n(^٣) «المجموع» (٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩).","vol":"4","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1925>مسألة [٣]: إذا أفطر المريض الذي لا يرجى برؤه، ثم قدر على الصوم، فهل يلزمه قضاء الصوم</span>؟\n• فيه وجهان عند الحنابلة، والشافعية، والأصح منهما أنه يلزمه القضاء؛ لأنَّ الإطعام بدل يأس، وقد تبينَّا ذهاب اليأس.\nوهذا الذي رجَّحه شيخنا الإمام مقبل ابن هادي الوادعي -﵀- في أحد دروسه، وقال: تشمله الآية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1926>مسألة [٤]: هل للمريض أن يترك نية الصوم</span>؟\nقال النووي -﵀-: قال أصحابنا: إن كان المرض المجوز للفطر مطبقًا، فله ترك النية بالليل، وإن كان يحم وينقطع، ووقت الحمى لا يقدر على الصوم، وإن لم تكن الحمى يقدر عليه؛ فإن كان محمومًا وقت الشروع في الصوم؛ فله ترك النية، وإلا فعليه أن ينوي من الليل، ثم إن عاد المرض واحتاج إلى الفطر أفطر. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1927>مسألة [٥]: إذا أصبح الصحيح صائمًا، ثم مرض</span>؟\nقال النووي -﵀-: جاز له الفطر بلا خلاف. اهـ\nونقل المرداوي الإجماع على استحباب إفطاره. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٥٩).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٥٨).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٥٨)، «الإنصاف» (٣/ ٢٥٧).","vol":"4","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1928>مسألة [٦]: إذا تحامل المريض على نفسه وصام</span>؟\nقال ابن عبد البر -﵀-: ...، إجماعهم أنَّ المريض إذا تحامل على نفسه فصام وأتمَّ يومه أنَّ ذلك مُجْزِئٌ عنه. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: خالف ابن حزم، وقال: إنه لا يجزئ عنه. والصحيح أنه يجزئ عنه.\nقال ابن قدامة -﵀-: فإن تحمَّل المريض وصام مع هذا؛ فقد فعل مكروهًا؛ لما يتضمنه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف الله تعالى، وقبول رخصته، ويصح صومه، ويجزئه؛ لأنه عزيمة أبيح تركها رخصةً، فإذا تحملها أجزأه كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة إذا حضرها، والذي يباح له ترك القيام في الصلاة إذا قام فيها. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1929>مسألة [٧]: هل يجوز للمريض أن يصوم في رمضان كفارة، أو نذرًا، أو نحوه</span>؟\nالذي قطع به الجمهور، وهو قول أحمد، والشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وغيرهم: أنه لا يجوز له ذلك؛ لأنَّ الفطر أُبِيح له رخصةً وتخفيفًا، فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه؛ لزمه أن يأتي بالأصل؛ فإن نوى صومًا غير رمضان لم يصح صومه، لا عن رمضان، ولا عمَّا نواه. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد» (٧/ ٢٣٥)، «المغني» (٤/ ٤٠٤)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٥٣).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٦٣)، «المغني» (٤/ ٣٤٩).","vol":"4","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1930>ثانيًا: من خاف الهلاك من الجوع والعطش</span>.\nقال النووي -﵀-: قال أصحابنا وغيرهم: من غلبه الجوع، والعطش، فخاف الهلاك؛ لزمه الفطر، وإن كان صحيحًا مُقيمًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، ويلزمه القضاء كالمريض. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1931>ثالثًا ورابعًا: الحامل والمرضع</span>.\n• في المسألة أقوال:\nالأول: أنهما تُفْطِران، وتُطْعِمَان عن كل يوم مسكينًا، وليس عليهما القضاء، وهو قول عكرمة، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، وإسحاق بن راهويه، وصحَّ هذا القول عن ابن عباس كما في «تفسير الطبري» (٣/ ٤٢٥، ٤٢٧) بأسانيد صحيحة، وجاء عن ابن عمر كما في «مسند الشافعي» (١/ ٢٧٨)، وغيره بإسناد صحيح.\nواستدلوا بالآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، وقرأ ابن عباس: (يطوقونه)، وقد تقدم الكلام على الآية في مسألة الشيخ العاجز.\nالثاني: أنهما يفطران ويقضيان ولا فدية، وهو قول الحسن، والنخعي، وعطاء، والزهري، والضحاك، والأوزاعي، وربيعة، والثوري، وأبي حنيفة\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٥٨)، «الإنصاف» (٣/ ٢٥٨)، «المحلَّى» (٧٥٥)، «المغني» (٤/ ٤٠٤ - ٤٠٥).","vol":"4","page":392},{"text":"وأصحابه، والليث، والطبري، وأبي ثور، وأبي عبيد، وهو قول مالك في المرضع، والشافعي في أحد قوليه في الحامل.\nواستدلوا بحديث أنس بن مالك الكعبي عند أصحاب «السنن» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنَّ الله عزوجل وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم» (^١)، وقد حسنه شيخنا في «الجامع الصحيح»، وقالوا: هو فطر أُبيح لعذر طارئ، فلا يجب به كفارة كالمرض.\nوهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم.\nالثالث: إن خافتا على أنفسهما لا غير، أو على أنفسهما وولدهما؛ أفطرتا، وقضتا ولا فدية عليهما، وإن خافتا على ولدهما لا على أنفسهما؛ أفطرتا وقضتا، وعليهما الفدية، وهو قول الشافعي، وأحمد، ورُوي ذلك عن مجاهد.\nالرابع: الحامل تفطر، وتقضي، ولا فدية، والمرضع تفطر، وتقضي، وتفدي، وهو قول مالك، والليث، ورجَّحه ابن عبد البر.\nالخامس: لا قضاء عليهما، ولا إطعام، وهو قول ابن حزم -﵀-، واستدل بحديث أنس المتقدم، وأُجيب بأنَّ المراد وضع الأداء لا وضع القضاء بدليل أنَّ المسافر عليه أيام أُخر كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٤٠٨)، والترمذي (٧١٥)، والنسائي (٤/ ١٨٠، ١٩٠)، وابن ماجه (١٦٦٧).","vol":"4","page":393},{"text":"والراجح هو القول الثاني، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1932>مسألة [٨]: المرضع المستأجرة، هل لها نفس الحكم</span>؟\nالذي قطع به النووي وصوَّبه وصححه: أنَّ لها نفس الحكم، وقطع به القاضي حسين في «فتاويه» خلافًا للغزالي.\nواستدل صاحب «التتمة» بالقياس على السفر؛ فإنه يستوي فيه من سافر لغرض نفسه، ولغرض غيره بأجرة وغيرها.\nقلتُ: ويشملها حديث أنس بن مالك الكعبي المتقدم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1933>خامسًا وسادسًا: الحائض والنفساء</span>.\nقال النووي -﵀-: لا يصح صوم الحائض والنفساء، ولا يجب عليهما، ويحرم عليهما، ويجب قضاؤه، وهذا مُجمعٌ عليه. اهـ\nوقد نقل الإجماع أيضًا ابن حزم، وابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية.\nويدل على ذلك حديث عائشة -﵂-، أنها قالت في الحائض: كُنَّا نُؤمر بقضاء الصوم، ولا نُؤمر بقضاء الصلاة. متفق عليه، واللفظ لمسلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، «المغني» (٤/ ٣٩٣ -)، «الاستذكار» (١٠/ ٢٢١ - ٢٢٤)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٥٩ -)، «المحلى» (٧٧٠).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٦٨).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٥٦) «المغني» (٤/ ٣٨٩) «شرح كتاب الصيام» (١/ ٢٤٤) «المحلَّى» (٧٣٦).","vol":"4","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1934>مسألة [٩]: إذا انقطع الدم عن المرأة أثناء النهار فهل يلزمها الإمساك</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: أنه لا يلزمها، وهو قول الجمهور، ومنهم: مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وهذا هو الصحيح؛ لعدم وجود دليل على إيجاب الإمساك عليها.\nالقول الثاني: أنه يلزمها الإمساك، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، ولا دليل على هذا القول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1935>سابعًا: المجنون</span>.\nقال النووي -﵀-: المجنون لا يلزمه الصوم في الحال بالإجماع؛ للحديث وللإجماع، وإذا أفاق لا يلزمه قضاء ما فاته في الجنون، سواء قلَّ أو كثر، وسواء أفاق بعد رمضان، أو في أثنائه، وهذا قول الجمهور. اهـ\nقلتُ: أما الحديث الذي أشار إليه النووي، فقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رُفِع القلم عن ثلاثة ...، وعن المجنون حتى يعقل». (^٢)\nوقال مالك: يقضي، وإن مضى عليه سنون.\nوعن أحمد مثله، وهو قول الشافعي في القديم؛ لأنه معنى يزيل العقل، فلم يمنع وجوب الصوم كالإغماء.\nوقال أبو حنيفة: إنْ جُنَّ جميع الشهر؛ فلا قضاء عليه، وإنْ أفاق في أثنائه؛ قضى ما مضى؛ لأنَّ الجنون لا ينافي الصوم بدليل ما لو جُنَّ في أثناء الصوم لم يفسد، فإذا وجد في بعض الشهر؛ وجب القضاء كالإغماء.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٥٧)، «المغني» (٤/ ٣٨٩).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» برقم (١٠٨٤).","vol":"4","page":395},{"text":"والراجح هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1936>ثامنًا: الصبي</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٦/ ٢٥٣): لا يجب صوم رمضان على الصبي، ولا يجب عليه قضاء ما فات قبل البلوغ بلا خلاف. اهـ\nقلتُ: ويدل عليه حديث علي، وعائشة، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «رُفِع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق». (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1937>مسألة [١٠]: إذا أفاق المجنون، أو بلغ الصبي، أو أسلم الكافر أثناء النهار، فهل يلزمه إمساك بقية يومه</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: أنه يلزمهم إمساك بقية اليوم، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، والعنبري، وقاسوا ذلك على من علم بالهلال أثناء النهار، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام -﵀-.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٤١٥)، «المجموع» (٦/ ٢٥٤).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» برقم (١٠٨٤).","vol":"4","page":396},{"text":"القول الثاني: أنه لا يلزمهم إمساك ذلك اليوم، وهو قول مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وهو ترجيح ابن حزم في غير المجنون، وذلك لأنه أُبيح له فطر أول النهار ظاهرًا، وباطنًا، فإذا أفطر كان له أن يستديمه إلى آخر النهار كما لو دام العذر. وانفرد أحمد عن المذاهب الثلاثة بوجوب القضاء عليه.\nوالراجح أنه لا يلزمه الإمساك، ولا قضاء عليه؛ وذلك لأنَّ كل واحد منهم لم يكن مخاطبًا في أول النهار، فلما زال مانع التكليف؛ لم يدرك وقت العبادة؛ فلم تجب عليه.\nوأما قياسهم على من علم بالهلال أثناء النهار؛ فقد أجاب ابن حزمٍ بأنَّ هذا يجب عليه الإمساك من أول النهار، وأما الكافر والصبي؛ فإنه لا يجب عليه ذلك، بل يُباح له الفطر.\nقلتُ: ومعنى ذلك: أنَّ الكافر، والصبي، والمجنون ليسوا مخاطبين بالصوم من أول النهار، بخلاف من لم يعلم بالرؤية؛ فهو مخاطب بالصوم، ولكن لم يبلغه ذلك، فافترقت الصورتان، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1938>تاسعًا: المجاهد في سبيل الله</span>.\nقال الحافظ ابن القيم -﵀-: فَلَوْ اتّفَقَ مِثْلُ هَذَا -يعني لقاء العدو- فِي الْحَضَرِ، وَكَانَ فِي الْفِطْرِ قُوّةً لَهُمْ عَلَى لِقَاءِ عَدُوّهِمْ فَهَلْ لَهُمْ الْفِطْرُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٨٨)، «الإنصاف» (٣/ ٢٥٤)، «المجموع» (٦/ ٢٥٦)، «المحلَّى» (٧٥٤) (٧٦٠)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٩).","vol":"4","page":397},{"text":"أَصَحّهُمَا دَلِيلًا: أَنّ لَهُمْ ذَلِكَ.\nوَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ تَيْمِيّةَ، وَبِهِ أَفْتَى الْعَسَاكِرَ الْإِسْلَامِيّةَ لَمّا لَقُوا الْعَدُوّ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ، وَلَا رَيْبَ أَنّ الْفِطْرَ لِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الْفِطْرِ لِمُجَرّدِ السّفَرِ، بَلْ إبَاحَةُ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ تَنْبِيهٌ عَلَى إبَاحَتِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ فَإِنّهَا أَحَقّ بِجِوَازِهِ؛ لِأَنّ الْقُوّةَ هُنَاكَ تَخْتَصّ بِالْمُسَافِرِ، وَالْقُوّةُ هُنَا لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنّ مَشَقّةَ الْجهَادِ أَعْظَمُ مِنْ مَشَقّةِ السّفَرِ، وَلِأَنّ المَصْلَحَةَ الْحَاصِلَةَ بِالْفِطْرِ لِلْمُجَاهِدِ أَعْظَمُ مِنْ المَصْلَحَةِ بِفِطْرِ الْمُسَافِرِ، وَلِأَنّ اللّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الْأَنْفَالُ:٦٠].\nوَالْفِطْرُ عِنْدَ اللّقَاءِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْقُوّةِ، وَالنّبِيّ - ﷺ - قَدْ فَسّرَ الْقُوّةَ بِالرّمْيِ، وَهُوَ لَا يَتِمّ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُهُ إلّا بِمَا يُقَوّي وَيُعِينُ عَلَيْهِ مِنْ الْفِطَرِ وَالْغِذَاءِ، وَلِأَنّ النّبِيّ - ﷺ - قَالَ لِلصّحَابَةِ لَمّا دَنَوْا مِنْ عَدُوّهِمْ: «إنّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ»، وَكَانَتْ رُخْصَةً، ثُمّ نَزَلُوا مَنْزِلًا آخَرَ، فَقَالَ: «إنّكُمْ مُصَبّحُوا عَدُوّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا»، فَكَانَتْ عَزْمَةً فَأَفْطَرُوا (^١)، فَعَلّلَ بِدُنُوّهِمْ مِنْ عَدُوّهِمْ وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَى الْقُوّةِ الّتِي يَلْقَوْنَ بِهَا الْعَدُوّ، وَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ غَيْرُ السّفَرِ، وَالسّفَرُ مُسْتَقِلّ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْه فِي تَعْلِيلِهِ وَلَا أَشَارَ إلَيْهِ، فَالتّعْلِيلُ بِهِ اعْتِبَارٌ لِمَا أَلْغَاهُ الشّارِعُ فِي هَذَا الْفِطْرِ الْخَاصّ، وَإِلْغَاءُ وَصْفِ الْقُوَّةِ الَّتِي يُقَاوَمُ بِهَا الْعَدُوّ، وَاعْتِبَارُ السَّفَرِ المُجَرَّدِ إِلْغَاءٌ لِمَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ، وَعَلَّل بِهِ. انتهى. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٢٠)، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.\n(^٢) «زاد المعاد» (٢/ ٥٣ - ٥٤).","vol":"4","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1939>عاشرًا: صوم الأسير والمحبوس</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1940>مسألة [١١]: كيف يصوم المحبوس إذا اشتبه عليه شهر رمضان</span>؟\n• في «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٢٨/ ٨٤ -) ما نصُّه:\nذهب جمهور الفقهاء إلى أن من اشتبهت عليه الشهور؛ لا يسقط عنه صوم رمضان، بل يجب لبقاء التكليف وتوجه الخطاب.\nفإذا أخبره الثقات بدخول شهر الصوم عن مشاهدة أو علم؛ وجب عليه العمل بخبرهم، وإن أخبروه عن اجتهاد منهم؛ فلا يجب عليه العمل بذلك، بل يجتهد بنفسه في معرفة الشهر بما يغلب على ظنه، ويصوم مع النية، ولا يقلد مجتهدا مثله.\nفإن صام المحبوس المشتبه عليه بغير تحر ولا اجتهاد، ووافق الوقت لم يجزئه، وتلزمه إعادة الصوم لتقصيره وتركه الاجتهاد الواجب باتفاق الفقهاء.\nوإن اجتهد وصام فلا يخلو الأمر من خمسة أحوال:\nالحال الأولى: استمرار الإشكال وعدم انكشافه له، بحيث لا يعلم أن صومه صادف رمضان أو تقدم أو تأخر، فهذا يجزئه صومه ولا إعادة عليه في قول الحنفية والشافعية والحنابلة، والمعتمد عند المالكية، لأنه بذل وسعه ولا يكلف بغير ذلك، كما لو صلى في يوم الغيم بالاجتهاد، وقال ابن القاسم من المالكية: لا يجزيه الصوم؛ لاحتمال وقوعه قبل وقت رمضان.","vol":"4","page":399},{"text":"الحال الثانية: أن يوافق صوم المحبوس شهر رمضان فيجزيه ذلك عند جمهور الفقهاء، قياسا على من اجتهد في القبلة، ووافقها، وقال بعض المالكية: لا يجزيه لقيامه على الشك، لكن المعتمد الأول.\nالحال الثالثة: إذا وافق صوم المحبوس ما بعد رمضان فيجزيه عند جماهير الفقهاء، إلا بعض المالكية كما تقدم آنفا، واختلف القائلون بالإجزاء: هل يكون صومه أداء أو قضاء؟ وجهان، وقالوا: إن وافق بعض صومه أياما يحرم صومها كالعيدين والتشريق يقضيها.\nالحال الرابعة: وهي وجهان:\nالوجه الأول: إذا وافق صومه ما قبل رمضان وتبين له ذلك ولما يأت رمضان لزمه صومه إذا جاء بلا خلاف، لتمكنه منه في وقته.\nالوجه الثاني: إذا وافق صومه ما قبل رمضان ولم يتبين له ذلك إلا بعد انقضائه ففي إجزائه قولان:\nالقول الأول: لا يجزيه عن رمضان بل يجب عليه قضاؤه، وهذا مذهب المالكية والحنابلة، والمعتمد عند الشافعية.\nالقول الثاني: يجزئه عن رمضان، كما لو اشتبه على الحجاج يوم عرفة فوقفوا قبله، وهو قول بعض الشافعية.\nالحال الخامسة: أن يوافق صوم المحبوس بعض رمضان دون بعض، فما","vol":"4","page":400},{"text":"وافق رمضان أو بعده أجزأه، وما وافق قبله لم يجزئه، ويراعى في ذلك أقوال الفقهاء المتقدمة.\nوالمحبوس إذا صام تطوعا أو نذرا فوافق رمضان لم يسقط عنه صومه في تلك السنة، لانعدام نية صوم الفريضة، وهو مذهب الحنابلة والشافعية والمالكية.\nوقال الحنفية: إن ذلك يجزيه ويسقط عنه الصوم في تلك السنة، لأن شهر رمضان ظرف لا يسع غير صوم فريضة رمضان، فلا يزاحمها التطوع والنذر. انتهى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الحال الأولى، والثانية، والثالثة الصحيح فيها قول الجمهور، وهو الإجزاء، وكذا الوجه الثاني من الحال الرابعة الصحيح فيها الإجزاء؛ لأنه قد عمل بما أمر به من الاجتهاد، وأدَّى ما لزمه، وأوجبه الشرع عليه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1941>مسألة [١٢]: صوم المحبوس إذا اشتبه عليه نهار رمضان بليله</span>.\n• قال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٦/ ٢٨٨): إذا لم يعرف الأسير ونحوه الليل ولا النهار، بل استمرت عليه الظلمة دائما فهذه مسألة مهمة قل من ذكرها، وقد حكى الإمام أبو بكر المروزي من أصحابنا فيه ثلاثة أوجه للأصحاب:\nأحدها: يصوم ويقضي؛ لأنه عذر نادر.\nوالثاني: لا يصوم؛ لأن الجزم بالنية لا يتحقق مع جهالة الوقت.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٤/ ٤٢٣)، «الإنصاف» (٣/ ١٩٨)، «المجموع» (٦/ ٢٨٧)، (٦/ ٢٩٦)، «المحلَّى» (٤/ ٤١٠)، «بدائع الصنائع» (٢/ ٨٦)، «البحر الرائق» (٢/ ٢٨٣)، «مواهب الجليل» (٣/ ٣٥٤).","vol":"4","page":401},{"text":"والثالث: يتحرى ويصوم، ولا يقضي كيوم الغيم في الصلاة.\nقال النووي: قلت: الأصح أنه يلزمه التحري والصوم، ولا قضاء عليه، هذا إذا لم يظهر له فيما بعد الخطأ؛ فإن تبين أنه صادف الليل؛ لزمه القضاء بلا خلاف، والله تعالى أعلم. اهـ","vol":"4","page":402},{"text":"٦٥٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: هَلَكْت يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَك؟» قَالَ: وَقَعْت عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لَا. ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا» فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». رَوَاهُ السَّبْعَةُ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1942>مسألة [١]: كفارة المجامع في نهار رمضان متعمدًا مُقيمًا</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى وجوب الكفارة عليه؛ لحديث الباب.\n• وذهب ابن سيرين، والنخعي، والشعبي، وسعيد بن جبير إلى أنه لا تلزمه الكفارة؛ لأنَّ الصوم عبادة لا تجب الكفارة بإفساد قضائها، فلا تجب في أدائها كالصلاة، وهذا قياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته للنص.\nوالصواب قول الجمهور، ولعل من خالف لم يبلغه الحديث المذكور، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١)، وأحمد (٢/ ٢٠٨)، وأبوداود (٢٣٩٠)، والنسائي في «الكبرى» (٢/ ٢١٢)، والترمذي (٧٢٤)، وابن ماجه (١٦٧١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٣٧٢ -)، «المحلَّى» (٧٣٧).","vol":"4","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1943>مسألة [٢]: ماذا يجب عليه في هذه الكفارة</span>؟\n• ذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه تلزمه كفارة المظاهر مرتبة، واستدلوا بحديث أبي هريرة المتقدم، وخالف مالك، فقال بالإطعام فقط، ولا يأخذ بعتق ولا صيام. هكذا وقع في «المدونة»، وقد وجَّه بعض أصحابه هذا القول على أنه أراد الاستحباب بالبدء بالطعام، وقد احتج له بحديث عائشة -﵂- عند البخاري (١٩٣٥)، ومسلم (١١١٢)، بنحو حديث أبي هريرة -﵁-، قالوا: ولم يقع فيه سوى الإطعام.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: ولا حُجَّة فيه؛ لأنَّ القصة واحدة، وقد حفظها أبو هريرة وقصَّها على وجهها، وأوردتها عائشة مختصرة، أشار إلى هذا الجواب الطحاوي، قال: وقد ورد فيه من وجهٍ آخر ذكر العتق أيضًا. اهـ\nوالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1944>مسألة [٣]: هل يلزمه الترتيب في هذه الكفارة</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنه يلزمه الترتيب، وهو قول جمهور العلماء، وهو المشهور عن أحمد، وبه يقول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، واستدلوا بحديث أبي هريرة الذي في الكتاب.\nالثاني: أنه لا يلزمه الترتيب، بل هو على التخيير في الأمور المذكورة في\n_________\n(^١) انظر: «الاستذكار» (١٠/ ٩٧ - ٩٨)، «الفتح» (١٩٣٥) (١٩٣٦).","vol":"4","page":404},{"text":"الحديث، وهو رواية عن أحمد، ورواية عن مالك، واستدلوا بما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة -﵁- في قصة المجامع في نهار رمضان، قال: فأمره رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يُكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا.\nوقد أجاب الجمهور: بأنَّ هذه الرواية شاذة، وأنَّ المحفوظ هو رواية الترتيب التي تقدمت في الكتاب، والذين رووها على التخيير هم: مالك، وابن جريج، وفُليح بن سليمان، وعمرو بن عثمان، ولكن قد خالفهم جمعٌ كبير، فرووا الحديث بالترتيب، منهم: ابن عيينة، وشعيب، والأوزاعي، والليث، وإبراهيم بن سعد، ومنصور، وآخرون، حتى قال الحافظ: بل رَوى الترتيب عن الزهري كذلك تمام ثلاثين نفسًا، أو أزيد.\nوالصواب هو القول الأول، وهو ترجيح النووي، والحافظ، والصنعاني، وغيرهم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1945>مسألة [٤]: هل يلزم المرأةَ كفارةٌ إذا لم تكن مُكرهة</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالأول: أنه يلزمها الكفارة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأبي ثور، وابن المنذر، ورواية عن أحمد، وقول للشافعي، وعزاه الحافظ للجمهور، واستدلوا بقوله في حديث المجامع امرأته في نهار رمضان في بعض طرق الحديث: «هلكت،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٨٠)، «الفتح» (١٩٣٦)، «شرح المهذب» (٦/ ٣٣٣)، «الاستذكار» (١٠/ ٩٥ - ٩٦).","vol":"4","page":405},{"text":"وأهلكت»، وقالوا: بيان الحكم للرجل بيانٌ في حَقِّها؛ لاشتراكهما في تحريم الفطر.\nوقد رجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nالثاني: أنه لا يلزمها الكفارة، بل هي خاصة بالرجل، وهو قول الحسن، والأوزاعي، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي، وهو الصحيح عند الشافعية، وهو قول داود وأهل الظاهر، وابن حزم، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تصدق بهذا»، جاءت زيادة في خارج الصحيح: «عن نفسك»، ويؤيدها رواية في البخاري بلفظ: «أطعم هذا عنك»، فأفرده بالخطاب، ولم يتعرض للمرأة، وكذا قوله: «هل تجد ...؟» «هل تستطيع ...؟»، وكذلك استدلوا بسكوت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن إعلام المرأة بالكفارة مع الحاجة.\nوأجابوا عن أدلة الجمهور بما يلي:\n١) قوله: «هلكت، وأهلكت»، هذه الزيادة ضعيفة، وقد ذكر البيهقي أنَّ للحاكم ثلاثة أجزاء في بطلانها، وقد لخص الكلام عليها في «الفتح». قال الحافظ: ولا يلزم من ذلك تعدد الكفارة، بل لا يلزم من قوله: «وأهلكت» إيجاب الكفارة عليها، بل يحتمل أن يريد بقوله: «هلكت»، أي: أثمت، و«أهلكت»، أي: كنت سببًا في تأثيم من طاوعتني فواقعتها؛ إذ لا ريب في حصول الإثم على المطاوعة، ولا يلزم من ذلك إثبات الكفارة، ولا نفيها، أو المعنى: هلكت، أي: حيث وقعت في شيء لا أقدر على كفارته،","vol":"4","page":406},{"text":"وأهلكت، أي: نفسي بفعلي الذي جرَّ عليَّ الإثم. اهـ\n١) قالوا: ولا يلزم من اشتراكهما في تحريم الفطر عليهما اشتراكهما في وجوب الكفارة، بل الحديث يدل على أنه ليس عليها كفارة؛ لعدم أمره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمرأة بالكفارة.\nوأجاب الجمهور عن هذا: بأنها قضية حال، فالسكوت عنها لا يدل على عدم الحكم؛ لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة لعذرٍ من الأعذار، ويُحتمل أن يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفه من كلام زوجها بأنها لا قدرة لها على شيء.\nوأُجيب: بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سكت عن حالها مع عدم علمه بأنَّ لها عذرًا، ولم يسأل المجامع عن امرأته: ألها عذر في الإفطار أم لا؟ أتستطيع على الكفارة أم لا؟ بل وجه الأسئلة والخطاب له وحده، والقولان قويان، والثاني أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1946>مسألة [٥]: إذا أُكرهت المرأة على الجماع</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالأول: أنه لا كفارة عليها، وعليها القضاء، وهو قول أحمد، والثوري، والأوزاعي وهو قول الحسن وأصحاب الرأي، ويلتحق بها إذا وطئها وهي نائمة.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٣٦)، «المغني» (٤/ ٣٧٥ -)، «شرح المهذب» (٦/ ٣٣١)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤١٤ - ٤١٥)، «الاستذكار» (١٠/ ١٠٨ -)، «المحلَّى» (٤/ ٣٢٧).","vol":"4","page":407},{"text":"الثاني: إنْ كان الإكراه بوعيد حتى فعلت، فكالقول الأول، وإن كان إلجاءً لم تفطر، وكذا إن وطئها نائمةً، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.\nالثالث: لا كفارة عليها، ولا قضاء، وإنْ كان الإكراه بوعيد، وصومها صحيح، وهو وجهٌ عند الشافعية صححه النووي، والشيرازي في «التنبيه»، والرافعي في «الشرح»، وآخرون.\nوهو الراجح، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀- في ظاهر كلامه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1947>مسألة [٦]: إذا طلع الفجر والرجل مجامعٌ، واستدام الجماع</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالأول: يجب عليه القضاء، والكفارة، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي؛ لأنه ترك صوم رمضان بجماعٍ أَثِمَ به؛ لحرمة الصوم فيه، فوجبت به الكفارة كما لو وطِئَ بعد طلوع الفجر، وعزا هذا القول النووي للجمهور.\nالثاني: يجب القضاء دون الكفارة؛ لأنَّ وطأَهُ لم يصادف صومًا صحيحًا، فلم يوجب الكفارة.\nوالقول الأول هو الصحيح إلا أنَّ القضاء لا يقدر عليه، وسيأتي الكلام على هذه المسألة قريبًا إن شاء الله. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «شرح المهذب» (٦/ ٣٢٥، ٣٣٦)، «المغني» (٤/ ٣٧٦)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤١٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٣٧٩)، «المجموع» (٦/ ٣٣٨).","vol":"4","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1948>مسألة [٧]: إذا طلع الفجر وهو مجامع فترك في الحال</span>؟\n• في المسألة قولان عند الحنابلة، والصحيح أنه لا قضاء عليه، ولا كفارة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه ترك الجماع، فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع.\n• وقال مالك: يبطل صومه، ولا كفارة عليه.\nوالراجح أنه لا قضاء عليه، ولا كفارة، وهو ترجيح ابن حزم.\nوأخرج البيهقي (٤/ ٢١٩) بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عمر -﵄- قال: لو نودي بالصلاة، والرجل على امرأته؛ لم يمنعه ذلك أن يصوم؛ إذا أراد الصيام قام، واغتسل، ثم أتم صيامه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1949>مسألة [٨]: إن جامع فلم يكفر حتى جامع ثانية في يوم واحد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: إن كان في يومٍ واحدٍ، فكفارة واحدة تجزئه بلا خلاف عند أهل العلم. اهـ\nوقال ابن عبد البر -﵀-: وأجمعوا على أنَّ من وطِئَ في يوم واحد مرتين، أو أكثر أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة. اهـ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1950>مسألة [٩]: إن جامع فلم يكفر حتى جامع في اليوم الثاني</span>؟\n• فيها قولان:\nالأول: أنَّ عليه كفارة واحدة، وهو قول الزهري، والأوزاعي، وأصحاب\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٧٩)، «المحلى» (٧٥٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٣٨٥)، «التمهيد» (٧/ ٢٥٩)، «المحلى» (٧٧١).","vol":"4","page":409},{"text":"الرأي، وهو ظاهر إطلاق الخِرَقِي؛ لأنها جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها؛ فيجب أن تتداخل كالحد.\nالثاني: تلزمه كفارتان، ولا تجزئه واحدة، وهو قول مالك، والليث، والشافعي، واختاره بعض الحنابلة، ورجحه ابن المنذر، ورُوِي ذلك عن عطاء، ومكحول؛ لأنَّ كل يوم عبادة منفردة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل كرمضانين، وكالحجَّين.\nوهذا القول هو الراجح، ورجحه ابن حزم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1951>مسألة [١٠]: إن جامع ثم كفر، ثم جامع في يوم واحد، فهل عليه كفارة ثانية</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنَّ عليه كفارة ثانية، وهو قول أحمد؛ لأنه وطْءٌ محرَّمٌ بحرمة رمضان، فأوجب الكفارة كالأول.\nالثاني: أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة؛ لأنَّ الجماع الثاني لم يصادف الصوم، ولم يمنع صحته.\nوهذا القول هو الراجح، والله أعلم.\nوهو الذي رجَّحه ابن حزم، ثم شيخنا الوادعي رحمة الله عليهما. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٨٦)، «شرح المهذب» (٦/ ٣٣٦ - ٣٣٧)، «المحلى» (٧٧١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٣٨٦)، «شرح المهذب» (٦/ ٣٣٦ -)، «المحلَّى» (٧٧١).","vol":"4","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1952>مسألة [١١]: إن جامع ثم كفر، ثم جامع في اليوم الثاني فهل عليه كفارة أخرى</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: عليه كفارة ثانية بغير خلاف نعلمه. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1953>مسألة [١٢]: إذا جامع في أول النهار، ثم مرض أو جُنَّ، أو كانت امرأة فحاضت، أو نفست أثناء النهار، فهل تسقط الكفارة، أم لا</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنها تسقط، وهو قول الحنفية، وأحد قولي الشافعي، واحتجوا بأنَّ الصوم في هذا اليوم خرج عن كونه مستحقًّا فلم يجب بالوطء فيه كفارة كصوم المسافر، أو كما لو قامت البَيِّنَة أنه من شوال.\nالثاني: أنها لا تسقط، وهو قول أحمد، ومالك، والليث، وإسحاق، وابن الماجشون، وأحد قولي الشافعي، وهو ترجيح ابن حزم؛ لأنَّ ما أوجبه الله تعالى لا يسقط بعد وجوبه إلا بنصٍّ، ولا نصَّ في سقوطها.\nوهذا القول عزاه النووي للجمهور، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو الراجح إن شاء الله تعالى. (^٢)\nتنبيه: قال النووي -﵀- في «المجموع» (٦/ ٣٤٠): واتفقوا على أنها لا تسقط بالسفر، إلا ابن الماجشون المالكي فأسقطها به. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٨٦)، «شرح المهذب» (٦/ ٣٣٦ -)، «المحلى» (٧٧١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٣٧٨)، «المحلَّى» (٧٣٨)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٢٢)، «المجموع» (٦/ ٣٤٠).","vol":"4","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1954>مسألة [١٣]: المجامع في الدبر هل عليه كفارة، أم لا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: ولا فرق بين كون الفرج قُبُلًا، أو دُبُرًا، من ذكر أو أنثى، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة -في أشهر الروايتين عنه-: لا كفارة في الوطء في الدبر؛ لأنه لا يحصل به الإحلال، ولا الإحصان؛ فلا يوجب الكفارة كالوطء دون الفرج.\nقال ابن قدامة: ولنا أنه أفسد صوم رمضان بجماعٍ في الفرج، فأوجب الكفارة كالوطء. اهـ\nقال النووي -﵀-: واتفقت نصوص الشافعي وأصحابه على أنَّ وطء المرأة في الدبر واللواط بصبي، أو رجل كوطء المرأة في القُبُل في جميع ما سبق. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1955>مسألة [١٤]: إذا جامع دون الفرج فأنزل</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالأول: أنه يفطر، وعليه الكفارة، وهو قول مالك، وعطاء، والحسن، وابن المبارك، وإسحاق، ورواية عن أحمد؛ لأنه أفطر بجماع؛ فأوجب الكفارة كالجماع في الفرج.\nالثاني: أنه يفطر، وليس عليه كفارة، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد رجَّحها ابن قدامة؛ لأنه أفطر بغير جماعٍ تامٍّ فأشبه القبلة؛ ولأنَّ الأصل\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٤١، ٣٤٢)، «المغني» (٤/ ٣٧٥)، «شرح كتاب الصيام» (١/ ٣٠٠ - ٣٠١).","vol":"4","page":412},{"text":"عدم وجوب الكفارة، ولا نصَّ في وجوبها، ولا إجماع، فلا يصح قياس ذلك على الجماع في الفرج؛ لأنه أبلغ، بدليل أنه يوجبها من غير إنزال، ويجب به الحد إذا كان محرَّمًا، ولأنَّ العلة في الأصل الجماع في الفرج، سواء أنزل، أم لم ينزل، والله أعلم.\nالثالث: أنه لا يفطر بالإنزال إذا باشر دون الفرج، ذكره ابن مفلح في «الفروع» احتمالًا، ومال إليه.\nوقد تقدم أنه قول ابن حزم، والصنعاني، ثم الألباني رحمة الله عليهم أجمعين.\nوالذي يظهر -والله أعلم- أنَّ القول الثاني هو الراجح، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما.\nتنبيه: معنى الجماع دون الفرج: أن يباشرها بفرجه في موضعٍ من بدنها على أي وجهٍ كان، سواء أولج بين فخذيها، أو نحوه من بدنها، أم لم يولج. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1956>مسألة [١٥]: الوطء بزنا أو بشبهة</span>.\nقال النووي -﵀-: الوطء بزنا، أو شبهة، أو في نكاحٍ فاسد، ووطء أمته، وأخته، وابنته، والكافرة، وسائر النساء، سواءٌ في إفساد الصوم ووجوب الكفارة، وإمساك بقية النهار، وهذا لا خلاف فيه. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٧٣) «الإنصاف» (٣/ ٢٨٤)، «شرح كتاب الصيام» (١/ ٣٠٢)، «المجموع» (٦/ ٣٤٢).\n(^٢) «المجموع» (٦/ ٣٤١).","vol":"4","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1957>مسألة [١٦]: من كان جاهلًا بتحريم الجماع في نهار رمضان، فهل عليه كفارة</span>؟\nقال الإمام النووي -﵀- في «المجموع» (٦/ ٣٤٤): إذا وَطِئَ الصائم في نهار رمضان، وقال: جهلت تحريمه؛ فإن كان ممن يخفى عليه؛ لقرب إسلامه ونحوه، فلا كفارة، وإلا وجبت، ولو قال: علمت بتحريمه، وجهلت وجوب الكفارة؛ لزمته الكفارة بلا خلاف. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1958>مسألة [١٧]: من أتى امرأته وهو يغلب على ظنه أنَّ الفجر لم يطلع، ثم تبين له أن الفجر قد طلع، فما الحكم؟ وهل عليه كفارة</span>؟\n• في المسألة ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنَّ عليه القضاء والكفارة، وهو المشهور من مذهب أحمد.\nالثاني: أنَّ عليه القضاء، ولا كفارة، وهو قول ثانٍ في مذهب أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ومالك.\nالثالث: لا قضاء عليه، ولا كفارة، وهذا قول طوائف من السلف، كسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، وإسحاق، وداود وأصحابه، وهذا القول هو الصواب.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: وهذا القول هو أصح الأقوال، وأشبهها بأصول الشريعة، ودلالة الكتاب والسنة، وهو قياس أصول أحمد وغيره؛ فإنَّ الله رفع المؤاخذة عن الناسي، والمخطئ، وهذا مخطئٌ، وقد أباح الله الأكل والوطء حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، واستحب تأخير السحور","vol":"4","page":414},{"text":"ومن فعل ما ندب إليه وأبيح له لم يفرط، فهذا أولى بالعذر من الناسي. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1959>مسألة [١٨]: إذا نسي النية وجامع في ذلك اليوم</span>؟\nقال النووي -﵀-: إذا نسي النية وجامع في ذلك اليوم؛ فلا كفارة في ذلك اليوم بلا خلاف؛ لأنه لم يفسد صومًا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1960>مسألة [١٩]: كفارة المفطر بجماع في قضاء رمضان</span>.\nقال ابن عبد البر -﵀-: وأجمعوا على أنَّ المجامع في قضاء رمضان عامدًا لا كفارة عليه، حاشا قتادة وحده. اهـ\nقلتُ: ويدل على قول الجمهور أنَّ الأصل براءة الذمة من هذه الكفارة، والدليل الذي جاء بهذه الكفارة أعني حديث أبي هريرة -﵁- الذي في الكتاب إنما هو في المجامع في نهار رمضان، والله أعلم.\nوقول الجمهور هو الراجح، وهو ترجيح ابن حزم، وشيخنا الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1961>مسألة [٢٠]: هل الكفارة خاصة بالجماع، أم تشمل المفطر بأكل أو شرب</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى أنها خاصة بمن أفطر بجماع؛ لأنَّ الدليل جاء في ذلك\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤).\n(^٢) «المجموع» (٦/ ٣٤٤).\n(^٣) انظر: «التمهيد» (٧/ ٢٥٨)، «المغني» (٤/ ٣٧٨)، «المحلى» (٤/ ٣٢٧)، «المجموع» (٦/ ٣٤٥)، «شرح كتاب الصيام» (١/ ٣٠٩)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٢٢).","vol":"4","page":415},{"text":"دون غيره.\n• وذهب أحمد في رواية، وهو قول مالك وأصحابه، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي، وإسحاق إلى أنَّ عليه من الكفارة ما على المجامع، وقاسوا الإفطار بالأكل والشرب على الإفطار بالجماع، والجامع بينهما انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدًا.\nوقول الجمهور هو الصحيح، وهو رواية مشهورة عن أحمد صححها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قول سعيد بن جيبر، وابن سيرين، وجابر بن زيد، والشعبي، وقتادة.\nوقد ذكر شيخ الإسلام وجوهًا في ترجيح هذا القول:\nأحدها: أنَّ الأصل براءة الذمة من هذه الكفارة، والحديث إنما يوجبها في الوقاع؛ فإلحاق غيره به يحتاج إلى دليل، والقياس فيها ليس بالبين؛ لجواز أنْ يكون الجماع قد تضمن وصفًا فارق به غيره، فما لم يقم دليل على أنَّ موجب الكفارة مجرد الفطر؛ لم يجز الإيجاب بمجرد الظن.\nالثاني: أنه لو وجب لأجل الفطر؛ لاستوى فيه جميع المفطرات؛ فإن تخصيص بعضها دون بعض نوع تشريع يحتاج إلى دلالة الشرع.\nقلتُ: وهم لا يقولون بالكفارة على من استقاء.\nالثالث: أنَّ الجماع يفارق غيره بقوة داعيه، وشدة باعثه؛ فإنه إذا هاجت","vol":"4","page":416},{"text":"شهوته لم يكد يزعها وازع العقل، ولم يمنعها حارس الدين، وهو قول عمر، وعلي، ولا يُعلم لهما مخالفٌ من الصحابة. اهـ\nقلتُ: أثر عمر، وعلي أخرجهما عبد الرزاق (٧/ ٣٨٢)، والبيهقي (٨/ ٣٢١) وفيهما أنهما أمرا بمن شرب الخمر في رمضان أن يُجلَدَ ولم يأمراه بكفارة، وهما أثران صحيحان.\nوهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح ابن حزم، ثم شيخنا الإمام مقبل الوادعي -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1962>مسألة [٢١]: إذا أفطر بالأكل أو الشرب، ثم جامع، فهل عليه كفارة</span>؟\n• في المسألة قولان:\nأحدهما: وجوب الكفارة، وهو قول جمهور العلماء كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة وغيرهم.\nالثاني: أنها لا تجب الكفارة، وهو مذهب الشافعي.\nوهذان القولان مبناهما على كون الكفارة هل هي بسبب إفساد الصوم، أم بسبب انتهاك حرمة ذلك اليوم بالجماع؟\nوقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- القول الأول بكلام قوي كما في «مجموع الفتاوى».\n_________\n(^١) انظر: «الاستذكار» (١٠/ ١٠٠ -)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٢٧٢)، «المحلَّى» (٧٣٧).","vol":"4","page":417},{"text":"والذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ القول الثاني أرجح؛ لأنَّ حديث أبي هريرة في كفارة المجامع كان فيمن أفسد صيامه بذلك، وفي الحديث يقول: «وقعت على امرأتي وأنا صائم»، فهذا قيد بُنِيَ عليه الحكم، فلا ينبغي إهماله، وهذا لا ينافي كون هذا الرجل أشد ذنبًا من الذي جامع فقط؛ لأنه اقترف ما حرم الله عليه مرتين؛ إلا أنه إن كان محتالًا، وقصده الجماع دون الأكل والشرب؛ فالذي يظهر أنَّ عليه الكفارة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1963>مسألة [٢٢]: هل على المجامع في نهار رمضان أن يقضي ذلك اليوم مع الكفارة</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنه يلزمه، وهو قول الجمهور، واستدلوا بقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمجامع في نهار رمضان: «صم يومًا واستغفر الله» رواه أبو داود (٢٣٩٣)، والدارقطني (٢/ ٢١٠ - ٢١١)، ولأنه لم تبرأ ذمته منه؛ لكونه أفسده بالجماع.\nالثاني: أنه لا يلزمه، ولا يقدر على قضائه، وهو أحد قولي الشافعي، وهو قول ابن حزم؛ لأنَّ الرجل قد أفسد صومه متعمدًا، فمن أين لنا الدليل أنه يمكنه أن يتدارك ذلك بصيام بعد خروج الوقت والحد الذي حدَّه الله لهذه العبادة، وهذا هو الراجح، وهو ترجيح والدنا وشيخنا مقبل الوادعي -﵀-.\nوأجابوا عن حديث: «صم يومًا» بعدم ثبوته؛ فقد رواه بهذه الزيادة عن\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣).","vol":"4","page":418},{"text":"الزهري: أبوأويس، وعبد الجبار بن عمر، وهشام بن سعد، وأبو أويس، وهشام ضعيفان، وعبدالجبار ابن عمر شديد الضعف، وقد خالفوا في ذكر هذه الزيادة جمعًا كبيرًا من أصحاب الزهري، تقدم من كلام الحافظ أنهم ما يقارب ثلاثين نفسًا، أو أكثر، فتُعتبر هذه الزيادة شاذة، أو منكرة، وقد جاءت الزيادة أيضًا من مراسيل سعيد بن المسيب، أخرجه مالك (١/ ٢٩٧)، والمرسل لا يُحتج به، فما في «الصحيحين» هو المقدم، وعليه الاعتماد، وهو يدل على عدم وجوب القضاء عليه؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمره بالقضاء. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1964>مسألة [٢٣]: الكفارة على المعسر، هل تسقط</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنها تسقط، وهو الصحيح في مذهب أحمد، وأحد قولي الشافعي، وهو قول الأوزاعي، وعيسى بن دينار من المالكية، واستدلوا بعدم أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمجامع أن يؤدي الكفارة إذا أيسر، ورجَّحه ابن قدامة -﵀-.\nالثاني: أنها لا تسقط، بل تبقى في ذمته إلى اليسر، وهو قول الجمهور، ورواية عن أحمد، والشافعي، واستدلوا بأنَّ هذا هو الأصل في الكفارات، وأنها لا تسقط بالعجز عنها، بل تبقى في الذمة، ويدل على هذا أيضًا أنَّ الرجل بعد أن عجز عن الثلاث سكت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وجلس الرجل، ولم يقل له النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- (لا شيء عليك)، بل عند أن جاءه المِكْتَل قال: «خذ هذا فتصدق به عنك»، وفي رواية: «عن\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٣٦)، «المغني» (٤/ ٣٧٢)، «المحلَّى» (٤/ ٣٠٨ - ٣٠٩) (٧٣٥)، «المجموع» (٦/ ٣٣١).","vol":"4","page":419},{"text":"نفسك»، فهذا يدل على أنَّ ذمته لم تبرأ.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: وأما ما استدلوا به من تأخير البيان فلا دلالة فيه؛ لأنَّ العلم بالوجوب قد تقدم، ولم يرد بالحديث ما يدل على الإسقاط؛ لأنه لما أخبره بعجزه ثم أمره بإخراج العرق؛ دلَّ هذا على أنْ لا سقوط على العاجز، ولعله أخر البيان إلى وقت الحاجة وهو القدرة. اهـ\nقال ابن عبد البر -﵀-: إن احتج مُحتَجٌّ في إسقاط الكفارة عن المعسر بأنَّ رسول الله - ﷺ - قال له: «كُلْهُ أَنْتَ وَعِيَالُك»، ولم يقل له: (تؤديها إذا أيسرت)، ولو كانت واجبة عليه لم تسقط عنه حتى يبين ذلك له؟ قيل له: ولا قال رسول الله - ﷺ - (إنها ساقطة عنك لعسرتك) بعد أن أخبره بوجوبها عليه، وكل ما وجب أداؤه في اليسار لزم الذمة إلى الميسرة، والله أعلم. اهـ\nوهذا القول هو الراجح -أعني قول الجمهور- وهو ترجيح ابن حزمٍ -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1965>مسألة [٢٤]: هل يُشترط في الرقبة أن تكون مؤمنة</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى اشتراط الإيمان؛ حملًا للمطلق في قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هل تجد رقبة تعتقها؟» على المقيد في كفارة القتل في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، وإنما قيد المطلق؛ لأنَّ القياس يقتضي ذلك، فيكون تقييدًا بالقياس، كالتخصيص بالقياس، والعلة الجامعة هنا هو أنَّ جميع ذلك كفارة عن ذنب.\nواستدلوا بحديث معاوية بن الحكم السُّلَمِي -﵁- في «صحيح مسلم»\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٣٦)، «المغني» (٤/ ٣٨٥)، «الاستذكار» (١٠/ ١٠٥ - ١٠٧)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٢٩٦ -)، «المحلَّى» (٧٥١).","vol":"4","page":420},{"text":"٥٣٧ -: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «اعتقها؛ فإنها مؤمنة».\n• وذهب الحنفية، وابن حزمٍ إلى جواز عتق الكافرة، وهو قول عطاء، والنخعي، والثوري.\nوالراجح هو القول الأول؛ لحديث معاوية المتقدم، فقد علل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عتقها بكونها مؤمنة، وهو ترجيح الصنعاني، والشوكاني. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1966>مسألة [٢٥]: هل يُشترط في الرقبة أن تكون سالمةً من العيوب</span>؟\n• ذهب الجمهور من الشافعية، والحنابلة، والحنفية وغيرهم إلى تفاصيل -على اختلافٍ بينهم- في كون العيوب الشديدة التي تضر بالعمل ضررًا بَيِّنًا لا تجزئ.\n• وذهب داود الظاهري، وابن حزمٍ إلى جواز عتق كل رقبة، معيبةً كانت أو غير معيبة.\nقال ابن حزم -﵀-: وأما المعيب فكلهم متفق على إجازة العيب الخفيف فيها، ولم يأت نصٌّ، ولا إجماع، ولا قياس بالفرق بين العيوب في ذلك. اهـ\nوقال: وأيضًا فلا سبيل لهم إلى تحديد الخفيف الذي أجازوه من الكثير الذي لا يجيزونه؛ فصحَّ أنه رأيٌ فاسد من آرائهم. اهـ\nقلتُ: الذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ العبد إذا كان في حالة لا يَنْتَفِعُ بعتقه، ولا\n_________\n(^١) انظر: «المحلَّى» (٧٤٠)، «تكملة شرح المهذب» (١٧/ ٣٦٨)، «سبل السلام» (٤/ ١٤٨)، «المغني» (١١/ ٨١ - ٨٢).","vol":"4","page":421},{"text":"ينفع غيره أنه لا يُجزئ، فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧]، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا» (^١)، ولكن إذا لم يجد غير هذه الرقبة؛ فتجزئه، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1967>مسألة [٢٦]: من لم يجد إلا رقبة لا غنى له عنها</span>؟\nمن وجبت عليه كفارة ولا يجد إلا رقبة لا غنى له عنها وعن خدمتها؛ لكونه كبيرًا، أو مريضًا، أو نحو ذلك؛ فإنه لا يلزمه عتقها؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وهذا قول أحمد، والشافعي، وابن حزمٍ خلافًا لمالك، وأبي حنيفة، والأوزاعي. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1968>مسألة [٢٧]: هل يُجزئ أن تكون الرقبة أُمَّ ولدٍ، أو مدبَّرًا</span>؟\n• ذهب أبو حنيفة، ومالك إلى أنهما لا يُجزئان، وقال الشافعي: لا تُجزئ أم الولد؛ لأنها لا تُباع. وأجاز عتق المدبَّر.\n• وذهب عثمان البتي، وداود الظاهري، وابن حزمٍ إلى الجواز، وهو الصحيح.\nقال ابن حزمٍ -﵀-: فمعتق كل واحدة منهما يسمى معتق رقبة، وعتق كل واحدة منهما عتق رقبة بلا خلاف، فوجب أنَّ من فعل واحدةً منهما فقد فعل ما\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٠١٥)، من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) انظر: «تكملة شرح المهذب» (١٧/ ٣٦٨)، «المغني» (١١/ ٨٢)، «المحلَّى» (٧٤٠).\n(^٣) انظر: «تكملة المجموع» (١٧/ ٣٦٧)، «المحلَّى» (٧٥٠)، «المغني» (١١/ ٨٦).","vol":"4","page":422},{"text":"أمره الله تعالى به.\nوقال -﵀- -ردًّا على الشافعي-: وهل اشترط -﵇- إذ أمر بالكفارة بعتق رقبة أن تكون ممن يجوز بيعها؟ حاشا لله من هذا، فإذا لم يشترط -﵇- هذه الصفة؛ فاشتراطها باطلٌ وشرعٌ في الدين لم يأذن به الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1969>مسألة [٢٨]: المكاتب، هل يجزئ في عتق الرقبة</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن كان لم يؤدِّ شيئًا فيُجزئ؛ لأنه ما زال عبدًا، وإن كان قد أدَّى شيئًا؛ فلا يُجزِئ؛ لكون بعضه حُرًّا، فيكون قد أعتق بعض رقبة، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي حنيفة، ورجَّحه ابن حزمٍ.\n• وذهب الشافعي، ومالك، والأوزاعي، والثوري إلى عدم الإجزاء مطلقًا؛ لأنَّ عتقه مستحق بسبب آخر سابق لعتقه عن الكفارة.\n• وذهب أحمد في رواية، وأبو ثور إلى الإجزاء مطلقًا.\nوهذا هو الصحيح؛ لأنه ما زال عبدًا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1970>مسألة [٢٩]: إذا شرع في الصيام، ثم وجد ما يعتق، فهل يلزمه الرجوع إلى العتق</span>؟\n• في المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه يلزمه الرجوع إلى العتق، وهو قول أبي حنيفة، واستدل بأنه قد قدر على الأصل قبل أداء فرضه بالبدل؛ فبطل حكم البدل كالمتيمم يرى الماء.\n_________\n(^١) انظر: «المحلَّى» (٧٤٠)، «تكملة المجموع» (١٧/ ٣٧٠).\n(^٢) انظر: «المحلى» (٧٤٠)، «الإنصاف» (٩/ ٢٢٣)، «البيان» (١٠/ ٣٧٣).","vol":"4","page":423},{"text":"الثاني: لا يلزمه الرجوع إلى العتق إلا أن يشاءه؛ فيجزئه، ويكون قد فعل الأَوْلَى، وهو قول أحمد، والشافعي، ورجَّحه ابن قدامة؛ لكونه قد شرع في الكفارة الواجبة، فأجزأته كما لو استمر العجز إلى فراغها.\nوفارق العتق التيمم لوجهين:\n١) أن التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا إلى أن يجد الماء، فإذا وجد الماء ذهب حكمه، بخلاف الصوم؛ فإنه يرفع حكم الجماع بالكلية.\n١) أنَّ الصيام تطول مدته فيشق إلزامه الجمع بينه وبين العتق بخلاف الوضوء والتيمم.\nوكذلك فإنَّ العتق مأمورٌ به إذا وجده، وهذا لم يجده حتى تلبس بالصيام، فمن أين لنا أن نُوجِبَ عليه العتق بعد ذلك، بخلاف التيمم، فقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته». (^١)\nالثالث: أنه يلزمه الصوم، ولا يجوز له الرجوع إلى العتق، وهو قول ابن حزم. والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1971>مسألة [٣٠]: هل يلزمه المتابعة في صيام الشهرين</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: ولا خلاف بين من أوجبه أنه شهران متتابعان للخبر. اهـ\nقلتُ: يعني حديث أبي هريرة -﵁- المتقدم. (^٣)\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (١٢٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٣٨١ -)، «المحلَّى» (٧٤٩).\n(^٣) انظر: «المحلى» (٧٤٢)، «المغني» (٤/ ٣٨١ -)، «تكملة المجموع» (١٧/ ٢٧٣).","vol":"4","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1972>مسألة [٣١]: إذا صام شهرين متتابعين، فهل يعتبر العدد أم الأهلة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: ويجوز أن يبتدئ صوم الشهرين من أول الشهر ومن أثنائه، لا نعلم في هذا خلافًا.\nقال: فإن صام من أول الشهر شهرين بالأهلة أجزأه ذلك، تامين أو ناقصين إجماعًا.\nقال: وإن بدأ من أثناء الشهر، فصام ستين يومًا أجزأه بلا خلاف أيضًا، قال ابن المنذر: أجمع على هذا من نحفظ عنه من أهل العلم. اهـ\nقال أبو عبدالله غفر الله له: أما إذا صام من أول الشهر؛ فالذي يلزمه هو الصوم على الأهلة؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩].\nوأما إذا ابتدأ من أثناء الشهر؛ فإنَّ الشهر الثاني يصومه على الهلال ثم يتم بقية الشهر الأول تمام الثلاثين عند أكثر أهل العلم.\nوخالف ابن حزمٍ، فقال: لا يلزمه إلا تسعة وعشرون؛ لأنَّ الشهر قد يكون تسعة وعشرين.\nوالراجح قول الجمهور؛ لأنَّ الله أوجب عليه صيام شهرين، ولأنه قد تعذر اعتبار الهلال؛ فوجب الأخذ بالأكثر حتى يؤدي ما عليه. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٠٤ - ١٠٥)، «المحلَّى» (٧٤٥)، «تكملة المجموع» (١٧/ ٣٧٣ - ٣٧٤).","vol":"4","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1973>مسألة [٣٢]: قطع التتابع لعذر من الأعذار</span>.\n١ - عذر الحيض:\nقال ابن قدامة -﵀-: وأجمع أهل العلم على أنَّ الصائمة متتابعًا إذا حاضت قبل إتمامه تقضي إذا طهرت، وتبني، وذلك لأنَّ الحيض لا يمكن التحرز منه في الشهرين إلا بتأخيره إلى الإياس، وفيه تغرير بالصوم؛ لأنها ربما ماتت قبله. اهـ\n\n٢ - عذر النفاس:\nفيه وجهان عند الحنابلة، والشافعية، والصحيح أنه لا يقطع التتابع، وهو قول المالكية؛ لأنه بمنزلة الحيض في أحكامه، ولأنَّ الفطر لا يحصل فيهما بفعلهما. ومذهب الحنفية: أنه يقطع التتابع.\nوقال بعضهم: لا يصح قياسه على الحائض؛ لأنه أندر منه، ويمكن التحرز عنه.\nوالصحيح ما قدمناه، فلو أنَّ امرأة صامت خمسين يومًا مثلًا، ثم أسقطت، أو ولدت، فأصبحت نفساء، فمن أين لنا أنْ نوجب عليها صيام شهرين من جديد، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]. (^١)\n\n٣ - عذر المرض:\n• فيه قولان:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٨٩)، «تكملة المجموع» (١٧/ ٣٧٤)، «الموسوعة الفقهية» (١٠/ ١٣٢)، «روضة الطالبين» (٨/ ٣٠٢).","vol":"4","page":426},{"text":"الأول: أنه لا يقطع التتابع، وبه قال ابن المسيب، والحسن، وعطاء، والشعبي، وطاوس، ومجاهد، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، والشافعي في القديم؛ لأنه أفطر بسببٍ لا صنع له فيه، فلم يقطع التتابع، كإفطار المرأة للحيض، ولأننا لو قلنا: إنه ينقطع بالفطر في المرض؛ لأدَّى ذلك إلى أن يتسلسل؛ لأنه لا يأمن وقوع المرض إذا استأنف بعد البُرء.\nالثاني: أنه يقطع التتابع، وهو قول سعيد بن جبير، والنخعي، والحكم، والثوري، وأصحاب الرأي، وهو قول الشافعي في الجديد؛ لأنه أفطر بفعله فلزمه الاستئناف. والراجح القول الأول. (^١)\n\n٤ - عذر السفر:\n• فيه قولان:\nالأول: أنه يقطع التتابع، وهو قول مالك، وأصحاب الرأي، والمشهور عند الشافعية، وهو قول جماعة من الحنابلة، قالوا: لأنَّ السفر يحصل باختياره؛ فقطع التتابع كما لو أفطر بغير عذر.\nالثاني: أنه لا يقطع التتابع، وهو ظاهر مذهب أحمد، وقال به الحسن، وبعض الشافعية، وقالوا: إنه أفطر لعذر مبيح للفطر، فلم ينقطع به التتابع كإفطار المرأة بالحيض، وفارق الفطر لغير عذر؛ فإنه لا يُباح. وهذا اختيار الإمام ابن باز -﵀- في آخرين من أعضاء اللجنة الدائمة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٨٩)، «تكملة المجموع» (١٧/ ٣٧٥)، «الموسوعة الفقهية» (١٠/ ١٣٤).","vol":"4","page":427},{"text":"قلتُ: القول الأول أقرب، إلا إذا اضطر إلى السفر، وشق عليه الصوم، فيرخص له بالفطر، ولا يقطع التتابع، والله أعلم. (^١)\n\n٥ - عذر الحامل والمرضع:\nإن أفطرتا خوفًا على أنفسهما؛ فهما كالمريض، وإن أفطرتا خوفًا على ولديهما، ففيهما وجهان عند الحنابلة والشافعية. ومقتضى قول الحنفية والمالكية: أنه يقطع التتابع. (^٢)\n\n٦ - عذر الجنون والإغماء:\nقال ابن قدامة -﵀-: وإن أفطر لجنون، أو إغماء لم ينقطع التتابع؛ لأنه عذر لا صنع له فيه؛ فهو كالحيض. اهـ وما ذكره هو مقتضى قول الجمهور. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1974>مسألة [٣٣]: إذا أفطر أثناء الشهرين بغير عذر، أو قطع التتابع بصوم نذر، أو قضاء، أو كفارة أخرى</span>؟\nيلزمه استئناف الشهرين؛ لأنه أخلَّ بالتتابع المشروط، ويقع صومه عمَّا نواه؛ لأنَّ هذا الزمان ليس بمستحقٍّ متعين للكفارة، ولهذا يجوز صومها في غيرها بخلاف شهر رمضان؛ فإنه متعين لا يصلح لغيره. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٩٠)، «تكملة المجموع» (١٧/ ٣٧٥)، «الموسوعة الفقهية» (١٠/ ١٣٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٨٩)، «تكملة المجموع» (١٧/ ٣٧٥)، «الموسوعة الفقهية» (١٠/ ١٣٤).\n(^٣) انظر: «المغني» (١١/ ٨٩).\n(^٤) انظر: «المغني» (١١/ ٩١)، «تكملة المجموع» (١٧/ ٣٧٥ - ٣٧٦).","vol":"4","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1975>مسألة [٣٤]: إذا تخلل الشهرين المتتابعين صوم رمضان، وأيام العيد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١٠٣ -): إذَا تَخَلَّلَ صَوْمَ الظِّهَارِ زَمَانٌ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ، مِثْلُ أَنْ يَبْتَدِئَ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ شَعْبَانَ، فَيَتَخَلَّلَهُ رَمَضَانُ وَيَوْمُ الْفِطْرِ، أَوْ يَبْتَدِئَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَيَتَخَلَّلَهُ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ؛ فَإِنَّ التَّتَابُعَ لَا يَنْقَطِعُ بِهَذَا، وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ، وَيَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرَيْنِ بِمَا كَانَ يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ إذَا أَفْطَرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ صَامَ عَنْ نَذْرٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى.\nوَلَنَا أَنَّهُ زَمَنٌ مَنَعَهُ الشَّرْعُ عَنْ صَوْمِهِ فِي الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يَقْطَعْ التَّتَابُعَ، كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. فَإِنْ قَالَ: الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ غَيْرُ مُمْكِنٍ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. قُلْنَا: قَدْ يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ مِنْ النِّفَاسِ بِأَنْ لَا تَبْتَدِئَ الصَّوْمَ فِي حَالِ الْحَمْلِ، وَمِنْ الْحَيْضِ إذَا كَانَ طُهْرُهَا يَزِيدُ عَلَى الشَّهْرَيْنِ، بِأَنْ تَبْتَدِئَ الصَّوْمَ عَقِيبَ طُهْرِهَا مِنْ الْحَيْضَةِ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ مُفَارَقَةُ إمَامِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ الْمَسْبُوقُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، مَعَ عِلْمِهِ بِلُزُومِ مُفَارَقَتِهِ قَبْلَ إتْمَامِهَا. انتهى المراد.\nقلتُ: وما رجحه ابن قدامة هو الراجح عندي، والله أعلم، وقد ذهب الحنفية إلى أنه يقطع التتابع، وقال بذلك المالكية في حق من لم يجهل الحال، وعلم أنه سيوافق هذه الأيام. (^١)\n_________\n(^١) «الروضة» (٨/ ٣٠٣)، «الموسوعة الفقهية» (١٠/ ١٣٣)، «جواهر الإكليل» (١/ ٣٧٧).","vol":"4","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1976>مسألة [٣٥]: إذا كفر بالإطعام؛ فهل يلزمه إطعام ستين مسكينًا</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنه يُجزئ أن يطعم ولو مسكينًا واحدًا ستين مرة، أو عشرة مساكين ست مرات ..، وهكذا، وهو قول الحنفية.\nالثاني: يلزمه أن يكونوا ستين مسكينًا.\nوهو قول الجمهور، وأحمد، والشافعي، ورجَّحه ابن حزمٍ وغيره من أهل العلم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟».\nقال ابن دقيق العيد -﵀-: أضاف الإطعام الذي هو مصدر: (أطعم) إلى ستين فلا يكون ذلك موجودًا في حقِّ من أطعم ستة مساكين عشرة أيام مثلًا. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1977>مسألة [٣٦]: مقدار الإطعام</span>.\n• اختلف في تقديره الحنابلة، والشافعية، والحنفية وغيرهم، فمنهم من قدرَّه بالْمُدِّ عن كل مسكين، ومنهم من قدَّره بالصَّاع، ولهم تفاصيل في ذلك.\nوالصحيح أنه لا حدَّ له، ويجب عليه ما يشبعهم، وهو رواية عن أحمد.\nقال ابن حزمٍ -﵀-: ولا يجوز تحديد إطعام دون إطعام بغير نصٍّ، ولا إجماع، ولم يختلف فيما دون الشبع في الأكل، وفيما دون المد في الإعطاء أنه لا يُجزئ. اهـ\nوهذا القول هو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٩٣)، «الفتح» (١٩٣٦)، «المحلَّى» (٧٤٨)، «النيل» (١٦٦٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٣٨٣) (١١/ ٩٧)، «المحلَّى» (٧٤٦)، «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٣٤٩).","vol":"4","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1978>مسألة [٣٧]: هل يجزئ إطعام الطفل الذي لم يطعم</span>؟\n• قال الشافعي -﵀-: يُجْزِئ، وَيُسَلَّمُ لِوَلِيِّهِ.\n• وقالت الحنفية: لا يُجزئ؛ لكونه لا يطعم. وهو ترجيح ابن حزمٍ، وهو الراجح؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هل تستطيع أن تُطعِم ستين مسكينًا؟»، والطفل الذي لم يطعم كيف يمكن إطعامه!. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1979>مسألة [٣٨]: هل يلزم التتابع في إطعام المساكين</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: ولا يلزم التتابع في الإطعام، نصَّ عليه أحمد في رواية الأثرم، قيل له: تكون كفارة يمين؛ فيطعم اليوم واحدًا، وآخر بعد أيام، وآخر بعد أيام، حتى يستكمل عشرة؟ فلم يَرَ بذلك بأسًا. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٣٦)، «المحلَّى» (٧٤٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٩٨).","vol":"4","page":431},{"text":"٦٥٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ،\n\n٦٥٩ - وَأُمِّ سَلَمَةَ -﵄-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٦٦٠ - وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: وَلَا يَقْضِي. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1980>مسألة [١]: من أدركه الفجر وهو جُنُبٌ، فهل يصح صومه</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى صحة صومه؛ لحديث عائشة، وأم سلمة -﵄- الذي في الباب. وقد كان هناك خلافٌ في زمن الصحابة، والتابعين، ثم استقر الإجماع على صحة الصوم كما جزم بذلك النووي. وممن أفتى بصحة الصوم من الصحابة ابن مسعود، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر -﵃-، أخرج الآثار عنهم ابن أبي شيبة (٣/ ٨٠ - ٨١) بأسانيد صحيحة.\nوسبب الخلاف هو حديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^٣) أنه كان يفتي ويُحَدِّثُ، يقول: «من أدركه الفجر وهو جنبٌ فلا صوم له». وجاء عند النسائي (^٤) وغيره أنه رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد دخل عليه عبد الرحمن بن الحارث بعد أن سمع حديث عائشة، وأم سلمة، فأخبره بحديثهما، فقال أبو هريرة: أهما قالتا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٣١) (١٩٣٢)، ومسلم (١١٠٩).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١١٠٩) (٧٧).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٩٢٥)، ومسلم برقم (١١٠٩).\n(^٤) انظر: «السنن الكبرى» للنسائي (٢/ ١٧٦ - ١٧٧).","vol":"4","page":432},{"text":"ذلك؟ قال: نعم. فقال أبو هريرة: هما أعلم. ثم أخبره أنه لم يسمعه من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإنما سمعه من الفضل بن عباس، ورجع عن فُتياه.\nوأما حديث الفضل بن عباس:\nفمنهم من حمله على أنَّ الأمر بالغسل قبل الفجر للإرشاد.\nقال الحافظ -﵀-: ويعكر عليه التصريح في كثير من طرق الحديث بالأمر بالفطر وبالنهي عن الصيام، فكيف يصح الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان!.اهـ\nومنهم من حمله على من أدركه الفجر مُجامعًا فاستدام بعد طلوعه عالمًا بذلك.\nقال الحافظ -﵀-: ويعكر عليه ما رواه النسائي (^١) من طريق أبي حازم عن عبدالملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁-، أنه كان يقول: من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم. اهـ\nومنهم من سلك مسلك الترجيح، فرجَّح حديث عائشة، وأم سلمة على حديث أبي هريرة الذي أخذه من الفضل، وهو مسلك الشافعي، والبخاري، وابن عبد البر.\nومنهم من حمل حديث الفضل على أنه منسوخٌ.\nقال ابن خزيمة -﵀-: توهم بعض العلماء أنَّ أبا هريرة -﵁- غلط في هذا الحديث.\n_________\n(^١) انظر: «السنن الكبرى» (٢/ ١٧٩).","vol":"4","page":433},{"text":"ثم ردَّ عليه ابن خزيمة بأنه لم يغلط، وإنما أحال على رواية صادق؛ إلا أن الخبر منسوخٌ؛ لأنَّ الله تعالى عند ابتداء فرض الصيام كان منع في ليلة الصوم من الأكل والشرب، والجماع بعد النوم، فيحتمل أن يكون خبر الفضل كان حينئذٍ، ثم أباح الله ذلك إلى طلوع الفجر، فكان للمجامع أن يستمر إلى طلوعه، فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر، فدلَّ على أنَّ حديث عائشة ناسخٌ لحديث الفضل، ولم يبلغ الفضل ولا أبا هريرة الناسخ، فاستمر أبو هريرة على الفُتيا به، ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه. اهـ\nوأَيَّدَ الحافظ القول بالنسخ بحديث عائشة الذي في «صحيح مسلم» (^١) أنَّ رجلًا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يستفتيه وهي تسمع من وراء الحجاب، فقال: يا رسول الله، يدركني الفجر وأنا جُنُبٌ أَفَأَصُوم؟ فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وأنا يدركني الفجر وأنا جُنُبٌ فَأَصُومُ»، قال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلم بما أتقي».\nقال الحافظ -﵀-: ويُقَوِّي النسخ أنَّ في حديث عائشة هذا الأخير ما يُشعر بأنَّ ذلك كان بعد الحديبية؛ لقوله فيه: قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. وأشار إلى آية الفتح، وهي إنما أُنزِلت عام الحديبية سنة سِتٍّ، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية. اهـ\nوإلى القول بالنسخ ذهب ابن المنذر، والخطابي، وابن دقيق العيد، ورجحه الحافظ، وتبعه الصنعاني. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١١١٠).\n(^٢) انظر: «الفتح» (١٩٢٦)، «السبل» (٢/ ٣٣٥، ٣٣٦) ط/دار الكتاب العربي.","vol":"4","page":434},{"text":"٦٦١ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1981>مسألة [١]: من مات وعليه صومٌ، فهل يُقضى عنه</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: أنه لا يُصام عنه، ويطعم عنه إذا أوصى بذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة، والشافعي في مذهبه الجديد، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ...» أخرجه مسلم (١٦٣١)، عن أبي هريرة -﵁-.\nالثاني: أنه لا يُصام عنه إلا النذر، وهو قول أحمد، والليث، وإسحاق، وأبي عبيد، وقالوا: حديث عائشة المذكور في الباب محمول على حديث ابن عباس في «الصحيحين» (^٢)، أنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت وعليها صومُ نذرٍ، أفأصومُ عنها؟ قال: «أرأيت لو كان على أُمُّكِ دَيْنٌ أَكُنتِ قاضيته؟» قالت: نعم. قال: «فدين الله أحق أن يُقضى».\nقالوا: فيكون الصوم عنه في النذر خاصة، وأما رمضان فيُطعم عنه.\nالثالث: أنه يصوم عنه أيَّ صومٍ واجبٍ، سواء كان نذرًا، أو قضاءً، أو كفارةً،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٥٣)، ومسلم برقم (١١٤٨).","vol":"4","page":435},{"text":"وهذا الذي عليه أهل الحديث، وأبو ثور، والأوزاعي، وجماعةٌ، وهو قول طاوس، والحسن، والزهري، وقتادة، والشافعي في القديم، واستدلوا بعموم حديث عائشة -﵂- الذي في الباب.\nوهذا القول هو الصحيح، وهو الذي رجَّحه البيهقي، وابن حزمٍ، ثم الحافظ ابن حجر، ثم الصنعاني، وهو ترجيح شيخنا الإمام مقبل الوادعي، والشيخ الإمام محمد بن صالح العثيمين رحمة الله عليهما.\nوقد أجاب المالكية عن حديث عائشة وما أشبهه: بأنه ليس عليه عملُ أهل المدينة.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: إن سلمت هذه الدعوى فما بمثل هذا تُرَدُّ الأحاديث الصحيحة. اهـ\nوأجاب الحنفية عن حديث عائشة، وابن عباس بقولهم: إنه قد صحَّ عن عائشة، وابن عباس -﵃- القول بالإطعام. قالوا: فلما أفتوا بخلاف ما رووا؛ دلَّ على أنَّ العمل بخلاف ما روياه.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: والرَّاجح أنَّ المعتبر ما رواه لا ما رآه؛ لاحتمال أن يخالف ذلك لاجتهاد، ومستنده فيه لم يتحقق. اهـ\nقلتُ: ويُحتمل أيضًا أن يكون نسي.\nقال ابن حزمٍ -﵀-: ولعلَّ الذي رُوي عن عائشة فيه الإطعام كان لم يصح حتى","vol":"4","page":436},{"text":"مات؛ فلا صوم عليه. اهـ\nقلتُ: وأما استدلال الحنفية، والمالكية بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، فقد قال ابن حزمٍ -﵀-: أما قوله تعال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فَحَقٌّ؛ إلا أنَّ الذي أنزل هذا هو الذي قال لرسوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، وهو الذي قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]؛ فصحَّ أنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وما حكم الله تعالى أو رسوله - ﷺ - أنَّ له من سَعْي غيره عنه، والصوم من جملة ذلك. اهـ\nوأما حديث: «انقطع عمله»؛ فالحديث ليس فيه إلا انقطاع عمل الميت فقط، وليس فيه انقطاع عمل غيره عنه أصلًا.\nوأما ما استدل به أهل القول الثاني، فقد قال الحافظ ابن حجر -﵀-: وليس بينهما تعارضٌ حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فتقريرُ قاعدةٍ عامَّةٍ، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى هذا العموم، حيث قال في آخره: «فدين الله أحق أن يُقضى».اهـ. (^١)\nتنبيه: ما تقدم من الخلاف في المسألة هو فيما إذا تمكن من قضائه فمات ولم يقض، أما إذا لم يتمكن من قضائه حتى مات؛ فقد نقل غير واحد الإجماع أنه لا\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٥٢)، «المحلَّى» (٧٧٥)، «السبل» (٢/ ٣٣٦)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٥٦)، «الكبرى للبيهقي» (٤/ ٢٥٦).","vol":"4","page":437},{"text":"يُصام عنه، وأما الإطعام فالجمهور، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة على أنه لا شيء عليه.\nقال العبدري: وهو قول العلماء كافة إلا طاوسًا، وقتادة، فقالا: يجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكينًا؛ لأنه عاجز، فأشبه الشيخ الهرم. اهـ\nوالصحيح القول الأول؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (^١). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1982>مسألة [٢]: من هو الولي</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: قيل: كل قريب. وقيل: الوارث خاصَّة. وقيل: عصبته. والأول أرجح والثاني قريبٌ، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أُمِّها. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1983>مسألة [٣]: هل الصوم واجبٌ على الولي</span>؟\n• ذهب ابن حزمٍ إلى وجوبه على الولي، واستدل بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من مات وعليه صومٌ صام عنه وَلِيُّهُ»؛ فإنَّ هذا خبر بمعنى الأمر، والتقدير: فليصم.\n• وذهب الجمهور إلى أنَّ هذا الأمر ليس للوجوب، وبالغ إمام الحرمين فادَّعى الإجماع على ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)، عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٧٢)، «شرح السنة» (٣/ ٥١١).\n(^٣) انظر: «الفتح» (١٩٥٢).","vol":"4","page":438},{"text":"قال الحافظ -﵀-: وفيه نظر؛ لأنَّ بعض أهل الظاهر قد خالف فأوجبه، فلعله لم يعتد بخلافهم على قاعدته. اهـ\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: صرفه عن الوجوب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، ولو قلنا بوجوب قضاء الصوم عن الميت لزم من عدم قضائه أن تحمل وازرة وزر أخرى، وهذا خلاف القرآن. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1984>مسألة [٤]: هل يختص ذلك بالولي أم يجوز أن ينوب الأجنبي</span>؟\n• فيها قولان:\nالأول: أنه يختص بالولي؛ لأنَّ الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية إلا ما ورد فيه الدليل فيقتصر عليه.\nورجَّح هذا القول الحافظ.\nالثاني: أنه لا يختص بالولي، وذكر الولي في الحديث لكونه الغالب.\nوهو ظاهر اختيار البخاري، وبه جزم أبو الطيب الطبري، وقَوَّاه بتشبيهه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذلك بالدَّيْنِ، والدَّيْنُ لا يختص بالقريب.\nوالقول الثاني هو الراجح، والله أعلم، وهو مقتضى قول الجمهور؛ فإن منهم من أجاز النيابة في العبادات البدنية كالحنابلة. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٥٢)، «المحلَّى» (٧٧٥)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٥٤).\n(^٢) انظر: «الفتح» (١٩٥٢)، «السبل» (٢/ ٣٣٧) ط/دار الكتاب العربي.","vol":"4","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1985>مسألة [٥]: هل يجوز لو كان على الميت ثلاثون يومًا مثلًا أن يصوم عنه ثلاثون رجلًا يومًا واحدًا</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: قال النووي في «شرح المهذب»: هذه المسألة لم أرَ فيها نقلًا في المذهب، وقياس المذهب الإجزاء. قلت: لكن الجواز مقيدٌ بصوم لم يجب فيه تتابع؛ لفقد التتابع في الصورة المذكورة. اهـ\nقلتُ: هذا الذي قرره الحافظ هو الذي رجَّحه الشيخ ابن عثيمين -﵀-.\nوقد قال بأصل المسألة الحسن البصري، علَّقه عنه البخاري، ووصله الدارقطني، وهو ثابت عنه. (^١)\nتنبيه: أفتى الإمامان ابن باز والعثيمين رحمة الله عليهما كما في فتاواهما: أن الشهرين المتتابعين لا يصح تقسيمهما على الورثة؛ لأنه لا يصدق على واحد منهم أنه صام شهرين متتابعين.\nويظهر لي -والله أعلم- أنه يصح التعاون عليها؛ بشرط أن يتابعوا بينها، ولا يقطعوا التتابع؛ لأن الصوم قد وقع على التتابع كما أمر الله، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٥٢)، «المجموع» (٦/ ٣٧١)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٥٧).","vol":"4","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1986>فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلّقُ بِقَضَاءِ رَمَضَانَ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1987>مسألة [١]: هل يلزم التتابع في قضاء رمضان</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنه يلزمه التتابع، صحَّ هذا القول عن ابن عمر، وعائشة -﵄-، كما في «مصنف عبد الرزاق» (٤/ ٢٤١ - ٢٤٢)، وجاء عن علي -﵁- عند ابن أبي شيبة (٣/ ٤٣)، وفي إسناده الحارث الأعور، وقد كذب، وهو قول ابن حزمٍ، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ثم قال: وتُجزئه متفرقة؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].اهـ\nالثاني: أنه لا يلزمه التتابع، وهو قول الجمهور، وصحَّ عن عبد الله بن عباس -﵄-، كما في «مصنف عبد الرزاق» (٤/ ٢٤٣)، وثبت أيضًا عن أبي هريرة، وأنس -﵄-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٣٢)، وهو قول سعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nوهذا القول هو ترجيح الإمام البخاري في «صحيحه» وهو الراجح إن شاء الله، ورجَّحه أيضًا شيخنا مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما.","vol":"4","page":441},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -﵀-: ولا يختلف المجيزون للتفريق أنَّ التتابع أولى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1988>مسألة [٢]: هل يلزم القضاء فورًا، أم أنَّ له أنْ يؤخره</span>؟\n• ذهب بعض أهل الظاهر إلى وجوبه من ثاني شوال. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.\n• وذهب جمهور العلماء إلى جواز تأخيره بشرط أن يقضي قبل دخول رمضان من قابل، واستدلوا بحديث عائشة -﵂-، قالت: كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان. وبقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nوأما كونه يقضي قبل دخول رمضان الآخر، فقد قال الحافظ ابن حجر -﵀-: ويؤخذ من حرصها على ذلك في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر. اهـ\nوقد سبقه إلى نحو ذلك ابن قدامة، وزاد فقال: ولأنَّ الصوم عبادة متكررة، فلم يَجُزْ تأخير الأولى عن الثانية كالصلوات الخمس المفروضة. اهـ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1989>مسألة [٣]: إذا أخَّرَ القضاءَ بغير عذر حتى دخل رمضان آخر</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالأول: أنه يلزمه بعد صيام رمضان أن يقضي ما عليه، ويطعم عن كل يوم\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٥٠)، «المحلَّى» (٧٦٨)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٨٢)، «المجموع» (٦/ ٣٦٧)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٤٩).\n(^٢) انظر: «الفتح» (١٩٧٠)، «المحلى» (٧٦٧)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، «المغني» (٤/ ٤٠٠ - ٤٠١)، «المجموع» (٦/ ٣٦٤)، «شرح السنة» (٣/ ٥٠٥ -).","vol":"4","page":442},{"text":"مسكينًا، وهو قول الجمهور، وصحَّ عن أبي هريرة وابن عباس -﵄-، كما في «سنن الدارقطني» (٢/ ١٩٧)، والبيهقي (٤/ ٢٥٣)، ونُقِل عن الطحاوي أنه نقل عن يحيى بن أكثم قال: وجدته عن ستة من الصحابة، ولا أعلم لهم فيه مخالفًا.\nالثاني: أنه يقضي ولا فدية عليه، وهو قول الحسن، والنخعي، وأصحاب الرأي، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ورجَّحه البخاري فقال: ولم يذكر الله تعالى الإطعام، إنما قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nالثالث: أنَّ عليه أن يطعم ولا قضاء عليه.\nقال به سعيد بن جبير، وقتادة، وهذا مُخالفٌ للآية السابقة، والراجح هو القول الثاني، وهو ترجيح ابن حزم، والشوكاني، والوادعي، وابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1990>مسألة [٤]: إذا أخَّر قضاء رمضان بعذر حتى دخل رمضان آخر</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنَّ عليه القضاء فقط، ولا إطعام عليه، حكاه ابن المنذر عن طاوس، والحسن، والنخعي، وحماد، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة وداود، والمزني.\n_________\n(^١) انظر: «شرح السنة» (٣/ ٥٠٦ - ٥٠٧)، «المجموع» (٦/ ٣٦٦)، «المغني» (٤/ ٤٠١) «الفتح» (١٩٥٠) «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٨٣)، «المحلَّى» (٧٦٧).","vol":"4","page":443},{"text":"الثاني: قال ابن المنذر: وقال ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وقتادة: يصوم رمضان الحاضر عن الحاضر، ويفدي عن الغائب، ولا قضاء عليه.\nوالراجح هو القول الأول؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وأثر ابن عباس، وابن عمر، ثابتان عنهما كما في «سنن الدارقطني» (٢/ ١٩٦ - ١٩٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1991>مسألة [٥]: هل يجوز لمن عليه صومٌ أن يتطوع</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالقول الأول: أنه يجوز له ذلك؛ مالم يَضِقِ الوقت، وقالوا: ما دام الوقت موسعًا؛ فإنه يجوز له أن يتنفل، وهوقول الحنفية، ورواية عن أحمد.\nالقول الثاني: يجوز مع الكراهة؛ إلا ما يتأكد استحبابه، فيجوز بلا كراهة، وهو قول المالكية.\nالقول الثالث: إن كان الإفطار في رمضان لعذر؛ جاز، وإلا فلا يجوز، وهوقول الشافعية؛ لأنهم يرون القضاء على التراخي في حالة العذر، وأما عند عدمه فالأصح عندهم أنه على الفور.\nوالقول الأول هو الراجح، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٣/ ٤٠١ - ٤٠٢)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٤٧ - ٤٤٨)، «مواهب الجليل» (٣/ ٣٣٣)، «رد المحتار» (٣/ ٤٠٥)، «المجموع» (٦/ ٣٦٥).","vol":"4","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1992>بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَمَا نُهِيَ عَنْ صَوْمِهِ</span>\n٦٦٢ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالبَاقِيَةَ»، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ» وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الإِثْنَيْنِ؟ فَقَالَ: «ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْت فِيهِ، وَبُعِثْت فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nقوله: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْبَاقِيَة».\nقال الصنعاني -﵀-: وقد استشكل تكفير مالم يقع، وهو ذنبُ السَّنَة الآتية، وأُجيب: بأنَّ المراد أنْ يوفق فيها لعدم الإتيان بذنب، وسمَّاه تكفيرًا لمناسبة الماضية، أو إنه إن أوقع فيها ذنبًا وفق للإتيان بما يكفره. (^٢)\nالأحكام والمسائل المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1993>مسألة [١]: هل صيام ذلك اليوم يكفر الصغائر والكبائر</span>؟\n• ظاهر الحديث أنَّ صيام عرفة، وعاشوراء يكفر الصغائر والكبائر، والجمهور على أنه لا يكفر الكبائر؛ فإنَّ صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء ليسا بأفضل من صيام رمضان، ولا من الصلوات الخمس، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١١٦٢) (١٩٧).\n(^٢) «سبل السلام» (٢/ ٣٣٩) ط/دار الكتاب العربي.","vol":"4","page":445},{"text":"بينهن إذا اجتنبت الكبائر»، رواه مسلم (٢٣٣)، عن أبي هريرة -﵁-، والراجح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1994>مسألة [٢]: صوم يوم عرفة</span>.\nفي حديث الباب دلالة ظاهرة على استحباب صوم يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة.\nوأخرج ابن أبي شيبة (٣/ ٩٦) بإسناد حسن، عن عائشة -﵂-، أنها قالت: ما من السنة يوم أحب إلى أن أصومه من يوم عرفة.\nقال عبد الله البسَّام في «توضيح الأحكام» (٣/ ٢٠١): صوم يوم عرفة هو أفضل صيام التطوع بإجماع العلماء. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1995>مسألة [٣]: صيام يوم عاشوراء</span>.\nقال النووي -﵀- في شرح حديث الباب من «صحيح مسلم»: اتفق العلماء على أن صوم عاشوراء سنة. اهـ\nوأخرج عبد الرزاق (٤/ ٢٨٧)، وابن أبي شيبة (٣/ ٥٦) بإسناد صحيح عن الأسود بن يزيد، قال: ما رأيت أحدًا كان آمرَ لصومِ يوم عاشوراء من علي بن أبي طالب، وأبي موسى.\n• وقد اختلف في تعيين يوم عاشوراء:\nفذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أنَّ عاشوراء هو اليوم العاشر\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٨٣)، «توضيح الأحكام» (٣/ ٢٠١).","vol":"4","page":446},{"text":"من محرم.\nوقد قيل: إنه اليوم التاسع. وقالوا: إنه مذهب ابن عباس، واستدلوا على ذلك بما في «صحيح مسلم» (١١٣٣): أنَّ الحكم بن الأعرج سأل ابن عباس -﵄- عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: إذا رأيت هلال محرم، فاعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا. قلت: هكذا كان رسول الله - ﷺ - يصومه؟ قال: نعم.\nوالظاهر أنَّ ابن عباس -﵄- إنما أراد بصيام التاسع مخالفة اليهود، لا أنه هو اليوم التاسع، بدليل ما جاء عنه أيضًا في «صحيح مسلم» (١١٣٤): أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود، والنصارى. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع»، فلم يأت العام المقبل حتى تُوُفِّيَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nويؤيده ما ثبت عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح كما في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٥٠، ٤١٥)، عن ابن عباس -﵄-، أنه قال: «صوموا التاسع والعاشر، خالفوا اليهود»، ثم وجدته عند عبدالرزاق (٧٨٣٩)، والبيهقي (٤/ ٢٨٧) بإسناد صحيح أيضًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1996>مسألة [٤]: الجمع بين التاسع والعاشر</span>.\nيُستفاد من حديث ابن عباس المتقدم في المسألة السابقة استحباب صيام التاسع مع العاشر؛ مخالفةً لليهود، وقد استحبَّه جمهور العلماء، منهم: الشافعي،\n_________\n(^١) انظر: «شرح مسلم» (٨/ ١١ - ١٢)، «الفتح» (٢٠٠٧)، «تفسير القرطبي» (١/ ٣٩١).","vol":"4","page":447},{"text":"وأحمد، وإسحاق، رحمة الله عليهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1997>مسألة [٥]: هل يصام العاشر والحادي عشر</span>؟\nأخرج أحمد في «مسنده» (١/ ٢٤١)، من طريق: ابن أبي ليلى، عن داود بن علي، عن أبيه، عن جده ابن عباس -﵄-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يومًا، أو بعده يومًا».\nوهو حديث ضعيف؛ في إسناده: محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ، وفيه: داود بن علي، وفيه ضعف أيضًا.\nوقد استحب الحنفية، والشافعية صوم الحادي عشر؛ إن لم يصم التاسع، بل نص الشافعي، وبعض المالكية على استحباب صوم الثلاثة الأيام.\nقال أبو عبدالله غفر الله له: فعلى ضعف الحديث؛ فالمستحب هو صيام التاسع والعاشر، ويؤيده أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما أُخبِر بصيام اليهود له، قال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، ولم يقل: سنصوم غدًا مخالفة لليهود.\nولكن إذا اشتبه عليه أول الشهر؛ فلا بأس أن يصوم ثلاثة أيام، كما قال أحمد -﵀-، ونقله عن ابن سيرين. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «شرح مسلم» (٨/ ١٢ - ١٣)، «توضيح الأحكام» (٣/ ٢٠١)، «المغني» (٤/ ٤٤١)، «المجموع» (٦/ ٣٨٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٤٤١)، «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٤١٦)، «الموسوعة الفقهية» (٢٨/ ٩٠)، «مواهب الجليل» (٣/ ٣١٤).","vol":"4","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1998>مسألة [٦]: هل كان صوم عاشوراء فرضًا، أم مُستحبًّا فقط</span>؟\n• فيه قولان:\nالقول الأول: أنه كان مستحبًّا فقط، وهو قول الجمهور، واستدلوا بحديث معاوية بن أبي سفيان في «الصحيحين» (^١)، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «إنَّ هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر».\nالقول الثاني: أنه كان فرضًا، ثم نسخ وصار مُستحبًّا عند أن افترض صوم رمضان، وهو قول أحمد والحنفية، ووجهٌ عند الشافعية، وترجيح جماعةٍ من المحققين كابن حزمٍ، والشوكاني وقبله الحافظ ابن حجر، وغيرهم.\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\n١) حديث عائشة -﵂-، قالت: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرض شهر رمضان قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه». (^٢)\n٢) حديث أبي موسى -﵁-، في «الصحيحين» (^٣) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «صوموه أنتم».\n٣) حديث سلمة بن الأكوع، والربيع بنت معوذ -﵄-، في «الصحيحين» أنَّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٠٠٣)، ومسلم برقم (١١٢٩).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٨٩٣)، ومسلم برقم (١١٢٥).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٢٠٠٥)، ومسلم برقم (١١٣١).","vol":"4","page":449},{"text":"النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من كان أكل؛ فليتم بقية يومه، ومن كان لم يأكل؛ فليتم صومه».\nوأما حديث معاوية بن أبي سفيان -﵁-: «ولم يكتب الله عليكم صيامه»، فقال ابن قدامة: -﵀-: هو محمولٌ على أنه أراد ليس هو مكتوبًا عليكم الآن، ويؤيده أن معاوية أسلم متأخرًا. اهـ\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: وَيُؤْخَذ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيث أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا؛ لِثُبُوتِ الْأَمْر بِصَوْمِهِ، ثُمَّ تَأَكَّدَ الْأَمْر بِذَلِكَ، ثُمَّ زِيَادَة التَّأْكِيد بِالنِّدَاءِ الْعَامّ، ثُمَّ زِيَادَته بِأَمْرِ مَنْ أَكَلَ بِالْإِمْسَاكِ، ثُمَّ زِيَادَته بِأَمْرِ الْأُمَّهَاتِ أَنْ لَا يُرْضِعْنَ فِيهِ الْأَطْفَال، وَبِقَوْلِ اِبْن مَسْعُود الثَّابِت فِي «مُسْلِم» (^١): (لَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ عَاشُورَاءُ) مَعَ الْعِلْم بِأَنَّهُ مَا تُرِكَ اِسْتِحْبَابُهُ، بَلْ هُوَ بَاقٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَتْرُوك وُجُوبُهُ. اهـ\nوالقول الثاني هو الراجح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1999>مسألة [٧]: الحكمة من الأمر بصوم عاشوراء</span>.\nفي «الصحيحين» (^٣) عن ابن عباس -﵄-، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» فقالوا: هذا يوم عظيم نجَّى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فنحن أحق\n_________\n(^١) انظر: «صحيح مسلم» برقم (١١٢٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٤٤٢)، «الفتح» (٢٠٠٧)، «شرح مسلم» (٨/ ٤).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٢٠٠٤)، ومسلم برقم (١١٣٠).","vol":"4","page":450},{"text":"وأولى بموسى منكم»، فصامه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأمر بصيامه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2000>مسألة [٨]: صوم الإثنين والخميس</span>.\nفي حديث الباب دلالة ظاهرة على استحباب صوم الإثنين، وقد جاء عند الترمذي (٧٤٥)، من حديث عائشة -﵂-، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يتحرَّى صوم الإثنين والخميس.\nوصححه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (١٥٧٠)، وثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال عند أن سئل عن سبب صيامه لهما: «ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأُحب أن يعرض عملي وأنا صائم» أخرجه أحمد (٥/ ٢٠١)، واللفظ له، وأبو داود (٢٤٣٦)، والنسائي (١/ ٣٢٢)، وابن خزيمة (٢١١٩) من طُرِقٍ عن أسامة بن زيد -﵁-.\nوأخرجه الترمذي (٧٤٧)، من حديث أبي هريرة -﵁-، وفي جميع طرقه ضعف، ولكن بمجموعها يرتقي الحديث إلى الصحة، وقد صححه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٩٤٨) (٩٤٩).\nفهذا يدل على استحباب صوم هذين اليومين، وممن ثبت عنه تحري صومهما من الصحابة -﵃-: علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٤٢)، وعلى ذلك عامة الفقهاء، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «شرح مسلم» (٨/ ٩).\n(^٢) «المجموع» (٦/ ٣٨٦)، «الموسوعة الفقهية» (٢٨/ ٩٤)، «حاشية الدسوقي» (١/ ٥١٧)، «بدائع الصنائع» (٢/ ٧٩).","vol":"4","page":451},{"text":"٦٦٣ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2001>مسألة [١]: صيامُ سِت من شوال</span>.\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى الاستحباب، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وهو الصحيح؛ لدلالة حديث أبي أيوب على ذلك.\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى كراهة صومها.\nقال مالك -﵀-: إنه ما رأى أحدًا من أهل العلم يصومها.\nوقالوا أيضًا: لئلا يظن وجوبها.\nوما ذكره مالك -﵀- ليس بحجة في ترك الحديث والعمل به، وقد اعتذر له ابن عبد البر بأنه لم يبلغه الحديث.\nوأما تعليلهم فهو معارض بالنص ولم يعتبره الشارع؛ فهو تعليل فاسد. (^٢)\nفائدة: قال الصنعاني -﵀-: وإنما شبهها بصيام الدهر؛ لأنَّ الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، وست من شوال بشهرين. اهـ (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١١٦٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٤٣٨)، «المجموع» (٦/ ٣٧٩)، «سبل السلام» (٤/ ١٥٧ -).\n(^٣) «السبل» (٤/ ١٥٧).","vol":"4","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2002>مسألة [٢]: هل يشترط في الست من شوال أن تكون متتابعة</span>؟\nلا يُشترط في هذه الست أن تكون متتابعة، ولا أن تكون في أول الشهر، بل من صامها متفرقة، أو أخَّرها فقد صدق عليه أنه صام ستًّا من شوال.\nوبهذا صرَّح الشافعية، والحنابلة، وغيرهم، وأفتى به الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهم أجمعين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2003>مسألة [٣]: هل يلزم أن تكون الست من شوال بعد قضاء رمضان</span>؟\nأفتى الإمام ابن باز -﵀-، والإمام ابن عثيمين -﵀- أنها لا تجزئ؛ إلا أن يصومها بعد قضاء رمضان؛ لقوله في الحديث: «من صام رمضان، ثم أتبعه ...».\nوالظاهر أنَّ من احتاج إلى تقديم السِّت لضيق الوقت، أو لكثرة الواجب عليه، فلا بأس إن شاء الله، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٤٣٨ -)، «شرح المهذب» (٦/ ٣٧٩).\n(^٢) انظر: «الشرح الممتع» (٦/ ٤٦٨)، «فتاوى رمضان» (٢/ ٦٩٨).","vol":"4","page":453},{"text":"٦٦٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ إلَّا بَاعَدَ اللهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ سَبْعِينَ خَرِيفًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2004>مسألة [١]: ما المراد بقوله: «في سبيل الله»</span>؟\n• اختلف في المراد به على قولين:\nالأول: أنَّ المراد به الصوم في الجهاد، وهو قول ابن الجوزي، وابن دقيق العيد، والنووي، والصنعاني.\nالثاني: أنَّ المراد به (في طاعة الله)، فالمراد به: من صام قاصدًا وجه الله، وهو قول القرطبي. لكن القول الأول محمولٌ على من لا يتضرر به، ولا يفوت به حقًّا، ولا يختل به قتاله، ولا غيره من مهمات غزوه.\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر -﵀- أنَّ الحديث أعم من ذلك، فيشمل القولين، ذكره الحافظ احتمالًا، وهو أقرب، والله أعلم.\nوفيه الحث على التطوع لله عزوجل بالصيام وجاء في «الصحيحين» (^٢) عن أبي هريرة -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «الصيام جُنَّةٌ».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٤٠)، ومسلم (١١٥٣).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٠٤)، ومسلم برقم (١١٥١) (١٦٢).","vol":"4","page":454},{"text":"وفي «مسند أحمد» (٤/ ٢٢)، عن عثمان بن أبي العاص أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «الصيام جُنَّة من النار، كجنة أحدكم من القتال»، وصححه الإمام الوادعي في «الجامع الصحيح».\nوفي «الصحيحين» (^١) عن سهل بن سعد الساعدي -﵁- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ في الجنة بابًا يقال له الرَّيَّان يدخل منه الصائمون، لا يدخل منه أحدٌ غيرهم يقال: أين الصائمون؟ فيقومون فيدخلون، فإذا دخلوا أُغلق، فلم يدخل منه أحدٌ».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٨٩٦)، ومسلم برقم (١١٥٢).","vol":"4","page":455},{"text":"٦٦٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ. وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْته فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2005>مسألة [١]: الصوم في شعبان</span>.\nفي حديث عائشة المتقدم دلالة على استحباب الإكثار من الصوم في شعبان، ولم يصح حديث في الحكمة من الإكثار في شعبان دون غيره، فيحتمل أن تكون الحكمة في ذلك تعظيمًا لشهر رمضان وصومه، وجعل الصيام فيه كالراتبة قبل الفريضة في الصلاة؛ ولعل من الحكمة في ذلك التمرن والاستعداد لصيام رمضان، فلا يأتي والنفس لم تَعْتَد الصيام.\nوقال بعضهم: الحكمة أنَّ شهر شعبان يغفل عنه الناس؛ لوقوعه بين شهرين عظيمين رجب، ورمضان.\nوجاء في هذا القول حديث عن أسامة بن زيد -﵄- عند أحمد (٢١٧٥٣)، والنسائي (٢٣٥٧)، وغيرهما، وفي إسناده ثابت بن قيس، أبو الغصن، وهو صدوق يهم، وأورده ابن عدي في ترجمته من الكامل، فكانت إشارة منه -﵀- إلى أن هذا الحديث مما أنكر عليه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦) (١٧٥).","vol":"4","page":456},{"text":"قال الصنعاني -﵀-: ويُحتمل أن يصومه لهذه الحِكَمِ كلِّها. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2006>مسألة [٢]: الصيام في شهر المحرم</span>.\nيُستحب الصيام في شهر محرم؛ لما رواه مسلم في «صحيحه» (١١٦٣)، عن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل».\nوقد استُشْكِلَ ذلك مع كون النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما أكثر الصوم في شعبان، ولم يكثره في المحرَّم، وقد أجاب النووي عن ذلك باحتمال أن يكون ما علم بذلك إلا في آخر عمره.\nقال -﵀-: ولعله كانت تعرض فيه أعذار تمنعه من إكثار الصوم فيه، كسفر، ومرض، وغيرهما. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2007>مسألة [٣]: حكم صيام شهر رجب</span>.\nثبت عن ابن عمر -﵄- كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ١٠٢) أنه كان يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجفان، ويقول: كلوا؛ فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية.\nوإسناده صحيح.\nوعنده من طريق أخرى عنه صحيحة أنه كان إذا رأى الناس وما يعدون لرجب كره ذلك.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٨٧)، «الفتح» (٤/ ٢٥٣).","vol":"4","page":457},{"text":"وفي «مصنف عبد الرزاق» (٤/ ٢٩٢) بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عباس -﵄-، أنه كان ينهى عن صيام رجب كله؛ لئلا يتخذ عيدًا.\nوقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٩١): وأما صوم رجب بخصوصه؛ فأحاديثه كلها ضعيفة بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات، وأكثر ما روي في ذلك: أن النبي - ﷺ - كان إذا دخل رجب يقول: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان» (^١) اهـ.\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه البزار (٦٤٩٦)، والطبراني في «الدعاء» (٩١١)، وفي «الأوسط» (٣٩٣٩)، وأبونعيم في «الحلية» (٦/ ٢٦٩)، وابن بشران في «الأمالي» (١٥١٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٥٤٣)، وفي «الدعوات الكبير» (٥٢٩) من طرق عن زائدة بن أبي الرقاد، حدثنا زياد النميري عن أنس -﵁- به. وهذا إسنادٌ واهٍ؛ زائدة بن أبي الرقاد، وزياد النميري كلاهما شديد الضعف.","vol":"4","page":458},{"text":"٦٦٦ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁-، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَنْ نَصُومَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ. رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n_________\n(^١) حسن بشواهده. أخرجه النسائي (٤/ ٢٢٢)، والترمذي (٧٦١)، وابن حبان (٣٦٥٥)، كلهم من طريق يحيى بن سام، عن موسى بن طلحة، عن أبي ذر به.\nويحيى بن سام، قال أبوداود: بلغني أنه لا بأس به. قال الآجري: وكأنه لم يرضه.\nوقد جاء في بعض الطرق زيادة: (يزيد بن الحوتكية) بين موسى بن طلحة وأبي ذر، ولا يضر ذلك فقد صرح موسى بن طلحة بالسماع من أبي ذر كما في «سنن النسائي والترمذي»، وكما في «مسند الطيالسي» (٤٧٧) وصحيح ابن خزيمة (٢١٢٨) وعلى هذا فيكون موسى بن طلحة قد سمعه من أبي ذر مباشرة وبواسطة يزيد بن الحوتكية، وقد جزم بذلك ابن خزيمة.\nوقد وجد في حديث موسى بن طلحة اختلاف كما ذكر ذلك الدارقطني في «العلل» (٢/ ٢٢٦ - ٢٣٠) فرواه يحيى بن سام كما تقدم، ورواه بعضهم عن موسى بن طلحة بزيادة يزيد ابن الحوتكية، ورواه بعضهم عنه وجعله من مسند عمر بزيادة (يزيد بن الحوتكية)، ورواه عبدالملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة. وهذا الاختلاف لا ينزل الحديث عن درجة قبوله في الشواهد والمتابعات إن شاء الله.\nوله شاهد من حديث قتادة بن ملحان، أخرجه أبوداود (٢٤٤٩)، والنسائي (٢٤٣٢)، من طريق عبدالملك بن قتادة عن أبيه به. وعبدالملك بن قتادة مجهول، وقد اختلف في اسم أبيه.\nوله شاهد من حديث جرير بن عبدالله -﵁-، أخرجه النسائي (٢٤٢٠)، وابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧) من طريق أبي إسحاق السبيعي عن جرير بن عبدالله به. وقد اختلف فيه فرواه زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق مرفوعًا، ورواه المغيرة بن مسلم عن أبي إسحاق موقوفًا. قال أبوزرعة: حديث أبي إسحاق عن جرير مرفوع أصح من موقوف، ولأن زيد بن أبي أنيسة أحفظ من مغيرة بن مسلم.\nقلتُ: فالحديث بمجموع هذه الطرق يرتقي إلى الحجية، والله أعلم.","vol":"4","page":459},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2008>مسألة [١]: صيام ثلاثة أيام من كل شهر</span>.\nيُستحبُّ صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لما جاء في «الصحيحين» عن أبي هريرة -﵁-.\nورواه مسلم عن أبي الدراداء -﵁-، أنهما قالا: «أوصانا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بثلاثٍ: «بركعتي الضُّحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأنْ لا أنام حتى أُوتِرَ». (^١)\nوصحَّ عند أحمد (٢/ ٢٦)، من حديث أبي هريرة -﵁-، أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «صوم شهر الصَّبر، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر»، وأخرج أحمد أيضًا (٥/ ٣٤) نحوه من حديث قُرَّة بن إياس، وصحح كليهما شيخُنا الإمام مقبل الوادعي -﵀- في «الجامع الصحيح» (٢/ ٤٣٩).\nويدخل في فضيلة الأحاديث المتقدمة من صام من أول الشهر، أو وسطه، أو آخره، ويدل على ذلك ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (١١٦٠)، عن عائشة -﵂-، قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، لا يبالي من أي أيام الشهر صام».\nولكن الأفضل والأولى أن تكون في أيام البيض؛ لحديث أبي ذرٍّ، وشواهده المتقدمة.\n_________\n(^١) انظر: «البخاري» رقم (١١٧٨)، ومسلم رقم (٧٢١) (٧٢٢).","vol":"4","page":460},{"text":"قال الصنعاني -﵀-: ولا معارضة بين هذه الأحاديث؛ فإنها كلها دالة على ندبية صوم كل ما ورد، وكل من الرواة حكى ما اطَّلع عليه؛ إلا أنَّ ما أمر به وحثَّ عليه، ووصى به أولى وأفضل، وأما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، وقد عيَّن الشارع أيام البيض. اهـ\nوقول الصنعاني -﵀-: (وقد عيَّن الشارع أيام البيض) يعني أنها الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وهذا هو الصحيح في تعيينها، وبه قطع الجمهور، وهناك وجهٌ عند الشافعية أنها الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر.\nقال النووي -﵀-: وهذا شاذٌّ ضعيفٌ، يرُدُّه الحديث السابق في تفسيرها، وقول أهل اللغة. اهـ\nفائدة: سبب تسميتها أيام البيض، قال ابن قتيبة، والجمهور: لأنها تبيض بطلوع القمر من أولها إلى آخرها، وقيل غير ذلك. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «السبل» (٤/ ١٦٢ - ١٦٣)، «المجموع» (٦/ ٣٨٥).","vol":"4","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2009>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2010>مسألة [١]: صيام يوم وإفطار يوم</span>.\nأجمع العلماء على استحباب صيام يوم، وإفطار يوم؛ لما جاء في «الصحيحين» (^١) عن عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أحَبُّ الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويُفطِر يومًا»، وفي رواية: «لا صيام أفضل من صيام داود».\n• واختلفوا: هل هو أفضل من صيام الدهر، أم أنَّ صوم الدهر أفضل؟ والصواب الأول؛ لدلالة الحديث عليه، وسيأتي إن شاء الله حكم صوم الدهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2011>مسألة [٢]: صيام التسعة الأيام من ذي الحجة</span>.\nومن الأيام التي يُستحبُّ صيامها: أيام العشر من ذي الحجة، إلا يوم العيد فَيَحرُم؛ لحديث ابن عباس -﵄- في «البخاري» (٩٦٩): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ما العمل في أيامٍ أفضل من العمل في هذه» يعني أيام العشر قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجلٌ خرج يخاطر بماله ونفسه، فلم يرجع من ذلك بشيء».\nقال الحافظ -﵀-: وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ صِيَامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِانْدِرَاجِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩).","vol":"4","page":462},{"text":"الصَّوْمِ فِي الْعَمَلِ، وَاسْتُشْكِلَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ.\nقلتُ: ويُشكل على ذلك ما أخرجه مسلم (١١٧٦)، من حديث عائشة -﵂-، قالت: «ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صائمًا في العشر قطُّ».\nلكن قال النووي -﵀-: يتأول قولها: «لم يصم العشر» أنه لم يصمه لعارضِ مرضٍ، أو سفرٍ، أو غيرهما، أو أنها لم ترَه صائمًا فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر. اهـ\nقال الحافظ -﵀-: وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ، كَمَا فِي «الصَّحِيحَينِ» مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٩٦٩)، «شرح مسلم» (٨/ ٧١ - ٧٢).","vol":"4","page":463},{"text":"٦٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^١)، زَادَ أَبُودَاوُد: «غَيْرَ رَمَضَانَ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2012>مسألة [١]: صوم المرأة تطوعًا</span>.\n• ذهب الجمهور إلى تحريم الصوم عليها بغير إذن زوجها غير الفريضة؛ لحديث أبي هريرة -﵁-، المتقدم.\nقال النووي -﵀- في «المجموع»: وقال بعض أصحابنا: يُكره. والصحيح الأول -يعني التحريم-.اهـ\nقلتُ: وما صححه النووي هو الصحيح؛ لدلالة الحديث عليه، وهو الذي جزم به الصنعاني في «السبل». (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2013>مسألة [٢]: فإذا صامت، هل يصح صومها</span>؟\nقال النووي -﵀-: فإن صامت بغير إذن زوجها صحَّ باتِّفاق أصحابنا، وإن كان الصوم حرامًا؛ لأنَّ التحريم لمعنى آخر، لا لمعنى يعود إلى نفس الصوم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٩٥)، ومسلم (١٠٢٦).\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٢٤٥٨).\n(^٣) انظر: «الفتح» (٥١٩٥)، «السبل» (٤/ ١٦٤)، «المجموع» (٦/ ٣٩٢).","vol":"4","page":464},{"text":"قال: وأما عن ثواب صيامها، فقال العمراني: أمرُ قبولِهِ إلى الله، ومقتضى المذهب عدم الثواب. وما قاله العمراني (^١) أولى، والله أعلم. اهـ\nقلتُ: وما اختاره العِمراني، ثم النووي هو المختار عندي، وبالله التوفيق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2014>مسألة [٣]: هل يجوز لها أن تصوم إذا كان مسافرًا</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: لَوْ كَانَ مُسَافِرًا فَمَفْهُوم الْحَدِيث فِي تَقْيِيده بِالشَّاهِدِ يَقْتَضِي جَوَاز التَّطَوُّع لَهَا إِذَا كَانَ زَوْجهَا مُسَافِرًا، فَلَوْ صَامَتْ وَقَدِمَ فِي أَثْنَاء الصِّيَام فَلَهُ إِفْسَاد صَوْمهَا ذَلِكَ مِنْ غَيْر كَرَاهَة، وَفِي مَعْنَى الْغَيْبَة أَنْ يَكُون مَرِيضًا بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع الْجمَاع. اهـ. (^٣)\nتنبيه: يلتحق بصوم رمضان في كون المرأة لا يجب عليها استئذان زوجها صوم الفرض من نذرٍ، أو قضاءٍ إذا ضاق الوقت. (^٤)\n_________\n(^١) العِمراني: هو يحيى بن سالم اليماني، من أئمة الشافعية، وهو صاحب كتاب «البيان في مذهب الشافعي»، توفي عام (٥٥٨)، و(العِمراني) نسبة إلى أحد أجداده، كان اسمه (عِمران).\nانظر ترجمته في مقدمة «البيان» (١/ ١٢٠ -).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٥١٩٥)، «المجموع» (٦/ ٣٩٢).\n(^٣) انظر: «الفتح» (٥١٩٥)، «المجموع» (٦/ ٣٩٢).\n(^٤) «الفتح» (٥١٩٥).","vol":"4","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2015>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2016>مسألة [١]: هل يجوز للمتطوع أن يفطر إذا شاء</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: جواز الفطر، وهو قول جمهور العلماء، وصحَّ عن عُمَر، وعلي، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس -﵃-، وجاء عن غيرهم من الصحابة كما في «المحلى» (٧٧٣)، و«مصنف عبدالرزاق» (٤/ ٢٧١ - ٢٧٢)، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، والشافعي.\nواستدلوا بما يلي:\n١) حديث عائشة -﵂-، في «صحيح مسلم» (١١٥٤)، قالت: أتانا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يومًا، فقلنا: أُهدي لنا حيس، فقال: «أرِنِيه، فلقد أصبحت صائمًا»، فأكل.\n٢) حديث أبي جحيفة -﵁-، في «البخاري» (١٩٦٨): أنَّ سلمان زار أبا الدرداء، ثم أفطر أبو الدرداء، فأكل مع سلمان.\n٣) حديث أبي هريرة -﵁-، عند أحمد (٢/ ٣٣٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٥)، والنسائي (٤/ ١٧٧)، وغيرهم، قال: أُتِيَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بطعامٍ وهو بِمَرِّ الظَّهران، فقال لأبي بكر وعمر: «ادنوا فكلا»، قالا: إنا صائمان، فقال","vol":"4","page":466},{"text":"رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ارحلوا لصاحبيكم، اعملوا لصاحبيكم، ادنوا فَكُلا»، وقد أعله النسائي بالإرسال كما في «الكبرى» (٢٥٧٢ - ٢٥٧٥)، ورجح أنه من مراسيل أبي سلمة.\nالثاني: أنه يلزمه الإتمام، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، ولكن قَيَّدَه مالك بما إذا كان لغير عذر.\nواستدلوا على ذلك:\n١) بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣].\n١) بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للأعرابي: «وصيام رمضان»، قال: هل عليَّ غيره؟ قال: «لا إلا أن تطوَّع»، فقالوا: الاستثناء مُتَّصِلٌ، والمعنى: إلا أن تتطوع فيلزمك صومه.\nوالراجح هو القول الأول.\nوأمَّا عن أدلة القول الثاني:\n١) الآية: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ المراد بها: لا تبطلوا أعمالكم بالشرك، قال ابن عبد البر -﵀-: من احتج بهذه الآية؛ فهو جاهلٌ بأقوال أهل العلم؛ فإنَّ الأكثر على أنَّ المراد بذلك النهي عن الرياء، كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء، بل أَخْلِصُوهَا لله، وقال آخرون: لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم يفرضه الله عليه، ولا","vol":"4","page":467},{"text":"أوجب على نفسه بنذر أو غيره؛ لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك. اهـ\n١) الحديث: «إلا أن تطوَّع» الصحيح أنَّ الاستثناء منقطعٌ، والمعنى: لكن لك أن تتطوع؛ جمعًا بين الأحاديث، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2017>مسألة [٢]: هل يجوز لمن يصوم قضاء رمضان أن يفطر</span>؟\nتقدم أن الحنفية والمالكية منعوا الإفطار في التطوع؛ ففي القضاء من باب أولى، ووافقهم الشافعية والحنابلة ههنا في الأصح من مذهبهم؛ لأنه صوم واجب.\nوذهب جماعة من الشافعية إلى الجواز؛ لأنه لم يتعين عليه في القضاء ذلك اليوم، ووقت القضاء موسع.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إن لم يوجد سبب، أو عذر فلا يخلو من كراهة، وأما إذا وجد عذر؛ فهو جائز؛ لأن وقت القضاء موسع، فإن ضاق وقت القضاء لم يجز أن يفطر. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2018>مسألة [٣]: من صام تطوعًا، فأفطر، فهل عليه قضاؤه</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى استحباب قضائه بيوم آخر، وقد روى عبد الرزاق (٤/ ٢٧١)، بإسناد صحيح عن ابن عباس -﵄-، أنه ضرب لذلك مثلًا كمن ذهب بمالٍ ليتصدق به، ثم رجع ولم يتصدق به، أو تصدق ببعضه، وأمسك بعضه.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٩٤) «المحلَّى» (٧٧٣) «الفتح» (١٩٦٨)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ٢٩).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٩٤) «شرح الوجيز» (٦/ ٤٦٥) «شرح منتهى الإرادات» (١٩٦٨).","vol":"4","page":468},{"text":"• وذهب أبو حنيفة إلى وجوب القضاء عليه، سواء كان لعذرٍ، أو لغير عُذرٍ.\n• وذهب مالك إلى وجوب القضاء إذا كان لغير عذر.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لعدم وجود دليل يوجب عليه القضاء، وإنما قالوا باستحباب القضاء؛ لأنه من أعمال البر. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٦٨) «المجموع» (٦/ ٣٩٦).","vol":"4","page":469},{"text":"٦٦٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2019>مسألة [١]: حكم صيام يوم العيدين لتطوع، أو فرض</span>.\nأجمع العلماء على تحريم صومهما كما نقله غير واحد، كابن المنذر، والنووي، والحافظ ابن حجر وغيرهم.\nوَمُسْتَنَدُ الإجماع حديث الباب، وقد أخرجه الشيخان عن أبي هريرة، وعمر أيضًا، وانفرد به مسلم عن عائشة -﵃- (^٢). (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2020>مسألة [٢]: هل يصح الصوم إذا صام يوم العيد</span>؟\n• ذهب عامَّةُ العلماء إلى أنَّ صومه فاسدٌ لا يصح؛ لكون النهي راجعٌ إلى ذات الصوم.\n• وخالف أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، فقالا: يصح مع الإثم.\nوالراجح قول الجمهور، ورجَّحه الشوكاني، والصنعاني. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٩١)، ومسلم (١٤١) من [كتاب الصيام].\n(^٢) انظر: «البخاري» رقم (١٩٩٠) (١٩٩٣)، ومسلم (١١٣٧) (١١٣٨) (١١٤٠).\n(^٣) انظر: «الإجماع» لابن المنذر (١٥٤)، «المجموع» (٦/ ٤٤٠)، «الفتح» (١٩٩٠)، «التمهيد» (٧/ ٢٧٧).\n(^٤) انظر: «الفتح» (١٩٩٠)، «المفهم» (٣/ ١٩٧)، «النيل» (١٧٥١)، «السبل» (٤/ ١٦٤).","vol":"4","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2021>مسألة [٣]: إذا نذر أن يصوم يومًا، فوافق يوم العيد</span>؟\nنقل النووي، وابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز له صوم يوم العيد.\n• واختلفوا: هل عليه قضاء ذلك اليوم أم لا على ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه لا يلزمه قضاؤه، وهو أحد قولي الشافعي ووجهٌ عند مالك، وهو قول زُفر وجماعةٍ ورجَّحه ابن عبد البر، وهو الراجح إن شاء الله؛ لعدم وجود دليل يدل على وجوب القضاء.\nالثاني: أنه يلزمه القضاء، وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، وآخِرُ قولي الشافعي.\nالثالث: أنه يقضيه؛ إلا أن ينوي أن لا يقضيه، وهو قول الأوزاعي، ووجهٌ عند مالك. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «نيل الأوطار» (١٧٥١)، «الاستذكار» (١٠/ ١٤٣)، «الفتح» (١٩٩٠).","vol":"4","page":471},{"text":"٦٦٩ - وَعَنْ نُبَيْشَةَ الهُذَلِيِّ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ ﷿». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٦٧٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ،\n\n٦٧١ - وَابْنِ عُمَرَ -﵃-، قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2022>مسألة [١]: أيام التشريق</span>.\nهي الأيام التي بعد يوم النحر، وقد اختلف في كونها يومين، أو ثلاثة، والراجح أنها ثلاثة، ويدل على ذلك حديث عائشة وابن عمر.\nقال الحافظ -﵀-: وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَةٌ غَيْر يَوْم عِيد الْأَضْحَى؛ لِأَنَّ يَوْم الْعِيد لَا يُصَامُ بِالِاتِّفَاقِ، وَصِيَام أَيَّام التَّشْرِيق هِيَ الْمُخْتَلَفُ فِي جَوَازِهَا، وَالْمُسْتَدِلّ بِالْجوَازِ أَخَذَهُ مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ. وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\nقلتُ: يريد قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦].\nقال: وَسَبَبُ تَسْمِيَتِهَا أَيَّامَ التَّشْرِيْقِ؛ لَأنَّ لُحُومَ الْأَضَاحِي تُشَرَّق فَيْهِ، أَي: تَنْشَرُ فِي الشَّمْسِ، وَقِيْلَ غَيْرَ ذلِكَ. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١١٤١).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٩٩٧) (١٩٩٨).","vol":"4","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2023>مسألة [٢]: حكم صيام أيام التشريق</span>.\n• فيه ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: الجواز مُطلَقًا، حكاه ابن المنذر -﵀- عن الزبير بن العوام، وأبي طلحة، وقال القرطبي في «المفهم»: وقال بجوازها بعض السلف وكأنهم لم يبلغهم النهي عن صيامها.\nالقول الثاني: المنع مطلقًا، ذكره ابن المنذر -﵀- عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو قول الشافعي في الجديد وعليه أكثر أصحابه، وهو قول أبي حنيفة، ورجَّحه ابن حزمٍ، وابن المنذر، وقال به من التابعين: الحسن، وعطاء، وعبيد بن عمير.\nواستدلوا:\n١) بحديث نبيشة الذي في الباب، وقد جاء معناه من حديث كعب بن مالك عند مسلم (١١٤٢)، ومن حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (١٧١٩) بإسناد حسن، ومن حديث بشر بن سحيم عند النسائي (٨/ ١٠٤)، وابن ماجه (١٧٢٠) بإسناد صحيح، ومن حديث عقبة بن عامر، وثلاثتها في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين».\n٢) حديث عمرو بن العاص -﵁-، عن أبي داود (٢٤١٨)، قال: هذه الأيام التي كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يأمرنا بإفطارها، وينهانا عن صيامها يعني أيام التشريق وصححه شيخنا -﵀- في «الجامع الصحيح».","vol":"4","page":473},{"text":"القول الثالث: تحريم صومها إلا للمتمتع إذا لم يجد الهدي، وهو قول ابن عمر، وعائشة -﵃-، وصح عن ابن عباس -﵄-، أنه كان يصومها، وذهب إليه مالك، والشافعي في القديم، وهو مذهب الحنابلة.\nواستدلوا على الجواز للمتمتع بعموم الآية: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]؛ فإنَّ عموم هذه الآية يشمل أيام التشريق؛ لأنها من أيام الحج.\nوقد عارض هذا العمومَ عمومُ الحديث المتقدم: «كان يأمرنا بإفطارها، وينهانا عن صيامها»؛ فإنه عامٌّ في الحاج وفي غيره، فوجب ترجيح أحد العمومين، وتخصيص الآخر بالعام الرَّاجح.\nوقد رجَّح الصنعاني -﵀- عموم الحديث، قال: لكونه مقصودًا بالدلالة على أنها ليست محلًّا للصوم، وأنَّ ذاتها باعتبار ما هي مؤهلة له، كأنها منافية للصوم.\nوالذي يظهر لي -والله أعلم- هو ترجيح عموم الآية؛ لحديث ابن عمر، وعائشة -﵃-، الذي في الباب.\nفقولهما: (لم يرخص) يحتمل أنهما أرادا: لم يرخص النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وعلى هذا فلا إشكال، ويحتمل أنهما فهماه من الآية المتقدمة -وهو أقرب- وعلى هذا ففهمهما لذلك من القرائن في ترجيح عموم الآية.\nومما يدل على ذلك أنَّ الصوم إنما يجب على المتمتع عند عدم وجود","vol":"4","page":474},{"text":"الهدي، والهدي إنما يلزمه يوم النحر، فلو أنَّ إنسانًا ظنَّ أنه سيجد هديًا يوم النحر فلم يجد، أو فقد ماله يوم النحر؛ فإنه ليس له سبيل إلا أنْ يصوم أيام التشريق.\nوقد أشار إلى نحو ما ذكرته ابن جرير الطبري في «تفسيره» (٢/ ٢٥٠).\nوعلى هذا: فالصحيح من الأقوال هو القول الثالث، ويخصص عموم الحديث؛ لأنه مرجوح بعموم الآية؛ لأنه راجح، فيكون صيام أيام التشريق محرمًا؛ لدلالة الحديث إلا على المتمتع الذي لم يجد الهدي؛ لعموم الآية، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٩٦)، «نيل الأوطار» (١٧٥٤)، «سبل السلام» (٤/ ١٦٦ -)، «المجموع» (٦/ ٤٤٣)، «المفهم» (٣/ ١٩٩)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٤٠٠ - ٤٠١)، «المحلَّى» (٨٠٢)، «المحلَّى» (٤/ ٩٤).","vol":"4","page":475},{"text":"٦٧٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخْتَصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٦٧٣ - وَعَنْهُ أَيْضًا -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2024>مسألة [١]: حكم إفراد يوم الجمعة بالصوم</span>.\n• فيه ثلاثة أقوال:\nالأول: التحريم، نقله أبو الطيب الطبري عن أحمد، وابن المنذر، وبعض الشافعية، ونقل ابن المنذر، وابن حزم منع صومه عن علي، وأبي هريرة، وسلمان، وأبي ذرٍّ -﵃-.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١١٤٤) (١٤٨). من طريق حسين الجعفي عن زائدة عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة. قال أبوزرعة وأبوحاتم: هذا وهم، إنما هو عن ابن سيرين عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسل، ليس فيه ذكر أبي هريرة. رواه أيوب وهشام وغيرهما كذا مرسل، فقال ابن أبي حاتم: قلت لهما: الوهم ممن هو؟ من زائدة أو من حسين؟ فقالا: ما أخلقه أن يكون الوهم من حسين. اهـ «العلل» (١/ ١٩٨).\nوقد جاء الحديث أيضًا عن أبي الدرداء، لكنه من رواية ابن سيرين عنه، وهي مرسلة. انظر: «أحاديث معلة ظاهرها الصحة» ص (٣٤٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١١٤٤).","vol":"4","page":476},{"text":"قلتُ: صحَّ أثر أبي هريرة، وأبي ذر كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و«مصنف عبدالرزاق».\nوأما أثر علي، وسلمان فلم يثبتا. (^١)\nقال ابن حزم -﵀-: لا نعلم لهم مخالفًا من الصحابة. اهـ\nوهو الذي رجَّحه الصنعاني، والشوكاني، وهو الراجح.\nويدل عليه حديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» المذكور في الباب.\nوحديث جويرية في «البخاري» (١٩٨٦): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دخل يوم الجمعة عليها وهي صائمة، فقال لها: «أصمت أمس؟» قالت: لا، قال: «تصومين غدًا؟» قالت: لا، قال: فأفطري، والأصل في الأمر الوجوب.\nالثاني: الكراهة، وهو قول الجمهور، واستدلوا بالأدلة المتقدمة.\nالثالث: الاستحباب، وهو قول مالك.\nقال الداودي: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه، وهو قول أبي حنيفة أيضًا. (^٢)\n_________\n(^١) أثر علي -﵁- أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٤) بإسنادين، أحدهما فيه: الحارث الأعور، وهو كذاب، والثاني فيه: عمران بن ظبيان، وهو ضعيف، وشيخه حكيم بن سعد مجهول الحال.\nوأثر سلمان -﵁- أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٢٧٩) بإسناد منقطع.\n(^٢) انظر: «الفتح» (١٩٨٦)، «السبل» (٤/ ١٧٠)، «المفهم» (٣/ ٢٠١)، «المحلَّى» (٧٩٥)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٤٤)، «مصنف عبدالرزاق» (٤/ ٢٧٩ -).","vol":"4","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2025>مسألة [٢]: تخصيص أيام معينة بالصوم لم يرد الشرع بتخصيصها</span>.\nلا يشرع للمسلم أن يخصص أيامًا، أو أشهرًا من قبل نفسه يخصها بالصيام، ويعتقد لها فضيلة على غيرها، ولم يأت بالشرع الحض عليها.\nوقد أخرج عبد الرزاق (٤/ ٢٩٢) عن ابن جريج، عن عطاء قال: كان ابن عباس ينهى عن صيام الشهر كاملا، ويقول: ليصمه إلا أياما، وكان ينهى عن إفراد اليوم كلما مر به، وعن صيام الأيام المعلومة، وكان يقول: «لا يصم صياما معلوما».\nوإسناده صحيح، وقد أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٤/ ٢٩٢) من طريق ابن جريج به.","vol":"4","page":478},{"text":"٦٧٤ - وَعَنْهُ أَيْضًا -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا». رَوَاهُ الخَمْسَةُ. وَاسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2026>مسألة [١]: حكم التطوع بالصيام بعد النصف من شعبان</span>.\n• قال الصنعاني -﵀-: واختلف العلماء في ذلك، فذهب كثيرٌ من الشافعية إلى التحريم؛ لهذا النهي.\n• وقيل: إنه يكره إلا قبل رمضان بيومٍ، أو يومين فيحرم.\n• وقيل: لا يكره.\n• وقيل: إنه مندوبٌ. اهـ\nقلتُ: الصحيح أنه مندوبٌ، وهو قول الجمهور؛ لحديث عائشة -﵂-، المتقدم: «وما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أكثر منه صيامًا من شعبان».\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٢)، وأبوداود (٢٣٣٧)، والنسائي في «الكبرى» (٢٩١١)، والترمذي (٧٣٨)، وابن ماجه (١٦٥١).\nكلهم من طريق: العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا به.\nوهذا الحديث قد أنكره الحفاظ على العلاء بن عبدالرحمن، كالإمام أحمد ويحيى بن معين وعبدالرحمن بن مهدي وأبي زرعة والخليلي.\nذكره عنهم ابن رجب في «لطائف المعارف» (ص ٢٦٠)، وذكره الزيلعي عن بعضهم، كما في «نصب الراية» (٢/ ٤٤١).","vol":"4","page":479},{"text":"وحديث أم سلمة عند أبي داود (٢٣٣٦)، وغيره: أنه كان لا يصوم من السنة شهرًا تامًّا إلا شعبان يصله برمضان.\nوالمراد أنه كان يصوم معظمه؛ جمعًا بينه وبين حديث عائشة الذي تقدم.\nوقد جاء في روايةٍ عند مسلم: «كان يصوم شعبان إلا قليلًا».\nوقد نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائزٌ في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول: (صام الشهر كله)، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره.\nقال الترمذي -﵀-: كأن ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «السبل» (٤/ ١٧٢ - ١٧٣)، «توضيح الأحكام» (٣/ ٢١٧)، «لطائف المعارف» (ص ٢٦٠).","vol":"4","page":480},{"text":"٦٧٥ - وَعَنِ الصَّمَّاءِ بِنْتِ بُسْرٍ -﵂-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحَاءَ عِنَبٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهَا». رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ أَبُودَاوُد: هُوَ مَنْسُوخٌ. (^١)\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٣٦٨)، وأبوداود (٢٤٢١)، والنسائي في «الكبرى» (٢٧٦٢) (٢٧٦٣)، والترمذي (٧٤٤)، وابن ماجه (١٧٢٦)، وغيرهم من طرق عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبدالله بن بسر، عن أخته الصماء بنت بسر به.\nوقد أعل الحديث بالاضطراب، فإن ثورًا تارة يرويه كما تقدم، وتارة يرويه عن خالد بن معدان عن عبدالله بن بسر مرفوعًا، وتارة يرويه عن خالد عن عبدالله بن بسر عن أمه.\n\nوجاء أيضًا من رواية خالد بن معدان عن عبدالله بن بسر عن أخته عن عائشة، وجاء من رواية خالد ابن معدان عن عبدالله بن بسر عن أبيه. ولا يصح إعلاله بالاضطراب؛ لأن من شروط المضطرب تكافؤ الطرق، والأمر هنا ليس كذلك، فإن الطريق الأولى راجحة وما سواها مرجوح، فقد رواه عن ثور بالطريق الأولى ثمانية من الرواة، أكثرهم ثقات، وهم: أبوعاصم النبيل، والوليد ابن مسلم، والأوزاعي، وأصبغ بن زيد، والفضل بن موسى، وسفيان بن حبيب، وعبدالملك بن الصباح، وقرة بن عبدالرحمن.\nبينما الطرق الأخرى، طريق منها يرويها ثقة ومتروك، وطريق يرويها صدوق، وطريق يرويها مجهول، وطريق يرويها ضعيف.\nولذلك فقد رجح الدارقطني الرواية الأولى ولم يحكم عليها بالاضطراب، نقله عنه ابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ٧٦٣)، وكلامه في العلل (١٢/ ٢٥٤، رقم ٤٠٦١) ط/طيبة، ت/ خالد المصري، واختاره الإمام الألباني -﵀-، وهو الحق إن شاء الله تعالى.\nوله طريق أخرى بإسناد حسن.\nأخرجها أحمد (٦/ ٣٦٨)، حدثنا الحكم بن نافع قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن الوليد الزبيدي عن لقمان بن عامر عن خالد بن معدان عن عبدالله بن بسر عن أخته الصماء بنت بسر به.\nوهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، إلا لقمان بن عامر، فقد روى عنه تسعة كما في «تهذيب الكمال» ووثقه ابن حبان، وقال أبوحاتم: يكتب حديث، فمثله لا بأس بتحسين حديثه إن شاء الله.\nفلقمان بن عامر يتابع ثور بن يزيد على الطريق الأولى، وللحديث طريق أخرى عند أحمد (٤/ ١٨٩)، من حديث عبدالله بن بسر من وجه آخر بإسناد صحيح. وقد توسع الإمام الألباني في الكلام على الحديث في «الإرواء» (٩٦٠) فأحسن وأجاد -﵀-. وانظر: «تحقيق المسند» (٢٩/ ٢٣٠ - ٢٣٣). والحاصل أن الحديث صحيح إن شاء الله.\nوقد صحح الحديثَ الترمذيُّ، وأبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن السكن، والبيهقي، وابن عبدالبر، والنووي، وغيرهم.\nبينما قال الزهري: هذا حديث حمصي. يشير إلى إعلاله. وقال أبو داود: هو منسوخ. ونقل عن مالك أنه قال: إنه كذب. وقال أحمد: كان يحيى بن سعيد يتقيه. وقال شيخ الإسلام: الحديث شاذ، أو منسوخ.\nونقل ابن الملقن عن النسائي أنه قال: مضطرب. ولم أجد ذلك في «سننه»، إنما قال: ذكر اختلاف الناقلين في حديث عبدالله بن بسر. وهذا ليس بصريح.\nقال النووي في «المجموع» (٦/ ٣٩٢) بعد قول مالك المتقدم: وهذا القول لا يقبل؛ فقد صححه الأئمة. وانظر: «البدر المنير» (٥/ ٧٥٩ -)، «الفروع» (٣/ ١٢٣ - ١٢٤)، «التلخيص» (٢/ ٤١٣ - ٤١٤).","vol":"4","page":481},{"text":"٦٧٦ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَيَوْمَ الأَحَدِ، وَكَانَ يَقُولُ: «إنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهَذَا لَفْظُهُ. (^١)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢٧٧٥)، وابن خزيمة (٢١٦٧)، من طريق عبدالله بن محمد بن عمر بن علي ثنا أبي عن كريب أنه سمع أم سلمة ... به.\nومحمد بن عمر، له ترجمة في «الجرح والتعديل» ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو مستور الحال؛ فالحديث ضعيف بسببه، وقد ضعفه الإمام الألباني -﵀- في «الضعيفة» (١٠٩٩).","vol":"4","page":482},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2027>مسألة [١]: حكم إفراد يوم السبت بالصوم</span>.\n• مذهب الشافعية، والحنابلة كراهة إفراد يوم السبت بالصيام تطوعًا؛ لحديث الصَّمَّاء المتقدم، ورجَّح ذلك الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي، ومال إلى كراهته ابن القيم.\nقال الترمذي -﵀-: ومعنى النهي أن يختصه الرجل بالصيام؛ لأنَّ اليهود يعظمونه. اهـ\nوقال ابن خزيمة -﵀-: باب النهي عن صوم يوم السبت تطوعًا إذا أُفرد بالصوم، قال: وأحسب أنَّ النهي عن صيامه؛ إذ اليهود تعظمه، وقد اتخذته عيدًا بدل الجمعة. اهـ\nوقال البيهقي -﵀- (٤/ ٣٠٣): وكأنه أراد بالنهي تخصيصه بالصوم على طريق التعظيم. اهـ\nوقال ابن حبان -﵀-: باب الزجر عن إفراد يوم السبت بالصوم. اهـ\nقال ابن مفلح -﵀- في «الفروع»: واختار شيخنا -يعني شيخ الإسلام- أنه لا يكره، وأنه قول أكثر العلماء، وأنه الذي فهمه الأثرم من روايته، وأنه لو أُريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليُسْتَثْنَى، فالحديث شاذٌّ، أو منسوخٌ، وأنَّ هذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه كالأثرم، وأبي داود. اهـ","vol":"4","page":483},{"text":"قلتُ: وقد استدل القائلون بعدم الكراهة بحديث أم سلمة -﵂-، المذكور في الكتاب، وهو ضعيفٌ كما تقدم.\nواستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁-، في «الصحيحين» «لا تصوموا يوم الجمعة؛ إلا أن يصوم أحدكم يومًا قبله، أو يومًا بعده». (^١)\nوبحديث جويرية -﵂- في «البخاري» (١٩٨٦): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال: «هل تصومين غدًا؟» قالت: لا. قال: «فأفطري».\nوقد أُجِيب عن هذه الأحاديث: بأنها ليست واردة بإفراد السبت، إنما بصيامه مع الجمعة.\nقال النووي -﵀-: وأما الأحاديث الباقية التي ذكرناها في صيام السبت، فكلها واردة في صيام السبت مع الجمعة والأحد، فلا مخالفة لما قاله أصحابنا من كراهة إفراد يوم السبت. اهـ\nقلتُ: وقد تقدم كلام الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي بأنَّ المراد بالنهي إفراده، وتخصيصه بالصوم تعظيمًا، وهو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٦٧٣).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٩٢) ط/مكتبة الإرشاد، «الإنصاف» (٣/ ٣١٣ - ٣١٤)، «زاد المعاد» (٢/ ٧٩)، «الفروع» (٣/ ١٢٣).","vol":"4","page":484},{"text":"٦٧٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ العُقَيْلِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2028>مسألة [١]: صيام يوم عرفة بعرفة</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: التحريم، وهو قول يحيى بن سعيد الأنصاري، ورجَّحه الصنعاني، واستدلوا بحديث الباب، وقد تقدم أنه ضعيفٌ.\nالقول الثاني: استحباب فطره، وهو قول الجمهور، واستدلوا بحديث ميمونة بنت الحارث، وأم الفضل بنت الحارث -﵄-، وكلاهما في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- شرب من لبن يوم عرفة بعرفة.\nالقول الثالث: استحباب صومه، وقد كان ابن الزبير، وعائشة -﵃- يصومانه (^٢)، وكان ذلك يعجب الحسن، ويحكيه عن عثمان، ونقله ابن المنذر\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٤)، وأبوداود (٢٤٤٠)، والنسائي في «الكبرى» (٢/ ١٥٥)، وابن ماجه (١٧٣٢)، وابن خزيمة (٢١٠١)، والحاكم (١/ ٤٣٤)، من طريق مهدي العبدي الهجري عن عكرمة عن أبي هريرة به.\nومهدي مجهول الحال. قال العقيلي: لا يتابع عليه، وقد روي عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأسانيد جياد أنه لم يصم يوم عرفة بها ولا يصح عنه النهي عن صيامه. اهـ\n(^٢) أخرجه عنهما ابن أبي شيبة (٤/ ١/١٩١) بإسناد صحيح، وانظر «المحلى» لابن حزم رقم (٩٧٣).","vol":"4","page":485},{"text":"عن إسحاق بن راهويه، وهو القول القديم للشافعي، وحكاه الخطابي عن أحمد، واختاره الآجري.\nوقيد بعض هؤلاء الاستحباب بما إذا لم يضعفه عن الوقوف والدعاء، واستدلوا بعموم حديث: «يكفر السنة الماضية والباقية»، وهو قول الظاهرية.\nوأما حديث ميمونة، وأم الفضل:\nفقد قال الحافظ ابن حجر -﵀-: واستدل بهذين الحديثين على استحباب الفطر يوم عرفة بعرفة، وفيه نظر؛ لأنَّ فعله المجرد لا يدل على نفي الاستحباب؛ إذ قد يترك الشيء المستحب لبيان الجواز، ويكون في حقه أفضل لمصلحة التبليغ. اهـ\nقال أبو عبدالله غفر الله له: لاشك أنَّ المفطر أقوى على العبادة، والذكر، والدعاء من الصائم، فالذي نستحبه هو الإفطار، وهو فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وغالبًا أنَّ الصائم تناله المشقة في ذلك اليوم؛ لأنه يحتاج إلى أن ينتقل من منى إلى عرفات، وهو يلبي؛ فالفطر هو الأفضل، وبالله التوفيق. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٨٨)، «المجموع» (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠) ط/مكتبة الإرشاد، «الإنصاف» (٣/ ٣١٠)، «المحلَّى» (٧٩٣).","vol":"4","page":486},{"text":"٦٧٨ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٦٧٩ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بِلَفْظِ: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2029>مسألة [١]: حكم صيام الدهر</span>.\n• في هذه المسألة أقوال:\nالقول الأول: أنه يكره صيام الدهر، وهو مذهب إسحاق، وأهل الظاهر، وهو رواية عن أحمد، ورجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم.\nواستدلوا بما يلي:\n١) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا صام من صام الأبد»، وقوله: «لا صام ولا أفطر». قال ابن العربي -﵀-: قوله «لا صام من صام الأبد» إن كان معناه الدعاء فيا ويح من أصابه دعاء النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإن كان معناه الخبر؛ فيا ويح من أخبر عنه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعًا لم يكتب له الثواب.\n٢) قوله: «أحب الصيام إلى الله صيام داود» أخرجه البخاري (٣٤٢٠)، ومسلم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٧٧)، ومسلم (١١٥٩) (١٨٦).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١١٦٢).","vol":"4","page":487},{"text":"١١٥٩ - (١٩٠) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄- وقال: «لا أفضل من صيام داود» أخرجه البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩)، من حديثه أيضًا.\nقال ابن القيم -﵀-: فَإِنّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا؛ لَزِمَ أَحَد ثَلَاثَةِ أُمُورٍ مُمْتَنِعَةٍ: أَنْ يَكُونَ أَحَبّ إلَى الله مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ وَفِطْرِ يَوْمٍ وَأَفْضَلُ مِنْهُ؛ لِأَنّهُ زِيَادَةُ عَمَلٍ، وَهَذَا مَرْدُودٌ بِالْحَدِيثِ الصّحِيحِ -وذكر الحديث المتقدم- وَإِمّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْفَضْلِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ أَيْضًا، وَإِمّا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا مُتَسَاوِيَ الطّرَفَيْنِ لَا اسْتِحْبَابَ فِيهِ وَلَا كَرَاهَةَ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ؛ إذْ لَيْسَ هَذَا شَأْنُ الْعِبَادَاتِ، بَلْ إمّا أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً، أَوْ مَرْجُوحَةً، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\nالقول الثاني: أنه يُستحبُّ صوم الدهر لمن قدر عليه، ولم يفوت حقًّا، ولا يصوم ما حرم الله عليه من الأيام، وهو قول الجمهور من أهل العلم.\nواستدلوا بما يلي:\n١) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من صام رمضان، ثم أتبعه سِتًّا من شوال فكأنما صام الدهر». (^١)\n٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر وإفطاره». (^٢)، فهذان الحديثان يدلان على أفضلية صوم الدهر؛ لأنَّ المشبه به أفضل.\n٣) حديث حمزة بن عمرو الأسلمي -﵁-، قال: يا رسول الله، إني أسرد الصوم ... رواه مسلم (١١٢١) (١٠٤).\n٤) أنه قد جاء عن عمر، وعثمان، وأبي طلحة أنهم كانوا يصومون كل يومٍ. وفي\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٦٦٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٤)، عن قرة بن إياس -﵁- بإسناد صحيح.","vol":"4","page":488},{"text":"البيهقي عن عائشة -﵂- بإسنادٍ صحيح أنها كانت تصوم الدهر في السفر والحضر. وحمله البيهقي على سرد الصوم.\nالقول الثالث: جواز صيام الدهر، وهو قول ابن المنذر، وطائفة.\nالقول الرابع: التحريم، وهو قول ابن حزم، والصنعاني، واستدلوا بنفس أدلة المذهب الأول، وزادوا عليه:\n٥) حديث أبي موسى -﵁-، عند أحمد (٤/ ٤١٤)، والنسائي كما في «تحفة الأشراف» (٦/ ٤٢٢ - ٤٢٣)، وعبد بن حميد (٥٦٣)، مرفوعًا: «من صام الدهر ضُيِّقَت عليه جهنم، وعقد بيده».\nورجاله ثقات؛ إلا أنَّ الراجح وقفه؛ فإنه من طريق: قتادة، عن أبي تميمة، عن أبي موسى، به، فرواه شعبة، وهمام، عن قتادة بإسناده موقوفًا، ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة بإسناده مرفوعًا، لكن الراوي عن سعيد هو: ابن أبي عدي، وقد روى عنه بعد الاختلاط، وقد تابع قتادة على الوقف: سفيان الثوري، كما في «مصنف عبدالرزاق» (٧٨٦٦)، وعقبةُ بن عبدالله الأصم، كما في «زوائد عبدالله» على «الزهد» لأبيه (ص ٢٤٦)، وتابع قتادة على الرفع: الضحاك بن يسار البصري، كما في «مسند أحمد» (٤/ ٤١٤)، والضحاك ضعفه جماعة من الحفاظ كما في «تعجيل المنفعة». (^١)\nقلتُ: ومع ترجيح وقفه؛ فلا يَبْعُدُ أن يكون له حكم الرفع.\n_________\n(^١) انظر: «تحقيق المسند» (١٩٧١٣).","vol":"4","page":489},{"text":"٦) روى ابن أبي شيبة (٣/ ٧٩) بإسناد صحيح عن أبي عمرو الشيباني، قال: بلغ عمر أنَّ رجلًا يصوم الدهر، فأتاه، فعلاه بالدُّرَّةِ، وجعل يقول: كل يا دهري.\nقال ابن حزم -﵀-: فصحَّ أن تحريم صوم الدهر كان من مذهبه، ولو كان عنده مباحًا لما ضرب فيه، ولا أمر بالفطر.\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لدلالة قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا صام ولا أفطر».\nوقد أجاب الجمهور عن هذا: بأنه محمول على من صام الدهر حقيقةً؛ فإنه يدخل فيه ما حرم صومه كالعيدين.\nلكن قال ابن القيم -﵀-: وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِهَذَا مَنْ صَامَ الْأَيّامَ المُحَرّمَةَ؛ فَإِنّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ جَوَابًا لِمَنْ قَالَ: أَرَأَيْت مَنْ صَامَ الدّهْرَ؟ وَلَا يُقَالُ فِي جَوَابِ مَنْ فَعَلَ المُحَرّمَ: (لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ)؛ فَإِنّ هَذَا يُؤْذِنُ بِأَنّهُ سَوَاءٌ فِطْرُهُ وَصَوْمُهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَلَا يُعَاقَبُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْ فَعَلَ مَا حَرّمَ الله عَلَيْهِ مِنْ الصّيَامِ، فَلَيْسَ هَذَا جَوَابًا مُطَابِقًا لِلسّؤَالِ عَنْ المُحَرّمِ مِنْ الصّوْمِ. اهـ\nوأما الرد على أدلة الجمهور:\n١)، ٢) قال ابن القيم -﵀-: نَفْسُ هَذَا التّشْبِيهِ فِي الْأَمْرِ الْمُقَدّرِ لَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ؛ فَضْلًا عَنْ اسْتِحْبَابِهِ، وَإِنّمَا يَقْتَضِي التّشْبِيهَ بِهِ فِي ثَوَابِهِ لَوْ كَانَ مُسْتَحَبّا، وَالدّلِيلُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِ الْحَدِيثِ؛ فَإِنّهُ جَعَلَ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيّامٍ مِنْ كُلّ شَهْرٍ","vol":"4","page":490},{"text":"بِمَنْزِلَةِ صِيَامِ الدّهْرِ؛ إذْ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ صَامَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتّينَ يَوْمًا، وَمَعْلُومٌ أَنّ هَذَا حَرَامٌ قَطْعًا، فَعُلِمَ أَنّ الْمُرَادَ بِهِ حُصُولُ هَذَا الثّوَابِ عَلَى تَقْدِيرِ مَشْرُوعِيَّةِ صِيَامِ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتّينَ يَوْمًا. اهـ\n٣) قال الحافظ ابن حجر -﵀-: وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سُؤَال حَمْزَة إِنَّمَا كَانَ عَنْ الصَّوْم فِي السَّفَرِ لَا عَنْ صَوْم الدَّهْر، وَلَا يَلْزَم مِنْ سَرْدِ الصِّيَامِ صَوْمُ الدَّهْرِ، فَقَدْ قَالَ أُسَامَة بْن زَيْد: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ، فَيُقَالُ: لَا يُفْطِرُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^١)، وَمِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ يَصُومُ الدَّهْرَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ السَّرْدِ صِيَامُ الدَّهْرِ. اهـ\n٤) الذي جاء عن عمر صحَّ عنه كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٧٩)، ولكن الذي جاء عنه السرد في الصيام، ولفظه في «المصنف»: قال ابن عمر: إنَّ عمر سرد الصوم قبل موته بسنتين. وتقدَّم أنَّ السرد هو المتابعة بالصيام، ولا يلزم منه صوم الدهر.\nوأما أثر عثمان -﵁-، فأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٧٩)، من طريق: الزبير بن عبد الله بن رهيمة عن جدته رهيمة، عن عثمان، والزبير بن عبدالله لَيِّن الحديث كما في «الجرح والتعديل»، وجدَّته مجهولة.\nوأما أثر أبي طلحة فهو صحيح عنه، أخرجه البخاري برقم (٢٨٢٨)، ولكنه\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٠١)، وكذلك النسائي (٤/ ٢٠٢)، بإسناد حسن.","vol":"4","page":491},{"text":"ليس بحجة، فقد صحَّ عنه أنه كان يأكل البرد في صيامه.\nقال ابن حزمٍ -﵀-: فصومه الدهر ليس بحجة، ولئن كان صومه الدهر حجة؛ فإنَّ أكله البرد في صيامه حجة. اهـ\nوأما الرد على أدلة القول الرابع:\nأما حديث أبي موسى فأحسن ما يقال فيه ما قاله الحافظ ابن حجر -﵀- حيث قال: والأَولى إجراء الحديث على ظاهره وحمله على من فوت حقًّا واجبًا بذلك؛ فإنه يتوجه إليه الوعيد. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وقد يحمل أيضًا على من صام الدهر مع أيام العيد؛ لأنه هو الأصل في إطلاق الدهر، ولأنَّ هذا الحديث يدل على أنه يأثم، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا صام ولا أفطر» يُشعِر بأنه لا يأثم ولا يُثاب.\nوأما ما صحَّ عن عمر من ضرب الرجل؛ فمحمول على أنه رأى أنَّ ذلك الرجل قد أضرَّ بنفسه، أو رأى المصلحة بضربه مع كراهيته فقط، فقد جاء عن عمر -﵁- في «صحيح مسلم» (٣١): أنه ضرب أبا هريرة -﵁- لما أمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يُبشِّرَ الناس بأنَّ من قال: «لا إله إلا الله مستيقنًا من قلبه دخل الجنة»؛ لكونه رأى المصلحة بعدم ذلك، والله أعلم.\nوقد رجَّح القول بالكراهة الشوكاني -﵀- في «الدراري»، وصديق بن حسن في «الروضة الندية»، والشيخ الألباني في «تمام المنة». (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٩٧٧)، «زاد المعاد» (٢/ ٨٠ - ٨٣)، «السبل» (٤/ ١٧٩)، «المحلَّى» (٧٩٠)، «تمام المنة» (ص ٤٠٩).","vol":"4","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2030>بَابُ الاعْتِكَافِ وَقِيَامِ رَمَضَانَ</span>\n٦٨٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2031>مسألة [١]: بيان معنى الحديث</span>.\nقوله: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ»، أي: قام لياليه مُصلِيًّا.\nقال الحافظ -﵀-: والمراد من قيام الليل ما يحصل به مطلق القيام، وذكر النووي أنَّ المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، يعني: أنه يحصل بها المطلوب من القيام لا أنَّ القيام لا يكون إلا بها. (^٢)\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ويؤيده ما أخرجه أبو داود (١٣٧٥)، عن أبي ذرٍّ مرفوعًا: «من صلَّى مع إمامه حتى ينصرف؛ كُتِبَ له قيام ليلة»، وهو في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» (٢٧٠).\nقوله: «إِيْمَانًا»، أي: تصديقًا بوعد الله بالثواب عليه.\nقوله: «احتِسَابًا»، أي: طلبًا للأجر، لا لقصدٍ آخر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٠٩)، ومسلم (٧٥٩).\n(^٢) «الفتح» (٢٠٠٨).","vol":"4","page":493},{"text":"قوله: «غُفِرَ لَهُ» ظاهره يتناول الصغائر والكبائر، وبه جزم ابن المنذر، وقال النووي: المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين، وعزاه عياض لأهل السنة، قال بعضهم: ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغائر.\nويؤيد قول الجمهور قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مُكفِّرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» أخرجه مسلم عن أبي هريرة -﵁-.\nفائدة: قال الحافظ -﵀-: سُمِّيت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التروايح؛ لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين. «الفتح» (٢٠٠٨).\nتنبيه: عدد الركعات في قيام الليل تقدم في [باب صلاة التطوع]، فليُراجَع من هنالك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2032>مسألة [٢]: أيهما أفضل في صلاة التراويح: أن تكون في المسجد أم في البيت</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى استحباب أن تكون في المسجد، وهو الذي جمع الناسَ عليه عمرُ بن الخطاب -﵁-. وثبت عن ابن مسعود -﵁- أنه كان يصلى في المسجد، ويؤم الناس.\nقالوا: وإنما لم يفعله النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خشيةَ أن يفرض على الناس كما ثبت ذلك في","vol":"4","page":494},{"text":"«الصحيحين» (^١) عن عائشة -﵂- بعد أن صلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بهم في المسجد بعض الليالي ثم تركه.\n• وذهب مالك في إحدى الروايتين عنه، وأبو يوسف، وجماعة من الشافعية إلى أنَّ الصلاة في البيوت أفضل، وصح عن ابن عمر -﵄-.\nواستدلوا بحديث زيد بن ثابت عند البخاري (٧٣٠)، ومسلم (٧٨١)، قال: احْتَجَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - حُجَيْرَةً بِخَصَفَةٍ، أَوْ حَصِيرٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ الله - ﷺ - يُصَلِّى فِيهَا، قَالَ: فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ.\nقَالَ: ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً، فَحَضَرُوا، وَأَبْطَأَ رَسُولُ الله - ﷺ - عَنْهُمْ.\nقَالَ: فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ، وَحَصَبُوا الْبَابَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ الله - ﷺ - مُغْضَبًا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله - ﷺ -: «مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِى بُيُوتِكُمْ؛ فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِى بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ».\nقالوا: فالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذكر أنَّ أفضل الصلاة في بيته إلا المكتوبة عند أن طلبوا منه الخروج للصلاة في المسجد؛ فدل على أنَّ الصلاة في البيت أفضل.\nقالوا: ولا يصح إخراج هذه الصورة -أعني الاجتماع لصلاة الليل في المسجد- من الحديث بالتخصيص؛ لأنَّ الحديث بالتفضيل وارد فيها.\nوصحَّ هذا عن ابن عمر، والقاسم، وسالم، وإبراهيم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٢٧)، ومسلم (٧٦١)، وعند البخاري: «وكان ذلك في رمضان».","vol":"4","page":495},{"text":"قال أبو عبدالله غفر الله له: الصلاة مع الجماعة في المسجد أنشط للإنسان من الصلاة بمفرده، ومعينة له على الاجتهاد في الصلاة، والذكر، والعبادة؛ ولذلك جمع عمر -﵁- الناسَ عليها، واستمر عمل المسلمين على ذلك، فنحن نفضل الصلاة في المسجد من أجل ذلك، وبالله التوفيق. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٢/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، «الفتح» (٢٠١٣).","vol":"4","page":496},{"text":"٦٨١ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا دَخَلَ العَشْرُ أَيِ: العَشْرُ الأَخِيرَةُ (^١) مِنْ رَمَضَانَ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2033>مسألة [١]: الحث على الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان</span>.\nقولها: «شَدَّ مِئْزَرَهُ»: يحتمل أن يكون المراد اعتزال النساء، ويحتمل أن يكون المراد التشمير والجد في العبادة، ويحتمل أنه أراد الأمرين معًا.\nقولها: «وَأَحْيَا لَيْلَهُ»، أي: أسهره، فأحياه بالطاعة، وأحيا نفسه بسهره فيه.\nقال الحافظ -﵀-: وفي الحديث الحرص على مداومة القيام في العشر الأخيرة إشارة إلى الحث على تجويد الخاتمة. اهـ\nقلتُ: وفي الحديث دلالة ظاهرة على فضيلة هذه الليالي العشر، وعلى فضل إحيائها، كيف لا! وفيها ليلة القدر التي قال الله ﷿ فيها: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣].\n_________\n(^١) في (أ) و(ب): (الأخير)، والمثبت أقرب.\nوقوله أي: العشر الأخيرة من رمضان من تفسير الحافظ، قال الحافظ في «الفتح»: وقد صرح به في حديث علي عند ابن أبي شيبة، والبيهقي، من طريق: عاصم بن ضمرة، عنه.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤).","vol":"4","page":497},{"text":"٦٨٢ - وَعَنْهَا -﵂-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٦٨٣ - وَعَنْهَا -﵂-، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n٦٨٤ - وَعَنْهَا -﵂- قَالَتْ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ البَيْتَ إلَّا لِحَاجَةٍ، إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^٣)\n\n٦٨٥ - وَعَنْهَا قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى المُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَلَا بَأْسَ بِرِجَالِهِ، إلَّا أَنَّ الرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٢٦)، ومسلم (١١٧٢) (٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٤١)، ومسلم (١١٧٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٠٢٩)، ومسلم (٢٩٧) (٧).\n(^٤) معل بالوقف أو الإدراج. أخرجه أبوداود (٢٤٧٣)، من طريق عبدالرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة به. وقد أعل بالوقف وأعل بالإدراج. فقد قال الإمام أبوداود -﵀- عقب الحديث: غير عبدالرحمن لا يقول فيه: (قالت: السنة) جعله قول عائشة. اهـ\nوقال الدارقطني -﵀-: يقال إن قوله (والسنة للمعتكف ... إلى آخره) ليس من قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-[لعله أراد ليس من قول عائشة] وأنه من كلام الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم، والله أعلم. وهشام بن سليمان لم يذكره. «السنن» (٢/ ٢٠١).\n\nوقال الإمام البيهقي -﵀-: منهم من زعم أنه من قول عائشة، ومنهم من زعم أنه من قول الزهري ويشبه أن يكون من قول من دون عائشة، فقد رواه سفيان الثوري عن هشام بن عروة عن عروة قال: المعتكف لا يشهد جنازة ولا يعود مريضًا ولا يجيب دعوة، ولا اعتكاف إلا بصيام، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع. اهـ «المعرفة» (٦/ ٣٩٥).","vol":"4","page":498},{"text":"٦٨٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المُعْتَكِفِ صِيَامٌ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nتعريف الاعتكاف:\nلغة: لزوم الشيء، وحبس النفس عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢].\n_________\n(^١) ضعيف مرفوعًا، والراجح وقفه. أخرجه الدارقطني (٢/ ١٩٩) والحاكم (١/ ٤٣٩)، ومن طريقه البيهقي (٤/ ٣١٨)، من طريق عبدالله بن محمد الرملي عن محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني ثنا عبدالعزيز بن محمد عن أبي سهيل عم مالك بن أنس عن طاوس عن ابن عباس مرفوعًا. قال الدارقطني: رفعه هذا الشيخ وغيره لا يرفعه. قال المجد ابن تيمية: رفعه أبوبكر السوسي يعني شيخ الدارقطني وغيره لا يرفعه. وذهب أيضًا إلى أن المراد بالشيخ المتفرد برفعه هو (محمد بن إسحاق السوسي) ابنُ الجوزي والذهبي كما في «التحقيق والتنقيح» (٥/ ٤٤٤).\nقلتُ: ولكن السوسي قد توبع على رفعه، تابعه أحمد بن محبوب الرملي عند الحاكم والبيهقي.\nفالأقرب ما قاله ابن عبدالهادي في «التنقيح» (٣/ ٣٦٨) حيث قال: الشيخ هو عبدالله بن محمد الرملي. قال ابن القطان: وعبدالله بن محمد بن نصر الرملي لا أعرفه. وانظر: «نصب الراية» (٢/ ٤٩٠).\nوقال البيهقي -﵀-: تفرد به عبدالله بن محمد بن نصر الرملي، ثم قال: هذا هو الصحيح موقوف، ورفعه وهم. اهـ\nقلتُ: والموقوف عن ابن عباس صحيح كما في «سنن البيهقي» (٤/ ٣١٩) و«مشكل الآثار» (١٠/ ٣٥٠).","vol":"4","page":499},{"text":"وشرعًا: المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة؛ تعبدًا لله تعالى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2034>مسألة [١]: حكم الاعتكاف</span>.\nمشروعٌ، ومُستحَبٌّ بالكتاب والسنة، والإجماع، ولا يجب إلا بنذرٍ بالإجماع.\nأما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧].\nوأما من السنة: فأحاديث الباب المتقدمة، والأحاديث في مشروعية الاعتكاف كثيرة تبلغ حد التواتر.\nوأما الإجماع: فقد نقل غيرُ واحد الإجماع على أنه سُنَّة، وأنه لا يجب إلا بالنذر، كابن المنذر، وابن قدامة، والنووي وغيرهم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2035>مسألة [٢]: هل يلزمه إتمام الاعتكاف إذا شرع فيه، أم له الخروج إذا شاء</span>؟\n• ذهب الشافعي، وأحمد إلى أنه لا يلزمه الإتمام، وله الخروج إذا شاء؛ لعدم وجود دليل على إلزامه بالإتمام.\nوقد ثبت في «الصحيحين» (^٣) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أراد أن يعتكف فأمر بخبائه، فَضُرِب، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، فضربت خِباءها، ثم استأذنته حفصة، ثم\n_________\n(^١) «الفتح» (٢٠٢٥).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٤٠٧) ط/الإرشاد، «المغني» (٤/ ٤٥٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٠٣٣)، ومسلم (١١٧٣)، من حديث عائشة -﵂-.","vol":"4","page":500},{"text":"زينب، فلما صلَّى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الفجر نظر، فإذا الأخبية، فقال: «آلبر تُرِدْنَ؟»، فأمر بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، ثم اعتكف العشر الأول من شوال.\n• وذهب مالك إلى أنه يلزمه بالنية مع الدخول فيه؛ فإنْ قطعه لزِمه قضاؤه، وادَّعى ابن عبد البر الإجماع على ذلك، وليس بصحيح كما بيَّنَ ذلك ابن قدامة -﵀-، وأما قضاء النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فإنما فعله تطوعًا؛ لأنه كان إذا عمل عملًا أثبته، ويدل على أنَّ القضاء ليس بواجب أنه لم يأمر نساءه بقضائه، والقول الأول هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2036>مسألة [٣]: هل يُشترط في الاعتكاف الصوم</span>؟\n• فيه قولان:\nالقول الأول: وجوب الصوم مع الاعتكاف، وهو قول مالك، والليث، وأبي حنيفة، والثوري، ورواية عن أحمد. وثبت هذا القول عن عائشة وابن عباس -﵃-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٨٧).\nواستدلوا بحديث عائشة -﵂-، الذي في الباب: «ولا اعتكاف إلا بصوم»، وتقدَّم أنه مُعَلٌّ، واستدلوا أيضًا بحديث ابن عمر -﵄-، عند أبي داود (٢٤٧٤): أنَّ عمر جعل على نفسه في الجاهلية أنْ يعتكف، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اعتكف وصم»، وهذا الحديث ضعيفٌ، فقد تفرَّد به عبد الله بن بديل، عن عمرو بن دينار،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٤٥٧ - ٤٥٨).","vol":"4","page":501},{"text":"وعبد الله بن بديل: ضعيفٌ، وقد خالف ما في «الصحيحين»؛ فإنه ليس فيهما الأمر بالصوم.\nالقول الثاني: أنه لا يلزمه الصوم؛ إلا أن يوجبه على نفسه في نذره، صحَّ هذا عن ابن عباس -﵄-، كما في الباب، وهذا مذهب الشافعي، وإسحاق، والمشهور عن أحمد، وهو قول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد ا لعزيز.\nواستدلوا بحديث ابن عمر -﵄- في «الصحيحين» (^١): أنَّ عمر -﵁- سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام. فقال: «أُوفِ بنذرك»، والليل ليس بظرف للصوم.\nوقد تعقب بأنَّ مسلمًا قد أخرجه من وجه صحيح بلفظ: «يومًا»، وهذا التعقب لا يفسد الاستدلال، بل يقال: لم يأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالصوم، ولو كان شرطًا؛ لأمره به.\nواستدلوا بحديث ابن عباس -﵄- الذي في الباب، وتقدم أنَّ الراجح وقفه.\nواستدلوا أيضًا باعتكاف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في العشر الأُوَل من شوال كما في «الصحيحين» عن عائشة -﵂-. وقالوا: إيجاب الصوم حكمٌ لا يثبت إلا بالشرع، ولم يصح فيه نصٌّ ولا إجماعٌ.\nوالقول الثاني هو الراجح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٠٣٢)، ومسلم برقم (١٦٥٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٤٥٩)، «الفتح» (٢٠٣٢)، «شرح مسلم» (٨/ ٦٧).","vol":"4","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2037>مسألة [٤]: هل يُشترط للاعتكاف أن يكون في المسجد</span>؟\nأما بالنسبة للرجل:\nفقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٤/ ٤٦١): وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ إذَا كَانَ الْمُعْتَكِفُ رَجُلًا، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فَخَصَّهَا بِذَلِكَ، وَلَوْ صَحَّ الِاعْتِكَافُ فِي غَيْرِهَا، لَمْ يَخْتَصَّ تَحْرِيمُ الْمُبَاشَرَةِ فِيهَا؛ فَإِنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُحَرَّمَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ مُطْلَقًا. اهـ\nوقد نقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر، والقرطبي في «تفسيره»، وشيخ الإسلام ابن تيمية، ولا يصح الإجماع، فقد وجد خلافٌ شاذٌّ لا يُلتفت إليه كما في «الفتح».\nوقد اختلفوا في هذا المسجد:\n• فذهب بعضهم إلى اختصاصه بالمساجد الثلاثة، وهو قول حذيفة، وخصَّه عطاء بمسجد مكة والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة.\n• وذهب الجمهور إلى عمومه في كل مسجد؛ إلا من تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي الجامع، وشرطه مالك؛ لأنَّ الاعتكاف عنده ينقطع بالجمعة. وقال بقول مالك، الزهري، والحكم، وحماد.\n• وذهب أبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى صحته بالمسجد الذي تُقام فيه الصلوات الخمس، وإن لم تقم فيه الجمعة.","vol":"4","page":503},{"text":"وهذا القول هو الراجح؛ لأنه إن اعتكف في مسجد لا تُقام فيه الجماعة فإما أن يترك الجماعة ويبقى في المسجد، وهذا لا يجوز، وإما أن يخرج كثيرًا، والخروج الكثير ينافي الاعتكاف، وهو مع ذلك يستطيع التحرز منه.\nوأما حديث: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» (^١)، فقد اختُلِف في رفعه ووقفه، والرَّاجح وقفُه على حذيفة، ومع ذلك فقد حمله جماعةٌ من أهل العلم على نفي الأفضلية والكمال، لا على نفي الصحة.\nوأما بالنسبة للمرأة:\n• فذهب أبو حنيفة، والثوري إلى أنَّ لها أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو قول الشافعي في القديم.\n_________\n(^١) الحديث مداره على سفيان بن عيينة، يرويه عن جامع بن أبي شداد، عن أبي وائل، عن حذيفة، به، وقد اختلفوا فيه على سفيان في رفعه، ووقفه، فرواه عنه مرفوعًا: محمد بن الفرج القرشي البغدادي عند الإسماعيلي في «معجمه» (٣٣٦)، وهو صدوق، وكذلك محمود بن آدم المروزي عند البيهقي في «الكبرى» (٤/ ٣١٦)، وهو صدوق أيضًا، وكذلك سعيد بن منصور كما في «المحلى» (٥/ ١٩٥)، وهو ثقة، وكذلك هشام بن عمار عند الطحاوي (٤/ ٢٠)، وهو صدوق له بعض الأخطاء.\nورواه عن ابن عيينة موقوفًا جماعة، وهم: عبدالرزاق كما في «مصنفه» (٤/ ٣٤٨)، والطبراني (٩٥١١) من طريقه، وهو ثقة إمام، وسعيد بن عبدالرحمن المخزومي، وابن أبي عمر العدني عند الفاكهي في «أخبار مكة» (٢/ ١٤٩)، وهما ثقتان.\nوتابع أبا وائل على وقفه: إبراهيم النخعي، أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٣٤٧)، وابن أبي شيبة (٣/ ٩١)، من طريق: الثوري، عن واصل الأحدب، عن إبراهيم، به. وإبراهيم النخعي لم يدرك حذيفة، ولكنه يحكي قصة وقعت لحذيفة مع ابن مسعود، ورواية النخعي عن ابن مسعود صحيحة؛ لكونه لا يرسل عنه إلا عن جماعة ثقات؛ وعليه: فيظهر لي ترجيح الموقوف، والله أعلم.","vol":"4","page":504},{"text":"والصحيح ما ذهب إليه أحمد، والشافعي من أنه لا يصح إلا في المسجد؛ لعموم الآية: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، ولأنَّ أزواج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استأذَنَّهُ في الاعتكاف بالمسجد، فأذِنَ لهن، ثم منعهن، فلو لم يكن المسجد شرطًا؛ ما وقع ما ذُكِر من الإذن والمنع، ولاكتفى لهن بالاعتكاف في مسجد بيوتهن.\nتنبيه: لا يشترط أن تعتكف المرأة في مسجد جامع، بل يُجزِئُها في كل مسجد؛ لأنَّ الجماعة غير واجبة عليها، وبذلك جزم الشافعي، وأحمد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2038>مسألة [٥]: أقل مقدار للاعتكاف</span>.\n• في المسألة قولان:\nالأول: لا حدَّ لأَقَلِّه، وهو قول الشافعي، وداود، وابن عُلَيَّة، ورواية عن أحمد، واختاره ابن المنذر، وابن العربي، فيصح أن يعتكف ولو ساعة، وهو رواية عن أبي حنيفة.\nالثاني: أنَّ أقل الاعتكاف يوم وليلة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة في المشهور عنه؛ لأنَّ هذا أقل ما ورد في الشرع، يعنون حديث عمر المتقدم.\nوالراجح القول الأول؛ لأنَّ الاعتكاف في اللغة يقع على القليل والكثير، ولم يحده الشرع بشيء يخُصُّه، فبقي على أصله ومعناه اللغوي. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٤٦٤ - ٤٦٥)، «الفتح» (٢٠٢٥) (٢٠٣٣)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٣٣)، «المجموع» (٦/ ٤١٠) ط/مكتبة الإرشاد. «الإشراف» (٣/ ١٦٠).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٤٢٠) ط/الإرشاد، «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٣٣).","vol":"4","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2039>مسألة [٦]: هل يصح الاعتكاف في رحبة المسجد</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٧١٦٥): الرَّحَبَة بِفَتْحِ الرَّاء وَالْحَاء الْمُهْمَلَة بَعْدَهَا مُوَحَّدَة، هِيَ بِنَاء يَكُون أَمَام بَاب الْمَسْجِد غَيْر مُنْفَصِل عَنْهُ، هَذِهِ رَحَبَة الْمَسْجِد، وَوَقَعَ فِيهَا الِاخْتِلَاف، وَالرَّاجِح أَنَّ لَهَا حُكْم الْمَسْجِد؛ فَيَصِحّ فِيهَا الِاعْتِكَاف، وَكُلّ مَا يُشْتَرَط لَهُ الْمَسْجِد؛ فَإِنْ كَانَتْ الرَّحَبَة مُنْفَصِلَة فَلَيْسَ لَهَا حُكْم الْمَسْجِد. اهـ\nقلتُ: وقد جزم بصحة الاعتكاف فيها الإمام الشافعي، نقله عنه النووي في «شرح المهذب» (٦/ ٥٠٧)، وهو ظاهر اختيار البخاري؛ فإنه بوب في كتاب الأحكام: [باب من قضى ولاعن في المسجد]، ثم قال تحت هذا الباب: وكان الحسن، وزرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارجًا من المسجد.\nقال ابن المنير كما في «الفتح» (٧١٦٥): ولرحبة المسجد حكم المسجد؛ إلا إن كانت منفصلة عنه. اهـ\nوقال العيني -﵀- في «عمدة القاري» (٢٤/ ٢٤٥): وهي الساحة، والمكان المتسع أمام باب المسجد غير منفصل عنها، وحكمها حكم المسجد؛ فيصح فيها الاعتكاف في الأصح، بخلاف ما إذا كانت منفصلة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2040>مسألة [٧]: خروج المعتكف للغائط والبول</span>.\nأجمع أهل العلم على أنَّ للمعتكف الخروج للغائط والبول، نقل الإجماع غير","vol":"4","page":506},{"text":"واحد، كابن المنذر، وابن قدامة وغيرهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2041>مسألة [٨]: الخروج لغير الغائط والبول</span>.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَفِي مَعْنَاهُ الْحَاجَةُ إلَى الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ، وَإِنْ بَغَتَهُ الْقَيْء فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِيَتَقَيَّأ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَكُلُّ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ، وَلَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُطِلْ، وَكَذَلِكَ لَهُ الْخُرُوجُ إلَى كُلِّ مَا أَوْجَبَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، مِثْلُ مَنْ يَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ لَا جُمُعَةَ فِيهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى خُرُوجِهِ لِيُصَلِّيَ الْجمُعَةَ، وَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَيْهَا، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهَا، وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ. انتهى المراد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2042>مسألة [٩]: الخروج لعيادة المريض وتشييع الجنازة</span>.\n• إذا لم يشترط ذلك عند دخوله في الاعتكاف ففيه قولان:\nالأول: أنه ليس له الخروج لذلك، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهو قول عطاء، وعروة، ومجاهد، والزهري.\nواستدلوا بقول عائشة -﵂-، الذي في الباب: «السنة على المعتكف ...»، وقد تقدم أنه معلول، ويُغني عنه حديثها الذي قبله في الباب، ففي بعض طرقه: «والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة».\n_________\n(^١) انظر: «لمغني» (٤/ ٤٦٥)، «سبل السلام» (٤/ ١٨٦)، «الفتح» (٢٠٢٩).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٤٦٦).","vol":"4","page":507},{"text":"الثاني: أن له الخروج لذلك، وهو قول سعيد بن جبير، والنخعي، والحسن، ورُوي عن علي (^١)، وهو رواية عن أحمد، وقال به الثوري.\nوالراجح هو القول الأول؛ لأنَّ هذا ليس بواجب، فليس له ترك الاعتكاف من أجله، كالمشي مع أخيه في حاجة ليقضيها له.\nتنبيه: إن تعينت عليه صلاة الجنازة، وأمكنه فعلها في المسجد؛ فليس له الخروج إليها؛ فإن لم يمكنه ذلك فله الخروج إليها، وإن تعَيَّن عليه دفن الميت، أو تغسيله؛ جاز له أن يخرج له؛ لأنَّ هذا واجبٌ مُتَعَيِّنٌ، فأشبه الخروج لصلاة الجمعة.\n• أما إذا اشترط ذلك عند دخوله في الاعتكاف ففيه قولان:\nالأول: أنْ له الخروج إذا شرط ذلك، وهو قول الشافعي، والثوري، وإسحاق، ورواية عن أحمد رجَّحها ابن قدامة، وذلك لأنَّ الاعتكاف لا يختص بِقَدْرٍ، فإذا شرط الخروج فكأنه نذر القدر الذي أقامه.\nالثاني: أنه لا يصح الشرط، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأبي مجلز، ورواية عن أحمد.\nوقد رجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- القول الأول، واستدل بحديث ضباعة بنت الزبير، أنها كانت تريد الحج، وهي شاكية، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «حُجِّي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٨٧ - ٨٨)، من طريق: إبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عنه، وهذا إسناد حسن.","vol":"4","page":508},{"text":"واشترطي أنَّ محلي حيث حبستني» (^١)، قال: فيؤخذ من هذا أنَّ الإنسان إذا دخل في عبادة واشترط شيئًا لا ينافي فلا بأس.\nقلتُ: الذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ هذا الشرط ينافي الاعتكاف؛ لأنَّ الاعتكاف هو حبس النفس ولزومها في المسجد، والأمر هنا ليس كذلك.\nفعلى هذا فالراجح -والله أعلم- هو القول الثاني، وبالله التوفيق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2043>مسألة [١٠]: إذا شرط الوطء في اعتكافه أو البيع أو الكسب بالصناعة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فَاشْتِرَاطُ ذَلِكَ اشْتِرَاطٌ لِمَعْصِيَةِ الله تَعَالَى، وَالصِّنَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا فِي غَيْرِ الِاعْتِكَافِ، فَفِي الِاعْتِكَافِ أَوْلَى، وَسَائِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ يُشْبِهُ ذَلِكَ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، فَلَا يَعْتَكِفْ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الِاعْتِكَافِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. اهـ (^٣)\nتنبيه: لو اعتكف شخصٌ فباع، أو اشترى؛ فإنه يأثم، ولكن ليس هناك دليل على إبطال اعتكافه. وللمعتكف أن يشتري شيئا يحتاجه من خارج المسجد عند الجمهور، وقيَّده مالك باليسير. (^٤)\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٧٦٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٤٦٩ - ٤٧٠)، «الفتح» (٢٠٢٩)، «الشرح الممتع» (٦/ ٥٢٣ - ٥٢٥)، «الاستذكار» (١٠/ ٢٨٥).\n(^٣) «المغني» (٤/ ٤٧١).\n(^٤) «الإشراف» (٣/ ١٦٦).","vol":"4","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2044>مسألة [١١]: إذا وطئ في حال اعتكافه</span>؟\nيفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم، نقل الإجماع غير واحدٍ، كابن المنذر، وابن قدامة، والقرطبي، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.\nونقل ابن المنذر الإجماع على أنَّ المراد بالمباشرة في الآية الجماع، كما في «الفتح»، وهذا الإجماع لا يصح كما في «زاد المسير» لابن الجوزي (١/ ١٩٣). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2045>مسألة [١٢]: المباشرة للمعتكف</span>.\nأمَّا إنْ كان لغير شهوة: فالذي عليه أكثر أهل العلم هو الجواز، وقطع به أكثر الحنابلة، والشافعية، والمالكية؛ لحديث عائشة في «الصحيحين»، أنها كانت تُرَجِّلُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو معتكفٌ، وتقدم الحديث في الباب.\nوأما قول ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (٧/ ٣٢٨): أجمع العلماء أنَّ المعتكف لا يباشر ولا يقبل.\nفهي محمولة على المباشرة بشهوة وتلذذ؛ فإن كانت المباشرة بشهوة وتلذذ؛ فقد جزم أكثر الحنابلة بالتحريم، وكذا جزم به الشافعية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.\nقال الحافظ ابن كثير -﵀-: ثم إنَّ المراد بالمباشرة إنما هو الجماع\n_________\n(^١) وانظر «الفتح» (٢٠٢٥) «المغني» (٤/ ٤٧٣) «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٣٢) «الاستذكار» (١٠/ ٣١٦).","vol":"4","page":510},{"text":"ودواعيه، من تقبيل، ومعانقة، ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء ونحوه؛ فلا بأس به، فقد ثبت في «الصحيحين» عن عائشة ...، -ثم ذكر حديثها في ترجيلها لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- -. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2046>مسألة [١٣]: إذا باشر دون الفرج، فهل يفسد اعتكافه</span>؟\n• فيها ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه يفسد، سواء أنزل أم لم يُنزل، وهو قول مالك، والشافعي في أحد أقواله؛ لأنها مباشرة محرمة، فأفسدت الاعتكاف كما لو أنزل.\nالثاني: أنه يفسد إذا أنزل، وإذا لم ينزل لم يفسد، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، وقول عن الشافعي، ورجَّحه ابن قدامة؛ لأنَّ هذه المباشرة التي لم ينزل فيها لا تفسد صومًا، ولا حجًّا؛ فكذلك لا تفسد الاعتكاف.\nالثالث: أنه لا يفسد، سواء أنزل أم لم ينزل، وهو قول عطاء، والمزني، وذكره عن الشافعي، وهو احتمالٌ عند بعض الحنابلة.\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الثاني. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2047>مسألة [١٤]: من وطئ أهله في اعتكافه ناسيًا</span>؟\nقال ابن عبد البر -﵀-: كلٌّ على أصله، فمن يقضي بفساد الصوم ناسيًا؛ فالاعتكاف كذلك عنده فاسد، ومن لم يفسد الصوم بالوطء ناسيًا؛ لم يفسد ذلك\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٤٧٥)، «الإنصاف» (٣/ ٣٤٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٤٧٥)، «الإنصاف» (٣/ ٣٤٤)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٣٢).","vol":"4","page":511},{"text":"الاعتكاف. اهـ (^١)\nتنبيه: انظر مسألة المجامع ناسيًا في أثناء صومه تحت حديث أبي هريرة -﵁-: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2048>مسألة [١٥]: إذا خرج من المسجد لغير حاجة</span>؟\n• ذهب أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي إلى أنه يبطل اعتكافه، وإنْ قلَّ.\n• وذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن إلى أنه لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يومٍ؛ لأنَّ اليسير مَعْفُوٌّ عنه بدليل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جاءته صفية وهو معتكفٌ ثم قام معها لِيَقْلِبَها.\nوأُجيب عن ذلك: بمنع عدم وجود الحاجة؛ فإنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خشي عليها؛ لكونه ليلًا. والراجح هو القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2049>مسألة [١٦]: هل يخرج المؤذن وهو معتكف؛ ليؤذن من مكان مرتفع</span>؟\nقال ابن المنذر -﵀-: كان الشافعي لا يكره للمؤذن المعتكف أن يصعد المنارة، وبه قال أبو ثور، وأصحاب الرأي. وكره مالك ذلك، ورخص فيه مرة، وأكثر مرة الكراهية، وبه قال القاسم. قال أبو بكر بن المنذر: لا بأس به. اهـ\nقلتُ: الأقرب هو الجواز؛ لأنه حاجة شرعية، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) «الاستذكار» (١٠/ ٣١٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٤٦٩)، «الإشراف» (٣/ ١٦٣).\n(^٣) «الإشراف على مذاهب العلماء» (٣/ ١٦٣).","vol":"4","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2050>مسألة [١٧]: هل تخرج المرأة من الاعتكاف إذا حاضت أو استحاضت</span>؟\nقال ابن المنذر -﵀- في كتابه «الإشراف» (٣/ ١٦٧): واختلفوا في المرأة المعتكفة تحيض، فقال الزهري، وعمرو بن دينار، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي: تخرج، فإذا طهرت فلترجع. وروينا عن أبي قلابة أنه قال: تضرب خباها على باب المسجد إذا حاضت. وقال النخعي: تضرب فسطاطها في دارها، فإذا طهرت قضت تلك الأيام.\nقال أبو بكر: كقول مالك، والشافعي أقول. والمستحاضة: لا تبرح؛ إذ حكمها حكم الطاهرة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2051>مسألة [١٨]: إذا أغمي على المعتكف ثم أفاق فهل يبني أم يستقبل</span>؟\nقال ابن المنذر -﵀- في كتابه «الإشراف» (٣/ ١٦٩): قال الشافعي، وأبو ثور: إذا أغمي على المعتكف أو جن بني عليه إذا أفاق. وقال أصحاب الرأي. يستقبل.\nقال أبو بكر: قول الشافعي صحيح. اهـ\nقلتُ: وما صححه ابن المنذر، هو الصحيح عندي؛ لعدم وجود دليل يدل على بطلان اعتكافه الأول، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2052>مسألة [١٩]: إذا مرض المعتكف فخرج فما الحكم</span>؟\n• واختلفوا في المعتكف يمرض، فقالت طائفة: يخرج فإذا صح رجع، وقضى ما بقي عليه، هذا قول مالك، والشافعي.","vol":"4","page":513},{"text":"• وروينا عن الحسن البصري، أنه قال: لا يخرج.\n• وقال النعمان، ومحمد، ويعقوب: إن خرج يومًا أو أكثر من نصف يوم استقبل.\nقال أبو بكر: إن كان مرضه مرضًا يمكنه المقام في المسجد أقام فيه، وإن لم يمكنه لشدة العلة خرج، فإذا صح رجع، وبناه إذا كان اعتكافًا واجبًا فإن لم يكن واجبًا فإن شاء رجع وإن شاء لم يرجع. اهـ\nقلتُ: وما اختاره ابن المنذر -﵀- هو المختار عندي، والله أعلم؛ لقوله ﵊: «وإذا أمركم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2053>مسألة [٢٠]: من اعتكف العشر الأواخر فمن متى يبدأ اعتكافه</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنه يعتكف من بعد صلاة الصبح من اليوم الحادي والعشرين، وهو قول الأوزاعي، والليث، والثوري، وابن المنذر، واستدلوا بحديث عائشة -﵂-، الذي في الباب، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر صلَّى الفجر ثم دخل معتكفه.\nالثاني: أنه يبدأ من غروب شمس اليوم العشرين، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وطائفة من أهل العلم؛ لأنَّ العشر تبدأ بغروب الشمس، ولحديث أبي سعيد الخدري -﵁- في «الصحيحين» (^١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اعتكف في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠١٨)، ومسلم (١١٦٧)، واللفظ لمسلم.","vol":"4","page":514},{"text":"العشر الأوسط في رمضان يلتمس ليلة القدر، ثم بانت له أنها في العشر الأواخر، فقال: «مَنِ اعْتَكَفَ مَعي؛ فَلْيَبِتْ فِي مُعْتَكَفِه ...». وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح شيخنا الإمام مقبل الوادعي -﵀-.\nوأما حديث عائشة -﵂-: فأَوَّلُوه بأنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلَّى بنفسه في المكان الذي أعدَّه لنفسه بعد صلاة الصبح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2054>مسألة [٢١]: هل يبيت ليلة العيد في معتكفه إذا اعتكف العشر الأواخر</span>؟\n• استحبَّ أحمد ومالك أنْ يبيت ليلة العيد في معتكفه ويخرج بعد صلاة الصبح.\n• وقال الشافعي والأوزاعي، وابن المنذر: يخرج إذا غابت الشمس؛ لأنَّ العشر تزول بزوال الشهر، والشهر ينقضي بغروب الشمس.\nوهذا هو الراجح، ولا دليل على الاستحباب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2055>مسألة [٢٢]: ما يُكره على المعتكف في اعتكافه</span>؟\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٤/ ٣٢٠): والجمهور على أنه لا يُكره فيه إلا ما يُكره في المسجد -يعني في اعتكافه- وعن مالك: تُكره فيه الصنائع، والحِرَف حتى طلب العلم. انتهى.\nقلتُ: أما طلب العلم فهو من أفضل العبادات، فلا يُكره في الاعتكاف، ولكن ينبغي ذكر المسائل المهمة، والنصائح والتوجيهات بدون إطالة، والله المستعان.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢٠٣٣)، «المغني» (٤/ ٤٨٩ -)، «الإشراف» (٣/ ١٦١).\n(^٢) انظر: «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٣٦)، «الإشراف» (٣/ ١٧١).","vol":"4","page":515},{"text":"٦٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المَنَامِ، فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٦٨٨ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ: «لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ (^٢)، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِهَا عَلَى أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَوْرَدْتهَا فِي «فَتْحِ البَارِي».\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2056>مسألة [١]: سبب تسميتها ليلة القدر</span>.\nذكروا أسبابًا كثيرة:\nمنها: أنَّ الله يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السَّنَة القابلة، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤].\nومنها: أنها سُمِّيت بذلك لعظمها، وقدرها، وشرفها، من قولهم: (لفلان قدر)، أي: شرف ومنزلة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠١٥)، ومسلم (١١٦٥).\n(^٢) الراجح وقفه. أخرجه أبوداود (١٣٨٦)، ومن طريقه البيهقي (٤/ ٣١٢)، من طريق معاذ بن معاذ عن شعبة عن قتادة سمع مطرفًا عن معاوية به مرفوعًا.\nوقد أخرجه البيهقي (٤/ ٣١٢)، من طريق أبي داود الطيالسي ثنا شعبة عن قتادة عن مطرف عن معاوية به موقوفًا. قال البيهقي: وقفه أبوداود الطيالسي ورفعه معاذ بن معاذ.\nقلتُ: وكلاهما ثقة ثبت حافظ، ولكن قال الدارقطني في «العلل» (٧/ ٦٥ - ٦٦): ولا يصح عن شعبة مرفوعًا. اهـ، وذكره شيخنا -﵀- في «أحاديث معلة ظاهرها الصحة» (٣٨٨).","vol":"4","page":516},{"text":"وقيل: سُمِّيت بذلك لأنَّ للطاعات فيها قدرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا، وهناك أقوال أخرى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2057>مسألة [٢]: هل ليلة القدر باقية، أم رفعت</span>؟\nالصحيح الذي عليه الأدلة المتكاثرة أنها باقية، وأما ما جاء في «البخاري» (٤٩)، من حديث عبادة بن الصامت، وفي «مسلم» (١١٦٧) (٢١٧)، من حديث أبي سعيد، ومن حديث الفلتان بن عاصم عند البزار كما في «الكشف» (٤/ ١٣٦)، وهو في «الصحيح المسند» (١٠٦٨): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج يخبرهم بليلة القدر، فرأى رجلين يختصمان، فحجز بينهما، فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فَرُفِعَت»، فالمراد رفع تعيينها، وقد وجد خلاف شاذٌّ لا يُعبأ به بأنها رفعت.\nفقد قال الإمام النووي -﵀-: وهذا القول الذي اخترعه هؤلاء الشَّاذُّون غلطٌ ظاهر، وغباوة بينة؛ لأن آخر الحديث يرد عليهم؛ لأنه - ﷺ - قال: «فَرُفِعَت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة»، ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها. اهـ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2058>مسألة [٣]: متى ليلة القدر</span>؟\n• اختلف في تعيين ليلة القدر على أقوال كثيرة، أورد الحافظ في «الفتح» أكثر من أربعين قولًا.\n_________\n(^١) انظر: «تفسير القرطبي» [سورة القدر]، «الفتح» (٢٠١٤).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٤٠٢) ط/الإرشاد، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٩١)، «الفتح» (٢٠٢٣).","vol":"4","page":517},{"text":"قال عبد الله البسام: ويمكن تصنيف هذه الأقوال إلى أربع فئات:\nالأولى: مرفوضة، كالقول بإنكارها في أصلها، أو القول برفعها.\nالثانية: ضعيفة، كالقول بأنها ليلة النصف من شعبان، ويدل على ضعف هذا القول قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١].\nالثالثة: مرجوحة، كالقول بأنها في رمضان في غير العشر الأخيرة منه.\nالرابعة: وهي الرَّاجحة، وهو كونها في العشر الأواخر من شهر رمضان، وأرجاها: أوتارها، وأرجى الأوتار: السبع الأواخر، وأرجاها ليلة سبع وعشرين. اهـ\nقلتُ: وهذا القول الأخير هو الصحيح، وتجتمع به الأدلة كلها، فقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «التمسوها في العشر الأواخر»، فشمل الليالي الوتر منها والشفع.\nوقلنا: إنَّ الليالي الوتر أرجى؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «التمسوها في الوتر من العشر الأواخر».\nوقلنا: إنَّ ليلة سبع وعشرين أرجى؛ لحديث أُبي بن كعب في «صحيح مسلم» (٧٦٢): أنه كان يحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين.","vol":"4","page":518},{"text":"وجاء عن ابن عباس عند أحمد (٢١٤٩): أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إني يشق عليَّ القيام، فمرني بليلةٍ لعل الله يوفقني بليلة القدر، فقال: «عليك بالسابعة». واستدلوا بحديث معاوية الذي في الكتاب، والرَّاجح وقفه كما تقدم.\nوالذي جعلنا لا نعينها في ليلة سبع وعشرين أنه قد ثبت في «الصحيحين» (^١) من حديث أبي سعيد -﵁-: أنها وقعت ليلة إحدى وعشرين.\nوفي «صحيح مسلم» (١١٦٨)، عن عبدالله بن أنيس: أنها وقعت ليلة ثلاث وعشرين، أما كون أرجى الليالي جملةً السبع الأواخر؛ فلحديث ابن عمر المتقدم في الكتاب.\nوكذلك ما رواه مسلم في «صحيحه» (١١٦٥) (٢٠٩)، عن عبد الله بن عمر أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «التمسوها في العشر الأواخر، فمن ضعُفَ، أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي».\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- بعد أن ذكر أقوالًا كثيرة في المسألة: وَأَرْجَحهَا كُلّهَا أَنَّهَا فِي الوِتْرٍ مِنْ الْعَشْر الْأَخِيرة، وَأَنَّهَا تَنْتَقِل كَمَا يُفْهَم مِنْ أَحَادِيث هَذَا الْبَاب، وَأَرْجَاهَا أَوْتَار الْعَشْر، وَأَرْجَى أَوْتَار الْعَشْر عِنْد الشَّافِعِيَّة لَيْلَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاث وَعِشْرِينَ عَلَى مَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَعَبْد الله بْن أُنَيْسٍ، وَأَرْجَاهَا عِنْد الْجمْهُور لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَدِلَّة ذَلِكَ. انتهى. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٢٧)، ومسلم (١١٦٧).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢٠٢٠)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٨٤)، «توضيح الأحكام» (٣/ ٢٤٧).","vol":"4","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2059>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2060>مسألة [١]: هل ينال الإنسان ليلة القدر إذا قامها وإن لم يعلم بها</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالأول: يختص الأجر بمن علم بها، قال الحافظ -﵀-: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَر، وَيَدُلُّ لَهُ مَا وَقَعَ عِنْد مُسْلِم (^١) مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَة الْقَدْر فَيُوَافِقهَا» ...، ثم قال: وَهُوَ الَّذِي يَتَرَجَّح فِي نَظَرِي، وَلَا أُنْكِرُ حُصُول الثَّوَاب الْجزِيل لِمَنْ قَامَ لِابْتِغَاءِ لَيْلَة الْقَدْر وَإِنْ لَمْ يَعْلَم بِهَا، وَلَوْ لَمْ تُوَفَّق لَهُ. اهـ\nالثاني: أنه يناله الأجر الموعود، وإن لم يعلم بها، وهو قول الطبري، والمهلب، وابن العربي، وجماعة.\nوهو الراجح، ورجَّح ذلك الإمام ابن عثيمين -﵀-، وقال: أما قول بعض العلماء: (إنه لا ينال أجرها إلا من شعر بها)، فقولٌ ضعيفٌ جدًّا؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِر له ما تقدم من ذنبه»، ولم يقل: (عالمًا بها)، ولو كان العلم شرطًا في حصول الثواب؛ لبَيَّنَه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.اهـ\nقلتُ: ويدل على صحة هذا القول، قول ابن مسعود -﵁-: من يقم السنة؛\n_________\n(^١) انظر «صحيح مسلم» رقم (٧٦٠) (١٧٦).","vol":"4","page":520},{"text":"يصب ليلة القدر. وأقره أبي بن كعب على ذلك، وإنما بيَّن أنها في ليلة سبع وعشرين.\nوأما استدلالهم بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «...، فيوافقها ..» فمعناه: يوافقها في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2061>مسألة [٢]: علامات ليلة القدر</span>.\nثبت لها بعض العلامات:\nأحداها: ليلةٌ سمحاءُ، لا حارَّة ولا باردة.\nجاء ذلك من حديث جابر -﵁- عند ابن خزيمة (٢١٩٠)، وابن حبان (٣٦٨٨)، وفي إسناده: الفضيل بن سليمان، وهو ضعيفٌ، وجاء من حديث عبادة ابن الصامت -﵁-، عند أحمد (٥/ ٣٢٤)، وفيه: بقية بن الوليد، ولم يصرح بالتحديث عن شيخ شيخه، وفيه انقطاع: خالد بن معدان لم يسمع من عبادة، وجاء من حديث ابن عباس -﵄-، عند ابن خزيمة (٢١٩٢)، والبزار كما في «الكشف» (١٠٣٤)، وفي سنده: زمعة بن صالح وهو ضعيفٌ، والحديث يرتقي إلى الحسن بمجموع هذه الشواهد، والله أعلم.\nالثانية: نزول المطر.\nجاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، في «الصحيحين» (^٢)، ومن\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢٠٢٢)، «السبل» (٤/ ١٩٢)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٩٧).\n(^٢) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"4","page":521},{"text":"حديث عبد الله ابن أُنيس -﵁-، في «صحيح مسلم» (١١٦٨).\nالثالثة: طلوع الشمس في صبيحة تلك الليلة لا شعاع لها.\nلِمَا أخرجه مسلم (٧٦٢)، عن أُبي بن كعب أنه حدَّث عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ الشمس تطلع من ذلك اليوم لا شعاع لها.\nوله شاهد من حديث ابن مسعود عند أحمد (٣٨٥٧)، من طريق: أبي الصلت، عن أبي عقرب، عنه.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة أبي الصلت، وأبي عقرب، وله شاهد كذلك من حديث عبادة بن الصامت، وقد تقدم بيان حاله، ومن أخرجه.","vol":"4","page":522},{"text":"٦٨٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْت إنْ عَلِمْت أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: «اللهُمَّ إنَّك عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، غَيْرَ أَبِي دَاوُد، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه استحباب الدعاء في تلك الليلة بهذا الدعاء الذي علَّمَه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمَّ المؤمنين عائشة -﵂-.\nويُستحبُّ الإكثار من جميع الأدعية الواردة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والله أعلم.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ١٧١، ١٨٢)، والترمذي (٣٥١٣)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٨٧٢)، وابن ماجه (٣٨٥٠)، كلهم من طريق عبدالله بن بريدة عن عائشة.\nوعبدالله بن بريدة قد نفى الدارقطني سماعه من عائشة؛ ولذلك فقد أورد هذا الحديث شيخنا -﵀- في «أحاديث معلة ظاهرها الصحة».\nولكن قد تابع عبدَالله بن بريدة على هذا الحديث أخوه سليمان بن بريدة، وسليمان قد أدرك عائشة، ولكن لا يعلم هل سمع منها أم لا، فيكون على شرط مسلم؛ لأن مسلمًا لا يشترط ثبوت السماع.\nوقد أخرج رواية سليمان النسائي في «عمل اليوم والليلة» (٨٧٧)، وأحمد (٦/ ٢٥٨).\nومن لم يصحح الأحاديث بشرط مسلم؛ فلا يقل الحديث عن درجة الحسن بطريقيه، والله أعلم.","vol":"4","page":523},{"text":"٦٩٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدُ الحَرَامُ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمَسْجِدُ الأَقْصَى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nبيان معنى الحديث.\nقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ».\nهذا نفيٌ أُريد به النهي، وهو أبلغ من صريح النهي، والرِّحال جمعُ رَحْلٍ، وهو للبعير كالسرج على الفرس، وكنَّى بشد الرِّحال عن السفر؛ لأنَّه لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرَّواحل، والخيل، والبغال، والحمير، والمشي في المعنى المذكور.\nويدلُّ عليه قوله في بعض طرقه: «إنما يسافر ...» أخرجه مسلم (١٣٩٧) (٥١٣)، عن أبي هريرة -﵁-. (^٢)\nويستفاد من هذا الحديث فضيلة هذه المساجد الثلاثة، وشرعية السفر إليها للعبادة: من صلاة، واعتكاف، وغيرها، قال شيخ الإسلام -﵀-: وأما المساجد الثلاثة فاتفق العلماء على استحباب إتيانها للصلاة ونحوها. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٩٧)، ومسلم في كتاب الحج رقم (٤١٥).\n(^٢) انظر: «الفتح» (١١٨٨).\n(^٣) انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٨٠٦).","vol":"4","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2062>مسألة [١]: السفر إلى غيرها من المساجد</span>.\nقال ابن عبد الهادي -﵀-: ولو سافر من بلد إلى بلد، مثل أن يسافر إلى دمشق من مصر لأجل مسجدها أو بالعكس، أو يسافر إلى مسجد قباء من بلد بعيد؛ لم يكن هذا مشروعًا باتِّفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، ولو نذر ذلك لم يَفِ بنذره باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم؛ إلا خلاف شاذٌّ عن الليث بن سعد في المساجد، وقاله ابن مسلمة من أصحاب مالك في مسجد قباء فقط. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2063>مسألة [٢]: النذر لإتيان المساجد الثلاثة</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- في «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٨٠٦): ولكن لو نذر ذلك، هل يجب بالنذر؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما: أنه لا يجب بالنذر إلا إتيان المسجد الحرام خاصة، وهذا أحد قولي الشافعي، وهو مذهب أبي حنيفة، وبناه على أصله في أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع. والقول الثاني: وهو مذهب مالك، وأحمد وغيرهما: أنه يجب إتيان المساجد الثلاثة بالنذر، لكن إن أتى الفاضل أغناه عن إتيان المفضول، فإذا نذر إتيان مسجد المدينة ومسجد إيلياء أغناه إتيان المسجد الحرام، وإن نذر إتيان مسجد إيلياء أغناه إتيان أحد مسجدي الحرمين، وذلك أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (^٢)، وهذا يعم كل طاعة، سواء كان جنسها واجبًا أو لم يكن، وإتيان الأفضل؛ إجراءً للحديث\n_________\n(^١) «الصارم المنكي» (ص ٣٢ - ٣٣).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١٣٧٢).","vol":"4","page":525},{"text":"الوارد في ذلك. اهـ\nقلتُ: قول شيخ الإسلام -﵀- (للحديث الوارد في ذلك) يعني به ما أخرجه أبو داود (٣٣٠٥)، وأحمد (٣/ ٣٦٣)، من حديث جابر -﵁- بإسناد صحيح: أنَّ رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: «صلِّ هاهنا»، فسأله، فقال: «صلِّ هاهنا»، فسأله، فقال: «فشأنك إذًا».\nوقد صححه شيخنا الوادعي -﵀- في «الجامع الصحيح» (٤/ ٤٧١)، وبوب عليه بما اقتضاه كلام شيخ الإسلام المتقدم، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2064>مسألة [٣]: شد الرَّحل لزيارة القبور</span>.\nقال ابن عبد الهادي -﵀- في «الصارم المنكي» (ص ١٨ - ١٩): وذكر -يعني شيخ الإسلام- في ذلك قولين للعلماء، أحدها: القول بإباحة ذلك كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد. والثاني: أنه منهي عنه كما نص عليه إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ولم ينقل عن أحد من الأئمة الثلاثة خلافه، وإليه ذهب جماعة من أصحاب الشافعي وأحمد.\nقال: واحتجَّ الشيخ لمن قال بمنع شدِّ الرِّحال وإعمال الْمُطِّي إلى القبور بحديث مشهور متَّفق على صحَّته وثبوته، من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» (^١). اهـ\n_________\n(^١) أأخرجه البخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧)، من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"4","page":526},{"text":"فتح العلام\nفي دراسة أحاديث بلوغ المرام\nحديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\nتأليف\nأبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني\nفي دار الحديث بدماج\n\nالجزء الخامس\nكتاب الحج - كتاب البيوع\nفَضْلُهُ وَبَيَانُ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ- المَوَاقِيت - وُجُوهُ الإِحْرَامِ وَصِفَتِهِ - الإِحْرَامُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بهِ صِفَةُ الحَجِّ وُدُخُولِ مَكَّةَ- الفَوَاتُ وَالإِحْصَارُ- كِتَاُبُ الْبُيُوعِ- شُرُوطُه وَمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْهُ","vol":"5","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2065>كِتَابُ الْحَجِّ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2066>بَابُ فَضْلِهِ وَبَيَانِ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ</span>\n٦٩١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «العُمْرَةُ إلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ (^١) لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nفيه الحث على الحج والعمرة، وبيان فضلهما، وقد وردت أحاديث أخرى منها:\nحديث أبي هريرة -﵁-، في «الصحيحين» (^٣) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حجٌّ مبرور».\nوفي «الصحيحين» (^٤) عن أبي هريرة -﵁-، مرفوعًا: «من حجَّ فلم يرفث، ولم\n_________\n(^١) المبرور: هو الذي لم يخالطه آثام ومعاصٍ.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٤٩).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٢٦)، ومسلم برقم (٨٣).\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (١٨١٩)، ومسلم برقم (١٣٥٠).","vol":"5","page":5},{"text":"يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه».\nوفي «صحيح مسلم» برقم (١٣٤٨) عن عائشة -﵂-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة».\nوفي «الصحيحين» (^١) عن ابن عباس -﵄- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي»، وحديث عائشة الثاني في الباب.\nوفي «السنن» عن ابن مسعود، وابن عباس -﵃-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد». (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٧٨٢)، ومسلم برقم (١٢٥٦).\n(^٢) حديث ابن مسعود -﵁- أخرجه الترمذي (٨١٠)، والنسائي (٥/ ١١٥)، وأحمد (١/ ٣٨٧)، وإسناده حسن، وحديث ابن عباس -﵄- أخرجه النسائي (٥/ ١١٥) بإسناد حسن، وقد حسنهما الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (٦٩١) (٨٧٥).","vol":"5","page":6},{"text":"٦٩٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الحَجُّ، وَالعُمْرَةُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحِ». (^١)\n\n٦٩٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄- قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ العُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: «لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦/ ١٦٥)، وابن ماجه (٢٩٠١)، وابن خزيمة (٣٠٧٤)، كلهم من طريق محمد بن فضيل بن غزوان حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة به. وهذا الإسناد ظاهره الصحة، ولكن ذكر الحديث بلفظ الأمر تفرد به محمد بن فضيل، فقد روى الحديث عن حبيب بن أبي عمرة جمع بلفظ الخبر والفضيلة، وليس بلفظ الأمر، ومنهم:\nعبدالواحد بن زياد، كما في «البخاري» (١٨٦١)، وأحمد (٦/ ٧٩).\nخالد بن عبدالله الطحان، كما في «صحيح البخاري» (١٥٢٠).\nسفيان الثوري، كما في «صحيح البخاري» (٢٨٧٦).\n\nجرير بن عبدالحميد، كما في «سنن النسائي» (٥/ ١١٤).\nيزيد بن عطاء اليشكري، وهو لين الحديث، كما في «مسند أحمد» (٦/ ٧١).\nوروى الحديث معاوية بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة -﵂- كذلك بدون لفظ الأمر، فالحديث صحيح بدون لفظ الأمر، والله أعلم.\n(^٢) ضعيف، والراجح وقفه. أخرجه أحمد (٣/ ٣١٦)، والترمذي (٩٣١)، وغيرهما، من طريق حجاج ابن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر -﵁- به مرفوعًا. وإسناده ضعيف لضعف حجاج بن أرطاة وتدليسه.\nورواه البيهقي (٤/ ٣٤٩)، من طريق يحيى بن أيوب عن ابن جريج والحجاج بن أرطاة عن ابن المنكدر عن جابر بن عبدالله موقوفًا، ثم قال: هذا هو المحفوظ عن جابر موقوف غير مرفوع.","vol":"5","page":7},{"text":"٦٩٤ - وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ عَنْ جَابِرٍ -﵁- مَرْفُوعًا: «الحَجُّ وَالعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ». (^١)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه ابن عدي (٤/ ١٤٦٨) من طريق ابن لهيعة عن عطاء عن جابر به. وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة، وقال ابن عدي: غير محفوظ.","vol":"5","page":8},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2067>مسألة [١]: حكم الحج</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٧/ ٧): الحجُّ فرضُ عينٍ على كل مستطيع بإجماع المسلمين، وتظاهرت على ذلك دلائل الكتاب والسنة، وإجماع الأمة. اهـ\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٥): وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرةً واحدة. اهـ\nقلتُ: ودليل الوجوب قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بُني الإسلام على خمسٍ ...»، وذكر منها: «حج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا»، وقد استدل على الوجوب أيضًا بأحاديث الباب، وتقدم أنَّ فيها ضعفًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2068>مسألة [٢]: حكم العمرة</span>.\n• في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: الوجوب، وهو قول أحمد، والشافعي في الجديد، وعليه أكثر أصحابه، وإسحاق، والثوري، وغيرهم، وقال به من التابعين: عطاء، وابن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وصحَّ هذا عن جماعة من الصحابة، كعمر، وابنه، وعبدالله بن عباس، وزيد بن ثابت -﵃-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٠٥)، والبيهقي (٤/ ٣٥١)، وغيرهما.\nواستدل على الوجوب بحديث عائشة -﵂-، الذي في الباب: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ»، وممن استدل به: ابن خزيمة -﵀- في «صحيحه»، وقد تقدم الكلام عليه، واستدل ابن عباس -﵄-، بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، قال: والله إنها لقرينتها في كتاب الله.\nواستدل أحمد وغيره بحديث أبي رزين العقيلي، أنه قال للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: إنَّ أبي شيخٌ كبير، لا يستطيع الحج ولا العمرة، ولا الظَّعن، فقال: «حج عن أبيك واعتمر». (^١)\nوذكر أحمد -﵀- أنَّ هذا الحديث أصح حديث يدل على وجوب العمرة.\nوقد صححه شيخنا -﵀- في «الجامع الصحيح» (٢/ ٣٣٩)، وبَوَّبَ عليه: [باب وجوب العمرة].\nوأخرج أبو داود (١٧٩٨)، والنسائي (٥/ ١٤٦ - ١٤٧)، وغيرهما بإسناد صحيح عن الصبي بن معبد أنه قال لعمر بن الخطاب: إني وجدت الحج والعمرة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ١٠، ١١، ١٢)، وأبو داود (١٨١٠)، وابن ماجه (٢٩٠٦)، والترمذي (٩٣٠)، والنسائي (٥/ ١١١) (٥/ ١١٧)، وإسناده صحيح.","vol":"5","page":9},{"text":"مكتوبين عليَّ، وإني أهللت بهما جميعًا ...، الحديث، وفيه قال له عمر: هُدِيت لسنة نبيك -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nتنبيه: القائلون بوجوب العمرة يقولون بوجوبها مرة واحدة في العمر.\nالقول الثاني: الاستحباب، وهو قول الشافعي في القديم وبعض أصحابه، وقال به مالك، والحنفية، وأبو ثور، وأحمد في رواية، وعزاه شيخ الإسلام للأكثر ورجحه.\nوصحَّ عن ابن مسعود كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٠٤)، أنه قال: الحج فريضة، والعمرة تطوع.\nواستدل أصحاب هذا القول بحديث جابر -﵁-، الذي في الكتاب، وهو ضعيفٌ، والرَّاجح وقفه.\nوأخرج ابن ماجه (٢٩٨٩) من حديث طلحة بن عبيد الله مرفوعًا: «الحج جهادٌ، والعمرة تطوع»، وفي إسناده: الحسن بن يحيى الخشني، وهو متروكٌ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب؛ لعدم ثبوت الأمر بها عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما حديث أبي رزين فخرج الأمر جوابًا على سؤاله، وأما حديث الصبي ابن معبد مع عمر -﵁- فغايته أنه يفيد أن عمر -﵁- كان يرى الوجوب وقد خالفه ابن مسعود -﵁- كما تقدم.\nوقد رجح الشوكاني في «السيل»، عدم الوجوب؛ لما ذكرنا، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٤)، «المجموع» (٧/ ٧)، «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٧ - ٩، ٢٥٦).","vol":"5","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2069>مسألة [٣]: العمرة على أهل مكة</span>.\n• صحَّ عن ابن عباس -﵄-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٨٨)، أنه قال: يا أهل مكة لا عمرة لكم، إنما عمرتكم الطَّواف بالبيت.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٤ - ١٥): وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ عُمْرَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى الْعُمْرَةَ وَاجِبَةً، وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ عُمْرَةٌ، إنَّمَا عُمْرَتُكُمْ طَوَافُكُمْ بِالْبَيْتِ. وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ. اهـ\nوذهب شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٤٨ - ٣٠١)، إلى أنها بدعة (ص ٢٦٤)، واختار هذا القول ابن القيم في «زاد المعاد» (٢/ ٩٤)، والإمام الألباني -﵀- في «الصحيحة» (٢٦٢٦).\nوقد استدلوا على عدم المشروعية بأنه لم يثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه اعتمر من مكة، أو خرج إلى خارجها بقصد العمرة، ولم يفعل ذلك أحدٌ من صحابته إلا عائشة وحدها كما في «مجموع الفتاوى»، و«زاد المعاد».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ظاهر كلام الأئمة المتقدمين عدم الوجوب؛ لقولهم (ليس عليه) بخلاف ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما.\n• وذهب طائفة من أهل العلم إلى مشروعية العمرة للمكي، وكذلك للآفاقي إذا أراد أن يكرر، وهذا القول عزاه للأئمة الأربعة صاحب كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة» (١/ ٦٨٥ - ٦٨٦)، وعزاه الشيخ ابن عثيمين للجمهور كما","vol":"5","page":11},{"text":"في «الشرح الممتع» (٧/ ٥٦).\nوقد جاء عن عمر وعلي -﵄- ما يؤيد هذا القول، أخرجهما ابن أبي شيبة، وفي إسناده أذينة العبدي، وهو مجهول.\nوثبت عن ابن عمر، وابن الزبير، وعائشة -﵃-، أنهم كانوا يعتمرون، وهم بمكة؛ يخرجون إلى الحل. أخرج ذلك عنهم ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة.\nوهذا القول اختاره ابن حزم، وابن قدامة، والنووي، وابن دقيق العيد، وابن حجر، والشوكاني، واللجنة الدائمة، والشيخ مقبل -﵀-.\nواستدلوا على ذلك بحديث عائشة في «الصحيحين»، (^١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمرها من التنعيم.\nقال ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٧٨٥): وبعد أن فعلته عائشة بأمره - ﷺ - دلَّ على مشروعيته. اهـ\nوأصحاب هذا القول يقولون: يُحْرِم من أراد العمرة من الحل، ويخرج من الحرم.\nوقد أخرج ابن أبي شيبة بإسناده عن ابن عباس -﵄-، قال: لا يضركم يا أهل مكة ألا تعتمروا؛ فإن أبيتم؛ فاجعلوا بينكم وبين الحرم بطن الوادي. وفي إسناده عمر بن كيسان، وهو مجهول، تفرد بالرواية عنه عمرو بن دينار.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٧٨٥)، ومسلم برقم (١٢١١).","vol":"5","page":12},{"text":"قلتُ: وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يحرم من مكة نفسها، وهو قول البخاري -﵀-، فقد بوَّبَ في «صحيحه»: [باب مهل أهل مكة للحج والعمرة]، واختاره الصنعاني، والشوكاني في «السيل الجرار» (٢/ ٢١٦)؛ لحديث ابن عباس بعد أن ذكر المواقيت مرفوعًا: «هُنَّ لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة».\nوقد أجاب الشيخ ابن عثيمين -﵀- على الاستدلال بحديث ابن عباس كما في «الشرح الممتع» (٧/ ٥٧)، فقال بعد أن ذكره: ظاهره أنَّ العمرة لأهل مكة تكون من مكة. ثم قال: هذا الظاهر يعارضه حديث عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر أخاها أن يخرج بها؛ لتحرم من التنعيم؛ فإن قال قائلٌ: عائشة ليست من أهل مكة، فَأُمِرت أن تخرج إلى الحل؛ لتحرم منه؟ قلنا: ليس المانع من إحرام الآفاقي من مكة هو أنه ليس من أهل مكة، بدليل أنَّ الآفاقي يحرم بالحج من مكة، فلو كانت مكة ميقاتًا للإحرام بالعمرة؛ لكانت ميقاتًا لأهل مكة، وللآفاقيين الذين هم ليسوا من أهلها، وهذا واضح، وأيضًا: العمرة الزيارة، والزائر لابد أن يفد إلى المزور؛ لأنَّ من كان معك في البيت إذا وافقك في البيت لا يقال: (إنه زارك)، وهذا ترجيحٌ لُغوي .... وانظر بقية كلامه. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٤ - ١٥) «المجموع» (٧/ ٢٠٩) «البيان» (٤/ ١١٧) «المحلى» (٨٢٢) «إحكام الأحكام» (٣/ ٧) «النيل» (١٨١٢)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤) (٤/ ٥٣٤).","vol":"5","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2070>مسألة [٤]: هل له أن يعتمر في السنة أكثر من مرة</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكره تكرار العمرة في العام الواحد، وقالوا: يعتمر في العام الواحد مرة واحدة؛ لأنَّ هذا هو الذي ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو قول الحسن، وابن سيرين، ومالك، والنخعي.\n• وذهب أكثر أهل العلم إلى مشروعية التكرار في العام الواحد، وصحَّ عن علي أنه قال: في كل شهر عمرة. أخرجه ابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق مجاهد عن علي به، والصحيح أن مجاهد قد سمع من علي -﵁-.\nوصحَّ عن ابن عمر، عند ابن أبي شيبة، والبيهقي، وعن عائشة عند البيهقي، أنهما اعتمرا عمرتين في سنة واحدة.\nوهو قول عطاء، وطاوس، وعكرمة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأنَّ عائشة -﵂-، اعتمرت في شهرٍ مرتين بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عمرةً في قرانها، وعمرة بعد حجِّها.\nواستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد»، (^١) وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.\nتنبيه: ينبغي أن يُفَرَّق بين العمرتين بفترة زمنية، ولا يوالي بينهما؛ لأنَّ هذا لم يثبت، وإن فرَّق بينهما بسفرٍ من الأسفار؛ فهو أفضل، والله أعلم.\nقال ابن قدامة -﵀- (٥/ ١٧): فَأَمَّا الْإِكْثَارُ مِنْ الِاعْتِمَارِ، وَالْمُوَالَاةُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه تحت حديث (٦٩١).","vol":"5","page":14},{"text":"بَيْنَهُمَا؛ فَلَا يُسْتَحَبُّ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ السَّلَفِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ: إذَا اعْتَمَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَفِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ يُمْكِنُ حَلْقُ الرَّأْسِ. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ.\nوَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: إنْ شَاءَ اعْتَمَرَ فِي كُلِّ شَهْرٍ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الِاعْتِمَارِ. وَأَقْوَالُ السَّلَفِ وَأَحْوَالُهُمْ تَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا نُقِلَ عَنْهُمْ إنْكَارُ ذَلِكَ، وَالْحَقُّ فِي اتِّبَاعِهِمْ. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2071>مسألة [٥]: هل تجزئ عمرة التمتع والقِرَان عن العمرة الواجبة عند من أوجبها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٥): وَتُجْزِئُ عُمْرَةُ الْمُتَمَتِّعَ، وَعُمْرَةُ الْقَارِنِ، وَالْعُمْرَةُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ عَنْ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي إجْزَاءِ عُمْرَةِ التَّمَتُّعِ خِلَافًا، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ\nثم نقل روايةً عن أحمد بأنَّ عمرة القارن لا تجزئ عن العمرة الواجبة؛ لحديث عائشة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أعمرها من التنعيم، ثم صوَّب ابن قدامة أنها تجزئ، واستدل على ذلك بحديث الصبي بن معبد.\nقال -﵀-: ولنا قول الصبي بن معبد: إنِّي وَجَدْت الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٦)، «المجموع» (٧/ ١٤٩)، «المحلَّى» (٨٢٠)، «البيهقي» (٤/ ٣٤٤ -)، «ابن أبي شيبة» (١٢٨٧٠ -).","vol":"5","page":15},{"text":"عَلَيَّ، فَأَهْلَلْت بِهِمَا جَمِيْعًا. فَقَالَ عُمَرُ: هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَحْرَمَ بِهِمَا يَعْتَقِدُ أَدَاءَ مَا كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا، وَالْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَتِهِمَا، فَصَوَّبَهُ عُمَرُ، وَقَالَ: هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك. وَحَدِيْثُ عَائِشَة -﵂-، إِنَّمَا أَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيْمِ قَصْدًا لِتطْيِيبِ قلْبِهَا، وَإِجَابَةِ مَسْأَلَتِهَا، لَا لِأَنَّها كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهَا. انتهى المراد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2072>مسألة [٦]: حكم العمرة المفردة التي تؤدى بعد الحج</span>؟\nفي «الصحيحين» عن عائشة -﵂-، قالت: يا رسول الله يصدر الناس بنسكين، وأصدر بنسك، فقيل لها: انتظري فإذا طهرت، فاخرجي إلى التنعيم، فأهلي ثم ائتينا بمكان كذا ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك.\nوأسند ابن أبي شيبة (١٣١٧٩) بإسنادٍ صحيحٍ عن عائشة -﵂-، أنها كانت تعتمر في آخر ذي الحجة.\nوأخرج بإسنادٍ صحيح عن سعيد بن جبير، أنه سئل عن العمرة بعد الحج بستة أيام؟ فقال: اعتمر إن شئت.\nوأخرج أيضًا عن عمر -﵁-، أنه سئل عن العمرة بعد الحج؛ فقال: هي خير من لا شيء. وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف مختلط، وهو من طريق مجاهد عن عمر، ولم يدركه.\nوأخرج أيضًا عن علي -﵁-، أنه قال: هي خير من مثقال ذرة. وفي إسناده ليث ابن أبي سليم، وهو ضعيف مختلط.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٥ - ١٦)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٠٦).","vol":"5","page":16},{"text":"وأخرج أيضًا عن جابر -﵁-، أنه لم ير بها بأسًا، وقال: ليس فيها هدي. وهو من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر به.\nوإسناده ضعيف؛ لأن ابن جريج، وأبا الزبير مدلسان، ولم يصرحا بالسماع.\nوأسند ابن أبي شيبة (١٣١٨٢) عن ابن عمر بإسنادٍ صحيحٍ، أنه سئل عن العمرة بعد الحج، فقال: إن أناسا يفعلون ذلك، ولأن أعتمر في غير ذي الحجة، أحب إلي من أن أعتمر في ذي الحجة. وأسند عن عطاء وطاوس ومجاهد كراهة ذلك. (^١)\nقال أبو عبد الله غفر الله له: لم يفعل ذلك الصحابة في عهده ﵊؛ سوى عائشة لما شكت من رجوع الناس بنسكين، ورجوعها بنسك؛ فأذن لها النبي - ﷺ -، وعلى هذا فالأقرب أنه مشروع.\nوالأفضل في العمرة أن تكون بسفر خاص بها، وأما تكرار العمرة من التنعيم في كل يوم، أو في كل يومين، أو في كل أسبوع؛ فهذا العمل ليس منه السنة، ولم يعمله النبي - ﷺ -، وأصحابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2073>مسألة [٧]: هل وجوب الحج على الفور، أم على التراخي</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالاول: أنَّ وجوبه على الفور في عامِهِ الذي استطاع فيه الحج، وهذا مذهب أحمد، ومالك، وأبي يوسف، والمزني، والحنفية، والظاهرية.\nواستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ\n_________\n(^١) «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٠٦).","vol":"5","page":17},{"text":"سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، والأمر يقتضي الفور؛ مالم يقترن بقرينة تدلُّ على التراخي على الأصح في علم الأصول.\nوبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أراد الحج فليتعجَّل»، وهو حديث حسن بطريقيه، أخرجه أحمد (١/ ٢١٤، ٢٢٥)، وأبو داود (١٧٣٢)، وابن ماجه (٢٨٨٣)، والدارمي (١٧٨٤)، والحاكم (١/ ٤٤٨)، والبيهقي (٤/ ٣٣٩ -) عن ابن عباس -﵄-.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلِأَنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، فَكَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ، كَالصِّيَامِ، وَلِأَنَّ وُجُوبَهُ بِصِفَةِ التَّوَسُّعِ يُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَخَّرُ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ وَلَا يَأْثَمُ بِالمَوْتِ قَبْلَ فِعْلِهِ؛ لِكَوْنِهِ فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ وَلَيْسَ عَلَى المَوْتِ أَمَارَةٌ يَقْدِرُ بَعْدَهَا عَلَى فِعْلِهِ. اهـ\nالثاني: أنَّ وجوبه موسعٌ وله تأخيره، وهو قول الشافعي وأصحابه، والأوزاعي، والثوري، ومحمد بن الحسن، وهو قول بعض الحنابلة. واستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حجَّ في السنة العاشرة، وقالوا: وجوب الحج كان في السنة السادسة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وهذه الآية نزلت في السنة السادسة؛ لأنها نزلت في كعب بن عجرة يوم الحديبية، وكذلك حج بالناس في السنة التاسعة أبو بكر -﵁-.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، والله أعلم.\nوقد أجاب الإمام ابن عثيمين -﵀- على أدلتهم فقال: وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فغير صحيح؛ لأنَّ هذا ليس أمرًا بهما ابتداءً، ولكنه","vol":"5","page":18},{"text":"أمرٌ بالإتمام بهما، وفرق بين الابتداء والإتمام، وأما فرض الحج فالصواب أنه في السنة التاسعة، ولم يفرضه الله تعالى قبل ذلك؛ لأنَّ فرضه قبل ذلك ينافي الحكمة، وذلك أنَّ قريشًا منعت الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من العمرة، فمن الممكن والمتوقع أن تمنعه من الحج، ومكة قبل الفتح بلاد كفر، ولكن تحررت من الكفر بعد الفتح، وصار إيجاب الحج على الناس موافقًا للحكمة، والدليل على أنَّ الحج فُرِض في السنة التاسعة أنَّ آية وجوب الحج في صدر سورة آل عمران، وصدر هذه السورة نزلت عام الوفود. اهـ\nثم ذكر أن سبب تأخيره عن السنة التاسعة أنَّ الوفود كثرت عليه في تلك السنة؛ ولذلك تُسَمَّى السنة التاسعة: عام الوفود، ولا شك أنَّ استقبال المسلمين الذين جاءوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ ليتفقهوا في دينهم أمرٌ مهم، بل قد نقول: إنه واجبٌ على الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ ليبلغ الناس.\nثم ذكر من الأسباب أيضًا: احتمال أنه أرد تطهير البيت من المشركين والعرايا في ذلك العام الذي حج فيه أبو بكر.\nقال ابن قدامة -﵀-: ويحتمل أنه أخره بأمر الله تعالى؛ لتكون حجته حجة الوداع في السنة التي استدار فيها الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، ويصادف وقفته الجمعة، ويكمل الله دينه. اهـ. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٧/ ١٠٣)، «المغني» (٥/ ٣٦ - ٣٧)، «المحلَّى» (٩١١)، «الشرح الممتع» (٧/ ١٧ - ١٨)، «القِرَى لقاصد أم القُرى» (ص ٦٣ -)، «شرح المناسك من شرح العمدة لشيخ الإسلام» (١/ ١٩٨ -).","vol":"5","page":19},{"text":"٦٩٥ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁-، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ إرْسَالُهُ. (^١)\n\n٦٩٦ - وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف، والراجح إرساله. أخرجه الدارقطني (٢/ ٢١٦)، والحاكم (١/ ٤٤٢)، من طريق يحيى ابن زكريا بن أبي زائدة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس به.\nقال البيهقي بعد أن ذكر هذه الرواية: ولا أراه إلا وهما ثم ساق بإسناده الصحيح عن جعفر بن عون عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن مرسلًا. ثم قال: هذا هو المحفوظ عن قتادة عن الحسن عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسلًا، كذلك رواه يونس بن عبيد عن الحسن.\n\nقلتُ: ويؤيد الإرسال أن أبا بكر القطيعي أخرج الحديث عن عبدالأعلى بن عبدالأعلى عن سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن مرسلًا، كما في «الإرواء» (٤/ ١٦١). وعبدالأعلى سمع من ابن أبي عروبة قبل الاختلاط.\nوقال ابن عبدالهادي في «التنقيح كما في «الإرواء» (٤/ ١٦٠ - ١٦١): والصواب عن قتادة عن الحسن مرسلًا، وأما رفعه عن أنس فهو وهم هكذا قال شيخنا. اهـ قال الألباني: وهو ابن تيمية أو الحافظ المزي، والأول أقرب.\nقلتُ: وقد توبع سعيد بن أبي عروبة، تابعه حماد بن سلمة عند الحاكم (١/ ٤٤٢)، ولكن الراوي عن حماد هو أبو قتادة عبدالله بن واقد الحراني، وهو متروك؛ فلا عبرة بهذه المتابعة.\nوبهذا البيان يتبين أن حديث أنس الراجح إرساله، وقد رجح ذلك الإمام الألباني -﵀-.\nوقد جاء الحديث عن جابر بن عبدالله عند الدارقطني (٢/ ٢١٥)، وفي إسناده: محمد بن عبدالله بن عبيد بن عمير الليثي وهو متروك.\nوجاء من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص عند الدارقطني (٢/ ٢١٥) أيضًا، وفي إسناده محمد بن عبيدالله العرزمي وهو متروك، وتابعه ابنُ لهيعة وهو ضعيف.\nوجاء من حديث عائشة -﵂-، وليس بمحفوظ، علَّقه الدارقطني (٢/ ٢١٦)، وفي إسناده: عتاب بن أعين، وهو الذي وهم فيه. وجاء من حديث ابن عمر وهو الذي سيأتي. انظر: «نصب الراية» (٣/ ٨)، و«التلخيص» (٢/ ٤٢٣)، و«الإرواء» (٩٨٨).\n(^٢) ضعيف جدًّا. أخرجه الترمذي (٨١٣)، وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو متروك.","vol":"5","page":20},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين مع تقديم\nبعض المسائل المتعلقة بالباب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2074>مسألة [١]: شروط وجوب الحج</span>.\nالشرط الأول: الإسلام.\nقال ابن قدامة -﵀-: وأما الكافر فغير مخاطبٍ بفروع الدين خطابًا يُلزِمه أداءً، ولا يوجب قضاء. اهـ\nقال النووي -﵀-: فالكافر الأصلي لا يُطالب بفعله في الدنيا بلا خلاف، سواء الحربي، والذِّمِّي، والكتابي، والوثني، والمرأة، والرجل، وهذا لا خلاف فيه، فإذا استطاع في حال كفره ثم أسلم وهو معسر لم يلزمه الحج؛ إلا أن يستطيع بعد ذلك؛ لأنَّ الاستطاعة في الكفر لا أثر لها. اهـ\nوهذا الشرط لا خلاف فيه إذا كان الكافر أصليًّا، ذكره النووي، وابن قدامة.\nوقال صاحب «الإنصاف» (٣/ ٣٥١): إنْ كان الكافر أصليًّا؛ لم يجب عليه إجماعًا. اهـ\nوقال ابن حزمٍ -﵀-: إجماعٌ مُتَيَقَّن. اهـ\nوأما الكافر المرتد فاختلفوا فيه، والأصح عند الشافعية: أنَّ الوجوب يتعلق بذمته إذا استطاع أثناء ردته، وهو وجهٌ عند الحنابلة، والوجه الثاني عند الحنابلة: أنَّ الوجوب لا يتعلق بذمته إذا استطاع أثناء ردته، وهذا الوجه هو مقتضى مذهب الظاهرية، ومالك، وأبي حنيفة، كما تقدم في الصلاة. وهذا القول أقرب؛ لأنه","vol":"5","page":21},{"text":"كافر، ولا دليل على التفريق بين الأصلي والمرتد.\nالشرط الثاني: العقل.\nلقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رُفع القلم عن ثلاثة ...» (^١)، وذكر منهم: «المجنون حتى يعقل».\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٧/ ٢٠): وأجمعت الأمة على أنه لا يجب الحج على المجنون. اهـ\nقال صاحب «الإنصاف» (٣/ ٣٥١): لا يجب الحج على المجنون إجماعًا. اهـ\nالشرط الثالث: البلوغ.\nلحديث: «رُفع القلم عن ثلاثة ...»، ومنهم: «الصبي حتى يبلغ»، قال ابن قدامة -﵀- (٥/ ٦): لا نعلم في هذا اختلافًا. اهـ\nالشرط الرابع: الحرية.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٦): وأما العبد فلا يجب عليه؛ لأنه عبادة تطول مدتها، وتتعلق بقطع مسافة، وتشترط لها الاستطاعة بالزاد، والراحلة، ويضيع حقوق سيده المتعلقة به؛ فلم يجب عليه كالجهاد. وقال: ولا نعلم في هذا اختلافًا. اهـ\nوقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٧/ ٤٣): أجمعت الأمة على أنَّ العبد لا يلزمه الحج؛ لأنَّ منافعه مستحقة لسيده، فليس هو مستطيعًا. انتهى المراد.\nقلتُ: خالف ابن حزمٍ فأوجبه على العبد إنِ استطاع كما في «المحلَّى» (٨١١).\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١٠٨٤).","vol":"5","page":22},{"text":"الشرط الخامس: الاستطاعة.\nالاستطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧].\nقال ابن قدامة -﵀-: لا نعلم فيه اختلافًا.\nوقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٧/ ٦٣): الاستطاعة شرطٌ لوجوب الحج بإجماع المسلمين. اهـ\nتنبيه: الشرط الأول والثاني شرطٌ للوجوب والصحة، والشرط الثالث شرطٌ للوجوب والإجزاء، وليس شرطًا للصحة، والشرط الرابع شرطٌ للوجوب فقط، وقال الجمهور: شرطٌ للإجزاء أيضًا. والشرط الخامس شرطٌ للوجوب فقط.\nتنبيه آخر: إن ارتد، أو جُنَّ بعد أن استطاع وتمكن من الحج؛ فإنَّ ذلك لا يسقط من ذمته، بل عليه الحج إذا أسلم، أو أفاق من جنونه، على الصحيح من قولي أهل العلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2075>مسألة [٢]: ما ضابط الاستطاعة المشترطة</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالقول الأول: الصحة وقوة الجسم، وهو قول عكرمة ومالك.\nالقول الثاني: الاستطاعة هي الزاد والراحلة، وبه قال الحسن، ومجاهد،\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٣/ ٣٥١).","vol":"5","page":23},{"text":"وسعيد بن جبير، وأحمد، والشافعي، وإسحاق. قال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم. واستدلوا بحديث أنس -﵁- الذي في الباب.\nالقول الثالث: استطاعة كل إنسان بحسبه، فبعضهم لا يحتاج إلى راحلة، ويستطيع أن يمشي بدون مشقة، وبعضهم لا يحتاج إلى زاد؛ لاستغنائه بتجارة، أو عمل يوافقه في الطريق، فيكون في حكم من تزود، وبعضهم عنده الزاد والراحلة، وليس عنده القدرة على الذهاب؛ فيجب عليه أن ينوب غيره.\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلى» (٨١٥): واستطاعة السبيل الذي يجب به الحج إِمَّا صحةُ الجسم والطاقة على المشي والتكسب من عمل أو تجارة ما يبلغ به إلى الحج ويرجع إلى موضع عيشه أو أهله، وإما مال يُمَكِّنُه من ركوب البحر أو البر، والعيش منه حتى يبلغ مكة ويرده إلى موضع عيشه أو أهله، وإن لم يكن صحيح الجسم؛ إلا أنه لا مشقة عليه في السفر برًّا أو بحرًا، وإما أن يكون له من يطيعه؛ فيحج عنه ويعتمر بأجرة أو بغير أجرة إن كان هو لا يقدر على النهوض لا راكبًا ولا راجلًا، فأي هذه الوجوه أمكنت الإنسان المسلم العاقل البالغ؛ فالحج والعمرة فرضٌ عليه، ومن عجز عن جميعها؛ فلا حج عليه ولا عمرة. اهـ\nثم نقل ابن حزمٍ -﵀- (٧/ ٥٤) عن ابن عباس، وابن الزبير -﵃-، ما يدل على هذا القول، ولكن بإسنادين ضعيفين، ثم قال: وهو أحد قولي عطاء. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وهو قول بعض الحنابلة، وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ حديث الباب لم يثبت، ولأنه يشمله قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ","vol":"5","page":24},{"text":"سَبِيلًا﴾، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2076>مسألة [٣]: ضابط الزاد الذي يشترط القدرة عليه</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١١): هُوَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ مِنْ مَأْكُولٍ، وَمَشْرُوبٍ، وَكُسْوَةٍ؛ فَإِنْ كَانَ يَمْلِكُهُ، أَوْ وَجَدَهُ يُبَاعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فِي الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ، أَوْ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَتْ تُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ. اهـ\nوقال -﵀- (٥/ ١١ - ١٢): وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِنَفَقَةِ عِيَالِهِ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ مَئُونَتُهُمْ، فِي مُضِيِّهِ وَرُجُوعِهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهُمْ أَحْوَجُ، وَحَقُّهُمْ آكَدُ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» (^٢). اهـ. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2077>مسألة [٤]: من استطاع التزود ولكن عليه دين</span>؟\n• ذكر كثيرٌ من أهل العلم أنه لا يجب عليه الحج؛ لأنه غير مستطيع، والمال الذي في حوزته يحتاجه في قضاء دينه، وسواء كان الدين حالًا أو مؤجلًا.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الحج إذا كان الدين مؤجلًا أجلًا لا\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٧/ ٧٨)، «المغني» (٥/ ٨ - ٩)، «الإنصاف» (٣/ ٣٦٢)، «المحلَّى» (٨١٥).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١١٤٢).\n(^٣) وانظر: «الإنصاف» (٣/ ٣٦٤)، «المجموع» (٧/ ٦٩).","vol":"5","page":25},{"text":"ينقضي إلا بعد رجوعه من الحج. ورجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2078>مسألة [٥]: من كان له عقار من أرض أو دار</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٢): وَمَنْ لَهُ عَقَارٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِسُكْنَاهُ، أَوْ سُكْنَى عِيَالِهِ، أَوْ يَحْتَاجُهُ إلَى أُجْرَتِهِ لِنَفَقَةِ نَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ، أَوْ بِضَاعَةٌ مَتَى نَقَصَهَا اخْتَلَّ رِبْحُهَا فَلَمْ يَكْفِهِمْ، أَوْ سَائِمَةٌ يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ؛ لَزِمَهُ بَيْعُهُ فِي الْحَجِّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2079>مسألة [٦]: هل يدخل في الاستطاعة المشترطة أمن الطريق</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ أمن الطريق شرطٌ في وجوب الحج؛ لأنه إن كان يخشى على نفسه، أو ماله؛ فهو غير مستطيع، وقال تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، وقال به بعض أصحابه.\n• وذهب أحمد في رواية -وهو قول بعض أصحابه- إلى أنَّ تخلية الطريق ليس شرطًا لوجوب الحج، بل هو شرط للزوم السعي، فلو استطاع الحج ولكن الطريق ليست آمنة، فيبقى الحج في ذمته.\nوالأقرب هو القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٢)، «المجموع» (٧/ ٦٨)، «الإنصاف» (٣/ ٣٦٤)، «الشرح الممتع» (٧/ ٣٠ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ٧)، «المجموع» (٧/ ٦٣).","vol":"5","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2080>مسألة [٧]: هل يدخل في الاستطاعة المشترطة إمكان الوصول قبل فوات الحج</span>؟\n• ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى أنَّ إمكان السير يدخل في الاستطاعة المشترطة؛ لأنه إن استطاع الحج في وقتٍ لا يدركه؛ فهو في حكم عدم المستطيع، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهو قول بعض أصحابه، وقال به ابن حزم.\n• وذهب أحمد في رواية وهو قول بعض أصحابه إلى أنَّ إمكان السير ليس شرطًا لوجوب الحج، بل هوشرطٌ للزوم السَّعي، فلو استطاع الحج في وقتٍ لا يدركه؛ لزمه الحج، ويبقى في ذمته.\nوالصواب هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٧)، «المجموع» (٧/ ٦٣)، «المحلَّى» (٩١٢).","vol":"5","page":27},{"text":"٦٩٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟» قَالُوا: المُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: «رَسُولُ اللهِ» فَرَفَعَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَك أَجْرٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٣٣٦).","vol":"5","page":28},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2081>مسألة [١]: حج الصبي</span>.\n• ذهب عامَّةُ أهل العلم إلى مشروعية الحج بالصبيان، واستدلوا بحديث الباب، وبحديث السائب بن يزيد -﵁- في «البخاري» (١٨٥٨) قال: حُجَّ بي مع النبي - ﷺ -، وأنا ابن سبع سنين.\nوذكر القاضي عياض أنه لم يخالف في ذلك إلا بعض أهل البدع، ونقله عنه النووي، ثم الشوكاني. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2082>مسألة [٢]: كيفية الإحرام وأفعال الحج</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٥٠): إن كان مميزًا أحرم بإذن وليه، وإن كان غير مميز أحرم عنه وليه، فيصير محرمًا بذلك، وبه قال مالك، والشافعي، ورُوي عن عطاء والنخعي، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد إحرام الصبي، ولا يصير محرمًا بإحرام وليه. انتهى المراد.\nومعنى قول أبي حنيفة: أنَّ للصبي أن يحج، ولكنه ليس مُلْزِمًا له بشيء، حتى وإن فعل بعض المحظورات، بل هو للتدريب. وهذا قول ابن حزم أيضًا.\nبينما ذهب الجمهور إلى أنَّ الولي يلزمه أن يجنب الصبي محظورات الإحرام، وإذا فعل ما يلزمه الفدية وجب على الولي عند أكثرهم، وقال بعضهم: يجب في مال الصبي.\nوقال ابن قدامة -﵀- (٥/ ٥٢): كل ما أمكنه فعله بنفسه؛ لزمه فعله، ولا ينوب غيره عنه فيه، كالوقوف، والمبيت بمزدلفة، ونحوهما، وما عجز عنه عمله الولي عنه، قال ابن المنذر: كل من حفظت عنه من أهل العلم يرى الرَّمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي ..، وأما الطواف؛ فإنْ أمكنه المشي مشى، وإلا طِيْفَ به محمولًا، أو راكبًا. انتهى باختصار.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٥٠)، «الفتح» (١٨٥٦)، (١٨٥٨)، «المحلَّى» (٩١٥)، «شرح مسلم» (١٣٣٦).","vol":"5","page":29},{"text":"٦٩٨ - وَعَنْهُ -﵁-، قَالَ: كَانَ الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ -﵄- رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَتَنْظُرُ إلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إلَى الشِّقِّ الآخَرِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤).","vol":"5","page":30},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2083>مسألة [١]: الإنابة في الحج للعاجز عن الحج بنفسه</span>.\nدلَّ حديث الباب على أنَّ من كان مستطيعًا الحج بالزاد والراحلة، ولم يكن مستطيعًا بنفسه أنه يجب عليه أن ينوب غيره بالحج، وهذا قول جمهور العلماء.\n• وخالف مالك فقال: لا يجب عليه الحج؛ لأنه غير مستطيع، وأجاب عن الحديث بأنَّ المرأة فعلت ذلك تطوعًا منها لأبيها، وقال: ليس في الحديث إيجاب الإنابة.\nوأجاب عليه الجمهور: بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أقرَّ المرأة بقولها: فريضة الله أدركت أبي. فكانت تسأل: أيجزئ أن تؤدي عن أبيها هذه الفريضة؟ ويؤيد ذلك رواية مسلم: إنَّ أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج.\nوالصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2084>مسألة [٢]: إذا نوَّبَ العاجزُ غيره ثم أطاق الحج بعد ذلك</span>؟\n• ذهب الشافعي، وأبو حنيفة وأصحابهما وعزاه الحافظ للجمهور أنَّ ذلك الحج لا يجزئه عن حجة الإسلام، ويجب عليه أن يحج حجةً أخرى؛ لأنه تبين أنه لم يكن ميؤوسًا منه.\n• وذهب أحمد، وإسحاق، والظاهرية إلى أنه تُجْزِئه تلك الحجة عن حجة الإسلام؛ لأنه قد فعل ما يستطيعه في ذلك الحال.\nقال ابن حزمٍ -﵀-: ولو كان ذلك عائدًا؛ لبيَّنَ -﵇-، إذ قد يقوى الشيخ فيطيق الركوب؛ فإذ لم يخبر النبي - ﷺ - بذلك؛ فلا يجوز عودة الفرض عليه بعد صحة تأديته عنه. اهـ\nوهذا القول أقرب، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2085>مسألة [٣]: هل يجوز لمن يستطيع الحج بنفسه أن يُنيب غيره</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب، وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي، وعن أحمد روايتان. اهـ\nقلتُ: والصواب أنه لا يجوز أن يُنيب غيره حتى في النفل؛ لعدم وجود دليل على ذلك. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٩)، «الفتح» (١٨٥٣)، «المحلَّى» (٨١٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ٢١)، «الفتح» (١٥١٣)، «المحلَّى» (٨١٦).\n(^٣) انظر: «المغني» (٥/ ٢٢)، «المجموع» (٧/ ١١٦)، «الفتح» (١٨٥٣).","vol":"5","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2086>مسألة [٤]: المريض مرضًا غير مأيوس من شفائه هل له أن يُنيب غيره</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا ينيب غيره؛ لعدم وجود دليل على ذلك.\n• وخالف أبو حنيفة، فقال: له أن ينيب غيره.\nوالصواب قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2087>مسألة [٥]: الأعمى والمقعد هل يُنَوِّبان غيرهما</span>؟\n• ذهب أبو حنيفة في الأصح عنه إلى أنهما لا يلزمهما أن يحجا بأنفسهما، بل ينوِّبان غيرهما.\n• وذهب جمهور العلماء، ومنهم: الشافعي، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد، والظاهرية إلى أنه إن كان هناك من يعينه بلا مشقة شديدة عليه؛ وجب عليه أن يحج بنفسه، وإن لم؛ فينوب غيره. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2088>مسألة [٦]: إنابة الرجل عن المرأة والعكس</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢٧): يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ الرَّجُلُ عَنْ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ، وَالمَرْأَةُ عَنْ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ فِي الْحَجِّ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا الْحَسَنَ بْنَ صَالِحٍ؛ فَإِنَّهُ كَرِهَ حَجَّ الْمَرْأَةِ عَنْ الرَّجُلِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذِهِ غَفْلَةٌ عَنْ ظَاهِرِ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ المَرْأَةَ أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا. اهـ. (^٣)\n\n٦٩٩ - وَعَنْهُ -﵁-، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللهَ؛ فَاللهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٧/ ١١٦)، «المغني» (٥/ ٢٢).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٧/ ٨٥)، «المحلَّى» (٨١٥).\n(^٣) وانظر: «شرح مسلم» (١٣٣٤).\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (١٨٥٢).","vol":"5","page":32},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2089>مسألة [١]: من مات وعليه حجٌّ واجبٌ</span>.\n• من مات وعليه حجٌّ واجب؛ وجَبَ أن يُحَجَّ عنه من ماله كاملًا، وهو قول الحسن، وعطاء، وطاوس، وأحمد، والشافعي، والظاهرية، وعزاه ابن حزم للجمهور.\nواستدلوا بحديث الباب، وبحديث ابن عباس -﵄-، عند النسائي (٥/ ١١٦ - ١١٧) بإسناد صحيح أنَّ امرأة سألت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن أبيها مات ولم يحجَّ؟ قال: «حُجِّي عن أبيك»، وبقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]، ودين الله أحقُّ بالوفاء.\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه يسقط عنه؛ إلا أن يوصي به فيخرج من الثلث، ورُوي عن الشعبي، والنخعي؛ لأنه عبادة بدنية، فتسقط بالموت كالصلاة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول، وهو عبادة تدخله النيابة؛ فلم يسقط، بخلاف الصلاة، ورجَّح هذا القول الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2090>مسألة [٢]: هل يجوز أن يحج عن الميت حج تطوع</span>؟\n• أما إذا أوصى الميت بذلك فذهب أكثر الفقهاء إلى أنه يحج عنه، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة، والأصح عند الشافعية.\n• وعند الشافعية وجهٌ بعدم ذلك.\n• وأما إذا لم يوص فلا خلاف عند الشافعية في المنع من ذلك، وكره ذلك مالك، وإن فعل صح ذلك عنده.\n• ومذهب أحمد وأبي حنيفة: جواز الإهداء في ثواب جميع العبادات البدنية.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الحج عبادة بدنية ومالية؛ فيجوز فيها النيابة، وإن كان تطوعًا، وكما جاز لو وصى؛ فيجوز إذا لم يوصِّ بذلك، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2091>مسألة [٣]: من أناب غيره بالحج، فمن أين يحج عنه</span>؟\n• هذه المسألة فيها أقوال:\nالأول: من بلده، أو الموضع الذي أيسر فيه، وهو قول الحسن، وأحمد،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٣٨)، «المجموع» (٧/ ١١٢)، «المحلَّى» (٨١٨)، «فتاوى اللجنة» (١١/ ١٠١)، «القِرَى لقاصد أم القرى» (ص ٨٠)، «الشرح الممتع» (٧/ ٤٨).\n(^٢) انظر: «الروضة» (٣/ ١٣)، «المجموع» (٧/ ١١٢، ١١٤)، «الحاوي» (٤/ ١٧، و٢٦٤، و٢٧٩)، «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٢٢).","vol":"5","page":33},{"text":"وإسحاق، ومالك في النذر؛ لأنه يجب على العاجز أو الميت من ذلك المكان؛ فوجب أن يُناب عنه منه.\nالثاني: قال عطاء في الناذر: إن لم يكن نوى مكانًا؛ فمن ميقاته، واختاره ابن المنذر.\nالثالث: قال الشافعي: يستأجر من يحج عنه من الميقات؛ لأنَّ الإحرام لا يجب من دونه.\nقلتُ: وهذا القول هو الصواب -أعني قول الشافعي- ولا يشترط أن يكون من نفس ميقات الميت، بل ينوبه من ميقات البلدة التي يقيم بها النائب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٣٩)، «الشرح الممتع» (٧/ ٣٩ - ٤٠).","vol":"5","page":34},{"text":"٧٠٠ - وَعَنْهُ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الحِنْثَ، فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى». رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ، وَالمَحْفُوظُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. (^١)\n_________\n(^١) الراجح وقفه. أخرجه البيهقي (٤/ ٣٢٥) (٥/ ١٧٩)، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (٣٠٥٠) وغيره من طريق محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس مرفوعًا.\nقال البيهقي (٥/ ١٧٩): تفرد برفعه محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن شعبة، ورواه غيره عن شعبة موقوفًا، وكذلك رواه سفيان الثوري عن الأعمش موقوفًا وهو الصواب. اهـ\nقلتُ: وممن رواه عن شعبة موقوفًا عبدالوهاب بن عطاء عند البيهقي (٤/ ٣٢٥)، وابن أبي عدي عند ابن خزيمة (٣٠٥٠)، ثم قال ابن خزيمة: هذا علمي هو الصحيح بلا شك.\nقلتُ: وممن رواه عن الأعمش موقوفًا أبومعاوية وهو أثبت الناس في الأعمش كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٤٥) فعزو الحافظ المرفوع إلى ابن أبي شيبة يعتبر وهمًا، فلم يخرجه إلا موقوفًا.\nورواه الشافعي في «مسنده» (١/ ٢٨٣) من طريق أبي السفر عن ابن عباس موقوفًا.\nفالصواب أن الحديث موقوف على ابن عباس والله أعلم.\n\nوله شاهد من مراسيل محمد بن كعب القرظي، أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٤٤٤) وأبوداود في «المراسيل» (١٣٤) ولا يصلح للاستشهاد؛ لأن محمد بن كعب روايته عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- معضلة، والراوي عنه رجل لم يسم. وله شاهد من حديث جابر عند البيهقي (٥/ ١٧٩)، وفي إسناده حرام ابن عثمان وهو متروك.","vol":"5","page":35},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2092>مسألة [١]: هل يجزئ الصبي حَجُّهُ عن حجة الإسلام</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٤): قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ، إلَّا مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ خِلَافًا عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا حَجَّ فِي حَالِ","vol":"5","page":36},{"text":"صِغَرِهِ، ثُمَّ بَلَغَ أَنَّ عَلَيْه حَجَّةَ الْإِسْلَامِ.\nثم قال -﵀-: كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: السبب في ذلك أنه غير مكلف؛ فيكون الحج في حقِّه تطوعًا، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2093>مسألة [٢]: هل يجزئ العبد حجُّه عن حجَّةِ الإسلام</span>؟\n• ذهب من تقدم ذكرهم في المسألة السابقة إلى أنَّ العبد لا يجزئه حجُّه عن حجة الإسلام، بل عليه إذا أُعتِق أن يحج حجة أخرى.\n• وقد خالف ابن حزم -﵀- في هذه المسألة، فقال بإجزائه عن العبد؛ لأنه مكلَّفٌ بالغٌ، فيقع منه ذلك عن حجة الإسلام، ونقله عن القاسم بن محمد، ومجاهد، وسليمان بن يسار، ونصوصهم فيما إذا أذن له السيد، وأما إذا لم يأذن له السيد فظاهر كلام ابن حزم أنه يجزئه أيضًا، وهو الصواب.\nوقد توقَّف الشيخ ابن عثيمين -﵀- في مسألة الإجزاء للعبد في «الشرح الممتع» (٧/ ١٩)، ثم رجَّح في (٧/ ٢٧) أنه يصح حجُّه ويجزِئه عن حجة الإسلام، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٤٤ - ٤٥)، «المحلَّى» (٨١٢).","vol":"5","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2094>مسألة [٣]: إذا بلغ الصبي، أو عتق العبد أثناء الحج</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٥): فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ بِعَرَفَةَ، أَوْ قَبْلَهَا، غَيْرَ مُحْرِمَيْنِ، فَأَحْرَمَا وَوَقَفَا بِعَرَفَةَ، وَأَتَمَّا الْمَنَاسِكَ، أَجْزَأْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.\nقال: وَإِنْ كَانَ الْبُلُوغُ وَالْعِتْقُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ، أَجْزَأْهُمَا أَيْضًا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (^١)، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ فِي الْعَبْدِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُهُمَا. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُجْزِئُ الْعَبْدَ، فَأَمَّا الصَّبِيُّ؛ فَإِنْ جَدَّدَ إحْرَامًا بَعْدَ أَنْ احْتَلَمَ قَبْلَ الْوُقُوفِ، أَجْزَأَهُ، وَإِلَّا فَلَا. انتهى المراد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما العبد فقد تقدم أنه يجزئه حجُّه، وإن لم يعتق؛ فإن عتق فمن باب أولى.\nوأما الصبي فالأقرب أنه يجزئه عن حجة الإسلام؛ إذا كان بلوغه قبل الوقوف بعرفة، كما قال أحمد، والشافعي، وإسحاق، اختاره ابن حزمٍ أن يجدد الإحرام كما في «المحلَّى» (٩١٦).\n_________\n(^١) أخرج أحمد كما في «مسائل عبدالله» (ص ٢١٤) عن ابن عباس -﵄- ما يفيد ذلك في حق العبد، وفي إسناده: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيفٌ مختلط.","vol":"5","page":38},{"text":"٧٠١ - وَعَنْهُ -﵁-، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرُ المَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِك». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٦٢)، ومسلم (١٣٤١).","vol":"5","page":39},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2095>مسألة [١]: هل المَحْرَمُ شرطٌ لوجوب حج المرأة</span>؟\n• ذهب طائفةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الْمَحْرَم شرطٌ لوجوب حج المرأة، ويدخل في السبيل الذي ذكره الله بقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، وهو قول أحمد، وإسحاق، والثوري، والشافعي في قول، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، ومن التابعين: الحسن، والنخعي.\nواستدلوا بحديث الباب، وبحديث أبي هريرة، وابن عمر، وهما في «الصحيحين»: «لا تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرم»، وجاء عن غيرهما. (^١)\n• وجاء عن أحمد رواية: أنَّ الْمَحْرَمَ شرطٌ للزوم السعي لا لوجوب الحج، ورواية أخرى: أنَّ الْمَحْرَمَ لا يشترط في الحج الواجب.\n• وذهب ابن سيرين، ومالك، والشافعي، والأوزاعي إلى أنَّ المحرم ليس شرطًا بحال.\nقال ابن سيرين -﵀-: تخرج مع رجلٍ من المسلمين، وقال مالك: تخرج مع جماعة النساء، وقال الشافعي: تخرج مع حُرَّةٍ مسلمة ثقة، وقال الأوزاعي: وتخرج مع قوم عدول.\nواحتجُّوا بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فسَّر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وبحديث عدي بن حاتم في «صحيح البخاري» (٣٥٩٥): «يوشك أن تخرج الظَّعِيْنَةُ من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله»، وقالوا: هو سفرٌ واجب، فلم يشترط له المحرم، كالمسلمة إذا تخلَّصت من أيدي الكفار، وهذا قول ابن حزم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ للأدلة المتقدمة، قال ابن المنذر: تركوا القول بظاهر الحديث واشترط كل واحد منهم شرطًا لا حجة معه عليه.\nوهو ترجيح اللجنة الدائمة، والشيخ ابن باز -﵀-، وكذلك الشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهما.\nوأما أدلتهم فأولها ضعيفٌ، وثانيها ليس بصريح؛ فإنه يدل على وقوع هذا السفر لا على جوازه.\nقال ابن قدامة -﵀-: وأما الأسيرة إذا تخلصت من أيدي الكفار؛ فإنَّ سفرها سفر ضرورة لا يُقَاس عليه حالة الاختيار، ولذلك تخرج وحدها، ولأنها تدفع ضررًا متيقنًا بتحمل الضرر المتوهم، فلا يلزم تحمل ذلك من غير ضرر\n_________\n(^١) أخرجهما البخاري برقم (١٠٨٨) (١٠٨٧)، ومسلم برقم (١٣٣٩) (١٣٣٨).","vol":"5","page":40},{"text":"أصلًا. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2096>مسألة [٢]: ضابط الْمَحْرَم</span>.\nهو زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد بنسبٍ، أو سببٍ مباحٍ كالرَّضاع، والمصاهرة؛ إلا الملاعِنَة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2097>مسألة [٣]: هل يلزم المحرم أن يحج معها إذا بذلت له النفقة</span>؟\n• ذهب أحمد في رواية إلى أنه يلزمه، وهو اختيار ابن حزمٍ، واستدل بحديث الباب: «انطلق، فحج مع امرأتك».\n• وذهب أحمد في الرواية الأخرى إلى أنه لا يلزمه، وصححه ابن قدامة، فقال: والصحيح أنه لا يلزمه الحج معها؛ لأنَّ في الحج مشقة شديدة، وكُلفة عظيمة؛ فلا تلزم أحدًا لأجل غيره، كما لم يلزمه أن يحج عنها إذا كانت مريضة.\nواختار هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-، قال: وأما الحديث؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمره أن يحج مع امرأته؛ لأنَّ المرأة قد شرعت في السفر، ولا طريق من الخلاص من ذلك إلا أن يسافر معها. اهـ. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٣٠)، «المجموع» (٧/ ٨٦ - ٨٧)، «الشرح الممتع» (٧/ ٤٢)، «فتاوى اللجنة» (١١/ ٩١)، «القِرَى لقاصد أم القُرَى» (ص ٧٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ٣٤)، «المحلَّى» (٨١٣)، «الشرح الممتع» (٧/ ٤٧ - ٤٨).","vol":"5","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2098>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2099>مسألة [١]: هل العبد مَحْرَمٌ لسيدته</span>؟\n• ذهب أحمد إلى أنه ليس بِمَحْرَمٍ؛ لأنه ليس بِمُحَرَّمٍ عليها على التأبيد؛ فإنه يجوز له الزواج منها إذا أعتقته. وهو قول الحنفية، والمالكية، وبعض الشافعية؛ لأنهم قالوا: هو منها كالأجنبي حتى في النظر.\n• وذهب الشافعي إلى أنه يُعَدُّ محرمًا؛ لأنه يجوز له أن ينظر إليها؛ فجاز له السفر معها كبقية المحارم.\nوالصواب هو قول أحمد، والله أعلم، وقد جاء في المنع حديث صريحٌ، ولكنه لم يثبت، وهو حديث: «سفر المرأة مع عبدها ضيعة». أخرجه البزار (٥٩٩٣)، والطبراني في «الأوسط (٦٦٣٩) من طريق بزيع بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر به. قال أبو حاتم: هذا حديث منكر، ويرويه ضعيف الحديث. اهـ\nقلتُ: بزيع بن عبد الرحمن، لم يرو عنه غير إسماعيل بن عياش، وضعفه أبو حاتم كما تقدم، وإسماعيل بن عياش، روايته عن غير الشاميين ضعيفة، وبزيع مجهول لا يدرى من هو. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٣)، «الموسوعة الفقهية» (٣٦/ ٢٠٥).","vol":"5","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2100>مسألة [٢]: هل يشترط في المحرم أن يكون بالغًا عاقلًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٤): وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَحْرَمِ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا. قِيلَ لِأَحْمَدَ: فَيَكُونُ الصَّبِيُّ مَحْرَمًا؟ قَالَ: لَا، حَتَّى يَحْتَلِمَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَخْرُجُ مَعَ امْرَأَةٍ.\nوَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمَحْرَمِ حِفْظُ الْمَرْأَةِ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا مِنْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ، فَاعْتُبِرَ ذَلِكَ. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2101>مسألة [٣]: هل يشترط أن يكون مسلمًا</span>؟\n• ذهب أحمد إلى اشتراط كونه مسلمًا؛ لأنه لا يؤمن عليها أن يفتنها عن دينها، وليس له ولاية عليها بالنكاح وغيره، فكذلك في السفر.\n• وذهب أبو حنيفة، والشافعي إلى أنه محرم لها؛ لأنها محرمة عليه على التأبيد.\nواختار هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-، بشرط أن يؤمن عليها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2102>مسألة [٤]: على من نفقة الْمَحْرَم</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٤): وَنَفَقَةُ الْمَحْرَمِ فِي الْحَجِّ عَلَيْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهَا، فَكَانَ عَلَيْهَا نَفَقَتُهُ، كَالرَّاحِلَةِ؛ فَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ فِي اسْتِطَاعَتِهَا أَنْ تَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً لَهَا وَلِمَحْرَمِهَا؛ فَإِنْ امْتَنَعَ مَحْرَمُهَا مِنْ الْحَجِّ مَعَهَا، مَعَ بَذْلِهَا لَهُ نَفَقَتَهُ، فَهِيَ كَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٣/ ٣٧٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ٣٣ - ٣٤)، «الشرح الممتع» (٧/ ٤٦).","vol":"5","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2103>مسألة [٥]: هل للرجل أن يمنع امرأته من حجة الإسلام</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يجوز له منعها، وهو قول أحمد، والنخعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، والأصح من قولي الشافعي، وله قول آخر بالمنع بناءً على أن الحج على التراخي، ولنا أنه فرضٌ فلم يكن له منعها منه، كصوم رمضان، والصلوات الخمس، قاله ابن قدامة.\nثم قال ابن قدامة -﵀-: وليس له منعها من الحج المنذور؛ لأنه واجبٌ عليها أشبه حجة الإسلام. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2104>مسألة [٦]: هل له أن يمنعها من حجِّ التطوع</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٥): قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن له منعها من الخروج إلى الحج التطوع؛ وذلك لأنَّ حق الزوج واجبٌ؛ فليس لها تفويته بما ليس بواجب، كالسيد مع عبده. اهـ\n_________\n(^١) «المغني» (٥/ ٣٥).","vol":"5","page":44},{"text":"٧٠٢ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ. قَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةَ؟» قَالَ: أَخٌ، أَوْ قَرِيبٌ لِي. فَقَالَ: «حَجَجْت عَنْ نَفْسِك؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِك، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَقْفُهُ. (^١)\n_________\n(^١) الراجح وقفه. أخرجه أبوداود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، وابن حبان (٣٩٨٨)، وغيرهم من طريق عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره، واللفظ لأبي داود. ولفظ ابن ماجه: «فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة». ولفظ ابن حبان كلفظ ابن ماجه. وإسناده ظاهره الصحة، ورجاله كلهم ثقات، إلا أنه قد اختلف في إسناده على سعيد بن أبي عروبة فمنهم من رواه عنه مرفوعًا ومنهم من رواه عنه موقوفًا.\nفأما رواية الرفع فرواها جماعة وهم:\nعبدة بن سليمان، وقد تقدمت روايته، وقال ابن معين: هو أثبت الناس سماعًا في ابن أبي عروبة.\nأبويوسف القاضي، وروايته عند الدارقطني (٢/ ٢٧٠)، والبيهقي (٤/ ٣٣٦)، بإسناد صحيح عنه، وهو ضعيف.\nمحمد بن بشر، وروايته عند الدارقطني (٢/ ٢٧٠)، وفي إسناده حميد بن الربيع وقد كذب.\nمحمد بن عبدالله الأنصاري، وروايته عند الدارقطني (٢/ ٢٧٠)، وفي إسناده إبراهيم العتيق، قال الدارقطني: غمزوه.\nوأما رواية الوقف، فجاءت من رواية:\nمحمد بن جعفر غندر وروايته عند الدارقطني (٢/ ٢٧١)، بإسناد صحيح.\nالحسن بن صالح، وروايته عند الدارقطني (٢/ ٢٧١)، وفي إسناده يحيى بن الفضيل وهو مجهول الحال.\n\nوروي من وجه آخر موقوفًا، أخرجه الشافعي كما في «المسند» (١/ ٣٨٩) من طريق أيوب وخالد الحذاء عن أبي قلابة عن ابن عباس به موقوفًا. ورجاله ثقات إلا أن أبا قلابة لم يسمع من ابن عباس. وقد رجح رواية الوقف الإمام أحمد فقال كما حكاه عنه الأثرم: رفعه خطأ، رواه عدة موقوفًا.\nونقل مهنا عنه أنه قال: لا يصح، إنما هو عن ابن عباس. اهـ وقال الحافظ في «التلخيص»: قال ابن المنذر: لا يثبت رفعه. وصحح رواية الرفع ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وعبدالحق وابن القطان وآخرون، وحجتهم أن الرفع رواية ثقة، بل قال ابن معين: أثبت الناس سماعًا من سعيد عبدة بن سليمان.\nقلتُ: وقد خالفه غندر، وسماعه من سعيد أيضًا قبل الاختلاط، فقد قال الفلاس: سمعت غندرًا يقول: ما أتيت شعبة حتى فرغت من سعيد يعني أنه سمع منه قديمًا. «شرح العلل» (٢/ ٧٤٤). فالذي يظهر لي والله أعلم أن الراجح وقف الحديث كما رجحه أحمد وابن المنذر وهما أحفظ ممن رجح الرفع، ولأنه قد روي من وجه آخر موقوفًا كما تقدم، ولأنه يبعد وقوع القصة مرتين بنفس السياق، والله أعلم. وانظر: «نصب الراية» (٣/ ١٥٥)، و«التلخيص» (٢/ ٤٢٧)، و«الفروع» (٣/ ٢٦٥)، و«شرح العمدة» (١/ ٢٩١).","vol":"5","page":45},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2105>مسألة [١]: هل يشترط فيمن يحج عن غيره أن يكون قد حج عن نفسه</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالقول الأول: أنه يشترط ذلك؛ فإنْ فعلَ وقع إحرامه عن نفسه، وهو مذهب أحمد، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، واستدلوا بحديث ابن عباس المذكور قريبًا مرفوعًا، وموقوفًا.\nالقول الثاني: أنه يشترط ذلك؛ فإن فعلَ بطل حجه، ولا يصح عنه ولا عن غيره؛ لأنه ليس له نية على نفسه، وهو قول أبي بكر عبد العزيز الحنبلي.\nالقول الثالث: أنه لا يشترط ذلك، ويجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره، وهو قول الحسن، والنخعي، وأيوب، وجعفر بن محمد، ومالك، وأبي حنيفة، وحُكي عن أحمد.","vol":"5","page":46},{"text":"القول الرابع: قال الثوري: إن كان يقدر على الحج عن نفسه؛ حجَّ عن نفسه، وإن لم يقدر على الحج عن نفسه؛ حجَّ عن غيره.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأحوط والأولى أن لا يحج عن غيره إلا وقد حجَّ عن نفسه، ولكن لا نعلم دليلًا صحيحًا صريحًا يمنع الإنسان أن يحج عن غيره إذا لم يكن قد حجَّ عن نفسه، وحديث ابن عباس الذي في الباب الرَّاجح وقفه، وليس بصريح أنه إن فعل وقع عن نفسه؛ لأنه قال له: «اجعل هذه عن نفسك». (^١)\nتنبيه: إذا كان الإنسان قادرًا على أن يحج عن نفسه، ولم يكن قد حجَّ فلا يجوز له أن ينوب عن غيره في ذلك العام؛ لوجوب الحج عليه على الفور كما تقدم، ولكنه لو حجَّ عن غيره وخالف؛ فالأظهر هو صحة الحج عن ذلك الغير، ويأثم لتأخيره الحج عن نفسه، ويبقى في ذمته، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٤٢)، «المجموع» (٧/ ١١٨).","vol":"5","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2106>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2107>مسألة [١]: أيهما يقدم: حجة الإسلام، أم حجة النذر</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٧/ ١١٩): مذهبنا وجوب تقدم حجة الإسلام، وبه قال ابن عمر، وعطاء، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وقال ابن عباس، وعكرمة، والأوزاعي: يجزئه حجة واحدة عنهما. انتهى المراد.\nقلتُ: الراجح هو القول الأول، وأثر ابن عمر صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٠١)، وأحمد كما في «مسائل عبد الله» (ص ٢٢٠)، بإسناد صحيح، وهو ترجيح الظاهرية؛ لأنه ركنٌ من أركان الإسلام، ووجوبه متقدم على وجوب النذر، وأما أثر ابن عباس فأخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٠١)، وفي إسناده رجلٌ مبهمٌ، وعزاه في «المغني» (٥/ ٤٤) إلى سنن ابن منصور، وهي مفقودة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2108>مسألة [٢]: إذا حج الرجل عن نذره أو تطوعًا، ولم يكن حج حجة الإسلام</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالقول الأول: يقع عن حجة الإسلام، وهو قول ابن عمر كما تقدم، وهو مذهب أحمد، والشافعي.\n_________\n(^١) وانظر: «المحلَّى» (٩٠٥).","vol":"5","page":48},{"text":"وقد استدل هؤلاء بالقياس على من أحرم بالحج عن غيره، ولم يكن قد حج عن نفسه؛ فإنه يقع على نفسه عندهم كما تقدم.\nالقول الثاني: يقع ما نواه، وتبقى حجة الإسلام في ذمته، وهو قول مالك، والثوري، وأبي حنيفة، وإسحاق، وابن المنذر، وهو رواية عن أحمد اختارها أبو بكر الحنبلي.\nواستدلوا بحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وهذا القول أقرب، والله أعلم.\n• وفي المسألة قولٌ ثالثٌ لابن حزم، وهو أنه إن أحرم بالنذر، فقد خالف وعصى، ولا يقع حجه عن النذر، ولا عن حجة الإسلام. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٤٣)، «المحلى» (٩٠٥).","vol":"5","page":49},{"text":"٧٠٣ - وَعَنْهُ -﵁-، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «إنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ» فَقَامَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَوْ قُلْتهَا لَوَجَبَتْ، الحَجُّ مَرَّةً، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ. (^١)\n\n٧٠٤ - وَأَصْلُهُ فِي «مُسْلِمٍ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-. (^٢)\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٢٥٥)، وأبوداود (١٧٢١)، والنسائي (٥/ ١١١)، وابن ماجه (٢٨٨٦)، من طرق عن الزهري عن أبي سنان عن ابن عباس به. وإسناده صحيح، وأبوسنان هو يزيد بن أمية، وهو ثقة، وصححه الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (٦٦٩).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٣٣٧).","vol":"5","page":50},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2110>مسألة [١]: وجوب الحج في العمر مرة</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٩/ ١٠٢): وأجمعت الأمة على أنَّ الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة بأصل الشرع، وقد تجب زيادة بالنذر. اهـ\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٦): وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة. اهـ\nونقل الإجماع أيضًا ابن حزم كما في «المحلَّى» (٨١١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2109>بَابُ المَوَاقِيتِ</span>\n٧٠٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ: ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ والعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٧٠٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَقَّتَ لِأَهْلِ العِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (^٢)\n\n٧٠٧ - وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ -﵁-، إلَّا أَنَّ رَاوِيَهِ شَكَّ فِي رَفْعِهِ. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٢٤)، ومسلم (١١٨١).\n(^٢) منكر. أخرجه أبوداود (١٧٣٩)، والنسائي (٥/ ١٢٣)، من طريق المعافى بن عمران عن أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد عن عائشة.\nوهذا الحديث ظاهر إسناده الصحة، ولكنه قد أنكر على أفلح بن حميد، وقد أورده ابن عدي في «الكامل» (١/ ٤٠٨) وأسند عن أحمد بن حنبل أنه كان ينكر هذا الحديث على أفلح بن حميد. اهـ\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١١٨٣) (١٨). من طريق أبي الزبير عن جابر أحسبه رفع إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل اليمن من يلملم»، وهذه الرواية فيها الشك في رفع الحديث. وجاء عند أبي عوانة (٣٧٠٧) وابن خزيمة (٢٥٩٢)، قال أبوالزبير سمعته: أحسبه يريد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهذه الرواية ظاهرة في أن جابرًا لم يرفعه.\nقلتُ: وقد جاء رفع الحديث من طرق ضعيفة غير محفوظة، وجاءت أحاديث أخرى في أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقت لأهل العراق ذات عرق:\nمن حديث ابن عمر، أخرجه أحمد (٥٤٩٢)، وإسحاق بن راهويه كما في «نصب الراية» (٣/ ١٣)، وهو غير محفوظ كما في «العلل» للدارقطني (١٣/ ٤٧)، و«تحقيق المسند» (٥٤٩٢)، وقال الحافظ في «الفتح» (١٥٣١): غريب جدًّا.\nومن حديث الحارث بن عمرو السهمي، أخرجه أبو داود (١٧٤٢) من طريق: عتبة بن عبدالملك السهمي، عن زرارة بن كريم، عن الحارث به، وفيه مجهولا حال، وهما: عتبة، وزرارة.\nومن حديث أنس -﵁- أخرجه ابن عدي (٧/ ٢٥٧٧) وفيه: هلال بن زيد بن يسار وهو متروك.\n\nقال ابن خزيمة: لا يثبت عند أهل الحديث منها شيء، وقال ابن المنذر: لم نجد في ذات عرق حديثًا ثابتًا. وانظر: «نصب الراية» (٣/ ١٢ وما بعدها)، و«تحقيق المسند» (٥٤٩٢).","vol":"5","page":51},{"text":"٧٠٨ - وَفِي «البُخَارِيِّ» أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ. (^١)\n\n٧٠٩ - وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَقَّتَ لِأَهْلِ المَشْرِقِ العَقِيقَ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٥٣١). عن ابن عمر قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حدَّ لأهل نجد قرنًا، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنًا شق علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق.\n(^٢) ضعيف. أخرجه أحمد (١/ ٣٤٤)، وأبوداود (١٧٤٠)، والترمذي (٨٣٢)، من طريق يزيد بن أبي زياد الهاشمي عن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس عن ابن عباس به.\nوإسناده ضعيف؛ لضعف يزيد، ولانقطاعه، فإن محمد بن علي لم يسمع من جده عبدالله بن عباس، ولا يعلم أنه لقيه.","vol":"5","page":52},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nالمواقيت: جمع ميقات، وهو ما حُدَّ للعبادة بزمان، أو مكان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2111>مسألة [١]: المواقيت المكانية</span>.\nدلَّ الحديث على أربعة مواقيت، وهي مجمع عليها عند أهل العلم، ذكر ذلك ابن قدامة، والنووي وغيرهما. (^١)\nميقات أهل المدينة:\nهو (ذو الحليفة)، وهو مكان معروفٌ قريب من المدينة بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين قاله ابن حزمٍ، وقال غيره: بينهما عشر مراحل. وقال النووي: بينها وبين المدينة ستة أميال.\nقال البسام -﵀-: وتسمى الآن (آبار علي) وتبلغ المسافة بينها وبين المسجد النبوي (١٣) كيلو، ومنها إِلى مكة المكرمة (٤٢٠) كيلو متر، فهي أبعد المواقيت، وهي ميقات أهل المدينة، ومن أتى عن طريقهم.\nميقات أهل الشام:\nهو (الجحفة) بضم الجيم، وسكون المهملة، وهي قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل، أو ستة.\nقال ابن حزمٍ -﵀-: وهي فيما بين المغرب والشمال من مكة، ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلًا. اهـ\nوهذا الميقات أيضًا لأهل مصر؛ لأنه على طريقهم، وسميت الجحفة؛ لأنِّ السيل أجحفها في وقتٍ.\nقال الحافظ -﵀-: واختصت الجحفة بالحمى فلا ينزلها أحدٌ إلَّا حمَّ. اهـ\nقال البسام -﵀-: كانت قرية عامرة، محطة من محطات الحاج بين الحرمين،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٥٦)، «المجموع» (٧/ ١٩٧).","vol":"5","page":53},{"text":"ثم جحفتها السيول، فصار الإحرام من قرية (رابغ)، الواقعة عنها غربًا ببعد (٢٢) ميلًا، ويحاذي الجحفة من خط الهجرة (الخط السريع) من المدينة باتجاه مكة، وتبعد عن مكة (٢٠٨) كيلو.\nميقات أهل نجد:\nقال الحافظ -﵀-: أما نجد فهو كل مكان مرتفع، وهو اسم لعشرة مواضع، والمراد هنا التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها الشام والعراق، والمنازل بلفظ جمع (المنزل)، والمركب الإضافي هو اسم المكان، ويقال له: (قرن) أيضًا بلا إضافة. اهـ\nقال ابن حزمٍ -﵀-: وهو شرقي من مكة، ومنه إلى مكة اثنان وأربعون ميلًا.\nقال البسام -﵀-: ويسمى \"السيل الكبير\"، ومسافته من بطن الوادي إلى مكة المكرمة (٧٨) كيلومتر.\nتنبيه: وادي محرم: هو أعلى قرن المنازل، يحرم منه حجاج أهل الطائف، ومن مرَّ على طريقهم من غيرهم، وليس ميقاتًا مستقلًا، وإنما هو الطريق الأعلى لقرن المنازل. ويبعد عن مكة بمسافة (٧٥) كيلو متر.\nميقات أهل اليمن:\nهو (يَلَمْلَم).\nقال الحافظ -﵀-: هو على مرحلتين من مكة، بينهما ثلاثون ميلًا.\nقال ابن حزمٍ -﵀-: وهو جنوب مكة، ومنه إلى مكة ثلاثون ميلًا.","vol":"5","page":54},{"text":"ويمسى الميقات اليوم: (السعدية)، قيل: نسبة إلى امرأة حفرتها تسمى: (فاطمة السعدية)، ويلملم: وادٍ عظيم ينحدر من جبال السراة إلى تهامة، ثم يصب في البحر الأحمر، يبعد عن مكة المكرمة (١٢٠) كيلو متر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2112>مسألة [٢]: ميقات ذات عرق</span>.\nقال ابن حزمٍ -﵀-: هو بين المشرق والشمال من مكة، ومنها إلى مكة اثنان وأربعون ميلًا.\nقال البسام -﵀-: سمِّي بذلك لوجود جبل صغير ممتد من الشرق إلى الغرب، بطول (٢) كيلو فقط، مطل على موضع الإحرام من الجهة الجنوبية، يبتديء هذا العرق شرقًا، وما تحته من موضع الإحرام، من وادٍ يقال له: \"أنخل\"، وينتهي غربًا بواد يقال له: العصلاء الشرقية\"، وهذه الكتابة والتحديد عن مشاهدة مع سكان ثقات من أهل المنطقة، ويسمى الضريبة بفتح الضاد بعدها راء مكسورة ثم ياء ساكنة، واحدة الضراب، وهي الجبال الصغار، ويقع عن مكة شرقًا بمسافة قدرها (١٠٠) كيلو متر، والآن مهجور لعدم وجود الطرق عليه. اهـ\nقلتُ: والآن القادمون من العراق والمشرق، منهم من يمر على قرن المنازل، ومنهم من يمر على المدينة، ويحرمون من ذي الحليفة.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٥٦ - ٥٧): فَأَمَّا ذَاتُ عِرْقٍ فَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ إحْرَامَ الْعِرَاقِيِّ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ","vol":"5","page":55},{"text":"إحْرَامٌ مِنْ الْمِيقَاتِ. وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يُحْرِمُ مِنْ الْعَقِيقِ. وَاسْتَحْسَنَهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ يُحْرِمُ مِنْ الرَّبَذَةِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ خُصَيْفٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْعَقِيقُ أَوْلَى وَأَحْوَطُ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَذَاتُ عِرْقٍ مِيقَاتُهُمْ بِإِجْمَاعٍ. اهـ\nقلتُ: العقيق: بفتح العين وكسر القاف ثم ياء فقاف، وادٍ عظيمٌ يقع شرق مكة المكرمة فهو بحذاء ذات عرق شرقًا يبعد (٢٨ كيلو مترًا)، ويبعد عن مكة بـ (١٢٨ كيلو متر). اهـ من «توضيح الأحكام».\nوأثر أنس في أنه أحرم من العقيق صحيحٌ، أخرجه مسدد كما في «المطالب العالية» (١١٧٩)، بإسناد صحيح، وأما حديث ابن عباس فضعيفٌ كما تقدم في أحاديث الباب.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٥٣١): وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي «الْأُمّ»: لَمْ يَثْبُت عَنْ النَّبِي - ﷺ - أَنَّهُ حَدَّ ذَات عِرْق، وَإِنَّمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاس. وَهَذَا كُلّه يَدُلّ عَلَى أَنَّ مِيقَات ذَات عِرْق لَيْسَ مَنْصُوصًا، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيّ وَالرَّافِعِيّ فِي «شَرْح الْمُسْنَد»، وَالنَّوَوِيّ فِي «شَرْح مُسْلِم»، وَكَذَا وَقَعَ فِي «الْمُدَوَّنَة» لِمَالِك، وَصَحَّحَ الْحَنَفِيَّة، وَالْحَنَابِلَة، وَجُمْهُور الشَّافِعِيَّة، وَالرَّافِعِيّ فِي «الشَّرْح الصَّغِير»، وَالنَّوَوِيّ فِي «شَرْح الْمُهَذَّب» أَنَّهُ مَنْصُوص. اهـ\nونفى الحافظ في «الفتح» (١٥٣١) وجود من أوجب الإحرام من العقيق،","vol":"5","page":56},{"text":"فقال: ولم يقل به أحدٌ، وإنما قالوا: يستحب احتياطًا.\nقال الحافظ -﵀-: وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِر عَنْ الْحَسَن بْن صَالِح أَنَّهُ كَانَ يُحْرِم مِنْ الرَّبَذَة، وَهُوَ قَوْل الْقَاسِم بْن عَبْد الرَّحْمَن، وَخُصَيْف الْجزَرِيّ، قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: وَهُوَ أَشْبَه فِي النَّظَر إِنْ كَانَتْ ذَات عِرْق غَيْر مَنْصُوصَة؛ وَذَلِكَ أَنَّهَا تُحَاذِي ذَا الْحُلَيْفَة، وَذَات عِرْق بَعْدهَا، وَالْحُكْم فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ مِيقَات أَنْ يُحْرِم مِنْ أَوَّل مِيقَات يُحَاذِيه، لَكِنْ لَمَّا سَنَّ عُمَر ذَات عِرْق وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابَة وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَل كَانَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2113>مسألة [٣]: من كان ساكنًا قريبًا من مكة دون المواقيت، فمن أين ميقاته</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أن ميقاته منزله؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث ابن عباس -﵄-: «ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة»، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي وغيرهم.\n• وحُكي الخلاف عن مجاهد أنه قال: يُهِلُّ من مكة.\nوالصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2114>مسألة [٤]: ميقات أهل جدة</span>؟\nقال الإمام ابن باز -﵀- في «شرح العمدة» (ص ٤٤٩):\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٦٢ -)، «المجموع» (٧/ ٢٠٣).","vol":"5","page":57},{"text":"قوله: «ومن كان دون ذلك»، يعني منزله دون المواقيت، «فمُهَلّه من حيث أنشأ»، يحرم من مكانه إذا كان مكانه دون المواقيت، مثل أهل جدة يحرمون من جدة، أهل بحرة يُحرمون من بحرة، أهل أم السلم يحرمون من أم السلم، أهل مزينة يُحرمون من مزينة، الذي مسكنه دون المواقيت أقرب إلى مكة من المواقيت يحرم من محله، فَمُهلَّه من حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة يحرمون من مكة، يعني بالحج. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2115>مسألة [٥]: ميقات أهل السودان وأثيوبيا والصومال ومن جاء من جهتهم</span>؟\nقال الإمام العثيمين -﵀- كما في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٨٣):\nميقات أثيوبيا والصومال إذا جاءوا من جنوب؛ فإنهم يحاذون يلملم التي وقتها النبي - ﷺ - لأهل اليمن، وإن جاءوا من شمال جدة فميقاتهم الجحفة التي وقتها النبي - ﷺ - لأهل الشام، وجعل الناس بدلًا منها رابغ، أما إذا جاءوا من بين ذلك قصدًا إلى جدة؛ فإن ميقاتهم جدة؛ لأنهم يصلون إلى جدة قبل محاذات الميقاتين المذكورين. اهـ\nوقال -﵀- كما في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٨٤): أهل السودان إذا جاءوا قصدًا إلى جدة فميقاتهم جدة، وإن كانوا أتوا من الناحية الشمالية، أو الجنوبية فإن ميقاتهم قبل أن يصلوا إلى جدة: إن جاءوا من الناحية الشمالية؛ فإن ميقاتهم إذا حاذوا الجحفة أو رابغ، وإن جاءوا من الجهة الجنوبية فإن ميقاتهم إذا حاذوا يلملم وهو ميقات أهل اليمن، فيكون ميقات أهل السودان مختلف بحسب","vol":"5","page":58},{"text":"الطريق الذي جاءوا منه. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2116>مسألة [٦]: من أتى على المواقيت من غير أهل تلك البلاد</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ ذلك ميقاته؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحديث: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن».\n• واختلفوا فيما إذا مرَّ رجلٌ له ميقاتٌ بميقات آخر قبل ميقاته، كالشامي إذا أراد الحج، فدخل المدينة، فميقاته ذو الحليفة؛ لاجتيازه عليها، ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي عند جمهور العلماء، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق، ورواية عن أبي حنيفة، والظاهرية، وقال به من التابعين عروة، وسعيد بن المسيب.\n• وذهب أبو ثور، ومالك، وأصحاب الرأي إلى أنَّ له أنْ يؤخِّر الإحرام إلى الجحفة؛ لأنها ميقاته الأصلي، وأورد ابن حزمٍ لهم أثرًا عن ابن عمر (٧/ ٧٢) بإسناد صحيح أنه قال: أهل مصر، ومن مرَّ من أهل الجزيرة على المدينة في الميقات من أهل الشام.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنَّ الحديث المتقدم نصٌّ في محل النزاع. وأما الأثر فأجاب عنه ابن حزم بأنه يقتضي الوجوب، وهم لا يقولون بذلك. اهـ\nقلتُ: ومع ذلك فهو اجتهاد صحابي لا يعارض الحديث المرفوع والله أعلم.","vol":"5","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2117>مسألة [٧]: من لم يكن على طريقه ميقات من المواقيت المذكورة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٦٣): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا بَيْنَ مِيقَاتَيْنِ؛ فَإِنَّهُ يَجْتَهِدُ حَتَّى يَكُونَ إحْرَامُهُ بِحَذْوِ الْمِيقَاتِ الَّذِي هُوَ إلَى طَرِيقِهِ أَقْرَبُ؛ لِمَا رَوَيْنَا أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَالُوا لِعُمَرَ: إنَّ قَرْنًا جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا. فَقَالَ: اُنْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَوَقَّتَ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ، وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ وَالتَّقْدِيرِ، فَإِذَا اشْتَبَهَ دَخَلَهُ الِاجْتِهَادُ، كَالْقِبْلَةِ. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀- (٥/ ٦٣): فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ حَذْوَ الْمِيقَاتِ الْمُقَارِبِ لِطَرِيقِهِ؛ احْتَاطَ فَأَحْرَمَ مِنْ بُعْدٍ، بِحَيْثُ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا ....، وانظر بقية كلامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2118>مسألة [٨]: الإحرام قبل الميقات</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: الأفضل الإحرام من الميقات، ويكره قبله، وهو قول الحسن، وعطاء، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وقولٌ للشافعي، واستدلوا بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه أحرموا من الميقات، ولا يفعلون إلا الأفضل، وعلَّق البخاري في «صحيحه» (^١) أثرًا عن عثمان، فقال: وكره عثمان أن يحرم من خراسان، أو كرمان. وهو أثرٌ حسن (^٢) وكان إنكارًا لعبدالله بن عامر عند أن أحرم من خراسان.\n_________\n(^١) انظر [كتاب الحج باب: ٣٣].\n(^٢) له طرقٌ يُحسَّن بمجموعها عند سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبدالرزاق كما في «التغليق» (٣/ ٦١)، وكذلك عند البيهقي في «الكبرى» (٥/ ٣١).","vol":"5","page":60},{"text":"وجاء عن عمران بن حصين أنه أحرم من البصرة، فغضب عمر، وقال: يتسامع الناس أنَّ رجلًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أحرم من مصره (^١)، وهو من طريق: الحسن، عن عمران، ولم يسمع منه، ولم يدرك عمر.\nالقول الثاني: الأفضل أن يحرم من بلده، وهو قول أبي حنيفة، وقولٌ للشافعي، وكان علقمة والأسود وعبد الرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم.\nواحتجوا بحديث أم سلمة مرفوعًا: «من أهلَّ بحجٍّ، أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام؛ غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة»، وهو حديث ضعيفٌ، أخرجه أبو داود (١٧٤١)، وابن ماجه (٣٠٠٢)، وفي إسناده: (حُكَيمة)، وهي مجهولة.\nوصحَّ عن ابن عمر -﵄- أنه أحرم من بيت المقدس، أخرجه الشافعي كما في «المسند» (١/ ٢٩٤)، والبيهقي (٥/ ٣٠)، وفي حديث الصبي بن معبد أنه أحرم من العذيب، ثم قال عمر: هُدِيت لسنة نبيك -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (^٢)\nوجاء عن علي -﵁- في تفسير ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] إتمامها: أن تحرم بها من دويرة أهلك.\nوجاء أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب عن تمام العمرة، فقال: ائت عليًّا فسله.\n_________\n(^١) أخرجه مسدد كما في «المطالب العالية» (٢/ ١٨)، والبيهقي (٥/ ٣١)، وابن حزم (٧/ ٧٧).\n(^٢) تقدم تخريجه تحت حديث (٦٩٣).","vol":"5","page":61},{"text":"فسأل عليًّا، فقال: تمامها أن تنشئها من بلدك. فعاد إلى عمر، فقال: هو كما قال. وهو من طريق: عبدالرحمن بن أذينه عن أبيه، أنه سأل عمرَ فذكره. أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٢٣).\nالقول الثالث: عدم جواز الإحرام قبل الميقات، وهو قول الظاهرية، وظاهر تبويب البخاري، فقد بوَّب في «صحيحه»: [باب إهلال أهل المدينة من ذي الحليفة ولا يهلون قبل ذي الحليفة]. قال الحافظ ابن حجر -﵀-: وهو قول داود، وإسحاق. «الفتح» (١٥٢٢).\nواستدلوا بحديث ابن عمر في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة ...» الحديث.\nفقوله: «يهل» خبرٌ مرادٌ به الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، وفي رواية للبخاري عن ابن عمر: فرضها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأهل نجد قرنًا، ولأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة. ولمسلم رواية: أمر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أهل المدينة .... الحديث.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا القول الثالث هو الصواب؛ لدلالة الأدلة عليه، وأما تفسير علي -﵁- لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ من دويرة أهلك، فقد أخرجه ابن جرير (٣/ ٣٢٩ - ٣٣٠)، وابن أبي حاتم (١/ ٣٣٣)، والحاكم (٢/ ٢٧٦)، والبيهقي (٥/ ٣٠)، وفي إسناده: عبدالله بن سلمة المرادي، وهو ضعيف، وأما أثره مع عمر ففي إسناده: أذينة والد عبد الرحمن، وهو مجهول، تفرد","vol":"5","page":62},{"text":"بتوثيقه ابن حبان.\nوأما حديث الصبي بن معبد، فقول عمر -﵁-: (هديت لسنة نبيك) يعني في القران، والجمع بين الحج والعمرة لا في الإحرام من قبل الميقات؛ فإنَّ سنة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الإحرام من الميقات، بيَّنَ ذلك بفعله وقوله.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ: (إتْمَامُ الْعُمْرَةِ أَنْ تُنْشِئَهَا مِنْ بَلَدِك) فَمَعْنَاهُ: أَنْ تُنْشِئَ لَهَا سَفَرًا مِنْ بَلَدِك، تَقْصِدُ لَهُ، لَيْسَ أَنْ تُحْرِمَ بِهَا مِنْ أَهْلِك. قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ سُفْيَانُ يُفَسِّرُهُ بِهَذَا. وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ بِهِ أَحْمَدُ. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُفَسَّرَ بِنَفْسِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ مَا أَحْرَمُوا بِهَا مِنْ بُيُوتِهِمْ، وَقَدْ أَمَرَهُمْ اللهُ بِإِتْمَامِ الْعُمْرَةِ، فَلَوْ حُمِلَ قَوْلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ لَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ تَارِكِينَ لِأَمْرِ الله. ثُمَّ إنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا مَا كَانَا يُحْرِمَانِ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ، أَفَتَرَاهُمَا يَرَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِتْمَامٍ لَهَا وَيَفْعَلَانِهِ، هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَهَّمَهُ أَحَدٌ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2119>مسألة [٩]: هل يجزئه إذا أحرم قبل الميقات</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٦٥): لَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ يَصِيرُ مُحْرِمًا، تَثْبُتُ فِي حَقِّهِ أَحْكَامُ الْإِحْرَامِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ أَنَّهُ مُحْرِمٌ. اهـ\nقلتُ: خالف ابن حزمٍ -ولا أعلمه عن غيره- فقال: لا يجزئه، ولا يكون مُحْرِمًا، وهو محجوج بإجماع أهل العلم قبله، وكذلك فإنَّ من الصحابة من أحرم\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٦٦ -)، «المجموع» (٧/ ٢٠٢)، «المحلَّى» (٨٢٢).","vol":"5","page":63},{"text":"قبل الميقات كما تقدم عن ابن عمر -﵄-، أ نه أحرم من بيت المقدس، وجاء عن معاذ بن جبل -﵁- أيضًا أنه أحرم من بيت المقدس (^١)، وصحَّ عن أنس -﵁- كما تقدم أنه أحرم من العقيق، وصحَّ عن عثمان بن أبي العاص -﵁- أنه أحرم من المنجشانية بقرب البصرة (^٢)، وكذلك عثمان -﵁- ورد عنه الكراهة، ولم يبطل إحرام عبد الله بن عامر، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2120>مسألة [١٠]: من تجاوز الميقات بدون إحرام</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ لِيُحْرِمَ مِنْهُ إنْ أَمْكَنَهُ، سَوَاءٌ تَجَاوَزَهُ عَالِمًا بِهِ أَوْ جَاهِلًا، عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ؛ فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. وَبِهِ يَقُولُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي أُمِرَ بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ... .\nقال: وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، سَوَاءٌ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ. اهـ\nقلتُ: وهو مذهب زُفَر أيضًا.\n• وذهب الشافعي إلى أنه إن رجع إلى الميقات فلا شيء عليه إلا أن يكون قد\n_________\n(^١) ذكره ابن حزم في «المحلى» (٧/ ٧٥) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١/٧٩) بإسناد صحيح.\n(^٣) انظر: «المغني» (٥/ ٦٥)، «المحلى» (٨٢٢).","vol":"5","page":64},{"text":"تلبس بشيء من المناسك؛ فعليه الدم، قال النووي: هذا مذهبنا، وبه قال الثوري، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن عاد فلبَّى؛ سقط عنه الدم، وإن ترك العود، أو التلبية؛ فعليه الدم.\n• وذهب الحسن، والنخعي، وعطاء في رواية، ويحيى بن سعيد الأنصاري إلى أنه لا شيء على من ترك الميقات.\n• ورُوي عن سعيد بن جبير، واختاره ابن حزم أنه لا يصح الحج إلا أن يحرم من الميقات.\nوأثرُ سعيد بن جبير أورده ابن حزمٍ من طريق: عتاب بن بشير، عن خصيف، عن سعيد، وهذا الإسناد ضعيفٌ؛ لضعف خُصيف، وعتاب ضعيفُ الرواية عن خُصيف.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ثبت عن ابن عباس -﵄- أنه قال: من ترك نُسُكًا؛ فعليه دم (^١). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2121>مسألة [١١]: إذا جاوز الميقات غير مريد للنسك، فهل يلزمه الرجوع إلى الميقات إذا أراد النسك بعد ذلك</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يرجع إلى الميقات، بل ميقاته مكانه إذا أراد\n_________\n(^١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٤١٩) بإسناد صحيح عنه.\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ٦٩)، «المجموع» (٧/ ٢٠٨)، «المحلَّى» (٨٢٢).","vol":"5","page":65},{"text":"الحج أو العمرة، وهو مذهب الشافعي، ومالك، والثوري، وأبي ثور، وأبي يوسف، ومحمد، وابن المنذر، وبه قال عطاء، ورجَّحه ابن قدامة، وهو قول بعض الحنابلة؛ لأنه يشمله حديث: «ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ»، وهو قول الظاهرية، لكن بالغ ابن حزمٍ فقال: ولا يجزئه الإحرام إذا عاد إلى الميقات.\n• وذهب أحمد، وإسحاق إلى أنه يلزمه العود إلى الميقات، وحمل ابن قدامة كلام أحمد على من يجاوز الميقات ممن يجب عليه الإحرام.\nوالصواب هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2122>مسألة [١٢]: من جاوز الميقات فخشي إن رجع أن يفوته الحج</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٧٣): لَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْحَجِّ بِرُجُوعِهِ إلَى الْمِيقَاتِ، أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، فِيمَا نَعْلَمُهُ؛ إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَنْ تَرَكَ الْمِيقَاتَ فَلَا حَجَّ لَهُ. وَمَا عَلَيْهِ الْجمْهُورُ أَوْلَى ... وانظر بقية كلامه.\nوأثر سعيد لم يصح كما تقدم.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَإِذَا أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ عِنْدَ خَوْفِ الْفَوَاتِ؛ فَعَلَيْهِ دَمٌ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٧٠)، «المجموع» (٧/ ٢٠٤).","vol":"5","page":66},{"text":"فَصْلٌ في المواقيت الزمانية\nالمواقيت الزمانية:\nهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، وقد أجمعوا على أنَّ شوالًا، وذا القعدة من أشهر الحج.\n• واختلفوا هل يدخل شهر ذي الحجة في ذلك بتمامه، أم بعضه على أقوال:\nالقول الأول: أنَّ أشهر الحج (شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة)، وهو قول عطاء، ومجاهد، والحسن، والشعبي، والنخعي، وأحمد، والثوري، وأصحاب الرأي.\nواستدلوا على ذلك بأنه قد صحَّ أنَّ ابن عباس -﵄- كما في «تفسير الطبري» (٣/ ٤٤٤)، وابن عمر -﵃- كما في «الكبرى» للبيهقي (٤/ ٣٤٢) فسَّرا الأشهر بذلك، وجاء ذلك أيضًا عن ابن مسعود -﵁-، أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٠٢)، وابن جرير (٣/ ٤٤٤)، وغيرهما، ولكن في إسناده: شريك القاضي، وهو ضعيفٌ، وجاء عن ابن الزبير كما في «الكبرى» للبيهقي (٤/ ٣٤٢)، وفي إسناده: أبو سعد البَقَّال، وهو ضعيفٌ.\nالقول الثاني: أنَّ أشهر الحج (شوال، وذو القعدة، وتسعة أيام من ذي الحجة","vol":"5","page":67},{"text":"مع ليلة النحر)، وهو قول الشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة:١٩٧]، ومن المعلوم أنه لا يصح الإحرام بالحج في اليوم العاشر.\nالقول الثالث: أنَّ أشهر الحج (شوال، وذو القعدة، وذو الحجة بتمامها)، وهو قول مالك، واختاره بعض الحنابلة، ورجَّحه ابن حزمٍ، واختاره الشيخ ابن عثيمين.\nواستدلوا بالآية: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، وأقل الجمع غالبًا في اللغة ثلاثة، وهذا القول جاء عن عمر بن الخطاب، أخرجه سعيد بن منصور في «تفسيره» (٣٣٤)، من طريق: عروة، عن عمر، وهو منقطعٌ؛ لأنَّ عروة بن الزبير لم يدرك عمر بن الخطاب. وصحَّ هذا القول عن ولده عبدالله بن عمر كما في «تفسير ابن جرير» (٣/ ٤٤٧).\nوقال ابن حزمٍ -﵀- في «المحلى» (٨٢١): قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ولا يطلق على (شهرين، وبعض آخر) أشهر، وأيضًا فإن رمي الجمار -وهو من أعمال الحج- يُعمل في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، وطواف الإفاضة -وهو من فرائض الحج- يُعمل في ذي الحجة كله بلا خلاف منهم؛ فصح أنها ثلاثة أشهر، وبالله تعالى التوفيق. اهـ\nوهذا القول هو الصواب، والقول الأول يرده ما ذكره ابن حزمٍ -﵀-، والقول الثاني يرده ما ذكره ابن حزم، وأيضًا قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في يوم النحر «يوم الحج الأكبر»،","vol":"5","page":68},{"text":"وأكثر أفعال الحج في هذا اليوم، فكيف لا يكون من أشهر الحج.\nوأما استدلالهم بالآية ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾، فالجواب عنها:\nأنَّ (في) للظرفية؛ فالمقصود (في هذه الأشهر)، وبينت السنة كما في حديث عروة بن المضرس (^١) أنه لا يحرم بالحج بعد فوات عرفة، ولا ينافي ذلك أنَّ ذا الحجة بتمامه من أشهر الحج، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2123>مسألة [١]: إذا أحرم قبل أشهر الحج</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى كراهة ذلك، ولكنه ينعقد إحرامه، وإذا بقي إلى وقت الحج صحَّ حجُّه، وهو قول أحمد، ومالك، والثوري، وإسحاق، والنخعي، وأبي حنيفة.\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩].\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الحج لا ينعقد إلا في أشهر الحج؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، أي: وقت الحج أشهر معلومات، وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، والشافعي، وجاء عن ابن عباس (^٣)، وجابر\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» (٧٤٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ١١٠)، «المحلَّى» (٨٢١)، «الشرح الممتع» (٧/ ٦٢)، «الإنصاف» (٣/ ٣٨٨).\n(^٣) أثر ابن عباس -﵄- أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١/٣٦١)، وابن خزيمة (٢٥٩٦)، والحاكم (١/ ٤٤٨)، والبيهقي (٤/ ٣٤٣) من طُرُقٍ عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس به، والحكم لم يسمع من مقسم؛ إلا خمسة أحاديث، والباقي كتاب.","vol":"5","page":69},{"text":"ابن عبد الله -﵃-، (^١) وقال بعضهم: ينعقد إحرامه عمرة.\nوهذا القول هو الصواب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-؛ لظاهر القرآن.\nوأما دليلهم فليس فيه تعارضٌ مع دليلنا؛ لأنَّ معناه أنَّ الناس يعلمون مواقيت العبادات والمعاملات بالأهلة، ومنها أشهر الحج الثلاثة يعلمون دخولها وخروجها بالأهلة، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أثر جابر -﵁- أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١/٣٦١)، والشافعي في «الأم» (٢/ ٥٢٩)، وهو في «ترتيب المسند» (٧٥٠)، وأخرجه البيهقي (٤/ ٣٤٣) من طريق: ابن جريج، عن أبي الزبير أنه سمع جابرًا، به، وابن جريج لم يصرح بالسماع؛ فالإسناد ضعيف.\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ٧٤)، «تفسير ابن كثير» سورة البقرة (١٩٧)، «الشرح الممتع» (٧/ ٦٥).","vol":"5","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2124>بَابُ وُجُوهِ الإِحْرَامِ وَصِفَتِهِ</span>\n٧١٠ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالحَجِّ فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2125>مسألة [١]: أنواع نسك الحج</span>.\nله ثلاثة أنساك: التمتع، والقِران، والإفراد.\nصفة التمتع:\nأن يُهِلَّ بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحج، فإذا فرغ من أعمال العمرة أحلَّ وفعل ما يفعل الحلال حتى إذا كان وقت الحج من عامه أهلَّ بالحج، وعليه هديٌ إذا فرغ من الحج؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦].\nصفة القِران:\nأن يُهِلَّ بعمرة وحج من الميقات في أشهر الحج، فتدخل أعمال العمرة تحت أعمال الحج، فيكفي لهما طوافٌ واحدٌ، وسعيٌ واحدٌ، وكذلك لو أحرم بالعمرة،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٦٢)، ومسلم (١٢١١) (١١٨).","vol":"5","page":71},{"text":"ثم أدخل عليها الحج، أو أحرم بالحج ثم أدخل عليه عمرة على خلاف عند أهل العلم في ذلك.\nصفة الإفراد:\nأن يهل بالحج مفردًا من الميقات في أشهر الحج، ثم لا يحل حتى ينتهي من أعمال الحج، وليس عليه هديٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2126>مسألة [٢]: هل له أن يحرم بهذه الثلاثة الأنساك</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٨٢): وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء. اهـ\nوقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٢١١): وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة. اهـ\nقلتُ: قد خالف ابن عباس -﵄-، فكان يرى وجوب التمتع، وكان يقول كما في «الصحيحين»: لا يطوف بالبيت حاجٌّ ولا غير حاجٍّ؛ إلا حلَّ. (^١)\nوهو مذهب ابن حزم، واختاره ابن القيم، واستدلوا على الوجوب بالأحاديث المتواترة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر من لم يسق الهدي من الصحابة أنَّ يحلَّ وأن يجعلها عمرة، وغضب عند أن تباطئوا في ذلك وقال: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولجعلتها عمرة»، وقال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، فقال سراقة بن مالك -﵁-: يا رسول الله، أَلِعَامِنا هذا، أم لأبد؟ فقال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٩٦)، ومسلم (١٢٤٥)، واللفظ لمسلم.","vol":"5","page":72},{"text":"«بل لأبد أبد». (^١)\nوهذه الأدلة قوية كما ترى، ولكن ثبت من حديث عروة بن مضرس أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له وقد شكا إليه أنه لم يترك حبلًا إلا وقف عليه حتى أتعب نفسه وراحلته: «من صلَّى صلاتنا يعني بالمزدلفة وكان قد وقف قبل ذلك ليلًا أو نهارًا؛ فقد تم حجُّه، وقضى تفثه». (^٢)\nفهذا الحديث نصٌّ أن من حج مُفرِدًا فحجُّه كامل، وقد ثبت عن كبار الصحابة أنهم كانوا يحجون مفردين، كأبي بكر، وعمر، وعثمان.\nوإذا قيل: إنَّ حديث عروة بن مضرس خاصٌّ بمن لم يدرك كما هو حال عروة.\nفيُجاب عنه: بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تكلم بكلام عامٍّ يشمل قضية عروة بن مضرس وغيره.\nوقد اختار شيخ الإسلام -﵀- في قصة أمر الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الصحابة أن يجعلوها عمرة، وغضبه وتحتيمه أنَّ هذا الوجوب خاصٌّ بالصحابة -﵃- في ذلك العام.\nوصحح هذا القول الشيخ ابن عثيمين -﵀-؛ وذلك لأنهم خوطبوا به مباشرة، وكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أراد مخالفة الجاهلية الذين يقولون: (إنَّ العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض)، فأوجب عليهم في ذلك العام أن يحلوا مخالفةً\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٨٥)، ومسلم (١٢١٨) من حديث جابر -﵁-، واللفظ لمسلم.\n(^٢) سيأتي تخريجه إن شاء الله في «البلوغ» رقم (٧٤٢).","vol":"5","page":73},{"text":"لهم، ويدل على ذلك أنَّ جميع الصحابة لم يوجبوا التمتع بعد ذلك العام ما عدا ما حُكي عن ابن عباس، فمنهم من كان يحج مفردًا، ومنهم من يقرن.\nقال أبوعبدالله غفر الله له: الذي يظهر لي -والله أعلم- هو جواز الأنساك الثلاثة وأنَّ وجوب فسخ الحج إلى عمرة كان خاصًّا بالصحابة في ذلك العام، والله أعلم.\nوأما قوله: «دخلت العمرة في الحج»، أي: مشروعيتها خلافًا لأمر الجاهلية، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2127>مسألة [٣]: أفضل الأنساك الثلاثة</span>.\n• اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال:\nالقول الأول: أفضلها التمتع، وهو اختيار ابن عباس، وابن عمر -﵃-، وهو قول الحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وسالم، وعكرمة، وهو المشهور عن أحمد، وقولٌ للشافعي.\nواستدلوا بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر أصحابه بذلك كما في الأحاديث المشهورة المتواترة، وقال لهم: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» (^٢)، فَتَأَسُّفُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عليه يدلُّ على فضله، ولأنَّ المتمتع\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الممتع» (٧/ ٨٦ -)، «المغني» (٥/ ٨٢ -)، «المحلَّى» (٨٣٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٥١) (٧٢٢٩)، ومسلم (١٢١٨) (١٢١١) (١٣٠) من حديث جابر بن عبدالله، وعائشة -﵃-، وجاء عن غيرهما.","vol":"5","page":74},{"text":"يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالهما وكمال أفعالهما على وجه اليسر، والسهولة مع زيادة نسك؛ فكان ذلك أولى.\nالقول الثاني: أفضلها القِرَان، وهو قول الثوري، وأصحاب الرأي؛ لحديث أنس في «الصحيحين» (^١) قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «لبيك عمرةً وحجًّا»، وحديث الصبي بن معبد أنه أهل بهما، فقال له عمر: هُديت لسنة نبيك -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ (^٢) ولأنَّ القِران مبادرة إلى فعل العبادة، وإحرام بالنسكين من الميقات، وفيه زيادة نسك هو الدم؛ فكان أولى.\nالقول الثالث: أفضلها الإفراد، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي ثور.\nواستدلوا بما جاء عن جابر، وعائشة -﵄-، أنهم خرجوا مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مُهِلِّين بالحج، لا يذكرون إلا الحج. وبحديث ابن عمر: لبَّى بالحج وحده -يعني النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- - وكلها في «الصحيح». (^٣)\nواستدلوا بأنه صحَّ عن أبي بكر، وعمر، وعثمان -﵃- كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٧٦)، أنهم جردوا الحج.\nوبقول عمر -﵁- كما في «صحيح مسلم» (١٢١٧): اِفْصِلُوا حَجَّكُم مِنْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٥٣)، ومسلم (١٢٣٢).\n(^٢) تقدم تخريجه تحت حديث رقم (٦٩٣).\n(^٣) حديث جابر -﵁-: أخرجه البخاري (١٥٦٨)، ومسلم (١٢١٣)، وحديث عائشة -﵂- أخرجه البخاري (١٥٦٢)، ومسلم برقم (١٢١١) (١١٨)، وحديث ابن عمر -﵄- أخرجه البخاري (٤٣٥٣)، ومسلم (١٢٣٢).","vol":"5","page":75},{"text":"عُمْرَتِكم؛ فَإِنَّه أَتَمُّ لِحَجِّكُم، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لِمَا تقدَّم من الأدلة، وأما كون النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَرَنَ ولم يتمتع؛ فكان ذلك بسب سوق الهدي، وقد تمنَّى ﵊ أنه لم يسقه، وأحلَّ كما أحلُّوا، وجعلها عمرة؛ ولذلك فمن ساق الهدي فالأفضل في حقِّه القِرَان، كما قال أحمد -﵀-، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-.\nوأما ما جاء من أنَّ الخلفاء أفردوا فقد خالفهم غيرهم من الصحابة كما تقدم، وأما الأحاديث التي فيها أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أفرد فقد عارضها أحاديث أخرى في «الصحيحين» في أنه قرن، وفي بعضها أنه تمتع.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٨/ ١٣٥): وَالصَّحِيح أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ أَوَّلًا مُفْرِدًا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ بَعْد ذَلِكَ، وَأَدْخَلَهَا عَلَى الْحَجّ؛ فَصَارَ قَارِنًا.\nثم قال: فَمَنْ رَوَى الْإِفْرَاد هُوَ الْأَصْل، وَمَنْ رَوَى الْقِرَان اِعْتَمَدَ آخِر الْأَمْر، وَمَنْ رَوَى التَّمَتُّع أَرَادَ التَّمَتُّع اللُّغَوِيّ، وَهُوَ: الِانْتِفَاع وَالِارْتِفَاق، وَقَدْ اِرْتَفَقَ بِالْقِرَانِ كَارْتِفَاقِ الْمُتَمَتِّع، وَزِيَادَة فِي الِاقْتِصَار عَلَى فِعْل وَاحِد، وَبِهَذَا الْجمْع تَنْتَظِم الْأَحَادِيث كُلّهَا. اهـ\nوهناك جمعٌ آخر:\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٨٧): يُمْكِنُ الجمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، بِأَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْهَا لِأَجْلِ هَدْيِهِ، حَتَّى أَحْرَمَ بِالْحَجِّ،","vol":"5","page":76},{"text":"فَصَارَ قَارِنًا، وَسَمَّاهُ مَنْ سَمَّاهُ مُفْرِدًا؛ لِأَنَّهُ اشْتَغَلَ بِأَفْعَالِ الْحَجِّ وَحْدَهَا، بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ. اهـ\nوأحسن من الجمع المتقدم ببيانٍ هو كلام شيخ الإسلام الذي نقله عنه ابن القيم في «الزاد» (٢/ ١١٨ -).\nقال -﵀-: وَالصّوَابُ أَنّ الْأَحَادِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ مُتّفِقَةٌ لَيْسَتْ بِمُخْتَلِفَةٍ إلّا اخْتِلَافًا يَسِيرًا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنّ الصّحَابَةَ ثَبَتَ عَنْهُمْ أَنّهُ تَمَتّعَ، وَالتّمَتّعُ عِنْدَهُمْ يَتَنَاوَلُ الْقِرَانَ، وَاَلّذِينَ رُوِيَ عَنْهُمْ أَنّهُ أَفْرَدَ رُوِيَ عَنْهُمْ أَنّهُ تَمَتّعَ.\nثم ذكر عن عثمان، وعلي، وعمران بن حصين، وعمر -﵃- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تمتع.\nقَالَ: فَهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءُ الرّاشِدُونَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيّ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رُوِيَ عَنْهُمْ بِأَصَحّ الْأَسَانِيدِ أَنّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَرَنَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجّ، وَكَانُوا يُسَمّونَ ذَلِكَ تَمَتّعًا، وَهَذَا أَنَسٌ يَذْكُرُ أَنّهُ سَمِعَ النّبِيّ - ﷺ - يُلَبّي بِالْحَجّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا. (^١) وَمَا ذَكَرَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْمُزَنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنّهُ لَبّى بِالْحَجّ وَحْدَه (^٢)؛ فَجَوَابُهُ: أَنّ الثّقَاتِ الّذِينَ هُمْ أَثْبَتُ فِي ابْنِ عُمَرَ مِنْ بَكْرٍ، مِثْلَ سَالِمٍ ابْنِهِ، وَنَافِعٍ، رَوَوْا عَنْهُ أَنّهُ قَالَ: تَمَتّعَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجّ.\nثم قال: وَيُشْبِهُ أَنّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ: (أَفْرَدَ الْحَج)؛ فَظَنّ أَنّهُ قَالَ: (لَبَّى بِالْحَجّ)؛ فَإِنّ إفْرَادَ الْحَجّ كَانُوا يُطْلِقُونَهُ وَيُرِيدُونَ بِهِ إفْرَادَ أَعْمَالِ الْحَجّ وَذَلِكَ رَدّ مِنْهُمْ عَلَى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٥٣)، ومسلم (١٢٣٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٣٥٣)، ومسلم (١٢٣٢).","vol":"5","page":77},{"text":"مَنْ قَالَ: إنّهُ قَرَنَ قِرَانًا طَافَ فِيهِ طَوَافَيْنِ وَسَعَى فِيهِ سَعْيَيْنِ، وَعَلَى مَنْ يَقُولُ: إنّهُ حَلّ مِنْ إحْرَامِهِ ... .\nثم قال: وَمَنْ تَأَمّلَ أَلْفَاظَ الصّحَابَةِ، وَجَمَعَ الْأَحَادِيثَ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ، وَاعْتَبَرَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، وَفَهِمَ لُغَةَ الصّحَابَةِ؛ أَسْفَرَ لَهُ صُبْحُ الصّوَابِ، وَانْقَشَعَتْ عَنْهُ ظُلْمَةُ الِاخْتِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ، وَاَللهُ الْهَادِي لِسَبِيلِ الرّشَادِ، وَالْمُوَفّقُ لِطَرِيقِ السّدَادِ.\nفَمَنْ قَالَ: إنّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ. وَأَرَادَ بِهِ أَنّهُ أَتَى بِالْحَجّ مُفْرِدًا، ثُمّ فَرَغَ مِنْهُ وَأَتَى بِالْعُمْرَةِ بَعْدَهُ مِنْ التّنْعِيمِ أَوْ غَيْرِهِ، كَمَا يَظُنّ كَثِيرٌ مِنْ النّاسِ؛ فَهَذَا غَلَطٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ الصّحَابَةِ، وَلَا التّابِعِينَ، وَلَا الْأَئِمّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَئِمّةِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنّهُ حَجّ حَجًّا مُفْرَدًا لَمْ يَعْتَمِرْ مَعَهُ، كَمَا قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ السّلَفِ وَالْخَلَفِ؛ فَوَهْمٌ أَيْضًا، وَالْأَحَادِيثُ الصّحِيحَةُ الصّرِيحَةُ تَرُدّهُ كَمَا تَبَيّنَ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنّهُ اقْتَصَرَ عَلَى أَعْمَالِ الْحَجّ وَحْدَهُ، وَلَمْ يُفْرِدْ لِلْعُمْرَةِ أَعْمَالًا؛ فَقَدْ أَصَابَ، وَعَلَى قَوْلِهِ تَدُلّ جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ. وَمَنْ قَالَ: إنّهُ قَرَنَ. فَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنّهُ طَافَ لِلْحَجّ طَوَافًا عَلَى حِدَةٍ، وَلِلْعُمْرَةِ طَوَافًا عَلَى حِدَةٍ، وَسَعَى لِلْحَجّ سَعْيًا، وَلِلْعُمْرَةِ سَعْيًا؛ فَالْأَحَادِيثُ الثّابِتَةُ تَرُدّ قَوْلَهُ. وَإِنْ أَرَادَ أَنّهُ قَرَنَ بَيْنَ النّسُكَيْنِ، وَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَسَعَى لَهُمَا سَعْيًا وَاحِدًا؛ فَالْأَحَادِيثُ الصّحِيحَةُ تَشْهَدُ لِقَوْلِهِ، وَقَوْلُهُ هُوَ الصّوَابُ.\nوَمَنْ قَالَ: إنّهُ تَمَتّعَ. فَإِنْ أَرَادَ أَنّهُ تَمَتّعَ تَمَتّعًا حَلّ مِنْهُ، ثُمّ أَحْرَمَ بِالْحَجّ إِحْرَامًا مُسْتَأْنَفًا؛ فَالْأَحَادِيْثُ تَرُدُّ قَوْلَهُ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنّهُ تَمَتّعَ تَمَتّعًا لَمْ يَحِلّ","vol":"5","page":78},{"text":"مِنْهُ، بَلْ بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ لِأَجْلِ سَوْقِ الْهَدْيِ؛ فَالْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ تَرُدّ قَوْلَهُ أَيْضًا، وَهُوَ أَقَلّ غَلَطًا، وَإِنْ أَرَادَ تَمَتّعَ الْقِرَانِ؛ فَهُوَ الصّوَابُ الّذِي تَدُلّ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ الثّابِتَةِ، وَيَأْتَلِفُ بِهِ شَمْلُهَا، وَيَزُولُ عَنْهَا الْإِشْكَالُ وَالِاخْتِلَافُ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2128>مسألة [٤]: هل يلزم من ساق الهدي أن يحرم قارنًا</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يلزمه القران، وله أن يتمتع، وأن ساق الهدي، وهو مذهب مالك، والشافعي؛ لأن الصحابة منهم من أفرد، ومنهم من قرن، ومنهم من تمتع.\n• ومذهب الحنفية أنه يتمتع، ولكن لا يحل حتى يكون يوم النحر، وهو قول الحسن، والنخعي، والثوري، وأبي ثور؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.\n• ومذهب الحنابلة: أنه يصير قارنًا، ويلزمه ذلك؛ للآية المتقدمة، وهو اختيار شيخ الإسلام، ثم العثيمين رحمة الله عليهما.\n• وعن عطاء، وأحمد في رواية: إذا قدم قبل العشر؛ طاف وسعى، وينحر هديه، وإن قدم في العشر؛ لم ينحره إلى يوم النحر.\n• وعن مالك وابن المنذر: إذا أهدى للعمرة؛ ذبحه بعد العمرة، وحلَّ، وعليه هدي آخر يوم النحر.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر لي أنه يلزمه القران؛ للآية المتقدمة؛\n_________\n(^١) انظر: «زاد المعاد» (٢/ ١١٨ - ١٢٢)، «المغني» (٥/ ٨٢ -)، «شرح مسلم» (٨/ ١٣٥ -).","vol":"5","page":79},{"text":"إلا أن يكون نوى بالهدي هدي تطوع يذبحه بعد العمرة فله أن يتمتع، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2129>مسألة [٥]: إذا أحرم بنسك، ثم نسيه قبل الطواف</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٩٨): إذَا أَحْرَمَ بِنُسُكٍ، ثُمَّ نَسِيَهُ قَبْلَ الطَّوَافِ، فَلَهُ صَرْفُهُ إلَى أَيِّ الْأَنْسَاكِ شَاءَ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَجْعَلُهُ عُمْرَةً. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ فِي حَالِ الْعِلْمِ، فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصْرِفُهُ إلَى الْقِرَانِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجدِيدِ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: يَتَحَرَّى، فَيَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شَرَائِط الْعِبَادَةِ، فَيَدْخُلُهُ التَّحَرِّي كَالْقِبْلَةِ. وَمُنْشَأُ الْخِلَافِ عَلَى فَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُمْ. انتهى باختصار.\nوما قرَّره ابن قدامة هو الصواب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2130>مسألة [٦]: هل له أن يحرم بما أحرم به فلان</span>؟\nفي «الصحيحين» (^٢) أنَّ أبا موسى وعليًّا أهلَّا بما أهلَّ به النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وكان أبو موسى لم يَسُقِ الهدي، فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يحل ويجعلها عمرةً، وكان عليٌّ معه هديٌ، فبقي على إحرامه.\n• فذهب جمهور العلماء، وهو مذهب أحمد، والشافعي إلى جواز ومشروعية\n_________\n(^١) انظر: «الإشراف» (٣/ ٣٥٢)، «تبيين الحقائق» (٢/ ٤٥)، «المغني» (٥/ ٢٤١)، «بدائع الصنائع» (٢/ ١٦٨)، «الشرح الممتع» (٧/ ٨٠)، «الكافي» (١/ ٤٨٦)، «مطالب أولى النهى» (٢/ ٣١٠)، «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٨٩ - ٩٠).\n(^٢) انظر: البخاري (١٥٥٩) (١٥٥٨) (١٥٥٧)، ومسلم (١٢١٨) (١٢٢١) (١٢٥٠).","vol":"5","page":80},{"text":"إبهام الإحرام.\n• وخالف المالكية، والحنفية، فقالوا: لا يصح الإحرام على الإبهام.\nوكأنَّ هذا اختيار البخاري، فقد بوَّب في «صحيحه»: [باب من أهلَّ في زمن النبي - ﷺ - كإهلال النبي - ﷺ -].\nوهذا ظاهره أنه يرى الخصوصية، ومأخذ ذلك بأنَّ الأحكام لم تكن استقرت، وأما الآن فقد استقرت وعرفت مراتب الإحرام.\nوما ذهب إليه الجمهور أصحُّ؛ لعدم وجود دليل يعتمد عليه على الخصوصية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2131>مسألة [٧]: أحوال من أبهم إحرامه</span>.\nقال ابن قدامة -﵀-: لَا يَخْلُو مَنْ أَبْهَمَ إحْرَامَهُ مِنْ أَحْوَالٍ أَرْبَعَةٍ:\nأَحَدُهَا: أَنْ يَعْلَمَ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ. فَيَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ بِمِثْلِهِ؛ فَإِنَّ عَلِيًّا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَاذَا قُلْت حِينَ فَرَضْت الْحَجَّ؟» قَالَ: قُلْت: اللَّهُمَّ إنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ الله - ﷺ -. قَالَ: «فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ، فَلَا تَحِلَّ». (^٢)\nالثّانِي: أَنْ لَا يَعْلَمَ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ، فَيَكُون حُكْمُهُ حُكْمَ النَّاسِي.\nالثّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ فُلَانٌ أَحْرَمَ. فَيَكُونَ إحْرَامُهُ مُطْلَقًا حُكْمُهُ حُكْم الفَصْل الَّذِي قَبْلَهُ -يعني إبهام الإحرام-.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٩٧)، «الفتح» (١٥٥٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر -﵁-، وأصله في «الصحيحين».","vol":"5","page":81},{"text":"الرّابِعُ: أَنْ لَا يَعْلَمَ هَلْ أَحْرَمَ فُلَانٌ، أَوْ لَا؟ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مِنْ لَمْ يُحْرِمْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إحْرَامِهِ. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٩٨)، «المجموع» (٧/ ٢٢٧).","vol":"5","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2132>بَابُ الإِحْرَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ</span>\nكِتَابُ الحَجِّ\nمعنى الإحرام:\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: الإحرام مأخوذٌ من التحريم، ومعنى أحرم، أي: دخل في الحرام، كأنجد، أي: دخل في نجد.\nقال: والمراد به هنا: نية النُّسك، يعني نية الدخول فيه، لا نية أنه يعتمر، أو أنه يحج، وبين الأمرين فرق ...\nقال: فنية الفعل لا تؤثر، لكن نية الدخول فيه هي التي تؤثر، وسُمِّيت نية الدخول في النسك إحرامًا؛ لأنه إذا نوى الدخول في النسك؛ حرَّمَ على نفسه ما كان مباحًا قبل الإحرام، فيحرم عليه مثلًا: الرَّفث، والطِّيب، وحلق الرأس، والصيد، وغير ذلك (^١). اهـ (^٢)\n_________\n(^١) «الشرح الممتع» (٧/ ٦٧).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٣/ ٣٩١)، «المجموع» (٧/ ٢١٢).","vol":"5","page":83},{"text":"٧١١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2133>مسألة [١]: حكم نية الإحرام</span>.\nلا ينعقد الإحرام إلا بالنية؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد. وقال داود وجماعةٌ من أهل الظاهر: ينعقد بمجرد التلبية. قال داود: ولا تكفي النية، بل لا بد من التلبية، ورفع الصوت بها. وقال أبو حنيفة: لا ينعقد الإحرام إلا بالنية مع التلبية، أو مع سوق الهدي.\nقال النووي -﵀-: واحتج لهم بأنَّ النبي - ﷺ - لبَّى وقال: «لَتأخذوا عنِّي مناسككم» (^٢)، واحتج داود لوجوب رفع الصوت بحديث خلَّاد بن السائب وسيأتي في الباب.\nقال: واستدل أصحابنا بما ذكره المصنف -يعني حديث: «إنما الأعمال بالنيات ...» - وحملوا أحاديث التلبية على الاستحباب، والله أعلم. اهـ\nقلتُ: الصواب هو قول الجمهور، والله أعلم.\nوقد صح عن ابن عمر -﵄- ما يفيد ذلك؛ فقد أخرج ابن أبي شيبة (٤/ ٤٤١)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٤١)، ومسلم (١١٨٦).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٩٧) عن جابر -﵁-.","vol":"5","page":84},{"text":"بإسناد صحيح عنه أنه قال: يكفيك النية في الحج والعمرة إذا أردت أن تُحرم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2134>مسألة [٢]: الوقت المستحب للإحرام في الميقات</span>.\nحديث ابن عمر الذي في الباب كان يقوله ردًّا على من يقول: (أهلَّ رسول الله - ﷺ - من البيداء)، فكان يقول: ما أهلَّ رسول الله - ﷺ - إلا من عند المسجد.\nوفي «الصحيحين» في هذا الحديث: «أهلَّ حين استوت به راحلته قائمةً»، وفي لفظ لمسلم: «أهل من عند الشجرة حين قام به بعيره».\nفهذه الأحاديث فيها استحباب الإهلال عند الإحرام، والإهلال هو رفع الصوت بالتلبية، وفي هذا الحديث أنه بدأ بالإهلال حين استوى على راحلته.\nوقد عارض حديثَ ابن عمر حديثُ جابر في «صحيح مسلم» (١٢١٨): «حتى إذا استوت به على البيداء أهلَّ بالتوحيد»، وأخرجه البخاري (١٥٥١) (١٥٤٥) أيضًا عن أنس، وابن عباس -﵃-.\nوجاء في «سنن أبي داود» (١٧٧٠)، من حديث ابن عباس -﵄-: «لما صلَّى في مسجد ذي الحليفة أوجب من مجلسه»، وفي إسناده: خصيف الجزري، وهو سيء الحفظ.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: البيداء هذه فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، قاله أبو عبيد البكري وغيره. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٩١) «المجموع» (٧/ ٢٢٥) «شرح العمدة» (١/ ٤٣٤) «شرح مسلم» (٨/ ٩٠).","vol":"5","page":85},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل. اهـ «الفتح» (١٥٤١).\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٧/ ٢٢٣): الأصح عندنا أنه يستحب إحرامه عند ابتداء السير، وانبعاث الراحلة، وبه قال مالك، والجمهور من السلف والخلف. وقال أبو حنيفة، وأحمد، وداود: إذا فرغ من الصلاة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وفي مذهب أحمد أيضًا استحبابه من حين يستوي على راحلته كما في «المغني» (٥/ ١٠٠ - ١٠١)، والحديث الذي فيه أنه أهلَّ من مجلسه بعد صلاته ضعيفٌ كما تقدم، وأما ما تقدم من أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أهلَّ من البيداء؛ فلا يُعارض حديث ابن عمر؛ لأنَّ ابن عمر عنده زيادة علم، وأولئك سمعوه يهل بالبيداء؛ فظنُّوا أنه ابتدأ من هنالك، وكان -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد ابتدأ من حين استوى على بعيره، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2135>مسألة [٣]: هل يستحب أن يذكر ما يريد أن يحرم به قبل التلبية</span>؟\nاستحبَّهُ جماعةٌ من أهل العلم كما في «المغني» (٥/ ٨٢، ٩١، ٩٥).\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٠٥): ولكن تنازع العلماء هل يستحب أن يتكلم بذلك -يعني كأن يقول: (اللهم إني أريد الحج، أو: أريد العمرة، أو: أريدهما، أو: اللهم إني أوجبت عمرة، أو: أوجبت حجًّا، أو: أوجبت حجة وعمرة-.\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (١٥٤١)، «شرح مسلم» (٨/ ٩٤).","vol":"5","page":86},{"text":"قال: والصواب المقطوع به أنه لا يستحب شيء من ذلك؛ فإن النبي - ﷺ - لم يشرع للمسلمين شيئًا من ذلك، ولا كان يتكلم قبل التلبية بشيء من ألفاظ النية، لا هو ولا أصحابه ...\nقال: وكان يقول في تلبيته: «لبيك عمرة وحجًّا»، وكان يقول للواحد من أصحابه: «بم أهللت؟» وقال في المواقيت: «مهل أهل المدينة ذو الحليفة، ومهل أهل الشام الجحفة، ومهل أهل اليمن يلملم، ومهل أهل نجد قرن المنازل، ومهل أهل العراق ذات عرق، ومن كان دونهن؛ فمهله من أهله» (^١)، والإهلال هو التلبية، فهذا هو الذي شرع النبي - ﷺ - للمسلمين التكلم به في ابتداء الحج والعمرة. اهـ\nوما رجَّحه شيخ الإسلام هو الذي صححه الإمام ابن عثيمين -﵀- كما في «الشرح الممتع» (٧/ ٧٩)، وهو الصواب، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2136>مسألة [٤]: الإحرام عَقِبَ الصلاة</span>.\nاستحبَّ أهل العلم أن يُحرِمَ عَقِبَ صلاةٍ، فرضًا كانت أو نفلًا؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أحرم عَقِبَ الصلاة كما في «صحيح مسلم» (١٢١٨) (١٢٤٣)، من حديث ابن عباس، وجابر -﵃-، وأخرج مسلمٌ في «صحيحه» (١١٨٤) (٢١) عن ابن عمر، قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أهلَّ ...».\n_________\n(^١) تقدم تخريجه رقم (٧٠٥)، وأما قوله: «ومهل أهل العراق ذات عرق»، فتقدم الكلام عليه رقم (٧٠٦ - ٧٠٧).","vol":"5","page":87},{"text":"وأخرج البخاري (١٥٣٤)، من حديث عمر بن الخطاب -﵁-، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة».\nواختار شيخ الإسلام أنه يحرم عقيب فرضٍ إن كان وقته.\nقال: وإلا فليس للإحرام صلاة تخصُّه.\nومال إلى قوله الشيخ ابن عثيمين -﵀-.\nقلتُ: حديث ابن عمر المتقدم يدل على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يُحرم عَقِبَ الصلاة، ويظهر من لفظ الحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يتحرى أن يجعل إحرامه عَقِبَ الصلاة، والله أعلم.\nوهاتان الركعتان ليستا ركعتين خاصة بالإحرام كما قال شيخ الإسلام، بل يصلح أن يصلِّيَ ضحًى أونفلًا مطلقًا في غير وقت النهي، ثم يحرم، والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال صاحب «الإنصاف» (٣/ ٣٩١): لا يصلي الركعتين في وقتِ نهيٍ على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب. اهـ\nقلتُ: وهو الظاهر؛ لأنها ليست من ذوات الأسباب، وليست صلاةً للإحرام، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٨٠ - ٨١)، «شرح مسلم» (٨/ ٩٢ - ٩٣)، «الشرح الممتع» (٧/ ٧٦ - ٧٧)، «المحلَّى» (٨٢٦).","vol":"5","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2137>مسألة [٥]: استقبال القبلة، والتسبيح، والتحميد، والتكبير قبل الإهلال بالتلبية</span>.\nاستحب ذلك جماعة من أهل العلم؛ لما روى البخاري في «صحيحه» (١٥٥٣)، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-: أنه كان إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته، فرحلت، ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائمًا، ثم يلبي، ثم يذكر عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه فعل ذلك.\nولما أخرجه البخاري (١٥٥٢)، عن أنس -﵁-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ركب حتى إذا استوت به على البيداء حمد الله، وسبح، وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما.","vol":"5","page":89},{"text":"٧١٢ - وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ -﵄-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلَالِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2138>مسألة [١]: حكم التلبية</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: أنها سُنَّة، وهو مذهب أحمد، والشافعي، والحسن بن حي؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لبَّى هو وأصحابه واستمروا على ذلك، وهي من شعائر الحج.\nالثاني: واجبة، وإذا تركها؛ فعليه دمٌ، وهو مذهب المالكية؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-\n_________\n(^١) حسن لغيره. أخرجه أحمد (٤/ ٥٥)، وأبوداود (١٨١٤)، والنسائي (٥/ ١٦٢)، والترمذي (٨٢٩)، وابن ماجه (٢٩٢٢)، وابن حبان (٣٨٠٢)، من طريق سفيان بن عيينة عن عبدالله بن أبي بكر عن عبدالملك بن أبي بكر بن الحارث عن خلاد بن السائب بن خلاد عن أبيه به. وهذا إسناد ضعيف رجاله رجال الشيخين إلا خلاد بن السائب، فهو من رجال أصحاب السنن وقد روى عنه خمسة ووثقه ابن حبان، فهو مجهول الحال، والله أعلم.\n\nولكن للحديث شاهد يحسن به، وهو ما أخرجه أحمد (١/ ٣٢١)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ١٨٧) من طريق عبدالصمد بن عبدالوارث عن عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار حدثنا أبوحازم عن جعفر بن عباس عن ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إن جبريل أتاني فأمرني أن أعلن بالتلبية»، وإسناده ضعيف؛ لضعف عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار، وأما جعفر بن عباس فهو ابن تمام بن عباس، نسب إلى جده، كما في «التاريخ الكبير»، وهو ثقة، وثقه أبوزرعة كما في «الجرح والتعديل»، والحديث حسن بطريقيه، والله أعلم.","vol":"5","page":90},{"text":"لبَّى، وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» (^١)، ولحديث السائب بن خلاد الذي في الكتاب، وهو قول بعض الشافعية.\nالثالث: أنها شرط لصحة الإحرام، وهو مذهب الثوري، وأبي حنيفة، والظاهرية، قال ابن حزمٍ: (وهو فرضٌ ولو مرة) وهو قول عطاء وبعض الشافعية.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما حديث: «خذوا عني مناسككم»؛ فهو حديث مجملٌ، ومعناه: أن نفعل كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحج، فما كان واجبًا؛ فعلناه على سبيل الوجوب، وما كان مستحبًّا؛ فعلناه على سبيل الاستحباب، ولا يصح أن يقال: (كل ما فعله رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحج فهو واجبٌ)؛ لهذا الحديث، فقد أجمع أهل العلم على أنَّ كثيرًا من الأفعال التي فعلها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ليست واجبة، بل مستحبة؛ وعلى هذا فيؤخذ الوجوب والاستحباب من أدلة أخرى، والله أعلم.\nوأما حديث السائب بن خلاد؛ فإنَّ الأمر على سبيل الاستحباب، فإنَّا لا نعلم أحدًا أوجب رفع الصوت في التلبية غير داود، وابن حزم، ومع ذلك فقال ابن حزم: (فرض ولو مرة)، ولا نعلم له دليلًا على تخصيص الوجوب بمرة.\nفالظاهر أنَّ الراجح هو القول الأول، والله أعلم.\nولا ينبغي لإنسان أن يترك التلبية؛ للخلاف في وجوبها، ولفضيلتها، فقد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من حديث سهل ابن سعد أنه قال: ما من مسلم يلبِّي إلا لبَّى ما عن يمينه وشماله من حجر، أو شجر، أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا، وهاهنا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٩٧) عن جابر -﵁-.","vol":"5","page":91},{"text":"رواه الترمذي (٨٢٨)، وابن ماجه (٢٩٢١)، وهو حديث صحيح، وقد صححه شيخنا -﵀- في «الصحيح المسند» (٤٦٨). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2139>مسألة [٢]: رفع الصوت بالتلبية</span>.\nدلَّ حديث الباب على استحباب رفع الصوت بالتلبية، وفي «البخاري» (١٥٤٨) عن أنس، و«مسلم» (١٢٤٨) عن أبي سعيد: أنهم كانوا يصرخون بها صراخًا.\nوصحَّ عن ابن عمر أنه رفع صوته حتى أسمع ما بين الجبلين. أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٤٦٣)، وصحَّ عن أبي حازم كما في «المحلَّى» (٧/ ٩٤)، أنه قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - إذا أحرموا لم يبلغوا الروحاء حتى تبح أصواتهم.\n• وقد ذهب عامة أهلُ العلم إلى استحباب رفع الصوت بالتلبية.\n• وذهب داود، وابن حزم إلى وجوب رفع الصوت بالتلبية، ولو مرة، ومن لم يرفع صوته بالتلبية، ولا مرة واحدة؛ فحجُّه باطلٌ إذا كان عالمًا متعمدًا.\nوالصواب هو الاستحباب كما قال الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2140>مسألة [٣]: رفع المرأة صوتها بالتلبية</span>.\n• ذهب ابن حزمٍ -﵀- إلى أنَّ حكمها حكم الرجل: يجب عليها أن ترفع\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ١٠٠ - ١٠١) «المجموع» (٧/ ٢٢٥) «شرح مسلم» (٨/ ٩٠) «المحلَّى» (٨٢٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ١٠٢)، «المحلَّى» (٨٢٩)، (٨٦٦)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٦٣).","vol":"5","page":92},{"text":"صوتها بالتلبية ولو مرة، وخالفه عامة أهل العلم.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٦٠): قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنَّ السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تُسمع نفسها. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2141>مسألة [٤]: هل يستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته</span>؟\n• ذهب أحمد وأصحابه إلى استحباب ذلك؛ لما روى أنس -﵁- كما في «الصحيحين» قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «لبيك عمرة وحجًّا»، وعنه في «البخاري» (١٥٤٨)، قال: سمعتهم يصرخون بهما صراخًا. وعن أبي سعيد -﵁- في «مسلم» (١٢٤٨): خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نصرخ بالحج صراخًا. وحديث جابر في «مسلم» (١٢١٣): قدم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه مهلين بالحج.\n• وذهب الشافعي إلى عدم استحباب ذلك؛ لحديث جابر -﵁-، قال: ما سمَّى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في تلبيته حجًّا ولا عمرة. وجاء عن ابن عمر -﵄- أنه سمع رجلًا يلبي بالحج فضرب صدره، وقال: تعلمه ما في نفسك. أخرجه البيهقي (٥/ ٤٠)، وإسناده ضعيفٌ، فيه عنعنة ابن جريج، وهو مدلس.\nقلتُ: القول الأول هو الصواب؛ لقوة أدلتهم، وأما حديث جابر الذي استدلوا به؛ فقد أخرجه الشافعي كما في «المسند» (١/ ٣٧٠)، وفي إسناده: إبراهيم بن أبي يحيى، وهو كذاب، وأثر ابن عمر -﵄-، فيه ضعفٌ، والذي صحَّ عنه كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٤١)، أنه قال: يكفيك النية في الحج والعمرة إذا\n_________\n(^١) وانظر: «المحلَّى» (٨٢٩).","vol":"5","page":93},{"text":"أردت أن تحرم. وإسناده صحيح. وهذا يدل على أنَّ الإحرام ينعقد بالنية، ولا يشترط التلبية به في انعقاد الحج، ولا يدل على أنه لا يستحب ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2142>مسألة [٥]: رفع الصوت بالتلبية بالأمصار والمساجد</span>.\n• ذهب أحمد، ومالك إلى عدم رفع الصوت بالتلبية في الأمصار والمساجد؛ إلا في مكة، والمسجد الحرام.\n• وذهب الشافعي إلى أنه يرفع صوته في المساجد كلها؛ أخذًا بعموم حديث الباب.\nقلتُ: الرفع بالصوت مستحبٌّ، فإذا وجد من يتأذى برفع صوته من القائمين بتلك المساجد؛ فلا يرفع صوته؛ لحديث أبي سعيد -﵁-: «كلكم مناجٍ ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعضٍ في القراءة» أخرجه أبو داود (١٣٣٢) بإسناد صحيح، وصححه شيخنا الإمام الوادعي -﵀-، وأكرمه برضوانه في «الصحيح المسند» (٤١٩). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2143>مسألة [٦]: التلبية بغير العربية</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٠٧): ولا يلبي بغير العربية؛ إلا أن يعجز عنها؛ لأنه ذِكْرٌ مشروعٌ، فلا يشرع بغير العربية، كالأذان والأذكار المشروعة في الصلاة. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٠٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ١٠٤).","vol":"5","page":94},{"text":"٧١٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2144>مسألة [١]: غسل المحرم عند إرادة الإحرام</span>.\n• ذهب عامَّةُ أهل العلم إلى الاستحباب؛ للأحاديث المتقدمة، وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإحرام جائزٌ بغير اغتسال، وأنه غير واجبٍ. وحُكِي عن الحسن أنه قال: إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذكر.\nقال ابن قدامة -﵀-: وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله قيل له عن بعض أهل المدينة: من ترك الاغتسال عند الإحرام فعليه دمٌ. فأظهر التعجب من هذا القول.\nقلتُ: وذهب ابن حزمٍ إلى وجوبه على النفساء خاصَّة؛ لحديث جابر -﵁-، في «صحيح مسلم» (١٢١٨): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرها أن تغتسل وتهل.\nوالصواب ما ذهب إليه الجمهور -أعني الاستحباب- حتى في حق النفساء،\n_________\n(^١) صحيح لغيره. أخرجه الترمذي (٨٣٠)، من طريق عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة ابن زيد عن أبيه. وإسناده ضعيف؛ لضعف عبدالرحمن بن أبي الزناد، ولكن يشهد له حديث ابن عمر، أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (١٠٨٤) والبيهقي (٥/ ٣٣) أنه قال: من السنة أن يغتسل الرجل إذا أراد أن يحرم. وإسناده صحيح، صححه شيخنا -﵀- في «الجامع الصحيح» (٢/ ٣٤٣).","vol":"5","page":95},{"text":"والأمر الذي في حديث جابر محمولٌ على الاستحباب، وإنما أمرها لكونه كان جوابًا لسؤالها حين أرسلت إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تسأله كيف تصنع؟ فأمرها بذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2145>مسألة [٢]: التنظف عند الإحرام</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٧٦): وَيُسْتَحَبُّ التَّنَظُّفُ بِإِزَالَةِ الشَّعَثِ، وَقَطْعِ الرَّائِحَةِ، وَنَتْفِ الْإِبِطِ، وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يُسَنُّ لَهُ الِاغْتِسَالُ وَالطِّيبُ، فَسُنَّ لَهُ هَذَا كَالْجمُعَةِ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ قَطْعَ الشَّعْرِ وَقَلْمَ الْأَظْفَارِ، فَاسْتُحِبَّ فِعْلُهُ قَبْلَهُ؛ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٧٥)، «المحلَّى» (٨٢٤)، «المجموع» (٧/ ٢١٢).","vol":"5","page":96},{"text":"٧١٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ: «لَا تَلْبَسُوا القُمُصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافِ، إلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الوَرْسُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2146>مسألة [١]: ما يَحْرُمُ على المحرِم لبسُه</span>.\nقال ابن قدامة -رحمه الله تعالى- في «المغني» (٥/ ١١٩): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ لُبْسِ الْقُمُصِ، وَالْعَمَائِمِ، وَالسَّرَاوِيلَاتِ، وَالْخِفَافِ، وَالْبَرَانِسِ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ...، وذكر حديث الباب.\nقال: نَصَّ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَأَلْحَقَ بِهَا أَهْلُ الْعِلْمِ مَا فِي مَعْنَاهَا، مِثْلَ الْجبَّةِ، وَالدُّرَّاعَةِ جبة مشقوقة المقدم وَالتُّبَّان، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ سَتْرُ بَدَنِهِ بِمَا عُمِلَ عَلَى قَدْرِهِ، وَلَا سَتْرُ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ بِمَا عُمِلَ عَلَى قَدْرِهِ، كَالْقَمِيصِ لِلْبَدَنِ، وَالسَّرَاوِيلِ لِبَعْضِ الْبَدَنِ، وَالْقُفَّازَيْنِ لِلْيَدَيْنِ، وَالْخُفَّيْنِ لِلرِّجْلَيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي هَذَا كُلِّهِ اخْتِلَافٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَجُوزُ لِبَاسُ شَيْءٍ مِنْ الْمَخِيطِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الذُّكُورُ دُونَ النِّسَاءِ. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٤٢)، ومسلم (١١٧٧).","vol":"5","page":97},{"text":"تنبيه: من أطلق من الفقهاء تحريم المخيط؛ فمراده هو ما ذكره ابن قدامة من تركِ ما عُمِل على قدر البدن، أو على عضو من أعضائه، وليس المراد ما حصل فيه خياط مطلقًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2147>مسألة [٢]: هل يجوز له لبس السراويل إذا لم يجد الإزار، ولبس الخفين إذا لم يجد النعلين</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٢٠): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَ السَّرَاوِيلَ إذَا لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ، وَالْخُفَّيْنِ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ. وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ. اهـ\nثم استدل بحديث ابن عباس، قال: سَمِعْت النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ، يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢)، وَرَوَى جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَ ذَلِكَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\nقلتُ: وهو الصحيح؛ لدلالة الأحاديث المتقدمة عليه، ولكن قد وجد خلاف، فقد قال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٨٤١): وعن أبي حنيفة منعُ السراويل للمحرم مطلقًا، ومثله عن مالك، وكأنَّ حديث ابن عباس لم يبلغه. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٥٤٢)، «شرح مسلم» (٨/ ٧٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٤١)، ومسلم (١١٧٨).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١١٧٩).","vol":"5","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2148>مسألة [٣]: هل عليه فدية إذا لبس السراويل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٢٠): وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي لُبْسِهِمَا عِنْدَ ذَلِكَ، فِي قَوْلِ مَنْ سَمَّيْنَا، إلَّا مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ قَالَا: عَلَى كُلِّ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ الْفِدْيَةُ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ. اهـ\nقلتُ: وهذا يدل على أنَّ مالكًا، وأبا حنيفة يريان منع المحرم من لبس السراويل مطلقًا كما تقدم، ولذلك ألزماه بالفدية إذا احتاج إليه.\nوالصواب هو مذهب الجمهور بأنه ليس عليه فدية؛ لحديث ابن عباس المتقدم، وهو صريحٌ في الإباحة، ظاهرٌ في إسقاط الفدية؛ لأنه أمر بلبسه ولم يذكر فدية، وحديث ابن عمر مخصوصٌ بحديث ابن عباس، وجابر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2149>مسألة [٤]: إذا لبس السراويل فهل عليه فتقها حتى تصير كالإزار</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٨٤١): والأصح عند الشافعية، والأكثر جواز لبس السراويل بغير فتق، كقول أحمد، واشترط الفتق محمد بن الحسن، وإمام الحرمين وطائفة. اهـ\nوالصواب ما ذهب إليه أحمد، وأكثر الشافعية؛ لعدم وجود دليل على اشتراط الفتق، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2150>مسألة [٥]: إذا لبس الخفين، فهل يلزمه أن يقطعهما من أسفل الكعبين</span>؟\nدلَّ حديث ابن عمر -﵄- الذي في الباب على أنه يقطعهما، وليس للقطع ذِكْرٌ","vol":"5","page":99},{"text":"في حديث ابن عباس -﵄- في «الصحيحين»، وفي حديث جابر في «مسلم»، وقد تقدما.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٨/ ٧٤ - ٧٥): وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، فَقَالَ أَحْمَد: يَجُوز لُبْس الْخُفَّيْنِ بِحَالِهِمَا، وَلَا يَجِب قَطْعهمَا؛ لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس، وَجَابِر. وَكَانَ أَصْحَابه يَزْعُمُونَ نَسْخ حَدِيث اِبْن عُمَر الْمُصَرِّح بِقَطْعِهِمَا، وَزَعَمُوا أَنَّ قَطْعهمَا إِضَاعَة مَال.\nوَقَالَ مَالِك، وَأَبُو حَنِيفَة، وَالشَّافِعِيُّ، وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء: لَا يَجُوز لُبْسهمَا إِلَّا بَعْد قَطْعهمَا أَسْفَل مِنْ الْكَعْبَيْنِ؛ لِحَدِيثِ اِبْن عُمَر، قَالُوا: وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس وَجَابِر مُطْلَقَانِ، فَيَجِب حَمْلهمَا عَلَى الْمَقْطُوعَيْنِ، لِحَدِيثِ اِبْن عُمَر؛ فَإِنَّ الْمُطْلَق يُحْمَل عَلَى الْمُقَيَّد، وَالزِّيَادَة مِنْ الثِّقَة مَقْبُولَة.\nوَقَوْلهمْ: إِنَّهُ إِضَاعَة مَال لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْإِضَاعَة إِنَّمَا تَكُون فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ الشَّرْع بِهِ فَلَيْسَ بِإِضَاعَةٍ، بَلْ حَقّ يَجِب الْإِذْعَان لَهُ، وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ\nقلتُ: وقال بقول أحمد: عطاء، وعكرمة، وسعيد القداح، وهوقريب؛ لأنَّ حديث ابن عباس، وجابر كان بعرفات، ولو كان واجبًا؛ لبيَّنه للناس، وحديث ابن عمر كان في المدينة في مسجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما جاء في بعض ألفاظه.\nوالعمل بقول الجمهور أحوط؛ خروجًا من الخلاف، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٢١ - ١٢٢).","vol":"5","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2151>مسألة [٦]: من لبس الخفين لعدم النعلين هل عليه فدية</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٨/ ٧٥): ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي لَابِس الْخُفَّيْنِ لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ، هَلْ عَلَيْهِ فِدْيَة أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِك، وَالشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا: لَا شَيْء عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ فِدْيَة لَبَيَّنَهَا - ﷺ -. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه: عَلَيْهِ الْفِدْيَة. اهـ\nقلتُ: والصحيح قول الجمهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2152>مسألة [٧]: إذا لبس المقطوع مع وجود النعل</span>.\n• ظاهر الأحاديث المتقدمة أنه لا يجوز له لبسه مع وجود النعل، وهو قول الجمهور كما ذكر ذلك الحافظ في «الفتح» (١٥٤٢)، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي في قولٍ، كما في «المغني» (٥/ ١٢٢).\n• وذهب الحنفية إلى الجواز، وهو قول بعض الشافعية.\nوالصحيح قول الجمهور؛ إلا أنَّ الجمهور ألزموه بالفدية، ولا نعلم دليلًا على الفدية، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2153>مسألة [٨]: ما هو المستحب لبسه للمحرم</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٧/ ٢١٧): السنة أن يحرم في إزار، ورداء، ونعلين، هذا مجمع على استحبابه. اهـ\nقلتُ: ويدل عليه حديث ابن عمر عند أحمد (٢/ ٣٤) بإسناد صحيح، أنَّ النبي","vol":"5","page":101},{"text":"-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وليحرم أحدكم في إزار، ورداء، ونعلين». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2154>مسألة [٩]: هل له أن يعقد الإزار</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٢٤): ويجوز أن يعقد إزاره عليه؛ لأنه يحتاج إليه لستر العورة، فيباح كاللباس للمرأة. اهـ\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٧/ ٢٥٥): اتفقت نصوصُ الشافعي، والأصحاب على أنه يجوز أن يعقد الإزار، ويشد عليه خيطان، وأن يجعل له مثل الحجزة، ويدخل فيها التكة ونحو ذلك؛ لأنَّ ذلك من مصلحة الإزار؛ فإنه لا يستمسك إلا بنحو ذلك. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2155>مسألة [١٠]: هل له أن يعقد الرداء</span>؟\n• أكثر الشافعية، والحنابلة على منع ذلك؛ لأنه يصير في حكم المخيط، قالوا: وليس له أن يضمه بِزِرٍّ، أو شوكة، أو إبرة، أو خيط، ونحو ذلك.\n• قال النووي -﵀-: وقالت طائفةٌ من أصحابنا: لا يحرم عقد الرداء كما لا يحرم عقد الإزار، وبهذا قطع إمام الحرمين، والغزالي في «البسيط»، والمتولي وغيرهم، وقالوا: هذا لا يعد مخيطًا. انتهى المراد.\nوأجاز ذلك الإمام ابن عثيمين -﵀-، ثم قال: لكن الناس توسعوا في هذه المسألة، وصار الرجل يشبك رداءه من رقبته إلى عانته، فيبقى كأنه قميص ليس له\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٧٦).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٣/ ٤٢١).","vol":"5","page":102},{"text":"أكمام، وهذا لا ينبغي. اهـ (^١)\nفائدة: قال النووي -﵀- في «المجموع» (٧/ ٢٥٥): قال أصحابنا: وله غرز ردائه في طرف إزاره، وهذا لا خلاف فيه؛ لأنه يحتاج إليه للاستمساك. اهـ\nقلتُ: لعله أراد عدم الخلاف في مذهبه، وإلا فالخلاف موجود عند الحنابلة كما في «الإنصاف» (٣/ ٤٢١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2156>مسألة [١١]: ما حكم لبس الْهِمْيَان، والْمِنْطَقَة</span>؟\nالْهِمْيَان: قال الحافظ: هو بكسر الهاء معرَّب، يشبه تكة السراويل، يُجعل فيها النفقة، ويشد في الوسط. وقال صاحب «النهاية»: الهميان هوالمنطقة، والتكة.\nقلتُ: يظهر من كلام الفقهاء أنَّ كُلًّا من الهميان والمنطقة يستخدم لحفظ النفقة، ولشد الإزار؛ إلا أنَّ الهميان مقصود في حفظ النفقة، والمنطقة مقصودة في شد الإزار، والله أعلم.\nوقد رخَّص في الهميان عامة أهل العلم، وصحَّ ذلك عن عائشة، وابن عباس -﵃-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٥٠٨).\nوقال ابن عبد البر -﵀-: أجاز ذلك فقهاء الأمصار.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح»: وأجازوا عقده إذا لم يمكن إدخال بعضه ببعض، ومنع إسحاق عقده، وقيل: إنه تفرد بذلك، وليس كذلك. اهـ ثم أسند عن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٢٤) «المجموع» (٧/ ٢٥٦) «الإنصاف» (٣/ ٤٢١) «الشرح الممتع» (٧/ ١٥١).","vol":"5","page":103},{"text":"سعيد بن المسيب الخلاف أيضًا.\nقلتُ: وكلام إسحاق محمول أيضًا على من لم يمكنه إدخال بعضه ببعض، كما في «المغني» (٥/ ١٢٥).\nوأما المنطقة: فإن كان فيها النفقة؛ فحكمها حكم الهميان، وإن لم يكن فيها النفقة؛ ففيها خلافٌ عند الحنابلة كما في «الإنصاف» (٣/ ٤٢١)، وثبت عن ابن عمر -﵄- الكراهة كما في «موطإ مالك» (١/ ٣٢٦)، وإلى الجواز ذهب سعيد بن المسيب، ومالك، وآخرون، كما في «الاستذكار» (١١/ ٤٢ -)، وهو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن أشياء معلومة، وهذا لا يشبه شيئًا منها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2157>مسألة [١٢]: تغطية المحرم رأسه</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٥٠ - ١٥١): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَخْمِيرِ رَأْسِهِ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ نَهْيُ النَّبِيِّ - ﷺ - عَنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ. وَقَوْلُهُ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (^٢)، عَلَّلَ مَنْعَ تَخْمِيرِ رَأْسِهِ بِبَقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2158>مسألة [١٣]: هل تدخل الأُذُنان في تحريم تغطية الرأس</span>؟\n• مذهب الحنابلة دخولها في تحريم تغطية الرأس؛ لحديث: «الأذنان من\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» [باب (١٨) من كتاب الحج]، «المغني» (٥/ ١٢٥)، «المجموع» (٧/ ٢٥٥).\n(^٢) تقدم تخريجه في «البلوغ» برقم (٥٢٧).","vol":"5","page":104},{"text":"الرأس». (^١)\n• ومذهب الشافعي الإباحة.\nوالصواب مذهب الحنابلة، فقد صحَّ عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: الأذنان من الرأس.\nوأما الحديث ففيه اختلاف تقدمت الإشارة إليه في [كتاب الطهارة]. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2159>مسألة [١٤]: إن حمل على رأسه مِكْتَلا، أو طبقًا</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا شيء عليه؛ لأنَّ هذا لا يقصد به الستر غالبًا، وهو مذهب عطاء، وأحمد، ومالك، والشافعي في قول، وعن الشافعي قولٌ: أنَّ عليه الفدية. وأخذ بذلك بعض أصحابه، والذي عليه أكثر أصحابه فيما حكاه النووي يقولون بالجواز؛ لِمَا تقدم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2160>مسألة [١٥]: هل يَحْرُمُ تغطية الْمُحْرِمِ لِوَجْهِهِ</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالأول: يُباح للمحرم تغطية وجهه، وصحَّ هذا القول عن عثمان، وجابر، وعبد الله بن عباس، وثبت عن ابن الزبير، كما في «سنن البيهقي» (٥/ ٥٤)، و«المحلَّى» (٧/ ٩١)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٧١).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في باب الوضوء.\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ١٥١)، «الإنصاف» (٣/ ٤١٥).\n(^٣) انظر: «المغني» (٥/ ١٥٢)، «المجموع» (٧/ ٢٥٢ - ٢٥٣).","vol":"5","page":105},{"text":"وهو قول القاسم، وطاوس، وعكرمة، وعطاء، والثوري، وإسحاق، والشافعي، وأبي ثور، وداود، وأحمد في رواية، وعزاه النووي لجمهور العلماء، وقالوا: جاءت النصوص بتحريم العمائم، والبَرَانِس، وهذا يدل على تحريم تغطية الرأس فحسب.\nالثاني: تحريم تغطية الوجه، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية، وصحَّ عن ابن عمر كما في «موطأ مالك» (١/ ٣٢٧)، أنه قال: ما فوق الذقن من الرأس؛ فلا يغطه المحرم.\nواستدلوا بحديث ابن عباس -﵄- في قصة المحرم: «ولا تخمروا رأسه ولا وجهه» أخرجه مسلم.\nقلتُ: حديث ابن عباس -﵄- مخرجه سعيد بن جبير، وقد رواه عنه غير واحد بدون ذكر الوجه، ومنهم: عمرو بن دينار، والحفاظ من أصحاب عمرو بن دينار يروونه كذلك بدون ذكر الوجه.\nقال البيهقي -﵀- في «السنن» (٣/ ٣٩٣): ورواية الجماعة في الرأس وحده، وذكر الوجه فيه غريب، ورواه أبو الزبير عن سعيد بن جبير، فذكر الوجه على شك منه في متنه، ورواية الجماعة الذين لم يشكوا وساقوا المتن أحسن سياقةً أولى بأن تكون محفوظة، والله أعلم. اهـ\nوقال الحاكم -﵀- في «معرفة علوم الحديث» (ص ١٤٨): ذكر الوجه تصحيفٌ من الرواة؛ لإجماع الثقات الأثبات من أصحاب عمرو بن دينار على","vol":"5","page":106},{"text":"روايته عنه: «ولا تغطُّوا رأسه»، وهو المحفوظ. اهـ\nقلتُ: ليس هو من باب التصحيف، بل من باب الشاذ، والله أعلم، وقد أشار إلى ذلك البيهقي.\nفالَّراجح هو القول الأول، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2161>مسألة [١٦]: استظلال المحرم</span>.\nأخرج مسلمٌ في «صحيحه» (١٢٩٨) من حديث أم الحصين -﵂-، قالت: حججتُ مع رسول الله - ﷺ - حجة الوداع، فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته، ومعه بلال، وأسامة، أحدهما يقود به راحلته، والآخر رافعٌ ثوبه على رأس رسول الله - ﷺ - من الشمس ... الحديث.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٩/ ٤٦): وَفِيهِ: جَوَاز تَظْلِيل الْمُحْرِم عَلَى رَأْسه بِثَوْبٍ وَغَيْره، وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب جَمَاهِير الْعُلَمَاء، سَوَاء كَانَ رَاكِبًا أَوْ نَازِلًا، وَقَالَ مَالِك وَأَحْمَد: لَا يَجُوز، وَإِنْ فَعَل لَزِمَتْهُ الْفِدْيَة، وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَة: أَنَّهُ لَا فِدْيَة. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَعَدَ تَحْت خَيْمَة أَوْ سَقْف جَازَ. اهـ\nقلتُ: الصواب قول الجمهور، وليس مع من منع من ذلك حجة ظاهرة، وقد صحَّ عن ابن عمر -﵄- كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٧١) أنه رأى رجلًا محرمًا قد استظل، فقال له: أضح لمن أحرمت له.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ١٥٣) «المجموع» (٧/ ٢٦٨) «الاستذكار» (١١/ ٤٥) «المحلَّى» (٨٢٨).","vol":"5","page":107},{"text":"وهذا لا يدل على أن ابن عمر يرى عدم جواز الاستظلال، بل غاية ما يُستفاد منه أنه استحبَّ عدم الاستظلال، والله أعلم.\nوأما الأشياء الثابتة، كالخباء، والسقف، والشجر، فاستدلوا له بحديث جابر الطويل في صفة حج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وفيه: فأمر بِقُبَّةٍ من شعر، فضربت له بِنَمِرة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2162>مسألة [١٧]: تغطية المحرمة لرأسها</span>.\nذكر أهل العلم أنه يجب على المحرمة أن تغطي رأسها؛ لأنه عورة، وليس حكمها في ذلك كحكم الرجل بالإجماع. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2163>مسألة [١٨]: تغطية المحرمة لوجهها</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٥٤): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا تَغْطِيَةُ وَجْهِهَا فِي إحْرَامِهَا، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ تَغْطِيَةُ رَأْسِهِ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا كَانَتْ تُغَطِّي وَجْهَهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ تُغَطِّيهِ بِالسَّدْلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَلَا يَكُونُ اخْتِلَافًا. اهـ\nقلتُ: أثر أسماء ثابت عنها كما في «مستدرك الحاكم» (١/ ٤٥٤)، وصحَّ عن عائشة -﵂-، كما في «سنن البيهقي» (٥/ ٤٧)، أنها قالت: ولا تتبرقع، ولا تتلثم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «منسكه» (ص ٢٤) كما في «حاشية\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ١٢٩، ١٣١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ١٥٥)، «المجموع» (٧/ ٢٦٢).","vol":"5","page":108},{"text":"الشرح الممتع» (٧/ ١٥٣): ولو غطت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه؛ جاز بالاتفاق، وإن كان يمسه: فالصحيح أنه يجوز أيضًا، ولا تكلف المرأة أن تجافي سترتها عن الوجه، لا بعود ولا بيد ولا غير ذلك؛ فإن النبى - ﷺ - سَوَّى بين وجهها ويديها، وكلاهما كبدن الرجل لا كرأسه، وأزواجه - ﷺ - كُنَّ يُسْدِلْنَ على وجوههن من غير مراعاة المجافاة، ولم ينقل أحدٌ من أهل العلم عن النبى - ﷺ - أنه قال: (إحرام المرأة في وجهها)، وإنما هذا قول بعض السلف، لكن النبى - ﷺ - نهاها أن تنتقب أو تلبس القفازين كما نهى المحرم أن يلبس القميص والخف؛ مع أنه يجوز له أن يستر يديه ورجليه باتفاق الأئمة، والبرقع أقوى من النقاب (^١)؛ فلهذا ينهى عنه باتفاقهم، ولهذا كانت المحرمة لا تلبس ما يصنع لستر الوجه كالبرقع ونحوه؛ فإنه كالنقاب. اهـ\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- (٧/ ١٥٣): ولم يَرِد عن النبي - ﷺ - أنه حرَّم على المحرمة تغطية وجهها، وإنما حرَّم عليها النِّقاب فقط؛ لأنه لباس الوجه، وفرقٌ بين النقاب وتغطية الوجه، وعلى هذا: فلو أنَّ المرأة المحرمة غطَّت وجهها؛ لقلنا: هذا لا بأس به، ولكن الأفضل أن تكشفه؛ مالم يكن حولها رجالٌ أجانب، فيجب عليها أن تستر وجهها عنهم. اهـ\n_________\n(^١) البُرْقُع: هو ما يستر الوجه كاملًا، وفيه خرقان للعينين، تلبسه نساء الأعراب، ويستخدم للدواب أيضًا. والنقاب: هو ما تستر به المرأة وجهها، وتشده عليه، قال الفراء: إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينها فتلك: الوصوصة، فإذا أنزلتها دون ذلك إلى المحجر فهو: النقاب؛ فإن كان على طرف الأنف فهو اللغام. وقال أبو زيد: النقاب على مارن الأنف. انظر: «لسان العرب»، «معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية».","vol":"5","page":109},{"text":"قلتُ: ودليل النهي عن النقاب حديث ابن عمر في «البخاري» (١٨٣٨): «ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين».\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٥٥): وَلَمْ أَرَ هَذَا الشَّرْطَ عَنْ أَحْمَدَ يعني مجافاة الثوب عن الوجه وَلَا هُوَ فِي الْخَبَرِ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُهُ؛ فَإِنَّ الثَّوْبَ الْمَسْدُولَ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ إصَابَةِ الْبَشَرَةِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا شَرْطًا؛ لَبُيِّنَ، وَإِنَّمَا مُنِعَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْبُرْقُعِ، وَالنِّقَابِ، وَنَحْوِهِمَا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2164>مسألة [١٩]: لباس القفازين للمحرمة</span>.\n• في المسألة قولان:\nالأول: التحريم، وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، والنخعي، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وهو الأصح عند الشافعية، ونصَّ عليه الشافعي في «الأم»، وهذا القول صحَّ عن ابن عمر -﵄-، واستدلوا بحديث ابن عمر في «البخاري» (١٨٣٨) مرفوعًا: «ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين».\nالثاني: الرخصة، وبه قال عطاء، والثوري، وأبو حنيفة، وبعض الشافعية، وليس معهم دليلٌ صحيحٌ يعتمد عليه بعد ثبوت الحديث في النهي عن ذلك.\nوالصواب القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٧/ ٢٦٢ -).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ١٥٨)، «المجموع» (٧/ ٢٦٩) (٧/ ٢٦٣).","vol":"5","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2165>مسألة [٢٠]: هل للمرأة أن تلبس حُلِيَّهَا</span>؟\n• كره بعض أهل العلم للمرأة أن تلبس حُلِيَّها، وهو قول عطاء، والثوري، وأبي ثور، ورواية عن أحمد، وذلك لأنها من الزينة، والمحرم ينبغي له تركها.\n• وذهب جماعةٌ إلى الرخصة في ذلك. قال ابن قدامة: وظاهر مذهب أحمد الرخصة فيه.\nقلتُ: وهو قول قتادة، وأصحاب الرأي، وصحَّ عن عائشة -﵂- كما في «مسائل أبي داود» (٧٢٧)، أنها قالت: تلبس المحرمة ما تلبس وهي حلال من خزِّها، وقزِّها، وحُليِّها.\nوصحَّ عن ابن عمر أنَّ نساءه وبناته كُنَّ يلبسن الحُلي، فلا ينكر ذلك كما في «مسائل أبي داود» (٧٣٠)، وهذا اختيار ابن المنذر، وهذا القول هو الصواب، ولكن لا ينبغي أن تلبس فوق عادتها في غير الإحرام، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2166>مسألة [٢١]: هل للمحرم أن يتطيب في بدنه وثوبه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٤٠): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ الطِّيبِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ: «لَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ: «لَا تُحَنِّطُوهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢)، فَلَمَّا مُنِعَ الْمَيِّتُ مِنْ الطِّيبِ لِإِحْرَامِهِ؛ فَالْحَيُّ أَوْلَى.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ١٥٩).\n(^٢) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٥٢٧).","vol":"5","page":111},{"text":"وقال: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي هَذَا يعني في أن المحرم لا يلبس ثوبًا مسَّه الزعفران، أو الورس، أو الطِّيب. اهـ\nقلتُ: ودليله حديث الباب: «ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسَّه الزعفران، أو الورس»، وليس الممنوع منه خاصًّا بالزعفران، أو الورس، بل في كل طيبٍ، ويدل عليه حديث الذي وقصته ناقته: «ولا تحنِّطوه»، وهذا مجمع عليه كما في «الفتح» (١٥٤٢) قاله ابن العربي.\nوليس تحريم الطيب في البدن، والثياب خاصًّا بالرجل، بل يشمل المرأة بالإجماع، بيَّنَ ذلك الحافظ في «الفتح» (١٨٣٨).\nتنبيه: المقصود من تحريم الطيب على المحرم هو التطيب بعد الإحرام، وأما تتطيبه قبل الإحرام فهي مسألة أخرى سيأتي الكلام عليها إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2167>مسألة [٢٢]: إذا انقطعت الرائحة من الثوب بالغسل، أو طول الزمن</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى جواز لبسه للمحرم؛ لأنه نُهِيَ عنه من أجل رائحته، وقد زالت، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وغيرهما.\nوَشَرَطَ الْجمْهُورُ أَنْ لَا يَعُود الرِّيْحُ إذا رُشَّ بالماء.\n• وكره ذلك مالك؛ إلا أنْ يغسل ويذهب لونه مع رائحته.\nوالصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٤٣)، «الفتح» (١٥٤٢).","vol":"5","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2168>مسألة [٢٣]: الزعفران وغيره من الطيب إذا جعل في مأكول، أو مشروب</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: يجوز أكله، أو شربه إذا ذهب الريح بالطبخ، وإلا فلا، وهو مذهب الشافعي، وأحمد.\nالثاني: الجواز مطلقًا، وهو مذهب مالك، وأصحاب الرأي؛ لأنه أصبح أكلًا.\nقلتُ: الأظهر هو القول الأول؛ لأنَّ الطيب إذا بقيت رائحته فقد مسَّه المحرم أثناء الأكل، أو الشرب، وهو منهيٌ عن ذلك، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀- كما في «فتاواه». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2169>مسألة [٢٤]: النبات الذي له ريح طيب</span>.\nهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:\nالأول: نوعٌ لا ينبت للطيب، ولا يتخذ منه الطيب، مثل الفواكه، ومنها: التفاح، والأُترج، قال ابن قدامة: فمباحٌ شَمُّه، ولا فدية فيه، ولا نعلم فيه خلافًا. اهـ\nالثاني: نوعٌ ينبت للطيب، ويتخذ منه الطيب، قال الحافظ ابن حجر باب (١٨) من [كتاب الحج]: كل ما يتخذ منه الطيب يحرم بلا خلاف. مثل الورد والياسمين.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٤٨)، «الفتح» (١٥٤٢)، «القِرَى لقاصد أم القُرى» (ص ٢٠٣).","vol":"5","page":113},{"text":"الثالث: نوعٌ ينبت للطيب، ولا يتخذ منه الطيب، ويمثلون له بالريحان.\nواختلف أهل العلم فيه:\n• فذهب إلى جواز مسِّه الحسن، ومجاهد، وإسحاق، وهو وجهٌ للحنابلة، وصحَّ عن ابن عباس كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٠٩)، و«الكبرى» للبيهقي (٥/ ٥٧): أنه كان لا يرى بأسًا للمحرم بشم الريحان، وهو قولُ بعض الشافعية.\n• وذهب الشافعي في قول مع بعض أصحابه إلى التحريم، وهو قول أبي ثور، وبعض الحنابلة؛ لأنه يتخذ للطيب، فأشبه الورد،\nوهذا القول أقرب -والله أعلم-؛ لأنه من أنواع الطيب، وليس معنا من الأدلة ما يستثنيه. وثبت عن ابن عمر -﵄- كما في «سنن البيهقي» (٥/ ٥٧) أنه كان يكره شم الريحان للمحرم. وجاء عن جابر المنع من ذلك، أخرجه الشافعي في «الأم» (٢/ ٥٢٣)، والبيهقي (٥/ ٥٧)، وفي إسناده عنعنة ابن جريج.\n• وذهب مالك، والحنفية إلى الكراهة فقط. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2170>مسألة [٢٥]: هل يجوز للمحرمة أن تلبس المصبوغ بالعصفر</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى الجواز؛ لأنه ليس بِطِيْبٍ، وقد ثبت عن ابن عمر -﵄-، في «سنن أبي داود» (١٨٢٧)، والحاكم (١/ ٤٨٦) بإسناد حسن: أنَّ النبي\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٤١) «المجموع» (٧/ ٢٧٤) «الفتح» باب (١٨) [كتاب الحج] «الإنصاف» (٣/ ٤٢٤).","vol":"5","page":114},{"text":"-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مسَّ الورس، والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر، أو خزٍّ، أو حُلِيٍّ، أو سراويل، أو قُمُص، أو خف (^١).\nوصحَّ عن عائشة -﵂- أنها كانت تلبس المعصفر وهي محرمة، علقه البخاري في [كتاب الحج] من «صحيحه» باب (٢٣)، ووصله سعيد بن منصور كما في «الفتح»، وابن سعد (٨/ ٧٠)، والبيهقي (٥/ ٥٩) بإسناد صحيح، وأخرج مالك في «الموطأ» (١/ ٣٢٦) بإسناد صحيح عن أسماء بنت أبي بكر -﵄-، أنها كانت تلبس الثياب المعصفرات المشبعات وهي محرمة ليس فيها زعفران.\nوثبت عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص بإسناد صحيح قالت: كنَّ أزواج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يحرمن بالمعصفرات. رواه أحمد كما في «مسائل حنبل» كما في «شرح العمدة» لشيخ الإسلام (٢/ ٩٦).\n• ومنع من ذلك الثوري، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وشبَّهُوه بالمورَّس، والمزعفر، وأُجِيب عنهم بأنه ليس بطيب، وأما الورس والزعفران فإنه طيب. (^٢)\n_________\n(^١) والحديث من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر به.\nقال أبو داود عقب الحديث: روى هذا الحديث عن ابن إسحاق، عن نافع عبدة بن سليمان، ومحمد بن سلمة إلى قوله: وما مس الورس والزعفران من الثياب. ولم يذكرا ما بعده.\nقلتُ: وكذا رواه بدون الزيادة يعلى بن عبيد عند أحمد (٢/ ٢٢)، ويزيد بن هارون عند أحمد (٢/ ٣٢). فالأقرب أن الزيادة مدرجة في الحديث، ولم تثبت مرفوعة، والله أعلم.\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ١٤٤ - ١٤٥)، «الفتح» [باب (٢٣) من كتاب الحج]، «القِرى لقاصد أم القُرى» (ص ١٩٧).","vol":"5","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2171>مسألة [٢٦]: هل يدهن المحرم بدنه ورأسه</span>؟\nأما بالنسبة للبدن: فقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ للمحرم أن يأكل الزيت، والشحم، والسمن، والشيرج، وأن يستعمل ذلك في جميع بدنه سوى رأسه ولحيته.\nوهذا محمولٌ عندهم على الدهن الذي ليس بمطيب؛ لإجماعهم على تحريم الطيب.\n• وأما بالنسبة للرأس: فذهب أكثر أهل العلم إلى عدم دهنه؛ لأنه يزيل الشعث، ويسكن الشعر، وهو قول عطاء، وأحمد، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وبعضهم ألزمه بالفدية إذا دهن، وردَّه ابن قدامة -﵀- بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل ولا دليل فيه من نصٍّ ولا إجماع.\n• وذهب بعض الحنابلة إلى إباحته، وقالوا: تركُه أولى، وهو اختيار شيخ الإسلام، فقد قال في «منسكه» (ص ٢٨) كما في «الشرح الممتع» (٧/ ١٥٩): وأما الدهن في رأسه، أو بدنه بالزيت، والسمن ونحوه إذا لم يكن فيه طيب ففيه نزاعٌ مشهور، وترْكُهُ أولى. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2172>مسألة [٢٧]: الاكتحال للمحرم والمحرمة</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٨/ ١٢٤ - ١٢٥): وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَكْتَحِل بِكُحْلٍ لَا طِيب فِيهِ إِذَا اِحْتَاجَ إِلَيْهِ، وَلَا فِدْيَة عَلَيْهِ فِيهِ،\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (١٥٤٥)، «المغني» (٥/ ١٤٩).","vol":"5","page":116},{"text":"وَأَمَّا الِاكْتِحَال لِلزِّينَةِ فَمَكْرُوه عِنْد الشَّافِعِيّ وَآخَرِينَ، وَمَنَعَهُ جَمَاعَة، مِنْهُمْ: أَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَفِي مَذْهَب مَالِك قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ، وَفِي إِيجَاب الْفِدْيَة عِنْدهمْ بِذَلِكَ خِلَاف. اهـ\nقلتُ: وصحَّ عن ابن عمر -﵄- كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٤٢): أنه قال: يكتحل المحرم بأي كحل شاء مالم يكن فيه طيب.\nواستدل الذين قالوا بالكراهة بحديث جابر في «مسلم» (١٢١٨): أنَّ عليًّا قدِم من اليمن فوجد فاطمة -﵂- ممن حلَّ، فلبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت، فأنكر عليها، فقالت: إنَّ أبي أمرني بهذا، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صدقت، صدقت».\nوالصواب هو قول الشافعي، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٥٦)، «المصنف» (٤/ ٤٤٢ - ٤٤٣).","vol":"5","page":117},{"text":"٧١٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ. مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2173>مسألة [١]: حكم تطييب البدن عند الإحرام</span>.\n• في المسألة قولان:\nالأول: الاستحباب، وهو قول أكثر العلماء، ومنهم: الشافعي، وأحمد، والثوري، وأبو يوسف، وداود، وأصحاب الرأي، وصحَّ ذلك عن جمعٍ من الصحابة، وهم: سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن الزبير، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة -﵃-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٨٤ - ٢٨٦).\nوحجَّةُ أصحاب هذا القول هو حديث عائشة الذي في الباب، وفي لفظٍ عنها في «الصحيح»: «كأني أنظر إلى وبيص المسك على رأس رسول الله - ﷺ - وهو محرم»، وفي لفظ: «طَيَّبْتُه بِأَطْيَب الطِّيب».\nالثاني: المنع، وهو قول الزهري، ومالك، ومحمد بن الحسن، وصحَّ ذلك عن عمر، وعثمان كما في «شرح المعاني» للطحاوي (٢/ ١٢٦)، وصحَّ عن ابن عمر كما في «صحيح مسلم» أنه قال: لأن أطلي بقطران أحبُّ إليَّ من أن أصبح محرمًا أنضخ طيبًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩) (٣٣).","vol":"5","page":118},{"text":"وحجَّتُهم: أنَّ المُحْرِمَ يحرم عليه الطيب ابتداءً؛ فيحرم عليه استدامةً كما في سائر المحظورات.\nواستدلوا أيضًا بحديث يعلى بن أمية أنَّ رجلًا أتى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجلٍ أحرم بعمرة، وهو متضمخ بطيب؟ فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اغسل الطيب الذي بك، وانزع الجبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك» متفق عليه. (^١)\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول؛ لقوة دليلهم، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم أجمعين.\nوالجواب عن أدلة القول الثاني:\nقولهم: (يحرم ابتداءً؛ فيحرم استدامةً كسائر المحظورات) قياسٌ في مقابلة النص؛ فهو فاسد الاعتبار، وقد دلَّ الحديث على استثناء الطيب في البدن، فيجوز الاستدامة دون الابتداء.\nوأما حديث يعلى بن أمية، فأُجيب عنه بثلاثة أوجه:\nأولها: ليس في الحديث أنه تطيب قبل الإحرام، بل يحتمل أنه تطيب بعد الإحرام، فأنكر عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لذلك. ذكره النووي في «المجموع».\nثانيها: جاء في بعض ألفاظ الحديث: (عليه جبة فيها أثر خلوق)، وفي بعضها: (وهو متضمخ بالخلوق)، والخَلُوق طيبٌ فيه زعفران، بل جاءت رواية (عليه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٥٣٦)، ومسلم برقم (١١٨٠) (٨)، واللفظ للبخاري.","vol":"5","page":119},{"text":"ردع من زعفران)، والزعفران مَنْهِيٌ عنه الرجال في غير الإحرام، ففيه أولى، ففي «البخاري» (٥٨٤٦)، ومسلم (٢١٠١)، عن أنس -﵁-، قال: «نهى النبي - ﷺ - أن يتزعفر الرجل»، وهذا الجواب ذكره ابن حزم، والنووي، وابن قدامة، والحافظ ابن حجر، وغيرهم.\nثالثها: أنَّ حديثهم متقدم، كان في عمرة الجعرانة، وحديث عائشة كان في حجة الوداع كما في بعض ألفاظه في «الصحيح»، فحديثنا ناسخٌ لحديثهم، وهو جواب كثير من أهل العلم، منهم: ابن حزم، وابن عبد البر، وابن قدامة، والنووي، والحازمي، والحافظ ابن حجر وغيرهم.\nوعلى هذا: فلا حجة معهم يُعتمد عليها في منعهم من الطيب للمحرم قبل إحرامه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2174>مسألة [٢]: تطييب الثوب قبل الإحرام</span>.\n• ذهب أكثر الشافعية، والحنابلة إلى كراهة ذلك وجوازه، وقالوا: إذا طَيَّبها، ثم نزعها بعد إحرامه؛ فلا يجوز له أن يلبسها مرةً أخرى؛ لحديث: «ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسَّه الزعفران، أو الورس».\nوإنما كرهوه؛ لأنه قد يحتاج إلى نزعها فلا يستطيع بعد ذلك لبسها، وقالوا بالجواز قياسًا على تطييب البدن.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٧٧ -)، «المجموع» (٧/ ٢٢١ - ٢٢٢)، «الفتح» (١٥٣٦) (١٥٣٩)، «المحلَّى» (٨٢٥).","vol":"5","page":120},{"text":"• وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى تحريم ذلك، واستدلوا بالحديث المذكور آنفًا، وقالوا: جميع المحرمات المذكورة في نفس الحديث يحرم على المحرم لبسها ابتداءً، أو استدامةً، وإخراج هذه الجملة من التحريم في حالة الاستدامة والاستصحاب يحتاج إلى دليل، وأما تطييب البدن فقد جاء في حديث عائشة -﵂- المتقدم أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يطيب رأسه ولحيته، والقياس على ذلك ليس بظاهر، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀- كما في «الشرح الممتع» و«الفتاوى»، وهو أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2175>مسألة [٣]: تعمد شم الطيب</span>.\n• ذهب أحمد إلى عدم جواز ذلك، وكره ذلك مالك، وذلك كما لو باشره، ويحققه أنَّ القصدَ شمه، لا مباشرته.\n• وذهب الشافعي إلى الجواز، وهو اختيار ابن المنذر، وذهب الإمام ابن عثيمين إلى أنه إن شَمَّه للاستلذاذ؛ فيحرم، وإلا فلا.\nقلتُ: تقدم عن ابن عمر -﵄- أنه كره شم الريحان، وعن ابن عباس -﵄- أنه قال: لا بأس للمحرم أن يشم الريحان. فالذي ينبغي هو الابتعاد عن تعمد شمه، وأما إن شمه بدون قصد؛ فلا مانع من ذلك.\nقال ابن قدامة -﵀-: فأمَّا شمه من غير قصد، كالجالس عند العطار لحاجته،\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٧/ ٢١٨ - ٢١٩)، «المغني» (٥/ ٨٠)، «الإنصاف» (٣/ ٣٩٠)، «الشرح الممتع» (٧/ ٧٢ - ٧٣).","vol":"5","page":121},{"text":"وداخل السوق، أو داخل الكعبة، ومن يشتري طيبًا لنفسه، أو للتجارة، ولا يمسه؛ فغير ممنوع؛ لأنه لا يمكنه التحرز من هذا، فعفي عنه. اهـ (^١)\nفائدة: حديث عائشة في «سنن أبي داود» (١٨٣٠): «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَى مَكَّةَ، فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالسُّكِّ الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَا يَنْهَاهَا»، وإسناده صحيح، فيه دليلٌ على مشروعية التطيب عند الإحرام للنساء أيضًا، وهو قول جماعة من الفقهاء من الشافعية، والحنابلة، وينبغي أن يحمل ذلك على ما إذا كانت بعيدة من الرجال الأجانب، وإذا لم تحصل فتنة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2176>مسألة [٤]: من أحرم وعليه قميص فماذا يصنع</span>؟\nيصحُّ إحرامه، وعليه نزعه وخلعه عند أكثر أهل العلم.\n• وذهب الشعبي، والنخعي، وأبو قلابة، وأبو صالح إلى أنه يشقه ولا ينزعه حتى لا يغطي رأسه وهو محرم.\nوالقول الأول أصح؛ لأنها تغطية غير مقصودة، وعارضة، أشبه ما يحمله على رأسه، والله أعلم، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٥٠)، «المجموع» (٧/ ٢٨٣)، «الشرح الممتع» (٧/ ١٥٩).\n(^٢) انظر: «شرح العمدة» (٢/ ٤١٣) لشيخ الإسلام، «المجموع» (٧/ ٢١٨).\n(^٣) انظر: «المغني» (٥/ ١٠٩)، «الفتح» (١٥٣٦).","vol":"5","page":122},{"text":"٧١٦ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2177>مسألة [١]: زواج المحرم وتزويجه</span>.\n• في المسألة قولان:\nالأول: التحريم، والمنع، وصحَّ هذا القول عن عمر، فقد تزوج رجل وهو محرم، فرد عمر نكاحه، وصح عن ابن عمر، وجاء عن زيد بن ثابت كما في «الموطأ» (١/ ٣٤٨)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٢٧).\nوهو قول سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، والأوزاعي، وأحمد، ومالك، والشافعي، والظاهرية، واستدلوا بحديث عثمان بن عفان -﵁- الذي في الباب.\nالثاني: الجواز، وهو قول عطاء، والقاسم، وعكرمة، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وصحَّ عن ابن عباس وابن مسعود -﵄-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»؛ لما في «الصحيحين» (^٢) من حديث ابن عباس -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تزوج ميمونة وهو محرمٌ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٤٠٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٣٧)، ومسلم (١٤١٠).","vol":"5","page":123},{"text":"وقد عارضه حديث ميمونة في «صحيح مسلم» (١٤١١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تزوجها وهو حلالٌ، وحديث ميمونة أُعلَّ بالإرسال، فقد رجَّح البخاري، والدارقطني الإرسال، وأنَّ صوابه عن يزيد بن الأصم، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تزوج ميمونة، وهو حلالٌ. (^١)\nولكن له شاهد من حديث أبي رافع عند الترمذي (٨٤١) وأحمد (٦/ ٣٩٢ -) وغيرهما، وفي إسناده: مطر الورَّاق، وفيه ضعف، وقد خالفه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٤٨)، وأنس بن عياض كما في «طبقات ابن سعد» (٨/ ١٣٤)، والدراوردي كما في «العلل» للدارقطني (٧/ ١٤)، فرووه عن ربيعة، عن سليمان بن يسار مرسلًا بدون ذكر أبي رافع، ورجح الإرسال الترمذي، وابن عبدالبر.\nوله شاهدٌ من مراسيل سعيد بن المسيب، أخرجه البيهقي (٧/ ٢١٢) بإسناد صحيح عنه، قال: وهل ابن عباس، وإن كانت خالته، ما تزوجها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلا بعدما أحلَّ.\nوأخرج النسائي في «الكبرى» (٥٤٠٣) بإسناد صحيح عن صفية بنت شيبة قالت: تزوج رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ميمونة وهو حلالٌ بسرف. وصفية مُختلف في صحبتها، والراجح ثبوت صحبتها.\nقلتُ: فمجموع هذه الأدلة تدل على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تزوج ميمونة وهو حلال، وهذا هو الذي يسبق إلى الذهن؛ فإن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دخل مكة في عمرة القضاء، فما\n_________\n(^١) انظر: «العلل الكبير» (١/ ٣٧٩ - ٣٨٠)، «علل الدارقطني» (١٥/ ٢٦٢).","vol":"5","page":124},{"text":"لبث إلا يسيرًا حتى أتمها، ومن البعيد أن ينشغل في ذلك الحين بالزواج، والله أعلم.\nوابن عباسٍ -﵄-، كان صغيرًا قد جاوز العشر بقليل، فظنَّ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تزوجها قبل أن يحل، ويؤيد هذا أنه تزوجها وهو حلال نهيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن أن يتزوج المحرم كما في حديث عثمان، وقد حمل بعضهم حديث ابن عباس «وهو محرم» أي: في الحرم، وعلى هذا فلا إشكال، ولكنه محمل فيه نظر.\nوعلى كلٍّ فالراجح هو القول الأول، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، والذهبي، والنووي، والحافظ ابن حجر، والشوكاني، ثم الإمام ابن باز، وابن عثيمين، والوادعي رحمة الله عليهم أجمعين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2178>مسألة [٢]: هل يبطل نكاحه إذا نكح وهو محرم</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٧/ ٢٩٠): إذا تزوج المحرم؛ فنكاحه باطلٌ عندنا، وعند الجمهور، ويفرق بينهما تفرقة الأبدان بغير طلاق، وقال مالك، وأحمد: يجب تطليقها؛ لتحل لغيره بيقينٍ؛ لشبهة الخلاف في صحة النكاح. دليلنا: أنَّ العقد الفاسد غير منعقد، فلا يحتاج في إزالته إلى فسخ كالبيع الفاسد وغيره، وفي هذا جوابٌ عن دليلهم. اهـ\nقلتُ: والراجح قول الشافعي، والجمهور.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ١٦٣)، «المحلَّى» (٨٦٩)، «المجموع» (٧/ ٢٨٧ -)، «ابن أبي شيبة» (باب ٣٩ من كتاب المناسك).","vol":"5","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2179>مسألة [٣]: مراجعة المحرم لطليقته</span>.\n• ذهب الجمهور إلى أنَّ للمحرم أن يراجع طليقته وهو مُحرِم؛ لأنه ليس بنكاح، وإنما هو إمساك، كما قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]، وهو رواية عن أحمد، رجَّحها ابن قدامة، والرواية الأخرى عن أحمد بمنع ذلك؛ لأنه يستبيحها بالرجعة، فأشبه النكاح. والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2180>مسألة [٤]: شراء الأمة في حق المحرم</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٧٥): وَأَمَّا شِرَاءُ الْإِمَاءِ فَمُبَاحٌ، وَسَوَاءٌ قَصَدَ بِهِ التَّسَرِّي أَوْ لَمْ يَقْصِدْ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ للِاسْتِبَاحَةِ فِي الْبِضْعِ، فَأَشْبَهَ شِرَاءَ الْعَبِيدِ وَالْبَهَائِمِ، وَلِذَلِكَ أُبِيحَ شِرَاءُ مَنْ لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْرُمْ فِي حَالَةٍ يُحْرِم فِيهَا الْوَطْءُ. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2181>مسألة [٥]: إذا أسلم الكافر وله أكثر من أربع نسوة، فأسلمن وهو محرم</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ له أن يتخير منهن أربعًا في حال إحرامه؛ لأنه ليس بنكاح، بل هو إمساك، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٧/ ٢٩٠)، «المغني» (٥/ ١٧٤)، «الإنصاف» (٣/ ٤٤٥).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٣/ ٤٤٦).\n(^٣) وانظر: «المجموع» (٧/ ٢٨٦)، «الإنصاف» (٣/ ٤٤٦).","vol":"5","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2182>فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2183>مسألة [١]: من جامع امرأته وهو محرم</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٦٦): أَمَّا فَسَادُ الْحَجِّ بِالجمَاعِ فِي الْفَرْجِ فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَفْسُدُ بِإِتْيَانِ شَيْءٍ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إلَّا الجمَاعَ. اهـ\nوقد ثبت القول بفساد الحج عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو -﵃-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ١٨٩) ط/الرشد، و«سنن البيهقي» (٥/ ١٦٧ - ١٦٨).\nقال ابن قدامة -﵀-: ولم نعلم لهم في عصرهم مخالفًا، وقالوا كلهم بفساده، سواء كان قبل الوقوف أو بعده، إلا أبا حنيفة فقال: إن جامع بعد الوقوف؛ لم يفسد حجُّه؛ لقول النبي - ﷺ - «الحج عرفة».انتهى بتصرف.\nوأجاب عنه الجمهور بأنَّ المقصود بـ «الحج عرفة» يعني: معظمه، أو أنه ركنٌ متأكدٌ فيه. (^١)\nتنبيه: ذهب الإمام الشوكاني -﵀- كما في «السيل الجرار» (٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨) إلى أنَّ الجماع ليس مفسدًا للحج، وهو محجوجٌ بالإجماع، ولا نعلم مخالفًا من المتقدمين في ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٧/ ٤١٤)، «المحلى» (٨٥٥).","vol":"5","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2184>مسألة [٢]: ماذا عليه إذا جامع وهو محرم</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالأول: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن عليه بَدَنَة، صحَّ ذلك عن ابن عباس -﵄-، وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، وأحمد، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وهذا اختيار الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما.\nالثاني: عليه بدنة؛ فإن لم يجد فشاة، وهو قول الثوري، وإسحاق.\nالثالث: إن كان الجماع قبل الوقوف؛ فعليه شاة، ويفسد الحج، وإن كان بعد الوقوف؛ فعليه بدنة، ولا يفسد الحج، وهو قول أصحاب الرأي.\nالرابع: عليه أن يستغفر الله ويتوب إليه، وليس عليه بدنة، وهو قول ابن حزم كما في «المحلَّى» (٨٥٧)، واختاره الشوكاني كما في «السيل الجرار» (٢/ ٢٢٨).\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يعمل بما أفتى به الصحابي عبدالله بن عباس -﵄-؛ فعليه بدنة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2185>مسألة [٣]: وهل يلزمه أن يمضي في هذا الحج الفاسد حتى يكمله، وهل يلزمه قضاؤه</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يلزمه إتمام الحج الفاسد، وثبت هذا القول عن عمر، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو -﵃-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ١٦٧)، «المجموع» (٧/ ٤١٤، ٤١٦)، «المحلى» (٨٥٧)، «مجموع فتاوى ابن باز» (١٧/ ١٢٩)، «فتاوى العثيمين» (٢٢/ ١٦٧).","vol":"5","page":128},{"text":"(٤/ ٢٣٩)، و«سنن البيهقي» (٥/ ١٦٧ - ١٦٨)، وكذلك ألزموه بالقضاء من العام المقبل، واستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦].\nواستدلوا بما أخرجه ابن وهب في «موطئه» كما في «بيان الوهم والإيهام» (٢/ ١٩٢)، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبدالرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب: أنَّ رجلًا من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فقال لهما: «أتما حجكما، ثم ارجعا وعليكما حجة أخرى، فأقبلا؛ حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، فأحرما وتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، ثم أتما نسككما، وأهديا»، لكن هذا المرسل في إسناده: ابن لهيعة، وفيه ضعف، والمحفوظ عن سعيد من قوله، أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٨٢)، عن يحيى بن سعيد، عنه موقوفًا عليه.\nوفي الباب مرسل آخر: أخرجه أبو داود في «المراسيل» (١٤٠): حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلَّام، عن يحيى، أخبرني يزيد بن نعيم، أو زيد بن نعيم شك أبو توبة أنَّ رجلًا من جذام ...، فذكر نحو مرسل ابن المسيب.\nورواه البيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٦٧)، من طريق: أبي داود، به، ثم قال: هذا منقطع، وهو يزيد بن نعيم الأسلمي بلا شك. اهـ\nوكذلك ذكر الحافظ في «التقريب» في ترجمة (زيد بن نعيم) أنَّ صوابه (يزيد بن نعيم).\nقلتُ: ويزيد بن نعيم الأسلمي حسن الحديث؛ إلا أنه لم يسمع من أحد من","vol":"5","page":129},{"text":"الصحابة، وله رواية عن سعيد بن المسيب كما في «تهذيب الكمال»؛ فيحتمل أنَّ هذا الحديث من روايته عنه؛ فيكون راجعًا إلى مرسل ابن المسيب، وتقدم أنَّ الراجح أنه من قوله، وإلا فسيكون معضلًا لا يصلح للاعتضاد، والله أعلم.\n• وعن الحسن وطاوس: تصير الحجة التي جامع فيها عمرة، وعليه الحج من قابل، والهدي. وقال مالك: ليجعلها عمرة، ويحج من قابل، ويهدي.\n• وذهب داود، وابن حزم إلى أنه لا يلزمه أن يستمر على هذا الحج الفاسد، وهو قول عطاء، وقتادة.\nقال ابن حزم -﵀-: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١]، فمن الخطأ تماديه على عمل لا يصلحه الله ﷿؛ لأنه مفسد بلا خلاف منا ومنهم، فالله تعالى لا يصلح عمله بنص القرآن.\nثم قال: وقد صح عن رسول الله - ﷺ - أن الحج إنما يجب مرة، ومن ألزمه التمادي على ذلك الحج الفاسد ثم ألزمه حجًّا آخر؛ فقد ألزمه حجتين، وهذا خلاف أمر رسول الله - ﷺ -، لكن يُحرم من موضعه؛ فإن أدرك تمام الحج فلا شيء عليه غير ذلك، وإن كان لا يدرك تمام الحج؛ فقد عصى وأمره إلى الله تعالى، ولا هدي في ذلك ولا شيء؛ إلا أن يكون لم يحج قط؛ فعليه الحج والعمرة. اهـ\nقال الشوكاني -﵀- في «النيل» (١٩٠٥): فمن لم يقبل المرسل، ولا رأى حُجِّيَّة أقوال الصحابة؛ فهو في سعة عن التزام هذه الأحكام، وله في ذلك سلف صالح كداود الظاهري. اهـ","vol":"5","page":130},{"text":"وقال -﵀- في «السيل الجرار» (٢/ ٢٢٨): والحاصل أن ما رتبه المصنف على فساد الحج بالوطء، وجعله متفرعا عليه من لزوم إتمامه كالصحيح، ولزوم قضائه، ولو نفلًا؛ كلام لا دليل عليه، وتكليفٌ لعباد الله بما لم يكلفهم الله به، وهكذا من اعتمد في إثبات الأحكام الشرعية على خيالات الآراء وزائف الاجتهاد يأتي بمثل هذه الخرافات التي لا ثمرة لها إلا إتعاب العباد في غير شرع. اهـ\nقلتُ: وقد رجح الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمهما الله القول الأول، وهو الصحيح؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم أفتوا بذلك، ولا يعلم لهم مخالف، وهذا فهم منهم لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ ففهموا -﵃- من الآية أنها تشمل الصحيح والفاسد من الحج والعمرة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2186>مسألة [٤]: هل يفرق بينه وبين امرأته في حجته القابلة</span>؟\n• ذهب كثير من أهل العلم إلى أن الرجل والمرأة يتفرقان في الحجة القابلة، واختلفوا في موضع التفرق:\nفقال بعضهم: يتفرقان من المكان الذي وقع على امرأته فيه، وهذا القول صحَّ عن ابن عباس كما في «سنن البيهقي» (٥/ ١٦٨)، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأصحاب الرأي.\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٧/ ٤١٥)، «المغني» (٥/ ٢٠٥)، «فتاوى ابن باز» (١٧/ ١٢٩)، «فتاوى العثيمين» (٢٢/ ١٦٧)، «الإشراف» (٣/ ٢٠٢).","vol":"5","page":131},{"text":"وقال بعضهم: يتفرقان من مكان الإحرام.\nوهذا ثابت عن ابن عباس -﵄- أيضًا كما في «سنن البيهقي» (٥/ ١٦٧)، وهو قول مالك، وأحمد في رواية.\nوحُجَّةُ كلٍّ من الفريقين أثر ابن عباس -﵄- الثابت في ذلك.\n• وذهب عطاء، وأبو حنيفة إلى عدم التفرق؛ لعدم وجود دليل يلزم بذلك، ولم يذكره ابن عمر، وابن عمرو في فتياهما.\nوهذا القول أقرب من القولين المتقدمين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2187>مسألة [٥]: هل التفريق على سبيل الوجوب عند من قال به</span>؟\n• اختلف القائلون في التفريق هل هو على سبيل الوجوب، أم الاستحباب: فذهب أحمد، ومالك إلى الوجوب، وهو وجهٌ للشافعية، وبعض الحنابلة.\n• وذهب جماعةٌ من الحنابلة -وهو الأصح عند الشافعية- إلى أنَّ ذلك على سبيل الاستحباب، وهو قول أبي ثور، واستحسنه ابن المنذر واختاره ابن قدامة -﵀-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2188>مسألة [٦]: من أين يحرم في القضاء</span>؟\n• في المسألة قولان:\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٧/ ٤١٥)، «المغني» (٥/ ٢٠٧).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٠٧)، «المجموع» (٧/ ٤١٥)، «الإشراف» (٣/ ٢٠٣).","vol":"5","page":132},{"text":"الأول: من نفس الموضع الذي أحرم فيه في الحجة الفاسدة، وهو قول سعيد ابن المسيب، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وابن المنذر.\nالثاني: من الميقات، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، وهذا القول أقرب من الذي قبله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2189>مسألة [٧]: هل يفسد الحج إذا جامع ناسيًا</span>؟\n• ذهب أحمد، ومالك، والشافعي في القديم، وأبو حنيفة إلى أنه يفسد؛ لأنه لا يكاد يتطرق النسيان إليه.\n• وذهب الشافعي في الجديد من قوليه إلى أنه لا يفسد، وهو قول بعض الحنابلة، وقول الظاهرية.\nوهذا أرجح؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥].\nتنبيه: الخلاف في الجاهل نفس الخلاف المتقدم، والرَّاجح عدم بطلان حجه؛ لأنه معذور بجهله، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2190>مسألة [٨]: هل يفسد حج المكرهة على الوطء</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٦٨): وأما فساد الحج فلا فرق بين\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٧/ ٤١٥).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٣/ ٤٤٦ -)، «المغني» (٥/ ١٧٤)، «المحلَّى» (٨٥٥)، «المجموع» (٧/ ٣٤١، ٣٤٣).","vol":"5","page":133},{"text":"حال الإكراه والمطاوعة، لا نعلم فيه خلافًا. اهـ\nقلتُ: الخلاف موجودٌ مشهور.\n• فقد خالف بعض الحنابلة كما في «الإنصاف» (٣/ ٤٤٧)، وهو الأصح عند الشافعية كما في «المجموع» (٧/ ٣٤١)، وهو قول الظاهرية كما في «المحلَّى» (٨٥٥)، فهؤلاء كلهم قالوا: المكرهة لا يفسد حجها؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، وبالحديث: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (^١)، وهذا القول هو الصواب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀- كما في «الشرح الممتع» (٧/ ٢١٦).\nتنبيه: كذلك الرجل إذا أُكره على الوطء لا يفسد حجُّه، وهو مذهب الظاهرية، والأصح عند الشافعية. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2191>مسألة [٩]: إذا جامع امرأته بعد التحلل الأول من الحج وقبل طواف الإفاضة</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: لا يفسد حجُّه، وهو ثابت عن ابن عباس -﵄-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ٥٢٨) ط/الرشد، و«سنن البيهقي» (٥/ ١٧١)، وهو قول مجاهد، وعطاء، والشعبي، والحكم، وعكرمة، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي.\n_________\n(^١) انظر تخريجه في «جامع العلوم والحكم» رقم (٣٩).\n(^٢) انظر: «المحلى» (٨٥٥)، «المجموع» (٧/ ٣٤١ - ٣٤٢).","vol":"5","page":134},{"text":"القول الثاني: يفسد حجُّه، وصحَّ عن ابن عمر -﵄-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ٥٢٨) ط/الرشد، أنه قال: عليه الحج من قابل. وهو قول الزهري، وحماد، والنخعي، وعلقمة، والظاهرية، وحجَّتهم: أنه محرم عليه الجماع؛ فكان حكمه كحكم الجماع قبل التحلل الأول.\nورجَّح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمهما الله القول الأول، وهو الأصح عندي؛ لعدم وقوع إجماع على بطلان الحج في هذا الموضع، والأصل عدم البطلان، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2192>مسألة [١٠]: هل عليه ذبح</span>؟\n• ألزمه جماعة من أهل العلم بشاة، وهو قول عكرمة، وربيعة، ومالك، وإسحاق، وأحمد في رواية.\n• وذهب جماعة إلى أنَّ عليه بدنة، وهو قول أحمد، والشافعي، وأصحاب الرأي، وهو ثابتٌ عن ابن عباس -﵄-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ٥٢٨) ط/الرشد، وهو قول عطاء، والشعبي.\nونرى أن يعمل بفتوى الصحابي الجليل عبد الله بن عباس -﵄- في إلزامه بالبدنة، والله أعلم، انظر المصادر السابقة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٣٧٤ - ٣٧٥)، «المحلى» (٨٥٦)، «المجموع» (٧/ ٤١٤)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ٥٢٨ -) ط/الرشد، «سنن البيهقي» (٥/ ١٧١)، «الإنصاف» (٣/ ٤٥١)، «فتاوى ابن باز» (١٧/ ١٣٣).","vol":"5","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2193>مسألة [١١]: ماذا عليه أن يصنع</span>؟\nاختلف القائلون بعدم فساد حجِّه: ماذا يفعل؟\n• فذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يواصل فيذهب ويطوف طواف الإفاضة، وليس عليه أن يجدد الإحرام، وهو الثابت عن ابن عباس كما في «موطأ مالك» (١/ ٣٨٤)، و«سنن البيهقي» (٥/ ١٧١)، وهو مذهب عطاء، والشعبي، والشافعي.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجدد الإحرام، فيخرج إلى الحل، ويأتي بعمرة، ثم يطوف طواف الإفاضة، وهو قول عكرمة، وربيعة، وإسحاق، وأحمد، ومالك، وأخرج مالك في «الموطأ» (١/ ٣٨٤) عن ثور بن زيد، عن عكرمة، قال: لا أظنه إلا عن ابن عباس ...، فذكر أنه يعتمر، ويهدي.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٧٦): وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ: أَنَّهُ يَعْتَمِرُ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا هَذَا يعني أنه يحرم، ثم يطوف للإفاضة ولا يأتي بأفعال العمرة، وَسَمَّوْهُ عُمْرَةً؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا عُمْرَةً حَقِيقِيَّة، فَيَلْزَمُهُ سَعْيٌ وَتَقْصِيرٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. اهـ\nقلتُ: والقول الأول أقرب، والله أعلم، وأفتى الشيخ ابن عثيمين -﵀- بأنه يخرج إلى الحل ويحرم، ثم يطوف للإفاضة، يعني أن المقصود الإحرام، لا عمرة حقيقية. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين» (٢٢/ ١٧٦)، وانظر: المصادر السابقة.","vol":"5","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2194>مسألة [١٢]: إذا جامع المعتمر قبل الطواف</span>؟\nقال ابن المنذر -رحمه الله تعالى-: وأجمعوا على أنه لو وطئ قبل الطواف فسدت عمرته. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2195>مسألة [١٣]: إذا جامع المعتمر بعد الطواف قبل السعي</span>؟\n• ذهب مالك، وأحمد، والشافعي، وأبو ثور إلى فساد عمرته، وقالوا: عليه القضاء. وأوجب عليه الشافعي بدنة، ومالك، وأحمد، وأبو ثور هديًا.\nوقال عطاء: عليه شاةٌ، ولم يذكر القضاء، وهو مذهب الثوري، وإسحاق، قالا: يريق دمًا، وقد تمت عمرته. وقال أبو حنيفة: إن طاف بالبيت أربعة لم تفسد، وعليه دم، وإن ثلاثة؛ فسدت وعليه إتمامها، والقضاء والدم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2196>مسألة [١٤]: إذا جامع المعتمر بعد الطواف والسعي، وقبل الحلق، أو التقصير</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٧/ ٤٢٢): مذهبنا فساد العمرة إن قلنا: الحلق نسك. وهو الأصح، قال ابن المنذر: ولا أحفظ هذا عن غير الشافعي. وقال ابن عباس، والثوري، وأبو حنيفة: عليه دمٌ. وقال مالك: عليه الهدي. وعن عطاء: أنه يستغفر الله ولا شيء عليه. قال ابن المنذر: قول ابن عباس أعلى. اهـ\nقلتُ: أخرج سعيد بن منصور في «سننه» كما في «شرح العمدة» لشيخ الإسلام (١/ ٢٤٧): ثنا هشيم، وأبو عوانة، ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال: جاءت امرأة إلى ابن عباس -﵄-، فذكرت أن زوجها أصابها، وكانت اعتمرت، فوقع بها\n_________\n(^١) «المجموع» (٧/ ٤٢٢)، «الإجماع» (٢٣٨)، «الإشراف» (٣/ ٣٨٠).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٧/ ٤٢٢)، «الإشراف» (٣/ ٣٨٠)، «منسك الشنقيطي» (٢/ ٢٦٤).","vol":"5","page":137},{"text":"قبل أن تقصر.\nفقال ابن عباس: شبق شديد، شبق شديد. فاستحيت المرأة، فانصرفت، وكره ابن عباس ما فرط منه، وندم على ما قال، واستحيا من ذلك، ثم قال: عليَّ بالمرأة. فأُتي بها، فقال: عليك فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك. قالت: فأي ذلك أفضل؟ قال: النسك. قال: إن شئت فناقة، وإن شئت فبقرة. قالت: أي ذلك أفضل؟ قال: انحري بدنة. واللفظ لهشيم.\nوأخرجه سعيد بن أبي عروبة في «المناسك» كما في «شرح العمدة» (١/ ٢٤٧) من وجه آخر بإسناد صحيح بنحوه.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: ولا يعرف له في الصحابة مخالف.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: العمرة صحيحة ويلزمه ما أفتى به ابن عباس -﵄-، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2197>مسألة [١٥]: هل على المعتمر المجامع أن يعيد العمرة</span>؟\n• ذهب الشافعي، والأوزاعي إلى أنه يتم عمرته الفاسدة، ثم يرجع إلى الميقات فيحرم بعمرة مكانها، وعليه الهدي. قال الشافعي: وعليه بدنة.\n• وقال مالك: يرجع إلى الميقات إن كان قريبًا، وإن لم يفعل؛ فلا شيء عليه، وروي ذلك عن مجاهد. وعن مجاهد: عليه دم. قال ابن المنذر: قول مالك حسن. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) «الإشراف» (٣/ ٣٧٩).\n(^٢) انظر: «الإشراف» (٣/ ٣٨٠).","vol":"5","page":138},{"text":"قلتُ: هو كذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2198>مسألة [١٦]: هل على المرأة المكرهة هدي</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالقول الأول: ليس عليها هدي، ولا على الرجل عنها، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر.\nالقول الثاني: على الرجل أن يهدي عنها، وهو قول أحمد في رواية، وعطاء، ومالك.\nتنبيه: هذا الخلاف عند من أوجب على الرجل بدنة، وأما من لم يوجب شيئًا؛ فلا يجب عندهم هاهنا، وقد تقدمت المسألة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2199>مسألة [١٧]: إذا كانت المرأة مطاوعة</span>؟\n• اختلف القائلون بوجوب البدنة: هل تجب على المرأة؟ على قولين:\nالأول: على كل واحد بدنة، صحَّ هذا القول عن ابن عباس كما في «سنن البيهقي» (٥/ ١٦٨) وهو قول سعيد بن المسيب، والنخعي، والضحاك، والحكم، وحماد، ومالك، وأحمد، وابن المنذر.\nالثاني: يجزئهما هدي واحد، وهو قول أحمد في رواية، وهو مذهب عطاء، والشافعي، وإسحاق. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٦٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ١٦٨)، «المجموع» (٧/ ٤١٨ -)، «الإشراف» (٣/ ٢٠٢ -).","vol":"5","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2200>مسألة [١٨]: إذا وطئ دون الفرج، فلم ينزل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٦٩): أما إذا لم ينزل؛ فإن حجَّه لا يفسد بذلك، لا نعلم أحدًا قال بفساد حجه. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2201>مسألة [١٩]: إذا وطئ دون الفرج فأنزل</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: عليه بدنة، وهو مذهب الحسن، وسعيد بن جبير، والثوري، وأبي ثور، والحنابلة.\nالثاني: عليه شاة، وهو مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، ولا نعلم دليلًا عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في إيجاب شيء من ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2202>مسألة [٢٠]: هل يفسد حج من وطئ دون الفرج فأنزل</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: يفسد حجُّه، وهو قول عطاء، والحسن، والقاسم، ومالك، وإسحاق، ورواية عن أحمد اختارها الخِرَقِي.\nالثاني: لا يفسد حجُّه، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.\nوصححه ابن قدامة.\nفقال: وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأنه استمتاع لا يجب بنوعه الحد، فلم\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ١٦٨)، «المجموع» (٧/ ٤٢١).","vol":"5","page":140},{"text":"يفسد الحج كما لو لم ينزل، ولأنه لا نصَّ فيه، ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه؛ لأنَّ الوطء في الفرج يجب به الحد ويتعلق به اثنا عشر حكمًا. اهـ\nوهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2203>مسألة [٢١]: المباشرة والقبلة بشهوة إذا أنزل</span>؟\n• ذهب كثير من أهل العلم، بل أكثرهم إلى أنَّ حجه لا يفسد، وعليه دم، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وابن سيرين، والزهري، وقتادة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية، لكن قال: عليه بدنة.\n• وفي الرواية الأخرى: أنه يفسد حجه، ورُوي عن سعيد بن جبير، وهو رواية عن مالك.\nوالظاهر أنه لا يفسد، ولكن الدم، لا نعلم دليلًا على إلزامه به، فليس عليه شيء، وإنما عليه التوبة والاستغفار.\nوهو قول عطاء، وسعيد في رواية، أعني ابن جبير. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2204>مسألة [٢٢]: من نظر إلى امرأته حتى أمنى</span>؟\n• لا يفسد حجُّه عند أكثر أهل العلم.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ١٦٩ - ١٧٠)، «المجموع» (٧/ ٤٢١).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ١٧٠ - ١٧١)، «المجموع» (٧/ ٢٩١، ٤٢١).","vol":"5","page":141},{"text":"• وقال مالك: يفسد حجُّه. ورُوي عن الحسن.\nوالصواب قول الجمهور.\n• ثم اختلف الجمهور هل عليه شيء، أم لا؟ على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: عليه شاةٌ، وهو قول سعيد بن جبير، وأحمد في رواية، وإسحاق.\nوروي هذا القول عن ابن عباس -﵄-، أخرجه سعيد بن منصور كما في «القِرَى» (ص ٢١٧).\nالقول الثاني: عليه بدنة، وهو قول أحمد في رواية.\nالقول الثالث: ليس عليه شيء، وهو قول أبي ثور، وأبي حنيفة، والشافعي، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2205>مسألة [٢٣]: هل يلتحق بما تقدم من وطئ في الدبر، وكذا اللواط، وكذا وطء البهيمة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٦٨): وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ، مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَيَتَخَرَّجُ فِي وَطْءِ الْبَهِيمَةِ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَفْسُدُ بِهِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَأَشْبَهَ الْوَطْءَ دُونَ الْفَرْجِ.\nوَحَكَى أَبُو ثَوْرٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ اللِّوَاطَ وَالْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٧٢)، «المجموع» (٧/ ٤٢٢).","vol":"5","page":142},{"text":"لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْإِحْصَانُ، فَلَمْ يُفْسِدْ الْحَجَّ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ. اهـ\nوقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٧/ ٤٢١): لو وطئ امرأةً في دبرها، أو لاط برجل، أو أتى بهيمة؛ فقد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه يفسد حجُّه وعمرته، وقال أبو حنيفة: البهيمة لا تفسد، ولا فدية، وفي الدبر روايتان، وقال داود: لا تفسد ا لبهيمة واللواط. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ١٦٨)، «المجموع» (٧/ ٤٢١، ٢٩١)، «الإنصاف» (٣/ ٤٤٦).","vol":"5","page":143},{"text":"٧١٧ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ -﵁- -فِي قِصَّةِ صَيْدِهِ الحِمَارَ الوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ- قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِأَصْحَابِهِ -وَكَانُوا مُحْرِمِينَ-: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٧١٨ - وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ -﵁-، أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ؛ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2206>مسألة [١]: ما حكم الصيد للمحرم</span>؟\nيحرم على المحرم صيد البر بالإجماع، ويحل له صيد البحر بالإجماع؛ لحديثي الباب، ولقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦].\nوالمقصود من الآية: أنه يحرم على المحرم أن يقتل، أو يذبح صيد البر، ويجوز له أن يقتل صيد البحر، وكذلك يحرم عليه أكل صيد البر. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٢٤)، ومسلم (١١٩٦) (٦٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٢٥)، ومسلم (١١٩٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (٥/ ١٣٥، ١٧٨)، «المجموع» (٧/ ٣٣٣).","vol":"5","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2207>مسألة [٢]: هل للمحرم أن يأكل من صيد البر إذا اصطاده الحلالُ، وأهدى له</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالقول الأول: يمنع المحرم من لحم الصيد مطلقًا، وهو قول الليث، والثوري، وإسحاق، وصحَّ عن علي، وابن عمر، وابن عباس -﵃-، أنهما كرهاه للمحرم على كل حال، كما في «تفسير ابن جرير»، وحُجَّةُ أهل هذا القول قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وحديث الصعب بن جثامة الذي في الباب، وحديث زيد بن أرقم في «صحيح مسلم» (١١٩٥)، أنه قال: أُهدِي إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عضو من لحم صيد؛ فرده، وقال: إنا لا نأكله؛ إنا حُرُمٌ.\nالقول الثاني: يجوز للمحرم أن يأكل من لحم الصيد الذي يُهدي له الحلالُ مطلقًا، وهو قول مجاهد، وابن جبير، وأصحاب الرأي.\nواستدلوا بحديث أبي قتادة الذي في الباب، وحديث طلحة بن عبيد الله في «صحيح مسلم» (١١٩٧)، قال: أكلناه على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوحديث عمير بن سلمة في «موطأ مالك» (١/ ٣٥١)، وغيره أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج يريد مكة وهو محرم، فمر بالعرج، فإذا هو بحمار وحش عقير، فلم يلبث أن جاء رجل من بهز، فقال: يا رسول الله، هذه رميتي، فشأنكم بها. فأمر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أبا بكر فقسمه بين الرِّفاق. وهو حديث صحيح.\nالقول الثالث: إن كان الحلال صاده للمحرم بأمره، أو دلالته، أو بغير أمره،","vol":"5","page":145},{"text":"فهو حرام على المحرم، وإن صاده الحلال لنفسه، وأهدى منه للمحرم فيجوز، وهذا القول قال به أحمد، والشافعي، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور وغيرهم، وهو قول الجمهور، وحجتهم: أنَّ هذا القول يجمع بين الأدلة؛ فإنَّ أكثر الأدلة تدل على الجواز، فيحمل حديث الصعب بن جثامة على أنه صاده لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فعلم ذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فرده، وذكر له العلة الأصلية من التحريم، وهي (الإحرام)، واستأنس الجمهور على ذلك بحديث جابر بن عبد الله في «سنن أبي داود» (١٨٥١)، والنسائي (٥/ ١٨٧) وغيرهما، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «صيد البر لكم حلال؛ مالم تصيدوه أو يُصَد لكم»، وفي إسناده انقطاع؛ لأنَّ المطلب بن عبدالله بن حنطب لم يسمع من جابر بن عبدالله -﵄-.\nوقد صحَّ هذا القول عن عثمان بن عفان، فروى مالك في «الموطأ» (١/ ٣٥٤) بإسناد صحيح أنه أُتي بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا. قالوا: ألا تأكل أنت؟ قال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد من أجلي.\nوثبت عن عمر وأبي هريرة -﵄-، ما يدل على ذلك.\nوهذا القول هو أقرب الأقوال، وهو ترجيح الإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما، وأما قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾، فالآية يحتمل أن المراد بها (اصطياد)، وأنَّ المراد بها (مصيد)، والأول مجمع على تحريمه، والثاني فيه اختلاف كما تقدمت الأحاديث، فإما أن يكون ليس مرادًا بالآية، أو يكون مرادًا، ولكن دلت الأدلة الأخرى على تخصيصه، فأجازت ما أُهدي","vol":"5","page":146},{"text":"للمحرم من الحلال بدون أن يصيده من أجله، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2208>مسألة [٣]: ما حرم على المحرم لكونه صِيْدَ لأجله هل يحرم على غيره أن يأكله</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ لغيره أن يأكل، وثبت ذلك عن عثمان بن عفان -﵁- كما تقدم، وثبت ذلك أيضًا عن أبي هريرة -﵁-، وأقرَّه عمر -﵁- كما في «سنن البيهقي» (٥/ ١٨٩) بإسناد صحيح عنهما وهو ظاهر حديث الصعب بن جثامة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2209>مسألة [٤]: إذا قتل المحرم الصيد، أو ذبحه، فهل تحل تلك الذبيحة</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تعتبر ميتة لا تحل، وهو قول الحسن، والقاسم، وسالم، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وذلك لأنها ذُكِّيت ذكاةً غير شرعية، وهو قول الظاهرية، واختاره الإمام ابن عثيمين -﵀-.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز لغير المحرم الذي قتلها أكلها، وهو قول الثوري، وأبي ثور، وابن المنذر، قال ابن المنذر: هي كذبيحة السارق، وهو قول عمرو بن دينار، وأيوب، والشافعي في القديم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أظهر؛ لما تقدم، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ١٣٥)، «المجموع» (٧/ ٣٢٤)، «الموطأ» (١/ ٣٥٤)، «سنن البيهقي» (٥/ ١٩١)، «تفسير الطبري» (٨/ ٧٤٠).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ١٣٨).\n(^٣) انظر: «المغني» (٥/ ١٣٩)، «المجموع» (٧/ ٣٣٠)، «الشرح الممتع» (٧/ ١٦٩).","vol":"5","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2210>مسألة [٥]: من اضطر ووجد ميتة وصيدًا وهو محرمٌ</span>؟\n• اختار بعض أهل العلم أنه يقدم الميتة، وهو قول أحمد، والحسن، والثوري، ومالك، وقالوا: الصيد إذا قتله المحرم صار ميتة؛ فيكون محرمًا من جهة أنه ميتة، ومن جهة كونه صيدًا لمُحْرم.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقدم الصيد؛ لأنَّ الميتة محرمة لذاتها، والصيد محرم لكونه مُحرمًا؛ فهو محرم لعارض، فإذا وجدت الضرورة جاز، ولا يسلَّم لهم أنه ميتة إذا كان مضطرًا لصيده؛ لأنَّ صيده يصبح حلالًا، فكيف يكون ميتة؟! وهو قول الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر، وهو الصواب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2211>مسألة [٦]: إذا أحرم وفي ملكه صيد، فهل يلزمه إرساله</span>؟\n• قال جماعةٌ من أهل العلم: عليه إرساله. وهو قول أبي ثور، وأحمد، والصحيح عند الشافعية، وهو قول أصحاب الرأي.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه لا يلزمه إرساله، وهو قول أبي ثور، وابن المنذر، وبعض الشافعية؛ لأنه ملكه، وهو حلال، ولكن لا يقتله، ولا يذبحه بعد إحرامه.\n• وعن مالكٍ، وأحمد أنه لا يلزمه إرساله إذا كان في منزله، ولم يكن في يده.\nوقول أبي ثور، وابن المنذر أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٤٠).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٧/ ٣٣٣).","vol":"5","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2212>مسألة [٧]: ما حكم طير الماء</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٧/ ٣٣٣): قال الأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وعوام أهل العلم: هو من صيد البر، فإذا قتله المحرم؛ لزمه الجزاء، والله أعلم. اهـ\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٧٨): فَأَمَّا طَيْرُ الْمَاءِ، كَالْبَطِّ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِيهِ الْجزَاءُ.\nوَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: حَيْثُ يَكُونُ أَكْثَرَ، فَهُوَ صَيْدُهُ. وَقَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَبِيضُ فِي الْبَرِّ، وَيُفْرِخُ فِيهِ؛ فَكَانَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ، كَسَائِرِ طَيْرِهِ، وَإِنَّمَا إقَامَتُهُ فِي الْبَحْرِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وَالْمَعِيشَةِ مِنْهُ، فكان كَالصَّيَّادِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2213>مسألة [٨]: حكم صيد الجراد</span>.\n• ذهب عامَّةُ أهل العلم إلى أنَّ الجراد يحرم على المحرم اصطياده، وفيه الجزاء، وصحَّ عن عمر، وابن عمر، وعبد الله بن عباس، أنهم جعلوا فيه الجزاء تمرة، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٥٢٧ - ٥٢٨).\n• وخالف أبو سعيد الاصطخري من الشافعية، وحُكِي عن عروة بن الزبير، أنهم قالوا: ليس فيه الجزاء، واحتج لهم بحديث أبي هريرة -﵁-، عند أبي داود (١٨٥٤)، والترمذي (٨٥٠)، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنما هو من صيد البحر»، وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: أبو المهزم، وهو متروك. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٧/ ٣٣١).","vol":"5","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2214>فَصْلٌ فِي جَزَاءِ مَنْ قَتَلَ صَيْدًا وَهُوَ مُحْرِمٌ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2215>مسألة [١]: إذا قتل المحرم الصيد، فهل عليه الجزاء إذا كان متعمدًا</span>؟\n• ذهب عامة أهل العلم إلى أن عليه الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] الآية، ولم ينقل الخلاف في ذلك إلا عن مجاهد، وتأول الآية بتأويل غير مقبول، حيث قال: متعمدًا للصيد غير ذاكرٍ للإحرام. قال: وأما إن كان ذاكرًا للإحرام فأمره عظيم، لا يُكَفَّر. ولم يوافقه أهل العلم على هذا التأويل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2216>مسألة [٢]: إذا قتل المحرم الصيد خطأ فهل عليه الجزاء</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ عليه الجزاء أيضًا، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾: يحتمل أن تكون الآية (متعمدًا لقتله ناسيًا لإحرامه)، ويحتمل أن تكون (متعمدًا لقتله ذاكرًا لإحرامه)، فتحمل الآية على العموم، وقالوا: يقاس على قتل الآدمي؛ فإنَّ الدية تجب في قتله عمدًا، أو خطًا.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ المخطئ ليس عليه جزاء، وهو قول طاوس، وسعيد بن جبير، وأبي ثور، وداود، وأحمد في رواية، وابن المنذر؛\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٧/ ٣٢٠ - ٣٢١).","vol":"5","page":150},{"text":"لظاهر الآية المتقدمة، وهذا القول هو الأظهر، وقد اختاره الإمام الشنقيطي -﵀-، وأما تأويل الجمهور وقياسهم فغير مقبول. (^١)\nتنبيه: الخلاف المذكور هو جارٍ أيضًا في حق الناسي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2217>مسألة [٣]: إذا دلَّ المحرمُ حلالًا على الصيد فقتله، فهل يلزم المحرم جزاء</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ عليه الجزاء؛ لدلالته عليه، وهو قول عطاء، ومجاهد، وبكر المزني، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وجاء عن ابن عباس بإسناد ضعيف، فيه: ليث بن أبي سليم، وحجتهم: أنَّ القتل ترتب على دلالته وإعانته؛ فكان كالقاتل.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه ليس عليه جزاء، ويأثم على دلالته، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر، وهو الصحيح، -والله أعلم-؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ والآية لا تتناول الدَّال في نصِّها وظاهرها، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2218>مسألة [٤]: إذا دلَّ المحرم محرمًا آخر فقتله، فعلى من الجزاء</span>؟\n• في المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: الجزاء بينهما، وهو قول عطاء، وحماد، وأحمد.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٧/ ٣٢ -)، «تفسير القرطبي» (٦/ ٣٠٧).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ١٣٣)، «المجموع» (٧/ ٣٣٠).","vol":"5","page":151},{"text":"الثاني: على كل واحد منهما جزاءٌ، وهو قول الشعبي، وابن جبير، وأصحاب الرأي.\nالثالث: الجزاء على القاتل وحده، ويأثم الذي أعان أو دلَّ، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وداود، وهذا القول هو الصواب؛ لما تقدم في المسألة التي قبلها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2219>مسألة [٥]: إن أكل المحرم ما صيد لأجله، أو بدلالته، فهل عليه الجزاء</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنه يضمن الجزاء بأكله، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي في القديم، وذلك لأنه ممنوع منه.\nالثاني: أنه ليس عليه جزاء، وهو قول الشافعي في الجديد، وهذا أصح، ولا نعلم دليلًا على إيجاب الجزاء على من أكل ولم يقتل. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2220>مسألة [٦]: من قتل الصيد ثم أكله، فكم عليه جزاء</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يضمن للقتل دون الأكل، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر؛ لدلالة الآية السابقة على ذلك.\n• وذهب بعضهم إلى أنه يضمن للأكل أيضًا، وهو قول عطاء، وأبي حنيفة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٣٣)، «المجموع» (٧/ ٣٣٠).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ١٣٩).","vol":"5","page":152},{"text":"والصواب القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2221>مسألة [٧]: إذا قتل المحرم صيدًا آخر بعد أول، فهل عليه جزاء آخر</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ عليه جزاءً آخر، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية، وابن المنذر، وأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ عليه جزاءً واحدًا بالصيد الأول، وهو قول الحسن، وابن جبير، ومجاهد، والنخعي، وقتادة، وهو قول داود، ورواية عن أحمد، وكأنهم قاسوه على الحدود؛ فإنَّ الحد لا يتعدد إلا إن ارتكب الجريمة عقب إقامة الحد مرة أخرى.\nقلتُ: والقول الأول أظهر؛ لأنه هو الظاهر من الآية لمن تدبرها، والله أعلم، وأما قياسهم فغير صحيح؛ فإنَّ الكفارات تتعدد بتعدد القتل والأيمان، وأروش الجنايات تتعدد بتعدد الجنايات. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2222>مسألة [٨]: إذا قتل المحرم صيدًا مملوكًا لإنسان</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أن عليه الجزاء، والقيمة، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، ومالك، وأكثر أصحاب داود؛ لأنه تعدى في حق الله، وحق المخلوق، فكان عليه\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٣٩)، «المجموع» (٧/ ٣٣٠)، «تفسير القرطبي» (٦/ ٣٠٢).\n(^٢) انظر «المجموع» (٧/ ٣٢٣).","vol":"5","page":153},{"text":"الضمان بالجزاء والقيمة.\nالثاني: عليه القيمة وليس عليه الجزاء، وهو قول المزني، وبعض أصحاب داود.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2223>مسألة [٩]: إذا صال على المحرم صيد ولم يستطع دفعه إلا بقتله، فهل عليه الجزاء</span>؟\n• ذهب أحمد، والشافعي وأصحابهما إلى أنه يقتله وليس عليه شيء؛ لأنه مأمور بقتله للحفاظ على نفسه، ولأنه التحق بالمؤذيات طبعًا؛ فصار كالكلب العقور.\n• وذهب أبو حنيفة، وقال به بعض الحنابلة إلى أنَّ عليه الجزاء؛ لأنه قتل صيدًا لحاجة نفسه.\nقلتُ: والقول الأول هو الصحيح؛ لأنه مأمور بقتله للدفاع عن نفسه، وأما الصيد الذي فيه الجزاء فهو منهي عن قتله، وعليه فكيف يؤمر بالجزاء؟!، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2224>مسألة [١٠]: إذا اضطر المحرم إلى الأكل، فصاد صيدًا، فهل عليه الجزاء</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٩٦): يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، وَتَرْكُ الْأَكْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٧/ ٣٣٠).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٩٦)، «المجموع» (٧/ ٣٣٨).","vol":"5","page":154},{"text":"عِنْدَ الضَّرُورَةِ؛ إلْقَاءٌ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَمَتَى قَتَلَهُ ضَمِنَهُ، سَوَاءٌ وَجَدَ غَيْرَهُ أَوْ لَمْ يَجِدْ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ أَشْبَهَ صَيْدَ الْبَحْرِ. اهـ\nقلتُ: وقول الأوزاعي أقرب؛ لأنه مأمور بقتله، وأما الذي يجب فيه الجزاء فهو المحرم قتله بنص الآية، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2225>مسألة [١١]: لا تفريق بين إحرام الحج وإحرام العمرة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٩٧): الْجزَاءُ لَا يَجِبُ إلَّا عَلَى الْمُحْرِمِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إحْرَامِ الْحَجِّ وَإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ؛ لِعُمُومِ النَّصِّ فِيهِمَا، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِحْرَامِ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ، وَبَيْنَ الْإِحْرَامِ بِنُسُكَيْنِ، وَهُوَ الْقَارِنُ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا. اهـ\nقلتُ: وأوجبَ أبو حنيفة على القارن جزاءين، وخالفه الجمهور، وقولهم هو الصواب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2226>مسألة [١٢]: ما هو ضابط الصيد</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀-: وَالصَّيْدُ مَا جَمَعَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ، وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا أَكْلُهُ، لَا مَالِكَ لَهُ، مُمْتَنِعًا؛ فَيَخْرُجُ بِالْوَصْفِ الْأَوَّلِ كُلُّ مَا لَيْسَ بِمَأْكُولٍ لَا جَزَاءِ فِيهِ، كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ، وَالْمُسْتَخْبَثِ مِنْ الْحَشَرَاتِ، وَالطَّيْرِ، وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ. قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا جُعِلَتْ الْكَفَّارَةُ فِي الصَّيْدِ الْمُحَلَّلِ أَكْلُهُ. وَقَالَ: كُلُّ مَا يُودَى إذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٧/ ٤٤٠).\n(^٢) انتهى المراد «المغني» (٥/ ٣٩٧ - ٣٩٨).","vol":"5","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2227>مسألة [١٣]: الذي لا يمتنع، وليس بوحشي</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٩٩): وَمَا لَيْسَ بِوَحْشِيٍّ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ ذَبْحُهُ وَلَا أَكْلُهُ، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ كُلِّهَا، وَالْخَيْلِ، وَالدَّجَاجِ وَنَحْوِهَا، لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافًا، وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِالْأَصْلِ لَا بِالْحَالِ، فَلَوْ اسْتَأْنَسَ الْوَحْشِيُّ؛ وَجَبَ فِيهِ الْجزَاءُ، وَكَذَلِكَ وَجَبَ الْجزَاءُ فِي الْحَمَامِ أَهْلِيِّهِ وَوَحْشِيِّهِ؛ اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِ، وَلَوْ تَوَحَّشَ الْأَهْلِيُّ لَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ.\nقَالَ أَحْمَدُ فِي بَقَرَةٍ صَارَتْ وَحْشِيَّةً: لَا شَيْءَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فَيْهَا الْإِنْسِي. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2228>مسألة [١٤]: هل في الثعلب جزاء</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: فيه الجزاء، وهو قول طاوس، وقتادة، ومالك، والشافعي، والحسن.\nالثاني: ليس فيه الجزاء، وهو قول الزهري، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح، وأحمد، وابن المنذر.\nقلتُ: ثبت في «الصحيح» (^١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن كل ذي نابٍ من السِّباع، والثعلب له ناب يفترس به.\nوعلى هذا: فالصحيح القول الثاني؛ لأنه لا يحل أكله، وليس بصيد، ومن قال:\n_________\n(^١) سيأتي إن شاء الله في «البلوغ» رقم (١٣١٨) (١٣١٩).","vol":"5","page":156},{"text":"فيه الجزاء؛ فإنهم يرون أنه يُباح أكله، وبعضهم علل بأنَّ نابه ليس بقوي، وهذا لا يكفي في إخراجه من عموم النص السابق. (^١)\nتنبيه: هناك حيوانات أخرى مُخْتَلَفٌ فيها، هل فيها جزاء أم لا؟ وذلك بناءً على اختلافهم في جواز أكلها أم لا، فما أُبيح أكله؛ وجبَ فيه الجزاء، وما لا يُباح؛ فليس فيه الجزاء، وبيان ذلك إن شاء الله تعالى في [كتاب الأطعمة].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2229>مسألة [١٥]: ماذا يجب على من صاد وهو محرم من الجزاء</span>؟\nبيان ذلك في قول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية.\nقال ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: قَاتِلُ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ فِي الْجزَاءِ بِأَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، بِأَيِّهَا شَاءَ كَفَّرَ، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ، فَيَجِبُ الْمِثْلُ أَوَّلًا؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ. وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالثَّوْرِيِّ؛ لِأَنَّ هَدْيَ الْمُتْعَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ. وَهَذَا أَوْكَدُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّهُ لَا إطْعَامَ فِي الْكَفَّارَةِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ لِيَعْدِلَ الصِّيَامَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْإِطْعَامِ قَدَرَ عَلَى الذَّبْحِ. هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَأَبِي عِيَاضٍ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الآية نصٌّ في التخيير بين الثلاثة الأمور؛ فالَّراجح\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٩٨ - ٣٩٩)، «المجموع» (٧/ ٤٤٠).","vol":"5","page":157},{"text":"والصواب هو القول الأول، والله أعلم.\nوقول الشعبي، وأبي عياض عزاه النووي في «المجموع» (٧/ ٤٣٨) إليهما، وزاد: النخعي، وزفر.\nوقول ابن عباس الأول في الترتيب له طريقان كما في «تفسير ابن جرير»، وفي كليهما ضعفٌ، وأما أثره الثاني في عدم الإطعام؛ فهو من طريق: الحَكَم بن عتيبة، عن مِقْسَم، عنه، والحَكَم لم يسمع من مِقسَم إلا بعض الأحاديث، نحو خمسة أو ستة كما في «جامع التحصيل»، وعلى هذا فهو ضعيفٌ، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2230>مسألة [١٦]: من الذي يحكم بالمثل من النعم</span>؟\nأمر الله ﷿ أن يحكم بذلك رجلان عدلان، والصيد منه ما حكم به الصحابة -﵃-، ومنه ما لم يرد عنهم فيه الحكم.\n• فأما ما حكم به الصحابة: فأكثر أهل العلم على أنه يؤخذ به؛ لأنهم أعلم مِنَّا وأحكم، وهم عدول، وقد قضوا بذلك؛ فوجب المصير إليه، وهذا قول عطاء، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، وابن حزم وغيرهم.\n• وذهب مالك، وابن أبي ليلى، والحسن بن حي، والثوري إلى أنه لابد من استئناف حكمين، ثم اختلفوا: فقال مالك: الخيار إلى المحكوم عليه، لا إلى الحكمين، ويقول لهما: (لا تحكما عليَّ إلا بالإطعام) إن شاء، أو بالصيام إن شاء، أو بالجزاء إن شاء. وقال الباقون: الخيار إلى الحكمين، لا إلى المحكوم\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٧/ ٤٣٨)، «تفسير ابن جرير» [آية:٩٥]، «سنن البيهقي» (٥/ ١٨٦).","vol":"5","page":158},{"text":"عليه. وقال مالك: لا يجوز للحكمين أن يحكما بغير حكم من مضى. وقال ابن حي: إن كان حكم اليوم أكثر؛ حكم بحكم اليوم، وإن كان حكم اليوم أقل؛ حكم بحكم من مضى.\nقلتُ: والأظهر أنَّ ما حكم به الصحابة يُرجَع إليه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2231>مسألة [١٧]: إذا صاد المحرم نعامة، فماذا عليه</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ عليه نظيره من النَّعم، وهي البدنة، ولم ينقل الخلاف إلا عن النخعي، وأبي حنيفة، فقالا: عليه القيمة، ويجوز صرفها في المثل. وكذلك قولهم في غير النعامة من الصيد.\nوالقول الأول هو الصواب، وقد جاء عن جمعٍ من الصحابة أنهم قضوا بذلك، جاء عن ابن عباس -﵄- بطرق يحسن بها كما في «سنن البيهقي»، وجاء عن ابن مسعود بسندٍ منقطع، وجاء عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت -﵃- بإسناد منقطع في موضعين. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2232>مسألة [١٨]: إذا صاد المحرم حمارًا وحشيًّا، فماذا عليه من النَّعَم</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: عليه بدنة، جاء عن ابن مسعود بإسناد منقطع، وروي عن ابن عباس، ولم أقف له على إسناد، لكن قال ابن حزم في «المحلَّى»: الرواية في ذلك عن ابن\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، «المجموع» (٧/ ٤٣٩)، «المحلَّى» (٧/ ٢٢١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ٤٠٢)، «المجموع» (٧/ ٤٤٠)، «سنن البيهقي» (٥/ ١٨٢)، «مصنف عبد الرزاق» (٤/ ٣٩٨)، «المحلَّى» (٨٧٩).","vol":"5","page":159},{"text":"عباس لا تصح. وهو قول عطاء، والنخعي، وأبي عبيدة، وأحمد في رواية.\nالثاني: عليه بقرة، عزاه ابن قدامة إلى عمر -﵁-، ولم أقف عليه، وهو قول عروة، ومجاهد، وعطاء، والشافعي، وأحمد في رواية.\nوقال ابن حزمٍ -﵀- في «المحلى» (٧/ ٢٢٨): وجدنا حمار الوحش أشبه بالبقرة منه بالناقة؛ لأنَّ البقر وحمار الوحش ذوا شعر وذنب سابغ، وليس لهما سنام، والناقة ذات وبر وذنب قصير وسنام؛ فوجب الحكم بالبقرة؛ لقوة المماثلة. اهـ\nقلتُ: وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2233>مسألة [١٩]: إذا صاد المحرم بقرةً وحشية، فماذا عليه من النعم</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٠٣): وفي بقرة الوحش بقرة، رُوي ذلك عن ابن مسعود، وعطاء، وعروة، وقتادة، والشافعي. اهـ\nقلتُ: أثر ابن مسعود أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٤٠٠)، من طريق: الضحاك بن مزاحم، عن ابن مسعود، والضحاك لم يدرك ابن مسعود؛ فهو ضعيف منقطع، ولكنَّ الحكم عليه؛ فإنَّ المماثلة بينهما ظاهرة جدًّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2234>مسألة [٢٠]: إذا صاد المحرم ظبيًا، فماذا عليه من النَّعَم</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٠٤): وفي الظَّبي شاةٌ، ثبت ذلك عن\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٤٠٣)، «المحلَّى» (٨٧٩)، «سنن البيهقي» (٥/ ١٨٢).","vol":"5","page":160},{"text":"عمر، ورُوي عن علي، وبه قال عطاء، وعروة، والشافعي، وابن المنذر، ولا نحفظ عن غيرهم خلافهم. اهـ\nقلتُ: وأثر عمر -﵁- أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٤٠٦) بإسناد صحيح، وأثر علي -﵁- أخرجه أيضًا عبدالرزاق (٤/ ٤٠٦)، من طريق: سماك، عن عكرمة، عنه، وسماك روايته عن عكرمة مضطربة، وعكرمة لم يسمع من علي -﵁-؛ فهو منقطع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2235>مسألة [٢١]: الوبر ماذا فيه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٠٤): وفي الوبر شاةٌ، رُوي ذلك عن مجاهد، وعطاء، وقال القاضي: فيه جفرة. وهي ما بلغ أربعة أشهر من ولد المعز؛ لأنه ليس بأكبر منها، وقال الشافعي: إن كانت العرب تأكل الوبر؛ ففيه جفرة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الجفرة أقرب إلى المماثلة بالوبر من الشاة، وهو أقرب إلى حكم الصحابة في اليربوع كما سيأتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2236>مسألة [٢٢]: اليربوع ماذا فيه</span>؟\n• فيه قولان:\nالأول: فيه جفرة، وهذا القول صحَّ عن عمر، وجاء عن ابن مسعود بسندين يُحسَّن بهما، وهو قول عطاء، وأحمد، والشافعي، وأبي ثور.\nالثاني: قال النخعي: فيه ثَمَنُه، وقال مالك: قيمته طعامًا. وقال عمرو بن دينار: ما سمعنا أنَّ الضَّبَّ واليربوع يوديان.","vol":"5","page":161},{"text":"قلتُ: والصواب ما قضى به الصحابة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2237>مسألة [٢٣]: الضَّبُّ ما فيه</span>؟\n• فيه أقوال:\nالأول: فيه جَدْيٌ، وهذا القول صحَّ عن عمر -﵁-، وقال به الشافعي، وأحمد في رواية، وداود، وأبو يوسف.\nالثاني: فيه شاةٌ، وهو قول عطاء، وأحمد في رواية، وذكره ابن قدامة عن جابر، ولم أجد له سندًا. وقال مجاهد: حفنة من طعام. وقال قتادة: صاع. وقال مالك: قيمته من الطعام.\nقلتُ: القول الأول هو الصواب؛ لأنَّ عمر -﵁- قضى به. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2238>مسألة [٢٤]: الضَّبع ماذا فيه</span>؟\nثبت في «السنن» من حديث جابر بن عبد الله -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «الضَّبع صيد، ويُجعل فيه كبش إذا صاده المحرم» (^٣)، وهو في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» (٢١٤).\nوقد صحَّ عن عمر، وجابر، وابن عباس -﵃-، أنهم جعلوا فيه كبشًا، وهو قول عطاء، وأحمد، والشافعي، وابن المنذر.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٤٠٤)، «البيهقي» (٥/ ١٨٤)، «الأم» (٣/ ٧٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ٤٠٤)، «المجموع» (٧/ ٤٤٠)، «البيهقي» (٥/ ١٨٥)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٥٢٦)، «الأم» (٣/ ٧٦)، «المحلى» (٧/ ٢٢٨).\n(^٣) سيأتي تخريجه في «البلوغ» إن شاء الله برقم (١٣٢٤).","vol":"5","page":162},{"text":"وقال الأوزاعي: العلماء بالشام يعدونها من السِّباع، ويكرهون أكلها.\nقال ابن قدامة -﵀-: وهو القياس؛ إلا أنَّ اتِّباع السنة أولى. اهـ\nقلتُ: الصحيح -بلا ريب- أنَّ فيه شاة؛ للحديث المتقدم، ولقضاء الصحابة بذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2239>مسألة [٢٥]: الأرنب ماذا فيه</span>؟\n• صحَّ عن عمر بن الخطاب -﵁-، أنه قضى فيه بـ (عَناق)، وهو قول أحمد، والشافعي.\n• وقال عطاء، ومجاهد: فيه شاة.\n• وقال مالك: قيمته طعامًا.\nقلتُ: والصواب قول عمر ومن معه، والله أعلم.\nوالعَنَاق: هي صغيرة الماعز التي بلغت أن تكون جذعة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2240>مسألة [٢٦]: الحمامة ماذا فيها إذا صادها المحرم</span>؟\n• ثبت عن ابن عمر، وابن عباس -﵄- أنهما جعلا فيها شاة، وجاء ذلك عن عمر، وعثمان -﵄- بسند فيه ضعف (^٣)، وأخذ بذلك الشافعي، وأحمد، وداود الظاهري، ومالك قال به في حمام الحرم.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٤٠٣)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٥٢٦)، «البيهقي» (٥/ ١٨٣ - ١٨٤).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٤٠٤)، «المحلَّى» (٧/ ٢٢٨)، «البيهقي» (٥/ ١٨٤)، «الأم» (٣/ ٧٤).\n(^٣) الأثر عنهما عند البيهقي، وفي إسناده طلحة بن أبي حفصة، وهو مجهول.","vol":"5","page":163},{"text":"• وذهب النخعي، والزهري، وأبو حنيفة إلى أن فيها القيمة، وهو قول مالك في حمام غير الحرم، والصحيح هو القول الأول؛ لأنه حكم الصحابة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2241>مسألة [٢٧]: الطيور التي أصغر من الحمام</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٧/ ٤٤٠): ما دون الحمام من العصافير ونحوها من الطيور تجب فيه قيمته عندنا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور، وهو الصحيح في مذهب داود، وقال بعض أصحاب داود: لا شيء فيه؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] فدل على أنه لا شيء فيما لا مثل له. واحتج أصحابنا بأن عمر، وابن عباس وغيرهما أوجبوا الجزاء في الجرادة؛ فالعصفور أولى، وروى البيهقي بإسناده عن ابن عباس، قال: في كل طير دون الحمام قيمته. اهـ\nقلتُ: الصواب قول الجمهور، وأثر ابن عباس الأخير عند البيهقي (٥/ ٢٠٦)، وهو صحيح. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2242>مسألة [٢٨]: هل في بيض الصيد جزاء</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى أنَّ فيه الجزاء، وجزاؤه قيمته، وثبت هذا عن ابن عباس -﵄-، وجاء عن عمر -﵁- بإسناد منقطع كما في «مصنف عبدالرزاق، وجاء عن\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٤١٣)، «المجموع» (٧/ ٤٤٠)، «المحلى» (٧/ ٢٢٩)، «سنن البيهقي» (٥/ ٢٠٥ - ٢٠٦).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٤١٠).","vol":"5","page":164},{"text":"ابن مسعود -﵁- من طريق ولده أبي عبيدة، ولم يسمع من أبيه، وهذا قول النخعي، والزهري، وأحمد، والشافعي، وأصحاب الرأي.\n• وذهب المزني، وبعض الظاهرية، وابن حزم -وعزاه إلى أبي حنيفة- إلى أنه لا شيء عليه؛ لأنه ليس بصيد، وهذا القول أقرب -والله أعلم-؛ لأنه ليس بصيد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2243>مسألة [٢٩]: إذا كان المصيد صغيرًا، أو مَعيبًا</span>؟\n• ذهب عطاء، وأحمد، وأبو ثور، والشافعي إلى أنَّ من صاد صيدًا صغيرًا؛ فجزاؤه مثله من النعم صغيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.\n• وذهب مالك إلى أنه يجب أن يكون كبيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، قال: ولا يجزئ الهدي الصغير.\nوأجاب الجمهور عن ذلك: بالآية المتقدمة مع حكم الصحابة بالعَنَاق، والجدي، والجفرة، وهي مما لا يهدى به، وقال الجمهور: الأولى أن يفدي بكبير، ولكن الواجب عليه مثله، والصواب قول الجمهور، والله أعلم.\n• وكذلك المعيب الخلاف فيه كالخلاف المتقدم، والصحيح قول الجمهور، وبالله التوفيق. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٤١٠)، «المجموع» (٧/ ٤٤١)، «سنن البيهقي» (٥/ ٢٠٨)، «مصنف عبدالرزاق» (٤/ ٤٢١).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٤٠٥)، «المجموع» (٧/ ٤٣٩).","vol":"5","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2244>مسألة [٣٠]: إذا اشترك جماعةٌ في قتل صيدٍ</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الجزاء عليهم، يشتركون في جزاء واحد، وهو قول عطاء، والزهري، وحماد، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود.\n• وذهب جماعةٌ إلى أنَّ على كل واحد منهم جزاء، وهو قول الحسن، والشعبي، والنخعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة.\nوالصحيح القول الأول؛ لأنَّ المقتول واحد؛ فوجب فيه جزاء واحد، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2245>مسألة [٣١]: إذا اختار الجاني على الصيد أن يفدي بالمثل، فكيف يصنع</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤١٦): إذَا اخْتَارَ الْمِثْلَ، ذَبَحَهُ، وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيًّا عَلَى الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى سَمَّاهُ هَدْيًا، وَالْهَدْيُ يَجِبُ ذَبْحُهُ، وَلَهُ ذَبْحُهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَيَّامِ النَّحْرِ. اهـ\nقال القرطبي -﵀- في «تفسيره» (٦/ ٣١٦): أَمَّا الهدْيُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَكَّةَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.اهـ\nوقال (٦/ ٣١٤): وَلَمْ يُرِدِ الْكَعْبَةَ بِعَيْنِهَا؛ فَإِنَّ الْهَدْيَ لَا يَبْلُغُهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَرَمَ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٤٢٠)، «المجموع» (٧/ ٤٣٩).","vol":"5","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2246>مسألة [٣٢]: إذا اختار الإطعام، فكيف يصنع</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤١٦): مَتَى اخْتَارَ الْإِطْعَامَ؛ فَإِنَّهُ يُقَوِّمُ الْمِثْلَ بِدَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمَ بِطَعَامٍ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُقَوِّمُ الصَّيْدَ لَا الْمِثْلَ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ إذَا وَجَبَ لِأَجْلِ الْإِتْلَافِ، قُوِّمَ الْمُتْلَفُ، كَاَلَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ. وَلَنَا: أَنَّ كُلَّ مَا تَلِفَ وَجَبَ فِيهِ الْمِثْلُ إذَا قُوِّمَ لَزِمَتْ قِيمَةُ مِثْلِهِ، كَالْمِثْلِيِّ مِنْ مَالِ الْآدَمِيِّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2247>مسألة [٣٣]: ما هو مقدار الإطعام</span>؟\n• ذهب أحمد إلى أنه يُعطِي كل مسكين مُدًّا من البر، أو مُدَّين من غيره، وذهب الشافعي، ومالك إلى أنه يطعم كل مسكين مُدًّا مُدًّا، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يطعم كل مسكين نصف صاع.\nوقال ابن حزم -﵀-: إن شاء أطعم مساكين، وأقلهم ثلاثة. اهـ\nقلتُ: والظاهر -والله أعلم- أنه يدفع إلى كل مسكين ما شاء، وأقله ما يشبعه، ولا ينقصه عن المد، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2248>مسألة [٣٤]: مكان الإطعام</span>.\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن الإطعام في الحرم أيضًا؛ لأنه قائم مقام الهدي، وهو مذهب أحمد، والشافعي، ورُوي عن مالك.\n• وذهب حماد، وأبو حنيفة إلى أنه يطعم بموضع الإصابة، ورُوي عن مالك.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٤١٦ - ٤١٧)، «المحلى» (٨٧٨) (٧/ ٢٢٢).","vol":"5","page":167},{"text":"• وقال الطبري: يطعم حيث شاء. وهو قول ابن حزم -﵀-، وهو الصحيح للإطلاق في الآية، والعمل بالقول الأول أحوط، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2249>مسألة [٣٥]: إذا اختار الصوم، فكم يصوم</span>؟\n• اختلف أهل العلم في ذلك:\n• فذهب جماعةٌ إلى أنه يصوم مكان كل مُدٍّ يومًا، وهو ظاهر قول عطاء، ومالك، والشافعي، وأحمد؛ قياسًا على قولهم في كفارة المجامع في نهار رمضان، وقد تقدمت المسألة.\n• وذهب جماعةٌ إلى أنه يصوم مكان كل نصف صاع يومًا، وهو قول الحسن، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وإسحاق، وابن المنذر، وحجتهم أنَّ هذا قد جاء عن ابن عباس -﵄-، ولكنه من طريق: الحكم عن مِقسَم، ولم يسمع منه؛ إلا أحاديث يسيرة كما في «جامع التحصيل».\n• وذهب أبو ثور إلى أنَّ جزاء الصيد من الطعام والصيام مثل كفارة الأذى.\n• وقال سعيد بن جبير: الصوم في فدية الصيد من ثلاثة أيام إلى عشرة أيام.\n• وذهب الليث إلى أنه لا يتجاوز ستين يومًا، واختاره ابن العربي.\n• وذهب ابن حزم -﵀- إلى أنه ينظر إلى ذلك الصيد كم يشبع من الناس؟ فيصوم بدل كل إنسان يومًا، وعزاه القرطبي ليحيى بن عمر من المالكية.\n_________\n(^١) وانظر: «تفسير القرطبي» (٦/ ٣١٦)، «المغني» (٥/ ٤١٧)، «المحلَّى» (٨٨٢).","vol":"5","page":168},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: ليس في المسألة نصٌّ صريح، ولكن قول أبي ثور قريب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أوجب في فدية الأذى هديًا، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام؛ وعليه فيقوم الطعام، ويصوم عن كل صاع يومًا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2250>مسألة [٣٦]: هل يجب التتابع في الصيام</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (٥/ ٤١٨): ولا يجب التتابع في الصيام، وبه قال الشافعي، وأصحاب الرأي؛ فإنَّ الله تعالى أمر به مطلقًا؛ فلا يقيد بالتتابع من غير دليل. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المحلَّى» (٧/ ٢٢٢ -)، (٨٧٨)، «تفسير القرطبي» (٦/ ٣١٦)، «المغني» (٥/ ٤١٧)، «المجموع» (٧/ ٤٣٨).","vol":"5","page":169},{"text":"٧١٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كُلُّهُنَّ فَاسِق، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2251>مسألة [١]: بيان بعض ما يتعلق بالخمس الفواسق</span>.\nقوله: «وَالغُرَابُ»، قال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٨٢٩): زَادَ فِي رِوَايَة سَعِيد ابْن الْمُسَيَّب عَنْ عَائِشَة عِنْد مُسْلِم «الْأَبْقَع»، وَهُوَ الَّذِي فِي ظَهْره أَوْ بَطْنه بَيَاض، وَأَخَذَ بِهَذَا الْقَيْد بَعْض أَصْحَاب الْحَدِيث كَمَا حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْره، ثُمَّ وَجَدْت اِبْن خُزَيْمَةَ قَدْ صَرَّحَ بِاخْتِيَارِهِ، وَهُوَ قَضِيَّة حَمْل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد، وَأَجَابَ اِبْن بَطَّال بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة لَا تَصِحّ؛ لِأَنَّهَا مِنْ رِوَايَة قَتَادَةَ عَنْ سَعِيد، وَهُوَ مُدَلِّس، وَقَدْ شَذَّ بِذَلِكَ، وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: لَا تَثْبُت هَذِهِ الزِّيَادَة.\nوَقَالَ اِبْن قُدَامَةَ: الرِّوَايَات الْمُطْلَقَة أَصَحّ. وَفِي جَمِيع هَذَا التَّعْلِيل نَظَر، أَمَّا دَعْوَى التَّدْلِيس فَمَرْدُودَة بِأَنَّ شُعْبَة لَا يَرْوِي عَنْ شُيُوخه الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا مَا هُوَ مَسْمُوع لَهُمْ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَة شُعْبَة، بَلْ صَرَّحَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَته مِنْ طَرِيق النَّضْر ابْن شُمَيْلٍ عَنْ شُعْبَة بِسَمَاعِ قَتَادَةَ. وَأَمَّا نَفْي الثُّبُوت فَمَرْدُود بِإِخْرَاجِ مُسْلِم. وَأَمَّا التَّرْجِيح فَلَيْسَ مِنْ شَرْط قَبُول الزِّيَادَة، بَلْ الزِّيَادَة مَقْبُولَة مِنْ الثِّقَة الْحَافِظ، وَهُوَ كَذَلِكَ هُنَا. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٢٩)، ومسلم (١١٩٨).","vol":"5","page":170},{"text":"قلتُ: وأكثر أهل العلم على أنه يجوز للمحرم قتل الغراب بدون تقييد بالأبقع، والعمل بالزيادة أحوط، وأسلم، والله أعلم.\nقال الحافظ -﵀-: وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى إِخْرَاج الْغُرَاب الصَّغِير الَّذِي يَأْكُل الْحَبّ مِنْ ذَلِكَ، وَيُقَال لَهُ: غُرَاب الزَّرْع. وَيُقَال لَهُ: الزَّاغ. وَأَفْتَوْا بِجَوَازِ أَكْله. اهـ\nقوله: «العَقْرَبُ»، جاءت في بعض الروايات ذكر (الحية) بدلها.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: وَالَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُ - ﷺ - نَبَّهَ بِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى عِنْد الِاقْتِصَار، وَبَيَّنَ حُكْمهمَا مَعًا حَيْثُ جَمَعَ. قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: لَا نَعْلَمهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي جَوَاز قَتْل الْعَقْرَب. وَقَالَ نَافِع لَمَّا قِيلَ لَهُ: فَالْحَيَّة؟ قَالَ: لَا يُخْتَلَف فِيهَا. وَفِي رِوَايَة: وَمَنْ يَشُكّ فِيهَا؟ وَتَعَقَّبَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِمَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق شُعْبَة أَنَّهُ سَأَلَ الْحَكَم وَحَمَّادًا؟ فَقَالَا: لَا يَقْتُل الْمُحْرِم الْحَيَّة وَلَا الْعَقْرَب. قَالَ: وَمِنْ حُجَّتهمَا أَنَّهُمَا مِنْ هَوَامّ الْأَرْض؛ فَيَلْزَم مَنْ أَبَاحَ قَتْلهمَا مِثْل ذَلِكَ فِي سَائِر الْهَوَامّ، وَهَذَا اِعْتِلَال لَا مَعْنَى لَهُ، نَعَمْ عِنْد الْمَالِكِيَّة خِلَاف فِي قَتْل صَغِير الْحَيَّة وَالْعَقْرَب الَّتِي لَا تَتَمَكَّن مِنْ الْأَذَى. اهـ\nقوله: «وَالحِدَأَةُ»، بكسر أوله، وفتح ثانيه بعدها همزة.\nقال الحافظ -﵀-: ومن خواص الحدأة أنها تقف في الطيران، ويقال: إنها لا تخطف إلا من جهة اليمين. اهـ\nوعامَّةُ أهل العلم على جواز قتلها كما في «المغني» (٥/ ١٧٥)، و«المجموع»","vol":"5","page":171},{"text":"(٧/ ٣٣٣)، ولم ينقلا في المسألة خلافًا.\nقوله: «وَالْفَأْرَةُ».\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٨٢٩): وَلَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء فِي جَوَاز قَتْلهَا لِلْمُحْرِمِ؛ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: فِيهَا جَزَاء إِذَا قَتَلَهَا الْمُحْرِم أَخْرَجَهُ اِبْن الْمُنْذِر، وَقَالَ: هَذَا خِلَاف السُّنَّة، وَخِلَاف قَوْل جَمِيع أَهْل الْعِلْم. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ (^١) بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ حَمَّاد ابْن زَيْد قَالَ لَمَّا ذَكَرُوا لَهُ هَذَا الْقَوْل: مَا كَانَ بِالْكُوفَةِ أَفْحَش رَدًّا لِلْآثَارِ مِنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ؛ لِقِلَّةِ مَا سَمِعَ مِنْهَا، وَلَا أَحْسَن اِتِّبَاعًا لَهَا مِنْ الشَّعْبِيّ؛ لِكَثْرَةِ مَا سَمِعَ. اهـ\nقوله: «والكلب العقور».\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٨٢٩): وَقَالَ زُفَر: الْمُرَاد بِالْكَلْبِ الْعَقُور هُنَا الذِّئْب خَاصَّة. وَقَالَ مَالِك فِي «المُوَطَّأ»: كُلّ مَا عَقَرَ النَّاس وَعَدَا عَلَيْهِمْ وَأَخَافهُمْ مِثْل الْأَسَد، وَالنَّمِر، وَالْفَهْد، وَالذِّئْب هُوَ الْعَقُور. وَكَذَا نَقَلَ أَبُو عُبَيْد عَنْ سُفْيَان، وَهُوَ قَوْل الْجمْهُور. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: الْمُرَاد بِالْكَلْبِ هُنَا الْكَلْب خَاصَّة، وَلَا يَلْتَحِق بِهِ فِي هَذَا الْحُكْم سِوَى الذِّئْب. وَاحْتَجَّ أَبُو عُبَيْد لِلْجُمْهُورِ بِقَوْلِهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابك»، فَقَتَلَهُ الْأَسَد، وَهُوَ حَدِيث حَسَن أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق أَبِي نَوْفَل بْن أَبِي عَقْرَب عَنْ أَبِيهِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:٤]، فَاشْتَقَّهَا مِنْ اِسْم الْكَلْب؛ فَلِهَذَا قِيلَ لِكُلِّ جَارِح عَقُور. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (٥/ ٢١٢).","vol":"5","page":172},{"text":"قلتُ: أما حديث: «اللهم سَلِّط عليه كلبًا من كلابك» فهو حديث ضعيفٌ؛ فإنَّ في إسناده عند الحاكم (٢/ ٥٣٩): عباس بن الفضل الأنصاري، وقد قال فيه البخاري: منكرُ الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن المديني: ذهب حديثه. وقال أبو زرعة: كان لا يصدق. كما في «تهذيب التهذيب».\nوالصواب قول الجمهور، والاستشهاد بالحديث إنما هو استشهاد لغوي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2252>مسألة [٢]: هل يلتحق بهذه الخمس غيرها في جواز قتلها</span>؟\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٨٢٩): وَذَهَبَ الْجمْهُور كَمَا تَقَدَّمَ إِلَى إِلْحَاق غَيْر الْخَمْس بِهَا فِي هَذَا الْحُكْم. اهـ المراد\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٧٧): الْخَبَرَ نَصَّ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ عَلَى صُورَةٍ مِنْ أَدْنَاهُ؛ تَنْبِيهًا عَلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا، وَدَلَالَةً عَلَى مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا، فَنَصُّهُ عَلَى الْحِدَأَةِ وَالْغُرَابِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْبَازِي وَنَحْوِهِ، وَعَلَى الْفَأْرَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْحَشَرَاتِ، وَعَلَى الْعَقْرَبِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْحَيَّةِ، وَعَلَى الْكَلْبِ الْعَقُورِ تَنْبِيهٌ عَلَى السِّبَاعِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مِنْهُ؛ وَلِأَنَّ مَا لَا يُضْمَنُ بِمِثْلِهِ وَلَا بِقِيمَتِهِ لَا يُضْمَنُ كَالْحَشَرَاتِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2253>مسألة [٣]: هل تقتل السباع وإن لم تبدأ بالهجوم</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٧/ ٣٣٤): قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنَّ السبع إذا بدر المحرم فقتله؛ فلا شيء عليه. قال: واختلفوا فيمن بدأ السبع، فقال مجاهد، والنخعي، والشعبي، والثوري، وأحمد، وإسحاق: لا يقتله. وقال عطاء،","vol":"5","page":173},{"text":"وعمرو بن دينار، والشافعي، وأبو ثور: لا بأس بقتله في الإحرام؛ عدا عليه أم لم يعد. قال ابن المنذر: وبه أقول. اهـ\nقلتُ: وهو الصواب؛ لظاهر حديث الباب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2254>مسألة [٤]: قتل بعض الحشرات المؤذية كالقمل والقُرَاد</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٧/ ٣٣٤): قال ابن المنذر: وأما القملة إذا قتلها المحرم، فقال ابن عمر: يتصدق بحفنة من طعام. (^١) وفي رواية عنه أنه قال: هي أهون مقتول. أي: لا شيء فيها. وقال عطاء: قبضة من طعام. ومثله عن قتادة، وقال مالك: حفنة من طعام. وقال أحمد: يطعم شيئًا. وقال إسحاق: تمرة فما فوقها. وقال أصحاب الرأي: ما تصدق به فهو خير منها. وقال طاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبو ثور: لا شيء فيها. وقال الشافعي: إن قتلها من رأسه؛ افتدى بلقمة، وإن كانت ظاهرة في جسده فقتلها؛ فلا فدية. قال ابن المنذر: لا شيء فيها، وليس لمن أوجب فيها شيئا حجة. اهـ\nوالذي اختاره ابن المنذر هو الصحيح بلا ريب.\nوالقراد: دابة متطفلة على الحيوانات، ولا سيما البعير، فتشرب دمه، وقد صح عن عمر أنه كان يقرد بعيره، وصح عن ابن عباس أنه أمر بقتلها، وعلى هذا عامة أهل العلم، وجاء عن مالك، وسعيد بن المسيب، وعكرمة أنهم كرهوا قتلها\n_________\n(^١) بمعناه عند ابن أبي شيبة (٤/ ٢/٧٩) بإسناد صحيح.","vol":"5","page":174},{"text":"للمحرم، والصحيح قول الجمهور.\nتنبيه: الحشرات المؤذية كالبعوض، والبراغيث، والذباب، والزنبور تقتل عند أكثر أهل العلم، ونقل عن مالك أنه قال في الذباب، والنمل، والزنبور إذا قتلت: يتصدق بشيء. والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٧/ ٣٣٤)، «المغني» (٥/ ١٧٧)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٨٩).","vol":"5","page":175},{"text":"٧٢٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2255>مسألة [١]: الحجامة للمحرم</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٢٠٢): وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِجَوَازِ الْحِجَامَة لِلْمُحْرِمِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَازهَا لَهُ فِي الرَّأْس وَغَيْره إِذَا كَانَ لَهُ عُذْر فِي ذَلِكَ وَإِنْ قَطَعَ الشَّعْر حِينَئِذٍ، لَكِنْ عَلَيْهِ الْفِدْيَة؛ لِقَطْعِ الشَّعْر، فَإِنْ لَمْ يَقْطَع فَلَا فِدْيَة عَلَيْهِ، وَدَلِيل الْمَسْأَلَة قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦] الْآيَة، وَهَذَا الْحَدِيث مَحْمُول عَلَى أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - كَانَ لَهُ عُذْر فِي الْحِجَامَة فِي وَسَط الرَّأْس؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكّ عَنْ قَطْع شَعْر، أَمَّا إِذَا أَرَادَ الْمُحْرِم الْحِجَامَة لِغَيْرِ حَاجَة، فَإِنْ تَضَمَّنَتْ قَلْع شَعْر فَهِيَ حَرَام؛ لِتَحْرِيمِ قَطْع الشَّعْر، وَإِنْ لَمْ تَتَضَمَّن ذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ فِي مَوْضِع لَا شَعْر فِيهِ، فَهِيَ جَائِزَة عِنْدنَا وَعِنْد الْجمْهُور وَلَا فِدْيَة فِيهَا، وَعَنْ اِبْن عُمَر (^٢) وَمَالِك كَرَاهَتهَا، وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ فِيهَا الْفِدْيَة، دَلِيلنَا أَنَّ إِخْرَاج الدَّم لَيْسَ حَرَامًا فِي الْإِحْرَام. اهـ\nقلتُ: وكلام النووي -﵀- نفيس ومفيد، ومثله قال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ١٢٦، ١٢٧)، ولكن إيجاب الفدية بأخذ ذلك القدر من الشعر فيه خلاف سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى تحت حديث كعب بن عجرة، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٣٥)، ومسلم (١٢٠٢).\n(^٢) أثر ابن عمر -﵄- في «موطأ مالك» (١/ ٣٥٠) بإسناد صحيح.\n(^٣) وانظر: «القِرَى لقاصد أم القُرى» (ص ٢٤٥).","vol":"5","page":176},{"text":"٧٢١ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ -﵁-، قَالَ: حُمِلْت إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْت أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِك مَا أَرَى (^١)، أَتَجِدُ شَاةً؟» قُلْت: لَا، قَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2256>مسألة [١]: هل على المحرم الفدية إذا حلق رأسه</span>؟\nأما إذا كان لمرض، أو أذى في رأسه، فلا خلاف بين أهل العلم في أنَّ له أن يحلق ويفتدي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، ولحديث كعب بن عجرة الذي في الباب.\nوأما إذا كان ذلك الحلق لغير علة وهو متعمد:\nفقد قال ابن المنذر كما في «المغني» (٥/ ٣٨١): أجمع أهل العلم على وجوب الفدية على من حلق وهو محرم بغير علة. اهـ\n• وذهب ابن حزم كما في «المحلى» (٨٧٤) إلى أن من حلقه متعمدًا لغير علة فلا فدية عليه، ولكن يبطل حجُّه، ولا نعلم أحدًا وافق ابن حزم على هذا.\n_________\n(^١) في (أ): زيادة: (أوما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨١٦)، ومسلم (١٢٠١).","vol":"5","page":177},{"text":"• وذهب الشوكاني كما في «السيل الجرار» إلى أنَّ الفدية خاصَّة بمن حلق رأسه لعذر؛ لظاهر الآية، ولا يقاس عليها المتعمد لغير عذر.\nوذكر أهلُ العلم أنَّ المتعمد عليه الفدية؛ لأنَّ الله ﷿ ذكر المتعمد المعذور تنبيهًا على أنَّ المتعمد الغير معذور عليه الفدية أيضًا.\nوالشوكاني محجوجٌ بالإجماع والصحيح أنَّ عليه الفدية لما تقدم والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2257>مسألة [٢]: هل الفدية على العامد والناسي</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنَّ الفدية على العامد والناسي، وهو مذهب مالك، وظاهر مذهب أحمد، والشافعي، والثوري.\nالثاني: أنَّ الفدية على العامد، ولا فدية على الناسي، وهو مذهب إسحاق، وداود، وابن المنذر، ووجهٌ للحنابلة، وقولٌ للشافعي؛ لأنَّ الآية والحديث جاءت في حق المتعمد؛ فإلحاق الناسي به إلحاقٌ مع وجود الفارق، وهذا لا يصلح، وهذا القول أصح، والله أعلم. (^٢)\nفائدة: يلتحق بحلق الرأس التقصير، والإزالة بالنورة وغيرها، والنتف، وقال ابن قدامة: لا نعلم في ذلك خلافًا. وأغرب ابن حزم، فلم يلحق النتف. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٨١)، «السيل الجرار» (٢/ ١٨٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ٣٨١)، «تفسير القرطبي» [آية الفدية].\n(^٣) انظر: «المغني» (٥/ ٣٨١)، «المحلَّى» (٨٧٥).","vol":"5","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2258>مسألة [٣]: ما هو القدر الذي إذا حلق وجبت به الفدية</span>؟\n• في المسألة أقوال، منها:\n١) أربع شعرات، وهو قول أحمد في رواية وبعض أصحابه.\n٢) ثلاث شعرات؛ لأنه أقل الجمع، وهو قول أحمد في رواية، وقال به الحسن، وعطاء، وابن عيينة، والشافعي، وأبو ثور وغيرهم.\n٣) إذا حلق ربع الرأس؛ فعليه الفدية، وإن كان أقل من الربع؛ فليس عليه، وهو قول أبي حنيفة.\n٤) إذا حلق ما يصلح مثله لإزالة الأذى؛ وجبت عليه الفدية، وهذا قول مالك، وبعض الحنابلة، واستدلوا بحديث كعب، وظاهر الآية.\nوهذا القول اختاره الشيخ ابن عثيمين، وقال: والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:١٩٦] فهو لا يحلق إذا كان به أذى من رأسه إلا ما يُماط به الأذى؛ فعليه دمٌ. والنبي - ﷺ - احتجم وهو محرمٌ في رأسه، والحجامة في الرأس من ضرورتها أن يحلق الشعر من مكان المحاجم، ولا يمكن سوى ذلك، ولم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه افتدى.\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: وعلى هذا فنقول: من حلق ثلاث شعرات، أو أربعًا، أو خمسًا، أو عشرًا، أو عشرين؛ فليس عليه دمٌ، لكن هل يحل له ذلك، أم لا؟ الجواب: لا، لا يحل؛ لأنَّ لدينا قاعدة: (امتثال الأمر لا يتم إلا بفعل جميعه،","vol":"5","page":179},{"text":"وامتثال النهي لا يتم إلا بترك جميعه). اهـ\nقلتُ: وما رجَّحه الإمام ابن عثيمين أقرب الأقوال المذكورة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2259>مسألة [٤]: لو حلق المحرم رأس الحلال، فهل عليه شيء</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا شيء عليه؛ لأنَّ المحظور هو إزالة شعر الْمُحْرِم، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد، وداود، وقال أبو حنيفة: على الحالق فدية. وهذا القول ليس عليه دليل. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2260>مسألة [٥]: لو حلق الحلال رأس محرم بغير إرادة المحرم، كأن يكون نائمًا، أو مُكرهًا</span>؟\n• ذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّ الفدية يتحملها الحلال، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبي ثور، وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: تجب على المحلوق.\nقال صاحب «الإنصاف»: ووَجَّهَ في «الفروع» احتمالًا: أنه لا فدية على واحد منهما؛ لأنه لا دليل عليه. اهـ\nقلتُ: والأقرب أنها تجب، ويتحملها الجاني؛ لأن الشرع قد أوجبها على المعذور؛ فدل على أنها لا تسقط في الحالة المذكورة، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٨٢)، «الشرح الممتع» (٧/ ١٣٥ - ١٣٦).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٧/ ٣٥٠).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٧/ ٣٥٠)، «الإنصاف» (٣/ ٤١٣).","vol":"5","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2261>مسألة [٦]: هل يلتحق بتحريم حلق الرأس تحريم أخذ شعر بقية الجسد</span>؟\n• أكثر أهل العلم يلحقون بقية شعر الجسد في تحريم حلقها بحرمة حلق شعر الرأس، وقالوا: العلة في ذلك هو التَّرَفُّهُ بإزالة الشعر، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وقد فسَّر الصحابة والتابعون قضاء التفث بإزالة شعر الإبط، وقص الشارب، وقص الأظفار، ونحو ذلك (^١).\n• بينما ذهب داود، وابن حزم وأصحابهما إلى أنَّ المحرَّم هو حلق شعر الرأس فقط، وهو قول الشيخ ابن عثيمين -﵀-، كما في «الشرح الممتع»، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي -﵀-.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: ولو أنَّ الإنسان تجنب الأخذ من شعوره، كشاربه، وإبطه، وعانته احتياطًا؛ لكان هذا جيدًا، ولكن أن نلزمه ونؤثمه إذا أخذ مع عدم وجود الدليل الرافع للإباحة؛ فهذا فيه نظر. اهـ\nقلتُ: والقول الأول أحوط؛ لما تقدم في تفسير الآية. (^٢)\n_________\n(^١) أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره، (سورة الحج/آية:٢٩) ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس -﵄-، أنه قال: التفث: حلق الرأس، وأخذ من الشاربين، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظفار، والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة، والمزدلفة. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٨٥) بنحوه من طريق ابن نمير، عن عبد الملك به.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٨٣)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٨٥).","vol":"5","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2262>مسألة [٧]: ما هو الواجب عليه في هذه الفدية</span>؟\n• الجمهور على أنَّ الواجب عليه في الفدية هو أحد الثلاثة الأمور المذكورة في حديث كعب بن عجرة، وهو فيها على الخيار.\n• وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الحسن قال: الصوم عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين. وروى الطبري عن عكرمة ونافع نحوه.\nوقال ابن عبد البر -﵀-: لم يقل بذلك أحدٌ من فقهاء الأمصار. اهـ\n• وذهب الثوري، وأصحاب الرأي إلى أنه يجزئ من البر نصف صاع، وأما من غيره فعليه صاعٌ.\nوالصواب قول الجمهور؛ لحديث كعب بن عجرة.\nوالتخيير موجود في الحديث من طرق أخرى في الصحيحين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2263>مسألة [٨]: هل يجزئه في الإطعام أن يغديهم، أو يعشيهم</span>؟\n• أجازه أبو يوسف.\n• ومنع ذلك الأكثر كمالك، والثوري، والشافعي، ومحمد بن الحسن، وهو الأظهر؛ لظاهر آية الفدية، وحديث كعب بن عجرة المبين لها، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (١٨١٥) (١٨١٦)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٨٤).\n(^٢) انظر: «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٨٤).","vol":"5","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2264>مسألة [٩]: من حلق رأسه متعمدًا فهل يكون مخيرًا أم يلزمه الدم</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يُلزَم بالدم؛ تغليظًا عليه؛ لأنه تعمد بغير عذر، وهو قول أحمد في رواية، والشافعي، وأبي حنيفة، وعزاه الحافظ للجمهور.\n• وذهب مالك، وأحمد في رواية إلى أنه مخيَّر؛ لأنَّ الآية نصَّت على المعذور، وألحق به أهل العلم غير المعذور، فيلتحق بها في الحكم أيضًا، وهذا القول أرجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2265>مسألة [١٠]: موضع الفدية</span>.\n• فيها أقوال:\nالقول الأول: الذبح بمكة، والصدقة والصيام حيث شاء؛ قياسًا على جزاء الصيد بقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، وهو قول عطاء في رواية.\nالقول الثاني: الذبح، والإطعام بمكة، والصوم حيث شاء، وهو قول طاوس، وعطاء في رواية، والحسن، ومجاهد؛ إلا أنَّ مجاهدًا قال في النسك: بمكة، أو بمنى.\nالقول الثالث: أنَّ الدم، والإطعام لأهل الحرم، والصيام حيث شاء، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٨٢)، «الفتح» (١٨١٨)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٨٤).","vol":"5","page":183},{"text":"القول الرابع: الذبح، والإطعام، والصوم كلها حيث شاء، وهو قول إبراهيم، ومجاهد في رواية، ومالك، وعزاه الحافظ لأكثر التابعين، وهذا القول هو الصحيح، واختاره ابن جرير؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر كعب بن عجرة أن يجعل شيئًا من ذلك في الحرم، والآية مطلقة أيضًا، فمن قيَّد؛ فعليه الدليل، والله أعلم.\nثم وجدت أثرًا عن علي بن أبي طالب -﵁-: أنَّ ولده الحسين اشتكى رأسه وهو محرم، فأمر علي به، فحلق، ثم نحر بدنة. أخرجه ابن جرير في [آية:١٩٦] من سورة البقرة، ومالك (١/ ٣٨٨)، والبيهقي (٥/ ٢١٨) بإسناد صحيح، قال ابن حزم: ولا نعلم لهما من الصحابة مخالفًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2266>مسألة [١١]: تقليم الأظفار</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٨٨): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَخْذِ أَظْفَارِهِ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِأَخْذِهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ حَمَّادٍ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَعَنْهُ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ بِفِدْيَةٍ. اهـ المراد.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- (٧/ ١٣٣): إن صحَّ هذا الإجماع؛ فلا عذر في مخالفته، بل يتبع، وإن لم يصح؛ فإنه يبحث في تقليم الأظفار كما بحثنا في حلق بقية الشعر. اهـ\nوقال: وتقليم الأظفار لم يرد فيه نصٌّ قرآني، ولا نبوي، لكنهم قاسوه على حلق\n_________\n(^١) انظر: «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٨٥)، «المحلى» (٧/ ٢١٣)، «الفتح» (١٨١٨) «تفسير ابن جرير».","vol":"5","page":184},{"text":"الشعر بجامع الترفُّه، وإذا كان داود ينازع في حلق بقية الشعر الذي بالجسم في إلحاقها بالرأس؛ فهنا من باب أولى، ولهذا ذكر في «الفروع» أنه يتوجه احتمال أن لا يكون من المحظورات بناءً على القول بأن بقية الشعر ليس من المحظورات. اهـ\nقلتُ: وذكر ابن حزم في «المحلى» (٧/ ٢٤٦) أثرًا صحيحًا عن ابن عباس -﵄-، وهو في «المصنف» لابن أبي شيبة (٤/ ٢٠٣)، أنه قال في المحرم ينكسر ظفره: إذا آذاك؛ فارم به عنك.\nثم قال ابن حزم -﵀- (٧/ ٢٤٨): وهو قول عكرمة، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وحماد بن أبي سليمان، ليس منهم أحدٌ جعل في ذلك شيئًا. اهـ\nقلتُ: يعني أنهم لم يوجبوا الفدية، ولكن الآثار عنهم فيمن انكسر ظفره فآذاه، كما في «المصنف» (٤/ ٢٠٣)، والصحيح: أنه ليس عليه فدية؛ لعدم وجود نص، أو إجماع على ذلك، والله أعلم.\nوالأخذ بالإجماع الذي ذكره ابن المنذر أولى، ويدل عليه ما تقدم ذكره في الآية: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، فقد فسَّر جمع من الصحابة والتابعين قضاء التفث بإزالة شعر الإبط، وقص الشارب، وقص الأظفار، وحلق العانة، ونحو ذلك. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٨٨)، «المحلى» (٨٩١)، «الشرح الممتع» (٧/ ١٣٢ -).","vol":"5","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2267>مسألة [١٢]: من احتاج إلى أن يلبس المخيط، أو يغطي رأسه وما أشبهه، فهل عليه الفدية</span>؟\n• أكثر أهل العلم يقولون: من احتاج إلى لبس المخيط، أو تغطية الرأس وما أشبهها من المحظورات؛ فإنَّ له أن يفعل ذلك، وعليه الفدية؛ قياسًا على من حلق رأسه، بل وذهبوا إلى أنه يجب عليه إذا فعل ذلك من غير عذر.\nقال الشوكاني -﵀- في «وبل الغمام» (١/ ٥٧٣): المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾، أي: مرضًا يجوز له معه فعل شيء من محظورات الإحرام التي ورد الدليل بها، كلبس المخيط، وتغطية الرأس، وسائر ما ورد الدليل بمنع المحرم منه حال إحرامه. اهـ\nقلتُ: التقدير الذي ذكره الشوكاني في المريض سبقه إليه ابن الجوزي كما في «زاد المسير»، وأكثر المفسرين يقولون: من احتاج إلى حلق رأسه؛ لمرض، أو أذى فيحلق، فيجعلون المرض متعلقًا بالرأس، وكلام الشوكاني أقرب؛ لظاهر لفظ الآية، والله أعلم.\nوظاهر كلام الشوكاني -﵀- المتقدم أنه يرى أنَّ عليه الفدية إذا احتاج إلى اللباس للمخيط، أو تغطية رأسه بسبب مرض.\nوقال الشوكاني -﵀- في «السيل» (٢/ ١٨٢) -وهو يرد على صاحب «حدائق الأزهار» في إيجابه الفدية على من فعل المحظور متعمدًا بغير عذر-: لم يرد في هذه","vol":"5","page":186},{"text":"المذكورات ما يدل على لزوم الفدية، والأصل البراءة، فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح، وقد ورد القرآن بلزوم الفدية للمريض، ومن به أذى من رأسه إذا حلق رأسه، كما يفيده أول الآية، فيقتصر على ذلك، والتشبث بالقياس غير صحيح. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما المعذور فالظاهر أنه يفتدي إذا احتاج إلى فعل بعض المحظورات؛ لوجود شَبَه فيه بحال كعب بن عجرة.\nوأما المتعمد غير المعذور فعليه أن يستغفر الله، وأن يترك المُحرَّم، وأما الفدية؛ فلما أوجب أهل العلم على الذي يحلق رأسه متعمدًا الفدية، وقالوا: إنه ذكر في الآية المعذور؛ تنبيهًا على غير المعذور؛ كان القياس هاهنا أنهم يفدون أيضًا، فقول الجمهور هو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «شرح مسلم» (٨/ ١٢٣)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٨٥).","vol":"5","page":187},{"text":"٧٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ - مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ؛ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ؛ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» فَقَالَ العَبَّاسُ: إلَّا الإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ: «إلَّا الإِذْخِرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2268>مسألة [١]: حكم قتل صيد حَرَم مكة</span>.\nأجمع أهل العلم على تحريم قتل صيد مكة للمحرم، والحلال؛ لحديث أبي هريرة -﵁-، وفيه: «ولا ينفر صيدها»، وإذا حَرُمَ تنفيره؛ فقتله من باب أولى، وقد أخرج الشيخان (^٢) عن ابن عباس، وأبي شريح الخزاعي -﵃- نحو حديث أبي هريرة -﵁-، وممن نقل الإجماع ابن قدامة والنووي. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2269>مسألة [٢]: هل في صيد مكة الجزاء</span>؟\n• أكثر أهل العلم يرون أن صيد مكة فيه الجزاء، وإن كان حلالًا، وقد صحَّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥).\n(^٢) انظر: «البخاري» (١٣٤٩) (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٣) (١٣٥٤).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٥/ ١٧٩)، «المجموع» (٧/ ٤٩٠).","vol":"5","page":188},{"text":"عن ابن عباس، وابن عمر -﵃-، كما في «مصنف عبدالرزاق» (٤/ ٤١٤ - ٤١٦): أنهما قضيا بالجزاء على من قتل في مكة، واستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥]، وقالوا: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يشمل المحرم، ويشمل المكان؛ فإنَّ من دخل الحرم يقال له: محرم، وممن ذكر ذلك ابن العربي، والقرطبي، وابن حزم.\n• وذهب داود الظاهري -﵀- إلى أنه ليس عليه الجزاء؛ إلا إذا كان مُحْرِمًا؛ لعدم وجود دليل على ذلك، وأما الآية فهي في حقِّ الإحرام، وسياقها يدل على ذلك.\nواختار هذا القول الشوكاني -﵀- في «وبل الغمام» (١/ ٥٨١)، فقال: ولا يجب على الحلال في صيد مكة ولا شجره شيء؛ إلا مجرد الإثم، وأما من كان محرمًا بالحج؛ فعليه جزاؤه الذي ذكره الله ﷿ إذا قتل صيدًا، وليس عليه شيء في شجر مكة؛ لعدم ورود دليل تقوم به الحجة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: هذا القول هو الصواب عندي، والله أعلم. (^١)\nفائدة: عما يضمن عند الجمهور.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٨٠): وَمَا يُحَرَّمُ وَيُضْمَنُ فِي الْإِحْرَامِ يُحَرَّمُ وَيُضْمَنُ فِي الْحَرَمِ، وَمَا لَا فَلَا، إلَّا شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْقَمْلُ، مُخْتَلَفٌ فِي\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٧٩ - ١٨٠)، «المحلى» (٨٩٧)، «تفسير القرطبي» [المائدة]، «شرح مسلم» (٩/ ١٢٥)، «سنن البيهقي» (٥/ ٢٠٥ - ٢٠٦).","vol":"5","page":189},{"text":"قَتْلِهِ فِي الْإِحْرَامِ، وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الْحَرَمِ بِلَا اخْتِلَافٍ. الثَّانِي: صَيْدُ الْبَحْرِ. مُبَاحٌ فِي الْإِحْرَام بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلَا يَحِلُّ صَيْدُهُ مِنْ آبَارِ الْحَرَمِ وَعُيُونِهِ. وَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ -﵇-: «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا»، وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ لِلصَّيْدِ، كَحُرْمَةِ الْمَكَانِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِكُلِّ صَيْدٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهُ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يُحَرِّمُهُ، فَأَشْبَهَ السِّبَاعَ وَالْحَيَوَانَ الْأَهْلِيَّ. اهـ\nقلتُ: واختار الشيخ ابن عثيمين -﵀- أنه جائز؛ لقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة:٩٦]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2270>مسألة [٣]: من ملك صيدًا في الحل فأدخله الحرم</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنه يلزمه إرساله، ورفع يده عنه، وهو قول عطاء، وطاوس، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وصحَّ عن عائشة -﵂- أنها أرسلت الطير الذي يُهدى لها وهي بمكة، وثبت عن ابن عمر، وابن عباس -﵃- كراهة إدخال الصيد الحرمَ.\nالثاني: لا يلزمه الإرسال، وله أن يمسكه، وله أن يذبحه ويأكله، وهو مذهب سعيد بن جبير، ومجاهد، ومالك، والشافعي، وابن المنذر، وصحَّ عن جابر بن عبد الله، وصحَّ عن هشام بن عروة أنه قال: كان ابن الزبير تسع سنين بمكة، وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقدمون فيرونها في الأقفاص: القباري واليعاقيب.\n_________\n(^١) «الشرح الممتع» (٧/ ٢٥٠).","vol":"5","page":190},{"text":"وهذا القول هو الراجح، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2271>مسألة [٤]: إذا صَاد الرجل وهو في الحل صيدًا في الحرم</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: يَحْرُمُ ويَضْمَن، وهو قول أحمد، والشافعي، والثوري، وأبي ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.\nالثاني: رواية عن أحمد حكاها أبو الخطاب: أنه لا يَضْمن، ولا حرمة فيه، والصواب القول الأول، وأما الجزاء فقد تقدم أن الصواب عدم وجوبه، وهو قول داود، والشوكاني. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2272>مسألة [٥]: إن صاد الرجل وهو في الحرم صيدًا في الحل</span>؟\n• ذكر أهل العلم أنه ليس عليه شيء؛ لأن الصيد ليس من صيد الحرم، وخالف ابن حزم فأوجب الجزاء، ونقله عن عطاء، وقتادة.\n• واختلفوا فيما إذا كان الطائر على غصن شجرة في الحل، وأصلها في الحرم، فذهب أكثر أهل العلم إلى جواز قتله، وصيده، وهو قول الثوري، والشافعي، وأبي ثور، ورواية عن أحمد، وابن المنذر، وهو ظاهر قول أصحاب الرأي، وذهب ابن الماجشون، وإسحاق، وأحمد في رواية إلى أنَّ عليه الجزاء؛ لأنَّ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٨١)، «المجموع» (٧/ ٤٩١ - ٤٩٢)، «الشرح الممتع» (٧/ ٢٤٩)، «سنن البيهقي» (٥/ ٢٠٣)، «مصنف عبد الرزاق» (٤/ ٤٢٤ -)، «شرح مسلم» (٩/ ١٢٦).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ١٨٢).","vol":"5","page":191},{"text":"الغصن تابع للأصل.\nوالقول الأول أظهر؛ لأنَّ الهواء تابعٌ للقرار، فما فوق الغصن تابعٌ للأرض التي تحته، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2273>مسألة [٦]: إن رمى بسهم، أو أرسل كلبه، وهو في الحل، فدخل الحرم ثم خرج، فأصاب الصيد في الحل</span>؟\n• ذهب أحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي إلى أنه ليس عليه شيء، وهذا هو الصواب.\n• وحكى أبو ثور عن الشافعي أنَّ عليه الجزاء. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2274>مسألة [٧]: إن رمى صيدًا في الحل فقتل صيدًا في الحرم</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ عليه الجزاء، وهو مذهب أحمد، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي.\n• وذهب جماعةٌ إلى أنه ليس عليه شيء، وهو مذهب أبي ثور، وداود، وهو مقتضى قول طاوس، وسعيد بن جبير، وابن المنذر، وأحمد في رواية؛ لأنهم قالوا في المحرم يقتل خطأ: ليس عليه شيء. وقد تقدم. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٨٢)، «المحلى» (٨٨٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ١٨٣).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٥/ ١٨٣)، «تفسير القرطبي» (٦/ ٣٠٧).","vol":"5","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2275>مسألة [٨]: إن أرسل كلبه لصيد في الحل، فدخل الحرم فصاد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٨٣): فَأَمَّا إنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ، فَدَخَلَ الْكَلْبُ الْحَرَمَ، فَقَتَلَ صَيْدًا آخَرَ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ الْكَلْبَ عَلَى ذَلِكَ الصَّيْدِ، وَإِنَّمَا دَخَلَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إرْسَالٍ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2276>مسألة [٩]: إن أرسل كلبه على صيد في الحل، فدخل الصيد الحرم، فدخل الكلب بعده وأصابه في الحرم</span>؟\n• فيه ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه لا يضمن؛ لأنه أرسل كلبه على صيد حلال، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.\nالثاني: يضمن؛ لأنه صاده في الحرم، وهو قول عطاء، وأبي حنيفة وصاحبيه.\nالثالث: إن كان الصيد قريبًا من الحرم؛ يضمن؛ لتفريطه، وهو قول مالك، ورواية عن أحمد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ليس عليه ضمانٌ مطلقًا، وأما الإثم؛ فإن كان قريبًا من الحرم، وعلم أنه سيفر إلى الحرم؛ فيأثم، وأما إن شك في هروبه إلى الحرم؛ فلا","vol":"5","page":193},{"text":"إثم عليه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2277>مسألة [١٠]: قطع شجر الحرم</span>.\nدلَّ حديثُ الباب على تحريم قطع شجر الحرم.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٨٥): أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم، وإباحة أخذ الإذخر، وما أنبته الآدميون من البقول، والزروع، والرياحين، حكى ذلك ابن المنذر. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2278>مسألة [١١]: ما أنبته الآدميون من الشجر</span>.\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:\nالأول: أنه يحل له قطعه، وأنَّ التحريم خاصٌّ بشجره الذي نبت بنفسه من غير صنع الآدمي.\nوهذا قول جماعة من الحنابلة، وعزاه الحافظ في «الفتح» للجمهور، واختاره الشيخ ابن عثيمين؛ لقوله في الحديث: «لا يعضد شجره».\nقال -﵀-: الشجر مضافٌ إلى الحرم؛ فيفيد أن المحرَّم ما كان من شجر الحرم، لا من شجر الآدمي، وعلى هذا فما غرسه الآدمي، أو بَذَرَه؛ فإنه ليس بحرام؛ لأنه ملكه، ولا يضاف إلى الحرم، بل يضاف إلى مالكه. اهـ\nالثاني: يحرم قطعه، وهو اختيار الشافعي لعموم قوله: «ولا يعضد شجرها».\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٨٣).","vol":"5","page":194},{"text":"الثالث: لا جزاء فيما ينبت الآدميون جنسه، كالجوز، واللوز، والنخل ونحوه، ولا فيما ينبته الآدميون من غيره، كالدوح، والسلم، والعضاة؛ لأنَّ الحرم يختص تحريمه ما كان وحشيًّا من الصيد، وهو قول أبي حنيفة.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَالْأَوْلَى الْأَخْذُ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ فِي تَحْرِيمِ الشَّجَرِ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ -﵇-: «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا»؛ إلَّا مَا أَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّ مِنْ جِنْسِ شَجَرِهِمْ، بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا أَنْبَتُوهُ مِنْ الزَّرْعِ، وَالْأَهْلِيِّ مِنْ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّنَا إنَّمَا أَخْرَجْنَا مِنْ الصَّيْدِ مَا كَانَ أَصْلُهُ إنْسِيًّا، دُونَ مَا تَأَنَّسَ مِنْ الْوَحْشِيِّ، كَذَا هَاهُنَا. اهـ\nقلتُ: القول الأول أقرب، وقول ابن قدامة أحوط، وينبغي أن يكون العمل عليه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2279>مسألة [١٢]: هل يجوز قطع شوك الحرم</span>؟\n• ذهب طائفة من أهل العلم إلى تحريم قطع شوك الحرم، وعزا الحافظ هذا القول للجمهور؛ لظاهر الحديث «ولا يختلى شوكها»، وفي رواية: «لا يعضد شوكها».\n• وذهب بعض الحنابلة، والشافعي إلى أنه لا يحرم، ورُوي ذلك عن عطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار؛ لأنه يؤذي؛ فأشبه السِّباع.\nقلتُ: القول الأول هو الصحيح؛ للحديث المذكور، وقياسهم فاسد الاعتبار؛ لمخالفته للنص.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٨٥)، «المجموع» (٧/ ٤٩٤)، «الفتح» (١٨٣٢)، «الشرح الممتع» (٧/ ٢٥١).","vol":"5","page":195},{"text":"قال ابن قدامة -﵀-: وَالْغَالبُ فِي شَجَرِ الْحَرمِ الشَّوك، فَلَّما حَرَّم النَّبي - ﷺ - قَطْعَ شَجَرِها، والشَّوْك غَالِبُه؛ كَانَ ظَاهِرًا فِي تَحْرِيْمِه. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2280>مسألة [١٣]: هل يجوز قطع اليابس من الشجر والحشيش</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٨٦ - ١٨٧): وَلَا بَأْسَ بِقَطْعِ الْيَابِسِ مِنَ الشَّجَرِ والْحَشِيْشِ؛ لِأَنَّه بِمَنزِلةِ الميِّتِ، وَلَا بِقَطْعِ مَا انْكَسَرِ وَلم يَبِنْ؛ لِأَنَّه قَد تَلِفَ، فَهُو بِمَنْزِلَةِ الظُّفر المنْكَسِرِ. اهـ المراد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2281>مسألة [١٤]: هل يجوز الانتفاع بما انقطع من الشجر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٨٧): وَلَا بَأْسَ بِالانْتِفَاعِ بِمَا انْكَسَرَ مِنَ الْأَغْصَانِ، وَانْقَلَعَ مِنَ الشَّجَرِ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ، وَلَا مَا سَقَطَ مِنَ الْوَرَقِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَلَا نَعْلَمُ فِيْهِ خَلَافًا. اهـ (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2282>مسألة [١٥]: إذا قطعه آدمي آخر، هل يجوز الانتفاع به</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٨٧): فَأَمَّا إنْ قَطَعَهُ آدَمِيٌّ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَمْ أَسْمَعْ، إذَا قُطِعَ يُنْتَفَعُ بِهِ. وَقَالَ فِي الدَّوْحَةِ تُقْلَعُ: مَنْ شَبَّهَهُ بِالصَّيْدِ، لَمْ يَنْتَفِعْ بِحَطَبِهَا. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إتْلَافِهِ؛ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ، فَإِذَا قَطَعَهُ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُهُ؛ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ، كَالصَّيْدِ يَذْبَحُهُ الْمُحْرِمُ.\nقال: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُبَاحَ لِغَيْرِ الْقَاطِعِ الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ انْقَطَعَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَأُبِيحَ لَهُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٨٦)، «الفتح» (١٨٣٢).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٧/ ٤٥٢).\n(^٣) وانظر: «المحلى» (٨٩٧).","vol":"5","page":196},{"text":"الِانْتِفَاعُ بِهِ. انتهى المراد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر لي -والله أعلم- ألَّا بأس بانتفاع غير القاطع من الغصن الذي قطع؛ لأنه ليس متعدٍ، ولأنه قد صار ميتًا؛ فجاز الانتفاع به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2283>مسألة [١٦]: هل له أن يأخذ ورق الشجر من الشجرة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (٥/ ١٨٧): وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَخْذُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِهِ. وَكَانَ عَطَاءٌ يُرَخِّصُ فِي أَخْذِ وَرَقِ السَّنَى، يَسْتَمْشِي بِهِ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ أَصْلِهِ. وَرَخَّصَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّ مَا حُرِّمَ أَخْذُهُ حُرِّمَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ، كَرِيشِ الطَّائِرِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا يَضُرُّ بِهِ. لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّهُ يُضْعِفُهَا، وَرُبَّمَا آلَ إلَى تَلَفِهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2284>مسألة [١٧]: هل يجوز رعي البهائم في الحرم</span>؟\n• فيه قولان:\nالأول: جواز الرَّعي في الحرم، وهو مذهب الشافعي، ووجهٌ عند الحنابلة، وهو قول عطاء، وهو اختيار ابن حزم، وحجتهم حديث ابن عباس -﵄-، في «الصحيحين»، قال: فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف. وكان ذلك بمنى، ومنى من الحرم.\nوقال ابن قدامة -﵀-: لأنَّ الهدايا كانت تدخل الحرم فتكثر فيه، فلم ينقل أنه كانت تشد أفواهها، ولأنَّ بهم حاجة إلى ذلك، فأشبه قطع الإذخر. اهـ","vol":"5","page":197},{"text":"الثاني: عدم الجواز، وهو مذهب أبي حنيفة، ووجهٌ عند الحنابلة؛ لأنَّ ما حرم إتلافه لم يَجُز أن يرسل عليه ما يتلفه.\nوالقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2285>مسألة [١٨]: هل في إتلاف شجر الحرم جزاء</span>؟\n• ذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّ عليه الجزاء، وهو مذهب الشافعي، والحنابلة، وأصحاب الرأي.\nواحتجوا بأنه ورد عن ابن عباس، وعمر -﵃-، أنهما جعلا فيها الجزاء، للدوحة العظيمة بقرة، والصغيرة شاة، وهذان الأثران لم نقف لهما على إسناد، وما أظنهما يثبتان.\n• وذهب مالك، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر إلى أنه ليس فيها جزاء، وهو ترجيح ابن حزم، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يدل على أنَّ عليه الجزاء، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2286>مسألة [١٩]: من قتل متعمدا خارج الحرم، ثم لجأ بالحرم، فهل يُقام عليه القصاص في الحرم</span>؟\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١٨٧ - ١٨٨)، «المجموع» (٧/ ٤٩٥ - ٤٩٦)، «المحلَّى» (٨٩٧)، «الفتح» (١٨٣٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ١٨٨)، «المجموع» (٧/ ٤٩٥)، «المحلى» (٨٩٧)، «الشرح الممتع» (٧/ ٢٥٣ -).","vol":"5","page":198},{"text":"• فذهب مالك، والشافعي، وابن المنذر إلى أنَّه يقاد منه ولو في الحرم؛ لعموم الأمر باستيفاء القصاص من غير تخصيص مكان دون مكان، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يستوفى منه في الحرم، وصحَّ هذا القول عن ابن عباس، وهو قول عطاء، وعبيد بن عمير، والزهري، ومجاهد، والشعبي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن حزم الظاهري، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله حرم مكة، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ مسلم أن يسفك بها دمًا، أو يعضد بها شجرة؛ فإنْ أحدٌ ترخص بقتال رسول الله - ﷺ - فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب»، متفق عليه.\nوالحجة في ذلك من وجهين:\nأحدهما: أنه حرم سفكَ الدم بها على الإطلاق، وتخصيص مكة بها يدل على أنه أراد العموم؛ فإنه لو أراد سفك الدم الحرام لم يختص به مكة، فلا يكون التخصيص مفيدًا.\nالثاني: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها»، ومعلومٌ أنه إنما حل له سفك دمٍ حلال في غير الحرم، فحرَّمها الحرم، ثم أحلت له ساعة، ثم عادت الحرمة، ثم أكد هذا بمنعه قياس غيره عليه، والاقتداء به فيه بقوله: «فإنْ","vol":"5","page":199},{"text":"أحدٌ ترخص بقتال رسول الله - ﷺ -، فقولوا له: إنَّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم»، وهذا يدفع ما احتجوا به من قتل ابن خطل؛ فإنه من رخصة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- التي منع الناس أن يقتدوا به فيها، وبين أنها له على الخصوص.\nوأما قولهم: (عموم الأمر باستيفاء القصاص دون تخصيص مكان دون آخر) فهذا ليس بصحيح؛ لأن أدلة الفريق الثاني تعتبر خاصة، فيخصص بها العموم، وهذا القول فيه قوة إلا أنه في هذه الآونة يتعسر القبض عليهم إذا تركوا في الحرم، ويؤدي ذلك إلى كثرة الفساد؛ فالصحيح أنهم يؤخذون برفق، ثم يقام عليهم الحد، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: ذهب أكثر الجمهور إلى أن الملتجئ بالحرم وعليه قتل؛ فإنه لا يُبايع، ولا يُشارى، ولا يُئوَى، ولا يُطعم، ويُذَكَّر بالله ﷿، ويقال له: اتق الله واخرج إلى الحل حتى يُستوفى منك الذي عليك، وقال أبو يوسف: يخرج مضطرًا إلى الحل، وفعله ابن الزبير، وقال به ابن حزم.\nقلتُ: أثر ابن الزبير صحيح، والقول الأول هو قول ابن عباس -﵄-، وهو صحيح، وكلاهما في «تفسير ابن جرير» عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، انظر المصادر السابقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2287>مسألة [٢٠]: وهل تُقام الحدود التي دون القتل</span>؟\n• فيها قولان:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٠٩ -)، «الفتح» (١٨٣٤)، «المحلى» (٨٩٨)، «الأوسط» (١٣/ ١٠٨).","vol":"5","page":200},{"text":"الأول: لا تُسْتوفى الحدود بالحرم، وهو قول أحمد في رواية، وهو الأظهر في مذهبه، وابن حزم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، وهو ظاهر قول ابن عباس المتقدم؛ فإنه قال: (من أصاب حدًّا، فدخل الحرم ..) بل قد صرح بالسرقة كما سيأتي.\nالثاني: تُستوفى الحدود دون القتل؛ لأن الحديث المتقدم فيه تحريم القتل فيها دون إقامة الحدود، وهذا قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2288>مسألة [٢١]: إذا اجتمع بغاةٌ في الحرم</span>؟\nقال الماوردي كما في «الفتح» (١٨٣٤): من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها، فلو بغوا على أهل العدل؛ فإنْ أمكن ردهم بغير قتال؛ لم يجز، وإنْ لم يمكن إلا بالقتال، فقال الجمهور: يقاتلون؛ لأنَّ قتال البغاة من حقوق الله تعالى، فلا يجوز إضاعتها. وقال آخرون: لا يجوز قتالهم، بل يضيق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة. قال النووي: والأول نصَّ عليه الشافعي.\nقال الحافظ: وعن الشافعي قول آخر بالتحريم، اختاره القفال، وجزم به في «شرح التلخيص»، وقال به جماعةٌ من علماء الشافعية، والمالكية، واختار هذا الطبري، ومال إليه ابن العربي، والقرطبي، وابن دقيق العيد. انتهى بتصرف واختصار.\nقلتُ: إنْ تعدَّى البغاة بالقتل؛ فيُقاتلون، ولو كانوا في الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٠٩ - ٤١٠)، «المحلى» (٨٩٨)، «الأوسط» (١٣/ ١٠٨).","vol":"5","page":201},{"text":"تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة:١٩١].\nوأما إن بغوا ولم يُقاتلوا؛ فيستخدم معهم التضييق؛ فإن لم ينفع فللإمام أن يأخذهم بالقوة إذا رأى المصلحة في ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2289>مسألة [٢٢]: من قتل أو فعل جناية في الحرم</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٤١٣): ومن انتهك حرمة الحرم بجناية فيه تُوجب حدًّا، أو قِصاصًا؛ فإنه يُقام عليه حدُّها، لا نعلم فيه خلافًا. اهـ\nوقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٨٣٤): فأما القتل: فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حد القتل فيها على من أوقعه فيها، وخصَّ الخلاف بمن قتل في الحل ثم لجأ إلى الحرم، وممن نقل الإجماع على ذلك ابن الجوزي. اهـ\nقلتُ: وقد جاء في ذلك أيضًا أثرٌ عن ابن عباس -﵄- كما في «تفسير ابن جرير» (٥/ ٦٠٤)، قال: ومن أحدث في الحرم حدثًا؛ أُقيم عليه الحد. وفي إسناده: حجاج بن أرطاة، وهو مدلِّس فيه ضعف.\nثم وجدت له إسنادًا صحيحًا في «مصنف عبد الرزاق» (٥/ ١٥٢) عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: فإنْ قتل، أو سرق في الحل، فدخل الحرم، فأرادوا أن يقيموا عليه ما أصاب؛ أخرجوه من الحرم إلى الحل، فأقيم عليه، وإن قتل في الحرم، أو سرق؛ أُقيم عليه في الحرم.\n_________\n(^١) وانظر: «شرح مسلم» (٩/ ١٢٤ - ١٢٥).","vol":"5","page":202},{"text":"قلتُ: ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾، وقد خالف ابن حزم في هذه المسألة، فقال: لا يقتل في الحرم.\nوقول الجمهور أولى وأقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2290>مسألة [٢٣]: حدود الحرم المكي</span>.\nأولا: من جهة المدينة (الشمال) حدوده: التنعيم.\nقال النووي: على ثلاثة أميال من مكة. وقال البسام: يبعد بـ (٧) كيلوات.\nثانيًا: من جهة اليمن (الجنوب) حدوده: أضاة لِبْن.\nقال النووي: على سبعة أميال من مكة. وقال البسام: وتبعد بـ (١٢) كيلوًا.\nثالثًا: من جهة الطائف (الشرق)، حدوده: ضفة وادي عرنة الغربية.\nقال النووي: على سبعة أميال. قال البسام: ويبعد بـ (١٥) كيلوا.\nرابعًا: من جهة جُدَّة (الغرب).\nقال النووي: منقطع الأعشاش على عشرة أميال من مكة. وقال البسام: الشميسي (الحديبية) فبعضها في الحل، وبعضها في الحرم، وتبعد بـ (٢٢) كيلوا.\nخامسًا: من طريق الجعرانة (الشمال الشرقي).\nقال النووي: على شعب آل عبد الله بن خالد، على تسعة أميال. وقال البسام: عند جبل المقطع بالقرب من قرية (شرائع المجاهدين) وتبعد بنحو (١٦) كيلوا.\n_________\n(^١) وانظر: «المحلَّى» (٨٩٨).","vol":"5","page":203},{"text":"سادسًا: قال النووي: ومن طريق العراق على ثنية خلٍّ بالمقطع على سبعة أميال.\nثم نقل النووي هذا التحديد عن أبي الوليد الأزرقي، والماوردي، والشافعية. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٧/ ٤٦٣)، «توضيح الأحكام» (٤/ ٩٧)، «القِرَى لقاصد أم القُرى» (ص ٦٥١ - ٦٥٢).","vol":"5","page":204},{"text":"٧٢٣ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْت المَدِينَةَ كَما حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْت فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٧٢٤ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى ثَوْرٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2291>مسألة [١]: هل يحرم صيد المدينة وشجرها</span>؟\n• ذهب أكثر العلماء إلى أن المدينة حرمٌ؛ فلا يُصاد صيدها، ولا يعضد شجرها، واستدلوا بحديثي الباب، وبحديث رافع بن خديج -﵁-، في «صحيح مسلم» (١٣٦١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنَّ إبراهيم حرَّم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها» يريد المدينة.\nوأخرج مسلم أيضًا (١٣٦٣) من حديث سعد بن أبي وقاص -﵁-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها، أو يقتل صيدها»، وأخرج مثله (١٣٦٢)، عن جابر مرفوعًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٣٧٠)، وأخرجه البخاري برقم (٦٧٥٥).","vol":"5","page":205},{"text":"وأخرج (١٣٦٥)، عن أنس -﵁- مرفوعًا: «اللهم إني أُحرم ما بين جبليها مثل ما حرم به إبراهيم مكة»، وفي رواية: «ما بين لابتيها».\nوأخرج (١٣٧٢)، عن أبي هريرة -﵁- قال: حرَّم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما بين لابتي المدينة.\nوأخرج (١٣٧٤)، عن أبي سعيد -﵁- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اللهم إنَّ إبراهيم حرَّم مكة فجعلها حرمًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف».\nوأخرج (١٣٧٥)، عن سهل بن حنيف أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في المدينة: «إنها حرمٌ آمن».\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يحرم؛ لأنه لو كان محرمًا لبَيَّنه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بيانًا عامًّا، ولوجب فيه الجزاء كصيد مكة، واستدل له بحديث: «يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟»، وكان عصفورًا صغيرًا يلعب به.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأحاديث متواترة في تحريم المدينة كما تقدم بعضها، فكيف لا يكون هذا بيانًا عامًّا؟! والجزاء لا يجب في حرم المدينة، ولا في حرم مكة كما تقدم، وأما حديث: «يا أبا عمير ...» فيُحمل على أنه عصفور أدخل من خارج المدينة، أو يكون ذلك قبل تحريم المدينة، والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ١٩٠ - ١٩١)، «المجموع» (٧/ ٤٩٧)، «المحلَّى» (٨٩٧).","vol":"5","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2292>مسألة [٢]: ما هي حدود الحرم المدني</span>؟\nجاء في حديث علي في الباب: «مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى ثَوْرٍ».\nو«عَيْرٍ»: جبل أسود بحمرة مستطيلة من الشرق إلى الغرب، يُشرف على المدينة من الجنوب، وبسفحه الشمالي وادي العقيق.\nو«ثَوْرٍ»: جبلٌ صغيرٌ مستديرٌ أحمر، يقع شمال المدينة، وموقعه خلف جبل أُحُد، وقد أنكر كثير من أهل العلم هذه اللفظة؛ لِظَنِّهم أنَّ ثورًا إنما هو جبلٌ بمكة، فبعضهم وَهَّمَ الرَّاوي، وبعضهم قال: المراد أنَّ هذا القدر من مكة حرم المدينة. وبعضهم قال: صواب الرواية: (من عير إلى أُحد).\nوقد أثبت جماعةٌ من أهل العلم وجود جبل بالمدينة خلف جبل أُحد يُسمَّى (ثورًا)، ونقلوه عن جماعة من أهل المدينة خلفًا عن سلف، كما في «الفتح» (١٨٦٧)، و«الإنصاف» (٣/ ٥٠٨)، وجاء في الأحاديث الأخرى التي تقدمت: «ما بين لابتيها».\nقال النووي -﵀-: قال أهل اللغة وغريب الحديث: اللَّابتان الحرَّتان، واحدتهما (لابة)، وهي الأرض الملبسة حجارة سوداء، وللمدينة لابتان شرقية، وغربية، وهي بينهما. انتهى من «شرح مسلم» (٩/ ١٣٥).\nوقال في (٩/ ١٤٣): وهذه الأحاديث كلها متفقة، فما بين لابتيها بيانٌ لحدِّ حرمها من جهتي المشرق والمغرب، وما بين جبليها بيانٌ لحدِّه من جهة الجنوب","vol":"5","page":207},{"text":"والشمال. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2293>مسألة [٣]: هل في صيد المدينة جزاء</span>؟\n• ذهب أكثر العلماء إلى أنه ليس في صيدها الجزاء، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي وغيرهم؛ لعدم وجود دليل على إيجاب الجزاء في ذلك.\n• وذهب جماعةٌ من العلماء إلى أنَّ فيه الجزاء، وهو قول ابن أبي ذئب، والشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، وبعض المالكية، وابن المنذر، وابن حزم؛ لأنَّ حرمتها كحرمة مكة كما في الأحاديث المتقدمة، وجزاؤه عند أحمد والشافعي أخذ سلبه كما سيأتي.\nواستدل ابن حزمٍ بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥]، وقال: قوله ﴿حُرُمٌ﴾ يشمل كونه في مكة، أو المدينة.\nقلتُ: والقول الأول هو الصواب؛ لما تقدم، وأمَّا الآية ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ فالمقصود به (وأنتم محرمون)، وهو الإحرام، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2294>مسألة [٤]: أخذ سلب من قطع شجر المدينة</span>.\nروى مسلم في «صحيحه» (١٣٦٤)، من حديث سعد بن أبي وقاص -﵁-: أنه وجد عبدًا يقطع شجرًا، أو يخبطه، فَسَلَبَه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (١٨٦٧)، «الإنصاف» (٣/ ٥٠٧ - ٥٠٨)، و«توضيح الأحكام».\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ١٩١ - ١٩٢)، «المجموع» (٧/ ٤٩٧)، «شرح مسلم» (٩/ ١٣٤)، «الفتح» (١٨٦٧)، «المحلى» (٨٨٤)، «الإنصاف» (٣/ ٥٠٧).","vol":"5","page":208},{"text":"فكلموه أن يرد على غلامهم أوعليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أردَّ شيئًا نفلنيه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وأبى أن يرد عليهم.\nقلتُ: وقد أخذ بهذا الحديث أحمد في رواية، والشافعي في القديم، وسعد بن أبي وقاص -﵁-، ورجَّحه ابن حزم، ونقله عن عمر، وابن عمر -﵄-.\nقال عياض -﵀-: لم يقل به أحد بعد الصحابة إلا الشافعي في القديم، وخالفه أئمة الأمصار. اهـ\nقال الحافظ -﵀-: قلت: واختاره جماعةٌ معه وبعده؛ لصحة الخبر فيه. وقال النووي: ولا تضر مخالفتهم إذا كانت السنة معه، وهذا القول القديم هو المختار؛ لثبوت الحديث فيه، وعمل الصحابة على وفقه، ولم يثبت له دافع. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، والحديث لا نعلم فيه مطعنًا، والله المستعان. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2295>مسألة [٥]: كيفية سلبه</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٨٦٧): ولمن قال به اختلاف في كيفية السَّلب ومصرفه، والذي دلَّ عليه صنيع سعد عند مسلم وغيره أنه كسلب القتيل، وأنه للسَّالب، لكنه لا يُخَمَّس. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٨٦٧)، «شرح مسلم» (٩/ ١٣٩)، «المحلى» (٩٠١)، «المغني» (٥/ ١٩٢)، «الإنصاف» (٣/ ٥٠٧).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ١٩٢)، «الإنصاف» (٣/ ٥٠٧)، «شرح مسلم» (٩/ ١٣٩).","vol":"5","page":209},{"text":"تنبيه: أكثر القائلين بالسَّلب يقولون به في قطع الشجر، والصيد أيضًا، وظاهر كلام ابن حزم تخصيصه بقطع الشجر، وهو ظاهر حديث سعد بن أبي وقاص الذي في «مسلم»، وقد جاء في «سنن أبي داود» (٢٠٣٧)، أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من وجد أحدًا يصيد فيه؛ فليسلبه»، ولكن في إسناده: سليمان بن أبي عبد الله، مجهول الحال.\nفائدة: قوله في حديث الباب «إنَّ إبراهيم حرَّم مكة» ظاهره يعارض قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في «الصحيحين»: «إنَّ مكة حرَّمها الله، ولم يحرمها الناس» أخرجاه من حديث أبي شريح، وأخرجاه من حديث ابن عباس بلفظ: «هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض».\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٨٣٢): ولا معارضة؛ لأنَّ المعنى أنَّ إبراهيم حرَّم مكة بأمر الله تعالى لا باجتهاده، أو أنَّ الله قضى يوم خلق السماوات والأرض أنَّ إبراهيم سيحرم مكة، أو المعنى: أنَّ إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس، وكانت قبل ذلك عند الله حرامًا، أو أول من أظهره بعد الطوفان. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2296>مسألة [٦]: هل يحرم صيد وادي وَجّ وادي بالطائف</span>؟\nأخرج أحمد (١/ ١٦٥)، وأبو داود (٢٠٣٢)، من حديث الزبير بن العوام -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «صيد وَجّ وعضاهها محرَّم»، وهو من طريق: محمد بن عبد الله بن إنسان، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن أبيه به، وإسناده ضعيفٌ،","vol":"5","page":210},{"text":"محمد بن عبد الله قال أبو حاتم فيه: ليس بالقوي، في حديثه نظر. وقال البخاري -لما ذكر حديثه المذكور-: لم يتابع عليه. وأبوه عبد الله ابن إنسان: مجهول، تفرد بالرواية عنه ولده، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقال البخاري: لم يصح حديثه. يعني هذا الحديث؛ فإنه ليس له غيره.\nقلتُ: وقد أخذ الشافعي وأصحابه بالحديث، فذهبوا إلى تحريم صيد وَجّ، وخالفهم أكثر أهل العلم، فقالوا: لا يحرم؛ لضعف الحديث. وهو الصحيح. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ١٩٤)، «المجموع» (٧/ ٤٩٧).","vol":"5","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2297>فَصْل\nومن محظورات الإحرام:</span>\nما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، والرَّفث هو الجماع ومقدماته، كالقبلة، والمس بشهوة، عند بعض أهل العلم.\nقال ابن قدامة -﵀-: كل ما فُسِّر به الرَّفث ينبغي للمحرم أن يتجنبه؛ إلا أنه في الجماع أظهر. اهـ\nوالفسوق هي المعاصي، ومنها السِّبَاب؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، والجِدال هو الجدال بالباطل الذي يورث التباغض والشحناء. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2298>مسألة [١]: حك المحرم لرأسه</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٥/ ٢٤٨): وأما حكُّ المحرم رأسه فلا أعلم خلافًا في إباحته، بل هو جائزٌ، وقد حكى ابن المنذر جوازه عن ابن عمر، وجابر (^٢)،\nوسعيد بن جبير، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وبه قال ابن المنذر، ولم\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ١١٢)، تفسير سورة البقرة للشيخ ابن عثيمين -﵀-.\n(^٢) أثر ابن عمر: أخرجه ابن أبي شيبة (١٥١٧٩) بإسنادٍ صحيحٍ عنه.\nوأثر جابر: أخرجه ابن أبي شيبة (١٥١٨٤) بإسناد صحيح عنه، وعنده أيضًا (١٥١٨١)، وعند البيهقي (٥/ ٦٤) من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله -﵄-، أنه حك رأسه، وقال: أخبرني من رأى عمر يحك حكًّا. وإسناده حسن على شرط مسلم.\nوثبت أيضًا عن ابن عباس: فقد أخرج ابن أبي شيبة (١٥١٨٠) بإسناده عن ابن عباس -﵄-، أنه سئل؛ فجمع يديه جميعًا يحك رأسه. قال الرجل: أرأيت إن قتلت قملة؛ فقال: بعُدت، وما القملة مانعتي من حك رأسي، وما نهيتم إلا عن الصيد.\n\nوأخرج البيهقي (٥/ ٦٤) عن عائشة -﵂-، أنها قالت: لو لم أجد إلا أن أحك برجلي؛ لحككت. وفي إسناده مرجانة، وهي امرأة مجهولة.","vol":"5","page":212},{"text":"يذكر فيه خلافًا، لكن قالوا: برفقٍ؛ لئلا ينتف شعرًا، والله أعلم. اهـ\nفلو نتفَ شعرًا فقد ألزمه الشافعية، والحنابلة بالفدية، وأما إذا شك هل انقلع الشعر بالحك أم كان منقطعًا، أو مقلوعًا؛ فلا فدية عليه في الأصح عندهم.\nقلتُ: والصحيح عدم الفدية مطلقًا، سواء انقلع بالحك، أو لا، وهو اختيار شيخ الإسلام، والشيخ ابن عثيمين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2299>مسألة [٢]: هل للمحرم أن يغسل رأسه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١١٧): وَلَا بَأْسَ أَنْ يَغْسِلَ المُحْرِمُ رَأْسَهُ وَبَدَنَهُ بِرِفْقٍ، فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ (^٢)، وَابْنُهُ (^٣)، وَرَخَّصَ فِيهِ عَلِيٌّ، وَجَابِرٌ (^٤)،\nوَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَكَرِهَ مَالِكٌ لِلْمُحْرِمِ أَنْ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ١١٦)، «المجموع» (٧/ ٢٤٨)، «الشرح الممتع» (٧/ ١٣٩).\n(^٢) سيأتي لفظه وتخريجه قريبًا.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٠٠٧)، وإسناده صحيح، قال: وهل يزيده ذلك إلا شعثًا. وفي الصحيحين، أنه كان لا يدخل مكة حتى يغتسل بذي طوى.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٠٨٠) من طريق أبي الزبير، عن جابر، وظاهر إسناده الحسن؛ لولا عنعنة أبي الزبير.\nفائدة: وقد جاء عن عمر -﵁- أنه قال: إن الماء لا يزيده إلا شعثًا. أخرجه مالك (١/ ٣٢٣) من طريق عطاء، عن عمر -﵁-، وهو منقطع؛ لأن عطاءً لم يدرك عمر -﵁-.\n\nوله إسنادٌ آخر عند الشافعي (٥٣٥)، ومن طريقه أخرجه البيهقي (٥/ ٦٣)، وفي إسناده سعيد ابن سالم، وفيه ضعف، والأثر بالطريقين حسن.","vol":"5","page":213},{"text":"يَغْطِسَ فِي المَاءِ، وَيُغَيِّبَ فِيهِ رَأْسَهُ. وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ سِتْرٌ لَهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِسِتْرٍ؛ وَلِهَذَا لَا يَقُومُ مَقَامَ السُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رُبَّمَا قَالَ لِي عُمَرُ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ بِالجحْفَةِ: تَعَالَ أُبَاقِيك أَيُّنَا أَطْوَلُ نَفَسًا فِي المَاءِ. وَقَالَ: رُبَّمَا قَامَسْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِالجحْفَةِ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ. رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِسِتْرٍ مُعْتَادٍ، أَشْبَهَ صَبَّ المَاءِ عَلَيْهِ، أَوْ وَضْعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُالله ابْنُ حُنَيْنٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، فَأَتَيْته وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْت: أَنَا عَبْدُالله بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي إلَيْك عَبْدُالله بْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلُك: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ المَاءَ: صُبَّ. فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّك رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ الله - ﷺ - يَفْعَلُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nقال: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ المُحْرِمَ يَغْتَسِلُ مِنْ الجنَابَةِ. اهـ\nقلتُ: وأثر عمر مع ابن عباس في البقاء تحت الماء أثرٌ صحيح، أخرجه البيهقي (٥/ ٦٣)، من طريق الشافعي، وهو في المسند (٥٣٦) عن ابن عيينة، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وهذا إسنادٌ صحيح، رجاله ثقات.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١٣٠٠٣) عن ابن علية، عن عبد الكريم به.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٨٤٠)، ومسلم برقم (١٢٠٥).","vol":"5","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2300>فَصْل\nمبطلات الحج:</span>\nتقدم أنَّ الجماع من مبطلات الحج، ونقل في ذلك الإجماع، وقد تقدم.\nومن مبطلات الحج: الرِّدَّة في أثنائه قبل أن يتمه؛ لأنه كافر، والكافر لا يقبل عمله، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٥٤].\nفالعبادات لا تصح من الكافر، وهو قول جميع أهل العلم؛ لِمَا تقدم في شروط الحج من أنهم اشترطوا الإسلام. (^١)\nومن مبطلات الحج: الجنون، والإغماء إذا فاته الوقوف بعرفة.\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلى» (٨٦١): ومن أُغمي عليه، أو جُنَّ فلم يُفِقْ إلا بعد طلوع الفجر من ليلة يوم النحر؛ فقد بطل حجُّه، سواء وُقِفَ به بعرفة، أم لم يُوقف به. اهـ\nثم استدل على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، والمجنون، والمغمى عليه ليس له نية، والله أعلم.\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٣/ ٣٥١).","vol":"5","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2301>مسألة [١]: من حج ثم ارتد بعد حجه؛ فهل يبطل حجُّه، ويلزمه الحج مرة أخرى إذا أسلم</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالأول: أنَّ حجَّه يبطل، وعليه حجة أخرى، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وداود.\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥].\nوقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨].\nالثاني: ليس عليه حجة أخرى، وتُجزئه الحجة الأولى، وهو قول أحمد، والشافعي، وابن حزم.\nوقالوا: يحبط عمله إذا مات على الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة:٢١٧].\nفهذه الآية مقيدة لأدلتهم، وكذلك حديث: «أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير»، أخرجه البخاري (٥٩٩٢)، ومسلم (١٢٣)، من حديث حكيم بن حزام -﵁-.\nوهذا القول هو الصواب. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٧/ ٩)، «الإنصاف» (٣/ ٣٥١)، «المحلى» (٩١٧).","vol":"5","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2302>بَابُ صِفَةِ الحَجِّ وُدُخُولِ مَكَّةَ</span>\n٧٢٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَجَّ فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فَقَالَ: «اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي»، وَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ حَتَّى إذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَك»، حَتَّى إذَا أَتَيْنَا البَيْتَ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتَى مَقَامَ إبْرَاهِيمَ فَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ البَابِ إلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» فَرَقَى الصَّفَا، حَتَّى رَأَى البَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ، وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: «لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إلَهَ إلَّا اللهَ وَحْدَهُ (^١)،\nأَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا (١) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إلَى المَرْوَةِ، حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الوَادِي سَعَى (١)، حَتَّى إذَا صَعِدَتَا (^٢) مَشَى حَتَّى أَتَى (^٣) المَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى المَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا -وَذَكَرَ الحَدِيثَ- وَفِيهِ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى، وَرَكِبَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ، وَالعِشَاءَ، وَالفَجْرَ.\n_________\n(^١) سقطت من المخطوطتين، وثبوتها هو الصواب كما في «صحيح مسلم» ..\n(^٢) في المخطوطتين: (صعد) والمثبت هو الصواب كما في «صحيح مسلم»\n(^٣) في (أ) و(ب): (إلى) والمثبت هو الصواب كما في «صحيح مسلم».","vol":"5","page":217},{"text":"ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَأَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ القُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى المَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ إلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ القُرْصُ، وَدَفَعَ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمْنَى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ»، وَكُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، وَصَلَّى الفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، (فَدَعَاهُ، وَكَبَّرَهُ، وَهَلَّلَهُ) (^١)،\nفَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، كُلُّ حَصَاةٍ مِثْلُ حَصَى الخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى المَنْحَرِ فَنَحَرَ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَأَفَاضَ إلَى البَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا. (^٢)\n_________\n(^١) في (أ) و(ب): (فدعا وكبر وهلل) والمثبت هو الموافق لما في «الصحيح» ..\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٢١٨).","vol":"5","page":218},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\nتنبيه: ذكر الحافظ -﵀- هذا الحديث وهو حديث جابر الطويل في صفة حج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد اختصر بعض ألفاظه، وسنذكر إن شاء الله المسائل المتعلقة بالحديث كاملًا؛ حتى وإن كان من الألفاظ التي اختصرها الحافظ، وسنترك المسائل التي تقدمت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2303>مسألة [١]: جواز الركوب والمشي في الحج، وبيان الأفضل</span>.\nقوله: حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك.\nقال النووي -﵀-: فِيهِ جَوَاز الْحَجّ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِل الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَإِجْمَاع الْأُمَّة، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧].\nوَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْأَفْضَل مِنْهُمَا، فَقَالَ مَالِك، وَالشَّافِعِيُّ، وَجُمْهُور الْعُلَمَاء: الرُّكُوب أَفْضَل؛ اِقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ - ﷺ -، وَلِأَنَّهُ أَعْوَن لَهُ عَلَى وَظَائِف مَنَاسِكه، وَلِأَنَّهُ أَكْثَر نَفَقَة. وَقَالَ دَاوُدُ: مَاشِيًا أَفْضَل؛ لِمَشَقَّتِهِ. وَهَذَا فَاسِد؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّة لَيْسَتْ مَطْلُوبَة. اهـ\nوالصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «شرح مسلم» (٨/ ١٧٣ - ١٧٤)، «المجموع» (٧/ ٩١).","vol":"5","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2304>مسألة [٢]: تلبية رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وذكر بعض زيادات الصحابة في التلبية</span>.\nقال جابر -﵁- في الحديث: أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَك».\nوهذه التلبية رواها أيضًا ابن عمر كما في «الصحيحين» (^١)، وعائشة أيضًا كما في «البخاري» (١٥٥٠)، وَاقْتَصَرَتْ على قوله: «والنعمة لك»، ولم تذكر ما بعدها.\nوقد جاء عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يزيدون على التلبية الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقد ثبت في «صحيح مسلم» (١١٨٤) عن عمر، وابن عمر -﵄- أنهما كانا يزيدان: لبيك اللهم لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل.\nوثبت عند ابن أبي شيبة (٤/ ٢٨٣)، عن عمر -﵁- أنه كان يقول: لبيك ذا النعماء والفضل لبيك، لبيك مرهوبًا ومرغوبًا إليك لبيك.\nوثبت في «سنن أبي داود» (١٨١٣) من حديث جابر قال: والناس يزيدون «ذا المعارج»، ونحوها من الكلام، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يسمع، فلا يقول لهم شيئًا. وثبت عن أنس عند البزار كما في «كشف الأستار» (١٠٩١) أنه كان يقول: «لبيك حقًّا حقًّا، تعبُّدًا ورِقًّا».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2305>مسألة [٣]: حكم الزيادة في التلبية</span>.\nقوله: وأهل الناس بهذا الذي يهلون، فلم يرد عليهم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- شيئًا، ولزم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تلبيته.\n_________\n(^١) انظر: «البخاري» رقم (١٥٤٩)، ومسلم رقم (١١٨٤).","vol":"5","page":220},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٥٤٩): وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَار عَلَى التَّلْبِيَة المَرْفُوعَة أَفْضَل؛ لِمُدَاوَمَتِهِ هُوَ - ﷺ - عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا بَأْس بِالزِّيَادَةِ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْل الجمْهُور، وَبِهِ صَرَّحَ أَشْهَب، وَحَكَى اِبْن عَبْدالْبَرّ عَنْ مَالِك الْكَرَاهَة، قَالَ: وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ. اهـ\nوجاءت الكراهة عن سعد بن أبي وقاص -﵁-، فعند الطحاوي (٢/ ١٢٥) بإسناد صحيح عنه أنه سمع رجلًا يقول: لبيك ذا المعارج. فقال: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nقلتُ: والصواب قول الجمهور، وهو أنَّ الاقتصار على تلبية النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أفضل، وأنَّ الزيادة مشروعة، لا تكره. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2306>مسألة [٤]: حكم رفع اليدين بالدعاء عند رؤية البيت</span>.\nقوله: حتى إذا أتينا البيت استلم الركن.\n• ظاهره أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يرفع يديه عند رؤية البيت، ولم يَدْعُ، وعلى هذا فلا يستحب رفع اليدين عند رؤية البيت ولا الدعاء، وهو قول مالك.\n• وذهب الجمهور إلى استحباب الرفع والدعاء عند رؤية البيت، وهو قول الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nوقد أخرج البيهقي (٥/ ٧٢) حديثًا مرفوعًا من حديث ابن عباس -﵄-، وفيه: «ترفع الأيدي في الصلاة، وإذا رأى البيت» ... الحديث، وأشار إلى أنه عن ابن عمر\n_________\n(^١) وانظر: «شرح مسلم» (٨/ ١٧٤)، «المغني» (٥/ ١٠٣).","vol":"5","page":221},{"text":"-﵄- أيضًا، وفي كلا الإسنادين ضعفٌ؛ فيهما محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وقد اضطرب فيه فرواهما مرفوعين وموقوفين.\nقلتُ: والموقوف عن ابن عباس -﵄- له إسناد آخر عند ابن أبي شيبة (٤/ ٥٤٠)، وفيه: عطاء بن السائب، وهو مختلط؛ فالأثر لا يثبت مرفوعًا، ولا موقوفًا، والله أعلم.\nوالصواب هو قول مالك، وإليه مال الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2307>مسألة [٥]: طواف القدوم</span>.\nهذا الطواف في حق المعتمر ركنٌ من أركان العمرة بلا خلاف. (^٢)\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٨/ ١٢): اعلم أنَّ طواف القدوم إنما يتصور في حق مفرد الحج، وفي حق القارن إذا كانا قد أحرما من غير مكة، ودخلاها قبل الوقوف بعرفات، فأما المكي فلا يتصور في حقه طواف القدوم؛ إذ لا قدوم له، وأما المحرم بالعمرة فلا يتصور في حقه طواف القدوم، بل إذا طاف للعمرة أجزأه عنهما، ويتضمن القدوم كما تجزئ الصلاة المفروضة عن الفرض، وتحية المسجد. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2308>مسألة [٦]: حكم طواف القدوم</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٨/ ١٩): قد ذكرنا أنه سنة عندنا، لو\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢١١)، «المجموع» (٨/ ٩)، «نصب الراية» (١/ ٣٩٠ - ٣٩٢).\n(^٢) وانظر: «المحلَّى» (٨٣٠).","vol":"5","page":222},{"text":"تركه لم يأثم، ولم يلزمه دمٌ، وبه قال أبو حنيفة، وابن المنذر، وقال أبو ثور: عليه دمٌ. وعن مالك رواية كمذهبنا، ورواية: أنه إنْ كان مضايقًا للوقوف؛ فلا دم في تركه، وإلا فعليه دمٌ. اهـ\nقلتُ: والقول بأنه سنة هو مذهب الحنابلة، والجمهور، وهو الصواب، ويدل عليه حديث عروة بن مضرس -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من شهد معنا صلاتنا هذه -يعني بالمزدلفة- وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا، أو نهارًا؛ فقد تمَّ حجه وقضى تفثه». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2309>مسألة [٧]: ابتداء الطَّواف</span>.\nذكر أهل العلم أنه يجب ابتداء الطواف من الحجر الأسود، ولا يُجزئ أن يبتدئ من مكان آخر؛ فإن فعل، لا يُعتد بشوطه ذلك، ويعتد بشوطه الذي يبدأ به من الحجر الأسود، وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يبدأ طوافه من الحجر، ولم يَرِدْ عنه أنه بدأ من مكان سواه، وقال الشافعي في «الأم»: لا اختلاف في ذلك. وقال ابن عبد البر: لا خلاف فيه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2310>مسألة [٨]: المحاذاة للحجر الأسود عند الابتداء</span>.\nذكر أهل العلم أنه يجب أن يبتدئ الطواف مُحاذيًا للحجر الأسود، واختلفوا هل يجزئه الطواف إذا حاذاه ببعض بدنه؟\n_________\n(^١) وانظر: «شرح مسلم» (٨/ ١٧٥)، «الإنصاف» (٤/ ٥)، «المحلى» (٨٣٥).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٨/ ٣٢)، «الإنصاف» (٤/ ٥)، «الأم» (٢/ ٥٦٥)، «الاستذكار» (١٢/ ١٢٤).","vol":"5","page":223},{"text":"• فذهب أكثر الشافعية، والحنابلة إلى عدم الإجزاء، وذهب جماعةٌ من الشافعية، والحنابلة إلى أنه يجزئه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، وهذا أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2311>مسألة [٩]: استلام الحجر الأسود</span>.\nنقل النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٩/ ١٤) إجماع الأمة على استحباب استلامه.\nقلتُ: والأدلة متكاثرة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في استلام الحجر الأسود، منها: حديث جابر الذي في الباب، وجاء أيضًا عن ابن عمر، وابن عباس -﵃-، كما في «الصحيحين» (^٢)، وجاء عن غيرهما. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2312>مسألة [١٠]: هل يستقبل الحجر عند استلامه</span>؟\nذكر أهل العلم -﵏- أنَّ السنة استقباله عند استلامه، وجزم الشافعية، والحنابلة باستحبابه، وذكر في «الإنصاف» عن بعض الحنابلة القول بأنه لا يُستحب، قال: وقيل: يجب.\nقلتُ: الصواب هو الاستحباب، وهو ظاهر الأدلة التي فيها الاستلام، والتقبيل؛ فإنَّ ذلك لا يتيسر إلا باستقباله، ويدل عليه أيضًا حديث جابر -﵁- في «صحيح مسلم» (١٢١٨) (١٥٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «استلم الحجر، ثم مشى على يمينه، فرمل\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٤/ ٥)، «المجموع» (٨/ ٣٢)، «المغني» (٥/ ٢١٥).\n(^٢) انظر: «البخاري» (١٦٠٩)، ومسلم (١٢٦٧) (١٢٦٩)، وحديث ابن عباس -﵄- انفرد به مسلم.\n(^٣) وانظر: «الاستذكار» (١٢/ ١٤٧).","vol":"5","page":224},{"text":"ثلاثًا، ومشى أربعًا»، فقوله: «ثم مشى عن يمينه» يدل على أنه كان مستقبلًا له، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2313>مسألة [١١]: تقبيل الحجر الأسود</span>.\nفي «الصحيحين» (^٢) عن عمر بن الخطاب -﵁-، أنه كان يقبل الحجر، ويقول: إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقبلك ما قبلتك. وفي «البخاري» (١٦١١)، عن ابن عمر -﵄-، قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يستلمه ويقبله.\nوقد استحب أهل العلم تقبيل الحجر الأسود -لمن تيسر له- مع استلامه، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2314>مسألة [١٢]: هل له أن يقبل يده بعد استلامه بها</span>؟\nأخرج مسلم (١٢٦٨) من حديث ابن عمر -﵄-، أنه استلم الحجر، ثم قبَّل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفعله.\n• وقد ذهب إلى استحباب ذلك أكثر أهل العلم، وهو قول عروة، وسعيد بن جبير، وأيوب، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وصحَّ عن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس -﵃- أنهم فعلوا ذلك، وهذا القول هو الصواب؛ لحديث ابن عمر -﵄-.\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٣٢)، «الإنصاف» (٤/ ٦).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٦٠٥)، ومسلم برقم (١٢٧٠).\n(^٣) وانظر: «الاستذكار» (١٢/ ١٥٧).","vol":"5","page":225},{"text":"• وخالف مالك فلم يرَ تقبيل اليد، وكأنه لم يبلغه حديث ابن عمر -﵄-، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2315>مسألة [١٣]: إذا لم يستطع أن يستلم الحجر بيده، فهل له أن يستلمه بعصا، وهل يقبل العصا</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يستحب له أن يستلم الحجر بعصا، ثم يقبل موضع الاستلام؛ لحديث ابن عباس -﵄- في «الصحيحين» (^٢) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- طاف على بعير يستلم الركن بِمِحْجَن. وأخرجه مسلم (^٣) أيضًا من حديث جابر ابن عبد الله وأبي الطُّفيل -﵃- وفي حديث أبي الطفيل زيادة: «ويقبل المحجن».\n• وذهب بعض الحنابلة إلى أنه لا يقبل العصا، وهو مقتضى قول مالك المتقدم في المسألة السابقة.\nوالصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2316>مسألة [١٤]: إذا ذُهِبَ بالحجر، والعياذ بالله</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢١٤): فإذا كان ذلك -والعياذ بالله- فإنه يقف مقابلًا لمكانه، ويستلم الرُّكنَ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٤/ ٦)، «المجموع» (٨/ ٣٣)، «المغني» (٥/ ٢٢٧)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٠٤).\n(^٢) انظر: «البخاري» رقم (١٦٠٧)، ومسلم رقم (١٢٧٢).\n(^٣) انظر: «مسلم» (١٢٧٣) (١٢٧٥).\n(^٤) وانظر: «الإنصاف» (٤/ ٦)، «الفتح» (١٦٠٧)، «المجموع» (٨/ ٣٣)، «المغني» (٥/ ٢٢٨).","vol":"5","page":226},{"text":"وقال النووي -﵀- في «المجموع» (٨/ ٣٦): قال الدارمي: لو مُحي الحجر الأسود -والعياذ بالله- من موضعه؛ استلم الركن الذي كان فيه، وقبَّله، وسجد عليه. اهـ\nقلتُ: يستلمه فقط كما قال ابن قدامة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2317>مسألة [١٥]: ماذا يقول عند استلام الحجر وابتداء الطواف</span>؟\nأخرج البخاري (١٦١٣) عن ابن عباس -﵄- قال: طاف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالبيت على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده، وكبَّر. وبوَّب عليه البخاري في «صحيحه» [باب التكبير عند الركن]. وقال الحافظ: فيه استحباب التكبير عند الركن الأسود في كل طوفة.\nوصحَّ عن ابن عمر -﵄- كما في «مصنف عبد الرزاق» (٨٨٩٤)، و«سنن البيهقي» (٥/ ٧٩) أنه كان يقول عند أن يستلم الحجر: بسم الله، والله أكبر.\nوقد استحب جماعةٌ من أهل العلم أن يقول ذلك، وزاد بعضهم: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتِّباعًا لسنة نبيك -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وليس على هذه الزيادة دليلٌ يثبت، كما بيَّن ذلك الحافظ في «التلخيص».\nقلتُ: والأظهر أنه يقتصر على التكبير كما هو تبويب البخاري؛ لأنه هو الثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٣٥)، «الإنصاف» (٤/ ٧)، «المغني» (٥/ ٢١٥)، «البيهقي» (٥/ ٧٩).","vol":"5","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2318>مسألة [١٦]: استلام الركن اليماني الذي ليس فيه الحجر</span>.\nثبت عن ابن عمر في «الصحيحين» أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يستلم الركنين اليمانيين، وأخرجه مسلم عن ابن عباس -﵄-، ونقل النووي إجماع الأمة على استحباب استلامه، وقال ابن عبدالبر: لا خلاف في ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2319>مسألة [١٧]: تقبيل الركن اليماني، أو التقبيل مكان الاستلام من اليد والعصا</span>.\n• ذهب الشافعية إلى استحباب تقبيل الركن اليماني، وهو قول بعض الحنابلة، والأصح في مذهب الحنابلة، وعليه الأكثرون: عدم تقبيل الركن اليماني، أو اليد، والعصا، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل على التقبيل للركن اليماني مطلقًا، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2320>مسألة [١٨]: استلام الركنين الشاميين</span>.\n• ذهب أكثر العلماء إلى عدم استلام هذين الركنين، وهو قول جماعة من الصحابة، منهم: ابن عمر، وابن عباس -﵃-؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يستلمهما.\n• وذهب بعض الصحابة والتابعين إلى استلامهما، وهو قول معاوية، وابن الزبير كما في «البخاري» (١٦٠٨)، وصحَّ عن عروة بن الزبير، وأبي الشَّعْثَاء، وسويد بن غفلة، وجاء عن غيرهم، قال معاوية -﵁-: ليس شيء من\n_________\n(^١) انظر: «الاستذكار» (١٢/ ١٤٧)، «شرح مسلم» (٩/ ١٤).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٨/ ٣٤)، «شرح مسلم» (٩/ ١٤)، «الاستذكار» (١٢/ ١٤٧)، «الإنصاف» (٤/ ٨)، «المغني» (٥/ ٢٢٦)، «الفتح» (١٦١٠)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٠٤).","vol":"5","page":228},{"text":"البيت مهجورًا.\nقلتُ: والصواب ما ذهب إليه الجمهور، وخير الهدي هدي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد أجاب الشافعي -﵀- على قول من قال: (ليس شيء من البيت مهجورًا) بأَنَّا لم ندع استلامهما هجرًا للبيت، وكيف يهجره وهو يطوف به، ولَكِنَّا نتبع السنة فعلًا وتركًا، ولو كان ترك استلامهما هجرًا لهما؛ لكان ترك استلام ما بين الركنين هجرًا لها، ولا قائل به. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2321>مسألة [١٩]: هل يَسْتَلِم الركنين في كل شوط</span>؟\nاستحبَّ كثير من الفقهاء استلام الركنين في كل طوفة من السبع؛ لِمَا روى أبو داود (١٨٧٦) من حديث ابن عمر بإسناد حسن، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة، وكان ابن عمر يفعله.\nقلتُ: ويشير إلى ذلك أيضًا قول ابن عباس -﵄-: كلما أتى الركن أشار إليه بشيء، كان عنده، وكبَّر. أخرجه البخاري (١٦١٣)، وجاء عن بعض أهل العلم أنه يستلم في كل وتر من الطواف، وهو قول مجاهد، وطاوس، واستحبَّه بعض الفقهاء.\nوالصواب القول الأول، وعليه الأكثر. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (١٦١٠)، «شرح مسلم» (٩/ ١٤)، «المجموع» (٨/ ٣٤)، «المغني» (٥/ ٢٢٧)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٥٧).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٢٧)، «المجموع» (٨/ ٣٥)، «الاستذكار» (١٢/ ١٥٣)، «الإنصاف» (٤/ ٩).","vol":"5","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2322>مسألة [٢٠]: الطواف هل يجزئ من دون الحِجْر</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ الطَّواف لا يُجزئ؛ إلا أن يكون من وراء الحِجْر، وإذا طاف من دون الحِجْر فطوافه غير صحيح، ولا يُعتد به، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، وقال به عطاء. وقال أصحاب الرأي: إن كان بمكة؛ قضى ما بقي، وإن رجع؛ فعليه دمٌ. ونحوه عن الحسن.\nوالصواب قول الجمهور؛ لأنَّ الحِجْر من البيت، وإنما تركت قريش بناءه؛ لأنَّ المال قصر عن بنائه كاملًا، وكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يطوف من وراء الحِجْر، والله عزوجل أمر بالطواف بالبيت كاملًا في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2323>مسألة [٢١]: كيفية الطَّواف</span>.\nأخرج مسلم في «صحيحه» (١٢١٨) (١٥٠)، عن جابر بن عبد الله -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قدم مكة، فاستلم الحجر ثم مشى عن يمينه، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا.\nقال الترمذي -﵀- عقب حديث (٨٥٦): والعمل على هذا عند أهل العلم. اهـ\nقلتُ: وذهب أكثرهم إلى أنه لا يجزئه أن ينكس الطواف، فيمشي أمامه، ويجعل البيت عن يمينه، ويمشي جهة اليسار.\n• وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والحميدي، وأبي ثور وغيرهم؛ لأنَّ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٣٠).","vol":"5","page":230},{"text":"هذا هو فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو بيان للأدلة التي فيها الأمر بالطواف، ولقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد».\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا كان بمكة؛ يُعيد؛ فإن رجع إلى بلده جَبره بدم.\nوالصواب قول الجمهور، أنه لا يجزئه، وإن عاد إلى بلده رجع إلى مكة وأعاد الطواف، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2324>مسألة [٢٢]: إذا مشى في طوافه القهقرى، وجعل البيت عن يمينه</span>؟\nالأصح عند الشافعية، وهو مذهب المالكية، والحنابلة: أنه لا يجزئه؛ إلا أن يجعل البيت عن يساره ويمشي أمامه، وبهذا أفتى الإمام ابن عثيمين -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (٢٢/ ٣٢٧)، وهو الصحيح؛ لقوله - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2325>مسألة [٢٣]: الدُّنُو من البيت في الطَّواف</span>.\nاستحبَّ أهل العلم الدنو من البيت عند الطَّواف؛ لأنَّ ذلك فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولأنَّ البيت هو المقصود.\nقالوا: فإن كان قرب البيت زحام، فظنَّ أنه إذا وقف لم يؤذ أحدًا، وتمكن من الرَّمَل وقف؛ ليجمع بين الرَّمَل والدُّنو من البيت، وإن لم يظن ذلك، وظن أنه إذا\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٣١)، «المجموع» (٨/ ٣٢)، «الإنصاف» (٤/ ١٤)، «الاستذكار» (١٢/ ١٢٥).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٨/ ٣٢)، «أسنى المطالب» (١/ ٤٧٨)، «مطالب أولي النهى» (٢/ ٣٩٦)، «حاشية العدوي» (١/ ٥٣٠)، «شرح مختصر خليل» (٢/ ٣١٤).","vol":"5","page":231},{"text":"كان في حاشية تمكن من الرمل؛ فعل، وكان أولى من الدنو.\nواتفق الشافعية -وعليه أكثر الحنابلة- على أنَّ البعد مع الرمل أولى من الدنو بدون رمل، وهو الصحيح؛ لأنَّ المحافظة على ذات العبادة أولى من المحافظة على مكان العبادة كما يقول الفقهاء. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2326>مسألة [٢٤]: التباعد عن البيت في الطواف</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٨/ ٣٩): وأجمع المسلمون على أنه يجوز التباعد مادام في المسجد، وأجمعوا على أنه لو طاف خارج المسجد لم يصح. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2327>مسألة [٢٥]: ما الحكم لو وسع المسجد الحرام</span>.\nقال النووي -﵀- (٨/ ٣٩): واتفق أصحابنا على أنه لو وُسِّعَ المسجد اتسع المطاف، وصح الطواف في جميعه. اهـ\nقلتُ: والعمل على هذا عند أهل العلم، فما زال المسجد يُوسَّع بعد عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ويطوف الطائفون في جميع المسجد بدون نكير من أهل العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2328>مسألة [٢٦]: الطواف في سطح المسجد حول الكعبة</span>.\n• أكثر أهل العلم على الجواز.\n• ومنع بعض الشافعية، وليس لهم دليلٌ على المنع فكما أنه تجوز الصلاة في مكان مرتفع عن الكعبة؛ فكذلك يجوز الطواف. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٣٨ - ٣٩)، «المغني» (٥/ ٢٢٠)، «الإنصاف» (٤/ ٨ - ٩).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٤/ ١٥).\n(^٣) وانظر: «المجموع» (٨/ ٣٩)، «الإنصاف» (٤/ ١٥).","vol":"5","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2329>مسألة [٢٧]: ماذا يقول أثناء الطواف</span>؟\nيشرع للطائف أثناء الطواف، ويستحب له ذكر الله والدعاء، وكذا قراءة القرآن، وصحَّ عن ابن عباس -﵄- أنه قال: الطواف بالبيت صلاة؛ فأقلوا الكلام فيه. أخرجه ابن أبي شيبة (١٢٩٦٣) بإسناد صحيح.\nقال الترمذي -﵀- عقب الحديث (٩٦٠): والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، يستحبون أن لا يتكلم الرجل في الطواف إلا لحاجة، أو بذكر الله تعالى، أو من العلم. اهـ\nقلتُ: وقد كره بعض أهل العلم قراءة القرآن، وهو قول عروة، والحسن، ومالك، وأحمد في رواية.\n• وذهب آخرون -وهم الأكثر- إلى مشروعية قراءة القرآن، وهو مذهب عطاء، ومجاهد، والثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وهذا القول أقرب؛ لعدم وجود دليل على الكراهة، والقرآن من أفضل الذكر، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: جاء في حديثٍ أنَّ النبي قرأ بين الركنين اليمانيين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]؛ فاستحبَّ جماعةٌ من أهل العلم أن يقرأ الطائف ذلك بين الركنين اليمانيين.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٢٣)، «المجموع» (٨/ ٤٤).","vol":"5","page":233},{"text":"والحديث المتقدم رواه أبو داود (١٨٩٢)، والبيهقي (٥/ ٨٤) وغيرهما، من طريق: يحيى بن عبيد المكي، عن أبيه، عن عبد الله بن السائب مرفوعًا، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ عُبيدًا المكي مجهول، فقد تفرد بالرواية عنه ولده، ولم يوثقه معتبر، وعلى هذا فلا يُستحب تخصيص هذا الذكر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2330>مسألة [٢٨]: حكم الرَمَل في الثلاثة الأشواط الأُوَل من طواف القدوم</span>.\nقوله: «فرمل ثلاثًا».\nالرَّمَل: هو السُّرعة في المشي مع مقاربة الخُطا، والأحاديث متكاثرة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه رمل في الثلاثة الأشواط، منها: حديث جابر الذي في الباب.\nوقال الترمذي -﵀- عقب هذا الحديث (٨٥٧): والعمل على هذا عند أهل العلم. اهـ\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢١٧): وهو سنة في الأشواط الثلاثة من طواف القدوم لا نعلم فيه بين أهل العلم خلافًا، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه رمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، رواه جابر، وابن عباس، وابن عمر، وأحاديثهم متفق عليها (^٢). اهـ\nقلتُ: حديث جابر انفرد به مسلم. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٣٨)، «المغني» (٥/ ٢٢٨)، «الإنصاف» (٤/ ١٠)، «البيهقي» (٥/ ٨٤).\n(^٢) حديث جابر -﵁- أخرجه مسلم برقم (١٢١٨)، وحديث ابن عباس -﵄- أخرجه البخاري (١٦٠٢)، ومسلم (١٢٦٤)، وحديث ابن عمر أخرجه البخاري (١٦٠٤)، ومسلم (١٢٦٢).\n(^٣) وانظر: «المجموع» (٨/ ٤١).","vol":"5","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2331>مسألة [٢٩]: هل يرمل الطواف كاملًا، أم أنَّ له أن يمشي بين الركنين</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يمشي بين الركنين اليمانيين؛ لأنَّ في حديث ابن عباس -﵄- في «الصحيحين» (^١) أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرهم أن يرملوا في الثلاثة الأشواط، ويمشوا بين الركنين. وهو قول طاوس، وعطاء، والحسن، وسعيد بن جبير، والقاسم، وسالم.\n• وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يرمل الثلاثة الأشواط كاملة، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لحديث جابر في «صحيح مسلم» (١٢٦٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه. وعنده (١٢٦٢)، عن ابن عمر قال: رمل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الحَجَر إلى الحَجَر ثلاثًا، ومشى أربعًا. وصحَّ من فعل ابن عمر، وابن مسعود.\nوهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ هذا هو آخر الأمرين، وهو في حجة الوداع، وحديثهم كان في عمرة القضاء. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2332>مسألة [٣٠]: من ترك الرمل عمدًا</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢٢٢): ولو تركه عمدًا؛ لم يلزمه شيء، وهذا قول عامة الفقهاء، إلا ما حُكِي عن الحسن، والثوري، وعبد الملك بن الماجشون أنَّ عليه دمًا؛ لأنه نسك. انتهى المراد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٦٠٢)، ومسلم برقم (١٢٦٦).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٨/ ٤١) «المغني» (٥/ ٢١٨) «الاستذكار» (١٢/ ١٣٣) «ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٤٧).","vol":"5","page":235},{"text":"قلتُ: والقول بأنه لا يلزمه شيء هو الصحيح؛ لأنه سنة؛ فإنَّ طواف القدوم لا يجب بتركه شيءٌ، فترك صفة فيه أولى أن لا يجب بها؛ لأنَّ ذلك لا يزيد على تركه، قاله ابن قدامة -رحمه الله تعالى-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2333>مسألة [٣١]: من فاته الرمل في الثلاثة الأولى، فهل يرمل فيما بعدها</span>؟\nذكر أهل العلم رحمهم الله تعالى أنَّ من فاته الرمل في الثلاثة الأولى لم يقضه في الأربعة الباقية؛ لأنها هيئة فات موضعها؛ فسقطت، ولأنَّ المشي هيئة في الأربعة كما أن الرمل هيئة في الثلاثة، فإذا رمل في الأربعة الأخيرة؛ كان تاركًا للهيئة في جميع طوافه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2334>مسألة [٣٢]: إذا لم يرمل في طواف القدوم، فهل يرمل في طواف الإفاضة</span>؟\n• أكثر الحنابلة على أنه لا يرمل في طواف الإفاضة.\n• وقال الشافعية: يرمل إذا كان لم يسع بين الصفا والمروة، فيرمل في طواف الإفاضة، ثم يسعى بين الصفا والمروة.\nوالصواب -والله أعلم- قول الحنابلة؛ لأنَّ الرمل ثبت في طواف القدوم، فلا يغير إلى طواف آخر، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2335>مسألة [٣٣]: هل على النساء رمل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢٤٦): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ\n_________\n(^١) وانظر: «الاستذكار» (١٢/ ١٣٨ - ١٣٩).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١)، «المجموع» (٨/ ٤١).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٢١)، «المجموع» (٨/ ٤٢ -).","vol":"5","page":236},{"text":"الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا رَمَلَ عَلَى النِّسَاءِ حَوْلَ الْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ اضْطِبَاعٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِمَا إظْهَارُ الْجلَدِ، وَلَا يُقْصَدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَلِأَنَّ النِّسَاءَ يُقْصَدُ فِيهِنَّ السَّتْرُ، وَفِي الرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ تَعَرُّضٌ لِلتَّكَشُّفِ. اهـ\nونقل الإجماع أيضًا ابن عبد البر كما في «الاستذكار» (١٢/ ١٣٩)، وأخرج البيهقي (٥/ ٨٤) عن ابن عمر قال: ليس على النساء سعي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة. وإسناده صحيح؛ لولا أنَّ فيه عنعنة ابن جريج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2336>مسألة [٣٤]: الاضطباع</span>.\nمعنى الاضطباع: أن يجعل وسط الرداء تحت كتفه اليمنى، ويرد طرفيه على كتفه اليسرى، ويُبقي كتفه اليمنى مكشوفة.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢١٦): وَيُسْتَحَبُّ الِاضْطِبَاعُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - طَافَ مُضْطَبِعًا. (^١) وَرَوَيَا أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجعْرَانَةِ، فَرْمَلُوا بِالْبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدَيْتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ الْيُسْرَى. (^٢) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.\nوَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الِاضْطِبَاعُ بِسُنَّةٍ. وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٨٨٣)، وابن ماجه (٢٩٥٤)، وغيرهما بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٨٨٤) بإسناد حسن، ولم يخرجه ابن ماجه.","vol":"5","page":237},{"text":"يَذْكُرُ أَنَّ الِاضْطِبَاعَ سُنَّةٌ. اهـ\nقلتُ: حديث يعلى صحيح، وحديث ابن عباس حسن، وكلاهما في «الصحيح المسند» لشيخنا -﵀- برقم (١٢٠٤) (٦٨٣)؛ فالصواب أنَّ ذلك مستحبٌّ، ومالك لم تبلغه الأحاديث، والله أعلم.\nتنبيه: ذهب الشافعي إلى أنه يضطبع أيضًا بين الصفا والمروة، وخالفه أحمد، فقال: لا يضطبع. وهو الصحيح؛ لأنَّ الأدلة جاءت بالطواف بالبيت، والقياس لا يصح إلا فيما عقل معناه، وهذا تعبد محض. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2337>مسألة [٣٥]: عدد أشواط الطواف بالبيت، وحكم من ترك شوطًا منها</span>.\nقوله في الحديث: «فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا».\nفيه أن عدد الأشواط سبعة، وهذا مُجمعٌ عليه؛ فيجب أن يطوف بالبيت سبعة أشواط عند جميع أهل العلم.\n• وذهب أكثرهم إلى أنه إن ترك شوطًا، أو بعض شوط؛ فإنَّ طوافه لا يجزئه، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة: إن كان بمكة؛ لزمه الإتمام في الإفاضة، وإن كان قد انصرف من مكة؛ فعليه الرجوع إن كان قد طاف ثلاثة، وإن كان قد طاف أربعة؛ فعليه دمٌ، ويجزئه.\nقلتُ: والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢١٧).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٧/ ٢٢)، «الاستذكار» (١٢/ ١٢٥).","vol":"5","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2338>مسألة [٣٦]: النية للطواف</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٨/ ١٨): قد ذكرنا أنَّ الأصح عندنا أنها لا تشترط، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة. وقال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن القاسم المالكي، وابن المنذر: لا يصح إلا بالنية. اهـ\nقلتُ: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»؛ فلا يصح الطواف إلا بنية، والنية قد يكون الطائف ذاكرًا لها عند الطواف، وقد يكون مستصحبًا لها لم يقطعها بأن يكون قد عزم على العمرة بما فيها من طواف وغيره، وكذلك الحج، كلاهما جائز، والذين قالوا: (لا تُشترط) كالشافعية، صرَّحوا بأنه إذا قطع النية وقصد طلب غريم مثلًا؛ فإنَّ الطواف لا يجزئه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2339>مسألة [٣٧]: الذي يشك في عدد أطوافه كيف يصنع</span>؟\nقال ابن المنذر -﵀-: أجمع أهل العلم على أنَّ من شك في عدد أطوافه بنى على اليقين. اهـ\nقلتُ: فعلى هذا إن شك هل هي أربعة، أو ثلاثة؛ جعلها ثلاثة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2340>مسألة [٣٨]: إذا اختلف طائفان في عدد الطواف</span>؟\n• قال النووي -﵀- في «المجموع» (٨/ ٢٢): قال ابن المنذر: ولو اختلف الطائفان في عدد الطواف، قال عطاء بن أبي رباح، والفضيل بن عياض: يأخذ بقول صاحبه الذي لا يشك.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٢٤)، «المجموع» (٨/ ٢٢).","vol":"5","page":239},{"text":"• وقال مالك: أرجو أن يكون فيه سعة.\n• ومذهب الشافعي: أنه لا يجزئه إلا علم نفسه، ولا يقبل قول غيره. قال ابن المنذر: وبه أقول، والله أعلم. اهـ\nقلتُ: إن كان أحدهما شاكًّا وصاحبه جازمًا، وهو عدل؛ وجب عليه قبول خبره، وعليه يُحمل قول عطاء، وفُضيل، وإن كان غير شاكٍّ؛ فيأخذ بقول نفسه، وعليه يُحمل قول الشافعي، وابن المنذر، وهذا مذهب الحنابلة كما في «المغني» (٥/ ٢٢٤ - ٢٢٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2341>مسألة [٣٩]: هل يجزئ أن يطوف راكبًا</span>؟\nأما إذا كان معذورًا عن المشي؛ فيجزئه بلا خلاف كما قال ابن قدامة.\n• وأما إذا لم يكن معذورًا؛ ففيه مذاهب:\nالأول: يصح طوافه ولا دم عليه، ولكنه خالف الأفضل والأَوْلَى، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وداود، وابن المنذر.\nثانيها: يصح طوافه، وعليه دم، وهو قول مالك، وأبي حنيفة.\nثالثها: لا يصح طوافه، وهو رواية عن أحمد.\nقلتُ: طاف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- راكبًا على بعير كما في «الصحيحين» (^١) عن ابن عباس -﵄-، وكما في «مسلم» (١٢٧٣) (١٢٧٤)، عن جابر، وعائشة -﵃-، والسبب في\n_________\n(^١) انظر: «البخاري» برقم (١٦٠٧)، ومسلم برقم (١٢٦٤).","vol":"5","page":240},{"text":"ذلك ازدحام الناس على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في «صحيح مسلم» عن ابن عباس، وجابر، وعائشة -﵃-، ومن أجل أن يتعلم الناس عنه كما في حديث جابر أيضًا، فهذا يدل على جواز الركوب؛ لأنَّ هذه العلة كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يستطيع فعلها بغير الركوب؛ فدل على جواز الركوب، والله أعلم.\nوعلى هذا: فالقول الأول هو الصحيح، وأما ما جاء في «سنن أبي داود» (١٨٨١)، عن ابن عباس أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرضَ عند دخول مكة؛ فركب. فهو حديث ضعيفٌ؛ لأنَّ في إسناده: يزيد بن أبي زياد الهاشمي، وهو ضعيفٌ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2342>مسألة [٤٠]: إذا حمل مُحْرِمٌ مُحْرِمًا فطافا ونويا الطواف لكل واحد منهما، فهل يجزئه</span>؟\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: يقع الطواف عن الحامل فقط، ولا يقع على المحمول، وهذا هو الأصح عند الشافعية، وقال به بعض الحنابلة.\nالثاني: يقع الطواف عن المحمول فقط، ولا يقع عن الحامل، وهو قول بعض الشافعية، والأصح عند الحنابلة.\nالثالث: أن الطواف لا يجزئ عن أحدٍ منهما، وهو قول المالكية؛ لأن الطواف كالصلاة؛ فلا يصح أن يجعل العمل عن نفسه، وعن غيره.\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٢٧) «الفتح» (١٦٣٢)، «الإنصاف» (٤/ ١٢)، «المغني» (٥/ ٥٥، ٢٤٨ - ٢٥٠).","vol":"5","page":241},{"text":"الرابع: يقع الطواف عنهما جميعًا، وهو قول أبي حنيفة، وبعض الشافعية، والحنابلة، وهذا القول هو الصواب؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-، والله أعلم.\nوأما قول المالكية: إنه لايصح أن يجعل العمل عن نفسه، وعن غيره؛ فجوابه: أن كل واحد منهما قد عمل عن نفسه، إنما صار الحامل كالمطية للمحمول، وكل منهما قد طاف بنية نفسه؛ فأجزأ عنهما جميعًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2343>مسألة [٤١]: إذا نويا الطواف للمحمول فقط</span>؟\n• فيه ثلاثة أوجه عند الشافعية، فمنهم من قال: يقع للمحمول فقط.\n• ومنهم من قال: يقع عن الحامل فقط.\n• ومنهم من قال: يقع عنهما جميعًا.\nقلتُ: والصواب أنَّ الطواف يقع عن المحمول؛ للحديث المتقدم، وهو قول الحنابلة كما في «الإنصاف». (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2344>مسألة [٤٢]: إذا نوى المحمول عن نفسه، ولم ينو الحامل شيئًا</span>؟\nيصح الطَّواف عن المحمول في الأصح عند الحنابلة، وإذا حصل العكس بأن ينوي الحامل عن نفسه، ولا ينوي المحمول شيئًا، فيقع عن الحامل عند\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٢٨)، «الإنصاف» (٤/ ١٤)، «شرح مختصر خليل للخرشي» (٢/ ٣٤٤) «الشرح الكبير للدردير» (٢/ ٥٤)، «الشرح الممتع» (٧/ ٢٦).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٨/ ٢٩)، «الإنصاف» (٤/ ١٣)، «المغني» (٥/ ٥٥).","vol":"5","page":242},{"text":"الحنابلة، والشافعية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2345>مسألة [٤٣]: هل يصح أن ينوي كل واحد منهما الطواف لصاحبه</span>؟\nلا يصح الطواف لأي واحد منهما؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». (^٢)\nتنبيه: إذا كان الحمل لعذر، ونوياه للمحمول؛ فيصح عنه دون الحامل بغير خلاف كما قال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٥٥).\nتنبيه آخر: إذا كان المحمول صبيًّا لا يميز؛ فالاعتبار بالنية نية الولي الذي حج به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2346>مسألة [٤٤]: هل تُشترط الطهارة لصحة الطواف</span>؟\n• ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الطهارة شرطٌ لصحة الطواف، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ ثم طاف كما في «الصحيحين» (^٣) عن عائشة -﵂-، وقد قال: «خذوا عني مناسككم» (^٤)، وبحديث عائشة في «الصحيحين» أنها حاضت، فقال لها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي في البيت حتى تطهري»، واستدلوا بحديث ابن عباس -﵄-: «الطواف بالبيت صلاة إلا أنه خفف لكم في الكلام» (^٥)، وقد رُوي\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٤/ ١٣)، «المغني» (٥/ ٥٥)، «المجموع» (٨/ ٢٩).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٤/ ١٣)، «المغني» (٥/ ٥٥).\n(^٣) انظر: «البخاري» (١٦١٤)، ومسلم (١٢٣٥).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٢٩٧)، من حديث جابر -﵁-.\n(^٥) المرفوع أخرجه الترمذي (٩٦٠)، والدارمي (١٨٥٤) (١٨٥٥)، وابن خزيمة (٢٧٣٩)، والدارقطني (١/ ٤٥٩)، والحاكم (٢/ ٢٦٧)، والموقوف أخرجه ابن أبي شيبة (١٢٩٦٣) بإسناد صحيح.","vol":"5","page":243},{"text":"مرفوعًا وموقوفًا، ورجَّح النسائي، والبيهقي، والمنذري، والنووي وغيرهم وقفَه.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الطهارة مستحبة، وليست بشرط، وهو قول منصور، وحماد، والأعمش، والحسن، وابن سيرين، وأبي حنيفة، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.\nوقال كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٧٣): والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلًا؛ فإنه لم ينقل أحدٌ عن النبي - ﷺ - لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف، مع العلم بأنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عُمَرًا متعددة، والناس يعتمرون معه؛ فلو كان الوضوء فرضًا للطواف؛ لبينه النبي - ﷺ - بيانًا عَامًّا، ولو بينه؛ لنقل ذلك المسلمون عنه ولم يهملوه، ولكن ثبت في «الصحيح» أنه لما طاف توضأ، وهذا وحده لا يدل على الوجوب؛ فإنه قد كان يتوضأ لكل صلاة، وقد قال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر»، فتيمم لرد السلام. (^١) اهـ.\nوهذا القول اختاره ابن حزم إلا أنه أباح الطواف للنفساء، واستدل بعضهم للاستحباب بحديث ابن عباس -﵄-: «إنما أُمرت بالوضوء إذا قمت للصلاة»، وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود وغيره، وأصله في «مسلم».\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في [كتاب الطهارة].","vol":"5","page":244},{"text":"• وذهب أحمد في رواية إلى أنَّ الطهارة واجبة، ولو طاف بغير طهارة؛ يجبر بدم، وهو قولٌ لبعض المالكية.\nوقد رجَّح الإمام ابن باز -﵀- القول الأول، ورجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- القول الثاني.\nقلتُ: حديث: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» وحديث «أحابستنا هي» -يعني: صفية، حين أخبر أنها حاضت، فلما قيل له: إنها قد أفاضت. قال: «إذن فلتنفر معكم» يدلان على اشتراط الطهارة، فإنه لا يعلم سبب صحيح في منع الحائض من الطواف بالبيت؛ إلا أنها غير متطهرة، ووضوءه ﵊ أمام المسلمين قبل الطواف، فيه بيان لوجوبه، مع الأحاديث المتقدمة.\nوالظاهر أنه كان أمرًا مشهورًا بين الصحابة؛ لأن عائشة -﵂- بكت حين أصابها الحيض وتخوفوا من أن تحيض صفية قبل طواف الإفاضة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2347>مسألة [٤٥]: هل يُشترط للطواف طهارة الثياب والبدن</span>؟\n• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى اشتراط ذلك، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، ومالك، واستدلوا بأنَّ الطواف صلاة، والصلاة يُشترط لها ذلك، وبقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦]؛ فيدل على أنه يلزم طهارة الثياب، والبدن؛\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الممتع» (٧/ ٣٠٠)، «المحلَّى» (٨٣٩)، «الفتح» (١٦٤١) (١٦٥٠)، «المغني» (٥/ ٢٢٣)، «شرح مسلم» (١٠/ ٢٢٠)، «المجموع» (٨/ ١٧)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٨١)، «الاستذكار» (١٢/ ١٧٣).","vol":"5","page":245},{"text":"لأمره بتطهير المكان.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ ذلك ليس بشرط لصحة الطواف، وهو رواية عن أحمد؛ لعدم وجود دليل يدل على ذلك، وقولهم: (إنَّ الطواف صلاة) ليس بصحيح، ولم يثبت على ذلك دليل مرفوعٌ، والطواف يختلف عن الصلاة في أشياء كثيرة، وأما الآية ففيها الأمر بتطهير المسجد الحرام، ولا تدل على أنَّ من طاف وعليه نجاسة أنَّ طوافه باطل، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2348>مسألة [٤٦]: هل يُشترط ستر العورة لصحة الطواف</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى أنَّ ذلك شرط، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد؛ لحديث أبي هريرة -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالسَّنَةِ التَّاسِعة أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. متفق عليه. (^٢)\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ ذلك ليس بشرطٍ.\nوالصحيح أنَّ من طاف عريانًا، ولم يستر عورته المغلظة؛ فطوافه غير صحيح؛ لنهي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن ذلك.\nقال ابن حزمٍ -﵀- في «المحلَّى» (٨٣٨): ولا يجوز لأحد أن يطوف بالبيت عريانًا؛ فإنْ فعل لم يجزه؛ فإنْ غطَّى قبله ودبره؛ فلا يسمى عريانًا. اهـ (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ١٧)، «المغني» (٥/ ٢٢٣)، «الشرح الممتع» (٧/ ٣٠٠ -).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٦٢٢)، ومسلم برقم (١٣٤٧).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٨/ ١٦) (٨/ ١٩) «الشرح الممتع» (٧/ ٢٩٤) «المحلى» (٨٣٨) «الإنصاف» (٤/ ١٥).","vol":"5","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2349>مسألة [٤٧]: هل يرمل الذي يطوف راكبًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢٥١): إذَا طَافَ رَاكِبًا، أَوْ مَحْمُولًا؛ فَلَا رَمَلَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَخُبُّ بِهِ بَعِيرُهُ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَفْعَلْهُ، وَلَا أَمَرَ بِهِ، وَلِأَنَّ مَعْنَى الرَّمَلِ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ. اهـ\nقلتُ: واختيار ابن قدامة هو الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2350>مسألة [٤٨]: هل يُشترط الموالاة بين أشواط الطواف</span>؟\n• الأصح عند الشافعية أنَّ الموالاة مستحبة، وليست واجبة، وهو القول الجديد للشافعي، وهو مذهب الحنفية.\n• وذهب الحنابلة، وبعض الشافعية إلى الوجوب، وعن أحمد رواية: أنها لا تُشترط للمعذور، فإذا كان لعذر؛ بنى وإن طال الفصل، وهذا قول جيد، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2351>مسألة [٤٩]: إذا أُقيمت الصلاة، فهل له أن يقطع الطواف ليصلي</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يقطع فيصلي، ثم يرجع إلى طوافه، وهو قول ابن عمر (^٢)، وسالم، وعطاء، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وقال مالك: يمضي في طوافه ولا يقطعه؛ لأنه فرضٌ، فلا يقطعه لفرض آخر.\nقلتُ: والصواب القول الأول؛ لأنَّ الفصل بالصلاة لا يطول، وصلاة الجماعة\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٤٧ -)، «المغني» (٥/ ٢٤٨)، «الإنصاف» (٤/ ١٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٤٩٧)، وفي إسناده رجل مبهم.","vol":"5","page":247},{"text":"واجبة، وإذا صلَّى، ثم عاد؛ فإنه يبني في قول عامة أهل العلم، وخالف الحسن، فقال: يعيد. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا خالف إلا الحسن. والصواب أنه يبني، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2352>مسألة [٥٠]: هل يقطع الطواف؛ ليصلي على الجنازة إذا حضرت</span>؟\n• قال الشافعي -﵀-: لا أحب ترك الطواف لذلك. ومذهب الحنابلة أنَّ له أن يقطع ويصلي.\n• وقال الحافظ -﵀- في «الفتح» [باب (٦٨) من كتاب الحج]: واختار الجمهور قطعه للحاجة. اهـ\nقلتُ: الصلاة على الجنازة لا تطول، فلا بأس أن يقطع ويصلي، ثم يبني بعد ذلك، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2353>مسألة [٥١]: إذا أحدث في الطواف، فهل يعيد، أو يبني</span>؟\n• أما إن سبقه الحدث ففيه قولان:\nالأول: أنه يعيد الطواف، ويبطل طوافه الأول، وهو مذهب مالك، ورواية عن أحمد، وقال به الحسن.\nالثاني: أنه يبني بعد أن يتوضأ، ولا يبطل طوافه، وهو مذهب الشافعي، وإسحاق، ورواية عن أحمد.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٨/ ٤٧ - ٤٨)، «المغني» (٥/ ٢٤٧)، «الفتح» [باب (٦٨) من كتاب الحج].\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٨/ ٤٨)، «المغني» (٥/ ٢٤٧).","vol":"5","page":248},{"text":"• وأما إن تعمد الحدث ففيه قولان:\nالأول: أنه يعيد، ويبطل طوافه الأول، وهو قول الحسن، ومالك، وأحمد، وبعض الشافعية.\nالثاني: أنه يبني، ولا يبطل طوافه الأول، وهذا قول أكثر الشافعية، وهو مقتضى قول من لا يشترط الطهارة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنه يبني في الحالتين، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2354>مسألة [٥٢]: من أين يقع البناء</span>؟\n• يبني من المكان الذي انقطع منه عند أكثر الشافعية، واختار هذا القول الشيخ ابن باز -﵀-، وذهب أحمد، وبعض الشافعية إلى أنه يبني من الحجر الأسود، ويعيد الشوط الذي انقطع فيه.\nقلتُ: والراجح القول الأول، وأظنُّ أنَّ أحمد قال ذلك على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2355>مسألة [٥٣]: قوله: «ثم نفذ إلى مقام إبراهيم -﵇</span>-».\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٨/ ١٧٥): هذا دليل لِمَا أجمع عليه العلماء: أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتين. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٤٨ -)، «المغني» (٥/ ٢٤٩).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٨/ ٤٩)، «المغني» (٥/ ٢٤٧)، «فتاوى اللجنة» (١١/ ٢٣٠).","vol":"5","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2356>مسألة [٥٤]: حكم الركعتين اللتين بعد الطواف</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ هاتين الركعتين سنة مؤكدة؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وتبعه على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا إذا فرغوا من الطواف صلوا ركعتين، وهو مذهب أحمد، ومالك، وقولٌ للشافعي.\n• وللشافعي قولٌ بالوجوب، وهو قول بعض أصحابه.\nواحتجوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خذوا عني مناسككم»، وبقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥].\nوالأظهر هو القول الأول؛ لأنَّ الآية فيها الأمر باتخاذه مصلى، وليس فيها الأمر بالركعتين، وأما الحديث فتقدم أنه أمرٌ منه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن نعمل كأعماله في الحج، وهذه الأعمال منها الركن، والواجب، والمستحب، ويدل على ذلك دليل آخر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2357>مسألة [٥٥]: مكان صلاة الركعتين</span>.\nيستحبُّ أن تكون خلف المقام، ويجعل المقام بينه وبين البيت؛ فإن تيسر وإلا صلى في أي مكان من المسجد الحرام؛ فإنَّ له أن يصلي حيث شاء بالإجماع، نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم كابن المنذر، وابن عبد البر، ثم النووي، والحافظ وغيرهم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٥١)، «المغني» (٥/ ٢٣٢، ٢٣٣)، «بداية المجتهد» (٢/ ١٣٤).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (١٦٢٦) (١٦٢٧)، «المجموع» (٨/ ٦٢)، «الاستذكار» (١٢/ ١٧٠).","vol":"5","page":250},{"text":"تنبيه: إذا احتاج أن يصلي الركعتين خارج الحرم فله ذلك، ففي «البخاري» عن أم سلمة -﵂- أنها اشتكت، فأمرها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن تطوف من وراء الناس وهي راكبة، قال: ولم تصلِّ حتى خرجت. وعلَّق البخاري في «صحيحه» عن عمر ابن الخطاب -﵁- أنه طاف بالبيت وصلى الركعتين بذي طوى بعدما طلعت الشمس (^١). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2358>مسألة [٥٦]: من نسي ركعتي الطواف</span>؟\n• ذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وابن المنذر -وعزاه الحافظ للجمهور- أنه يصلي متى ذكرها في الحرم، أو في الحل؛ لعموم حديث: «من نام عن صلاة، أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها» (^٣)، وقال الثوري: يركعها حيث شاء؛ مالم يخرج من الحرم. وقال مالك: إن لم يركعها حتى يرجع إلى بلده؛ فعليه دم.\nوالصواب القول الأول، والله أعلم. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2359>مسألة [٥٧]: إذا صلى المكتوبة بعد طوافه، فهل تجزئه عن ركعتي الطواف</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنها تجزئه، وهو قول عطاء، وأبي الشعثاء، والحسن، وسعيد بن جبير،\n_________\n(^١) الأثر ذكره البخاري مختصرًا، معلقًا بالمعنى، ووصله مالك في «الموطأ» (١/ ٣٦٨) بإسناد صحيح، وانظر: «تغليق التعليق» (٣/ ٧٨ - ٧٩).\n(^٢) انظر: «الفتح» (١٦٢٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤)، عن أنس -﵁-.\n(^٤) انظر: «الاستذكار» (١٢/ ١٧٠)، «الفتح» (١٦٢٦).","vol":"5","page":251},{"text":"وأحمد، وإسحاق، وهو قولٌ للشافعي؛ وذلك لأنَّ المقصود هو وقوع صلاة بعد الطواف؛ فأجزأته الفريضة كتحية المسجد.\nالثاني: لا تجزئه، ويصلي الركعتين بعد الفريضة، وهو قول الزهري، ومالك، وأصحاب الرأي، وبعض الشافعية؛ وذلك لأنها سنة معينة، ومؤكدة، ولا نعلم دليلًا يدل على أن المقصود هو وقوع صلاة بعد الطواف أيًّا كانت، بخلاف تحية المسجد، فقد جاءت أدلة متكاثرة في ذلك، والقول الثاني أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2360>مسألة [٥٨]: الجمع بين أكثر من طواف، ثم الصلاة بعد ذلك</span>.\nيشرع عند أهل العلم أن يجمع الطائف بين أكثر من طواف؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بالبيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار». (^٢)\n• واختلفوا في تأخير الصلاة عقب الطوافات كلها مع إجماعهم بأنَّ الأَوْلى أن يصلي عقب كل سبوع.\nفكرهه جماعةٌ، منهم: ابن عمر، والحسن، والزهري، ومالك، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو ثور، وقالوا: لم يرد ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والثابت عنه أنه كان يصلي عقب كل طواف ركعتين، وبوَّب البخاري في «صحيحه»: [باب صلَّى النبي - ﷺ - لسبوعه ركعتين].\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٣٣ -)، «المجموع» (٨/ ٥٢).\n(^٢) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (١٦٠).","vol":"5","page":252},{"text":"• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ ذلك لا بأس به، وصحَّ عن المسور بن مخرمة، وعائشة -﵄- فعل ذلك -أعني الطواف- بعد صلاة الصبح والعصر، والصلاة بعد طلوع الشمس، وبعد الغروب كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، وابن جبير، والشافعي، وأبي يوسف، وأحمد، وإسحاق وعزاه الحافظ للجمهور والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2361>مسألة [٥٩]: الطواف وصلاة الركعتين بعد صلاة الفجر والعصر</span>.\n• في المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: جواز الطواف وكراهة الصلاة حتى تطلع الشمس، أو تغرب، وهو مذهب أبي حنيفة، وصحَّ عن عمر، وأبي سعيد أنهما أخَّرا الصلاة إلى بعد طلوع الشمس كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، وتقدم عن عائشة، والمسور كذلك.\nالثاني: كراهة الطواف والصلاة بعده، وهو قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وبعض الحنفية، والثوري.\nالثالث: جمهور الصحابة ومن بعدهم كما قال ابن المنذر على الترخيص في الطواف والصلاة، وصحَّ عن ابن عمر ذلك.\nويدل عليه حديث جبير بن مطعم -﵁- مرفوعًا: «لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل، أو نهار».\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٣٣ -) «الفتح» (١٦٢٣) «ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٥٨) «الاستذكار» (١٢/ ١٦٦) «شرح مسلم» (٨/ ١٧٦).","vol":"5","page":253},{"text":"وهذا القول هو الصواب.\nومن أخَّر الصلاة كما فعل الصحابة المتقدمون؛ فحَسَنٌ، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2362>مسألة [٦٠]: قراءة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ عند المقام</span>؟\nيستحب للطائف إذا أتى المقام أن يقرأ هذه الآية كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nقال ابن المنذر -﵀- كما في «الفتح» (١٦٢٧): احتملت قراءته أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضًا، لكن أجمع أهل العلم على أنَّ الطائف تجزئه الركعتان حيث شاء؛ إلا شيئًا ذكر عن مالك في أن من صلى ركعتي الطواف الواجب في الحجر: يعيد. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2363>مسألة [٦١]: قوله: كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾</span>.\nاستحبَّ جماعةٌ من أهل العلم لمن صلى الركعتين أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لهذا الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2364>مسألة [٦٢]: الرجوع إلى الركن بعد صلاة الركعتين؛ لاستلامه</span>.\nقوله: ثم رجع إلى الركن فاستلمه.\nفيه دليل على استحباب الرجوع إلى الركن ليستلمه.\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (١٦٢٨)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٥٧ - ٢٥٩)، «الاستذكار» (١٢/ ١٧٦)، «القِرَى لقاصد أم القرى» (ص ٣٢١ - ٣٢٢).","vol":"5","page":254},{"text":"قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢٣٤): نصَّ عليه أحمد؛ لأنَّ النبي - ﷺ - فعل ذلك، وكان ابن عمر يفعله (^١)، وبه قال النخعي، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافًا. اهـ\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٨/ ١٧٦): واتفقوا على أنَّ هذا الاستلام ليس بواجب، وإنما هو سنة؛ لو تركه لم يلزمه دمٌ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2365>مسألة [٦٣]: قوله: فلما دنا من الصفا قرأ: «﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾»</span>.\nاستحب بعض أهل العلم للمعتمر، أو الحاج أن يقرأ إذا بدأ بالطواف بين الصفا والمروة هذه الآية التي قرأها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وذلك قبل الرُّقِي إلى الصفا، ولا يفعل ذلك في بقية الأشواط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2366>مسألة [٦٤]: قوله: «أبدأ بما بدأ الله به»، فبدأ بالصفا</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ الابتداء في السعي بين الصفا والمروة يكون من الصفا، كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو واجبٌ، ولا يجزئه أن يبتدئ من المروة، وذلك لأنَّ فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقع بيانًا للسعي الواجب، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ»، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، والمشهور عن أبي حنيفة أنه يجوز الابتداء من المروة، والصحيح قول الجمهور.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١/٤٤٦) بإسناد صحيح، وأخرجه أيضًا عن ابن مسعود -﵁- بإسناد صحيح.","vol":"5","page":255},{"text":"فإذا ابتدأ من المروة؛ فشوطه الأول لا يُحسب، ويكون شوطه الثاني هو الأول، وعليه فيزيد شوطًا في آخر طوافه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2367>مسألة [٦٥]: قوله: فرقى الصَّفا</span>.\n• ذكر الشافعية، والحنابلة أنَّ الرُّقِي إلى الصفا والمروة ليس بواجب، وإنما هو سنة، والواجب إنما هو استيعاب الطواف بين الصفا والمروة كاملًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨].\n• وقال بعض الشافعية: لا يصح سعيه حتى يصعد على شيء من الصفا.\nورجَّح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2368>مسألة [٦٦]: قوله: حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة ... إلى قوله: مثل هذا ثلاث مرات</span>.\nاستحب أهلُ العلم لمن صعد الصفا أن يصعد حتى يرى الكعبة، ثم يستقبلها، فيوحد الله ويكبره، ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، ثم يدعو بين ذلك، يفعل مثل هذا ثلاث\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٣٧)، «شرح مسلم» (٨/ ١٧٧)، «المجموع» (٨/ ٧٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، «المجموع» (٨/ ٦٩)، «شرح مسلم» (٨/ ١٧٧)، «شرح السنة» (٤/ ٨٢).","vol":"5","page":256},{"text":"مرات، كلما انتهى من الذكر دعا بما تيسر له من الأدعية الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، ويفعل مثل هذا على المروة، ويفعله في كل شوط على الصفا والمروة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2369>مسألة [٦٧]: قوله: حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى</span>.\nاستحبَّ أهل العلم للطائف أن يسعى سعيًا شديدًا إذا بلغ بطن المسيل؛ لحديث جابر المذكور، ولحديث ابن عمر -﵄- في «الصحيحين» (^٢) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة.\nوأخرج النسائي (٥/ ٢٤٢) بإسناد حسن عن امرأة قالت: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يسعى في بطن المسيل، ويقول: «لا يقطع الوادي إلا شدًّا».\nوأخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٥٩٧) بإسناد حسن عن علي بن أبي طالب -﵁- أنه رأى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يسعى بين الصفا والمروة في المسعى كاشفًا عن ثوبه قد بلغ إلى ركبتيه.\nوحسَّن الحديثين شيخنا مقبل الوادعي -﵀- في «الجامع الصحيح» (٢/ ٣٥٥).\nقال الترمذي -﵀- عقب حديث (٨٦٣): وهو الذي يستحبه أهل العلم أن يسعى بين الصفا والمروة؛ فإن لم يسع ومشى بين الصفا والمروة رأوه جائزًا. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٣٤ -)، «المجموع» (٨/ ٦٧ -)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٢/٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٦٤٤)، ومسلم برقم (١٢٦١).","vol":"5","page":257},{"text":"ثم استدل على الجواز بحديث ابن عمر -﵄- أنه قال: إن سعيت فقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يسعى، وإن مشيت فقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يمشي.\nوإسناده عند الترمذي (٨٦٤) فيه ضعفٌ، ولكنه صحيح عند أحمد (٢/ ٥٣، ٦٠، ١٥١)، وعبد بن حميد (٨٠٠) وغيرهما، وهو في «الجامع الصحيح» (٢/ ٣٥٦).\nتنبيه: أثناء طوافه بين الصفا والمروة يذكر الله بما شاء، ويدعو بما شاء، وليس فيه ذكر، أو دعاء مخصوص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2370>مسألة [٦٨]: قوله: ففعل على المروة كما فعل على الصفا</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٨/ ١٧٨): فيه أنه يسن عليها من الذكر، والدعاء، والرُّقِي مثل ما يُسَنُّ على الصفا، وهذا متفق عليه. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2371>مسألة [٦٩]: الذهاب من الصفا إلى المروة يعتبر شوطًا، والرجوع يعتبر شوطًا آخر</span>.\nقوله: حتى إذا كان آخر طوافه على المروة.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٨/ ١٧٨): فِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَالْجمْهُور: أَنَّ الذَّهَاب مِنْ الصَّفَا إِلَى الْمَرْوَة يُحْسَب مَرَّة، وَالرُّجُوع إِلَى الصَّفَا ثَانِيَة، وَالرُّجُوع إِلَى الْمَرْوَة ثَالِثَة، وَهَكَذَا، فَيَكُون اِبْتِدَاء السَّبْع مِنْ الصَّفَا، وَآخِرهَا بِالْمَرْوَةِ.","vol":"5","page":258},{"text":"وَقَالَ اِبْن بِنْت الشَّافِعِيّ، وَأَبُو بَكْر الصَّيْرَفِيّ -مِنْ أَصْحَابنَا-: يُحْسَب الذَّهَاب إِلَى الْمَرْوَة وَالرُّجُوع إِلَى الصَّفَا مَرَّة وَاحِدَة؛ فَيَقَع آخِر السَّبْع فِي الصَّفَا، وَهَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح يَرُدّ عَلَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ عَمَل الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَعَاقُب الْأَزْمَان، وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ\nقلتُ: وثبت عند ابن أبي شيبة (٤/ ١/٣٨٨) بإسناد صحيح عن ابن عمر -﵄-، أنه قال: اِفْتَتِحْ بِالصَّفَا، وَاخْتُمْ بِالمَرْوَة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2372>مسألة [٧٠]: حكم السعي بين الصفا والمروة راكبًا</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٨/ ٧٧): ذكرنا أن مذهبنا أنه لو سعى راكبًا جازَ، ولا يقال: مكروه. لكنه خلاف الأولى، ولا دم عليه، وبه قال أنس بن مالك (^٢)، وعطاء، ومجاهد. قال ابن المنذر: وكره الركوب عائشة (^٣)، وعروة، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو ثور: لا يجزئه، ويلزمه الإعادة. وقال مجاهد: لا يركب إلا لضرورة. وقال أبو حنيفة: إن كان بمكة أعاده ولا دم، وإن رجع إلى وطنه بلا إعادة لزمه دم دليلنا الحديث الصحيح السابق أن النبي - ﷺ - سعى راكبًا. (^٤) اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٣٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٤٦)، وفي إسناده: الأحوص بن حكيم الحمصي، وهو ضعيف.\n(^٣) في «مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٢٤٦)، و«الجرح والتعديل» (٩/ ١٤٧٢): أنَّ عائشة -﵂- طافت راكبةً. وفي إسناده: أبو إدريس العبدري، فيه جهالة.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٢٦٤) (١٢٧٣)، من حديث ابن عباس، وجابر -﵃-.","vol":"5","page":259},{"text":"قلتُ: الصحيح أنه جائزٌ، وهو خلاف الأولى؛ إن لم يَحْتَجْ إلى ذلك، وفي «المغني» (٥/ ٢٥١) أنَّ مذهب الحنابلة الجواز. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2373>مسألة [٧١]: هل يقطع السعي للصلاة المكتوبة</span>؟\n• قال النووي -﵀- في «المجموع» (٨/ ٧٩): لو أقيمت الصلاة المكتوبة وهو في أثناء السعي؛ قطعه وصلاها، ثم بنى عليه، هذا مذهبنا وبه قال جمهور العلماء، منهم: ابن عمر (^٢)، وابنه سالم، وعطاء، وأبو حنيفة، وأبو ثور. قال ابن المنذر: هو قول أكثر العلماء.\n• وقال مالك: لا يقطعه للصلاة إلا أن يضيق وقتها. اهـ\nقلتُ: والصواب قول الجمهور، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2374>مسألة [٧٢]: هل تشترط الطهارة للطواف بين الصفا والمروة</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٨/ ٧٩): مذهبنا ومذهب الجمهور أنَّ السعي يصح من المحدِث، والجنب، والحائض، وعن الحسن: أنه إن كان قبل التحلل أعاد السَّعي، وإن كان بعده؛ فلا شيء عليه.\nودليلنا: قوله - ﷺ - لعائشة -﵂- وقد حاضت: «اصنعي ما يصنع الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت» رواه البخاري، ومسلم. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٧٧)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٤٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢/٣٥)، وفي إسناده رجل مبهم.\n(^٣) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٤٦).","vol":"5","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2375>مسألة [٧٣]: حكم السَّعي بين الصفا والمروة</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه ركنٌ من أركان الحج والعمرة، وهو قول عائشة -﵂- كما في «الصحيحين» (^١)، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، ورُوي عن مجاهد، والنخعي.\nواستدلوا على ذلك بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- به كما في «الصحيحين» (^٢) عن ابن عمر -﵄-، وفيه: «ومن لم يهد؛ فليطف بالبيت، وبالصفا، والمروة، ثم ليقصر»، ومثله عن جابر في «الصحيحين» (^٣)، وكذلك عن أبي موسى عند أن قدم من اليمن، قال له النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فطُف بالبيت، وبالصفا، والمروة، ثم حل» (^٤)، واستدلوا بحديث: «اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السَّعيَ» (^٥)، واستدلوا بفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع قوله: «خذوا عني مناسككم».\nالثاني: أنه واجبٌ وليس بركنٍ، وتركه يُجْبَرُ بدم، وهو قول الحسن، وقتادة، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وحُكي عن\n_________\n(^١) انظر: «البخاري» رقم (١٦٤٣)، ومسلم رقم (١٢٧٧).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٦٩١)، ومسلم برقم (١٢٢٧).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٥٦٨)، ومسلم برقم (١٢١٦) (١٤٣).\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (١٥٥٩)، ومسلم برقم (١٢٢١).\n(^٥) أخرجه أحمد (٦/ ٤٢١ - ٤٢٢)، من حديث حبيبة بنت أبي تجراه، وفي إسناده: عبدالله بن مؤمل، وهو ضعيف، وقد اضطرب في إسناد الحديث، وله طريق أخرى عند الدارقطني (٢/ ٢٥٥) بإسناد حسن؛ فالحديث حسن.","vol":"5","page":261},{"text":"عطاء، واختاره ابن قدامة، واستدلوا بالأدلة المتقدمة.\nالثالث: أنه سنة وليس بواجب، وهو قول ابن سيرين، وحُكي عن عطاء، وميمون بن مهران، ومجاهد، وصحَّ عن أنس، وابن عباس، وابن الزبير، وجاء عن أُبي بن كعب، وابن مسعود أنهما قرأا الآية: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ ألَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وفي كلا الأثرين ضعفٌ.\nولكن صحَّ عن ابن عباس -﵄- أنه قرأها كذلك، وهذا القول رواية عن أحمد، واستدلوا بالآية: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، وهو ترجيح الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما؛ للأدلة المذكورة، والواجب في العبادة شرطٌ في صحتها؛ إلا ما خصَّه الدليل.\nوقد أجمعوا على أنَّ الطواف بالبيت ركنٌ -إلا خلافٌ شاذ- والدليل على ذلك أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- به في الأدلة المتقدمة، فكما دلت تلك الأدلة على أن الطواف بالبيت ركنٌ؛ فكذلك الطواف بين الصفا والمروة ركنٌ، ومن فرَّقَ فعليه البرهان.\nوأما القراءة: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ فهي خلاف القراءة المتواترة، والقراءة المتواترة: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.\nوالمقصود منها كما بينت عائشة -﵂-: إباحة التطوف خلافًا لما ظنَّه بعض الصحابة من أنَّ التطوف بينهما من عمل الجاهلية. واسْتُفِيد أنه ركنٌ من أدلةٍ","vol":"5","page":262},{"text":"أخرى تقدم ذكرها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2376>مسألة [٧٤]: حكم السَّعي بين الصفا والمروة قبل الطواف بالبيت</span>.\n• ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ السعي لا يصح، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بدأ بالطواف بالبيت، ولم ينقل عنه أنه ابتدأ بالسعي قط، وقد قال: «خذوا عني مناسككم»، وقال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».\n• وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يصح، حكاه ابن المنذر عن عطاء وطائفة من أصحاب الحديث، وحكاه بعض الشافعية عن داود، واستدلوا بحديث أسامة بن شريك: أنَّ رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: سعيت قبل أن أطوف. فقال: «لا حرج».\n• وعن أحمد رواية: أنه يجزئه إذا كان ناسيًا، وحُمِل عليه حديث أسامة بن شريك، واختار الإمام ابن عثيمين -﵀- أنَّ العمرة لا يصح فيها السعي قبل الطواف.\nوأما الحج فيصح؛ لحديث أسامة بن شريك، فقد كان ذلك في الحج، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قاعدٌ للناس بمنى، ففي الحديث: خرجت مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حاجًّا، وكان الناس يأتونه، فمن قائلٍ يقول: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف، أو أخرت\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٧٧)، «المغني» (٥/ ٢٣٨)، «تفسير ابن جرير آية [١٥٨] سورة البقرة، «المحلَّى» (٧/ ٩٧)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٦٦)، «الفتح» (١٦٤٣).","vol":"5","page":263},{"text":"شيئًا، أو قدمت شيئًا. فكان يقول لهم: «لا حرج، لا حرج» (^١). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2377>مسألة [٧٥]: الأشواط السبعة بين الصفا والمروة، هل يُشترط فيها الموالاة</span>؟\n• الأصح عند الحنابلة عدم الاشتراط، وهو مذهب الشافعية، وذهب بعض الحنابلة إلى الاشتراط، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب مالك، وأما الحنفية فيرون الموالاة سنة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد»، فلا يجوز ترك الموالاة بدون عذر، ومن كان معذورًا لم تشترط في حقه الموالاة. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2378>مسألة [٧٦]: الموالاة بين الطواف بالبيت، وبين السعي بين الصفا والمروة</span>.\n• ذهب كثير من أهل العلم إلى عدم اشتراط الموالاة في هذا الموضع؛ لأنهما عبادتان منفصلتان، وهو قول عطاء، والحسن، والقاسم، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وهو الأصح عند الشافعية، وهو مذهب الحنفية. وذهب بعض الشافعية إلى الاشتراط، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٠١٥) بإسناد صحيح.\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٨/ ٧٨)، «المغني» (٥/ ٢٤٠)، «الفتح» (١٦٥٠).\n(^٣) انظر: «المغني» (٥/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، «المجموع» (٨/ ٧٣)، «المغني في فقه الحج والعمرة» (ص ٢٢٦ -).\n(^٤) انظر: «المجموع» (٨/ ٧٣)، «المغني» (٥/ ٢٤٠)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٣٣)، «فتاوى ابن عثيمين» (٢٢/ ٤٢٢).","vol":"5","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2379>مسألة [٧٧]: كم عدد الأشواط الواجبة بين الصفا والمروة</span>؟\nفي «الصحيحين» (^١) عن ابن عمر -﵄- قال: طاف النبي - ﷺ - بالبيت سبعًا، وصلَّى خلف المقام ركعتين، وبين الصفا والمروة سبعًا، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. وعليه العمل عند أهل العلم.\n• واختلفوا فيمن ترك الطواف بين الصفا والمروة، أو ترك بعض الأشواط، هل يصح سعيه، أم لا؟ وذلك الاختلاف مبنيٌ على اختلافهم في حكم السعي بين الصفا والمروة، وقد تقدم أنَّ الصواب أنه ركن، فمن ترك شيئًا من ذلك؛ فطوافه لا يصح، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2380>مسألة [٧٨]: الحلق، أو التقصير</span>.\nمن كان معتمرًا؛ فيجب عليه أن يتحلل بعد طوافه بين الصفا والمروة بالحلق، أو التقصير.\n• وهل الحلق أو التقصير نسك، أم استباحة محظور؟ بالأول قال الجمهور، وبالثاني قال الشافعي في أحد قوليه، والمشهور عنه الأول، وهو رواية عن أحمد، وحكاه عياض عن عطاء، وأبي ثور، وأبي يوسف.\nواستدل القائلون بأنه استباحة محظور بحديث جابر -﵁- في «مسلم» (١٢١٦)، ففيه: «فحلوا»، وحديث أبي موسى -﵁- في «الصحيحين»، وفيه: «فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٦٤٥)، ومسلم برقم (١٢٣٤).","vol":"5","page":265},{"text":"وأجاب الجمهور: بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد أمر بالتقصير، أو الحلق، ففي حديث ابن عمر -﵄- في «الصحيحين»: «فمن لم يهد؛ فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحلل»، وعن جابر في «الصحيحين» أيضًا: «فطوفوا بالبيت، وبالصفا، والمروة، ثم قصروا، وحلوا»، فالقول بأنه نسكٌ هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2381>مسألة [٧٩]: حكم الحلق، أو التقصير</span>.\n• ذهب الجمهور إلى وجوبه؛ لأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالتحلل به، وهو الصحيح، وهو مقتضى مذهب ابن عباس -﵄- كما تقدم عنه النقل في المسألة رقم (١٤).\n• وذهب الشافعية في الأصح عندهم إلى أنه ركنٌ من أركان الحج، أو العمرة، ومقتضى قول من قال: (ليس بنسك) أن يكون مستحبًّا، وهو مذهب الشافعي في أحد قوليه، ورُوي عن عطاء، وأبي يوسف، وبعض المالكية. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2382>مسألة [٨٠]: متى يقطع المعتمر التلبية</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يقطعها إذا استلم الركن، صحَّ عن ابن عباس -﵄-، وهو قول عطاء، وطاوس، وعمرو بن ميمون، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.\nوجاء في ذلك حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند أحمد\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٢٠٨)، «المغني» (٥/ ٣٠٤).\n(^٢) وانظر: «شرح المهذب» (٨/ ٢٠٥) «الإنصاف» (٤/ ٥٥ -) «المغني في فقه الحج والعمرة» (ص ٢٩٥).","vol":"5","page":266},{"text":"(٢/ ١٨٠) وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان إذا كان في عمرة يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر. أو في معناه، وبنحوه عن ابن عباس -﵄-، أخرجه الترمذي (٩١٩)، وأبو داود (١٨١٧)، ولكن حديث عمرو بن شعيب يرويه عنه حجاج بن أرطاة، وهو ضعيفٌ، وحديث ابن عباس الراجح وقفه. رجح ذلك أبو داود، والبيهقي، وغيرهما.\nوقال الترمذي بعد حديث ابن عباس -﵄-: العمل علىه عند أكثر أهل العلم.\n• وذهب عروة، والحسن، وصحَّ عن ابن عمر -﵄- أنه يقطعها إذا دخل الحرم، وقال ابن المسيب: يقطعها حين يرى عريش مكة. وقال مالك: إنْ أحرم من الميقات قطع التلبية إذا وصل الحرم، وإن أحرم بها من أدنى الحل؛ قطع التلبية حين يرى البيت.\nقلتُ: وقول الجمهور أولى؛ لأنه إذا شرع في الطواف استحب له الذكر كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2383>مسألة [٨١]: فسخ الحج إلى العمرة</span>.\nقوله: «فمن كان منكم ليس معه هدي؛ فليحل وليجعلها عمرة».\nاستدل بهذا من يقول بفسخ الحج إلى العمرة.\n• وفي هذه المسألة أقوال:\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٥٦)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٤٢)، «السنن الكبرى» للبيهقي (٥/ ١٠٥).","vol":"5","page":267},{"text":"القول الأول: استحباب فسخ الحج إلى عمرة، وهو مذهب الحسن، ومجاهد، وأحمد، وداود؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر الصحابة بذلك كما في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر.\nالقول الثاني: وجوب فسخ الحج إلى عمرة، وهو قول ابن عباس، وابن حزم، وابن القيم، ثم الإمام الألباني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهما. واستدلوا على ذلك بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذلك، وغَضِبَ على الصحابة حين ترددوا في ذلك.\nالقول الثالث: عدم جواز فسخ الحج إلى عمرة؛ لأنه نُسُك قد نواه؛ فلا يجوز تغييره، وهذا قول الجمهور، وقالوا: أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالفسخ خاصٌّ بالصحابة.\nواستدلوا على ذلك بحديث الحارث بن بلال بن الحارث المزني، عن أبيه، أنه قال: يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصَّة، أو لمن أتى؟ قال: «لكم خاصَّة» أخرجه أبو داود (١٨٠٨)، والنسائي (٥/ ١٧٩)، وابن ماجه (٢٩٨٤)، وهو حديث ضعيفٌ؛ لجهالة الحارث بن بلال، ولمخالفته الأحاديث الصحيحة أنَّ سُراقة بن مالك قال: يا رسول الله، ألِعامنا هذا، أم لأبد؟ فقال: «لا، بل لأبد أبد». (^١)\nواستدلوا على الخصوصية بحديث أبي ذر -﵁- في «صحيح مسلم» (١٢٢٤)، قال: كانت المتعة لنا أصحابَ محمد - ﷺ - خاصة.\nوهذا الحديث أَوَّلُوه على أن مقصود أبي ذر -﵁-: (فسخ الحج إلى عمرة)،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٦) (١٢١٨)، من حديث جابر -﵁-، وجاء عن غيره.","vol":"5","page":268},{"text":"وليس مقصوده مجرد التمتع، وهو خلاف منطوق الحديث.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثالث ضعيفٌ؛ لمعارضته الأحاديث الصحيحة المتواترة، والقولان الأولان قويان، والأقرب -والله أعلم- هو الاستحباب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، والشيخ ابن عثيمين -﵀-.\nوقد أشرنا إلى وجه ترجيح هذا القول عند مسألة: [أفضل الأنساك الثلاثة]؛ فليُراجع من هنالك، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: قال ابن قدامة -﵀-: أما إذا كان معه هدي؛ فليس له أن يحل من إحرام الحج، ويجعله عمرة بغير خلاف نعلمه. اهـ (٥/ ٢٥١ - ٢٥٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2384>مسألة [٨٢]: إدخال الحج على العمرة</span>.\nنقل ابن المنذر، وابن قدامة الإجماع على جواز إدخال الحج على العمرة إذا كان ذلك قبل الطواف.\n• وهذا الإجماع لا يصح؛ فإنَّ من أوجب فسخ الحج إلى عمرة يقتضي قوله أنه لا يجوز إدخال الحج على العمرة، وعلى هذا فيكون المخالف هو ابن عباس -﵄-، ومن ذهب مذهبه كما تقدم.\nوالظاهر هو الجواز مع الكراهة، إلا في حق من ساق الهدي؛ فيجب في حقه\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٥٢)، «شرح مسلم» (٨/ ١٦٧).","vol":"5","page":269},{"text":"القِران على الصحيح، والله أعلم. (^١)\nويدل على جواز إدخال الحج على العمرة حديث عائشة عند أن حاضت، فأمرها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن تهل بالحج، ثم قال لها بعد ذلك: «قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا». (^٢)\nوفي رواية: «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك»، وفي رواية: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك»، وكلا الروايتين في «مسلم» (١٢١١) (١٣٢) (١٣٣).\n• وقد ذهب الجمهور إلى أنَّ من حاضت؛ فعلت كما فعلت عائشة، فتُدخِل الحج على العمرة، وخالف أبو حنيفة، فقال: ترفض العمرة بالنية، وتهل بالحج؛ فتكون مفردة. واستدل بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث عائشة -﵂-: «دعي العمرة». (^٣)\nوأجاب الجمهور: بأنَّ أكثر طرق الحديث ليس فيها هذه الزيادة، وعلى صحتها؛ يكون معناها: دعي أفعال العمرة المفردة. وهذا التأويل لابد منه؛ للجمع بين ألفاظ الحديث المتقدمة وبين هذا اللفظ، والله أعلم.\nقال ابن قدامة -﵀-: وكل متمتع خشي فوات الحج؛ فإنه يُحرم بالحج ويصير قارنًا، وكذلك المتمتع الذي معه الهدي؛ فإنه لا يحل من عمرته، بل يهل\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٦٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢١٣)، من حديث جابر بن عبدالله -﵄-.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١).","vol":"5","page":270},{"text":"بالحج، ويصير قارنًا. اهـ\nقلتُ: وقد صحَّ عن ابن عمر -﵄- كما في «الصحيحين» (^١) أنه أهلَّ بعمرة، ثم لما كان بالطريق أدخل عليها الحج، فهذا الأثر يضاف إلى حديث عائشة -﵂- المتقدم، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2385>مسألة [٨٣]: هل له إدخال الحج على العمرة بعد الطواف</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: ليس له ذلك، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وعطاء؛ لأنَّ حديث عائشة المتقدم، وأثر ابن عمر فيهما إدخال الحج على العمرة قبل الطواف، ولا دليل على إدخاله عليها بعد الطواف.\nالثاني: أنَّ له ذلك، ويصير قارنًا، وهو قول مالك، وأبي حنيفة.\nورجَّح ابن قدامة -﵀- القول الأول، وقال: ولنا أنه شارع في التحلل من العمرة؛ فلم يَجُزْ له إدخال الحج عليها كما لو سعى بين الصفا والمروة. اهـ\nقلتُ: ويدل على القول الثاني قوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات»، ولأنه لم يشرع بعدُ بالتحلل من العمرة؛ فإن التحلل إنما يكون بالحلق، أو التقصير. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٨٠٧)، ومسلم برقم (١٢٣٠).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٦٧ - ٣٦٨).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٧١).","vol":"5","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2386>مسألة [٨٤]: إدخال العمرة على الحج</span>.\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنه غير جائزٍ، ولا يصح، ولا يصير قارنًا، وهو قول أحمد، ومالك، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، والشافعي، واستدلوا على المنع بأثرٍ رُوي عن علي بن أبي طالب -﵁-، كما في «سنن البيهقي» (٥/ ٣٤٨) أنه أفتى بذلك، وفي إسناده رجلٌ يقال له: أبو نصر الأسدي، مجهول الحال، قال ابن قدامة: ولأنَّ إدخال العمرة على الحج لا يفيده إلا ما أفاده العقد الأول؛ فلم يصح.\nالثاني: يصح، وهو قول أبي حنيفة، والقول القديم للشافعي، وبعض الحنابلة، وقواه الشيخ ابن عثيمين، واستدل عليه بحديث عمر في «البخاري» (١٥٣٤): أنَّ جبريل قال للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلِّ في هذا الوادي المبارك، وَقُلْ: عمرة في حجة»،وكذلك فإنَّ الصحابة خرجوا من المدينة ولا يرون إلا أنه الحج، فلما قدموا مكة أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من لم يكن معه هدي أن يفسخ إلى عمرة، ومن كان معه هدي أن يبقى على إحرامه، فأدخلوا العمرة على الحج، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2387>مسألة [٨٥]: وقت الإحرام بالحج</span>.\nقوله: «فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج».\n• دل الحديث على أنَّ الصحابة أهلوا بالحج يوم التروية، وهو اليوم الثامن من\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٧١)، «الشرح الممتع» (٧/ ٩٦).","vol":"5","page":272},{"text":"ذي الحجة، وهذا هو الأفضل عند أكثر أهل العلم، وكان ابن عمر -﵄- يفعل ذلك، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وبعض الحنابلة.\n• وكان بعض التابعين يهلون من بداية ذي الحجة، وقال مالك: الأفضل لمن كان بمكة أن يهل من بداية ذي الحجة.\nقلتُ: في «الصحيحين» (^١) عن عبيد بن جريج قال: قلت لابن عمر: أرى الناس إذا أهل هلال ذي الحجة أهلوا، ولم تهل أنت حتى يكون يوم التروية. فقال ابن عمر -﵄-: إني لم أر رسول الله - ﷺ - يهل حتى تنبعث به راحلته.\nوقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم.\nوقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٨/ ٩٦): والخلاف في الاستحباب، وكلٌّ منهما جائزٌ بالإجماع. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2388>مسألة [٨٦]: متى يتوجه إلى منى</span>؟\nقوله: «فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فصَلَّى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر».\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٨/ ٩٢): مذهبنا أنَّ السنة أن يصلي الظهر يوم التروية بمنى، وبه قال جمهور العلماء، منهم: الثوري، ومالك، وأبو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٦٦)، ومسلم برقم (١١٨٧).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٦٠)، «شرح مسلم» (٨/ ٩٦).","vol":"5","page":273},{"text":"حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. قال ابن المنذر: وقال ابن عباس: إذا زاغت الشمس؛ فليخرج إلى منى. قال: وصلَّى ابن الزبير الظهر بمكة يوم التروية. وتأخرت عائشة يوم التروية حتى ذهب ثلث الليل. اهـ.\nقلتُ: أثر ابن عباس -﵄- في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٠٢) من طريق: عطاء الخراساني عنه، ولم يسمع منه، وابن الزبير صحَّ عنه كما في «المصنف» (٤/ ٤٠٣)، أنه قال: إنَّ من سنة الحج أن يصلي الإمام بمنى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم يغدو.\nوأثر عائشة -﵂- عند ابن أبي شيبة (٤/ ٤٢٠) بلفظ: كانت تمكث بمكة ليلة عرفة مساء يوم التروية عامة الليل.\nقلتُ: قد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما تقدم في حديث جابر -﵁- أنه صلى بمنى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، وفي حديث أنس في «الصحيحين» (^١) أنه سئل: أين صلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى.\nوعلى هذا: فالصواب قول الجمهور، وَتَأَخُّرُ عائشة -﵂- يُحمل على أنها احتاجت أن تتأخر، لا لأنَّ ذلك هو السنة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2389>مسألة [٨٧]: هل يغتسل المتمتع ويتطيب عند إحرامه بالحج</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢٦١): وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْعَلَ عِنْدَ إحْرَامِهِ هَذَا مَا يَفْعَلُهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ، مِنْ الْغُسْلِ، وَالتَّنْظِيفِ، وَيَتَجَرَّدَ عَنْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٦٥٣)، ومسلم برقم (١٣٠٩).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٨/ ٩٢)، «المغني» (٥/ ٢٦٢)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٠٢ - ٤٠٣).","vol":"5","page":274},{"text":"المَخِيطِ، وَيَطُوفَ سَبْعًا، وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُحْرِمَ عَقِيبَهُمَا، وَمِمَّنْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ: عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ المُنْذِرِ. اهـ\nقلتُ: قوله (وَيَطُوف سَبْعًا، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) ليس عليه دليل، والنبي - ﷺ - لما أمر أصحابه أن يهلوا يوم التروية، لم يأمرهم بالطواف بالبيت، وبالصلاة ركعتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2390>مسألة [٨٨]: هل يُسن أن يطوف بعد إحرامه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢٦١): وَلَا يُسَنُّ أَنْ يَطُوفَ بَعْدَ إحْرَامِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أَرَى لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَطُوفُوا بَعْدَ أَنْ يُحْرِمُوا بِالْحَجِّ، وَلَا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعُوا (^١). وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَمَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ. اهـ\nقلتُ: وذلك لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأصحابه لم يطوفوا حتى رجعوا من عرفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2391>مسألة [٨٩]: إذا طاف وسعى بعد هذا الطواف المذكور، فهل يجزئه عن السعي الواجب</span>؟\n• ذهب أحمد، ومالك إلى أنه لا يجزئه؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر أصحابه بذلك، ولم يعمله أحدٌ منهم.\n• وذهب الشافعي إلى أنه يجزئه، وأجازه القاسم بن محمد، وابن المنذر؛ لأنه سعى بعد طوافٍ، فأجزأه كما لو سعى بعد طواف الإفاضة.\n_________\n(^١) أخرج البخاري برقم (١٦٢٥)، ومسلم برقم (١٢٣٣) عن ابن عباس، معناه.","vol":"5","page":275},{"text":"والقول الأول أقرب؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد»، وهذا الطواف لم يفعله النبي - ﷺ -، ولم يطف أحد من الصحابة بين الصفا والمروة بعد طواف تطوع غير طواف القدوم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2392>مسألة [٩٠]: التلبية إذا غدا إلى عرفة</span>.\nفي «الصحيحين» (^٢) عن أنس -﵁- أنه سُئل وهو ذاهبٌ إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في هذا اليوم؟ فقال: كان يهل منا المهل، فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر، فلا ينكر عليه.\nوبنحوه أخرجه مسلم (١٢٨٤) عن ابن عمر -﵄-.\nوعليه العمل عند أهل العلم؛ إلا ما رُوي عن الحسن أنه يقطع التلبية في غداة يوم عرفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2393>مسألة [٩١]: قوله: فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٨/ ١٨٠): فيه استحباب النزول بنمرة إذا ذهبوا من منى؛ لأنَّ السنة أن لا يدخلوا عرفات إلا بعد زوال الشمس، وبعد صلاتي الظهر والعصر جمعًا. اهـ\nونَمِرَة: بفتح النون، وكسر الميم: موضعٌ بقرب عرفات خارج الحرم بين\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٦١).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٦٥٩)، ومسلم برقم (١٢٨٥).","vol":"5","page":276},{"text":"طرف الحرم وطرف عرفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2394>مسألة [٩٢]: قوله: فمكث قليلًا حتى طلعت الشمس</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٨/ ١٨٠): فيه أن السنة أن لا يخرجوا من منى حتى تطلع الشمس، وهذا متفقٌ عليه. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2395>مسألة [٩٣]: قوله: فأتى بطن الوادي فخطب الناس</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٨/ ١٨١ - ١٨٢): هو وادي عُرنة، بضم العين، وفتح الراء، وبعدها نون، وليست عرنة من أرض عرفة عند الشافعي والعلماء كافة؛ إلا مالكًا، فقال: هي من عرفات. وقوله: «فخطب الناس» فيه استحباب الخطبة للإمام بالحجيج يوم عرفة في هذا الموضع، وهو سُنَّة باتفاق جماهير العلماء، وخالف فيها المالكية. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2396>مسألة [٩٤]: الجمع بين الصلاتين: الظهر والعصر، يوم عرفة</span>.\nقوله: ثم أذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر.\nقال النووي -﵀- (٨/ ١٨٤ - ١٨٥): فيه أنه يُشرع الجمع بين الظهر والعصر هناك في ذلك اليوم، وقد أجمعت الأمة عليه. اهـ\nقلتُ: واختلفوا فيمن كان من مكة، أو جوارها بمسافة دون مسافة القصر، فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن من كان دون مسافة القصر؛ فلا يجمع، وهو قول الشافعي وأصحابه، وكذا الحنابلة، وعزاه الحافظ للجمهور.","vol":"5","page":277},{"text":"قال الحافظ -﵀-: وعن مالك، والأوزاعي، وهو وجهٌ للشافعية أن الجمع بعرفة جمع للنسك؛ فيجوز لكل أحد، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن القاسم ابن محمد: سمعت ابن الزبير يقول: إنَّ من سنة الحج أنَّ الإمام يروح إذا زالت الشمس يخطب، فيخطب الناس، فإذا فرغ من خطبته نزل فصلى الظهر والعصر جميعًا. اهـ\nقلتُ: واختاره ابن قدامة، ورجحه بكلام أقوى فقال: وليس بصحيح -يعني القول الأول- لأنَّ النبي - ﷺ - جمع، فجمع معه من حضره من المكيين وغيرهم، ولم يأمرهم بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر حين قال: «أتموا؛ فإِنَّا سَفْرٌ» (^١)، ولو حرم الجمع؛ لبيَّنَه لهم؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يقر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على الخطأ.\nثم نقل الجمع عن عثمان، وابن الزبير (^٢)، وعمر بن عبد العزيز.\nثم قال: ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين خلاف في الجمع بعرفة، ومزدلفة، بل وافق عليه من لا يرى الجمع في غيره، والحق فيما أجمعوا عليه؛ فلا يعرج على\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٢٢٩)، والترمذي (٥٤٥)، عن عمران بن حصين -﵁-، وفي إسناده: علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.\n(^٢) أخرج أثر ابن الزبير ابن أبي شيبة (٥/ ٤٢٦) ط/ الرشد، عن ابن نمير، ويزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن ابن الزبير به. وإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين.\nوأما أثر عثمان -﵁-؛ فما ذكر عنه شيء مشهور من صنيع الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم.","vol":"5","page":278},{"text":"غيره. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2397>مسألة [٩٥]: من فاته الجمع مع الإمام، فهل يجمع منفردًا</span>؟\n• ذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ له أن يجمع منفردًا، ثبت ذلك عن ابن عمر، -﵄-، كما في مصنف ابن أبي شيبة، وقال به عطاء، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وصاحبا أبي حنيفة.\n• وخالف النخعي، والثوري، وأبو حنيفة، فقالوا: لا يجمع، ويختص بمن صلَّى مع الإمام. وليس لهم دليل على تخصيص ذلك بالإمام، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2398>مسألة [٩٦]: هل يقصر الصلاةَ الإمامُ ومن معه</span>؟\nأما من كان مسافرًا سفرًا يوجب القصر؛ فيقصر الصلاة بغير خلاف عند أهل العلم.\n• واختلفوا فيمن كان من أهل مكة، فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنهم لا يقصرون، بل إذا سلم الإمام وجب عليهم الإتمام، وهذا قول عطاء، ومجاهد، والزهري، وابن جريج، والثوري، والقطان، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، وابن المنذر؛ لأنه يشترط في القصر أن يكون مسافرًا سفرًا يباح له فيه القصر.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٢٦٥)، «الفتح» (١٦٦٢)، «شرح مسلم» (٨/ ١٨٥).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٦٣)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٨٧)، «المجموع» (٨/ ٩٢)، «الفتح» (١٦٦٢).","vol":"5","page":279},{"text":"• وذهب القاسم، وسالم، ومالك، والأوزاعي إلى أنهم يقصرون، واختار هذا شيخ الإسلام، واعتمد على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى بالناس ولم يأمرهم بالإتمام في هذا الموضع.\nوقوله: «أتموا؛ فإنا سَفر» هذا قاله في فتح مكة كما في حديث عمران بن حصين -﵁- في «سنن أبي داود».\nوقال شيخ الإسلام -﵀-: هذه الواقعة تدل على أنه ليس هناك تحديد لأقل مسافة القصر.\nقلتُ: القول الثاني هو الراجح؛ لما ذكره شيخ الإسلام، وقد رجحه الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2399>مسألة [٩٧]: الجمع بأذان وإقامتين</span>.\nظاهر الحديث -حديث جابر- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جمع بأذان وإقامتين، وجاء أيضًا عن أسامة ابن زيد في «الصحيحين» (^٢)، وهذا القول هو الصحيح، وما جاء مخالفًا لهذا فهو مرجوح، وقد تقدم الكلام على المسألة في كتاب الأذان؛ فلتراجع من هنالك.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٦٥)، «المجموع» (٨/ ٩١)، «فتاوى العثيمين» (٢٣/ ٢٨)، «فتاوى ابن باز» (١٧/ ٢٥٩).\n(^٢) انظر: «البخاري» (١٣٩)، و«مسلم» (١٢٨٠).","vol":"5","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2400>مسألة [٩٨]: تعجيل الصلاة وتقصير الخطبة</span>.\nفي «صحيح البخاري» (١٦٦٠): أن سالمًا بن عبدالله بن عمر قال للحجاج: إن كنت تريد السنة؛ فأقصر الخطبة، وعجِّل الوقوف. فقال عبد الله: صدق.\nقال ابن عبد البر -﵀-: هذا لا خلاف فيه بين علماء المسلمين. اهـ\nوقال النووي -﵀- في «المجموع»: إذا فرغوا من صلاتي الظهر، والعصر؛ فالسنة أن يسيروا في الحال إلى الموقف، ويعجلوا المسير، وهذا التعجيل مستحبٌّ بالإجماع. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2401>مسألة [٩٩]: هل يغتسل إذا ذهب إلى الموقف</span>؟\nاستحبه جماعة من أهل العلم؛ لأنه مكان يجتمع فيه الناس، فاستحب الغسل كالجمعة، والعيدين، منهم: أحمد، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وصح ذلك عن ابن عمر كما في «موطإ مالك» (١/ ٣٢٢)، وصحَّ عن علي -﵁- كما في «سنن البيهقي» (٣/ ٢٧٨) أنه سُئِل عن الغسل؟ فقال: اغتسل كل يوم إن شئت. فقال: لا، الغسل الذي هو الغسل. فقال: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر.\nقلتُ: لم ينقل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اغتسل في ذلك اليوم، فمن وجد من نفسه ريحًا، أو أذى؛ استحب له الغسل؛ لما ذكره من تقدم من أهل العلم، وإن لم؛ فلا يستحب\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٢٦٤)، «المجموع» (٨/ ١٠١).","vol":"5","page":281},{"text":"له ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2402>مسألة [١٠٠]: قوله: ثم ركب رسول الله - ﷺ - حتى أتى الموقف</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٦٦١): وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْمِ فِي أَيُّهُمَا أَفْضَل: الرُّكُوبُ، أَوْ تَرْكُهُ بِعَرَفَة؟ فَذَهَبَ الْجمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ الرُّكُوب؛ لِكَوْنِهِ - ﷺ - وَقَفَ رَاكِبًا، وَمِنْ حَيْثُ النَّظَر؛ فَإِنَّ فِي الرُّكُوبِ عَوْنًا عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ الْمَطْلُوبِ حِينَئِذ، كَمَا ذَكَرُوا مِثْلَهُ فِي الْفِطْرِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ اِسْتِحْبَاب الرُّكُوب يَخْتَصُّ بِمَنْ يَحْتَاجُ النَّاس إِلَى التَّعْلِيمِ مِنْهُ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْل أَنَّهُمَا سَوَاء. اهـ\nقلتُ: الظاهر أنَّ الأفضل له ما كان أعون له وأحضر لقلبه، وخشوعه، وراحته، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2403>مسألة [١٠١]: قوله: فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٨/ ١٨٥): يُسْتَحَبّ أَنْ يَقِف عِنْد الصَّخَرَات الْمَذْكُورَات، وَهِيَ صَخَرَات مُفْتَرِشَات فِي أَسْفَل جَبَل الرَّحْمَة، وَهُوَ الْجبَل الَّذِي بِوَسَطِ أَرْض عَرَفَات، فَهَذَا هُوَ الْمَوْقِف الْمُسْتَحَب. اهـ\nويجزئ الوقوف في جميع عرفة عند جميع أهل العلم؛ لحديث جابر في «صحيح مسلم» (١٢١٨) (١٤٩)، أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وقفت ها هنا،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٦٦).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٦٧).","vol":"5","page":282},{"text":"وعرفة كلها موقف»، وحدُّ عرفة: من الجبل المشرف على عُرنة إلى الجبال المقابلة له مما يلي حوائط بني عامر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2404>مسألة [١٠٢]: هل يجزئ الوقوف بوادي عرنة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢٦٧): وَلَيْسَ وَادِي عُرَنَةَ مِنْ الْمَوْقِفِ، وَلَا يُجْزِئُهُ الْوُقُوفُ فِيهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِهِ لَا يُجْزِئُهُ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُهْرِيقُ دَمًا، وَحَجُّهُ تَامٌّ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ؛ فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ وَقَفَ بِمُزْدَلِفَةَ. اهـ\nقلتُ: الحديث: «ارفعوا عن بطن عرنة» جاء من حديث جبير بن مطعم عند أحمد (٤/ ٨٢) وغيره، وفي إسناده انقطاع واضطراب، وجاء من حديث جابر عند ابن ماجه (٣٠١٢)، وفي إسناده: القاسم بن عبد الله العمري، وهو متروك، وقد كُذِّب.\nوجاء من حديث ابن عباس، أخرجه ابن خزيمة (٢٨١٦)، والحاكم (١/ ٤٦٢)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١١٩٤)، والبيهقي (٥/ ١١٥)، كلهم من طريق: محمد بن كثير، ثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي معبد، عن ابن عباس. وهذا إسنادٌ رجاله ثقات؛ إلا أبا الزبير؛ فإنه حسن الحديث، ومحمد بن كثير هو العبدي كما جاء مصرحًا بذلك عند ابن خزيمة،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٦٦)، «شرح مسلم» (٨/ ١٩٥ - ١٩٦).","vol":"5","page":283},{"text":"وقد أنكر بعضهم ذلك، وقال: هو الصنعاني؛ لأنَّ العبدي ليس له رواية عن ابن عيينة كما في «تهذيب الكمال».\nقلتُ: وهذا التعليل لا يكفي في ردِّ التصريح عند ابن خزيمة؛ لأنَّ «تهذيب الكمال» مع ما فيه من الفائدة الكبيرة؛ فإنه لم يستوعب كل ما هو موجود في كتب السنة، والله أعلم.\nومع ذلك فله شواهد مرسلة، فقد أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٢٧)، عن ابن عيينة، عن محمد بن المنكدر، وزيد بن أسلم، قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة».\nوأسند ابن أبي شيبة (٤/ ٣٢٨) بإسنادين صحيحين عن ابن الزبير، وابن عمر -﵃- أنهما قالا: عرفة كلها موقف؛ إلا بطن عرنة.\nفالصحيح قول الجمهور، وقد أنكر بعضهم صحة الخلاف عن مالك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2405>مسألة [١٠٣]: حكم الوقوف بعرفة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢٦٧): والوقوف ركنٌ لا يتم الحج إلا به إجماعًا. اهـ\nوقال النووي -﵀- في «المجموع» (٨/ ١٠٢ - ١٠٣): الوقوف بعرفات ركنٌ من أركان الحج، وهو أشهر أركان الحج؛ للأحاديث الصحيحة السابقة: «الحج\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٦٦ - ٢٦٧)، «المجموع» (٨/ ١٢٠).","vol":"5","page":284},{"text":"عرفة»، وأجمع المسلمون على كونه ركنًا. اهـ\nقلتُ: والدليل على ذلك حديث عبدالرحمن بن يعمر الديلي عند أحمد، وأصحاب السنن، والبيهقي وغيرهم، قال: أتيت رسول الله - ﷺ - بعرفة، فجاءه نفر من أهل نجد، فقالوا: يا رسول الله، كيف الحج؟ قال: «الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع؛ فقد تم حجه»، وفي رواية: «فمن أدرك ليلة جمع قبل أن يطلع الفجر؛ فقد أدرك» (^١)، وقد صححه شيخنا في «الجامع الصحيح».\nوكذلك مثله حديث عروة بن المضرس، أنه أتى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو بجمع، فقال: يا رسول الله، جئت من جبل طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حَبْلٍ إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا، أو نهارًا؛ فقد تم حجه، وقضى تفثه». (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2406>مسألة [١٠٤]: وقت الوقوف</span>.\nأما آخر وقت الوقوف المجزئ فهو طلوع الفجر الصادق من يوم النحر، وهذا بلا خلاف عند أهل العلم.\nقال ابن قدامة -﵀-: ودليله حديث عبد الرحمن بن يعمر، وعروة بن\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ٣٠٩، ٣٣٥)، وأبو داود (١٩٤٩)، والنسائي (٥/ ٢٥٦، ٢٤٦)، والترمذي (٨٨٩) (٨٩٠)، وابن ماجه (٣٠١٥)، والبيهقي (٥/ ١١٦)، وإسناده صحيح.\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٧٤٢).","vol":"5","page":285},{"text":"المضرس -﵄-.اهـ، وقد تقدما في المسألة السابقة.\nوأما أول وقت الوقوف:\n• فذهب جمهور العلماء إلى أنَّ أوله بعد زوال الشمس؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقف بعد الزوال، وكذلك الخلفاء بعده، ولم ينقل أنهم وقفوا قبل الزوال، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، واختاره شيخ الإسلام.\n• وذهب أحمد وأصحابه إلى أنَّ أول وقته من طلوع الفجر؛ لحديث عروة بن المضرس: «ليلًا أو نهارًا»، والنهار يبدأ من طلوع الفجر.\nوأجاب الجمهور عنه: بأنه محمول على ما بعد الزوال؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأجاب الحنابلة بأنَّ ترك الوقوف قبل الزوال لا يمنع كونه وقتًا للوقوف كبعد العشاء، وإنما وقف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه وقت الفضيلة، ولم يستوعبوا جميع وقت الوقوف، وكما أن فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه لا يحدد وقت الوقوف من جهة الليل؛ فكذلك لا يحدده من جهة النهار.\nوهذا القول أقرب، والله أعلم، وهو اختيار الإمام ابن باز -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (١٧/ ٢٦٠)، وصحح القول الأول الشيخ الإمام صالح الفوزان عافاه الله، كما في «الملخص الفقهي» (١/ ٤٣٢). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2407>مسألة [١٠٥]: الدفع قبل غروب الشمس</span>.\n• جمهور العلماء على أن حجَّه صحيح؛ لحديث عروة بن المضرس الذي تقدم\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٧٤)، «المجموع» (٨/ ١٢٠)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٠٦ -).","vol":"5","page":286},{"text":"ذكره، ففيه: «وقد وقف ليلًا، أو نهارًا».\n• وذهب مالك إلى أن حجَّه لا يصح حتى يقف شيئًا من الليل، واستدل له بحديث عبدالله بن عمر -﵄-، عند الدارقطني مرفوعًا: «من أدرك عرفات بليل؛ فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل؛ فقد فاته الحج؛ فليحل وعليه الحج من قابل»، رواه الدارقطني (٢/ ٢٤١)، وضعفه بـ (رحمة بن مصعب) فقال فيه: ضعيف، ولم يأت به غيره. اهـ\nوضعفَّه ابن معين كما في «الميزان».\nقلتُ: وعلى صحته؛ فليس فيه حجة لمذهب مالك؛ فإنَّ غاية ما فيه أن إدراك الحج بإدراك الوقوف بعرفة، ولو في الليل، وهذا لا يعارض فيه أحد كما تقدم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2408>مسألة [١٠٦]: هل عليه دمٌ إذا دفع قبل الغروب</span>؟\n• ذهب أحمد، وأبو حنيفة -وهو قول الشافعية- إلى أن عليه دمًا؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقف حتى غربت الشمس، وقال: «خذوا عني مناسككم»؛ فوجب الوقوف إلى ذلك الحد، ومن تركه؛ فعليه دمٌ.\n• والأصح عند الشافعية أنه لا يلزمه دمٌ؛ لحديث عروة بن المضرس المتقدم، وهذا القول هو الصواب، ولا دليل على إلزامه بالدم، بل ليس لنا دليل على تأثيمه\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٧٢)، «المجموع» (٨/ ١١٩).","vol":"5","page":287},{"text":"بعد حديث عروة، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: الخلاف في المسألة السابقة فيما إذا لم يعد، أما إذا عاد فأتم الوقوف؛ فالشافعي، وأحمد، ومالك على أنه ليس عليه دمٌ، وذهب الكوفيون، وأبو ثور إلى أنه عليه دمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2409>مسألة [١٠٧]: لو وقف بعرفات وهو لا يعلم أنها عرفات</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٨/ ١١٨): مذهبنا صحة وقوفه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وحكى ابن المنذر عن بعض العلماء أنه لا يجزئه. اهـ\nقلتُ: والقول بالإجزاء هو مذهب الحنابلة أيضًا كما في «المغني» (٥/ ٢٧٥)، ويدل عليه حديث عروة بن المضرس -﵁-، وقد تقدم لفظه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2410>مسألة [١٠٨]: لو وقف بعرفة وهو مغمى عليه، أو مجنون</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى عدم الإجزاء، وهو مذهب الحسن، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وابن حزم ﵏؛ لأنهما فاقدا العقل.\n• وذهب مالك، وأصحاب الرأي إلى أن المغمى عليه يجزئه؛ تشبيهًا له بالنائم.\nوالقول الأول أقرب؛ لأنَّ النائم غير فاقد الشعور؛ فإنه إذا نُبِّه انتبه، بخلاف\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٩٣)، «المجموع» (٨/ ١١٩)، «الإشراف» (٣/ ٣١٤).\n(^٢) «الإشراف» (٣/ ٣١٤).","vol":"5","page":288},{"text":"المغمى عليه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2411>مسألة [١٠٩]: هل يشترط الطهارة للوقوف بعرفة</span>؟\nأجمع أهل العلم على عدم الاشتراط، نقل ذلك الإجماع ابن المنذر، ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لعائشة -﵂-: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» متفق عليه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2412>مسألة [١١٠]: إذا أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة</span>؟\nأما إذا كان الخطأ عندهم جميعًا؛ فإنه يجزئهم عند أهل العلم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحِّي الناس». (^٣)\nوأما إذا أخطأ جماعةٌ منهم؛ فلا يجزئهم؛ لأنهم غير معذورين، ذكر ذلك ابن قدامة -﵀-، والذي تقدم فيما إذا غُمَّ عليهم، فوقفوا في اليوم العاشر، وأما إذا شهد فساقٌ -جُهِلَ حالهم- بأنهم رأوا الهلال وكذبوا، فوقف الناس في اليوم الثامن، فنقل النووي في «المجموع» أنَّ الأصح عند الشافعية، ومذهب مالك، وأحمد أنه لا يجزئهم، وعزاه أيضًا للحنفية.\nقلتُ: والمعروف في مذهب أحمد أنه يجزئ، ولو كان الخطأ في اليوم الثامن وهو مذهب جماعة من الشافعية، وهو الصحيح بدون شك؛ للحديث\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ١١٨)، «المغني» (٥/ ٢٧٥)، «المحلى» (٨٦١)، «الإشراف» (٣/ ٣١٤).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٨/ ١١٨)، «المغني» (٥/ ٢٧٥).\n(^٣) تقدم تخريجه في «البلوغ» برقم (٤٦٩).","vol":"5","page":289},{"text":"السابق، والله أعلم.\nوإذا رأى الهلالَ بعضُ الناس، فلم يؤخذ بشهادتهم؛ فعليهم أن يقفوا مع الناس عند الحنابلة، وخالف الشافعية، وهو وجهٌ عند الحنابلة، فقالوا: يقف في اليوم الذي يوافق حسابه، وهو اليوم الثامن، ثم يقف مع الناس في اليوم التاسع، ولو اقتصروا على الوقوف مع الناس لم يجزئهم؛ لأنهم لا يعتقدونه يوم عرفة، وهذا مذهب ابن حزم، وأسنده عن سالم بن عبد الله بإسناد صحيح، وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2413>مسألة [١١١]: التعريف بغير عرفة</span>.\n• ومعناه: اجتماعهم يوم عرفة في المساجد بعد العصر للذكر والدعاء، وقد فعله الحسن، وبكر، وثابت، ومحمد بن واسع، وقال أحمد: لا بأس به.\nورواه الحسن عن ابن عباس كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، والحسن لم يسمع من ابن عباس؛ فالأثر لا يصح عن ابن عباس.\n• وصرَّح جماعةٌ من أهل العلم بأنَّ ذلك من البدع، كالحكم، وحماد، والنخعي، وكرهه نافع، ومالك وغيرهما، وعدَّه الطرطوشي من البدع، وهو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٤٢٩)، «الإنصاف» (٤/ ٦١)، «المجموع» (٨/ ٢٩٣)، «المحلى» (٨٥٨) (٨٥٩).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٨/ ١١٧)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٧٢ -).","vol":"5","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2414>مسألة [١١٢]: قوله: ويقول بيده اليمنى: «يا أيها الناس، السكينة، السكينة»</span>.\nفيه الأمر بلزوم السكينة في المشي، وعدم الإسراع المفضي إلى الازدحام والأذية.\nوفي «البخاري» (١٦٧١)، عن ابن عباس -﵄- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في هذا الموضع: «عليكم بالسكينة؛ فإنَّ البر ليس بالإيضاع».\nولا بأس بشيءٍ من الإسراع إذا وجد فراغًا أمامه، ففي حديث أسامة بن زيد في «الصحيحين» (^١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يسير العَنَقَ، فإذا وجد فجوة نَصَّ.\nوالعَنَق: سير معتدل، والنَّصُّ: فوق ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2415>مسألة [١١٣]: الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في المزدلفة</span>.\nقوله: «حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء».\nنقل ابن المنذر، وابن قدامة، والنووي الإجماع على أنَّ من السنة تأخير المغرب حتى تجمع مع العشاء بمزدلفة؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي دلَّ عليه حديث جابر المتقدم، وجاء عن غيره من الصحابة كما في «الصحيحين» (^٢). (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٦٦٦)، ومسلم برقم (١٢٨٦) (٢٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٧٢) (١٦٧٣) (١٦٧٤)، ومسلم (١٢٨٠) (١٢٨٧)، (١٢٨٨)، من حديث أسامة بن زيد، وأبي أيوب الأنصاري، وابن عمر -﵃-.\n(^٣) انظر: «المغني» (٥/ ٢٧٨)، «شرح مسلم» (٨/ ١٨٧).","vol":"5","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2416>مسألة [١١٤]: هل يجوز أن يجمع قبل أن يصل إلى المزدلفة جمع تقديم</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أن صلاته تصح مع الكراهة؛ لأنه صلاهما في وقتهما.\nقال النووي -﵀-: هذا مذهبنا، وبه قال جماعات من الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعي، وأبو يوسف، وأبو أشهب، وفقهاء أصحاب الحديث. اهـ\n• وذهب أبو حنيفة، وجماعة من الكوفيين إلى أنه يشترط أن يصليهما بالمزدلفة، ولا يجوز قبلها، وهو قول ابن حزم الظاهري.\nواستدل بحديث أسامة بن زيد أنه قال للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الطريق: أتصلي يا رسول الله؟ فقال: «الصلاة أمامك» (^١) يعني بالمزدلفة.\n• وقال مالك: لا يجوز الجمع في الطريق إلا من عذرٍ، بشرط أن يكون بعد مغيب الشفق. والصواب هو قول الجمهور، والله أعلم.\nوحديث: «الصلاة أمامك» لا يدل على أنَّ الصلاة لا تجزئ إلا بالمزدلفة وقد يتأخر إنسان بعرفة ويخشى خروج وقت العشاء فيلزمه أن يصلي، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2417>مسألة [١١٥]: هل يجزئه أن يصلي المغرب قبل أن يأتي المزدلفة</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى أنها تصح وقد خالف السنة، وهو قول عطاء، وعروة، والقاسم، وسعيد بن جبير، وأحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣٩)، ومسلم (١٢٨٠).\n(^٢) وانظر: «شرح مسلم» (٨/ ١٨٧)، «المحلى» (٧/ ١٢٩).","vol":"5","page":292},{"text":"وأبي يوسف، وابن المنذر وغيرهم؛ لأنه صلاها في وقتها.\n• وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن حزم: لا تجزئه؛ لحديث: «الصلاة أمامك».\nوالصواب قول الجمهور، وقد تقدم الجواب عليهم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2418>مسألة [١١٦]: من فاته الجمع مع الإمام، فهل يجمع منفردًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢٨٠): يجمع منفردًا كما يجمع الإمام، ولا خلاف في هذا؛ لأن الثانية منهما تُصلَّى في وقتها. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2419>مسألة [١١٧]: قوله: ولم يُسَبِّح بينهما شيئًا</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢٨١): والسنة أن لا تطوع بينهما، قال ابن المنذر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك، وقد رُوي عن ابن مسعود أنه تطوع بينهما، ورواه عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولنا: حديث أسامة، وابن عمر، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُصَلِّ بينهما، وحديثهما أصح. اهـ\nقلتُ: حديث ابن عمر، وأسامة في «الصحيحين» (^٢)، ووافقها حديث جابر الذي في الباب، فلا شكَّ أنَّ هذه الأحاديث أرجح من حديث ابن مسعود -﵁- الذي انفرد به البخاري (١٦٧٥)، والله أعلم.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٨١ - ٢٨٢)، «المحلى» (٧/ ١٢٩).\n(^٢) انظر: «البخاري» (١٦٧٣) (١٦٧٢)، ومسلم (١٢٨٠) (١٢٨٨).","vol":"5","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2420>مسألة [١١٨]: المبيت بمزدلفة</span>.\nقوله: «ثم اضطجع رسول الله - ﷺ - حتى طلع الفجر».\n• فيه أنَّ المبيت في تلك الليلة يكون بالمزدلفة، واختلف الفقهاء في حكم ذلك المبيت على أقوال:\nالقول الأول: أنَّ المبيت بها ركنٌ من أركان الحج، وهو مذهب علقمة، والنخعي، والشعبي، والأسود، والحسن، وبعض الشافعية، وعزاه ابن القيم إلى الأوزاعي، وحماد، وداود، وأبي عبيد، وابن جرير، وابن خزيمة.\nواستدلوا بحديث عروة بن المضرس، وفيه: «من شهد معنا صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا، أو نهارًا؛ فقد تم حجه» (^١)، فمفهومه أنَّ من لم يقف بالمزدلفة؛ فحجه غير تام.\nومال إلى هذا القول ابن القيم ورجَّحه ابن حزم، واختاره الشيخ الألباني -﵀-.\nالقول الثاني: أنَّ المبيت واجبٌ، وليس بركنٍ، وهذا قول عطاء، والزهري، وقتادة، والثوري، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي وعزاه بعضهم إلى الجمهور.\nواستدلوا بالحديث السابق، حديث عروة -﵁-، وبحديث ابن عمر -﵄- في «الصحيحين» (^٢) أنه كان يقدم ضَعَفَةَ أهله من المزدلفة إلى منى بالليل، ويقول:\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» برقم (٧٤٢).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٦٧٦)، ومسلم برقم (١٢٩٥).","vol":"5","page":294},{"text":"أرخص لأولئك رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خذوا عني مناسككم».\nالقول الثالث: أنَّ المبيت سنة، وهو وجهٌ عند الشافعية، وعزاه الحافظ في «الفتح» لعطاء، والأوزاعي، وقالوا: إنما هو منزلٌ مَنْ شَاَء نَزَلَه، ومن شاء لم ينزل. وأخرج الطبري من حديث عبدالله بن عمرو -﵄- مرفوعًا: «إنما جمع منزل لدلج المسلمين»، قال الحافظ: وسنده فيه ضعف.\nقلتُ: هذه المسألة قوية الخلاف، والقولان الأولان أقرب، وأقربهما القول الثاني، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما؛ لما تقدم من الأدلة، وحديث عروة بن المضرس -﵁- ظاهره كما قال أهل القول الأول، ولكن في حديث عبد الرحمن بن يعمر -وقد تقدم-: «الحج عرفة، فمن أدرك ليلة جمع قبل صلاة الفجر؛ فقد أدرك»، ومعلومٌ أنَّ من لم يقف إلا قبل طلوع الفجر بيسير؛ فإنه لا يدرك المبيت بمزدلفة، وهذا يدل على أنه ليس ركنًا من أركان الحج، وأنه يعذر من تركه لعذرٍ كمن تأخر، وعلى هذا فيكون قوله في حديث عروة: «فقد تم حجه» يدل على أنَّ من لم يقف بمزدلفة متعمدًا بغير عذر؛ فحجه ناقص، ولا يبطل، وقد ألزمه القائلون بالوجوب بدمٍ؛ ليجبر النقص، ويشمله قول ابن عباس -﵄-، المتقدم: (من ترك نسكًا؛ فعليه دم)، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: ليس المقصود عند أهل العلم بإيجاب المبيت أنه يلزمه أن ينام،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٨٤)، «المجموع» (٨/ ١٥٠)، «شرح مسلم» (٨/ ١٨٨)، «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٣)، «الفتح» (١٦٧٦).","vol":"5","page":295},{"text":"وإنما مقصودهم أنه يلزمه أن يمكث تلك الليلة بمزدلفة، والتعبير بـ (المبيت بالمزدلفة) يشمل من مكث ليلًا فيها، سواء نام، أم لم ينم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2421>مسألة [١١٩]: قوله: ثم اضطجع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حتى الفجر</span>.\nالسُّنَّةُ عند أهل العلم أن ينام الحاج في هذه الليلة كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2422>مسألة [١٢٠]: متى يجوز للحاج أن يدفع من المزدلفة</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: يجوز الدفع بعد نصف الليل؛ فإن وصل قبل نصف الليل مكث إلى نصفه، وإن وصل بعد نصف الليل مكث يسيرًا، ثم جاز له الدفع، وهو مذهب أحمد، والشافعي، واستدلوا بإذنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للضعفة أن يدفعوا من الليل كما في «الصحيحين» عن جماعة من الصحابة، وفيهما عن أسماء بنت أبي بكر أنها تَحرَّت غروب القمر في تلك الليلة، فلما غاب القمر دفعت إلى منى، فرمت الجمرة، ثم صلت في منزلها بمنى، فقال مولاها: لقد غلَّسنا. قالت: كلا، أي بني، إنَّ النبي - ﷺ - أذن للظعن. (^١)\nومغيب القمر في تلك الليلة يكون قريبًا من ثلث الليل الآخر.\nالثاني: قال مالك: إن نزل فيها ولو يسيرًا؛ أجزأه، وإن مرَّ مرورًا؛ فلا يجزئه وعليه دمٌ.\nالثالث: لا يجوز الدفع قبل طلوع الفجر إلا للنساء والضعفة، وهو قول أبي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٦٧٩)، ومسلم برقم (١٢٩١).","vol":"5","page":296},{"text":"حنيفة، وابن حزم، والشوكاني، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام؛ إلا أنَّ الشوكاني، وشيخ الإسلام يريان وجوب الوقوف بمزدلفة حتى يسفر جدًّا كما في الحديث.\nوهذا القول أقرب الأقوال؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما رخص للضعفة كما في حديث ابن عمر في «الصحيحين» أنه كان يقدم ضعفة أهله ويقول: أرخص لأولئك رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. فدل على أن غيرهم لا رخصة لهم في الدفع قبل الفجر؛ لحديث عروة بن المضرس، وقد تقدم لفظه.\nويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]، وقد بين النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بفعله هذا الأمر الذي أمرنا الله به، وما وقع بيانًا لواجب؛ فهو واجب.\nفإن دفع قبل طلوع الفجر؛ فسد حجُّه عند ابن حزم، وعليه دم عند أبي حنيفة، ويأثم عند الشوكاني وحجُّه صحيح، وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\nوَأَمَّا تَقَدُّمُ الضَّعَفَةِ مِنَ الَّليل؛ فهو مباحٌ عند عامة أهل العلم، وقال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٢٨٦): لا نعلم في ذلك خلافًا، ولكن قيَّد الشافعية، والحنابلة جواز تقدمهم من المزدلفة عقب نصف الليل.\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٢): والذي دلَّت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف الليل، وليس مع من حده بالنصف دليل، والله أعلم. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٨٤)، «المجموع» (٨/ ١٥١)، «شرح كتاب المناسك من العمدة» لشيخ الإسلام (٢/ ٥٢٣).","vol":"5","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2423>مسألة [١٢١]: قوله: وصلى الفجر حين تبين له الصبح</span>.\nفيه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلى الفجر بعد تبين الصبح، وقد أخرج الشيخان (^١) عن ابن مسعود -﵁-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلاها قبل وقتها بغلس. وعند البخاري (١٦٨٣)، عن ابن مسعود -﵁-، أنه صلاها، وقائلٌ يقول: قد طلع الفجر. وقائل يقول: لم يطلع الفجر.\nوالجمع بين هذه الأحاديث: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عجل بصلاة الصبح ذلك اليوم في أول وقتها، ولم ينتظر حتى يتبين الصبح كما يتبين في سائر الأيام، ولهذا استحب أهل العلم تعجيل الصلاة في هذا اليوم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2424>مسألة [١٢٢]: حكم الصلاة مع الإمام في صلاة الصبح</span>.\n• تفرد ابن حزم -﵀- بإيجاب الصلاة مع الإمام في صلاة الصبح، قال: ومن لم يصل مع الإمام في تلك الفريضة؛ فلا يصح حجُّه.\n• وخالفه أهل العلم في ذلك، ونقل الطحاوي، وابن قدامة الإجماع على عدم وجوب الصلاة مع الإمام، وعلى الإجزاء إذا صلاها وحده بعد انتهاء الإمام.\nوحُجَّةُ ابن حزم هو حديث عروة بن المضرس -﵁-، وقد تقدم: «من شهد صلاتنا هذه -يعني بمزدلفة- وقد وقف قبل ذلك بعرفة ...» الحديث.\nوالجواب عنه: أنه يُحمل على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أراد بقوله: «فقد تم حجه»، أي:\n_________\n(^١) انظر: «البخاري» رقم (١٦٨٢)، ومسلم (١٢٨٩).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٨٢)، «شرح مسلم» (٨/ ١٨٨).","vol":"5","page":298},{"text":"من وقف؛ لأنَّ السؤال كان على الوقوف، ولحديث عبد الرحمن بن يعمر عند أبي داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، وغيرهما بإسناد صحيح أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «الحج عرفة، من جاء قبل طلوع الفجر من ليلة جمع؛ فقد أدرك الحج»؛ فإنه يدل على إدراك الحج بإدراك أدنى وقت قبل طلوع الفجر، ومن فعل ذلك فإنه لا يدرك الصلاة مع الإمام بمزدلفة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2425>مسألة [١٢٣]: الوقوف في المشعر الحرام</span>.\nقوله: «حتى أتى المشعر الحرام».\nالمشعر الحرام الذي وقف عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو (جبل قزح)، وعليه المسجد المبني في هذا اليوم.\nويصح الوقوف في جميع مزدلفة، ويطلق عليها كلها المشعر الحرام؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وقفت هاهنا وجمع كلها موقف» أخرجه مسلم (١٢١٨) (١٤٩)، عن جابر -﵁-.\n• واختلف نقل أهل العلم في الوقوف في المشعر الحرام:\nفمنهم من يجعل الخلاف فيه كالخلاف في المبيت بمزدلفة، كالحافظ ابن حجر -﵀-، فقد قال في «الفتح» (١٦٧٦) في سياق كلامه عن المشعر الحرام: وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَكَانَ بَعْضهمْ يَقُولُ: وَمَنْ مَرَّ بِمُزْدَلِفَة فَلَمْ يَنْزِلْ بِهَا؛ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَمَنْ نَزَلَ بِهَا، ثُمَّ دَفَعَ مِنْهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ اللَّيْلِ؛ فَلَا دَمَ\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (١٦٧٦).","vol":"5","page":299},{"text":"عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَقِفْ مَعَ الْإِمَامِ. وَقَالَ مُجَاهِد، وقَتَادَة، وَالزُّهْرِيّ، وَالثَّوْرِيّ: مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا؛ فَقَدْ ضَيَّعَ نُسُكًا وَعَلَيْهِ دَم. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَة، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَأَبِي ثَوْر، وَرُوِيَ عَنْ عَطَاء، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ لَا دَمَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ مَنْ شَاءَ نَزَلَ بِهِ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ. وَذَهَب اِبْن بِنْت الشَّافِعِي، وَابْن خُزَيْمَة إِلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِهَا رُكْن لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ، وَأَشَارَ اِبْن الْمُنْذِر إِلَى تَرْجِيحِهِ، وَنَقَلَهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ عَلْقَمَةِ، وَالنَّخَعِيّ. انتهى المراد.\nوكذلك ابن القيم حيث قال في «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٣) -بعد أن ذكر حديث عروة بن المضرس-: وبهذا احتج من ذهب إلى أنَّ الوقوف بمزدلفة، والمبيت بها ركنٌ. اهـ\nثم نقل ذلك عمن تقدم ذكرهم أنهم يقولون بركنية المبيت.\nبينما نصَّ النووي في «شرح المهذب» (٨/ ١٥١) أنَّ الوقوف على المشعر الحرام مستحبٌّ.\nفقال -﵀-: مذهبنا أنه يُستحب أن يقف بعد صلاة الصبح على قزح، ولا يزال واقفا به يدعو ويذكر حتى يسفر الصبح جدًّا، وبه قال ابن مسعود، وابن عمر، وأبو حنيفة، وجماهير العلماء، قال ابن المنذر: وهو قول عامة العلماء غير مالك؛ فإنه كان يرى أن يدفع منه قبل الإسفار، دليلنا: حديث جابر السابق وهو صحيح. اهـ\nفظاهر هذا النقل أنه كان يرى أنَّ الوقوف على المشعر الحرام مستحبٌّ عند","vol":"5","page":300},{"text":"الجمهور، وهو ظاهر صنيع ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٢٨٢)؛ فإنه لم ينص على وجوبه، بل نص على وجوب المبيت بمزدلفة، ثم ذكر أنه يقف في المشعر الحرام، وظاهر كلامه أنه على سبيل الاستحباب.\nوقد نقل عبدالعزيز بن محمد الكناني الشافعي -﵀- عن أصحاب المذاهب الأربعة القول بأنه سنة، ومستحب، كما في كتابه «هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: لا إشكال بحمد الله بين كلام أهل العلم؛ فمن جعل هذا الخلاف كالخلاف في المبيت بمزدلفة؛ فمقصودهم بالوقوف في المشعر الحرام: هو الوقوف بمزدلفة مطلقًا، وهو المبيت، ومن قال باستحباب الوقوف على المشعر الحرام؛ فمقصودهم: الوقوف بعد الفجر حتى يسفر، وهذا الوقوف عندهم زائد على المبيت الواجب؛ لأنهم -كما تقدم- يقولون بوجوب المبيت إلى نصف الليل، وبعضهم يقول: حتى يطلع الفجر، والصحيح كما تقدم أنه يجب عليه الوقوف بمزدلفة حتى يسفر، والله أعلم.\nوقد أوجب ابن حزم -﵀- المبيت، والوقوف، ولا يصح الحج عنده إلا بهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2426>مسألة [١٢٤]: قوله: فاستقبل القبلة، فدعا الله، وكبره، وهلله، ووحده</span>.\n• فيه استحباب ذكر الله عند المشعر الحرام؛ امتثالًا لأمر الله ﷿ به في قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾،","vol":"5","page":301},{"text":"ونقل الطحاوي الإجماع على أنَّ الوقوف يجزئ بغير ذكر الله ﷿، وأنَّ الذكر ليس من واجبات الحج، كما في «الفتح» (١٦٧٦).\n• وذهب الشوكاني -﵀- كما في «وبل الغمام» (١/ ٥٥١) إلى وجوب هذا الذكر، واستدل بالآية: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ مع فعله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nقلتُ: ذكرُ الله المأمور به في الآية يقع بصلاة المغرب، والعشاء، والفجر بمزدلفة، وكذلك بذكر الله بعد الفجر حتى يسفر، وكذلك بأي ذكر وقع في تلك الليلة؛ فالذي يظهر -والله أعلم- هو وجوب الذكر في الجملة، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2427>مسألة [١٢٥]: قوله: فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا</span>.\n• أخذ بظاهر ذلك الجمهور، فقالوا: يُستحبُّ الإسفار كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وخالف مالك، فقال: يدفع قبل أن يُسفر. وأوجب شيخ الإسلام، والشوكاني الوقوف حتى يسفر، وهو الصواب؛ لحديث عروة بن المضرس «من شهد معنا صلاتنا هذه -يعنى بمزدلفة-، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا، أو نهارًا؛ فقد تم حجه، وقضى تفثه» (^١)، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2428>مسألة [١٢٦]: قوله: فدفع قبل أن تطلع الشمس</span>.\nوكان ذلك مخالفةً للمشركين؛ فإنهم كانوا في الجاهلية يدفعون بعد طلوع\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» برقم (٧٤٢).\n(^٢) انظر: «شرح المهذب» (٨/ ١٥١)، «المغني» (٥/ ٢٨٦)، «شرح مسلم» (٨/ ١٨٩).","vol":"5","page":302},{"text":"الشمس، ففي «البخاري» (١٦٨٤)، عن عمر -﵁- أنه صلى الصبح بجمع، ثم وقف، فقال: «إنَّ المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير. وإنَّ النبي - ﷺ - خالفهم، ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس» ومن لم يدرك الوقوف حتى طلعت الشمس فاته الوقوف بالإجماع. نقله الطبري كما في «الفتح» (١٦٨٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2429>مسألة [١٢٧]: قوله: حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلًا</span>.\nقال النووي -﵀-: أَمَّا مُحَسِّر: فَبِضَمِّ الْمِيم، وَفَتْح الْحَاء، وَكَسْر السِّين الْمُشَدَّدَة الْمُهْمَلَتَيْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيل أَصْحَاب الْفِيل حُسِرَ فِيهِ، أَيْ: أُعْيِيَ وَكَّلَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:٤]، وَأَمَّا قَوْله: «فَحَرَّكَ قَلِيلًا»، فَهِيَ سُنَّة مِنْ سُنَن السَّيْر فِي ذَلِكَ الْمَوْضِع. قَالَ أَصْحَابنَا: يُسْرِع الْمَاشِي، وَيُحَرِّك الرَّاكِب دَابَّته فِي وَادِي مُحَسِّر، وَيَكُون ذَلِكَ قَدْر رَمْيَة حَجَر. وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ\nقلتُ: الإسراع في هذا الوادي سنة عند أهل العلم، وهو بين المزدلفة ومنى، فحدود مزدلفة من جهة منى: (وادي مُحسِّر)، وليس هو منها، ومن جهة عرفة: (وادي عرنة)، وليس هو منها، وحدود منى من جهة المزدلفة: (وادي محسر)، وليس هو منها، وحدود منى من جهة مكة: (جمرة العقبة)، وليست من منى، ولا من مكة. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ١٥٢)، «شرح مسلم» (٨/ ١٩٠)، «المغني» (٥/ ٢٨٧).","vol":"5","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2430>مسألة [١٢٨]: قوله: ثم سلك الطريق الوسطى</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٨/ ١٩٠): فيه أنَّ سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وهذا معنى قول أصحابنا: يذهب إلى عرفات في طريق ضب، ويرجع في طريق المأزمين. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2431>مسألة [١٢٩]: قوله: حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة</span>.\nقال النووي -﵀-: فيه أنَّ السنة للحاج إذا دفع من مزدلفة، فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئًا قبل رميها، ويكون ذلك قبل نزوله. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2432>مسألة [١٣٠]: قوله: فرماها بسبع حصيات</span>.\nفيه أنَّ الواجب أن يرمي بسبع حصيات؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي وقع بيانًا لأمره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالرمي في قوله: «ارم ولا حرج» (^١)، وقوله: «بمثل هؤلاء فارموا» (^٢)، وهذا قول الجمهور، ورواية عن أحمد.\n• واختلف أهل العلم فيما إذا نقص حصاة، أو حصاتين ونحوها ناسيًا، أو متعمدًا على أقوال:\nفمنهم من قال: لا بأس في ذلك، وهو قول مجاهد، ونقل عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: رجعنا في الحجة التي حججناها مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فمن قائل يقول: رمينا بست. ومن قائل: رمينا بسبع. ولا يعيب بعضنا على بعض. أخرجه النسائي (٥/ ٢٧٥)، وهو حديث ضعيفٌ؛ لانقطاعه بين مجاهد وسعد.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه إن شاء الله قريبًا.\n(^٢) سيأتي تخريجه إن شاء الله قريبًا.","vol":"5","page":304},{"text":"وجاء هذا القول عن أبي حبة الأنصاري، وابن عمر كما في «المحلى»، وهو ثابت عنهما، وهو قول أحمد، وإسحاق فيمن رمى بست.\nومنهم من قال: إن ترك حصاة؛ فعليه تمرة، أو القيمة، وهو قول طاوس.\nومنهم من قال: عليه بالحصا طعام مسكين نصف صاع حنطة، وهو قول أبي حنيفة.\nومنهم من قال: إن نسي الحصا؛ فعليه دمٌ؛ فإن ترك السبع؛ فعليه بدنة، وهو قول مالك.\nومنهم من قال: عليه بالحصا طعام؛ فإن بلغت ثلاثًا؛ فعليه دمٌ، وهو قول الشافعي.\nومنهم من قال: يرجع ويتم ما بقي، وهو قول ابن عمر (^١)، ومحمد بن الحنفية، وابن حزم، وهو الأقرب إلى الصواب، ومن ترك متعمدًا فلم يتم حتى سافر؛ فيأثم، وحجُّه صحيح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2433>مسألة [١٣١]: حكم رمي جمرة العقبة</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنها واجبة، وليست بركن، واستدلوا بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقوله: «بمثل هؤلاء فارموا»، وقوله: «ارم ولا حرج».\n• وذهب عبد الملك بن الماجشون، وابن حزم إلى أنها ركنٌ لا يصح الحج إلا بها، ونقله ابن حزم عن الزهري، وعن أصحابه الظاهرية، واستدلوا بنفس الأدلة\n_________\n(^١) أخرجه عبدالرزاق كما في «المحلى» (٧/ ١٣٤)، وابن أبي شيبة (٤/ ١/١٨٤) بإسناد صحيح.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٣٠)، «المحلى» (٧/ ١٣٤)، «شرح النسائي» (٢٦/ ٦٥).","vol":"5","page":305},{"text":"السابقة.\nورجَّح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2434>مسألة [١٣٢]: قوله: يكبر مع كل حصاة</span>.\nفيه استحباب التكبير عند رميه لكل حصاة.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٧٥٠): وفيه التكبير عند رمي حصى الجمار، وأجمعوا على أنَّ من لم يكبر؛ فلا شيء عليه. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2435>مسألة [١٣٣]: هل يجزئ رميها مرة واحدة</span>؟\nاستدل أهل العلم بقوله: «يكبر مع كل حصاة» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رماها متوالية، ولم يرمها دفعة واحدة.\n• واختلفوا في الإجزاء إذا رماها دفعة واحدة:\nفذهب أكثر العلماء إلى أنه لا تقع إلا رمية واحدة، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي وغيرهم، وقال عطاء: تجزئه. وقال أبو حنيفة: تجزئه إن سقطت الأحجار متوالية، وإلا فلا تجزئه.\nوقول الجمهور أقرب؛ لأنَّ فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقع بيانًا لأمره المتقدم برمي الجمار، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٨/ ١٧٩)، «المحلى» (٧/ ١٣٣).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٨/ ١٨٥)، «الفتح» (١٧٥٠).","vol":"5","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2436>مسألة [١٣٤]: قوله: مثل حصى الخذف</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٨/ ١٨٣): مذهبنا استحباب كون الحصى قدر حصى الخذف، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف، منهم: ابن عمر، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير (^١)،\nوطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة، وأبو ثور، قال ابن المنذر: ولا معنى لقول مالك: أكبر من ذلك قليلًا أعجب إليَّ. لأنَّ النبي - ﷺ - سنَّ الرمي بمثل حصى الخذف؛ فاتباع السنة أولى. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2437>مسألة [١٣٥]: هل يجزئه الرمي بالحجار الكبيرة</span>؟\n• في حديث جابر -﵁- الذي في الباب: «مثل حصى الخذف»، وفي حديث الفضل بن عباس -﵄- في «صحيح مسلم» (١٢٨٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة»، وفي حديث ابن عباس -﵄- عند أحمد (١٨٥١)، وغيره بإسناد صحيح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «القط لي حصيات هن حصى الخذف»، ثم قال: «بمثل هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو»، فأخذ بظاهر هذه الأحاديث أحمد، وابن حزم، فقالا: لا يجزئ الرمي بالحجار الكبيرة التي لا يطلق عليها حصى؛ لأنه منهي عنه ذلك، وفي الحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو ردٌّ».\n_________\n(^١) أثر ابن عمر وجدته عند البيهقي (٥/ ١٢٨)، وفي إسناده جميل بن زيد الطائي، وهو منكر الحديث، وأثر جابر بن عبد الله وجدته عند ابن أبي شيبة (١٤٠٩٠، و١٤٠٩٢) من طريق أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله به. وفيه عنعنة أبي الزبير.\n\nوأما أثر ابن عباس وابن الزبير -﵄-؛ فلم أقف عليهما، ولعلهما في بعض الكتب المفقودة.","vol":"5","page":307},{"text":"• وذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة إلى أنها تجزئه مع أنَّ ذلك خلاف السنة عند الشافعي، وهو قول بعض الحنابلة.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2438>مسألة [١٣٦]: هل يجوز الرمي بغير الحصى</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٨٩): وَيُجْزِئُ الرَّمِي بِكُلِّ مَا يُسَمَّى حَصًى، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ، سَوَاءٌ كَانَ أَسْوَدَ، أَوْ أَبْيَضَ، أَوْ أَحْمَرَ، مِنْ الْمَرْمَرِ، أَوْ الْبِرَامِ، أَوْ الْمَرْوِ وَهُوَ الصَّوَّانُ، أَوْ الرُّخَامِ، أَوْ الْكَذَّانِ، أَوْ حَجَرِ الْمِسَنِّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.\nوَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُ الرُّخَامُ، وَلَا الْبِرَامُ وَالْكَذَّانُ. وَيَقْتَضِي قَوْلُهُ: أَنْ لَا يُجْزِئَ الْمَرْوُ، وَلَا حَجَرُ الْمِسَنِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ بِالطِّينِ وَالْمَدَرِ، وَمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ. وَنَحْوَهُ قَالَ الثَّوْرِيُّ. وَرُوِيَ عَنْ سُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، أَنَّهَا رَمَتْ الْجمْرَةَ وَرَجُلٌ يُنَاوِلُهَا الْحَصَى، تُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَسَقَطَتْ حَصَاةٌ فَرَمَتْ بِخَاتَمِهَا.\nوَلَنَا: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَمَى بِالْحَصَى، وَأَمَرَ بِالرَّمْيِ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْحَصَى، وَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا إلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ. اهـ. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٨٩)، «شرح مسلم» (٨/ ١٩١)، «المحلى» (٧/ ١٣٣).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٨/ ١٨٦)، «شرح مسلم» (٨/ ١٩١).","vol":"5","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2439>مسألة [١٣٧]: صفة الرمي</span>.\n• ذهب بعض الشافعية إلى أنه يخذف الحصى خذفًا؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «عليكم بحصى الخذف» كما تقدم في «صحيح مسلم»، وعنده رواية: أنه قال: والنبي - ﷺ - يشير بيده كما يخذف الإنسان.\n• وخالفهم عامة أهل العلم، فقالوا: يرمي بها رميًا، ولا يخذف بها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ارم ولا حرج» (^١)، وقوله: «بمثل هؤلاء فارموا» (^٢)، وغيرها من الأحاديث، والمقصود من حديثهم كما قال النووي: المراد به الإيضاح، وزيادة البيان لحصى الخذف، وليس المراد أنَّ الرمي يكون على هيئة الخذف. اهـ. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2440>مسألة [١٣٨]: هل يجزئه أن يضعها وضعًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢٩٦): وكذلك إن وضعها بيده في المرمى؛ لم يجزئه في قول جميعهم. اهـ\nقلتُ: نقل النووي خلافًا شاذًّا لأصحابه أنها تجزئ، والصواب أنها لا تجزئ إلا بالرمي؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأمره بذلك. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2441>مسألة [١٣٩]: إذا وقعت الحصى خارج المرمى والحوض</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢٩٦): ولا يجزئه الرمي إلا أن يقع\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه قريبًا.\n(^٢) تقدم بطوله قريبًا.\n(^٣) وانظر: «المجموع» (٨/ ١٧١)، «شرح مسلم» (٩/ ٢٧ - ٢٨).\n(^٤) وانظر: «المجموع» (٨/ ١٧٣).","vol":"5","page":309},{"text":"الحصى في المرمى؛ فإنْ وقع دونه، لم يجزئه، وبه قال أصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2442>مسألة [١٤٠]: إذا شك الرامي في وقوع الحجر في الحوض</span>.\n• لا تجزئ؛ لأنَّ الأصل عدم الوقوع فيه، والأصل أيضًا بقاء الرمي عليه، وهذا قول أحمد، والشافعي، وللشافعي قول قديم: أنها تجزئه؛ لأنَّ الظاهر وقوعه في المرمى، وقال بعض أصحابه: هذا ليس مذهبه القديم، وإنما نقله عن غيره.\nوالصواب عدم الإجزاء؛ لما تقدم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2443>مسألة [١٤١]: هل له أن يرمي بحصى قد رُمِيَ به</span>؟\n• أكثر أهل العلم على الجواز، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وداود؛ لأنها يطلق عليها حصى.\n• وذهب أحمد، وأصحابه إلى أنها لا تجزئ؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يفعله، وقال: «خذوا عني مناسككم».\nورجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- القول الأول، وهو الصواب، وأما كون النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يفعله؛ فلا يدل على كونه غير جائز، ولم ينقل أنه احتاج فلم يفعل. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٩٦)، «المجموع» (٨/ ١٧٥).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٩٠)، «المجموع» (٨/ ١٨٥).","vol":"5","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2444>مسألة [١٤٢]: من أين يلقط الحصى</span>؟\n• يجزئ التقاطها من أي مكان عند أهل العلم، ولكن اختار جماعة منهم أن يلتقطها بمزدلفة، منهم: سعيد بن جبير، ومجاهد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، حتى يصل منى، فيبدأ بالرمي قبل أن يصنع شيئًا آخر.\n• وقال بعضهم: يلتقطها من حيث شاء، وهو قول عطاء، ومالك، وأحمد، وابن المنذر، وهذا القول أقرب.\nوالذي يظهر أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- التقطها في منى، فقد جاء في «مسلم» (١٢٨٢)، و«النسائي» (٣٠٥٨) من حديث الفضل بن عباس ما يدل على ذلك والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2445>مسألة [١٤٣]: هل يستحب غسل الحصى</span>؟\n• استحبه بعض الفقهاء كطاوس، والشافعية، ورُوي عن أحمد.\n• وذهب أكثر أهل العلم إلى عدم استحباب ذلك، وهو قول عطاء، ومالك، ورُوي عن أحمد وغيرهم.\nوهذا هو الصحيح؛ لأنَّ ذلك لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد صرَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- أنَّ غسله من البدع، وهو الظاهر، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٨٨)، «المجموع» (٨/ ١٨٢).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٩١)، «المجموع» (٨/ ١٥٣).","vol":"5","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2446>مسألة [١٤٤]: قطع التلبية</span>.\n• ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الحاج يقطع التلبية عند انتهائه إلى الجمرة، وهو مذهب ابن مسعود (^١)، وابن عباس (^٢)، وطاوس، وابن جبير، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي؛ لحديث الفضل بن عباس في «الصحيحين» (^٣) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لبَّى حتى أتى جمرة العقبة.\nوفي «المسند» (١٣٣٣)، وغيره أنَّ علي بن أبي طالب -﵁- لبَّى حتى انتهى إلى الجمرة، وأخبر أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعل ذلك، والحديث في «الصحيح المسند» لشيخنا -﵀- (٩٥١).\nوعن أحمد رواية: أنه يلبي حتى ينتهي من الرمي، وهوقول إسحاق؛ لما جاء في حديث الفضل بن عباس: «حتى رمى جمرة العقبة»، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وابن خزيمة، واستدل له ابن خزيمة بما أخرجه (٢٨٨٧) بإسنادٍ حسنٍ عن الفضل بن عباس قال: أفضت مع النبي - ﷺ - من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة.\n• وقال مالك: يقطعها قبل الوقوف بعرفة. وقال الحافظ: رواه ابن المنذر، وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة، وسعد بن أبي وقاص، وعلي،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٨٣)، وابن أبي شيبة (٤/ ١/٢٦٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١/٢٦٩) بإسناد صحيح عنه.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٦٦٩)، ومسلم (١٢٨١).","vol":"5","page":312},{"text":"وهو قول الأوزاعي، والليث، فهؤلاء يقولون: يقطعها إذا راح إلى الوقوف بعرفة بعد زوال الشمس.\n• وقال الحسن: يقطعها إذا صلى الغداة من يوم عرفة.\nقلتُ: القول الأول أقرب الأقوال.\nوالقول الثاني قوي؛ إلا أنَّ أكثر الأحاديث تدل على القول الأول، وحديثهم قد أخرجه البخاري، ومسلم عن الفضل بدون زيادة التلبية أثناء الرمي.\nقال البيهقي -﵀- في «الكبرى» (٥/ ١٣٧): وأما ما في رواية الفضل بن عباس من الزيادة؛ فإنها غريبة أوردها محمد بن إسحاق بن خزيمة واختارها، وليست فى الروايات المشهورة عن ابن عباس عن الفضل بن عباس. اهـ\nوأما من ذُكِرَ من الصحابة أنهم قالوا: يقطعها إذا راح إلى الموقف، فيحمل قولهم على أنه يقطعها في ذلك الحين؛ حتى يتفرغ للذكر والدعاء في عرفة، وليس مقصودهم أنه يقطعها مطلقًا، فقد ثبت عن علي أنه لم يقطعها إلا عند الجمرة.\nوقد نصَّ شيخ الإسلام بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يثبت عنه التلبية أثناء وقوفه بعرفة، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٩٧)، «المجموع» (٨/ ١٨١)، «الفتح» (١٦٨٥).","vol":"5","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2447>مسألة [١٤٥]: وقت رمي جمرة العقبة</span>.\nالأفضل عند أهل العلم رميها ضحًى؛ لحديث جابر في «صحيح مسلم» (١٢٩٩) (٣١٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رمى الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك، فإذا زالت الشمس.\n• واختلفوا في وقت الجواز:\nفذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ وقت الجواز من بعد نصف الليل، وهو قول عطاء، وابن أبي ليلى، وعكرمة بن خالد، والشافعي، وأحمد في رواية، وفعلته أسماء بنت أبي بكر ومولاها كما في «الصحيحين»؛ فثبت عنها أنها رمت بعد غياب القمر، وقد تقدم.\nواستدلوا بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أذن للضعفة أن يرموا من الليل، فدلَّ على جواز رميها قبل طلوع الفجر.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها تجزئ من بعد طلوع الفجر، وهو مذهب مالك، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.\nواستدل لهم بحديث ابن عمر -﵄- في «الصحيحين» أنه كان يقدم ضعفة أهله من الليل، فيقفون في المشعر الحرام، ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام، فمنهم من يقدم منى لصلاة الصبح ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا، ويقول ابن عمر: أرخص لهم رسول الله - ﷺ -.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه لا يجوز إلا بعد طلوع الشمس، وهو","vol":"5","page":314},{"text":"قول مجاهد، والثوري، والنخعي، والظاهرية؛ لحديث ابن عباس أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قدَّم ضعفة أهله، وقال: «لا ترموا حتى تطلع الشمس»، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه، فقد أخرجه أبو داود (١٩٤٠)، والنسائي (٥/ ٢٧٠ -)، وأحمد (٢٠٨٢)، وغيرهم، من طريق: الحسن العرني، عن ابن عباس، ولم يسمع منه، وأخرجه أحمد (١/ ٣٢٦)، والترمذي (٨٩٣)، من طريق: الحكم عن مقسم، عن ابن عباس، والحكم لم يسمع من مقسم إلا خمسة، أو ستة أحاديث ليس هذا منها.\nوله طريق أخرى عند أبي داود (١٩٤١)، والنسائي (٥/ ٢٧٢)، من طريق: حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عباس، وحبيب مدلس، ولم يصرح بالتحديث.\nقلتُ: والقول الصحيح أنه يجوز الرمي قبل طلوع الفجر، وهو القول الأول، وأما حديث ابن عباس الأخير فيُحمل على الاستحباب؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الأخرى، والله أعلم، ولكن لا يجوز للرجال الأقوياء أن يخرجوا من مزدلفة قبل طلوع الفجر كما تقدم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2448>مسألة [١٤٦]: هل يجوز رمي جمرة العقبة من بعد الظهر إلى المغرب</span>؟\nقال ابن عبد البر -﵀-: أجمع أهل العلم على أنَّ من رماها قبل المغيب؛ فقد رماها في وقتٍ لها، وإن لم يكن مستحبًّا لها. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٩٤)، «المجموع» (٨/ ١٨١)، «المحلى» (٧/ ١٣٥).","vol":"5","page":315},{"text":"وقال ابن المنذر -﵀-: أجمع أهل العلم على أنَّ من رمى جمرة العقبة يوم النحر بعد طلوع الشمس أجزأه. اهـ\nقلتُ: وقد أخرج البخاري (١٧٣٥)، عن ابن عباس -﵄- أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، رميت بعدما أمسيت، فقال: «لا حرج». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2449>مسألة [١٤٧]: فإذا أخَّر الرمي إلى الليل فما الحكم</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: لا يرمي بالليل، ويؤخرها إلى الغد، فيرميها بعد الزوال، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، وبعض الحنفية، واستدلوا بأثر ابن عمر -﵄-: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس؛ فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد.\nالثاني: يرميها بالليل، وهو قول مالك، والشافعي، وبعض الحنفية، وابن حزم، ولا شيء عليه، وقد أساء بالتأخير، وقال مالك مرة: عليه دم.\nوهذا القول هو الصواب، وليس عليه شيء، ولا نعلم دليلًا على أنَّ آخر وقتها ينتهي بغروب الشمس، وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بداية الرمي، ولم يثبت عنه تحديد انتهاء رمي جمرة العقبة، وهذا القول هو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، وشيخنا مقبل الوادعي وغيرهما، والله أعلم.\nوأما أثر ابن عمر الذي استدلوا به؛ فلم أقف عليه، ووقفت على أثرٍ عنه\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٩٥)، «المجموع» (٨/ ١٨٠ - ١٨١).","vol":"5","page":316},{"text":"يخالف ذلك، ففي «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٩٣) بإسناد صحيح عن نافعٍ أنَّ صفية بنت أبي عبيد امرأة عبد الله تخلَّفت بسبب امرأة ابن عبد الله بن عمر بالمزدلفة بسبب نفاسٍ، فلم تأتيا منى إلا بالليل، فرمتا الجمرة، فلم ينكر ذلك عليهما عبد الله، ولم يأمرهما أن تقضيا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2450>مسألة [١٤٨]: إذا أخر الرمي إلى أيام التشريق</span>.\n• ذهب أبو حنيفة، ومالك إلى أنَّ من أخرها إلى أيام التشريق فيرميها، وعليه دمٌ.\n• وذهب الشافعي، وأحمد إلى أنه أساء، ولا دمَ عليه. ويرميها بعد الزوال عند أحمد، واختار الشافعي أن يكون قبل الزوال، واختار الإمام العثيمين قول أحمد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2451>مسألة [١٤٩]: قوله: رمى من بطن الوادي</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٨/ ١٩١): وفيه أنَّ السنة أن يقف للرمي في بطن الوادي بحيث تكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه، ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٢٩٥)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٩٣)، «بدائع الصنائع» (٢/ ١٣٨)، «الهداية شرح البداية» (١/ ١٥٠)، «تبيين الحقائق» (٢/ ٣٥).\n(^٢) انظر: «هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك» (٣/ ١٢٢٠ - ١٢٢١)، «الفقه على المذاهب الأربعة»، (١/ ٦٦٥ - ٦٦٨) «فتاوى العثيمين» (٢٣/ ١٢٨)، «المغني في فقه الحج والعمرة» (ص ٢٦٧).","vol":"5","page":317},{"text":"قلتُ: ومن هذه الأحاديث: حديث ابن مسعود في «الصحيحين» (^١) أنه جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى من بطن الوادي، وقال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٧٥٠): الأفضل الرمي من بطن الوادي، ومن حيث رماها جاز بالإجماع. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2452>مسألة [١٥٠]: حكم الهدي على المتمتع والقارن</span>.\nقوله: «ثم انصرف إلى المنحر، فنحر».\nفي هذا الحديث بيان أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أهدى، وهذا الهدي واجبٌ في حق المتمتع؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦].\nقال الحافظ ابن كثير -﵀- في تفسير الآية: أي: إذا تمكنتم من أداء المناسك، فمن كان منكم مُتَمتِّعًا بالعُمرة إلى الحج، وهو يشمل من أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أولًا، فلما فرغ منها أحرم بالحج، وهذا هو التمتع الخاص، وهو المعروف في كلام الفقهاء، والتمتع العام يشمل القسمين، كما دلت عليه الأحاديثُ الصحاح؛ فإنَّ من الرُّواة من يقولُ: تمتع رسول الله - ﷺ -، وآخر يقول: قَرَن. ولا خلاف أنّه ساق الهدي. اهـ\nقلتُ: يشير الحافظ ابن كثير -﵀- إلى أنَّ الهدي واجبٌ على المتمتع، والقارن،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٧٥٠)، ومسلم برقم (١٢٩٦).","vol":"5","page":318},{"text":"فأما المتمتع فقد أجمع العلماء على أنه يجب عليه دمٌ؛ للآية المتقدمة، نقل الإجماع ابن المنذر، والنووي، وابن قدامة وغيرهم.\n• وأما القارن: فذهب أكثر العلماء إلى أنه يجب عليه الهدي أيضًا؛ لأنه يطلق عليه (متمتع)، وقد أطلق جماعةٌ من الصحابة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه تمتع، ومن المعلوم أنه كان قارنًا، واستدلوا بفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقوله: «خذوا عني مناسككم».\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الهدي لا يجب على القارن، وإنما هو مستحبٌّ، وهو قول شُريح، وداود الظاهري، وابنه، وابن حزم، ورُوي عن طاوس، وقالوا: لم يثبت دليلٌ على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر من قرن بالهدي، واستدل ابن حزم أيضًا بحديث عائشة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرها أن تدخل الحج على العمرة، وصارت قارنة، ولم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عائشة -﵂- أن تُهدي، بل في «الصحيح» (^١) أنها قالت: ولم يكن في ذلك هدي، ولا صوم، ولا صدقة. وجاء من قول عروة أيضًا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا القول أقرب، والله أعلم؛ لأنَّ الآية: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الظاهر أن المقصود منها التمتع الخاص المعروف عند الفقهاء؛ لقوله في الآية: ﴿بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، فظاهرها أنَّ العمرة منفصلة، ثم يحل، ثم يحج، وأما القارن؛ فإن عمرته مع حجته، ولا يصح أن يقال فيها (إلى الحج).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٧٨٦)، ومسلم برقم (١٢١١) (١١٥).","vol":"5","page":319},{"text":"وأما استدلالهم بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خذوا عني مناسككم»، فقد تقدم أنَّ هذا الحديث لا يفيد وجوب جميع أفعال الحج، بل يدل على الأخذ بما فعله رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد يكون واجبًا، أو ركنًا، أو مُستحبًّا بأدلة أخرى، والله أعلم.\nقال السندي -﵀- كما في «شرح النسائي» (٢٦/ ٣٩) للأثيوبي: وهذا لا يدل على وجوب المناسك، وإنما يدل على وجوب الأخذ والتعلم، فمن استدل به على وجوب شيء من المناسك؛ فدليله في محل النظر، فليتأمل. انتهى.\nقال الأثيوبي: ما قاله السندي -رحمه الله تعالى- حسنٌ جدًّا، وحاصله أن مجرد فعله - ﷺ - لشيء من المناسك لا يدل على وجوبه، بل لابد من دليل آخر يضم إلى الفعل، مثل الأمر، والله تعالى أعلم. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2453>مسألة [١٥١]: شروط وجوب الدم على المتمتع</span>.\nالشرط الأول: أن تكون العمرة في أشهر الحج.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٥٢ -): وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ عُمْرَةً، وَحَلَّ مِنْهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، إلَّا قَوْلَيْنِ شَاذَّينِ، أَحَدُهُمَا عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا اعْتَمَرْت فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَمْت حَتَّى الْحَجِّ، فَأَنْتَ مُتَمَتِّعٌ. وَالثَّانِي عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّهُ قَالَ: مِنْ اعْتَمَرَ بَعْدَ النَّحْرِ، فَهِيَ مُتْعَةٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٥٠ - ٣٥١، ٣٥٨)، «المحلى» (٧/ ١٦٧ - ١٧٠)، «المجموع» (٧/ ١٨٣) (٧/ ١٩٠ - ١٩١).","vol":"5","page":320},{"text":"قلتُ: والصواب قول الجمهور؛ لأنَّ المعلوم في إطلاق الصحابة، بل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنهم أطلقوا (التمتع) على من اعتمر في أشهر الحج، ثم حجَّ من عامه ذلك، ويدل على ذلك قوله - ﷺ -: «دخلت العمرةُ في الحجِّ إلى يومِ القيامةِ»\nالشرط الثاني: أن يحج من عامه ذلك.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٥٤): لا نعلم فيه خلافًا؛ إلا قولًا شاذًّا عن الحسن فيمن اعتمر في أشهر الحج، فهو متمتعٌ، حجَّ أم لم يحج. اهـ\nقلتُ: والصواب قول الجمهور؛ لما تقدم من أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه أطلقوا (التمتع) على من اعتمر في أشهر الحج، ثم حج من نفس العام.\nالشرط الثالث: أن لا يسافر بين العمرة والحج سفرًا بعيدًا تقصر به الصلاة، بل يقيم بمكة بعد إحلاله من العمرة حتى يحج.\n• اشترط ذلك أحمد، وإسحاق، وهو قول سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، ورُوي عن عطاء، وجاء عن عمر بن الخطاب، ولم يصح؛ لأنَّ في إسناده: عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيفٌ، وثبت ذلك عن ابن عمر -﵄-.\nوقال الشافعي: إن رجع إلى الميقات؛ فلا دم عليه. وقال أصحاب الرأي: إن رجع إلى مصره؛ بطلت متعته وإلا فلا. وقال مالك: إن رجع إلى مصره، أو أبعد؛ بطلت متعته، وإلا فلا.","vol":"5","page":321},{"text":"• وذهب الحسن، وسعيد بن المسيب في رواية إلى أنه يعتبر متمتعًا، وإن رجع إلى بلده، واختاره ابن المنذر، وابن حزم، ورواه يزيد الفقير عن ابن عباس -﵄-، كما في مصنف ابن أبي شيبة، ولكنه من طريق عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو متروك، وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ الله أطلق ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، ولم يشترط عدم السفر بينهما، ولم ينه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الصحابة عن السفر بعد أن أحلوا من العمرة.\nفالصحيح عدم اشتراط هذا الشرط المذكور، والأفضل والسنة هو عدم الفصل بين العمرة والحج بسفرٍ كما فعل الصحابة في حجة الوداع، والله أعلم. (^١)\nالشرط الرابع: أن يحل من إحرامه بالعمرة قبل إحرامه بالحج؛ فإن أدخل الحج على العمرة لم يلزمه دمُ التمتع؛ لأنه أصبح قارنًا. (^٢)\nويدل على هذا الشرط حديث عائشة -﵂- أنها حاضت، فأمرها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن تدخل الحج على العمرة، قالت: ولم يكن في ذلك هدي، ولا صوم، ولا صدقة. متفق عليه. (^٣)\nالشرط الخامس: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٥٥): لاخلاف بين أهل العلم في أنَّ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٥٤)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٣٠ - ٢٣١) (باب ٤٧) من كتاب المناسك، «المحلى» (٧/ ١٥٨ -)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٩٦).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٥٥).\n(^٣) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"5","page":322},{"text":"دم المتعة لا يجب على حاضر المسجد الحرام. اهـ\nقلتُ: خالف طاوس، فقال: إن تمتعوا فعليهم مثل ما على الناس. أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٩٤١)، وإسناده حسن.\nوالصحيح مذهب الجمهور، ودليله قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2454>مسألة [١٥٢]: إذا أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج، وحلَّ منها في أشهر الحج</span>.\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: لا يكون متمتعًا، وهو قول قتادة، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وابن حزم، وعزاه النووي للجمهور؛ لأنَّ الإحرام بالعمرة ركنٌ، وقد وقع في غير أشهر الحج.\nالثاني: عمرته في الشهر الذي يطوف فيه ويحل، ويكون متمتعًا، وهو قول الحسن، والحكم، وابن شبرمة، والثوري، والشافعي في أحد قوليه، وعطاء، ومالك.\nالثالث: إن طاف أربعة أشواط في أشهر الحج؛ فيكون متمتعًا، وإلا فلا، وهو قول أبي حنيفة.\nقلتُ: والصواب هو القول الأول -والله أعلم-؛ لأنه قد أدى بعض العمرة في غير أشهر الحج. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٧/ ١٧٢ -).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٥٣)، «المحلى» (٧/ ١٥٨)، «المجموع» (٧/ ١٨٢).","vol":"5","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2455>مسألة [١٥٣]: من هم حاضروا المسجد الحرام</span>؟\n• في المسألة أقوال:\nالاول: هم أهل مكة، ومن بينه وبينها مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وهو قول عطاء، وأحمد، والشافعي.\nالثاني: هم أهل مكة، وذي طوى، وهو قول مالك.\nالثالث: هم أهل مكة فقط، وهو قول الثوري، وداود، ونافع، والأعرج.\nالرابع: هم أهل الحرم، وهو قول مجاهد، وطاوس، واختاره ابن حزم، ورُوي عن ابن عباس، وفي إسناده رجلٌ مبهم. ورجحه الإمام العثيمين كما في «تفسيره»، والإمام ابن باز رحمة الله عليهما.\nالخامس: هم من كان دون المواقيت، وهو قول مكحول، وأصحاب الرأي.\nقلتُ: أقرب الأقوال هو القول الأول، وهو ترجيح الإمام السعدي -﵀- في «تفسيره»؛ لقوله تعالى: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فقوله: ﴿حَاضِرِي﴾ يشمل من كان فيه، أو مقاربًا له بمسافة لا تقصر فيها الصلاة، والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٥٧): فإذا دخل الآفاقي مكة متمتعًا، ناويًا للإقامة بها بعد تمتعه؛ فعليه دمُ المتعة، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٥٦) «المحلى» (٧/ ١٤٦) «المجموع» (٧/ ١٨٢) «فتاوى اللجنة» (١١/ ٣٩٠).","vol":"5","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2456>مسألة [١٥٤]: هل للمكي أن يتمتع</span>؟\n• أكثر أهل العلم يرون مشروعية التمتع للمكي، ويقولون في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: إنَّ الإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى وجوب الدم، لا إلى التمتع.\n• وذهب جماعةٌ من الفقهاء إلى أنَّ المكي ليس له المتعة، وهو قول عروة، وطاوس، والزهري، وميمون بن مهران، والحنفية؛ بناءً على اختيارهم بأنه لا يعتمر، وحملوا الإشارة بقوله ﴿ذَلِكَ﴾ إلى التمتع.\nوالصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2457>مسألة [١٥٥]: وقت وجوب الدم</span>.\n• في المسألة أقوال:\nالأول: بعد رمي الجمرة، وهو قول مالك وأصحابه؛ لأنه هو الوقت الذي ذبح فيه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nالثاني: عند الإحرام بالحج، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وداود، وابن حزم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦].\nالثالث: إذا وقف بعرفة، وهو قول عطاء، ورواية عن أحمد، وعن مالك، واختاره بعض الحنابلة.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٥٧)، «الفتح» (١٥٧٢)، «ابن أبي شيبة» (باب/٤٨٣ من كتاب الحج).","vol":"5","page":325},{"text":"الرابع: يجب الدم بطلوع الفجر من يوم النحر، وهو رواية عن أحمد أخذ بها جماعة من أصحابه؛ وذلك لأن الهدي من جنس ما يقع به التحلل؛ فكان وقت وجوبه بعد وقت الوقوف كالطواف، والرمي، والحلق، واستدلوا بالآية المتقدمة ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ وقالوا: المقصود أفعال الحج، وأكثر أفعال الحج يوم النحر.\nالخامس: أنَّ الدم يجب بالإحرام للعمرة، وهو رواية عن أحمد مشهورة؛ لحديث ابن عباس في «صحيح مسلم» (١٢٤١): «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أقرب الأقوال -والله أعلم- هو القول الخامس؛ إلا أنَّ وجوب الدم مقيد في الآية بالأمن ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، والمقصود: الأمن من العدو، والمرض؛ فيتمكن من أداء مناسكه.\nوعليه: فالذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الوجوب له تعلق بالذمة منذ إحرامه بالعمرة، ولكن لا يتم الوجوب إلا بالدخول في وقت الذبح كما هو قول مالك، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2458>مسألة [١٥٦]: وقت جواز الذبح</span>.\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يذبح قبل يوم النحر، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه لم يذبحوا إلا في ذلك اليوم،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٥٨)، «المحلى» (٧/ ١٥٥)، «المجموع» (٧/ ١٨٣).","vol":"5","page":326},{"text":"وقاسوه أيضًا على الأضاحي، وقال الله ﷿: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]، ومعلومٌ أنَّ محله يوم النحر بمنى، ولا يجوز الحلق، أو الذبح قبل ذلك.\n• وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنه يجوز ذبحه من حين إحرامه بالحج؛ للآية المتقدمة: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، واختلف الشافعية في جواز الذبح بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، والأصح عندهم جوازه.\nقلتُ: وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2459>مسألة [١٥٧]: مِمَّاذا يكون الهدي</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٨/ ٣٥٦): قال العلماء: والهدي ما يُهدى إلى الحرم من حيوان وغيره، والمراد هاهنا: ما يجزئ في الأضحية من الإبل، والبقر، والغنم خاصَّة. اهـ\nقلتُ: وهو مذهب الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وهو قول ابن عباس -﵄- كما في «صحيح البخاري» (١٦٨٨)، وثبت عن عائشة، وابن عمر -﵃- القول بأنَّ ما استيسر من الهدي لا يكون إلا من الإبل، والبقر (^٢)، وهو قول القاسم بن محمد، ومالك.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٥٩)، «المجموع» (٧/ ١٨٣).\n(^٢) أخرجه عنهما ابن جرير وابن أبي حاتم في «تفسيرهما» [آية:١٩٦] من سورة البقرة بإسناد صحيح.","vol":"5","page":327},{"text":"قال إسماعيل القاضي في «الأحكام» كما في «الفتح» (١٦٨٨): ويرد هذا قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، وأجمع المسلمون أنَّ في الظبي شاة، فوقع عليه اسم الهدي.\nقال الحافظ -﵀-: قد احتج بذلك ابن عباس، فأخرج الطبري (^١) بإسناد صحيح إلى عبدالله بن عبيد بن عمير، قال: قال ابن عباس: الهدي شاة. فقيل له في ذلك، فقال: أنا أقرأ عليكم من كتاب الله، ما تقوون به، ما في الظبي؟ قالوا: شاة. قال: فإن الله تعالى يقول: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. اهـ\nوالصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2460>مسألة [١٥٨]: على كم يجزئ الهدي</span>؟\nأما الشاة فتجزئ عن واحد فقط.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٦٨٨): وأجمعوا على أنَّ الشاة لا يصح الاشتراك فيها. اهـ\nوأما الإبل، والبقر، فذهب أكثر العلماء إلى جواز الاشتراك فيها، سواء كان الهدي تطوعًا، أو واجبًا، وسواء كانوا كلهم متقربين بذلك، أو كان بعضهم يريد التقرب، وبعضهم يريد اللحم.\n_________\n(^١) إسناده صحيح عند الطبري في تفسير [آية:١٩٦] من سورة البقرة.\n(^٢) وانظر: «الفتح» (١٦٨٨)، «المغني» (٥/ ٣٥٢)، «الكبرى للبيهقي» (٥/ ٢٤)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ٤٩٣).","vol":"5","page":328},{"text":"وعن أبي حنيفة: يُشترط في الاشتراك أن يكونوا كلهم متقربين بالهدي، وعن زفر مثله بزيادة أن تكون أسبابهم واحدة، وعن داود، وبعض المالكية: يجوز في هدي التطوع دون الواجب، وعن مالك: لا يجوز مطلقًا.\nقلتُ: والصواب هو قول الجمهور؛ لحديث جابر في «صحيح مسلم» (١٣١٨): خرجنا مع رسول الله - ﷺ - مهلين بالحج، فأمرنا أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة. (^١)\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٦٨٨): واتفق من قال بالاشتراك على أنه لا يكون في أكثر من سبعة إلا إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيب، فقال: تجزئ عن عشرة. وبه قال إسحاق بن راهويه، وابن خزيمة من الشافعية. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2461>مسألة [١٥٩]: إشعار الهدي</span>.\nالإشعار: هو الإعلام، والمقصود به هاهنا أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دمٌ، ثم يسلته؛ فيكون ذلك علامة على كونه هديًا.\nوالإشعار يكون في الإبل، والبقر، ولا تُشعر الغنم؛ لأنها ضعيفة لا تتحمل، ولأنَّ الشعر يغطي مكان الإشعار، وقد قال بجواز الإشعار جمهور السلف والخلف؛ لحديث ابن عباس -﵄- في «صحيح مسلم» (١٢٤٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلَّى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته، فأشعرها في صحفة سنامها الأيمن، وسلت الدم، وقلَّدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٦٨٨).","vol":"5","page":329},{"text":"أهلَّ بالحج.\nوفي «البخاري» (١٦٩٤)، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم قالا: خرج رسول الله - ﷺ - زمن الحديبية من المدينة مع بضع عشرة مائة من أصحابه، حتى إذا كان بذي الحليفة قلَّد النبي - ﷺ - الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة.\nوأنكر النخعي، وأبو حنيفة الإشعار، وقال أبو حنيفة: بدعة؛ لأنَّ فيه مُثلةً، وتعذيبًا للحيوان. وقد أنكر عليهم أهل العلم في ذلك؛ لصحة الأحاديث الواردة في ذلك. (^١)\nفائدة: قال الإمام الترمذي -﵀- في «السنن» عقب الحديث (٩٠٦): والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، يرون الإشعار، وهو قول الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. سمعت يوسف بن عيسى يقول: سمعت وكيعًا يقول حين روى هذا الحديث، فقال: لا تنظروا إلى قول أهل الرأي في هذا؛ فإن الإشعار سنة، وقولهم بدعة.\nوسمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع، فقال لرجل عنده ممن ينظر في الرأي: أشعر رسول الله - ﷺ -، ويقول أبو حنيفة هو مثلة؟ قال الرجل: فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة.\nقال: فرأيت وكيعا غضب غضبًا شديدًا، وقال: أقول لك قال رسول الله - ﷺ -. وتقول: قال إبراهيم. ما أحقك بأن تحبس، ثم لا تخرج حتى تنزع عن\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (١٦٩٩)، «المجموع» (٨/ ٣٥٨)، «المغني» (٥/ ٤٥٥)، «البيان» (٤/ ٤١١).","vol":"5","page":330},{"text":"قولك هذا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2462>مسألة [١٦٠]: موضع الإشعار</span>.\nتقدم في حديث ابن عباس أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وقد أخذ بذلك الشافعي، وأحمد، وداود، وصاحبا أبي حنيفة، وصحَّ عن ابن عمر أنه كان يتحرى الأيسر؛ فإنْ صعب عليه ففي الأيمن (^١)، وأخذ بذلك مالك، وأحمد في رواية.\nفقد أخرج البيهقي في «الكبرى» (٥/ ٢٣٢) بإسناد صحيح عن ابن وهب أخبرني مالك بن أنس وعبد الله بن عمر عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يُشعِر بدنه من الشق الأيسر إلا أن تكون صعابا مقرنة، فإذا لم يستطع أن يدخل بينهما أشعر من الشق الأيمن، وإذا أراد أن يشعرها وجهها إلى القبلة، وإذا أشعرها قال: باسم الله والله أكبر. وأنه كان يشعرها بيده وينحرها بيده قيامًا. وهذا إسناد صحيح.\nوالأفضل هو القول الأول؛ لصحة حديث ابن عباس -﵄-، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: قال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٦٩٩): اتفق من قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك بالإبل، إلا سعيد بن جبير، واتفقوا على أنَّ الغنم لا تُشعر؛ لضعفها، ولكون صوفها وشعرها يستر موضع الإشعار. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «موطأ مالك» (١/ ٣٧٩)، «سنن البيهقي» (٥/ ٢٣٢)، وإسناده صحيح.\n(^٢) وانظر: «الفتح» (١٦٩٦)، «المجموع» (٨/ ٣٦٠)، «المغني» (٥/ ٤٥٥)، «البيان» (٤/ ٤١١).","vol":"5","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2463>مسألة [١٦١]: تقليد الهدي</span>.\nهو أن يعلق على عنق الهدي نعلًا، أو شيئًا آخر؛ ليتميز أنه هدي.\n• وبالتقليد قال جمهور العلماء من السلف والخلف؛ لحديث ابن عباس، والمسور -﵃-، وقد تقدما.\nوفي «الصحيحين» (^١) عن عائشة قالت: فتلت قلائد بدن رسول الله - ﷺ - بيدي، ثم أشعرها، وقلَّدها، ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة، فما حرم عليه شيء كان له حلالًا.\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى عدم استحباب تقليد الغنم، ويرد ذلك حديث عائشة -﵂- في «الصحيحين» (^٢) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث إلى البيت غنمًا وقلَّدها. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2464>مسألة [١٦٢]: من أرسل هديًا، فهل يصبح مُحْرِمًا</span>؟\n• جاء عن بعض الصحابة والتابعين أنه يصير مُحْرِمًا، صحَّ ذلك عن ابن عباس، وابن عمر -﵃- (^٤)، وبه قال النخعي، وعطاء، وابن سيرين وآخرون.\n• وذهب عامة أهل العلم إلى أنه لا يصير مُحْرِمًا، ففي «الصحيحين» (^٥) عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٦٩٦)، ومسلم برقم (١٣٢١) (٣٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٧٠٢)، ومسلم (١٣٢١) (٣٦٧)، واللفظ لمسلم.\n(^٣) وانظر: «المجموع» (٨/ ٣٥٨، ٣٦٠)، «الفتح» (١٧٠١)، «المغني» (٥/ ٤٤)، «البيان» (٤/ ٤١٢).\n(^٤) أثر ابن عباس -﵂- سيأتي تخريجه ضمن الحديث المرفوع قريبًا، وأما أثر ابن عمر -﵂- فأخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١/٨٨) بإسناد صحيح.\n(^٥) أخرجه البخاري برقم (١٧٠٠)، ومسلم برقم (١٣٢١) (٣٦٩).","vol":"5","page":332},{"text":"عمرة بنت عبدالرحمن أنَّ زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة: أنَّ عبدالله بن عباس قال: من أهدى هديًا؛ حرم عليه ما يحرم على الحاج، حتى ينحر هديه. قالت عمرة: قالت عائشة: ليس كما يقول ابن عباس، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله - ﷺ - بيدي، ثم قلدها رسول الله - ﷺ - بيده، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله - ﷺ - شيء أحله الله له حتى نحر الهدي. وفي رواية: ويصبح رسول الله - ﷺ - فينا حلالًا يأتي ما يأتي الحلال من أهله. (^١)\nوهو قول جماعة من الصحابة، كابن مسعود، وأنس، وابن الزبير (^٢)، واستقر الأمر على هذا القول، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2465>مسألة [١٦٣]: هل يصير الرجل محرمًا إذا أراد النسك بتقليد الهدي</span>؟\n• ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم، حكاه ابن المنذر عن الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. قال: وقال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرمًا، ولا يجب عليه شيء.\nقلتُ: وقول الجمهور هو الصواب؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وفي حديث المسور المتقدم في «البخاري» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قلَّد، وأشعر، ثم أحرم بالعمرة. ففيه التفريق بين الإحرام والتقليد، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجها مسلم (١٣٢١) (٣٦٤).\n(^٢) أخرج هذه الآثار -إلا أثر ابن الزبير- ابن أبي شيبة (٤/ ١/٨٣ - ٨٦) بأسانيد صحيحة.\n(^٣) وانظر: «المجموع» (٨/ ٣٦٠)، «الفتح» (١٧٠٠).\n(^٤) وانظر: «الفتح» (١٧٠٠)، «ابن أبي شيبة» (٣/ ٤٨١)، «البيهقي» (٥/ ٢٣٣).","vol":"5","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2466>مسألة [١٦٤]: هل له أن يركب الهدي</span>؟\nنقل الجواز مطلقًا عن عروة بن الزبير، وأحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر، وجزم به النووي في «الروضة»؛ لحديث أبي هريرة، وأنس -﵄- في «الصحيحين» (^١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا بَدَنَةٌ. فَقَالَ: «ارْكَبْهَا، وَيْلَك». فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ.\nونقل ابن عبد البر كراهة الركوب لغير حاجة عن أكثر الفقهاء، ومنهم: الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، ويدل على ذلك حديث جابر -﵁- في «صحيح مسلم» (١٣٢٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سُئل عن ركوب الهدي؟ فقال: «اركبها بالمعروف إذا أُلجِئت إليها، حتى تجد ظهرًا».\n• وعن أبي حنيفة المنع مطلقًا، وعن مالك الجواز في الضرورة، وعن بعض أهل الظاهر الوجوب.\nقلتُ: الظاهر من الأحاديث المتقدمة هو الجواز بغير كراهة إذا كان محتاجًا، ويكره إذا لم يكن محتاجًا، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2467>مسألة [١٦٥]: المتمتع إذا لم يجد هديًا، فكيف يصنع</span>؟\nقال رب العزة جل وعلا: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦].\n_________\n(^١) انظر: «البخاري» (١٦٨٩) (١٦٩٠)، ومسلم (١٣٢٢) (١٣٢٣).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (١٦٨٩) (١٦٩٠)، «البيان» (٤/ ٤١٤)، «المغني» (٥/ ٤٤٢).","vol":"5","page":334},{"text":"قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٦٠): لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ المُتَمَتِّعَ إذَا لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ يَنْتَقِلُ إلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، وَتُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ فِي مَوْضِعِهِ، فَمَتَى عَدِمَهُ فِي مَوْضِعِهِ؛ جَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ مُوَقَّتٌ، وَمَا كَانَ وُجُوبُهُ مُوَقَّتًا اُعْتُبِرَتْ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2468>مسألة [١٦٦]: هل يُشترط في الهدي أن يجمع بين الحل والحرم</span>؟\n• أكثر أهل العلم لا يشترطون ذلك، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابهم، وجاء عن عبد الله بن عباس -﵄-. (^١)\n• وصحَّ عن ابن عمر -﵄- أنه كان لا يرى الهدي إلا ما عرَّف، وهو قول سعيد ابن جبير، ومالك.\nوالصواب القول الأول، ولا نعلم دليلًا على اشتراط ذلك. (^٢)\nتنبيه: حلق النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعد أن نحر، ولم يذكر هذا في حديث جابر، وقد صحَّ ذلك عن أنس -﵁- كما في «صحيح مسلم» (١٣٠٥): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نحر، ثم أتى منزله بمنى، ثم دعا الحلاق فقال له: «خُذْ»، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٤٥٥)، وفي إسناده: رباح بن أبي معروف، وفيه ضعف.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٠٢)، «المجموع» (٨/ ٣٥٧)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٥٥)، «البيان» (٤/ ٤٢٩).","vol":"5","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2469>مسألة [١٦٧]: أقسام الهدي الواجب وحكم التصرف فيه قبل ذبحه</span>.\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٣٤): الْوَاجِبُ مِنْ الْهَدْيِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: وَجَبَ بِالنَّذْرِ فِي ذِمَّتِهِ. وَالثَّانِي: وَجَبَ بِغَيْرِهِ، كَدَمِ التَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، وَالدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ بِتَرْكِ وَاجِبٍ، أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ.\nوَجَمِيعُ ذَلِكَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسُوقَهُ يَنْوِي بِهِ الْوَاجِبَ الَّذِي عَلَيْهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيِّنَهُ بِالْقَوْلِ، فَهَذَا لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ إلَّا بِذَبْحِهِ، وَدَفْعِهِ إلَى أَهْلِهِ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ، وَهِبَةٍ، وَأَكْلٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ غَيْرِهِ بِهِ، وَلَهُ نَمَاؤُهُ، وَإِنْ عَطِبَ تَلِفَ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ تَعَيَّبَ لَمْ يُجْزِئْهُ ذَبْحُهُ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ الَّذِي كَانَ وَاجِبًا، فَإِنَّ وُجُوبَهُ فِي الذِّمَّةِ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِإِيصَالِهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَحَمَلَهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، يَقْصِدُ دَفْعَهُ إلَيْهِ فَتَلِفَ قَبْلَ أَنْ يُوصِلَهُ إلَيْهِ.\nالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُعَيِّنَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ، فَيَقُولَ: هَذَا الْوَاجِبُ عَلَيَّ. فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْوُجُوبُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَبْرَأَ الذِّمَّةُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْجَبَ هَدْيًا وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ لَتَعَيَّنَ، فَإِذَا كَانَ وَاجِبًا فَعَيَّنَهُ فَكَذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَطِبَ، أَوْ سُرِقَ، أَوْ ضَلَّ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، لَمْ يُجْزِهِ، وَعَادَ الْوُجُوبُ إلَى ذِمَّتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاشْتَرَى بِهِ مِنْهُ مَكِيلًا، فَتَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَعَادَ الدَّيْنُ إلَى ذِمَّتِهِ، وَلِأَنَّ ذِمَّتَهُ لَمْ تَبْرَأْ مِنْ الْوَاجِبِ بِتَعْيِينِهِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِمَحَلٍّ آخَرَ، فَصَارَ كَالدِّينِ يَضْمَنُهُ ضَامِنٌ، أَوْ يَرْهَنُ بِهِ رَهْنًا، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ الْحَقُّ بِالضَّامِنِ وَالرَّهْنِ مَعَ بَقَائِهِ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ، فَمَتَى تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الضَّامِنِ، أَوْ تَلِفَ الرَّهْنُ، بَقِيَ الْحَقُّ فِي الذِّمَّةِ بِحَالِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.","vol":"5","page":336},{"text":"وَإِنْ ذَبَحَهُ، فَسُرِقَ، أَوْ عَطِبَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا نَحَرَ فَلَمْ يُطْعِمْهُ حَتَّى سُرِقَ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إذَا نَحَرَ فَقَدْ فَرَغَ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوصِلْ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَذْبَحْهُ.\nوَلَنَا: أَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، فَبَرِئَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ فَرَّقَهُ. وَدَلِيلُ أَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ، أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا التَّفْرِقَةُ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفُقَرَاءِ أَجْزَأَهُ، وَلِذَلِكَ لَمَّا نَحَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْبَدَنَاتِ، قَالَ: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» (^١).\nوَإِذَا عَطِبَ هَذَا الْمُعَيَّنُ، أَوْ تَعَيَّبَ عَيْبًا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، لَمْ يُجْزِهِ ذَبْحُهُ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ هَدْيًا سَلِيمًا وَلَمْ يُوجَدْ، وَعَلَيْهِ مَكَانَهُ، وَيَرْجِعُ هَذَا الْهَدْيُ إلَى مِلْكِهِ، فَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ، مِنْ أَكْلٍ، أَوْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ، وَصَدَقَةٍ، وَغَيْرِهِ. هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَنَحْوِهِ عَنْ عَطَاءٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَأْكُلُ، وَيُطْعِمُ مَنْ أَحَبَّ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَلَا يَبِيعُ مِنْهُ شَيْئًا. وَلَنَا مَا رَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ، قَالَ: إذَا أَهْدَيْت هَدْيًا تَطَوُّعًا، فَعَطِبَ، فَانْحَرْهُ، ثُمَّ اغْمِسْ النَّعْلَ فِي دَمِهِ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهَا صَفْحَتَهُ، فَإِنْ أَكَلْت أَوْ أَمَرْت بِهِ عَرَّفْت، وَإِذَا أَهْدَيْت هَدْيًا وَاجِبًا فَعَطِبَ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ كُلْهُ إنْ شِئْت، وَأَهْدِهِ إنْ شِئْت، وَبِعْهُ إنْ شِئْت، وَتَقَوَّ بِهِ فِي هَدْيٍ آخَرَ. (^٢) وَلِأَنَّهُ مَتَى كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَيُطْعِمَ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٩٠٧٥)، وأبو داود (١٧٦٥)، عن عبد الله بن قرط -﵁-، بإسناد صحيح.\n(^٢) صحيح: ذكر المؤلف إسناده، وهو إسناد صحيح، وعبد الكريم هو الجزري. وقد أخرجه عبد الرزاق كما في «المحلى» (٩٠٦)، عن سفيان ومعمر، عن عبد الكريم الجزري به، بل ذكر ابن حزم، الأثر المذكور من طريق سعيد بن منصور، وسماه (الجزري).","vol":"5","page":337},{"text":"الْأَغْنِيَاءَ، فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ.\nوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَذْبَحُ الْمَعِيبَ وَمَا فِي ذِمَّتِهِ جَمِيعًا، وَلَا يَرْجِعُ الْمُعَيَّنَ إلَى مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِحَقِّ الْفُقَرَاءِ بِتَعْيِينِهِ، فَلَزِمَ ذَبْحُهُ، كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ بِنَذْرِهِ ابْتِدَاءً. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2470>مسألة [١٦٨]: إذا ضل الهدي المعين، ثم وجده فما الحكم</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٣٦): وَإِنْ ضَلَّ الْمُعَيَّنُ، فَذَبَحَ غَيْرَهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ، أَوْ عَيَّنَ غَيْرَ الضَّالِّ بَدَلًا عَمَّا فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ وَجَدَ الضَّالَّ، ذَبَحَهُمَا مَعًا. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ (^٢)،\nوَابْنِهِ (^٣) وَابْنِ عَبَّاسِ (^٤)، وَفَعَلَتْهُ عَائِشَةُ (^٥). وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٤/ ٤٢٦ - ٤٢٧).\n(^٢) ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٧٥٠) من طريق مجاهد، عن ماعز بن مالك، أو مالك بن ماعز الثقفي، قال: ساق أبي هديين عن نفسه وامرأته وابنته، فأضلهما بذي المجاز، فلما كان يوم النحر ذكر ذلك لعمر، فقال: تربص اليوم وغدا وبعد غد، فإنما النحر في هذه الثلاثة الأيام، فإن وجدت هدييك فانحرهما جميعا، فإن لم تجدهما فاشتر هديين في اليوم الثالث، فانحرهما ولا تحل منك حراما حتى تنحرهما، أو هديين آخرين، فإن نحرت الهديين اللذين اشتريت، ووجدت الهديين الضالين بعد فانحرهما.\n\nوهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لجهالة ماعز بن مالك وأبيه، فمالك تفرد بالرواية عنه، مجاهد، وذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، وسكت عليه؛ فهو مجهول، وأبوه كذلك.\n(^٣) ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٧٥٠) من طريق أبي الخصيب القيسي؛ أنه أهدى عن أمه بدنة فأضلها، فاشترى مكانها أخرى، فقلدها، ثم وجد الأولى، فسأل ابن عمر؟ فقال: انحرهما جميعا. وإسناده ضعيفٌ؛ لجهالة أبي الخصيب القيسي.\n(^٤) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٧٥٠) حدثنا وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي طالب الحجام، وكان ثقة، عن ابن عباس، قال: ينحرهما جميعا. إسناده صحيح، رجاله ثقات، وأبو طالب الحجام ترجمته في «الجرح والتعديل»، وثقه وكيع وأبو زرعة.\n(^٥) سيأتي لفظه وتخريجه إن شاء الله.","vol":"5","page":338},{"text":"وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِنَا فِيمَا إذَا تَعَيَّبَ الْهَدْيُ، فَأَبْدَلَهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَصْنَعَ بِهِ مَا شَاءَ. أَوْ يَرْجِعَ إلَى مِلْكِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَبَحَ مَا فِي الذِّمَّةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ، كَمَا لَوْ عَطِبَ الْمُعَيَّنُ. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.\nوَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّهَا أَهْدَتْ هَدْيَيْنِ، فَأَضَلَّتْهُمَا، فَبَعَثَ إلَيْهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ هَدْيَيْنِ، فَنَحَرَتْهُمَا، ثُمَّ عَادَ الضَّالَّانِ، فَنَحَرَتْهُمَا، وَقَالَتْ: هَذِهِ سُنَّةُ الْهَدْيِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (^١).\nوَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ اللَّهِ بِهِمَا بِإِيجَابِهِمَا، أَوْ ذَبْحِ أَحَدِهِمَا وَإِيجَابِ الْآخَرِ. اهـ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2471>مسألة [١٦٩]: مسألة: إن عيَّن معيبًا عمَّا في ذمته، فما حكم ذلك</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٣٦): وَإِنْ عَيَّنَ مَعِيبًا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، لَمْ يُجْزِهِ، وَلَزِمَهُ ذَبْحُهُ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ، إذَا عَيَّنَهَا مَعِيبَةً لَزِمَهُ ذَبْحُهَا، وَلَمْ يُجْزِهِ.\nوَإِنْ عَيَّنَ صَحِيحًا فَهَلَكَ، أَوْ تَعَيَّبَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ وَاجِبًا فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ لَمْ يَجِبْ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ، فَسَقَطَ بِتَلَفِهَا لِأَصْلِ\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٤٢)، وكذلك إسحاق (٦٩٥، و٦٩٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ٧٤٩)، وابن خزيمة (٢٩٢٥)، والبيهقي (٥/ ٢٤٤)، ورواية الدارقطني من طريق سعد بن سعيد الأنصاري، وفي حفظه ضعف، وقد تفرد بالزيادة: (هذه سنة الهدي)، ورواية الباقين من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وهي رواية صحيحة، وليس فيها هذه الزيادة.\n(^٢) وانظر: «البيان» (٤/ ٤٢٧).","vol":"5","page":339},{"text":"الْهَدْيِ، إذَا لَمْ يَجِبْ بِغَيْرِ التَّعْيِينِ.\nوَإِنْ أَتْلَفَهُ، أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ، لَزِمَهُ مِثْلُ المُعَيَّنِ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا فَوَّتَهُ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ، كَالْهَدْيِ الْمُعَيَّنِ ابْتِدَاءً. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2472>مسألة [١٧٠]: كيف يحصل تعيين الهدي</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٣٧): وَيَحْصُلُ الْإِيجَابُ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْيٌ. أَوْ بِتَقْلِيدِهِ وَإِشْعَارِهِ نَاوِيًا بِهِ الْهَدْيَ، وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَلَا يَجِبُ بِالشِّرَاءِ مَعَ النِّيَّةِ، وَلَا بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ بِالشِّرَاءِ مَعَ النِّيَّةِ.\nوَلَنَا: أَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، فَلَمْ يَجِبْ بِالنِّيَّةِ، كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2473>مسألة [١٧١]: إذا ذبح عن الهدي الواجب شاة مغصوبة</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٣٧): إذَا غَصَبَ شَاةً، فَذَبَحَهَا عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، لَمْ يُجْزِهِ، سَوَاءٌ رَضِيَ مَالِكُهَا أَوْ لَمْ يَرْضَ، أَوْ عَوَّضَهُ عَنْهَا أَوْ لَمْ يُعَوِّضْهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُهُ إنَّ رَضِيَ مَالِكُهَا.\nوَلَنَا: أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ قُرْبَةً فِي ابْتِدَائِهِ، فَلَمْ يَصِرْ قُرْبَةً فِي أَثْنَائِهِ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ لِلْأَكْلِ ثُمَّ نَوَى بِهِ التَّقْرِيبَ، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ ثُمَّ نَوَاهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2474>مسألة [١٧٢]: حكم هدي التطوع إذا عطب في الطريق</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٣٧ -): مَنْ تَطَوَّعَ بِهَدْيِ غَيْرِ","vol":"5","page":340},{"text":"وَاجِبٍ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْوِيَهُ هَدْيًا، وَلَا يُوجِبُ بِلِسَانِهِ وَلَا بِإِشْعَارِهِ وَتَقْلِيدِهِ، فَهَذَا لَا يَلْزَمُهُ إمْضَاؤُهُ، وَلَهُ أَوْلَادُهُ وَنَمَاؤُهُ وَالرُّجُوعُ فِيهِ مَتَى شَاءَ، مَا لَمْ يَذْبَحْهُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الصَّدَقَةَ بِشَيْءِ مِنْ مَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى الصَّدَقَةَ بِدِرْهَمٍ.\nالثَّانِي: أَنْ يُوجِبَهُ بِلِسَانِهِ، فَيَقُولَ: هَذَا هَدْيٌ. أَوْ يُقَلِّدَهُ أَوْ يُشْعِرَهُ، يَنْوِي بِذَلِكَ إهْدَاءَهُ، فَيَصِيرُ وَاجِبًا مُعَيَّنًا، يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِعَيْنِهِ، دُونَ ذِمَّةِ صَاحِبِهِ، وَيَصِيرُ فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ كَالْوَدِيعَةِ، يَلْزَمُهُ حِفْظُهُ وَإِيصَالُهُ إلَى مَحِلِّهِ، فَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ، أَوْ سَوْقٍ، أَوْ ضَلَّ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ فِي الذِّمَّةِ، إنَّمَا تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِالْعَيْنِ، فَسَقَطَ بِتَلَفِهَا، كَالْوَدِيعَةِ.\nوَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ أَهْدَى تَطَوُّعًا، ثَمَّ ضَلَّتْ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْبَدَلُ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ، فَإِنْ كَانَ نَذْرًا، فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ» (^١).\nوَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: «مَنْ أَهْدَى تَطَوُّعًا، ثَمَّ عَطِبَ فَإِنْ شَاءَ أَبْدَلَ، وَإِنْ شَاءَ أَكَلَ، وَإِنْ كَانَ نَذْرًا فَلْيُبْدِلْ» (^٢).\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا: أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٤٢)، وفي إسناده عبد الله بن شبيب، وهو واهي الحديث.\n(^٢) ضعيف منكر: أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٤٢)، من طريق عبد الله بن عامر الأسلمي، عن نافع عن ابن عمر به. وإسناده ضعيف؛ لضعف عبد الله بن عامر، وقد خالف مالك فأوقفه على ابن عمر بلفظ: «من أهدي بدنة فضلت، أو ماتت، فإنها إذا كانت نذرًا أبدلها وإن كان تطوعًا، فإن شاء أبدلها وإن شاء تركها». أخرجه البيهقي (٥/ ٢٤٣)، من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر به.\nوقال البيهقي بعد ذكر الرواية المرفوعة: الصحيح رواية مالك، عن نافع، والله أعلم.","vol":"5","page":341},{"text":"فَأَمَّا إنْ أَتْلَفَهُ، أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ وَاجِبًا لِغَيْرِهِ، فَضَمِنَهُ، كَالْوَدِيعَةِ.\nوَإِنْ خَافَ عَطَبَهُ، أَوْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ وَصُحْبَةِ الرِّفَاقِ، نَحَرَهُ مَوْضِعَهُ، وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسَاكِينِ، وَلَمْ يُبَحْ لَهُ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا لَأَحَدٍ مِنْ صَحَابَتِهِ، وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءً، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَضَعَ نَعْلَ الْهَدْيِ الْمُقَلَّدَ فِي عُنُقِهِ فِي دَمِهِ، ثُمَّ يَضْرِبَ بِهِ صَفْحَتَهُ، لِيُعَرِّفَهُ الْفُقَرَاءَ، فَيَعْلَمُوا أَنَّهُ هَدْيٌ، وَلَيْسَ بِمَيِّتَةٍ، فَيَأْخُذُوهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ هَدْيِهِ الَّذِي عَطِبَ، وَلَمْ يَقْضِ مَكَانَهُ. (^١)\nوَقَالَ مَالِكٌ: يُبَاحُ لِرُفْقَتِهِ، وَلِسَائِرِ النَّاسِ، غَيْرِ صَاحِبِهِ أَوْ سَائِقِهِ، وَلَا يَأْمُرُ أَحَدًا يَأْكُلُ مِنْهُ، فَإِنْ أَكَلَ، أَوْ أَمَرَ مِنْ أَكَلَ، أَوْ حَزَّ شَيْئًا مِنْ لَحْمِهِ، ضَمِنَهُ. وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِذَلِكَ، بِمَا رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَاجِيَةَ بِن كَعْبٍ، صَاحِبِ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنْ الْهَدْيِ؟ قَالَ: «انْحَرْهُ، ثُمَّ اغْمِسْ قَلَائِدَهُ فِي دَمِهِ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهَا صَفْحَةَ عُنُقِهِ، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ» (^٢). قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢/٣٤)، نا عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: «بعث معي عبد الله ببدنة تطوعًا، فعطب في الطريق، فنحرتها، فتصدقت منها بطائفة، ورجعت إليه ببعضها، فأكل ولم يبدل». إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين.\n(^٢) صحيح: أخرجه أبو داود (١٧٦٢)، والترمذي (٩١٠)، والنسائي في «الكبرى» (٤١٣٧)، وابن ماجه (٣١٠٦)، وأحمد (٤/ ٣٣٤)، من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ناجية به. وإسناده صحيح.","vol":"5","page":342},{"text":"وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: «وَخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ». رُفْقَتُهِ وَغَيْرُهِمْ.\nوَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ الْبُدْنَ، ثُمَّ يَقُولُ: «إنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَخَشِيتَ عَلَيْهَا، فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِك». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: «وَيُخَلِّيهَا وَالنَّاسَ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ» (^٢). وَقَالَ سَعِيدٌ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ بَعَثَ بِثَمَانِي عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ، وَقَالَ: «إنْ ازْدَحَفَ عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اُصْبُغْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهَا فِي صَفْحَتِهَا، وَلَا تَأْكُلْ أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ» (^٣). وَهَذَا صَحِيحٌ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ، وَمَعْنًى خَاصٍّ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى عُمُومِ مَا خَالَفَهُ.\nوَلَا تَصِحُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ رُفْقَتِهِ وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُشْفِقُ عَلَى رُفْقَتِهِ، وَيُحِبُّ التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ، وَرُبَّمَا وَسَّعَ عَلَيْهِمْ مِنْ مُؤْنَتِهِ. وَإِنَّمَا مُنِعَ السَّائِقُ وَرُفْقَتُهُ مِنْ الْأَكْلِ مِنْهَا؛ لِئَلَّا يُقَصِّرَ فِي حِفْظِهَا، فَيُعْطِبَهَا لِيَأْكُلَ هُوَ وَرُفْقَتُهُ مِنْهَا، فَتَلْحَقَهُ التُّهْمَةُ فِي عَطَبِهَا لِنَفْسِهِ وَرُفْقَتِهِ، فَحُرِمُوهَا لِذَلِكَ. فَإِنْ أَكَلَ مِنْهَا، أَوْ بَاعَ أَوْ أَطْعَمَ غَنِيًّا، أَوْ رُفْقَتَهُ، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ لَحْمًا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٣٢٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٥)، وإسناده صحيح.\n(^٣) صحيح: إسناد سعيد بن منصور مرسل، والحديث صحيح، فقد أخرجه مسلم (١٣٢٥)، من طريق موسى بن سلمة، عن ابن عباس به، وفيه: «ست عشرة بدنة».","vol":"5","page":343},{"text":"وَإِنْ أَتْلَفَهَا، أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ، أَوْ خَافَ عَطَبَهَا، فَلَمْ يَنْحَرْهَا حَتَّى هَلَكَتْ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا بِمَا يُوصِلُهُ إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إيصَالُ الضَّمَانِ إلَيْهِمْ، بِخِلَافِ الْعَاطِبِ.\nوَإِنْ أَطْعَمَ مِنْهَا فَقِيرًا، أَوْ أَمَرَهُ بِالْأَكْلِ مِنْهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَطْعَمَ فَقِيرًا بَعْدَ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ. اهـ\nقال الإمام أبو الحسين العِمراني -﵀- في «البيان» (٤/ ٤١٩ -): وإن أتلف المهدي الهديَ؛ لزمه ضمانه؛ لأنه أتلف مال المساكين، ويضمنه بأكثر الأمرين: من قيمته، أو هديٍ مثله.\nوقال مالك، وأبو حنيفة: يجب عليه قيمته يوم التلف.\nدليلنا: أنه لزمه الإراقة، والتفرقة، وقد فوت الجميع؛ فلزمه ضمانهما، كما لو أتلف شيئين. فإن كانت القيمة مثل ثمن مثله اشترى بها هديًا مثله. وإن كان الثمن أقلَّ من قيمة هدي مثله؛ لزمه أن يشتري مثله. وإن كانت أكثر؛ فإن أمكنه أن يشتري بها هديين مثله؛ اشترى بها هديين، وإن لم يمكنه؛ اشترى هديًا مثله.\nثم قال: وإن أتلفه أجنبي؛ وجبت عليه القيمة يوم التلف، لا غير، والفرق بينه وبين المهدي: أن المهدي وجبت عليه الإراقة، وهذا لم تجب عليه الإراقة. اهـ\nقلتُ: ما قرره العمراني -﵀- من قول الشافعية أقرب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٤/ ٤٢٧).","vol":"5","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2475>مسألة [١٧٣]: حكم هدي التطوع إذا أصيب بعيب</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٤٠): وَإِنْ تَعَيَّبَ فذَبَحَهُ أَجْزَأَهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُجْزِئُهُ، إلَّا أَنْ يَحْدُثَ الْعَيْبُ بِهِ بَعْدَ إضْجَاعِهِ لِلذَّبْحِ.\nوَلَنَا: أَنَّهُ لَوْ عَطِبَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، فَالْعَيْبُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَطَبَ يَذْهَبُ بِجَمِيعِهِ، وَالْعَيْبُ يَنْقُصُهُ. وَلِأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ بَعْدَ وُجُوبِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَدَثَ بَعْدَ إضْجَاعِهِ.\nوَإِنْ تَعَيَّبَ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ، فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ مِنْ الْقِيمَةِ، يَتَصَدَّقُ بِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُبَاعُ جَمِيعُهُ، وَيُشْتَرَى هَدْيٌ. وَبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مُجْزِئٌ. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2476>مسألة [١٧٤]: حكم إبدال الهدي بخير منه</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٤١): وَإِذْ أَوْجَبَ هَدْيًا؛ فَلَهُ إبْدَالُهُ بِخَيْرِ مِنْهُ، وَبَيْعُهُ لِيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ خَيْرًا مِنْهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.\nوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا إبْدَالُهُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالرَّقَبَةِ، وَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ، فَمُنِعَ الْبَيْعُ، كَالِاسْتِيلَاءِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بِخَيْرِ مِنْهُ، كَسَائِرِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.\nوَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ النُّذُورَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أُصُولِهَا فِي الْفَرْضِ، وَهُوَ الزَّكَاةُ، يَجُوزُ فِيهَا الْإِبْدَالُ، كَذَلِكَ هَذَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ زَالَ مِلْكُهُ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ بِالْهَلَاكِ، كَسَائِرِ","vol":"5","page":345},{"text":"الْأَمْلَاكِ إذَا زَالَتْ. وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْمُدَبَّرَةِ يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَقَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَاعَ مُدَبَّرًا (^١). أَمَّا إبْدَالُهَا بِمِثْلِهَا أَوْ دُونِهَا، فَلَمْ يَجُزْ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي ذَلِكَ. اهـ\nقلتُ: ويدل على جواز إبدال النذر بخير منه من جنسه حديث جابر بن عبد الله عند أبي داود (٣٣٠٥)، وأحمد (١٤٩١٩) أن رجلا قام يوم الفتح، فقال: يا رسول الله، إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة، أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: «صل هاهنا»، ثم أعاد عليه، فقال: «صل هاهنا»، ثم أعاد عليه، فقال: «شأنك إذن».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2477>مسألة [١٧٥]: إذا ولدت الهدية؛ فما حكم ولدها</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٤١): إذَا وَلَدَتْ الْهَدِيَّةُ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا إنْ أَمْكَنَ سَوْقُهُ وَإِلَّا حَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهَا، وَسَقَاهُ مِنْ لَبَنِهَا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ سَوْقُهُ وَلَا حَمْلُهُ، صَنَعَ بِهِ مَا يَصْنَعُ بِالْهَدْيِ إذَا عَطِبَ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا عَيَّنَهُ ابْتِدَاءً وَبَيْنَ مَا عَيَّنَهُ بَدَلًا عَنْ الْوَاجِبِ فِي ذِمَّتِهِ.\nوَقَالَ الْقَاضِي -فِي الْمُعَيَّنِ بَدَلًا عَنْ الْوَاجِبِ-: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَتْبَعَهَا وَلَدُهَا؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ وَاحِدٌ، فَلَا يَلْزَمُهُ اثْنَانِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ هَدْيٍ وَاجِبٍ، فَكَانَ وَاجِبًا، كَالْمُعَيَّنِ ابْتِدَاءً. اهـ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٤١)، ومسلم (٩٩٧)، من حديث جابر بن عبد الله -﵄-.\n(^٢) وانظر: «البيان» (٤/ ٤١٥).","vol":"5","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2478>مسألة [١٧٦]: حكم شرب لبن الهدي</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٤٢): وَلِلْمُهْدِي شُرْبُ لَبَنِ الْهَدْيِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فِي الضَّرْعِ يَضُرُّ بِهِ، فَإِذَا كَانَ ذَا وَلَدٍ، لَمْ يَشْرَبْ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ خَبَرِ عَلِيٍّ -﵁- (^١).\nفَإِنْ شَرِبَ مَا يَضُرُّ بِالْأُمِّ، أَوْ مَا لَا يَفْضُلُ عَنْ الْوَلَدِ، ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِأَخْذِهِ.\nوَإِنْ كَانَ صُوفُهَا يَضُرُّ بِهَا بَقَاؤُهُ، جَزَّهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّبَنِ، أَنَّ الصُّوفَ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ إيجَابِهَا، فَكَانَ وَاجِبًا مَعَهَا، وَاللَّبَنَ مُتَجَدِّدٌ فِيهَا شَيْئًا فَشَيْئًا، فَهُوَ كَنَفْعِهَا وَرُكُوبِهَا. اهـ\nوقال أبو حنيفة: ليس له شرب لبنها، وإنما ينضح ضرعها بالماء حتى يجف لبنها.\nقلتُ: والصحيح قول الجمهور، وهو جواز شرب ما زاد على حاجة ولدها، والدليل قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (٥/ ٢٣٧)، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو عمرو بن مطر حدثنا يحيى بن محمد حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبى حدثنا شعبة عن زهير يعنى ابن أبى ثابت قال: سمعت المغيرة -يعني ابن حذف العبسي- سمع رجلا من همدان سأل عليًا -﵁- عن رجل اشترى بقرة ليضحي بها فنتجت فقال: لا تشرب لبنها إلا فضلا؛ فإذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها عن سبعة.\n\nوإسناده حسن من أجل المغيرة بن حذف العبسي، فقد روى عنه اثنان، وأورده ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، ونقل عن ابن معين: أنه قال: مشهور. وأورده البخاري في «التاريخ»، ولم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلًا فمثله لا بأس بتحسين حديثه.\n(^٢) وانظر: «البيان» (٤/ ٤١٥ - ٤١٦).","vol":"5","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2479>مسألة [١٧٧]: هل يؤكل من الهدي الواجب</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٤٤ -): الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ دُونَ مَا سِوَاهُمَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَلَعَلَّ الْخِرَقِيِّ تَرَكَ ذِكْرَ الْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ مُتْعَةٌ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْمُتْعَةِ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّ سَبَبَهُمَا غَيْرُ مَحْظُورٍ، فَأَشْبَهَا هَدْيَ التَّطَوُّعِ. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.\nوَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْ الْمَنْذُورِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَيَأْكُلُ مِمَّا سِوَاهُمَا. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ بَدَلٌ، وَالنَّذْرُ جَعَلَهُ لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا.\nوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَأْكُلُ أَيْضًا مِنْ الْكَفَّارَةِ، وَيَأْكُلُ مِمَّا سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. وَنَحْوُهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَا سِوَى ذَلِكَ لَمْ يُسَمِّهِ لِلْمَسَاكِينِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْإِطْعَامِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ التَّطَوُّعَ.\nوَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَأْكُلُ مِنْ وَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ هَدْيٌ وَجَبَ بِالْإِحْرَامِ، فَلَمْ يَجُزْ الْأَكْلُ مِنْهُ، كَدَمِ الْكَفَّارَةِ.\nوَلَنَا: أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ - تَمَتَّعْنَ مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَدْخَلَتْ عَائِشَةُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، فَصَارَتْ قَارِنَةً، ثُمَّ ذَبَحَ عَنْهُنَّ النَّبِيُّ - ﷺ - الْبَقَرَةَ، فَأَكَلْنَ مِنْ لُحُومِهَا. (^١)\nقَالَ أَحْمَدُ قَدْ أَكَلَ مِنْ الْبَقَرَةِ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ خَاصَّةً. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: إنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ، أَنْ يَحِلَّ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٧٢٠)، ومسلم برقم (١٢١١) عن عائشة ﵂.","vol":"5","page":348},{"text":"فَدَخَلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْت: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: ذَبَحَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ أَزْوَاجِهِ (^١).\nوَرَوَى أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ذَبَحَ عَنْ آلِ مُحَمَّدٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً (^٢). وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).\nوَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَأَكَلَ هُوَ وَعَلِيٌّ مِنْ لَحْمِهَا، وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤)، وَلِأَنَّهُمَا دَمَا نُسُكٍ، فَأَشْبَهَا التَّطَوُّعَ، وَلَا يُؤْكَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ، فَأَشْبَهَ جَزَاءَ الصَّيْدِ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يجوز أن يؤكل من هدي التمتع والقران؛ لما تقدم من الأحاديث، ويجوز أن يأكل من الهدي المنذور؛ إلا إن نوى أن يتصدق بلحمه كاملًا، وأما هدي الكفارة وجزاء الصيد؛ فلا يأكل منه؛ لأنه مقابل جنايته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2480>مسألة [١٧٨]: مشروعية الأكل من هدي التطوع</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٤٦): فَأَمَّا هَدْيُ التَّطَوُّعِ، وَهُوَ مَا أَوْجَبَهُ بِالتَّعْيِينِ ابْتِدَاءً، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عَنْ وَاجِبٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَمَا نَحَرَهُ تَطَوُّعًا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٧٢٠)، ومسلم برقم (١٢١١) (١٢٥) عن عائشة -﵂-.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٧٥٠)، وابن ماجه (٣١٣٥)، وهو صحيح على شرط مسلم.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٦٩١)، ومسلم (١٢٢٧) عن ابن عمر -﵄-.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله -﵄-.","vol":"5","page":349},{"text":"مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجِبَهُ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - أَكَلَ مِنْ بُدْنِهِ.\nوَقَالَ جَابِرٌ: «كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثٍ فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا» فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (^١)\nوَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا بَأْسَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا نَحَرَ الْبَدَنَاتِ الْخَمْسَ. قَالَ: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» (^٢). وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شَيْئًا.\nوَالْمُسْتَحَبُّ: أَنْ يَأْكُلَ الْيَسِيرَ مِنْهَا، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَلَهُ الْأَكْلُ كَثِيرًا وَالتَّزَوُّدُ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ. وَتُجْزِئُهُ الصَّدَقَةُ بِالْيَسِيرِ مِنْهَا، كَمَا فِي الْأُضْحِيَّةِ، فَإِنْ أَكَلَهَا ضَمِنَ الْمَشْرُوعَ لِلصَّدَقَةِ مِنْهَا، كَمَا فِي الْأُضْحِيَّةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2481>مسألة [١٧٩]: إذا أكل مما هو ممنوع من أكله من الهدي</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٤٧): وَإِنْ أَكَلَ مِنْهَا مَا مُنِعَ مِنْ أَكْلِهِ، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ لَحْمًا؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ حَيَوَانًا، فَكَذَلِكَ أَبْعَاضُهُ. وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَى الْجَازِرَ مِنْهَا شَيْئًا ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ. وَإِنْ أَطْعَمَ غَنِيًّا مِنْهَا، عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ، جَازَ كَمَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِي الْأُضْحِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا مَلَكَ أَكْلَهُ مَلَكَ هَدِيَّتَهُ. وَإِنْ بَاعَ شَيْئًا مِنْهَا، أَوْ أَتْلَفَهُ، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ، فَأَشْبَهَ عَطِيَّتَهُ لِلْجَازِرِ. وَإِنْ أَتْلَفَ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُ شَيْئًا، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتْلَفَ مِنْ غَيْرِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧١٩)، كما أخرجه أيضًا مسلم (١٩٧٢)، (٣٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (١٩٠٧٥)، وأبو داود (١٧٦٥)، عن عبد الله بن قرط ﵁، بإسناد صحيح.","vol":"5","page":350},{"text":"ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ لَحْمًا لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2482>مسألة [١٨٠]: الهدي الواجب بغير النذر هل له بديل</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٤٧): وَالْهَدْيُ الْوَاجِبُ بِغَيْرِ النَّذْرِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَمَقِيسٌ عَلَى الْمَنْصُوصِ.\nفَأَمَّا الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فَأَرْبَعَةٌ، اثْنَانِ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَالْوَاجِبُ فِيهِمَا مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ، وَأَقَلُّهُ شَاةٌ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ:\nأَحَدُهُمَا: دَمُ الْمُتْعَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nوَالثَّانِي: دَمُ الْإِحْصَارِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَهُوَ عَلَى التَّرْتِيبِ أَيْضًا، إنْ لَمْ يَجِدْهُ انْتَقَلَ إلَى صِيَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ.\nوَإِنَّمَا وَجَبَ تَرْتِيبُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ مُعَيَّنًا مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ، فَاقْتَضَى تَعْيِينُهُ الْوُجُوبَ، وَأَنْ لَا يَنْتَقِلَ عَنْهُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ، كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ الْمُعَيَّنَةِ.\nفَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، انْتَقَلَ إلَى صِيَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ بِالْقِيَاسِ عَلَى دَمِ الْمُتْعَةِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَصُومَهَا. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.\nوَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا بَدَلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ. وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، فَإِنَّ عَدَمَ ذِكْرِهِ لَا يَمْنَعُ قِيَاسَهُ عَلَى نَظِيرِهِ.","vol":"5","page":351},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: والأظهر هو قول مالك وأبي حنيفة؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمر من لم يكن عنده هدي يوم الحديبية أن يصوم عشرة أيام، ولا أن يبقى على إحرامه حتى يصوم، ولأن الله ﷿ لم يذكر الصوم.\nقال ابن قدامة: وَاثْنَانِ مُخَيَّرَانِ: أَحَدُهُمَا: فِدْيَةُ الْأَذَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nالثَّانِي: جَزَاءُ الصَّيْدِ، وَهُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥].\nالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، فَيُقَاسُ عَلَى أَشْبَهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِهِ، فَهَدْيُ الْمُتْعَةِ وَجَبَ لِلتَّرَفُّهِ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وَقَضَائِهِ النُّسُكَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ أَيْضًا دَمُ الْفَوَاتِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُ دَمِ الْمُتْعَةِ. وَبَدَلُهُ مِثْلُ بَدَلِهِ، وَهُوَ صِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةً قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، لِأَنَّ الْفَوَاتَ إنَّمَا يَكُونُ بِفَوَاتِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، لِأَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ مَا اقْتَضَاهُ إحْرَامُهُ، فَصَارَ كَالتَّارِكِ لِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا أَلْحَقْتُمُوهُ بِهَدْيِ الْإِحْصَارِ، فَإِنَّهُ أَشْبَهُ بِهِ، إذْ هُوَ حَلَالٌ مِنْ إحْرَامِهِ قَبْلَ إتْمَامِهِ؟ قُلْنَا: أَمَّا الْهَدْيُ فَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ، وَأَمَّا الْبَدَلُ فَإِنَّ الْإِحْصَارَ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَى الْبَدَلِ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ قِيَاسًا، فَقِيَاسُ هَذَا عَلَى الْأَصْلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى فَرْعِهِ، عَلَى أَنَّ الصِّيَامَ هَاهُنَا مِثْلُ الصِّيَامِ عَنْ دَمِ","vol":"5","page":352},{"text":"الْإِحْصَارِ، وَهُوَ عَشْرَةُ أَيَّامٍ أَيْضًا، إلَّا أَنَّ صِيَامَ الْإِحْصَارِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ حِلِّهِ، وَهَذَا يَجُوزُ فِعْلُهُ قَبْلَ حِلِّهِ وَبَعْدَهُ، وَهُوَ أَيْضًا مُقَارِنٌ لِصَوْمِ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ فِي الْمُتْعَةِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهَذَا يَكُونُ بَعْدَ فَوَاتِ عَرَفَةَ.\nوَالْخِرَقِيُّ إنَّمَا جَعَلَ الصَّوْمَ عَنْ هَدْيِ الْفَوَاتِ مِثْلَ الصَّوْمِ عَنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وَالْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا.\nوَيُقَاسُ عَلَيْهِ أَيْضًا كُلُّ دَمٍ وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ، كَدَمِ الْقِرَانِ، وَتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَالرَّمْيِ، وَالْمَبِيتِ لَيَالِي مِنًى بِهَا، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ، فَالْوَاجِبُ فِيهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ عَشْرَةِ أَيَّامٍ.\nوَأَمَّا مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِالْجِمَاعِ فَالْوَاجِبُ فِيهِ بَدَنَةٌ؛ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ الْمُنْتَشِرِ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ، كَصِيَامِ الْمُتْعَةِ. كَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو. رَوَاهُ عَنْهُمْ الْأَثْرَمُ. (^١)\nوَلَمْ يَظْهَرْ فِي الصَّحَابَةِ خِلَافُهُمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، فَيَكُونُ بَدَلُهُ مَقِيسًا عَلَى بَدَلِ دَمِ الْمُتْعَةِ.\nوَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُقَوِّمُ الْبَدَنَةَ بِدَرَاهِمَ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا، وَيَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، فَتَكُونُ مُلْحَقَةً بِالْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ.\n_________\n(^١) تقدم تخريج الأثر عنهم تحت حديث رقم (٧١٦).","vol":"5","page":353},{"text":"وَيُقَاسُ عَلَى فِدْيَةِ الْأَذَى مَا وَجَبَ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ يَتَرَفَّهُ بِهِ، كَتَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ، وَاللُّبْسِ، وَالطِّيبِ.\nوَكُلُّ اسْتِمْتَاعٍ مِنْ النِّسَاءِ يُوجِبُ شَاةً كَالْوَطْءِ فِي الْعُمْرَةِ أَوْ فِي الْحَجِّ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ، فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى فِدْيَةِ الْأَذَى مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، وَيُلْحَقُ بِهِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِامْرَأَةٍ وَقَعَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تُقَصِّرَ: عَلَيْك فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2483>مسألة [١٨١]: موضع ذبح الهدي وتفريق لحمه وطعامه</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٥٠): أَمَّا فِدْيَةُ الْأَذَى، فَتَجُوزُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَلَقَ فِيهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ إلَّا فِي الْحَرَمِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣].\nوَلَنَا: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ بِالْفِدْيَةِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِبَعْثِهِ إلَى الْحَرَمِ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ وَإِسْحَاقُ وَالْجُوزَجَانِيُّ، فِي \"كِتَابَيْهِمَا\" عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: كُنْت مَعَ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ -﵃-، حُجَّاجًا، فَاشْتَكَى حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ بِالسُّقْيَا، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إلَى رَأْسِهِ، فَحَلَقَهُ عَلِيٌّ، وَنَحَرَ عَنْهُ جَزُورًا بِالسُّقْيَا. هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ (^٢)،\nوَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ. وَالْآيَةُ وَرَدَتْ\n_________\n(^١) صحيح: تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٧١٦) رقم المسألة (١٤).\n(^٢) ضعيف: أخرجه مالك (١/ ٣٨٨)، والبيهقي (٥/ ٢١٨)، وابن جرير (٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، من طريق يعقوب بن خالد المخزومي، عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر به.\n\nويعقوب وأبو أسماء لهما ترجمة في «تعجيل المنفعة»، ولم يوثقهما معتبر، فهما مستورا الحال.","vol":"5","page":354},{"text":"فِي الْهَدْيِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِفِدْيَةِ الشَّعْرِ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ الدِّمَاءِ فَبِمَكَّةَ.\nوَقَالَ الْقَاضِي فِي الدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ، كَاللِّبَاسِ وَالطِّيبِ: هِيَ كَدَمِ الْحَلْقِ. وَفِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: يَفْدِي حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهُ. وَالثَّانِيَةُ: مَحِلُّ الْجَمِيعِ الْحَرَمُ.\nوَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: أَمَّا مَا كَانَ بِمَكَّةَ، أَوْ كَانَ مِنْ الصَّيْدِ، فَكُلٌّ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وَمَا كَانَ مِنْ فِدْيَةِ الرَّأْسِ فَحَيْثُ حَلَقَهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي قَتْلِ الصَّيْدِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ يَفْدِي حَيْثُ قَتَلَهُ.\nوَهَذَا يُخَالِفُ نَصَّ الْكِتَابِ، وَنَصَّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَلْقِ الرَّأْسِ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وَمَا وَجَبَ لِتَرْكِ نُسُكٍ أَوْ فَوَاتٍ، فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ هَدْيٌ وَجَبَ لِتَرْكِ نُسُكٍ، فَأَشْبَهَ هَدْيَ الْقُرْآنِ.\nوَإِنْ فَعَلَ الْمَحْظُورَ لِغَيْرِ سَبَبٍ يُبِيحُهُ، فَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَخْتَصُّ ذَبْحُهُ وَتَفْرِقَةُ لَحْمِهِ بِالْحَرَمِ، كَسَائِرِ الْهَدْيِ.\nثم قال ابن قدامة -﵀-: وَمَا وَجَبَ نَحْرُهُ بِالْحَرَمِ، وَجَبَ تَفْرِقَةُ لَحْمِهِ بِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: إذَا ذَبَحَهَا فِي الْحَرَمِ، جَازَ تَفْرِقَةُ لَحْمِهَا فِي الْحِلِّ.\nوَلَنَا: أَنَّهُ أَحَدُ مَقْصُودَيْ النُّسُكِ، فَلَمْ يَجُزْ فِي الْحِلِّ، كَالذَّبْحِ، وَلِأَنَّ الْمَعْقُولَ","vol":"5","page":355},{"text":"مِنْ ذَبْحِهِ بِالْحَرَمِ التَّوْسِعَةُ عَلَى مَسَاكِينِهِ، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِإِعْطَاءِ غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ يَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ، فَكَانَ جَمِيعُهُ مُخْتَصًّا بِهِ، كَالطَّوَافِ، وَسَائِرِ الْمَنَاسِكِ.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَالطَّعَامُ كَالْهَدْيِ، يَخْتَصُّ بِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ فِيمَا يَخْتَصُّ الْهَدْيُ بِهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ: مَا كَانَ مِنْ هَدْيٍ فَبِمَكَّةَ، وَمَا كَانَ مِنْ طَعَامٍ وَصِيَامٍ فَحَيْثُ شَاءَ. وَهَذَا يَقْتَضِيه مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.\nوَلَنَا: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْهَدْيُ وَالطَّعَامُ بِمَكَّةَ، وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ (^١). وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إلَى الْمَسَاكِينِ فَاخْتَصَّ بِالْحَرَمِ، كَالْهَدْيِ. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2484>مسألة [١٨٢]: ضابط مساكين الحرم</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٥١): وَمَسَاكِينُ أَهْلِ الْحَرَمِ مَنْ كَانَ فِيهِ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ وَارِدٍ إلَيْهِ مِنْ الْحَاجِّ وَغَيْرِهِمْ وَهُمُ الَّذِينَ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِمْ. وَلَوْ دَفَعَ إلَى مَنْ ظَاهِرُهُ الْفَقْرُ، فَبَانَ غَنِيًّا، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ كَالزَّكَاةِ. وَلِلشَّافِعِي فِيهِ قَوْلَانِ.\nوَمَا جَازَ تَفْرِيقُهُ بِغَيْرِ الْحَرَمِ، لَمْ يَجُزْ دَفْعُهُ إلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَجَوَّزَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَنَا، أَنَّهُ كَافِرٌ، فَلَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ إلَيْهِ، كَالْحَرْبِيِّ.\n_________\n(^١) ذكره ابن المنذر عن ابن عباس، كما ذكره كذلك البيهقي في المعرفة (٧/ ٤٢٤)، بدون إسناد.\n(^٢) وانظر: «البيان» (٤/ ٤٢٢).","vol":"5","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2485>مسألة [١٨٣]: إذا نذر إنسان أن يهدي فكم يجزئه</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٥١ -): وَإِذَا نَذَرَ هَدْيًا وَأَطْلَقَ، فَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُهُ شَاةٌ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ فِي النَّذْرِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا، وَالْهَدْيُ الْوَاجِبُ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ مِنْ النَّعَمِ، وَأَقَلُّهُ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُتْعَةِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، حُمِلَ عَلَى مَا قُلْنَا؛ فَإِنْ اخْتَارَ إخْرَاجَ بَدَنَةٍ كَامِلَةٍ، فَهُوَ أَفْضَلُ، وَهَلْ تَكُونُ كُلُّهَا وَاجِبَةً؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا تَكُونُ وَاجِبَةً. اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ الْأَعْلَى لِأَدَاءِ فَرْضِهِ، فَكَانَ كُلُّهُ وَاجِبًا، كَمَا لَوْ اخْتَارَ الْأَعْلَى مِنْ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَوْ كَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ.\nوَالثَّانِي: يَكُونُ سُبْعُهَا وَاجِبًا، وَالْبَاقِي تَطَوُّعًا، لَهُ أَكْلُهُ وَهَدِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى السُّبْعِ يَجُوزُ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلَا بَدَلٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ذَبَحَ شَاتَيْنِ.\nفَإِنْ عَيَّنَ الْهَدْيَ بِشَيْءٍ، لَزِمَهُ مَا عَيَّنَهُ، وَأَجْزَأَهُ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُ، مِمَّا يُنْقَلُ أَوْ مِمَّا لَا يُنْقَلُ؛ فَإِنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ رَاحَ يَعْنِي إلَى الْجُمُعَةِ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً» (^١). فَذَكَرَ الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ فِي الْهَدْيِ. وَعَلَيْهِ إيصَالُهُ إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ سَمَّاهُ هَدْيًا، وَأَطْلَقَ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَحِلِّ الْهَدْيِ الْمَشْرُوعِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ، كَالْعَقَارِ، بَاعَهُ، وَبَعَثَ ثَمَنَهُ إلَى الْحَرَمِ، فَيَتَصَدَّقُ بِهِ فِيهِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٨٨١)، ومسلم برقم (٨٥٠) من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"5","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2486>مسألة [١٨٤]: إذا نذر إنسان أن يهدي ولم يعين المكان</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٥٢): وَإِنْ نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا أَوْ مُعَيَّنًا، وَأَطْلَقَ مَكَانَهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ إيصَالُهُ إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ. وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَبْحَهُ حَيْثُ شَاءَ، كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِشَاةٍ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، وَلِأَنَّ النَّذْرَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا، وَالْمَعْهُودُ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ، كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَأَشْبَاهِهِمَا، أَنَّ ذَبْحَهَا يَكُونُ فِي الْحَرَمِ، كَذَا هَاهُنَا، وَإِنْ عَيَّنَ نَذْرَهُ بِمَوْضِعٍ غَيْرِ الْحَرَمِ، لَزِمَهُ ذَبْحُهُ بِهِ، وَتَفْرِقَةُ لَحْمِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَإِطْلَاقُهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: إنِّي نَذَرْت أَنْ أَنْحَرَ بِبُوَانَةَ. قَالَ: «أَبِهَا صَنَمٌ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «أَوْفِ بِنَذْرِك». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١).\nوَإِنْ نَذَرَ الذَّبْحَ بِمَوْضِعٍ بِهِ صَنَمٌ، أَوْ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْكُفْرِ أَوْ الْمَعَاصِي، كَبُيُوتِ النَّارِ، أَوْ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ نَذْرُهُ، بِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فَلَا يُوفَى بِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» (^٢)، وَقَوْلِهِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ». (^٣)\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٣١٣)، قال: حدثنا داود بن رشيد، قال: حدثنا شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو قلابة قال: حدثني ثابت بن الضحاك به. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، والمؤلف ذكره بالمعنى مختصرًا. وأخرجه الطبراني (١٣٤١)، والبيهقي (١٠/ ٨٣) من طريق داود بن رشيد، به.\n(^٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٣١٣)، بإسناد صحيح على شرط الشيخين من حديث ثابت بن الضحاك -﵁-، وهو المتقدم آنفًا، وأخرجه مسلم برقم (١٦٤١)، وأبو داود (٣٣١٦)، من حديث عمران بن حصين.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٦٦٩٦)، من حديث عائشة ﵂.","vol":"5","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2487>مسألة [١٨٥]: من عجز عن إيصال الهدي إلى الحرم فما الحكم</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٥٣): وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: \"إنْ قَدَرَ عَلَى إيصَالِهِ إلَيْهِمْ\". يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ إيصَالِهِ لَا يَلْزَمُهُ إيصَالُهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا. فَإِنْ مُنِعَ النَّاذِرُ الْوُصُولَ بِنَفْسِهِ، وَأَمْكَنَهُ تَنْفِيذُهُ، لَزِمَهُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إذَا حُصِرَ عَنْ الْخُرُوجِ خُرِّجَ فِي ذَبْحِ هَذَا الْهَدْيِ الْمَنْذُورِ فِي مَوْضِعِ حَصْرِهِ رِوَايَتَانِ، كَدِمَاءِ الْحَجِّ وَاخْتَارَ أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ ذَبْحِهِ فِي مَوْضِعِ حَصْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَحَرَ هَدْيَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ. وَالثَّانِيَةُ، إنَّ أَمْكَنَ إرْسَالُهُ مَعَ غَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَبْحُهُ فِي مَوْضِعِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ إيصَالُ الْمَنْذُورِ إلَى مَحِلِّهِ، فَلَزِمَهُ، كَغَيْرِ الْمَحْصُورِ. اهـ\nومذهب الشافعي في ذلك كمذهب الحنابلة، وهو مشروعية ذبحه حيث أحصر، كما فعل النبي - ﷺ -، وهو الصحيح بدون شك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2488>مسألة [١٨٦]: موضع الصوم لمن لم يجد الهدي</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٥٤): وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَان، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (^٢)، وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصِّيَامَ لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إلَى أَحَدٍ، فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِمَكَانٍ، بِخِلَافِ الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ، فَإِنَّ نَفْعَهُ يَتَعَدَّى إلَى مَنْ يُعْطَاهُ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٤/ ٤١٦).\n(^٢) ذكره ابن المنذر عن ابن عباس كما ذكره كذلك البيهقي في المعرفة (٧/ ٤٢٤) بدون إسناد.","vol":"5","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2489>مسألة [١٨٧]: يجزئ الذكر والأنثى في الهدي</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٥٧): وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي الْهَدْيِ سَوَاءٌ. وَمِمَّنْ أَجَازَ ذَكَرَانِ الْإِبِلِ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٌ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: مَا رَأَيْت أَحَدًا فَاعِلًا ذَلِكَ، وَأَنْ أَنْحَرَ أُنْثَى أَحَبُّ إلَيَّ (^١). وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ «النَّبِيَّ - ﷺ - أَهْدَى جَمَلًا لِأَبِي جَهْلٍ، فِي أَنْفِهِ بُرَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. (^٢)\n_________\n(^١) صحيح: رواه ابن أبي شيبة (٤/ ١/٢٤٣)، عن أبي الأحوص، عن زيد بن جبير، عن ابن عمر به، وإسناده صحيح.\n(^٢) صحيح: أخرجه أبو داود (١٧٤٩)، من طريق ابن إسحاق، قال: قال عبد الله بن أبي نجيح حدثني مجاهد، عن ابن عباس ... فذكره.\nوابن إسحاق قد دلس في هذا الحديث، ففي «سنن البيهقي» (٥/ ٢١٣)، بإسناد صحيح، عن ابن المديني قال: كنت أرى أن هذا من صحيح حديث ابن إسحاق؛ فإذا هو قد دلسه، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم، عن ابن أبي نجيح به. وللحديث طريق أخرى:\nأخرجه ابن ماجه (٣١٠٠)، وأحمد (٢٠٨٩)، من طريق وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس به. وإسناده ضعيف؛ لسوء حفظ ابن أبي ليلى، والحكم لم يسمع من مقسم إلا خمسة أحاديث قاله شعبة.\nلكن له إسناد آخر عند البيهقي (٥/ ٢٣٠)، من طريق يعلى بن عبيد، ثنا سفيان، عن منصور، عن مقسم، عن ابن عباس به، وهذا إسناد صحيح.\nورواه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٧٧)، عن نافع، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم مرسلًا، بنحوه.\n\nوابن أبي ليلى قد رواه أيضًا عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. كما في «سنن البيهقي» (٥/ ٢٣٠)، فالحديث صحيح بمجموع هذه الطرق، والله أعلم.","vol":"5","page":360},{"text":"وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ»، فَكَذَلِكَ مِنْ الْإِبِلِ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ اللَّحْمُ، وَلَحْمُ الذَّكَرِ أَوْفَرُ، وَلَحْمُ الْأُنْثَى أَرْطَبُ، فَيَتَسَاوَيَانِ. قَالَ أَحْمَدُ: الْخَصِيُّ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ النَّعْجَةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ لَحْمَهُ أَوْفَرُ وَأَطْيَبُ. اهـ\nوقال الشافعي -﵀-: والأنثى أحب إلي من الذكر؛ لأنها أطيب لحمًا وأرطب، والضأن أحب إلي من المعز؛ لأن الضأن أطيب لحمًا، والفحل أحب إلي من الخصي؛ لأن الخصي ناقص. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2490>مسألة [١٨٨]: من وجب عليه بدنة؛ فذبح سَبْعًا من الغنم</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٥٧ -): وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ، فَذَبَحَ سَبْعًا مِنْ الْغَنَمِ، أَجْزَأَهُ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَدَنَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْبَدَنَةُ وَاجِبَةً بِنَذْرٍ، أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ، أَوْ كَفَّارَةِ وَطْءٍ.\nوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنَّمَا يُجْزِئُ ذَلِكَ عَنْهَا عِنْدَ عَدَمِهَا، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ لِأَنَّ ذَلِكَ بَدَلٌ عَنْهَا، فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ وُجُودِهَا، كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ. فَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا فَيَجُوزُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ، فَقَالَ: إنَّ عَلَيَّ بَدَنَةً، وَأَنَا مُوسِرٌ لَهَا، وَلَا أَجِدُهَا فَأَشْتَرِيَهَا فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَبْتَاعَ سَبْعَ شِيَاهٍ فَيَذْبَحَهُنَّ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٤/ ٤١١).\n(^٢) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٣١٣٦)، من طريق ابن جريج، قال: قال عطاء الخراساني، عن ابن عباس -﵄-، به. وإسناده ضعيف؛ لأنّ ابن جريج لم يسمع من عطاء، وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس.","vol":"5","page":361},{"text":"وَلَنَا: أَنَّ الشَّاةَ مَعْدُولَةٌ بِسُبْعِ بَدَنَةٍ، وَهِيَ أَطْيَبُ لَحْمًا، فَإِذَا عَدَلَ عَنْ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى جَازَ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ بَدَنَةً مَكَانَ شَاةٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2491>مسألة [١٨٩]: من وجبت عليه سَبْعٌ من الغنم فذبح بدنة</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٥٨): وَمِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ سَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، لَمْ يُجْزِئْهُ بَدَنَةٌ فِي الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ سَبْعًا مِنْ الْغَنَمِ أَطْيَبُ لَحْمًا، فَلَا يَعْدِلُ عَنْ الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ مَحْظُورٍ، أَجْزَأَهُ بَدَنَةٌ؛ لِأَنَّ الدَّمَ الْوَاجِبَ فِيهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ، وَهُوَ شَاةٌ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ، وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - ﷺ - يَتَمَتَّعُونَ، فَيَذْبَحُونَ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، قَالَ جَابِرٌ: «كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، نَشْتَرِكُ فِيهَا». وَفِي لَفْظٍ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2492>مسألة [١٩٠]: من وجبت عليه بقرة فذبح بدنة</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٥٨): وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَقَرَةٌ، أَجْزَأَتْهُ بَدَنَةٌ: لِأَنَّهَا أَكْثَرُ لَحْمًا وَأَوْفَرُ. وَيُجْزِئُهُ سَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ؛ لِأَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ الْبَدَنَةِ، فَعَنْ الْبَقَرَةِ أَوْلَى. وَمِنْ لَزِمَهُ بَدَنَةٌ، فِي غَيْرِ النَّذْرِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ، أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ؛ لِمَا رَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا نَنْحَرُ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. فَقِيلَ لَهُ: وَالْبَقَرَةُ؟ فَقَالَ: وَهَلْ هِيَ إلَّا مِنْ الْبُدْنِ (^٢)، فَأَمَّا فِي النَّذْرِ فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَلْزَمُهُ مَا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣١٨)، (٣٥٥)، (٣٥١).\n(^٢) صحيح: أخرجه أبو عوانة (٣٢٦٩)، ومسلم (١٣١٨)، (٣٥٣)، واللفظ لأبي عوانة، وإسناد أبي عوانة صحيح.","vol":"5","page":362},{"text":"نَوَاهُ: فَإِنْ أَطَلَقَ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، تُجْزِئُهُ الْبَقَرَةُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ. وَالْأُخْرَى، لَا تُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَعْدَمَ الْبَدَنَةَ.\nوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ، فَاشْتُرِطَ عَدَمُ الْمُبْدَلِ. وَالْأُولَى أَوْلَى؛ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ مَا أَجْزَأَ عَنْ سَبْعَةٍ فِي الْهَدَايَا وَدَمِ الْمُتْعَةِ أَجْزَأَ فِي النَّذْرِ بِلَفْظِ الْبَدَنَةِ كَالْجَزُورِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2493>مسألة [١٩١]: حكم الاشتراك بالبدن والبقر</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٥٩): وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ السَّبْعَةُ فِي الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ، سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا، وَسَوَاءٌ أَرَادَ جَمِيعُهُمْ الْقُرْبَةَ، أَوْ بَعْضُهُمْ، وَأَرَادَ الْبَاقُونَ اللَّحْمَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْهَدْيِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ إذَا كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ كُلُّهُمْ، وَلَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يُرِدْ بَعْضُهُمْ الْقُرْبَةَ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ يَرُدُّ قَوْلَ مَالِكٍ.\nوَلَنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّ الْجُزْءَ الْمُجْزِيَ لَا يَنْقُصُ بِإِرَادَةِ الشَّرِيكِ غَيْرَ الْقُرْبَةِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَتْ جِهَاتُ الْقُرْبِ، فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ الْمُتْعَةَ وَالْآخَرُ الْقِرَانَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَسِمُوا اللَّحْمَ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازُ حَقٍّ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2494>مسألة [١٩٢]: ما هو سن الهدي المجزئ</span>؟\nقال الإمام ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٤٥٩): وَمَا لَزِمَ مِنْ الدِّمَاءِ، فَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيُّ مِنْ غَيْرِهِ. هَذَا فِي غَيْرِ جَزَاءِ الصَّيْدِ، فَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ، فَمِنْهُ جَفْرَةٌ وَعَنَاقٌ وَجَدْيٌ وَصَحِيحٌ وَمَعِيبٌ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ، مِثْلِ هَدْيِ","vol":"5","page":363},{"text":"الْمُتْعَةِ وَغَيْرِهِ فَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ، وَهُوَ الَّذِي لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَالثَّنِيُّ مِنْ غَيْرِهِ وَثَنِيُّ الْمَعْزِ مَا لَهُ سَنَةٌ، وَثَنِيُّ الْبَقَرِ مَا لَهُ سَنَتَانِ، وَثَنِيُّ الْإِبِلِ مَا لَهُ خَمْسُ سِنِينَ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ (^١)، وَالزُّهْرِيُّ: لَا يُجْزِئُ إلَّا الثَّنِيُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ الْكُلِّ، إلَّا الْمَعْزَ.\nوَلَنَا عَلَى الزُّهْرِيِّ مَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ بِلَالِ بِنْتِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِيهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَجُوزُ إلَّا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ أُضْحِيَّةً» (^٢).\nوَعَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يُقَالُ لَهُ مُجَاشِعٌ، مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَعَزَّتْ الْغَنَمُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ: «إنَّ الْجَذَعَ يُوفِي مَا تُوفِي مِنْهُ الثَّنِيَّةُ». (^٣)\nوَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، إلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٨٠)، ومن طريقه البيهقي (٥/ ٢٢٩) عن نافع، عن ابن عمر، كان يقول: في الضحايا والبدن الثني فما فوقه. وهذا إسنادٌ صحيحٌ.\n(^٢) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (٣١٣٩)، وأخرجه أيضًا أحمد (٦/ ٣٦٨)، من طريق محمد بن أبي يحيى، عن أمه، عن أم بلال بنت هلال، عن أبيها، أن رسول الله - ﷺ - ... فذكره. وإسناده ضعيف؛ لجهالة أم بلال وأم محمد، واختلف الرواة في ذكر (عن أبيها)، فقد رواه بعضهم بدونها، كما في «مسند أحمد» (٦/ ٣٩٨)، و«الآحاد والمثاني» لابن أبي عاصم (٣٣٩٥)، والطبراني في «الكبير» (٢٥/ ٣٩٧)، وقد ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٦٥).\n(^٣) صحيح: أخرجه ابن ماجه (٣١٤٠): حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن عاصم بن كليب به. وإسناده صحيح. وقد أخرجه أبو داود (٢٧٩٩)، والنسائي (٧/ ٢١٩)، وأحمد (٥/ ٣٦٨)، من طريق عاصم بن كليب، به.","vol":"5","page":364},{"text":"فَتَذْبَحُوا جَذَعًا مِنْ الضَّأْنِ» (^١). رَوَاهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَى حَدِيثَ جَابِرٍ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد. وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى عَطَاءٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَحَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ، حِينَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ عِنْدِي عَنَاقًا جَذَعًا، هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ. فَقَالَ: «تُجْزِئُكَ، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ. وَفِي لَفْظٍ: إنَّ عِنْدِي دَاجِنًا جَذَعَةً مِنْ الْمَعْزِ. (^٢)\nقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: إنَّمَا يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ فِي الْأَضَاحِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَنْزُو فَيُلَقِّحُ، فَإِذَا كَانَ مِنْ الْمَعْزِ لَمْ يُلَقِّحْ حَتَّى يَصِيرَ ثَنِيًّا.\nتنبيه: لا يجزئ في الهدي من العيوب ما لا يجزئ في الأضاحي، وقد بينا ذلك بفضل الله ﷿ في كتاب الأضاحي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2495>مسألة [١٩٣]: وقت صيام الثلاثة الأيام</span>.\n• أما وقت الجواز ففيه أقوال:\nالأول: إذا أحرم بالعمرة، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، وهو الصحيح عند الحنابلة؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» أخرجه مسلم (١٢٤١)، من حديث ابن عباس -﵂-، مع قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦].\nالثاني: إذا أحلَّ من العمرة، وهو قول أحمد في رواية.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٩٦٣)، وأخرجه أبو داود (٢٧٩٧)، ابن ماجه (٣١٤١).\n(^٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٨٠٠)، والنسائي (٧/ ٢٢٣)، وإسناده صحيح، والحديث عند البخاري (٥٥٤٥)، ومسلم (١٩٦١)، بنحوه، وهو من حديث البراء بن عازب.","vol":"5","page":365},{"text":"الثالث: بعد الإحرام بالحج، وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.\nالرابع: العشر الأول من ذي الحجة، وهو قول عكرمة، وطاوس، وعطاء، والثوري، والأوزاعي.\nالخامس: يجوز له الصوم في جميع أشهر الحج، نقل عن مجاهد، وهو خلاف المشهور عنه.\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلى» (٧/ ١٤٢): وقد أجاز قومٌ أن يصوم الثلاثة الأيام قبل أن يحرم بالحج، وهذا خطأ؛ لأنه خلاف أمر الله تعالى بأن يصومها في الحج، وما لم يحرم المرء فليس هو في الحج؛ فليس هو في وقت صيام الثلاثة الأيام، وأيضا فإنه لا يجب عليه الهدي المذكور، ولا الصيام المذكور إلا بتمتعه بالعمرة إلى الحج بنص كلام الله تعالى، وهو ما لم يحرم بالحج؛ فليس هو بعد ممن تمتع بالعمرة إلى الحج ولا يُجزئ أداء فرض إلا في وقته الذي أوجبه الله تعالى فيه. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول ابن حزم فيه قوة في ترجيح القول الثالث، ولكن يشكل عليه أنَّ بعض الصحابة أفتوا بالصوم قبل يوم الإحرام بالحج يوم التروية، ففي «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٣) بإسناد حسن، عن ابن عمر -﵄-، قال: قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة.","vol":"5","page":366},{"text":"وفي «صحيح البخاري» (١٩٩٩)، عن ابن عمر، وعائشة -﵃-، قالا: الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فمن لم يجد هديًا، ولم يصم؛ صام أيام منى.\nوعليه: فالذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ القول الأول أرجح؛ لأن عمرة التمتع دخلت في الحج كما في الحديث، ولأنَّ هذا هو ظاهر قول الصحابة كما تقدم، وأما كون الهدي يجب عليه يوم النحر، والصوم بدل منه؛ فقد تقدم أنَّ الهدي له تعلق بالذمة من حين يحرم بالعمرة، وتقديم الواجب بعد وجود سببه قد جاز في مواضع منها: تقديم كفارة الحنث قبل الحنث باليمين، ومنها: تعجيل الزكاة قبل تمام الحول.\nثم وجدت كلامًا لشيخ الإسلام -﵀- يوافق ما ذكرته، فقد قال في «شرح العمدة» (٢/ ٣٣٩ -): وأما وجه المشهور -يعني عن أحمد- فإنه إذا أحرم بالعمرة فقد انعقد سبب الوجوب في حقه، ودخل في التمتع؛ بدليل أنه لو ساق الهدي معه لمنعه الهدي من الإحلال؛ فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦]، وهذا يقتضي وقوع الصيام بعد الإحرام بالحج؛ لأنه إنما يكون متمتعًا بالعمرة إلى الحج إذا أحرم به؛ ولأنه قال: ﴿فِي الْحَجِّ﴾، فإذا صام قبله لم يجز. قلنا: هو ينوي التمتع ويعتمده من حين يحرم بالعمرة، ويسمى متمتعًا من حينئذٍ.\nثم قال -﵀-: فإذا أحرم بالعمرة إلى الحج؛ فهو حاج، فإذا صامها حينئذٍ فقد صامها في حجه؛ لأنَّ العمرة هي الحج الأصغر، وعمرة التمتع جزء من الحج","vol":"5","page":367},{"text":"بعض له؛ لأنَّ النبي - ﷺ - قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، وشبك بين أصابعه، والمتمتع حاج من حين يحرم بالعمرة؛ إلا أنَّ إحرامه يتخلله حل، بخلاف من أفرد العمرة. اهـ (^١)\nوأما وقت الاختيار:\n• فاختار جماعةٌ من أهل العلم أن تكون ثلاثة آخرها يوم عرفة، فيصوم السابع، والثامن، والتاسع، وهو قول طاوس، وعطاء، والشعبي، ومجاهد، والحسن، والنخعي، وسعيد بن جبير، وعلقمة، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي، وبعض الشافعية، ورواية عن مالك، ومن اشترط من هؤلاء أن تكون الثلاثة بعد الإحرام بالحج، قال: يقدم الإحرام قبل صومها.\n• واختار آخرون أن تكون ثلاثة آخرها يوم التروية، فيصوم السادس، والسابع، والثامن، وهو قول الشافعي وجماعةٍ من أصحابه، ورواية عن أحمد، ورواية عن مالك، واختاره الشيخ ابن باز، ومن اشترط منهم أن يكون الصيام بعد الإحرام، قال: يُقَدِّم الإحرام قبل صومها.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: والذي يظهر لي من حديث ابن عمر، وعائشة -﵃- أنَّ الصحابة كانوا يصومونها أيام التشريق؛ لقول عائشة، وابن عمر -﵃-: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي. (^٢) فظاهر هذا النص أنَّ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٣٦٠)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٢٧)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٩٩).\n(^٢) انظر: «صحيح البخاري» (١٩٩٨).","vol":"5","page":368},{"text":"الصحابة كانوا يصومونها في أيام التشريق، وصومها في أيام التشريق صوم لها في أيام الحج؛ لأنَّ أيام التشريق أيامٌ للحج، ففيها رمي الجمرات في الحادي عشر، والثاني عشر، وكذلك الثالث عشر، فلو ذهب ذاهبٌ إلى أنَّ الأفضل أن تُصام الأيام الثلاثة في أيام التشريق؛ لكان أقرب إلى الصواب. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2496>مسألة [١٩٤]: وقت صيام السبعة الأيام</span>.\nوقت الاختيار إذا رجع إلى أهله؛ لحديث ابن عمر -﵄- في «الصحيحين» (^٢)، وفيه: «وسبعة إذا رجع إلى أهله».\n• واختلفوا في وقت الجواز:\nفمنهم من قال: يبدأ وقتها من حين ينتهي من أعمال الحج وينفر من منى، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، ومالك، وقول للشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحديث: «وسبعة إذا رجع إلى أهله»، قالوا: فذكر الرجوع تنبيه على أن الابتداء من حين ينتهي من أعمال الحج، وليس ذلك شرطًا؛ فإنَّ من الناس من يقيم بمكة بعد الحج، ومنهم من لا يرجع إلى أهله، وهكذا، فالتقييد بالرجوع إلى الأهل في الحديث خرج مخرج الغالب.\nومنهم من قال: يصومها في الطريق، وهو قول عطاء، ومجاهد، وإسحاق، ومقصودهم أنه يبدأ الوقت من خروجه من مكة إلى بلده، وهو ظاهر اختيار ابن\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٦١)، «الشرح الممتع مع الحاشية» (٧/ ٢٠٦ - ٢٠٧).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٦٩١)، ومسلم برقم (١٢٢٧).","vol":"5","page":369},{"text":"حزم. وقال الشافعي -وهو الأصح عند الشافعية-: يصومها إذا رجع إلى أهله؛ لحديث ابن عمر المتقدم. وهو اختيار ابن المنذر.\nقلتُ: والأول هو أقرب الأقوال، وهو ظاهر اختيار الإمام ابن عثيمين؛ فإنه قال في «الشرح الممتع»: ولكن مع ذلك قال العلماء: لو صامها بعد فراغ أعمال الحج كلها فلا بأس؛ لأنه جاز له الرجوع؛ فجاز له صومها. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2497>مسألة [١٩٥]: هل يُشترط في صيام الثلاثة والسبعة التتابع</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٦٣): وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي جَمْعًا وَلَا تَفْرِيقًا، وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. اهـ\nقلتُ: وما قرره ابن قدامة هو الصواب، ولكن قد وجد خلاف شاذٌّ كما ذكر ذلك النووي في «شرح المهذب» (٧/ ١٨٩).\nتنبيه: قال الإمام ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- في «الشرح الممتع» (٧/ ٢٠٨): يجوز أن يصوم الأيام الثلاثة متتابعة ومتفرقة؛ مالم يكن تتابعها من ضرورة صومها في الحج، وذلك إذا صامها في أيام التشريق، فهنا لا بد أن تكون متتابعة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2498>مسألة [١٩٦]: إذا لم يصم الثلاثة الأيام قبل يوم النحر</span>.\n• في المسألة خلافٌ بين أهل العلم على أقوال:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٣٦٢)، «المجموع» (٧/ ١٩٣)، «الشرح الممتع» (٧/ ٢٠٩).","vol":"5","page":370},{"text":"القول الأول: يجب عليه الهدي، ولا يصومها في أيام التشريق ولا بعدها، ويبقى الهدي في ذمته، وهو قول سعيد بن جبير، وطاوس، ومجاهد، وجاء عن عمر -﵁- بإسناد ضعيف؛ فيه حجاج بن أرطاة، وهو مدلس فيه ضعف، وجاء عن ابن عباس -﵄- بإسناد صحيح؛ فقد أخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس -﵄-.\nالقول الثاني: يصوم أيام التشريق، وهو قول ابن عمر، وعائشة -﵃-، وقال به عروة، والزهري، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في القديم، وهو اختيار البخاري؛ لحديث ابن عمر، وعائشة -﵃- في «البخاري» (١٩٩٨)، أنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمْن إلا لمن لم يجد الهدي.\nالقول الثالث: لا يصوم أيام منى، ويصوم عشرة أيام بعد ذلك، وهو قول الحسن، وعطاء، والشافعي، وأحمد في رواية.\nقلتُ: والصواب من هذه الأقوال هو القول الثاني، وتقدم تحقيق المسألة في كتاب الصيام. (^١)\nقلتُ: وأما إذا أخر الصوم متعمدًا بغير عذر حتى فاتته أيام منى أيضًا، فمن أوجب عليه الهدي في المسألة السابقة يوجبه عليه هنا، والجمهور على أنه أساء، ويصوم عشرة أيام بعد ذلك، وألزمه كثير منهم بدم.\n• وذهب ابن حزمٍ إلى أنه لا يجوز صيامها بعد خروج وقتها؛ لأنَّ الله تعالى\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٦٤)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٢٨ - ٢٢٩).","vol":"5","page":371},{"text":"قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦]، وعنده ينتهي الحج بطواف الإفاضة، فلا يجوز صومها عنده، لا في أيام التشريق، ولا بعدها، ويبقى عليه صيام السبعة الأيام. وقوله قويٌّ؛ إلا أنه يجوز صومها في أيام التشريق كما تقدم التنبيه على ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2499>مسألة [١٩٧]: من ابتدأ في الصيام ثم قدر على الهدي</span>.\n• ذهب كثيرٌ من أهل العلم، أو أكثرهم إلى أنه لا يلزمه أن يرجع إلى الهدي إلا أن يشاء، وهو قول الحسن، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وداود؛ لأنه قد فعل ما أمره الله به. وقال المزني من الشافعية: يلزمه الهدي. ومنهم من قال: إن قدر على الهدي قبل إكمال الثلاثة؛ لزمه الهدي، وإن كان بعد إكمالها لم يلزمه. وهو قول ابن أبي نجيح، وحماد، والثوري، وأبي حنيفة.\nوالأقرب من هذه الأقوال هو القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2500>مسألة [١٩٨]: حكم الحلق، أو التقصير</span>.\nتقدم الكلام على هذه المسألة تحت المسألة رقم [٧٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2501>مسألة [١٩٩]: أيهما أفضل الحلق، أو التقصير</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ الحلق أفضل؛ لما ثبت في «الصحيحين» (^٣) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (٧/ ١٤٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ٣٦٦)، «المجموع» (٧/ ١٩٠)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٤٠١).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٧٢٧) (١٧٢٨)، ومسلم برقم (١٣٠١) (١٣٠٢)، من حديث ابن عمر، وأبي هريرة -﵃-.","vol":"5","page":372},{"text":"قال: «اللهم ارحم المحلقين»، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين، كرر ذلك ثلاثًا، ثم قال: «والمقصرين».\nويجزئ الحلق، أو التقصير عند عامة أهل العلم؛ إلا ما رُوي عن الحسن من وجوب الحلق في الحجة الأولى.\nوالصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2502>مسألة [٢٠٠]: هل يجب الحلق على من لبَّدَ رأسه</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوب الحلق على من لبَّد، وصحَّ عن عمر وابنه الأمر بذلك (^٢)، وهو قول النخعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لبَّد وحلق. (^٣)\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه مخيَّرٌ، وهو قول الشافعي، والأصح عند أصحابه، وهو قول أصحاب الرأي، وصححه ابن قدامة، وصحَّ عن ابن عباس -﵄- أنه لا يلزمه الحلق إلا إذا نواه. (^٤)\nقلتُ: الصواب أنه مخير، والأفضل هو الحلق، ولا نعلم دليلًا صحيحًا في إلزامه بالحلق، والله أعلم. (^٥)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٠٣)، «المجموع» (٨/ ٢٠٩).\n(^٢) أخرجه عنهما البيهقي (٥/ ١٣٥) بأسانيد صحيحة.\n(^٣) أما الحلق فقد تقدم، وأما التلبيد فأخرجه البخاري (١٥٦٦)، ومسلم (١٢٢٩)، من حديث حفصة -﵂-.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٩٨) بإسناد صحيح.\n(^٥) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٠٤)، «المجموع» (٨/ ٢١٨).","vol":"5","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2503>مسألة [٢٠١]: ماذا يصنع الأصلع الذي لا شعر له</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٠٦ - ٣٠٧): وَالْأَصْلَعُ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ مَسْرُوقٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْأَصْلَعَ يُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (^١)، والواجب إزالة الشعر وَإِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا سَقَطَ أَحَدُهُمَا لِتَعَذُّرِهِ، وَجَبَ الْآخَرُ.\nقال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّ الْحَلْقَ مَحَلُّهُ الشَّعْرُ، فَسَقَطَ بِعَدَمِهِ، كَمَا يَسْقُطُ وُجُوبُ غَسْلِ الْعُضْوِ فِي الْوُضُوءِ بِفَقْدِهِ. اهـ\nقلتُ: أثر ابن عمر -﵄- في إسناده: عبدالله بن عمر العمري، كما في «سنن الدارقطني» (٢/ ٢٥٦)، و«سنن البيهقي» (٥/ ١٠٣)، وهو ضعيفٌ، وجاء من طريق الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. ورواية الدراوردي عن عبيد الله ضعيفة مضطربة؛ فقد اختلطت عليه أحاديث عبيد الله الثقة المصغر الاسم، بأحاديث عبد الله، والأثر معروف برواية عبد الله، وهو ضعيف، وأما الإجماع فلا يصح؛ فقد خالف أبو بكر بن داود، فقال: لا يستحب إمرار الموسى. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)، عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٨/ ٢١٢).","vol":"5","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2504>مسألة [٢٠٢]: ما هو الحلق والتقصير المجزئ</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: أنه يلزم أن يأخذ من جميع شعره، وهو قول مالك، وأحمد.\nالثاني: يجزئ البعض، وهو قول أحمد في رواية.\nالثالث: يجزئه ولو ثلاث شعرات، وهي أقل ما يجزئ، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور.\nالرابع: أقل ما يجزئ ربع الرأس، وهو قول أبي حنيفة، وعن أبي يوسف: نصفه.\nالخامس: أقل ما يجزئ ما يقع عليه اسم الحلق، أو التقصير، وهو قول ابن المنذر، وهو الصحيح في المسألة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2505>مسألة [٢٠٣]: تأخير الحلق، أو التقصير عن يوم النحر</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٠٦): وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ إلَى آخِرِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ تَأْخِيرُ النَّحْرِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ؛ فَتَأْخِيرُهُ أَوْلَى؛ فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ ذَلِكَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا دَمَ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى بَيَّنَ أَوَّلَ وَقْتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]، وَلَمْ يُبَيِّن آخِرَهُ، فَمَتَى أَتَى بِهِ أَجْزَأَهُ، كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالسَّعْيِ. الثانية: وَعَنْ أَحْمَدَ: عَلَيْهِ دَمٌ بِتَأْخِيرِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٢٤٤)، «المجموع» (٨/ ٢١٤).","vol":"5","page":375},{"text":"نُسُكٌ أَخَّرَهُ عَنْ مَحِلِّهِ، وَمَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَلَا فَرْقَ فِي التَّأْخِيرِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَالْعَامِدِ وَالسَّاهِي.\nوَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: مَنْ تَرَكَهُ حَتَّى حَلَّ فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ، فَيَأْتِي بِهِ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ كَسَائِرِ مَنَاسِكِهِ، وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2506>مسألة [٢٠٤]: هل تحلق المرأة، أو تقصر</span>؟\nروى أبو داود عن ابن عباس -﵄- بإسناد حسنٍ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير». (^٢)\nقال ابن قدامة -﵀-: لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا أَهْلُ الْعِلْمِ. وَكَانَ أَحْمَدُ يَقُولُ: تُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ (^٣)، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عَن أَحْمَدَ: تَجْمَعُ شَعْرَهَا إلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهَا قَدْرَ أُنْمُلَةٍ. اهـ\nوقال قتادة: تأخذ الثلث، أو الربع، وقال مالك: تأخذ من جميع قرونها أقل جزء، ولا يجزئ من بعض القرون. (^٤)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٢٠٩ -).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٧٥٢).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١/١١٥)، والبيهقي (٥/ ١٠٤)، وفي إسناده: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.\n(^٤) وانظر: «المغني» (٥/ ٣١٠ - ٣١١)، «المجموع» (٨/ ٢١٠ - ٢١١).","vol":"5","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2507>مسألة [٢٠٥]: قوله في حديث جابر: ثم ركب رسول الله - ﷺ - فأفاض إلى البيت</span>.\nهذا الطواف هو طواف الإفاضة، وسُمِّي بذلك؛ لأنه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة، ويسمَّى طواف الزيارة؛ وسُمِّي بذلك لأنه يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة، بل يرجع إلى منى.\nقال النووي -﵀-: ويسمَّى طواف الفرض والركن، وسماه بعض أصحابنا طواف الصدر، وأنكره الجمهور، وقالوا: إنما طواف الصدر طواف الوداع، والله أعلم. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2508>مسألة [٢٠٦]: حكم طواف الإفاضة</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٨/ ١٩٢): وهو ركنٌ من أركان الحج بإجماع المسلمين. اهـ\nونقل الإجماع أيضًا ابن عبد البر، وابن قدامة كما في «المغني» (٥/ ٣١١).\nودليل الرُّكنية قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، وأجمعوا على أنَّ المراد بهذا الأمر هو طواف الإفاضة، وحديث عائشة -﵂- في «الصحيحين» (^٢) أن صفية -﵂- حاضت بعدما أفاضت، فَحُدِّث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنها حاضت، فقال: «أحابستنا هي»، قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فلا بأس، فلتنفر معكم».\nفدل على أنَّ هذا الطواف لابد منه، وأنه حابس لمن لم يأت به، بينما رُخِّص للحائض ترك طواف الوداع؛ لكونه ليس بركن، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2509>مسألة [٢٠٧]: وقت طواف الإفاضة</span>.\nأما وقت الفضيلة: فهو يوم النحر بعد الرمي، والنحر، والحلق؛ لحديث جابر الذي في الكتاب.\nوأما وقت الإجزاء: فقال النووي -﵀-: مذهبنا أنَّ أول وقت طواف الإفاضة من نصف ليلة النحر، وآخره آخر عمر الإنسان، وإن بقي خمسين سنة وأكثر، ولا دم عليه في تأخيره، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: أوله طلوع الفجر يوم النحر، وآخره اليوم الثاني من أيام التشريق؛ فإنْ أخَّرَه عنه لزم دمٌ، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وهذا قد طاف. اهـ\nونقل ابن قدامة في «المغني» أنَّ أبا حنيفة حدد آخر وقته بأيام النحر؛ فإنْ فعل بعد ذلك أجزأه وعليه دمٌ.\nقال ابن قدامة -﵀-: والصحيح أنَّ آخر وقته غير محدود؛ فإنه متى أُتي به صحَّ بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم. اهـ المراد\nقلتُ: قد خالف ابن حزم فقال: من أخر طواف الإفاضة حتى خرجت أشهر الحج؛ فحجُّه باطلٌ؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧].اهـ\nوجزم الشيخ ابن عثيمين -﵀- أنه لا يجوز تأخيره لغير عذر حتى يخرج شهر\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣١١)، «شرح مسلم» (٨/ ١٩٣).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٧٣٣)، ومسلم برقم (٣٨٦) من [كتاب الحج].\n(^٣) وانظر: «المغني» (٥/ ٣١١ - ٣١٢).","vol":"5","page":378},{"text":"ذي الحجة، ولكن مع ذلك؛ فإنه لا يفتي بالبطلان، وهو الأقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2510>مسألة [٢٠٨]: من رجع إلى بلده ولم يطف طواف الإفاضة</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يجتنب ما يجتنبه المحرم بعد التحلل الأول، ثم يرجع إلى مكة مُحرِمًا، ويطوف بالبيت، وهو مذهب عطاء، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وأوجب عليه أبو حنيفة، ومالك في المشهور عنه دمًا.\n• وقال الحسن: يحج من العام المقبل. وحُكِي نحو ذلك عن عطاء قولًا ثانيًا.\n• وذهب ابن حزمٍ إلى أن حجه يبطل، وإن كانت حجة الإسلام؛ وجب عليه أن يحج من قابل إن استطاع. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2511>مسألة [٢٠٩]: من رجع إلى بلده، ولم يطف طواف الإفاضة، وحصل منه الجماع لامرأته</span>؟\nمن رجع إلى بلده بدون أن يطوف طواف الإفاضة؛ فعليه أن يرجع لأدائه قبل أن يجامع امرأته، سواءٌ تركه جهلًا، أو نسيانًا، أو عمدًا؛ لأنه لم يتم حجُّه بعدُ، ولا يحل للحاج الجماع إلا بعد التحلل الثاني الحاصل بطواف الإفاضة، ويجب عليه الرجوع لأداء طواف الإفاضة متى قدر على ذلك، ولو حصل منه الجماع؛ فعليه دم يذبحه في مكة، ويوزعه على فقرائها.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣١٢ - ٣١٣)، «المجموع» (٨/ ٢٨٢)، «المحلى» (٧/ ١٧٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ٣٤٥)، «المجموع» (٨/ ٢٢٠).","vol":"5","page":379},{"text":"تنبيه: من ترك السعي بين الصفا والمروة، فعليه من الحكم ما ذكرناه فيمن ترك طواف الإفاضة أيضًا.\nتنبيه آخر: من صار عاجزًا عن الرجوع؛ لأداء طواف الإفاضة، أو السعي بين الصفا والمروة، عجزًا بدنيًا، أو مات قبل أن يتمكن من أدائه؛ فينوبه شخص آخر، ويؤدي عنه ما بقي عليه من حجه؛ فدين الله أحق أن يقضى، وكما يجوز النيابة؛ لأداء الحج كاملًا؛ فيجوز أن تحصل النيابة لما بقي من أركان الحج، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2512>مسألة [٢١٠]: إذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة، ولم تنتظرها رفقتها، وخشيت هي ووليها على أنفسهما</span>؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٣٤ -): وغاية ما في الطهارة أنها شرط في الطواف، ومعلوم أن كونها شرطا في الصلاة أوكد منها في الطواف، ومعلوم أن الطهارة كالسِّتَارة، واجتناب النجاسة، بل الستارة في الطواف أوكد من الطهارة؛ لأن ستر العورة يجب في الطواف وخارج الطواف، ولأن ذلك من أفعال المشركين التي نهى الله ورسوله - ﷺ - عنها نهيا عاما؛ ولأن المستحاضة ومن به سلس البول ونحوهما يطوف ويصلي باتفاق المسلمين، والحدث في حقهم من جنس الحدث في حق غيرهم لم يفرق بينهما إلا العذر.\nوإذا كان كذلك وشروط الصلاة تسقط بالعجز فسقوط شروط الطواف بالعجز أولى وأحرى، والمصلي يصلي عريانا، ومع الحدث والنجاسة في صورة","vol":"5","page":380},{"text":"المستحاضة وغيرها، ويصلي مع الجنابة مع التيمم وبدون التيمم عند الأكثرين إذا عجز عن الماء والتراب.\nثم قال: وأما الحج فالتقدير أنه لا يمكنها أن تحج إلا على هذا الوجه، وإذا لم يمكنها ذلك كان هذا غاية المقدور كما لو لم يمكنه أن يطوف إلا راكبا أو حامل النجاسة.\nفإن قيل: هنا سؤالان:\nأحدهما: أنه هلا جعلت الحائض كالمعضوب فإن كانت ترجو أن تحج ويمكنها الطواف وإلا استنابت؟\nوالثاني: أنه إذا لم يسوغ لها الشارع الصلاة زمن الحيض كما يسوغها للجنب بالتيمم وللمستحاضة علم أن الحيض لا تصح معه العبادة بحال.\nفيقال: أما الأول فلأن المعضوب هو الذي يعجز عن الوصول إلى مكة؛ فأما من أمكنه الوصول إلى مكة وعجز عن بعض الواجبات فليس بمعضوب كما لو أمكنه الوصول وعجز عن اجتناب النجاسة مثل المستحاضة ومن به سلس البول ونحوهما؛ فإن عليه الحج بالإجماع ويسقط عنه ما يعجز عنه من الطهارة، وكذلك من لم يمكنه الطواف إلا راكبا أو محمولا أو من لم يمكنه رمي الجمار ونحو ذلك؛ فإنه يستنيب فيه ويحج ببدنه.\nثم قال: ويقال: هذا نوع من أنواع الطهارة فسقط بالعجز كغيره من أنواع الطهارة؛ فإنها لو كانت مستحاضة، ولم يمكنها أن تطوف إلا مع الحدث الدائم","vol":"5","page":381},{"text":"طافت باتفاق العلماء. وفي وجوب الوضوء عليها خلاف مشهور بين العلماء، وفي هذا صلاة مع الحدث ومع حمل النجاسة وكذلك لو عجز الجنب أو المحدث عن الماء والتراب صلى وطاف في أظهر قولي العلماء.\nقال: ويقال: شرط من شرائط الطواف؛ فسقط بالعجز كغيره من الشرائط؛ فإنه لو لم يمكنه أن يطوف إلا عريانا؛ لكان طوافه عريانا أهون من صلاته عريانا، وهذا واجب بالاتفاق؛ فالطواف مع العري إذا لم يمكن إلا ذلك أولى وأحرى.\nوإنما قلَّ تكلم العلماء في ذلك لأن هذا نادر؛ فلا يكاد بمكة يعجز عن سترة يطوف بها لكن لو قدر أنه سلب ثيابه، والقافلة خارجون لا يمكنه أن يتخلف عنهم كان الواجب عليه فعل ما يقدر عليه من الطواف مع العري كما تطوف المستحاضة، ومن به سلس البول مع أن النهي عن الطواف عريانا أظهر وأشهر في الكتاب والسنة من طواف الحائض.\nوهذا الذي ذكرته هو مقتضى الأصول المنصوصة العامة المتناولة لهذه الصورة لفظا ومعنى، ومقتضى الاعتبار والقياس على الأصول التي تشابهها، والمعارض لها إنما لم يجد للعلماء المتبوعين كلاما في هذه الحادثة المعينة كما لم يجد لهم كلاما فيما إذا لم يمكنه الطواف إلا عريانا، وذلك لأن الصور التي لم تقع في أزمنتهم لا يجب أن تخطر بقلوبهم؛ ليجب أن يتكلموا فيها. ووقوع هذا وهذا في أزمنتهم إما معدوم وإما نادر جدا، وكلامهم في هذا الباب مطلق عام وذلك يفيد العموم لو لم تختص الصورة المعينة بمعان توجب الفرق والاختصاص","vol":"5","page":382},{"text":"وهذه الصورة قد لا يستحضرها المتكلم باللفظ العام من الأئمة؛ لعدم وجودها في زمنهم والمقلدون لهم ذكروا ما وجدوه من كلامهم.\nولهذا أوجب مالك وغيره على مكاريها أن يحتبس لأجلها إذا كانت الطرقات آمنة ولا ضرر عليه في التخلف معها، وكانوا في زمن الصحابة، وغيرهم يحتبس الأمير لأجل الحيض والمتأخرون من أصحاب مالك أسقطوا عن المكاري الوداع وأسقط المبيت عن أهل السقاية والرعاية لعجزهم.\nوعجزهم يوجب الاحتباس معها في هذه الأزمان، ولا ريب أن من قال: الطهارة واجبة في الطواف وليست شرطا؛ فإن يلزمه أن يقول: إن الطهارة في مثل هذه الصورة ليست واجبة لعدم القدرة عليها؛ فإنه يقول: إذا طاف محدثا وأبعد عن مكة لم يجب عليه العود للمشقة. فكيف يجب على هذه ما لا يمكنها إلا بمشقة أعظم من ذلك لكن هناك من يقول عليه دم، وهنا يتوجه أن لا يجب عليها دم لأن الواجب إذا تركه من غير تفريط؛ فلا دم عليه بخلاف ما إذا تركه ناسيا أو جاهلا، وقد يقال عليها دم؛ لندور هذه الصورة، ونظير ذلك: أن يمنعه عدو عن رمي الجمرة؛ فلا يقدر على ذلك حتى يعود إلى مكة أو يمنعه العدو عن الوقوف بعرفة إلى الليل أو يمنعه العدو عن طواف الوداع بحيث لا يمكنه المقام حتى يودع.\nوقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه أسقط عن الحائض طواف الوداع، ومن قال: إن الطهارة فرض في الطواف وشرط فيه؛ فليس كونها شرطًا فيه أعظم","vol":"5","page":383},{"text":"من كونها شرطًا في الصلاة. ومعلوم أن شروط الصلاة تسقط بالعجز فسقوط شروط الطواف بالعجز أولى وأحرى.\nهذا هو الذي توجه عندي في هذه المسألة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولولا ضرورة الناس واحتياجهم إليها علما وعملا؛ لما تجشمت الكلام حيث لم أجد فيها كلاما لغيري؛ فإن الاجتهاد عند الضرورة مما أمرنا الله به؛ فإن يكن ما قلته صوابا؛ فهو حكم الله ورسوله والحمد لله. وإن يكن ما قلته خطأ؛ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان من الخطأ، وإن كان المخطئ معفوا عنه. والله ﷾ أعلم. والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما. انتهى كلامه ﵀ مع اختصار يسير.\nولابن القيم -﵀- بحثٌ يقرر فيه ما قرره شيخه -﵀-، مع زيادة بيان في كتابه المفيد «أعلام الموقعين» (٣/ ٢٠ -).\nقال أبو عبد الله غفر الله له: في هذه الأزمنة تيسرت الناقلات الحديثة، مع إمكان تغيير مواعيد النقل، والرحلات؛ فلم يبق في ذلك ضرر على المرأة؛ لإمكان أن يتخلف عليها محرمها فحسب، وعليه فالواجب على محرمها أن يتخلف معها حتى تطهر؛ إلا أن يعجزا عن ذلك؛ كأن تكون نفساء، ويطول عليهما، ولا قدرة لهما على البقاء؛ ففي هذه الحال لا بأس عليها إن شاء الله أن تطوف على حالها، وبالله التوفيق.","vol":"5","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2513>مسألة [٢١١]: ما حكم استخدام المرأة لموانع الحيض حتى تعتمر أو تحج</span>؟\nقال أبو عبد الله غفر الله له: هذه الموانع لا تخلو من أضرار كما قرره الأطباء الحذاق الموثوقون؛ وعليه فلا تخلو من كراهة، ولكن إن كانت المرأة تصاب بأضرار واضحة بمجرد شربها لجرعة واحدة؛ فلا يجوز لها شربها، وإن كانت الأضرار خفيفة، أو لا يحصل للمرأة أضرار واضحة بجرعة واحدة؛ فيرجى أن لا إثم عليها في ذلك، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2514>مسألة [٢١٢]: هل يرمل ويضطبع في طواف الإفاضة</span>؟\n• ذكر أهل العلم أنَّ الحاجَّ لا يرمل، ولا يضطبع في هذا الطواف؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يرد عنه ذلك في طواف الإفاضة، واستثنى الشافعية ما إذا كان لم يرمل، أو يضطبع في طواف القدوم، أو لم يسع عقب طواف القدوم؛ فإنهم يقولون بالرمل والاضطباع في هذا الطواف، والصحيح عدم ذلك، وسيأتي حديث ابن عباس -﵄-: لم يرمل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في السبع الذي أفاض (^١). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2515>مسألة [٢١٣]: هل تشترط النية في طواف الإفاضة</span>؟\n• ذهب أكثر العلماء إلى اشتراط النية؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، وابن القاسم، وابن المنذر وغيرهم.\n• وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنه لا يُشترط له النية؛ فإن طاف بنية الوداع،\n_________\n(^١) سيأتي في «البلوغ» برقم (٧٥٨).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٣١٣)، «شرح مسلم» (٨/ ١٩٣).","vol":"5","page":385},{"text":"أو القدوم، أو التطوع؛ فإنه يقع عن طواف الإفاضة، وعزا ابن قدامة القول بعدم الاشتراط إلى الثوري، وأصحاب الرأي، مع الشافعي.\nقلتُ: والصواب هو قول الجمهور، وهو اشتراط النية، ولكن لا يشترط أن يكون ذاكرًا لها، بل يكفي أن يكون مستصحبًا لها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2516>مسألة [٢١٤]: كم يلزم الحاج سعي وطواف</span>؟\nأما المفرِد: فلا يلزمه إلا طواف واحد، وسعي واحد، ولا يلزمه أكثر من ذلك بالإجماع؛ فإنْ كان قد سعى بعد طواف القدوم؛ فلا يسعى بعد طواف الإفاضة، وإن كان لم يسع بعد طواف القدوم؛ وجب عليه أن يسعى بعد طواف الإفاضة.\n• وأما القارن: فاختلف أهل العلم فيه على قولين:\nالأول: يلزمه طواف واحد، وسعي واحد، وليس عليه أكثر من ذلك، وهو قولُ أكثر أهل العلم، وممن قال بذلك: ابن سيرين، والحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وسالم، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود وأصحابهم، وصحَّ عن ابن عمر، وابن عباس -﵃-.\nواستدلوا بحديث عائشة -﵂- في «صحيح مسلم» (١٢١١) (١٣٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لها: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك»، وفي رواية: «قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا»، أخرجه مسلم (١٢١٣) من حديث جابر -﵁-.\nواستدلوا بحديث جابر بن عبد الله -﵄- في «صحيح مسلم» (١٢١٥): لَمْ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣١٣)، «شرح مسلم» (٨/ ١٩٣).","vol":"5","page":386},{"text":"يَطُفْ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا.\nوحديث عائشة -﵂- في «الصحيحين» (^١) أنها قالت: وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا لَهُما.\nالثاني: يلزمه طوافان وسعيان، وهو قول جماعة من أهل العلم، وهو قول جابر بن زيد، وشُريح، والشعبي، والنخعي، وحماد، والحكم، وأبي حنيفة، والثوري، والحسن بن حي، والأوزاعي، ورواية عن أحمد، وذلك لأنهما نسكان، فكان لهما طوافان كما لو كانا مُفْرَدَين.\nواستدل لهم بحديث رواه الدارقطني (٢/ ٢٦٣)، عن علي -﵁- مرفوعًا أنه جمع بين حج وعمرة، فطاف طوافين، وسعى سعيين.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ للأدلة المتقدمة، وحديثهم ضعيفٌ جدًّا، فيه: الحسن بن عمارة متروك، وله طريق أخرى فيها: عيسى بن عبدالله، قال الدارقطني: يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث. وقياسهم مخالفٌ للأدلة، فلا تعويل عليه، والله أعلم. (^٢)\n• وأما المتمتع: فاختلف أهل العلم فيه على قولين:\nالأول: عليه طوافان، وسعيان، وهو قول جمهور أهل العلم، ومنهم: مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، وأبو ثور، وجماعة آخرون.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٥٥٦)، ومسلم برقم (١٢١١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ٣٤٧)، «المحلَّى» (٧/ ١٧٤ - ١٧٥)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٩٢)، «ابن أبي شيبة» (٥/ ٤١٤ - ٤١٦) ط/رشد.","vol":"5","page":387},{"text":"واستدلوا بحديث عائشة -﵂- في «الصحيحين» (^١)، قالت: فأما الذي حلوا، فطافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجِّهم. ولأنهما نسكان منفصلان: عمرة منفصلة، وحج منفصل؛ فوجب لكل منهما سعي وطواف.\nالثاني: أنَّ على المتمتع سعيًا واحدًا، وهو سعي العمرة، فيكفيه عن سعي الحج، وهو قول عطاء، وطاوس، ورواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام؛ لحديث جابر المتقدم قريبًا: «لم يطف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لما تقدم، وهو ترجيح الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل رحمة الله عليهم، وأما حديث جابر الذي استدلوا به فهو في حق من ساق الهدي؛ جمعًا بينه وبين حديث عائشة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2517>مسألة [٢١٥]: أعمال يوم النحر، وتقديم بعضها على بعض</span>.\nأعمال يوم النحر هي: الرمي، ثم الذبح، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف، ثم السعي للمتمتع، وللقارن والمفرد إذا لم يسعيا بعد طواف القدوم.\nوالسُّنَّةُ هو الترتيب بينها كما ذكرتُ عند جميع أهل العلم.\n• واختلف أهل العلم في تقديم بعضها على بعض:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٥٥٦)، ومسلم برقم (١٢١١).\n(^٢) وانظر: «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٩٧)، «الإنصاف» (٤/ ٤١).","vol":"5","page":388},{"text":"فأما الأربعة -ما دون السَّعي- فلا بأس على من أخلَّ بترتيبها ناسيًا، أو جاهلًا عند أكثر أهل العلم، وهو مذهب الحسن، وطاوس، ومجاهد، وابن جبير، وعطاء، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود وغيرهم.\nوقال أبو حنيفة: إن قَدَّمَ الحلق على الذبح أو الرمي فعليه دم، وإن كان قارنًا فعليه دمان. وقال مالك: إن قَدَّم طواف الإفاضة على الرمي؛ فلا يجزئه. ورُوي عنه: يجزئه، وعليه دمٌ.\nقلتُ: والصحيح هو قول الجمهور؛ لحديث عبد الله بن عمرو -﵄-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقف بمنى للناس يسألونه، فقال قائلٌ: يا رسول الله، لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال: «اذبح، ولا حرج»، وقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي؟ فقال: «ارم، ولا حرج»، فما سُئل عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: «افعل، ولا حرج» متفق عليه. (^١)\nوفي رواية لمسلم: فما سمعته يُسأل يومئذ عن أمرٍ مما يَنسى المرء ويجهل من تقديم بعض الأمور على بعض وأشباهها، إلا قال: «افعلوا، ولا حرج».\nوفي حديث ابن عباس -﵄- عندهما، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قيل له في الذبح، والحلق، والتقديم، والتأخير، فقال: «لا حرج». (^٢)\n• وأما تقديم بعضها على بعض متعمدًا عالمًا بمخالفة السنة ففيه قولان:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٨٣)، ومسلم برقم (١٣٠٦).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٧٣٤)، ومسلم برقم (١٣٠٧).","vol":"5","page":389},{"text":"الأول: عليه دمٌ، وهو قول سعيد بن جبير، وجابر بن زيد، وقتادة، والنخعي، وهو رواية عن أحمد، وقال به مالك في تقديم الحلق على الرمي، وفي تقديم الطواف على الرمي في رواية.\nالثاني: ليس عليه دمٌ، وهو قول عطاء، وإسحاق، والشافعي، ورواية عن أحمد، وحمل ابن قدامة هذا الخلاف على الجواز لا على الإجزاء، فقال: ولا نعلم خلافًا بينهم في أنَّ مخالفة الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الإجزاء.\nوقد نصر ابن دقيق العيد الرواية الأولى عن أحمد بعدم الجواز من المتعمد العالم بالسنة؛ معتمدًا على قوله في الحديث: «لم أشعر»، فقال: يختص الحكم بهذه الحالة، وهو الذي لا يشعر لجهله، أو نسيانه، وأما غيره؛ فيجب عليه الترتيب كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لقوله: «خذوا عني مناسككم».\nقلتُ: بل الصواب -والله أعلم- هو القول الثاني، وهو قول الجمهور؛ لأنَّ الترتيب لو كان واجبًا لم يسقط بالسهو، أو الجهل، والوقت مازال باقيًا، ولو كان واجبًا؛ لَأَمَرَه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بإعادة ما قدمه قبل وقته، وأيضًا قول الراوي: فما سُئل عن شيء قدم ولا أخر ...، الحديث، يُوحي بالإباحة، وعدم وجوب الترتيب.\nوقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: قوله: «افعل، ولا حرج» يُشعِر بعدم وجوب الترتيب. اهـ\nقلتُ: وأيضًا بعض الأحاديث ليس فيها ذكر النسيان، كحديث ابن عباس","vol":"5","page":390},{"text":"المتقدم، وحديث أسامة بن شريك عند أبي داود (٢٠١٥)، وغيره؛ قال: خرجت مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حاجا فكان الناس يأتونه، فمن قال: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف أو قدمت شيئا أو أخرت شيئا فكان يقول: «لا حرج لا حرج، إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك»؛ فالصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n• وأما تقديم السعي على الطواف:\nفالجمهور يرون عدم الإجزاء، وذهب إلى الإجزاء: عطاء، وأحمد في رواية؛ لحديث أسامة بن شريك المتقدم، وفيه: قال: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف؟ فقال: «لا حرج» أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، وقد تقدم، وقال الجمهور: المقصود به: سعيت بعد طواف القدوم قبل أن أطوف للإفاضة.\nوهذا التأويل خلاف ظاهر الحديث، ورجَّح الإمام ابن عثيمين الإجزاء، وهذا هو الأقرب؛ إن صح الحديث، والله أعلم، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك تحت المسألة رقم (٧٤). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2518>مسألة [٢١٦]: متى يحصل التحلل من الحج</span>؟\n• للحج تحللان، فالتحلل الأول اختلف أهل العلم بمَ يحصل:\nفذهب أحمد، والشافعي إلى أنه يحصل بعد الرمي والحلق، وهو قول الحنفية،\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (١٧٣٦ - ١٧٣٨)، «المغني» (٥/ ٣٢١ -)، «المجموع» (٨/ ٢١٦ -).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (١٧٣٦).","vol":"5","page":391},{"text":"ولكن الأصل عندهم هو الحلق، وهو الذي يحصل به التحلل.\nواستدلوا بحديث عائشة -﵂- عند أبي داود وغيره أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا رميتم، وحلقتم؛ فقد حل لكم الطيب، وكل شيء إلا النساء». (^١)\nوهذا الحديث في إسناده: حجاج بن أرطاة، وهو مدلس وفيه ضعفٌ، وقد خلَّط في الإسناد والمتن، فرواه في الإسناد على وجهين، وفي المتن على ثلاثة أوجه، فتارة كما تقدم، وتارة يقول: «إذا رميتم» فَحَسْب، وتارة يزيد: «وذبحتم».\nقال البيهقي -﵀- (٥/ ١٣٦): وهذا من تخليطات الحجاج بن أرطاة، وإنما الحديث عن عمرة، عن عائشة كما رواه سائر الناس عن عائشة -﵂-.اهـ\nيعني بلفظ: كنتُ أُطيب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت.\n• وذهب مالك، وعطاء، وأبو ثور، وأحمد في رواية وصححه ابن قدامة إلى أنَّ التحلل يحصل برمي جمرة العقبة.\nواستدلوا بحديث عائشة -﵂- المتقدم على رواية: «إذا رميتم فقد حلَّ لكم ...» بدون زيادة: «الحلق»، وبحديث أم سلمة في «مسند أحمد» (٦/ ٢٩٥،٣٠٣): أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال يوم النحر: «إنَّ هذا يوم رخص لكم فيه إذا أنتم رميتم أن تحلوا ...» الحديث، وفي إسناده: أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، وهو مستور الحال، وتابعه عند أحمد رجلٌ مجهولٌ يقال له: خالد مولى\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» برقم (٧٥١).","vol":"5","page":392},{"text":"الزبير بن نوفل.\nوجاء هذا القول عن ثلاثة من الصحابة، عن عائشة، وابن الزبير -﵃-، كما في «ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٢٠ - ٣٢١)، وهو صحيح عنهما، وجاء عن ابن عباس -﵄- عند ابن ماجه (٣٠٤١)، وغيره، وفي إسناده انقطاع؛ فإنَّه من طريق الحسن العرني، عنه، ولم يسمع منه، وقد رُوي حديث ابن عباس مرفوعًا، والمحفوظ وقفه.\nوجاء في «سنن النسائي» (٥/ ١٣٧) بإسنادٍ صحيحٍ عن عائشة -﵂- قالت: طيبتُ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لإحرامه قبل أن يُحرم، ولحله بعد رمي جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أحاديث القول الثاني أقوى وأكثر؛ فهو أقرب، وقد رجَّح ذلك الإمام الألباني -﵀-، ولكن الأحوط العمل على القول الأول؛ فالأحاديث كلها لم تسلم من الكلام، والحديث الأخير لعائشة ليس بصريح.\nويحصل التحلل الثاني عند أهل العلم بالطواف بالبيت طواف الإفاضة بعد أن يرمي ويحلق، ولا خلاف في ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2519>مسألة [٢١٧]: إذا لم يرتب بين الأعمال السابقة فبماذا يحصل التحلل</span>؟\nأما من قال: يحصل التحلل الأول بالرمي والحلق، كالشافعي وأصحابه، وأحمد في رواية، فيقولون: يحصل التحلل باثنين من ثلاثة، وهي: الرمي، والحلق، والطواف، ويحصل التحلل الأخير بالعمل الثالث، وأما الحنفية فلا يحصل\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٠٧ - ٣١٠).","vol":"5","page":393},{"text":"التحلل عندهم إلا بالحلق.\nوعن أحمد وجماعة من أصحابه: أنَّ التحلل الأول يحصل بواحد من اثنين، وهما الرمي والطواف، وبالثاني يحصل التحلل الثاني، والله أعلم.\nقال الإمام العثيمين -﵀- كما في «مجموع فتاواه» (٢٣/ ١٧٢): وأما العبارة المشهورة عند الفقهاء (أنه يحل التحلل الأول بفعل اثنين من ثلاثة)، وهن: الرمي، والحلق، والطواف؛ فلا أعلم في هذا سنة، لكن فيه القياس والنظر؛ لأنَّ الطواف له تأثير في التحلل الثاني، فإذا كان له تأثير في التحلل الثاني؛ صار له تأثير في التحلل الأول. انتهى المراد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2520>مسألة [٢١٨]: ماذا يحل له في التحلل الأول</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ المحرم بعد التحلل الأول يحل له كل شيء إلا النساء، وصحَّ هذا القول عن عائشة، وابن الزبير.\nوهو مذهب أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وقال به علقمة، وسالم، وطاوس، والنخعي؛ للأحاديث المتقدمة.\nوأما تحريم النساء؛ فلقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، وهو ما زال في الحج حتى يتحلل التحلل الثاني.\nوعن أحمد رواية في تحريم الوطء فقط.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٣١٠) (٥/ ٣٢٣ - ٣٢٤) «المجموع» (٨/ ٢٢٩ -) «هداية السالك» (٤/ ١٣١٤ -).","vol":"5","page":394},{"text":"• وذهب عمر وابنه (^١)، وعروة إلى أنه يحل له ما عدا النساء والطِّيب، وهو مذهب مالك، وزاد: والصيد.\nوالأثر صحيح عن عمر، وقد بلغ عائشة قول عمر، فردت ذلك بقولها: طيبت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لحله قبل أن يطوف بالبيت.\nوالصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2521>مسألة [٢١٩]: المبيت بمنى أيام التشريق</span>.\nالسُّنَّةُ لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى؛ لما روى ابن عمر -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أفاض يوم النحر، فصلَّى الظهر بمنى. متفق عليه. (^٣)\n• واختلف أهل العلم في حكم المبيت بمنى ليالي أيام التشريق:\nفذهب أكثر أهل العلم إلى وجوب المبيت بها، وهو قول عروة، والنخعي، ومجاهد، وعطاء، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية.\nواستدلوا بحديث ابن عمر -﵄- في «الصحيحين» (^٤) أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أذن للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، وبحديث\n_________\n(^١) أثر عمر -﵁- أخرجه البيهقي (٥/ ١٣٥) بإسناد صحيح، وأثر ابن عمر -﵄- أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٢١)، وفي إسناده: أشعث بن سوار الكندي، وهو ضعيف.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٣١٠ -)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٢٠ -)، «سنن البيهقي» (٥/ ١٣٥).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٧٣٢)، ومسلم برقم (١٣٠٨)، واللفظ لمسلم.\n(^٤) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٧٥٣).","vol":"5","page":395},{"text":"عاصم بن عدي: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رخص للرعاة أن يتركوا المبيت بمنى. (^١) فدل على أنَّ غيرهم لا يجوز لهم ترك ذلك؛ لأنَّ ضدَّ الرخصة العزيمة.\nوصحَّ عن عمر أنه قال كما في «الموطأ» (١/ ٤٠٦)، و«ابن أبي شيبة» (١٤٦٠٣): لا يبيتن أحدٌ من الحاج ليالي منى من وراء العقبة.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى عدم الوجوب، وهو قول الحسن، ورواية عن أحمد، وصحَّ عن ابن عباس -﵄-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» أنه قال: إذا رميت الجمار؛ فبت حيث شئت. واختار هذا القول ابن حزم.\nوحجتهم: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رخَّص لبعض المعذورين بترك المبيت؛ فدلَّ على عدم الوجوب.\nقلتُ: والصواب هو القول الأول، وترخيصه للمعذورين يدل على أن غيرهم لا رخصة لهم في تركه، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2522>مسألة [٢٢٠]: ماذا على من ترك المبيت</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أساء ولا شيء عليه وعليه الاستغفار، وهو مذهب أحمد، وأصحاب الرأي.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» برقم (٧٥٤).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٢٤)، «ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٢٦) (باب ٢٦٢ من كتاب المناسك)، «المحلى» (٨٤٦).","vol":"5","page":396},{"text":"الثاني: عليه شيء، واختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: يُطعم شيئًا، وهو قول عطاء، والثوري، والنخعي، ورواية عن أحمد، ومنهم من قال: عليه دم، وهو قول النخعي، ومالك، ومنهم من قال: إن ترك الثلاثة الأيام؛ فعليه دم، وإن ترك أقل من الثلاثة؛ فعليه الإطعام. وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد.\nوالقول الأول أقرب، وهو ترجيح ابن حزم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2523>مسألة [٢٢١]: من أراد أن يبيت ليلتين، ثم يَنفر</span>.\nذكر أهل العلم أنه يُشرع لمن أراد أن يتعجل أن يقتصر على مبيت ليلتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣].\nواشترط جمهور العلماء لمن أراد التَّعجُّلَ أن يخرج من منى قبل أن تغيب الشمس من اليوم الثاني، قالوا: فإذا غربت وهو بمنى؛ لزمه مبيت الليلة الثالثة، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ قالوا: واليوم اسم للنهار دون الليل.\nوصحَّ هذا القول عن عمر -﵁- كما في «سنن البيهقي» (٥/ ١٥٢)، وعن ابنه كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (الباب/ ١٩ من كتاب المناسك)، وكما في «سنن البيهقي»، وقال به من التابعين: أبو الشعثاء، وعطاء، وطاوس، وأبان بن عثمان، والنخعي، واختاره إسحاق، وابن المنذر.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٢٥)، «المحلى» (٨٤٦) (٧/ ١٨٥).","vol":"5","page":397},{"text":"وقال أبو حنيفة: له التعجيل؛ مالم يطلع فجر اليوم الثالث، ولم يشترط ابن حزم شيئًا، بل أباح له النفر مطلقًا، والصواب قول الجمهور، والله أعلم.\nوأكثر أهل العلم على أنَّ أهل مكة يجوز لهم التعجيل أيضًا؛ لعموم الآية، خلافًا لما رُوي عن عمر (^١)، ومالك من المنع من ذلك. (^٢)\nتنبيه: لا يلزم في المبيت أن يمكث بمنى جميع الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، بل لو مكث معظم الليل؛ أجزأه، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2524>مسألة [٢٢٢]: رمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق</span>.\nجاء في «صحيح البخاري» (١٧٥٢)، عن ابن عمر -﵄- صفة رمي الجمار في أيام التشريق: أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ، فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَفْعَلُهُ.\nوالمقصود بالجمرة الدنيا: هي الجمرة التي تلي مسجد الخيف، وهي أبعدها من مكة.\nومعنى: (يسهل)، أي: يقصد السَّهل من الأرض، وهو المكان المصطحب\n_________\n(^١) الأثر عن عمر -﵁- ذكره ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٣٣١)، ولم يعزُه إلى أحد، ولم أجده.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٣١ -)، «المجموع» (٨/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، «المحلى» (٨٤٧).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٨/ ٢٤٧).","vol":"5","page":398},{"text":"الذي لا ارتفاع فيه.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٧٥٢): قَالَ اِبْن قُدَامَةَ: لَا نَعْلَم لِمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيث اِبْن عُمَر هَذَا مُخَالِفًا إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِك مِنْ تَرْك رَفْع الْيَدَيْنِ عِنْد الدُّعَاء بَعْد رَمْي الْجمَار، فَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر: لَا أَعْلَم أَحَدًا أَنْكَرَ رَفْع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء عِنْد الْجمْرَة إِلَّا مَا حَكَاهُ اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك. اهـ.\nقلتُ: ومالك -﵀- محجوج بحديث الباب، وكأنه لم يبلغه، والله أعلم.\nومجموع الحصيات: إحدى وعشرون حصاة في كل يوم؛ لحديث ابن عمر -﵄- السابق، ففي بعض الروايات في «البخاري» ذكر (سبع حصيات) في كل جمرة، ومجموع الأيام الثلاثة: ثلاث وستون حصاة. وإذا أضفنا إليها جمرة العقبة أصبحت: سبعين حصاة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2525>مسألة [٢٢٣]: حكم رمي الجمار</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٧٤٦): وقد اختلف فيه، فالجمهور على أنه واجب يجبر تركه بدم، وعند المالكية سنة مؤكدة. اهـ\nقلتُ: ويدل على قول الجمهور حديث ابن عباس -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «بمثل هؤلاء فارموا» أخرجه أحمد، وقد تقدم، فهذا أمرٌ بالرمي، وبين رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بفعله أنَّ الرمي في يوم النحر، وفي أيام التشريق، والله أعلم.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، «المجموع» (٨/ ٢٣٨ - ٢٣٩).","vol":"5","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2526>مسألة [٢٢٤]: حكم التكبير عند رمي الجمار، والدعاء بعد ذلك، والقيام، ورفع اليدين</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٣٠): وَإِنْ تَرَكَ الْوُقُوفَ عِنْدَهَا وَالدُّعَاءَ؛ تَرَكَ السُّنَّةَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، إلَّا الثَّوْرِيَّ قَالَ: يُطْعِمُ شَيْئًا، وَإِنْ أَرَاقَ دَمًا أَحَبُّ إلَيَّ. انتهى المراد.\nوقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٧٥٣): وقد أجمعوا على أنَّ من ترك التكبير عند رمي الجمار لا يلزمه شيء، إلا الثوري، فقال: يطعم، وإن جبره بدمٍ أحب إليَّ. اهـ\nقلتُ: والصواب قول الجمهور؛ لأنها أعمال مستحبة، ولا نعلم دليلًا على إيجابها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2527>مسألة [٢٢٥]: حكم الترتيب بين الجمرات الثلاث</span>.\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى وجوب الترتيب بين الجمرات، فيبدأ بالدنيا، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، قالوا: فإن نكس فبدأ بالعقبة الوسطى، ثم الدنيا؛ أجزأته الدنيا، ويعيد الوسطى بعدها، ثم العقبة، وإن بدأ بالوسطى، ثم الدنيا، ثم العقبة؛ أجزأته الدنيا، ثم يرمي الوسطى، ثم العقبة، وإن بدأ بالعقبة، ثم الأولى، ثم الوسطى؛ أعاد العقبة فقط، وَحُجَّتُهم: أنَّ هذا هو فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو بيان لهذه الشعيرة، وهو القائل: «من عمل\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٢٨٣).","vol":"5","page":400},{"text":"عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد».\n• وذهب الحسن، وعطاء، وأبو حنيفة إلى عدم وجوب الترتيب، ويجزئه الرمي عندهم إذا نكس وبدأ بالعقبة، ثم الوسطى، ثم الدنيا.\nوالصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2528>مسألة [٢٢٦]: وقت رمي الجمار في أيام التشريق</span>.\n• أكثر أهل العلم على أنَّ الرمي وقته من بعد الزوال، وإن رمى قبل الزوال يعيد، وهو مذهب أحمد، ومالك، والثوري، والشافعي، وقال به الحسن، وعطاء.\n• وقال إسحاق، وأصحاب الرأي: وقته من بعد الزوال، ولكن لا بأس في اليوم الأخير أن يرمي قبل الزوال، ولا ينفر إلا بعد الزوال، وهذا رواية عن أحمد، وقال به عكرمة.\n• وقال عطاء، وطاوس: يجوز قبل الزوال مطلقًا، وهو رواية عن أبي حنيفة، وهي خلاف المشهور عنه.\nقلتُ: رمى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعد الزوال كما في «صحيح مسلم» (١٢٩٩)، عن جابر قال: رمى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس. وفي «البخاري» (١٧٤٦)، عن ابن عمر -﵄- أنه قال: كنا نتحين، فإذا\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٢٩)، «المجموع» (٨/ ٢٣٩ - ٢٤٠) (٨/ ٢٨٢)، «هداية السالك» (٤/ ١٣٣١ - ١٣٣٢).","vol":"5","page":401},{"text":"زالت الشمس رمينا. والأصل في العبادات التوقيف؛ فالأظهر هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2529>مسألة [٢٢٧]: إذا أخر رمي يومٍ إلى ما بعده</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٣٣): إذَا أَخَّرَ رَمْيَ يَوْمٍ إلَى مَا بَعْدَهُ، أَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ كُلَّهُ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ تَرَكَ السُّنَّةَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّهُ يُقَدِّمُ بِالنِّيَّةِ رَمْيَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِثِ. وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ تَرَكَ حَصَاةً، أَوْ حَصَاتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا إلَى الْغَدِ؛ رَمَاهَا، وَعَلَيْهِ لِكُلِّ حَصَاةٍ نِصْفُ صَاعٍ، وَإِنْ تَرَكَ أَرْبَعًا؛ رَمَاهَا، وَعَلَيْهِ دَمٌ. وَلَنَا: أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَقْتٌ لِلرَّمْيِ ... اهـ\nقلتُ: وللجمهور في أنَّ ذلك وقتٌ للرمي حديث عاصم بن عدي أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رخَّص للرعاء أن يجمعوا رمي يومين في يوم واحد (^٢)، ولكن مع كونه يجزئ؛ ففي النفس شيء من الجواز، وقد منع المالكية، والحنفية منه، ويرونه غير جائز، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2530>مسألة [٢٢٨]: إذا أخَّر الرمي حتى خرجت أيام التشريق</span>؟\nقال عبد العزيز الكناني -﵀- في «هداية السالك» (٤/ ١٣٤٦): واتفق الأربعة\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٢٨ - ٣٢٩)، «المجموع» (٨/ ٢٨٢)، «الفتح» (١٧٤٦)، «القرطبي» (٣/ ٧)، «هداية السالك» (٤/ ١٣٤٤).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٧٥٤).\n(^٣) وانظر: «الشرح الممتع» مع الحاشية (٧/ ٣٨٩)، «هداية السالك» (٤/ ١٣٤٢ - ١٣٤٦).","vol":"5","page":402},{"text":"على أنَّ بغروب الشمس من آخر أيام التشريق يفوت كل الرمي، فلا يفعل بعد ذلك أداءً، ولا قضاءً؛ لأنه تابع للوقوف، فكما أنَّ للوقوف وقتًا يفوت بفواته كذلك الرمي. اهـ\nقال القرطبي -﵀- في «تفسيره» (٣/ ٧): ولا سبيل عند الجميع إلى رمي ما فاته من الجمار في أيام التشريق حتى غابت الشمس من آخرها، وذلك اليوم الرابع من يوم النحر، وهو الثالث من أيام التشريق، ولكن يجزئه الدم، أو الإطعام على ما ذكرنا. اهـ\nقلتُ: أما الدم والإطعام فلا نعلم عليه دليلًا، ولكن يستغفر الله إن ترك ذلك عامدًا لغير عذر، ومن كان معذورًا، أو ناسيًا، أو جاهلًا؛ فلا شيء عليه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2531>مسألة [٢٢٩]: هل يرمي عن المريض والعاجز</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٨/ ٢٨٣): أجمعوا على الرمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي؛ لِصِغَرِه، وأما العاجز عن الرمي لمرض، وهو بالغٌ، فمذهبنا أنه يُرمى عنه كالصبي، وبه قال الحسن، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وقال النخعي: يوضع الحصى في كفه، ثم يؤخذ، ويُرمى في المرمى. اهـ\nقلتُ: من لم يقدر على الرمي لمرضه وعجزه؛ جاز الرمي عنه، وبذلك يُفتي الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما، ولكن ننبه على أنَّ بعض الناس يتساهل، فربما رمى عن امرأته، وهي قادرة؛ خوفًا عليها من الازدحام،","vol":"5","page":403},{"text":"فهذا لا يجزئ، وعليه أن يتحرى وقتًا لا يكون فيه ازدحام، فيذهب بامرأته لترمي بنفسها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2532>مسألة [٢٣٠]: من تعجل في اليوم الثاني، فهل يرمي عن اليوم الثالث</span>؟\nقال القرطبي -﵀- في «تفسيره» (٣/ ٨ - ٩): قال علماؤنا: ويسقط رمي الجمرة الثالثة عمن تعجل. قال ابن أبي زمنين: يرميها يوم النفر حين يريد التعجيل. قال ابن المنذر: ويسقط رمي اليوم الثالث.\nقلتُ: الصواب أنه يسقط عنه مبيت الليلة الثالثة، ورمي اليوم الثالث، وهو قول عامة أهل العلم، ويظهر ذلك من قولهم: إذا غابت عليه الشمس وهو في منى؛ وجب عليه مبيت الليلة الثالثة، والرمي من الغد، وقد تقدم ذكر ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2533>مسألة [٢٣١]: هل ثبت أن الجمار، ما قبل منها رفعه الله</span>؟\nجاء من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: قلنا: يا رسول الله، هذه الجمار التي ترمي كل سنة، فنحسب أنها تنقص، فقال: «ما تقبل منها رفع، ولولا ذلك رأيتموها مثل الجبال» أخرجه الطبراني في «الأوسط» (١٧٥٠)، والدارقطني (٢/ ٣٠٠)، والحاكم (١/ ٤٧٦)، والبيهقي (٥/ ١٢٨) من طريق يزيد بن سنان، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه به.\nقال ابن عبد الهادي -﵀- في «التنقيح» (٣/ ٥٣٨): وهو حديثٌ لا يثبت، فإنَّ أبا فروة يزيد بن سنان ضعَّفه الإمام أحمد، والدَّارَقُطْنِيُّ، وغيرهما، وتركه النَّسائيُّ","vol":"5","page":404},{"text":"وغيره، وذكره الحاكم في كتاب الضُّعفاء أيضًا، وقال البيهقيُّ: يزيد بن سنان ليس بالقويِّ في الحديث، وروي من وجهٍ آخر ضعيف عن ابن عمر مرفوعًا. اهـ\nوأخرج مسدد في مسنده كما في «المطالب العالية» (١٢٥٧)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٢٨)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (١٣/ ٢٢٥) من طريق سفيان الثوري، عن سليمان بن أبي المغيرة العبسي، عن ابن أبي نعم، عن أبي سعيد، قال: حصى الجمار ما يقبل منه رفع، وما رد ترك، ولولا ذلك كان أطول من ثبير.\nقلتُ: هذا إسنادٌ حسنٌ؛ سليمان، وعبد الرحمن بن أبي نعم، كلاهما حسن الحديث، وأخرج البيهقي (٥/ ١٢٨) من طريق سفيان الثوري، عن ابن خثيم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، قال: وكل به ملك: ما تقبل منه رفع، وما لم يتقبل ترك. وهذا إسنادٌ حسنٌ أيضًا؛ عبد الله بن عثمان بن خثيم حسن الحديث.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٢) عن ابن عيينة، عن فطر، عن أبي الطفيل، قال: قلت لابن عباس رميت الجمار في الجاهلية والإسلام، فقال: ما تقبل منه رفع، ولولا ذلك كان أعظم من ثبير.\nإسناده حسن أيضًا؛ فطر بن خليفة حسن الحديث، وأخرجه ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٣/ ٢٢٥) من طريق سفيان، عن فطر به.","vol":"5","page":405},{"text":"٧٢٦ - وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ سَأَلَ اللهَ رِضْوَانَهُ وَالجَنَّةَ وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nاستحبَّ بعض الفقهاء الدعاء المذكور عقب التلبية، ولكن الحديث ضعيفٌ، وعلى هذا فلا يستحب تعيين الدعاء المذكور، ولا يتحرى الدعاء به عقب التلبية، والله أعلم.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الشافعي في «مسنده» (١/ ٣٠٧) عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صالح بن محمد ابن زائدة عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه به. وإسناده ضعيف؛ لضعف صالح بن محمد بن زائدة، وأما ابن أبي يحيى فهو وإن كان كذابًا فإنه قد توبع عند الدارقطني (٢/ ٢٣٨)، والبيهقي (٥/ ٤٦).","vol":"5","page":406},{"text":"٧٢٧ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «نَحَرْت هَاهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْت هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2534>مسألة [١]: موضع النحر والذبح في الحج والعمرة</span>.\nقال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-: في «التمهيد» (٩/ ١٠٣ - ١٠٤) ط/مرتبة: المنحر في الحج بمنى إجماع من العلماء، وأما العمرة فلا طريق لمنى فيها، فمن أراد أن ينحر في عمرته وساق هديًا يتطوع به؛ نحره بمكة حيث شاء منها، وهذا إجماع أيضًا لا خلاف فيه يغني عن الإسناد والاستشهاد، فمن فعل ذلك فقد أصاب السنة، ومن لم يفعل ونحر في غيرهما فقد اختلف العلماء في ذلك: فذهب مالك إلى أن المنحر لا يجوز في الحج إلا بمنى، ولا في العمرة إلا بمكة، ومن نحر في غيرهما لم يجزه، ومن نحر في الحج أو في العمرة في أحد الموضعين أجزأه؛ لأن رسول الله - ﷺ - جعلهما موضعًا للنحر، وخصهما بذلك.\nوقال الشافعي، وأبو حنيفة: إن نحر في غير منى ومكة من الحرم أجزأه. قالوا: وإنما لمكة ومنى اختصاص الفضيلة، والمعنى في ذلك الحرم؛ لأن مكة ومنى حرم، وقد أجمعوا أن من نحر في غير الحرم لم يجزه.\nقلتُ: وما ذهب إليه الشافعي وأبو حنيفة هو مذهب أحمد أيضًا، وهو الصحيح.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٢١٨) (١٤٩).","vol":"5","page":407},{"text":"• وقد ذهب ابن حزم في «المحلى» (٧/ ١٥٦) إلى ما ذهب إليه مالك.\nوالإجماع الأخير الذي ذكره ابن عبد البر لا يصح، فقد قال ابن حزم -﵀-: فإنَّ قومًا قالوا: يجزئ في كل بلد؛ لأنَّ الله تعالى لم يحد موضعَ أدائه؛ فهو جائزٌ في كل موضع. وقال أيضًا: وعن مجاهد: انحر حيث شئت. اهـ (^١)\n\n٧٢٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا جَاءَ إلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه استحباب الدخول إلى مكة من الثَّنية العُليا، وهي (كَداء) بفتح الكاف والمد، وهي التي يقال لها (الحجون).\nواستحباب الخروج من الثنية السُّفلى وهي (كُدا) بضم الكاف والقصر، وحديث عائشة جاء عن ابن عمر -﵄- أيضًا في «الصحيحين» (^٣) بمعناه.\n_________\n(^١) وانظر: «الاستذكار» (١٣/ ٧٥ - ٧٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٧٧)، ومسلم (١٢٥٨).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٥٧٦)، ومسلم برقم (١٢٥٧).","vol":"5","page":408},{"text":"٧٢٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إلَّا بَاتَ بِذِي طُوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2535>مسألة [١]: حكم الاغتسال عند دخول مكة</span>.\nالغسل عند دخول مكة مُستحبٌّ.\nونقل ابن المنذر الإجماع على استحبابه كما في «الفتح» (١٥٧٣).\nويستحَبُّ أيضًا أن يدخل مكة نهارًا، وهو أكثر فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد ورد عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه دخل مكة ليلًا في عمرة الجعرانة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٥٣)، ومسلم (١٢٥٩).","vol":"5","page":409},{"text":"٧٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الحَجَرَ الأَسْوَدَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الحَاكِمُ مَرْفُوعًا، وَالبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2536>مسألة [١]: حكم السجود على الحجر الأسود</span>.\n• استحبَّ جماعةٌ من الفقهاء السجود على الحجر، بمعنى أن يجعل جبهته عليه بعد تقبيله، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، ونقله الأثرم عن أحمد، وعليه أكثر الحنفية، بل هو قول الجمهور.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الحاكم (١/ ٤٥٥)، والبيهقي (٥/ ٧٤)، من طريقين عن جعفر بن عبدالله، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عباس أنه قبل الحجر وسجد عليه، وقال: رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر وسجد عليه، ثم قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعل هكذا ففعلت. قال البيهقي: وجعفر هذا هو ابن عبدالله ابن عثمان نسبه الطيالسي إلى جده.\nقال الحافظ في «التلخيص» (٢/ ٤٧١)،: قال ابن السكن: رجل من بني حميد من قريش حميدي. وقال البزار: مخزومي، وقال الحاكم: هو ابن الحكم ... قال: ووهم في قوله: إن جعفر بن عبدالله هو ابن الحكم فقد نص العقيلي على أنه غيره، وقال في هذا: في حديثه وهم واضطراب. اهـ\nقلتُ: ووثقه أحمد كما في «الجرح والتعديل» (٢/ ٤٨٢ - ٤٨٣).\nقال العقيلي في «الضعفاء» (١/ ١٨٣) بعد أن ساقه من طريق بشر بن السري عن جعفر بن عبدالله به عن ابن عباس مرفوعًا. قال: ورواه أبوعاصم وأبوداود الطيالسي عن جعفر فقالا: عن ابن عباس عن عمر مرفوعًا: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبدالرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن عباد بن جعفر أنه رأى ابن عباس قبل الحجر وسجد عليه. قال العقيلي: حديث ابن جريج أولى.\nقلتُ: الطريق الأخيرة هي في «المصنف» (٥/ ٣٧) والظاهر أن الاختلاف المذكور بسبب جعفر ابن عبدالله، فقد اختلف فيه على ثلاثة أوجه، فتارة يرفعه من مسند ابن عباس، وتارة يرفعه من مسند عمر، وتارة يوقفه على ابن عباس.","vol":"5","page":410},{"text":"• وذهب مالك، وبعض الحنفية إلى كراهة السجود عليه، بل قال مالك: إنه بدعة.\nقلتُ: الذي يظهر لي أنه لا يصل إلى حدّ البدعة؛ لأنَّ ابن عباس -﵄- قد فعله، ولكن لا يسجد عليه؛ لعدم صحة الحديث المرفوع في ذلك، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٣٣)، «الإنصاف» (٤/ ٦)، «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٥٠٥).","vol":"5","page":411},{"text":"٧٣١ - وَعَنْهُ -﵁-، قَالَ: أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَيَمْشُوا أَرْبَعًا، مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٧٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، أَنَّهُ كَانَ إذَا طَافَ بِالبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا وَفِي رِوَايَةٍ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - إذَا طَافَ فِي الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أَوَّلُ مَا يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالبَيْتِ وَيَمْشِي أَرْبَعَةً. (^٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nفي الحديثين دلالة على استحباب الرَّمَل في الثلاثة الأشواط الأولى من طواف القدوم، والمشي في بقية الأشواط.\nوانظر ما تقدم في حديث جابر الطويل رقم المسألة [٢٨].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٠٢)، ومسلم (١٢٦٤).\n(^٢) الحديث ليس موجودًا في المخطوطتين، وإنما هو زيادة من المطبوع.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٦٠٣)، ومسلم (١٢٦١).","vol":"5","page":412},{"text":"٧٣٣ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَّيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٧٣٤ - وَعَنْ عُمَرَ -﵁- أَنَّهُ قَبَّلَ الحَجَرَ وَقَالَ: إنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n٧٣٥ - وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ -﵁- قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَطُوفُ بِالبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ المِحْجَنَ. رَوَاهُ مُسْلِمٍ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nيستفاد من هذه الأحاديث: استحباب استلام الركنين اليمانيين، وتقبيل الحجر الأسود؛ فإن لم يتمكن من الاستلام بيده، فيستلم بعصا إن كان معه عصا؛ فإن لم يكن معه عصا اكتفى بالإشارة إلى الحجر الأسود، ولا يشير إلى الركن اليماني الذي ليس فيه الحجر الأسود.\nوانظر ما تقدم في حديث جابر الطويل.\n_________\n(^١) إن كان الضمير في (عنه) عائدًا إلى ابن عمر فالحديث في مسلم برقم (١٢٦٧) بلفظ (يمسح) بدل (يستلم)، وهو عند البخاري (١٦٠٩) بلفظ الكتاب.\nوإن كان الضمير عائدًا إلى ابن عباس، فهو عند مسلم برقم (١٢٦٩) بدون قوله (من البيت).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٩٧)، ومسلم (١٢٧٠). واللفظ للبخاري.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٢٧٥).","vol":"5","page":413},{"text":"٧٣٦ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ -﵁- قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُضْطَبِعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه استحباب الاضطباع في طواف القدوم. وتقدَّم الكلام على هذه المسألة تحت حديث جابر الطويل، رقم المسألة [٣٤].\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٢، ٢٢٣، ٢٢٤)، وأبوداود (١٨٨٣)، والترمذي (٨٥٩)، وابن ماجه (٢٩٥٤) واللفظ لأبي داود، ومدار طرقه على ابن جريج.\n\nفعند أحمد وأبي داود من طريق ابن جريج عن ابن يعلى عن أبيه به. وعند أحمد من طريق أخرى عن ابن جريج عن رجل عن ابن يعلى به. وهذا الرجل المبهم سمي عند الترمذي وابن ماجه (عبدالحميد بن جبير).\nقال البيهقي (٥/ ٧٩): قال الترمذي: قلت له يعني البخاري من عبدالحميد هذا؟ قال: هو ابن جبير بن شيبة، وابن يعلى هو ابن يعلى بن أمية.\nقال الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند»: هو حديث صحيح على شرط الشيخين وابن يعلى هو صفوان كما في «تحفة الأحوذي» عن ابن عساكر. اهـ\nقلتُ: فالحديث صحيح، وزيادة (أخضر) عند أبي داود فقط، وإسناده منقطع كما تقدم.","vol":"5","page":414},{"text":"٧٣٧ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁-، قَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nالأحكام المستفادة من الحديث\nكان هذا القول من أنس جوابًا لمحمد بن أبي بكر الثقفي، وهما غاديان من منى إلى عرفة، فسأله: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فقال: كان يهل ....، فذكره.\nويستفاد من هذا الحديث: أنَّ المُحْرم يستحب له التلبية، أو التكبير في يوم عرفة وما بعده إلى أن يرمي الجمرة؛ فتنقطع التلبية، ويبقى التكبير إلى آخر أيام التشريق.\nويستفاد منه: أنَّ التكبير يبدأ من صبيحة يوم عرفة، وقد تقدم الكلام على المسألتين تحت حديث جابر الطويل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٥٩)، ومسلم (١٢٨٥).","vol":"5","page":415},{"text":"٧٣٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الثَّقَلِ، أَوْ قَالَ فِي الضَّعَفَةِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٧٣٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ: أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَهُ، وَكَانَتْ ثَبِطَةً تَعْنِي ثَقِيلَةً فَأَذِنَ لَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n٧٤٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ. (^٣)\n\n٧٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الجَمْرَةَ قَبْلَ الفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٥٦)، ومسلم (١٢٩٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٨٠)، ومسلم (١٢٩٠).\n(^٣) صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٢٣٤، ٣١١، ٣٤٣)، وأبوداود (١٩٤٠)، والنسائي (٥/ ٢٧٠)، وابن ماجه (٣٠٢٥)، كلهم من طريق سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن ابن عباس به.\nوإسناده ضعيف لانقطاعه؛ فإنَّ الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس.\nوله طريق أخرى: أخرجه أبوداود (١٩٤١)، والنسائي (٥/ ٢٧٢)، من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عباس به. وإسناده ضعيف؛ لأن حبيبًا مدلس ولم يصرح بالتحديث.\nوله طريق أخرى: أخرجه أحمد (١/ ٣٢٦)، والترمذي (٨٩٣)، من طريق الحكم عن مقسم عن ابن عباس به. والحكم لم يسمع من مقسم إلا أحاديث يسيرة ليس هذا منها، فهو منقطع.\nوالحديث يرتقي إلى الحجية أو الصحة بمجموع هذه الطرق، والله أعلم.\nتنبيه: الحديث أخرجه النسائي كما تقدم فقول الحافظ في «البلوغ» (إلا النسائي) يعتبر وهمًا.\n(^٤) ضعيف. أخرجه أبوداود (١٩٤٢)، من طريق الضحاك بن عثمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به.\nوظاهر إسناده الحسن، ولكن الضحاك بن عثمان في حفظه شيء، وقد خولف في إسناد الحديث، فقد رواه داود بن عبدالرحمن العطار، والدراوردي عن هشام عن أبيه مرسلًا، رواه الشافعي في «الأم» (٢/ ١٨٠) وكذلك رواه حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه مرسلًا، أخرجه الطحاوي (٢/ ٢١٨).\n\nوقد أنكره الإمام أحمد، ورجح المرسل، وأنكره لأن في بعض طرق الحديث (وأمرها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن توافيه يوم النحر في صلاة الصبح بمكة. قال أحمد: وهذا أيضًا عجب، وما يصنع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم النحر بمكة. وقد أعله الطحاوي وابن التركماني بالاضطراب.\nانظر: «الجوهر النقي» (٥/ ١٣٢)، و«زاد المعاد» (٢/ ٢٤٩) و«التلخيص» (٢/ ٤٩٢).","vol":"5","page":416},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nيستفاد من هذه الأحاديث: أنَّ الضعفة من النساء، والشيوخ، والصبيان يرخص لهم أن يدفعوا من المزدلفة ليلًا، وقد قيده الشافعية، والحنابلة وغيرهم بما بعد منتصف الليل، والصواب تقييده بمغيب القمر، كما جاء ذلك عن أسماء بنت أبي بكر -﵂-، في «الصحيحين» أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة ثم قالت: يا بني، هل غاب القمر؟ قلت: لا. فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا، فارتحلنا ومضينا، حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت: كلا، أي بني، إن رسول الله - ﷺ - أذن للظعن.\nويلتحق بالترخيص بهؤلاء من كان قائمًا على الضعيف كالمَحْرَم، وولي الشيخ، والصبي، وقائد السيارة إذا احتيج إليهم.","vol":"5","page":417},{"text":"ويستفاد من حديث ابن عباس -﵄-: أنه يستحب تأخير الرمي إلى ما بعد طلوع الشمس، وإن رمى قبل ذلك أجزأه؛ لثبوت ذلك عن أسماء -﵂-، ودلَّ عليه أيضًا حديث عائشة -﵂- في قصة أم سلمة، ولكنه ضعيف كما تقدم، وانظر ما تقدم في دراسة حديث جابر الطويل.\n\n٧٤٢ - وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يَعْنِي بِالمُزْدَلِفَةِ- فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nاستنبط أهل العلم من حديث عروة -﵁- أحكامًا كثيرة، وقد تقدم كثير منها تحت حديث جابر الطويل.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٥، ٢٦١، ٢٦٢)، وأبوداود (١٩٥٠)، والنسائي (٥/ ٢٦٣)، والترمذي (٨٩١)، وابن ماجه (٣٠١٦)، وابن خزيمة (٢٨٢٠) (٢٨٢١)، من طرق عن الشعبي عن عروة بن مضرس به.\n\nوإسناده صحيح، وقد صححه الإمام الألباني والإمام الوادعي رحمة الله عليهما.","vol":"5","page":418},{"text":"٧٤٣ - وَعَنْ عُمَرَ -﵁-، قَالَ: إنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ (^١)، وَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه استحباب الإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس بعد أن يسفر جدًّا، وقد تقدم ذلك تحت حديث جابر الطويل مسألة رقم [١٢٥].\n\n٧٤٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -﵃-، قَالَا: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ - ﷺ - يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٣)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه أنَّ التلبية تستمر حتى رمي جمرة العقبة يوم النحر، وقد تقدم ذلك أيضًا.\n_________\n(^١) جبل معروف بمكة.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٦٨٤).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٦٨٦) (١٦٨٧)، وابن عباس هو الفضل، وليس عبدالله، وحديث الفضل أخرجه أيضًا مسلم (١٢٨١).","vol":"5","page":419},{"text":"٧٤٥ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁-، أَنَّهُ جَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى الجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٧٤٦ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁-، قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\n٧٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ ثُمَّ يُسْهِلُ، فَيَقُومُ فَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، فَيَقُومُ طَوِيْلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعُو فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nيستفاد من هذه الأحاديث: أنَّ جمرة العقبة ترمى من بطن الوادي، ويجعل الرامي الكعبة عن يساره، ومنًى عن يمينه، ثم يرميها.\nويستفاد من حديث جابر -﵁-: أنه يستحب رمي جمرة العقبة يوم النحر في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٤٩)، ومسلم (١٢٩٦) (٣٠٧).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٢٩٩) (٣١٤).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٧٥١).","vol":"5","page":420},{"text":"الضحى، وأما في أيام التشريق فالواجب أن تكون بعد زوال الشمس؛ لأنَّ هذا هو الذي فعله رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم نقل بوجوب الرمي في يوم النحر ضحًى؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سأله رجل: رميت بعدما أمسيتُ؟ فقال: «لا حرج».\nويستفاد من حديث ابن عمر -﵄-: معرفة الهيئة المستحبة في رمي الجمار الثلاث، وانظر ما تقدم في دراسة حديث جابر الطويل.","vol":"5","page":421},{"text":"٧٤٨ - وَعَنْهُ -﵄-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «اللهُمَّ ارْحَم المُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «وَالمُقَصِّرِينَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nفيه أنَّ الأفضل للحاج والمعتمر أن يحلق رأسه، ويجوز التقصير.\nوالأفضل للمتمتع أن يقصر في العمرة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرهم بذلك؛ وذلك من أجل أن يبقى له شعر يحلقه عند تحلله من الحج، والله أعلم.\nوانظر ما تقدم تحت حديث جابر الطويل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٢٧)، ومسلم (١٣٠١) (٣١٧).","vol":"5","page":422},{"text":"٧٤٩ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -﵄-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ»، فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nيستفاد من هذا الحديث: أنَّ أعمال يوم النحر، -وهي على الترتيب-:\nالرمي.\nثم النحر.\nثم الحلق أو التقصير.\nثم الطواف.\nلا يجب الترتيب بينها، وهو قول الجمهور، وقد تقدم ذكر الخلاف في هذه المسألة تحت حديث جابر -﵁-، رقم المسألة [١٨٩].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٣)، ومسلم (١٣٠٦).","vol":"5","page":423},{"text":"٧٥٠ - وَعَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيستفاد من هذا الحديث: أنَّ الترتيب مأمور به؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالنحر، ثم الحلق، وهذا الأمر محمول على الاستحباب على الصحيح في المسألة، وقد تقدمت.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٨١١).","vol":"5","page":424},{"text":"٧٥١ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ وَكُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيستفاد من هذا الحديث: أنَّ التحلل الأول يحصل بالرمي والحلق.\nوهذا الحديث ضعيف، وقد جاءت أحاديث تدل على أنَّ التحلل الأول يحصل بالرمي فقط.\nوقد تقدم ذكر الخلاف في هذه المسألة تحت حديث جابر -﵁-، رقم المسألة [١٩٠].\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٦/ ١٤٣)، وأبوداود (١٩٧٨)، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وهو مدلس وفيه ضعف، وقد خلَّط في الإسناد والمتن، فروى الإسناد على وجهين، وروى المتن على ثلاثة أوجه، فتارة كما في الباب، وتارة يقول: «إذا رميتم» فحسب، وتارة يزيد «وذبحتم». قال البيهقي (٥/ ١٣٦): وهذا من تخليطات الحجاج بن أرطاة، وإنما الحديث عن عمرة عن عائشة كما رواه سائر الناس عن عائشة -﵂-. اهـ يعني بلفظ: (كنت أطيب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت).","vol":"5","page":425},{"text":"٧٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، وَإِنَّمَا يُقَصِّرْنَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيُستفاد من الحديث: أنَّ المرأة تتحلل بالتقصير لا بالحلق، وهذا مُجمعٌ عليه.\nوانظر حديث جابر، رقم المسألة [١٧٨].\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (١٩٨٥)، حدثنا أبويعقوب البغدادي -ثقة- حدثنا هشام بن يوسف عن ابن جريج عن عبدالحميد بن جبير بن شيبة عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان عن ابن عباس به.\nوهذا إسناد صحيح، وقد صرح ابن جريج بالإخبار عن عبدالحميد:\nأخرجه الدارمي (٢/ ٦٤) أخبرنا علي بن عبدالله المديني ثنا هشام بن يوسف ثنا ابن جريج أخبرني عبدالحميد بن جبير عن صفية بنت شيبة، فذكره.\n\nفالحديث صحيح، وقد صححه شيخنا الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (٦٨٦).","vol":"5","page":426},{"text":"٧٥٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، أَنَّ العَبَّاسَ بْنَ عَبْدِالمُطَّلِبِ -﵁- اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٧٥٤ - وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أرْخَصَ لِرُعَاةِ الإِبِلِ فِي البَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَرْمُونَ الغَدَ، لِيَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nيستفاد من الحديثين: أنَّ المبيت بمنى في أيام التشريق واجب على الحاج، ولا يرخص في ترك المبيت إلا لمن كان له عذر.\nويستفاد من حديث عاصم أيضًا: أنه يجوز الجمع بين رمي يومين في يوم واحد بسبب العذر.\nواستنبط جمهور أهل العلم من حديث عاصم أنَّ أيام التشريق كلها وقت مجزئ للرمي، فمن أخَّر رمي يومٍ إلى آخر أجزأه، وقد أساء إن أخَّر بغير عذر.\nوقد تقدم ذكر هذه المسائل تحت حديث جابر الطويل في صفة الحج.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٣٤)، ومسلم (١٣١٥).\n(^٢) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٤٥٠)، وأبوداود (١٩٧٥)، والنسائي (٥/ ٢٧٣)، والترمذي (٩٥٥)، وابن ماجه (٣٠٣٧)، كلهم من طريق مالك عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه.\nوأخرجه ابن حبان (٣٨٨٨)، من طريق ابن عيينة عن عبدالله بن أبي بكر بإسناده مختصرًا. وإسناد الحديث صحيح، رجاله ثقات معروفون، وأبو البدَّاح بن عاصم بن عدي، وثقه ابن سعد وابن حبان، فهو ثقة.","vol":"5","page":427},{"text":"٧٥٥ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ -﵁- قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ .. الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٧٥٦ - وَعَنْ سَرَّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ -﵂-، قَالَتْ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الرُّءُوسِ فَقَالَ: «أَلَيْسَ هَذَا أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟». الحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُودَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2537>مسألة [١]: كم خطبة تُستحبُّ في الحج</span>؟\nأما خطبة عرفة فاستحبها أهل العلم، ولا أعلم من أنكرها، وتكون قبل صلاة الظهر، والعصر قبل ذهاب الناس إلى الموقف، وقد دلَّ عليها حديث جابر الطويل، وقد تقدم.\nواستحبَّ جماعةٌ من أهل العلم خطبةً أخرى يوم النحر؛ لحديث أبي بكرة المذكور في الباب، وجاءت أحاديث كثيرة في «الصحيحين» وغيرها تدل على خطبة يوم النحر، وممن استحبها الشافعي، وأحمد، وداود، وزفر وغيرهم، وأنكرها مالك، وأبو حنيفة، وقالوا: إنما هي نصيحة ولم يقصد الخطبة. وهذا غير صحيح، والصواب الاستحباب وهو مذهب الجمهور.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩).\n(^٢) ضعيف. أخرج أبوداود (١٩٥٣)، من طريق ربيعة بن عبدالرحمن بن حصين عن جدته السراء بنت نبهان ...، وإسناده ضعيف؛ لجهالة ربيعة بن عبد الرحمن الغنوي، وجدته لا تعرف إلا بهذا الحديث، وحديث آخر ضعيف أيضًا.","vol":"5","page":428},{"text":"واستحبَّ جماعةٌ من أهل العلم خطبة أخرى في أوسط أيام التشريق، وهو يوم الرؤوس، ويوم النفر الأول، وهو قول الشافعي، وأحمد، وداود، واستدلوا بحديث السَّراء بنت نبهان الذي في الباب، وقد تقدم أنه ضعيف.\nولكن يشهد له ما أخرجه أبو داود (١٩٥٢) بإسناد صحيح عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته، وهي خطبة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- التي خطب بمنى.\nوكذلك ما أخرجه أحمد (٥/ ٤١١) بإسناد صحيح عن أبي نضرة قال: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ؟» قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ الله - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ. ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ. قَالَ: «فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، قَالَ: وَلَا أَدْرِي قَالَ: أَوْ أَعْرَاضَكُمْ أَمْ لَا كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَبَلَّغْتُ؟» قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. قَالَ: «لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ».\nولم يستحب هذه الخطبة مالك، وأبو حنيفة، وزفر، واستحب الأولان أن يخطبها يوم النفر، واستحب الأخير أن يخطب يوم التروية، ولا نعلم لهم دليلًا على ذلك.","vol":"5","page":429},{"text":"واستحبَّ الشافعية، ومالك، وأبو حنيفة خطبة في اليوم السابع قبل يوم التروية، واستدلوا بما أخرجه البيهقي (٥/ ١١١)، من حديث ابن عمر، وجابر أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خطب في ذلك اليوم.\nوالحديث في إسناده: أبو حمة محمد بن يوسف الزبيدي، وهو مجهول الحال، وقد روى الحديث على وجهين، فتارةً يرويه عن أبي قُرَّة موسى بن طارق الزبيدي، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، وتارةً يرويه عن أبي قرة، عن ابن جريج، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر؛ ففي النفس شيء من الاحتجاج بهذا الحديث.\nوعلى هذا: فالصحيح عدم استحباب خطبة في اليوم السابع، وهو مذهب أحمد وغيره.\nويستحبُّ للإمام، بل ينبغي له أن يحث الناس في هذه الخُطب على التوحيد، ويذكرهم بحقوق المسلمين، ويعلمهم في كل خطبة المناسك التي يفعلونها، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٨٩)، «المغني» (٥/ ٣٣٥).","vol":"5","page":430},{"text":"٧٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهَا: «طَوَافُك بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ يَكْفِيك لِحَجِّك وَعُمْرَتِك». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه أنَّ القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ، وسعيٌ واحد لحجِّه وعمرته.\nوقد تقدمت المسألة تحت حديث جابر -﵁-، برقم [١٨٨].\n\n٧٥٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه أنَّ الرمل خاصٌّ بطواف القدوم، ولا رمل في طواف الإفاضة.\nوانظر ما تقدم في دراسة حديث جابر رقم المسألة [١٨٦].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢/ ٨٧٩) بلفظ: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» وفي (٢/ ٨٨٠) بلفظ: «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك».\nواللفظ الذي ذكره الحافظ هو لأبي داود برقم (١٨٩٧) وهو معل بالإرسال كما في «العلل» لابن أبي حاتم (١/ ٢٩٤).\n(^٢) صحيح. لم يخرجه أحمد وأخرجه أبوداود (٢٠٠١)، والنسائي في «الكبرى» (٢/ ٤٦٠ - ٤٦١)، وابن ماجه (٣٠٦٠)، والحاكم (١/ ٤٧٥)، كلهم من طريق ابن وهب عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس به. ورجاله رجال الشيخين إلا أن ابن جريج مدلس، وقد عنعن، وبعض أهل العلم يصححون عنعنة ابن جريج عن عطاء؛ لكونه لازمه كثيرًا، وصح عنه أنه قال: إذا قلت: قال عطاء؛ فقد سمعته منه. وهذا الذي تتطمئن النفس إليه، فالحديث صحيح، والله أعلم.","vol":"5","page":431},{"text":"٧٥٩ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n٧٦٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ أَيِ النُّزُولَ بِالأَبْطَحِ وَتَقُولُ: إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2538>مسألة [١]: النزول بالمحصب</span>.\nفي «صحيح مسلم» (١٣١٠) أيضًا عن ابن عمر أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبا بكر، وعمر كانوا ينزلون الأبطح، وعن نافع قال: كان ابن عمر يرى التحصيب سنة، وكان يصلي الظهر يوم النفر بالحصْبَة، قال نافع: قد حصَّب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والخلفاء بعده.\nوفي «الصحيحين» (^٣) عن ابن عباس -﵄-، أنه كان يقول: ليس التحصيب بشيء إنما هو منزلٌ نزله رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٩/ ٥٩): ذَكَرَ مُسْلِم فِي هَذَا الْبَاب الْأَحَادِيث فِي نُزُول النَّبِيّ - ﷺ - بِالْأَبْطَحِ يَوْم النَّفَر، وَهُوَ الْمُحَصَّب، وَأَنَّ أَبَا بَكْر وَعُمَر وَابْن عُمَر وَالْخُلَفَاء -﵃- كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، وَأَنَّ عَائِشَة، وَابْن عَبَّاس كَانَا لَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٧٦٤).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٣١١). وهو في البخاري أيضًا (١٧٦٥).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٧٦٦)، ومسلم برقم (١٣١٢).","vol":"5","page":432},{"text":"يَنْزِلَانِ بِهِ، وَيَقُولَانِ: هُوَ مَنْزِل اِتِّفَاقِيّ لَا مَقْصُود. فَحَصَل خِلَاف بَيْن الصَّحَابَة -﵃-، وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَمَالِك، وَالْجمْهُور اِسْتِحْبَابه؛ اِقْتِدَاء بِرَسُولِ الله - ﷺ -، وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ وَغَيْرهمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَهُ لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبّ أَنْ يُصَلِّي بِهِ الظُّهْر، وَالْعَصْر، وَالْمَغْرِب، وَالْعِشَاء، وَيَبِيتُ بِهِ بَعْض اللَّيْل أَوْ كُلّه؛ اِقْتِدَاء بِرَسُولِ الله - ﷺ -، وَ(الْمُحَصَّبُ) بِفَتْحِ الْحَاء وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ (وَالْحَصْبَة) بِفَتْحِ الْحَاء وَإِسْكَان الصَّاد، وَ(الْأَبْطَح، وَالْبَطْحَاء، وَخَيْف بَنِي كِنَانَة) اِسْم لِشَيْءِ وَاحِد، وَأَصْل الْخَيْف كُلّ مَا اِنْحَدَرَ عَنْ الْجبَل وَارْتَفَعَ عَنْ الْمِيل. اهـ\nوهذا المكان هو بين مكة ومنى، وحدُّها ما بين الجبلين إلى المقبرة، وأما قول ابن عباس، وعائشة، وأبي رافع -﵃- أنه منزل اتفاقيٌّ غير مقصود، فيرد ذلك حديث أبي هريرة في «البخاري» (١٥٩٠)، و«مسلم» (١٣١٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر ...».\nفالصحيح هو استحباب النزول فيه، وليس من مناسك الحج، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (١٧٦٤) (١٧٦٥).","vol":"5","page":433},{"text":"٧٦١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2539>مسألة [١]: حكم طواف الوداع</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ طواف الوداع واجبٌ؛ لحديث ابن عباس المذكور آنفًا، وهو قول الحسن، والحكم، وحماد، والثوري، وإسحاق، وأبي ثور، والشافعي في الأصح عنه، وعليه أكثر أصحابه.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى عدم الوجوب، وعزاه النووي إلى مالك، وداود، وابن المنذر.\nوقال الحافظ -﵀-: وَالَّذِي رَأَيْته فِي «الْأَوْسَط» لِابْنِ الْمُنْذِر أَنَّهُ وَاجِب لِلْأَمْرِ بِهِ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجِب بِتَرْكِهِ شَيْء. اهـ\nوهو قولُ بعض الشافعية، وقولٌ للشافعي.\nواستدل بعضهم على عدم وجوبه بسقوطه عن الحائض، وردَّ ذلك الجمهور، وقالوا: الترخيص للحائض يدل على وجوبه على غير الحائض، والصحيح قول الجمهور. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧٥٥)، ومسلم (١٣٢٨) (٣٨٠).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٣٧)، «الفتح» (١٧٥٥).","vol":"5","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2540>مسألة [٢]: هل يجب طواف الوداع على من عزم على الإقامة بمكة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٣٦): فَإِنْ أَقَامَ بِهَا فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَدَاعَ مِنْ الْمُفَارِقِ، لَا مِنْ الْمُلَازِمِ، سَوَاءٌ نَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ النَّفْرِ أَوْ بَعْدَهُ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ أَنْ حَلَّ لَهُ النَّفْرُ؛ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الطَّوَافُ. وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَارِقٍ، فَلَا يَلْزَمُهُ وَدَاعٌ، كَمَنْ نَوَاهَا قَبْلَ حِلِّ النَّفْرِ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ»، وَهَذَا لَيْسَ بِنَافِرٍ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2541>مسألة [٣]: إذا اشتغل بشيء بعد طواف الوداع</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٣٨ - ٣٣٩): قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ خُرُوجِهِ؛ لِيَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ؛ فَإِنْ طَافَ لِلْوَدَاعِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِتِجَارَةٍ أَوْ إقَامَةٍ؛ فَعَلَيْهِ إعَادَتُهُ، وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إذَا طَافَ لِلْوَدَاعِ، أَوْ طَافَ تَطَوُّعًا بَعْدَمَا حَلَّ لَهُ النَّفْرُ؛ أَجْزَأْهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَإِنْ أَقَامَ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ طَافَ بَعْدَمَا حَلَّ لَهُ النَّفْرُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهُ، كَمَا لَوْ نَفَرَ عَقِيبَهُ. وَلَنَا قَوْلُهُ -﵇-: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ»، وَلِأَنَّهُ إذَا أقَامَ بَعْدَهُ، خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ وَدَاعًا فِي الْعَادَةِ، فَلَمْ يُجْزِهِ. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀-: فَأَمَّا إنْ قَضَى حَاجَةً فِي طَرِيقِهِ، أَوْ اشْتَرَى زَادًا، أَوْ شَيْئًا لِنَفْسِهِ فِي طَرِيقِهِ، لَمْ يُعِدْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِقَامَةٍ تُخْرِجُ طَوَافَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ آخِرَ","vol":"5","page":435},{"text":"عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُمَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2542>مسألة [٤]: إن ترك طواف الوداع</span>؟\nقال الخِرَقِي -﵀-: فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ؛ رَجَعَ إنْ كَانَ بِالْقُرْبِ، وَإِنْ بَعُدَ؛ بَعَثَ بِدَمٍ. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀-: هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالْقَرِيبُ هُوَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَالْبَعِيدُ مَنْ بَلَغَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ عَطَاءٌ يَرَى الطَّائِفَ قَرِيبًا، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: حَدُّ ذَلِكَ الْحَرَمُ، فَمَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ؛ فَهُوَ قَرِيبٌ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُ؛ فَهُوَ بَعِيدٌ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ مَنْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، فِي أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ، وَلِذَلِكَ عَدَدْنَاهُ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. انتهى المراد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر أن من خرج مسافةً تُقصر فيه الصلاة أنه يأثم، وليس عليه دمٌ، ومن كان قبل ذلك؛ فيجب عليه أن يرجع، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2543>مسألة [٥]: إذا أخَّر طواف الأفاضة، فطاف عند خروجه، فهل يجزئه عن طواف الوداع</span>؟\nذكر ابن قدامة -﵀- روايتين عن أحمد، والصواب أنه يجزئه، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-؛ لأنَّ في حديث ابن عباس: أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت. وهذا يحصل ممن أخَّر طواف الإفاضة، ولكن يجب عليه أن ينويه طوافًا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٣٣٩).","vol":"5","page":436},{"text":"للإفاضة، والطواف الركنَ، ولا بأس أن يجعله في نيته عن الوداع أيضًا، ولا يجزئه إذا نواه للوداع فقط، ذكر ذلك الإمام ابن عثيمين -﵀- كما في «الشرح الممتع».\nقلتُ: والقول بالإجزاء هو مذهب مالك، والشافعي، والجمهور كما عزاه إليهم ابن رشد في كتابه «بداية المجتهد» (٢/ ١٠٩).\nبل مذهب مالك، والشافعي أنه يقع عن الإفاضة، ولو لم ينو، وفيه نظر؛ لقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2544>مسألة [٦]: طواف الوداع في حق المرأة الحائض</span>.\nالحائض مُرخَّصٌ لها ترك طواف الوداع عند عامة أهل العلم؛ لحديث الباب.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «الفتح» (٣٣٠): الحائض ممنوعة مِن الطواف في حال حيضها، فإن حاضت قبل طواف الإفاضة؛ فإنها لا تنفر حتى تطوف للإفاضة، وإن طافت طواف الإفاضة، ثُمَّ حاضت، فذهب جمهور أهل العلم إلى أنها تنفر، كَما دلت عليهِ هَذهِ الأحاديث الثلاثة - أعني: حديث عائشة، وابن عمر، وابن عباس.\nقلتُ: يعني بذلك: ما أخرجه البخاري عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، أنها قالت لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله، إن صفية بنت حيي قد حاضت، قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٣٣٨)، «الشرح الممتع» (٧/ ٤٠١)، «بداية المجتهد» (٢/ ١٠٩)، «أسنى المطالب» (١/ ٤٥٧).","vol":"5","page":437},{"text":"«لعلها تحبسنا، ألم تكن طافت معكن»، فقالوا: بلى، قال: «فاخرجي» (^١).\nوعن طاوس، عن ابن عباس، قال: رخص للحائض أن تنفر إذا حاضت (^٢).\nوعن طاوس، عن ابن عمر قال: في أول أمره إنها لا تنفر، قال طاوس: ثم سمعته يقول: تنفر، إن رسول الله - ﷺ - رخص لهن (^٣).\nقال ﵀: وقد روي عَن عمر، وابنه عبد الله، وزيد بنِ ثابت، أنهم قالوا: لا تنفر حتى تطهر، وتطوف للوداع. ووافق جماعة مِن الأنصار زيد بنِ ثابت في قولِه هَذا، وتركوا قول ابن عباس.\nفأما ابن عمر: فَقد صح عَنهُ برواية طاوس هَذهِ أنه رجع عَن ذَلِكَ.\nوأما زيد: ففي «صحيح مسلم» عَن طاوس أيضًا، أنه قالَ: كنت معَ ابن عباس إذ قالَ زيد بنِ ثابت: أتفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون عهدها بالبيت؟ فقالَ لَهُ ابن عباس: إمَّا لا، فسل فلانة الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول الله - ﷺ -؟ قالَ: فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك، وَهوَ يقول: ما أراك إلا قَد صدقت (^٤).\nوأما عمر: فَقد روي أيضًا أنه رجع عما قاله في ذَلِكَ، فروى عبد الرزاق، أخبرنا محمد بنِ راشد، عَن سليمان بنِ موسى، عَن نافع، قالَ: رد عمر نساء مِن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٢٨)، وأخرجه أيضًا مسلم برقم (١٢١١).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٣٢٩).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٣٣٠).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٣٢٨).","vol":"5","page":438},{"text":"ثنية هرشي، وذلك أنهن أفضن يوم النحر، ثُمَّ حضن فنفرن، فردهن حتى يطهرن، ويطفن بالبيت، قالَ: ثُمَّ بلغ عمر بعد ذَلِكَ حديثٌ غير ما صنع، فترك عمر صنيعه الأول. (^١)\nقالَ: وأخبرنا محمد بنِ راشد: أخبرني عبدة بنِ أبي لبابة، عَن هشام بنِ يحيى المخزومي، أن رجلًا مِن ثقيف أتى عمر بنَ الخطاب، فسأله عَن امرأة زارت يوم النحر، ثُمَّ حاضت؟ قالَ: فلا تنفر حتى تطهر، فيكون آخر عهدها بالبيت، فقالَ الرجل: فإن رسول الله - ﷺ - أمر في مثل هَذهِ المرأة بغير ما أفتيت، فضربه عمر بالدرة، وقال: ولم تستفتني في شيء قَد أفتى فيهِ رسول الله - ﷺ -؟!. (^٢)\nوخرج الإسماعيلي في «مسند عمر» مِن طريق هشام بنِ عمار: ثنا صدقة: ثنا الشعيثي، عَن زفر بنِ وثيمة، أن رجلًا مِن ثقيف أتى عمر، فقالَ: امرأة منا حاضت، وقد أفاضت يوم النحر؟ فقالَ: ليكن آخر عهدها بالبيت. فقالَ: إن النبي - ﷺ - أفتى امرأة منا أن تصدر، فحمل عمر عليهِ، فضربه، وقال: تستفتيني في شيء قَد أفتى فيهِ رسول الله - ﷺ -؟!. (^٣)\nوقد روي على وجه آخر، خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية الوليد بن عبد الرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوس، قالَ: أتيت عمر بن الخطاب، فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر، ثم تحيض؟ فقالَ: ليكن\n_________\n(^١) إسناده منقطع؛ لأن نافعًا لم يدرك عمر بن الخطاب -﵁-.\n(^٢) في إسناده هشام بن يحيى المخزومي، وهو مجهول الحال، لم يدرك عمر بن الخطاب -﵁-.\n(^٣) في إسناده انقطاع؛ زفر بن وثيمة لم يدرك عمر بن الخطاب -﵁-.","vol":"5","page":439},{"text":"آخر عهدها بالبيت. قالَ الحارث: كذلك أفتاني رسول الله - ﷺ -، فقالَ عمر: أربت عن يديك، سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله - ﷺ - لكيما أخالف. والوليد هذا، ليس بالمشهور (^١).\nوخرجه الإمام أحمد والترمذي من طريق آخر، عن الحارث بن عبد الله بن أوس، قالَ: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «من حج هذا البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت». فقالَ لهُ عمر: خررت من يديك، سمعت هذا من رسول الله - ﷺ - ولم تخبرنا به (^٢). وفي إسناده: حجاج بن أرطاة، وقد اختلف عليهِ في إسناده.\nوهذه الرواية تدل على أن الحارث بن أوس لم يسمع من النبي - ﷺ - في الحائض بخصوصها إذا كانت قد أفاضت: أنها تحتبس لطواف الوداع، إنما سمع لفظًا عامًا، وقد صح الإذن للحائض إذا كانت قد طافت للإفاضة أن تنفر، فيخص من ذَلِكَ العموم، وعلى هذا عمل العلماء كافة من الصحابة فمن بعدهم.\nوقد روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي فروة، أنه سمع القاسم بن محمد يقول: رحم الله عمر، كل أصحاب محمد - ﷺ - قد أمروها بالخروج. يقول: إذا كانت أفاضت. (^٣)\n_________\n(^١) الوليد هو ابن عبد الرحمن الجرشي، وهو ثقة، والإسناد رجاله ثقات، وأمير المؤمنين عمر -﵁- لم يبلغه الحديث في ذلك؛ فلما بلغه رجع عنه، والله أعلم.\n(^٢) أخرجه أحمد (١٥٤٤١)، والترمذي (٩٤٦) من طريق الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن أوس، عن الحارث بن عبد الله بن أوس به.\nوهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ الحجاج بن أرطاة مدلس فيه ضعف، وعبد الرحمن بن البيلماني ضعيف.\n(^٣) إسناده صحيح، رجاله ثقات، وأبو فروة هو عروة بن الحارث الهمداني.","vol":"5","page":440},{"text":"وروى بإسناده عن سعد بن أبي وقاص، أنه ذكر لهُ قول عمر: لا تنفر حتى تطهر؛ ليكون آخر عهدها بالبيت، فقالَ: ما يجعلها حرامًا بعد إذ حلت، إذا كانت قد طافت يوم النحر؛ فقد حلت، فلتنفر. (^١)\nيشير سعد إلى أن من طاف طواف الإفاضة فقد حل الحل كله، فلا يكون محتبسًا بعد حله، وإنما يبقى عليهِ بقايا من توابع المناسك، كالرمي والمبيت بمنى وطواف الوداع، فما أمكن الحائض فعله من ذَلِكَ كالرمي والمبيت فعلته، وما تعذر فعله عليها كالطواف سقط عنها، ولم يجز إلزامها بالاحتباس لهُ.\nوكل من خالف في ذَلِكَ فإنما تمسك بعموم قد صح تخصيصه بنصوص صحيحة خاصة بالحائض، ولم يصح عن النبي - ﷺ - في الحائض بخصوصها نهي أن تنفر.\nوحديث الرجل الثقفي الذي حدث عمر بما سمع من النبي - ﷺ - قد روي على ثلاثة أوجه كما سبق، وأسانيده ليس بالقوية، فلا يكون معارضًا لأحاديث الرخصة للحائض في النفر؛ فإنها خاصة، وأسانيدها في غاية الصحة والثبوت. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2545>مسألة [٧]: هل للعمرة طواف وداع</span>؟\nأما إذا اعتمر ثم خرج بعد العمرة مباشرة؛ فلا يطوف طواف الوداع؛ لأنه بعمرته قد صار آخر عهده بالبيت.\n_________\n(^١) لم أجده في المطبوع من «مصنف عبد الرزاق»، ولم يذكر ابن رجب -﵀- إسناده؛ فالله أعلم بصحته.","vol":"5","page":441},{"text":"وأما إذا تأخر فلا بأس أن يطوف عند خروجه ليكون آخر عهده بالبيت، وعلى هذا أصحاب المذاهب الأربعة، وقد أوجبه بعضهم، والصحيح عدم وجوبه، وهو مذهب الحنفية والحنابلة؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمر الصحابة به في عمرة القضاء، وقد مكثوا في مكة ثلاثة أيام. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2546>مسألة [٨]: الوقوف في الملتزم</span>.\n• ذهب جماعةٌ كثيرون من الفقهاء إلى استحباب التزام ما بين الركن والباب؛ فيلصق به صدره ووجهه ويدعو، ولم يصح في هذا العمل حديثٌ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فالذي أخرجه أبو داود (١٨٩٩)، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه استلم الحَجَر، وأقام بين الركن والباب، فوضع صدره ووجه وذراعيه وكفيه، وهكذا، وبسطهما بسطًا، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفعل. في إسناده: المثنى بن الصباح، وهو شديد الضعف.\nوأخرج أبو داود (١٨٩٨)، من حديث عبد الرحمن بن صفوان قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد خرج من الكعبة هو وأصحابه، وقد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم، وقد وضعوا خدودهم على البيت، ورسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وسطهم.\nوهذا الحديث ضعيفٌ أيضًا؛ لأنَّ في إسناده: يزيد بن أبي زياد الهاشمي، وهو ضعيفٌ، وقد ضعَّف الحديثين الإمام الألباني -﵀- في «ضعيف أبي داود»،\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٤/ ٦١)، «المبسوط» (٤/ ٣٥)، «حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٥)، «شرح مختصر خليل» (٢/ ٣٤٢)، «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٢٧).","vol":"5","page":442},{"text":"والحديث الثاني مخالفٌ لما اشتهر أن الملتزم بين الركن الأسود والباب.\nولكن صحَّ الالتزام بالبيت عن جماعة من التابعين، وصحَّ عن ابن عباس أنه قال: الملتزم بين الركن والباب، كما في «مصنف عبد الرزاق».\nوصحَّ عن ابن عمر -﵄-، أنه كان لا يلزم شيئًا من البيت، وقال به عطاء، وصحَّ عنه أنه قال: لم أر أبا هريرة، ولا جابرًا، ولا أبا سعيد، ولا ابن عمر يلتزم أحدٌ منهم البيت. كما في «مصنف عبد الرزاق».\nوهذا الذي نقول به، ونأمر به؛ لأنه لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الالتزام شيء، وخير الهدي هدي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والذين يرون الالتزام اختلفوا: فمنهم من يرى أن يلتزم بين الركن والباب، وهم الأكثر، ومنهم من كان يرى الالتزام في دبر الكعبة، ومنهم من كان يرى الالتزام من جهة الحجر، وأيضًا استحب الحنابلة، والشافعية، والحنفية الالتزام بعد طواف الوداع، وليس لهم دليل على تخصيصه بذلك الوقت، وآثار التابعين والصحابة ليس فيها تقييد بذلك، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٣٤٢)، «المجموع» (٨/ ٢٥٨)، «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٥٤٥)، «أخبار مكة» للفاكهي (١/ ١٦٠ - ١٧٧)، «مصنف عبدالرزاق» (٥/ ٧٣ - ٧٦)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ٣١٨) ط/رشد، «سنن البيهقي» (٥/ ١٥٠)، «الشرح الممتع» (٧/ ٤٠٣).","vol":"5","page":443},{"text":"٧٦٢ - وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ ألفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2547>مسألة [١]: فضيلة الصلاة في المسجد النبوي، والمسجد الحرام</span>.\nفيه الحث على كثرة الصلاة في المسجد الحرام، والمسجد النبوي؛ فإنَّ أجرها مضاعف؛ فإنَّ الصلاة في المسجد النبوي تعادل ألف صلاة في غيره في الأجر، والصلاة في المسجد الحرام تعادل مائة صلاة في مسجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد جاء عن جابر مثل حديث ابن الزبير -﵄-، أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٥٠)، وصححه شيخنا -﵀- في «الصحيح المسند» (٢٢٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2548>مسألة [٢]: هل هذه الفضيلة تشمل صلاة النافلة</span>؟\nظاهر حديث الباب العموم؛ فهو يشمل الفريضة والنافلة.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٣٩٤): واعلم أنَّ مذهبنا أنه لا يختص\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٥)، حدثنا يونس قال حدثنا حماد يعني بن زيد قال حدثني حبيب المعلم عن عطاء عن عبدالله بن الزبير به.\nوإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين، وحبيب المعلم ثقة احتج به مسلم، وروى له البخاري في المتابعات، وصححه شيخنا -﵀- في «الصحيح المسند» (٥٧١).","vol":"5","page":444},{"text":"هذا التفضيل بالصلاة في هذين المسجدين بالفريضة، بل يعم الفرض والنفل جميعًا، وبه قال مطرف من أصحاب مالك، وقال الطحاوي: يختص بالفرض. وهذا مخالفٌ لإطلاق هذه الأحاديث الصحيحة. اهـ\nقلتُ: وقال بقول الطحاوي ابنُ أبي زيد القيرواني من أصحاب مالك كما في «إعلام الساجد» للزركشي (ص ١٢٤).\nوحجة من خصَّ الحديث بالفريضة: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد أخبر أنَّ صلاة النافلة في البيت أفضل من الصلاة في المسجد؛ فدل على أن التفضيل للفريضة فقط، وهذا الذي ذكره لا يعارض التفضيل المذكور.\nقال ابن العراقي -﵀- كما في «طرح التثريب» (٦/ ٥٢): قال والدي -﵀- في «شرح الترمذي»: تكون النوافل في المسجد مضاعفة بما ذكر من ألفٍ في المدينة، ومائة ألف في مكة، ويكون فعلها في البيت أفضل؛ لعموم قوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، بل ورد في بعض طرقه: أنَّ النافلة في البيت أفضل من فعلها في مسجده - ﷺ -.اهـ\nوقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١١٩٠): ويمكن أن يقال: لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه؛ فتكون صلاة النافلة في بيت بالمدينة، أو مكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما، وكذا في المسجدين، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2549>مسألة [٣]: هل هذه الفضيلة تشمل التوسعة التي حدثت بعد موت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم</span>-؟","vol":"5","page":445},{"text":"• ذهب العمراني -﵀- في «البيان» إلى أنَّ الفضيلة التي في المسجد الحرام المراد بها الكعبة، وما في الحجر، ثم استدل بحديث عائشة -﵂- أنها قالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أصلي في البيت. فقال: «صلِّي في الحِجْر؛ فإنه من البيت»، قال: فلو كان المسجد وسائر بقاع الحرم يساوي الكعبة بذلك لم يكن لتخصيصها بالبيت معنى.\n• وذهب النووي -﵀- إلى أنَّ الفضيلة في المسجد النبوي مختصة بالمسجد الذي كان على عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مستدلًّا بحديث أبي هريرة -﵁- عند البخاري (١١٩٠)، ومسلم (١٣٩٤): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه؛ إلا المسجد الحرام» يعني قوله: «مسجدي هذا».\nقلتُ: أما قول العمراني فضعيف جدًّا، وحديث عائشة -﵂- الذي ذكره أخرجه أبو داود (٢٠٢٨)، والترمذي (٨٧٦)، والنسائي (٢٩١١) بنحوه، وليس فيه دلالة على ما استدل به، إنما يستفاد منه: أنَّ من نذر أن يصلي في البيت أجزأه الصلاة في الحجر، وأكثر ما يستدل به هو فضيلة الصلاة في الكعبة، لا أنَّ الفضل المذكور مختص بها.\nوكلام النووي -﵀- غير صحيح؛ فإنَّ الإشارة بقوله: «مسجدي هذا» إنما هو للاحتراز من غيره من مساجد المدينة، والمسجد وإن زيد فيه؛ فهو ما زال يطلق عليه: مسجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.","vol":"5","page":446},{"text":"قلتُ: وعامة العلماء على أنَّ الفضيلة المذكورة في الحديث تشمل المسجدين مع الزيادة.\nقال شيخ الإسلام -﵀- في كتابه «الرد على الأخنائي» (ص ١٣٦ - ١٣٨): وقد جاءت الآثار بأنَّ حكم الزيادة في مسجده حكم المزيد، تُضَعَّف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أنَّ المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد؛ فيجوز الطواف فيه، والطواف لا يكون إلا في المسجد، لا خارجًا منه؛ ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر، ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده؛ لكانت تلك صلاة في غير مسجده، والصحابة وسائر المسلمين بعدهم لا يحافظون على العدول عن مسجده إلى غير مسجده، ويأمرون بذلك.\nثم نقل عن أبي زيد عمر بن شبه بعض الآثار، منها ما أسنده عن عمر -﵁- من وجه منقطع، أنه قال: لو مُدَّ مسجد النبي - ﷺ - إلى ذي الحليفة؛ لكان منه.\nوأسند عن عمر من وجه آخر ضعيف أنه قال: لو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة؛ كان مسجد رسول الله - ﷺ -، وجاءه الله بعامر.\nثم قال شيخ الإسلام -﵀-: وهذا الذي جاءت به الآثار هو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين، وعملهم؛ فإنهم قالوا: إنَّ صلاة الفرض خلف الإمام أفضل. وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة، وكذلك كان الأمر على عهد عمر، وعثمان -﵄-؛ فإنَّ كلًّا منهما زاد من قبلي المسجد، فكان مقامه في الصلوات","vol":"5","page":447},{"text":"الخمس في الزيادة، وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع، وإذا كان كذلك؛ فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده، وأن يكون الخلفاء، والصفوف الأُوَل كان يصلون في غير مسجده، وما بلغني عن أحدٍ من السلف خلاف هذا، لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أنَّ الزيادة ليست من مسجده، وما علمت لمن ذكر ذلك سلفًا من العلماء. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2550>مسألة [٤]: هل التضعيف خاصٌّ بالمسجد الحرام، أم يشمل جميع مكة</span>؟\n• ذهب بعض الشافعية إلى أنه يشمل جميع مكة، بل قال بعضهم: جميع الحرم. وهو قول عطاء، واختاره النووي في «مناسكه»، وقال ابن حزم: يشمل الحرم وعرفة.\nقلتُ: حجة من يعمم التفضيل: أنَّ المسجد الحرام قد يطلق على الحرم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] وقد أسري به من بيت أم هانئ.\n• وذهب بعض الشافعية إلى أنه خاصٌّ بالمسجد الحرام، واختاره النووي في [باب استقبال القبلة] من «شرح المهذب»، وهو أظهر؛ لأنَّ إطلاق المسجد الحرام على الحرم كاملًا خلاف المشهور؛ ولأنه قد جاءت رواية: «إلا مسجد","vol":"5","page":448},{"text":"الكعبة»، أخرجه مسلم (١٣٩٦)، والنسائي (٦٩١) من حديث ميمونة -﵂-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2551>مسألة [٥]: تفضيل مكة على المدينة</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١١٩٠): واستدل بهذا الحديث على تفضيل مكة على المدينة؛ لأن الأمكنه تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه مرجوحة، وهو قول الجمهور، وحكي عن مالك، وبه قال ابن وهب، ومطرف، وابن حبيب من أصحابه.\nلكن المشهور عن مالك وأكثر أصحابه تفضيل المدينة.\nواستدلوا بقوله - ﷺ -: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة». (^٢)\nمع قوله: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها». (^٣)\nقال ابن عبدالبر: هذا استدلال بالخبر في غير ما ورد فيه، ولا يقاوم النص الوارد في فضل مكة. ثم ساق حديث أبي سلمة عن عبدالله بن عدي بن الحمراء، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - واقفًا على الحزوره، فقال: «والله، إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت» (^٤)، وهو حديث\n_________\n(^١) انظر: «إعلام الساجد» (ص ١١٩ -)، «طرح التثريب» (٦/ ٥٢ - ٥٣)، «القِرى» (ص ٦٥٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٩٥) (١١٩٦)، ومسلم (١٣٩٠) (١٣٩١)، عن أبي هريرة، وعبدالله بن زيد -﵄- بلفظ: «ما بين بيتي ومنبري».\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٤١٥)، عن سهل بن سعد -﵁-.\n(^٤) أخرجه الترمذي (٣٩٢٥)، والنسائي في «الكبرى» (٤٢٥٢)، وابن ماجه (٣١٠٨)، والدارمي (٢٥١٠)، وأحمد (٤/ ٣٠٥)، وابن حبان (٣٧٠٨)، بإسناد صحيح.","vol":"5","page":449},{"text":"صحيح أخرجه أصحاب «السنن»، وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان وغيرهم.\nقال ابن عبدالبر: هذا نصٌّ في محل الخلاف؛ فلا ينبغي العدول عنه، والله أعلم. وقد رجع عن هذا القول كثير من المصنفين من المالكية. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب تفضيل مكة؛ لصراحة الحديث المذكور في ذلك، والله أعلم.","vol":"5","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2552>بَابُ الفَوَاتِ وَالإِحْصَارِ</span>\n٧٦٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَحَلَقَ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2553>مسألة [١]: الإحصار عن الحج</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٨/ ٣٥٤): المحرم بالحج له التحلل إذا أحصره عدوٌّ بالإجماع. اهـ\nونقل الإجماع أيضًا ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٩٤)، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2554>مسألة [٢]: الإحصار عن العمرة</span>.\n• ذهب مالك إلى أنَّ المعتمر إذا مُنع عن البيت لا يتحلل؛ لأنه لا يخاف الفوات، وهو قول ابن سيرين.\n• وخالفهما عامَّةُ العلماء، فقالوا: له أن يتحلل؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأصحابه عند أن أُحْصِروا في الحديبية تحللوا، وكانوا معتمرين، والآية نزلت في ذلك.\nوالصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٨٠٩).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٨/ ٣٥٥)، «المغني» (٥/ ١٩٥)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٧٧).","vol":"5","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2555>مسألة [٣]: هل على من أُحصر الهدي</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٩٥): وَعَلَى مَنْ تَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ الْهَدْيُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ: لَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ؛ لِأَنَّهُ تَحَلُّلٌ أُبِيحَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، أَشْبَهَ مَنْ أَتَمَّ حَجَّهُ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَصْرِ الْحُدَيْبِيَةِ. انتهى المراد.\nقلتُ: الصواب قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2556>مسألة [٤]: الحصر العام، والحصر الخاص</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٩٥): وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَصْرِ الْعَامِّ فِي حَقِّ الْحَاجِّ كُلِّهِ، وَبَيْنَ الْخَاصِّ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ، مِثْلُ أَنْ يُحْبَسَ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ أَخَذَتْهُ اللُّصُوصُ وَحْدَهُ؛ لِعُمُومِ النَّصِّ، وَوُجُودِ الْمَعْنَى فِي الْكُلِّ، فَأَمَّا مَنْ حُبِسَ بِحَقٍّ عَلَيْهِ، يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي الْحَبْسِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِهِ عَاجِزًا عَنْ أَدَائِهِ، فَحَبَسَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَلَهُ التَّحَلُّلُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2557>مسألة [٥]: إذا أمكن المحصَر الذهاب من طريقٍ أخرى</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- (٥/ ١٩٦): إنْ أَمْكَنَ الْمُحْصَرَ الْوُصُولُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى؛ لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّحَلُّلُ، وَلَزِمَهُ سُلُوكُهَا، بَعُدَتْ أَوْ قَرُبَتْ، خَشِيَ الْفَوَاتَ أَوْ لَمْ يَخْشَهُ؛ فَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ؛ لَمْ يَفُتْ وَإِنْ كَانَ بِحَجٍّ فَفَاتَهُ؛ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٣٥٤)، «التمهيد» (١٥/ ١٩٨).","vol":"5","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2558>مسألة [٦]: هل على المحصر قضاء</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: يجب عليه القضاء، وهو قول مجاهد، وعكرمة، والشعبي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما تحلل زمن الحديبية قضى من قابل، وسُمِّيَت عمرة القضية.\nالثاني: لا يجب عليه القضاء، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وداود؛ لأنه لم ينقل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر أحدًا بالقضاء، وأمر الله بالهدي، ولم يأمر بالقضاء، ووجوب القضاء حكمٌ شرعيٌّ يحتاج إلى دليل صحيح صريح.\nوأما استدلالهم بفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فإنما كان ذلك لأنه قاضى المشركين على أن يعتمروا من العام القابل، ولم ينقل أنها كانت قضاءً، ولو كانت قضاءً؛ لاعتمر جميع من صُدَّ، والذي صُدُّوا عن البيت كانوا ألفًا وأربعمائة، والذين اعتمروا مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كانوا نفرًا يسيرًا كما ذُكِر في السِّيَر.\nوهذا هو القول الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2559>مسألة [٧]: التحلل بعد الذبح</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٩٦): وَإِذَا قَدَرَ الْمُحْصَرُ عَلَى الْهَدْيِ؛ فَلَيْسَ لَهُ الْحِلُّ قَبْلَ ذَبْحِهِ؛ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ قَدْ سَاقَهُ؛ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ١٩٦)، «المجموع» (٨/ ٣٥٥)، «أحكام القرآن» للقرطبي (٢/ ٣٧٦).","vol":"5","page":453},{"text":"يَكُنْ مَعَهُ؛ لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ إنْ أَمْكَنَهُ، وَيُجْزِئُهُ أَدْنَى الْهَدْيِ، وَهُوَ شَاةٌ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وَلَهُ نَحْرُهُ فِي مَوْضِعِ حَصْرِهِ، مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ. اهـ\nقلتُ: ويدل على ذلك حديث المسور بن مخرمة -﵁- في قصة عمرة الحديبية، فلما حصروا، قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا ..»، الحديث رواه البخاري، وقد تقدم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2560>مسألة [٨]: مكان الذبح</span>.\n• ذهب الجمهور إلى أنَّ للمحصر أن يذبح في مكانه الذي أُحصر فيه من حِلٍّ، أو حرم، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه نحروا بالحديبية قبل الحرم.\n• وذهب أحمد في رواية إلى أنه ليس له نحر هديه إلا بالحرم، وهو قول أبي حنيفة، وأفتى بذلك ابن مسعود -﵁- فيمن لُدِغَ.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَهَذَا -وَاَللهُ أَعْلَمُ- فِي مَنْ كَانَ حَصْرُهُ خَاصًّا، وَأَمَّا الْحَصْرُ الْعَامُّ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَعَذُّرِ الْحِلِّ؛ لِتَعَذُّرِ وُصُولِ الْهَدْيِ إلَى مَحِلِّهِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إذا استطاع المحصَر أن يرسل بهديه إلى الحرم فهو\n_________\n(^١) وانظر: «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٧٩).","vol":"5","page":454},{"text":"أفضل، وإن لم يستطع؛ ذبحه بمكانه، ولا يجب عليه إرساله إلى الحرم؛ لإطلاق الآية المتقدمة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2561>مسألة [٩]: وقت نحر الهدي</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٩٨): وَمَتَى كَانَ الْمُحْصَرُ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ؛ فَلَهُ التَّحَلُّلُ وَنَحْرُ هَدْيِهِ وَقْتَ حَصْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ حَلُّوا وَنَحَرُوا هَدَايَاهُمْ بِهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا، فَكَذَلِكَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وهو مذهب الشافعي، وأبي يوسف، ومحمد.\nقال -﵀-: لِأَنَّ الْحَجَّ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ؛ فَجَازَ الْحِلُّ مِنْهُ وَنَحْرُ هَدْيِهِ وَقْتَ حَصْرِهِ كَالْعُمْرَةِ، وَلِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَفُوتُ، وَجَمِيعُ الزَّمَانِ وَقْتٌ لَهَا، فَإِذَا جَازَ الْحِلُّ مِنْهَا وَنَحْرُ هَدْيِهَا مِنْ غَيْرِ خَشْيَةِ فَوَاتِهَا؛ فَالْحَجُّ الَّذِي يُخْشَى فَوَاتُهُ أَوْلَى.\nقال: وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لَا يَحِلُّ، وَلَا يَنْحَرُ هَدْيَهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ لِلْهَدْيِ مَحِلَّ زَمَانٍ، وَمَحِلَّ مَكَان؛ فَإِنْ عَجَزَ مَحِلُّ المَكَانِ فَسَقَطَ؛ بَقِيَ مَحِلُّ الزَّمَانِ وَاجِبًا؛ لِإِمْكَانِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ نَحْرُ الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يَجُزْ التَّحَلُّلُ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦].اهـ\nقلتُ: وهو مذهب علقمة، وأبي حنيفة، والقول الأول هو الصواب، والله\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٨/ ٣٥٥)، «المغني» (٥/ ١٩٧)، «المحلى» (٧/ ٢٠٥)، «الفتح» (١٨١٣)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٧٩).","vol":"5","page":455},{"text":"أعلم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، والمحصور محل هديه حيث أُحصر كما دلَّ عليه فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه، والله أعلم.\nتنبيه: قال ابن قدامة -﵀-: وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ التَّحَلُّلِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ؛ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ مَعَ ذَلِكَ الْإِقَامَةُ مَعَ إحْرَامِهِ؛ رَجَاءَ زَوَالِ الْحَصْرِ، فَمَتَى زَالَ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ؛ فَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ لِإِتْمَامِ نُسُكِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ مَنْ يَئِسِ أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَيْتِ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَحِلَّ؛ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى خُلِّيَ سَبِيلُهُ، أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ مَنَاسِكَهُ، وَإِنْ زَالَ الْحَصْرُ بَعْدَ فَوَاتِ الْحَجِّ، تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ؛ فَإِنْ فَاتَ الْحَجُّ قَبْلَ زَوَالِ الْحَصْرِ؛ تَحَلَّلَ بِهَدْيٍ. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2562>مسألة [١٠]: إن أُحصِر عن البيت بعد الوقوف بعرفة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (٥/ ١٩٩): فَإِنْ أُحْصِرَ عَنْ الْبَيْتِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ؛ فَلَهُ التَّحَلُّلُ؛ لِأَنَّ الْحَصْرَ يُفِيدُهُ التَّحَلُّلُ مِنْ جَمِيعِهِ، فَأَفَادَ التَّحَلُّلَ مِنْ بَعْضِهِ. اهـ\nوهو مذهب الشافعية أيضًا كما في «المجموع» (٨/ ٣٠١).\nقلتُ: ويجوز عند أهل العلم أن يبقى على إحرامه حتى يتيسر له طواف الإفاضة، ولو بعد خروج أشهر الحج، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2563>مسألة [١١]: من صُدَّ وأُحصر عن عرفة</span>؟\n• قال أحمد، والشافعي: يفسخ نية الحج، ويجعله عمرة، ولا هدي عليه؛ لأنه يُباح له ذلك من غير حصر؛ فجاز له ذلك مع الحصر، بل هو أولى.","vol":"5","page":456},{"text":"• وذهب بعضهم إلى أنه لا يُعتبر مُحصرًا، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، ونحوه عن الزهري، وهو رواية عن أحمد؛ فإنْ فاته الحج؛ فحكمه حكم من فاته الحج بغير حصرٍ، وسيأتي حكمه.\nقلتُ: والقول الأول أصح؛ لما تقدم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2564>مسألة [١٢]: إذا عجز المحصر عن الهدي</span>؟\n• أوجب عليه بعض أهلُ العلم أن يصوم عشرة أيام، وهو قول أحمد، والشافعي في قولٍ؛ قياسًا على دم المتعة.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ هدي الإحصار ليس له بدل، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي في قولٍ، وابن حزم.\nواختار هذا الشيخ ابن عثيمين -﵀-؛ لعدم وجود دليل يدل على البدل، وهو الصحيح، والله أعلم.\nولم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه أمر من لم يكن معه هدي أن يصوم.\nوهل يبقى في ذمته؟\n• قال بذلك ابن حزم، والشافعي، وأبو حنيفة، واختار الشيخ ابن عثيمين أنه يسقط عنه؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر أصحابه الذين لا يقدرون على الهدي أن يبقوا على إحرامهم حتى يجدوه، أو يتحللوا، ثم يهدوا حين يقدرون عليه. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ١٩٩)، «المجموع» (٨/ ٣٥٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ٢٠٠)، «القرطبي» (٢/ ٣٨٠)، «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٤)، «الشرح الممتع» (٧/ ٤٩٨)، «المحلى» (٨٧٣).","vol":"5","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2565>مسألة [١٣]: هل يلزمه الحلق، أو التقصير</span>؟\n• ذهب أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، والشافعي في قول، وأحمد في رواية إلى أنه لا يلزمه ذلك؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالهدي، ولم يأمر بغيره.\n• وذهب مالك، والشافعي في قول، وأحمد في رواية إلى وجوب ذلك، ورجَّح هذا القول الشيخ ابن عثيمين -﵀-، وهو الصحيح؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا» أخرجه البخاري عن المسور -﵁-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2566>مسألة [١٤]: هل تشترط النية للتحلل</span>؟\nقال النووي -﵀- كما في «المجموع» (٨/ ٣٠٤): قال المصنف والأصحاب: أما وقت التحلل فينظر إن كان واجدًا لهديٍ؛ ذبحه ونوى التحلل عند ذبحه، وهذه النية شرط باتفاق الأصحاب، ثم يحلق، وهو شرطٌ للتحلل إن قلنا: إنه نسك، وإلا فلا حاجة إليه. اهـ\nوهذا مذهب الحنابلة كما في «المغني» (٥/ ٢٠١) ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات».\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٢٠١)، «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٨٠ - ٣٨١)، «الشرح الممتع» (٧/ ٤٤٨).","vol":"5","page":458},{"text":"٧٦٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِالمُطَّلِبِ -﵂-، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أُرِيدُ الحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي: أَنَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2567>مسألة [١]: الاشتراط عند الإحرام</span>.\nفائدة الاشتراط: أنه إذا حُبِس تحلل بدون هديٍ.\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى مشروعية الاشتراط، وهو قول الأسود، وشريح، وابن المسيب، وعطاء، وعكرمة، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وصحَّ ذلك عن عائشة -﵂-، (^٢) ورُوي عن جماعة من الصحابة، وهم: عمر (^٣)، وعثمان (^٤)، وعلي (^٥)، وابن مسعود (^٦)، وعمار (^٧) -﵃-،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٨٩)، ومسلم (١٢٠٧).\n(^٢) أخرجه عنها ابن أبي شيبة (٤/ ٤٢٩)، والبيهقي (٥/ ٢٢٣) بإسناد صحيح.\n(^٣) أخرجه البيهقي (٥/ ٢٢٢)، وابن حزم في المحلى (٨٣٣)، وهو أثر صحيح.\n(^٤) هو من طريق ابن سيرين، عن عثمان ﵁، وهو منقطع، وله طريق أخرى عند ابن أبي شيبة، بذكر الواسطة: (عبد الله بن عتبة الهذلي)، وهو ثقة.\n(^٥) في إسناده ميسرة أبو صالح الكندي، وفيه جهالة، وفيه عطاء بن السائب، وهو مختلط.\n(^٦) في إسناده عميرة بن زياد، وهو مجهول.\n(^٧) ذكره ابن حزم في المحلى من طريق أبي إسحاق، عن المنهال، عن عمار به. قال ابن أبي حاتم: إن لم يكن ابن عمرو؛ فلا يدرى من هو. اهـ\nقلتُ: فإن كان المنهال هو ابن عمرو؛ فهو ثقة، والأثر صحيح.","vol":"5","page":459},{"text":"كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٤٢٩)، و«الكبرى» للبيهقي (٥/ ٢٢٢).\nواستدلوا بحديث ضباعة بنت الزبير الذي في الباب.\n• وأنكر جماعة من أهل العلم الاشتراط، صحَّ ذلك عن ابن عمر -﵄-، (^١) وهو قول طاوس، وابن جبير، والزهري، وهو مذهب مالك، والثوري، وأبي حنيفة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه لم يشترطوا.\nوقال شيخ الإسلام -﵀-: السُّنَّةُ أن يشترط إن كان يخاف الحبس، وأما إن كان لا يخاف ذلك؛ فالسُّنَّةُ أن لا يشترط. اهـ\nوهذا ترجيح الشيخ ابن عثيمين؛ جمعًا بين الأدلة السابقة. ونقل الحافظ عن بعض الظاهرية أنه أوجب الاشتراط.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو مشروعية الاشتراط، وقول شيخ الإسلام، ثم الشيخ ابن عثيمين قول حسن، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (٥/ ٢٢٣)، وابن عبد البر (١٥/ ١٩٢)، بإسناد صحيح.\n(^٢) انظر: «الفتح» (١٨١٠)، «المغني» (٥/ ٩٢ - ٩٣)، «الشرح الممتع» (٧/ ٨٠)، «التمهيد» (١٥/ ١٩١).","vol":"5","page":460},{"text":"٧٦٥ - وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كُسِرَ، أَوْ عَرِجَ، فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ». قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا: صَدَقَ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2568>مسألة [١]: هل يختص الإحصار بالعدو</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الحصر خاصٌّ بالعدو؛ لأنَّ الآية: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] نزلت في حصر الحديبية، وهو حصر عدو، وصحَّ هذا القول عن ابن عباس، وابن عمر -﵃-، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٠)، وأبوداود (١٨٦٢)، والنسائي (٥/ ١٩٨ - ١٩٩)، والترمذي (٩٤٠)، وابن ماجه (٣٠٧٧)، من طرق عن حجاج بن أبي عثمان الصواف قال: حدثني يحيى بن أبي كثير أن عكرمة مولى ابن عباس حدثه قال: حدثني الحجاج بن عمرو الأنصاري فذكره. وإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين إلا عكرمة، فمن رجال البخاري فقط.\nقال الترمذي عقب الحديث: هكذا رواه غير واحد عن حجاج الصواف نحو هذا الحديث، وروى معمر ومعاوية بن سلام هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن عبدالله بن رافع -وهو مولى أم سلمة- عن الحجاج بن عمرو عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بهذا الحديث، وحجاج الصواف لم يذكر في حديثه (عبدالله بن رافع) وحجاج ثقة حافظ عند أهل الحديث، وسمعت محمدًا يقول: رواية معمر ومعاوية بن سلام أصح. اهـ\nقلتُ: ونقل البيهقي عن ابن المديني أنه قال: الحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير أثبت. اهـ\nوقد صرح عكرمة بالتحديث والسماع فتكون زيادة (عبدالله بن رافع) من المزيد في متصل الأسانيد، والطريقان محفوظان، والحديث صحيح وقد صححه الإمام الألباني والإمام الوادعي رحمة الله عليهما.","vol":"5","page":461},{"text":"• وذهب جماعةٌ آخرون إلى أن الحصر يكون من غير العدو، كالمرض، والخوف، وذهاب النفقة، وهو مذهب النخعي، والحنفية، وعطاء، ورواية عن أحمد، وهو ظاهر اختيار البخاري، ورجَّح هذا شيخ الإسلام؛ لعموم الآية السابقة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ورجَّح هذا الشيخ ابن عثيمين، وهو الصواب.\nوقد صحَّ عن عبد الله بن مسعود أنه أفتى بذلك فيمن لُدِغَ، ويدل على ذلك أيضًا حديث الباب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2569>مسألة [٢]: من فاته الوقوف بعرفة بغير إحصار</span>.\n• أكثر أهل العلم يقولون: يتحلل بطواف، وسعي، وحِلَاق، صحَّ ذلك عن عمر وولده، وزيد بن ثابت -﵃- كما في «سنن البيهقي»، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي.\n• وقال المزني، وأحمد في رواية: يمضي بما بقي من الحج، ولا يجزئه. وقال ابن حزم: يبطل حجُّه، ولا يجعله عمرة.\nقلتُ: والصواب هو القول الأول؛ لأنَّ تحويل النية من الحج إلى العمرة مشروعٌ، وقد أفتى بذلك الصحابة، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٢٠٣)، «الفتح» [كتاب المُحْصَر]، «القرطبي» (٢/ ٣٧٤)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٣٨، ٢٩٣)، «الإنصاف» (٤/ ٦٥)، «الشرح الممتع» (٧/ ٤٥٠)، «البيهقي» (٥/ ٢١٩).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٥/ ٤٢٥)، «سنن البيهقي» (٥/ ١٧٤)، «المجموع» (٨/ ٢٩٠)، «ابن أبي شيبة» (٥/ ٣٠٢) ط/رشد.","vol":"5","page":462},{"text":"تنبيه: عطاء، وأحمد، وأبو يوسف، قالوا: يجعلها عمرة. وهو قول عمر، وزيد بن ثابت، وقال الآخرون: يتحلل بتلك الأعمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2570>مسألة [٣]: هل يلزمه القضاء من قابل</span>؟\n• ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى أنه يلزمه القضاء من قابل، وبذلك أفتى عمر وابنه، وزيد ابن ثابت -﵃-، وهو قول مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد.\n• وذهب عطاء، وأحمد في رواية، ومالك في رواية إلى أنه لا يلزمه القضاء، وذلك لعدم وجود دليل يوجب عليه ذلك.\nوهذا القول هو الصواب، والله أعلم.\nولا يلزم من كونه يجب عليه إتمام الحج والعمرة إذا شرع فيهما أنه يجب عليه قضاؤهما إذا فاتتاه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2571>مسألة [٤]: هل يلزمه الهدي</span>؟\n• الجمهور على أنه يلزمه هدي مع الحجة القابلة، وبذلك أفتى عمر وابنه، وزيد بن ثابت -﵃-.\n• وذهب الأوزاعي، ومحمد بن الحسن، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى أنه لا يلزمه هديٌ.\nوهو الصواب؛ لعدم وجود دليل يُلزمه بذلك، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٥/ ٤٢٦ - ٤٢٧)، «البيهقي» (٥/ ١٧٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ٤٢٧)، «الاستذكار» (١٢/ ٣٠٠ - ٣٠١)، «المجموع» (٨/ ٢٩٠).","vol":"5","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2572>مسألة [٥]: هل له أن يبقى على إحرامه ليحج من قابل</span>؟\n• ذهب أحمد، ومالك إلى أنَّ له ذلك.\n• وذهب الأكثر إلى أنه ليس له ذلك، وهو قول الشافعي، والحنفية، وابن المنذر، ورواية عن أحمد، ورواية عن مالك؛ لأنه يفضي إلى أن يكون محرمًا بالحج في غير أشهر الحج، وفيه مشقة على نفسه بأن يبقى طوال العام مجتنبًا لمحظورات الإحرام، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\nوالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات\nكان الفراغ من كتاب الحج\nليلة الأربعاء الموافق\n٧/محرم/١٤٢٦ هـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥/ ٤٢٨)، «الاستذكار» (١٢/ ٣٠٢).","vol":"5","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2573>كِتَاُبُ الْبُيُوعِ</span>\nتعريف البيع:\nالبيع: هو مبادلة مالٍ بمال؛ تمليكًا وتملُّكًا مع وجود التراضي، واشتقاقه من الباع؛ لأنَّ كل واحد من المتبايعين يمد باعه للأخذ والعطاء، ويحتمل أن كل واحد منهما كان يبايع صاحبه، أي: يصافحه عند البيع، ولذلك سُمِّي البيع صفقة. (^١)\nمشروعية البيع:\nالبيع جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢].\nوقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨].\nوأما من السنة: فالأدلة عليه كثيرة متواترة:\nمنها: حديث «البيعان بالخيار مالم يتفرقا». (^٢)\nومنها: حديث جابر في «البخاري» (٢٠٧٦)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «رحم الله\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥)، «المجموع» (٩/ ١٤٩).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٨١١).","vol":"5","page":465},{"text":"رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى»، وغيرها.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ تَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَصَاحِبُهُ لَا يَبْذُلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَفِي شَرْعِ الْبَيْعِ وَتَجْوِيزِهِ شَرْعُ طَرِيقٍ إلَى وُصُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى غَرَضِهِ، وَدَفْعِ حَاجَتِهِ. اهـ (^١)\nشروط البيع:\nللبيع شروطٌ، وهي:\n١) التراضي.\n٢) كون العاقد جائز التصرف.\n٣) أن يكون المبيع حلالًا.\n٤) أن يكون المبيع مقدورًا على تسليمه.\n٥) أن يكون العقد من مالكٍ، أو ممن يقوم مقامه.\n٦) أن يكون المبيع والثمن معلومين برؤيةٍ، أو وصفٍ. (^٢)\nالشرط الأول التراضي:\nودليل هذا الشرط قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، وحديث أبي سعيد الخدري -﵁- عند ابن ماجه (٢١٨٥)، أنَّ النبي\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥ - ٧)، «المجموع» (٩/ ١٤٥).\n(^٢) انظر: «توضيح الأحكام» (٤/ ٢١٣ - ٢١٤)، «الملخص الفقهي» للفوزان (٢/ ٩ - ١٠).","vol":"5","page":466},{"text":"-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنما البيع عن تراضٍ»، وهو حديث حسن.\nوتحت هذا الشرط تندرج مسائل منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2575>مسألة [١]: بم يحصل البيع</span>؟\nيحصل البيع بالمبادلة مع التراضي؛ فإن صحبها الإيجاب والقبول، بأن يقول البائع: بعتك. ويقول المشتري: اشتريت. جاز البيع، وانعقد عند أهل العلم.\nأو بنحو العبارات السابقة عند أكثر أهل العلم؛ خلافًا لابن حزم، فقد اشترط لفظ (البيع) و(الشراء) و(التجارة).\n• واختلف أهل العلم فيما إذا حصلت المعاطاة والتبادل بدون تلفظٍ بالبيع والشراء، وما أشبهه، فذهب أحمد، ومالك، إلى صحة البيع بذلك وانعقاده، وقال بعض الحنفية: يصح البيع في خسائس الأشياء.\n• ومذهب الشافعي أن البيع لا يصح إلا بالإيجاب والقبول.\nوالصواب ما ذهب إليه أحمد، ومالك، وهو قول بعض الشافعية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩].\nوقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما البيع عن تراضٍ» (^١)، والمعاطاة تدل على التراضي، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢١٨٥) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، بإسناد حسن، وقد حسنه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (٣٨٦).","vol":"5","page":467},{"text":"تنبيه: ظاهر كلام الفقهاء أنَّ الإيجاب والقبول هو التلفظ للإثبات والالتزام في البيع، وقد ردَّ هذا شيخ الإسلام، فقال -﵀- كما في «الإنصاف»: والصواب أنَّ الإيجاب والقبول اسمٌ لكل تعاقد، فكل ما انعقد به البيع من الطرفين سُمِّي إثابته إيجابًا، والتزامه قبولًا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2576>مسألة [٢]: إن تقدم القبول على الإيجاب بلفظ الماضي</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٧): فإن تقدم القبول على الإيجاب بلفظ الماضي، فقال: ابتعت منك. فقال: بعتك. صحَّ؛ لأنَّ لفظ الإيجاب والقبول وُجِد منهما على وجهٍ تحصل منه الدلالة على تراضيهما به؛ فصحَّ، كما لو تقدم الإيجاب. اهـ\nقلتُ: وهو مذهب المالكية، وهو الصحيح، وبالله التوفيق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2577>مسألة [٣]: إذا قال المشتري: بعني هذا. فقال البائع: بعتك</span>؟\n• فيه قولان:\nالأول: لا يصح البيع، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد.\nالثاني: يصح البيع، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وهو الصواب؛ لوجود التراضي على ذلك. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٧ - ٨)، «الإنصاف» (٤/ ٢٥٢)، «المجموع» (٩/ ١٦٢ - ١٦٣).\n(^٢) وانظر: «مدونة الفقه المالكي» (٣/ ٢٠٨).\n(^٣) «المغني» (٦/ ٧).","vol":"5","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2578>مسألة [٤]: إذا قال المشتري مستفهمًا: أتبيعني ثوبك؟ فيقول: بعتك</span>.\nقال ابن قدامة -﵀-: لا يصح بحالٍ، نصَّ عليه أحمد، وبه يقول أبوحنيفة، والشافعي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم؛ لأنَّ ذلك ليس بقبول، ولا استدعاء. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2579>مسألة [٥]: إذا قال البائع: بعتك. فقال المشتري: سأشتري</span>.\nقال المرداوي -﵀- في «الإنصاف» (٤/ ٢٤٩): لو قال: بعتك بكذا. فقال: أنا آخذه بذلك. لم يصح، وإن قال: أخذته منك، أو بذلك. صح. نقله مهنا. -يعني عن أحمد-.اهـ\nقلتُ: ذلك لأنَّ الصورة الأولى إنما هي وعدٌ أنه سيشتريه، والبيع لا يقع إلا بالتراضي والالتزام بذلك، والوعد ليس كذلك، وبالله التوفيق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2580>مسألة [٦]: البيع بالكتابة</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٩/ ١٦٧): إذا كتب إلى غائب بالبيع ونحوه، قال أصحابنا: هو مرتب على أن الطلاق هل يقع بالكتب مع النية. وفيه خلافٌ، والأصح صحته ووقوعه؛ فإن قلنا: لا يصح الطلاق؛ فهذه العقود أولى أن لا تنعقد، وإن قلنا بالصحة؛ ففي البيع ونحوه الوجهان في انعقاده بالكناية مع النية، وهذان الوجهان مشهوران، ذكرهما المصنف بدليلهما، أصحهما عند\n_________\n(^١) «المغني» (٦/ ٧).\n(^٢) وانظر: «كتاب الفقه على المذاهب الأربعة» (٢/ ١٥٦).","vol":"5","page":469},{"text":"المصنف: لا يصح، والثاني وهو الأصح: أنه يصح البيع ونحوه بالمكاتبة؛ لحصول التراضي، لاسيما وقد قدمنا أن الراجح انعقاده بالمعاطاة، وقد صرح الغزالي في «الفتاوى»، والرافعي في «كتاب الطلاق» بترجيح صحة البيع ونحوه بالمكاتبة. اهـ\nقلتُ: والصحيح صحة البيع؛ لأنَّ العبرة بحصول التراضي، وهو مقتضى مذهب أحمد، ومالك؛ لأنَّ العبرة عندهما بحصول التراضي. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2581>مسألة [٧]: إجراء عقود البيع بالآلات الحديثة</span>.\nأولًا الهاتف:\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٩/ ١٨١): لو تناديا وهما متباعدان، وتبايعا؛ صحَّ البيع بلا خلاف. اهـ\nقلتُ: ويشبهه التبايع بالهاتف إذا تيقن من الصوت وأُمِنَ من الخداع، والله أعلم.\nثانيًا الفاكس، ووسائل التواصل الاجتماعي عبر الانترنت:\nقال أبو عبد الله غفر الله له: نقل الكتابة عبر الفاكس ووسائل التواصل الاجتماعي عبر الانترنت مؤتمن، ولكن يُشترط أن يتقين بها أنها أرسلت من الشخص بعينه، إما بسماع صوته، أو بذكره بعض الأمور التي لا يعلمها إلا هو، أو بإقراره بعد لقيه بذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) وانظر: «الإقناع» (٢/ ٥).","vol":"5","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2582>مسألة [٨]: إذا كان الرجل مُكرهًا على البيع بغير حق</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٩/ ١٦١): ذكرنا أنَّ المكره بغير حقٍّ لا يصح بيعه، هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأحمد، وقال أبو حنيفة: يصح، ويقف على إجازة المالك في حال اختياره. انتهى المراد.\nودليل الجمهور قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، والحديث: «إنما البيع عن تراض» (^١)، والمكره غير راضٍ، فبيعه لا ينعقد، ولا يصح، وقول الجمهور هو الصواب. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2583>مسألة [٩]: هل ينعقد بيع التلجئة</span>؟\nبيع التلجئة: هو أن يخاف المالك أن يأكل السلطان، أو غيره ماله، فيواطئ رجلًا على أنه يظهر أنه اشتراه منه؛ ليحتمي به، ولا يريدان بيعًا حقيقيًّا.\n• فذهب أحمد، ومالك، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن إلى أنَّ البيع ليس بمنعقد؛ للآية والحديث المتقدمين.\n• وذهب أبو حنيفة، والشافعي إلى أنه بيع صحيح؛ لأنَّ البيع تمَّ بأركانه وشروطه.\nوالصحيح هو القول الأول؛ لأنهما لم يقصدا البيع، والرضى غير حاصل بالباطن، وإن أظهرا ذلك. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢١٨٥) بإسناد حسن.\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٣٠٨)، «الإنصاف» (٤/ ٢٥٤)، «مدونة الفقه المالكي» (٣/ ٢٢٢)، «المجموع» (٩/ ٣٣٤).","vol":"5","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2584>مسألة [١٠]: إذا اختلف البائع والمشتري في هذا البيع المموه، فما الحكم</span>؟\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إن لم توجد بينة مع البائع على ذلك؛ فالأصل صحة البيع، والقاضي يحكم بالظاهر، وعلى المشتري اليمين؛ لإنكاره تلك الدعوى، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2585>مسألة [١١]: بيع المضطر</span>.\nجاء حديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن بيع المضطرين. أخرجه أحمد (١/ ١١٦)، وأبو داود (٣٣٨٢)، والبيهقي (٦/ ١٧)، وغيرهم من حديث علي بن أبي طالب -﵁-، وفي إسناده: صالح بن رستم الخزاز، وهو ضعيف، ورجلٌ مبهم.\nوله شاهد عند البيهقي (٦/ ١٨) من حديث عبدالله بن عمرو -﵄-، ولكنه لا يصلح للتقوية؛ لأنَّ في إسناده: مسلم بن بشير، وهو مجهول، وهو مع ذلك موقوف، والله أعلم.\nقلتُ: وبيع المضطر على قسمين كما بيَّن ذلك الخطابي في «معالم السنن» (٣/ ٧٤ - ٧٥): أحدهما: أن يضطر إلى العقد من طريق الإكراه عليه؛ فهذا فاسدٌ لاينعقد.\nقلتُ: وهذا النوع هو الذي تقدم قريبًا (بيع المكره بغير حقٍّ).\nقال الخطابي -﵀-: والوجه الآخر أن يضطر إلى البيع لدين يركبه، أو مؤنة ترهقه، فيبيع ما في يده بالوكس من أجل الضرورة، فهذا سبيله في حق الدين","vol":"5","page":472},{"text":"والمروءة أن لا يبايع على هذا الوجه، وأن لا يفتات عليه بمثله، ولكن يُعان ويُقرَض، ويُسْتَمْهَل إلى الميسرة حتى يكون له في ذلك بلاغ؛ فإن عقد البيع مع الضرورة على هذا الوجه؛ جاز في الحكم ولم يفسخ، وفي إسناد الحديث رجلٌ مجهول لا ندري من هو، إلا أنَّ عامة أهل العلم قد كرهوا البيع على هذا الوجه. اهـ\nقلتُ: وعن أحمد رواية: أنه يحرم، وهو قول الشوكاني؛ إلا إذا باعه بثمن المثل، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «الإنصاف» أنَّ البيع صحيح من غير كراهة، وهو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2586>مسألة [١٢]: هل يقع بيع الهازل</span>؟\n• أكثر أهل العلم على عدم وقوعه؛ لأنه لا يقصد البيع، وليس براضٍ فيه، وذهب بعضهم إلى وقوعه، والصحيح عدم وقوعه، والله أعلم. (^٢)\nالشرط الثاني: أهلية العاقد بأن يكون جائز التصرف.\nوتندرج تحت هذا الشرط مسائل، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2587>مسألة [١٣]: بيع المجنون</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٩/ ١٥٥): وأما المجنون فلايصح بيعه بالإجماع، وكذلك المغمى عليه. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٤/ ٢٥٣)، «الشرح الممتع» (٨/ ١٢٣)، «المحلى» (١٥٢٩)، «حاشية ابن عابدين» (٧/ ٢٤٧)، «الروض المربع» (٤/ ٣٣٢).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٤/ ٢٥٤)، «حاشية ابن عابدين» (٧/ ١٩)، «المجموع» (٩/ ١٥٩).","vol":"5","page":473},{"text":"قلتُ: ويدل على ذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رُفِع القلم عن ثلاثة ...»، ومنهم: «المجنون حتى يعقل». (^١)\nتنبيه: إذا كان الجنون متقطعًا؛ فيصح البيع من قِبَلِه حال إفاقته ولا يصح حال جنونه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2588>مسألة [١٤]: السكران هل يقع بيعه</span>؟\nإن كان الإسكار غيرَ طافح ولم يُزِل العقل؛ فيصح، وأما إن كان الإسكار طافحًا: فاختلف أهل العلم في بيعه وشرائه.\n• فمذهب الحنابلة، والمالكية وغيرهم: عدم صحة البيع، وعدم وقوعه؛ لأنه فاقد العقل، فأشبه المجنون، وهو قولُ بعض الشافعية.\n• ومذهب الشافعية، والحنفية صحة بيعه وانعقاده، وهو قولٌ غير مشهور عن أحمد، وذلك لأنه هو الذي تسبب بفقدان عقله؛ فيقع عقوبة له.\nوالصواب هو القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2589>مسألة [١٥]: بيع الصبي</span>.\nأما الصبي الذي ليس بمميز فلا ينعقد بيعه ولا يصح عند أهل العلم، وأما الصبي المميز فاختلف أهل العلم في انعقاد بيعه:\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١٠٨٤).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٠/ ٣٤٨)، «حاشية الدسوقي» (٤/ ٨)، «المجموع» (٩/ ١٥٥)، «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٤٤٤).","vol":"5","page":474},{"text":"• فذهب أحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، والثوري إلى أنه يصح بيعه وشراؤه بإذن وليه، وفيما أذن له فيه.\n• وذهب الشافعي، وأبو ثور، وأحمد في رواية إلى أنه لا يصح مطلقًا.\nوالقول الأول أصح، والله أعلم، واشترط أصحابه أن لا يحصل في بيع الصبي غبن فاحش.\nتنبيه: أجاز أحمد، وإسحاق بيع وشراء الصبي للشيء اليسير، ولو بدون إذن الولي، وهو قولٌ حسن. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٤٧)، «المجموع» (٩/ ١٥٨).","vol":"5","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2590>بَابُ شُرُوطِهِ وَمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْهُ</span>\n٧٦٦ - عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سُئِلَ: أَيُّ الكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ» (^١) رَوَاهُ البَزَّارُ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2591>مسألة [١]: أفضل الكسب</span>.\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (٣/ ١٠): وَلِلْعُلَمَاءِ خِلَافٌ فِي أَفْضَلِ الْمَكَاسِبِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أُصُولُ الْمَكَاسِبِ الزِّرَاعَةُ، وَالتِّجَارَةُ، وَالصَّنْعَةُ،\n_________\n(^١) المبرور هو البيع الذي لم يخالطه غش ولا خداع ولا إثم.\n(^٢) ضعيف. أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (٢/ ٨٣)، والحاكم (٢/ ١٠)، من طريق المسعودي عن وائل بن داود عن عباية بن رفاعة بن رافع عن أبيه [ووقع عند الحاكم (عن عباية ابن رافع بن خديج عن أبيه) ووقع تصحيف (عباية) إلى (عبيد) في «كشف الأستار»].\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٤١)، والطبراني (٤٤١١) من طريق المسعودي عن وائل بن داود عن عباية ابن رفاعة ابن رافع بن خديج عن جده رافع بن خديج به. ويتبين من هذا السند أن صحابي الحديث هو (رافع بن خديج) ومن قال عن أبيه، أراد أباه الأعلى، وهو جده. والحديث معلول، فقد رواه سفيان الثوري وجماعة عن وائل بن داود عن سعيد بن عمير عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسلًا، ورجح المرسل البخاري وأبوحاتم والبيهقي رحمة الله عليهم.\nوله شاهد من حديث ابن عمر: أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٢١٦١) وظاهر إسناده الحسن، ولكن قال أبوحاتم في «العلل»: حديث باطل، وقدامة -يعني ابن شهاب- ليس بالقوي. اهـ، انظر: «البدر المنير» (٦/ ٤٤٠ - ٤٤١)، والبيهقي (٥/ ٢٦٣)، و«العلل» لابن أبي حاتم (٢٨٣٧) (١١٧٢).","vol":"5","page":476},{"text":"قَالَ: وَالْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَطْيَبَهَا التِّجَارَةُ. قَالَ: وَالْأَرْجَحُ عِنْدِي أَنَّ أَطْيَبَهَا الزِّرَاعَةُ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى التَّوَكُّلِ، وَتُعُقِّبَ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ مَرْفُوعًا: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ الله دَاوُد كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (^١) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّ أَطْيَبَ الْمَكَاسِبِ مَا كَانَ بِعَمَلِ الْيَدِ، وَإِنْ كَانَ زِرَاعَةً؛ فَهُوَ أَطْيَبُ الْمَكَاسِبِ؛ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ عَمَلَ الْيَدِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ التَّوَكُّلِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ الْعَامِّ لِلْآدَمِيِّ، وَلِلدَّوَابِّ، وَالطَّيْرِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَفَوْقَ ذَلِكَ مَا يُكْسَبُ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِالْجِهَادِ، وَهُوَ مَكْسَبُ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَهُوَ أَشْرَفُ الْمَكَاسِبِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْلَاءِ كَلِمَةِ الله تَعَالَى. انْتَهَى، قِيلَ: وَهُوَ دَاخِلٌ فِي كَسْبِ الْيَدِ. اهـ (^٢)\nقلتُ: أفضل الكسب الجهاد في سبيل الله، ثم الزراعة، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٠٧٢).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٩/ ٥٩)، «الفتح» (٢٠٧٢).","vol":"5","page":477},{"text":"٧٦٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ عَامَ الفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ: «إنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ، وَالمَيْتَةِ، وَالخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ» فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْت شُحُومَ المَيْتَةِ، (فَإِنَّهَا تُطْلَى) (^١) بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ (^٢) بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، إنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ (^٣) ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nيُستفاد من هذا الحديث:\nالشرط الثالث من شروط صحة البيع: أن يكون المبيع حلالًا، وفيه منفعة مباحة.\nويندرج تحت ذلك مسائل كثيرة منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2592>مسألة [١]: بيع الخمر</span>.\nكل ما أسكر، وأزال العقل؛ فهو خمر؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» (^٥)، والخمر يحرم بيعها؛ لحديث الباب.\n_________\n(^١) في (أ): (فإنه يطلى) وهو كذلك في «مسلم» وفي «البخاري» (فإنها يطلى).\n(^٢) أي: يستخدمونها في إسراج المصابيح.\n(^٣) جملوه: بمعنى أذابوه.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١).\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٠٠٣) من حديث عبدالله بن عمر -﵄-.","vol":"5","page":478},{"text":"قال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٢٢٣): وفيه تحريم بيع الخمر، وقد نقل ابن المنذر وغيره في ذلك الإجماع، وشذَّ من قال: يجوز بيعها، ويجوز بيع العنقود المستحيل باطنه خمرًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2593>مسألة [٢]: العطور الكحولية</span>.\nفي فتاوى اللجنة الدائمة ما نصُّه: إذا كانت نسبة الكحول بالعطور بلغت درجة الإسكار بشرب الكثير من تلك العطور، فالشرب من تلك العطور محرم، والاتجار فيها محرم، وكذا سائر أنواع الانتفاع؛ لأنها خمر، سواء كثر أم قل، وإن لم يبلغ المخلوط من العطور بالكحول درجة الإسكار بشرب الكثير منه جاز استعماله، والاتجار فيه؛ لقول النبي - ﷺ -: «ما أسكر كثيره فقليله حرام».اهـ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء\nعضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس\nعبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز.\nوفي فتاوى العثيمين -﵀- من كتابه: لقاء الباب المفتوح (رقم:٦٠، ص ١٨): الأطياب التي يقال إن فيها كولونيا أو إن فيها كحولًا لا بد أن نفصل فيها فنقول: إذا كانت النسبة من الكحول قليلة؛ فإنها لا تضر، وليستعملها الإنسان بدون أن يكون في نفسه قلق، مثل أن تكون النسبة (٥%) أو (٢%) أو (١%)، فهذا لا يؤثر.\nوأما إذا كانت النسبة كبيرة بحيث تؤثر فإن الأولى ألا يستعملها الإنسان إلا","vol":"5","page":479},{"text":"لحاجة، مثل تعقيم الجروح وما أشبه ذلك، أما لغير حاجة فالأولى ألا يستعملها، ولا نقول: إنه حرام؛ وذلك لأن هذه النسبة الكبيرة أعلى ما نقول فيها إنها مسكر، والمسكر لا شك أن شربه حرام بالنص والإجماع، لكن هل الاستعمال في غير الشرب حلال؟ هذا محل نظر، والاحتياط ألا يستعمل، وإنما قلت: إنه محل نظر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١].\nفإذا نظرنا إلى عموم قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أخذنا بالعموم وقلنا: إن الخمر يجتنب على كل حال، سواءً كان شرابًا أو دهانًا أو غير ذلك، وإذا نظرنا إلى العلة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]، تبين أن المحظور إنما هو شربه؛ لأن مجرد الادهان به لا يؤدي إلى هذا.\nفالخلاصة الآن أن نقول: إذا كانت نسبة الكحول أو الكالونيا في هذا الطيب قليلة؛ فإنه لا بأس به ولا إشكال فيه ولا قلق فيه، وإن كانت كبيرة فالأولى تجنبه إلا من حاجة، والحاجة مثل أن يحتاج الإنسان إلى تعقيم جرح أو ما أشبه ذلك. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر لي أن العطر المختلط بكحول نسبته قليلة جدًّا بحيث لا يسكر قليله، ولا كثيره، أنه لا بأس به؛ لأن الكحول قد تلاشى","vol":"5","page":480},{"text":"واضمحل بمخالطته للمواد الأخرى، وأنه إذا كان مخلوطًا بكمية تسكر إذا أكثر منه؛ فينظر هل هذه العطر مما يشرب، ويصلح لشربه فيحرم بيعه واستعماله، وإن كان مما لا يشرب ولا يصلح لشربه؛ فلا يدخل في التحريم؛ فإنه عند ذاك شبيه بالسموم، والمواد البترولية، والمعقمات الطبية، وهي جائزة الاستعمال عند أهل العلم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2594>مسألة [٣]: بيع الميتة</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- (٢٢٣٦): وَالْمَيْتَة -بِفَتْحِ الْمِيم- مَا زَالَتْ عَنْهُ الْحَيَاة لَا بِذَكَاةٍ شَرْعِيَّة، وَالْمِيتَة بِالْكَسْرِ الْهَيْئَة وَلَيْسَتْ مُرَادًا هُنَا، وَنَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر وَغَيْره الْإِجْمَاع عَلَى تَحْرِيم بَيْع الْمَيْتَة، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ السَّمَك وَالْجَرَاد. اهـ\nقلتُ: والدليل على تحريم بيعها هو حديث جابر الذي في الباب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2595>مسألة [٤]: بيع جلود الميتة قبل الدِّباغ</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى تحريم ذلك؛ لحديث جابر الذي في الباب، والجلد من أجزاء الميتة.\n• وأباح بيعه الزهري، وأبو حنيفة، وهوظاهر اختيار البخاري، فقد بوَّب في كتاب البيوع: [باب جلود الميتة قبل أن تدبغ].\nوأورد حديث ابن عباس -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرَّ بشاةٍ ميتة، فقال: «هلا\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٣٥٨)، «المجموع» (٩/ ٢٣٠).","vol":"5","page":481},{"text":"استمتعتم بإهابها؟» قالوا: إنها ميتة. قال: «إنما حرم أكلها» (^١)، قال الحافظ: وكأنه أخذ جواز البيع من جواز الاستمتاع؛ لأنَّ كل ما ينتفع به يصح بيعه وما لا فلا.\nقلتُ: والصواب قول الجمهور، وحديث ابن عباس يُحمل على أنه بعد الدباغ ينتفع به، وقد جاءت رواية في «صحيح مسلم» في نفس الحديث: «ألا أخذتم إهابها فدبغتموه؛ فانتفعتم به»، وبعد الدباغ يصبح طاهرًا يجوز الانتفاع به؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أيما إهاب دُبِغَ؛ فقد طَهُر» (^٢)؛ فالصحيح قول الجمهور. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2596>مسألة [٥]: بيع جلود الميتة بعد الدباغ</span>.\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز بيعها؛ لأنه يجوز الانتفاع بها كما تقدم في حديث ابن عباس السابق، فيجوز بيعها.\n• وخالف أحمد في الأشهر عنه، ومالك في رواية، فقالا بعدم الجواز.\nوالصحيح قول الجمهور. (^٤)\nوقد تقدمت المسألة في كتاب الطهارة في باب الآنية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2597>مسألة [٦]: بيع صوف وشعر ووبر الميتة</span>.\n• الخلاف في هذه المسألة مبني على الخلاف في طهارتها ونجاستها، وقد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٢٢١)، ومسلم (٣٦٣).\n(^٢) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (١٦).\n(^٣) وانظر: «الفتح» (٢٢٢١)، «المجموع» (٩/ ٢٣١)، «المغني» (٦/ ٣٦٣).\n(^٤) وانظر: «المغني» (٦/ ٣٦٣)، «المجموع» (٩/ ٢٢١)، «التمهيد» (١٠/ ٣٧٨) ط/مرتبة.","vol":"5","page":482},{"text":"تقدمت المسألة في كتاب الطهارة في باب الآنية، والجمهور من أهل العلم على أنها ليست بنجسة، بل هي طاهرة، وهو الصواب، وقد تقدم ذكر الأدلة هنالك.\n• وذهب الشافعي إلى نجاستها، فلذلك منع بيعها.\nوالصواب قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2598>مسألة [٧]: بيع عظام الميتة وقرونها</span>.\n• الخلاف في هذه المسألة أيضًا مبنيٌّ على الخلاف في طهارتها ونجاستها، وقد تقدمت المسألة في كتاب الطهارة في باب الآنية.\nوتقدم أن جمهور العلماء يرون نجاستها، وعلى هذا يرون تحريم بيعها، وممن نص على المنع من تحريمها: مالك، والشافعي، وأحمد، وابن المنذر وممن كره بيعها عطاء بن أبي رباح، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها طاهرة، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، وداود، واختاره شيخ الإسلام.\nوقال بجواز بيعها ابن سيرين، وعروة بن الزبير، وابن جريج، والحسن البصري، وهو الذي رجَّحْنَاه، ولتراجع الأدلة من هنالك، وعلى هذا فالصواب هو جواز البيع. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» أيضًا (٢٢٣٦).\n(^٢) وانظر: «المجموع» (٩/ ٢٣٠)، «الأوسط» (١٠/ ٢١ - ٢٢).","vol":"5","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2599>مسألة [٨]: بيع الخنزير</span>.\nنقل جماعةٌ من أهل العلم الإجماع على تحريم بيع الخنزير، كابن المنذر، وابن قدامة، والنووي، ودليل تحريم ذلك حديث جابر الذي في الباب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2600>مسألة [٩]: استعمال شعر الخنزير</span>.\n• ذهب الجمهور إلى عدم جواز استعماله؛ لأنه نجس عندهم، ولأنه يَحْرُمُ بيعه فلا ينتفع به.\n• وأجاز استعماله أبو حنيفة، وبعض المالكية، وحكى ابن المنذر عن الأوزاعي، وأبي يوسف، وبعض المالكية الترخيص في اليسير.\nقلتُ: الأقرب هو جواز استعماله؛ لأنَّ الشعر ليس بنجس في نفسه، وأما بيعه؛ فلا يجوز؛ لحرمة بيع الخنزير، والأحوط عدم استعماله، واستعمال غيره؛ خروجًا من الخلاف، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2601>مسألة [١٠]: قتل الخنزير</span>.\nفي «الصحيحين» عن أبي هريرة -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية». (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٥٨)، «الفتح» (٢٢٣٦)، «المجموع» (٩/ ٢٣٠).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢٢٣٦)، «البداية» لابن رشد (٧/ ١٦٣) مع «الهداية».\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٢٢٢٢)، ومسلم برقم (١٥٥).","vol":"5","page":484},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -﵀- (٢٢٢٢): قَالَ اِبْنُ التِّينِ: شَذَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَالَ: لَا يُقْتَلُ الْخِنْزِيرُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَاوَةٌ. قَالَ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِ مُطْلَقًا. وَالْخِنْزِيرُ بِوَزْنِ غِرْبِيبٍ وَنُونُهُ أَصْلِيَّةٌ، وَقِيلَ: زَائِدَةٌ، وَهُوَ مُخْتَارُ الْجَوْهَرِيِّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2602>مسألة [١١]: بيع الأصنام</span>.\nالصنم: هو كل ما يُعبد من دون الله ﷾ مما له صورة، سواء كان من حديد، أو خشب، أو غير ذلك، هذا هو المشهور.\nوالوثن: كل ماله جثة، ويُعبد من دون الله؛ فهو أعم من الصنم، ولا يجوز بيعها عند جميع أهل العلم؛ لحديث جابر الذي في الباب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2603>مسألة [١٢]: هل يجوز بيع الصنم للانتفاع بأكساره</span>؟\n• إذا كان قد كُسِّر؛ فإنه يجوز عند أهل العلم؛ لانه لا يُعَدُّ صنمًا، وإن كان مازال صنمًا كهيئته، فقد قال الحافظ ابن حجر -﵀-: يجوز عند العلماء من الشافعية وغيرهم، والأكثر على المنع؛ حملًا للنهي على ظاهره. اهـ المراد «الفتح» (٢٢٣٦).\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «شرح البلوغ» (٣/ ٤٧٣): ظاهر الحديث أنَّ ذلك حرامٌ، ويُحتمل أنه ليس بحرام؛ لأنه ليس المقصود من الشراء شيئًا محرمًا، إنما المقصود شيء مباح، ومثل ذلك لو اشتراها ليتلفها؛ فإنَّ هذا لا بأس به\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢٢٣٦).","vol":"5","page":485},{"text":"بشرط أن يعلن ذلك حتى لا يظن أحدٌ أنه اشتراها من أجل الانتفاع بها على وجهٍ محرم. اهـ\nوقال -﵀- في «شرح البلوغ» (٣/ ٤٦٣): فلا يجوز أن تشتريه أبدًا يعني الصنم اللهم إلا إذا لم تتوصل إلى إتلافه إلا بذلك؛ فهذا جائز، لكنه بيع صوري؛ لأنه لا ثمن له شرعًا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور؛ لأنه ما زال صنمًا، فيشمله حديث جابر المتقدم، ولكن من كانت نيته أكسار الصنم أو إتلافه؛ فله وجه في الجواز، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2604>مسألة [١٣]: الانتفاع بشحوم الميتة</span>.\n• أكثر أهل العلم على عدم جواز الانتفاع بشحوم الميتة، وقالوا: قوله «لا، هو حرام»،أي: لا يجوز الانتفاع بها.\n• وذهب الشافعي وجماعةٌ من الحنابلة إلى جواز الانتفاع بها؛ لأنَّ الضمير المتقدم عائد على البيع لا على الانتفاع، وسياق الحديث يقتضي ذلك، وقد أقرَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعلهم، وأنكر البيع، ولا نعلم دليلًا يحرم الانتفاع بها.\nفالصواب هو جواز الانتفاع بها، وهو اختيار شيخ الإسلام -﵀-، ورجَّحه الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٢٢٣٦)، «الإنصاف» (٤/ ٢٧١)، «المغني» (١٣/ ٣٤٩)، «المجموع» (٩/ ٢٣١)، «شرح البلوغ» للعثيمين (٣/ ٤٧٤).","vol":"5","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2605>مسألة [١٤]: السرجين، والعذرة هل يجوز بيعها أم لا</span>؟\nتقدم في كتاب الطهارة بيان حكم أرواث الحيوانات، والبيع مبني على طهارتها، ونجاستها، فمن قال: إنها نجسة؛ لم يُجَوِّز بيعها، ومن قال: ليست بنجسة؛ فإنه يبيح بيعها؛ لأنَّ النجس لا يجوز بيعه قياسًا على الميتة، والله أعلم. (^١)\nفائدة: يجوز الانتفاع بعذرة الإنسان، وبوله في تسميد الأرض إذا كان لا يؤثر على الثمرة، ويجوز بيع الأسمدة الكيماوية التي من مكوناتها العذرة؛ لأنها قد استحالت.\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٩/ ٢٣٠)، «المغني» (٦/ ٣٥٨).","vol":"5","page":487},{"text":"٧٦٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَالقَوْلُ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٤٤٤٢ - ٤٤٤٦)، وأبوداود (٣٥١١)، والنسائي (٧/ ٣٠٢)، والترمذي (١٢٧٠)، وابن ماجه (٢١٨٦)، والحاكم (٢/ ٤٥)، وغيرهم، والحديث باللفظ المذكور عند أبي داود والنسائي والحاكم وغيرهم من طريق عبدالرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده عن ابن مسعود به. وإسناده ضعيف؛ لأن عبدالرحمن مجهول، وأباه وجده مجهولا حال، وأعله ابن عبدالبر وعبدالحق وابن حزم بأن محمد بن الأشعث لم يسمع من ابن مسعود أيضًا. ورد هذا ابن الملقن وأثبت أنه أدركه ولا مانع من السماع.\n\nوللحديث طريق أخرى من طريق القاسم بن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن جده عبدالله ابن مسعود أخرجه أحمد (٤٤٤٥) (٤٤٤٣) (٤٤٤٦)، والطيالسي (٣٩٩)، والبيهقي (٥/ ٣٣٣)، والبغوي (٢١٢٤) من طرق عن القاسم به. وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه، فإن القاسم لم يدرك عبدالله بن مسعود.\nوقد أخرجه الدارمي (٢٥٥٢)، وأبوداود (٣٥١٢)، وابن ماجه (٢١٨٦)، وأبويعلى (٤٩٨٤)، والدارقطني (٣/ ٢٠ - ٢١)، والطبراني (١٠٣٦٥) والبيهقي (٥/ ٣٣٣) من طريق القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عن ابن مسعود.\nولكن ذكر الدارقطني في «العلل» (٥/ ٢٠٣ - ٢٠٥) الخلاف في ذلك، وصوَّب أنه مرسل، وأن الصواب فيه: القاسم عن ابن مسعود، بدون ذكر عبدالرحمن.\nوللحديث طريق أخرى من طريق عون بن عبدالله عن ابن مسعود، ولفظه «إذا اختلف البيعان فالقول ما قال البائع، والمبتاع بالخيار»: أخرجه أحمد (٤٤٤٤)، وابن أبي شيبة (٦/ ٢٢٧)، والترمذي (١٢٧٠)، والبيهقي (٥/ ٣٣٢)، وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه، فعون بن عبدالله لم يسمع من ابن مسعود.\nوللحديث طريق أخرى، من طريق أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود عن أبيه، بلفظ: (أمر البائع أن يستحلف ثم يخير المبتاع إن شاء أخذ وإن شاء ترك).\nأخرجه أحمد (٤٤٤٢)، والنسائي (٧/ ٣٠٣)، والدارقطني (٣/ ١٩)، والحاكم (٢/ ٤٨)، والبيهقي (٣/ ١٩)، وفي إسناده انقطاع؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، وفيه أيضًا عبدالملك بن عبيد أو عبيدة مجهول، وقد وقع في بعض الطرق (عبدالملك بن عمير) وهو وهم من بعض الرواة كما نص على ذلك البيهقي وأشار إليه أحمد، وهوظاهر صنيع البخاري في «تاريخه».\nوللحديث طريق أخرى: أخرجه الطبراني (٩٩٨٧) حدثنا محمد بن هشام المستملي ثنا عبدالرحمن بن صالح ثنا فضيل بن عياض ثنا منصور عن علقمة عن ابن مسعود بلفظ: «البيعان إذا اختلفا في البيع ترادا».\nقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٦/ ٥٩٨): وهذا الطريق عندي أقوى طرقه، ولم يظفروا بها، ومن فضيل بن عياض إلى ابن مسعود أئمة أعلام، لكن عبدالرحمن بن صالح نسب إلى الرفض ووضع مثالب الصحابة، وهو كوفي عتكي، أخرج له النسائي في «الخصائص»، وقال ابن معين: ثقة شيعي، لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يكذب في نصف حرف، وقال أبوحاتم: صدوق، وقال موسى بن هارون مرة: ثقة، وكان يحدث بمثالب أزواج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه، وقال صالح جزرة: صالح إلا أنه يقرض عثمان، وقال البغوي: سمعته يقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر وعمر. اهـ\nقلتُ: وقال أحمد: ثقة، وقال موسى بن هارون مرة: خرقت عامة ما سمعته منه. وقال أبوداود كان رجل سوء، وقال ابن عدي: لم يذكر في الحديث بالضعف، ولا اتهم فيه إلا أنه محترق في التشيع. اهـ من «التهذيب».\nقلتُ: فالذي نقم عليه هو التشيع، وأما الضبط والصدق فلم يتكلم عليه أحد فيهما، وعلى هذا فالإسناد صحيح، والحديث صحيح، وأما قول الحافظ في «التلخيص» (٣/ ٧٤)،: (لكن اختلف في عبدالرحمن بن صالح، وما أظنه حفظه، فقد جزم الشافعي أن طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شيء موصول، وذكره الدارقطني في «العلل» فلم يعرج على هذه الطريق)؛ فهو رد للحديث بما لا يقتضيه، فليس لنا علم بكون الشافعي قصد هذه الطريق أيضًا، والأظهر أنه يقصد الطرق السابقة. وأما الدارقطني فإنه لم يستوعب في علله جميع طرق الحديث، وإنما ذكر الخلاف في طريق القاسم بن عبدالرحمن، ولم يذكر بقية الطرق كلها.\nفالحاصل مما تقدم أن الحديث صحيح، والله تعالى أعلى وأعلم.\nتنبيه: رواية (استحلف البائع) لم أرها إلا في طريق أبي عبيدة عن أبيه، وقد تقدم الكلام عليها، وجميع طرق الحديث بدون هذه الزيادة، فالحديث صحيح بدونها.\nتنبيه آخر: زيادة «والمبيع قائم بعينه» جاءت في طريق القاسم بن عبدالرحمن فحسب، ولم تذكر في جميع طرق الحديث؛ فهي زيادة شاذة، وقد ذكر الدارقطني في «العلل» (٥/ ٢٠٤)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ٣٣٣) أنه تفرد بها ابن أبي ليلى عن القاسم بن عبدالرحمن، ولكني وجدتها أيضًا في رواية معن بن عبدالرحمن عن القاسم في «مسند أحمد» (٤٤٤٦)، والله أعلم.\nتنبيه آخر: ما رُوي: «إذا اختلف البيعان؛ تحالفا».\nقال الرافعي: هذه الرواية غريبة على هذا النمط، لم أرها كذلك في شيء من كتب الحديث.\nوقال ابن الملقن -﵀-: هذه رواية غريبة لم أجدها في شيء من كتب الحديث بعد البحث التام، وإنما توجد في كتب الفقه، والعجب منه يعني الرافعي أنه يستدل بها في شرحيه مع قوله هذا الكلام. اهـ\nقال الحافظ -﵀-: وأما قوله: «تحالفا» فلم يقع عند أحد منهم. انظر: «البدر المنير» (٦/ ٥٩٧)، «التلخيص الحبير» (٣/ ٧٥).","vol":"5","page":488},{"text":"فائدة على هذا الحديث: قال ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (١٢/ ٢٣١) ط/مرتبة: وهذا الحديث عند جماعة العلماء أصل تلقوه بالقبول، وبنوا عليه كثيرًا من فروعه، واشتهر عندهم بالحجاز والعراق شهرة يُستغنى بها عن الإسناد كما اشتهر عندهم قوله -﵇-: «لا وصية لوارث» (^١)، ومثل هذا من الآثار التي قد اشتهرت عند جماعة العلماء استفاضة يكاد يُستغنى فيها عن الإسناد؛ لأن استفاضتها وشهرتها عندهم أقوى من الإسناد. اهـ\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «شرح البلوغ» (٣/ ٤٧٧): ولو نظرنا إلى عموم هذا الحديث؛ لقلنا كل اختلافين يقع بين المتبايعين فالقول قول البائع؛ فإنْ لم يحلف ترادا البيع، أي: فَسَخَاه، ولكن هذا الحديث ليس على هذا الإطلاق باتفاق العلماء؛ فإنَّ العلماء لم يتفقوا على أنَّ القول قول البائع في كل صورة، بل اتفقوا على أنه ليس القول قول البائع في كل صورة، وأنَّ من الصور ما لايمكن فيه قبول قول البائع بالاتفاق، ومن الصور ما القول فيها قول المشتري بالاتفاق؛ فصار هذا الحديث ليس على إطلاقه، وإنما يرجع فيه إلى الحديث الأصل في باب\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٩٥٤).","vol":"5","page":490},{"text":"الدعاوى، وهو: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (^١)، ثم إذا كان كل منهما مُدَّعيًا ومًدَّعًا عليه؛ فإننا نجري ما قاله الفقهاء في أن يحلف كل واحدٍ منهما على نفي دعوى صاحبه وإثبات دعواه، وإذا وقع التحالف؛ فلكل واحد منهما الفسخ. اهـ المراد.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2606>مسألة [١]: إذا اختلف البائع والمشتري في ثمن السلعة</span>؟\nهذه المسألة لها حالان:\nالحال الأولى: أن تكون السلعة باقية لم تستهلك، أو تتلف.\n• فذهب الأكثر إلى أنهما يتحالفان ويترادان، فإن لم يحلف أحدهما قضي عليه، وهو قول شريح، وابن سيرين، وحماد، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق، والثوري، وأبي حنيفة، ومالك في رواية. ويجوز على هذا القول فسخ البيع بدون أيمان؛ إذا رضيا بذلك.\nوصورة ذلك: أن يقول البائع: والله ما بعت السلعة إلا بكذا. ويقول المشتري: والله ما اشتريتها إلا بكذا. فإنْ تحالفا؛ فعلى المشتري أن يرد السلعة؛ لأنَّ كليهما مُدَّعٍ ومُدَّعَى عليه.\n• وذهب أبو ثور، وزُفر، ومالك في رواية إلى أنَّ القول قول المشتري مع يمينه؛ لأنَّ البائع يدَّعي مبلغًا زائدًا ينكره المشتري، والقول قول المنكر.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١٤٠٧).","vol":"5","page":491},{"text":"• وذهب ابن مسعود (^١)، والشعبي، وأحمد في رواية إلى أنَّ القول قول البائع بدون يمين، أو يترادان البيع؛ وذلك لظاهر حديث ابن مسعود الذي في الباب.\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع»: وهذا القول أقوى؛ لظاهر الحديث. اهـ، وعزاه لشيخ الإسلام في موطن آخر من شرحه. اهـ\n• وفي المسألة قول ثالث: وهو أنه إن كان قبل القبض؛ تحالفا، وإن كان بعده فالقول قول المشتري، وهو قول مالك، وأحمد في رواية عنهما.\nوالصحيح عندي القول الأول، وحديث ابن مسعود مقيد، ومبين بحديث الدعاوى.\nالحال الثانية: أن تكون السلعة قد تلفت، ففيه أقوال:\n• القول الأول: القول قول المشتري مع يمينه، وهو قول شريح، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وقال به الليث، ومالك؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الحديث: «والسلعة قائمة»؛ فمفهومه أنه لا يشرع التحالف عند تلفها، ولأنهما اتفقا على نقل السلعة إلى المشتري، واستحقاق بعض الثمن، واختلفوا في الثمن الزائد، البائع يدعيها، والمشتري ينكرها، والقول قول المنكر.\n• القول الثاني: أنهما يتحالفان، ويترادَّان، وهو مذهب الشافعي، ومحمد بن الحسن، وأشهب المالكي، وهو رواية عن مالك، وهو الأشهر عن أحمد، وهو\n_________\n(^١) ثبت عنه القول بذلك في ضمن طرق الحديث المرفوع.","vol":"5","page":492},{"text":"ظاهر اختيار شيخ الإسلام، قالوا: ويرد المشتري القيمة.\nوحجَّة أصحاب هذا القول: أنَّ البائع لم يقر بخروج السلعة عن ملكه إلا بصفة لا يصدقه عليها المشتري، وكذلك المشتري لم يقر بخروج السلعة إلى ملكه إلا بصفة لا يصدقه عليها البائع، والأصل أنَّ السلعة للبائع؛ فلا تخرج عن ملكه إلا بيقينٍ من إقرارً، أو بينة، وإقراره منوط بصفةٍ لا سبيل إلى دفعها؛ لعدم بينة المشتري بدعواه؛ فحصل أنَّ كل واحدٍ منهما مُدَّعٍ، ومُدَّعىً عليه. وقالوا أيضًا: إذا كان التراد قد وجب بالتحالف والسلعة حاضرة؛ فيجب أيضًا بعد هلاكها؛ لأنَّ القيمة تقوم مقامها كسائر ما يفوت في البيوع.\nورجَّح الشيخ ابن عثيمين القول الثاني.\nوهو الراجح فيما يظهر لي، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: إذا كانت السلعة تالفة وقومت على المشتري؛ فيلزمه القيمة عند من قال بذلك، وأكثرهم أطلق ذلك، سواء كانت القيمة أكثر مما ادَّعاه البائع، أو أقل مما ادَّعاه المشتري. وقال بعض أهل العلم: تُقَوَّم عليه، ولا يُعطى أكثر مما ادَّعاه البائع، ولا أقل مما أقر به المشتري، وهذا اختيار جماعة من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، واختاره الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٧٨ - ٢٨٢)، «التمهيد» (١٢/ ٢٣٤ -) ط/مرتبة، «الشرح الممتع» (٨/ ٣٤٦) (٨/ ٣٥٧)، «الإنصاف» (٤/ ٤٣٩)، «ابن أبي شيبة» (٦/ ٢٢٧)، «عبد الرزاق» (٨/ ٢٧٢)، «البيان» (٥/ ٣٥٨)، «الأوسط» (١٠/ ٣٥١).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٤/ ٤٣٩)، «الشرح الممتع» (٨/ ٣٥٠).","vol":"5","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2607>مسألة [٢]: صفة التحالف</span>.\nقال ابن عبد البر -﵀- في «التمهيد» (١٢/ ٢٣٤) -نقلًا عن القائلين بالتحالف-: وبُدئ البائع باليمين، ثم قيل للمشتري: إما أن تأخذ بما حلف عليه البائع، وإما أن تحلف على دعواك وتبرأ؛ فإن حلفا جميعًا؛ رُدَّ البيع، وإن نكلا جميعًا؛ رُدَّ البيع، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر؛ كان البيع لمن حلف. انتهى المراد.\nقلتُ: ولا يشترط تقدم البائع باليمين كما أشار إلى ذلك الإمام العثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٨/ ٣٤٧)، وهو قول جماعة من الشافعية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2608>مسألة [٣]: إن قال البائع: بعتك العبد بألف. فقال المشتري: بل هو والعبد الآخر بألف</span>؟\n• مذهب الحنابلة، وأبي حنيفة أنَّ القول قول البائع مع يمينه؛ لأنَّ البائع ينكر بيع العبد الزائد؛ فكان القول قوله؛ لأنَّ الأصل بقاء السلعة في ملكه.\n• وقال الشافعي: يتحالفان؛ لأنهما اختلفا في أحد عوضي العقد، وهذا اختيار جماعة من الحنابلة.\nقلتُ: الذي يظهر لي أنَّ قول الشافعي أرجح؛ إلا أن تظهر قرائن تقوي أحد الجانبين؛ فيكون القول قوله مع اليمين، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٤/ ٤٤٦) ط/الإحياء، «البيان» (٥/ ٣٦١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٢٨٤)، «الإنصاف» (٤/ ٤٤٥ - ٤٤٦).","vol":"5","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2609>مسألة [٤]: إذا اختلفا في صفة السلعة بعد تلفها</span>؟\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٨/ ٣٥١): مثاله: أن يقول البائع: إنَّ العبد الذي هلك كان كاتبًا، وقال المشتري: كان غير كاتب.\nفهنا إذا رجعنا إلى القيمة فبينهما فرق عظيم؛ فالكاتب أغلى؛ فالقول قول المشتري، وذلك بناءً على القاعدة: (أنَّ كل غارم القول قوله)؛ لأنَّ ما زاد على غرمه؛ دعوى، فيحتاج إلى بينة، فتُقَدَّر قيمته غير كاتب، والعلة: أنه غارم، والغارم لا يُلزَم بأكثر مما ادَّعَى، أو مما أقر به؛ لأنَّ الأكثر مما أقرَّ به دعوى تحتاج إلى بينة. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2610>مسألة [٥]: إذا اختلفا في قدر السلعة بعد تلفها</span>؟\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٨/ ٣٥١): مثل ذلك إذا اختلفا في قدرها بأن قال البائع: إني قد بعت عليك شاتين. وقال المشتري: بل واحدة. وقد تلفت الشاتان؛ فالقول قول المشتري؛ بناءً على القاعدة؛ لأنَّ البائع يدَّعي الآن أنَّ المبيع اثنتان، والمشتري لم يقر باثنتين، بل أقر بواحدة وأنكر الثانية، والبينة على المدَّعي، واليمين على من أنكر. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2611>مسألة [٦]: أن يختلفا في الأجل، أو في شرط الخيار، أو ما أشبهه</span>.\nمثاله: أن يقول البائع: بعتك السلعة بألفٍ على أن تعطيني المبلغ في الحال.\nويقول المشتري: ما اشتريت السلعة بألف إلا لأجل التأجيل إلى شهر.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٢٨٣)، وانظر القاعدة المذكورة في «موسوعة القواعد الفقهية» (١/ ٢٤٤).","vol":"5","page":495},{"text":"أو يختلفان في خيار الشرط، فينفيه البائع، ويثبته المشتري.\n• فذهب الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية إلى أنهما يتحالفان، ويترادان؛ لأنهما اختلفا في صفة العقد، فكل واحد منهما مُدَّعٍ ومُدَّعىً عليه.\n• وذهب أحمد في رواية، وأبو حنيفة، والثوري إلى أنَّ القول قول من ينفي ذلك مع يمينه؛ لأنَّ الأصل عدم ذلك، ولأنه مُنْكِرٌ لشيء زائدٍ ادُّعِي عليه، والقول قول المنكر مع يمينه.\nوهو ظاهر اختيار الشيخ ابن عثيمين -﵀-.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر لي أنَّ القول الأول أقرب؛ لأنَّ كُلًّا منهما مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه كما تقدم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2612>مسألة [٧]: أن يختلفا في عين السلعة</span>.\n• ذكر ابن قدامة -﵀- أنَّ كل واحد منهما يحلف على ما أنكره، ولم يثبت بيع واحد منهما، وهو قول جماعةٍ من الحنابلة.\n• والمنصوص عن أحمد، وعليه جماعةٌ من الحنابلة أنَّ القول قول البائع.\nوهو اختيار الشيخ ابن عثيمين -﵀-.\nوهو الصحيح؛ لحديث ابن مسعود -﵁- الذي في الباب. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٨٥)، «التمهيد» (١٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨) ط/مرتبة، «الشرح الممتع» (٨/ ٣٥٦)، «الإنصاف» (٤/ ٤٤٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٢٨٤)، «الإنصاف» (٤/ ٤٤٦)، «الشرح الممتع» (٨/ ٣٥٧).","vol":"5","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2613>مسألة [٨]: إذا اختلفا في شيء يفسد العقد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٢٨٥): وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ، أَوْ شَرْطٍ فَاسِدٍ، فَقَالَ: بِعْتُك بِخَمْرٍ، أَوْ خِيَارٍ مَجْهُولٍ. فَقَالَ: بَلْ بِعْتنِي بِنَقْدٍ مَعْلُومٍ، أَوْ خِيَارِ ثَلَاثٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ تَعَاطِي الْمُسْلِمِ الصَّحِيحَ أَكْثَرُ مِنْ تَعَاطِيه لِلْفَاسِدِ. وَإِنْ قَالَ: بِعْتُك مُكْرَهًا. فَأَنْكَرَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ، وَصِحَّةُ الْبَيْعِ. وَإِنْ قَالَ: بِعْتُك وَأَنَا صَبِيٌّ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْعَقْدِ، وَاخْتَلَفَا فِيمَا يُفْسِدُهُ؛ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ.\nقال: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الصِّغَرَ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَيُفَارِقُ مَا لاإذَا اخْتَلَفَا فِي شَرْطٍ فَاسِدٍ، أَوْ إكْرَاهٍ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ. وَهَا هُنَا الْأَصْلُ بَقَاؤُهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُكَلَّفِ أَنَّهُ لَا يَتَعَاطَى إلَّا الصَّحِيحَ. وَهَا هُنَا مَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مُكَلَّفًا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: مذهب أحمد، وإسحاق، وهو قول بعض الشافعية أيضًا، هو الراجح؛ لما تقدم ذكره، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2614>مسألة [٩]: إذا اختلف البائع والمشتري في ثبوت خيار الشرط وليس هنالك بينة</span>؟\n• قال بعض أهل العلم: أن القول قول من ينفي خيار الشرط مع يمينه؛ وهو قول الثوري، وأحمد، وإسحاق.\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (٥/ ٣٧٠).","vol":"5","page":497},{"text":"• وقال أبو حنيفة: إذا ادعى البائع الخيار، ونفاه المشتري، فالقول قول البائع.\n• وقال الشافعي: يتحالفان، ويكون الحكم فيهما كاختلافهم في الثمن.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب -والله أعلم-؛ لأن الأصل في البيوع عدم وقوع خيار الشرط فيها؛ فمن ادعاه فعليه البينة؛ وإلا فالقول قول الآخر مع يمينه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2615>مسألة [١٠]: إذا اختلفا عند من حدث العيب في السلعة</span>؟\nهذه المسألة لها ثلاثة أحوال:\n١) أن تدل قرينة على أنَّ العيب حدث عند الأول، كأن تكون في الأمة المشتراة أصبعًا سادسة؛ فلا إشكال في ذلك، والقول قول المشتري بدون يمين.\n٢) أن تدل قرينة على أنَّ العيب حدث عند الثاني المشتري كأن يكون في الشاة المشتراة جرحٌ جديد يَبْعُد أن يكون حصل عند البائع؛ فلا إشكال في ذلك أيضًا؛ فالقول قول البائع بدون يمين.\n٣) إن لم تدل قرينة على أحدهما؛ فلا يُدرى أحدث العيب عند المشتري، أم أنه كان عيبًا قديمًا حصل عند البائع، فما الحكم في ذلك؟ فيه خلاف:\n• فالجمهور على أنَّ القول قول البائع؛ لأنَّ الأصل انتقال السلعة إلى المشتري من غير وجود عيب؛ فكون المشتري يدَّعي أنَّ البائع أعطاه السلعة معيبة؛ فهذه دعوى على خلاف الأصل، وممن قال بذلك الشافعي، وأبو ثور، وإسحاق،\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (١٠/ ٢٣٥).","vol":"5","page":498},{"text":"وابن المنذر.\n• وذهب الحنابلة إلى أنَّ القول قول المشتري مع يمينه.\n• وعن أحمد: أن البائع يحلف أن العيب لم يكن حادثًا عنده، ويأخذ المشتري السلعة، وليس له حق. وقد رجَّح الشيخ ابن عثيمين -﵀- قول الجمهور. (^١)\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀- في «شرحه» (٨/ ٣٢٦): ولكن يجب أن نعلم أنَّ كل من قلنا: (القول قوله)؛ فإنه لابد من اليمين، وهذه قاعدة عامة؛ لقول النبي - ﷺ -: «اليمين على المدَّعى عليه»، وفي لفظ: «على من أنكر». (^٢)\nفائدة: قال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «شرح البلوغ» (٣/ ٤٧٩): والضابط أنَّ كل من ادَّعى خلاف الأصل؛ فهو مُدَّعِي يحتاج إلى بينة، وكل من تمسك بالأصل؛ فهو مُنْكِر، وعليه اليمين. اهـ\nتنبيه: يستفاد من هذا الحديث شرط من شروط صحة البيع المتقدمة في أوائل الكتاب، وهو: (رضا الطرفين بالبيع والشراء).\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الممتع» (٨/ ٣٢٤ - ٣٢٦)، «البيان» (٥/ ٣٧٢)، «الأوسط» (١٠/ ٢٥٥).\n(^٢) انظر تخريجه في «البلوغ» رقم (١٤٠٧).","vol":"5","page":499},{"text":"٧٦٩ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ (^١)، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ (^٢). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2616>مسألة [١]: حكم بيع الكلب</span>.\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى تحريم بيع الكلب، وبطلان البيع، وهو قول الحسن، وربيعة، وحماد، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، والظاهرية وغيرهم.\nواستدلوا على ذلك بحديث أبي مسعود -﵁- الذي في الباب، وجاء عن عبدالله بن عمرو -﵄-، أخرجه الحاكم (٢/ ٣٣)، وهو في «الصحيح المسند» (٨١١)، وعند أبي داود (٣٤٨٢) من حديث ابن عباس، وهو أيضًا في «الصحيح المسند» (٦١٢): «نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن ثمن الكلب، وإن جاء صاحبه، فاملأ كفه ترابًا». وإسناده صحيح. وثبت عن أبي هريرة -﵁- كما في «الأوسط» لابن المنذر، أنه كان يكره مهر البغي، وثمن الكلب، وقال: هو من السحت.\n• وذهب أبو حنيفة إلى جواز بيعه، وهو قول مالك في رواية؛ لوجود الانتفاع منه.\n• وذهب جابر بن عبد الله -﵁-، وعطاء، والنخعي إلى جواز بيع كلب الصيد\n_________\n(^١) هو المال الذي تُعْطَاه الزانية مقابل التمكين من نفسها.\n(^٢) حلوان الكاهن: هو ما يعطاه الكاهن مقابل كهانته، سمي بذلك لأنه يكسبه بغير تعب.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٢٣٧)، ومسلم (١٥٦٧).","vol":"5","page":500},{"text":"دون غيره؛ لما رواه النسائي من حديث جابر بن عبد الله، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ثمن الكلب والسِّنَّور إلا كلب صيد. وهذا الحديث قال النسائي عقبه: منكر.\nوقد ضعَّف هذه الزيادة جماعةٌ من العلماء والحُفَّاظ، منهم: النسائي، والترمذي، والداقطني، والبيهقي.\nوبيان ذلك:\nأنها جاءت من طريق حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره. أخرجه النسائي، ثم قال: حديث منكر. وأعله الدارقطني بالوقف في «سننه»، وأشار إلى ذلك البيهقي، فقد رواه عبد الواحد، وسويد بن عمرو كما في «سنن البيهقي»، وأبو نعيم كما في «شرح المعاني» كلهم عن حماد، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا، ورواه عبيد الله بن موسى، عن حماد وشك في رفعه ورواه الهيثم بن جميل، عن حماد، ورفعه؛ فالرَّاجح وقفه.\nوجاءت الزيادة من طريق: الحسن بن أبي جعفر الجُفْرِي، عن أبي الزبير، عن جابر عند الدارقطني، والحسن الجفري قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء.\nوجاءت هذه الزيادة من حديث أبي هريرة، وفي أحد أسانيده: أبو المهزم، وهو متروك، وفي الآخر: المثنى بن الصباح، وهو شديد الضعف، وفي الآخر: محمد بن مصعب القرقساني وهو ضعيف، والوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، وثقه ابن معين كما في «الجرح والتعديل»، وضعفه الدارقطني عقب الحديث من","vol":"5","page":501},{"text":"«سننه»، وله طريق أخرى عند البيهقي، وفي إسناده: مؤمل بن إسماعيل، وهو ضعيف، وقد خُولِف، فقد رواه النضر بن شميل بدون الاستثناء، وبدون ذكر «الهر».\nوالخلاصة مما تقدم أنَّ زيادة: «إلا كلب صيد» لا تصح، ولا تثبت. (^١)\nوبناء على ضعف الزيادة؛ فالصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2617>مسألة [٢]: هل على متلف الكلب القيمة</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى أنه لا يضمن بالقيمة؛ لأنَّ ما لا ثمن له فلاقيمة له، والثمن: هو العوض عن العين الفائتة، والقيمة: هي العوض عن العين المتلفة، وفي حديث ابن عباس -﵄- المتقدم: «فإن جاء صاحبه؛ فاملأ كفه ترابًا».\n• وذهب عطاء، ومالك إلى أنَّ عليه الغرم؛ لأنَّ ما أُبيح اقتناؤه يحرم قتله. وقال ابن حزم: يضمنها بمثلها، أو بما يتراضيان عليه.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «شرح البلوغ» (٣/ ٤٨١ - ٤٨٢): وهذا القول هو الراجح أنه لا قيمة له، وأنَّ إتلافه هدر؛ فإنْ قال صاحب الكلب: كلبي غالٍ عندي، ولا أفكه إلا برقبة هذا الرجل. فنقول: مثل هذه الحال يُعطى إن وُجِد كلبًا مثل كلبه، وإلا فيُعطى ما يهوِّن غضبه؛ دفعًا للشر والفتنة. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «الصحيحة» (٢٩٩٠)، «سنن الدارقطني» (٣/ ٧١ -)، «البيهقي» (٦/ ٦ - ٧)، «التلخيص» (٣/ ٦).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢٢٣٧)، «المغني» (٦/ ٣٥٢ -)، «المجموع» (٩/ ٢٢٨)، «الأوسط» (١٠/ ٢٤).","vol":"5","page":502},{"text":"وقال -﵀- (٣/ ٤٨٣): وإذا أتلف قلنا: إنه لا قيمة له شرعًا، ولكنه يعزر بسبب تعديه على ما يختص به هذا الرجل. اهـ\nقلتُ: وما قاله الشيخ ابن عثيمين -﵀- هو الصواب عندي، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2618>مسألة [٣]: قتل الْمُعَلَّم وما يُباح إمساكه</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- (٦/ ٣٥٥): أَمَّا قَتْلُ المُعَلَّمِ فَحَرَامٌ، وَفَاعِلُهُ مُسِيءٌ ظَالِمٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ كَلْبٍ مُبَاحٍ إمْسَاكُهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ مُنْتَفَعٌ بِهِ يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ فَحُرِّمَ إتْلَافُهُ كَالشَّاةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. اهـ\nقلتُ: وفي حديث جابر في «صحيح مسلم» (١٥٧٢) قال: ثم نهى رسول الله - ﷺ - عن قتلها، وقال: «عليكم بالأسود البهيم، ذي النقطتين؛ فإنه شيطان».\nوعليه: فمن كان له كلب مما يباح اقتناؤه، ولا حاجة فيه؛ فلا يجوز له اقتناؤه بدون حاجة، فيعطي شخصًا آخر ينتفع به، إما إعارة، أو هدية، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2619>مسألة [٤]: إجارة الكلب</span>.\n• ذهب أحمد وأصحابه إلى تحريم إجارته؛ لأنه محرم بيعه؛ فحرمت إجارته، وهو الأصح عند الشافعية، وقال بعض الشافعية بالجواز؛ لأنه ينتفع به، وهو مقتضى قول الحنفية، والمالكية؛ لأنهم يرون جواز بيعه فإجارته من باب أولى، والصواب القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٥٥)، «الفتح» (٢٢٣٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٣٥٤)، «المجموع» (٩/ ٢٣١).","vol":"5","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2620>مسألة [٥]: إهداء الكلب والوصية به</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- (٦/ ٣٥٥): وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْكَلْبِ الَّذِي يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ؛ لِأَنَّهَا نَقْلٌ لِلْيَدِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَتَصِحُّ هِبَتُهُ؛ لِذَلِكَ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ أَشْبَهَتْ الْبَيْعَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ عِوَضُهُ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ. اهـ\nقلتُ: والصحيح هو الجواز، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2621>مسألة [٦]: مبادلة كلب بكلب، أو بغيره</span>.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: تقدم أنَّ الكلب لا ثمن له، وعليه: فإذا بودل بمثله؛ جاز، وإن بودل بما له ثمن؛ لم يجز؛ لأنه يصير بيعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2622>مسألة [٧]: اقتناء الكلب</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٣٥٦): وَلَا يَجُوزُ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ؛ إلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ، أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ حَرْثٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، أَوْ زَرْعٍ؛ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» (^٢)، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ؛ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ»، قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣)، وَإِنْ اقْتَنَاهُ لِحِفْظِ الْبُيُوتِ، لَمْ يَجُزْ؛\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٩/ ٢٣١).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٣٢٢)، ومسلم برقم (١٥٧٥).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٥٤٨١)، ومسلم برقم (١٥٧٤).","vol":"5","page":504},{"text":"لِلْخَبَرِ، وَيَحْتَمِلُ الْإِبَاحَةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الثَّلَاثَةِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ عَلَيْهَا يُبِيحُ مَا يَتَنَاوَلُ الْخَبَرُ تَحْرِيمَهُ. اهـ\nقلتُ: وما صححه ابن قدامة هو الأقرب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2623>مسألة [٨]: بيع الحيوانات المفترسة</span>.\n• مذهب الشافعية، والحنابلة جواز بيع ما ينتفع به منها، ويمكن تعليمه والاصطياد به، كالصقر، والفهد.\n• وقال بعض الحنابلة، وهما أبو بكر بن عبد العزيز، وابن أبي موسى: لا يجوز بيع الفهد، والصقر؛ لأنها نجسة، فلم يَجُزْ بيعها.\nقال ابن قدامة -﵀-: فإن كان الفهد، والصقر ونحوهما مما ليس بمُعَلَّم، ولا يقبل التعليم؛ لم يجز بيعه؛ لعدم النفع به. اهـ\nقلتُ: ويلتحق بالمنع الحيوانات التي لا تقبل التعليم كالأسد، والذئب، والنمر، والدب، وما أشبهها؛ لأنه لا ينتفع بها، وفي شرائها إسراف، وإضاعة للمال، والجمهور على عدم جواز بيعها؛ لأنه لا منفعة فيها، وشراؤها إضاعة للمال، وللشافعية وجهٌ مضعف بجواز بيعها؛ لإمكان الانتفاع بجلودها بالدباغ، وبذلك أفتى الإمام ابن باز -﵀-، والإمام الفوزان كما في «فتاوى اللجنة»","vol":"5","page":505},{"text":"(١٣/ ٤٠ - ٤١)، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2624>مسألة [٩]: بيع الحيوانات المحنطة</span>.\nلا يجوز بيعها، ولا شراؤها؛ لأنها ذريعة إلى الشرك، وانتشار الصور، وقد أفتى علماء عصرنا بحرمة بيعها، وشرائها، منهم: الإمام ابن باز -﵀-، واللجنة الدائمة، وشيخنا مقبل الوادعي -﵀-.اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٥٩)، «الاستذكار» (٢٠/ ١٢٤، و١٢٥)، «الحاوي الكبير» (٥/ ٣٨٠ - ٣٨١).\n(^٢) انظر: «فتاوى اللجنة» (١/ ٧١٥)، «مجموع فتاوى ابن باز» (٥/ ٣٧٧)، «فتاوى العثيمين» (١٢/ ٣٥٨).","vol":"5","page":506},{"text":"٧٧٠ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄- أَنَّهُ كَانَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ، قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، فَقَالَ: «بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ» قُلْت: لَا، ثُمَّ قَالَ: «بِعْنِيهِ» فَبِعْته بِأُوقِيَّةٍ، وَاشْتَرَطْتُ حُمْلَانَهُ إلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْت أَتَيْته بِالجَمَلِ، فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْت فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي، فَقَالَ: «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ (^١) لِآخُذَ جَمَلَك؟ خُذْ جَمَلَك وَدَرَاهِمَك، فَهُوَ لَك». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا السِّيَاقُ لِمُسْلِمٍ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2625>مسألة [١]: بيع الدابة، واستثناء الركوب عليها</span>.\nقال الشوكاني -﵀- في «نيل الأوطار» (٣/ ٥٧٠): وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ الرُّكُوبِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ إذَا كَانَتْ مَسَافَةُ السَّفَرِ قَرِيبَةً، وَحَدَّهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ قَلَّتْ الْمَسَافَةُ أَوْ كَثُرَتْ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ (^٣)، وَحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ الثُّنْيَا (^٤)، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ قِصَّةُ عَيْنٍ تَدْخُلُهَا الِاحْتِمَالَاتُ، وَيُجَابُ بِأَنَّ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْمَقَالِ هُوَ أَعَمُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ مُطْلَقًا، فَيُبْنَى الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ. وَأَمَّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ\n_________\n(^١) المماكسة في البيع: انتقاص الثمن واستحطاطه. «النهاية».\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٨٦١) ومسلم (٣/ ١٢٢١) واللفظ لمسلم كما نبه الحافظ، ولفظ البخاري بمعناه.\n(^٣) سيأتي في «البلوغ» برقم (٧٨٥).\n(^٤) سيأتي في «البلوغ» برقم (٧٩٠).","vol":"5","page":507},{"text":"الثُّنْيَا فَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يُعْلَمَ. اهـ\nقلتُ: فالراجح هو جواز ذلك، وقد رجَّح ذلك الصنعاني أيضًا في «سبل السلام»، وهو مذهب أحمد، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر.\nولكن يشترط أن يكون للاستثناء مدة معلومة، ويلتحق بذلك من باع دارًا واستثنى سكناها شهرًا مثلًا، أو عبدًا، ويستثني خدمته عامًا، وما أشبه ذلك. (^١)\nفائدة: إطلاق استثناء الخدمة بدون تحديد مدة معلومة لا يجوز، وقال ابن قدامة -﵀- (٦/ ١٦٧): وهذا لا خلاف في بطلانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2626>مسألة [٢]: إذا أراد المشتري أن يبيع العين المستثنى منفعتها</span>.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَإِنْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الْعَيْنَ الْمُسْتَثْنَاةَ مَنْفَعَتُهَا؛ صَحَّ الْبَيْعُ، وَتَكُونُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي مُسْتَثْنَاةً أَيْضًا؛ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارٌ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً، أَوْ دَارًا مُؤَجَّرَةً. وَإِنْ أَتْلَفَ الْمُشْتَرِي الْعَيْنَ، فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؛ لِتَفْوِيتِ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ لِغَيْرِهِ، وَثَمَنُ الْمَبِيعِ، وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ بِتَفْرِيطِهِ؛ فَهُوَ كَتَلَفِهَا بِفِعْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ: يَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ ... .\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٦٨ - ١٦٩): فَأَمَّا إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، وَلَا بِتَفْرِيطِهِ، لَمْ يَضْمَنْ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ١٦٦ - ١٦٨).","vol":"5","page":508},{"text":"٧٧١ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَدَعَا بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فَبَاعَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2627>مسألة [١]: بيع المدبر</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: جواز بيعه مطلقًا، وهوقول عمر بن عبد العزيز، وطاوس، ومجاهد، وهو مذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وعزاه الحافظ لأهل الحديث، وقال به بعض المالكية، وصحَّ عن عائشة -﵂- أنها باعت جارية لها قد دبَّرتها بسبب أنها سحرتها.\nأخرجه الشافعي في «المسند» (٢/ ٦٧)، وأحمد (٦/ ٤٠)، والبيهقي (٨/ ١٣٧)، وصححه الألباني -﵀- في «الإرواء» (١٧٥٧).\nوقد استدل القائلون بالجواز بحديث جابر الذي في الباب، وقالوا: هو عتق بصفة، ثبت بقول المعتق؛ فلم يمنع البيع كما لو قال: إن دخلت الدار؛ فأنت حرٌّ. فله بيعه قبل دخول الدار.\nقال الحافظ -﵀-: وَلِأَنَّ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ شَخْص جَازَ لَهُ بَيْعه بِاتِّفَاقٍ، فَيَلْحَق بِهِ جَوَاز بَيْع الْمُدَبَّر؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْوَصِيَّة. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٣٤)، ومسلم (٩٩٧). واللفظ للبخاري.","vol":"5","page":509},{"text":"قال أحمد: هم يقولون: من قال: غلامي حرٌّ رأس الشهر. فله بيعه قبل رأس الشهر، وإن قال: غدًا. فله بيعه اليوم، وإن قال: إذا مت. قال: لا يبيعه؛ فالموت أكثر من الأجل، ليس هذا قياسًا.\nالثاني: المنع من بيعه مطلقًا، وهو قول سعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، وابن سيرين، والزهري، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وأصحاب الرأي؛ لحديث ابن عمر -﵄-: «لا يُباع المدبر ولا يوهب» أخرجه الدارقطني. (^١)\nقلتُ: وهو لا يثبت مرفوعًا، بل حكم عليه الإمام الألباني بالوضع في «الضعيفة» (١٦٤)، والحفاظ يرجحون وقفه على ابن عمر، وقد صحَّ موقوفًا. (^٢)\nالثالث: يجوز بيعه للحاجة كالدين وما أشبهه، وهو قول الليث، وإسحاق، وأحمد في رواية، وأجازه مالك في دين يستغرق رقبة العبد، وقال هؤلاء: حديث جابر محمول على ما إذا احتاج كما هو حال الرجل المذكور في الحديث، فقد أعتقه وكان عليه دين، ولم يكن له مال غيره.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب -والله أعلم- ولا نعلم دليلًا يمنع بيعه، ولكن إذا لم يكن محتاجًا؛ فالأفضل له أن لا يبيعه. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (٤/ ١٣٨)، وفي إسناده: عبيدة بن حسَّان، قال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات.\n(^٢) أخرجه الدارقطني (٤/ ١٣٨) بإسناد صحيح عن ابن عمر -﵄-.\n(^٣) وانظر: «المغني» (١٤/ ٤١٩ - ٤٢٠)، «الفتح» (٢٢٣٠).","vol":"5","page":510},{"text":"٧٧٢ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَمَاتَتْ فِيهِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْهَا فَقَالَ: «ألقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١) وَزَادَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ: فِي سَمْنٍ جَامِدٍ. (^٢)\n\n٧٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا وَقَعَتِ الفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ البُخَارِيُّ، وَأَبُوحَاتِمٍ بِالوَهْمِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2628>مسألة [١]: هل يجوز بيع الزيت المتنجس</span>؟\n• أكثر العلماء على أنَّ الزيت المتنجس لا يمكن فصل النجاسة منه؛ فلا يجوِّزون بيعه، كشحم الميتة وهو مذهب الحنابلة، والأصح عند الشافعية، وقال به مالك، وجماهير العلماء.\nواستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٥٤٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (٦/ ٣٣٠)، والنسائي (٧/ ١٧٨). وإسناد النسائي صحيح.\n(^٣) ضعيف معل. أخرجه أحمد (٢/ ٢٣٢)، وأبوداود (٣٨٤٢)، من طريق معمر عن الزهري عن سعيد ابن المسيب عن أبي هريرة به. وهو حديث معل، فقد أخطأ معمر في إسناده ومتنه. فقد رواه الحفاظ من أصحاب الزهري عن الزهري عن عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس عن ميمونة باللفظ السابق بدون زيادة «وإن كان مائعًا فلا تقربوه». وقد أعله البخاري وأبوحاتم والترمذي وغيرهم. انظر «العلل الكبير» للترمذي (٢/ ٧٥٨)، و«العلل» لابن أبي حاتم (٢/ ١٢)، و«العلل» للدارقطني (٧/ ٢٨٥)، و«السنن» للترمذي (٤/ ٢٥٦ - ٢٥٧).","vol":"5","page":511},{"text":"• وقال أبو حنيفة وأصحابه، والليث: يجوز بيعها؛ لأنه يمكن فصل النجاسة عنها بغسلها، وهو قول بعض الشافعية، وأحمد في رواية.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: تقدم في [كتاب الطهارة] أننا رجحنا أنَّ المائع المتنجس يُطَهَّر بزيادة المائع من جنسه، وقد يطهر أيضًا بغليانه، أو تعريضه للشمس والهواء.\nوعليه: فيجوز بيعه، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: تقدم الكلام على نجاسة الزيت بحلول النجاسة فيه في كتاب الطهارة، ورجَّحنا أنَّ الزيت ينجس إذا تغيرت أوصافه.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٩/ ٢٣٨)، «المغني» (١٣/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، «الإنصاف» (١/ ٣٠٤).","vol":"5","page":512},{"text":"٧٧٤ - وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا -﵁- عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ وَالكَلْبِ فَقَالَ: زَجَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ: إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ. (^١)\n_________\n(^١) أما رواية النسائي فقد أخرجها (٧/ ١٩٠، ٣٠٩) من طريق حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر، وقد قال عقب الحديث في الموطن الأول: ليس بصحيح، وفي الموطن الثاني: (منكر). وأعله الدارقطني بالوقف في «سننه»، وأشار إلى ذلك البيهقي؛ فقد رواه عبدالواحد وسويد بن عمرو كما في «سنن البيهقي»، وأبونعيم كما في «شرح المعاني» كلهم عن حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر موقوفًا، ورواه عبيدالله بن موسى عن حماد وشك في رفعه، وخالف الهيثم بن جميل فرواه عن حماد مرفوعًا، فالراجح وقفه، والله أعلم.\nانظر: «سنن الدارقطني» (٣/ ٧٢ -)، و«البيهقي» (٦/ ٦ - ٧)، و«الصحيحة» (٢٩٩٠).\nوأما رواية مسلم (١٥٦٩) فهي من طريق معقل بن عبيدالله الجزري عن أبي الزبير عن جابر.\n\nقال أحمد: أحاديثه عن أبي الزبير تشبه أحاديث ابن لهيعة، قال ابن رجب: ومما أنكر عليه حديث بيع السنور.\nقلتُ: وقد جاء الحديث من رواية ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر، أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٩)، وفي إسناده: ابن لهيعة، وهو ضعيف.\nوجاء من رواية الحسن بن أبي جعفر عن أبي الزبير عن جابر أخرجه الدارقطني (٣/ ٧٣)، والحسن شديد الضعف.\nوجاء من رواية عمر بن زيد الصنعاني عن أبي الزبير عن جابر، بلفظ: (نهى عن أكل الهرة وثمنها)، أخرجه أبو داود (٣٤٨٠) (٣٨٠٧)، وأحمد (٣/ ٢٩٧)، وعمر بن زيد ضعيف، وقد أنكر عليه هذا الحديث كما في «الميزان».\nوجاء من رواية خير بن نعيم الحضرمي عن أبي الزبير عن جابر، أخرجه الدارقطني (٣/ ٧٢)، وخير بن نعيم حسن الحديث ولكن الراوي عنه وهب الله بن راشد أبي زرعة قال فيه أبوحاتم: محله الصدق، وخالفه ابن لهيعة فرواه عن خير بن نعيم عن عطاء عن جابر به، أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٩).\nوجاء من رواية الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، أخرجه أبو داود (٣٤٧٩)، والترمذي (١٢٩٧) وغيرهما، ولكن صح عن وكيع أنه رواه عن الأعمش قال: قال جابر فذكره. ثم قال: قال الأعمش: أرى أبا سفيان ذكره. فقد شك الأعمش في وصله، وقال الحافظ في «التلخيص»: قال ابن وضاح: الأعمش يغلط، والصواب موقوف.\nقلتُ: وقد رجح وقفه الدارقطني كما في «السنن» (٣/ ٧١) وضعف الحديث ابن عبدالبر وأحمد والخطابي وغيرهم.\nوجاء عن أبي هريرة وهو منكر كما في «سنن الدارقطني» (٣/ ٧٢)، و«سنن البيهقي» (٦/ ٧٦)، و«التلخيص» (٣/ ٦). انظر: «تحقيق المسند» (١٤١٦٦) (١٤٤١١) (١٤٦٥٢) (١٤٧٦٧)، و«المسند الجامع» (٤/ ١٤٣ - ١٤٥)، و«البدر المنير» (٦/ ٥٢٩)، و«التلخيص» (٣/ ٤١).","vol":"5","page":513},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2629>مسألة [١]: حكم بيع الهر</span>.\n• في المسألة قولان:\nالأول: جواز بيعه، وهو قول الحسن، وابن سيرين، والحكم، وحماد، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وغيرهم؛ لأنها تنفع، ولا حرمة في اقتنائها. وقد ثبت عن ابن عباس -﵄- كما في الأوسط: أنه كان لا يرى بذلك بأسًا.\nالثاني: تحريم البيع، وهو قول طاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وأحمد في رواية، والظاهرية، واختاره الشوكاني، والصنعاني؛ للأحاديث الناهية عن ذلك.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الحديث مُعَلٌّ من جميع طرقه؛ فالأظهر هو الجواز، والله أعلم، وإذا كان الهر متوحشًا ولا ينفع صاحبه؛ فلا يجوز بيعه كالسباع. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٣٦٠)، «الأوسط» (١٠/ ٢٧ -).","vol":"5","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2630>فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2631>مسألة [١]: بيع البغال، والحمير</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٣٦٠): لا خلاف في إباحة بيعها. اهـ يعني البغال والحمير.\nقلتُ: وفي حديث أُبي بن كعب في «صحيح مسلم» (٦٦٣) أنَّ رجلًا كان بعيدًا من المسجد، فقال له رجلٌ: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء، والرمضاء ...، الحديث. فهذا يدل على أن بيع الحمير كان معلومًا موجودًا في عصر الصحابة ومن بعدهم.\nويستدل على جواز بيعها أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨]، فقد امتن الله علينا بمنفعة هذه الحيوانات وما كان فيه منفعة، فيجوز بيعه وشراؤه؛ إلا ما استثناه الدليل.\nوقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٨/ ١٢٩ - ١٣٠): المسلمون مجمعون على بيع الحمير من عهد الرسول - ﷺ - إلى يومنا هذا.\nقال: فإن قال قائل: يشكل على ذلك قول الرسول - ﷺ -: «إنَّ الله إذا حرَّم شيئًا حرم ثمنه»، والبغل حرام، والحمار حرام، يعني أكلها.","vol":"5","page":515},{"text":"قال: نقول: حرم ثمنه، أي: ثمن ذلك المحرم، ولهذا لو اشترى شخصٌ بغلًا ليأكله؛ فهو حرام عليه، فلا يجوز أن يأخذ على شيء محرم عوضًا، وهو يشتريه لا لأكله، ولكن لركوبه، وركوبه والانتفاع به حلال، فلا يعارض الحديث. اهـ\nقلتُ: ويمكن أن يقال: عموم الحديث مخصوص بالبغال والحمير؛ لما تقدم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2632>مسألة [٢]: بيع القرد</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٣٦١): قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ بَيْعَ الْقِرْدِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى بَيْعِهِ لِلْإِطَافَةِ بِهِ، وَاللَّعِبِ، فَأَمَّا بَيْعُهُ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ، كَحِفْظِ الْمَتَاعِ، وَالدُّكَّانِ وَنَحْوِهِ، فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ كَالصَّقْرِ وَالْبَازِي. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِهِ مُطْلَقًا. اهـ\nوقد أفتى الإمام ابن باز -﵀-، والإمام الفوزان حفظه الله بعدم جواز بيعه كما في «فتاوى اللجنة» (١٣/ ٣٨)؛ لما في ذلك من إضاعة المال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2633>مسألة [٣]: بيع الطيور</span>.\nالطيور قسمان:\nالقسم الأول: ما يُنتفع بلونه كالطاوس وبعض الطيور الملونة، أو صوته كالببغاء، والعندليب وغيره، فهذه يجوز بيعها وشراؤها؛ لأنَّ النظر إليها وسماع أصواتها أمرٌ مُباح، ولم يأت في الشرع ما يفيد حرمة بيعها، وشرائها، وحبسها، بل جاء ما يفيد الجواز، ودليل الجواز حديث أنس في «الصحيحين» (^١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦١٢٩)، ومسلم برقم (٢١٥٠).","vol":"5","page":516},{"text":"قال: «يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟»، والنغير طائر صغير كان يلعب به، وهذا يدل على أن حبس الطير ليلعب به الطفل ليس به بأس.\n• وفي بيعها وشرائها خلاف: فالجمهور على جواز بيعها وشرائها، واللهو معها، وسماع أصواتها الرَّنَّانة المباحة.\n• وابن حزم، وجماعة على كراهة بيعها وشرائها، بل ابن حزم على المنع، وقالوا أعني غير ابن حزم: لأن سماع أصواتها والتمتع بها ليس فيه للمرء حاجة، بل هو من البطر، والأشر، ورقيق العيش، وهو سَفَهٌ، واستنبط المنع من كلام ابن حزم في «المحلى»، فقد قال: ولا يجوز بيع الحيوان إلا لمنفعة، إما للأكل، وإما للركوب، وإما لصيد، وإما لدواء؛ فإن كان لا منفعة فيه لشيء من ذلك؛ لم يحل بيعه، ولا ملكه؛ لأنه إضاعة مال من المبتاع، وأكل مال بالباطل من البائع.\nقلتُ: القول بالجواز هو الصواب، ولكن ينبغي أن لا تصرف الأموال الكثيرة الطائلة لذلك؛ فإنه يدخل في إضاعة المال.\nالقسم الثاني: ما ليس فيه نفعٌ، كالحدأة، والغراب، وغير ذلك من الطيور، ففيه خلاف:\n• فالجمهور على عدم الجواز، وقال إمام الحرمين: إن كان في بعض أجنحتها فائدة؛ جاء فيه الوجه السابق في بيع السباع لأجل نفع جلودها. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٣٥٩)، «الإنصاف» (٤/ ٢٦٣)، «المجموع» (٩/ ٢٤٠)، «المحلى» (١٥٣٠)، «فتاوى اللجنة الدائمة» (١٣/ ٣٩ - ٤٠).","vol":"5","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2634>مسألة [٤]: بيع الحشرات</span>.\nأما ما لا نفع فيه كالخنافس، والعقارب، والحيَّات، والديدان، وما أشبه ذلك؛ فلا يجوز بيعها؛ لأنه لا ينتفع بها، ولأنَّ فيه إضاعة للمال، وبعضها مأمور بقتله فلا يجوز بيعها.\nوأما ما فيه نفع مثل الديدان لصيد السمك، والعلق، قال النووي: وهو هذا الدود الأسود والأحمر الذي يخرج من الماء، وعادته أن يُلقَى على العضو الذي ظهر فيه غلبة الدم فيمص دمه. انتهى.\nفالديدان للسمك جوَّز الحنابلة بيعها، والعلق جوزها الحنابلة، وهو الأصح عند الشافعية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2635>مسألة [٥]: بيع دودة القز</span>.\n• الجمهور على الجواز؛ لأنه مما ينتفع به، وهوحيوان طاهر.\n• وذهب أبو حنيفة إلى المنع؛ إلا إذا بيعت مع القز وهو الحرير؛ فيجوز؛ لأنه لا ينتفع بعينه؛ فهو كالحشرات.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لأنه ينتفع به باعتبار نتاجه.\nقال ابن حزم -﵀-: لا نعلم له حجة أصلًا، ولا أحدًا سبقه إلى المنع. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٩/ ٢٤٠ - ٢٤١)، «المغني» (٦/ ٣٦٢).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٦/ ٣٦٢)، «المحلى» (١٥٤٦).","vol":"5","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2636>مسألة [٦]: بيع النحل</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٣٦٢): وَيَجُوزُ بَيْعُ النَّحْلِ إِذَا شَاهَدَهَا مَحْبُوسَةً بِحَيْث لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَمْتَنِعَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مُنْفَرِدَةً لِمَا ذُكِرَ فِي دُودِ الْقَزِّ. وَلَنَا أَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ فِيْهِ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ؛ فَجَازَ بَيْعُهُ كَبَهِيْمَةِ الْأَنْعَامِ. اهـ\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلى» (١٥٤٦) بعد أن ذكر قول أبي حنيفة: وما نعلم له حجة أصلًا ولا أحدًا سبقه إلى المنع من بيع النحل، ودود القز. اهـ\nتنبيه: يجوز شراء النحل في أجباحها إذا عُلِمت كميتُها بدخولها وخروجها، أو بفتح تلك الأجباح والنظر إليها من أهل الخبرة وإلا فلا يجوز؛ لحصول الغرر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2637>مسألة [٧]: حكم بيع الدم</span>.\nأخرج البخاري (٢٢٣٨) من حديث أبي جحيفة -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ثمن الدم.\nوقد أجمع أهل العلم على تحريم بيع الدم وثمنه، قاله ابن المنذر كما في «المغني» (٦/ ٣٥٨)، والحافظ في «الفتح» (٢٢٣٨).\nوأكله محرَّمٌ بالإجماع؛ للآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة:٣].\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٦٢).","vol":"5","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2638>مسألة [٨]: نقل الدم من جسد إلى آخر</span>.\nنقل الدم من جسد إلى آخر يدخل في ا لتحريم، فلا يجوز أكل الدم سواء عن طريق الفم، أو الشرايين، أو المغذيات؛ إلا في حالة الضرورة فيجوز سحب الدم من شخص لآخر إذا اضطر الإنسان إلى سحب الدم لنفسه إذا أُعطي له مجَّانًا، وما لا يعطى إلا بمال؛ فلا بأس للمحتاج أن يدفع مالًا مقابل هذا الدم، ويكون الإثم على بائع الدم.\nوالدليل على التحريم حديث ابن عباس -﵄-: «إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرَّم عليهم ثمنه» أخرجه أبو داود (٣٤٨٨)، عن ابن عباس -﵄- بإسناد صحيح، وهذه فتوى اللجنة الدائمة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2639>مسألة [٩]: حكم بيع المسك</span>.\nالمسك هو عبارة عن دم متجمِّع في سُرَّة الغزال إثر الجري الشديد، يربط فترة حتى ينفصل من جسد الغزال، ومنه يُصنع المسك.\nقال النووي -﵀- في شرح حديث: «مثل الجليس الصالح كحامل المسك» برقم (٢٦٢٨): وفيه طهارة المسك، واستحبابه، وجواز بيعه، وقد أجمع العلماء على جميع ذلك، ولم يخالف فيه من يُعتد به، ونقل عن الشيعة نجاسته، والشيعة لا يُعتَدُّ بهم في الإجماع. اهـ\nوانظر بقية كلامه فإنه مفيد.\n_________\n(^١) انظر: «فقه وفتاوى البيوع» (ص ٢٨٣ -).","vol":"5","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2640>مسألة [١٠]: شراء المجلات والصحف التي فيها صور</span>.\nهي على قسمين:\n١) مجلات ماجنة، والصور فيها عمدة؛ لأجل الإغراء والفتنة.\n٢) مجلات أخبار يومية، ومقالات سياسية.\nفالنوع الأول لا يجوز بيعه، ولا شراؤه، وهو حرام ظاهر.\nوالنوع الثاني قال فيه ابن باز، وابن عثيمين رحمهما الله تعالى: لا بأس بشراء هذه المجلات والصحف، والصور ليست مقصودة في الشراء.\nقلتُ: ويجب عليه طمس الصور كما هو معلوم.","vol":"5","page":521},{"text":"٧٧٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْت أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي. فَقُلْت: إنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ -﵂-، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ». (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2641>مسألة [١]: قوله: «واشترطي لهم الولاء»</span>.\nاستشكل كثير من أهل العلم صدور الإذن منه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في البيع على شرط فاسد، فمنهم من أنكر الشرط في الحديث، كيحيى بن أكثم، وأشار إلى ذلك الشافعي في «الأم»، وليس كذلك، فقد روى ذلك جماعة منهم هشام بن عروة، والحديث متفق على صحته.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٦٣)، ومسلم (١٥٠٤) (٨).","vol":"5","page":522},{"text":"ومنهم من قال: «اشترطي لهم الولاء» بمعنى: (عليهم الولاء) واللام بمعنى (على) كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧].\nوهذا قال به المزني، والشافعي، والخطابي، وضعَّف ذلك ابن خزيمة، والنووي، وابن دقيق العيد؛ لأنهم أبوا أن يجعلوا لها الولاء، فكيف يأمرها أن تشترط عليهم شيئًا قد اشترطوا خلافه؛ ففي ذلك تكرار لا فائدة فيه.\nومنهم من قال: الأمر في قوله: «اشترطي» للإباحة؛ لينبه على أنه لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواء، وكأنه يقول: (اشترطي، أو لا تشترطي، فذلك لا يفيدهم)، ويقوي ذلك رواية في «البخاري»: «اشتريها ودعيهم يشترطوا ما شاءوا». (^١)\nوقيل: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أعلم الناس بأنَّ الولاء باطل، فلما فعلوا ذلك أطلق الأمر مريدًا به التهديد، والزجر، والتوبيخ، والمقصود به الإهانة وعدم المبالاة بالاشتراط، وأن وجوده كعدمه.\nوقال النووي -﵀-: أقوى الأجوبة أنَّ هذا الحكم خاصٌّ بعائشة في هذه القضية، وأنَّ سببه المبالغة في الرجوع عن هذا الشرط؛ لمخالفته حكم الشرع. اهـ\nوهذا القول اختاره الشيخ ابن عثيمين في «شرح البلوغ» (٣/ ٥٠٦)، قال: ونُجيب على قولهم: (إنَّ الرسول ﵊ لا يأذن بشيء مخالفٍ للشرع) نجيب عنه بأنَّ رسول الله - ﷺ - لم يأذن بذلك لينفذه، ولو أذن ونفذ لكان\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٥٦٥).","vol":"5","page":523},{"text":"محل إشكال، لكنه أذن بذلك ليبطله بعد شرطه، وإبطال الشيء بعد شرطه أشد وقعًا وأبين في الإفساد والإبطال. اهـ وهناك أقوال أخرى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أقرب هذه الأقوال -والله أعلم- هو القول الأخير، ثم القول بأنه للإباحة؛ لينبه على أنه لا ينفعهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2642>مسألة [٢]: بيع المكاتب</span>.\n• في المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: جواز بيعه، وهو قول عطاء، والنخعي، والليث، وأحمد، وابن المنذر، وهو القول القديم للشافعي.\nواستدلوا بأنَّ عائشة -﵂- اشترت بريرة، وهي مكاتَبَة بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال ابن المنذر: ففي ذلك أبين البيان أن بيعه جائز، ولا أعلم خبرًا يعارضه، ولا أعلم في شيء من الأخبار دليلًا على عجزها.\nالثاني: منع بيعه، وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ورواية عن أحمد؛ لأنه عقد يمنع استحقاق كسبه، فمنع بيعه، وتأولوا حديث بريرة بأنها عجزت، وكان بيعها فسخًا لكتابتها.\nالثالث: يجوز البيع برضى المكاتَب، ولا يجوز إذا لم يرض، وهو قول الزهري، وأبي الزناد، وحُكِي عن أبي يوسف؛ لأنَّ بريرة إنما بيعت برضاها، وهذا\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢٥٦٣)، «السبل» (٣/ ٢٢) «شرح مسلم» (١٥٠٤).","vol":"5","page":524},{"text":"القول هو اختيار البخاري، فقد بوَّب في «صحيحه» [باب بيع المكاتب إذا رضي]. وهو قول ربيعة، واختاره ابن عبد البر.\nتنبيه: الذين يقولون بجواز بيع المكاتب يقولون بعدم فسخ الكتابة بالبيع، ولا يجوز إبطالها بالإجماع، نقله ابن المنذر، وابن قدامة، ويبقى على كتابته إذا شاء عند المشتري كما كان عند البائع؛ فإن عجز فهو عبد للمشتري، وإن أدَّى؛ عتق وولاؤه له، وإن لم يعلم المشتري كونه مكاتَبَا؛ فله الفسخ. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٥٣٥ - ٥٣٧)، «الفتح» (٢٥٦٤)، «تفسير القرطبي» (١٢/ ٢٥٠)، «المجموع» (٩/ ٢٤٧)، «التمهيد» (١٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣) ط/مرتبة.","vol":"5","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2643>مَسَائِلُ مُلْحَقَة مُتَعَلّقَةٌ بِالشُّرُوطِ فِي البَيْعِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2644>مسألة [١]: الشروط في البيع</span>.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٨/ ٢٣٤): الشروط في البيع هو إلزام أحد المتعاقدين الآخر ما لا يلزمه بمقتضى العقد، وكذلك في غيره.\nقال: وأما ما يلزمه بمقتضى العقد؛ فإنه إن شرط فهو من باب التوكيد.\nقال: والفرق بين الشروط في البيع، وشروط البيع -وهي المتقدمة في أوائل الكتاب- من وجوه: الأول: أنَّ شروط البيع من وضع الشارع، والشروط في البيع من وضع أحد المتعاقدين. الثاني: شروط البيع يتوقف عليها صحة البيع، والشروط في البيع يتوقف عليها لزوم البيع؛ فهو صحيح، لكن ليس بلازم؛ لأنَّ من له الشرط إذا لم يوف له به؛ فله الخيار. الثالث: أنَّ شروط البيع لا يمكن إسقاطها، والشروط في البيع يمكن إسقاطها ممن له الشرط. الرابع: أنَّ شروط البيع كلها صحيحة معتبرة؛ لأنها من وضع الشرع، والشروط في البيع منها ما هو صحيح معتبر، ومنها ما ليس بصحيح ولا معتبر. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2645>مسألة [٢]: الوقت الذي تعتبر فيه الشروط في البيع</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ الشرط المقارن للعقد يلحقه، وكذلك الشرط الذي يكون بعد العقد في مدة خيار المجلس، أو خيار الشرط على الأصح عند الشافعية، والحنابلة.","vol":"5","page":526},{"text":"وأما الشرط الذي يكون قبل العقد فألغاه الجمهور من الحنابلة، والشافعية.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: والصحيح أنه يعتبر؛ لما يلي: أولًا: لعموم الحديث «المسلمون على شروطهم» (^١)، والرجل لم يدخل في العقد إلا على شرطه السابق. ثانيًا: أنهم جوزوا في النكاح تقدم الشرط على العقد، فيقال: أي فرق بين هذا وهذا، وإذا كان النكاح يجوز فيه تقدم الشرط على العقد؛ فالبيع مثله، ولا فرق. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2646>مسألة [٣]: أقسام الشروط في البيع</span>.\nالقسم الأول: أن يشترط ما هو من مقتضى العقد بأن باعه بشرط خيار المجلس، أو تسليم المبيع، أو الرد بالعيب، أو الرجوع بالعهدة، أو انتفاع المشتري به، فهذا شَرْطُه توكيد وبيان لمقتضاه. وهذا القسم صحيحٌ وجائز بالاتفاق.\nالقسم الثاني: أن يشترط مالا يقتضيه إطلاق العقد، لكن فيه مصلحة للعاقد، كخيار الثلاث، والأجل، والرهن، والضمين، والشهادة ونحوها، وكشرط كون العبد المبيع خيَّاطًا، أو كاتبًا ونحوه؛ فلا يبطل العقد أيضًا بلا خلاف.\nفهذه الشروط هي في مصلحة العقد، والحكم في حال عدم الوفاء: أنَّ\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٨٦١).\n(^٢) انظر: «الشرح الممتع» (٨/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، «المجموع» (٩/ ٣٧٤)، «البيان» (٥/ ١٣٧).","vol":"5","page":527},{"text":"المشتري بالخيار: إما بالفسخ، أو المطالبة بأرش النقص. (^١)\nالقسم الثالث: ما سوى القسمين السابقين، وتحته المسائل الآتية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2647>مسألة [٤]: اشتراط البائع نفعًا معلومًا من المبيع</span>.\nهذه المسألة تقدم ذكرها وتحريرها تحت الحديث رقم (٧٧٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2648>مسألة [٥]: أن يشترط المشتري على البائع نفعًا معلومًا يعمله في السلعة قبل قبضها</span>.\nوذلك كأن يشترط عليه الحصاد إذا اشترى منه زرعًا، أو يشترط عليه التكسير إذا كان حطبًا، وما أشبه ذلك.\n• فالمشهور عند الحنابلة صحة الشرط الواحد، ولا مزيد عليه، فلو اشترط مع تكسير الحطب حمله إلى البيت؛ فلا يجوز عندهم؛ لحديث: «لا شرطان في بيع». (^٢)\n• والحنفية، والشافعية لا يجيزون ذلك، ولو كان شرطًا واحدًا؛ لحديث: «نهى عن بيع وشرط». (^٣)\n• وذهب بعض أهل العلم إلى الجواز مطلقًا، وإن شرط أكثر من شرطين، وهو رواية عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، ثم الشيخ ابن عثيمين، وهو\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٢٣)، «المجموع» (٩/ ٣٦٤).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٧٨٥).\n(^٣) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٧٨٥).","vol":"5","page":528},{"text":"الصواب؛ لحديث جابر الذي تقدم في الكتاب (^١)؛ فإنه إذا جاز للبائع؛ جاز أيضًا للمشتري، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا» (^٢)، والله عزوجل يقول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء:٣٤]، وقال: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، فلا فرق بين الشرط والشرطين، فإذا كان شرطًا فاسدًا فيمنع الشرط والشرطان، وإذا كان صحيحًا؛ فيجوز الواحد والعشرة.\nوأما حديث: «نهى عن بيع وشرط»؛ فهو حديث ضعيفٌ، منكرٌ بهذا اللفظ، والمعروف فيه بلفظ: «لا شرطان في بيع»، وهذا الحديث اختلف أهل العلم في معناه كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله في موضعه (^٣)، والله أعلم. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2649>مسألة [٦]: إذا شرط البائع على المشتري أن لا يهبه، أو يبيعه، يعني المبيع</span>؟\n• جمهور العلماء على بطلان هذه الشروط، وأكثرهم يقول ببطلان البيع أيضًا، وبعضهم يرى صحة البيع، والشرط لاغٍ، وهو قول الحسن، والنخعي، وابن أبي ليلى، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وابن المنذر. واحتجوا بحديث عائشة الذي في الباب: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل ...».\n• وذهب ابن سيرين، وابن شبرمة، وحماد بن أبي سليمان إلى أنَّ الشرط والبيع\n_________\n(^١) برقم (٧٧٠).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٨٦١).\n(^٣) سيأتي برقم (٧٨٥).\n(^٤) وانظر: «المغني» (٦/ ١٦٤ - ١٦٦)، «المجموع» (٩/ ٣٧٣)، «الإنصاف» (٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣، ٣٣٥)، «الشرح الممتع» (٨/ ٢٤٦).","vol":"5","page":529},{"text":"صحيحان.\n• وذهب شيخ الإسلام، وابن القيم -واختاره الشيخ ابن عثيمين- إلى أنَّ ذلك جائز، وصحيح إذا كان للبائع غرضٌ صحيح.\nمثال الذي له غرض صحيح:\nأن يبيع مملوكًا له غاليًا عنده على شخص يثق به، ويعلم أنه لا يزداد عند هذا المشتري إلا خيرًا، فقال: أبيع عليك غلامي هذا وإن كان عندي غاليًا، لكن أنا أعلم أنه سيستفيد عندك أكثر مما لو كان عندي، ولذلك اشترط عليك أن لا تبيعه. وكذلك لو قال: بشرط ألا تبيعه على فلان الذي يشتري العبيد ويؤذيهم، وما أشبه ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2650>مسألة [٧]: إذا باع العبد بشرط أن يعتقه</span>؟\n• ذهب أبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى أنَّ الشرط فاسد؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد، فأشبه ما إذا شرط أن لا يبيعه؛ لأنه شَرَطَ عليه إزالة ملكه عنه، فأشبه ما لو شرط أن يبيعه، وقال به بعض الشافعية.\n• وذهب الجمهور، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد -وهو الأشهر في مذهبه- أنَّ الشرط يصح، وتساهلوا في هذا الشرط؛ لأن الشارع حثَّ على\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٩/ ٣٧٦)، «الإنصاف» (٤/ ٣٣٧ -) (٤/ ٣٤١)، «المغني» (٦/ ٣٢٥)، «الشرح الممتع» (٨/ ٢٥٣ - ٢٥٤) «القواعد النورانية» (ص ٢١٢ - ٢١٤) «أعلام الموقعين» (٣/ ٤٠٠ - ٤٠٢).","vol":"5","page":530},{"text":"العتق، واستدلوا أيضًا بقصة بريرة مع أنه ليس فيها اشتراط العتق، وإنما اشترطوا الولاء، قالوا: واشتراط الولاء متضمن اشتراط العتق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2651>مسألة [٨]: إذا لم يف المشتري بعتقه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٣٢٤): فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي؛ فَقَدْ وَفَّى بِمَا شَرَطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتِقْهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُجْبَرُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ إذَا صَحَّ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ، فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ عِتْقَهُ. وَالثَّانِي: لَا يُجْبَرُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يُوجِبُ فِعْلَ الْمَشْرُوطِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ شَرَطَ الرَّهْنَ، وَالضَّمِينَ، فَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ خِيَارُ الْفَسْخِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا شَرَطَهُ لَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ رَهْنًا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر لي -والله أعلم- هو صحة الوجه الثاني، وبالله التوفيق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2652>مسألة [٩]: إذا باع البائع بشرط أن يعامله المشتري بعقد آخر من بيعٍ، أو سلفٍ، أو إجارة</span>؟\nسيأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله عند حديث: «نهى عن سلف وبيع» برقم (٧٨٥).\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٢٤)، «المجموع» (٩/ ٣٦٤)، «الإنصاف» (٤/ ٣٣٨ - ٣٣٩)، «المجموع» (٩/ ٣٦٦) «أعلام الموقعين» (٣/ ٤٠١) «القواعد النورانية الفقهية» (ص ٢١٢ - ٢١٤)، «الأوسط» (١٠/ ٣٢٤).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٤/ ٣٣٩ - ٣٤٠).","vol":"5","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2653>مسألة [١٠]: إذا قال البائع: أبيعك هذه السلعة على أنك إذا أردت أن تبيعها تبيعها مني بالثمن الذي ستبيعها به</span>؟\n• أكثر الحنابلة على بطلان هذا البيع، وهو مذهب الشافعية؛ لأنه ينافي مقتضى العقد، وهو مذهب مالك. وأخرج ابن المنذر (١٠/ ٣٢٦) بإسناد صحيح عن عائشة وابن عمر -﵃-، أنهما كرها أن تشترى الأمة على أن لا تباع، ولا توهب.\n• وذهب أحمد في رواية، وبعض الحنابلة واختاره شيخ الإسلام وابن القيم إلى جواز ذلك، واستدلوا بأثر ابن مسعود أنه اشترى من امرأته زينب الثقفية جارية، وشرطت عليه: (إن بعتها فهي لها بالثمن الذي تبيعها به) فذكر ذلك لعمر، فقال: لا تقربها ولأحد فيها شرط.\nقلتُ: هذا القول هو الراجح؛ لأنه شرط فيه غرض صحيح، وأثر ابن مسعود، وعمر -﵄-، أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٦١٦)، وابن أبي شيبة (٦/ ٤٩١)، من طريق: عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، أنَّ ابن مسعود ...، فذكر القصة، وهو لم يدرك عمر بن الخطاب -﵁-، ولكن يحتمل أنه أخبره بها عبدالله بن مسعود.\nقال ابن عبد البر -﵀-: ظاهر قول عمر لابن مسعود (لا تقربها) يدل على أنه أمضى شراءه لها، ونهاه عن مسيسها، هذا هو الأظهر فيه، ويحتمل ظاهره أيضًا في قوله: (لا تقربها)، أي، تنحَّ عنها، وافسخ البيع فيها؛ فهو بيع فاسد. اهـ (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ١٧١) «الإنصاف» (٤/ ٣٤٠) «الاستذكار» (١٩/ ٦٨ -) «الموطأ» (٢/ ٦١٦) «القواعد النورانية» (ص ٢١٣) «أعلام الموقعين» (٣/ ٤٠٠ -).","vol":"5","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2654>مسألة [١١]: هل يجوز البيع إذا عُلِّقَ بشرط مستقبل</span>؟\nكأن يقول: أبيعك كذا على أن يرضى أخي. أو: بعتك كذا على أن تجيئني بكذا.\n• فأكثر أهل العلم على منع البيع المعلق بشرطٍ في المستقبل، ويقولون ببطلانه؛ لأنَّ من شرط البيع أن يكون منجزًا.\n• وعن أحمد جواز ذلك، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: والصحيح أنَّ البيع المعلق جائز، وأنه لا بأس أن يقول: بعتك إن جئتني بكذا، لكن بشرط أن يحدد أجلًا أعلى. اهـ\nوأقول: الراجح الجواز؛ لعدم وجود المانع، بشرط أن يحددوا فترة سؤال الأخ، ومعرفة رضاه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2655>مسألة [١٢]: إذا قال البائع: أبيعك السلعة الفلانية على أن تأتيني بالثمن إلى خمسة أيام، وإلا فلا بيع بيننا</span>؟\n• مذهب الشافعية البطلان؛ لأنه في معنى تعليق البيع؛ فلا يصح، وهو قول زفر.\n• وقال مالك، وأبو ثور، وأبو حنيفة: إن كان الوقت إلى ثلاثة أيام؛ صحَّ البيع وإلا فلا.\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٤/ ٣٤٣) «الشرح الممتع» (٨/ ٢٦٠) «حاشية الاستذكار» (١٩/ ٦٧) «أعلام الموقعين» (٣/ ٤٠٠ - ٤٠١).","vol":"5","page":533},{"text":"• وحكى ابن المنذر عن الثوري، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن أنه يصح البيع والشرط. وهذا القول هو الراجح، وهو ظاهر اختيار الشيخ ابن عثيمين -﵀-؛ لأنَّ التعليق في هذه المسألة تعليقٌ للفسخ، وليس تعليقًا للعقد؛ فجاز التعليق؛ لأنَّ الفسخ أوسع من العقد، فلهذا جاز تعليقه، بخلاف العقد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2656>مسألة [١٣]: إذا قال البائع للمشتري: بعتك كذا على أن تبرئني من العيوب المجهولة</span>؟\n• الجمهور على أنه لا يصح الشرط، ولا يبرأ من العيوب، وهو الأشهر في مذهب الحنابلة، وهو قول للشافعي، وقال به شريح، وطاوس، وابن سيرين، وإبراهيم، والحكم، وحماد، وعطاء، والحسن، وإسحاق وغيرهم، وهو مذهب الظاهرية.\n• وعن أحمد رواية أنه يبرأ، وهو مذهب مالك، وقول للشافعي، وعزاه ابن المنذر لأبي ثور، وأصحاب الرأي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وكذلك ابن القيم -﵀-، وصحَّ عن عبد الله بن عمر -﵄- أنه باع عبدًا بالبراءة، وأقرَّه عثمان على البيع، ولكنه فسخ عليه البيع؛ لأنه طلب من عبد الله أن يحلف أنه كان لا يعلم بوجود العيب، فأبى أن يحلف. أخرجه مالك (٢/ ٦١٣) بإسناد صحيح.\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٩/ ٣٧٩)، «الشرح الممتع» (٨/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، «المغني» (٦/ ٤٧ - ٤٨)، «الأوسط» (١٠/ ٣٣٥).","vol":"5","page":534},{"text":"قلتُ: وهذا القول هو الصواب، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين -﵀-.\nتنبيه: هذه المسألة مفروضة فيما إذا لم يعلم البائع بالعيب، وأما إذا علم بعيبٍ؛ فالواجب بيانه، وللمشتري الفسخ، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2657>مسألة [١٤]: إن باع أرضًا، أو دارًا على أنه عشرة أذرُع، فبان أحد عشر ذراعًا، أو تسعة أذرع</span>؟\n• إذا تراضيا في الزيادة على أن يتركها البائع مجانًا، أو يشتريها المشتري بالثمن؛ صحَّ البيع على الصحيح من قولي أهل العلم، ولا إشكال، وكذلك في النقص إذا تراضيا بأن يأخذ المشتري الأرض، أو الدار ناقصة، ويترك الثمن للبائع، أو يرد البائع قيمة الناقص؛ صح البيع، ولا إشكال أيضًا.\n• أما إذا اختلفا: فللبائع الفسخ في مسألة الزيادة دون النقص، وللمشتري الفسخ في النقص دون الزيادة، وهذا هو الراجح في هذه المسألة، وفيها خلاف. (^٢)\nتنبيه: إذا كان المبيع طعامًا، فباعه صبرة على أنها خمسون كيلو، فبانت أنها أربعون، أو بانت أنها ستون، فلا إشكال هاهنا؛ لأنها إن كانت زائدة أخذت الزيادة، ولا ضرر على المشتري، وإن كانت ناقصة؛ وفَّاه البائع من جنس ذلك\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٦٤ -)، «الإنصاف» (٤/ ٣٦٤ -)، «الشرح الممتع» (٨/ ٢٦٥) «المحلى» (١٥٥٦) «أعلام الموقعين» (٣/ ٤٠٥ - ٤٠٦)، «الأوسط» (١٠/ ٢٤٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٢١١ - ٢١٢)، «الإنصاف» (٤/ ٣٤٧ - ٣٤٩)، «الشرح الممتع» (٨/ ٢٦٦).","vol":"5","page":535},{"text":"الطعام، وإلا كان المشتري بالخيار بين أن يأخذها ويعطيه البائع قيمة النقص، أو يترك السلعة كاملة، والله أعلم. (^١)\nفائدة على حديث الباب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «القواعد النورانية» (ص/٢٢٩): «كتاب الله أحق وشرط الله أوثق»، أي: كتاب الله أحق من هذا الشرط، وشرط الله أوثق منه، وهذا إنما يكون إذا خالف ذلك الشرط كتاب الله وشرطه، بأن يكون المشروط مما حرمه الله تعالى، وأما إذا كان المشروط مما لم يحرمه الله؛ فلم يخالف كتاب الله وشرطه، حتى يقال: كتاب الله أحق وشرط الله أوثق؛ فيكون المعنى: من اشترط أمرًا ليس في حكم الله ولا في كتابه بواسطة وبغير واسطة؛ فهو باطل؛ لأنه لا بد أن يكون المشروط مما يباح فعله بدون الشرط، حتى يصح اشتراطه ويجب بالشرط، ولما لم يكن في كتاب الله أنَّ الولاء لغير المعتق أبدًا؛ كان هذا المشروط، وهو ثبوت الولاء لغير المعتق، شرطًا ليس في كتاب الله، فانظر إلى المشروط إن كان أصلًا أو حكمًا؛ فإنْ كان الله قد أباحه؛ جاز اشتراطه ووجب، وإن كان الله لم يبحه؛ لم يجز اشتراطه، فمضمون الحديث أن المشروط إذا لم يكن من الأفعال المباحة، أو يقال: ليس في كتاب الله، أي: ليس في كتاب الله إباحته. اهـ بتصرف يسير.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «شرح البلوغ» (٣/ ٥١٠): قال أهل العلم: المراد بذلك: ليس في كتاب الله حِلُّها، واستدلوا لذلك بقوله - ﷺ -: «المسلمون\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢١٣ - ٢١٤)، «الإنصاف» (٤/ ٣٤٩ -).","vol":"5","page":536},{"text":"على شروطهم إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا» (^١)، وبقوله - ﷺ -: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج». (^٢)\nقال: وهذا يدل على أنَّ ما اشترطه الإنسان ثابتٌ؛ إلا إذا خالف شرط الله ﷿ بأنْ أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا، وقوله ﵊: «في كتاب الله» المراد به القرآن، وحكم ما جاء في السنة كحكم ما جاء في القرآن، قال ﵊: «ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه» (^٣)، فما جاء في السنة فهو في كتاب الله. انتهى بتصرف يسير.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٨٦١).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٩٨٩).\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٣١)، وأبو داود (٤٦٠٤)، وابن حبان (١٢)، والطبراني (٢٠/ ٦٦٨ - ٦٧٠)، من حديث المقدام -﵁-، وهو حديث حسن.","vol":"5","page":537},{"text":"٧٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: نَهَى عُمَرُ عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الأَوْلَادِ فَقَالَ: لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَلَا تُورَثُ، يَسْتَمْتِعُ بِهَا مَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: رَفَعَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَوَهِمَ. (^١)\n\n٧٧٧ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ سَرَارِيَنَا أُمَّهَاتِ الأَوْلَادِ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - حَيٌّ، لَا يَرَى (^٢) بِذَلِكَ بَأْسًا. رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2658>مسألة [١]: حكم بيع أمهات الأولاد</span>.\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى تحريم بيع أمهات الأولاد، وصحَّ المنع من ذلك\n_________\n(^١) الراجح وقفه. أخرجه مالك (٢/ ٧٧٦)، والبيهقي (١٠/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، وإسناده صحيح موقوفًا. قال البيهقي: وغلط فيه بعض الرواة فرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو وهم لا يحل ذكره.\nقلتُ: المرفوع أخرجه الدارقطني (٤/ ١٣٤، ١٣٥)، من طريق: يونس بن محمد المؤدب، عن عبدالعزيز بن مسلم القسملي، ومن طريق: عبدالله بن جعفر، كلاهما عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، به مرفوعًا، وقد خالف يونسَ شيبانُ بن فروخ، فرواه عن القسملي موقوفًا، وخالف عبدَالله ابن جعفر مالكُ، وإسماعيلُ بن جعفر وغيرُهما، فرووه عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، به، موقوفًا.\nقال الدارقطني -﵀- في «العلل» (٣٠٨٣): وهو الصواب. اهـ، يعني وقفه على عمر.\n(^٢) في (ب): (نرى) وهو كذلك في أكثر مصادر الحديث.\n(^٣) صحيح. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٥٠٣٩) (٥٠٤٠)، وابن ماجه (٢٥١٧)، والدارقطني (٤/ ١٣٥)، وابن حبان (٤٣٢٣)، كلهم من طريق ابن جريج، أخبرني أبوالزبير، أنه سمع جابر بن عبدالله يقول ... فذكره. وإسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"5","page":538},{"text":"عن عمر، وعثمان، وجاء عن عائشة -﵃-.\nواستدلوا على ذلك بحديث عمر الذي في الباب، وقد جاء مرفوعًا، ولا يصح، واستدلوا بحديث ابن عباس مرفوعًا: «أيما أمة ولدت من سيدها؛ فهي حرَّةٌ عن دبر منه»، أخرجه أحمد (١/ ٣٠٣)، وابن ماجه (٢٥١٥)، والدارقطني (٤/ ١٣١) وغيرهم، وفي إسناده: الحسين بن عبد الله الهاشمي، شديد الضعف.\nواستدلوا بحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في سريته أم إبراهيم: «أعتقها ولدها» أخرجه ابن ماجه (٢٥١٦)، والدارقطني (٤/ ١٣١ - ١٣٢)، والحاكم (٢/ ١٩)، وهو حديث ضعيفٌ أيضًا، في إسناده أيضًا الحسين بن عبد الله، وهو شديد الضعف، وفي بعض طرقه أيضًا: أبو بكر بن أبي سبرة مُتَّهَمٌ بالوضع، وأُعِلَّ بالوقف على عمر. كما في «الكبرى» للبيهقي (١٠/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، وَقَدِ ادُّعِي الإجماع على عدم جواز بيع أمهات الأولاد، ولا يصح الإجماع، والخلاف مشهور.\n• فقد ذهب قتادة، وداود، والمزني، والظاهرية إلى الجواز، وصحَّ جواز ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن الزبير -﵃-.\nواستدل القائلون بالجواز بحديث جابر الذي في الباب، وبحديث أبي سعيد عند أحمد (١١١٦٤) بلفظ: «كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله - ﷺ -»، وفي إسناده: زيد بن الحواري العمي، وهو ضعيف، ولكنه صحيح بشاهده الذي قبله عن جابر -﵁-.\nوقد أجاب الجمهور عن حديث جابر بالنسخ، ومنهم من قال: ليس فيه أنَّ","vol":"5","page":539},{"text":"النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اطلع على ذلك.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب -والله أعلم- هو جواز بيعها؛ لصحة حديث جابر، وليس لمن منع من ذلك حديث صحيح صريح.\nوقد استدل الجمهور أيضًا بحديث أبي سعيد الخدري في «الصحيحين» (^١): أنهم أصابوا سبيًا، فرغبوا في بيعها، وأصابتهم العزوبة، فسألوا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن العزل.\nفقالوا: يستنبط من الحديث أنها إذا حملت وصارت أم ولد؛ فلا يجوز له بيعها، ولذلك تحرَّج الصحابة من ذلك، وسألوا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن العزل.\nوهذا ليس بصريح في التحريم، بل غاية ما يستفاد منه أنَّ الصحابة تحرَّجوا من حملها؛ لأنه لا يريد بيعها وهي حامل منه، وربما أيضًا سيتأخر حتى تضع ويكبر ولدها، ثم يبيعها، وفي التأخر مشقة عليه، ولو سُلِّمَ للجمهور استنباطهم؛ لكان يدل على أنهم كانوا يكرهون بيعها، فلا يدل على أنهم كانوا يرون تحريم ذلك.\nتنبيه: جواز بيع أمهات الأولاد مقيد بما إذا لم يفرق بينها وبين ولدها كما سيأتي تقرير ذلك تحت حديث أبي أيوب -﵁-، برقم (٧٩٥). (^٢)\n_________\n(^١) رواه البخاري برقم (٢٢١٩)، ومسلم برقم (١٤٣٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٥٨٥ -)، «النيل» (٢٦١٤)، «مصنف عبدالرزاق» (٧/ ٢٨٧ -)، «سنن ابن منصور» (٢/ ٦٠ -) «المجموع» (٩/ ٢٤٣) «سنن البيهقي» (١٠/ ٣٤٥) «البدر المنير» (٩/ ٧٥٣ -).","vol":"5","page":540},{"text":"٧٧٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄- قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَعَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الجَمَلِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2659>مسألة [١]: بيع المياه</span>.\nالمياه على أقسام:\nالقسم الأول: الماء الْمُحاز في قربة، أو خزَّان، فهذا قد تملكه الإنسان، ويجوز له البيع عند عامة أهل العلم؛ لأنه قد تعب في حرزه، وأدخله في ملكه.\nواستدلوا عليه بما أخرجه البخاري (١٤٧١)، من حديث الزبير بن العوام -﵁-، مرفوعًا: «لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة من حطب، فيبيعها، فيكف بها وجهه؛ خير له من أن يسأل الناس»، فأجاز بيع الحطب عند أن حازه، والمسلمون شركاء في الماء، والكلأ، والنار. ومثله حديث علي في «الصحيحين» (^٢) أنه جمع إذخرًا ليبيعه من الصَّواغين؛ فيستعين به في وليمة عرسه.\nوقد قال ابن قدامة -﵀-: إن جوازه بلا خلاف.\nوقد بيَّن الإمام ابن عثيمين في «شرح البلوغ» (٣/ ٥٢٨) أن عموم الحديث مخصوص بالقياس السابق. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٥٦٥).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٠٨٩)، ومسلم برقم (١٩٧٩).\n(^٣) انظر: «المغني» (٦/ ١٤٦ - ١٤٧) «نيل الأوطار» (٢٤٠٠) «زاد المعاد» (٥/ ٧٩٩).","vol":"5","page":541},{"text":"القسم الثاني: الأودية الكبيرة، والأنهار العظيمة، مثل نهر النيل، ودجلة، والفرات مثلًا، فهذه لا يجوز قط امتلاكها، ولا بيع الماء منها؛ لأنَّ الناس شركاء فيها.\nقال ابن القيم -﵀- في «الزاد» (٥/ ٧٩٩) في القسمين الأولين: وليس هذا محل النهي بالضرورة يعني القسم الأول ولا محل النهي أيضًا بيع مياه الأنهار الكبار المشتركة بين الناس؛ فإنَّ هذا لا يمكن منعها والحجر عليها. اهـ\nالقسم الثالث: الأنهار الصغيرة، والعيون النابعة من المرتفعات، والمياه المنتقعة من الأمطار إذا اجتمعت في أرضٍ مباحة، فهذه المياه يشترك فيها الناس، ولا يجوز بيعها؛ فالأحق بها الأول، يسقي زرعه إلى الكعبين، ثم يرسل الماء إلى جاره، ودليله حديث الزبير: «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك»، ودليل بلوغ الماء إلى الكعبين: «اسق حتى يرجع الماء إلى الجدر» (^١)، وقد قاسوه ببلوغ الكعبين.\nالقسم الرابع: الآبار، والعيون النابعة من أرضٍ مملوكة.\nأما البئر، وأرض العين؛ فهي مملوكة لمالك الأرض، واختلفوا في الماء الذي فيها هل يكون مملوكًا أم لا؟\n• فعن أحمد رواية -وهو الأصح في مذهب الشافعية- أنَّ الماء أيضًا مملوك له، وهو قول مالك.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٣٥٩)، ومسلم (٢٣٥٧).","vol":"5","page":542},{"text":"• والرواية الأخرى عن أحمد وهو ظاهر مذهب الحنابلة، وقول بعض الشافعية أنَّ الماء ليس بمملوك، ولا يجوز بيعه، وهذا ترجيح الشيخ ابن عثيمين -﵀- في «شرح البلوغ»؛ لأنَّ جريان الماء ليس من فعل صاحب الأرض، بل من فضل الله ﷿، وهذا القول هو الصواب، إلا أن صاحب البئر الذي تعب في إصلاحه، وإعداده له أن يأخذ مقابل ذلك، لاسيما إن كان النزع بآلات حديثة مكلفة، والله أعلم.\nويقول أهل العلم: هو أحق بهذا الماء، فيأخذ قدر كفايته، ولا يمنع الفضل منه، وهل يلزم الاستئذان منه؟ فيه خلاف.\nورجَّح الشيخ ابن عثيمين -﵀- عدم وجوب الاستئذان، وقال: نقول للداخل لا يلزمك أن تستأذن إلا إذا كنت تخشى الفتنة؛ فإن خشي الفتنة من صاحب الأرض، فنقول: لا تدخل حتى تستأذن. اهـ من «شرح البلوغ» (٣/ ٥٢٨).\nورجَّح ابن القيم، والصنعاني أيضًا عدم وجوب الاستئذان؛ إلا أن يكون في بنيان. (^١)\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وعُلِم مما سبق أنَّ العين هذه، أوهذه البئر إذا كانت لا تكفي لحاجة الإنسان اليومية؛ فيجوز لصاحبها أن يمنع من أتى ليأخذ من الماء؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما نهى عن بيع فضل الماء، وأين الفضل في هذه\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ١٤٥ - ١٤٦)، «الإنصاف» (٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، «الفتح» (٢٣٥٣)، «السبل» (٣/ ٢٥)، «زاد المعاد» (٥/ ٨٠٠)، «شرح مسلم» (١٠/ ٢٢٩).","vol":"5","page":543},{"text":"الصورة؟.\nوكذلك إذا كان البئر داخل حوش الرجل، وفي دخول الناس تكشف على أهله؛ فله أن يمنع الناس من الدخول إلا في أوقات معلومة.\nوهل له أن يمنع من احتاجه للشرب؟\nلا يجوز له أن يمنعهم البتة؛ لأنَّ حاجة الآدمي مقدمة على حاجة الزرع والحيوان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2660>مسألة [٢]: هل له أن يكري حصته من بئر مشترك</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (٦/ ١٤٦): قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ الله يُسْأَلُ عَنْ قَوْمٍ بَيْنَهُمْ نَهْرٌ تَشْرَبُ مِنْهُ أَرْضُوهُمْ، لِهَذَا يَوْمٌ، وَلِهَذَا يَوْمَانِ، يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ بِالْحِصَصِ، فَجَاءَ يَوْمِي وَلَا أَحْتَاجُ إلَيْهِ، أَكْرِيهِ بِدَرَاهِمَ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي، أَمَّا النَّبِيُّ - ﷺ - فَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ. قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ يَبِيعُهُ، إنَّمَا يُكْرِيهِ. قَالَ: إنَّمَا احْتَالُوا بِهَذَا لِيُحَسِّنُوهُ، فَأَيُّ شَيْءٍ هَذَا إلَّا الْبَيْعَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2661>مسألة [٣]: ما يجمعه في سَدٍّ من الأمطار</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- (٦/ ١٤٨): فَأَمَّا الْمَصَانِعُ الْمُتَّخَذَةُ لِمِيَاهِ الْأَمْطَارِ تُجْمَعُ فِيهَا، وَنَحْوُهَا مِنْ الْبِرَكِ وَغَيْرِهَا؛ فَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ مَاءَهَا، وَيَصِحُّ بَيْعُهُ إذَا كَانَ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ حَصَّلَهُ بِشَيْءٍ مُعَدٍّ لَهُ، فَمَلَكَهُ، كَالصَّيْدِ يَحْصُلُ فِي شَبَكَتِهِ، وَالسَّمَكِ فِي بِرْكَةٍ مُعَدَّةٍ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ. اهـ","vol":"5","page":544},{"text":"قال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ٨٠٦ - ٨٠٧): في هذا نظر مذهبًا ودليلًا؛ فإن أحمد قال: إنما نهى عن بيع فضل ماء البئر، والعيون فى قراره، ومعلومٌ أن ماءَ البئر لا يُفارقها، فهو كالبِركة التى اتخذت مقرًّا كالبئر سواء، ولا فرقَ بينهما، وقد تقدم مِن نصوص أحمد ما يدل على المنع مِن بيع هذا، وأما الدليل فما تقدم من النُّصوص التى سقناها، وقوله في الحديث الذى رواه البخاري في وعيد الثلاثة، «والرَّجُلُ عَلَى فَضْلٍ مَاءٍ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبِيلِ». (^١)\nولم يُفرق بين أن يكونَ ذلك الفضلُ في أرضه المختصة به، أو في الأرض المباحة، وقوله: «النَّاسُ شُركَاءُ فى ثَلَاثٍ» (^٢)، ولم يشترط في هذه الشركة كون مقره مشتركًا، وقوله وقد سئل: ما الشيء الذي لا يَحِلُّ منعه؟ فقال: «الماء» (^٣)، ولم يشترط كون مقره مباحًا، فهذا مقتضى الدليل في هذه المسألة أثرًا ونظرًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2662>مسألة [٤]: بيع البئر والعين</span>.\nإذا كانت في أرض مملوكة؛ فيجوز له بيعها، ومشتريها أحق بمائها؛ لحديث عثمان بن عفان في «البخاري» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من يشتري بئر رومة، وله الجنة؟» (^٤)، فاشتراها عثمان، وكانت ليهودي، وسبلها للمسلمين، وجعل دلوه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٧٢١٢)، وكذلك مسلم (١٠٨)، عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» (٩١٦).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٦٦٩) (٣٤٧٦)، والدارمي (٢٦١٣)، وأحمد (٣/ ٤٨٠ -)، من حديث بهيسة، عن أبيها، وإسناده ضعيف؛ مسلسل بالمجاهيل.\n(^٤) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم برقم (٢٧٧٨)، وأخرجه أيضًا الترمذي (٣٧٠٦)، والنسائي (٣٦٠٨)، والبيهقي (٦/ ١٦٨)، وانظر «الإرواء» (١٥٩٤).","vol":"5","page":545},{"text":"من دلاء المسلمين.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: ما علمت فيه تنازعًا إذا كانت الأرض مملوكة. اهـ (^١)\nتنبيه: قوله في الحديث: «وعن بيع ضراب الجمل» يأتي الكلام عليه في الحديث الذي بعده إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ١٤٧) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٢١٦).","vol":"5","page":546},{"text":"٧٧٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2663>مسألة [١]: معنى عسب الفحل، وحكم بيعه</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٢٢٨٤): وَالْعَسْب بِفَتْحِ الْعَيْن وَإِسْكَان السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِره مُوَحَّدَة، وَيُقَال لَهُ: الْعَسِيب أَيْضًا، وَالْفَحْل: الذَّكَر مِنْ كُلّ حَيَوَان فَرَسًا كَانَ، أَوْ جَمَلًا، أَوْ تَيْسًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ: فَقِيلَ: هُوَ ثَمَن مَاء الْفَحْل. وَقِيلَ: أُجْرَة الْجِمَاع. وَعَلَى الْأَخِير جَرَى الْمُصَنِّف. وَيُؤَيِّد الْأَوَّل حَدِيث جَابِر عِنْد مُسْلِم (^٢) «نَهَى عَنْ بَيْع ضِرَاب الْجَمَل»، وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي عَدَم الْحَمْل عَلَى الْإِجَارَة؛ لِأَنَّ الْإِجَارَة بَيْع مَنْفَعَة.\nقال: وَعَلَى كُلّ تَقْدِير؛ فَبَيْعه وَإِجَارَته حَرَام؛ لِأَنَّهُ غَيْر مُتَقَوِّم، وَلَا مَعْلُوم، وَلَا مَقْدُور عَلَى تَسْلِيمه، وَفِي وَجْه لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَة: تَجُوز الْإِجَارَة مُدَّة مَعْلُومَة، وَهُوَ قَوْل الْحَسَن، وَابْن سِيرِينَ، وَرِوَايَة عَنْ مَالِك قَوَّاهَا الْأَبْهَرِيُّ وَغَيْره، وَحَمَلَ النَّهْي عَلَى مَا إِذَا وَقَعَ لِأَمَدٍ مَجْهُول. اهـ المراد.\nقلتُ: والصواب تحريمه مطلقًا، وهو قول الجمهور، وهو اختيار الحافظ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٢٨٤).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٥٦٥).","vol":"5","page":547},{"text":"والصنعاني، والشوكاني، وذلك لعموم الحديث الذي في الباب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2664>مسألة [٢]: إذا أهدى صاحب الأنثى لصاحب الفحل بغير شرط</span>؟\n• أباح ذلك جماعةٌ من أهل العلم كالشافعي، وأحمد؛ لحديث أنس بن مالك -﵁- عند الترمذي (١٢٧٤): أنَّ رجلًا من كلاب سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن عسب الفحل؟ فنهاه، فقال: يا رسول الله، إنَّا نطرق الفحل، فنكرم. فرخَّص له في الكرامة. وإسناده صحيح.\n• وجاء عن أحمد رواية بالمنع، وحملها ابن قدامة على الورع، والصحيح هو الجواز؛ لصحة الحديث المتقدم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2665>مسألة [٣]: عسْب النخل</span>.\nفي «فتاوى اللجنة الدائمة» (١٣/ ٣٥): لا مانع من بيع عذق لقاح النخل، وهو ما يسمى (طلع الفحال)؛ لأنه ثمر مقصود ينتفع به، وقد قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]، والنهي إنما ورد عن بيع ماء فحل الحيوان، وهو ما يسمى عسْب الفحل. اهـ\nقلتُ: وقد أشار إلى جوازه الحافظ ابن حجر، والشوكاني. (^٣)\nتنبيه: إذا اضطر إنسان إلى شراء عسب الفحل فيكون الإثم على البائع، والله أعلم.\n_________\n(^١) وانظر: «السبل» (٣/ ٢٦)، «النيل» (٢١٦٦)، «المغني» (٦/ ٣٠٢)، «شرح مسلم» (١٠/ ٢٣٠).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢٢٨٤)، «النيل» (٢١٦٦)، «المغني» (٦/ ٣٠٣).\n(^٣) انظر: «الفتح» (٢٢٨٤)، «النيل» (٢١٦٦).","vol":"5","page":548},{"text":"٧٨٠ - وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُه أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ: كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الجَزُورَ إلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2666>مسألة [١]: معنى بيع حبل الحَبَلة، وحكمه</span>.\nقوله في الحديث: «وكان بيعًا ...» تفسيرٌ من كلام نافع كما جاء مصرحًا به في «البخاري» برقم (٢٢٥٦).\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢١٤٣): لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْن نَافِعٍ فَسَرَّهُ لِجُوَيْرِيَة أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ التَّفْسِيرُ مِمَّا حَمَلَهُ عَنْ مَوْلَاهُ اِبْن عُمَر، فَسَيَأْتِي فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ الله بْن عُمَر، عَنْ نَافِعِ عَن ابْن عُمَر قَالَ: كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْم الْجَزُور إِلَى حَبَل الْحَبَلَة، وَحَبَل الْحَبَلَة أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ تَحْمِلُ الَّتِي نَتَجَتْ، فَنَهَاهُمْ رَسُول الله - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ. (^٢) فَظَاهِر هَذَا السِّيَاق أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ مِنْ كَلَامِ اِبْن عُمَر؛ وَلِهَذَا جَزَمَ اِبْن عَبْد الْبَرّ بِأَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ اِبْن عُمَر. اهـ\nقال الحافظ -﵀-: وَبِظَاهِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ مَالِك، وَقَالَ بِهِ مَالِك، وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنٍ إِلَى أَنْ يَلِدَ وَلَدُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٤٣)، ومسلم (١٥١٤).\n(^٢) رواه البخاري برقم (٣٨٤٣).","vol":"5","page":549},{"text":"النَّاقَةِ، وَالْمَنْع فِي هَذِهِ الصُّوُرَة لِلْجَهَالَةِ أَوْلَى.\nقال: وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة، وَأَبُو عُبَيْد، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَابْن حَبِيب الْمَالِكِيّ، وَأَكْثَر أَهْل اللُّغَةِ، وَبِهِ جَزَمَ التِّرْمِذِيّ: هُوَ بَيْعُ وَلَد نِتَاج الدَّابَّةِ، وَالْمَنْعُ فِي هَذَا مِنْ جِهَة أَنَّهُ بَيْعٌ مَعْدُومٌ، وَمَجْهُولٌ، وَغَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ فَيَدْخُلُ فِي بُيُوع الْغَرَر، وَلِذَلِكَ صَدَّرَ الْبُخَارِيّ بِذِكْر الْغَرَر فِي التَّرْجَمَةِ، فَقَالَ: [بَابُ بَيْعِ الْغَرَرَ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ].\nقال: لَكِنَّهُ أَشَارَ إِلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ بِإِيرَادِ الْحَدِيثِ فِي كِتَاب السَّلَم أَيْضًا، وَرَجَّحَ الْأَوَّل؛ لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِلْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ كَلَام أَهْلِ اللُّغَةِ مُوَافِقًا لِلثَّانِي. اهـ\nقلتُ: وعلى كل تقدير: فبيع حَبل الحبلة مُحرَّمٌ على التفسيرين، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: يستفاد من هذا الحديث شرطان من شروط صحة البيع المتقدمة في أوائل الكتاب، وهما:\nالشرط الرابع: أن يكون المبيع مقدورًا على تسليمه.\nالشرط السادس: أن يكون المبيع معلومًا بوصف، أو رؤية.\n_________\n(^١) وانظر: «النيل» (٢١٧١)، «شرح مسلم» (١٠/ ١٥٨)، «المغني» (٦/ ٣٠٠).","vol":"5","page":550},{"text":"٧٨١ - وَعَنْهُ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2667>مسألة [١]: معنى الولاء، وحكم بيعه، وهبته</span>.\nالوَلاء -بالفتح والمد- هو حق ميراث المعتِق من المعتَق بسبب العتق.\nوأما حكم بيعه وهبته: فهو محرم؛ لحديث الباب، وعلى ذلك عامة أهل العلم، ووجد خلافٌ يسير في زمن الصحابة، والتابعين بعد موت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: والحديث الصحيح مقدم على جميع ذلك، فلعله لم يبلغ هؤلاء، أو بلغهم وتأولوه، وانعقد الإجماع على خلاف قولهم. اهـ «الفتح» (٦٧٥٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٣٥)، ومسلم (١٥٠٦).","vol":"5","page":551},{"text":"٧٨٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2668>مسألة [١]: معنى بيع الحصاة</span>.\n• اختلف في تفسيره:\nفقيل: هو أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه هذه الحصاة.\nوقيل: أن يقول: أبيعك من الأرض قدر ما انتهت إليه رمية الحصا.\nوقيل: أن يقبض على كفٍّ من حصا، ويقول: لي بعدد ما خرج في القبضة من الشيء المبيع. أو يبيع سلعة، ثم يقبض الحصا، ويقول: لي بكل حصاة درهم.\nوقيل: أن يمسك أحدهما حصاة بيده، فإذا رمى بها وجب البيع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2669>مسألة [٢]: ضابط بيع الغرر</span>.\nالغرر لغة: هو الخَطر.\nوأصل الغرر النقصان، من قول العرب: (غارت الناقة) إذا نقص لبنها، وغارت البئر إذا قلَّ ماؤها.\nالغرر اصطلاحًا: ما كان مستور العاقبة، أو ما لا يعلم عاقبته.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٥١٣).","vol":"5","page":552},{"text":"قال ابن القيم -﵀-: الغرر ما تردد بين الوجود والعدم، فنهي عن بيعه؛ لأنه من جنس القمار -الميسر- ويكون قمارًا إذا كان أحد المتعاوضين يحصل له مال، والآخر قد يحصل له وقد لا يحصل. اهـ (^١)\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (٣/ ٢٨ - ٢٩): وَمَعْنَاهُ الْخِدَاعُ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ أَنْ لَا رِضَى بِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِهِ؛ فَيَكُونُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَيَتَحَقَّقُ فِي صُوَرٍ: إمَّا بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ، كَبَيْعِ الْعَبْدِ الْآبِقِ، وَالْفَرَسِ النَّافِرِ، أَوْ بِكَوْنِهِ مَعْدُومًا أَوْ مَجْهُولًا، أَوْ لَا يَتِمُّ مِلْكُ الْبَائِعِ لَهُ، كَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2670>مسألة [٣]: ما يتسامح فيه من الغرر</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٢١٤٣): قَالَ النَّوَوِيّ: النَّهْيُ عَنْ بَيْع الْغَرَر أَصْلٌ مِنْ أُصُول الْبَيْع، فَيَدْخُل تَحْتَهُ مَسَائِل كَثِيرَة جِدًّا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ بَيْع الْغَرَر أَمْرَانِ: أَحَدهمَا: مَا يَدْخُلُ فِي الْمَبِيعِ تَبَعًا، فَلَوْ أُفْرِدَ؛ لَمْ يَصِحَّ بَيْعه. وَالثَّانِي: مَا يُتَسَامَحُ بِمِثْلِهِ، إِمَّا لِحَقَارَتِهِ، أَوْ لِلْمَشَقَّةِ فِي تَمْيِيزِهِ وَتَعْيِينِهِ، فَمِنْ الْأَوَّلِ: بَيْعُ أَسَاسِ الدَّارِ، وَالدَّابَّةِ الَّتِي فِي ضَرْعِهَا اللَّبَنُ، وَالْحَامِلِ، وَمِنْ الثَّانِي: الْجُبَّة الْمَحْشُوَّة، وَالشُّرْب مِنْ السِّقَاءِ، قَالَ: وَمَا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى اِخْتِلَافِهِمْ فِي كَوْنِهِ حَقِيرًا أَوْ يَشُقُّ تَمْيِيزُهُ أَوْ تَعْيِينُهُ؛ فَيَكُونُ الْغَرَر فِيهِ كَالْمَعْدُومِ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَبِالْعَكْسِ. انتهى المراد. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية» (٣/ ٨ - ٩) «لسان العرب» مادة: [غرر].\n(^٢) وانظر كلام النووي في «شرح مسلم» (١٠/ ١٥٦)، وقد اختصره الحافظ.","vol":"5","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2671>مسألة [٤]: حكم بيع الغرر</span>.\nعامة أهل العلم على تحريمه؛ لحديث الباب، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨]، وقد روى الطبري عن ابن سيرين أنه قال: لا أعلم ببيع الغرر بأسًا. قال الحافظ: إسناده صحيح، وقد حمله بعض أهل العلم على أنه أراد بعض الصور المختلف فيها، ولم يرد العموم، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: يستفاد من هذا الحديث شرط من شروط صحة البيع المتقدمة في أوائل الكتاب، وهو: (أن يكون المبيع معلومًا برؤيةٍ، أو صفة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2672>مسألة [٥]: حكم لعب ما يسمَّى باليانصيب</span>.\nصورتها: أن يشارك كل فرد بشراء كرت، ثم تدخل هذه الكروت في مكان واحدٍ، وتحصل بعد ذلك القرعة، ومن فاز يحصل على الجائزة، وهذا النوع من البيع لا يجوز؛ لأنَّ فيه احتمال الغنم، والغرم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2673>مسألة [٦]: الجوائز التي توضع مع السلع</span>.\nلها صورتان:\nالأولى: إذا كان الداخل في هذا البيع بين احتمال الغنم والغرم، فلا تجوز هذه الصورة؛ لوجود الغرر.\nمثال هذه الصورة: كأن يُباع شيء بزيادة على سعره المعتاد، ثم يحصل على\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢١٤٣).\n(^٢) وانظر: «فتاوى اللجنة» (١٥/ ٢٠٣ -) و«فتاوى علماء البلد الحرام» (ص ١٠٤٢ - ١٠٤٤).","vol":"5","page":554},{"text":"كرت به يحصل على الجائزة، وقد تكون الجائزة حقيرة جدًّا، وقد تكون ثمينة.\nالثانية: إذا كان الداخل فيها بين احتمال الغنم والسلامة؛ فهذه الصورة يجوز فيها البيع والشراء.\nمثال هذه الصورة: كأن يُباع الشيء بسعر يومه المعتاد، ثم تحصل هذه الكروت والجوائز عليها، فهذا لا بأس به؛ لأنَّ المشتري يشتري ما يحتاجه بنفس ثمنه، والبائع ينفق بضاعته بهذه الجوائز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2674>مسألة [٧]: هل يجوز للشركات استعمال التحفيزات</span>؟\n• بعض علماء عصرنا يحرمون هذا الشيء، كالشيخ ابن باز، والشيخ الفوزان، وقالوا: إنَّ هذا يؤدي إلى تنافسٍ غير مشروع، فمن الشركات من لا تستطيع فعل هذه التحفيزات، ومنها من تستطيع وضع الجوائز الثمينة جدًّا، فيحدث الإجحاف الشديد ببضائع الشركة الأولى.\n• والشيخ ابن عثيمين -﵀- له فتوى في منعه، وله فتوى أخرى يُفَصِّل فيها بين ما كان الداخل فيها بين احتمال الغنم والغرم؛ فلا يجوز، وما كان الداخل فيها بين احتمال الغنم والسلامة؛ فيجوز.\nقال -﵀-: وإذا قال قائل: هذه المعاملة تضر بالبائعين الآخرين؛ لأنَّ هذا البائع إذا جعل جوائز للمشترين، وكان سعره كسعر السوق اتجه جميع الناس إليه، وكسدت السلع عند التجار الآخرين، فنقول: هذا يرجع إلى الدولة؛ فيجب على الدولة أن تتدخل إذا رأت أنَّ هذا الأمر يوجب اضطراب السوق؛ فإنها تمنعه، أو","vol":"5","page":555},{"text":"إذا رأت أن المصلحة في منعه، فيجب على ولي الأمر أن يمنعه منه.\nقلتُ: وما ذكره الإمام العثيمين -﵀- هو الأقرب عندي، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2675>مسألة [٨]: شركة التأمين التجارية</span>.\nهذه الشركات أول ما ظهرت من قِبَلِ أعداء الإسلام، ثم انتشرت بين المسلمين بسبب تقليد أعداء الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوصورة نظام هذه الشركات أنها تتعامل مع التُّجار، وأصحاب رؤوس الأموال بأن تؤمن لهم الأموال والأنفس في الحل والترحال، على أن تأخذ من التجار أقساطًا ثابتة شهريًّا، أو سنويًّا؛ فإن حصلت خسائر في الأموال والأنفس بسبب الغرق، والحوادث، والحروب؛ فإنَّ هذه الشركات تقوم بتعويض كل الخسائر، وإن لم يحصل شيء؛ فإنَّ هذه الشركات تربح أموالًا طائلة، وهو الغالب.\nوهذه الشركات تجارية محضة، بدليل أنها تنزع يدها تمامًا ممن تتعامل معهم عند حصول الحروب الشديدة، والحوادث العظيمة؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى إفلاسها، وقد يودع أصحابها في السجون. وعامة العلماء في عصرنا هذا، ومنهم الإمام ابن باز، والإمام العثيمين، والإمام الوادعي وغيرهم، يحرمون هذه الشركات والتعامل معها لأمور عديدة، منها:\n_________\n(^١) وانظر «كتاب لقاء الباب المفتوح» (٣/ ٤٧، ٧٢، ٧٣) «فتاوى علماء البلد الحرام» (ص ٨٢٧، ٨٣٦)، (١٠٤٦).","vol":"5","page":556},{"text":"١) يعتبر ذلك من العقود المشتملة على الغرر الفاحش إما من قبل المؤمَّن أو من قبل الشركة.\n٢) فيه ضرب من ضروب المقامرة والميسر؛ لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية، ومن الغرم بلا جناية، ولا تسبب، ومن الغنم بلا مقابل، أو مقابل غير مكافئ، فإذا استحكمت فيه الجهالة؛ كان قمارًا، ويدخل في عموم النهي عن الميسر.\n٣) تشتمل هذه المعاملات على ربا الفضل، وربا النسيئة؛ فإنَّ الشركة إذا دفعت للمستأمن، أو لورثته، أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود لها؛ فهو ربا الفضل، والمؤمِّن يدفع ذلك للمستأمن بعد مدة العقد؛ فيكون ربا نسأ، وإذا دفعت الشركة للمستأمن مثل ما دفعه لها يكون ربا نسأ فقط، وكلاهما محرم بالنص والإجماع.\n٤) فيه الرهان المحرم، وصورته: أنَّ المتعامل معهم وضع رهانًا، وهو هذه الأقساط الثابتة، والشركة وضعت رهانًا وهو استعدادها لدفع المال؛ لتعويض الخسائر، فأيهما ظفر أخذ رهان الآخر، والرهان لا يجوز إلا في خُفٍّ، أو نصل، أو حافر كما في الحديث. (^١)\n٥) فيه أخذ أموال الناس بلا مقابل، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨].\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه إن شاء الله في «البلوغ» رقم (١٣١٥).","vol":"5","page":557},{"text":"٦) فيه إلزام بما لا يلزم شرعًا؛ فإنَّ المؤمِّن لم يحدث منه الخطر، ولم يتسبب في حدوثه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2676>مسألة [٩]: شركة التأمين التعاونية</span>.\nالهدف من إنشاء هذه الشركات تفتيت المخاطر، وتقليل الخسائر، وهذه الشركات ليست تجارية ألبتة؛ فإنَّ المتعاملين معها يدفعون أقساطًا غير ثابتة، وإذا كانت الشركة قد جمعت مبلغًا كبيرًا من المال، ولا توجد حوادث على الساحة؛ فإنها تطلب من المتعاونين التوقف عن الدفع حتى ينفذ ما بالخزانة السابقة، ثم إنَّ هذه الشركات قائمة على التبرع لا على الإلزام.\nوتتمثل هذه الشركات بالنقابات المنتشرة على الساحة بمختلف أنواعها؛ إلا أن تكون تجارية، وأقرب مثال على هذه النقابات الجائزة فِرَز الباصات، والسيارات الناقلة من مكان إلى آخر، أو بلد إلى بلد.\nوالذين حرَّموا التعامل مع الشركات التجارية التأمينية أباحوا التعامل مع هذه الشركات؛ لانتفاء العلة التي عليها مدار الحكم.\nإيراد: يقولون: إنَّ العائد على المساهم في هذه الشركات مجهولٌ؛ فهو غرر.\nالجواب: الزيادة والنقصان في العائد على المساهم مغتَفَرة، وهذا الأمر حصل برضى الجميع، وهو أمرٌ تبرعي لا إلزامي، فهذه الشركات جائزة؛ فهي في عقود\n_________\n(^١) وانظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» (١٥/ ٢٤٦ - ٢٤٨) «فتاوى علماء البلد الحرام» (ص ٨٠٦، ٨٤٥) «فقه النوازل» (٣/ ٢٦٨ - ٢٨٠).","vol":"5","page":558},{"text":"التبرع التي يكون الغرض منها التعاون لا التجارة، ولكن لا تُقَرُّ بعض النقابات على فعلها من إيداع الأموال في البنوك الربوية، وكذلك إلزام المساهمين معها بدفع الأقساط الثابتة.\nوهذه الشركات إذا انتهى عملها في مجالها؛ فإنها ترد للمساهمين معها أقساطهم، كلٌّ بحسب مساهمته؛ فعلى هذا أين العلة التي حرمت من أجلها الشركات التجارية؟ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2677>مسألة [١٠]: جمعية الموظفين</span>.\nصورتها: يساهم جماعةٌ من الناس بدفع أقساط ثابتة، على أنَّ هذه الأموال على رأس فترة معينة تكون لأحد أفراد الجماعة، ثم الذي يليه بالدور، حتى تمر على آخر فرد منهم، وسمِّيت بـ (جمعية الموظفين) مع أنها قد تكون بين أشخاص غير موظفين؛ بناءً على الغالب في التعامل بها؛ حيث إن غالب من يشترك فيها هم من الموظفين الذين يستلمون رواتب في نهاية كل شهر، وفيها خلاف:\n• الشيخ الفوزان على عدم الجواز، وقال: هو قرضٌ جرَّ منفعة، فهو يقرضه بشرط أن يقرضه، وقال: فيه مخاطرة، فربما بعضهم يُعزَل عن وظيفته، أو يموت؛ فلا يستطيع الوفاء، فتضيع حقوق الآخرين.\n• الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ الألباني، والشيخ مقبل ﵏ على الجواز، وهو الراجح إن شاء الله؛ لأنَّ هذا من باب الإقراض واشتراط\n_________\n(^١) وانظر: «توضيح الأحكام» (٤/ ٢٧٩) «فقه النوازل» (٣/ ٢٨١ -).","vol":"5","page":559},{"text":"القضاء؛ ولأن هذه المعاملة لا تنقص المقترض شيئًا من ماله؛ ولأن فيها تعاونًا على البر والتقوى وسدًّا لحاجة الناس وإعانة لهم على البعد عن المعاملات المحرمة.\nوالجواب عن أدلة من منع:\nأنَّ قوله: (يقرضه بشرط أن يقرضه) ليس بمسلم، بل هو يقرضه بشرط أن يقضيه، وهذا لا محظور فيه، وكذلك من يأخذها في المرة الثانية يعتبر مقترضًا ممن يأخذها بعده ومستوفيًا لقرضه من الشخص الذي أخذها قبله، وهكذا من بعده؛ عدا آخرهم فهو إنما يستوفي ما أقرضه لجميع المشاركين في الجمعية.\nوقوله: (قرض جرَّمنفعة)، فقد قال ابن القيم -﵀- كما في «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٣): والمنفعة التي تجر إلى الربا في القرض هي التي تخص المقرض، كسكنى دار المقترض، وركوب دوابه، واستعماله، وقبول هديته؛ فإنه لا مصلحة له في ذلك، بخلاف هذه المسائل -يعني مسألة السفتجة، وسيأتي ذكرها إن شاء الله فيما بعد تحت حديث (٨٤٨)؛ فإن المنفعة مشتركة بينهما، وهما متعاونان عليها، فهي من جنس التعاون والمشاركة. اهـ\nوعلى هذا فيقال: (كل قرض جرَّ منفعةً، زائدة، متمحضة، مشروطة للمقرض على المقترض، أو في حكم المشروطة؛ فإنَّ هذه المنفعة ربا).\nوقوله: (فيه مخاطرة)، فيجاب عنه بأنَّ الاحتمال المذكور وارد على جميع","vol":"5","page":560},{"text":"العقود، ولكن في حالة الموت يُقضى المقرضون من تركته، وبالله التوفيق. (^١)\nتنبيه: المسألة في (جمعية الموظفين) مفروضة فيما إذا لم يحصل شروط، وأما إذا حصلت شروط؛ فحكمها ينبني على تلك الشروط، وهناك شرطان ينتشر ذكرها في هذه الجمعيات:\nالأول: أن يشترط على جميع الراغبين في المشاركة الاستمرار فيها حتى تستكمل دورة كاملة.\nوحقيقة هذه الصورة: (اشتراط الإقراض من طرف آخر)؛ لئلا ينقص المقدار الذي يستقرضه كل واحد منهم؛ فكأن كل واحد من المشتركين يقول: (لن أقرض زيدًا وخالدًا إلا بشرط أن يقرضني بكر وعمرو)، وهذه الصورة جوَّزها الإمام العثيمين -﵀-؛ لأنَّ المنفعة التي تجعل القرض ربا هي ما كانت متمحضة ومشروطة للمقرض على المقترض، أو في حكم المشروطة، كما تقدم في كلام ابن القيم -﵀-، ولا يشترط أن تتمحض المنفعة للمقترض، بل لو انتفع المقرض من ذلك منفعة مساوية، أو أدنى من منفعة المقترض؛ فإنَّ ذلك جائز كما في مسألة (السفتجة).\nالثاني: أن يشترط على جميع الراغبين الاستمرار في دورة ثانية، وثالثة.\nوهذه الصورة لا تجوز؛ لأنَّ الإنسان يقع في مسألة (أقرضك بشرط أن تقرضني)؛ فهي منفعة متمحضة للمقرض جرَّها القرض؛ فهي ربا. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: كتاب «المنفعة في القرض» لعبدالله العمراني (ص ٦٠٥ - ٦٣٥).\n(^٢) انظر: كتاب «المنفعة في القرض» لعبدالله العمراني (ص ٦٣٤ - ٦٣٧) «مجلة البحوث الإسلامية» (٢٧/ ٣٤٩).","vol":"5","page":561},{"text":"٧٨٣ - وَعَنْهُ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2678>مسألة [١]: حكم بيع الشيء قبل قبضه</span>.\nأما في الطعام: فعامة أهل العلم على عدم جواز بيعه قبل أن يقبضه ممن اشتراه. ونقل الخلاف عن عثمان البتي، وعدَّه أهل العلم شذوذًا منه؛ لصحة الأحاديث وصراحتها في تحريم ذلك، وذكر ابن حزم عن عطاء أنه خالف في ذلك أيضًا، وهو ثابت عنه كما في مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٣٦٧).\n• وأما في غير الطعام: فاختلف أهل العلم في ذلك على أقوال:\nالقول الأول: عدم الجواز في كل شيء، وهو قول ابن عباس -﵄- كما في «الصحيحين»، وذكروه عن جابر بن عبد الله، وهو مذهب الشافعي، والثوري، ومحمد بن الحسن، وأحمد في رواية، واختاره ابن حزم، ثم شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهم أجمعين.\nواستدلوا بحديث زيد بن ثابت -﵁-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى أن تُباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. (^٢)\nوبحديث حكيم بن حزام -﵁- عند أحمد (٣/ ٤٠٢) وغيره: «إذا اشتريت شيئًا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٥٢٨).\n(^٢) سيأتي تخريج هذا الحديث في «البلوغ» رقم (٧٨٧).","vol":"5","page":562},{"text":"فلا تبعه حتى تقبضه»، وفي إسناده: عبدالله بن عصمة، وهو مجهول الحال، ولكن الحديث صحيح بشواهده التي قبله.\nواستدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ربح مالم يضمن. وإسناده حسن. (^١)\nالقول الثاني: لا يجوز بيع مالم يقبض إذا كان مكيلًا، أو موزونًا، وأما ما عدا ذلك فيجوز بيعه قبل أن يقبض، وهذا قول سعيد بن المسيب، والحكم، وإبراهيم، وحماد، والأوزاعي، وأحمد، وهو الأشهر عند أصحابه، وإسحاق.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ الحديث جاء في الطعام، وهو مكيل، فألحقوا بذلك المكيل كله، والموزون.\nوجاء حديث: «من اشترى طعامًا بكيل، أو وزن؛ فلا يبعه حتى يقبضه» أخرجه أحمد (٢/ ١١١)، من حديث ابن عمر -﵄-، وفي إسناده: ابن لهيعة، وله طريق أخرى فيها: المنذر بن عبيد، وهو مجهول الحال، أخرجها أبو داود (٣٤٩٥) وغيره، والمحفوظ في الحديث في «الصحيحين» بدون زيادة: «بكيل، أو وزن»، ولو صحت الزيادة لم يكن فيها دليل على التخصيص.\nالقول الثالث: لا يجوز بيع مالم يقبض؛ إلا العقار، وهو مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف.\nالقول الرابع: لا يجوز بيع المأكول، والمشروب قبل قبضه، وما سواه جائز،\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٧٨٥).","vol":"5","page":563},{"text":"وهو مذهب مالك، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وابن المنذر؛ لأنَّ الحديث فيه التنصيص على الطعام.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنَّ العلة واحدة في الطعام وفي غيره، سواء كانت العلة ما ذكره ابن عباس حين سئل عن سبب ذلك؟ فقال: ألا تراهم يتبايعون بالذهب، والطعام مرجأ.\nأو ما قاله بعض أهل العلم: من أنَّ العلة هي عدم القدرة على تسليم المشتري السلعة التي يبيعها، فقد يحصل من البائع الرجوع والتحيل على فسخ البيع، وتحصل الخلافات، والقول الأول رجحه الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2679>مسألة [٢]: التصرف فيه قبل القبض بغير البيع</span>.\nإن كان التصرف فيما فيه معاوضة، كالإجارة، أو السَّلَم، وما أشبه ذلك؛ فلا يجوز عند أكثر أهل العلم؛ لأنَّ ذلك شبيه بالبيع، بل ذلك من أنواع البيوع.\nوأمَّا إذا كان التصرف فيما ليس فيه عوض، كالهبة، والوقف، وما أشبههما؛ فالصحيح جواز ذلك، وعليه جماعة من الشافعية، والحنابلة، ويدل عليه حديث ابن عمر -﵄- في «البخاري» (٢٦١٠): أنه كان على بكرٍ صعبٍ لعمر، فكان يتقدم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعمر يرده، ويقول: يا عبد الله، لا يتقدم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أحدٌ. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بعنيه يا عمر»، فقال: هو لك يا رسول الله. فاشتراه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثم قال:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ١٨١ -) (٦/ ١٨٩)، «المجموع» (٩/ ٢٧٠)، «التمهيد» (١٢/ ١٥٦ -)، «الشرح الممتع» (٨/ ٣٧٤)، «الفتح» (٢١١٥).","vol":"5","page":564},{"text":"«هو لك يا عبد الله، فاصنع به ما شئت». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2680>مسألة [٣]: العتق قبل القبض</span>.\n• عامة أهل العلم على جواز ذلك؛ لأنه إذا جاز في الهبة كما تقدم؛ فمن باب أولى في العتق، وقد نقل ابن المنذر الاتفاق على الجواز، وقال شيخ الإسلام: يجوز إجماعًا.\nوالواقع أنه قد خالف بعض الشافعية، ذكر ذلك النووي في «المجموع»، والصحيح هو الجواز. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2681>مسألة [٤]: بماذا يحصل القبض</span>؟\n• قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٩/ ٢٨٣): ذكرنا أن مذهبنا أن القبض في العقار ونحوه بالتخلية، وفي المنقول بالنقل، وفي المتناول باليد بالتناول، وبه قال أحمد، وقال مالك، وأبو حنيفة: القبض في جميع الأشياء بالتخلية؛ قياسًا على العقار.\nقال: دليلنا حديث زيد بن ثابت أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى أن تُباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (^٣)، ولأنَّ القبض ورد به الشرع مطلقًا؛\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢١١٥)، «المغني» (٦/ ٢٤ - ٢٥)، «المجموع» (٩/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، «الإنصاف» (٤/ ٤٥٢)، «التمهيد» (١٥/ ١٥٦)، «الشرح الممتع» (٨/ ٣٦٥، ٣٦٨).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢١١٥) (٢١٣٨)، «الإنصاف» (٤/ ٤٥٢)، «المجموع» (٩/ ٢٦٤).\n(^٣) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٧٨٧)، وهو حديث صحيح.","vol":"5","page":565},{"text":"فحصل على العرف، والعرف فيما ينقل بالنقل، وفيما لا ينقل بالتخلية.\nقال: فإن قيل: فحوزه إلى الرحال ليس بشرط بالإجماع. قلنا: دَلَّ الحديث على أصل النقل، وأما التخصيص بالرحال فخرج على الغالب، ودل الإجماع أنه ليس بشرط في أصل النقل، والجواب عن القياس على العقار: أنه لا يمكن فيه إلا التخلية، ولأنها قبض له في العرف، بخلاف المنقول، والله سبحانه أعلم.\nواحتج البيهقي للمذهب بحديث ابن عمر قال: «كُنَّا في زمان رسول الله - ﷺ - نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه» رواه مسلم (^١)، وفي رواية: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله - ﷺ - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه» رواه البخاري ومسلم (^٢)، وفي رواية عنه قال: رأيت الناس في عهد رسول الله - ﷺ - إذا ابتاعوا الطعام جزافًا يُضربون في أن يبيعوه مكانهم حتى يؤوه إلى رحالهم. رواه البخاري ومسلم. (^٣) انتهى كلام النووي -﵀-.\n• وقال الحنابلة في المكيل، والموزون: قبضه بكيله، ووزنه، وكذلك المذروع بذرعه.\n• ومذهب الشافعية أنه لابد فيه من الوزن، أو الكيل، أو الذرع، ثم تحويله\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٥٢٧) (٣٣).\n(^٢) رواه البخاري برقم (٢١٢٣)، ومسلم برقم (١٥٢٧) بنحوه.\n(^٣) رواه البخاري برقم (٢١٣١)، ومسلم (١٥٢٧) (٣٧).","vol":"5","page":566},{"text":"كما ذكر ذلك النووي -﵀- في «المجموع» (٩/ ٢٧٦)، ورجَّح هذا الشيخ ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٨/ ٣٨١)؛ لحديث زيد بن ثابت المتقدم، وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2682>مسألة [٥]: إذا تلفت السلعة بعد التفرق قبل القبض بدون تدخل آدمي</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٢١٣٨): وَقَالَ اِبْن حَبِيب: اِخْتَلَفَ اَلْعُلَمَاء فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَاحْتَبَسَهُ بِالثَّمَنِ، فَهَلَكَ فِي يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ اَلْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، فَقَالَ سَعِيد بْن اَلْمُسَيِّب، وَرَبِيعَة: هُوَ عَلَى اَلْبَائِعِ.\nوَقَالَ سُلَيْمَان بْن يَسَار: هُوَ عَلَى اَلْمُشْتَرِي. وَرَجَعَ إِلَيْهِ مَالِك بَعْدَ أَنْ كَانَ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ، وَتَابَعَهُ أَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَأَبُو ثَوْر.\nوَقَالَ بِالْأَوَّلِ اَلْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة، وَالْأَصْل فِي ذَلِكَ اِشْتِرَاط اَلْقَبْضِ فِي صِحَّةِ اَلْبَيْعِ، فَمَنْ اِشْتَرَطَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ جَعَلَهُ مِنْ ضَمَانِ اَلْبَائِعِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ؛ جَعَلَهُ مِنْ ضَمَانِ اَلْمُشْتَرِي. اهـ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: كثير من الفقهاء يبنون هذه المسألة على مسألة اشتراط القبض في صحة البيع، فما قالوا فيه: لا يجوز بيعه قبل قبضه. فيقولون فيه: ضمانه على البائع، وما أجازوا فيه بيعه قبل قبضه، فيقولون فيه: ضمانه على المشتري.\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٤/ ٤٥٨ -)، «المجموع» (٩/ ٢٨٣) (٩/ ٢٧٦)، «المغني» (٦/ ١٨٥ -)، «الفتح» (٢١١٥).","vol":"5","page":567},{"text":"والذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ هذه المسألة تنبني على (استقرار الملك)، وإن لم يقبضه، فإذا حصل عقد البيع وتفرقا على ذلك؛ فتصبح من ضمان المشتري، والله أعلم.\nوهذا هو ظاهر اختيار البخاري، فقد قال في كتاب البيوع [باب ٥٧]: باب إذا اشترى متاعًا، أو دابة، فوضعه عند البائع، أو مات قبل أن يقبض، وقال ابن عمر -﵄-: ما أدركت الصفقة حيًّا مجموعًا فهو من المبتاع.\nوهذا الأثر وصله الطحاوي، والدارقطني بإسناد صحيح كما في «الفتح».\nوعلى هذا: فلو منع البائع المشتري من أخذ السلعة حتى يأتي بالثمن؛ فضمانها على البائع؛ لأنَّ ملك المشتري لم يستقر.\nوقد أخرج عبد الرزاق (٨/ ٤٦) بإسناد صحيح عن طاوس، قال: إنْ قال البائع: لا أعطيكه حتى تنقدني الثمن. فهلك، فهو من ضمان البائع، وإلا فهو من ضمان المشتري. انتهى بمعناه، وبنحوه قال ابن سيرين، والنخعي، والثوري. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2683>مسألة [٦]: إن تلفت السلعة بفعل المشتري، أو بفعل أجنبي</span>؟\nأما إن تلفت بفعل المشتري؛ فيستقر الثمن عليه، ويكون كالقبض؛ لأنه تصرف فيه، وأما إن تلفت بفعل أجنبي؛ فلا يبطل العقد، ولكن يثبت للمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن؛ لأنَّ التلف حصل في يد البائع، وبين البقاء\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢١٣٨)، «المغني» (٦/ ١٨١، ١٨٥ - ١٨٦)، «الإنصاف» (٤/ ٤٥٣)، «الحاوي» (٥/ ١٣٦)، «الشرح الممتع» (٨/ ٣٧٩)، «الأوسط» (١٠/ ٢٣٣ -).","vol":"5","page":568},{"text":"على العقد، ومطالبة المتلف بالمثل إن كان مثليًّا، أو بالقيمة، هذا مذهب الحنابلة، والشافعية، وقال ابن قدامة: لا أعلم فيه مخالفًا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2684>مسألة [٧]: لو أتلفه البائع</span>؟\n• ذهب الحنابلة إلى أنَّ المشتري له الخيار كما لو أتلفه الأجنبي.\n• ومذهب الشافعي أنَّ العقد ينفسخ، ويرجع المشتري بالثمن لاغير؛ لأنه تلف يضمنه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما إذا كان بعد التفرق -والمسألة هذه والتي قبلها مفروضة في ذلك- فالراجح هو قول الحنابلة.\nوقد رجَّح ذلك الشيخ ابن عثيمين -﵀-؛ لأنها قد أصبحت ملكًا للمشتري؛ فهو بالخيار، والله أعلم.\nوأما إن كان ذلك قبل التفرق: فالعمل على قول الشافعية. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2685>مسألة [٨]: أجرة الكيل، ونقل البضاعة</span>.\nالأصل أنَّ أجرة الكيل على البائع، وأجرة النقل على المشتري إلا أن يتراضيا على خلاف ذلك، وهذا قول فقهاء الأمصار. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ١٨٤)، «الشرح الممتع» (٨/ ٣٧٢).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٦/ ١٨٤)، «الشرح الممتع» (٨/ ٣٧١).\n(^٣) انظر: «الإنصاف» (٤/ ٤٦٠ - ٤٦١)، «المغني» (٦/ ١٨٨)، «المجموع» (٩/ ٢٧٩)، «الفتح» [باب ٥١] البيوع.","vol":"5","page":569},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2686>مسألة [٩]: إذا اشترى طعامًا كيلًا، ثم باعه، فهل يلزمه أن يكيله مرة أخرى</span>؟\nأخرج أحمد في «مسنده» (١/ ٦٢، ٧٥)، وعلَّقه البخاري في «صحيحه» [باب ٥١] من البيوع، عن عثمان بن عفان -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «إذا بعت؛ فَكِلْ، وإذا ابتعت؛ فاكْتَلْ»، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٢٢٣٠)، والدارقطني (٣/ ٨)، والبيهقي (٥/ ٣١٥)، وهو حديث حسن.\nوأخرج ابن ماجه (٢٢٢٨)، والبيهقي (٥/ ٣١٦)، من حديث جابر بن عبد الله، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري. وفي إسناده: ابن أبي ليلى، وفيه ضعف، وجاء عن أبي هريرة -﵁- أخرجه البيهقي (٥/ ٣١٦)، والبزار كما في «كشف الأستار» (١٢٦٥)، وفي إسناده: مسلم بن أبي مسلم الجرمي، له ترجمة في «اللسان» وفيه ضعف، ثم رأيت الخطيب قد وثقه في «تاريخ بغداد» (١٣/ ١٠٠)، وذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٨/ ١٨٨)، وقال: روى عنه المنذر بن شاذان، وقال: إنه قتل مائة ألف من الروم.\nقال الإمام الشوكاني -﵀- في «النيل» (٢١٩٤): وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مُكَايَلَةً وَقَبَضَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ إلَى غَيْرِهِ؛ لَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُهُ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَكِيلَهُ عَلَى مَنْ اشْتَرَاهُ ثَانِيًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ كَمَا حَكَاهُ فِي «الْفَتْحِ» عَنْهُمْ قَالَ: وَقَالَ عَطَاءُ: يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: إنْ بَاعَهُ","vol":"5","page":570},{"text":"بِنَقْدٍ؛ جَازَ بِالْكَيْلِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِنَسِيئَةٍ؛ لَمْ يَجُزْ بِالْأَوَّلِ، وَالظَّاهِرُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ بَيْعٍ وَبَيْعٍ؛ لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ الَّتِي تُفِيدُ بِمَجْمُوعِهَا ثُبُوتَ الْحُجَّةِ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ الشِّرَاءُ مُكَايَلَةً، وَأَمَّا إذَا كَانَ جِزَافًا، فَلَا يُعْتَبَرُ الْكَيْلُ الْمَذْكُورُ عِنْدَ أَنْ يَبِيعَهُ الْمُشْتَرِي. اهـ (^١)\nقلتُ: وما ذهب إليه الجمهور هو الصواب؛ لأنه قد ينقص كيله بسبب تأخره؛ فإنه إذا تأخر يبس، وقلَّ كيله، وقد ينقص بسرقة، أو تمول، فإن أمن من ذلك كله، فالذي يظهر، أنه لا يلزم، وإنما يكون على سبيل الاستحباب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2687>مسألة [١٠]: حكم شراء الطعام جزافًا، وهل يجوز بيعه قبل قبضه إذا كان جزافًا</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى جواز بيع الطعام جزافًا، سواء علم البائع مقداره، أم لم يعلم؛ لحديث ابن عمر -﵄- في «الصحيحين» (^٢) أنهم كانوا يتبايعون الطعام جزافًا، ومنع مالك ذلك إذا كان البائع يعلم مقداره.\nوالصواب قول الجمهور؛ لعموم الحديث.\nوأما بيعه قبل قبضه؛ فقد أجازه مالك، وإسحاق، والأوزاعي، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث ابن عمر -﵄-: «من اشترى طعامًا بكيل، أو وزنٍ؛ فلا يبعه حتى يقبضه»، وهذه الزيادة فيها ضعفٌ كما تقدم بيان ذلك في المسألة\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» (٢١٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢١٣١)، ومسلم برقم (١٥٢٧).","vol":"5","page":571},{"text":"الأولى، وحديث ابن عمر في «الصحيحين» (^١) أنهم كانوا يؤمرون بتحويله قبل بيعه، وتقدم ذكر ألفاظ الحديث قريبًا، فهذا مقدم على زيادة في إسنادها ضعف، وبذلك أخذ جمهور العلماء، فقالوا بعدم الجواز، وهو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2688>مسألة [١١]: هل يجوز بيع مالم يقبضه مما يملكه بغير الشراء، وحكم بيع صكاك الأرزاق</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٩٢): وَأَمَّا مَا مُلِكَ بِإِرْثٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ، وَتَعَيَّنَ مِلْكُهُ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَهُوَ كَالمَبِيعِ المَقْبُوضِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٩١): وَكُلُّ عِوَضٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لَمْ يَجُزْ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا، وَالْأُجْرَةُ، وَبَدَلُ الصُّلْحِ، إذَا كَانَا مِنْ الْمَكِيلِ، أَوْ الْمَوْزُونِ، أَوْ الْمَعْدُودِ، وَمَا لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهِ؛ جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَعِوَضِ الْخُلْعِ، وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلِقَ لِلتَّصَرُّفِ الْمِلْكُ، وَقَدْ وُجِدَ، لَكِنَّ مَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ غَرَرُ الِانْفِسَاخِ بِهَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ لَمْ يَجُزْ بِنَاءُ عَقْدٍ آخَرَ عَلَيْهِ؛ تَحَرُّزًا مِنْ الْغَرَرِ، وَمَا لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ ذَلِكَ الْغَرَرُ،\n_________\n(^١) هو قطعة من الحديث السابق تخريجه قريبًا.\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢١٣٧) «المغني» (٦/ ١٨١ - ١٨٢) «التمهيد» (١٢/ ١٦٧ -) ط/مرتبة، «الأوسط» (١٠/ ٢٢١).","vol":"5","page":572},{"text":"انْتَفَى الْمَانِعُ؛ فَجَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.\nثم نقل عن الشافعي الخلاف في المهر، وعوض الخلع. انتهى بتصرف يسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2689>مسألة [١٢]: حكم بيع صكاك الأرزاق قبل قبض الرزق</span>؟\n• الأرزاق العينية التي يقسمها السلطان بصكاك يجوز بيعها قبل قبضها، على الأشهر في مذهب الحنابلة، وهو الأصح عند الشافعية، وقد أسند البيهقي (٥/ ٣١٤) عن ابن عمر، وزيد بن ثابت القول بذلك، وهو صحيح عنهما؛ وذلك لأنه لم يشترها، وإنما هي رزق؛ فأشبه المواريث، والهدايا، والحديث ورد بنهي بيع الشيء المشترى قبل قبضه، وأما غير المشترى؛ فلا دليل نعلمه يدل على المنع من ذلك.\n• ومنع بعض الفقهاء من ذلك، وهو قول مالك، وأبي ثور، وابن المنذر، والحنفية، وابن المنذر.\nوالحجة في ذلك: أنه غرر.\nوجاء عن أبي هريرة -﵁- في «صحيح مسلم» (١٥٢٨): أنه نهى عن بيع الصِّكَاك، وجاء عن عمر بسند منقطع عند البيهقي (٥/ ٣١٤)، وقال البيهقي، والنووي: هو محمول على النهي عن بيع تلك الأوراق التي اشتراها من رجل آخر حتى يقبضها.\nوهذا هو الأقرب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «سنن البيهقي» (٥/ ٣١٤ -)، «المجموع» (٩/ ٢٦٥)، «شرح مسلم» (١٥٢٨).","vol":"5","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2690>مسألة [١٣]: هل يجوز بيع السلعة قبل أن يقبضها إذا كان سيبيعها للبائع</span>؟\n• أجاز ذلك شيخ الإسلام -﵀-، وذلك لانتفاء العلة، وهي: وجود الخلاف، والنزاع، وعامة أهل العلم على عدم جواز ذلك؛ لعموم النهي عن بيع الشيء قبل قبضه، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^١)\nفائدة: ما يحتاج إلى القبض حتى يُباع لا يجوز الشَرِكَةُ فيه حتى يقبض؛ لأنَّ الشركة بيع بعض المبيع بقسطه من الثمن، ولا يجوز فيه التولية، وهي بيعه بنفس الثمن؛ حتى يقبضه أيضًا.\nوهذا قول الجمهور، وهو الصحيح، خلافًا لمالك -﵀-. (^٢)\n_________\n(^١) «المغني» (٦/ ١٩١)، «الشرح الممتع» (٨/ ٣٦٥ - ٣٦٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ١٩٤)، «الأوسط» (١٠/ ٣٧٩).","vol":"5","page":574},{"text":"٧٨٤ - وَعَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. (^١)\nوَلِأَبِي دَاوُد: مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2691>مسألة [١]: معنى بيعتين في بيعة</span>.\nقيل: هو أن يقول البائع: هي نسيئة بكذا، ونقدًا بكذا. وقد فسَّرها بذلك أكثر العلماء، ومنهم أحمد، ومالك، والشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والنسائي، وابن حبان، وآخرون.\nولكن قيَّد كثير منهم التحريم بما إذا أخذ السلعة المشتري دون أن يحدد إحدى البيعتين، ونصُّوا على أنه إذا أخذ السلعة بالنقد، أو النسيئة؛ فلا يدخل في معنى الحديث.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٢، ٤٧٥، ٥٠٣)، والنسائي (٧/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، والترمذي (١٢٣١)، وابن حبان (٤٩٧٣)، وغيرهم من طرق عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة به. وإسناده حسن.\n(^٢) شاذ. أخرجه أبوداود (٣٤٦١)، وغيره من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن محمد بن عمرو ابن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة به. وظاهر إسناده الحسن، ولكن يحيى بن زكريا مع ثقته فقد خالفه جمع من الثقات والحفاظ فرووه باللفظ الأول. وهم: يحيى بن سعيد القطان، وإسماعيل بن جعفر، ويزيد ابن هارون، وعبدة بن سليمان، والدراوردي، ومعاذ بن معاذ، وعبدالوهاب بن عطاء. انظر: «سنن البيهقي» (٥/ ٣٤٣). فالظاهر أن الحديث ثابت باللفظ الأول، وليس محفوظًا باللفظ الثاني، والله أعلم.","vol":"5","page":575},{"text":"وقيل: هو أن يقول: أبيعك هذا الكتاب بألف على أن تبيعني هذا المسجل بثمانمائة، وقد فسَّره بذلك جماعةٌ من أهل العلم، منهم الشافعي، وأحمد، وهو أحد التفسيرين عند الحنفية.\nوقيل: هو أن يقول الرجل لآخر: هذه عشرة آلاف في مائة قدح من البر سَلَمًا إلى ستة أشهر، فيأتي موعد التسليم وما قد وفَّر المسْلَم المائة القدح، فيقول للمسْلِم: ما قد وفَّرت مطلوبك، ولكن بعني مائة قدح بمائة وعشرين قدح إلى شهر. وهذا التفسير ذكره الخطابي، ولا شك في تحريمه؛ لأنه ربا واضح.\nوقيل: المراد بذلك هو بيع العينة، وصورته بأن يقول للتاجر: بعني هذه السلعة بخمسة آلاف دينًا إلى شهر. ثم يقبضها، ثم يقول للبائع: تشتريها مني بأربعة آلاف نقدًا. فيرضى البائع، ويكون قد استفاد ألف ريال وسلعته باقية. وهذا اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵏.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: كل هذه الأقوال محتملة، وأقربها القول الرابع، ثم الأول، ثم الثاني، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2692>مسألة [٢]: البيع إلى أجل بزيادة</span>.\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والترمذي وغيرهم.\n_________\n(^١) انظر: «فتح القدير» (٦/ ٤١٠) «جواهر الإكليل» (٢/ ٢٤) «تهذيب السنن» (٥/ ١٤٨) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٧٤) (٢٩/ ٤٤٧) «الإنصاف» (٤/ ٣٣٧) «اختلاف الفقهاء» (ص ٣٢ - ٣٣).","vol":"5","page":576},{"text":"واستدلوا بما يلي:\n١) قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، فالأصل هو الحل، ولا يُعلم دليل يحرم ذلك.\n٢) قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩].\n٣) أجاز أهل العلم السَّلم، وفيه أنَّ الثمن يكون غالبًا أقل مقابل التقديم برضى الطرفين، فلا مانع من عكس ذلك.\n٤) الزيادة مقابل الأجل؛ لأنَّ البائع إذا تركها وباعها نقدًا سيستفيد من المال بتنمية تجارته.\n٥) كما أنه يجوز للبائع أن يبيع السلعة بأكثر من سعر السوق برضى المشتري بدون أجل؛ فمن باب أولى جواز ذلك مقابل التأجيل.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى المنع من ذلك، وقد حكاه الشوكاني عن زين العابدين علي بن الحسين، والناصر، والمنصور بالله، والهادوية، وقال به من المعاصرين الإمام الألباني، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم. واستدلوا على ذلك بحديث الباب: «نهى عن بيعتين في بيعة»، وقالوا: هو في معنى الربا.\nوالجواب عن الحديث: أنه كما تقدم ليس فيه تعرض لهذه المسألة؛ لأنَّ الذين فسروا (البيعتين في بيعة) بالنقد أو النسيئة، جعلوا التحريم في حالة عدم تعيين المشتري لأحد البيعين؛ فتحصل الجهالة، وممن نص على ذلك الترمذي، والطبري، وأبو عبيد، وابن عبد البر، والنووي، وابن قدامة، والبغوي، وابن رشد، وآخرون.","vol":"5","page":577},{"text":"وأما قولهم: (إنه في معنى الربا) فالعبرة في العقود بالألفاظ مع النيات، والمقصود هنا هو بيع مع الأجل، وليس المقصود أنه يستدين منه مالًا ويرد إليه أكثر. وقد ذكروا تعليلات أخرى للمنع لا تفيد التحريم، وإنما تفيد أنَّ الأفضل أن يتعاون المسلمون باليسر، والإحسان.\nوقد عزا الإمام الألباني -﵀- في «صحيحته» هذا القول لابن سيرين، وسماك، وطاوس، والثوري، والأوزاعي، وابن حبان، والنسائي وغيرهم، ولكن بمراجعة أقوال هؤلاء الأئمة من مصادرها يتبين أن مقصودهم: أن يأخذ المشتري السلعة بدون تحديد إحدى البيعتين؛ فتكون بيعتان في بيعة، وأما إذا أخذ السلعة بالنقد أو بالنسيئة، فإنما هي بيعة واحدة، وقد نصَّ على ذلك طاوس، والثوري، والأوزاعي، وأخذ الأئمة المتأخرون أقوال المتقدمين، وبينوا أن مقصودهم إنما هو إذا لم يختر أحدى البيعتين.\nوقد أورد الشيخ الألباني -﵀- إيرادًا، فقال: ليس في ذلك جهالة؛ لأنَّ المشتري إما أن ينقده الثمن فيكون قد أخذه بالنقد، وإما أن يأخذه ويسكت، وينصرف؛ فيكون قد أخذه نسيئة، فأين الجهالة؟\nوالجواب: أنَّ النقد قد يسلمه في مجلس العقد، أو قد يعطيه بعد المفارقة، ويسمى (دينًا حالًّا)، فما زالت الجهالة موجودة.\nوقال الإمام الألباني -﵀-: قد بيَّن النبي - ﷺ - في النهي عن بيعتين في بيعة أنَّ العلة هي الربا، كما في رواية أبي داود المذكورة في الباب، وجاء عن ابن مسعود","vol":"5","page":578},{"text":"أنه قال: صفقتان في صفقة ربا. (^١) لم يذكر أنَّ العلة هي الجهالة.\nوالجواب عن ذلك: أنَّ صورة الربا على التفسير الثالث والرابع واضحة، وأما على التفسير الأول ففيه إشكال، والجواب على ذلك أنَّ لفظ أبي داود غير محفوظ، وعلى القول بصحته؛ فإنَّ كثيرًا من العلماء كانوا يطلقون الربا على كل بيع محرم كما ذكر ذلك ابن نصر المروزي في «السنة»، ونصَّ على ذلك الحافظ ابن حجر في شرح حديث (٢٠٨٣)، وغيره من أهل العلم، ومنه حديث ابن عباس عند النسائي مرفوعًا: «السلف إلى حبل الحبلة ربا».\nقلتُ: فقول الجمهور هو الصواب، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والفوزان رحمة الله عليهم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١١٩)، وعبدالرزاق (١٤٦٣٦)، وأحمد (٣٧٢٥)، وابن خزيمة (١٧٦)، وابن حبان (١٠٥٣)، والطبراني (٩٦٠٩)، من طريق: سماك بن حرب، عن عبدالرحمن بن عبدالله ابن مسعود، عن أبيه، به، وسماك بن حرب حديثه حسن، وقد روى عنه هذا الأثر شعبة، وسفيان الثوري، وعليه فيصح حديثه، وعبدالرحمن قد سمع من أبيه، والله أعلم.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٦/ ٣٣٢ -)، «المجموع» (٩/ ٣٤٠ -)، «سنن الترمذي» (١٢٣١)، «معالم السنن» للخطابي (٣/ ١٠٤ -)، «الصحيحة» (٢٣٢٦)، «مصنف عبدالرزاق» (٨/ ١٣٦)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٦/ ١١٩ -)، «سنن البيهقي» (٥/ ٣٤٣)، «اختلاف الفقهاء» للطبري (ص ٣٢ - ٣٣)، «شرح سنن النسائي» (٣٥/ ١٣٠ - ١٣٢) «فقه وفتاوى البيوع» (ص ٤٠٥ -)، «نيل الأوطار» (٢١٧٩)، «بيع التقسيط وأحكامه» لسليمان التركي (ص ٢٠٨ - ٢٥٢).","vol":"5","page":579},{"text":"٧٨٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ -﵄-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالحَاكِمُ. (^١) وَأَخْرَجَهُ فِي «عُلُومِ الحَدِيثِ» مِنْ رُوَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَمْرٍو المَذْكُورِ بِلَفْظِ: نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ. وَمِنْ هَذَا الوَجْهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الأَوْسَطِ» وَهُوَ غَرِيبٌ.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2693>مسألة [١]: البيع بشرط السلف، أو القرض</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٣٣٤): وَلَوْ بَاعَهُ بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِفَهُ، أَوْ يُقْرِضَهُ، أَوْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إنْ تَرَكَ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ السَّلَفَ؛ صَحَّ الْبَيْعُ.\nقال: وَلِأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَقْدًا فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ كَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَلِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ الْقَرْضَ؛ زَادَ فِي الثَّمَنِ لِأَجْلِهِ؛ فَتَصِيرُ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ عِوَضًا عَنْ الْقَرْضِ، وَرِبْحًا\n_________\n(^١) حسن، واللفظ الثاني منكر. أما الحديث بتمامه، فأخرجه أحمد (٢/ ١٧٤، ١٧٨)، وأبوداود (٣٥٠٤)، والترمذي (١٢٣٤)، والنسائي (٧/ ٢٨٨) (٧/ ٢٩٥)، كلهم من طريق أيوب عن عمرو بن شعيب به. وإسناده حسن، وله طرق أخرى عن عمرو بن شعيب به. وأما اللفظ الثاني، فأخرجه الحاكم في «علوم الحديث» (١٢٨)، والطبراني في «الأوسط» (٤٣٥٨) من رواية أبي حنيفة عن عمرو بن شعيب به، فهي رواية منكرة، وفي السند إلى أبي حنيفة (عبدالله بن أيوب القربي الضرير، وهو متروك).","vol":"5","page":580},{"text":"لَهُ، وَذَلِكَ رِبًا مُحَرَّمٌ؛ فَفَسَدَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ. اهـ\nوقد نقل ابن المنذر الإجماع على تحريم ذلك كما في «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٠).\nقلتُ: البيع بشرط السلف: أن يقول له: أبيعك بيتي على أن تسلفني مائة ألف إلى خمسة أشهر مقابل وسقين من الزبيب.\nوالبيع بشرط القرض: أن يقول له: أبيعك سيارتي على أن تقرضني مائة ألف، ويحصل أيضًا الشرط من قِبَل المشتري.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٦٢): فنهى - ﷺ - عن أن يجمع بين سلف وبيع. فإذا جمع بين سلف وإجارة؛ فهو جمع بين سلف وبيع أو مثله. وكل تبرع يجمعه إلى البيع والإجارة مثل: الهبة والعارية والعرية والمحاباة في المساقاة والمزارعة وغير ذلك: هي مثل القرض. فجماع معنى الحديث: أن لا يجمع بين معاوضة وتبرع؛ لأن ذلك التبرع إنما كان لأجل المعاوضة؛ لا تبرعا مطلقا، فيصير جزءا من العوض فإذا اتفقا على أنه ليس بعوض جمعا بين أمرين متنافيين؛ فإن من أقرض رجلا ألف درهم وباعه سلعة تساوي خمسمائة بألف: لم يرض بالإقراض إلا بالثمن الزائد للسلعة والمشتري لم يرض ببذل ذلك الثمن الزائد إلا لأجل الألف التي اقترضها، فلا هذا باع بيعا بألف ولا هذا أقرض قرضا محضا بل الحقيقة: أنه أعطاه الألف والسلعة بألفين. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٦٢ - ٦٣، ٣٣٤ - ٣٣٥).","vol":"5","page":581},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2694>مسألة [٢]: قوله: «وَلا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ»</span>.\n• اختلف أهل العلم في بيان معنى: «وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ»، فقال جماعة من أهل العلم: هو أن يقول: أبيعك هذه السلعة إن شئت نقدًا فبكذا، وإن شئت نسيئة فبكذا.\n• وقال بعضهم: يحمل ذلك على الشروط المحرمة، أو الفاسدة.\n• وقال جماعة من العلماء: لا يصح للبائع أن يشترط على المشتري أكثر من شرط ينتفع به في المبيع، وهذا عليه أكثر الحنابلة، وهو مذهب أحمد، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك تحت حديث عائشة -﵂-: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل».\n• واختار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم أنَّ المقصود بذلك بيع العينة، بأن يقول: خذ هذه السلعة بعشرة نقدًا، وآخذها منك بعشرين نسيئة، والعكس بأن يقول: اشتري منك هذه السلعة بعشرين نسيئة، وأبيعكها بعشرة نقدًا.\nقال ابن القيم -﵀- في «تهذيب السنن» (٥/ ١٤٨) -بعد أن بين صورة العينة وأنَّ ذلك هو البيعتين في بيعة-: وهذا هو بعينه الشرطان في بيع؛ فإنَّ الشرط يُطلق على العقد نفسه؛ لأنهما تشارطا على الوفاء به، فهو مشروط، والشرط يطلق على المشروط كثيرًا، كالضرب يطلق على المضروب، والحلق يطلق على المحلوق، والنسخ على المنسوخ، فالشرطان كالصفقتين سواء، فشرطان في بيع كصفقتين في صفقة. اهـ المراد وانظر بقية كلامه فإنه نفيس.","vol":"5","page":582},{"text":"قلتُ: الأظهر أنَّ قوله: «وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ» هو كقوله: «نهى عن بيعتين في بيعة»، وقد تقدم الكلام على بيعتين في بيعة، وأما حمل ذلك على الشرطين الفاسدين، أو المحرمين فهو محمل فاسد؛ لأنَّ الفاسد المحرم لا يجوز، وإن كان شرطًا، وأما حمله على عدم اشتراط أكثر من منفعة؛ فأي فرقٍ بين منفعة، ومنفعتين، وثلاث، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «المسلمون على شروطهم؛ إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا» (^١). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2695>مسألة [٣]: «وَلا رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ»</span>.\nذكروا لذلك صورًا:\nمنها: أن يبيع المشتري السلعة قبل أن يقبضها من البائع، فهي لا تزال في ضمان البائع، وذلك فيما إذا منع البائع المشتري من قبضها.\nوأما إذا لم يمنعه؛ فلا تكون من ضمان البائع، بل من ضمان المشتري، ولكن لا يجوز له بيعها؛ لحديث: «نهى أن تُباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم». (^٣)\nومنها: أن يبيع السلعة التي اشتراها من شخص قبل أن يتفرقا من البيع الأول.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» برقم (٨٦١).\n(^٢) انظر: «تهذيب السنن» (٥/ ١٤٤ - ١٤٩)، «المغني» (٦/ ٣٢١)، «الإنصاف» (٤/ ٣٣٧).\n(^٣) سيأتي تخريجه برقم (٧٨٧)، وهو حديث صحيح.","vol":"5","page":583},{"text":"ومنها: أن يبيع المغصوب؛ فهو ليس من ضمانه ضمان الملك وإن كان من ضمانه ضمان غصب.\nومنها: أن يبيع القرض الذي في ذمة فلان لرجل آخر؛ لأنه ليس في ضمانه. وممن منع من ذلك الشعبي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. وعلل بعضهم المنع بأنه من الغرر؛ فقد لا يقدر عليه، وهذا القول هو الصحيح، والتعليل بأنه لم يدخل في ضمانه أقوى.\nوأجاز ذلك عطاء، والنخعي، وابن سيرين، والحسن، وأيوب، والبتي. (^١)\nتنبيه: إذا كان الدين دراهم؛ فلا يجوز شراؤه بدنانير في قولهم جميعًا؛ لأنه يشترط فيه التقابض. (^٢)\nقال ابن القيم -﵀- في «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٣ -): والنهي عن ربح مالم يضمن قد أشكل على بعض الفقهاء علته، وهو من محاسن الشريعة؛ فإنه لم يتم عليه استيلاء، ولم تنقطع علق البائع عنه؛ فهو يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، وإن أقبضه إياه، فإنما يقبضه على إغماض وتأسف على فوت الربح، فنفسه متعلقة به لم ينقطع طمعها منه، وهذا معلوم بالمشاهدة، فمن كمال الشريعة ومحاسنها النهي عن الربح فيه حتى يستقر عليه، ويكون من ضمانه، فييأس البائع من الفسخ، وتنقطع علقه عنه. انتهى المراد.\n_________\n(^١) «الأوسط» (١٠/ ٤٧).\n(^٢) «الإنصاف» (٥/ ٨٧) ط/إحياء التراث.","vol":"5","page":584},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2696>مسألة [٤]: قوله: «وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك»</span>.\nجاء النهي عن ذلك أيضًا في حديث حكيم بن حزام عند أحمد (٣/ ٤٠٢)، وأبي داود (٣٥٠٣)، والنسائي (٧/ ٢٨٩) وغيرهم، فقد سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: يأتيني الرجل يبتاع مني، وليس عندي ما أبيعه، فأبيعه، ثم أبتاعه من السوق. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تبع ما ليس عندك»، وفي إسناده: عبدالله بن عصمة، وهو مجهول الحال، ولكن الحديث يرتقي مع حديث عمرو بن شعيب الذي في الباب إلى الصحة.\nواستدل البخاري على المنع من ذلك بحديث النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، فبوَّب في «صحيحه»: [باب بيع الطعام قبل أن يقبض، وبيع ما ليس عندك]، ثم أورد حديث ابن عباس، وابن عمر -﵃- في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه.\nقال الحافظ -﵀- (٢١٣٥): لم يذكر في حديثي الباب بيع ما ليس عندك، وكأنه لم يثبت على شرطه، فاستنبطه من النهي عن البيع قبل القبض، ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى. اهـ\nقال ابن المنذر كما في «الفتح» (٢١٣٥): وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين: أحدهما: أن يقول: أبيعك عبدًا، أو دارًا معينة، وهي غائبة؛ فيشبه الغرر؛ لاحتمال أن تتلف، أو لا يرضاها. ثانيهما: أن يقول: هذه الدار بكذا على أن اشتريها لك من صاحبها، أو على أن يسلمها لك صاحبها.","vol":"5","page":585},{"text":"قال الحافظ: وقصة حكيم موافقة للاحتمال الثاني. اهـ\nقال ابن القيم -﵀- في «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٦ -): وأما قوله - ﷺ -: «لا تبع ما ليس عندك»؛ فهو مطابقٌ لنهيه - ﷺ - عن بيع الغرر؛ لأنه إذا باع ما ليس عنده؛ فليس هو على ثقة من حصوله، بل قد يحصل له، وقد لا يحصل، فيكون غررًا، كبيع الآبق، والشارد، والطير في الهواء، وما تحمل ناقته، ونحوه. اهـ، ثم استدل بحديث حكيم بن حزام.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٢٩٦): ولا يجوز أن يبيع عينًا لا يملكها؛ ليمضي ويشتريها، ويسلمها روايةً واحدة، وهو قول الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفًا. اهـ. ثم استدل بحديث حكيم بن حزام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2697>مسألة [٥]: بيع الرجل ما اغتصب منه لمن يقدر على استرجاعه</span>.\nقال ابن القيم -﵀- في «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٨): فإن قيل: فأنتم تجوزون للمغصوب منه أن يبيع المغصوب لمن يقدر على انتزاعه من غاصبيه، وهو بيع ماليس عنده؟ قيل: لما كان البائع قادرًا على تسليمه بالبيع، والمشتري قادرًا على تسلمه من الغاصب؛ فكأنه قد باعه ما هو عنده، وصار كما لو باعه مالًا وهو عند المشتري وتحت يده، وليس عند البائع، والعندية هنا ليست عندية الحس والمشاهدة؛ فإنه يجوز أن يبيعه ما ليس تحت يده، ومشاهدته، وإنما هي عندية الحكم والتمكين، وهذا واضح، ولله الحمد. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٩/ ٢٨٥).","vol":"5","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2698>مسألة [٦]: هل يدخل بيع السَّلم في بيع ما ليس عندك</span>؟\nصورة السَّلَم: أن يقدم المال كاملًا في مجلس العقد مقابل سلعة موصوفة في الذمة إلى أجل معين.\nقال ابن القيم -﵀- في «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٧ - ١٥٨): وقد ظنَّ طائفةٌ أنَّ السَّلم مخصوص من عموم هذا الحديث؛ فإنه بيع ما ليس عنده، وليس كما ظنُّوه؛ فإنَّ الحديث إنما تناول بيع الأعيان، وأما السَّلم فعقد على ما في الذمة، بل شرطه أن يكون في الذمة، فلو أسلم في مُعَيَّنٍ عنده؛ كان فاسدًا، وما في الذمة مضمون مستقر فيها، وبيع ما ليس عنده إنما نُهي عنه؛ لكونه غير مضمون عليه، ولا ثابت في ذمته، ولا في يده، فالمبيع لابد أن يكون ثابتًا في ذمة المشتري، أو في يده، وبيع ما ليس عنده ليس بواحد منهما؛ فالحديث باقٍ على عمومه. اهـ\nتنبيه: هذا الحديث: «ولا تبع ما ليس عندك» يدل على شرط من شروط البيع المتقدمة، وهو:\nالشرط الخامس: أنْ يكون البيع من مالكٍ، أو ممن يقوم مقامه.\nوالذي يقوم مقامه هو الوكيل، أو الوصي إذا كان بعد الموت في الثلث، أو ناظر الوقف أو القاضي في حق المحجور عليه، أو ولي اليتيم، والسفيه، والمجنون والثلاثة الأولون مأذون لهم من قِبَل المالك، والباقون مأذون لهم من قِبَل الشرع.","vol":"5","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2699>مسألة [٧]: البيع بشرط البيع، أو الصرف، أو الإجارة، أو المزارعة، أو نحو ذلك</span>.\nكأن يقول: أبيعك سيارتي بمائة ألف على أن تبيعني بيتك بثمانين ألفًا. أو يقول: أبيعك سيارتي بمائة ألف على أن تصرف لي المائة السعودي بخمسة آلاف وخمسمائة. وصرفها في السوق بأقل من ذلك، أو يقول: أبيعك سيارتي على أن تؤجرني منزلك بثلاثة آلاف في الشهر، أو على أن تزارعني على الربع.\n• فجمهور العلماء يرون عدم جواز هذه الصُّوَر؛ لحديث الباب: «نهى عن بيع وسلف»، وحديث: «نهى عن بيعتين في بيعة»؛ ولأنَّ ذلك يؤدي إلى الجهالة بثمن المبيع؛ لأنه لم يبعه بذلك الثمن إلا بسبب وجود العقد الآخر، وهو قول هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية.\n• وذهب مالك إلى الجواز، واختاره الشيخ ابن عثيمين؛ وذلك لأنَّ الأصل في المعاملات الحِل، وقالوا: الجمع بين العقدين جائزٌ بلا شرط، فما الذي يجعله ممنوعًا مع الشرط، وفي الحديث: «والمسلمون على شروطهم؛ إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور أقرب؛ لأنَّ فيه شبهًا بالنهي عن سلف وبيع، ولا يظهر فرقٌ واضحٌ بينها، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٣٢)، «الشرح الممتع» (٨/ ٢٥٠)، «أبحاث هيئة كبار العلماء» (١/ ٢١٣).","vol":"5","page":588},{"text":"٧٨٦ - وَعَنْهُ -﵁-، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ العُرْبَانِ. رَوَاهُ مَالِكٌ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2700>مسألة [١]: حكم بيع العربان ومعناه</span>.\nفيه ست لغات: عُرْبُون، وعَرَبون، وعُرْبان، وأَرْبُون، وأَرَبُون، وأُربان.\nقال ابن القاسم في «حاشيته على الروض» (٤/ ٤٠٧): سُمِّي بذلك؛ لأنَّ فيه إعرابًا بالعقد، يعني إصلاحًا، وإزالة فساد؛ لئلا يملكه غيره بشرائه. وهذا كلام ابن الأثير.\nوتعريف العربان: هو أن يشتري سلعة فيدفع إلى البائع بعض المال، على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فذلك للبائع.\n• وقد اختلف أهل العلم في بيع العربان: فذهب جمهور العلماء إلى عدم الجواز، واستدلوا بحديث الباب، وقالوا: فيه غرر، وأكل أموال الناس بدون مقابل.\n• وذهب أحمد في المشهور عنه، وعليه أكثر أصحابه إلى الجواز، وهو قول مجاهد، وابن سيرين، ونافع بن عبد الحارث، وجاء عن عمر بن الخطاب -﵁-\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه مالك (٢/ ٦٠٩) وفيه انقطاع، وفي بعض نسخ الموطأ: (رواه مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده). وقد قيل: إن الساقط هو ابن لهيعة، وقيل: هو عبدالله بن عامر الأسلمي، وكلاهما ضعيف، وعلى كلٍّ فالحديث إسناده ضعيف.","vol":"5","page":589},{"text":"إقرار ذلك البيع، ولكن في إسناده: عبد الرحمن بن فروخ، وهو مجهول. وجاء أيضًا عن ابن عمر -﵄-، وفي إسناده: يحيى بن محمد بن طحلاء، وهو مجهول الحال.\nواستدل هؤلاء بأنَّ الأصل هو حل المعاملات، والحديث لم يصح في النهي عنه، وأما الجهالة؛ فليس فيه جهالة الميسر التي يكون الداخل فيها بين احتمال الغنم والغرم، وأما هاهنا ففيه مصلحة للبائع والمشتري، وليس فيه أخذ المال بدون مقابل؛ لأنَّ البائع قد يحصل له الضرر بسبب الانتظار، كأن ينخفض سعر السلعة، أو يفقد البائع المشترين، ويتحمل عواقبه البائع.\nوقد رجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو الصحيح فيما يظهر لي، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: بيع العربون لا يجوز في ثلاث حالات:\nالأولى: ما يشترط فيه قبض البدلين، كالأصناف الربوية.\nالثانية: ما يُشترط فيه قبض أحد البدلين، كبيع السلم؛ فإنه يشترط فيه تقديم جميع المال.\nالثالثة: أن يكون البائع مالكًا للسلعة؛ لأنه لا يجوز بيع ما لا يملك.\n_________\n(^١) وانظر: «النهاية» لابن الأثير (٣/ ٢٠٢)، «معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية» (٢/ ٤٩٠)، «المغني» (٦/ ٣٣١)، «التمهيد» (١٢/ ٧ -)، «شرح البلوغ» لابن عثيمين (٣/ ٥٦٠)، «مسائل عبد الله» (ص ٢٨٠)، «المجموع» (٩/ ٣٣٥)، «الأوسط» (١٠/ ٣٣٧).","vol":"5","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2701>مسألة [٢]: عقد الاستصناع</span>.\nالمستصنِع بالكسر هو طالب الصناعة، وهو المشتري، والمستَصنَع بالفتح هو المبيع، والبائع هو الصانع.\nصورته: أن يأتي الرجل إلى مصنع، أو ورشة، ويطلب من صاحبه أن يعمل معه عقد بيع على استصناع أبواب، أو غرفة نوم، أو مجلس عربي، أو تصنيع أحذية، أو تصنيع ملابس، أو غير ذلك، وتكون المواد موجودة عند البائع، فيبرمان العقد، ويدفع بعض الثمن، فما حكم هذا الأمر؟ فيه خلاف:\n• فالجمهور -ومنهم الشافعي، ومالك، وأحمد- على أنَّ عقد الاستصناع بالصورة المتقدمة لا يجوز، وهو قول زفر من الحنفية، واستدلوا بحديث: «لا تبع ما ليس عندك»؛ فهو بيع معدوم، وإنما رخص ذلك في السَّلَم؛ لأنَّ رأس المال كاملًا يكون متوفرًا حال العقد، بخلاف عقد الاستصناع، فلا يشترط فيه تقديم رأس المال.\n• والحنفية يرون جواز عقد الاستصناع، وهو قول بعض الحنابلة، وقال به مالك إذا كان حدد أجلًا، وقالوا: إنه من حاجة الناس، ولا غنى لهم عنه، وقالوا: عليه عمل المسلمين، وهو من عقود المعاوضات التي ليس فيه غرر، ولا جهالة.\nقال الإمام عبد الرحمن السعدي -بعد ما ذكر مذهب الجمهور-: وقيل: يصح، وهو أولى؛ لعدم الجهالة، فشرط الصحة موجودٌ، والمانع مفقودٌ، ومن قال","vol":"5","page":591},{"text":"بالتحريم؛ فعليه الدليل، وأنَّى له ذلك. اهـ\nوقال الإمام العثيمين ﵀ في كتاب «لقاء الباب المفتوح» (رقم ١٣١ ص ٢٦):\nهذا لا بأس به؛ لأنه لم يبع عليه شيئًا معينًا، إنما اتفق معه على استصناع شيء معين، فالصواب: أنه لا بأس به، وليس فيه مانع، ويكون هذا ثابتًا في ذمته، ويعمل بمقتضى العقد. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر لي أن عقد الاستصناع ليس من باب: (بيع السَّلَم)؛ فإن صورته مختلفة؛ فبيع السَّلَم بيع لموصوف في الذمة غير موجود، وههنا المواد موجودة، ولكن بقي تصنيعها على الوجه المتفق عليه إلى أجل معلوم، وليس في هذا غرر ولا جهالة، فالأقرب أنه من باب: (بيع الشيء الغائب) مع خيار الرؤية، فإلحاقه بهذه الصورة أقرب، والله أعلم.\nتنبيه: أبو حنيفة يجعل عقد الاستصناع مُلزِمًا للصانع، وليس بملزم للمشتري، وهذا قولٌ غريب، وأبو يوسف يرى أنه ملزم للطرفين، وهذا هو الذي رجحه كثير من الحنفية، ورجحه المجمع الفقهي بشرط أن تتوفر في المستصنَع الشروط، فإذا وجد المشتري خلافًا للشروط التي اشترطها؛ فليس الشراء لازمًا له.","vol":"5","page":592},{"text":"شروط عقد الاستصناع:\n\n١ - بيان جنس المستصنع. ... ٢ - بيان نوعه. ... ٣ - بيان قدره.\n\n٤ - أوصافه المطلوبة. ... ٥ - تحديد الأجل.\nمما يجوز في عقد الاستصناع.\n\n١ - تقديم كامل رأس المال. ... ٢ - تأخير كامل رأس المال.\n\n٣ - تقديم جزء من المال. ... ٤ - دفعه أقساطًا.\n\n٥ - يجوز أن يتضمن شرطًا جزائيًّا إذا اتفق عليه المتعاقدون.\nمثال الشرط الجزائي من قبل البائع:\nأن يقول للمشتري: سأصنع لك ما طلبت، ولكن إذا تراجعت عن الشراء فأطالبك بعشرة في المائة من ثمن المستصنع مثلًا.\nمثال الشرط الجزائي من قِبَل المشتري:\nأن يقول للصانع: لو تأخرت عن صناعة المطلوب، وصرت أنا عاجزًا عن شراء هذا المستصنع إلا بسعر أرفع، وأنا مستعجل؛ فيلزمك دفع الزيادة لتأخيرك لي عن ا لشراء في وقت الرخاء. والمجمع الفقهي، وهيئة كبار العلماء يجيزون هذا الشرط الجزائي. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٣٥ - ٣٦) «المبسوط» (١٢/ ١٣٨ - ١٣٩)، «الإنصاف» (٥/ ٧٤ - ٧٥)، «الفروع» (٤/ ٢٤)، «فتح القدير» (٧/ ١١٤ -)، «الأم» (٣/ ١٣٤) ط/الفكر «روضة الطالبين» (٤/ ٢٧ - ٢٨)، «جواهر الإكليل» (٢/ ٣٧)، «مجلة المجمع للفقه الإسلامي» (العدد السابع/٢/ ٢٢٣).","vol":"5","page":593},{"text":"٧٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: ابْتَعْتُ زَيْتًا فِي السُّوقِ، فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذِرَاعِي فَالتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: لَا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْته حَتَّى تَحُوزَهُ إلَى رَحْلِك؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إلَى رِحَالِهِمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nيستفاد من الحديث المتقدم: أنَّ السلعة إذا اشتريت فلا يجوز بيعها حتى يحولها، وقوله «إلَى رِحَالِهِمْ» خرج مخرج الغالب، وليس ذلك بشرط، وإنما الواجب هو قبضها، وهذا الحديث محمول على ما ينقل، وأما العقارات، وما لا ينقل، أو يشق نقله؛ فقبضه بالتخلية بينه وبين المشتري.\nويستفاد من هذا الحديث: أنَّ هذا الحكم عام في الطعام وغيره من المتاع؛ لعموم قوله: «أن تُباع السِّلَع»، و(السِّلَع) جمع (سِلعة)، وهي المتاع وما يُتَّجَرُ بِهِ، وقد تقدم ذكر أقوال العلماء في هذه المسائل، وبيان الراجح منها تحت حديث رقم (٧٨٣).\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١٩١)، وأبوداود (٣٤٩٩)، وابن حبان (٤٩٨٤)، والحاكم (٢/ ٤٠)، من طريق محمد بن إسحاق عن أبي الزناد عن عبيد بن حنين عن ابن عمر به. وهذا إسناد حسن؛ لأن ابن إسحاق حسن الحديث إذا صرح بالتحديث، وقد صرح بالتحديث عند أحمد وابن حبان، وابن إسحاق قد توبع، فقد أخرجه الطبراني (٤٧٨١) من وجه صحيح عن جرير بن حازم عن أبي الزناد به. وإسناده صحيح، فالحديث صحيح.","vol":"5","page":594},{"text":"٧٨٨ - وَعَنْهُ -﵁-، قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أَبِيعُ الإِبِلَ بِالبَقِيعِ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذَا مِنْ هَذِهِ وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2702>مسألة [١]: التقاضي بدل الدراهم دنانير والعكس، أو التقاضي بعملة غير العملة التي أسلفه فيها</span>.\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز ذلك، وقالوا: يكون صرفًا بعين وذمة، وصحَّ القول بالجواز عن عمر وابنه عبد الله بن عمر -﵄-، أخرج أثر عمر ابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ١٩٢) بإسنادٍ صحيحٍ، وأثر ابن عمر مخرج في\n_________\n(^١) الراجح وقفه. أخرجه أحمد (٢/ ٨٣ - ٨٤، ١٣٩)، وأبوداود (٣٣٥٤) (٣٣٥٥)، والترمذي (١٢٤٢)، والنسائي (٧/ ٢٨٢)، وابن ماجه (٢٢٦٢)، والحاكم (٢/ ٤٤)، من طريق سماك بن حرب عن سعيد ابن جبير عن ابن عمر به. وقد خطَّأ الحفاظ سماكًا في رفعه لهذا الحديث. قال الدارقطني في «العلل» (٣٠٧٢): لم يرفعه غير سماك، وسماك سيئ الحفظ.\n\nوقال البيهقي في «السنن» (٥/ ٢٨٤): والحديث يتفرد برفعه سماك بن حرب عن سعيد بن جبير من بين أصحاب ابن عمر. اهـ وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث سماك ابن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر. وروى داود بن أبي هند هذا الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عمر موقوفًا. وأخرج البيهقي في «المعرفة» (٤/ ٣٥٣) بإسناد صحيح عن شعبة بن الحجاج قال: عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، ولم يرفعه، وحدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر، ولم يرفعه، وحدثنا داود بن أبي هند عن سعيد بن جبير عن ابن عمر، ولم يرفعه، وحدثنا يحيى بن أبي إسحاق عن سالم عن ابن عمر، ولم يرفعه، ورفعه لنا سماك بن حرب، وأنا أفرقه. اهـ\nقلتُ: فالصواب أن الحديث موقوف، وأن رفعه خطأ غير محفوظ، والله أعلم.","vol":"5","page":595},{"text":"حديث الباب.\n• ومنع من ذلك ابن شبرمة، وأبو سلمة، وابن سيرين، وأبو عبيدة بن عبد الله ابن مسعود، وصحَّ هذا القول عن ابن عباس -﵄-، وجاء عن ابن مسعود بسند منقطع؛ لأنه من طريق: ابن سيرين، قال: بلغني عن ابن مسعود، وعللَّ بعضهم ذلك بأنَّ القبض شرطٌ، وقد تخلف.\nواستدل الجمهور على الجواز بحديث ابن عمر الذي في الباب، وقد تقدم أنه ضعيف، وقالوا: الأصل هو جواز المعاملات؛ مالم يأت دليل على التحريم، ولا نعلم دليلًا على تحريم المصارفة بين حاضر، وذمة، وهذا القول هو الصواب، وقد رجحه الإمام ابن عثيمين -﵀- في «شرح البلوغ».\nوقد اختلف الجمهور: هل يجوز أن يأخذ منه أكثر من سعر يومها؟\n• فذهب الحنفية، والشافعية إلى أنه يجوز له أن يأخذ أكثر من سعر يومها، واختار هذا القول الصنعاني -﵀- في «السبل»؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإذا اختلفت هذه الأصناف؛ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد».\n• وذهب أحمد وغيره إلى أنه لا يجوز له أن يأخذ منه أكثر من سعر ذلك اليوم، واختار هذا القول ابن القيم، ومال إليه الشوكاني، ورجحه الإمام ابن عثيمين -﵀-؛ لأنه إذا صارفه بأكثر من سعر السوق؛ فقد ربح فيما لم يضمن، وقد تقدم الحديث في النهي عن ذلك، وهذا القول أقرب، والله أعلم.","vol":"5","page":596},{"text":"تنبيه: لا بأس أن يأخذها منه بأقل من سعر السوق؛ لأنَّ ذلك يُعتبر إعانة من البائع، ولا بأس أيضًا أن يتسامح المشتري ويعطيه أكثر من سعر السوق على سبيل الهبة، والإحسان، لا على سبيل المعاوضة والصرافة.\nتنبيه: يُشترط التقابض؛ لأنَّ المصارفة يُشترط فيها ذلك كما سيأتي في أبواب الربا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2703>مسألة [٢]: إذا كان الذي في الذمة مؤجلا لم يأت وقت سداده، فهل يجوز المصارفة فيه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ١٠٨): فَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلًا، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَمَشْهُورُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُسْتَحَقُّ قَبْضُهُ، فَكَانَ الْقَبْضُ نَاجِزًا فِي أَحَدِهِمَا، وَالنَّاجِزُ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ.\nوَالْآخِرُ الْجَوَازُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوضِ، فَكَأَنَّهُ رَضِيَ بِتَعْجِيلِ الْمُؤَجَّلِ، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ إذَا قَضَاهُ بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْمَقْضِيِّ فَضْلًا لِأَجْلِ تَأْجِيلِ مَا فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْقُصْهُ عَنْ سِعْرِهَا شَيْئًا، فَقَدْ رَضِيَ بِتَعْجِيلِ مَا فِي الذِّمَّةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَاهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنَ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر للمسألة: «المغني» (٦/ ١٠٧ - ١٠٨)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٦/ ٣٣٢ - ٣٣٦)، «سبل السلام» (٣/ ٣٥)، «نيل الأوطار» (٢١٨٧)، «شرح البلوغ» لابن عثيمين (٣/ ٥٦٥ -)، «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٣).","vol":"5","page":597},{"text":"٧٨٩ - وَعَنْهُ -﵁-، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ النَّجْشِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2704>مسألة [١]: تعريف النجش، وحكمه</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: (النَّجْش) بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُون الْجِيمِ بَعْدَهَا مُعْجَمَة، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: تَنْفِيرُ الصَّيْد وَاسْتِثَارَتُهُ مِنْ مَكَانِهِ؛ لِيُصَادَ، يُقَالُ: نَجَشْتُ الصَّيْد أَنْجُشُهُ بِالضَّمِّ نَجْشًا. وَفِي الشَّرْعِ: الزِّيَادَة فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ مِمَّنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِيَقَع غَيْرُهُ فِيهَا، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاجِشَ يُثِيرُ الرَّغْبَةَ فِي السِّلْعَةِ، وَيَقَعُ ذَلِكَ بِمُوَاطَأَةِ الْبَائِعِ، فَيَشْتَرِكَانِ فِي الْإِثْمِ، وَيَقَعُ ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمِ الْبَائِعِ؛ فَيَخْتَصُّ بِذَلِكَ النَّاجِشُ، وَقَدْ يَخْتَصُّ بِهِ الْبَائِعُ، كَمَنْ يُخْبِرُ بِأَنَّهُ اِشْتَرَى سِلْعَة بِأَكْثَر مِمَّا اِشْتَرَاهَا بِهِ؛ لِيَغُرّ غَيْره بِذَلِكَ. انتهى المراد.\nحكمه: حرامٌ بالإجماع، نقله ابن بطال كما في «الفتح» (٢١٤٢)، وابن عبد البر كما في «التمهيد» (١٢/ ٢٩٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2705>مسألة [٢]: ما حكم البيع إذا حصل فيه نجش</span>؟\n• من أهل العلم من قال ببطلان البيع، وهو مذهب الظاهرية، ورواية عن مالك، ورواية عن أحمد؛ لأنَّ النهي يقتضي الفساد، وهو اختيار البخاري، وعزاه ابن المنذر إلى طائفة من أهل الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٤٢)، ومسلم (١٥١٦).","vol":"5","page":598},{"text":"• وذهب أكثر أهل العلم -كما ذكر ابن قدامة- إلى صحة البيع، وهو قول أحمد، وظاهر مذهب الحنابلة عليه، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي؛ وذلك لأنَّ النهي عائدٌ إلى النجش، لا إلى أصل البيع، واختار هذا القول الإمام ابن عثيمين.\nوقال الحافظ -﵀-: والمشهور عن المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو وجهٌ للشافعية. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الأقرب.\nولكن إذا حصل غبن للمشتري غير يسير؛ فله الخيار، وهو قول الحنابلة، وخصَّ ذلك بعض الشافعية فيما إذا كان النجش بعلم البائع. (^١)\nتنبيه: قال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٢١٤٢): وَقَدْ اِتَّفَقَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَفْسِير النَّجْش فِي الشَّرْعِ بِمَا تَقَدَّمَ، وَقَيَّد اِبْن عَبْد الْبَرّ، وَابْن الْعَرَبِيِّ، وَابْن حَزْم التَّحْرِيم بِأَنْ تَكُونَ الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة فَوْقَ ثَمَن الْمِثْل.\nقَالَ اِبْن الْعَرَبِيِّ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رَأَى سِلْعَةَ رَجُلٍ تُبَاعُ بِدُونِ قِيمَتِهَا، فَزَادَ فِيهَا؛ لِتَنْتَهِيَ إِلَى قِيمَتِهَا؛ لَمْ يَكُنْ نَاجِشًا عَاصِيًا، بَلْ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ بِنِيَّتِهِ.\nوَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إِذْ لَمْ تَتَعَيَّنْ النَّصِيحَة فِي أَنْ يُوهِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ الشِّرَاء وَلَيْسَ مِنْ غَرَضِهِ، بَلْ غَرَضُهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٣٠٥)، «الفتح» (٢١٤٢)، «التمهيد» (١٢/ ٢٩٠ - ٢٩١).","vol":"5","page":599},{"text":"مَنْ يُرِيدُ الشِّرَاء أَكْثَرَ مِمَّا يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ، فَلِلَّذِي يُرِيدُ النَّصِيحَة مَنْدُوحَة عَنْ ذَلِكَ أَنْ يُعْلِمَ الْبَائِع بِأَنَّ قِيمَةَ سِلْعَتِك أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ هُوَ بِاخْتِيَارِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. انتهى المراد.\nوقد اختار الصنعاني، والشوكاني قول الأكثر، وتابعوا الحافظَ على ما ذكر.","vol":"5","page":600},{"text":"٧٩٠ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالمُزَابَنَةِ، وَالمُخَابَرَةِ، وَعَنِ الثُّنْيَا، إلَّا أَنْ تُعْلَمَ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2706>مسألة [١]: معنى المحاقلة، وحكمها</span>.\n• اختلف في تفسير المحاقلة، وهي مأخوذة من الحَقْل، وهو الزرع، والأقرب في تفسيرها أنها بيع الزرع بحبٍّ من جنسه.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٩/ ٣٠٩): قال العلماء: المحاقلة بيع الحنطة في سنبلها بكيل معلوم من الحنطة، واتفق العلماء على بطلانها، وله علتان مع الحديث: إحداهما: أنه بيع حنطة وتبن بحنطة، وذلك ربا. والثانية: أنه بيع حنطة في سنبلها. انتهى المراد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2707>مسألة [٢]: معنى المزابنة، وحكمها</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢١٨٣): (الْمُزَابَنَة) بِالزَّاي وَالْمُوَحَّدَة وَالنُّونِ، مُفَاعَلَة مِنْ الزَّبْنِ بِفَتْحِ الزَّايِ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ الدَّفْعُ الشَّدِيدُ،\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٣٤٠٥)، والنسائي (٧/ ٣٧ - ٣٨)، والترمذي (١٢٩٠)، من طريق سفيان بن حسين عن يونس بن عبيد عن عطاء عن جابر به. ولم يذكر أبوداود (المخابرة) وإسناده صحيح. وأخرج الحديث أحمد (١٤٣٥٨) من رواية أبي الزبير عن جابر ولم يذكر التقييد (إلا أن تعلم). وأخرج الحديث البخاري (٢٣٨١)، ومسلم (١٥٣٦) (٨٥)، ولم يذكر البخاري (الثنيا) وذكرها مسلم بدون التقييد (إلا أن تعلم).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٦/ ٢٩٩)، «الفتح» (٢٢٠٧).","vol":"5","page":601},{"text":"وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْحَرْبُ (الزَّبُونَ)؛ لِشِدَّةِ الدَّفْعِ فِيهَا، وَقِيلَ لِلْبَيْعِ الْمَخْصُوصِ: الْمُزَابَنَة؛ لِأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ صَاحِبه عَنْ حَقِّهِ، أَوْ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا وَقَفَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْغَبْنِ أَرَادَ دَفْع الْبَيْع بِفَسْخِهِ، وَأَرَادَ الْآخَر دَفْعَهُ عَنْ هَذِهِ الْإِرَادَةِ بِإِمْضَاء الْبَيْع. اهـ\nقلتُ: والمزابنة مفسرة بحديث ابن عمر -﵄- في «الصحيحين» (^١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن المزابنة، وهي أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلًا بتمرٍ كيلًا، وإن كان كرمًا بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام، وسيأتي مزيدٌ في الكلام على ذلك في باب الربا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2708>مسألة [٣]: معنى المخابرة، وحكمها</span>.\nقال ابن الأثير في «النهاية» (مادة خبر): قيل: هي الْمُزارَعة على نَصيب مُعَيَّن كالثلث، والرُّبع وغيرهما، والْخُبْرة: النَّصيبُ. وقيل: هو من الْخَبار: الأرضِ اللَّينة. وقيل: أصل المخابرة من خَيْبر؛ لأن النبي - ﷺ - أقرَّها في أيدي أهلها على النِّصف من محصولها، فقيل: خابَرَهم، أي: عاملهم في خَيبر. انتهى.\nوسيأتي حكمها إن شاء الله في باب المساقاة والمزارعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2709>مسألة [٤]: قوله: وعن الثنيا إلا أن تعلم</span>.\nالمراد بالثنيا، أي: استثناء شيء من المبيع، وله صور:\nأحدها: استثناء شيء معلوم من مقدارٍ معلوم.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» برقم (٨٣٠).","vol":"5","page":602},{"text":"قال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٥٣٦): فلو قال: بعتك هذه الأشجار إلا هذه الشجرة، أو: هذه الشجرة إلا ربعها، أو: الصبرة إلا ثلثها، أو: بعتك بألف إلا درهمًا، وما أشبه ذلك من الثُنيا المعلومة؛ صحَّ البيع باتفاق العلماء. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٧٣): إذا استثنى نخلةً، أو شجرةً بعينها؛ جاز، ولا نعلم في ذلك خلافًا، وذلك لأنَّ المستثنى معلوم، ولا يؤدي إلى جهالة المستثنى منه. اهـ\nوقد استدلوا بحديث الباب: «وعن الثنيا إلا أن تعلم».\nوتمثيل النووي -﵀- بـ (الصبرة إلا ثلثها) ليس فيه اتفاق من العلماء، فقد خالف في ذلك بعض الحنابلة كما في «المغني» (٦/ ١٧٣)، والصواب جوازها، وعليه أكثر الحنابلة.\nثانيها: أن يبيع مزرعته ويستثني خمس شجرات مثلا، أو يبيع قطيع الغنم ويستثني خمسًا بدون تعيين.\n• ذهب أكثر أهل العلم كما ذكر ابن قدامة إلى أنَّ البيع لا يصح، واستدل عليه بحديث الباب: «وعن الثنيا إلا أن تعلم»، وبحديث: «نهى عن بيع الغرر» (^١)، وذلك لأنَّ الاستثناء مجهول؛ فصار المستثنى منه وهو المبيع مجهولًا.\n• وذهب مالك -﵀- إلى الجواز.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٧٨٢).","vol":"5","page":603},{"text":"والصواب قول الجمهور؛ لما تقدم، والله أعلم. (^١)\nثالثها: أن يستثني شيئًا معلومًا من شيء معلوم بالمشاهدة لا بالقدر.\nوذلك مثل أن يبيع ثمرة بستان، ويستثني منها صاعًا، أو آصع، أو باع صبرة طعام واستثنى منها مثل ذلك.\n• فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ ذلك لا يجوز، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وذلك لأنَّ المبيع معلوم بالمشاهدة لا بالقدر، والاستثناء يغير حكم المشاهدة؛ لأنَّه لا يدري كم يبقى في حكم المشاهدة؛ فلم يجز.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز هذا الاستثناء، وصحة البيع، وهو قول ابن سيرين، وسالم، ومالك وأحمد في رواية واستدلوا بحديث الباب: «وعن الثنيا إلا أن تعلم».\nوذكر النووي -﵀- في «شرح مسلم» أنَّ مالكًا قيَّد ذلك بما إذا كان الاستثناء أقل من الثلث.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الَّراجح هو الجواز؛ لأنه استثناء معلوم، وبالله التوفيق. (^٢)\nرابعها: أن يبيع حيوانًا مأكولًا ويستثني منه رأسه، أو جلده، أو أطرافه.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ١٧٤)، «شرح مسلم» (١٥٣٦).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٦/ ١٧٢)، «شرح مسلم» (١٥٣٦).","vol":"5","page":604},{"text":"• ذهب الإمام أحمد -﵀- إلى صحة البيع؛ لحديث الباب: «وعن الثنيا إلا أن تعلم»، فإذا كان الاستثناء معلومًا؛ فالمستثنى منه معلوم.\n• وقال مالك: يصح الاستثناء في السفر دون الحضر؛ لأنَّ المسافر لا ينتفع بذلك.\n• وقال الشافعية، والحنفية: لا يجوز؛ لأنه لا يجوز إفراده بالعقد؛ فلا يجوز استثناؤه، كالحمل.\nوالقول الأول هو الصواب، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين، وأما قولهم: (لا يجوز إفراده بالبيع) فليس بمُسَلَّم، ثم هو استبقاء وليس ببيع. (^١)\nخامسها: بيع الحيوان واستثناء الحمل.\n• ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى منع ذلك، وهو قول مالك، والشافعي، والثوري، وأحمد، وأبي حنيفة وغيرهم؛ لأنه مجهول لا يصح إفراده بالبيع؛ فلا يصح استثناؤه.\n• وذهب أحمد في رواية إلى صحته، وهو قول النخعي، والحسن، وإسحاق، وأبي ثور. ورجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين؛ لأنَّ الاستثناء ليس ببيع، بل هو استبقاء، وهو الصواب، والله أعلم. (^٢)\nسادسها: بيع الحيوان واستثناء شحمه.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ١٧٤ - ١٧٥)، «الشرح الممتع» (٨/ ١٨٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ١٧٥)، «الشرح الممتع» (٨/ ١٨٣).","vol":"5","page":605},{"text":"قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٧٥): فإن استثنى شحم الحيوان؛ لم يصح، نصَّ عليه أحمد، قال أبو بكر: لا يختلفون عن أبي عبد الله أنه لا يجوز، وذلك لأنَّ النبي - ﷺ - نهى عن الثُنيا إلا أن تُعلم. اهـ. وهذا عليه عامة أهل العلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2710>مسألة [٥]: إذا امتنع المشتري من الذبح وقد استثنى البائع شيئًا من الحيوان</span>؟\nإذا اشترط عليه الذبح فيلزم المشتري بذبحها؛ فالمسلمون على شروطهم وإن لم يشترط عليه ذلك فيقوم العضو الذي استثناه ويُلزم البائع بأخذ قيمته من النقود. (^٢)\nتنبيه: لو كان في الجزء المستثنَى عيبٌ؛ فللمشتري أن يرد الحيوان بذلك؛ لأنَّ العيب يؤثر في سعر الحيوان كاملًا، وبهذا أفتى الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2711>مسألة [٦]: هل يجوز بيع الأمة، واستثناء ما في بطنها</span>؟\nاختلف أهل العلم في بيع الأمة والناقة، ويستثنى ما في بطنها.\nفقالت طائفة: البيع جائز، والشرط لازم. كذلك قال النخعي، والحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر -﵄- بإسنادٍ صحيحٍ أنه أعتق غلامًا له وامرأته، واستثنى ما في بطنها.\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الممتع» (٨/ ١٨٢).\n(^٢) انظر: «الشرح الممتع» (٨/ ١٨٠).\n(^٣) «الشرح الممتع» (٨/ ١٨١ - ١٨٢).","vol":"5","page":606},{"text":"وقالت طائفة: إذا فعل ذلك فسد البيع. كذلك قال سفيان الثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الاستثناء معلوم، ولا جهالة فيه؛ فلا وجه للمنع من ذلك، والصحيح هو مشروعية ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2712>مسألة [٧]: ما حكم بيع السلعة بدينار إلا درهم</span>؟\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٠/ ٣٣٤): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن للرجل أن يبيع السلعة بدينار إلا قيراط، أو بدينار ودرهم. واختلفوا فيمن باع سلعته بدينار إلا درهم ... .\n• ثم نقل المنع من ذلك عن النخعي، وعطاء، وابن سيرين، وابن أبي ليلى، والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقالوا: هذا يؤدي إلى الجهالة.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى الجواز إذا كان ثمن الصرف بين الدراهم والدنانير معلومة، وهو قول الثوري، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله بن الحسن، وبعض الشافعية، والحنابلة.\nوهذا القول أقرب، واختاره الإمام العثيمين، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: حديث جابر -﵁- الذي في الباب يدل على شرط من شروط صحة البيع المتقدمة، وهو: أن يكون المبيع معلومًا برؤيةٍ، أو وصفٍ.\n_________\n(^١) «الأوسط» (١٠/ ٣٣٢).\n(^٢) وانظر: «الأوسط» (١٠/ ٣٣٤)، «الحاوي الكبير» (٥/ ١٥١)، «الشرح الممتع» (٨/ ١٧٦)، «الفروع» (٦/ ١٥٦).","vol":"5","page":607},{"text":"٧٩١ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالمُخَاضَرَةِ، وَالمُلَامَسَةِ، وَالمُنَابَذَةِ، وَالمُزَابَنَةِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2713>مسألة [١]: معنى المخاضرة وحكمها</span>.\nالمخاضرة: هي بيع الثمر، والحب قبل بدو صلاحه، وسيأتي الكلام على حكم ذلك إن شاء الله تعالى في باب الرخصة في العرايا، وبيع الأصول والثمار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2714>مسألة [٢]: معنى الملامسة</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٢١٤٦): وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَفْسِير الْمُلَامَسَة عَلَى ثَلَاثِ صُوَرٍ، وَهِيَ أَوْجُهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ:\nأَصَحُّهَا: أَنْ يَأْتِيَ بِثَوْبٍ مَطْوِيٍّ، أَوْ فِي ظُلْمَةٍ، فَيَلْمِسَهُ الْمُسْتَام، فَيَقُولَ لَهُ صَاحِب الثَّوْبِ: بِعْتُكَهُ بِكَذَا، بِشَرْطِ أَنْ يَقُومَ لَمْسك مَقَام نَظَرك، وَلَا خِيَارَ لَك إِذَا رَأَيْته، وَهَذَا هُوَ مُوَافِقٌ لِلتَّفْسِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الْحَدِيثِ. -يعني حديث أبي هريرة، وأبي سعيد في «الصحيحين» -.\nالثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَا نَفْسَ اللَّمْسِ بَيْعًا بِغَيْرِ صِيغَةٍ زَائِدَةٍ.\nالثَّالِثُ: أَنْ يَجْعَلَا اللَّمْسَ شَرْطًا فِي قَطْعِ خِيَارِ الْمَجْلِس وَغَيْره. وَالْبَيْعُ عَلَى التَّأْوِيلَاتِ كُلِّهَا بَاطِل. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٢٠٧).","vol":"5","page":608},{"text":"قلتُ: والتفسير الأول هو الأصح، وعليه أكثر أهل العلم، وهو من بيوع الجاهلية، فنهى عنه الشرع. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2715>مسألة [٣]: معنى المنابذة</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢١٤٦): وَأَمَّا الْمُنَابَذَةُ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا أَيْضًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالِ، وَهِيَ أَوْجُهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ:\nأَصَحّهَا: أَنْ يَجْعَلَا نَفْسَ النَّبْذِ بَيْعًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُلَامَسَةِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلتَّفْسِيرِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ.\nوَالثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَا النَّبْذَ بَيْعًا بِغَيْرِ صِيغَة.\nوَالثَّالِث: أَنْ يَجْعَلَا النَّبْذَ قَاطِعًا لِلْخِيَارِ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِير النَّبْذ، فَقِيلَ: هُوَ طَرْح الثَّوْب كَمَا وَقَعَ تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَقِيلَ: هُوَ نَبْذ الْحَصَاة، وَالصَّحِيح أَنَّهُ غَيْرُهُ. اهـ\nقلتُ: والأكثر على تفسير المنابذة بالقول الأول، وانظر المصادر السابقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2716>مسألة [٤]: بيع الشيء الغائب</span>.\n• فيه أقوال:\nالقول الأول: لا يجوز ذلك، والبيع باطل، وهو قول الشافعي في الجديد، والحكم، وحماد؛ لأنه إذا نُهِي عن الملامسة، فيستفاد منه النهي عن بيع الغائب.\n_________\n(^١) وانظر: «سنن الترمذي» (١٣١٠)، «شرح السنة» للبغوي (٨/ ١٣٠)، «المجموع» (٩/ ٣٤٢)، «المغني» (٦/ ٢٩٧).","vol":"5","page":609},{"text":"القول الثاني: يصح البيع، وله خيار الرؤية، وافق الوصف، أم لم يوافق، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي.\nالقول الثالث: يصح البيع، ويجوز إذا وصفه له وصفًا صحيحًا، فإذا وافق الوصف؛ فلا خيار له، وإن لم يوافق؛ فهو بالخيار، وهو قول الجمهور، ومنهم: مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وأبو عبيد، والشافعي في القديم.\nقلتُ: وهذا القول هو الصواب، ويمكن أن يُستَدلَّ له بالسَّلم؛ فإنَّ السلم يجوز مع كونه مؤخَّرًا إذا كان موصوفًا، فهذا من باب أولى، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2717>مسألة [٥]: بيع الأعمى وشراؤه</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٣٠٢): فَأَمَّا بَيْعُ الْأَعْمَى وَشِرَاؤُهُ: فَإِنْ أَمْكَنَهُ مَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ بِالذَّوْقِ إنْ كَانَ مَطْعُومًا، أَوْ بِالشَّمِّ إنْ كَانَ مَشْمُومًا؛ صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ؛ جَازَ بَيْعُهُ كَالْبَصِيرِ، وَلَهُ خِيَارُ الْخَلْفِ فِي الصِّفَةِ.\nوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَثْبَتَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ الْخِيَارَ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِالْمَبِيعِ، إمَّا بِحِسِّهِ، أَوْ ذَوْقِهِ، أَوْ وَصْفِهِ.\nوَقَالَ عُبَيْدُ الله بْنُ الْحَسَنِ: شِرَاؤُهُ جَائِزٌ، وَإِذَا أَمَرَ إنْسَانًا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ؛ لَزِمَهُ.\nوَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ بَيْعُ الْمَجْهُولِ، أَوْ يَكُونُ قَدْ رَآهُ بَصِيرًا، ثُمَّ اشْتَرَاهُ قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَتَغَيَّرُ الْمَبِيعُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولُ\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢١٤٦) «التمهيد» (١٢/ ٢١١ -) «المجموع» (٩/ ٣٠١) «الأوسط» (١٠/ ٣٥٩).","vol":"5","page":610},{"text":"الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَبَيْعِ الْبَيْضِ فِي الدَّجَاجِ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْمَقْصُودِ وَمَعْرِفَتُهُ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْبَصِيرِ، وَلِأَنَّ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِهِ، فَكَذَلِكَ شَمُّ الْأَعْمَى وَذَوْقُهُ، وَأَمَّا الْبَيْضُ وَالنَّوَى فَلَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ، وَلَا وَصْفُهُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. اهـ\nقلتُ: الصواب مذهب مالك، وأحمد ومن معهما، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: حديث الباب يدل على شرطٍ من شروطِ صحة البيع المتقدمة في أوائل الكتاب، وهو: أن يكون المبيع معلومًا بوصفٍ، أو رؤية.\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (١٠/ ٣٥٧).","vol":"5","page":611},{"text":"٧٩٢ - وَعَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَلَقَّوا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ». قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\n\n٧٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَلَقَّوا الجَلَبَ، فَمَنْ تُلُقِّيَ فَاشْتُرِيَ مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالخِيَارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2718>مسألة [١]: تلَقِّي الجَالب للسلعة في الطريق</span>.\n• دلَّ حديثُ الباب على عدم جواز ذلك، وهو قول الجمهور.\nقال ابن قدامة -﵀-: وكرهه أكثر أهل العلم، منهم: عمر بن عبد العزيز، ومالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وحُكي عن أبي حنيفة أنه لم ير بذلك بأسًا، وسنة رسول الله - ﷺ - أحقُّ أن تتبع. اهـ\nقال الحافظ في «الفتح»: قلت: الذي في كتب الحنفية: يكره التلقي في حالتين: أن يضر بأهل البلد، وأن يلتبس السعر على الواردين. اهـ\nقلتُ: الحديث صريح في عدم الجواز، وقد ذكروا أنَّ العلة في ذلك أنه يحصل غبن للقادمين؛ لأنهم لا يعرفون أسعار السوق الذي سيأتونه، والغالب أنَّ الذين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٥٨)، ومسلم (١٥٢١).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٥١٩).","vol":"5","page":612},{"text":"يتلقونهم يريدون أن يشتروا منهم بدون ثمن المثل.\nوقالوا أيضًا: يؤدي إلى التضييق على أهل السوق؛ لأنَّ القادم من بعيد جاء لينفق سلعته؛ فإنه يرضى باليسير، بخلاف الذي يتلقاهم فإنه سيرفع الثمن.\nواختار ابن حزم أنَّ العلة تعبدية، والظاهر أنَّ العلة هو ما تقدم ذكره؛ لأنه جاء في حديث أبي هريرة -﵁- في الباب: «فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار»، ففيه إشارة إلى ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2719>مسألة [٢]: ما هو الحدُّ الذي لا يجوز لهم فيه التلقي</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه لا يجوز التلقي حتى يصلوا إلى السوق الذي تباع السلعة فيه، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، والليث، وابن المنذر، وغيرهم، وهو ظاهر اختيار البخاري، واستَدَل له بحديث ابن عمر -﵄- قال: كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق، فيبيعونه مكانه، فنهاهم النبي - ﷺ - أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه. وفي رواية في الحديث: كنا نتلقى الركبان، فنشتري منهم الطعام.\n• وحدَّ الشافعية النهي عن التلقي حتى يدخل البلد؛ لأنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر وطلب الحظ لأنفسهم؛ فإن لم يفعلوا ذلك فهو من تقصيرهم.\nقال أبو عبد الله: الصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣١٣)، «الفتح» (٢١٦٢)، «المحلى» (١٤٦٩)، «الأوسط» (١٠/ ١٠٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٣١٥)، «الفتح» (٢١٦٦)، «الأوسط» (١٠/ ١٠٨).","vol":"5","page":613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2720>مسألة [٣]: حكم البيع إذا حصل</span>.\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أن البيع صحيح، والبائع بالخيار عند قدومه السوق، وذلك لحديث أبي هريرة الذي في الباب؛ فإنه أثبت البيع، وجعل له الخيار.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى البطلان، وهو قول البخاري، وبعض المالكية، وبعض الحنابلة، وهو رواية عن أحمد؛ لأنَّ صاحبه عاصٍ، وهو خداع لا يجوز.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- (٢١٦٢): جَزَمَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ الْبَيْعَ مَرْدُود؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، لَكِنْ مَحَلُّ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى ذَات الْمَنْهِيّ عَنْهُ، لَا مَا إِذَا كَانَ يَرْجِعُ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَثْبُتُ الْخِيَار بِشَرْطِهِ الْآتِي ذِكْرُهُ، وَأَمَّا كَوْنُ صَاحِبه عَاصِيًا آثِمًا، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ خِدَاعًا؛ فَصَحِيح، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْع مَرْدُودًا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الْعَقْدِ وَلَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِهِ وَشَرَائِطِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ الْإِضْرَارِ بِالرُّكْبَانِ. اهـ\nقلتُ: وقوله في الحديث: «فمن تلقى الجلب فاشتراه فإذا أتى سيده السوق؛ فهو بالخيار» يدل على صحة البيع؛ لأنه أثبت للبائع الخيار، ولو كان البيع غير صحيح لما احتاج إلى ذلك.","vol":"5","page":614},{"text":"فالصواب هو قول الجمهور، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2721>مسألة [٤]: إذا خرج لغير قصد التلقي، فوجد جالبًا للسلعة، فهل يجوز له شراؤها منه</span>؟\n• وجهٌ للحنابلة، ووجهٌ للشافعية بالمنع من ذلك؛ لأنه يدخل في التلقي، ويصدق عليه أنه تلقاهم، ولأنَّ المعنى واحد سواء قصد، أم لم يقصد، وهو قول ابن حزمٍ.\n• وذهب الليث، وهو وجهٌ للحنابلة، والشافعية، وابن المنذر إلى أنه يجوز، ولا يحرم عليهم؛ لأنه لم يقصد التلقي، فلم يتناوله النهي. والقول الأول هو الصواب، وبالله التوفيق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2722>مسألة [٥]: هل له الخيار إذا قدم السوق في حالة الغبن، أم مطلقًا</span>؟\n• فيه وجهان للشافعية والحنابلة، والصحيح أنَّ له الخيار مطلقًا؛ لأنَّ حديث أبي هريرة -﵁- في الباب مطلق، والبقاء على ظاهره أسلم، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2723>مسألة [٦]: هل لأحد الركبان أن يشتري من صاحبه قبل بلوغ السوق</span>؟\nصورتها: أن يأتي جماعةٌ من الرُّكبان حتى إذا قاربوا المدينة، أو كانوا في نصف الطريق؛ بدا لأحدهم أن يرجع ويبيع بضاعته من رفقائه.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣١٣)، «الفتح» (٢١٦٢)، «شرح البلوغ» لابن عثيمين (٣/ ٥٧٧ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٣١٥)، «المحلى» (١٤٦٩)، «الأوسط» (١٠/ ١٠٩).\n(^٣) انظر: «الفتح» (٢١٦٢)، «المغني» (٦/ ٣١٣ - ٣١٤).","vol":"5","page":615},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: لا نعلم دليلًا يمنع من ذلك، والحديث الوارد جاء في النهي عن التلقي، وهذا لا يعتبر تلقيًا؛ وعليه: فالظاهر هو جواز ذلك، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2724>مسألة [٧]: هل يجوز أن يخرج الرجل من الحضر إلى أهل الحوائط في أماكنهم</span>؟\n• جاء عن مالك رواية في كراهة ذلك، وعامة أهل العلم على الجواز؛ لأنَّ ذلك ليس فيه تلقي.\nقال ابن عبد البر -﵀-: لا أعلم خلافًا في جواز خروج الناس إلى البلدان في الأمتعة والسلع، ولا فرق بين القريب والبعيد من ذلك في النظر، وإنما التلقي تلقي من خرج بسلعة يريد بها السوق، وأما من قصدته إلى موضعه؛ فلم تتلقه. اهـ «التمهيد» (١٢/ ٢٦٩) ط/ مرتبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2725>مسألة [٨]: هل يجوز تلقي الركبان ليبيعهم شيئًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٣١٤ - ٣١٥): فَإِنْ تَلَقَّى الرُّكْبَانَ، فَبَاعَهُمْ شَيْئًا؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ، وَلَهُمْ الْخِيَارُ إذَا غَبَنَهُمْ غَبْنَا يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالُوا فِي الْآخَرِ: النَّهْيُ عَنْ الشِّرَاءِ دُونَ الْبَيْعِ، فَلَا يَدْخُلُ الْبَيْعُ فِيهِ. وَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ أَصْحَابِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَّلُوا ذَلِكَ: بِأَنَّ فِيهِ إِضْرَارًا بِأَهْلِ السُّوقِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ لَهُمْ.\nقال ابن قدامة: وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ»، وَالْبَائِعُ دَاخِلٌ فِي","vol":"5","page":616},{"text":"هَذَا، وَلِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ خَدِيعَتِهِمْ وَغَبَنِهِمْ، وَهَذَا فِي الْبَيْعِ كَهُوَ فِي الشِّرَاءِ، وَالْحَدِيثُ قَدْ جَاءَ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَ مُخْتَصًّا بِالشِّرَاءِ لَأُلْحِقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2726>مسألة [٩]: حكم بيع الحاضر للبادي</span>.\nجاء النهي عن ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في حديث ابن عباس -﵄- في الباب، وجاء عن أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^١) أيضًا، وجاء عن أنس، وجابر -﵄- في «صحيح مسلم» (١٥٢٢، ١٥٢٣)، وفي حديث أنس زيادة: «وإن كان أخاه لأبيه وأمه»، وأصل حديث أنس في «البخاري» (٢١٦١)، بدون الزيادة، وجاء عن غيرهم.\n• وقد أخذ جمهور العلماء بتحريم هذا البيع؛ للأحاديث المذكورة، وثبت عن جمع من الصحابة النهي عن ذلك، منهم: أنس بن مالك، وابن عمر، وأبو هريرة -﵃-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٦/ ٢٤٠)، و«الأوسط» لابن المنذر (١٠/ ١٠٣).\n• وذهب مجاهد، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى الجواز، وتمسكوا بعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الدين النصيحة» (^٢)، وزعموا أنه ناسخ لحديث النهي.\nوأجاب الجمهور عن ذلك بحمل حديث النصيحة على عمومه؛ إلا في بيع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢١٦٠)، ومسلم برقم (١٥١٥).\n(^٢) رواه مسلم برقم (٥٥)، من حديث تميم الداري -﵁-.","vol":"5","page":617},{"text":"الحاضر للبادي، فهو خاصٌّ، فيقضي على العام، والنسخ لا يثبت بالاحتمال.\nوجمع البخاري بينها بتخصيص النهي بمن يبيع له بالأجرة كالسمسار، وأما من يبيعه بغير أجرة؛ فيجوز، وهذا القول تفرد به البخاري فيما نعلم، وليس بصحيح؛ لأنَّ أحاديث النهي ليس في واحد منها تعرض لذكر الأجرة.\nوالصواب في هذه المسألة هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: أكثر أهل العلم يُلحِقون بالبادي في الحكم من شابهه، بأن يكون غريبًا من بلدة أخرى، أو يسكن شعبًا، أو واديًا بعيدًا عن أسواق المسلمين. (^٢)\nتنبيه آخر: ليس المقصود بأنَّ من جهل الأسعار والمعاملات فلا يجوز البيع له، فقد سُئلت اللجنة الدائمة عن شخص أراد أن يبيع ذهبًا وهو لا يعرف السعر، فهل يجوز لقريبه أن يبيع له أم أنه يدخل في النهي. فأجابت اللجنة بأنَّ هذا ليس من بيع الحاضر للبادي، بل هو من باب الإحسان، والرفق، والنصيحة، ولا ينبغي أن يظن ظانٌّ أن معنى الحديث (لا يبع عالم لجاهل)، وإلا لفسدت مصالح الناس. اهـ\nفائدة: وضع الحنابلة، والشافعية شروطًا في النهي المتقدم، وهي:\n١) أن يكون الحضري قصد البدوي ليتولى له البيع، فلو عرض البدوي ذلك على الحاضر؛ فلا يمنع.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، «الفتح» (٢١٥٨)، «المحلى» (١٤٧٠).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢١٥٨)، «التمهيد» (١٢/ ٢٧٤) ط/مرتبة.","vol":"5","page":618},{"text":"٢) أن يكون البادي جاهلًا بالسعر، فلو كان عالمًا بالأسعار؛ فلا يمنع.٣) أن يكون البادي قد جلب السلعة للبيع لا لأمر آخر، فإذا جلبها لأمر آخر ثم بدا له البيع؛ فيجوز للحاضر أن يبيع له، ولا يحرم ذلك.\n٤) أن يكون البادي يريد بيعها بسعرها في يومها وينصرف، وأما إذا كان سيبقى أيامًا؛ فيجوز البيع له.\nقال الشوكاني -﵀-: ولا يخفى أن تخصيص العموم بمثل هذه الأمور من التخصيص بمجرد الاستنباط.\nوقال أيضًا: ولكنه لا يطمئن الخاطر إلى التخصيص به مطلقًا؛ فالبقاء على ظواهر النصوص هو الأولى، فيكون بيع الحاضر للبادي محرما على العموم. اهـ\nقلتُ: ليس على هذه الشروط دليل، ولا تجد بدويًّا إلا وقد خرم شيئًا منها، والقول بعدم اشتراط ذلك قول بعض الحنابلة كما في «الإنصاف»، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين -﵀- كما في «شرح البلوغ». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2727>مسألة [١٠]: هل يصح البيع إذا وقع</span>؟\n• مذهب الحنابلة عدم صحة البيع؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، وهو ظاهر قول مالك.\n• وعن أحمد رواية بصحة البيع، وهو مذهب الشافعي؛ لكون النهي لمعنى في\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣١٠)، «الفتح» (٢١٥٨)، «النيل» (٢٢٠٤)، «الإنصاف» (٤/ ٣٢٠ -).","vol":"5","page":619},{"text":"غير المنهي عنه.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «شرح البلوغ»: ظاهر الحديث أن البيع لا يصح، ولكن لو أجاز المشتري ذلك، وقال: أنا راضٍ. فينبغي أن يصح؛ لأنه إنما نهي عن بيع الحاضر للبادي من أجل مصلحة المشتري، فإذا رضي بذلك؛ فلا بأس. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول بصحة البيع أقرب؛ لأن النهي عن البيع المذكور، إنما هو لأمر خارج عن ذات البيع نفسه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2728>مسألة [١١]: هل يجوز شراء الحضري للبدوي</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى المنع أيضًا، وهو قول ابن سيرين، والنخعي، والظاهرية، والبخاري، ورواية عن مالك، ورجحه الشوكاني، والصنعاني.\nواستدلوا بما جاء عن أنس بن مالك -﵁- عند أبي داود (٣٤٤٠)، وأبي عوانة (٤٩٤٧) في قوله: «لا يبيع حاضر لباد»، قال: هي كلمة جامعة لا يبع له شيئًا، ولا يبتاع له شيئًا، وهو أثر صحيح.\nوقالوا: لفظ (البيع) في اللغة العربية من الأضداد، فهو يطلق على البيع والشراء، ويدل على ذلك حديث: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» (^٢)، وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، وهو يشمل البيع والشراء.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣١٠)، «شرح البلوغ» لابن عثيمين، «التمهيد» (١٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٧٩٤).","vol":"5","page":620},{"text":"• وذهب كثير من أهل العلم إلى جواز الشراء لهم؛ لأنَّ الحديث جاء في النهي عن البيع، ولأنَّ المعنى في تحريم البيع ليس موجودًا في الشراء، وهو مذهب الحنابلة، ومالك في رواية، وقال به الحسن، والحنفية.\nوالقول الأول أقرب؛ لما تقدم، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2729>مسألة [١٢]: هل يجوز للحاضر أن ينصح البادي ويشير عليه</span>؟\n• كره الإشارة له جماعةٌ من أهل العلم، قال بذلك الليث، ورواية عن مالك، ووجهٌ للشافعية؛ لأنه إذا أشار إليه ونصحه فكأنه باع له.\n• وذهب أكثر أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو مذهب الحنابلة، والأصح عند الشافعية، وهو مذهب الظاهرية، والأوزاعي، والبخاري، وابن المنذر، وصحَّ عن طلحة بن عبيد الله -﵁- أنه أجازه، وفعله. (^٢) وهذا القول هو الصواب؛ لحديث: «الدين النصيحة» (^٣)، والنهي جاء عن البيع، ولم يأت عن النصيحة، والإشارة، واستدل ابن حزم عليه بأنك إذا حلفت أن لا تبيع لفلان، ثم أشرت عليه في البيع؛ فإنك لا تحنث. (^٤)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٣١٠) «التمهيد» (١٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧) «الفتح» (٢١٦٠) «شرح البلوغ» للعثيمين، «الأوسط» (١٠/ ١٠٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٤٤١)، وأحمد (١٤٠٤) بإسناد حسن.\n(^٣) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١٥٣٠).\n(^٤) انظر: «المغني» (٦/ ٣١١)، «الفتح» (٢١٥٩)، «المحلى» (١٤٧٠)، «الأوسط» (١٠/ ١٠٦) «صحيح البخاري» (باب ٦٨).","vol":"5","page":621},{"text":"٧٩٤ - وَعَنْهُ -﵁-، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إنَائِهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَلِمُسْلِمٍ: لَا يَسُمِ المُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ المُسْلِمِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2730>مسألة [١]: معنى البيع على البيع، والسَّوم على السَّوم، وحكم ذلك</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٢١٣٩): قَالَ الْعُلَمَاء: الْبَيْعُ عَلَى الْبَيْعِ حَرَام، وَكَذَلِكَ الشِّرَاء عَلَى الشِّرَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ اِشْتَرَى سِلْعَةً فِي زَمَنِ الْخِيَارِ: اِفْسَخْ لِأَبِيعَك بِأَنْقَصَ، أَوْ يَقُولَ لِلْبَائِعِ: اِفْسَخْ لِأَشْتَرِيَ مِنْك بِأَزْيَدَ. وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا السَّوْمُ فَصُورَته: أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا لِيَشْتَرِيَهُ، فَيَقُولَ لَهُ: رُدَّهُ لِأَبِيعَك خَيْرًا مِنْهُ بِثَمَنِهِ أَوْ مِثْلِهِ بِأَرْخَصَ. أَوْ يَقُولَ لِلْمَالِكِ: اِسْتَرِدَّهُ لِأَشْتَرِيَهُ مِنْك بِأَكْثَرَ. اهـ يعني بذلك قبل انعقاد البيع.\nقلتُ: والتفريق بين البيع على البيع، والسوم على السوم بما ذكر هو مذهب الشافعية، والحنابلة؛ لأنهم يثبتون خيار المجلس، وأما مذهب مالك، وأبي حنيفة؛ فإنهم يفسرون البيع على البيع بنفس تفسير السوم المتقدم؛ لكونهم لا يثبتون خيار المجلس.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٤٠)، ومسلم (١٤١٣).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٤١٣) (٥٤).","vol":"5","page":622},{"text":"والصحيح هو التفريق كما ذكر الحافظ. (^١)\nتنبيه: تحريم السوم.\nقال الحافظ -﵀-: وَمَحَلّه بَعْدَ اِسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ وَرُكُونِ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَرِيحًا فَلَا خِلَافَ فِي التَّحْرِيمِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فَفِيهِ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَنَقَلَ اِبْن حَزْم اِشْتِرَاط الرُّكُونِ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: إِنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَابُدّ مِنْ أَمْرٍ مُبَيِّنٍ لِمَوْضِعِ التَّحْرِيمِ فِي السَّوْمِ؛ لِأَنَّ السَّوْمَ فِي السِّلْعَةِ الَّتِي تُبَاعُ فِيمَنْ يَزِيدُ لَا يَحْرُمُ اِتِّفَاقًا، كَمَا نَقَلَهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ؛ فَتَعَيَّنَ أَنَّ السَّوْمَ الْمُحَرَّم مَا وَقَعَ فِيهِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ. اهـ «الفتح» (٢١٣٩).\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما إذا صرح البائع بالرضى؛ فقد نقل الإجماع على عدم جواز المساومة عليه، وأما إذا ظهرت علامات الرضى بدون تصريح؛ ففيه وجهان للشافعية، والحنابلة، والأصح عندهم عدم جواز ذلك، وأما إذا لم يظهر شيء من ذلك فيجوز عند الجمهور، ومنعه ابن حزم كما تقدم، والأظهر قول الجمهور، والدليل على ذلك حديث فاطمة بنت قيس أنها قالت: يا رسول الله، إن معاوية، وأبا جهم خطباني. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «انكحي أسامة بن زيد»، فإذا جاز ذلك في الخطبة؛ جاز في البيع، والله أعلم.\nوقد رجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- قول الجمهور. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد» (١٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (٢١٣٩)، «التمهيد» (١٢/ ٢٦٣)، «المغني» (٦/ ٣٠٥ - ٣٠٨)، «المحلى» (١٤٦٧)، «الأوسط» (١٠/ ١٤٠).","vol":"5","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2731>مسألة [٢]: إذا وقع البيع على بيع الأخ، فهل يصح البيع أم لا</span>؟\n• الجمهور من أهل العلم على صحة البيع مع الإثم؛ لكونه نُهي عنه لما يحصل فيه من بغضاء، وشحناء، وتنازع، واختلاف.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى البطلان، وهو مذهب الحنابلة، ورواية عن مالك، والظاهرية، وقالوا: أنَّ النهي راجع إلى البيع نفسه، وما ذكروه هو العلل الناتجة عن ذلك البيع المحرم، وهذا القول رجحه الإمام ابن عثيمين -﵀-، ويظهر لي أن القول الأول أرجح؛ لأن النهي ليس راجعًا إلى ذات البيع، وإنما مراعاة لحق أخيه المسلم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2732>مسألة [٣]: البيع على بيع الذمي</span>.\n• أجاز ذلك الأوزاعي، وأبو عبيد بن حربويه من الشافعية؛ للتقييد المذكور في حديث الباب بقوله: «أخيه»، وبقوله: «المسلم».\n• وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنَّ التقييد خرج مخرج الغالب، وقالوا بعدم جواز ذلك؛ لأنه لا يجوز إيذاء الذمي، ومن الإيذاء: البيع على بيعه.\nوهذا القول رجحه الإمام ابن عثيمين، وهذا القول هو الصحيح؛ إلا أن توجد مصلحة شرعية في البيع على بيعه. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد» (١٢/ ٢٦٤)، «المغني» (٦/ ٣٠٦)، «الفتح» (٢١٣٩)، «المحلى» (١٤٦٧)، «شرح البلوغ»، «الأوسط» (١٠/ ١٤٢).\n(^٢) انظر: التمهيد (١٢/ ٢٦٤)، «الفتح» (٢١٣٩).","vol":"5","page":624},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2733>مسألة [٤]: حكم بيع المزايدة</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز ذلك، ومنهم من نقله إجماعًا، كابن قدامة، وابن عبد البر، وذلك لأنَّ الأصل في المعاملات هو الجواز حتى يأتي دليل التحريم، وقد استدلوا بحديث أنس -﵁-، عند أبي داود (١٦٤١)، والترمذي (١٢١٨)، وأحمد (٣/ ١٠٠)، وغيرهم: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- باع قدحًا وحلسًا فيمن يزيد. وفي إسناده: أبو بكر الحنفي، وهو مجهول الحال.\n• وجاء عن إبراهيم النخعي أنه كره بيع المزايدة، واستدل له بالكراهة بحديث سفيان بن وهب عند البزار كما في «الكشف» (١٢٧٦): أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن بيع المزايدة. ولكنه حديث ضعيف، في إسناده: ابن لهيعة، ولم يتابع عليه.\n• وجاء عن الأوزاعي، وإسحاق أنهما قالا بجوازه في المغانم والمواريث، ومنعه في غيرهما، وجاء في ذلك حديثٌ أخرجه ابن الجارود (٥٧٠) بإسناد صحيح عن ابن عمر -﵄-، أنه سئل عن بيع المزايدة؟ فقال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يبيع أحدكم على بيع أخيه حتى يذر؛ إلا الغنائم، والمواريث.\nوالصحيح قول الجمهور، وأما حديثهم فقد قال ابن العربي -﵀- كما في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٢٢٤): لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة، والميراث؛ فإنَّ الباب واحد، والمعنى مشترك. اهـ\nوذكر الشوكاني -﵀- في «النيل» أنَّ ذكرهما خرج مخرج الغالب؛ لأنهما الغالب","vol":"5","page":625},{"text":"على ما كانوا يعتادون البيع فيه مزايدة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2734>مسألة [٥]: إذا اتفق أهل السوق على عدم المزايدة في السلعة القادمة من رجل يريد بيعها فيضطرونه ليبيعها بسعر منخفض</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ١٢٣): وإذا اتفق أهل السوق على أن لا يتزايدوا في السلعة، وهم محتاجون إليها؛ ليبيعها صاحبها بدون قيمتها؛ فإنَّ ذلك فيه من غش الناس ما لا يخفى، وإن كان ثَمَّ من يزيد فلا بأس. اهـ (^٢)\nوفي الحديث تحريم بيع الحاضر للبادي، وقد تقدم ذكر المسائل المتعلقة بذلك تحت الحديث المتقدم قبله.\nوفيه: تحريم النجش، وقد تقدم بيان ذلك تحت الحديث رقم (٧٨٩).\nوفيه: تحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه، وتحريم سؤال المرأة طلاق أختها، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله في [كتاب النكاح].\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢١٤١) «المغني» (٦/ ٣٠٧) «النيل» (٢٢١١) «مصنف ابن أبي شيبة» (١٢/ ٤٣٦ - ٣٤٧)، «الأوسط» (١٠/ ٣٧٥).\n(^٢) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٠٤).","vol":"5","page":626},{"text":"٧٩٥ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ -﵁-، قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ، وَلَكِنْ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ. (^١)\n\n٧٩٦ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ أَبِيعَ غُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَبِعْتُهُمَا، فَفَرَّقْت بَيْنَهُمَا، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «أَدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا، وَلَا تَبِعْهُمَا إلَّا جَمِيعًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ القَطَّانِ. (^٢)\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٤١٣)، والترمذي (١٢٨٣) (١٥٦٦)، والحاكم (٢/ ٥٥)، من طريق حيي بن عبدالله المعافري، عن أبي عبدالرحمن الحبلي، عن أبي أيوب الأنصاري به. وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف حيي بن عبدالله المعافري، والراوي عنه عند أحمد ابن لهيعة، ولكن تابعه ابن وهب عند الترمذي والحاكم.\nوأخرجه الدارمي (٢٥٢٢) من طريق الليث بن سعد عن عبدالله بن جنادة عن أبي عبدالرحمن الحبلي به. وعبدالله بن جنادة له ترجمة في «الجرح والتعديل» وهو مجهول الحال، وقد تصحف إلى (عبدالرحمن) وبيَّن المحقق أنه تصحيف.\nوله طريق ثالثة: أخرجه البيهقي (٩/ ١٢٦)، من طريق بقية بن الوليد عن خالد بن حميد عن العلاء بن كثير عن أبي أيوب به. وإسناده ضعيف لانقطاعه، فإن العلاء بن كثير لم يدرك أبا أيوب، وبقية مدلس ولم يصرح بالتحديث. فالحديث يرتقي إلى الحسن بهذه الطرق، والله أعلم.\n(^٢) صحيح. أخرجه أحمد (٧٦٠) (٨٠٠) (١٠٤٥)، وابن الجارود (٥٧٥)، والحاكم (٢/ ١٢٥)، والحديث قد اختلف في إسناده، وقد ذكر الدارقطني الاختلاف فيه في «العلل» (٢/ ٢٧٢) وخلاصته: أن الحديث يرويه الحكم بن عتيبة على وجهين:\nالوجه الأول: يرويه الحكم بن عتيبة عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن علي به.\nورواه عن الحكم على هذا الوجه سعيد بن أبي عروبة وشعبة، وزيد بن أبي أنيسة ومحمد بن عبيدالله العرزمي، ولكن سعيدًا لم يسمع من الحكم شيئًا، وسمع هذا الحديث عنه بواسطة رجل مبهم. وأما (شعبة) فهو وهم من بعض الرواة، والمحفوظ (سعيد). ويتحصل من ذلك أن الذين رووه على الوجه المذكور هم: (زيد بن أبي أنيسة، وهو ثقة، ومحمد بن عبيدالله العرزمي، وهو متروك، ورجل مبهم).\nالوجه الثاني: يرويه الحكم بن عتيبة عن ميمون بن أبي شبيب عن علي به.\nورواه عن الحكم على هذا الوجه (حجاج بن أرطاة، وهو مدلس فيه ضعف، ويزيد بن عبدالرحمن أبوخالد الدالاني، وهو حسن الحديث وله أوهام وأخطاء، وعبدالغفار بن القاسم، وهو متروك).\nقال الدارقطني: لا يمتنع أن يكون الحكم سمعه منهما جميعًا فرواه مرة عن هذا، ومرة عن هذا.\nقلتُ: هو بالوجه الأول صحيح، وبالوجه الثاني ضعيف؛ لأن ميمون بن أبي شبيب لم يسمع من علي. والوجه الأول أقوى، والله أعلم، فالحديث صحيح.","vol":"5","page":627},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2735>مسألة [١]: حكم التفريق بين ذوي الأرحام بالبيع</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: تحريم التفريق بين كل ذي رحم محرم، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة وأصحابهما، واستدلوا بالحديثين المذكورين في الباب، وبحديث أبي موسى عند ابن ماجه (٢٢٥٠) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لعن الله من فرَّق بين الوالدة وولدها، وبين الأخ وأخيه»، وفي إسناده: إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، ضعيفٌ، وشيخه طليق بن عمران مجهول الحال.\nالقول الثاني: يحرم التفريق بين الأصول والفروع، وهو قولُ الشافعية؛ لحديث أبي أيوب، وأبي موسى.\nالقول الثالث: تحريم التفريق بين الأم وولدها فقط، وهو قول مالك.","vol":"5","page":628},{"text":"قلتُ: والصواب هو القول الأول، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2736>مسألة [٢]: هل لحرمة التفريق بينهما حدٌّ معين</span>؟\n• ذهب الحنابلة إلى أنَّ حد ذلك البلوغ، واستدلوا على ذلك بما روى سلمة بن الأكوع أنه سبى امرأة وابنتها، فجاء بهما إلى أبي بكر، فنفله أبو بكر ابنتها، فاستوهبها منه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فأعطاه إياها، فبعث بها إلى مكة في فداء أناس من المسلمين (^٢)، وهو مذهب الحنفية، وقولٌ للشافعي.\nوقد جاء حديثٌ صريحٌ في ذلك عن عبادة بن الصامت، وفيه: قيل: يا رسول الله، إلى متى؟ قال: «حتى يبلغ الغلام، وتحيض الجارية»، وفي إسناده: عبد الله بن عمرو الواقفي، وهو كذاب، والحديث عند الدارقطني (٣/ ٦٨)، والحاكم (٢/ ٥٥).\n• وعن أحمد رواية أنه لا يجوز التفريق بينهما مطلقًا.\n• وذهب الشافعي، ومالك إلى جواز التفريق إذا استكمل سبع سنين؛ لأنه حد التفرقة في تخيير الكفالة، ولأنه يستقل فيها بنفسه في لباسه ومطعمه.\n• وقال الأوزاعي: حدُّ ذلك إذا استغنى عن أمه. وقال أبو ثور: إذا لبس وحده، وتوضأ وحده، وأكل وحده.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٣٧٠ -)، «شرح ا لبلوغ» للعثيمين، «نيل الأوطار» (٢١٩٦)، «الأوسط» (١٠/ ١٥٣).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٧٥٥)، من حديث سلمة بن الأكوع -﵁-.","vol":"5","page":629},{"text":"قلتُ: القول بالبلوغ أقرب من غيره، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2737>مسألة [٣]: هل البيع صحيح إذا وقع على التفريق</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى بطلان البيع، وهو مذهب الحنابلة، وجماعة من الشافعية، وأبي يوسف، واستدلوا بحديث علي بن أبي طالب الذي في الباب؛ فإنه أمرَ بارتجاعهما، ولو لزم البيع لما أمكنه ذلك، ولأنه بيع محرم لمعنى فيه؛ ففسد، كبيع الخمر.\n• وذهب جماعةٌ إلى صحة البيع مع الإثم، وهو مذهب أبي حنيفة، وجماعة من الشافعية؛ لأنَّ النهي لمعنى في غير البيع، وهو الضرر اللاحق بالتفريق.\nورجَّح الإمام ابن عثيمين في «شرح البلوغ» القول الأول، وهو الأقرب، والله أعلم.\nقال ابن قدامة -﵀-: ولا يصح ما قالوه؛ فإنَّ ضرر التفريق حاصل بالبيع، فكان لمعنى فيه. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2738>مسألة [٤]: التفريق في الحيوانات بين الأم وولدها</span>.\n• الراجح عند المالكية جواز التفرقة بين الحيوان البهيمي وبين أمه، وأن التفريق الممنوع خاص بالعاقل.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٧١)، «الحاوي الكبير» (١٤/ ٢٤٣)، «النيل» (٢٢٠٠)، «الأوسط» (١٠/ ١٥٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٣٧١)، «الحاوي الكبير» (١٤/ ٢٤٤ - ٢٤٥).","vol":"5","page":630},{"text":"• ويروى عن ابن القاسم منهم: المنع من التفرقة بين الأم وبين ولدها في الحيوان أيضا، حتى يستغني عن أمه بالرعي.\nوهذا الذي منع منه ابن القاسم، هو مذهب الشافعية أيضا، الذين نصوا على أن التفريق بين البهيمة وولدها حرام. وقالوا: يكره ذبح الأم التي استغنى الولد عن لبنها، ويحرم ذبحها إن لم يستغن عن لبنها، ولا يصح البيع ولا التصرف، ولو لم يكن الحيوان مأكولا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب قول المالكية؛ إلا أنه لا يجوز الإضرار بالبهيمة؛ فإذا كان الصغير لا يأكل العشب، ولا يزال على اللبن فقط؛ فلا يجوز تفريقه عن أمه؛ إن لم يوجد له بهيمة ترضعه، أو نحو ذلك، والله أعلم.","vol":"5","page":631},{"text":"٧٩٧ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: غَلَا السِّعْرُ بِالمَدِيْنَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ غَلَا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ اللهَ هُوَ المُسَعِّرُ، القَابِضُ، البَاسِطُ، الرَّازِقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلقَى اللهَ تَعَالَى وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2739>مسألة [١]: حكم التَّسْعير</span>.\nالتَّسْعير: هو تقدير السلطان، أو نائبه سعرًا لما تكون الحاجة إليه عامة، وإلزام الناس البيع بما قدَّره.\nقال ابن القيم -﵀- في «الطرق الحكمية» (ص ٢٥٥): ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا؛ ربحتم أو خسرتم. من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه: ولا تبيعوه إلا بكذا وكذا. مما هو مثل الثمن، أو أقل. اهـ\nوهل يجوز التسعير بجعل شيء من الربح، كأن يكون ثمن السلعة عليه ألف ريال، فيقدِّر له البيع بألف ومائتين، لا يزيد على ذلك؟\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٢٨٦)، وأبوداود (٣٤٥١)، والترمذي (١٣١٤)، وابن ماجه (٢٢٠٠)، وابن حبان (٤٩٣٥)، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وجاء عن أبي هريرة عند أحمد (٢/ ٣٣٧) وغيره وإسناده حسن.","vol":"5","page":632},{"text":"• فيه خلاف: فذهب جمهور العلماء إلى عدم الجواز في مثل هذه الصورة، بل منعوا التسعير مطلقًا، واستدلوا على ذلك بحديث الباب، مع قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، وقالوا: إن البائع إذا أُجبر على ألا يبيع سلعته إلا بكذا؛ فإنَّ ذلك يؤدي إلى أكل ماله بالباطل، وهذا القول رجَّحه الصنعاني، والشوكاني.\n• وذهب الليث، وربيعة، ويحيى بن سعيد، ومالك في رواية إلى جواز التسعير؛ لأنه إذا لم يسعر فربما يؤدي إلى الإضرار بالمشتري.\n• وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما إلى جواز التسعير في بعض الحالات، وذلك مثل أن يكون غلاء الأسعار بسبب من التجار أنفسهم، كالاحتكار، وما أشبهه. وقالا في حديث الباب: هي قضية معينة ليست لفظًا عامًّا، وليس فيها أنَّ أحدًا امتنع من بيعٍ يجب عليه، أو عملٍ يجب عليه، وما أشبه ذلك، وقد ذكر ابن القيم صورًا أخرى لجواز التسعير في «الطرق الحكمية» (ص ٢٤٥ -).\nوهذا القول اختاره الإمام ابن عثيمين، والإمام محمد بن إبراهيم، والإمام ابن باز رحمة الله عليهم.\nوالخلاصة: أنَّ التسعير لا يجوز إلا في حدود ضَيِّقَة، وهي أنه إذا حصل تواطؤٌ من البائعين والسِّلع متوفرة، فتعمدوا إخفاء السِّلع وعدم بيعها إلا بأسعار مرتفعة، وكذلك إذا تلاعب بعض التجار في بعض السلع التي يؤثر احتكارها، أو","vol":"5","page":633},{"text":"رفع ثمنها على عامة المسلمين، أو ما أشبه ذلك من الصور التي يكون التسعير فيها مصلحة لعامة المسلمين دون إضرار بالتجار؛ فلحاكم المسلمين عند ذلك أن يسعر عليهم تلك السلع، ويمنعهم من الزيادة فيها.\nوأما إذا ارتفعت الأسعار من غير تلاعب من الباعة والتجار؛ فلا يجوز للحاكم أن يُسعر على قول الجمهور، فإذا كان السبب في ارتفاع الأسعار كثرة الطلب، وقلة السِّلع، ولا يأتي بها الباعة أحيانًا إلا بمشقة عظيمة؛ فحينئذٍ إذا ارتفعت السلعة إلى أضعاف ثمنها فلا بأس. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2740>مسألة [٢]: هل يلزم البائع الواحد بأن لا يبيع بأقل من سعر السوق</span>؟\n• الجمهور على عدم جواز التسعير في هذه الصورة أيضًا، بل يبيع كل إنسان بما تيسر له، وبما يرى أنَّ له فيه مصلحة وربحًا، والناس يتفاوتون في شراء السلعة وفي الإتيان بها إلى السوق.\n• وذهب مالك وأصحابه إلى جواز هذا التسعير حتى لا يفسد على الناس سوقهم، واستدل مالك بما رواه في «موطئه» (٢/ ٦٥١) عن يونس بن يوسف، عن سعيد بن المسيب، أنَّ عمر بن الخطاب مرَّ بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبًا له بالسوق، فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا. وهذا إسناد صحيح.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣١١)، «الطرق الحكمية» (ص ٢٤٤ - ٢٥٧)، «الاستذكار» (٢٠/ ٧٦)، «شرح البلوغ» للعثيمين.","vol":"5","page":634},{"text":"وأخرجه الشافعي كما في «الكبرى» للبيهقي (٦/ ٢٩) عن الدراوردي، عن داود بن صالح التمار، عن القاسم بن محمد، عن عمر -﵁-، أنه مرَّ بحاطب بن أبي بلتعة بالسوق، وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما؟ فقال له: مدين لكل درهم. فقال له عمر: قد حُدِّثْتُ بِعِيْرٍ جاءت من الطائف تحمل زبيبًا، وهم يغترون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك البيت، فتبيعه كيف شئت. فلما رجع عمر حاسب نفسه، ثم أتى حاطبًا في داره، فقال: إنَّ الذي قلت لك ليس عزمة مني، ولا قضاء، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فَبِعْ، وكيف شئت فبع. اهـ\nوإسناده منقطع؛ لأنَّ القاسم لم يدرك عمر بن الخطاب -﵁-، ولكن الأثر يصح بالطريق التي قبلها.\nقلتُ: والراجح قول الجمهور؛ لحديث الباب، إلا أن يرى ولي الأمر المصلحة الشرعية في ذلك لدفع ضرر حاصل، وأما أثر عمر -﵁-، ففي طريق الشافعي أنَّ ذلك ليس على طريق الإلزام. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣١١ - ٣١٢)، «الطرق الحكمية» (ص ٢٥٤).","vol":"5","page":635},{"text":"٧٩٨ - وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵁-، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطِئٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2741>مسألة [١]: معنى الاحتكار وحكمه</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٢١٣١): الحُكرة: بضم المهملة، وسكون الكاف: حبس السلع عن البيع، هذا مقتضى اللغة.\nقال: والاحتكار الشرعي: إمساك الطعام عن البيع وانتظار الغلاء مع الاستغناء عنه، وحاجة الناس إليه. اهـ\nقلتُ: وقد جاءت أحاديث في تحريم الاحتكار، منها: حديث معقل بن يسار عند أحمد (٥/ ٢٧) وغيره، أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من دخل في شيء من أسعار المسلمين؛ ليغليه عليهم؛ فإنَّ حقًّا على الله ﵎ أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة»، وهو حديث صحيح، يصححه شيخنا مقبل -﵀- في «الصحيح المسند» (١١٣١).\nوجاء عن أبي هريرة -﵁-، مرفوعًا بلفظ: «من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين؛ فهو خاطئ» أخرجه أحمد (٢/ ٣٥١)، وفي إسناده: أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السِّندي، وهو ضعيف، ولكن الحديث يصح بشاهديه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٦٠٥).","vol":"5","page":636},{"text":"المتقدمين عن معمر، ومعقل -﵄-.\nوأخرج ابن ماجه (٢١٥٥) عن عمر بن الخطاب -﵁-، قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «من احتكر على المسلمين طعامهم؛ ضربه الله بالجذام والإفلاس»، وهو حديث منكر، أُنكر على الهيثم بن رافع، وفي إسناده أيضًا أبو يحيى المكي، وهو مجهول، وفي الباب أحاديث أخرى.\nوأصح أحاديث الباب هو حديث معمر، وحديث معقل -﵄-.\nوثبت عن ابن عمر -﵄-، أنه قال: الحكرة خطيئة. أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٠٣) بإسناد صحيح.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٣١٦): وَالِاحْتِكَارُ الْمُحَرَّمُ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ:\nأَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِيَ، فَلَوْ جَلَبَ شَيْئًا، أَوْ أَدْخَلَ مِنْ غَلَّتِهِ شَيْئًا، فَادَّخَرَهُ؛ لَمْ يَكُنْ مُحْتَكِرًا، رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَمَالِكٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: الْجَالِبُ لَيْسَ بِمُحْتَكَرِ؛ لِقَوْلِهِ «الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» (^١)، وَلِأَنَّ الْجَالِبَ لَا يُضَيِّقُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَضُرُّ بِهِ، بَلْ يَنْفَعُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ إذَا عَلِمُوا عِنْدَهُ طَعَامًا مُعَدًّا لِلْبَيْعِ، كَانَ ذَلِكَ أَطْيَبُ لَقُلُوبِهِمْ مِنْ عَدَمِهِ.\nقلتُ: مقصوده -﵀- بالشراء، أي: شراء سلع السوق والبلد.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (٢١٥٣)، والحاكم (٢/ ١١)، وغيرهما، من حديث عمر بن الخطاب -﵁-، وفي إسناده: علي بن سالم بن ثوبان، وعلي بن زيد بن جدعان، وكلاهما ضعيف.","vol":"5","page":637},{"text":"الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَى قُوتًا. فَأَمَّا الْإِدَامُ، وَالْحَلْوَاءُ، وَالْعَسَلُ، وَالزَّيْتُ، وَأَعْلَافُ الْبَهَائِمِ؛ فَلَيْسَ فِيهَا احْتِكَارٌ مُحَرَّمٌ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا الذي ذكره ابن قدامة هو مذهب الجمهور، وقد استدلوا على ذلك بأنَّ سعيد بن المسيب كان يحتكر الزيت، فسئل عن ذلك؟ فقال: كان معمر يحتكر. وراوي الحديث أعلم بمعناه من غيره.\n• وذهب الشوكاني -﵀- إلى عموم تحريمه في غير الطعام مما يحصل به ضرر على المسلمين.\nقال -﵀- في «نيل الأوطار»: وَظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ الِاحْتِكَارَ مُحَرَّمٌ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ قُوتِ الْآدَمِيِّ وَالدَّوَابِّ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِلَفْظِ: «الطَّعَامِ» فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لَا يَصْلُحُ لِتَقْيِيدِ بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ الْمُطْلَقَةِ، بَلْ هُوَ مِنْ التَّنْصِيصِ عَلَى فَرْدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَيْهَا الْمُطْلَقُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِ الطَّعَامِ إنَّمَا هُوَ لِمَفْهُومِ اللَّقَبِ وَهُوَ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِلتَّقْيِيدِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ. اهـ\nثم نقل الشوكاني عن بعض الشافعية عدم جواز الاحتكار في غير الطعام إذا حصل به إضرار على المسلمين.\nقلتُ: وهو قول مالك كما في «المدونة الكبرى» (٣/ ٣١٣)، و«الأوسط» (١٠/ ١٥٩)، والرَّاجح أنَّ هذا ليس مخصوصًا بالأقوات، بل أي شيء يحتكر،","vol":"5","page":638},{"text":"وفي احتكاره مضرة للناس؛ فلا يجوز، وأمثلة ذلك البترول ومشتقاته، ونحو ذلك.\nقال ابن قدامة -﵀-: الثَّالِثُ، أَنْ يُضَيِّقَ عَلَى النَّاسِ بِشِرَائِهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِأَمْرَيْنِ:\nأَحَدِهِمَا: يَكُونُ فِي بَلَدٍ يُضَيِّقُ بِأَهْلِهِ الِاحْتِكَارُ، كَالْحَرَمَيْنِ، وَالثُّغُورِ.\nالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الضَّيِّقِ، بِأَنْ يَدْخُلَ الْبَلَدَ قَافِلَةٌ فَيَتَبَادَرُ ذَوُو الْأَمْوَالِ فَيَشْتَرُونَهَا، وَيُضَيِّقُونَ عَلَى النَّاسِ. فَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهُ فِي حَالِ الِاتِّسَاعِ وَالرُّخْصِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُضَيِّقُ عَلَى أَحَدٍ؛ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ. اهـ\nقال الشوكاني -﵀-: وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْحَاجَةِ وَقَصْدِ إغْلَاءِ السِّعْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَعْقِلٍ: «مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ»، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «يُرِيدُ أَنْ يُغْلِيَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ».اهـ\nقال السُّبُكِي -﵀-: الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ مَنَعَ غَيْرَهُ مِنْ الشِّرَاءِ، وَحَصَلَ بِهِ ضِيقٌ؛ حُرِّمَ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَسْعَارُ رَخِيصَةً، وَكَانَ الْقَدْرُ الَّذِي يَشْتَرِيهِ لَا حَاجَةَ بِالنَّاسِ إلَيْهِ؛ فَلَيْسَ لِمَنْعِهِ مِنْ شِرَائِهِ وَادِّخَارِهِ إلَى وَقْتِ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ مَعْنًى، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالرُّويَانِيُّ: وَرُبَّمَا يَكُونُ هَذَا حَسَنَةً؛ لِأَنَّهُ يَنْفَعُ بِهِ النَّاسَ، وَقَطَعَ المَحَامِلِيُّ فِي المُقْنِعِ بِاسْتِحْبَابِهِ. اهـ (^١)\n_________\n(^١) انظر: «نيل الأوطار» (٢٢٨٠)، «شرح مسلم» (١١/ ٤٣)، «المغني» (٦/ ٣١٦ - ٣١٧).","vol":"5","page":639},{"text":"تنبيه: ادِّخار الإنسان القوت لنفسه وعياله لا يدخل في الاحتكار، بل هو جائزٌ، فقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يدَّخر لأهله قوت سنة كما في «الصحيحين». (^١)\nقال الشوكاني -﵀-: قَالَ ابْنُ رِسْلَانَ فِي «شَرْحِ السُّنَنِ»: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ مِنْ تَمْرٍ وَغَيْرِهِ ...، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَا يَدَّخِرُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ قُوتٍ، وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ سَمْنٍ، وَعَسَلٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ. اهـ (^٢)\nتنبيه: المدة التي يجوز فيها خزن السِّلع راجعة إلى وقت حاجة الناس إليها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٩٠٤)، ومسلم (١٧٥٧)، من حديث عمر بن الخطاب -﵁-.\n(^٢) «نيل الأوطار» (٢٢٨٠).","vol":"5","page":640},{"text":"٧٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَلِمُسْلِمٍ: «فَهُوَ بِالخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ». (^٢)\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَلَّقَهَا البُخَارِيُّ: «وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، لَا سَمْرَاءَ». قَالَ البُخَارِيُّ: وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ. (^٣)\n\n٨٠٠ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁-، قَالَ: مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَزَادَ الإِسْمَاعِيلِيُّ: مِنْ تَمْرٍ. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٤٨)، ومسلم (١٥١٥) (١١).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٥٢٤) (٢٤) (٢٥).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٥٢٤) (٢٥). من طريق قرة بن خالد عن ابن سيرين عن أبي هريرة. وعلقه البخاري في «صحيحه» عقب الحديث (٢١٤٨). وقول البخاري (والتمر أكثر) إشارة إلى إعلال الحديث بلفظ (الطعام)، وقد اختلف في ذكر الطعام على ابن سيرين، فبعض الرواة رواه عنه بذكر الطعام، وبعضهم رواه عنه بذكر التمر بدل الطعام، والظاهر أن رواية التمر هي المحفوظة كما أشار إليه البخاري، فإن بعض من رواه عن ابن سيرين بلفظ (الطعام) قد جاء عنه أنه رواه بلفظ (التمر).\nوأيضًا روى الحديث عن أبي هريرة جمع، ولم يذكر واحد منهم (الطعام) وإنما ذكروا التمر، وهم الأعرج وهمام بن منبه وأبوصالح ومحمد بن زياد ومجاهد والوليد بن رباح والشعبي والنخعي وموسى بن يسار وثابت مولى عبدالرحمن بن زيد. وانظر رواياتهم في «فتح الباري» (٢١٤٨) و«مسند أحمد» و«الصحيحين». وقد حمل بعض أهل العلم رواية (الطعام) على أن المراد بذلك (التمر)؛ لأنه كان طعامهم.\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (٢١٤٩) (٢١٦٤). وعنده في الموضع الأول زيادة: (من تمر).","vol":"5","page":641},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2742>مسألة [١]: معنى التَّصْرية</span>.\nأصل التصرية حبس الماء، يقال: صريت الماء إذا حبسته، ومعناه: ربط أخلاف الناقة، أو الشاة، وترك حلبها حتى يجتمع لبنها، فيكثر، فيظن المشتري أن ذلك عادتها، فيزيد في ثمنها؛ لما يرى من كثرة لبنها.\nوقوله في الحديث: «لَا تُصَرُّوا»، قال الحافظ: بضم أوله، وفتح ثانيه، بوزن تزكوا، وقيده بعضهم بفتح أوله، وضم ثانيه، والأول أصح؛ لأنه من (صريت اللبن في الضرع) إذا جمعته، وليس من (صررت الشيء) إذا ربطته؛ إذ لو كان منه لقيل: (مصرورة، أو مصررة)، ولم يقل: مصراة، على أنه قد سُمِع الأمران. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2743>مسألة [٢]: حكم التصرية</span>.\nيحرم تصرية البهيمة من أجل البيع عند جميع أهل العلم، ذكر ذلك ابن دقيق العيد، والسُّبُكي، وابن الملقن؛ لما في ذلك من الغش والخديعة.\n• وأما تصريتها من أجل تجميع اللبن: فمنع منه بعض الشافعية.\n• وجمهور العلماء على الجواز؛ مالم يؤد إلى تعذيب البهيمة.\nوهو الصواب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢١٤٨)، «شرح العمدة» لابن الملقن (٧/ ٥٤ - ٥٥)، «تكملة المجموع» (١٢/ ٣١) للسبكي، «النيل» (٢٢٧٧)، «الأوسط» (١٠/ ٩٦).","vol":"5","page":642},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2744>مسألة [٣]: تصرية البقر</span>.\n• عامة أهل العلم على أن تحريم التصرية لا يختص بالإبل والغنم، بل يشمل البقر، خلافًا لداود الظاهري، وإنما اقتصر عليهما؛ لغلبتهما عندهم، وذلك لأنَّ المعنى فيها واحد، بل قد يكون اللبن في البقر أكثر من غيرها، والتلبيس فيها أشد على المشتري. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2745>مسألة [٤]: إذا حصلت التصرية فما حكم البيع</span>؟\nدلَّ حديث الباب على أنَّ البيع صحيح، والمشتري بالخيار بين إمضاء البيع وفسخه، وهذا قول عامة أهل العلم.\n• وخالف أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، فقالا: ليس للمشتري خيار؛ لأنَّ ذلك ليس بعيب، بدليل أنها لو لم تكن مصراة، فوجدها أقل لبنًا من أمثالها لم يملك ردَّها، والتدليس بما ليس بعيب لا يثبت الخيار.\nوردوا حديث الباب بحجج واهية، وزعموا أنه مخالفٌ لأصول الشريعة.\nوقد ذكر حججهم الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح»، وردَّ عليهم وبيَّن بطلان مذهبهم.\nوالصواب هو قول الجمهور، وقد أفتى به ابن مسعود كما في الباب، والحديث صريح في المسألة، فلا تعويل على قول من خالف الحديث، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢١٤٨)، «المغني» (٦/ ٢٢١ - ٢٢٢)، «النيل» (٢٢٧٧).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢١٤٨)، «المغني» (٦/ ٢١٦)، «التمهيد» (١٢/ ٢٧٩، ٢٨٨).","vol":"5","page":643},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2746>مسألة [٥]: ماذا يرد بدل اللبن الذي احتلبه</span>؟\n• جمهور العلماء على أنه يرد صاعًا من تمر، ويتعين عليه التمر؛ لحديث أبي هريرة، وابن مسعود اللذين في الباب.\n• وذهب أبو يوسف، وابن أبي ليلى إلى أنَّ التمر لا يتعين، بل قيمته.\n• وذهب مالك، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أنه يرد صاعًا من غالب قوت البلد، وهو قول شيخ الإسلام، وابن القيم، واستدلوا برواية: «صاعًا من طعام» وقالوا: التنصيص على التمر في الحديث بسبب أنَّ قوتهم التمر في الغالب.\nواستدل بعضهم بحديث ابن عمر عند أبي داود (٣٤٤٦)، وفيه: «فإن ردَّها؛ ردَّ معها مثل، أو مثلي لبنها قمحًا»، وفي إسناده: جميع بن عمير التيمي، وقد كُذِّب.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور؛ لحديث أبي هريرة -﵁-، وما استدلوا به لا يثبت، وقولهم: (خرج مخرج الغالب) يحتاج إلى دليل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2747>مسألة [٦]: إذا تراضى البائع والمشتري على غير الصاع من التمر</span>؟\n• الجمهور على الجواز.\n• وخالف بعض المالكية، وابن المنذر، فأوجبوا التمر حتى مع التراضي على غيره، وعلَّل بعضهم ذلك بأنَّ المشتري لو أعطى قمحًا، أو شعيرًا كان من بيع\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢١٥٠)، «المغني» (٦/ ٢١٧ - ٢١٨)، «تكملة المجموع» (١٢/ ٦٤)، «التمهيد» (١٢/ ٢٨٨)، «شرح مسلم» (١٥٢٤)، «الإنصاف» (٤/ ٣٨٨)، «الأوسط» (١٠/ ٩٧).","vol":"5","page":644},{"text":"الطعام قبل قبضه، وأثبت ابن كَجٍّ الخلاف عند الشافعية في ذلك.\nوالراجح قول الجمهور، والقول الثاني غير صحيح؛ لأنه ليس من باب بيع اللبن بالتمر إنما هو من باب الجزاء، فإذا تراضيا على غير التمر؛ فما المانع؟! (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2748>مسألة [٧]: إذا علم أنها مصراة، واللبن مازال موجودًا، فهل يلزم البائع قبول لبنه</span>؟\n• أما إن كان اللبن قد تغير؛ فلا يلزمه قبوله عند أكثر أهل العلم، خلافًا لبعض الحنابلة.\n• وأما إن كان اللبن لم يتغير: فمذهب الحنابلة أنه يلزمه قبوله، وهو قول بعض الشافعية؛ لأنَّ المبدل منه موجود بنفسه، فما فائدة البدل؟\n• وذهب جماعةٌ من العلماء إلى أنه لا يلزمه قبوله؛ لأنه ينقص بالحلب، وهو في ضرعه أحفظ له، وهو مذهب المالكية، والشافعية، وهذا القول هو الصواب.\nوعندهم أيضًا أنَّ المشتري لا يلزمه رد اللبن؛ لما حدث في الضرع من زيادة لبن قبل الحلب، فيجب رد بدله صاعًا من تمر؛ إلا أنْ يتفقا على رد اللبن؛ فيجوز. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٢١٤٨)، «نيل الأوطار» (٢٢٧٧)، «تكملة المجموع» (١٢/ ٦٠)، «الأوسط» (١٠/ ٩٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٢١٩)، «الحاوي الكبير» (٥/ ٢٤١)، «التمهيد» (١٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، «الإنصاف» (٤/ ٣٨٨ - ٣٨٩)، «الفتح» (٢١٤٨)، «تكملة المجموع» (١٢/ ٧٩ - ٨٠).","vol":"5","page":645},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2749>مسألة [٨]: إذا لم يوجد تمر</span>؟\n• الذين يوجبون التمر دون غيره يقولون: إذا عدم التمر؛ فعليه قيمته، ثم ذهب الحنابلة إلى أن عليه القيمة في الموضع الذي وقع فيه العقد.\n• وللشافعية وجهان: أحدهما: أن القيمة تعتبر بأقرب بلاد التمر منه. والثاني: اعتباره بقيمته في نفس المدينة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2750>مسألة [٩]: إذا علم المشتري أنها مصراة فردها قبل أن يحلبها، فهل عليه صاع تمر</span>؟\nظاهر حديث أبي هريرة الذي في الباب أنَّ الصاع مقابل احتلابها، وعلى هذا فإذا لم يحلبها؛ فليس عليه شيء، وقد نقل ابن قدامة عن ابن عبد البر أنه لا خلاف في ذلك، وكذلك قال السُّبُكي. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2751>مسألة [١٠]: لو علم المشتري أنها مصراة قبل أن يشتريها، فهل له ردها</span>؟\n• مذهب الحنابلة -وهو الأصح عند الشافعية- أنه لا يثبت له الخيار؛ لأنه قد علم بالعيب، وسياق حديث المصراة بطرقه يُشعِر أنَّ ذلك في حق من لم يعلم بأنها مصراة. وللشافعية وجهٌ في ثبوت الخيار له، والذي يظهر أنه إذا اشتراها، وهو يحتمل أنها غير مصراة؛ فله الخيار، وإن كان متيقنًا من أنها مصراة؛ فلا خيار له، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢١٩) «الحاوي الكبير» (٥/ ٢٤١) «الفتح» (٢١٤٨) «الإنصاف» (٤/ ٣٨٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٢١٩).\n(^٣) انظر: «الفتح» (٢١٤٨)، «المغني» (٦/ ٢١٧).","vol":"5","page":646},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2752>مسألة [١١]: لو اشترى مصراة فلم يعلم بذلك المشتري حتى صار لبنها عادة على ما صريت عليه</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنه ليس له الرد؛ لزوال السبب الذي يجوز معه الرد شرعًا، وهو قول جماعة من الشافعية، وقال جماعة منهم: له الرد؛ لظاهر حديث أبي هريرة، والصواب القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2753>مسألة [١٢]: لو اطلع على عيب آخر بالمصراة بعد رضاه بها، فهل عليه صاعٌ من تمر</span>؟\n• مذهب الشافعية أنَّ عليه صاعًا من تمر مقابل اللبن الذي كان مع البهيمة عند شرائه لها، وهو مذهب الحنابلة أيضًا؛ لما تقدم، وهو الصحيح، وللمالكية قولان في هذه المسألة. (^٢)\nتنبيه: لو اطَّلع على عيب بالبهيمة، ولم تكن مصراة؛ فإنْ لم يكن في ضرعها لبن حال العقد؛ فلا شيء عليه، وإن كان فيه لبن لا يخلو الضرع من مثله في العادة؛ فلا شيء فيه، وإن كان اللبن كثيرًا، ففيه خلافٌ: فمنهم من قال: يرد مثل اللبن، أو يضمنه بقيمته، وعليه أكثر الحنابلة، وجماعة من الشافعية، وهو الصحيح.\nوقال بعضهم: يرد صاعًا من تمر، وهو قول بعض الحنابلة، والشافعية. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢١٧)، «تكملة المجموع» (١٢/ ٤٧).\n(^٢) انظر: «الحاوي الكبير» (٥/ ٢٤٢)، «المغني» (٦/ ٢٢٠)، «حاشية الدسوقي» (٤/ ١٩٠).\n(^٣) انظر: «المغني» (٦/ ٢٢٠)، «الحاوي» (٥/ ٢٤٢).","vol":"5","page":647},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2754>مسألة [١٣]: صفة التمر</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٢١٨ - ٢١٩): وإذ قد ثبت هذا؛ فإنه يجب أن يكون الصاع من التمر جيدًّا غير معيب؛ لأنه واجبٌ بإطلاق الشارع، فينصرف إلى ما ذكرناه، كالصاع الواجب في الفطرة، ولا يجب أن يكون من الأجود، بل يجوز أن يكون من أدنى ما يقع عليه اسم الجيد. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2755>مسألة [١٤]: لو اشترى أكثر من مصراة، فهل عليه لكل واحدة صاع</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يجب عليه لكل واحدة صاع، وهو قول أحمد، والشافعي، وأكثر المالكية؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أثبت الصاع للواحدة فقال: «من اشترى شاة مصراة ..» فذكره، وكما أنه يجب عليه أكثر من صاع؛ لو كانت متفرقة؛ فكذلك لو باعها مجموعة.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يجب عليه صاع واحد لجميعها، وهو قول بعض الحنابلة، والمالكية، واستدلوا برواية الباب، وبرواية: «من اشترى غنمًا مصراة». (^٢)\nوأُجيب: بأنه أراد بيان الجنس، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «تكملة المجموع» (١٢/ ٦١).\n(^٢) أخرجه البخاري بهذا اللفظ برقم (٢١٥١)، عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٣) انظر: «الفتح» (٢١٥١)، «تكملة المجموع» (١٢/ ٦٤)، «المغني» (٦/ ٢٢٢)، «التمهيد» (١٢/ ٢٨٤ -).","vol":"5","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2756>مسألة [١٥]: هل خيار المصراة على الفور، أم على التراخي</span>؟\n• جمهور العلماء على أنَّ الخيار فيها على التراخي، فيبقى في الخيار ثلاثة أيام؛ لحديث أبي هريرة في «صحيح مسلم» وغيره: «فهوبالخيار ثلاثة أيام».\n• وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى أنَّ الخيار على الفور، وقالوا: المراد بالتحديد في ثلاثة أيام أنَّ هذه المدة وقتٌ لمعرفة كونهامصراة، فإذا علم وجب الرد من حين علم.\nوالصواب هو قول الجمهور؛ لأنَّ ظاهر الحديث المتقدم أنه مخيَّرٌ ثلاثة أيام بعد معرفته بأنها مصراة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2757>مسألة [١٦]: من متى يبدأ توقيت الثلاثة الأيام</span>؟\n• ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى أنه يبدأ من حين يعلم التصرية، وهو قول بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وهو قول الظاهرية، واختاره ابن المنذر؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أبي هريرة في «صحيح مسلم»: «فهو بالخيار ثلاثة أيام»، وفي رواية «الصحيحين»: «فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها».\nفتبيَّن من الروايتين أنَّ هذه الثلاثة الأيام تبدأ من حين يعلم بأنها مصراة.\n• وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى أنَّ التوقيت يبدأ من حين العقد، وقال بعض الشافعية: من حين التفرق. والقول الأول هو الراجح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢١٥٠)، «المغني» (٦/ ٢١٩).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢١٥٠)، «شرح مسلم» (١٥٢٤)، «المغني» (٦/ ٢٢٠ - ٢٢١).","vol":"5","page":649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2758>مسألة [١٧]: إذا اشترى مصراة من غير بهيمة الأنعام كالأتان والفرس</span>؟\n• للحنابلة، والشافعية وجهان في ثبوت الخيار وعدمه، والظاهر أنَّ اللبن إذا كان مقصودًا فله الخيار، وإلا فلا، وأما العوض بصاعٍ من تمر: فأكثر أهل العلم على عدم ذلك؛ لأنَّ الحديث في بهيمة الأنعام. (^١)\nفائدة: ابن حزم يرى في المصراة أنه يجب رد لبنها مع الصاع من التمر، وقد تفرد بذلك، وخالفه عامة أهل العلم. (^٢)\nفائدة أخرى: قال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٠/ ١٦٧ - ١٦٨): فَإِنْ قِيلَ: كَيْف يَلْزَم المُشْتَرِي رَدّ عِوَض اللَّبَن مَعَ أَنَّ الْخَرَاج بِالضَّمَانِ، وَأَنَّ مَنْ اِشْتَرَى شَيْئًا مَعِيبًا، ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْب فَرَدَّ بِهِ؛ لَا يَلْزَمهُ رَدّ الْغَلَّة، وَالْأَكْسَاب الْحَاصِلَة فِي يَده؟ فَالْجَوَاب: أَنَّ اللَّبَن لَيْسَ مِنْ الْغَلَّة الْحَاصِلَة فِي يَد المُشْتَرِي، بَلْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْد الْبَائِع، وَفِي حَالَة الْعَقْد، وَوَقَعَ الْعَقْد عَلَيْهِ وَعَلَى الشَّاة جَمِيعًا، فَهُمَا مَبِيعَانِ بِثَمَنٍ وَاحِد، وَتَعَذَّرَ رَدّ اللَّبَن؛ لِاخْتِلَاطِهِ بِمَا حَدَثَ فِي مِلْك المُشْتَرِي؛ فَوَجَبَ رَدّ عِوَضه، وَاَلله أَعْلَم. اهـ (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، «الحاوي» (٥/ ٢٤٢)، «الفتح» (٢١٤٨).\n(^٢) انظر: «المحلى» (١٥٧٢)، «تكملة المجموع» (١٢/ ٦٤).\n(^٣) وانظر: كلامًا لابن عبد البر بمعناه في «التمهيد» (١٢/ ٢٨٣).","vol":"5","page":650},{"text":"٨٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2759>مسألة [١]: قوله «غَشَّ»</span>.\nالغِش: ضد النصح، من الغَشَش، وهو المشرب الكدر. كذا في «النهاية» (٣/ ٣٦٩)، والمقصود من الحديث أنه يحرم على البائع، أو المشتري إخفاء عيب في السلعة، أو المال، وهذا مُجمَعٌ عليه، وفي حديث حكيم بن حزام في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «فإن صدقا وبيَّنَا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحِقَت بركة بيعهما». (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٠٢).\n(^٢) انظر: «شرح مسلم» (١٠٢)، «نيل الأوطار» (٢٢٧٤)، «المغني» (٦/ ٢٠٣) «الإنصاف» (٤/ ٣٩٣).","vol":"5","page":651},{"text":"٨٠٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ حَبَسَ العِنَبَ أَيَّامَ القِطَافِ حَتَّى يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا؛ فَقَدْ تَقَحَّمَ النَّارَ عَلَى بَصِيرَةٍ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الأَوْسَطِ» بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2760>مسألة [١]: حكم بيع العصير، والعنب، والتمر لمن يتخذه خمرًا</span>.\n• كثيرٌ من أهل العلم، أو أكثرهم على تحريم ذلك إذا تيقن أنَّ هذا المشتري سيتخذه لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].\nونصَّ الشافعي على الكراهة، ولأصحابه وجهان إذا تحقق أنه سيتخذه خمرًا، فمنهم من قال بالكراهة الشديدة، ومنهم من قال بالتحريم.\n• وقال الحسن، وعطاء، والثوري: يجوز البيع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]، ولأنه شيء مُباح، والإثم على من اتخذه في المعصية.\n_________\n(^١) موضوع. أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٥٣٥٢) من طريق عبدالكريم بن عبدالكريم عن الحسن ابن مسلم عن الحسين بن واقد عن عبدالله بن بريدة به.\nقال ابن أبي حاتم في «العلل» (١١٦٥): سألت أبي عنه فقال: هذا حديث كذب باطل، قلت: تعرف عبدالكريم هذا؟ قال: لا، قلت: فتعرف الحسن بن مسلم؟ قال: لا، ولكن تدل روايتهم على الكذب. اهـ.\nوقال الذهبي في ترجمة الحسن بن مسلم من «الميزان»: أتى بخبر موضوع في الخمر. ثم ساق حديث الباب. وسكت الحافظ على كلام الذهبي في «لسان الميزان» فالعجب كيف قال ههنا (إسناده حسن).","vol":"5","page":652},{"text":"• وذهب أحمد في رواية، وإسحاق إلى أنه يحرم أن يبيع ذلك إذا تيقن، أو غلب على ظنه، وهو اختيار شيخ الإسلام، وصاحب «الإنصاف»، والشوكاني في «السيل»، واختاره الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو الصواب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]. (^١)\nتنبيه: الحكم السابق يشمل كذلك ما قُصِدَ فيه الحرام كبيع السلاح للفتنة، وبيع الحمار الأهلي لمن يأكله، وبيع المسجل لمن يسمع به الأغاني والمعازف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2761>مسألة [٢]: بيع العبد المسلم لرجل كافر</span>.\n• في المسألة قولان:\nالقول الأول: لا يجوز، ولا يصح، وهو مذهب أحمد، ومالك في رواية، والشافعي في قولٍ؛ لأنَّ فيه إذلالًا للمسلم عند الكافر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١].\nالقول الثاني: يصح، ويجبر على إزالة ملكه، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن مالك، وقولٌ للشافعي.\nقلتُ: والقول الأول هو الصواب، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٩/ ٣٥٣)، «المغني» (٦/ ٣١٧)، «الإنصاف» (٤/ ٣١٤)، «المحلى» (١٥٤٣)، «السيل» (٣/ ٢٤)، «الشرح الممتع» (٨/ ٢٠٦)، «الأوسط» (١٠/ ٣٧٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٣٦٨) «الإنصاف» (٤/ ٣١٥) «الشرح الممتع» (٨/ ٢٠٨).","vol":"5","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2762>مسألة [٣]: إذا أسلم عبد الذمي فكيف يصنع معه</span>؟\nقال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٠/ ٣٧٢): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن رقيق أهل الذمة إذا أسلموا بيعوا عليهم. كذلك فعل عمر ابن عبد العزيز، وروي ذلك عن الحسن، والنخعي، والشعبي، وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وخالف ذلك بعض أصحاب الحديث، وقال: لا يجبر الذمي على بيع عبده الذي أسلم، واحتج بحديث سلمان الفارسي. اهـ\nيعني حديث سلمان الفارسي في قصة إسلامه، وفيه أنه أمره بالمكاتبة. وهذا الحديث بمعنى بيعه، ففيه أنه أمره بالمكاتبة؛ فكاتبه سيده.\nوالصحيح أنه يلزم الذمي ببيعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2763>مسألة [٤]: معاملة من يخالط ماله الحلال والحرام</span>.\nأما إذا كانت العين المتعاقد عليها محرمة بعينها، كأن تكون مسروقة، أو مغصوبة، أو ما أشبه ذلك؛ فلا يجوز أن يبيعها، أو يشتريها منه، ومثله لو كان جميع ماله محرمًا. وأما إذا كان المال مخلوطًا غير متميز: فيجوز معاملته عند عامة أهل العلم، والورع ترك معاملته إذا استطيع ذلك. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٧٢ -) «المجموع» (٩/ ٣٥٣) «السيل» (٣/ ٢٣ - ٢٤) «جامع العلوم والحكم» حديث رقم (٦)، «فتاوى اللجنة» (١٣/ ٤٢، ١٧٢ -).","vol":"5","page":654},{"text":"٨٠٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَضَعَّفَهُ البُخَارِيُّ، وَأَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ، وَابْنُ القَطَّانِ. (^١)\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (٣٥٠٨) (٣٥٠٩)، والترمذي (١٢٨٥)، والنسائي (٧/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، وابن ماجه (٢٢٤٣)، وأحمد (٦/ ٤٩، ٨٠، ١١٦، ١٦١، ٢٠٨)، وابن حبان (٤٩٢٨)، والحاكم (٢/ ١٥)، والبيهقي (٥/ ٣٢١)، وغيرهم. والحديث له طرق:\n\nإحداها: طريق ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف، عن عروة، عن عائشة.\nومخلد بن خُفَاف تفرد بالرواية عنه ابن أبي ذئب، ووثقه ابن حبان وابن وضاح، وقال البخاري: فيه نظر، وقال أبوحاتم: ليس هذا إسنادًا تقوم به الحجة غير أني أقول به؛ لأنه أصلح من آراء الرجال. انظر: «الميزان»، «الجرح والتعديل».\nوقال البخاري كما في «العلل الكبير» للترمذي (١/ ٥١٣): مخلد لا أعرف له غير هذا الحديث، وهذا حديث منكر.\nثانيها: طريق مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.\nوقد سأل الترمذيُّ البخاريَّ عن هذه الطريق فقال: مسلم ذاهب الحديث.\nقلتُ: والصحيح أن مسلم بن خالد ضعيف يصلح بالمتابعات كما يعلم من ترجمته من التهذيب؛ ولذلك فإن أبا داود قال عقب الحديث: هذا إسناد ليس بذلك. وهذه عبارة لينة.\nثالثها: طريق عمر بن علي المقدمي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.\nقال الترمذي عقب هذه الطريق في «سننه»: استغرب محمد بن إسماعيل هذا الحديث من حديث عمر بن علي، قلت: تراه تدليسًا؟ قال: لا.\nوفي «العلل الكبير» (١/ ٥١٤): قلت له: قد رواه عمر بن علي عن هشام بن عروة؟ فلم يعرفه من حديث عمر، قلت له: ترى أن عمر بن علي قد دلس فيه؟ قال: لا أعرف أن عمر بن علي يدلس. اهـ\nقلتُ: هذا علم البخاري، وقد أثبت غير واحد من الحفاظ أنه يدلس، ولكن لا يمنع أن تصلح هذه الطريق بالمتابعات، وعمر بن علي المقدمي ليس له رواية عن مسلم بن خالد الزنجي في «تهذيب الكمال».\nرابعها: طريق جرير بن عبدالحميد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. ذكر هذه الطريق الترمذي في «العلل الكبير»، وسأل البخاري عن هذه الطريق، فقال: قال محمد ابن حميد -هو اليشكري المعمري- إن جريرًا روى هذا في المناظرة ولا يدرون له فيه سماعًا. وقال الترمذي في «السنن»: وحديث جرير يقال: تدليس دلس فيه جرير، لم يسمعه من هشام بن عروة.\nقال أبوعبدالله غفر الله له: هذه الطرق المتقدمة هي أقوى طرق الحديث، وبمجموعها يرتقي إلى الحسن، والله أعلم. وقد نقل الطحاوي أن الحديث تلقاه أهل العلم بالقبول.","vol":"5","page":655},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2764>مسألة [١]: معنى الخراج بالضمان</span>.\nالخراج: هو الكسب والربح، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون:٧٢]، والمقصود بالحديث أنَّ المنافع الناتجة من السلعة تكون لضامن السلعة، فلو أنَّ إنسانًا اشترى سيارة مثلًا، فأَجَّرها واستفاد منها، ثم وقف على عيب في السيارة كان عند البائع، فتكون المنفعة للمشتري، ولا يُطالب برد الأجرة؛ لأنَّ السيارة كانت في ضمانه بحيث لو تلفت لم يرجع على البائع بشيءٍ، ويُعَبِّر بعض الفقهاء بقولهم: الغُنْمُ لمن عليه الغرم.\nوهذه المسألة لها صُور:\nأولها: أن تكون الزيادة متصلة بالمبيع، كالسمن، والكِبَر، والتعلم، والحمل، فهذه الأشياء يردها بنمائها؛ لأنه يتبع في العقود، والفسوخ، وقد نُقِل على هذا الإجماع، وخالف شيخ الإسلام، وجعله رواية عن أحمد، فقال بأنَّ النماء المتصل للمشتري أيضًا، واختار ذلك الإمام العثيمين -﵀-؛ لعموم الحديث: «الخراج","vol":"5","page":656},{"text":"بالضمان»، وعليه فلو فسخ؛ فيرد البائع للمشتري فارق قيمة السلعة بين يوم البيع ويوم الفسخ، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.\nثانيها: أن تكون الزيادة منفصلة، ولكنها ليست من عين المبيع كالكسب، مثل الاستفادة من السيارة، أو العبد، وما أشبه ذلك.\nقال ابن قدامة -﵀-: فكل ذلك للمشتري في مقابلة ضمانه؛ لأنَّ العبد لو هلك هلك من مال المشتري، وهو معنى قوله -﵇-: «الخراج بالضمان»، ولا نعلم في هذا خلافًا.\nثم قال: وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. اهـ\nقلتُ: قد خالف في المسألة عثمان البتي، وعبيد الله بن الحسن كما في «المحلى»، والصواب قول الجمهور.\nثالثها: أن تكون الزيادة منفصلة، ولكنها من عين المبيع، كالولد، والثمرة، واللبن.\n• فالجمهور على أنَّ الزيادة لا ترد أيضًا، وهي للمشتري مقابل ضمانه؛ للحديث المتقدم، ووافقهم ابن حزم، ولكنه استدل على ذلك بقوله: لأنه حدث في ماله، وفي ملكه، وليس مما وقع عليه الشراء؛ فلا حق للمردود عليه فيه.\n• وذهب مالك إلى قول الجمهور؛ إلا في الولد فإنه يرد مع أمه.","vol":"5","page":657},{"text":"• وقال أبو حنيفة: ليس له الرد، ويرجع على البائع بأرش العيب.\n• وقال عثمان البتي، وعبيد الله بن الحسن، وزفر: يردها، ويرد الضمان المنفصل الذي هو فرعٌ منها؛ لأنَّ العقد قد تم على الحيوان، وهذا الشيء موجود فيه؛ فالظاهر أنه يرد معه، وهذا قول بعض الشافعية، والحنابلة، كما في «الإنصاف»، و«الحاوي»، و«المغني» فيما إذا كان الحمل موجودًا عند العقد.\nوهذا هو الصحيح في حالة وجود الحمل تامًّا عند العقد.\nوأما إن كان غير موجود فالصحيح قول الجمهور، وإن كان موجودًا، ولكنه في بداية الحمل، أو أثنائه فيرجع إلى الصورة الأولى، وبالله التوفيق. (^١)\nتنبيه: قاس الحنفية المغصوب على المبيع، فقالوا: للغاصب خراج المغصوب؛ لأنه ضامن له، وخالفهم الجمهور فقالوا: ليس له خراجه، بل يجب عليه رد المغصوب مع خراجه، وهو الصحيح. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٢٦، ٢٣٢)، «المحلى» (١٥٩١)، «الاختيارات» (١٢٦)، «الحاوي» (٥/ ٢٤٥)، «الإنصاف» (٤/ ٣٦٩).\n(^٢) انظر شرح الحديث من «معالم السنن» للخطابي، و«شرح السنة» للبغوي.","vol":"5","page":658},{"text":"٨٠٤ - وَعَنْ عُرْوَةَ البَارِقِيِّ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ أُضْحِيَّةً، أَوْ شَاةً، فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ ضِمْنَ حَدِيثٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ. (^١)\n\n٨٠٥ - وَأَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2765>مسألة [١]: حكم بيع الفضولي وشرائه</span>.\n• في هذه المسألة أقوال:\nالقول الأول: يصح بيعه، وشراؤه إذا أجازه المالك، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في القديم، وقواه النووي في «الروضة»، واستدلوا بحديث عروة الذي في الباب.\nالقول الثاني: لا يصح بيعه، ولاشراؤه، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد،\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٣٧٥)، وأبوداود (٣٣٨٤)، وابن ماجه (٢٤٠٢)، وهو عند البخاري بلفظه (٣٦٤٢) كلهم من طريق شبيب بن غرقدة قال: سمعت الحي يتحدثون عن عروة البارقي فذكره. وعند ابن ماجه: عن شبيب عن عروة. من غير ذكر الواسطة. والإسناد ضعيف؛ لأن فيه مبهمين. ولكن للحديث إسناد آخر: أخرجه أحمد (٤/ ٣٧٦)، وأبوداود (٣٣٨٥)، والترمذي (١٢٥٨)، وابن ماجه (٢٤٠٢)، وغيرهم من طريق الزبير بن خريت عن أبي لبيد عن عروة البارقي بنحوه. وإسناده صحيح رجاله ثقات، وأبولبيد هو لمازة بن زبار.\n(^٢) ضعيف. أخرجه الترمذي (١٢٥٧)، من طريق حبيب بن أبي ثابت عن حكيم بن حزام فذكره، وفيه أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أعطى حكيمًا ليشتري له. وإسناده ضعيف؛ لأن حبيبًا لم يسمع من حكيم، قاله الترمذي عقب الحديث.","vol":"5","page":659},{"text":"وأبي ثور، واختاره ابن المنذر؛ للحديث المتقدم «لا تبع ما ليس عندك». (^١)\nالقول الثالث: قال مالك في رواية: يجوز الشراء، ولا يجوز البيع. وكأنه أراد الجمع بين الحديثين.\nالقول الرابع: أجاز أبو حنيفة البيع، ومنع الشراء.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو القول الأول؛ لحديث عروة -﵁-، وبالله التوفيق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2766>مسألة [٢]: لو باع سلعة وصاحبها حاضر ساكت</span>؟\n• جمهور العلماء على عدم الجواز، وعدم الصحة، ولا ينسبون إلى سكوته الإقرار؛ لاحتمال أن يسكت بسبب آخر، فإذا أجاز البيع بعد ذلك؛ دخل في المسألة السابقة، وإن عُلِم بالقرائن أن سكوته عن رضى؛ جاز.\n• وقال ابن أبي ليلى: سكوته إقرار، والصواب قول الجمهور. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2767>مسألة [٣]: إذا وكل رجلين فباع كل واحد منهما لآخر</span>؟\n• فيه قولان:\nالأول: البيع للأول منهما، وهو قول شريح، وابن سيرين، والشافعي، وأحمد،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه تحت حديث رقم (٧٨٥).\n(^٢) انظر: «نيل الأوطار» (٢٣٥٠)، «المجموع» (٩/ ٢٦١)، «المغني» (٦/ ٢٩٥)، «الأوسط» (١٠/ ٣٥٤).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٩/ ٢٦٤)، «المغني» (٦/ ٢٩٦)، «الأوسط» (١٠/ ٣٥٣ -).","vol":"5","page":660},{"text":"وابن المنذر.\nالثاني: البيع لمن بدأ بالقبض، وهو قول ربيعة ومالك.\nقلتُ: والصحيح هو القول الأول؛ لأنَّ الوكيل الثاني زالت وكالته بانتقال ملك الموكل عن السلعة؛ فصار بائعًا ملك غيره بغير إذنه، فلم يصح. (^١)\nتنبيه: حديث عروة -﵁- يدل على شرط من شروط صحة البيع، وهو: (أن يكون العقد من المالك، أو من يقوم مقامه).\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٩٧)، «الأوسط» (١٠/ ٣٥٢).","vol":"5","page":661},{"text":"٨٠٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ، وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِهَا، وَعَنْ شِرَاءِ العَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ، وَعَنْ شِرَاءِ المَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ، وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ، وَعَنْ ضَرْبَةِ الغَائِصِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالبَزَّارُ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2768>مسألة [١]: بيع الحمل وهو في بطن أمه</span>.\nلا يجوز بيع الحمل عند أهل العلم؛ لأنه مجهول، ويدخل في النهي عن بيع الغرر، وقد نقل غير واحد الإجماع على عدم جوازه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2769>مسألة [٢]: بيع اللبن في الضرع</span>.\n• ذهب الجمهور إلى المنع من ذلك؛ لأنه مجهول القدر والصفة، وقد أفتى بالمنع ابن عباس -﵄-، وهو صحيح ثابتٌ عنه كما في «مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٥٣٣)، وهو قول أحمد، والشافعي، وإسحاق.\n• وحُكي عن مالك أنه يجوز شراؤه أيامًا معلومة؛ إذا عرفا حلابها؛ لسقي الصبي، كلبن الظئر، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-.\n• وأجازه الحسن، وسعيد بن جبير، ومحمد بن مسلمة.\n_________\n(^١) ضعيف. رواه ابن ماجه (٢١٩٦)، والدارقطني (٣/ ١٥)، من طريق محمد بن إبراهيم الباهلي عن محمد بن زيد العبدي، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد الخدري به. وإسناده ضعيف، فالأولان مجهولان، والثالث ضعيف، وقد ضعفه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (١٢٩٣).","vol":"5","page":662},{"text":"قال الإمام ابن القيم -﵀- كما في «زاد المعاد» (٥/ ٨٢٣ - ٨٢٤): واختار شيخُنا جوازه، وحكاه قولًا لبعض أهل العلم، وله فيها مصنف مفرد، قال: إذا استأجر غنمًا، أو بقرًا، أو نوقًا أيامَ اللبن بأجرة مسماة، وعلفُها على المالِك، أو بأجرة مسماة مع علفها على أن يأخذ اللبن؛ جاز ذلك في أظهر قولي العلماء كما في الظئر.\nقال: وهذا يشبه البيع، ويشبه الإجارة؛ ولهذا يذكره بعض الفقهاء في البيع، وبعضهم في الإجارة، لكن إذا كان اللبن يحصل بعلف المستأجر، وقيامه على الغنم؛ فإنه يشبه استئجار الشجر، وإن كان المالك هو الذي يعلفها، وإنما يأخذ المشتري لبنًا مقدرًا، فهذا بيعٌ محضٌ، وإن كان يأخذ اللبن مطلقًا، فهو بيعٌ أيضًا؛ فإن صاحب اللبن يُوفيه اللبن بخلاف الظئر، فإنما هي تسقي الطفل، وليس هذا داخلًا فيما نهى عنه - ﷺ - مِن بيع الغَرَرِ؛ لأن الغرر تردُّدٌ بين الوجود والعدم، فنهى عن بيعه؛ لأنه مِن جنس القمار الذي هو الميسر، والله حرم ذلك لما فيه مِن أكل المال بالباطل، وذلك مِن الظلم الذي حرمه اللهُ تعالى، وهذا إنما يكون قمارًا إذا كان أحدُ المتعاوضين يحصلُ له مال، والآخر قد يحصُل له وقد لا يحصل، فهذا الذي لا يجوزُ كما في بيع العبد الآبق، والبعير الشارد، وبيع حَبَلِ الحَبَلَةِ؛ فإن البائع يأخذُ مال المشتري، والمشتري قد يحصل لَهُ شَيء، وقد لا يَحصُل، ولا يعرف قدر الحاصل، فأما إذا كان شيئًا معروفًا بالعادة كمنافع الأعيان بالإِجارة مثل منفعة الأرض والدابة، ومثلِ لبن الظئر المعتاد، ولبنِ البهائم المعتاد، ومثلِ الثمر والزرع المعتاد، فهذا كُلُّهُ من باب واحد وهو جائز. ثم إن حصل على الوجه","vol":"5","page":663},{"text":"المعتاد، وإلا حطَّ عن المستأجر بقدر ما فات مِن المنفعة المقصودة، وهو مثلُ وضع الجائحة في البيع، ومثلُ ما إذا تلف بعضُ المبيع قبل التمكن مِن القبض في سائر البيوع. اهـ\nقلتُ: وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم هو الصحيح، والله أعلم، وأما في غير صورة الاستئجار فالراجح قول الجمهور، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2770>مسألة [٣]: إذا باع مما في ضرع البقرة صاعًا معلومًا</span>؟\n• الجمهور على المنع؛ لجهالة الصفة، ولاحتمال عدم القدرة على التسليم، وأجازه طاوس، والشوكاني، وهو الصحيح؛ لعدم وجود الجهالة في هذه الصورة، وصفة اللبن معروفة بالعادة، وإن خالف وصفه المعتاد؛ فله الفسخ، وبالله التوفيق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2771>مسألة [٤]: حكم بيع لبن الآدميات</span>.\n• مذهب الشافعي هو الجواز، وهو قول جماعة من الحنابلة، وصححه ابن قدامة؛ لأنه لبنٌ طاهرٌ منتفع به، ولأنه يجوز أخذ العوض عنه في إجارة الظئر، وهو قول ابن حزم.\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة، وجماعة من الحنابلة إلى تحريم بيعه؛ لأنه جزء\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٩/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، «المغني» (٦/ ٣٠٠ - ٣٠١) (٨/ ٧٣ - ٧٤)، «الإنصاف» (٤/ ٢٨٨)، «المحلى» (١٤٢٣).\n(^٢) انظر: «نيل الأوطار» (٢١٧٢)، «المجموع» (٩/ ٣٢٧).","vol":"5","page":664},{"text":"من آدمي، فأشبه سائر أجزائه.\nوأُجيب عن ذلك: بأنه يجوز بيع العبد والأمة، وإنما حرم بيع الحر؛ لأنه ليس بمملوك، وحرم بيع العضو المقطوع؛ لأنه لا نفع فيه، قاله ابن قدامة.\nقال ابن حزم -﵀-: لا خلاف في أنَّ للمرأة أن تحلب لبنها في إناء، وتعطيه لمن يسقيه صبيًّا، وهذا تمليك منها له، وكل ما صح ملكه وانتقال الأملاك فيه حلَّ بيعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]، إلا ما جاء فيه نصٌّ بخلاف هذا. اهـ\nقلتُ: القول الأول هو الصواب. (^١)\nتنبيه: قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٩/ ٣٢٦): أجمع المسلمون على جواز بيع حيوانٍ في ضرعه لبن، وإن كان اللبن مجهولًا؛ لأنه تابع للحيوان، ودليله من السنة حديث المصراة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2772>مسألة [٥]: بيع العبد الآبق</span>.\n• اختلف أهل العلم في بيع العبد الآبق، والحيوان الشارد، وما أشبه ذلك على أقوال:\nالأول: لا يصح البيع مطلقًا، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي، وأبي ثور، والجمهور، واختاره ابن المنذر، سواء علم مكانه أو جهله؛ لأنه غير مقدور على\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٤)، «المحلى» (١٥٤٦).","vol":"5","page":665},{"text":"تسليمه؛ فهو بيع غرر.\nالثاني: يجوز بيعه مطلقًا؛ علم مكانه أم لم يعلم، وهو قول عثمان البتي، والظاهرية؛ لأنه ملكه، سواء كان موجودًا أو غائبًا.\nالثالث: يجوز بيعه إذا علما مكانه، وهو قول ابن سيرين، وشريح، والشعبي، وقال به بعض الشافعية.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب، وقد يعلمان مكانه ثم يهرب من ذلك المكان، فأما إن كانا قد علما مكانه، وعند المشتري القدرة على إمساكه فيجوز البيع؛ لانتفاء العلة المحرِّمة، وقد جاء عن ابن عمر بإسناد صحيح: أنه اشترى بعيرًا وهو شاردٌ. أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٣٤)، وابن المنذر (١٠/ ٤١)، وهو محمول على أنه علم مكانه وعنده القدرة على إمساكه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2773>مسألة [٦]: بيع المغانم قبل قسمتها</span>.\nحديث الباب ضعيف، ولكن ثبت من حديث ابن عباس عند النسائي (٧/ ٣٠١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن بيع المغانم حتى تقسم، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا -﵀- برقم (٦٤٨).\nوقد أخذ بذلك الجمهور، فقالوا بعدم الجواز؛ للحديث المذكور، ولأنه باع\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٨٩ -)، «المحلَّى» (١٤٢٣)، «المجموع» (٩/ ٢٨٤)، «الأوسط» (١٠/ ٤١).","vol":"5","page":666},{"text":"شيئًا مجهول القدر والصفة؛ فيدخل في بيع الغرر.\nونقل ابن حزمٍ عن المالكية أنهم أجازوا ذلك، والصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2774>مسألة [٧]: بيع الصدقات قبل قبضها</span>.\n• الجمهور على المنع؛ لأنه يبيع ما لا يملك، ومالا يعلم صفته وقدره، ونقل ابن حزم عن الحنفية أنهم أجازوا ذلك، ولم يذكر حجتهم في ذلك. (^٢)\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ٨٣٠): وإذا كان النبي - ﷺ - نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع انتقاله إلى المشتري، وثبوت ملكه عليه، وتعيينه له، وانقطاع تعلق غيره به؛ فالمغانم والصدقات قبل قبضها أولى بالنهي. اهـ\nقلتُ: الصحيح هو المنع؛ لأنَّ الصدقة لا تملك إلا بالقبض؛ ولأنه بيع مجهول، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2775>مسألة [٨]: ضربة الغائص</span>.\nصورتها: دخول الغواص إلى باطن البحر، وأخذ شيء مما تيسر له بعد البحث، وتسليمه للمشتري بعد أن اتفقا مُسبقًا قبل الغوص على شراء ما يخرج مع الغواص، ودفع الثمن.\nوحكمه: لا يجوز هذا البيع؛ لوجود الغرر؛ ولأنه بيع مالا يملك، ولم\n_________\n(^١) انظر: «نيل الأوطار» (٢١٧٢) «المحلى» (١٤٢٣)، «زاد المعاد» (٥/ ٨٣٠).\n(^٢) انظر المصادر السابقة.","vol":"5","page":667},{"text":"يذكروا خلافًا لأحد، وهو داخل في بيع الغرر.\nتنبيه: حديث أبي سعيد الذي في الباب يدل على شرطين من شروط صحة البيع:\nأحدهما: أن يكون المبيع مقدورًا على تسليمه.\nالثاني: أن يكون المبيع معلومًا بوصف، أو رؤية.\nوحديث أبي سعيد وإن كان ضعيفًا فقد تقدم في المسألة ما يشهد لمعناه، وبالله التوفيق.","vol":"5","page":668},{"text":"٨٠٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي المَاءِ؛ فَإِنَّهُ غَرَرٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الصَّوَابَ وَقْفُهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2776>مسألة [١]: بيع السمك في الماء</span>.\nأما إن كان السمك غير مملوك كسمك البحار، والأنهار؛ فلا يجوز بيعه وهو في الماء؛ لأنه بيع مجهول لا يملك، ولا خلاف في عدم جواز ذلك.\nوأما إن كان السمك مملوكًا في ماء يمكن مشاهدة السمك من خلاله، ولا مشقة في إخراجه، فيجوز هذا البيع عند أهل العلم؛ لانتفاء العلة المانعة من ذلك.\n• وأما إن كان السمك المذكور في إخراجه مشقة: فالجمهور على المنع؛ للجهالة بوقت تسليم المبيع، ويجوز للبائع والمشتري أن يتفقا على وقتٍ للتسليم، كيوم ويومين مثلًا؛ فإنِ استطاع البائع أن يعطيه في خلال تلك الفترة، وإلا أعاد الثمن، والله أعلم.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرج أحمد (١/ ٣٨٨)، عن محمد بن السماك عن يزيد بن أبي زياد عن المسيب بن رافع عن ابن مسعود به.\nقال أحمد كما في حاشية بعض النسخ من «المسند»: وحدثنا به هشيم عن يزيد لم يرفعه.\nوقد رجح الموقوف الدارقطني والبيهقي والخطيب.\nانظر: «العلل» (٥/ ٢٧٥)، و«سنن البيهقي» (٥/ ٣٤٠)، و«تاريخ بغداد» (٥/ ٣٦٩).\nوالموقوف أيضًا ضعيف؛ لضعف يزيد بن أبي زياد، ولانقطاعه بين المسيب بن رافع، وعبدالله ابن مسعود؛ فإنه لم يسمع منه. قاله أحمد، وأبو حاتم كما في «جامع التحصيل»، و«الجرح والتعديل».","vol":"5","page":669},{"text":"• ونقل عن عمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى الجواز، ولعلهما أرادا ما كان محصورا في بركة أو حوض، ويمكن استخراجه بدون مشقة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2777>مسألة [٢]: بيع الطير في الهواء</span>.\nأما بيع الطائر قبل اصطياده فلا يجوز بلا خلاف؛ لأنه يبيع مالا يملك، ولا يقدر على تسليمه، وأما إن كان الطير ملكًا له، ولكن طار عليه؛ فحكمه حكم العبد الآبق، والحيوان الشارد، وقد تقدم.\nوأما إن كان الطير ملكًا له، ويطير في الهواء، ويعتاد الرجوع إلى البائع؛ فأجاز بعض الشافعية، والحنابلة بيعه، والأكثر على عدم الجواز؛ لاحتمال عدم رجوعه.\nقلتُ: والأظهر صحة البيع إذا كان المشتري قد رأى هذا الطير؛ فإن لم يرجع الطائر في ذلك اليوم؛ رجع على البائع بالثمن، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٩١) «المجموع» (٩/ ٢٨٤)، «الأوسط» (١٠/ ٤٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٢٩٠) «المجموع» (٩/ ٢٨٤).","vol":"5","page":670},{"text":"٨٠٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتَّى تَطْعَمَ، وَلَا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، وَلَا لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ وَالدَّارَقُطْنِيّ. (^١)\nوَأَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد فِي المَرَاسِيلِ لِعِكْرِمَةَ، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ، وَرَجَّحَهُ البَيْهَقِيُّ.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2778>مسألة [١]: بيع الصوف على ظهر الحيوان</span>.\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى عدم جوازه، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية،\n_________\n(^١) صحيح موقوفًا ومرسلًا.\nأما المرفوع الموصول فأخرجه الطبراني في «الأوسط» (٣٧٢٠)، والدارقطني (٣/ ١٤ - ١٥)، وهو في سنن البيهقي (٥/ ٣٤٠).\nوأما المرسل فأخرجه أبوداود في «المراسيل» (١٨٣)، والبيهقي (٥/ ٣٤٠)، وابن أبي شيبة (٦/ ٥٣٤).\n\nومدار طرق الحديث على عمر بن فروخ عن حبيب بن الزبير عن عكرمة. فرواه عنه بدون ذكر ابن عباس جماعة، وهم: ابن المبارك ووكيع وأبوعاصم النبيل.\nورواه عنه موصولًا بذكر ابن عباس جماعة، وهم: زيد بن الحباب وحفص بن عمر الحوضي ويعقوب ابن إسحاق. فيظهر أن رواية الإرسال أقوى، والله أعلم.\nوأما الموقوف فأخرجه أبوداود في «المراسيل» (١٨٢)، والبيهقي (٥/ ٣٤٠)، من طريق أبي إسحاق السبيعي عن عكرمة عن ابن عباس موقوفًا. ورواه عن أبي إسحاق زهير بن معاوية والثوري.\nورجح البيهقي رواية الوقف، وقال في الرواية الأولى: عمر بن فروخ ليس بالقوي.\nولا نعلم من تكلم فيه قبل البيهقي، وقد وثقه أبوحاتم وابن معين، وسئل عنه أبوداود فرضيه.","vol":"5","page":671},{"text":"وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، وصحَّ عن ابن عباس، واستدلوا بحديث الباب، وبأنَّ ذلك يؤدي إلى الغرر؛ لأنَّ ملك المشتري يختلط مع الصوف النابت بعد الشراء، وهو من ملك البائع. وعلَّل الشافعية المنع بنجاسته إذا قطع، وهو غير صحيح.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى جواز البيع بشرط الجزِّ في الحال، وهو رواية عن أحمد، وقال به سعيد بن جبير، وربيعة، ومالك، والليث، وأبو يوسف، وهو وجهٌ ضعيفٌ للشافعية، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، ثم الإمام ابن عثيمين، وهو الصواب؛ لأنَّ حديث الباب لا يصح مرفوعًا، ولانتفاء اختلاط الأملاك إذا قطع بالحال، وإن حصل شيء من ذلك؛ فهو يسير يغتفر.\nوينبغي أن لا يكون في ذلك إيذاء للحيوان، كأن يكون الجو شديد البرد فيجتز الصوف من أسفله، فيؤذيه، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٠١)، «الإنصاف» (٤/ ٢٨٩)، «المجموع» (٩/ ٣٢٨)، «المحلى» (١٤٣٠).","vol":"5","page":672},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2779>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2780>مسألة [١]: بيع الصوف من الحيوان المذبوح</span>.\nنقل النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٩/ ٣٢٧) اتفاق الشافعية على الجواز، وينبغي أن لا يكون في ذلك خلاف عند جميع من تقدم؛ لأنَّ علة المنع منتفية على قولهم جميعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2781>مسألة [٢]: حكم بيع المغيَّبات في الأرض كالجزر، والبصل، والثوم</span>.\n• الجمهور على عدم جواز بيع المغيبات في الأرض حتى تُقلع ويشاهدها المشتري؛ لوجود الجهالة، واختاره ابن المنذر.\n• ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، والسعدي، وابن عثيمين، وجماعةٍ على جواز بيعها لأمور:\n١) أنَّ أهل الخبرة يعرفون هذه الثمار التي تحت الأرض جيدًّا، ويستدلون بظاهر الثمرة على باطنها.\n٢) إن حصل غرر يسير؛ فهو مغتفر، وكذلك ما لا يحترز منه فهو متسامح فيه.\n٣) أنَّ فيه مشقة على أهل الأموال الكبيرة، ويسبب تحكم المشترين بهم؛ لأنهم بعد جنيها قد لا يجدون هذه الآلات الحديثة لحفظ الثمار مما يؤدي إلى","vol":"5","page":673},{"text":"تحكم المشترين بهم، وإن قالوا: ليبع التاجر قليلًا قليلًا، ففيه مشقة على المشتري التاجر، والبائع التاجر.\nقال الشوكاني -﵀- -معلِّقًا على قول صاحب «متن الأزهار» (وكامنٌ يدلُّ فرعُه عليه)، وكان يعدد البيوع الجائزة-: إن كانت هذه الدلالة بحيث تتميز عند البائع والمشتري، ويعرفان كيفيته، وكميته؛ كان ذلك خارجًا عن بيع الغرر المنهي عنه، وإن كانت هذه الدلالة قاصرة؛ فلا يحل حتى يخرج ذلك الكامن من الأرض، ويحصل الاطلاع عليه، ومعرفته بالكُنه، ومن جوَّز ذلك مُسْتَدِلًّا بما جرت عليه عادة الناس فلم يُصِبْ؛ فإنَّ مثل ذلك لا يصلح لتخصيص الأدلة. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2782>مسألة [٣]: البيع بسعر السوق</span>.\n• فيه خلاف بين أهل العلم: فالجمهور على عدم صحة البيع؛ لأجل الجهالة. قال ابن حزم -﵀-: لا يصح البيع وكله باطل؛ لأنه بيع غرر، وأكل مالٍ بالباطل؛ لأنه لم يصح فيه التراضي، ولا يكون التراضي إلا بمعلوم المقدار، وقد يرضى لأنه يظن أنه يبلغ ثمنًا مَا، فإذا بلغ أكثر لم يرض المشتري، وإن بلغ أقل لم يرض البائع. اهـ\n• ووجهٌ عند الشافعية حكاه الرافعي، ووصفه النووي بأنه وجهٌ شاذٌّ ضعيفٌ، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم على صحة البيع.\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٨٦)، «زاد المعاد» (٥/ ٨٢٠ -)، «رد المحتار» (٥/ ٥٣)، «السيل الجرار» (٣/ ٢٩)، «الشرح الممتع» (٨/ ١٧٤)، «المحلى» (١٤٢٧)، «المغني» (٦/ ١٦١)، «الأوسط» (١٠/ ٤٣).","vol":"5","page":674},{"text":"قال شيخ الإسلام -﵀-: وهو أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقد نصَّ أحمد على هذه المسألة ونحوها. اهـ\nوقال ابن القيم -﵀- في «بدائع الفوائد» (٤/ ٥٠ - ٥١): إذا قال: (بعتك هذه السلعة) ولم يُسَمِّ الثَّمَنَ، أجاب أبو الخطاب: لا يصح البيع، وإذا قبض السلعة فهي مضمونة عليه. وجواب شيخنا ابن تيمية صحة البيع بدون تسمية الثمن، فانصرافه إلى ثمن المثل كالنكاح، والإجارة كما في دخول الحمام، ودفع الثوب إلى القصار، والغسال، واللحم إلى الطباخ، ونظائره؛ فالمعاوضة بثمن المثل ثابتة بالنص والإجماع في النكاح، وبالنص في إجارة المرضع في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وعمل الناس قديمًا وحديثًا عليه في كثير من عقود الإجارة، وكذلك البيع بما ينقطع به السعر وهو بيع بثمن المثل، وقد نص أحمد على جوازه، وعمل الأمة عليه.\nقال: والمحرِّمُون له لا يكادون يخلصون منه؛ فإن الرجل يعامل اللَّحام، والخباز، والبقال، ويأخذ كل يوم ما يحتاج إليه من أحدهم من غير تقدير ثمن المثل الذي ينقطع به، وكذلك جرايات الفقهاء وغيرها، فحاجة الناس إلى هذه المسألة تجري مجرى الضرورة، وما كان هكذا لا يجيء الشرع بالمنع منه البتة، كيف وقد جاء جوازه في العقد الذي الوفاء بموجبه أوكد من غيره من العقود. اهـ\nقلتُ: وما رجحه شيخ الإسلام، وابن القيم هو الصحيح، ويشترط أن تكون الأسعار منضبطة، لا مختلفة حتى لا يحصل الغرر، وبالله التوفيق.","vol":"5","page":675},{"text":"٨٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ المَضَامِينِ وَالمَلَاقِيحِ. رَوَاهُ البَزَّارُ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2783>مسألة [١]: معنى الحديث</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٩/ ٣٢٥): الملاقيح بيع ما في بطون الحوامل من الأجنة، والمضامين ما في أصلاب الفحول من الماء، هكذا فسَّره أصحابنا، وجماهير العلماء وأهل اللغة، وممن قاله من أهل اللغة أبو عبيده، وأبو عبيد، والأزهري، والهروي، والجوهري، وخلائق لا يحصون. قال مالك بن أنس وصاحبا «المحمل» و«المحكم»: المضامين ما في بطون الإناث. وهذا ضعيفٌ؛ لأنه يكون مكررًا مع الملاقيح. انتهى.\nوقد تقدم الكلام على مسألة بيع ما في بطون الحوامل من الأنعام تحت الحديث رقم (٨٠٦)، وتقدم النهي عن بيع عسْب الفحل تحت الحديث رقم (٧٧٩). (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (٢/ ٨٧) من طريق صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة به.\nقال البزار: لا نعلم رواه بهذا الإسناد غير صالح، ولم يكن بالقوي.\nقلتُ: صالح بن أبي الأخضر ضعفه غير واحد من الحفاظ، فالحديث ضعيف بسببه.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٦/ ٣٢٥) «الإنصاف» (٤/ ٢٨٨).","vol":"5","page":676},{"text":"ذِكْرُ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2784>مسألة [١]: شرط كون الأجل معلومًا</span>.\nتقدم من شروط صحة البيع أن يكون الثمن معلومًا، والأجل معلومًا.\nقال النووي -﵀-: اتفقوا على أنه لا يجوز البيع بثمن إلى أجل مجهول. اهـ\nوابن عبد البر يقول في مسألة حَبَل الحبلة: ولا خلاف بين العلماء أنَّ البيع إلى مثل هذا الأجل المجهول لا يجوز، وكفى بالإجماع علمًا.\nوالدليل على شرطية ذلك: حديث النهي عن البيع إلى حبل الحبلة، وحديث السَّلم، وفيه: «إلى أجلٍ معلوم». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2785>مسألة [٢]: حكم البيع إلى وقت الحصاد، أو العطاء</span>.\n• في المسألة قولان:\nالأول: هو المنع، وعدم الجواز.\nوهو قول عطاء، والحكم، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، والشافعي، وأحمد في رواية، والحنفية، واختاره ابن المنذر؛ لوجود الجهالة في الأجل، فقد يتأخر الحصاد والعطاء، وهذا القول صح عن ابن عباس -﵄- أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٩٦)، وابن المنذر (١٠/ ٨٢)، والبيهقي (٦/ ٢٥).\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٩/ ٣٣٩)، «الاستذكار» (٢٠/ ٩٧).","vol":"5","page":677},{"text":"الثاني: الجواز والصحة.\nوهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وجاء عن ابن عمر -﵄- عند ابن أبي شيبة (٦/ ٦٩)، ولكن في إسناده: الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس فيه ضعفٌ.\nوله طريق أخرى عند ابن المنذر (١٠/ ٢٨١)، وفيها شريك القاضي، وفيه ضعف، ويحيى الحماني، وقد اتهم، وله عنده طريق أخرى: أنه كان يبتاع إلى ميسرة. أخرجه ابن المنذر من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، عن عمرو ابن دينار، عن ابن عمر، وفيه مدلسان، لم يصرحا بالسماع.\nوقال هؤلاء: إنَّ الأجل تعلَّق بوقت من الزمن يعرف في العادة، ولا يحصل فيه التفاوت بالشيء الكثير.\nقلتُ: وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2786>مسألة [٣]: يشترط في الثمن أن يكون معلوم القدر</span>.\nذكر أهل العلم أنه لا يجوز البيع بثمن مجهول المقدار، أو الصفة، فلا يجوز أن يقول: بعتك هذه السلعة بنقود، أو بما شئت، أو بما في مخباك. لأنه يكون من بيع الغرر، ويؤدي إلى التنازع والاختلاف.\nتنبيه: إذا لم يبين صفة النقود؛ فتكون بالعملة المتعامل بها؛ فإنْ كان البيع في مكان يتعاملون بعملات مختلفة، ويحصل الالتباس؛ فلا يصح.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٩/ ٣٤٠)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٦/ ٦٩)، «الأوسط» (١٠/ ٢٨١).","vol":"5","page":678},{"text":"٨١٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَهُ». (^١) رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2787>مسألة [١]: معنى الإقالة</span>.\nقال ابن الأثير في «النهاية» (٤/ ١٣٤): أي: وافقه على نقض البيع وأجابه إليه، يقال: أقاله يقيله إقالةً، وتقايلا إذا فسخا البيع، وعاد المبيع إلى مالكه، والثمن إلى المشتري إذا كان قد ندم أحدهما أو كلاهما، وتكون الإقالة في البيعة والعهد. اهـ\n_________\n(^١) تأخر هذا الحديث في نسخة (ب) إلى بعد قوله: (باب الخيار).\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٣٤٦٠)، وابن ماجه (٢١٩٩)، وابن حبان (٥٠٣٠)، والحاكم (٢/ ٤٥)، من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وليس عندهم لفظة: (بيعته). وإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين.\nوقد قيل: إن حفص بن غياث تفرد به كما في «تاريخ بغداد» (٨/ ١٩٦)، وحدث به من حفظه، وليس هو في كتبه. ولكن للحديث طريق أخرى: أخرجه البيهقي (٦/ ٢٧) من طريق: إسحاق بن محمد الفروي، ثنا مالك بن أنس، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، به. وهذا إسناد حسن.\nوإسحاق قد رواه على وجه آخر: أخرجه الطحاوي في شرح المشكل (٥٢٩١)، وابن حبان (٥٠٩٢)، والقضاعي (٤٥٣، و٤٥٤)، وابن الأعرابي (٢٢٨)، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح به بلفظ: «نادمًا بيعته». لكن إسحاق أخطأ فيه كما أشار إلى ذلك الدارقطني في «العلل» (٨/ ٢٠٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/ ٢٧).\nوله طريق ثالثة: أخرجه البيهقي (٦/ ٢٧)، والحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص ١٨)، من طريق: عبدالرزاق، عن معمر، عن محمد بن واسع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، به. ثم أعله الحاكم بالانقطاع بين معمر، ومحمد بن واسع، وبين محمد بن واسع، وأبي صالح.\nقلتُ: فالحديث بهذه الطرق صحيح بدون شك، والله أعلم.","vol":"5","page":679},{"text":"والإقالة مُرَغَّبٌ فيها ومن فضائل الأعمال؛ لحديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2788>مسألة [٢]: هل الإقالة فسخٌ، أو بيعٌ</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالأول: أنها فسخٌ، وليست ببيع، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد، وبعض أصحابه، ومحمد بن الحسن، والظاهرية، واستدلوا على ذلك بأنَّ الإقالة معناها الدفع والإزالة، يُقال: أقالَك الله عثرتك، أي: أزالها، ورجَّحه ابن المنذر، وقال: وفي إجماعهم أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، مع إجماعهم على أن له أن يقيل المُسْلِمَ جميع الْمُسْلَمِ فيه دليل على أنَّ الإقالة ليست بيعًا؛ ولأنها تجوز في المُسْلَمِ فيه قبل قبضه، فلم تكن بيعًا كالإسقاط.\nالثاني: أنها بيعٌ، وهو مذهب مالك، وأحمد في رواية، وأبي يوسف؛ لأنَّ المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليه منه؛ فكان بيعًا كالأول، ولأبي حنيفة تفصيل ليس عليه دليل، وهو أنها فسخٌ في حق العاقدين، بيعٌ في حق غيرهما، ورجَّح ابن حزم قول مالك.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-، ويبنى على هذه المسألة خلافات كثيرة ذكرها ابن رجب في «القواعد» ونقلها عنه صاحب «الإنصاف». (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ١٩٩)، «الإنصاف» (٤/ ٤٦٤ -)، «المحلى» (١٥١٠) «الشرح الممتع» (٨/ ٣٨٤ -)، «الاستذكار» (٢١/ ١٠ - ١٣)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٥/ ٣٢٥ -)، «الأوسط» (١٠/ ٣٨٠).","vol":"5","page":680},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2789>مسألة [٣]: هل يُشترط في الإقالة أن تكون بنفس الثمن</span>؟\n• مذهب الشافعي، والأشهر في مذهب أحمد أنه يُشترط أن تكون بنفس الثمن. وثبت عن ابن عباس -﵄-، بإسناد صحيح عند ابن المنذر (١٠/ ٣٨٠) أنه كره أن يبتاع البيع، ثم يرده، ويرد معه درهم، وقال: هذا مما قال الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، وعند ابن أبي شيبة (٦/ ١٠٨)، قال: ذلك الباطل. وكره أخذ الزيادة الشعبي، والأسود، والنخعي.\n• وذهب أحمد في رواية -وهو قول بعض أصحابه- والأوزاعي إلى أنه يجوز بأكثر من الثمن، أو أقل، وهو قول جابر بن زيد، وسعيد بن المسيب، وشريح، وابن سيرين، والحسن، والزهري، ورجَّح هذا الإمام ابن عثيمين، وهو مقتضى قول من قال: إنَّ الإقالة بيع. وأخرج ابن أبي شيبة، هذا القول عن ابن عمر -﵄-، وفي إسناده يزيد بن إبراهيم الخوزي، وهو متروك.\nقلتُ: وهذا هو الراجح، ولكن يظهر في هذه الصورة أن الإقالة تُعَدُّ بيعًا، وحكمها حكم البيوع، والله أعلم.\nثم وقفت على قول ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢١/ ١٠)، حيث قال: لا خلاف بين العلماء أنَّ الإقالة إذا كان فيها نُقصان، أو زيادة، أو تأخير أنها بيع. اهـ (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٠٠)، «الإنصاف» (٤/ ٤٦٤ -)، «الشرح الممتع» (٨/ ٣٨٥ -) «المحلى» (١٥١٠).","vol":"5","page":681},{"text":"فتح العلام\nفي دراسة أحاديث بلوغ المرام\nحديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\nتأليف\nأبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني\nفي دار الحديث بدماج\n\nالجزء السادس\nتابع كتاب البيوع\nالخِيَار - الرِّبا - الرُّخْصَةُ فِي العَرَايَا وَبَيْعِ الأُصُولِ وَالثِّمَارِ - السَّلَمُ وَالقَرْضُ وَالرَّهْنُ - التَّفْلِيْسُ وَالحَجْر - الصُّلحُ - الحَوَالَةُ وَالضَّمَانُ - الشَّرِكَةُ وَالوَكَالَةُ الإِقْرَارُ - العَارِيَةُ - الغَصْبُ - الشُّفْعَةُ - القِرَاضُ","vol":"6","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2790>بَابُ الخِيَارِ</span>\n٨١١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ؛ فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ؛ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2791>مسألة [١]: خيار المجلس</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- (٢١١١): وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَات خِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَقَدْ مَضَى قَبْلُ بِبَابٍ (^٢) أَنَّ ابْن عُمَر حَمَلَهُ عَلَى التَّفَرُّق بِالْأَبْدَانِ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِي (^٣)، وَلَا يُعْرَف لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَة. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيُّ، فَرَوَى اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ قَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا. وَرَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْهُ بِلَفْظِ: إِذَا وَجَبَتْ الصَّفْقَةُ فَلَا خِيَارَ. وَبِذَلِكَ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ؛ إِلَّا اِبْنَ حَبِيبٍ، وَالْحَنَفِيَّة كُلّهمْ، قَالَ اِبْنِ حَزْم: لَا نَعْلَمُ لَهُمْ سَلَفًا إِلَّا إِبْرَاهِيمَ وَحْدَهُ. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١١٢)، ومسلم (١٥٣١) (٤٤).\n(^٢) في «البخاري» برقم (٢١٠٧)، وهو في «مسلم» كذلك برقم (١٥٣١).\n(^٣) أخرجه أبو داود برقم (٣٤٥٧) بإسناد صحيح عنه.","vol":"6","page":5},{"text":"ثم ذكر الحافظ -﵀- حُجج المالكية، والحنفية في ردهم للحديث، وردَّ عليها، وبيَّن ضعفها، فراجع ذلك؛ فإنه مفيد.\nقلتُ: وقد ذهب جماهير العلماء إلى إثبات خيار المجلس؛ لحديث ابن عمر -﵄- الذي في الباب، وبمعناه حديث حكيم بن حزام -﵁-، في «الصحيحين» (^١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «البيعان بالخيار مالم يتفرقا؛ فإن صدقا وبيَّنَا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما؛ مُحِقت بركة بيعهما».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2792>مسألة [٢]: ضابط التفرق</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٢١١٠): وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمُرَاد أَنْ يَتَفَرَّقَا بِالْأَبْدَانِ: هَلْ لِلتَّفَرُّقِ الْمَذْكُور حَدٌّ يُنْتَهَى إِلَيْهِ؟ وَالْمَشْهُور الرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَب الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَوْكُولٌ إِلَى الْعُرْف، فَكُلُّ مَا عُدَّ فِي الْعُرْفِ تَفَرُّقًا حُكِمَ بِهِ، وَمَا لَا فَلَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2793>مسألة [٣]: قوله: «أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ»</span>.\nبوَّبَ على هذا الحديث البخاري في «صحيحه» في [كتاب البيوع/باب: (٤٥)]، فقال: [باب إذا خيَّرَ أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع].\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في شرح حديث الباب (٢١١٢): وَقَوْلُهُ «وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ» أَيْ: لَمْ يَفْسَخْهُ؛ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ. أَيْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٠٧٩)، ومسلم برقم (١٥٣٢).","vol":"6","page":6},{"text":"بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا فِي اِنْفِسَاخِ الْبَيْعِ بِفَسْخِ أَحَدهمَا.\nقال: وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث مَالِك «إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ»، فَقَالَ الْجُمْهُور -وَبِهِ جَزَمَ الشَّافِعِيُّ-: هُوَ اِسْتِثْنَاءٌ مِنْ اِمْتِدَادِ الْخِيَارِ إِلَى التَّفَرُّق، وَالْمُرَاد أَنَّهُمَا إِنْ اِخْتَارَا إِمْضَاءَ الْبَيْعِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ؛ لَزِمَ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ، وَبَطَلَ اِعْتِبَار التَّفَرُّق، فَالتَّقْدِير: (إِلَّا الْبَيْع الَّذِي جَرَى فِيهِ التَّخَايُر). قَالَ النَّوَوِيُّ: اِتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى تَرْجِيح هَذَا التَّأْوِيل، وَأَبْطَلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مَا سِوَاهُ، وَغَلَّطُوا قَائِلَهُ. اِنْتَهَى.\nقال الحافظ: وَرِوَايَة اللَّيْث ظَاهِرَةٌ جِدًّا فِي تَرْجِيحِهِ. اهـ\nقلتُ: وهي رواية الحديث الذي في الباب.\nقال الحافظ: وَقِيلَ: هُوَ اِسْتِثْنَاءٌ مِنْ اِنْقِطَاعِ الْخِيَارِ بِالتَّفَرُّقِ، وَقِيلَ: الْمُرَاد بِقَوْلِهِ: «أَوْ يُخَيَّرُ أَحَدهمَا الْآخَر»، أَيْ: فَيَشْتَرِط الْخِيَار مُدَّةً مُعَيَّنَةً، فَلَا يَنْقَضِي الْخِيَار بِالتَّفَرُّقِ، بَلْ يَبْقَى حَتَّى تَمْضِيَ الْمُدَّةُ. حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، وَرَجَّحَ الْأَوَّل بِأَنَّهُ أَقَلُّ فِي الْإِضْمَارِ، وَتُعَيِّنُهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ (^١) مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل -قِيلَ: هُوَ اِبْن أُمِّيَّةَ، وَقِيلَ غَيْره- عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: إِلَّا أَنْ يَكُون الْبَيْع كَانَ عَنْ خِيَار؛ فَإِنْ كَانَ الْبَيْع عَنْ خِيَار وَجَبَ الْبَيْع. انتهى المراد من كلام الحافظ -﵀-.\nقلتُ: والصواب هو تأويل الجمهور؛ لصراحة حديث الباب في ذلك.\n_________\n(^١) في «السنن» (٧/ ٢٤٨) بإسناد صحيح.","vol":"6","page":7},{"text":"٨١٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «البَائِعُ وَالمُبْتَاعُ بِالخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الجَارُودِ وَفِي رِوَايَةٍ: «حَتَّى يَتَفَرَّقَا عَنْ مَكَانِهِمَا». (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2794>مسألة [١]: المراد بالتفرق المذكور تفرق الأبدان</span>.\nهذا الحديث يرد على من قال: المراد بالتفرق في حديث ابن عمر السابق تفرق الأقوال لا الأبدان.\nومرادهم بذلك: الإيجاب والقبول من البائع والمشتري.\nقال الترمذي -﵀- عقب هذا الحديث: ولو كانت الفرقة بالكلام، ولم يكن له الخيار بعد البيع؛ لم يكن لهذا الحديث معنى حيث قال - ﷺ -: «ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله».اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2795>مسألة [٢]: حكم التفرق من أجل ألا يفسخ الآخر البيع</span>.\n• دلَّ حديث عمرو بن شعيب الذي تقدم على عدم جواز ذلك، وهو قول أحمد\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١٨٣)، وأبوداود (٣٤٥٦)، والترمذي (١٢٤٧)، والنسائي (٧/ ٢٥١ - ٢٥٢)، والدارقطني (٣/ ٥٠)، وابن الجارود (٦٢٠) من طريق عمرو بن شعيب به. وإسناده حسن، ورواية «من مكانهما» هي رواية الدارقطني.","vol":"6","page":8},{"text":"في رواية، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، ورجَّح ذلك الإمام ابن عثيمين، وهو ظاهر اختيار الإمام الألباني -﵀- كما في «الإرواء» (١٣١٢).\n• وذهب الجمهور إلى جواز ذلك؛ لأنَّ ذلك صحَّ عن ابن عمر كما في «الصحيحين»، وادَّعى ابن عبد البر أن إجماع المسلمين على ذلك، فقال: وأما قوله في حديث عمرو بن شعيب: «ولا يحل له أن يفارقه ...» فلفظٌ منكر؛ لإجماع علماء المسلمين أنه جائز له أن يفارقه ليتم بيعه، وله أن لا يقيله إلا أن يشاء. اهـ\nقلتُ: إن قصد مجرد المفارقة بدون خشية الفسخ؛ فلا إشكال، وإن قصد الآخر؛ فالخلاف موجود كما تقدم، وحمل صاحب «شرح سنن النسائي» النهي الذي في حديث عمرو بن شعيب على ما إذا علم أحدهما ضررًا على الآخر، فأراد التفرق حتى لا يستطيع أن يفسخ، وهو محملٌ جيدٌ؛ إن صحَّ الحديث، وبالله التوفيق. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٤/ ٣٥٩)، «الاستذكار» (٢٠/ ٢٣٥)، «المغني» (٦/ ١٥)، «الشرح الممتع» (٨/ ٢٧٦)، «شرح النسائي» (٣٤/ ١٥٠ -).","vol":"6","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2796>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2797>مسألة [١]: العقود التي يدخلها الخيار</span>.\nالعقود أقسام:\nالقسم الأول: ما تكون لازمة من الطرفين، ويُقصد بها العوض، كالبيع، والإجارة، والصرف، والسلم، فيدخل فيها خيار المجلس، وخيار الشرط.\nالقسم الثاني: ما تكون لازمة من الطرفين، ولا يُقصد بها العوض، كالنكاح، والخلع، فلا يثبت فيها خيار.\nالقسم الثالث: أن يكون لازمًا من طرف واحد، كالرهن لازمٌ في حق الرَّاهن، جائز في حق المرتهن. قال ابن قدامة: فلا يثبت فيه خيار؛ لأنَّ المرتهن يستغني بالجواز في حقه عن ثبوت خيار آخر، والراهن يستغني بثبوت الخيار له إلى أن يقبض (^١)، وكذلك الضامن والكفيل لا خيار لهما؛ لأنهما دخلا متطوعين راضيين بالغبن، وكذلك المكاتب. اهـ\nالقسم الرابع: عقدٌ جائزٌ من الطرفين، كالشركة، والمضاربة، والوكالة، والوديعة، فهذه لا يثبت فيها خيار؛ استغناء بجوازها، والتمكن من فسخها بأصل وضعها. (^٢)\n_________\n(^١) يعني: حتى يقبض الدين.\n(^٢) انظر «المغني» (٦/ ٤٨ - ٤٩).","vol":"6","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2798>مسألة [٢]: خيار الشرط</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٣٠): ولا خلاف بين أهل العلم في ثبوت الرد بهذين الأمرين -يعني خيار الشرط وخيار العيب- وقد قال النبي - ﷺ -: «المؤمنون على شروطهم» (^١). ا هـ\nقلتُ: قد خالف ابن حزمٍ فأبطل البيع إذا كان فيه خيار شرط، ونقل عن ابن شبرمة، والثوري أنهما قالا: لا يجوز البيع إذا شرط فيه الخيار للبائع، أو لهما، وأجازاه للمشتري.\nوالصواب قول الجمهور؛ لأنه شرطٌ لا يخالف ما شرعه الله، وليس فيه محظورٌ شرعي. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2799>مسألة [٣]: وقت ذكر شرط الخيار</span>.\n• تقدمت الإشارة إلى الخلاف في ذلك عند حديث عائشة -﵂- «ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل».\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٨/ ٢٧٩): والصحيح أنه يصح قبل العقد، ومع العقد، وبعد العقد، لكن في زمن الخيار، إما خيار الشرط، وإما خيار المجلس، لكن كيف في خيار الشرط؟ الجواب: أن يدخل شرط على\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٨٦١).\n(^٢) وانظر: «المحلى» (١٤٢١).","vol":"6","page":11},{"text":"آخر، مثل أن يقول: اشتريت منك هذا البيت ولي الخيار ثلاثة أيام. فلما صار اليوم الثالث قال: أريد أن أمدد الخيار إلى ستة أيام. فله ذلك؛ لأنَّ العقد لم يلزم الآن، فلا يلزم إلا بعد انتهاء مدة الخيار. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2800>مسألة [٤]: هل لخيار الشرط مدة معلومة</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالقول الأول: يجوز الخيار، قَلَّتِ المدة أو كَثُرت، ما دامت المدة معلومة، وهو قول الحسن ابن صالح، والعنبري، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأحمد، وأبي ثور؛ لعموم الحديث: «المسلمون على شروطهم». (^١)\nالقول الثاني: تحديد ذلك بثلاثة أيام، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، والليث وغيرهم.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جعل الخيار لحبان بن منقذ ثلاثة أيام، وجعله في المصراة ثلاثة أيام.\nالقول الثالث: قول مالك، وكثير من أصحابه بِأنَّ الخيار يختلف باختلاف المبيع، فقال في الثوب: يومين فأقل، وفي الجارية: جمعة فأقل، وفي الدابة: يوم فأقل، وفي الدار: شهر فأقل، وأما ما بَعُدَ من أَجَلِ الخيار فلا خير فيه؛ لأنه غرر.\nقلتُ: والصواب هو القول الأول، وأما التحديد بثلاثة أيام في مسألة المصراة؛ فلا يلزم منه أنه لا يجوز أكثر من ذلك، وكذلك في حديث حبان بن منقذ، على أن\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٨٦١).","vol":"6","page":12},{"text":"التحديد بثلاثة أيام في حديثه فيه كلام، وهذا القول هو الذي رجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-، ثم قال: ولكن لو قيل: إنه إذا شرط الخيار في شيء يفسد قبل تمام المدة لا يصح؛ لكان له وجه. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2801>مسألة [٥]: ابتداء مدة الخيار</span>.\n• للحنابلة، والشافعية وجهان في ذلك، فمنهم من قال: يبدأ توقيت المدة من حين العقد. ومنهم من قال: من حين التفرق. وحجَّةُ الأولين: أنَّ المدة تبدأ من حين ذكر الشرط وحجَّةُ الآخرين أنَّ قبل التفرق فيه خيار المجلس فيُستغنَى به.\nوأُجيب: بأن ذلك لا يمنع أن يتداخل الخياران فيما قبل التفرق، ومال الإمام ابن عثيمين إلى الوجه الأول، ثم قال: لو شرط الخيار بعد العقد بساعة، وهما في مكان البيع، فهل تبتدئ المدة من العقد، أو من حين الشرط؟ نقول: من حين الشرط، لكن المؤلف قال: من العقد. لأنه يرى أن خيار الشرط إنما يكون في صلب العقد، ولهذا قال: ابتداؤها من العقد. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2802>مسألة [٦]: إذا شرط الخيار لأجنبي</span>؟\n• مذهب الجمهور صحة الشرط، وهو قول أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، وقولٌ للشافعي، ومنع ذلك الشافعي في قولٍ له، وبعض الحنابلة؛ لأنَّ الخيار شُرِع\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٨)، «المحلى» (١٤٢١)، «الشرح الممتع» (٨/ ٢٨٠)، «الأوسط» (١٠/ ٢٢٩ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٤١)، «الإنصاف» (٤/ ٣٦٣)، «الشرح الممتع» (٨/ ٢٨١).","vol":"6","page":13},{"text":"لتحصيل الحظ لكل واحد من المتعاقدين بنظره.\nوالصحيح قول الجمهور، وما ذكروه لا يمنع أن يوكل غيره في حظِّه من الخيار، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2803>مسألة [٧]: إذا شرطا الخيار إلى الليل أو إلى غد فمتى تنتهي المدة</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، وأصحابهما أنَّ المدة تنتهي بابتداء الليل، أو بدخول الغد؛ لأنَّ (إلى) موضوعها انتهاء الغاية، وهذا هو الأصل فيها.\n• ومذهب أبي حنيفة، ووجهٌ للحنابلة أنَّ الليل والغد يدخل في مدة الخيار؛ لأنَّ (إلى) تُستعمل بمعنى (مع) كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:٢]، والخيار ثابتٌ بيقينٍ فلا يُزال بالشك.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٨/ ٢٨٥): وقال بعض العلماء: يرجع في ذلك إلى العُرف، فإذا قال: إلى الغد. فيمكن أن يُحمل على ابتداء السوق، وابتداء السوق في الغالب لا يكون من أذان الفجر، بل من ارتفاع الشمس، وخروج الناس إلى الأسواق. وهذا هو الصحيح، فإذا كان عرف التجار أنهم إذا قالوا: إلى الغد. أي: إلى افتتاح السوق؛ فالأمد إلى افتتاح السوق، فإذا لم يكن هناك عُرف، أو كان العرف غير مُطَّرد؛ فنرجع إلى اللغة، واللغة أنَّ الغد\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٠)، «الإنصاف» (٤/ ٣٦٤).","vol":"6","page":14},{"text":"يبتدئ من طلوع الفجر، أو إلى الليل إلى غروب الشمس؛ فإن قدر أن هناك عرفًا يجتمع التجار فيه بعد العشاء، ويرون أنَّ الآجال المؤجلة في الليل، أي: جلسة ما بعد العشاء؛ فإنه يتقيد به، وهذه قاعدة ينبغي أن نعرفها: (أنَّ المرجع فيما يتداوله الناس من الكلام والأفعال إلى العرف). ا هـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2804>مسألة [٨]: إذا شرط الخيار أبدًا، أو إلى مدة مجهولة</span>؟\n• مذهب الثوري، والشافعي، وأحمد -وهو الصحيح في مذهبه- أنه لا يصح؛ لأنها مدة ملحقة بالعقد، فلا تجوز مع الجهالة كالأجل، ولأنَّ ذلك ينافي مقتضى العقد؛ فإنَّ الخيار أبدًا يقتضي المنع من التصرف أبدًا.\n• وعن أحمد رواية: أنه يصح، وهما على خيارهما أبدًا، وهو قول ابن شبرمة. وقال مالك: يصح، وتضرب لهما مدة يختبر المبيع في مثلها في العادة؛ لأنَّ ذلك مقدر في العادة، فإذا أطلقا حُمل عليه.\n• وقال أبو حنيفة: إن أسقطا الشرط قبل مضي الثلاث، أو حذفا الزائد عليها وبيَّنَا مدته صحَّ؛ لأنهما حذفا المفسد قبل اتصاله بالعقد؛ فوجب أن يصح كما لو لم يشترطاه.\n• وقال ابن أبي ليلى، والأوزاعي: الشرط باطل، والبيع جائز.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٢)، «الإنصاف» (٤/ ٣٦٣)، «الشرح الممتع» (٨/ ٢٨٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٤٣)، «الإنصاف» (٤/ ٣٦١)، «الأوسط» (١٠/ ٢٣١).","vol":"6","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2805>مسألة [٩]: إذا شرط الخيار إلى الحصاد، أو العطاء</span>؟\nتقدمت المسألة فيما إذا باع إلى الحصاد، أو العطاء تحت حديث (٨٠٩)، وتقدم أنَّ الصواب هو صحة البيع، والأمر هاهنا كذلك، وهو مقتضى قول من تقدم ذكرهم هنالك، ورجح ذلك الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٨/ ٢٧٩). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2806>مسألة [١٠]: هل يُشترط لمن له الخيار إذا فسخ أن يُعلِم صاحبه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٥): وَيَجُوزُ لِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ وَلَا رِضَاهُ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَزُفَرُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَلَمْ يَمْلِكْ أَحَدُهُمَا فَسْخَهُ بِغَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ، كَالْوَدِيعَةِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ لَا يَفْتَقِرُ إلَى رِضَى صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حُضُورِهِ، كَالطَّلَاقِ. وَمَا قَالُوهُ يَنْتَقِضُ بِالطَّلَاقِ، والْوَدِيعَةُ لَا حَقَّ لِلْمُودِعِ فِيهَا، وَيَصِحُّ فَسْخُهَا مَعَ غَيْبَتِهِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنه لا يشترط علمه، وهو ا ختيار الإمام العثيمين -﵀-.\nوفي القاعدة الفقهية: من لا يُشترط رضاه لا يُشترط علمه. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٤٤)، «الإنصاف» (٤/ ٣٦١).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٤/ ٣٦٥)، «الشرح الممتع» (٦/ ٢٨٦ -).","vol":"6","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2807>مسألة [١١]: ضمان المبيع في مدة الخيار</span>.\nقال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٠/ ٢٣٢): اختلف أهل العلم في السلعة تتلف في يد المشتري قبل مضي وقت الخيار. فقالت طائفة: إذا كان الخيار للبائع، أو لهما، فهلكت السلعة عند البائع؛ فإنها تتلف من مال البائع، وينتقض البيع. وإن قبضها المشتري، وتلفت في يده؛ فإنها تتلف من ماله، وعليه الثمن، وإن أعتق المشتري عتق، وإن أعتق البائع لم يعتق. هذا قول سفيان الثوري، وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: إن تلفت عند البائع انتقض البيع لأيهما كان الخيار، وإن تلفت عند المشتري فعليه القيمة؛ لأيهما كان الخيار. هذا قول الشافعي. وقالت طائفة: إذا كان الخيار للبائع، وتلفت عند المشتري، وهو أمين في ذلك فلا شيء عليه، وإن كان الخيار للمشتري؛ فهلكت عنده؛ فهو عليه بثمنه الذي اشتراه به. وهذا قول ابن أبي ليلى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما إن تلف المبيع قبل القبض فقد تقدم الخلاف في ذلك تحت حديث رقم (٧٨٣)، ورجحنا أن البائع إذا أمسك السلعة بالثمن، ومنعها من المشتري فهي على البائع، وإن وضعها المشتري عند البائع وديعة، ولم يمنع منها؛ فهي على المشتري.\nوأما إن تلف المبيع بعد قبضه؛ فهو من ضمان المشتري بلا إشكال، وهو قول مالك، والثوري، وأحمد، والحنفية. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٢٣)، «الأوسط» (١٠/ ٢٣٢).","vol":"6","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2808>مسألة [١٢]: ما يحصل من غلات المبيع ونمائه في مدة الخيار</span>.\nتقدم الخلاف في هذه المسألة عند حديث: «الخراج بالضمان» برقم (٨٠٣) فراجعه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2809>مسألة [١٣]: تصرف أحد المتبايعين بالمبيع ببيعه، أو وقفه، أو هبته</span>.\nلهذه المسألة حالات:\nالحالة الأولى: أن يكون الخيار للمتبايعين كليهما.\n• فمذهب الحنابلة أنه لا يجوز لكل واحد منهما أن يتصرف بذلك؛ لأنَّ البائع يتصرف في غير ملكه، والمشتري يسقط حق البائع من الخيار، واسترجاع المبيع.\n• وأجاز الشافعي للبائع أن يتصرف فيه؛ لأنه إن كان قد خرج من ملكه فهو يملك فسخه، وأما المشتري ففيه وجهان عند الشافعية، وكذا الحنابلة.\nوالصواب في هذه المسألة أنه: لا يجوز للمشتري التصرف فيه، بخلاف البائع إذا قصد الفسخ، وهو ظاهر اختيار الإمام ابن عثيمين.\nالحالة الثانية: أن يكون الخيار للمشتري فقط.\n• فأكثر أهل العلم على أن له أن يتصرف فيه بما تقدم، ويكون تصرفه ذلك قاطعًا للخيار؛ لأنَّه لم يبعه، أو يهبه، أو يوقفه إلا وقد رضي تملكه.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٢٢)، «الإنصاف» (٤/ ٣٧٠).","vol":"6","page":18},{"text":"• وذهب بعض الحنابلة إلى أنه ليس له أن يتصرف فيه بما تقدم حتى يمضي البيع، ويفسخ الخيار.\nوالقول الأول أصح؛ لأنه ملك للمشتري، وليس للبائع فيه تعلق. وفي هذه الحالة لا يجوز للبائع التصرف فيه بلا إشكال؛ لأنه ليس ملكًا له، وليس له فيه تعلق.\nتنبيه: استخدام المشتري للمبيع لا يبطل خياره على الأصح من قولي أهل العلم إذا كان الاستخدام للتجربة، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nالحالة الثالثة: أن يكون الخيار للبائع فقط.\n• ففيه من حيث الجواز الخلاف المتقدم في الحالة الأولى، وأما قطع الخيار فالصحيح أنَّ تصرف البائع فيه يكون فسخًا للبيع، وفسخًا للخيار، وهو قول الشافعية، وبعض الحنابلة، وأكثر الحنابلة على عدم ذلك؛ لأنه تصرفٌ فيما لا يملك.\nوأُجيب: بأنَّ تصرفه ذلك فسخٌ بالفعل، وإن لم يفسخ بالقول، والقول بأنه يعتبر فسخًا أقرب؛ مالم يصرح البائع بأنه تصرف فيه ولم يقصد الفسخ، ففي هذه الحالة البيع باطلٌ؛ لأنه قد باع ملك غيره.\nوالمشتري في هذه الحالة لا يجوز له التصرف فيه بما تقدم كالحالة الأولى. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٤ -)، «الحاوي» (٥/ ٥١ -)، «الإنصاف» (٤/ ٣٧١ - ٣٧٥)، «الشرح الممتع» (٨/ ٢٩٤ - ٢٩٥).","vol":"6","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2810>مسألة [١٤]: تصرف البائع والمشتري بالعتق</span>.\n• أما إذا كان الخيار لكل واحد منهما: فالبائع ينفذ عتقه عند مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، ويكون عتقه فسخًا للبيع، ومنع من ذلك الحنابلة؛ لأن تصرفه بالعتق وافق ما لا يملك؛ فيكون قد أعتق ملك غيره، ولا يصح.\nقلتُ: والصحيح أنه يصح عتقه إذا نوى بذلك الفسخ.\n• وأما المشتري: فأكثر أهل العلم وعامتهم على أنه ينفذ؛ لأنَّ للعتق نفوذًا قويًّا، والشارع يتشوف إلى العتق، ولذلك فإن من أعتق نصيبه من عبدٍ؛ فإنَّ العبد يعتق كاملًا، ويلزم المعتِق بدفع القيمة لشريكه.\n• واختلفوا في خيار البائع حينئذٍ، فبعضهم قال: يبطل خياره. وبعضهم قال: لا يبطل خياره، وله مطالبة المشتري بالقيمة يوم العتق.\nوالصحيح في هذه المسألة -والله أعلم- أنه لا يجوز للمشتري العتق، وهو مقتضى قول بعض الحنابلة، والشافعية.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: ولكن الصحيح أنه يحرم ولا يصح، ولا يستثنى العتق؛ فالعتق كغيره من التصرفات، أما كونه يحرم فلأنه اعتداء على حق صاحبه، وقد قال النبي - ﷺ -: «إنَّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام» متفق عليه عن أبي بكرة -﵁-، وهذا من الاعتداء على الأموال، وأما كونه لا يصح فلقول النبي - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد»، وليس أمر الله ورسوله على","vol":"6","page":20},{"text":"العدوان على الناس، بل العكس، وعلى هذا فلا يصح. انتهى المراد.\nوأما إذا كان الخيار للمشتري فقط: فيصح عتقه، وينفذ، ولا نعلم فيه خلافًا، وأما إذا كان الخيار للبائع فقط: فحكمه كحكم الحالة الأولى، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2811>مسألة [١٥]: وطء الجارية في مدة الخيار</span>.\nفي هذه المسألة حالات:\nالحالة الأولى: أن يكون الخيار لكل واحد منهما.\nفالمشتري لا يجوز له الوطء.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي وَطْءُ الْجَارِيَةِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْبَائِعِ، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ وَطْؤُهَا كَالْمَرْهُونَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ فَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ فَبِحَقِيقَتِهِ أَوْلَى، وَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ، وَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَمَتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَإِنْ فَسَخَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ رَجَعَ بِقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْفَسْخُ فِيهَا، وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي. اهـ\nوأما البائع: فأكثر أهل العلم على أنه لا يحل له وطؤها قبل فسخ البيع.\nوأجازه بعض الشافعية بحجة أنَّ البيع ينفسخ بوطئه.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٦ -)، «الإنصاف» (٤/ ٣٧٧ -)، «الحاوي» (٥/ ٥١).","vol":"6","page":21},{"text":"قال ابن قدامة -﵀-: وَلَنَا أَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ عَنْهُ، فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٦ - ٧ /المعارج:٣٠ - ٣١]، وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَطْءِ يَقَعُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ؛ فَيَكُونُ حَرَامًا، وَلَوْ انْفَسَخَ الْبَيْعُ قَبْلَ وَطْئِهِ؛ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ حَدٌّ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وَأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ، وَلَا يَنْفَسِخُ بِالْوَطْءِ؛ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكًا وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَنَا أَنَّ مِلْكَهُ يَحْصُلُ بِابْتِدَاءِ وَطْئِهِ، فَيَحْصُلُ تَمَامُ الْوَطْءِ فِي مِلْكِهِ، مَعَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي كَوْنِ الْمِلْكِ لَهُ، وَحِلَّ الْوَطْءُ لَهُ، وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ مَعَ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ، فَكَيْفَ إذَا اجْتَمَعَتْ، مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَحْصُلَ الْفَسْخُ بِالْمُلَامَسَةِ قَبْلَ الْوَطْءِ، فَيَكُونُ الْمِلْكُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِ قَبْلَ وَطْئِهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمُشْتَرِي: إنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِينَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فِيمَا إذَا مَشَطَهَا، أَوْ خَضَّبَهَا، أَوْ حَفَّهَا، فَبِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا لِلْجِمَاعِ وَلَمْسِ فَرْجِهَا بِفَرْجِهِ أَوْلَى. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَلَدُهُ مِنْهَا حُرًّا، وَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ، وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، وَلَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَحِقَهُ النَّسَبُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَلَا تَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ. اهـ\nقلتُ: وما رجحه ابن قدامة -﵀- هو الصحيح في هذه المسألة؛ إلا قوله المتقدم:","vol":"6","page":22},{"text":"(ولو انفسخ البيع قبل وطئه لم تحل له حتى يستبرئها) ففيه نظر، والظاهر أنه لا يلزمه في الصورة المذكورة الاستبراء؛ لأنها لم توطأ من أحد غيره، وبالله التوفيق.\nالحالة الثانية: أن يكون الخيار للمشتري فقط.\nفيجوز له وطؤها عند الأكثر، ويكون وطؤه لها قاطعًا لخياره، وأما البائع فلا يجوز له ذلك بلا إشكال.\nالحالة الثالثة: أن يكون الخيار للبائع فقط.\nفحكم هذه الحالة كحكم الحالة الأولى، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2812>مسألة [١٦]: إذا قال لعبده: إذا بعتك فأنت حر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٢٧): إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا بِعْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ. ثُمَّ بَاعَهُ؛ صَارَ حُرًّا، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَسَوَاءٌ شَرَطَا الْخِيَارَ أَوْ لَمْ يَشْرِطَاهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَمَّ بَيْعُهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، فَلَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ لَهُ.\nقال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّ زَمَنَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ زَمَنُ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ سَبَبٌ لِنَقْلِ الْمِلْكِ، وَشَرْطٌ لِلْحُرِّيَّةِ. فَيَجِبُ تَغْلِيبُ الْحُرِّيَّةِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ حُرِّيَّتَهُ عَلَى فِعْلِهِ لِلْبَيْعِ. وَالصَّادِرُ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ إنَّمَا هُوَ الْإِيجَابُ، فَمَتَى قَالَ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُك. فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْحُرِّيَّةِ، فَيَعْتِقُ قَبْلَ قَبُولِ الْمُشْتَرِي. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٧ - ٢٩)، «الإنصاف» (٤/ ٣٧٥، ٣٨٠، ٣٨١)، «الحاوي» (٥/ ٥٥ - ٥٦).","vol":"6","page":23},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: ويمكن أن يقال أيضًا: إنَّ البيع إذا وجب فإنَّ خيار المجلس ما زال باقيًا؛ فيكون العتق متصلًا بالبيع مباشرة؛ فيكون ذلك فسخًا بالفعل من البائع، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2813>مسألة [١٧]: إخفاء العيب في السلعة</span>.\nإخفاء العيب في السلعة وبيعها بدون بيان العيب لا يجوز، وقد تقدم بيان ذلك عند حديث أبي هريرة -﵁-: «من غشَّ فليس مني» برقم (٨٠١). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2814>مسألة [١٨]: حكم البيع إذا بيَّن العيب</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ البيع يصح، ويجوز لحديث حكيم بن حزام في «الصحيحين»: «فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما» (^٢)، وحديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» أيضًا: «إذا زنت أمة أحدكم؛ فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها» ثم قال في الثالثة، أو الرابعة: «فليبعها ولو بحبل من شعر» (^٣). (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2815>مسألة [١٩]: إذا أخفى العيب وباعه، فهل يصح البيع</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ البيع يصح مع الإثم، وذهب الظاهرية، وبعض الحنابلة إلى البطلان؛ لأنه بيع محرَّم.\n_________\n(^١) وانظر: «تكملة المجموع» (١٢/ ١١٥)، «الإنصاف» (٤/ ٣٩٣).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢١١٠)، ومسلم برقم (١٥٣٢).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٢١٥٢)، ومسلم برقم (١٧٠٣).\n(^٤) وانظر: «المغني» (٦/ ٢٢٥).","vol":"6","page":24},{"text":"والصحيح قول الجمهور؛ لحديث حكيم بن حزام المتقدم: «وإن كذبا وكتما مُحِقت بركة بيعهما»، ولحديث المصراة الذي تقدم في الباب السابق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2816>مسألة [٢٠]: ضابط العيب الذي تُرد به السلعة</span>.\nهو كل ما يوجد في المبيع مما ينقص العين، أو القيمة نقصًا يفوت به غرضًا صحيحًا، ويقتضي العرف سلامة المبيع عنها غالبًا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2817>مسألة [٢١]: إذا وجد في السلعة عيبًا، فهل له رد السلعة</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ للمشتري أن يرد السلعة، وله أن يمسكها، وهو بالخيار بين الأمرين، واختلفوا هل له أيضًا أن يرجع على البائع بأرش العيب فقط، أم لا؟\n• فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه ليس له ذلك؛ إلا أن يرضى البائع، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد في رواية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وذلك حذرًا من أن يلزم البائع مالم يرض به؛ فإنه لم يرض بإخراج ملكه إلا بهذا العوض، فإلزامه بالأرش إلزام له بشيء لم يلتزمه.\n• وذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّ للمشتري أيضًا أن يأخذ أرش العيب، ويمسك السلعة، وإن لم يرض البائع، وهو مذهب الحنابلة، والرواية الأشهر عن أحمد، وقال به الحسن، ومالك، وإسحاق، وذلك لأنه فات على المشتري جزءٌ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٢٢٥)، «الإنصاف» (٤/ ٣٩٣).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٤/ ٣٩٤)، «الفروع» (٤/ ١٠٠)، «البيان» (٥/ ٢٧٩)، «المغني» (٦/ ٢٣٥ -).","vol":"6","page":25},{"text":"من المبيع، فكانت له المطالبة بعوضه كما لو اشترى عشرة أقفزة، فبانت تسعة، أو كما لو أتلفه بعد البيع، وهذا القول هو ظاهر اختيار الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا القول هو الذي يظهر لي، وأما ما ذكروه من أنَّ البائع إنما التزم إخراجها من ملكه بالسعر المعلوم بينهما فهذا يمكن في حق ما لو كان البائع لا يعلم بالعيب، وأما كونه يعلم بالعيب ويكتمه فهذا من الغش والخداع، ولا يعان عليه، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2818>مسألة [٢٢]: معنى أرش العيب</span>.\nمعنى أرش العيب أن يُقَوَّم المبيع صحيحًا، ثم يُقَوَّم معيبًا، فيؤخذ قسط ما بينهما من الثمن، فنسبته إلى الثمن نسبة النقصان بالعيب من القيمة.\nمثاله: أن يقوم المعيب صحيحًا بعشرة، ومعيبًا بتسعة، والثمن خمسة عشر، فقد نقصه العيب عشر قيمته، فيرجع على البائع بعشر الثمن، وهو درهم ونصف. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2819>مسألة [٢٣]: إذا تعذر الرد فما الحكم</span>؟\n• إذا تعذر الرد بأنْ علم بالعيب بعد استهلاك السلعة، أو هبتها، أو عتقها إن كان من الرقيق، أو ما أشبه ذلك: فجمهور العلماء على أنَّ له أرش العيب،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٢٩)، «الاختيارات» (١٢٦)، «تكملة المجموع» (١٢/ ١٦٧)، «الإنصاف» (٤/ ٣٩٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٢٢٩)، «تكملة المجموع» (١٢/ ١٧٠).","vol":"6","page":26},{"text":"ويتعين ذلك إن لم يسقط المشتري حقَّه؛ لعدم إمكان الرد، وهو اختيار شيخ الإسلام ومن كان على مذهبه في المسألة السابقة، وهو قول ابن حزم أيضًا.\n• وقال بعض الحنابلة: له أن يفسخ ويرجع على البائع بالقيمة. ومذهب الظاهرية عدا ابن حزم عدم الرد، وأنَّ البائع لا يُرجع عليه بشيء.\nوالراجح هو القول الأول، وهو ظاهر اختيار الإمام ابن عثيمين. (^١)\nتنبيه: قد يتعذر أخذ الأرش، وذلك فيما إذا كان المبيع من الربويات بيع بجنسه، كبيع ذهبٍ بذهب، أو فضةٍ بفضة؛ فإنه إذا أخذ الأرش وقع في ربا الفضل، فيتعين الرد، أو الإمضاء. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2820>مسألة [٢٤]: إذا كان الحلي الذي اشتراه قد تلف عليه، فلم يستطع رده</span>؟\nذكر جماعة من أهل العلم أنَّ له أن يفسخ البيع، ويأخذ الثمن من البائع، ثم يقوَّم الحلي معيبًا، ويعيد إلى البائع من الثمن النسبة في قيمته معيبًا. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2821>مسألة [٢٥]: إذا باع المعيب، فهل له أخذ الأرش من البائع الأول</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالقول الأول: ليس له أخذ الأرش؛ لأنَّ بيعه له يدل على رضاه بإمساكه، وهذا قول الجمهور، ومنهم: الشافعي، وأبو حنيفة، وجماعة من الحنابلة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، «الإنصاف» (٤/ ٤٠٨)، «المحلى» (١٥٧٣).\n(^٢) «المغني» (٦/ ٢٤٦).\n(^٣) انظر: «المغني» (٦/ ٢٤٧).","vol":"6","page":27},{"text":"القول الثاني: له أن يرجع على البائع بأرش العيب، وإن باع المعيب، وهو قول جماعة من الحنابلة، والصحيح من قول مالك، وقال ابن قدامة: هو قياس المذهب.\nالقول الثالث: إن باعه مع علمه بالعيب؛ فلا أرش عليه، وإن لم يعلم العيب إلا بعد البيع؛ فله الأرش، وهو قول بعض الحنابلة، وأحمد في رواية.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الخلاف في هذه المسألة مبنيٌّ على الخلاف في المسألة السابقة في أرش العيب، هل هو حقٌّ للمشتري، أم ذلك بالتراضي؟ وتقدم أنَّ الراجح أنه حق للمشتري؛ وعليه فهذا الحق لا يزول بالبيع، فالراجح هو القول الثاني، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2822>مسألة [٢٦]: هل تصرف المشتري بالمعيب ببيع، أو استهلاكٍ يقطع خياره</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩): فَإِنْ اسْتَغَلَّ الْمَبِيعَ، أَوْ عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ، أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا دَالًّا عَلَى الرِّضَى بِهِ، قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ، لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى بِهِ مَعِيبًا. وَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهِ، بَطَلَ خِيَارُهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَكَانَ الْحَسَنُ، وَشُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي يَقُولُونَ: إذَا اشْتَرَى سِلْعَةً، فَعَرَضَهَا عَلَى الْبَيْعِ؛ لَزِمَتْهُ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٤٣)، «الإنصاف» (٤/ ٤٠٧).","vol":"6","page":28},{"text":"خِلَافًا. اهـ\nقلتُ: وما يتعلق بأرش العيب؛ فإنه يستحقه على الصحيح، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك، وقد خصَّ ابن حزم انقطاع الخيار بخروج السلعة من الملك؛ فقال: إن باع المعيب فرد عليه؛ لم يكن له أن يرده، لكن يرجع بقيمة العيب فقط؛ لأنه قد خرج من ملكه، فانقطع خياره، فلا يرجع إليه إلا ببرهان. «المحلى» (١٥٧٤).\nقلتُ: والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2823>مسألة [٢٧]: إذا اشترى شخص عبدًا أو أمةً، ثم عتق العبد أو مات، ثم علم المشتري فيه عيبًا بعد ذلك</span>؟\n• قال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٠/ ٢٥٤): قال الأكثر من أهل العلم: يرجع بنقصان العيب الذي كان عند البائع. هكذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور. وروي هذا القول عن الشعبي، والزهري.\n• وقالت طائفة: إذا أعتقه فقد وجب عليه. روي هذا القول عن شريح، والحسن.\n• وقال أصحاب الرأي: إذا دبرها، أو أعتقها البتة، أو ولدت منه، ثم وجد عيبًا كان له أن يرجع بفضل ما بينهما، وإن باعها، أو وهبها وقبضها الموهوب له، لم\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (١٠/ ٢٥٣).","vol":"6","page":29},{"text":"وجد عيبًا لم يكن له أن يرجع له.\nقال أبو بكر: وبقول مالك والشافعي -يرحمهما الله- أقول. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وأنا أيضًا بقولهما أقول، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2824>مسألة [٢٨]: رد المعيب هل يفتقر إلى رضى البائع، أو حضوره</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٢٤١ - ٢٤٢): وَلَا يَفْتَقِرُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ إلَى رِضَى الْبَائِعِ، وَلَا حُضُورِهِ، وَلَا حُكْمِ حَاكِمٍ، قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَا بَعْدَهُ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ افْتَقَرَ إلَى حُضُورِ صَاحِبِهِ دُونَ رِضَاهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ؛ افْتَقَرَ إلَى رِضَى صَاحِبِهِ، أَوْ حُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ تَمَّ عَلَى الثَّمَنِ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِرِضَاهُ. وَلَنَا أَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ مُسْتَحِقٍّ لَهُ؛ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى رِضَى صَاحِبِهِ، وَلَا حُضُورِهِ كَالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى رِضَى صَاحِبِهِ، كَقَبْلِ الْقَبْضِ. اهـ\nقلتُ: الصواب قول الحنابلة، والشافعي، وهو مقتضى قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2825>مسألة [٢٩]: هل خيار العيب على الفور، أم على التراخي</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالأول: أنَّ خيار العيب على التراخي، وهو مذهب أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، وعزاه شيخ الإسلام للجمهور كما في «مجموع الفتاوى»، وذلك لأنَّ الخيار حقٌّ\n_________\n(^١) وانظر: «تكملة المجموع» (١٢/ ١٦٠).","vol":"6","page":30},{"text":"له، فلا يسقط بالتأخير؛ إلا إن ظهر ما يدل على رضاه به.\nوهذا القول رجَّحه الشوكاني في «السيل»، وهو ظاهر اختيار الإمام ابن عثيمين.\nالثاني: أنَّ خيار العيب على الفور، وهو مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة، وعزاه السُّبُكي إلى الجمهور، ومال إليه شيخ الإسلام، وعلل ذلك بتضرر البائع بالتأخير. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2826>مسألة [٣٠]: إن كان المبيع جارية، فعلم بالعيب بعد وطئها</span>؟\nلها حالتان:\nالحالة الأولى: أن تكون الجارية ثيِّبًا.\n• ففيها خلاف على أقوال:\n١) منهم من قال: يردها وليس عليه شيء، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد، وعثمان البتي وغيرهم؛ لأنَّ ما فعله المشتري بها لا ينقص عينها، ولا قيمتها، ولا يتضمن الرضى بالعيب.\n٢) وقال جماعةٌ من أهل العلم: ليس له ردها، وهو قول الزهري، والثوري، وأبي حنيفة، وإسحاق، وأحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام كما في «الإنصاف»، ويأخذ أرش العيب.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٢٦)، «تكملة المجموع» (١٢/ ١٣٩)، «الإنصاف» (٤/ ٤١٦)، «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٦٦)، «الشرح الممتع» (٨/ ٣٢١)، «السيل» (٣/ ١١٢ - ١١٣).","vol":"6","page":31},{"text":"٣) يردها، ويرد معها أرشًا، قال شُريح، والنخعي: نصف عشر ثمنها. وقال الشعبي: حكومة. وقال ابن المسيب: عشرة دنانير. وقال ابن أبي ليلى: مهر مثلها. وحُكي رواية عن أحمد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، وإن أصلح بينهم بشيء كما قال الشعبي؛ فلا بأس. (^١)\nالحالة الثانية: أن تكون الجارية بكرًا.\n• ففيه خلافٌ أيضًا على أقوال:\n١) ليس له الرد، ويأخذ أرش العيب، وهو قول ابن سيرين، والزهري، والثوري، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، وإسحاق؛ لأنَّ الوطء ينقص عينها وقيمتها.\n٢) يردها إن شاء، ويرد معها شيئًا، قال شريح، والنخعي: عشر ثمنها. وقال سعيد بن المسيب: عشرة دنانير. وقال مالك، وأبو ثور، وبعض الحنابلة: يرد ما نقص قيمتها الوطء، فإذا كانت قيمتها بكرًا عشرة، وثيبًا ثمانية؛ ردَّ بدينارين.\n٣) يردها وليس عليه شيء، قاله ابن حزم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب ما ذهب إليه مالك ومن معه والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٢٧ -) «الحاوي» (٥/ ٢٤٦) «الإنصاف» (٤/ ٤٠٤) «الأوسط» (١٠/ ٢٥٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٢٣٠) «الحاوي» (٥/ ٢٤٧ -) «المحلى» (١٥٨٥) «الأوسط» (١٠/ ٢٥٠).","vol":"6","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2827>مسألة [٣١]: إذا حصل في المبيع عيبٌ آخر عند المشتري، فهل له رده بالعيب الأول</span>؟\n• في المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: ليس له الرد، وله أرش العيب القديم، وهو قول الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وابن شبرمة، وأحمد في رواية، وحُكي عن ابن سيرين، والزهري، والشعبي؛ لأنَّ الرد ثبت لإزالة الضرر، وفي الرد على البائع إضرار به، ولا يزال الضرر بالضرر.\nالثاني: له الرد، ويرد أرش العيب الحادث عنده، وهذا قول مالك، وإسحاق، وأحمد في رواية، والنخعي، وحماد.\nالثالث: بالغ ابن حزم فقال: يرده وليس عليه شيء في العيب الحادث عنده. وعزا ابن المنذر هذا القول لعثمان البتي، والحكم.\nقلتُ: والصحيح قول مالك، وإسحاق؛ لأنَّ حقه في الرد قد ثبت بالعيب الأول، ولا دليل على زوال حقه بحصول عيب آخر عنده، وإنما يلزمه أرش العيب الحادث، والله أعلم.\nتنبيه: هذا المسألة مفروضة فيما إذا حصل العيب الآخر من غير قصد، فأما إن حصل قصدًا؛ فليس له شيء. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٣٠ - ٢٣١)، «المحلى» (١٥٨٤)، «الأوسط» (١٠/ ٢٤٩).","vol":"6","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2828>مسألة [٣٢]: إذا علم المشتري بالعيب قبل أن يشتريه فهل له الخيار</span>؟\nقال السُّبُكي في «تكملة المجموع» (١٢/ ١٢١): قال ابن حزم في كتاب «مراتب الإجماع»: واتفقوا على أنه إذا بَيَّن له البائع بعيب فيه، وحدَّ مقداره ووقفه عليه إن كان في جسم المبيع، فرضي بذلك المشتري أنه قد لزمه، ولا رد له بذلك العيب. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2829>مسألة [٣٣]: لو حصل عيبٌ آخر عند المشتري في حلي الذهب والفضة</span>.\n• مذهب الحنابلة والأصح عند الشافعية أنَّ للمشتري ردَّه مع أرش العيب الجديد، ويأخذ ثمنه. وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي: لا يجوز له رده؛ لإفضائه إلى التفاضل.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧): ولا يصح -يعني قول القاضي- لأنَّ الرد فسخٌ للعقد، ورفعٌ له، فلا تبقى المعاوضة، وإنما يدفع الأرش عوضًا عن العيب الحادث عنده بمنزلة ما لو جنى عليه في ملك صاحبه من غير البيع. اهـ\nقلتُ: والصواب هو القول الأول، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2830>مسألة [٣٤]: إذا حصل في المبيع العيب بعد قبض المشتري لذلك المبيع</span>.\n• في هذه الصورة يكون المبيع من ضمان المشتري، وليس له الرد بذلك، ولا خيار له، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، وقال مالك: عهدة الرقيق","vol":"6","page":34},{"text":"ثلاثة أيام، فما أصابه فيها فهو من ضمان البائع؛ إلا في الجنون، والجذام، والبرص، فالعهدة فيه إلى سنة؛ فإن ظهر إلى سنة ثبت له الخيار.\nوقد أخرج أبو داود من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: «عهدة الرقيق ثلاثة أيام» (^١)، وهو حديث ضعيفٌ؛ لأنه من طريق الحسن عن عقبة بن عامر، ولم يسمع منه؛ فهو منقطع.\nوعلى هذا: فالصواب قول الجمهور في الرقيق وغيره. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2831>مسألة [٣٥]: إذا تَعَيَّبَ في يد البائع بعد العقد</span>؟\nهذه المسألة مبنية على المسألة المتقدمة: هل الضمان قبل القبض على المشتري، أم على البائع؟ وقد تقدمت هذه المسألة تحت حديث (٧٨٣).\nوالراجح في هذه المسألة أنه من ضمان المشتري إن كان قد تمكن من القبض، ولم يمنعه منه البائع، وعلى هذا فإن حصل له العيب بعد تمكنه من القبض فلا خيار له، وإلا فله الخيار. وأما إن كان البائع منع المشتري من السلعة بالثمن، أو بالخيار، ثم تعيَّبت في يده؛ فهي من ضمانه، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٥٠٦)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٢٢٤٥)، وأحمد (٤/ ١٥٠، ١٥٢، ١٤٣)، من طريق: الحسن، عن عقبة، كما هو عند أبي داود.\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٢٣٣) «الإنصاف» (٤/ ٤٠٥) «معالم السنن» عند حديث عقبة من «سنن أبي داود»، «الأوسط» (١٠/ ٢٤٦).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٦/ ٢٣٣)، «الإنصاف» (٤/ ٤٠٤).","vol":"6","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2832>مسألة [٣٦]: المبيع الذي يطلع على عيبه بكسره</span>.\nومثاله: البطيخ، والبيض، وجوز الهند.\n• فأكثر أهل العلم على أنَّ للمشتري أن يرده إذا رأى العيب بعد الكسر؛ لأنه دفع الثمن مقابل سلعة صحيحة، فوجدها معيبة؛ فكان له الرد، وإن لم يعلم البائع بالعيب.\n• وذهب مالك، وأحمد في رواية إلى أن البائع لا يرجع عليه بشيء؛ لأنه لم يعلم بالعيب.\nقلتُ: والصواب القول الأول، وعدم علم البائع يرفع عنه الإثم، ولا يبيح له المال بغير حق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2833>مسألة [٣٧]: المبيع الذي يطلع على عيبه بكسره قسمان</span>.\nالقسم الأول: مالا قيمة له مكسورًا، كبيض الدجاج، والبطيخ التالف، فيرجع بالثمن كله؛ لأنَّ هذا تبين به فساد العقد من أصله، ولا يصح ما لا نفع فيه كالحشرات، والميتات، وليس عليه أن يرد المبيع إلى البائع؛ لأنه لا فائدة فيه.\nالقسم الثاني: أن يكون مما لمعيبه قيمة، كبيض النعام، وجوزالهند، فهذا القسم على نوعين:\nأحدهما: أن يكسر كسرًا لا يستطاع معرفة العيب إلا به، فمذهب الشافعي،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٢٥٢) «الإنصاف» (٤/ ٤١٣) «المحلى» (١٥٩١).","vol":"6","page":36},{"text":"وبعض الحنابلة أنَّ له رده، وليس عليه شيء، وله أن يمسكه ويأخذ أرش العيب. وقال بعض الحنابلة: إذا ردَّه يرد معه أرش الكسر، والقول الأول هو الصحيح؛ لأنَّ ذلك حصل بطريق استعلام العيب، والبائع سلَّطه على ذلك حيث إنه يعلم أنه لا تعرف صحته من فساده بغير ذلك.\nثانيهما: إن زاد في الكسر على القدر الذي لا بد منه، فمنهم من قال: ليس له إلا أرش العيب، وليس له الرد، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، ورواية عن أحمد، ومنهم من قال: هو مخير بين أن يمسكه ويأخذ أرش العيب، أو يرده ويرد أرش الكسر، ويأخذ الثمن، وهذا قول بعض الحنابلة، ورواية عن أحمد، وبعض الشافعية، وهو الراجح -والله أعلم-؛ لأن حقه قد ثبت بالرد، فما هو الدليل على إزالة هذا الحق، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2834>مسألة [٣٨]: إذا باع المشتري بعض المعيب، ثم ظهر على عيب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٢٤٤): إذَا بَاعَ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الْمَبِيعِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ، فَلَهُ الْأَرْشُ؛ لِمَا بَقِيَ فِي يَدِهِ مِنْ الْمَبِيعِ، وَفِي الْأَرْشِ لِمَا بَاعَهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا بَاعَ الْجَمِيعَ، وَإِنْ أَرَادَ رَدَّ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا أَنَّ لَهُ ذَلِكَ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنًا وَاحِدَةً، أَوْ عَيْنَيْنِ يَنْقُصُهُمَا التَّفْرِيقُ، كَمِصْرَاعَيْ بَابٍ، وَزَوْجَيْ خُفٍّ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الْبَائِعِ بِنَقْصِ الْقِيمَةِ، أَوْ ضَرَرِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٥٣)، «تكملة المجموع» (١٢/ ٢٨٦)، «الإنصاف» (٤/ ٤١٤).","vol":"6","page":37},{"text":"الشَّرِكَةِ، وَامْتِنَاعِ الِانْتِفَاعِ بِهَا عَلَى الْكَمَالِ، كَإِبَاحَةِ الْوَطْءِ وَالِاسْتِخْدَامِ. وَبِهَذا قَالَ شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2835>مسألة [٣٩]: إذا اشترى عينين فوجد إحداهما معيبة</span>؟\nإن كان مما لا يجوز التفريق بينهما كالولد مع أمه؛ فليس له إلا ردهما جميعًا، أو إمساكهما جميعًا، ولهما إذا تراضيا أيضًا أن يمسكهما مع دفع البائع للمشتري أرش العيب.\nوإن كان مما يجوز التفريق بينهما، ولكن إذا ردَّ أحدهما سبَّبَ ضررًا على البائع، فأكثر أهل العلم على أنَّه ليس له إلا ردهما جميعًا، أو إمساكهما جميعًا، وله أرش العيب.\n• وإن كان مما لا ينقصهما التفريق ففيه قولان:\nالأول: ليس له إلا إمساكهما جميعًا، أو ردهما جميعًا، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد، وقال به أبو حنيفة فيما قبل القبض؛ لأنَّ الرد للمعيب فقط تبعيض للصفقة من المشتري، فلم يكن له ذلك كما لو كانا مما ينقصه التفريق.\nالثاني: له رد المعيب وإمساك الصحيح، وهو قول أحمد في رواية، والحارث العكلي، والأوزاعي، وإسحاق، وهو قول أبي حنيفة فيما بعد القبض؛ لأنه يرد المعيب على وجه لا ضرر فيه على البائع.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصحيح بالشرط المذكور، وهو:","vol":"6","page":38},{"text":"عدم إدخال الضرر على البائع بذلك، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2836>مسألة [٤٠]: إذا اشترى اثنان شيئًا فوجداه معيبًا، أو اشترطا الخيار فرضي أحدهما دون الآخر</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالأول: لمن لم يرض الفسخ، وهو قول ابن أبي ليلى، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد، ورواية عن أحمد، ومالك؛ لأنَّه ردَّ جميع ما ملكه بالعقد، فيجوز كما لو انفرد بشرائه.\nالثاني: ليس له الفسخ، وهو قول أبي حنيفة، وأبي ثور، وأحمد في رواية، ومالك في رواية؛ لأنَّ المبيع خرج عن ملكه دفعة واحدة غير متشقص؛ فإن رده مشتركًا رده ناقصًا، فأشبه ما لو تعيب عنده.\nوأُجيب: بأن الشركة إنما حصلت بإيجاب البائع؛ لأنه باع كلَّ واحد منهما نصفها، فخرجت عن ملك البائع متشقصة، بخلاف العيب الحادث.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إنْ لم يرض البائع في رجوع سلعته متشقصة فلا يلزم بذلك إلا إن عُلِمَ أنه عند أن جعل لهما الخيار قصد جعل الخيار لكل واحد منهما ولو في حصته فحسب، فعند ذلك يلزم البائع ما تقدم، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (١٠/ ٢٥٢)، «المغني» (٦/ ٢٤٤ -)، «الإنصاف» (٤/ ٤٢٠)، «تكملة المجموع» (١٢/ ١٧٣ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، «الإنصاف» (٤/ ٤١٧ -)، «تكملة المجموع» (١٢/ ١٨٣).","vol":"6","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2837>مسألة [٤١]: إذا ورث اثنان عن أبيهما خيار العيب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٢٤٦): وَإِذَا وَرِثَ اثْنَانِ عَنْ أَبِيهِمَا خِيَارَ عَيْبٍ، فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا؛ سَقَطَ حَقُّ الْآخَرِ مِنْ الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّ وَحْدَهُ، تَشَقَّصَتْ السِّلْعَةُ عَلَى الْبَائِعِ، فَتَضَرَّرَ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ إلَى وَاحِدٍ غَيْرَ مُشَقَّصَةٍ، فَلَا يَجُوزُ رَدُّ بَعْضِهَا إلَيْهِ مُشَقَّصًا، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا؛ فَإِنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ، فَكَأَنَّهُ بَاعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهَا مُنْفَرِدًا، فَرَدَّ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا جَمِيعَ مَا بَاعَهُ إيَّاهُ، وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2838>مسألة [٤٢]: هل يورث الخيار</span>؟\n• تقدم في كلام ابن قدامة -﵀- أنَّ خيار العيب يورث، وهذا قول جمهور العلماء.\n• وفي خيار المجلس، وخيار الشرط وجهان في مذهب أحمد. ومذهب المالكية، والشافعية أنه يورث، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-؛ لأنَّ ذلك من الحقوق المتعلقة بالأموال، فإذا ورثوا الأموال ورثوا الحقوق المتعلقة بها.\n• وذهب الثوري، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي، وابن حزم إلى عدم وراثة الخيار مطلقًا، والصحيح قول الجمهور. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٤/ ٤١٨)، «تكملة المجموع» (١٢/ ١٧٣).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٤/ ٣٨١ - ٣٨٢)، «المغني» (٦/ ٢٩ - ٣٠)، «الشرح الممتع» (٨/ ٢٩٦)، «المحلى» (١٥٧٥)، «الأوسط» (١٠/ ٢٣٥).","vol":"6","page":40},{"text":"٨١٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ فَقَالَ: «إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nقوله: (رَجُلٌ) قيل: هو حبان بن منقذ، وقيل: والده منقذ بن عمرو، وكلٌّ جاء تسميته في بعض طرق الحديث كما ذكر ذلك الحافظ في «الفتح» (٢١١٧).\nقلتُ: والأول هو الأشهر عند المحدثين والفقهاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2839>مسألة [١]: خيار الغبن</span>.\nالغبن: هو الخداع مع الغلبة، فيخدع البائع المشتري ويغلبه بسعر السلعة، وقد يكون من جهة المشتري، ومثل له جماعةٌ من أهل العلم بتلقي الركبان.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في شرح حديث الباب (٢١١٧): واستُدِلَّ بهذا الحديث لأحمد، وأحد قولي مالك أنه يرد بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السلعة، وتُعُقِّب بأنه - ﷺ - إنما جعل الخيار لضعف عقله، ولو كان الغبن يُملك به الفسخ؛ لما احتاج إلى شرط الخيار. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الحديث -كما أشار الحافظ- ليس ظاهرًا في إثبات خيار الغبن؛ لأنه لو كان له خيارٌ في الغبن لما احتاج أن يشترط ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١١٧)، ومسلم (١٥٣٣).","vol":"6","page":41},{"text":"ولكن يستدل للخيار بالغبن الفاحش بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام» (^١)، وبقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩].\nوقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما البيع عن تراضٍ» (^٢)، والرجل إذا كان ضعيفًا في البيع والشراء؛ فإنه ربما يغبن غبنًا فاحشًا لا يرضاه إذا علم الغبن، ومعرفة كون الغبن فاحشًا يُعرف بالعُرف، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2840>مسألة [٢]: خيار التدليس</span>.\nالتدليس يحصل بكتم العيب وإخفائه، فيلحق بخيار العيب، ويحصل بإظهار السلعة بصفةٍ، وهي أقل من تلك الصفة، ويثبت الخيار بالتدليس على نوعيه، ويدل على خيار التدليس حديث المصراة. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٧)، ومسلم برقم (١٦٧٩)، من حديث أبي بكرة -﵁-.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢١٨٥)، عن أبي سعيد بإسناد حسن.\n(^٣) وانظر: «المغني» (٦/ ٣٦)، «الفتح» (٢١١٧)، «النيل» (٢٢٢٩)، «الشرح الممتع» (٨/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، «المحلى» (١٤٦٤) (١٤٦٥).\n(^٤) انظر: «المغني» (٦/ ٢٢٣، ٢٣٤)، «الإنصاف» (٤/ ٣٨٧).","vol":"6","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2841>باب الرِّبَا</span>\nالرِّبا: مقصور، وألفه بدل من (واو)، من: ربا يربو.\nقال الحافظ -﵀-: وحُكي مدُّه، وهو شاذٌّ، ووقع في خط المصاحف بالواو، وأصل الربا: الزيادة، إما في نفس الشيء، كقوله تعالى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج:٥/فصلت: ٣٩]، وإما في مقابله، كـ (درهم بدرهمين). «الفتح» (٢٠٨٣).\nوأما تعريفه الشرعي: فيعرف بذكر أنواعه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.","vol":"6","page":43},{"text":"٨١٤ - عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٨١٥ - وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ. (^٢)\n\n٨١٦ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الرِّبَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ المُسْلِمِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا، وَالحَاكِمُ بِتَمَامِهِ وَصَحَّحَهُ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2842>مسألة [١]: حرمة الربا</span>.\nالربا كبيرة من كبائر الذنوب، قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٣٠]، وقال\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٥٩٨).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٢٣٨). ولفظه: إن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب الأمة، ولعن الواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله، ولعن المصور.\n(^٣) صحيح موقوفًا. أخرجه ابن ماجه (٢٢٧٥)، إلى قوله «بابا»، وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٧)، بتمامه، من طريق: عمر بن علي المقدمي، عن ابن أبي عدي، عن شعبة، عن زبيد اليامي، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عبدالله، وإسنادهما صحيح، رجاله رجال الشيخين.\nوقد أنكره البيهقي كما في «شعب الإيمان» (٥١٣١) ط/الرشد، فقال: هذا إسناد صحيح، والمتن منكر بهذا الإسناد، ولا أعلمه إلا وهمًا، وكأنه دخل لبعض رواة الإسناد في إسناده. اهـ\nقلتُ: لعله موقوف؛ فقد أخرجه عبدالرزاق (٨/ ٣١٥)، والطبراني (٩٦٠٨)، من طريق الثوري، عن زبيد بإسناده موقوفًا بدون الزيادة. وأخرجه عبدالرزاق (٨/ ٣١٤)، عن الثوري، عن الأعمش عن عمارة، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود موقوفًا، وفيه ذكر الزيادة، وإسناده صحيح.","vol":"6","page":44},{"text":"تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩]،وقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]. ومن السنة أحاديث الباب، وكذلك حديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين»: «اجتنبوا السبع الموبقات» وذكر منها: «أكل الربا» (^١)، وحديث سمرة بن جندب في «البخاري» (٧٠٤٧): أن آكل الربا يسبح في نهر من دمٍ، ويُلقم الحجارة، وهو قطعة من حديث طويل، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وأجمع المسلمون على تحريم الربا في الجملة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2843>مسألة [٢]: هل يحرم التعامل بالربا مع الحربي وفي دار الحرب</span>؟\nقال الإمام النووي -﵀- في «المجموع» (٩/ ٣٩١ - ٣٩٢): يستوي في تحريم الربا الرجل والمرأة، والعبد والمكاتب بالإجماع، ولا فرق في تحريمه بين دار الإسلام ودار الحرب، فما كان حرامًا في دار الإسلام كان حرامًا في دار الحرب، سواء جرى بين مسلمين، أو مسلم وحربي، سواء دخلها المسلم بأمان أم بغيره، هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأحمد، وأبو يوسف، والجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يحرم الربا في دارالحرب بين المسلم وأهل الحرب، ولا بين مسلمين لم يهاجرا منها، وإذا باع مسلم لحربي في دار الحرب درهمًا بدرهمين، أو أسلم رجلان فيها ولم يهاجرا، فتبايعا درهمًا بدرهمين؛ جاز، واحتج له بما رُوي عن مكحول عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٧٦٦)، ومسلم برقم (٨٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥١)، «المجموع» (٩/ ٣٩١).","vol":"6","page":45},{"text":"النبي - ﷺ - قال: «لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب»، ولأن أموال أهل الحرب مباحة بغير عقد؛ فالعقد الفاسد أولى.\nقال النووي: واحتج أصحابنا بعموم القرآن والسنة في تحريم الربا من غير فرق، ولأن ما كان ربا في دار الإسلام؛ كان ربا محرمًا في دار الحرب، كما لو تبايعه مسلمان مهاجران، وكما لو تبايعه مسلم وحربي في دار الإسلام، ولأن ما حرم في دار الإسلام؛ حرم هناك، كالخمر وسائر المعاصي، ولأنه عقد على ما لا يجوز في دار الإسلام، فلم يصح كالنكاح الفاسد هناك. والجواب عن حديث مكحول أنه مرسل ضعيف، فلا حجة فيه، ولو صح؛ لتأولنا على أن معناه: (لا يباح الربا في دار الحرب)؛ جمعًا بين الأدلة، وأما قولهم: (إن أموال الحربي مباحة بلا عقد)، فلا نسلم هذه الدعوى إن دخلها المسلم بأمان؛ فإن دخلها بغير أمان فالعلة منتقضة كما إذا دخل الحربي دار الإسلام فبايعه المسلم فيها درهمًا بدرهمين، وأنه لا يلزم من كون أموالهم تُباح بالاغتنام استباحتها بالعقد الفاسد، ولهذا تُباح أبضاع نسائهم بالسبي دون العقد الفاسد. اهـ\nقلتُ: حديثهم قال فيه الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ٤٤): غريب، وأسند البيهقي في كتاب «السِّيَر» عن الشافعي قال: قال أبو يوسف: إنما قال أبو حنيفة هذا؛ لأنَّ بعض المشيخة حدثه عن مكحول، عن رسول الله - ﷺ - فذكره، قال الشافعي: وهذا ليس بثابتٍ، ولا حجة فيه. اهـ\nقلتُ: فإسناده ضعيفٌ مع إرساله. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٩٨ - ٩٩).","vol":"6","page":46},{"text":"٨١٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا (^١) بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ».مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n٨١٨ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\n٨١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2844>مسألة [١]: الأصناف التي يجري فيها الربا</span>.\nذُكِر في الأحاديث المتقدمة ستة أصناف، وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح.\n_________\n(^١) ولا تشفوا: أي ولا تزيدوا.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١٧٧)، ومسلم (١٥٨٤).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٥٨٧) (٨١).\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (١٥٨٨) (٨٤).","vol":"6","page":47},{"text":"وقد أجمع العلماء على أنَّ هذه الستة الأصناف يجري فيها الربا، واختلفوا فيما عداها:\n• فذهب طائفة من أهل العلم إلى أن التحريم يقتصر على الستة المذكورة، قال بذلك عثمان البتي، والظاهرية، وهو قول ابن عقيل الحنبلي، وحكي عن قتادة، وطاوس ورجحه الصنعاني، وهو ظاهر ترجيح الشوكاني في «السيل»، واستدلوا بأنَّ النص جاء في هذه الأصناف، والعلة ليست منصوصة حتى يُقاس عليها غيرها، وهذا القول هو ترجيح الإمام الوادعي -﵀-.\n• وذهب عامة العلماء من السلف، والخلف إلى عدم الاقتصار على الأصناف الستة، بل ألحقوا بها غيرها، واختلفوا في ذلك:\nأما بالنسبة للأصناف الأربعة -عدا الذهب والفضة- فاختلفوا في العلة، وإلحاق غيرها بها على أقوال:\nالقول الأول: يجري الربا في كل مكيل، سواء كان مطعومًا، أم لم يكن مطعومًا، فيدخل في ذلك الحبوب، والسكر، والأدهان، والجص، والأسمنت، والأشنان، وغيرها.\nوهذا قول النخعي، والزهري، والثوري، وإسحاق، وأحمد في رواية، وهو المشهور عند الحنابلة، وهومذهب الحنفية، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الأحاديث: «إلا كيلًا بكيل».","vol":"6","page":48},{"text":"القول الثاني: يجري الربا في كل مطعوم، سواء كان مكيلًا، أوموزونًا، أو معدودًا، فيجري الربا في بيع برتقالة ببرتقالتين، أو كوب من العصير بكوبين، أو بيع لحم بلحم، وهذا قول الشافعي، وهو المشهور عند أصحابه، وعزاه النووي إلى أحمد، وابن المنذر.\nواستدلوا لهذا القول بحديث معمر بن عبد الله في «صحيح مسلم» (١٥٩٢)، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الطعام بالطعام مثلًا بمثل» قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير. والطعام يطلق على المأكول والمشروب.\nواشترطوا في هذا المطعوم أن يكون مطعومًا في الغالب بخلاف الحشائش، والشجر، والتراب الذي يؤكل لحاجة.\nالقول الثالث: يجري الربا في كل قوتٍ مُدَّخر، فلا يدخل في ذلك الفواكه؛ لأنها ليست بقوت، ولا اللحم؛ لأنه لا يدخر، وهو قول مالك، واختاره ابن القيم، فأما الملح فهو عندهم يُصْلِحُ القوتَ، فجرى مجرى القوت، وقد أوردوا عليهم الزعفران، والقرفة؛ فإنها تصلح القوت؛ ولم يجروا فيها الربا.\nالقول الرابع: يجري الربا في كل مطعوم يُكال، أو يُوزن، وهو قول سعيد بن المسيب، والشافعي في القديم، وأحمد في رواية، وابن المنذر، واختاره ابن قدامة، وصاحب «الشرح الكبير»، وشيخ الإسلام، ورجحه الإمام ابن باز، وابن عثيمين، واللجنة الدائمة، وفيها: الفوزان، وعبد العزيز آل الشيخ؛ جمعًا بين أدلة القول الأول، والثاني.","vol":"6","page":49},{"text":"القول الخامس: ما وجبت فيه الزكاة يجري فيه الربا، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهذا القول ضعيفٌ؛ لأنَّ الملح يجري فيه الربا، ولا تجب فيه الزكاة.\nقال الصنعاني -﵀- في «السبل» (٥/ ١١٣): ولكن لَمَّا لم يجدوا علة منصوصة اختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا يقوي للناظر العارف أنَّ الحق ما ذهبت إليه الظاهرية. اهـ\nوقال الشوكاني -﵀-: ولا يخفاك أن ذكره - ﷺ - للكيل والوزن في الأحاديث لبيان ما يتحصل به التساوي في الأجناس المنصوص عليها، فكيف كان هذا الذكر سببًا لإلحاق سائر الأجناس المتفقة في الكيل والوزن بهذه الأجناس الثابتة في الأحاديث، وأي تعدية حصلت بمثل ذكر ذلك؟ وأي مناط استفيد منها؟ مع العلم أن الغرض بذكرها هو تحقيق التساوي كما قال: «مثلا بمثل، سواء بسواء».اهـ\nقلتُ: حديث معمر بن عبد الله: «الطعام بالطعام، مثلًا بمثل، سواء بسواء»، لم يقل بعمومه أحدٌ فيما نعلم، وعلى هذا فيحمل الطعام في ذلك على ما جاء منصوصًا عليها بالأحاديث الأخرى، مع ما ماثلها في كونه مطعومًا، ومكيلًا، أو موزونًا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ليس هناك نصٌّ صريحٌ على العلة، ولكن أقوى ما","vol":"6","page":50},{"text":"ذكر من العلل المتقدمة هو ما ذكره أصحاب القول الرابع، ولا شك أن النظير يلتحق بنظيره، والتفريق بين النظير ونظيره مخالفة للشرع.\nوكما أن عامة العلماء في زماننا قد ألحقوا الأموال الورقية بالذهب والفضة في الأحكام الشرعية؛ فكذلك يلتحق بالمكيلات الأربعة المتبقية ما كان مثيلها، والله أعلم.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٠/ ٢٠٠): وأجمع عوام أهل العلم من أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، والمغرب أن حكم كل ما يكال ويوزن مما يؤكل ويشرب حكم ما نهى عنه رسول الله - ﷺ - من البر، والشعير، والتمر، والملح، وذلك مثل الزبيب، والأرز، والجلجلان، والحمص، والعدس، والجلبان، والباقلاء، واللوبيا، والسلت، والذرة، والعسل، والسمن، والسكر، وما أشبه ذلك من المأكول، والمشروب المكيل والموزون، وأن كل ما بيع بصفة لا يباع إلا مثلا بمثل، يدًا بيد؛ فمن زاد، أو استزاد فقد أربى، والبيع فيه غير جائز.\nوقد بلغني عن قتادة أنه شذ عن الجماعة فقال: كل ما خلا الستة الأشياء مما يكال، أو يوزن؛ فلا بأس به اثنين بواحد من صنف واحد يدًا بيد، وإذا كان نسيئة فهو مكروه.\nقال: وبالقول الأول أقول؛ وذلك لما أجمع عليه عوام أهل العلم في قديم الدهر، وحديثه، ولا نعلم أحدًا خالف ما ذكرناه، ولا بلغنا ذلك عن أحد غير","vol":"6","page":51},{"text":"قتادة، وبعض من أدكنا من أهل زماننا. (^١)\nوأما بالنسبة للذهب والفضة: فاختلفوا في علتها وفي إلحاق غيرها بها.\nقال ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (٢/ ١٣٧): قَالَتْ طَائِفَةٌ: الْعِلَّةُ فِيهِمَا كَوْنُهُمَا مَوْزُونَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: الْعِلَّةُ فِيهِمَا الثَّمَنِيَّةُ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، بَلْ الصَّوَابُ؛ فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ إسْلَامِهِمَا فِي الْمَوْزُونَاتِ مِنْ النُّحَاسِ، وَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِمَا؛ فَلَوْ كَانَ النُّحَاسُ وَالْحَدِيدُ رِبَوِيَّيْنِ؛ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُمَا إلَى أَجَلٍ بِدَرَاهِمَ نَقْدًا؛ فَإِنَّ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا إذَا اخْتَلَفَ جِنْسُهُ جَازَ التَّفَاضُلُ فِيهِ دُونَ النَّسَاءِ، وَالْعِلَّةُ إذَا انْتَقَضَتْ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ مُؤَثِّرٍ دَلَّ عَلَى بُطْلَانِهَا. اهـ\nوقال بالقول الأول النخعي، والزهري، وإسحاق، وللمالكية والشافعية وجهٌ أن العلة غلبة الثمنية، وما صوبه ابن القيم -﵀- سبقه إلى ترجيحه شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٧٠ - ٤٧٢).\nحيث قال -﵀-: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ هُوَ الثمنية لَا الْوَزْنُ، كَمَا قَالَهُ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٥٤ -) «الإنصاف» (٥/ ٣ - ٦) «المجموع» (٩/ ٤٠٠ - ٤٠١) (٩/ ٣٩٣ -) «المحلى» (١٤٨٠) «أعلام الموقعين» (٢/ ١٣٦ - ١٣٧) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٧٠) «السيل الجرار» (٣/ ٦٤ -) «حاشية ابن عابدين» (٥/ ١٨٣ - ١٨٤) «بداية المجتهد» (٢/ ١٢٩ -) «الاختيارات» (ص ١٢٧) «سبل السلام» «الشرح الممتع» (٨/ ٣٩٠) «القول المجتبى في بيان ما يجري فيه الربا» للصنعاني، «الأوسط» (١٠/ ٢٠٠).","vol":"6","page":52},{"text":"جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي سَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ كَالرَّصَاصِ، وَالْحَدِيدِ، وَالْحَرِيرِ، وَالْقُطْنِ، وَالْكَتَّانِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ إسْلَامِ النَّقْدَيْنِ فِي الْمَوْزُونَاتِ، وَهَذَا بَيْعُ مَوْزُونٍ بِمَوْزُونٍ إلَى أَجَلٍ، فَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ الْوَزْنَ؛ لَمْ يَجُزْ هَذَا.\nثم قال: وَالتَّعْلِيلُ بالثمنية تَعْلِيلٌ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَثْمَانِ أَنْ تَكُونَ مِعْيَارًا لِلْأَمْوَالِ يَتَوَسَّلُ بِهَا إلَى مَعْرِفَةِ مَقَادِيرِ الْأَمْوَالِ، وَلَا يَقْصِدُ الِانْتِفَاعَ بِعَيْنِهَا، فَمَتَى بِيعَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ إلَى أَجَلٍ؛ قُصِدَ بِهَا التِّجَارَةُ الَّتِي تُنَاقِضُ مَقْصُودَ الثمنية، وَاشْتِرَاطُ الْحُلُولِ وَالتَّقَابُضِ فِيهَا هُوَ تَكْمِيلٌ لِمَقْصُودِهَا مِنْ التَّوَسُّلِ بِهَا إلَى تَحْصِيلِ الْمَطَالِبِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِقَبْضِهَا لَا بِثُبُوتِهَا فِي الذِّمَّةِ؛ مَعَ أَنَّهَا ثَمَنٌ مِنْ طَرَفَيْنِ، فَنَهَى الشَّارِعُ أَنْ يُبَاعَ ثَمَنٌ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الإلزام الذي ذكره ابن القيم -﵀- تبعًا لشيخه وارد على من جعل العلة الوزن ورودًا لا محيص عنه، وهذا يدل على بطلان التعليل بالوزنية.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٨/ ٣٩٠): وأقرب شيء أن يقال: إنَّ العلة في الذهب والفضة كونهما ذهبًا وفضة، سواء كانا نقدين، أو غير نقدين، والدليل على أنَّ الربا يجري في الذهب والفضة، وإن كانا غير نقدين حديث القلادة الذي رواه فضالة بن عبيد أنه اشترى قلادة من ذهب فيها ذهب وخرز باثني عشر دينارًا، ففصلها فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فنهى النبي","vol":"6","page":53},{"text":"- ﷺ - أن تُباع حتى تُفصل. (^١)\nومعلوم أنَّ القلادة خرجت عن كونها نقدًا، وعلى هذا فيجري الربا في الذهب والفضة مطلقًا، سواء كانتا نقدًا، أم تبرًا، أم حليًّا على أي حال كانت، ولا يجري الربا في الحديد، والرصاص، والصفر، والماس وغيرها من أنواع المعادن. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: مذهب الشافعية أن العلة هي (جنس الثمنية)، ومذهب المالكية أن العلة هي (غلبة الثمنية)، وقال بعض الحنابلة: إن العلة هي (الثمنية)، ويظهر لي أن تعبير الشافعية أدق؛ فإنه يدل على أن الربا يجري بالذهب، والفضة من حيث هو ذهب وفضة، ولو لم تكن نقدًا، وعليه فلا يشكل على ذلك حديث فضالة بن عبيد -﵁-، وينبني عليه أيضًا وجوب الزكاة في الأوراق النقدية، وجريان الربا فيها؛ فإنه مضمونة ومغطاةٌ بالذهب والفضة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2845>مسألة [٢]: أقسام الربا</span>.\nالربا قسمان:\nأحدهما: ربا الفضل.\nوهو الزيادة في أحد شيئين أوجب الشرع التماثل فيهما، كبيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٥٩١) (٩٠).\n(^٢) وانظر: «أبحاث هيئة كبار العلماء» (١/ ٥٣ - ٥٥)، «الموسوعة الكويتية» (٢٢/ ٦٥ -)، «الفواكه الدواني» (٢/ ٧٤)، «شرح مختصرخليل» (٥/ ٥٦).","vol":"6","page":54},{"text":"بالملح، وعلى هذا تدل أحاديث الباب المتقدمة كلها.\nوقد أجمع أهل العلم على تحريمه، وقد كان فيه خلافٌ من بعض الصحابة كابن عباس، وابن عمر، وقد صحَّ عنهما الرجوع عنه كما في «صحيح مسلم» (١٥٩٤)، وقد كان ابن عباس استند في إباحته إلى حديث أسامة بن زيد أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنما الربا في النسيئة». (^١)\nوقد اختلف أهل العلم في توجيه هذا الحديث، فمنهم من قال: إنه منسوخٌ. ومنهم من رجح الأحاديث الأخرى. وأفضل ما قيل في ذلك جوابان:\n١) أنَّ معنى قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الربا في النسيئة»، أي: الربا الأغلظ والأشد، فالمراد حصر كمال الربا في النسيئة لا أصل الربا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]. وهذا القول اختاره ابن القيم -﵀-.\n٢) أنَّ الحديث محمولٌ على ما إذا اختلفت الأجناس، فيجوز التفاضل، ويحرم النَّسَاء.\nوهذا الجواب ذكره الشافعي، وذكره البخاري عن شيخه سليمان بن حرب، ورجَّحه الطبري، وابن عبد البر، والبيهقي، وابن قدامة، وغيرهم، وهناك أقوال أخرى. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢١٧٨)، ومسلم برقم (١٥٩٦).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢١٧٩) «أعلام الموقعين» (٢/ ١٣٦) «تكملة المجموع» (١٠/ ٤٠، ٥١ -) «سنن البيهقي» (٥/ ٢٨١) «المغني» (٦/ ٥٢ - ٥٣) «معرفة السنن والآثار» (٤/ ٢٩٦ -).","vol":"6","page":55},{"text":"ثانيهما: ربا النسيئة، وهو على نوعين:\n• الأول: التأخير فيما أوجب الشارع فيه التقابض.\nويدل عليه حديث عبادة بن الصامت المذكور في الباب: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد».\nوقوله في حديث عمر في «الصحيحين»: «إلا هاء وهاء» (^١)، وقوله في حديث أبي سعيد في الباب: «ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز».\nوربا النسيئة بهذا المعنى يحصل في بيع الشيء بجنسه، أو في بيع الشيء بجنس آخر يماثله في العلة؛ فلا يجوز بيع الذهب بالذهب إلى أجل، ولا يجوز بيع الذهب بالفضة إلى أجل، وكذلك لا يجوز بيع البر بالبر إلى أجل، ولا يجوز بيع البر بالشعير إلى أجل، وهذا النوع لا يجوز بغير خلاف، قاله ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٦٢).\n• النوع الثاني: ربا الدين، وهو ربا الجاهلية، وله صورتان:\nالأولى: أن يكون لإنسان على آخر دين إلى آخر الشهر، فيأتي آخر الشهر ومقداره ألف فيقول: إما أن تقضيني الألف، أو نؤخره إلى نصف شهر، وتعطيني ألفًا ومائتين؛ فهذا هو ربا الجاهلية بقولهم: (إما أن تقضي، وإما أن ترابي)، ولا يُشترط أن يكون الطلب من صاحب المال، بل يقعان في الربا ولو كان\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢١٣٤)، ومسلم برقم (١٥٨٦).","vol":"6","page":56},{"text":"الطالب لذلك هو المدين، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠].\nوهذا الربا يحصل في غير الأصناف المنصوص عليها.\nالثانية: القرض بفائدة مشروطة عند العقد، كأن يقول له: أعطيك ألفًا إلى شهر، على أن تُعيد لي ألفًا ومائة، أو على أن تسكنني في بيتك، أو على أن تعطيني سيارتك للانتفاع بها. وما أشبه ذلك. (^١)\nفائدة: ابن القيم -﵀- يسمي ربا النسيئة: ربا جلي. وربا الفضل: ربا خفي.\nقال -﵀- في «أعلام الموقعين» (٢/ ١٣٥ - ١٣٦): فَالْجَلِيُّ حُرِّمَ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ، وَالْخَفِيُّ حُرِّمَ؛ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى الْجَلِيِّ؛ فَتَحْرِيمُ الْأَوَّلِ قَصْدًا، وَتَحْرِيمُ الثَّانِي وَسِيلَةً.\nثم ذكر الربا الجلي بصورته في الجاهلية، ثم قال: وَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ فَتَحْرِيمُهُ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ؛ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرِّمَّا» (^٢)،\nوَالرِّمَّا هُوَ الرِّبَا،\n_________\n(^١) انظر: «أعلام الموقعين» (٢/ ١٣٥)، «المغني» (٦/ ٥٢).\n(^٢) ضعيف. أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٥٨٨٥)، من حديث ابن عمر -﵄-، وإسناده ضعيف؛ لأنه من طريق أبي جناب يحيى بن أبي حية الكلبي، عن أبيه، عن ابن عمر -﵄-، وأبو جناب فيه ضعف، وأبوه مجهول، وثبت الحديث عن عثمان بن عفان -﵁- عند مسلم (١٥٨٥) بدون الزيادة: «فإن أخاف عليكم الرِّمَّا»، وقد صح بالزيادة موقوفًا على عمر بن الخطاب -﵁-، كما في «موطإ مالك» (٢/ ٦٣٤، ٦٣٥)، عن نافع، وعبدالله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر -﵁-، من قوله، ولكن قال في أوله: «لا تبيعوا الذهب بالذهب»، وفيه: «لا تبيعوا الورق بالورق» ..","vol":"6","page":57},{"text":"فَمَنَعَهُمْ مِنْ رِبَا الْفَضْلِ لِمَا يَخَافُهُ عَلَيْهِمْ مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إذَا بَاعُوا دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ -وَلَا يُفْعَلُ هَذَا إلَّا لِلتَّفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، إمَّا فِي الْجَوْدَةِ، وَإِمَّا فِي السِّكَّةِ، وَإِمَّا فِي الثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ- وَغَيْرِ ذَلِكَ تَدَرَّجُوا بِالرِّبْحِ الْمُعَجَّلِ فِيهَا إلَى الرِّبْحِ الْمُؤَخَّرِ، وَهُوَ عَيْنُ رِبَا النَّسِيئَةِ، وَهَذِهِ ذَرِيعَةٌ قَرِيبَةٌ جِدًّا؛ فَمِنْ حِكْمَةِ الشَّارِعِ أَنْ سَدَّ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الذَّرِيعَةَ، وَمَنَعَهُمْ مِنْ بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ نَقْدًا وَنَسِيئَةً؛ فَهَذِهِ حِكْمَةٌ مَعْقُولَةٌ مُطَابِقَةٌ لِلْعُقُولِ، وَهِيَ تَسُدُّ عَلَيْهِمْ بَابَ الْمَفْسَدَةِ. اهـ (^١)\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٦١): لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسَيْنِ نَعْلَمُهُ، إلَّا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا يَتَقَارَبُ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا. وَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الْبُرَّ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الشَّعِيرَ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» (^٢)، وَفِي لَفْظٍ: «إذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد. (^٣) وَلِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ؛ فَجَازَ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا، كَمَا لَوْ تَبَاعَدَتْ مَنَافِعُهُمَا، وَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَةِ التَّفَاضُلِ فِي الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ، مَعَ تَقَارُبِ مَنَافِعِهِمَا. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الممتع» (٨/ ٤١٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي بهذا اللفظ (١٢٤٠)، بإسناد صحيح من حديث عبادة -﵁-.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٥٨٧)، وأبو داود (٣٣٤٩) (٣٣٥٠)، من حديث عبادة بن الصامت -﵁-.","vol":"6","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2846>مسألة [٣]: وهل يجوز بيع البر أو الشعير بالذهب أو الفضة إلى أجل</span>؟\n• ذكر أهل العلم أنَّ هذا جائز، وَنُقِل في ذلك الإجماع، والواقع وجود خلاف أشار إليه ابن حزم في «مراتب الإجماع»، والسُّبُكي في «تكملة المجموع».\nوالصحيح هو الجواز؛ لحديث عائشة -﵂- في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اشترى من يهودي طعامًا، ورهنه درعًا من حديد. (^١)\nوحديث ابن عباس -﵄-، قال: قدم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المدينة وهم يُسلِفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «من أسلف في شيء؛ فليُسلف في شيء معلومٍ إلى أجل معلوم». (^٢)\nوقد أجمعوا على جواز السَّلَم بأن يقدم الدنانير، أو الدراهم في مجلس العقد على أن يعطيه شعيرًا، أو بُرًّا بكيل معلوم إلى أجل معلوم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2847>مسألة [٤]: هل يجري الربا في الفلوس</span>؟\nالفلوس: جمع فَلْس، وهي عملة من النحاس، أو الحديد، كان يضربها الملوك، والسلاطين، يُشترى بها الأشياء الحقيرة.\n• وقد اختلف أهل العلم هل يجري فيها الربا، أم لا؟\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٠٩٦)، ومسلم برقم (١٦٠٣).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٢٣٩)، ومسلم برقم (١٦٠٤).\n(^٣) وانظر: «تكملة المجموع» (١٠/ ١٧٠ - ١٧٥).","vol":"6","page":59},{"text":"أولا: هل يجري فيها ربا الفضل؟\n• وجهٌ عند الحنابلة، ووجهٌ عند الشافعية مرجوح، حكاه الخراسانيون، وهو قول غير مشهور عن مالك، قالوا: يجري الربا فيها، أي: ربا الفضل، فعند هؤلاء لا يجوز بيع فلس بفلسين، ولو كان يدًا بيد.\n• المشهور عند الشافعية، وعند المالكية، وهو وجهٌ للحنابلة أنه لا يجري فيها الربا، ولو كانت نافقة أي: التي يتعامل بها الناس في السوق، وعكسها الكاسدة وهي التي لا يتعامل بها؛ لِقِدَمِها لعدم النص والإجماع؛ ولأنهم عللوا الربا في النقدين بغلبة الثمنية، بينما أهل القول الأول عللوا ذلك بمطلق الثمنية.\nوالقول الأول هو الصواب، وهو جريان الربا فيها، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم؛ لأنهم عللوا الربا في النقدين بالثمنية، والله أعلم.\nتنبيه: الذين يقولون بجريان ربا الفضل فيها يقولون أيضًا بجريان ربا النسيئة فيها.\nثانيًا: ما حكم بيع الفلوس بأحد النقدين نسيئة؟\n• فيه قولان:\n١) مذهب مالك، والمشهور عن أحمد، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة: المنع.\n٢) مذهب الشافعي، وأبي حنيفة في الرواية الأخرى، وهي رواية عن أحمد نقلها واختارها جماعة من الحنابلة، منهم ابن عقيل: الجواز.","vol":"6","page":60},{"text":"قال شيخ الإسلام -﵀-: والأظهر المنع من ذلك؛ فإن الفلوس النافقة يغلب عليها حكم الأثمان، وتجعل معيار أموال الناس. اهـ\nقلتُ: والذين جوَّزوا النسيئة والفضل لعدم النص والإجماع قالوا: لا دليل على التفصيل بين ربا الفضل وربا النسيئة. والذين منعوا ربا النسيئة وأجازوا ربا الفضل قالوا: إنَّ ربا النسيئة شديد، والشبهة فيه كبيرة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح جريان الربا فيها؛ لأنه أثمان، فأخذت حكمها، والله أعلم، وهذه هي فتوى الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وعبدالرزاق عفيفي، وابن غديان، وابن منيع ﵏. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2848>مسألة [٥]: هل يجري الربا في الأوراق النقدية، والعملة المعدنية</span>؟\n• أكثر علمائنا وأئمتنا في عصرنا، ومنهم الإمام ابن باز -﵀-، والإمام الوادعي -﵀- على أنَّ الربا يجري فيها بنوعيه، وهو مقتضى قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية؛ لتعليلهم الذهب والفضة بعلة الثمنية، وهو مقتضى اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم في ذلك، واختاره الإمام ابن عثيمين في الجملة، وهو الصواب، والله أعلم.\nوهذه المسألة تخالف مسألة (الفلوس) بأنَّ الفلوس كانوا لا يتعاملون بها إلا\n_________\n(^١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٥٩، ٤٦٨ -) «المجموع» (٩/ ٣٩٥) «الاختيارات» (١٢٨) «أبحاث هيئة كبار العلماء» (١/ ٥٤) «حاشية الروض المربع» (٤/ ٤٩٤) «الإنصاف» (٥/ ٦ - ٧) «شرح الزركشي» (٣/ ٤٢٠ - ٤٢١) «حاشية العدوي على مختصر خليل» (٥/ ٥٦).","vol":"6","page":61},{"text":"بالمحقرات، بخلاف هذه الأوراق، فبعضها قد يكون أغلى من أربعة جرامات من الذهب، مع أنَّ الراجح في مسألة الفلوس أيضًا أنه يجري فيها الربا بنوعيه، والله أعلم.\nتنبيه: العلماء الذين اختاروا جريان الربا في الأوراق المالية جعلوها نقدًا قائمًا بنفسه كالذهب والفضة؛ ولذلك فالعملات الورقية أجناس تتعدد بتعدد جهات إصدارها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2849>مسألة [٦]: بماذا يعتبر التساوي في الأصناف الربوية</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٦٩): لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ الْمُمَاثَلَةِ فِي بَيْعِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهَا، وَأَنَّ الْمُسَاوَاةَ الْمَرْعِيَّةَ هِيَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا، وَفِي الْمَوْزُونِ وَزْنًا، وَمَتَى تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الْمُسَاوَاةُ، لَمْ يَضُرَّ اخْتِلَافُهُمَا فِيمَا سِوَاهَا. وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ؛ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فِي غَيْرِهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ إلَّا مَالِكًا قَالَ: يَجُوزُ بَيْعُ الْمَوْزُونَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ جُزَافًا. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى - ﷺ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ كَيْلًا بِكَيْلٍ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ (^٢)، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلَفْظُهُ: «الْبُرُّ بِالْبُرِّ مُدْيٌ بِمُدْيٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مُدْيٌ\n_________\n(^١) انظر بحث هذه المسألة بتوسع في «أبحاث هيئة كبار العلماء» (١/ ٢٩ - ٥٥).\n(^٢) وأخرجه البيهقي (٥/ ٢٩١) بإسناد صحيح.","vol":"6","page":62},{"text":"بِمُدْيٍ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ؛ فَقَدْ أَرْبَى»، (^١)\nفَأَمَرَ بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْمَوْزُونَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْوَزْنِ، كَمَا أَمَرَ بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْمَكِيلَاتِ فِي الْكَيْلِ، وَمَا عَدَا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مِنْ الْمَوْزُونَاتِ مَقِيسٌ عَلَيْهِمَا وَمُشَبَّهٌ بِهِمَا، وَلِأَنَّهُ جِنْسٌ يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا؛ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ جُزَافًا كَالْمَكِيلِ، وَلِأَنَّهُ مَوْزُونٌ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا، فَأَشْبَهَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْفَضْلِ مُبْطِلَةٌ لِلْبَيْعِ، وَلَا نَعْلَمُ عَدَمَ ذَلِكَ إلَّا بِالْوَزْنِ، فَوَجَبَ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمَكِيلِ وَالْأَثْمَانِ. اهـ (^٢)\nقال أبو عبد الله غفر الله له: المعروف عن مالك أنه لا يجيز بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة؛ إلا مثلًا بمثل، وكذلك لا يجيز بيع الذهب بالفضة جزافًا؛ لوجود الغرر.\nوالذي نقله ابن عبدالبر عنه كما في «الاستذكار» (٢٠/ ٤٢) أنه أجاز بيع الطعام المختلف الأجناس جزافًا إذا كان يدًا بيد.\nوقال السُّبُكي -﵀- في «تكملة المجموع» (١٠/ ٢٣٣): ونقل القاضي أبو الطيب، والمحاملي وغيرهما عن مالك أنه أجاز ذلك في البادية والسفر، في المكيل دون الموزون؛ لأنَّ البادية يتعذر فيها وجود المكيال، وأجاب القاضي بمنع ذلك؛\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٣٤٩) بإسناد صحيح، والمدي بضم الميم، وسكون الدال: مكيال من مكاييل الشام يسع تسعة عشر صاعًا ..\n(^٢) وانظر كلامًا للسبكي قريبًا مما قاله ابن قدامة في «تكملة المجموع» (١٠/ ٢٢٨ -).","vol":"6","page":63},{"text":"لأنَّ الكيل يمكن بالإناء، والقصعة، والدلو، وحفر حفيرة يكيل فيها، وغير ذلك، واتفق أكثر العلماء على خلاف هذا، وأنه لا يجوز البيع في ذلك جزافًا، ولا بالحرز والتخمين والتحري، بل لابد من العلم. اهـ\nقلتُ: فتبين أنَّ مذهب مالك إنما هو جواز التحري في السفر والبادية، في المكيلات دون الموزونات، فتنبه!.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2850>مسألة [٧]: هل يجوز بيع البر بالبر وزنًا؟ وكذلك الشعير والتمر، والملح إذا بيع كل واحد منهم بجنسه</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه لا يجوز بيع شيء مما ذُكِر بجنسه إلا كيلًا، ونقل جواز ذلك عن قليل من الحنابلة، والشافعية، واختاره شيخ الإسلام كما في «الإنصاف».\nوقال كما في «الاختيارات»: وما لا يختلف فيه الكيل والوزن مثل الأدهان يجوز بيع بعضه ببعض كيلًا، ووزنًا، وعن أحمد ما يدل عليه.\nوقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: واختار شيخ الإسلام أنه إذا كان الكيل والوزن يتساويان فلا بأس أن يُباع المكيل بجنسه كيلًا، أو وزنًا؛ لأنَّ النبي - ﷺ - قال: «مثلًا بمثل»، والمثلية هنا متحققة، وأما ما يختلف بالكيل والوزن فلابد أن يُباع المكيل كيلًا، والموزون يباع وزنًا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ما اختاره شيخ الإسلام هو الصواب؛ لأنَّ العبرة هو","vol":"6","page":64},{"text":"التماثل، فإذا كان بيع أحدهما بالآخر لا يختلف مقداره إذا كيل، أو وُزِن؛ فلا يوجد فرق عند ذلك بين بيعه كيلًا، أو وزنًا، واستثنى بعض أهل العلم من الملح ما كان قِطَعًا كبيرة؛ فإنها تُباع وزنًا؛ لتعذر الكيل فيها، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: ما كان من المكيلات، ولم يُسْتَطَع بيعه كيلًا؛ لتجافيه في المكيال، أو التصاق بعضه ببعض؛ جاز بيعه وزنًا، كالتمر المتلاصق المنزوع النوى وغير المنزوع النوى إذا كان في تمييزه مشقة، وبهذا أفتى الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2851>مسألة [٨]: هل يجوز بيع الذهب بالذهب كيلا، أو الفضة بالفضة كيلا</span>؟\nقال السبكي -﵀- في «تكملة المجموع» (١٠/ ٢٢٩): فأما ما أصله الوزن فلا يجوز بيعه كيلًا بكيل، نقل الشيخ أبو حامد الإجماع فيه. اهـ\nونقل الوزير وغيره الاتفاق على ذلك أيضًا كما في «حاشية ابن القاسم على الروض المربع» (٤/ ٤٩٦).\nقال أبو عبد الله غفر الله له: هذا الإجماع محمول على الذهب والفضة، وأما الموزونات الأخرى فتقدم أنَّ الجمهور على أنَّ العلة في التحريم هي الثمنية لا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٦٩ -) «الإنصاف» (٥/ ٧) «الاختيارات» (ص ١٢٨) «الشرح الممتع» (٨/ ٣٩٤) «المجموع» (١٠/ ٢٢٩) «تكملة المجموع» للسبكي (١٠/ ٢٢٩).\n(^٢) انظر: «تكملة المجموع» (١٠/ ٢٨٤)، «الروض المربع» (٤/ ٤٩٦) مع الحاشية، «الشرح الممتع» (٨/ ٤٠٦).","vol":"6","page":65},{"text":"الوزنية؛ وعليه فيكون الاتفاق المذكور عند من جعل العلة الوزنية لا مطلقًا، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2852>مسألة [٩]: هل يدخل الربا فيما كان جنسه مكيلا، أو موزونًا إذا كان قليلا لا يتأتى فيه الكيل والوزن</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٥٨ - ٥٩): وَقَوْلُهُ: مَا كِيلَ، أَوْ وُزِنَ. أَيْ: مَا كَانَ جِنْسُهُ مَكِيلًا، أَوْ مَوْزُونًا، وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ فِيهِ كَيْلٌ، وَلَا وَزْنٌ، إمَّا لِقِلَّتِهِ كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ، وَالْحَفْنَةِ وَالْحَفْنَتَيْنِ، وَمَا دُونَ الْأُرْزَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، أَوْ لِكَثْرَتِهِ كَالزُّبْرَةِ الْعَظِيمَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَيَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهِ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَرَخَّصَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي بَيْعِ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ، وَالْحَبَّةِ بِالْحَبَّتَيْنِ، وَسَائِرِ الْمَكِيلِ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى كَيْلُهُ، وَوَافَقَ فِي الْمَوْزُونِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْكَيْلُ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْيَسِيرِ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى» (^١)، وَلِأَنَّ مَا جَرَى الرِّبَا فِي كَثِيرِهِ جَرَى فِي قَلِيلِهِ، كَالْمَوْزُونِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2853>مسألة [١٠]: معرفة المكيل والموزون</span>.\nأما الذهب والفضة فهي موزونة، والأصناف الأربعة الباقية مكيلة.\nقال ابن القاسم في «حاشيته» على «الروض المربع» (٤/ ٥١٥): وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أنَّ المكيلات المنصوص عليها، وهي: البر، والشعير، والتمر،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٨٨)، من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"6","page":66},{"text":"والملح مكيلة أبدًا، لا يجوز بيع بعضها ببعض إلا كيلًا، والموزونات المنصوص عليها أبدًا موزونة. اهـ\n• واختلفوا في غير الأصناف الستة:\nفمذهب الجمهور أن المرجع فيها إلى عرف العادة بالحجاز، وما لا عرف له بالحجاز ففيه وجهان: أحدهما: يرد إلى أقرب الأشياء إليها بالحجاز. والثاني: يعتبر عرفه بموضعه. واستدلوا بحديث ابن عمر -﵄- عند أبي داود (٣٣٤٠): «الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة»، وإسناده صحيح، ومذهب أبي حنيفة الاعتبار في كل بلد بعادته\nوقول الجمهور أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2854>مسألة [١١]: هل شراء الأسهم التجارية يدخل في الربا</span>؟\nفي «فتاوى اللجنة الدائمة» (١٣/ ٣٢١): إذا كانت الأسهم لا تمثل نقودًا تمثيلًا كليًّا، أو غالبًا، وإنما تمثل أرضًا، أو سيارات، أو عمارات ونحو ذلك، وهي معلومة للبائع والمشتري؛ جاز بيعها وشراؤها بثمنٍ حال، أو مؤجل على دفعة، أو دفعات؛ لعموم أدلة جواز البيع والشراء.\nوالذي أفتى بذلك هم: الإمام ابن باز، والشيخ عبدالله بن قعود، والشيخ عبدالرزاق عفيفي رحمة الله عليهم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٧٣)، «حاشية الروض المربع» (٥/ ٥١٥)، «تكملة المجموع» (١٠/ ٢٦٣).","vol":"6","page":67},{"text":"٨٢٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ،\n\n٨٢١ - وَأَبِي هُرَيْرَةَ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟» فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا (بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ) (^١)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا». وَقَالَ فِي المِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ: «وَكَذَلِكَ المِيزَانُ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nقوله: «الجنيب» هو نوعٌ طَيِّبٌ، وجيد من أنواع التمر.\nقوله: «الجمع» هو نوع مخلوطٌ من التمر، وفيه الرديء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2855>مسألة [١]: هل جنس التمر والبر وغيرهما يشمل أنواعها</span>؟\nدلَّ حديث الباب على أنَّ التمر ولو اختلفت أنواعه فكله جنسٌ يجري فيه الربا.\nقال ابن قدامة -﵀-: الْجِنْسُ: هُوَ الشَّامِلُ لِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ بِأَنْوَاعِهَا. وَالنَّوْعُ: الشَّامِلُ لِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ بِأَشْخَاصِهَا، وَقَدْ يَكُونُ النَّوْعُ جِنْسًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا تَحْتَهُ، نَوْعًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا فَوْقَهُ.\n_________\n(^١) في (أ) و(ب): (بالصاعين والثلاثة) والمثبت هو الصواب كما في «الصحيحين».\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٠١)، ومسلم (١٥٩٣).","vol":"6","page":68},{"text":"قلتُ: مثاله مسمى (الإنسان) يعتبر جنسًا لنوعي الذكر والأنثى، ويعتبر نوعًا لجنس الحيوان.\nثم قال: فَكُلُّ نَوْعَيْنِ اجْتَمَعَا فِي اسْمٍ خَاصٍّ فَهُمَا جِنْسٌ، كَأَنْوَاعِ التَّمْرِ، وَأَنْوَاعِ الْحِنْطَةِ، فَالتُّمُورُ كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ الْخَاصَّ يَجْمَعُهَا، وَهُوَ التَّمْرُ، وَإِنْ كَثُرَتْ أَنْوَاعُهُ، كَالْبَرْنِيِّ، وَالْمَعْقِلِيِّ، وَالْإِبْرَاهِيمِيّ، والخاستوي، وَغَيْرِهَا، وَكُلُّ شَيْئَيْنِ اتَّفَقَا فِي الْجِنْسِ؛ ثَبَتَ فِيهِمَا حُكْمُ الشَّرْعِ بِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَنْوَاعُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ» الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ، فَاعْتَبَرَ الْمُسَاوَاةَ فِي جِنْسِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ. ثُمَّ قَالَ: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ؛ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ»، وَفِي لَفْظٍ: «فَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ؛ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ»، وَفِي لَفْظٍ: «إلَّا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ»، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلِمْنَاهُ فِي وُجُوبِ الْمُسَاوَاةِ فِي التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَسَائِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ، مَعَ اتِّفَاقِ الْأَنْوَاعِ، وَاخْتِلَافِهَا. اهـ «المغني» (٦/ ٧٦ - ٧٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2856>مسألة [٢]: قوله في الحديث: وقال في الميزان مثل ذلك</span>.\nاستدل بهذا الحديث من قال: إنَّ علة تحريم الذهب والفضة هو الوزن، وقالوا: معنى الحديث: (وقال في الموزون مثل ذلك)؛ إذ أنَّ الميزان نفسه لا يجري فيه الربا ولا يتعلق به الحكم.","vol":"6","page":69},{"text":"وقد ذكر النووي عن ذلك ثلاثة أجوبة:\nأحدها: جواب البيهقي أنَّ قوله: «وَكَذَلِكَ المِيزَانُ» موقوف على أبي سعيد.\nالثاني: جواب القاضي أبي الطيب وآخرين أنَّ ظاهر الحديث غير مراد؛ فإنَّ الميزان نفسه لا ربا فيه، وأضمرتم فيه الموزون، ودعوى العموم في المضمرات لا يصح.\nالثالث: أن يحمل الموزون على الذهب، والفضة؛ جمعًا بين الأدلة.\nقلتُ: وهذا الأخير هو أقوى الأجوبة، وارتضاه السبكي في «تكملة المجموع» فقال: المراد بذلك استواء الوزن في الأشياء التي بُيِّنَ الربا فيها في أحاديث أُخَر. اهـ\nوهو جواب ابن حزم أيضًا حيث قال: طلبنا فوجدنا حديث عبادة بن الصامت، وحديث أبي بكرة، وحديث أبي هريرة قد بين فيها مراده -﵇- بقوله هاهنا: «إنه لا يحل الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن، ولا الفضة بالفضة إلا وزنًا بوزن» (^١)، فقطعنا أنَّ هذا هو مراد رسول الله - ﷺ - بقوله: «وكذلك الميزان».اهـ (^٢)\n_________\n(^١) تقدم تخريج حديث أبي هريرة، وعبادة، وأما حديث أبي بكرة فهو عند البخاري برقم (٢١٧٥)، ومسلم برقم (١٥٩٠)، والألفاظ متقاربة، والمعنى واحد.\n(^٢) انظر: «المجموع» (٩/ ٣٩٣ - ٣٩٤)، «المحلى» (١٤٨٠).","vol":"6","page":70},{"text":"٨٢٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄-، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا بِالكَيْلِ المُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2857>مسألة [١]: بيع الصنف الربوي بجنسه جزافًا</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٧٠): وَلَوْ بَاعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ جُزَافًا، أَوْ كَانَ جُزَافًا مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ؛ لَمْ يَجُزْ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ إذَا كَانَا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ التَّمْرِ لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا، بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ. وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ» إلَى تَمَامِ الْحَدِيثِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا كَذَلِكَ، وَلِأَنَّ التَّمَاثُلَ شَرْطٌ، وَالْجَهْلُ بِهِ يُبْطِلُ الْبَيْعَ، كَحَقِيقَةِ التَّفَاضُلِ. اهـ\nقلتُ: وقد استنبط أهل العلم من هذا الحديث وغيره قاعدةً وهي: (الجهل بالتساوي في الربويات كالعلم بالتفاضل).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2858>مسألة [٢]: إذا اختلفت الأصناف فهل يجوز بيعها جزافًا</span>؟\n• أكثر أهل العلم على جواز ذلك؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإذا اختلفت هذه الأصناف؛ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٥٣٠).","vol":"6","page":71},{"text":"• ومنع من ذلك بعض الحنابلة فقالوا: لا يُباع المكيل بالمكيل جزافًا، ولا الموزون بالموزون جزافًا؛ لحديث: «نهى عن بيع الطعام بالطعام مجازفة»، ولأنه بيع مكيل بمكيل أشبه الجنس الواحد.\n• وذهب مالك إلى منع بيع الدنانير بالدراهم مجازفة، وأجازه في التبر والحلي. قال ابن عبد البر -﵀-: أجاز أكثر العلماء بيع الذهب بالورق جزافًا، عينًا كان ذلك أو تبرًا، دراهم كانت أو دنانير، والمصُوغ وغيره في ذلك سواء؛ لأنَّ التفاضل بينهما حلال جائز، وإذا جاز الدينار بأضعافه دراهم؛ جاز الجزاف في ذلك يدًا بيد، كما يجوز القصد إلى المفاضلة بينهما يدًا بيد، وإلى هذا ذهب الشافعي، وأبو حنيفة وأصحابهما، وداود، ولم يجعلوه قِمارًا ولا غررًا. اهـ\nقلتُ: وأما حديث: «نهى عن بيع الطعام بالطعام مجازفة» فلم يوجد، وقد أخرجه عبد الرزاق (٨/ ١٣١)، عن الأوزاعي، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بلفظ: «لا يحل للرجل أن يبيع طعامًا جزافًا قد علم كيله حتى يعلم صاحبه»، وهو مُعضلٌ، والحديث على صحته مُبَيَّنٌ بحديث جابر الذي في الباب، وأما قياسهم فغير صحيح؛ لأنَّ الجنس الواحد يُشترط فيه التماثل، فلذلك لا تجوز فيه المجازفة بخلاف ما إذا اختلف الجنس؛ فإنه لا يُشترط فيه التماثل، ولكن ما يتعلق ببيع الذهب بالفضة جُزَافًا فهو محرم؛ لإنه يدخل في الغرر؛ لعدم معرفة قدر السلعة بالحرز؛ ولأن التفاوت اليسير فيها يعتبر تفاوتًا كبيرًا، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٧١)، «الاستذكار» (١٩/ ٢٢٦)، «الأوسط» (١٠/ ١٩٣).","vol":"6","page":72},{"text":"٨٢٣ - وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵁-، قَالَ: إنِّي كُنْت أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ»، وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2859>مسألة [١]: هل البر والشعير جنسٌ واحد، أم جنسان</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنهما جنسان؛ لحديث عبادة بن الصامت المتقدم في الباب، وهو قول أحمد، وإسحاق، والشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي وغيرهم.\nووجه الدلالة من حديث عبادة: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذكر البر، والشعير، وفرَّق بينهما ثم قال: «فإذا اختلفت هذه الأصناف؛ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد».\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنهما جنس واحد؛ لتقارب ما بينهما، وهو قول مالك، والحكم، وحماد، والليث، وأحمد في رواية، وجاء عن معمر بن عبد الله في «صحيح مسلم» أنه نهى ولده عن بيع البر بالشعير إلا مثلًا بمثل، فسئل عن ذلك؟ فقال: إني أخاف أن يضارع.\nقلتُ: والقول الأول هو الصواب، وفعل معمر بن عبد الله يُحمل على أنه تورع من ذلك كما هو ظاهر قوله: إني أخاف أن يضارع. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٥٩٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٧٩ - ٨٠)، «شرح مسلم» (١١/ ٢٠)، «الأوسط» (١٠/ ٢٠٩).","vol":"6","page":73},{"text":"تنبيه: استدل بعض أهل العلم بحديث معمر بن عبدالله -﵁-، على أنَّ علة الربا في الربويات كونها مطعومة، وتقدم أن الحديث إنما فيه ذكر وصف، والعلة مبنية على الوصف المذكور مع كونه مكيلا، أو موزونًا.","vol":"6","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2860>فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِل المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2861>مسألة [١]: بيع الحنطة بدقيق الحنطة، أو الشعير بدقيقه</span>.\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى عدم جواز بيعها، وهو مذهب سعيد بن المسيب، والحسن، والحكم، وحماد، وأحمد، والثوري، وأبي حنيفة، ومكحول، وهو المشهور عن الشافعي، وذلك لأنَّ دقيق الحنطة هو من جنسها، ولا يحصل التماثل بالكيل؛ لأنَّ الطحن قد فرق أجزاءها، فيحصل في مكيالها دون ما يحصل من مكيال الحنطة، وإن لم يتحقق التفاضل؛ فقد جهل التماثل.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى جواز البيع، وهو قول ربيعة، ومالك، والنخعي، وقتادة، وابن شبرمة، وإسحاق، وأحمد في رواية، وأبي ثور، والأوزاعي؛ لأنهما من جنس واحد فجاز بيعهما، ويعلم التماثل في هذه الحالة بالوزن كما صرح به كثير منهم؛ لتعذر التماثل بالكيل، وأما مالك فاعتبر الكيل.\nقلتُ: وهذا القول أقرب فيما إذا كان الدقيق من بُرٍّ لا يختلف مكيله عن البر الآخر في الميزان، وأما إذا كان الدقيق من بُرٍّ يختلف مكيله عن البر الآخر في الميزان؛ فلا يجوز كما قال أهل القول الأول، والله أعلم، والقول في الشعير","vol":"6","page":75},{"text":"كالقول في البر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2862>مسألة [٢]: بيع الحنطة بالسويق</span>.\nالسَّويق هو الحب إذا قُلي ثم يطحن، وقد يُضاف إليه شعير.\n• ومذهب أحمد، والشافعي عدم جواز بيع الحنطة بالسويق؛ لأنَّ التماثل لا يتحقق بالكيل؛ لكونه مطحونًا قد انتشرت أجزاؤه، ولأنَّ النار قد أخذت منه شيئًا أثناء القلي.\n• ومذهب مالك، وأبي ثور جواز ذلك متماثلًا ومتفاضلًا، وهو قول الظاهرية؛ لأنَّ السويق عندهم جنس آخر.\nقلتُ: إن كان السويق من جنس الحنطة فقط؛ فلا يجوز بيعه إلا أن يتساويا في الوزن مما لا يختلف وزن مكيله، وإن كان مضافًا إليه شعير فهي المسألة المعروفة عند الفقهاء بـ (مد عجوة ودرهم)، وسنتكلم عليها إن شاء الله عند الحديث الآتي. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2863>مسألة [٣]: بيع دقيقٍ من الحنطة بدقيقٍ آخر من الحنطة أو سويق بسويق</span>.\n• مذهب أحمد، وأبي حنيفة جواز ذلك بشرط تساويهما في النعومة؛ لأنهما إذا\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (١٠/ ٢١٠)، «المغني» (٦/ ٨١) «الإنصاف» (٥/ ١٧) «الشرح الممتع» (٨/ ٤٠٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٨١) «المحلى» (١٤٩١) «الشرح الممتع» (٨/ ٤٠٦).","vol":"6","page":76},{"text":"تفاوتا في النعومة تفاوتا في ثاني الحال، فيصير كبيع الحنطة بالدقيق.\n• والمشهور عن الشافعي المنع من ذلك؛ لأنه يعتبر تساويهما حال الكمال، وهو حال كونها حنطة، وقد فات ذلك؛ لأنَّ أحد الدقيقين قد يكون من حنطة رزينة، والآخر من حنطة خفيفة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إذا كان الدقيقان من بُرٍّ لا يختلف أحدهما على الآخر حال كونه موزونًا عن حال كونه مكيلًا؛ فيجوز، وإلا فلا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2864>مسألة [٤]: بيع الدقيق بالسويق</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٨٢ - ٨٣): فَأَمَّا بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ؛ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْزَاءُ حِنْطَةٍ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَأَشْبَهَ الدَّقِيقَ بِالدَّقِيقِ، وَالسَّوِيقَ بِالسَّوِيقِ. وَلَنَا أَنَّ النَّارَ قَدْ أَخَذَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، كَالْمَقْلِيَّةِ بِالنِّيئَةِ.\nوَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ مُتَفَاضِلًا؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ. وَلَنَا أَنَّهُمَا أَجْزَاءُ جِنْسٍ وَاحِدٍ؛ فَلَمْ يَجُزْ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا، كَالدَّقِيقِ مَعَ الدَّقِيقِ، وَالسَّوِيقِ. اهـ\nقلتُ: الصواب -والله أعلم- هو منع ذلك؛ إلا أن يكون الدقيق من بُرٍّ لا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٨٢).","vol":"6","page":77},{"text":"يختلف وزن مكيله، فيجوز بشرط أن يتساويا في الوزن، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2865>مسألة [٥]: بيع الدقيق بالخبز من جنسه</span>.\n• مذهب مالك، وأبي ثور، والثوري، والليث، وإسحاق، والظاهرية، وأبي حنيفة جواز ذلك؛ لأنه عند الأَوَّلَيْنِ قد صار جنسًا آخر، وعند أبي حنيفة؛ لأنه جنس ربوي خلط مع غيره. والصحيح أنَّ سبب الجواز هو مصيره بالصنعة جنسًا آخر، والله أعلم.\n• ومذهب الشافعي، وأحمد عدم الجواز؛ لأنه عندهم جنس واحد، وقال بذلك عبيد الله بن الحسن، والقول الأول أقرب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2866>مسألة [٦]: بيع الخبز بالخبز من جنسه</span>.\n• مذهب الظاهرية، وأبي حنيفة الجواز، تماثلا، أو تفاضلا، أو نسيئة، وتعليل الظاهرية أنه قد صار جنسًا غير الأجناس الربوية، وهذا القول هو الصحيح.\n• ومذهب أحمد، ومالك الجواز بشرط التماثل، وعند أحمد التماثل بالوزن، وعند مالك بالتحري، وقال بقول مالك الأوزاعي، وأبو ثور.\n• ومذهب الشافعي المنع مطلقًا، لأنه مكيل يجب التساوي فيه، وتعذر كيله، فتعذرت المساواة فيه؛ فلم يجز بيعه، وهو قول عبيد الله بن الحسن، إلا أن\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (١٠/ ٢١١)، «البيان» (٥/ ٢١٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٨١)، «المحلى» (١٤٩١)، «التمهيد» (١٩/ ١٨٤، ١٨٦)، «الأوسط» (١٠/ ٢١١).","vol":"6","page":78},{"text":"ييبس ويدق دقًّا ناعمًا، ويُباع بالكيل، ففيه عند الشافعية قولان. (^١)\nتنبيه: إذا اختلف الدقيق، أو السويق، أو الخبز، بأن كان أحدهما من البر، والآخر من الشعير؛ جاز بيع بعضه ببعض متماثلًا، ومتفاضلًا.\nوكذلك حب الشعير مع دقيق البر، أو حب البر مع دقيق الشعير، أو سويقه، أو خبزه، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٨٣) «المحلى» (١٤٩١)، «الأوسط» (١٠/ ٢١٢).","vol":"6","page":79},{"text":"٨٢٤ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ -﵁-، قَالَ: اشْتَرَيْت يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَلْتهَا فَوَجَدْت فِيهَا أَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفْصَلَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2867>مسألة [١]: بيع ربوي بجنسه ومع أحدهما شيء آخر من غير جنسه، أو معهما كليهما</span>؟\nقال النووي -﵀- في شرح حديث الباب: وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ لَا يَجُوز بَيْع ذَهَب مَعَ غَيْره بِذَهَبٍ حَتَّى يُفَصَّل فَيُبَاع الذَّهَب بِوَزْنِهِ ذَهَبًا، وَيُبَاع الْآخَر بِمَا أَرَادَ. وَكَذَا لَا تُبَاع فِضَّة مَعَ غَيْرهَا بِفِضَّةٍ، وَكَذَا الْحِنْطَة مَعَ غَيْرهَا بِحِنْطَةٍ، وَالْمِلْح مَعَ غَيْره بِمِلْحٍ، وَكَذَا سَائِر الرِّبَوِيَّات، بَلْ لَا بُدّ مِنْ فَصْلهَا، وَسَوَاء كَانَ الذَّهَب فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة أَوَّلًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَكَذَلِكَ بَاقِي الرِّبَوِيَّات، وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَة الْمَشْهُورَة فِي كُتُب الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَغَيْرهمْ، الْمَعْرُوفَة بِمَسْأَلَةِ (مُدّ عَجْوَة)، وَصُورَتُها: بَيعُ مُدِّ عَجْوَة وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْ عَجْوَة، أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ، لَا يَجُوز لِهَذَا الْحَدِيث، وَهَذَا مَنْقُول عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب -﵁- وَابْنه، وَجَمَاعَة مِنْ السَّلَف، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، وَمُحَمَّد بْن عَبْد الْحَكَم الْمَالِكِيّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة، وَالثَّوْرِيّ، وَالْحَسَن بْن صَالِح: يَجُوز بَيْعه بِأَكْثَر مِمَّا فِيهِ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٥٩١) (٩٠).","vol":"6","page":80},{"text":"مِنْ الذَّهَب، وَلَا يَجُوز بِمِثْلِهِ وَلَا بِدُونِهِ. وَقَالَ مَالِك وَأَصْحَابه، وَآخَرُونَ: يَجُوز بَيْع السَّيْف الْمُحَلَّى بِذَهَبٍ وَغَيْره مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا فِيهِ ذَهَب، فَيَجُوز بَيْعه بِالذَّهَبِ إِذَا كَانَ الذَّهَب فِي الْمَبِيع تَابِعًا لِغَيْرِهِ. وَقَدَّرُوهُ بِأَنْ يَكُون الثُّلُث فَمَا دُونه، وَقَالَ حَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان: يَجُوز بَيْعه بِالذَّهَبِ مُطْلَقًا، سَوَاء بَاعَهُ بِمِثْلِهِ مِنْ الذَّهَب أَوْ أَقَلّ أَوْ أَكْثَر.\nوَهَذَا غَلَط مُخَالِف لِصَرِيحِ الْحَدِيث، وَاحْتَجَّ أَصْحَابنَا بِحَدِيثِ الْقِلَادَة، وَأَجَابَتْ الْحَنَفِيَّة بِأَنَّ الذَّهَب كَانَ فِيهَا أَكْثَر مِنْ اِثْنَيْ عَشَر دِينَارًا، وَقَدْ اِشْتَرَاهَا بِاثْنَيْ عَشَر دِينَارًا. قَالُوا: وَنَحْنُ لَا نُجِيز هَذَا، وَإِنَّمَا نُجِيز الْبَيْع إِذَا بَاعَهَا بِذَهَبٍ أَكْثَر مِمَّا فِيهَا، فَيَكُون مَا زَادَ مِنْ الذَّهَب الْمُنْفَرِد فِي مُقَابَلَة الْخَرَز وَنَحْوه مِمَّا هُوَ مَعَ الذَّهَب الْمَبِيع فَيَصِير كَعَقْدَيْنِ.\nثم استدل على بطلان هذا القول بتعليل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا تُبَاع حَتَّى تُفْصل».اهـ\nقلتُ: قول أبي حنيفة في هذه المسألة هو رواية عن أحمد، ورجحه شيخ الإسلام، وابن عثيمين، ولكن شيخ الإسلام -وتبعه ابن عثيمين- اشترط أن تكون الزيادة في المفرد تقابل الشيء الآخر، فلو بيع عنده صاع من البر ودرهم بدرهمين، وكان ثمن الصاع من البر عبارة عن درهم، فهو يجيز ذلك؛ لأنَّ الدرهم مقابل الدرهم، والدرهم الآخر مقابل الصاع؛ لأنَّ ثمنه درهم، فالزيادة من قِبَلِ المشتري تقابل الصاع من قِبَل البائع.\nأما لو بيع عنده صاع من البر، ودرهم بخمسة دراهم، وسعر الصاع درهم، فهو لا يجيز ذلك؛ لأنَّ الصاع سيكون مقابل أربعة دراهم، فهذا يدل على أنَّ هناك","vol":"6","page":81},{"text":"حيلة، فشيخ الإسلام يقول بقول الحنفية، لكن بشرط أن تكون الزيادة في مقابل الشيء المخلوط.\nقلتُ: مذهب الجمهور هو الصواب، وهو عدم جواز ذلك، وقال به ابن المنذر، وهو فتوى اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز، وعضوية آل الشيخ، والغدَيَّان، والفوزان، وبكر أبو زيد ﵏.\nويدل عليه عموم الأحاديث: «مثلًا بمثل» «سواء بسواء» «وزنًا بوزن» وحديث القلادة يحتمل فيه ما ذكره النووي، ويحتمل أنه منعه من ذلك؛ لأنه كان جاهلًا بمقدار الذهب فيها والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل فيما يُشترط فيه التماثل. (^١)\nتنبيه: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٩٦): وإن باع ما فيه الربا بغير جنسه، ومعه من جنس ما بيع به إلا أنه غير مقصود، كدار مموه سقفها بالذهب؛ جاز، ولا أعلم فيه خلافًا.\nقلتُ: وقد خالف بعض الشافعية فيما إذا كان التمويه بحيث إذا نحت يخرج منه شيءٌ، فقالوا: لا يصح. والأصح عندهم صحة البيع. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2868>مسألة [٢]: ما حكم بيع الفضة مع سلعة أخرى بذهب</span>؟\n• ذهب إلى الجواز طائفة من أهل العلم، منهم: الثوري، والشافعي، وأحمد،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٩٢ -)، «الأوسط» (١٠/ ١٨٨ -)، «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٥١).\n(^٢) انظر: «تكملة المجموع» (١٠/ ٣٩٤).","vol":"6","page":82},{"text":"وإسحاق، وابن المنذر، وهو مقتضى قول أبي حنيفة.\n• وللشافعي قول بالمنع من ذلك؛ لأنه جمع بين بيع، وصرف.\n• وقال مالك: إذا كانت الدراهم يسيرة جاز.\nقلتُ: والقول بالجواز هو الصحيح؛ ولا دليل يمنع من الجمع بين شراء شيئين بثمن واحد، ولكن يشترط أن يبين ثمن السلعة، وثمن الفضة؛ حتى لا يحصل الغرر والجهالة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2869>مسألة [٣]: بيع الحلي المصنع بجنسه من الدنانير، أو الفضة هل يجوز فيه التفاضل، أم لا</span>؟\n• جمهور العلماء على عدم جواز ذلك؛ لعموم الأدلة في تحريم التفاضل في بيع الذهب بعضه ببعض، أو الفضة بعضها ببعض، وهو يشمل ما كان مضروبًا، أو مصبوغًا، أو تبرًا، واستدلوا أيضًا بحديث القلادة الذي في هذا الباب. وهذا ترجيح الإمام ابن باز مع غيره من هيئة كبار العلماء، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين أيضًا.\nوقد جاء هذا القول عن ابن عمر -﵄-، أخرجه مالك في «الموطإ» (٢/ ٦٣٣)، ومن طريقه عبد الرزاق (٨/ ١٢٥)، عن حميد بن قيس، عن مجاهد، أنَّ صائغًا سأل ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب، ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل من ذلك قدر عمل يدي؟ فنهاه عبد الله عن ذلك، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة، وعبد الله ينهاه، حتى انتهى إلى باب المسجد، أو\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (١٠/ ١٩٠).","vol":"6","page":83},{"text":"إلى دابة يريد أن يركبها، ثم قال عبد الله بن عمر: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا، وعهدنا إليكم. اهـ وإسناده صحيح.\n• وذهب شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما إلى جواز ذلك، وقال المرداوي في «الإنصاف»: وعليه عمل الناس اليوم. وتوسَّع ابن القيم في الدفاع عن ذلك في «أعلام الموقعين» (٢/ ١٣٩ - ١٤٥).\nقال ابن القيم -﵀-: فَالْعَاقِلُ لَا يَبِيعُ هَذِهِ يعني الحلي المصنعة بِوَزْنِهَا مِنْ جِنْسِهَا؛ فَإِنَّهُ سَفَهٌ، وَإِضَاعَةٌ لِلصَّنْعَةِ.\nقال: فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِجِنْسِهَا أَلْبَتَّةَ، بَلْ يَبِيعُهَا بِجِنْسٍ آخَرَ، وَفِي هَذَا مِنْ الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ وَالْمَشَقَّةِ مَا تَتَّقِيهِ الشَّرِيعَةُ ...، وَإِمَّا أَنْ يَجُوزُ بَيْعُهَا كَمَا تُبَاعُ السِّلَعُ مُتَفَاضِلَة. اهـ\nوالجواب عن هذا: أنَّ هذا نظر واستحسان في مقابلة النص، وهو حديث فضالة ابن عبيد المتقدم مع أثر ابن عمر -﵄-.\nقال ابن القيم -﵀-: الْحُلِي صَارَ بِالصِّنْعَة مِنْ جِنْسِ الثِّيَابِ، لَا مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، وَلِهَذَا لَمْ تَجِبْ فِيهَا الزَّكَاةُ، فَلَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَثْمَانِ كَمَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْأَثْمَانِ وَبَيْنَ سَائِرِ السِّلَعِ. اهـ\nوالجواب عن هذا أن يقال: إنَّ الأدلة كثيرة في تحريم التفاضل بين الذهب عمومًا، فقصره على ما كان أثمانًا يحتاج إلى دليل، بل يعكس استدلاله ويقال:","vol":"6","page":84},{"text":"حديث فضالة -﵁- يدل على أنَّ العلة ليست مقصورة بالثمنية، بل العلة بالثمنية، أو بكونه ذهبًا وفضًة، وقد تقدم الكلام على تحرير العلة في هذه المسالة.\nوقوله -﵀-: (ولهذا لم تجب فيه الزكاة) استدلال منه بما فيه نزاع، بل بمحل النزاع؛ فإنَّ المخالف يقول: هو ذهب؛ فيلزم فيه الزكاة.\nقال -﵀-: وربا الفضل إنما حرم سدًّا للذريعة، فيباح للحاجة.\nوالجواب عن هذا: أنْ يقال: لو سلمنا أنَّ ربا الفضل كما قيل (حُرِّمَ سدًّا للذريعة فيباح؛ للحاجة)، فنقول: الحاجة إذا لم يعتبرها الشرع فكيف لنا أن نعتبرها؛ فالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يعتبر ذلك في حديث القلادة، واعتبر الحاجة في العرايا، فنحن نعتبرها كذلك في العرايا.\nقال -﵀-: فإن قيل: الصفات لا تقابل بالزيادة؛ ولو قوبلت بها لجاز بيع الفضة الجيدة بأكثر منها من الرديئة، وبيع التمر الجيد بأزيد منه من الرديء، وَلَمَّا أبطل الشارع ذلك عُلِم أنه منع من مقابلة الصفات بالزيادة. قيل: الفرق بين الصنعة التي هي أثر فعل الآدمي، وتقابل بالأثمان، ويستحق عليها الأجرة، وبين الصفة التي هي مخلوقة لله لا أثر للعبد فيها ولا هي من صنعته. اهـ\nوالجواب عنه أن يقال له: أولًا: يُحتاج إلى دليل لبيان أنَّ هذا التفريق معتبر عند الشارع في تحريم الربا.\nثانيًا: ينتقض قوله في بيع الدراهم، والدنانير المضروبة إذا بيعت بالسبائك،","vol":"6","page":85},{"text":"وقد أجاب عن هذا الاعتراض بأنَّ الدراهم المضروبة من صنع السلطان لمصلحة الناس عامة، وذلك من صنع آدمي لمصلحة نفسه، وهذا التفريق أيضًا يحتاج إلى دليل على اعتباره في الشرع، والأدلة الواردة في تحريم بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة عامة ترد هذا التفصيل.\nوقد أقرَّ بذلك ابن القيم -﵀-، لكنه قال: ولا ينكر تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي.\nويجاب عنه: بأنه لا قياس في مقابلة النص، وهو حديث القلادة.\nوقد ذكر ابن القيم بعض الحجج الأخرى، والذي ذكرناه هو أقوى ما ذُكر، وبالله التوفيق.\nقال الإمام العثيمين -﵀- كما في «مجموع دروس وفتاوى الحرم المكي» (٣/ ١٩٦): وأما ما ذهب إليه شيخ الإسلام -﵀-، وتلميذه ابن القيم في جواز أخذ الزيادة في مقابلة الصنعة؛ فإنه قول ضعيف فيما نرى؛ لأنه قياس في مقابلة النص. اهـ (^١)\nفائدة: نقل عن الإمام مالك أنه جوَّز بيع الدراهم والدنانير المضروبة بأكثر من وزنها ذهبًا وفضةً، وأنكر جماعة من أصحابه صحة ذلك عن مالك، ونفوه عنه.\nومنع من ذلك عمر بن عبد العزيز، والشافعي، وابن المنذر. وهو الصحيح. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٦٠)، «الإنصاف» (٥/ ٦)، «الاختيارات» (ص ١٢٧)، «أعلام الموقعين» (٢/ ١٤٠ -)، «تكملة المجموع» (١٠/ ٨٣ - ٨٦)، «الأوسط» (١٠/ ١٩٧ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٦٠)، «الأوسط» (١٠/ ١٩٧ -).","vol":"6","page":86},{"text":"فَصْلٌ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ المُتَعَلّقَةِ بِالصَّرْف\nالصَّرْفُ: هو بيع النقد بالنقد؛ اتَّحَدَّ الجنس، أو اختلف، أي: بيع الأثمان بعضها ببعض، وعند الشافعية تسميته إذا اتَّحد الجنس (مراطلة). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2870>مسألة [١]: هل التقابض شرط لصحة الصرف</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١١٢): وَالْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُتَصَارِفَيْنِ إذَا افْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا، أَنَّ الصَّرْفَ فَاسِدٌ. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ»، وَقَوْلُهُ -﵇-: «بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ»، وَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا، وَنَهَى أَنْ يُبَاعَ غَائِبٌ مِنْهَا بِنَاجِزٍ (^٢). اهـ\nقلتُ: نقل النووي عن إسماعيل ابن عُلَيَّةَ أنه أجاز التفرق من غير تقابض كما في «شرح مسلم». (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ١١٢) «تكملة المجموع» (١٠/ ١٦٦).\n(^٢) هذه الأحاديث تقدم تخريجها، والأول عن عمر، والثاني عن أبي بكرة -﵄-، في «الصحيحين»، والثالث عن عبادة -﵁-، في «مسلم».\n(^٣) وانظر: «تكملة المجموع» (١٠/ ٦٩).","vol":"6","page":87},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: ويلتحق بذلك شراء الذهب، أو الفضة بالأوراق المالية، وكذا صرف أنواع الأوراق المالية بعضها مع بعض، فيشترط فيه التقابض، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2871>مسألة [٢]: هل يُشترط في القبض الفورية أم هو على التراخي ماداما في المجلس لم يتفرقا</span>؟\n• ذهب مالك، والظاهرية إلى أنه على الفور، ورجَّح ذلك الشنقيطي، واستدلوا بحديث عمر بن الخطاب -﵁- في «الصحيحين»، وفيه: «إلا هاء وهاء»، وقالوا: معناه: حصول التسليم من الجانبين وعدم التأخير.\nواستدلوا بحديث عمر بن الخطاب مع طلحة بن عبيد الله في سبب الحديث المذكور، ففيه: أن مالك بن أوس بن الحدثان قال: أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم؟ فقال طلحة ابن عبيد الله وهو عند عمر بن الخطاب: أرِنا ذهبك، ثم ائتنا إذا جاء خادمنا نعطك ورقك. فقال عمر: كلا والله، لتعطينه ورقه، أو لتردَنَّ إليه ذهبه، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الذهب بالورق ربا؛ إلا هاء وهاء». (^١)\n• وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ القبض على التراخي، ومال إلى ذلك الشوكاني في «النيل»، ولكن لا يتفرقا من المجلس حتى يتقابضا، واستدلوا برواية البخاري في حديث عمر -﵁- السابق، قال عمر: والله، لا تفارقه حتى تأخذ منه.\nواستدلوا بأثر عمر بإسناد صحيح في «مصنف عبدالرزاق» (٨/ ١١٦)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢١٧٤)، ومسلم برقم (١٥٨٦)، واللفظ لمسلم.","vol":"6","page":88},{"text":"و«موطإ مالك» (٢/ ٦٣٤، ٦٣٥) أنه قال: إذا صرف أحدكم من صاحبه، فلا يفارقه حتى يأخذها، وإن استنظره حتى يدخل بيته؛ فلا ينظره، فإني أخاف عليكم الربا.\nوقالوا: الأدلة جاءت بوجوب المقابضة وتحريم النسيئة، وليس في الأدلة تحريم التراخي، وقوله: «هاء وهاء» يدل على وجوب التقابض لا على وجوب الفورية.\nقلتُ: وهذا القول هو الصواب، ومقصودنا بمجلس العقد هو مكان التبايع، سواء كانا جالسين، أو ماشيين، أو راكبين، ومرادنا بالتفرق ما عدَّه الناس في العرف تفرُّقًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2872>مسألة [٣]: إذا صارف رجلٌ آخرَ فأعاد إليه ما يقابل نصف ما قدمه فهل يبطل الصرف كاملا، أم يصح فيما أعطاه</span>؟\n• مذهب مالك، والشافعي، والظاهرية وهو وجه عند الحنابلة أنه إذا لم يقبض البعض حتى افترقا؛ فإنَّ الصرف كله باطل؛ لأنه وقع صرف من غير تقابض.\n• وذهب أبو حنيفة وصاحباه وهو أحد الوجهين عند الحنابلة إلى أنَّ الصرف يصح في المقبوض، ويبطل فيما لم يقبض، وهو اختيار النووي، والروياني من الشافعية، ومال إلى هذا الإمام ابن عثيمين -﵀-.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢١٧٤) «المغني» (٦/ ١١٣) «نيل الأوطار» (٢٢٤٤)، «الأوسط» (١٠/ ١٩٧).","vol":"6","page":89},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ إلا أن يكون المصطرف والصارف قصدا الصرف لذلك البعض فقط، وترك المصطرف الباقي عند الصارف وديعة؛ فهذا جائزٌ، ولعل الشيخ ابن عثيمين -﵀- أراد هذه الصورة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2873>مسألة [٤]: هل يجوز للمصطرف أن يدفع إلى الصارف دينارًا ويصرف منه نصف دينار بخمسة دراهم، ويجعل النصف الآخر عنده وديعة</span>؟\n• ذكر بعض أهل العلم جواز هذه الصورة؛ لأنه يحصل في ذلك التقابض والاستيفاء، وقد نصَّ على جواز ذلك الشافعي، وابن قدامة وغيرهما.\n• ومنع من ذلك الإمام مالك؛ لأن نصف الدينار لم يتميز.\nقلتُ: القول بالمنع من ذلك أقرب؛ لأنه على هذه الحال قد صرف الدينار أيضًا إلى نصفين بدون مقابضة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2874>مسألة [٥]: هل في الصرف خيار</span>؟\nأما خيار العيب فلا نعلم أحدًا منع من ذلك في الجملة.\n• وأما خيار المجلس: فالجمهور على ثبوته؛ لأنَّ الصرف من أنواع البيوع كما تدل عليه الأحاديث الكثيرة في تحريم بيع الذهب بالفضة، وعن أحمد رواية\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ١١٤) «المحلَّى» (١٥٠٥) «تكملة المجموع» (١٠/ ١٦٥) «الشرح الممتع» (٨/ ٤٣٧) «الإنصاف» (٥/ ٣٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ١١٤) «تكملة المجموع» (١٠/ ١٦٥)، «الأوسط» (١٠/ ١٩٩).","vol":"6","page":90},{"text":"بعدم ثبوت خيار المجلس في الصرف، والصحيح قول الجمهور.\n• وأما خيار الشرط: فالجمهور على المنع؛ لأنَّ موضوع الصرف أن لا يبقى بينهما علقة بعد التفرق، بدليل اشتراط التقابض.\n• ومذهب أبي ثور جواز ذلك، وهو اختيار شيخ الإسلام، ورجَّحه الشوكاني، ثم الإمام ابن عثيمين، بشرط أن يتقابضا؛ لأنه ليس هناك دليل يمنع ذلك إذا تقابضا، والمسلمون على شروطهم، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2875>مسألة [٦]: دفع العربون في شراء الذهب</span>.\nإذا اعتبر بالعربون أنَّ العقد قد تم، فلا يجوز؛ لأنَّ من شرط هذا البيع التقابض لجميع المال، وإذا اعتبر أنه وديعة والتزام بدفع المال في حينه وإبرام العقد بعد دفع المال كاملًا بسعره في ذلك الوقت؛ فيجوز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2876>مسألة [٧]: لو دفع رجل ألف دولار والألف صرفها مثلا مائة وثمانون ألفًا فيأخذ ذهبًا بما يوازي مائة وخمسين ألفًا، فما الحكم في المال المتبقي</span>؟\nهذا جائزٌ، ولا بأس أن يستلم الباقي، لكن يبقى الباقي بالدولار، وإذا جاء اليوم الثاني وأراد أن يأخذ الدولارات الباقية، فهل يشترط إذا أراد صرفها أن يستلم الدولارات أولًا، ثم يصرف؟\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٨ - ٤٩) «الشرح الممتع» (٨/ ٢٨٤ - ٢٨٥) «الاختيارات» (ص ١٢٥) «المجموع» (٩/ ١٩٢)، «الأوسط» (١٠/ ١٩٦).","vol":"6","page":91},{"text":"الجواب: لا يُشترط؛ فإن كانت الدولارات موجودة باقية، فيجوز أن يأخذ ما يعادلها من الريال اليمني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2877>مسألة [٨]: هل يُشترط في الصرف حضور العينين أم يصح ولو كانا غائبين، ثم يرسلان إليها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٠٤): يَعْنِي اصْطَرَفَا فِي الذِّمَّةِ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك دِينَارًا مِصْرِيًّا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ. فَيَقُولُ الْآخَرُ: قَبِلْت. فَيَصِحُّ الْبَيْعُ، سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ عِنْدَهُمَا، أَوْ لَمْ يَكُونَا، إذَا تَقَابَضَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ، بِأَنْ يَسْتَقْرِضَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ؛ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَيْنَانِ حَاضِرَتَيْنِ. وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ حَتَّى تَظْهَرَ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ وَتُعَيَّنَ. وَعَنْ زُفَرَ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَبِيعُوا غَائِبًا مِنْهَا بِنَاجِزٍ»، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعَيَّنْ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ؛ كَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدِينٍ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.\nوَلَنَا: أَنَّهُمَا تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ؛ فَصَحَّ كَمَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ، وَالْحَدِيثُ يُرَادُ بِهِ أَنْ لَا يُبَاعَ عَاجِلٌ بِآجِلٍ، أَوْ مَقْبُوضٌ بِغَيْرِ مَقْبُوضٍ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ غَائِبًا، وَالْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ يَجْرِي مَجْرَى الْقَبْضِ حَالَةَ الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ: «عَيْنًا بِعَيْنٍ»، «يَدًا بِيَدٍ»، وَالْقَبْضُ يَجْرِي فِي الْمَجْلِسِ، كَذَا التَّعَيُّنُ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب، والله أعلم؛ لما ذكره ابن قدامة -﵀-.","vol":"6","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2878>مسألة [٩]: هل يصح أن يتصارفا في مجلس، ثم يقومان جميعًا إلى مجلس آخر ليقابضه</span>؟\nقال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٠/ ١٩٧): وقال مالك: لا خير في أن يواجبه على دراهم معه، ثم يصير معه إلى الصيارفة؛ لينقده، وكان الشافعي يقول: لا بأس أن يصطحبا من مجلسهما إلى غيره؛ ليوفيه؛ لأنهما حينئذ لم يتفرقا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: بقول الشافعي أقول؛ لأنهما لم يتفرقا؛ فهما في حكم مجلس واحد، كما لو تبايعا، وهما يمشيان في سفر، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2879>مسألة [١٠]: إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهبٌ فجاء وقضاه دراهمَ، فهل يصح</span>؟\nهذه المسألة تُعتبر مصارفة بعين وذمة حاضرين، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة عند حديث ابن عمر -﵄-: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ»، فراجع ذلك تحت حديث رقم (٧٨٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2880>مسألة [١١]: إذا كان لرجل على آخر دراهم، وللآخر عليه دنانير فاصطرفا بما في ذمتهما، فهل يجوز ذلك</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٠٦): إذَا كَانَ لِرَجُلٍ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ ذَهَبٌ، وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ، فَاصْطَرَفَا بِمَا فِي ذِمَّتِهِمَا؛ لَمْ يَصِحَّ، وَبِهَذَا قَالَ اللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ.","vol":"6","page":93},{"text":"وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ جَوَازَهُ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ الْحَاضِرَةَ كَالْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ، وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ الدَّرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ. اهـ\nثم استدل ابن قدامة على تحريم ذلك بأنَّ هذا بيعُ دين بدين، وقد أجمعوا على عدم جواز ذلك.\nقلتُ: والذي يظهر لي أن قول مالك، وأبي حنيفة، أرجح؛ لأنَّ هذه الصورة ليس فيها محظور، وبيع الدين بالدين الذي أجمعوا على تحريمه سيأتي بيان صوره في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2881>مسألة [١٢]: إذا اشترى ذهبًا أو فضةً بشيك فهل يعتبر هذا تقابضًا أم لا</span>؟\nبعض أهل العلم أجاز ذلك لحاجة الناس إلى ذلك، وهذه فتوى الإمام ابن باز مع أعضاء اللجنة، ومنع من ذلك الإمام ابن عثيمين -﵀-، فقال: لا يجوز التعامل في بيع الذهب والفضة بالشيكات، وذلك لأنَّ الشيكات ليست قبضًا، وإنما هي وثيقة حوالة فقط، بدليل أنَّ هذا الذي أخذ الشيك لو ضاع منه؛ لرجع إلى الذي أعطاه إياه، ولو كان قبضًا؛ لم يرجع.\nقلتُ: وقول الشيخ ابن عثيمين أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2882>مسألة [١٣]: الحوالات المصرفية</span>.\nصورتها: أن يأتي الإنسان إلى صاحب المصرف، ويقول: أريد تحويل ألف ريال سعودي إلى اليمن مثلًا، ولها حالتان:\n_________\n(^١) انظر: «فتاوى اللجنة» (١٣/ ٤٩١)، «فقه وفتاوى البيوع» (ص ٣٩١) جمع أشرف بن عبدالمقصود.","vol":"6","page":94},{"text":"الأولى: أن يكون الذي في اليمن يستلمها بنفس العملة؛ فإنْ أُرسلت دراهم؛ يستلمها دراهم، وإن أُرسلت دنانير؛ يستلمها دنانير، وإن أُرسلت دولارات؛ يستلمها دولارات، وهكذا.\nوهذه الصورة أجازها أهل العلم، إما على أنها حوالة بمعناها الفقهي، أو على أنها إجارة. أو على أنها شبيهة بالسُّفتجة (^١)، فبعضهم كان يأخذ من أخيه مبلغًا من المال ويكتب له ورقة إلى وكيله في بلد آخر يسلمه المبلغ إذا وصل إليه، وكانوا يعملون ذلك حذرًا من قُطَّاع الطريق، واللصوص، وهذه السُفْتَجَة غالبًا لا تحصل بعمولة، إنما يريد هذا أن يستفيد من النقود، ويريد المسافر أن يأمن على ماله، فإذا كان في الحوالة يستلم نفس العملة فهي أشبه بمسألة السُفْتَجَة المعروفة عند الفقهاء.\nقلتُ: وقد أجاز مسألة السفتجة الورقة شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٥٥ - ٤٥٦)، وابن القيم -﵀- كما في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٩١)، و«تهذيب السنن» (٥/ ١٥٢ - ١٥٣).\nالثانية: أن يكون الذي في اليمن يستلمها بغير العملة التي دفعها المحول، كأن يحول المحول دولارات ويستلمها المستلم ريالات يمنية، وعليه فَقِسْ.\nفهنا يأتي شيءٌ من الإشكال؛ لأنه إذا استلم غير العملة يكون قد جمع بين الحوالة وبين الصرف، ومن شرط الصرف حصول التقابض في المجلس.\n_________\n(^١) كلمة فارسية بمعنى: ورقة.","vol":"6","page":95},{"text":"قال ابن المنذر -﵀-: وقال مالك، والأوزاعي، والشافعي: لا يجوز حوالة في صرف.\nوقد أفتى شيخنا الوادعي، والشيخ ابن عثيمين بالمنع من ذلك، ونُقِل عن جماعة غيرهم الجواز، منهم: الشيخ ابن باز؛ لأن قبضه للشيك -الورقة التي فيها الضمان- من الصارف يُعتبر عندهم قبضًا.\nوالصحيح هو المنع من ذلك، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «فتاوى اللجنة» (١٣/ ٤٤٨)، «الأوسط» (١٠/ ١٩٧).","vol":"6","page":96},{"text":"٨٢٥ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الحَيَوَانِ بِالحَيَوَانِ نَسِيئَةً. رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الجَارُودِ. (^١)\n\n٨٢٦ - (^٢) وَعَنْ عبدالله بن عمرو -﵄-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا، فَنَفِدَتِ الإِبِلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ، قَالَ: فَكُنْت آخُذُ البَعِيرَ بِالبَعِيرَيْنِ إلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ. رَوَاهُ الحَاكِمُ وَالبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ١٢، ١٩، ٢٢)، وأبوداود (٣٣٥٦)، والنسائي (٧/ ٢٩٢)، والترمذي (١٢٣٧)، وابن ماجه (٢٢٧٠)، وابن الجارود (٦١١) من طرق عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب به. وإسناده ضعيف؛ لأن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة. وله شاهد من حديث جابر عند الترمذي (١٢٣٨)، وابن ماجه (٢٢٧١)، بلفظ: «الحيوان اثنان بواحد، لا يصلح نسيئًا، ولا بأس به يدًا بيد»، وهو من طريق حجاج بن أرطاة عن أبي الزبير عن جابر. وحجاج مدلس فيه ضعف، وأبوالزبير مدلس، وكلاهما لم يصرح بالتحديث. وله شاهد من حديث جابر بن سمرة، بلفظ حديث سمرة بن جندب، أخرجه عبدالله بن أحمد كما في «المسند» (٥/ ٩٩) وفي إسناده حفص بن سليمان أبوعمر المقرئ، وهو متروك في الحديث. وله شاهد من حديث ابن عباس: أخرجه ابن حبان (٥٠٢٨)، والطحاوي (٤/ ٦٠) من طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس. وإسناده ظاهره الصحة إلا أنه قد اختلف فيه على معمر، والصواب أنه من مراسيل عكرمة، رجح ذلك البخاري كما في «العلل الكبير» للترمذي (١/ ٤٨٩) وأبوحاتم كما في «العلل» لابنه (١/ ٣٨٥) والبيهقي كما في «السنن الكبرى» (٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩). وله شاهد من حديث ابن عمر: أخرجه الطحاوي (٤/ ٦٠) من طريق محمد بن دينار الطاحي عن يونس بن عبيد عن زياد بن جبير عن ابن عمر مرفوعًا به. ومحمد بن دينار، الراجح ضعفه، وصوب البخاري أنه من مراسيل زياد بن جبير كما في «العلل الكبير» للترمذي (١/ ٤٩٠). ونقل المعلق عن أحمد أنه رجح إرساله أيضًا.\n(^٢) الحديث تأخر في النسخة [أ] إلى عَقِب حديث عبدالله بن عمرو -﵄-: «لعن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الراشي والمرتشي».\n(^٣) حسن. أخرجه الحاكم (٢/ ٥٦ - ٥٧)، والبيهقي (٥/ ٢٨٧)، وأخرجه أيضًا أحمد (٢/ ١٧١، ٢١٦)، وأبوداود (٣٣٥٧)، وفي إسناده جهالة واضطراب، لكن له إسناد آخر عند الدارقطني (٣/ ٦٩)، والبيهقي (٥/ ٢٨٧ - ٢٨٨) من طريقه، عن أبي بكر النيسابوري، نا يونس بن عبدالأعلى، نا ابن وهب، أخبرني ابن جريج أن عمرو بن شعيب أخبره عن أبيه عن جده بنحوه. وإسناده حسن، وقد حسن الحديث الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (١٣٥٨).","vol":"6","page":97},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2883>مسألة [١]: التفاضل والنسيئة في غير الأجناس الربوية</span>.\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: يجوز التفاضل والنسيئة سواء بيع بجنسه، أو بغيره، متساويًا أو متفاضلًا، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث عبد الله بن عمرو الذي في الباب، وبحديث جابر في «صحيح مسلم» (١٦٠٢): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اشترى عبدًا بعبدين. وبحديث أنس في «صحيح مسلم» (١٣٦٥) (٨٧): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اشترى صفية من دحية بسبعة أرؤس. وثبت عن ابن عمر -﵄-، كما في موطأ مالك (٢/ ٥٠٥)، و«الأوسط» لابن المنذر (١٠/ ١٣٣)، أنه اشترى راحلة بأربعة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة.\nالثاني: يجوز التفاضل مطلقًا، ولا يجوز النسيئة فيما بيع بجنسه، كالحيوان بالحيوان، والثياب بالثياب، وهذا مذهب أبي حنيفة، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث سمرة -﵁- الذي في الباب، وهو قول مالك.\nالثالث: لا يحرم النساء إلا فيما بيع بجنسه مع التفاضل، وهو رواية عن أحمد، ودليله حديث جابر الذي تقدم تخريجه تحت حديث سمرة.","vol":"6","page":98},{"text":"الرابع: يحرم النَّسَاء في كل مالٍ بيع بمال آخر، سواء كان من جنسه، أو من غير جنسه، وهي رواية عن أحمد.\nلكن قال ابن قدامة: وهذه الرواية ضعيفةٌ جدًّا؛ لأنه حكم يخالف الأصل بغير نص، ولا إجماع، ولا قياس صحيح. قال: وأصح الروايات هي الأولى؛ لموافقتها الأصل، والأحاديث المخالفة لها. قال أبو عبد الله: ليس فيها حديث يعتمد عليه، ويعجبني أن يتوقاه. وذكر له حديث ابن عباس، وابن عمر -﵃- في هذا، فقال: هما مرسلان، وحديث سمرة يرويه الحسن عن سمرة، قال الأثرم: قال أبو عبد الله: لا يصح سماع الحسن من سمرة. اهـ\nوقد أُجيب عن حديث سمرة مع التسليم بصحته بأنَّ المراد به النسيئة من الطرفين؛ لأنَّ اللفظ يحتمل ذلك، والنسيئة من الطرفين لا تجوز؛ لأنه يعتبر من بيع الكالئ بالكالئ، وهو لا يصح عند الجميع.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: القول الأول هو الصواب في المسألة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2884>مسألة [٢]: حكم بيع اللحم بالحيوان</span>.\n• أخرج مالك في «الموطأ» (٢/ ٦٥٥) بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله - ﷺ - «نهى عن بيع اللحم بالحيوان». وهذا إسنادٌ ضعيفٌ مرسلٌ.\nوبإسناد صحيح عنه أيضًا قال: من ميسر أهل الجاهلية بيع الحيوان باللحم\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٦٤ - ٦٦) «النيل» (٢٢٦٠) «بداية المجتهد» (٣/ ١٨٦).","vol":"6","page":99},{"text":"بالشاة والشاتين.\nوأخرج الشافعي كما في «المسند» (٢/ ١٤٥)، عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة، قال: قدمت المدينة؛ فوجدت جزورًا قد جزئت أجزاء، كل جزء منها بعناق، فأردت أن أبتاع منها جزءًا، فقال لي رجل من أهل المدينة: إن رسول الله - ﷺ - «نهى أن يباع حي بميت»، قال: فسألت عن ذلك الرجل، فأخبرت عنه خيرا.\nوهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لأن مسلم بن خالد فيه ضعف، ولأن القاسم بن أبي بزة يرويه عن رجل مبهم مجهول، ولا يعلم ممن سمعه.\nوأخرج الشافعي كما في «المسند» (٢/ ١٤٥) عن ابن عباس أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر الصديق، فجاء رجل بعناق، فقال: أعطوني جزءًا بهذا العناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا. وهذا إسناده واهٍ؛ في إسناده إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروك، وقد كذب.\nقال الإمام البغوي -﵀- كما في «شرح السنة» (٨/ ٧٧): وكان القاسم بن محمد، وابن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، يحرمون بيع اللحم بالحيوان عاجلا وآجلا. وقال أبو الزناد: كل من أدركته من الناس ينهون عن بيع اللحم بالحيوان. وهذا قول الشافعي، سواء كان اللحم من جنس ذاك الحيوان، أو من غير جنسه، وسواء كان الحيوان مما يؤكل لحمه أو لا يؤكل.","vol":"6","page":100},{"text":"• وذهب جماعة إلى إباحة بيع اللحم بالحيوان، واختار المزني جوازه إذا لم يثبت الحديث، وكان فيه قول متقدم، ممن يكون بقوله اختلاف، لأن الحيوان ليس بمال الربا، بدليل أنه يجوز بيع حيوان بحيوانين، فبيع اللحم بالحيوان بيع مال الربا بما لا ربا فيه، فيجوز ذلك في القياس إلا أن يثبت الحديث، فنأخذ به، وندع القياس. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وقول الشافعي هو قول مالك، وأحمد أيضًا، إلا أن مالكًا -﵀- لا يرى التحريم إلا فيما إذا بيع الحيوان بلحم من جنسه؛ تشبيهًا له بالمزابنة، ولما فيه من الغرر عنده. وأحمد عنه قولان: المنع إذا بيع بجنسه، والمنع مطلقًا، والأول الأشهر عنه.\nوما اختاره المزني -﵀- هو الصحيح في المسألة؛ إذ لم يثبت الحديث الوارد في التحريم، وللمعنى الذي ذكره المزني؛ فقد جاز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة؛ فدل على أن الحيوان ليس مما يجري فيه الربا؛ فجاز بيعه باللحم نسيئة، ويدًا بيد.\nوهذا القول قال به الإمام الثوري، وهو قول أبي حنيفة، والظاهرية.\nوقد اختلف القائلون بالتحريم في تمييز اللحم الذي يمنع بيعه على جهة التفاضل والنسيئة على أقوال كثيرة.\nقال الإمام ابن القيم -﵀- في كتابه «أعلام الموقعين» (٢/ ١١٢): والصواب في هذا الحديث - إن ثبت - أن المراد به إذا كان الحيوان مقصودا للحم كشاة","vol":"6","page":101},{"text":"يقصد لحمها فتباع بلحم؛ فيكون قد باع لحما بلحم أكثر منه من جنس واحد، واللحم قوت موزون فيدخله ربا الفضل. وأما إذا كان الحيوان غير مقصود به اللحم كما إذا كان غير مأكول أو مأكولا لا يقصد لحمه كالفرس تباع بلحم إبل فهذا لا يحرم بيعه به، بقي إذا كان الحيوان مأكولا لا يقصد لحمه وهو من غير جنس اللحم فهذا يشبه المزابنة بين الجنسين كبيع صبرة تمر بصبرة زبيب، وأكثر الفقهاء لا يمنعون من ذلك، إذ غايته التفاضل بين الجنسين، والتفاضل المتحقق جائز بينهما فكيف بالمظنون؟ وأحمد في إحدى الروايتين عنه يمنع ذلك، لا لأجل التفاضل، ولكن لأجل المزابنة وشبه القمار، وعلى هذا فيمتنع بيع اللحم بحيوان من غير جنسه، والله أعلم. اهـ\nقلتُ: الحديث لم يثبت؛ فلا تحريم في ذلك، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٩/ ١٧٩) «المحلى لابن حزم» (١٥٠٧) «شرح السنة للبغوي» (٨/ ٧٧) «سنن البيهقي» (٥/ ٢٩٦)، «أعلام الموقعين» (٢/ ١١١ - ١١٢).","vol":"6","page":102},{"text":"٨٢٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُمْ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْهُ، وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلِأَحْمَدَ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ القَطَّانِ. (^١)\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٣٤٦٢)، من طريق إسحاق بن أسيد الخراساني عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر به. وإسناده ضعيف؛ لضعف إسحاق، وعطاء الخراساني له أوهام. وأخرجه أحمد (٤٨٢٥)، من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر به. وهذا إسناد صحيح، وقد أعل بعدم سماع عطاء من ابن عمر، والصحيح أنه قد سمع منه، أثبت ذلك البخاري في «تاريخه» وابن المديني كما في الجزء الموجود من «علله».\nوللحديث طريق ثالثة عند أحمد (٥٠٠٧)، من طريق شهر بن حوشب عن ابن عمر. وشهر فيه ضعف، والحديث صحيح، وقد صححه الإمام الألباني في «الصحيحة» رقم (١١).","vol":"6","page":103},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2885>مسألة [١]: بيع العينة</span>.\nصورتها المشهورة عند أهل العلم: أن يبيع السلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها بأقل مما باعها بثمنٍ حاضر ونقدٍ.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٢٦٠): مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا؛ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ، وَرَبِيعَةُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنٌ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ بَائِعِهَا، فَجَازَ مِنْ بَائِعِهَا، كَمَا لَوْ بَاعَهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا. وَلَنَا مَا رَوَى غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ امْرَأَتِهِ الْعَالِيَةِ بِنْتِ أَيْفَعَ بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلْت أَنَا وَأُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَامْرَأَتُهُ عَلَى عَائِشَةَ -﵂-، فَقَالَتْ أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: إنِّي بِعْت غُلَامًا مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى الْعَطَاءِ، ثُمَّ اشْتَرَيْته مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ. فَقَالَتْ لَهَا: بِئْسَ مَا شَرَيْت، وَبِئْسَ مَا اشْتَرَيْت أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - إلَّا أَنْ يَتُوبَ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.\nوَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَقُولُ مِثْلَ هَذَا التَّغْلِيظِ وَتُقْدِمُ عَلَيْهِ، إلَّا بِتَوْقِيفٍ سَمِعَتْهُ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَجَرَى مَجْرَى رِوَايَتِهَا ذَلِكَ عَنْهُ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى الرِّبَا؛ فَإِنَّهُ يُدْخِلُ السِّلْعَةَ، لِيَسْتَبِيحَ بَيْعَ أَلْفٍ بِخَمْسِمِائَةٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ قَالَ: أَرَى مِائَةً بِخَمْسِينَ بَيْنَهُمَا حَرِيرَةٌ. يَعْنِي خِرْقَةَ حَرِيرٍ جَعَلَاهَا فِي بَيْعِهِمَا، وَالذَّرَائِعُ مُعْتَبَرَةٌ لِمَا قَدَّمْنَاه. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أثر ابن عباس -﵄- صحيح، أخرجه وكيع كما في «الجوهر النقي» للتركماني (٥/ ٣٣١)، وعبد الرزاق (٨/ ١٨٧)، من طريقين عن سليمان التيمي عن حيان بن عمير القيسي عن ابن عباس بمعناه، وهذا إسناد صحيح.\nوأما أثر عائشة مع زيد بن أرقم، فأخرجه عبد الرزاق (٨/ ١٨٤ - ١٨٥)، والبيهقي (٥/ ٣٣١)، وفي إسناده: العالية بنت أيفع، وهي مجهولة الحال؛ ولكن لا بأس بقبول ما روته ههنا.\nقال ابن القيم -﵀- كما في «تهذيب السنن» (٥/ ١٠٥)، وأما العالية فهي امرأة","vol":"6","page":104},{"text":"أبي إسحاق السبيعي، وهي من التابعيات، وقد دخلت على عائشة، وروى عنها أبو إسحاق، وهو أعلم بها، وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ، وأنَّ العالية لم تختلق هذه القصة، ولم تضعها، بل يغلب على الظن غلبةً قوية صدقها فيها وحفظها لها، ولهذا روى عنها زوجها، ولم يتهمها، والكذب لم يكن فاشيًا في التابعين. انتهى المراد. (^١)\nوقد استدل الشافعي بفعل زيد بن أرقم على الجواز، وحمل النهي من عائشة أنها نهته عن ذلك؛ لأنه بيعٌ إلى العطاء، وهو أجل غير معلوم.\nوهذا المحمل غير صواب؛ لأنَّ في الأثر عند عبد الرزاق، والبيهقي: فقالت المرأة لعائشة: أرأيت إن أخذت رأس مالي، ورددت عليه الفضل؟ قال: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٥]، أو قالت: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩].\nوقد قال بقول الشافعي أبو ثور، والظاهرية، ومنهم من ضعَّف حديث ابن عمر الذي في الباب، ومنهم من قال: هو محمول -أي: الوعيد- على مجموع الأمور كلها المذكورة في الحديث.\nوقد جاء عن ابن عمر -﵄- كما في «سنن البيهقي» (٥/ ٣٣١)، و«مصنف عبد الرزاق» (٨/ ١٨٧) أنه سئل عن ذلك فلم ير به بأسًا، وقال: لعله لو باعه من غيره باعه بذلك الثمن. ولكن في إسناده: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيفٌ.\n_________\n(^١) وانظر: «أعلام الموقعين» (٣/ ١٧٩).","vol":"6","page":105},{"text":"وقد رجَّح القول الأول شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن باز، وابن عثيمين، والوادعي وغيرهم رحمة الله عليهم أجمعين، وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2886>مسألة [٢]: إن اشترى السلعة ثم باعها منه بنفس الثمن، أو أكثر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٢٦١): فَأَمَّا بَيْعُهَا بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَرِيعَةً يعني إلى الربا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2887>مسألة [٣]: إذا تغيرت السلعة، فهل له بيعها من البائع بأقل من ثمنها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٢٦١): فَإِنْ نَقَصَتْ السِّلْعَةُ، مِثْلُ: أَنْ هَزَلَ الْعَبْدُ، أَوْ نَسِيَ صِنَاعَةً، أَوْ تَخَرَّقَ الثَّوْبُ، أَوْ بَليَ؛ جَازَ لَهُ شِرَاؤُهَا بِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ نَقْصَ الثَّمَنِ لِنَقْصِ الْمَبِيعِ لَا لِلتَّوَسُّلِ إلَى الرِّبَا، وَإِنْ نَقَصَ سِعْرُهَا، أَوْ زَادَ لِذَلِكَ، أَوْ لِمَعْنًى حَدَثَ فِيهَا؛ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِحَالِهَا، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2888>مسألة [٤]: إن باعها بعرض ثم اشتراها بنقد، أو العكس</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٢٦١ - ٢٦٢): وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِعَرْضٍ، أَوْ كَانَ بَيْعُهَا الْأَوَّلُ بِعَرْضٍ، فَاشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ؛ جَازَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا كَانَ لِشُبْهَةِ الرِّبَا، وَلَا رِبَا بَيْنَ الْأَثْمَانِ وَالْعُرُوضِ، فَأَمَّا إنْ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٢٦٠ -) «تهذيب السنن» (٥/ ٩٩ -) «أعلام الموقعين» (٣/ ١٧٧ -) «سنن البيهقي» (٥/ ٣٣١) «مصنف عبد الرزاق» (٨/ ١٨٤ -) «مصنف ابن أبي شيبة» (٧/ ١٧١ -) «نيل الأوطار» (٢٢٦٦) «المحلى» (١٥٥٩).","vol":"6","page":106},{"text":"بَاعَهَا بِنَقْدٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ آخَرَ، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَهَا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ لَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا، فَجَازَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا بِعَرْضٍ، أَوْ بِمِثْلِ الثَّمَنِ.\nوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُمَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي مَعْنَى الثَّمَنِيَّةِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إلَى الرِّبَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهَا بِجِنْسِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الحنابلة، إلا أن تتخذ السلعة حيلة على الربا كما لو باعه السلعة بعشرة دنانير مؤجلة، ثم باعها له بخمسين درهمًا، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2889>مسألة [٥]: لو اشتراها البائع من غير المشتري بعد أن باعها المشتري لشخص آخر</span>؟\nفي هذه المسألة لا توجد العلة التي من أجلها حُرِّمَ البيعُ المتقدم.\nولكن إن كان هنالك احتيال على ذلك فلا يجوز، وإلا فلا بأس في ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2890>مسألة [٦]: إذا وكَّل البائع من يشتريها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٢٦٣): وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ؛ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِوَكِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ، سَوَاءٌ كَانَ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ، أَوْ غَيْرَهُمَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْبَائِعِ وَيَشْتَرِي لِنَفْسِهِ فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٧٤) (٢٩/ ٥٠٠).","vol":"6","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2891>مسألة [٧]: هل يدخل في العينة أن يبيع السلعة نقدًا، ثم يشتريها بأكثر منه نسيئة</span>؟\nقال ابن القيم -﵀- في «تهذيب السنن» (٥/ ١٠٥ -): نصَّ أحمد في رواية حرب على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة؛ لأن هذا يتخذ وسيلة إلى الربا، فهو كمسألة العينة سواء، وهي عكسها صورة، وفي الصورتين قد ترتب في ذمته دراهم مؤجلة بأقل منها نقدًا، لكن في إحدى الصورتين: البائع هو الذي اشتغلت ذمته، وفي الصورة الأخرى: المشتري هو الذي اشتغلت ذمته؛ فلا فرق بينهما. وقال بعض أصحابنا -الحنابلة-: يحتمل أن تجوز هذه الصورة إذا لم يكن ذلك حيلة، ولا مواطأة، بل وقع اتفاقًا، وَفَرَّقَ بينها وبين الصورة الأولى بفرقين: أحدهما: أنَّ النص ورد فيها، فيبقى ما عداها على أصل الجواز. الثاني: أن التوسل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه. والفرقان ضعيفان، أما الأول: فليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تتقيد به نصوص مطلقة على تحريم العينة، والعينة فعلة من العين: النقد. قال الجوزجاني: أنا أظن أنَّ العينة إنما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من الذهب والورق، فيشتري السلعة ويبيعها بالعين الذي احتاج إليها، وليست به إلى السلعة حاجة. وأما الفرق الثاني: فكذلك؛ لأنَّ المعتبر في هذا الباب هو الذريعة، ولو اعتبر فيه الفرق من الاتفاق والقصد؛ لزم طرد ذلك في الصورة الأولى، وأنتم لا تعتبرونه. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٢٦٣).","vol":"6","page":108},{"text":"فائدة: جاء عن أحمد -﵀- أنه قال: العينة أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة؛ فإنْ باعه بنقد ونسيئة فلا بأس به. اهـ\nوقال أيضًا: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة، لا يبيع بنقد.\nقال ابن عقيل الحنبلي: إنما كره ذلك لمضارعته الربا؛ فإنَّ البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبًا.\nوعلل شيخ الإسلام بأنه يدخل في بيع المضطر؛ فإنَّ غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد عليه، فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة؛ كان ربحه على أهل الضرورة والحاجة، وإذا باع بنقد ونسيئة؛ كان تاجرًا من التجار. (^١)\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إدخال هذه الصورة في بيع العينة فيه نظر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2892>مسألة [٨]: التَّورُّق</span>.\nالتورق هو أن يشتري من البائع إلى أجل، ثم يبيعها من رجل آخر نقدًا، وسميت تورقًا؛ لأنَّ المقصود منها الوَرِق الدراهم.\n• وهذه الصورة رخَّص فيها إياس بن معاوية، وهو قول الشافعية، والظاهرية، وأحمد في رواية وغيرهم، وذلك لأنَّ ذريعة الربا منتفية في هذه الصورة.\n• وذهب إلى المنع عمر بن عبد العزيز، وأحمد في رواية، وقوَّاه شيخ الإسلام. وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- الجواز بشرط الحاجة، وعدم\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٦٢) «تهذيب السنن» (٥/ ١٠٩).","vol":"6","page":109},{"text":"وجود من يقرضه.\nقلتُ: والذي يظهر لي هو الجواز بغير الشرط المذكور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2893>مسألة [٩]: هل يبطل بيع العينة</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٠): هذا مع التواطؤ يبطل البيعين؛ لأنهما حيلة ثم استدل بحديث ابن عمر الذي في الباب وإن لم يتواطآ؛ فإنهما يبطلان البيع الثاني سدًّا للذريعة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2894>مسألة [١٠]: من باع طعامًا إلى أجلٍ، فلما حل الأجل أخذ منه بالثمن الذي في ذمته طعامًا قبل قبض الثمن</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالأول: عدم الجواز، وهو قول سعيد بن المسيب، وطاوس، ومالك، وأحمد، وإسحاق، ووجهُ ذلك أنه ذريعة إلى بيع الطعام بالطعام نسيئة، فحرم كمسألة العينة، فعلى هذا كل شيئين حرم النَّسَاء فيهما لا يجوز أن يؤخذ أحدهما عوضًا عن الآخر قبل القبض لثمنه إذا كان البيع نساءً. ورُوي هذا القول عن ابن عباس، وابن عمر -﵃-. (^٢)\nالثاني: الجواز إذا لم يكن عن حيلة، وهو قول أبي الشعثاء، وسعيد بن جبير،\n_________\n(^١) انظر: «تهذيب السنن» (٥/ ١٠٨) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٠، ٤٣١) «المحلى» (١٥٥٩) «سنن البيهقي» (٥/ ٣٣١).\n(^٢) أثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٩٩) بإسناد صحيح، ولم أجد أثر ابن عمر -﵁-.","vol":"6","page":110},{"text":"وزين العابدين، والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٢٦٣ - ٢٦٤): وَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي جَوَازُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ حِيلَةً وَلَا قَصَدَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اشْتَرَى الطَّعَامَ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي فِي الذِّمَّةِ بَعْدَ انْبِرَامِ الْعَقْدِ أَوَّلَ لُزُومِهِ؛ فَصَحَّ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ الْأُوَلُ حَيَوَانًا، أَوْ ثِيَابًا. اهـ المراد\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر لي الجواز على ما ذكره ابن قدامة -﵀-، ومن احتاط لنفسه فامتنع من ذلك كما أفتى بذلك ابن عباس -﵄- فجيد فقد صار فيها شبهٌ ببيع العينة، وبالله التوفيق. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (١٠/ ٣٦٤).","vol":"6","page":111},{"text":"٨٢٨ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمعنى الحديث:\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (٣/ ٨١ - ٨٢): فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْهَدِيَّةِ فِي مُقَابَلَةِ الشَّفَاعَةِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءُ كَانَ قَاصِدًا لِذَلِكَ عِنْدَ الشَّفَاعَةِ، أَوْ غَيْرَ قَاصِدٍ لَهَا، وَتَسْمِيَتُهُ رِبًا مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ؛ لِلشَّبَهِ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرِّبَا هُوَ الزِّيَادَةُ فِي الْمَالِ مِنْ الْغَيْرِ، لَا فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ، وَهَذَا مِثْلُهُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إذَا كَانَتْ الشَّفَاعَةُ فِي وَاجِبٍ كَالشَّفَاعَةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ فِي إنْقَاذِ الْمَظْلُومِ مِنْ يَدِ الظَّالِمِ، أَوْ كَانَتْ فِي مَحْظُورٍ كَالشَّفَاعَةِ عِنْدَهُ فِي تَوْلِيَةِ ظَالِمٍ عَلَى الرَّعِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا فِي الْأُولَى وَاجِبَةٌ؛ فَأَخْذُ الْهَدِيَّةِ فِي مُقَابِلِهَا مُحَرَّمٌ، وَالثَّانِيَةُ مَحْظُورَةٌ؛ فَقَبْضُهَا فِي مُقَابِلِهَا مَحْظُورٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الشَّفَاعَةُ فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ فَلَعَلَّهُ جَائِزٌ أَخْذُ الْهَدِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مُكَافَأَةٌ عَلَى إحْسَانٍ غَيْرِ وَاجِبٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا تَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ شَيْءٌ يَسِيرٌ لَا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ مُكَافَأَةٌ. اهـ\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٢٦١)، وأبوداود (٣٥٤١)، وفي إسناد أحمد ابن لهيعة، ولكن تابعه عمر ابن مالك الشرعبي عند أبي داود وهو حسن الحديث، وفي إسناد الحديث القاسم بن عبدالرحمن الراوي عن أبي أمامة مختلف فيه، والراجح تحسين حديثه. وقد حسن الحديث الإمام الألباني -﵀- في «صحيح أبي داود».","vol":"6","page":112},{"text":"قلتُ: أقوى الاحتمالات عندي -والله أعلم- أنها الهدية في مقابل شفاعة في محرم، وكأنَّ الحافظ أشار إلى ذلك بإيراده الحديث الذي بعده، والله أعلم.\nثم رأيت الشوكاني -﵀- قد اختار القول الذي ذكرته كما في «نيل الأوطار» (١٥/ ٤٤٠)، فللهِ الحمد.","vol":"6","page":113},{"text":"٨٢٩ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو -﵄-، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الرَّاشِي وَالمُرْتَشِي. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (٣/ ٨٢ - ٨٣): وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي أَبْوَابِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ أَفَادَ لَعْنَ مَنْ ذَكَرَ لِأَجْلِ أَخْذِ الْمَالِ الَّذِي يُشْبِهُ الرِّبَا، كَذَلِكَ أَخْذُ الرِّبَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَعْنُ آخِذِهِ أَوَّلَ الْبَابِ، وَحَقِيقَةُ اللَّعْنِ الْبَعْدُ عَنْ مَظَانِّ الرَّحْمَةِ وَمَوَاطِنِهَا. اهـ\nقلتُ: ويحتمل أن يكون أورده للسبب المذكور في شرح الحديث السابق.\nقال الصنعاني -﵀-: وَالرَّاشِي هُوَ الَّذِي يَبْذُلُ الْمَالَ لِيَتَوَصَّلَ إلَى الْبَاطِلِ، مَأْخُوذٌ مِنْ الرِّشَاءِ، وَهُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْمَاءِ فِي الْبِئْرِ، فَعَلَى هَذَا بَذْلُ الْمَالِ لِلتَّوَصُّلِ إلَى الْحَقِّ لَا يَكُونُ رِشْوَةً، وَالْمُرْتَشِي آخِذُ الرِّشْوَةِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ، وَاسْتَحَقَّا اللَّعْنَةَ جَمِيعًا؛ لِتَوَصُّلِ الرَّاشِي بِمَالِهِ إلَى الْبَاطِلِ، وَالْمُرْتَشِي لِلْحُكْمِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. اهـ\nوقد نصَّ جماعةٌ من أهل العلم على ما قاله الصنعاني من أنَّ دفع المال من أجل أن يأخذ حقه، أو يدفع عن نفسه الباطل؛ لا يكون محرمًا في حق المعطي، وممن نصَّ على ذلك عطاء، وجابر بن زيد، والحسن، وأيده ابن قدامة، ونقله الشوكاني\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (٣٥٨٠)، والترمذي (١٣٣٧)، وإسناده حسن.","vol":"6","page":114},{"text":"عن بعض أصحاب الشافعي، وهو قول المغربي في «البدر التمام»، وهو اختيار شيخنا الإمام الوادعي -﵀-.\nثم وجدتُ شيخَ الإسلام يقول كما في «الاختيارات» (ص ١٨٤): ويجوز للمهدي أن يبذل في ذلك ما يتوصل به إلى أخذ حقه أو دفع الظلم عنه، وهو المنقول عن السلف والأئمة الأكابر. اهـ\nوظاهر كلام الشوكاني في «النيل» أنه يمنع الإعطاء مطلقًا، والقول الأول أرجح. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٦٠) «نيل الأوطار» (٥/ ٥٤٥) «سبل السلام» و«البدر التمام» عند حديث الباب، «المحلى» (١٦٣٨) (١٦٣٩).","vol":"6","page":115},{"text":"٨٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ المُزَابَنَةِ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٨٣١ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ عَنِ اشْتِرَاءِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَالَ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟» قَالُوا: نَعَمْ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ المَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nالمزابنة: تقدم تفسيرها في باب البيوع المنهي عنها.\nقال الحافظ -﵀-: وَفِي طَرِيقِ نَافِع تَفْسِير الْمُزَابَنَة وهي طريق رواية الباب وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا مِنْ الْمَرْفُوعِ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد فِي الْبَابِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ جَابِر كَذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنه مَرْفُوعًا رِوَايَة سَالِم، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهَا لِذِكْر الْمُزَابَنَة، وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ مِنْ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ فَهُمْ أَعْرَفُ بِتَفْسِيرِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: لَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي أَنَّ مِثْلَ هَذَا مُزَابَنَة،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٠٥)، ومسلم (١٥٤٢) (٧٦).\n(^٢) صحيح. أخرجه أحمد (١/ ١٧٥)، وأبوداود (٣٣٥٩)، والنسائي (٧/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، والترمذي (١٢٢٥)، وابن ماجه (٢٢٦٤)، وابن حبان (٥٠٠٣)، والحاكم (٢/ ٣٨)، كلهم من طريق: مالك ابن أنس، حدثني عبدالله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي عياش، عن سعد به، وهذا إسناد صحيح، وأبو عياش هو: زيد بن عياش المدني، وثقه الدارقطني، وغيره.","vol":"6","page":116},{"text":"وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا: هَلْ يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ كُلّ مَا لَا يَجُوزُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ كَيْل بِجُزَاف، وَلَا جُزَاف بِجُزَاف؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْإِلْحَاقِ. وَقِيلَ: يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالنَّخْلِ، وَالْكَرْمِ. اهـ «الفتح» (٢١٨٣).\nقلتُ: مراد الحافظ بحديث أبي سعيد هو ما أخرجه البخاري (٢١٨٦) أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى عن المزابنة، والمحاقلة، والمزابنة: اشتراء الثمر بالتمر على رؤوس النخل.\nومراده بحديث جابر في «مسلم» هو ما أخرجه برقم (١٥٣٦) (٨٣) أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى عن المزابنة، والمخابرة، ثم فسَّرها وقال: والمزابنة أن يُباع النخل بأوساق من التمر. قال زيد بن أبي أنيسة لعطاء: أسمعت جابر بن عبدالله يذكر هذا عن رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم.\nورواية سالم أراد بها ما أخرجه البخاري برقم (٢١٨٣) بلفظ: «لا تبيعوا الثمر بالتمر».\nإذا تبين ما تقدم: فجمهور العلماء على أنَّ علة التحريم في المزابنة هو الجهل بالتماثل، ويشترط في هذه المبيعات أن تكون مثلًا بمثل، ويؤيده حديث سعد بن أبي وقاص: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟».\nوقال مالك -﵀-: المزابنة كل شيء من الجزاف لا يعلم كيله، ولا وزنه، ولا عدده إذا بيع بشيء مسمى من الكيل وغيره، سواء كان من جنس يجري الربا في نقده أم لا؟ وسبب النهي عنه ما يدخله من القمار والغرر.","vol":"6","page":117},{"text":"قلتُ: وأيد بعضهم قول مالك بأنَّ العنب ليس من الأصناف الربوية، ولكن عكس بعضهم الاستدلال، فقالوا: حديث ابن عمر -﵄- يدل على أنَّ العنب، والزبيب من الأصناف الربوية. والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2895>مسألة [١]: بيع الرطب باليابس، كالرطب بالتمر، والحب الرطب بالحب اليابس</span>.\n• عامة أهل العلم على النهي عن ذلك وعدم جوازه، وبه قال سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، والليث، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، واستدلوا بحديثي الباب.\n• وخالف أبو حنيفة، فقال: يجوز ذلك؛ لأنه لا يخلو أن يكون من جنسه، فيجوز متماثلًا، ولا يضر تفاضله فيما بعد؛ لأنَّ العبرة بالتساوي عند البيع، أو لا يكون من جنسه؛ فيجوز ولو متفاضلًا.\nوأُجيب: بأنه من جنسه، وأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يعتبر التماثل بالكيل وأحدها رطب كما في حديث سعد بن أبي وقاص وكلامه مخالف للأحاديث فلا تعويل عليه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2896>مسألة [٢]: بيع الرَّطب بمثله رطبًا من الأصناف الربوية</span>.\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز ذلك؛ لأنه وإن تفاوتت الرطوبة شيئًا مَّا؛ فإنها يسيرة.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢١٨٣ -) «المغني» (٦/ ٦٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٦٧) «الفتح» (٢١٨٣) «تكملة المجموع» (١٠/ ٤١٩ -) (١٠/ ٤٥٦).","vol":"6","page":118},{"text":"• ومنع الشافعي، وأبو حفص العكبري من الحنابلة فيما إذا كان مما ييبس، وأما مالا ييبس كالخيار فعلى قولين.\nوالظاهر هو الجواز مطلقًا كما قال الجمهور، لكن بشرط أن تكون الرطوبة متماثلة، أو متقاربة، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٦٨) «الفتح» (٢٢٠٥).","vol":"6","page":119},{"text":"٨٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَالِئِ بِالكَالِئِ، يَعْنِي الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ. رَوَاهُ إِسْحَاقُ وَالبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2897>مسألة [١]: بيع الدين بالدين</span>.\nنقل الإمام أحمد، وابن المنذر الإجماع على عدم جواز بيع الدين بالدين، والكالئ بالكالئ، يعني المؤخر بالمؤخر، بمعنى نسيئة بنسيئة.\nويدخل في هذا الباب صورٌ، منها:\n١) السَّلم إن لم يقدم المال في مجلس العقد، بل جعله مؤخرًا في ذمته.\n٢) ما ذكره في «النهاية»: أن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل لم يجد ما يقضي به، فيقول بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء، فيبيعه ولا يجري بينهما تقابض.\n٣) أن تطلب دينك من رجل، فيقول المدين: ليس عندي مال. فتأتي آخر فتقول: اشترِ مني الدين الذي عند فلان بدين عليك.\n٤) أن يعقد بيعًا على شيء غائب غير مملوك مع عدم تسليم المال. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (١٢٨٠) وأخرجه أيضًا البيهقي (٥/ ٢٩٠ - ٢٩١)، من طريق موسى بن عبيدة الربذي عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر به. وإسناده شديد الضعف؛ لأن موسى الربذي شديد الضعف، وقد وقع عند الحاكم والدارقطني (موسى ابن عقبة) وهو خطأ، وقد نبه على ذلك البيهقي في المصدر السابق. وانظر «البدر المنير» (٦/ ٥٦٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ١٠٦)، «سبل السلام» (٣/ ٨٦).","vol":"6","page":120},{"text":"قال ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٨٨ - ٣٨٩): وأما الحوالة فالذين قالوا: (إنها على خلاف القياس)، قالوا: (هي بيع دين بدين، والقياس يأباه)، وهذا غلط من وجهين، أحدهما: أن بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام، ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض، كما لو أسلم شيئًا في شيءٍ في الذمة، وكلاهما مؤخر؛ فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ.\nوأما بيع الدين بالدين فينقسم إلى: بيع واجب بواجب (^١) كما ذكرنا، وهو ممتنع، وينقسم إلى:\nبيع ساقط بساقط.\nوساقط بواجب.\nوواجب بساقط، وهذا فيه نزاع.\nقلت: الساقط بالساقط في صورة المقاصة، والساقط بالواجب كما لو باعه دينًا له في ذمته بدين آخر من غير جنسه، فسقط الدين المبيع ووجب عوضه وهي بيع الدين ممن هو ذمته.\nوأما بيع الواجب بالساقط: فكما لو أسلم إليه في كر حنطة بعشرة دراهم في ذمته؛ فقد وجب له عليه دين، وسقط له عنه دين غيره، وقد حكى الإجماع\n_________\n(^١) المراد بذلك: المؤخر بالمؤخر، وسمَّاه: واجب. لأنه التزم به في ذمته.","vol":"6","page":121},{"text":"على امتناع هذا، ولا إجماع فيه (^١)، قاله شيخنا واختار جوازه، وهو الصواب؛ إذ لا محذور فيه، وليس بيع كالئ بكالئ فيتناوله النهي بلفظه، ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى؛ فإن المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة؛ فإنه لم يتعجل أحدهما ما يأخذه فينتفع بتعجيله وينتفع صاحب المؤخر بربحه، بل كلاهما اشتغلت ذمته بغير فائدة، وأما ما عداه من الصور الثلاث فلكل منهما غرض صحيح ومنفعة مطلوبة، وذلك ظاهر في مسألة التقاص؛ فإن ذمتهما تبرأ من أسرها، وبراءة الذمة مطلوب لهما وللشارع.\nفأما في الصورتين الأخيرتين فأحدهما يعجل براءة ذمته والآخر ينتفع بما يربحه، وإذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته والآخر يحصل على الربح وذلك في بيع العين بالدين؛ جاز أن يفرغها من دين ويشغلها بغيره، وكأنه شغلها به ابتداء، إما بقرض، أو بمعاوضة؛ فكانت ذمته مشغولة بشيء فانتقلت من شاغل إلى شاغل، وليس هناك بيع كالئ بكالئ وإن كان بيع دين بدين، فلم ينه الشارع عن ذلك لا بلفظه ولا بمعنى لفظه، بل قواعد الشارع تقتضي جوازه؛ فإنَّ الحوالة اقتضت نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه؛ فقد عاوض المحيل المحتال من دينه بدين آخر في ذمة ثالث، فإذا عاوضه من دينه على دين آخر في\n_________\n(^١) وقد نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر كما في الأوسط (١٠/ ٢٩٨)، وأسند عن ابن عمر -﵄- المنع من ذلك؛ فقال -﵀-: حدثنا أبو أحمد، قال: أخبرنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا كليب، قال: قلت لابن عمر: كانت لي على رجل دراهم؛ فأتيته أتقاضاه، قال: ليس عندي، ولكن اكتبها علي بطعام إلى الحصاد، قال: لا يصلح. وإسناده حسن، وكليب هو ابن وائل البكري، وهو حسن الحديث.","vol":"6","page":122},{"text":"ذمته كان أولى بالجواز، وبالله التوفيق.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إن لم يثبت الإجماع فالراجح هو ما ذكره ابن القيم -﵀- بشرط أن لا يربح في تحويل هذا الدين؛ حتى لا يدخل في الحديث: «نهى عن ربح ما لم يضمن».\nثم وجدت شيخ الإسلام -﵀- قد قيد ذلك بما ذكرت كما في «الاختيارات» (ص ١٣١)، وعزا القول بالجواز إلى ابن عباس (^١)، وأحمد في رواية، فلله الحمد والمنة على ما ألهم وعلَّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2898>مسألة [٢]: بيع الدين الذي في ذمة رجل بمال حاضر</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في كتابه «القواعد» (ص ٨٤): فإن كان الدين نقدا، وبيع بنقد لم يجز بلا خلاف؛ لأنه صرف بنسيئة، وإن بيع بعرض وقبضه في المجلس ففيه روايتان:\nإحداهما: لا يجوز. قال أحمد في رواية ابن منصور في بيع الصك: هو غرر، ونقل أبو طالب عنه أنه كرهه. وقال: الصكُّ لا يُدرَى أيخرج أو لا، وهذا يدل على أن مراده الصك من عطاء الديوان.\nوالثانية: الجواز. نص عليهما في رواية حرب، وحنبل، ومحمد بن الحكم،\n_________\n(^١) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ٤٨) حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا هشام، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن ابن عباس، أنه كان يكره بيع الزيادة في العطاء؛ إلا بعرض.","vol":"6","page":123},{"text":"وفرق بينه وبين العطاء. وقال: الصك إنما يحتال على رجل، وهو يقر بدين عليه. والعطاء إنما هو شيء مغيب لا يدري أيصل إليه أم لا. وكذلك نقل حنبل عنه في الرجل يشتري الصك على الرجل بالدين قال: لا بأس به بالعرض إذا خرج، ولا يبيعه حتى يقبضه يعني مشتريه. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: والقول بالمنع، هو قول مالك، وأبي ثور، وأبي حنيفة، وابن المنذر؛ لأنه عندهم غرر؛ فقد لا يستطيع على الدين.\nوالقول بالجواز ثبت عن ابن عباس -﵄- كما في «الأوسط» لابن المنذر (١٠/ ٤٨) بإسناد صحيح، وهو قول شريح، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وسالم، وعطاء، ومحمد بن كعب، وإسحاق، وهو الصحيح؛ إذ لا غرر في ذلك؛ فإنه يشتري ما هو معلوم المقدار، ومعترف فيه، والغرر حاصل إن كان عند رجل جاحد، أو مماطل لا يقدر على استخلاصه منه. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «القواعد لابن رجب» (ص ٨٤) «الأوسط» (١٠/ ٤٩ -).","vol":"6","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2899>بَابُ الرُّخْصَةِ فِي العَرَايَا وَبَيْعِ الأُصُولِ وَالثِّمَارِ</span>\n٨٣٣ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ فِي العَرَايَا: أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَلِمُسْلِمٍ: رَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ البَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا. (^٢)\n\n٨٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2900>مسألة [١]: تفسير العرايا</span>.\nالعرايا: هِيَ جَمْعُ عَرِيَّةٍ، وَهِيَ عَطِيَّةُ ثَمَرِ النَّخْلِ دُونَ الرَّقَبَةِ، كَانَ الْعَرَبُ فِي الْجَدْبِ يَتَطَوَّعُ أَهْل النَّخْل بِذَلِكَ عَلَى مَنْ لَا ثَمَرَ لَهُ كَمَا يَتَطَوَّعُ صَاحِبُ الشَّاةِ أَوْ الْإِبِلِ بِالْمَنِيحَةِ، وَهِيَ عَطِيَّة اللَّبَن دُونَ الرَّقَبَةِ ...، وَالْعَرِيَّة فَعِيلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة أَوْ فَاعِلَة، يُقَالُ: عَرَّى النَّخْل بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ بِالتَّعْدِيَةِ يَعْرُوهَا إِذَا أَفْرَدَهَا عَنْ غَيْرِهَا، بِأَنْ أَعْطَاهَا لِآخَرَ عَلَى سَبِيلِ الْمِنْحَةِ لِيَأْكُلَ ثَمَرَهَا وَتَبْقَى رَقَبَتُهَا لِمُعْطِيهَا، وَيُقَالُ: عَرِيَتْ النَّخْلُ -بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الرَّاءِ- تَعْرَى، عَلَى أَنَّهُ قَاصِرٌ، فَكَأَنَّهَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٩٢)، ومسلم (١٥٣٩) (٦٤).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٥٣٩) (٦١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢١٩٠)، ومسلم (١٥٤١).","vol":"6","page":125},{"text":"عَرِيَتْ عَنْ حُكْمِ أَخَوَاتِهَا، وَاسْتَثْبَتَتْ بِالْعَطِيَّةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهَا شَرْعًا. انتهى من «الفتح» [باب (٨٤) من كتاب البيوع].\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: ثُمَّ إِنَّ صُوَر الْعَرِيَّة كَثِيرَة:\nمِنْهَا: أَنْ يَقُولَ الرَّجُل لِصَاحِبِ حَائِط: بِعْنِي ثَمَر نَخَلَاتٍ بِأَعْيَانِهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ. فَيَخْرُصَهَا وَيَبِيعُهُ وَيَقْبِضُ مِنْهُ التَّمْر وَيُسَلِّمُ إِلَيْهِ النَّخَلَات بِالتَّخْلِيَةِ فَيَنْتَفِعُ بِرُطَبِهَا.\nوَمِنْهَا: أَنْ يَهَبَ صَاحِب الْحَائِطِ لِرَجُل نَخَلَات، أَوْ ثَمَر نَخَلَاتٍ مَعْلُومَة مِنْ حَائِطِهِ، ثُمَّ يَتَضَرَّرُ بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ فَيَخْرُصَها وَيَشْتَرِي مِنْهُ رُطَبَهَا بِقَدْر خَرْصه بِتَمْرٍ يُعَجِّلُهُ لَهُ.\nوَمِنْهَا: أَنْ يَهَبَهُ إِيَّاهَا، فَيَتَضَرَّر الْمَوْهُوبُ لَهُ بِانْتِظَارِ صَيْرُورَة الرُّطَب تَمْرًا، وَلَا يُحِبّ أَكْلَهَا رُطَبًا؛ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى التَّمْرِ، فَيَبِيع ذَلِكَ الرُّطَب بِخَرْصِهِ مِنْ الْوَاهِبِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِتَمْرٍ يَأْخُذُهُ مُعَجَّلًا.\nوَمِنْهَا: أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ ثَمَرَ حَائِطِهِ بَعْدَ بُدُوّ صَلَاحه، وَيَسْتَثْنِي مِنْهُ نَخَلَات مَعْلُومَة يُبْقِيهَا لِنَفْسِهِ أَوْ لِعِيَالِهِ، وَهِيَ الَّتِي عُفِيَ لَهُ عَنْ خَرْصِهَا فِي الصَّدَقَةِ، وَسُمِّيَتْ عَرَايَا؛ لِأَنَّهَا أُعْرِيَتْ مِنْ أَنْ تُخْرَصَ فِي الصَّدَقَةِ، فَرُخِّصَ لِأَهْلِ الْحَاجَةِ الَّذِينَ لَا نَقْدَ لَهُمْ، وَعِنْدَهُمْ فُضُول مَنْ تَمْر قُوتِهِمْ أَنْ يَبْتَاعُوا بِذَلِكَ التَّمْر مَنْ رُطَبِ تِلْكَ النَّخَلَات بِخَرْصِهَا.\nقال: وَمِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اِسْم عَرِيَّة أَنْ يُعْرِي رَجُلًا تَمْر نَخَلَاتٍ يُبِيحُ لَهُ أَكْلَهَا","vol":"6","page":126},{"text":"وَالتَّصَرُّفَ فِيهَا، وَهَذِهِ هِبَة مَخْصُوصَة.\nوَمِنْهَا: أَنْ يُعْرِي عَامِل الصَّدَقَة لِصَاحِبِ الْحَائِطِ مَنْ حَائِطه نَخَلَات مَعْلُومَة لَا يَخْرُصُهَا فِي الصَّدَقَةِ. وَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ مِنْ الْعَرَايَا لَا يَبِيعُ فِيهَا.\nقال: وَجَمِيعُ هَذِهِ الصُّوَرِ صَحِيحَة عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ، وَقَصَرَ مَالِك الْعَرِيَّة فِي الْبَيْعِ عَلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَصَرَهَا أَبُو عُبَيْد عَلَى الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صُوَرِ الْبَيْعِ، وَزَادَ أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا الرُّطَبَ وَلَا يَشْتَرُوهُ لِتِجَارَة وَلَا اِدِّخَار. وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَة صُوَر الْبَيْعِ كُلّهَا، وَقَصَرَ الْعَرِيَّة عَلَى الْهِبَةِ، وَهُوَ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُل تَمْر نَخلَةٍ مِنْ نَخْلِهِ، وَلَا يُسَلِّمُ ذَلِكَ لَهُ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فِي اِرْتِجَاع تِلْكَ الْهِبَة، فَرَخَّصَ لَهُ أَنْ يَحْتَبِسَ ذَلِكَ وَيُعْطِيَهُ بِقَدْرِ مَا وَهَبَهُ لَهُ مِنْ الرُّطَبِ بِخَرْصِهِ تَمْرًا، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَخْذُهُ بِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَتُعُقِّبَ بِالتَّصْرِيحِ بِاسْتِثْنَاءِ الْعَرَايَا فِي حَدِيثِ اِبْن عُمَر كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي حَدِيث غَيْرِهِ. انتهى من «الفتح» [باب (٨٤) من كتاب البيوع]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2901>مسألة [٢]: حكم بيع العرايا</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١١٩ - ١٢٠): إبَاحَةُ بَيْعِ الْعَرَايَا فِي الْجُمْلَةِ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحِلُّ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ، بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ١٢٣ - ١٢٤)، «الأوسط» (١٠/ ٨١).","vol":"6","page":127},{"text":"يَبِيعُ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ فِي أَحَدِهِمَا؛ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.\nثم استدل ابن قدامة بحديثي الباب.\nثم قال: وَلَوْ قُدِّرَ تَعَارُضُ الْحَدِيثَيْنِ؛ وَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثِنَا؛ لِخُصُوصِهِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَعَمَلًا بِكِلَا النَّصَّيْنِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الَّذِي نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ هُوَ الَّذِي أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا، وَطَاعَةُ رَسُولِ الله - ﷺ - أَوْلَى. وَالْقِيَاسُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ النَّصِّ مَعَ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ، أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا. وَالرُّخْصَةُ اسْتِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ، مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ الْحَاظِرِ، فَلَوْ مَنَعَ وُجُودُ السَّبَبِ مِنْ الِاسْتِبَاحَةِ؛ لَمْ يَبْقَ لَنَا رُخْصَةٌ بِحَالٍ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2902>مسألة [٣]: ما هو القدر الذي تجوز فيها العرايا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٢١): لَا تَجُوزُ فِي زِيَادَةٍ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَتَجُوزُ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِهَا، فَأَمَّا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ؛ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ إمَامِنَا -﵀-، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ: يَجُوزُ. وَرَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ وَسَهْلٍ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ مُطْلَقًا (^٢)، ثُمَّ اسْتَثْنَى مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَشَكَّ\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٢١٩٢) «تكملة المجموع» (١١/ ١٠)، «الأوسط» (١٠/ ٧٥ - ٧٦).\n(^٢) أشار إلى حديث زيد بن ثابت -﵁-: «أن رسول الله - ﷺ - أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها»، وحديث سهل بن أبي حثمة -﵁-: «أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في العرية أن تباع بخرصها، يأكلها أهلها رطبا». أخرجهما البخاري برقم (٢١٨٨، و٢١٩٢)، ومسلم برقم (١٥٣٩، و١٥٤٠).","vol":"6","page":128},{"text":"فِي الْخَمْسَةِ، فَاسْتَثْنَى الْيَقِينَ، وَبَقِيَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى الْإِبَاحَةِ. وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، ثُمَّ أَرْخَصَ فِي الْعَرِيَّةِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَشَكَّ فِي الْخَمْسَةِ، فَيَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ فِي التَّحْرِيمِ، وَلِأَنَّ الْعَرِيَّةَ رُخْصَةٌ بُنِيَتْ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ يَقِينًا فِيمَا دُونَ الْخَمْسَةِ، وَالْخَمْسَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا، فَلَا تَثْبُتُ إبَاحَتُهَا مَعَ الشَّكِّ. اهـ\nقلتُ: والصواب -والله أعلم- أنه لا يجوز في الخمسة الأوسق؛ لما ذكره ابن قدامة، وهو اختيار ابن المنذر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2903>مسألة [٤]: هل يجوز أن يشتري أكثر من خمسة أوسق بأكثر من صفقة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٢٢): وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، فِيمَا زَادَ عَلَى صَفْقَةٍ، سَوَاءٌ اشْتَرَاهَا مِنْ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جَمَاعَةٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ بَيْعُ جَمِيعِ ثَمَرِ حَائِطِهِ عَرَايَا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ رِجَالٍ، فِي عُقُودٍ مُتَكَرِّرَةٍ؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ زَيْدٍ وَسَهْلٍ، وَلِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ جَازَ مَرَّةً، جَازَ أَنْ يَتَكَرَّرَ، كَسَائِرِ الْبُيُوعِ.\nقال: وَلَنَا عُمُومُ النَّهْيِ عَنْ الْمُزَابَنَةِ، اسْتَثْنَى مِنْهُ الْعَرِيَّةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، فَمَا زَادَ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ فِي التَّحْرِيمِ. وَلِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مَرَّةً إذَا","vol":"6","page":129},{"text":"كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا لَا يَجُوزُ فِي عَقْدَيْنِ، كَاَلَّذِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَكَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، فَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلٍ؛ فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالنَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَا، فَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ إنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا فِي الْعَقْدِ الْوَاحِدِ. فَأَمَّا إنْ بَاعَ رَجُلٌ عَرِيَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمُغَلِّبَ فِي التَّجْوِيزِ هُوَ حَاجَةُ الْمُشْتَرِي، فَلَمْ تُعْتَبَرْ حَاجَةُ الْبَائِعِ إلَى الْبَيْعِ، فَلَا يَتَقَيَّدُ فِي حَقِّهِ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ. اهـ المراد مع تصرفٍ يسير. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2904>مسألة [٥]: ماذا يُشترط في بيع العرايا</span>؟\nأولا: بيعها بخرصها من التمر.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٢٤ -): إنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ، لَا أَقَلَّ مِنْهُ وَلَا أَكْثَرَ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّمْرُ الَّذِي يَشْتَرِي بِهِ مَعْلُومًا بِالْكَيْلِ، وَلَا يَجُوزُ جُزَافًا، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا عِنْدَ مَنْ أَبَاحَ بَيْعَ الْعَرَايَا اخْتِلَافًا. اهـ، ثم استدل بحديث زيد بن ثابت الذي في الباب.\nثانيًا: التقابض في المجلس.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٢٦): وَيُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ تَمْرٍ بِتَمْرٍ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ شُرُوطُهُ، إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا، وَالْقَبْضُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حَسْبِهِ، فَفِي التَّمْرِ اكْتِيَالُهُ أَوْ نَقْلُهُ، وَفِي الثَّمَرَةِ التَّخْلِيَةُ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «تكملة المجموع» (١١/ ٥٢ - ٥٣).","vol":"6","page":130},{"text":"ثالثًا: بيعها إلى محتاج لأكلها رطبًا.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٢٧ -): لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا إلَّا لِمُحْتَاجٍ إلَى أَكْلِهَا رُطَبًا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا لِغَنِيٍّ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَأَبَاحَهَا فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ مُطْلَقًا لِكُلِّ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ جَازَ لِلْمُحْتَاجِ، جَازَ لِلْغَنِيِّ، كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ، وَلِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَهْلٍ مُطْلَقَانِ. وَلَنَا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ حِينَ سَأَلَهُ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ: مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ؟ فَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ، شَكَوْا إلَى رَسُولِ الله - ﷺ - أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَبًا يَأْكُلُونَهُ، وَعِنْدَهُمْ فُضُولٌ مِنْ التَّمْرِ، فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ يَأْكُلُونَهُ رُطَبًا (^١). وَمَتَى خُولِفَ الْأَصْلُ بِشَرْطٍ؛ لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، وَلِأَنَّ مَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ؛ لَمْ يُبَحْ مَعَ عَدَمِهَا، كَالزَّكَاةِ لِلْمَسَاكِينِ، وَالتَّرَخُّصِ فِي السَّفَرِ. اهـ\nقلتُ: وما نقله عن الشافعي من جوازه للأغنياء هو الأصح عند الشافعية، وهو رواية عن أحمد؛ لأنَّ حديث محمود بن لبيد لم يوجد مسندًا، ولأنَّ الغني قد يحتاج أيضًا إلى ذلك، ومال الشيخ ابن عثيمين إلى القول الأول، والله أعلم. (^٢)\nرابعًا وخامسًا: أن تكون فيما دون خمسة أوسق، وأن يكون المشتري بحاجة إلى أكل الرطب.\nلقوله في حديث الباب: «يأكلونها رطبًا»، وقد تقدم الكلام على اشتراط البيع بأقل من خمسة أوسق.\n_________\n(^١) قال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٠/ ٨١): ذكره الشافعي مرسلًا، ولا أحفظه عن غيره. اهـ.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٦/ ١٢٧) «تكملة المجموع» (١١/ ٢٥ - ٢٦) «الشرح الممتع» (٨/ ٤٠٩).","vol":"6","page":131},{"text":"قال السُّبُكي -﵀- في «تكملة المجموع» (١١/ ٣١): لا يُشترط عندنا حاجة البائع إلى البيع جزمًا، خلافًا لبعض الحنابلة، واشترطت الحنابلة لبقاء العقد أن يأكلها أهلها رطبًا؛ فإنْ تركها حتى تصير تمرًا بطل العقد، ونحن نخالفهم في ذلك، واشترط الخرقي من الحنابلة كونها موهوبة من بائعها كما تقدم عن مالك، وقالت الحنابلة فيما إذا تركها حتى صارت تمرًا: لا فرق بين تركه لغناه عنها، أو تركها لعذر، أو لغير عذر، وأخذوا في ذلك بظاهر قوله - ﷺ -: «يأكلها أهلها رطبًا»، ولا دليل لهم في ذلك؛ لأنَّ المقصود بذلك ذكر الغاية المقصودة لا الاشتراط، ويلزمهم على ما قالوه أنه متى لم يأكلها بطل العقد، وقد سلموا أنه لا يبطل إلا بترك الأخذ، ولا يبطل بترك الأكل بعد الأخذ، فلو أخذها رطبًا فتركها عنده، أو شمسها حتى صارت تمرًا؛ جاز عندهم، وبهذا يتبين ضعف ما اشترطوه. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2905>مسألة [٦]: هل تكون العرية في غير النخل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٢٨ - ١٢٩): وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَرِيَّةِ فِي غَيْرِ النَّخِيلِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، وَقَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا ثَمَرَتُهُ لَا يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا، فَيَجُوزُ بَيْعُ رَطْبِهَا بِيَابِسِهَا؛ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الرِّبَا فِيهَا.\nقال: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ دُونَ غَيْرِهِمَا. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْعِنَبَ كَالرُّطَبِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا، وَجَوَازِ خَرْصِهِمَا، وَتَوْسِيقِهِمَا، وَكَثْرَةِ تَيْبِيسِهِمَا، وَاقْتِيَاتِهِمَا فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ، وَالْحَاجَةِ إلَى أَكْلِ رَطْبِهِمَا،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ١٢٧ - ١٢٨).","vol":"6","page":132},{"text":"وَالتَّنْصِيصُ عَلَى الشَّيْءِ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي مِثْلِهِ، وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِمَا؛ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْمَعَانِي؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ خَرْصُهَا؛ لِتَفَرُّقِهَا فِي الْأَغْصَانِ وَاسْتِتَارِهَا بِالْأَوْرَاقِ، وَلَا يُقْتَاتُ يَابِسُهَا، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الشِّرَاءِ بِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ؛ قِيَاسًا عَلَى ثَمَرَةِ النَّخِيلِ.\nقال: وَلَنَا مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ، الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، إلَّا أَصْحَابَ الْعَرَايَا؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ، وَكُلِّ ثَمَرَةٍ بِخَرْصِهَا. وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ الْعَرِيَّةِ بِالتَّمْرِ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - أَنَّهُ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ، أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ ...، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ بَيْعِ الْعَرِيَّةِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ فِي ثَمَرَةِ النَّخِيلِ رُخْصَةً، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهَا عَلَيْهَا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ غَيْرَهَا لَا يُسَاوِيهَا فِي كَثْرَةِ الِاقْتِيَاتِ بِهَا، وَسُهُولَةِ خَرْصِهَا، وَكَوْنِ الرُّخْصَةِ فِي الْأَصْلِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ حَاجَتُهُمْ إلَى الرُّطَبِ دُونَ غَيْرِهِ. الثَّانِي: أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُعْمَلُ بِهِ إذَا خَالَفَ نَصًّا، وَقِيَاسُهُمْ يُخَالِفُ نُصُوصًا غَيْرَ مَخْصُوصَةٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَحِلِّ الْمَخْصُوصِ، وَنَهْيُ النَّبِيِّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ لَمْ يَدْخُلْهُ تَخْصِيصٌ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الثِّمَارِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\nقلتُ: ومذهب داود الظاهري كمذهب الليث، وأحمد، وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (١٠/ ٨٢).","vol":"6","page":133},{"text":"٨٣٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا نَهَى البَائِعَ وَالمُبْتَاعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا قَالَ: حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُه (^٢). (^٣)\n\n٨٣٦ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ. قِيلَ: وَمَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^٤)\n\n٨٣٧ - وَعَنْهُ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ العِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٩٤)، ومسلم (١٥٣٤).\n(^٢) في (أ): عاهتها.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٤٨٦)، ومسلم (١٥٣٤) (٥٢). والمسئول هو ابن عمر.\n(^٤) أخرجه البخاري (١٤٨٨)، ومسلم (١٥٥٥).\n(^٥) ضعيف شاذ. أخرجه أحمد (٣/ ٢٢١)، وأبوداود (٣٣٧١)، والترمذي (١٢٢٨)، وابن ماجه (٢٢١٧)، وابن حبان (٤٩٩٣)، والحاكم (٢/ ١٩)، من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى أن تباع الثمرة حتى تزهو، وعن العنب ... الحديث. وهذا إسناد ظاهره الصحة، إلا أن حمادًا قد تفرد بذكر العنب والحب، فقد رواه جمع عن حميد بذكر (النخل حتى تزهو) ولم يذكروا العنب والحب، وممن رواه كذلك: مالك ويحيى القطان وابن المبارك وهشيم وإسماعيل ابن جعفر والدراوردي كما في «المسند الجامع» (٢/ ٤٠ - ٤٢). وكذلك عبدالوهاب الثقفي كما في «مسند الشافعي» (٢/ ١٤٩)، ويزيد بن هارون كما في «مسند أبي يعلى» (٣٨٥١)، وأبوخالد الأحمر كما في «المنتقى» لابن الجارود (٦٠٤)، وعبدالله بن بكر ويحيى ابن أيوب كما في «شرح المعاني» (٤/ ٢٤). فالحديث شاذ بذكر العنب والحب، والله أعلم.\nثم رأيت البيهقي -﵀- قد أشار إلى شذوذ ذلك كما في «الكبرى» (٥/ ٣٠٣) فلله الحمد على ما ألهم وعلم.","vol":"6","page":134},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2906>مسألة [١]: بيع الثمرة قبل أن تخلق</span>.\nنُقِل الإجماع على عدم جواز ذلك، ويشمله حديث جابر في «صحيح مسلم» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن المعاومة. والمعاومة مشتقة من العام، ومعناه: أن يبيع ثمرة هذا العام، أو ثمرة عامين، أو ثلاثة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2907>مسألة [٢]: بيع الثمار بعد ظهورها قبل بدو صلاحها</span>.\n• إن كان بشرط التبقية: فالجمهور على المنع؛ لأحاديث الباب، وقد نقل النووي، وابن قدامة الإجماع على عدم الجواز، ولكن نقل الحافظ ابن حجر عن يزيد بن أبي حبيب الجواز، قال: وَهِمَ من نقل الإجماع فيه. وعند الجمهور بطلان البيع.\nقلتُ: والصحيح هو قول الجمهور؛ لأحاديث الباب وإن لم يصح الإجماع.\n• وأما إن باعها بشرط القطع في الحال: فالجمهور على الجواز؛ لعدم وجود علة المنع، وهي قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث أنس: «أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه؟»، ولأنه سينتفع بها إذا قطعها.\n• ومنع من ذلك ابن أبي ليلى، والثوري، وقد فات النووي، وابن قدامة هذا الخلاف ونقلا الإجماع على الجواز، وتعقبهما الحافظ بذكر الخلاف عن ابن أبي\n_________\n(^١) وانظر: «شرح مسلم» (١٠/ ١٩٣).","vol":"6","page":135},{"text":"ليلى، والثوري.\nوالصحيح قول الجمهور، ورجحه الشوكاني، والصنعاني، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\nوأما إن باعه مطلقًا، ولم يشترط قطعًا ولا تبقية فقال ابن قدامة: البيع باطلٌ يعني في مذهب الحنابلة وبه قال مالك، والشافعي، وأجازه أبو حنيفة؛ لأنَّ إطلاق العقد يقتضي القطع. اهـ\nوأُجيب على أبي حنيفة: بأن عموم الحديث يدل على تحريم ذلك، ويدل على هدم قاعدتهم بأنَّ إطلاق العقد يقتضي القطع، بل ظاهره يقتضي الإبقاء بدليل قوله: «أرأيت إذا منع الله الثمرة ...».\nفالصحيح قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2908>مسألة [٣]: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها مع الأصل النخلة</span>.\nنقل ابن قدامة الإجماع على الجواز؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من ابتاع نخلًا بعد أن تُؤَبَّر فثمرتها للذي باعها؛ إلا أن يشترط المبتاع» (^٣)، ولأنه إذا باعها مع الأصل حصلت تبعًا في البيع، فلم يضر احتمال الغرر فيها كما احتملت الجهالة في بيع اللبن في الضرع مع بيع الشاة. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ١٤٨ -) «شرح مسلم» (١٠/ ١٨١) «الفتح» (٢١٩٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ١٤٩) «شرح مسلم» (١٠/ ١٨١).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٢٣٧٩)، ومسلم برقم (١٥٤٣)، من حديث ابن عمر -﵄-.\n(^٤) انظر: «المغني» (٦/ ١٥٠).","vol":"6","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2909>مسألة [٤]: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها لمالك الأصل</span>.\nصورتها: أن تكون النخل لإنسان، فيبيعها ويشترط الثمرة، ثم يبيع الثمرة لمن اشترى منه النخل بعد ذلك، أو يوصي إنسان لرجل بثمرة نخله، فيبيعها لورثة الموصي.\n• فهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم:\nالقول الأول: الجواز ويصح البيع، وهو المشهور من قول مالك ووجهٌ للشافعية والحنابلة.\nالقول الثاني: عدم الجواز، ولا يصح البيع، وهو وجهٌ للشافعية والحنابلة، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين، وهذا القول أقرب؛ لعموم أحاديث الباب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2910>مسألة [٥]: ضابط بدو الصلاح</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٥٨ - ١٥٩): مَا كَانَ مِنْ الثَّمَرَةِ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ عِنْدَ صَلَاحِهِ، كَثَمَرَةِ النَّخْلِ، وَالْعِنَبِ الْأَسْوَدِ، وَالْإِجَّاصِ، فَبُدُوُّ صَلَاحِهِ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْعِنَبُ أَبْيَضَ؛ فَصَلَاحُهُ بِتَمَوُّهِهِ، وَهُوَ أَنْ يَبْدُوَ فِيهِ الْمَاءُ الْحُلْوُ، وَيَلِينَ، وَيَصْفَرَّ لَوْنُهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَلَوَّنُ، كَالتُّفَّاحِ وَنَحْوِهِ، فَبِأَنْ يَحْلُوَ، أَوْ يَطِيبَ، وَإِنْ كَانَ بِطِّيخًا، أَوْ نَحْوَهُ، فَبِأَنْ يَبْدُوَ فِيهِ النُّضْجُ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ١٥٠) «الشرح الممتع» (٩/ ٢٧ - ٢٨).","vol":"6","page":137},{"text":"لَوْنُهُ، وَيُؤْكَلُ طَيِّبًا، صِغَارًا وَكِبَارًا، كَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ، فَصَلَاحُهُ بُلُوغُهُ أَنْ يُؤْكَلَ عَادَةً. وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: بُلُوغُهُ أَنْ يَتَنَاهَى عِظَمُهُ. وَمَا قُلْنَاهُ أَشْبَهُ بِصَلَاحِهِ مِمَّا قَالُوهُ؛ فَإِنَّ بُدُوَّ صَلَاحِ الشَّيْءِ ابْتِدَاؤُهُ، وَتَنَاهِيَ عِظَمِهِ آخِرُ صَلَاحِهِ. وَلِأَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي الثَّمَرِ يَسْبِقُ حَالَ الْجِزَازِ.\nثم قال: وَمَا قُلْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ فَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَوْ مُقَارِبٌ لَهُ. انتهى المراد.\nقلتُ: وثبت عن ابن عمر وابن عباس -﵃-، أنهما قالا: حتى يُطعمَ. أخرجه ابن المنذر (١٠/ ٥٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2911>مسألة [٦]: بيع القثاء، والخيار، والباذنجان، وما أشبهها هل يجوز بيع أكثر من لقطة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٦٠): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ ثَمَرَةَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْبُقُولِ؛ لَمْ يَجُزْ إلَّا بَيْعُ الْمَوْجُودِ مِنْهَا، دُونَ الْمَعْدُومِ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ بَيْعُ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ تَمْيِيزُهُ، فَجُعِلَ مَا لَمْ يَظْهَرْ تَبَعًا لِمَا ظَهَرَ، كَمَا أَنَّ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ تَبَعٌ لِمَا بَدَا.\nقال: وَلَنَا أَنَّهَا ثَمَرَةٌ لَمْ تُخْلَقْ؛ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، كَمَا لَوْ بَاعَهَا قَبْلَ ظُهُورِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَالْحَاجَةُ تَنْدَفِعُ بِبَيْعِ أُصُولِهِ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يُخْلَقْ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ يُخْلَقْ مِنْ ثَمَرَةِ النَّخْلِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ تَبَعًا لِمَا خُلِقَ، وَإِنْ كَانَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ تَبَعًا لِمَا بَدَا. اهـ","vol":"6","page":138},{"text":"وقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم جواز ذلك كما قال مالك.\nقال ابن القيم -﵀-: ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ فِي الْغَالِبِ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ؛ إذْ هُوَ فِي غَايَةِ الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ، فَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يَنْضَبِطُ، وَلَا مَا هِيَ اللُّقْطَةُ الْمَبِيعَةُ، أَهِيَ الْكِبَارُ، أَوْ الصِّغَارُ، أَوْ الْمُتَوَسِّطُ، أَوْ بَعْضُ ذَلِكَ؟ وَتَكُونُ الْمَقْثَأَةُ كَبِيرَةً جِدًّا لَا يُمْكِنُ أَخْذُ اللُّقْطَةِ الْوَاحِدَةِ إلَّا فِي أَيَّامٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَيَحْدُثُ كُلَّ يَوْمٍ لُقْطَةٌ أُخْرَى تَخْتَلِطُ بِالْمَبِيعِ، وَلَا يُمْكِنُ تَمَيُّزُهَا مِنْهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الِاحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ دَوَابَّ الْمِصْرِ كُلَّهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يجوز ذلك إذا وجدت الحاجة كما أشار إلى ذلك الشيخان رحمهما الله، وذلك حاصل بكثرة في المزارع الكبيرة، وأما إذا لم توجد الحاجة فلا يجوز كقول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2912>مسألة [٧]: إذا اشتراها بأصولها، فهل يجوز ذلك</span>؟\n• الجمهور على الجواز، والشافعية على عدم الجواز، لكن يجوزون الاستئجار، وبما فيها أصول المقاثي.\nقلتُ: الراجح قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٨٤ - ٤٨٥) «أعلام الموقعين» (٣/ ٤١٤)، «الأوسط» (١٠/ ٤٥).\n(^٢) انظر المصادر السابقة.","vol":"6","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2913>مسألة [٨]: بيع الثمار بعد بدو صلاحها هل يُشترط فيها القطع أو التبقية</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٥٥): إذَا بَدَا الصَّلَاحُ فِي الثَّمَرَةِ؛ جَازَ بَيْعُهَا مُطْلَقًا، وَبِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ إلَى حَالِ الْجِزَازِ، وَبِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا يَجُوزُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ. إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ: إذَا تَنَاهَى عِظَمُهَا؛ جَازَ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ هَذَا شَرْطُ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الْبَائِعِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ؛ فَلَمْ يَجُزْ. وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، فَمَفْهُومُهُ إبَاحَةُ بَيْعِهَا بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ عِنْدَهُمْ الْبَيْعُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَائِزًا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ بُدُوُّ الصَّلَاحِ غَايَةً، وَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَتَأْمَنَ الْعَاهَةَ، وَتَعْلِيلُهُ بِأَمْنِ الْعَاهَةِ يَدُلُّ عَلَى التَّبْقِيَةِ؛ لِأَنَّ مَا يُقْطَعُ فِي الْحَالِ لَا يُخَافُ الْعَاهَةُ عَلَيْهِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2914>مسألة [٩]: على من سقي الثمرة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٥٨): وَإِذَا احْتَاجَتْ الثَّمَرَةُ إلَى سَقْيٍ؛ لَزِمَ الْبَائِعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الثَّمَرَةِ كَامِلَةً، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالسَّقْيِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ إذَا بَاعَ الْأَصْلَ، وَعَلَيْهِ ثَمَرَةٌ لِلْبَائِعٍ، لَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ سَقْيُهَا؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الثَّمَرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنَّمَا\n_________\n(^١) وانظر: «شرح مسلم» (١٠/ ١٨١ - ١٨٢) «الفتح» (٢١٩٣) «تكملة المجموع» (١١/ ٤٦٤).","vol":"6","page":140},{"text":"بَقِيَ مِلْكُهُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا؛ فَإِنْ امْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ السَّقْيِ، لِضَرَرٍ يَلْحَقُ بِالْأَصْلِ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ. اهـ (^١)\nقال النووي -﵀-: يلزم البائع بسقايتها إلى أوان الجذاذ؛ لأنَّ ذلك هو العادة فيها. «شرح مسلم» (١٠/ ١٨٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2915>مسألة [١٠]: هل يجوزُ لمشتري الثمرة بيعها وهي في شجرها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٥٨): وَيَجُوزُ لِمُشْتَرِي الثَّمَرَةِ بَيْعُهَا فِي شَجَرِهَا. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (^٢)، وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَكَرِهَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ (^٣)، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو سَلَمَةَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَلَمْ يَقْبِضهُ. وَلَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، فَجَازَ لَهُ بَيْعُهُ، كَمَا لَوْ جَزَّهُ. وَقَوْلُهُمْ: لَمْ يَقْبِضْهُ. لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ قَبْضَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وَهَذَا قَبْضُهُ التَّخْلِيَةُ، وَقَدْ وُجِدَتْ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو الجواز، والله أعلم.\n_________\n(^١) وانظر: «تكملة المجموع» (١١/ ٤٦٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٣٢٥)، عن عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سليمان بن يسار، عن زيد بن ثابت، والزبير بن العوام، به. وإسناده صحيح إلى سليمان، لكن سليمان سمع من زيد بن ثابت، ولم يسمع من الزبير بن العوام؛ فإنه لم يدركه كما يعلم من تاريخ الوفيات؛ وعليه فهو ثابت عن زيد، ولم يثبت عن الزبير -﵄-.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٣٢٥)، عن عبدة بن سليمان، عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه كرهه. وهذا إسناد صحيح.","vol":"6","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2916>مسألة [١١]: بدو الصلاح في بعض الثمر من الشجرة هل يُجَوِّز بيع جميع ثمار الشجرة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٥٦): وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي بَعْضِ ثَمَرَةِ النَّخْلَةِ، أَوْ الشَّجَرَةِ صَلَاحٌ لِجَمِيعِهَا، أَعْنِي أَنَّهُ يُبَاحُ بَيْعُ جَمِيعِهَا بِذَلِكَ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا. اهـ\nوقال السُّبُكي -﵀- في «تكملة المجموع» (١١/ ٤٥١): ولا أعلم بين العلماء خلافًا في أنه لا يشترط الصلاح في جميع المبيع، وإنما اختلفوا في مقدار ما يضبطونه، ومذهبنا أنه يكفي بدو الصلاح في نخلة واحدة، بل في بسرة واحدة. اهـ\nقلتُ: قال المرداوي في «الإنصاف» (٥/ ٦٥): ونقل حنبل إذا غلب الصلاح، وجزم به في «المحرر» في النوع، وقاله القاضي، وأبو حكيم النهرواني وغيرهم فيما إذا غلب الصلاح في شجرة.\nتنبيه: بعض الأشجار يتأخر بدو الصلاح في بعض ثمرها عن بعض، كشجرة المانجو؛ فإنه ربما يبدو الصلاح ببعض الثمر، ولا يبدو في البعض الآخر إلا بعد شهرين، ففي مثل هذه الأظهر أنه لا يبيع إلا ما بدا صلاحه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2917>مسألة [١٢]: إذا بدا الصلاح في شجرة، فهل يجوز بيع جميع ثمر الأشجار في ذلك البستان من ذلك النوع</span>؟\n• أكثر الفقهاء على أنه يجوز بيع جميع ذلك النوع، وهو قول الشافعي، ومحمد","vol":"6","page":142},{"text":"ابن الحسن، وأحمد في رواية، وهو مقتضى قول مالك، والليث بن سعد.\n• وذهب أحمد في رواية، وبعض الحنابلة، وبعض الشافعية إلى أنه لا يجوز إلا بيع ما بدا صلاحه.\nورجَّح الإمام ابن عثيمين القول الأول، لكن اشترط الحنابلة بيعها مع الصالحة تبعًا.\nقال المرداوي في «الإنصاف»: قال في «الرعاية» و«الحاوي»: إذا بدا الصلاح في بعض النوع؛ جاز بيع بعض ذلك النوع في إحدى الروايتين، وإن غلب جاز بيع الكل، نصَّ عليه. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2918>مسألة [١٣]: هل يكون بدو الصلاح في نوع يجيز بيع الأنواع الأخرى من نفس الجنس</span>؟\n• فيه قولان:\nالأول: جواز بيعه جميعًا، ويكون ذلك بُدُوًّا للصلاح في جميع الجنس، وهو قول الليث، ومحمد بن الحسن، ووجهٌ للشافعية، والحنابلة؛ لأنه يكون متقاربًا في الغالب.\nالثاني: لا يجوز إلا بيع النوع الذي بدا صلاحه، وهو الأشهر عند الحنابلة،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ١٥٦) «الإنصاف» (٥/ ٦٦) «تكملة المجموع» (١١/ ٤٥١ - ٤٥٢) «الشرح الممتع» (٩/ ٢٢).","vol":"6","page":143},{"text":"وعليه أكثرهم وهو وجهٌ للشافعية.\nورجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو أقرب؛ لظاهر أحاديث الباب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2919>مسألة [١٤]: هل بدو الصلاح في بستان يكون صلاحًا لسائر البساتين</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٥٧): فَأَمَّا النَّوْعُ الْوَاحِدُ مِنْ بُسْتَانَيْنِ، فَلَا يَتْبَعُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ حَتَّى يَبْدُوَ الصَّلَاحُ فِي أَحَدِهِمَا، مُتَجَاوِرَيْنِ كَانَا أَوْ مُتَبَاعِدَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي شَجَرَةٍ مِنْ الْقَرَاحِ صَلَاحٌ لَهُ، وَلِمَا قَارَبَهُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَقَارَبَانِ فِي الصَّلَاحِ، فَأَشْبَهَا الْقَرَاحَ الْوَاحِدَ. اهـ\nثم رجَّح ابن قدامة القول الأول؛ لعموم الأحاديث في الباب، وهو الصواب، والله أعلم.\nمعنى القَرَاح: القَراح من الأرضين كل قطعة على حيالها من منابت النخل وغير ذلك. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ١٥٦ - ١٥٧) «تكملة المجموع» (١١/ ٤٥١) «الإنصاف» (٥/ ٦٦ - ٦٧) «الشرح الممتع» (٩/ ٢٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ١٥٧).","vol":"6","page":144},{"text":"٨٣٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَوْ بِعْت مِنْ أَخِيك ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيك بِغَيْرِ حَقٍّ؟» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٨٣٩ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ بِوَضْعِ الجَوَائِحِ.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2920>مسألة [١]: معنى الجائحة</span>.\nالجائحة مشتقة من الجوح، وهو الاستئصال، والمقصود هنا: آفة سماوية تصيب الثمار فتهلكها، والمقصود بـ (بِوَضْعِ الجَوَائِحِ) أن يضع البائع للمشتري ثمن الثمر، ويعيده إليه، والجائحة السماوية كالبرد، والريح، والجراد وما أشبهها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2921>مسألة [٢]: إذا بيعت الثمرة بعد بدو الصلاح، ثم أصيب بآفة سماوية قبل أوان الجذاذ</span>؟\n• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنَّ الضمان على البائع، وأوجبوا عليه أن يعيد المال للمشتري، وهو قول مالك، وأحمد، ويحيى بن سعيد، وأبي عبيد، وبعض أهل الحديث، والشافعي في القديم.\nواستدلوا بحديث جابر المذكور في الباب، وبحديث أنس المتقدم، وفيه زيادة: «أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه؟».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٥٥٤).","vol":"6","page":145},{"text":"إلا أنَّ مالكًا، وأحمد في رواية جعلوا الضمان على المشتري فيما دون الثلث؛ لأنه لابد من أن يأكل الطير منها، وتنثر الريح، ويسقط منها، فلم يكن بُدٌّ من ضابط، والثلث قد اعتبره الشرع في مواضع؛ ولأنَّ الثلث في حد الكثرة لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الثلث والثلث كثير».\n• وذهب الشافعي في الجديد -وهو الأصح عند الشافعية، وهو مذهب الحنفية، والظاهرية- إلى أنَّ الضمان على المشتري وليس من ضمان البائع في القليل والكثير، ورجَّح هذا القول الشوكاني في «السيل»، واستدلوا على ذلك بحديث أبي سعيد الخدري في «صحيح مسلم» (١٥٥٦)، قال: أُصيب رجلٌ في عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ثمارٍ ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تصدقوا عليه»، فتصدقوا، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لغرمائه: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك»، قالوا: فلو كانت الجوائح تُوضع؛ لَمَا احتاج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى ذلك، بل يقول له: ليس عليك بأس، إنما الضمان على غيرك.\nواستدلوا بأن المشتري قد قبضها بالتخلية، فصارت من ضمانه. وأجابوا عن حديث جابر بأنَّ الأمر بوضع الجوائح على الاستحباب، أو بما إذا اشتراها قبل بدو صلاحها، وأيدوا ذلك بسياق حديث أنس: نهى عن بيع النخل حتى تزهى، ثم قال: «أرأيت إذا منع الله الثمرة ...» الحديث.\nوأجاب أصحاب القول الأول عن حديث أبي سعيد -﵁- بأنها واقعة عين يحتمل فيها أنها تلفت بعد أوان الجذاذ بتفريط من المشتري بتركها على الشجرة،","vol":"6","page":146},{"text":"أو بتفريطه في حفظها بعد جذاذها، أو ما أشبه ذلك، وقالوا: التخلية وإن كانت قبضًا ليس بتام، بدليل أنَّ المبيع ما زال على البائع، فسقاءُ المزرعة على البائع حتى يأتي وقت جذاذها وقلعها، والتخلية تُجَوِّزُ التصرف في المبيع، لكن لا ترفع ضمان البائع؛ لأحاديث الباب. واختار القول الأول شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات»، ثم الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2922>مسألة [٣]: هل الجائحة في الثمار فقط، أم تشمل الزروع</span>؟\n• بعض الحنابلة على أن الوضع إنما يكون في الثمار دون الزروع، فإذا هلكت الزروع فهي من ضمان المشتري.\n• ورواية عن أحمد، وهو اختيار المجد ابن تيمية، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والسعدي وجماعة على أنَّ وضع الجوائح في الثمار والزروع. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2923>مسألة [٤]: إذا استأجر أرضًا فزرعها، فتلف الزرع</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٨١): إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا، فَزَرَعَهَا، فَتَلِفَ الزَّرْعُ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنَافِعُ الْأَرْضِ، وَلَمْ تَتْلَفْ، وَإِنَّمَا تَلِفَ مَالُ الْمُسْتَأْجِرِ فِيهَا، فَصَارَ كَدَارٍ اسْتَأْجَرَهَا لِيَقْصُرَ فِيهَا ثِيَابًا، فَتَلِفَتْ الثِّيَابُ فِيهَا. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ١٧٧ - ١٧٨) «شرح مسلم» (١٠/ ٢١٦) «الشرح الممتع» (٩/ ٣٨) «الإنصاف» (٥/ ٦٢).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٥/ ٦٤).","vol":"6","page":147},{"text":"٨٤٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ الَّذِي بَاعَهَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2924>مسألة [١]: معنى التأبير</span>.\nقال النووي -﵀-: قَالَ أَهْل اللُّغَة: يُقَال: أَبَرْت النَّخْل أَبَرْته أَبْرًا بِالتَّخْفِيفِ كَأَكَلْته أَكْلًا، وَأَبَّرْته بِالتَّشْدِيدِ أُأَبِّره تَأْبِيرًا كَعَلَّمْته أُعَلِّمهُ تَعْلِيمًا، وَهُوَ أَنْ يَشُقّ طَلْع النَّخْلَة لِيَدُرْ فِيهِ شَيْء مِنْ طَلْع ذَكَر النَّخْل، وَالْإِبَار هُوَ شَقُّه، سَوَاء حُطَّ فِيهِ شَيْء، أَوْ لَا، وَلَوْ تَأَبَّرَتْ بِنَفْسِهَا، أَيْ: تَشَقَّقَتْ، فَحُكْمهَا فِي الْبَيْع حُكْم الْمُؤَبَّرَة بِفِعْلِ الْآدَمِيّ. اهـ «شرح مسلم» (١٠/ ١٩٠ - ١٩١)، وبنحوه في «المغني» (٦/ ١٣٠)، و«تكملة المجموع» (١١/ ٣٤٦).\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٩/ ١٦ - ١٧): والصواب أنَّ الحكم معلق بالتأبير لما يلي: أولًا: لأنَّ النبي - ﷺ - علقه به، وليس لنا أن نتجاوز ما حدَّهُ الرسول - ﷺ -. ثانيًا: أنَّ البائع إذا أبَّره فقد عمل فيه عملًا يصلحه، وتعلَّقت نفسه به، بخلاف ما إذا لم يؤبره؛ فإنه لم يصنع فيه شيئًا، وعلى هذا: فالصواب أنه إذا باع نخلًا تشقق طلعه قبل أن يؤبره فالثمر للمشتري، وإن أبره فهو للبائع.\nثم قال: إذا قال قائل: لماذا عدل بعض الفقهاء ﵏ عن التأبير إلى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (١٥٤٣) (٨٠).","vol":"6","page":148},{"text":"التشقق؟ قالوا: لأنَّ التشقق هو سبب التأبير، فعلَّق النبي - ﷺ - الحكم بالتأبير والمراد سببه. فيقال: من أين الدليل على أنَّ هذا هو مراد الرسول - ﷺ -، وكلامه صريح واضح؟ فكيف يجوز لنا أن نحرفه إلى معنى آخر خلاف ظاهر اللفظ؟ ثم إنَّ العلة في كون الثمر للبائع بعد التأبير واضحة، ولا تنطبق على ما إذا تشقق بدون تأبير، وحينئذٍ لا يصح القياس، ولا تحريف الحديث إلى معنى آخر. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2925>مسألة [٢]: بيع النخل وفيها ثمر</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٠/ ١٩١): وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي حُكْم بَيْع النَّخْل الْمَبِيعَة بَعْد التَّأْبِير وَقَبْله، هَلْ تَدْخُل فِيهَا الثَّمَرَة عِنْد إِطْلَاق بَيْع النَّخْلَة مِنْ غَيْر تَعَرُّض لِلثَّمَرَةِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَات؟ فَقَالَ مَالِك، وَالشَّافِعِيّ، وَاللَّيْث، وَالْأَكْثَرُونَ: إِنْ بَاعَ النَّخْلَة بَعْد التَّأْبِير فَثَمَرَتهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطهَا الْمُشْتَرِي بِأَنْ يَقُول: اِشْتَرَيْت النَّخْلَة بِثَمَرَتِهَا هَذِهِ. وَإِنْ بَاعَهَا قَبْل التَّأْبِير فَثَمَرَتهَا لِلْمُشْتَرِي؛ فَإِنْ شَرَطَهَا الْبَائِع لِنَفْسِهِ جَازَ عِنْد الشَّافِعِيّ وَالْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ مَالِك: لَا يَجُوز شَرْطهَا لِلْبَائِعِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: هِيَ لِلْبَائِعِ قَبْل التَّأْبِير وَبَعْده عِنْد الْإِطْلَاق. وَقَالَ اِبْن أَبِي لَيْلَى: هِيَ لِلْمُشْتَرِي قَبْل التَّأْبِير وَبَعْده. فَأَمَّا الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور فَأَخَذُوا فِي الْمُؤَبَّرَة بِمَنْطُوقِ الْحَدِيث، وَفِي غَيْرهَا بِمَفْهُومِهِ، وَهُوَ دَلِيل الْخِطَاب، وَهُوَ حُجَّة عِنْدهمْ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَة فَأَخَذَ بِمَنْطُوقِهِ فِي الْمُؤَبَّرَة، وَهُوَ لَا يَقُول بِدَلِيلِ الْخِطَاب، فَأَلْحَقَ غَيَّرَ الْمُؤَبَّرَة بِالْمُؤَبَّرَةِ، وَاعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِأَنَّ الظَّاهِر يُخَالِف الْمُسْتَتِر فِي بَيْع حُكْم التَّبَعِيَّة فِي الْبَيْع كَمَا أَنَّ الْجَنِين يَتْبَع الْأُمّ فِي الْبَيْع","vol":"6","page":149},{"text":"وَلَا يَتْبَعهَا الْوَلَد الْمُنْفَصِل. وَأَمَّا اِبْن أَبِي لَيْلَى فَقَوْله بَاطِلٌ مَنَابِذ لِصَرِيحِ السُّنَّة، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ الْحَدِيث، وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ\nوقد قال الأوزاعي بقول أبي حنيفة كما في «المغني».\nقلتُ: وقول مالك في أنَّ البائع ليس له استثناء غير المؤبرة حجته في ذلك أنَّ اشتراطه لها بمنزلة شرائه لها قبل بدو صلاحها، وأُجيب بأنه استثناء لبعض ما وقع عليه العقد، وهو معلوم، ولا يكون ذلك اشتراءً منه للثمرة، فالصحيح قول الجمهور في المسائل التي ذكرها النووي -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2926>مسألة [٣]: الثمرة إذا استثناها البائع، فهل يلزمه قطعها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٣٢): الثَّمَرَةَ إذَا بَقِيَتْ لِلْبَائِعٍ؛ فَلَهُ تَرْكُهَا فِي الشَّجَرِ إلَى أَوَانِ الْجِزَازِ، سَوَاءٌ اسْتَحَقَّهَا بِشَرْطِهِ أَوْ بِظُهُورِهَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ قَطْعُهَا، وَتَفْرِيغُ النَّخْلِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَشْغُولٌ بِمُلْكِ الْبَائِعِ، فَلَزِمَ نَقْلُهُ وَتَفْرِيغُهُ.\nثم أجاب ابن قدامة على أبي حنيفة، فقال: وَلَنَا أَنَّ النَّقْلَ وَالتَّفْرِيغَ لِلْمَبِيعِ عَلَى حَسَبِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا طَعَامٌ، لَمْ يَجِبْ نَقْلُهُ إلَّا عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَنْقُلَهُ نَهَارًا، شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ النَّقْلُ لَيْلًا، وَلَا جَمْعُ دَوَابِّ الْبَلَدِ لِنَقْلِهِ.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ١٣١) «تكملة المجموع» (١١/ ٣٣٩).","vol":"6","page":150},{"text":"قال: كَذَلِكَ هَاهُنَا يُفَرِّغُ النَّخْلَ مِنْ الثَّمَرَةِ فِي أَوَانِ تَفْرِيغِهَا وَهُوَ أَوَانُ جِزَازِهَا.\nقال: فَإِذَا كَانَ الْمَبِيعُ نَخْلًا، فَحِينَ تَتَنَاهَى حَلَاوَةُ ثَمَرِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا بُسْرُهُ خَيْرٌ مِنْ رُطَبِهِ، أَوْ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَخْذِهِ بُسْرًا؛ فَإِنَّهُ يَجُزُّهُ حِينَ تَسْتَحْكِمُ حَلَاوَةُ بُسْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْعَادَةُ، فَإِذَا اسْتَحْكَمَتْ حَلَاوَتُهُ، فَعَلَيْهِ نَقْلُهُ. وَإِنْ قِيلَ: بَقَاؤُهُ فِي شَجَرِهِ خَيْرٌ لَهُ وَأَبْقَى؛ فَعَلَيْهِ النَّقْلُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي النَّقْلِ قَدْ حَصَلَتْ، وَلَيْسَ لَهُ إبْقَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عِنَبًا، أَوْ فَاكِهَةً سِوَاهُ، فَأَخَذَهُ حِينَ يَتَنَاهَى إدْرَاكُهُ، وَتَسْتَحْكِمُ حَلَاوَتُهُ، وَيُجَزُّ مِثْلُهُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2927>مسألة [٤]: إذا أبر بعض النخل دون بعض</span>؟\n• مذهب أحمد، وأكثر أصحابه أن ما أبر للبائع، وما لم يؤبر للمشتري؛ لظاهر الحديث.\n• وقال ابن حامد الحنبلي: الكل للبائع. وهو قول الشافعي، حتى لا يؤدي إلى الإضرار باشتراك الأيدي في البستان، فيجعل ما لم يؤبر تبعًا لما أبر.\nوقد رجَّح الإمام ابن عثيمين القول الأول؛ لظاهر الحديث، وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2928>مسألة [٥]: إذا أبرت بعض ثمرة النخلة الواحدة دون ثمرها الآخر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٣٧): فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ تَأْبِيْرَ بَعْضِ النَّخْلَةِ يَجْعَلُ جَمِيْعَهَا لِلْبَائِعِ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ١٣٣) «الشرح الممتع» (٩/ ١٧) «تكملة المجموع» (١١/ ٣٥٨).","vol":"6","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2929>مسألة [٦]: إذا احتاجت الثمرة إلى السقي</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٣٧): وَإِذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعٍ مُبَقَّاةً فِي شَجَرِ الْمُشْتَرِي، فَاحْتَاجَتْ إلَى سَقْيٍ؛ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى بِهِ، فَلَزِمَهُ تَمْكِينُهُ مِنْهُ، كَتَرْكِهِ عَلَى الْأُصُولِ، وَإِنْ أَرَادَ سَقْيَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَلِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِسَقْيِهِ يَتَضَمَّنُ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا أَبَاحَتْهُ الْحَاجَةُ؛ فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْحَاجَةُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ؛ فَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى السَّقْيِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الشَّجَرِ، أَوْ احْتَاجَ الشَّجَرُ إلَى سَقْيٍ يَضُرُّ بِالثَّمَرَةِ، فَقَالَ الْقَاضِي: أَيُّهُمَا طَلَبَ السَّقْيَ لِحَاجَتِهِ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ اقْتَضَى عَقْدُهُ تَبْقِيَةَ الثَّمَرَةِ، وَالسَّقْيُ مِنْ تَبْقِيَتِهَا، وَالْعَقْدُ اقْتَضَى تَمْكِينَ الْمُشْتَرِي مِنْ حِفْظِ الْأُصُولِ، وَتَسْلِيمِهَا، فَلَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ لِلْآخَرِ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ؛ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْحَاجَةِ، رُجِعَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ. وَأَيُّهُمَا الْتَمَسَ السَّقْيَ؛ فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لِحَاجَتِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2930>مسألة [٧]: إذا خيف على الأصول العطش بتبقية الثمر عليها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٣٧ -): فَإِنْ خِيفَ عَلَى الْأُصُولِ الضَّرَرُ بِتَبْقِيَةِ الثَّمَرَةِ عَلَيْهَا؛ لِعَطَشٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالضَّرَرُ يَسِيرٌ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَطْعِهَا؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحِقَّةٌ لِلْبَقَاءِ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى إزَالَتِهَا لِدَفْعِ ضَرَرٍ يَسِيرٍ عَنْ غَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، فَخِيفَ عَلَى الْأُصُولِ الْجَفَافُ أَوْ نَقْصُ حَمْلِهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا","vol":"6","page":152},{"text":"يُجْبَرُ أَيْضًا لِذَلِكَ. الثَّانِي: يُجْبَرُ عَلَى الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُهَا وَإِنْ لَمْ تُقْطَعْ، وَالْأُصُولُ تَسْلَمُ بِالْقَطْعِ، فَكَانَ الْقَطْعُ أَوْلَى. وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالْوَجْهَيْنِ. اهـ\nقلتُ: والوجه الثاني أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2931>مسألة [٨]: إذا باع شجرًا وفيه ثمر للبائع، فحدثت ثمرة أخرى</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٣٨): وَإِذَا بَاعَ شَجَرًا فِيهِ ثَمَرٌ لِلْبَائِعٍ، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى، أَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً فِي شَجَرِهَا، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى؛ فَإِنْ تَمَيَّزَتَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ ثَمَرَتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى، فَهُمَا شَرِيكَانِ فِيهِمَا، كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ ثَمَرَتِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، اصْطَلَحَا عَلَيْهَا، وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يَتَعَذَّرْ تَسْلِيمُهُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ.\nثم نقل عن الْقَاضِي أنه قال: إنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى، قِيلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ: اسْمَحْ بِنَصِيبِك لِصَاحِبِك؛ فَإِنْ فَعَلَهُ أَحَدُهُمَا، أَقْرَرْنَا الْعَقْدَ وَأَجْبَرْنَا الْآخَرَ عَلَى الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ بِهِ النِّزَاعُ، وَإِنْ امْتَنَعَا، فَسَخْنَا الْعَقْدَ؛ لِتَعَذُّرِ وُصُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى قَدْرِ حَقِّهِ. وَإِنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى، لَمْ نَقُلْ لِلْمُشْتَرِي: اسْمَحْ بِنَصِيبِك؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ كُلُّ الْمَبِيعِ، فَلَا يُؤْمَرُ بِتَخْلِيَتِهِ كُلِّهِ، وَنَقُولُ لِلْبَائِعِ ذَلِكَ؛ فَإِنْ سَمَحَ بِنَصِيبِهِ لِلْمُشْتَرِي أَجْبَرْنَاهُ عَلَى الْقَبُولِ، وَإِلَّا فُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «تكملة المجموع» (١١/ ٤٠٤).","vol":"6","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2932>مسألة [٩]: إذا باع أرضًا وفيها زرعٌ لا يحصد إلا مرة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٣٩): إذَا بَاعَ الْأَرْضَ وَفِيهَا زَرْعٌ لَا يُحْصَدُ إلَّا مَرَّةً، كَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْقَطَانِيِّ، وَمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ مُسْتَتِرٌ، كَالْجَزَرِ، وَالْفُجْلِ، وَالْبَصَلِ، وَالثُّومِ، وَأَشْبَاهِهَا، فَاشْتَرَطَهُ لِلْمُشْتَرِي؛ فَهُوَ لَهُ، قَصِيلًا كَانَ أَوْ ذَا حَبٍّ، مُسْتَتِرًا أَوْ ظَاهِرًا، مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا؛ لِكَوْنِهِ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، فَلَمْ يَضُرَّ جَهْلُهُ وَعَدَمُ كَمَالِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَجَرَةً فَاشْتَرَطَ ثَمَرَتَهَا بَعْدَ تَأْبِيرِهَا، وَإِنْ أُطْلِقَ الْبَيْعُ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِي الْأَرْضِ، فَهُوَ كَالْكَنْزِ، وَالْقُمَاشِ، وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلنَّقْلِ، فَأَشْبَهَ الثَّمَرَةَ الْمُؤَبَّرَةَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.\nقال: وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ مُبْقًى فِي الْأَرْضِ إلَى حِينِ الْحَصَادِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ حَصَلَتْ مُسْتَثْنَاةً لَهُ، وَعَلَيْهِ حَصَادُهُ فِي أَوَّلِ وَقْتِ حَصَادِهِ، وَإِنْ كَانَ بَقَاؤُهُ أَنْفَعَ لَهُ، كَقَوْلِنَا فِي الثَّمَرَةِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ نَقْلُهُ عَقِيبَ الْبَيْعِ. كَقَوْلِهِ فِي الثَّمَرَةِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2933>مسألة [١٠]: إذا باع أرضًا وفيها زرع يجز مرة بعد أخرى</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٤٠): وَإِنْ بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى؛ فَالْأُصُولُ لِلْمُشْتَرِي، وَالْجَزَّةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ الْبَيْعِ لِلْبَائِعِ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَبْقَى سَنَةً كَالْهِنْدَبَا، وَالْبُقُولِ، أَوْ أَكْثَرَ كَالرَّطْبَةِ، وَعَلَى الْبَائِعِ قَطْعُ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْهُ فِي الْحَالِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَطُولُ، وَيَخْرُجُ غَيْرُ مَا","vol":"6","page":154},{"text":"كَانَ ظَاهِرًا، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الْأُصُولِ الَّتِي هِيَ مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِي، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا تُكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ، كَالْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْبَاذِنْجَانِ، وَشِبْهِهِ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَالثَّمَرَةُ الظَّاهِرَةُ عِنْد الْبَيْع لِلْبَائِعِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2934>مسألة [١١]: إذا باع أرضًا، فهل يدخل فيها البناء والشجر الموجود فيها</span>؟\nقال السبكي -﵀- في «تكملة المجموع» (١١/ ٢٤٩): وقد رأيت ابن حزم الظاهري ادَّعى الإجماع في كتابه «المحلى» على أنَّ من اشترى أرضًا فهي له بكل ما فيها من بناء قائم، أو شجر ثابت، وهذه دعوى منكرة، وهي بإطلاقها تشمل ما إذا قال بحقوقها وما إذا لم يقل، بل هي ظاهرة في الثاني والخلاف مشهور في المذهب. اهـ\nقلتُ: أما إذا قال بحقوقها؛ فعامة أهل العلم على أنَّ البناء، والشجر يتبعها، وخالف بعض الشافعية، وأما إذا لم يقل بحقوقها؛ فخالف بعض الشافعية، والحنابلة فقالوا: لا يتبع الأرضَ البناءُ والشجرُ، والأكثر على أنه يتبع، وهذا أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2935>مسألة [١٢]: هل بيع الغراس والبناء يتبعه الأرض</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ الأرض لا تتبع؛ لأنَّ الأرض أصل، والشجر والبناء فرع.\n• ومذهب أبي حنيفة، ومالك استتباع الأرض للغرس والبناء.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٩/ ١١): النخل فرعٌ؛ فلا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ١٤٢) «الإنصاف» (٥/ ٤٤ -) «الشرح الممتع» (٩/ ١٠) «المحلى» (١٦٢٤).","vol":"6","page":155},{"text":"يتبعه الأصل، فالأرض أصل والنخل فرع، ولا يمكن أن يتبع الأصل الفرع، ولكن في عرفنا نحن وإلى عهد قريب إذا باع عليه النخلة، أو باع عليه أثلة، أو ما أشبه ذلك؛ فإنه يشمل الأرض، ولا يعرف الناس إلا هذا، وعليه فيجب أن تنزل الألفاظ على الحقائق العرفية؛ مالم ينص على أنَّ المراد بها الحقائق اللغوية، فيتبع ما نصَّ عليه، وأما عند الإطلاق؛ فالواجب حمل الألفاظ على لسان أهل العرف، وهذه قاعدة مُطَّرِدة: (أنَّ الواجب حمل الألفاظ على لسان أهل العرف) فما اقتضاه لسان أهل العرف وجب حمل اللفظ عليه، وما لا فلا. اهـ\nقلتُ: وهذه القاعدة التي ذكرها ابن عثيمين -﵀- تتنزل على المسائل السابقة كلها؛ فإنْ كان للبائع والمشتري عرف مخالف لما تقدم ترجيحه؛ فالعرف مقدم؛ لأنه قائم مقام الاشتراط، فتنبه!. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2936>مسألة [١٣]: إذا باع دارًا، فهل يتبعها كل ما فيها</span>؟\nذكر أهل العلم على أن بيعها بالإطلاق يشمل الأشياء المتصلة بها، ولا يشمل الأشياء المنفصلة، ومثال المتصلة: أرض الدار، وسقفها، وأبوابها، وأحجارها، ومثال المنفصلة: الفرش، والستور، وما أشبه ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2937>مسألة [١٤]: إذا باع أرضًا وفيها كنز</span>؟\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٩/ ٨): الكنز مودع في\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ١٤٢) «تكملة المجموع» (١١/ ٢٤٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ١٤٣) «الشرح الممتع» (٩/ ٤ -).","vol":"6","page":156},{"text":"الأرض؛ فلا يدخل في البيع؛ لأنه منفصل، فإذا وجد المشتري في هذه الأرض كنزًا؛ فإنه لا يدخل في البيع، بل يكون لصاحبه إذا كان مكتوبًا عليه، أو ما أشبه ذلك، وإن لم يكن مكتوبًا عليه؛ فإنه لمن وجده؛ لأنه ليس داخلًا في البيع. اهـ\nوقد أشرنا إلى المسألة الأخيرة من كلامه -﵀- في كتاب الزكاة عند الكلام على الرِّكاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2938>مسألة [١٥]: إذا باع أرضًا وفيها بئر، أو عين</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ١٤٥): وَإِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ بِئْرٌ أَوْ عَيْنٌ مُسْتَنْبَطَةٌ، فَنَفْسُ الْبِئْرِ وَأَرْضُ الْعَيْنِ مَمْلُوكَةٌ لِمَالِكِ الْأَرْضِ، وَالْمَاءُ الَّذِي فِيهَا غَيْرُ مَمْلُوكٍ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ إلَى مِلْكِهِ، فَأَشْبَهَ الْمَاءَ الْجَارِيَ فِي النَّهْرِ إلَى مِلْكِهِ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: يَدْخُلُ فِي الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ الْمِلْكِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُمْلَكُ.\nثم قال: وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي النَّابِتِ فِي أَرْضِهِ مِنْ الْكَلَأِ وَالشَّوْكِ، فَفِي كُلِّ ذَلِكَ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَاءِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنه لا يملك الماء، ولكنه أحق به، وليس له أن يمنع ما فضل عن حاجته، وتقدم ذكر المسائل المتعلقة بذلك تحت حديث (٧٧٨).","vol":"6","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2939>مسألة [١٦]: إذا باع عبدًا، وله مال، أو أمةً ولها حُلي</span>؟\nالمال والحلي للبائع؛ إلا أن يشترط المبتاع، وهو قول عامة أهل العلم، وممن نصَّ على ذلك ابن عمر، ونافع، وشريح، وعطاء، وطاوس، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم؛ لحديث ابن عمر -﵄- في «الصحيحين»: «من باع عبدًا له مال؛ فماله للذي باع إلا أن يشترط المبتاع». (^١)\nتنبيه: الأشجار الأخرى غير النخل إذا ظهرت الثمرة فيها فحكمها حكم النخلة التي قد أُبِّرت ثمرتها. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٢٣٧٩) «شرح مسلم» (١٥٤٣) «المغني» (٦/ ٢٥٧، ٢٥٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ١٣٥ -).","vol":"6","page":158},{"text":"أَبْوَابُ السَّلَمِ () هو بيع شيء موصوف بالذمة إلى أجل معلوم بمال مأخوذ في مجلس العقد. وَالقَرْضِ وَالرَّهْنِ\nأَبْوَابُ السَّلَمِ وَالقَرْضِ وَالرَّهْنِ\n\n٨٤١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - المَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونِ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلْبُخَارِيِّ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ». (^١)\n\n٨٤٢ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى وَعَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى -﵄- قَالَا: كُنَّا نُصِيبُ المَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ فَنُسْلِفُهُمْ فِي الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَالزَّيْتِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، قِيلَ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَا: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2940>مسألة [١]: تعريف السَّلَم</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني»: هُوَ أَنْ يُسْلِمَ عِوَضًا حَاضِرًا، فِي عِوَضٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ إلَى أَجَلٍ، وَيُسَمَّى سَلَمًا، وَسَلَفًا. يُقَالُ: أَسْلَمَ، وَأَسْلَفَ، وَسَلَّفَ. وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ، يَنْعَقِدُ بِمَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ، وَبِلَفْظِ السَّلَمِ وَالسَّلَفِ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٣٩) (٢٢٤٠)، ومسلم (١٦٠٤).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٢٥٤) (٢٢٥٥).","vol":"6","page":159},{"text":"وَيُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَيْعِ. اهـ\nقال النووي -﵀-: وَسُمِّيَ سَلَمًا لِتَسْلِيْمِ رَأْسِ المَالِ فِي المَجْلِسِ، وَسُمِّيَ سَلَفًا لِتَقْدِيْمِ رَأْسِ المَال. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2941>مسألة [٢]: مشروعية السلم</span>.\nدلَّ على مشروعية السلم الكتاب والسنة والإجماع.\nأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] الآية.\nوأما السنة: فأحاديث الباب تدل عليه. وأما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم، كابن المنذر، وابن قدامة، والنووي، وغيرهم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2942>مسألة [٣]: شروط السلم</span>.\nللسَّلم شروطٌ زائدة على الشروط المعتبرة في البيع وهي:\nالشرط الأول: أن يصفه بوصف يضبط به.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١١/ ٤١): وأجمعوا على اشتراط وصفه بما يضبط به. اهـ\nوقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٢٢٤٢): أجمعوا على أنه لا بد من\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٨٤) «الفتح» (٢٢٣٩) «شرح مسلم» (١١/ ٤١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٣٨٤) «شرح مسلم» (١١/ ٤١).","vol":"6","page":160},{"text":"معرفة صفة الشيء المسلم فيه صفة تميزه عن غيره. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2943>مسألة [٤]: هل يصح السلم في الجواهر</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٣٨٦): وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ، كَالْجَوْهَرِ مِنْ اللُّؤْلُؤ، وَالْيَاقُوتِ، وَالْفَيْرُوزَجِ، وَالزَّبَرْجَدِ، وَالْعَقِيقِ، وَالْبَلُّورِ؛ لِأَنَّ أَثْمَانَهَا تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا بِالصِّغَرِ، وَالْكِبَرِ، وَحُسْنِ التَّدْوِيرِ، وَزِيَادَةِ ضَوْئِهَا، وَصَفَائِهَا، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا بِبَيْضِ الْعُصْفُورِ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، وَلَا بِشَيْءِ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتْلَفُ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ صِحَّةُ السَّلَمِ فِيهَا، إذَا اشْتَرَطَ مِنْهَا شَيْئًا مَعْلُومًا، وَإِنْ كَانَ وَزْنًا؛ فَبِوَزْنٍ مَعْرُوفٍ. اهـ\nقلتُ: إن استُطِيع ضبطها بما قال مالك؛ فيجوز، وإلا فلا، كما قال الجمهور، والله أعلم. وظاهر اختيار الشيخ ابن عثيمين هو قول الجمهور، كما في «الشرح الممتع» (٩/ ٥٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2944>مسألة [٥]: السَّلَم في الخبز وما مسته النار</span>.\n• منع من ذلك الشافعي؛ لأنَّ النار تختلف ويختلف عملها، ويختلف الثمن بذلك. وأجاز ذلك الحنابلة؛ لعموم حديث ابن عباس -﵄-: «من أسلف في شيء»، ولأنَّ عمل النار فيه معلوم بالعادة، ممكنٌ ضبطه بالنشافة، والرطوبة، فصح السلم فيه كالمجفف بالشمس.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٣٩١).","vol":"6","page":161},{"text":"قلتُ: قول الحنابلة أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2945>مسألة [٦]: هل يصح السلم في الحيوان</span>؟\n• في المسألة قولان:\nالقول الأول: لا يصح السلم فيه، وهو قول سعيد بن جبير، والشعبي، وشريح، والثوري، وأصحاب الرأي، ورواية عن أحمد، وجاء عن عمر، وحذيفة، ولا يثبت عنهما، وجاء عن ابن مسعود كراهة ذلك. أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح. وحجتهم في ذلك أنَّ الحيوان يختلف اختلافًا متباينًا، فلا يمكن ضبطه.\nالقول الثاني: صحة السلم فيه، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والشعبي، ومجاهد، والزهري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وصح عن ابن عمر، وجاء عن ابن مسعود بإسنادٍ منقطع.\nواستدلوا على ذلك بحديث أبي رافع أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استسلف من رجلٍ بكرًا ... الحديث أخرجه مسلم برقم (١٦٠٠)، وبحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمره أن يشتري البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة. وقد تقدم برقم (٨٢٦).\nوقالوا: يمكن ضبطه بالسن، والنوع، والذكورة، والأنوثة، والصفات التي يختلف بها الثمن. وهذا القول أقرب، والله أعلم، وهو ظاهر اختيار الشيخ ابن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٨٧).","vol":"6","page":162},{"text":"عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2946>مسألة [٧]: السلم في اللحم</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٣٩١): وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي اللَّحْمِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مَنْ أَسْلَمَ؛ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ»، وَظَاهِرُهُ إبَاحَةُ السَّلَمِ فِي كُلِّ مَوْزُونٍ. وَلِأَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ؛ فَاللَّحْمُ أَوْلَى. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2947>مسألة [٨]: السلم في الرؤوس والأطراف</span>.\n• قال بالجواز مالك، والأوزاعي، وأبو ثور، وأحمد في رواية، والشافعي في قولٍ له؛ لأنه لحم فيه عظم يجوز شراؤه؛ فجاز السلم فيه كبقية اللحم.\n• وقال بعدم الجواز أبو حنيفة، وأحمد في رواية، والشافعي في قولٍ له؛ لأنَّ أكثره العظام وغير اللحم، واللحم فيه قليل، وليس بموزون، بخلاف اللحم.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\nالشرط الثاني: تحديد الكيل أو الوزن، أو الذرع فيما يُكال أو يوزن، أو يذرع.\nويدل على هذا الشرط حديث ابن عباس -﵄- الذي في الباب: «... فليُسلف في شيء معلومٍ إلى أجل معلوم».\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٨٨ -) «مصنف ابن أبي شيبة» (٧/ ٤٥٥ - ٤٥٩) ط/الرشد «الشرح الممتع» (٩/ ٦٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٣٩٠).","vol":"6","page":163},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٢٢٤٢): قَالَ اِبْن بَطَّال: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي السَّلَم مَا يُكَال أَوْ يُوزَن؛ فَلَا بُدّ فِيهِ مِنْ ذِكْر الْكَيْل الْمَعْلُوم، وَالْوَزْن الْمَعْلُوم؛ فَإِنْ كَانَ فِيمَا لَا يُكَال وَلَا يُوزَن؛ فَلَا بُدّ فِيهِ مِنْ عَدَد مَعْلُوم. قُلْت: أَوْ ذَرْع مَعْلُوم، وَالْعَدَد وَالذَّرْع مُلْحَق بِالْكَيْلِ وَالْوَزْن؛ لِلْجَامِعِ بَيْنهمَا وَهُوَ عَدَم الْجَهَالَة بِالْمِقْدَارِ. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ الْمَذْرُوعِ بِالذَّرْعِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السَّلَمَ جَائِزٌ فِي الثِّيَابِ بِذَرْعِ مَعْلُومٍ. اهـ «المغني» (٦/ ٤٠١).\nتنبيه: ويدخل في هذا الشرط تعيين المكيال.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٢٤٠): واتفقوا على تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل، كصاع الحجاز، وقفيز العراق، وإردب مصر. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٠٠): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلَمَ فِي الطَّعَامِ لَا يَجُوزُ بِقَفِيزٍ لَا يُعْلَمُ عِيَارُهُ، وَلَا فِي ثَوْبٍ بِذَرْعِ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ الْمِعْيَارَ لَوْ تَلِفَ، أَوْ مَاتَ فُلَانٌ، بَطَلَ السَّلَمُ، مِنْهُمْ: الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَإِنْ عَيَّنَ مِكْيَالَ رَجُلٍ أَوْ مِيزَانَهُ، وَكَانَا مَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ الْعَامَّةِ؛ جَازَ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفَا؛ لَمْ يَجُزْ. اهـ","vol":"6","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2948>مسألة [٩]: هل يصح السلم فيما يكال وزنًا، وفيما يوزن كيلًا</span>؟\n• أكثر أهل العلم على جواز ذلك، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وابن المنذر، وأحمد في رواية؛ لأنَّ المقصود هو تحديد المقدار، وذلك يحصل بالكيل، أو بالوزن، ورجَّح هذا الإمام ابن عثيمين.\n• وعن أحمد رواية بمنع ذلك، وعن بعض الشافعية منع السلم في الموزون كيلًا.\nوالصحيح قول الجمهور، وإنما اعتبرنا الكيل والوزن في باب الربا؛ لأنه يشترط التماثل، والشرع اعتبر التماثل في المكيلات بالكيل، وإن اختلف وزنها، وفي الموزونات بالوزن، وإن اختلف كيلها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2949>مسألة [١٠]: السلم في غير المكيل والموزون من الأطعمة</span>.\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى صحة السلم في ذلك، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، والأوزاعي، وأحمد في رواية؛ لأنَّ كثيرًا من ذلك مما يتقارب وينضبط بالصغر والكبر، وما لا يتقارب ينضبط بالوزن.\n• ونقل ابن المنذر عن أحمد، وإسحاق أنهما قالا: لا خير في السلم في الرمان، والسفرجل، والبطيخ، والقثاء، والخيار؛ لأنه لا يكال، ولا يوزن، ومنه الصغير والكبير، ونقل عن الشافعي أنه قال بالمنع من السلم في البيض والجوز.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٠٠)، «الفتح» (٢٢٤٠)، «شرح مسلم» (١١/ ٤٢)، «الشرح الممتع» (٩/ ٧٤).","vol":"6","page":165},{"text":"قلتُ: والراجح هو الجواز، والله أعلم. (^١)\n• واختلف القائلون بالجواز هل تسلم عددًا، أم وزنًا، وهي على نوعين:\n١) ما يتباين ويتفاوت في كبره وصغره، كالرمان، والبطيخ، والسفرجل، والخيار، فأكثر أهل العلم على أنه يسلم فيها وزنًا، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، ووجهٌ للحنابلة، وهذا هو الصواب.\nوللحنابلة وجه أنه يسلم فيها بالعدد، ويضبطه بالصغر والكبر.\n٢) مالا يتباين كثيرًا كالجوز، والبيض ونحوهما، فيسلم فيه عددًا عند الحنابلة، وأبي حنيفة، والأوزاعي، وقال الشافعي: يسلم فيها كيلًا، أو وزنًا، ولا يجوز عددًا لتباينها كالبطيخ.\nقلتُ: والأظهر هو جواز إسلامها عددًا؛ لأنَّ التباين يسير، والأحوط وزنًا، والله أعلم. (^٢)\nالشرط الثالث: أن يكون الأجل معلومًا.\nويدل على هذا الشرط حديث ابن عباس الذي في الباب.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٠٣): ولا نعلم في اشتراط العلم في الجملة اختلافًا. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٣٨٩ - ٣٩٠).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٦/ ٤٠١ - ٤٠٢).","vol":"6","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2950>مسألة [١١]: هل يصح السلم الحال</span>؟\nالسلم الحال: هو أن يسلم المال مقابل سلعة موصوفة بالذمة، فلا يجعلون أجلًا، بل يذهب ليعطيه في الحال.\n• وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى منع ذلك، وهو قول أحمد، ومالك، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وعزاه الحافظ إلى الأكثر.\nواستدلوا بقوله في حديث ابن عباس: «إلى أجل معلوم».\n• وذهب الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر إلى جواز ذلك، وقالوا: إذا كان السلم جائزًا مؤجلًا مع الغرر؛ فجواز الحال أولى؛ لأنه أبعد من الغرر.\nوليس ذكر الأجل في الحديث لاشتراط الأجل، بل معناه: إن كان أجلًا فليكن معلومًا كما أنَّ الكيل ليس بشرط.\nبل يجوز السلم في الثياب بالذرع، وإنما ذكر الكيل بمعنى أنه إن أسلم في مكيل؛ فليكن كيلًا معلومًا أو في موزون؛ فليكن وزنًا معلومًا.\nوهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام، والشيخ ابن عثيمين، وهو الصواب، والله أعلم؛ إلا أن شيخ الإسلام قيَّد الجواز بما إذا كان المسلم فيه موجودًا في ملكه. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «شرح مسلم» (١١/ ٤١) «الفتح» (٢٢٥٣) «المغني» (٦/ ٤٠٢) «الشرح الممتع» (٩/ ٧٧ - ٧٨) «الاختيارات» (ص ١٣١)، «الأوسط» (١٠/ ٢٩٤).","vol":"6","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2951>مسألة [١٢]: السلم إلى الحصاد، أو الجزاز، وما أشبهه</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٠٣): وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤَجِّلَهُ بِالْحَصَادِ، وَالْجِزَازِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (^١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَبْتَاعُ إلَى الْعَطَاء. (^٢) وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى. اهـ\nقلتُ: والقول بالجواز أقرب، وهو اختيار شيخ الإسلام -﵀-؛ لأنه قد حدد الأجل، وأصبح معلومًا بينهما، والله أعلم.\nتنبيه: التأجيل إذا حُدِّدَ بالأَشْهُر الهلالية؛ جاز وصح بلا خلاف، وإذا حُدِّد بتاريخ العجم فيجوز إذا كان معلومًا عند الأكثر، وهو الصحيح. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2952>مسألة [١٣]: هل يشترط في المدة وقتًا معينًا</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنه يشترط في المدة أن يكون لها وقع في الثمن، ومذهب الحنفية الصحة، ولو بنصف يوم، وقال الأوزاعي: ثلاثة أيام.\n• ومذهب الشافعي وآخرين: أنَّ أقل مدة يتصور فيها تحصيل السلم تجوز في السلم وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين وهو مقتضى اختيار شيخ الإسلام -﵀-. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٦٩ - ٧٠)، وعبدالرزاق (٨/ ٦) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٧١)، وفي إسناده: حجاج بن أرطاة، وهو مدلس فيه ضعف، وقد عنعن.\n(^٣) انظر: «المغني» (٦/ ٤٠٥) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٥٢)، «الأوسط» (١٠/ ٢٨٠ -).\n(^٤) انظر: «المغني» (٦/ ٤٠٤) «الشرح الممتع» (٩/ ٧٧).","vol":"6","page":168},{"text":"الشرط الرابع: كون المسلم فيه موجودًا في محله.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٠٦): لا نعلم فيه خلافًا. اهـ\nأي: في اشتراطه، ومعنى هذا الشرط: أنه لا يجوز أن يسلم في شيء، وهذا الشيء لا يستطاع إيجاده في أجل التسليم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2953>مسألة [١٤]: وهل يشترط أن يكون الشيء موجودًا عند العقد</span>؟\n• جمهور العلماء على أنه لا يشترط ذلك؛ لحديث عبد الرحمن بن أبزى، وعبدالله بن أبي أوفى، وفيه: «أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم ذلك».\n• واشترط ذلك أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، فقالوا: لا يسلم إلا في شيء موجود، لا ينقطع قبل محل التسليم.\nقلتُ: الصواب قول الجمهور، ولا دليل لهم على اشتراط ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2954>مسألة [١٥]: إذا أسْلَمَ في شيء موجود، ثم عدم في وقت التسليم</span>.\n• ذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى أنَّ العقد ينفسخ بمجرد التعذر.\n• ومذهب الجمهور أنه لا ينفسخ، وقالوا: الْمُسْلِمُ بالخيار بين أن يصبر إلى أن يوجد فيطالب به، وبين أن يفسخ العقد ويرجع بالثمن إن كان موجودًا، أو بمثله إن كان مثليًّا، أو بقيمته إن كان متقومًا، ومذهب الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٢٢٤٤) «المغني» (٦/ ٤٠٦ - ٤٠٧).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢٢٤٤) «المغني» (٦/ ٤٠٧).","vol":"6","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2955>مسألة [١٦]: هل يصح السلم في بستان معين</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٠٦): وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ، وَلَا قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُؤْمَنُ تَلَفُهُ وَانْقِطَاعُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إبْطَالُ السَّلَمِ إذَا أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا عَنْهُ ذَلِكَ: الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَإِسْحَاقُ. اهـ\nقلتُ: ونقل الحافظ -﵀- عن المالكية جواز ذلك إذا كان بعد بدو الصلاح، واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود (٣٤٦٧)، وابن ماجه (٢٢٨٤)، من طريق رجل نجراني عن ابن عمر، أنَّ رجلًا أسلم في حديقة قبل أن تطلع، فلم تطلع ذلك العام شيئًا، فقال المشتري: هو لي حتى تطلع. وقال البائع: إنما بعتك هذه السنة. فاختصما إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: «اردد عليه ما أخذت منه، ولا تسلموا في نخل حتى يبدو صلاحه».\nقال الحافظ -﵀-: وهذا الحديث فيه ضعفٌ، ونقل ابن المنذر اتفاق الأكثر على منع السلم في بستان معين؛ لأنه غرر، وقد حمل الأكثر الحديث المذكور على السلم الحال. اهـ «الفتح» (٢٢٥٠).\nقلتُ: الحديث ضعيف بسبب الرجل المبهم الذي روى الحديث عن ابن","vol":"6","page":170},{"text":"عمر -﵄-. (^١)\nالشرط الخامس: أن يقبض الثمن كاملا في مجلس العقد.\nوقد اشترط هذا الشرط عامة أهل العلم؛ لأنَّ السلم الذي أباحه الشرع إنما هو بهذه الصورة، ولأنه إذا أخرَّ الثمن ولم يسلمه في مجلس العقد؛ أصبح بيع دين بدين، وهذا لا يجوز عند أهل العلم.\nوجاء عن مالك أنه أجاز تأخير المال اليوم واليومين، والثلاثة، إذا لم يكن ذلك عن شرط؛ لأنه معاوضه لا يخرج بتأخير قبضه عن أن يكون سلمًا، فأشبه ما لو تأخر إلى آخر المجلس.\nقال ابن قدامة -﵀-: ولنا أنه عقد معاوضة لا يجوز فيه شرط تأخير العوض المطلق، فلا يجوز التفرق فيه قبل القبض، كالصرف، ويفارق المجلس ما بعده بدليل الصرف. اهـ\nقلتُ: الصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2956>مسألة [١٧]: إذا قبض بعض الثمن ثم تفرقا</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ السلم يصح في المقدار الذي قبضه فقط، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وهو وجهٌ للحنابلة.\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (١٠/ ٢٨٥).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢٢٤٤) «المغني» (٦/ ٤٠٩).","vol":"6","page":171},{"text":"• وذهب جماعة إلى أنَّ السلم لا يصح، وهو قول ابن شبرمة، والثوري، ووجهٌ للحنابلة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إنْ جعلا ذلك المبلغ الذي قبض مقابل مقدارٍ معين؛ صحَّ السلم فيما قبض، وإن جعلاه سلمًا للمسلم فيه كاملًا على أن يعطيه المال المتبقي في وقت آخر؛ فالسلم لا يصح كاملًا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2957>مسألة [١٨]: هل يشترط في السلم تعيين مكان القبض</span>؟\n• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى عدم اشتراط ذلك، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، ومالك، وأبي يوسف، ومحمد، وهو قولٌ للشافعي، وعزاه ابن المنذر إلى طائفة من أهل الحديث.\nواستدل هؤلاء على عدم الاشتراط بحديثي الباب، فليس فيهما ذكر اشتراط تعيين مكان القبض.\n• وذهب الثوري، والأوزاعي، والشافعي في قول، وأبو حنيفة إلى اشتراط تعيين مكان القبض، واشترط بعضهم ذلك فيما له في حمله ونقله مؤنة، حتى لا يحدث نزاع وخلاف بعد ذلك.\nوالصحيح أن السلم يصح، ولو لم يذكر مكان الإيفاء، وقال مالك، وجماعة من الحنابلة: يفيه في المكان الذي تعاقدا فيه. وقال آخرون: يرجع ذلك إلى العرف. ورجَّح هذا الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» وهو الراجح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٠٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٤١٤) «الفتح» (٢٢٤٤)، «الأوسط» (١٠/ ٢٧٥).","vol":"6","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2958>مسألة [١٩]: لو أن شخصًا أسلم رجلا في طعام يوفيه إياه في مكة، فوجده في غير مكة، وأعطاه، وأعطاه كراء حمله إلى مكة، فما الحكم</span>؟\n• قال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٠/ ٣١١): واختلفوا في الرجل يسلم إلى الرجل في طعام يوفيه بمكة، فيلقى الذي عليه الطعام الذي له الطعام بغير مكة، فيعرض عليه الطعام؛ ليقبضه ويعطيه مقدار كراه إلى مكة.\nفكرهت طائفة ذلك، وممن كره: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.\nوكان أبو ثور يقول: له أخذ الكراء إن شاء، وإن شاء كلفه حمله.\nوحكي عن الكوفي أنه قال: لا يأخذ منه الكراء. انتهى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر لي أن قول أبي ثور هو الصحيح في المسألة، ولا كراهة في أخذ الأجرة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2959>مسألة [٢٠]: بيع المسلم فيه قبل قبضه</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤١٥): أَمَّا بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَلَا نَعْلَمُ فِي تَحْرِيمِهِ خِلَافًا، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ. وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ؛ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَالطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ. اهـ","vol":"6","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2960>مسألة [٢١]: الإشراك والتولية في المسلم فيه</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤١٥): وَأَمَّا الشَّرِكَةُ فِيهِ وَالتَّوْلِيَةُ، فَلَا تَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا بَيْعٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ. وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُ الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ (^١)؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَأَرْخَصَ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ. (^٢)\nقال: وَلَنَا أَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فِي المُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُمَا نَوْعَا بَيْعٍ؛ فَلَمْ يَجُوزَا فِي المُسْلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَالنَّوْعِ الْآخَرِ، وَالْخَبَرُ لَا نَعْرِفُهُ، وَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَالشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ بَيْعٌ فَيَدْخُلَانِ فِي النَّهْيِ. وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: وَأَرْخَصَ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ. عَلَى أَنَّهُ أَرْخَصَ فِيهِمَا فِي الْجُمْلَةِ، لَا فِي هَذَا المَوْضِعِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2961>مسألة [٢٢]: إذا كان له في ذمة رجل مال، فهل يجوز جعله سلمًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤١٠): إذَا كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ دِينَارٌ، فَجَعَلَهُ سَلَمًا فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ؛ لَمْ يَصِحَّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ، فَإِذَا جَعَلَ الثَّمَنَ دَيْنًا؛ كَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ\n_________\n(^١) التولية هي: بيع السلعة إلى آخر بنفس الثمن.\n(^٢) ضعيف. أخرجه عبدالرزاق (٨/ ٤٩) مرسلًا من مراسيل ربيعة بن أبي عبدالرحمن.","vol":"6","page":174},{"text":"وقد ذكر ابن القيم -﵀- عن شيخه الجواز، وأنه لا إجماع في ذلك كما في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٨٩)، وقد تقدم نقل نصِّ كلامه مع التنبيه عليه تحت حديث رقم (٨٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2962>مسألة [٢٣]: هل يصح أن يسلم عروضًا مقابل مالٍ إلى أجل</span>؟\n• الجمهور من أهل العلم على جواز ذلك، وعن أحمد قال: لا يعجبني. ومنع منه أبو حنيفة، وبعض الحنابلة؛ لأنَّ الأموال لا تثبت في الذمة إلا ثمنًا، فلا تكون مثمنة.\nوأُجيب: بعدم صحة ذلك؛ فإنه لو باع دراهم بدنانير صحَّ، ولابد أن يكون أحدهما مثمنًا. والصحيح قول الجمهور. (^١)\nتنبيه: كل مالين حرم النَّساءُ فيهما، لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر؛ لأنَّ السلم من شرطه النَّسَاءُ والتأجيل، وهذا لا خلاف فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2963>مسألة [٢٤]: الإقالة في السلم</span>.\nأما الإقالة في جميع الْمُسْلم فيه: فجائزة بغير خلاف، قال ابن المنذر -﵀-: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة؛ لأنَّ الإقالة فسخ للعقد، ورفعٌ له من أصله، وليست بيعًا. اهـ\nوقد خالف ابن حزم، وهو محجوج بنقل ابن المنذر الإجماعَ. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٤١٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٤١٧) «المحلى» (١٦٢٣).","vol":"6","page":175},{"text":"وأما الإقالة في بعض المسلم فيه: فقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤١٧): فَاخْتَلَفَ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ. وَرُوِيَتْ كَرَاهَتُهَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ (^١)، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَسَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وَرَبِيعَةَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقَ. وَرَوَى حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (^٢)، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُوسٍ، وَمُحَمَّدِ بْن عَلِيٍّ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالْحَكَمِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالنُّعْمَانِ وَأَصْحَابِهِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. اهـ\nقلتُ: والصواب أنها جائزة، ولا نعلم دليلًا يمنع ذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2964>مسألة [٢٥]: إذا أقاله فهل له أن يأخذ بدل المال عوضًا عنه حاضرًا</span>؟\n• منع من ذلك أبو حنيفة، وبعض الحنابلة؛ لحديث: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» أخرجه أبو داود (٣٤٦٨)، وابن ماجه (٢٢٨٣)، من حديث أبي سعيد الخدري، وفيه: عطية العوفي، وهو ضعيفٌ ومدلِّس.\n_________\n(^١) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ٣٠١)، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا بندار، قال: حدثنا أبو داود، قال حدثنا همام، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن ابن عمر، في الرجل يسلف في الطعام إلى أجل؟ قال: خذ ما أسلفت كله، أو خذ دراهمك، ولا تفرق بينهما، فإن أردت أن ترفق به فخذه. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.\nوقد جاء عنه خلاف ذلك: ففي «مصنف عبدالرزاق» (٨/ ١٣)، و«ابن أبي شيبة» (٦/ ١١) أنه قال: لا بأس به. وفي إسناده: جابر الجعفي، وهو متروك.\n(^٢) أخرجه عبدالرزاق (٨/ ١٣) بإسناد حسن، وله طرق أخرى عند عبدالرزاق (٨/ ١٢ -)، وابن أبي شيبة (٦/ ١١ -)، وابن المنذر (١٠/ ٣٠٢)، فيها ضعفٌ، ويرتقي بها الأثر إلى الصحة.","vol":"6","page":176},{"text":"• وأجاز ذلك الشافعي، وجماعة من الحنابلة؛ لأنه عوض مستقر في الذمة؛ فجاز أخذ العوض عنه كما لو كان قرضًا.\nقلتُ: الراجح قول الشافعي، وحديثهم ضعيف، ولو صحَّ لكان معناه المنع من تغيير المسلم فيه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2965>مسألة [٢٦]: إذا أسلم في جنسين سلمًا واحدًا من غير بيان ثمن كل واحد منهما</span>؟\nصورة ذلك: أن يسلم خمسة آلاف مثلًا في وسق بُرٍّ، ووسق شعير، ولا يبين ثمن كل منهما.\n• فمنع من ذلك أحمد، والشافعي في قولٍ له؛ لأن ما يقابل كل واحد من الجنسين مجهولٌ، وفيه غرر؛ لأنه لا يؤمن الفسخ بتعذر أحدهما، فلا يعرف بم يرجع.\n• وأجاز ذلك مالك، والشافعي في قولٍ له؛ لأنَّ كل عقد جاز على جنسين في عقدين؛ جاز عليهما في عقد واحد، كما في البيوع، وإذا تعذر أحدهما يقوم ويرجع بقسطه من الثمن.\nوهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٤١٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٤١٨ - ٤١٩) «الشرح الممتع» (٩/ ٨٢ - ٨٣).","vol":"6","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2966>مسألة [٢٧]: إذا أسلم في شيء واحد على أن يقبضه أجزاءً معلومة في أوقات متفرقة معلومة</span>؟\n• أجاز ذلك الإمام أحمد، ومالك، والشافعي في قولٍ له، وله قولٌ بالمنع، والصحيح الجواز؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، وهو ظاهر ترجيح الشيخ ابن عثيمين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2967>مسألة [٢٨]: إذا أدَّى المسلَمُ إليه المسلَمَ فيه قبل حلول الأجل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٢٠): فَإِنْ كَانَ مِمَّا فِي قَبْضِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ ضَرَرٌ، إمَّا لِكَوْنِهِ مِمَّا يَتَغَيَّرُ، كَالْفَاكِهَةِ وَالْأَطْعِمَةِ كُلِّهَا، أَوْ كَانَ قَدِيمُهُ دُونَ حَدِيثِهِ، كَالْحُبُوبِ وَنَحْوِهَا، لَمْ يَلْزَمْ الْمُسْلِمَ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي تَأْخِيرِهِ، بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى أَكْلِهِ أَوْ إطْعَامِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَلَفَهُ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ دُونَ مَا قَبْلَهُ. وَهَكَذَا إنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ فِي حِفْظِهِ إلَى مُؤْنَةٍ، كَالْقُطْنِ وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ الْوَقْتُ مَخُوفًا يَخْشَى نَهْبَ مَا يَقْبِضُهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْأَخْذُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي قَبْضِهِ، وَلَمْ يَأْتِ مَحِلُّ اسْتِحْقَاقِهِ لَهُ، فَجَرَى مَجْرَى نَقْصِ صِفَةٍ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ، بِأَنْ يَكُونَ لَا يَتَغَيَّرُ، كَالْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَالنُّحَاسِ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ الزَّيْتُ وَالْعَسَلُ، وَلَا فِي قَبْضِهِ ضَرَرُ الْخَوْفِ، وَلَا تَحَمُّلُ مُؤْنَةٍ، فَعَلَيْهِ قَبْضُهُ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ حَاصِلٌ مَعَ زِيَادَةِ تَعْجِيلِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤١٩) «الشرح الممتع» (٩/ ٨٣).","vol":"6","page":178},{"text":"الْمَنْفَعَةِ، فَجَرَى مَجْرَى زِيَادَةِ الصِّفَةِ وَتَعْجِيلِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2968>مسألة [٢٩]: إذا أدَّى المسلمُ إليه المسلمَ فيه بصفة أجود مما تعاقدا عليه</span>؟\n• مذهب الحنابلة في ذلك أنه يلزمه أخذه إذا كان من نوع واحد، ولا يلزمه إذا كان من نوع آخر.\n• ومذهب الشافعي، وبعض الحنابلة: أنه يلزمه أن يأخذ، ولو كان من نوع آخر مادام جنسهما واحدًا.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: إذا لم يكن عليه مِنَّةٌ لزمه الأخذ إذا كان النوع واحدًا، وإن كان له فيه مِنَّةٌ لم يلزمه. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2969>مسألة [٣٠]: إذا جاءه بالأجود وطلب زيادة في الثمن</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٢٢): إذَا جَاءَهُ بِالْأَجْوَدِ، فَقَالَ: خُذْهُ، وَزِدْنِي دِرْهَمًا. لَمْ يَصِحَّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي عَشَرَةٍ، فَجَاءَهُ بِأَحَدِ عَشَرِ.\nوَلَنَا أَنَّ الْجَوْدَةَ صِفَةٌ، فَلَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا؛ فَإِنْ جَاءَهُ بِزِيَادَةِ فِي الْقَدْرِ، فَقَالَ: خُذْهُ، وَزِدْنِي دِرْهَمًا. فَفَعَلَا، صَحَّ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ هَاهُنَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الممتع» (٩/ ٧٢ - ٧٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٤٢١) «الشرح الممتع» (٩/ ٧١).","vol":"6","page":179},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: إن طلب منه الزيادة، وأعطاه عن طيب نفس؛ فلا بأس، وليس له إلزامه بالزيادة، لكونه أتى به على هذه الصفة من غير طلب من المُسلِم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2970>مسألة [٣١]: من أسلم في شيء معين فجاء الأجل فأراد إبداله بغيره</span>؟\nقال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٠/ ٣١٢): واختلفوا في الرجل يسلم إلى الرجل في عرض من العروض فيحل؛ فأراد أن يأخذ مكانه غيره؛ فقالت طائفة: لا يجوز ذلك. كذلك قال الشافعي، وإسحاق.\nوقال ابن عباس -﵄-: إذا أسلفت في شيء إلى أجل فحلَّ الأجل؛ فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا فخذ عرضًا بأنقص منه، ولا تربح مرتين.\nحدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس -﵄-، به.\nوكان النخعي لا يرى بأسًا في السلف أن يأخذ مكانه دابة، أو ثوبًا، أو غير ما أسلفت فيه. وقال الثوري: لا يعجبني هذا.\nوكان مالك يقول: ومن سلَّف ذهبًا، أو ورقًا في حيوان، أو عرض موصوف إلى أجل مسمى، ثم حلَّ الأجل؛ فإنه لا بأس بأن يبيع المشتري تلك السلعة من البائع قبل أن يحلَّ الأجل، وبعدما يحل بعرض من العروض يتعجله، ولا يؤخره بالغًا ما بلغ ذلك العرض إلا الطعام؛ فإنه لا يحل أن يبيعه حتى يقبضه. انتهى.","vol":"6","page":180},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: إن كان المُسْلَم إليه قد وفَّر المُسَلَم فيه، ثم أراد تحويله فلا يجوز ذلك إلا برضا الطرفين، ولا يجوز للمُسِلم أن يربح فيه كما أشار ابن عباس -﵄-؛ فيأخذ أقل مما كان له؛ لنهيه - ﷺ - عن ربح مالم يضمن.\nوإن كان المُسَلمُ إليه لم يستطع توفير المُسْلم فيه، فللمُسِلم أن يأخذ بماله الذي أعطاه أي شيء يتفقان عليه، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2971>مسألة [٣٢]: هل يجوز أخذ الرهن، أو الكفيل في السَّلم</span>؟\n• الأشهر في مذهب الحنابلة المنع من ذلك، ورُويت الكراهة أيضًا عن الحسن، وسعيد بن جبير، والأوزاعي، وحجتهم في ذلك أن الرهن والضمين إن أخذا برأس مال السلم؛ فقد أخذا بما ليس بواجب، ولا مآله إلى الوجوب؛ لأنَّ ذلك قد ملكه المسلم إليه، وإن أخذا بالمسلم فيه؛ فالرهن إنما يجوز بشيء يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن، والمسلم فيه لا يمكن استيفاؤه من الرهن ولا من ذمة الضامن، ولأنه لا يأمن هلاك الرهن في يده، وإن بعد، فيصير مستوفيًا لحقه من غير المسلم فيه، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره»، وهو حديث ضعيف كما تقدم. وقد نقل عن علي -﵁- كراهة ذلك، أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ٢٩٩) من طريق أبي عياض، عنه، وأبو عياض هو مسلم بن نذير السعدي الكوفي، مجهول الحال. وأسند ابن المنذر (١٠/ ٢٩٩) عن ابن عباس -﵄-، بإسناد حسن، أنه كان يكره الرهن، والقبيل في السلف. وعن ابن عمر بإسناد صحيح، أنه قال: ذلك الربا المضمون.","vol":"6","page":181},{"text":"• وذهب الجمهور إلى جواز أخذ الرهن والكفيل في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وهو قول مجاهد، وعطاء، ومقسم، وعمرو بن دينار، وهو رواية عن الحسن والنخعي، وقال به مالك، والشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي، وابن المنذر وغيرهم. وأسند ابن المنذر هذا القول عن ابن عباس، وابن عمر -﵄- بإسنادين ضعيفين؛ فأثر ابن عباس في إسناده يزيد بن أبي زياد الهاشمي، وهو ضعيف، وأثر ابن عمر في إسناده مسلم ابن خالد الزنجي، وهو ضعيف، وطريق أخرى فيها جميل بن زيد الطائي، وهو متروك.\nوهذا القول هو الصحيح، وقد رجحه الشيخ ابن عثيمين -﵀- كما في «الشرح الممتع» (٩/ ٩٢) حيث قال: وهذا-يعني القول بعدم الجواز- ضعيفٌ؛ لأنه إذا تعذر الاستيفاء من المكفول، وأخذته من الكفيل؛ لم أصرفه إلى غيره، صحيح أنه انتقل من ذمة إلى ذمة، وأما المسلم فيه فهو نفسه لم أصرفه إلى غيره، فالصواب إذًا جواز أخذ الرهن والكفيل والضمين به، كلها جائزة؛ لأنه ليس فيها محظور، ولا ربا، ولا ظلم، ولا غرر، ولا جهالة، وهذه عقود توثقة، والأصل في العقود الحل. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٤٢٣ - ٤٢٤).","vol":"6","page":182},{"text":"٨٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ تَعَالَى». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2972>مسألة [١]: تعريف القرض</span>.\nفي اللغة: القطع، ومنه المقراض، أي: المقص؛ لأنه يقطع الثوب.\nوفي الشرع: تمليك مال لمن ينتفع به، ويرد بدله. «الشرح الممتع» (٩/ ٩٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2973>مسألة [٢]: مشروعية القرض</span>.\nالقرض نوع من السلف، وهو جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من الكتاب: فيشمله قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].\nوأما من السنة: فأحاديث الباب كحديث أبي هريرة، وأبي رافع، وعائشة.\nوأما الإجماع: فأجمع المسلمون على جواز القرض ومشروعيته. «المغني» (٦/ ٤٢٩) «المحلى» (١١٩١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2974>مسألة [٣]: فيم يكون القرض</span>؟\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلى» (١١٩٢): والقرض جائز في كل ما يحل تملكه وتمليكه بهبة أو غيرها، سواء جاز بيعه، أو لم يجز؛ لأنَّ القرض هو غير\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٣٨٧).","vol":"6","page":183},{"text":"البيع؛ لأنَّ البيع لا يجوز إلا بثمن، ويجوز بغير نوع ما بعت. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2975>مسألة [٤]: تَصَرُّفُ المستقْرِض بالقرض</span>؟\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلى» (١١٩٦): ومن استقرض شيئًا؛ فقد ملكه، وله بيعه إن شاء، وهبته، والتصرف فيه كسائر ملكه، وهذا لا خلاف فيه، وبه جاءت النصوص. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2976>مسألة [٥]: حكم القرض</span>.\nالقرض مندوبٌ إليه في حق المقرِض، وجائزٌ في حق المقتَرِض، أما كونه مندوبًا للمقرض؛ فلكونه كشف كربة، ففي «صحيح مسلم» (٢٦٩٩)، عن أبي هريرة: «من نَفَّسَ عن مسلم كربة من كرب الدنيا؛ نَفَّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»، وفيه تعاون مع المسلم، وفي الحديث السابق: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، ولا إثم على من سُئِلَ القرض فلم يُقْرِض؛ وذلك لأنه من المعروف فأشبه صدقة التطوع، وليس الاستقراض من المسألة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يستقرض. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2977>مسألة [٦]: القرض يكون من جائز التصرف</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٣٠): ولا يصح إلا من جائز التصرف؛ لأنه عقد على المال، فلم يصح إلا من جائز التصرف، كالبيع. اهـ\nفعلى هذا فلا يصح القرض من المجنون، والصبي الذي لا يميز. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٢٩ - ٤٣٠).\n(^٢) وانظر: «تكملة المجموع» للمطيعي (١٣/ ١٦٢ - ١٦٣).","vol":"6","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2978>مسألة [٧]: هل عقد القرض لازم</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٣١): وَهُوَ عَقْدٌ لَازِمٌ فِي حَقِّ المُقْرِضِ، جَائِزٌ فِي حَقِّ المُقْتَرِضِ، فَلَوْ أَرَادَ الْمُقْرِضُ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَمْلِكُ المُطَالَبَةَ بِمِثْلِهِ مَلَكَ أَخْذَهُ إذَا كَانَ مَوْجُودًا، كَالمَغْصُوبِ وَالْعَارِيَّةِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ بِعِوَضٍ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَالمَبِيعِ، وَيُفَارِقُ المَغْصُوبَ، وَالْعَارِيَّةَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُمَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ المُطَالَبَةَ بِمِثْلِهِمَا مَعَ وُجُودِهِمَا، وَفِي مَسْأَلَتِنَا بِخِلَافِهِ. فَأَمَّا المُقْتَرِضُ، فَلَهُ رَدُّ مَا اقْتَرَضَهُ عَلَى المُقْرِضِ، إذَا كَانَ عَلَى صِفَتِهِ لَمْ يَنْقُصْ، وَلَمْ يَحْدُثْ بِهِ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى صِفَةِ حَقِّهِ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ كَالمُسْلَمِ فِيهِ، وَكَمَا لَوْ أَعْطَاهُ غَيْرَهُ. اهـ\nقلتُ: والصواب مذهب الحنابلة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2979>مسألة [٨]: هل في عقد القرض خيار</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٣١): وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارٌ مَا؛ لِأَنَّ الْمُقْرِضَ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةِ أَنَّ الْحَظَّ لِغَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ الْهِبَةَ، وَالْمُقْتَرِضُ مَتَى شَاءَ رَدَّهُ، فَيَسْتَغْنِي بِذَلِكَ عَنْ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ. اهـ\nتنبيه: يثبت الملك في القرض بالقبض. «المغني» (٦/ ٤٣١).","vol":"6","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2980>مسألة [٩]: قرض المكيل والموزون</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٣٢): وَيَجُوزُ قَرْضُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ اسْتِقْرَاضَ مَالَهُ مِثْلٌ مِنْ الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُون، وَالْأَطْعِمَةِ جَائِزٌ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2981>مسألة [١٠]: هل تقرض الجواهر</span>؟\n• في هذه المسألة وجهان للحنابلة والشافعية:\nالأول: لا يجوز قرضها؛ لأنَّ القرض يقتضي رد المثل، وهذه لا مثل لها.\nالثاني: يجوز قرضها، ويرد المستقرض القيمة؛ لأنَّ ما لا مثل له يضمن بالقيمة، والجواهر كغيرها في القيم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2982>مسألة [١١]: قرض العبيد والإماء</span>.\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى صحة قرضهم، وهو قول المزني، وداود، والطبري، وابن حزم وغيرهم، وحجتهم في ذلك البقاء على الأصل، فالأصل أنَّ كل ما جاز تملكه جاز قرضه.\n• وقال أحمد -﵀-: أكره قرضهم. قال ابن قدامة -﵀-: فيحتمل كراهة تنزيه، ويصح قرضهم كالقول الأول ويحتمل أنه أراد كراهة تحريم؛ فلا يصح قرضهم، واختاره القاضي. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٣٢ - ٤٣٣) «الإنصاف» (٥/ ١١٠ - ١١١) «المهذب» (١٣/ ١٦٨).","vol":"6","page":186},{"text":"• وذهب جماعة من أهل العلم إلى صحة قرض العبيد دون الإماء؛ إلا أن يقرضهن من محارمهن، أو من امرأة، وهذا مذهب مالك، والشافعي، واحتمالٌ للحنابلة.\nواحتجوا على ذلك بأنَّ الملك بالقرض ضعيفٌ؛ فإنه لا يمنعه من ردها على المقرض، فلا يستباح به الوطء كالملك في مدة الخيار، والأبضاع مما يُحتاط لها، ولو أبيح قرضهن؛ لأفضى إلى أنَّ الرجل يستقرض أمةً فيطؤها، ثم يردها من يومه، ومتى احتاج إلى وطئها استقرضها ثم ردها، كما يستعير المتاع.\nقال ابن قدامة -﵀- مُرَجِّحًا القول الأول: وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدٌ نَاقِلٌ لِلْمِلْكِ؛ فَاسْتَوَى فِيهِ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَلَا نُسَلِّمُ ضِعْفَ الْمِلْكِ؛ فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، بِخِلَافِ الْمِلْكِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. وَقَوْلُهُمْ: مَتَى شَاءَ الْمُقْتَرِضُ رَدَّهَا. مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّنَا إذَا قُلْنَا: الْوَاجِبُ رَدُّ الْقِيمَةِ. لَمْ يَمْلِكْ الْمُقْتَرِضُ رَدَّ الْأَمَةِ، وَإِنَّمَا يَرُدُّ قِيمَتَهَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكِنْ مَتَى قَصَدَ الْمُقْتَرِضُ هَذَا؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ فِعْلُهُ، وَلَا يَصِحُّ اقْتِرَاضُهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً لِيَطَأَهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا بِالْمُقَابَلَةِ، أَوْ بِعَيْبٍ فِيهَا، وَإِنْ وَقَعَ هَذَا بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ؛ لَمْ يَمْنَعْ الصِّحَّةَ، كَمَا لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ ... انتهى المراد.\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ إلا ممن فعله متحايلًا، ليس قاصدًا للتملك؛ فلا يجوز، ولا يصح القرض، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٣٣ - ٤٣٤) «المحلى» (١٢٠٢) «المهذب» (١٣/ ١٦٩).","vol":"6","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2983>مسألة [١٢]: استقراض الخبز</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- (٦/ ٤٣٥): وَيَجُوزُ قَرْضُ الْخُبْزِ، وَرَخَّصَ فِيهِ أَبُو قِلَابَةَ، وَمَالِكٌ، وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَلَنَا أَنَّهُ مَوْزُونٌ؛ فَجَازَ قَرْضُهُ كَسَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2984>مسألة [١٣]: استقراض المكيل والموزون جزافًا بدون معرفة كيله ووزنه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٣٤): وَإِذَا اقْتَرَضَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ غَيْرَ مَعْرُوفَةِ الْوَزْنِ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ فِيهَا يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْلِ، فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ الْمِثْلُ لَمْ يُمْكِنْ الْقَضَاءُ، وَكَذَلِكَ لَوْ اقْتَرَضَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا جُزَافًا، لَمْ يَجُزْ؛ لِذَلِكَ. وَلَوْ قَدَّرَهُ بِمِكْيَالٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ صَنْجَةٍ بِعَيْنِهَا، غَيْرِ مَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ الْعَامَّةِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَلَفَ ذَلِكَ، فَيَتَعَذَّرَ رَدُّ الْمِثْلِ، فَأَشْبَهَ السَّلَمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2985>مسألة [١٤]: استقراض غير المكيل والموزون كالحيوانات والأمتعة والثياب</span>.\n• جمهور العلماء على الجواز؛ لأنَّ كل ما جاز أن يثبت في الذمة سَلَمًا؛ جاز قرضه.\n• وقال أبو حنيفة: لا يجوز قرض غير المكيل والموزون؛ لأنه لا مثل له، فأشبه الجواهر.\nوأُجيب عن أبي حنيفة: بحديث أبي رافع، وهو في «صحيح مسلم» (١٦٠٠): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استسلف بكرًا، وليس بمكيل ولا موزون. وقولهم (لا\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٢٠٣) (١٢٠٤).","vol":"6","page":188},{"text":"مثل له) يناقضه قولهم في إتلاف الثوب ونحوه (يثبت في ذمته مثله). والصحيح هو قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2986>مسألة [١٥]: المستقرض هل يرد المثل، أو القيمة</span>؟\nأما بالنسبة للمكيلات والموزونات؛ فإنه يرد المثل.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٣٤): وَيَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُسْلَفَ، فَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَأَنَّ لِلْمُسَلِّفِ أَخْذَ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ يُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ بِمِثْلِهِ، فَكَذَا هَاهُنَا. اهـ\nوإذا أعوز المثل في المكيل والموزون؛ لزمه القيمة يوم إعوازه. «الإنصاف» (٥/ ١١٤).\n• وأما بالنسبة لغير المكيلات والموزونات من الأمتعة والحيوانات والثياب، ففيه قولان:\nالأول: يجب رد قيمته يوم القرض؛ لأنه لا مثل له، فيتعلق في ذمته بالقيمة من يوم القرض، وهو قول جماعة من الحنابلة والشافعية.\nالثاني: أنه يجب رد مثله من جنسه بصفاته، وهو قول جماعة من الحنابلة،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٣٢) «الفتح» (٢٣٩٠).","vol":"6","page":189},{"text":"والشافعية، واستدلوا بحديث أبي رافع، وعلى هذا فيعتبر مثله في الصفات تقريبًا؛ فإن تعذر المثل، فعليه قيمته يوم التعذر. وهذا القول هو الصواب، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n• وأما بالنسبة للجواهر: فأكثر القائلين بجواز اقتراضها يقولون برد قيمتها يوم الاقتراض؛ لأنه لا مثل لها، فتتعلق في ذمته القيمة من حين اقترضها.\n• وقال بعضهم كما في «الإنصاف»: يجب رد مثله جنسًا، وصفةً، وقيمةً.\nقلتُ: وهو مقتضى مذهب مالك؛ فإنه أجاز السَّلَم في الجواهر، وعلى هذا القول؛ فإنه إذا تعذر عليه المثل وجبت عليه قيمة الجواهر يوم التعذر، بعد حلول وقت القضاء. (^٢)\nوأما بالنسبة للخبز:\nقال ابن قدامة -﵀- (٦/ ٤٣٥): وَإِذَا أَقْرَضَهُ بِالْوَزْنِ، وَرَدَّ مِثْلَهُ بِالْوَزْنِ؛ جَازَ، وَإِنْ أَخَذَهُ عَدَدًا، فَرَدَّهُ عَدَدًا، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَوْزُونَاتِ. وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إذَا كَانَ يَتَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْوَزْنِ، وَالْوَزْنُ أَحَبُّ إلَيَّ. اهـ\nقلتُ: الأظهر الجواز عددًا إذا تحرى التساوي، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٣٤ -) «الإنصاف» (٥/ ١١٥) «المهذب» (١٣/ ١٧٤) مع الشرح.\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٤٣٣) «الإنصاف» (٥/ ١١٥) «المهذب» (١٣/ ١٦٨) مع الشرح.\n(^٣) وانظر: «الإنصاف» (٥/ ١١٦) «المهذب» (١٣/ ١٧٥) مع الشرح.","vol":"6","page":190},{"text":"٨٤٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ فُلَانًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ، فَأَخَذْت مِنْهُ ثَوْبَيْنِ نَسِيئَةً إلَى مَيْسَرَةٍ؟ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ، فَامْتَنَعَ. أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ وَالبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2987>مسألة [١]: التأجيل إلى ميسرة في البيع والقرض والسلم</span>؟\nأما في السلم فقد تقدم أنه يجب تحديد الأجل فيه؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إلى أجل معلوم»، وَنُقِل الإجماع على ذلك.\n• وأما في البيع إلى أجل: فمذهب الجمهور وجوب تحديد الأجل، وعدم جواز تأجيله إلى ميسرة؛ لأنه يصبح أجلًا مجهولًا، واستدلوا بالآية: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] وقالوا: عدم تحديد الأجل غرر يورث النزاع والاختلاف.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه الحاكم (٢/ ٢٣ - ٢٤)، والبيهقي (٦/ ٢٥)، وأخرجه أيضًا أحمد (٦/ ١٤٧)، والترمذي (١٢١٣)، والنسائي (٧/ ٢٩٤)، من طريقين عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة عن عائشة -﵂- به. وذكره الحافظ بالمعنى وإسناده صحيح على شرط البخاري، وقد صححه الإمام الألباني والإمام الوادعي رحمة الله عليهما، وقد قال ابن قدامة في «المغني» (٦/ ٤٠٣ - ٤٠٤) قال ابن المنذر: رواه حرمي بن عمارة، قال أحمد: فيه غفلة وهو صدوق. قال ابن المنذر: فأخاف أن يكون من غفلاته إذ لم يتابع عليه. اهـ\nقلت: الحديث من رواية شعبة ويزيد بن زريع عن عمارة بن أبي حفصة به. وليس لحرمي بن عمارة ذكر في السند، فالله أعلم؟!","vol":"6","page":191},{"text":"• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى جواز البيع إلى ميسرة، وهو قول ابن خزيمة، وابن حزم، والصنعاني، وهو ظاهر اختيار ابن القيم.\nواستدلوا على ذلك بحديث عائشة الذي في الباب، وبقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، فإذا كان هذا في ثاني الحال؛ جاز من بداية الحال، واستدل ابن القيم على ذلك بحديث سبي حنين أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ردَّ على هوازن سبيهم، وقال للصحابة: «فمن أحبَّ أن يكون على حظِّه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا؛ فليفعل». (^١)\nقلتُ: ويستدل على ذلك أيضًا بحديث عائشة في «مسند أحمد» (٦/ ٢٦٨): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اشترى من أعرابي فرسًا على خمسة أوسق من تمر العجوة، فرجع إلى البيت فلم يجد شيئًا، فأرسل أحد الصحابة إلى خويلة بنت حكيم، فقال لها: «إن كان عندك خمسة أوسق من تمرة العجوة فأسلفيناه حتى نؤديه إليك إن شاء الله»، وإسناده حسن.\nثم استدركت فقلتُ: هذا الحديث في القرض، وليس في البيع إلى أجل، فتنبه. ولكن يمكن أن يقال: إذا جاز ذلك في القرض؛ جاز في البيع إلى الأجل، والقول الثاني هو الراجح، والله أعلم.\nوقد أجاب الجمهور عن حديث عائشة أنَّ المقصود بقوله: «إلى ميسرة»، أي:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٣١٩)، من حديث المسور بن مخرمة -﵄-.","vol":"6","page":192},{"text":"وقت معلوم، متوقع فيه انتقال الحال من عسر إلى يسر. وهذا جواب السندي، ومنهم من قال: هذا من قول عائشة، فلو فعله النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لحدد أجلًا. وهذان الجوابان خلاف ظاهر الحديث، والله أعلم، وأما استدلالهم بالآية؛ فليس فيها اشتراط ذلك.\nوأما في القرض: فظاهر كلام أهل العلم أنه لا يشترط فيه تحديد الأجل؛ فإنهم يقولون: للمقرض المطالبة ببدله في الحال؛ لأنه سببٌ يوجب الرد في المثليات، فأوجبه حالًا كالإتلاف.\n• واختلفوا: هل يتأجل القرض إذا أجله أم لا؟ على قولين:\nالقول الأول: لا يتأجل، بل هو حال.\nوهو قول الحارث العكلي، والحنابلة، والأوزاعي، والشافعي، وابن المنذر؛ وذلك لأنَّ الحق يثبت حالًا، والتأجيل تبرع منه، ووعد؛ فلا يلزم الوفاء به.\nالقول الثاني: إذا أجله؛ تأجل، ولا يطالبه قبل حلول الأجل.\nوهذا قول مالك، والليث، وبعض الحنابلة، وصَوَّبه المرداوي، وعزاه الحافظ للأكثر، وهو قول ابن عمر (^١)،\nوعطاء، وعمرو بن دينار، واختاره\n_________\n(^١) علقه البخاري في صحيحه (باب/١٧/كتاب الاستقراض) بصيغة الجزم، فقال: قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الْقَرْضِ إِلَى أَجَلٍ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِنْ دَرَاهِمِهِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ.\n\nوقال ابن حجر: قوله: (وقال ابن عمر ... إلخ) وصله ابن أبي شيبة من طريق المغيرة قال: قلت لابن عمر: إني أسلف جيراني إلى العطاء؛ فيقضوني أجود من دراهمي، قال: لا بأس به ما لم تشترط. وروى مالك في «الموطأ» بإسناد صحيح، أن ابن عمر استسلف من رجل دراهم؛ فقضاه خيرًا منها.","vol":"6","page":193},{"text":"البخاري، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، ورجَّحه الشوكاني، والشيخ ابن عثيمين، وهو الصواب؛ لأنه يشمله قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وبقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، ولقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «المسلمون على شروطهم»، وعقدهم القرض على ذلك بمنزلة الشرط، بل هو شرطٌ بعينه. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٠٣ - ٤٠٤، ٤٣١) «الإنصاف» (٥/ ١١٦) «الفتح» (٢٤٠٤) «المحلى» (١١٩٧ -) «السيل» (٣/ ١٤٤) «الشرح الممتع» (٩/ ٩٩) «مصنف ابن أبي شيبة» (٧/ ٤٣٤).","vol":"6","page":194},{"text":"٨٤٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n٨٤٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالحَاكِمُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أَنَّ المَحْفُوظَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ إرْسَالُهُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2988>مسألة [١]: تعريف الرهن</span>.\nالرهن لغة: هو الاحتباس، والثبوت، والدوام، يقال: ماء راهن، أي: محبوس ودائم، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]، أي: محبوسة بعملها.\nوفي الشرع: هو جعل مالٍ وثيقة على دين. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٥١٢).\n(^٢) ضعيف الراجح إرساله. أخرجه الدارقطني (٣/ ٣٣)، والحاكم (٢/ ٥١)، من طريق زياد بن سعد وابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به. وهذا إسناد ظاهره الصحة، إلا أنه معل، فقد رواه أكثر الحفاظ عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلًا، منهم: مالك والأوزاعي وابن أبي ذئب ومعمر وعقيل وابن عيينة ورواية عن زياد بن سعد ويونس. وقد رجح المرسل الدارقطني -﵀- في «العلل» (٩/ ١٦٩٤) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٠) وغيرهما.\n(^٣) انظر: «المغني» (٦/ ٤٤٣) «الفتح» (٢٥٠٨).","vol":"6","page":195},{"text":"مشروعيته:\nدل على ذلك كتاب الله ﷿ بقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٢]، ومن السنة حديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب، وحديث عائشة -﵂- في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اشترى من يهودي طعامًا ورهنه درعًا من حديد. (^١) وأجمع المسلمون على جواز الرهن ومشروعيته في الجملة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2989>مسألة [٢]: هل يشرع الرهن في الحضر، أم هو خاص في السفر</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه خاص في السفر؛ لأنَّ الآية دلت على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣]، وهو قول مجاهد، والضحاك، والظاهرية؛ إلا أن ابن حزم أجازه في الحضر على سبيل التطوع لا الإلزام.\n• وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الرهن يُشرع في السفر والحضر، واستدلوا بحديث عائشة المتقدم، وجاء بنحوه عن أنس في «البخاري» (٢٥٠٨)، وفي الترمذي (١٢١٤) وغيره، عن ابن عباس -﵄- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مات ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام أخذه لأهله. قالوا: والوثيقة على الدين يحتاج إليها في الحضر كما يحتاج إليها في السفر، وإنما القيد بالسفر في الآية خرج مخرج الغالب، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٥٠٩)، ومسلم برقم (١٦٠٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٤٤٣ -).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٦/ ٤٤٤) «الفتح» (٢٥٠٨).","vol":"6","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2990>مسألة [٣]: هل الرهن واجب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٤٤): وَالرَّهْنُ غَيْرُ وَاجِبٍ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ، كَالضَّمَانِ وَالْكِتَابَةِ.\nوَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ إرْشَادٌ لَنَا، لَا إيجَابٌ عَلَيْنَا، بِدَلِيلِ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] وَلِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ عِنْدَ إعْوَازِ الْكِتَابَةِ، وَالْكِتَابَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2991>مسألة [٤]: الرهن من جائز التصرف</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ الراهن يُشترط فيه أن يكون جائز التصرف بأن يكون مكلفًا، رشيدًا، ليس محجورًا عليه؛ لصغرٍ، أو جنونٍ، أو سفهٍ، أو فلسٍ، وأن يرهن ما هو مالك له، أو مأذون له فيه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2992>مسألة [٥]: هل عقد الرهن لازم أم جائز</span>؟\nعقد الرهن عند أهل العلم لازم من قِبَل الراهن، جائزٌ من قِبَلِ المرتهن، بمعنى أنَّ المرتهن له أن يتخلى عنه ويعيده إلى صاحبه، والراهن ليس له الحق في الرجوع فيه إلا بإذن المرتهن. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٤٦) «الحاوي الكبير» (٦/ ٨) «بداية المجتهد» (٣/ ٦٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٤٤٦) «تكملة المجموع» (١٣/ ١٦٤) «الشرح الممتع» (٩/ ١٢٧) «الحاوي» (٦/ ٤).","vol":"6","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2993>مسألة [٦]: متى يلزم الرهن</span>؟\n• جمهور العلماء على أنَّ الرهن يلزم بقبضه؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، فَوَصْفُ الرِّهانِ بالقبض يدلُّ على أنَّ ذلك واجبٌ فيها.\n• وذهب مالك، وبعض الحنابلة إلى أنَّ الرهن يلزم بالعقد؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، والقبض من تمام اللزوم، واختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين -﵀-، وهو الصواب، وأما الآية فلا يستفاد منها أنَّ الرهن لا يلزم إلا بالقبض، بل فيها الأمر بقبض الرهن، وليس فيه أنه لا يلزم على الراهن الرهن حتى يقبضه المرتهن، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2994>مسألة [٧]: هل استدامة القبض شرط للزوم الرهن</span>؟\n• اشترط ذلك الجمهور، واستدلوا بالآية: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، قالوا: فإذا أعاده إلى الراهن خرج عن كونه رهنًا؛ فإن أعاده إليه عاد إلى كونه رهنًا.\n• وذهب الشافعي -﵀- إلى أنَّ استدامة القبض ليس شرطًا، ورجح هذا الشيخ ابن عثيمين؛ لأنه لا يشترط القبض في لزوم الرهن ابتداء، فلا يشترط فيه للاستدامة، ومعنى هذا أنه إذا أعطى الراهن لينتفع به ثم يعيده؛ لم يخرج عن كونه رهنًا قبل الإعادة، وله أحكام الرهن، وهذا هو الصواب. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الممتع» (٩/ ١٣٥ - ١٤٠) «المغني» (٦/ ٤٤٥ - ٤٤٦) «الحاوي» (٦/ ٧) «تفسير القرطبي» (٣/ ٤١٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٤٤٨ -) «تفسير القرطبي» (٣/ ٤١٠) «الشرح الممتع» (٩/ ١٤٠).","vol":"6","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2995>مسألة [٨]: كيفية القبض للرهن</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ القبض في الرهن كالقبض في البيع؛ فإنْ كان منقولًا فقبضه نقله، وإن كان أثمانًا أو شيئًا خفيفًا يمكن قبضه باليد؛ فقبضه تناوله بها، وإن كان مكيلًا، أو موزونًا؛ فقبضه بكيله، أو وزنه مع تحويله، وإن كان عقارًا، أو ثمرًا على شجرة؛ فقبضه بالتخلية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2996>مسألة [٩]: إذا رهنه دارًا، فانهدمت قبل القبض</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (٦/ ٤٥٥): وَإِنْ رَهَنَهُ دَارًا فَانْهَدَمَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا؛ لَمْ يَنْفَسِخْ عَقْدُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهَا لَمْ تَذْهَبْ بِالْكُلِّيَّةِ؛ فَإِنَّ عَرْصَتَهَا وَأَنْقَاضَهَا بَاقِيَةٌ، وَيَثْبُتُ لِلْمُرْتَهِنِ الْخِيَارُ إنْ كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّبَتْ وَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2997>مسألة [١٠]: التوكيل في قبض الرهن</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٥٣): وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ، وَيَقُومُ قَبْضُ وَكِيلِهِ مَقَامَ قَبْضِهِ فِي لُزُومِ الرَّهْنِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ، وَإِنْ وَكَّلَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَبْضًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ لِيَسْتَوْفِيَ الْحَقَّ مِنْهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنْ الرَّاهِنِ، فَإِذَا كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ؛ لَمْ يَحْصُلْ مَعْنَى الْوَثِيقَةِ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٥٠) «الحاوي» (٦/ ٩) «المحلى» (١٢١٢).","vol":"6","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2998>مسألة [١١]: إذا أرهن عينين، فتلفت إحداهما</span>؟\nإن كان تلفها قبل قبض المرتهن لها؛ فله الخيار إذا كان بيعًا بشرط الرهن، وأما إن كان بعد القبض؛ فليس له الرجوع على الراهن برهن آخر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2999>مسألة [١٢]: إذا أزيل الرهن من يد المرتهن بغير حق</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٤٩): وَإِنْ أُزِيلَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ لِغَيْرِ حَقٍّ، كَغَصْبٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ إبَاقِ الْعَبْدِ، أَوْ ضَيَاعِ الْمَتَاعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَمْ يَزُلْ لُزُومُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ ثَابِتَةٌ حُكْمًا، فَكَأَنَّهَا لَمْ تَزُلْ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3000>مسألة [١٣]: متى يسلم الرهن</span>؟\nإذا أعطاه الرهن مع العقد جاز، ولا نعلم فيه خلافًا.\n• وأما إذا أعطاه الرهن بعد العقد، فأجازه أكثر أهل العلم، وخالف ابن حزم فقال: لا يكون رهنًا إلا مع العقد؛ لأنَّ الله أمر بالرهن مع الدين.\nوالصحيح هو قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.\n• وأما إذا سلم الرهن قبل عقد البيع، أو القرض: فمذهب الشافعي، والحنابلة المنع من ذلك؛ لأن الرهن هو وثيقة عن دين، ولا يحصل ذلك الدين حتى يعقد.\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة، وبعض الحنابلة إلى الجواز؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٥٤ - ٤٥٥).","vol":"6","page":200},{"text":"«المسلمون على شروطهم» وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين، وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3001>مسألة [١٤]: ما جاز بيعه جاز رهنه</span>.\nقال عبد الله بن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٥٥): وَكُلُّ عَيْنٍ جَازَ بَيْعُهَا جَازَ رَهْنُهَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الِاسْتِيثَاقُ بِالدَّيْنِ لِلتَّوَصُّلِ إلَى اسْتِيفَائِهِ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ إنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ عَيْنٍ جَازَ بَيْعُهَا، وَلِأَنَّ مَا كَانَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ كَانَ مَحَلًّا لِحِكْمَةِ الرَّهْنِ. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3002>مسألة [١٥]: إذا رهن الراهن المرتهن شيئًا في يد المرتهن كعارية، أو وديعة، أو غصبًا</span>؟\n• يصح الرهن عند أحمد بنفس العقد من غير احتياج إلى أمر زائد، وعند الشافعي، وبعض الحنابلة لا يصير رهنًا حتى تمضي مدة يتأتى قبضه فيها. والصحيح قول أحمد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3003>مسألة [١٦]: إذا رهنه المغصوب والعارية والمقبوض في بيع فاسد، فهل يزول الضمان</span>؟\n• مذهب الأكثر أنه يزول الضمان، ويصح الرهن، ويصح ضمانه ضمان\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٤٤ -)، «المحلى» (١٢١٩)، «الحاوي» (٦/ ٢٠)، «الشرح الممتع» (٩/ ١٢٥ - ١٢٦).\n(^٢) وانظر: «المحلى» (١٢١٣) «الشرح الممتع» (٩/ ١٢٠ -).","vol":"6","page":201},{"text":"رهن، وهو مذهب الحنابلة، وقال الشافعي: لا يزول الضمان، ويثبت فيه حكم الرهن، والحكم الذي كان ثابتًا فيه يبقى بحاله؛ لأنه لا تنافي بينهما؛ بدليل أنه لو تعدى في الرهن؛ صار ضامنًا ضمان غصب، وهو رهن كما كان، فكذلك ابتداؤه؛ لأنه أحد حالتي الرهن.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٥٣): وَلَنَا أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي إمْسَاكِهِ رَهْنًا لَمْ يَتَجَدَّدْ مِنْهُ فِيهِ عُدْوَانٌ؛ فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَمَا لَوْ قَبَضَهُ مِنْهُ ثُمَّ أَقْبِضهُ إيَّاهُ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ ضَمَانِهِ.\nوَقَوْلُهُمْ: (لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا) مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّ الْغَاصِبَ يَدُهُ عَادِيَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ إزَالَتُهَا، وَيَدُ الْمُرْتَهِنِ مُحِقَّةٌ جَعَلَهَا الشَّرْعُ لَهُ، وَيَدُ الْمُرْتَهِنِ يَدُ أَمَانَةٍ، وَيَدُ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَنَحْوِهِمَا يَدٌ ضَامِنَةٌ، وَهَذَانِ مُتَنَافِيَانِ، وَلِأَنَّ السَّبَبَ الْمُقْتَضِيَ لِلضَّمَانِ زَالَ، فَزَالَ الضَّمَانُ لِزَوَالِهِ، كَمَا لَوْ رَدَّهُ إلَى مَالِكِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ الْغَصْبُ وَالْعَارِيَّةُ وَنَحْوُهُمَا، وَهَذَا لَمْ يَبْقَ غَاصِبًا وَلَا مُسْتَعِيرًا، وَلَا يَبْقَى الْحُكْمُ مَعَ زَوَالِ سَبَبِهِ وَحُدُوثِ سَبَبٍ يُخَالِفُ حُكْمُهُ حُكْمَهُ، وَأَمَّا إذَا تَعَدَّى فِي الرَّهْنِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ؛ لِعُدْوَانِهِ، لَا لِكَوْنِهِ غَاصِبًا، وَلَا مُسْتَعِيرًا، وَهَا هُنَا قَدْ زَالَ سَبَبُ الضَّمَانِ، وَلَمْ يَحْدُثْ مَا يُوجِبهُ؛ فَلَمْ يَثْبُتْ. اهـ\nوالصحيح قول الجمهور، وسيأتي الكلام على مسألة ضمان المستعير إن شاء الله تعالى تحت حديث (٨٨٠). (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «بداية المجتهد» (٤/ ٦٦).","vol":"6","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3004>مسألة [١٧]: هل يصح رهن المشاع</span>؟\nالمشاع: هو النصيب المشترك الذي لم يميز.\n• ومذهب الجمهور هو جواز رهن المشاع؛ لأنه يجوز بيعه؛ فجاز رهنه، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، والظاهرية وغيرهم.\n• وقال أصحاب الرأي: لا يصح رهنه إلا أن يرهنه من شريكه، أو يرهنها الشريكان من رجل واحد؛ لأنَّ مقصود الرهن الحبس، والمرتهن لا يمكنه حبس المشاع؛ لأنَّ شريكه ينتزعه يوم نوبته.\nوأُجيب: بالمنع من أنَّ مقصود الرهن الحبس، بل مقصوده استيفاء الدين من ثمنه عند تعذره من غيره، والمشاع قابل لذلك، والصواب قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3005>مسألة [١٨]: رهن المدبر</span>.\n• مذهب الحنابلة جواز رهنه؛ لأنه يجوز بيعه، وما جاز بيعه جاز رهنه.\n• ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة منع رهن المدبر؛ لأنه علق عتقه بصفة، فأشبه ما لو علق عتقه بصفة توجد قبل حلول الحق.\nوأُجيب عن قول الشافعي، وأبي حنيفة بالمعارضة بأنَّ ذلك أشبه ما لو علقه بصفة توجد بعد حلول الحق.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٥٦) «تفسير القرطبي» (٣/ ٤١١) «بداية المجتهد» (٤/ ٦٦) «المحلى» (١٢١١).","vol":"6","page":203},{"text":"قلتُ: وكلا الأمرين محتمل، والأصل أنَّ ما جاز بيعه جاز رهنه، وموت الراهن محتمل؛ فأشبه احتمال هلاك الرهن في يد المرتهن، وذلك لا يمنع صحة الرهن، فكذلك ههنا.\nفالصحيح جواز رهن المدبر، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3006>مسألة [١٩]: رهن المكاتب</span>.\n• تقدم الخلاف في بيع المكاتب، والصواب هو جواز بيعه، فكذلك ههنا الراجح جواز رهنه، وهو مذهب مالك، وجماعة من الحنابلة، ومنع من ذلك الشافعي، وبعض الحنابلة.\n• وقال المجيزون: مال الكتابة يحبس عند المرتهن؛ فإن أعتق العبد نفسه؛ فالمال رهن بدل العبد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3007>مسألة [٢٠]: من علق عتقه بصفة تحل قبل حلول الحق</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٥٨): وَأَمَّا مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِصِفَةِ تَحِلُّ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ، كَمَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِهِلَالِ رَمَضَانَ، وَمَحَلُّ الْحَقِّ آخِرُهُ؛ لَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ، وَلَا اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ. وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ يَحِلُّ قَبْلَهَا، مِثْلُ أَنْ يُعَلَّقَ عِتْقُهُ بِآخِرِ رَمَضَانَ، وَالْحَقُّ يَحِلُّ فِي أَوَّلِهِ، صَحَّ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٥٧ - ٤٥٨) «الشرح الممتع» (٩/ ١٢٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٤٥٨) «الشرح الممتع» (٩/ ١٢٤).","vol":"6","page":204},{"text":"رَهْنُهُ؛ لِإِمْكَانِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ تَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، كَقُدُومِ زَيْدٍ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَالِ مَحِلٌّ لِلرَّهْنِ يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ، فَصَحَّ رَهْنُهُ، كَالْمَرِيضِ وَالْمُدَبَّرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ رَهْنُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا، إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ اخْتِلَافٌ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا. اهـ\nقلتُ: والصحيح أنه يجوز رهنه، ولا غرر في ذلك كالمدبر، وإذا أعتق فما ضاع حقه، بل له المطالبة بدينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3008>مسألة [٢١]: رهن الجارية مع ولدها</span>.\nقال الإمام عبد الله بن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٥٩): وَيَحُوزُ رَهْنُ الْجَارِيَةِ دُونَ وَلَدِهَا، وَرَهْنُ وَلَدِهَا دُونَهَا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَلَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ تَفْرِقَةٌ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَسْلِيمُ الْوَلَدِ مَعَ أُمِّهِ، وَالْأُمِّ مَعَ وَلَدِهَا؛ فَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى بَيْعِهَا فِي الدَّيْنِ، بِيعَ وَلَدُهَا مَعَهَا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ فِي الْعَقْدِ مُمْكِنٌ، وَالتَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا حَرَامٌ؛ فَوَجَبَ بَيْعُهُ مَعَهَا. فَإِذَا بِيعَا مَعًا، تَعَلَّقَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ مِنْ الثَّمَنِ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً، مَعَ أَنَّهَا ذَاتُ وَلَدٍ، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ خَمْسُونَ، فَحِصَّتُهَا ثُلُثَا الثَّمَنِ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُرْتَهِنُ بِالْوَلَدِ، ثُمَّ عَلِمَ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ عَيْبٌ فِيهَا؛ لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهَا بِدُونِهِ؛ فَإِنْ أَمْسَكَ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَلِمَ حَالَ الْعَقْدِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا، وَإِنْ رَدَّهَا فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ، إنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً فِيهِ. اهـ","vol":"6","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3009>مسألة [٢٢]: هل يرهن في الدين الذي ليس بثابت كدين الكتابة</span>؟\n• كثير من أهل العلم يخص الرهن في الدين الثابت، ولا يقول به في دين الكتابة، ورجح الإمام ابن عثيمين -﵀- أنه يصح الرهن في الدين الذي ليس بثابت؛ فإن استقر الدين وثبت؛ استقر الرهن وثبت تبعًا، وهو قول بعض الحنابلة، وهو الأصح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3010>مسألة [٢٣]: رهن الثمرة قبل بدو صلاحها</span>؟\n• أجازه الحنابلة في وجه لهم، ولهم وجهٌ بعدم الجواز، وهو قول الشافعية، ورجح الإمام ابن عثيمين -﵀- الجواز؛ لأنه إذا حلَّ الأجل؛ فإنْ كان قد بدا صلاحها أمكن البيع، وإلا انتظر حتى يبدو الصلاح، والمرتهن إذا كان يعرف أن الصلاح قد بقي عليه شهران أو ثلاثة قد دخل على بصيرة؛ فليس فيه إشكال. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3011>مسألة [٢٤]: رهن الثمرة قبل خروجها</span>.\n• مقتضى كلام أهل العلم أنه لا يجوز رهنها؛ لأنه شيء معدوم، ولا يجوز بيعه؛ فلا يجوز رهنه. وتسامح في ذلك الإمام ابن عثيمين وأجاز ذلك، فقال: عمل الناس على ذلك باعتبار المآل. قال: وإذا تأملت وجدت أنه ليس في الشرع ما يمنع ذلك؛ لأنَّ المعاملات الممنوعة كما قال شيخ الإسلام -وقوله صحيح- مبناها على ثلاثة أشياء: الظلم، والغرر، والميسر، يعني: وهذه المسألة\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الممتع» (٩/ ١٢٦) «الحاوي» (٦/ ٦) «الإنصاف» (٥/ ١٢٣ - ١٢٤).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٦/ ٤٦١) «الشرح الممتع» (٩/ ١٣٢).","vol":"6","page":206},{"text":"ليس فيها شيء من هذه الأمور الثلاثة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3012>مسألة [٢٥]: رهن ما في بطن الشاة</span>؟\n• مقتضى كلام الفقهاء أنه لا يصح رهنها؛ لأنه لا يجوز بيعها، ولاحتمال موته؛ فيضيع حق المرتهن.\nوقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٩/ ١٢٣): وإذا قال: رهنتك ما في بطن هذه الشاة. فالصحيح أنه يصح؛ لأنَّ الرهن ليس عقد معاوضة حتى نقول: لابد من تحريره وعلمه.\nفهذا الحمل الذي في البطن لايخلو من أربع حالات: إما أن يكون أكثر من قيمة الدين، أو يكون أقل، أو مساويًا، أو يموت، فإذا مات، أو خرج معيبًا بحيث لا يساوي قيمة الدين؛ فلم يضع الحق، وغاية ما هنالك أنَّ الوثيقة التي كان يؤمل عليها نقصت، أو عدمت، ولكن حقه باقٍ، فإذا خرج الحمل أكثر من الحق فقد زاد على الحق.\nويجوز أن أرهن عينًا بأكثر من الدين، فما دامت المسألة توثقة فقط، والحق باقٍ لن يضيع؛ فالصحيح أنه جائز، والرسول - ﷺ - إنما نهى عن بيع الغرر، وفرقٌ بين البيع الذي يقصد فيه التحري في مقابلة العوض بالعوض، وبين شيء لا يقصد منه إلا التوثقة إن حصلت؛ فهي كمال، وإن لم تحصل؛ فالحق باقٍ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الممتع» (٩/ ١٣٣ - ١٣٤).","vol":"6","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3013>مسألة [٢٦]: رهن المصحف</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٦٢): وَفِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيْعِهِ، وَبَيْعُهُ غَيْرُ جَائِزٍ. وَالثَّانِيَةُ: يَصِحُّ رَهْنُهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ فَصَحَّ رَهْنُهُ كَغَيْرِهِ. اهـ (^١)\nقلتُ: المسألة مبنية على بيع المصحف، والراجح هو الجواز؛ لأنه يبيع الورق، والحبر، والعمل، ولا يبيع كلام الله، وعلى هذا فيجوز رهنه، والله أعلم.\nوالقول بجواز بيعه هو مذهب مالك، والشافعي، وهو قول الشعبي، والحسن، والحكم، وعكرمة، وقال به الظاهرية.\nوممن رُوي عنه منع بيعه وكراهته: شريح، ومسروق، وعلقمة، وابن سيرين، والنخعي، وسعيد بن جبير، وقتادة، وأحمد، وإسحاق، وثبت عن ابن عمر -﵄- المنع من بيعها، وعن ابن عباس -﵄-، كراهة بيعها، والترخيص بشرائها.\nوعن أحمد وإسحاق: لا بأس بشراء المصاحف، وعدم الترخيص ببيعها.\nوقد رجَّح الإمام ابن باز -﵀-، والإمام العثيمين -﵀-، والإمام الوادعي -﵀- جواز بيعه، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يمنع من ذلك، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٥/ ١٣٠ - ١٣١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٣٦٧) «الشرح الممتع» (٨/ ١٣٣ -) «مصنف ابن أبي شيبة» (٦/ ٦٠ -) «السنن الكبرى» (٦/ ١٦) «المحلى» (١٥٥٨).","vol":"6","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3014>مسألة [٢٧]: استعارة الشيء ليرهنه</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في المغني (٦/ ٤٦٢): وَيَجُوزُ أَنَّ يَسْتَعِيرَ شَيْئًا يَرْهَنُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا اسْتَعَارَ مِنْ الرَّجُلِ شَيْئًا يَرْهَنُهُ عَلَى دَنَانِيرَ مَعْلُومَةٍ، عِنْدَ رَجُلٍ سَمَّاهُ، إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، فَفَعَلَ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ الْمُرْتَهَنَ، وَالْقَدْرَ الَّذِي يَرْهَنُهُ بِهِ، وَجِنْسَهُ، وَمُدَّةَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ، فَاحْتِيجَ إلَى ذِكْرِهِ، كَأَصْلِ الرَّهْنِ، وَمَتَى شَرَطَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَخَالَفَ، وَرَهَنَهُ بِغَيْرِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي هَذَا الرَّهْنِ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3015>مسألة [٢٨]: هل يؤخذ الرهن في غير الدين كالعارية، والمغصوب وما أشبهه</span>؟\n• مذهب الحنابلة والشافعية المنع من ذلك؛ لأنَّ الأدلة جاءت بأخذ الرهن في الدين، وأجاز ذلك مالك؛ لأنه عبارة عن وثيقة، والمعنى يقتضيه، ورجح هذا القول الشوكاني، ثم الإمام ابن عثيمين، وهو الصواب، والله أعلم، وهو قول جماعة من الحنابلة، وبعضهم يجعله المذهب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3016>مسألة [٢٩]: الرهن للدين بدين في ذمة رجل آخر</span>.\nصورته: أن يكون لرجل مثلًا عشرة آلاف، فجاء يطلبني دينًا قدره مثلًا عشرة\n_________\n(^١) انظر: «الحاوي» (٦/ ٥) «الشرح الممتع» (٩/ ١٢٧) «السيل الجرار» (٣/ ٢٧٤) «الإنصاف» (٥/ ١٢٣).","vol":"6","page":209},{"text":"آلاف أو أقل، فأقول له: دينك الذي في ذمة فلان رهن.\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: الصحيح هو جوازه، ويكون المدين الثاني كأنه ضامن، وهذا هو الصحيح، فقد يكون رجائي لحصولي على الدين من فلان أقوى من رجائي لحصوله من الأصل. اهـ\nقلتُ: وهذا قولٌ لبعض أهل العلم أشار إليه الزركشي كما في «الإنصاف» (٥/ ١٢٢). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3017>مسألة [٣٠]: الرهن للدين بمنافع يأخذها المرتهن</span>.\nصورتها: أن يرهنه أجرة السيارة، وأجرة البيت، فيؤجرها المرتهن، ويأخذ الأجرة رهنًا.\n• وقد أجاز ذلك الإمام ابن عثيمين -﵀-؛ لأنَّ المقصود هو التوثقة، فإذا رهنه منفعة البيت؛ فيؤجره ويأخذ الأجرة رهنًا، وهذا فيه فائدة، وليس هذا من باب المعاوضة، حتى نقول: إن المنفعة مجهولة، بل هو من باب التوثقة؛ لأنه إن حصل له شيء، وإلا رجع على الأصل الذي رهنه هذا الشيء. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3018>مسألة [٣١]: رهن ما يفسد بعد فترة</span>.\n• الأصح عند أهل العلم جواز رهنها، وعليه الأكثر، وللمرتهن بيعها إذا خاف فسادها بأن يجعل الراهن يبيعها بنفسه أو يرفعه إلى الحاكم؛ فيتولى الحاكم البيع\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الممتع» (٩/ ١١٩).\n(^٢) انظر: «الشرح الممتع» (٩/ ١١٩) «المغني» (٦/ ٤٦٩).","vol":"6","page":210},{"text":"ويجوز بيعه سواء شرط المرتهن البيعَ عند الرهن أم لم يشترط على الصحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3019>مسألة [٣٢]: جعل الرهن الأول رهنًا لدين آخر عند المرتهن نفسه</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى منع ذلك، وهو مذهب الحنابلة، والحنفية، وقول للشافعي، وابن حزم؛ لأنه كما أنه يمنع من رهنه عند إنسان آخر، فكذلك لا يجوز له رهنه عند ذلك المرتهن؛ لأنَّ الرهن قد تعلق بالحق الأول.\n• وذهب مالك، وأبو يوسف، وأبو ثور، والمزني، وابن المنذر إلى صحة ذلك وجوازه، وصوب هذا الإمام ابن عثيمين، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، وكون الرهن قد تعلق بالحق الأول لا يمنع أن يتعلق به حق آخر للمرتهن إذا رضي بذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3020>مسألة [٣٣]: إذا أدَّى بعض الدين، فهل من حقه أخذ الرهن</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٨١): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ حَقَّ الْوَثِيقَةِ يَتَعَلَّقُ بِالرَّهْنِ جَمِيعِهِ، فَيَصِيرُ مَحْبُوسًا بِكُلِّ الْحَقِّ، وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ، لَا يَنْفَكُّ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ أَوْ لَا يُمْكِنُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ رَهَنَ شَيْئًا بِمَالِ، فَأَدَّى بَعْضَ الْمَالِ، وَأَرَادَ إخْرَاجَ بَعْضِ الرَّهْنِ، أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ حَتَّى يُوَفِّيَهُ آخِرَ حَقِّهِ، أَوْ يُبْرِئَهُ مِنْ ذَلِكَ. كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٤٥٩ - ٤٦٠) «المحلى» (١٢١٧) «ابن أبي شيبة» (٧/ ٥٣٣) ط/الرشد.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٦/ ٤٨١) «الشرح الممتع» (٩/ ١٥٠) «المحلى» (١٢٢٠).","vol":"6","page":211},{"text":"وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِحَقِّ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِزَوَالِ جَمِيعِهِ، كَالضَّمَانِ وَالشَّهَادَةِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3021>مسألة [٣٤]: إمساك السلعة رهنًا بقيمتها، أو ببعض قيمتها</span>؟\n• ذهب كثير من أهل العلم إلى منع ذلك، وهو مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة، والظاهرية، وذكروا للمنع من ذلك عدة أسباب.\nأحدها: أنَّ الشيء قبل قبضه لا يجوز بيعه؛ فلا يجوز رهنه.\nثانيها: أنه إذا شرط ذلك عليه قبل البيع؛ فهو غير مملوك للراهن.\nثالثها: البيع يقتضي إيفاء الثمن أولًا، ورهن المبيع يقتضي أن لا يسلمه حتى يقبض الثمن.\nرابعها: البيع يقتضي تسليم المبيع أولًا، ورهن المبيع يقتضي أن لا يسلمه حتى يقبض الثمن.\nخامسها: البيع يقتضي إمساك المبيع مضمونًا، والرهن يقتضي أن لا يكون مضمونًا، وهذا يوجب التناقض.\nسادسها: إذا شرط عليه ذلك فهو باطل؛ لأنه شرط ليس في كتاب الله.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك، قال به بعض الحنابلة إذا كان ذلك شرطًا في البيع، وهو رواية عن أحمد، وأجاز ابن حزم حبس السلعة إذا كان البيع\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٢٢١) «الشرح الممتع» (٩/ ١٤٩).","vol":"6","page":212},{"text":"حالا لا مؤجلًا. وأسند ابن حزم من طريق الشعبي عن عمرو بن حريث، قال فيمن باع سلعة فنقده المشتري بعض الثمن، فقال البائع: لا أعطيك السلعة حتى تجيء بالبقية، فجعل عمرو بن حريث السلعة رهنًا بما بقي، وأسند عن عروة بن المغيرة بن شعبة مثل ذلك.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إذا شرط ذلك عليه في البيع، فله إمساكها رهنًا، والمسلمون على شروطهم، ولا نعلم دليلًا يبطل هذا الشرط، وإما إذا لم يشترط عليه فكما قال ابن حزم: له إمساكها إذا كان البيع حالًا؛ لأن ذلك حق له، وأما إذا كان البيع مؤجلًا فلا يجوز له إمساكها بدون رضاه. وقال أحمد: هو غاصب.\nوأما ما ذكروه فالجواب عنه كما يلي مرتبًا:\n١) لا يُسَلَّمُ لهم أنه لا يجوز رهن الشيء قبل قبضه؛ لأنه إذا لم يوفه حقَّه؛ فإنَّ الحاكم يلزم الراهن بقبضه وبيعه، أو يقبضه الحاكم ويبيعه، فلا إشكال.\n٢) قولهم: (إنه غير مملوك)، فيجاب عنه بأنه إنما شرط رهنه بعد ملكه.\n٣) قولهم: (إن البيع يقتضي إيفاء الثمن من غير المبيع) غير صحيح، وإنما يقتضي وفاء الثمن مطلقًا.\n٤) قولهم: (البيع يقتضي تسليم المبيع قبل تسليم الثمن) ممنوع وإن سُلِّم فلا يمتنع أن يثبت بالشرط خلافه كما أن مقتضى البيع حلول الثمن ووجوب تسليمه في الحال، ولو شرط التأجيل جاز.","vol":"6","page":213},{"text":"٥) الضمان على البائع إن أمسك السلعة بالثمن؛ لأن إمساكه لها يدل على أنه لم يتم البيع إلا بالثمن، فتكون من ضمانه، وأما الرهن فمن ضمان المشتري؛ لأنه أمسك حق المشتري برضاه وبالحق.\n٦) أما قولهم: (الشرط باطل) فممنوع، وهم مطالبون بالدليل على بطلانه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3022>مسألة [٣٥]: رهن العبد المسلم لكافر</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٧٠): قَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ صِحَّةَ رَهْنِهِ، إذَا شَرَطَا كَوْنَهُ عَلَى يَدِ مُسْلِمٍ، وَيَبِيعُهُ الْحَاكِمُ إذَا امْتَنَعَ مَالِكُهُ. وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ. اهـ\nقلتُ: والقول الثاني هو الصواب، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «الإنصاف» (٥/ ١٣٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3023>مسألة [٣٦]: جعل الرهن على يدي عدل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٧٠ -): وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُتَرَاهِنَيْنِ إذَا شَرَطَا كَوْنَ الرَّهْنِ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ رَضِيَاهُ، وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ؛ جَازَ، وَكَانَ وَكِيلًا لِلْمُرْتَهِنِ نَائِبًا عَنْهُ فِي الْقَبْضِ، فَمَتَى قَبَضَهُ صَحَّ قَبْضُهُ فِي قَوْلِ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ: عَطَاءٌ،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٠٣ - ٥٠٤) «المحلى» (١٢١٨) «الشرح الممتع» (٩/ ١٣٠) «الإنصاف» (٥/ ١٢٨ -).","vol":"6","page":214},{"text":"وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْحَكَمُ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَكُونُ مَقْبُوضًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ، فَتَعَلَّقَ بِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، كَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ قَبْضٌ فِي عَقَدَ؛ فَجَازَ فِيهِ التَّوْكِيلُ كَسَائِرِ الْقُبُوضِ. اهـ\nقلتُ: وذهب ابن حزم إلى قول قتادة، وابن أبي ليلى، والصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3024>مسألة [٣٧]: هل للراهن، أو المرتهن أن ينقل الرهن من يد العدل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٧٢): وَمَا دَامَ الْعَدْلُ بِحَالِهِ، لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ الْأَمَانَةِ، وَلَا حَدَثَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا عَدَاوَةٌ، فَلَيْسَ لَأَحَدِهِمَا، وَلَا لِلْحَاكِمِ نَقْلُ الرَّهْنِ عَنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِهِ فِي الِابْتِدَاءِ. وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى نَقْلِهِ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَمْ يَعْدُهُمَا. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ، لَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ وَلَا لِلْحَاكِمِ نَقْلُهُ عَنْ يَدِهِ. وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْعَدْلِ بِفِسْقٍ، أَوْ ضَعْفٍ عَنْ الْحِفْظِ، أَوْ حَدَثَتْ عَدَاوَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، أَوْ بَيْنَ أَحَدِهِمَا، فَلِمَنْ طَلَبَ نَقْلَهُ عَنْ يَدِهِ ذَلِكَ، وَيَضَعَانِهِ فِي يَدِ مَنْ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ اخْتَلَفَا، وَضَعَهُ الْحَاكِمُ عَلَى يَدِ\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٢١٠) «المغني» (٦/ ٤٧٠ -) «الشرح الممتع» (٩/ ١٥٥) «ابن أبي شيبة» (٦/ ٤٠٤ - ٤٠٥).","vol":"6","page":215},{"text":"عَدْلٍ. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3025>مسألة [٣٨]: إذا أراد العدل رد الرهن</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (٦/ ٤٧٢): وَلَوْ أَرَادَ الْعَدْلُ رَدَّهُ عَلَيْهِمَا، فَلَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِمَا قَبُولُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ مُتَطَوِّعٌ بِالْحِفْظِ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْمُقَامُ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ امْتَنَعَا، أَجْبَرَهُمَا الْحَاكِمُ؛ فَإِنْ تَغَيَّبَا، نَصَبَ الْحَاكِمُ أَمِينًا يَقْبِضُهُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ وِلَايَةً عَلَى الْمُمْتَنِعِ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3026>مسألة [٣٩]: هل للعدل بيع الرهن</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٧٣): إذَا كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، وَشَرَطَا لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ؛ صَحَّ، وَيَصِحُّ بَيْعُهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ؛ فَإِنْ عَزَلَ الرَّاهِنُ الْعَدْلَ عَنْ الْبَيْعِ؛ صَحَّ عَزْلُهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْبَيْعَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يَنْعَزِلُ؛ لِأَنَّ وَكَالَتَهُ صَارَتْ مِنْ حُقُوقِ الرَّهْنِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ إسْقَاطُهُ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَيَتَوَجَّهُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ مَنَعَ الْحِيلَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ، وَهَذَا يَفْتَحُ بَابَ الْحِيلَةِ لِلرَّاهِنِ؛ فَإِنَّهُ يَشْتَرِطُ ذَلِكَ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِيُجِيبَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ يَعْزِلَهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ، فَلَمْ يَلْزَمْ الْمَقَامُ عَلَيْهَا، كَسَائِرِ الْوَكَالَاتِ، وَكَوْنُهُ مِنْ حُقُوقِ الرَّهْنِ لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِهِ. اهـ\nقلتُ: والصحيح ما ذهب إليه الشافعي، وأحمد؛ لأنه بعزله يحصل إسقاط حق","vol":"6","page":216},{"text":"المرتهن من الرهن، وإنما هو عزل لتوكيله في البيع، فيقيم الراهن شخصًا آخر لبيعه؛ وإلا أقام الحاكم شخصًا أمينًا يقوم بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3027>مسألة [٤٠]: الثمن الذي يبيع العدل به</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٧٦): وَمَتَى قَدَّرَا لَهُ ثَمَنًا؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ بِدُونِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَا، فَلَهُ بَيْعُهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، أَوْ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُوحَنِيفَةَ: لَهُ بَيْعُهُ وَلَوْ بِدَرَاهِمَ، وَالْكَلَامُ مَعَهُ فِي الْوَكَالَةِ. فَإِنْ أَطْلَقَا، فَبَاعَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ؛ صَحَّ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُضْبَطُ غَالِبًا. وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ، أَوْ بَاعَ بِأَنْقَصَ مِمَّا قَرَّرَا لَهُ؛ صَحَّ الْبَيْعُ، وَضَمِنَ النَّقْصَ كُلَّهُ. ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3028>مسألة [٤١]: إذا باع إلى أجل بشرط رهن، ولم يعين الرهن، أو قال: (برهن إحدى هذه الشياه) مثلًا</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعي عدم صحة ذلك؛ لأنه مجهول، فلا يصح كالبيع.\n• وأجازه أبو حنيفة بقوله: بأحد هذين العبدين. وما أشبهه.\n• ومذهب مالك، وأبي ثور أنه يصح شرط الرهن المجهول، ويلزم أن يدفع إليه رهنًا بقدر الدين؛ لأنه وثيقة؛ فجاز شرطها مطلقًا كالشهادة.","vol":"6","page":217},{"text":"قلتُ: وقول مالك هو الصواب، والله أعلم، وليس هو كالبيع؛ لأن البيع معاوضة، والرهن توثقة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3029>مسألة [٤٢]: إذا باعه بشرط أن يأتي برهن، فلم يأت به</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، وأصحاب الرأي أنَّ للبائع أن يفسخ البيع، أو يمضيه بدون رهن، وليس له الحق بإلزام المشتري بالرهن؛ لأنَّ الرهن عندهم لا يلزم إلا بالقبض.\n• ومذهب مالك، وأبي ثور أنَّ المشتري يلزم بالرهن إلا أن يتسامح البائع، أو يختار الفسخ؛ لأنَّ الرهن عندهم يلزم بالعقد، وهو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وقال به بعض الحنابلة في غير المكيل والموزون. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3030>مسألة [٤٣]: الرهن بشرط أن يبيعه المرتهن</span>.\n• أجاز ذلك الجمهور، وهو مذهب الحنابلة، والمالكية، والحنفية.\n• ومنع ذلك الشافعي، وقال: لا يصح؛ لأنه توكيل فيما يتنافى فيه الغرضان؛ فلم يصح، كما لو وكله في بيعه من نفسه.\nووجه التنافي: أنَّ الراهن يريد الصبر على المبيع، والاحتياط في توفير الثمن، والمرتهن يريد تعجيل الحق، وإنجاز البيع.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٠٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥٠٠ - ٥٠١).","vol":"6","page":218},{"text":"وأجاب الجمهور: بأنَّ هذا لا يمنع جواز الرهن وصحته مع الشرط، والله أعلم. «المغني» (٦/ ٥٠٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3031>مسألة [٤٤]: شرط أن يبيعه العدل عند حلول الحق</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: لَا نَعْلَمُ فِي صِحَّةِ هَذَا خِلَافًا. اهـ\nقلتُ: الظاهر أنه يريد عدم الخلاف عند القائلين بجواز جعل الرهن عند عدل، وقد تقدم الخلاف في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3032>مسألة [٤٥]: إذا اشترط ما ينافي مقتضى الرهن</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٥٠٦): الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الرَّهْنِ، نَحْوِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَلَّا يُبَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَ حُلُول الْحَقِّ، أَوْ لَا يُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ لَا يُبَاعُ مَا خِيفَ تَلَفُهُ، أَوْ بَيْعَ الرَّهْنِ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَهُ إلَّا بِمَا يُرْضِيه. فَهَذِهِ شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ؛ لِمُنَافَاتِهَا مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مَعَ الْوَفَاءِ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ مَفْقُودٌ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3033>مسألة [٤٦]: وهل يفسد الرهن مع فساد الشرط</span>؟\n• مذهب أبي حنيفة، وبعض الحنابلة صحة الرهن، والشرط فاسد. وبعض الحنابلة على فساد الرهن، وقال بعضهم بفساده إذا كان ينقص حق المرتهن، وهو مذهب الشافعي. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٠٦ - ٥٠٧) «الشرح الممتع» (٩/ ١٦٠ - ١٦١).","vol":"6","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3034>مسألة [٤٧]: إذا اشترط عليه إذا حل الدين ولم يوفه فالرهن له بالدين بيعًا</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٥٠٧): وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ مَتَى حَلَّ الْحَقُّ وَلَمْ يُوَفِّنِي فَالرَّهْنُ لِي بِالدَّيْنِ، أَوْ: فَهُوَ مَبِيعٌ لِي بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك؛ فَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (^١)، وَشُرَيْحٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ. اهـ\nثم استدل بحديث الباب: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ»، وبأنَّ هذا البيع معلق، ومن شروط البيع أن يكون منجزًا.\nوقد رجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- جواز ذلك، ونقله رواية عن أحمد من فِعْلِه، ورجح أنَّ معنى الإغلاق في الحديث: أن يأخذه المرتهن قهرًا بغير رضى الراهن، سواء كان يساوي الدين، أو أكثر، وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، وأما البيع المعلق فما هو الدليل على أنه لا يصح؟ والأصل في العقود وشروطها الجواز والصحة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ والمسلمون على شروطهم، واختاره شيخ الإسلام كما في «الإنصاف».\nقلتُ: وهذا قول جيد، ولكن ينبغي أن يكون الرضى من الراهن ليس عن اضطرار؛ لأنه قد يسلم الرهن، وفي قرارة نفسه أنه سيوفيه ولا يحصل البيع، فهو في مثل هذه الحالة ليس براضٍ بالبيع، وإن رهن، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٤٨٠)، وفي إسناده: موسى بن عبيدة الربذي، وهو شديد الضعف.\n(^٢) وانظر: «الشرح الممتع» (٩/ ١٦١ - ١٦٤) «المغني» (٦/ ٥٠٧ -) «الإنصاف» (٥/ ١٥٠) «القرطبي» (٣/ ٤١٣) «بداية المجتهد» (٣/ ٦٨) «ابن أبي شيبة» (٦/ ٤٨٠).","vol":"6","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3035>مسألة [٤٨]: إذا شرط المرتهن أن ينتفع بالرهن</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- (٦/ ٥١٠): فَإِنْ شَرَطَ فِي الرَّهْنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ الْمُرْتَهِنُ؛ فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الرَّهْنِ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمَبِيعِ، قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارِ، بِشَرْطِ أَنْ تَرْهَنَنِي عَبْدَك يَخْدُمُنِي شَهْرًا. فَيَكُونُ بَيْعًا وَإِجَارَةً، فَهُوَ صَحِيحٌ. وَإِنْ أَطْلَقَ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِجَهَالَةِ ثَمَنِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْبَيْعِ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ إلَى أَجَلٍ فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، وَكَرِهَهُ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ، وَكَرِهَهُ فِي الْقَرْضِ. وَلَنَا أَنَّهُ شَرَطَ فِي الرَّهْنِ مَا يُنَافِيه؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ فِي الْقَرْضِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر -والله أعلم- صحة ذلك في البيع إنْ تميز ثمن المبيع ومقدار الأجرة ولم تأخذ الإجارة بعض ثمن المبيع؛ لأنه يصبح بيعًا وإجارة بعقد واحد، وهذا جائز بلا إشكال بالشرط المذكور، وأما في القرض فلا يجوز؛ لأنه يصبح قرضًا جرَّ نفعًا بشرط، وذلك ربا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3036>مسألة [٤٩]: انتفاع المرتهن بالمركوب والمحلوب</span>.\n• جمهور الفقهاء على أنَّ المرتهن لا يجوز له الانتفاع بالركوب، ولا بالحليب؛ لأنها ملك للراهن، والأصل في مال المسلم الحرمة، وأوَّلوا حديث أبي هريرة الذي في الباب بأنَّ المراد به الراهن نفسه له أن يركبها ويحتلبها، كما كان قبل الرهن، وبعضهم حمله على أنه منسوخ.","vol":"6","page":221},{"text":"• وذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّ للمرتهن الانتفاع من المركوب بركوبه، ومن المحلوب بحلبه، وهو قول أحمد، وإسحاق، والأوزاعي، والليث، وأبي ثور، وابن حزم، وقيَّد غيرُ الأخير منهم بأن يكون ذلك بقدر نفقته عرفًا. وقال ابن حزم: ينفق عليه، وينتفع به، سواء كان الانتفاع أقلَّ من النفقة أو أكثر. واستدلوا كلهم بحديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب، وتأويل الجمهور يرده رواية أحمد (٢/ ٢٢٨) بإسناد صحيح «فعلى المرتهن علفها ...»، وادعاؤهم النسخ دعوى تحتاج إلى دليل، ولا معارضة حتى يقال بالنسخ؛ فإنَّ الخاص يقضي على العام ولا يعارضه.\nفالصحيح هو جواز الانتفاع بالمركوب، والمحلوب مقابل النفقة، ويأخذ بقدر نفقته كما قال غير ابن حزم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3037>مسألة [٥٠]: وهل يستخدم العبد مقابل نفقته أيضًا</span>؟\n• منع من ذلك الجمهور، ومعهم أحمد، وإسحاق، وابن حزم؛ لأنَّ حديث أبي هريرة جاء في المركوب، والمحلوب، فغيره يبقى فيه على الأصل.\n• وذهب الأوزاعي، والليث، وأبو ثور، وأحمد في رواية إلى جواز استخدام العبد مقابل النفقة، وهذا أقرب؛ لأنَّ العبيد من حيث البيع، والشراء، والإجارة وما أشبهها، أحكامهم كأحكام الحيوانات، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥١١) «المحلى» (١٢١٤) «الفتح» (٢٥١١) «تفسير القرطبي» (٣/ ٤١١ - ٤١٢) «السيل» (٣/ ٢٧٤).\n(^٢) انظر: «تفسير القرطبي» (٣/ ٤١١ - ٤١٢) «الفتح» (٢٥١١) «المحلى» (١٢١٤) «المغني» (٦/ ٥١٢) «الإنصاف» (٥/ ١٥٥ -).","vol":"6","page":222},{"text":"تنبيه: إذا أنفق الراهن على الحيوان بنفسه؛ فليس للمرتهن أن ينتفع بالركوب، والحلب عندهم جميعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3038>مسألة [٥١]: انتفاع المرتهن من الرهن الذي ليس له مؤنة</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٥٠٩): مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ، كَالدَّارِ وَالْمَتَاعِ وَنَحْوِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ بِحَالٍ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ وَمَنَافِعُهُ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَخْذُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3039>مسألة [٥٢]: إذا أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بغير عوض</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٥٠٩): فَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الِانْتِفَاعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَكَانَ دَيْنُ الرَّهْنِ مِنْ قَرْضٍ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ قَرْضًا يَجُرُّ مَنْفَعَةً، وَذَلِكَ حَرَامٌ. قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ قَرْضَ الدُّورِ، وَهُوَ الرِّبَا الْمَحْضُ. يَعْنِي: إذَا كَانَتْ الدَّارُ رَهْنًا فِي قَرْضٍ يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُرْتَهِنُ. وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ بِثَمَنِ مَبِيعٍ، أَوْ أَجْرِ دَارٍ، أَوْ دَيْنٍ غَيْرِ الْقَرْضِ، فَأَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي الِانْتِفَاعِ؛ جَازَ ذَلِكَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو المنع من ذلك، سواءٌ كان مقابل قرض، أو بيع إلى أجل؛ فكله من الربا، إلا أن تكون المنفعة مشروطة في البيع نفسه، وهي منفعة معلومة الوصف والمقدار؛ فيجوز، وتكون من ضمن ثمن المبيع، والله أعلم.","vol":"6","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3040>مسألة [٥٣]: إذا انتفع المرتهن من الرهن بأجرة للراهن</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٥٠٩): فَأَمَّا إنْ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِعِوَضِ، مِثْلُ إنْ اسْتَأْجَرَ الْمُرْتَهِنُ الدَّارَ مِنْ الرَّاهِنِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، مِنْ غَيْر مُحَابَاةٍ؛ جَازَ فِي الْقَرْضِ وَغَيْرِهِ؛ لِكَوْنِهِ مَا انْتَفَعَ بِالْقَرْضِ، بَلْ بِالْإِجَارَةِ، وَإِنْ حَابَاهُ فِي ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الِانْتِفَاعِ، بِغَيْرِ عِوَضٍ، لَا يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ، وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو المنع من ذلك في غير القرض أيضًا كما تقدم، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3041>مسألة [٥٤]: إذا انتفع المرتهن من الرهن بغير إذن</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٥١٣): وَإِذَا انْتَفَعَ الْمُرْتَهِنُ بِالرَّهْنِ، بِاسْتِخْدَامٍ، أَوْ رُكُوبٍ، أَوْ لُبْسٍ، أَوْ اسْتِرْضَاعٍ، أَوْ اسْتِغْلَالٍ، أَوْ سُكْنَى، أَوْ غَيْرِهِ، حَسَبَ مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ.\nقَالَ أَحْمَدُ: يُوضَعُ عَنْ الرَّاهِنِ بِقَدْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فَإِذَا اسْتَوْفَاهَا؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا فِي ذِمَّتِهِ لِلرَّاهِنِ، فَيُتَقَاصُّ الْقِيمَةَ وَقَدْرَهَا مِنْ الدَّيْنِ، وَيَتَسَاقَطَانِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3042>مسألة [٥٥]: هل للمرتهن وطء الجارية المرهونة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٨٨): وَلَا يَحِلُّ لِلْمُرْتَهِنِ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ إجْمَاعًا؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾","vol":"6","page":224},{"text":"[المؤمنون: ٦/المعارج:٣٠]، وَلَيْسَتْ هَذِهِ زَوْجَةً وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ؛ فَإِنْ وَطِئَهَا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ؛ فَإِنَّ الرَّهْنَ اسْتِيثَاقٌ بِالدَّيْنِ، وَلَا مَدْخَلَ لِذَلِكَ فِي إبَاحَةِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الْمُسْتَأْجَرَةِ يُوجِبُ الْحَدَّ مَعَ مِلْكِهِ لِنَفْعِهَا، فَالرَّهْنُ أَوْلَى. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3043>مسألة [٥٦]: انتفاع الراهن برهنه وتصرفه فيه</span>.\nأما تصرفه فيه بإخراجه عن ملكه بالبيع، والهبة؛ فلا يجوز عند أهل العلم، ولم أجد خلافًا في ذلك.\n• وأما تصرفه فيه بالإجارة والإعارة، وما أشبهها، ففيه قولان:\nالقول الأول: لا يملك التصرف فيه بذلك بغير رضى المرتهن، وهو قول أحمد، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الرهن قد تعلق به حق المرتهن.\nالقول الثاني: للراهن إجارته، وإعارته مدة لا يتأخر انقضاؤها عن حلول الدين، وهو قول مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى، وابن المنذر، وابن حزم.\nورجح هذا الشيخ ابن عثيمين -﵀-، وقيَّدَه بما إذا لم يحصل ضرر على المرتهن، وهو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٢٢٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥١٥) (٦/ ٤٨٣) «الشرح الممتع» (٩/ ١٤٠) «المحلى» (١٢١٣) «الإنصاف» (٥/ ١٣٨).","vol":"6","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3044>مسألة [٥٧]: هل يجوز للراهن وطء أمته المرهونة</span>؟\n• أجاز ذلك ابن حزم مطلقًا، وأجازه جماعة من الشافعية في الآيسة، والصغيرة، ومنع من ذلك أكثر أهل العلم؛ لأنَّ ذلك مظنة الحمل، فتخرج عن جواز رهنها؛ لأنها تصبح أم ولد.\nوالصحيح هو الجواز؛ لأنَّ الراجح أنَّ أم الولد يجوز بيعها إذا لم يحصل تفريق بينها وبين ولدها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3045>مسألة [٥٨]: هل له وطؤها إذا أذن المرتهن</span>؟\nالذين منعوا من الوطء في المسألة السابقة أجازوا ذلك إذا أذن المرتهن؛ لأنها إذا حملت خرجت من الرهن بإذن المرتهن؛ لكونه أذن في سبب الحمل.\nوقال ابن قدامة -﵀-: لا نعلم في هذا خلافًا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3046>مسألة [٥٩]: هل ينفذ عتق الراهن لعبده المرهون</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: العتق باطل، ولا ينفذ؛ لأن العبد قد تعلق به حق المرتهن؛ فعتقه للعبد يعتبر تعديًا في حق غيره، ولا يجوز له ذلك، وإذا كان لا يجوز؛ فلا يصح ولا ينفذ، وبهذا قال عطاء، وأبو ثور، وداود، وعثمان البتي، وهو قولٌ لبعض الحنابلة،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٤٨٤ - ٤٨٥) «المحلى» (١٢١٣).\n(^٢) انظر «المغني» (٦/ ٤٨٦).","vol":"6","page":226},{"text":"والشافعية، واختاره شيخ الإسلام.\nالثاني: ينفذ العتق من الموسر، ويكلف بقيمة العبد يجعلها رهنًا، ولا ينفذ العتق من المعسر، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية.\nالثالث: ينفذ العتق من المعسر، والموسر، وإن كان موسرًا كُلِّفَ بالقيمة، وهو قول أحمد، وأصحاب الرأي، وقولٌ للشافعي.\nقلتُ: والقول الأول هو الراجح، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-؛ وذلك لأنه قد تعلق به حق المرتهن؛ بحيث يستوفي حقه منه إذا لم يؤد الدين، وعليه فتصرفات الراهن في الرهن بما يبطل هذا الحق مردودة؛ لما فيه من التعدي، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3047>مسألة [٦٠]: إذا رهن جارية، ثم وطئها بغير إذن المرتهن، فحملت</span>؟\n• أما إذا كان موسرًا: فأكثر أهل العلم على أنها تخرج من الرهن، ويكلف بالقيمة رهنًا، أو رهنًا مكانها. وخالف أبو ثور، فقال: لا يكلف لا هو، ولا هي بشيء، وتخرج من الرهن.\n• وأما إذا كان معسرًا ففيه خلاف:\n١) ... فمنهم من قال: تُباع إذا وضعت، ولا يباع ولدها، وهو قولٌ للشافعي.\n٢) ... ومنهم من قال: لا شيء عليه، وقد تعدى، وهو قول أحمد، وأبي ثور،\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٢١٥) «المغني» (٦/ ٤٨٢) «الإنصاف» (٥/ ١٣٧) «الشرح الممتع» (٩/ ١٤٢ - ١٤٣).","vol":"6","page":227},{"text":"وقولٌ للشافعي.\n٣) ... ومنهم من قال: يستسعي في القيمة ليرهنها، وهو قول الحنفية.\n٤) ومنهم من قال: إن خرجت هي إلى الراهن؛ فلا شيء عليه، وإن تسور عليها، فيأخذ ولدها، وتباع بعد الوضع.\nوأقرب هذه الأقوال هو القول الثاني، إلا أن المرتهن له الحق بإمساكها؛ حتى يسعى الراهن في قضاء دينه، أو الإبدال برهن آخر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3048>مسألة [٦١]: إذا زوج الراهن أمته المرهونة</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الرهن يفسد، وهو قول مالك، والشافعي، وبعض الحنابلة، وقدموا حق الزوج على حق المرتهن.\n• وذهب أبو حنيفة، وبعض الحنابلة إلى أنَّ الرهن لا يفسد، بل تبقى مرهونة؛ لأنَّ الزواج لا يبطل حق المرتهن، وهذا القول أقرب، والله أعلم؛ فإنْ كان الزوج يعلم أنها مرهونة؛ فيتحمل ذلك، وإن لم يعلم ذلك؛ فله الفسخ، والرجوع بماله، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3049>مسألة [٦٢]: نماء الرهن وغلاته</span>؟\nوذلك كالولد، والثمرة، والكسب، والمنفعة الحاصلة من البيت المرهون،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٤٨٥ -) «المحلى» (١٢١٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٤٨٣ - ٤٨٤) «الإنصاف» (٥/ ١٣٨).","vol":"6","page":228},{"text":"وهو مؤجر، وما أشبه ذلك.\n• وقد اختلف أهل العلم: هل تكون مرهونة تبعًا لأصلها، أم لا تتبع الرهن؟\n• فذهب النخعي، والشعبي، والحنابلة إلى أنَّ هذه الأمور تكون تبعًا للرهن؛ لأنها نتجت منه.\n• وذهب الثوري، والحنفية إلى أنها تكون تبعًا للرهن؛ إلا كسب العبد والأمة؛ فلا يكون تبعًا له.\n• وذهب مالك إلى أنَّ الذي يتبع الرهن هو الولد خاصة.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الرهن لا يتبعه شيء من نمائه المنفصل، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن حزم، حتى قال الشافعي: لو رهنها حاملًا، فوضعت عند المرتهن؛ فله أخذ الولد.\nوالذي يظهر أنه يكون مرهونًا؛ لأنها كانت حاملًا، بخلاف ما لو حملت عند المرتهن، ثم وضعت؛ فالظاهر أن له أخذ الولد، والله أعلم. والقول الأخير هو الصواب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3050>مسألة [٦٣]: مؤنة الرهن من حيث النفقة، والمعالجة، والحفظ، وما أشبهه</span>؟\n• جمهور العلماء على أنَّ ذلك على الراهن؛ لأنها ملكه، وقال أبو حنيفة: مؤنة\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥١٣) «المحلى» (١٢١٣) «الشرح الممتع» (٩/ ١٤٣) «المحلى» (١٢١٥).","vol":"6","page":229},{"text":"الحفظ على المرتهن؛ لأنه هو قابضها، وممسكها، والصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3051>مسألة [٦٤]: إذا تلف الرهن بدون تعدي أو تفريط من المرتهن، فمن يضمنه</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: يترادان الفضل، ومعناه: إذا كان الدين أكثر من قيمة الرهن؛ أعاد الراهن إلى المرتهن الفضل من دينه على قيمة الرهن، وإن كان الرهن قيمته أكثر من الدين؛ فيرد المرتهن إلى الراهن الفضل من قيمته الزائد على دينه، وهو قول عبيد الله بن الحسن، وأبي عبيد، وإسحاق.\nالثاني: مثل القول الأول؛ إلا أنَّ المرتهن لا يرد فضلًا، وهو قول النخعي، وقتادة، والحنفية.\nالثالث: يسقط الرهن والدين، وهو قول الحسن، والنخعي، وشريح، والشعبي، والزهري، وقتادة.\nالرابع: إن كان التلف مما يخفى؛ فهو على المرتهن، وإن كان التلف في أمر ظاهر كالعقارات، وغيرها؛ فهي على الراهن، وهذا قول مالك.\nالخامس: الضمان مطلقًا على الراهن؛ لأنه ماله، وقد تلف بغير تفريط، ولا تعدي، وهذا قول الشافعي، وأحمد، وأبي ثور، والظاهرية، وعطاء، والزهري.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥١٧).","vol":"6","page":230},{"text":"قلتُ: وهذا القول هو الصواب، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3052>مسألة [٦٥]: إذا وضع على يدي عدل، فتلف بدون تعدي منه، أو تفريط</span>؟\nأما العدل فلا يضمنه عندأهل العلم، واختلفوا: هل ضمانه على الراهن أم المرتهن؟\n• فقال أحمد، والشافعي: هو من ضمان الراهن. وقال مالك، وأبو حنيفة: من ضمان المرتهن. والصواب القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3053>مسألة [٦٦]: إذا مات الراهن، أو المرتهن</span>؟\n• ما زال الرهن على حاله، سواء كان بعد القبض، أو قبله على الصحيح، وهو مقتضى مذهب مالك وغيره.\n• ومذهب الجمهور: أنه إذا مات أحدهما قبل القبض؛ فليس الرهن بلازم، وإذا كان بعد القبض؛ فقد لزم، وأحكام الرهن يتولاها الورثة. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3054>مسألة [٦٧]: إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الرهن</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٥٢٦): وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الرَّهْنِ، فَقَالَ: رَهَنْتُك هَذَا الْعَبْدَ. قَالَ: بَلْ هُوَ وَالْعَبْدَ الْآخَرَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٢٢) «المحلى» (١٢١٥) «الشرح الممتع» (٩/ ١٤٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٤٧٦) «تفسير القرطبي» (٣/ ٤١٠) «الشرح الممتع» (٩/ ١٥٦ -).\n(^٣) انظر: «الحاوي» (٦/ ١٦ - ١٩).","vol":"6","page":231},{"text":"مُنْكِرٌ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. اهـ\nقلتُ: المراد بالتمثيل المذكور، قبل قبض المرتهن للرهن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3055>مسألة [٦٨]: إن اختلفا في قدر الدين الذي رهن من أجله</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٥٢٥): وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْحَقِّ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ الرَّاهِنُ: رَهَنْتُك عَبْدِي هَذَا بِأَلْفٍ. فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ بِأَلْفَيْنِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ. وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْبَتِّيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، مَا لَمْ يُجَاوِزْ ثَمَنَ الرَّهْنِ، أَوْ قِيمَتَهُ.\nوَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الرَّهْنَ يَكُونُ بِقَدْرِ الْحَقِّ. وَلَنَا أَنَّ الرَّاهِنَ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ الَّتِي يَدَّعِيهَا الْمُرْتَهِنُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ؛ لَقَوْلِ رَسُولِ الله - ﷺ -: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ؛ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (^١). ا هـ\nقلتُ: واختار شيخ الإسلام قول مالك، والذي يظهر أنَّ الصواب قول الجمهور، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، واستثنى إذا ظهرت قرينة ظاهرة في صدق المرتهن، كأن يدعي أنه رهنه سيارة في مائة ريال سعودي، فعند ذلك ينظر الحاكم في القضية ويتتبع الأمر. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٥٥٢)، ومسلم برقم (١٧١١)، من حديث ابن عباس -﵄-.\n(^٢) وانظر: «الشرح الممتع» (٩/ ١٦٤) «الاختيارات» (ص ١٣٣).","vol":"6","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3056>مسألة [٦٩]: إذا حل الدين ولم يوف الراهن</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٥٣١): إذَا حَلَّ الْحَقُّ؛ لَزِمَ الرَّاهِنَ الْإِيفَاءُ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ حَالٌّ، فَلَزِمَ إيفَاؤُهُ، كَاَلَّذِي لَا رَهْنَ بِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يُوَفِّ، وَكَانَ قَدْ أَذِنَ لِلْمُرْتَهِنِ أَوْ لِلْعَدْلِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ؛ بَاعَهُ، وَوَفَّى الْحَقَّ مِنْ ثَمَنِهِ، وَمَا فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ فَلِمَالِكِهِ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ؛ فَعَلَى الرَّاهِنِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِ، أَوْ كَانَ قَدْ أَذِنَ لَهُمَا ثُمَّ عَزَلَهُمَا، طُولِبَ بِالْوَفَاءِ وَبَيْعِ الرَّهْنِ؛ فَإِنْ فَعَلَ، وَإِلَّا فَعَلَ الْحَاكِمُ مَا يَرَى مِنْ حَبْسِهِ وَتَعْزِيرِهِ لِبَيْعِهِ، أَوْ يَبِيعُهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَمِينِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَبِيعُهُ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْحَاكِمِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، لَا عَلَى مَالِهِ، فَلَمْ يَنْفُذْ بَيْعُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ؛ قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِي أَدَائِهِ كَالْإِيفَاءِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، وَإِنْ وَفَّى الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِ الرَّهْنِ، انْفَكَّ الرَّهْنُ. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الممتع» (٩/ ١٥٢ - ١٥٣).","vol":"6","page":233},{"text":"٨٤٧ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا (^١)، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إبِلٌ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَقَالَ: لَا أَجِدُ إلَّا خِيَارًا [رَبَاعِيًا] (^٢) فَقَالَ: «أَعْطِهِ إيَّاهُ؛ فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\n٨٤٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا». رَوَاهُ الحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، وَإِسْنَادُهُ سَاقِطٌ. (^٤)\n\n٨٤٩ - وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عِنْدَ البَيْهَقِيّ. (^٥)\n\n٨٥٠ - وَآخَرُ مَوْقُوفٌ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ سَلَامٍ عِنْدَ البُخَارِيِّ (^٦)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3057>مسألة [١]: قضاء المقترض للمقرض بأفضل مما أخذ منه بغير شرط</span>.\n• جمهور العلماء على جواز ذلك، سواء كانت الأفضلية من حيث الوصف، أو العدد.\n_________\n(^١) قال في «النهاية»: الفتي من الإبل، بمنزلة الغلام من الناس.\n(^٢) زيادة من المطبوع، و«مسلم»، وهو الذي طلعت رباعيته، وهو الذي استكمل ست سنين ودخل في السابعة.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٦٠٠).\n(^٤) ضعيف جدًّا. أخرجه الحارث كما في «بغية الباحث» (٤٣٧) من طريق سوار بن مصعب عن عمارة الهمداني عن علي به. وإسناده شديد الضعف؛ لأنَّ سوار بن مصعب متروك.\n(^٥) ضعيف وهو موقوف. أخرجه البيهقي (٥/ ٣٥٠)، موقوفًا على فضالة بلفظ: «كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا» وفي إسناده عبدالله بن عياش القتباني وفيه ضعف.\n(^٦) أخرجه البخاري برقم (٣٨١٤). موصولًا عن عبدالله بن سلام أنه قال لأبي بردة: إنك بأرض، الربا فيها فاش، فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فإنه ربا.","vol":"6","page":234},{"text":"واستدلوا بحديث أبي رافع المذكور في الباب.\nوجاء بنحوه من حديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين». (^١)\nومن حديث العرباض بن سارية عند أحمد (٤/ ١٢٧)، والنسائي (٧/ ٢٩١)، وهو في «الصحيح المسند» (٩٢٠).\nوصحَّ هذا عن ابن عمر -﵄-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٧/ ١٧٩).\n• ومذهب المالكية جواز الأفضلية بالوصف لا بالعدد، ونُقل عن الشعبي والزهري.\nقلتُ: ومذهب الجمهور هو الصواب؛ لأنَّه إذا جازت الأفضلية بالوصف؛ فما المانع من جوازها بالعدد، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خياركم أحسنكم قضاء»؟ وهذا يشمل الأمرين. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3058>مسألة [٢]: إذا قضى المقترض المقرض أقل مما أخذ منه</span>؟\nيجوز ذلك إذا حلله، وإلا فيبقى الباقي في ذمته.\nوفي «صحيح البخاري» عن جابر -﵁- أنَّ أباه مات وعليه دين، فتشفع بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من غرمائه أن يضعوا عنه بعض الدين، فلم يفعلوا. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٣٠٦)، ومسلم برقم (١٦٠١).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢٣٩٠) «المحلى» (١١٩٤) «المغني» (٦/ ٤٣٨).\n(^٣) انظر: «الفتح» (٢٣٩٥).","vol":"6","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3059>مسألة [٣]: إذا أقرضه وشرط عليه زيادة، أو هدية</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٣٦): وَكُلُّ قَرْضٍ شَرَطَ فِيهِ أَنْ يَزِيدَهُ؛ فَهُوَ حَرَامٌ، بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسَلِّفَ إذَا شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَسْلِفِ زِيَادَةً أَوْ هَدِيَّةً، فَأَسْلَفَ عَلَى ذَلِكَ، أَنَّ أَخْذَ الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ رَبًّا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3060>مسألة [٤]: إذا أقرضه وشرط عليه أن يقضيه في بلد آخر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٣٦ -): وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَكَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ جَازَ، وَحَكَاهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ (^٢) وَابْنِ عَبَّاسٍ (^٣)، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (^٤)، وَابْنِ الزُّبَيْرِ (^٥)، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَالثَّوْرِيِّ،\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٥/ ١١٧) «الفتح» (٢٣٩٠) «المحلى» (١١٩٣).\n(^٢) أثر علي أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٢٧٧)، وابن المنذر (١٠/ ٤١٦)، من طريق: عبيدالله بن عبدالرحمن بن موهب، عن حفص أبي المعتَمر، عن أبيه، عن علي -﵁-، وليس فيه ذكر الاشتراط.\nوإسناده ضعيف؛ لجهالة حفص وأبيه، وعبيدالله فيه ضعف يسير.\nوله طريق أخرى عند ابن المنذر (١٠/ ٤١٥)، وفي إسناده شريك القاضي، وفيه ضعف، وعنعنة محمد بن إسحاق، وهو مدلس. والأثر بالطريقين حسن، وليس فيه ذكر الاشتراط.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٢٧٧، ٢٧٩)، بإسنادين، أحدهما صحيح، والآخر فيه: حجاج بن أرطاة، وليس فيه ذكر الاشتراط، بل في الطريق الصحيحة أنه قال: لا بأس ما لم يشترط.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٢٧٨)، وفي إسناده رجل مبهم.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٢٧٩)، وابن المنذر (١٠/ ٤١٦) بإسناد صحيح، وليس فيه ذكر الاشتراط.","vol":"6","page":236},{"text":"وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمَيْمُونُ ابْنُ أَبِي شَبِيبٍ، وَعَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ زِيَادَةٌ. انتهى المراد. (^١)\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٩/ ١١٠): والصحيح أنه جائزٌ، وذلك أن المقرِض لم يأته زيادة على ما أقرض؛ فإنه استقرض منه -مثلًا- مائة ألف، وأوفاه مائة ألف، لكن اختلف المكان فقط، ولهذا بعض العلماء يقول في هذه المسألة: يشترط أن لا يكون لحمله مؤنة، والصحيح أنَّ هذا ليس بشرط. اهـ\nقلتُ: والقول بجواز هذا الشرط هو رواية عن أحمد، وبعض أصحابه، واختاره شيخ الإسلام -﵀-، والقيد المذكور: (ما لم يكن لحمله مؤنة) معتبر فيما إذا كان المقرض منتفعًا بذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3061>مسألة [٥]: إذا أقرضه بشرط أن يكتب له بها سُفْتَجَة</span>؟\nالسفتجة: كلمة فارسية بمعنى (ورقة)، والمعنى: أنه يقرضه بشرط أن يكتب له بها ورقة إلى وكيله في بلد آخر فيستوفي منه الدين في ذلك البلد.\n• فمذهب الجمهور عدم جواز ذلك؛ لما تقدم في المسألة السابقة. وذهب أحمد في رواية إلى الجواز، وهو قول ابن سيرين، والنخعي.\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٥/ ١١٧)، و«ابن أبي شيبة» (٦/ ٢٧٧ -)، «الأوسط» (١٠/ ٤١٦).","vol":"6","page":237},{"text":"قال ابن قدامة -﵀-: وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالشَّرْعُ لَا يَرِدُ بِتَحْرِيمِ الْمَصَالِحِ الَّتِي لَا مَضَرَّةَ فِيهَا، بَلْ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا، وَلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ؛ فَوَجَبَ إبْقَاؤُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ. اهـ\nوهذا القول رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمة الله عليهما، وهو أقرب، والله أعلم، وانظر ما تقدم ذكره في المسألة (١٠) تحت حديث (٧٨٢). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3062>مسألة [٦]: إن كتب له بها سفتجة، أو قضاه في بلد آخر بغير شرط</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٤٣٨): فَإِنْ أَقْرَضَهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَقَضَاهُ خَيْرًا مِنْهُ فِي الْقَدْرِ، أَوْ الصِّفَةِ، أَوْ دُونَهُ بِرِضَاهُمَا؛ جَازَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَتَبَ لَهُ بِهَا سُفْتَجَةً، أَوْ قَضَاهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ؛ جَازَ. وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ (^٢)، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ ... اهـ المراد. ثم استدل عليه بحديث أبي رافع، وقد تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3063>مسألة [٧]: إذا أهدى المقترض للمقرض، فهل يأخذ الهدية</span>؟\n• تقدم أثر عبد الله بن سلام أنه منع المقرض من أخذ الهدية، وصح ذلك\n_________\n(^١) انظر: «سنن البيهقي» (٥/ ٣٥٨ -) «المغني» (٦/ ٤٣٦ -) «المهذب» (١٣/ ١٧٠) مع الشرح، «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٥٥ -، ٥٣٠ -) «تيسير الفقه الجامع للاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام» (٢/ ١٠٣٩ -) «أعلام الموقعين» (١/ ٣٩١) «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(^٢) أثر ابن عمر صحيح، وقد تقدم تخريجه، وهو في القضاء أكثر مما استقرض، فتنبه!.","vol":"6","page":238},{"text":"أيضًا عن ابن عباس -﵄-، وكذا عن أنس بن مالك -﵁- عند ابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ١٧٥)، وجاء عن أبي بن كعب، وعلي، وابن مسعود عند ابن أبي شيبة (٦/ ١٧٨ -)، والبيهقي (٥/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، وفي أسانيدها بعض الضعف. ثم وجدت لأثر ابن مسعود -﵁- إسنادًا صحيحًا عند ابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ٤٠٨).\nوقد أخذ بذلك كثير من أهل العلم، فقالوا: ليس للمقرض أخذ هديةٍ من المقترض، ولا منفعة؛ إلا أن تكون قد جرت بينهما عادة في ذلك، أو يكون ذلك بعد الوفاء، واستدلوا بالآثار المتقدمة، وجاء بمعناها حديث مرفوع عند ابن ماجه (٢٤٣٢)، من حديث أنس -﵁-، وهو ضعيفٌ؛ في إسناده: عتبة بن حميد، وهو ضعيف، يرويه عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي، وفي البيهقي (٥/ ٣٥٠): (يزيد بن أبي يحيى)، وهو مجهول.\nقلتُ: والمحفوظ عن أنس أنه موقوف عليه، كما تقدمت الإشارة.\nقال ابن القاسم في «حاشية الروض المربع» (٥/ ٤٧): وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وجمهور السلف. اهـ\nقلتُ: وعند هؤلاء أنه يجوز له أخذ الهدية إذا نوى أن يكافئه بمثلها، أو أكثر، أو يحسبها من دينه، وقد جاء في «الأوسط» لابن المنذر (١٠/ ٤٠٩) من طريق أبي إسحاق السبيعي، قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: إني أقرضت رجلًا","vol":"6","page":239},{"text":"قرضًا؛ فأهدى إليَّ هدية، قال: اردد عليه هديته، أو أثبه. ورجاله ثقات؛ لولا ما ذكر من عدم سماع أبي إسحاق من ابن عمر -﵄-.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٤/ ٣٨) في شرح أثر عبدالله بن سلام: يحتمل أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سلام، وإلا فالفقهاء على أنه إنما يكون ربا إذا شرطه، نعم الورع تركه. اهـ\nوهذا الذي ذكره الحافظ هو الذي رجحه ابن حزم كما في «المحلى» (١٢٠٨) ويمكن أن يقوى ذلك بأنَّ الشرع قد أباح القضاء بأحسن منه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أفتى الصحابة بالمنع، ولا يصح عن صحابي خلاف ذلك، وهم أعلم مِنَّا بمقاصد الشريعة، وعللها، وأحكامها؛ فالذي يظهر هو المنع، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3064>مسألة [٨]: حلول دين المَدِين إذا مات، وإن كان مؤجلا</span>؟\nإذا مات المَدِين فقد حلَّ الدين الذي عليه إذا كان مؤجلًا؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]، وكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا أُتي بالميت سأل: «هل عليه دين؟». (^٢)\nوأما الديون التي له فهي إلى أجلها، وتُسَلَّم للورثة. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٤٣٧).\n(^٢) سيأتي تخريجه في باب الحوالة والضمان.\n(^٣) انظر: «المحلى» (١٢٠٧) «ابن أبي شيبة» (٦/ ٢٩٧ -) «الحاوي» (٦/ ١٦).","vol":"6","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3065>مسألة [٩]: هل للمقترض أن يأخذ شيئًا بدل قرضه</span>؟\nيجوز للمقترض إذا حلَّ الأجل أن يأخذ شيئًا غير قرضه بدل قرضه إذا تراضيا على ذلك، وقد نصَّ على ذلك سعيد بن جبير، وحماد بن زيد، وعكرمة، والنخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وأسنده ابن أبي شيبة عن جابر -﵁- بإسنادٍ فيه عنعنة ابن جريج، وأبي الزبير.\nوأسند ابن أبي شيبة بإسناد صحيحٍ عن ابن عمر -﵄-، وعن سعيد بن المسيب كراهة ذلك، والصحيح هو الجواز، ولا نعلم دليلًا يدل على المنع، وهو مقتضى اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، كما تقدم ذكره عنهما في شرح حديث: «نهى عن بيع الكالئ بالكالئ». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3066>مسألة [١٠]: تعجيل الدين بشرط وضع بعضه</span>.\n• ذهب جمهور الفقهاء إلى المنع من ذلك، وعدُّوه من الربا، وقالوا: هو عكس ربا الجاهلية في قولهم: (إما أن تقضي، وإما أن تربي)، قالوا: وهذا بمعناه؛ فإنه ينقص عنه الدين بشرط تعجيله. وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، والحنفية. ومنع منه ابن حزم أيضًا كما في «المحلى» (١٢٠٥).\nوقد نقل بعض الفقهاء هذا القول عن بعض الصحابة، ولم أجد إسنادًا لهذا القول عن أحد من الصحابة.\n_________\n(^١) وانظر: «ابن أبي شيبة» (٦/ ٢٧٥ -)، «الأوسط» (١٠/ ٤٢٢ -).","vol":"6","page":241},{"text":"• وذهب النخعي، وأبو ثور إلى مشروعية ذلك؛ بحجة أن المقرض وضع شيئًا من حقه برضا نفسه؛ فكما أن له يضع ماله كله للمستقرض؛ فله أن يضع البعض، وليست هذه الصورة كربا الجاهلية، ولا في معناها؛ فإن للإنسان أن يضع من حقه ما شاء.\nواختار هذا القول الشوكاني رحمة الله عليه، ونقله بعض الفقهاء عن ابن عباس -﵃-، ولم أجد له إسنادًا عنه.\nقال الشوكاني -﵀- في «السيل الجرار» (٣/ ١٤٩): إذا حصل التراضي على هذا فليس في ذلك مانع من شرع، ولا عقل؛ لأن صاحب الدين قد رضي ببعض ماله وطابت نفسه عن باقيه، وهو يجوز أن تطيب نفسه عن جميع ذلك المال، وتبرأ ذمة من هو عليه؛ فالبعض بالأولى.\nوقد ثبت في «الصحيح» أن النبي - ﷺ - سمع رجلين يتخاصمان في المسجد، وقد ارتفعت أصواتهما، وكانت تلك الخصومة في دَيْنٍ لأحدهما على الآخر، فأشرف عليهما النبي - ﷺ - وأشار بيده إلى من له الدين أن يضع الشطر، فكان هذا دليلًا على جواز التعجيل؛ بشرط حط البعض. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إذا كان على سبيل الاشتراط؛ فالأحوط تركه، ولا نستطيع الجزم بأنه من الربا، وإذا لم يكن شرطًا؛ فلا إشكال في حلِّ ذلك، وبالله التوفيق. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٢٠٥) «الموسوعة الكويتية» (٢/ ٣٩) «أحكام القرآن للجصاص» (١/ ٥٥٤).","vol":"6","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3067>مسألة [١١]: اقتراض المنافع</span>.\n• مذهب الحنفية والمعتمد عند الحنابلة، المنع من ذلك؛ لأن المنافع لا تنضبط المثلية فيها.\n• وذهب بعض الحنابلة وهو مقتضى مذهب المالكية، والشافعية إلى جواز ذلك فيما يمكن أن يتماثل، كان يحصد معه يومًا، والآخر يحصد معه يومًا.\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٩/ ٩٦): وظاهر كلام المؤلف في قوله (وما يصح بيعه) أنه يصح قرض المنافع؛ لأنَّ المنافع يجوز بيعها مثل الممر في الدار، فأملك المنفعة في هذا الممر، لكن لا أملك الممر، فبيع المنافع جائز، أما إقراضها: فالمذهب لا يجوز، واختار شيخ الإسلام جواز ذلك بأن أقول: أقرضني نفسك اليوم تساعدني على الحصاد، وغدًا أوفيك. أي: أحصد معك.\nقال: وهذا هو الصحيح لوجهين: أولًا: أنَّ الأصل في المعاملات الإباحة. ثانيًا: أنَّ المنافع تجوز المعاوضة عنها، فإذا كانت تجوز المعاوضة؛ فإنه يجوز إقراضها، مثل ما أقول للعامل: اشتغل عندي بأجرة قدرها كذا وكذا. فهو عمل يصح العقد عليه، ويقابل بالعوض، فتشتغل عندي يومًا، واشتغل عندك يومًا آخر، والاختلاف اليسير لا يضر؛ لأنه قد تختلف منافع هذا عن منافع هذا، والاختلاف","vol":"6","page":243},{"text":"الكثير لا يرضى به. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3068>مسألة [١٢]: إذا اقترض رجل من آخر أموالا ورقية أو فلوسًا، ثم ألغى السلطان تلك العملة</span>؟\n• عامة أهل العلم على أن السلطان إذا ألغى العملة، وترك التعامل بها؛ فإنه لا يعيد له مثلها، وعليه أن يعيد قيمتها من العملة اللاحقة، ويعلم مقدارها بتقويمها بالذهب، أو الفضة.\n• وقد خولف هذا القول خلافًا لا يعتد به؛ فقال صاحبه: يعيد العملة القديمة. وهذا فيه ظلم حيث إنه لا يستفيد من عملة صارت لا قيمة لها.\nوقد أفتى بذلك أحمد، وإسحاق، والشافعية، والمالكية، والحنفية في مسائل مشابهة، ومنها: (الفلوس) إذا صارت غير نافقة.\nوفي (مجلة مجمع الفقه الإسلامي): وقد اختلفوا في الوقت الذي تجب فيه، فعند الحنابلة أنه آخر وقت قبل الانقطاع، وهو مذهب الحنفية المفتى به عندهم، وهو قول محمد بن الحسن، وقال أبو يوسف: إنه يوم التعامل.\n• وأما أبو حنيفة فقال: إن ذلك يوجب فسادًا لبيع كبطلان العملة، وعند الشافعية أن القيمة تجب في وقت المطالبة.\n• والمشهور عند المالكية أنها تجب في أبعد الأجلين من الاستحقاق\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٥/ ١١١).","vol":"6","page":244},{"text":"والانعدام، على ما اختاره خليل بن إسحاق في مختصره تبعًا لابن الحاجب، والقول الثاني أنها تعتبر يوم الحكم. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ما ذكره أبو يوسف -﵀- من اعتبار يوم التعامل هو الأقرب عندي، وقال به بعض فقهاء الحنابلة، وغيرهم.\nتنبيه: قال بعض الفقهاء المتقدمين: إذا منعها السلطان، ولم يزل الناس يتعاملون بها؛ فلا يعيد له إلا مثلها، وهذا فيه نظر، وليس بصحيح؛ لأن مآلها إلى المنع، ولأن فيه مخالفة لولي الأمر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3069>مسألة [١٣]: إذا اقترض رجل من آخر أموالا ورقية، أو فلوسًا، ثم نقصت قيمتها</span>؟\n• أكثر العلماء على أنه يرد عليه مثلها، ولو نقصت، وهو قول الثوري، ومالك، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي حنيفة.\n• وقال أبو يوسف: يلزم برد القيمة، قيمة يوم القرض، وقال محمد بن الحسن: قيمة آخر يوم نفاقها قبل كسادها.\nقال الإمام العثيمين -﵀- كما في كتابه (لقاء الباب المفتوح): إذا كانت الفلوس قد ألغيت، واستبدلت بعملة أخرى فله أن يطالب بقيمتها في ذلك الوقت\n_________\n(^١) وانظر: «مسائل الإمام أحمد وإسحاق» (٦/ ٢٨٦٠) «الموسوعة الكويتية» (٣٢/ ٢٠٦) «المغني» (٦/ ٤٤١)، «الأوسط» (١٠/ ٤١٩)، «كشاف القناع عن متن الإقناع» (٣/ ٣١٥)، «مجلة مجمع الفقه الإسلامي» (٣/ ٩٢٥ -).","vol":"6","page":245},{"text":"أو بقيمتها حين ألغيت، وأما إذا بقيت العملة على ما هي عليه فليس للمقرض إلا هذه العملة سواء زادت أم نقصت، وأقول لك: لو فرض أن العملة زادت أفلا يطالب المقرض المقترض بها؟ نعم يطالبه بها، مع أنها قد تكون زادت أضعافًا مضاعفة، وكذلك لو أقرضه صاعًا من البر قبل سنوات، وكان الصاع يساوي خمسة ريالات ثم نزل إلى ريالين مثلًا، فهل يقول: أعطه الصاع، وأعطه ثلاثة ريالات؟ لا، ليس له إلا الصاع، فالأشياء المثلية لا يلزم فيها إلا رد المثل، وكذلك النقود ما لم تلغ المعاملة بها؛ فيكون له القيمة وقت إلغائها.\nالسائل: المستدين يرى أنه يزيد هل في هذا ربا؟ الشيخ: لا، إذا تطوع وأعطاه زيادة، فخير الناس أحسنهم قضاءً، وقد استدان النبي - ﷺ - بكرًا ورد خيارًا رباعيًّا وقال: «خيركم أحسنكم قضاءً».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يعيد له نفس ما أعطاه مادامت لها قيمة، ولا سيما، إنْ كان التأخير حصل باتفاقهم جميعًا؛ كأن يكونوا جعلوا للدين أجلا بعيدًا، أو كان التأخير برضا صاحب الدين.\nوأما إن كان التأخير بمماطلة المقترض، وقد حل الأجل، وهو يماطل، أو كان يجحد ثم أقرَّ، فيظهر لي في هذه الصورة أنه يعيد له قيمة ما أقرضه على قيمته يوم القرض، ويعطيه بعملة أخرى؛ بثمن يوم أقرضه؛ حتى يسلم من الربا، ثم وجدت بعض المالكية قد استثنوا مسألة المماطلة كما ذكرت، فالحمد لله على ما","vol":"6","page":246},{"text":"ألهم وعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3070>مسألة [١٤]: إذا اقترض نصراني من نصراني خمرًا ثم أسلم أحدهما</span>؟\n• قال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٠/ ٤٢٤): واختلفوا في نصراني يسلف نصرانيًا خمرًا، فكان سفيان الثوري يقول: إن أسلم المقرض لم يأخذ شيئا، وإن أسلم المستقرض رد على النصراني ثمن خمره.\n• وعلى مذهب الشافعي: لا يرد شيئا إذا أسلم. وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق، وكذلك نقول. اهـ\nقلتُ: وكذلك أقول: لا يرد شيئًا؛ لأنه صار يتعبد الله بتحريمه؛ فلا يدفع في ثمنه شيئا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3071>مسألة [١٥]: إذا قال رجل لآخر: استقرض لي من فلان ألف درهم، ولك عشرة دراهم، فما الحكم</span>؟\n• قال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٠/ ٦٠٩): قال الثوري: هذا لا خير فيه؛ لأنه قرض جر منفعة. وقال أحمد: لا بأس به. وقال إسحاق: أكرهه. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: بقول الإمام أحمد أقول؛ فقد اختار لنفسه أن يكون أجيرًا في شفاعته، ولم يختر لنفسه فيها الأجر، وأما قول الثوري؛ فإنه لم يجر\n_________\n(^١) وانظر: «مسائل الإمام أحمد وإسحاق» (٦/ ٢٨٦٠) «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٣٢/ ٢٠٦) «المغني» (٦/ ٤٤١)، «الأوسط» (١٠/ ٤١٩)، «تحفة الفقهاء» (٣/ ٣٥)، «المدونة» (٤/ ١٥٣)، «مجلة مجمع الفقه الإسلامي» (٣/ ٩٢٥ -).","vol":"6","page":247},{"text":"نفعًا للمقرض؛ كما هو ظاهر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3072>مسألة [١٦]: إذا ردَّ المقترض القرض بعينه على المقرض فهل يلزمه قبوله</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ المقرض يلزمه قبوله إذا لم يتغير، وإن كان قد استعمله، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، وأبي يوسف من الحنفية؛ لأنه أعاد له حقه بعينه.\n• وقال بعضهم: لا يلزمه قبوله، سواء تغير أم لم يتغير، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وبعض الحنابلة، وصحح هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nوالذي يظهر لي: أنه إذا لم يتغير، ولم تنقص قيمته، بسبب الاستعمال، وجب على المقرض قبوله، وإن كان ينقص الاستعمال ثمنه؛ لم يلزمه قبوله، وبالله التوفيق. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «مسائل الإمام أحمد وإسحاق» (٦/ ٢٨٦٠).\n(^٢) انظر: «الشرح الممتع» (٩/ ١٠١ - ١٠٢)، «الموسوعة الكويتية» (٣٣/ ١٢٣ -).","vol":"6","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3073>بَابُ التَّفْلِيْسِ وَالحَجْر</span>\nالمفلس عند الفقهاء: هو من دينه الحال أكثر من ماله، وسُمِّي مفلسًا؛ لأنه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى المال وهو الفلوس.\nوقيل: سُمِّي بذلك؛ لأنه يمنع التصرف إلا في الشيء التافه كالفلوس؛ لأنهم ما كانوا يتعاملون بها إلا في الأشياء الحقيرة، أو لأنه صار إلى حالة لا يملك فيها فلسًا؛ فعلى هذا فالهمزة في (أفلس) للسلب. وسُمِّي مفلسًا، وإن كان ذا مال؛ لأنَّ ماله مستحق بالصرف في جهة دينه، فكأنه معدوم. (^١)\nوالحجر في اللغة: المنع، والتضييق، ومنه سُمِّي العقل (حجرًا)؛ لأنه يمنع صاحبه عن مزاولة الأعمال القبيحة قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ ... [الفجر:٥].\nوفي الشرع: هو منع الإنسان من التصرف في ماله، إما لمصلحته، أو لمصلحة غيره. «المغني» (٦/ ٥٩٣).\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢٤٠٢) «المغني» (٦/ ٥٣٧).","vol":"6","page":249},{"text":"٨٥١ - عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: سَمِعْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3074>مسألة [١]: الأحكام التي تتعلق بمن صار مفلسًا</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٥٣٧): وَمَتَى لَزِمَ الْإِنْسَانَ دُيُونٌ حَالَّةٌ، لَا يَفِي مَالُهُ بِهَا، فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ؛ لَزِمَتْهُ إجَابَتُهُمْ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَظْهَرَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُهُ، فَإِذَا حُجِرَ عَلَيْهِ ثَبَتَ بِذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ؛ أَحَدُهَا: تَعَلُّقُ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ بِعَيْنِ مَالِهِ. وَالثَّانِي: مَنْعُ تَصَرُّفِهِ فِي عَيْنِ مَالِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَهُ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ. الرَّابِعُ: أَنَّ لِلْحَاكِمِ بَيْعَ مَالِهِ وَإِيفَاءَ الْغُرَمَاءِ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - حَجَرَ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَبَاعَ مَالَهُ. رَوَاهُ الخَلَّالُ بِإِسْنَادِه. (^٢) اهـ\nقلتُ: حديث كعب بن مالك الراجح إرساله، وسيأتي بيان ذلك حيث ذكره الحافظ، والقول بالحجر على المفلس هو قول جمهور العلماء، واستدلوا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٠٢)، ومسلم (١٥٥٩).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٨٥٦).","vol":"6","page":250},{"text":"بالحديث المذكور آنفًا، وبأنَّ الغرماء استحقوا ذلك المال؛ لأنَّ ديونهم حلَّت، فيعطى حقهم أو بعض حقهم، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جعل مطل الغني ظلمًا، وهذا وإن لم يكن غنيًّا الغناء التام الذي يوفي، لكن عنده بعض الشيء؛ فيكون ظالمًا بمنع الحقوق، والظلم يجب رفعه، ولا سبيل إلى رفعه في هذه الحال إلا بالحجر عليه.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز للحاكم الحجر عليه، قال: فإنْ أدَّى اجتهاده إلى الحجر عليه؛ ثبت، وليس للحاكم التصرف في ماله، ولكن يلزمه بالبيع؛ فإنِ امتنع حبسه.\nواختار الشيخ ابن عثيمين -﵀- قول الجمهور، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم وغيرهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3075>مسألة [٢]: متى يبدأ الحجر على المفلس</span>؟\n• جمهور العلماء على أنَّ الحجر على المفلس يبدأ بحجر الحاكم عليه إذا طلب ذلك الغرماء، أو بعضهم.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه إذا أفلس أصبح محجورًا عليه، ولو لم يحجر عليه الحاكم بعدُ، وهو قول بعض المالكية، وقال به أحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام، وهو ظاهر قول الحسن، ثم البخاري، ثم ابن رجب، والمرداوي، ورجح هذا الإمام ابن عثيمين، وهو الأقرب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علَّق\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٣٧، ٥٧٠) «الشرح الممتع» (٩/ ٢٧٤ -) «بداية المجتهد» (٤/ ٨١)، وانظر كلامًا نفيسًا للشوكاني -﵀- في «السيل» (٤/ ٢٥٠ - ٢٥١).","vol":"6","page":251},{"text":"الحكم بالفلس في حديث الباب: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ».\nواستدل البخاري على ذلك بقصة الرجل الذي دبَّرَ غلامه وعليه دين، فباعه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وبحديث: «من أخذ أموال الناس يريد إتلافها؛ أتلفه الله» (^١)، وحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد». (^٢)\nتنبيه: ينبني على هذا الخلاف أنه لو تصدق بمال، أو أوقفه قبل حجر الحاكم؛ فيصح على قول الجمهور، ولا يصح على القول الصحيح إذا كان قد أفلس. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3076>مسألة [٣]: تصرف المحجور عليه بالفلس</span>؟\n• أما تصرفه بالعتق، ففيه قولان لأهل العلم:\nأحدهما: يصح عتقه، وهو قول أبي يوسف، وإسحاق، وأحمد في رواية.\nوالثاني: لا يصح، وهو قول مالك، والشافعي، والثوري، وأحمد في رواية، وهذا هو الصحيح؛ لأن العبيد من ماله، وقد حجر عليه فيه.\n• وأما تصرفه بالتدبير: فيجوز عند الأكثر؛ لأنه لا يمنع جواز بيعه.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٨٤٣).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٧١٨)، عن عائشة -﵂-، وأصله في «الصحيحين».\n(^٣) انظر: «الإنصاف» (٥/ ٢٥٢، ٢٥٤) «الحاوي» (٦/ ٢٦٥) «تفسير القرطبي» (٥/ ٣٠) «الفتح» (١٤٢٦) (٢٤٠٢) «المغني» (٦/ ٥٧١).","vol":"6","page":252},{"text":"• وأما تصرفه بغير ذلك، كبيعه، ووقفه، والتصدق به، ونحو ذلك؛ فلا يصح عند أكثر أهل العلم؛ لأنه محجور، وقد تسامحوا في الشيء اليسير الذي يتسامح بمثله عُرفًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3077>مسألة [٤]: تصرف المفلس بذمته، كأن يشتري، أو يضمن دينًا إلى أجل</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٥٧١): فَأَمَّا إنْ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ، فَاشْتَرَى، أَوْ اقْتَرَضَ، أَوْ تَكَفَّلَ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ؛ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ، وَإِنَّمَا وُجِدَ فِي حَقِّهِ الْحَجْرُ، وَالْحَجْرُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ لَا بِذِمَّتِهِ، وَلَكِنْ لَا يُشَارِكُ أَصْحَابُ هَذِهِ الدُّيُونِ الْغُرَمَاءَ؛ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِذَلِكَ، إذَا عَلِمُوا أَنَّهُ مُفْلِسٌ وَعَامَلُوهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَقَدْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذَا فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، وَيُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3078>مسألة [٥]: إقرار المفلس بدين آخر</span>.\n• أكثر أهل العلم على أنَّ إقراره يقبل، كما عزاه إليهم الحافظ ابن حجر في «الفتح»، واختلفوا: هل يشارك الغرماء؟ أم يتبع به بعد فك الحجر؟\n• فمذهب أحمد، ومالك، ومحمد بن الحسن، والثوري، والشافعي في قولٍ أنه يتبع به بعد فك الحجر عنه.\n• وذهب الشافعي، وابن المنذر، وبعض الحنابلة إلى أنه إن أقرَّ بدين قد لزمه\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٧١) «الإنصاف» (٥/ ٢٥٤ - ٢٥٥).","vol":"6","page":253},{"text":"قبل الحجر شاركهم، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3079>مسألة [٦]: إذا اشترى المفلس بالأجل، ولم يعلم الذي باعه أنه مفلس، ثم علم، فهل له الفسخ</span>؟\n• في هذه المسألة ثلاثة أوجه عند الحنابلة:\nأولها: ليس له الفسخ، سواء علم أم لم يعلم؛ لأنه لا يستحق المطالبة بثمنها، فلا يستحق الفسخ؛ لتعذره، كما لو كان ثمنها مؤجلًا، وهو ظاهر اختيار ابن قدامة. ثانيها: له الخيار إذا علم. ثالثها: له الخيار مطلقًا.\nقلتُ: وأقرب هذه الأقوال هو الأول، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3080>مسألة [٧]: من وجد متاعه بعينه فهو أحق به من سائر الغرماء</span>.\n• ظاهر حديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب يدل على أنه أحق به من الغرماء، وبهذا قال جمهور العلماء، وقالوا: إن شاء أخذه؛ لأنه حق له، وإن شاء أبقاه، وكان مع الغرماء أسوة. وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي وغيرهم.\n• وخالف الحسن، والنخعي، وابن شبرمة، وأبو حنيفة، فقالوا: لا يكون صاحب المتاع أحق به؛ لأنه قد أصبح ملكًا للمفلس، وقد تعلق به حق الغرماء\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٥٧٢) «الإنصاف» (٥/ ٢٥٦) «الفتح» (٢٤٠٢) «المحلى» (١٢٨١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥٤٠ - ٥٤١) «الإنصاف» (٥/ ٢٥٦).","vol":"6","page":254},{"text":"بسبب الفلس، وكأن بعضهم لم يبلغه الحديث.\nوأما الحنفية فقد تكلم أهل العلم عليهم بسبب ردهم لهذا الحديث، ولحديث المصرَّاة بآرائهم مع صراحة الأحاديث في ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3081>مسألة [٨]: إذا بذل الغرماء الثمن لصاحب السلعة ليتركها، فهل يلزمه قبوله</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنه لا يلزمه قبوله؛ لظاهر حديث الباب، واختاره ابن المنذر.\n• ومذهب مالك أنه يلزمه قبوله؛ لأنه قد بذل له كامل ماله؛ فهو كما لو زال العيب من المعيب. والأقرب القول الأول، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: في هذه الصورة الماضية إذا دفع الغرماء المال إلى المفلس، فبذله للبائع؛ لم يكن له الفسخ؛ لأنه زال العجز عن تسليم الثمن، فزال ملك الفسخ، كما لو أسقط الغرماء حقوقهم عنه، فملك أداء الثمن، ولو أسقط الغرماء حقوقهم عنه، فتمكن من الأداء، أو وُهِبَ له مال، فأمكنه الأداء منه، أو غَلَت أعيان ماله فصارت قيمتها وافية بحقوق الغرماء بحيث يمكنه أداء الثمن كله؛ لم يكن للبائع الفسخ؛ لزوال سببه، ولأنه أمكنه الوصول إلى ثمن سلعته من المشتري؛ فلم يكن له الفسخ، كما لو لم يفلس. انتهى من «المغني». (٦/ ٥٤٠). (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٣٨) «الحاوي» (٦/ ٢٦٦، ٢٧٠).\n(^٢) انظر: «الأوسط» (١١/ ٣٧)، «المغني» (٦/ ٥٤٠) «الفتح» (٢٤٠٢).\n(^٣) وانظر: «الحاوي» (٦/ ٢٦٦)، «الأوسط» (١١/ ٣٧).","vol":"6","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3082>مسألة [٩]: هل يستحق البائع الرجوع في السلعة إذا كان قد تلف بعضها</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يشترط أن تكون السلعة بتمامها؛ فإن كان قد نقص بعضها؛ فليس للبائع الرجوع فيها، وهو قول أحمد، وإسحاق، وابن حزم، واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ماله بعينه»، وقالوا: هذا ليس عين ماله؛ لأنه قد نقص، واستدل ابن حزم برواية في «صحيح مسلم» في هذا الحديث عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الرجل الذي يُعْدِم إذا وُجِدَ عنده المتاع، ولم يفرِّقه أنه لصاحبه الذي باعه.\n• وذهب مالك، والشافعي، والأوزاعي، والعنبري إلى أنَّ له الفسخ والرجوع بما بقي، والباقي يكون فيه مع الغرماء أسوة؛ لأنه هو عين ماله، ولكنه قد نقص، ونقصانه لا يخرجه عن كونه عين ماله، وعن أحمد إذا كانتا عينين له الرجوع في غير التالفة.\nورجح هذا القول الشوكاني -﵀- في «السيل»، وفرَّق بين نقص المبيع، وبين تفريقه، والصحيح هو قول مالك، والشافعي، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3083>مسألة [١٠]: إذا نقصت مالية المبيع بذهاب صفةٍ مع بقاء العين</span>؟\n• وذلك مثل العبد إذا هزل أو ثوب قد خَلِق، فمذهب الحنابلة أنَّ البائع\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٤٣) «المحلى» (١٢٨٣) «الإنصاف» (٥/ ٢٥٧) «السيل» (٤/ ٢٤٨) «الفتح» (٢٤٠٢).","vol":"6","page":256},{"text":"بالخيار بين أن يرجع بسلعته مع نقصها بدون أرش نقص أو يكون مع الغرماء أسوة.\n• وقال الشافعية: لا يخلو ذلك من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون ذلك بحادث من السماء. والثاني: أن يكون بجناية المشتري. والثالث: أن تكون بجناية أجنبي. فإن كان هذا النقص بحادث من السماء فللبائع أن يأخذه ناقصا بجميع ثمنه ولا يرجع على المفلس المشتري بأرش نقصه. وإن كان هذا النقص بجناية أجنبي فأرشها مضمون عليه بجنايته، فيكون للبائع أن يأخذه ناقصا بالثمن ويرجع بأرش النقص؛ لأنه مضمون على جنايته. وإن كان هذا النقص بجناية المشتري ففيها وجهان: أحدهما: أن أرش جنايته غير مضمون عليه - كحادث من السماء - فعلى هذا للبائع أن يسترجعه ناقصا بكل الثمن إن شاء، ولا أرش له. والوجه الثاني: أن أرش جنايته مضمون عليه كجناية الأجنبي، فعلى هذا للبائع أن يسترجعه ناقصا بكل الثمن ويضرب مع الغرماء بأرش النقص، فهذا حكم النقص المتصل إذا لم يمكن إفراده بالعقد.\n• وجعل الشوكاني له أرش العيب الحادث مطلقًا بدون التفصيل الذي ذكره الشافعية، وقول الشوكاني -﵀- أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3084>مسألة [١١]: إن اشترى منه زيتًا، فخلطه بزيت آخر، أو قمحًا، فخلطه بقمح آخر</span>.\n• اختلفوا في هذه المسألة على أقوال:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٤٤) «السيل» (٤/ ٢٤٩)، «الحاوي الكبير» (٦/ ٢٧٦).","vol":"6","page":257},{"text":"الأول: يسقط حق الرجوع؛ لأنه عند خلطه لم يصبح عين ماله، وهو قول الحنابلة، وقولٌ للشافعي.\nالثاني: قال الشافعي: إن خلطه بمثله، أو دونه؛ لم يسقط حق الرجوع، وإن خلطه بأجود منه؛ فله قولان، وقال مالك: يأخذ زيته.\nقلتُ: وقول الحنابلة أقرب؛ لظاهر الحديث، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3085>مسألة [١٢]: إن كان المفلس قد عمل في المتاع عملًا غيَّر اسمه</span>؟\nمثل أن يزرع الحب فصار زرعًا، أو جعل الخشب بابًا، وما أشبه ذلك.\n• فعند الحنابلة، وهو قول للشافعي أنه يسقط حق الرجوع.\n• وللشافعي قول أنَّ له الرجوع، ويعطيه قيمة العمل، والأول أقرب؛ لظاهر حديث الباب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3086>مسألة [١٣]: إن اشترى ثوبًا فصبغه، ثم أفلس</span>؟\n• ذكر جماعةٌ من أهل العلم أن له الرجوع؛ لأنَّ عين ماله قائم، ولم يتغير اسمه، ويكون المفلس شريكًا لصاحب الثوب في القيمة إن حصلت زيادة في القيمة، وإن حصل نقص في القيمة؛ فالبائع مخير بين الرجوع مع النقص، أو يكون مع الغرماء أسوة. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٤٥)، «نهاية المطلب» (٦/ ٣٥٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥٤٦).\n(^٣) انظر: «المغني» (٦/ ٥٤٧)، «الحاوي الكبير» (٦/ ٣٠٥).","vol":"6","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3087>مسألة [١٤]: إذا زاد المبيع زيادة متصلة كالسِّمَن والكِبَر</span>؟\n• ذهب جماعة من الحنابلة إلى أنَّ الزيادة المتصلة تمنع حق الرجوع؛ لأنه قد زاد فيه زيادة في ملك المشتري المفلس.\n• وذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية إلى أنَّ الزيادة المتصلة لا تمنع حق الرجوع؛ إلا أنَّ مالكًا يخير الغرماء بين أن يعطوه الثمن، أو يمكنوه من السلعة.\nواختار الشوكاني قول الشافعي، وقال: فإن ظهر أثرها في المبيع؛ كان للمفلس الرجوع بزيادة القيمة.\nقلتُ: كلام الشوكاني جيد، وهو أقرب الأقوال، وأصحها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3088>مسألة [١٥]: الزيادة المنفصلة كالثمرة، والولد، والكسب</span>؟\n• ذكر أهل العلم على أنَّ الزيادة المنفصلة لا تمنع حق الرجوع للبائع، واختلفوا لمن الزيادة؟ على قولين:\nالأول: أنَّ الزيادة للمفلس، وهو قول جماعة من الحنابلة، والشافعي، ورجحه ابن قدامة؛ لأنها زادت في ملكه.\nالثاني: أنَّ الزيادة للبائع، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، وبعض الحنابلة؛ لأنها فرع تتبع أصلها.\nوالقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٤٩) «السيل» (٤/ ٢٤٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥٥٠).","vol":"6","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3089>مسألة [١٦]: إذا كان المبيع أرضًا فبناها، أو غرسها، ثم أفلس</span>؟\nإذا اتفق المفلس مع بقية الغرماء على إخراج الغرس، والبناء؛ فيكون البائع أحق بالأرض، وإذا لم يخرج المفلس ذلك؛ فالظاهر أنَّ البائع يكون أحق بشراء الغرس والبنيان، وليس له حق الرجوع، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3090>مسألة [١٧]: إذا كانت العين مَبيعة لم تقبض، أو مرهونة</span>؟\n• لا يكون البائع أحق بها؛ لأنها إذا كانت مبيعة لم تقبض؛ لم تصر ملكًا له، ولا للمفلس، بل صارت لغيرهما، ولو كانت مرهونة فقد تعلق بها حق غيره، ولأنه لم يجدها عند المفلس، بل صارت عند غيره. وقال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافًا.\nقلتُ: قد خالف ابن حزم، فجعل صاحب السلعة أحق بها من المرتهن، وتبعه الشوكاني؛ واستدلوا بالحديث الذي في الباب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3091>مسألة [١٨]: إذا كان دين المرتهن دون قيمة الرهن</span>؟\nإذا كان دين المرتهن دون قيمة الرهن، فبيع كل الرهن، فالمرتهن يأخذ دينه كاملًا، وما بقي يشترك فيه الغرماء.\nوإن بيع بعضه، فاستوفى المرتهن حقه، وبقي بعض المبيع، فهل صاحب السلعة أحق بما بقي منها، أو هو مع الغرماء أسوة؟ تقدم الخلاف في ذلك في\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٥٧) «الإنصاف» (٥/ ٢٦٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥٦٢) «المحلى» (١٢١٦) «السيل» (٤/ ٢٤٨).","vol":"6","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3092>مسألة: إذا تلف بعض المبيع فهل يكون صاحب السلعة أحق بها، فراجعه</span>. (^١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-3093>مسألة [١٩]: إذا أخرج المشتري المتاع ببيع، أو هبة، ثم رجع إليه، ثم أفلس، فهل المالك الأول أحق فيه</span>؟\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: أن البائع الأول أحق به؛ لأنه وجد متاعه بعينه؛ فيشمله حديث الباب، وهو قول بعض الحنابلة، وبعض الشافعية.\nالثاني: ليس للمالك الأول الرجوع؛ لأنه قد ملكه إنسان آخر، ثم رجع إلى المفلس من المالك الآخر، وهو قول بعض الشافعية، والحنابلة، وهو ظاهر اختيار الشوكاني في «السيل».\nالثالث: إن عاد بسبب جديد، كبيع، أو إرث، أو وصية؛ فليس له حق الرجوع، وإن عاد بفسخ كالرد بالعيب والخيار؛ فله حق الرجوع، وهو قول بعض الحنابلة. والراجح القول الأول؛ لعموم الحديث، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3094>مسألة [٢٠]: إذا كان المبيع شقصًا مشفوعًا، فهل البائع أحق به، أم الشفيع الشريك إذا كان قد علم بالبيع</span>؟\nصورتها: أن يشتري رجل من إنسان شقصه من أرض مثلًا، ولا يشفع الشريك، فيرضى بالبيع، ثم يفلس المشتري، فهل للبائع الرجوع في شقصه\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٥٦٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥٦٣) «الإنصاف» (٥/ ٢٥٩) «السيل الجرار» (٤/ ٢٤٨).","vol":"6","page":261},{"text":"المبيع، أم أن الشريك أحق بشرائه؟\n• فيها أقوال:\nالأول: البائع أحق به، وهو قولٌ للشافعية، والحنابلة؛ لعموم الحديث، ولأنه فسخ، وليس ببيع.\nالثاني: الشفيع أحق به؛ لأنه شريكه، وقد جاء في الحديث أنه أحق بالشراء، وهو وجهٌ للحنابلة، والشافعية.\nالثالث: إذا طالب الشفيع فهو أحق، وإلا فالبائع أحق، وهو قولٌ لبعض الحنابلة.\nالرابع: يأخذه الشفيع، والبائع أحق بالثمن؛ ليجمع بين الحقين، وهو قولٌ للشافعية.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٦٣ -).","vol":"6","page":262},{"text":"٨٥٢ - وَرَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَمَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ مُرْسَلًا بِلَفْظِ: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ المُشْتَرِي فَصَاحِبُ المَتَاعِ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ» وَوَصَلَهُ البَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ تَبَعًا لِأَبِي دَاوُد. (^١)\n\n٨٥٣ - وَرَوَاهُ أَبُودَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ -﵁- فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَفْلَسَ، فَقَالَ: لَأَقْضِيَنَّ فِيكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَضَعَّفَ أَبُودَاوُد هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي ذِكْرِ المَوْتِ. (^٢)\n_________\n(^١) الراجح إرساله. المرسل أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٦٧٨) عن الزهري عن أبي بكر بن عبدالرحمن به.\nوأخرجه أبوداود (٣٥٢٠) (٣٥٢١)، من رواية مالك ويونس بن يزيد عن الزهري به. وزاد في رواية يونس بن يزيد: «وإن قضى من ثمنها شيئًا فهو أسوة الغرماء فيها».\n\nوالموصول أخرجه أبوداود (٣٥٢٢)، والبيهقي (٦/ ٤٧)، من طريق: إسماعيل بن عياش، عن محمد ابن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، به.\nووصله خطأ من إسماعيل، أو الزبيدي؛ لأنه قد خالفه مالك ويونس وكذلك صالح بن كيسان فرووه عن الزهري عن أبي بكر مرسلًا، ورجح المرسل أبوداود وأبوحاتم والدارقطني والبيهقي وغيرهم.\nانظر: «البدر المنير» (٦/ ٦٥٣)، و«الإرواء» (٥/ ٢٦٩).\n(^٢) ضعيف بذكر الموت. أخرجه أبوداود (٣٥٢٣)، وابن ماجه (٢٣٦٠)، من رواية أبي المعتمر بن عمرو ابن رافع المدني عن عمر بن خلدة به، وإسناده ضعيف لجهالة أبي المعتمر، فقد تفرد بالرواية عنه ابن أبي ذئب ولم يوثقه معتبر. والحديث في «الصحيحين» وغيرهما عن أبي هريرة بدون ذكر (الموت) فزيادة (أومات) منكرة، والله أعلم.","vol":"6","page":263},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3095>مسألة [١]: إذا أفلس الرجل وعنده متاع قد أدَّى بعض ثمنه، فهل صاحبه أحق به</span>؟\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالأول: يسقط حق الرجوع، وهو قول أحمد، وإسحاق، والشافعي في القديم، واستدلوا بحديث أبي بكر بن عبد الرحمن المرسل، وقد تقدم أنه لا يصح موصولًا.\nالثاني: له الرجوع بقدر ما بقي، وهو قول الشافعي؛ للحديث الأول في الباب.\nالثالث: له أن يرد ما قبض، ويرجع في جميع العين، وله أن يحاصَّ الغرماء، وهو قول مالك، وابن حزم.\nقلتُ: الظاهر أنه مُخَيَّرٌ بين ما قاله الشافعي إذا أمكن تبعيض السلعة بدون ضرر، وبين ما قاله مالك؛ للحديث الأول في الباب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3096>مسألة [٢]: إذا مات الرجلُ مفلسًا، فهل صاحب المتاع أحق بمتاعه</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه ليس له الرجوع في عين ماله، وهو قول أحمد، ومالك، وإسحاق، واستدلوا بمرسل أبي بكر بن عبد الرحمن، وقد تقدم أنه لم يصح موصولًا.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٦١) «الفتح» (٢٤٠٢) «المحلى» (١٢٨٣).","vol":"6","page":264},{"text":"• وذهب الشافعي، وابن حزم إلى أنَّ له الرجوع، واستدلوا بعموم الحديث الأول في الباب، واستدل الشافعي بحديث عمر بن خلدة أيضًا، وهو حديث ضعيفٌ كما تقدم، ويُغني عنه عموم الحديث الأول.\nوهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3097>مسألة [٣]: إذا كان صاحب العين لم يحل دينه، فهل هو أحق به، أم لا</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس له الحق فيها؛ لأنَّ دينه لم يحل، فتباع السلعة، وتقسم بين أصحاب الديون الحالة، وهو قول الشافعي، وبعض الحنابلة.\n• وذهب أحمد وأصحابه، وبعض الشافعية وغيرهم إلى أنَّ صاحب السلعة أحق بها، وإن لم يحل دينه؛ لظاهر الحديث الأول في الباب، وهذا القول عزاه الحافظ للجمهور.\n• ثم اختلف الجمهور: هل لصاحب العين أن يأخذها في الحال؟ وهو قول أكثرهم، أم توقف العين حتى يحل الدين، ثم يخير؟ وهو قول من ذكرناهم.\nقلتُ: الظاهر أنَّ له أن يأخذ عين ماله في الحال؛ لظاهر حديث الباب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٨٩) «المحلى» (١٢٨٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥٦٤) «الفتح» (٢٤٠٢) «النيل» (٣/ ٦٦٨).","vol":"6","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3098>مسألة [٤]: هل يحل الدين المؤجل بسبب الفلس</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: يحل بسبب الفَلَسِ، وهو قول مالك، وقولٌ للشافعي، ورواية عن أحمد، وعزاه الحافظ للجمهور، واستدلوا بحديث الباب الأول؛ فإنه جعل صاحب المتاع أحق بمتاعه مطلقًا؛ فدل على أنه إن كان مؤجلًا يحل، وقاسوه على الموت.\nالقول الثاني: أنه لا يحل، وهو قول أحمد، وهو المشهور في مذهبه، وعليه أكثر أصحابه، وهو قولٌ للشافعي في الأصح في مذهبه أيضًا، وذلك لأنَّ الأجل حق للمفلس؛ فلا يجوز إسقاط الحق الذي له بسبب فَلَسِه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: هذا القول أقرب، والله أعلم.\nوأما حديثهم فغاية ما يدل عليه أنه خاصٌّ بصاحب المتاع، على أنه قد قال بعضهم: توقف السلعة حتى يحل دين البائع، فصاحبها بعد ذلك بالخيار بين الفسخ، والترك، وأما قياسهم على الموت؛ فهو قياس مع الفارق، كما قرر ذلك ابن قدامة؛ فإنَّ الميت لا ذمة له بعد موته، والمفلس ذمته باقية. (^١)\nتنبيه: فعلى ما تقدم -من أنَّ الدين لا يحل بسبب الفَلَس- فلا يشارك أصحاب الديون المؤجلة غرماء الديون الحالة، بل يقسم المال بين أصحاب\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٦٦) «الفتح» (٢٤٠٢).","vol":"6","page":266},{"text":"الديون الحالة؛ فإن لم يقسم المال حتى حلَّ دين مؤجل شارك صاحبه أصحاب الديون الحالة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3099>مسألة [٥]: هل يحل الدين بالموت</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الدين إلى أجله، ولا يحل بالموت مطلقًا، وهو قول طاوس، والزهري، وحُكي عن الحسن، وذلك لأنَّ الأجل حق للمدين؛ فلا يسقط بموته.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ دينه يحل إلا أن يوثق الورثة برهن، أو كفيل، وهو قول ابن سيرين، وإسحاق، وأبي عبيد، وأحمد في رواية.\n• ومذهب الجمهور أنه يحل بالموت، وهو قول الشعبي، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، والظاهرية، وأصحاب الرأي؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]، فقدَّم الدين على حقوق الورثة، ولأنَّ الدين يبقى معلقًا في ذمة الميت؛ فوجب المبادرة بقضائه، وفي الحديث: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين» أخرجه مسلم (١٨٨٦)، عن عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄-، وقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا أُتي بالجنازة سأل عن الدين.\nوهذا القول هو أقرب الأقوال، وإذا احتاج الورثة إلى التأخير لبعض العوائق؛ فيستطيعون أن يتحملوا ديون مورثهم، ويبرئوه من الدين باستئذان الغرماء،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٦٦).","vol":"6","page":267},{"text":"والله أعلم. (^١)\nتنبيه: على القول بحلولها، وهو الصحيح كما تقدم، فللورثة أن يقضوا من غير التركة، ويستخلصوا التركة، ولهم أن يقضوا منها، وإن امتنعوا؛ باع الحاكم من التركة ما يقضي به الدين. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3100>مسألة [٦]: من أثبت أن له حقًا بعد أن حجر عليه، أو جنى المفلس جناية بعد الحجر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٥٧٣):: وَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَقٌّ بِبَيِّنَةٍ؛ شَارَكَ صَاحِبُهُ الْغُرَمَاءَ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ. وَلَوْ جَنَى الْمُفْلِسُ بَعْدَ الْحَجْرِ جِنَايَةً أَوْجَبَتْ مَالًا؛ شَارَكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ثَبَتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3101>مسألة [٧]: لو قسم الحاكم ماله، ثم ظهر غريم آخر له دين عليه قد حل قبل الحجر</span>؟\n• الأكثر على أنه يرجع على الغرماء بقسطه؛ لأنه مشارك لهم في ذلك الحق، وهو قول الحنابلة، والشافعي، وحُكي عن مالك.\n• وحُكي عن مالك أيضًا أنه لا يرجع عليهم؛ لأنه نقضٌ لحكم الحاكم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٦٧) «المحلى» (١٢٠٧) «الشرح الممتع» (٩/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، «الأوسط» (١٠/ ٦١١).\n(^٢) «المغني» (٦/ ٥٦٨ - ٥٦٩).","vol":"6","page":268},{"text":"وأُجيب عن قول مالك: بأنه ليس بنقض للحكم، وإنما هو ظهور بينات أخرى كان حكم الحاكم قبل ظهورها، كما لو قسمت التركة بين وارثين، ثم ظهر وارث ثالثٌ؛ فإنه يرجع بقسطه، ولا يعتبر ذلك نقضًا للحكم، فالصحيح القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3102>مسألة [٨]: هل يترك للمفلس نفقة</span>؟\nلا خلاف بين أهل العلم فيما ذكر ابن قدامة -﵀- أنَّ المفلس لا يحجر عليه أن يأخذ من ماله ما ينفقه على نفسه، وعياله؛ إلا أن يكون له كسب يستطيع أن يحصل النفقة فيمنع، وإذا كان يستطيع أن يكتسب بعض النفقة فيمنع من المال بقدره، وذلك بالمعروف.\nوالحكم في الكسوة إذا احتيج إليها، أو مؤن تجهيز الميت إذا مات بعض من يعول كحكم النفقة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3103>مسألة [٩]: هل تباع عليه داره التي يسكنها</span>؟\n• مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي حنيفة أنها لا تُباع عليه كما لا يمنع من النفقة.\n• وذهب شُريح، ومالك، والشافعي -واختاره ابن المنذر- إلى أنها تُباع، ويُكترى له دارًا غيرها.\nوالأقرب هو القول الأول؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٥٧٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥٧٥).","vol":"6","page":269},{"text":"مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، وفي حديث أبي سعيد الذي سيأتي في الباب: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إذا ذلك»، ولم ينقل أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- باع عليه منزله، والكراء لا يُغني، فقد يكون سببًا في كثرة الديون. (^١)\nقال ابن قدامة -﵀- (٦/ ٥٧٩): وَإِنْ كَانَ لَهُ دَارَانِ يَسْتَغْنِي بِسُكْنَى إحْدَاهُمَا، بِيعَتْ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ بِهِ غِنًى عَنْ سُكْنَاهَا. وَإِنْ كَانَ مَسْكَنُهُ وَاسِعًا، لَا يَسْكُنُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِهِ، بِيعَ، وَاشْتُرِيَ لَهُ مَسْكَنُ مِثْلِهِ، وَرُدَّ الْفَضْلُ عَلَى الْغُرَمَاءِ، كَالثِّيَابِ الَّتِي لَهُ إذَا كَانَتْ رَفِيعَةً لَا يَلْبَسُ مِثْلُهُ مِثْلَهَا. وَلَوْ كَانَ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ اللَّذَيْنِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُمَا عَيْنَ مَالِ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ، أَوْ كَانَ جَمِيعُ مَالِهِ أَعْيَانَ أَمْوَالٍ أَفْلَسَ بِأَثْمَانِهَا، وَوَجَدَهَا أَصْحَابُهَا؛ فَلَهُمْ أَخْذُهَا، بِالشَّرَائِطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»، وَلَأنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ؛ فَكَانَ أَقْوَى سَبَبًا مِنَ الْمُفْلِسِ ... إلخ كلامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3104>مسألة [١٠]: إذا فرق مال المفلس، ولم يبق منه شيء، فهل يجبر أن يجعل نفسه أجيرًا لبعض غرمائه</span>؟\n• ذهب الإمام مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه لا يجبر على ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، ولحديث أبي سعيد: «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك»، ورجَّح هذا القول الشوكاني -﵀-، وهو الصحيح.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجبر على إيجار نفسه من الغرماء، وهو قول\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٧٨ -).","vol":"6","page":270},{"text":"عمر بن عبد العزيز، وسوار العنبري، وإسحاق، وأحمد في رواية، وابن حزم، وليس لهم دليل صحيح، صريح على ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3105>مسألة [١١]: هل يجبر على قبول الهدية والصدقة</span>؟\n• نقل ابن قدامة عن الحنابلة، والشافعية أنه لا يُجبر على ذلك؛ لأنَّ في ذلك مِنَّة عليه. وذهب الشوكاني في «السيل» إلى أنه يجب عليه قبول الهدية؛ إذ لا منة عليه فيه، وهو قول قريب. (^٢)\nتنبيه: إذا كان للمفلس أرش عمد وجب عليه قبوله. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3106>مسألة [١٢]: إذا تدين ديونًا أخرى بعد فك الحجر عنه، ثم أفلس مرة أخرى</span>؟\n• الأكثر على أنَّ الغرماء كلهم يتقاسمون ذلك المال الجديدون منهم، والقديمون، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية.\n• وذهب مالك إلى أن غرماء الحجر الأول لا يشاركون الغرماء الجديدين في الحجر الثاني؛ إلا أن يكون المفلس اكتسب المال من ميراثٍ، أو وصية، أو يجنى عليه جناية فيتحاص الغرماء كلهم فيه. والصواب القول الأول، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٨١) «المحلى» (١٢٧٥) (١٢٧٨) «السيل» (٤/ ٢٤٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥٨٢ - ٥٨٣) «السيل» (٤/ ٢٤٥).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.\n(^٤) انظر: «المغني» (٦/ ٥٨٥).","vol":"6","page":271},{"text":"٨٥٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَعَلَّقَهُ البُخَارِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3107>مسألة [١]: إذا أبى الواجد الغني أن يقضي الدين، فكيف يُصْنَع معه</span>؟\nحديث الباب يدل على أنَّ من مطل وهو غني؛ فهو ظالم، يحل عرضه بالشكاية للحاكم، وعقوبته بحبسه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «الاختيارات» (ص ١٣٦): ومن كان قادرًا على وفاء دينه، وامتنع أجبر على وفائه بالضرب والحبس، نص على ذلك الأئمة من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم.\nقال: ولا أعلم فيه نزاعًا، لكن لا يُزاد كل يوم على أكثر من التعزير إن قيل يتقدر، وللحاكم أن يبيع عليه ماله، ويقضي دينه، ولا يلزمه إحضاره. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، هو صحيح بشاهده. أخرجه أبوداود (٣٦٢٨)، والنسائي (٧/ ٣١٦)، وابن حبان (٥٠٨٩)، كلهم من طريق وبر بن أبي دليلة حدثنا محمد بن عبدالله بن ميمون بن مسيكة -وأثنى عليه خيرًا- عن عمرو بن الشريد به. وعلقه البخاري في كتاب الاستقراض (باب لصاحب الحق مقال) بصيغة التمريض. والحديث إسناده ضعيف لجهالة حال محمد بن عبدالله بن ميمون، ولكن الحديث يشهد لصحته حديث أبي هريرة الذي في «الصحيحين» مرفوعًا (مطل الغني ظلم)، والله أعلم.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٦/ ٥٨٨ - ٥٨٩).","vol":"6","page":272},{"text":"٨٥٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ» فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3108>مسألة [١]: من ثبت إعساره عند الحاكم، فهل يجوز مطالبته وملازمته</span>؟\n• مذهب الجمهور أنَّ من ثبت عسره عند الحاكم؛ فلا يجوز مطالبته، ولا ملازمته؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، وحديث أبي سعيد المذكور: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك».\n• وقال أبو حنيفة: لغرمائه ملازمته. واستدل بحديث: «لصاحب الحق اليد واللسان»، وهو حديث ضعيف، أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٣٢)، عن مكحول مرسلًا، وليس فيه دلالة لما استدل به، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3109>مسألة [٢]: من عليه دين، فَطُولِب به، فله حالات</span>.\nمن وجب عليه دين حالٌّ، فَطُولِب، ولم يؤده، نظر الحاكم؛ فإن كان في يده مال ظاهر، أمره بالقضاء؛ فإن ذكر أنه لغيره؛ طالبه الحاكم على ذلك بالبينة، وإن لم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٥٥٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥٨٤).","vol":"6","page":273},{"text":"يجد له مالًا ظاهرًا، فادَّعى الإعسار، فصدقه غريمه؛ لم يحبس، ووجب إنظاره، ولم تجز ملازمته؛ لما تقدم ذكره من الأدلة قريبًا.\nوإنْ كذَّبه غريمه؛ فلا يخلو من أحد حالين:\nالحال الأولى: أن يكون عُرِفَ له مال؛ لكون الدين ثبت له عن معاوضة كالبيع، أو عرف له أصل مال سوى هذا؛ فإن كان الأمر كذلك وحلف الغريم أنَّ معه مالًا؛ حبسه الحاكم عند أكثر أهل العلم حتى تشهد البينة بإعساره؛ فإن شهدت البينة بتلف ماله؛ قُبِلت شهادتهم، سواء كانوا من أهل الخبرة الباطنة، أم لا؛ لأنَّ التلف يطلع عليه أهل الخبرة وغيرهم، وليس للغريم أن يطالبه باليمين على تلفه اكتفاء بالبينة، وله أن يطالبه باليمين على عسرته، وأنه ليس له مال آخر؛ لأنَّ ذلك غير ما شهدت به البينة.\nوإن شهدت البينة بالإعسار؛ قُبِلت الشهادة عند أحمد، والشافعي وغيرهما، إذا كانت الشهادة من أهل الخبرة الباطنة، وقال مالك: لا تُسْمَع البينة على الإعسار؛ لأنها شهادة على النفي، فلا تسمع كالشهادة على أنه لا دين عليه.\nواستدل أحمد، والشافعي بحديث قبيصة بن المخارق، وفيه: «حتى يقول ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه لقد أصابت فلانًا فاقة ...» (^١) الحديث، والشهادة على النفي لا ترد مطلقًا؛ فإنه لو شهدت البينة أنَّ هذا وارث الميت لا وراث له سواه؛ قُبِلت، ولأنَّ هذه وإن كانت تتضمن النفي؛ فهي تثبت حالة تظهر، ويوقف\n_________\n(^١) سيأتي برقم (٨٦٠).","vol":"6","page":274},{"text":"عليها بالمشاهدة بخلاف ما إذا شهدت أنه لا حق له؛ فإنَّ هذا مما لا يوقف عليه.\nوتسمع البينة في الحال عند أحمد، والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تسمع في الحال، ويحبس شهرًا، ورُوي (ثلاثة أشهر)، ورُوي (أربعة أشهر)، حتى يغلب على الظن عند الحاكم أنه لو كان له مال؛ لأظهره. وقوله مردود؛ لأنَّ ذلك يبطل فائدة البينة. ولو طلب الغريم أن يحلف مع البينة؛ لم يلزمه الحلف عند أحمد، والشافعي في قول، وهو الصحيح، وللشافعي قولٌ أنه يلزمه أن يحلف.\nالحال الثانية: أن لا يُعرف له مال، كأن يكون الحق ثبت عليه بأرش جناية، أو قيمة متلف، أو مهر، أو ضمان، أو ما أشبه ذلك؛ فالقول قوله مع يمينه عند أهل العلم، وممن نصَّ على ذلك أحمد، والشافعي، وابن المنذر، وإن أتى ببينة على إعساره؛ لم يستحلف على الصحيح كما تقدم، وإن شهدت البينة بتلف ماله؛ لم يُغن ذلك عن اليمين؛ لأنَّ الإعسار أخفى من مجرد التلف. انتهى مُلَخَّصًا من «المغني» (٦/ ٥٨٥ -). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3110>مسألة [٣]: من أراد السفر، وعليه دين يستحق قبل مدة السفر</span>.\n• مذهب أحمد أنَّ للغريم أن يمنعه من السفر حتى يقيم له ضمينًا، أو رهنًا، واختاره شيخ الإسلام.\n• ومذهب الشافعي أنه ليس له منعه، والأقرب قول أحمد، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٢٧٦) «الاختيارات» (ص ١٣٦) «السيل الجرار» (٤/ ٢٤٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥٩١) «الاختيارات» (ص ١٣٦).","vol":"6","page":275},{"text":"٨٥٦ - وَعَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ -﵄-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ، وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد مُرْسَلًا، وَرُجِّحَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nفيه الحجر على المفلس، والحديث ضعيفٌ، لكن يُغني عنه ما قاله الشوكاني -﵀- في «السيل الجرار» (٤/ ٢٥٠): وعلى حُكَّام الشرع القادرين على رفع الظلامات، والأخذ على أيدي الظلمة أن يأخذوا لصاحب الدَّيْن دَيْنَه من ظالمه قسرًا وقهرًا، وإذا لم يطلب من له الدَّيْن إلا مجرد الحجر على من عليه الدَّين كان هذا أقل ما يجب على حكام الشريعة.\nوهذا الذي ذكرناه معلوم بكليات الأدلة وجزئياتها، ومن ذلك أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ للمظلوم من الظالم، وهي كثيرة جدًّا في الكتاب والسنة، وهي تُغني عن الاستدلال بحديث كعب بن مالك ... .\n_________\n(^١) الراجح إرساله. أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٣٠ - ٢٣١)، والحاكم (٢/ ٥٨)، من طريق هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه به. وابن كعب بن مالك، قد سمي في بعض الطرق (عبدالرحمن) فالإسناد ظاهره الصحة، ولكن هشامًا قد خولف في إسناده، فقد رواه عبدالرزاق وابن المبارك عن معمر بإسناه مرسلًا بدون ذكر (أبيه)، وكذلك رواه يونس بن يزيد عن الزهري به مرسلًا، أخرجه أبوداود في «المراسيل» رقم (١٧١) وقد رجح المرسل ابن عبدالهادي وعبدالحق وغيرهما وهو الصواب. وانظر: «البدر المنير» (٦/ ٦٤٥)، و«الإرواء» (١٤٣٥).","vol":"6","page":276},{"text":"ثم استدل على الحجر على مال المفلس بحديث أبي سعيد الخدري الذي تقدم.\nثم قال: ومعلومٌ أنه إذا جاز تفريق مال المفلس جميعه بين أهل الدين؛ كان جواز حجره حتى يفرق بين أهل الدَّين ثابتًا بفحوى الخطاب. اهـ\nوقد تقدمت المسألة في أول كتاب التفليس.","vol":"6","page":277},{"text":"٨٥٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ: فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^٢)\n\n٨٥٨ - وَعَنْ عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ -﵁- قَالَ: عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْت فِيمَن لَمْ يُنْبِتْ فَخُلِّيَ سَبِيلِي. رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ (^٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨).\n(^٢) أخرجه البيهقي (٦/ ٥٥)، وابن حبان (٤٧٢٨)، من طريق ابن جريج ثنا عبيدالله عن نافع عن ابن عمر به. وهذا الإسناد ظاهره الصحة، ولكن هذه الزيادة تفرد بها ابن جريج من سائر من روى الحديث، فقد رواه جمع عن عبيدالله بن عمر بدون هذه الزيادة، وروايتهم عنه في «الصحيحين» و«السنن»، و«المسند» منهم: يحيى بن سعيد القطان وأبوأسامة وعبدالله بن نمير وابن إدريس والثوري وابن عيينة وعبدالرحيم بن سليمان وعبدالوهاب الثقفي وأبومعاوية كما في «المسند الجامع»، وتابع عبيدالله عن نافع أبومعشر عند الطيالسي (١٨٥٩)، وعبدالله بن عمر عند عبدالرزاق (٩٧١٦)، وعمر بن محمد عند أبي عوانة (٦٤٧٥) فرووه عن نافع بدون الزيادة المذكورة.\nفهي زيادة شاذة، وقد استغربها ابن صاعد كما في «سنن البيهقي».\n(^٣) في (ب): (الخمسة).\n(^٤) صحيح. أخرجه أبوداود (٤٤٠٤) (٤٤٠٥)، والنسائي (٦/ ١٥٥) (٨/ ٩٢)، والترمذي (١٥٨٤)، وابن ماجه (٢٥٤١) (٢٥٤٢)، ابن حبان (٤٧٨١)، والحاكم (٢/ ١٢٣) (٣/ ٣٥)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين كما قال الحاكم، وألفاظهم متقاربة.","vol":"6","page":278},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3111>مسألة [١]: الحجر على الصبي</span>.\nلا خلاف بين أهل العلم على أن الصبي واليتيم يحجر عليه في ماله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٥ - ٦]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3112>مسألة [٢]: متى يدفع إليه ماله</span>؟\nيجب دفع المال إلى المحجور عليه إذا رشد وبلغ.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ الله تَعَالَى، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ أَمَرَ الله تَعَالَى بِهِ فِي نَصِّ كِتَابِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.اهـ\nفإذا بلغ ولم يرشد؛ فلا يدفع إليه حتى يرشد، حتى ولو صار كبير السن عند أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: يدفع إليه إذا بلغ الخامسة والعشرين، ولا يحجر عليه بعدها. وقوله مخالفٌ لصريح النص المتقدم، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٩٣) «تفسير القرطبي».\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥٩٤ - ٥٩٥).","vol":"6","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3113>مسألة [٣]: هل يعتبر في زوال الحجر عن الصبي حكم الحاكم</span>؟\nقال ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: وَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الصَّبِيِّ إذَا رَشَدَ وَبَلَغَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَزُولُ إلَّا بِحَاكِمٍ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ وَنَظَرٍ؛ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ فِي مَعْرِفَةِ الْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ إلَى اجْتِهَادٍ، فَيُوقَفُ ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، كَزَوَالِ الْحَجْرِ عَنْ السَّفِيهِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ إلَيْهِمْ عِنْدَ الْبُلُوغِ وَإِينَاسِ الرُّشْدِ، فَاشْتِرَاطُ حُكْمِ الْحَاكِمِ زِيَادَةٌ تَمْنَعُ الدَّفْعَ عِنْدَ وُجُوبِ ذَلِكَ بِدُونِ حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ، وَلِأَنَّهُ حَجْرٌ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، فَيَزُولُ بِغَيْرِ حُكْمِهِ، كَالْحَجْرِ عَلَى الْمَجْنُونِ، وَبِهَذَا فَارَقَ السَّفِيهَ. اهـ\nقلتُ: وما رجحه ابن قدامة هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3114>مسألة [٤]: هل حكم اليتيمة في زوال الحجر كحكم اليتيم</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن حكمها حكم اليتيم، فإذا بلغت، وأُونس رشدها دفع إليها مالها؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، فعمومها يشمل اليتيم واليتيمة، وهو قول عطاء، والثوري، وكثير من الحنابلة، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.\n• وقال بعضهم: يدفع إليها المال بعد زواجها عند أن تلد، أو يمرَّ عليها حول\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٩٤) «الإنصاف» (٥/ ٢٨٧).","vol":"6","page":280},{"text":"بعد الزواج، وهو قول شريح، والشعبي، وأحمد في رواية، وإسحاق؛ لما ثبت عن عمر أنه قال: لا أُجيز لجارية عطية حتى تحول في بيت زوجها حولًا، أو تلد ولدًا. أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٤١٢) بإسناد صحيح.\n• ومذهب مالك أنها لا تعطى حتى تتزوج، ويدخل عليها زوجها؛ لأنه تصبح ثيبًا، والثيب أحق بنفسها من وليها؛ فهي أحق بمالها عند ذلك.\nقلتُ: والقول الأول هو الصواب، ورجحه ابن قدامة، وأثر عمر ليس بحجة؛ مع أنه مختص بمنع العطية، فلا يلزم منه منع تسليم مالها، ومنعها من سائر التصرفات، وقول مالك ليس عليه دليل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3115>مسألة [٥]: تصرف اليتيم والصبي</span>.\n• لا يصح تصرفه بدون إذن وليه عند الجمهور، وأجاز أبو حنيفة تصرفه في البيع والشراء. وكذلك لا يصح إقراره عند الجمهور، وقال بعضهم: يلزمه الإقرار بعد فك الحجر عنه إذا كان بالغًا. والأظهر قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3116>مسألة [٦]: بِمَ يحصل البلوغ</span>؟\nيحصل البلوغ بخروج المني من الذكر، والأنثى، سواء باحتلام، أم بغير ذلك وهذا مجمع عليه، ويحصل في حق المرأة بالحيض بغير خلاف وكذلك بالحمل.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٦/ ٦٠١) «تفسير القرطبي» (٥/ ٣٨) «الإنصاف» (٥/ ٢٨٩ - ٢٩٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥٩٦) «الإنصاف» (٥/ ٢٨٦)، وانظر ما تقدم في أوائل البيوع.","vol":"6","page":281},{"text":"واختلفوا: هل يحكم عليه بالبلوغ إذا أنبت؟\nوهو خروج شعر العانة، وهو الشعر الذي فيه خشونة يستحق الحلق.\n• فذهب الجمهور إلى أنه يحكم عليه بالبلوغ إذا وجد منه هذا الشعر؛ لحديث عطية القرظي الذي في الباب، فقد أبيح دم من أنبت، وجعلوا له حكم الرجال، وهذا يدل على أن ذلك علامة ظاهرة في البلوغ.\n• وللشافعي قول أنه علامة في حق الكفار فقط، وخالف أبو حنيفة فلم يجعله دليلًا على البلوغ مطلقًا، والصواب قول الجمهور.\nواختلفوا هل يحكم عليه بالبلوغ إذا بلغ سِنًّا معينًا؟\n• فجمهور العلماء على أنه يحكم عليه بالبلوغ إذا بلغ الخمس عشرة سنة، وإن لم يوجد الاحتلام، أو الحيض، أو الإنبات قبل ذلك، واستدلوا بحديث ابن عمر الذي في الباب، وبقوله: ولم يرني بلغت.\n• وذهب مالك، وداود إلى أنه لا حدَّ له، لكن قال مالك: إذا ظهر منه علامات أخرى، كخشونة الصوت، وما أشبهه؛ حكم ببلوغه، وفي رواية عنه أنه حده بسبع عشرة؛ لكونه أكبر سن وجد في البلوغ، وأما داود فقال: لا يحكم ببلوغه حتى يحتلم، وإن صار شيخًا.\n• والمشهور عند المالكية التحديد بـ (سبع عشرة، أو ثمان عشرة سنة)، وأما أبو حنيفة فعنده الجارية بسبع عشرة، وأما الغلام فحكى عنه بسبع عشرة، أو","vol":"6","page":282},{"text":"ثمان عشرة، وحُكي عنه بثمان عشرة، أو تسع عشرة سنة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ليس هناك دليل على التحديد، والعبرة في البلوغ الاحتلام، أو خروج المني، والمحيض عند المرأة، وما يدل على البلوغ كالإنبات وغيره مما يحصل للبالغين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3117>مسألة [٧]: ما المقصود بالرشد</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ المقصود بالرشد هو الصلاح في المال، وقد قال ابن عباس: فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد انقضى عنه اليتم. أخرجه مسلم (١٨١٢).\n• وقال الحسن، والشافعي، وابن المنذر: الرشد صلاحه في دينه وماله.\nوأجاب الجمهور بأثر ابن عباس، وقالوا: العدالة لا تعتبر في الرشد في الدوام؛ فلا تعتبر في الابتداء، وقولهم: إن الفاسق غير رشيد، فنعم هو غير رشيد في دينه، ولكنه قد يكون رشيدًا في ماله. والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3118>مسألة [٨]: كيفية معرفة الرشد</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ معرفة الرشد يحصل باختباره بأن يجعله يتصرف بإذنه في بعض الأشياء، مع مرور الأيام، فإذا أصبح يحسن التصرف في حفظ ماله،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٩٧ - ٥٩٨) «الفتح» (٢٦٦٤) «تفسير القرطبي» (٥/ ٣٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٦٠٧) «تفسير القرطبي» (٥/ ٣٧ -) «الإنصاف» (٥/ ٢٨٩).","vol":"6","page":283},{"text":"وتنميته؛ دفع إليه المال، وكلٌّ في مجاله، فإذا كان تاجرًا أحسن التجارة، وإن كان فلاحًا أحسن صرف ماله في الزراعة والكسب منها، وما أشبه ذلك، والحاصل أن ذلك يرجع إلى عرف الناس، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3119>مسألة [٩]: الحجر على المجنون</span>.\nالحجر على المجنون مجمع عليه، ويدل عليه عموم الآية المتقدمة: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥]، ويزول الحجر عن المجنون بإفاقته ورجوع عقله، ولا يفتقر ذلك إلى حكم حاكم بغير خلاف. قاله ابن قدامة -﵀-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3120>مسألة [١٠]: الحجر على السفيه الذي لا يحسن التصرف</span>.\n• جمهور العلماء على أنه يحجر عليه، ويشرع ذلك للمحافظة على ماله، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦]؛ فدلَّ على أنه إن كان سفيهًا لا يدفع إليه ماله فيفهم منه جواز الحجر على السفيه وإن كان كبيرا.\nواستدلوا على ذلك بعموم الآية المتقدمة: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، وبقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فأثبت عليه ولاية.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٦٠٨) «تفسير القرطبي» [آية:٦] من سورة النساء.\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥٩٣، ٥٩٤) «تفسير القرطبي» سورة النساء [آية:٥] «الإنصاف» (٥/ ٢٨٧).","vol":"6","page":284},{"text":"واستدلوا بحديث أنس في «سنن أبي داود» (٣٥٠١): أنَّ بعض الصحابة سألوا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يحجر على رجل؛ لكونه يخدع في البيوع، فمنعه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فشكا إليه أنه لا يقدر على ترك ذلك، فرخَّص له أن يقول: «لا خلابة» وإسناده حسن، والشاهد من الحديث أنهم سألوا الحجر عليه، ولو كان لا يصح الحجر على مثله؛ لقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنه حرٌّ عاقلٌ فلا يحجر عليه.\nواستدلوا على ذلك بأثر عن علي، وعثمان -﵄- أنهما أرادا أن يحجرا على عبد الله بن جعفر كما في «الأوسط» (١٠/ ١١)، و«سنن البيهقي» (٦/ ٦١) في قصةٍ لها طرق في كل طريق منها ضعفٌ، واختلاف في الألفاظ، ومجموعها تدل على أن للقصة أصلًا.\nواستدلوا بقول ابن الزبير كما في «صحيح البخاري» (٦٠٧٣): أنه قال في بيعٍ، أو عطاءٍ أعطته عائشة: لتنتهين عائشة، أو لأحجرنَّ عليها. وشاهدنا من ذلك ذكر الحجر، فقد كان معروفًا عند الصحابة؛ مع أنَّ عبد الله بن الزبير -﵁- قد أساء مع أم المؤمنين بهذا الكلام ثم إنه اعتذر إليها من كلامه ذلك -﵄-.\n• وذهب بعضهم إلى أنه لا يحجر عليه؛ لكونه حرًّا، عاقلًا، بالغًا، ليس بصبي ولا مجنون، وهذا قول ابن سيرين، والنخعي، وأبي حنيفة، وتولى ابن حزم نصرة هذا القول في «المحلى».\nوالصحيح القول الأول؛ لما تقدم ذكره من الأدلة، وهو ترجيح الشوكاني -﵀-، وممن قال به أحمد، ومالك، وإسحاق، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد،","vol":"6","page":285},{"text":"وأبو ثور وغيرهم.\nوالصبي الذي يفك عنه الحجر لرشده، وبلوغه، ثم يعاود السَّفَه؛ يُحجر عليه أيضًا مرة أخرى عند الجمهور خلافًا لمن تقدم ذكرهم قريبًا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3121>مسألة [١١]: متى يثبت الحجر على السفيه، ومتى يزول</span>؟\n• ظاهر الأدلة المتقدمة في المسألة السابقة من الأحاديث والآثار تدل على أن الحجر على السفيه يكون من قبل الحاكم، وممن قال بذلك أحمد، والشافعي، وغيرهما.\n• وقال محمد بن الحسن: يصير محجورًا عليه بمجرد تبذيره. والصواب قول الجمهور.\nويزول الحجر عن السفيه بإزالة الحاكم له عند الأكثر أيضًا، وهو الصحيح، خلافًا لمحمد بن الحسن، وبعض الحنابلة؛ لأنه ثبت بحكمِ الحاكم؛ فيزول بإزالته، وهو مذهب مالك أيضًا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3122>مسألة [١٢]: من عامل السفيه فأتلف السفيه ذلك المال، فمن ضمان من</span>؟\nذكر أهل العلم على أنَّ من حَجَرَ على شخصٍ لسفهه؛ فإنه ينبغي أن يُظْهِرَ ذلك وينشره للناس؛ لتجتنب معاملته؛ فإن باع واشترى، فالبيع فاسد، ويسترجع\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٥٩٣) (٦/ ٦٠٩ -) «المحلى» (١٣٩٤) «النيل» (٢٣١٦) «تفسير القرطبي» (٥/ ٣٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٥٩٤، ٦١٠) «الإنصاف» (٥/ ٢٩٩).","vol":"6","page":286},{"text":"الحاكم ما باع من ماله، أو الثمن إن كان اشترى، ويرد ما أخذ إن كان باقيًا؛ فإن كان قد أتلفه السفيه؛ فهو من ضمان الآخر الذي سلطه عليه، وكذلك ما أخذ من أموال الناس برضاهم، كقرضٍ أو غيره؛ فإن كان باقيًا أعاده الحاكم، وإن تلف فمن ضمان الذي مكَّنه.\nقلتُ: وهذا محمول على ما إذا علم الآخر بسفهه، وأما إذا لم يعلم فهو من ضمان السفيه في ماله، أو على أوليائه.\nقالوا: فأما إن أخذه السفيه بغير اختيار صاحبه، أو أتلفه، كالغصب والجناية؛ فعليه ضمانه؛ لأنه لا تفريط من المالك؛ لأنَّ الصبي، والمجنون لو فعلا ذلك؛ لزمهما الضمان؛ فالسفيه أولى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3123>مسألة [١٣]: إذا أقر السفيه بما يوجب الحد أو القصاص</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٦١٢): الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ؛ لِفَلَسٍ، أَوْ سَفَهٍ، إذَا أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا، كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَالشُّرْبِ، وَالْقَذْفِ، وَالْقَتْلِ الْعَمْدِ، أَوْ قَطْعِ الْيَدِ، وَمَا أَشْبَهَهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ، وَيَلْزَمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ فِي الْحَال. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ إقْرَارَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ عَلَى نَفْسِهِ جَائِزٌ، إذَا كَانَ إقْرَارُهُ بِزِنًا، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ قَذْفٍ، أَوْ قَتْلٍ، وَأَنَّ الْحُدُودَ تُقَامُ عَلَيْهِ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا أَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٦١١) «الإنصاف» (٥/ ٢٨٦) «الحاوي» (٦/ ٣٥٩).","vol":"6","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3124>مسألة [١٤]: هل يقع الطلاق من المحجور عليه</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٦/ ٦١٢): وَإِنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، نَفَذَ طَلَاقُهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ يَجْرِي مَجْرَى الْمَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِمَالٍ، وَيَصِحُّ أَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِمَالٍ، فَلَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهِ كَالْمَالِ.\nقال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي الْمَالِ، وَلَا يَجْرِي مَجْرَاهُ؛ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ، كَالْإِقْرَارِ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ، وَدَلِيلُ أَنَّهُ لَا يَجْرِي مَجْرَى الْمَالِ: أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، مَعَ مَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، وَلَا يُمْلَكُ بِالْمِيرَاثِ، وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مُخْتَارًا، فَوَقَعَ طَلَاقُهُ، كَالْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3125>مسألة [١٥]: هل يقع عتقه إذا أعتق</span>؟\n• أكثر أهل العلم على عدم وقوعه؛ لأنه تصرف في المال، فأشبه سائر التصرفات. وأجاز عتقه أحمد في رواية، وهو قول من لا يرى الحجر على السفيه، كالحنفية، وابن حزم. والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3126>مسألة [١٦]: هل يصح نكاح السفيه إذا تزوج</span>؟\n• مذهب أبي حنيفة، وجماعة من الحنابلة صحة تزويجه، وصححه ابن قدامة؛ لأنه عقد غير مالي؛ فصح منه كالطلاق، وإن لزم منه المال، فحصوله بطريق الضِمْن، فلا يمنع من العقد.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٦١٣).","vol":"6","page":288},{"text":"• ومذهب الشافعي، وأبي ثور، وبعض الحنابلة عدم صحة النكاح؛ لأنه تصرف يجب به المال.\nقلتُ: والأقرب القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3127>مسألة [١٧]: إذا أقر السفيه بدين، أو بما يوجب المال من الجنايات</span>؟\n• منهم من قال: يلزم به بعد فك الحجر عنه، وهو مذهب الحنابلة، وأبي ثور؛ لأنه مكلف أقرَّ بشيء في ذمته ولا يستطيع تسليمه في الحال؛ فلزمه بعد فك الحجر عنه.\n• ومنهم من قال: لا يلزمه ذلك الإقرار، وهو مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة؛ لأنه محجور عليه لعدم رشده، ولضعف عقله، وسوء تصرفه، ولا يندفع الضرر عنه إلا بإبطال إقراره بالكلية، كالصبي والمجنون.\nومال ابن قدامة إلى هذا القول، ثم قال: فَأَمَّا صِحَّتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله تَعَالَى؛ فَإِنْ عَلِمَ صِحَّةَ مَا أَقَرَّ بِهِ، كَدَيْنٍ لَزِمَهُ مِنْ جِنَايَةٍ، أَوْ دَيْنٍ لَزِمَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ؛ فَعَلَيْهِ أَدَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ حَقًّا، فَلَزِمَهُ أَدَاؤُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ. وَإِنْ عَلِمَ فَسَادَ إقْرَارِهِ، مِثْلُ أَنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِدَيْنٍ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ، أَوْ بِجِنَايَةٍ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ، أَوْ أَقَرَّ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ، مِثْلُ إنْ أَتْلَفَ مَالَ مَنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ بِقَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ أَدَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٦١٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٦١٥ - ٦١٦) «الإنصاف» (٥/ ٣٠٣).","vol":"6","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3128>مسألة [١٨]: ولي اليتيم هل له أن يأكل من مال اليتيم مقابل قيامه عليه</span>؟\nقال الله ﷿: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦]، فذكر العلماء أنَّ الغني لا يجوز له الأكل منه.\nواختلفوا في الفقير:\n• فالجمهور على أنه يجوز له الأكل منه مقابل قيامه عليه، ونظره فيه.\n• وقال جماعة منهم: يأخذ منه أقل القدرين من أجرة قيامه عليه، أو كفايته.\n• وذهب بعضهم إلى أنَّ له أن يأكل، ولكن يجب عليه القضاء عند يسره، وهو قول مجاهد، وأبي العالية، والشعبي، وسعيد بن جبير، وعبيدة السلماني، والأوزاعي.\n• وقال جماعة بالمنع من الأكل، وهو قول ربيعة، ويحيى بن سعيد، ومجاهد، وزيد بن أسلم، والنخعي، والحنفية، والنحاس، وغيرهم.\n• فقال بعضهم: الآية منسوخة.\n• وقال بعضهم: المراد بها أنَّ الفقير يقتر على نفسه، ويأكل من مال نفسه بالمعروف.\n• وقال بعضهم: هو عند الضرورة.\n• وقال بعضهم: هو في السفر دون الحضر.","vol":"6","page":290},{"text":"قلتُ: والصواب قول الجمهور.\nوقد صح عن عائشة -﵂- كما في «الصحيحين». (^١)\nلكن قال الإمام ابن عثيمين: وظاهر الآية الكريمة ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أنه يأكل بالمعروف، وأنه إذا كانت الأجرة أقل؛ تكمل له الكفاية، وعلى هذا فنقول: يأكل كفايته، سواء كانت بقدر الأجرة، أو أقل، أو أكثر؛ لأنَّ هذا هو ظاهر القرآن: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3129>مسألة [١٩]: العمل في مال اليتيم بالتجارة، والمضاربة وغيرها</span>؟\nذكر أهل العلم أنه يُستحب لولي مال اليتيم أن ينميه بالتجارة، أو المضاربة، وما أشبه ذلك، ولا يدخل في شيء من ذلك إلا وهو متيقنٌ للربح؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢]. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٧٦٥)، ومسلم برقم (٣٠١٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٦/ ٣٤٣) «تفسير القرطبي» (٥/ ٤١) «الشرح الممتع» (٩/ ٣١٢).\n(^٣) انظر: «المغني» (٦/ ٣٣٨ -) «تفسير القرطبي».","vol":"6","page":291},{"text":"٨٥٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ -﵄- أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا» وَفِي لَفْظٍ: «لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَمْرٌ فِي مَالِهَا إذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3130>مسألة [١]: تصرف المرأة الرشيدة المتزوجة في مالها</span>؟\n• اختلف أهل العلم في تصرف المرأة الرشيدة في مالها بغير إذن زوجها هل يجوز أم لا؟ على أقوال:\nالقول الأول: يجوز لها التصرف فيه، ولو بمالها كله، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، والظاهرية، والحنفية، وقال به من التابعين: عطاء، وربيعة، وعمر بن عبد العزيز، وجاء عن أسماء بنت أبي بكر -﵄- ما يدل عليه.\nواستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس، وجابر، وأبي سعيد في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «حثَّ النساء على الصدقة في يوم العيد، فجعلن يتصدقن بخواتمهن، وأقرطتهن ...». وبحديث ميمونة في «الصحيحين» أنها أعتقت وليدتها، فلما جاء\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١٧٩، ١٨٤)، وأبوداود (٣٥٤٧)، والنسائي (٥/ ٦٥) (٦/ ٢٧٨)، وابن ماجه (٢٣٨٨)، والحاكم (٢/ ٤٧)، من طرق عن عمرو بن شعيب به.\nوإسناده حسن؛ لأن سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده سلسلة حسنة.","vol":"6","page":292},{"text":"النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخبرته، فقال: «لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» (^١)، وقالوا: هو مالها والأصل أن لها حق التصرف فيه؛ لعمومات الأدلة من الكتاب والسنة في ذلك.\nوأجابوا عن حديث عمرو بن شعيب: بأنه محمول على باب إحسان العشرة أن لا تتصرف فيه إلا بإذنه، وبعضهم قال: المراد منه أن لا تتصرف في مال زوجها إلا بإذنه. ويرد هذا التأويل اللفظ الثاني في الحديث، وبعضهم رجح أحاديث «الصحيحين» عليه، وهو صنيع الشافعي.\nالقول الثاني: لا يجوز لها عطية إلا بإذن زوجها، وهو قول طاوس، ومجاهد، والليث، ورُوي عن الحسن، ومال إليه الشيخ الألباني -﵀-؛ لحديث عمرو بن شعيب، قال الشيخ الألباني: وليس للزوج أن يمنعها عن الخير، كما أنه ليس لولي البكر أن يمنعها عن الزواج إذا تقدم الكفؤ.\nالقول الثالث: لها التصرف بالثلث فما دون؛ لأنَّ الثلث أقل حد الكثرة: «الثلث، والثلث كثير»، وهو قول مالك، وأحمد في رواية.\nالقول الرابع: ليس لها التصرف حتى تلد، أو يحول عليها الحول، جاء بذلك أثر صحيح عن عمر (^٢)، وقال به شريح، والشعبي، وابن سيرين، والنخعي، وأحمد، وإسحاق.\nقلتُ: والقول الأول أقرب، ثم الثاني والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٥٩٢)، ومسلم برقم (٩٩٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٤١٢) بإسناد صحيح.\n(^٣) انظر: «المغني» (٦/ ٦٠٢) «المحلى» (١٣٩٦)، «الفتح» (٢٥٩٠).","vol":"6","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3131>مسألة [٢]: تصدق المرأة من مال زوجها بغير إذنه</span>.\nفي «الصحيحين» عن عائشة -﵂- أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما اكتسب». (^١) وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة -﵁-: «وما أنفقت من كسبه من غير أمره؛ فإن نصف أجره له». (^٢)\nوفي «الصحيحين» عن أسماء بنت أبي بكر أنها استأذنت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن تنفق مما أدخل عليها الزبير، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أنفقي، أو انضحي، ولا تحصي فيحصي الله عليك». (^٣)\n• فاستدل بعض أهل العلم بهذه الأحاديث على أنَّ للمرأة أن تنفق من مال زوجها بغير إذنه؛ أحبَّ أو كره، صرح بذلك ابن حزم في «المحلى» (١٣٩٧) بقيد عدم الإفساد.\n• وعامة أهل العلم على أنه لا يجوز للمرأة أن تتصدق من مال زوجها إلا بإذنه؛ لأنَّ مال المسلم لا يحل إلا بطيب نفس منه، والأحاديث المذكورة محمولة على الإذن العُرفي بأن تعلم المرأة أن زوجها لا يكره ذلك، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٤٢٥)، ومسلم برقم (١٠٢٤).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٠٦٦)، ومسلم برقم (١٠٢٦).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٤٣٣)، ومسلم برقم (١٠٢٩).\n(^٤) انظر: «المغني» (٦/ ٦٠٥ -) «شرح السنة» (٦/ ٢٠٥) «الفتح» (١٤٤٠) «شرح مسلم» (٧/ ١١١ -).","vol":"6","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3132>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3133>مسألة [١]: هل يملك العبد التصرف في ماله، أم لا</span>؟\nأولًا: هل يملك العبد المال الذي يكتسبه ابتداءً، أم هو ملك لسيده؟\n• على قولين:\nالأول: قول الظاهرية أنه يملكه ابتداء، ولا يكون ملكًا لسيده؛ إلا أن ينزعه منه، أو يسقط ملكه عنه. واستدلوا على ذلك بأنه يملك؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من باع عبدًا وله مال ...».\nالثاني: قول عامة أهل العلم أنه لا يملكه ابتداء؛ لأنَّ العبد نفسه مملوك، فمنافعه ومكتسباته مملوكة، وهذا القول هو الصحيح.\n• واختلفوا: هل يملك العبد إذا ملَّكه سيده أم لا؟\n• فذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية، وإسحاق إلى أنه لا يملك، والمال حقيقة يكون للسيد، وإن كان السيد قد ملكه العبد، ولأنه مملوك؛ فلم يملك كالبهيمة.\n• وذهب أحمد في رواية إلى أنه يملك بتمليك سيده، وهو قول مالك،","vol":"6","page":295},{"text":"والشافعي في القديم، وصحح هذا القول ابن قدامة؛ للحديث: «من باع عبدًا وله مال».\nقال -﵀-: وَمَا ذَكَرُوهُ تَعْلِيلٌ بِالْمَانِعِ، وَلَا يَثْبُتُ اعْتِبَارُهُ؛ إلَّا أَنْ يُوجَدَ الْمُقْتَضِي فِي الْأَصْلِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْبَهِيمَةِ مَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهَا، وَإِنَّمَا انْتَفَى مِلْكُهَا؛ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لَهُ، لَا لِكَوْنِهَا مَمْلُوكَةً، وَكَوْنُهَا مَمْلُوكَةً عَدِيمُ الْأَثَرِ؛ فَإِنَّ سَائِرَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً مِنْ الصَّيُودِ وَالْوُحُوشِ لَا تُمَلَّكُ، وَكَذَلِكَ الْجَمَادَاتُ، وَإِذَا بَطَلَ كَوْنُ مَا ذَكَرُوهُ مَانِعًا، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْمُقْتَضِي؛ لَزِمَ ثُبُوتُ حُكْمِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\nقلتُ: وبناءً على أنه يملك، فهل له التصرف فيه بالبيع، والشراء، والصدقة، والهبة، وغير ذلك؟\nأما إذا أذن له سيده؛ فيجوز له ذلك عند أهل العلم.\nوأما إذا تصرف به بغير إذنه، فأبطله بعضهم.\nوقال بعضهم: يوقف على إجازة السيد. وقال آخرون: يصح تصرفه؛ لأنه قد ملكه.\nوهذا أقرب الأقوال، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٥٩ - ٢٦٠) (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠) «المحلى» (١٣٩٨).","vol":"6","page":296},{"text":"٨٦٠ - وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةِ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكَ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nذكر القاضي حسين المغربي في «البدر التمام»، وتبعه الإمام الصنعاني في «سبل السلام» في شرح هذا الحديث أنَّ الحافظ أورده ههنا، وقد تقدم في [باب قسم الصدقات].\nولعله أعاده هنا ليبين أنَّ الرجل الذي تحمَّل حمالة قد لزمه دين فلا يكون له حكم المفلس في الحجر عليه، بل يترك حتى يسأل الناس، فيقضي دينه.\nقلتُ: وعندي احتمال آخر، وهو: أنه أورده ليدل على قبول الشهادة على الإعسار كما تقدم تقرير ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٠٤٤).","vol":"6","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3134>بَابُ الصُّلْحِ</span>\n٨٦١ - عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ (^١) أَحَلَّ حَرَامًا، وَالمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا (أَوْ) (١) أَحَلَّ حَرَامًا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (^٢)\nوَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ رَاوِيَهِ كَثِيرَ بْنَ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ضَعِيفٌ، وَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ.\n\n٨٦٢ - وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-. (^٣)\n_________\n(^١) في (أ) و(ب): (و) بدل (أو) والمثبت هو الموافق للسنن.\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٣٥٢)، وإسناده واهٍ؛ لأن كثيرًا قد كذب.\n\nوقول الحافظ (بكثرة طرقه) أي: شواهده، فقد جاء من حديث أنس وعائشة وابن عمر ورافع ابن خديج، وكلها شديدة الضعف. انظر تخريجها في «الإرواء»، وأحسن تلك الشواهد حديث أبي هريرة الذي سيأتي.\n(^٣) أخرجه ابن حبان (٥٠٩١)، من طريق كثير بن زيد الأسلمي عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة فذكره بدون زيادة: «والمسلمون على شروطهم ...».\nوأخرجه أبو داود، والدارقطني (٣/ ٢٧)، والحاكم (٢/ ٤٩)، من نفس الوجه بالزيادة المذكورة.\nوكثير بن زيد الأسلمي، الأظهر أن حديثه يقبل في الشواهد.\nوله شاهد من مراسيل عطاء: أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٢٢) بإسناد صحيح عن عطاء قال: بلغنا أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «المسلمون على شروطهم».\nقلت: فهذه اللفظة تصبح مقبولة حسنة، وأما بقية الحديث فيتوقف فيه، والله أعلم.","vol":"6","page":298},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3135>مسألة [١]: تعريف الصلح</span>.\nالصلح في اللغة: مصدر أصلح، وهو قطع النزاع.\nوفي الشرع: عقد يحصل به قطع النزاع بين المختلفين، وهو أنواع: صلح بين المسلمين والكفار، وصلح مع البغاة، وصلح بين الزوجين، وصلح في القصاص والجنايات، وصلح في الحقوق المالية المختلف فيها، وهذا الأخير هو الذي يذكره الفقهاء في هذا الباب، وهذا الصلح على قسمين:\nأولا: الصلح على الإنكار.\nوصورته: أن يدَّعي رجل على الآخر أنَّ عليه له عشرة آلاف، فينكر ذلك، ثم يصالحه على أن يعطيه خمسة آلاف، وليس للمدعي بينة، والمنكر لا ينكر عن علم.\n• وقد اختلف أهل العلم في صحة هذا الصلح، فأجازه جمهور العلماء، منهم: أحمد، ومالك، وقال به أبو حنيفة، ورجح هذا القول شيخ الإسلام، وابن القيم.\n• وذهب الشافعي، والظاهرية إلى عدم صحة هذا الصلح؛ لأنَّ الصلح عندهم لا يكون إلابعد ثبوت الحق، ولم يثبت الحق ههنا؛ لأنه مُنْكِر، فلا تصح له المعاوضة، كما لو باع ملك غيره.\nواستدل الجمهور على قولهم بعموم حديث الباب، وبالآية: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾","vol":"6","page":299},{"text":"[النساء:١٢٨]، ولأنه قد حصل بالتراضي، والمنكر قد رضي بتقديم المال؛ ليرفع عن نفسه الخصومة إلى الحاكم، ويرفع عن نفسه اليمين.\nوقول الجمهور هو الصواب، وهو ترجيح الشوكاني، والصنعاني، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: هذا الصلح لا يصح عند الجمهور؛ إلا أن يكون المدَّعِي معتقدًا أنَّ ما ادَّعاه حق، والمدَّعَى عليه يعتقد أنه لا حق عليه.\nفإنْ كَذَبَ أحدهما؛ فالصلح في ظاهره صحيح، ولكن يكون فاسدًا في حق الكاذب، والمال عليه حرام. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3136>مسألة [٢]: هل هذا الصلح بيع أم إبراء</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٧): وَيَكُونُ بَيْعًا فِي حَقِّ الْمُدَّعِي؛ لِاعْتِقَادِهِ أَخْذَهُ عِوَضًا، فَيَلْزَمُهُ حُكْمُ إقْرَارِهِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَأْخُوذُ شِقْصًا فِي دَارٍ، أَوْ عَقَارٍ؛ وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَإِنْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا؛ فَلَهُ رَدُّهُ، وَالرُّجُوعُ فِي دَعْوَاهُ، وَيَكُونُ فِي حَقِّ الْمُنْكِرِ بِمَنْزِلَةِ الْإِبْرَاءِ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ الْمَالَ افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ، وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، لَا عِوَضًا عَنْ حَقٍّ يَعْتَقِدُهُ؛ فَيَلْزَمُهُ أَيْضًا حُكْمُ إقْرَارِهِ؛ فَإِنْ وَجَدَ بِالْمُصَالَحِ عَنْهُ عَيْبًا؛ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمُدَّعِي؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مَا أَخَذَ عِوَضًا، وَإِنْ كَانَ شِقْصًا؛ لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُهُ عَلَى مِلْكِهِ، لَمْ يَزُلْ، وَمَا مَلَكَهُ بِالصُّلْحِ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٦ - ٧) «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٦٩ -) «السيل الجرار» (٤/ ٢٦٠) «بداية المجتهد» (٤/ ٩٣) «البيان» (٥/ ٢٤٧).\n(^٢) «المغني» (٧/ ٨).","vol":"6","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3137>مسألة [٣]: إن صالح عن المُنْكِر أجنبي</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنه يصح الصلح، سواء كان مصدقًا للمدَّعي، أم لا، وسواء كان بإذن المُنكِر، أم لا.\n• ومذهب الشافعية أنه يصح إذا كان الأجنبي مصدقًا للمدعي، وهذا الذي قالوا بناءً على ما اختاروه أنَّ الصلح لا يكون إلا بعد ثبوت الحق، والصحيح قول الحنابلة، وهو مقتضى قول الجمهور.\nثم إنْ كان الأجنبي قد صالح عن المنكر بغير إذنه؛ لم يرجع عليه بشيء؛ لأنه أدَّى عنه ما لا يلزمه أداؤه، وأما إذا صالح عنه بإذنه؛ رجع عليه، وإن أدَّى عنه بإذنه، أو بغير إذنه متبرِّعًا؛ لم يرجع بشيء، وإن قضاه محتسبًا بالرجوع فوجهان للحنابلة، والصحيح أنه لا يلزم المنكر أن يعطيه؛ لأنه ليس لازمًا على المنكر ذلك، بل الواجب عليه هو اليمين، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3138>مسألة [٤]: إن صالح الأجنبي المدعي؛ لتكون المطالبة لنفسه</span>؟\nأما إذا لم يعترف الأجنبي للمدعي بصحة دعواه؛ فلا يصح الصلح، ويكون باطلًا؛ لأنه يشتري منه مالم يثبت له، أشبه ما لو اشترى من إنسان ملك غيره.\nوأما إذا اعترف له بصحة دعواه؛ فلا يخلو من أن يكون المدَّعَى مالًا، أوعينًا؛ فإن كان المدَّعَى مالًا؛ فلا يصح الصلح؛ لأنه يشتري منه مالا يقدر على تسليمه،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٨ - ٩) «الإنصاف» (٥/ ٢١٩ - ٢٢٠) «البيان» (٥/ ٢٤٩).","vol":"6","page":301},{"text":"ولأنه يصبح بيع مال بمال مع عدم التقابض، وذلك غير جائزٍ.\nوإن كان المدَّعَى عينًا، وادَّعى أنه قادر على إخراجها؛ صحَّ الصلح، ثم إن قدر على انتزاعه؛ صح الصلح واستقر، وإن عجز؛ كان له ا لفسخ، ويحتمل أن الصلح يكون فاسدًا بدون فسخ؛ لأنه تبين أنَّ الصلح كان على ما لا يقدر على تسليمه. (^١)\nثانيًا: الصلح على الإقرار.\nوصورته: أن يدعي إنسان على آخر أن عنده له مسجل مثلًا، فيعترف له بذلك، ثم يصالحه على أن يعطيه ألفي ريال مثلًا، أو يكون له عليه عشرة آلاف، فيعترف بها، ويصالحه على خمسة آلاف.\nفهذه الصورة إن كان بشرط من المدَّعى عليه، كأن يقول: لا أقر لك بالعشرة آلاف إلا أن تصالحني على خمسة. فلا نعلم أحدًا أجاز هذه الصورة، بل هذا ظلمٌ، وأكل مال بالباطل.\nوأما إذا كان الوضع من المدَّعِي بدون شرط من المدَّعَى عليه؛ فهذا جائزٌ، وقد نُقِلَ على جوازه الاتفاق، والواقع أنه قد خالف جماعة من الحنابلة في ذلك إذا وقع ذلك على أنه صلح، وقالوا: فيه هضم لصاحب الحق؛ لأنه قد اعترف له بحقه؛ فلزمه ما أقر به، فإذا بذل له دونه فقد هضمه حقه.\nوردَّ عليهم ابن القيم -﵀-، فقال: هذا ليس فيه هضم، وإنما الهضم أن يقول:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٠) «الإنصاف» (٥/ ٢٢٠).","vol":"6","page":302},{"text":"لا أقرُّ لك حتى تهب لي كذا، وتضع عني كذا، وأما إذا أقر له، ثم صالحه ببعضه، فأي هضم هناك. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٢): فأما في الاعتراف فإذا اعترف بشيء وقضاه من جنسه فهو وفاء، وإن قضاه من غير جنسه فهي معاوضة، وإن أبرأه من بعضه اختيارًا منه واستوفى الباقي؛ فهو إبراء، وإن وهب له بعض العين وأخذ باقيها بطيب نفس؛ فهي هبة، فلا يسمي ذلك صلحًا ونحو ذلك، قال ابن أبي موسى: وسماه القاضي وأصحابه صلحًا. وهو قول الشافعي وغيره، والخلاف في التسمية، أما المعنى فمتفق عليه وهو فعل ما عدا وفاء الحق وإسقاطه على وجه يصح، وذلك ثلاثة أقسام: معاوضة، وإبراء، وهبة. اهـ\nقلتُ: أما إذا عاوضه بشيءٍ آخر فيراعى في صحته ما يراعى في البيوع، فيفسد بما تفسد به البيوع، فمثلًا: لو كان له عليه دنانير فاعترف له بها، وصالحه على دراهم؛ فلا يجوز التفرق حتى يقبضها، أو كان له عليه دينٌ، فصالحه على أن يعطيه شيئًا موصوفًا في ذمته، فلا يجوز؛ لأنه بيع دين بدين (^١) ...، وهكذا فقس عليه.\nوأما الإبراء والهبة فاشترط جماعة من الحنابلة والشافعية أن لا يخرج ذلك مخرج الشرط، كأن يقول: أبرأتك من نصف الدين على أن تعطيني الآن ما بقي.\n_________\n(^١) هذا التمثيل على مذهب الجمهور، وقد نقل إجماعًا، والصحيح جوازه، أجازه شيخ الإسلام وابن القيم رحمة الله عليهما، وقد تقدم الكلام على ذلك تحت حديث (٨٣٢).","vol":"6","page":303},{"text":"أو يقول: وهبت لك بعض ما عندك على أن توفيني، وتعطيني بقيتها الآن.\nوحجتهم: أنه إذا شرط فقد جعل الهبة، والإبراء عوضًا عن الوفاء به، فكأنه عاوض بعض حقه ببعضه، والصحيح هو جواز ذلك، وإن أخرجه مخرج الشرط؛ لأنه حقه وملك له، وقد تنازل عنه بذلك الشرط، فما المانع من ذلك؟! (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3139>مسألة [٥]: إذا تصالح المدعي والمدعى عليه على دين مؤجل ببعضه حالًا</span>؟\n• منع أكثر أهل العلم من ذلك، وهو قول سعيد بن المسيب، والقاسم، وسالم، والحسن، والشعبي، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وإسحاق، والثوري، وأبي حنيفة، وحجتهم في ذلك أن فيه ربا؛ فإنه يعطيه عشرة حالة بعشرين مؤجلة مثلًا، ولأنه يبذل القدر الذي يحطه عوضًا عن التعجيل، وبيع الحلول والتأجيل لا يجوز.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو قول النخعي، والحسن، وابن سيرين، وأحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، ورجحه السعدي، وابن عثيمين.\nقال ابن القيم -﵀-: وهذا عكس الربا؛ فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل، فانتفع به كل\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٢ - ١٥) «بداية المجتهد» (٤/ ٩٣) «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠) «الإنصاف» (٥/ ٢١١).","vol":"6","page":304},{"text":"واحد منهما ولم يكن هنا ربا لا حقيقة، ولا لغة، ولا عرفا؛ فإن الربا: الزيادة، وهي منتفية ههنا، والذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: (إما أن تربي، وإما أن تقضي)، وبين قوله: (عجل لي، وأهب لك مائة)، فأين أحدهما من الآخر؟ فلا نص في تحريم ذلك، ولا إجماع، ولا قياس صحيح. اهـ\nقلتُ: والقول الثاني هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3140>مسألة [٦]: إذا تدلت أغصان شجرة على ملك الجار، كبيته، وحائطه، فتصالحا على تركها مع عوض معلوم</span>؟\n• ذهب بعض الحنابلة إلى أنَّ له أن يصالحه على عوض معلوم، منهم: ابن حامد، وابن عقيل، وسواء كان ذلك الغصن رطبًا، أو يابسًا؛ لأنَّ الجهالة في المصالح عنه لا تمنع الصحة لكونها، لا تمنع التسليم بخلاف العوض؛ فإنه يفتقر إلى العلم لوجوب تسليمه، والحاجة داعية إلى ذلك. قال ابن قدامة: وهو اللائق بمذهب أحمد.\n• وذهب بعض الحنابلة إلى عدم صحة الصلح، سواء كان رطبًا، أو يابسًا؛ لأنَّ الرطب يزيد ويتغير، واليابس ينقص، وربما ذهب كله، وهو قول أبي الخطاب.\n• وذهب بعض الحنابلة -منهم القاضي- إلى أنه إن كان يابسًا معتمدًا على نفس الجدار؛ صحت المصالحة عنه؛ لأنَّ الزيادة مأمونة فيه، ولا يصح الصلح على غير ذلك؛ لأنَّ الرطب يزيد في كل وقت، وما لا يعتمد على الجدار لا يصح\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢١) «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٧١) «الشرح الممتع» (٩/ ٢٣٣).","vol":"6","page":305},{"text":"الصلح عليه؛ لأنه تبع للهواء، وهذا مذهب الشافعي.\nقلتُ: والصواب هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3141>مسألة [٧]: إذا صالحه على إقرارها بجزء معلوم من ثمرها</span>؟\nسئل أحمد -﵀- عن ذلك؟ فقال: لا أدري. فاحتمل جماعة من الحنابلة صحة ذلك، ونقل عن مكحول ما يدل عليه.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٩ - ٢٠): وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ مَجْهُولٌ؛ فَإِنَّ الثَّمَرَةَ مَجْهُولَةٌ، وَجُزْؤُهَا مَجْهُولٌ، وَمِنْ شَرْطِ الصُّلْحِ الْعِلْمُ بِالْعِوَضِ، وَلِأَنَّ المُصَالَحَ عَلَيْهِ أَيْضًا مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ وَيَتَغَيَّرُ عَلَى مَا أَسْلَفْنَا.\nقال: وَوَجْهُ الْأَوَّل: أَنَّ هَذَا مِمَّا يَكْثُرُ فِي الْأَمْلَاكِ، وَتَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَفِي الْقَطْعِ إتْلَافٌ؛ فَجَازَ مَعَ الْجَهَالَةَ، كَالصُّلْحِ عَلَى مَجْرَى مِيَاهِ الْأَمْطَارِ، وَالصُّلْحِ عَلَى الْمَوَارِيثِ الدَّارِسَةِ، وَالْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ الَّتِي لَا سَبِيلَ إلَى عِلْمِهَا، وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّ الصُّلْحَ هَاهُنَا يَصِحُّ، بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُبِيحُ صَاحِبَهُ مَا بَذَلَ لَهُ، فَصَاحِبُ الْهَوَاءِ يُبِيحُ صَاحِبَ الشَّجَرَةِ إبْقَاءَهَا، وَيَمْتَنِعُ مِنْ قَطْعِهَا وَإِزَالَتِهَا، وَصَاحِبُ الشَّجَرَةَ يُبِيحُهُ مَا بَذَلَ لَهُ مِنْ ثَمَرَتهَا، وَلَا يَكُونُ هَذَا بِمَعْنَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ بِمَعْدُومٍ وَلَا مَجْهُولٍ، وَالثَّمَرَةُ فِي حَالِ الصُّلْحِ مَعْدُومَةٌ مَجْهُولَةٌ،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ١٩).","vol":"6","page":306},{"text":"وَلَا هُوَ لَازِمٌ، بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ عَمَّا بَذَلَهُ، وَالْعَوْدُ فِيمَا قَالَهُ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ إبَاحَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: اُسْكُنْ دَارِي، وَأَسْكُنُ دَارَك. مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ، وَلَا ذِكْرِ شُرُوطِ الْإِجَارَةِ، أَوْ قَوْلِهِ: أَبَحْتُك الْأَكْلَ مِنْ ثَمَرَةِ بُسْتَانِي، فَأَبِحْنِي الْأَكْلَ مِنْ ثَمَرَة بُسْتَانِك. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: دَعْنِي أُجْرِي فِي أَرْضِك مَاءً، وَلَك أَنْ تَسْقِيَ بِهِ مَا شِئْت، وَتَشْرَبَ مِنْهُ.\nوَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذَا مِثْلُهُ بَلْ أَوْلَى؛ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ كَثِيرًا، وَفِي إلْزَامِ الْقَطْعِ ضَرَرٌ كَبِيرٌ، وَإِتْلَافُ أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ، وَفِي التَّرْكِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَصِلُ إلَى صَاحِبِ الْهَوَاءِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَنَظَرٌ لِلْفَرِيقَيْنِ، وَهُوَ عَلَى وَفْقِ الْأُصُولِ؛ فَكَانَ أَوْلَى. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3142>مسألة [٨]: الصلح على المجهول</span>.\nوصورته مثلًا: أن يعلم رجلان أنَّ هذه الأرض ملك لهما، ولا يعلم كل واحد منهما نصيبه، فيتصالحا على أن تجعل الأرض بينهما نصفين.\n• فهذه الصورة تجوز عند الحنابلة إذا لم يمكن معرفة المجهول، ومنع من ذلك الشافعي؛ لأنَّ الصلح عنده يكون على تنازل عن بعض الحق، وهذا لم يعلم قدر حقه حتى يصالح عليه.\nوالصواب قول الحنابلة، وهو ترجيح الشوكاني -﵀- كما في «الدراري».\nتنبيه: إذا أمكن معرفة المجهول؛ فلا يجوز الصلح حتى يعلم، على مذهب","vol":"6","page":307},{"text":"الحنابلة أيضًا؛ لأنه ربما يصالح عليه ويظن أنَّ حقه قليلًا، ثم يرى نصيبه كثيرًا؛ فيحصل عدم الرضى، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3143>مسألة [٩]: إذا كان له عليه دين حال فصالحه على إسقاط بعضه وتأجيله</span>؟\n• قال بعض الحنابلة: لا يصح الإسقاط، ولا التأجيل؛ بناءً على ما تقدم من أنهم لا يرون الصلح إلا على الإنكار.\n• وقال بعض الحنابلة: يصح الإسقاط دون التأجيل؛ بناءً على ما تقدم في القرض من أن الحال لا يتأجل.\n• وقال بعض الحنابلة: يصح الإسقاط، والتأجيل. قال ابن القيم: وهو قولُ أهل المدينة، واختاره شيخنا -يعني شيخ الإسلام-.اهـ\nوهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٦/ ٢٢ - ٢٤).\n(^٢) انظر: «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٧٠) «الشرح الممتع» (٩/ ٢٣٢).","vol":"6","page":308},{"text":"٨٦٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُوهُرَيْرَةَ -﵁-: مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاللهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٨٦٤ - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3144>مسألة [١]: إذا أراد الجار أن يغرز خشبة في جدار جاره، فهل له أن يمنعه</span>؟\n• في هذه المسألة قولان:\nالقول الأول: ليس له منعه، وهو قول أحمد، وإسحاق، والشافعي في القديم،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٦٣)، ومسلم (١٦٠٩).\n(^٢) حسن. أخرجه ابن حبان (٥٩٧٨)، ولم يخرجه الحاكم. وقد أخرجه أيضًا البيهقي (٦/ ١٠٠)، وهو عند أحمد (٥/ ٤٢٥)، بنحوه، كلهم من طريق سهيل بن أبي صالح عن عبدالرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبي حميد به. وإسناده حسن؛ لأن سهيلًا حسن الحديث. وقد وجد خلاف لسهيل في الإسناد، ولكن قال ابن المديني: الحديث عندي حديث سهيل. أسنده عنه البيهقي في «الكبرى» (٦/ ١٠٠) وقال في «المعرفة» (٤/ ٤٨٥): أصح ما روي فيه حديث أبي حميد. اهـ\nوله شاهد من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه بلفظ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه»، أخرجه أحمد (٥/ ٧٢ - ٧٣)، والدارقطني (٣/ ٢٦)، والبيهقي (٦/ ١٠٠)، من طريق علي ابن زيد بن جدعان عن أبي حرة به. وإسناده ضعيف لضعف علي وشيخه. وللحديث شواهد على معناه دون لفظه في «الصحيحين» وغيرهما. فالحديث حسن على أقل أحواله، والله أعلم.","vol":"6","page":309},{"text":"والظاهرية، وأبي ثور، وبعض أهل الحديث، واستدلوا بحديث أبي هريرة الذي في الباب.\nالقول الثاني: له أن يمنعه من ذلك؛ لأنه ماله، واستدلوا بحديث أبي حميد الذي في الباب وغيره من النصوص المتكاثرة التي فيها أنه لا يحل مال المسلم إلا بطيب نفسه.\nوهذا قول مالك، والشافعي في الجديد، وأبي حنيفة، وعزاه بعضهم للجمهور، وحملوا حديث أبي هريرة -﵁- على أنَّ النهي على سبيل الكراهة لا التحريم؛ جمعًا بين الدليلين.\nوأجاب أصحاب القول الأول بأنه لا تعارض بين عام وخاص، بل الخاص يقضي على العام كما هو مقرر في علم الأصول، قالوا: وكيف يكون بينهما تعارض، والذي حرم مال المسلم بغير طيب نفس منه هو الذي نهاه أن يمنع جاره من غرز الخشب في جداره. قالوا: وليس هو أخذٌ لماله، إنما هو مجرد ارتفاق.\nقال البيهقي -﵀- في «المعرفة»: أما حديث الخشب في الجدار؛ فإنه حديث صحيح ثابتٌ لم نجد في سنن رسول الله - ﷺ - ما يعارضه، ولا تصح معارضته بالعمومات. انتهى المراد.\nورجَّح ذلك الصنعاني والشوكاني. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٥) «المحلى» (١٣٥٨) «التمهيد» (١٣/ ١٥٣ -) ط/مرتبة، «شرح مسلم» للنووي (١٦٠٩) «الفتح» (٢٤٦٣) «شرح العمدة» لابن الملقن (٧/ ٥٠٣ -) «المعرفة» (٩/ ٣٧).","vol":"6","page":310},{"text":"تنبيه: إذا كان يحصل على الجار ضرر من ذلك الخشب؛ فله منعه بغير خلافٍ. قاله ابن قدامة في «المغني» (٧/ ٣٥).\nتنبيه آخر: إذا كان للجار غُنية بأن يضعه على مكان آخر غير جدار جاره؛ فله منعه عند كثير من الحنابلة، أو أكثرهم، ووافقوا القائلين بأنَّ له المنع في هذه الصورة، وهو الأقرب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3145>مسألة [٢]: وضع الخشب على جدار المسجد</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٦): فَأَمَّا وَضْعُهُ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ، إذَا وُجِدَ الشَّرْطَانِ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ فِي مِلْكِ الْجَارِ، مَعَ أَنَّ حَقَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ، فَفِي حُقُوقِ الله تَعَالَى الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ أَوْلَى. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ. نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فِي حَقِّ الْكُلِّ، تُرِكَ فِي حَقِّ الْجَارِ لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ فِيهِ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ فِي غَيْرِهِ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو القول بالجواز، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3146>مسألة [٣]: إذا اختلف الجاران في حائط بينهما كل واحد يدعيه لنفسه</span>؟\nإن كان الحائط ملتصقًا بجدارهما معًا، أو كان منفصلًا عن جدراهما معًا، وليس لأحدهما بينة، تحالفا، ويجعل بينهما نصفين؛ لكون الحائط في أيديهما،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٥).","vol":"6","page":311},{"text":"وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وابن المنذر.\nقال ابن قدامة -﵀-: لا أعلم فيه مخالفًا.\nوإن حلف أحدهما ونكل الآخر؛ قُضي على الناكل، فكان الكل للآخر، وإن كان الحائط متصلًا ببناء أحدهما دون الآخر؛ فهو له مع يمينه، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وهو مذهب الحنابلة، وهو الصحيح، وخالف أبو ثور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3147>مسألة [٤]: إذا تنازع صاحب العلو والسفل في حوائط البيت وسقفه</span>؟\nإذا تنازعا في حوائط البيت السفلاني؛ فهي لصاحب السُّفل؛ لأنه المنتفع بها، وهي من جملة البيت؛ فكانت لصاحبه مع يمينه، وإن تنازعا في حوائط العلو؛ فهو لصاحب العلو؛ لذلك، وإن تنازعا السقف، تحالفا، وكان بينهما عند الحنابلة، والشافعية.\nوقال أبو حنيفة: هو لصاحب السفل؛ لأنَّ السقف على ملكه، وحُكي عن مالك، وهذا اختيار الشوكاني، وحُكي أيضًا عن مالك أنه لصاحب العلو؛ لأنه يجلس عليه، ويتصرف فيه، ولا يمكنه السُّكْنَى إلا به.\nوقول الحنابلة، والشافعية أقرب؛ لأنه متصل بملكيهما أشبه الحائط بين الملكين، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٠ - ٤١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٤٤) «السيل» (٣/ ٢٥٠).","vol":"6","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3148>مسألة [٥]: إذا انهدم الحائط المشترك فأراد أحدهما أن يبنيه فهل يلزم الآخر على بنائه معه</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجبر على ذلك كما يجبر على النقض إذا خيف سقوطه عليهما؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا ضرر ولا ضرار» (^١)، والشريكان يتضرران في ترك بنائه، وهذا قول مالك، وأحمد في رواية، والشافعي في القديم.\n• وذهب جماعة إلى أنه لا يجبر على ذلك؛ لأنه لا يجبر عليه لو كان ملكه لوحده، فكذلك إذا كان مشتركًا، وقد يكون في بنائه مضرة عليه من الغرامة، وإذهاب المال، وهذا قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، والظاهرية، والشافعي في الجديد، وقواه ابن قدامة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إنِ استغنى الثاني عن الجدار وتركه للأول؛ فلا يلزم بإعادة بنائه، ويعيده الأول، ويكون ملكًا له، وأما إن لم يستغن عنه؛ فالذي يظهر أنه يلزم بإعانة صاحبه عليه، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3149>مسألة [٦]: إذا انهدم السقف</span>؟\n• في المسألة قولان للشافعي، وأحمد كالقولين السابقين، والأظهر أنه يجبر؛ لوجود الضرر على صاحبه، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) سيأتي تخرجه في «البلوغ» رقم (٩١٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٤٥) «المحلى» (١٣٥٥).\n(^٣) انظر: «المغني» (٧/ ٤٨).","vol":"6","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3150>مسألة [٧]: إذا انهدمت حيطان البيت الأسفل، فهل يلزمه البناء إذا طلب صاحب العلو</span>؟\n• منهم من يلزمه بذلك، وهو قول مالك، وأبي ثور، وقولٌ للشافعي، وأحمد في رواية. ومنهم من قال: لا يجبر، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، وهو مقتضى قول الظاهرية، ورجحه الشوكاني في «السيل». (^١)\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إن كان الانهدام حصل بتفريط من صاحب السفل، أو بتعدي منه، وكان سبب الانهدام هو التعدي فقط؛ فيتحمل صاحب السفل الإصلاح كاملًا، وإن كان الانهدام حصل بالتعدي أو التفريط مع أسباب أخرى؛ فعليه أن يبني مع صاحب العلو، ويلزم بذلك؛ لأنَّ جداره كالقواعد للبيت الأعلى، وإن حصل بغير تفريط، ولا تعدي؛ لم يلزمه، والله أعلم.\nتنبيه: الذين قالوا: لا يجبر. يقولون: ليس له منع صاحبَ العلو إذا أراد أن يبنيه؛ فإن بناه صاحب العلو، فقال جماعة من أهل العلم: لا ينتفع بالحيطان التي بناها إذا كان بناها بآلة جديدة أعني صاحب السفل. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3151>مسألة [٨]: إذا طالب صاحب السفل بالبناء، وأبى صاحب العلو</span>؟\n• قال بعض أهل العلم: لا يجبر صاحب العلو على المساعدة، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنه ملكٌ لصاحب السفل مختصٌّ به.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٨) «المحلى» (١٣٥٥) «السيل» (٣/ ٢٤٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٤٨).","vol":"6","page":314},{"text":"• وقال أحمد في رواية، وبعض الحنابلة: يجبر على مساعدته والبناء معه؛ لأن صاحب العلو ينتفع به؛ فوجب عليه مساعدته. وهذا هو الصحيح إنْ كان الانهدام حصل بغير تعدي من صاحب السفل، أما إن كان بتعديه فليس عليه مساعدته. (^١)\nفائدة: حديث أبي هريرة -﵁- في «صحيح مسلم» (١٦١٣) مرفوعًا: «إذا اختلفتم في الطريق جُعِل عرضه سبعة أذرع»، وأخرجه البخاري (٢٤٧٣)، عن أبي هريرة -﵁-، قال: قضى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا تشاجروا في الطريق الميتاء بسبعة أذرع. والميتاء: هي التي يكثر فيها إتيان الناس ومرورهم.\nقال النووي -﵀- في شرح الحديث: وَأَمَّا قَدْر الطَّرِيق؛ فَإِنْ جَعَلَ الرَّجُل بَعْض أَرْضه الْمَمْلُوك طَرِيقًا مُسَبَّلَة لِلْمَارِّينَ، فَقَدْرهَا إِلَى خِيرَته، وَالْأَفْضَل تَوْسِيعهَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَة مُرَادَة الْحَدِيث، وَإِنْ كَانَ الطَّرِيق بَيْن أَرْض لِقَوْمٍ وَأَرَادُوا إِحْيَاءَهَا؛ فَإِنْ اِتَّفَقُوا عَلَى شَيْء؛ فَذَاكَ، وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي قَدْره؛ جُعِلَ سَبْع أَذْرُع، وَهَذَا مُرَاد الْحَدِيث، أَمَّا إِذَا وَجَدْنَا طَرِيقًا مَسْلُوكًا، وَهُوَ أَكْثَر مِنْ سَبْعَة أَذْرُع؛ فَلَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَوْلِي عَلَى شَيْء مِنْهُ، وَإِنْ قَلَّ، لَكِنْ لَهُ عِمَارَة مَا حَوَالَيْهِ مِنْ الْمَوَات. انتهى. (^٢)\n_________\n(^١) «المغني» (٧/ ٤٨).\n(^٢) وانظر بقية كلامه (١١/ ٥٠).","vol":"6","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3152>بَابُ الحَوَالَةِ وَالضَّمَانِ</span>\n٨٦٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: «فَلْيَحْتَلْ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3153>مسألة [١]: تعريف الحوالة</span>.\nالحوالة: مشتقة من التحويل، وهو الانتقال، وهي عند الفقهاء: تحويل دين من ذمة إلى أخرى.\n• واختلفوا: هل هي بيع دين بدين، واستثني من التحريم أم ليس ببيع؟\nورجَّح ابن قدامة -﵀- أنها ليست بيعًا، بل هي عقد إرفاق منفرد بنفسه؛ لأنها لو كانت بيعًا؛ لما جاز ذلك في الأموال؛ لعدم التقابض، وهو ظاهر اختيار ابن القيم، وشيخ الإسلام. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3154>مسألة [٢]: هل يُشترط في صحتها رضى الْمُحيل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٥٦): ويشترط في صحتها رضى المحيل بلا خلاف. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤).\n(^٢) أخرجها أحمد (٢/ ٤٦٣)، وإسناده صحيح.\n(^٣) انظر: «المغني» (٧/ ٥٦) «أعلام الموقعين» (١/ ٣٨٩ -) «بداية المجتهد» (٤/ ١٠١).","vol":"6","page":316},{"text":"وقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٢٨٧): ويشترط في صحتها رضى المحيل بلا خلاف. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: كذا ذكر ابن قدامة عدم الخلاف في المسألة، وتبعه على ذلك الحافظ ابن حجر، والواقع وجود الخلاف؛ فقد خالف جماعة من الحنفية:\nففي «شرح فتح القدير» (٧/ ٢٤٠): وأما المحيل؛ فالحوالة تصح بلا رضاه. ذكره في الزيادات؛ لأن التزام الدين من المحتال عليه تصرف في حق نفسه، وهو أي: المحيل لا يتضرر به، بل فيه نفعه عاجلا باندفاع المطالبة عنه في الحال، وآجلا بعدم الرجوع عليه.\nثم قال: ونقلُ ابن قدامة أن رضا المحيل لا خلاف فيه ليس بصحيح. اهـ\nقلتُ: والقول بعدم اعتبار رضاه قول قوي؛ لأنه يجب عليه أداء الحق، وقد حل الأجل؛ فوجب عليه أداء الحق الذي عليه، فللقاضي إلزامه بذلك، وبالله التوفيق.\nوذكر الإمام ابن عثيمين -﵀- صورة، وهي: أن يكون الذي عليه الحق فقيرًا، وله مال في ذمة غني، قال: لو رأى القاضي أنَّ إحالته لابد منها؛ فله ذلك. ثم قال: فالقول بأنه في هذه الحالة لا يعتبر رضاه، وأنه يجبر على الإحالة قولٌ قويٌّ؛ لئلا","vol":"6","page":317},{"text":"يضيع حق صاحب الدين. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3155>مسألة [٣]: هل يشترط في صحتها رضى المحتال والمحال عليه</span>؟\nأما المحال عليه فلا يعتبر رضاه عند أكثر أهل العلم، خلافًا لأبي حنيفة، والاصطخري من الشافعية؛ لأنه عليه حق وجب عليه أداؤه، سواء استوفاه صاحب الحق، أو وكيله، وهو المحتال.\n• وأما المحتال فقد اختلف أهل العلم: هل يشترط رضاه بذلك، أم لا؟\n• فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يلزم بالحوالة، ولا يشترط رضاه إذا أحيل على مليء، وهو قول أكثر الحنابلة، وأبي ثور، وابن جرير الطبري، والظاهرية، واستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب.\n• وذهب جمهور العلماء، ومنهم: مالك، والشافعي إلى اعتبار رضى المحتال؛ لأنَّ ماله في ذمة فلان، وتحويله ونقله تصرف فيه؛ فلا يجوز إلا بإذنه كما لا يجوز للمحيل أن يحول الدين إلى عين بغير رضاه، فكذلك تحويله إلى ذمة أخرى بغير رضاه، ورجح هذا القول الشوكاني، ثم الإمام ابن عثيمين.\nوأجاب الجمهور عن حديث أبي هريرة «وإذا أُحيل أحدكم على مليء فليتبع» بأن الأمر فيه للندب.\nوأحسن منه ما قاله الشوكاني -﵀- في «السيل» (٤/ ٢٤١): وهكذا لابد من\n_________\n(^١) «الشرح الممتع» (٩/ ٢١٧ - ٢١٨).","vol":"6","page":318},{"text":"قبول المحال للحوالة؛ لأنها نقل ما هو له من ذمة إلى ذمة، فلا ينتقل عن الذمة الأولى إلى الذمة الأخرى إلا باختياره، ولكنه يأثم إذا أُحيل على مليء فلم يقبل؛ لأنه خالف الأمر النبوي. اهـ\nقلتُ: وما قاله الشوكاني -﵀- هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3156>مسألة [٤]: هل يشترط تماثل الحقين الذي عند المحيل والمحال عليه</span>؟\nاشترط أهل العلم في صحة الحوالة تماثل الحقين في الجنس، والصفة، والقدر، والوقت، من حيث الحلول والأجل؛ لأنه إذا اختلفت الأجناس، والصفات، والقدر؛ صار بيعًا وليس بحوالة، فاعتبر فيه شروط البيع وأحكامه.\nلكن قال ابن قدامة -﵀-: إذا تراضيا بأن يدفع المحال عليه خيرًا من حقه، أو رضي المحتال بدون الصفة، أو رضي من عليه المؤجل بتعجيله، أو رضي من له الحال بإنظاره؛ جاز؛ لأنَّ ذلك يجوز في القرض، ففي الحوالة أولى. انتهى المراد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3157>مسألة [٥]: هل يشترط أن يكون المال معلومًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٥٩): ويشترط أن تكون بمال معلومٍ؛ لأنها إن كانت بيعًا فلا تصح في مجهول، وإن كانت تحول الحق؛ فيعتبر فيها\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ٦٣) «الفتح» (٢٢٨٧) «السيل» (٤/ ٢٤١) «الشرح الممتع» (٩/ ٢٢٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٥٦ - ٥٧) «الفتح» (٢٢٨٧) «بداية المجتهد» (٤/ ١٠١) «الشرح الممتع» (٩/ ٢١٣ - ٢١٥).","vol":"6","page":319},{"text":"التسليم، والجهالة تمنع. اهـ\nقلتُ: وعليه فيتصالحان على قدر معلوم، ثم يحيله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3158>مسألة [٦]: هل يشترط أن يحيله على دين مستقر</span>؟\nاشترط أهل العلم ذلك، وقالوا: لا يحيله على دين ليس بمستقر، كالسيد يحيل على دين عبده المكاتب، أو المرأة تحيل على زوجها بصداقها قبل الدخول، أو البائع يحيل على المشتري بثمن السلعة في مدة الخيار. «المغني» (٧/ ٥٧).\nلكن قال الشوكاني -﵀- في «السيل الجرار» (٤/ ٢٤٢): لا أدري لهذا الاشتراط وجهًا؛ لأنَّ من عليه الدين إذا أحال على رجل يمتثل حوالته ويسلم ما أحال به؛ كان ذلك هو المطلوب؛ لأن به يحصل الوفاء بدين المحال، ولو لم يكن في ذمة المحال عليه شيء من الدين. اهـ\nقلتُ: اعتبر الشوكاني المعنى اللغوي، وأخذ بعموم الحديث، والذي عليه عامة الفقهاء أن المقصود بالحوالة هو تحويل الدين من ذمة إلى أخرى؛ لكون الذمة الأخرى عليها الحق للذمة الأولى، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3159>مسألة [٧]: إذا أحال الرجل شخصًا ليس له عليه حق إلى من له عليه حق، وكذا العكس</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٥٨): وَإِنْ أَحَالَ مَنْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ رَجُلًا عَلَى آخَرَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَوَالَةٍ، بَلْ هِيَ وَكَالَةٌ تَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُهَا؛","vol":"6","page":320},{"text":"لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ تَحَوُّلِ الْحَقِّ وَانْتِقَالِهِ، وَلَا حَقَّ هَاهُنَا يَنْتَقِلُ وَيَتَحَوَّلُ.\nقال: وَإِنْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ؛ فَلَيْسَتْ حَوَالَةً أَيْضًا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ، وَلَا الْمُحْتَالُ قَبُولُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مُعَاوَضَةٌ، وَلَا مُعَاوَضَةَ هَاهُنَا، وَإِنَّمَا هُوَ اقْتِرَاضٌ.\nقال: وَإِنْ أَحَالَ مَنْ لَا دَيْنٍ عَلَيْهِ؛ فَهِيَ وَكَالَةٌ فِي اقْتِرَاضٍ، وَلَيْسَتْ حَوَالَةً؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِدَيْنٍ عَلَى دَيْنٍ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3160>مسألة [٨]: إذا اجتمعت شروط الحوالة، فهل تبرأ ذمة المحيل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٦٠): فَإِذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُ الْحَوَالَةِ وَصَحَّتْ؛ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيلِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْحَوَالَةَ بَرَاءَةً إلَّا أَنْ يُبْرِئَهُ. وَعَنْ زُفَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَنْقُلُ الْحَقَّ. وَأَجْرَاهَا مَجْرَى الضَّمَانِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ تَحْوِيلِ الْحَقِّ، بِخِلَافِ الضَّمَانِ؛ فَإِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ ضَمِّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ. فَعُلِّقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مُقْتَضَاهُ، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3161>مسألة [٩]: إذا رضي المحتال بالإحالة ولم يشترط اليسار، فهل له الرجوع إلى المحيل</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال لأهل العلم:\nالأول: ليس له الرجوع إلى المحيل أبدًا، وهو قول الليث، والشافعي، وأبي","vol":"6","page":321},{"text":"عبيد، وأحمد في رواية، وابن المنذر، وعزاه بعضهم للجمهور، وذلك لأنَّ المحتال قد أسقط حقه من المحيل حين قبل الحوالة، فأشبه الإبراء.\nالثاني: له الرجوع إلى المحيل مطلقًا، وهو منقول عن الحسن، وشريح، وزفر، وشبهوه بالضمانة والكفالة.\nالثالث: له الرجوع إذا أفلس، أو أعسر، وهو قول شريح، والشعبي، والنخعي، وأبي حنيفة وصاحبيه، وزاد أبو حنيفة: إذا جحده وحلف عند الحاكم. وزاد صاحباه: إذا حجر عليه لفلس.\nالرابع: له الرجوع إذا مات، وهو قول الثوري.\nالخامس: ليس له الرجوع؛ إلا أن يكون المحال عليه ليس مليئًا وقت الإحالة، ولم يعلم المحتال بذلك؛ فله الرجوع إذا كان الأمر كذلك؛ لأنه يكون قد غرَّه بذلك، ومعنى المليء: القادر على الوفاء بماله؛ فيكون واجدًا، وبقوله؛ فيكون صادقًا لا يماطل، وبفعله بأداء الدين. وهذا القول رواية عن أحمد، وهو اختيار جماعة من أصحابه، وقال به مالك، وهو ظاهر تبويب البخاري؛ فإنه قال: [باب الحوالة، وهل يرجع في الحوالة؟ وقال الحسن، وقتادة: إذاكان يوم أحال عليه مليًّا جاز].\nوهذا القول هو ظاهر اختيار الشوكاني في «السيل»، وهو أقرب الأقوال فيما يظهر، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢٢٨٧) «السيل» (٤/ ٢٤٢) «المغني» (٧/ ٦٠)، «الأوسط» (١٠/ ٦٠٦).","vol":"6","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3162>مسألة [١٠]: إذا اشترط المحال أن يكون المحال عليه مليئًا فهل يصح شرطه، وهل له الرجوع إذا بان معسرًا</span>؟\n• الأكثر على أنَّ الشرط صحيح، وله الرجوع عليه إذا بان معسرًا؛ لأنه شرط لا ينافي مقتضى الحوالة، بل إنَّ الاحتيال لا يجب عليه إلا إذا كان مليئًا، فاشتراطه ذلك من حقه.\n• وقال بعض الشافعية: لا يرجع؛ لأنَّ الحوالة لا ترد بالإعسار إذا لم تشترط الملاءة، فلا ترد به وإن شرط. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3163>مسألة [١١]: إذا أحال المحال عليه إلى إنسان آخر فهل يصح ذلك</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٦٣): إذا أحال رجلًا على زيد بألف، فأحاله زيدٌ بها على عمرو؛ فالحوالة صحيحة؛ لأنَّ حق الثاني ثابتٌ مستقرٌّ في الذمة، فصحَّ أن يحيل به كالأول، وتكرر المحتال والمحيل لا يضر. انتهى باختصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3164>مسألة [١٢]: إذا أذن رجل لآخر أن يأخذ دينه من فلان، ثم اختلفا هل هي وكالة، أم حوالة</span>؟\nذكر أهل العلم أن القول قول مُدَّعِي الوكالة مع يمينه؛ لأنه يدعي بقاء الحق على ما كان، وينكر انتقاله، والأصل معه؛ فإنْ كان لأحدهما بَيِّنَة حُكِمَ بها. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٦٢) «أعلام الموقعين» (٤/ ٣٨ - ٣٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٦٥).","vol":"6","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3165>مسألة [١٣]: إذا قال: أحلتك بالمال الذي عند زيد، ثم اختلفا</span>؟\n• للحنابلة وجهان: فمنهم من قال: القول قول مدعي الحوالة؛ لأنَّ ظاهر اللفظ معه. ومنهم من قال: القول قول المحيل؛ لأنَّ الأصل بقاء حق المحيل على المحال عليه، والمحتال يدعي نقله، والمحيل ينكر، والقول قول المنكر.\nقلتُ: يظهر أنه إن كان اللفظ المذكور يفيد الحوالة عرفًا؛ فالقول قول مدعي الحوالة، وإن لم يكن كذلك؛ فالقول قول من يدعي الوكالة مع يمينه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3166>مسألة [١٤]: إذا قال: أحلتك بدينك</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٦٧): وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمُحِيلَ قَالَ: أَحَلْتُك بِدَيْنِك. ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هِيَ حَوَالَةٌ بِلَفْظِهَا. وَقَالَ الْآخَرُ: هِيَ وَكَالَةٌ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِدَيْنِهِ لَا تَحْتَمِلُ الْوَكَالَةَ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ مُدَّعِيهَا. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٦٥ - ٦٦).","vol":"6","page":324},{"text":"٨٦٦ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَّا، فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْنَا تُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَخَطَا خُطًى، ثُمَّ قَالَ: «أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟» فَقُلْنَا: دِينَارَانِ، فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ، فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «حَقُّ الغَرِيمِ، وَبَرِئَ مِنْهُمَا المَيِّتُ؟» قَالَ: نَعَمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. (^١)\n\n٨٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟»؛ فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الفُتُوحَ قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n_________\n(^١) صحيح بشواهده دون بعض الألفاظ. أخرجه باللفظ المذكور أحمد (٣/ ٣٣٠)، وهو عند الحاكم (٢/ ٥٨)، بنحوه من طريق عبدالله بن محمد بن عقيل عن جابر -﵁- به. وأما اللفظ عند غيرهما فمغاير للفظ المذكور فقد أخرجه أبوداود (٣٣٤٣)، والنسائي (٤/ ٦٥ - ٦٦)، وابن حبان (٣٠٦٤)، وهو عند أحمد (٣/ ٢٩٦)، من طريق معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر. فذكره بنحو حديث أبي هريرة الذي سيأتي، وفيه زيادة ذكر (ضمان أبي قتادة). وإسناده ظاهره الصحة، ولكن قد رواه غير واحد عن الزهري فجعلوه عن أبي سلمة عن أبي هريرة بدون ذكر الزيادة في (ضمان أبي قتادة) وهذا أقرب أن يكونه محفوظًا، وسيأتي حديث أبي هريرة إن شاء الله.\n\nوالحاصل: أن حديث جابر باللفظ الذي ذكره الحافظ في إسناده ابن عقيل وفيه ضعف، ولكن الحديث صحيح، فقد صح من حديث أبي قتادة نفسه، أخرجه أحمد (٥/ ٢٩٧)، والنسائي (٤/ ٦٥)، وإسناده صحيح وهو في «الصحيح المسند» (٢٧٦) وله شاهد من حديث سلمة بن الأكوع في «صحيح البخاري» (٢٢٨٩) وليس في هذين الشاهدين قوله (حق الغريم وبرئ منهما الميت) وقوله: (الآن بردت عليه جلدته) فهي مما تفرد بها ابن عقيل، وهو مختلف فيه والراجح ضعفه، والله أعلم.","vol":"6","page":325},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً». (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3167>مسألة [١]: تعريف الضمان</span>.\nالضمان: مأخوذ من التضمن، وهو أن يجعل الضامن ذمته تتضمن الدين الذي على المضمون عنه، فتشترك الذمتان في الدين المذكور، والتزامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3168>مسألة [٢]: مشروعية الضمان</span>.\nدلَّ على مشروعيته الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢].\nوأما من السنة: فحديث جابر، وحديث أبي هريرة -﵄- اللذان في الباب، وجاء من حديث أبي أمامة -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غريم» أخرجه أبو داود (٣٥٦٥)، والترمذي (١٢٦٥) بإسناد حسن.\nوأما الإجماع: فقد نُقِل الإجماع على مشروعية الضمان في الجملة. (^٢)\nتنبيه: ينعقد الضمان بكل ما يدل عليه، كقوله: (ضمين، كفيل، قبيل، حميل، زعيم، صبير، أنا أؤدي، أو أحضر، أو أعطيك، وما أشبهه)، وقد قرر ذلك شيخ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٩٨) (٦٧٣١)، ومسلم (١٦١٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٧١).","vol":"6","page":326},{"text":"الإسلام وغيره. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3169>مسألة [٣]: هل يُشترط في الضمان رضى الضامن والمضمون عنه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٧٢): وَلَا بُدَّ فِي الضَّمَان مِنْ ضَامِن، ومضمون عَنْهُ، ومضمون لَهُ. وَلَا بد مِنْ رِضَى الضَّامِن؛ فَإِن أُكْرِهَ عَلَى الضَّمَانِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قُضِيَ الدَّيْنُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَرِضَاهُ صَحَّ، فَكَذَلِكَ إذَا ضَمِنَ عَنْهُ. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3170>مسألة [٤]: هل يشترط رضى المضمون له</span>؟\n• مذهب الحنابلة وبعض الشافعية أنه لا يُشترط رضاه، ولا يعتبر؛ لحديث أبي قتادة -﵁- في ضمانه عن الميت، وليس فيه استرضاء صاحب الدين، ولم ينكر ذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو ظاهر اختيار الشيخ ابن عثيمين.\n• ومذهب الحنفية، ومحمد بن الحسن، وبعض الشافعية أنه يشترط رضاه ويعتبر.\nويظهر لي -والله أعلم- أنَّ الضمان إن كان قاصدًا به أعني الضامن نقل الحق إلى نفسه، والتبرع به؛ فلا يشترط رضاه؛ لحديث أبي قتادة المذكور، وإن كان أراد التوثقة فقط؛ فيُشترط رضى المضمون له، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٥/ ١٧٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٧٢) «المحلى» (١٢٣٠) «تكملة المجموع» (١٤/ ٣٨٢) «الشرح الممتع» (٩/ ١٩١ - ١٩٢).","vol":"6","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3171>مسألة [٥]: هل يصح ضمان المجهول</span>؟\n• مذهب الحنابلة، وأبي حنيفة، ومالك صحة ضمان المجهول، كأن يقول: أنا ضامن لمالك عند فلان. وهو لا يدري كم عند فلان له.\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، ولأنه ليس عقد معاوضة؛ فيشترط فيه علم المقدار، بل هو عقد ارتفاق وتبرع، فاغتفر فيه الجهالة، وهو ظاهر اختيار ابن القيم، ورجحه الشيخ ابن عثيمين.\n• ومذهب الثوري، والليث، وابن أبي ليلى، والشافعي، وابن المنذر، وابن حزم عدم صحة ذلك؛ لأنه التزام مال؛ فلا يصح مجهولًا كالبيع.\nوأُجيب عن ذلك: بالتفريق بين البيع الذي يقصد به المعاوضة، وبين الضمان الذي يقصد به الرفق والتبرع، والله أعلم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3172>مسألة [٦]: ضمان ما لم يجب</span>.\nصورته: أن يقول: ما سيأخذه منك فلان أنا ضامن له. والخلاف فيه كالخلاف في المسألة السابقة، والراجح هو الجواز؛ لما تقدم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٧٣)، «المحلى» (١٢٣٢)، «إغاثة اللهفان» (٢/ ٣٢ - ٣٣)، «الأوسط» (١٠/ ٦٠٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٧٣) «المحلى» (١٢٣٣) «أعلام الموقعين» (٣/ ٤٧٢).","vol":"6","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3173>مسألة [٧]: الضمان عن الميت</span>.\n• جمهور العلماء على مشروعية الضمان على الميت، سواء ترك تركة أم لم يترك، واستدلوا بحديثي الباب.\n• ومذهب أبي حنيفة أنه لا يضمن على الميت؛ لأنَّ ذمته قد خربت إلا أن يترك مالًا، فله أن يضمن عنه.\nوالصواب قول الجمهور؛ لأنَّ أحاديث الباب نصٌّ في محل النزاع، ولا سبيل إلى ردها وتأويلها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3174>مسألة [٨]: الدين الذي لا يؤول إلى اللزوم، هل يضمن فيه</span>؟\nومثال ذلك: دين المكاتب.\n• ومذهب الجمهور أنه لا يضمن فيه؛ لأنه قد يعجز المكاتب، فلا يجب عليه الدين، فكيف على الضامن ذلك؟\n• وذهب أحمد في رواية إلى صحة الضمان فيه كسائر الديون.\nقلتُ: والقول الثاني أقرب فيما يظهر؛ لأنَّ كونه قد لا يؤول إلى اللزوم لا يمنع جواز أخذ الضمين عليه، فإذا عجز المكاتب ورجع عبدًا؛ زال الضمان، وإن استمر؛ فالضمان باقٍ، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٧٤) «أعلام الموقعين» (٢/ ٤٦٠ - ٤٦٢) «الفتح» (٢٢٨٩).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٧/ ٧٥ - ٧٦).","vol":"6","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3175>مسألة [٩]: الضمان على عين مضمونة كالمغصوب، والمقبوض ببيع فاسد</span>؟\nصورتها: أن أجد إنسانًا قد غصبني، أو سرق مني متاعًا، فآخذه؛ لأرفعه إلى القاضي، فيقول إنسان آخر: دعه وأنا أضمن لك أن يعطيك متاعك إلى يومين.\n• فأجاز الضمان في ذلك أحمد، وأبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه؛ لأن العين أصبحت في ذمته، فأشبهت الدين الذي في الذمة، ولأنَّ المعنى واحد، وهو أخذ وثيقة على رد الحق.\n• والقول الثاني للشافعي عدم صحة ذلك؛ لأنَّ الأعيان غير ثابتة في الذمة، وإنما يضمن ما ثبت في الذمة.\nوأُجيب عن ذلك: بأنَّ الضمان في الحقيقة إنما هو ضمان استنقاذها وردها، والتزام تحصيلها، أو قيمتها عند تلفها، وهذا مما يصح ضمانه، ولأنَّ العين أصبحت في حكم المضمون في الذمة كما تقدم.\nقلتُ: والقول الأول هو الصواب، ورجحه ابن القيم -﵀- كما في «أعلام الموقعين» (٣/ ٤١١)، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين -﵀-، والقائلون بالضمان يقصدون بضمانها أنَّ عليه القيمة إذا لم يرد العين المضمونة، والله أعلم. (^١)\nفائدة: الأمانات، والودائع، والعين المؤجرة يصح أخذ الضمين عليها إن تعدى عليها من هي عنده، ولا يصح أخذ الضمان عليها بغير تعدي؛ لأنها في هذه\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٧٦).","vol":"6","page":330},{"text":"الحالة غير مضمونة. «المغني» (٧/ ٧٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3176>مسألة [١٠]: الضمان من إنسان جائز التصرف</span>.\nفلا يقبل الضمان من المجنون، والصبي الذي لا يميز بلا خلاف.\n• وكذلك لا يقبل من الصبي المميز بدون إذن وليه عند الأكثر، وهو الصواب، وكذلك لا يقبل ضمان المحجور عليه لسفهٍ عند الأكثر أيضًا، وهو الصحيح.\n• وأما المحجور عليه لفلسٍ؛ فيقبل ضمانه عند أهل العلم؛ لأن الحجر إنما هو على ماله دون ذمته، وأما العبد فالجمهور على أنه لا يصح إلا بإذن سيده، وهو الصحيح، وأجاز بعض الشافعية، والحنابلة، وابن حزم ضمانه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3177>مسألة [١١]: هل يسقط الدين عن المضمون عنه</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الدين يسقط عن المضمون عنه، ويصبح في ذمة الضامن فقط، وجعلوه كالحوالة.\nواستدلوا بحديث أبي قتادة الذي في الباب، وهذا قول ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبي ثور، والظاهرية.\n• وذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الدين لا يسقط من ذمة المضمون عنه؛ إلا أن يتبرع الضامن بأداء الدين الذي على المضمون عنه.\nوحملوا حديث أبي قتادة على ذلك، وهذا قول أحمد، ومالك، والشافعي،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٧٩ - ٨٠) «المحلى» (١٢٣١) «تكملة المجموع» (١٤/ ٣٧٣).","vol":"6","page":331},{"text":"وإسحاق، والأوزاعي، والثوري، والحنفية وغيرهم، وذلك لأنَّ الضمان ليس خاصًّا بمن ضمن ضمان تبرع، بل قد يقصد الضامن بضمانه الاستيثاق فقط، وهذا هو الغالب.\nوهذا القول هو الصواب، والله أعلم.\n• وذهب أكثر الجمهور إلى أنَّ صاحب الدين له مطالبة الضامن والمضمون عنه بدينه؛ لأنَّ الدين قد تعلق بذمتهما.\n• وذهب مالك في قوله الأخير إلى أن صاحب الدين يطالب المضمون عنه؛ إلا أن يعجز عنه؛ لمماطلة، أو سفر، أو ما أشبهه، فيرجع على الضامن، واختار هذا القول السعدي، والشيخ ابن عثيمين، وقال: عليه عمل الناس اليوم.\nقلتُ: هذا الذي ينبغي أن يكون عليه العمل، ولكن يظهر أن قول الجمهور هو الصواب، وهو أنَّ له مطالبة الاثنين؛ إلا أن يشترط الضامن عند ضمانه أن لا يطالبه بالدين إلا في حالة العجز، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3178>مسألة [١٢]: هل يرجع الضامن إذا أدَّى الدين على المضمون عنه</span>؟\n• مذهب ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبي ثور، والظاهرية أنه ليس له الرجوع عليه؛ لأنهم يرون أن الدين يسقط بالضمان كما تقدم في المسألة السابقة، واستثنوا ما إذا طلب المضمون عنه من الضامن الضمان على جهة الاستقراض.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٨٤) «المحلى» (١٢٣٠).","vol":"6","page":332},{"text":"• ومذهب الجمهور أنَّ للضامن الرجوع على المضمون عنه في الجملة، ولها صورٌ:\nالأولى: أن يضمن بأمره، ويؤدي بأمره.\n• فله الرجوع عند أكثرهم، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي يوسف، وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: إن قال: اضمن عني، أو انقد عني. فله الرجوع، وإن قال: أعطه مالًا. فليس له الرجوع؛ إلا أن يكون بينهما مخالطة، وعرف في ذلك. والصحيح قول الجمهور.\nالثانية: أن يضمن بأمره، ويقضي بغير أمره.\n• فمذهب أحمد، ومالك، والشافعي في أحد الوجوه عنه أنَّ له الرجوع؛ لأنه أذن له في الضمان، فتضمن ذلك الإذن له في الأداء.\n• وللشافعي وجهٌ أنه لا يرجع؛ لأنه دفع بغير أمره؛ أشبه المتبرع. وله وجه آخر: أنه إن تعذر الرجوع على المضمون عنه، فدفع ما عليه؛ رجع، وإلا فلا؛ لأنه تبرع في الدفع. والصحيح قول الجمهور.\nالثالثة: أن يضمن بغير أمره، ويقضي بأمره.\n• فله الرجوع عند أحمد، ومالك، وإسحاق وغيرهم، وهو الصحيح، وظاهر مذهب الشافعي أنه لا يرجع؛ لأنَّ أمره بالقضاء انصرف إلى ما وجب بضمانه.\nوأُجيب: بأنه أدى دينه بأمره، فرجع عليه، كما لو لم يكن ضامنًا، أو كما لو","vol":"6","page":333},{"text":"ضمن بأمره.\nالرابعة: أن يضمن، ويقضي بغير أمره.\n• فمذهب أحمد، ومالك، وإسحاق، وعبيد الله بن الحسن وغيرهم أنَّ له الرجوع؛ لأنه قضاءٌ مبرئٌ من دين واجب؛ فكان من ضمان من هو عليه.\n• ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة، واختاره ابن المنذر أنَّ الضامن ليس له الرجوع، واستدلوا بحديث أبي قتادة.\nوأُجيب: بأنَّ أبا قتادة يظهر من سياق القصة أنه كان متبرعًا، وليس الخلاف في المتبرع، وإنما الخلاف فيمن ضمن وهو محتسب بالرجوع.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب في الحالات كلها أنَّ له الرجوع، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين.\nتنبيه: الخلاف المذكور في حالة عدم تبرعه بالقضاء، وأما إن ضمن وقضى متبرعًا؛ فلا إشكال في أنه ليس له الرجوع؛ لأنه تطوع بذلك، فهو كالصدقة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3179>مسألة [١٣]: إذا اشترط الضامن أن يأخذ المضمونُ له بحقه المضمونَ عنه، أو يأخذ المليَّ منهما دون المعسر، أو الحاضر دون الغائب</span>؟\n• مذهب الجمهور جواز وصحة هذه الشروط؛ لأنها لا تنافي مقتضى العقد عندهم، وأما القائلون بسقوط الدين عن المضمون عنه بالضمان؛ فلا يجيزون\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٨٩ - ٩٠) «المحلى» (١٢٣٠).","vol":"6","page":334},{"text":"هذه الشروط كالظاهرية، وابن شبرمة؛ لأنها عندهم تنافي مقتضى الضمان، وهو شرط باطل ليس في كتاب الله.\nقلتُ: والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3180>مسألة [١٤]: إذا ضمن ضامن دَيْنًا حالًا ضمانًا مؤجلًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٨٢): إذَا ضَمِنَ الدَّيْنَ الْحَالَ مُؤَجَّلًا؛ صَحَّ، وَيَكُونُ حَالًّا عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، مُؤَجَّلًا عَلَى الضَّامِنِ، يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ دُونَ الضَّامِنِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3181>مسألة [١٥]: إذا ضمن ضامن دينا مؤجلا عن إنسان، ثم مات أحدهما</span>؟\n• في هذه المسألة خلاف مبني على المسألة المتقدمة في باب التفليس (هل يحل الدين بالموت؟).\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٨٣ - ٨٤): فَإِنْ قُلْنَا: يَحِلُّ عَلَى الْمَيِّتِ؛ لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَحِلُّ عَلَى شَخْصٍ بِمَوْتِ غَيْرِهِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ مُطَالَبَةَ الضَّامِنِ قَبْلَ الْأَجَلِ؛ فَإِنْ قَضَاهُ قَبْلَ الْأَجَلِ؛ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِتَعْجِيلِ الْقَضَاءِ.\nقال: وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ الضَّامِنَ، فَاسْتَوْفَى الْغَرِيمُ الدَّيْنَ مِنْ تَرِكَتِهِ؛ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ حَتَّى يَحِلَّ الْحَقُّ؛ لِأَنَّهُ مُؤَجَّلٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٢٣٤).","vol":"6","page":335},{"text":"مُطَالَبَتَهُ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3182>مسألة [١٦]: إذا أبرأ صاحب الدين الضامن، أو المضمون عنه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٨٧): وَإِنْ أَبْرَأَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْمَضْمُونَ عَنْهُ؛ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الضَّامِنِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ، وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ، فَإِذَا بَرِئَ الْأَصْلُ؛ زَالَتْ الْوَثِيقَةُ، كَالرَّهْنِ.\nقال: وَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ؛ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ، فَلَا يَبْرَأُ بِإِبْرَاءِ التَّبَعِ، وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ انْحَلَّتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا؛ فَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْأَصِيلِ، كَالرَّهْنِ إذَا انْفَسَخَ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَائِهِ. اهـ\nقلتُ: ما ذكره ابن قدامة هو الراجح، ولكن قوله: (لا نعلم فيه خلافًا) إن كان أراد به عند من لا يقول بسقوط الدين عن المضمون عنه؛ فمسلم، وأما على قول من قال بسقوط الدين؛ فمقتضاه أنهم يخالفون في هذه المسألة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3183>مسألة [١٧]: هل يدخل في الضمان والكفالة خيارٌ</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٩٥ - ٩٦): وَلَا يَدْخُلُ الضَّمَانَ وَالْكَفَالَةَ خِيَارٌ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ جُعِلَ لِيُعْرَفَ مَا فِيهِ الْحَظُّ، وَالضَّمِينُ وَالْكَفِيلُ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُمَا، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ؛ فَلَمْ يَدْخُلْهُ خِيَارٌ، كَالنَّذْرِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافَهُمْ. اهـ","vol":"6","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3184>مسألة [١٨]: هل يجوز للضامن أن يأخذ من المضمون عنه جعلًا</span>؟\nقال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٠/ ٦٠٨): أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الحمالة بجعل يأخذه الحميل لا تحل، ولا تجوز، واختلفوا في ثبوت الضمان على هذا الشرط؛ فكان سفيان الثوري يقول: إذا قال الرجل للرجل: اكفل عني، ولك ألف درهم. قال: الكفالة جائزة، ويرد إليه الألف درهم.\nقال: وقال أحمد في مسألة الكفالة: ما أرى هذا يأخذ شيئًا بحق. وقال إسحاق ابن راهويه: ماأعطاه من شيء فهو حسن. انتهى المراد.\nوقال الحطاب في «مواهب الجليل» (٦/ ٢٧٣): ولا خلاف في منع ضمان بجعل؛ لأن الشرع جعل الضمان والقرض والجاه لا يفعل إلا لله بغير عوض فأخذ العوض عليه سحت قاله في التوضيح. اهـ\nوقال الماوردي في «الحاوي» (٦/ ٤٤٣): فلو أمره بالضمان عنه بجعل جعله له لم يجز، وكان الجعل باطلا والضمان إن كان بشرط الجعل فاسدا بخلاف ما قاله إسحاق بن راهويه؛ لأن الجعل إنما يستحق في مقابلة عمل، وليس الضمان عملا فلا يستحق به جعلا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: لم يظهر لي وجه التحريم، ولا يدخل في قرض جر نفعًا؛ لأنه استبدل عمله من إرادة الثواب إلى إرادة شيء من الدنيا، وهذا العمل ليس عبادة محضة، بل هي فعل خير من عمله إرادة الثواب أجر عليه، ومن عمل","vol":"6","page":337},{"text":"ذلك مقابل أجرة؛ حرم نفسه الثواب، وله أجرته التي أرادها، والله أعلم.\nوأما إدعاء الإجماع فلا إجماع بالمسألة مع مخالفة الإمام إسحاق بن راهويه، والأظهر ما ذكره إسحاق، والله أعلم.","vol":"6","page":338},{"text":"٨٦٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ». رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3185>مسألة [١]: معنى الكفالة</span>.\nالكفالة: هي بمعنى الضمان، ولكن أكثر إطلاقها عند الفقهاء على من يضمن إحضار بدن المضمون عنه دون التزام دينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3186>مسألة [٢]: هل تصح الكفالة بالنفس</span>؟\n• عامة أهل العلم على صحة الكفالة بالنفس؛ لأنها مما يصدق عليها معنى مطلق الكفالة، ويصدق على الكفيل أنه زعيم، واستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف:٦٦]، وبعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «والزعيم غارم». (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه البيهقي (٦/ ٧٧)، من طريق بقية بن الوليد عن عمر بن أبي عمر الكلاعي الدمشقي عن عمرو بن شعيب به. قال ابن عدي: عمر بن أبي عمر منكر الحديث عن الثقات. وقال أيضًا: مجهول، لا أعلم يروي عنه غير بقية كما يروي عن سائر المجهولين. وذكر حديث الباب في ترجمته من «الكامل». وقال البيهقي عقب الحديث: تفرد به بقية عن أبي محمد عمر بن أبي عمر الكلاعي، وهو من مشايخ بقية المجهولين، ورواياته منكرة، والله أعلم. اهـ\nقلت: وبقية أيضًا مدلس، ولم يصرح بالتحديث، وروايته عن المجاهيل واهية.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٥٦٥)، عن أبي أمامة بإسناد حسن.","vol":"6","page":339},{"text":"• وذهب ابن حزم، وبعض الشافعية إلى عدم صحة الكفالة بالنفس، وهو مذهب داود الظاهري، واستدل ابن حزم على ذلك بأنه شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل، وبأنه إذا كفل إنسانًا فلم يستطع الإتيان به، فإما أن يلزم بالمال الذي في ذمته، أو في طلبه، وهو جور وتكليف بالحرج، وإما أن تقولوا: ليس عليه شيء؛ فلا معنى للكفالة حينئذٍ.\nقلتُ: والصواب قول الجمهور؛ لما تقدم من الأدلة، وهو اختيار البخاري، ثم شيخ الإسلام، وابن القيم، ثم الشوكاني، ثم الشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3187>مسألة [٣]: إذا لم يستطع الكفيل أن يأتي بالمكفول فهل يغرم دينه</span>؟\n• مذهب أحمد وأصحابه أنه يغرم دينه، وهو قول مالك إذا لم يقيد، ويقول: أنا ضامن الوجه خاصَّة.\n• ومذهب الحنفية، والشافعية أنه لا يغرم؛ لأنه لم يلتزم بالدين.\nوالصحيح قول أحمد؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «والزعيم غارم».\nقال الشوكاني -﵀- في «السيل» (٤/ ٢٣٣): ويصدق على الكفيل أنه زعيم؛ فيلزمه ما يلزم الزعيم إذا تعذر إحضار المكفول بوجهه، وهو قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «والزعيم غارم».\nقال: فكفيل الوجه إذا تعذر عليه إحضار من تكفل بوجهه؛ لزمه ضمان ما\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٩٦ -) «المحلى» (١٢٣٧) «السيل» (٤/ ٢٣٤ -).","vol":"6","page":340},{"text":"عليه بهذا الحديث؛ إن كان الذي عليه مما يتعلق بالمال. انتهى المراد، وانظر المصارد السابقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3188>مسألة [٤]: إذا مات المكفول، فهل يبرأ الكفيل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٠٥): إذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ؛ سَقَطَتْ الْكَفَالَةُ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْكَفِيلَ شَيْءٌ. وَبِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْحَكَمُ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ: يَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ غُرْمُ مَا عَلَيْهِ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ شُرَيْحٍ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ، فَإِذَا تَعَذَّرَتْ مِنْ جِهَةِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ؛ اسْتَوْفَى مِنْ الْوَثِيقَةِ كَالرَّهْنِ وَلِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ؛ فَلَزِمَ كَفِيلَهُ مَا عَلَيْهِ كَمَا لَوْ غَابَ.\nقال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّ الْحُضُورَ سَقَطَ عَنْ الْمَكْفُولِ بِهِ، فَبَرِئَ الْكَفِيلُ، كَمَا لَوْ بَرِئَ مِنْ الدَّيْنِ، وَلِأَنَّ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ أَجْلِهِ سَقَطَ عَنْ الْأَصْلِ، فَبَرِئَ الْفَرْعُ، كَالضَّامِنِ إذَا قَضَى الْمَضْمُونُ عَنْهُ الدَّيْنَ، أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ، وَفَارَقَ مَا إذَا غَابَ؛ فَإِنَّ الْحُضُورَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ، وَيُفَارِقُ الرَّهْنَ؛ فَإِنَّهُ عُلِّقَ بِهِ الْمَالُ، فَاسْتُوْفِيَ مِنْهُ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3189>مسألة [٥]: إذا عين في الكفالة تسليمه في مكان، فأحضره في غيره</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يبرأ من الكفالة حتى يسلمه في المكان الذي عينه، وهو قول جماعة من الحنابلة وأبي يوسف، ومحمد وبعض الشافعية.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"6","page":341},{"text":"• وقال بعضهم: يبرأ متى أحضره إليه في أي مكان كان، وفي ذلك المكان سلطان، وهو قول بعض الحنابلة، وبعض الشافعية.\n• وقال بعضهم: إن كان عليه ضرر في إحضاره بمكان آخر؛ لم يبرأ الكفيل بإحضاره فيه، وإلا برئ. وهو قول بعض الحنابلة، والشافعية.\nقلتُ: وهذا القول أقرب الأقوال، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3190>مسألة [٦]: إذا تكفل برجل إلى أجل إن جاء به، وإلا لزمه</span>؟\n• يصح ذلك عند جماعة من أهل العلم؛ لأنه شرط لا ينافي مقتضى الكفالة، والضمان، وهو قول الحنابلة، والحنفية، وأبي يوسف.\n• ومذهب الشافعي ومحمد بن الحسن عدم صحة ذلك؛ لأنه مخاطرة وغرر.\nقلتُ: والقول الأول هو الصواب، وليس هو عقد معاوضة فيمنع فيه الغرر، وإنما هو عقد تبرع وارتفاق، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3191>مسألة [٧]: الكفالة ببدن من عليه حد</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه لا تصح الكفالة ببدن من عليه حد، سواء كان حقًّا لله كحد الزاني، والسرقة، أو كان حقًّا لآدمي كالقصاص، واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب، ولأنه لا يُستطاع استيفاء الحد من الكفيل.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٠٠ - ١٠١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ١٠٢).","vol":"6","page":342},{"text":"• وعن الشافعي قولٌ أنه يجوز أخذ الكفالة في الحد المتعلق بحق الآدمي. وفي «البخاري» مُعَلَّقًا أن حمزة بن عمرو الأسلمي أخذ على رجل كفلاء، وكان قد وقع على جارية امرأته، فلم ينكر عليه عمر صنيعه ذلك، وبوَّب عليه البخاري -﵀-: [باب الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها]. قال ابن المنير: أخذ البخاري الكفالة بالأبدان في الديون من الكفالة بالأبدان في الحدود بطريق الأولى. اهـ\nقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: ويمكن أن يفرق بين شخص له القدرة التامة على إحضار بدن من عليه حد، وبين شخص عادي لا يستطيع، فالأول قد يقال بصحة كفالته، والثاني لا تصح بلا شك. اهـ\nقلتُ: وهذا القول قويٌّ، ويحمل عليه الأثر المتقدم، والله أعلم.","vol":"6","page":343},{"text":"تنبيه: الكفالة تنعقد بما يدل عليها، وبقي أحكام لم نذكرها؛ لأنها كأحكام الضمان المتقدم ذكرها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3192>بَابُ الشَّرِكَةِ وَالوَكَالَةِ</span>\n٨٦٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ خَرَجْت مِنْ بَيْنِهِمَا». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\n٨٧٠ - وَعَنِ السَّائِبِ المَخْزُومِيِّ -﵁- أَنَّهُ كَانَ شَرِيكَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَبْلَ البَعْثَةِ فَجَاءَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأَخِي وَشَرِيكِي». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (^٢)\n\n٨٧١ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ ... الحَدِيثَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ. (^٣)\n_________\n(^١) ضعيف مرسل. أخرجه أبوداود (٣٣٨٣)، والحاكم (٢/ ٥٢)، من طريق محمد بن الزبرقان عن يحيى بن سعيد بن حيان عن أبيه عن أبي هريرة -﵁- به. وسعيد بن حيان مجهول الحال، وقد اختلف في وصل الحديث وإرساله، فوصله ابن الزبرقان كما تقدم، وأرسله جرير بن عبدالحميد وغيره فيما ذكره الدارقطني، فلم يذكروا (عن أبي هريرة) وصوب الدارقطني المرسل، والله أعلم. انظر: «العلل» للدارقطني (١١/ ٧)، و«البدر المنير» (٦/ ٧٢٢)، و«الإرواء» (١٤٦٨).\n(^٢) ضعيف. أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٥)، وأبوداود (٤٨٣٦)، وابن ماجه (٢٢٨٧)، من طريق مجاهد عن قائد السائب عن السائب به. واللفظ هو إحدى روايات أحمد. وإسناده ضعيف؛ لجهالة قائد السائب، فإنه لا يعرف، وجاء في بعض الطرق بدون ذكره فهو منقطع، والواسطة هذا الرجل المبهم، والله أعلم.\n(^٣) ضعيف. أخرجه النسائي (٧/ ٣١٩)، وأخرجه أيضًا أبوداود (٣٣٨٨)، وابن ماجه (٢٢٨٨)، من طريق أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود عن أبيه به. وتمامه: (فلم أجي أنا وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين).\n\nوإسناده ضعيف؛ لانقطاعه بين أبي عبيدة وأبيه.","vol":"6","page":344},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3193>مسألة [١]: تعريف الشَرِكة</span>.\nالشركة: بفتح الشين وكسر الراء، وبكسر الشين، وإسكان الراء، وبفتح الشين والراء، ثلاث لغات، وأشهرها الأولى، وهي في اللغة: الاختلاط.\nوعند الفقهاء: هي الاجتماع في الاستحقاق، أو التصرف.\nوالاجتماع في الاستحقاق يُسَمَّى شركة الأملاك، كالاشتراك في الغنيمة، والاشتراك في الميراث.\nوالاجتماع في التصرف هو المعروف بشركة العقود، وهو أقسام: شركة العِنان، وشركة الأبدان، وشركة المضاربة، وشركة الوجوه، وشركة المفاوضة. وسيأتي إن شاء الله بيان كل واحدة منها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3194>مسألة [٢]: مشروعية الشركة</span>.\nالشركة مشروعة بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص:٢٤].\nوأما من السنة: ففي «البخاري» (٢٤٩٧): أن البراء بن عازب، وزيد بن أرقم\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٠٩) «الشرح الممتع» (٩/ ٣٩٨ -).","vol":"6","page":345},{"text":"كانا شريكين في عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وذكر بعضهم أيضًا أحاديث الباب، وهي ضعيفة كما بَيَّنَّا.\nوأما الإجماع: فقد نقل غير واحد الإجماع على مشروعية الشركة في الجملة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3195>مسألة [٣]: الشركة من جائز التصرف</span>.\nذكر أهل العلم أن الشركة لا يصح شيء منها إلا من جائز التصرف؛ لأنه عقد على التصرف في المال؛ فلا تصح إلا ممن يجوز تصرفه فيه، فلا تجوز مشاركة المجنون، ولا الصبي ولا المحجور عليه لسفهه، ولا المحجور عليه لفلسه في ماله المحجور عليه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3196>مسألة [٤]: مشاركة اليهودي، والنصراني</span>.\n• أكثر أهل العلم على جواز مشاركتهم بشرط أن لا يحصل شراء محرم، أو عقد محرم كالخمر، والربا، وذلك بأن يتولى المسلم البيع والشراء، وممن قال بذلك عطاء، وطاوس، ومجاهد، وإياس، والحسن، ومالك، وأحمد، والثوري وغيرهم.\nواستدلوا بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد عامل اليهود بالبيع والشراء، والمساقاة، والمزارعة؛ فدل على جواز التعامل معهم، ولأنَّ الأصل في المعاملات الإباحة، ولا نخرج عن الإباحة إلا بدليل يدل على التحريم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٠٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ١٠٩).","vol":"6","page":346},{"text":"• وذهب الشافعي إلى كراهة مشاركتهم، وهو قول الحنفية؛ لما ثبت عن ابن عباس بإسناد حسن، أنه قال: لا تشارك يهوديًّا، ولا نصرانيًّا، ولا مجوسيًّا؛ لأنهم يربون، والربا لا يحل. أخرجه ابن أبي شيبة، وابن المنذر.\nوقد أجاب الجمهور عن أثر ابن عباس -﵄- بأنه محمول على من مكنهم من المعاملات المحرمة؛ لقوله: لأنهم يربون ... إلخ. والصواب قول الجمهور، والله أعلم.\nتنبيه: إذا كانت المشاركة سببًا لمودة اليهود والنصارى؛ فلا تجوز ممن يحصل له ذلك، وكذلك لا تجوز إن كان في ذلك خضوع من المسلم للكافر ومع خلو ذلك فالأفضل هو ترك المشاركة معهم والاشتراك مع المسلمين، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3197>مسألة [٥]: شركة العِنَان</span>.\nمعناها: أن يشترك اثنان في ماليهما على أن يعملا فيه بأبدانهما والربح بينهما، وهي جائزة بالإجماع. ذكره ابن المنذر، وابن رشد وغيرهما.\nوسُمِّيَت بـ (العِنان)؛ لأنهما يتساويان بالمال والتصرف كالفارسين إذا سويا فرسيهما، وتساويا في السير؛ فإنَّ عنانيهما يكونان سواء. وقيل: مأخوذة من (عَنَّ)، أي: ظهر، وبدا له أن يشارك. وضعَّف هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀- بأنَّ هذا يقتضي أن تسمى بذلك جميع الشركات. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٠٩ - ١١٠) «المحلى» (١٢٤٤) «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٧٧٦) «ابن أبي شيبة» (٦/ ٩ - ١٠)، «الأوسط» (١٠/ ٥١٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ١٢٢ -) «بداية المجتهد» (٤/ ٤١) «الشرح الممتع» (٩/ ٤٠١).","vol":"6","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3198>مسألة [٦]: هل يُشترط أن تكون هذه الشركة بالدراهم والدنانير أم يجوز أن تكون في العروض أيضًا</span>؟\nأما الاشتراك بالنقد، كالدراهم، والدنانير؛ فلا خلاف في جوازه كما ذكر ابن قدامة، وابن رشد.\n• واختلف أهل العلم: هل يصح الاشتراك في العروض؟ على قولين: القول الأول: لا تصح الشركة بالعروض، وهو قول الشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، وهو الظاهر في مذهبه عند أصحابه، وأبي ثور، وأصحاب الرأي وغيرهم؛ وذلك لأنَّ العروض قد تزيد أسعار بعضها دون بعض، وقد تنقص، وقد لا يكون لها مثل، فإذا تفاصلا؛ حصل النزاع والاختلاف.\nالقول الثاني: صحة الشركة في العروض، وتعتبر قيمتها وقت العقد، وهو قول مالك، وأحمد في رواية وهو قول جماعة من أصحابه وابن أبي ليلى، واختار هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀- قال: وعليه العمل. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3199>مسألة [٧]: هل يشترط أن يكون المال معلوم القدر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٢٥): وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِ الشَّرِكَةِ مَجْهُولًا، وَلَا جُزَافًا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ بِهِ عِنْدَ المُفَاصَلَةِ، وَلَا يُمْكِنُ مَعَ الْجَهْلِ وَالْجُزَافِ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٢٣ - ١٢٤) «بداية المجتهد» (٤/ ٤١ - ٤٢) «الفتح» (٢٥٠١) «الإنصاف» (٥/ ٣٦٩) «الشرح الممتع» (٩/ ٤٠٧)، «الأوسط» (١٠/ ٥١٠).","vol":"6","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3200>مسألة [٨]: هل يشترط اتفاق الجنس في المالين</span>؟\nوذلك بأن يدفع أحدهما دراهم والآخر مثله دراهم، أو أحدهما دنانير والآخر مثله دنانير.\n• فذهب جماعة من أهل العلم إلى اشتراط ذلك، وهو قول الشافعي، ومالك في رواية، والظاهرية، والحنفية. واحتج الشافعي والظاهرية بأنه لا يمكن خلطه إلا بذلك، وحُكي عن مالك أن ذلك يعتبر صرفًا بغير تقابض.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم اشتراط ذلك، وهو قول الحسن، وابن سيرين، وأحمد، ومالك في رواية، والثوري، وهو ظاهر اختيار البخاري.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: الصحيح ما ذهب إليه المؤلف -يعني عدم اشتراط ذلك- بشرط ألَّا يزيد سعر الدنانير، ولا ينقص بأن يكون مقررًا من قبل الدولة؛ فإن كان يمكن فيه الزيادة والنقص؛ فإنه لا يجوز، وفي الوقت الحاضر الذهب غير مقدر، فبناءً على ذلك؛ فإنه لا يصح أن يكون أحدهما دنانير والآخر دراهم، إلا على القول الذي أشرنا إليه فيما سبق أنه يجوز أن يكون رأس المال عرضًا، ولكن يقدر بقيمته؛ فحينئذ يؤتى بالدنانير والدراهم لكي تقدر الدنانير بدراهم. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول بعدم الاشتراط هو الصواب، وما كان يتغير ثمنه وقيمته، ينظر قيمة أحدهما بالجنس الآخر، ويتفقان على التفاصل بذلك","vol":"6","page":349},{"text":"الجنس، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3201>مسألة [٩]: هل يشترط تساوي المالين في القدر</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀-: وَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي المَالَيْنِ فِي الْقَدْرِ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ. وَلَنَا أَنَّهُمَا مَالَانِ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ؛ فَجَازَ عَقْدُ الشَّرِكَةِ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوْ تَسَاوَيَا. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3202>مسألة [١٠]: هل يشترط خلط المالين</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والحنفية عدم اشتراط ذلك، بل تقع الشركة عندهم ولو كان مال كل واحد منهما معه في مكان، والعبرة عندهم بالاتفاق والتراضي، وهو ظاهر اختيار الشوكاني.\n• واشترط مالك -﵀- أن يكون المالان في مكان واحد، ولو لم يختلطا.\n• ومذهب الشافعي، والظاهرية أنه يشترط خلط المالين؛ لأنه إذا لم يخلط فمال كل واحد متميز، ولم تحصل شركة، ولا شركة عندهم إلا بخلطه.\nقلتُ: الأقرب -فيما يظهر لي- القول الأول، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٢٥ - ١٢٦) «الفتح» (٢٤٩٨) «المحلى» (١٢٤٣) «الشرح الممتع» (٩/ ٤١٥ -)، «الأوسط» (١٠/ ٥٠٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ١٢٦) «تكملة المجموع» (١٥/ ٢١٥)، «الأوسط» (١٠/ ٥٠٨).\n(^٣) انظر: «المغني» (٧/ ١٢٦) «بداية المجتهد» (٤/ ٤٢) «السيل» (٣/ ٢٤٦) «المحلى» (١٢٤٠) «الشرح الممتع» (٩/ ٤١٥).","vol":"6","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3203>مسألة [١١]: التصرف من الشريكين</span>.\nلكل واحد من الشريكين التصرف في المال في مصلحة الشركة، ولو بدون إذن؛ لأن الشركة تغني عن الإذن، وأما تصرف أحدهما في المال بما ليس فيه مصلحة، أو ربح؛ فلا يجوز إلا بإذن شريكه، وإن فعل بدون إذنه ولم يرض الشريك بذلك؛ فيتحملها الذي تصرف بغير إذن، والله أعلم. هذا خلاصة لما ذكروه في كلامٍ طويل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3204>مسألة [١٢]: الربح في شركة العِنَان</span>.\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الربح يتقاسمه الشركاء كلٌّ بقدر ماله، فإذا دفع أحدهما مالًا ضعف الآخر؛ أخذ من الربح ضعفه، وإذا دفع أحدهما ثلث الآخر؛ أخذ من الربح الثلث، وهكذا. ولا يجوز عندهم إن يتساويا في الربح مع تفاضلهما في المال، أو يتفاضلا في الربح مع تساويهما في المال، وهذا مذهب مالك، والشافعي، وابن حزم.\n• وذهب آخرون إلى أن الربح على حسب ما يصطلحان عليه، سواء تساويا في المال، أو تفاضلا؛ لأنهما قد يتفاوتان في الأبدان، والعمل، والخبرة، وهذا مذهب أحمد، وأبي حنيفة، واختاره الشوكاني.\nقلتُ: وهو الصواب؛ لأن العبرة بالتراضي، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٢٨ -) «الشرح الممتع» (٩/ ٤٠٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ١٣٨) «المحلى» (١٢٤٢) «بداية المجتهد» (٤/ ٤٣) «السيل» (٣/ ٢٤٧).","vol":"6","page":351},{"text":"تنبيه: بناءً على ما اخترناه من أنَّ الربح على ما اصطلحا عليه؛ فيُشترط تحديد الربح عند عقد الشركة؛ حتى لا يحصل الخلاف والنزاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3205>مسألة [١٣]: الخسارة في شركة العِنان</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٤٥): الْخُسْرَانَ فِي الشَّرِكَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَالِهِ؛ فَإِنْ كَانَ مَالُهُمَا مُتَسَاوِيًا فِي الْقَدْرِ، فَالْخُسْرَانُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَثْلَاثًا، فَالْوَضِيعَةُ أَثْلَاثًا. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3206>مسألة [١٤]: شركة الأبدان</span>.\nوذلك بأن يشترك اثنان، أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم، كاشتراك الصانعين، والصيادين، والحطابين، والحمالين وغيرهم.\n• فمذهب أحمد، ومالك صحة هذه الشركة، واستدلوا بحديث ابن مسعود الذي في الباب، وفيه ضعفٌ كما تقدم بيانه.\nواستدلوا بأنَّ العبرة هو التراضي، وقد تراضوا على الاشتراك في ذلك، وهذا القول هو ظاهر اختيار الشوكاني -﵀-، وأجازه أبو حنيفة في الصناعة دون الاكتساب كالاحتطاب.\n• ومذهب الشافعي، ووافقه ابن المنذر، وابن حزم بطلان هذه الشركة؛ لأنها شركة على غير مال ولا تخلط، ولأنَّ أحدهما سيأكل من مال صاحبه، وفيها","vol":"6","page":352},{"text":"غرر؛ لأنه ربما بقي أحدهما يكتسب والآخر لا يحصل على شيء.\nوأجاب أهل القول الأول -وهو الصواب- بأنَّ العبرة هو التراضي، فإذا حصل؛ صحت الشركة، وهي شركة غير ملزمة، فللمكتسب إذا رأى صاحبه مقصرًا أن يفصل الشركة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3207>مسألة [١٥]: هل تصح شركة الأبدان مع اختلاف الصنائع</span>؟\n• تقدم أن الأصل في حصول الشركة هو التراضي، وعلى هذا فتصح شركة الأبدان ولو اختلفت الصنائع، وهو قول جماعة من الحنابلة، ومنع مالك وبعض الحنابلة من ذلك. والصواب القول الأول، وهو ظاهر اختيار الشوكاني -﵀-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3208>مسألة [١٦]: الربح في شركة الأبدان</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١١٣): والربح في شركة الأبدان على ما اتفقوا عليه من مساواةٍ، أو تفاضلٍ؛ لأنَّ العمل يُستحق به الربح، ويجوز تفاضلهما في العمل، فجاز تفاضلهما في الربح الحاصل به. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3209>مسألة [١٧]: شركة المضاربة</span>.\nسيأتي الكلام عليها إن شاء الله مع بيان مسائلها في باب القراض، حيث ذكره الحافظ -﵀-.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١١١) «المحلى» (١٢٤٢) «السيل» (٣/ ٢٤٦) «الشرح الممتع» (٩/ ٤٣٤)، «الأوسط» (١٠/ ٥١٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ١١٢) «السيل» (٣/ ٢٤٦).","vol":"6","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3210>مسألة [١٨]: شركة الوجوه</span>.\nهو أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يشترونه بجاههما، وثقة التجار بهما، من غير أن يكون لهما رأس مال.\n• وهذه الشركة جائزة عند أحمد، وإسحاق، والثوري، ومحمد بن الحسن، وأبي ثور، وابن المنذر، وسواء عين أحدهما لصاحبه ما يشتريه، أو قدره، أو وقته، أو ذكر صنف المال، أو لم يعين شيئًا من المال.\n• وقال أبو حنيفة: لا يصح حتى يذكر الوقت والمال، أو صنفًا من ذلك.\n• ومنع مالك، والشافعي من هذه الشركة؛ إلا أن تجعل من باب الوكالة، فيوكل أحدهما صاحبه في ذلك، ويشترط فيها عندهم ما يشترط في الوكالة عندهم من تعيين الجنس، وقدره، وما أشبه ذلك.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: تقدم أن العبرة في الشركة إنما هو في التراضي، وعلى هذا فتصح هذه الشركة، وهو ظاهر اختيار الشوكاني، ثم اختيار الإمام ابن عثيمين رحمهما الله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3211>مسألة [١٩]: شركة المفاوضة</span>.\nهو أن يشترك اثنان، أو أكثر في جميع الشركات المتقدمة.\n• فتجوز عند الحنابلة، وهو الصحيح؛ لأنهم أجازوا جميع الشركات المتقدمة،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٢١)، «بداية المجتهد» (٤/ ٤٥)، «السيل» (٣/ ٢٤٦) «الأوسط» (١٠/ ٥١٣).","vol":"6","page":354},{"text":"وهو ظاهر اختيار الإمام الشوكاني، ثم الإمام العثيمين رحمة الله عليهما.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إن أريد بشركة المفاوضة اجتماع الشركات التي تقدم الكلام عليها؛ فهي جائزة، وإن أريد بها إدخال جميع المكاسب من أي وجهٍ كان، حتى من الهبة، والميراث، وغيرهما؛ فهي فاسدة لما فيه من الغرر والجهالة، وعليه أكثر العلماء، كما سيأتي في المسألة التالية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3212>مسألة [٢٠]: إذا أدخل الشريكان في الشركة الأكساب النادرة، والغرامات النادرة</span>؟\nمثال الأكساب النادرة: الهبة، والميراث، والركاز، واللقطة بعد تعريفها عامًا، ومثال الغرامات النادرة أرش الجناية، وضمان الغصب، وقيمة المتلف، وغرامة الضمان.\n• فمذهب أحمد، والشافعي وأصحابهما فساد هذه الشركة وعدم صحتها؛ لأنه عقد لم يرد الشرع بمثله، وفيه غرر، ولأنَّ الغرامة النادرة ربما تجحف بمال الشركة، ولأنها تعود بجهالة الربح، والأصل، وكل شرط يعود إلى الشركة بجهالة الربح؛ فهو فاسد مفسد لها.\n• وأجاز ذلك الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وحُكي عن مالك.\nوالصحيح القول الأول، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٧٣)، «السيل الجرار» (٣/ ٢٤٦)، «الشرح الممتع» (٩/ ٤٣٩)، «الأوسط» (١٠/ ٥١١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ١٣٧) «الشرح الممتع» (٩/ ٤٤٠ - ٤٤٢)، «الأوسط» (١٠/ ٥١١).","vol":"6","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3213>مسألة [٢١]: الشركة عقد جائز</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٣١): وَالشَّرِكَةُ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، وَجُنُونِهِ، وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِلسَّفَهِ، وَبِالْفَسْخِ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ، فَبَطَلَتْ بِذَلِكَ كَالْوَكَالَةِ. اهـ\nقلتُ: وكونها عقد جائزٌ لا يبيح للشريك أن يفسخ الشركة في وقت يحصل لشريكه من ذلك ضرر، فلا ضرر ولا ضرار، والله أعلم.","vol":"6","page":356},{"text":"٨٧٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄-، قَالَ: أَرَدْت الخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ، فَأَتَيْت النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: «إذَا أَتَيْت وَكِيلِي بِخَيْبَرَ، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَصَحَّحَهُ. (^١)\n\n٨٧٣ - وَعَنْ عُرْوَةَ البَارِقِيِّ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً ... الحَدِيثَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. (^٢)\n\n٨٧٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\n٨٧٥ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ وَأَمَرَ عَلِيًّا -﵁- أَنْ يَذْبَحَ البَاقِيَ الحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٤)\n\n٨٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- فِي قِصَّةِ العَسِيف، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ... الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٥)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٣٦٣٢)، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلس وقد عنعن، فالحديث ضعيف.\n(^٢) تقدم تخريجه برقم (٨٠٤)\n(^٣) أخرجه البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣). واللفظ لمسلم، وليس عند البخاري اللفظ المذكور.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (١٢١٨).\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٧٢٤)، ومسلم (١٦٩٧).","vol":"6","page":357},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3214>مسألة [١]: تعريف الوكالة</span>.\nالوَكَالة: بفتح الواو وكسرها، وهي في اللغة: التفويض.\nوهي عند الفقهاء: استنابة رجل جائز التصرف من مثله فيما تدخله النيابة.\nقاعدة: قال ابن قدامة -﵀-: كل من صح تصرفه في شيء بنفسه، وكان مما تدخله النيابة؛ صحَّ أن يوكل فيها رجلًا كان، أو امرأة، حرًّا كان أو عبدًا، مسلمًا كان أو كافرًا. اهـ\nقلتُ: ويعني بذلك بشرط أن يكون الذي وُكِّلَ بذلك ممن يصح تصرفه في ذلك الشيء بنفسه أيضًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3215>مسألة [٢]: شرعية الوكالة</span>.\nشرعية الوكالة ثابتة في الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف:١٩]، وقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:٦٠].\nوأما من السنة: فأحاديث الباب وغيرها كثيرة.\nوأما الإجماع: فأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٩٧) «الشرح الممتع» (٩/ ٣٢٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ١٩٦ - ١٩٧) «الشرح الممتع» (٩/ ٣٢١ - ٣٢٢).","vol":"6","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3216>مسألة [٣]: بم تنعقد الوكالة</span>؟\nتنعقد الوكالة بكل لفظ يدل عليها، كقوله: (وكلتك)، أو (فوضتك)، أو (أذنت لك)، أو (أجزتك) أو (الأمر إليك)، وما أشبه ذلك، ويصح التوكيل بالفعل عند بعض أهل العلم، كمن يدفع ثوبه إلى قَصَّار، أو خياط، أو يأتي ببضاعته إلى محل التاجر.\nوالذي يظهر أنَّ الفعل لا يُستفاد منه بمجرده التوكيل إلا أن تدل قرينة الحال على ذلك، وأما قبول الوكالة؛ فتصح بالقول، أو بالفعل، بأن يباشر العمل فيما وكل فيه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3217>مسألة [٤]: قبول الوكالة على الفور والتراخي</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٢٠٤): وَيَجُوزُ الْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي، نَحْوُ أَنْ يَبْلُغَهُ أَنَّ رَجُلًا وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مُنْذُ سَنَةٍ، فَيَبِيعَهُ. أَوْ يَقُولَ: قَبِلْت. أَوْ يَأْمُرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ، فَيَفْعَلَهُ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ؛ لِأَنَّ قَبُولَ وُكَلَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ - لِوَكَالَتِهِ كَانَ بِفِعْلِهِمْ، وَكَانَ مُتَرَاخِيًا عَنْ تَوْكِيلِهِ إيَّاهُمْ، وَلِأَنَّهُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، وَالْإِذْنُ قَائِمٌ، مَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ، فَأَشْبَهَ الْإِبَاحَةَ، وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3218>مسألة [٥]: تعليق الوكالة على شرط مستقبل</span>.\nمثاله: أن يقول: إذا قدم الحاج فبع هذا الطعام، وإذاجاء الشتاء فاشتر لنا فحمًا. ونحو ذلك.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢٠٣) «الإنصاف» (٥/ ٣١٨ - ٣١٩).","vol":"6","page":359},{"text":"وهذا جائز عند الحنابلة، والشافعية، واستدلوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أميركم زيد؛ فإن قُتل فجعفر؛ فإن قتل فعبد الله بن رواحة» أخرجه البخاري برقم (٤٢٦١)، من حديث عبدالله بن عمر -﵄-، قالوا: وهذا في معناه. قالوا: وهو عقدٌ اعتُبر في حق الوكيل حكمه، وهو إباحة التصرف وصحته؛ فكان صحيحًا كما لو قال: أنت وكيلي في بيع عبدي إذا قدم الحاج ولأنه لو قال: وكلتك في شراء كذا في وقت كذا. صحَّ بلا خلاف، ومحل النزاع في معناه.\nوقال الشافعي -﵀-: لا يصح التوكيل، لكن إن تصرف؛ صحَّ تصرفه لوجود الإذن، وإن كان وكيلًا بجعل مسمى؛ فسد، وله أجر المثل؛ لأنه عقد يملك به التصرف في الحياة، فأشبه البيع.\nقلتُ: الصواب القول الأول، ولا دليل للشافعي على ما قال، والله أعلم، وقياسه مع الفارق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3219>مسألة [٦]: الوكالة تصح بجعل وبغير جعل</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٢٠٤): وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِجَعْلٍ وَغَيْرِ جَعْلٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَكَّلَ أُنَيْسًا فِي إقَامَةِ الْحَدِّ، وَعُرْوَةَ فِي شِرَاءِ شَاةٍ، وَعَمْرًا وَأَبَا رَافِعٍ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ جَعْلٍ (^٢)، وَكَانَ يَبْعَثُ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ، وَيَجْعَلُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢٠٤).\n(^٢) توكيله لعمرو بن أمية الضمري في زواجه - ﷺ - بأم حبيبة -﵂-، ذكره ابن إسحاق في المغازي (ص ٢٥٩)، حدثني أبو جعفر، وهو محمد بن علي بن الحسين مرسلًا. وتوكيله لأبي رافع في زواجه - ﷺ - بميمونة بنت الحارث -﵂-، أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٤٨)، وعنه الشافعي كما في «المسند» (١/ ١٨٠) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار؛ أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا رافع مولاه، ورجلا من الأنصار، فزوجاه ميمونة بنت الحارث. ورسول الله - ﷺ - بالمدينة، قبل أن يخرج. وهذا إسنادٌ مرسلٌ.","vol":"6","page":360},{"text":"لَهُمْ عِمَالَةً، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ ابْنَا عَمِّهِ: لَوْ بَعَثْتنَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، فَنُؤَدِّي إلَيْك مَا يُؤَدِّي النَّاسُ، وَنُصِيبُ مَا يُصِيبُهُ النَّاسُ (^١). ا هـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3220>مسألة [٧]: هل تصح الوكالة المطلقة في كل شيء</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٢٠٥): وَلَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ إلَّا فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ؛ فَإِنْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَوْ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ. أَوْ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ يَجُوزُ لِي. أَوْ فِي كُلِّ مَالِي التَّصَرُّفُ فِيهِ؛ لَمْ يَصِحَّ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَصِحُّ، وَيَمْلِكُ بِهِ كُلَّ مَا تَنَاوَلَهُ لَفْظُهُ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ عَامٌ، فَصَحَّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْ مَالِي كُلَّهُ.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَنَا أَنَّ فِي هَذَا غَرَرًا عَظِيمًا، وَخَطَرًا كَبِيرًا؛ لِأَنَّهُ تَدْخُلُ فِيهِ هِبَةُ مَالِهِ، وَطَلَاقُ نِسَائِهِ، وَإِعْتَاقُ رَقِيقِهِ، وَتَزَوُّجُ نِسَاءٍ كَثِيرَةٍ. وَيَلْزَمُهُ الْمُهُورُ الْكَثِيرَةُ، وَالْأَثْمَانُ الْعَظِيمَةُ، فَيَعْظُمُ الضَّرَرُ. اهـ\nوالصحيح قول الجمهور، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3221>مسألة [٨]: إذا قال: اشتر لي ما شئت</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٢٠٥): وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي مَا شِئْت. لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِي مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى ثَمَنِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٦٢٨).\n(^٢) وانظر: «الشرح الممتع» (٩/ ٣٧٩).","vol":"6","page":361},{"text":"صِحَّتِهِ؛ لِقَوْلِهِ فِي رَجُلَيْنِ، قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: (مَا اشْتَرَيْت مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا): إنَّهُ جَائِزٌ. وَأَعْجَبَهُ، وَلِأَنَّ الشَّرِيكَ وَالْمُضَارِبَ وَكِيلَانِ فِي شِرَاءِ مَا شَاءَ. فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَمَا دُونِ، وَلَا يَشْتَرِيَ مَا لَا يَقْدِرُ الْمُوَكِّلُ عَلَى ثَمَنِهِ، وَلَا مَا لَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ لَهُ فِي شِرَائِهِ. اهـ\nقلتُ: كأن ابن قدامة يميل إلى الرواية الثانية، وهي أقرب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3222>مسألة [٩]: العقود التي لا يصح التوكيل فيها</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٩٨): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى التَّوْكِيلِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ لَا يُحْسِنُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إلَى السُّوقِ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مَالٌ وَلَا يُحْسِنُ التِّجَارَةَ فِيهِ، وَقَدْ يُحْسِنُ وَلَا يَتَفَرَّغُ.\nقال: وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الْحَوَالَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالضَّمَانِ، وَالْكَفَالَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْوَدِيعَةِ، وَالمُضَارَبَةِ، وَالْجَعَالَةِ، وَالمُسَاقَاةِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْقَرْضِ، وَالصُّلْحِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْهِبَةِ، وَالْوَقْفِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْفَسْخِ، وَالْإِبْرَاءِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فِي الْحَاجَةِ إلَى التَّوْكِيلِ فِيهَا فَيَثْبُتُ فِيهَا حُكْمُهُ وَلَا نَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافًا. اهـ\nقلتُ: قد خالف ابن حزم في بعض ما ذُكر، كالهبة، والعفو، والإبراء، والصلح، وغيرها، والصحيح الجواز؛ لما ذكره ابن قدامة. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٣٦٣).","vol":"6","page":362},{"text":"قال ابن قدامة -﵀-: وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ، وَأَبَا رَافِعٍ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ لَهُ. وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا احْتَاجَ إلَى التَّزَوُّجِ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ، لَا يُمْكِنُهُ السَّفَرُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ.\nوَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الطَّلَاقِ، وَالْخُلْعِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالْعَتَاقِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، كَدُعَائِهَا إلَى التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي تَحْصِيلِ الْمُبَاحَاتِ. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3223>مسألة [١٠]: التوكيل في مطالبة الحقوق، وإثباتها، والمحاكمة فيها</span>.\n• أكثر أهل العلم على جواز التوكيل في ذلك، سواء كان الموكل حاضرًا، أم غائبًا صحيحًا، أو مريضًا، وهذا قول مالك، وأحمد، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن.\n• وقال أبو حنيفة: للخصم أن يمنع من محاكمة الوكيل إذا كان الموكل حاضرًا غير غائب؛ لأن حضوره في مجلس الحكم حقٌّ للخصم عليه.\nوأُجيب عن أبي حنيفة: بالمنع، فليس هناك دليل على أنَّ من حق الخصم حضور خصمه بعينه، بل هو حقٌّ تجوز النيابة فيه؛ فكان له الإنابة بغير رضى خصمه.\nقلتُ: والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٩٩).","vol":"6","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3224>مسألة [١١]: التوكيل في إثبات الحدود واستيفائها</span>.\nدل حديث أنيس الذي في الباب على جواز التوكيل في استيفاء الحدود؛ لقوله: «فإن اعترفت فارجمها»، وقد وكل عثمان -﵁- عليًّا أن يقيم حد شرب الخمر على الوليد بن عقبة، فوكل عليٌّ عبد الله بن جعفر في ذلك، فجلده، وعليٌّ حاضرٌ (^١)، وهذا الذي يذكره أهل العلم.\nوأما التوكيل في إثبات الحدود فخالف الشافعية في ذلك بحجة أن الحدود تُدْرأ بالشبهات، والتوكيل على إثباتها ينافي ذلك.\nوأُجيب: بالمنع من ذلك؛ فإنَّ التوكيل على إثباتها لا ينافي أن الوكيل يدرأ الحد إذا وجد في ذلك شبهة، ثم إنَّ حديث أنيس فيه التوكيل بإثبات الحد واستيفائه، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3225>مسألة [١٢]: التوكيل فيما يتعلق بعين الموكل</span>.\nوذلك مثل الأيمان، والنذور، والشهادة، والإيلاء، واللعان، لا يصح التوكيل فيها عند أهل العلم؛ لأنها تتعلق بالموكل نفسه، ولا تصح من غيره. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3226>مسألة [١٣]: هل يشترط حضور الموكل عند استيفاء الحق</span>؟\n• مذهب مالك، وأحمد أن كل ما جاز التوكيل فيه جاز استيفاؤه في حضرة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٧٠٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٢٠٠ - ٢٠١).\n(^٣) انظر: «المغني» (٧/ ٢٠٠).","vol":"6","page":364},{"text":"الموكل وغيبته.\n• وذهب بعض الحنابلة، وأومأ إليه أحمد، وهو قول أبي حنيفة، وبعض الشافعية إلى أنه لا يجوز استيفاء القصاص في غيبة الموكل؛ لأنه يحتمل أن يعفو الموكل في حال غيبته؛ فيسقط، وهذا الاحتمال شبهة تمنع الاستيفاء، والعفو مندوب إليه، فإذا حضر احتمل أن يرحمه فيعفو.\nوأُجيب عن ذلك: بأنَّ الأصل أنَّ ما جاز التوكيل فيه جاز استيفاؤه في حضرة الموكل وغيبته، كالحدود الأخرى، وسائر الحقوق، واحتمال العفو بعيد، والظاهر أنه لو عفا لبعث، وأعلم وكيله بعفوه، والأصل عدمه؛ فلا يؤثر، ألا ترى أن قضاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كانوا يحكمون في البلاد، ويقيمون الحدود التي تدرأ بالشبهات مع احتمال النسخ؟ وكذلك لا يحتاط في استيفاء الحدود بإحضار الشهود مع احتمال رجوعهم عن الشهادة، أو تغير اجتهاد الحاكم. انتهى من «المغني» (٧/ ٢٠٣).\nويظهر أن قول مالك، وأحمد أقرب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3227>مسألة [١٤]: إذا وكل الرجل وكيلين، فلمن حق التصرف</span>؟\nذكر أهل العلم على أنه إن وكل كل واحد منهما بانفراده؛ نفذ تصرف كل واحد منهما، وإن وكَّلَهما معًا؛ فلا ينفذ تصرف واحد منهما إلا بموافقة الآخر، وإن اتفقا على شيء؛ نفذ تصرفهما فيه، وإن غاب أحد الوكيلين؛ لم يكن للآخر أن يتصرف.","vol":"6","page":365},{"text":"قال ابن قدامة -﵀- -بعد أن ذكر معنى ما تقدم-: وبما ذكرناه قال أبو حنيفة، والشافعي، ولا نعلم فيه خلافًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3228>مسألة [١٥]: هل للوكيل أن يوكل إنسانًا آخر في العمل الذي وكل فيه</span>؟\nهذه المسألة لها ثلاث حالات:\nالأولى: أن ينهاه الموكل عن التوكيل؛ فلا يجوز له التوكيل بلا خلاف.\nالثانية: أن يأذن الموكل للوكيل في التوكيل؛ فيجوز له التوكيل بلا خلاف.\nالثالثة: أن يطلق له التوكيل، ولا يأذن، ولا ينهاه في التوكيل.\n• فهذه الحالة لها ثلاث صور:\n١) إذا كان العمل مما يترفع الوكيل عن مثله؛ جاز له التوكيل، مثل أن يوكله في تنظيف بيت، وهذا الوكيل مثله لا يعمل هذا العمل، فيكون له إذن في التوكيل بقرينة الحال.\n٢) إذا كان العمل مما يعمله بنفسه، ولكنه يعجز عنه لكثرته؛ فيجوز له التوكيل عند جماعة من الحنابلة، والشافعية، وهو الصحيح؛ لأنَّ توكيله في عملٍ لا يقدر عليه لوحده يدل على إذن الموكل في التوكيل، وقال بعض الشافعية، والحنابلة: ليس له التوكيل إلا فيما زاد على عمله الذي يقدر عليه، والقول الأول أقرب.","vol":"6","page":366},{"text":"٣) ما عدا القسمين السابقين، وهو أن يوكله في عمل لايترفع عنه، ويقدر عليه بنفسه: فمذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وأبي يوسف أنه لا يجوز له التوكيل؛ لعدم وجود إذن صريح، أو إذن بقرينة الحال في ذلك، والوكيل ليس له أن يتصرف إلا فيما أذن له فيه. وذهب أحمد في رواية، وابن أبي ليلى إلى أنه يجوز له التوكيل إذا مرض، أو غاب.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، وأما إذا مرض، أو غاب؛ فليس له أن يوكل حتى يستأذن الموكل؛ فإن تعذر ذلك فيظهر جواز التوكيل إذا غلب على الظن أن في ذلك مصلحة للموكل، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: الوصي على مال اليتيم له أن يوكل؛ لأنَّ الوصي يتصرف بولاية، بدليل أنه يتصرف فيما لم ينص له على التصرف فيه، والوكيل لا يتصرف إلا فيما نُصَّ عليه، وممن نص على ذلك أحمد، والشافعي. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3229>مسألة [١٦]: توكيل ولي النكاح غيره في العقد هل يفتقر إلى إذن موليته</span>؟\n• مذهب جماعة من أهل العلم أنه لا يشترط إذن موليته، وهو الأصح عند الحنابلة، ووجهٌ للشافعية؛ لأنَّ الولاية حق له شرعًا؛ فجاز أن ينيب غيره فيها.\n• وقال بعض الحنابلة، والشافعية: يشترط إذن موليته كما يشترط إذنها إذا أنكحها.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢٠٧ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٢٠٩).","vol":"6","page":367},{"text":"قلتُ: والصواب القول الأول، وقياسهم غير صحيح؛ لأننا نقول: إن الوكيل ليس له تزويجها أيضًا إلا بإذنها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3230>مسألة [١٧]: إذا وكل رجل آخر في الخصومة، فهل يقبل إقراره على موكله بقبض الحق</span>؟\n• مذهب الجمهور أنه لا يقبل إقراره عليه؛ لأنه ليس موكلًا في ذلك، ولأنَّ الإقرار إنما يقبل على النفس، لا على الغير، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي.\n• وقال أبو حنيفة: يقبل إقراره في مجلس الحكم فيما عدا الحدود، والقصاص، وهو قول محمد بن الحسن.\n• وقال أبو يوسف: يقبل إقراره في مجلس الحكم وغيره.\nقلتُ: والصواب قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3231>مسألة [١٨]: إذا وكل رجلًا في الخصومة فهل له أن يبرأ الخصم أو يصالح ببعض الحق</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٢١١): ولا يملك المصالحة عن الحق، ولا الإبراء منه بغير خلافٍ نعلمه؛ لأنَّ الإذن في الخصومة لا يقتضي شيئًا من ذلك. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢١٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٢١١).","vol":"6","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3232>مسألة [١٩]: إذا وكله في إثبات حق، فهل يملك قبضه</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية أنه لا يملك قبضه؛ لأنَّ التوكيل في إثبات الحق لا يتناول الإذن في القبض لغة، أو عرفًا؛ إذ ليس كل من يرضاه لتثبيت الحق يرضاه لقبضه.\n• وقال أبو حنيفة: يملك قبضه؛ لأنَّ المقصود من إثبات الحق هو قبضه، وتحصيله. وأُجيب بما تقدم ذكره.\nقلتُ: والصواب -والله أعلم- قول الحنابلة، والشافعية، ولكن إن ظهر بقرينة الحال أنه يأذن في إثبات الحق، ثم قبضه؛ صح ذلك ويكون توكيلًا فيه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3233>مسألة [٢٠]: إذا وكله في قبض حقه، فهل يكون توكيلًا في إثبات الحق</span>؟\n• مذهب أبي حنيفة وهو أحد الوجهين للحنابلة والشافعية أنه يكون توكيلًا في إثبات الحق؛ لأنَّ الحق لا يقبض إلا بعد إثباته.\n• وقال بعض الحنابلة، والشافعية: ليس له إلا القبض؛ لظاهر التوكيل.\nقلتُ: والقول الأول أقرب؛ إلا أن يظهر أنه أراد توكيله في قبض الحق فقط، كأن يكون وكل إنسانًا آخر في إثبات الحق، أو نحو ذلك، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢١١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٢١١).","vol":"6","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3234>مسألة [٢١]: إذا ادعى الوكيل تلف السلعة أو المال بعد بيع السلعة وأنكر ذلك الموكل</span>؟\nذكر أهل العلم على أن الوكيل يقبل قوله في ذلك؛ لأنه أمين، وهذا مما يتعذر إقامة البينة عليه، وعليه اليمين للموكل بذلك، وإذا ادعى الموكل أن الوكيل فرَّط، أو تعدَّى؛ فعليه البينة، وإلا فالقول قول الوكيل مع يمينه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3235>مسألة [٢٢]: إذ اختلف الموكل والوكيل في التصرف</span>؟\nمثاله: أن يقول الوكيل: بعت الثوب وقبضت الثمن. فيقول الموكل: لم تبع الثوب، ولم تقبض.\n• فمذهب الحنابلة، والحنفية، وبعض الشافعية أن القول قول الوكيل؛ لأنه مؤتمن على ذلك.\n• وقال بعض الشافعية، وبعض الحنابلة: إنَّ القول قول الموكل؛ لأنَّ الوكيل يقر بحق غيره.\nوأُجيب: بأنه موكل في التصرف، فيقبل إقراره فيه، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3236>مسألة [٢٣]: إذا اختلفا في قدر الثمن الذي اشترى به الوكيل</span>؟\nمثاله: أن يقول الوكيل: اشتريت الكتاب بألف. ويقول الموكل: بل اشتريته بخمسمائة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢١٤) «بداية المجتهد» (٤/ ١٠٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٢١٥).","vol":"6","page":370},{"text":"• فمذهب الحنابلة، وهو قولٌ للشافعي أنَّ القول قول الوكيل؛ لأنه مؤتمن.\n• وقال بعض الحنابلة، وهو قول للشافعي: إن القول قول الموكل؛ إلا أن يدعي الوكيل الثمن الذي عينه له الموكل، فيقدم قول الوكيل.\n• وقال أبو حنيفة: إن كان الشراء في الذمة؛ فالقول قول الموكل؛ لأنه غارمٌ، مطالبٌ بالثمن، وإن اشترى بعين المال؛ فالقول قول الوكيل؛ لكونه الغارم؛ فإنه يطالبه برد ما زاد على الخمسمائة.\nقلتُ: والقول الأول أقرب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3237>مسألة [٢٤]: إذا اختلفا في صفة الوكالة</span>؟\nمثاله: أن يقول الموكل: وكلتك في بيعه بألفين. قال الوكيل: بل بألف. أو يقول الموكل: وكلتك ببيعه نقدًا. فيقول الوكيل: بل نسيئة.\n• فمذهب الحنابلة، والشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر أنَّ القول قول الموكل، وذلك لأنَّ الموكل ينفي ما ادعاه الوكيل، ولأنهما اختلفا في صفة قول الموكل؛ فكان القول قوله في صفة كلامه.\n• وعن أحمد رواية، وهوقول بعض أصحابه، أنَّ القول قول الوكيل؛ لأنه أمين في التصرف؛ فكان القول قوله في صفته.\n• وقال مالك: إن أدركت السلعة؛ فالقول قول الموكل، وإن فاتت؛ فالقول\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢١٥).","vol":"6","page":371},{"text":"قول الوكيل؛ لأنها إذ فاتت لزم الوكيل الضمان، والأصل عدمه.\nقلتُ: الظاهر أنَّ القول قول الوكيل؛ لأنه مؤتمن، وعلى الموكل البينة بخلاف ذلك.\nوأما قولهم: (إنه ينفي ما ادعاه الوكيل)؛ فيمكن عكسه، ويقال: إن الوكيل ينفي ما ادعاه الموكل، وأما استدلالهم الآخر؛ فهو استدلال بمحل النزاع.\nوقول مالك جيد لا بأس به، ثم ظهر لي أن قول مالك هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3238>مسألة [٢٥]: إذا اختلف الموكل والوكيل في الرد</span>؟\nمثاله: أن يقول الوكيل: قد رددت عليك سلعتك، أو مالك. وينكر الموكل ذلك.\n• ففيه قولان للحنابلة، والشافعية إذا كانت الوكالة بِجُعل:\nأحدهما: أن القول قول الوكيل مع يمينه؛ لأنه مؤتمن.\nالثاني: أنَّ القول قول الموكل؛ لأنه منكر، والوكيل مدعي.\nوأما إن كانت الوكالة بغير جعل فالحكم عندهم: أنَّ القول قول الوكيل؛ لأنه أخذ العمل لمنفعة غيره، والصحيح أنَّ القول قوله مطلقًا؛ لأنه مؤتمن في الحالتين، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢١٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٢١٥) «بداية المجتهد» (٤/ ١٠٧) «البيان» (٦/ ٤٦٦ - ٤٦٧).","vol":"6","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3239>مسألة [٢٦]: إذا اختلفا في أصل الوكالة</span>؟\nوذلك بأن يدعي أحدهما التوكيل والآخر ينفيه؛ فالقول قول من ينفي الوكالة مع يمينه؛ لأنَّ الأصل عدمها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3240>مسألة [٢٧]: لو وكل رجل آخر أن يدفع مالًا إلى فلان الذي له عليه دين، ثم أنكر الغريم قبضه</span>؟\nلا يقبل قول الوكيل على الغريم؛ لأنه ليس أمينه، وعلى الغريم اليمين أنه لم يقبض المال من الوكيل، فإذا حلف؛ فله مطالبة الموكل؛ لأنَّ ذمته لم تبرأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3241>مسألة [٢٨]: وهل للموكل أن يرجع على الوكيل بذلك المال</span>؟\n• فيه قولان:\nالأول: أنَّ له الرجوع عليه، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنه وكَّله في قضاءٍ يبرئه من الدين، ولم يوجد.\nالثاني: ليس له الرجوع؛ إلا أن يكون أمره بالإشهاد، فلم يفعل، وهذا قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، ووجهٌ لأصحاب الشافعي؛ وذلك لأنه مؤتمن فليس للموكل على الوكيل إلا يمينه، ووجه ضمانه إذا لم يُشْهِد: أنه قصَّر فيما وكل فيه.\nوهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) «المغني» (٧/ ٢١٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٢٢٤) «بداية المجتهد» (٤/ ١٠٧).","vol":"6","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3242>مسألة [٢٩]: إذا وكل رجل آخرَ في أن يودع مالًا له عند فلان، ثم أنكر المودع عنده أن الوكيل أعطاه</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنَّ الوكيل لا يضمن، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأنه مؤتمن، ولأن العمل عند الناس أنَّ المودع عنده لا يؤخذ عليه وثيقة في ذلك.\n• وقال بعض الحنابلة، والشافعية: يضمن الوكيل؛ لأن الوديعة لا تثبت إلا ببينة؛ فهي كالدين.\nوأُجيب: بأنه لا يصح القياس على الدين؛ لأنَّ قول المودع عنده يقبل في الرد والهلاك؛ فلا فائدة في الاستيثاق بخلاف الدين.\nوالصواب القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3243>مسألة [٣٠]: الوكالة عقد جائز</span>.\nذكر أهل العلم أن الوكالة عقد جائز، فلكلٍّ من الوكيل والموكل أن يفسخ الوكالة؛ إلا أنه لا يجوز للوكيل أن يفسخ الوكالة في وقت يتضرر منه الموكل.\nوالوكالة تبطل بالفسخ، أو بموت أحدهما، أو بجنون أحدهما، أو بحجر على سفيه، وأماالمفلس إذا حجر عليه؛ فإنْ كان هو الموكل؛ فتنفسخ الوكالة، وإن كان هو الوكيل؛ فلا تنفسخ الوكالة؛ لأنَّ الحجر على المفلس إنما يحجر على ماله، لا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢٢٥).","vol":"6","page":374},{"text":"على تصرفه في مال غيره، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3244>مسألة [٣١]: إذا تصرف الوكيل بعد عزل موكله، أو موته</span>؟\n• في هذه المسألة قولان لأهل العلم في مذهب مالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم:\nفمنهم من قال: إن تصرفه لا ينفذ؛ لأنه قد عزل، أو قد انتقل المال بالموت إلى الورثة.\nومنهم من قال: يصح تصرفه؛ لأنه مأذون له في التصرف، فلا يمنع من التصرف حتى يعلم بالعزل، أو الموت.\nوهناك قول ثالث: وهوقول بعض الحنابلة، وذكره شيخ الإسلام، واختاره ابن حزم: أنه ينعزل بالموت، ولا يصح تصرفه، وأما بالعزل؛ فلا ينعزل حتى يعلم، كما أنه لا يجوز له التصرف قبل التوكيل حتى يعلم بالتوكيل، وهذا القول هو ظاهر اختيار الشيخ ابن عثيمين وهو أقرب الأقوال فيما يظهر لي، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3245>مسألة [٣٢]: هل تبطل الوكالة بالتعدي فيها</span>؟\n• مذهب الحنابلة، ووجهٌ للشافعية أنها لا تبطل؛ لأن تعديه فيها إساءة لا تخرجه عن كونه مأذونًا له في التصرف، وللشافعية وجهٌ أنَّ الوكالة تبطل\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ٢٣٤) «الشرح الممتع» (٩/ ٣٥٤ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٢٣٤) «بداية المجتهد» (٤/ ١٠٦) «الإنصاف» (٥/ ٣٣٥ - ٣٣٦) «المحلى» (١٣٦٥) (١٣٦٦) «الشرح الممتع» (٩/ ٣٥٥).","vol":"6","page":375},{"text":"كالوديعة.\nوأُجيب: بأن الوديعة أمانة مجردة، فنافاها التعدي والخيانة، والوكالة إذن في التصرف تضمنت الأمانة، فإذا انتفت الأمانة بالتعدي بقي الإذن بحاله.\nوالصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3246>مسألة [٣٣]: إذا وكله في شراء شيء فاشترى غيره</span>؟\n• الأصح في مذهب الحنابلة، وهو مذهب الشافعية عدم الصحة؛ لأنه تصرف في غير ما أذن له، وعن أحمد رواية أنه موقوف على إجازة الموكل، وهذا القول أقرب، والله أعلم، ويُسْتأنس له بحديث عروة البارقي الذي في الباب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3247>مسألة [٣٤]: إن وكله أن يعقد له بامرأة، فعقد له بأخرى</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي عدم الصحة؛ لأنه عقد له بامرأة لم يأذن له فيها، ولابد في الزواج من الرضى، والقبول.\n• وقال أبو حنيفة، وأحمد في رواية: يصح، ويقف على إجازة الموكل؛ قياسًا على البيع.\nوأُجيب: بأنَّ المقصود هنا أعيان الزوجين بخلاف البيع؛ فإنه يجوز أن يشتري\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢٣٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٢٤١).","vol":"6","page":376},{"text":"له من غير تسمية المشترى له؛ فافترقا. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3248>مسألة [٣٥]: هل يجوز للوكيل أن يبيع بدون ثمن المثل أو ما قدر له</span>؟\n• مذهب الجمهور أنه لا يجوز للوكيل أن يبيع بأقل من الثمن الذي قدر له، أو بأقل من ثمن المثل إن لم يقدر له؛ إلا أن ينقص شيئًا يتغابن الناس بمثله؛ فلا بأس.\n• وقال أبو حنيفة: إذا أطلق الوكالة؛ فله أن يبيع بأي ثمن كان؛ لأن لفظه في الإذن مطلق.\nوالصحيح قول الجمهور، ولأنه إذا أطلق انصرف الحكم إلى ما يتعامل به الناس، والله أعلم.\n• فإن خالف الوكيل، وفعل ذلك، فقال بعضهم: يفسد تصرفه، وهو مذهب الشافعي، وأحمد في رواية. وعن أحمد رواية أنَّ تصرفه يصح، ويتحمل النقص، وهذا أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3249>مسألة [٣٦]: إذا وكله بشراء شاة بدينار، فاشترى شاتين كل واحدة منها ثمنها أقل من دينار</span>؟\n• مذهب الجمهور أنَّ الموكل لا يلزمه قبول ذلك؛ لأنه وكله بشراء شاة واحدة تعادل الدينار، بخلاف ما إذا اشترى له شاة تساوي دينارًا، وأخرى أقل\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ٢٤٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٢٤٧ - ٢٤٨) «بداية المجتهد» (٤/ ١٠٧).","vol":"6","page":377},{"text":"من ذلك، أو اشترى شاتين كل واحدة منهما تساوي دينارًا؛ فإنه يلزمه القبول؛ لأنه اشترى له ما طلب وزيادة.\n• وقال أبو حنيفة: يقع للموكل إحدى الشاتين بنصف دينار، والأخرى للوكيل.\nقلتُ: والصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3250>مسألة [٣٧]: إذا اشترى الوكيل لموكله شيئًا بإذنه، فهل ينتقل الملك إلى الموكل مباشرة</span>؟\n• مذهب الجمهور أن الملك ينتقل إلى الموكل مباشرة؛ لأن الملك له، ولأنَّ الوكيل يتصرف لموكله.\n• وقال أبو حنيفة: يدخل في ملك الوكيل، ثم ينتقل إلى الموكل؛ لأنَّ حقوق العقد تتعلق بالوكيل.\nوأُجيب عنه: بعدم التسليم، فحقوق العقد منها ما يكون من شروط العقد، فتتعلق بالعاقد، وهو الوكيل، ومنها ما لا يكون كذلك؛ فلا تتعلق بالوكيل، ثم إنه ينتقض عليه ذلك بتوكيل الزواج؛ فإنه لايصح أن يقال: إنه يملك المرأة قبل الموكل.\nفالصحيح قول الجمهور، وبناءً على ما اختاره أبو حنيفة ههنا؛ فإنه أجاز للمسلم\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢٥١).","vol":"6","page":378},{"text":"توكيل الذمي في شراء الخمر، والخنزير، قال: لأنه يدخل في ملك الذمي، ولا ينتقل إلى ملك المسلم؛ لأنه لايُباح له.\nوقد ردَّ عليه أهل العلم، وبينوا خطأه، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3251>مسألة [٣٨]: إذا باع الوكيل نسيئة بإذن الموكل، فهل للموكل المطالبة بالدين</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ له أن يطالبه بالدين؛ لأنه ملكه وحقه، وقال أبو حنيفة: ليس له ذلك؛ لأن حقوق العقد تتعلق بالوكيل دونه، ولهذا يتعلق به مجلس الصرف والخيار.\nوأُجيب عنه: بنقض قياسه؛ لأنَّ الأمور التي ذكرها من شروط العقد، فتتعلق بالعاقد، وهو الوكيل.\nوأما الثمن؛ فهو حقٌّ للموكل، ومال من أمواله؛ فكانت له المطالبة به، ولا نسلم أن حقوق العقد تتعلق به، وإنما تتعلق بالموكل، وهي تسليم الثمن، وقبض المبيع، والرد بالعيب.\nفأما ثمن ما اشتراه في الذمة؛ فإنه ثبت في ذمة الموكل أصلًا، وفي ذمة الوكيل تبعًا، كالضامن، وللبائع مطالبة من شاء منهما. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢٥٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٢٥٤ - ٢٥٥).","vol":"6","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3252>مسألة [٣٩]: هل للوكيل أن يشتري من نفسه، وكذلك الوصي</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، والثوري أنه لا يجوز لهما ذلك؛ لأنَّ العرف في التوكيل أن يبيع لغيره، ولأنه لو باع لنفسه؛ للحقته التهمة؛ لتنافي الغرضان؛ فإن البائع يرغب في رفع السعر، والمشتري يرغب في خفضه، وهذا قول أبي حنيفة في الوكيل دون الوصي، وهي رواية عن مالك. وثبت عن ابن مسعود -﵁-، بإسناد صحيح، كما في مصنف عبد الرزاق (١٦٤٧٩)، و«الأوسط» لابن المنذر (١٠/ ٣٥٥)، من طريق صلة بن زفر العبسي، قال: جاء رجل من همدان على فرس أبلق إلى عبد الله بن مسعود، وقال: إن رجلًا أوصى إلي بتركته، وإن هذا الفرس من تركته، أفأشتريه؟ قال: لا، ولا تستقرض من أموالهم شيئا.\n• وعن الشافعي وأبي حنيفة: أنه يجوز للأب شراء مال ابنه الطفل من نفسه.\n• ومذهب مالك، والأوزاعي، وأحمد في رواية: صحة ذلك بشرط أن لا يحابي نفسه، ويشتري بثمنه في السوق، أو أكثر، وقال بذلك أبو حنيفة في الوصي دون الوكيل.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا القول أقرب، والله أعلى وأعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢٢٨) «بداية المجتهد» (٤/ ١٠٦)، «الأوسط» (١٠/ ٣٥٥).","vol":"6","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3253>بَابُ الإِقْرَارِ</span>\n[فِيهِ الَّذِي قَبْلَهُ وَمَا أَشْبَهَهُ]\n\n٨٧٧ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «قُلِ الحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا». صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3254>مسألة [١]: تعريف الإقرار</span>.\nالإقرار: مصدر أقرَّ يقرُّ، وهو اعتراف الإنسان بما عليه من حقوق مالية، أو بدنية، أو غير ذلك، والأصل فيه الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ\n_________\n(^١) صحيح من وجه آخر بنحوه. أخرجه ابن حبان (٣٦١)، ضمن حديث طويل، وفي إسناده إبراهيم ابن هشام الغساني، كذبه أبو حاتم وأبوزرعة.\nوصحَّ عن أبي ذر -﵁- بلفظ: أمرني خليلي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بسبع ... فذكرها، وفيه: وأمرني أن أقول بالحق ولو كان مُرًّا.\n\nأخرجه أحمد (٥/ ١٥٩)، وابن حبان (٤٤٩)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٣٥٤)، والطبراني في «الأوسط» (٧٧٣٥)، والبيهقي (١٠/ ٩١)، ومدار طرقه على محمد بن واسع عن عبدالله بن الصامت عن أبي ذر، وهذا إسناد صحيح، وقد رواه عنه كذلك جماعة، انظر «العلل» للدارقطني (٦/ ٢٦١).","vol":"6","page":381},{"text":"قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران:٨١]، وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢].\nوأما من السنة: فحديث أبي ذر المذكور قريبًا، وحديث أبي هريرة الذي قبله، وحديث أنس في «الصحيحين» أنَّ جارية وُجِدَت قد رُضَّ رأسها بين حجرين، فذكرت يهوديًّا، فأخذ اليهودي، فأقر، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يُرض رأسه بين حجرين. (^١)\nوأما الإجماع: فإن الأئمة أجمعوا على صحة الإقرار. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3255>مسألة [٢]: ممن يصح الإقرار</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٢٦٢): ولا يصح الإقرار إلا من عاقل، مختار، فأما الطفل، والمجنون، والْمُبَرْسَمُ، والنائم، والمغمى عليه؛ فلا يصح إقرارهم، لا نعلم في هذا خلافًا. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3256>مسألة [٣]: هل يصح الإقرار من الصبي المميز</span>؟\nأما إذا كان محجورًا عليه؛ فلا يصح إقراره، وقد تقدم بيان ذلك في [كتاب الحجر].\n• وأما إذا كان مأذونًا له في التصرف: فمذهب أحمد، وأبي حنيفة أنه يصح\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٤١٣)، ومسلم برقم (١٦٧٢) (١٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٢٦٢).\n(^٣) وانظر: «المهذب» (٢٠/ ٢٩٠) مع التكملة، «السيل» (٤/ ١٧١).","vol":"6","page":382},{"text":"إقراره فيما أذن له فيه؛ لأنه يصح تصرفه، فيصح إذنه فيه وإقراره.\n• وقال بعض الحنابلة: يصح إقراره في الشيء اليسير دون الكثير. وقال الشافعي: لا يصح إقراره بحال؛ لأنه غير بالغ، وهو مرفوع عنه القلم.\nوأُجيب: بأنه يرفع عنه قلم التكليف والإثم، ولا ينافي ذلك صحة تصرفه إذا أذن له في ذلك، ويدل على صحة تصرفه كماتقدم في باب الحجر قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء:٦]، ومن صح تصرفه صح إقراره.\nقلتُ: والصواب القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3257>مسألة [٤]: هل يصح إقرار من زال عقله بالسكر وغيره</span>؟\nأما إذا زال عقله بسبب مباح، أو معذور فيه؛ فهو كالمجنون لا يسمع إقراره بلا خلاف.\n• وأما إذا زال بمعصية كالسكران: فمذهب الشافعية، وكثير من الحنابلة أنه يصح إقراره، وتجري أفعاله مجرى فعل الصاحي؛ عقوبةً له.\n• وذهب جماعة من الحنابلة وغيرهم إلى أنَّه لا يصح إقراره؛ لأنه فاقد العقل كالمجنون، وهو اختيار ابن قدامة -﵀-، وهو الصواب، ورجحه الشيخ ابن عثيمين -﵀-، وهو مقتضى ترجيح الإمام الوادعي -﵀-. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢٦٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٢٦٣) «المهذب» (٢٠/ ٢٩٠) مع التكملة، «الشرح الممتع» (٦/ ٦٧٠).","vol":"6","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3258>مسألة [٥]: هل يصح إقرار المكره</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀-: وَأَمَّا الْمُكْرَهُ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمَا أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله - ﷺ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (^١)، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِغَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، مِثْلُ أَنْ يُكْرَهَ عَلَى الْإِقْرَارِ لِرَجُلٍ، فَأَقَرَّ لِغَيْرِهِ، أَوْ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَالِ، فَيُقِرَّ بِغَيْرِهِ، أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ، فَأَقَرَّ بِطَلَاقِ أُخْرَى، أَوْ أَقَرَّ بِعِتْقِ عَبْدٍ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ابْتِدَاءً. اهـ\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: إذا أكره على شيء فأقر بخلافه عينًا، أو وصفًا أخذ بإقراره؛ مالم نعلم أنه يريد المبالغة من أجل الفكاك والخلاص ممن أكرهه؛ وذلك لقول رسول الله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وقوله: «إنما أقضي بنحو ما أسمع» (^٢)، ومن سمع هذا وعلم أن الرجل يريد المبالغة لا يمكن أن يوقعه عليه. اهـ (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3259>مسألة [٦]: هل يصح إقرار العبد</span>؟\n• أما إذا أقرَّ على نفسه بما يوجب القصاص بالنفس فمذهب أحمد، وزفر، والمزني، وداود، والطبري أنه يُسقط حقَّ سيده بإقراره، فلا يقبل إقراره؛ لأنه\n_________\n(^١) انظر تخريجه في «جامع العلوم والحكم» رقم (٣٩).\n(^٢) سيأتي في «البلوغ» رقم (١٣٨٨).\n(^٣) انظر: «المغني» (٧/ ٢٦٤) «الشرح الممتع» (٦/ ٦٦٩ - ٦٧٠) «المهذب» (٢٠/ ٢٩٠) مع التكملة.","vol":"6","page":384},{"text":"يصبح إقرارًا على مال غيره؛ فإنَّ العبد مملوك لسيده، ولأنه متهم بالتواطؤ مع رجل في ذلك ليعفو عنه، ويخرج من ملك سيده.\n• ومذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهم أنَّ إقراره في القصاص يُقبل، وهو قول بعض الحنابلة، وذلك لأنه بالغٌ، عاقلٌ يقر على نفسه بما يوجب القصاص، فيقبل منه، وهذا يقدم على حق السيد، واحتمال المواطأة على ما ذكر بعيدة، وينفصل عنها بما قاله ابن قدامة -﵀- في «المغني»، قال: وينبغي على هذا القول أن لايصح عفو ولي الجناية على مال إلا باختيار سيده؛ لئلا يفضي إلى إيجاب المال على سيده بإقرار غيره.\nوقد قال الشوكاني: إنه يقبل إقراره في القصاص، ولا يُقاد إلا بعد العتق، وأما إذا ثبت عليه ما يوجب القصاص غير الإقرار؛ فيُقام عليه مباشرة، وهذا التفصيل لا دليل عليه فيما يظهر؛ لأنَّ الحد يُقام بالبينة وبالإقرار كما هو معلوم في موضعه، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢٦٤ - ٢٦٥) «السيل» (٤/ ١٧٣) «الحاوي الكبير» (٧/ ٤١).","vol":"6","page":385},{"text":"• أما إذا أقر العبد على نفسه بما يوجب المال، أو الحد بدون القتل؛ فالصحيح أنه يقبل إقراره في الحد، فيُقام عليه، كإقراره بالسرقة، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية، وقال أبو حنيفة، وبعض الحنابلة: إذا لم يوافقه السيد على الإقرار؛ فلا يُقام عليه الحد؛ لأن ذلك شبهة يدرأ بها الحد، وهذا غير صحيح؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإن اعترفت فارجمها».\n• وأما إقراره بما يوجب المال؛ فالصحيح أنه يقبل إقراره، ولكن المال لا يتعلق برقبته، ويتبع به بعد العتق، وهذا مذهب الحنابلة، ومذهب الشافعية، واختاره الشوكاني.\n• وذهب بعض الحنابلة إلى أنه يتعلق برقبته، هذا فيما إذا كذبه السيد، ولم يصدقه، أما إذا صدقه السيد، أو قامت على ذلك البينة؛ فهو متعلق برقبة العبد، فإما أن يفديه السيد ويتحمل عنه أرش الجناية، وإما أن يبيعه ويعطيهم منه أرش الجناية أو يدفع العبد لهم مقابل جنايته فهو مخير بين هذه الأمور المذكورة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3260>مسألة [٧]: الإقرار بالدين في المرض المخوف</span>.\n• إذا كان الإقرار بالدين لغير وارث؛ فيصح الإقرار عند أكثر أهل العلم وعامتهم، خلافًا لبعض الحنابلة في أنه لا يقبل كما لا يقبل للوارث، وقال بعضهم: لا يقبل بزيادة على الثلث. والصواب قبوله، وقياسهم على محل نزاع لا يصح، والزيادة على الثلث ممنوع في الوصية لا في الإقرار. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3261>مسألة [٨]: إذا أقر لأجنبي في مرضه المخوف بدين وعليه دين ثابت في صحته، وضاق المال، فما الحكم</span>؟\n• مذهب مالك، والشافعي، وأبي ثور، وبعض الحنابلة أنَّ المال يقسم بينهم بالسوية كلٌّ على قدر دينه؛ لأنها كلها ديون ثابتة عليه.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢٦٥) «الإنصاف» (٥/ ١٢٤ -) «الحاوي» (٥/ ٤٢) «السيل» (٤/ ١٧٣) «الشرح الممتع» (٩/ ٣١٧ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٣٣١) «المهذب» (٢٠/ ٢٩٣) مع التكملة.","vol":"6","page":386},{"text":"• ومذهب أحمد، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي أنه يبدأ بدين الصحة؛ لأن ثبوته أقوى من ثبوت الدين الآخر، وهذا القول غير صحيح، ولا دليل عليه، والصواب القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3262>مسألة [٩]: إذا أقر لوارث في مرضه المخوف بدين</span>؟\n• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنَّ الإقرار لا يقبل، وهو قول شريح، والنخعي، ويحيى الأنصاري، والقاسم، وسالم، والحنابلة، والحنفية، وقولٌ للشافعي؛ لأنه إعطاء المال لوارث، وذلك لا يجوز، وهو موضع تهمة؛ فلا يُقبل.\n• ومذهب جماعة من أهل العلم صحة الإقرار وقبوله، وهو قول عطاء، والحسن، وإسحاق، وأبي ثور، والشافعي، وقال به مالك، وقيده بما إذا لم يتهم بإقراره.\nقلتُ: والصواب قبول إقراره؛ إلا أن تظهر قرائن قوية تدل على عدم صحة الإقرار؛ فلا يقبل. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3263>مسألة [١٠]: إذا أقر لامرأته بمهر مثلها، أو دونه</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٣٣): وَإِنْ أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ دُونَهُ؛ صَحَّ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا الشَّعْبِيَّ قَالَ: لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثٍ. وَلَنَا أَنَّهُ إقْرَارٌ بِمَا تَحَقَّقَ سَبَبُهُ، وَعُلِمَ وُجُودُهُ،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٣٢) «المهذب» (٢٠/ ٢٩٣) مع الشرح.\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٣٣٢) «المهذب» (٢٠/ ٢٩٣) مع الشرح.","vol":"6","page":387},{"text":"وَلَمْ تُعْلَمْ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِبَيِّنَةٍ، فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُوَفِّهِ، وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَى مِنْ وَارِثِهِ شَيْئًا، فَأَقَرَّ لَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ، فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3264>مسألة [١١]: إذا أقر الوارث بدين على مورثه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٢٨): إذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ بِدَيْنٍ عَلَى مَوْرُوثِهِ؛ قُبِلَ إقْرَارُهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. وَيَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِتَرِكَةِ الْمَيِّتِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْمَيِّتُ قَبْلَ مَوْتِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً، لَمْ يُلْزَمْ الْوَارِثُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ دَيْنِهِ إذَا كَانَ حَيًّا مُفْلِسًا، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَيِّتًا، وَإِنْ خَلَّفَ تَرِكَةً، تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِهَا؛ فَإِنْ أَحَبَّ الْوَارِثُ تَسْلِيمَهَا فِي الدَّيْنِ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا ذَلِكَ، وَإِنْ أَحَبَّ اسْتِخْلَاصَهَا وَإِيفَاءَ الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3265>مسألة [١٢]: إذا أقر وارث واحد بذلك، ولم يقر بقية الورثة</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذي أقرَّ يلزمه من الدين بقدر ميراثه؛ فإن ورث النصف، فعليه نصف الدين، وإن ورث الربع، فعليه ربع الدين ....، وهكذا، وهذا قول النخعي، والحسن، والحكم، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، والشافعي في القديم.\n• وقال الشافعي، وأصحاب الرأي: يلزمه جميع الدين؛ فإن كان لا يفي ميراثه به؛ فعليه جميع ميراثه؛ لأنَّ الدين يتعلق بتركته، فلا يستحق الوراث منها إلا ما فضل من الدين.","vol":"6","page":388},{"text":"وأُجيب: بأنه أقرَّ بأن الدين على الميت؛ فيتعلق الدين بالتركة كلها؛ فلزمه منها بقدر ميراثه. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3266>مسألة [١٣]: الاستثناء في الإقرار</span>.\nأما إذا استثنى شيئًا من جنس ما أقر به؛ فجائز بلا خلاف في الجملة.\n• وأما إذا كان الاستثناء من غير الجنس: فمذهب أحمد، وزُفر، ومحمد بن الحسن أنه لا يصح، وحجتهم أن الاستثناء إخراجٌ لما تناوله اللفظ الأول، فلا حاجة للاستثناء المنقطع ههنا.\n• ومذهب مالك، والشافعي صحة الاستثناء المنقطع؛ لأنه مستعمل في القرآن، والسنة، واللغة، ولأنه قد يتناوله اللفظ الأول تبعًا لا أصلًا، وهذا أقرب، والله أعلم.\nوقد اشترط أهل العلم في الاستثناء أن يكون متصلًا بالإقرار، ويصح الاستثناء بكل أدواته. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3267>مسألة [١٤]: استثناء الكل</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٢٧٣): ولا يصح استثناء الكل بغير خلاف. اهـ يعني: ويلزمه ما أقر به.\n_________\n(^١) وانظر «المغني» (٧/ ٣٢٨).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٧/ ٢٦٨ - ٢٧٠، ٢٧٢).","vol":"6","page":389},{"text":"قلتُ: ويظهر أن مثل هذا لا يقوله إلا هازل؛ فلا يلزم بالإقرار حتى يتبين أنه يقر بذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3268>مسألة [١٥]: استثناء الأكثر</span>.\n• الجمهور على صحة الاستثناء، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢]، فقالوا: استثنى الغاوين، وهم أكثر من المخلصين.\n• ومذهب الحنابلة عدم صحة هذا الاستثناء؛ لأنَّ المستعمل في اللغة هو استثناء الأقل لا الأكثر، وأجابوا عن الآية بجوابين: أحدهما: دخول الملائكة في قوله ﴿عِبَادِي﴾. والثاني: أن الاستثناء منقطع، والمعنى: لكن من اتبعك من الغاوين لك عليهم سلطان. وهذا الجواب أقرب من الذي قبله.\nقلتُ: ولا يلزم من كونه لم يستعمل في اللغة أنه إذا استعمله إنسان في الإقرار أنه لا يصح منه؛ لأنَّ الإقرار راجعٌ إلى ما أراده هو نفسه بإقراره، فلو قال: له علي مائة إلا ثمانين. وهو يريد الإقرار بالعشرين فقط، فكيف نلزمه بالثمانين بحجة أن هذا ليس مستعملًا في اللغة، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: اختلف الحنابلة على قولين فيما إذا استثنى النصف. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢٩٢ -).\n(^٢) «المغني» (٧/ ٢٩٣).","vol":"6","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3269>مسألة [١٦]: من ادُّعِي عليه شيءٌ فقال: قد كان له عليَّ ذلك، ثم قضيته</span>؟\n• ذهب أحمد في رواية، والشافعي في قولٍ إلى أنه ليس بإقرار؛ لأنه إقرار مقرون بما ينافيه.\n• وذهب أحمد في رواية، والشافعي في قولٍ -وهو قول أبي حنيفة- إلى أنه يعتبر إقرارًا؛ لأنه أقرَّ بذلك، ثم ادعى القضاء؛ فإن جاء ببينة أنه قد قضى، وإلا فله يمين المنكر، وهو صاحب المال.\nوهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3270>مسألة [١٧]: لو قال: كان له عليَّ ألف. وسكت</span>؟\n• مذهب الحنابلة، وأبي حنيفة، وبعض الشافعية -وهو قولٌ للشافعي- أنه يلزمه الألف؛ لأنه أقر بأنه كان عليه، ولم يدع القضاء، بل سكت.\n• ومذهب الشافعي في القول الآخر أنه لا يلزمه؛ لأنه أخبر عن ذلك بزمن الماضي، ولم يذكر على نفسه شيئًا في الحال.\nوالقول الأول أقرب؛ فإن ادعى القضاء قُبِلَ ادِّعَاؤه؛ لأنَّ دعواه لا تنافي إقراره؛ فإن لم ينكر صاحب المال؛ فلا إشكال، وإن أنكر ذلك؛ فعليه اليمين. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢٧٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٢٧٧).","vol":"6","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3271>مسألة [١٨]: رجوع المقر عن إقراره</span>.\nرجوعه في حق الآدميين، وحق الله تعالى في غير الحدود لا يُقبل عند أهل العلم؛ لأنه قد أقر على نفسه بذلك، وهو عاقل بالغ.\nقال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا.\nوقال ابن حزم ما معناه: إنه اتفاق منا ومنهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3272>مسألة [١٩]: إذا أقر بدرهم، ثم أقرَّ بدرهم، فكم يلزمه</span>؟\n• مذهب الجمهور أنه يلزمه درهم واحد؛ إلا أن يقول في الثاني: درهم آخر. وقال أبو حنيفة: يلزمه درهمان. وهو قول ضعيفٌ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3273>مسألة [٢٠]: إذا قال له: عليَّ درهم، بل درهمان</span>.\n• يلزمه درهمان عند الحنابلة، والشافعية؛ لأنه أضرب عن الدرهم، واعترف بدرهمين. وقال داود وزُفر: يلزمه ثلاثة؛ لأنه أقرَّ أولًا بدرهم، ولا يقبل رجوعه عنه، ثم أقر بدرهمين.\nوأجاب الجمهور: بأنه لم يرجع عن الإقرار بدرهم، ولكنه أضاف إليه درهمًا بالإقرار.\nوقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢٧٨) «المحلى» (١٣٧٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٢٨٥).\n(^٣) انظر: «المغني» (٧/ ٢٨٦).","vol":"6","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3274>مسألة [٢١]: إذا قال: له عليَّ ألف درهم إلا خمسينًا. أو قال: له عليَّ ألف إلا خمسين درهمًا. فبماذا يفسر المبهم</span>؟\n• قال بعض الحنابلة، وأبو ثور: المبهم يكون أيضًا من الدراهم؛ لأنَّ الأصل أنَّ الاستثناء يكون من الجنس.\n• وقال مالك، والشافعي، وبعض الحنابلة: لا يقبل وهو مبهم حتى يفسره. وهذا أقرب؛ إلا أنه إذا تعذر ذلك؛ فالأصل أنه من جنسه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3275>مسألة [٢٢]: الإقرار بالمجهول</span>.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَإِذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ شَيْءٌ. أَوْ كَذَا. صَحَّ إقْرَارُهُ، وَلَزِمَهُ تَفْسِيرُهُ. وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَيُفَارِقُ الدَّعْوَى، حَيْثُ لَا تَصِحُّ مَجْهُولَةً؛ لِكَوْنِ الدَّعْوَى لَهُ وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهِ. اهـ\nتنبيه: لا يُقبل التفسير إلا إن كان يحتمله اللفظ المبهم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3276>مسألة [٢٣]: إذا قال: له عليَّ مال. فهل يقبل تفسيره بالقليل</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنه يُقبل تفسيره بقليل المال وكثيره؛ لأنَّ كله يطلق عليه مال.\n• وقال أبو حنيفة: لا يقبل تفسيرٌ بغير المال الزكوي؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٢٩٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٣٠٣ - ٣٠٤).","vol":"6","page":393},{"text":"أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣].\n• وعن مالك ثلاثة أوجه، وجهان كما تقدم، والثالث ما يقطع به السارق، ويصح مهرًا.\nقلتُ: والصواب القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3277>مسألة [٢٤]: إذا قال: له عليَّ مال كثير</span>.\n• مذهب أحمد، والشافعي أنه يجوز تفسيره بالقليل والكثير؛ لأنَّ القليل قد يكون كثيرًا عند بعض الناس.\n• وعن أبي حنيفة: أقله عشرة دراهم، وعنه: مائتا درهم، وهو قول صاحبيه.\n• وعن المالكية أقوال كالمسألة السابقة.\nوالصواب القول الأول، ويظهر من كلامهم أنه إن أقرَّ بمبلغ لا يصلح في عرفهم أن يطلق عليه أنه كثير أنَّ ذلك لا يقبل، بل لا يصح إلا ما كان يصح أن يُطلق عليه كثير، ولو بالنسبة لبعض الناس، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3278>مسألة [٢٥]: لو قال: له عندي رهن. فقال المالك: بل وديعة</span>.\nيقدم قول المالك؛ لأنَّ ذلك أقر أنها ملك الآخر، وادَّعى أنها رهن، ولكن على المالك اليمين؛ لأنه بذلك ينكر الدين الذي ادَّعاه الآخر أو ينكر وثيقته بالرهن. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٠٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٥/ ٣٠٦).\n(^٣) انظر: «المغني» (٧/ ٣١٠).","vol":"6","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3279>مسألة [٢٦]: إذا أقر أحد الوارثَينِ بوارث ثالث، فهل يقبل إقراره</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣١٤ - ٣١٥): لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِي حَقِّ المُقِرِّ دُونَ المُنْكِرِ، وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِي حَقِّهِمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مُنْكِرٌ، وَلَمْ تُوجَدْ شَهَادَةٌ يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ، وَلَكِنَّهُ يُشَارِكُ المُقِرَّ فِي الْمِيرَاثِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.\nوَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُشَارِكُهُ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ.\nوَقَالَ إبْرَاهِيمُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يُقِرُّوا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، فَلَا يَرِثُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ مَعْرُوفِ النَّسَبِ.\nقال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ مَالٍ لَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِهِ؛ فَلَزِمَهُ الْمَالُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِبَيْعٍ أَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ، فَأَنْكَرَ الْآخَرُ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور هو الصواب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3280>مسألة [٢٧]: كم يجب على المقر أن يعطي من أقر له</span>؟\n• الجمهور من أهل العلم على أنَّ عليه أن يعطيه ما فضل في يده عن ميراثه بحساب أنَّ المقر له وارث.\nوهذا قول ابن أبي ليلى، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وأبي عبيد، وأبي ثور وغيرهم.\n• وقال أبو حنيفة: إذا كانا اثنين، فأقر أحدهما بوارث؛ فإنْ كان أخًا؛ لزمه دفع","vol":"6","page":395},{"text":"نصف ما في يده، وإن أقرَّ بأخت؛ لزمه ثلث ما في يده؛ لأنَّ المنكر أخذ ما لا يستحق من التركة كالغاصب، فيتقاسمان ما بقي كما لو لم يكن موجودًا.\nوأُجيب عن ذلك: بأن الغاصب يأخذه بغير حقٍّ، والوارث أخذه بحق، ولأنَّ الآخر بإقراره استحق المقر له نصيبه من التركة، فيعطيه ما كان في يده منها؛ فالصواب قول الجمهور. (^١)\nتنبيه: هذه المسألة والتي قبلها فيما إذا لم توجد بينة، ولم يوجد إلا الإقرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3281>مسألة [٢٨]: الإقرار الذي يثبت به النسب</span>.\n• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي يوسف أنه يثبت بإقرار جميع الورثة، سواء كان الورثة واحدًا، أو جماعة، ذكرًا أو أنثى؛ لأن الوارث يقوم مقام الميت في ميراثه، وديونه، والديون التي عليه، وبيناته ودعاويه، وكذلك في النسب.\n• وقال أبو حنيفة: لا يثبت إلا بإقرار رجلين، أو رجل وامرأتين.\n• وقال مالك: لا يثبت إلا بإقرار اثنين كالشهادة؛ فإنه يحمل النسب على غيره.\nوأُجيب: بأنه حقٌّ يثبت بالإقرار؛ فلم يعتبر فيه العدد كالدين، ولأنه قولٌ لا تعتبر فيه العدالة؛ فلم يعتبر العدد فيه، كإقرار الموروث، واعتباره بالشهادة لا يصح؛ لأنه لا يعتبر فيه اللفظ، ولا العدالة، ويبطل بالإقرار بالدين. انتهى ملخصًا من «المغني» (٧/ ٣١٦ - ٣١٧).\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣١٥).","vol":"6","page":396},{"text":"قلتُ: والصواب هو القول الأول، والله أعلم.\nشروط الإقرار بالنسب:\n١) أن يكون المقر به مجهول النسب؛ فلا يقبل الإقرار بإنسان له نسب معلوم بخلاف ذلك.\n٢) أن لا ينازع فيه منازع، فإذا وُجد منازع؛ فلا يقبل الإقرار، ولابد من البينات.\n٣) أن يمكن الصدق فيما أقر فيه.\n٤) أن يكون المقر به ممن لا قول له، كالمجنون، والصبي، وممن له قول كالمكلف بشرط أن يصدق المقر بذلك.\n٥) أن يكون المقر جميع الورثة؛ فلا يثبت النسب إذا نفاه بعضهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3282>مسألة [٢٩]: إذا أقر إنسان بنسب ميتٍ</span>.\n• إن كان صغيرًا، أو مجنونًا: فمذهب الحنابلة، والشافعي أنه يثبت النسب، والميراث بالشروط السابقة.\n• وللحنابلة احتمال أنه يثبت نسبه ولا يرث.\n• وقال أبو حنيفة: لا يثبت نسبه ولا يرث.\nورجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- أنَّ الإقرار يصح؛ إلا إذا وجدت قرائن تدل\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣١٧ -).","vol":"6","page":397},{"text":"على عدم صدقه، فلا يقبل.\nوهذا أقرب الأقوال، والله أعلم.\n• وأما إن كان كبيرًا: فمذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أنه يصح كذلك. وللحنابلة وجهٌ أنه لا يصح؛ لأنَّ نسب المكلف لا يثبت إلا بتصديقه، ولم يوجد.\nوأُجيب: بأنه تعذر ههنا، وأصبح غير مكلف.\nوالظاهر أنَّ القول ههنا كالذي قبله، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٢٣) «الشرح الممتع» (٦/ ٦٧٨ -) ط/الآثار.","vol":"6","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3283>بَابُ العَارِيَةِ</span>\n٨٧٨ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ. وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\n٨٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَدِّ الأَمَانَةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُوحَاتِمٍ الرَّازِيّ. (^٢)\n\n٨٨٠ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا أَتَتْك رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلَاثِينَ دِرْعًا» قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ، أَوْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَالَ: «بَلْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٣)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٥/ ٨، ١٢، ١٣)، وأبوداود (٣٥٦١)، والنسائي في «الكبرى» (٥٧٨٣)، والترمذي (١٢٦٦)، وابن ماجه (٢٤٠٠)، والحاكم (٢/ ٤٧)، من طريق الحسن عن سمرة به. وإسناده ضعيف؛ لأن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة ثم هو مدلس ولم يصرح بالتحديث.\n(^٢) ضعيف. أخرجه أبوداود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤)، والحاكم (٢/ ٤٦)، من طريق طلق بن غنام قال حدثنا شريك وقيس عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة به.\nقال أبوحاتم كما في «العلل» لابنه (١١١٤): لم يرو هذا الحديث غيره. وقال: روى حديثًا منكرًا، فذكره. قال الحافظ في «التلخيص» (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠): تفرد به طلق ثم ذكرله شواهد من حديث أنس وأبي بن كعب وأبي أمامة ولا تصلح للتقوية ثم قال: قال الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت. وقال ابن الجوزي: لا يصح من جميع طرقه، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: هذا حديث باطل لا أعرفه من وجه يصح. اهـ وانظر «العلل المتناهية» (٢/ ١٠٢ - ١٠٣).\n(^٣) صحيح. أخرجه أبوداود (٣٥٦٦)، والنسائي في «الكبرى» (٥٧٧٦) (٥٧٧٧)، وأحمد (٤/ ٢٢٢)، وابن حبان (٤٧٢٠)، من طريق همام عن قتادة عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه، واللفظ لأبي داود والنسائي. وإسناده صحيح على شرط الشيخين.","vol":"6","page":399},{"text":"٨٨١ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ. فَقَالَ: أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: «بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\n٨٨٢ - وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا ضَعِيفًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٣٥٦٢)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٤١٠) (٥٧٧٩)، والحاكم (٢/ ٤٧)، من طريق شريك عن عبدالعزيز بن رفيع عن أمية بن صفوان عن أبيه به.\nوإسناده ضعيف؛ لضعف شريك وجهالة حال أمية بن صفوان، وقد روي الحديث على أوجه مختلفة، فمنها ما تقدم.\nومنهم من رواه عن عبدالعزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن عبدالرحمن بن صفوان مرسلًا.\nومنهم من رواه عن جرير عن عبدالعزيز بن رفيع عن أناس من آل عبدالله بن صفوان مرسلًا.\nومنهم من رواه عن عبدالعزيز عن عطاء عن ناس من آل صفوان مرسلًا.\nوقد أشار إلى اضطرابه البخاري في «التاريخ» (٢/ ٨) وجزم بذلك الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١١/ ٢٩٢ - ٢٩٦)، وابن عبدالبر وابن التركماني في «الجوهر النقي على سنن البيهقي» (٦/ ٩٠).\nتنبيه: اختلف في حديث صفوان في ذكر اشتراط الضمان، كما اختلف في الأسانيد، وقد بين ذلك الطحاوي في المصدر المذكور سابقًا.\n(^٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٤٧)، وفي إسناده إسحاق بن عبدالواحد القرشي، وهو شديد الضعف، قال أبوعلي الحافظ: متروك، وقال الذهبي: واهٍ.\nوله شاهد من حديث جابر بن عبدالله: أخرجه الحاكم (٣/ ٤٨ - ٤٩)، وفي إسناده أحمد بن عبدالجبار العطاردي، قال الدارقطني: لا بأس به، وضعفه بقية الحفاظ أو أكثرهم. وكذبه مطين الحضرمي، ودافع عنه الخطيب، ومثل هذا لا تطمئن النفس للاستشهاد به.\nوله شاهد مرسل عند البيهقي (٦/ ٨٩)، من طريق جعفر بن محمد عن أبيه مرسلًا.\n\nقلت: ومحمد بن علي غالب روايته عن التابعين، فمرسله ضعيف، والله أعلم.","vol":"6","page":400},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3284>مسألة [١]: تعريف العارية</span>.\nالعاريَّة: بتشديد الياء وتخفيفها، هي إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائها، ثم يردها على مالكها.\nوسُمِّيت عارية، قيل: من عار الشيء إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للبطال: عيَّار لتردده في بطالته. وقيل: من العُري وهو التجرد؛ لتجردها من العوض. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3285>مسألة [٢]: مشروعية العارية</span>.\nدَلَّ على مشروعيتها، واستحبابها الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من كتاب الله ﷿: فقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٧]، فذمَّ تعالى من يمنعها.\nوأما من السنة: فأحاديث الباب، ومعها حديث أبي أمامة المتقدم عند أبي داود (٣٥٦٥) وغيره، وهو حديث حسن، وفيه: «والعارية مؤداة».\nوأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على مشروعيتها؛ للأدلة المتقدمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3286>مسألة [٣]: هل تجب العارية</span>؟\n• أكثر أهل العلم على عدم وجوبها، واستدلوا بحديث: «ليس في المال حقٌّ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٤٠)، «روضة الطالبين» (٤/ ٤٢٦)، «توضيح الأحكام» (٤/ ٥٧٠)، «الإنصاف» (٦/ ٩٤).","vol":"6","page":401},{"text":"سوى الزكاة» (^١)، ولكن يُغني عنه حديث طلحة بن عبيد الله أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر الأعرابي بالزكاة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا إلا أن تتطوع» متفق عليه.\n• وذهب ابن حزم، ثم شيخ الإسلام إلى وجوب العارية لمن كان محتاجًا إليها، وهو عنها غني، ويأمن على عاريته عند المستعير؛ لظاهر الآية: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، ففيها ذم لمن يمنع، وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: كنا نعد الماعون عارية القِدْر والدَّلْو على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. أخرجه أبوداود (١٦٥٧)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٢)، وغيرهما.\nوأجاب الجمهور عن الآية: بأنه قد اختلف في تفسيرها، فقد فسرت بالزكاة، وبتفاسير أخرى.\nقلتُ: وقد صحَّ التفسير السابق عن ابن عباس أيضًا، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٣) بإسناد صحيح.\nقال ابن حزم -﵀-: ولا نعلم عن أحد من الصحابة -﵃- خلافًا لهذا.\nقال: فإن قيل: قد رُوي عن علي -﵁- أنها الزكاة (^٢). قلنا: نعم، ولم يقل: ليست\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٧٨٩) من حديث فاطمة بنت قيس -﵂-، وفي إسناده: أبو حمزة ميمون الأعور، وفيه ضعف، وقد اختلف في لفظه، وفي إسناده، فقد رواه بعض الثقات عن الشعبي مرسلًا، وهو الصحيح كما في «التلخيص» (٢٧٨٠).\n(^٢) أخرجه ابن جرير في تفسير [سورة: الماعون، آية رقم: ٧]، حدثني ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قال علي -﵁-: ﴿الماعون﴾: (الزكاة). وهذا إسناد صحيح، وقد قيل: إن مجاهدًا لم يسمع من علي -﵁-، ويروي عنه بواسطة عبد الرحمن بن أبي ليلى، ولكن قد وجدنا البخاري -﵀- أثبت سماعه منه كما في «التاريخ الكبير».","vol":"6","page":402},{"text":"العارية. ثم قد جاء عنه أنها العارية؛ فوجب جمع قوليه.\nقلتُ: وقد رجَّح ابن جرير -﵀- أنَّ الآية تشمل الأمرين، وهو الأقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3287>مسألة [٤]: تصح العارية في كل منفعة مباحة</span>.\nذكر أهل العلم أن العارية تجوز في كل منفعة مباحة، ولا يجوز بالإجماع إعارة أمة للاستمتاع بها.\n• وأما إعارتها للخدمة؛ فإنْ أعارها لمحرم، أو امرأة؛ جاز، وأما إعارتها لأجنبي؛ فلا يجوز عند كثير من أهل العلم إذا كانت شابة تُشتَهى؛ لخوف الفتنة، وأما إن كانت عجوزًا، أو قبيحة، فأجازها بعضهم.\nورجَّح الشيخ ابن عثيمين -﵀- عدم الجواز أيضًا؛ لخوف الفتنة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3288>مسألة [٥]: إعارة العبد المسلم للكافر</span>.\n• قال جماعة من أهل العلم بعدم جواز ذلك؛ لأنَّ فيه إذلالًا للمسلم عند الكافر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]، وقال بعضهم بالكراهة، وبعضهم بالجواز، والراجح الأول. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٤٠ - ٣٤١)، «الإنصاف» (٦/ ٩٥)، «المحلى» (١٦٥١).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٦/ ٩٥)، «روضة الطالبين» (٤/ ٤٢٧)، «المغني» (٧/ ٣٤٥ -).\n(^٣) انظر: «الإنصاف» (٦/ ٩٥)، «روضة الطالبين» (٤/ ٤٢٨)، «المغني» (٧/ ٣٤٦).","vol":"6","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3289>مسألة [٦]: ماذا يُعتبر في الْمُعِير</span>؟\nيُعتبر في المعير أن يكون جائز التصرف في العين المعارة، وعلى هذا فلا تصح إعارة المحجور عليه لجنونٍ، أو صِغَرٍ، أو سَفَهٍ، أو فَلَسٍ، ويجوز للمستأجر أن يعير العين المؤجرة؛ لأنه مالكٌ للانتفاع. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3290>مسألة [٧]: بم تنعقد العارية</span>؟\nذكر أهل العلم أنها تنعقد بكل فعلٍ، أو لفظٍ يدل عليها، مثل قوله: (أعرتك هذه)، أو: (أبحتك الانتفاع بهذه)، أو: (خذ هذا فانتفع به)، أو يسأله شيئًا ينتفع به، فيسلمه إياه؛ لأنه إباحة للتصرف، فصحَّ بالقول والفعل الدال عليه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3291>مسألة [٨]: هل تضمن العارية إذا لم يتعد أو يفرط فيها</span>؟\n• في هذه المسألة قولان لأهل العلم:\nالقول الأول: أنها تضمن. صح ذلك عن ابن عباس -﵄-، وجاء عن أبي هريرة -﵁-، وفي إسناده مجهول، وهو قول عطاء، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nواستدلوا على ذلك بحديث سمرة، وأبي هريرة، وصفوان المذكورة في الباب، وبحديث: «العارية مؤداة»، قالوا: فأمر بتأديتها، وذلك يدل على أنه يضمنها إذا تعذر تأديتها بتلفها.\nالقول الثاني: أنها لا تضمن إلا إذا تعدى، أو فرَّط، وهو قول الحسن،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٤٥) «روضة الطالبين» (٤/ ٤٢٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٣٤٥) «الروضة» (٤/ ٤٢٩ - ٤٣٠).","vol":"6","page":404},{"text":"والنخعي، والشعبي، وعمر بن عبدالعزيز، والثوري، وأبي حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وابن شبرمة، والظاهرية، ورواية عن أحمد.\nواستدلوا على ذلك بحديث يعلى بن أمية الذي في الباب، ففيه تفريق بين المضمونة، والمؤداة، قالوا: ولا يلزم من كون العارية يجب تأديتها أن تكون مضمونة؛ وإلا لوجب ضمان الوديعة أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، قالوا: وقد أخذها المستعير بإذن المعير، ورضاه، فما وجه تضمينه إذا لم يتعد فيها؟\nواستدل بعضهم بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «ليس على المستعير غير المُغِلِّ ضمان».\nوالمُغِل: أي المتهم. أخرجه البيهقي (٦/ ٩١)، وفي إسناده ضعيفان، وبَيَّن البيهقي أنَّ الراجح وقفه على شريح.\nقلتُ: وهذا القول اختاره الإمام ابن القيم، ثم الشيخ ابن عثيمين رحمهما الله، وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3292>مسألة [٩]: وهل يضمن إذا اشترط ذلك المعير</span>؟\n• أما الذين قالوا بالضمان؛ فهذا الاشتراط عندهم جائز صحيح؛ لأنه يشترط ما هو له توكيدًا.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٤١) «المحلى» (١٦٥٢) «الروضة» (٤/ ٤٣١) «الإنصاف» (٦/ ١٠٤) «الشرح الممتع» (٤/ ٣٨٧) ط/الآثار، «الأوسط» (١١/ ٣٥٣ -).","vol":"6","page":405},{"text":"• وأما الذين يقولون بعدم الضمان؛ فمقتضى قول أكثرهم أنه لا يضمن بالاشتراط كما تقدم في باب شروط البيع.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا شرط المعير الضمان؛ كان الضمان على المستعير، ذكره ابن حزم عن عثمان البتي، وقتادة، وقال به بعض الحنابلة، وذكره في «الإنصاف» رواية عن أحمد، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين -﵀-، وهو الصواب، والله أعلم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «المسلمون على شروطهم»، وعليه يحمل حديث صفوان الذي في الباب إن سُلِّمَ بثبوته، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: إذا اشترط المستعير أنه ليس عليه ضمان، فالذين يقولون: (إنه ليس عليه الضمان) فالشرط عندهم صحيح؛ لأنه يشترط ما هو له توكيدًا، وأما الذين يقولون: (إن الضمان عليه) فيقولون: شرطه غير صحيح. وهو قول أحمد، والشافعي، وعن أحمد رواية بصحة الاشتراط. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3293>مسألة [١٠]: إذا تلف شيء من أجزاء العارية</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٤٣): وإن تلف شيءٌ من أجزائها التي لا تذهب بالاستعمال فعليه ضمانها؛ لأن ما ضمن جملته ضمنت أجزاؤه\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٤٢ -) «الإنصاف» (٦/ ١٠٤ - ١٠٥) «المحلى» (١٦٥٢) «الشرح الممتع» (٤/ ٣٨٧) ط/الآثار، «الأوسط» (١١/ ٣٥٦).\n(^٢) انظر المصادر السابقة، و«روضة الطالبين» (٤/ ٤٣١).","vol":"6","page":406},{"text":"كالمغصوب، وأما أجزاؤها التي تذهب بالاستعمال كخمل المنشفة، والقطيفة، وخف الثوب يلبسه، ففيه وجهان، أحدهما: يجب ضمانه؛ لأنها أجزاء عين مضمونة فكانت مضمونة، ولأنها أجزاء يجب ضمانها لو تلفت العين قبل استعمالها؛ فتضمن إذا تلفت وحدها كسائر الأجزاء. والثاني: لا يضمنها، وهو قول الشافعي؛ لأن الإذن في الاستعمال تضمنه؛ فلا يجب ضمانه كالمنافع. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أما ما تلف بسبب الاستعمال المأذون فيه؛ فليس عليه شيء، وأما ما تلف بغير ذلك؛ فعليه الضمان إذا تعدى، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3294>مسألة [١١]: الإعارة المطلقة والمقيدة</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٤٦): وَتَجُوزُ الْإِعَارَةُ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةٌ، فَجَازَ فِيهَا ذَلِكَ، كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ. وَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ.\nقال: فَإِذَا أَعَارَهُ شَيْئًا مُطْلَقًا؛ أُبِيحَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي كُلِّ مَا هُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ، فَإِذَا أَعَارَهُ أَرْضًا مُطْلَقًا؛ فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا، وَيَغْرِسَ، وَيَبْنِيَ، وَيَفْعَلَ فِيهَا كُلَّ مَا هِيَ مُعَدَّةٌ لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مُطْلَقٌ. اهـ\nثم ذكر كلامًا معناه: أنه إذا أعاره في شيء مقيد؛ فلا ينتفع به إلا في ذلك الشيء المقيد، وفيما هو أقل ضررًا منه، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٥/ ١٠٦).\n(^٢) وانظر: «روضة الطالبين» (٤/ ٤٣٥).","vol":"6","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3295>مسألة [١٢]: الإعارة المطلقة والمؤقتة، وهل له الرجوع فيهما</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٤٩ -): وَتَجُوزُ الْعَارِيَّةِ مُطْلَقَةً وَمُؤَقَّتَةً؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةٌ، فَأَشْبَهَتْ إبَاحَةَ الطَّعَامِ. وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ فِي الْعَارِيَّةِ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُطْلَقَةً أَوْ مُؤَقَّتَةً؛ مَالَمْ يَأْذَنْ فِي شَغْلِهِ بِشَيْءِ يَتَضَرَّرُ بِالرُّجُوعِ فِيهِ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً؛ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ تُؤَقَّتْ لَهُ مُدَّةٌ؛ لَزِمَهُ تَرْكُهُ مُدَّةً يُنْتَفَعُ بِهَا فِي مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ قَدْ مَلَّكَهُ الْمَنْفَعَةَ فِي مُدَّةٍ، وَصَارَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ بِعَقْدٍ مُبَاحٍ، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمَالِكِ.\nقال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَمْ تَحْصُلْ فِي يَدِهِ؛ فَلَمْ يَمْلِكْهَا بِالْإِعَارَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ تَحْصُلْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ. اهـ بتصرف يسير.\nقلتُ: والصحيح قول الجمهور؛ لانَّ العارية إباحة الانتفاع بالمعار، ولا نعلم دليلًا يمنعه أن يرجع في ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3296>مسألة [١٣]: هل للمستعير أن يعير العارية</span>؟\n• في هذه المسألة قولان لأهل العلم:\nالأول: ليس له أن يعير، وهو قول الحنابلة، ووجه للشافعية؛ لأنه إنما أذن له الانتفاع بنفسه، ولم يأذن لغيره، والأصل حرمة مال المسلم؛ إلا بطيب نفسه.\n_________\n(^١) وانظر: «روضة الطالبين» (٤/ ٤٣٦ - ٤٣٩).","vol":"6","page":408},{"text":"الثاني: له أن يعير، وهو قول أبي حنيفة، ووجهٌ للشافعية؛ لأنه يُمَلِّكه على حسب ما ملكه؛ فجاز كما للمستأجر أن يؤجر. وقال مالك: إذا لم يعمل بها إلا الذي كان يعمل بها الذي أُعيرها؛ فلا ضمان عليه.\nقلتُ: والأول هو الراجح، والله أعلم.\nتنبيه: محل الخلاف فيما إذا لم يأذن له في الإعارة، أو ينهاه؛ فإن فعل شيئًا من ذلك فالأمر واضحٌ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3297>مسألة [١٤]: إذا اختلف المعير والمستعير هل هي عارية، أو استئجار</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٥٦): وَإِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الدَّابَّةِ وَرَاكِبُهَا، فَقَالَ الرَّاكِبُ: هِيَ عَارِيَّةٌ. وَقَالَ الْمَالِكُ: بَلْ اكْتَرَيْتهَا. فَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ بَاقِيَةً لَمْ تَنْقُصْ؛ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ عَقِيبَ الْعَقْدِ، أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ؛ فَإِنْ كَانَ عَقِيبَ الْعَقْدِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الرَّاكِبِ مِنْهَا، فَيَحْلِفُ، وَيَرُدُّ الدَّابَّةَ إلَى مَالِكِهَا؛ لِأَنَّهَا عَارِيَّةٌ. وَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ. وَقَالَ الرَّاكِبُ: بَلْ اكْتَرَيْتهَا. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ، فَادَّعَى الْمَالِكُ الْإِجَارَةَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ. وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى تَلَفِ الْمَنَافِعِ عَلَى مِلْكِ الرَّاكِبِ، وَادَّعَى الْمَالِكُ عِوَضًا لَهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِهِ. وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٤٧) «الإنصاف» (٦/ ١٠٦ - ١٠٧).","vol":"6","page":409},{"text":"الرَّاكِبِ مِنْهُ؛ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. وَلَنَا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي كَيْفِيَّةِ انْتِقَالِ الْمَنَافِعِ إلَى مِلْكِ الرَّاكِبِ؛ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنٍ، فَقَالَ الْمَالِكُ: بِعْتُكَهَا. وَقَالَ الْآخَرُ: وَهَبْتنِيهَا.\nوَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ فِي الْمِلْكِ، وَالْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْأَعْيَانِ؛ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ، كَذَا هَاهُنَا. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَلِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَنْتَقِلُ إلَى الرَّاكِبِ إلَّا بِنَقْلِ الْمَالِكِ لَهَا، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي كَيْفِيَّةِ الِانْتِقَالِ، كَالْأَعْيَانِ، فَيَحْلِفُ الْمَالِكُ، وَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ. وَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَجْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى وُجُوبِهِ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ؛ وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ، فَمَعَ الِاخْتِلَافِ فِي أَصْلِهِ أَوْلَى. وَالثَّانِي: الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِقَوْلِ الْمَالِكِ وَيَمِينِهِ، فَوَجَبَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، كَالْأَصْلِ. انتهى المراد بنصِّه.\nقال أبوعبد الله غفر الله له: الذي يظهر لي هو ترجيح ما ذكره ابن قدامة -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3298>مسألة [١٥]: إذا اختلفا فقال المالك غَصَبْتَها. وقال الآخر: بل أعرتنيها</span>؟\nأما إذا كان هذا الخلاف عقيب العقد؛ فلا معنى للاختلاف، ويأخذ المالك حقَّه.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ، فَالِاخْتِلَافُ فِي وُجُوبِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ. وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ عَنْهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاكِبِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَدَّعِي عَلَيْهِ عِوَضًا، الْأَصْلُ بَرَاءَةُ\n_________\n(^١) وانظر: «الروضة» (٤/ ٤٤٢ - ٤٤٣).","vol":"6","page":410},{"text":"ذِمَّتِهِ مِنْهُ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْيَدِ أَنَّهَا بِحَقٍّ؛ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ صَاحِبِهَا.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٥٨): وَلَنَا مَا قَدَّمْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، بَلْ هَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا ثَمَّ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ مِلْكٌ لِلرَّاكِبِ، وَهَا هُنَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْمَالِكَ يُنْكِرُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ فِيهَا إلَى الرَّاكِبِ، وَالرَّاكِبُ يَدَّعِيهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِانْتِقَالِ، فَيَحْلِفُ، وَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3299>مسألة [١٦]: إذا اختلفا في الرد، فادَّعاه المستعير وأنكره المعير</span>؟\nفي هذه الحالة يكون القول قول المعير؛ لأنهما اتفقا أنها عارية في يد المستعير، واختلفا في رجوعها إلى يد المعير، فادَّعى ذلك المستعير، وأنكر المعير، والبينة على المدعي، واليمين على من أنكر. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «روضة الطالبين» (٤/ ٤٤٣ - ٤٤٤).\n(^٢) وانظر: «الشرح الممتع» (٤/ ٣٩٥) ط/الآثار، «حاشية الروض المربع» (٥/ ٣٧٤).","vol":"6","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3300>بَابُ الغَصْبِ</span>\n٨٨٣ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ إيَّاهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3301>مسألة [١]: تعريف الغصب</span>.\nالغصب: هو الاستيلاء على حقِّ الغير بغير حقٍّ، واستثنى بعض أهل العلم من التعريف استيلاء الحربي لمال المسلم؛ فإنه ليس مقصودًا في هذا الباب؛ فإنه لا خلاف أنه لا يضمن بالتلف، والخلاف في وجوب ردِّه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3302>مسألة [٢]: حكم الغصب</span>.\nمحرَّمٌ تحريمًا قطعيًّا بالكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩].\nوأما من السنة: فحديث سعيد بن زيد المتقدم مع حديث أبي بكرة -﵁-\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٦/ ١١٣ - ١١٤) «المغني» (٧/ ٣٦٠) «الشرح الكبير» (٧/ ٣٨).","vol":"6","page":412},{"text":"الذي في آخر الباب، وحديث أبي حميد الساعدي -﵁- الذي تقدم في آخر باب الصلح.\nوأما الإجماع: فأجمع المسلمون على تحريم غصب أموال المسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3303>مسألة [٣]: معنى قوله: «طَوَّقَهُ اللهُ إيَّاهُ»</span>.\n• ذكر الحافظ في «الفتح» (٢٤٥٢) اختلاف العلماء في تفسيرها، وذكر خمسة أقوال أقربها قولان:\nأولهما: أنه يكلف حمل ما غصب من الأرض إلى سبع أرضين؛ فتكون في عنقه كالطوق.\nثانيهما: أنه يخسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين؛ فتكون كل أرض له عند ذلك كالطوق، ويؤيد هذا حديث ابن عمر -﵄- عند «البخاري» (٢٤٥٤)، بلفظ: «من أخذ من الأرض شيئًا بغير حقِّه؛ خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين»، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3304>مسألة [٤]: غصب العقار من الأراضي والدور</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الغصب يتصور، ويمكن في الأراضي والدور، واستدلوا بحديث الباب.\n• وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى أنه لا يتصور غصبها، ولا تضمن بالغصب، وإن أتلفها؛ ضمنها بالإتلاف؛ لأنه لا يوجد فيها النقل والتحويل؛","vol":"6","page":413},{"text":"فأشبه ما لو حال بينه وبين متاعه، فتلف المتاع، والغصب عندهم إثبات اليد على المال عدوانًا على وجه تزول به يد المالك، ولا يمكن ذلك في العقار.\nوأجاب الجمهور: بأنَّ قياسهم مصادمٌ للنص الصريح الذي في الباب، فقياسهم فاسد الاعتبار، ولأنه يمكن الاستيلاء عليه على وجهٍ يحول بينه وبين المالك، مثل أن يسكن الدار ويمنع مالكها من دخولها، فأشبه ما لو أخذ الدابة والمتاع، وأما إذا حال بينه وبين متاعه؛ فإنه لم يستول على ماله، فنظيره هنا أن يحبس المالك، ولا يستولي على داره.\nوقد أنكر أهل العلم على أبي حنيفة قوله هذا الذي يُجَرِّئُ الظالمين على غصب أموال الناس، حتى قال ابن حزم -﵀- في «المحلى»: وما نعلم لإبليس داعية في الإسلام أكثر ممن يطلق الظَّلَمَة على غصب دور الناس، وأراضيهم، ثم يبيح لهم كراءها، وغلَّتها، ولا يرى عليهم ضمان ما تلف منها، نعوذ بالله من مثل هذا. (^١)\nتنبيه: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٦٥): وَلَا يَحْصُلُ الْغَصْبُ مِنْ غَيْرِ اسْتِيلَاءٍ، فَلَوْ دَخَلَ أَرْضَ إنْسَانٍ أَوْ دَارَهِ؛ لَمْ يَضْمَنْهَا بِدُخُولِهِ، سَوَاءٌ دَخَلَهَا بِإِذْنِهِ أَوْ غَيْرِ إذْنِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهَا فِيهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنْ دَخَلَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا فِيهَا؛ ضَمِنَهَا، سَوَاءٌ قَصَدَ ذَلِكَ،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٦٤) «السيل» (٣/ ٣٤٨) «الإنصاف» (٦/ ١١٥) «المحلى» (١٢٦٢) (١٢٦٣) «البداية» (٤/ ١٢٦).","vol":"6","page":414},{"text":"أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا دَارُهُ، أَوْ دَارٌ أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهَا؛ لِأَنَّ يَدَ الدَّاخِلِ ثَبَتَتْ عَلَيْهَا بِذَلِكَ، فَيَصِيرُ غَاصِبًا؛ فَإِنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ، وَهَذَا قَدْ ثَبَتَتْ يَدُهُ. وَلَنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهَا؛ فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَمَا لَوْ دَخَلَهَا بِإِذْنِهِ. اهـ\nوالصحيح قول الحنابلة؛ لأنَّ الصور التي ذكرها الشافعية ليس فيها غصب، ولا استيلاء، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3305>مسألة [٥]: ماذا يلزم الغاصب بغصبه</span>؟\nيلزمه رد الغصب مادام باقيًا عنده لم يتلف بغير خلاف عند أهل العلم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من كانت له مظلمة لأحد من عرضه، أو شيء؛ فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار، ولا درهم ...» الحديث، رواه البخاري (٢٤٤٩)، عن أبي هريرة -﵁-.\nوأما إذا كان قد تلف؛ فيلزمه بدله عند جميع أهل العلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3306>مسألة [٦]: هل يُغصب الكلب، وهل يضمن إذا تلف</span>؟\nذكر أهل العلم أن الكلب إذا كان مما ينتفع به ككلب الصيد والماشية، وأُخِذ بغير حقٍّ؛ فإنه مغصوبٌ، ولا يجوز ذلك عندهم، ويلزم رده.\n• واختلفوا هل يضمن إذا تلف؟ وهل لصاحبه أن يأخذ أجر منفعته؟ على وجهين؛ بناء على الخلاف في بيعه، وإجارته، والذي رجَّحناه في تلك المسألة\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٦١ - ٣٦٥) «الشرح الكبير» (٧/ ٢٩ - ٣٠) «البداية» (٤/ ١٢٥).","vol":"6","page":415},{"text":"عدم جواز بيعه وإجارته؛ فالراجح أنه لا يضمنه إذا تلف، ولا يؤخذ منه أُجرة نفعه، وعلى ذلك أكثر الحنابلة، وجماعة من الشافعية.\nقلتُ: وللحاكم أن يضمنه بمثله، أو يعاقبه بأخذ عوضه على ذلك؛ تعزيرًا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3307>مسألة [٧]: غصب الخمر من الذمي</span>.\n• من غصب على ذمِّيٍّ خمرًا؛ لزمه ردها عند أكثر أهل العلم؛ لأنهم يقرون على شربها إذا لم يتظاهروا بالشرب والبيع؛ فإن أتلفها الغاصب فمذهب أحمد، والشافعي أنه لا يلزمه البدل، لا المثل، ولا القيمة؛ لأنه يصبح شراءً للخمر، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن ذلك، ولأنَّ ما حرم الانتفاع به؛ لم يجب ضمانه، ولأنَّ أهل الذمة مخاطبون بفروع الشريعة، وإنما يقرون للذمة والعهد.\n• ومذهب مالك، وأبي حنيفة أنه يجب ضمانها إذا أتلفها؛ لأنَّ عقد الذمة إذا عَصَمَ عينًا قومها، كنفس الآدمي، وقد عَصَمَ خمر الذمي؛ بدليل أنَّ المسلم يمنع من إتلافها؛ فيجب أن يقومها، ولأنها مال لهم يتمولونه.\nوأُجيب عنهم: بعدم التسليم بعصمتها؛ لأنها متى أظهرت حلَّ إراقتها، ثم لو كانت معصومة؛ ما لزم تقويمها؛ فإنَّ نساء أهل الحرب وصبيانهم معصومون غير متقومين. وقولهم: (إنها مال عندهم) ينتقض بالعبد المرتد؛ فإنه مال عندهم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٢٧) «الشرح الكبير» (٧/ ٣٣) «الإنصاف» (٦/ ١١٦ - ١١٧).","vol":"6","page":416},{"text":"قلتُ: قوله: (ينتقض بالعبد المرتد؛ فإنه مال عندهم) مراده بذلك: أن أهل الذمة لو كان لأحدهم عبد مسلم ارتد؛ فإنه يقتل، ولا يقال: إنه مال لهم فيعصم، ويترك.\nوالأقرب القول بأنها لا تُضمن، ولكن ينبغي لولي أمر المسلمين تأديبه بما يزجره ويزجر غيره عن إعادة التعدي على أهل الذمة، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: لو غصب من مسلم خمرًا يحرم ردها، ويجب إراقتها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3308>مسألة [٨]: لو غصب جلد ميتة</span>؟\nعلى القول بأن جلد الميتة يطهر بالدباغ؛ لا يجوز غصب جلد الميتة، ويلزمه رده؛ فإن تلف؛ فعليه الضمان إن كان قد دُبغ عند الأكثر، وإن لم يكن دُبغ عند بعض أهل العلم، وهو قريب، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3309>مسألة [٩]: لو استولى على حُرٍّ، فهل يعتبر مغصوبًا ويضمن إذا مات</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٤٢٩): وَلَا يَثْبُتُ الْغَصْبُ فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ، كَالْحُرِّ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ، إنَّمَا يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ. وَإِنْ أَخَذَ حُرًّا، فَحَبَسَهُ فَمَاتَ عِنْدَهُ، لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ. وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ مُكْرَهًا، لَزِمَهُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٢٤ -)، «الشرح الكبير» (٧/ ٣٣)، «الإنصاف» (٦/ ١١٧)، «المحلى» (١٢٦٧).\n(^٢) «الشرح الكبير» (٧/ ٣٥)، «الإنصاف» (٦/ ١١٧).\n(^٣) انظر: «المغني» (٧/ ٤٢٧)، «الشرح الكبير» (٧/ ٣٦)، «الإنصاف» (٦/ ١١٧ - ١١٨).","vol":"6","page":417},{"text":"أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ، وَهِيَ مُتَقَوِّمَةٌ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا كَمَنَافِعِ الْعَبْدِ. وَإِنْ حَبَسَهُ مُدَّةً لِمِثْلِهَا أَجْرٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ أَجْرُ تِلْكَ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَنْفَعَتَهُ، وَهِيَ مَالٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا، فَضَمِنَتْ بِالْغَصْبِ، كَمَنَافِعِ الْعَبْدِ. وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا لَا يَصِحُّ غَصْبُهُ، فَأَشْبَهَتْ ثِيَابَهُ إذَا بَلِيَتْ عَلَيْهِ وَأَطْرَافَهُ، وَلِأَنَّهَا تَلِفَتْ تَحْتَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُهَا ...\nقال: وَلَوْ حَبَسَ الْحُرَّ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا لَمْ تَثْبُتْ الْيَدُ عَلَيْهِ فِي الْغَصْبِ، وَسَوَاءٌ كَانَ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا، وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الكبير» (٧/ ٣٦ - ٣٧)، «الإنصاف» (٦/ ١١٩ - ١٢٠)، «المهذب» (١٤/ ٢٢٧) مع التكملة، «الروضة» (٥/ ١٢).","vol":"6","page":418},{"text":"٨٨٤ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ لَهَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَكَسَرَتِ القَصْعَةَ، فَضَمَّهَا، وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَقَالَ: «كُلُوا» وَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ لِلرَّسُولِ، وَحَبَسَ المَكْسُورَةَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١)، وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَسَمَّى الضَّارِبَةَ عَائِشَةَ، وَزَادَ: فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ». وَصَحَّحَهُ.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3310>مسألة [١]: إذا تلف المغصوب لزم الغاصب بدله، فهل هو المثل، أم القيمة</span>؟\nقال ابن رشد -﵀- في «بداية المجتهد» (٤/ ١٢٥): وأما ما يجب فيه الضمان: فهو كل مال أتلفت عينه، أو تلفت عند الغاصب عينه بأمر من السماء، أو سلطت اليد عليه، وتملك، وذلك فيما ينقل ويحول باتفاق. واختلفوا فيما لا ينقل ولا يحول مثل العقار. اهـ\nثم نقل الخلاف عن أبي حنيفة، وقد تقدم.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٦٢): وما تتماثل أجزاؤه وتتقارب صفاته كالدراهم، والدنانير، والحبوب، والأدهان؛ ضمن بمثله بغير خلاف. قال ابن عبد البر: كل مطعوم، من مأكول، أو مشروب، فمجمع على أنه يجب على مستهلكه مثله، لا قيمته. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٤٨١).\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٣٥٩)، وإسناده صحيح.","vol":"6","page":419},{"text":"قلتُ: وسائر المكيلات، والموزونات كذلك تضمن بالمثل عند أكثر أهل العلم، ونقله ابن رشد اتِّفاقًا كما في «البداية» (٤/ ١٢٦).\n• وأما غير المكيلات، والموزونات من العروض، والحيوانات: فمذهب الجمهور من الفقهاء على أنه يضمنها بالقيمة؛ لأنها تتفاوت بتفاوت الصفات اليسيرة، فاعتبرت القيمة.\nومما استدلوا به على اعتبار القيمة حديث: «من أعتق شركًا له في عبد قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم ...» الحديث. (^١)\n• ومذهب الكوفيين، ونُقل عن الشافعي، وأنكره الحافظ في «الفتح»، وهو قول عبيدالله بن الحسن العنبري، والظاهرية أنه يجب عليه فيها المثل أيضًا، وهذا القول نصره ابن حزم، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، ودافع عن هذا المذهب ابن القيم -﵀- بكلام نفيس كما في «تهذيب السنن» (٦/ ٣٣٩).\nواستدل أهل هذا القول بحديث أنس -﵁- الذي في الباب، وقد أورد عليه بعض الإشكالات انظرها مع الجواب عليها في «الفتح»، واستدلوا أيضًا بحديث أبي هريرة -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استسلف من رجلٍ سنا من الإبل، ثم قال: «أعطوه سِنًّا مثل سِنِّه» (^٢)، وقالوا: المثل أقرب، وإن تفاوت شيئًا يسيرًا من القيمة؛ فإنَّ التقويم تخمين وظنٌّ، والاعتبار بالمثلية أقرب؛ لإيصال الحق لصاحبه منها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٥٢٢)، ومسلم برقم (١٥٠١)، من حديث ابن عمر -﵄-.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٣٠٦)، ومسلم برقم (١٦٠١)، واللفظ للبخاري.","vol":"6","page":420},{"text":"وأما حديثهم الذي استدلوا به فقد بيَّن ابن القيم -﵀- في المصدر المذكور بطلان الاستدلال فيه، فقال: هذا ليس مما نحن فيه في شيء؛ فإنَّ هذا ليس من باب ضمان المتلفات بالقيمة، بل هو من باب تملك مال الغير بالقيمة، كتملك الشقص المشفوع بثمنه؛ فإنَّ نصيب الشريك يقدر دخوله في ملك المعتق، ثم يعتق عليه بعد ذلك، والقائلون بالسراية متفقون على أن يعتق كله على ملك المعتق، والولاء له دون الشريك. اهـ\nقلتُ: وهذا القول هو الراجح، وقد رجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3311>مسألة [٢]: ما الحكم إذا تعذر على الغاصب أن يأتي بالمثل</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ الغاصب إذا تعذر عليه ذلك؛ وجبت عليه القيمة.\n• واختلفوا في قدر القيمة في أي وقت يعتبر:\nفقال بعضهم: تعتبر قيمته في يوم التعذر، وهو مذهب الحنابلة؛ لأنَّ القيمة وجبت في الذمة حين انقطاع المثل، فاعتبرت القيمة حينئذٍ.\nوقال بعضهم: تجب قيمته يوم قبض البدل واستيفائه، قال به بعض الحنابلة. واختاره الإمام العثيمين -﵀-.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٦٢ - ٣٦٣) «بداية المجتهد» (٤/ ١٢٦) «الفتح» (٢٤٨١) «تهذيب السنن» (٦/ ٣٣٩) «الإنصاف» (٦/ ١٨٠) «الشرح الكبير» (٧/ ٣١، ٩٣) «السيل الجرار» (٣/ ٣٦١) «الروضة» (٥/ ١٨ -) «الشرح الممتع» (٤/ ٤٢٤) «المحلى» (١٢٦٠) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٦٣) «الاختيارات» (ص ١٦٥).","vol":"6","page":421},{"text":"وقال أبو حنيفة، ومالك، وأكثر أصحاب الشافعي: تجب قيمته يوم المحاكمة؛ لأنَّ القيمة لم تنتقل إلى ذمته إلا حين حكم بها الحاكم.\nوللشافعية وجهٌ: أن عليه أقصى قيمة من يوم الغصب إلى يوم الإعواز، قال النووي: هو أصح الأوجه عند الشافعية وهو مقتضى اختيار الشوكاني في «السيل».\nقلتُ: ما رجحه الإمام العثيمين -﵀- هو الأقرب، وهو قريب من قول من قال: تجب قيمته يوم المحاكمة. وإن عمل القاضي بقول الشافعية الذي اختاره الشوكاني -﵀-؛ فله وجه شرعي، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3312>مسألة [٣]: إذا تلف ما ليس له مثل، فمتى تعتبر قيمته</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ المثل يعتبر بيوم الغصب، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية؛ لأنه هو الوقت الذي أزال يده عنه فيه؛ فيلزمه القيمة حينئذٍ، وهذا اختيار شيخ الإسلام.\n• وقال بعض أهل العلم: تعتبر القيمة يوم التلف، وهو مذهب أحمد، وعليه أكثر أصحابه؛ لأنه هو الوقت الذي وجب فيه الضمان.\n• ومذهب الشافعي -﵀- أنه يلزمه أقصى قيمة من يوم غصبه إلى تلفه.\nقال الشوكاني -﵀- في «السيل»: والأولى أن يكون مضمونًا بأوفر القيم من وقت الغصب إلى وقت التلف؛ لأنَّ هذه مظلمة، فإذا زادت قيمة ذلك الشيء في\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٠٥)، «الشرح الكبير» (٧/ ٩٣)، «الشرح الممتع» (٤/ ٤٢٦) ط/الآثار، «الروضة» (٥/ ٢٠).","vol":"6","page":422},{"text":"بعض الأوقات؛ فمن الجائز أنه لو كان باقيًا بيد المالك لباعه بهذه الزيادة. اهـ\nقلتُ: مذهب أحمد الذي عليه أكثر أصحابه أقرب، وهو أنه يجب عليه الضمان على قيمتها يوم تلفها، لأنه حينئذٍ وجب عليه الضمان، ولأن العين المغصوبة وإن زاد ثمنها؛ فقد يبيعها المالك، وقد لا يبيعها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3313>مسألة [٤]: إذا وجدها قد تغيرت ونقصت</span>؟\nذكر الشوكاني أنَّ المالك إذا وجد حقَّه ناقصًا خُيِّرَ بين أن يأخذها مع أرش النقص، أو يأخذ قيمتها ويتركها للغاصب.\nوقال ابن قدامة -﵀-: فَأَمَّا إنْ غَصَبَ الْعَيْنَ سَمِينَةً، أَوْ ذَاتَ صِنَاعَةٍ، أَوْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَنَحْوَهُ، فَهَزَلَتْ وَنَسِيَتْ فَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا فَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهَا. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهَا نَقَصَتْ عَنْ حَالِ غَصْبِهَا نَقْصًا أَثَّرَ فِي قِيمَتِهَا، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا. اهـ\nوبمثل قول الشوكاني قال شيخ الإسلام. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3314>مسألة [٥]: إذا نقص سعر العين المغصوبة، وهي على حالها</span>؟\n• مذهب الجمهور أنَّ هذا النقص لا يضمنه الغاصب؛ لأنه نقص حصل بدون تعديه، وبأمور خارجة عنه.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٠٣ - ٤٠٤) «السيل» (٣/ ٣٦١) «روضة الطالبين» (٥/ ٢٥) «المهذب» (١٤/ ٢٢٨) «الشرح الممتع» (٤/ ٤٢٦) ط/الآثار «الاختيارات» (ص ١٦٥).\n(^٢) انظر: «السيل» (٣/ ٣٥٠) «المغني» (٧/ ٣٨٢) «الفتاوى» (٢٠/ ٥٦٣).","vol":"6","page":423},{"text":"• وذهب أبو ثور، وأحمد في رواية إلى أنه يضمن النقص الحاصل في السلعة، واختاره بعض الحنابلة، منهم شيخ الإسلام -﵀- كما في «الإنصاف».\nواختار هذا القول الشوكاني -﵀-، فقال في «السيل»: ولا يخفاك أنَّ ارتفاع السعر يزيد في قيمة ذلك المغصوب فوق ما كانت عليه حال الغصب، ومن الجائز أن يبيعها المالك وقت حصول زيادة السعر؛ فكان في الغصب من هذه الحيثية تفويتٌ لمنفعةٍ للمالك متعلقة بالعين، فيضمنها كما يضمن أرش النقص، وصاحب اليد الظالمة الغاصب حقيق بالتشديد عليه؛ لأنه اختار لنفسه التعدي. اهـ\nوقد رجح هذا القول الإمام ابن عثيمين وهو الأقرب فيما يظهر لي، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3315>مسألة [٦]: الرد إلى موضع الغصب</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٤٠٦ -): فَإِنْ غَصَبَ شَيْئًا، فَبَعَّدَهُ؛ لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَإِنْ غَرِمَ عَلَيْهِ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ جَنَى بِتَبْعِيدِهِ، فَكَانَ ضَرَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ قَالَ الْغَاصِبُ: خُذْ مِنِّي أَجْرَ رَدِّهِ، وَتَسَلَّمْهُ مِنِّي هَاهُنَا. أَوْ بَذَلَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ وَلَا يَسْتَرِدُّهُ؛ لَمْ يَلْزَمْ الْمَالِكَ قَبُولُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا، كَالْبَيْعِ. وَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ: دَعْهُ لِي فِي مَكَانِهِ الَّذِي نَقَلْتَهُ إلَيْهِ. لَمْ يَمْلِكْ الْغَاصِبُ رَدَّهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُ حَقًّا، فَسَقَطَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ دَيْنِهِ. وَإِنْ قَالَ: رُدَّهُ لِي إلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ. لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْمَسَافَةِ، فَلَزِمَهُ بَعْضُهَا الْمَطْلُوبُ،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٨٤) «السيل» (٣/ ٣٥٥) «الإنصاف» (٦/ ١٤٦) «الشرح الممتع» (٤/ ٤١٤) ط/الآثار، «تكملة المجموع» (١٤/ ٢٢٧) «الشرح الكبير» (٧/ ٦٩).","vol":"6","page":424},{"text":"وَسَقَطَ عَنْهُ مَا أَسْقَطَهُ. وَإِنْ طَلَبَ مِنْهُ حَمْلَهُ إلَى مَكَان آخَرَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ الرَّدِّ؛ لَمْ يَلْزَمْ الْغَاصِبَ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي يَلْزَمُهُ رَدُّهُ إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ. وَإِنْ قَالَ: دَعْهُ فِي مَكَانِهِ، وَأَعْطِنِي أَجْرَ رَدِّهِ. لَمْ يُجْبَرْ عَلَى إجَابَتِهِ؛ لِذَلِكَ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3316>مسألة [٧]: فوائد العين المغصوبة</span>.\n• مذهب أحمد، والشافعي رحمهما الله أنَّ الفوائد كلها للمالك، وليس للغاصب منها شيء، سواء كانت الفوائد متصلة أم منفصلة؛ لأنها نماء ماله، وفرع منه، واختار هذا القول الشوكاني -﵀-.\n• ومذهب مالك، وأبي حنيفة أنَّ الفوائد للغاصب؛ لأنه ضامن وفي الحديث: «الخراج بالضمان» (^٢)، وفي مذهب مالك تفاصيل في ذلك تُراجع من «البداية» (٤/ ١٣٠).\n• وفي المسألة قول ثالث: أنهما شركاء في الربح، وهو رواية عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وقول شيخ الإسلام وابن القيم له قوة فيما إذا زادت العين زيادات كبيرة، وزيادات منفصلة؛ كأن يكون تاجر بها فحصل له منها المال الكثير مع بذله الجهود الكبيرة في ذلك، فيجعل القاضي نسبة من الأرباح\n_________\n(^١) وانظر: «السيل الجرار» (٣/ ٣٥٠)، «الشرح الممتع» (٤/ ٤٠٥) ط/الآثار، «الشرح الكبير» (٧/ ٣٨ -).\n(^٢) تقدم تخريجه في «البلوغ» برقم (٨٠٣).","vol":"6","page":425},{"text":"للغاصب مقابل جهوده، مع إرضاء المغصوب عليه، ويقارب الأمر بينهما بالإصلاح والتراضي.\nوأما حديث: «الخراج بالضمان» فقد خرج على صورة مباحة، وهي الشراء، ثم الرد بالعيب، فلا يلحق بهذه الصورة صورة الغصب؛ لأنه متعدي وظالم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3317>مسألة [٨]: إذا تلفت الزيادة بعد وجودها، فهل يضمنها الغاصب</span>؟\n• مذهب أحمد والشافعي أنه يضمنها كضمان الأصل؛ لأنها ملك لصاحبها كما تقدم.\n• ومقتضى مذهب مالك، وأبي حنيفة أنه لا يضمنها؛ لأنه يملكها، إلا أنَّ مالكًا يقول: إذا كان ولدًا وماتت الأم؛ فهو مخيَّرٌ بين أخذ القيمة، أو الولد.\n• وعلى القول الثالث في المسألة السابقة؛ فعليه أن يضمن نصيب المالك من الزيادة؛ لأنهم شركاء كما تقدم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3318>مسألة [٩]: هل للغاصب غرامة ما أنفقه في العين المغصوبة حتى نمت</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ الغاصب ليس له شيء من ذلك؛ لأنه متعدي، وهو قول أحمد، والشافعي، والمالكية.\n_________\n(^١) وانظر: «مدارج السالكين» (١/ ٣٩١ - ٣٩٢) «البداية» (٤/ ١٣٠) «المغني» (٧/ ٣٨١ - ٣٨٢، ٣٨٨، ٤٠٢) «الشرح الممتع» (٤/ ٤٠٦، ٤١٥) ط/الآثار «السيل» (٣/ ٣٥٢).\n(^٢) انظر: المصارد السابقة، و«المغني» (٧/ ٣٨٤).","vol":"6","page":426},{"text":"قال الشوكاني -﵀- في «السيل» (٣/ ٣٥٢ -) مُعللًا ذلك: لأن يده يد عدوان، وما فعله في العين مما يوجب زيادتها عدوان على عدوان، ولا يتخلص من مظلمته ويبرأ من غصبه إلا بإرجاع تلك العين إلى مالكها، وإن زادت لما فعله فيها أضعاف أضعاف قيمتها، وما للغاصب وللمطالبة بذلك، بل هو مُطَالب مع رد العين المغصوبة برد أجرة مثلها في مدة الغصب؛ لأنه فَوَّت على المالك هذه المنفعة تعديًا، وعدوانًا، وجرأةً على الشرع، وعلى أموال العباد المعصومة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3319>مسألة [١٠]: إذا خلط الغاصبُ المغصوبَ بغيره</span>؟\nإذا خلطه بشيء يُستطاع تمييزه منه؛ لزمه ذلك، وأُجرة التمييز عليه، وإن كانت كثيرة، وإن خلطه بشيء لا يتميز منه؛ فهم فيه شركاء، يُباع، ويأخذ كل واحد منهم حصته، وللمغصوب عليه أن يطالب بمثل حقه، وإن نقص سعره بسبب الخلط؛ ضمن ذلك الغاصب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3320>مسألة [١١]: إذا استخدم الغاصب الشيء المغصوب بالبناء عليه، أو الخياطة به، أو ما أشبه ذلك</span>.\n• مذهب الجمهور أنه يلزمه رده، وينقض البناء؛ لأنه مغصوبٌ يمكن رده.\n• وقال أبو حنيفة: ليس له إلا قيمته؛ لأنه قد صار تبعًا لملك الغاصب، ويستضر بقلعه. والذي يظهر لي والله أعلم أنه أن كان له مثيل؛ فيجزئ رد المثيل، وأن لم يوجد له مثيل؛ فله نقض البناء لإعادة الحق؛ إلا أن يرضي\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤١٢)، «الشرح الكبير» (٧/ ٣٩).","vol":"6","page":427},{"text":"الغاصب المغصوب عليه بالمال ونحوه، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3321>مسألة [١٢]: إذا غصب شيئًا فعمل فيه ما يغير اسمه حتى صار شيئًا آخر</span>؟\nوذلك كالخشب يجعله بابًا، أو الحب يجعله زرعًا، أو الحديد يجعله سكاكين، أو أواني.\n• فمذهب الجمهور أنَّ المالك له الحق فيها، وإن تغير اسمها، وإن نقص قيمتها؛ فله أرش النقص.\n• ومذهب أبي حنيفة أنه ليس له فيها حق، وهو قول بعض المالكية؛ لأنها قد تغيرت وصارت شيئًا آخر، وعلى هذا فليس له إلا بدلها.\n• وفي المسألة قول ثالث في مذهب أحمد وغيره أنَّ المالك يُخيَّر بين أخذه مع أرش النقص إن نقص، وبين إقراره للغاصب وأخذ بدله، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام، وهو مقتضى اختيار الشوكاني، وهو الصحيح في المسألة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3322>مسألة [١٣]: إذا غصب كلب صيد فصاد به، أو فرسًا فصاد عليه</span>؟\nالراجح في هذه المسألة: أنَّ الصيد للمالك؛ لأنه من كسب ماله، فأشبه صيد العبد، هذا في حالة صيد الكلب، وأما في حالة صيده على الفرس فالراجح أنَّ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٠٧) «الشرح الكبير» (٧/ ٣٩ - ٤٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٣٨٧) «بداية المجتهد» (٤/ ١٢٩) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٦٢) «المحلى» (١٢٦١).","vol":"6","page":428},{"text":"الصيد للغاصب، وعليه أجرة الفرس؛ لأنَّ الفرس لم يصد بنفسه، فأشبه الآلة التي يُصاد بها كالقوس، والسهم؛ فإنَّ على الغاصب فيها الأجرة على الصحيح أيضًا، والصيد له، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3323>مسألة [١٤]: إذا أجَّر الغاصبُ المغصوبَ</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلِمَالِكِهِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ أَجْرَ مِثْلِهَا؛ فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُسْتَأْجِرَ، لَمْ يَرْجِعْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنَّهُ يَضْمَنُ الْمَنْفَعَةَ، إلَّا أَنْ يَزِيدَ أَجْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، فَيَرْجِعَ بِالزِّيَادَةِ وَيَسْقُطَ عَنْهُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَهُ إلَى الْغَاصِبِ؛ رَجَعَ بِهِ، وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلِمَالِكِهَا تَغْرِيمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا قِيمَتَهَا؛ فَإِنْ غَرَّمَ الْمُسْتَأْجِرَ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْعَيْنَ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ بَدَلٌ فِي مُقَابَلَةِ مَا غَرِمَ، هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ، وَإِنْ عَلِمَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَحَصَلَ التَّلَفُ فِي يَدِهِ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ الْأَجْرَ وَالْقِيمَةَ؛ رَجَعَ بِالْأَجْرِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَيَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ إنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ عَالِمًا بِالْغَصْبِ، وَإِلَّا فَلَا. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي الْفَصْلِ كُلِّهِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَجْرَ لِلْغَاصِبِ دُونَ صَاحِبِ الدَّارِ. وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ عِوَضُ الْمَنَافِعِ الْمَمْلُوكَةِ لِرَبِّ الدَّارِ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا الْغَاصِبُ، كَعِوَضِ الْأَجْزَاءِ. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٩٠) «الشرح الممتع» (٤/ ٤٠٩) ط/الآثار «الشرح الكبير» (٧/ ٥٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٣٩٧) «روضة الطالبين» (٥/ ٩).","vol":"6","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3324>مسألة [١٥]: إذا أودع الغاصبُ المغصوبَ، أو وَكَّل رجلًا في بيعه، فتلف في أيديهما</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: وَإِنْ أَوْدَعَ الْمَغْصُوبَ، أَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي بَيْعِهِ، وَدَفَعَهُ إلَيْهِ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ؛ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ، أَمَّا الْغَاصِبُ؛ فَلِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَ الْمَالِكِ وَبَيْنَ مِلْكِهِ، وَأَثْبَتَ الْيَدَ الْعَادِيَةَ عَلَيْهِ، وَالْمُسْتَوْدَعُ، وَالْوَكِيلُ لِإِثْبَاتِهِمَا أَيْدِيهِمَا عَلَى مِلْكٍ مَعْصُومٍ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ، وَكَانَا غَيْرَ عَالِمَيْنِ بِالْغَصْبِ؛ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ غَرَّمَهُمَا؛ رَجَعَا عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا غَرِمَا مِنْ الْقِيمَةِ وَالْأَجْرِ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى أَنْ لَا يَضْمَنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمَا بَدَلٌ عَمَّا ضَمِنَا، وَإِنْ عَلِمَا أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ بِهِمَا، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا؛ فَإِنْ غَرِمَا شَيْئًا؛ لَمْ يَرْجِعَا بِهِ. وَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ؛ رَجَعَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي أَيْدِيهِمَا. وَإِنْ جَرَحَهَا الْغَاصِبُ، ثُمَّ أَوْدَعَهَا، أَوْ رَدَّهَا إلَى مَالِكِهَا، فَتَلِفَتْ بِالْجَرْحِ؛ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ؛ فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ بَاشَرَهَا بِالْإِتْلَافِ فِي يَدِهِ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3325>مسألة [١٦]: إذا أعار العين المغصوبة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٥/ ٣٩٨): وَإِنْ أَعَارَ الْعَيْنَ المَغْصُوبَةَ، فَتَلِفَتْ عِنْدَ المُسْتَعِيرِ؛ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ أَجْرَهَا وَقِيمَتَهَا؛ فَإِنْ غَرَّمَ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٩٧ - ٣٩٨) «الروضة» (٥/ ٩).","vol":"6","page":430},{"text":"المُسْتَعِيرَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْغَصْبِ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ؛ رَجَعَ عَلَى المُسْتَعِيرِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِالْغَصْبِ فَغَرَّمَهُ؛ لَمْ يَرْجِعْ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ. وَهَلْ يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ مِنْ الْأَجْرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّ المَنَافِعَ لَهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ انْتَفَعَ بِهَا، فَقَدْ اسْتَوْفَى بَدَلَ مَا غَرِمَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا تَلِفَ مِنْ الْأَجْزَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ. وَإِذَا كَانَتْ الْعَيْنُ وَقْتَ الْقَبْضِ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ يَوْمِ التَّلَفِ، فَضَمِنَ الْأَكْثَرَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ بِمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ، وَلَمْ يَسْتَوْفِ بَدَلَهُ؛ فَإِنْ رَدَّهَا المُسْتَعِيرُ عَلَى الْغَاصِبِ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْمِلْكَ عَلَى مَالِكِهِ بِتَسْلِيمِهِ إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ إنْ حَصَلَ التَّلَفُ فِي يَدَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي المُودَعِ وَغَيْرِهِ. اهـ\nوقوله: (لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ) هذا بناء على أنَّ العارية مضمونة كما تقدم الخلاف في ذلك، والراجح أنها ليست مضمونة؛ إلا إذا اشترط ذلك كما تقدم، وعلى هذا فحكم العارية كحكم الوديعة المتقدم في المسألة السابقة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3326>مسألة [١٧]: إذا وهب الغاصبُ المغصوبَ</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٩٨ - ٣٩٩): وَإِنْ وَهَبَ الْمَغْصُوبَ لِعَالَمٍ بِالْغَصْبِ؛ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتَّهِبِ، فَمَهْمَا غَرِمَ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْنِ أَوْ\n_________\n(^١) وانظر: «الروضة» (٥/ ٩).","vol":"6","page":431},{"text":"أَجْزَائِهَا؛ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدَيْهِ، وَلَمْ يَغُرَّهُ أَحَدٌ، وَكَذَلِكَ أَجْرُ مُدَّةِ مُقَامِهِ فِي يَدَيْهِ، وَأَرْشُ نَقْصِهِ إنْ حَصَلَ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ؛ فَلِصَاحِبِهَا تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُتَّهِبَ، رَجَعَ عَلَى الْوَاهِبِ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ وَالْأَجْزَاءِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَيُّهُمَا ضُمِّنَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآخَرِ. وَلَنَا أَنَّ الْمُتَّهِبَ دَخَلَ عَلَى أَنْ تُسَلَّمَ لَهُ الْعَيْنُ، فَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا غَرِمَ مِنْ قِيمَتِهَا، كَقِيمَةِ الْأَوْلَادِ؛ فَإِنَّهُ وَافَقَنَا عَلَى الرُّجُوعِ بِضَمَانِهِ. فَأَمَّا الْأُجْرَةُ، وَالْمَهْرُ، وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ المُتَّهِبُ عَلَى الْوَاهِبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ ضَمَّنَهُ الْوَاهِبَ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُتَّهِبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. اهـ\nقلتُ: والصحيح في المسألة أنه يتحملها الغاصب إذا لم يعلم المتَّهب؛ لأنه هو الذي غرَّه في ذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3327>مسألة [١٨]: إذا غصب الرجل جارية، فوطئها</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٩١): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا وَطِئَ الْجَارِيَةَ الْمَغْصُوبَةَ، فَهُوَ زَانٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ؛ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ فَعَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَى؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، وَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ مُطَاوِعَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا مَهْرَ لِلْمُطَاوِعَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ. وَلَنَا أَنَّ هَذَا حَقٌّ لِلسَّيِّدِ، فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ يَدِهَا، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ لِلسَّيِّدِ مَعَ إكْرَاهِهَا؛ فَيَجِبُ مَعَ مُطَاوَعَتِهَا، كَأَجْرِ مَنَافِعِهَا، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحُرَّةِ. اهـ","vol":"6","page":432},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: أما الحرة فالجمهور على أنَّ لها المهر إذا أُكرهت، وليس لها إذا طاوعت؛ لأنه إذا وجب لها المهر في الزواج مقابل استحلال الفرج؛ فلأن يجب مع الإكراه من باب أولى.\n• وخالف أبو حنيفة، وابن حزم فلم يجعلا لها مهرًا؛ لأنه وطء محرم يوجب الحد، والمهر جاء في الوطء الحلال.\nوالصحيح قول الجمهور، وحديث: «نهى عن مهر البغي» المقصود به المطاوعة؛ بدليل تسميتها (بَغِي).\nوأما الأمة فالذي يظهر أنها إذا طاوعت؛ استحق السيد أرش نقص قيمتها، وهو أرش البكارة، وهذا قول بعض الشافعية، وبعض الحنابلة منهم: شيخ الإسلام؛ إلا أنَّ شيخ الإسلام لا يرى لها المهر في حالة الإكراه، ولا يرى إلا أرش البكارة في الحالتين.\nوالذي يظهر لي -والله أعلم- أن للسيد المهر في حالة الإكراه، وأرش البكارة في حالة المطاوعة، والله أعلم.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَيَجِبُ أَرْشُ بَكَارَتِهَا؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ جُزْءٍ مِنْهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْبِكْرِ يَدْخُلُ فِيهِ أَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَلِهَذَا يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ الثَّيِّبِ عَادَةً؛ لِأَجْلِ مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ تَفْوِيتِ الْبَكَارَةِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر أنَّ المكرهة للمالك لها المهر، وأرش","vol":"6","page":433},{"text":"البكارة داخل فيه، وهو قول بعض الحنابلة، والشافعية.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَإِنْ حَمَلَتْ فَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا وَأَجْزَائِهَا، وَلَا يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِالْوَاطِئِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِنًى؛ فَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا؛ وَجَبَ رَدُّهُ مَعَهَا، وَإِنْ أَسْقَطَتْهُ مَيِّتًا؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ حَيَاتَهُ قَبْلَ هَذَا. هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: يَجِبُ ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا. نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ لَوْ سَقَطَ بِضَرْبَتِهِ، وَمَا ضُمِنَ بِالْإِتْلَافِ؛ ضَمِنَهُ الْغَاصِبُ بِالتَّلَفِ فِي يَدِهِ، كَأَجْرِ الْعَيْنِ. وَالْأَوْلَى إنْ شَاءَ الله تَعَالَى أَنْ يَضْمَنَهُ بِعُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَضْمَنُهُ بِهِ بِالْجِنَايَةِ، فَيَضْمَنُهُ بِهِ فِي التَّلَفِ، كَالْأَجْزَاءِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا الذي اختاره ابن قدامة هو أقرب الأقوال، والله أعلم.\nقال -﵀-: وَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا؛ حَصَلَ مَضْمُونًا فِي يَدِ الْغَاصِبِ كَالْأُمِّ؛ فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ الْأُمُّ بِالْوِلَادَةِ؛ ضَمِنَ نَقْصَهَا، وَلَمْ يَنْجَبِرْ بِالْوَلَدِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَنْجَبِرُ نَقْصُهَا بِوَلَدِهَا.\nقال -﵀-: وَلَنَا أَنَّ وَلَدَهَا مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ فَلَا يَنْجَبِرُ بِهِ نَقْصٌ حَصَلَ بِجِنَايَةِ الْغَاصِبِ، كَالنَّقْصِ الْحَاصِلِ بِغَيْرِ الْوِلَادَةِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنه يضمن النقص، ولا ينجبر بالولد.","vol":"6","page":434},{"text":"قال -﵀-: وَإِنْ ضَرَبَ الْغَاصِبُ بَطْنَهَا، فَأَلْقَتْ الْجَنِينَ مَيِّتًا؛ فَعَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ. وَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَهَا أَجْنَبِيٌّ، فَفِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ؛ رَجَعَ عَلَى الضَّارِبِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الضَّارِبَ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ وُجِدَ مِنْهُ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ. وَإِنْ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مَا كَانَتْ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَرْشُ بَكَارَتِهَا، وَنَقْصِ وِلَادَتِهَا، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ ضَمَانُ وَلَدِهَا، وَلَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَسَوَاءٌ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ كُلِّهَا حَالَةُ الْإِكْرَاهِ أَوْ الْمُطَاوَعَةِ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ لِسَيِّدِهَا، فَلَا تَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا. وَأَمَّا حُقُوقُ الله تَعَالَى، كَالْحَدِّ عَلَيْهَا، وَالْإِثْمِ، وَالتَّعْزِيرِ فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ؛ فَإِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً عَلَى الْوَطْءِ، عَالِمَةً بِالتَّحْرِيمِ؛ فَعَلَيْهَا الْحَدُّ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِهِ، وَالْإِثْمُ، وَإِلَّا فَلَا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3328>مسألة [١٩]: إذا غصب الجارية معتقدًا جواز ذلك، فوطئها</span>؟\nكأن يكون جاهلًا بالحكم؛ لكونه قريب عهد بإسلام، أو ناشئًا ببادية بعيدة يخفى عليه مثل هذا، أو تكون ملكًا لذمِيٍّ فظن جواز ذلك، أو اعتقد أنها جاريته، فأخذها، ثم تبين أنها غيرها.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٩٢ -): فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ. وَإِنْ حَمَلَتْ؛ فَالْوَلَدُ حُرٌّ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ لِمَوْضِعِ الشُّبْهَةِ. وَإِنْ وَضَعَتْهُ مَيِّتًا؛ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ حَيَاتَهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ تَقْوِيمُهُ لِأَجْلِ الْحَيْلُولَةِ. وَإِنْ وَضَعَتْهُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٣٩١ - ٣٩٢)، «الإنصاف» (٦/ ١٥٩ - ١٦١)، «روضة الطالبين» (٥/ ٥٩ - ٦٠).","vol":"6","page":435},{"text":"حَيًّا؛ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ انْفِصَالِهِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ رِقَّهُ بِاعْتِقَادِهِ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ حَمْلًا، فَقُوِّمَ عَلَيْهِ أَوَّلَ حَالِ انْفِصَالِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ حَالِ إمْكَانِ تَقْوِيمِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ. وَإِنْ ضَرَبَ الْغَاصِبُ بَطْنَهَا، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا؛ فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، مَوْرُوثَةً عَنْهُ، لَا يَرِثُ الضَّارِبُ مِنْهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ جَنِينًا حُرًّا، وَعَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ لَمَّا اعْتَقَبَ الضَّرْبَ؛ فَالظَّاهِرُ حُصُولُهُ بِهِ، وَضَمَانُهُ لِلسَّيِّدِ ضَمَانُ الْمَمَالِيكِ، وَلِهَذَا لَوْ وَضَعَتْهُ حَيًّا قَوَّمْنَاهُ مَمْلُوكًا. وَإِنْ كَانَ الضَّارِبُ أَجْنَبِيًّا؛ فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ دِيَةُ الْجَنِينِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، وَتَكُونُ مَوْرُوثَةً عَنْهُ، وَعَلَى الْغَاصِبِ لِلسَّيِّدِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ الْمَمَالِيكِ، وَقَدْ فَوَّتَ رِقَّهُ عَلَى السَّيِّدِ، وَحَصَلَ التَّلَفُ فِي يَدَيْهِ.\nوَالْحُكْمُ فِي الْمَهْرِ، وَالْأَرْشِ، وَالْأَجْرِ، وَنَقْصِ الْوِلَادَةِ، وَقِيمَتِهَا إنْ تَلِفَتْ، مَا مَضَى إذَا كَانَا عَالِمَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَلَا تَسْقُطُ بِالْجَهْلِ وَالْخَطَإِ، كَالدِّيَةِ. اهـ\nقلتُ: قول ابن قدامة: (وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ). تقدم أن الصحيح أن أرش البكارة داخل في المهر، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3329>مسألة [٢٠]: إذا باع الغاصب الجارية لإنسان آخر، فوطئها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٩٣ -): إذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي الْجَهَالَةَ؛ قُبِلَ مِنْهُ، وَيَجِبُ رَدُّ الْجَارِيَةِ إلَى سَيِّدِهَا، وَلِلْمَالِكِ مُطَالَبَةُ أَيِّهِمَا شَاءَ بِرَدِّهَا؛ لِأَنَّ","vol":"6","page":436},{"text":"الْغَاصِبَ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ» (^١)، وَالْمُشْتَرِي أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَيْضًا، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ مَالَ غَيْرِهِ فِي يَدِهِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بِحَمْدِ الله تَعَالَى. وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ جَارِيَةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ نِكَاحٍ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَنَقْصُ الْوِلَادَةِ. وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ؛ فَالْوَلَدُ حُرٌّ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ يَطَأُ مَمْلُوكَتَهُ، فَمَنَعَ ذَلِكَ انْخِلَاقَ الْوَلَدِ رَقِيقًا، وَيَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُمْ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقَّهُمْ عَلَى سَيِّدِهِمْ بِاعْتِقَادِهِ حِلَّ الْوَطْءِ. وَهَذَا الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَلْزَمُهُ فِدَاءُ أَوْلَادِهِ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ بَدَلُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي حَالِ الْعُلُوقِ أَحْرَارًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قِيمَةٌ حِينَئِذٍ. قَالَ الْخَلَّالُ أَحْسَبُهُ قَوْلًا لِأَبِي عَبْدِ الله أَوَّلَ، وَاَلَّذِي أَذْهَبُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْدِيهِمْ. وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ أَيْضًا، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَيَفْدِيهِمْ بِبَدَلِهِمْ يَوْمَ الْوَضْعِ.\nوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ يَوْمَ الْمُطَالَبَةِ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْمَغْصُوبَةِ لَا يَضْمَنُهُ عِنْدَهُ إلَّا بِالْمَنْعِ، وَقَبْلَ الْمُطَالَبَةِ لَمْ يَحْصُلْ مَنْعٌ؛ فَلَمْ يَجِبْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّهُ يَحْدُثُ مَضْمُونًا، فَيُقَوَّمُ يَوْمَ وَضْعِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ حَالٍ أَمْكَنَ تَقْوِيمُهُ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يَفْدِيهِمْ بِهِ، فَنَقَلَ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا أَنَّهُ يَفْدِيهِمْ بِمِثْلِهِمْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِمِثْلِهِمْ فِي السِّنِّ، وَالصِّفَاتِ، وَالْجِنْسِ، وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: يَفْدِيهِمْ بِمِثْلِهِمْ فِي الْقِيمَةِ. وَعَنْ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في «البلوغ» برقم (٨٧٨).","vol":"6","page":437},{"text":"أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّهُ يَفْدِيهِمْ بِقِيمَتِهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَصَحُّ إنْ شَاءَ الله تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ، فَيُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ كَسَائِرِ الْمُتَقَوِّمَاتِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَهُ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إن استطاع أن يضمن له بالمثل فهو مُقَدَّم، وإلا فعليه القيمة، والله أعلم.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٩٥ - ٣٩٦): وَكُلُّ ضَمَانٍ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ يَدَ الْغَاصِبِ سَبَبُ يَدِ الْمُشْتَرِي، وَمَا وَجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ مِنْ أَجْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ، أَوْ نَقْصٍ حَدَثَ عِنْدَهُ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ يَدِ الْمُشْتَرِي، فَإِذَا طَالَبَ الْمَالِكُ الْمُشْتَرِيَ بِمَا وَجَبَ فِي يَدِهِ، وَأَخَذَهُ مِنْهُ، فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي الرُّجُوعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي حِينَ الشِّرَاءِ عَلِمَ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ؛ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الضَّمَانِ وُجِدَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ لَا يَرْجِعُ بِهِ، وَهُوَ قِيمَتُهَا إنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ، وَأَرْشُ بَكَارَتِهَا، وَبَدَلُ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَ الْبَائِعِ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لِذَلِكَ بِالثَّمَنِ، فَإِذَا ضَمِنَهُ؛ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ. وَضَرْبٌ يَرْجِعُ بِهِ، وَهُوَ بَدَلُ الْوَلَدِ إذَا وَلَدَتْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ الْوَلَدُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْ جِهَتِهِ إتْلَافٌ، وَإِنَّمَا الشَّرْعُ أَتْلَفَهُ بِحُكْمِ بَيْعِ الْغَاصِبِ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ نَقْصُ الْوِلَادَةِ.\nوَضَرْبٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَهُوَ مَهْرُ مِثْلِهَا وَأَجْرُ نَفْعِهَا، فَهَلْ","vol":"6","page":438},{"text":"يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يَرْجِعُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ يُتْلِفَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإِذَا غَرِمَ عِوَضَهُ رَجَعَ بِهِ، كَبَدَلِ الْوَلَدِ، وَنَقْصِ الْوِلَادَةِ. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَرْجِعُ بِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ غَرِمَ مَا اسْتَوْفَى بَدَلَهُ، فَلَا يَرْجِعُ بِهِ، كَقِيمَةِ الْجَارِيَةِ، وَبَدَلِ أَجْزَائِهَا. وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ، وَإِنْ رَجَعَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْغَاصِبِ، فَكُلُّ مَا لَوْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ، إذَا رَجَعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ رَجَعَ بِهِ الْغَاصِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَكُلُّ مَا لَوْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ رَجَعَ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ إذَا غَرِمَهُ الْغَاصِبُ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَمَتَى رَدَّهَا حَامِلًا، فَمَاتَتْ مِنْ الْوَضْعِ؛ فَإِنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى الْوَاطِئِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ. اهـ\nقلتُ: قول ابن قدامة: (ضَرْبٌ لَا يَرْجِعُ بِهِ، وَهُوَ قِيمَتُهَا إنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ، وَأَرْشُ بَكَارَتِهَا، وَبَدَلُ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَ الْبَائِعِ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لِذَلِكَ بِالثَّمَنِ، فَإِذَا ضَمِنَهُ؛ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ). الصحيح أن أرش البكارة، والمهر يرجع به على الغاصب؛ لأنه غره، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3330>مسألة [٢١]: إذا غصب طعامًا وأطعمه غيره</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٤١٨): إذَا غَصَبَ طَعَامًا، فَأَطْعَمَهُ غَيْرَهُ؛ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ، وَالْآكِلُ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَقَبَضَهُ عَنْ يَدِ ضَامِنِهِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ؛ فَإِنْ كَانَ","vol":"6","page":439},{"text":"الْآكِلُ عَالِمًا بِالْغَصْبِ؛ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ عَالِمًا مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ، فَإِذَا ضَمَّنَ الْغَاصِبَ؛ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْآكِلَ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْآكِلُ بِالْغَصْبِ نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ قَالَ لَهُ: كُلْهُ؛ فَإِنَّهُ طَعَامِي. اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الضَّمَانَ بَاقٍ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْآكِلَ شَيْءٌ. وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْآكِلِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ مَا أَتْلَفَ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ. وَالثَّانِيَةُ: يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّ الْآكِلَ، وَأَطْعَمَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ. وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْمُشْتَرِي لِلْأَمَةِ: يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ وَكُلُّ مَا غَرِمَ عَلَى الْغَاصِبِ. وَأَيُّهُمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فَغَرِمَهُ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ فَإِنْ غَرِمَهُ صَاحِبُهُ رَجَعَ عَلَيْهِ. اهـ\nقلتُ: والصحيح أنه لا يغرم في الصورتين؛ إلا إذا علم بأنه مغصوب، والله أعلم.\nتلخيص ابن القيم -﵀- للمسائل السابقة واختياره:\nقال -﵀- في «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٣١ - ٣٣٣): وَلَوْ قَبَضَ مَغْصُوبًا مِنْ غَاصِبٍ بِبَيْعٍ، أَوْ عَارِيَّةٍ، أَوْ اتِّهَابٍ، أَوْ إجَارَةٍ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مَالِكٌ لِذَلِكَ، أَوْ مَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَالِكَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَضْمِينِ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَهَذَا الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، ثُمَّ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي، وَكَانَ عَالِمًا بِالْغَصْبِ؛ لَمْ يَرْجِعْ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ لَمْ","vol":"6","page":440},{"text":"يَعْلَم؛ نَظَرْتَ فِيمَا ضَمِنَ؛ فَإِنْ الْتَزَمَ ضَمَانَهُ بِالْعَقْدِ كَبَدَلِ الْعَيْنِ-قلت: يعني: إذا تلفت- وَمَا نَقَصَ مِنْهَا؛ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ لَمْ يَغُرَّهُ، بَلْ دَخَلَ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَضْمَنَهُ. وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُوجِبُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا زَادَ عَلَى ثَمَنِ الْمَبِيعِ إذَا ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَ ضَمَانَهُ بِالثَّمَنِ لَا بِالْقِيمَةِ، فَإِذَا ضَمَّنَهُ إيَّاهُ بِقِيمَتِهِ؛ رَجَعَ بِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ. قَالُوا: وَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانَهُ نَظَرْتَ؛ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ مَنْفَعَةٌ، كَقِيمَةِ الْوَلَدِ، وَنُقْصَانِ الْجَارِيَةِ بِالْوِلَادَةِ؛ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَدَخَلَ مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ، وَإِنْ حَصَلَتْ لَهُ بِهِ فِي مُقَابَلَتِهِ مَنْفَعَةٌ، كَالْأُجْرَةِ، وَالْمَهْرِ، وَأَرْشِ الْبَكَارَةِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَضْمَنَهُ.\nوَالثَّانِي: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ مَنْفَعَةٌ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ أَيْضًا يُوجِبُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَرْجِعَ بِالتَّفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَ الْمُسَمَّى، وَمَهْرِ الْمِثْلِ، وَأُجْرَةِ الْمِثْلِ اللَّذَيْنِ ضَمِنَهُمَا؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى الضَّمَانِ بِالْمُسَمَّى، لَا بِعِوَضِ الْمِثْلِ، وَالْمَنْفَعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ إنَّمَا هِيَ بِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْمُسَمَّى، وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ نَحْوُ ذَلِكَ.\nوَعَقْدُ الْبَابِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَرْجِعُ إذَا غَرَّهُ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا لَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانَهُ خَاصَّةً، فَإِذَا غَرِمَ وَهُوَ مُودَعٌ أَوْ مُتَّهَبٌ قِيمَةَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ؛ رَجَعَ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانًا، وَإِنْ ضَمِنَ وَهُوَ مُسْتَأْجِرٌ قِيمَةَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ؛ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ، وَالْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى مَا بَذَلَهُ مِنْ عِوَضِ الْمَنْفَعَةِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَهُ مِنْ عِوَضِ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ضَمَانِهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: نَعَمْ، دَخَلَ عَلَى ضَمَانِهِ","vol":"6","page":441},{"text":"بِالْمُسَمَّى لَا بِعِوَضِ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَرِيًا، وَضَمِنَ قِيمَةَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ. فَقَالُوا: يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ قِيمَةِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ ضَمَانَ الْعَيْنِ، وَدَخَلَ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ بِلَا عِوَضٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا زَادَ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْنِ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي بَذَلَهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَعِيرًا وَضَمِنَ قِيمَةَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ؛ رَجَعَ بِمَا غَرِمَهُ مِنْ ضَمَانِ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى اسْتِيفَائِهَا مَجَّانًا، وَلَمْ يَرْجِعْ بِمَا ضَمِنَهُ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ضَمَانِهَا بِقِيمَتِهَا.\nوَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ مَا حَصَلَ لَهُ مَنْفَعَةٌ تُقَابِلُ مَا غَرِمَ، كَالْمَهْرِ، وَالْأُجْرَةِ فِي الْمَبِيعِ، وَفِي الْهِبَةِ، وَفِي الْعَارِيَّةِ، وَكَقِيمَةِ الطَّعَامِ إذَا قُدِّمَ لَهُ، أَوْ وُهِبَ مِنْهُ، فَأَكَلَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْعِوَضَ، فَإِذَا غَرِمَ عِوَضَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى اسْتِيفَائِهِ بِعِوَضٍ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَسْتَوْفِيهِ بِعِوَضِهِ؛ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ عَلِمَ الضَّيْفُ أَنَّ صَاحِبَ الْبَيْتِ، أَوْ غَيْرَهُ يُغَرِّمُهُ الطَّعَامَ؛ لَمْ يَأْكُلْهُ، وَلَوْ ضَمِنَ الْمَالِكُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْغَاصِبِ؛ جَازَ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْقَابِضِ إلَّا بِمَا يَرْجِعُ لَهُ عَلَيْهِ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُسْتَأْجِرًا بِمَا غَرِمَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ.\nوَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ خَاصَّةً، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُشْتَرِيًا بِمَا غَرِمَهُ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْنِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا بَذَلَهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُسْتَعِيرًا بِمَا غَرِمَهُ مِنْ قِيمَةِ","vol":"6","page":442},{"text":"الْعَيْنِ (^١)؛ إذْ لَا مُسَمًّى هُنَاكَ، وَإِذَا كَانَ مُتَّهَبًا أَوْ مُودَعًا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ فَإِنْ كَانَ الْقَابِضُ مِنْ الْغَاصِبِ هُوَ الْمَالِكُ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ بِمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا، وَمَا سِوَاهُ فَعَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ شَيْءٌ، وَأَمَّا مَا لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا، بَلْ يَكُونُ قَرَارُهُ عَلَى الْغَاصِبِ؛ فَهُوَ عَلَى الْغَاصِبِ أَيْضًا هَاهُنَا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَالِكِ مُطَالَبَةُ الْمَغْرُورِ ابْتِدَاءً، كَمَا لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ قَرَارًا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُودِعِ إذَا أَوْدَعَهَا -يَعْنِي الْوَدِيعَةَ- عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَتَلِفَتْ؛ فَإِنَّهُ لَا يُضَمِّنُ الثَّانِيَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ.\nوَطَرْدُ هَذَا النَّصِّ أَنَّهُ لَا يُطَالِبُ الْمَغْرُورَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّهُ مَغْرُورٌ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى أَنَّهُ مُطَالَبٌ، فَلَا هُوَ الْتَزَمَ الْمُطَالَبَةَ، وَلَا الشَّارِعُ أَلْزَمَهُ بِهَا، وَكَيْفَ يُطَالِبُ الْمَظْلُومَ الْمَغْرُورَ وَيَتْرُكُ الظَّالِمَ الْغَارَّ؟ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مُحْسِنًا بِأَخْذِهِ الْوَدِيعَةَ، وَ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة:٩١] ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى:٤٢]، وَهَذَا شَأْنُ الْغَارِّ الظَّالِمِ. وَقَدْ قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁- أَنَّ الْمُشْتَرِيَ الْمَغْرُورَ بِالْأَمَةِ إذَا وَطِئَهَا، ثُمَّ خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً، وَأَخَذَ مِنْهُ سَيِّدُهَا الْمَهْرَ؛ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ. (^٢) وَقَضَى عَلِيٌّ كَرَّمَ الله وَجْهَهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ\n_________\n(^١) كلامه -﵀- على مذهب من يضمن المستعير بدون تفريط، وقد تقدمت المسألة في باب العارية تحت الحديث رقم (٨٨٠)، رقم المسألة (٨)، والصحيح فيها أنه لا ضمان على المستعير إلا بالتفريط، أو التعدي، والله أعلم.\n(^٢) أخرجه البيهقي (٥/ ٥٢٧) من طريق جابر الجعفي، عن الشعبي، عن عمر -﵁-، به. وهذا إسنادٌ واهٍ؛ جابر الجعفي متروك، والشعبي لم يدرك عمر -﵁-؛ فهو منقطع.","vol":"6","page":443},{"text":"بِهِ (^١)؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى عِوَضَهُ. وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ عَنْ الصَّحَابَةِ هُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَمَالِكٌ أَخَذَ بِقَوْلِ عُمَرَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ أَخَذَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ الله وَجْهَهُ.\nوَقَوْلُ عُمَرَ أَفْقَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِالْمَهْرِ، وَإِنَّمَا دَخَلَ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ بَذَلَهُ، وَأَيْضًا فَالْبَائِعُ ضَمِنَ لَهُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ سَلَامَةَ الْوَطْءِ كَمَا ضَمِنَ لَهُ سَلَامَةَ الْوَلَدِ (^٢). فَكَمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ؛ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي أُجْرَةِ الِاسْتِخْدَامِ إذَا ضَمَّنَهُ إيَّاهَا الْمُسْتَحِقُّ، هَلْ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْغَارِّ؟.\nقُلْنَا: نَعَمْ، يَرْجِعُ بِهَا، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَقَدْ قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ الله وَجْهَهُ أَيْضًا بِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَجَدَ امْرَأَتَهُ بَرْصَاءَ، أَوْ عَمْيَاءَ، أَوْ مَجْنُونَةً، فَدَخَلَ بِهَا؛ فَلَهَا الصَّدَاقُ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ. (^٣) وَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ، وَالْمِيزَانِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَمَّا لَمْ يُعْلِمْهُ وَأَتْلَفَ عَلَيْهِ الْمَهْرَ؛ لَزِمَهُ غُرْمُهُ. انتهى بِنَصِّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3331>مسألة [٢٢]: هل تصح تصرفات الغاصب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٩٩): وَتَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ كَتَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: بُطْلَانُهَا. وَالثَّانِيَةُ: صِحَّتُهَا\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (٥/ ٥٢٦) من طريق علي بن الحسين، عن جده علي بن أبي طالب -﵁-، وهو منقطع؛ لأنه لم يدرك جده عليًا -﵁-.\n(^٢) يعني بذلك: سلامته من أن يكون مستحقًّا لرجلٍ آخر.\n(^٣) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١٠١١).","vol":"6","page":444},{"text":"وَوُقُوفُهَا عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ فِي تَصَرُّفَاتِ الْغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةِ رِوَايَةً أَنَّهَا تَقَعُ صَحِيحَةً، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعِبَادَاتُ، كَالطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، أَوْ الْعُقُودُ، كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالنِّكَاحِ.\nوَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ فِي الْعُقُودِ بِمَا لَمْ يُبْطِلْهُ الْمَالِكُ، فَأَمَّا مَا اخْتَارَ الْمَالِكُ إبْطَالَهُ وَأَخْذَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ نَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا، وَأَمَّا مَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْمَالِكُ، فَوَجْهُ التَّصْحِيحِ فِيهِ أَنَّ الْغَاصِبَ تَطُولُ مُدَّتُهُ، وَتَكْثُرُ تَصَرُّفَاتُهُ، فَفِي الْقَضَاءِ بِبُطْلَانِهَا ضَرَرٌ كَثِيرٌ، وَرُبَّمَا عَادَ الضَّرَرُ عَلَى الْمَالِكِ؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهَا يَقْتَضِي كَوْنَ الرِّبْحِ لِلْمَالِكِ، وَالْعِوَضِ بِنَمَائِهِ وَزِيَادَتِهِ لَهُ، وَالْحُكْمُ بِبُطْلَانِهِ يَمْنَعُ ذَلِكَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3332>مسألة [٢٣]: إذا اشترى الغاصب شيئًا في الذمة، ثم نقده من مال مغصوب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٤٠٠): قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ لِلْغَاصِبِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ فِي ذِمَّتِهِ؛ فَكَانَ الشِّرَاءُ لَهُ، وَالرِّبْحُ لَهُ، وَعَلَيْهِ بَدَلُ المَغْصُوبِ. وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ؛ فَكَانَ لَهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى لَهُ بِعَيْنِ المَالِ، وَهَذَا ظَاهِرُ المَذْهَبِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: نماء العين قبل تسليم المال المغصوب يكون في ملك الغاصب، ونماؤه بعد التسليم يكون ملك المغصوب منه، والله أعلم.","vol":"6","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3333>مسألة [٢٤]: إذا عجز عن رد المغصوب كعبد أبق، أو جمل شرد، فدفع البدل، ثم قدر عليه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٤٠٠): مَنْ غَصَبَ شَيْئًا فَعَجَزَ عَنْ رَدِّهِ، كَعَبْدٍ أَبَقَ، أَوْ دَابَّةٍ شَرَدَتْ؛ فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِهِ، فَإِذَا أَخَذَهُ مَلَكَهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْغَاصِبُ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ، بَلْ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا لَزِمَهُ رَدُّهَا، وَيَسْتَرِدُّ قِيمَتَهَا الَّتِي أَدَّاهَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ الصَّبْرِ إلَى إمْكَانِ رَدِّهَا فَيَسْتَرِدُّهَا، وَبَيْنَ تَضْمِينِهِ إيَّاهَا، فَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهَا، وَتَصِيرُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ، لَا يَلْزَمُهُ رَدُّهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ دَفَعَ دُونَ قِيمَتِهَا بِقَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ مَلَكَ الْبَدَلَ، فَلَا يَبْقَى مِلْكُهُ عَلَى الْمُبْدَلِ، كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ تَضْمِينٌ فِيمَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهِ، فَنَقَلَهُ، كَمَا لَوْ خَلَطَ زَيْتَهُ بِزَيْتِهِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّ الْمَغْصُوبَ لَا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ بِالْبَيْعِ؛ فَلَا يَصِحُّ بِالتَّضْمِينِ كَالتَّالِفِ، وَلِأَنَّهُ غَرِمَ مَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّهُ بِخُرُوجِهِ عَنْ يَدِهِ، فَلَا يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مُدَبَّرًا، وَلَيْسَ هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْقِيمَةَ لِأَجْلِ الْحَيْلُولَةِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ، وَلِهَذَا إذَا رَدَّ الْمَغْصُوبَ إلَيْهِ، رَدَّ الْقِيمَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يُشْبِهُ الزَّيْتَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلِأَنَّ حَقَّ صَاحِبِهِ انْقَطَعَ عَنْهُ، لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ أَبَدًا. اهـ (^١)\nقال أبو عبد الله غفر الله له: المالك بالخيار: بين أن يصبر ويأخذ عين ماله\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٦/ ١٨٨).","vol":"6","page":446},{"text":"حين وجوده، أو القيمة التي صارت في يده؛ إلا أن يشترط المالك أن متاعه إذا وجد؛ فهو أحق به، ويعيد القيمة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3334>مسألة [٢٥]: إذا كان المغصوب مما له أجرة فهل يتحملها الغاصب مدة مقام العين في يده</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنَّ عليه أجرة مقامها في يده؛ لأنه حَرَمَ صاحبها من الانتفاع بأجرتها بتعديه، وهذا القول اختاره الشوكاني -﵀-.\n• ومذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية أنَّ الغاصب لا يضمن ذلك، واختار ذلك ابن القيم بحجة أنه قد يؤدي إلى الإضرار بالغاصب، فربما لو تأخر الغصب عنده اجتاح ذلك بماله.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3335>مسألة [٢٦]: إذا دفع الغاصب للمالك عوض حقه على أنه صدقة، أو هبة، هل يبرأ منه</span>؟\nقال أحمد -﵀- في رواية الأثرم عنه -وقد سئل عن رجل له قِبَلَ رجلٍ تَبِعَةٌ، فأوصلها إليه على سبيل صدقة، أو هدية، فلم يعلم؟ - فقال: كيف هذا؟! هذا يرى أنه هدية. يقول له: هذا لك عندي. (^٢)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٤١٩): وَإِنْ وَهَبَ الْمَغْصُوبَ لِمَالِكِهِ،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ٤١٧) «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٣٠) «السيل الجرار» (٣/ ٣٥٢، ٣٥٠).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٧/ ٤١٩).","vol":"6","page":447},{"text":"أَوْ أَهْدَاهُ إلَيْهِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَبْرَأُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَلَّمَهُ إلَيْهِ تَسْلِيمًا صَحِيحًا تَامًّا، وَزَالَتْ يَدُ الْغَاصِبِ.\nوَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَارِدٌ فِيمَا إذَا أَعْطَاهُ عِوَضَ حَقِّهِ عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ، فَأَخَذَهُ الْمَالِكُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ، فَلَمْ تَثْبُتْ الْمُعَاوَضَةُ، وَمَسْأَلَتُنَا فِيمَا إذَا رَدَّ إلَيْهِ عَيْنَ مَالِهِ، وَأَعَادَ يَدَهُ الَّتِي أَزَالَهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3336>مسألة [٢٧]: إذا اختلف الغاصب والمغصوب منه في قيمة المغصوب، أو وجود العيب، أو تلفه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٤٢٠): إذَا اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَالْغَاصِبُ فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، وَلَا بَيِّنَةَ لَأَحَدِهِمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، فَلَا يُلْزِمُهُ، مَا لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ بِهِ حُجَّةً، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ دَيْنًا، فَأَقَرَّ بِبَعْضِهِ ... .\nوَإِنْ قَالَ الْغَاصِبُ: كَانَتْ فِيهِ سَلْعَةٌ (^١)، أَوْ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ، أَوْ عَيْبٌ. فَأَنْكَرَ الْمَالِكُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ.\nثم قال: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي رَدِّ الْمَغْصُوبِ، أَوْ رَدِّ مِثْلِهِ أَوْ قِيمَتَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ، وَاشْتِغَالُ الذِّمَّةِ بِهِ.\nوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي تَلَفِهِ، فَادَّعَاهُ الْغَاصِبُ، وَأَنْكَرَهُ الْمَالِكُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ، وَتَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، فَإِذَا حَلَفَ فَلِلْمَالِكِ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّ الْعَيْنِ، فَلَزِمَ بَدَلُهَا. انتهى بتصرف واختصار.\n_________\n(^١) السَّلْعَةُ: الشجة في الرأس.","vol":"6","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3337>مسألة [٢٨]: من كسر شيئًا محرمًا كمعزف، أو مزمار، أو طبل، أو صنم، وغير ذلك، فهل يضمن</span>؟\n• مذهب الحنابلة وبعض الشافعية أنه لا يضمن؛ لأنه لا يحل بيعه فلا يضمن.\n• وقال الشافعي: إن كان ذلك إذا فُصل يصلح لنفع مباح، وإذا كُسر لم يصلح له؛ لزمه ما بين قيمته مفصولًا ومكسورًا؛ لأنه أتلف بالكسر مالَهُ قيمةٌ، وإن كان لا يصلح لمنفعة مباحة؛ لم يلزمه ضمانه. وقال أبو حنيفة: يضمن.\nقلتُ: والصواب القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3338>مسألة [٢٩]: كسر آنية الخمر هل يضمن</span>؟\n• فيه روايتان عن الإمام أحمد، وهما قولان لغيره من أهل العلم.\nوالصحيح أنه يضمن الآنية؛ إلا أن يكسرها الإمام تعزيرًا، وتشديدًا في تغيير المنكر، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3339>مسألة [٣٠]: إذا فتح قفصًا على طائر، أو حل عقال دابة فذهبت، فهل يضمن</span>؟\n• مذهب أحمد، ومالك أنه يضمن؛ لأنه تسبب في ذلك.\n• ومذهب أبي حنيفة والشافعي أنه لا يضمن إلا أن يهيجها بعد ذلك فتذهب.\nقلتُ: والصواب القول الأول. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ٤٢٧) «روضة الطالبين» (٥/ ١٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٤٢٨).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٧/ ٤٣٠).","vol":"6","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3340>مسألة [٣١]: إذا جهل الغاصب رب المال، فكيف يعيده ويتخلص منه</span>؟\n• قال ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (٢/ ٣٥): مَنْ عِنْدَهُ أَمْوَالٌ لَا يَعْرِفُ أَصْحَابَهَا، كَالْغُصُوبِ، وَالْعَوَارِيِّ وَنَحْوِهَا، فَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَيَئِسَ مِنْهَا؛ فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْهُمْ؛ فَإِنْ ظَهَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ؛ كَانُوا مُخَيَّرِينَ بَيْنَ الْإِمْضَاءِ، وَبَيْنَ التَّضْمِينِ، وَهَذَا مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي اللُّقَطَةِ. انتهى المراد.\nقلتُ: وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الإمام ابن باز، والإمام الألباني، والإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين، وغيرهم رحمة الله عليهم أجمعين. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٩٢ - ٥٩٥) «الاختيارات» (ص ١٦٥).","vol":"6","page":450},{"text":"٨٨٥ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَيُقَالُ إنَّ البُخَارِيَّ ضَعَّفَهُ. (^١)\n\n٨٨٦ - وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ -﵄- قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: إنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي أَرْضٍ، غَرَسَ أَحَدُهُمَا فِيهَا نَخْلًا وَالأَرْضُ لِلْآخَرِ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالأَرْضِ لِصَاحِبِهَا، وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ وَقَالَ: «لَيْسَ لِعِرْقٍ (^٢) ظَالِمٍ حَقٌّ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. (^٣)\n\n٨٨٧ - وَآخِرُهُ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَاخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَفِي تَعْيِينِ صَحَابِيِّهِ. (^٤)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٣/ ٤٦٥)، وأبوداود (٣٤٠٣)، والترمذي (١٣٦٦)، وابن ماجه (٢٤٦٦)، من طرق عن شريك عن أبي إسحاق عن عطاء بن أبي رباح عن رافع بن خديج به. وإسناده ضعيف؛ لضعف شريك، وعنعنة أبي إسحاق، وانقطاعه بين عطاء ورافع فإنه لم يسمع منه كما ذكر ذلك غير واحد من الحفاظ. وقد ضعف الحديث البخاري فيما نقله عنه الخطابي، ونقل عنه الترمذي التحسين، وضعفه ابن عدي والبيهقي، وأنكره موسى بن هارون الحمال.\nقلت: ولم أجد له حديثًا صريحًا يشهد له. وشريك قد توبع، تابعه قيس بن الربيع وهو ضعيف أيضًا، أخرجه البيهقي (٦/ ١٣٦)، فبقيت العلة في الانقطاع والتدليس.\n(^٢) روي بتنوين (عرق) فيكون (ظالم) نعتًا ل (عرق) وأسند إليه الظلم؛ لأن الظلم حصل به حين غرس في أرض الغير بغير إذن. ويروى بالإضافة بغير تنوين فيكون بتقدير مضاف محذوف، أي: ليس لذي عرق ظالم حق.\n(^٣) ضعيف، الراجح إرساله. أخرجه أبوداود (٣٠٧٤)، من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه به. وإسناده ضعيف؛ لأن ابن إسحاق مدلس ولم يصرح بالسماع ثم الحديث قد اختلف في إسناده كما سيأتي، وذكر الدارقطني أن طريق يحيى بن عروة المذكورة ليست محفوظة.\n(^٤) ضعيف، الراجح إرساله. أخرجه أبوداود (٣٠٧٣)، والنسائي في «الكبرى» (٥٧٦٢)، والترمذي (١٣٧٨)، كلهم من طريق عبدالوهاب الثقفي عن أيوب عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد به.\nقال الدارقطني -﵀- في «العلل» (٤/ ٤١٤ - ٤١٦): انفرد به عبدالوهاب الثقفي، واختلف فيه على هشام بن عروة، فرواه الثوري عن هشام عن أبيه قال: حدثني من لا أتهم عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وتابعه جرير ابن عبدالحميد.\n\nوقال يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك بن أنس وعبدالله بن إدريس ويحيى بن سعيد الأموي عن هشام عن أبيه مرسلًا. [قلت: وزاد النسائي الليث بن سعد كما في «الكبرى» (٥٧٦٢)].\nقال: وروي عن الزهري عن عروة عن عائشة، قاله سويد بن عبدالعزيز عن سفيان بن حسين. ورواه يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوالمرسل عن عروة أصح. اهـ\nقلت: وحديث عائشة المذكور الذي أشار إليه الحافظ الدارقطني قد رواه عن الزهري أيضًا زمعةُ بن صالح كما في «مسند الطيالسي» رقم (١٤٤٠) ومن طريقه البيهقي (٦/ ١٤٢).\nوهو منكر؛ لأن سفيان بن حسين وزمعة بن صالح ضعيفان في الزهري، وقد خالفا رواية الثقات كما تقدم في كلام الدارقطني. وقد قال أبوحاتم كما في «العلل» لولده (١/ ٤٧٤): هذا حديث منكر.\nوللحديث شاهد من حديث سمرة بن جندب: أخرجه البيهقي (٦/ ١٤٢)، من طريق محمد بن عبدالله الأنصاري عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب مرفوعًا بلفظ: «من أحاط على شيء فهو أحق به، وليس لعرق ظالم حق».\nقلت: والحديث مشهور بدون زيادة: «ليس لعرق ظالم حق»، فقد روى الحديث جماعة عن سعيد ابن أبي عروبة بدون هذه الزيادة.\nانظر: ابن أبي شيبة (٧/ ٧٦)، والكبرى للنسائي (٥٧٦٣)، وابن الجارود (١٠١٥)، والطحاوي في «شرح المعاني» (٣/ ٢٦٨)، والطبراني في «الكبير» (٦٨٦٣) (٦٨٦٤)، ورواه أيضًا شعبة وهشام عن عروة بدون الزيادة المذكورة. انظر: الطيالسي (٩٠٦)، والطبراني في «الكبير» (٦٨٦٥) (٦٨٦٦) (٦٨٦٧)، والبيهقي (٦/ ١٤٨).\nقلت: فالزيادة المذكورة تعتبر شاذة في حديث سمرة بن جندب، والله أعلم.\nوللحديث شاهد من حديث عبادة بن الصامت: أخرجه أحمد (٥/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، من طريق إسحاق ابن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة بن الصامت قال: إن من قضاء رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه ليس لعرق ظالم حق.\nوإسناده منقطع؛ لأن إسحاق لم يدرك عبادة بن الصامت، ثم هو مجهول الحال، ثم إن حديثه هذا غير محفوظ كما ذكر ذلك ابن عدي في «الكامل».\nقلت: فالحديث أحسن طرقه مرسل عروة بن الزبير، ولا نعلم له ما يصلح لتقويته، والله أعلم.\nوانظر: «البدر المنير» (٦/ ٧٦٦)، و«إرواء الغليل» (١٥٢٠).","vol":"6","page":451},{"text":"٨٨٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: «إنْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3341>مسألة [١]: إذا غصب غاصبٌ أرضًا فزرعها، فأدركها صاحبها بعد حصاد الزرع</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٦٥): فَمَتَى كَانَ هَذَا بَعْدَ حَصَادِ الْغَاصِبِ الزَّرْعَ؛ فَإِنَّهُ لِلْغَاصِبِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ إلَى وَقْتِ التَّسْلِيمِ، وَضَمَانُ النَّقْصِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3342>مسألة [٢]: إذا غصب أرضًا فبنى فيها أو غرس غرسًا</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٦٥): إذَا غَرَسَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَوْ بَنَى فِيهَا، فَطَلَبَ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَلْعَ غِرَاسِهِ، أَوْ بِنَائِهِ؛ لَزِمَ الْغَاصِبَ ذَلِكَ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، أَنَّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧)، ومسلم (١٦٧٩).","vol":"6","page":453},{"text":"النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ».اهـ\nومعنى هذه الجملة: «لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ»، رُوي بتنوين (عرق)؛ فيكون (ظالمٍ) نعتًا لـ (عرق)، وأسند إليه الظلم؛ لأنَّ الظلم حصل به، ويروى بالإضافة بغير تنوين فيكون بتقدير مضاف محذوف، أي: ليس لذي عرق ظالمٍ حقٌّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3343>مسألة [٣]: إذا غصب غاصب أرضًا ثم أدركها ربها والزرع قائم لم يُحصد</span>؟\n• قال جماعة من أهل العلم: يُخَيَّرُ المالك بين أن يقر الزرع إلى وقت الحصاد، وله أجرة المثل وأرش النقص، وبين أن يدفع إلى صاحب الزرع نفقته ويأخذ الزرع، وهذا مذهب أحمد، وأبي عبيد وغيرهما، واستدلوا على ذلك بحديث رافع ابن خديج الذي في الباب، وبحديث رافع بن خديج في «سنن أبي داود» (٣٣٩٩) بإسناد صحيح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى زرعًا في أرض ظهير، فقال: «ما أحسن زرع ظهير!» فقالوا: إنه ليس لظهير، ولكنه لفلان. قال: «فخذوا زرعكم وردوا عليه نفقته».\n• ومذهب الجمهور، وأكثر الفقهاء على أن المالك يملك إجبار الغاصب على قلع زرعه كالغرس، والبناء، واستدلوا بعموم حديث: «ليس لعرق ظالم حق»، ولأنه زرع في أرض غيره ظلمًا؛ فليس له الحق في إبقائه في أرضه بغير إذنه ورضاه، وهذا القول اختاره الشوكاني وهو الصواب، وأما حديثهم الأول فهو ضعيف كما تقدم بيانه في الباب، وحديثهم الثاني ليس فيه أنه زرع بغير إذن","vol":"6","page":454},{"text":"صاحب الأرض، أو بعد غصبه الأرض، بل الظاهر في الحديث خلاف ذلك، والأظهر في هذا الحديث أنَّ الكراء كان بصورة لم يرضها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ ولذلك قال سعيد بن المسيب عَقِبَ الحديث المذكور: أفقر أخاك. أي: أعطه، أو أكره بالدراهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3344>مسألة [٤]: إذا قلع الغاصب الشجر فهل يلزمه تسوية الأرض</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٦٦): وَإِذْ قَلَعَهَا لَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ، وَرَدُّ الْأَرْضِ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ حَصَلَ بِفِعْلِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَزِمَتْهُ إزَالَتُهُ. اهـ\nبعض التفريعات:\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٦٦): وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَخْذَ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِ الْغَاصِبِ، فَلَمْ يَمْلِكْ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَخْذَهُ، كَمَا لَوْ وَضَعَ فِيهَا أَثَاثًا أَوْ حَيَوَانًا. وَإِنْ طَلَبَ أَخْذَهُ بِقِيمَتِهِ، وَأَبى مَالِكُهُ إلَّا الْقَلْعَ؛ فَلَهُ الْقَلْعُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَمَلَكَ نَقْلَهُ. وَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا. وَإِنْ اتَّفَقَ عَلَى تَعْوِيضِهِ عَنْهُ بِالْقِيمَةِ أَوْ غَيْرِهَا؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَجَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ. وَإِنْ وَهَبَ الْغَاصِبُ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ؛ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ قَلْعِهِ، وَقَبِلَهُ الْمَالِكُ؛ جَازَ. وَإِنْ أَبَى قَبُولَهُ، وَكَانَ فِي قَلْعِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ؛ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ٣٧٦ -) «السيل الجرار» (٣/ ٣٥٣).","vol":"6","page":455},{"text":"غَرَضٌ صَحِيحٌ احْتَمَلَ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى قَبُولِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ رَفْعَ الْخُصُومَةِ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ يَفُوتُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إجْبَارًا عَلَى عَقْدٍ يُعْتَبَرُ الرِّضَا فِيهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3345>مسألة [٥]: إذا غصب أرضًا فغرسها، فأثمرت فلمن الثمرة</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٧٩): وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا فَأَثْمَرَتْ، فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ ثَمَرَتَهَا؛ فَهِيَ لَهُ. وَإِنْ أَدْرَكَهَا وَالثَّمَرَةُ فِيهَا، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ شَجَرِهِ، فَكَانَتْ لَهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي أَرْضِهِ، وَلِأَنَّهَا نَمَاءُ أَصْلٍ مَحْكُومٍ بِهِ لِلْغَاصِبِ؛ فَكَانَ لَهُ، كَأَغْصَانِهَا وَوَرَقِهَا. اهـ\nثم ذكر عن القاضي أنه قال: هي لرب الأرض. ونقله عن أحمد رواية.\nقلتُ: والراجح هو القول الأول، ولكن عليه أجرة الأرض كما تقدم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3346>مسألة [٦]: إذا اشترى أرضًا فبنى فيها أو غرس ثم بانت مغصوبة</span>؟\nقال ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٣١): نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فَبَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ؛ فَلِلْمُسْتَحِقِّ قَلْعُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا نَقَصَ، وَنَصَّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَحِقِّ قَلْعُهُ إلَّا أَنْ يَضْمَنَ نَقْصَهُ، ثُمَّ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ، وَهَذَا أَفْقَهُ النَّصَّيْنِ، وَأَقْرَبُهُمَا إلَى الْعَدْلِ؛ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ غَرَسَ وَبَنَى غِرَاسًا وَبِنَاءً مَأْذُونًا فِيهِ، وَلَيْسَ ظَالِمًا بِهِ، فَالْعِرْقُ لَيْسَ بِظَالِمٍ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَحِقِّ قَلْعُهُ حَتَّى يَضْمَنَ لَهُ نَقْصَهُ، وَالْبَائِعُ هُوَ الَّذِي ظَلَمَ الْمُسْتَحِقَّ بِبَيْعِهِ مَالَهُ وَغَرَّ الْمُشْتَرِيَ بِبِنَائِهِ وَغِرَاسِهِ فَإِذَا أَرَادَ الْمُسْتَحِقُّ","vol":"6","page":456},{"text":"الرُّجُوعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ ضَمِنَ لِلْمَغْرُورِ مَا نَقَصَ بِقَلْعِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الظَّالِمِ، وَكَانَ تَضْمِينُهُ لَهُ أَوْلَى مِنْ تَضْمِينِ الْمَغْرُورِ، ثُمَّ تَمْكِينُهُ مِنْ الرُّجُوعِ عَلَى الْغَارِّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3347>مسألة [٧]: إذا غصب شجرًا فأثمر، فلمن الثمر</span>؟\nقال عبد الله بن أحمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٧٩ - ٣٨٠): وَإِنْ غَصَبَ شَجَرًا فَأَثْمَرَ؛ فَالثَّمَرُ لِصَاحِبِ الشَّجَرِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَلِأَنَّ الشَّجَرَ عَيْنُ مِلْكِهِ نَمَا وَزَادَ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَالَتْ أَغْصَانُهُ. وَعَلَيْهِ رَدُّ الثَّمَرِ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا؛ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3348>مسألة [٨]: إذا غصب دارًا فزوقها، وجصصها، ثم طالبه صاحبها بإزالته</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٦٧): وَإِنْ غَصَبَ دَارًا، فَجَصَّصَهَا، وَزَوَّقَهَا، وَطَالَبَهُ رَبُّهَا بِإِزَالَتِهِ، وَفِي إزَالَتِهِ غَرَضٌ؛ لَزِمَهُ إزَالَتُهُ، وَأَرْشُ نَقْصِهَا إنْ نَقَصَتْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ، فَوَهَبَهُ الْغَاصِبُ لِمَالِكِهَا؛ أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ فِي الدَّارِ، فَأَشْبَهَ قَصَارَةَ الثَّوْبِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ؛ لِأَنَّهَا أَعْيَانُ مُتَمَيِّزَةٌ، فَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْقُمَاشِ. وَإِنْ طَلَبَ الْغَاصِبُ قَلْعَهُ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكُ، وَكَانَ لَهُ قِيمَةٌ بَعْدَ الْكَشْطِ؛ فَلِلْغَاصِبِ قَلْعُهُ، كَمَا يَمْلِكُ قَلْعَ غِرَاسِهِ، سَوَاءٌ بَذَلَ لَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهُ، أَوْ لَمْ يَبْذُلْ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَمْلِكُ قَلْعَهُ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ. وَالثَّانِي: لَا يَمْلِكُ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ. اهـ","vol":"6","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3349>مسألة [٩]: إذا غصب أرضًا وكشط ترابها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٦٧ - ٣٦٨): وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَكَشَطَ تُرَابَهَا؛ لَزِمَهُ رَدُّهُ وَفَرْشُهُ عَلَى مَا كَانَ، إنْ طَلَبَهُ الْمَالِكُ، وَكَانَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى فَرْشِهِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. وَإِنْ مَنَعَهُ الْمَالِكُ فَرْشَهُ، أَوْ رَدَّهُ وَطَلَبَ الْغَاصِبُ ذَلِكَ، وَكَانَ فِي رَدِّهِ غَرَضٌ مِنْ إزَالَةِ ضَرَرٍ، أَوْ ضَمَانٍ، فَلَهُ فَرْشُهُ وَرَدُّهُ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهَا مُدَّةَ شَغْلِهَا وَأَجْرُ نَقْصِهَا. وَإِنْ أَخَذَ تُرَابَ أَرْضٍ، فَضَرَبَهُ لِبِنَاءٍ؛ رَدَّ، وَلَا شَيْءَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَ فِيهِ تِبْنًا لَهُ، فَيَكُونَ لَهُ أَنْ يَحُلَّهُ وَيَأْخُذَ تِبْنَهُ. وَإِنْ كَانَ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ بِنَاءً عَلَى كَشْطِ التَّزْوِيقِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ. وَإِنْ طَالَبَهُ الْمَالِكُ بِحَلِّهِ؛ لَزِمَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهِ غَرَضٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ فَعَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ جَعَلَهُ آجُرًّا أَوْ فَخَّارًا؛ لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَلَا أَجْرَ لَهُ لِعَمَلِهِ، وَلَيْسَ لَهُ كَسْرُهُ، وَلَا لِلْمَالِكِ إجْبَارُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَفَهٌ لَا يُفِيدُ، وَإِتْلَافٌ لِلْمَالِ، وَإِضَاعَةٌ لَهُ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3350>مسألة [١٠]: إذا غصب أرضًا فحفر بها بئرًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٦٨ - ٣٦٩): وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا فَطَالَبَهُ الْمَالِكُ بِطَمِّهَا؛ لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ، وَلِأَنَّ التُّرَابَ مِلْكُهُ، نَقَلَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَلَزِمَهُ رَدُّهُ، كَتُرَابِ الْأَرْضِ. وَكَذَلِكَ إنْ حَفَرَ فِيهَا نَهْرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ طَمَّهَا، فَمَنَعَهُ الْمَالِكُ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي طَمِّهَا، بِأَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ ضَمَانُ مَا يَقَعُ فِيهَا، أَوْ يَكُونَ قَدْ","vol":"6","page":458},{"text":"نَقَلَ تُرَابَهَا إلَى مِلْكِ نَفْسِهِ، أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ طَرِيقٌ يَحْتَاجُ إلَى تَفْرِيغِهِ، فَلَهُ الرَّدُّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَضِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ فِي طَمِّ الْبِئْرِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَضَعَ التُّرَابَ فِي مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَأَبْرَأَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مِمَّا حَفَرَ، وَأَذِنَ فِيهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ طَمُّهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لَا نَفْعَ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ نُقْرَةً (^١)، فَطَبَعَهَا دَرَاهِمَ، ثُمَّ أَرَادَ جَعْلَهَا نُقْرَةً.\nوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْمُزَنِيُّ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ طَمُّهَا. وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لَنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ بِإِبْرَاءِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مِمَّا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ، وَهُوَ أَيْضًا إبْرَاءٌ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ وَهُوَ الْوَاقِعُ فِيهَا.\nوَلَنَا: أَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا لَزِمَهُ لِوُجُودِ التَّعَدِّي، فَإِذَا رَضِيَ صَاحِبُ الْأَرْضِ؛ زَالَ التَّعَدِّي، فَزَالَ الضَّمَانُ، وَلَيْسَ هَذَا إبْرَاءً مِمَّا لَمْ يَجِبْ، وَإِنَّمَا هُوَ إسْقَاطُ التَّعَدِّي بِرِضَائِهِ بِهِ. وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إذَا لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالْإِبْرَاءِ، وَلَكِنْ مَنَعَهُ مِنْ طَمِّهَا؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ رِضَاهُ بِذَلِكَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3351>مسألة [١١]: إذا غصب غاصب عبدًا، ثم جنى عليه جناية مقدرة الدية</span>؟\n• الصحيح من كلام أهل العلم أنَّ الغاصب يضمن أكثر الأمرين من أرش النقص، أو دية ذلك العضو؛ لأنَّ سبب ضمان كل واحد منهما وُجِدَ؛ فوجب أكثرهما، ودخل الآخر فيه؛ فإنَّ اليد والجناية وُجِدا جميعًا. (^٢)\n_________\n(^١) هي سبيكة الفضة التي لم تُصنَّع بَعْدُ.\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٣٧٢).","vol":"6","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3352>مسألة [١٢]: إذا جنى على العبد غير الغاصب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٧٣): وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا، فَقَطَعَ آخَرُ يَدَهُ؛ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ قَطَعَ يَدَهُ، وَالْغَاصِبُ حَصَلَ النَّقْصُ فِي يَدِهِ، إنْ ضَمَّنَ الْجَانِيَ؛ فَلَهُ تَضْمِينُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ لَا غَيْرُ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُضَمِّنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ. وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ إنْ نَقَصَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ.\nقال: وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ؛ فَلِرَبِّ الْعَبْدِ تَضْمِينُهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا وُجِدَ فِي يَدِهِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ مِنْهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي بِنِصْفِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا أَرْشُ جِنَايَتِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهَا. انتهى بتصرف واختصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3353>مسألة [١٣]: إذا غصب عبدًا فجنى عليه جناية مقدرة بقيمته كاملة</span>؟\nوذلك مثل أن يقطع يديه، أو أنفه، أو ذكره، أو أذنيه ...\n• فمذهب الجمهور على أنه تلزمه القيمة كلها ورَدُّ العبد، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي؛ لأنَّ المتلف بعضه، فلا يقف ضمانه على زوال الملك عن جملته.\n• وقال أبو حنيفة، والثوري: يخير المالك بين أن يصبر، ولا شيء له، وبين أخذ قيمته ويملكه الجاني؛ لأنه ضمان مال، فلا يبقى ملك صاحبه عليه مع ضمانه له.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ٣٧٣).","vol":"6","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3354>مسألة [١٤]: إذا جنى العبد المغصوب، فمن يضمن جنايته</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٣٧٤): وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ؛ فَجِنَايَتُهُ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي؛ لِكَوْنِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ كَسَائِرِ نَقْصِهِ. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ الْمَالَ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ النَّقْصِ الَّذِي لَحِقَ الْعَبْدَ، وَإِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ؛ فَجِنَايَتُهُ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ جِنَايَاتِهِ، فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3355>مسألة [١٥]: من غُصِبَ عليه مال ثم قَدَر على مال للغاصب، فهل له أن يأخذه ويقاصّه بحقه</span>؟\nهذه المسألة تسمى عند أهل العلم بمسألة (الظفر)، وفيها خلاف بين أهل العلم.\n• فقد ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنَّ له أن يأخذ ذلك المال، ويأخذ ماله المغصوب منه، ويرد عليه الباقي منه إن بقي، وهذا قول ابن سيرين، وعطاء، والنخعي، والشعبي، والشافعي، والبخاري، والظاهرية، وقال به جمعٌ من المالكية، وسواء كان ذلك المال من جنس ماله، أو من غير جنسه.\nواستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى","vol":"6","page":461},{"text":"عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤].\n• واختلف النقل عن الحنفية، فنقل عنهم الحافظ ابن حجر -﵀- أنهم يجيزون ذلك فيما كان مثليًّا، لا فيما كان متقومًا؛ لما يخشى فيه من الحيف، ونقل عنهم ابن القيم -﵀- أنهم أجازوه فيما إذا كان من جنسه.\n• وظاهر مذهب أحمد، ومالك أنها لا تجوز، واستدلوا بحديث: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». (^١)\n• وذهب ابن القيم -﵀- إلى أنه إن كان سبب الحق ظاهرًا كالنكاح، والضيافة يجوز الظفر به، وإن كان السبب خفيًّا؛ فلا يجوز؛ لأنه موضع تهمة وخيانة.\nقلتُ: والصواب هو القول الأول؛ لما تقدم من الأدلة، وقد استدل البخاري -﵀- على ذلك بحديث عائشة في قصة هند بنت عتبة: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك» (^٢)، وحديث عقبة بن عامر في شأن الذين لا يضيفون، قال: «خذوا منهم حق الضيافة الذي ينبغي لهم». (^٣)\nتنبيه: قال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح»: واتفقوا على أن محل الجواز في الأموال لا في العقوبات البدنية؛ لكثرة الغوائل في ذلك، قال: ومحل الجواز في الأموال أيضًا ما إذا أُمِنَ الغائلة، كنسبته إلى السرقة، ونحو ذلك. اهـ (^٤)\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٨٧٩).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١١٣٧).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (١٤٦١)، ومسلم برقم (١٧٢٧).\n(^٤) انظر: «الفتح» (٢٤٦١) «المحلى» (١٢٨٤) «إغاثة اللهفان» (٢/ ٨٠).","vol":"6","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3356>بَابُ الشُّفْعَةِ</span>\n٨٨٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄- قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ: أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ.\nوَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ: قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٥٧)، ومسلم (١٦٠٨) (١٣٤) (١٣٥). وليس عند مسلم «فإذا وقعت الحدود ...».\n(^٢) ضعيف. أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (٤/ ١٢٦) فقال حدثنا محمد بن خزيمة قال ثنا يوسف بن عدي قال ثنا ابن إدريس عن ابن جريج عن عطاء عن جابر -﵁- به مرفوعًا. ورجال إسناده كلهم ثقات، إلا أن يوسف بن عدي قد شذَّ في إسناده ومتنه؛ فقد رواه الثقات عن ابن إدريس، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر باللفظ الأول: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ ...» وجعلوا شيخ ابن جريج أبا الزبير كما أبان ذلك الإمام الألباني -﵀- في «الضعيفة» (٣/ ٦٣).\nوفي الباب مرسل صحيح من مراسيل ابن أبي مليكة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الشريك شفيع في كل شيء» أخرجه البيهقي (٦/ ١٠٩)، بإسناد صحيح إلى ابن أبي مليكة.\nوقد روي موصولًا عن ابن عباس، أخرجه البيهقي (٦/ ١٠٩)، من طريق أبي حمزة السكري عن عبدالعزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس به.\nقال الدارقطني في «السنن» (٤/ ٢٢٢): خالفه شعبة وإسرائيل وعمرو بن أبي قيس وأبوبكر بن عياش فرووه عن عبدالعزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة مرسلًا وهو الصواب، ووهم أبوحمزة في إسناده.\n\nوقال البيهقي: هذا هو الصواب مرسل. انظر: البيهقي (٦/ ١٠٩).","vol":"6","page":463},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3357>مسألة [١]: ما هي الشفعة</span>؟\nالشفعة في اللغة: مأخوذة من الشفع، وهو الزوج، ضد الفرد، فإذا أضيف إلى الفرد آخر فقد شُفِعَ.\nوفي الشرع: هي انتزاع الشريك حصة شريكه المنتقلة إلى غيره بِعِوَض بمثل ذلك العوض، وهي ثابتة بالسنة والإجماع.\nأما من السنة: فأحاديث الباب.\nوأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على ثبوت الشفعة في الجملة، ولم ينقل الخلاف إلا عن أبي بكر الأصم المعتزلي، ولا يُعتدُّ بخلافه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3358>مسألة [٢]: الشفعة في الأرض</span>.\n• الشفعة تثبت في الأرض عند أهل العلم، ونقل ابن قدامة، وشيخ الإسلام وغيرهما عدم الخلاف في ذلك عند من أثبت الشفعة.\n• بينما نقل ابن حزم عن عثمان البتي، والحسن الخلافَ في ذلك.\nوالصحيح ثبوت الشفعة فيها؛ للأدلة المذكورة في الباب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٣٥) «الفتح» (٢٢٥٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٤٣٩) «المحلى» (١٥٩٥) «الاختيارات الفقهية» (ص ١٦٧).","vol":"6","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3359>مسألة [٣]: هل تثبت الشفعة في الغرس والبناء والزرع تبعًا للأرض</span>؟\nأما الغرس والبناء الذي يُباع مع الأرض؛ فإنه يؤخذ بالشفعة تبعًا للأرض بغير خلافٍ يُعرف عند من أثبت الشفعة. قاله ابن قدامة.\n• وأما الزرع، والثمرة الظاهرة ففي ثبوت الشفعة فيها خلاف إذا بيعت مع الأرض فمذهب أحمد، والشافعي أنها لا تؤخذ بالشفعة مع الأصل؛ لأنه لا يدخل في البيع؛ إلا تبعًا؛ فلا يؤخذ بالشفعة، كقماش الدار، وعكسه البناء والغراس.\n• ومذهب مالك، وأبي حنيفة أنها تؤخذ بالشفعة مع أصولها؛ لأنه متصل بما فيه الشفعة، فيثبت فيه الشفعة تبعًا كالبناء والغراس.\nقلتُ: سيأتي قريبًا بيان هل الشفعة في كل شيءٍ، أم هي خاصة في الأرض؟ والصحيح أنها تثبت في كل مشترك لم يقسم؛ وعلى هذا فالشفعة ثابتة في الزرع والثمار، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3360>مسألة [٤]: هل تثبت الشفعة في غير الأرض والدور من المنقولات وغيرها</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال لأهل العلم:\nالأول: لا شفعة في ذلك، سواء كان مما ينقل كالحيوان، والثياب، والسفن، والحجارة، والزرع، والثمار، أو لا ينقل كالبناء والغراس إذا بيع مفردًا، وهذا قول\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٣٩ -) «البيان» (٧/ ١٠٠).","vol":"6","page":465},{"text":"الحنابلة، والشافعية، وأصحاب الرأي.\nالثاني: لا شفعة في المنقولات، رُوي عن الحسن، والثوري، والأوزاعي، والعنبري، وقتادة، وربيعة، وإسحاق، ورُوي عن مالك، وعطاء.\nالثالث: الشفعة في كل شيء، وهو قول مالك في رواية، ورجع إليه عطاء، وهو قول ابن أبي مليكة، ورجحه ابن حزم، واستدلوا برواية الطحاوي الذي في الباب.\nالرابع: عن الإمام أحمد رواية أنَّ الشفعة ثابتة أيضًا فيما لا ينقسم كالحجارة، والسيف، والحيوان. وهو بمعنى الذي قبله.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب أنَّ الشفعة ثابتة في كل شيء، وفي رواية مسلم: «في كل مالم يقسم»، وقد استدل أهل القول الأول بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق ...»، فقالوا: هذا يدل على أنَّ المراد به الأرض فقط.\nوأُجيب بأنَّ هذا التعليل لا يستفاد منه تخصيص العموم الوارد، وإنما يُستفاد منه أنَّ المشترك فيه إن كان أرضًا فلا شفعة إذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3361>مسألة [٥]: ما لا يمكن قسمته كالدكان الصغير، والطريق الضيقة</span>؟\n• من أهل العلم من منع الشفعة في ذلك؛ لأنَّ إثبات الشفعة في ذلك يضر بالبائع؛ لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ٤٤٠) «المحلى» (١٥٩٥) (١٦١١).","vol":"6","page":466},{"text":"يمتنع المشتري لأجل الشفيع؛ فيتضرر البائع، وقد يمتنع البيع؛ فتسقط الشفعة؛ فيؤدي إثباتها إلى نفيها، ولأنَّ إثبات الشفعة لدفع الضرر عن الشريك الذي يلحقه بالمقاسمة لما يحتاج إليه من إحداث مرافق خاصَّة، ولا يوجد هذا فيما لا ينقسم. وهذا القول قاله يحيى بن سعيد، وربيعة، والشافعي، وأحمد، ومالك في رواية عنهما.\n• وذهب طائفة من أهل العلم إلى ثبوت الشفعة في ذلك، وهو قول الثوري، وابن سريج، وأبي حنيفة، وأحمد، ومالك في رواية عنهما؛ لعموم حديث جابر الذي في الباب، ولأنَّ الشفعة تثبت لإزالة الضرر الذي يحصل بالمشاركة، والضرر ههنا أكثر؛ لأنه لا يمكن التخلص منه بالقسمة.\nوهذا القول هو الصواب، وهو ترجيح شيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين رحمهما الله. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٤٠) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٣٨١ -) «الاختيارات» (ص ١٦٧) «الشرح الممتع».","vol":"6","page":467},{"text":"٨٩٠ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَلَهُ عِلَّةٌ. (^١)\n\n٨٩١ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ». (^٢) أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ، وَفِيهِ قِصَّةٌ. (^٣)\n\n٨٩٢ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^٤)\n_________\n(^١) ضعيف. لم يخرجه النسائي من حديث أنس، وأخرجه ابن حبان (٥١٨٢)، من طريق عيسى بن يونس حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس به. قال الترمذي (١٣٦٨): روى عيسى بن يونس عن سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مثله، وروي عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. والصحيح عند أهل العلم حديث الحسن عن سمرة، ولا نعرف حديث قتادة عن أنس إلا من حديث عيسى بن يونس. اهـ\nقلت: وأعله أيضًا الدارقطني كما في «إتحاف المهرة» (٢/ ٢٠٨).\n\nوقال الحافظ ابن حجر في المصدر المذكور (٢/ ٢٠٧): هو معلول، وإنما المحفوظ عن قتادة عن الحسن عن سمرة.\nقلت: أما حديث سمرة بن جندب فقد أخرجه أحمد (٥/ ٨)، وأبوداود (٣٥١٧)، والنسائي في «الكبرى» كما في «التحفة» (٤/ ٦٩)، وابن الجارود (٦٤٤) من طرق عن قتادة عن الحسن عن سمرة به. فهذا الإسناد هوالمحفوظ، وفيه ضعف؛ لأنه من رواية الحسن عن سمرة، وهو مدلس ولم يسمع من سمرة غير حديث العقيقة، ولكن الحديث صحيح بشاهده الذي بعده.\n(^٢) حديث أبي رافع تقدم في (أ) و(ب) قبل حديث أنس الذي قبله.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٢٢٥٨).\n(^٤) ضعيف معل. أخرجه أحمد (٣/ ٣٠٣)، وأبوداود (٣٥١٨)، وابن ماجه (٢٤٩٤)، والترمذي (١٣٦٩)، والنسائي في «الكبرى» كما في «التحفة» (٢/ ٢٢٩)، كلهم من طريق عبدالملك بن أبي سليمان العرزمي عن عطاء عن جابر به.\nوقد أنكر على عبدالملك هذا الحديث، وممن أنكره شعبة وابن معين وأحمد بن حنبل وغمزه البخاري، وقد دافع ابن القيم -﵀- عن الحديث في «أعلام الموقعين» و«تهذيب السنن»، وكذلك ابن عبدالهادي في «التنقيح» كما في «نصب الراية» (٤/ ١٧٤) وصححه الإمام الألباني في «الإرواء». وقد ذكره شيخنا -﵀- في «أحاديث معلة ظاهرها الصحة» ص (٩٧ - ٩٨).","vol":"6","page":468},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3362>مسألة [١]: هل تثبت الشفعة فيما قد قسم من الأراضي والدور</span>؟\n• ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الأراضي إذا قسمت فلا شفعة، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق وغيرهم، واستدلوا بحديث جابر -﵁-: «فإذ وقعت الحدود، وصرفت الطرق؛ فلا شفعة».\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن الشفعة تثبت بالجوار، وهو قول ابن شبرمة، والثوري، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي، واستدلوا بأحاديث الباب المقيدة بالجوار.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أن الشفعة تكون فيما لم يقسم، أو فيما قُسِم إذا بقيت بعض الحقوق المتعلقة بالأرض لم تقسم، كطريقٍ، أو بئر، أو ما أشبه ذلك، وهو قول العنبري، وسوار القاضيين، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وهو قول ابن حزم، وهو الصواب في هذه المسألة؛ لأنَّ فيه جمعًا بين الأدلة المتقدمة، ويدل عليه حديث جابر الذي أُعِلَّ، وقوله أيضًا في حديث جابر -﵁- الأول: «وصرفت الطرق» فيفهم منه أنها إذا لم تبين الطرق وتقسم؛ فله الشفعة.","vol":"6","page":469},{"text":"وأما حديث أبي رافع، وأنس -﵄- اللذين في الباب فلهما توجيهات: أحدها: أن يحمل على الجار الذي يشترك معه في الطريق. ثانيها: يحمل الجار على الشريك؛ فالشريك يطلق عليه جار في اللغة، وقد أنشدوا بعض الأبيات الدالة على ذلك. ثالثها: أن المراد بها الحث على الإحسان إلى الجيران، ومعرفة حقوقهم، ولا يصلح حملها على الإطلاق؛ لأنَّ حديث جابر -﵁- الأول يدل على أنه لا شفعة للجار إذا وقعت الحدود، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3363>مسألة [٢]: هل يشترط في الشفعة أن يكون الملك منتقلًا بعوض</span>؟\nأما ما ينتقل بالإرث فليس فيه شفعة، ولم يذكروا في ذلك خلافًا.\n• واختلفوا فيما ينتقل بالهبة، والصدقة: فمذهب الجمهور من أهل العلم أنه لا شفعة فيه كالمنتقل بالإرث، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجحه ابن حزم؛ لأنَّ الشفعة جاءت فيما انتقل بعوض.\n• وعن مالك رواية: أنَّ فيه الشفعة، وحُكي عن ابن أبي ليلى، ورجحه الشيخ ابن عثيمين؛ لأن العلة موجودة في ذلك، وهو تضرر الشريك بذلك.\nقلتُ: يظهر لي أنَّ القول الأول أقرب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر باستئذان الشريك إذا أراد البيع لا إذا أراد الهبة، أو الصدقة، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٣٦) «أعلام الموقعين» (٢/ ١٣٠ - ١٣١) «الفتاوى» (٣٠/ ٣٨٣) «الاختيارات» (ص ١٦٧) «المحلى» (١٦١١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٤٤٣) «الاختيارات» (ص ١٦٨) «المحلى» (١٥٩٥).","vol":"6","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3364>مسألة [٣]: إذا كان الشقص منتقلًا بعوض غير المال</span>؟\nأما ما كان منتقلًا بعوض مالي، وهو البيع بمال؛ فلا خلاف في ثبوت الشفعة فيه، ومثله كل عقد جرى مجرى البيع، كالصلح الذي بمعنى البيع، وقد أشرنا إليه في باب الصلح، وكالصلح عن الجنايات الموجبة للمال.\n• وأما ما ينتقل بعوض غير مالي، كمهرٍ، وخلعٍ، وصلحٍ عن دم العمد، ففيه قولان لأهل العلم:\nالأول: لا شفعة فيه، وهو قول بعض الحنابلة، والحسن، والشعبي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وابن حزم، وحجَّتُهم في ذلك أنَّ الشفعة جاءت في البيع كما أشرنا في المسألة السابقة.\nالثاني: ثبوت الشفعة، وهو مذهب جماعة من أهل العلم، منهم: ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ومالك، والشافعي، وبعض الحنابلة؛ وذلك لأنه منتقل بعوض فأشبه البيع. وهذا القول رجحه الإمام ابن عثيمين وهو الصواب فيما يظهر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3365>مسألة [٤]: إذا أقر البائع بالبيع، وأنكر المشتري</span>؟\n• للشفيع أن يأخذ بالشفعة، ولا ضرر من إنكار المشتري، وهذا قول أبي حنيفة، والمزني، وبعض الحنابلة، ومنهم من قال: ليس له الأخذ؛ لأن البيع لم يثبت بسبب إنكار المشتري، وهذا قول مالك، وأبي شريح، وبعض الحنابلة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٤٤)، «الإنصاف» (٦/ ٢٩٠)، «المحلى» (١٥٩٥)، «الشرح الممتع» (٤/ ٤٦٥) ط/الآثار، «الأوسط» (١٠/ ٤٩٨).","vol":"6","page":471},{"text":"والذي يظهر: أنَّ له الأخذ بالشفعة، ويسلم المال إلى البائع، ولا يحتاج إلى محاكمة المشتري، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3366>مسألة [٥]: هل تثبت الشفعة إذا كان في البيع خيار</span>؟\n• إذا كان الخيار للبائع، أو لهما جميعًا فلا تثبت الشفعة في ذلك؛ لأنها تُسقط حق البائع من الخيار. وأما إن كان الخيار للمشتري فقط: فذهب أبو حنيفة، وبعض الحنابلة، وهو قول للشافعي إلى أن الشفعة تثبت للشريك؛ لأنَّ البيع قد انعقد، والشفعة لا تُسقط حق المشتري من الثمن.\n• ومذهب مالك، والحنابلة، وابن حزم، وهو قولٌ للشافعي أنَّ الشفعة لا تثبت ما دام الخيار موجودًا، والبيع لم يتم بعد، وإن كان الخيار من المشتري فقط؛ لأنَّ للمشتري الحق في إرجاعها إلى صاحبها، وقد يكون له في ذلك حظ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح القول الأول، وبالله التوفيق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3367>مسألة [٦]: إذا أظهر المشتري أن الثمن بكذا فترك الشريك الشفعة ثم بان بأقل من ذلك</span>؟\n• ذكر أهل العلم أنَّ حق الشريك من الشفعة لا يسقط؛ لأنه غُرَّ بذلك، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وزاد الإمام مالك، فقال: يحلف أنه ما ترك إلا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٥٢) «الإنصاف» (٦/ ٢٩١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٤٤٧) «المحلى» (١٦١٠) «الإنصاف» (٦/ ٢٩١) «المهذب» (١٤/ ٣٠٩) «الروضة» (٥/ ٧٤)، «الأوسط» (١٠/ ٤٩٢).","vol":"6","page":472},{"text":"لأنه خدع في الثمن. ولم يشترط التحليف بقية أهل العلم، وخالف في المسألة ابن أبي ليلى فقال: لا شفعة له. والصحيح قول مالك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3368>مسألة [٧]: إذا أراد الشريك أن يشفع بنصف الشقص المبيع</span>؟\n• ليس له ذلك عند جماعة من أهل العلم، منهم: محمد بن الحسن، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة؛ لأنَّ فيه تبعيض للمبيع وفي ذلك ضرر على المشتري ولا يُزال الضرر بالضرر.\n• وقال بعضهم: له ذلك، وهو قول أبي يوسف، وبعض الشافعية والحنابلة؛ لأنَّ الشفعة في المبيع كله حق له، فله أن يترك بعض حقه ويأخذ بعضه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3369>مسألة [٨]: إذا آذن الشريك شريكه بالبيع فلم يشفع فهل له الشفعة بعد البيع</span>؟\n• مذهب الجمهور أنَّ الشفعة لا تسقط؛ لأنها لا تجب عندهم إلا بعد البيع، قالوا: فإسقاطه لها كان قبل وجوبها؛ فلا تسقط.\n• وذهب الثوري، والحكم، وأبو عبيد، وجماعة من أهل الحديث إلى أنها تسقط؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالاستئذان، ولا فائدة من الاستئذان إن كانت الشفعة لا تسقط، وهذا قول الطحاوي، وابن حزم، وابن القيم، وشيخه شيخ الإسلام،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٥٦)، «الأوسط» (١٠/ ٤٩٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٤٥٩) «المهذب» (١٤/ ٣٢٥) «الإنصاف» (٦/ ٢٥٩).","vol":"6","page":473},{"text":"وهو رواية عن أحمد، وقال به إسحاق، والحسن بن حي، ورجَّحه الصنعاني، والشوكاني، وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3370>مسألة [٩]: إذا باع أحد الشريكين ثم باع الآخر فهل له الشفعة بعد بيع نصيبه</span>؟\n• أما إذا باع نصيبه كاملًا فمذهب الجمهور أنه لا شفعة له؛ لأنَّ سبب الشفعة قد خرج من يده.\n• وذهب ابن حزم إلى أن له الشفعة عَلِمَ أو لم يعلم؛ لأنه حق له فلا يسقط إلا إذا أسقطه بنفسه عالمًا بذلك، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم.\n• واختلف الجمهور إذا كان البيع لبعض نصيبه على قولين، والراجح أن له الحق في الشفعة، ولا تسقط عليه؛ لأنه مازال شريكًا، والله أعلم.\n• واختلف الجمهور فيما إذا باع نصيبه قبل أن يعلم أن شريكه قد باع، فهل له الشفعة؟ فمنهم من قال: له الشفعة. ومنهم من قال: ليس له ذلك، وهذا أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (١٠/ ٤٨٥)، «المحلى» (١٥٩٤) «المغني» (٧/ ٥١٤ - ٥١٥) «الإنصاف» (٦/ ٢٥٦) «سبل السلام».\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٤٥٩ -) «الإنصاف» (٦/ ٢٧٩) «المهذب» (١٤/ ٣٢٥) مع الشرح، «المحلى» (١٦٠١) «حاشية ابن عابدين» (٩/ ٣٥٢).","vol":"6","page":474},{"text":"٨٩٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ العِقَالِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالبَزَّارُ وَزَادَ: «وَلَا شُفْعَةَ لِغَائِبٍ». وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3371>مسألة [١]: هل الشفعة على الفور، أم على التراخي</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الشفعة على الفور؛ فإنْ بادر بالشفعة، وإلا تسقط عليه، وهذا قول ابن شبرمة، والبتي، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والعنبري، وأحمد في رواية، والشافعي في أحد قوليه، واستدلوا بحديث ابن عمر -﵄- المذكور في الباب، وبحديثٍ اشتهر عند الفقهاء ولا أصل له: «الشفعة لمن واثبها»، وقالوا: إذا قلنا على التراخي حصل الضرر على المشتري.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الشفعة على التراخي، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، والشافعي في قول له، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن حزم وغيرهم؛ لعدم وجود دليل صحيح يدل على الفورية، والأصل أنه حق له؛ فلا تزول إلا برضاه، أو ما يدل عليه. واختلف هؤلاء ما هو آخر وقت لهذا التراخي؟ فقال مالك: تنقطع بسنة. وعنه: بمضي مدة يُعلم أنه تارك للشفعة غير راغب فيها. وهذا قول أحمد على الرواية الثانية، وبعض أصحابه. وقال ابن أبي ليلى، وأبو ثور، والشافعي: مقدر بثلاثة أيام. وقال ابن حزم: على التراخي بدون\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. رواه ابن ماجه (٢٥٠٠)، من طريق محمد بن الحارث البصري عن محمد بن عبدالرحمن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر به. وإسناده ضعيف جدًّا؛ لأن محمدًا البيلماني متروك، وأباه ضعيف، ومحمد ابن الحارث ضعيف وبعضهم تركه.","vol":"6","page":475},{"text":"تحديد، ولو بقيت سبعين عامًا.\nقلتُ: الراجح في هذه المسألة أن الشفعة على التراخي حتى يسقطها بنفسه، أو يظهر منه ما يدل على عدم رغبته فيها، وأما تحديد انتهاء وقت الشفعة؛ فأمره إلى تحديد القاضي؛ فيحدد مدة لا ضرر فيها على الطرفين، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3372>مسألة [٢]: هل للغائب شفعة</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٤٦١ - ٤٦٢): الْغَائِبَ لَهُ شُفْعَةٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ: لَيْسَ لِلْغَائِبِ شُفْعَةٌ. وَبِهِ قَالَ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَالْبَتِّيُّ، إلَّا لِلْغَائِبِ الْقَرِيبِ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الشُّفْعَةِ لَهُ يَضُرُّ بِالْمُشْتَرِي، وَيَمْنَعُ مِنْ اسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ؛ خَوْفًا مِنْ أَخْذِهِ.\nقال ابن قدامة: وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ -﵇-: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ» وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ حَقٌّ مَالِيٌّ وُجِدَ سَبَبُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْغَائِبِ، فَيَثْبُتُ لَهُ، كَالْإِرْثِ .. .اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3373>مسألة [٣]: إذا علم الشريك بالبيع وهو في سفر</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي في قولٍ أنَّ عليه الإشهاد على المطالبة بالشفعة؛ فإن لم يفعل فلا شفعة له.\n• وعن الشافعي وجهٌ أنه لا يحتاج إلى الإشهاد؛ لأنه ثَبَتَ عذره.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٥٣) «المحلى» (١٥٩٦) «الإنصاف» (٦/ ٢٤٤)، «الأوسط» (١٠/ ٤٩٠).","vol":"6","page":476},{"text":"• وقال القاضي الحنبلي: إن سار عقب علمه إلى البلد الذي فيه المشتري من غير إشهاد؛ احتمل أن لا تبطل شفعته؛ لأنَّ ظاهر سيره أنه للطلب، وهو قول أصحاب الرأي، والعنبري، وقول للشافعي.\n• وقال أصحاب الرأي: له من الأجل بعد العلم قدر السير؛ فإن مضى الأجل قبل أن يبعث، أو يطلب؛ بطلت شفعته.\n• وقال العنبري: له مسافة الطريق ذاهبًا وجائيًا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح أنَّ له الشفعة، ولا يلزمه الإشهاد لعذره الظاهر؛ فإن تيسر له الرجوع، أو التوكيل في الشفعة، وإلا فيشفع عند رجوعه، ولو تأخر، والله أعلم. (^١)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٤٦٣): ولا خلاف في أنه إذا عجز عن الإشهاد في سفره أن شفعته لا تسقط؛ لأنه معذور في تركه. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3374>مسألة [٤]: إذا لم يعلم الشريك بالبيع حتى باع المشتري لآخر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٤٦٥): الشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ الثَّانِيَ وَأَخَذَهُ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ بِثَمَنِهِ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ وَجَبَتْ لَهُ قَبْلَ تَصَرُّفِ المُشْتَرِي، وَإِنْ شَاءَ أَمْضَى تَصَرُّفَهُ وَأَخَذَ بِالشُّفْعَةِ مِنْ المُشْتَرِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ شَفِيعٌ فِي الْعَقْدَيْنِ، فَكَانَ لَهُ الْأَخْذُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٦٢) «الإنصاف» (٦/ ٢٤٧ -).","vol":"6","page":477},{"text":"ثم ذكر -﵀- مثل ذلك إذا تبايع ثلاثة، ثم ذكر أنه إن شفع بالعقد الأول رجع الثاني بماله على الأول، والثالث يرجع بماله على الثاني ...، وهكذا.\nثم قال: وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. اهـ","vol":"6","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3375>فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3376>مسألة [١]: إذا تصرف المشتري في الشقص بغير البيع كالهبة والصدقة</span>؟\n• مذهب الجمهور أن للشفيع فسخ هذا التصرف والأخذ بالشفعة؛ لأنَّ المشتري تعدى في تصرفه المذكور؛ لكونه يبطل حق الشفيع من الشفعة، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي، وابن حزم وغيرهم.\n• وعن الإمام أحمد رواية أنَّ الشفعة تسقط؛ لأنه أخرجها عن ملكه بما لا شفعة فيه. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3377>مسألة [٢]: هل للصغير شفعة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٤٧٠): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا بِيعَ فِي شَرِكَةِ الصَّغِيرِ شِقْصٌ؛ ثَبَتَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ: الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسَوَّارٌ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا شُفْعَةَ لَهُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يُمْكِنُهُ الْأَخْذُ، وَلَا يُمْكِنُ انْتِظَارُهُ حَتَّى يَبْلُغَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُشْتَرِي، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْأَخْذُ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ لَا يَمْلِكُ الْأَخْذَ.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٦٦)، «الإنصاف» (٦/ ٢٦٩ - ٢٧٠)، «المحلى» (١٥٩٧)، «المهذب» (١٤/ ٣٣٤ -) مع الشرح.","vol":"6","page":479},{"text":"قال ابن قدامة: وَلَنَا عُمُومُ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّهُ خِيَارٌ جُعِلَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِ، فَيَثْبُتُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ. غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْوَلِيَّ يَأْخُذُ بِهَا، كَمَا يَرُدُّ الْمَعِيبَ. وقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُهُ الْعَفْوُ. يَبْطُلُ بِالْوَكِيلِ فِيهِ، وَبِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ؛ فَإِنَّ وَلِيَّ الصَّبِيِّ لَا يُمْكِنُهُ الْعَفْوُ، وَيُمْكِنُهُ الرَّدُّ. وَلِأَنَّ فِي الْأَخْذِ تَحْصِيلًا لِلْمِلْكِ لِلصَّبِيِّ، وَنَظَرًا لَهُ، وَفِي الْعَفْوِ تَضْيِيعٌ وَتَفْرِيطٌ فِي حَقِّهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مِلْكِ مَا فِيهِ الْحَظُّ مِلْكُ مَا فِيهِ تَضْيِيعٌ، وَلِأَنَّ الْعَفْوَ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِ، وَالْأَخْذَ اسْتِيفَاءٌ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مِلْكِ الْوَلِيِّ اسْتِيفَاءَ حَقِّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، مِلْكُ إسْقَاطِهِ؛ بِدَلِيل سَائِرِ حُقُوقِهِ وَدُيُونِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3378>مسألة [٣]: إذا ترك الولي الشفعة فلم يشفع، فهل للصغير الشفعة بعد كبره</span>؟\n• قال جماعة من أهل العلم: له الشفعة بعد الكبر، سواء عفا الولي، أم لم يعفُ، وسواء كان الحظ في الأخذ، أو في الترك. وهذا قول أحمد في رواية، والأوزاعي، وزُفر، ومحمد بن الحسن، وهو قولٌ للشافعي.\n• وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، وبعض الحنابلة: تصرف الولي نافذ، وليس له بعد ذلك الشفعة، لأن لم يحصل تصرف في مال الصبي، وإنما ترك الشراء، وهذا كما لو ترك شراء شيء يحتاجه الصبي.\n• وقال بعض أهل العلم: له الشفعة إذا لم يتصرف الولي بالأحظ، وكان الأحظ هو الأخذ، وهو مذهب المالكية، والشافعي، وبعض الحنابلة، واختاره شيخ","vol":"6","page":480},{"text":"الإسلام، وابن حزم، وهو الصحيح؛ لأنَّ الصبي محجور عليه، وتصرفات وليه نافذة عليه في البيع والشراء وغيرها، فكذلك في الشفعة، إلا أن يكون الولي لم يتصرف بالأحظ، فليس له الحق في إسقاط الحق، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وحقوقه من جنس ماله.\nتنبيه: هذا الذي اخترناه فيما إذا أدرك نصيبه قبل انتقاله إلى يد أخرى بالبيع، أو تحولت العين إلى شيءٍ آخر، أو كانت أرضًا فبني عليها، أو تغيرت أسعار الأراضي تغيرًا كبيرًا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3379>مسألة [٤]: إذا رأى الولي أنَّ الأحظ لليتيم الشفعة فشفع، فهل له نقضها بعد كبره</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٤٧١): فَأَمَّا الْوَلِيُّ؛ فَإِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ حَظٌّ فِي الْأَخْذِ بِهَا، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ رَخِيصًا، أَوْ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَلِلصَّبِيِّ مَالٌ لِشِرَاءِ الْعَقَارِ؛ لَزِمَ وَلِيَّهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الِاحْتِيَاطَ لَهُ، وَالْأَخْذَ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ، فَإِذَا أَخَذَ بِهَا؛ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلصَّبِيِّ، وَلَمْ يَمْلِكْ نَقْضَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْأَخْذُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ عَنْهَا، فَلَا يَمْلِكُ الْأَخْذَ بِهَا، كَالْأَجْنَبِيِّ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِهَا الصَّبِيُّ إذَا كَبِرَ. وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ جُعِلَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِ،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ٤٧١) «الإنصاف» (٦/ ٢٥٦) «المحلى» (١٥٩٨)، «المبسوط للسرخسي» (١٤/ ٢٨٠)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٤٣/ ٢٠٠).","vol":"6","page":481},{"text":"فَمَلَكَهُ الْوَلِيُّ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فَسَادَ قِيَاسِهِ الْمَذْكُور فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ. اهـ\nتنبيه: الحكم في المجنون، والسفيه كحكم الصبي فيما تقدم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3380>مسألة [٥]: إذا اشترى إنسان شقصًا بعرض، ثم وجد البائع في العرض عيبًا</span>؟\n• من أهل العلم من يقول: البائع أحق بالأخذ من الشفيع؛ لأنَّ حق البائع أقدم، وفي تقديم حق الشفيع إضرار بالبائع بإسقاط حقه في الفسخ الذي استحقه، والضرر لا يزال بالضرر، هذا قول الحنابلة، ووجهٌ للشافعية، وقالوا في الوجه الآخر: يقدم حق الشفيع؛ لأنَّ حقه أسبق.\nوأُجيب عنهم: بمنع ذلك؛ لأنَّ حق البائع استند إلى وجود العيب، وهو موجود حال البيع، والشفعة تثبت بالبيع؛ فكان حق البائع سابقًا، وفي الشفعة إبطاله، فلم تثبت.\nوالصحيح القول الأول، أعني أنَّ البائع أحق بالفسخ، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3381>مسألة [٦]: إذا كان المشتري قد غرس، أو بنى في الشقص الذي يستحق فيه الشفعة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٤٧٥ -): يُتَصَوَّر ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا: أَنْ يُظْهِرَ المُشْتَرِي أَنَّهُ وُهِبَ لَهُ، أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٧٤) «المحلى» (١٥٩٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٤٦٧).","vol":"6","page":482},{"text":"غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الشَّفِيعَ مِنْ الْأَخْذِ بِهَا، فَيَتْرُكُهَا وَيُقَاسِمُهُ، ثُمَّ يَبْنِي المُشْتَرِي وَيَغْرِسُ فِيهِ.\nوَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ غَائِبًا فَيُقَاسِمَهُ وَكِيلُهُ، أَوْ صَغِيرًا فَيُقَاسِمَهُ وَلِيُّهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَقْدَمُ الْغَائِبُ، أَوْ يَبْلُغُ الصَّغِيرُ، فَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ صَغِيرًا، فَطَالَبَ المُشْتَرِي الْحَاكِمَ بِالْقِسْمَةِ، فَقَاسَمَ، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ، وَبَلَغَ الصَّغِيرُ، فَأَخَذَهُ بِالشُّفْعَةِ بَعْدَ غَرْسِ المُشْتَرِي وَبِنَائِهِ؛ فَإِنَّ لِلْمُشْتَرِي قَلْعَ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ إنْ اخْتَارَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَإِذَا قَلَعَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ، وَلَا نَقْصِ الْأَرْضِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ غَرَسَ وَبَنَى فِي مِلْكِهِ.\nثم ذكر عن بعض الحنابلة أنه ضمَّنه النقص.\nقال: فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ المُشْتَرِي الْقَلْعَ، فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: تَرْكِ الشُّفْعَةِ، وَبَيْنَ دَفْعِ قِيمَةِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ فَيَمْلِكُهُ مَعَ الْأَرْضِ، وَبَيْنَ قَلْعِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ، وَيَضْمَنُ لَهُ مَا نَقَصَ بِالْقَلْعِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْبَتِّيُّ، وَسَوَّارٌ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُكَلِّفُ المُشْتَرِي الْقَلْعَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بَنَى فِيمَا اسْتَحَقَّ غَيْرُهُ أَخْذَهُ، فَأَشْبَهَ الْغَاصِبَ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الجمهور أقرب، والله أعلم.\nوأُجيب عن القول الثاني: بأنَّ الغاصب غرس وبنى في حق غيره، وملك غيره،","vol":"6","page":483},{"text":"وأما المشتري فقد غرس وبنى في حقه. (^١)\nتنبيه: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٤٧٧): وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا كَيْفِيَّةَ وُجُوبِ الْقِيمَةِ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَرْضَ تُقَوَّمُ وَفِيهَا الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ، ثُمَّ تُقَوَّمُ خَالِيَةً مِنْهُمَا، فَيَكُونُ مَا بَيْنَهُمَا قِيمَةَ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ، فَيَدْفَعُهُ الشَّفِيعُ إلَى المُشْتَرِي إنْ أَحَبَّ أَوْ مَا نَقَصَ مِنْهُ إنْ اخْتَارَ الْقَلْعَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي زَادَ بِالْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3382>مسألة [٧]: وإن كان المشتري زرع زرعًا</span>؟\n• أما الزرع فذكر أهل العلم أنَّ للشفيع الأخذ بالشفعة، ويبقى زرع المشتري إلى أوان الحصاد؛ لأنَّ ضرره لا يتباقى، ولا أجرة عليه عند كثير منهم، والأقرب أن عليه الأجرة على بقائه في ملك الشفيع بعد الشفعة، لا على ما مضى؛ إلا أن يتراضيا على تركها؛ لأنه زرعه في ملكه. وقال بعضهم: عليه الأجرة. واستظهره ابن رجب، وصوَّبه المرداوي. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3383>مسألة [٨]: إذا تلف بعض الشقص، فهل تسقط الشفعة</span>؟\n• مذهب الجمهور أنَّ للشفيع أخذ الباقي بحصته من الثمن، وقال أبوحنيفة وهو قولٌ للشافعي: إذا كان التلف بغير فعل آدمي، بل سماوي؛ فليس له الشفعة.\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٥٩٧)، «الإنصاف» (٦/ ٢٧٦)، «المهذب» (١٤/ ٣٣٧)، «الأوسط» (١٠/ ٤٩٦ -).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٦/ ٢٧٧).\n(^٣) انظر: «المغني» (٧/ ٤٧٧) «الإنصاف» (٦/ ٢٧٥).","vol":"6","page":484},{"text":"والصحيح قول الجمهور؛ لأنَّ للشفيع الحق بالشفعة، فما هو الدليل على سقوطها بذهاب بعض الشقص، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3384>مسألة [٩]: الثمن الذي يأخذ به الشفيع</span>؟\n• أما كميته: فهو الذي استقر عليه العقد، فلو تبايعا بقدر، ثم غَيَّراه في زمن الخيار بزيادة أو نقص؛ ثبت ذلك التغير في حق الشفيع؛ لأنَّ حق الشفيع إنما يثبت إذا تمَّ العقد، فأما إذا انقضى الخيار وانبرم العقد، فزادا أو نقصا؛ لم يلحق العقد؛ لأنَّ الزيادة بعده هبة، والنقص إبراء، ولا يثبت ذلك في حق الشفيع، هذا قول الحنابلة، والشافعية.\n• وقال أبو حنيفة: يثبت النقص في حق الشفيع دون الزيادة.\n• وقال مالك: إن بقي ما يكون ثمنًا؛ أخذ به، وإن حطَّ الأكثر؛ أخذه بجميع الثمن الأول.\nوالصواب هو القول الأول؛ لأنَّ ثمن المبيع يحصل عند استقرار العقد، والله أعلم. (^٢)\n• وأما كيفية الثمن: فإن كان مثليًّا كالدراهم، والدنانير، فيعطيه مثلها، وإن كان غير مثلي، فالجمهور على أنَّ له الشفعة، وعليه قيمتها. وقال الحسن، وسوَّار: لا شفعة له.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٧٨ -) «الإنصاف» (٦/ ٢٦٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٤٨٠ - ٤٨١) «الإنصاف» (٦/ ٢٨٣).","vol":"6","page":485},{"text":"قلتُ: والصحيح هو قول الجمهور، إلا أنهم يتوسعون فيما لا مثل له، وقد أشرنا إلى ذلك سابقًا، والصحيح أن ما كان مثله، أو مقاربًا له بتفاوت يسير يجزئ، والله أعلم. (^١)\n• ووقت القيمة المعتبر هو يوم انقضاء الخيار واستقرار العقد عند الحنابلة، والشافعية وهو الصحيح.\n• وقال مالك: عليه القيمة يوم المحاكمة.\n• وللحنابلة وجهٌ بأنه وقت وجوب الشفعة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3385>مسألة [١٠]: إذا كان الثمن مؤجلًا فهل يستحقه الشفيع مؤجلًا</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يستحقه مؤجلًا؛ لأنَّ الشفيع تابع للمشتري في قدر الثمن، وصفته، والتأجيل من صفته، وقالوا: يستحقه إن كان مليئًا، وإلا أقام ضمينًا مليئًا حتى لا يلحق المشتري الضرر بذلك، وهذا قول أحمد، ومالك، وإسحاق، وقال به ابن حزم؛ إلا أنه لم يشترط كونه مليئًا. وقال الثوري: لا يأخذها إلا بالنقد حالًا.\n• وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا يأخذها إلا بالثمن حالًا، أو ينتظر مضي الأجل، ثم يأخذها حينئذٍ.\nقلتُ: والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٨٠) «المحلى» (١٥٩٩) «الإنصاف» (٦/ ٢٨٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٤٨١) «الإنصاف» (٦/ ٢٨٥).\n(^٣) انظر: «المغني» (٧/ ٤٨٢) «المحلى» (١٦٠٠) «الإنصاف» (٦/ ٢٨٥)، «الأوسط» (١٠/ ٤٩٤).","vol":"6","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3386>مسألة [١١]: إذا كان الشريك معسرًا لا يستطيع أن يدفع الثمن للمشتري، فهل يشفع</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ الشريك لا يشفع إذا كان لا يقدر على الشفعة، ولو ألزمنا المشتري؛ لكان الضرر الواضح واقعًا به، ولا يزال الضرر بالضرر، ومثله لو أحضر ضمينًا، أو رهنًا، أو عوضًا؛ فإنَّ المشتري لا يلزمه قبول ذلك.\n• وإن كان الشفيع عنده مال، ولكنه تعذر عليه في الحال، فقال أحمد، ومالك: ينتظر يومًا أو يومين.\n• وقال ابن شبرمة، والثوري: ينتظر ثلاثة أيام.\n• وقال الحنفية: لا يشفع إلا بحضور الثمن.\n• وعن أحمد: يرجع ذلك إلى رأي الحاكم. قال المرداوي: وهو الصواب في وقتنا هذا.\nقلتُ: وهذا أرجح الأقوال، والله أعلم، فيحدد له الحاكم مدة تكفيه في ذلك لا يحصل على المشتري فيها ضررٌ؛ فإن لم يأت بالمال سقطت الشفعة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3387>مسألة [١٢]: الحِيلة لإسقاط الشفعة</span>.\nمعنى الحيلة: أن يظهروا في البيع شيئًا لا يؤخذ بالشفعة معه، ويتواطؤون في الباطن على خلافه، مثل أن يشتري شقصًا يساوي عشرة دنانير بمائة دينار، ثم\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ٤٨٣) «الإنصاف» (٦/ ٢٨٤).","vol":"6","page":487},{"text":"يقضيه عشرة دنانير، أو مائة درهم، أو يشتري البائع من المشتري عبدًا قيمته مائة، بألفٍ في ذمته، ثم يبيعه الشقص بالألف، أو يشتري شقصًا بألف، ثم يبرئه البائع من تسعمائة، وغير ذلك من الصور.\n• فمذهب كثير من أهل العلم أن الحيلة لا تُسقط الشفعة، بل للشفيع أن يأخذ بالثمن الذي أخذ المشتري به في حقيقة الأمر، وهو قول أحمد، وابن أبي شيبة، والجوزجاني، وأبي أيوب، وأبي حنيفة، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم؛ للأدلة الكثيرة في تحريم الحِيَل.\n• وقال أصحاب الرأي، والشافعي: يجوز ذلك، وتسقط به الشفعة؛ لأنه لم يأخذ بما وقع البيع؛ فلم يجزْ كما لو لم يكن حيلة.\nوالصواب القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3388>مسألة [١٣]: إذا ادَّعَى الشفيع وقوع الحيلة، وأنكر ذلك المشتري</span>؟\nإن كان للشفيع على ذلك بينة، وإلا فالقول قول المشتري، وعليه اليمين. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3389>مسألة [١٤]: إذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن</span>؟\nإذا لم يكن لأحدهما بينة؛ فالذي عليه أهل العلم أنَّ القول قول المشتري، وعليه اليمين. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ٤٨٥ - ٤٨٦) «الاختيارات» (ص ١٦٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٤٨٨).\n(^٣) انظر: «المغني» (٧/ ٤٨٩) «الإنصاف» (٦/ ٢٨٧) «المهذب» (١٤/ ٣٤٧) «البداية» (٤/ ٥٦).","vol":"6","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3390>مسألة [١٥]: إذا باع نصيبه وله أكثر من شريك</span>؟\n• اختلف أهل العلم في كيفية الشفعة للشركاء على قولين:\nالأول: يشفع الشركاء كل واحد بقدر نصيبه؛ فإن كان لأحدهم النصف، وللآخر الربع؛ كان لصاحب النصف من الشقص ضعف الآخر، وهذا قول الحسن، وابن سيرين، وعطاء، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وسوار، وأبي عبيد، وأحد قولي الشافعي؛ لأنه حقٌّ يستفاد بالملك؛ فكان على قدر أملاكهم.\nالثاني: يشفع الشركاء بالتساوي، فإذا كانا اثنين؛ شفعا فيه بالنصف، وإن كانوا ثلاثة؛ شفعوا فيه بالثلث؛ لأنَّ كل واحد منهم قلَّ نصيبه أو كثر يستحق الشفعة إذا انفرد بكل الأرض، فإذا اجتمعوا كانت بينهم بالسوية؛ لأنَّ لكل واحد منهم الحق بشركته. وهذا قول النخعي، والشعبي، وابن شبرمة، والثوري، وابن أبي ليلى، والبتي، والعنبري، وأحد قولي الشافعي، والظاهرية، وهو رواية عن أحمد، وقال به ابن المنذر.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3391>مسألة [١٦]: لو كان لأخوين أرض، فمات أحدهما عن ابنين، ثم باع أحد الابنين نصيبه، فلمن الشفعة</span>؟\n• يقول بعض أهل العلم في هذه الصورة وما يشبهها: إن الابن الآخر أحق بالشفعة؛ لأنَّ شركته أخص من عمه من حيث إن سبب شركته مع أخيه واحد.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٩٧) «المحلى» (١٦٠٩) «الإنصاف» (٦/ ٢٥٩ - ٢٦٠) «المهذب» (١٤/ ٣٢٦).","vol":"6","page":489},{"text":"وهذا قول مالك، والشافعي في القديم، والأصح أنه شريك لعمه في الشفعة، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، وقال به المزني؛ لأن كل واحد منهما شريك للبائع، والخلاف في قدر ما لكل واحد منهما كالخلاف المتقدم في المسألة السابقة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3392>مسألة [١٧]: من اشترى شقصًا من أرض مشتركة، فترك بعضهم الشفعة، وأراد بعضهم الشفعة</span>؟\nقال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٠/ ٤٩٥): كل من نحفظ عنه من أهل العلم يقول: من اشترى شقصا من أرض مشتركة، فسلم بعضهم الشفعة، وأراد بعضهم أن يأخذ، فلمن أراد الأخذ أن يأخذ الحصة التي بيعت كلها، أو يدع، وليس له أن يأخذ بقدر حقه، ويترك ما بقي. كذلك قال مالك، وهو مذهب الشافعي، وبه قال أصحاب الرأي. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3393>مسألة [١٨]: إذا كان المشتري شريكًا، فهل للشريك الآخر الشفعة</span>؟\n• قال الحسن، والشعبي، والبتي: لا شفعة للآخر؛ لأنَّ المشتري شريكٌ، ولا ضرر على الآخر؛ لكون شركة المشتري موجودة من قبل الشراء.\n• ومذهب الأكثر أنَّ له الشفعة بقدر نصيبه، وهو قول الحنابلة، والحنفية، والشافعية، وابن حزم، وهذا أقرب والله أعلم، وتقدم الخلاف في قدر نصيبه. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٩٨) «المهذب» (١٤/ ٣٢٦، ٣٢٧) مع الشرح.\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٤٩٩)، «الإنصاف» (٦/ ٢٦١)، «المحلى» (١٦٠٥)، «المهذب» (١٤/ ٣٢٦) مع الشرح.","vol":"6","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3394>مسألة [١٩]: إذا اشترى رجل من رجلين شقصًا، فهل للشفيع أن يشفع بنصيب أحدهما فقط</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ للشفيع أن يشفع بنصيب أحدهما فقط؛ لأنَّ البيع وإن كان صفقة واحدة فهما عقدان؛ لأنه اشترى من كل واحد نصيبه.\n• ومذهب أبي حنيفة، ومالك، وبعض الحنابلة أنه ليس له الشفعة إلا بالنصيبين حتى لا تتبعض الصفقة على المشتري فيتضرر. والصحيح أن الصفقة إذا كانت بتبعضها يحصل الضرر على المشتري؛ فليس له الشفعة إلا بالنصيبين، وإن كانت بتبعضها لا يحصل ضرر على المشتري؛ فيجوز له أن يشفع بنصيب أحدهما، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3395>مسألة [٢٠]: إذا اشترى اثنان نصيب واحد، فهل لشريكه الشفعة في نصيب واحد منهم فقط</span>؟\n• أكثر العلماء على أنَّ له الشفعة في نصيب واحد منهم، وبه قال أحمد، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه، وقال في الأخرى: يجوز ذلك بعد القبض، ولا يجوز قبل القبض؛ لأنَّ قبل القبض تتبعض صفقة البائع، وقول الجمهور هو الصواب؛ إلا أنه إذا كان المشتريان أراداها مشتركة، ويحصل الضرر عليهما في تبعيض السلعة، فالذي يظهر أنه في هذه الحال ليس له أن يشفع إلا في\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٥٠٤)، «المحلى» (١٦٠٧)، «الإنصاف» (٦/ ٢٦٤)، «المهذب» (١٤/ ٣٢٥) مع الشرح.","vol":"6","page":491},{"text":"المبيع كاملًا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3396>مسألة [٢١]: عهدة الشفيع على المشتري، أم البائع</span>؟\nومعنى العهدة: أي إذا وجد بالشقص عيبًا، أو خرج مستحقًّا فعلى من يرجع؟\n• فمذهب الحنابلة، والشافعية، والمالكية أنه يرجع على المشتري، والمشتري يرجع على البائع؛ لأنَّ الشفيع أخذه من المشتري.\n• وقال ابن أبي ليلى، والبتي: يرجع على البائع؛ لأنه هو المالك الأصلي.\n• وقال أبو حنيفة: يرجع على من أخذه منه.\nوالقول الأول هو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3397>مسألة [٢٢]: إذا مات الشفيع قبل الطلب بالشفعة، فهل تورث عنه</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الشفعة تسقط، ولا تورث عنه، وهو قول الحسن، وابن سيرين، والشعبي، والنخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، والظاهرية، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جعل الخيار للشريك لا لورثته، فإذا مات ولم يطالب؛ سقطت.\n• وقال بعض أهل العلم: لا تسقط، بل للورثة أن يطالبوا بالشفعة؛ لأنها من حقوق الأرض، وقد ورثوا الأرض، فيتبعها الحقوق المتعلقة بها، وهذا قول\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٦٠٧) «المغني» (٧/ ٥٠٤) «الإنصاف» (٦/ ٢٦٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٥٠٨) «الإنصاف» (٦/ ٢٩٣) «بداية المجتهد» (٤/ ٥٥).","vol":"6","page":492},{"text":"مالك، والشافعي، والعنبري، واختاره الشيخ ابن عثيمين -﵀-، وهو الراجح؛ لأنها حق من الحقوق؛ فلا تسقط بالموت، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: إذا طالب الشريك بالشفعة، ثم مات؛ ورثت بلا خلاف كما ذكر ذلك ابن قدامة في المصدر المتقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3398>مسألة [٢٣]: إذا مات المفلس هل تنتقل الشفعة إلى الورثة إذا كان قد طالب</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية أنها تنتقل إلى الورثة؛ لأنها حق من حقوق مورثهم، فلا يسقط حقه لكونه مفلسًا، وحقوق الغرماء متعلقة بالتركة، وليست حقوقهم واجبة في عين التركة.\n• وقال أبو حنيفة: لا شفعة للورثة؛ لأنَّ الحق انتقل إلى الغرماء.\nوأُجيب: بعدم التسليم بأنَّ التركة انتقلت إلى الغرماء، بل هي للورثة؛ بدليل أنه لو زاد ثمنها لما أعطي الغرماء إلا حقهم فقط، وإنما يتعلق حقهم بها كما أشرنا إلى ذلك، والقول الأول هو الراجح، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3399>مسألة [٢٤]: توكل الشفيع في البيع أو الشراء هل يسقط حقه من الشفعة</span>؟\n• من أهل العلم من قال: لا تسقط الشفعة، سواء كان وكيلًا للبائع أو للمشتري، وهذا قول الشافعي، وبعض الحنابلة.\n• ومنهم من قال: تسقط إذا كان وكيلًا للبائع دون المشتري؛ لأنه ربما حابى\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٥١٠) «المهذب» (١٤/ ٣٤٤) مع الشرح، «الإنصاف» (٦/ ٢٨١) «المحلى» (١٦٠٣) «الشرح الممتع» (٤/ ٤٨٤) ط/الآثار.","vol":"6","page":493},{"text":"في الثمن؛ لأنه سيشفع. وهذا قول بعض الشافعية، وبعض الحنابلة.\n• ومنهم من قال: تسقط إذا كان وكيلًا للمشتري، وهو قول الحنفية.\nوالصحيح أنها تسقط مطلقًا؛ لأنه يعلم بالبيع وأقره، وفي الحديث المتقدم: «لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه»، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3400>مسألة [٢٥]: هل للكافر على المسلم شفعة</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا شفعة للكافر على المسلم، وهو قول الحسن، والشعبي، والحنابلة، وذلك لأنه يصير له السلطة على المسلم، والكافر ذليل لا يجعل له سلطة على المسلم، واستدل بعضهم بحديث: «لا شفعة لنصراني»، وهو حديث ضعيفٌ باطل، أخرجه البيهقي (٦/ ١٠٨)، والدارقطني في «العلل» (١٢/ ٦١)، من حديث أنس، وفي إسناده: نائل بن نجيح، تكلم فيه الدارقطني، وابن عدي، وهذا الحديث مما أنكر عليه، وقد صوَّب الدارقطني، والبيهقي أنه من قول الحسن، وقال أبو حاتم في الحديث: باطل.\n• وذهب الأكثر إلى أن للذمي شفعة على المسلم؛ لعموم الأحاديث، وكما أن له الرد بالعيب على المسلم؛ لأن هذا من حقوقه، فكذلك ههنا، وهو قول شريح، والنخعي، وإياس، وعمر بن عبد العزيز، وحماد، والثوري، ومالك، والشافعي، والعنبري، وأصحاب الرأي. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٥١٥ - ٥١٦) «الإنصاف» (٦/ ٢٥٥) «الروضة» (٥/ ٧٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٥٢٤) «الإنصاف» (٦/ ٢٩٥).","vol":"6","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3401>مسألة [٢٦]: الشفعة بشركة الوقف</span>.\nصورتها: أن تكون الأرض بين رجلين أحدهما مالك، والآخر نصيبه موقوف عليه، فإذا أراد المالك أن يبيع نصيبه، فهل لشريك الوقف أن يشفع؟\n• أكثر الحنابلة، والشافعية أنه لا شفعة له؛ لكونه ليس بمالك. وقال بعض الحنابلة، والشافعية: له الشفعة؛ لوجود الضرر الحاصل في حق المالك، وهذا القول رجحه الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3402>مسألة [٢٧]: هل النماء والغلة للمشتري، أم للشفيع</span>؟\nإذا كانت منفصلة؛ فهي للمشتري عند أهل العلم.\n• وإن كانت متصلة فذهب جماعة من الفقهاء إلى أنها للشفيع، ورجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- أنها للمشتري، فيعطيه الشفيع قيمة الزيادة، وهو مقتضى قول الجمهور كما تقدم في المسألة (٦). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3403>مسألة [٢٨]: إذا باع شقصًا ومعه شيء آخر لا شفعة فيه</span>؟\n• مذهب الجمهور أنَّ الشفيع له أن يأخذ الشقص بحصته من الثمن.\n• وقال البتي، وسوار، والعنبري، وابن حزم: يأخذ الكل، أو يترك الكل حتى\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٧٥) «الإنصاف» (٦/ ٢٦٧) «المهذب» (١٤/ ٣٠١) مع الشرح، «الشرح الممتع» (٤/ ٤٧٦).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٦/ ٢٦٧) «المغني» (٧/ ٤٧٧ - ٤٧٨) «المهذب» (١٤/ ٣٣٨) «الشرح الممتع» (٤/ ٤٨١).","vol":"6","page":495},{"text":"لا يبعض الصفقة. وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3404>مسألة [٢٩]: إذا ادَّعى الشفيع أنَّ الشقص مشترى، وقال الآخر: إنما هو هبة</span>؟\nعلى الشريك البينة على قوله، وإلا فالقول قول الآخر مع يمينه، وعلى هذا عامة أهل العلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3405>مسألة [٣٠]: هل الإقالة في البيع تمنع الشفعة</span>؟\nقال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٠/ ٤٩٦): وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم فيمن اشترى شقصًا، وللشقص شفيع؛ فأقاله البائع، وطلب الشفيع شفعته، أن الشفيع أحق بشفعته بالثمن الذي باع ذلك به. كذلك قال مالك، وعبيد الله بن الحسن، وأصحاب الرأي. اهـ\nونقل ابن رشد أيضًا الإجماع على أنَّ الإقالة لا تبطل الشفعة كما في «بداية المجتهد».\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٤٦٧): فإن قايل البائع المشتري، أو رده عليه بعيب؛ فللشفيع فسخ الإقالة، والرد والأخذ بالشفعة؛ لأن حقه سابق عليهما، ولا يمكنه الأخذ معهما، وإن تحالفا على الثمن، وفسخا البيع؛ فللشفيع أن يأخذ الشقص بما حلف عليه البائع؛ لأن البائع مقر بالبيع بالثمن الذي حلف عليه، ومقر للشفيع باستحقاق الشفعة بذلك، فإذا بطل حق المشتري بإنكاره لم يبطل حق الشفيع بذلك، وله أن يبطل فسخهما ويأخذ؛ لأن حقه أسبق. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٤٨٢ - ٤٨٣) «المحلى» (١٦٠٤) «الشرح الممتع» (٤/ ٤٧٥).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٦/ ٢٨٩) «المهذب» (١٤/ ٣٤٤).","vol":"6","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3406>بَابُ القِرَاض</span>\n٨٩٤ - عَنْ صُهَيْبٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «ثَلَاثٌ فِيهِنَّ البَرَكَةُ، البَيْعُ إلَى أَجَلٍ، وَالمُقَارَضَةُ، وَخَلْطُ البُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ، لَا لِلْبَيْعِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\n٨٩٥ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -﵁- أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُ عَلَى الرَّجُلِ إذَا أَعْطَاهُ مَالًا مُقَارَضَةً: أَنْ لَا تَجْعَلَ مَالِي فِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ، وَلَا تَحْمِلَهُ فِي بَحْرٍ، وَلَا تَنْزِلَ بِهِ فِي بَطْنٍ مَسِيلٍ؛ فَإِنْ فَعَلْت شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَمِنْت مَالِي. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^٢)\nوَقَالَ مَالِكٌ فِي «المُوَطَّإِ»: عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: إنَّهُ عَمِلَ فِي مَالٍ لِعُثْمَانَ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا. وَهُوَ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ. (^٣)\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. رواه ابن ماجه (٢٢٨٩)، من طريق نصر بن القاسم عن عبدالرحيم بن داود عن صالح بن صهيب عن أبيه به. وإسناده ضعيف جدًّا؛ فإن نصرًا وعبدالرحيم وصالحًا كلهم مجهولون، بل قال البخاري: موضوع. «التهذيب» ترجمة نصر بن القاسم.\n(^٢) صحيح. أخرجه الدارقطني (٣/ ٦٣)، وأخرجه أيضًا البيهقي (٦/ ١١١)، من طريق ابن لهيعة وحيوة ابن شريح عن محمد بن عبدالرحمن الأسدي عن عروة بن الزبير عن حكيم بن حزام به. وإسناده صحيح، ابن لهيعة مقرون بحيوة، فلا يضر، والراوي عنه عند البيهقي عبدالله بن وهب.\n(^٣) لا بأس به. أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٦٨٨) بالإسناد المذكور، ويعقوب الحرقي مجهول الحال، ولكنه يحكي قصة حصلت له مع عثمان -﵁-، فلا بأس في تحسينه مع التسامح، والله أعلم.","vol":"6","page":497},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3407>مسألة [١]: تعريف القراض</span>.\nمعناه عند الفقهاء: أن يدفع رجلٌ إلى آخر مالًا يتجر له فيه على أن ما حصل من الربح بينهما على حسب ما يشترطانه. أهل الحجاز يسمونه (قراضًا). وأهل العراق يسمونه (مضاربة).\nفأما تسميته قراضًا، فقيل: هو مشتق من القطع؛ فكأن صاحب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها إلى العامل، واقتطع له قطعة من الربح.\nوقيل: اشتقاقه من المساواة، والموازنة، يقال: تقارض الشاعران، إذا وازن كل واحد منهما الآخر بشعره وههنا من العامل العمل ومن الآخر المال؛ فتوازنا. وتسميته (مضاربة) مأخوذ من الضرب في الأرض، وهو السفر فيها للتجارة، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المزمل:٢٠]، ويحتمل أن يكون من ضرب كل واحد منها في الربح بسهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3408>مسألة [٢]: مشروعية القراض</span>.\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلى» (١٣٦٧): القراض كان في الجاهلية، وكانت قريش أهل تجارة لا معاش لهم من غيرها، وفيهم الشيخ الكبير الذي لا يطيق السفر، والمرأة، والصغير، واليتيم، فكانوا وَذَوُو الشغل والمرض يُعْطُون المال\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٣٢ - ١٣٣).","vol":"6","page":498},{"text":"مضاربة لمن يتجر به بجزء مُسَمَّى من الربح، فأقر رسول الله - ﷺ - ذلك في الإسلام، وعمل به المسلمون عملًا متيقنًا لا خلاف فيه، ولو وجد فيه خلاف ما التفت إليه؛ لأنه نقل كافة بعد كافة إلى زمن رسول الله - ﷺ - وعلمه بذلك، وقد خرج - ﷺ - في قراض بمال خديجة -﵂- (^١). ا هـ\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٣٣): وأجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة. اهـ\nوقال ابن حزم -﵀- في «مراتب الإجماع» (ص ١٦٢): كل أبواب الفقه ليس منها باب إلا وله أصلٌ في القرآن والسنة نعلمه ولله الحمد حاشا القراض، فما وجدنا له أصلًا فيهما ألبتة، ولكنه إجماع صحيح مجرد، والذي نقطع عليه أنه كان في عصر النبي - ﷺ -، فأقرَّه. انتهى المراد. (^٢)\nقلتُ: وقد صحَّ عن بعض الصحابة ذلك، ولا مخالف لهم، كحكيم بن حزام، وابن عمر، وقضى به عمر، وفعله عثمان كما في الباب. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3409>مسألة [٣]: تقدير نصيب العامل</span>.\nاشترط أهل العلم للمضاربة تقدير نصيب العامل من الربح.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٤٠): وَمَنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْمُضَارَبَةِ\n_________\n(^١) مشهور. أجمع أهل السير على ذكر ذلك عن النبي - ﷺ -.\n(^٢) وانظر: «بداية المجتهد» (٤/ ٢٥).\n(^٣) انظر: «سنن البيهقي» (٦/ ١١٠ - ١١١).","vol":"6","page":499},{"text":"تَقْدِيرُ نَصِيبِ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالشَّرْطِ، فَلَمْ يُقَدَّرْ إلَّا بِهِ. وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً. وَلَمْ يُسَمِّ لِلْعَامِلِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ، فَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا. وَأُجِيْبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الصُّوْرَتَيْنِ، فَمَسْأَلَةُ الْبَابِ لَم يُحَدَّدْ الرِّبْح؛ فَصَارَ مَجهولًا، فَلَا تَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (الرِّبْحُ بَيْنَنَا)؛ فَهُوَ إِضَافَةٌ إلَيْهِمَا إضَافَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَتَرَجَّحْ فِيهَا أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَاقْتَضَى التَّسْوِيَةَ. انتهى بتصرف.\nوقال ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٨٦ - ٣٨٧): الصَّوَابُ أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ بِرِبْحِ الْمِثْلِ، فَيُعْطَى الْعَامِلُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يُعْطَاهُ مِثْلُهُ، إمَّا نِصْفَهُ أَوْ ثُلُثَهُ. فَأَمَّا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا مُقَدَّرًا مَضْمُونًا فِي ذِمَّةِ الْمَالِكِ كَمَا يُعْطَى فِي الْإِجَارَةِ وَالْجَعَالَةِ؛ فَهَذَا غَلَطٌ مِمَّنْ قَالَهُ، وَسَبَبُ غَلَطِهِ ظَنُّهُ أَنَّ هَذِهِ إجَارَةٌ، فَأَعْطَاهُ فِي فَاسِدِهَا عِوَضَ الْمِثْلِ كَمَا يُعْطِيهِ فِي الصَّحِيحِ الْمُسَمَّى، وَمِمَّا يُبَيِّنُ غَلَطَ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْعَامِلَ قَدْ يَعْمَلُ عَشْرَ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ، فَلَوْ أُعْطِيَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ؛ أُعْطِيَ أَضْعَافَ رَأْسِ الْمَالِ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَةِ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا جُزْءًا مِنْ الرِّبْحِ إنْ كَانَ هُنَاكَ رِبْحٌ، فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ فِي الْفَاسِدَةِ أَضْعَافَ مَا يَسْتَحِقُّهُ فِي الصَّحِيحَةِ. اهـ\nوهذا الذي قرره ابن القيم قال به مالك في رواية، واختاره الشيخ ابن عثيمين","vol":"6","page":500},{"text":"-﵀-، وهو الصواب، والله أعلم.\nثم رأيت شيخ الإسلام يقول بهذا القول كما في «الإنصاف» (٥/ ٣٨٤). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3410>مسألة [٤]: إذا دفع رب المال إلى العامل مالًا وطلب منه إضافة مال إليه، ثم يعمل وللعامل ربح أكثر</span>؟\n• مذهب الحنابلة جواز ذلك، ويكون شركة وقراضًا؛ لأنهما تساويا في المال، وانفرد أحدهما بالعمل؛ فجاز أن ينفرد بزيادة الربح.\n• ومذهب الشافعية أنَّ ذلك لا يصح؛ لأنَّ الشركة إذا وقعت على المال كان الربح تابعًا له دون العمل.\nوأُجيب: بمنع ذلك؛ فإن الربح تابع للمال والعمل كما أنه حاصل بهما.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب مذهب الحنابلة، بل لو جعلا الربح بالسوية مع وجود العمل من أحدها، أو جعل للعامل أقل؛ جاز ذلك إذا وجد التراضي كما بيَّنَّا ذلك في باب الشركة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3411>مسألة [٥]: إذا قدر صاحب المال نصيبه من الربح ولم يقدر نصيب العامل</span>؟\nوذلك كأن يقول: تاجر بهذا المال، ولي ثلث الربح، ففيه قولان:\nالأول: تصح المضاربة، وللعامل بقية الربح، وهو قول جماعة من الحنابلة،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ١٨٠ - ١٨١) «الشرح الممتع» (٤/ ٢٧١) «المحلى» (١٣٧٠) «بداية المجتهد» (٤/ ٣١).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٧/ ١٣٥).","vol":"6","page":501},{"text":"وجماعة من الشافعية، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الربح لهما لا يستحقه غيرهما، فإذا قدر نصيب أحدهما منه؛ فالباقي للآخر من مفهوم اللفظ.\nالثاني: لا تصح؛ لأنَّ العامل إنما يستحق بالشرط، ولم يشترط له شيء، وهذا قول بعض الحنابلة، وبعض الشافعية، والقول الأول هو الصواب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3412>مسألة [٦]: إذا قال: خذ هذا المال فاتَّجِرْ به، والربح كله لك. أو: والربح كله لي</span>؟\nذكر أهل العلم أنه إن قال: (خذ هذا المال، والربح كله لك) أنَّ هذا يُعَدُّ قرضًا لا قراضًا. وإذا قال: (والربح كله لي) يُعدُّ إيضاعًا، لا قراضًا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3413>مسألة [٧]: إذا قال: خذ هذا المال مضاربة، والربح كله لك. أو: كله لي</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنَّ هذا لا يصح؛ لأنه شرط ينافي مقتضى المضاربة؛ فإنَّ مقتضاها الاشتراك في الربح.\n• ومذهب أبي حنيفة أنه يصح، ويكون قرضًا، أو إيضاعًا كما تقدم في التي قبلها.\n• ومذهب مالك أنه يصح، وتكون مضاربة صحيحة، والشرط في الربح لأحدهما يجري مجرى الهبة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إن قصد أن يكون (قرضًا) أو (إيضاعًا) كان ذلك\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٤١ - ١٤٢) «الإنصاف» (٥/ ٣٨٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ١٤٢).","vol":"6","page":502},{"text":"كما قال أبو حنيفة، والعبرة بالمعاني لا بالألفاظ، وإن قصد مضاربة؛ فالراجح قول مالك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3414>مسألة [٨]: إذا ضارب رجلين، فقال: لكما كذا وكذا من الربح. ولم يبين كم لكل واحد منهما</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٤٣): وَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ مَالًا إلَى اثْنَيْنِ مُضَارَبَةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ؛ فَإِنْ شَرَطَ لَهُمَا جُزْءًا مِنْ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ جَازَ، وَإِنْ قَالَ: لَكُمَا كَذَا وَكَذَا مِنْ الرِّبْحِ. وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفَ؛ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ قَوْلِهِ بَيْنَهُمَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَامِلِهِ: وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا. وَإِنْ شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثَ الرِّبْحِ وَلِلْآخَرِ رُبْعَهُ، وَجَعَلَ الْبَاقِيَ لَهُ؛ جَازَ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فِي الْعَمَلِ بِأَبْدَانِهِمَا، فَلَا يَجُوزُ تَفَاضُلُهُمَا فِي الرِّبْحِ كَشَرِيكَيْ الْأَبْدَانِ.\nوَلَنَا: أَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ، فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ. وَلِأَنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ بِالْعَمَلِ وَهُمَا يَتَفَاضَلَانِ فِيهِ؛ فَجَازَ تَفَاضُلُهُمَا فِي الْعِوَضِ كَالْأَجِيرَيْنِ. وَلَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ التَّسَاوِي فِي شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ، بَلْ هِيَ كَمَسْأَلَتِنَا فِي جَوَازِ تَفَاضُلِهِمَا، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ذَلِكَ عَقْدٌ وَاحِدٌ، وَهَذَانِ عَقْدَانِ. اهـ\nقلتُ: والصحيح مذهب أحمد، والشافعي، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٤٢) «الإنصاف» (٥/ ٣٨٦) «بداية المجتهد» (٤/ ٢٧).","vol":"6","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3415>مسألة [٩]: إذا قارض اثنان واحدًا بمال لهما، وشرط له كل واحد ربحًا غير ربح صاحبه</span>؟\nقال أبو محمد ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٤٣): وَإِنْ قَارَضَ اثْنَانِ وَاحِدًا بِأَلْفٍ لَهُمَا؛ جَازَ. وَإِذَا شَرَطَا لَهُ رِبْحًا مُتَسَاوِيًا مِنْهُمَا؛ جَازَ. وَإِنْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا لَهُ النِّصْفَ، وَالْآخَرُ الثُّلُثَ؛ جَازَ، وَيَكُونُ بَاقِي رِبْحِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ. وَإِنْ شَرَطَا كَوْنَ الْبَاقِي مِنْ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لَمْ يَجُزْ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَكَلَامُ الْقَاضِي يَقْتَضِي جَوَازَهُ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَلَنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا يَبْقَى لَهُ مِنْ رِبْحِ مَالِهِ النِّصْفُ، وَالْآخَرَ يَبْقَى لَهُ الثُّلُثَانِ. فَإِذَا اشْتَرَطَا التَّسَاوِي فَقَدْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ جُزْءًا مِنْ رِبْحِ مَالِهِ بِغَيْرِ عَمَلٍ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ شَرَطَ رِبْحَ مَالِهِ الْمُنْفَرِدِ. اهـ\nقلتُ: وما المانع من ذلك إذا طابت نفسه بذلك بعد معرفته بالمقدار؟! فالصحيح قول أبي ثور، وأبي حنيفة، وهو ترجيح الشوكاني في «السيل» كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في كتاب الشركة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3416>مسألة [١٠]: إذا شرط أحدهما لنفسه مع الربح دراهم معلومة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (٧/ ١٤٦): وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى جَعَلَ نَصِيبَ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، أَوْ جَعَلَ مَعَ نَصِيبِهِ دَرَاهِمَ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ جُزْءًا وَعَشْرَةَ دَرَاهِمَ؛ بَطَلَتْ الشَّرِكَةُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مِنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إبْطَالِ الْقِرَاضِ إذَا شَرَطَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا لِنَفْسِهِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً. وَمِمَّنْ","vol":"6","page":504},{"text":"حَفِظْنَا ذَلِكَ عَنْهُ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.\nقال: وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحّ ذَلِكَ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا شَرَطَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْبَحَ غَيْرَهَا، فَيَحْصُلَ عَلَى جَمِيعِ الرِّبْحِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْبَحَهَا، فَيَأْخُذَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ جُزْءًا. وَقَدْ يَرْبَحُ كَثِيرًا، فَيَسْتَضِرُّ مَنْ شُرِطَتْ لَهُ الدَّرَاهِمُ. وَالثَّانِي: أَنَّ حِصَّةَ الْعَامِلِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً بِالْأَجْزَاءِ، لَمَّا تَعَذَّرَ كَوْنُهَا مَعْلُومَةً بِالْقَدْرِ، فَإِذَا جُهِلَتْ الْأَجْزَاءُ؛ فَسَدَتْ، كَمَا لَوْ جُهِلَ الْقَدْرُ فِيمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِهِ. وَلِأَنَّ الْعَامِلَ مَتَى شَرَطَ لِنَفْسِهِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، رُبَّمَا تَوَانَى فِي طَلَبِ الرِّبْحِ؛ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ فِيهِ وَحُصُولِ نَفْعِهِ لِغَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَهُ جُزْءٌ مِنْ الرِّبْحِ. اهـ\nوقال ابن رشد -﵀- في «بداية المجتهد» (٤/ ٢٦): ولا خلاف بين العلماء أنه إذا اشترط أحدهما لنفسه من الربح شيئًا زائدًا غير ما انعقد عليه القراض أنَّ ذلك لا يجوز؛ لأنه يصير ذلك الذي انعقد عليه القراض مجهولًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3417>مسألة [١١]: إذا اشترط صاحب المال على العامل: أنَّ لي ربح هذه السلعة، أو هذا الشهر، ولك الآخرة، أو الآخر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٤٦): وإن دفع إليه ألفين مضاربة على أنَّ لكل واحد منهما ربح ألف، أو على أنَّ لأحدهما ربح أحد الثوبين، أو ربح إحدى السفرتين، أو ربح تجارته في شهر، أو عام بعينه ونحو ذلك؛ فسد الشرط والمضاربة؛ لأنه قد يربح في ذلك المعين دون غيره، وقد يربح في غيره دونه،","vol":"6","page":505},{"text":"فيختص أحدهما بالربح، وذلك يخالف موضوع الشركة، ولا نعلم في هذا خلافًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3418>مسألة [١٢]: هل للمضارب أن يبيع نسيئة إذا أطلق رب المال الإذن</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ليس له ذلك، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وذلك لأنه ليس له التصرف إلا على وجه الحظ، والاحتياط، وفي النسيئة تغرير بالمال.\n• وقال بعض أهل العلم: له ذلك، وهو قول أحمد في رواية، وبعض الحنابلة، وقال به أبو حنيفة؛ لأنَّ الإذن في التجارة ينصرف إلى التجارة المعتادة، وهذا عادة التجار، ولأنه يقصد به الربح، والربح في النَّسَاء أكثر.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني أظهر؛ إلا أنْ يتعامل نسيئة مع إنسان مماطل معروف بذلك؛ فعلى العامل غرم ذلك إنْ لم يكن له إذن فيه، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: في المسألة السابقة إذا قال له: (اعمل برأيك)، أو (كيف شئت)، فأجاز له الحنابلة أن يبيع نسيئة، ومنعه الشافعي. «المغني» (٧/ ١٤٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3419>مسألة [١٣]: هل له أن يسافر بالمال للتجارة به</span>؟\n• اختلف أهل العلم فيما إذا أطلق رب المال الإذن ولم يأمر بالسفر، أو يَنْهَ، هل للمضارب أن يسافر به، أم لا؟\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٤٧) «بداية المجتهد» (٤/ ٣٠).","vol":"6","page":506},{"text":"• منهم من قال: له السفر، وهو قول مالك، ووجهٌ للحنابلة، وحُكي عن أبي حنيفة؛ لأنَّ عادة التجار جرت بذلك، ومطلق الإذن ينصرف إلى ما جرت به العادة.\n• ومنهم من قال: ليس له ذلك، وهو قول الشافعي، ووجهٌ للحنابلة؛ لأنَّ في السفر تغريرًا بالمال، وخطرًا.\nقلتُ: والقول الأول أرجح، والله أعلم.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٤٨ - ١٤٩): وَلَيْسَ لَهُ السَّفَرُ فِي مَوْضِعٍ مَخُوفٍ، عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. وَكَذَلِكَ لَوْ أُذِنَ لَهُ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ السَّفَرُ فِي طَرِيقٍ مَخُوفٌ، وَلَا إلَى بَلَدٍ مَخُوفٍ؛ فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا يَتْلَفُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِفِعْلِ مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3420>مسألة [١٤]: هل نفقة العامل على نفسه من ماله، أو من مال المضاربة</span>؟\n• من أهل العلم من قال: نفقته في مال نفسه، وهو قول ابن سيرين، وحماد، وأحمد، والشافعي، والظاهرية؛ لأنها نفقة تخصه، فكانت عليه كنفقة الحضر، ولأنه دخل على أنه يستحق من الربح الجزء المسمى، فلا يكون له غيره، ولأنه لو استحق النفقة؛ أفضى إلى أنه يختص بالربح؛ إذا لم يربح سوى ما أنفقه.\n• ومنهم من قال: نفقته في مال المضاربة في السفر، وهو قول مالك، وإسحاق، وأبي ثور، والأوزاعي، وأبي حنيفة؛ لأنَّ سفره لأجل المال، فكانت","vol":"6","page":507},{"text":"نفقته منه كأجر الحمَّال.\n• وقال الحسن، والنخعي: نفقته من جميع المال، ولم يقيداه في السفر.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب القول الأول، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام كما في «الإنصاف»، وما يتعلق بالسفر؛ فإن احتاج إلى نفقة زائدةٍ عمَّا يحتاجه في حال إقامته؛ جعلها في مال المضاربة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3421>مسألة [١٥]: هل للمضارب أن يبيع بأسعار منخفضة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٥٠): وَحُكْمُ الْمُضَارِبِ حُكْمُ الْوَكِيلِ، فِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَلَا يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ؛ فَإِنْ فَعَلَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ وَيَضْمَنُ النَّقْصَ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَنْجَبِرُ بِضَمَانِ النَّقْص. وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْأَجْنَبِيِّ. فَعَلَى هَذَا: إنْ تَعَذَّرَ رَدُّ الْمَبِيعِ؛ ضَمِنَ النَّقْصَ أَيْضًا، وَإِنْ أَمْكَنَ رَدُّهُ وَجَبَ رَدُّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ تَالِفًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3422>مسألة [١٦]: هل للمضارب أن يطأ أمة من مال المضاربة</span>؟\n• لا يجوز له ذلك عند أهل العلم، وعدَّه بعضهم زانيًا، منهم: ابن حزم، وقال به بعض الحنابلة، والشافعية فيما إذا لم يظهر بالمال ربح، وعليه الحد عند الإمام ابن حزم.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ١٤٩)، «المحلى» (١٣٧٠)، «الإنصاف» (٥/ ٣٩٩)، «بداية المجتهد» (٤/ ٢٩).","vol":"6","page":508},{"text":"• ومذهب أحمد، وإسحاق، وسفيان وغيرهم أنه إن ظهر في المال ربح أنَّ عليه المهر والتعزير، وإن حملت منه؛ فولده حرٌّ، وأمه أم ولد، وعليه قيمتها، وإن لم يظهر في المال ربح؛ فعليه المهر والتعزير، وإن حملت منه؛ فولده رقيق؛ لعدم وجود شبهة الملك ههنا، وقول الشافعية أقرب، والله أعلم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر لي أنَّ قول أحمد أصح في المسألة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3423>مسألة [١٧]: هل للمالك أن يطأ الجارية التي اشتراها العامل للتجارة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (٧/ ١٥٥): وَلَيْسَ لِرَبِّ المَالِ وَطْءُ الْأَمَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَيُعَرِّضُهَا لِلْخُرُوجِ مِنْ المُضَارَبَةِ وَالتَّلَفِ؛ فَإِنْ فَعَلَ؛ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ. وَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ؛ صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ كَذَلِكَ، وَتَخْرُجُ مِنْ المُضَارَبَةِ، وَتُحْسَبُ قِيمَتُهَا، وَيُضَافُ إلَيْهَا بَقِيَّةُ الْمَالِ؛ فَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ؛ فَلِلْعَامِلِ حِصَّتُهُ مِنْهُ. اهـ (^٢)\nقلتُ: وإن كان المال قد ظهرت فيه الأرباح الظاهرة؛ فقد صار العامل شريكًا فيها، ويجري على صاحب المال ما يجري على العامل في المسألة السابقة.\nفائدة: ذكروا أنه ليس للعامل، ولا لرب المال تزويج الأمة؛ لأنه ينقصها، وإن اتفقا على ذلك؛ جاز. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٥٥) «المحلى» (١٣٧٧) «الروضة» (٥/ ١٣٧ - ١٣٨).\n(^٢) وانظر: «الروضة» (٥/ ١٣٧).\n(^٣) انظر: «المغني» (٧/ ١٥٦) «الروضة» (٥/ ١٣٨).","vol":"6","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3424>مسألة [١٨]: هل للمضارب أن يدفع المال إلى غيره ليضارب به</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٥٦): وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ دَفْعُ الْمَالِ إلَى آخَرَ مُضَارَبَةً. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَحَرْبٍ، وَعَبْدِالله، قَالَ: إنْ أَذِنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ، وَإِلَّا فَلَا. وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا فِي جَوَازِ ذَلِكَ؛ بِنَاءً عَلَى تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمُوَكِّلِ.\nوَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّخْرِيجُ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْوَكِيلِ مُمْتَنِعٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ هَاهُنَا لِيُضَارِبَ بِهِ، وَبِدَفْعِهِ إلَى غَيْرِهِ مُضَارَبَةً يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُضَارِبًا بِهِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ. الثَّانِي: أَنَّ هَذَا يُوجِبُ فِي الْمَالِ حَقًّا لِغَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ إيجَابُ حَقٍّ فِي مَالِ إنْسَانٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ.\nقال: وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَلَا أَعْرِفُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ\nقال ابن رشد -﵀- في «بداية المجتهد» (٤/ ٣١): ولم يختلف هؤلاء المشاهير من فقهاء الأمصار أنه إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر أنه ضامن إن كان خسران، وإن كان ربح؛ فذلك على شرطه، ثم يكون للذي عمل شرطه على الذي دفع إليه، فيوفيه حظه مما بقي من المال، وقال المزني عن الشافعي: ليس له إلا أجرة مثله؛ لأنه عمل على فساد. اهـ\nتنبيه: إذا أذن رب المال للمضارب أن يدفع المال إلى غيره مضاربة؛ جاز ذلك، قال ابن قدامة: نصَّ عليه أحمد، ولا أعلم فيه خلافًا. اهـ «المغني» (٧/ ١٥٧).","vol":"6","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3425>مسألة [١٩]: هل للمضارب أن يأخذ من إنسان آخر مالًا مضاربة ويعمل لرجلين</span>؟\nأما إذا لم يكن على الأول ضرر؛ فيجوز بلا خلاف، سواء أذن أم لم يأذن، وكذلك يجوز إذا أذن بلا خلاف، وإن كان عليه ضرر.\n• وأما إذا لم يأذن، وكان عليه ضرر: فمذهب الحنابلة عدم جواز ذلك؛ لأنَّ المضاربة يُقصَد بها الحظ والنماء، فإذا فعل ما يمنعه لم يكن له، وفي الحديث: «لا ضرر ولا ضرار».\n• وقال أكثر الفقهاء: يجوز؛ لأنه عقد لا يملك به منافعه كلها؛ فلم يمنع من المضاربة كما لو لم يكن فيه ضرر، وكالأجير المشترك.\nوأُجيب بالفرق؛ لأنَّ المضارب ربما يُشغل عن المضاربة الأولى والمسألة مفروضة في ذلك، وأما إذا لم يشغل ولم يحصل ضرر؛ فيجوز.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين؛ إلا أنَّ مذهب الحنابلة أنه إن فعل ذلك فيضم ربحه الحاصل من المضاربة الثانية إلى مال المضاربة الأولى، واختار شيخ الإسلام وآخرون أنه لا يلزمه الضم، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين، وإنما يأثم على تعديه.\nواحتمل الشيخ ابن عثيمين -﵀- أنه يغرم إذا فات على رب المال الأول بعض المصالح، كسلعة كانت ستباع بسعر ثمين، فذهبت الفرصة في ذلك، أو ما أشبه","vol":"6","page":511},{"text":"ذلك، وهذا هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3426>مسألة [٢٠]: إذا تعدى المضارب وفعل ما ليس له فعله</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ المضارب يصبح ضامنًا للمال، وقال به حكيم بن حزام كما في الباب.\n• ورُوي عن الحسن، والزهري أنه لا ضمان عليه.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لأنه متصرف في مالِ غيره بغير إذنه فلزمه الضمان كالغاصب.\n• واختلف أهل العلم فيما إذا اشترى مالم يؤذن له فيه، فربح: لمن الربح؟ على أقوال:\nالأول: أنَّ الربح لرب المال، قال به أبو قلابة، ونافع، وأحمد، وهو ظاهر مذهب الشافعية.\nالثاني: يتصدقا بالربح، وهو قول الشعبي، والنخعي، والحكم، وحماد، وابن شبرمة، وداود، وابن حزم، وأحمد في رواية، قال بعض أصحابه: هو على سبيل الورع، وهو لرب المال في القضاء. وهو قول الأوزاعي.\nالثالث: الربح على ما شرطاه؛ لأنه نوعُ تَعَدٍّ، فلا يمنع كون الربح بينهما على ما شرطاه، وهذا قول مالك، وإياس.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ١٥٩) «الإنصاف» (٥/ ٣٩٥ -) «الشرح الممتع» (٤/ ٢٧١ - ٢٧٢).","vol":"6","page":512},{"text":"الرابع: عن أحمد رواية أنه كتصرف الفضولي، والراجح عن أحمد في تصرف الفضولي أنه موقوف على إجازة المالك، واستظهره ابن مفلح في «الفروع».\nقلتُ: وهذا القول يظهر لي أنه أقرب الأقوال؛ فإنْ أجاز المالك ذلك العمل؛ فالربح بينهما على ما شرطاه، وإن لم يجزه؛ فالبيع فاسد، ويرجع فيه إذا استطيع، فإذا لم يستطع ذلك فيتصدق بالربح على سبيل الورع؛ وإلا فالربح لصاحب المال؛ لأنه نماء ماله، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3427>مسألة [٢١]: متى يستحق العامل الربح</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٦٥): الْمُضَارِبُ لَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَ شَيْءٍ مِنْ الرِّبْحِ حَتَّى يُسَلِّمَ رَأْسَ الْمَالِ إلَى رَبِّهِ، وَمَتَى كَانَ فِي الْمَالِ خُسْرَانٌ وَرِبْحٌ؛ جُبِرَتْ الْوَضِيعَةُ مِنْ الرِّبْحِ، سَوَاءٌ كَانَ الْخُسْرَانُ وَالرِّبْحُ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ الْخُسْرَانُ فِي صَفْقَةٍ وَالرِّبْحُ فِي أُخْرَى، أَوْ أَحَدُهُمَا فِي سَفْرَةٍ وَالْآخَرُ فِي أُخْرَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى الرِّبْحِ هُوَ الْفَاضِلُ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَمَا لَمْ يَفْضُلْ فَلَيْسَ بِرِبْحِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3428>مسألة [٢٢]: متى يملك العامل نصيبه من الربح</span>؟\n• منهم من قال: يملكه بظهوره، ولو لم يقسم، وهذا مذهب الحنابلة، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنَّ الربح إذا وجد، ملكه بحكم الشرط الصحيح الذي بينهم وهذا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٦٢) «الإنصاف» (٥/ ٣٨٥) «الروضة» (٥/ ١٢٥) «المحلى» (١٣٧٥).\n(^٢) وانظر: «بداية المجتهد» (٤/ ٢٩).","vol":"6","page":513},{"text":"قولٌ للشافعي.\n• ومنهم من قال: لا يملكه إلا بالقسمة، وهو قول مالك، وأحمد في رواية؛ لأنه لو ملكه لاختصَّ بربحه ووجب إن يكون شريكًا لرب المال كشريكي العنان.\n• واختار بعض الحنابلة ومنهم شيخ الإسلام أنه يملكها بالمحاسبة، والتنضيض -هو وجود رأس المال دراهم ودنانير- والفسخ قبل القسمة والقبض.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أرجح، والله أعلم، ولكن الملك لا يستقر إلا بالمحاسبة التامة، والتنضيض، وقد جزم بذلك غير واحد من الحنابلة، بل قال ابن رجب: هو المنصوص صريحًا عن الإمام أحمد -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3429>مسألة [٢٣]: هل لرب المال أن يشتري لنفسه من سلع المضاربة</span>؟\n• من أهل العلم من قال: لا يصح شراؤه منها، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنه ملكه، فلا يصح شراؤه، كشرائه من وكيله.\n• ومنهم من قال: يصح، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية؛ لأنه قد تعلق بها حق المضارب، ويشتري بمثل ما يشتري غيره؛ لتعلق حق المضارب به، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٦٥) «الإنصاف» (٥/ ٤٠٣ - ٤٠٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ١٦٦ - ١٦٧) «الإنصاف» (٥/ ٣٩٧) «البداية» (٤/ ٣٠).","vol":"6","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3430>مسألة [٢٤]: هل للمضارب أن يشتري لنفسه من سلع المضاربة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٦٧): وَإِنْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ؛ صَحَّ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ. وَلَنَا أَنَّهُ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ؛ فَصَحَّ شِرَاؤُهُ لَهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى الْوَكِيلُ مِنْ مُوَكِّلِهِ. اهـ\nقلتُ: الصحيح قول الجمهور، حتى وإن ظهر في المال ربح؛ لأنه يصبح في حكم الشريك، والصحيح أنَّ الشريك يجوز له أن يشتري بسعر ما يبيع لغيره، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3431>مسألة [٢٥]: إن مات المضارب وأموال المضاربة ليست متميزة من أمواله</span>؟\n• مذهب أحمد -﵀- أنَّها تصير دينًا في ذمته توفى من تركته، وإن كان مفلسًا؛ كان صاحب المال مع الغرماء أسوة، وقال الشافعي: ليس على المضارب شيء؛ لاحتمال أن يكون المال قد هلك. والصحيح قول أحمد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3432>مسألة [٢٦]: إذا تبين للمضارب أن في يده ربحًا، فهل له أن يأخذ منه بغير إذن صاحب المال</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: الرِّبْحَ إذَا ظَهَرَ فِي الْمُضَارَبَةِ؛ لَمْ يَجُزْ لِلْمُضَارِبِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ رَبٍّ الْمَالِ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا. وَإِنَّمَا لَمْ\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٥/ ٣٩٨).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٧/ ١٧١).","vol":"6","page":515},{"text":"يَمْلِكْ ذَلِكَ لَأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدهَا: أنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ، فَلَا يَأْمَنُ الْخُسْرَانَ الَّذِي يَكُونُ هَذَا الرِّبْحُ جَابِرًا لَهُ، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ رِبْحًا. وَالثَّانِي: أَنَّ رَبَّ الْمَالِ شَرِيكُهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُقَاسَمَةُ نَفْسِهِ. الثَّالِث: أَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ؛ لِأَنَّهُ بِعَرْضِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ يَدِهِ بِجُبْرَانِ خَسَارَةِ الْمَالِ. وَإِنْ أَذِنَ رَبُّ الْمَالِ فِي أَخْذِ شَيْءٍ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3433>مسألة [٢٧]: إذا تعجلا قسمة الربح قبل الانتهاء من التجارة</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٧٢): وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الرِّبْحِ دُونَ رَأْسِ الْمَالِ، وَأَبَى الْآخَرُ؛ قُدِّمَ قَوْلُ الْمُمْتَنِعِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ رَبَّ الْمَالِ، فَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْخُسْرَانَ فِي رَأْسِ الْمَالِ، فَيَجْبُرُهُ بِالرِّبْحِ، وَإِنْ كَانَ الْعَامِلَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَلْزَمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَ فِي وَقْتٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَسَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى قِسْمَةِ جَمِيعِهِ أَوْ بَعْضِهِ، أَوْ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا مَعْلُومًا يُنْفِقُهُ. ثُمَّ مَتَى ظَهَرَ فِي الْمَالِ خُسْرَانٌ، أَوْ تَلِفَ كُلُّهُ؛ لَزِمَ الْعَامِلَ رَدُّ أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا أَخَذَهُ، أَوْ نِصْفِ خُسْرَانِ الْمَالِ، إذَا اقْتَسَمَا الرِّبْحَ نِصْفَيْنِ، وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إذَا اقْتَسَمَا الرِّبْحَ، وَلَمْ يَقْبِضْ رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: يَرُدُّ الْعَامِلُ الرِّبْحَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٧١ - ١٧٢) «بداية المجتهد» (٤/ ٢٩).","vol":"6","page":516},{"text":"قال: وَلَنَا عَلَى جَوَازِ الْقِسْمَةِ، أَنَّ الْمَالَ لَهُمَا؛ فَجَازَ لَهُمَا أَنْ يَقْتَسِمَا بَعْضَهُ، كَالشَّرِيكَيْنِ. أَوْ نَقُولَ: إنَّهُمَا شَرِيكَانِ؛ فَجَازَ لَهُمَا قِسْمَةُ الرِّبْحِ قَبْلَ الْمُفَاصَلَةِ، كَشَرِيكَيْ الْعِنَانِ. اهـ\nقلتُ: وظاهر كلام مالك فيما نقله ابن رشد (٤/ ٣٠) أنَّ العامل لا يرد الربح بعد أخذه، وإن حصلت الخسارة.\nوالصحيح قول الجمهور؛ إلا أنْ يفسخا المضاربة ويأخذ صاحب المال ماله، ثم يعقدا مضاربة أخرى، وقد يحمل قول مالك -﵀- على هذه الصورة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3434>مسألة [٢٨]: إذا شرط على العامل شيئًا من الوضيعة الخسران</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٧٦): مَتَى شَرَطَ عَلَى الْمُضَارِبِ ضَمَانَ الْمَالِ، أَوْ سَهْمًا مِنْ الْوَضِيعَةِ؛ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْعَقْدَ يَفْسُدُ بِهِ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ، فَأَفْسَدَ الْمُضَارَبَةَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ لَأَحَدِهِمَا فَضْلَ دَرَاهِمَ.\nقال: وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَلَنَا أَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُؤَثِّرُ فِي جَهَالَةِ الرِّبْحِ؛ فَلَمْ يَفْسُدْ بِهِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ لُزُومَ الْمُضَارَبَةِ. وَيُفَارِقُ شَرْطَ الدَّرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَسَدَ الشَّرْطُ ثَبَتَتْ","vol":"6","page":517},{"text":"حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الرِّبْحِ مَجْهُولَةً. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3435>مسألة [٢٩]: إذا شرط رب المال على العامل أن لا يشتري إلا من رجل بعينه، أو سلعة بعينها</span>؟\n• من أهل العلم من منع هذا الشرط، وهو قول مالك، والشافعي؛ لأن في ذلك تضييقًا على العامل، ويمنع مقصود المضاربة من الربح.\n• ومنهم من قال: الشرط صحيح، وهو مذهب أحمد، وأبي حنيفة؛ لأنها مضاربة خاصَّة لا تمنع الربح بالكلية، ولصاحب المال من ذلك قصد للمحافظة على ماله، وما أشبه ذلك. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3436>مسألة [٣٠]: توقيت المضاربة</span>.\n• الخلاف في ذلك كالخلاف السابق في المسألة السابقة، والراجح جواز التوقيت، وعليه عمل الناس اليوم، وليس مع من منع من التوقيت حجة. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3437>مسألة [٣١]: إذا كان على رجل لرجل دين، فهل له أن يجعله مضاربة</span>؟\n• مذهب جمهور العلماء المنع من ذلك، بل حكاه ابن المنذر إجماعًا، والسبب في ذلك عند مالك أنه قد يفعل ذلك لعجز الرجل عن الدين فيفضي ذلك إلى تأخير مع زيادة، وهو الربا. وعلل غيره بأنَّ ما في ذمة الرجل مضمونًا عليه؛\n_________\n(^١) وانظر: «البداية» (٤/ ٢٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ١٧٧) «البداية» (٤/ ٢٧).\n(^٣) انظر: «المغني» (٧/ ١٧٧) «البداية» (٤/ ٢٧) «الإنصاف» (٥/ ٣٨٩) «المحلى» (١٣٦٩).","vol":"6","page":518},{"text":"فليس له أن يحوله إلى أمانة ليست مضمونة عليه بدون قبض صاحبه.\n• وذهب بعض الحنابلة إلى جواز ذلك، ونصر ذلك ابن القيم -﵀-.\nفقال -﵀- كما في «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٥٠ -): وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي الدَّلِيلِ، وَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ، وَلَا يَقْتَضِي تَجْوِيزُهُ مُخَالَفَةَ قَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، وَلَا وُقُوعًا فِي مَحْظُورٍ مِنْ رِبًا، وَلَا قِمَارٍ، وَلَا بَيْعِ غَرَرٍ، وَلَا مَفْسَدَةَ فِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ مَا؛ فَلَا يَلِيقُ بِمَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ الْمَنْعُ مِنْهُ، وَتَجْوِيزُهُ مِنْ مَحَاسِنِهَا وَمُقْتَضَاهَا.\nقال: وَقَوْلُهُمْ: (إنَّهُ يَتَضَمَّنُ إبْرَاءَ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ بِفِعْلِ نَفْسِهِ) كَلَامٌ فِيهِ إجْمَالٌ يُوهِمُ أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ، وَبِالْفِعْلِ الَّذِي بِهِ يَبْرَأُ، وَهَذَا إيهَامٌ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا بَرِئَ بِمَا أَذِنَ لَهُ رَبُّ الدَّيْنِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ الَّذِي تَضَمَّنَ بَرَاءَتَهُ مِنْ الدَّيْنِ، فَأَيُّ مَحْذُورٍ فِي أَنْ يَفْعَلُ فِعْلًا أَذِنَ لَهُ فِيهِ رَبُّ الدَّيْنِ، وَمُسْتَحِقُّهُ يَتَضَمَّنُ بَرَاءَتَهُ؟ فَكَيْفَ يُنْكِرُ أَنْ يَقَعَ فِي الْأَحْكَامِ الضِّمْنِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ مَا لَا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْمَتْبُوعَاتِ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ؟ حَتَّى لَوْ وَكَّلَهُ، أَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُبَرِّئَ نَفْسَهُ مِنْ الدَّيْنِ؛ جَازَ وَمَلَكَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ الْمَرْأَةَ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: طَلِّقِي نَفْسَك إنْ شِئْت، أَوْ يَقُولَ لِغَرِيمِهِ: أَبْرِي نَفْسَك إنْ شِئْت.\nقال: فَإِنْ قِيلَ: فَالدَّيْنُ لَا يَتَعَيَّنُ، بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ كُلِّيٌّ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ، فَإِذَا أَخْرَجَ مَالًا وَاشْتَرَى بِهِ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الدَّيْنُ، وَرَبُّ الدَّيْنِ لَمْ يُعَيِّنْهُ؛ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ. قِيلَ: هُوَ فِي الذِّمَّةِ مُطْلَقٌ، وَكُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ طَابَقَهُ صَحَّ أَنْ","vol":"6","page":519},{"text":"يُعَيَّنَ عَنْهُ وَيُجْزِئَ، وَهَذَا كَإِيجَابِ الرَّبِّ تَعَالَى الرَّقَبَةَ الْمُطْلَقَةَ فِي الْكَفَّارَةِ؛ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، وَلَكِنْ أَيُّ رَقَبَةٍ عَيَّنَهَا الْمُكَلَّفُ وَكَانَتْ مُطَابِقَةً لِذَلِكَ الْمُطْلَقِ؛ تَأَدَّى بِهَا الْوَاجِبُ، وَنَظِيرُهُ هَاهُنَا: أَنَّ أَيَّ فَرْدٍ عَيَّنَهُ، وَكَانَ مُطَابِقًا لِمَا فِي الذِّمَّةِ؛ تَعَيَّنَ وَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ. وَهَذَا كَمَا يَتَعَيَّنُ عِنْدَ الْأَدَاءِ إلَى رَبِّهِ، وَكَمَا يَتَعَيَّنُ عِنْدَ التَّوْكِيلِ فِي قَبْضِهِ؛ فَهَكَذَا يَتَعَيَّنُ عِنْدَ تَوْكِيلِهِ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ أَنْ يُعَيِّنَهُ، ثُمَّ يُضَارِبَ بِهِ، أَوْ يَتَصَدَّقَ، أَوْ يَشْتَرِيَ بِهِ شَيْئًا، وَهَذَا مَحْضُ الْفِقْهِ، وَمُوجَبُ الْقِيَاسِ، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ تَعَيُّنِهِ إذَا وَكَّلَ الْغَيْرَ فِي قَبْضِهِ، وَالشِّرَاءِ، أَوْ التَّصَدُّقِ بِهِ، وَبَيْنَ تَعْيِينِهِ إذَا وَكَّلَ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ أَنْ يُعَيِّنَهُ وَيُضَارِبَ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ؟ فَهَلْ يُوجِبُ التَّفْرِيقَ فِقْهٌ أَوْ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا، أَوْ حِكْمَةٌ لِلشَّارِعِ فَيَجِبُ مُرَاعَاتُهَا؟ اهـ\nقلتُ: وقول مالك (يفضي إلى الربا) غير صحيح؛ لأنَّ الزيادة إن حصلت فهي حصلت بعقد المضاربة، ولم تحصل مقابل التأخير، فتنبه.\nوما رجحه ابن القيم هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3438>مسألة [٣٢]: إذا وكله في قبض دين من رجل آخر، ثم يضاربه به</span>؟\nمنع من ذلك مالك وغيره؛ لأنه فيه اشتراطًا على العامل بعمل شيء زائد على عمله المقرر شرعًا بقراضه، وأجاز الأكثر هذه الصورة؛ لانتفاء العلل التي ذكرت في المسألة السابقة، وهذا هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ١٨٢) «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٥٠ - ٣٥٢) «الإنصاف» (٥/ ٣٨٩ - ٣٩٠) «البداية» (٤/ ٢٦).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٧/ ١٨٢) «بداية المجتهد» (٤/ ٢٦).","vol":"6","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3439>مسألة [٣٣]: إذا كان لرجل على آخر مال مغصوب، فاتفق معه على أن يجعله مضاربة</span>؟\n• مذهب أحمد، وأبي حنيفة أنه يصح، ويزول ضمان الغصب؛ لأنه حُوِّل إلى مضاربة برضى صاحب المال، والمضاربة ليس فيها ضمان على العامل بدون تفريط وتعدي.\n• وقال الشافعي، وبعض الحنابلة: لا يزول ضمان الغصب؛ لأنه قد ثبت عليه الضمان لغصبه، فلا يخرج بإذنه له في التجارة عن كونه مغصوبًا مضمونًا.\nقلتُ: ويظهر لي -والله أعلم- أن القول الأول أرجح، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3440>مسألة [٣٤]: المضاربة من العقود الجائزة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٧٢): وَالْمُضَارَبَةُ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ، تَنْفَسِخُ بِفَسْخِ أَحَدِهِمَا، أَيِّهِمَا كَانَ، وَبِمَوْتِهِ، وَجُنُونِهِ، وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، فَهُوَ كَالْوَكِيلِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ التَّصَرُّفِ وَبَعْدَهُ. فَإِذَا انْفَسَخَتْ وَالْمَالُ نَاضٌّ لَا رِبْحَ فِيهِ؛ أَخَذَهُ رَبُّهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ؛ قَسَمَا الرِّبْحَ عَلَى مَا شَرَطَاهُ. اهـ\nقال ابن رشد -﵀- في «بداية المجتهد» (٤/ ٢٨ - ٢٩): أجمع العلماء على أنَّ اللزوم ليس من موجبات عقد القراض، وأنَّ لكل واحد منهما فسخه؛ مالم يشرع العامل في القراض. واختلفوا إذا شرع العامل، فقال مالك: هو لازم، وهو عقد\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٨٤) «الإنصاف» (٥/ ٣٩٠).","vol":"6","page":521},{"text":"يورث؛ فإن مات وكان للمقارض بنون أمناء كانوا في القراض مثل أبيهم، وإن لم يكونوا أمناء؛ كان لهم أن يأتوا بأمين. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لكل واحد منهم الفسخ إذا شاء، وليس هو عقد يورث. فمالك ألزمه بعد الشروع في العمل لما فيه من ضرر ورآه من العقود المورثة. والفرقة الثانية شبهت الشروع في العمل بما بعد الشروع في العمل. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح أنه عقد جائزٌ، ولا يلزم إلا بوجود ضرر في الفسخ على أحدهما؛ فيصبح لازمًا حتى يزول الضرر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3441>مسألة [٣٥]: إذا فسخا المضاربة والمال عرض، فطلب أحدهما البيع</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٧٣): وَإِنْ انْفَسَخَتْ وَالْمَالُ عَرْضٌ، فَاتَّفَقَا عَلَى بَيْعِهِ أَوْ قَسَمَهُ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، لَا يَعْدُوهُمَا. وَإِنْ طَلَبَ الْعَامِلُ الْبَيْعَ، وَأَبَى رَبُّ الْمَالِ، وَقَدْ ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ؛ أُجْبِرَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْبَيْعِ. وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَالثَّوْرِيِّ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَامِلِ فِي الرِّبْحِ، وَلَا يَظْهَرُ إلَّا بِالْبَيْعِ. وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ؛ لَمْ يُجْبَرْ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَقَدْ رَضِيَهُ مَالِكُهُ كَذَلِكَ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى بَيْعِهِ. وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.\nوَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا زَادَ فِيهِ زَائِدٌ، أَوْ رَغِبَ فِيهِ رَاغِبٌ، فَزَادَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ؛ فَيَكُونُ لِلْعَامِلِ فِي الْبَيْعِ حَظٌّ.\nقال: وَلَنَا أَنَّ الْمُضَارِبَ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الرِّبْحَ إلَى حِينِ الْفَسْخِ، وَذَلِكَ لَا يُعْلَمُ\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٣٧٤).","vol":"6","page":522},{"text":"إلَّا بِالتَّقْوِيمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إذَا غَرَسَ، أَوْ بَنَى، أَوْ الْمُشْتَرِيَ؛ كَانَ لِلْمُعِيرِ وَالشَّفِيعِ أَنْ يَدْفَعَا قِيمَةَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْأَرْضِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى. اهـ (^١)\nقلتُ: قول ابن قدامة: (وَإِنْ طَلَبَ الْعَامِلُ الْبَيْعَ، وَأَبَى رَبُّ الْمَالِ، وَقَدْ ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ؛ أُجْبِرَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْبَيْعِ) يظهر لي والله أعلم: أنه ليس لازمًا على رب المال البيع؛ لأنه يمكن أن يعرف الربح بمجرد التقويم، ثم يلزمه إعطاء العامل حقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3442>مسألة [٣٦]: المضاربة بمالٍ جزافًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٨٣): وَمَنْ شَرْطِ الْمُضَارَبَةِ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا وَلَا جُزَافًا، وَلَوْ شَاهَدَاهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَصِحُّ إذَا شَاهَدَاهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ فِي قَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينُ رَبِّ الْمَالِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا فِي يَدَيْهِ؛ فَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ مَجْهُولٌ؛ فَلَمْ تَصِحَّ الْمُضَارَبَةُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُشَاهِدَاهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي بِكَمْ يَرْجِعُ عِنْد الْمُفَاصَلَةِ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَالِاخْتِلَافِ فِي مِقْدَارِهِ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْكِيسِ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالسَّلَمِ، وَبِمَا إذَا لَمْ يُشَاهِدَاهُ. اهـ\nقلتُ: والصحيح قول أحمد، والشافعي، ولكن إن دفعه إليه توكيلًا له بأن يحسبه\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٥/ ٤٠٤).","vol":"6","page":523},{"text":"ويعده، ثم يتضاربان عليه؛ فيصح، ولعلَّ هذه الصورة هي التي أرادها أبو ثور ومن معه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3443>مسألة [٣٧]: ما هي التصرفات التي تجب على العامل</span>؟\nقال ابن رشد -﵀- في «بداية المجتهد» (٤/ ٣٠): والجميع متفقون على أنَّ العامل إنما يجب له أن يتصرف في عقد القراض ما يتصرف فيه الناس غالبًا في أكثر الأحوال يعني في تجاراتهم. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٦٣): وَعَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ كُلَّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ الْمُضَارِبُ بِنَفْسِهِ، مِنْ نَشْرِ الثَّوْبِ، وَطَيِّهِ، وَعَرْضِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَمُسَاوَمَتِهِ، وَعَقْدِ الْبَيْعِ مَعَهُ، وَأَخَذَ الثَّمَنِ، وَانْتِقَادِهِ، وَشَدِّ الْكِيسِ، وَخَتْمِهِ، وَإِحْرَازِهِ فِي الصُّنْدُوقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلَا أَجْرَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلرِّبْحِ فِي مُقَابَلَتِهِ؛ فَإِنْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَالْأَجْرُ عَلَيْهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِ. فَأَمَّا مَا لَا يَلِيهِ الْعَامِلُ فِي الْعَادَةِ، مِثْلُ النِّدَاءِ عَلَى الْمَتَاعِ، وَنَقْلِهِ إلَى الْخَانِ، فَلَيْسَ عَلَى الْعَامِلِ عَمَلُهُ، وَلَهُ أَنْ يَكْتَرِيَ مَنْ يَعْمَلُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْمُضَارَبَةِ غَيْرُ مَشْرُوطٍ؛ لِمَشَقَّةِ اشْتِرَاطِهِ، فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3444>مسألة [٣٨]: إذا تلف المال قبل التصرف فيه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٧٦): إذَا تَلِفَ المَالُ قَبْلَ الشِّرَاءِ؛ انْفَسَخَتْ المُضَارَبَةُ؛ لِزَوَالِ الْمَالِ الَّذِي تَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِهِ، وَمَا اشْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْمُضَارَبَةِ، فَهُوَ لَازِمٌ لَهُ، وَالثَّمَنُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِتَلَفِ المَالِ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ، أَوْ","vol":"6","page":524},{"text":"جَهِلَ ذَلِكَ، وَهَلْ يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ رَبِّ المَالِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا: إنْ أَجَازَهُ؛ فَالثَّمَنُ عَلَيْهِ، وَالْمُضَارَبَةُ بِحَالِهَا، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ؛ لَزِمَ الْعَامِلَ. وَالثَّانِيَةُ: هُوَ لِلْعَامِلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. فَإِنْ اشْتَرَى لِلْمُضَارَبَةِ شَيْئًا، فَتَلِفَ المَالُ قَبْلَ نَقْدِهِ؛ فَالشِّرَاءُ لِلْمُضَارَبَةِ، وَعَقْدُهَا بَاقٍ، وَيَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ الثَّمَنُ، وَيَصِيرُ رَأْسَ المَالِ الثَّمَنُ دُونَ التَّالِفِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَلِفَ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ. وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: رَأْسُ المَالِ هَذَا وَالتَّالِفُ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّ التَّالِفَ تَلِفَ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ؛ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، كَمَا لَوْ تَلِفَ قَبْلَ الشِّرَاءِ. وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ بِمَالِ المُضَارَبَةِ، فَتَلِفَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ؛ كَانَ تَلَفُهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَلَمْ يَنْقُصْ رَأْسُ المَالِ بِتَلَفِهِ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بَعْدَ التَّصَرُّفِ فِيهِ. وَإِنْ تَلِفَ الْعَبْدَانِ كِلَاهُمَا، انْفَسَخَتْ المُضَارَبَةُ؛ لِزَوَالِ مَالِهَا كُلِّهِ؛ فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ بَعْدَ ذَلِكَ أَلْفًا؛ كَانَ الْأَلْفُ رَأْسَ الْمَالِ، وَلَمْ يُضَمَّ إلَى المُضَارَبَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا انْفَسَخَتْ لِذَهَابِ مَالِهَا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3445>مسألة [٣٩]: هل للمقارض أن يستدين مالًا يتجر به مع مال القراض</span>؟\n• قال ابن رشد -﵀- في «بداية المجتهد» (٤/ ٣٠): واختلفوا في العامل يستدين مالًا، فيتجر به مع مال القراض، فقال مالك: ذلك لا يجوز. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: ذلك جائز، ويكون الربح بينهما على شرطهما. وحجة مالك أنه كما لا يجوز أن يستدين على المقارضة كذلك لا يجوز أن يأخذ\n_________\n(^١) وانظر: «البداية» (٤/ ٢٩) «الإنصاف» (٥/ ٤٠٢).","vol":"6","page":525},{"text":"دينًا فيها. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح قول الشافعي، والقياس الذي ذكره ابن رشد قياس فاسد؛ لوجود الفرق بين الأصل والفرع، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3446>مسألة [٤٠]: بأي شيء ينفسخ القراض</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٧٤): وَأَيُّ الْمُتَقَارِضَيْنِ مَاتَ أَوْ جُنَّ؛ انْفَسَخَ الْقِرَاضُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ، فَانْفَسَخَ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَجُنُونِهِ، كَالتَّوْكِيلِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَوْتُ أَوْ الْجُنُونُ بِرَبِّ الْمَالِ، فَأَرَادَ الْوَارِثُ أَوْ وَلِيُّهُ إتْمَامَهُ، وَالْمَالُ نَاضٌّ؛ جَازَ، وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ وَحِصَّتُهُ مِنْ الرِّبْحِ رَأْسَ الْمَالِ، وَحِصَّةُ الْعَامِلِ مِنْ الرِّبْحِ شَرِكَةً لَهُ مُشَاعَةٌ. وَهَذِهِ الْإِشَاعَةُ لَا تَمْنَعُ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ هُوَ الْعَامِلُ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ.\nقال: وَإِنْ كَانَ الْمَالُ عَرَضًا وَأَرَادُوا إتْمَامَهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ جَوَازُهُ، وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ ...، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقِرَاضَ قَدْ بَطَلَ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا ابْتِدَاءُ قِرَاضٍ عَلَى عُرُوضٍ. وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَوْ كَانَ نَاضًّا كَانَ ابْتِدَاءَ قِرَاضٍ، وَكَانَتْ حِصَّةُ الْعَامِلِ مِنْ الرِّبْحِ شَرِكَةً لَهُ يَخْتَصُّ بِهَا دُونَ رَبِّ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ الْمَالُ نَاقِصًا بِخَسَارَةٍ أَوْ تَلَفٍ؛ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ الْمَوْجُودِ مِنْهُ حَالَ ابْتِدَاءِ الْقِرَاضِ، فَلَوْ جَوَّزْنَا ابْتِدَاءَ الْقِرَاضِ هَاهُنَا وَبِنَاءَهُمَا عَلَى الْقِرَاضِ؛ لَصَارَتْ حِصَّةُ الْعَامِلِ مِنْ الرِّبْحِ غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِهِ، وَحِصَّتُهَمَا مِنْ الرِّبْحِ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا، وَحُسِبَتْ عَلَيْهِ الْعُرُوض بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِمَا، فِيمَا إذَا كَانَ الْمَالُ نَاقِصًا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ بِلَا خِلَافٍ.","vol":"6","page":526},{"text":"قال: وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ أَوْ جُنَّ، وَأَرَادَ ابْتِدَاءَ الْقِرَاضِ مَعَ وَارِثِهِ أَوْ وَلِيِّهِ؛ فَإِنْ كَانَ نَاضًّا، جَازَ كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا مَاتَ رَبُّ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ عَرْضًا؛ لَمْ يَجُزْ ابْتِدَاءُ الْقِرَاضِ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُجَوِّزُ ابْتِدَاءَ الْقِرَاضِ عَلَى الْعُرُوضِ، بِأَنْ تُقَوَّمَ الْعُرُوض، وَيُجْعَلَ رَأْسُ الْمَالِ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْهُ الْعَمَلُ قَدْ مَاتَ، أَوْ جُنَّ، وَذَهَبَ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَخْلُفْ أَصْلًا يَبْنِي عَلَيْهِ وَارِثُهُ. انتهى بتصرف وتلخيص. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3447>مسألة [٤١]: متى يكون الضمان في الخسارة على العامل</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ الضمان على العامل فيما إذا تعدى، أو فرط، ولا ضمان عليه فيما سوى ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3448>مسألة [٤٢]: هل تصح المضاربة بالعروض</span>؟\nأما المضاربة بالدراهم والدنانير فهي جائزة بالإجماع.\n• واختلفوا: هل تصح المضاربة بالعروض، أم لا؟ فمذهب الجمهور عدم جواز ذلك.\n• وأجازه ابن أبي ليلى، والأوزاعي.\nوحجة الجمهور: أنَّ رأس المال إذا كان عروضًا؛ كان غررًا؛ لأنه يقبض العرض وهو يساوي قيمة ما ويرده، وهو يساوي قيمة غيرها، فيكون رأس المال\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٣٧٦).\n(^٢) انظر: «المحلى» (١٣٧٣) «البداية» (٤/ ٢٥).","vol":"6","page":527},{"text":"والربح مجهولًا، والصحيح قول الجمهور؛ لما فيه من الغرر، إلا أن يكونوا قوموا العروض في حال الشراكة، وجعلوا رأس المال هو ما قومت به العروض، وأما إن كان رأس المال هو الثمن الذي بيعت به العروض فقد أجاز ذلك أهل العلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3449>مسألة [٤٣]: إذا فسدت المضاربة لتخلف بعض شروطها، أو ما أشبه ذلك، فماذا يترتب عليه من أحكام</span>؟\nيترتب على فسادها أحكام:\nأحدها: تنفذ تصرفات المضارب؛ لأنَّ له إذنًا في ذلك، فإذا بطل العقد بقي الإذن، فملك به التصرف كالوكيل.\nالثاني: اختلف أهل العلم في الأرباح الحاصلة بعد فساد المضاربة، وقد تقدم نقل الخلاف في ذلك في المسألة رقم [٢٠].\nالثالث: الضمان فيما يتلف، كحكم الضمان في المضاربة الصحيحة، وهو مذهب أحمد، والشافعي. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3450>مسألة [٤٤]: إذا اختلف العامل ورب المال في صفة الإذن</span>؟\nمثل أن يقول العامل: أذنت في البيع بخمسة دراهم. قال: بل بعشرة.\n• فمذهب أحمد، وأبي حنيفة أنَّ القول قول العامل؛ لأنه مؤتمن، ولأنَّ رب المال يدعي عليه زيادة وينكرها.\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٣٦٨) «البداية» (٤/ ٢٥) «الإنصاف» (٥/ ٣٨٩)، «البيان» (٧/ ١٨٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ١٨٠ - ١٨١) «الروضة» (٥/ ١٢٥) «الإنصاف» (٥/ ٣٨٢ - ٣٨٣).","vol":"6","page":528},{"text":"• ومذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أن القول قول رب المال؛ لأنَّ الأصل عدم الإذن، ولأنَّ القول قول رب المال في أصل الإذن، فكذلك في صفته.\nقلتُ: والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3451>مسألة [٤٥]: لو اختلف العامل ورب المال في قدر النصيب من الربح</span>؟\nمثل أن يقول العامل: شرطت لي نصف الربح. قال رب المال: بل الثلث.\n• ذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّ القول قول رب المال؛ لأنه ينكر زيادة تُدَّعى عليه، وهذا قول أحمد، وإسحاق، والثوري، وابن المبارك، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.\n• وقال بعض أهل العلم: القول قول العامل إذا ادَّعى سهم المثل، أو زيادة يتغابن الناس بها، وهذا قول مالك، وأحمد في رواية.\n• ومذهب الشافعي أنهما يتحالفان، ويتفاسخان، وله أجرة المثل.\n• وقال الليث: له قراض مثله.\nقلتُ: والأقرب هو القول الأول، ما لم تظهر قرينة تقوي جانب العامل؛ فيكون القول قوله كما قال مالك -﵀-، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٨٥) «الإنصاف» (٥/ ٤١٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ١٨٥) «البداية» (٤/ ٣٢).","vol":"6","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3452>مسألة [٤٦]: إذا ادَّعى العامل ردَّ المال، فأنكر ذلك رب المال</span>؟\n• مذهب أحمد، وبعض الشافعية أنَّ القول قول رب المال؛ لأنه منكر لما يُدَّعى عليه.\n• وقال بعض الشافعية: القول قول العامل؛ لأنه مؤتمن.\nوالأقرب القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3453>مسألة [٤٧]: إذا اختلف العامل ورب المال في قدر رأس المال، أو تلفه، أو في الإذن بشراء شيء</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ١٨٤ -): وَالْعَامِلُ أَمِينٌ فِي مَالِ المُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، لَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ، فَكَانَ أَمِينًا، كَالْوَكِيلِ. وَفَارَقَ المُسْتَعِيرَ؛ فَإِنَّهُ قَبَضَهُ لِمَنْفَعَتِهِ خَاصَّةً، وَهَا هُنَا المَنْفَعَةُ بَيْنَهُمَا. فَعَلَى هَذَا: الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ رَأْسِ المَالِ.\nقَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْعَامِلِ فِي قَدْرِ رَأْسِ المَالِ. كَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَبِهِ نَقُولُ. وَلِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ قَبْضَ شَيْءٍ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ.\nقال: وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيه مِنْ تَلَفِ المَالِ، أَوْ خَسَارَةٍ فِيهِ، وَمَا يُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ خِيَانَةٍ وَتَفْرِيطٍ، وَفِيمَا يَدَّعِي أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ١٨٦) «الإنصاف» (٥/ ٤١٢).","vol":"6","page":530},{"text":"الِاخْتِلَافَ هَاهُنَا فِي نِيَّتِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا نَوَاهُ.\nقال: وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا، فَقَالَ رَبُّ المَالِ: كُنْت نَهَيْتُك عَنْ شِرَائِهِ. فَأَنْكَرَ الْعَامِلُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّهْيِ. وَهَذَا كُلُّهُ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ (^١)\nتنبيه: جميع المسائل التي تقدمت وقيل فيها: (القول قول أحدهما)؛ فالمراد بذلك عند أهل العلم مع اليمين، فَتَنبَّه.\n_________\n(^١) وانظر: «الروضة» (٥/ ١٤٥ -).","vol":"6","page":531},{"text":"فتح العلام\nفي دراسة أحاديث بلوغ المرام\nحديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\nتأليف\nأبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني\nفي دار الحديث بدماج\n\nالجزء السابع\nتابع كتاب البيوع\nالمُسَاقَاةُ وَالإِجَارَة - إِحْيَاءُ المَوَات - الوَقْف - الهِبَةُ وَالعُمْرَى والرُّقْبَى\nاللُّقَطَة - الفَرَائِض - الوَصَايَا - الوَدِيعَة","vol":"7","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3454>بَابُ المُسَاقَاةِ وَالإِجَارَةِ</span>\n٨٩٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: فَسَأَلُوا أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا». فَقَرُّوا بِهَا، حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ -﵁-.\nوَلِمُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَفَعَ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُمْ شَطْرُ ثَمَرِهَا. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nكِتاب البيوع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3455>مسألة [١]: تعريف المساقاة</span>.\nمأخوذة من السَّقي، وهي دفع الشجر إلى آخر؛ ليقوم بسقيه، وعمل سائر ما يحتاج إليه بجزء مشاع من الثمرة، وسُمِّيت (مساقاة)؛ لأنها مفاعلة من السقي؛ لأنَّ أهل الحجاز أكثر حاجة شجرهم إلى السقي؛ لأنهم يستقون من الآبار، فسميت بذلك. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٢٩) (٢٣٣٨)، ومسلم (١٥٥١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٥٢٧) «الإنصاف» (٥/ ٤٢١).","vol":"7","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3456>مسألة [٢]: مشروعية المساقاة</span>.\nدلَّ حديث ابن عمر المذكور على مشروعية المساقاة، وهو الأصل في هذا الباب، وقال بمشروعية ذلك عامة أهل العلم من الصحابة، والتابعين ومن بعدهم.\n• وخالف أبو حنيفة، وزُفر، فلم يجيزا ذلك؛ لأنها إجارة بثمرة لم تخلق، أو إجارة بثمرة مجهولة، وتأولوا حديث ابن عمر -﵄- بأن اليهود أصبحوا عبيدًا للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فليس عمل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من باب المساقاة، وإنما النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يعطيهم النصف نفقة عليهم، ومنهم من ردَّه؛ لمخالفته للقياس.\nوقد ردَّ أهل العلم عليه، وبينوا بُعْدَ قوله عن الصواب، ونحن نبرأ إلى الله من مثل هذه الأقوال المخالفة للأحاديث الصريحة، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3457>مسألة [٣]: هل تشرع المساقاة في جميع الأشجار المثمرة</span>؟\n• ذهب داود الظاهري إلى أنها لا تجوز إلا في النخيل؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ساقى يهود خيبر على ذلك.\n• وذهب الشافعي إلى جوازها في النخيل، والعنب؛ لأنَّ الزكاة تجب في ثمرتهما.\n• وذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ المساقاة تجوز في كل شجر يثمر، واستدلوا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٥٣٠).","vol":"7","page":6},{"text":"على ذلك بعموم حديث ابن عمر المذكور في الباب؛ فهو يشمل كل ثمر، ولا تكاد بلدة ذات أشجار تخلو من شجر غير النخيل، ولأنَّ الحاجة تدعو إلى المساقاة في غير النخيل والعنب، ووجوب الزكاة ليس من العلل المجوزة للمساقاة، ولا أثر لذلك فيها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3458>مسألة [٤]: هل تشرع المساقاة في الأشجار التي لا ثمر لها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٥٣١): وَأَمَّا مَا لَا ثَمَرَ لَهُ مِنْ الشَّجَرِ، كَالصَّفْصَافِ، وَالْجَوْزِ، وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لَهُ ثَمَرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ، كَالصَّنَوْبَرِ، وَالْأَرْزِ؛ فَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَلِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ إنَّمَا تَكُونُ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَرَةِ، وَهَذَا لَا ثَمَرَةَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُقْصَدُ وَرَقُهُ، أَوْ زَهْرُهُ، كَالتُّوتِ، وَالْوَرْدِ، فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي جَوَازَ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الثَّمَرِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءٌ يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ، وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ وَالْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ بِجُزْءِ مِنْهُ، فَيَثْبُتُ لَهُ مِثْلُ حُكْمِهِ. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3459>مسألة [٥]: هل تصح المساقاة على ثمرة قد ظهرت</span>؟\n• ذهب الأكثر إلى الجواز، وهو قول مالك، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وهو قولٌ للشافعي؛ لأنها إذا جازت في المعدومة مع كثرة الغرر فيها؛ فمع وجودها وقلة الغرر فيها أولى.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٥٣٠) «الإنصاف» (٥/ ٤٢٢).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٥/ ٤٢٢) «الشرح الممتع» (٤/ ٢٨٩) ط/الآثار.","vol":"7","page":7},{"text":"• وذهب بعضهم إلى عدم الجواز، وهو رواية عن أحمد، وقولٌ للشافعي؛ لأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص، ومال إليه ابن قدامة، ويُراجع كلامه.\nوالذي يظهر لي أنَّ القول الأول أقرب، وهو ظاهر اختيار الشيخ ابن عثيمين، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3460>مسألة [٦]: تحديد نصيب العامل من الثمرة</span>.\nيُشترط في صحة المساقاة عند أهل العلم تحديد نصيب العامل مشاعًا من الثمرة، كالنصف، أو الثلث، أو الربع، أو ما أشبه ذلك، كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع أهل خيبر.\nوعلى هذا فإنَّ عَقْدَ المساقاة على جزء مبهمٍ كالسهم، والجزء، والنصيب، والحظ ونحوه لا يجوز؛ لأنه إذا لم يكن معلومًا لم تمكن القسمة بينهما، ولو ساقاه على آصُعٍ معلومة، أو جعل مع الجزء المعلوم آصعًا؛ لم يَجز؛ لأنه ربما لم يحصل ذلك، أو لم يحصل غيره، فيستضر ربُّ الشجر، وربما كثر الحاصل فيستضر العامل، وإن شرط له ثمر نخلات بعينها لم يجز؛ لأنها قد لا تحمل؛ فتكون الثمرة كلها لرب المال، وقد لا تحمل غيرها؛ فتكون الثمرة كلها للعامل. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٥٣١ -) «بداية المجتهد» (٤/ ٣٨) «الشرح الممتع» (٤/ ٢٨٨) ط/الآثار، «الروضة» (٥/ ١٥٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٥٣٢ - ٥٣٣).","vol":"7","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3461>مسألة [٧]: هل تصح المساقاة على الشجر الذي على السيول والأنهار وما لا يحتاج إلى سقي</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٥٣٨): وَتَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ عَلَى الْبَعْلِ مِنْ الشَّجَرِ، كَمَا تَجُوزُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى سَقْيٍ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَ مِنْ يُجَوِّزُ الْمُسَاقَاةَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْمُعَامَلَةِ فِي ذَلِكَ، كَدُعَائِهَا إلَى الْمُعَامَلَةِ فِي غَيْرِهِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُزَارَعَةِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3462>مسألة [٨]: بماذا ينعقد عقد المساقاة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٥٣٨): وَتَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، وَمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ، نَحْوِ: عَامَلْتُك، وَفَالَحْتك، وَاعْمَلْ فِي بُسْتَانِي هَذَا حَتَّى تَكْمُلَ ثَمَرَتُهُ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْمَعْنَى، فَإِذَا أَتَى بِهِ بِأَيِّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَيْهِ؛ صَحَّ كَالْبَيْعِ، وَإِنْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُك لِتَعْمَلَ لِي فِي هَذَا الْحَائِطِ، حَتَّى تَكْمُلَ ثَمَرَتُهُ، بِنِصْفِ ثَمَرَتِهِ. فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ يُشْتَرَطُ لَهَا كَوْنُ الْعِوَضِ مَعْلُومًا، وَالْعَمَلِ مَعْلُومًا، وَتَكُونُ لَازِمَةً، وَالْمُسَاقَاةُ بِخِلَافِهِ. وَالثَّانِي يَصِحُّ. وَهُوَ أَقْيسُ؛ لِأَنَّهُ مُؤَدٍّ لِلْمَعْنَى، فَصَحَّ بِهِ الْعَقْدُ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: العبرة بالمعنى لا باللفظ؛ فإن كانا قاصدين مساقاة؛ فتصح، والله أعلم، وهو ترجيح ابن القيم، وعزاه للجمهور. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٥/ ٤٢٢ - ٤٢٣) «البداية» (٤/ ٣٨) «أعلام الموقعين» (٢/ ٤).","vol":"7","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3463>مسألة [٩]: ما هي الأعمال التي تلزم العامل ورب المال</span>؟\nيذكر أهل العلم أنَّ على العامل الأعمال التي فيها صلاح الثمرة وزيادتها من الأعمال التي لا تتأبد، مثل السقي، والحرث، وتقليم الشجر، وقطع الحشائش المضرة، وما أشبه ذلك.\nوعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل، كسد الحيطان، وإنشاء الأنهار، وحفر البئر، وتجهيز آلاته القديمة، أو الحديثة، وشراء ما يلقح به، وما أشبه ذلك.\nقلتُ: والعمدة في ذلك هو العُرف، وما ذكره هو الذي تعارف الناس عليه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3464>مسألة [١٠]: إذا قال رب الأرض: إذا سقيته بكلفة فلك النصف، وإن لم يكن بكلفة فلك الثلث. ونحو ذلك</span>؟\nومثل ذلك إذا قال: إذا زرعته برًّا فلك النصف، وإن زرعته شعيرًا فلك الثلث.\n• ففي هذه المسألة قولان للحنابلة أشهرهما المنع؛ لأنه يؤدي إلى جهالة العمل، وجهالة القدر.\nوالصحيح هو الجواز؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، وليس في ذلك ظلمٌ، ولا غرر، ولا ربا، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٥٣٩) «البداية» (٤/ ٣٦) «الروضة» (٥/ ١٥٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٥٣٥، ٥٣٦) «الإنصاف» (٥/ ٤٣٤).","vol":"7","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3465>مسألة [١١]: المساقاة على شجرٍ صغير، أو على شجر يغرسه</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٥٥٢): وَإِذَا سَاقَاهُ عَلَى وَدِيِّ النَّخْلِ صغاره أَوْ صِغَارِ الشَّجَرِ، إلَى مُدَّةٍ يَحْمِلُ فِيهَا غَالِبًا، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا جُزْءٌ مِنْ الثَّمَرَةِ مَعْلُومٌ؛ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ عَمَلَ الْعَامِلِ يَكْثُرُ، وَنَصِيبَهُ يَقِلُّ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا. اهـ\nوقال -﵀- (٧/ ٥٥٢): وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ، وَيَعْمَلُ فِيهِ حَتَّى يَحْمِلَ، وَيَكُونُ لَهُ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَرَةِ مَعْلُومٌ؛ صَحَّ أَيْضًا. وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ سَاقَاهُ عَلَى صِغَارِ الشَّجَرِ، عَلَى مَا بَيَّنَاهُ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3466>مسألة [١٢]: هل عقد المساقاة والمزارعة لازم، أم جائزٌ</span>؟\n• مذهب أحمد، وبعض أصحاب الحديث أنَّ المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة، واستدلوا على ذلك بحديث معاملة أهل خيبر؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «نقركم بها على ذلك ما شئنا»، ولأنه عقد على جزء من نماء المال؛ فكان جائزًا كالمضاربة، وفارق الإجارة؛ لأنها بيع، فكانت لازمة، قالوا: ولو كان عقدًا لازمًا؛ للزم بيان المدة وتحديدها.\n• ومذهب أكثر الفقهاء أنها عقد لازم؛ لأنه عقد معاوضة، فكان لازمًا كالإجارة، ولأنه لو كان جائزًا لرب المال فسخه إذا أدركت الثمرة، فيسقط حق العامل، فيستضر، واختار هذا القول شيخ الإسلام -﵀- كما في «الإنصاف».\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الممتع» (٤/ ٢٨٨) ط/الآثار.","vol":"7","page":11},{"text":"• وقال بعض الحنابلة: هي جائزة من جهة العامل، لازمة من جهة المالك، كالإجارة.\nواختار الشيخ ابن عثيمين -﵀- قول الجمهور كما في «الشرح الممتع» (٩/ ٤٥٣)، فقال: وهذا هو الصحيح، وعليه عمل الناس اليوم؛ لأننا لو قلنا: إنه عقد جائز؛ كثر الضرر والنزاع بين الناس، ولأنَّ العامل ربما يتحيل فيأتي إلى صاحب الملك، ويأخذ منه الملك مساقاة في موسم المساقاة، فإذا زال الموسم جاء إلى المالك وفسخ، وكذلك بالعكس ربما يكون المالك أعطى العامل هذا الملك ليعمل فيه، فإذا زادت الأسهم للملاك فسخها، وأعطاه أجرة المثل، فالصواب أن المساقاة عقد لازم، ويتعين فيها تحديد المدة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر لي -والله أعلم- أنهما إن كان اشترطا عند العقد الاستمرار، أو كان عرف الناس ذلك؛ فيكون عقدًا لازمًا، وإلا فهو عقد جائز كالمضاربة؛ فإنَّ صاحب الشجر قد يرى عاملًا أفضل من الأول، فيرغب فيه، والعامل قد يكسل عن العمل، أو يمرض، أو يشغل، فيريد الترك، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١].\nوقد ذكر القائلون بأنه عقد جائز أنه إن كان الفسخ قبل ظهور الثمرة؛ فإن كان من رب الشجر؛ فعليه للعامل أجرة المثل، والأقرب أن يقال: له نصيب المثل. وإن كان الفسخ من العامل فلا شيء له.","vol":"7","page":12},{"text":"وإن كان الفسخ بعد ظهور الثمرة من العامل، وتنازل عن حقه؛ فلا إشكال، وأما إن لم يتنازل عن حقه، أو أراد رب الأرض الفسخ؛ فالثمرة بينهما، ويلزم العامل إتمام العمل في هذه ا لصورة، وذكر ذلك ابن حزم أيضًا.\nوننبه أيضًا أنَّ العقد يصبح لازمًا إذا كان في الفسخ ضرر على العامل، أو رب المال، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3467>مسألة [١٣]: هل يشترط للمساقاة تحديد المدة</span>؟\n• أما مذهب الجمهور فهو اشتراط التحديد؛ لأنهم يرون عقد المساقاة من العقود اللازمة؛ فوجب عندهم تحديدها، ولا تنفسخ عندهم بالموت، بل يقوم الوارث مقام مورثه؛ لأنه عقد لازم.\n• ومذهب الحنابلة في الأشهر، وهو قول الظاهرية عدم اشتراط ذلك؛ لأنَّ عقد المساقاة عندهم جائز كالمضاربة؛ فإن كل واحد منهما يملك فسخها متى شاء، وهذا هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3468>مسألة [١٤]: إن شرط العامل على رب المال أن يعمل معه بعض الأعمال التي تجب عليه، والعكس</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، ومالك أنه لا يصح اشتراط ذلك، ولا تصح\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ٥٤٢) «الإنصاف» (٥/ ٤٢٧) «المحلى» (١٣٣٥) «بداية المجتهد» (٤/ ٣٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٥٤٠ -) «البداية» (٤/ ٣٦).","vol":"7","page":13},{"text":"المساقاة بذلك؛ لأنَّ المساقاة التي أباحها الشرع جاءت بأن يكون على أحدهما الشجر والآخر عليه العمل، فأصبح الشرط مخالفًا لمقتضى العقد، واستثنى مالك الأعمال اليسيرة.\n• وللحنابلة وجهٌ -وهو رواية عن أحمد- أنه يصح؛ لأنه شرط لا يخل بمصلحة العقد، ولا مفسدة فيه، ولا يؤدي إلى الجهالة، أو الغرر، أو الربا، وما أشبه ذلك، وهذا القول أرجح، والله أعلم. وهو مقتضى اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3469>مسألة [١٥]: إذا شرط العامل على رب المال أن يعمل معه غلمانه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٥٤١): وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ غِلْمَانُ رَبِّ الْمَالِ، فَهُوَ كَشَرْطِ عَمَلِ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ كَعَمَلِهِ؛ فَإِنَّ يَدَ الْغُلَامِ كَيَدِ مَوْلَاهُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: كَمَا ذَكَرْنَا. وَالثَّانِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ غِلْمَانَهُ مَالُهُ، فَجَازَ أَنْ تَعْمَلَ تَبَعًا لِمَالِهِ، كَثَوْرِ الدُّولَابِ، وَكَمَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْعَامِلِ بَهِيمَةً يَحْمِلُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا رَبُّ الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ جَعْلُهُ تَبَعًا. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. فَإِذَا شَرَطَ غِلْمَانًا يَعْمَلُونَ مَعَهُ؛ فَنَفَقَتُهُمْ عَلَى مَا يَشْتَرِطَانِ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَطْلَقَا، وَلَمْ يَذْكُرَا نَفَقَتَهُمْ؛ فَهِيَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: نَفَقَتُهُمْ عَلَى الْمُسَاقِي، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْرُطَهَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى الْمُسَاقِي، فَمُؤْنَةُ مَنْ يَعْمَلُهُ عَلَيْهِ،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ٥٤٠) «البداية» (٤/ ٣٨ - ٣٩).","vol":"7","page":14},{"text":"كَمُؤْنَةِ غِلْمَانِهِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ مَمْلُوكُ رَبِّ الْمَالِ؛ فَكَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، كَمَا لَوْ أَجَّرَهُ؛ فَإِنْ شَرَطَهَا عَلَى الْعَامِلِ؛ جَازَ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَقْدِيرُهَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يُشْتَرَطُ تَقْدِيرُهَا؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ مَا لَا يَلْزَمُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَسَائِرِ الشُّرُوطِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ تَقْدِيرُهَا؛ لَوَجَبَ ذِكْرُ صِفَاتِهَا، وَلَا يَجِبُ ذِكْرُ صِفَاتِهَا؛ فَلَمْ يَجِبْ تَقْدِيرُهَا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح في المسائل المذكورة قول أحمد، والشافعي، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3470>مسألة [١٦]: هل للعامل أن يعامل غيره على الأرض، أو الشجر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٥٥١): وَإِذَا سَاقَى رَجُلًا، أَوْ زَارَعَهُ، فَعَامَلَ الْعَامِلُ غَيْرَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ؛ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ إذَا جَاءَ بِرَجُلٍ أَمِينٍ. وَلَنَا أَنَّهُ عَامِلٌ فِي الْمَالِ بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهِ؛ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَامِلَ غَيْرَهُ فِيهِ، كَالْمُضَارِبِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي الْعَمَلِ فِيهِ؛ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ، كَالْوَكِيلِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح مذهب الحنابلة، ولكن إذا عامل العامل غيره على سبيل الاستئجار؛ فالظاهر جوازه، والأجرة على العامل، والله أعلم.","vol":"7","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3471>مسألة [١٧]: هل يجوز أن يشترط أحدهما لنفسه دراهم معلومة زيادة على العقد</span>؟\nقال ابن رشد -﵀- في «بداية المجتهد» (٤/ ٣٧): واتفقوا على أنه لا يجوز فيها اشتراط منفعة زائدة، مثل أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة دراهم، أو دنانير. انتهى المراد.\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٥٥١): إذا شرط جزءًا معلومًا من الثمرة، ودراهم معلومة، كعشرة ونحوها؛ لم يجز بغير خلاف. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3472>مسألة [١٨]: إذا ساقاه على أرض خراجية، فعلى من الخراج</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٥٥٠): وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٌ؛ فَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّقَبَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ، سَوَاءٌ أَثْمَرَتْ الشَّجَرَةُ أَوْ لَمْ تُثْمِرْ، وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ أُجْرَةً لِلْأَرْضِ؛ فَكَانَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا وَزَارَعَ غَيْرَهُ فِيهَا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. اهـ\nوقال -﵀- في «المغني» (٧/ ٥٥١): فَأَمَّا إنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا؛ فَلَهُ أَنْ يُزَارِعَ غَيْرَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَنَافِعُهَا مُسْتَحَقَّةً لَهُ، فَمَلَكَ الْمُزَارَعَةَ فِيهَا، كَالْمَالِكِ، وَالْأُجْرَةُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمُزَارِعِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْخَرَاجِ. اهـ","vol":"7","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3473>مسألة [١٩]: المساقاة والمزارعة في الأرض الموقوفة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٥٥١): وَلِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يُزَارِعَ فِي الْوَقْفِ، وَيُسَاقِيَ عَلَى شَجَرِهِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مَالِكٌ لِرَقَبَةِ ذَلِكَ، أَوْ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِكِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا عِنْدَ مَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3474>مسألة [٢٠]: متى يملك العامل حصته من الثمرة</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنَّ العامل يملك حصته من الثمرة بظهورها، وهو أحد قولي الشافعي، وهو المذهب عند أصحابه؛ لأنَّ الاشتراط صحيح، فيثبت مقتضاه كسائر الشروط الصحيحة، ومقتضاه كون الثمرة بينهما على كل حال؛ لأنه لو لم يملكها قبل القسمة؛ لما وجبت القسمة، ولا ملكها كالأصل.\n• وذهب الشافعي -في قولٍ له- أنه يملكها بالمقاسمة، كالقراض.\nوأُجيب: بأنَّ القراض أيضًا يملكه بالظهور، ويستقر الملك بالمقاسمة كما تقدم.\nوالقول الأول هو الصحيح، وينبني عليه أنه يلزم كل واحد منهما زكاة نصيبه إذا بلغت حصته نصابًا، وإن لم تبلغ النصاب إلا بجمعها؛ لم تجب؛ لأنَّ الخلطة لا تؤثر في غير المواشي على الصحيح.\nوهذا قول ابن حزم أيضًا. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٥٤٩) «الروضة» (٥/ ١٦٠) «المحلى» (١٣٣٨).","vol":"7","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3475>مسألة [٢١]: إذا اختلف العامل مع صاحب الأرض</span>؟\n• الخلاف بين العلماء في مسألة اختلاف العامل مع رب الأرض، أو الشجر كالخلاف المتقدم في باب القراض بين العامل ورب المال، وما تقدم ترجيحه هنالك فهو الراجح ههنا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3476>مسألة [٢٢]: إذا فسدت المساقاة، أو المزارعة</span>؟\n• الخلاف في ذلك كالخلاف في المضاربة الفاسدة، فأكثر العلماء يجعلون الربح والثمرة لرب الشجر، أو الأرض، وللعامل أجرة مثله.\n• والذي اختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وابن حزم أنَّ له سهم مثله، وهو قول مالك في رواية عنه، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين.\nوهو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٥/ ٤٣٣) «المغني» (٧/ ٥٤٧ -).\n(^٢) انظر: «البداية» (٤/ ٣٩) «الاختيارات» (ص ١٥١) «المحلى» (١٣٣٩) «الطرق الحكمية» (ص ٢٥١).","vol":"7","page":18},{"text":"٨٩٧ - وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ -﵁- قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ -﵁- عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى المَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إلَّا هَذَا؛ فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nوَفِيهِ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ إطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ.\n\n٨٩٨ - وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ المُزَارَعَةِ [وَأَمَرَ] (^٢) بِالمُؤَاجَرَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3477>مسألة [١]: تعريف المزارعة</span>.\nهي دفع الأرض إلى من يزرعها ويعمل فيها والزرع بينهما بنصيب مشاع معلوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3478>مسألة [٢]: مشروعية المزارعة</span>.\n• أكثر العلماء على مشروعية المزارعة، والعمدة في الجواز حديث ابن عمر الذي في أول الباب.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٥٤٧) (١١٦).\n(^٢) ساقطة من (أ)، و(ب)، وثبوتها أصح كما في «صحيح مسلم».\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٥٤٩) (١١٩).","vol":"7","page":19},{"text":"قال البخاري -﵀- فِي كِتَابِ الْحَرْثِ وَالْمُزَارَعَةِ مِنْ «صَحِيْحِهِ» [بَاب:٨]: بَاب الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِه، وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَزَارَعَ عَلِيٌّ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ (^١)،\nوَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْقَاسِمُ، وَعُرْوَةُ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ، وَآلُ عُمَرَ، وَآلُ عَلِيٍّ، وَابْنُ سِيرِينَ. وَقَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ. وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى: إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ؛ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ؛ فَلَهُمْ كَذَا. اهـ\nقلتُ: وممن قال بذلك سعيد بن المسيب، والزهري، وطاوس، وأبو يوسف، ومحمد، وهو قول أحمد، وإسحاق، والليث، والبخاري، والظاهرية وغيرهم.\n• وذهب بعض الفقهاء إلى عدم مشروعية ذلك، وهو قول أبي حنيفة كقوله في المساقاة، وقال به مالك، والشافعي؛ إلا أنَّ مالكًا والشافعي أجازا المزارعة مع المساقاة تبعًا بأن تكون أقل من الثلث عند مالك، وبأن تكون المساقاة الأغلب عند الشافعي.\nوحجتهم في المنع من المزارعة: حديث ثابت بن الضحاك الذي في الباب،\n_________\n(^١) أثر علي -﵁- أخرجه عبد الرزاق (٨/ ٩٩ - ١٠٠)، وابن أبي شيبة (٦/ ٣٣٧) من ثلاث طرق عنه، يتقوى بعضها ببعض.\n\nوأثر سعد وعبد الله بن مسعود: أخرجهما ابن أبي شيبة (٦/ ٣٣٧) حدثنا أبو الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر، عن موسى بن طلحة، قال: كان سعد، وابن مسعود يزارعان بالثلث والربع. إسناده حسن؛ لضعف في حفظ إبراهيم بن مهاجر، وبقية رجاله ثقات. وأخرجه عبد الرزاق (٨/ ٩٩) عن الثوري، عن إبراهيم بن المهاجر به.","vol":"7","page":20},{"text":"وحديث رافع ابن خديج عن بعض عمومته كما في «صحيح مسلم» (١٥٤٨)، قال: نهانا رسول الله - ﷺ - عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع، والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يَزرعها، أو يُزرعها، وكره كراءها وما سوى ذلك. واستدلوا على المنع بحديث جابر في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن المخابرة. (^١)\nوالمخابرة: المزارعة، مشتقة من الخَبَار وهي الأرض اللينة، والخبير الأكَّار، وقيل: المخابرة معاملة أهل خيبر.\nقلتُ: الصواب هو القول الأول، وهو ترجيح كثير من المحققين، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني، والصنعاني وغيرهم.\nوقد أجاب ابن القيم على حديث رافع بن خديج الذي استدلوا به من وجوه، فقال في «تهذيب السنن» (٥/ ٥٨ -) بعد أن أورد المذهب الأول.\nقال -﵀-: وهذا أمر صحيح مشهور، وقد عمل به النبي - ﷺ - حتى مات، ثم خلفاؤه الراشدون من بعده حتى ماتوا، ثم أهلوهم بعدهم، ولم يبق بالمدينة أهل بيت إلا عملوا به، وعمل به أزواج النبي - ﷺ - من بعده، ومثل هذا يستحيل أن يكون منسوخًا؛ لاستمرار العمل به من النبي - ﷺ - إلى أن قبضه الله، وكذلك استمرار عمل خلفائه الراشدين به، فنسخ هذا من أمحل المحال، وأما حديث رافع بن خديج فجوابه من وجوه: أحدها: أنه حديث في غاية الاضطراب والتلون،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٣٨١)، ومسلم برقم (١٥٣٦).","vol":"7","page":21},{"text":"قال الإمام أحمد: حديث رافع بن خديج ألوان. وقال أيضًا: حديث رافع ضروب. الثاني: أنَّ الصحابة أنكروه على رافع، قال زيد بن ثابت وقد حُكي له حديث رافع: أنا أعلم بذلك منه، وإنما سمع النبي - ﷺ - رجلين قد اقتتلا، فقال: «إن كان هذا شأنكم؛ فلا تكروا المزارع» (^١)، وفي «البخاري» عن عمرو بن دينار قال: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة؛ فإنهم يزعمون أنَّ النبي - ﷺ - نهى عنها؟ قال: إنَّ أعلمهم -يعني ابن عباس- أخبرني أنَّ النبي - ﷺ - لم ينه عنها، ولكن قال: «أن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خراجًا معلومًا». (^٢)\nالثالث: أنَّ في بعض ألفاظ حديث رافع ما لا يقول به أحدٌ، وهو النهي عن كراء المزارع على الإطلاق.\nالرابع: من تأمل حديث رافع، وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض، وحمل مجملها على مفسرها، ومطلقها على مقيدها؛ علم أنَّ الذي نهى عنه النبي - ﷺ - من ذلك أَمْرٌ بَيِّن الفساد، وهو المزارعة الظالمة الجائرة؛ فإنه قال: كنا نكري الأرض على أنَّ لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه. (^٣) وفي لفظ له: كان الناس يؤاجرون -فذكر حديث الباب- قال: وهذا من أبين ما في حديث رافع وأصحه، وما فيه من مجمل، أو مطلق، أو مختصر فيُحمل على هذا المفسر\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ١٨٢)، وأبو داود (٣٣٩٠)، والنسائي (٧/ ٥٠)، وابن ماجه (٢٤٦١)، بإسناد حسن.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٣٣٠)، ومسلم برقم (١٥٥٠).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٢٣٣٢)، ومسلم برقم (١٥٤٧) (١١٧).","vol":"7","page":22},{"text":"المبين المتفق عليه لفظًا وحكمًا. قال الليث بن سعد: الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ - أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز. وقال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أنَّ النهي كان لتلك العلل، فلا تعارض إذن بين حديث رافع، وأحاديث الجواز بوجه.\nالخامس: أنه لو قدر معارضة حديث رافع لأحاديث الجواز، وامتنع الجمع بينهما؛ لكان منسوخًا قطعًا بلا ريب؛ لأنه لابد من نسخ أحد الخبرين، ويستحيل نسخ أحاديث الجواز؛ لاستمرار العمل بها من النبي - ﷺ - إلى أن تُوفِّي، واستمر عمل الخلفاء الراشدين بها، وهذا أمر معلوم عند من له خبرة بالنقل.\nالسادس: أنَّ الذي في حديث رافع إنما هو النهي عن كرائها بالثلث والربع، لا عن المزارعة، وليس هذا بمخالف لجواز المزراعة؛ فإنَّ الإجارة شيءٌ والمزارعة شيء.\nالسابع: أنَّ ما في المزارعة من الحاجة إليها والمصلحة، وقيام أمر الناس عليها يمنع من تحريمها والنهي عنها؛ لأنَّ ما كان كذلك؛ فإنَّ الشارع لا يحرمه، ولا ينهى عنه؛ لعموم مصلحته، وشدة الحاجة إليه، كما في المضاربة، والمساقاة، بل الحاجة في المزارعة آكد منها في المضاربة؛ لشدة الحاجة إلى الزرع، والأرض لا ينتفع بها إلا بالعمل بها بخلاف المال.\nقال: وكذلك الجواب عن حديث جابر سواء، وقد تقدم في بعض طرقه أنهم","vol":"7","page":23},{"text":"كانوا يختصون بأشياء من الزرع من القِصْرِّي (^١)، ومن كذا ومن كذا. قال النبي - ﷺ -: «من كان له أرض؛ فليزرعها، أو ليحرثها أخاه» (^٢)، فهذا مفسر مبين ذكر فيه سبب النهي، وأطلق في غيره من الألفاظ، فينصرف مطلقها إلى هذا المقيد المبين، ويدل على أنَّ هذا هو المراد بالنهي. انتهى كلامه -﵀- باختصار.\nقلتُ: وحديث ثابت بن الضحاك يُحمل على ما حمل عليه حديث رافع، وجابر من المزارعة المحرمة، أو يُحمل على أنَّ النهي عن ذلك على سبيل الكراهة لا التحريم كما بينه ابن عباس، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3479>مسألة [٣]: الجمع بين المزارعة والمساقاة</span>.\n• الذين تقدم ذكرهم أنهم يجيزون المزارعة يجيزون الجمع بينها وبين المساقاة، سواء كان الزرع أقل من الثمرة، أو أكثر؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عامل أهل خيبر على الأمرين.\n• وذهب الشافعي، ومالك إلى جواز ذلك بشرط أن يكون الزرع تبعًا، فحدده مالك بالثلث فما دون، وحدده الشافعي بدون الأغلب وحملهم على ذلك الجمع بين أحاديث النهي، وبين حديث ابن عمر في معاملة أهل خيبر، وهذا الجمع ليس بصحيح ولا دليل عليه، وقد تقدم الجواب عن أحاديث النهي، والله أعلم.\n_________\n(^١) هو ما يبقى من الحب في السنبل. كما في «النهاية».\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٩٥) من [كتاب البيوع].\n(^٣) وانظر: «الإنصاف» (٥/ ٤٣٤)، «المغني» (٧/ ٥٥٥)، «تهذيب السنن» (٥/ ٥٦ - ٦٢)، «الفتح» «شرح مسلم».","vol":"7","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3480>مسألة [٤]: هل يشترط في المزارعة أن يكون البذر من رب الأرض</span>؟\n• اشترط ذلك جماعةٌ من أهل العلم، وهو المشهور في مذهب أحمد، وقال به إسحاق، والشافعي، وابن سيرين، وقاسوا ذلك على المضاربة، وعلل بعضهم المنع بأنَّ البذر إذا كان من العامل؛ أصبح كأنه باع البذر من صاحب الأرض بمجهول من الطعام نسيئة، وهو لا يجوز.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم اشتراط ذلك، وأجازوا أن يكون البذر من كل واحد منهما على ما تراضيا، وهذا قول أحمد في رواية، وأبي يوسف، وبعض أهل الحديث ورجَّح ذلك ابن قدامة، وشيخ الإسلام، وابن القيم، والمرداوي واختاره ابن حزم.\nواستدلوا على ذلك بمعاملة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأهل خيبر، فلم ينقل أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يدفع إليهم البذر، وهو ظاهر قول عمر الذي تقدم نقله في ترجمة البخاري في أول المزارعة، وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3481>مسألة [٥]: هل يجوز أن يدفع الأرض إلى رجل يغرسها أشجارًا، والغرس بينهما</span>؟\nقال ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (٤/ ١٩): تَجُوزُ الْمُغَارَسَةُ عِنْدَنَا عَلَى شَجَرِ الْجَوْزِ وَغَيْرِهِ، بِأَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أَرْضَهُ، وَيَقُولَ: اغْرِسْهَا مِنْ الْأَشْجَارِ كَذَا\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٧/ ٥٦٢ -) «الإنصاف» (٥/ ٤٣٦) «المحلى» (١٣٣٢) «الشرح الممتع» (٤/ ٢٩٧) ط/الآثار، «الاختيارات الفقهية» (ص ١٥٠).","vol":"7","page":25},{"text":"وَكَذَا، وَالْغَرْسُ بَيْنَنَا نِصْفَانِ، وَهَذَا كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالَهُ يَتَّجِرُ فِيهِ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَكَمَا يَدْفَعُ إلَيْهِ أَرْضَهُ يَزْرَعُهَا، وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا، وَكَمَا يَدْفَعُ إلَيْهِ شَجَرَةً يَقُومُ عَلَيْها، وَالثَّمَرُ بَيْنَهُمَا.\nقال: فَكُلُّ ذَلِكَ شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ، قَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِهَا النَّصُّ، وَالْقِيَاسُ، وَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ، وَمَصَالِحُ النَّاسِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا مِنْ كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا مَصْلَحَةٍ، وَلَا مَعْنًى صَحِيحٍ يُوجِبُ فَسَادَهَا. اهـ بتصرف، وانظر بقية كلامه؛ فإنه مفيد.\nوقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ١٤٨): ولو دفع أرضه إلى رجل يغرسها بجزء من الغراس؛ صح كالمزارعة، واختاره أبو حفص العكبري، والقاضي في تعليقه، وهو ظاهر مذهب أحمد. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ويحتاج في هذه المسألة إلى تحديد المدة التي ينتفع بها من الشجر؛ حتى لا يبقى ماله في أرض غيره بدون تحديد أجل؛ فذلك غرر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3482>مسألة [٦]: إذا دفع الأرض إلى من يزرعها، أو يغرسها، والأرض، والشجر بينهما</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٥٥٣): وَإِنْ دَفَعَهَا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ بَيْنَهُمَا؛ فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ وَجْهًا وَاحِدًا. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ اشْتِرَاكَهُمَا فِي","vol":"7","page":26},{"text":"الْأَصْلِ؛ فَفَسَدَ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الشَّجَرَ وَالنَّخِيلَ؛ لِيَكُونَ الْأَصْلُ وَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا، أَوْ شَرَطَ فِي الْمُزَارَعَةِ كَوْنَ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ بَيْنَهُمَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3483>مسألة [٧]: إذا دفع رجل لآخر أرضًا وقال: ساقيتك على النصف، فهل له أن يزرعها أيضًا</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٥٦١): فَأَمَّا إنْ قَالَ: سَاقَيْتُك عَلَى الشَّجَرِ بِالنِّصْفِ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَرْضَ؛ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ، وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَزْرَعَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ: لِلدَّاخِلِ زَرْعُ الْبَيَاضِ؛ فَإِنْ تَشَارَطَا أَنَّ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا؛ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنَّهُ يَزْرَعُ الْبَيَاضَ؛ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ يَسْقِي لِرَبِّ الْأَرْضِ، فَتِلْكَ زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا عَلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ هَذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَقْدُ؛ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ أَرْضًا مُنْفَرِدَةً. اهـ\nقلتُ: والصواب قول أحمد، والشافعي رحمهما الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3484>مسألة [٨]: المزارعة على أنَّ لفلان القطعة المعينة من الأرض</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٥٦٦): وَإِنْ زَارَعَهُ عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ زَرْعًا بِعَيْنِهِ، وَلِلْعَامِلِ زَرْعًا بِعَيْنِهِ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ لِأَحَدِهِمَا زَرْعَ نَاحِيَةٍ، وَلِلْآخَرِ زَرْعَ أُخْرَى، أَوْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا مَا عَلَى السَّوَاقِي وَالْجَدَاوِلِ، إمَّا مُنْفَرِدًا، أَوْ مَعَ نَصِيبِهِ؛ فَهُوَ فَاسِدٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ صَحِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنْهُ غَيْرُ مُعَارَضٍ وَلَا مَنْسُوخٍ، وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَلَفِ مَا عُيِّنَ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَيَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْغَلَّةِ دُونَ صَاحِبِهِ. اهـ","vol":"7","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3485>مسألة [٩]: إجارة الأرض</span>.\n• أما إجارتها بالذهب والورق؛ فجائز عند عامة أهل العلم؛ لحديث رافع بن خديج الذي في الباب، وكذلك حديث ثابت بن الضحاك.\n• وكره ذلك الحسن، وطاوس.\n• ومنع من ذلك ابن حزم؛ لما جاء في بعض الأحاديث في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر من لم يزرع أرضه أن يمنحها أخاه، قال: فإن أبى؛ فليمسك أرضه. (^١)\nوأجاب الجمهور: أنَّ هذا على سبيل الاستحباب والأفضلية كما بين ذلك ابن عباس -﵄-، والصحيح قول الجمهور.\n• وأما إجارتها بطعام مسمَّى حاضرًا من غير جنس المزروع فأجازه الجمهور.\n• ومنعه مالك.\n• وأما إن كان من جنسه؛ فمنعه مالك، وأحمد في رواية.\n• وأجازه الجمهور، وهو الصحيح؛ لأنَّ هذه إجارة، وليست من باب بيع الطعام بالطعام. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٣٤٠) (٢٣٤١)، ومسلم برقم (٨٩) (١٠٢) من [كتاب البيوع] من حديث جابر بن عبدالله، وأبي هريرة -﵃-.\n(^٢) انظر: «المغني» (٧/ ٥٦٩ - ٥٧٠) «المحلى» (١٣٣٠).","vol":"7","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3486>مسألة [١٠]: تأجير الأرض بجزء مشاع مما يخرج منها</span>.\n• أكثر أهل العلم على المنع من ذلك؛ لأنها إجارة بشيء مجهول، ومن شرط عوض الإجارة أن يكون معلومًا.\n• وجاء عن أحمد رواية بالجواز، وحملها ابن قدامة على ما إذا قصد المزارعة، وهذا هو الصواب، أنهما إن قصدا بذلك المزارعة؛ صحَّت، وإن أطلقا عليه لفظ الإجارة، وقصدا أنها إجارة؛ فلا تصح؛ لأنَّ الإجارة لازمة، والعوض مجهول؛ فلا يصح، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٧/ ٥٧٢).","vol":"7","page":29},{"text":"٨٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ أَجْرَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n٩٠٠ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\n٩٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَالَ اللهُ ﷿: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا، فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\n٩٠٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^٤)\n\n٩٠٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (^٥)\n\n٩٠٤ - [وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَالبَيْهَقِيِّ. (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢١٠٣). وهو عند مسلم عقب حديث (١٥٧٧) بنحوه.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٥٦٨) (٤١).\n(^٣) كذا قال الحافظ، وهو وهم، والصواب أنه من أفراد البخاري (٢٢٢٧).\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (٥٧٣٧).\n(^٥) ضعيف. أخرجه ابن ماجه (٢٤٤٣)، وفي إسناده عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، وهو شديد الضعف.\n(^٦) ضعيف. أخرجه أبو يعلى (٦٦٨٢)، والبيهقي (٦/ ١٢١)، من طريق عبدالله بن جعفر السعدي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة. وإسناده ضعيف لضعف عبدالله بن جعفر، وتابعه الثوري عند أبي نعيم في «الحلية» (٧/ ١٤٢) ولا تنفع متابعته؛ لأن في الإسناد إليه عبدالعزيز بن أبان وهو متروك. وله طريق أخرى: أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (٤/ ١٤٢)، وابن عدي (٦/ ٢٢٣٥)، والبيهقي (٦/ ١٢١)، كلهم من طريق محمد بن عمار المؤذن عن المقبري عن أبي هريرة. وابن عمار هذا حسن الحديث، ولكن قال ابن طاهر كما في «نصب الراية» (٤/ ١٣٠): الحديث يعرف بابن عمار هذا وليس بالمحفوظ. وأورده ابن عدي في «الكامل»، وقال: هذه الأحاديث تعرف بمحمد بن عمار.","vol":"7","page":30},{"text":"٩٠٥ - وَجَابِرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ، وَكُلُّهَا ضِعَافٌ. (^١)] (^٢)\n\n٩٠٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُسَمِّ لَهُ أُجْرَتَهُ». رَوَاهُ عَبْدُالرَّزَّاقِ. وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، وَوَصَلَهُ البَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ. (^٣)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الطبراني في «الصغير» (٣٤) ومن طريقه الخطيب (٥/ ٣٣) وفي إسناده شرقي بن قطامي ومحمد بن زياد بن زبَّار الكلبي، كلاهما ضعيف، وشيخ الطبراني أحمد بن محمد بن الصلت: مجهول.\nوللحديث شاهد مرسل: أخرجه ابن زنجويه في «الأموال» (٣/ ١١٢٦)، وابن عدي في «الكامل» (٥/ ١٨٢٠) من طريق عثمان بن عثمان الغطفاني عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلًا به. وعثمان الغطفاني مختلف فيه، وقال الحافظ: صدوق ربما وهم. وقد صحح الحديث الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (١٤٩٨).\n(^٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).\n(^٣) ضعيف. أخرجه عبدالرزاق (٨/ ٢٣٥) من طريق معمر والثوري عن حماد بن أبي سليمان عن النخعي عن أبي سعيد وأبي هريرة أو أحدهما ... فذكره مرفوعًا. وهو منقطع؛ لأن النخعي لم يسمع من أحد من الصحابة. ووصله البيهقي (٦/ ١٢٠) من طريق أبي حنيفة عن حماد عن النخعي عن الأسود عن أبي هريرة به. وخالفه حماد بن سلمة فرواه عن حماد عن النخعي عن أبي سعيد.\nقلت: فرواية الوصل منكرة؛ لأن أبا حنيفة ضعيف، وقد خالفه الثقات فجعلوه منقطعًا. وقد رواه شعبة عن حماد عن النخعي عن أبي سعيد موقوفًا، أخرجه كذلك النسائي (٧/ ٣١ - ٣٢). ورجح أبوزرعة كما في «العلل» لابن أبي حاتم (١١١٨) الوقف، فقال: الصحيح موقوف عن أبي سعيد.","vol":"7","page":31},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3487>مسألة [١]: تعريف الإجارة</span>.\nالإجارة في اللغة: مشتقة من الأجر، وهو العوض، ومنه سُمِّي الثواب أجرًا؛ لأنه إكرامٌ من الله ﷿ للعبد على طاعته، أو صبره على المصائب والمعاصي.\nوفي الشرع: هي عقدٌ على منفعة معلومة، أو عمل معلوم بعوض معلوم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3488>مسألة [٢]: مشروعية الإجارة</span>.\nدلَّ على مشروعيتها الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص:٢٧]، وقوله: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف:٧٧].\nومن السنة: أحاديث الباب، ومعها حديث عائشة -﵂- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استأجر رجلًا مِن بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا (^٢) -حِينَ هَاجر إلى المدينة-. رواه البخاري (٢٢٦٤)، وكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة. أخرجه البخاري\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٦) «الشرح الكبير» (٧/ ٢٨٣ - ٢٨٤).\n(^٢) الْخِرِّيتُ: المَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ.","vol":"7","page":32},{"text":"أيضًا (٢٢٦٢)، عن أبي هريرة -﵁-.\nوأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على مشروعية الإجارة في الجملة؛ إلا ما حُكي عن الأصم من المنع، وهو عن الحق أصم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3489>مسألة [٣]: هل الإجارة تعتبر بيعًا</span>؟\n• أطلق كثير من الفقهاء أنها تعتبر بيعًا، وأنكر ذلك ابن حزم -﵀-؛ لأنها لو كانت بيعًا؛ لكان بيعًا لما لا يوجد وللمعدوم، وهذا لا يجوز، وحجة الجمهور في كونها بيعًا أنها عبارة عن معاوضة، فأحدهم يبذل مالًا، والآخر يبذل المنافع.\nقال ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (٢/ ٤ - ٦): إنْ أَرَدْتُمْ بِهِ الْبَيْعَ الْخَاصَّ الَّذِي يَكُونُ الْعَقْدُ فِيهِ عَلَى الْأَعْيَانِ لَا عَلَى الْمَنَافِعِ؛ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِهِ الْبَيْعَ الْعَامَّ الَّذِي هُوَ مُعَاوَضَةٌ إمَّا عَلَى عَيْنٍ، وَإِمَّا عَلَى مَنْفَعَةٍ؛ فَصَحِيْحٌ؛ فَإِنَّ الشَّارِعَ جَوَّزَ الْمُعَاوَضَةَ عَلَى المَعْدُومِ؛ فَإِنْ قِسْتُمْ بَيْعَ الْمَنَافِعِ عَلَى بَيْعِ الْأَعْيَانِ؛ فَهَذَا قِيَاسٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ فَإِنَّ الْمَنَافِعَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْقَدَ عَلَيْهَا فِي حَالِ وُجُودِهَا أَلْبَتَّةَ، بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ، وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهَا الْحِسُّ وَالشَّرْعُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ أَنْ يُؤَخَّرَ الْعَقْدُ عَلَى الْأَعْيَانِ الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ إلَى أَنْ تُخْلَقَ، كَمَا نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ، وَحَبَلَ الْحَبَلَةِ، وَالثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَالْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَنَهَى عَنْ الْمَلَاقِيحِ، وَالْمَضَامِينِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا يَمْتَنِعُ مِثْلُهُ فِي الْمَنَافِعِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُبَاعَ إلَّا فِي حَالِ عَدَمِهَا. انتهى المراد بتصرف. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥) «الشرح الكبير» (٧/ ٢٨٢).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٨/ ٧) «المحلى» (١٢٨٦) «تكملة المجموع» (١٥/ ٩).","vol":"7","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3490>مسألة [٤]: الإجارة تنعقد من جائز التصرف</span>.\nلأنه تصرفٌ مالي؛ فلم ينعقد إلا من جائز التصرف، كسائر التصرفات. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3491>مسألة [٥]: الألفاظ التي تنعقد بها الإجارة</span>.\nتنعقد بلفظ الإجارة، والكراء، وما في معناهما، كأن يقول ملكتك نفع هذه العين لمدة كذا بقدر كذا. وهل تنعقد بلفظ البيع، كأن يقول: بعتك منافعها لمدة كذا؟\n• فيه وجهان للحنابلة، والشافعية، والصحيح انعقادها؛ لأنَّ العبرة بالمعنى.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الإنصاف»: وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إنْ عَرَفَا الْمَقْصُودَ؛ انْعَقَدَتْ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي عَرَفَ بِهِ الْمُتَعَاقِدَانِ مَقْصُودَهُمَا، وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ؛ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَحُدَّ حَدًّا لِأَلْفَاظِ الْعُقُودِ، بَلْ ذَكَرَهَا مُطْلَقَةً. اهـ\nوذكر ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (٢/ ٤) نفس كلام شيخ الإسلام بنصه، ثم قال: فَكَمَا تَنْعَقِدُ الْعُقُودُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْفَارِسِيَّةِ، وَالرُّومِيَّةِ، وَالتُّرْكِيَّةِ؛ فَانْعِقَادُهَا بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ. قَالَ شَيْخُنَا: بَلْ نُصُوصُ أَحْمَدَ لَا تَدُلُّ إلَّا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. انتهى المراد. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الكبير» (٧/ ٢٨٥) «الروضة» (٥/ ١٧٣).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٨/ ٧) «الإنصاف» (٦/ ٤) «الروضة» (٥/ ١٧٣) «أعلام الموقعين» (٢/ ٤ - ٦).","vol":"7","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3492>مسألة [٦]: هل المعقود عليه بالإجارة العين، أم المنافع</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٧): المَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنَافِعُ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ الْعَيْنُ؛ لِأَنَّهَا المَوْجُودَةُ، وَالْعَقْدُ يُضَافُ إلَيْهَا، فَيَقُولُ: أَجَّرْتُك دَارِي. كَمَا يَقُولُ: بِعْتُكَهَا.\nوَلَنَا أَنَّ المَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ المُسْتَوْفَى بِالْعَقْدِ، وَذَلِكَ هُوَ المَنَافِعُ دُونَ الْأَعْيَانِ، وَلِأَنَّ الْأَجْرَ فِي مُقَابَلَةِ المَنْفَعَةِ، وَلِهَذَا تُضْمَنُ دُونَ الْعَيْنِ، وَمَا كَانَ الْعِوَضُ فِي مُقَابَلَتِهِ، فَهُوَ المَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ الْعَقْدُ إلَى الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ المَنْفَعَةِ وَمَنْشَؤُهَا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3493>مسألة [٧]: إذا وقعت الإجارة على مدة؛ عُيِّنَت المدة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٨): إذَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى مُدَّةٍ؛ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً، كَشَهْرٍ وَسَنَةٍ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ المُدَّةَ هِيَ الضَّابِطَةُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، المُعَرِّفَةُ لَهُ؛ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3494>مسألة [٨]: بم تحسب المدة</span>؟\nالأصل في حساب المدة في الإجارة وغيرها هي الأشهر الهلالية، قال الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، وعلى هذا: فإذا أطلقت المدة فَتُحمل على سنة الأهلة.\n_________\n(^١) وانظر: «الروضة» (٥/ ٢٠٧ - ٢٠٨).","vol":"7","page":35},{"text":"وإن قيدها بسنة عددية، أو سنة بالأيام؛ كان له ثلاثمائة وستون يومًا، وإذا جعلا المدة سنة رومية، أو شمسية، أو فارسية، أو قبطية، وكانا يعلمان ذلك؛ جاز، وإن كان أحدهما يجهل ذلك؛ لم يصح؛ لأنَّ المدة مجهولة في حقِّه. انتهى المراد بتصرف من «المغني» (٨/ ٨ - ٩). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3495>مسألة [٩]: إذا استأجر سنة هلالية من أثناء الشهر</span>؟\nأما إن استأجر سنة هلالية أول الهلال؛ فيعد اثني عشر شهرًا بالأهلة، سواء كان الشهر ناقصًا، أم تامًّا، ولا إشكال في ذلك.\n• وأما إن استأجر سنة هلالية من أثناء الشهر ففيه قولان:\nالأول: يعدُّ ما بقي من الشهر، ثم يعدُّ بعده إحدى عشر شهرًا بالأهلة، ثم يكمل الشهر الأول بالعدد ثلاثين يومًا، وهذا قول أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي في رواية عنهم، واختاره شيخ الإسلام؛ إلا أنه قال: يكمل الشهر الأول بعدده الذي استقر عليه.\nالثاني: أنه يَستوفي الجميع بالعدد؛ لأنهما مدة يُسْتَوفى بعضها بالعدد؛ فوجب استيفاء جميعها به، كما لو كانت المدة شهرً واحدًا، ولأنَّ الشهر الأول ينبغي أن يكمل من الشهر الذي يليه فيحصل ابتداء الشهر الثاني في أثنائه، فكذلك كل شهر يأتي بعده، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي في رواية عنهم.\nقلتُ: والقول الأول أقرب، والله أعلم؛ لأنَّ الشهر الأول تعذر إتمامه بالهلال،\n_________\n(^١) وانظر نحوه في «الروضة» (٥/ ١٩٧).","vol":"7","page":36},{"text":"فأتممناه بالعدد، وأمكن استيفاء ما عداه بالهلال؛ فوجب ذلك؛ لأنه الأصل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3496>مسألة [١٠]: هل مدة الإجارة يشترط أن تلي العقد</span>؟\n• مذهب أحمد، وأبي حنيفة أنه لا يشترط ذلك، بل لهم أن يعقدا إجارة السنة القادمة؛ لأنها مدة يجوز العقد عليها مع غيرها؛ فجاز العقد عليها مفردة مع عموم الناس كالتي تلي العقد.\n• ومذهب الشافعي أنه يشترط ذلك؛ لأنه عقد على ما لا يمكن تسليمه في الحال؛ فأشبه إجارة العين المغصوبة، وأجاز الشافعي ذلك إذا أجَّرها لمن هو مستأجرٌ لها.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، ولا دليل على اشتراط ذلك. (^٢)\nتنبيه: إذا كانت الإجارة لا تلي العقد؛ فلا بد من ذكر ابتدائها؛ لأنه أحد طرفي العقد؛ فاحتيج إلى معرفته كالانتهاء. «المغني» (٨/ ١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3497>مسألة [١١]: إذا أطلق الإجارة، فقال: أجرتك سنة، أو ستة أشهر</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٠): وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَالَ: أَجَرْتُك سَنَةً، أَوْ شَهْرًا؛ صَحَّ، وَكَانَ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٨) «الروضة» (٥/ ١٩٧) «الإنصاف» (٦/ ٤١ - ٤٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٩).","vol":"7","page":37},{"text":"وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَصِحُّ حَتَّى يُسَمِّيَ الشَّهْرَ، وَيَذْكُرَ أَيَّ سَنَةٍ هِيَ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ: إذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا شَهْرًا؛ فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يُسَمِّيَ الشَّهْرَ. وَلَنَا قَوْلُ الله تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ -﵇-: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧]، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْتِدَاءَهَا، وَلِأَنَّهُ تَقْدِيرٌ بِمُدَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قُرْبَةٌ، فَإِذَا أَطْلَقَهَا؛ وَجَبَ أَنْ تَلِيَ السَّبَبَ الْمُوجِبَ، كَمُدَّةِ السَّلَمِ وَالْإِيلَاءِ، وَتُفَارِقُ النَّذْرَ؛ فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3498>مسألة [١٢]: هل هناك حدٌّ أعلى لمدة الإجارة</span>؟\n• قال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٠): وَلَا تَتَقَدَّرُ أَكْثَرُ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ بَلْ تَجُوزُ إجَارَةُ الْعَيْنِ الْمُدَّةَ الَّتِي تَبْقَى فِيهَا وَإِنْ كَثُرَتْ. وَهَذَا قَوْلُ كَافَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ اخْتَلَفُوا فِي مَذْهَبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهُ قَوْلَانِ:\nأَحَدُهُمَا: كَقَوْلِ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ.\nالثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى أَكْثَرَ مِنْهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ، أَنَّهَا لَا تَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَبْقَى أَكْثَرَ مِنْهَا، وَتَتَغَيَّرُ الْأَسْعَارُ وَالْأَجْرُ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الجمهور، ولا دليل على التقييد، ولكن يقيد قول الجمهور بما قاله ابن حزم -﵀-: (إذا كانت المدة مما يمكن بقاء المؤاجرة والمستأجر والشيء المستأجر إليها) وقد أشار إليه ابن قدامة في كلامه المتقدم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٢٩٤) «الإنصاف» (٦/ ٣٨).","vol":"7","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3499>مسألة [١٣]: من اكترى دابة إلى العشاء، فما هي آخر المدة</span>؟\n• من أهل العلم من قال: آخر المدة إلى غروب الشمس. وهو قول أحمد، والشافعي؛ لأنَّ صلاة العشاء تعرف في الشرع بالعشاء الآخرة؛ فدلَّ على أنَّ المغرب العشاء الأولى.\n• وقال أبو حنيفة، وأبو ثور: آخرها زوال الشمس؛ لأن العشاء آخر النهار، وآخر النهار النصف الآخر من الزوال، وفي حديث ذي اليدين: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إحدى صلاتي العشي. يعني الظهر، والعصر.\nوأُجيب: بأنَّ لفظ (العشي) غير لفظة (العشاء)؛ فلا يجوز الاحتجاج بأحدهما على الآخر، حتى يقوم دليل على أنَّ معنى اللفظين واحد، ثم لو ثبت أنَّ معناهما واحد فإنَّ أهل العرف لا يعرفونه؛ فلا يتعلق به حكم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقوى من القول الثاني؛ إلا أنَّ عرف الناس في هذه الأيام بلفظ (العشاء) هو (العشاء الآخرة)، ولا يطلقونها على المغرب؛ فالعمل على عرفهم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3500>مسألة [١٤]: إذا اكتراها إلى الليل، أو إلى النهار</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٣): وَإِنْ اكْتَرَاهَا إلَى اللَّيْلِ؛ فَهُوَ إلَى أَوَّلِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ اكْتَرَاهَا إلَى النَّهَارِ؛ فَهُوَ إلَى أَوَّلِهِ، وإن اكتراها نهارًا؛ فَهُوَ إِلَى\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١٢ - ١٣).","vol":"7","page":39},{"text":"غُرُوبِ الشَّمْسِ وَإِنِ اكْتَرَاهَا لَيْلًا فَهُوَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ. اهـ المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3501>مسألة [١٥]: عوض الإجارة يشترط أن يكون معلومًا</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- (٨/ ١٤): يُشْتَرَطُ فِي عِوَضِ الْإِجَارَةِ كَوْنُهُ مَعْلُومًا، لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ.\nقال: وَيُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِالرُّؤْيَةِ، أَوْ بِالصِّفَةِ، كَالْبَيْعِ سَوَاءً؛ فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا بِالْمُشَاهَدَةِ دُونَ الْقَدْرِ، كَالصُّبْرَةِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ، أَشْبَهَهُمَا الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَعْلُومٌ يَجُوزُ بِهِ الْبَيْعُ، فَجَازَتْ بِهِ الْإِجَارَةُ، كَمَا لَوْ عَلِمَ قَدْرَهُ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بَعْدَ تَلَفِ الصُّبْرَةِ، فَلَا يَدْرِي بِكَمْ يَرْجِعُ، فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ كَعِوَضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ...، والْفَرْقُ بَيْنَ الْإِجَارَةِ وَالسَّلَمِ: أَنَّ الْمَنْفَعَةَ هَا هُنَا أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ، وَالسَّلَمُ يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُومٍ فَافْتَرَقَا، وَلِلشَّافِعِيِّ نَحْوٌ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ. انتهى بتصرف يسير. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3502>مسألة [١٦]: ضابط ما يجوز أن يكون عوضًا في الإجارة</span>.\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٤): وَكُلُّ مَا جَازَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ، جَازَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ الْبَيْعَ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ عَيْنًا وَمَنْفَعَةً أُخْرَى، سَوَاءٌ كَانَ الْجِنْسُ وَاحِدًا، كَمَنْفَعَةِ دَارٍ بِمَنْفَعَةِ أُخْرَى، أَوْ مُخْتَلِفًا، كَمَنْفَعَةِ دَارٍ بِمَنْفَعَةِ عَبْدٍ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتَرِيَ بِطَعَامٍ\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٦/ ١٠ - ١١).","vol":"7","page":40},{"text":"مَوْصُوفٍ مَعْلُومٍ. وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧]، فَجَعَلَ النِّكَاحَ عِوَضَ الْإِجَارَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ -فِيمَا حُكِيَ عَنْهُ-: لَا تَجُوزُ إجَارَةُ دَارٍ بِسُكْنَى أُخْرَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ، كَسُكْنَى دَارٍ بِمَنْفَعَةِ بَهِيمَةٍ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ عِنْدِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ. وَكَرِهَ الثَّوْرِيُّ الْإِجَارَةَ بِطَعَامٍ مَوْصُوفٍ. وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ، فَجَازَ فِي الْإِجَارَةِ، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْإِجَارَةِ لَيْسَتْ فِي تَقْدِيرِ النَّسِيئَةِ، وَلَوْ كَانَتْ نَسِيئَةً؛ مَا جَازَ فِي جِنْسَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدِينٍ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3503>مسألة [١٧]: لو استأجر راعيًا لغنمٍ بثلث درها، ونسلها، وصوفها، وشعرها</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٥ - ١٦): وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَاعِيًا لِغَنَمٍ بِثُلُثِ دَرِّهَا، وَنَسْلِهَا، وَصُوفِهَا، وَشَعْرِهَا، أَوْ نِصْفِهِ، أَوْ جَمِيعِهِ؛ لَمْ يَجُزْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ ابْنِ مُحَمَّدٍ النَّسَائِيّ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلَا يَصْلُحُ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ. وَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنِ سَعِيدٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ الْبَقَرَةَ إلَى الرَّجُلِ، عَلَى أَنْ يَعْلِفَهَا وَيَتَحَفَّظَهَا، وَمَا وَلَدَتْ مِنْ وَلَدٍ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ: أَكْرَهُ ذَلِكَ. وَبِهِ قَالَ أَبُو أَيُّوبَ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِوَضَ مَجْهُولٌ مَعْدُومٌ، وَلَا يُدْرَى أَيُوجَدُ أَمْ لَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٣١٥).","vol":"7","page":41},{"text":"يَكُونَ ثَمَنًا. اهـ\nقلتُ: ولكن إن جعلا ذلك كالمساقاة، والمضاربة بأن يكون النماء إذا حصل بينهما، وإن لم يحصل فالوضيعة على رب المال؛ فقد جوز ذلك ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (٤/ ١٩) بعد أن ذكر الصورة المتقدمة، وصورًا أخرى تشبهها.\nقال -﵀-: وَالصَّوَابُ جَوَازُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا؛ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُشَارَكَةِ الَّتِي يَكُونُ الْعَامِلُ فِيهَا شَرِيكَ الْمَالِكِ، هَذَا بِمَالِهِ، وَهَذَا بِعَمَلِهِ، وَمَا رَزَقَ اللهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ الْإِجَارَةِ، حَتَّى قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هَذِهِ الْمُشَارَكَاتُ أَحَلُّ مِنْ الْإِجَارَةِ، قَالَ: لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَدْفَعُ مَالَهُ، وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُهُ، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ، فَيَفُوزُ الْمُؤَجِّرُ بِالْمَالِ، وَالْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْخَطَرِ؛ إذْ قَدْ يَكْمُلُ الزَّرْعُ، وَقَدْ لَا يَكْمُلُ، بِخِلَافِ الْمُشَارَكَةِ؛ فَإِنَّ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْفَوْزِ وَعَدَمِهِ عَلَى السَّوَاءِ، إنْ رَزَقَ اللهُ الْفَائِدَةَ؛ كَانَتْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ مَنَعَهَا؛ اسْتَوَيَا فِي الْحِرْمَانِ، وَهَذَا غَايَةُ الْعَدْلِ، فَلَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِحِلِّ الْإِجَارَةِ وَتَحْرِيمِ هَذِهِ الْمُشَارَكَاتِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3504>مسألة [١٨]: متى يملك المؤجر الأجرة إذا أطلقا العقد</span>؟\n• مذهب أحمد، الشافعي أنَّ الْمُؤجر يملك الأجرة بمجرد العقد، كما يملك البائع الثمن بالبيع، ولأنه عقد معاوضة أطلق ذكره؛ فَيُستَحق بمطلق العقد كالثمن والصداق.","vol":"7","page":42},{"text":"• ومذهب مالك، وأبي حنيفة أنه يملكها بالاستيفاء، فكلما استوفى منفعةَ يومٍ؛ ملك أجرتَه، ولأنه عوض لم يملك معوضه؛ فلم يجب تسليمه، وعلى هذا فلا يملك المؤجر المطالبة بالأجرة حتى يستوفي المستأجر المنافع؛ إلا أن يطالب ببعض ما استوفاه.\nوعلى القول الأول يملك المطالبة بمجرد العقد؛ إلا أن يشترطا التأجيل، وقد استدل لأهل القول الثاني بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث الباب: «وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أَجْرَهُ»، فأمر بالآية الأولى بإيتائهن بعد الإرضاع، وتوعَّد في الحديث على الامتناع من دفع الأجر بعد العمل؛ فدلَّ على أنها حالة الوجوب.\nوأجاب أصحاب القول الأول: أنَّ الآية ليست صريحة في ذلك، بل يحتمل أنها مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، وكذلك الحديث يحقق أنَّ الأمر بالإيتاء في وقتٍ لا يمنع وجوبه قبله، كقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:٢٤]، والصداق يجب قبل الاستمتاع، وهذا هو الجواب عن الحديث، ويدل عليه أنه إنما توعد على ترك الإيفاء بعد الفراغ من العمل، وقد قالوا: يجب الأجر شيئًا فشيئًا.\nوجواب آخر: أنَّ الآية والخبر إنما وردا فيمن استؤجر على عمل، فأما ما وقعت الإجارة فيه على مدة؛ فلا تعرض لها به.","vol":"7","page":43},{"text":"قلتُ: قول أحمد، والشافعي أصح، وأقرب، والله أعلم، ولكن لا خلاف عندهم أنَّ الملك لا يستقر إلا بإستيفاء المنافع.\nقال شيخ الإسلام -﵀- -بعد أن ذكر القولين-: ولا نزاع أنها لا تجب إلا باستيفاء المنفعة، ولا نزاع في سقوطها بتلف المنافع قبل الاستيفاء. اهـ\nوكأنه يريد: لا نزاع بين المذكورين في المسألة، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: إذا شرط التأجيل؛ فليس له المطالبة حتى يأتي الأجل بلا نزاع بين من تقدم ذكرهم. قاله شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٥٥). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3505>مسألة [١٩]: إذا مضت المدة، ولم ينتفع المستأجر من العين التي أخذها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٩): وَإِنْ سُلِّمَتْ إلَيْهِ الْعَيْنُ الَّتِي وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا، وَمَضَتْ الْمُدَّةُ، وَلَا حَاجِزَ لَهُ عَنْ الِانْتِفَاعِ؛ اسْتَقَرَّ الْأَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ، وَهِيَ حَقُّهُ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بَدَلُهَا، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ إذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي. وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ، فَتَسَلَّمَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ، وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا، مِثْلُ أَنْ يَكْتَرِيَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إلَى حِمْصَ، فَقَبَضَهَا، وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ رُكُوبُهَا فِيهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْأَجْرُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ بِاخْتِيَارِهِ؛ فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَكَمَا لَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١٧ - ١٨) «البداية» (٤/ ١٥) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٥٥).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٨/ ١٩).","vol":"7","page":44},{"text":"مُدَّةٍ فَمَضَتْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَسْتَقِرُّ الْأَجْرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مُؤَقَّتَةٍ بِزَمَنٍ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ بَدَلُهَا قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا، كَالْأَجْرِ لِلْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ. اهـ\nقلتُ: والقول الأول أقرب، والله أعلم؛ إلا أن يكون تأخره حصل برضى المؤجر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3506>مسألة [٢٠]: إذا بذلت له العين المؤجرة، فلم يأخذها، فهل يضمن وعليه الأجرة</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٩): فَإِنْ بَذَلَ تَسْلِيمَ الْعَيْنِ، فَلَمْ يَأْخُذْهَا المُسْتَأْجِرُ حَتَّى انْقَضَتْ المُدَّةُ؛ اسْتَقَرَّ الْأَجْرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ المَنَافِعَ تَلِفَتْ بِاخْتِيَارِهِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَجْرُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَإِنْ بَذَلَ تَسْلِيمَ الْعَيْنِ، وَكَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ فِيهَا؛ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَجْرُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ المَنَافِعَ تَلِفَتْ بِاخْتِيَارِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَجْرَ عَلَيْهِ. وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِيّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ؛ فَلَمْ يَسْتَقِرَّ عِوَضُهُ بِبَذْلِ التَّسْلِيمِ، كَالمُسْلَمِ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مُؤَقَّتَةٍ بِزَمَنٍ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ عِوَضُهَا بِالْبَذْلِ، كَالصَّدَاقِ إذَا بَذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا وَامْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ أَخْذِهَا. اهـ","vol":"7","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3507>مسألة [٢١]: إذا حصل البذل، أو التسليم بعقد فاسد، ثم تركها ولم يستوف المنافع</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٠): وَإِنْ كَانَ هَذَا فِي إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ، فَفِيمَا إذَا عَرَضَهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَلَمْ يَأْخُذْهَا؛ لَا أَجْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتْلَفْ تَحْتَ يَدِهِ، وَلَا فِي مِلْكِهِ. وَإِنْ قَبَضَهَا، وَمَضَتْ الْمُدَّةُ، أَوْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا، أَوْ لَا يُمْكِنُ، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِمُدَّةِ بَقَائِهَا فِي يَدِهِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ؛ فَرَجَعَ إلَى قِيمَتِهَا، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهَا. وَالثَّانِيَةُ: لَا شَيْءَ لَهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ عَلَى مَنَافِعَ لَمْ يَسْتَوْفِهَا؛ فَلَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا، كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَإِنْ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ؛ فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ، مِنْ الْمُسَمَّى، أَوْ أَجْرِ الْمِثْلِ؛ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تُضْمَنُ إلَّا بِالْعَقْدِ. وَلَنَا أَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ؛ وَجَبَ ضَمَانُهُ بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ فِي الْفَاسِدِ، كَالْأَعْيَانِ. وَمَا ذَكَرَهُ لَا نُسَلِّمُهُ. وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3508>مسألة [٢٢]: إذا وقعت الإجارة على كل شهر بشيء معلوم</span>؟\n• مذهب أحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي وغيرهم أنَّ الإجارة صحيحة، والشهر الأول تلزم الإجارة فيه بإطلاق العقد؛ لأنه معلوم يلي العقد، وله أجر معلوم، وما بعده من الشهور يلزم العقد فيه بالتلبس به، وهو السكنى في الدار","vol":"7","page":46},{"text":"مثلًا إن كانت الإجارة على دار؛ لأنه مجهول حال العقد، فإذا تلبس به تعين بالدخول فيه؛ فصح بالعقد الأول، وإن لم يتلبس به، أو فسخ العقد عند انقضاء الشهر الأول؛ انفسخ، وكذلك حكم كل شهر يأتي.\n• وذهب الشافعي في الأصح من قوليه، والثوري، وبعض الحنابلة إلى أنَّ العقد باطل؛ لأنَّ (كل) اسمٌ للعدد، فإذا لم يقدره؛ كان مبهمًا مجهولًا؛ فيكون فاسدًا، كما لو قال: أجرتك مدةً، أو أشهرًا.\nوأُجيب عن هذا: بأنَّ الجهالة بعدد الأشهر لا تضر؛ لأنها ليست لازمة إلا بالشهر الأول، وقياسهم غير صحيح؛ لوجود الفارق، وهو الجهالة المضرة بفترة عقد الإجارة في الصورة المقيس عليها. والقول الأول هو الصواب، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمة الله عليهما. (^١)\nتنبيه: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٢): إذَا قَالَ: أَجَّرْتُك دَارِي عِشْرِينَ شَهْرًا، كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ؛ جَازَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ، وَأَجْرَهَا مَعْلُومٌ، وَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخٌ بِحَالِ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: آجَرْتُك عِشْرِينَ شَهْرًا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3509>مسألة [٢٣]: هل الإجارة عقد لازم، أم جائز</span>؟\nالإجارة من العقود اللازمة عند أهل العلم؛ إلا أنَّ أبا حنيفة وأصحابه\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٨/ ٢٠ - ٢١) «الإنصاف» (٦/ ٢٠) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٢١٧) «أعلام الموقعين» (٣/ ٩٤، ٣٠٤، ٣٥٨).","vol":"7","page":47},{"text":"يجيزون للمستأجر الفسخ إذا حصل له عذر في نفسه، مثل أن يكتري جملًا ليحج عليه فيمرض، أو تضيع نفقته، أو يكتري دكانًا للبزِّ فيحترق متاعه؛ لأنَّ هذا العذر يتعذر معه استيفاء المنفعة، أشبه ما لو تلفت العين المستأجرة، أو منع منها، وهو ظاهر اختيار ابن حزم -﵀-، ورجَّح هذا الإمام ابن عثيمين -﵀-، وعزاه لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-.\nوعمدة الجمهور هو قول الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، وهذا عقدٌ على معاوضةٍ؛ فلم ينفسخ كالبيع. قالوا: ويمكنه أن يؤجره، أو ينتفع به في شيء آخر، والله أعلم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الجمهور، وينبغي للمؤجر أن يفسخ العقد إذا علم أنَّ المستأجر لا يستطيع الانتفاع بالعين المؤجرة، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، ولا يبعد عن الصواب إلزام المؤجر بفسخ الإجارة إذا لم يكن عليه ضرر، وعليه يحمل قول شيخ الإسلام ﵀، ومن قال بقوله، والله أعلى وأعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3510>مسألة [٢٤]: إذا ترك المستأجر العين المستأجرة قبل انقضاء المدة</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٣): الْإِجَارَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الْمُؤَجِّرِ الْأَجْرَ، وَالْمُسْتَأْجِرِ الْمُنَافِعَ، فَإِذَا فَسَخَ الْمُسْتَأْجِرُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٢ - ٢٣) «البداية» (٤/ ١٦ -) «المحلى» (١٢٩٢) «الشرح الممتع» (١٠/ ٧٢ -).","vol":"7","page":48},{"text":"الْإِجَارَةَ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا، وَتَرَكَ الِانْتِفَاعَ اخْتِيَارًا مِنْهُ؛ لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ، وَالْأَجْرُ لَازِمٌ لَهُ، وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْ الْمُنَافِعِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3511>مسألة [٢٥]: استئجار العقارات والدواب، وهل يشترط مشاهدتها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٣ - ٢٤): وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إبَاحَةِ إجَارَةِ الْعَقَارِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ اسْتِئْجَارَ الْمُنَازِلِ وَالدَّوَابِّ جَائِزٌ. وَلَا تَجُوزُ إجَارَتُهَا إلَّا فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ وَتَحْدِيدِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلَّا بِذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ، وَلَا وَصْفُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إذَا ضُبِطَ بِالصِّفَةِ؛ أَجْزَأَ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْي: لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إن استطيع ضبطه بالصفة؛ أجزأ، كما قال أبو ثور، وإلا فلا يجزئ، كقول الحنابلة، والشافعية، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3512>مسألة [٢٦]: كراء الحَمَّام</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- كما في «المغني» (٨/ ٢٤): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنَّ كراء الحمام جائزٌ إذا حدده، وذكر جميع آلته، شهورًا مسماة. اهـ\nقلتُ: ونقل ابن قدامة عن أحمد أنه سئل عن ذلك؟ فقال: أخشى. وكأنه لم يعجبه، وهذا منه على طريق الكراهة؛ تنزيهًا، لا تحريمًا، كما بين ذلك أصحابه؛ لأنه تبدو فيه العورات.","vol":"7","page":49},{"text":"• ومذهب مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي الجواز؛ لأنَّ المكتري إنما يأخذ الأجر عوضًا عن دخول الحمَّام، والاغتسال بمائه، وأحوال المسلمين محمولة على السلامة، وإن وقع من بعضهم فعل ما لا يجوز؛ لم يحرم الأجر المأخوذ منه، كما لو اكترى دارًا ليسكنها، فشرب فيها خمرًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3513>مسألة [٢٧]: هل للمؤجر أن ينتفع بالعين المستأجرة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٥):. وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَمْلِكُ الْمَنَافِعَ بِالْعَقْدِ، كَمَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِالْبَيْعِ، وَيَزُولُ مِلْكُ الْمُؤَجِّرِ عَنْهَا، كَمَا يَزُولُ مِلْكُ الْبَائِعِ عَنْ الْمَبِيعِ؛ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْلُوكَةً لِغَيْرِهِ، كَمَا لَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَبِيعِ. اهـ\n• فإذا تصرف المؤجر بالعين المستأجرة، فقال جماعة من أهل العلم: لا تنفسخ الإجارة بذلك، بل للمؤجر من المستأجر الأجرة المسماة، وللمستأجر من المؤجر أجرة المثل للمدة التي انتفع بها، وهذا قول جماعة من الحنابلة، وقال بعض الحنابلة، والشافعية: تنفسخ تلك المدة من الإجارة.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3514>مسألة [٢٨]: إذا أخذ المؤجر العين المستأجرة قبل تمام المدة</span>؟\n• مذهب الحنابلةأنه ليس له شيء من الأجرة؛ لأنه لم يسلم إليه ما عقد الإجارة عليه؛ فلم يستحق شيئًا كما لو استأجره ليحمل له كتابًا إلى موضعٍ،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٤ - ٢٥).","vol":"7","page":50},{"text":"فحمله بعض الطريق، أو استأجره ليحفر له عشرين ذراعًا، فحفر له عشرةً، وامتنع من حفر الباقي.\n• ومذهب أكثر الفقهاء أنَّ له أجر ما سكن إن كان المستأجَر دارًا، وكذلك أجر غير السكن إن كان المستأجَر غير سكن؛ لأنه أخذ ملك غيره على سبيل المعاوضة؛ فلزمه عوضه كالمبيع، وكما لو تعذر استيفاء الباقي لأمرٍ غالب.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنَّ له أجرة ما يستحقه مثله، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3515>مسألة [٢٩]: إذا تلفت العين المستأجرة هل تنفسخ الإجارة</span>؟\nإذا تلفت قبل قبضها؛ انفسخت الإجارة بغير خلاف، كما ذكر ابن قدامة -﵀-.\n• وإذا تلفت بعد القبض قبل الاستعمال؛ فتنفسخ أيضًا في قول عامة أهل العلم، وخالف أبو ثور، فقال: يستقر الأجر بالقبض، وهو غلطٌ منه؛ لأنَّ المعقود عليه المنافع لا العين.\n• وإذا تلفت بعد استعمالها لمدة معينة؛ فإنَّ الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدة دون ما مضى، ويكون للمؤجر من الأجر بقدر ما استُوفي من المنفعة، وهو مذهب أحمد، والشافعي وغيرهما. (^٢)\nتنبيه: إذاحدث على العين المستأجرة ما يمنع نفعها أصلًا، أو يمنع نفعها\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٦) «الإنصاف» (٦/ ٥٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٢٨).","vol":"7","page":51},{"text":"المعقود عليه؛ تنفسخ الإجارة على الصحيح من قولي أهل العلم، وإذا أمضاها المستأجر؛ فعليه الأجرة كاملة إلا أن يتَّفِقا على أقل من ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3516>مسألة [٣٠]: إذا هرب الأجير، أو شردت الدابة، أو هرب المؤجر بالعين، أو منعها، فهل تنفسخ الإجارة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٧): إذَا هَرَبَ الْأَجِيرُ، أَوْ شَرَدَتْ الدَّابَّةُ، أَوْ أَخَذَ الْمُؤَجِّرُ الْعَيْنَ وَهَرَبَ بِهَا، أَوْ مَنَعَهُ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ هَرَبٍ؛ لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ، لَكِنْ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الْفَسْخِ؛ فَإِنْ فَسَخَ؛ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ؛ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ يَوْمًا فَيَوْمًا؛ فَإِنْ عَادَتْ الْعَيْنُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ؛ اسْتَوْفَى مَا بَقِيَ مِنْهَا؛ فَإِنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ؛ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ؛ لِفَوَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، أَوْ بِنَاءِ حَائِطٍ، أَوْ حَمْلٍ إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ؛ اُسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَعْمَلُهُ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي شَيْءٍ فَهَرَبَ؛ اُبْتِيعَ مِنْ مَالِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ؛ ثَبَتَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ؛ فَإِنْ فَسَخَ؛ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخَ؛ وَصَبَرَ إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ؛ فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْعَمَلِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَفُوتُ بِهَرَبِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3517>مسألة [٣١]: إذا غصبت العين، هل تنفسخ الإجارة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٠): لِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ حَقِّهِ؛ فَإِنْ فَسَخَ؛ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ سَوَاءً، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٩).","vol":"7","page":52},{"text":"حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ؛ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِالْمُسَمَّى، وَبَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى الْعَقْدِ وَمُطَالَبَةِ الْغَاصِبِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لَمْ يَفُتْ مُطْلَقًا، بَلْ إلَى بَدَلٍ، وَهُوَ الْقِيمَةُ.\nقال: وَيَتَخَرَّجُ انْفِسَاخُ الْعَقْدِ بِكُلِّ حَالٍ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: إنَّ مَنَافِعَ الْغَصْبِ لَا تُضْمَنُ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3518>مسألة [٣٢]: إذا اكترى عينًا ثم وجد بها عيبًا لم يكن علم به</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٢): وَإِذَا اكْتَرَى عَيْنًا، فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ؛ فَلَهُ فَسْخُ الْعَقْدِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إذَا اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا، فَوَجَدَهَا جَمُوحًا، أَوْ عَضُوضًا، أَوْ نَفُورًا، أَوْ بِهَا عَيْبٌ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُفْسِدُ رُكُوبَهَا؛ فَلِلْمُكْتَرِي الْخِيَارُ، إنْ شَاءَ رَدَّهَا وَفَسَخَ الْإِجَارَةَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلِأَنَّهُ عَيْبٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ كَالْعَيْبِ فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ. وَالْعَيْبُ الَّذِي يُرَدُّ بِهِ مَا تَنْقُصُ بِهِ قِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3519>مسألة [٣٣]: استئجار الآدمي الحر</span>.\nدلَّ حديث أبي هريرة الذي في الباب على جواز ذلك.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٥): يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْآدَمِيِّ بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ آجَرَ مُوسَى -﵇- نَفْسَهُ لِرِعَايَةِ الْغَنَمِ. وَاسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ","vol":"7","page":53},{"text":"- ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا؛ لِيَدُلَّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ (^١). ا هـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3520>مسألة [٣٤]: الاستئجار لكتابة المصحف</span>.\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٩):وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ مُصْحَفًا، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَمَالِكِ بْنِ دِينَارٍ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلَ شَهْرًا، ثُمَّ يَسْتَكْتِبَهُ مُصْحَفًا. وَكَرِهَ عَلْقَمَةُ كِتَابَةَ الْمُصْحَفِ بِالْأَجْرِ. وَلَعَلَّهُ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، فَكَرِهَ الْأَجْرَ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ. وَلَنَا أَنَّهُ فِعْلٌ مُبَاحٌ يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ فِيهِ الْغَيْرُ عَنْ الْغَيْرِ؛ فَجَازَ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ، كَكِتَابَةِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ: «أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ الله».اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3521>مسألة [٣٥]: الاستئجار للخدمة</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٤٣):وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لِخِدْمَتِهِ مَنْ يَخْدِمُهُ كُلَّ شَهْرٍ، بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَجِيرُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، حُرًّا أَوْ عَبْدًا. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهِ، وَلَا يَخْتَصُّ عَامِلُهُ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: أَجِيرُ الْمُشَاهَرَةِ يَشْهَدُ الْأَعْيَادَ، وَالْجُمُعَةَ، وَلَا يُشْتَرِطُ ذَلِكَ. قِيلَ لَهُ: فَيَتَطَوَّعُ بِالرَّكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: مَا لَمْ يَضُرّ بِصَاحِبِهِ. إنَّمَا أَبَاحَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْخِدْمَةِ، وَلِهَذَا وَقَعَتْ مُسْتَثْنَاةً\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٢٦٤)، عن عائشة -﵂-.","vol":"7","page":54},{"text":"فِي حَقِّ الْمُعْتَكِفِ بِتَرْكِ مُعْتَكَفِهِ لَهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ الْأَجِيرُ رَكَعَاتِ السُّنَّةِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْهَا. وَقَالَ أَحْمَدُ: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَمَةَ وَالْحُرَّةَ لِلْخِدْمَةِ، وَلَكِنْ يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ النَّظَرِ، لَيْسَتْ الْأَمَةُ مِثْلَ الْحُرَّةِ، وَلَا يَخْلُو مَعَهَا فِي بَيْتٍ، وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهَا مُتَجَرِّدَةً، وَلَا إلَى شَعْرِهَا. إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّظَرِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ كَحُكْمِهِ قَبْلَهَا، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ قَبْلَ الْإِجَارَةِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3522>مسألة [٣٦]: إذا مات المكري، أو المستكري، هل تنفسخ الإجارة</span>؟\n• مذهب الثوري، والليث، وأصحاب الرأي، وابن حزم أنَّ الإجارة تنفسخ بموت أحدهما؛ لأنه بموت المكري ينتقل الملك إلى الورثة، وبموت المستكري يتعذر استيفاء المنفعة، والعقد تمَّ معه، لا مع غيره.\n• ومذهب الجمهور أنَّ العقد لا ينفسخ، بل يستمر عليه حتى تنتهي المدة المحددة بالأجرة المحددة؛ لأنه عقد لازم فلا ينفسخ بموت العاقد مع سلامة المعقود عليه كالبيع.\nوأُجيب عن كون العين تنتقل إلى ملك الورثة بتسليم ذلك، ولكن مع تعلق حق الاستئجار بها، فلا ينافي انتقالها استيفاء الاستئجار المعقود عليه، وبموت المستكري لا يتعذر استيفاء المنفعة، بل لورثته استيفاؤها؛ لأنها من الحقوق التي يرثونها.\nوعلى قول الجمهور؛ فإنَّ المكتري إذا لم يكن له من يقوم مقامه في استيفاء","vol":"7","page":55},{"text":"المنفعة، أو كان غائبًا، كمن يموت في سفر، ويخلف جمله الذي اكتراه، وليس له عليه شيء يحمله، ولا وارث له حاضر يقوم مقامه؛ فإنَّ الإجارة تنفسخ، وهذا ظاهر كلام أحمد -﵀-؛ لأنَّ هذا أمر غالب يمنع المستأجر من الانتفاع بالعين أشبه ما لو غصبت، ولأن بقاء العقد ضرر في حق المكري، والمكتري؛ لأنَّ المكتري يجب عليه الكراء من غير نفع، والمكري يمتنع عليه التصرف في ماله مع ظهور امتناع الكراء عليه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الظاهر أنَّ الراجح قول الجمهور، وهو ظاهر ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3523>مسألة [٣٧]: إذا أجَّر الموقوف عليه مدةً، فمات في أثنائها</span>؟\n• في هذه المسألة قولان لأهل العلم، وهما وجهان للحنابلة:\nالقول الأول: أنَّ الإجارة لا تنفسخ؛ لأنه أجر ملكه في زمن ولايته؛ فلم يبطل بموته كما لو أجر ملكه المطلق.\nالقول الثاني: تنفسخ الإجارة فيما بقي من المدة؛ لأنَّا تبينا أنه أجر ملكه، وملك غيره؛ فصح ملكه دون ملك غيره، ولأنَّ المنافع بعد موته حق لغيره، فلا ينفذ عقده عليها من غير ملك، ولا ولاية، بخلاف المطلق؛ فإنَّ الوارث يملكه من جهة الموروث؛ فلا يملك إلا ما خلفه، وأما البطن الثاني في الوقف، فيملكونه\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٨/ ٤٣ - ٤٤) «الإنصاف» (٦/ ٦٠) «بداية المجتهد» (٤/ ١٧) «المحلى» (١٢٩١) «البيان» (٧/ ٣٧٠).","vol":"7","page":56},{"text":"من جهة الواقف، فما حدث فيها بعد البطن الأول كان ملكًا لهم، وهذا القول رجحه شيخ الإسلام -﵀-، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3524>مسألة [٣٨]: إذا آجر الوليُّ الصبيَّ، أو ماله مدة، فبلغ في أثنائها</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنَّ الصبي ليس له فسخ الإجارة؛ لأنَّ تصرف الولي في أمواله نافذ، وهو قول بعض الشافعية.\n• ومذهب الشافعية أنْ يفرق بين ما إذا أجره مدةً يتحقق بلوغه في أثنائها، مثل إن أجره عامين، وهو ابن أربع عشرة سنة؛ فتبطل في العام السادس عشر؛ لأننا نتيقن أنه أجره فيها بعد بلوغه، وتصح في الرابع عشر، وفي الخامس عشر على وجهٍ، وهذا قول جماعة من الحنابلة.\n• وقال أبو حنيفة: إذا بلغ الصبي فله الخيار بين الفسخ والإمضاء؛ لأنه عقد على منافعه في حال لا يملك التصرف في نفسه، فإذا ملك؛ ثبت له الخيار، كالأمة إذا أُعتقت تحت عبد.\nوأُجيب عن ذلك: بأنَّ ما قاس عليه إنما ثبت لها الخيار؛ لأنها عتقت تحت عبد؛ لأجل العيب، لا لما ذُكر، ولهذا لو عتقت تحت حرٍّ؛ لم يثبت لها الخيار.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ينبغي أولًا تقييد المسألة بالبلوغ مع الرشد، وأشار\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤٥ - ٤٦) «الإنصاف» (٦/ ٣٤ - ٣٥).","vol":"7","page":57},{"text":"إلى ذلك ابن رجب في «قواعده»، ثم الذي يظهر أنَّ تصرف الولي نافذ؛ مالم يحصل ضرر على الصبي في ملكه، كأن يعقد عليه مدة طويلة؛ فإنَّ هذا يُفضي إلى أن يعقد على جميع منافعه طول عمره، وإلى أن يتصرف فيه في غير زمن ولايته عليه. (^١)\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٤٧): وَإِنْ مَاتَ الْوَلِيُّ الْمُؤَجِّرُ لِلصَّبِيِّ أَوْ مَالِهِ، أَوْ عُزِلَ، وَانْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى غَيْرِهِ؛ لَمْ يَبْطُلْ عَقْدُهُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ، فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، فَلَمْ يَبْطُلْ تَصَرُّفُهُ بِمَوْتِهِ أَوْ عَزْلِهِ، كَمَا لَوْ مَاتَ نَاظِرُ الْوَقْفِ أَوْ عُزِلَ، أَوْ مَاتَ الْحَاكِمُ بَعْدَ تَصَرُّفِهِ فِيمَا لَهُ النَّظَرُ فِيهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3525>مسألة [٣٩]: إذا أجر عبده مدة، ثم أعتق في أثنائها</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعي في الجديد أنَّ العتق يصح، ولا يبطل عقد الإجارة؛ لأنه عقد لازم عقده على ما يملك، ولا ينافي العتق استيفاء المنفعة التي قد عقدت، وتعلقت بعين العبد.\n• ومذهب الشافعي في القديم أنَّ العبد يرجع على سيده بأجر المثل؛ لأنَّ المنافع تُسْتَوفَى منه بسببٍ كان من جهة السيد، فرجع به عليه كما لو أكرهه بعد عتقه على ذلك العمل.\nوأُجيب: بأنها منفعة استحقت بالعقد قبل العتق؛ فلم يرجع ببدلها كما لو زوج أمته، ثم أعتقها بعد دخول الزوج بها؛ فإنَّ ما يستوفيه السيد لا يرجع به عليه.\n• وقال أبو حنيفة: للعبد الخيار بين الفسخ، أو الإمضاء، كالصبي إذا بلغ.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤٦) «البيان» (٧/ ٣٧٦).","vol":"7","page":58},{"text":"والصحيح هو القول الأول إذا كان السيد المعتِق قد اشترط على العبد إتمام العمل، كما حصل لسفينة -﵁-، وإن أطلق العتق بدون شرط أو قيد؛ فللعبد الخيار بين أن يتم العمل، أو يتركه؛ إلا إن حصل الضرر بتركه؛ فيلزمه الإتمام، ويرجع على سيده بأجرة المثل كما قال الشافعي في القديم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3526>مسألة [٤٠]: إذا أجر عينًا ثم باعها بعد تأجيرها، فهل يصح البيع</span>؟\n• مذهب أحمد، ومالك، والشافعي في أحد قوليه صحة البيع؛ لأنَّ الإجارة عقد على المنافع؛ فلم تمنع الصحة كما لو زوج أمته، ثم باعها.\n• وقال الشافعي في قولٍ له: إن باعها لغير المستأجر؛ لم يصح البيع؛ لأنَّ يد المستأجر حائلة تمنع التسليم، فأشبه بيع المغصوب.\nوأُجيب عن ذلك: بأنَّ يد المستأجر إنما هي على المنافع، والبيع على الرقبة؛ فلا يمنع ثبوت اليد على أحدهما تسليم الآخر، كما لو باع الأمة المزوجة، ولئن منعت التسليم في الحال، فلا تمنع في الوقت الذي يجب التسليم فيه، وهو عند انقضاء الإجارة، ويكفي القدرة على التسليم حينئذٍ كالْمُسْلَم فيه.\n• وقال أبو حنيفة: البيع موقوف على إجازة المستأجر؛ فإن أجازه جاز، وبطلت الإجارة، وإن ردَّه بطل.\nوأُجيب: بأنَّ البيع واقع على غير المعقود عليه في الإجارة؛ فلم تعتبر إجازته.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤٧) «البيان» (٧/ ٣٦٩ - ٣٧٠).","vol":"7","page":59},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح القول الأول، والله أعلم، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3527>مسألة [٤١]: إذا باع العين من المستأجر، فهل تنفسخ الإجارة</span>؟\n• في المسألة وجهان للحنابلة والشافعية:\nالوجه الأول: تنفسخ الإجارة وتبطل؛ لأنَّ المستأجر ملك العين، وكما أنَّ ملك العين يمنع ابتداء الإجارة؛ فيمنع استدامتها.\nالوجه الثاني: وهو قول أكثرهم، أنَّ الإجارة لا تنفسخ ولا تبطل؛ لأنه ملك المنفعة بعقد ثم ملك الرقبة بعقد آخر؛ فلم يتنافيا، كما يملك الثمرة بعقد ثم يملك الأصل بعقد آخر، ولو أَجر الموصى له بالمنفعة مالك الرقبة؛ صحت الإجارة؛ فدل على أنَّ ملك المنفعة لا ينافي العقد على الرقبة، وكذلك لو استأجر المالك العين المستأجرة من مستأجرها؛ جاز، وعلى هذا فيكون الأجر باقيًا على المشتري، وعليه الثمن، ويجتمعان للبائع، كما لو كان المشتري غيره.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب، والله أعلم.\nتنبيه: المسألة مفروضة فيما إذا لم يفسخا الإجارة، وإلا فالغالب أنه إذا حصل عقد على البيع اتفقا على فسخ الإجارة، فإذا حصل الفسخ للإجارة استحق البائع إجارة العين إلى وقت الفسخ، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٨/ ٤٨) «الإنصاف» (٦/ ٦٣ - ٦٤) «البيان» (٧/ ٣٧١) «أعلام الموقعين» (٢/ ١٠ - ١١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٤٩) «البيان» (٧/ ٣٧١) «الإنصاف» (٦/ ٦٤ - ٦٥).","vol":"7","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3528>مسألة [٤٢]: من استأجر دارًا، فهل يسكن بها من شاء</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٥٢): مَنْ اسْتَأْجَرَ عَقَارًا لِلسُّكْنَى؛ فَلَهُ أَنْ يَسْكُنَهُ، وَيُسْكِنَ فِيهِ مَنْ شَاءَ مِمَّنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الضَّرَرِ، أَوْ دُونَهُ، وَيَضَعُ فِيهِ مَا جَرَتْ عَادَةُ السَّاكِنِ بِهِ، مِنْ الرِّحَالِ وَالطَّعَامِ، وَيَخْزُنُ فِيهَا الثِّيَابَ وَغَيْرَهَا مِمَّا لَا يَضُرُّ بِهَا، وَلَا يُسْكِنُهَا مَا يَضُرُّ بِهَا، مِثْلَ الْقَصَّارِينَ وَالْحَدَّادِينَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهَا، وَلَا يَجْعَلُ فِيهَا الدَّوَابَّ؛ لِأَنَّهَا تَرُوثُ فِيهَا وَتُفْسِدُهَا، وَلَا يَجْعَلُ فِيهَا السِّرْجِينَ، وَلَا رَحًى، وَلَا شَيْئًا يَضُرُّ بِهَا. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا شَيْئًا ثَقِيلًا فَوْقَ سَقْفٍ؛ لِأَنَّهُ يُثْقِلُهُ وَيَكْسِرُ خَشَبَهُ. وَلَا يَجْعَلُ فِيهَا شَيْئًا يَضُرُّ بِهَا؛ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3529>مسألة [٤٣]: إذا اكترى دارًا، فهل يشترط ذكر صفة السكنى</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٥٢): وَإِذَا اكْتَرَى دَارًا؛ جَازَ إطْلَاقُ الْعَقْدِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ السُّكْنَى، وَلَا صِفَتِهَا. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَجُوزُ، حَتَّى يَقُولَ: أَبِيتُ تَحْتَهَا أَنَا وَعِيَالِي؛ لِأَنَّ السُّكْنَى تَخْتَلِفُ، وَلَوْ اكْتَرَاهَا لِيَسْكُنَهَا، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُسْكِنَهَا مَعَهُ. وَلَنَا أَنَّ الدَّارَ لَا تُكْتَرَى إلَّا لِلسُّكْنَى، فَاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ، كَإِطْلَاقِ الثَّمَنِ فِي بَلَدٍ فِيهِ نَقْدٌ مَعْرُوفٌ بِهِ، وَالتَّفَاوُتُ فِي السُّكْنَى يَسِيرٌ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ضَبْطِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ الضَّرَرَ لَا يَكَادُ يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ مَنْ يَسْكُنُ وَقِلَّتِهِمْ، وَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُ ذَلِكَ؛ فَاجْتُزِئَ فِيهِ بِالْعُرْفِ. اهـ","vol":"7","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3530>مسألة [٤٤]: إذا اكترى ظهرًا يركبه، فهل له أن يُركِب من شاء</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٥٣): وَإِذَا اكْتَرَى ظَهْرًا لِيَرْكَبَهُ؛ فَلَهُ أَنْ يُرْكِبَهُ مِثْلَهُ، وَمَنْ هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ، وَلَا يُرْكِبُهُ مَنْ هُوَ أَثْقَلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ اقْتَضَى اسْتِيفَاءَ مَنْفَعَةٍ مُقَدَّرَةٍ بِذَلِكَ الرَّاكِبِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ أَقَلَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي بَعْضَ مَا يَسْتَحِقُّهُ، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِيفَاءُ أَكْثَرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَكْثَرَ مِمَّا عَقَدَ عَلَيْهِ. اهـ\nقلتُ: والتفاوت اليسير متسامح فيه عند أهل العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3531>مسألة [٤٥]: إذا اشترط عليه أن لا يستوفي المنفعة إلا بنفسه</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يصح الشرط. وهو وجهٌ للشافعية، وقال به بعض الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام؛ لأنه قد يكون له غرض في تخصيصه باستيفاء المنفعة.\n• ومنهم من قال: لا يصح الشرط، وهو قول الحنابلة في الأشهر، ووجهٌ للشافعية؛ لأنَّه شرطٌ ينافي مقتضى العقد؛ فإنَّ المستأجر قد ملك المنفعة، فيعمل بها ما شاء، والعقد عند أكثرهم صحيح.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إن كان المؤجر له غرض صحيح في الشرط؛ صحَّ، وإلا فلا يصح الشرط، والعقد صحيح على كل حال، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥٣ - ٥٤) «الاختيارات» (ص ١٥٢) «البيان» (٧/ ٣٥٣).","vol":"7","page":62},{"text":"تنبيه: قال شيخ الإسلام: فإن تعذر استيفاء المنفعة بنفسه؛ فله الفسخ. اهـ «الاختيارات» (ص ١٥٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3532>مسألة [٤٦]: هل يجوز للمستأجر أن يُؤَجِّر العين التي استأجرها</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى الجواز إذا كان قد قبضها، وهو قول سعيد بن المسيب، وابن سيرين، ومجاهد، وعكرمة، وأبي سلمة، والنخعي، والشعبي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم؛ لأنَّ المنافع ملكه؛ فجاز له إهداؤها، وبيعها، والتصرف فيها.\n• وعن أحمد رواية ذكرها بعض أصحابه أنه لا يجوز له ذلك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ربح مالم يضمن. (^١)\nوأُجيب: بأنَّ المنافع قد دخلت في ضمان المستأجر ما دامت العين باقية لم تتلف؛ لأنه لا يستوفي المنافع إلا ببقاء العين، ولأنه لو شغل عن الانتفاع بالمنافع؛ لكانت من ضمانه؛ فدلَّ على أن ضمان المنافع على المستأجر، ولكن ذلك مشروط ببقاء العين؛ لأنَّ المنافع والعين لا تكون مقبوضة إلا ببقائها، وعلى هذا فالمستأجر قد ربح فيما ضمن، فالقول الأول هو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: على قول الجمهور بالجواز؛ فإنه لا يجوز له إجارته إلا لمن يقوم مقامه، أو دونه في الضرر؛ لما تقدم.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٧٨٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٥٤) «الاختيارات» (ص ١٥١) «تهذيب السنن» (٥/ ١٥٥ - ١٥٦).","vol":"7","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3533>مسألة [٤٧]: هل للمستأجر تأجيرها قبل قبضها</span>؟\n• مذهب الحنابلة، وأبي حنيفة، والأشهر من قولي الشافعي أنه لا يجوز؛ لأنَّ المنافع مملوكة بعقد معاوضة، فاعتبر في جواز العقد عليها القبض، كالأعيان.\n• وذهب بعض الحنابلة، والشافعية إلى الجواز؛ لأنَّ قبض العين في الإجارة لا تأثير له في قبض المنفعة؛ فإنه لو استأجر فانهدمت قبل استيفاء المنفعة؛ انفسخت الإجارة كما لو انهدمت قبل القبض.\nقلتُ: والقول الأول أقرب، والله أعلم، وما ذكروه لا ينافي أنَّ قبض العين سبب لقبض المنفعة، ومؤثر في ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3534>مسألة [٤٨]: هل له أن يؤجِّر العين من مالكها</span>؟\n• مذهب الجمهور جواز ذلك، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد؛ لأنَّ المنافع قد صارت ملكه؛ فجاز له بيعها ممن شاء، ولأنَّ كل عقد جاز مع غير العاقد؛ جاز مع العاقد.\n• وذهب أبو حنيفة إلى عدم الجواز؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى تناقض الأحكام؛ فإنَّ التسليم مستحق على الكراء، فإذا اكتراها؛ صار مستحقًّا له، فيصير مستحقًّا لما يستحق عليه.\nوأُجيب: بأنَّ كل واحد من الاستحقاقين حصل بعقد منفصل، ولا تناقض في ذلك. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥٥) «البيان» (٧/ ٣٥٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٥٥) «البيان» (٧/ ٣٥٤) «البداية» (٤/ ١٦).","vol":"7","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3535>مسألة [٤٩]: هل للمستأجر أن يؤجر العين بمبلغ زائد على ما استأجره</span>؟\n• ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو قول عطاء، والحسن، والزهري، وأبي ثور، والشافعي، وأحمد، وابن المنذر، وابن حزم.\nواختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه عقد يجوز برأس المال؛ فجاز بزيادة، كبيع المبيع بعد قبضه، ولأنَّ المنافع قد صارت ملكًا له يعمل بها ما شاء؛ فله بيعها بما يرضيه.\n• وذهب جماعةٌ إلى منع ذلك، وهو رواية عن أحمد، وقال به جماعة من التابعين، منهم: ابن المسيب، وابن سيرين، ومجاهد، وأبو سلمة، وعكرمة، والشعبي، والنخعي؛ لدخولها في ربح مالم يضمن.\n• وعن أحمد رواية ثالثة بأنه يجوز له الزيادة إذا كان قد زاد شيئًا في العين المؤجرة من عمارةٍ، أو غيرها؛ فإن فعل بدون زيادة تصدق بالزيادة، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، ورُوي عن الشعبي.\nواستدلوا بالحديث: «نهى عن ربح ما لم يضمن».\nوأُجيب عن ذلك: بأنَّ المنافع قد دخلت في ضمانه؛ فإنها لو فاتت من غير استيفائه كانت من ضمانه؛ فهو يربح فيما ضمن.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصحيح، والله أعلى وأعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٨/ ٥٦) «المحلى» (١٣١٤) (١٣١٥) «البداية» (٤/ ١٥) «الإنصاف» (٦/ ٣٣) «الاختيارات» (ص ١٥٢).","vol":"7","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3536>مسألة [٥٠]: إذا استأجر عينًا لمنفعة معينة فهل له أن ينتفع بها في شيء آخر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٥٧): وَكُلُّ عَيْنٍ اسْتَأْجَرَهَا لِمَنْفَعَةٍ؛ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِثْلَ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ وَمَا دُونَهَا فِي الضَّرَرِ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي يَسْتَوْفِيهَا أَكْثَرَ ضَرَرًا، أَوْ مُخَالِفَةً لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهَا فِي الضَّرَرِ؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، أَوْ غَيْرَ مَا يَسْتَحِقُّهُ.\nثم قال: وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. انتهى بتلخيص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3537>مسألة [٥١]: إذا أكرى أرضًا للزرع، ولم يبين نوعية الزرع</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي وغيرهما صحة ذلك، وله زرع ما شاء، وحُكي عن ابن سريج أنه لا يصح حتى يبين نوعية الزرع؛ لأنَّ ضرره يختلف، فلم يصح بدون البيان.\nوأُجيب عنه: بأنه بالإطلاق قد أباح له جميع أنواع الزرع، شديدها ضررًا وخفيفها، وكما أنه إذا أجره على أشد الزرع ضررًا؛ جاز، فكذلك إذا عمم، والقول الأول هو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3538>مسألة [٥٢]: إذا أكراه الأرض ليزرع حنطة، فهل له أن يزرع غير الحنطة</span>؟\n• عامة أهل العلم على أن له زرع ما عينه، وما ضرره كضرره أو دونه، ولا يتعين عليه ما عينه؛ إلا داود، وأهل الظاهر؛ فإنهم قالوا: لا يجوز له زرع\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥٩ - ٦٠).","vol":"7","page":66},{"text":"غير ما عينه.\nوأُجيب: بأنَّ المعقود، عليه منفعة الأرض دون القمح؛ ولهذا يستقر عليه العوض بمضي المدة، وإن لم يزرعها، وإنما ذكر القمح لتقدر به المنفعة؛ فلم يتعين.\nوالصحيح قول الجمهور. (^١)\nتنبيه: إذا أكراها للزرع لم يجز له أن يغرسها أو يبنيها؛ لأنَّ ذلك ضرره أشد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3539>مسألة [٥٣]: إذا أكراها للغراس، فهل له أن يزرعها ويبنيها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٦١): وَإِنْ أَكْرَاهَا لِلْغِرَاسِ؛ فَفِيهِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ، إلَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الزَّرْعِ أَقَلُّ مِنْ ضَرَرِ الْغِرَاسِ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَضُرُّ بِبَاطِنِ الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ مُخَالِفٌ لِضَرَرِهِ؛ فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِظَاهِرِ الْأَرْضِ. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3540>مسألة [٥٤]: إذا غرق الزرع أو هلك، فمن يضمنه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٦٣ - ٦٤): وَمَتَى غَرِقَ الزَّرْعُ، أَوْ هَلَكَ بِحَرِيقٍ، أَوْ جَرَادٍ، أَوْ بَرْدٍ، أَوْ غَيْرِهِ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُكْتَرِي. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ التَّالِفَ غَيْرُ المَعْقُودِ عَلَيْهِ. انتهى المراد.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٦٠) «بداية المجتهد» (٤/ ١٦).\n(^٢) «المغني» (٨/ ٦١).","vol":"7","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3541>مسألة [٥٥]: إذا استأجر أرضًا للزراعة مدة، فانتهت المدة ولم يبلغ الزرع حصاده</span>؟\n• إذا كان ذلك بسبب تفريطه، مثل أن يزرع زرعًا جرت العادة بتأخره، أو تأخر في زرعه، أو ما أشبه ذلك، فمذهب الحنابلة أنَّ المالك يُخَيَّر بين أخذ الزرع بالقيمة، وبين تركه، وله أجر المدة الزائدة؛ تشبيهًا له بمن زرع في أرض غيره، وقد تقدمت المسألة في باب الغصب.\n• ومذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أنَّ للمالك إلزام المستأجر بإخراج زرعه، أو يتفقا على أحد الأمرين السابقين.\nقلتُ: يظهر لي أنه إن كان للمالك غرض صحيح بإخراج الزرع؛ فله ذلك، وإلا فليس له إلا أحد الأمرين السابقين؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن إضاعة المال، وفي الحديث: «لا ضرر ولا ضرار».\n• وأما إذا كان التأخر بغير تفريط، مثل إبطائه لبردٍ أو غيره، فمذهب الحنابلة، وهو وجهٌ للشافعية أنَّ المؤجر يلزمه تركه إلى أن ينتهي، وله المسمى في العقد، وأجر المثل لما زاد.\n• وللشافعية وجهٌ أنه يلزمه نقله؛ لأنَّ المدة المعقود عليها انتهت، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٨/ ٦٤ - ٦٥).","vol":"7","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3542>مسألة [٥٦]: هل يصح استئجار الأجير بطعامه وكسوته</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو قول مالك، وإسحاق، وأحمد في رواية؛ لأنه عوض منفعة، فقام العرف فيه مقام التسمية، كنفقة الزوجة، ولأنَّ للكسوة عرفًا، وللإطعام عرفًا.\n• وعن أحمد رواية أنَّ ذلك جائز في الظئر دون غيرها، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣].\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى عدم جواز ذلك، وهو قول أبي يوسف، والشافعي، ومحمد، وأبي ثور، وابن المنذر، وأحمد في رواية؛ لأنَّ من شرط الأجر أن يكون معلومًا، وهذا مجهول.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، وهوترجيح شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما، ورجحه الشيخ ابن عثيمين -﵀-؛ لأنَّ هذا العوض معلومٌ بالعرف، والاختلاف فيه يسير، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3543>مسألة [٥٧]: إذا استأجره بطعام، وكسوة معلومة</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٧٠): وَإِنْ شَرَطَ الْأَجِيرُ كِسْوَةً وَنَفَقَةً مَعْلُومَةً مَوْصُوفَةً، كَمَا يُوصَفُ فِي السَّلَمِ؛ جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ الْجَمِيعِ. وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ طَعَامًا وَلَا كِسْوَةً؛ فَنَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ الظِّئْرُ. قَالَ ابْنُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٦٨ - ٦٩) «المحلى» (١٣٢٦) «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٥٨) «الاختيارات» (ص ١٥١) «الشرح الممتع» (٤/ ٣٠٥) ط/الآثار.","vol":"7","page":69},{"text":"الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافًا فِيمَا ذَكَرْت. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3544>مسألة [٥٨]: إذا استغنى الأجير عن الطعام، أو عجز عن أكله</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٧٠): وَإِنْ اسْتَغْنَى الْأَجِيرُ عَنْ طَعَامِ الْمُؤَجِّرِ بِطَعَامِ نَفْسِهِ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ عَجَزَ عَنْ الْأَكْلِ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهُ، وَكَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا عِوَضٌ، فَلَا تَسْقُطُ بِالْغِنَى عَنْهُ، كَالدَّرَاهِمِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3545>مسألة [٥٩]: استئجار الدابة بعلفها</span>.\n• منعه كثيرٌ من الفقهاء؛ لأنه تأجير بعوض مجهول، وأجاز ذلك أحمد في رواية، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم؛ لأنَّ علفها معروف القدر بالعادة، والتفاوت يسير، وهذا أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3546>مسألة [٦٠]: إذا دفع إلى رجل متاعا، فقال: بعه بكذا، فما ازددت فهو لك</span>؟\n• أجاز ذلك جماعةٌ من أهل العلم، وهو قول ابن سيرين، والشعبي، وشريح، والزهري، وإسحاق، وأحمد، وثبت ذلك عن ابن عباس -﵄- بإسناد رجاله ثقات، وفيه عنعنة هُشيم. قال ابن قدامة: لا يعرف له في عصره مخالف، ولأنها عين تنمَّى بالعمل عليها؛ أشبه دفع مال المضاربة.\n• وكره ذلك النخعي، وحماد، وأبو حنيفة، والثوري، والشافعي، وابن المنذر؛ لأنه أجر مجهول يحتمل الوجود والعدم.\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٦/ ١٦) «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٥٨) «الاختيارات (ص ١٥١) «الشرح الممتع» (٤/ ٣٠٦) ط/الآثار.","vol":"7","page":70},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3547>مسألة [٦١]: استئجار الظئر وشروط ذلك</span>.\nأجمع أهل العلم على جواز استئجار الظئر؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وله أربعة شروط:\nالأول: أن تكون مدة الرضاع معلومة؛ لأنه لا يمكن تقديره إلا بها.\nالثاني: معرفة الصبي بالمشاهدة؛ لأنَّ الرضاع يختلف باختلاف الصبي في كبره وصغره.\nالثالث: موضع الرضاع؛ لأنه يختلف، فيشق عليها في بيته ويسهل عليها في بيتها.\nالرابع: معرفة العوض، وكونه معلومًا كما سبق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3548>مسألة [٦٢]: إذا ماتت المرضعة، أو الطفل</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعي أنَّ الإجارة تنفسخ لفوات المنفعة بهلاك محلها، وتعذر استيفاء المعقود عليه.\n• وقال بعض الحنابلة: إن ماتت المرضعة لا تنفسخ، ويجب في مالها أجر من ترضعه تمام الوقت.\nوالقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٧١) «ابن أبي شيبة» (٧/ ٢١٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٧٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (٨/ ٧٦).","vol":"7","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3549>مسألة [٦٣]: من اكترى دابة إلى موضعٍ، فجاوزه</span>.\n• أما الأجر فعليه الأجر المسمى، وأجر المثل لما زاد عند أكثر أهل العلم، وهو قول أحمد، والشافعي وغيرهم.\n• وقال به مالك إذا جاوز بها إلى مسافة بعيدة.\n• وقال أبو حنيفة، والثوري: لا أجر عليه لما زاد؛ لأنَّ المنافع عندهما لا تضمن بالغصب.\nقلتُ: والصحيح قول الجمهور، وهو القول الأول، ونقل عن الفقهاء السبعة. (^١)\nتنبيه: إذا تلفت الناقة في حال تعديه؛ فيجب عليه قيمتها، وكذلك عليه الضمان إن تلفت بعد إرجاعها إلى صاحبها، إذا كان سبب تلفها هو التعدي الذي عمله، هذا هو الراجح من أقوال أهل العلم، وفي المسألة أقوال مختلفة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3550>مسألة [٦٤]: من اكترى لحمولة شيء، فزاد عليه</span>؟\n• عليه الأجر المسمى وأجر الزيادة بمثلها، وهو قول أحمد والشافعي وغيرهما. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3551>مسألة [٦٥]: هل له أن يكتري الدابة مدة غزاته</span>؟\n• أكثر أهل العلم أنه لا يجوز أن يكتري الدابة مدة غزاته، وهو قول أحمد، والشافعي، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وذلك لأنَّ المدة مجهولة، كما لو\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٧٧ - ٧٨) «ابن أبي شيبة» (٧/ ١٧٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٧٨ - ٧٩).\n(^٣) انظر: «المغني» (٨/ ٨٠).","vol":"7","page":72},{"text":"اكتراها لمدة سفره في تجارة.\n• وأجاز ذلك مالك؛ لأنه قد عرف وجه الغزو.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لما تقدم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3552>مسألة [٦٦]: إذا أكراه في غزاته كل يوم بدرهم</span>؟\n• أجاز ذلك أحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ كل يوم معلوم مدته وأجرته؛ فصحَّ كما لو قال: أجرتك شهرًا كل يوم بدرهم.\n• ومنع من ذلك الشافعي؛ لأنَّ مدة الإجارة مجهولة.\nوأُجيب: بأنَّ جهالة المدة ههنا لا تؤدي إلى غرر، أو ظلم، أو ربا؛ فالصحيح الجواز، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3553>مسألة [٦٧]: إذا قال: إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم، وإن خطته غدًا فلك نصف درهم</span>؟\n• منع من ذلك جماعةٌ من أهل العلم، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبي ثور؛ لأنه عقد واحد اختلف فيه العوض بالتقديم والتأخير؛ فلم يصح كالبيعتين في بيعة.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو قول أحمد في رواية، وأبي\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٨٤) «الإنصاف» (٦/ ١٩).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٨/ ٨٤) «الإنصاف» (٦/ ٢٠).","vol":"7","page":73},{"text":"يوسف، ومحمد، والحارث العكلي. ورجَّح ذلك ابن القيم.\nقال -﵀- في «أعلام الموقعين» (٣/ ٤١٣): لَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ.\nوقال -﵀-: بَلْ هَذِهِ الْأَدِلَّةُ تَقْتَضِي صِحَّتَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نِزَاعٌ مُتَأَخِّرٌ، فَالثَّابِتُ عَنْ الصَّحَابَةِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ عَنْهُمْ فِيهِ نِزَاعٌ جَوَازُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ دَفَعَ أَرْضَهُ إلَى مَنْ يَزْرَعُهَا، وَقَالَ: إنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ كَذَا، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا. (^١) وَلَمْ يُخَالِفْهُ صَحَابِيٌّ وَاحِدٌ، وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، وَلَا خَطَرَ، وَلَا غَرَرَ، وَلَا أَكْلَ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، وَلَا جَهَالَةَ تَعُودُ إلَى الْعَمَلِ وَلَا إلَى الْعِوَضِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا مُعَيَّنًا، وَالْخِيَرَةُ إلَى الْأَجِيرِ أَيَّ ذَلِكَ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ؛ فَعَلَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: أَيُّ ثَوْبٍ أَخَذْته مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ فَقِيمَتُهُ كَذَا، أَوْ أَيُّ دَابَّةٍ رَكِبْتهَا فَأُجْرَتُهَا كَذَا. انتهى المراد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو القول الثاني كما رجحه ابن القيم، وأما البيعتان في بيعة فأصح الأقوال فيها أنها (بيع العينة)، وقد تقدم الكلام على ذلك في أوائل كتاب البيوع. (^٢)\nتنبيه: مثل الخلاف السابق ما لو قال: إذا ركبت هذه الدابة إلى أرض كذا؛\n_________\n(^١) علقه البخاري في «صحيحه» في [كتاب الحرث والمزارعة/باب رقم (٨)]، ووصله البيهقي (٦/ ١٣٥)، وابن أبي شيبة كما في «التغليق» (٣/ ٣٠٤)، من وجهين منقطعين عن عمر -﵁-، والأثر بالطريقين حسن، والله أعلم.\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٨٦) «الإنصاف» (٦/ ١٨).","vol":"7","page":74},{"text":"فعليك كذا، وإلى أرض كذا؛ عليك كذا. ومثلها إن قال: إن زرعت هذه الأرض حنطة؛ فأجرتها مائة، وإن زرعتها شعيرًا؛ فأجرتها خمسون. ونحو ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3554>مسألة [٦٨]: اكتراء العقبة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٩٦): يَصِحُّ كِرَاءُ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَعْنَاهَا: الرُّكُوبُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، يَرْكَبُ شَيْئًا وَيَمْشِي شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ اكْتِرَاؤُهَا فِي الْجَمِيعِ، جَازَ اكْتِرَاؤُهَا فِي الْبَعْضِ. وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهَا مَعْلُومَةً، إمَّا أَنْ يُقَدِّرَهَا بِفَرَاسِخَ مَعْلُومَةٍ، وَإِمَّا بِالزَّمَانِ، مِثْلَ أَنْ يَرْكَبَ لَيْلًا وَيَمْشِيَ نَهَارًا، وَيُعْتَبَرُ فِي هَذَا زَمَانُ السَّيْرِ دُونَ زَمَانِ النُّزُولِ. وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَرْكَبَ يَوْمًا وَيَمْشِيَ يَوْمًا؛ جَازَ؛ فَإِنْ اكْتَرَى عُقْبَةً، وَأَطْلَقَ؛ احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، وَلَيْسَ لَهُ ضَابِطٌ، فَيَكُونُ مَجْهُولًا. وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَرْكَبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَيَمْشِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ مَا زَادَ وَنَقَصَ؛ جَازَ. اهـ\nقلتُ: الصحيح أنه إذا أطلق لا تصح الإجارة؛ للجهالة، ولعدم وجود عرف ينضبط في ذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3555>مسألة [٦٩]: هل يشترط في التأجير للركوب رؤية الراكب</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنه لا يشترط، ويمكن ذلك بالوصف، فيقوم مقام الرؤية، إذا وصفه بما يختلف به في الطول والقصر، والهزال والسمن، والصحة والمرض.\n• وقال الشافعي وبعض الحنابلة: لابد من الرؤية؛ لأنَّ ذلك لا ينضبط بالوصف.\n_________\n(^١) انظر المصادر السابقة.","vol":"7","page":75},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: إن ضبط بالوصف، ولو مع تفاوت يسير؛ جاز، وإلا فلا. والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3556>مسألة [٧٠]: استكراء البهيمة للبن</span>.\n• مذهب أكثر الفقهاء المنع من ذلك، وهو مذهب الحنابلة، والشافعي، والحنفية، والظاهرية، وقالوا: هذا بيع ما لم ير، ولم يوصف، بل بيع معدوم لم يوجد، والإجارة تكون على المنافع دون الأعيان، وهذه أعيان. قالوا: وإجارة الظئر للرضاع على خلاف القياس؛ جازت للحاجة.\n• والرخصة في ذلك هو مذهب مالك في الجملة وغيره، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، والشوكاني رحمة الله عليهم؛ قياسًا على إجارة الظئر، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين -﵀-.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٩٨ -): والصواب ان الإجارة المسؤول عنها جائزة؛ فإن الأدلة الشرعية الدالة على الجواز بعوضها ومقايستها تتناول هذه الإجارة، وليس من الأدلة ما ينفى ذلك؛ فإن قول القائل: (إن إجارة الظئر على خلاف القياس) كلام فاسد؛ فإنه ليس في كتاب الله إجارة منصوص عليها في شريعتنا إلا هذه الإجارة كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]،وقال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، والسنة وإجماع الأمة دَلَّا على جوازها، وإنما تكون مخالفة للقياس لو عارضها قياس نص\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٩٧).","vol":"7","page":76},{"text":"آخر، وليس في سائر النصوص وأقيستها ما يناقض هذه، وقول القائل: (الإجارة إنما تكون على المنافع دون الأعيان) ليس هو قول لله، ولا لرسوله، ولا الصحابة، ولا الأئمة، وإنما هوقول قالته طائفة من الناس، فيقال لهؤلاء: لا نُسَلِّم أن الإجارة لا تكون إلا على المنافع فقط، بل الإجارة تكون على ما يتجدد، ويحدث، ويستخلف بدله مع بقاء العين، كمياه البئر وغير ذلك، سواء كان عينًا أو منفعة، كما أن الموقوف يكون ما يتجدد وما تحدث فائدته شيئًا بعد شيء، سواء كانت الفائدة منفعة أو عينا، كالتمر، واللبن، والماء النابع. وإذا قيل: هو بيع معدوم. قيل: نعم، وليس في أصول الشرع ما ينهى عن بيع كل معدوم، بل المعدوم الذي يحتاج إلى بيعه، وهو معروف في العادة؛ يجوز بيعه كما يجوز بيع الثمرة بعد بدو صلاحها؛ فإن ذلك يصح عند جمهور العلماء كما دلت عليه السنة؛ مع أن الأجزاء التي لم تخلق بعد معدومة، وقد دخلت في العقد، وكذلك يجوز بيع المقاثي وغيرها على هذا القول، والله أعلم، والحمد لله. اهـ\nقلتُ: وما رجحه شيخ الإسلام هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3557>مسألة [٧١]: هل يضمن الأجير إذا تلف شيء تحت يده بعمله</span>؟\nالأجير نوعان: مشتَرَك، وخاصٌّ.\nفأما المشترَك: فهو الذي يقع العقد معه على عمل معين، كخياطة ثوب، وبناء\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٦/ ٢٩) «أعلام الموقعين» (١/ ٢٧٦ -) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٩٧ - ٢٠٠) «المحلى» (١٢٩٦)، «زاد المعاد» (٥/ ٨٢٦)، «الشرح الممتع» (٤/ ٣٢٠) ط/الآثار، «المغني» (٨/ ١٢٩ - ١٣٠).","vol":"7","page":77},{"text":"حائط، وحمل شيء إلى مكان معين، وما أشبه ذلك، أو على مدة لا يستحق فيها جميع نفعه، كالطبيب، وسُمِّي مُشتَرَكًا؛ لأنه يتقبل أعمالًا لاثنين، وثلاثة، وأكثر في وقت واحد.\nوأما الخاص: فهو الذي يُستأجر للخدمة، أو للعمل في بناءٍ، أو خياطة، أو رعاية يومًا، أو شهرًا، وسُمِّي خاصًّا؛ لاختصاص المستأجر بنفعه في تلك المدة دون سائر الناس.\n• فأما الأجير المشترك، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يضمن ما جنت يداه، فالحائك ضامن إذا أفسد حياكته، والطباخ ضامن لما أفسد من طبيخه، والخباز ضامن لما أتلف من خبزه ...، وهكذا. وهذا قول شريح، والحسن، والحكم، وأحمد، ومالك، والشافعي في قول، وأبي حنيفة، واستدلوا على ذلك بأثر علي -﵁- أنه كان يضمن الأُجَراء، ويقول: لا يصلح الناس إلا ذلك. وسنده منقطع.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلِأَنَّ عَمَلَ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، فَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا، كَالْعُدْوَانِ بِقَطْعِ عُضْوٍ، بِخِلَافِ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عَمَلَهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ: أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ إلَّا بِالْعَمَلِ، وَأَنَّ الثَّوْبَ لَوْ تَلِفَ فِي حِرْزِهِ بَعْدَ عَمَلِهِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ فِيمَا عَمِلَ فِيهِ، وَكَانَ ذَهَابُ عَمَلِهِ مِنْ ضَمَانِهِ، بِخِلَافِ الْخَاصِّ؛ فَإِنَّهُ إذَا أَمْكَنَ الْمُسْتَأْجِرَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ؛ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ، وَمَا عَمِلَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَتَلِفَ مِنْ","vol":"7","page":78},{"text":"حِرْزِهِ؛ لَمْ يَسْقُطْ أَجْرُهُ بِتَلَفِهِ. اهـ\n• وذهب عطاء، وطاوس، والنخعي، وابن سيرين، وزفر، والشافعي في القول الآخر إلى أنَّ الأجير المشترك لا يضمن إلا بالتعدي، أو التفريط؛ لأنها عين مقبوضة بعقد الإجارة؛ فلم تصر مضمونة كالعين المستأجرة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أرجح؛ لأنَّ حقوق المسلم لا تسقط بنسيان آخر، أو خَطَئه، والله أعلم. (^١)\nوأما إن تلف على الأجير المشترك بأخذه من حرزه؛ فلا ضمان عليه عند أكثر أهل العلم وله الأجر عند بعض أهل العلم وهو اختيار الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^٢)\n• وأما الأجير الخاص وهو الذي يُستأجر مدةً؛ فلا ضمان عليه مالم يتعد، وهو مذهب أحمد، ومالك، وأصحاب الرأي، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وله قول أخر: أن جميع الأُجراء يضمنون؛ لأثر علي السابق، وهو منقطع، ومع ذلك فقد جاء عنه رواية أخرى بالتقييد بالأجير المشترك، والصحيح قول الجمهور؛ لأنَّ الأجير الخاص نائبٌ عن المالك في صرف منافعه إلى ما أمره به؛ فلم يضمن من غير تعد، كالوكيل والمضارب، فأما ما يتلف بتعديه؛ فيجب ضمانه، مثل الخباز الذي يسرف في الوقود، أو يلزقه قبل وقته، أو يتركه بعد وقته حتى يحترق؛ لأنه تلف بتعديه؛ فضمنه كغير الأجير. انتهى ملخصًا من «المغني» (٨/ ١٠٦).\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١٠٣ - ١٠٤) «المحلى» (١٣٢٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ١١٢) «الإنصاف» (٦/ ٦٨).","vol":"7","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3558>مسألة [٧٢]: إذا دفع رجل إلى الخياط ثوبًا، وقال: إن كان يصلح قميصًا فاقطعه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٠٨): إذَا دَفَعَ إلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا، فَقَالَ: إنْ كَانَ يُقْطَعُ قَمِيصًا؛ فَاقْطَعْهُ. فَقَالَ: هُوَ يُقْطَعُ. وَقَطَعَهُ، فَلَمْ يَكْفِ؛ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ. وَإِنْ قَالَ: اُنْظُرْ هَذَا يَكْفِينِي قَمِيصًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اقْطَعْهُ. فَقَطَعَهُ، فَلَمْ يَكْفِهِ؛ لَمْ يَضْمَنْ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.\nوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَرَّهُ فِي الْأُولَى؛ لَكَانَ قَدْ غَرَّهُ فِي الثَّانِيَةِ. وَلَنَا أَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي الْأُولَى بِشَرْطِ كِفَايَتِهِ، فَقَطَعَهُ بِدُونِ شَرْطِهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ أَذِنَ لَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَافْتَرَقَا، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فِي الْأُولَى؛ لِتَغْرِيرِهِ، بَلْ لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِي قَطْعِهِ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ كِفَايَتِهِ، فَلَا يَكُونُ إذْنًا فِي غَيْرِ مَا وُجِدَ فِيهِ الشَّرْطُ، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3559>مسألة [٧٣]: العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١١٤): وَالْعَيْنُ الْمُسْتَأْجَرَةُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ؛ لَمْ يَضْمَنْهَا. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ الله يُسْأَلُ عَنْ الَّذِينَ يُكْرُونَ الْمُظِلَّ، أَوْ الْخَيْمَةَ إلَى مَكَّةَ، فَيَذْهَبُ مِنْ الْمُكْتَرِي بِسَرَقٍ أَوْ بِذَهَابٍ، هَلْ يَضْمَنُ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَضْمَنَ، وَكَيْفَ يَضْمَنُ؟ إذَا ذَهَبَ لَا يَضْمَنُ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْعَيْنَ لِاسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةٍ يَسْتَحِقُّهَا مِنْهَا؛ فَكَانَتْ أَمَانَةً. اهـ","vol":"7","page":80},{"text":"تنبيه: وعلى المستأجر البينة على تلفه بدون تفريط، أو تعدي، وإن لم يكن له بينة، ولا للمؤجر بينة؛ فالقول قول المستأجر مع يمينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3560>مسألة [٧٤]: هل للمستأجر ضرب الدابة</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أن يضربها الضرب المعتاد، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق وغيرهم، ولا يضمن عندهم إن أصابها شيء بسبب الضرب المعتاد.\n• وقال أبو حنيفة، والثوري: يضمن؛ لأنه تلف بجنايته كغير المستأجر، وقال به الشافعي في ضرب المعلم للغلام؛ لأنه يمكن تأديبه بغير الضرب.\nوأجاب الجمهور: بأنَّ هذا تلف من فعل مستحق؛ فلم يضمن، وفارق غير المستأجر؛ لأنه متعد، وقول الشافعي (يمكن تأديب الغلام بغير الضرب) لا يصح؛ فإنَّ العادة خلافه، ولو أمكن التأديب بدون الضرب؛ لما جاز الضرب؛ إذ فيه ضرر وإيلام يُستغنى عنه، وإن أسرف في هذا كله، أو زاد على ما يحصل الغِنَى به، أو ضرب من لا عقل له من الصبيان؛ فعليه الضمان؛ لأنه متعد حصل التلف بعدوانه. اهـ ملخصا من «المغني» (٨/ ١١٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3561>مسألة [٧٥]: هل يضمن الحجام والختان والطبيب إذا حصل منهم إتلاف</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ هؤلاء إذا فعلوا ما أُمروا به؛ لم يضمنوا بشرطين:\nأحدهما: أن يكونوا ذوي حذقٍ في صناعتهم، ولهم بها بصارة ومعرفة.\nالثاني: أن لا تجني أيديهم، فيتجاوزوا ما ينبغي أن يقطع، فإذا وجد هذان","vol":"7","page":81},{"text":"الشرطان؛ لم يضمنوا، وإن تخلف أحدهما؛ ضمن. وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، وأصحاب الرأي، وقال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3562>مسألة [٧٦]: حكم أجرة الحجام</span>.\n• جمهور العلماء على أنها حلال، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي وآخرين. وهو قول ابن عباس -﵄-، واستدل على ذلك بالحديث المذكور في الباب: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- احتجم، وأعطى الذي حجمه أجرًا. قال: ولو كان حرامًا ما أعطاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\n• وعن أحمد رواية بتحريمها، وعدم صحة الاستئجار على ذلك، وقال بذلك بعض أصحابه.\n• وكره ذلك الحسن، والنخعي، وحجة هذا القول حديث رافع المذكور في الباب: «كسب الحجام خبيث»، وحديث: «أطعمه ناضحك ورقيقك». (^٢)\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الجمهور، وقد رجَّحه ابن قدامة، واستدل بحديث ابن عباس المذكور.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١١٧).\n(^٢) حسن لغيره. أخرجه أبو داود (٣٤٢٢)، والترمذي (١٢٧٧)، وأحمد (٥/ ٤٣٦)، وغيرهم من طريق: حرام بن سعد، أو ساعدة بن محيصة، عن جده، وروايته عنه مرسلة كما ذكر ذلك ابن عبدالبر في «التمهيد» (١١/ ٧٨).\nوله شاهد من حديث جابر أخرجه أحمد (١٤٢٩٠) (١٥٠٧٩)، والحميدي (١٢٨٤)، وأبو يعلى (٢١١٤)، والطحاوي (٤/ ١٣٠)، من طريق: أبي الزبير، عن جابر، وقد صرَّح بالتحديث في بعض المواضع؛ فإسناده حسن.","vol":"7","page":82},{"text":"قال -﵀- في «المغني» (٨/ ١١٨ - ١١٩): وَقَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ: «أَطْعِمْهُ رَقِيقَك» دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ كَسْبِهِ؛ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُطْعِمَ رَقِيقَهُ مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ؛ فَإِنَّ الرَّقِيقَ آدَمِيُّونَ، يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا حَرَّمَهُ الله تَعَالَى، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْأَحْرَارِ، وَتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِمَا أُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْجَارٍ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَتَسْمِيَتُهُ كَسْبًا خَبِيثًا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّحْرِيمُ، فَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ - ﷺ - الثُّومَ وَالْبَصَلَ خَبِيثَيْنِ، مَعَ إبَاحَتِهِمَا، وَإِنَّمَا كَرِهَ النَّبِيُّ - ﷺ - ذَلِكَ لِلْحُرِّ تَنْزِيهًا لَهُ؛ لِدَنَاءَةِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ.\nقال: وَلَيْسَ عَنْ أَحْمَدَ نَصٌّ فِي تَحْرِيمِ كَسْبِ الْحَجَّامِ، وَلَا الِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا قَالَ: نَحْنُ نُعْطِيه كَمَا أَعْطَى النَّبِيُّ - ﷺ -، وَنَقُولُ لَهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَكْلِهِ نَهَاهُ، وَقَالَ: «أعْلِفْهُ النَّاضِحَ وَالرَّقِيقَ»، وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ وَلَيْسَ هَذَا صَرِيحًا فِي تَحْرِيمِهِ بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ. انتهى المراد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3563>مسألة [٧٧]: الاستئجار على الختان</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١١٧): وَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْخِتَانِ، وَالْمُدَاوَاةِ، وَقَطْعِ السِّلْعَةِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يُحْتَاجُ إلَيْهِ، مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا؛ فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ الْمُبَاحَةِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3564>مسألة [٧٨]: حكم أجرة الكساح للحشوش وغيرها</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٣٢): وَيُكْرَهُ أَنْ يُؤْجِرَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ لِكَسْحِ الْكُنُفِ، وَيُكْرَهُ لَهُ أَكْلُ أَجْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ»،\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٦/ ٤٥) «الفتح» (٢٢٧٨) «المحلى» (١٣٠٦).","vol":"7","page":83},{"text":"وَنَهَى الْحُرَّ عَنْ أَكْلِهِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا حَجَّ، ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: إنِّي رَجُلٌ أَكْنُسُ، فَمَا تَرَى فِي مَكْسَبِي؟ قَالَ: أَيَّ شَيْءٍ تَكْنُسُ؟ قَالَ: الْعَذِرَةَ. قَالَ: وَمِنْهُ حَجَجْت، وَمِنْهُ تَزَوَّجْت؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَنْتَ خَبِيثٌ، وَحَجُّك خَبِيثٌ، وَمَا تَزَوَّجْت خَبِيثٌ. أَوْ نَحْوَ هَذَا، ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، فِي «سُنَنِهِ» بِمَعْنَاهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ دَنَاءَةً، فَكُرِهَ، كَالْحِجَامَةِ، فَأَمَّا الْإِجَارَةُ فِي الْجُمْلَةِ، فَجَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا، فَلَا تَنْدَفِعُ بِدُونِ إبَاحَةِ الْإِجَارَةِ؛ فَوَجَبَ إبَاحَتُهَا، كَالْحِجَامَةِ. اهـ\nقلتُ: والقول بالجواز قول عامة أهل العلم كما في «المحلى» (١٣١٨)، وأثر ابن عباس إسناده صحيح كما في «المحلى».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3565>مسألة [٧٩]: هل يضمن الراعي إذا تلفت بعض الشياه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٢٣): لَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاعِي فِيمَا تَلِفَ مِنْ الْمَاشِيَةِ؛ مَا لَمْ يَتَعَدَّ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا عَنْ الشَّعْبِيِّ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ ضَمَّنَ الرَّاعِيَ، وَلَنَا أَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى حِفْظِهَا، فَلَمْ يَضْمَنْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، كَالْمُودَعِ، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ قَبَضَهَا بِحُكْمِ الْإِجَارَةِ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، كَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، فَأَمَّا مَا تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ، فَيَضْمَنُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، مِثْلُ أَنْ يَنَامَ عَنْ السَّائِمَةِ، أَوْ يَغْفُلَ عَنْهَا، أَوْ يَتْرُكَهَا تَتَبَاعَدُ مِنْهُ، أَوْ تَغِيبُ عَنْ نَظَرِهِ وَحِفْظِهِ، أَوْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا يُسْرِفُ فِيهِ، أَوْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الضَّرْبِ ...، وَأَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا يُعَدُّ تَفْرِيطًا وَتَعَدِّيًا. اهـ","vol":"7","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3566>مسألة [٨٠]: ضابط ما يجوز إجارته</span>.\nيجوز إجارة كل عين يمكن أن ينتفع بها منفعة مباحة مع بقائها بحكم الأصل. «المغني» (٨/ ١٢٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3567>مسألة [٨١]: ضابط لما لا يجوز إجارته</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٣٣): مَا يَحْرُمُ بَيْعُهُ، إلَّا الْحُرَّ، وَالْوَقْفَ، وَأُمَّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبَّرَ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إجَارَتُهَا، وَإِنْ حَرُمَ بَيْعُهَا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَلَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، كَالْعَبْدِ الْآبِقِ، وَالْجَمَلِ النَّادِّ، وَالْبَهِيمَةِ الشَّارِدَةِ، وَالْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ غَاصِبِهِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِهِ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنْ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا تُجْهَلُ صِفَتُهُ؛ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا نَفْعَ فِيهِ، كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ، أَوْ الطَّيْرِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلاصْطِيَادِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3568>مسألة [٨٢]: إجارة الحلي</span>.\n• أكثر أهل العلم على جواز إجارة الحلي، سواء آجره من جنسه، أو من غير جنسه، وقال بعض الحنابلة: لا يجوز إجارته من جنسه؛ لأنها تحتك بالاستعمال، فيذهب منها أجزاء، وإن كانت يسيرة، فيحصل الأجر في مقابلتها، ومقابلة الانتفاع؛ فيفضي إلى بيع ذهبٍ بذهب، وشيء آخر.\nوأُجيب عن ذلك: بأنَّ الأجر إنما هو مقابل الانتفاع؛ حصل نقص، أو لم","vol":"7","page":85},{"text":"يحصل، والصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3569>مسألة [٨٣]: استئجار دار ليصلي فيها وتتخذ مسجدًا</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٢٨): وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ دَارٍ يَتَّخِذُهَا مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ اسْتِحْقَاقُهُ بِعَقْدِ إجَارَةٍ بِحَالٍ، فَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ لِذَلِكَ. وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ، يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْعَيْنِ مَعَ بَقَائِهَا؛ فَجَازَ اسْتِئْجَارُ الْعَيْنِ لَهَا، كَالسُّكْنَى، وَيُفَارِقُ الصَّلَاةَ؛ فَإِنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ، بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3570>مسألة [٨٤]: تأجير الدار لمن يتخذها كنيسة، أو يفعل فيها محرمًا</span>.\n• قال أبو محمد بن قدامة -﵀- (٨/ ١٣٣): وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ إجَارَةُ دَارِهِ لِمَنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً، أَوْ بِيعَةً، أَوْ يَتَّخِذُهَا لِبَيْعِ الْخَمْرِ، أَوْ الْقِمَارِ. وَبِهِ قَالَ الْجَمَاعَةُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ بَيْتُك فِي السَّوَادِ؛ فَلَا بَأْسَ أَنْ تُؤْجِرَهُ لِذَلِكَ. وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ.\nوَلَنَا أَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ؛ فَلَمْ تَجُزْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ، كَإِجَارَةِ عَبْدِهِ لِلْفُجُورِ. وَلَوْ اكْتَرَى ذِمِّيٌّ مِنْ مُسْلِمٍ دَارِهِ، فَأَرَادَ بَيْعَ الْخَمْرِ فِيهَا؛ فَلِصَاحِبِ الدَّارِ مَنْعُهُ. وَبِذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْي: إنْ كَانَ بَيْتُهُ فِي السَّوَادِ وَالْجَبَلِ؛ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا شَاءَ. وَلَنَا أَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ جَازَ الْمَنْعُ مِنْهُ فِي الْمِصْرِ؛ فَجَازَ فِي السَّوَادِ، كَقَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٨/ ١٢٥ - ١٢٦) «الإنصاف» (٦/ ١٧).","vol":"7","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3571>مسألة [٨٥]: إجارة الفحل للضراب</span>.\n• أكثر أهل العلم على عدم الجواز؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن عسب الفحل، وعن بيع ضراب الجمل، وقد تقدم الكلام على ذلك في أوائل كتاب البيوع. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3572>مسألة [٨٦]: هل يجوز إجارة المشاع</span>؟\n• منع من ذلك أبو حنيفة، وزُفر، وهو الأشهر عند الحنابلة، إلا أن يؤجره من شريكه؛ لأنه لا يقدر على تسليمه.\n• ومذهب الجمهور جواز ذلك، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، والظاهرية، وأصحاب الرأي؛ لأنه معلوم يجوز بيعه؛ فجازت إجارته، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3573>مسألة [٨٧]: استئجار الكلب</span>.\n• فيه وجهان للحنابلة، والشافعية، والراجح منع ذلك؛ لأنَّه يحرم بيعه، فلا تجوز إجارته، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3574>مسألة [٨٨]: إجارة المصحف</span>.\n• فيه قولان لأهل العلم، وهما وجهان للحنابلة، والراجح جواز ذلك؛ لأنه يجوز بيعه عند الجمهور، وفيه نفعٌ مباحٌ بل مستحب؛ فتجوز إجارته، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١٣٠) «المحلى» (١٣٠٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ١٣٤) «الإنصاف» (٦/ ٣١ - ٣٢) «المحلى» (١٣٢٤).\n(^٣) انظر: «المغني» (٨/ ١٣٣ - ١٣٤) «الإنصاف» (٦/ ٢٤ -) «المحلى» (١٣٠٠).\n(^٤) انظر: «المغني» (٨/ ١٣٤ - ١٣٥).","vol":"7","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3575>مسألة [٨٩]: تأجير المسلم نفسه للذمي</span>.\nإن لم يكن فيه إذلال له؛ فجائزٌ عند أهل العلم، كأن يستأجره ليخيط له ثوبًا، أو يبني له جدارًا، أو ما أشبه ذلك، وإن كان فيه إذلال لنفسه عند الذمي؛ فلا يجوز، كأن يستأجره لخدمته، وقد نصَّ على ذلك أحمد، والشافعي في قولٍ له، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3576>مسألة [٩٠]: إجارة المسلم على إجارة أخيه</span>.\nقال ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (١/ ٢٠٨): ومن ذلك أنَّ النبي - ﷺ - نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، أو يخطب على خطبته، ومعلومٌ أنَّ المفسدة التي نهى عنها في البيع، والخطبة موجودة في الإجارة؛ فلا يحل له أن يؤجر على إجارته، وإن قدر دخول الإجارة في لفظ البيع العام، وهو بيع المنافع، فحقيقتها غير حقيقة البيع، وأحكامها غير أحكامه. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3577>مسألة [٩١]: هل تحل الأجرة المؤجلة بموت المستأجر</span>؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «الإنصاف» (٦/ ٧٧): لو أجَّلها فمات المستأجر؛ لم تحل الأجرة وإن قلنا بحلول الدين بالموت لأنَّ حلها مع تأخير استيفاء المنفعة ظلم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3578>مسألة [٩٢]: إذا اكترى دارًا وفيها شجرة، فهل يملك ثمرها وتدخل في الكراء</span>؟\nقال ابن حزم -﵀- كما في «المحلى» (١٣٢٣): ومن استأجر دارًا وفيها\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١٣٥) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢٧٦).","vol":"7","page":88},{"text":"شجرة؛ لم يجز دخولها في الكراء أصلًا، قَلَّ خطرها أم كثر، ظهر حملها أو لم يظهر، طاب أو لم يطب؛ لأنها قبل أن تخلق الثمرة، وقبل أن تطيب لا يحل فيها عقد أصلًا إلا المساقاة فقط، وبعد ظهور الطيب لا يجوز فيها إلا البيع لا الإجارة؛ لأن الإجارة لا تملك بها العين، ولا تستهلك أصلًا، والبيع تملك به العين والرقبة؛ فهو بيع بثمن مجهول، وإجارة بثمن مجهول؛ فهو حرام من كل جهة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي سليمان. اهـ\nقلتُ: تقدمت مسألة استكراء البهيمة للبن، وهذه المسألة تشبهها، وقد نصَّ الشوكاني على جوازها في «السيل الجرار»، والأحوط تركها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3579>مسألة [٩٣]: تنقية البالوعة والكنف على المكري، أم المستكري</span>؟\n• أما عند بداية الاستئجار فهي على صاحب الدار؛ لأنه يلزمه تمكين المستأجر من الانتفاع، وهذا من ذلك، وأما إن امتلأت بفعل المستكري، فأكثر أهل العلم على أنَّ ذلك على المستأجر؛ لأنه هو الذي أحدثها، وخالف أبو ثور فجعل ذلك على رب الدار، والصحيح قول الجمهور. (^١)\n• وإذا انقضت الإجارة والحمام يحتاج إلى تنظيف، أو في الدار زبل من فعل الساكن؛ فعليه نقله وتنظيفه، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٣) «المحلى» (١٣١٦) «البداية» (٤/ ١٦) «الإنصاف» (٦/ ٥٤).\n(^٢) «المغني» (٨/ ٣٤).","vol":"7","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3580>مسألة [٩٤]: الإجارة الفاسدة</span>.\nالإجارة الفاسدة إن أدركت قبل العمل؛ فسخت، وإن لم تدرك؛ فيستحق أجرة مثله عند أهل العلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3581>مسألة [٩٥]: الأجرة مقابل تعليم القرآن</span>.\n• منع من ذلك وكرهه طائفة من أهل العلم إذا كان مشروطًا، منهم: الحسن، وابن سيرين، وطاوس، والشعبي، والنخعي، وأحمد في رواية، وأبو حنيفة وغيرهم، واستدلوا على منع ذلك بحديث عبادة بن الصامت أنه علم رجلًا من أهل الصفة قرآنًا؛ فجاءه بعد ذلك بقوس أهداه له، فذكر ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: «إن سرَّك أن يقلدك الله قوسًا من النار؛ فاقبلها»، أخرجه أبو داود (٣٤١٦) (٣٤١٧)، وابن ماجه (٢١٥٧)، والحاكم (٢/ ٤١)، والبيهقي (٦/ ١٢٥)، وفي إسناده اختلافٌ على طريقين، إحداهما فيها الأسود بن ثعلبة مجهولٌ، والمغيرة ابن زياد فيه ضعفٌ، وأنكره عليه الحاكم، وابن عبد البر. والطريق الثانية، وهي أحسن حالًا، فيها: بشر بن عبد الله بن يسار، مجهول الحال.\nوجاء بنحوه عن أبي بن كعب، أخرجه ابن ماجه (٢١٥٨)، والبيهقي (٦/ ١٢٦)، وهو من طريق عبد الرحمن بن سلم، عن عطية الكلابي، عن أُبي، وعبد الرحمن مجهول، وعطية لم يسمع من أُبي.\nوجاء عن أبي الدرداء بنحوه، أخرجه البيهقي (٦/ ١٢٦)، وقال دُحيم: لا أصل له. واستدلوا على المنع بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٣٠١).","vol":"7","page":90},{"text":"إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥] الآية.\n• وذهب طائفة من أهل العلم إلى جواز أخذ الأجرة على ذلك، وهو قول أبي قلابة، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وأبي ثور، وابن المنذر، واختار هذا القول الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والإمام السعدي، ونقل صاحب «توضيح الأحكام» عن شيخ الإسلام أنه أجاز ذلك للحاجة. واستدل هؤلاء على الجواز بحديث ابن عباس -﵄- الذي في الباب: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» وبحديث: «زوجتكها بما معك من القرآن» (^١)، قالوا: فجعل تعليمها القرآن عوضًا ومهرًا للنكاح، وقالوا: الأجرة ليست على قراءته القرآن وتعليمه، وإنما على تعبه وانشغاله.\nوالأحاديث التي استدل بها أهل القول الأول فيها ضعفٌ، وتخالف حديث «الصحيحين» وتنافي قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من صنع إليكم معروفًا؛ فكافئوه» (^٢)، وفي الأحاديث أنه أهدى له القوس بدون شرط، والقائلون بالتحريم قالوا بالتحريم إذا شرط.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: من شغل عن الكسب بالتعليم؛ جاز له أن يأخذ الأجرة مقابل تعبه، وانشغاله، والأفضل ترك ذلك، ومن لم يشغل ولا يحتاج إلى المال؛ فيكره ذلك في حقه، ويُخشى عليه من الوقوع في المحرَّم، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» برقم (٩٧٢).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» برقم (١٤٦٥).\n(^٣) انظر: «المغني» (٨/ ١٣٦ - ١٣٩) «الشرح الممتع» (١٠/ ٩ -) «فتاوى اللجنة» (١٥/ ٩٥) «توضيح الأحكام» (٥/ ٥٩).","vol":"7","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3582>مسألة [٩٦]: إذا اختلف المؤجر والمستأجر في قدر الأجرة</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أن حكمهما كحكم البائع والمشتري أنهما يتحالفان، وتفسخ الإجارة إن كان قبل الشروع، وإلا فعليه أجرة المثل.\n• وقال أبو حنيفة: إن كان قبل العمل؛ فيتحالفان، وإن كان بعد العمل؛ فالقول قول المستأجر فيما بينه وبين أجر مثله.\n• وقال أبو ثور: القول قول المستأجر؛ لأنه منكر للزيادة في الأجر.\n• وقال بعض الحنابلة: القول قول المالك؛ لأنَّ في حديث اختلاف المتبايعين: «فالقول ما يقول رب السلعة».\nوالقول الأول هو الأقرب؛ لأنَّ الإجارة معاوضة كالبيع. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3583>مسألة [٩٧]: إذا اختلفا في المدة</span>؟\nكأن يقول المالك: أجرتكها سنة. وقال المستأجر: سنتين. فالقول قول المالك؛ لأنه منكر للزيادة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3584>مسألة [٩٨]: إذا اختلفا في التعدي في العين المستأجرة</span>؟\nالقول قول المستأجر؛ لأنه مؤتمن عليها، فأشبه المودع عنده. (^٣)\nوهناك صور أخرى في الاختلاف يعرف الراجح فيها بقياسها على مسائل الخلاف المتقدمة في أبواب سابقة، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١٤١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ١٤٢).\n(^٣) «المغني» (٨/ ١٤٢).","vol":"7","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3585>فَصْلٌ فِي الجعَالَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3586>مسألة [١]: تعريفها</span>.\nهي فَعَالة من الجَعل، والجَعل معناه وضع الشيء، والجعالة مثلثة الجيم، وهي عند الفقهاء التزام من مطلق التصرف عوضًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا، أو مجهولًا، مدة معلومة، أو مجهولة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3587>مسألة [٢]: مشروعية الجعالة</span>.\nاستدل أهل العلم على مشروعيتها بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢]، وبحديث أبي سعيد الخدري -﵁- في «الصحيحين» أنه رقى سيدَ حَيٍّ، وجعلوا له جعلًا قطيع شياه فأقره رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (^٢)\nوالحاجة تدعو إلى ذلك؛ فإنَّ العمل قد يكون مجهولًا، كرد الآبق، والضالة، ونحوها، ولا تنعقد الإجارة فيه؛ لكونه مجهولًا، وقد لايجد من يتبرع به؛ فدعت الحاجة إلى إباحة ذلك.\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٢٣): وجملة ذلك أنَّ الجعالة في رد الضالة، والآبق وغيرهما جائزة، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفًا. اهـ (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الممتع» (١٠/ ٣٤٤) «حاشية البيان» (٧/ ٤٠٧).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٥٧٣٦)، ومسلم برقم (٢٢٠١).\n(^٣) وانظر: «بداية المجتهد» (٤/ ٢٣).","vol":"7","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3588>مسألة [٣]: الفرق بين الجعالة والإجارة</span>.\nالجعالة عقد جائز، فلا يلزم فيها أن يكون العمل، أو العامل معلومًا، والإجارة عقد لازم؛ فوجب فيها أن يكون العمل والعامل معلومًا، وكذلك الجعالة لا يلزم فيها تحديد المدة؛ لأنه عقد جائزٌ، بخلاف الإجارة فيجب فيها تحديد المدة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3589>مسألة [٤]: هل للجاعل والعامل الفسخ متى شاءا</span>؟\n• ذكر أهل العلم أنَّ العامل له أن يترك العمل متى شاء؛ لأنه غير ملزم به، ولا يستحق شيئًا، وللجاعل أيضًا أن يفسخ ما التزمه من العوض إن كان ذلك قبل إتمام العمل، وليس له فسخه بعد إتمام العمل، ويجب عليه العوض الذي التزمه؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، وخالف ابن حزم فلم يلزمه بذلك، والصحيح قول الجمهور.\nوذكر أهل العلم أن الجاعل إذا تراجع عما التزم إن كان قبل شروع العامل في العمل؛ فلا شيء عليه، وإن كان بعد شروعه في العمل فعليه له أجرة المثل إن عمل له بعض مقصوده الذي يقصده، وأما إذا لم يستفد منه شيئًا؛ فلا يلزمه، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٢٣) «البيان» (٧/ ٤٠٧) «الشرح الممتع» (١٠/ ٣٤٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٣٢٤) «البيان» (٧/ ٤١٢) «الشرح الممتع» (١٠/ ٣٥١ - ٣٥٢) «تفسير القرطبي» (٩/ ٢٣٢).","vol":"7","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3590>مسألة [٥]: هل يشترط في العوض أن يكون معلومًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٢٤): وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَمَلِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى كَوْنِ الْعَمَلِ مَجْهُولًا، بِأَنْ لَا يَعْلَمَ مَوْضِعَ الضَّالَّةِ وَالْآبِقِ، وَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى جَهَالَةِ الْعِوَضِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَصِيرُ لَازِمًا، فَلَمْ يَجِبْ كَوْنُهُ مَعْلُومًا، وَالْعِوَضُ يَصِيرُ لَازِمًا بِإِتْمَامِ الْعَمَلِ؛ فَوَجَبَ كَوْنُهُ مَعْلُومًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجُوزَ الْجَعَالَةُ مَعَ جَهَالَةِ الْعِوَضِ إذَا كَانَتْ الْجَهَالَةُ لَا تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ نِصْفُهُ، وَمَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ ثُلُثُهَا. فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا قَالَ الْأَمِيرُ فِي الْغَزْوِ: مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ رُءُوسٍ؛ فَلَهُ رَأْسٌ؛ جَازَ. وَقَالُوا: إذَا جَعَلَ جُعْلًا لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى قَلْعَةٍ، أَوْ طَرِيقٍ سَهْلٍ، وَكَانَ الْجُعْلُ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ؛ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا، كَجَارِيَةٍ يُعَيِّنُهَا الْعَامِلُ فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ. فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْجَهَالَةُ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ؛ لَمْ تَصِحَّ الْجَعَالَةُ وَجْهًا وَاحِدًا. اهـ\nقلتُ: وقد ذهب ابن القيم -﵀- إلى جواز الجعالة بنصيب شائع لا يمنع التسليم، كقوله: من رد عبدي؛ فله نصفه. «أعلام الموقعين» (١/ ٣٨٥). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3591>مسألة [٦]: إذا علق الجعالة بكون العمل في مدة معلومة، أو مكان معلوم</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٢٤): وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ مَعْلُومًا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي مِنْ الْبَصْرَةِ، أَوْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ، أَوْ خَاطَ قَمِيصِي هَذَا، فَلَهُ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٨/ ٣٢٤) «البيان» (٧/ ٤٠٨).","vol":"7","page":95},{"text":"كَذَا. صَحَّ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ مَعَ الْجَهَالَةِ فَمَعَ الْعِلْمِ أَوْلَى. وَإِنْ عَلَّقَهُ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَقَالَ: مَنْ رَدَّ لِي عَبْدِي مِنْ الْعِرَاقِ فِي شَهْرٍ، فَلَهُ دِينَارٌ. أَوْ مَنْ خَاطَ قَمِيصِي هَذَا فِي الْيَوْمِ، فَلَهُ دِرْهَمٌ. صَحَّ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ إذَا جَازَتْ مَجْهُولَةً، فَمَعَ التَّقْدِيرِ أَوْلَى. اهـ\nوقد منع من التقدير بالمدة مالك، وبعض الشافعية؛ لحصول الغرر، وهو يكثر في هذه التقديرات.\nقلتُ: والصحيح هو الجواز. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3592>مسألة [٧]: هل يجوز أن يجعل الجعالة لواحد بعينه، أو يفاوت الجعالة بين واحد وآخر</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٢٥): وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْجُعْلَ فِي الْجَعَالَةِ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَيَقُولَ لَهُ: إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَلَكَ دِينَارٌ. فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ مَنْ يَرُدُّهُ سِوَاهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَيَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ دِينَارٌ. فَمَنْ رَدَّهُ؛ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِوَاحِدٍ فِي رَدِّهِ شَيْئًا مَعْلُومًا، وَلِآخَرَ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْمُعَيَّنِ عِوَضًا، وَلِسَائِرِ النَّاسِ عِوَضًا آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَجْرُ فِي الْإِجَارَةِ مُخْتَلِفًا مَعَ التَّسَاوِي فِي الْعَمَلِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3593>مسألة [٨]: إذا قال: من رد ضالتي فله دينار، فجاء بها ثلاثة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: فَإِنْ قَالَ: مَنْ رَدَّ لُقَطَتِي فَلَهُ دِينَارٌ، فَرَدَّهَا ثَلَاثَةٌ، فَلَهُمْ\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٧/ ٤٠٨) «البداية» (٤/ ٢٣).","vol":"7","page":96},{"text":"الدِّينَارُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْعَمَلِ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ الْعِوَضُ، فَاشْتَرَكُوا فِي الْعِوَضِ، كَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ ...؛ فَإِنْ جَعَلَ لِوَاحِدٍ فِي رَدِّهَا دِينَارًا، فَرَدَّهَا هُوَ وَآخَرَانِ مَعَهُ، وَقَالَا: رَدَدْنَا مُعَاوَنَةً لَهُ؛ اسْتَحَقَّ جَمِيعَ الْجُعْلِ، وَلَا شَيْءَ لَهُمَا، وَإِنْ قَالَا: رَدَدْنَاهُ لِنَأْخُذَ الْعِوَضَ لِأَنْفُسِنَا. فَلَا شَيْءَ لَهُمَا، وَلَهُ ثُلُثُ الْجُعْلِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ ثُلُثَ الْعَمَلِ، فَاسْتَحَقَّ ثُلُثَ الْجُعْلِ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْآخَرَانِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا عَمِلَا مِنْ غَيْرِ جُعْلٍ. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٢٧): وَالْجَعَالَةُ تُسَاوِي الْإِجَارَةِ فِي اعْتِبَارِ الْعِلْمِ بِالْعِوَضِ، وَمَا كَانَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ؛ جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْجَعَالَةِ، وَمَا لَا فَلَا، وَفِي أَنَّ مَا جَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ الْأَعْمَالِ؛ جَازَ أَخْذُهُ عَلَيْهِ فِي الْجَعَالَةِ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ، مِثْلُ الْغِنَاءِ، وَالزَّمْرِ، وَسَائِرِ المُحَرَّمَاتِ، لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَيْهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3594>مسألة [٩]: من رد لقطةً، أو ضالةً لصاحبها بغير التزام صاحبها بجعل، فهل يستحق عوضًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: وَمَنْ رَدَّ لُقَطَةً أَوْ ضَالَّةً، أَوْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا غَيْرَ رَدِّ الْآبِقِ، بِغَيْرِ جُعْلٍ؛ لَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضًا. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِوَضَ مَعَ المُعَاوَضَةِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مَعَ عَدَمِهَا، كَالْعَمَلِ فِي الْإِجَارَةِ؛ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْجُعْلِ، فَقَالَ: جَعَلْت لِي فِي رَدِّ لُقَطَتِي كَذَا. فَأَنْكَرَ الْمَالِكُ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْعِوَضِ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ","vol":"7","page":97},{"text":"الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزَّائِدِ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْعِوَضِ، فَكَذَلِكَ فِي قَدْرِهِ. اهـ\nقلتُ: ومذهب الشافعي أنهما إذا اختلفا في القدر تحالفا، وهو قول بعض الحنابلة، فإذا تحالفا؛ وجب له أجر المثل، وهذا أقرب، والله أعلم. (^١)\nواختلف أهل العلم في العبد الآبق، هل يستحق من رده عوضًا بغير التزام صاحبه بذلك؟\n• فمذهب مالك، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية أنه يستحق على ذلك عوضًا، وقال به شريح، وعمر بن عبد العزيز، واستدلوا على ذلك بأنه قد قال بذلك بعض الصحابة كعمر، وعلي، وابن مسعود -﵃-، واستدلوا بمرسل ابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار قالا: جعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الآبق إذا جاء به خارجًا من الحرم عشرة دراهم. ولأنَّ في شرط الجعل في درهم حثًّا على رد الآبقين، وصيانة لهم عن الرجوع إلى دار الحرب.\n• ومذهب الشافعي، وأحمد في رواية أنه لا يستحق إلا بالتزام صاحبه بذلك كالجمل الشارد وغيره، وقال بذلك النخعي، وابن المنذر.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَالْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ فِي هَذَا مُرْسَلٌ، وَفِيهِ مَقَالٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ الْإِجْمَاعُ فِيهِ وَلَا الْقِيَاسُ؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٢٨) «البيان» (٧/ ٤١٣).","vol":"7","page":98},{"text":"فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ، وَلَا تَحَقَّقَتْ أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ الظَّاهِرُ هَرَبَهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إلَّا فِي الْمَجْلُوبِ مِنْهَا، إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً، وَهَذَا بَعِيدٌ فِيهِمْ. اهـ\nقلتُ: وهذا القول هو الصواب؛ لعدم وجود دليل صحيح يعتمد عليه في ذلك، والأصل حرمة أموال الناس، فلا نلزمهم بشيء من أموالهم إلا بدليل، وأما آثار الصحابة، فأثر عمر له سندان أحدهما منقطع، والآخر فيه: الحجاج بن أرطاة، وأثر ابن مسعود له إسنادان أحدهما فيه مجهول حال، والآخر مبهم، وأثر علي فيه: الحارث الأعور، والحجاج بن أرطاة.\nواختلف القول في هذه الآثار في تحديد المقدار الذي يستحق من رد العبد الآبق، وقد اختلف أهل القول الأول في ذلك على أقوال تُراجع من المصادر التي سنذكرها، واختيارنا للقول الثاني يغنينا عن ذكر الأقوال، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3595>مسألة [١٠]: إذا قال: من رد عبدي من بلد كذا فله دينار. فرده من نصف الطريق</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٢٦): وَإِنْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي مِنْ بَلَدِ كَذَا فَلَهُ دِينَارٌ. فَرَدَّهُ إنْسَانٌ مِنْ نِصْفِ طَرِيقِ ذَلِكَ الْبَلَدِ؛ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْجُعْلِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ نِصْفَ الْعَمَلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدَيَّ فَلَهُ دِينَارٌ. فَرَدَّ أَحَدَهُمَا؛ فَلَهُ نِصْفُ الدِّينَارِ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ نِصْفَ الْعَبْدَيْنِ. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٢٨ -)، «المحلى» (١٣٢٧)، «البيان» (٧/ ٤٠٩)، «نصب الراية» (٣/ ٤٧٠ - ٤٧١).\n(^٢) وانظر: «البيان» (٧/ ٤١١).","vol":"7","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3596>بَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِ</span>\n٩٠٧ - عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ عَمَّرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا». قَالَ عُرْوَةُ: وَقَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n٩٠٨ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: رُوِيَ مُرْسَلًا. وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَاخْتُلِفَ فِي صَحَابِيِّهِ: فَقِيلَ جَابِرٌ، وَقِيلَ عَائِشَةُ، وَقِيلَ عَبْدُاللهِ بْنُ عَمْرٍو، وَالرَّاجِحُ الأَوَّلُ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٣٣٥).\n(^٢) صحيح بشواهده. أما حديث سعيد بن زيد فتقدم تخريجه في (باب الغصب) وذكرنا حديث عائشة عند ذلك التخريج، وتقدم أن الصواب في الحديث أنه من مراسيل عروة بن الزبير.\nوأما حديث جابر، فأخرجه أحمد (٣/ ٣٠٤، ٣٣٨، ٣١٣، ٣٢٦، ٣٨١)، والنسائي في «الكبرى» (٥٧٥٧) (٥٧٥٨) (٥٧٥٦)، والترمذي (١٣٧٩)، وأبويعلى (٢١٩٥)، والدارمي (٢٦١٠)، والطبراني في «الأوسط» (٤٧٧٦) وابن حبان (٥٢٠٣) (٥٢٠٥)، وغيرهم.\nقال ابن عبدالبر في «التمهيد» (٢٢/ ٢٨٠): اختلف فيه على هشام بن عروة، فروته عنه طائفة عن أبيه مرسلًا وهو أصح ما قيل فيه إن شاء الله، وروته طائفة عن هشام عن أبيه عن سعيد بن زيد، وروته طائفة عن هشام عن وهب بن كيسان عن جابر، وروته طائفة عن هشام عن عبيدالله بن عبدالرحمن بن رافع، وبعضهم يقول فيه: عن هشام عن عبيدالله بن عبدالرحمن بن رافع عن جابر، وبعضهم يقول فيه: عن هشام بن عروة عن عبيدالله بن أبي رافع عن جابر، وفيه اختلاف كثير. اهـ\n\nقلت: وأي حالة رجحت من هذه الأوجه فإنها لا تخرج عن حيز الاستشهاد، فالحديث صحيح بشاهده الذي قبله من حديث عائشة، والذي سيأتي إن شاء الله من حديث سمرة.\nوله طريق أخرى عن جابر من غير طريق هشام.\nفقد أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٦): حدثنا يونس ويحيى بن أبي بكير قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر. وهذا إسناد حسن لولا عنعنة أبي الزبير. ومع ذلك فهو يجعل الحديث صحيحًا، ويكون له أصل عن جابر، والله أعلم.\nوأما حديث عبدالله بن عمرو، فأخرجه الطبراني في «الأوسط» (٦٠٥) من طريق مسلم بن خالد الزنجي عن هشام، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو به. وهذه الرواية منكرة؛ لأن مسلم بن خالد ضعيف، وقد تفرد بهذا الإسناد وخالفه الثقات كما تقدم.","vol":"7","page":100},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nأما الإحياء: فهو مصدر (أحيا)، وأما الموات: فهو ما لا حياة فيه، شبهت عمارة الأرض وزراعتها بالحياة، وتعطيلها بالموت.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: عبَّروا بالموات دون الميتة؛ لأنَّ الأرض الميتة قد يُراد بها ما لا نبات فيها كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٣٣]، فعبروا عن الأرض هنا بالموات؛ للفرق بينها وبين الأرض التي ليس فيها نبات. اهـ\nوتعريف الموات عند الفقهاء: هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات، وملك معصوم.\nفقولنا: (الاختصاصات) هي كمجاري السيول، ومواضع الحطب، ومواضع المراعي، والمصالح العامة، وأفنية الدور.\nوقولنا: (ملك معصوم)، أي: مملوكة بإحياء، أو إرث، أو شراء للمعصوم ماله وهو المسلم، ويشمل أيضًا الذِّمِّي، والمعاهد، والمستأمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3597>مسألة [١]: أقسام الموات الذي يُحيى</span>.\nالموات قسمان:\nالقسم الأول: مالم يجر عليه ملك لأحد، ولم يوجد فيه أثر عمارة.","vol":"7","page":101},{"text":"فهذا يُملك بالإحياء بغير خلاف بين القائلين بالإحياء، والأخبار التي تقدمت تتناوله.\nالقسم الثاني: ما جرى عليه ملك مالك، وهو ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: ماله ملك معين، وهو ضربان:\nالأول: ما مُلِكَ بشراءٍ، أو عطية، فهذا لا يُملك بالإحياء بغير خلاف، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنَّ ما عُرِف بملك مالك غير منقطع أنه لا يجوز لأحد غير أربابه.\nالثاني: ما مُلِك بالإحياء، ثم ترك حتى دثر، وعاد مواتًا؛ فهو كالذي قبله في الحكم عند أهل العلم، وخالف مالك فقال: إذا أحيا هذا؛ مَلَكَهُ؛ لعموم الحديث: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له»، ولأنَّ أصل هذه الأرض مباح، فإذا تركت حتى تصير مواتًا؛ عادت إلى الإباحة، كمن أخذ ماءً من نهر ثم رده فيه.\nوأُجيب عليه: بأنَّ هذه أرضٌ يعرف مالكها؛ فلم تملك بالإحياء، كالتي ملكت بشراءٍ، أو عطية، والخبر مقيد بغير المملوك، ففي حديث عائشة زيادة: «ليست لأحد»، وهذا يقيد مطلق حديثه، ثم حديثه مخصوص بما ملك بشراءٍ، أو عطية، فيقاس عليه محل النزاع، وما ذكروه يبطل بالموات إذا أحياه إنسان، ثم باعه، فتركه المشتري حتى عاد مواتًا، وباللقطة إذا ملكها، ثم ضاعت منه، ويخالف ماء النهر؛ فإنه استهلك.","vol":"7","page":102},{"text":"النوع الثاني: ما يوجد فيه آثار ملك قديم جاهلي، كآثار الروم، ومساكن ثمود، ونحوها.\nفهذا يملك بالإحياء؛ لأنَّ ذلك الملك لا حرمة له، وقد رُوي عن طاوس، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «عادي الأرض لله ولرسوله ثم هو بعد لكم» أخرجه البيهقي (٦/ ١٤٣)، وهو حديث مرسل، وقوله: «عادي الأرض» قال أبو عبيد: التي كان بها ساكن في آباد الدهر، فانقرضوا، فلم يبق منهم أنيس، وإنما نسبها إلى عاد؛ لأنهم كانوا مع تقدمهم ذوي قوة، وبطش، وآثار كثيرة، فنسب كل أثر قديم إليها.\nقال ابن قدامة -﵀-: ويحتمل أنَّ كل ما فيه أثر الملك، ولم يعلم زواله أنه لا يملك؛ لأنَّه يحتمل أنَّ المسلمين أخذوه عامرًا، فاستحقوه، فصار موقوفًا بوقف عمر له؛ فلم يملك كما لو علم مالكه. اهـ\nالنوع الثالث: ما جرى عليه الملك في الإسلام لمسلم، أو ذِمِّيٍّ غير معين.\n• قال ابن قدامة -﵀-: فظاهر كلام الخرقي أنها لا تملك بالإحياء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، نقلها عنه أبو داود وغيره؛ لما روى كثير بن عبدالله ابن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أحيا أرضًا مواتًا في غير حق مسلم؛ فهي له»، ولأنَّ هذه الأرض لها ملك؛ فلم يَجُزْ إحياؤها كما لو كان معينًا؛ فإنَّ مالكها إن كان له ورثة؛ فهي لهم، وإن لم يكن له ورثة؛ ورثها المسلمون. اهـ","vol":"7","page":103},{"text":"قلتُ: حديث عمرو بن عوف أخرجه إسحاق كما في «الفتح» (٢٣٣٥)، وفي إسناده: كثير ابن عبد الله قد كُذِّب.\n• والقول الثاني في هذه المسألة أنها تملك بالإحياء، وهي رواية عن أحمد، وقال به مالك، وأبو حنيفة؛ لعموم الأخبار، ولأنها أرضٌ موات لا حقَّ فيها لقوم بأعيانهم؛ أشبهت مالم يجر عليه ملك مالك، ولأنها إن كانت في دار الإسلام؛ فهي كلقطة دار الإسلام، وإن كانت في دار الكفر؛ فهي كالرِّكاز.\nقلتُ: القول الأول قال به الشافعية أيضًا، ورجَّحه ابن حزم، وقال: النظر فيها إلى الإمام، وهو أقرب إلى الصواب عندي -والله أعلم-؛ لحديث عائشة: «من أعمر أرضًا ليست لأحدٍ ..»، فإذا عُلِمَ أنها كانت لأحد ثم لم نجد له ورثة؛ فإنها ترجع إلى بيت المال، تُصرف لمن يستحقها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3598>مسألة [٢]: هل يصح الإحياء أيضًا في دار الحرب</span>؟\nأما ما كان عامرًا من دار الحرب؛ فلا يُملك بالإحياء؛ لأنه ليس بموات، ولأنَّ الشارع أباح تملك ديارهم بالقهر والغلبة كسائر أموالهم.\nوأما إن كان مواتًا لا يعرف له مالك؛ فهذا يجوز إحياؤه؛ لعموم الأدلة.\nوأما إن كان مواتًا عُرف أنه كان مملوكًا؛ ففيه روايتان عن أحمد، ووجهان للشافعية، والأقرب ههنا أنه يملكها بالإحياء؛ لأنه لو وُجِدَ في بلاد الشرك ركاز من\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٨/ ١٤٦ - ١٤٨) «البيان» (٧/ ٤٧٧ - ٤٧٨) «المحلى» (١٣٤٧).","vol":"7","page":104},{"text":"ضرب المشركين؛ لملكه بالوجود، وإن كان قد جرى عليه ملك مشرك، فكذلك إذا أحيا مواتًا جرى عليه ملك لمالك غير معروفٍ من المشركين، والله تعالى أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3599>مسألة [٣]: هل يملك الذمي بالإحياء في دار الإسلام</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: أنه لا يملك بالإحياء في دار الإسلام، وهذا قول الشافعي، وبعض الحنابلة، وطائفة من المالكية، وأهل الظاهر، وحُكي عن مالك. واستدلوا بما رُوي: «مَوَتان الأرض لله، ولرسوله، ثم هي لكم مني»، وقالوا: ذلك من حقوق الدار، والدار للمسلمين.\nالثاني: أنه يملك فيها بالإحياء كالْمُسلِم، وهو قول أحمد، وهو قول الحنفية، وأكثر المالكية، وحُكي عن مالك، وعليه أكثر الحنابلة، واستثنى المالكية ما أحياه بجزيرة العرب؛ فإنه لا يملكه.\nواستدل أهل هذا القول بعموم الحديث: «من أحيا أرضًا ميتة؛ فهي له»، ولأنَّ الإحياء من أسباب الملك؛ فملك به الذمي كسائر أسبابه، وحديثهم: «موتان الأرض لله ولرسوله ..» لا يُعرف في شيء من كتب الحديث، وإنما لفظه: «عادي الأرض لله ورسوله، ثم هو لكم»، وهو مرسل كما تقدم.\nقالوا: ولو ثبت هذا اللفظ؛ لم يمنع تملك الذمي بالإحياء كما يتملك بالاحتشاش، والاحتطاب، والاصطياد ما هو للمسلمين؛ فإنَّ المسلمين إذا ملكوا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١٤٨) «البيان» (٧/ ٤٧٨ - ٤٧٩).","vol":"7","page":105},{"text":"الأرض ملكوها بما فيها من المعادن، والمنافع، ولا يمتنع أن يتملك الذمي بعض ذلك، وإقرار الإمام لهم على ذلك جارٍ مجرى إذنه لهم فيه، ولأنَّ فيه مصلحة للمسلمين بعمارة الأرض وتهيئتها للانتفاع بها، ولا نقص على المسلمين في ذلك.\nالثالث: إذا أذن له الإمام؛ ملك به، وإلا لم يملك، وهذا قول ابن المبارك.\nالرابع: إن أحيا فيما بَعُدَ من العمران؛ ملكه، وإن أحيا فيما قَرُبَ من العمران؛ لم يملكه، وإن أذن له الإمام، وهذا قول مطرف، وابن الماجشون.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3600>مسألة [٤]: إذا ملك الذمي الأرض بالإحياء، فهل عليه فيها خراج</span>؟\n• جاء عن أحمد أنه قال: عليه العشر. وعنه رواية أخرى: ليس عليه شيء، وبهذا قالت الحنفية، وأكثر المالكية، وهو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3601>مسألة [٥]: ما قرب من العامر هل يجوز إحياؤه، وتملكه بالإحياء</span>؟\nما قرب من العامر له حالتان:\nالحالة الأولى: أن يتعلق بمصالح العامر.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٤٩): وَمَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ، وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ، مِنْ طُرُقِهِ، وَمَسِيلِ مَائِهِ، وَمَطْرَحِ قُمَامَتِهِ، وَمُلْقَى تُرَابِهِ وَآلَاتِهِ، فَلَا يَجُوزُ\n_________\n(^١) انظر: «أحكام أهل الذمة» لابن القيم (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨) (٢/ ٧١٠ -) «المغني» (٨/ ١٤٨ -) «البيان» (٧/ ٤٨١) «المحلى» (١٣٦١).\n(^٢) انظر: «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٧٠٩).","vol":"7","page":106},{"text":"إحْيَاؤُهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي المَذْهَبِ. وَكَذَلِكَ مَا تَعَلَّقَ بِمَصَالِحِ الْقَرْيَةِ، كَفِنَائِهَا، وَمَرْعَى مَاشِيَتِهَا، وَمُحْتَطَبِهَا، وَطُرُقِهَا، وَمَسِيلِ مَائِهَا، لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ أَيْضًا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَكَذَلِكَ حَرِيمُ الْبِئْرِ، وَالنَّهْرِ، وَالْعَيْنِ، وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَا يَجُوزُ إحْيَاءُ مَا تَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ. اهـ (^١)\nالحالة الثانية: أن لا يتعلق به مصالح العامر.\n• ففيه قولان:\nالأول: يجوز إحياؤه، ويتملك بذلك، وهو قول أحمد في رواية، والشافعي؛ لعموم أحاديث الباب.\nالثاني: لا يجوز إحياؤه، وهو رواية عن أحمد، وبه قال أبو حنيفة، والليث؛ لأنه في مظنة تعلق المصلحة به؛ فإنه يحتمل أن يحتاجه إلى فتح باب في حائطه إلى فنائه، ويجعله طريقًا، أو يخرب حائطه، فيضع آلات البناء في فنائه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، والله أعلم، ومظنة تعلق المصلحة به لا تمنع جواز الإحياء، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3602>مسألة [٦]: إذا وجد في الأرض بعد إحيائها معادن، فهل يملكها</span>؟\n• أما إذا كانت المعادن جامدة كالذهب، والفضة، والنحاس، وما أشبهها؛ فإنها تكون ملكًا له عند الجمهور، وهو قول الحنابلة، والشافعية، والحنفية،\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٧/ ٤٧٥).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٨/ ١٥٠).","vol":"7","page":107},{"text":"والظاهرية، وخالف مالك، فقال: هي للسلطان.\nوأُجيب عن مالكٍ -﵀-: بعدم وجود دليل يدل على قوله، والأصل حرمة مال المسلم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩].\nوقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ دماءكم، وأموالكم عليكم حرام»، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أحيا أرضًا ميتة؛ فهي له». (^١)\n• وأما المعادن الجارية، كالنفط، والقار، وما أشبهها، فظاهر كلام ابن حزم في «المحلى» أنَّ مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وداود أنه يملكها؛ لأنه عمم المسألة في جميع المعادن، وهو ظاهر كلام صاحب «البيان» عن مذهب الشافعي، وهذا القول رواية عن أحمد؛ لأنه ظهر في ملكه فأصبح مالكًا له كما تقدم في المعادن الجامدة.\n• ومذهب مالك أنَّ المعدن للسلطان، وقاله أحمد في رواية، قال ابن قدامة: أظهرهما لا يملكها؛ لأنها ليست من أجزاء الأرض؛ فلا يملكها.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي ينبغي للسلطان أن يُرضي صاحب الأرض بالمكافاءات المالية، ولا يأخذها منه قهرًا، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٣٤٩) «المغني» (٨/ ١٥٧) «البيان» (٧/ ٤٩٠).\n(^٢) انظر المصادر السابقة، و«الإنصاف» (٦/ ٣٤٤ -) «زاد المعاد» (٥/ ٨٠٢).","vol":"7","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3603>مسألة [٧]: إذا كانت المعادن في موات، فأراد إنسان أخذ المعادن دون إحياء الأرض</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٥٤ -): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ المَعَادِنَ الظَّاهِرَةَ، وَهِيَ الَّتِي يُوصَلُ إلَى مَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ مُؤْنَةٍ، يَنْتَابُهَا النَّاسُ، وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا، كَالْمِلْحِ، وَالمَاءِ، وَالْكِبْرِيتِ، وَالْقِيرِ، وَالمُومْيَاءِ، وَالنِّفْطِ، وَالْكُحْلِ ...، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، لَا تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلَا يَجُوزُ إقْطَاعُهَا لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، وَلَا احْتِجَازُهَا دُونَ المُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِالمُسْلِمِينَ، وَتَضْيِيقًا عَلَيْهِمْ.\nثم استدلَّ على ذلك بقصة أبيض بن حمَّال أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أقطعه الملح بمأرب، فقيل: يا رسول الله، أقطعته الماء الْعِدَّ الجاري فاسترجعه منه. أخرجه أبو داود (٣٠٦٤)، والترمذي (١٣٨٠)، وابن ماجه (٢٤٧٥)، وهو حديث ضعيفٌ؛ في إسناده مجاهيل.\nثم قال -﵀-: وَلِأَنَّ هَذَا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ المُسْلِمِينَ الْعَامَّةُ؛ فَلَمْ يَجُزْ إحْيَاؤُهُ، وَلَا إقْطَاعُهُ، كَمَشَارِعِ الْمَاءِ، وَطُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ.\nثم قال -﵀-: وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. اهـ\nقال أبو حسين العمراني في «البيان» (٧/ ٤٨٧): فإن سبق واحد إلى شيء من هذه المعادن الظاهرة؛ أخذه وملكه؛ لقوله - ﷺ -: «من سبق إلى مالم يسبق إليه؛ فهو أحق به»؛ فإن أخذ منها وانصرف، وجاء غيره وأخذ منها وانصرف، وعلى هذا يأخذون، واحد بعد واحد ...؛ جاز.","vol":"7","page":109},{"text":"قال: وإن جاء واحد وأطال يده عليها ففيه وجهان أي: عند الشافعية أحدهما: لا يزيل الإمام يده؛ لأنه أحق به. والثاني: يزيل يده عنها؛ لأنه يصير متحجرًا، وتحجرها لا يجوز. اهـ\nقلتُ: أما الحديث: «من سبق إلى مالم يسبق إليه ...» فأخرجه أبو داود (٣٠٧١) من حديث أسمر بن مضرس، وفيه أربعة مجاهيل، يروي أحدهم عن الآخر، فهو مسلسل بالمجاهيل؛ فهو شديد الضعف.\nوأما الوجهان اللذان ذكرهما فهما وجهان للحنابلة أيضًا كما في «المغني» (٨/ ١٥٩ - ١٦٠)، والأصح في ذلك أنه يرفع يده عنها؛ لأنها حق عام؛ فليس له أن يحتجزه على من دونه، وإنما له أن يأخذ حاجته؛ فهو أحق بالسبق.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٥٦): فَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ، وَهِيَ الَّتِي لَا يُوصَلُ إلَيْهَا إلَّا بِالْعَمَلِ وَالْمُؤْنَةِ، كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَالرَّصَاصِ ...، فَإِذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً؛ لَمْ تُمْلَكْ أَيْضًا بِالْإِحْيَاءِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.\nوَإِنْ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً، فَحَفَرَهَا إنْسَانٌ وَأَظْهَرَهَا؛ لَمْ يَمْلِكْهَا بِذَلِكَ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَظَاهِرِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْلِكَهَا بِذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَوَاتٌ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِالْعَمَلِ وَالْمُؤْنَةِ؛ فَمُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ، كَالْأَرْضِ، وَلِأَنَّهُ بِإِظْهَارِهِ تَهَيَّأَ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَكْرَارِ ذَلِكَ الْعَمَلِ؛ فَأَشْبَهَ الْأَرْضَ إذَا جَاءَهَا بِمَاءٍ أَوْ حَاطَهَا.","vol":"7","page":110},{"text":"قال: وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْإِحْيَاءَ الَّذِي يُمْلَكُ بِهِ هُوَ الْعِمَارَةُ الَّتِي تَهَيَّأَ بِهَا الْمُحْيِي للِانْتِفَاعِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارِ عَمَلٍ، وَهَذَا حَفْرٌ وَتَخْرِيبٌ، يَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارٍ عِنْدَ كُلّ انْتِفَاعٍ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر لي -والله أعلم- أنه يملك المعادن التي حفر عنها، وأظهرها وصارت في يده، دون غيرها ممالم تصلها يده، ومالم يظهرها ويصر في يده؛ فهي حقوق عامة، للإمام أن يوكل من يعمل، ويأخذها لأملاك المسلمين العامة، وينبغي لولي أمر المسلمين أن يخص صاحب الأرض بمكافآت على ما ظهر في أرضه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3604>مسألة [٨]: إحياء بعض الأماكن التي في جوانب الشوارع، والطرقات، وما أشبه ذلك</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٦١): وَمَا كَانَ مِنْ الشَّوَارِعِ، وَالطُّرُقَاتِ، وَالرِّحَابِ بَيْنَ الْعُمْرَانِ؛ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إحْيَاؤُهُ، سَوَاءٌ كَانَ وَاسِعًا، أَوْ ضَيِّقًا، وَسَوَاءٌ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُضَيِّقْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، وَتَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَتُهُمْ؛ فَأَشْبَهَ مَسَاجِدَهُمْ. وَيَجُوزُ الِارْتِفَاقُ بِالْقُعُودِ فِي الْوَاسِعِ مِنْ ذَلِكَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يُضَيِّقُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ؛ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ عَلَى إقْرَارِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ، وَلِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ؛ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ، كَالِاجْتِيَازِ.\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٧/ ٤٨٨) «الإنصاف» (٦/ ٣٦٠) «زاد المعاد» (٥/ ٨٠٢).","vol":"7","page":111},{"text":"قال: وَلَهُ أَنْ يُظَلِّلَ عَلَى نَفْسِهِ، بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، مِنْ بَارِيَّةٍ حصير، وَتَابُوتٍ، وَكِسَاءٍ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ فِيهِ.\nقال: وَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ، لَا دَكَّةً وَلَا غَيْرَهَا؛ لِأَنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ، وَيَعْثُرُ بِهِ الْمَارَّةُ بِاللَّيْلِ، وَالضَّرِيرُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَيَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ، فَرُبَّمَا ادَّعَى مِلْكَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.\nقال: وَالسَّابِقُ أَحَقُّ بِهِ مَا دَامَ فِيهِ؛ فَإِنْ قَامَ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ فِيهِ؛ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ إزَالَتُهُ؛ لِأَنَّ يَدَ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَقَلَ مَتَاعَهُ، كَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْعُدَ فِيهِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ قَدْ زَالَتْ.\nقال: وَإِنْ قَعَدَ وَأَطَالَ؛ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُتَمَلِّكِ، وَيَخْتَصُّ بِنَفْعٍ يُسَاوِيه غَيْرُهُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُزَالَ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ. اهـ\nقلتُ: وذكر العمراني -﵀- في «البيان» (٧/ ٤٩٠) مثل ما ذكره ابن قدامة، والصحيح في المسألة الأخيرة أنه لا يزال عنه، ولو أطال يده عليه، والله أعلم.\nتنبيه: ما ذكرناه في هذه المسألة مقيد ومستثنى بما إذا جعل وليُّ الأمر لهذه الأمور ضوابط يتعامل بها الناس؛ فيكون الحكم على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3605>مسألة [٩]: ما هو ضابط الإحياء</span>؟\nالصحيح في هذه المسألة أنَّ الإحياء ضابطه ما تعارف الناس بينهم أنه إحياء؛","vol":"7","page":112},{"text":"لأنه لم يرد في الشرع تبيين ضابط الإحياء، ولا ذكر كيفيته؛ فيجب الرجوع فيه إلى ما كان إحياءً في العُرف، وهذا القول نصَّ عليه الشافعي -﵀-، وهو قول أحمد في رواية، وقال به ابن حزم، والشوكاني، وقوَّاه الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3606>مسألة [١٠]: إذا سبق إلى الأرض وضرب عليها أعلامًا، ولم يحيها</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية، والحنفية وغيرهم أنه لا يملكها بذلك حتى يحييها، ويكون في ذلك الوقت متحجرًا عليها؛ فهو أحق بها، وقد استدلوا على ذلك بالحديث: «من سبق إلى مالم يسبق إليه؛ فهو أحق به»، وهو حديث مسلسلٌ بالمجاهيل كما تقدم.\nولم يفرق الشوكاني -﵀- في «السيل» بين الإحياء والتحجير، بل جعل التحجير من الإحياء؛ للحديث المذكور. والأظهر هو قول الجمهور بالتفريق بينهما. (^٢)\nتنبيه: إذا أطال يده عليها متحجرًا بدون إحياء أمهله السلطان مدة ليحييها، أو يرفع يده عنها؛ فإن مضت المدة ولم يحيها؛ أذن في إحيائها لغيره. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3607>مسألة [١١]: إذا جاء إنسان وأحيا الأرض التي قد تحجرها إنسان قبله، فهل يملكها</span>؟\n• في هذه المسألة وجهان للحنابلة، والشافعية، والأظهر أنه لا يملكها؛ لأنَّ يد الأول قد ثبتت عليها؛ فهو أحق بها، وفعل الإنسان الآخر لا يسقط حق\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١٧٦ -) «البيان» (٧/ ٤٨٢ -) «المحلى» (١٣٤٨) «الشرح الممتع» (١٠/ ٣٣١) «الإنصاف» (٦/ ٣٤٩) «السيل الجرار» (٣/ ٢٢٧).\n(^٢) انظر: «البيان» (٧/ ٤٨٣ - ٤٨٥) «المغني» (٨/ ١٥١، ١٥٧ -) «السيل» (٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(^٣) انظر: «المغني» (٨/ ١٥٣) «البيان» (٧/ ٤٨٥).","vol":"7","page":113},{"text":"الأول، والله أعلم.\nقال أبو الحسين العمراني -﵀- في «البيان» (٧/ ٤٨٥): وإن تطاول الزمان في ثبوت يد الأول عليها؛ فإنَّ السلطان يستدعيه ويقول له: إمَّا أن تحييه، وإمَّا أحياه غيرك. فإن استمهله، فأحياه؛ ملكه، وإن تركه؛ زال حكمه عنه، وإن لم يتركه وجاء غيره، وأحياه؛ ملكه وجهًا واحدًا؛ لأنه لا عذر له مع تطاول المدة. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3608>مسألة [١٢]: هل له أن يبيع ما تحجره</span>؟\n• فيه قولان للحنابلة، والشافعية، والأصح عندهم عدم جواز بيعه؛ لأنه ليس ملكًا له، وقال بعض الحنابلة، والشافعية: له بيعه؛ لأنه أحق به، فصار كالمالك، وهذا القول صححه الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nقلتُ: وهذا هو الصواب؛ لأنه يبيع حقًّا له، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3609>مسألة [١٣]: إذا استأجر إنسانًا ليحيي له الأرض، فأحياها، فمن يملكها</span>؟\n• مذهب الجمهور أنه يملكها المؤجر؛ لأنه هو الذي قصد الإحياء، والآخر عامل له.\nقال الشوكاني -﵀- في «السيل» (٣/ ٢٢٧ -): المباشرة للفعل تختلف باختلاف الأغراض والمقاصد، فإذا كان المباشر للإحياء مأمورًا من جهة غيره،\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٦/ ٣٥٥ - ٣٥٦) «البيان» (٧/ ٤٨٥) «المغني» (٨/ ١٥٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ١٥٢) «البيان» (٧/ ٤٨٥).","vol":"7","page":114},{"text":"أجيرًا له؛ صح ذلك، وكان عمله هذا داخلًا في أنواع الإجارات، ولا مانع من ذلك، وهكذا إذا كان المباشر وكيلًا؛ فإنه لم يحيها لنفسه، بل أحياها لموكله، وليس هذا من الأملاك القهرية التي تدخل في ملك مالكها شاء أم أبى. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3610>مسألة [١٤]: هل يشترط في إحياء الموات إذن الإمام</span>؟\n• مذهب الجمهور أنه لا يشترط ذلك؛ لأنَّ الأحاديث الواردة في الباب مطلقة، ليس فيها تقييد ذلك بإذن ولي الأمر، واشترط ذلك أبو حنيفة، واشترطه مالك فيما قرب من العمران، والصحيح قول الجمهور، وهو ترجيح ابن حزم، ثم الشوكاني، ثم الشيخ ابن عثيمين وغيرهم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (٧/ ٤٩٧) «السيل» (٣/ ٢٢٨).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢٣٣٥) «البيان» (٧/ ٤٧٥) «السيل الجرار» (٣/ ٢٢٦) «المحلى» (١٣٤٧) «المغني» (٨/ ١٨٢ -).","vol":"7","page":115},{"text":"٩٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ -﵁- أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا حِمَى إلَّا للهِ وَلِرَسُولِهِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3611>مسألة [١]: معنى الحِمَى</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٣٧٠): أصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم كان إذا نزل منزلًا مخصبًا استعوى كلبًا على مكان عالٍ، فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب، فلا يرعى فيه غيره، ويرعى هو مع غيره فيما سواه، والحمى هو المكان المحمي، وهو خلاف المباح، ومعناه: أن يمنع من الإحياء من ذلك الموات؛ ليتوفر فيه الكلأ، فترعاه مواشٍ مخصوصة، ويمنع غيرها. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3612>مسألة [٢]: قوله: «لا حِمَى إلَاّ للهِ وَلِرَسُولِهِ»</span>.\n• قال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٣٧٠): قَالَ الشَّافِعِيّ: يَحْتَمِل مَعْنَى الْحَدِيث شَيْئَيْنِ: أَحَدهمَا: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِي لِلْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا حَمَاهُ النَّبِيّ - ﷺ -، وَالآخَر: مَعْنَاهُ إِلَّا عَلَى مِثْل مَا حَمَاهُ عَلَيْهِ النَّبِيّ - ﷺ -، فَعَلَى الْأَوَّل لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْوُلَاة بَعْده أَنْ يَحْمِي، وَعَلَى الثَّانِي يَخْتَصّ الْحِمَى بِمَنْ قَامَ مَقَام رَسُول اللَّه - ﷺ -، وَهُوَ الْخَلِيفَة خَاصَّة. وَأَخَذَ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ مِنْ هَذَا أَنَّ لَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَيْنِ، وَالرَّاجِح عِنْدهمْ الثَّانِي. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٣٧٠).","vol":"7","page":116},{"text":"قلتُ: وهذا الراجح عند الشافعية هو قول أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، واستدلوا على ترجيحه بأنَّ عمر بن الخطاب -﵁- صح عنه أنه حَمَى الربذة كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٧/ ٧٦٧)، و«الأموال» (ص ٣٠٦) لأبي عبيد، وأصله في «البخاري» (٢٣٧٠) بسند منقطع، وجاء عن عثمان أيضًا كما في «سنن البيهقي» (٦/ ١٤٧)، وفي إسناده: أبو سعيد مولى أسيد، مجهول، تفرد بالرواية عنه أبو نضرة، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان.\nقال ابن قدامة -﵀-: واشتهر ذلك في الصحابة، فلم ينكر عليهما؛ فكان إجماعًا. اهـ\nقال البيهقي -﵀- عقب أثر عمر، وعثمان -﵄-: هذا الأثر يدل على أنَّ غير النبي - ﷺ - ليس له أن يحمي لنفسه، وفيه وفيما قبله دلالة على أن قول النبي - ﷺ -: «لا حمى إلا لله ولرسوله» أراد به أن لا حمى إلا على مثل ما حمى عليه رسوله في صلاح المسلمين، والله أعلم. اهـ\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: ومحل الجواز مطلقًا أن لا يضر بكافة المسلمين. اهـ\nفائدة: اشتهر أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حمى النقيع، وهو عند البخاري (٢٣٧٠)، عن الزهري بلاغًا، وأخرجه أحمد (٢/ ٩١، ١٥٥)، والبيهقي (٦/ ١٤٦)، وأبوعبيد رقم (٧٤٠) موصولًا عن ابن عمر بإسناد فيه عبد الله العمري، وهو ضعيفٌ.","vol":"7","page":117},{"text":"وحماية عمر للربذة كان من أجل خيل المسلمين الذي في سبيل الله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3613>مسألة [٣]: هل للإمام أن ينقض ما حماه من قبله</span>؟\nأما ما حماه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فلا يجوز لأحد نقضه مع بقاء الحاجة.\n• فإذا زالت الحاجة ففيه وجهان للحنابلة، والشافعية.\nوالصحيح جواز نقضه إذا زالت الحاجة.\nوأما ما حماه غيره من الأئمة؛ فيجوز نقضه، وتغييره، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١٦٦) «البيان» (٧/ ٤٩٧ -) «الفتح» (٢٣٧٠) «سنن البيهقي» (٦/ ١٤٦ - ١٤٧) «مصنف ابن أبي شيبة» (٧/ ٧٦٧) «الأموال» (ص ٣٠٦ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ١٦٧) «البيان» (٧/ ٥٠٠ -).","vol":"7","page":118},{"text":"٩١٠ - وَعَنْهُ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. (^١)\n\n٩١١ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، وَهُوَ فِي «المُوَطَّأِ» مُرْسَلٌ. (^٢)\n_________\n(^١) حسن بشواهده. أخرجه أحمد (١/ ٣١٣)، وابن ماجه (٢٣٤١)، من طريق جابر بن يزيد الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس به. وإسناده ضعيف جدًّا؛ لأن جابر بن يزيد شديد الضعف، وقد كذب.\n\nوللحديث طريق أخرى عند الدارقطني (٤/ ٢٢٨)، من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس به.\nوإسناده ضعيف؛ لضعف إبراهيم، ولأن رواية داود بن الحصين، عن عكرمة منكرة.\nوللحديث طريق أخرى هي أحسنها: ذكرها الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، وتبعه الحافظ في الدراية: وهي أن ابن أبي شيبة أخرجه عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وهذا إسناد فيه ضعف؛ لضعف رواية سماك عن عكرمة. والحديث حسن بشواهده كما سيأتي.\n(^٢) حسن بشواهده. لم يخرجه ابن ماجه، وإنما أخرجه الدارقطني (٣/ ٧٧)، والبيهقي (٦/ ٦٩)، من طريق عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة عن الدراوردي عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد به. وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف عثمان بن محمد، ثم هو غير محفوظ، فإن الصحيح فيه الإرسال، فقد أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٧٤٥) عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلًا.\nوالحديث له شواهد:\nفمنها: حديث عبادة بن الصامت، أخرجه أحمد (٥/ ٣٢٧)، وابن ماجه (٢٣٤٠)، من طريق الفضيل بن سليمان النميري عن موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن الوليد عن عبادة بن الصامت به.\nوهذا إسناد ضعيف غير محفوظ؛ فإن الفضيل بن سليمان روى عن ابن عقبة مناكير، وإسحاق ابن يحيى لم يدرك عبادة، وذكر ابن عدي حديثه هذا في «الكامل» وقال: غير محفوظ.\nوقال ابن رجب: وقيل إن موسى بن عقبة لم يسمع منه، وإنما روى هذه الأحاديث عن أبي عياش الأسدي عنه، وأبوعياش لا يعرف.\nومن شواهده حديث جابر بن عبدالله:\nأخرجه الطبراني (٥١٨٩) من طريق ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع ابن حبان عن جابر.\nقال ابن رجب -﵀-: هذا إسناد مقارب، وهو غريب، لكن أخرجه أبوداود في «المراسيل» من رواية عبدالرحمن بن مغراء عن ابن إسحاق عن محمد بن يحيى عن عمه مرسلًا، وهو أصح.\nومن شواهده حديث ثعلبة بن أبي مالك:\nأخرجه الطبراني (١٣٨٧)، وفي إسناده يعقوب بن حميد بن كاسب: ضعيف، وشيخه إسحاق بن إبراهيم قال الألباني: لم أعرفه.\nومن شواهده حديث أبي هريرة:\n\nأخرجه الدارقطني (٤/ ٢٢٨)، من طريق يعقوب بن عطاء عن أبيه عن أبي هريرة، وزاد «ولا يمنعن جار جاره ...»، وهذا إسناده ضعيف؛ لضعف يعقوب، وأصل الحديث في «الصحيحين» من رواية الأعرج وعكرمة عن أبي هريرة بلفظ: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز ...» الحديث وليس فيه زيادة «لا ضرر ولا ضرار».\nوله شاهد عن عائشة عند الدارقطني (٤/ ٢٢٧)، والطبراني في «الأوسط» (٢٧٠) (١٠٣٧) بثلاثة أسانيد في كل إسناد منها كذاب.\nوشاهد من حديث عمرو بن عوف، وفيه حفيده كثير بن عبدالله، وقد كذب.\nقال أبوعبدالله أحسن الله إليه: الحديث يرتقي إلى الحسن بالمرسلين وحديث ابن عباس وحديث ثعلبة وحديث أبي هريرة، والله أعلم.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وقد ذكر الشيخ -﵀- يعني النووي أن بعض طرقه تقوي بعضًا، وهو كما قال ... قال: وقال أبوعمرو بن الصلاح: هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به.\nوانظر: «تحقيق المسند» (٢٨٦٥)، و«جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢٠٧ - ٢١١)، و«الصحيحة» (٢٥٠)، و«نصب الراية» (٤/ ٣٨٥).","vol":"7","page":119},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3614>مسألة [١]: معنى قوله - ﷺ -: «لا ضرر، ولا ضرار»</span>.\nقال الحافظ ابن رجب -﵀- في «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢١١ -): وقوله - ﷺ -: «لا ضرر ولا ضرار» اختلفوا: هل بين اللفظتين -أعني الضرر والضرار-","vol":"7","page":120},{"text":"فرقٌ، أم لا؟ فمنهم من قال: هو بمعنى واحد على وجه التأكيد، والمشهور أنَّ بينهما فرقًا. ثم قيل: إنَّ الضرر هو (الاسم)، والضرار (الفعل)؛ فالمعنى أنَّ الضرر نفسه منتف في الشرع، وإدخال الضرر بغير حق كذلك. وقيل: الضرر أن يدخل على غيره ضررًا بما ينتفع هو به، والضرار أن يدخل على غيره ضررًا بما لا منفعة له به، كمن منع ما لا يضره، ويتضرر به الممنوع، ورجَّح هذا القول طائفة منهم: ابن عبد البر، وابن الصلاح. وقيل: الضرر أن يضر بمن لا يضره، والضرار أن يضر بمن قد أضر به على وجهٍ غير جائز. وبكل حال؛ فالنبي - ﷺ - إنما نفى الضرر والضرار بغير حقٍّ، وهذا على نوعين: أحدهما: أن لا يكون في ذلك غرض سوى الضرر بذلك، فهذا لا ريب في قبحه، وتحريمه. -ثم ذكر أمثلةً عليه مع الأدلة-.\nثم قال -﵀-: والنوع الثاني: أن يكون له غرض آخر صحيح، مثل أن يتصرف في ملكه بما فيه مصلحة له، فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره، أو يمنع غيره من الانتفاع بملكه؛ توفيرًا له، فيتضرر الممنوع بذلك. فأما الأول: وهو التصرف في ملكه بما يتعدى ضرره إلى غيره؛ فإن كان على غير الوجه المعتاد، مثل أن يؤجج في أرضه نارًا في يوم عاصف، فيحترق ما يليه؛ فإنه متعد بذلك، وعليه الضمان، وإن كان على الوجه المعتاد ففيه للعلماء قولان مشهوران -ثم ذكر الخلاف وبعض الصور التي يختلف فيها أهل العلم في ذلك- وأما الثاني: وهو منع الجار من الانتفاع بملكه والارتفاق به. -ثم ذكر الخلاف في ذلك-.","vol":"7","page":121},{"text":"قال: ومما ينهى عن منعه للضرر منع الماء والكلأ. انتهى بتصرف وتلخيص.\nثم ذكر الخلاف في ذلك، وسنذكره إن شاء الله عند آخر حديث في هذا الباب.\nفائدة: إدخال حديث ابن عباس -﵄- في هذا الباب فيه تنبيه على أن إحياء الأموات، يتملك به صاحبه ما ليس في تملكه ضرر على أحد.\n\n٩١٢ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nاستدل بعض الفقهاء بهذا الحديث على أنَّ من شرط الإحياء تحويط حائطٍ على الأرض، والحديث لا يدل على اشتراط ذلك، وغاية ما يدل عليه أنَّ إحاطة الحائط على الأرض تعد إحياءً للأرض، ولا يمنع أن الأرض تُحيا بغير ذلك.\nوقد تقدم أنَّ الراجح في هذه المسألة أنَّ ما عدَّه الناس إحياءً يكون إحياءً للأرض، والله أعلم.\n_________\n(^١) صحيح بشوهده. أخرجه أبوداود (٣٠٧٧)، وابن الجارود (١٠١٥)، من طريق الحسن عن سمرة، والحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، ولكن الحديث صحيح بشواهده المتقدمة في أول الباب.","vol":"7","page":122},{"text":"٩١٣ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3615>مسألة [١]: حريم البئر</span>.\nقال ابن الأثير -﵀- في «النهاية» (١/ ٣٧٥): حريم البئر: هو الموضع المحيط بها الذي يلقى فيه ترابها، أي: إنَّ البئر التي يحفرها الرجل في موات، فحريمها ليس لأحد أن ينزل فيه، ولا ينازعه عليه، وسُمِّي به؛ لأنه يحرم منع صاحبه منه، أو لأنه يحرم على غيره التصرف فيه. اهـ\n• وقد اختلف الفقهاء في تقدير حريم البئر على أقوال، فمنهم من قدَّر حريمه بأربعين ذراعًا؛ استدلالًا منهم بحديث عبد الله بن مغفل، وأبي هريرة المذكورين قريبًا. وهذا القول قال به أبو حنيفة، وعزاه الصنعاني للشافعي أيضًا،\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه ابن ماجه (٢٤٨٦)، من طريق إسماعيل بن مسلم المكي، عن الحسن، عن عبدالله ابن مغفل به. وهذا إسناد شديد الضعف؛ لأن إسماعيل ضعفه شديد. وذكر الحافظ في «التلخيص» أن سوارًا تابع إسماعيل فرواه عن الحسن به. ولكنه لم يذكر إسناده إلى سوار للنظر في حاله.\nوله شاهد من حديث أبي هريرة عند أحمد (٢/ ٤٩٤) وغيره مرفوعًا «حريم البئر أربعون ذراعًا من جوانبها كلها، لأعطان الإبل والغنم وابن السبيل أو الشارب، ولا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ».\n\nوهو من طريق رجل مبهم عن أبي هريرة، والمعروف في «الصحيحين» بلفظ: «لا يمنع فضل الماء ...» دون الزيادة التي في أوله. فالحديث ضعيف، والله أعلم.\nتنبيه: جاء في «سنن البيهقي» (٦/ ١٥٥) في طريق من طرق حديث أبي هريرة تسمية الرجل المبهم ابن سيرين، وهي رواية ليست محفوظة، والله أعلم.","vol":"7","page":123},{"text":"والمشهور عنه ما سيأتي.\n• وذهب أحمد، وأكثر أصحابه إلى أن حريم البئر المبتدئ خمسة وعشرون ذراعًا، وحريم البئر المعتاد خمسون ذراعًا، وجاء في ذلك مرسلٌ صحيحٌ إلى سعيد بن المسيب رفعه: «حريم البئر البدي خمسة وعشرون ذراعًا، وحريم البئر العادي خمسون ذراعًا» أخرجه البيهقي (٦/ ١٥٥)، وقد رُوي موصولًا عن أبي هريرة -﵁-، أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٢٠)، وفي إسناده محمد بن يوسف المقري، وهو وضَّاعٌ.\n• وذهب الشافعي وأصحابه، وبعض الحنابلة إلى أن حريم البئر هو بقدر حاجته، وعدم الإضرار به؛ فإنْ كان يريده لماشية؛ جعل له بقدر ما يكفيه لذلك، وإن كان يريده للزراعة؛ فأكثر من ذلك، وإن كان يريده للشرب والاستقاء؛ جعل له أقل من ذلك، وإن كان آخر يريد أن يحفر بئرًا؛ فليس له أن يحفر بجواره، بحيث يضرُّ به، وهذا القول هو أقرب الأقوال؛ لعدم صحة الأحاديث في هذا الباب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3616>مسألة [٢]: حريم العين</span>.\n• مذهب أحمد، وأبي حنيفة تقدير ذلك بخمسمائة ذراع، وجاء عن الزهري أنه قال: سمعت الناس يقولون: حريم العين خمسمائة ذراع.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١٧٧) «الحاوي» (٧/ ٤٨٨ -) «المحلى» (١٣٥٠) «الأموال» (ص ٤١١) «البيان» (٧/ ٤٧٦).","vol":"7","page":124},{"text":"قلتُ: وليس على ذلك دليلٌ صحيحٌ، وقد اشتهر عند بعض الفقهاء حديث بلفظ: «وحريم العين خمسمائة ذراع» قال الزيلعي: غريب. ويعني بذلك أنه لا أصل له.\nوعلى هذا فالراجح هو مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أنَّ حريمها قدر ما تدعو الحاجة إليه، كما تقدم في البئر؛ إلا أنَّ الحاجة في العين أوسع منها في البئر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3617>مسألة [٣]: حريم الدار، وأرض الزراعة</span>.\nقال المرداوي -﵀- في «الإنصاف» (٦/ ٣٥٢): حريم الأرض التي للزرع ما يحتاجه في سقيها، وربط دوابها، وطرح سبخها، ونحو ذلك.\nقال: وحريم الدار من موات حولها: مطرح التراب، والكناسة، والثلج، وماء الميزاب، والممر إلى الباب. اهـ\nوقال العمراني -﵀- في «البيان» (٧/ ٤٧٥): وإن كان العامر يجاور مواتًا فلصاحب العامر من الموات الذي يجاور ملكه ما لا يمكنه الانتفاع بالعامر إلا به، مثل الطريق، ومسيل الماء الذي يخرج من الدار، وما تحتاج إليه الأرض من مسيل الماء. انتهى.\nتنبيه: الحريم إنما يكون فيما إذا جاوره أرضٌ موات، وأما إذا جاوره مملوك كالدور، والأراضي الملاصقة المملوكة؛ فإن ملك كل واحد منهم لا يتجاوز إلى ملك غيره. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الحاوي» (٧/ ٤٨٨) «الإنصاف» (٦/ ٣٥٢) «البيان» (٧/ ٤٧٦).\n(^٢) انظر: «البيان» (٧/ ٤٧٥) «الإنصاف» (٦/ ٣٥٣).","vol":"7","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3618>مسألة [٤]: حريم الشجرة</span>.\nذكر جماعةٌ من أهل العلم أنَّ حريم الشجرة قدر طول غصنها من كل جانب، واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود (٣٦٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: اختصم إلى رسول الله - ﷺ - رجلان في حريم نخلة، فأمر بجريدةٍ من جرائدها، فذرعت، فوجدت خمسة أذرعٍ، وفي رواية: سبعة أذرع. فقضى بذلك. وهو حديث صحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3619>مسألة [٥]: إذا حفر إنسانٌ بئرًا إلى جوار بئر أخيه فتضرر بئر الأول ونزح ماؤه</span>؟\nأما إذا كان البئر في الموات؛ فلا يجوز للآخر أن يحفر في مكان قريب يضر بصاحبه، فإذا فعل، فتضرر صاحبه؛ يطم عليه بئره عند أهل العلم؛ لأنه يُعتبر قد حفر في حريم البئر الأول.\n• وأما إذا كان الحافر الآخر حفر في ملكه المجاور للبئر، فمذهب الشافعي، وأبي حنيفة أنه يقر عليه؛ لأنه حفر في ملكه.\n• ومذهب أحمد، ومالك أنَّ الآخر لا يجوز له ذلك، ويطم عليه بئره؛ لحديث: «لا ضرر ولا ضرار»، وهذا القول أقرب إذا كان سبب عليه ذهاب الماء بالكلية، وأما إن حصل خفة؛ فيصلح بينهما. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٣٥٢) «المغني» (٨/ ١٨١) «الإنصاف» (٦/ ٣٥٢).\n(^٢) انظر: «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢١٨) «الحاوي» (٧/ ٤٨٩) «المغني» (٨/ ١٨١).","vol":"7","page":126},{"text":"٩١٤ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\n٩١٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ (^٢) فَرَسِهِ، فَأَجْرَى الفَرَسَ حَتَّى قَامَ، ثُمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ، فَقَالَ: «أَعْطُوهُ حَيْثُ بَلَغَ السَّوْطُ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَفِيهِ ضَعْفٌ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3620>مسألة [١]: معنى الإقطاع</span>.\nهو تعيين الإمام قطعة من الأرض أو غيرها لإنسان ليحييها، أو يستغلها، أو ينتفع بها، وهو مأخوذ من القطع، وكأنه يقطع له جزءًا من تلك العين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3621>مسألة [٢]: أقسام الإقطاع</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ الإقطاع قد يكون إقطاع تمليك، بأن يقطعه أرضًا يحييها، فيتملكها.\nوقد يكون إقطاع استغلال، بأن يعطيه أرضًا أو غيرها، فيستغلها، ثم يعيدها\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٣٠٥٨) (٣٠٥٩)، والترمذي (١٣٨١)، وابن حبان (٧٢٠٥)، بإسنادين، أحدهما حسن، والآخر صحيح.\n(^٢) حُضْر الفرس، أي: عَدْوُه. «النهاية».\n(^٣) ضعيف. أخرجه أبوداود (٣٠٧٢) من طريق عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر به. وإسناده ضعيف؛ فيه عبدالله بن عمر العمري، وهو ضعيف.","vol":"7","page":127},{"text":"بعد انتفاعه منها. وقد يكون قطع إرفاق (^١)، بأن يعطيه مكانًا في السوق؛ ليبيع فيه ويشتري. (^٢)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٦٢) في إقطاع الإرفاق: وَلَا يَمْلِكُهَا المُقْطَعُ بِذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِ، بِمَنْزِلَةِ السَّابِقِ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إقْطَاعٍ سَوَاءً، إلَّا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ السَّابِقَ إذَا نَقَلَ مَتَاعَهُ عَنْهَا، فَلِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهَا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لَهَا بِسَبْقِهِ إلَيْهَا وَمُقَامِهِ فِيهَا، فَإِذَا انْتَقَلَ عَنْهَا؛ زَالَ اسْتِحْقَاقُهُ؛ لِزَوَالِ المَعْنَى الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ، وَهَذَا اسْتَحَقَّ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ؛ فَلَا يَزُولُ حَقُّهُ بِنَقْلِ مَتَاعِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ، وَحُكْمُهُ فِي التَّظْلِيلِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لَيْسَ بِنَاءً، وَمَنْعِهِ مِنْ الْبِنَاءِ، وَمَنْعِهِ إذَا طَالَ مُقَامُهُ حُكْمُ السَّابِقِ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3622>مسألة [٣]: هل يملك الأرض بالإقطاع، أم بالإحياء بعد إقطاعها</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية أنه لا يملكها بالإقطاع، ولكن يكون أحق بها، فإذا أحياها؛ ملكها، فالإقطاع عندهم كالتحجير، واستدلوا بما جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال لبلال بن الحارث: إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يقطعك لتحجبه دون الناس، وإنما أقطعك لتعمر، فخذ منها ما قدرت على عمارته، ورُدَّ الباقي. وكان أقطعه العقيق. أخرجه البيهقي (٦/ ١٤٨ -)، والأثر في إسناده الحارث بن بلال ابن الحارث، وهو مجهول، ونعيم بن حماد فيه ضعف، وله طريق أخرى عند\n_________\n(^١) سمي: (إرفاق)؛ لأن المقصود إيصال الرفق لصاحبه.\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٦/ ٣٥٧) «توضيح الأحكام» (٥/ ٩٢).","vol":"7","page":128},{"text":"البيهقي (٦/ ١٤٩)، من مراسيل عبدالله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وطريق ثالثة عنده (٦/ ١٤٩)، وفيه رجل مبهم؛ فالأثر حسن بمجموع هذه الطرق، والله أعلم.\n• وذهب مالك إلى أنه يملكها بمجرد الإقطاع كما في «الإنصاف»، واستدل لهذا القول بأنه ليس في حديث وائل أنه أحياها، ولم ينقل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يشترط على من يقطعهم الإحياء.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب الأول؛ لأنَّ المقصود من الإقطاع هو الإحياء، والشارع علق التملك بالإحياء: «من أحيا أرضًا ميتة؛ فهي له»، واستقرب هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: إذا أقطعه الإمام ولم يحيها؛ فحكمه حكم من تحجر مواتًا ولم يحيه؛ فإنَّ الإمام يمهله، وإن سبق أحد إلى إحيائها قبل أن تنتهي مدة الإمهال؛ فليس له في ذلك حقٌّ، ولا يملك كما تقدم بيانه قريبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3623>مسألة [٤]: إقطاع الإمام بقدر إمكان الإحياء</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٦٥): وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْطَع الْإِمَامُ أَحَدًا مِنْ الْمَوَاتِ؛ إلَّا مَا يُمْكِنُهُ إحْيَاؤُهُ؛ لِأَنَّ فِي إقْطَاعِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ تَضْيِيقًا عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ، بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ فَإِنْ فَعَلَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ عَجْزُهُ عَنْ إحْيَائِهِ؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١٦٤)، «البيان» (٧/ ٤٩٣)، «الإنصاف» (٦/ ٣٥٧)، «الشرح الممتع» (١٠/ ٣٣٥).","vol":"7","page":129},{"text":"اسْتَرْجَعَهُ مِنْهُ، كَمَا اسْتَرْجَعَ عُمَرُ مِنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ مَا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ عِمَارَتِهِ مِنْ الْعَقِيقِ الَّذِي أَقْطَعَهُ إيَّاهُ رَسُولُ الله - ﷺ -.اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3624>مسألة [٥]: إجارة الإقطاع</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ١٥٢): وما علمت أحدًا من علماء الإسلام، لا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم قال: إجارة الإقطاعات لا تجوز، حتى حدث بعض أهل زماننا، فابتدع القول بعدم الجواز. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٧/ ٤٩٣).","vol":"7","page":130},{"text":"٩١٦ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ -﵁-، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاث: فِي الكَلَأِ، وَالمَاءِ، وَالنَّارِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3625>مسألة [١]: أقسام المياه الغير محروزة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀-: لَا يَخْلُو الْمَاءُ مِنْ حَالَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ جَارِيًا، أَوْ وَاقِفًا؛ فَإِنْ كَانَ جَارِيًا فَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، وَهُوَ قِسْمَانِ:\n١) أَنْ يَكُونَ نَهْرًا عَظِيمًا، كَالنِّيلِ، وَالْفُرَاتِ، وَدِجْلَةَ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْأَنْهَارِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا يَسْتَضِرُّ أَحَدٌ بِسَقْيِهِ مِنْهَا، فَهَذَا لَا تَزَاحُمَ فِيهِ، وَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَسْقِيَ مِنْهَا مَا شَاءَ، مَتَى شَاءَ، وَكَيْف شَاءَ.\n_________\n(^١) صحيح لغيره. أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٤)، وأبوداود (٣٤٧٧)، من طريق حريز بن عثمان عن أبي خداش عن رجل من الصحابة ... فذكره بلفظ «المسلمون» ولفظ «الناس» عند أبي عبيد في كتابه «الأموال» وذكر الإمام الألباني في «الإرواء» أنه لفظ شاذ، والمحفوظ لفظ «المسلمون».\nوالحديث في إسناده أبوخداش واسمه حبان بن زيد الشرعبي تفرد بالرواية عنه حريز بن عثمان، وقد قال أبوداود: مشايخ حريز كلهم ثقات؛ ولذلك صحح بعض أهل العلم الحديث، وبعضهم يقول: كلام أبي داود محمول على الغالب، وإلا فبعضهم مجهول الحال.\n\nوعلى كلٍّ فالحديث صحيح؛ فإن له شاهدًا من حديث أبي هريرة -﵁-:\nأخرجه ابن ماجه (٢٤٧٣)، حدثنا محمد بن عبدالله بن يزيد قال حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار». وإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين غير شيخ ابن ماجه، وهو ثقة.","vol":"7","page":131},{"text":"٢) أَنْ يَكُونَ نَهْرًا صَغِيرًا يَزْدَحِمُ النَّاسُ فِيهِ، وَيَتَشَاحُّونَ فِي مَائِهِ، أَوْ سَيْلًا يَتَشَاحُّ فِيهِ أَهْلُ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ مَنْ فِي أَوَّلِ النَّهْرِ، فَيَسْقِي وَيَحْبِسُ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى الْكَعْبِ، ثُمَّ يُرْسِلُ إلَى الَّذِي يَلِيهِ فَيَصْنَعُ كَذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الْأَرَاضِي كُلُّهَا، وَهَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.\nقال ابن قدامة: وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.\nقال: وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى عَبْدُ الله بْن الزُّبَيْرِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ، الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ - ﷺ -: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ المَاءَ إلَى جَارِك»، فَغَضِبَ الرَّجُلُ، وَقَالَ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ: «يَا زُبَيْرُ، اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ المَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْجَدْرِ»، قَالَ الزُّبَيْرُ: فَوَاَلله، إنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] (^١) قَالَ الزُّهْرِيُّ: نَظَرْنَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «ثُمَّ احْبِسْ المَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى الجَدْرِ»؛ فَكَانَ ذَلِكَ إلَى الْكَعْبَيْنِ.\nقال: فَإِنْ كَانَتْ أَرْضُ صَاحِبِ الْأَعْلَى مُخْتَلِفَةً، مِنْهَا مُسْتَعْلِيَةٌ، وَمِنْهَا مُسْتَفِلَةٌ؛ سَقَى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهَا، وَإِنْ اسْتَوَى اثْنَانِ فِي الْقُرْبِ مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ؛ اقْتَسَمَا المَاءَ بَيْنَهُمَا، إنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَقُدِّمَ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ؛ فَإِنْ كَانَ المَاءُ لَا يَفْضُلُ عَنْ أَحَدِهِمَا؛ سَقَى مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ بِقَدْرِ حَقِّهِ مِنْ المَاءِ، ثُمَّ تَرَكَهُ لِلْآخَرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِجَمِيعِ المَاءِ؛ لِأَنَّ الْآخَرَ يُسَاوِيه فِي اسْتِحْقَاقِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٣٥٩) (٢٣٦٠)، ومسلم برقم (٢٣٥٧).","vol":"7","page":132},{"text":"المَاءِ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِلتَّقْدِيمِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، لَا فِي أَصْلِ الْحَقِّ.\nالضَّرْبُ الثَّانِي: الْمَاءُ الْجَارِي فِي نَهْرٍ مَمْلُوكٍ، وَهُوَ أَيْضًا قِسْمَانِ:\n١) أَنْ يَكُونَ المَاءُ مُبَاحَ الْأَصْلِ، مِثْلَ أَنْ يَحْفِرَ إنْسَانٌ نَهْرًا صَغِيرًا يَتَّصِلُ بِنَهْرٍ كَبِيرٍ مُبَاحٍ، فَمَا لَمْ يَتَّصِلْ الْحَفْرُ لَا يَمْلِكُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحَجُّرٌ وَشُرُوعٌ فِي الْإِحْيَاءِ، فَإِذَا اتَّصَلَ الْحَفْرُ، كَمُلَ الْإِحْيَاءُ وَمَلَكَهُ، سَوَاءٌ أَجْرَى فِيهِ المَاءَ أَوْ لَمْ يُجْرِ؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ يَحْصُلُ بِأَنْ يُهَيِّئَهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ دُونَ حُصُولِ المَنْفَعَةِ، فَيَصِيرُ مَالِكًا لِقَرَارِ النَّهْرِ وَحَافَّتَيْهِ، وَهَوَاؤُهُ حَقٌّ لَهُ، وَكَذَلِكَ حَرِيمُهُ، وَهُوَ مُلْقَى الطِّينِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَعِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِصَاحِبِ النَّهْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ، وَكَذَلِكَ حَرِيمُ الْبِئْرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله - ﷺ -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَمْ تُمْلَكْ؛ فَهِيَ لَهُ».\nقال: فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَكَانَ النَّهْرُ لِجَمَاعَةِ؛ فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الْعَمَلِ وَالنَّفَقَةِ؛ فَإِنْ كَفَى جَمِيعَهُمْ؛ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمْ، وَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ بِالْمُهَايَأَةِ -المناوبة- أَوْ غَيْرِهَا؛ جَازَ، وَإِنْ تَشَاحُّوا فِي قِسْمَتِهِ؛ قَسَمَهُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَمْلَاكِهِمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمْلِكُ مِنْ النَّهْرِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، فَتُؤْخَذُ خَشَبَةٌ صَلْبَةٌ، أَوْ حَجَرٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ، فَيُوضَعُ عَلَى مَوْضِعٍ مُسْتَوٍ مِنْ الْأَرْضِ، فِي مُقَدَّمِ الْمَاءِ، فِيهِ حُزُوزٌ، أَوْ ثُقُوبٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي السَّعَةِ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ أَوْ ثُقْبٍ إلَى سَاقِيَةٍ مُفْرَدَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَإِذَا","vol":"7","page":133},{"text":"حَصَلَ الْمَاءُ فِي سَاقِيَتِهِ انْفَرَدَ بِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ أَمْلَاكُهُمْ مُخْتَلِفَةً؛ قُسِّمَ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهُ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهُ، وَلِلْآخَرِ سُدُسُهُ، جُعِلَ فِيهِ سِتَّةُ ثُقُوبٍ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ تَصُبُّ فِي سَاقِيَتِهِ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ، وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ وَاحِدٌ.\nقال: وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي سَاقِيَتِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ بِمَا أَحَبَّ، مِنْ إجْرَاءِ غَيْرِ هَذَا الْمَاءِ فِيهَا، أَوْ عَمَلِ رَحًى عَلَيْهَا، أَوْ دُولَابٍ، أَوْ عَبَّارَةٍ، وَهِيَ خَشَبَةٌ تُمَدُّ عَلَى طَرَفَيْ النَّهْرِ، أَوْ قَنْطَرَةٍ يَعْبُرُ الْمَاءُ فِيهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، لَا حَقَّ لِغَيْرِهِ فِيهَا، فَأَمَّا النَّهْرُ الْمُشْتَرَكُ؛ فَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَفِي حَرِيمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شُرَكَائِهِ.\n٢) أَنْ يَكُونَ مَنْبَعُ الْمَاءِ مَمْلُوكًا، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِكَ جَمَاعَةٌ فِي اسْتِنْبَاطِ عَيْنٍ وَإِجْرَائِهَا؛ فَإِنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إحْيَاءٌ لَهَا، وَيَشْتَرِكُونَ فِيهَا، وَفِي سَاقِيَتِهَا، عَلَى حَسَبِ مَا أَنْفَقُوا عَلَيْهَا، وَعَمِلُوا فِيهَا، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، إلَّا أَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ ثَمَّ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ دَخَلَ مِلْكَهُ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ صَيْدٌ بُسْتَانَه، وَهَاهُنَا يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ أَيْضًا.\nقال: وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي لِشُرْبِهِ، وَوُضُوئِهِ، وَغُسْلِهِ، وَغَسْلِ ثِيَابِهِ، وَيَنْتَفِعَ بِهِ فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ، مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ، إذَا لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِ فِي مَكَان مُحَوَّطٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ الله إلَيْهِمْ، وَلَا","vol":"7","page":134},{"text":"يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، فذكر منهم: «رَجُلٌ كَانَ بِفَضْلِ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ» متفق عليه. (^١)\nقال: إذَا كَانَ النَّهْرُ، أَوْ السَّاقِيَةُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ؛ فَإِنْ أَرَادُوا إكْرَاءَهُ أَوْ سَدَّ بَثْقٍ فِيهِ، أَوْ إصْلَاحَ حَائِطِهِ، أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ؛ كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مِلْكِهِمْ فِيهِ؛ فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَدْنَى إلَى أَوَّلِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ اشْتَرَكَ الْكُلُّ فِي إكْرَائِهِ وَإِصْلَاحِهِ، إلَى أَنْ يَصِلُوا إلَى الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَيَشْتَرِكُ الْبَاقُونَ حَتَّى يَصِلُوا إلَى الثَّانِي، ثُمَّ يَشْتَرِكُ مَنْ بَعْدَهُ كَذَلِكَ، كُلَّمَا انْتَهَى الْعَمَلُ إلَى مَوْضِعِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدَهُ شَيْءٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يَشْتَرِكُ جَمِيعُهُمْ فِي إكْرَائِهِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْتَفِعُونَ بِجَمِيعِهِ؛ فَإِنَّ مَا جَاوَزَ الْأَوَّلَ مَصَبٌّ لِمَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْقِ أَرْضَهُ. وَلَنَا أَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا يَنْتَفِعُ بِالْمَاءِ الَّذِي فِي مَوْضِعِ شُرْبِهِ، وَمَا بَعْدَهُ إنَّمَا يَخْتَصُّ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ مَنْ دُونَهُ، فَلَا يُشَارِكُهُمْ فِي مُؤْنَتِهِ، كَمَا لَا يُشَارِكُهُمْ فِي نَفْعِهِ؛ فَإِنْ كَانَ يَفْضُلُ عَنْ جَمِيعِهِمْ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَصْرِفٍ؛ فَمُؤْنَةُ ذَلِكَ الْمَصْرِفِ عَلَى جَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَالِانْتِفَاعِ بِهِ؛ فَكَانَتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، كَأَوَّلِهِ. انتهى ملخصًا من «المغني» (٨/ ١٦٧ - ١٧٦). (^٢)\nتنبيه: الماء الذي في أرضٍ مباحة ليس لأحد أن يتملكه، وكذلك الكلأ، بل هو مشترك بين المسلمين، والأحق فيه الأسبق، فالأسبق.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٧٢١٢)، ومسلم برقم (١٠٨).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٦/ ٣٤٥) «زاد المعاد» (٥/ ٨٠١).","vol":"7","page":135},{"text":"قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٢١٥): وأما الماء الذي يكون في الأرض المباحة، والكلأ الذي يكون بها، فهذا لايجوز بيعه باتفاق العلماء. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3626>مسألة [٢]: الماء الذي بئره مملوكة، أو عينه مملوكة، هل يلزم صاحبها بذل الماء الفاضل عن حاجته وحاجة ماشيته لسقي غيره، ولسقي ماشية غيره</span>؟\n• قال ابن رجب -﵀- في «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢٢٢): وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يمنع فضل الماء الجاري، والنابع مطلقًا، سواء قيل: إنَّ الماء ملك لمالك أرضه، أم لا. وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد وغيرهم. والمنصوص عن أحمد وجوب بذله مجانًا بغير عوض للشرب، وسقي البهائم، وسقي الزروع، ومذهب أبي حنيفة، والشافعي أنه لا يجب بذله للزروع. واختلفوا هل يجب بذله مطلقًا، أو إذا كان بقرب الكلأ وكان منعه مُفضيًا إلى منع الكلأ؟ على قولين لأصحابنا، وأصحاب الشافعي، وفي كلام أحمد ما يدل على اختصاص المنع بالقرب من الكلأ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: واستدلوا بحديث: «لا تمنعوا فضل الماء؛ لتمنعوا به الكلأ» (^١)، والأمر كذلك، ولكن قد جاءت أحاديث بالنهي عن منع فضل الماء عمومًا، ويشمل الصورة المذكورة، كحديث الباب، وحديث جابر بن عبد الله في «مسلم» (١٥٦٥)، وإياس بن عبد في «سنن أبي داود» (٣٤٧٨): نهى النبي - ﷺ -\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٥٤)، ومسلم برقم (١٥٦٦) (٣٧).","vol":"7","page":136},{"text":"عن بيع فضل الماء.\nقال ابن رجب: وأما مالك فلا يجب عنده بذل فضل الماء الذي لا يملك. انتهى المراد.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: وكذلك الماء إن كان نابعًا في أرضٍ مباحة؛ فهو مشترك بين الناس، وإن كان تابعًا في ملك رجل؛ فعليه بذل فضله لمن يحتاج إليه للشرب للآدميين، والدواب بلا عوض. اهـ من «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٢٢٠).\nثم استدل بحديث: «ثلاث لا يمنعن ...»، وبحديث: «... رجل على فضل ماء يمنعه من ابن السبيل» الحديث.\nقلتُ: وقول مالك قال به بعض الحنابلة، والشافعية، والصحيح ما ذكره شيخ الإسلام، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3627>مسألة [٣]: الكلأ الذي في أرض مملوكة النابت بغير عملِ صاحب الأرض</span>؟\n• مذهب أحمد في المشهور، وأبي حنيفة، وأبي عبيد، وهو قولُ بعض أصحاب مالك، والشافعي أنه لا يجوز منع فضله، واستدلوا على ذلك بحديث: «المسلمون شركاء في ثلاثة ...».\nقال شيخ الإسلام -﵀-: ومعلوم أنَّ النبي - ﷺ - لم يُرِد ما ينبت في الأرض المباحة فقط؛ لأنَّ الناس يشتركون في كل ما ينبت في الأرض المباحة من جميع\n_________\n(^١) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٨٠٠) «الفتح» (٢٣٥٣) «البيان» (٧/ ٥٠٣) «الإنصاف» (٦/ ٣٤٦ -).","vol":"7","page":137},{"text":"الأنواع من المعادن الجارية، كالقير، والنفط، والجامدة، كالذهب، والفضة، والملح، وغير ذلك، فعُلِم أنَّ المراد ما ينبت في أرض الإنسان.\nوقال أيضًا: وقد اتفق المسلمون على أنَّ الكلأ النابت في الأرض المباحة مشترك بين الناس، فمن سبق إليه؛ فهو أحق به، وأما النابت في الأرض المملوكة؛ فإنه إن كان صاحب الأرض محتاجًا إليه؛ فهو أحق به، وإن كان مستغنيًا عنه؛ ففيه قولان مشهوران لأهل العلم، وأكثرهم يجوزون أخذه بغير عوض؛ لهذا الحديث -يعني حديث: «المسلمون شركاء في ثلاثة ...» - ويجوزون رعيه بغير عوض. اهـ\n• ومذهب مالك، والشافعي في المشهور عنهما جواز بيع ذلك الكلأ، وله أن يمنعه؛ لأنه ملكه نبت في ملكه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: والصحيح هو القول الأول.\nوقال شيخ الإسلام -﵀-: وأما إذا كان صاحبها قصد ترك زرعها؛ لينبت فيها الكلأ، فبيع هذا أسهل من بيع غيره؛ لأنَّ هذا بمنزلة استنباته. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3628>مسألة [٤]: هل يلزم صاحب البئر أن يبذل للمستقي الدلو والحبل والبكرة مَجَّانًا</span>؟\nقال الحافظ ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ٨٠٣ - ٨٠٤): وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَبْذُلَ لَهُ الدّلْوَ، وَالْبَكَرَةَ، وَالْحَبْلَ مَجّانًا، أَوْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَتَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ فِي وُجُوبِ إعَارَةِ الْمَتَاعِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ أَظْهَرُهُمَا\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٢١٨ - ٢٢٠) «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢٢٢).","vol":"7","page":138},{"text":"دَلِيلًا وُجُوبُهُ، وَهُوَ مِنْ الْمَاعُونِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3629>مسألة [٥]: هل للمستقي أن يدخل إلى البئر ويأخذ من الماء بغير إذن</span>؟\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ٨٠٣ - ٨٠٤): قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مِلْكِهِ لِأَخْذِ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَهَذَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِ الشّارِعِ، وَلَا فِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ثم نقل عن الإمام أحمد مايدل على الجواز.\nثم قال: فَالصّوَابُ أَنّهُ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُها لِأَخْذِ مَا لَهُ أَخْذُه، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ غَالِبًا اسْتِئْذَانُ مَالِكِهَا، وَيَكُونُ قَدِ احْتَاجَ إِلَى الشُّرْبِ وَسَقْيِ بَهَائِمِهِ، وَرَعْي الْكَلأ، وَمَالِكُ الْأَرْضِ غَائِبٌ، فَلَوْ مَنَعْنَاهُ مِنْ دُخُولِها إِلَّا بِإِذْنِهِ كَانَ فِي ذَلِكَ إضْرَارٌ بِبَهَائِمِهِ، وَأَيْضًا فَإِنّهُ لَا فَائِدَةَ لِهَذَا الْإِذْن؛ لِأَنّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ مَنْعُهُ مِنْ الدّخُولِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَمْكِينُهُ، فَغَايَةُ مَا يُقَدّرُ أَنّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَهَذَا حَرَامٌ عَلَيْهِ شَرْعًا، لَا يَحِلّ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ الدّخُولِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي تَوَقّفِ دُخُولِهِ عَلَى الْإِذْنِ. وَأَيْضًا فَإِنّهُ إذَا لَمْ يَتَمَكّنْ مِنْ أَخْذِ حَقّهِ الّذِي جَعَلَهُ لَهُ الشّارِعُ إلّا بِالدّخُولِ؛ فَهُوَ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، وَلَوْ كَانَ دُخُولُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِغَيْرَةِ عَلَى حَرِيمِهِ وَعَلَى أَهْلِهِ؛ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الدّخُولُ بِغَيْرِ إذْنٍ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3630>مسألة [٦]: معنى الاشتراك في النار</span>.\nقال ابن رجب -﵀- في «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢٢٢): وأما النهي عن منع النار؛ فحمله طائفة من الفقهاء على النهي عن الاقتباس منها دون أعيان الجمر، ومنهم من حمله على منع الحجارة المورية للنار، وهو بعيد، ولو حمل على","vol":"7","page":139},{"text":"منع الاستضاءة بالنار، وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها لمن يستدفئ بها، أو ينضج عليها طعامًا ونحوه؛ لم يبعد. اهـ\nوبعضهم حمله على ما كان في الموات.","vol":"7","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3631>بَابُ الوَقْفِ</span>\n٩١٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٩١٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ -﵁- أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أَصَبْت أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، قَالَ: «إنْ شِئْت حَبَسْت أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْت بِهَا». قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ: أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبُ، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ، وَفِي القُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\nوَفِي رِوَايَةِ لِلْبُخَارِيِّ: تَصَدَّقَ بِأَصْلِهِ: لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ. (^٢)\n\n٩١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ الحَدِيثَ وَفِيهِ: «فَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٦٣١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٣٧) (٢٧٦٤)، ومسلم (١٦٣٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣).","vol":"7","page":141},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3632>مسألة [١]: تعريف الوقف</span>.\nالوقف في اللغة: هو الحبس، يقال: وقفت الأرض، أقفها وقفًا، هذه اللغة الفصيحة المشهورة. ويقال: أوقفتها في لغة رديئة، أو شاذة.\nوفي الشرع: هو حبس مالكٍ لماله المنتفع به مع بقاء عينه عن التصرفات برقبته، وتسبيل منفعته على شيء من أنواع القُرَب؛ ابتغاء وجه الله تعالى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3633>مسألة [٢]: مشروعية الوقف</span>.\nدلَّت أحاديث الباب على مشروعيته؛ لاسيما الحديث الأول الذي فيه دلالة على أنَّ الوقف لله تعالى من أفضل القربات إلى الله ﷿.\nوقد ذهب إلى مشروعيته عامة أهل العلم، بل لا يُعلم من الصحابة في ذلك مخالف.\nقال الترمذي -﵀- عقب حديث ابن عمر الذي في الباب: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافًا في إجارة وقف الأرضين وغير ذلك. اهـ\nقلتُ: ونُقِل الخلاف في ذلك عن شريح، وقال: لا حبس عن فرائض الله.\n_________\n(^١) انظر: «تحرير ألفاظ التنبيه» (ص ٩٧) للنووي، «توضيح الأحكام» (٥/ ٩٧) «البيان» (٨/ ٥٧).","vol":"7","page":142},{"text":"وكأنه لم تبلغه الأدلة في ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3634>مسألة [٣]: متى يحصل الوقف ويلزم</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ الوقف يلزم باللفظ مع النية، ولا يشترط إخراجه عن يده، وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف وغيرهم، واستدلوا بحديث عمر -﵁- أنه وقف أرضه، وصحَّ عنه أنه هو الذي وليها حتى مات.\n• وذهب محمد بن الحسن، وأحمد في رواية إلى أنَّ الوقف لا يلزم إلا بقبضه كالصدقة والهبة.\nوالأول أقرب؛ لأنه تبرع يمنع البيع، والهبة والميراث؛ فلزم بمجرده لشبهه بالعتق، ويفارق الهبة؛ فإنها تمليك مطلق، والوقف تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة فهو بالعتق أشبه، فإلحاقه به أولى وحديث عمر ظاهر في ذلك، والله أعلم.\n• وأما أبو حنيفة فشذَّ، وقال: الوقف ليس بلازم، بل له الرجوع فيه متى شاء؛ إلا أن يوقفه عن وصية. وليس له دليل على ما قال، وقد قال النبي - ﷺ -: «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» متفق عليه عن ابن عباس، وفي رواية للبخاري: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ»، وبالله التوفيق. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١٨٥) «سنن الترمذي» (١٣٧٥) «البيان» (٨/ ٥٨ -) «السيل الجرار» (٣/ ٣١٣ - ٣١٤).\n(^٢) انظر: «الفتح» [كتاب الوصايا باب: ١٣] «المغني» (٨/ ١٨٧) «البيان» (٨/ ٥٧) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣١).","vol":"7","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3635>مسألة [٤]: هل يصح الوقف بالفعل</span>؟\n• مذهب أحمد، وأبي حنيفة أنَّ الوقف يحصل بالفعل مع القرائن الدالة عليه، مثل أن يبني مسجدًا ويأذن للناس في الصلاة فيه، أو يجعل مقبرة، ويأذن للمسلمين في الدفن فيها.\n• وأما الشافعي فمذهبه عدم حصول الوقف إلا بالقول، وحُكي عن أحمد، ونفى ذلك ابن قدامة. واحتجوا بأن هذا تحبيس أصل على وجه القربة؛ فوجب أن لا يصح بدون لفظٍ كالوقف على المساكين.\nوأُجيب عن ذلك: بأنَّ العرف جارٍ في مسألتنا بذلك، وفيه دلالة على الوقف؛ فجاز أن يثبت به كالقول.\nوأما الوقف على المساكين؛ فلم تجر به عادة بغير لفظ، ولو جرت عليه العادة؛ لجاز، ورجَّح الشوكاني -﵀- أنه لا يلزم الوقف بالفعل إلا إن نوى الوقف، وهذا هو الصحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3636>مسألة [٥]: ألفاظ الوقف</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ الوقف له ألفاظ صريحة، وألفاظ ليست صريحة.\nفالصريحة مثل: وقفت، وحبَّست، وسبلت. ولم يعتبر لها أكثر الفقهاء النية، والصحيح أنه يشترط لها لقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات».\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١٩٠ - ١٩١) «البيان» (٨/ ٧٤) «السيل» (٣/ ٣٢٤).","vol":"7","page":144},{"text":"والكناية مثل: تصدقت، وحرَّمت، وأبدت. وهذه الثلاث لا يقع بها الوقف إلا مع النية، أو يقرن بها حكم الوقف كأن يقول: تصدقت بها صدقة لا تباع، ولا تورث. وما أشبه ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3637>مسألة [٦]: هل يفتقر الوقف إلى قبول الموقوف عليه</span>؟\nأما إن كان الوقف لجهة عامة غير معينة؛ فلا يفتقر إلى قبول الموقوف عليه عند أهل العلم.\n• واختلفوا فيما إذا وقفه لمعين على قولين، وهما وجهان للحنابلة والشافعية، والصحيح أنه يشترط قبول الموقوف عليه، كالهبة، والوصية، ولا يشترط في القبول أن يكون على الفور.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات الفقهية» (ص ١٧٣): وإذا اشترط القبول في الوقف على المعين؛ فلا ينبغي أن يشترط المجلس، بل يلحق بالوصية، والوكالة، فيصح معجلًا، أو مؤجلًا في القول والفعل، فأخذُ رِيعِه قبولُه، وينبغي أنه لو رده بعد قبوله كان له ذلك. والصواب الذي عليه محققوا الفقهاء في مسألة الوقف على المعين إذا لم يقبل، أو ردَّه أنَّ ذلك ليس كالوقف المنقطع الابتداء، بل الوقف هنا صحيح قولًا واحدًا، ثم إن قبل الموقوف عليه، وإلا انتقل إلى من بعده كما لو مات، أو تعذر استحقاقه لفوات فيه؛ إذ الطبقة الثانية تتلقى الوقف من الواقف لا من الموقوف عليه. انتهى. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢٧٧٣) «البيان» (٨/ ٧٣) «المغني» (٨/ ١٨٩) «الإنصاف» (٧/ ٥).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٨/ ١٨٧) «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٨٥) «البيان» (٨/ ٦٣) «الإنصاف» (٧/ ٢٥).","vol":"7","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3638>مسألة [٧]: هل يزول ملك الواقف من العين الموقوفة</span>؟\n• مذهب أحمد، والمشهور من مذهب الشافعي، ومذهب أبي حنيفة أنَّ الملك يزول؛ لأنه سبب يزيل التصرف في الرقبة والمنفعة؛ فأزال الملك كالعتق، ولو كان ملكه؛ لجاز له بيعه، وهبته كالملك المطلق.\n• ومذهب مالك، وأحمد في رواية، وقول للشافعي، أنه لا يزول ملك الواقف عن العين الموقوفة.\nقال ابن قدامة -﵀-:فائدة الخلاف أنَّا إذا حكمنا ببقاء ملكه؛ لزمته مراعاته، والخصومة فيه، ويحتمل أن يلزمه أرش جنايته بخلاف غير المالك. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أظهر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3639>مسألة [٨]: هل ينتقل الملك للعين إلى الموقوف عليهم</span>.\n• ظاهر مذهب أحمد أنه ينتقل إلى الموقوف عليهم، وهو قولٌ للشافعي؛ لأنهم يملكون المنفعة، فملكوا العين تبعًا.\n• وعن أحمد رواية أنه لا ينتقل إليهم، وهو الأصح من قولي الشافعي، وقال به أبو حنيفة في الوقف اللازم؛ لأنهم ملكوا المنافع فقط، والأصل لا يتبع الفرع.\nوهذا القول أظهر وأصح، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١٨٦ -) «البيان» (٨/ ٧٤).","vol":"7","page":146},{"text":"وعلى هذا فالملك ينتقل لله (^١) -وكل شيء ملك لله- وهذا قول الشافعي نصَّ عليه، وهو قول أحمد في رواية، والله أعلم، ورجحه الشوكاني. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3640>مسألة [٩]: هل يصح وقف المنقول</span>؟\nأما الأشياء التي لا تنقل كالأراضي والدور، فيصح وقفها عند أهل العلم، ولا إشكال في ذلك.\n• واختلفوا في وقف المنقول كالحيوان، والسلاح ...، وما أشبهها. فالجمهور على صحة الوقف فيها، واستدلوا بحديث: «وأما خالد؛ فإنكم تظلمون خالدًا، فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله»، والأعتاد جمع عتد، وهو ما يعده الرجل من الخيل والسلاح للجهاد.\n• وقال أبو حنيفة: لا يصح وقف الحيوان. وقال محمد بن الحسن: لا يصح وقف الخيل.\n• وعن أحمد رواية: لا يصح وقف غير المنقول. وهو قول أبي يوسف، ومالك في رواية في الكراع والسلاح. والصحيح قول الجمهور. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3641>مسألة [١٠]: وقف المشاع</span>.\n• جمهور العلماء على صحة وقف المشاع، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد،\n_________\n(^١) معناه: زوال أيدي البشر عن ملك هذه العين الموقوفة.\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٧/ ٣٧) «البيان» (٨/ ٧٥) «المغني» (٨/ ١٨٨) «السيل» (٣/ ٣٢٢).\n(^٣) انظر: «المغني» (٨/ ٢٣١ -) «البيان» (٨/ ٦٠ -) «الإنصاف» (٧/ ٧).","vol":"7","page":147},{"text":"وأبي يوسف؛ لأنَّ عمر بن الخطاب أصاب مائة سهم بخيبر، فاستأذن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيها، فأمره بوقفها، وهذا صفة المشاع، ولأنه يصح بيعه؛ فيصح وقفه، ولأنَّ الأصل الإباحة، ولا دليل على المنع.\n• ومنع من ذلك محمد بن الحسن؛ بناء على ما اختاره من اشتراط القبض.\nوأُجيب: بعدم تسليم الاشتراط، وإن سُلِّم؛ فلا يمنع، كما لا يمنع ذلك في البيع، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3642>مسألة [١١]: هل يصح وقف الحلي للبس والعارية</span>؟\n• المشهور في مذهب أحمد صحة الوقف، وهو مذهب الشافعي؛ لأنها عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها دائمًا؛ فصحَّ وقفها كالعقار، ولأنه يصح تحبيس أصلها، وتسبيل المنفعة.\n• وعن أحمد رواية، واختارها بعض الحنابلة: أنه لا يصح.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ التَّحَلِّيَ لَيْسَ هُوَ المَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ الْأَثْمَانِ؛ فَلَمْ يَصِحَّ وَقْفُهَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ وَقَفَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ. وَالْأُوَلُ هُوَ المَذْهَبُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَالتَّحَلِّي مِنْ المَقَاصِدِ المُهِمَّةِ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أباح الشرع للمسلمة التحلي بالذهب وغيره من\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٣٣) «البيان» (٨/ ٦٣) «الإنصاف» (٧/ ٧) «السيل الجرار» (٣/ ٣١٥).","vol":"7","page":148},{"text":"المجوهرات، وعليه فيشرع هذا الوقف؛ لأن فيه منفعة مباحة، وفيه إدخال السرور على بعض المسلمات، ولكن لا يوصى بمثل هذا الوقف الذي تقل منفعته. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3643>مسألة [١٢]: وقف ما لا تبقى عينه إذا انتفع به</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٢٩): وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَالْمَطْعُومِ وَالْمَشْرُوبِ، وَالشَّمْعِ وَأَشْبَاهِهِ، لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا شَيْئًا يُحْكَى عَنْ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، فِي وَقْفِ الطَّعَامِ، أَنَّهُ يَجُوزُ. وَلَمْ يَحْكِهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ، وَلَيْسَ بِصَحِيحِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الثَّمَرَةِ، وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِالْإِتْلَافِ لَا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ. وَقِيلَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ: يَصِحُّ وَقْفُهَا، عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ إجَارَتَهُمَا. وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ لَيْسَتْ الْمَقْصُودَ الَّذِي خُلِقَتْ لَهُ الْأَثْمَانُ، وَلِهَذَا لَا تُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ؛ فَلَمْ يَجُزْ الْوَقْفُ لَهُ، كَوَقْفِ الشَّجَرِ عَلَى نَشْرِ الثِّيَابِ وَالْغَنَمِ عَلَى دَوْسِ الطِّينِ، وَالشَّمْعِ لِيَتَجَمَّلَ بِهِ. اهـ\nواختار بعض الحنابلة صحة وقف الدراهم؛ لينتفع بها في القرض ونحوه، واختاره شيخ الإسلام كما في «الإنصاف»، وقال كما في «الاختيارات»: ولو وقف الدراهم على المحتاجين؛ لم يكن جواز هذا بعيدًا.\nوقال شيخ الإسلام -﵀-: ولو تصدق بدهن على مسجد ليوقد فيه؛ جاز، وهو\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٣٠) «الإنصاف» (٧/ ٧ -).","vol":"7","page":149},{"text":"من باب الوقف، وتسميته وقفًا بمعنى أنه وقف على تلك الجهة لا ينتفع به في غيرها، لا تأباه اللغة، وهو جائزٌ في الشرع. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3644>مسألة [١٣]: هل يصح وقف الكلب</span>؟\n• فيه قولان في مذهب الشافعية، والحنابلة، ورجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- صحة وقفه، وهو الصواب، والله أعلم؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3645>مسألة [١٤]: وقف أم الولد</span>.\n• فيه أيضًا قولان في مذهب الشافعية والحنابلة، والأظهر الجواز؛ لأنَّ الراجح جواز بيعها كما تقدم في كتاب البيوع؛ فيجوز وقفها، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3646>مسألة [١٥]: وقف غير المعين كـ (أحد هذين العبدين، أو أرضًا من الأراضي)</span>.\n• مذهب الشافعية، والحنابلة عدم صحة ذلك؛ لأنه تمليك منجز؛ فلم يصح في عين غير معينة، كالبيع والهبة.\n• وللحنابلة احتمالٌ في الصحة، وهو اختيار بعضهم، ومنهم: شيخ الإسلام -﵀-، وهو ترجيح الشوكاني، ثم الإمام ابن عثيمين.\nقال الإمام الشوكاني -﵀- في «السيل» (٣/ ٣١٥): وليس مثل هذا ينبغي أن\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٧/ ١٠ - ١١) «الاختيارات» (ص ١٧٠).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٧/ ٩) «البيان» (٨/ ٦٢).\n(^٣) انظر: «البيان» (٨/ ٦٢) «الإنصاف» (٧/ ٨).","vol":"7","page":150},{"text":"يكون مانعًا من الصحة؛ فإنه إذا قال: وقفت أرضًا من الأراضي التي أملكها. كان متقربًا واقفًا بمجرد صدور هذا منه، وبعد ذلك التعيين إليه في أيِّ أرض أراد من أملاكه، ومن زعم أنَّ في هذا الوقف مانعًا يمنع من صحته؛ فالدليل عليه، وإن لم يكن إلا مجرد الرأي المبني على الهباء، فرأيه رد عليه. اهـ\nقلتُ: وقد قال بعض الحنابلة: يخرج المبهم بالقرعة، والأظهر قول الشوكاني؛ فإن لم يقدر على معرفة مراد الواقف؛ فيعمل بالقرعة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3647>مسألة [١٦]: هل يشترط في صحة الوقف أن يكون على طاعة</span>؟\nقال العمراني -﵀- في «البيان» (٨/ ٦٣): ولا يصح الوقف إلا على ما فيه طاعة كالوقف على أولاده أو على قرابته، أو الفقراء والمساكين، وطلبة العلم، وكالوقف على المساجد، والسقايات، والقناطر، والمقابر؛ لما ذكرنا من أخبار الصحابة. اهـ\nوقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٣/ ٥٠٧): وكذلك يجب على الإمام أن يهدم هذه المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا، وله أن يقطعها للمقاتلة، أو يبيعها ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين، وكذلك الحكم في أوقافها؛ فإنْ وقفها؛ فالوقف عليها باطل، وهو مال ضائع، فيصرف في مصالح المسلمين؛ فإنَّ الوقف لا يصح إلا في قربةٍ وطاعة لله ورسوله، فلا يصح الوقف على مشهد، ولا قبر يسرج عليه، ويعظم، وينذر له، ويحج إليه، ويُعبد من دون الله، ويُتَّخذ وثنًا من دونه، وهذا مما لم يخالف فيه أحدٌ من أئمة الإسلام، ومن اتبع\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٧/ ٨) «البيان» (٨/ ٦٢ - ٦٣).","vol":"7","page":151},{"text":"سبيلهم. اهـ\nوقال -﵀- (٣/ ٥٧٢) -في الكلام على مسجد الضرار-: ومنها أنَّ الوقف لا يصح على غير بِرٍّ ولا قربة، كما لم يصح وقف هذ المسجد. اهـ\nوقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣١/ ١١): وقد اتفق الأئمة على أنه لا يشرع بناء هذه المشاهد على القبور، ولا الإعانة على ذلك بوقف ولا غيره. اهـ\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٣٤): ولا يصح الوقف على معصية، كبيت النار، والبِيَع، والكنائس، وكتب التوراة والإنجيل؛ لأنَّ ذلك معصية. انتهى المراد\nوقال الشوكاني -﵀- في «السيل الجرار» (٣/ ٣١٥ -): هذا الوقف الذي جاءت به الشريعة، ورغَّب فيه رسول الله - ﷺ - أصحابه هو الذي يتقرب به إلى الله ﷿ حتى يكون من الصدقة الجارية التي لا ينقطع عن فاعلها ثوابها، فلا يصح أن يكون مصرفه غير قربة؛ لأنَّ ذلك خلاف موضوع الوقف الشرعي، لكن القربة توجد في كل ما أثبت فيه الشرع أجرًا لفاعله كائنًا ما كان. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3648>مسألة [١٧]: وقف المسلم على بعض أهل الذمة</span>؟\nقال ابن القيم -﵀- في «أحكام أهل الذمة» (١/ ٣٠١): وكذلك وقف المسلم عليهم؛ فإنه يصح منه ما وافق حكم الله ورسوله، فيجوز أن يقف على معين منهم، أو على أقاربه، وبني فلان، ونحوه، ولا يكون الكفر موجبًا وشرطًا في الاستحقاق،","vol":"7","page":152},{"text":"ولا مانعًا منه، فلو وقف على ولده، أو أبيه، أو قرابته؛ استحقوا ذلك وإن بقوا على كفرهم؛ فإن أسلموا فأولى بالاستحقاق.\nقال: وأما الوقف على كنائسهم، وبيعهم، ومواضع كفرهم التي يقيمون فيها شعار الكفر؛ فلا يصح من كافر ولا مسلم؛ فإنَّ في ذلك أعظم الإعانة لهم على الكفر، والمساعدة، والتقوية عليه، وذلك منافٍ لدين الله. انتهى المراد، وانظر بقية كلامه؛ فإنه مفيد.\nواستدل شيخ الإسلام -﵀- على جواز الوقف على المعين منهم بقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ... [الممتحنة:٨]، وبقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٢]، وحديث أسماء بنت أبي بكر في «الصحيحين» أنَّ أمَّها قدمت عليها وهي مشركة، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صِلِي أمَّكِ» (^١). ا نتهى. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3649>مسألة [١٨]: وهل تصح أوقاف أهل الذمة</span>؟\nقال ابن القيم -﵀- في «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢٩٩): أما ما وقفوه هم،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٦٢٠)، ومسلم برقم (١٠٠٣).\n(^٢) وانظر كلامه في «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣١ - ٣٢)؛ فإنه مفيد، وانظر: «البيان» (٨/ ٦٤ - ٦٥) «المغني» (٨/ ٢٣٦).","vol":"7","page":153},{"text":"فينظر فيه؛ فإن أوقفوه على معين، أو جهة يجوز للمسلم الوقف عليها، كالصدقة على المساكين، والفقراء، وإصلاح الطرق، والمصالح العامة، أو على أولادهم، وأنسالهم، وأعقابهم؛ فهذا الوقف صحيحٌ، حكمه حكم وقف المسلمين على هذه الجهات، لكن إن شَرَطَ في استحقاق الأولاد والأقارب بقاءهم على الكفر؛ فإن أسلموا؛ لم يستحقوا شيئًا، لم يصح هذا الشرط، ولم يجز للحاكم أن يحكم بموجبه باتفاق الأمة؛ فإنه مناقض لدين الإسلام، مضاد لما بعث الله به رسوله - ﷺ -، وهو أبلغ في ذلك من أن يقف على أولاده ما داموا ساعين في الأرض بالفساد مرتكبين لمعاصي الله، فمن تاب منهم؛ أخرج من الوقف، ولم يستحق منه شيئًا وهذا لا يجيزه مسلم.\nثم تكلم على من وقف منهم على مساكين أهل الذمة.\nفقال: يجوز الدفع إليهم بوصف المسكنة لا بوصف الكفر؛ فوصف الكفر ليس بمانع من الدفع إليهم، ولا هو شرط في الدفع كما يظنه الغالط أقبح الغلط وأفحشه، وحينئذ فيجوز الدفع إليه بمسكنته، وإن أسلم فهو أولى بالاستحقاق.\nفالفرق بين أن يكون الكفر جهة وموجبًا، وبين ألا يكون مانعًا، فجعل الكفر جهة موجبًا للاستحقاق؛ مضاد لدين الله تعالى، وحكمه وكونه غير مانع موافق لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ","vol":"7","page":154},{"text":"مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩].\nفإن الله سبحانه لما نهى في أول السورة عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء، وقطع المودة بينهم وبينهم؛ توهم بعضهم أن بِرَّهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودة، فبين الله سبحانه أن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها، وأنه لم ينه عن ذلك، بل هو من الإحسان الذي يحبه ويرضاه، وكتبه على كل شيء.\nوإنما المنهي عنه تولي الكفار، والإلقاء إليهم بالمودة، ولا ريب أنَّ جعل الكفر بالله وتكذيب رسوله موجبًا، وشرطًا في الاستحقاق من أعظم موالاة الكفار المنهي عنها؛ فلا يصح من المسلم، ولا يجوز للحاكم تنفيذه من أوقاف الكفار، فأما إذا وقفوا ذلك فيما بينهم ولم يتحاكموا إلينا ولا استفتونا عن حكمه؛ لم يتعرض لهم فيه وحكمه حكم عقودهم وأنكحتهم الفاسدة. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3650>مسألة [١٩]: الوقف على الحَرْبي</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٣٦): ولا يصح الوقف على المرتد، ولا على الحربي؛ لأنَّ أموالهم مباحة في الأصل، ويجوز أخذها منهم بالقهر والغلبة، فما يتجدد لهم أولى، والوقف لا يجوز أن يكون مباحَ الأخذ؛ لأنه تحبيس الأصل. اهـ\nقلتُ: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٨/ ٦٤) «المغني» (٨/ ٢٣٤ - ٢٣٥).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٧/ ١٥).","vol":"7","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3651>مسألة [٢٠]: الوقف على الأغنياء فقط</span>.\n• قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣١ -): وتنازعوا في الوقف على جهة مباحة، كالوقف على الأغنياء، على قولين مشهورين، والصحيح الذى دلَّ عليه الكتاب، والسنة، والأصول: أنه باطل أيضًا؛ لأن الله سبحانه قال في مال الفيء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر:٧]، فأخبر سبحانه أنه شرع ما ذكره لئلا يكون الفيء متداولًا بين الأغنياء دون الفقراء؛ فَعُلم أنه سبحانه يكره هذا وينهى عنه ويذمه؛ فمن جعل الوقف للأغنياء فقط؛ فقد جعل المال دولة بين الأغنياء، فيتداولونه بطنًا بعد بطن دون الفقراء، وهذا مضادٌّ لله في أمره ودينه، فلا يجوز ذلك، وفى «السنن» عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا سبق إلا في خُفٍّ، أو حافر، أو نصل» (^١)، فإذا كان قد نهى عن بذل السبق إلا فيما يعين على الطاعة والجهاد، مع أنه بذل لذلك في الحياة، وهو منقطع غير مؤبد، فكيف يكون الأمر في الوقف، وهذا بَيِّنٌ في أصول الشريعة من وجهين: أحدهما: أن بذل المال لا يجوز إلا لمنفعة في الدين، أو الدنيا، وهذا أصلٌ متفق عليه بين العلماء، ومن خرج عن ذلك؛ كان سفيهًا، وَحُجِر عليه عند جمهور العلماء الذين يحجرون على السفيه.\nقال: فمن المعلوم أن الواقف لا ينتفع بوقفه في الدنيا كما ينتفع بما يبذله في البيع، والإجارة، والنكاح، وهذا أيضًا لا ينتفع به في الدين إن لم ينفقه في سبيل الله،\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١٣١٥).","vol":"7","page":156},{"text":"وسبيل الله طاعته وطاعة رسوله؛ فإنَّ الله إنما يثيب العباد على ما أنفقوه فيما يحبه، وأما مالا يحبه؛ فلا ثواب في النفقة عليه، ونفقة الإنسان على نفسه وولده، وزوجته واجبة؛ فلهذا كان الثواب عليها أعظم من الثواب على التطوعات على الأجانب.\nقال: وإذا كان كذلك؛ فالمباحات التي لا يثيب الشارع عليها، لا يثيب على الانفاق فيها والوقف عليها، ولا يكون في الوقف عليها منفعة وثواب في الدين، ولا منفعة في الوقف عليها في الدنيا، فالوقف عليها خالٍ من انتفاع الواقف في الدين والدنيا؛ فيكون باطلًا، وهذا ظاهر في الأغنياء، وإن كان قد يكون مُستحبًّا، بل واجبًا، فإنما ذاك إذا أعطوا بسبب غير الغِنَى، من القرابة، والجهاد، والدين ونحو ذلك. الوجه الثاني: أن الوقف يكون فيما يؤبد على الكفار ونحوهم، وفيما يمنع منه التوارث، وهذا لو أن فيه منفعة راجحة وإلا كان يمنع منه الواقف؛ لأنه فيه حبس المال عن أهل المواريث ومن ينتقل إليهم، وهذا مأخذُ من قال: (لا حبس عن فرائض الله)، لكن هذا القول تُرِكَ لقول عمر وغيره، وما في ذلك من المصلحة الراجحة، فأما إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة، بل قد حبس المال، فمنعه الوارث وسائر الناس أن ينتفع به، وهو لم ينتفع به؛ فهذا لا يجوز تنفيذه بلا ريب. اهـ بتلخيص يسير. (^١)\nوهذا القول الذي اختاره شيخ الإسلام عزاه ابن القيم للجمهور كما في «أعلام الموقعين» (١/ ٣١٤). (^٢)\n_________\n(^١) وانظر أيضًا (٣١/ ٤٩).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٧/ ١٢).","vol":"7","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3652>مسألة [٢١]: الجهات التي يصرف إليها الوقف</span>.\nقسَّم ذلك شيخ الإسلام -﵀- إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: عمل يتقرب به إلى الله تعالى، وهو الواجبات، والمستحبات التي رغَّب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيها، وحضَّ على تحصيلها، فمثل هذا يجب الوفاء به، ويقف استحقاق الوقف على حصوله في الجملة.\nالثاني: عملٌ قد نهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهي تحريم، أو نهي تنزيه، فاشتراط مثل هذا العمل باطلٌ باتفاق العلماء. ثم استدل بحديث: «ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله؛ فهو باطل ...» الحديث.\nقال: وما كان من الشروط مستلزمًا وجود ما نهى عنه الشارع؛ فهو بمنزلة ما نهى عنه، وما علم ببعض الأدلة الشرعية أنه نهى عنه؛ فهو بمنزلة ما علم أنه صرح بالنهي عنه، لكن قد يختلف اجتهاد العلماء في بعض الأعمال هل هو من باب المنهي؟ فيختلف اجتهادهم في ذلك الشرط بناء على هذا.\nالثالث: عملٌ ليس بمكروه في الشرع، ولا مستحب، بل هو مباح مستوي الطرفين، فهذا قال بعض العلماء بوجوب الوفاء به، والجمهور من العلماء من أهل المذاهب المشهورة وغيرهم على أنه شرطٌ باطل، ولا يصح عندهم أن يشترط إلا ما كان قربة إلى الله تعالى، وذلك أنَّ الإنسان ليس له أن يبذل ماله إلا لما فيه منفعة في الدين، أو الدنيا.\nقال: فإذا اشترط الموصي، أو الواقف عملًا، أو صفة لا ثواب فيها؛ كان","vol":"7","page":158},{"text":"السعي فيها بتحصيلها سعيًا فيما لا ينتفع به في دنياه وآخرته، ومثل هذا لا يجوز، وهو إنما مقصوده في الوقف التقرب إلى الله تعالى، والشارع أعلم من الواقفين بما يتقرب به إلى الله تعالى، فالواجب أن يعمل في شروطهم بما شرطه الله، ورضيه في شروطهم، وإن كان النبي - ﷺ - قد قال: «لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر»، وعمل بهذا الحديث فقهاء الحديث ومتابعوهم، فنُهي عن بذل المال في المسابقة إلا في مسابقة يُستعان بها على الجهاد الذي هو طاعة لله تعالى، فكيف يجوز أن يبذل الجعل المؤبد لمن يعمل دائمًا عملًا ليس طاعة لله تعالى. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3653>مسألة [٢٢]: إذا وقف على نفسه، فهل يصح</span>؟\n• ذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وأكثر المالكية إلى أنَّ الوقف لا يصح؛ لأن الوقف تمليكٌ للرقبة، والمنفعة، ولا يجوز أن يملك نفسه من نفسه كما في البيع والهبة.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى صحة ذلك، وهو قول أحمد في رواية، واختارها جماعة من أصحابه، وهو قول ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبي يوسف، وابن سريج، واستدلوا بأنَّ عمر اشترط لمن وليها أن يأكل منها، ثم وليها بنفسه، وعثمان أوقف بئر رومة على نفسه والمسلمين (^٢)، وكما أنه يقف وقفًا عامًّا ينتفع به، فكذلك إذا خصَّ نفسه بالانتفاع، وهذا القول رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، ثم الشوكاني -﵀-.\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٥٨ - ٦١).\n(^٢) سيأتي تخريجه قريبًا إن شاء الله.","vol":"7","page":159},{"text":"قال المرداوي -﵀- في «الإنصاف»: وعليه العمل في زماننا وقبله عند حكامنا من أزمنة متطاولة، وهو الصواب، وفيه مصلحة عظيمة، وترغيب في فعل الخير، وهو من محاسن المذهب. اهـ\nوهذا القول هو الصحيح، والله أعلم، ثم إن كان الرجل قد ذكر جهة الوقف بعد نفسه انصرف إليها، كأن يقول: (وقفته على نفسي، ثم على المساكين) فهو بعد موته ينصرف إلى المساكين، وإن لم يذكر جهة الوقف بعد نفسه؛ فحكمه حكم الوقف المنقطع على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3654>مسألة [٢٣]: إذا اشترط الواقف في الوقف أن ينفق على نفسه منه</span>؟\n• مذهب أحمد، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبي يوسف، وابن سريج صحة الوقف والشرط، واستدلوا بحديث عمر المتقدم، فقد اشترط لمن وليها ذلك، ثم وليها بنفسه، ولأنه إذا أوقف وقفًا عامًّا كالمساجد، والسقايات، والمقابر كان له الانتفاع به؛ فكذلك ههنا.\n• وذهب مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن إلى أنه لا يصح الوقف؛ لأنه إزالة الملك، فلم يجز اشتراط نفعه لنفسه، ولأنَّ ما ينفقه على نفسه مجهول؛ فلم يصح اشتراطه، كما لو باع شيئًا واشترط أن ينتفع به.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، ولا نعلم دليلًا يمنع\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١٩٤) «الفتح» (٢٧٧٣) «الإنصاف» (٧/ ١٦ - ١٧) «البيان» (٨/ ٦٦) «السيل الجرار» (٣/ ٣١٩).","vol":"7","page":160},{"text":"ذلك، وحجة المانعين ليست قوية، وليست معاوضة حتى يشترط أن تكون معلومة، والله أعلم. ومثله إن شرط النفقة على أهله منه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3655>مسألة [٢٤]: المنافع للموقوف عليهم إذا لم يشترط</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- (٨/ ١٩١): مَنْ وَقَفَ شَيْئًا وَقْفًا صَحِيحًا، فَقَدْ صَارَتْ مَنَافِعُهُ جَمِيعُهَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَزَالَ عَنْ الْوَاقِفِ مِلْكُهُ، وَمِلْكُ مَنَافِعِهِ؛ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَقَفَ شَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَدْخُلَ فِي جُمْلَتِهِمْ، مِثْلُ أَنْ يَقِفَ مَسْجِدًا؛ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، أَوْ مَقْبَرَةً؛ فَلَهُ الدَّفْنُ فِيهَا، أَوْ بِئْرًا لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَلَهُ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْهَا، أَوْ سِقَايَةً، أَوْ شَيْئًا يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ؛ فَيَكُونُ كَأَحَدِهِمْ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ خِلَافًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -﵁- أَنَّهُ سَبَّلَ بِئْرَ رُومَةَ، وَكَانَ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ (^٢). اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3656>مسألة [٢٥]: إذا وقف على الفقراء، ثم افتقر، فهل يدخل في الوقف</span>؟\n• الصحيح من قولي العلماء ﵏ أنه يدخل في الوقف؛ لأنه يشمله صفة الجهة التي وقف الوقف فيها، وهو قول المالكية، والشافعية، وبعض الحنابلة، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ١٩١ - ١٩٢) «الفتح» (٢٧٧٣) «الإنصاف» (٧/ ١٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٧٠٣)، والنسائي (٣٦٠٩) (٣٦١٠)، وأصله في «البخاري» معلقًا برقم (٢٧٧٨)، وهو حديث حسن.\n(^٣) انظر: «الإنصاف» (٧/ ١٨)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٤٤/ ١٤٥).","vol":"7","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3657>مسألة [٢٦]: إذا وقف الوقف على مجهول كرجل، وامرأة، أو ما أشبهه</span>؟\nذكر جماعة من أهل العلم أنَّ هذا الوقف باطلٌ؛ لأنه لم يبين وجهه، ومثله أن يقول: وقفت داري على أولادي، ولا أولاد له، أو على رجال، أو على حمل هذه المرأة؛ فلا يصح الوقف؛ لأن الوقف تمليك للرقبة والمنفعة، فلم يصح على من لا يملك، كما لا يصح البيع والإجارة من غير ملك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3658>مسألة [٢٧]: الوقف على العبد، وأم الولد</span>.\n• منع من ذلك جماعة من الفقهاء بحجة أنَّ العبد وأم الولد لا يملكان، والصحيح صحة الوقف عليهما، وعدم اشتراط أن يكون الوقف لمن يملك، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3659>مسألة [٢٨]: الوقف على الحمل ابتداءً لا تبعًا</span>.\n• مذهب الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة أنه لا يصح؛ لأنَّ الوقف تمليك ناجز، فلا يصح لإنسان يحتمل وجوده وعدمه.\n• وذهب بعض الحنابلة إلى صحة ذلك.\nقلتُ: إن كان قاصدًا بذلك تعليق الوقف على سلامة الجنين؛ فيصير من الوقف المعلق، وسيأتي حكمه، وإلا فلا يجوز، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٧/ ١٩) «البيان» (٨/ ٦٨).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٧/ ١٩ - ٢٠).\n(^٣) انظر: «البيان» (٨/ ٦٣) «الإنصاف» (٧/ ٢١).","vol":"7","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3660>مسألة [٢٩]: الوقف على البهيمة</span>.\n• الأصح عند الحنابلة عدم صحة الوقف عليها، وهو قول بعض الشافعية؛ لأنها لا تملك.\n• والأصح عند الشافعية صحة الوقف عليها، وهو قول بعض الحنابلة؛ لأنَّ ذلك كالوقف على مالكها؛ إلا أنه ينفق منه عليها، وهي وإن لم تملك، لكن تكون مختصة به.\nوهذا القول هو الصحيح، وهو ظاهر ترجيح الشوكاني -﵀- كما في «السيل». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3661>مسألة [٣٠]: تعليق الوقف على شرطٍ</span>.\nمثل أن يقول: (إن جاء والدي من سفره فأرضي وقف) أو (إذا جاء شهر رمضان فبستاني وقف) وما أشبه ذلك.\n• فمذهب الحنابلة، والشافعية عدم صحة ذلك، بل قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا.\n• وقد اختار بعض الحنابلة الصحة كما في «الإنصاف» منهم: شيخ الإسلام، وابن القيم.\nوهذا هو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يمنع من ذلك، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (٨/ ٦٥) «الإنصاف» (٧/ ٢٢) «السيل» (٣/ ٣١٦).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٧/ ٢٢) «البيان» (٨/ ٨٠) «المغني» (٨/ ٢١٦ - ٢١٧) «أعلام الموقعين» (٤/ ١٤).","vol":"7","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3662>مسألة [٣١]: إذا اشترط في الوقف أن يبيعه، أو يهبه، أو يرجع فيه متى شاء</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٩٢): وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ مَتَى شَاءَ، أَوْ يَهَبَهُ، أَوْ يَرْجِعَ فِيهِ؛ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ، وَلَا الْوَقْفُ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْسُدَ الشَّرْطُ، وَيَصِحَّ الْوَقْفُ؛ بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ. اهـ\nوقد أجاز المالكية أن يشترط ذلك بما إذا احتاج إلى بيعه، ثم قالوا: عليه أن يثبت بالبينة احتياجه، أو يحلف؛ فله بعد ذلك بيعه، والرجوع فيه.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يمكنه أن يجعل العين صدقة مقيدة بما يريد، ولا ينويها وقفًا، ولا يصح الوقف مع الشرط المذكور، والله المستعان. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3663>مسألة [٣٢]: إذا شرط لنفسه الخيار في الوقف</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٩٢): وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي الْوَقْفِ؛ فَسَدَ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ، فَجَازَ شَرْطُ الْخِيَارِ فِيهِ، كَالْإِجَارَةِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنَّ لَهُ بَيْعَهُ مَتَى شَاءَ، وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ لله تَعَالَى؛ فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهِ كَالْعِتْقِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهِ، كَالْهِبَةِ، وَيُفَارِقُ الْإِجَارَةَ؛ فَإِنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ، وَلِأَنَّ الْخِيَارَ إذَا دَخَلَ فِي الْعَقْدِ مَنَعَ ثُبُوتَ\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٧/ ٢٤)، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (٤٤/ ١٤٥).","vol":"7","page":164},{"text":"حُكْمِهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ أَوْ التَّصَرُّفِ، وَهَاهُنَا لَوْ ثَبَتَ الْخِيَارُ؛ لَثَبَتَ مَعَ ثُبُوتِ حُكْمِ الْوَقْفِ، وَلَمْ يَمْنَعْ التَّصَرُّفَ، فَافْتَرَقَا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3664>مسألة [٣٣]: إذا وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز</span>؟\nهذا الوقف يسميه الفقهاء (منقطع الابتداء) ومثاله أن يقول: وقفته على ولدي، ثم على الفقراء. ولا ولد له، أو يقول: وقفته على رجل، ثم على الفقراء. أو يقفه على معصية، أو بدعة، ثم على الفقراء، أو ما أشبه ذلك.\n• فالصحيح من مذهب الشافعية، وقال به بعض الحنابلة أنَّ الوقف صحيح، وينقل الوقف في الحال إلى الجهة الجائزة، وهذا هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: إذا وقفه على جهة باطلة، ولم يذكر مآلًا مما يجوز الوقف فيه؛ فالوقف باطل. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3665>مسألة [٣٤]: إذا وقف على جهة جائزة، فانقرضت، فإلى من يعود الوقف</span>؟\nهذا الوقف يسميه الفقهاء (منقطع الانتهاء) ومثاله أن يقول: وقفت هذا على أولادي. فيموت أولاده. أو على فلان الفقير، وأولاده. فيموت ذلك الرجل وينقرض نسله، ولا يقول في الصورتين: ثم للمساكين، أو ما أشبه ذلك من الجهات التي لا تنقطع بحكم العادة.\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٧/ ٢٤).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٧/ ٢٨) «المغني» (٨/ ٢١٤) «البيان» (٨/ ٧٠ - ٧١).\n(^٣) «المغني» (٨/ ٢١٤).","vol":"7","page":165},{"text":"• فهذا الوقف صحيح في مذهب أحمد، ومالك، وأبي يوسف، والشافعي في قولٍ؛ لأنه تصرف معلوم المصرف، وابتداؤه معلوم؛ فصحَّ، ويمكن نقله إلى غيره بعد انقراضه.\n• وذهب محمد بن الحسن، والشافعي في قول إلى أنَّ الوقف باطل؛ لأنَّ الوقف مقتضاه التأبيد، فإذا كان منقطعًا صار وقفًا على مجهول؛ فلم يصح، كما لو كان مجهول الابتداء أيضًا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، ولا دليل مع من أبطله، والله أعلم.\n• واختلف أهل القول الأول في مصرف هذا الوقف عند انقراض الموقوف عليهم، فقال أبو يوسف، ومالك في رواية: إنَّ الوقف يرجع ملكًا إلى الواقف إن كان باقيًا، أو ورثته إن كان ميتًا؛ لأنه جعلها صدقة على مسمى؛ فلا تكون على غيره.\n• وذهب أحمد، والشافعي إلى أنه يرجع إلى أقارب الواقف؛ لأنهم أولى الناس بصدقته، وهو قول مالك.\n• وعن أحمد رواية: ينصرف إلى المساكين، وهو قول بعض الشافعية. وعنه رواية أخرى: أنه يجعل في بيت المال.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنها تنصرف إلى المساكين، ويقدم أقارب","vol":"7","page":166},{"text":"الواقف الفقراء منهم دون الأغنياء؛ لأنَّا خصصناهم بالوقف؛ لكونهم أولى الناس بصدقته وأولى الناس بصدقته هم الفقراء دون الأغنياء، وهذا ترجيح ابن قدامة -﵀-.\nوقال الشوكاني -﵀-: ينبغي أن يصرف في مصرف مماثل لذلك المصرف الذي كان الصرف إليه.\nوقال: كيف يعود ما قد صار ملكًا لله للواقف أو وارثه. اهـ\nقلتُ: ويمكن أيضًا أن تصرف على طلبة العلم، أو على جهة عامة، أو ما أشبه ذلك، والله أعلم بالصواب، وبه التوفيق، ومنه الثواب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3666>مسألة [٣٥]: إذا لم يكن للواقف أقارب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢١٣): فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاقِفِ أَقَارِبُ، أَوْ كَانَ لَهُ أَقَارِبُ فَانْقَرَضُوا؛ صُرِفَ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَقْفًا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ الثَّوَابُ الْجَارِي عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا الْأَقَارِبَ عَلَى الْمَسَاكِينِ؛ لِكَوْنِهِمْ أُولَى، فَإِذَا لَمْ يَكُونُوا؛ فَالْمَسَاكِينُ أَهْلٌ لِذَلِكَ، فَصُرِفَ إلَيْهِمْ. اهـ\nقلتُ: تقدم أن المساكين والفقراء مقدمون على الأقارب، فإن كان من الفقراء والمساكين من هم من الأقارب؛ صاروا أولى؛ فإن لم يوجد؛ فهو لعموم الفقراء والمساكين. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢١١ -) «البيان» (٨/ ٦٩) «الإنصاف» (٧/ ٢٩) «التمهيد» (١٦/ ٤٤٥ -) ط/مرتبة، «السيل» (٣/ ٣٢٢).\n(^٢) وانظر: «التمهيد» (١٦/ ٤٤٦) ط/مرتبة.","vol":"7","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3667>مسألة [٣٦]: إذا قال: وقفت هذا لله، أو: صدقة موقوفة. ولم يبين سبيله</span>؟\n• مذهب مالك، والحنابلة، والشافعي في قولٍ، وأبي يوسف، ومحمد صحة الوقف، وهو مذهب البخاري -﵀-، فقد بوب في «صحيحه»: [باب إذا قال: أرضي، أو بستاني صدقة لله عن أمي. فهو جائز، وإن لم يبين لمن ذلك].\nثم استدل بحديث ابن عباس -﵄- أن سعد بن عبادة -﵁- توفيت أمه ... الحديث، وفيه: أشهدك أنَّ حائطي المخراف صدقة عنها. (^١)\n• وذهب الشافعي في قولٍ له إلى أنَّ الوقف لا يصح حتى يعين جهة مصرفه، وإلا فهو باقٍ على ملكه.\n• وقال بعض الشافعية: إن قال: وقفته. وأطلق؛ فهو محل الخلاف، وإن قال: وقفته لله. خرج عن ملكه جزمًا.\nودليله: حديث أبي طلحة، أنه قال: إنَّ أرضي بيرحاء صدقة لله، فضعها يا رسول الله، حيث أراك الله ... الحديث. (^٢)\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، ويصرف الوقف إلى مصرف الوقف المنقطع بعد انقراض الموقوف عليهم، وإلى مصالح المسلمين، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٧٥٦)، وأصله في «مسلم» برقم (١٦٣٨).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٤٦١)، ومسلم برقم (٩٩٨)، من حديث أنس بن مالك -﵁-.\n(^٣) انظر: «الفتح» (٢٧٥٦) «المغني» (٨/ ٢١٣) «البيان» (٨/ ٧٢) «الإنصاف» (٧/ ٣٣ - ٣٤).","vol":"7","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3668>مسألة [٣٧]: إذا قال: وقفت هذا الدار سنة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢١٧): وَإِنْ عَلَّقَ انْتِهَاءَهُ عَلَى شَرْطٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ: دَارِي وَقْفٌ إلَى سَنَةٍ، أَوْ إلَى أَنْ يَقْدَمَ الْحَاجُّ. لَمْ يَصِحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ؛ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ التَّأْبِيدُ. وَفِي الْآخَرِ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعُ الِانْتِهَاءِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَهُ عَلَى مُنْقَطِعِ الِانْتِهَاءِ؛ فَإِنْ حَكَمْنَا بِصِحَّتِهِ هَاهُنَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مُنْقَطِعِ الِانْتِهَاءِ. اهـ\nقال الشوكاني -﵀- في «السيل» (٣/ ٣٢٣): التوقيت يخالف ما يقتضيه الوقف من التحبيس المؤبد.\nثم قال: وأما قوله (ويتأبد مؤقته) -يعني قول صاحب «متن الأزهار» - فظاهرٌ، ولا يكون وقفًا إلا بذلك. اهـ\nفهذا ترجيح من الشوكاني -﵀- للقول الثاني الذي ذكره ابن قدامة -﵀-.\nقلتُ: ويظهر لي -والله أعلم أنَّ الوقف المؤقت صحيح؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وإذا انتهت المدة فالصحيح أنه يرجع إلى مالكه، وهو مقتضى مذهب مالك، وأبي يوسف؛ لما تقدم ذكره عنهم في مسألة [الوقف المنقطع المنتهي].\nقال ابن قدامة -﵀-: وَإِنْ قَالَ: هَذَا وَقْفٌ عَلَى وَلَدِي سَنَةً، ثُمَّ عَلَى المَسَاكِينِ. صَحَّ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: هَذَا وَقْفٌ عَلَى وَلَدِي مُدَّةَ حَيَاتِي، ثُمَّ هُوَ بَعْدَ مَوْتِي لِلْمَسَاكِينِ. صَحَّ؛ لِأَنَّهُ وَقْفٌ مُتَّصِلُ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ. وَإِنْ قَالَ: وَقْفٌ عَلَى","vol":"7","page":169},{"text":"الْمَسَاكِينِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِي. صَحَّ، وَيَكُونُ وَقْفًا عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَيُلْغَى قَوْلُهُ: عَلَى أَوْلَادِي؛ لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ لَا انْقِرَاضَ لَهُمْ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3669>مسألة [٣٨]: هل يجوز للموقوف عليه أو الواقف أن يجامعا الأمة الموقوفة</span>؟\nتقدم في المسألة رقم [٧] الكلام على مسألة الملك للموقوف، ورجحنا أنَّ الملك يزول من الواقف، ولا يملكه الموقوف عليه، بل هو ملك لله، وعلى هذا فلا يجوز للواقف ولا للموقوف عليه أن يجامعا الأمة الموقوفة؛ لأنها ليست ملكًا لواحد منهما، وقد وافق على ذلك أيضًا من قال: الملك للموقوف عليه بحجة أنه ملك ضعيف ناقص.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٢٧): فَإِنْ وَطِئَ -يعني الموقوف عليه- فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِلشُّبْهَةِ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لَهُ، وَلَا يَجِبُ لِلْإِنْسَانِ شَيْءٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْوَلَدِ، يُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ مَكَانَهُ. انتهى المراد.\nوإذا وطئها الواقف، أو أجنبي بشبهة، فأتت بولد؛ فالولد حر، وعليه المهر لأهل الوقف وقيمة الولد يشتري بها عبدًا، وإن تلفت الأمة بسبب ذلك؛ فعليه قيمتها يشتري بها مثلها.\nوللحنابلة احتمال أنَّ الموقوف عليه يملك قيمة الولد، وهذا أقرب، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢١٧) «الإنصاف» (٧/ ٣٤ -).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٧/ ٣٧ - ٣٨) «البيان» (٨/ ٧٦).","vol":"7","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3670>مسألة [٣٩]: عتق العبد الموقوف، أو الأمة الموقوفة</span>.\nنص جماعة من الفقهاء على عدم صحة عتق العبد، أو الأمة الموقوفين؛ بحجة أنه تعلق به حق غيره، ولأن الوقف لازم، فلا يمكن إبطاله.\nويظهر لي -والله أعلم أن عتقهما صحيح، ومشروع، ويوقف بدلًا عنه قيمة العبد أو الأمة في نفس المنفعة، أو فيما هو أفضل منها.\nتنبيه: ليس للواقف، ولا للموقوف عليه أن يعتقا العبد، أو الأمة تبرعًا بدون عوض؛ لأنه قد صار وقفًا لله، وزالت الأملاك عليه من البشر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3671>مسألة [٤٠]: تزويج الأمة الموقوفة</span>.\n• في هذه المسألة وجهان للحنابلة والشافعية: أحدهما: أنه يجوز تزويجها كما يجوز إجارتها. الثاني: لا يجوز تزويجها؛ لأنه عقد على نفعها في العمر، فيفضي إلى تفويت نفعها في حق البطن الثاني، ولأنَّ النكاح يتعلق به حقوق من وجوب تمكين الزوج من استمتاعها ومبيتها عنده، فتفوت خدمتها في الليل على البطن الثاني؛ إلا أن تطلب التزويج، فيتعين تزويجها؛ لأنه حق لها طلبته، فتتعين الإجابة إليه، وما فات من الحق به؛ فات تبعًا لإيفائها حقها، فوجب ذلك، كما يجب تزويج الأمة غير الموقوفة إذا طلبت ذلك.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا القول الثاني أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٢٨) «البيان» (٨/ ٧٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٢٢٦) «البيان» (٨/ ٧٦) «الإنصاف» (٧/ ٣٩).","vol":"7","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3672>مسألة [٤١]: من يتولى تزويجها</span>؟\n• أما من قال: الملك للموقوف عليه؛ فيقولون: يتولى تزويجها الموقوف عليه. ومن قال: الملك للواقف. قال: التزويج له. وأما على القول الصحيح أنَّ الملك لله؛ فيزوجها الحاكم بإذن الموقوف عليه، ويجب له مهرها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3673>مسألة [٤٢]: إذا ولدت الأمة من زوجها</span>؟\n• في ولد الأمة، وكذا ولد البهيمة وجهان للشافعية، والحنابلة، هل يكون وقفًا تبعًا لأمه؟ أم يكون ملكًا للموقوف عليه؟ ومأخذ القول الأول، وهو قول جمهور الحنابلة أنه فرع عن أصل؛ فيتبع أصله. ومأخذ القول الثاني أنه من نماء الوقف؛ فهو كثمرة الشجرة، وكسب العبد، وهذا القول أقرب، والله أعلم.\nتنبيه: الشاة أو الأمة إذا وُقِفَت حاملًا؛ فالحمل يتبعها في الوقف، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3674>مسألة [٤٣]: إذا جنى العبد الموقوف؛ فعلى من أرش جنايته</span>؟\nإن كانت الجناية توجب القصاص؛ وجَبَ، سواء كانت الجناية على الموقوف عليه، أو على غيره؛ فإن قتل؛ بطل الوقف فيه، وإن قُطِعَ؛ كان باقيه وقفًا، كما لو تلف بفعل الله تعالى.\n• وإن كانت الجناية موجبة للمال؛ لم يمكن تعلقها برقبته؛ لأنه لا يمكن بيعها، فأمَّا من قال: الملك للموقوف عليه. فقالوا: الأرش عليه. ومن قال: الملك\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (٨/ ٧٧) «الإنصاف» (٧/ ٣٩).\n(^٢) انظر: «البيان» (٨/ ٧٦) «الإنصاف» (٧/ ٤٠).","vol":"7","page":172},{"text":"للواقف. فإنه يقول: الأرش على الواقف. وعلى القول الصحيح أنها ليست ملكًا لواحد منهما؛ فمنهم من قال: الأرش يكون في كسب هذا العبد الجاني. وقيل: في بيت المال. ومنهم من قال: على الواقف أيضًا. ويظهر لي، والله أعلم، أن الجناية إن كانت خطأً؛ فتكون في بيت المال، وإن كانت عمدًا؛ فتكون من كسب العبد، وإذا كرر العبد الجناية عمدًا فللقاضي أن يعزره، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3675>مسألة [٤٤]: إذا جُني على العبد الموقوف بجناية توجب مالًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٢٦): وَإِنْ جُنِيَ عَلَى الْوَقْفِ جِنَايَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْمَالِ؛ وَجَبَ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ لَمْ تَبْطُلْ، وَلَوْ بَطَلَتْ مَالِيَّتُهُ لَمْ يَبْطُلْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْحُرَّ يَجِبُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ قُتِلَ؛ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ، وَلَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْعَفْوُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهَا، وَيُشْتَرَى بِهَا مِثْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ يَكُونُ وَقْفًا. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَخْتَصُّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ إنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَمْلِكُ الْمَوْقُوفَ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مِلْكِهِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ مِلْكُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ؛ فَلَمْ يَخْتَصَّ بِبَدَلِهِ، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ وَالْمَرْهُونِ، وَبَيَانُ عَدَمِ الِاخْتِصَاصِ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْبَطْنِ الثَّانِي؛ فَلَمْ يَجُزْ إبْطَالُهُ. وَلَا نَعْلَمُ قَدْرَ مَا يَسْتَحِقُّ هَذَا مِنْهُ فَنَعْفُوَ عَنْهُ؛ فَلَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٢٥) «البيان» (٨/ ٧٩ - ٨٠) «الإنصاف» (٧/ ٤٠ - ٤١).\n(^٢) وانظر: «البيان» (٨/ ٧٧).","vol":"7","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3676>مسألة [٤٥]: هل على الموقوف عليه زكاة إذا كان تحت يده شيء يجب فيه الزكاة</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٢٨): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَقْفَ إذَا كَانَ شَجَرًا فَأَثْمَرَ، أَوْ أَرْضًا فَزُرِعَتْ، وَكَانَ الْوَقْفُ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، فَحَصَلَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ الثَّمَرَةِ أَوْ الْحَبِّ نِصَابٌ؛ فَفِيهِ الزَّكَاةُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ، وَمَكْحُولٍ: لَا زَكَاةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُمْ؛ فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ زَكَاةٌ فِي الْخَارِجِ مِنْهَا كَالْمَسَاكِينِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ اسْتَغَلَّ مِنْ أَرْضِهِ أَوْ شَجَرِهِ نِصَابًا، فَلَزِمَتْهُ زَكَاتُهُ، كَغَيْرِ الْوَقْفِ. يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْوَقْفَ الْأَصْلُ، وَالثَّمَرَةَ طَلْقٌ، وَالْمِلْكُ فِيهَا تَامٌّ، لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِجَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ، وَتُورَثُ عَنْهُ؛ فَتَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ.\nقال: أَمَّا الْمَسَاكِينُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَحْصُلُ فِي أَيْدِيهِمْ، سَوَاءٌ حَصَلَ فِي يَدِ بَعْضِهِمْ نِصَابٌ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، أَوْ لَمْ يَحْصُلْ، وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ تَفْرِيقِهَا، وَإِنْ بَلَغَتْ نُصُبًا؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْمَسَاكِينِ لَا يَتَعَيَّنُ لَوَاحِدٍ مِنْهُمْ، بِدَلِيلِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجُوزُ حِرْمَانُهُ وَالدَّفْعُ إلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْمِلْكُ فِيهِ بِالدَّفْعِ وَالْقَبْضِ؛ لِمَا أُعْطِيَهُ مِنْ غَلَّتِهِ مِلْكًا مُسْتَأْنَفًا، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ، كَاَلَّذِي يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ، وَكَمَا لَوْ وَهَبَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ، وَفَارَقَ الْوَقْفَ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ؛ فَإِنَّهُ يُعَيَّنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقٌّ فِي نَفْعِ الْأَرْضِ وَغَلَّتِهَا، وَلِهَذَا يَجِبُ","vol":"7","page":174},{"text":"إعْطَاؤُهُ، وَلَا يَجُوزُ حِرْمَانُهُ. اهـ (^١)\nولو كان الموقوف ماشية؛ فبناؤه على الملك إن قلنا: الملك للموقوف عليه. فهي عليه، وإن قلنا: الملك لله. وهو الصحيح؛ فلا زكاة فيها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3677>مسألة [٤٦]: النفقة على الوقف</span>.\nقال الإمام يحيى بن سالم العمراني -﵀- في «البيان» (٨/ ١٠٠): وإذا احتاج الوقف إلى نفقته بأن كان حيوانًا، أو أرضًا تحتاج إلى عمارة؛ فإن شرط الواقف أنَّ نفقة ذلك من غلة الوقف؛ أنفق عليها من غلتها، وما بقي صرف إلى أهل الوقف. قال ابن الصباغ: وإن شرط الواقف أن تكون نفقتها من ماله ...؛ حمل على ذلك، وإن أطلق ذلك؛ أنفق عليه من غلته؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا بذلك؛ فإن بطلت منفعته بأن كان عبدًا؛ فَزَمِنَ. فإن قلنا: إن الملك فيه ينتقل إلى الله تعالى ...؛ أنفق عليه من بيت المال، كالحر المعسر. وإن قلنا: إن الملك فيه ينتقل إلى الموقوف عليه؛ كانت نفقته عليه. وإن قلنا بالقول المخرَّج: إن ملك الواقف باق عليه ...؛ وجبت نفقته عليه. اهـ (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3678>مسألة [٤٧]: النظر في الوقف</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٣٦ - ٢٣٧): وَيَنْظُرُ فِي الْوَقْفِ مَنْ شَرَطَهُ الْوَاقِفُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ -﵁- جَعَلَ وَقْفَهُ إلَى حَفْصَةَ تَلِيه مَا عَاشَتْ،\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٧/ ٤١).\n(^٢) انظر: «البيان» (٨/ ٧٥) «الإنصاف» (٧/ ٤١).\n(^٣) وانظر: «المغني» (٨/ ٢٣٨) «الإنصاف» (٧/ ٤٢،٦٥).","vol":"7","page":175},{"text":"ثُمَّ إلَى ذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا. وَلِأَنَّ مَصْرِفَ الْوَقْفِ يُتْبَعُ فِيهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ، فَكَذَلِكَ النَّاظِرُ فِيهِ؛ فَإِنْ جَعَلَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ؛ جَازَ، وَإِنْ جَعَلَهُ إلَى غَيْرِهِ؛ فَهُوَ لَهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ لِأَحَدٍ، أَوْ جَعَلَهُ لِإِنْسَانٍ فَمَاتَ؛ نَظَرَ فِيهِ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَنَفْعُهُ لَهُ، فَكَانَ نَظَرَهُ إلَيْهِ كَمِلْكِهِ الْمُطْلَقِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ الْحَاكِمُ. اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ هَلْ يَنْتَقِلُ فِيهِ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ إلَى الله تَعَالَى؟.\nقال: وَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا، أَوْ عَلَى مَنْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ؛ فَالنَّظَرُ فِيهِ إلَى الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ مُتَعَيِّنٌ يَنْظُرُ فِيهِ. وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يُمْكِنُهُ تَوَلِّي النَّظَرَ بِنَفْسِهِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3679>مسألة [٤٨]: مصرف الوقف</span>.\nمصرف الوقف عند أهل العلم حيث شرطه الواقف إذا كان وقفًا صحيحًا شرعيًّا، ويدل على ذلك حديث عمر بن الخطاب -﵁- الذي في الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3680>مسألة [٤٩]: إذا أوقف شيئًا وقال: في سبيل الله</span>؟\nقال العمراني -﵀- في «البيان» (٨/ ٨٢): وإن وقف شيئًا في سبيل الله كان ذلك وقفًا على الغزاة عند نشاطهم دون المرتبين في ديوان الإمام، وقال أحمد: الحج في سبيل الله. دليلنا: أن مطلق كلام الآدمي محمول على المعهود في الشرع، وقد ثبت أن سهم (سبيل الله) في الصدقات مصروف إليهم فكذلك الوقف المطلق. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٨/ ١٠٠ - ١٠١) «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٨٣).","vol":"7","page":176},{"text":"قلتُ: الأمر في ذلك راجع إلى مقصود الواقف إن كان باقيًا، وإلا فعرف أهله وبلده، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3681>مسألة [٥٠]: الوقف على أولاده</span>.\nقال العمراني -﵀- في «البيان» (٨/ ٨٣): وإن وقف على أولاده؛ دخل فيه أولاده من صلبه الذكور والإناث، والخُناثى؛ لأنَّ الجميع ولده، ولا يدخل أولاد البنين، ولا أولاد البنات؛ لأنَّ ولده حقيقة هو ولد صلبه، وإن كان له حمل استحق من غلة الحادث بعد انفصاله دون الحادثة قبل انفصاله؛ لأنه لا يسمى ولدًا إلا بعد الانفصال. اهـ\nقلتُ: أما قوله (لا يدخل أولاد البنين) فقد خالف فيه أحمد، وقال بدخولهم كما في «المغني» (٨/ ١٩٥)، والذي يظهر أنَّ ذلك راجع إلى قصد الواقف؛ فإن كان باقيًا سئل عن نيته، وإن كان قد مات؛ فيرجع إلى عرفه وأهل بلده، والله أعلم.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ١٩٦): وَمَوْضِعُ الْخِلَافِ المُطْلَقِ، فَأَمَّا مَعَ وُجُودِ دَلَالَةٍ تَصْرِفُ إلَى أَحَدِ الْمَحْمَلَيْنِ؛ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ إلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ. وَهُمْ قَبِيلَةٌ لَيْسَ فِيهِمْ وَلَدٌ مِنْ صُلْبِهِ؛ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ إلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي، أَوْ وَلَدِي. وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ صُلْبِهِ .. .\nقَالَ: وَإِنْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةٌ تَقْضِي تَخْصِيصَ أَوْلَادِهِ لِصُلْبِهِ بِالْوَقْفِ، مِثْلُ أَنْ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٨/ ٢٠٩ - ٢١٠).","vol":"7","page":177},{"text":"يَقُولَ: عَلَى وَلَدِي لِصُلْبِي. أَوْ الَّذِينَ يَلُونَنِي. وَنَحْوَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْبَطْنِ الْأَوَّلِ دُونَ غَيْرِهِمْ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3682>مسألة [٥١]: إذا وقف على أولاد أولاده فهل يدخل فيهم أولاد بناته</span>؟\nأما أولاد البنين فيدخلون في ذلك بغير خلاف.\n• واختلف أهل العلم في أولاد البنات: هل يدخلون أم لا؟ فمذهب مالك، ومحمد بن الحسن أنهم لا يدخلون. وقال أحمد فيمن وقف على ولده: ما كان من ولد البنات؛ فليس لهم فيه شيء.\nقال ابن قدامة -﵀-: هذا النص يحتمل أن يعدَّى إلى هذه المسألة، ويحتمل أن يكون مقصورًا على من وقف على ولده، ولم يذكر ولد ولده. اهـ\nوحجة أصحاب هذا القول قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، فدخل فيها أولاد البنين ولم يدخل أولاد البنات، ولأنه لو وقف على ولد رجل، وقد صاروا قبيلة؛ دخل فيه ولد البنين دون ولد البنات بالاتفاق؛ فكذلك قبل أن يصيروا قبيلة، ولأن ولد البنات منسوبون إلى آبائهم دون أمهاتهم، قال الشاعر:\nبنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد\n• ومذهب الشافعي، وأبي يوسف، وبعض الحنابلة أنهم يدخلون؛ لأنَّ البنات من أولاده؛ فأولادهن أولاد الأولاد حقيقة؛ فيجب أن يدخلوا في اللفظ؛ لتناول","vol":"7","page":178},{"text":"اللفظ لهم، وقد ذكر الله عيسى في ذرية نوح ﵉، وهو من ولد بنته، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للحسن: «إن ابني هذا سيد» (^١)، وقال تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء:٢٣]، ودخل في ذلك حلائل أبناء البنات.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يرجع ذلك إلى الواقف وقصده؛ فإن كان موجودًا سُئل عن نيته، وإن لم يكن موجودًا وقد مات؛ فيرجع إلى عُرْفه، وأهل بلده؛ فإن كانوا يريدون باللفظ المذكور أن يدخلوا أولاد البنات؛ دخلوا، وإن لم يقصدوهم؛ فلا يدخلوا في ذلك، والله أعلم، وإن لم يعلم لهم عرف؛ فالظاهر هو قول الشافعي ومن معه؛ لأنَّ ظاهر اللفظ يدل علىه، وبالله التوفيق.\nوَمِثْلُ الخلافِ المذكور إذا قال: على عقبي أو نسلي أو ذريتي، وما أشبه ذلك. (^٢)\nتنبيه: محل الخلاف المذكور فيما إذا لم يوجد ما يدل على تعيين أحد الأمرين، فأما إن وجد ما يصرف اللفظ إلى أحدهما انصرف إليه. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3683>مسألة [٥٢]: إذا وقف على بنيه فقط، فما الحكم</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المقنع»: وإن وقف على بنيه أو بني فلان فهو للذكور خاصَّة. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٧٠٤)، من حديث أبي بكرة -﵁-.\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٢٠٢ -) «البيان» (٨/ ٨٤ - ٨٥) «الإنصاف» (٧/ ٧٤ - ٧٥) «جلاء الأفهام» (ص ١٥٢ -) «المحلى» (١٦٥٦).\n(^٣) انظر: «المغني» (٨/ ٢٠٤).","vol":"7","page":179},{"text":"قال صاحب «الشرح الكبير» (٦/ ٢٥٠): هذا عند الجمهور، وبه قال الشافعي، وأصحاب الرأي، وقال الحسن، وإسحاق، وأبو ثور: هو للذكر والأنثى جميعًا؛ لأنه لو وقف على بني فلان، أو أوصى لهم وهم قبيلة؛ دخل فيه الذكر والأنثى. وقال الثوري: إن كانوا ذكورًا وإناثًا؛ فهو بينهم، وإن كن بنات لا ذكر معهن؛ فلا شيء لهن؛ لأنه متى اجتمع الذكور والإناث غلب لفظ التذكير، ودخل فيه الإناث كلفظ المسلمين.\nقال: ولنا أنَّ لفظ البنين يختص بالذكور قال تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات:١٥٣]، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف:١٦]، قال: وإنما دخلوا في الاسم إذا صاروا قبيلة؛ لأنَّ الاسم نقل فيهم عن الحقيقة إلى العرف، ولهذا تقول المرأة: أنا من بني فلان. إذا انتسبت إلى القبيلة، ولا تقول ذلك إذا انتسبت إلى أبيها.\nقال: فأما إن وقف على بناته، أو أوصى لهن؛ دخل فيه البنات دون غيرهن، ولا يدخل فيهن الخنثى المشكل؛ لأنه لا يعلم كونه أنثى، لا نعلم في ذلك خلافًا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الشارح -﵀- ذكر المسألة بالنظر إلى الدخول في اللفظ، أم لا؟ ولا إشكال في ذلك. وأما عن حكم هذه المسألة: فبالنسبة للوصية للبنات؛ فإنه لا يجوز تخصيصهن بالوصية عن الذكور عند أهل العلم كما سيأتي","vol":"7","page":180},{"text":"بيانه إن شاء الله في كتاب الوصايا.\nوأما الوقف: فظاهر نقل الشارح، وابن قدامة وغيرهما أن أكثر أهل العلم على صحة الوقف وإن خصَّه بالذكور دون الإناث، أو العكس، أو أعطاه بعض الذكور دون بعض.\nلكن قال ابن حزم -﵀- في «المحلى» (١٦٥٤): والتسوية بين الولد فرضٌ في الحبس؛ لقول رسول الله - ﷺ -: «اعدلوا بين أولادكم» (^١)؛ فإن خصَّ به بعض بنيه؛ فالحبس صحيح، ويدخل سائر الولد في الغلة، والسكنى مع الذي خصَّه، برهان ذلك أنهما فعلان متغايران بنص كلام رسول الله - ﷺ -، أحدهما: تحبيس الأصل، فباللفظ تحبيسه يصح لله تعالى بائنًا عن مال المحبس. والثاني: التسبيل والصدقة؛ فإن وقع فيها حيف؛ رد، ولم يبطل خروج الأصل محبسًا لله ﷿ ما دام الولد أحياء، فإذا مات المخصوص بالحبس؛ رجع إلى من عقب إليه بعده، وخرج سائر الولد عنه؛ لأنَّ المحاباة قد بطلت، وبالله التوفيق. اهـ\nوقال الإمام الشوكاني -﵀- في «السيل» (٣/ ٣١٦): وأما الأوقاف التي يراد بها قطع ما أمر الله به أن يوصل، ومخالفة فرائض الله ﷿؛ فهو باطل من أصله لا ينعقد بحال، وذلك كمن يقف على ذكور أولاده دون إناثهم، وما أشبه ذلك؛ فإنَّ هذا لم يرد التقرب إلى الله، بل أراد المخالفة لأحكام الله ﷿، والمعاندة لما شرعه لعباده، وجعل هذا الوقف الطاغوتي ذريعة إلى ذلك المقصد\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٩٢٠).","vol":"7","page":181},{"text":"الشيطاني، فليكن هذا منك على ذكر، فما أكثر وقوعه في هذه الأزمنة. انتهى المراد، وانظر بقية كلامه؛ فإنه مفيد.\nوقد تابعه على ذلك صديق في «الروضة»، وقد رجَّح بطلان هذا الوقف الإمام ابن عثيمين -﵀- كما في «الشرح الممتع» (٤/ ٥٧٨) ط/الآثار، واستدل بالحديث: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، وهذا هو الراجح، والله أعلم.\nتنبيه: مصرف الوقف على شرط الواقف من حيث القسمة على الموقوف عليهم، وفي التقديم والتأخير، والجمع والترتيب، والتسوية، والتفضيل، وفي الناظر فيه، والإنفاق عليه، وسائر أحواله.\nومقصودنا بـ (القسمة على الموقوف عليه)، أي: في تقدير الاستحقاق.\nوالمقصود بـ (التقديم والتأخير)، أي: البداءة ببعض أهل الوقف، وتأخير البعض.\nوالمقصود بـ (الجمع) جمع الاستحقاق مشتركًا في حالة واحدة.\nوالمقصود بـ (الترتيب) جعل استحقاق بطن مرتبًا على آخر، وهو مع (التأخير) متقارب، لكن المراد بالتأخير أنه لا يسقط إلا إذا لم يبق فضل؛ فإن بقي فضل؛ فهو له، وأما في (الترتيب) فهو عدم استحقاق المؤخر مع وجود المقدم.\nوالمقصود بـ (التسوية) جعل الريع بين أهل الوقف متساويًا.","vol":"7","page":182},{"text":"والمقصود بـ (التفضيل) جعله متفاوتًا. (^١)\nتنبيه آخر: يختلف أهل العلم في المراد ببعض ألفاظ الواقف، فمنهم من يعيدها إلى المعنى الشرعي، ومنهم من يعيدها إلى المعنى اللغوي. والأقرب هو قول من يعيدها إلى المعنى العرفي عند صاحب الوقف، والله أعلم.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ١٧٦): التحقيق أنَّ لفظ الواقف، والموصي، والناذر، والحالف، وكل عاقد، يُحمل على مذهبه وعادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها، وافق لغة العرب، أو لغة الشارع، أو لا، والعادة المستمرة والعرف المستقر في الوقف يدل على شرط الواقف أكثر مما يدل لفظه لاستفاضته. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3684>مسألة [٥٣]: الوقف في مرض الموت</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢١٥ -): وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَقْفَ فِي مَرَضِ المَوْتِ، بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ، فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ ثُلُثِ المَالِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، فَاعْتُبِرَ فِي مَرَضِ المَوْتِ مِنْ الثُّلُثِ، كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ؛ جَازَ مِنْ غَيْرِ رِضَى الْوَرَثَةِ وَلَزِمَ، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ؛ لَزِمَ الْوَقْفُ مِنْهُ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ، وَوَقَفَ الزَّائِدُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِلُزُومِ الْوَقْفِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حَقَّ الوَرَثَةِ تَعَلَّقَ بِالمَالِ بِوُجُودِ المَرَضِ، فَمَنَعَ التَّبَرُّعَ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ، كَالْعَطَايَا وَالْعِتْقِ. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٧/ ٥١) «المغني» (٨/ ١٩٧ -) «البيان» (٨/ ٨٥ -).\n(^٢) وانظر: «البيان» (٨/ ٩٥).","vol":"7","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3685>مسألة [٥٤]: ماذا يصنع بالوقف إذا تعطلت منافعه</span>؟\n• مذهب أحمد -﵀- وأصحابه جواز بيع الوقف إذا تعطلت منافعه، ولم يمكن نقله إلى مكان آخر ينتفع به، ثم يشتري بالمال وقفًا مشابهًا له، يشتريه ثم يقفه لصاحب الوقف الأول، وهذا اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، والشوكاني وغيرهم؛ لأنَّ المقصود من الوقف هو الانتفاع به، واستمرار ذلك صدقة لصاحبه، فإذا تعطل ذلك؛ فإنَّ المصلحة هي بيع ذلك الوقف حتى يشتري به ما ينتفع به.\n• ومذهب مالك، والشافعي أنه لا يجوز بيع شيء من ذلك؛ لحديث عمر الذي في الباب.\nقلتُ: والقول الأول هو الصحيح، وحديث عمر ليس فيه أنَّ المنافع إذا تعطلت أن الوقف لا يجوز بيعه، وقد رجَّح القول الأول الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي ﵏. (^١)\nفائدة: قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات» (١٧٦): ويجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان، وحتى ولو وقف على الفقهاء، واحتاج الناس إلى الجهاد؛ صُرف إلى الجند. اهـ\nوقال الإمام الشوكاني -﵀- في «السيل» (٣/ ٣٣٦): قد تقرر أن الوقف ملك لله، محبس للانتفاع به، وما كان هكذا؛ فلا ينظر فيه إلى جانب الواقف إلا من جهة\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٢٠) «الإنصاف» (٧/ ٩٤ -) «السيل» (٣/ ٣٣٦).","vol":"7","page":184},{"text":"العناية بمصير ثواب وقفه إليه على أكمل الوجوه وأتمها، مهما كان ذلك ممكنًا، ومعلوم أن الاستبدال بالشيء إلى ما هو أصلح منه باعتبار الغرض المقصود من الوقف والفائدة المطلوبة من شرعيته؛ حسنٌ سائغٌ شرعًا وعقلًا؛ لأنه جلب مصلحة خالصة عن المعارض، وقد عرفناك غير مرة أن من عرف هذه الشريعة كما ينبغي وجدها مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد، وههنا قد وجد المُقْتَضِي وهو جلب المصلحة بظهور الأرجحية وانتفاء المانع، وهو وجود المفسدة؛ فلم يبق شك ولا ريب في حسن الاستبدال. اهـ\nفائدة أخرى: قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- كما في «الاختيارات» (ص ١٧٩): ومن وقف وقفًا مستقلًّا، ثم ظهر عليه دين، ولم يمكن وفاء الدين إلا ببيع شيء من الوقف، وهو في مرض الموت بِيعَ باتفاق العلماء، وإن كان الوقف في الصحة، فهل يباع لوفاء الدين؟ فيه خلاف في مذهب أحمد وغيره، وبيعه قوي.\nقال في جامع «الاختيارات»: وظاهر كلام أبي العباس: (ولو كان الدين حادثًا بعد الوقف)، قال: وليس هذا بأبلغ من التدبير، وقد ثبت أن النبي - ﷺ - باع المدبر في الدين، والله أعلم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3686>مسألة [٥٥]: إذا أتلف أحد الوقف</span>؟\nعليه ضمانه بالبدل، وهو موقوف مكان الأول على الصحيح من أقوال أهل العلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (٨/ ٧٧).","vol":"7","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3687>بَابُ الهِبَةِ وَالعُمْرَى والرُّقْبَى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3688>مسألة [١]: تعريف الهبة</span>.\nقال صاحب «حاشية البيان» (٨/ ١٠٧): الهبة، وصدقة التطوع، والهدية، والعطية، من أنواع البر متقاربة، يجمعها تمليكٌ بلا عوض؛ فإن تمحض فيها طلب التقرب إلى الله تعالى بإعطاء محتاجٍ؛ فهي صدقة، وإن حملت إلى مكان المُهدَى إليه إكرامًا، وإعظامًا، وتوددًا؛ فهي هدية، وإلا فهبة، فكل صدقة وهدية وعطية هبة، ولا ينعكس، هذا ما ذكره أصحابنا في حدودها. اهـ\nوالهبة: مصدر وهب يهب، واسم الفاعل واهب، واسم المفعول موهوب، والموهوب له يقال له: متهب.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: الصدقة ما يعطى لوجه الله عبادة محضة من غير قصد في شخص معين، ولا طلب غرض من جهته، لكن يوضع في مواضع الصدقة كأهل الحاجات، وأما الهدية فيقصد بها إكرام شخص معين، إما لمحبة، وإما لصداقة، وإما لطلب حاجة، ولهذا كان النبي - ﷺ - يقبل الهدية ويثيب عليها، فلا يكون لأحد عليه مِنَّة، ولا يأكل أوساخ الناس التي يتطهرون بها من ذنوبهم، وهي الصدقات. اهـ «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٦٩). (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «تحرير ألفاظ التنبيه» (ص ٢٤٠).","vol":"7","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3689>مسألة [٢]: أيهما أفضل الهدية أم الصدقة</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- عقب التعريف السابق في «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٦٩): وإذا تبين ذلك فالصدقة أفضل؛ إلا أن يكون في الهدية معنى تكون به أفضل من الصدقة، مثل الإهداء لرسول الله - ﷺ - في حياته محبة له، ومثل الإهداء لقريب يصل به رحمه، وأخٍ له في الله، فهذا قد يكون أفضل من الصدقة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3690>مسألة [٣]: متى تلزم الهبة</span>؟\n• في هذه المسألة قولان لأهل العلم:\nالقول الأول: أنها تلزم بتلفظه بذلك، وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد في رواية فيما إذا كان مكيلًا، أو موزونًا، وهو قول الظاهرية، واستدلوا على ذلك بحديث: «العائد في هبته كالكلب ...»، وقاسوه على العتق والوقف بجامع أنَّ كلًّا منها إزالة ملك بغير عوض.\nالقول الثاني: لا تلزم الصدقة والهدية إلا بقبضها من المهدى إليه، أو المتصدق عليه، أو وكيلهما، وهذا قول أحمد، والشافعي، والثوري، وأبي حنيفة، والحسن بن صالح، وعُزي إلى أكثر العلماء.\nواستدلوا على ذلك بأنه قد صحَّ عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب القول بذلك كما في «موطإ» مالك، و«سنن البيهقي» وغيرهما، قالوا: ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. قالوا: ولا دليل على أنها تلزم بالتلفظ، والخبر: «العائد","vol":"7","page":187},{"text":"في هبته» لا يخالفه؛ لأنه لا يطلق عليها هبة حتى يقبضها، ولا يصح القياس المذكور؛ لأنَّ الوقف إخراج ملك إلى الله تعالى والعتق إسقاط حقٍّ وليس بتمليك.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب، وهو ترجيح شيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين، واللجنة الدائمة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3691>مسألة [٤]: هل للواهب الخيار قبل القبض</span>؟\nعلى القول الذي اخترناه أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض؛ فالواهب بالخيار قبل القبض، إن شاء أقبضها وأمضاها، وإن شاء رجع فيها ومنعها.\nفإن قبضها الموهوب له بغير إذنه لم تتم الهبة، ولم يصح القبض عند الحنابلة، والشافعية، وهو الأقرب، وحُكي عن أبي حنيفة أنه إذا قبضها في المجلس صح، وإن لم يأذن له؛ لأنَّ الهبة قامت مقام الإذن في القبض؛ لكونها دالة على رضاه بالتمليك الذي لا يتم إلا بالقبض.\nوأُجيب عن ذلك: بأنَّ التسليم ليس مستحقًّا على الواهب؛ فلا يصح التسليم إلا بإذنه، ولا يصح جعل الهبة إذنًا في القبض بدليل ما بعد المجلس.\nولو أذن الواهب في القبض ثم رجع عن الإذن أو رجع في الهبة؛ صحَّ رجوعه؛ لأنَّ ذلك ليس بقبض وإن رجع بعد القبض لم ينفع رجوعه؛ لأنَّ الهبة تمَّت. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٤٠ - ٢٤٤) «البيان» (٨/ ١١٤) «المحلى» (١٦٢٨) «الموطأ» (٢/ ٧٥٢) «البيهقي» (٦/ ١٧٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٢٤٢) «البيان» (٨/ ١١٥) «الإنصاف» (٧/ ١١٣).","vol":"7","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3692>مسألة [٥]: إذا مات الواهب، أو الموهوب له</span>؟\nأما إذا كان الموت بعد القبض فلا إشكال؛ لأنها قد صارت في ملك الموهوب له.\n• وأما إذا كان الموت قبل القبض: فمذهب الحنابلة بطلان الهبة، وهو قول بعض الشافعية؛ لأنَّه إن كان الذي مات هو الواهب؛ فقد انتقل الملك إلى الورثة، وإن كان الذي مات هو الموهوب له؛ فلا يملكها؛ لأنه هو الذي وُهب له، وهو الذي يعتبر قبضه.\n• وقال أبو الخطاب الحنبلي، وأكثر الشافعية: إذا مات الواهب؛ قام وارثه مقامه في الإذن في القبض والفسخ؛ لأنه عقد مآله إلى اللزوم؛ فلم ينفسخ بالموت كالبيع المشروط فيه الخيار.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصحيح؛ لأنَّ ملك الواهب زال بموته، وهذا الخلاف المذكور هو مفرع عن القول الذي اخترناه أنَّ الهبة لا تلزم إلا بالقبض. وأما من يقول: إنَّ الهبة تلزم بالعقد؛ فلا إشكال عندهم في صحة الهبة، ونفوذها، وإن مات أحدهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3693>مسألة [٦]: إذا وهبه شيئًا في يد المتهب كالوديعة والمغصوب</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الهبة تلزمه بمجرد العقد، والتلفظ بذلك، ولا يشترط مُضي مدة يتأتى فيها القبض، وهو قول أحمد في رواية، وقولٌ في\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٤٣) «الإنصاف» (٧/ ١١٥) «البيان» (٨/ ١١٧ -).","vol":"7","page":189},{"text":"مذهب الشافعي.\n• وقال بعضهم: يشترط مُضي مدة يتأتى فيها القبض، وهو قول بعض الحنابلة، والشافعية، والقول الأول أظهر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3694>مسألة [٧]: هل يشترط في الهبة الإيجاب والقبول</span>؟\n• اشترط ذلك بعض الفقهاء من الشافعية، والحنابلة، ومذهب مالك، والمشهور عن أحمد، وعليه أكثر أهل العلم عدم اشتراط ذلك، بل تصح الهبة بالمعاطاة، وبما يدل عليها من الألفاظ، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم وغيرهم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3695>مسألة [٨]: ضابط القبض</span>.\nالقبض في الهبة كالقبض في البيع، ففيما لا ينقل، فبالتخلية بينه وبينه، وفيما ينقل بنقله، وفيما يتناول بتناوله. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3696>مسألة [٩]: هل تصح هبة المشاع</span>؟\n• أجاز ذلك أكثر أهل العلم، ومنع من ذلك أصحاب الرأي بحجة أنه لا يقبض، وأبى ذلك الجمهور، فقالوا: بل يمكن قبضه بالتخلية، وإن كان منقولًا؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٤٤) «الإنصاف» (٧/ ١١٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٢٤٥ -) «البيان» (٨/ ١١٣) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٧٧ -) «أعلام الموقعين» (٢/ ٤).\n(^٣) انظر: «المغني» (٨/ ٢٤٧).","vol":"7","page":190},{"text":"فبتسليم الكل إليه، أو توكيل الشريك بقبضه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3697>مسألة [١٠]: الهبة فيما لا يمكن تسليمه</span>.\n• مذهب الحنابلة، والحنفية، والشافعية أنه لا تصح الهبة فيما لا يمكن تسليمه، كالعبد الآبق، والجمل الشارد، والمغصوب لغير غاصبه ممن لا يقدر على أخذه؛ لأنَّ الهبة يشترط فيها القبض، وهذا لا يُستطاع قبضه.\nلكن قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات»: واشتراط القدرة على التسليم هنا فيه نظر بخلاف ا لبيع. اهـ\nقلتُ: وهو قول أبي ثور، ومقتضى قول مالك، فقد أجاز هبة المعدوم كما سيأتي، وهذا القول أقرب، والله أعلم؛ لأنَّ الهبة ليست عقد معاوضة حتى يشترط فيه ذلك، ونهي عن ذلك في البيع؛ لوجود الغرر، ولا غرر ههنا، وبالله التوفيق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3698>مسألة [١١]: هل تصح هبة الشيء المجهول</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة عدم صحة ذلك؛ لأنَّه عقد تمليك ناجز لا يصح عندهم بالشروط؛ فلا يصح في المجهول كالبيع.\n• ومذهب مالك أنه تصح هبة المجهول، حتى جوَّز أن يهب غيره ما ورثه من فلان، وإن لم يعلم قدره، وإن لم يعلم أثُلثٌ هو أم ربع. وذلك لأنه تبرع؛ فيصح في المجهول كالنذر والوصية.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٤٧) «البيان» (٨/ ١١٩) «المحلى» (١٦٣٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٢٤٨ - ٢٤٩) «الاختيارات» (ص ١٨٣) «الإنصاف» (٧/ ١٢٤).","vol":"7","page":191},{"text":"قال شيخ الإسلام -﵀-: ومذهب مالك في هذا أرجح. اهـ\nقلتُ: وهو الصواب؛ ما لم يحصل غرر كبير على الواهب، كمخالفة الواقع لما غلب على ظنه مخالفة كبيرة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3699>مسألة [١٢]: هبة المعدوم الذي لم يوجد بعدُ</span>؟\n• كأن يهبه ثمرة شجره في هذا العام، أو ما ستلد شاته بعد عام، وما أشبه ذلك، فمنع من ذلك أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة.\n• وأجاز ذلك مالك، ورجَّحه شيخ الإسلام، وهو الصحيح، وأدلة الفريقين هي نفس الأدلة السابقة في المسألة الماضية، وهو اختيار ابن القيم أيضًا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3700>مسألة [١٣]: هبة الحمل وهو في بطن أمه، واللبن وهو في الضرع</span>.\n• منع من ذلك أيضًا أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة وغيرهم؛ لأنه مجهول معجوز عن تسليمه.\n• ومذهب مالك صحة ذلك؛ لما تقدم، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم وغيرهما، وهو الصواب. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٤٩ - ٢٥٠) «الاختيارات» (ص ١٨٣) «الإنصاف» (٧/ ١٢٣) «الفتاوى» (٣١/ ٢٧٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٢٤٩) «الفتاوى» (٣١/ ٢٧٠) «الاختيارات» (ص ١٨٣) «أعلام الموقعين» (٢/ ٩).\n(^٣) انظر: «المغني» (٨/ ٢٤٩) «الاختيارات» (ص ١٨٣).","vol":"7","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3701>مسألة [١٤]: تعليق الهبة على شرط</span>.\n• قال جماعة من الفقهاء بعدم صحة الهبة؛ لأنه تمليك ناجز، فينافي ذلك تعليقها بالشرط كالبيع.\n• وذكر بعض الحنابلة جواز ذلك، واختاره شيخ الإسلام -﵀-، وهو الصواب، ولا نعلم دليلًا يمنع ذلك، ولا نسلم لهم قياسهم؛ فإنه قياسٌ على محل نزاع أيضًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3702>مسألة [١٥]: تعليق الهبة بشرط ينافي التملك المطلق</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٥٠): وَإِنْ شَرَطَ فِي الْهِبَةِ شُرُوطًا تُنَافِي مُقْتَضَاهَا، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: وَهَبْتُك هَذَا، بِشَرْطِ أَنْ لَا تَهَبَهُ، أَوْ لَا تَبِيعَهُ، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ تَهَبَهُ أَوْ تَبِيعَهُ، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ تَهَبَ فُلَانًا شَيْئًا؛ لَمْ يَصِحُّ الشَّرْطُ، وَفِي صِحَّةِ الْهِبَةِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ. اهـ\nقال المرداوي -﵀- في «الإنصاف» (٧/ ١٢٤): الشرط باطلٌ بلا نزاع، والصحيح من المذهب صحة الهبة. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: تقدم في البيوع تحت حديث (٧٧٥) حكم ما إذا اشترط ذلك في المبيع، وقد اخترنا هنالك قول شيخ الإسلام، وابن القيم بأنَّ ذلك جائز وصحيح إذا كان للبائع غرض صحيح.\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٧/ ١٢٤) «المغني» (٨/ ٢٥٠) «البيان» (٨/ ١٢٢).","vol":"7","page":193},{"text":"وأقولُ: ههنا أولى بصحة الشرط إذا كان للواهب غرض صحيح؛ لأنَّ البيع عقد معاوضة، والهبة عقد تبرع، ومثال الغرض الصحيح أن يقول: أهب لك هذا المسجل بشرط أن لا تهبه لفلان المبتدع. والله أعلى وأعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3703>مسألة [١٦]: إذا وهب أمةً، أو شاةً، واستثنى ما في بطنها</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة المقدسي -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٥٠): وَإِنْ وَهَبَ أَمَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا؛ صَحَّ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَحْمَدَ، فِي مَنْ أَعْتَقَ أَمَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالْأُمِّ دُونَ مَا فِي بَطْنِهَا، فَأَشْبَهَ الْعِتْقَ. وَبِهِ يَقُولُ فِي الْعِتْقِ النَّخَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تَصِحُّ الْهِبَةُ، وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَهَبْ الْوَلَدَ؛ فَلَمْ يَمْلِكْ الْمَوْهُوبُ لَهُ، كَالْمُنْفَصِلِ، وَكَالْمُوصَى بِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3704>مسألة [١٧]: تقييد الهبة بالوقت</span>.\n• منع من ذلك كثير من الفقهاء؛ لأنه عقد تمليك لعين فلا يصح مؤقتًا كالبيع.\n• وذكر بعض الحنابلة الجواز، واختاره شيخ الإسلام -﵀-، وهو الصواب؛ لأنه شرط لا ينافي دليلًا شرعيًّا، والمسلمون على شروطهم، ويدل على صحته صحة العُمْرَى المشترط رجوعها على الصحيح من قولي العلماء أيضًا كما سيأتي بيانه إن شاء الله. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٦٢٧) «البيان» (٨/ ١٢٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٢٥٠) «الإنصاف» (٧/ ١٢٥).","vol":"7","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3705>مسألة [١٨]: إذا كان له دين في ذمة إنسان، فوهبه له</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة المقدسي -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٥٠): وَإِذَا كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ إنْسَانٍ دَيْنٌ، فَوَهَبَهُ لَهُ، أَوْ أَبْرَأْهُ مِنْهُ، أَوْ أَحَلَّهُ مِنْهُ؛ صَحَّ، وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ الْغَرِيمِ مِنْهُ، وَإِنْ رَدَّ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الْقَبُولِ، كَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ، وَالشُّفْعَةِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَكَالْعِتْقِ، وَالطَّلَاقِ.\nوَإِنْ قَالَ: تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْك. صَحَّ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ وَرَدَ فِي الْإِبْرَاءِ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ، بِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء:٩٢]، وَإِنْ قَالَ: عَفَوْت لَك عَنْهُ. صَحَّ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧]، يَعْنِي بِهِ الْإِبْرَاءَ مِنْ الصَّدَاقِ، وَإِنْ قَالَ: أَسْقَطْتُهُ عَنْك. صَحَّ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُ. وَإِنْ قَالَ: مَلَّكْتُك إيَّاهُ. صَحَّ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ هِبَتِهِ إيَّاهُ. اهـ\nقلتُ: وهذا واضحٌ إن شاء الله، وقد قال ابن حزم: لا يصح ذلك بلفظ (الهبة)؛ لأنَّ الهبة لا تكون إلا في موجود عنده، وهذا معدوم، ولا يجوز عنده بلفظ الإعطاء، وإنما يجوز بلفظ الإبراء، والإسقاط، والوضع، والتصدق.\nوقوله غير صحيح؛ لأنَّ العبرة بالمعاني في هذا الباب لا بالألفاظ، والله أعلم.\nوأما قول ابن قدامة -﵀- بسقوط الدين وإن لم يقبل المَدين هذه الهبة، ففيه نظر. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٦٢٧).","vol":"7","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3706>مسألة [١٩]: إذا وهب الدين لغير من هو في ذمته، أو باعه إياه</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٧/ ٢٥١): وَإِنْ وَهَبَ الدَّيْنَ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ؛ لَمْ يَصِحَّ. وَبِهِ قَالَ فِي الْبَيْعِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا كَانَ لَك عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ قَرْضًا، فَبِعْهُ مِنْ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ بِنَقْدٍ، وَلَا تَبِعْهُ مِنْ غَيْرِهِ بِنَقْدٍ وَلَا نَسِيئَةٍ، وَإِذَا أَقْرَضْت رَجُلًا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، فَلَا تَأْخُذْ مِنْ غَيْرِهِ عَرَضًا بِمَا لَك عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى مُعْسِرٍ، أَوْ مُمَاطِلٍ، أَوْ جَاحِدٍ لَهُ؛ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ مَعْجُوزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَلِيْئٍ بَاذِلٍ لَهُ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ ابْتَاعَ بِمَالٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِعَيْنٍ، أَوْ يَتَقَابَضَانِ فِي المَجْلِسِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. وَلَنَا أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَبَيْعِ الْآبِقِ.\nقال: فَأَمَّا هِبَتُهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَصِحَّ، كَالْبَيْعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهَا عَلَى المُتَّهَبِ، وَلَا الْوَاهِبِ، فَتَصِحُّ، كَهِبَةِ الْأَعْيَانِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أمَّا الهبة فلا شك عندي في جوازها؛ لأنه لا غرر فيها على أحد الطرفين. وأمَّا البيع: فالصحيح ما قاله أحمد -﵀-؛ لأنه لو باعه لغير من هو في ذمته؛ فإن كان نقدًا بنقدٍ دخل في الصرف بدون مقابضة، وذلك ربا، وإن كان عرضًا بنقد، أو نقدٍ بعرض؛ فقد يدخل في (ربح مالم يضمن)، وهو منهي عنه. وقد يدخل في ما لم يمكن تسليمه، أو في الغرر.","vol":"7","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3707>مسألة [٢٠]: البراءة من المجهول هل تصح</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنها تصح إذا لم يكن لهما سبيل إلى معرفته، قالوا: فإن كان يُستطاع معرفة قدر المال؛ فلا تصح البراءة حتى يعلم قدر المال، وكذلك إن عَلِم الذي عليه الحق بقدر المال، وكتم ذلك من صاحب الحق؛ خوفًا من أنه إذا علم بقدره لم يسمح بإبرائه منه؛ فلا يصح عندهم أيضًا.\n• ومذهب أبي حنيفة، ومالك صحة ذلك مطلقًا؛ لأنه تبرع بحقه، وليس بمعاوضة حتى يشترط معرفة القدر.\n• ومذهب الشافعي عدم الصحة مطلقًا، إلا أن يقيد الإبراء فيقول مثلًا: أبرأتك من درهم إلى ألف. وحجته وجود الغرر في ذلك، وقاسه على البيع.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قول الحنابلة هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3708>مسألة [٢١]: إذا وُهِب للطفل هبة فمن يقبضها له</span>؟\nقال أبو محمد المقدسي -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٥٢ - ٢٥٣): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الطِّفْلَ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ، وَلَا قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ، وَوَلِيُّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ أَمِينٌ، فَهُوَ وَلِيُّهُ؛ لِأَنَّهُ أَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَأَقْرَبُ إلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ أَبُوهُ الْأَمِينُ، وَلَهُ وَصِيٌّ، فَوَلِيُّهُ وَصِيُّهُ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَقَامَهُ مُقَامَ نَفْسِهِ، فَجَرَى مَجْرَى وَكِيلِهِ. وَإِنْ كَانَ الْأَبُ غَيْرَ مَأْمُونٍ؛ لِفِسْقِ، أَوْ جُنُونٍ، أَوْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٥١ -) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٧٠).","vol":"7","page":197},{"text":"وَصِيٍّ، فَأَمِينُهُ الْحَاكِمُ. وَلَا يَلِي مَالَهُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَأَمِينُ الْحَاكِمِ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَكَذَلِكَ وَكِيلُ الْأَبِ وَالْوَصِيُّ، فَيَقُومُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقَامَ الصَّبِيِّ فِي الْقَبُولِ وَالْقَبْضِ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ.\nقال: وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْمُتَّهَبِ أَوْ نَائِبِهِ، وَالْوَالِي نَائِبٌ بِالشَّرْعِ؛ فَصَحَّ قَبْضُهُ لَهُ، أَمَّا غَيْرُهُ فَلَا نِيَابَةَ لَهُ.\nقال: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ الْقَبْضُ وَالْقَبُولُ مِنْ غَيْرِهِمْ عِنْدَ عَدَمِهِمْ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الصَّبِيَّ قَدْ يَكُونُ فِي مَكَان لَا حَاكِمَ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ وَلَا وَصِيٌّ، وَيَكُونُ فَقِيرًا لَا غِنَى بِهِ عَنْ الصَّدَقَاتِ؛ فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ قَبْضُ غَيْرِهِمْ لَهُ، انْسَدَّ بَابُ وُصُولِهَا إلَيْهِ، فَيَضِيعُ وَيَهْلَكُ، وَمُرَاعَاةُ حِفْظِهِ عَنْ الْهَلَاكِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْوِلَايَةِ؛ فَعَلَى هَذَا لِلْأُمِّ الْقَبْضُ لَهُ، وَكُلِّ مَنْ يَلِيهِ مِنْ أَقَارِبِهِ وَغَيْرِهِمْ. انتهى باختصار يسير. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3709>مسألة [٢٢]: إذا وهب الأب لابنه الصغير؛ قام مقامه في القبض والقبول</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- كما في «المغني» (٨/ ٢٥٤): أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ الطِّفْلِ دَارًا بِعَيْنِهَا، أَوْ عَبْدًا بِعَيْنِهِ، وَقَبَضَهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ، أَنَّ الْهِبَةَ تَامَّةٌ. اهـ (^٢)\nقال ابن قدامة -﵀-: هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٨/ ١٢٢ -).\n(^٢) وانظر: «الإجماع» (ص ١٥٥).","vol":"7","page":198},{"text":"يعني مع مذهبهم.\nقال: ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ مِمَّا يَفْتَقِرُ إلَى قَبْضٍ؛ اُكْتُفِيَ بِقَوْلِهِ: (قَدْ وَهَبْت هَذَا لِابْنِي، وَقَبَضْته لَهُ)؛ لِأَنَّهُ يُغْنِي عَنْ الْقَبُولِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَلَا يُغْنِي قَوْلُهُ: (قَدْ قَبِلْته)؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ لَا يُغْنِي عَنْ الْقَبْضِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَفْتَقِرُ اُكْتُفِيَ بِقَوْلِهِ: قَدْ وَهَبْت هَذَا لِابْنِي. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ هِبَةَ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي حِجْرِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ، وَأَنَّ الْإِشْهَادَ فِيهَا يُغْنِي عَنْ الْقَبْضِ، وَإِنْ وَلِيَهَا أَبُوهُ؛ لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ: مَنْ نَحَلَ وَلَدًا لَهُ صَغِيرًا، لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَحُوزَ نِحْلَةً، فَأَعْلَنَ ذَلِكَ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ، فَهِيَ جَائِزَةٌ، وَإِنْ وَلِيَهَا أَبُوهُ. (^١)\nقال: وَقَالَ الْقَاضِي: لَا بُدَّ فِي هِبَةِ الْوَلَدِ مِنْ أَنْ يَقُولَ: قَدْ قَبِلْته. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ عِنْدَهُمْ لَا تَصِحُّ إلَّا بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ.\nقال: وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ أَنَّ قَرَائِنَ الْأَحْوَالِ وَدَلَالَتَهَا تُغْنِي عَنْ لَفْظِ الْقَبُولِ، وَلَا أَدَلَّ عَلَى الْقَبُولِ مِنْ كَوْنِ الْقَابِلِ هُوَ الْوَاهِبُ، فَاعْتِبَارُ لَفْظٍ لَا يُفِيدُ مَعْنًى مِنْ غَيْرِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ تَحَكُّمٌ لَا مَعْنَى لَهُ، مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِظَاهِرِ حَالِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَصَحَابَتِهِ. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (٦/ ١٧٠)، من طريق: مالك، ويونس بن يزيد، وسفيان بن عيينة، عن الزهري، به، وأخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٤١)، عن ابن عيينة، به. وإسناده صحيح.","vol":"7","page":199},{"text":"٩٢٠ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -﵄- أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: إنِّي نَحَلْت ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَكُلَّ وَلَدِك نَحَلْته مِثْلَ هَذَا؟» فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَارْجِعْهُ». وَفِي لَفْظٍ: فَانْطَلَقَ أَبِي إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ: «أَفَعَلْت هَذَا بِوَلَدِك كُلِّهِمْ؟» قَالَ لَا، قَالَ: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ». فَرَجَعَ أَبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي». ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّك أَنْ يَكُونُوا لَك فِي البِرِّ سَوَاءً؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إذَنْ». (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3710>مسألة [١]: حكم التفضيل بين الأولاد في العطية</span>.\n• ذهب جماعةٌ من العلماء إلى وجوب العدل بين الأولاد في العطية، والهبة، وتحريم التفضيل بينهم، وهو قول طاوس، وعروة، ومجاهد، والثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، والبخاري، واستدلوا على ذلك بحديث النعمان بن بشير الذي في الباب، وفي رواية له في «الصحيحين»: «لا تشهدني على جور»، ولمسلم (١٦٢٤) من حديث جابر: «لا أشهد إلا على حق»، وهو قول بعض المالكية.\n• وذهب الجمهور إلى أنَّ العدل بين الأولاد مستحب وليس واجبًا، وهو قول\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٨٦) (٢٥٨٧)، ومسلم (١٦٢٣) (٩) (١٣) (١٧). واللفظ الثاني لفظ رواية مسلم، وفي البخاري نحوه.","vol":"7","page":200},{"text":"شريح، وجابر بن زيد، والحسن بن صالح، ومالك، والليث، والشافعي، وأصحاب الرأي، وقالوا: إذا فَضَّل؛ صح وكُره. واحتجوا على ذلك بقوله في حديث النعمان: «أشهد على هذا غيري» ذكر هذا بعضهم، واستدل لهم أيضًا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ألا سويت بينهم» رواه النسائي (٣٦٨٥) بإسناد ظاهره الصحة؛ فإن ظاهره أنه من باب الأفضلية.\nواستدلوا أيضًا على ذلك بأنَّ أبا بكر نحل عائشة ابنته جذاذ عشرين وسقًا دون سائر ولده. أخرجه مالك في «الموطإ» (٢/ ٧٥٢) بإسناد صحيح.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لصراحة ألفاظ الحديث في ذلك، فقد سمَّاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جورًا، وقال: «اعدلوا بين أولادكم»، وقال: «لا أشهد إلا على حق»، وهذا يدل على أنَّ التفضيل باطل.\nوهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، ثم ابن القيم، ثم الصنعاني، ثم الشوكاني، ثم اللجنة الدائمة، والإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم أجمعين.\nوقد أجاب الجمهور عن حديث النعمان بتأويلات ضعيفة، أوردها الحافظ في «الفتح» مع الرد عليها.\nوأما أثر أبي بكر الصديق -﵁-، فقال الحافظ في «الفتح»: أجاب عروة عن قصة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين بذلك.","vol":"7","page":201},{"text":"قال ابن قدامة -﵀-: ويحتمل أن يكون قد نحلها، ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها.\nقال: ويتعين حمله على أحد هذه الوجوه؛ لأنَّ حمله على مثل محل النزاع منهي عنه، وأقل أحواله الكراهة، والظاهر من حال أبي بكر اجتناب المكروهات، وأما قوله: «فأشهد على هذا غيري» يدل على أنَّ هذا الأمر للتوبيخ، وليس للإباحة، ويدل على ذلك بقية ألفاظ الحديث، وكيف يجوز أن يأمره بتأكيده بالإشهاد مع أمره برده، وتسميته إياه جورًا. وَحَمْلُ الحديث على هذا حملٌ لحديث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على التناقض والتضاد.\nوأما قوله: «ألا سويت بينهم»، فقال الحافظ: هذا جيد، لولا ورود تلك الألفاظ الزائدة على هذه اللفظة، ولاسيما أنَّ تلك الرواية بعينها وردت بصيغة الأمر أيضًا حيث قال: «سَوِّ بَيْنَهم».اهـ\nقلتُ: والرواية الثانية صحيحة أيضًا، وهي عند النسائي (٣٦٨٦)، وأحمد (٤/ ٢٦٨) وغيرهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3711>مسألة [٢]: إذا فضل بعض ولده، فهل الهبة باطلة</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٢٥٨٧) -بعد أن ذكر القائلين بالوجوب-: ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة، وعن أحمد أنها تصح، ويجب أن يرجع. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٨/ ٢٥٦ - ٢٥٧) «الفتح» (٢٥٨٧).","vol":"7","page":202},{"text":"قلتُ: وممن قال بالبطلان عروة بن الزبير، وإسحاق، وهو قول أحمد في رواية، واختار هذا بعض أصحابه منهم: ابن بطة، وأبو حفص، وشيخ الإسلام -﵀-، ورجَّح ذلك الصنعاني، والشوكاني؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سمَّاها جورًا، وقال: «لا أشهد إلا على حق»، و«من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا اختيار الإمام ابن عثيمين -﵀-، وعلى هذا القول فإنه يجب عليه الرجوع فيها؛ فإن لم يفعل حتى مات؛ فللورثة أن يرتجعوا ما وهبه.\nوالرواية الأخرى التي عند أحمد أنها تصح، وعليه الرجوع، فإذا مات فليس للورثة الرجوع، وهو قول الجمهور؛ لأنهم لا يرون تحريم التفضيل، واستدل لهذا القول بقوله: «فارجعه»، فقالوا: هذا يدل على صحة الهبة، فيحتاج إلى رجوع فيها.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح»: وفي الاحتجاج بذلك نظر، والذي يظهر أن معنى قوله «ارجعه»، أي: لا تمض الهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدم صحة الهبة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول بالبطلان أظهر، والله أعلى وأعلم. (^١)\nتنبيه: القائلون بجواز التفضيل يكرهون ذلك، ويستحبون التسوية، قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٥٩): ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية حتى قال إبراهيم: كانوا يستحبون أن يسووا بينهم حتى في القُبَل. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢٥٨٧) «المغني» (٨/ ٢٧٠) «الاختيارات» (ص ١٨٦).","vol":"7","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3712>مسألة [٣]: ضابط العدل بين الأولاد</span>.\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ العدل في العطية أن يعطيهم كالميراث للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا قول عطاء، وشريح، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وبعض الشافعية، والمالكية، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، وهو ظاهر اختيار الشوكاني في «وبل الغمام»، وعمدتهم أنَّ هذه قسمة الله للميراث، ولا أعدل من قسمة الله ﷿، والهبة والعطية للأولاد هي عبارة عن تعجيل لما سيستحقونه بعد موت مورثهم؛ فلا يصح مخالفة القسمة المذكورة بسبب التعجيل.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ العدل في العطية أن يسوي بينهم في مقدار العطاء، وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وابن المبارك. واستدل أهل هذا القول برواية النسائي المتقدمة: «سوِّ بينهم»، واستدلوا بحديث: «سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلًا أحدًا؛ لفضلت النساء» أخرجه الطبراني (١١٩٩٧)، والبيهقي (٦/ ١٧٧)، من طريق: سعيد بن يوسف الرحبي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس -﵄- مرفوعًا به، وهو حديث ضعيفٌ منكر، وسبب ضعفه سعيد بن يوسف؛ فإنه ضعيف، قال ابن أبي عدي في ترجمته: ليس له أنكر من هذا الحديث. اهـ\nوقد خالفه الأوزاعي فرواه عن يحيى بن أبي كثير عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- معضلًا، أخرجه كذلك سعيد بن منصور وغيره، فرواية سعيد بن يوسف منكرة، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر «الضعيفة» (٣٤٠).","vol":"7","page":204},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب -والله أعلم-، وأما رواية: «سو بينهم» فهي رواية ظاهر إسنادها الاحتجاج، ولكن أكثر طرق الحديث فيه الأمر بالعدل، ولو سلم صحتها؛ لكان المراد بها الأمر بالتسوية في العطية دون تعرض للمقدار، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3713>مسألة [٤]: هل يشمل الأمر بالعدل في العطية غير الأولاد من الأقارب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٦٠): وليس عليه التسوية بين سائر أقاربه، ولا إعطاؤهم على قدر مواريثهم، سواء كانوا من جهة واحدة، كإخوة وأخوات، وأعمام وبني عم، أو من جهات كبنات وأخوات وغيرهم. اهـ\nوقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ١٨٥): ولا يجب التسوية بين سائر الأقارب الذين لا يرثون كالأعمام والإخوة مع وجود الأب. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3714>مسألة [٥]: هل يجب على الأم أيضًا العدل في العطية لأولادها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٦١): والأم في المنع من المفاضلة بين الأولاد، كالأب؛ لقول النبي - ﷺ -: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، ولأنها أحد الوالدين، فمنعت التفضيل كالأب، ولأن ما يحصل بتخصيص الأب بعض ولده من الحسد والعداوة يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها، فثبت لها مثل حكمه في ذلك. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٥٩) «الفتح» (٢٥٨٧) «توضيح الأحكام» (٥/ ١١٤) «الاختيارات» (ص ١٨٤) «التمهيد» (١٣/ ١٨٦) «البيان» (٨/ ١٠٩).","vol":"7","page":205},{"text":"٩٢١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ». (^١)\n\n٩٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ،\n\n٩٢٣ - وَابْنِ عَبَّاسٍ -﵃-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَا: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْطِيَ العَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا، إلَّا الوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3715>مسألة [١]: حكم رجوع غير الأب في هبته</span>.\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى تحريم ذلك، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور وغيرهم، واستدلوا على ذلك بالحديثين المذكورين، وعزا الحافظ هذا القول للجمهور.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٨٩) (٢٦٢٢)، ومسلم (١٦٢٢) (٨).\n(^٢) حسن. أخرجه أحمد (١/ ٢٣٧)، وأبوداود (٣٥٣٩)، والترمذي (٢١٣٢)، والنسائي (٦/ ٢٦٧)، وابن ماجه (٢٣٧٧)، وابن حبان (٥١٢٣)، والحاكم (٢/ ٤٦)، كلهم من طريق حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن طاوس عن ابن عمر وابن عباس فذكره. وإسناده حسن، رجاله ثقات إلا عمرو بن شعيب؛ فإنه حسن الحديث.","vol":"7","page":206},{"text":"• وذهب بعضهم إلى أنَّ الواهب له الرجوع؛ إلا إن كانت الهبة لذي رحم، أو أثيب عليها، فليس له الرجوع في إحدى هاتين الحالتين، وهذا قول النخعي، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي.\nواحتجوا على ذلك بحديث: «من وهب هبة فهو أحق بها؛ مالم يثب عليها»، وهو حديث ضعيف مرفوعًا، وسنبين إن شاء الله سبب ضعفه في آخر هذا الباب، ولكن صحَّ عن عمر بن الخطاب -﵁- كما في «موطإ» مالك أنه قال: من وهب هبة أراد بها صلة رحم، أو على وجه الصدقة؛ فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة أراد بها الثواب؛ فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها. رواه مالك (٢/ ٧٥٤).\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، وقول عمر يحمل على من اشترط ذلك قولًا، أو عرفًا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3716>مسألة [٢]: رجوع الأب في الهبة</span>.\n• له الرجوع في الهبة عند جمهور العلماء، سواء كان لقصد التسوية أو لغير ذلك، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعي، وأبي ثور، واستدلوا بحديث النعمان ابن بشير الذي في أول الباب، وبحديث ابن عباس، وابن عمر المتقدم: «.. إلا الوالد فيما يُعطي ولده».\n• وذهب بعضهم إلى أنه ليس له الرجوع، وهو قول أصحاب الرأي، والثوري، والعنبري، وأحمد في رواية؛ لحديث: «العائد في هبته كالعائد في قيئه».\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٧٧) «الفتح» (٢٦٢٢).","vol":"7","page":207},{"text":"وأُجيب عن استدلالهم هذا: بأنه عامٌّ مخصوص بأدلة الجمهور المتقدمة، وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3717>مسألة [٣]: هل للأم الرجوع في الهبة التي وهبتها لولدها</span>؟\n• مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أنَّ لها الرجوع كالأب، وهو قول ابن حزم، وعزاه الحافظ للجمهور.\nواستدلوا على ذلك بالحديث: «إلا الوالد فيما يعطي ولده»، فأدخلوها في جنس (الوالد)؛ تغليبًا. وبعضهم شركها في هذا الحكم بالقياس، وقالوا: لها الحق من أولادها كالأب وأكثر.\n• ومذهب أحمد وأكثر أصحابه أن الأم ليس لها الرجوع؛ لأنَّ الأب هو الذي يكتسب، وولده من كسبه، وفي الحديث: «أنت ومالك لأبيك» (^٢)، ولأنَّ الأم لم يأت نص في جواز الرجوع لها في ذلك.\n• وقال مالك: إن كان أبوه حيًّا فلها الرجوع، وإن كان ميتًا فلا رجوع لها؛ لأنها هبة ليتيم، وهبة اليتيم لازمة كصدقة التطوع.\nقلتُ: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٦١ - ٢٦٢) «الفتح» (٢٥٧٨).\n(^٢) حديث حسن، جاء عن جماعة من الصحابة، وهو ثابت بطرقه وشواهده، انظر: «الإرواء» رقم (٨٣٨).\n(^٣) انظر: «المغني» (٨/ ٢٦٣) «الفتح» (٢٥٨٧) «الإنصاف» (٧/ ١٤٠) «السيل» (٣/ ٣٠٠) «المحلى» (١٦٢٩).","vol":"7","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3718>مسألة [٤]: هبة الرجل لزوجته والمرأة لزوجها، هل لهما الرجوع فيها</span>؟\nأما الزوج فليس له الرجوع عند أهل العلم، وقال ابن قدامة: على قولهم جميعًا.\nوأما الزوجة فاختلف أهل العلم هل لها الرجوع أم لا؟ على أقوال:\n• فمذهب الجمهور أنها ليس لها الرجوع، وهو قول عمر بن عبد العزيز، والنخعي، وربيعة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية، والبخاري وغيرهم؛ لعموم حديث: «العائد في هبته كالعائد في قيئه»، وحديث: «لا يحل لأحد أن يعطي العطية، ثم يرجع فيها».\n• وذهب شريح، والشعبي، وأحمد في رواية إلى أنَّ لها الرجوع.\nوأخرج عبد الرزاق (٩/ ١١٥) من طريق: سليمان الشيباني عن محمد بن عبد الله الثقفي عن عمر قال: إنَّ النساء يُعْطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت. قال الحافظ: إسناده منقطع.\nوأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: رأيت القضاة يقيلون المرأة فيما وهبت لزوجها، ولا يقيلون الزوج فيما وهب لأمرأته.\n• وعن شريح، والزهري أنَّ لها الرجوع إن كان غرَّها وخدعها، وهو صحيح عنهما.\n• وعن أحمد رواية: إن كان الموهوب مهرها، وسألها؛ فلها الرجوع، وإلا فلا.","vol":"7","page":209},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: إن كان غَرَّها، وخدعها، وزخرف لها القول؛ فلها الرجوع؛ وإلا فلا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3719>مسألة [٥]: شروط رجوع الأب في الهبة</span>.\nذكر القائلون بأنَّ للأب الرجوع في الهبة شروطًا في ذلك، وفي بعضها اختلاف:\nالشرط الأول: أن تكون الهبة باقية في ملك الابن.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٦٤) -بعد أن ذكر هذا الشرط-: فَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ، بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، أَوْ وَقْفٍ، أَوْ إرْثٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إبْطَالٌ لِمِلْكِ غَيْرِ الْوَلَدِ.\nقال: وَإِنْ عَادَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، كَبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ إرْثٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا عَادَتْ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ لَمْ يَسْتَفِدْهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ، فَلَا يَمْلِكُ فَسْخَهُ وَإِزَالَتَهُ، كَاَلَّذِي لَمْ يَكُنْ مَوْهُوبًا لَهُ.\nقال: وَإِنْ عَادَتْ إلَيْهِ بِفَسْخِ الْبَيْعِ، لِعَيْبٍ، أَوْ إقَالَةٍ، أَوْ فَلَسِ الْمُشْتَرِي، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُزِيلَ ارْتَفَعَ، وَعَادَ الْمِلْكُ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ. وَالثَّانِي: لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ مِلْكِ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ عَلَيْهِ،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٧٨) «الفتح» (٢٥٨٨) «مصنف عبد الرزاق» (٩/ ١١٣ - ١١٥).","vol":"7","page":210},{"text":"فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَ إلَيْهِ بِهِبَةٍ. فَأَمَّا إنْ عَادَ إلَيْهِ لِلْفَسْخِ بِخِيَارِ الشَّرْطِ، أَوْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ. اهـ\nقلتُ: الذي يظهر أنَّ له الرجوع فيها؛ لعموم الحديث، والله أعلم.\nالشرط الثاني: أن تكون الهبة باقية في تصرف الولد.\nوذلك كما إذا رهن العين الموهوبة، أو أفلس وحجر عليه؛ فلا يملك الأب الرجوع فيها؛ لأنَّ في ذلك إبطالًا لحق غير الولد؛ فإنْ زال المانع من التصرف فله الرجوع. (^١)\nالشرط الثالث: أن لا يتعلق بها رغبة لغير الولد.\nوذلك مثل أن يهب ولده شيئًا، فيرغب الناس في معاملته، فيعطونه السلع دينًا، أو رغبوا في مناكحته، فزوجوه إن كان ذكرًا، أو تزوجت الأنثى لذلك، ففي هذه المسألة قولان:\nالأول: اشتراط ذلك؛ فإنْ حصل ذلك فليس له الرجوع، وهذا قول مالك، وأحمد في رواية، وإسحاق؛ لأنه تعلق به حق غير الابن، وفي الحديث: «لا ضرر ولا ضرار»، وهذا ظاهر اختيار شيخ الإسلام.\nالثاني: لا يشترط ذلك، وله الرجوع، وإن حصل ذلك؛ لعموم حديث: «إلا الوالد فيما يعطي ولده»، وهو قول أحمد في رواية، وابن حزم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٦٤ -).","vol":"7","page":211},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر لي -والله أعلم- أنه إن كان الأب يعلم ذلك فوهب له ذلك من أجل ذلك؛ فلا رجوع له وإلا فله أن يرجع، والله أعلم. (^١)\nالشرط الرابع: أن لا تزيد العين الموهوبة زيادة متصلة.\nوذلك مثل سمن الشاة، وكبر العبد، أو الشجر، وما أشبه ذلك، ففي اشتراط ذلك قولان لأهل العلم:\nالأول: اشتراط ذلك؛ فليس له الرجوع إذا حصل ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في رواية، وذلك لأنَّ الزيادة ملك للولد، فلم يملك الوالد الرجوع فيها، وإذا امتنع الرجوع فيها امتنع الرجوع في الأصل؛ لئلا يفضي إلى سوء المشاركة، وضرر التشقيص.\nالثاني: عدم اشتراط ذلك، وله الرجوع فيها إذا حصل ذلك فيها، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنها زيادة في الموهوب، فلم تمنع الرجوع كالزيادة قبل القبض، وكالزيادة المنفصلة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر أنَّ الزيادة إذا كانت كثيرة وكبيرة؛ فلا رجوع له؛ لأنها أشبهت الهبة إذا تغيرت إلى شيء آخر، كالخشب يجعله بابًا، والحب يجعله زرعًا؛ فليس له الرجوع، وما ههنا شبيه به، وأما إن كانت الزيادة قليلة؛ فله الرجوع، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٦٦) «المحلى» (١٦٢٩) «الفتح» (٢٥٨٧) «الاختيارات» (ص ١٨٦).","vol":"7","page":212},{"text":"تنبيه: الزيادة المنفصلة كولد الشاة إذا حملت عند الولد، ثم ولدت، لا تمنع الرجوع؛ فللوالد أن يرجع في الأم، وأما ولد الشاة فهو للولد عند أكثر أهل العلم؛ لأنها حصلت في ملكه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3720>مسألة [٦]: إن تلف بعض العين، أو نقصت قيمتها، فهل للأب الرجوع</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ له الرجوع؛ لأنه لم يتعلق فيها حق للولد، بل نقص منها، وليس على الابن ضمان فيما تلف منها؛ لأنها تتلف على ملكه. (^٢)\nفائدة: لا يفتقر الرجوع في الهبة إلى حكم حاكم عند أحمد، والشافعي وغيرهما، وهو الصحيح، خلافًا لأبي حنيفة. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3721>مسألة [٧]: هل يفتقر الرجوع إلى تلفظ، أو يقع الرجوع بالفعل</span>؟\nأما إذا تلفظ ببعض الألفاظ الدالة على الرجوع؛ وقع الرجوع عند الحنابلة، والشافعية وغيرهم.\nوأما إن أخذ ما وهبه لولده؛ فإنْ نوى به الرجوع كان رجوعًا، والقول قوله في نيته، وإن لم يُعْلَم: هل نوى الرجوع أو لا؟ وكان ذلك بعد موت الأب؛ فإن لم توجد قرينة تدل على الرجوع؛ لم يحكم بكونه رجوعًا؛ لأنَّ الأخذ يحتمل الرجوع وغيره، فلا نزيل حكمًا يقينيًّا بأمر مشكوك فيه.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٦٦ - ٢٦٧) «المحلى» (١٦٣٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٢٦٨) «الإنصاف» (٧/ ١٤١).\n(^٣) انظر: «المغني» (٧/ ٢٦٩).","vol":"7","page":213},{"text":"• وإن اقترنت به قرائن تدل على الرجوع ففيه خلاف: فمنهم من قال: يكون رجوعًا. وهو قول بعض الحنابلة؛ حكمًا بدلالة القرائن. ومنهم من قال: لا يكون رجوعًا. تقديمًا لحكم الأصل، وهو قول الشافعي، وبعض الحنابلة.\nوالأقرب أنه يحكم بكونه رجوعًا، والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٦٩): وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ؛ لَمْ يَحْصُلْ الرُّجُوعُ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ الْمِلِكِ عَلَى مَالٍ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ. وَإِنْ عَلَّقَ الرُّجُوعَ بِشَرْطٍ، فَقَالَ: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ رَجَعْت فِي الْهِبَةِ. لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ لِلْعَقْدِ لَا يَقِفُ عَلَى شَرْطٍ، كَمَا لَا يَقِفُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3722>مسألة [٨]: هل للوالد أن يأخذ من مال ولده ويتملكه</span>؟\n• مذهب أحمد وأصحابه أنَّ للوالد أن يأخذ من مال ولده ما شاء، ويتملكه مع الحاجة وعدمها، صغيرًا كان الولد أو كبيرًا، بشرط أن لا يجحف بالابن ويَضرَّ به، أو يأخذ شيئًا تتعلق به حاجته، وأن لا يأخذ من مال ولدٍ ويعطيه لآخر.\nدليلهم على أنَّ له الأخذ قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أنت ومالك لأبيك»، وهو حديث ثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- له طرق يصح بها، واستدلوا بحديث: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم»، وهو حديث ثابت أيضًا. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٦٩) «الفتح» (٢٦٠٠).\n(^٢) وانظر تخريج الحديثين في «الإرواء» (٨٣٨) (١٦٢٦).","vol":"7","page":214},{"text":"واستدلوا بأنه ليس له أن يجحف به أو يأخذ ما تعلقت به حاجته بحديث: «لا ضرر ولا ضرار». واستدلوا بأنه ليس له أن يأخذ من ولد ويعطي آخر بأنه منهي عن التفضيل في الهبة، فهذا من باب أولى.\nوهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما.\n• وذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة إلى أنَّ الأب ليس له الأخذ من مال ولده بغير حاجة، وإذا احتاج؛ فليس له الأخذ إلا بقدر حاجته.\nواستدلوا بحديث: «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام ..» (^١)، وبحديث: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه». (^٢)\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الولد يملك ماله، وليس للأب منه إلا حاجته وكفايته؛ فإنَّ الشرع جعل للأب في الميراث السدس، وهو في حال موت ولده أحوج منه للمال في حال حياته؛ فدل على أنه ليس للأب أن يأخذ من مال ولده أكثر من حاجته إلا بطيب نفس منه، وأما الحديثان اللذان استدل بهما أهل القول الأول فمحمول على قدر الحاجة؛ جمعًا بين الأدلة، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3723>مسألة [٩]: هل للابن مطالبة أباه بالدين</span>؟\n• مذهب أحمد، والزبير بن بكار، وسفيان بن عيينة وغيرهم أنه ليس له مطالبة\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في «البلوغ» برقم (٨٨٨).\n(^٢) تقدم تخريجه في «البلوغ» برقم (٨٦٤).\n(^٣) انظر: «المغني» (٨/ ٢٧٢) «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٦٩) «بدائع الفوائد» (٣/ ٩٩).","vol":"7","page":215},{"text":"أبيه بدين عليه؛ للحديث السابق: «أنت ومالك لأبيك».\n• ومذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة أنَّ له ذلك؛ لأنه ماله، وهو دين ثابت؛ فجاز مطالبته، كدين غير الأب.\nوأجاب أهل القول الأول: بأنَّ المال أحد نوعي الحقوق؛ فلم يملك مطالبة أبيه بها كحقوق الأبدان، ويفارق الأب غيره بما ثبت له من الحق على ولده.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الثاني هو الصواب، إذا كان الأب موسرًا، وتكون المطالبة برفق، وإحسان، وأدب، والذي يظهر أن الذين منعوا مقصودهم بالمطالبة الممنوعة هو الإغلاظ في ذلك، والمخاصمة عليه، وأما التعريض والسؤال المصحوب بالأدب، والتوقير، فله ذلك والله أعلم؛ فإنه له ذلك في مال أبيه، فماله الذي هو دين عند أبيه من باب أولى، وبالله التوفيق.\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٧٤ - ٢٧٥): وَإِنْ مَاتَ الِابْنُ، فَانْتَقَلَ الدَّيْنُ إلَى وَرَثَتِهِ؛ لَمْ يَمْلِكُوا مُطَالَبَةَ الْأَبِ بِهِ؛ لِأَنَّ مَوْرُوثَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ، فَهُمْ أَوْلَى. وَإِنْ مَاتَ الْأَبُ؛ رَجَعَ الِابْنُ فِي تَرِكَتِهِ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْ الْأَبِ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَتْ الْمُطَالَبَةُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3724>مسألة [١٠]: تصرف الأب في مال ولده قبل تملكه</span>؟\nقال أبو محمد -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٧٥): وَإِنْ تَصَرَّفَ الْأَبُ فِي مَالِ الِابْنِ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ عِتْقُ الْأَبِ لِعَبْدِ","vol":"7","page":216},{"text":"ابْنِهِ، مَا لَمْ يَقْبِضْهُ. فَعَلَى هَذَا، لَا يَصِحُّ إبْرَاؤُهُ مِنْ دَيْنِهِ، وَلَا هِبَتُهُ لِمَالِهِ، وَلَا بَيْعُهُ لَهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ تَامٌّ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، وَيَحِلُّ لَهُ وَطْءُ جَوَارِيهِ (^١)، وَلَوْ كَانَ الْمِلْكُ مُشْتَرَكًا؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْوَطْءُ، كَمَا لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَإِنَّمَا لِلْأَبِ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ، كَالْعَيْنِ الَّتِي وَهَبَهَا إيَّاهُ، فَقَبْلَ انْتِزَاعِهَا لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ وِلَايَةٍ، وَإِنْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا؛ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِمَا لَا حَظَّ لِلصَّغِيرِ فِيهِ، وَلَيْسَ مِنْ الْحَظِّ إسْقَاطُ دَيْنِهِ، وَعِتْقُ عَبْدِهِ، وَهِبَةُ مَالِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3725>مسألة [١١]: هل للأب أن يطأ جارية ولده</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٧٦): قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَطَأُ جَارِيَةَ الِابْنِ؛ إلَّا أَنْ يَقْبِضَهَا. يَعْنِي يَتَمَلَّكُهَا. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا وَطِئَهَا قَبْلَ تَمَلُّكِهَا؛ فَقَدْ وَطِئَهَا وَلَيْسَتْ زَوْجَةً وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ، وَإِنْ تَمَلَّكَهَا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ مِلْكٍ؛ فَوَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ فِيهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا، وَإِنْ كَانَ الِابْنُ قَدْ وَطِئَهَا؛ لَمْ تَحِلَّ لَهُ بِحَالٍ، وَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ تَمَلُّكِهَا؛ كَانَ مُحَرَّمًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَطِئَهَا قَبْلَ مِلْكِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَطِئَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا. وَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَطِئَهَا؛ حُرِّمَتْ بِوَجْهِ ثَالِثٍ، وَهِيَ أَنَّهَا صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ حَلِيلَةِ ابْنِهِ؛ فَإِنْ فَعَلَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَضَافَ مَالَ الْوَلَدِ إلَى أَبِيهِ، فَقَالَ: «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك»، وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ؛ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ انْتَفَى عَنْهُ\n_________\n(^١) يعني بذلك الابن: له أن يطأ جواري نفسه؛ فيدل على أن ملكه ملك تام.","vol":"7","page":217},{"text":"الْحَدُّ لِلشَّبَهِ. وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَيْسَ لِلِابْنِ مُطَالَبَتُهُ بِشَيْءٍ مِنْ قِيمَتِهَا، وَلَا قِيمَةِ وَلَدِهَا وَلَا مَهْرِهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3726>مسألة [١٢]: الهبة في مرض الموت، هل تنفذ</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- (٨/ ٢٧١): الْعَطَايَا فِي مَرَضِ المَوْتِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ فِي أَنَّهَا تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ إذَا كَانَتْ لِأَجْنَبِيٍّ إجْمَاعًا، فَكَذَلِكَ لَا تَنْفُذُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ. قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ حُكْمَ الْهِبَاتِ فِي المَرَضِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ الْوَاهِبُ حُكْمُ الْوَصَايَا، هَذَا مَذْهَبُ المَدَنِي، وَالشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّ. انتهى المراد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ودليل المسألة حديث عمران بن حصين -﵄-، أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله - ﷺ -، فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا. أخرجه مسلم برقم (١٦٦٨). (^١)\n_________\n(^١) وانظر «الإشراف» (٧/ ٨٧).","vol":"7","page":218},{"text":"٩٢٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n٩٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - نَاقَةً، فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «رَضِيت؟» قَالَ: لَا، فَزَادَهُ، فَقَالَ: «رَضِيت؟» قَالَ: لَا، فَزَادَهُ، فَقَالَ: «رَضِيت؟» قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٥٨٥). من طريق عيسى بن يونس عن هشام عن أبيه عن عائشة به.\nثم قال البخاري: لم يذكر وكيع ومحاضر .. عن عائشة.\nوقال أبوداود: تفرد بوصله عيسى بن يونس، وهو عند الناس مرسل.\nوقال أحمد: كان عيسى بن يونس يسند حديث الهدية، والناس يرسلونه.\nوكذلك قال يحيى بن معين. وذكره الدارقطني في «التتبع». انظر: «الفتح» (٢٥٨٥)، و«التهذيب» ترجمة عيسى بن يونس.\n(^٢) حسن لغيره. أخرجه أحمد (١/ ٢٩٥)، وابن حبان (٦٣٨٤)، من طريق يونس المؤدب عن حماد ابن زيد عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس به. وفي آخره: فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لقد هممت أَنْ لَا أَتَّهِبَ هِبَةً إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي».\nوهذا الإسناد ظاهره الصحة، ولكنه معل، فقد رواه جماعة من أصحاب حماد عن حماد بإسناده بدون ذكر (ابن عباس) قال الدارقطني في «العلل» (١١/ ٣٣) وهو الأصح.\nقلت: ويؤيده أن ابن عيينة تابع حماد بن زيد على رواية الإرسال. أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (١٩٣٩)، والحميدي (١٠٥٢).\nويؤيده أيضًا أن ابن طاوس تابع عمرو بن دينار، فرواه عن طاوس مرسلا. أخرجه عبدالرزاق (١٦٥٢١). فالصحيح أن الحديث من مراسيل طاوس، والله أعلم.\nوله شاهد من حديث أبي هريرة -﵁-:\nأخرجه عبدالرزاق (١٦٥٢٢)، وأحمد (٧٣٦٣)، والحميدي (١٠٥١) من طريق ابن عيينة عن ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة به. ولفظ أحمد وعبدالرزاق مختصر.\nوهذا الإسناد فيه ضعف بسبب رواية ابن عجلان عن المقبري، وقد ضعفها القطان والنسائي. ولكن ابن عجلان قد توبع. فقد رواه أبومعشر نجيح بن عبدالرحمن عن سعيد المقبري عن أبي هريرة بنحوه، وليس فيه تكرار الإثابة ثلاث مرات، بل فيه أنه أثابه (ست بكرات) أخرجه أحمد (٧٩١٨)، عن يزيد بن هارون عن أبي معشر به. وأبومعشر ضعيف. وتابعه أيضًا أيوب بن أبي مسكين أبوالعلاء فرواه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، كما رواه أبومعشر. وأيوب بن أبي مسكين صدوق له أوهام.\n\nقال أبوعبدالله: الحديث حسن عن أبي هريرة بهذه الطرق، ويزداد قوة بمرسل طاوس المتقدم، والله أعلم.","vol":"7","page":219},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3727>مسألة [١]: هل الهبة المطلقة تقتضي الثواب</span>؟\n• مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة وغيرهم أنها لا تقتضي الثواب، سواء كانت لإنسان مثله، أو دونه، أو أعلى منه؛ لأنها عطية على وجه التبرع، فلم تقتض ثوابًا، كالصدقة والوصية؛ فإن عوضه عنها كانت هبة مبتدأة، لا عوضًا، أيهما أصاب عيبًا لم يكن له الرد. وإن خرجت مستحقة؛ أخذها صاحبها ولم يرجع الموهوب له ببدلها.\n• ومذهب مالك، والشافعي في قولٍ أنَّ الهبة إن كانت لأعلى منه؛ فإنها تقتضي الثواب، واستدلوا بحديث الباب، وبقول عمر: ومن وهب هبة أراد بها الثواب؛ فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها. أخرجه مالك (٢/ ٧٥٤) بإسناد صحيح.\nقلتُ: والقول الأول هو الصواب، وليس في أدلتهم ما يدل على ما ذكروه، بل هي محمولة على من اشترط الثواب لفظًا، أو عرفًا، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٨٠).","vol":"7","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3728>مسألة [٢]: إذا اشترط على هبته الثواب، ولم يبين مقدار الثواب</span>؟\n• مذهب الشافعي، والظاهرية، وأبي ثور، وبعض الحنابلة أنَّ الهبة لا تصح، ولا يجوز ذلك؛ لأنها باشتراط ذلك صارت بيعًا بعوضٍ مجهول.\n• ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وهوظاهر كلام أحمد أنها تصح، وهو القول القديم للشافعي، وقال به من التابعين عطاء، والقاسم، وأبو الزناد، وآخرون، وهو قول شريح، وربيعة، واستدلوا بحديث ابن عباس الذي في الباب، وبأثر عمر، وبحديث: «المسلمون على شروطهم»، قالوا: فعليه أن يثيبه حتى يرضَى؛ فإن لم يفعل، أو لم يستطع؛ فلصاحب الهبة أن يرجع فيها.\nقلتُ: وهذا القول هو الصواب، والله أعلم.\nفائدة: قال أحمد: إذا تغيرت العين الموهوبة بزيادة أو نقصان، ولم يثبه منها؛ فلا أرى عليه نقصان ما نقص عنده إذا ردَّه إلى صاحبه، إلا أن يكون ثوبًا لبسه، أو غلامًا استعمله، أو جارية استخدمها، فأما غير ذلك إذا نقص؛ فلا شيء عليه، فكان عندي مثل الرهن، الزيادة والنقصان لصاحبه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3729>مسألة [٣]: إذا اشترط على هبته ثوابًا معلومًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٨٠): فَإِنْ شَرَطَ فِي الْهِبَةِ ثَوَابًا مَعْلُومًا؛ صَحَّ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعِوَضِ مَعْلُومٍ، فَهُوَ كَالْبَيْعِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٨٠ - ٢٨١) «الفتح» (٢٥٨٥) «المحلى» (١٦٢٨).","vol":"7","page":221},{"text":"الْبَيْعِ، فِي ضَمَانِ الدَّرْكِ، وَثُبُوتِ الْخِيَارِ وَالشُّفْعَةِ، وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الْهِبَةِ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ؛ فَصَحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَلَّكْتُك هَذَا بِدِرْهَمٍ. فَإِنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ التَّمْلِيكَ؛ كَانَ هِبَةً، وَإِذَا ذَكَرَ الْعِوَضَ؛ صَارَ بَيْعًا. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَقْتَضِي أَنْ يُغَلَّبَ فِي هَذَا حُكْمُ الْهِبَةِ، فَلَا تَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْمُخْتَصَّةُ بِهِ. اهـ\nفائدة: استحب أهل العلم الإثابة على الهدية وإن لم يشترط؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يفعل ذلك، وفي «سنن أبي داود» وغيره من حديث ابن عمر -﵄- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه» (^١)، وهذا يغني عن حديث عائشة الذي في الباب، والله أعلم.\nومن حسَّن حديث عائشة -﵂-؛ فلا إنكار عليه، بل هو أقرب؛ للأحاديث المتكاثرة في قبول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الهدية؛ ولبعض الأحاديث الثابتة التي فيها أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أثاب عليها، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) سيأتي في «البلوغ» برقم (١٤٦٥).","vol":"7","page":222},{"text":"٩٢٦ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «العُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَلِمُسْلِمٍ: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ». (^٢)\nوَفِي لَفْظٍ: إنَّمَا العُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَك وَلِعَقِبِك، فَأَمَّا إذَا قَالَ: هِيَ لَك مَا عِشْت فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا. (^٣)\nوَلِأَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ: «لَا تُرْقِبُوا، وَلَا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا، أَوْ أُعْمِرَ شَيْئًا؛ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ». (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3730>مسألة [١]: تعريف العمرى والرقبى</span>.\nصورة العُمْرى: أن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه. أو: هي لك عُمْري. أو: عمرك. أو: ما عشت. أو: مدة حياتك. أو: ما حييت. أو نحو هذا، سُمِّيت عُمْرى لتقييدها بالعمر.\nوالرُّقْبى أن يقول: أرقبتك هذه الدار. أو: هي لك حياتك على أنك إن مت قبلي عادت إليَّ، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك. فكأنه يقول: هي لآخرنا موتًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٢٥)، ومسلم (١٦٢٥) (٢٥).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٦٢٥) (٢٦).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٦٢٥) (٢٣).\n(^٤) أخرجه أبوداود (٣٥٥٦)، والنسائي (٦/ ٢٧٣)، وإسناده صحيح.","vol":"7","page":223},{"text":"وبذلك سُمِّيت رقبى؛ لأنَّ كل واحد منهما يرقب موت صاحبه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3731>مسألة [٢]: مشروعية العمرى</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٨٢): وَكِلَاهُمَا العمرى والرقبى جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْهَا.\nقال: وَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا، وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. (^٢)\nقَالَ: فَأَمَّا النَّهْيُ، فَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْلَامِ لَهُمْ: أنَّكُمْ إنْ أَعَمَرْتُمْ أَوْ أَرْقَبْتُمْ يَعُدْ لِلْمُعْمَرِ وَالْمُرْقَبِ، وَلَمْ يَعُدْ إلَيْكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ. وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: «فَمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى؛ فَهِيَ لِمَنْ أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ».اهـ\nوقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٦٢٥): وَذَهَبَ اَلْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّة اَلْعُمْرَى إِلَّا مَا حَكَاهُ أَبُو اَلطَّيِّبِ الطَّبَرِيّ عَنْ بَعْضِ اَلنَّاسِ، وَالْمَاوَرْدِيّ عَنْ دَاوُد وَطَائِفَة، لَكِنَّ اِبْنَ حَزْمٍ قَالَ بِصِحَّتِهَا، وَهُوَ شَيْخُ اَلظَّاهِرِيَّةِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3732>مسألة [٣]: هل العمرى تنقل الملك إلى الْمُعْمَر، أو هي هبة منافع</span>؟\n• مذهب الجمهور أنَّ العمرى تنقل الملك إلى المعمر، وبهذا قال جابر بن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٨٢) «الفتح» (٢٦٢٥) «تحرير ألفاظ التنبيه» (ص ٢٤٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود برقم (٣٥٥٨)، والترمذي برقم (١٣٥١) من طريق هشيم، أخبرنا داود، عن أبي الزبير، عن جابر به، وإسناده على شرط مسلم، وأصله في «مسلم» برقم (١٦٢٥).","vol":"7","page":224},{"text":"عبد الله، وابن عمر، وابن عباس، وشريح، ومجاهد، وطاوس، والثوري، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي.\nواستدلوا على ذلك بحديث جابر الذي في الباب: «أمسكوا عليكم أموالكم ...» الحديث، وحديث: «العمرى لمن وهبت له» أخرجه مسلم (١٦٢٥) (٢٥)، وبرواية أبي داود، والنسائي المتقدمة.\n• وذهب القاسم بن محمد، ومالك، والليث، والشافعي في القديم إلى أنَّ العمرى تمليك للمنافع، ولا تملك بها رقبة المعمر بحال، بل ترجع إلى صاحبها، وإذا قال: لك ولعقبك. فترجع إليه، أو إلى ورثته بعد انقراض عقب الْمُعْمَر. قال ابن الأعرابي: لم يختلف العرب في العمرى، والرقبى، والإفقار، والإخبال، والمنحة، والعرية، والعارية، والسكنى، والإطراق أنها على ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له. ولأنَّ التمليك لا يتأقت، كما لو باعه إلى مدة، فإذا كان لا يتأقت؛ حمل قوله على تمليك المنافع؛ لأنه يصح توقيته.\nقلتُ: والصواب -والله أعلم- هو القول الأول؛ لظاهر الأحاديث التي لا تحتمل تأويلها وإخراجها عن ظاهرها، وأُجيب عن قول ابن الأعرابي: بأنها عند العرب تمليك المنافع. بأنَّ ذلك لا يضر إذا نقلها الشارع إلى تمليك الرقبة، كما نقل الصلاة من الدعاء إلى الأفعال المنظومة، ونقل الظهار والإيلاء من الطلاق إلى أحكام مخصوصة.\nوقولهم: إنَّ التمليك لا يتأقت. يُجاب عنه بأنَّ الشرع جاء بجواز تأقيت","vol":"7","page":225},{"text":"الملك إذا اشترط في هذه الحالة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3733>مسألة [٤]: إذا قيد التعمير بالحياة</span>.\nكأن يقول: هي لك ما عشتَ. أو: ما حييت. أو ما أشبه ذلك.\n• فمذهب مالك، وأحمد في رواية، وابن أبي ذئب، وأبي ثور، وداود، وجماعة من الشافعية أنَّ الشرط يصح، وترجع إلى صاحبها، وقال بذلك من التابعين: الزهري، والقاسم ابن محمد، وأبو سلمة. قال القاسم بن محمد: ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم.\nوالدليل عليه حديث جابر الذي في الباب، وقد قيل: إنه موقوف عليه. وهذا اختيار شيخ الإسلام -﵀-، ويدل عليه حديث: «المسلمون على شروطهم»، وعزاه الحافظ إلى أكثر العلماء.\n• وذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وأبو حنيفة إلى أنها لا ترجع إلى صاحبها، وإن قيد ذلك؛ للأحاديث الواردة بأنَّ العمرى جائزة، وبرواية أبي داود، والنسائي الأخيرة، وأما التفصيل المذكور في الباب فهو من قول جابر بن عبد الله، وليس مرفوعًا، وقد قضى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بجواز الرقبى مع أنَّ فيها شرطًا بذلك.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ جمعًا بين الأدلة، وقضاء النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بنفوذ الرقبى محمول على ما إذا لم يتحقق شرطه، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٨٣ - ٢٨٤) «الفتح» (٢٦٢٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٢٨٥) «الفتح» (٢٦٢٥).","vol":"7","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3734>مسألة [٥]: إذا قال صاحب الدار: سكناها لك عمرك</span>.؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٨٨): أَمَّا إذَا قَالَ: سُكْنَى هَذِهِ الدَّارِ لَك عُمُرَك. أَوْ: اُسْكُنْهَا عُمُرَك. أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَقْدٍ لَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ فِي التَّحْقِيقِ هِبَةُ المَنَافِعِ، وَالمَنَافِعُ إنَّمَا تُسْتَوْفَى بِمُضِيِّ الزَّمَانِ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلَا تَلْزَمُ إلَّا فِي قَدْرِ مَا قَبَضَهُ مِنْهَا، وَاسْتَوْفَاهُ بِالسُّكْنَى. وَلِلْمُسْكِنِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ، وَأَيُّهُمَا مَاتَ؛ بَطَلَتْ الْإِبَاحَةُ، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْفَتْوَى وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.\nقال: وَقَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ: هِيَ كَالْعُمْرَى، تَكُونُ لَهُ وَلِعَقِبِهِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْعُمْرَى، فَيَثْبُتُ فِيهَا مِثْلُ حُكْمِهَا. وَأُجِيْبَ بِأَنَّ الْعُمْرَى هِبَة لِلرَّقَبَة، وَهَذِهِ إِبَاحَة المَنَافِعِ. انتهى بتصرف يسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3735>مسألة [٦]: أحكام الرقبى</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٨٧): وَالرُّقْبَى هِيَ أَنْ يَقُولَ: هَذَا لَك عُمُرَك، فَإِنْ مِتَّ قَبْلِي رَجَعَ إلَيَّ، وَإِنْ مِتَّ قَبْلَك فَهُوَ لَك، وَمَعْنَاهُ: هِيَ لِآخِرِنَا مَوْتًا. وَكَذَلِكَ فَسَّرَهَا مُجَاهِدٌ. سُمِّيَتْ رُقْبَى لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ.\nوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَك حَيَاتَك، فَإِذَا مِتَّ فَهِيَ لِفُلَانٍ، أَوْ هِيَ رَاجِعَةٌ إلَيَّ. وَالْحُكْمُ فِيهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَأَنَّهَا كَالْعُمْرَى إذَا","vol":"7","page":227},{"text":"شَرَطَ عَوْدَهَا إلَى الْمُعْمَرِ. وَقَالَ عَلِيٌّ -﵁-: الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى سَوَاءٌ (^١). وَقَالَ طَاوُسٌ: مَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا فَهُوَ عَلَى سَبِيل الْمِيرَاثِ\nوَقَالَ الزُّهْرِيُّ: الرُّقْبَى وَصِيَّةٌ. يَعْنِي أَنَّ مَعْنَاهَا إذَا مِتُّ فَهَذَا لَك.\nوَقَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: الرُّقْبَى بَاطِلَةٌ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَجَازَ الْعُمْرَى، وَأَبْطَلَ الرُّقْبَى (^٢). وَلِأَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّهَا لِلْآخِرِ مِنَّا، وَهَذَا تَمْلِيكٌ مُعَلَّقٌ بِخَطَرٍ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بِالْخَطَرِ.\nوَلَنَا: مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَحَدِيثُهُمْ لَا نَعْرِفُهُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَعْنَاهَا مَا ذَكَرُوهُ، بَلْ مَعْنَاهَا أَنَّهَا لَك حَيَاتَك، فَإِنْ مِتَّ رَجَعَتْ إلَيَّ فَتَكُونُ كَالْعُمْرَى سَوَاءً، إلَّا أَنَّهُ زَادَ شَرْطَهَا لِوَرَثَةِ الْمُرْقَبِ، إنْ مَاتَ الْمُرْقَبُ قَبْلَهُ، وَهَذَا يُبَيِّنُ تَأْكِيدَهَا عَلَى الْعُمْرَى. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3736>مسألة [٧]: العمرى في غير العقار</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٨٧): وَتَصِحُّ الْعُمْرَى فِي غَيْرِ الْعَقَارِ، مِنْ الْحَيَوَانِ، وَالنَّبَاتِ؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ هِبَةٍ، فَصَحَّتْ فِي ذَلِكَ، كَسَائِرِ الْهِبَاتِ.\nوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الرَّجُلِ يَعْمُرُ الْجَارِيَةَ: فَلَا أَرَى لَهُ وَطْأَهَا. قَالَ\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٩/ ١٩٦) عن ابن جريج، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن علي قال: «الرقبى بمنزلة العمرى». وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله رجال الشيخين، ومجاهد قد أثبت البخاري في «التاريخ الكبير» سماعه من علي ﵁.\n(^٢) أما إجازة العمرى فقد تقدمت الأحاديث الكثيرة الدالة عليه، وأما إبطال الرقبى؛ فلا نعلم دليلًا عليه، وإنما ورد النهي عن الرقبى كما تقدم، وهو على سبيل الإرشاد وبيان الحكم، كما بيناه.","vol":"7","page":228},{"text":"الْقَاضِي: لَمْ يَتَوَقَّفْ أَحْمَدُ عَنْ وَطْءِ الْجَارِيَةِ؛ لِعَدَمِ الْمِلْكِ فِيهَا، لَكِنْ عَلَى طَرِيقِ الْوَرَعِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ اسْتِبَاحَةُ فَرْجٍ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الْعُمْرَى، وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ، فَلَمْ يَرَ لَهُ وَطْأَهَا لِهَذَا، وَلَوْ وَطِئَهَا كَانَ جَائِزًا. اهـ\nقال الحافظ -﵀- (٢٦٢٥): فَالْجُمْهُورُ أَنَّه يَتَوَجَّهُ إِلَى الرَّقَبة كَسَائِرِ الْهِبَاتِ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُعمَّر عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْمَوْهُوبُ لَهَ؛ نَفَذَ، بِخِلَافِ الْوَاهِبِ. انتهى المراد.","vol":"7","page":229},{"text":"٩٢٧ - وَعَنْ عُمَرَ -﵁- قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَظَنَنْت أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لَا تَبْتَعْهُ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» ... الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nقوله: حملتُ على فرس.\nمعناه: أنه تصدق به على إنسان ليجاهد به في سبيل الله، وليس المقصود أنه أوقفه في سبيل الله؛ إذ لو كان كذلك لم يجز بيعه. «الفتح» (٢٦٢٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3737>مسألة [١]: حكم الرجوع في الصدقة</span>.\nتمام حديث عمر -﵁- عند الشيخين: «فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»، وهذا يدل على عدم جواز الرجوع في الصدقة.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٦٢٣): وأما الصدقة: فاتفقوا على أنه لا يجوز الرجوع فيها بعد القبض. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3738>مسألة [٢]: هل يجوز الرجوع فيها بالشراء</span>؟\nأراد ذلك عمر بن الخطاب -﵁-، فنهاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في الحديث.\nقال الحافظ -﵀-: حمل الجمهور هذا على النهي في صورة الشراء على التنزيه،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٢٣)، ومسلم (١٦٢٠).\n(^٢) وانظر أيضًا «المغني» (٨/ ٢٦٤) (٨/ ٢٧٩).","vol":"7","page":230},{"text":"وحمله قومٌ على التحريم، قال القرطبي وغيره: وهو الظاهر. اهـ\nقلتُ: ولابن حزم بحثٌ في «المحلى» (٦٩٩) يرجح جواز ذلك، ولكنه حمل حديث عمرعلى الوقف، وقد تقدم ما فيه، والذي يظهر أنَّ النهي للتحريم؛ إلا أن يشتريه بسعر السوق بدون محاباة، فيظهر -والله أعلم- أنَّ ذلك ليس للتحريم كما قال الجمهور، وبالله التوفيق. (^١)\nتنبيه: إذا رجع له بالوراثة؛ جاز ذلك عند عامة أهل العلم وأكثرهم كما في المصادر السابقة.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢٦٢٣) «شرح مسلم» (١٦٢٠).","vol":"7","page":231},{"text":"٩٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «تَهَادُوْا تَحَابُّوا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي «الأَدَبِ المُفْرَدِ»، وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (^١)\n\n٩٢٩ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تَهَادُوْا، فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تَسُلُّ السَّخِيمَةَ». رَوَاهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^٢)\n\n٩٣٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3739>مسألة [١]: فضل التهادي</span>.\nيُستفاد من الأحاديث السابقة فضيلة التهادي، وأنه من أفعال الخير، ويكون سببًا للمحبة، والإخاء، وقد ثبت من حديث عبادة بن الصامت، ومعاذ بن جبل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتزاورين فيَّ،\n_________\n(^١) حسن لغيره. أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٥٩٤)، وأبويعلى (٦١٤٨) من طريق ضمام بن إسماعيل عن موسى بن وردان عن أبي هريرة به. وضمام بن إسماعيل قال فيه ابن معين والنسائي: لا بأس به. وقال أبوحاتم: صدوق. وقال أحمد: صالح الحديث. وقال الدارقطني: متروك. وذكره ابن عدي في «الكامل» وأورد فيه حديثه هذا. فالحديث يحتمل التحسين، ويشهد له الحديث الذي بعده.\n(^٢) حسن لغيره. رواه البزار كما في «كشف الأستار» (١٩٣٧) من طريق حميد بن حماد بن أبي الخوار، عن عائذ بن شريح، عن أنس به. وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف حميد وعائذ كما في «التهذيب» و«الميزان». والحديث حسن بشاهده الذي قبله.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٥٦٦)، ومسلم (١٠٣٠).","vol":"7","page":232},{"text":"والمتباذلين فيَّ» أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٦) وغيره، وهو حديث صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3740>مسألة [٢]: هل تقبل هدايا المشركين</span>؟\nبوَّب البخاري في «صحيحه» في كتاب الهبة [باب قبول الهدية من المشركين]. ثم استدل على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقبل هداياهم، فقد أُهديت إليه شاة فيها سمٌّ، فقبلها، وأكل منها في خيبر. وأهدى ملك أيلة للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بغلة بيضاء، وأهدى له أُكيدر دومة جُبَّة سندس.\nوأخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لرجل مشرك أقبل بغنم: «بيعًا أم هبةً»، فقال: لا، بل بيع ... الحديث. (^١)\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٦١٥): وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى ضَعْف اَلْحَدِيث اَلْوَارِد فِي رَدِّ هَدِيَّة اَلْمُشْرِك، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ مُوسَى بْن عُقْبَة فِي «الْمَغَازِي» عَنْ اِبْن شِهَاب، عَنْ عَبْداَلرَّحْمَن بْن كَعْب بْن مَالِك وَرِجَال مِنْ أَهْلِ اَلْعِلْمِ أَنَّ عَامِر بْن مَالِك اَلَّذِي يُدْعَى مُلَاعِب اَلْأَسِنَّة، قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اَلله - ﷺ - وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَأَهْدَى لَهُ، فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَقْبَلُ هَدِيَّة مُشْرِك» (^٢) اَلْحَدِيث رِجَاله ثِقَات إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَل، وَقَدْ وَصَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ اَلزُّهْرِيِّ وَلَا يَصِحُّ. وَفِي اَلْبَابِ حَدِيث عِيَاض بْن حِمَار أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَاَلتِّرْمِذِيّ وَغَيْرُهُمَا، مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ يَزِيد بن عَبْداَلله، عَنْ عِيَاضٍ قَالَ: أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - نَاقَةً، فَقَالَ: «أَسْلَمْتَ؟» قُلْت: لَا. قَالَ: «إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٦١٨)، ومسلم برقم (٢٠٥٦).\n(^٢) وأخرجه أيضًا عبدالرزاق (٥/ ٣٨٢)، وأبو عبيد في «الأموال» (٦٣١)، وهو مرسل.","vol":"7","page":233},{"text":"اَلْمُشْرِكِينَ» (^١)،\nوَالزَّبْدُ بِفَتْحِ اَلزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ: اَلرَّفْد. صَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ، وَابْن خُزَيْمَة. وَأَوْرَدَ اَلْمُصَنِّفُ عِدَّةَ أَحَادِيثَ دَالَّةٍ عَلَى اَلْجَوَازِ، فَجَمَعَ بَيْنَهَا اَلطَّبَرِيُّ: بِأَنَّ اَلِامْتِنَاعَ فِيمَا أُهْدِيَ لَهُ خَاصَّة، وَالْقَبُول فِيمَا أُهْدِيَ لِلْمُسْلِمِينَ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَدِلَّةِ اَلْجَوَازِ مَا وَقَعَتْ اَلْهَدِيَّة فِيهِ لَهُ خَاصَّة، وَجَمَعَ غَيْرُهُ بِأَنَّ اَلِامْتِنَاعَ فِي حَقِّ مَنْ يُرِيدُ بِهَدِيَّتِهِ اَلتَّوَدُّدَ، وَالْمُوَالَاةَ، وَالْقَبُولَ فِي حَقّ مَنْ يُرْجَى بِذَلِكَ تَأْنِيسُهُ وَتَأْلِيفُهُ عَلَى اَلْإِسْلَامِ، وَهَذَا أَقْوَى مِنْ اَلْأَوَّلِ. وَقِيلَ: يُحْمَلُ اَلْقَبُولُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ، وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ اَلْأَوْثَان. وَقِيلَ: يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنْ اَلْأُمَرَاءِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ اِدَّعَى نَسْخَ اَلْمَنْع بِأَحَادِيثِ اَلْقَبُول، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ. وَهَذِهِ اَلْأَجْوِبَةُ اَلثَّلَاثَةُ ضَعِيفَة؛ فَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَلَا اَلتَّخْصِيص. اهـ\nقلتُ: الحديث يحتمل التحسين بطرقه، ولكن قال البيهقي (٩/ ٢١٦): والأخبار في قبول هداياهم أصح، وأكثر، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3741>مسألة [٣]: هل يُهدى للمشرك</span>؟\nبوَّب الإمام البخاري -﵀- في «صحيحه» [باب الهدية للمشركين]. ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٠٥٧)، والترمذي (١٥٧٧)، من طريق: عمران القطان، عن قتادة، عن يزيد بن عبدالله بن الشخير، عن عياض به، وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف عمران.\n\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٦٢)، من وجه آخر عن عياض، فذكره، وهو منقطع؛ لأنَّ الحسن لم يدرك عياض بن حمار -﵁-.","vol":"7","page":234},{"text":"تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ... [الممتحنة:٨].\nوبحديث ابن عمر -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أعطى عمر حلَّة، فأرسل بها عمر إلى أخٍ له من أهل مكة قبل أن يسلم. (^١)\nوبحديث أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فاستفتيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قلت: إنَّ أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم، صلي أمك». (^٢)\nقلتُ: يُستفاد من أدلة البخاري أنه لا يُهدى للحربيين منهم الذين ربما استخدموا الهدية في التقوي بها على حرب المسلمين، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٦١٩)، ومسلم برقم (٢٠٦٨).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٦٢٠)، ومسلم برقم (١٠٠٣).\n(^٣) وانظر: «شرح مسلم» (١٤/ ٣٨ - ٣٩) «الفتح» (٢٦١٩).","vol":"7","page":235},{"text":"٩٣١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا». رَوَاهُ الحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، وَالمَحْفُوظُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَوْلُهُ. (^١)\nتقدم الكلام على مباحث الحديث عند حديث عائشة -﵂-: «كان يقبل الهدية، ويثيب عليها» برقم (٩٢٤).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٢/ ٥٢)، وفي إسناده إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي، قال الذهبي في «الميزان»: روى عنه الحاكم واتهمه. وقال الحاكم عقب هذا الحديث: على شرط الشيخين ولم يخرجاه إلا أن يكون الحمل فيه على شيخنا.\nقال الحافظ -﵀- في «اللسان»: الحمل فيه عليه بلا ريب، وهذا الكلام معروف من قول عمر غير مرفوع. اهـ\nقلت: وقد رجح وقفه على عمر البخاري والدارقطني والبيهقي كما في «أعلام الموقعين» (٢/ ٣١٥).\nوقد ثبت عن عمر من غير وجه. انظر «موطأ مالك» (٢/ ٧٥٤)، و«مصنف عبدالرزاق» (٩/ ١٠٦).\nوجاء هذا الحديث عن أبي هريرة مرفوعًا: أخرجه ابن ماجه (٢٣٨٧)، وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع وهو ضعيف، فالحديث لا يصح مرفوعًا، وصح موقوفًا على عمر، والله أعلم.","vol":"7","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3742>بَابُ اللُّقَطَةِ</span>\nاللقطة: اسم للشيء الذي يلتقط، وهي بضم اللام، وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين.\nوقال عياض: لا يجوز غيره، وقد ذكر الخليلي أنها بتسكين القاف. قال الأزهري: هو القياس، لكن الذي سمع من العرب، وأجمع عليه أهل اللغة والحديث الفتح، وفيه لغتان أخريان: لُقاطة، بضم اللام، ولَقطة بفتحها، وقد نظم الأربعة ابن مالك، فقال:\nلُقاطة ولُقْطة ولَقْطة ... ولُقَطة ما لاقط قد لقطه (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3743>مسألة [١]: هل الأفضل الالتقاط، أم عدمه</span>؟\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة:\nفمنهم من يقول: الأفضل الترك. وهو قول جابر بن زيد، والربيع بن خثيم، وعطاء، وهو مذهب أحمد، وحكي عن مالك، وصحَّ عن ابن عمر أنه ترك لقطةً كما في «مصنف ابن أبي شيبة»؛ وذلك لأنَّ الملتقط يعرض نفسه لأكل الحرام، وتضييع الواجب من تعريفها، وأداء الأمانة فيها؛ فكان تركه أولى، وأسلم.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» [كتاب اللقطة (٤٥)] «المغني» (٨/ ٢٩٠).","vol":"7","page":237},{"text":"وقال بعضهم: إذا وجدها بمضيعة، وأمن على نفسه عليها؛ فالأفضل أخذها، وهو قول أبي الخطاب الحنبلي، وقول للشافعي، وحُكي عن الشافعي قولٌ أنه يجب أخذها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، فإذا كان وليه؛ وجب عليه حفظ ماله، كما يجب عليه أن يحفظ بدن أخيه إذا خشي عليه الهلاك، وهذا قول ابن حزم أيضًا.\nوقال مالك: إنْ كان شيئًا له بالٌ؛ يأخذه أحب إليَّ، ويعرفه؛ لأنَّ فيه حفظ مال المسلم عليه، فكان أولى من تضييعه، وتخليصه من الغرق.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأفضل تركها؛ إلا أن يخشى عليها من الضياع، ويأمن نفسه عليها، ويؤدي ما عليه فيها؛ فالأفضل أخذها وتعريفها، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٩١) «البيان» (٧/ ٥٢٠) «ابن أبي شيبة» (٧/ ٤٥٣ -) «المحلى» (١٣٨٣).","vol":"7","page":238},{"text":"٩٣٢ - عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: «لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3744>مسألة [١]: يسير اللقطة</span>.\nأما ما كان مثل التمرة، والكسرة من الخبز، وما أشبه ذلك؛ فإنه لا بأس بأخذه والانتفاع به بغير تعريف، ودليله حديث أنس المذكور قريبًا.\nقال ابن قدامة -﵀-: ولا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير والانتفاع به. اهـ\n• وأما التعريف فاختلفوا فيه: فمذهب الحنابلة أنها لا تحتاج إلى تعريف. وقال بعضهم: يلزمه التعريف.\n• وقال آخرون: يلزمه تعريفه مدة يظن فيها طلب صاحب اللقطة لها. والأظهر القول الأول، وهذا محله فيما إذا لم يعلم صاحبها، والله أعلم.\n• ثم اختلف أهل العلم في تحديد يسير اللقطة: فمذهب مالك، وأبي حنيفة أنه لا يجب تعريف ما لا يقطع به السارق، وهو أقل من ربع دينار عند مالك، وأقل من عشرة دراهم عند أبي حنيفة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٣١)، ومسلم (١٠٧١).","vol":"7","page":239},{"text":"واستدلوا بقول عائشة -﵂-: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه. (^١)\n• وللشافعية في المسألة ثلاثة أوجه: فمنهم من قال: دينار. ومنهم من حدده بدرهم، ومنهم من حدده بربع دينار.\n• ومذهب أحمد عدم التحديد بشيء من ذلك، قال ابن قدامة: لم يرد بما ذكروه نصٌّ ولا هو في معنى ما ورد النص به، ولأنَّ التحديد والتقدير لا يعرف بالقياس، وإنما يؤخذ من نص أو إجماع، وليس فيما ذكروه نصٌّ ولا إجماع. اهـ\nقلتُ: وهذا القول هو الصواب، ومالم يحدد شرعًا اعتبر فيه العرف، فما كان مما لا تتبعه أنفس أوساط الناس؛ فهو لقطة يسيرة لها حكم التمرة والكسرة، والله أعلم، وهذا ترجيح الإمام ابن باز، واللجنة الدائمة، والإمام ابن عثيمين، وبالله التوفيق. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (٨/ ٢٥٥) بنحوه، وبيَّن أنه من قول عروة، وأدرج في الحديث.\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٢٩٥) «البيان» (٧/ ٥١٤، ٥١٨ -) «الإنصاف» (٦/ ٣٧٨) «شرح مسلم» (١٢/ ٢٢) «فتاوى اللجنة».","vol":"7","page":240},{"text":"٩٣٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ -﵁- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا». قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: «مَا لَك وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٩٣٤ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\n٩٣٥ - وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ لَا يَكْتُمْ، وَلَا يُغَيِّبْ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ. (^٣)\n\n٩٣٦ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الحَاجِّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩١)، ومسلم (١٧٢٢).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٧٢٥).\n(^٣) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٦١ - ١٦٢) (٤/ ٢٦٦)، وأبوداود (١٧٠٩)، والنسائي في «الكبرى» (٥٨٠٨)، وابن ماجه (٢٥٠٥)، وابن حبان (٤٨٩٤)، وابن الجارود (٦٧١) كلهم من طريق خالد الحذاء، عن يزيد بن عبدالله بن الشخير، عن مطرف، عن عياض به. وإسناده صحيح على شرط مسلم. ولم يعزه الحافظ في «الإتحاف» (١٢/ ٦٣٦) إلى ابن خزيمة.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (١٧٢٤).","vol":"7","page":241},{"text":"٩٣٧ - وَعَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَلَا لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا الحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلَا اللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ، إلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا». رَوَاهُ أَبُودَاوُد. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3745>مسألة [١]: التعرف على صفات اللقطة</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٢٤٢٧): واختلف في هذه المعرفة على قولين للعلماء، أظهرهما الوجوب؛ لظاهر الأمر، وقيل: يستحب. وقال بعضهم: يجب عند الالتقاط ويستحب بعده. اهـ\nقلتُ: والقول بالوجوب هو الصحيح؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بذلك كما في حديث زيد بن خالد، وعياض بن حمار المتقدمين، وكذا في حديث أبي بن كعب في «الصحيحين». (^٢)\nواستحب أهل العلم كتابة الصفات؛ لئلا ينسى تلك الصفات. وأما الصفات التي يتعرف عليها فهي العفاص -وهو الوعاء- والوكاء -وهو الرباط- والعدد،\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٣٨٠٤)، وأخرجه أيضًا أحمد (٤/ ١٣٠ - ١٣١)، من طريقين عن عبدالرحمن بن أبي عوف الجرشي، عن المقدام بن معدي كرب به. وإسناده صحيح، وعبدالرحمن الجرشي روى عنه جمع ووثقه الدارقطني كما في سؤلات السلمي، وابنُ حبان، والعجلي.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٤٢٦) (٢٤٣٧)، ومسلم برقم (١٧٢٣).","vol":"7","page":242},{"text":"والجنس، والقدر، كما جاء في الأحاديث المتقدمة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3746>مسألة [٢]: الإشهاد عليها حين يجدها</span>.\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى استحباب الإشهاد على اللقطة؛ لحديث عياض بن حمار الذي في الباب، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي.\n• وذهب أبو حنيفة إلى جوب الإشهاد، واستدل على هذا القول بحديث عياض بن حمار، ففيه الأمر بذلك، والأمر يقتضي الوجوب؛ إلا أن يصرفه عن ذلك صارف. وقال أبو حنيفة، وزُفر: إذا لم يشهد عليها ضمنها؛ لأنه إذا لم يشهد؛ كان الظاهر أنه أخذها لنفسه.\nواستدل الجمهور على أنَّ الإشهاد مستحبٌّ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر به زيد بن خالد الجهني، ولا أبي بن كعب، مع أنَّ المقام مقام فتوى وتعليم؛ فدلَّ على أنه ليس على سبيل الوجوب، وأما الضمان فلا يضمن إلا بالتفريط عند الجمهور، وهو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3747>مسألة [٣]: حكم تعريف اللقطة</span>.\nأما إذا لم تكن يسيرة، وأراد تملكها؛ فيجب عليه التعريف بالإجماع، قاله النووي وغيره. ويدل عليه أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بذلك في الأحاديث المتقدمة.\n• وأما إذا لم تكن يسيرة، وأراد حفظها، ولم يرد تملكها: فمذهب الأكثر على أنه\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢٤٢٧) «البيان» (٧/ ٥٢٣ - ٥٢٤) «المغني» (٨/ ٣٠٧ - ٣٠٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٣٠٨) «بداية المجتهد» (٤/ ١١٤) «التمهيد» (١٣/ ٢١٥).","vol":"7","page":243},{"text":"يجب تعريفها أيضًا، وهو مذهب أحمد، والأصح من الوجهين عند الشافعية، وللشافعي قول أنه لا يجب على من أراد حفظها لصاحبها. وقال به بعض الشافعية، وهذا قول ضعيفٌ؛ لأنَّ الأدلة عامة، ولأنه لو لم يجب التعريف؛ لما جاز الالتقاط؛ لأنَّ بقاءها في مكانها إذًا أقرب إلى وصولها إلى صاحبها، إما بأن يطلبها في الموضع الذي ضاعت فيه فيجدها، وإما بأن يجدها من يعرفها، وأخذ هذا لها يفوِّت الأمر؛ فيحرم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3748>مسألة [٤]: في قدر التعريف</span>.\n• أكثر أهل العلم وعامتهم على أنَّ تعريفها يكون لمدة سنة، واستدلوا على ذلك بحديث زيد بن خالد الذي في الباب، وقال أبو أيوب الهاشمي: ما دون الخمسين درهمًا يعرفها ثلاثة أيام إلى سبعة أيام. وقال الحسن بن صالح: ما دون عشرة دراهم يعرفها ثلاثة أيام. وقال الثوري في الدرهم: يعرفه أربعة أيام. وقال إسحاق: ما دون الدينار يعرفه جمعة أو نحوها.\nواستدل الجمهور بحديث زيد بن خالد كما تقدم، وقد جاء في حديث أبي بن كعب أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمره أن يعرفها ثلاثة أحوال. أخرجه الشيخان. (^٢)\nوقد أُجيب عنه بأجوبة منها: أنَّ الراوي قد شك، فقال كما في بعض الروايات: لا أدري ثلاثة أعوام، أم عامًا واحدًا. وهو سلمة بن كهيل، ولكن أكثر\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٩٢) «البداية» (٤/ ١١١) «البيان» (٧/ ٥٢٥ - ٥٢٦) «شرح مسلم» (١٢/ ٢٢).\n(^٢) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"7","page":244},{"text":"طرق الحديث بدون شك والشك طرأ له بعد عشرة أعوام كما في «صحيح مسلم».\nوبعضهم أجاب بأنه قصَّر في التعريف، فأمره بالإعادة، وفيه نظر. وقال ابن المنذر: قد ثبت الإجماع على خلاف هذا الحديث، فيستدل بالإجماع على نسخه.\nقلتُ: ويمكن أن يحمل ذلك على الورع، فمن أحب أن يتورع؛ فيعرفها ثلاثة أعوام، والله أعلم، والصحيح في المسألة قول الجمهور، والله أعلم، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3749>مسألة [٥]: متى يبدأ وقت التعريف</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٩٣): إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ السَّنَةُ تَلِي الِالْتِقَاطَ، وَتَكُونَ مُتَوَالِيَةً فِي نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا حِينَ سُئِلَ عَنْهَا، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالتَّعْرِيفِ وُصُولُ الْخَبَرِ إلَى صَاحِبِهَا وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالتَّعْرِيفِ عَقِيبَ ضَيَاعِهَا مُتَوَالِيًا؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا فِي الْغَالِبِ إنَّمَا يَتَوَقَّعُهَا وَيَطْلُبُهَا عَقِيبَ ضَيَاعِهَا فَيَجِبُ تَخْصِيصُ التَّعْرِيفِ بِهِ. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3750>مسألة [٦]: زمن التعريف</span>.\nذكر أهل العلم أنَّه يعرف بالنهار دون الليل، ودون أوقات الخلوة، ويكون في اليوم والأسبوع الذي وجدها فيه، أكثر؛ لأنَّ الطلب فيها أكثر، ولا يجب فيما بعد ذلك متواليًا.\nوقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٤٢٧): قال العلماء: يعرفها في كل يوم\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٩٣) «البيان» (٧/ ٥٢٦) «الفتح» (٢٤٢٩) «شرح مسلم» (١٢/ ٢٢).\n(^٢) وانظر: «البيان» (٧/ ٥٢٦).","vol":"7","page":245},{"text":"مرتين، ثم مرة، ثم في كل أسبوع، ثم في كل شهر. انتهى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3751>مسألة [٧]: مكان التعريف</span>.\nمكانه عند أهل العلم في الأسواق، وأبواب المساجد، والجوامع، في الوقت الذي يجتمعون فيه، كأدبار الصلوات، وفي مجامع الناس، وذلك لأنَّ المقصود هو إشاعة ذكرها وإظهارها ليظهر عليها صاحبها فيجب تحري مجامع الناس. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3752>مسألة [٨]: هل له أن يستنيب في التعريف</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٩٥): وَلِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ؛ فَإِنْ وَجَدَ مُتَبَرِّعًا بِذَلِكَ، وَإِلَّا إنْ احْتَاجَ إلَى أَجْرٍ، فَهُوَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ الْحِفْظَ لِصَاحِبِهَا دُونَ تَمَلُّكِهَا؛ رَجَعَ بِالْأَجْرِ عَلَى مَالِكِهَا.\nقال: وَلَنَا أَنَّ هَذَا أَجْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْمُعَرِّفِ؛ فَكَانَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَصَدَ تَمَلُّكَهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَلِيَهُ بِنَفْسِهِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ عَلَى صَاحِبِهَا، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ ...، وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ أَعْطَى مِنْهَا شَيْئًا لِمَنْ عَرَّفَهَا؛ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ دَفَعَ مِنْهَا شَيْئًا لِمَنْ حَفِظَهَا. انتهى باختصار يسير.\nوالصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٨/ ٢٩٤) «البيان» (٧/ ٥٢٧).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢٤٢٧) «المغني» (٨/ ٢٩٤) «البيان» (٧/ ٥٢٨) «التمهيد» (١٣/ ٢١٢) ط/مرتبة.\n(^٣) انظر: «المغني» (٨/ ٢٩٥) «البيان» (٧/ ٥٢٩ -) «الفتح» (٢٤٢٧).","vol":"7","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3753>مسألة [٩]: كيفية التعريف</span>.\nهو أن يذكر جنسها لا غير، فيقول: من ضاع منه ذهب، أو فضة، أو دنانير، أو ثياب، ونحو ذلك، ولا يصفها؛ لأنه لو وصفها لَعَلِمَ صفتها من يسمعها؛ فلا تبقى صفتها دليلًا على ملكها؛ لمشاركة غير المالك في ذلك، ولأنه لا يأمن أن يدعيها بعض من سمع صفتها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3754>مسألة [١٠]: إذا عرَّف الملتقط اللقطة حولًا فهل يملكها ملتقطها</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه يملكها، وهو قول عطاء، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، ومن التابعين أيضًا الشعبي، والنخعي، وطاوس، وعكرمة، ونقل عن بعض الصحابة.\nواستدلوا بحديث زيد بن خالد: «فإن لم تعرف؛ فاستنفقها»،وفي لفظ: «وإلا فهي كسبيل مالك»، وفي لفظ: «فانتفع بها».\nوفي لفظ: «فشأنك بها»، وفي حديث أبي بن كعب: «فاستنفقها»، وفي لفظ: «فاستمتع بها»، وفي حديث عياض بن حمار: «..، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء».\n• وقال مالك، والحسن بن صالح، والثوري، وأصحاب الرأي: لا يملكها، بل يتصدق بها، فإذا جاء صاحبها خيَّره بين الأجر، والغرم، واستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁- عند الدارقطني: «عرفها حولًا»، وفي رواية: «ثلاثة أحوال؛ فإن جاء ربها وإلا تصدق بها، فإذا جاء ربها فرضي بالأجر، وإلا غرمها»، وهو\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٩٥) «البيان» (٧/ ٥٢٩).","vol":"7","page":247},{"text":"حديثٌ موضوع، في إسناده: يوسف بن خالد السمتي، وهو كذاب.\nواستثنى أبو حنيفة، ومالك إن كان فقيرًا، فله تملكها بعد التعريف؛ لحديث: «فهو مال الله يؤتيه من يشاء»، قالوا: وما يضاف إلى الله تعالى إنما يتملكه من يستحق الصدقة.\nوالصواب هو قول الجمهور؛ لظاهر الأدلة، وحديثهم عن أبي هريرة -﵁- تالفٌ، ودعواهم في حديث عياض أنَّ ما يضاف إلى الله تعالى لا يتملكه إلا من يستحق الصدقة لا برهان لها، ولا دليل عليها؛ فإنَّ الأشياء كلها تضاف إلى الله تعالى خلقًا وملكًا، قال الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، قاله ابن قدامة -﵀-.\nتنبيه: نقل ابن رشد عن مالك كقول الجمهور، ثم رأيت ابن عبد البر في «التمهيد» (١٣/ ٢١٢) نقل عن مالك أنه قال: الغني أحب إلى أن يتصدق بها بعد الحول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3755>مسألة [١١]: هل تدخل اللقطة في ملك الملتقط بتمام الحول حكمًا كالميراث، أم بتملكه</span>؟\n• من أهل العلم من قال: تدخل في ملكه حكمًا كالميراث. وهو قول أحمد في ظاهر مذهبه وقال به بعض الشافعية؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإلا فهي كسبيل مالك» وفي\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٩٩ - ٣٠٠) «البيان» (٧/ ٥٣١ - ٥٣٢) «شرح مسلم» (١٢/ ٢٨) «البداية» (٤/ ١١١).","vol":"7","page":248},{"text":"لفظ: «فهي لك».\n• وذهب بعضهم إلى أنها لا تدخل في ملكه؛ إلا أن يتملكها، وهو الأصح عند الشافعية، وقال به بعض الحنابلة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة في الفقير؛ لقوله في حديث زيد بن خالد: «وإلا فشأنك بها»، فأغراه بتملكها.\nوهذا القول يظهر لي أنه أرجح؛ لأنَّ الأوامر التي في حديث زيد إنما هي للإباحة؛ لأنه جواب لسؤال الرجل عن أخذ اللقطة، فبيَّن له النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما الذي يجوز له تملكه، وما شروط ذلك. ويكون قوله: «فهي لك»، أي: فيباح لك تمكلها وأخذها، وتفارق الميراث بأنَّ الميراث ينتقل الملك إليه وليس عليه ضمان مطلقًا، وأما اللقطة فيضمنها إذا جاء صاحبها. والله أعلم.\nوهل يفتقر تملكها إلى القول، أو التصرف، أم يكفي النية؟ الثالث هو الصحيح، ورجحه الحافظ، وهو قول بعض الشافعية. (^١)\nتنبيه: إذا ملكها الملتقط فهو عند أهل العلم ملك مراعى يزول بمجيء صاحبها، ويضمن له بدلها إن تعذر ردها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث زيد بن خالد: «ولتكن وديعة عندك؛ فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر؛ فأدِّها إليه».\nوخالف الكرابيسي، وداود، لكن وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة. «الفتح» (٢٤٢٩).\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٠٠) «البيان» (٧/ ٥٣٠، ٥٣٢) «شرح مسلم» (١٢/ ٢٣) «الفتح» (٢٤٢٩).","vol":"7","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3756>مسألة [١٢]: إذا أخر التعريف عن الحول الأول مع إمكانه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٢٩٧): إذَا أَخَّرَ التَّعْرِيفَ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، مَعَ إمْكَانِهِ؛ أَثِمَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ بِهِ فِيهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَقَالَ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ: «لَا يَكْتُمُ وَلَا يُغَيِّبُ»، وَلِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى أَنْ لَا يَعْرِفَهَا صَاحِبُهَا؛ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ بَعْدَ الْحَوْلِ يَيْأَسُ مِنْهَا، وَيَسْلُو عَنْهَا، وَيَتْرُكُ طَلَبِهَا، وَيَسْقُطُ التَّعْرِيفُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، فِي المَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ حِكْمَةَ التَّعْرِيفِ لَا تَحْصُلُ بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ تَرَكَهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ، عَرَّفَ بَقِيَّتَهُ.\nقال: وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَسْقُطَ التَّعْرِيفُ بِتَأَخُّرِهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ، فَلَا يَسْقُطُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ، كَالْعِبَادَاتِ وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ، وَلِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْقُصُورِ، فَيَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»؛ فَعَلَى هَذَا إنْ أَخَّرَ التَّعْرِيفَ بَعْضَ الْحَوْلِ، أَتَى بِالتَّعْرِيفِ فِي بَقِيَّتِهِ، وَأَتَمَّهُ مِنْ الْحَوْلِ الثَّانِي.\nقال: وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ، لَا يَمْلِكُهَا بِالتَّعْرِيفِ فِيمَا عَدَا الْحَوْلَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْمِلْكِ التَّعْرِيفُ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُوجَدْ.\nقال: وَلَوْ تَرَكَ التَّعْرِيفَ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لَمْ يَمْلِكْهَا أَيْضًا بِالتَّعْرِيفِ فِيمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَكْمُلْ، وَعَدَمُ بَعْضِ الشَّرْطِ كَعَدَمِ جَمِيعِهِ. اهـ","vol":"7","page":250},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: الذي يظهر أنَّ التعريف لا يسقط، فيأثم للتأخير، ويجب عليه التعريف، وليس له التملك، والله أعلم، وأفتت اللجنة الدائمة بعدم التملك (١٥/ ٤٧١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3757>مسألة [١٣]: إذا أخَّر التعريف في الحول الأول لعجزٍ</span>؟\n• أما الإثم فليس عليه أثم، وهل له التملك؟ فيه وجهان للحنابلة:\nأحدهما: أن حكمه حكم ما لو تركه مع إمكانه؛ لأنَّ تعريفه في الحول سبب الملك، والحكم ينتفي لانتفاء سببه، سواء انتفى لعذر، أو لغير عذر.\nالثاني: أنه يعرفه في الحول الثاني، ويملكه؛ لأنه لم يؤخر التعريف عن وقت إمكانه؛ فأشبه ما لو عرفه في الحول الأول.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأقرب أنه ليس له أن يتملكه؛ لأن الشرع لم يبح للملتقط أن يتملكها إلا بشرط تعريفها، ولم يحصل الشرط؛ فسقط المشروط، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3758>مسألة [١٤]: هل حكم العروض كحكم الأثمان فيما تقدم</span>؟\n• أكثر أهل العلم على عدم الفرق في ذلك بين الأثمان، والعروض، وهو قول أحمد في رواية. وعنه رواية أخرى: أنَّ العروض لا تملك بالتعريف، وهو قول أكثر الحنابلة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٢٩٨ - ٢٩٩).","vol":"7","page":251},{"text":"• واختلفوا فيما يصنع بها؟ فبعضهم قال: يعرفها أبدًا. وبعضهم قال: يخير بين تعريفها أبدًا، أو دفعها للحاكم. وبعضهم قال: يتصدق بها بعد الحول؛ لأنَّ الخبر ورد في الأثمان، والعروض ليست كالأثمان.\nواستدل الجمهور بعموم الحديث: «من وجد لقطة ...» «سئل عن اللقطة ..»، ورجح هذا ابن قدامة، وهو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3759>مسألة [١٥]: إذا التقط لقطة عازمًا على تملكها بغير تعريف، ثم عرفها</span>؟\nقال ابن قدامة المقدسي -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٠٧): إذَا الْتَقَطَ لُقَطَةً، عَازِمًا عَلَى تَمَلُّكِهَا بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ؛ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا بِهَذِهِ النِّيَّةِ، فَإِذَا أَخَذَهَا؛ لَزِمَهُ ضَمَانُهَا، سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطٍ أَوْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، وَلَا يَمْلِكُهَا وَإِنْ عَرَّفَهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ، فَأَشْبَهَ الْغَاصِبَ. نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ.\nقال: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَهَا؛ لِأَنَّ مِلْكَهَا بِالتَّعْرِيفِ وَالِالْتِقَاطِ، وَقَدْ وُجِدَ، فَيَمْلِكُهَا بِهِ، كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِشَاشِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ حَائِطًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَاحْتَشَّ أَوْ اصْطَادَ مِنْهُ صَيْدًا؛ مَلَكَهُ، وَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ مُحَرَّمًا، كَذَا هَاهُنَا، وَلِأَنَّ عُمُومَ النَّصِّ يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمُلْتَقَطَ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ فِيهِ، وَلِأَنَّنَا لَوْ اعْتَبَرْنَا نِيَّةَ التَّعْرِيفِ وَقْتَ الِالْتِقَاطِ؛ لَافْتَرَقَ الْحَالُ بَيْنَ الْعَدْلِ، وَالْفَاسِقِ، وَالصَّبِيِّ، وَالسَّفِيه؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى هَؤُلَاءِ الِالْتِقَاطُ لِلتَّمَلُّكِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٠٣).","vol":"7","page":252},{"text":"قلتُ: إن عرفها بدون تقصير عقب أخذها بدون تراخٍ؛ فله تملكها، ويأثم على نيته الأولى، والله أعلم.\nفائدة: قال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٢/ ٢٨): التقاط اللقطة لا يفتقر إلى حكم حاكم، أو إذن السلطان بالإجماع. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3760>مسألة [١٦]: إذا جاء رجل ووصف اللقطة بصفاتها، فهل يلزمه دفعها إليه بغير بينة</span>؟\n• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه يلزمه دفعها إليه بغير بينة، وهو قول مالك، وأحمد، والبخاري، وأبي عبيد، وداود، وابن المنذر، وغيرهم، واستدلوا بما جاء في حديث أبي بن كعب عند مسلم وغيره: «فإن جاء أحد يخبر بعددها، ووعائها، ووكائها؛ فأعطها إياه».\nقال الحافظ -﵀-: وقول أبي داود: إنَّ هذه الزيادة زادها حماد بن سلمة، وهي زيادة غير محفوظة. فتمسك بها من حاول تضعيفها؛ فلم يُصب، بل هي صحيحة، وقد عرفت من وافق حمادًا عليها، وليست شاذة. اهـ\nقلتُ: وقد أخرجها أيضًا مسلم من طريق الثوري، وزيد بن أنيسة مع حماد بن سلمة، كلهم عن سلمة بن كهيل بالزيادة المذكورة، كما أشار الحافظ إلى ذلك، وهذه الزيادة أيضًا مذكورة في حديث زيد بن خالد الجهني في رواية في «صحيح مسلم»، وبنحوها في «البخاري».","vol":"7","page":253},{"text":"• ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة أنه لا يلزمه إعطاؤه إياها إلا ببينة، ويجوز له أن يدفعها إليه إذا غلب على ظنه صدقه. وقال أصحاب الرأي: وإن شاء دفعها إليه، وأخذ كفيلًا بذلك؛ لقوله -﵇-: «البينة على المدعي».\nقال الخطابي -﵀-: إن صحت اللفظة؛ لم يجز مخالفتها، وهي فائدة قوله: «اعرف عفاصها ...»، وإلا فالاحتياط مع من لم يرَ الرد إلا بالبينة.\nقال: ويتأول قوله: «اعرف عفاصها ...» على أنه أمره بذلك؛ لئلا تختلط بماله، أو لتكون الدعوى فيها معلومة، وَذَكَر غيرُه من فوائد ذلك أيضًا أن يعرف صدق المدعي من كذبه، وأنَّ فيه تنبيهًا على حفظ الوعاء وغيره؛ لأنَّ العادة جرت بإلقائه إذا أخذت النفقة، وأنه إذا نبه على حفظ الوعاء كان فيه تنبيه على حفظ المال من باب أولى.\nقال الحافظ -﵀-: قد صحت هذه الزيادة؛ فتعين المصير إليها. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3761>مسألة [١٧]: إذا عرف بعض الصفات دون بعض</span>؟\n• قال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٤٢٧): واختلفوا فيما إذا عرف بعض الصفات دون بعض بناء على القول بوجوب الدفع لمن عرف الصفة، قال ابن القاسم: لابد من ذكر جميعها. وكذا قال أصبغ، لكن قال: لا يشترط معرفة العدد. وقول ابن القاسم أقوى؛ لثبوت ذكر العدد في الرواية الأخرى، وزيادة الحافظ حجة. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٠٩) «شرح مسلم» (١٢/ ٢٥) «الفتح» (٢٤٢٦).","vol":"7","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3762>مسألة [١٨]: إذا جاء اثنان يدعيان اللقطة ووصفاها</span>؟\n• الصحيح عند الحنابلة أنه يقرع بينهما، فمن وقعت له القرعة حلف أنها له، وسلمت إليه، وهكذا إن أقاما بينتين؛ أقرع بينهما، فمن وقعت له القرعة حلف ودفعت إليه. ذكره القاضي الحنبلي.\n• وقال أبو الخطاب الحنبلي: تقسم بينهما.\nورجح ابن قدامة القول الأول، وقال: هو أصح، وأشبه بأصولنا فيما إذا تداعيا عينًا في يد غيرهما.\nقلتُ: وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3763>مسألة [١٩]: إذا وصف أحدٌ اللقطة، فدفعها إليه، ثم جاء آخر بالبينة أنها ملكه</span>؟\nذكر أهل العلم أن صاحب البينة مقدم على الذي وصف؛ لأنَّ حجة البينة أقوى من حجة الوصف.\n• قالوا: فإن كانت قد دفعت إلى الذي وصف؛ انتزعت منه، وأعطي صاحب البينة؛ فإن كان قد أتلفها، فقولان:\nالأول: لصاحبها تضمين من شاء من الواصف، أو الملتقط، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية، والحنفية، ويستقر على الواصف.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣١١).","vol":"7","page":255},{"text":"الثاني: لا يلزم الملتقط شيء، ولا يضمن، وهو قول بعض الحنابلة، وبعض المالكية، وأبي عبيد، وهو الصحيح؛ لأنه لم يفرط، وقد فعل ما أُمر به. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3764>مسألة [٢٠]: هل للملتقط أن يدفعها إلى من ادعاها بدون وصف ولا بينة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣١٢): وَلَوْ جَاءَ مُدَّعٍ لِلُقَطَةٍ، فَلَمْ يَصِفْهَا، وَلَا أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ؛ لَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَيْهِ، سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ أَوْ كَذِبُهُ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَى مَنْ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّهُ صَاحِبُهَا، كَالْوَدِيعَةِ؛ فَإِنْ دَفَعَهَا، فَجَاءَ آخَرُ فَوَصَفَهَا، أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً؛ لَزِمَ الْوَاصِفَ (^٢) غَرَامَتُهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَى مَالِكِهَا بِتَفْرِيطِهِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى مُدَّعِيهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ، وَلِصَاحِبِهَا تَضْمِينُ آخِذِهَا، فَإِذَا ضَمَّنَهُ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ. وَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَدَّعِيهَا؛ فَلِلْمُلْتَقِطِ مُطَالَبَةُ آخِذِهَا بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مَجِيءَ صَاحِبِهَا، فَيُغَرِّمُهُ إيَّاهَا، وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، فَمَلَكَ أَخْذَهَا مِنْ غَاصِبِهَا، كَالْوَدِيعَةِ. اهـ (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3765>مسألة [٢١]: اللقطة في أثناء الحول أمانة في يد الملتقط</span>.\nاللقطة في الحول أمانة في يد الملتقط بلا خلاف بين أهل العلم؛ فإن تلفت بغير تفريطه؛ فلا ضمان عليه كالوديعة، ومتى جاء صاحبها أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة؛ لأنها نماء ملكه، وإن أتلفها الملتقط، أو تلفت بتفريطه؛ ضمنها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال، وبقيمتها إن لم يكن لها مثل، قال ابن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣١١).\n(^٢) كذا وقع في المغني، ولعل الصواب: (المُلتقطَ).\n(^٣) وانظر: «البيان» (٨/ ٥٣٦).","vol":"7","page":256},{"text":"قدامة: لا أعلم في هذا خلافًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3766>مسألة [٢٢]: ما الحكم إذا تلفت على صاحبها بعد الحول</span>؟\nالذين قالوا: تدخل اللقطة في ملك الملتقط بمضي الحول حكمًا كالميراث، فالحكم عندهم أنها تتلف على الملتقط، وأما صاحبها إذا جاء فله بدلها؛ «فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر؛ فأدها إليه».\nوأما الذين قالوا: لا تدخل اللقطة في ملكه إلا أن يتملكها؛ فالحكم عندهم أنه إن كان قد تملكها فكما قال الأولون، وإن لم يكن قد تملكها؛ فلا يضمن إلا بالتفريط، وهذا هو الصواب.\nوأما من قال: لا يتملكها الملتقط كالحسن، والنخعي، ومالك، وأبي يوسف، وأبي حنيفة، فالحكم عندهم أنه لا يضمن إلا بالتفريط تملك، أو لم يتملك. وقال داود: إذا تملك العين، ثم أتلفها؛ لم يضمنها. وحُكي رواية عن أحمد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3767>مسألة [٢٣]: إذا عرفها الملتقط عامًا، ثم باعها، فوجدها صاحبها بعد بيعها، أو هبتها</span>؟\nقال أبو محمد المقدسي -﵀- في المغني» (٨/ ٣١٤): وَإِنْ وَجَدَ الْعَيْنَ بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْ مِلْكِ المُلْتَقِطِ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، وَلَهُ أَخْذُ بَدَلِهَا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ المُلْتَقِطِ وَقَعَ صَحِيحًا؛ لِكَوْنِهَا صَارَتْ فِي مِلْكِهِ. وَإِنْ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣١٣) «البيان» (٧/ ٥٣٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٣١٣) «الفتح» (٢٤٢٩) «البيان» (٧/ ٥٣٣ -).","vol":"7","page":257},{"text":"صَادَفَهَا قَدْ رَجَعَتْ إلَى المُلْتَقِطِ بِفَسْخٍ، أَوْ شِرَاءٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَلَهُ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فِي يَدِ مُلْتَقِطِهِ؛ فَكَانَ لَهُ أَخْذُهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3768>مسألة [٢٤]: إذا أخذ اللقطة، ثم ردها إلى موضعها، فهل يضمن</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ عليه الضمان، وهو قول طاوس؛ لأنها أمانة حصلت في يده؛ فلزمه حفظها، فإذا ضيعها؛ لزمه ضمانها كما لو ضيع الوديعة.\n• ومذهب مالك أنه لا يضمن؛ لما رواه في «موطئه» (٢/ ٧٥٩) بإسناد صحيح عن عمر أنه قال لرجل وجد بعيرًا فأخذه: أرسله حيث وجدته. ولما روى أبو داود (١٧٢٠)، وأحمد (٤/ ٣٦٠) عن جرير بن عبدالله أنه رأى بقرة قد لحقت ببقره، فطردها حتى توارت.\nوقد أُجيب عن استدلال مالك: بأنَّ أثر عمر كان في ضالة لا يحل التقاطها، وهي الإبل، وحديث جرير فيه ضعفٌ؛ لأنَّ في إسناده الضحاك بن المنذر، وهو مجهول، وقد ضعفه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (١٥٦٣)، وعلى صحته؛ فإنه لم يأخذ البقرة، ولا أخذها غلامه، إنما لحقت بالبقر من غير فعله ولا اختياره.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: لو قيل: (إنه لا يضمن لو أعادها في الحال، أو في مدة يسيرة لا يتوقع فيها رجوع صاحبها، ويضمن في غير ذلك)؛ لكان قريبًا، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣١٥) «البيان» (٧/ ٥٢١).","vol":"7","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3769>مسألة [٢٥]: إن ضاعت اللقطة من ملتقطها بغير تفريط</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣١٦): لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ؛ فَإِنْ الْتَقَطَهَا آخَرُ، فَعَرَفَ أَنَّهَا ضَاعَتْ مِنْ الْأَوَّلِ؛ فَعَلَيْهِ رَدُّهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ التَّمَوُّلِ، وَوِلَايَةُ التَّعْرِيفِ، وَالْحِفْظِ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِالضَّيَاعِ؛ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الثَّانِي بِالْحَالِ حَتَّى عَرَّفَهَا حَوْلًا، مَلَكَهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ كَالْأَوَّلِ، وَلَا يَمْلِكُ الْأَوَّلُ انْتِزَاعَهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ التَّمَلُّكِ، وَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَهُ أَخْذُهَا مِنْ الثَّانِي، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3770>مسألة [٢٦]: إذا غصبها غاصب من الملتقط وعرفها، فهل يملكها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣١٦): فَأَمَّا إنْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنْ الْمُلْتَقِطِ، فَعَرَّفَهَا؛ لَمْ يَمْلِكْهَا، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ مُعْتَدٍ بِأَخْذِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبُ تَمَلُّكِهَا؛ فَإِنَّ الِالْتِقَاطَ مِنْ جُمْلَةِ السَّبَبِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3771>مسألة [٢٧]: من اصطاد سمكة فوجد فيها جوهرة</span>؟\nإن كانت الجوهرة مما لا يوجد في البحر على ذلك الشكل، كأن يجدها مصنعة، أو دنانير، أو ما أشبهه؛ فحكمها حكم اللقطة، وإن كانت الجوهرة مما يستخرج من البحر فهي ملك للصياد؛ فإن باعها الصياد ولم يعلم، فوجدها المشتري في بطنها؛ فهي للصياد، نصَّ عليه أحمد؛ لأنه لو علم ما في بطنها لم يرض","vol":"7","page":259},{"text":"بزوال ملكه عنها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3772>مسألة [٢٨]: إذا صاد صيدًا عليه علامة التملك</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣١٨): وَإِنْ صَادَ غَزَالًا، فَوَجَدَهُ مَخْضُوبًا، أَوْ فِي عُنُقِهِ حِرْزٌ، أَوْ فِي أُذُنِهِ قُرْطٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، فَهُوَ لُقَطَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3773>مسألة [٢٩]: من أخذت ثيابه من الحمام ووجد بدلها، أو أخذ نعله من المسجد ووجد بدله</span>؟\nنقل ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣١٩ - ٣٢٠) عن أحمد أنه قال فِيمَنْ سُرِقَتْ ثِيَابُهُ وَوَجَدَ غَيْرَهَا: لَا يَأْخُذْهَا؛ فَإِنْ أَخَذَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا.\nقال: وَإنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَارِقَ الثِّيَابِ لَمْ تَجْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهَا مُعَاوَضَةٌ تَقْتَضِي زَوَالَ مِلْكِهِ عَنْ ثِيَابِهِ، فَإِذَا أَخَذَهَا؛ فَقَدْ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ، فَيُعَرِّفُهُ كَاللُّقَطَةِ.\nقال ابن قدامة: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْظَرَ فِي هَذَا؛ فَإِنْ كَانَتْ ثَمَّ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى السَّرِقَةِ، بِأَنْ تَكُونَ ثِيَابُهُ أَوْ مَدَاسُهُ خَيْرًا مِنْ الْمَتْرُوكَةِ، وَكَانَتْ مِمَّا لَا تَشْتَبِهُ عَلَى الْآخِذِ بِثِيَابِهِ وَمَدَاسِهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا جُعِلَ فِي الْمَالِ الضَّائِعِ عَنْ رَبِّهِ، لِيَعْلَمَ بِهِ وَيَأْخُذَهُ، وَتَارِكُ هَذَا عَالِمٌ بِهِ رَاضٍ بِبَدَلِهِ عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ، وَلَا يَعْتَرِفُ أَنَّهُ لَهُ، فَلَا يَحْصُلُ فِي تَعْرِيفِهِ فَائِدَةٌ، فَإِذًا لَيْسَ هُوَ بِمَنْصُوصٍ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣١٧).","vol":"7","page":260},{"text":"عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَفِيمَا يَصْنَعُ بِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. الثَّانِي: أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا فِي الظَّاهِرِ تَرَكَهَا لَهُ بَاذِلًا إيَّاهَا لَهُ؛ عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ، فَصَارَ كَالْمُبِيحِ لَهُ أَخْذَهَا بِلِسَانِهِ، فَصَارَ كَمَنْ قَهَرَ إنْسَانًا عَلَى أَخْذِ ثَوْبِهِ، وَدَفَعَ إلَيْهِ دِرْهَمًا. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَرْفَعُهَا إلَى الْحَاكِمِ، لِيَبِيعَهَا وَيَدْفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهَا عِوَضًا عَنْ مَالِهِ.\nقال: وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَقْرَبُ إلَى الرِّفْقِ بِالنَّاسِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا لِمَنْ سُرِقَتْ ثِيَابُهُ، بِحُصُولِ عِوَضٍ عَنْهَا، وَنَفْعًا لِلسَّارِقِ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُ مِنْ الْإِثْمِ، وَحِفْظًا لِهَذِهِ الثِّيَابِ الْمَتْرُوكَةِ مِنْ الضَّيَاعِ، وَقَدْ أَبَاحَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَنْ لَهُ عَلَى إنْسَانٍ حَقٌّ مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ، أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ، إذَا عَجَزَ عَنْ اسْتِيفَائِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُنَا مَعَ رِضَاءِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِأَخْذِهِ أَوْلَى.\nقال: وَإِنْ كَانَتْ ثَمَّ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْآخِذَ لِلثِّيَابِ إنَّمَا أَخَذَهَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا ثِيَابُهُ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْمَتْرُوكَةُ خَيْرًا مِنْ الْمَأْخُوذَةِ أَوْ مَثَلَهَا، وَهِيَ مِمَّا تَشْتَبِهُ بِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهَا هَاهُنَا، وَبَعْدَ التَّعْرِيفِ إذَا لَمْ تُعْرَفْ، فَفِيهَا الْأَوْجُهُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ...، وَلَكِن لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ قِيْمَةِ ثِيَابِهِ، وَالْبَاقِي يَصْنَعُ بِهَا مَا تَقَدَّمَ. انتهى بتصرف يسير في الأخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3774>مسألة [٣٠]: ما الحكم إذا مات الملتقط</span>؟\nإذا مات الملتقط واللقطة موجودة بعينها؛ قام وارثه مقامه في إتمام تعريفها إن مات قبل الحول، ويملكها بعد إتمام التعريف؛ فإن مات بعد الحول ورثها","vol":"7","page":261},{"text":"الوارث كسائر أموال الميت، ومتى جاء صاحبها؛ أخذها من الوارث كما يأخذها من الموروث؛ فإن كانت معدومة العين فصاحبها غريم للميت بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال، أو بقيمتها إن لم تكن كذلك، فيأخذ ذلك من تركته إن اتسعت لذلك، وإن ضاقت التركة؛ زاحم الغرماء ببدلها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3775>مسألة [٣١]: إذا وجد الصبي والمجنون والسفيه لقطة، فما الحكم</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٣٣): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ، وَالْمَجْنُونَ، وَالسَّفِيهَ، إذَا الْتَقَطَ أَحَدُهُمْ لُقَطَةً؛ ثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّ هَذَا تَكَسُّبٌ، فَصَحَّ مِنْهُ، كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِطَابِ. وَإِنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا لَهُ أَخْذُهُ. وَإِنْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ؛ ضَمِنَهَا فِي مَالِهِ. وَإِذَا عَلِمَ بِهَا وَلِيُّهُ؛ لَزِمَهُ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالْأَمَانَةِ؛ فَإِنْ تَرَكَهَا فِي يَدِهِ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِفْظُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الصَّبِيِّ. وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّهُ، فَإِذَا تَرَكَهَا فِي يَدِهِ كَانَ مُضَيِّعًا لَهَا، وَإِذَا أَخَذَهَا الْوَلِيُّ، عَرَّفَهَا؛ لِأَنَّ وَاجِدَهَا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّعْرِيفِ، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ؛ دَخَلَتْ فِي مِلْكِ وَاجِدِهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ تَمَّ شَرْطُهُ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ، كَمَا لَوْ اصْطَادَ صَيْدًا. اهـ المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3776>مسألة [٣٢]: إذا وجد العبد لقطة، فهل له أخذها بغير إذن سيده</span>؟\n• مذهب الحنابلة، وأبي حنيفة أنَّ للعبد أن يلتقط بغير إذن سيده، ويصح التقاطه؛ لعموم الخبر، ولأنه يملك به الصبي، ويصح منه؛ فالعبد كذلك، ولأنَّ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٢٢).","vol":"7","page":262},{"text":"الالتقاط تخليص مال من الهلاك؛ فجاز من العبد بغير إذن سيده، كإنقاذ المال الغريق، والمغصوب، وهذا قول الشافعي.\n• وللشافعي قول آخر: أنه لا يصح التقاطه، وهو اختيار المزني؛ لأنَّ الالتقاط يقتضي أمانة وولاية في مدة التعريف، وتملكًا بعوض في ذمته، والعبد ليس من أهل الأمانة والولاية، ولا ذمة له يستوفي الحق منها؛ فلم يصح.\nقلتُ: والصحيح القول الأول؛ إلا أنَّ اللقطة موقوفة بإذن سيده؛ لأنَّ اللقطة تحتاج إلى تعريف، وبعض الانشغال بذلك، وليس للعبد أن ينشغل بذلك إلا بإذن سيده؛ فإن التقط بغير إذن سيده فإما أن يجيزه السيد؛ فلا إشكال، وإما أن لا يجيزه على ذلك؛ فينبغي للعبد إعادتها، والله أعلم.\nفعلى هذا إذا علم السيد بلقطة العبد؛ كان له انتزاعها منه؛ لأنها من كسب العبد، وللسيد انتزاع كسبه من يده، فإذا انتزعها بعد أن عرفها العبد؛ ملكها، وإن كان لم يعرفها؛ عرفها سيده حولًا كاملًا، وإن كان العبد قد عرفها بعض الحول؛ عرَّفها السيد تمامه؛ فإن اختار السيد إقرارها في يد عبده؛ نظرت: فإن كان العبد أمينًا؛ جاز، وكان السيد مستعينًا بعبده في حفظها كما يستعين به في حفظ ماله، وإن كان العبد غير أمين؛ كان السيد مفرطًا بإقرارها في يده، ولزمه ضمانها. وإن أعتق السيد عبده بعد الالتقاط؛ فله انتزاع اللقطة من يده؛ لأنها من كسبه، وأكسابه لسيده. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٣٥) «البيان» (٧/ ٥٤٩ -).","vol":"7","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3777>مسألة [٣٣]: هل للذمي أن يلتقط</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٣٦): وَالذِّمِّيُّ فِي الِالْتِقَاطِ كَالمُسْلِمِ. وَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ: لَيْسَ لَهُ الِالْتِقَاطُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ. وَلَنَا أَنَّهَا نَوْعُ اكْتِسَابٍ؛ فَكَانَ مِنْ أَهْلِهَا، كَالْحَشِّ وَالِاحْتِطَابِ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْتِقَاطُهُمَا، مَعَ عَدَمِ الْأَمَانَةِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ إنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ حَوْلًا كَامِلًا، مَلَكَهَا كَالمُسْلِمِ، وَإِنْ عَلِمَ بِهَا الْحَاكِمُ أَوْ السُّلْطَانُ، أَقَرَّهَا فِي يَدِهِ، وَضَمَّ إلَيْهِ مُشْرِفًا عَدْلًا يُشْرِفُ عَلَيْهِ، وَيُعَرِّفُهَا؛ لِأَنَّنَا لَا نَأْمَنُ الْكَافِرَ عَلَى تَعْرِيفِهَا، وَلَا نَأْمَنُهُ أَنْ يُخِلَّ فِي التَّعْرِيفِ بِشَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِيهِ، وَأَجْرُ المُشْرِفِ عَلَيْهِ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ التَّعْرِيفِ مَلَكَهَا المُلْتَقِطُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُنْزَعَ مِنْ يَدِ الذِّمِّيِّ، وَتُوضَعَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3778>مسألة [٣٤]: إذا التقطها مسلم فاسق ليس بأمين</span>؟\n• يصح التقاطه، وإن علم الحاكم، أو السلطان بها؛ أقرها في يده، وضم إليه مشرفًا يشرف عليه، ويتولى تعريفها كما تقدم في الذمي، وهو قول الحنابلة، وأبي حنيفة، وقول للشافعي.\n• والقول الآخر للشافعي أنها تنزع من يده، وتوضع في يد عدل يتولى الحفظ والتعريف، والقول الأول أرجح. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٧/ ٥٥٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٣٣٧).","vol":"7","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3779>مسألة [٣٥]: ضالة الغنم هل تلتقط</span>؟\n• جمهور العلماء على جواز التقاطها؛ لحديث: «هي لك، أو لأخيك، أو للذئب»، وفي رواية زيادة: «خذها، فإنما هي لك ...»، وعن أحمد رواية: ليس لغير الإمام التقاطها. وقال الليث: لا أحب أن يقربها إلا أن يحوزها لصاحبها؛ لأنه حيوان أشبه الإبل؛ ولحديث: «من آوى ضالة؛ فهو ضال».\nوالصحيح قول الجمهور، وفي حديثهم: «مالم يعرفها»، والقياس على الإبل لا يصح؛ لوجود الفارق، وقد فرَّق النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بين الجوابين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3780>مسألة [٣٦]: هل تعرف إذا أخذها</span>؟\n• الجمهور من أهل العلم على تعريفها كغيرها من اللقطات؛ لحديث زيد بن خالد الذي في مسلم «من آوى ضالة؛ فهو ضال مالم يعرفها».\n• ومذهب الشافعي أنه لا يجب تعريفها إذا وجدت في الفلاة، وهو مذهب مالك.\nوالصحيح قول الجمهور، سواء كانت في فلاة، أو في قرية عامرة؛ لعموم الحديث الوارد فيها، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: نقل الحافظ عن الشافعي أن له أخذها بدون تعريف إذا كانت في\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٣٧ -) «البيان» (٧/ ٥٤٠ - ٥٤١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٣٣٧) «الفتح» (٢٤٢٧) «البيان» (٧/ ٥٤١) «المغني» (٨/ ٣٣٩) «التمهيد» (١٣/ ٢١٦).","vol":"7","page":265},{"text":"الفلاة، وظاهر كلام صاحب «البيان»: أنَّ مذهب الشافعية التعريف؛ فالظاهر أن لهم في ذلك قولين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3781>مسألة [٣٧]: هل يجوز التقاطها للتملك بعد التعريف</span>؟\n• مذهب الجمهور جواز ذلك؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب»، ومقتضى قول الليث أنها كالإبل أنه لا يجوز ذلك، والصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3782>مسألة [٣٨]: ماذا يصنع الملتقط بالشاة</span>؟\n• هو مخير بين ثلاثة أمور على خلافٍ بين أهل العلم في بعضها:\nأولا: أكلها.\nأما إذا كانت الشاة في فلاة، أو صحراء، أو موضع بعيد من العمران مخوف عليها؛ فله أكلها بالإجماع. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنَّ ضالة الغنم في الموضع المخوف عليها له أكلها.\nواستدلوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هي لك، أو لأخيك، أو للذئب»، فجعلها له في الحال، وسوَّى بينه وبين الذئب، والذئب لا يستأني في أكلها، ولأنَّ في أكلها في الحال إغناء عن الإنفاق عليها، فربما تأخرت عنده، فاستغرقت النفقة قيمة الشاة.\nومتى أراد أكلها؛ حفظ صفتها، وعرَّفها، فمتى جاء صاحبها؛ غرمها له في قول\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٣٧ -).","vol":"7","page":266},{"text":"عامة أهل العلم إلا مالكًا؛ فإنه قال: كُلْهَا ولا غرم عليك لصاحبها، ولا تعريف. واستدل بالحديث: «هي لك، أو لأخيك، أو للذئب»؛ فإنه ليس فيه ذكر التعريف، أو الغرامة. قال ابن عبد البر: لم يوافق أحد من العلماء مالكًا على قوله.\nوقد أُجيب عن مالك: بأنَّ التعريف ثابتٌ بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من آوى ضالة؛ فهو ضال مالم يعرفها»، وقد جاء من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أبي داود (١٧١٠)، والترمذي (١٢٨٩)، والنسائي (٨/ ٨٤)، والطحاوي (٤/ ١٣٥ - ١٣٦): «اجمعها حتى يأتيها باغيها» يعني لقطة الشاة، وفي رواية: «احبس على أخيك ضالته».\nوأُجيب عن مالك: بعدم ذكر الغرامة أنها مفهومة من التعريف كما وجبت في لقطة الذهب والفضة، وقد استدل لقول مالك بأنَّ اللام للتمليك بقوله: «هي لك».\nقال الحافظ -﵀-: وَأُجِيبَ بِأَنَّ اللَّامَ لَيْسَتْ لِلتَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ الذِّئْبَ لَا يَمْلِكُ وَإِنَّمَا يَمْلِكُهَا المُلْتَقِط عَلَى شَرْطِ ضَمَانِهَا.\nقال: وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَ صَاحِبُهَا قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهَا الْمُلْتَقِط؛ لَأَخَذَهَا؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا بَاقِيَة عَلَى مِلْك صَاحِبِهَا، وَلَا فَرْق بَيْنَ قَوْلِهِ فِي الشَّاةِ: «هِيَ لَك، أَوْ لِأَخِيك، أَوْ لِلذِّئْبِ»، وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي اللُّقَطَةِ: «شَأْنك بِهَا، أَوْ خُذْهَا» بَلْ هُوَ أَشْبَهُ بِالتَّمَلُّكِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ مَعَهُ ذِئْبًا وَلَا غَيْرَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَالُوا فِي النَّفَقَةِ يَغْرَمُهَا إِذَا تَصَرَّفَ فِيهَا، ثُمَّ جَاءَ صَاحِبهَا. اهـ","vol":"7","page":267},{"text":"• وأما إذا كانت الشاة في المصر والقرية العامرة فاختلف أهل العلم في جواز أكلها، فمذهب مالك، والشافعي أنه لا يجوز أكلها؛ لأنه يمكنه بيعها، بخلاف الصحراء، وهو قول أبي عبيد، وابن المنذر.\n• ومذهب الحنابلة أنَّ له أكلها، فكما جاز أكلها في الصحراء؛ جاز في المصر، وفي الحديث: «هي لك ...» بدون تفريق بين الصحراء، والمصر، ولأنَّ أكلها معلل بما ذكر من الاستغناء عن الإنفاق عليها، وهذا في المصر أشد منه في الصحراء.\nورجح هذا القول ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٣/ ٦٥٩ -)، فقال: وهو أفقه وأقرب إلى مصلحة الملتقط والمالك؛ إذ قد يكون تعريفها سنة مستلزمًا لتغريم مالكها أضعاف قيمتها إن قلنا: يرجع عليه بنفقتها. وإن قلنا: لا يرجع. استلزم تغريم الملتقط ذلك. وإن قيل: يدعها ولا يلتقطها. كانت للذئب وتلفت، والشارع لا يأمر بضياع الأموال ... وانظر بقية كلامه. وهو ظاهر اختيار اللجنة الدائمة (١٥/ ٤٦٩)، وهو الصحيح. (^١)\nثانيًا: إمساكها والنفقة عليها.\nذكر أهل العلم أنَّ للملتقط أن يمسكها عنده وينفق عليها؛ فإن أنفق عليها متبرعًا؛ فلا يرجع بالنفقة على صاحبها.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٣٩ - ٣٤٠) «البداية» (٤/ ١١٢) «البيان» (٧/ ٥٤٣) «شرح مسلم» (١٢/ ٢٣) «الفتح» (٢٤٢٧).","vol":"7","page":268},{"text":"• واختلفوا إذا أنفق عليها قاصدًا الرجوع بالنفقة على صاحبها هل له ذلك، أم لا؟\nفذهب عمر بن عبد العزيز إلى أنَّ له الرجوع، وهو رواية عن أحمد، وقال به مالك. وذهب الشعبي إلى أنه لا يرجع، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية.\nقلتُ: والقول الأول أظهر، وهو ظاهر اختيار اللجنة الدائمة، ولكن يحسب عليه من النفقة ما استفاده من اللبن، والصوف، وما أشبه ذلك، والله أعلم. (^١)\nثالثها: أن يبيعها، ويحفظ ثمنها.\nذكر أهل العلم أنَّ للملتقط أن يبيعها ويحفظ ثمنها، وقال بعض أصحاب الشافعي: يبيعها بإذن الإمام. والظاهر أنه لا يشترط ذلك، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: إذا أكلها؛ ثبتت قيمتها في ذمته، ولا يلزمه عزلها؛ لعدم الفائدة في ذلك؛ فإنها لا تنتقل من الذمة إلى المال المعزول، ولو عزل شيئًا، ثم أفلس؛ كان صاحب اللقطة أسوة الغرماء، ولم يختص بالمال المعزول.\nوإن باعها وحفظ ثمنها وجاء صاحبها؛ أخذه، ولم يشاركه أحد من الغرماء؛ لأنه عين ماله لا شيء للمفلس فيه. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٤٠) «المحلى» (١٣٥٤) «فتاوى اللجنة» (١٥/ ٤٦١ -) «التمهيد» (١٣/ ٢١٩) ط/مرتبة.\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٣٤٠) «البيان» (٧/ ٥٤٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (٨/ ٣٤١).","vol":"7","page":269},{"text":"تنبيه آخر: إذا اختار أكلها؛ فلا ينبغي له التعجل عند أهل العلم، بل ينتظر أيامًا قليلة رجاء وجود صاحبها.\nتنبيه ثالث: الأحكام المتقدمة في الشاة تجري على كل حيوان صغير مملوك لا يمتنع بنفسه من صغار السباع، وهي الثعلب، وابن آوى، والذئب، وولد الأسد، ونحوها، فما لا يمتنع منها كفصلان الإبل، وعجول البقر، وأفلاء الخيل، والدجاج، والأوز، ونحوها؛ فحكمه كأحكام الشاة المتقدمة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3783>مسألة [٣٩]: هل يجوز التقاط ضالة الإبل</span>؟\nأما إذا وجدها في صحراء؛ فلا يلتقطها عند أكثر أهل العلم خلافًا للحنفية؛ فإنهم قالوا: الأولى التقاطها كالشاة، ودليل الجمهور حديث زيد بن خالد الجهني الذي في الباب.\n• واختلفوا: هل يلتقطها إذا وجدها في قرية؟ فمذهب أحمد، والأوزاعي، وأبي عبيد، والشافعي في قول، وأبي عبيد وغيرهم أنها لا تلتقط؛ لعموم الدليل المذكور.\n• وقال مالك، والليث: يأخذها ويعرفها، وهو قول للشافعي، وهو قول أبي حنيفة.\nوالصحيح أنه لا يلتقطها، ولا يجوز له ذلك؛ لحديث زيد بن خالد، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٣٧) «البيان» (٧/ ٥٤٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٣٤٣) «الفتح» (٢٤٢٧) «البيان» (٧/ ٥٣٨، ٥٤٣).","vol":"7","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3784>مسألة [٤٠]: الخيل والبغال والبقر والحمير، هل تلتقط</span>؟\n• ألحق الحنابلة، والشافعية هذه الأمور المذكورة بالإبل؛ لكبرها، فتمتنع من صغار السباع.\n• ومذهب مالك أنها تلتقط وتعرف. وأنكر ابن قدامة إلحاق الحمير بالإبل، وقال: إلحاقها بالشاة أولى؛ لقلة صبرها على الماء، وعدم امتناعها من السباع.\nقلتُ: علل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عدم التقاط الإبل بما ليس موجودًا في الحيوانات المذكورة؛ فإن الإبل يصبر على ما لا يصبر عليه غيره، فعدم الإلحاق أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3785>مسألة [٤١]: إذا خالف إنسان والتقط بعيرًا؛ فما الحكم</span>؟\n• يكون ضامنًا له، وعليه أن يعرفه، ويبحث عن صاحبه، وليس له تملكه؛ لأنه متعدي، وإن أعاده إلى مكانه؛ فلا يزال ضامنًا عند أحمد، والشافعي.\n• ومذهب مالك، وأبي حنيفة أنه لا يضمنه، وجاء عن عمر بإسناد صحيح أنه أمر رجلًا بإرساله حيث وجده. أخرجه مالك في «الموطإ» (٢/ ٧٥٩). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3786>مسألة [٤٢]: هل للإمام أن يجعل للضوال مكانًا يحفظها لصاحبها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٤٥): وَلِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَخْذُ الضَّالَّةِ عَلَى وَجْهِ الْحِفْظِ لِصَاحِبِهَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ -﵁- حَمَى مَوْضِعًا يُقَالُ لَهُ النَّقِيعُ لِخَيْلِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٤٤) «البيان» (٧/ ٥٣٨) «التمهيد» (١٣/ ٢١٦ - ٢١٧) ط/مرتبة.\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٣٤٥) «التمهيد» (١٣/ ٢١٧ - ٢١٨) ط/مرتبة.","vol":"7","page":271},{"text":"الْمُجَاهِدِينَ وَالضَّوَالِّ، وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ نَظَرًا فِي حِفْظِ مَالِ الْغَائِبِ، وَفِي أَخْذِ هَذِهِ حِفْظٌ لَهَا عَنْ الْهَلَاكِ. وَلَا يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ -﵁- لَمْ يَكُنْ يُعَرِّفُ الضَّوَالَّ. وَلِأَنَّهُ إذَا عُرِفَ ذَلِكَ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ ضَالَّةٌ؛ فَإِنَّهُ يَجِيءُ إلَى مَوْضِعِ الضَّوَالِّ، فَإِذَا عَرَفَ ضَالَّتَهُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهَا وَأَخَذَهَا، وَلَا يَكْتَفِي فِيهَا بِالصِّفَةِ؛ لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَعْرِفُ صِفَاتِهَا مَنْ رَآهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا. اهـ\nقلتُ: أثر عمر أخرجه مالك (٢/ ٧٥٩) من طريق الزهري عنه؛ فهو منقطع، ولكن لا بأس إن شاء الله للإمام أن يفعل ذلك إذا رأى في ذلك مصلحة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3787>مسألة [٤٣]: هل يجوز لإنسان التقاط البعير للحفظ لا للتملك</span>؟\n• أجاز ذلك بعض الشافعية، ومنعه الحنابلة، وبعض الشافعية وغيرهم، وهو الصحيح؛ لعموم الحديث، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3788>مسألة [٤٤]: إن وجد بعيرًا في مكان يُخشى عليه من كبار السباع، أو قريبًا من دار الحرب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٤٦): وَإِنْ وَجَدَهَا فِي مَوْضِعٍ يَخَافُ عَلَيْهَا بِهِ، مِثْلُ أَنْ يَجِدَهَا بِأَرْضِ مَسْبَعَةٍ، يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْأَسَدَ يَفْتَرِسُهَا إنْ تُرِكَتْ بِهِ، أَوْ قَرِيْبًا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، يَخَافُ عَلَيْهَا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ بِمَوْضِعٍ يَسْتَحِلُّ أَهْلُهُ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ، كَوَادِي التَّيْمِ، أَوْ فِي بَرِّيَّةٍ لَا مَاءَ بِهَا وَلَا مَرْعًى؛ فَالْأَوْلَى جَوَازُ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى آخِذِهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ إنْقَاذَهَا مِنْ الْهَلَاكِ، فَأَشْبَهَ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٤٦) «البيان» (٧/ ٥٤٣).","vol":"7","page":272},{"text":"تَخْلِيصَهَا مِنْ غَرَقٍ أَوْ حَرِيقٍ، فَإِذَا حَصَلَتْ فِي يَدِهِ؛ سَلَّمَهَا إلَى نَائِبِ الْإِمَامِ، وَبَرِئَ مِنْ ضَمَانِهَا، وَلَا يَمْلِكُهَا بِالتَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ فِيهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3789>مسألة [٤٥]: من ترك دابته بمهلكة عمدًا، فأخذها إنسان فأطعمها وسقاها وخلصها، فهل يملكها</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يملكها بذلك؛ إلا أن يكون تركها ليرجع إليها، أو ضلت منه، وهو قول الحسن، والشعبي، والحسن بن صالح، والليث، وأحمد، وإسحاق، واختاره ابن تيمية -﵀-.\nوقد استدل بعض هؤلاء بما رواه أبو داود (٣٥٢٤)، من طريق: عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن، عن الشعبي، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من وجد دابة قد عجز عنها أهلها، فسيبوها، فأخذها، فأحياها؛ فهي له»، قال عبيد الله: قلت للشعبي: من حدثك بهذا؟ قال: غير واحد من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوعبيد الله بن حميد مجهول الحال، وقد خالفه مطرف بن طريف، فرواه عن الشعبي موقوفًا عليه، ومطرف ثقة؛ فالظاهر أنَّ رفعه لا يثبت، والله أعلم.\n• وقال مالك: هي لمالكها الأول، والآخر متبرع بالنفقة لا يرجع بشيء، وعزاه الخطابي للجمهور، وهو قول ابن حزم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب -والله أعلم-، وهو ترجيح","vol":"7","page":273},{"text":"الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3790>مسألة [٤٦]: إذا ألقى متاعًا فخلصه إنسان هل يملكه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٤٨): وَإِنْ تَرَكَ مَتَاعًا، فَخَلَّصَهُ إنْسَانٌ؛ لَمْ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ، كَالْخَشْيَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ؛ فَإِنَّ الْحَيَوَانَ يَمُوتُ إذَا لَمْ يُطْعَمْ وَيُسْقَى، وَتَأْكُلُهُ السِّبَاعُ، وَالمَتَاعُ يَبْقَى حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ صَاحِبُهُ. وَإِنْ كَانَ المَتْرُوكُ عَبْدًا؛ لَمْ يُمْلَكْ بِأَخْذِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي الْعَادَةِ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ إلَى الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا، بِخِلَافِ البَهِيمَةِ.\nقال: وَلَهُ أَخْذُ الْعَبْدِ وَالمَتَاعِ لِيُخَلِّصَهُ لِصَاحِبِهِ، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي تَخْلِيصِ المَتَاعِ. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3791>مسألة [٤٧]: ما ألقاه ركاب السفينة للتخفيف عنها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٤٨ - ٣٤٩): فَأَمَّا مَا أَلْقَاهُ رُكَّابُ الْبَحْرِ فِيهِ؛ خَوْفًا مِنْ الْغَرَقِ، فَلَمْ أَعْلَمْ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ قَوْلًا سِوَى عُمُومِ قَوْلِهِمْ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ هَذَا مَنْ أَخَذَهُ. وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ فِيمَنْ أَخْرَجَهُ، قَالَ: وَمَا نَضَبَ عَنْهُ المَاءُ فَهُوَ لِأَهْلِهِ. وَقَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: يَرُدُّهُ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَلَا جُعلَ لَهُ. وَيَقْتَضِيه قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي؛ لِمَا تَقَدَّمَ. وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ الله، أَنَّ لِمَنْ أَنْقَذَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَوَجْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٤٧) «البيهقي» (٦/ ١٩٨) «المحلى» (١٣٠٤) «معالم السنن» (٣/ ١٣٦) «الفتاوى» (٣٠/ ٤١٥) «الشرح الممتع» (٤/ ٥٣٨).","vol":"7","page":274},{"text":"الِاحْتِمَالِ أَنَّ هَذَا مَالٌ أَلْقَاهُ صَاحِبُهُ فِيمَا يَتْلَفُ بِتَرْكِهِ فِيهِ اخْتِيَارًا مِنْهُ، فَمَلَكَهُ مَنْ أَخَذَهُ، كَاَلَّذِي أَلْقَوْهُ رَغْبَةً عَنْهُ، وَلِأَنَّ فِيمَا ذَكَرُوهُ تَحْقِيقًا لِإِتْلَافِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمُبَاشَرَتِهِ بِالْإِتْلَافِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3792>مسألة [٤٨]: إذا انكسرت السفينة فأخرج بعض متاعها إنسان، فهل يملكه</span>؟\nقال أبو محمد -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٤٩): فَأَمَّا إنْ انْكَسَرَتْ السَّفِينَةُ، فَأَخْرَجَهُ قَوْمٌ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُ أَصْحَابُ الْمَتَاعِ مَتَاعَهُمْ، وَلَا شَيْءَ لِلَّذِي أَصَابُوهُ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ المُنْذِرِ، وَالْقَاضِي. وَعَلَى قِيَاسِ نَصِّ أَحْمَدَ يَكُونُ لِمُسْتَخْرِجِهِ أَجْرُ الْمِثْلِ. اهـ\nوالأخير اختاره شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٤١٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3793>مسألة [٤٩]: إذا التقط إنسان ما لا يبقى عامًا كالفواكه</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية أنه مخير بين أكلها، أو بيعها وحفظ ثمنها، واشترط الشافعية إذن الحاكم في البيع؛ إلا أن يعجز، ومتى أراد أكلها، أو بيعها؛ فإنه يحفظ صفاتها، ثم يعرفها عامًا؛ فإن جاء صاحبها أدى إليه.\n• ومذهب مالك، والثوري، وأصحاب الرأي أنه يتصدق بها لصاحبها؛ فإن جاء ضمنها.\nوالصحيح مذهب الحنابلة، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٤١ -) «البيان» (٧/ ٥٤٧).","vol":"7","page":275},{"text":"وأما إذا كانت الثمرة مما يبقى بالتجفيف كالعنب، والرطب، فينظر الأحظ لصاحبه؛ فإن كان الأحظ بالتجفيف؛ لزمه ذلك، وإن كان بغير التجفيف؛ فله أن يفعل ما تقدم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3794>مسألة [٥٠]: إذا التقطها ثم بلغه أن صاحبها جعل فيها جعلا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٣٢): إِذَا الْتَقَطَهَا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْجُعْلُ، فَقَدْ الْتَقَطَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَعَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ جُعْلٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، كَمَا لَوْ الْتَقَطَهَا وَلَمْ يَجْعَلْ رَبُّهَا فِيهَا شَيْئًا.\nوَفَارَقَ المُلْتَقِطَ بَعْدَ بُلُوغِهِ الْجُعْلَ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ مَنَافِعَهُ بِعِوَضٍ جُعِلَ لَهُ، فَاسْتَحَقَّهُ، كَالْأَجِيرِ إذَا عَمِلَ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْتِقَاطُهُ لَهَا بَعْدَ الْجُعْلِ أَوْ قَبْلَهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَ الْجُعْلِ بِرَدِّهَا؛ لِأَنَّ الرَّدَّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ الْوَاجِبِ، كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3795>مسألة [٥١]: لقطة الحرم والحاج</span>.\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن حكمها كحكم سائر اللقطات، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، والشافعي في قول، وهو قول سعيد بن المسيب.\nواستدلوا بعموم حديث زيد، وعياض -﵄-.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٤٢) «البيان» (٧/ ٥٤٨).","vol":"7","page":276},{"text":"• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها لا تملك، ولا يجوز التقاطها للتملك وإنما تنشد أبدًا؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في لقطة مكة: «ولا تحل لقطتها إلا لمنشد» (^١)، ولحديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي المذكور في الباب: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن لقطة الحاج، وهذا قول أحمد في رواية، والشافعي في قول، وأبي عبيد، وابن مهدي، وابن حزم وغيرهم.\nوهذا القول هو الصواب، وقد أجابوا عن الحديث: «إلا لمنشد» أنه أراد تعظيم حرمتها، فنص على ذلك تأكيدًا، والذي يظهر أنه استثنى المنشد، أي أنه لا يجوز التقاطها إلا للإنشاد، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3796>مسألة [٥٢]: من وجد لقطة ذمي، فهل عليه تعريفها</span>؟\nالأصل أنَّ الملتقط لا يعلم هل اللقطة لمسلم أو لذمي، ولكن قد تتصور المسألة فيما إذا وجدها في مكان يتوارد عليه أهل الذمة فقط، فيجب عليه فيها ما يجب عليه في لقطة المسلم؛ لأنَّ أموالهم محترمة. وقد دلَّ على ذلك حديث المقدام الذي في آخر الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3797>مسألة [٥٣]: من وجد لقطة في دار الحرب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٢١): فَأَمَّا إنْ كَانَ دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانٍ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهَا فِي دَارِهِمْ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ تُعْرَفْ؛ مَلَكَهَا كَمَا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٧٢٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٣٠٥) «المحلى» (٩١٨) «شرح مسلم» (١٧٢٤).","vol":"7","page":277},{"text":"يَمْلِكُهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْجَيْشِ؛ طَرَحَهَا فِي الْمَقْسِمِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهَا بِقُوَّةِ الْجَيْشِ، فَأَشْبَهَتْ مُبَاحَاتِ دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا. وَإِنْ دَخَلَ إلَيْهِمْ مُتَلَصِّصًا، فَوَجَدَ لُقَطَةً؛ عَرَّفَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةٌ لَهُ، ثُمَّ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ غَنِيمَتِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ غَنِيمَةً لَهُ، لَا تَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفٍ. اهـ\nوفي «فتاوى اللجنة الدائمة» (١٥/ ٤٥٤): إذا وجد المال في بلاد كفار حربيين؛ ملكه، ولا يجب عليه تعريفه؛ إلا إذا ترتب على ذلك ما يضره، وإذا وجده في بلاد كفار غير حربيين؛ عرَّفه كما يعرف ما وجده في بلاد المسلمين. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اهـ برئاسة الشيخ ابن باز -﵀-.","vol":"7","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3798>فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الّلقِيْط</span>\nاللقيط: هو الطفل المنبوذ، واللقيط بمعنى الملقوط، والتقاطه واجب كفائي؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، ولأنَّ فيه إحياء نفس؛ فكان واجبًا كإطعامه إذا اضطر، وإنجائه من الغرق؛ فإن تركه الجميع؛ أثمَ كلُّ من علم به فتركه مع إمكان أخذه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3799>مسألة [١]: اللقيط حر</span>.\n• عامَّةُ أهل العلم على أنَّ اللقيط حرٌّ، ولا يحكم عليه بِرِقٍّ؛ لأنَّ الأصل في الآدميين الحرية، وإنما الرق لعارض، فإذا لم يعلم ذلك العارض؛ فله حكم الأصل.\n• وشذَّ النخعي، فقال: إن التقطه للحسبة؛ فهو حرٌّ، وإن كان أراد أن يسترقه؛ فله ذلك. وهذا القول لا دليل عليه.\nوقد روى مالك في «موطئه» (٢/ ٧٣٨) عن الزهري، عن سنين أبي جميلة أنه وَجَدَ منبوذًا في زمان عمر بن الخطاب، قال: فجئت به إلى عمر بن الخطاب، فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال: وجدتها ضائعة، فأخذتها. فقال له عريفه: يا أمير المؤمنين، إنه رجل صالح. فقال له عمر: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر: اذهب فهو حرٌّ، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته. وإسناده صحيح.","vol":"7","page":279},{"text":"وقد أخرجه سعيد بن منصور كما في «المغني» (٨/ ٣٥٠) عن سفيان، عن الزهري به، وفيه: فقال عريفي ... .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3800>مسألة [٢]: النفقة على اللقيط</span>.\nلا تلزم الملتقط بالإجماع، نقله ابن المنذر، وهي واجبة على بيت المال، كما تقدم في أثر عمر: وعلينا نفقته. وإن تعذر على بيت المال؛ فهو واجب على المسلمين وجوبًا كفائيًّا.\nومن أنفق منهم متبرعًا؛ فلا شيء له، وإن أنفق قاصدًا الرجوع على الطفل إذا كبر، وأيسر؛ فهل له الرجوع؟\n• أما إذا كان بأمر الحاكم؛ فله الرجوع، ويلزم اللقيط ذلك، وهو قول الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، والحنابلة وغيرهم.\n• وأما إن أنفق بغير أمر الحاكم ففيه خلاف بين أهل العلم، قال أحمد: تؤدى النفقة من بيت المال. وقال شريح، والنخعي: يرجع عليه بالنفقة إذا أشهد عليه. وقال عمر بن عبد العزيز: يحلف ما أنفق احتسابًا؛ فإن حلف استُسعي. وقال الشعبي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وابن المنذر: هو متبرع، لا يرجع بشيء كما لو تبرع به. قال ابن قدامة: ولنا أنه أدى ما وجب على غيره؛ فكان له الرجوع على من كان الوجوب عليه. اهـ","vol":"7","page":280},{"text":"قلتُ: قول أحمد هو الصواب؛ فإن لم يكن بيت المال منتظمًا؛ فكما قال عمر بن عبدالعزيز، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3801>مسألة [٣]: إذا وُجِد مع اللقيط مال، فهل هو للقيط</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ ما وجد مع اللقيط يكون له، وينفق عليه منه، وهو قول الحنابلة، والشافعية، وأصحاب الرأي وغيرهم، وذلك لأنَّ الطفل يملك، وله يد صحيحة؛ بدليل أنه يرث ويورث، ويصح أن يشتري له وليه ويبيع، وإذا ثبت هذا فكل ما كان متصلًا به، أو متعلقًا بمنفعته؛ فهو تحت يده. ويثبت بذلك ملكًا له في الظاهر، وأما المنفصل عنه؛ فإن كان بعيدًا منه؛ فليس في يده. وإن كان قريبًا منه، كثوب موضوع إلى جانبه، ففيه وجهان عند الحنابلة، والشافعية: أحدهما: ليس هو له؛ لأنه منفصل عنه؛ فهو كالبعيد. والثاني: هو له، وهو أصح عند الحنابلة؛ لأنَّ الظاهر أنه تُرِك له؛ فهو بمنزلة ما هو تحته، ولأنَّ القريب من البالغ يكون في يده.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يعمل في هذه المسألة بالقرائن، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: للملتقط أن ينفق على اللقيط من المال الذي وجده معه، ولكن يتصرف فيه بالتي هي أحسن كاليتيم، وإن لم يستأذن الحاكم على الصحيح، وهو قول الحنابلة، واشترط الشافعية، وبعض الحنابلة استئذان الحاكم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٥٥ - ٣٥٦) «التمهيد» (١٣/ ٢٢٠) ط/مرتبة.\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٣٥٦) «البيان» (٨/ ٩ -).\n(^٣) انظر: «المغني» (٨/ ٣٥٧ - ٣٥٨).","vol":"7","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3802>مسألة [٤]: إذا جَنَى اللقيط جناية فمن يتحملها</span>؟\nإن كانت الجناية مما تحملها العاقلة، كقتل الخطإ؛ فيتحملها عنه بيت المال؛ لأنَّ ميراثه له، ونفقته عليه، وإن كانت الجناية مما لا تتحملها العاقلة؛ فحكمه فيها حكم غير اللقيط: إن كانت توجب القصاص وهو بالغ عاقل؛ اقتص منه، وإن كانت موجبة للمال وله مال؛ استوفى منه، وإلا كانت في ذمته حتى يوسر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3803>مسألة [٥]: إذا جُنِي على اللقيط، فلمن أرش الجناية</span>؟\n• إن جنى عليه في النفس جناية توجب الدية؛ فهي لبيت المال؛ لأنه وارثه، وإن كان عمدًا محضًا؛ فالإمام مخير بين استيفاء القصاص إن رآه أحظ للملاقيط، والعفو على المال، وبهذا قال الشافعي، وابن المنذر، وهو مذهب الحنابلة، وأبي حنيفة؛ إلا أنَّ أبا حنيفة يخيره بين القصاص، والمصالحة؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فالسلطان ولي من لا ولي له». (^٢)\n• وإن جنى عليه فيما دون النفس جناية توجب الأرش قبل بلوغه؛ فلوليه أخذ الأرش، وإن كانت عمدًا موجبة للقصاص، وللقيط مالٌ يكفيه؛ وقف الأمر على بلوغه ليقتص، أو يعفو، سواء كان عاقلًا، أو معتوهًا، وإن لم يكن له مال وكان عاقلًا؛ انتُظِر بلوغه أيضًا، وإن كان معتوهًا؛ فللولي العفو على مال يأخذه له؛ لأنِّ المعتوه ليس له حال معلومة منتظرة؛ فإنَّ ذلك قد يدوم به، والعاقل له حال\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٥٣).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٩٧٧).","vol":"7","page":282},{"text":"منتظرة؛ فافترقا، وفي الحال التي ينتظر بلوغه؛ فإن الجاني يحبس حتى يبلغ اللقيط، فيستوفي لنفسه، وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية.\n• وقد رُوي عن أحمد رواية أخرى: أنَّ للإمام استيفاء القصاص له، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه أحد نوعي القصاص فكان للإمام استيفاؤه عن اللقيط، كالقصاص في النفس.\nورجَّح ابن قدامة القول الأول؛ لأنه قصاص لا يتحتم استيفاؤه؛ فوقف على قوله كما لو كان بالغًا غائبًا، وفارق القصاص في النفس؛ فإنَّ القصاص ليس هو له إنما هو لوارثه، والإمام المتولي له. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3804>مسألة [٦]: هل للملتقط على اللقيط ولاء، وهل يرثه</span>؟\n• ذهب شريح، وإسحاق إلى أنَّ له عليه الولاء، وهو ظاهر اختيار ابن القيم، واستدلوا على ذلك بأثر عمر -﵁- المتقدم: ولاؤه لك. وبأنَّ نعمة الملتقط على اللقيط أكبر من نعمة السيد على عبده.\nواستدلوا بحديث واثلة بن الأسقع عند أبي داود (٢٩٠٦)، وغيره: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت فيه»، وهو حديث ضعيف، من طريق: عمر بن رؤبة التغلبي عن عبد الواحد النصري، وعمر ضعيفٌ، وروى مناكير عن عبد الواحد، وهذا الحديث منها كما في «الكامل».\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٥٣ -).","vol":"7","page":283},{"text":"• وذهب جمهور العلماء، وعامتهم إلى أنَّ اللقيط لا ولاء لأحد عليه، وميراثه لبيت المال؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الولاء لمن أعتق»، فحصر الولاء للسيد على عبده المعتق، قالوا: وأثر عمر محمول على أنه أراد الولاية، أي: ولاية الحفظ والرعاية. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3805>مسألة [٧]: إذا كان الملتقط غير أمين، فهل يقره الحاكم في يده</span>؟\n• للحنابلة قولان:\nأحدهما: أنه يقر في يده، ويمنع من السفر به؛ لئلا يدعي رقه ويبيعه، ويشهد عليه، ويضم إليه من يشرف عليه.\nالثاني: إنه يُنزع من يده، وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه ليس في حفظ اللقيط إلا الولاية، ولا ولاية لفاسق، ويفارق اللقطة من أوجه ذكرها ابن قدامة ﵀:\nأَحَدُهَا: أَنَّ فِي اللُّقَطَةِ مَعْنَى الْكَسْبِ، وَلَيْسَ هَا هُنَا إلَّا الْوِلَايَةُ.\nوَالثَّانِي: أَنَّ اللُّقَطَةَ لَوْ انْتَزَعْنَاهَا مِنْهُ رَدَدْنَاهَا إلَيْهِ بَعْدَ الْحَوْلِ، فَاحْتَطْنَا عَلَيْهَا مَعَ بَقَائِهَا فِي يَدَيْهِ وَهَا هُنَا لَا تُرَدُّ إلَيْهِ بَعْدَ الِانْتِزَاعِ مِنْهُ بِحَالٍ فَكَانَ الِانْتِزَاعُ أَحْوَطَ.\nوَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ ثَمَّ حِفْظُ الْمَالِ، وَيُمْكِنُ الِاحْتِيَاطُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَسْتَظْهِرَ عَلَيْهِ فِي التَّعْرِيفِ أَوْ يَنْصِبَ الْحَاكِمُ مَنْ يُعَرِّفُهَا، وَهَا هُنَا الْمَقْصُودُ حِفْظُ الْحُرِّيَّةِ وَالنَّسَبِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الِاسْتِظْهَارِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدَّعِي رِقَّهُ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ، أَوْ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٥٨ -) «تهذيب سنن أبي داود» لابن القيم شرح حديث واثلة.","vol":"7","page":284},{"text":"فِي بَعْضِ الزَّمَانِ، وَلِأَنَّ اللُّقَطَةَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى حِفْظِهَا وَالِاحْتِيَاطِ عَلَيْهَا عَامًا وَاحِدًا، وَهَذَا يُحْتَاجُ إلَى الِاحْتِيَاطِ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ زَمَانِهِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3806>مسألة [٨]: إذا اختلف اثنان في لقيط، كل واحد يدعي التقاطه</span>؟\nإذا لم يكن لأحدهما بينة، نظرنا: فإن كان اللقيط في يد أحدهما؛ فالقول قوله مع يمينه، وإن كان في أيديهما معًا، أو في يد غيرهما؛ أُقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف وسُلِّم إليه.\nوهل يقدم أحدهما إذا وصفه بشيء مستور في جلده؟\n• منهم من قدمه بالصفة، وهو قول أبي حنيفة، وبعض الحنابلة منهم ابن قدامة، ومنهم من لم يقدم بالصفة، وهو الشافعي. والأول أقوى، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3807>مسألة [٩]: إذا ادعى رجل نسب اللقيط، فهل يلحق به</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٦٧ - ٣٦٨): إِنْ كَانَ الْمُدَّعِي رَجُلًا مُسْلِمًا حُرًّا؛ لَحِقَ نَسَبُهُ بِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مَحْضُ نَفْعٍ لِلطِّفْلِ لِاتِّصَالِ نَسَبِهِ، وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ؛ فَقُبِلَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ. ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِهِ مُلْتَقِطَهُ، أُقِرَّ فِي يَدِهِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ؛ فَلَهُ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْ الْمُلْتَقِطِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَبُوهُ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِوَلَدِهِ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ. وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي لَهُ عَبْدًا؛ لَحِقَ بِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ لِمَائِهِ حُرْمَةً، فَلَحِقَ بِهِ نَسَبُهُ كَالْحُرِّ. وَهَذَا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٦٠ - ٣٦١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٣٦٦).","vol":"7","page":285},{"text":"قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ لَهُ حَضَانَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ الطِّفْلَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي ذِمِّيًّا؛ لَحِقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ الْعَبْدِ فِي ثُبُوتِ الْفِرَاشِ؛ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ بِالنِّكَاحِ وَالْوَطْءِ فِي الْمِلْكِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَلْحَقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ.\nوَلَنَا: أَنَّهُ أَقَرَّ بِنَسَبِ مَجْهُولِ النَّسَبِ، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي إقْرَارِهِ إضْرَارٌ بِغَيْرِهِ، فَيَثْبُتُ إقْرَارُهُ، كَالْمُسْلِمِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ مِنْ النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِي حَضَانَتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَتْبَعُهُ فِي دِينِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَحِقَهُ فِي نَسَبِهِ يَلْحَقُ بِهِ فِي دِينِهِ، كَالْبَيِّنَةِ، إلَّا أَنَّهُ يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَلَنَا أَنَّ هَذَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الذِّمِّيِّ فِي كُفْرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ؛ وَلِأَنَّهَا دَعْوَى تُخَالِفُ الظَّاهِرَ، فَلَمْ تُقْبَلْ بِمُجَرَّدِهَا، كَدَعْوَى رِقِّهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَبِعَهُ فِي دِينِهِ لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِنَسَبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ إضْرَارًا بِهِ، فَلَمْ تُقْبَلْ، كَدَعْوَى الرِّقِّ. أَمَّا مُجَرَّدُ النَّسَبِ بِدُونِ اتِّبَاعِهِ فِي الدِّينِ، فَمَصْلَحَةٌ عَارِيَّةٌ عَنْ الضَّرَرِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ. وَلَا يَجُوزُ قَبُولُهُ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ الضَّرَرِ، وَالْخِزْيِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3808>مسألة [١٠]: إذا ادَّعت امرأةٌ نسب اللقيط، فهل يلحق بها</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالأول: تقبل دعواها ويلحقها نسبه، وهو قول أحمد في رواية، وبعض الشافعية؛\n_________\n(^١) وانظر: «الإشراف» (٦/ ٣٦١).","vol":"7","page":286},{"text":"لأنها أحد الأبوين، فيثبت النسب بدعواها كالأب، ولأنه يمكن أن يكون منها كما يمكن أن يكون من الرجل، بل أكثر؛ لأنها تأتي به من زوج ووطء بشبهة، ويلحقها ولدها من الزنى دون الرجل، وهو ظاهر اختيار ابن قدامة.\nالثاني: إن كان لها زوج؛ لم يثبت النسب بدعواها؛ لإفضائه إلى إلحاق النسب بزوجها بغير إقراره، ولا رضاه، أو إلى أنَّ امرأته وطئت بزنى، أو بشبهة، وفي ذلك ضرر عليه، فلا يقبل قولها فيما يلحق الضرر به. وإن لم يكن لها زوج؛ قبلت دعواها؛ لعدم هذا الضرر، وهذا أيضًا وجهٌ لأصحاب الشافعي، ورواية عن أحمد.\nالثالث: إن كان لها إخوة، أو نسب معروف لا تصدق إلا ببينة؛ لأنها والحالة كذلك لا تخفى ولادتها عليهم، ويتضررون بإلحاق النسب بها.\nالرابع: لا يثبت النسب بدعواها مطلقًا، وهو قول الثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وادَّعى ابن المنذر الإجماع عليه؛ لأنها يمكنها إقامة البينة على الولادة؛ فلا يقبل قولها بمجرده. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3809>مسألة [١١]: إذا ادَّعى اثنان نسب اللقيط</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٧٠): إذَا ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ، أَوْ حُرٌّ وَعَبْدٌ؛ فَهُمَا سَوَاءٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمُسْلِمُ أَوْلَى مِنْ الذِّمِّيِّ، وَالْحُرُّ أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ عَلَى اللَّقِيطِ ضَرَرًا فِي إلْحَاقِهِ بِالْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ، فَكَانَ إلْحَاقُهُ بِالْحُرِّ الْمُسْلِمِ أَوْلَى، كَمَا لَوْ تَنَازَعُوا فِي الْحَضَانَةِ.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٦٩ - ٣٧٠) «الإشراف» (٦/ ٣٦١).","vol":"7","page":287},{"text":"قال: وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا انْفَرَدَ؛ صَحَّتْ دَعْوَاهُ، فَإِذَا تَنَازَعُوا؛ تَسَاوَوْا فِي الدَّعْوَى، كَالْأَحْرَارِ المُسْلِمِينَ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الضَّرَرِ لَا يَتَحَقَّقُ؛ فَإِنَّنَا لَا نَحْكُمُ بِرِقِّهِ وَلَا كُفْرِهِ. وَلَا يُشْبِهُ النَّسَبُ الْحَضَانَةَ، بِدَلِيلِ أَنَّنَا نُقَدِّمُ فِي الْحَضَانَةِ المُوسِرَ وَالْحَضَرِيَّ، وَلَا نُقَدِّمُهُمَا فِي دَعْوَى النَّسَبِ. اهـ\nوعلى هذا فإذا ادعاه اثنان، وكان لأحدهما بينة، وليس في يد واحد منهما فجمهور العلماء على أنه يعرض على القافة مع الرجلين، أو مع عصبتهما عند فقدهما، فنلحقه بمن ألحقته به منهما.\nوالحجة في ذلك حديث عائشة في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دخل عليهم يومًا مسرورًا تبرق أسارير وجهه، فقال: «ألم تري أنَّ مجززًا المدلجي نظر آنفًا إلى زيد وأسامه، فقال: إنَّ بعض هذه الأقدام من بعض». (^١)\nفلولا جواز الاعتماد على القافة؛ لما سُرَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا اعتمد عليه.\nوقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ولد الملاعنة: «إن جاءت به أكحل جعدًا، سابغ الأليتين، خدلج الساقين؛ فهو للذي رماها به»، فجاءت به كذلك، فقال: «لولا ما مضى من كتاب الله؛ لكان لي ولها شأن» أخرجه البخاري (٤٧٤٧)، عن عبدالله بن عباس -﵄-.\nوقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ابن أمة زمعة حين رأى به شبهًا بيِّنًا بعتبة: «احتجبي منه يا سودة» (^٢)، فعمل بالشبه في حجب سودة عنه.\n_________\n(^١) سيأتي إن شاء الله في «البلوغ» رقم (١٤١٦).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٨١٧)، ومسلم برقم (١٤٥٧)، من حديث عائشة -﵂-.","vol":"7","page":288},{"text":"• وذهب أصحاب الرأي إلى أنه لا يعتمد حكم القافة، ويلحق بالمدعيين كليهما؛ لأنَّ الحكم بالقافة تعويل على مجرد الشبه بالظن والتخمين، واستدلوا بحديث: «لعل عرقًا نزعه ...» (^١)، وقالوا: لو كان يعتمد عليه؛ لرجم الملاعنة، ولألحق ابن أمة زمعة بزمعة.\nوأجاب الجمهور عن حديث: «لعل عرقًا نزعه ...» بأنه حجة عليهم؛ لأنَّ إنكار الرجل ولده لمخالفة لونه، وعزمه على نفيه لذلك يدل على أنَّ العادة خلافه، وأنَّ في طباع الناس إنكاره، وأنَّ ذلك إنما يوجد نادرًا، وإنما ألحقه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- به لوجود الفراش، وتجوز مخالفة الظاهر لدليل، ولا يجوز تركه من غير دليل، ولأنَّ ضعف الشبه عن نفي النسب لا يلزم منه ضعفه عن إثباته؛ فإنَّ النسب يحتاط لإثباته، ويثبت بأدنى دليل، ويلزم من ذلك التشديد في نفيه، وأنه لا ينتفي إلا بأقوى الأدلة، وكما أنَّ الحد لما انتفى بالشبهة لا يثبت إلا بأقوى دليل؛ فلا يلزم حينئذٍ من المنع من نفيه بالشبه في الخبر المذكور أن لا يثبت به النسب في مسألتنا.\nوأما قولهم في ابن الملاعنة، وفي ابن أمة زمعة؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يعمل بالشبه بهما؛ لأنهما عورضا بما هو أقوى من الشبه، وهو الأيمان في ابن الملاعنة، والفراش في ابن أمة زمعة، وترك العمل بالبينة لمعارضة ما هو أقوى منها لا يوجب الإعراض عنها إذا خلت عن المعارض.\n_________\n(^١) سيأتي في «البلوغ» برقم (١١٠١).","vol":"7","page":289},{"text":"وقد قال بقول أبي حنيفة إسحاق؛ إلا أنه قال: يقرع بينهما. والذي يظهر أنَّ الصواب هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3810>مسألة [١٢]: هل يكفي قول قائفٍ أم يشترط اثنان</span>؟\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٠/ ٤١): واختلفوا في أنه هل يُكتفى بواحد، والأصح عند أصحابنا الاكتفاء بواحد، وبه قال ابن القاسم المالكي، وقال مالك: يشترط اثنان. وبه قال بعض أصحابنا، وهذا الحديث يدل للاكتفاء بواحد. اهـ يعني حديث عائشة في قصة زيد وأسامة.\nقلتُ: والقولان وجهان عند الحنابلة، والصحيح الاكتفاء بواحد. (^٢)\nتنبيه: قال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٠/ ٤١): واتفق القائلون بالقائف على أنه يشترط فيه العدالة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3811>مسألة [١٣]: هل إذا ألحقته القافة بكافر، أو رقيق يحكم بكفره ورقِّه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٧٦): وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِكَافِرٍ، أَوْ رَقِيقٍ؛ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ وَلَا رِقِّهِ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالْإِسْلَامَ ثَبَتَا لَهُ بِظَاهِرِ الدَّارِ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الشَّبَهِ وَالظَّنِّ، كَمَا لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ الْمُنْفَرِدِ. وَإِنَّمَا قَبِلْنَا قَوْلَ الْقَائِفِ فِي النَّسَبِ؛ لِلْحَاجَةِ إلَى إثْبَاتِهِ، وَلِكَوْنِهِ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِلظَّاهِرِ، وَلِهَذَا اكْتَفَيْنَا فِيهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ الْمُنْفَرِدِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ رِقِّهِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٧١ -) «شرح مسلم» (١٠/ ٤١ - ٤٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٣٧٥ - ٣٧٦).","vol":"7","page":290},{"text":"وَكُفْرِهِ، وَإِثْبَاتُهُمَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3812>مسألة [١٤]: إذا ادَّعاه اثنان، فألحقته بهما القافة</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يلحق بهما، ويكون ابنهما، ويرثانه، ويرثهما، وهو قول الحنابلة، وأبي ثور، وعند أصحاب الرأي أنه يلحق بهما بمجرد الدعوى، وصحَّ هذا القول عن عمر، وجاء عن علي. (^١)\n• وقال الشافعي: لا يلحق بأكثر من واحد؛ فيسقط قولهم، ولا يحكم لهما بذلك. وهو قول مالك.\nقال أبوعبدالله غفر الله له: وقول الشافعي هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: عند الحنابلة يلتحق بمن ألحقته القافة، وإن كانوا أكثر من اثنين، وعن بعضهم لا يلحق بأكثر من اثنين، وهو قول أبي يوسف، وقال بعضهم: لا يلحق بأكثر من ثلاثة، وهو قول محمد بن الحسن أيضًا. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3813>مسألة [١٥]: إذا لم توجد قافة، ولا بينة</span>؟\n• إذا ادَّعاه اثنان ولم توجد بينة، أو قافة، أو وجد قافة؛ فلم يلحقوه بواحد منهما، أو أشكل عليهم، أو تعارضت أقوالهم، فقال بعض الحنابلة: يترك حتى يبلغ، فينتسب إلى من أحب منهما؛ لأن الصبي يميل بطبعه إلى قرابته. وهو قول\n_________\n(^١) انظر: «الإرواء» (٦/ ٢٥ - ٢٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٣٧٧) «شرح مسلم» (١٠/ ٤٢).\n(^٣) «المغني» (٨/ ٣٧٨ -).","vol":"7","page":291},{"text":"الشافعي. وقال الشافعي في القديم: يترك حتى يميز.\n• وقال أصحاب الرأي: يلحق بالمدعيين بمجرد الدعوى.\n• ورجح ابن قدامة أنه لا ينسب لواحد منهما، وهو قول بعض الحنابلة؛ لأنَّ دعواهما قد تعارضتا، ولا حجة لواحد منهما؛ فلم تثبت كما لو ادعيا رقَّه.\nوقولهم: (إنَّ الصبي يميل بطبعه إلى قرابته) قال ابن قدامة: إنما يميل إلى قرابته بعد معرفته بأنها قرابته، فالمعرفة بذلك سبب الميل، وأيضا قد يميل إلى من أحسن، وإن لم يكن قريبًا له. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3814>مسألة [١٦]: إذا ادَّعى إنسان رقّ اللقيط</span>؟\nإن كان له بينة على ذلك؛ حكم بها، وإن لم تكن له بينة؛ فلا شيء له؛ لأنها دعوى تخالف الظاهر، ويفارق دعوى النسب من وجهين، أحدهما: أنَّ دعوى النسب لا تخالف الظاهر، ودعوى الرق مخالفة للظاهر. والثاني: أنَّ دعوى النسب يُثبتُ بها حقٌّ للقيط، ودعوى الرق تُثبِتُ حقًّا عليه، فلم تقبل بمجردها.\n• فإنَّ أقرَّ اللقيط بالرق؛ فإن كان قد اعترف لنفسه بالحرية؛ فلا يقبل إقراره بالرق، وإن كان لم يعترف لنفسه بالحرية قبلُ، ففيه خلافٌ بين أهل العلم.\n• فمنهم من قال: يقبل إقراره. وهو وجهٌ للحنابلة، وقال به أصحاب الرأي، ومنهم من قال: لا يقبل، وهو وجهٌ للحنابلة، وصححه ابن قدامة، وهو قول\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٧٩ - ٣٨٠).","vol":"7","page":292},{"text":"القاسم، وابن المنذر، وللشافعية وجهان كما تقدم.\nوصحح ابن قدامة هذا القول؛ لأنه يبطل به حق الله تعالى في الحرية المحكوم بها؛ فلم يصح، كما لو أقرَّ قبل ذلك بالحرية، ولأنَّ الطفل المنبوذ لا يعلم رق نفسه، ولا حريتها، ولم يتجدد له حال يعرف به رق نفسه؛ لأنه في تلك الحال ممن لا يعقل، ولم يتجدد له رق بعد التقاطه؛ فكان إقراره باطلًا.\nقلتُ: وما رجحه ابن قدامة هو الصحيح، والله أعلم، واختاره ابن المنذر كما في «الإشراف» (٦/ ٣٦٧).\nتنبيه: أهل العلم يجعلون حكم اللقيط في دينه بحسب الدار الذي وجد فيها؛ فإن وجد في دار المسلمين؛ حكم له بالإسلام، وإن وجد في دار الحرب، وفيهم مسلمون؛ حكم له بالإسلام تغليبًا لحكم الإسلام، وإن وجد في دار الحرب، وليس فيهم مسلمون؛ فيحكم عليه بالكفر. ومقصودهم بهذه الأحكام أن يعامل بالأحكام الدنيوية بأحكام المسلم، أو الكافر، من غسله، ودفنه، وقبره مع المسلمين، أو المشركين. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (٨/ ١٢ -) «المغني» (٨/ ٣٥١ - ٣٥٢).","vol":"7","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3815>بَابُ الفَرَائِضِ</span>\n٩٣٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَلحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٩٣٩ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n٩٤٠ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- فِي بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَأُخْتٍ فَقَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - للِابْنَةِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٣)\n\n٩٤١ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، إِلَّا التِّرْمِذِيُّ، (^٤) وَأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ بِلَفْظِ أُسَامَةَ (^٥)، وَرَوَى النَّسَائِيّ حَدِيثَ أُسَامَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ. (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٦٧٣٦).\n(^٤) حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١٧٨، ١٩٥)، وأبوداود (٢٩١١)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٨٢)، وابن ماجه (٢٧٣١)، من طرق عن عمرو بن شعيب به. وإسناده حسن.\n(^٥) شاذ غير محفوظ. أخرجه الحاكم (٤/ ٣٤٥)، من طريق الخليل بن مرة، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب به. والخليل بن مرة ضعيف، ولعل هذا اللفظ من أخطائه، فقد رواه أصحاب عمرو بن شعيب عن عمرو باللفظ المتقدم منهم حبيب المعلم، وعامر الأحول، فالحديث باللفظ المذكور لا يثبت من حديث عبدالله بن عمرو -﵄-.\n(^٦) شاذ غير محفوظ. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٤/ ٨٢)، من طريق هشيم عن الزهري عن علي ابن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة مرفوعًا: «لا يتوارث أهل ملتين»، وهشيم قد تفرد بهذا اللفظ، فقد رواه اصحاب الزهري، عن الزهري باللفظ المتقدم: «لا يرث المسلم الكافر ...» ومنهم مالك وعقيل ويونس وابن عيينة ومعمر وابن الهاد وابن جريج وآخرون كما في «المسند الجامع» (١/ ١٢٤).","vol":"7","page":294},{"text":"٩٤٢ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: إنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ، فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ؟ فَقَالَ: «لَك السُّدُسُ». فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «لَك سُدُسٌ آخَرُ». فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «إنَّ السُّدُسَ الآخَرَ طُعْمَةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ عَنْ عِمْرَانَ، وَقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. (^١)\n\n٩٤٣ - وَعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ إذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ، وَقَوَّاهُ ابْنُ عَدِيٍّ. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٤/ ٤٢٨) (٤/ ٤٣٦)، وأبوداود (٢٨٩٦)، والترمذي (٢٠٩٩)، والنسائي في «الكبرى» (٦٣٣٧)، كلهم من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران به.\nوإسناده ضعيف؛ لأنه منقطع، فإن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين، جزم بذلك غير واحد من الحفاظ، منهم: ابن المديني، وأحمد، وأبوحاتم كما في «تحفة التحصيل».\n(^٢) صحيح لغيره. أخرجه أبوداود (٢٨٩٥)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٧٣)، وابن الجارود (٩٦٠)، وابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٦٣٧) من طريق أبي المنيب عبيدالله بن عبدالله العتكي، عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه به. وأبوالمنيب مختلف فيه، وحديثه يحتمل التحسين. وقد أورد ابن عدي حديثه هذا في «الكامل» مع أحاديث أخرى ثم قال: ولأبي المنيب هذا أحاديث غير ما ذكرت وهو عندي لا بأس به. اهـ ويظهر من كلامه أنه لم يورد أحاديثه على سبيل الإنكار والله أعلم. وله شاهد من حديث المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة:\n\nأخرجه مالك في «موطئه» (٢/ ٥١٣) ومن طريقه أحمد (٤/ ٢٢٥)، وأبوداود (٢٨٩٤)، وابن ماجه (٢٧٢٤)، والترمذي (٢١٠١)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٧٥)، عن الزهري عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عن قبيصة بن ذؤيب قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأله ميراثها، فقال لها أبوبكر: مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أعطاها السدس، فقال أبوبكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبوبكر، ثم جاءت الجدة الأخرى من قبل الأب إلى عمر تسأله ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله شيء، وما كان القضاء الذي قضي به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض شيئًا، ولكن هو ذلك السدس، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها.\nقلت: وهذا الحديث قوي لولا أن قبيصة لم يدرك هذه القصة، فإنه لم يسمع من أبي بكر، ويحتمل أنه أخذها من المغيرة أو محمد بن مسلمة. ومع ذلك فالحديث شاهد قوي لحديث بريدة. وله شاهد آخر من حديث ابن عباس -﵄-:\nأخرجه ابن ماجه (٢٧٢٥)، وفي إسناده شريك القاضي وليث بن أبي سليم وهما ضعيفان.\nفالحديث بطرقه يكون صحيحًا، والله أعلم.","vol":"7","page":295},{"text":"٩٤٤ - وَعَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيْكَرِبَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ سِوَى التِّرْمِذِيِّ، وَحَسَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٤/ ١٣١، ١٣٤)، وأبوداود (٢٨٩٩) (٢٩٠٠)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٧٧)، وابن ماجه (٢٧٣٨)، وابن حبان (٦٠٣٥)، والحاكم (٤/ ٣٤٤)، كلهم من طريق بديل ابن ميسرة عن علي بن أبي طلحة عن راشد بن سعد عن أبي عامر الهوزني عن المقدام مرفوعًا: «من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك كلًّا فإلى الله ورسوله، وربما قال: فإلينا، وأنا وراث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه، والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه». هذا إسناد رجاله ثقات، إلا عليًّا فإنه حسن الحديث، وقد خولف في إسناد الحديث.\nقال أبو داود عقب الحديث: رواه الزبيدي عن راشد بن سعد عن ابن عائذ عن المقدام. ورواه معاوية بن صالح عن راشد بن سعد قال سمعت المقدام. اهـ\nقلت: أما رواية معاوية بن صالح فأخرجها أحمد (٤/ ١٣٣)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٧٣)، والطحاوي في «شرح المعاني» (٤/ ٣٩٨) من طرق عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد قال سمعت المقدام به. وهذا إسناد حسن، وراشد بن سعد قد صرح بالسماع عند الطحاوي، وأما عند أحمد والنسائي فبالعنعنة. وأما رواية الزبيدي فوصلها ابن حبان (٦٠٣٦)، من طريق إسحاق ابن إبراهيم بن العلاء الزبيدي عن عمرو بن الحارث الزبيدي قال حدثنا راشد بن سعد أن ابن عائذ حدثه أن المقدام حدثهم به. والإسناد ضعيف أو أشد بسبب إسحاق بن إبراهيم، فإنه ضعيف أو أشد، وشيخه مجهول، ولم أجدها عند غير ابن حبان.\n\nوفيه خلاف رابع: فقد أخرجه النسائي في «الكبرى» (٦٣٥٧)، من طريق ثور بن يزيد عن راشد ابن سعد عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسلًا. وثور بن يزيد ثقة.\nقال أبوعبدالله غفر الله له: الحديث اختلف فيه على أربعة أوجه، ويظهر أن هذه الأوجه لا توجب فيه الاضطراب؛ لإمكان الجمع بين الروايات؛ فإن رواية ابن أبي طلحة ومعاوية بن صالح ليس فيهما خلاف إلا في ذكر (أبي عامر الهوزني) وقد صرح معاوية بن صالح في إسناده بالسماع عند الطحاوي. فإن كان التصريح بالسماع محفوظًا فيكون راشد بن سعد سمعه من أبي عامر الهوزني ثم سمعه من المقدام ويكون من المزيد في متصل الأسانيد، وقد أشار إلى ذلك الطحاوي. وإن لم يكن التصريح بالسماع محفوظًا، فتكون رواية علي بن أبي طلحة أرجح لزيادته في الإسناد رجلًا، وقد رجح ذلك الدارقطني في علله كما في «العلل» (٣٤٢٢)، وتبعه على ذلك ابن القطان.\nورواية الزبيدي التي ذكرها أبوداود إن صحت عن الزبيدي، فلا تخالف ما تقدم، ويكون لراشد ابن سعد فيه شيخان، وقد جزم بذلك ابن حبان. وأما رواية الإرسال، وهي أقوى رواية فيما يظهر، فيمكن حملها على أنه أعني راشدًا كان يرويه موصولًا، وأحيانًا يرسله. فإن صح ما ذكرناه، وإلا فلا يقل عن أن يكون حسنًا بشاهده الذي بعده من حديث عمر -﵁-.","vol":"7","page":296},{"text":"٩٤٥ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ -﵁- قَالَ: كَتَبَ مَعِي عُمَرُ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ -﵄-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «اللهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، وَالخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، سِوَى أَبِي دَاوُد، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n_________\n(^١) حسن لغيره. أخرجه أحمد (١/ ٢٨، ٤٦)، والترمذي (٢١٠٣)، والنسائي في «الكبرى» (٦٣٥١)، وابن ماجه (٢٧٣٧)، وابن حبان (٦٠٣٧)، كلهم من طريق عبدالرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف به. وهذا الإسناد ضعيف؛ لأن عبدالرحمن فيه ضعف يسير، وحكيم بن حكيم مجهول الحال، وبعض أهل العلم يحسن حديث هذين الرجلين، والأظهر ما تقدم، وهو شاهد قوي لحديث المقدام.\nوله شاهد ثانٍ من حديث عائشة -﵂-: أخرجه الترمذي (٢١٠٤)، والنسائي في «الكبرى» (٦٣١٨)، والطحاوي في «شرح المعاني» (٤/ ٣٩٧)، والدارقطني (٤/ ٨٤)، والبيهقي (٦/ ٢١٥) وأعله الدارقطني والبيهقي بالوقف، ودافع عنه الإمام الألباني في «الإرواء» (١٧٠٠) وصحح الحديث بمجموع طرقه.\nقلت: حديث عائشة -﵂- من طريق عمرو بن مسلم، عن طاوس، عن عائشة، واختلف فيه على عمرو بن مسلم، وعمرو بن مسلم هو الجندي، فيه ضعف، وطاوس لم يسمع من عائشة، وقد روي مرسلًا من وجهٍ أقوى أخرجه سعيد بن منصور (١٧١) نا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: ...، فذكره مرسلًا. وهذه الطريق أقوى من الطريق الأولى بلاشك؛ فالراجح هو مرسل طاوس، وهو شاهد قوي لحديث عمر، والمقدام -﵄-. وانظر «البدر المنير» (٧/ ١٩٥ - ١٩٩).\nتنبيه: نقل عن ابن معين -﵀- أنه قال: ليس فيه حديث قوي. اهـ\n\nقلت: ويحمل كلامه على نفي القوة عن حديث بذاته، وأما بمجموعها فهي قوية كما بيناه، والله أعلم. «البدر المنير» (٧/ ١٩٨).","vol":"7","page":297},{"text":"٩٤٦ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إذَا اسْتَهَلَّ المَوْلُودُ وُرِّثَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n_________\n(^١) صحيح بشواهده. لم يخرجه أبوداود من حديث جابر، وإنما أخرجه من حديث أبي هريرة -﵁-.\nوحديث جابر أخرجه الترمذي (١٠٣٢)، وابن ماجه (١٥٠٨)، وابن حبان (٦٠٣٢)، والحاكم (٤/ ٣٤٨)، من طريق أبي الزبير عن جابر به.\nقال الترمذي -﵀-: هذا حديث قد اضطرب الناس فيه، فرواه بعضهم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرفوعًا. ورواه أشعث بن سوار وغير واحد عن أبي الزبير عن جابر موقوفًا، وروى محمد بن إسحاق عن عطاء بن أبي رباح عن جابر موقوفًا، وكأن هذا أصح من الحديث المرفوع. اهـ\nقلت: لكن له طريق أخرى عن جابر مقرونًا بالمسور بن مخرمة. أخرجه ابن ماجه (٢٧٥١)، والطبراني في «الأوسط» (٤٥٩٦) بإسناد صحيح من طريق مروان بن محمد، عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن سعيد عن جابر والمسور به. مرفوعًا بلفظ: «لا يرث الصبي حتى يستهل صارخًا» وإسناده صحيح.\nثم وجدت الحديث في «العلل» للدارقطني (١٣/ ٣٥٩)، فقال -﵀- بعدما ذكر الطريق المذكورة من طريق مروان بن محمد، به: ووهم فيه، والصحيح عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن جابر، والمسور، وسعيد بن المسيب: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: ...، مرسلًا.\nوله شاهد من حديث أبي هريرة: أخرجه أبوداود (٢٩٢٠)، ومن طريقه البيهقي (٦/ ٢٥٧)، بإسناد حسن لولا أن فيه عنعنة ابن إسحاق.\nوله شاهد من مرسل سعيد بن المسيب وآخر من مرسل مكحول، فأما مرسل سعيد فتقدم ذكر إسناده في كلام الدارقطني، وأما مرسل مكحول فأخرجه الدارمي (٣١٣٣). انظر: «الصحيحة» (١٥٢) (١٥٣)، و«الإرواء» (١٧٠٧)، و«تحقيق ابن حبان» (٦٠٣٢).","vol":"7","page":298},{"text":"٩٤٧ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ المِيرَاثِ شَيْءٌ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَقَوَّاهُ ابْنُ عَبْدِالبَرِّ، وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيّ، وَالصَّوَابُ وَقْفُهُ عَلَى عُمَرَ (^١). (^٢)\n_________\n(^١) وقع في الأصل وفي (ب): (عمرو) والذي أثبتناه هو الصواب كما في النسخة (أ) وكما في التخريج، والله أعلم.\n(^٢) حسن بشواهده. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٦٣٦٧)، والدارقطني (٤/ ٩٦)، من طريق إسماعيل بن عياش عن ابن جريج [وعند النسائي: ويحيى بن سعيد وذكر آخر ثلاثتهم] عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده به. وهذا الإسناد فيه ضعف؛ لأن إسماعيل بن عياش روايته ضعيفة عن غير أهل بلده، وهذه منها، وقد خولف في إسناد هذا الحديث:\nفقد رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٨٦٧) ومن طريقه عبدالرزاق (١٧٧٨٢)، والنسائي في «الكبرى» (٦٣٦٨)، عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن عمر عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- به. قال النسائي عقب هذا الحديث كما في «التحفة» (٦/ ٣٤١): وهو الصواب وحديث إسماعيل خطأ.\n\nقلت: وقد تابع مالكًا على روايته: هشيم بن بشير ويزيد بن هارون كما في «مسند أحمد» (٣٤٧)، وسفيان الثوري كما في «مصنف عبدالرزاق» (١٧٧٨٣)، وأبوخالد الأحمر كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١١/ ٣٥٨). وعلى هذا فحديث عبدالله بن عمرو معل وليس بمحفوظ، والصواب أنه من حديث عمر، وحديث عمر إسناده منقطع؛ لأن عمرو بن شعيب لم يدرك عمر -﵁-. ولحديث عمر إسنادان آخران عند الدارقطني (٤/ ٩٥ - ٩٦)، وليسا بمحفوظين. ولحديث عمر شاهد من حديث ابن عباس: أخرجه الدارقطني (٤/ ٩٦)، من طريق أحمد بن محمد بن الأزهر نا أبوحمة نا أبوقرة عن سفيان عن ليث عن طاوس عن ابن عباس مرفوعًا. وهذا الإسناد ضعيف؛ لأن أحمد بن محمد فيه ضعف، وكذلك ليث وأبوحمة حديثه يحتمل التحسين.\nولحديث ابن عباس إسناد آخر عند عبدالرزاق (١٧٧٨٧) ومن طريقه البيهقي (٦/ ٢٢٠) من طريق معمر عن عمرو بن برق عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- به، وعمرو بن برق ضعيف كما في «التلخيص» (٣/ ٨٥).\nوله شاهد من مراسيل سعيد بن المسيب. أخرجه البيهقي (٦/ ٢١٩)، بإسناد صحيح عنه عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا يرث قاتل عمد ولا خطأ شيئًا من الدية». وأخرجه أبوداود في «المراسيل» (٣٦٠) وذكر أن جماعة رووه موقوفًا على سعيد بن المسيب. والحاصل مما تقدم أن الحديث يرتقي إلى الحسن ويصلح للحجية، والله أعلم.","vol":"7","page":299},{"text":"٩٤٨ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَا أَحْرَزَ الوَالِدُ أَوِ الوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ المَدِينِيِّ، وَابْنُ عَبْدِالبَرِّ. (^١)\n\n٩٤٩ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ». رَوَاهُ الحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ البَيْهَقِيُّ. (^٢)\n_________\n(^١) رواه أبوداود (٢٩١٧)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٧٥)، وابن ماجه (٢٧٣٢)، من طرق، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب -﵁-، به، وظاهر إسناده الحسن، ولكن رواه معتمر بن سليمان كما في «الكبرى» للنسائي (٤/ ٧٥)، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، قال: قال عمر: ...، فذكره مرسلًا.\nوأسند أبو داود كما في «تحفة الأشراف» (٨/ ٧٧)، عن حميد الطويل، قال: الناس يتهمون عمرو ابن شعيب في هذا الحديث. وإسناده صحيح، وأشار أحمد، والبيهقي إلى إعلال الحديث بمخالفته ما ثبت عن عمر من الفتيا بخلافه. انظر: «البدر المنير» (٩/ ٧٢٤)، «السنن الكبرى» (١٠/ ٣٠٣).\n(^٢) ضعيف. أخرجه الحاكم (٤/ ٢٣١)، ومن طريقه البيهقي (١٠/ ٢٩٢)، من طريق الشافعي عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن عبدالله بن دينار عن عبدالله بن عمر به. وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف أبي يوسف، ثم هو قد خالف الحفاظ والثقات، فإنهم يروونه عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: (نهى عن بيع الولاء وهبته).\n\nوممن رواه كذلك مالك والسفيانان وشعبة وعبيدالله بن عمر وإسماعيل بن جعفر وسليمان بن بلال وجمع آخرون. فرواية الحديث باللفظ المذكور منكرة. وقد حكم عليه البيهقي بالخطأ، واللفظ المذكور جاء من مراسيل الحسن كما في «سنن البيهقي» (١٠/ ٢٩٢).","vol":"7","page":300},{"text":"٩٥٠ - وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَفَرْضُكُمْ زَيْدُ ابْنُ ثَابِتٍ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُد، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ. (^١)\n_________\n(^١) ضعيف مرسل. أخرجه أحمد (٣/ ١٨٤)، والترمذي (٣٧٩١)، والنسائي في «الكبرى» (٨٢٨٧)، وابن ماجه (١٥٥)، وابن حبان (٧١٣١)، والحاكم (٣/ ٤٢٢)، من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس به. وله بقية ولفظه: «أرحم أمتي بأمتي أبوبكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرؤها لكتاب الله أبي، وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبوعبيدة بن الجراح».\nقال شيخنا -﵀- في «أحاديث معلة» (ص ٥٧): إذا نظرت إلى سند هذا الحديث وجدتهم رجال الصحيح، ولكن البيهقي -رحمه الله تعالى- (٦/ ٢١٠) بعد ذكره من طريق عبدالوهاب الثقفي عن خالد الحذاء يقول: ورواه بشر بن المفضل وإسماعيل ابن علية ومحمد بن أبي عدي عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسلًا، إلا قوله في أبي عبيدة فإنهم وصلوه في آخره فجعلوه عن أنس عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكل هؤلاء الرواة أثبات، والله أعلم.\nوقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٧/ ٩٣) بعد ذكر حديث خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: وإسناده صحيح إلا أن الحفاظ قالوا: إن الصواب في أوله الإرسال، والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري، يعني آخره «وإن لكل أمة أمينا ...». انتهى كلام الشيخ -﵀-، ثم رأيت الدارقطني قد ذكره في «العلل» (٢٦٧٦)، وذكر طرقه، وأكثرها مرسل من مراسيل أبي قلابة.\n\nوقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣٤٢): وهو حديث ضعيف، لا أصل له، ولم يكن زَيْدٌ على عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- معروفًا بالفرائض.","vol":"7","page":301},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3816>مسألة [١]: تعريف الفرائض</span>.\nالفرائض: جمع فريضة، مأخوذٌ من الفَرْض، وهو الحزُّ والقطع لغةً، ويأتي بمعنى التقدير، فمن الأول قولهم: (فَرَضَ القوس) إذا حزَّه في طرفه، حيث يضع الوتر، وقولهم: (فرض لفلان كذا من ماله)، أي: أقطعه. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]، أي: قدرتم. ويأتي بمعانٍ أخرى مقاربة.\nوفي اصطلاح الفقهاء والفرضيين له تعريفات أحسنها: هو علمٌ يعرف به من يرث ومن لا يرث، ومقدار ما لكل وارث. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3817>مسألة [٢]: الحث على تعلمه</span>.\nجاءت أحاديث في الحض على تعلم الفرائض، منها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود (٢٨٦٨)، مرفوعًا: «العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل، آية محكمة، وسنة قائمة، وفريضة عادلة»، وفي إسناده: عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وعبدالرحمن بن رافع، وهما ضعيفان، فالحديث ضعيف، وأخرج ابن ماجه (٢٧١٩) من حديث أبي هريرة -﵁-: «تعلموا الفرائض، وعلموه؛ فإنه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينتزع من أمتي»، وفي إسناده: حفص بن\n_________\n(^١) انظر: «التحقيقات المرضية» (ص ١٢ - ١٣) للفوزان، «الفتح» (٦٧٢٣).","vol":"7","page":302},{"text":"عمر بن أبي العطاف متروك.\nوفي الباب أحاديث أخرى فيها ضعف، وبعضها شديد الضعف، ويغني عن هذه الأدلةِ الأدلةُ العامة في الحث على طلب العلم وهو فرض كفاية، أعني تعلمَه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3818>مسألة [٣]: الحقوق المتعلقة بالتركة</span>.\nأولها: إخراج مؤن التجهيز من كفنٍ، وأجرةِ مغسِّل، وحافر بالمعروف إن لم يوجد متطوع بذلك.\nثانيها: الحقوق المتعلقة بعين التركة، كالدين الذي به الرهن، والأرش المتعلق برقبة العبد الجاني.\nثالثها: الدين المطلق الذي لا يتعلق بعين التركة، وإنما يتعلق بذمة الميت.\nرابعها: إخراج الوصية بالثلث فما دون لغير وارث.\nخامسها: الإرث، وهو تقسيم ما بقي من المال لورثة الميت.\nوهذه الخمسة الحقوق على الترتيب الذي ذكرنا عند أهل العلم إلا أنهم اختلفوا في الأول والثاني.\n• فمذهب أحمد ما ذكرناه، وذهب مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي إلى تقديم الحقوق المتعلقة بعين التركة على مؤن التجهيز، ووجهُ ذلك أنَّ هذه الحقوق متعلقة بعين المال قبل أن يصير تركة، والأصل أنَّ كل حق يقدم في الحياة يقدم في الوفاة.\nووجهُ مذهب أحمد القياس على المفلس؛ فإنَّ حاجته للنفقة والكسوة مقدمة","vol":"7","page":303},{"text":"على حقوق الغرماء، وقول أحمد أظهر، والله أعلم.\nتنبيه: إذا لم يخلف الميت تركة؛ فمؤنة تجهيزه على من تلزمه نفقته في حال حياته؛ فإن لم يكن له أحد تلزمه نفقته؛ فعلى بيت المال إن كان الميت مسلمًا؛ فإن لم يكن بيت مال؛ فعلى من علم بحاله من المسلمين وجوبًا كفائيًّا.\nتنبيه آخر: أجمع أهل العلم على أنَّ الدين مقدم على الوصية، وجاء في ذلك حديث عند الترمذي (٢٠٩٤) وغيره من حديث علي -﵁-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى بالدين قبل الوصية. وفي إسناده: الحارث الأعور، وقد كُذِّب، لكن قال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم.\nوقد تكلم أهل العلم على سبب تقديم الله للوصية على الدين في الذِّكر بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١].\nوذكروا أقوالا من أحسنها:\n١) أنَّ الوصية تقع على سبيل البر والصلة بخلاف الدَّين؛ فإنه إنما يقع غالبًا بعد الميت بنوع تفريط، فوقعت البداءة بالوصية؛ لكونها أفضل.\n٢) وأحسن من الذي قبله ما قيل: إنَّ الوصية غالبًا ما تكون حق فقير ومسكين، والدَّين غالبًا ما يكون لغني غريم يطلبه بقوة، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «إنَّ لصاحب الحق مقالًا»، فبدأ بالوصية للاهتمام بها، ولئلا يفرط فيها. (^١)\n_________\n(^١) انظر كتاب «التحقيقات المرضية» (ص ٢٧ - ٣٠) للفوزان.","vol":"7","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3819>مسألة [٤]: أركان الإرث</span>.\nالإرث في اللغة: يطلق على البقية والعاقبة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم:٦]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «العلماء ورثة الأنبياء». (^١)\nوفي الشرع: هو حقٌّ قابلٌ للتجزؤ ثبت لمستحق بعد الموت من كان له ذلك؛ لقرابة بينهما أو نحوها. (^٢)\nوأركانه ثلاثة:\nأحدها: المورث، أو الملحق به كالمفقود.\nثانيها: الوارث وهو الحي بعد المورث المستحق للإرث أو الملحق بالأحياء.\nثالثها: الحق الموروث. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3820>مسألة [٥]: شروط الإرث</span>.\nلا يتم التوارث إلا بثلاثة شروط عند أهل العلم:\nأحدها: تحقق موت المورث، أو إلحاقه بالأموات حكمًا كالمفقود إذا حكم بذلك القاضي بعد مدة الانتظار.\nثانيها: تحقق حياة الوارث بعد موت المورث ولو لحظة.\n_________\n(^١) قطعة من حديث أخرجه الترمذي (٢٦٨٢)، وأحمد (٥/ ١٩٦)، وغيرهما من حديث أبي الدرداء، وفي إسناده ضعف، ولكن له شواهد يصح بها.\n(^٢) انظر: «الرائد» (ص ٦)، «تحرير ألفاظ التنبيه» للنووي.\n(^٣) انظر: «الرائد» (ص ٧) «العذب الفائض» (١/ ٢٢).","vol":"7","page":305},{"text":"ثالثها: العلم بالجهة المقتضية للإرث، من زوجية، أو ولاء، أو قرابة مع تعين جهة القرابة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3821>مسألة [٦]: أسباب الإرث</span>.\nأجمع أهل العلم على ثلاثة أسباب، واختلفوا في أسباب أخرى.\nأولا: الأسباب المجمع عليها.\nنظمها محمد بن علي الرحبي -﵀- في منظومته المشهورة، فقال:\nأسباب ميراث الورى ثلاثه ... كلٌّ يفيد ربه الوراثه\nوهي نكاحٌ وولاء ونسب ... ما بعدهن للمواريث سبب\n\nونظمها الشيخ صالح البهوتي الحنبلي في كتابه «عمدة الفارض»، فقال:\nالإرث إما بنكاح قد وجب ... أو بالولاء وهو كلحمة النسب\nأو بقرابة لها انتساب ... فهذه الثلاثة الأسباب\nقلتُ: دليل النكاح والنسب في القرآن، ودليل التوارث بالولاء من السنة، وهو قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الولاء لمن أعتق» متفق عليه من حديث عائشة -﵂-.\nالسبب الأول: النكاح.\nدليله قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٢] الآية، وهو عقد الزوجية الصحيح، وإن لم يحصل وطء ولا خلوة،\n_________\n(^١) انظر: «الرائد» (ص ٧) «التحقيقات» للفوزان (ص ٣٦) «العذب الفائض» (٢/ ٢٣ -).","vol":"7","page":306},{"text":"ويتوارث به من الجانبين.\nودليل حصوله بدون الوطء: أنَّ الله ﷿ حكم بالتوارث بوجود الزواج، ولم يقيد ذلك بمن دخل بها، وفي «السنن» من حديث معقل بن سنان أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى في بَرْوَع بنت واشق، مات عنها زوجها قبل أن يدخل بها، أنَّ لها مثل مهر نسائها، وعليها العدة ولها الميراث. وهو حديث صحيح (^١). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3822>مسألة [٧]: النكاح إذا حصل في مرض مَخُوف</span>؟\n• جمهور العلماء على صحته، وصحة التوارث به؛ لأنه نكاح صحيح ليس هناك ما يبطله، فإذا صح النكاح؛ ثبت التوارث.\n• ومذهب مالك وأصحابه عدم صحة النكاح؛ فلا توارث به، وحجتهم أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- منع المريض مرضًا مخوفًا من التصدق بأكثر من الثلث حتى لا يضر بالورثة، فهذا الزواج فيه إضرار بالورثة.\n• وقال الأوزاعي: النكاح صحيح، ولا ميراث بينهما.\n• وقال القاسم بن محمد، والحسن: إن قصدَ الإضرار بورثته؛ فالنكاح باطل، وإلا فهو صحيح.\nقال شيخ الإسلام -﵀- في «الاختيارات» (ص ١٩٦): ولو تزوج في مرض موته مضارة؛ لتنقيص إرث غيرها، وأقرت به؛ ورِثَتْهُ؛ لأن له أن يوصي بالثلث.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» برقم (١٠٣١).\n(^٢) انظر: «العذب الفائض» (١/ ٢٦) «الرائد» (ص ٨) «التحقيقات» (ص ٣٨) «المغني» (٩/ ١٩١ - ١٩٢).","vol":"7","page":307},{"text":"قال: ولو وصَّى بوصايا أخرى، وتزوجت المرأة بزوج ليأخذ النصف؛ فهذا الموضع فيه نظر؛ فإنَّ المفسدة هي في هذا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو قول الجمهور، ولا دليل على بطلانه، ولا على عدم التوارث به؛ إلا أن الحالة التي ذكرها شيخ الإسلام ﵀، وهي ما إذا ظهرت المفسدة، وقصد الإضرار؛ فيعمل بما ذكره، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3823>مسألة [٨]: المطلقة طلاقًا رجعيًّا هل ترث</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ١٩٤): إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا يملك رجعتها في عدتها؛ لم يسقط التوارث بينهما مادامت في العدة، سواء كان في المرض، أو الصحة، بغير خلاف نعلمه، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود -﵃-؛ وذلك لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه، وظهاره، وإيلاؤه، ويملك إمساكها بالرجعة بغير رضاها، ولا ولي، ولا شهود، ولا صداق جديد. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3824>مسألة [٩]: المطلقة طلاقًا بائنًا هل ترث</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ١٩٤): وإن طلقها في الصحة طلاقًا بائنًا، أو رجعيًّا، فبانت بانقضاء عدتها؛ لم يتوارثا إجماعًا. اهـ\nقلتُ: وذلك لأنها لم تَعُدْ زوجةً له.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٩/ ١٩) «العذب الفائض» (١/ ٢٦، ٣٠).\n(^٢) وانظر: «العذب الفائض» (١/ ٢٨) «التحقيقات» (ص ٣٣).","vol":"7","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3825>مسألة [١٠]: إذا طلق امرأته، فأبانها في مرض مخوف</span>؟\nأما إذا لم يتهم بقصد حرمانها من الميراث، كأن تكون طلبت الطلاق بنفسها، أو هناك أسباب ظاهرة في الطلاق؛ فإنه يقع الطلاق ولا ترث.\n• واختلف أهل العلم فيما إذا طلقها في مرض مخوف مع اتهامه بقصد حرمانها على أقوال:\nالقول الأول: لا ترث منه مطلقًا؛ لأنها لم تَعُدْ زوجة له، وهذا قول الشافعي في الجديد، والظاهرية، وقال به من الصحابة عبد الله بن الزبير -﵁-.\nالقول الثاني: ترث منه إذا توفي، وهي في العدة، ولا ترث إذا توفي بعد انقضاء العدة، وهذا قول شريح، والشعبي، وابن سيرين، وعروة، والشافعي في القديم، وأحمد في رواية، وهو مذهب الحنفية، وذلك لأنه متهم بقصد حرمانها؛ فَعُومِلَ بنقيض قصده، وقيد ذلك بالعدة؛ تشبيهًا بالرجعية.\nالقول الثالث: ترث منه وإن مات بعد انتهاء العدة؛ إلا أن تكون قد تزوجت بآخر، فلا ترث منه، وهذا قول أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وقال به جماعة من التابعين، منهم: الحسن، وعطاء، والشعبي، وحميد، وابن أبي ليلى وغيرهم، وذلك لأنَّ توريثها بعد تزوجها بآخر يلزم أن ترث من زوجين في آن واحد، والمرأة لا ترث كذلك بالإجماع.\nالقول الرابع: أنها ترث مطلقًا منه، مات في العدة أو بعدها، تزوجت أم لم","vol":"7","page":309},{"text":"تتزوج، وهذا مذهب مالك وأصحابه.\nوقد استدل جميع القائلين بالتوريث بأنَّ هذا القول صح عن كبار الصحابة منهم: عمر، وعثمان -﵄-، وقالوا: لم يخالفهما أحد في عصرهما، وإنما جاء الخلاف من عهد ابن الزبير. وجاء هذا القول - أعني التوريث - عن أُبي، وعائشة بإسنادين ضعيفين.\nوقال شيخ الإسلام -﵀- في «الاختيارات» (ص ١٩٧): ومن طلق امرأته في مرض موته بقصد حرمانها من الميراث؛ ورثته إذا كان الطلاق رجعيًّا إجماعًا، وكذا إن كان بائنًا عند جمهور أئمة الإسلام، وقضى به عمر بن الخطاب -﵁-، ولم يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك خلافٌ، وإنما ظهر الخلاف في خلافة ابن الزبير. اهـ\nورجح هذا القول تلميذه ابن القيم في «أعلام الموقعين» (١/ ٢١٠ -)، وانتصر ابن حزم للقول الأول، وأطال الاحتجاج عليه كما في «المحلى» (١٩٧٢).\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب؛ لأنها ليست زوجة له، وإن ظهر قصد الحرمان فالعمل على ما أفتى به عمر -﵁-، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3826>مسألة [١١]: إذا طلق امرأته في مرض مخوف، ثم صح، ثم مات بعد الصحة</span>؟\n• مذهب الجمهور صحة الطلاق، وأنها لا ترث؛ لأنَّ الطلاق وقع في غير مرض الموت.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٩٥) «التحقيقات» (ص ٣٤ -) «سنن البيهقي» (٧/ ٣٦٢ -) «المحلى» (١٩٧٢) «مصنف ابن أبي شيبة» (٦/ ٦٠٩ -).","vol":"7","page":310},{"text":"• ورُوي عن النخعي، والشعبي، والثوري، وزُفر أنها ترثه؛ لأنه طلاق قصد به الفرار من الميراث؛ فله نفس الحكم السابق.\nوالصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: اشترط بعض الجمهور لميراث المطلقة البائنة أن لا ترتد قبل موت مطلقها، ثم تسلم فيموت وهي مسلمة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وبعض الحنابلة، ولم يشترط ذلك مالك، وبعض الحنابلة. وإن كان المرتد هو المُطَلِّق؛ ورثته عند الحنابلة، والحنفية، وقال الشافعي: لا ترثه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3827>مسألة [١٢]: إذا طلقها في مرضه قبل الدخول بها</span>؟\n• في هذه المسألة أربعة أقوال:\nالأول: لها الصداق والميراث، وعليها العدة، وهو قول الحسن، وعطاء، وأبي عبيد، وأحمد في رواية.\nالثاني: لها الصداق والميراث ولا عدة عليها، وهو قول عطاء، وأحمد في رواية.\nالثالث: لها الميراث ونصف الصداق، وعليها العدة، وهو قول مالك، وأحمد في رواية.\nالرابع: لا ميراث لها، ولا عدة عليها، ولها نصف الصداق، وهو قول أكثر\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٩٦ -) «المحلى» (١٩٧٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ١٩٨).","vol":"7","page":311},{"text":"أهل العلم، ومنهم: الشافعي، وأحمد في رواية؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩]. (^١)\nالسبب الثاني: الولاء.\nالولاء لغة: يطلق على النصرة، ويطلق على القرابة، والمقصود به ههنا: ولاء العتق، وهو عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق.\nوالولاء يرث به المعتق الذي باشر العتق، ثم عصبته المتعصبون بأنفسهم لا بغيرهم، ولا مع غيرهم، دون العتيق؛ فلا يرث من معتقه، فالولاء يورث به من جانب واحد، وهو جانب المعتق. وهذا السبب مُجمَعٌ عليه، ودليله الحديث: «إنما الولاء لمن أعتق». (^٢)\nالسبب الثالث: النسب.\nوالمراد به القرابة، وهي: الاتصال بين إنسانين بالاشتراك في ولادة قريبة أو بعيدة، وتشمل الأصول، وهم الآباء والأمهات، والأجداد والجدات، والفروع، وهم: الأولاد، وأولاد البنين وإن نزلوا، والحواشي، وهم: الإخوة وبنوهم وإن نزلوا، والعمومة وإن علوا، وبنوهم وإن نزلوا.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٩٧).\n(^٢) انظر: «التحقيقات» (ص ٤٢) «العذب الفائض» (١/ ٢٦) «الرائد» (ص ٨).","vol":"7","page":312},{"text":"وهذا السبب يورث به من الجانبين تارة، ومن أحدهما تارة أخرى. (^١)\nثانيًا: الأسباب المختلف فيها.\nالسبب الأول: جهة الإسلام.\n• اختلف أهل العلم هل يرث بها بيت المال، أم لا؟ على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: ليس ذلك سببًا من أسباب الإرث، انتظم بيت المال، أم لم ينتظم، وهو مذهب الحنابلة، والحنفية؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٥/الأحزاب:٦]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من ترك مالًا فلورثته»، فيرد الباقي على أصحاب الفروض، أو يورث لذوي الأرحام إن وجدوا، والرد عندهم مقدم على توريث ذوي الأرحام، وقد ثبت عن عمر، وابن مسعود توريث ذوي الأرحام عند عدم وجود غيرهم، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١١/ ٢٦٠)، و«سنن ابن منصور» رقم (١٥٤) (١٦٥).\nالقول الثاني: يرث بيت المال مطلقًا، انتظم أم لم ينتظم، وهو مذهب مالك، وأكثر أصحابه، والأوزاعي، وأبي ثور، والشافعي في القديم، وبعض أصحابه، واستدلوا بالحديث الذي في الباب، حديث المقدام، وهو حديث حسن: «أنا وارث من لا وراث له، أعقل عنه وأرثه»، قالوا: وهو -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يرث لنفسه، بل يصرفه للمسلمين، وهذا قضاء زيد بن ثابت -﵁-.\nالقول الثالث: يرث بيت المال إذا كان منتظمًا، وإلا فيرد على الورثة، وهو\n_________\n(^١) انظر: «التحقيقات» (ص ٤٣) «العذب الفائض» (١/ ٢٧) «الرائد» (ص ٨).","vol":"7","page":313},{"text":"قولٌ للشافعي في الجديد، وهو الأصح عند الشافعية، وقال به بعض المالكية.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر أنَّ اختلافهم في هذا السبب هو في حالة وجود أرحام وارثين وغير وارثين، وأما عند عدم وجود أرحام؛ فإنه يرجع إلى الإمام يصرفه حيث رأى المصلحة في ذلك، والله أعلم.\nوقد استدل القائلون بتقديم ذوي الأرحام على بيت المال بالآية السابقة، وبقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء:٣٣]، وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الخال وارث من لا وراث له»، وهو حديث حسن كما بيَّناه سابقًا.\nوأجاب القائلون بتقديم بيت المال على ذوي الأرحام الغير وارثين بأنَّ الآيتين مجملتان، مبينتان بآيات المواريث، وبالحديث: «ألحقوا الفرائض بأهلها ...»، وأما الحديث فبعضهم ضعَّفه، وبعضهم يقول: الخال يُعطَى الميراث؛ لهذا الحديث، ولا يلزم تعميم ذوي الأرحام، وهذا الدليل أخص من الدعوى.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: تلحق الفرائض بأهلها فرضًا، وتعصيبًا؛ فإن بقي شيءٌ فهو مردود عليهم، وإن لم يوجد ورثة مطلقًا؛ فالمال لبيت المال إن لم يوجد ذووا أرحام؛ فإن وجد ذووا أرحام فهم أحق به؛ لحديث المقدام المتقدم، وللآية المتقدمة ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٥/الأحزاب:٦]، ولقضاء عمر،","vol":"7","page":314},{"text":"وابن مسعود -﵄-، والله أعلم. (^١)\nالسبب الثاني: ذووا الأرحام.\nوالمقصود به في هذا الباب: (من لا يرث بالفرض، أو التعصيب).\nقال الإمام العثيمين -﵀- في كتابه «تسهيل الفرائض» (ص ٧٢ -): وقد اختلف العلماء في توريث ذوي الأرحام:\nفقال مالك والشافعي: لا يرثون. وقال أبو حنيفة وأحمد: يرثون، بشرط أن لا يوجد عاصب ولا ذو فرض يُرَدُ عليه، وهذا مروي عن عمر، وعلي (^٢)، وأبي عبيدة (^٣)، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وغيرهم، وهو الصواب؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: من الآية ٧٥]، ولقول النبي - ﷺ -: «ابن أخت القوم منهم». رواه البخاري ومسلم، وقوله - ﷺ -: «الخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه». رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.\nونصوص الكتاب والسنة في توريثهم إما مجملة كالآية، وإما في فرد واحد منهم كالحديث، فمن ثَمَّ اختلف القائلون بتوريثهم على ثلاثة أقوال:\nأحدها: اعتبار قرب الدرجة؛ فمن كان أقرب إلى الوارث كان أولى بالميراث\n_________\n(^١) انظر: «العذب الفائض» (١/ ٢٧) (٢/ ٢١) «الإشراف» (٤/ ٣٩٦،٣٩٩) «التحقيقات» (ص ٤٤).\n(^٢) ضعيف. أخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٢٦١) من طريق رجل، عن علي ﵁. وهذا إسنادٌ ضعيف؛ لأن الراوي عن علي -﵁- رجل مبهم.\n(^٣) هو في ضمن الحديث المرفوع عن عمر ﵁ الذي في الباب؛ فإنه سأل عمر عن توريث الخال؛ فذكر له الحديث المرفوع، فأخذ به أبو عبيدة -﵁-.","vol":"7","page":315},{"text":"من أي جهة كانت، وحجة هذا القول قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، ومتى اعتبرنا الأولوية كان الأقرب أولى.\nالقول الثاني: اعتبار قرب الجهة، وهذا مذهب أبي حنيفة فيجعل الجهات أربعًا: بنوة، ثم أبوة، ثم أخوة، ثم عمومة، فمتى كان في الجهة الأولى وارث من ذوي الأرحام لم يرث أحد من الجهة التي بعدها قياسًا على الإرث بالتعصيب، ويسمى هذا المذهب مذهب أهل القرابة، قاله في \"المغني\" ص ٢٣٢ ج ٦.\nالقول الثالث: اعتبار التنزيل؛ فينزل كل واحد من ذوي الأرحام منزلة من أدلى به، ثم يقسم المال بين المدلى بهم، فما صار لكل واحد أخذه المدلي، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: هذا القول هو الثابت عن الصحابة رضوان الله عليهم؛ فيُعمل به؛ فقد ثبت عند ابن أبي شيبة (١١/ ٢٦٠)، وابن منصور (١٥٤، و١٦٥) عن عمر -﵁-، أنه قسم المال بين عمة وخالة، جعل العمة بمنزلة الأب، والخالة بمنزلة الأم، جعل للعمة الثلثين، وللخالة الثلث.\nوثبت ذلك أيضًا عن ابن مسعود، كما في الكتابين السابقين.\nالسبب الثالث: الموالاة والمعاقدة.\nوهو ما كان يفعله أهل الجاهلية حيث كان الرجل منهم إذا رغب في أُخُّوةِ آخر عاقده وتحالفوا على الأُخوَّة، والتوارث، فيقول له: دمي دمك، وهدمي","vol":"7","page":316},{"text":"هدمك، وترثني وأرثك، وتُطلب بي، وأُطلب بك.\nوقد حصل بذلك توارث في الإسلام، وذلك هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:٣٣].\n• واختلفوا هل بقي التوارث فيه، أو نسخ هذا السبب؟ على قولين:\nالأول: أن الإرث به لم ينسخ، وإن وجد وارث من ذوي الأرحام؛ فهو أولى منهم، فيرث الحليف عند عدم وجودهم، وهو قول الحنفية، وأحمد في رواية.\nالثاني: أنَّ التوارث به منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، وهذا مذهب الأكثر، ومنهم: مالك، وأحمد في الرواية المشهورة، والشافعي وغيرهم، وهو الراجح.\nوأما الآية: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ فمنهم من قال بالنسخ، ومنهم من قال: المراد بها نصيبهم من النصرة، والمعونة، والنصيحة، وهو قول ابن عباس وآخرين، والذي يظهر هو القول بنسخها، وقد قررنا ذلك في كتابنا «فتح المنان فيما صحَّ من منسوخ القرآن» ولله الحمد والمنة. (^١)\nالسبب الرابع: إسلامه على يديه.\n• اختلف أهل العلم هل يرث الرجل من أسلم على يديه أم لا؟\n• فذهب جمهور العلماء إلى عدم التوارث بذلك، ولا يكون له عليه ولاء، وهو\n_________\n(^١) وانظر: «التحقيقات» (ص ٤٥) «المغني» (٩/ ٢٥٥).","vol":"7","page":317},{"text":"قول الحسن، والشعبي، وأحمد، والشافعي، ومالك، وأصحاب الرأي، واستدلوا بحديث: «إنما الولاء لمن أعتق»، ولأنَّ أسباب التوارث ليست موجودة فيه.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ له عليه الولاء ويرثه، وهو قول إسحاق، وأحمد في رواية، وقال به طاوس، وربيعة، والليث، وعمر بن عبدالعزيز، وهو ظاهر اختيار ابن القيم -﵀-، ونقل عن عمر -﵁-.\nواستدل هؤلاء بحديث تميم الداري في «سنن أبي داود» (٢٩١٨)، و«سنن الترمذي» (٢١١٢) وغيرهما، أنه قال: يا رسول الله، ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ قال: «هو أولى الناس بمحياه ومماته».\nوبما رواه سعيد بن منصور (٢٠١) من رواية راشد بن سعد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أسلم على يديه رجل؛ فهو مولاه يرثه ويدي عنه».\nوجاء من حديث أبي أمامة عند ابن عدي (٢/ ٥٥٩) (٦/ ٢٣٩٧)، و«سنن ابن منصور» (٢٠٠) مرفوعًا: «من أسلم على يديه رجل؛ فله ولاؤه».\n• وذهب بعضهم إلى أنه يرثه إذا عقل عنه، وإن لم يعقل عنه لم يرثه، وهو قول سعيد بن المسيب.\n• وقال يحيى بن سعيد: إن كان من أهل الحرب؛ ورثه، وإن كان من أهل الذمة؛ فلا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الراجح هو القول الأول؛ لعدم صحة أدلة أهل","vol":"7","page":318},{"text":"القول الثاني؛ فإنَّ حديث تميم الداري لا يثبت؛ فهو من طريق: قبيصة بن ذؤيب عنه، ولم يسمع منه كما في «جامع التحصيل» وقد رُوي عن قبيصة مرسلًا، ورُوي بدون ذكر قبيصة من رواية عبد الله ابن موهب عن تميم، ورجَّحه الترمذي، وهو منقطع أيضًا، ومع ذلك فالحديث ليس بصريح في التوراث؛ فإن قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «أولى الناس» يحتمل أن يكون بمعنى النصرة، والمعاونة، وما أشبه ذلك؛ فلا يعارض قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الولاء لمن أعتق».\nوأما مرسل راشد بن سعد؛ فهو مع إرساله في إسناده: الأحوص بن حكيم العنسي، وهو ضعيفٌ.\nوأما حديث أبي أمامة ففي إسناده عند ابن عدي: جعفر بن الزبير، وهو متروك، وقد كذب، وتابعه عند ابن منصور، وابن عدي معاوية بن يحيى الصَّدَفي، وهو شديد الضعف.\nفهذه الأحاديث لا تقوى على معارضة حديث: «إنما الولاء لمن أعتق»؛ فالصحيح هو قول الجمهور، وهو ترجيح الإمام البخاري وآخرين، وبالله التوفيق.\nوما نقل عن عمر أخرجه ابن منصور (٢٠٩)، من طريق: إسحاق بن أبي فروة، وهو كذاب، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥٧٤) بإسناد فيه ضعفٌ، وانقطاع. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «تهذيب السنن» (٤/ ١٨٤ - ١٨٦) «المغني» (٩/ ٢٥٤) «الفتح» (٦٧٥٧) «التحقيقات» (ص ٤٦ - ٤٧) «سنن ابن منصور» (١/ ٧٨) «ابن أبي شيبة» (١٠/ ٥٧٤).","vol":"7","page":319},{"text":"السبب الخامس: الالتقاط.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٢٥٥): وَاللَّقِيطُ حُرٌّ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ وَلَاءَهُ لِمُلْتَقِطِهِ. وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ، وَإِسْحَاقُ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ: إنْ نَوَى أَنْ يَرِثَ مِنْهُ فَذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -: «الْمَرْأَةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: لَقِيطَهَا، وَعَتِيقَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ».\nقال: وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَرَابَةٍ، وَلَا عَتِيقٍ، وَلَا ذِي نِكَاحٍ؛ فَلَا يَرِثُ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَالْحَدِيثُ فِيهِ كَلَامٌ. اهـ\nقلتُ: قد تقدم الترجيح في هذه المسألة، في باب اللقطة، فصل في أحكام اللقيط، رقم المسألة: (٦)؛ فراجع ذلك.","vol":"7","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3828>فَصْلٌ فِي مَوَانِعِ الإِرْث</span>\nأجمع أهل العلم على أنَّ الميراث يمنعه ثلاثة موانع، نظمها صاحب «الرحبية» بقوله:\nويمنع الشخص من الميراث ... واحدة من علل ثلاث\nرق وقتل واختلاف دين ... فافهم فليس الشك كاليقين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3829>المانع الأول: الرِّق</span>.\nالرِّقُّ لغة: العبودية، وشرعًا: عجزٌ حكمي يقوم بالإنسان بسبب الكفر، بمعنى أنَّ الشارع حكم على هذا الإنسان بعدم نفاذ تصرفه بسبب كفره بالله، لا بسبب عدم حسن التصرف كما في الصبي والمجنون.\nوالرق مانع من الجانبين، لا يَرث ولا يُورث، وسبب عدم الأول: أنه إذا ورث شيئًا؛ ملكه السيد؛ لأنه ملك لسيده، وسبب عدم الثاني: أنه لا ملك له، ولو ملك؛ فملكه ناقصٌ غير مستقر، يزول إلى سيده بزوال ملكه عن رقبته؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من باع عبدًا وله مال؛ فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع»، وهذا الحكم عليه عامة العلماء؛ إلا شيئًا من الخلاف حُكي عن الحسن، وطاوس كما في «المغني». (^١)\nتنبيه: المدبر، وأم الولد، كالقِن -العبد الذي لم يتعلق به سبب الحرية- لأنهم رقيق بدليل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- باع مدبَّرًا، وأم الولد المملوكة يجوز لسيدها\n_________\n(^١) انظر: «التحقيقات» (٥١) «العذب الفائض» (١/ ٣٢) «المغني» (٩/ ١٢٣).","vol":"7","page":321},{"text":"وطؤها؛ بحكم الملك، وتزويجها وإجارتها، وحكمها حكم الأمة في جميع أحكامها؛ إلا فيما ينقل الملك فيها، أو يراد له كالرهن، ففي ذلك خلاف. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3830>مسألة [١]: من بعضه حرّ، هل يرث أم لا</span>؟\n• من أهل العلم من جعل حكمه كحكم العبد الخالص، وهو قول مالك، والشافعي في القديم. قال ابن الَّلبَّان: هذا غلطٌ؛ لأنه ليس لمالك باقيه على ما عُتِق منه ملك، ولا ولاء ولا هو ذو رحم.\n• ومن أهل العلم من قال: هو كالحر؛ فلا يرثه مالكُ باقيه، وإنما ميراثه لورثته، وهو قول الحسن، وجابر بن زيد، والشعبي، والنخعي، والحكم، وحماد، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد.\n• ومنهم من قال: يورث عنه ولا يرث، وهو قول طاوس، وعمرو بن دينار، وأبي ثور، والشافعي في الجديد.\n• ومنهم من قال: يرث ويورث عنه، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية، وهو قول أحمد، وعثمان البتي، وابن المبارك، والمزني، وأهل الظاهر.\nوهذا القول الأخير هو أقرب الأقوال، والله أعلم. وهو ظاهر اختيار الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nتنبيه: إن كان كسب المبعض بجزئه الحر، مثل إن كان قد هايأ السيد على\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٢٤).","vol":"7","page":322},{"text":"منفعته، فاكتسب في أيامه، أو ورث شيئًا ببعضه الحر، أو كان قد قاسم سيده في حياته، فتركته كلها لورثته، لا حقَّ لمالك باقيه فيها. وقال قوم: جميع ما خلَّفه بينه وبين سيده.\nقال ابن قدامة -﵀-: قال ابن اللبان: هذا غلط؛ لأن الشريك إذا استوفى حقه من كسبه مرة؛ لم يبق له حق في الباقي، ولا سبيل له على ما كسبه بنصفه الحر، كما لو كان بين شريكين، فاقتسما كسبه؛ لم يكن لأحدهما حق في حصة الآخر، والعبد يخلف أحد الشريكين فيما عتق منه. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3831>مسألة [٢]: المكاتَب هل يرث ويورث عنه أم لا</span>؟\nأما قبل تأدية شيء من الكتابة فحكمه حكم العبد عند أهل العلم.\n• وأما بعد تأديته بعض ما كوتب عليه؛ ففيه خلاف مبني على الخلاف في المكاتَب إذا أدَّى بعض الكتابة، هل يصير بعضه حرًّا وبعضه عبدًا، أم أنه يبقى عبدًا حتى يؤدي جميع مال الكتابة؟ وسنتكلم على هذه المسألة إن شاء الله في كتاب العتق، فمن قال بالأول؛ فحكمه حكم المبعض، ومن قال بالثاني؛ فقالوا: لا يرث من غيره. واختلفوا هل يرثه غيره أم لا؟ فمذهب الشافعي، وأحمد في رواية أنَّ الكتابة تنفسخ، ويكون المال للسيد. وقال جماعة: إذا مات وعنده ما يؤدي الكتابة؛ فإنه يكون حرًّا يرثُ ويُورث، فإذا مات؛ يُعطى السيد بقية الكتابة، والباقي لورثته. وهذا قول أحمد في رواية، وهو قول ابن المسيب، وأبي سلمة،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٢٦ -) «التحقيقات» (٥١ - ٥٢).","vol":"7","page":323},{"text":"والنخعي، والشعبي، وشريح، والحسن، ومنصور، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، إلا أن أبا حنيفة جعله عبدًا ما دام حيًّا، ومالكًا جعل من كان معه في كتابته أحق ممن لم يكن معه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3832>المانع الثاني: القتل</span>.\nأما إذا كان القتل عمدًا؛ فإنَّ القاتل لا يرث من المقتول شيئًا.\nقال ابن قدامة -﵀-: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ مِنْ الْمَقْتُولِ شَيْئًا؛ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ جُبَيْرٍ، إنَّهُمَا وَرَّثَاهُ، وَهُوَ رَأْيُ الْخَوَارِجِ؛ لِأَنَّ آيَةَ الْمِيرَاثِ تَتَنَاوَلُهُ بِعُمُومِهَا، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا فِيهِ، وَلَا تَعْوِيلَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ لِشُذُوذِهِ، وَقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِهِ. اهـ\nوالدليل عليه هو حديث: «ليس للقاتل من الميراث شيء»، وهو حديث حسنٌ كما بيَّنَّاه سابقًا. وأما إذا كان القتل خطأ، فاختلف فيه أهل العلم.\n• فمذهب الجمهور أنه لا يرث منه أيضًا، قال به جمعٌ من التابعين، منهم: شريح، وطاوس، وعروة، وجابر بن زيد، والنخعي، وهو مذهب أحمد، والشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي، واستدلوا بعموم الحديث السابق.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يرث من المال دون الدية، قال به جمعٌ من التابعين منهم: سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، ومجاهد، والزهري، وهو قول الأوزاعي، وابن أبي ذئب، ومالك، وأبي ثور، وابن المنذر، وداود؛ لأنَّ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٢٤ - ١٢٦) «التحقيقات» (ص ٥٢ - ٥٣).","vol":"7","page":324},{"text":"ميراثه ثابت بالكتاب، والسنة، وتخصص قاتل العمد بعدم الميراث بالإجماع؛ فوجب البقاء على ظاهره فيما سواه.\nواستدل بعضهم لهذا القول بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال يوم فتح مكة: «لا يتوارث أهل ملتين، والمرأة ترث من دية زوجها وماله، وهو يرث من ديتها ومالها؛ مالم يقتل أحدهما صاحبه؛ فإن قتل أحدهما صاحبه لم يرث من ديته وماله شيئًا، وإن قتل أحدهما صاحبه خطأً ورث من ماله، ولم يرث من ديته»، وهو حديث حسن، أخرجه ابن ماجه (٢٧٣٦)، وابن الجارود (٩٦٧)، والدارقطني (٤/ ٧٢)، من طريق: [محمد] (^١) بن سعيد، عن عمرو بن شعيب به.\nقال الدارقطني -﵀- عقب هذا الحديث: محمد بن سعيد الطائفي ثقة. اهـ\nوقد ظنَّ بعضهم أنه المصلوب؛ فحكم على الحديث بالوضع كعبد الحق الأشبيلي، وتبعه الإمام الألباني كما في «الضعيفة» (٤٦٧٤)، و«ضعيف سنن ابن ماجة» (٥٤٤)، وكأنهما لم يطَّلِعا على قول الدارقطني، وبالله التوفيق.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وهذا الحديث نصٌّ في المسألة؛ فالراجح هو القول الثاني، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وقع عند ابن ماجه، وابن الجارود [عمر]، وصوابه [محمد] كما بين ذلك الذهبي -﵀- في «الكاشف».\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ١٥٠ -) «العذب الفائض» (١/ ٣٩ -) «التحقيقات» (ص ٥٣ -) للفوزان.","vol":"7","page":325},{"text":"تنبيه: عند الشافعي، وأحمد في رواية أنَّ القاتل لا يرث، ولو كان القتل بحق، كالعادل يقتل الباغي، أو القتل قصاصًا، أو حدًّا، أو دفاعًا عن نفسه، وعن أبي حنيفة وأصحابه أنَّ القتل الذي يمنع الميراث ما باشر القاتل فيه القتل دون ما كان فيه سببًا كحفر بئر، أو وضع حجر في الطريق؛ فقتل مورثه. والصحيح أنَّ القاتل لا يرث في كل قتل بغير حق، وهو ما كان مضمونًا بقود، وهو قول في مذهب أحمد، وهو مقتضى مذهب مالك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3833>المانع الثالث: اختلاف الدين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3834>مسألة [٣]: التوارث بين المسلم والكافر</span>.\nأجمع أهل العلم على أنَّ الكافر لا يرث المسلم.\n• واختلفوا: هل يرث المسلم من الكافر أم لا؟ فذهب عامة أهل العلم وجمهورهم إلى عدم الإرث؛ لحديث أسامة، وعبد الله بن عمرو -﵃- اللذين في الباب.\n• وصحَّ عن معاذ، ومعاوية -﵄- أنهما ورَّثا المسلم من الكافر كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، وقال به جمعٌ من التابعين، منهم: مسروق، وسعيد بن المسيب، والنخعي، وقال به إسحاق، وكأنهم لم يبلغهم الحديثان اللذان أشرنا إليهما، والصحيح هو قول الجمهور، ويمكن أن يحمل قول معاوية، ومعاذ -﵄-: على أنهما أعطيا المسلم؛ لكونه مستحقًّا من بيت المال، وهو أولى بمال قريبه الكافر، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٥٢) «التحقيقات» (ص ٥٤ - ٥٥).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٦٧٦٤) «المغني» (٩/ ١٥٤) «ابن أبي شيبة» (١٠/ ٥٥٠ - ٥٥٢) ط/الرشد.","vol":"7","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3835>مسألة [٤]: هل يرث المسلم من الكافر إذا كان له عليه ولاء</span>؟\n• جاء عن بعض أهل العلم توريث المسلم من المولى الكافر، وهو قول عمر ابن عبد العزيز، وأحمد في رواية، وبه قال أهل الظاهر، ونقل عن مالك.\nواستدل لهذا القول بحديث جابر عند الدارقطني (٤/ ٧٤) مرفوعًا: «لا يرث المسلم النصراني؛ إلا أن يكون عبده أو أمته»، وهو حديث رُوي مرفوعًا وموقوفًا، والراجح وقفه على جابر، وهو صحيح عنه موقوفًا، كما في «مصنف عبد الرزاق» (٦/ ١٨). وقد رجح الموقوف الدارقطني عقب الحديث. (^١)\n• وجمهور العلماء والفقهاء على أنَّ السيد لا يرث عتيقه مع اختلاف الدين؛ لعموم حديث أسامة، وعبد الله بن عمرو، وكما أنَّ اختلاف الدين منع التوارث بالنسب، وهو أقوى من الولاء؛ فيمنعه بالولاء من باب أولى؛ لأنه إذا منع الأقوى؛ فالأضعف أولى، وهذا القول صححه ابن قدامة، وهو الصحيح.\nوأما حديث جابر؛ فهو موقوف، وليس فيه حجة؛ لأنه ذكر العبد والأمة، ولاخلاف في أن السيد يأخذ مال عبده وأمته إذا ماتا، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3836>مسألة [٥]: هل يرث الكافر من المسلم إذا أسلم قبل القسمة</span>؟\n• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه يرث، وهو قول جابر بن زيد، والحسن، ومكحول، وقتادة، وإياس، وإسحاق، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث: «من\n_________\n(^١) وانظر: «الإرواء» (١٧١٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٢١٧) «الفتح» (٦٧٦٥).","vol":"7","page":327},{"text":"أسلم على شيء فهو له»، وبحديث: «كل قَسَمٍ قُسِمَ في الجاهلية؛ فهو على ما قُسم، وكل قسم أدركه الإسلام؛ فهو على الإسلام».\n• وذهب جمعٌ من أهل العلم، بل أكثرهم إلى أنه لا يرث، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والزهري، وسليمان بن يسار، والنخعي، والحكم، وأبي الزناد، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، واختاره الإمام البخاري وغيره؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يرث الكافر المسلم»، والتركة تنتقل إلى الوارثين بموت مورثهم، قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء:١٢]، وهذا القول هو الصواب.\nوأما حديث: «من أسلم على شيء؛ فهو له»، فقد أخرجه سعيد بن منصور (١/ ٧٦) مرسلًا، وليس بصريح في مسألتنا، بل يظهر أنَّ معناه كمعنى الحديث الذي بعده، وهو حديث ابن عباس عند أبي داود (٢٩١٤)، وغيره: «كل قَسَمٍ قُسِمَ في الجاهلية ...»؛ فإنه حديث صحيح، ولكن معناه: أنَّ ما قُسِمَ من الأموال في الجاهلية تقر على ما قسم كما تقر أنكحتهم، ومالم يقسم؛ فإنه يقسم على أحكام الشرع، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: ومثل الحكم السابق الرقيق إذا أُعتِق قبل القسمة؛ فإنه لا يرث عند جمهور الفقهاء من الصحابة، ومن بعدهم، ونقل الخلاف في ذلك عن مكحول،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٦٠) «الفتح» (٦٧٦٤) «التحقيقات» (ص ٥٧ -).","vol":"7","page":328},{"text":"وقتادة أنهما ورثا من أعتق قبل القسمة، وقول الجمهور هو الصواب، وكان يلزم من ورث الكافر إذا أسلم قبل القسمة أن يورث العبد إذا أُعتق قبل القسمة، وقد فرَّقوا بينهما بما لا يوجب التفريق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3837>مسألة [٦]: هل يتوارث أهل الكفر بعضهم من بعض</span>؟\nأما إذا كانت ملتهم واحدة كاليهودية، أو النصرانية؛ فإنهم يتوارثون. قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافًا.\nوالدليل على ذلك مفهوم حديث أسامة، وعبد الله بن عمرو، وورث طالب وعقيل أبا طالب دون جعفر، وعلي؛ لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين كما في «الصحيح». (^٢)\n• وأما إذا اختلفت أديانهم، ففيه خلاف بين أهل العلم، فمذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وداود، وأحمد في رواية وآخرين أنهم يتوارثون؛ لأنَّ الكفر كله ملة واحدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، وهذا القول عزاه الحافظ للجمهور.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الكفر ثلاث ملل: اليهودية، والنصرانية، ودين من عداهم، يجمعهم أنهم لا كتاب لهم، وهذا قول شريح، وعطاء، وعمر\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٩/ ١٦١).\n(^٢) انظر: «البخاري» رقم (١٥٨٨)، ومسلم رقم (١٣٥١).","vol":"7","page":329},{"text":"ابن عبد العزيز، والضحاك، والحكم، والثوري، والليث، ووكيع، ومالك، وبعض الحنابلة، واستدلوا بحديث: «لا يتوارث أهل ملتين».\n• والمشهور في مذهب أحمد أنَّ الكفر ملل كثيرة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج:١٧]، ففرق بين الملل المذكورة، وهذا قول الزهري، وربيعة، وإسحاق، وطائفة من أهل المدينة، والبصرة. واستدلوا أيضًا بالحديث: «لا يتوارث أهل ملتين».\nقال ابن قدامة -﵀-: وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.\nواستدل بالحديث المذكور.\nقال: وَلِأَنَّ كُلَّ فَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ لَا مُوَالَاةَ بَيْنَهُمْ، وَلَا اتِّفَاقَ فِي دِينٍ؛ فَلَمْ يَرِثْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، كَالمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ.\nقال: وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ -﵁-؛ فَإِنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ رَوَى عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ -﵇- أَنَّهُ جَعَلَ الْكُفْرَ مِلَلًا مُخْتَلِفَةً. وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ؛ فَيَكُونُ إجْمَاعًا. اهـ\nوهذا القول هو الصواب -والله أعلم- وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين، وفضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله وعافاه.\nوأما الآية: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣]؛ فالمراد أهل الدين الواحد منهم، أو المراد أنهم يتوالون ويتناصرون ضد المسلمين، ويدل على ذلك قوله","vol":"7","page":330},{"text":"تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣] الآية.\nوأما قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]؛ فإنَّ قوله: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ واحد باللفظ أُضيف إلى ما يفيد الكثرة بالمعنى، كقول القائل: أخذ عن علماء الدين علمهم. يريد علم كلٍّ منهم. أجاب بذلك القرطبي في «المفهم» كما في «الفتح». (^١)\nتنبيه: جاء عن جماعة من الفقهاء أنهم يشترطون في توريث الكفار بعضهم من بعض أن يكون دارهم واحدًا، كأن يكونوا حربيين فقط، أو ذميين؛ فلا توارث عندهم بين ذميٍّ وحربيٍّ، وهو قول الشافعي وأصحابه، والحنفية، وبعض الحنابلة.\nورجح ابن قدامة عدم اشتراط ذلك، وهو قول جماعة من الحنابلة، والمالكية؛ لعدم وجود دليل على هذا الشرط، والأحاديث -أعني حديث أسامة وعبدالله بن عمرو- عامة تشمل الذمي، والحربي، والمستأمن، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم، وهو ترجيح الفوزان. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3838>مسألة [٧]: ميراث المرتد</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ١٥٩): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ أَحَدًا. وَهَذَا قَوْلُ، مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٥٦ - ١٥٧) «الفتح» (٦٧٦٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ١٥٧ - ١٥٩) «التحقيقات» (ص ٦٣ - ٦٤).","vol":"7","page":331},{"text":"نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ مُسْلِمًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا يَرِثُ كَافِرٌ مُسْلِمًا»، وَلَا يَرِثُ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي حُكْمِ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ، وَلِهَذَا لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ، وَلَا نِكَاحُ نِسَائِهِمْ، وَإِنْ انْتَقَلُوا إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ تَزُولُ أَمْلَاكُهُ الثَّابِتَةُ لَهُ وَاسْتِقْرَارُهَا، فَلَأَنْ لَا يَثْبُتُ لَهُ مِلْكٌ أَوْلَى. وَلَوْ ارْتَدَّ مُتَوَارِثَانِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا؛ لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ؛ فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: نفى ابن قدامة علمه بالخلاف، وقد وجدت خلافًا عن داود الظاهري، وتبعه ابن حزم؛ فإنهم يجعلون المرتد حكمه كحكم الكافر، فميراثه لورثته من الكفار، وقيَّد ابن حزم ذلك بماله الذي لم يظفر به المسلمون، وهذا ظاهر اختيار الشوكاني كما في «وبل الغمام».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: المرتد لا يُقَرُّ على دينه، وهو حلال الدم والمال، وهذا لا يمنع أن يرث من قريبه الكافر، ولا يمنع أيضًا أنَّ الكافر المرتد إذا مات بين ظهراني الكافرين الحربيين أنهم يرثون ماله؛ لأننا لم نظفر به كما أشار إلى ذلك ابن حزم، والله أعلم.\nوأما إذا ارتد، ولحق بأهل الذمة؛ فلا يقرون على أخذ ماله، بل هو فيءٌ للمسلمين، وأهل الذمة ملزمون بعهدهم، ومن ذلك عدم إيواء المرتدين، ونصرهم، والحفاظ على أموالهم، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٧٤٤) «وبل الغمام» (٢/ ٣٨٠).","vol":"7","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3839>مسألة [٨]: إذا مات المرتد، أو قتل على ردته، وماله بين المسلمين، فلمن ماله</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يكون ماله فيئًا لبيت المسلمين، وهو الصحيح في مذهب أحمد، وقال به ربيعة، ومالك، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. وحجة هؤلاء حديث: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم»، وقوله: «لا يتوارث أهل ملتين»، والمرتد كافر.\nوهذا القول نصره ابن حزم في «المحلى»، ورجحه الشوكاني في «وبل الغمام».\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ ميراثه لورثته المسلمين، صحَّ هذا من فعل علي -﵁-، وبه قال جمعٌ من التابعين، منهم: سعيد بن المسيب، وأبو الشعثاء، والحسن، وعطاء، والشعبي، والحكم، وعمر بن عبد العزيز، وهو مذهب الأوزاعي، والثوري، وإسحاق، والحنفية، وبعض الحنابلة، واستثنى بعضهم المال الذي اكتسبه في ردته، فقالوا: يكون فيئًا.\n• وذهب داود الظاهري إلى أنَّ المال لورثته من أهل الدين الذي ارتد إليه، وهو رواية عن أحمد، وهذا القول غير صحيح؛ لأنَّ ماله بين أظهر المسلمين، والمرتد لا يقر على كفره، وليس له أحكام أهل الذمة بعد ارتداده؛ فالصحيح هو قول من قال: إنه يكون فيئًا لبيت المال، وينبغي لولي المسلمين أن يعطيه ورثة المرتد من المسلمين كما فعل علي -﵁-؛ لأنهم أحق الناس بذلك المال.\nوقد اختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما أنَّ ميراث المرتد","vol":"7","page":333},{"text":"لورثته المسلمين؛ لأنَّ هذا هو قضاء علي -﵁-، ولأنه أولى من الطلاق في المرض المخوف.\nوالذي يظهر أنَّ القول الأول هو الصواب كما تقدم، وهو ترجيح ابن قدامة، ورجحه الإمام ابن عثيمين، واستدل على ذلك بالحديث المتقدم، ورد على الاستدلال بفعل بعض الصحابة بأنه ليس بإجماع حتى يلزم القول به، وأجاب الشوكاني بأنَّ فعل علي -﵁- ليس بحجة، قال: ويحتمل أنه صرفه لورثته؛ لكونه كان والي المسلمين، فصرفه لهم لا على سبيل الميراث، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3840>مسألة [٩]: إذا لحق المرتد بدار الحرب، فماذ يصنع بماله إذا لم يمت بعدُ</span>؟\n• مذهب أحمد، ومالك، والشافعي رحمة الله عليهم أنَّ ماله يوقف، فإذا أسلم؛ دُفِع إليه، وإن مات؛ صار فيئًا.\n• وأما الحنفية فيصرفونه إلى من يصرف إليه إذا مات؛ فإن عاد إلى الإسلام؛ فله ما وجد من ماله، ولا يرجع على ورثته بشيء مما أتلفوه. وقال ابن حزم: يأخذه بيت المال فيئًا، ولا يُعاد إليه، وإن أسلم. والله أعلم.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٦٢ -) «الاختيارات» (ص ١٩٦) «أعلام الموقعين» (٣/ ٢٥٤) «الشرح الممتع» (٥/ ١٠٠) ط/الآثار، «مصنف ابن أبي شيبة» (١١/ ٣٥٤) ط/الرشد «سنن ابن منصور» (١/ ١٠٠ -) «مصنف عبد الرزاق» (١٠/ ٣٣٨ -) «المحلى» (١٧٤٤) «وبل الغمام» (٢/ ٣٨٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ١٦٤ -) «المحلى» (١٧٤٤).","vol":"7","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3841>فَصْلٌ فِي بَيَانِ الوَارِثِيْنَ مِنَ الرِّجَالِ</span>\nأجمع أهل العلم على توريث خمسة عشر صنفًا من الرجال:\nالأول: الابن؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء:١١].\nالثاني: ابن الابن وإن نزل بمحض الذكور؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية.\nالثالث: الأب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ الآية.\nالرابع: الجد من قِبَلِ الأب وإن علا بمحض الذكور؛ لأنه يدخل في لفظ الأب، فيتناوله النص المتقدم.\nالخامس والسادس: الأخ الشقيق، والأخ لأب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦]، وقد أجمعوا على أنَّ المراد بالأخ ههنا الشقيق، أو لأب. ويدل على ذلك أيضًا قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر».\nالسابع: الأخ لأم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء:١٢]، وأجمع العلماء على أنَّ المراد به ههنا الأخ لأم، وقد قرأ بذلك سعد بن أبي وقاص -﵁-. (^١)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٤١٦)، وابن جرير في تفسير [آية:١٢] من سورة النساء، والبيهقي (٦/ ٢٢٣)، وفي إسناده: القاسم بن عبدالله بن ربيعة بن قانف، وهو مجهول.","vol":"7","page":335},{"text":"الثامن: ابن الأخ الشقيق وإن نزل بمحض الذكور؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فما بقي فلأولى رجل ذكر».\nالتاسع: ابن الأخ لأب وإن نزل بمحض الذكور، ودليله الحديث السابق.\nالعاشر والحادي عشر: العم الشقيق، والعم لأب وإن عليا، ودليله الحديث السابق.\nالثاني عشر والثالث عشر: ابن العم الشقيق، وابن العم لأب وإن نزلا، دليله الحديث السابق.\nالرابع عشر: الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء:١٢].\nالخامس عشر: المعتق، وعصبته المتعصبون بأنفسهم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الولاء لمن أعتق».\nويمكن إجمال هؤلاء إلى عشرة كما قال صاحب «الرحبية» -﵀-:\nوالوارثون من الرجال عشره ... أسماؤهم معروفة مشتهره\nالابن وابن الابن مهما نزلا ... والأب والجد له وإن علا\nوالأخ من أي الجهات كانا ... قد أنزل الله به القرآنا\nوابن الأخ المدلي إليه بالأب ... فاسمع مقالا ليس بالمكذب\nوالعم وابن العم من أبيه ... فاشكر لذي الإيجاز والتنبيه\nوالزوج والمعتق ذو الولاء ... فجملة الذكور هؤلاء","vol":"7","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3842>فَصْلٌ فِي بَيَانِ الوَارِثَاتِ مِنَ النِّسَاء</span>\nأجمع أهل العلم على توريث عشر من النساء:\nإحداهن: البنت؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.\nالثانية: بنت الابن وإن نزل أبو ها بمحض الذكور؛ للآية السابقة.\nالثالثة: الأم؛ للدليل السابق في الأب.\nالرابعة: الجدة من جهة الأم، وأمهاتها المدليات بإناث خُلَّص؛ لحديث بريدة وشواهده الذي في الباب.\nالخامسة: الجدة من جهة الأب وأمهاتها المدليات بإناث خُلَّص، وقد خالف داود الظاهري في أمهاتها كما سيأتي بيانه إن شاء الله في بيان أصحاب السدس.\nتنبيه: الجدة المدلية بِأَبِ الأب، أو جد أعلى، فيها خلاف بين العلماء، وسنتكلم على ذلك إن شاء الله لاحقًا.\nالسادسة: الأخت الشقيقة، والدليل آية الكلالة التي في آخر النساء، وحديث ابن مسعود الذي في الباب.\nالسابعة: الأخت لأب، والدليل آية الكلالة التي في آخر سورة النساء.","vol":"7","page":337},{"text":"الثامنة: الأخت لأم، والدليل آية الكلالة التي في أوائل سورة النساء.\nالتاسعة: الزوجة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢] الآية.\nالعاشرة: المعتقة؛ للحديث: «إنما الولاء لمن أعتق».\nويمكن إجمال العشر مع الجدة المختلف فيها إلى سبع، كما قال صاحب «الرحبية»:\nوالوارثات من النساء سبع ... لم يعط أنثى غيرهن الشرع\nبنت وبنت ابن وأم مشفقه ... وزوجة وجدة ومعتقه\nوالأخت من أي الجهات كانت ... فهذه عدتهن بانت","vol":"7","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3843>فَصْلٌ فِي أَنْوَاعِ الإِرْثِ</span>\nالإرث نوعان: فرض، وتعصيب.\nفالفرض: هو النصيب المقدر شرعًا لوارث خاص لا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول.\nوالتعصيب: هو الإرث بغير تقدير.\nوالورثة ينقسمون من حيث الإرث بهما إلى أربعة أقسام:\nالأول: من يرث بالفرض فقط، وهم سبعة: الأم وولداها -الأخ لأم، والأخت لأم- والجدة من جهة الأم، والجدة من جهة الأب، والزوج، والزوجة.\nالثاني: من يرث بالتعصيب فقط، وهم اثنا عشر: الابن، وابن الابن وإن نزل، والأخ الشقيق، والأخ لأب، وابن الأخ الشقيق، وابن الأخ لأب وإن نزلا، والعم الشقيق، والعم لأب وإن عليا، وابن العم الشقيق، وابن العم لأب وإن نزلا، والمعتق، والمعتقة.\nالثالث: من يرث بالفرض تارة، وبالتعصيب تارة، ويجمع بينهما تارة، وهما الأب، والجد؛ فإنهما يرثان السدس فقط مع وجود ابن الميت، وابن ابنه وإن نزل، ويرثان بالتعصيب عند عدم وجود الفرع الوارث، ويرثان بالفرض","vol":"7","page":339},{"text":"والتعصيب عند وجود بنت الميت، أو بنت ابنه إذا بقي بعد قسمة الفروض أكثر من السدس.\nالرابع: من يرث بالفرض تارة، وبالتعصيب أخرى، ولا يجمع بينهما أبدًا، وهم أربعة: البنت فأكثر، وبنت الابن فأكثر، والأخت الشقيقة فأكثر، والأخت لأب فأكثر؛ فإنهن يرثن بالفرض إذا لم يوجد لكل واحدة منهن معصبها، فإذا وجد معصبها؛ ورثت معه بالتعصيب. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «شرح الرحيبة» للشنشوري مع حاشيته للباجوري (ص ١١٤ - ١١٥)، «التحقيقات» (ص ٧٥ -).","vol":"7","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3844>فَصْلٌ فِي بَيَانِ الفُرُوضِ المُقَدَّرَةِ فِي الشَّرْعِ</span>\nالفروض المقدرة في الشرع ستة، وهي: النصف، الربع، الثمن، الثلثان، الثلث، السدس.\nقال محمد بن علي الرحبي -﵀-:\nواعلم بأنَّ الإرث نوعان هما ... فرض وتعصيب على ما قسما\nفالفرض في نص الكتاب سته ... لا فرض في الإرث سواها البته\nنصف وربع ثم نصف الربع ... والثلث والسدس بنص الشرع\nوالثلثان وهما التمام ... فاحفظ فكل حافظ إمام\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3845>أصحاب النصف:</span>\nيرث النصفَ خمسةُ أفراد بإجماع أهل العلم.\nأحدهم: الزوج، ويستحقه إذا لم يكن للزوجة فرعٌ وارث؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٢].\nالثاني: البنت، وتستحقه إذا كانت واحدة، وليس لها معصب، وهو أخوها؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١].\nالثالث: بنت الابن، وتستحقه إذا كانت منفردة، ولم يوجد فرعٌ وارث أعلى","vol":"7","page":341},{"text":"منها، ولم يوجد لها معصب، وهو أخوها، أو ابن عمها، والدليل الآية السابقة.\nالرابع: الأخت الشقيقة، وتستحقه إذا كانت منفردة، ولم يوجد فرع وارث، أو أصل وارث من الذكور، ولم يوجد معصبها، وهو الأخ الشقيق، والدليل آية الكلالة في آخر سورة النساء.\nالخامس: الأخت لأب، وتستحقه عند انفرادها، ولم يوجد فرع وارث، أو أصل وارث من الذكور، ولم يوجد أشقاء، أو شقائق، ولم يوجد معصبها وهو أخوها، والدليل الآية السابقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3846>أصحاب الربع:</span>\nيرث الربعَ صنفان بإجماع أهل العلم:\nأحدهما: الزوج، ويستحقه عند وجود فرع وارث للزوجة، ودليله قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء:١٢].\nالثاني: الزوجة، وتستحقه عند عدم وجود فرع وارث للزوج، ودليله قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3847>أصحاب الثمن:</span>\nأجمع أهل العلم على أنَّ الثمن لا يستحقه إلا الزوجة، أو الزوجات عند وجود فرع وارث للزوج؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء:١٢].","vol":"7","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3848>أصحاب الثلثين:</span>\nأجمع أهل العلم على أنَّ أصحاب الثلثين أربعة أصناف:\nالأول: البنات إذا كنَّ اثنتين فأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١]، وقد نُقل عن ابن عباس -﵄- أنه جعل للاثنتين النصف، ولم نجده عنه مسندًا، وقد حكم ابن قدامة على هذه الرواية بالشذوذ.\nوالدليل على أنهنَّ يستَحِقْنَ الثلثين إن كنُّ اثنتين: سبب نزول الآية، فقد جاء من حديث جابر عند الترمذي (٢٠٩٢) وغيره أنها نزلت في شأن ابنتي سعد بن الربيع، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اعط ابنتي سعد الثلثين»، وفي إسناده ابن عقيل، وفيه ضعفٌ، ولكن اشتهر عند أهل العلم أنَّ هذا هو سبب نزولها.\nواستدل بعضهم على أنَّ لهما الثلثين بالقياس على الأختين، وذلك لأنَّ الله ﷾ نصَّ على الأختين دون الأخوات، فقال: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦]، ونصَّ على البنات دون البنتين، فأخذنا حكم كل واحدة من الصورتين المسكوت عنها من الأخرى، فإذا أعطى الأختين الثلثين؛ فالبنات من باب أولى؛ لأنهما أمس رحمًا، وأقوى سببًا في الإرث من الأختين.\nوقالوا أيضًا: قيَّد الله النصف للبنت في حالة كونها واحدة؛ فدل بمفهومه على أنه لا يكون لها إلا في حال وحدتها، فإذا كان معها مثلها فإما أن تنقصها عن","vol":"7","page":343},{"text":"النصف، وهذا مُحال، أو يشتركان فيه وذلك يبطل الفائدة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾؛ فتعين القسم الثالث، وهو انتقال الفرض من النصف إلى ما فوقه، وهو الثلثان.\nوقالوا أيضًا: الاثنتان إما أن يكون لهما جميع المال لكل واحدة النصف، وهذا لا يصح؛ لأنَّ الثلاث ليس لهن إلا الثلثان، فكيف الثنتان؟ وإما أن يكون لهما النصف، وهذا يخالف شرط أن تكون واحدة، فانتفى النصف وانتفى الجميع؛ فلم يبق إلا الثلثان.\nإذا تقرر ذلك فما الفائدة في قوله تعالى: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؟.\nأجاب بعض أهل العلم: بأنَّ الفائدة في ذلك الإفادة بأنَّ الفرض لا يزيد بزيادتهن على الاثنتين كما زاد بزيادة الواحدة على الأخرى. (^١)\nوتستحق البنات الثلثين إذا كنَّ اثنتين فأكثر، ولم يكن لهن معصب، وهو أخوهن.\nالثاني: بنات الابن وإن نزلن بشرط أن يكن اثنتين فأكثر كالبنات، وبشرط عدم وجود فرع وارث أعلى منها، وبشرط عدم وجود معصبها، وهو أخوها، أو ابن عمها.\nالثالث: الأختان الشقيقتان فأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١١ -) «أضواء البيان» (١/ ٣٠٨ -) «أعلام الموقعين» (١/ ٣٧٠ -) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣٤٩ -).","vol":"7","page":344},{"text":"مِمَّا تَرَكَ﴾، ويأخذن الثلثين بشرط أن يكن اثنتين فأكثر، وبشرط عدم وجود الأصل الوارث من الذكور، أو الفرع الوارث؛ لقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء:١٧٦]، والكلالة فسرها جمعٌ من الصحابة بأنه من ليس له ولد ولا والد، وبشرط عدم المعصب، وهو أخوهن الشقيق.\nالرابع: الأختان لأب فأكثر؛ للآية السابقة، ويستحقنه بنفس الشروط السابقة مع زيادة شرطٍ وهو عدم وجود أخ شقيق، أو أخت شقيقة فأكثر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3849>أصحاب الثلث:</span>\nيرث الثلث صنفان لا ثالث لهما بالإجماع.\nالصنف الأول: الأم، وتستحقه عند عدم وجود الفرع الوارث، أو جمع من الإخوة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١].\nوالجمع من الإخوة يحجبونها إلى السدس، سواء كانوا ذكورًا، أو إناثًا، أشقاء، أو لأب أو لأم؛ لعموم الآية المتقدمة في ذلك، وأقل عدد يحجبها اثنان عند عامة أهل العلم.\nونُقِلَ الخلاف عن ابن عباس، ونصره ابن حزم في «المحلى» (١٧١٥) أنه لا","vol":"7","page":345},{"text":"يرى الحجب إلا بثلاثة فصاعدًا؛ لأنَّ الآية فيها: ﴿إِخْوَةٌ﴾ وأقل الجمع ثلاثة، وقال لعثمان بن عفان: ليس الأخوان إخوة في لسان قومك؛ فَلِمَ تحجب بهما الأم؟ فقال: لا أستطيع أن أرد شيئًا كان قبلي وتوارث الناس به. وهذا الأثر أخرجه ابن جرير في [آية: ١١] من سورة النساء، والحاكم (٤/ ٣٣٥)، والبيهقي (٦/ ٢٢٧)، وفي إسناده: شعبة مولى ابن عباس، وهو ضعيف.\nوأجاب الجمهور بأجوبة منها:\n١) أنَّ هذا وارد في اللغة من التأليف بين الكلامين يتقارب معناهما، وإن اختلفا في بعض وجوههما، كقولهم: ضربت من عبد الله، وعمرو رؤوسهما، وأوجعت من أخويك ظهورهما. وذلك أشد استفاضة من قولهم: أوجعت منهما ظهرهما. وإن كان مقولًا: أوجعت ظهريهما ... قاله ابن جرير.\n٢) قال بعض أهل العلم: أقل الجمع اثنين. صحَّ ذلك عن زيد بن ثابت -﵁-، ونقل عن جماعة من أهل اللغة، واستدلوا بكثير من الآيات التي فيها إرادة الاثنين بصيغة الجمع.\n٣) أنَّ لفظ (الإخوة) كلفظ (الذكور) و(الإناث) و(البنين)، وهذا كله قد يطلق، ويراد به المتعدد أعم من أن يكون تعددًا بواحد، أو أكثر، نحو: ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك:٤].\n٤) أنَّ استعمال الاثنين في الجمع بقرينة، واستعمال الجمع في الاثنين بقرينة جائزٌ، بل واقع، وأيضًا فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ","vol":"7","page":346},{"text":"مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦]، وهذا يتناول (أخ وأخت) بغير خلاف.\n٥) أنَّ الإخوة إنما حجبوها إلى السدس؛ لزيادة ميراثهم على ميراث الواحد، ولهذا لو كانت واحدة، أو أخًا واحدًا؛ لكان لها الثلث معه، فإذا كان الإخوة ولد الأم؛ كان فرضهم الثلث، اثنين كانا أو مائة، فالاثنان والجماعة في ذلك سواء، وكذلك لو كنَّ أخوات لأب، أو لأب وأم؛ ففرض الثنتين وما زاد واحد، فحجبها عن الثلث إلى السدس باثنين كحجبها عن الثلث إلى السدس بثلاثة سواء لا فرق بينهما ألبتة.\n٦) أنَّ الله ﷿ قال فيما زاد على الأخ أو الأخت من الأم: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء:١٢]، فذكرهم بصيغة الجمع مع كونهم قد يكونون اثنين؛ فدل على أنَّ صيغة الجمع في الفرائض تتناول العدد الزائد على الواحد مطلقًا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الجمهور، وانظر الردود المتقدمة في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٥٩ - ٣٦١).\nالصنف الثاني: وهم الإخوة والأخوات لأم، إذا كانوا اثنين فأكثر؛ اشتركوا في الثلث؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، ويشتركون بالسوية ذكرهم وأنثاهم عند عامة أهل العلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٧).","vol":"7","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3850>مسألة [١]: هل الإخوة المحجوبون بشخص يحجبون الأم من الثلث إلى السدس</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، وإن لم يكونوا وارثين، كأن يكون معهم أبٌ حجبهم.\n• وذهب شيخ الإسلام -﵀- إلى أن الإخوة المحجوبين بالأب لا يحجبون الأم عن شيء، بل لها حينئذ الثلث؛ لأنهم حجبوها إلى السدس ليأخذوه لهم؛ فإن كانوا محجوبين لم يحجبوها.\nوالصحيح هو قول الجمهور؛ لعموم الآية المتقدمة، وأما ما جاء عن عمر، وبعض السلف أنهم قالوا: من لا يرث لا يحجب. (^١)\nفأكثر أهل العلم يحملون ذلك على أنَّ المراد: من ليس له أهلية الميراث بالكلية كالكافر والرقيق دون من لا يرث؛ لانحجابه بمن هو أقرب منه، والله أعلم.\nواختار السعدي قول شيخ الإسلام. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه عن عمر -﵁- ابن أبي شيبة (١١/ ٢٧٠)، وسعيد بن منصور (١٣٨)، والبيهقي (٦/ ٢٢٣)، من طريق: أنس بن سيرين، عن عمر، وهو منقطع؛ لأن أنس بن سيرين لم يدرك عمر -﵁-، وجاء هذا القول عن علي -﵁-، أخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٢٧٠ -)، وعبدالرزاق (١٠/ ٢٨١)، وابن منصور (١٤٨)، والدارمي (٢٩٠٠) (٢٩٠١)، والبيهقي (٦/ ٢٢٣)، وله طرق يحسن بها، ولكنه -﵁- ذكر في كلامه اليهود، والنصارى، والمجوس، والمملوكين، وهؤلاء محجوبون بمانع من موانع الإرث كما تقدم.\n(^٢) انظر: «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٤٢٩) «التحقيقات» (ص ٩١).","vol":"7","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3851>مسألة [٢]: الغراوين والعمريتين</span>؟\nاشترط جمهور أهل العلم لميراث الأم الثلث أن لا تكون المسألة إحدى العمريتين، وهما: (زوجٌ وأمٌّ وأبٌ)، أو (زوجة فأكثر وأمٌّ وأبٌ) وسُمِّيتَا غراوين؛ لاشتهارهما كالكوكب الأغر، وسميتا عمريتين نسبة إلى عمر؛ لأنه أول من قضى فيهما.\nوقد اتفق العلماء على أنَّ الزوج يأخذ النصف، والزوجة تأخذ الربع.\n• واختلفوا في مقدار نصيب الأم مما بقي بعد أحد الزوجين على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنَّ للأم ثلث الباقي في المسألتين، وهو في مسألة الزوج (سدس) وفي مسألة الزوجة (ربع)، وهذا قول الجمهور، ومن الصحابة عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت -﵃-، وهو ثابت عنهم، وحجة الجمهور فيه أنَّ الأب والأم إذا انفردا بالمال كان للأم الثلث، وللأب الباقي؛ فيجب أن يكون الحال كذلك فيما بقي بعد الزوجين.\nوقالوا أيضًا: لو أعطيناها الثلث كاملًا في المسألتين؛ لزم إما تفضيل الأم على الأب في مسألة الزوج، وإما أنه لا يفضل عليها التفضيل المعهود في الفرائض في مسألة الزوجة؛ مع أنَّ الأب والأم في درجة واحدة، والقاعدة أنَّ الذكر والأنثى إذا كانا في درجة واحدة فإما أن يتساويا كما في الإخوة لأم، وإما أن يكون للذكر ضعف ما للأنثى كما في أولاد الميت ذكورًا وإناثًا، وأخوته لغير أم ذكورًا وإناثًا.","vol":"7","page":349},{"text":"وأقوى دليل للجمهور هو ما ذكره ابن القيم -﵀- أنَّ قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ في الآية أنه قيدٌ أُريد به أنها تأخذ الثلث بشرط انفرادهما بالميراث، فجعل قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ شرطًا للانفراد، وبقي مع عدم الأولاد في حالة عدم الانفراد، ولا يكون إلا مع الزوجة، أو الزوج؛ فلها ثلث المال الباقي؛ لأنَّ الباقي بعد أخذ الزوج، أو الزوجة الفرض كالمال رأسًا. اهـ بمعناه.\nوأما ابن رجب -﵀- فقال: وقد يقال -وهو أحسن-: إن قوله ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾، أي: مما ورثه الأبوان، ولم يقل: (فلأمه الثلث مما ترك) كما في السدس، والمعنى: أنه إذا لم يكن له ولد، وكان لأبويه من ماله ميراث؛ فللأم ثلث ذلك الميراث الذي يختص به الأبوان، ويبقى الباقي للأب. وانظر بقية كلامه.\nالقول الثاني: أنَّ للأم الثلث كاملًا في المسألتين، صحَّ هذا القول عن ابن عباس -﵄-، وهو قول شُريح، والظاهرية، واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء:١١]؛ فالآية عامة، سواء انفردا أم اجتمعا مع غيرهم.\nوأجاب هؤلاء عن قوله ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ أنه لا يدل على الانفراد، بل هي عامة تشمل حالة الانفراد، وحالة عدم الانفراد، وقد سأل ابن عباس زيد بن ثابت: أتقوله برأيك؟ أم تجده في كتاب الله؟ قال زيد: أقول برأيي، ولا أفضل أُمًّا على أب. فلو كانت الآية تدل على ما قالوه؛ لاستدل بذلك زيد بن ثابت -﵁-.","vol":"7","page":350},{"text":"وأما الفائدة من قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ أنَّ الأم قد تكون ميتة؛ فيكون المال للأب، فنصَّ على أنها ترث ذلك في حالة وجودها.\nوقال ابن قدامة -﵀-: والحجة مع ابن عباس؛ لولا انعقاد الإجماع من الصحابة على مخالفته. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: لا إجماع مع مخالفة حبر من أحبار الأمة.\nوأما قولهم: (فلها الثلث)، أي: مما يرثه الأبوان، فهذا القيد لا دليل عليه.\nقال ابن حزم -﵀-: والعجب أنهم مجمعون معنا على أنَّ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أنَّ ذلك من رأس المال، لا مما يرثه الأبوان.\nقال: وهذا تحكمٌ في القرآن، وإقدام على تقويل الله ما لم يقل، ونعوذ بالله من هذا. اهـ\nالقول الثالث: للأم ثلث الباقي في مسألة الزوج كما يقول الجمهور، ولها الثلث كاملًا في مسألة الزوجة كما يقول ابن عباس -﵄-، وهذا القول منقول عن محمد بن سيرين، وهذا التفصيل لا دليل عليه. (^١)\nأصحاب السدس:\nيرث السدس سبعة أفراد بإجماع أهل العلم، وهم:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٣ - ٢٤) «المحلى» (١٧١٦) «التحقيقات» (ص ٩٢) «أعلام الموقعين» (١/ ٣٥٧) «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٤٢٨) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣٤٣ -).","vol":"7","page":351},{"text":"١) الأب، ويستحقه عند وجود الفرع الوارث؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١١].\n٢) الأم، وتستحقه عند وجود فرع وارث؛ للآية السابقة، وعند وجود جمع من الإخوة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾.\n٣) الجد، ويستحقه عند عدم وجود الأب، ووجود فرع وارث؛ لأنه أبٌ تشمله الآية السابقة.\n٤) بنت الابن، وتستحق السدس عند عدم وجود معصبها، وهو أخوها، أو ابن عمها، وعند عدم وجود الفرع الوارث الأعلى منها من الذكور، أو من الإناث إذا كنَّ اثنتين فأكثر، ولا تستحقه إلا بوجود بنت أعلى منها، ودليل ذلك حديث ابن مسعود الذي في «البخاري»، وقد تقدم في أحاديث الباب. واستدل ابن قدامة -﵀- على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١١].\nقال -﵀-: فَفَرَضَ لِلْبَنَاتِ كُلِّهِنَّ الثُّلُثَيْنِ، وَبَنَاتُ الصُّلْبِ، وَبَنَاتُ الِابْنِ كُلُّهُنَّ نِسَاءٌ مِنْ الْأَوْلَادِ؛ فَكَانَ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ بِفَرْضِ الْكِتَابِ، لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ. وَاخْتُصَّتْ بِنْتُ الصُّلْبِ بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ لَهَا، وَالِاسْمُ مُتَنَاوِلٌ لَهَا حَقِيقَةً، فَيَبْقَى لِلْبَقِيَّةِ تَمَامُ الثُّلُثَيْنِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: لَهُنَّ السُّدُسُ تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ. اهـ\nتنبيه: إذا وجد بنت ابن أخرى مع أختها شاركتها في السدس إذا توفرت بقية الشروط.","vol":"7","page":352},{"text":"٥) الأخت لأب فأكثر، وتستحقه عند وجود شقيقة تأخذ النصف فرضًا، وعند عدم وجود المعصب، وهو أخوها، وعند عدم وجود الفرع الوارث، والأصل الوارث من الذكور، وإذا وجدت شقيقتان أخذن الثلثين، وتسقط الأخت لأب، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، وقال قبلها: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، والمراد بهذه الآية ولد الأبوين، وولد الأب بإجماع العلماء.\nووجه الدلالة من الآية: أنَّ الله تعالى فرض للأخوات الثلثين، فإذا أخذه الشقيقتان لم يبق مما فرضه الله تعالى للأخوات شيء يستحقه الأخت لأب؛ فإن كانت واحدة من الأبوين فلها النصف بنص الكتاب، وبقي من الثلثين المفروضة للأخوات سدس يكمل به الثلثان؛ فيكون للأخوات لأب؛ ولذلك قال الفقهاء: لهن السدس تكملة الثلثين.\nوأجمع أهل العلم على ما تقدم، وقاسه بعضهم على بنت الابن مع البنت.\n٦) ولد الأم، ويستحقه عند انفراده مع عدم وجود الفرع الوارث، والأصل الوارث من الذكور، ويدل عليه بالإجماع آية الكلالة التي في أول سورة النساء، ويستوي في ذلك الذكر والأنثى.\n٧) الجدة، وتستحق السدس عند عدم وجود الأم، أو جدة أقرب منها؛ لحديث بريدة الذي في الباب، وشواهده المذكورة، وأجمع أهل العلم على أنها","vol":"7","page":353},{"text":"لا تستحق السدس إلا عند عدم وجود الأم، أو جدة أقرب منها في الجملة، وإذا كانت أكثر من جدة بدرجة واحدة اشتركن في السدس بالإجماع، وليس لهن أكثر من السدس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3852>مسألة [٣]: عدد من يرث من الجدات</span>.\nلا خلاف بين أهل العلم في توريث جدتين: أم الأم، وأم الاب، ويلتحق بالأولى أمها وإن علت بمحض الإناث بلا خلاف أيضًا.\n• ويلتحق بالثانية أمها وإن علت بمحض الإناث عند عامة أهل العلم خلافًا لداود؛ فإنه لا يُورِّث أم أم الأب؛ لأنه لا يرثها فلا ترثه، والصحيح قول الجمهور؛ لأنها جدة مدلية بوارث؛ فصح ميراثها كغيرها من الجدات.\n• واختلف أهل العلم في أم أب الأب، هل هي من الوارثات أم لا؟ فمذهب الجمهور أنها ترث؛ لأنها جدة مُدلية بوارث.\n• ومذهب المالكية أنها لا ترث؛ لأنَّ بينها وبين الميت ذكرين، ولأنَّ الاثنتين المتقدمتين هما الواردتان بالسنة والإجماع، وهو قول ابن أبي ذئب، وأبي ثور، وربيعة، وآخرين.\nوالصحيح هو قول الجمهور؛ لأنها جدة مُدلية بوارث فينالها النص المتقدم في حديث الباب.\n• واختلف الجمهور فيما علا من جهة الذكور، كأم أبِ الجد، وأم جد الجد،","vol":"7","page":354},{"text":"فمذهب الشافعية، والحنفية أنها ترث؛ لأنها أدلت بوارث، وعزاه شيخ الإسلام للأكثرين، وهو وجهٌ في مذهب أحمد.\n• ومذهب أحمد الاقتصار على الثلاث الجدات المتقدمة، واستدل بمرسل إبراهيم النخعي أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ورَّث ثلاث جدات: جدتيك من قِبَل أبيك، وجدة من قبل أمك. وهو قول إسحاق، والأوزاعي، والصحيح هو قول الأكثر، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والشيخ صالح الفوزان رحمة الله عليهم، ومن فرَّق؛ فعليه الدليل الصحيح على ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3853>مسألة [٤]: الجدة المدلية بأبٍ غير وارث</span>.\nوهي كل جدة أدلت بأب بين أُمين، كأم أبِ الأم، وأم أبِي أم الأب، وهكذا.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٥٧): وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْجَدَّةَ الْمُدْلِيَةَ بِأَبٍ غَيْرِ وَارِثٍ لَا تَرِثُ، وَهِيَ كُلُّ جَدَّةٍ أَدْلَتْ بِأَبٍ بَيْنَ أُمَّيْنِ، كَأُمِّ أَبِ الْأُمِّ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (^٢)، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: تَرِثُ. وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ، لَا نَعْلَمُ الْيَوْمَ بِهِ قَائِلًا، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّهَا تُدْلِي بِغَيْرِ وَارِثٍ، فَلَمْ تَرِثْ كَالْأَجَانِبِ. اهـ\nوقد خالف ابن حزم فورَّثها. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٥ - ٥٦) «التحقيقات» (ص ١٠٢ -) «الشرح الممتع» (٥/ ١٨) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣٥٢ - ٣٥٣).\n(^٢) لم نجد له سندًا عن ابن عباس -﵄-.\n(^٣) انظر: «المحلى» (١٧٣٠).","vol":"7","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3854>مسألة [٥]: الجدة المدلية بالأب، هل ترث مع وجود الأب</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى توريثها مع وجود ابنها، ثبت ذلك عن عمر، وعمران، وأبي موسى، وابن مسعود -﵃-، وهو قول شريح، والحسن، وابن سيرين، وجابر بن زيد، والعنبري، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وجاء مرفوعًا من مرسل ابن سيرين كما في «سنن ابن منصور» (٨٣)، و«مصنف عبدالرزاق» (١٠/ ٢٧٧)، وفي إسناده ضعف، والراجح أنه من قوله كما في «سنن ابن منصور» رقم (٩٥) (٩٧) (١٠٦)، واستدل أصحاب هذا القول بحديث بريدة الذي في الباب.\n• ومذهب مالك، والشافعي، وبعض الحنابلة، والحنفية، وأبي ثور، والأوزاعي، والثوري وآخرين أنها لا ترث بوجوده، وهو المشهور عن زيد بن ثابت، وجاء عن علي، وعثمان ولا يثبت عنهما، وحجتهم أنها أدلت به فتسقط عند وجوده كغيرها من الورثة.\nوالصحيح هو القول الأول، وهو ترجيح شيخ الإسلام، قال: وقول من قال: (من أدلى بشخص سقط به) باطلٌ طردًا وعكسًا، باطل طردًا بولد الأم مع الأم، وعكسًا بولد الابن مع عمهم، وولد الأخ مع عمهم، وأمثال ذلك مما فيه سقوط شخص بمن لم يُدلِ به، وإنما العلة أنه يرث ميراثه؛ فكل من ورث ميراث شخص سقط به إذا كان أقرب منه، والجدات يعني من قِبَل الأب يقمن مقام الأم؛","vol":"7","page":356},{"text":"فيسقطن بها، وإن لم يدلين بها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3855>مسألة [٦]: إذا اجتمعت جدة من جهتين للميت مع جدة للميت من جهة واحدة</span>؟\nوذلك كأن يتزوج بنت خالته، أو بنت عمته، فينجبان ولدًا، فجدته: أمُّ أم أمه هي جدته أم أم أبيه في حالة (بنت الخالة)، وقس الثانية عليها. فلو مات إنسان وترك جدته أم أم أمه هي أم أم أبيه مع جدةٍ أخرى هي أم أبِ أبيه؟\n• فذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الجدة ذات الجهتين ترث ثلثي السدس، والثانية تأخذ ثلثًا فقط، وهو مذهب أحمد وعليه أكثر أصحابه، وهو قول يحيى ابن آدم، والحسن بن صالح، ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد، وزُفر وآخرين، وذلك لأنَّ لها قرابتين فورثت بكل واحدة منهما كابن العم إذا كان زوجًا أو أخًا لأم.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها ترث ميراث جدة واحدة، والسدس بينهما نصفان، وهو قول مالك، والشافعي، والثوري، وأبي يوسف، ورجحه ابن حزم؛ وذلك لأنها جدة واحدة، وليست كابن العم إذا كان زوجًا؛ فإنَّ له قرابتين مختلفتين، وأما الجدة فهي قرابة واحدة من جهتين، فأشبه الأخ من الأب والأم، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٦٠) «التحقيقات» (ص ١٠٧) «المصنف لابن أبي شيبة» (١١/ ٣٣١ -) «سنن ابن منصور» (١/ ٥٧ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٥٩) «التحقيقات» (ص ١٠٨ - ١٠٩) «المحلى» (١٧٣٠).","vol":"7","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3856>مسألة [٧]: إذا اجتمعت جدة قريبة مع جدة بعيدة</span>؟\nأما إذا كانت البعيدة أُمًّا للقريبة أو جدةً لها؛ فأجمع أهل العلم على أنَّ الميراث للقُرْبَى وتسقط البُعْدَى بها.\nوأن كانتا من جهتين والقربى من جهة الأم؛ فالميراث لها، وتحجب البعدى في قول عامتهم إلا ما رُوي عن ابن مسعود (^١)، ويحيى بن آدم، وشريك أنَّ الميراث بينهما.\nوأما إذا كانت القربى من جهة الأب، فهل تحجب البعدى من جهة الأم، كأم الأب، وأم أم الأم؟\n• فيه قولان:\nالأول: أنها تحجبها، ويكون الميراث للقربى، وهو قول الشافعي، والحنفية، ورواية عن أحمد.\nالثاني: هو بينهما، وهو قول مالك، والأوزاعي، وقولٌ للشافعي، ورواية عن أحمد؛ لأنَّ الأب الذي تُدلي به الجدة لا يحجب الجدة من قبل الأم؛ فالتي تُدلي به أولى أن لا تحجب، وفارقت الجدة التي من قبل الأم؛ فإنها تُدلي بالأم وتحجب جميع الجدات.\nووجه القول الأول: أنَّ الجدات أمهات، ويرثن ميراث الأم عند عدم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٣٢٥)، والبيهقي (٦/ ٢٣٧)، وعبدالرزاق (١٠/ ٢٧٦)، والدارمي (٢٩٤٦)، وهو أ ثر ثابت عنه بمجموع طرقه.","vol":"7","page":358},{"text":"وجودها؛ فجهة ميراثهن جميعًا هي الأمومة، فإذا اجتمعن فالميراث لأقربهن، كالآباء والأبناء، والإخوة والبنات، وكل قبيل إذا اجتمعوا فالميراث لأقربهم، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم.\nوأما كون الأب لا يُسْقِط الجدة التي من قبل الأم؛ فلأنها لا ترث ميراثه، إنما ترث ميراث الأم لكونها أمًّا؛ ولذلك أسقطتهن الأم، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3857>مسألة [٨]: هل يرث الإخوة مع وجود الجد</span>؟\nأما الإخوة من الأم فَيُحْجَبون بالجد بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء:١٢]، والكلالة من لا ولد له ولا والد، والجد أبٌ.\n• واختلف أهل العلم في الإخوة الأشقاء، والإخوة لأب هل يرثون مع الجد أم لا؟ فذهب طائفة من أهل العلم إلى عدم توريثهم وحجبهم بالجد؛ لأنَّ الجد أبٌ فيحجب من يحجبه الأب، قال تعالى: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف:٣٨]، في آيات آخرى.\nوهذا القول ثبت عن أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير -﵃-، وهو قول أحمد في رواية، وبعض الحنابلة، وبعض الشافعية، والحنفية،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٨ - ٥٩) «التحقيقات» (ص ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"7","page":359},{"text":"واختاره البخاري، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وهو قول الظاهرية.\nويدل على ذلك آية الكلالة في آخر النساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء:١٧٦]، فقد سماه الله كلالة؛ فكما وافقوا على ذلك في الإخوة لأم؛ لزمهم ذلك ههنا.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى توريث الإخوة مع الجد، بحجة أنه لم يأت فيهم معه نص، وبأنهم يُدلون إلى الميت بالأب كما يُدلي الجد إليه بالأب، وهذا القول اشتهر عن عمر، وزيد بن ثابت -﵄-، وهو قول المالكية، وأكثر الحنابلة، والشافعية، وهي الرواية المشهورة عن أحمد، ثم اختلفوا في كيفية توريثهم معه.\nولهم تفاصيل يطول ذكرها، والصواب هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٦٦) «المحلى» (١٧٣١) «سنن البيهقي» (٦/ ٢٤٦ - ٢٤٨) «الفتح» (٦٧٣٨) «التحقيقات» (ص ١٣٩) «الرائد في علم الفرائض» (ص ٣٠ - ٣١) «أعلام الموقعين» (١/ ٣٧٤) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣٤٢).","vol":"7","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3858>فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَنْ يَرِثُ بِالتّعْصِيْبِ</span>\nالتعصيب لغة: مصدر عصَّب يعصِّب، مأخوذٌ من العصب بمعنى الشد، والإحاطة والتقوية، ومنه: العصائب، وهي العمائم؛ لأنها محيطة بالرأس وتشده.\nوالعَصَبَةُ جمع عاصب، وعصبة الرجل: قرابته لأبيه، سُمُّوا عصبة؛ لأنهم عصبوا به، أي: أحاطوا به، فالأب طرف، والابن طرف، والأخ جانب، والعم جانب. وقيل: سموا بذلك لتقوي بعضهم ببعض.\nواصطلاحًا: هو من يرث بغير تقدير من الوارثين، وهذا تعريف بالحكم، وهو أسلم من كثير من التعاريف التي يراد بها ضبط العصبة فلا تسلم من الانتقاد، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3859>مسألة [١]: أقسام العصبة</span>.\nتنقسم العصبة إلى قسمين: عصبة بنسب، وعصبة بسبب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3860>أولا: العصبة بالنسب، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3861>القسم الأول: عصبة بالنفس</span>.\nوهم الوارثون من الرجال المجمع على إرثهم إلا الزوج، والأخ من الأم، وهم اثنا عشر: الابن وابن الابن وإن نزل، والأب والجد من قبل الأب وإن علا،\n_________\n(^١) وانظر: «التحقيقات المرضية» (ص ١١١) للفوزان.","vol":"7","page":361},{"text":"والأخ الشقيق والأخ لأب، وابن الأخ الشقيق وإن نزل، وابن الأخ لأب وإن نزل، والعم الشقيق وإن علا، والعم لأب وإن علا، وابن العم الشقيق وإن نزل، وابن العم لأب وإن نزل. ولم نذكر المعتق؛ لأنَّ عصوبته بسبب لا بنسب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3862>مسألة [٢]: أحكام العصبة بالنفس</span>.\nلها ثلاثة أحكام:\nأحدها: من انفرد منهم أخذ جميع المال؛ لقوله تعالى عن الأخ: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦]، فقد ورث الأخ جميع المال من أخته إذا لم يكن لها ولد، والابن وابنه، والأب والجد أولى؛ لقربهم، وقيس عليه بنو الإخوة والأعمام، وبنوهم، والموالي بجامع التعصيب.\nثانيها: إذا كان مع صاحب فرض، أو فروض أخذ ما أبقته الفروض؛ لحديث ابن عباس -﵄-: «ألحقوا الفرائض بأهلها ...».\nثالثها: إذا استغرقت الفروض التركة سقط إلا الابن؛ فإنه لا يمكن معه الاستغراق، والأب والجد؛ فإنهما يرثان عند ذلك بالفرض السدس. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3863>مسألة [٣]: جهات التعصيب</span>.\nجهة البنوة، ثم الأُبُوَّة، ثم الأُخُوَّة، ثم العمومة، ثم ذو الولاء، وقد جمعت في بيتٍ:\nبُنُوَّةٌ أُبُوَّةٌ أُخُوَّه ... عُمُومَةٌ وَذُو الْوَلَا التَّتِمَّه\n_________\n(^١) انظر: «التحقيقات» (ص ١١٧) «الرائد» (ص ٢١) «المغني» (٩/ ٢٢ - ٢٣).","vol":"7","page":362},{"text":"ويدخل في البنوة (ابن الابن وإن نزل)، وفي الأبوة (الجد وإن علا)، وفي الأخوة (ابن الأخ وإن نزل) وفي العمومة (ابن العم وإن نزل).\nوبعض أهل العلم جعل (الجدودة) مع (الأخوة)، ثم بعدهم (بنو الأخوة) بناءً على توريثهم الجد مع الأخوة، وقد تقدم بيان الصواب في المسألة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3864>مسألة [٤]: اجتماع العصبة</span>.\nإذا اجتمع عاصبان، واستويا في الجهة والدرجة والقوة؛ اشتركوا في المال بالسوية، أو فيما أبقت الفروض، وإن اختلفا في الجهة، كأخٍ وعمٍّ، قُدِّم الأقرب في الجهة -وهو الأخ- على حسب ترتيب الجهات السابقة.\nوإن اتفقا في الجهة: نظرنا في الدرجة، وهو القرب إلى الميت فيقدم الأقرب، كأن يترك أخًا لأبيه، وابن أخيه الشقيق، فيستحق المالَ الأخُ لأب.\nوإن اتفقا في الجهة والدرجة: نظرنا في القوة، كهالك عن شقيق وأخ لأب، فيستحق المالَ الشقيقُ.\nقال الجعبري -﵀-:\nفَبِالْجِهَةِ التَّقْدِيْم ثُمَّ بِقُرْبِهِ ... وَبَعْدَهُمَا التَّقْدِيْمُ بِالْقُوَّةِ اجْعَلَا (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «التحقيقات» (ص ١١٨) «الرائد» (ص ٢٢).\n(^٢) انظر: «التحقيقات» (ص ١١٨ -) «الرائد» (ص ٢٢).","vol":"7","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3865>القسم الثاني: العصبة بالغير</span>.\nأي: عصبة بواسطة غيره، وهم أربعة أصناف، هن ذوات النصف، والثلثين.\nإحداهن: بنت الصلب واحدة فأكثر، بالابن واحد فأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١].\nالثانية: بنت الابن فأكثر -وإن نزلت بمحض الذكور- بابن الابن فأكثر، سواء كان أخاها، أو ابن عمها المساوي لها في الدرجة؛ للآية السابقة. وعلى هذا عامة أهل العلم، وثبت ذلك عن زيد بن ثابت، وعائشة -﵄-، كما في «سنن الدارمي» (٢٩٣٥، و٢٩٣٧)، و«مصنف عبد الرزاق» (١٠/ ٢٥٢)، والبيهقي (٦/ ٢٣٠)، وجاء عن علي -﵁- من طريق إبراهيم النخعي عنه، ولم يسمع منه. أخرجه ابن أبي شيبة.\nوخالف ابن مسعود -﵁-؛ فجعل المال للذكر دون الأنثى. أخرجه عنه عبد الرزاق (١٠/ ٢٥١) بإسناد صحيح.\nوهل يعصبها ابن الابن الأنزل منها إذا احتاجت إليه؟ كهالك عن بنتين، وبنت ابن، وابن ابن ابن؟ فيه خلاف بين أهل العلم:\n• فجمهور العلماء، وعامة الفقهاء جعلوه معصبًا لها؛ لأنَّ الآية تشمله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وإذا كان أبوه يعصبها، وهو أقرب إلى الميت؛ فهو من باب أولى، وهذا القول ثبت عن زيد بن ثابت","vol":"7","page":364},{"text":"-﵁-، ونقل عن علي -﵁- بإسناد منقطع؛ فإنه من طريق إبراهيم النخعي عنه.\n• وذهب داود، وأبو ثور، وابن حزم إلى أن المال للذكر دون بنت الابن الأقرب منه، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس -﵄-: «فما بقي فلأولى رجل ذكر».\nوأجاب الجمهور بتخصيص عموم الحديث بالآية المتقدمة.\nوالصحيح في المسألتين ما ذهب إليه جمهور الصحابة، ومن بعدهم من الفقهاء، والمحدثين أنه يعصبها ويتقاسمان للذكر مثل حظ الأنثيين؛ للآية ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. (^١)\nالثالثة: الأخت الشقيقة فأكثر، بالأخ الشقيق فأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦]، ولا يعصب الأخ من الأب الأخت الشقيقة إجماعًا؛ لأنه لا يساويها في النسب؛ لكونها أقوى منه.\nالرابعة: الأخت لأب فأكثر مع الأخ لأب فأكثر، ويدل على ذلك الآية السابقة.\n• وخالف ابنُ مسعود -﵁- (^٢) في حالة استكمال الشقائق والبنات الثلثين، فجعل الباقي للذكور دون الإناث، وتبعه أبو ثور، وابن حزم، واختلف فيه على\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٢ -) «المحلى») ١٧٢٩) «الاستذكار» (١٥/ ٣٩٥ -) «مصنف عبد الرزاق» (١٠/ ٢٥٢)، و«البيهقي» (٦/ ٢٣٠) «مصنف ابن أبي شيبة» (١١/ ٢٤٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٢٤٧)، والدارمي (٢٨٩٦) بإسناد صحيح عنه.","vol":"7","page":365},{"text":"داود، وخالف أيضًا في مسألة (أخت شقيقة، وأخت لأب، وأخ لأب) فجعل للشقيقة النصف، وجعل للأخت لأب الأضر بها من المقاسمة، أو السدس. (^١)\n• ومذهب الجمهور من الصحابة ومن بعدهم أنها عصبة بأخيها، تقاسمه للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو الصحيح؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. (^٢)\nتنبيه: ابن الأخ لا يعصب الأخت لأب، وإن احتاجت إليه عند أهل العلم، بل يأخذ هو الباقي، وذلك لأنَّ ابنَ الابنِ ابنٌ، وإن نزل، وابن الأخ ليس بأخٍ، وذلك كهالك عن شقيقتين، وأخت لأب، وابن أخ لأب.\nقال صاحب «الرحبية»:\nوليس ابن الأخ بالمعصب ... من مثله أو فوقه في النسب (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3866>القسم الثالث: العصبة مع الغير</span>.\nوهما صنفان: الأخت الشقيقة فأكثر مع البنت، أو بنت الابن، وإن نزلت بمحض الذكور، وإن كثرن، وكذلك الأخت لأب فأكثر مع البنت، أو بنت الابن وإن نزلن بمحض الذكور وإن كثرن.\nقال صاحب «الرحبية»:\nوالأخوات إن تكن بنات ... فهن معهن معصبات\n_________\n(^١) لم يثبت عنه ذلك كما تقدم.\n(^٢) انظر: «المحلى» (١٧٢٥) «المغني» (٩/ ١٦ -) «الاستذكار» (١٥/ ٤٢٧).\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ١٧ - ١٨).","vol":"7","page":366},{"text":"وقال غيره -وهو أضبط-:\nوالأخوات لا لأم عصبات ... مع بنات الابن أو مع البنات\nودليل ذلك حديث ابن مسعود في «صحيح البخاري» المتقدم في الباب: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى في بنتٍ وبنت ابن وأخت: للبنت النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأخت.\nفهذا الحديث دليل ظاهرٌ على أنَّ الأخت عصبة في حالة وجود البنات، وقد أخذ بذلك عامة أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم.\n• وخالف في ذلك ابن عباس -﵄-، وكأنه لم يبلغه الحديث، فأسقط الأخوات عند وجود البنات، وهو ثابتٌ عنه. وصحَّ أنَّ ابن الزبير كان يقول بذلك، ثم رجع عنه. وأخذ بقول ابن عباس داود الظاهري.\nواستدل ابن عباس -﵄- على قوله بقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦]، فلم يجعل للأخت شيئًا إلا مع عدم الولد.\nوأُجيب عن استدلال ابن عباس -﵄-: بأنَّ الآية ليس فيها ما يمنع إرث الأخت بالتعصيب مع البنت، وإنما فيها منع إرثها بالفرض؛ لأنه شرط لأخذها النصف فرضًا عدم الولد.\nثم إنه لو كان مع إناث الولد أخٌ لغير أمٍّ؛ أخذ الباقي بدلالة القرآن، والسنة، والإجماع مع أنَّ الله سبحانه قال: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦]، ولم","vol":"7","page":367},{"text":"يمنع ذلك ميراثها منها إذا كان الولد أنثى، فهكذا قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ لا يمنع أن ترث غير النصف مع أنوثة الولد، أو ترث الباقي إذا كان نصفًا؛ لأنَّ هذا غير الذي أعطاها إياه فرضًا مع عدم الولد.\n• واختلف أهل العلم فيما إذا كان مع الأخت عاصبٌ ذكر، هل تقدم الأخت أَمِ العاصب الذكر؟\n• فذهب إسحاق بن راهويه، وابن حزم إلى أنه يقدم العاصب الذكر، وإن كان بعيدًا من الميت؛ لحديث ابن عباس -﵄-: «فما أبقت الفرائض؛ فلأولى رجل ذكر».\n• وذهب جمهور العلماء والفقهاء إلى أنَّ الأخت العاصبة بالبنات مقدمة على العصبة الذكور إلا أخاها فإنها تقاسمه، واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم، وخصصوا به حديث ابن عباس المذكور.\nوقال الجمهور: إذا كان أخوها لا يسقطها، بل تشاركه؛ فمن باب أولى أن لا يسقطها عاصبٌ أبعد منه، بل تقدم عليه.\nوللعلامة ابن القيم -﵀- بحث مفيدٌ جدًّا في هذه المسألة نصر فيه قول الجمهور؛ فراجعه من «أعلام الموقعين» وهو تابع في ذلك لشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، ورجح ذلك أيضًا الحافظ ابن رجب -﵀- في «جامع العلوم","vol":"7","page":368},{"text":"والحكم»، وهو أقرب، والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- (٩/ ١٠): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ بَنَاتِ الِابْنِ بِمَنْزِلَةِ الْبَنَاتِ عِنْدَ عَدَمِهِنَّ فِي إرْثِهِنَّ، وَحَجْبِهِنَّ لِمَنْ يَحْجُبُهُ الْبَنَاتُ، وَفِي جَعْلِ الْأَخَوَاتِ مَعَهُنَّ عَصَبَاتٌ، وَفِي أَنَّهُنَّ إذَا اسْتَكْمَلْنَ الثُّلُثَيْنِ؛ سَقَطَ مَنْ أَسْفَلَ مِنْهُنَّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3867>ثانيًا: العصبة بالسبب</span>.\nهو المعتق صاحب الولاء، ذكرًا كان أم أنثى، وعصبته المتعصبون بأنفسهم، فكل من أعتق عبدًا، أو أمةً إعتاقًا منجزًا، أو معلقًا بصفة، ووجد المعلق عليه، أو دبَّره، أو أعتق عليه بالكتابة، أو عتق بسبب تمثيله به، أو ما أشبه ذلك، أو أعتقه في زكاة، أو كفارة، أو نذر؛ ثبت له الولاء على العتيق بسبب هذا العتق، وكما يثبت للمعتق الولاء على العتيق بطريق المباشرة كذلك يثبت له الولاء على فرع العتيق بطريق السراية من أولاده وحفدته وإن نزلوا؛ لأنهم فرع من أعتقه، والفرع يتبع أصله؛ أشبه ما لو باشر عتقهم، وفي ذلك مسائل وقيود يأتي بيانها إن شاء الله في باب الولاء، نسأل الله ﷿ أن يوفقنا لإتمام هذا الكتاب، وأن ينفع به مؤلفَه وسائر المسلمين. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «أعلام الموقعين» (١/ ٣٦٤ - ٣٦٩) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣٤٨) «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٤٢٠ - ٤٢٣) «المغني» (٩/ ٩) «المحلى» (١٧١٣) «ابن أبي شيبة» (١١/ ٢٤٤ -) «التحقيقات» (ص ١١٤ -).\n(^٢) وانظر: «التحقيقات» (ص ١١٩) «المغني» (٩/ ٢٤٣) (٩/ ٢٣٩ - ٢٤٠).","vol":"7","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3868>مسألة [٥]: هل على المكاتَب ولاء إذا أعتق نفسه</span>؟\n• جاء عن بعض أهل العلم أنهم قالوا: لا ولاء عليه، وهو قول عمرو بن دينار، وأبي ثور، وقال قتادة، ومكحول: لا ولاء عليه؛ إلا أن يشترط.\n• وعامة الفقهاء على أنَّ للسيد عليه الولاء؛ لأنه هو المعتق للمكاتَب، ولأنه مُنْعِم عليه؛ فإنَّ مال العبد وكسبه لسيده، فجعل ذلك له، ثم باعه به حتى عتقه، فكان هو المعتق، وقد اشتهر بين الصحابة ومن بعدهم أنَّ المكاتبين يدعون موالي مكاتبيهم، فيقال: أبو سعيد مولى أبي أسيد، وسيرين مولى أنس، وسليمان ابن يسار مولى ميمونة، ويدل على ذلك حديث بريرة -﵂-؛ فإنَّ قصتها أنهم كاتبوها وهم يريدون الولاء، وأنه كان لهم لو لم تشترها عائشة، والله أعلم.\nوقول الجمهور هو الصواب، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3869>مسألة [٦]: إذا مات المعتَق وخلف أبا معتِقِه وابن معتِقِه</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ للأب السدس، والباقي للولد، وهو قول شريح، والنخعي، وأحمد، وإسحاق، والعنبري، والأوزاعي، وأبي يوسف؛ لأنَّ الابن والأب كلاهما عصبة لا يسقط أحدهما الآخر، وإنما يتفاضلان في الميراث، فكذلك في الإرث بالولاء.\n• وذهب أكثر الفقهاء إلى أنَّ المال للابن، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والشعبي، والحسن، والحكم، وقتادة، وحماد، ومالك، والثوري،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٢٥ - ٢٢٦).","vol":"7","page":370},{"text":"والشافعي، وأبي حنيفة، ومحمد وغيرهم؛ لأنَّ الابن أقرب العصبة، والأب والجد يرثان معه بالفرض، ولا يرث بالولاء ذو الفرض بحال. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3870>مسألة [٧]: إذا مات المعتَق وخلف أخا معتِقِه وجدَّ معتِقِه</span>؟\n• مقتضى قول من نزَّل الجد أبًا أن يجعل المال للجد؛ لأنه أقرب عصبة من الأخ، وهذا هو الصواب.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ المال بينهما نصفان، وهو قول عطاء، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وقولٌ للشافعي، وأبي يوسف، ومحمد.\n• وقال مالك: للأخ. وهو قولٌ للشافعي. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3871>مسألة [٨]: هل يرث الْمُعتَقُ من الْمُعتِق صاحب الولاء</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ التوارث بالولاء لا يكون إلا للمُعتِق؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الولاء لمن أعتق».\n• وقال طاوس، وشريح بتوريثه، واختار هذا شيخ الإسلام، واستدل لهذا القول بحديث ابن عباس -﵄- عند الترمذي (٢١٠٦) وغيره، قال: مات رجل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولم يترك وارثًا إلا عبدًا هو أعتقه، فأعطاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٤٦ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٢٤٧).","vol":"7","page":371},{"text":"ميراثه. وهو من طريق: عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس، رُوي موصولًا ومرسلًا، وعوسجة تفرَّد بالرواية عنه عمرو بن دينار، وقال البخاري: لم يصح حديثه. وقال أبو حاتم، والنسائي: ليس بالمشهور. وقال الذهبي في «المغني»: لا يعرف. وذكره العقيلي في «الضعفاء»، وساق له هذا الحديث، وقال: لا يُتابع عليه. ووثقه أبو زرعة.\nوقال الترمذي -﵀- عقب هذا الحديث: العمل عند أهل العلم في هذا الباب أنَّ ميراثه يجعل في بيت المسلمين. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ميراثه لبيت المسلمين، ولو صحَّ الحديث؛ لكان محمولًا على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو والي المسلمين، فصرفه ذلك المصرف لما بينهما من الولاء، لا لأنه يستحق بذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3872>مسألة [٩]: هلك هالك وترك ابني عم أحدهما أخ لأم</span>؟\n• جمهور الفقهاء على أنَّ الأخ لأم يأخذ السدس، ويتقاسمان الباقي نصفين، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم.\n• وذهب بعض الفقهاء إلى تقديم الأخ لأم؛ لأنهما استويا في قرابة الأب، وفضله هذا بالأم؛ فصار كأخٍ شقيق وأخٍ لأب، وهذا قول شريح، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، والنخعي، وأبي ثور.\nوالصواب هو القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٥٣) «الاختيارات» (ص ١٩٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٣٠ -).","vol":"7","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3873>مسألة [١٠]: هلكت امرأة وتركت ابني عم أحدهما زوج</span>؟\n• إذا هلكت امرأةٌ وتركت ابني عم أحدهما زوج؛ فللزوج النصف، والباقي بينهما نصفان عند الجميع؛ فإن كان الآخر أخًا من أمٍّ؛ فللزوج النصف، وللأخ السدس، والباقي بينهما عند الجمهور، وقضى به علي -﵁-. (^١)\n• وجاء عن ابن مسعود -﵁- (^٢) أنَّ الباقي للأخ؛ لأنه جمع قرابتين: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وهو قول الحسن، وأبي ثور، وأهل الظاهر.\nوالصحيح هو قول الجمهور، وهو اختيار البخاري -﵀-. (^٣)\nفائدة: وقد أجمعوا في ثلاثة إخوة للأم أحدهم ابن عمٍّ أنَّ للثلاثة الثلث، والباقي لابن العم. قاله الحافظ في «الفتح» (٦٧٤٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3874>مسألة [١١]: المشرَّكَة</span>.\nصورتها: أن تهلك امرأةٌ وتترك زوجًا، وأُمًّا، وإخوة لأم، وإخوة أشقاء.\n• فاختلف أهل العلم هل يسقط الإخوة الأشقاء؛ لأنَّ أهل الفرائض استغرقوا التركة، أم أنهم يشركون الإخوة لأم في نصيبهم؛ لأنهم يشتركون معهم في الأم؟\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (١٣٠)، وابن أبي شيبة (١١/ ٢٥١ - ٢٥٢)، والبيهقي (٦/ ٢٣٩)، وله طريقان يحسن بهما.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٢٥٢) بإسناد صحيح.\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ٣٣) «الفتح» (٦٧٤٥).","vol":"7","page":373},{"text":"فالمسألة أصلها من ستة: للزوج النصف (ثلاثة أسهم)، وللأم السدس (سهم) وللإخوة لأم الثلث (سهمان)، ولا يبقى شيء من السهام.\n• فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنهم يشركون الإخوة لأم؛ لأنهم يشتركون معهم في الأم.\nوهو ثابت عن عمر، وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود -﵃-، وهو مذهب مالك، والشافعي، وإسحاق وغيرهم.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الأشقاء يسقطون ولا يرثون؛ لأنهم عصبة، وقد استغرقت الفروض التركة فلم يبق لهم شيء.\nوهذا القول ثبت عن علي -﵁- من طرق يقوي بعضها بعضًا، وجاء عن ابن مسعود بإسناد حسن، ولعله كان يقول بهذا ثم رجع إلى القول الأول، وهو قول الشعبي، والعنبري، وأحمد، ويحيى بن آدم، وشريك، ونعيم بن حماد، وأبي ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.\nوهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ الله ﷿ أعطى الإخوة لأم الثلثَ يشتركون فيه، فلو أدخلنا معهم الأشقاء؛ لكنا قد أنقصناهم عن حقهم الذي أعطاهم الله إياه، ولأنَّ الله تعالى جعل للإخوة لأم أحكامًا في آية الكلالة التي في أول سورة النساء، وجعل للأشقاء أحكامًا أخرى في آية الكلالة التي في آخر سورة النساء، فليس لنا أن نجمع بين من فرق الله بينهم في الأحكام، وهذا القول اختاره شيخ","vol":"7","page":374},{"text":"الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما. (^١)\nتنبيه: لو كان مكان ولد الأبوين عصبة من ولد الأب؛ سقط ولد الأب قولًا واحدًا، وإن كُنَّ أخوات لأبوين أو لأب، يُعطى فرضهن، وتعول المسألة. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٤ -) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣٣٩ - ٣٤٠) «أعلام الموقعين» (١/ ٣٥٥ - ٣٥٦) «ابن أبي شيبة» (١١/ ٢٥٨) «السنن الكبرى» (٦/ ٢٥٧) «الدارمي» (٢٩٢٥ -) «عبد الرزاق» (١٠/ ٢٤٩) «سنن ابن منصور» (٢٠ -).\n(^٢) «المغني» (٩/ ٢٦).","vol":"7","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3876>فَصْلٌ فِي الحَجْبِ</span>\nالحجب لغة: هو المنع، يقال: حجبه إذا منعه، والحاجب هو المانع، ومنه الحجاب، وهو ما يستر الشيء.\nوالحجب اصطلاحًا: منع من قام به سبب الإرث من الإرث بالكلية، أو من أوفر حَظِّيْه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3875>مسألة [١]: أنواع الحجب</span>.\nالحجب نوعان:\nالأول: حجبٌ بالوصف، وهوالمعبر عليه بالمانع، وقد تقدم الكلام على موانع الإرث، وهي الرق، والقتل، واختلاف الدين.\nوالثاني: حجب بالشخص، وينقسم إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3877>القسم الأول: حجبُ نقصان</span>.\nوهو منع من قام به سبب الإرث من أوفر حظيه، ويدخل على جميع الورثة، وهو على سبعة أضرب، أربعة منها انتقالات، وثلاثة ازدحامات.\nأما الانتقالات فهي أربعة:\nأحدها: انتقال من فرض إلى فرض أقل منه، وهذا يكون في حق من له فرضان،","vol":"7","page":376},{"text":"وهم خمسة: الزوجان، والأم، وبنت الابن، والأخت من الأب.\nالثاني: انتقال من التعصيب إلى الفرض، وهذا يكون في حق الأب والجد فقط.\nالثالث: انتقال من الفرض إلى التعصيب، وهذا في حق ذوات النصف والثلثين، فإذا وجد معصبها؛ حجبها من الفرض إلى التعصيب.\nالرابع: انتقال من تعصيب إلى تعصيب، وهذا يكون في حق العصبة مع الغير؛ فإنَّ للأخت مثلًا مع البنت الباقي، وهو النصف، ولو كان معها أخوها؛ كان الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين.\nوأما الازدحامات فهي ثلاثة:\nأحدها: ازدحامٌ في الفرض، وهذا يكون في حق سبعة من الورثة، وهم الجدات، والزوجات، والعدد من البنات، ومن بنات الابن، والأخوات الشقائق، والأخوات لأب، والعدد من ولد الأم.\nالثاني: ازدحام في التعصيب، وهذا يكون في حق كل عاصب بنفسه إذا وجد معه من هو مثله.\nالثالث: ازدحام في العول، وهذا يكون في حق أصحاب الفروض إذا تزاحموا في الفريضة الواحدة؛ لأنه ليس بعضهم بأحق بالإرث من بعض، فيلحق النقص جميعها حتى يتمكن من قسمتها.","vol":"7","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3878>القسم الثاني: حجب الحرمان</span>.\nهو أن يسقط الشخص غيره من الإرث بالكلية، كحجب العصبة بعضهم ببعض، ويمكن تأتيه على جميع الورثة؛ إلا ستة وهم: الأبوان، والزوجان، والولدان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3879>مسألة [٢]: أقسام الورثة بالنسبة إليه</span>.\nهم على أربعة أقسام:\nأحدها: لا يُحجب ولا يَحجب، وهم الزوجان.\nالثاني: يحجب غيره ولا يُحجب، وهم الأبوان والولدان.\nالثالث: يحجبهم غيرُهم، ولا يَحجبون، وهم أولاد الأم.\nالرابع: يُحجَب، ويَحجب غيره، وهم بقية الورثة.\nوسنذكر جميع الورثة الذين يحجبون حجب حرمان مع بيان من يحجبهم:\n١) الجد، يحجبه الأب، وكل جدٍّ أقرب.\n٢) الجدة، تحجبها الأم، وكل جدة أقرب.\n٣) ابن الابن، يحجبه الابن، وكل ابن ابن أقرب.\n٤) بنت الابن، يحجبها الابن، وكل ابن ابن أقرب، والبنتان فأكثر؛ إلا إذا كان هناك معصب لها كما تقدم ذكره في باب التعصيب.","vol":"7","page":378},{"text":"٥) الأخ الشقيق، يحجبه الابن، وابن الابن وإن نزل، والأب والجد على الصحيح.\n٦) الأخت الشقيقة، يحجبها الابن، وابن الابن وإن نزل، والأب والجد على الصحيح.\n٧) الأخ لأب، يحجبه الابن، وابن الابن وإن نزل، والأب والجد على الصحيح، والأخ الشقيق، والأخت الشقيقة العاصبة مع الغير عند الجمهور.\n٨) الأخت لأب، يحجبها كل من تقدم ذكره في الذي قبلها، وزيادة على ذلك الشقيقتان فأكثر عند استكمال الثلثين، وعدم وجود معصب.\n٩) ابن الأخ الشقيق، يحجب بالابن وإن نزل، والأب والجد على الصحيح، والأخ الشقيق والأخ لأب، والأخت لأب العاصبة مع الغير عند الجمهور، والأخت الشقيقة العاصبة مع الغير أيضًا.\n١٠) ابن الأخ لأب، بالثمانية المتقدمة، وابن الأخ الشقيق.\n١١) العم الشقيق، بالتسعة المتقدمة، وابن الأخ لأب.\n١٢) العم لأب، بالعشرة المتقدمة، وبالعم الشقيق.\n١٣) ابن العم الشقيق، بالإحدى عشرة المتقدمة، وبالعم لأب.\n١٤) ابن العم لأب، بالاثني عشرة المتقدمة، وبابن العم الشقيق.\n١٥) ولد الأم، بالفرع الوارث، والأصل الوارث من الذكور.","vol":"7","page":379},{"text":"١٦) المعتِق، يحجبه كل من تقدم ذكره تحت ابن العم لأب مع ابن العم لأب.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: والأدلة على ذلك تقدم ذكرها أثناء المسائل المتقدمة، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3880>مسألة [٣]: هل الممنوع من الإرث يحجب غيره</span>؟\n• من كان محجوبًا بالوصف -مانع من موانع الإرث- فلا يحجب غيره في قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين، وممن قال بذلك علي بن أبي طالب -﵁-، وزيد بن ثابت، وهو ثابت عنهم، وهو قول شريح، وعروة، وقتادة، وابن سيرين، وأبي الزناد، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة.\n• وخالف في المسألة ابن مسعود، وهو ثابت عنه، ومن وافقه؛ فحجبوا بالكافر، والقاتل، والرقيق، وبه قال أبو ثور، وداود، ولعلهم تمسكوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ﴾، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ [النساء:١٢]، ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١١].\nوأجاب الجمهور: بعدم وجود دليل على التفريق بين من ذكروا وبين غيرهم، والآيات المذكورة أُريد بها ولد من أهل الميراث بدليل أنه قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، فلم يدخل في الآيات الذي حجب\n_________\n(^١) انظر: «الرائد» (ص ٢٥ - ٢٧) «التحقيقات» (ص ١٢٥ - ١٣٠).","vol":"7","page":380},{"text":"بمانع من موانع الإرث، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3881>مسألة [٤]: العول</span>.\nالعول في اللغة: له معانٍ أقربها إلى المقصود في الباب هو الارتفاع، يقال: عال الميزان إذا ارتفع.\nوفي الاصطلاح: هو زيادة في السهام، ونقص في الأنصبة، وذلك بأنْ يستغرق أهل الفروض جميع سهام المسألة، ويبقى بعضهم لم يحصل على جميع السهام التي يستحقها، فتزاد سهام أصل المسألة؛ فيقل نصيب كل واحد.\n• فمذهب عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم هو القول بالعول؛ ليصير النقص على جميع أهل الفروض كلٌّ بحسبه، وأول من أفتى بذلك عمر بن الخطاب -﵁-، وهو ثابت عنه كما في «سنن البيهقي»، و«المحلى»، وقال به من الصحابة علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود -﵃-، وهو ثابت عنهم كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و«سنن ابن منصور»، والحجة في ذلك أنَّ إدخال النقص على أحدهم دون الآخر يحتاج إلى دليل، فلمَّا لم يكن هناك دليل على تقديم أحدهم على الآخر؛ ألحق النقص بهم جميعًا على حسب فروضهم، كما يفعل بالمفلس في توزيع ماله بين الغرماء، والمديون الذي استغرقت ديونه تركته وزادت؛ فإنهم يُعطون الديون أسوة بينهم كلٌّ بحسب دينه.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٧٥ - ١٧٦) «الاستذكار» (٥/ ٣٧٥) ط/العلمية «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٤٢٩) «البحر الرائق» (٨/ ٥٧٠) «بداية المجتهد» (٤/ ١٣٨) ط/دار الحديث. «نهاية المطلب» (٩/ ٣٠).","vol":"7","page":381},{"text":"• وخالف في هذه المسألة ابن عباس -﵄-، كما في «سنن ابن منصور»، و«سنن البيهقي» وغيرهما، فكان يقول كما صح عنه: يقدم من قدمه الله، ويؤخر من أخره الله. ومعنى ذلك أنَّ الذي ينتقل من فرض إلى فرض هو الذي قدمه الله، والذي ينتقل من فرض إلى تعصيب هو المؤخر؛ فعلى هذا فيُعطى الأولون فروضهم، ويعطى الآخرون الباقي.\nوقد قال بقول ابن عباس -﵄- محمد بن الحنفية، وعطاء، وداود، وابن حزم، والصحيح قول الجمهور، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، والشوكاني في قوله الأخير، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3882>مسألة [٥]: الأصول العائلة</span>.\nأصول المسائل سبعة: (اثنان، ثلاثة، أربعة، ستة، ثمانية، اثنا عشر، أربعة وعشرون)، التي تعول منها هي ثلاثة أصول، وهي: الستة، والاثنا عشر، والأربعة والعشرون.\nأما الستة: فتعول إلى السبعة، والثمانية، والتسعة، والعشرة.\nوأما الاثنا عشر: فتعول إلى ثلاثة عشر، وإلى خمسة عشر، وإلى سبعة عشر.\nوأما الأربعة والعشرون: فتعول إلى سبعة وعشرين فقط. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٨ - ٢٩) «المحلى» (١٧١٨) «التحقيقات» (ص ١٦٥ -) «وبل الغمام» (٢/ ٣٨٨) «السنن الكبرى» (٦/ ٢٥٣) «سنن ابن منصور» (٣٣ - ٣٨) «ابن أبي شيبة» (١١/ ٢٨٢ -) «عبد الرزاق» (١٠/ ٢٥٨).\n(^٢) وانظر الأمثلة لذلك في «الرائد» (ص ٤٧ - ٤٨).","vol":"7","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3883>مسألة [٦]: الرد</span>.\nالرد هو عكس العول، وهو في اللغة: الرجوع، وفي الاصطلاح هو صرف الباقي عن الفروض على ذوي الفروض بقدر فروضهم عند عدم وجود عصبة.\n• وقد اختلف أهل العلم في مسألة الرد على قولين:\nالقول الأول: القول بالرد على أصحاب الفروض غير الزوجين، وهو ثابت عن عبد الله بن مسعود -﵁-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و«سنن ابن منصور»، وجاء عن علي -﵁-، ولا يثبت عنه؛ إلا أنَّ ابن مسعود كان لا يرد على زوج ولا زوجة، ولا على أخت لأب مع أخت شقيقة، ولا على ولد الأم مع الأم، ولا على ابنة ابن مع البنت، ولا على جدة مع ذي سهم.\nوالقول بالرد قال به أحمد وأصحابه، والحنفية، وبعض الشافعية، والثوري، وجمعٌ من التابعين.\nواستدل القائلون بالرد بما يلي:\n١) عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]؛ فيكون الورثة أولى من بيت المال؛ لأنه لسائر المسلمين، وذوو الرحم أحق من الأجانب عملًا بالنص.\n٢) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ومن ترك مالًا فهو لورثته» متفق عليه عن أبي هريرة -﵁- (^١)، وهذا النص يشمل المال المتبقي بعد أخذ ذوي الفروض فرضهم.\n_________\n(^١) تقدم في «البلوغ» برقم (٨٦٧).","vol":"7","page":383},{"text":"٣) حديث سعد بن أبي وقاص في «الصحيحين» (^١): ولا يرثني إلا ابنةٌ لي.\n٤) حديث بريدة في «صحيح مسلم» (١١٤٩): أنَّ امرأة أتت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقالت له: إني تصدقت على والدتي بوليدة، وإنها ماتت، فقال: «وجب أجرك، وردها عليك الميراث».\nالقول الثاني: عدم القول بالرد، وما بقي بعد الفروض إذا لم يوجد عاصبٌ؛ فهو لبيت المال، وهذا قول زيد بن ثابت -﵁-، وجاء من قضاء أبي بكر بسند منقطع كما في «مصنف ابن أبي شيبة»؛ فإنه من طريق الشعبي عنه، ولم يدركه، وهو مذهب مالك، والشافعي، وبعض الحنابلة، والأوزاعي، وابن حزم.\nواستدلوا بما يلي:\n١) قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦]، ومن قال بالرد؛ فإنه يعطيها المال كاملًا مخالفًا لأمر الله تعالى في هذه الآية.\n٢) ليس فيما ذكروا دليل صريح يعتمد عليه في مسألة الرد، وأدلتهم المذكورة نصوص مجملة فسرتها النصوص التي فيها بيان المقادير، والأنصبة لكل وارث، فلا تفيد إثبات الرد، وحديث سعد ليس فيه التعرض للرد وعدمه، ولم يذكر سعد أن ابنته سترث جميع ماله، بل فيه أنه نفى أن يكون هناك وارثٌ غيرها، ولم يتعرض للمقدار الذي ستأخذه. وحديث بريدة أيضًا ليس بصريح؛\n_________\n(^١) سيأتي في «البلوغ» برقم (٩٥٢).","vol":"7","page":384},{"text":"لقوله: «وردها عليك الميراث»، فقد رجعت إليها الوليدة ميراثًا بالفرض لا ردًّا؛ فالحديث محتمل.\n٣) واستدلوا بحديث: «أنا وارث من لا وارث له»، وقد تقدم تخريجه، قالوا: وبقية المال ليس له وارث؛ فيكون لبيت المال.\nتنبيه: القائلون بالرد لا يرون الرد على الزوجين؛ لأنهم ليسوا من ذوي الأرحام، ونقل ابن قدامة الاتفاق على ذلك، بينما عزي إلى شيخ الإسلام الرد على جميع أصحاب الفروض؛ لأنهما يشملهما الحديث: «ومن ترك مالًا؛ فهو لورثته»، وهو اختيار الإمام عبد الرحمن السعدي، وقال: الصحيح أنه يرد على الزوجين كغيرهما من أهل الفروض؛ لعدم الدليل البَيِّن على أنَّ الرد مخصوص بغير الزوجين، وأما قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٥]؛ فإنه كما لا يدل على أنهم الوارثون بالفرض دون الزوجين؛ فلا يدل على أنهم المخصوصون بالرد. اهـ من «تفسيره».\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول بالرد أقوى من عدمه؛ للأدلة المتقدمة، لاسيما حديث أبي هريرة -﵁-: «من ترك مالًا فلورثته»، وحديثهم: «أنا وارث من لا وارث له» لا حجة لهم فيه؛ لأنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قيد ذلك بمن لا وارث له، وههنا له وارث؛ فهو أحق بالمال من غيره.\nوأما قولهم: (إننا أعطينا صاحب الفرض أكثر مما فرض الله له).\nفأجيب عنه: بأنَّ صاحب الفرض قد يأخذ أكثر من فرضه من جهة","vol":"7","page":385},{"text":"التعصيب، أو جهة أخرى من القرابة، فكذلك لا يمنع ذلك ههنا أن يأخذ أكثر من فرضه ردًّا، والله أعلم.\nوأما بالنسبة للرد على الزوجين؛ فلم يقل به أحد من السلف، والصحيح أنه لا يرد عليهما؛ لعدم القول بذلك من السلف.\nقال الإمام العثيمين -﵀- في كتابه «تسهيل الفرائض» (ص ٨٧ -): أما الزوجان فلا يرد عليهما؛ قال في «المغني»: باتفاق من أهل العلم، إلا أنه روي عن عثمان أنه رد على زوج، ولعله كان عصبة، أو ذا رحم فأعطاه لذلك، أو أعطاه من مال بيت المال، لا على سبيل الميراث، وسبب ذلك - إن شاء الله - أن أهل الرد كلهم من ذوي الأرحام فيدخلون في عموم قول الله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: من الآية ٧٥]، والزوجان خارجان من ذلك\". انتهى كلامه.\nوقد نقل الإجماع على عدم الرد على الزوجين غير واحد من الفرضيين، وتقرير الدليل الذي قاله صاحب «المغني» أن الله فرض لذوي الفروض فروضهم؛ فيجب أن لا يعطى أحد فوق فرضه ولا ينقص منه إلا بدليل، وقد قام الدليل على أنه ينقص منه عند التزاحم كما سبق في العول، وقام الدليل على أنه يعطى القريب ما فضل عن الفرض عند عدم العاصب، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: من الآية ٧٥]، فبقي الزوجان لا دليل على إعطائهما فوق ما فرض الله لهما.","vol":"7","page":386},{"text":"وأما ما وقع في «فتاوى شيخ الإسلام» (٣١/ ٣٣٨): وفي «مختصر الفتاوى» (ص ٤٢٠) وفي «الاختيارات» (ص ١٩٧) في امرأة خلفت زوجًا، وأمًا، وبنتًا: أنها تقسم على أحد عشر: (للبنت ستة أسهم، وللزوج ثلاثة أسهم، وللأم سهمان)، وهذا على قول من يقول بالرد، كأبي حنيفة وأحمد. انتهى.\nفإن ظاهر هذه القسمة أنه يرد على الزوج، وفي ذلك نظر من وجوه ثلاثة:\nالأول: أن الشيخ صرح بأنها مبنية على قول من يقول بالرد. وقد علم أن القائلين بالرد لا يرون الرد على الزوجين، فقسمة المسألة المذكورة عندهم من ستة عشر: (للزوج أربعة، وللبنت تسعة، وللأم ثلاثة).\nالثاني: أن الأصحاب لم ينقلوا عن الشيخ أنه يرى الرد على الزوجين مع اعتنائهم بآرائه واعتبارهم لها، بل إن صاحب \"مختصر الفتاوى\" قال عن المسألة المذكورة: إن فيها نظرًا.\nالثالث: إن الشيخ نفسه ذكر في موضع آخر مسألتين ورد فيهما أحد الزوجين، ولم يرد عليهما.\nففي «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣٥٩) -في رجل مات وترك زوجة، وأختًا لأبوين، وثلاث بنات أخ لأبويه- قال الشيخ: للزوجة الربع، وللأخت النصف، ولا شيء لبنات الأخ. والربع الثاني إن كان هناك عصبة فهو للعصبة، وإلا فهو مردود على الأخت على أحد قولي العلماء وعلى الآخر؛ فهو لبيت المال. اهـ\nوقال في «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣٥٨) -في امرأة خلفت زوجًا وابن أخت-: أن للزوج النصف وأما ابن الأخت: ففي أحد الأقوال له الباقي، وهو قول أبي","vol":"7","page":387},{"text":"حنيفة، وأصحابه، وأحمد في المشهور عنه، وفي القول الثاني لبيت المال، وهو قول كثير من أصحاب الشافعي، قال: وأصل المسألة تنازع العلماء في ذوي الأرحام الذين لا فرض لهم، ولا تعصيب، فمذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية: أن من لا وارث له بفرض ولا تعصيب يكون ماله لبيت مال المسلمين. ومذهب أكثر السلف، وأبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه يكون لذوي الأرحام. اهـ، ثم ذكر دليل ذلك.\nفأنت ترى أن الشيخ لم يرد على الزوجين في هاتين المسألتين، ولو كان يراه لرد عليهما لاستحقاقهما الرد في مثل هذه الحال لو كانا من أهله. والظاهر أن المسألة الأولى التي ظاهرها الرد على الزوج سهو أو سَبْقَةُ قلم، والله أعلم.\nويمكن أن يقال -في مسألة الرد على الزوجين-: إنه إذا لم يكن وارث بقرابة ولا ولاء، فإنه يرد على الزوجين؛ لأن ذلك أولى من صرفه إلى بيت المال الذي يكون لعموم المسلمين؛ فإن بين الزوجين من الاتصال الخاص ما ليس لعموم المسلمين فيكونان أحق بما بقي بعد فرضهما من بيت المال. ويحتمل أن يحمل على هذا ما روي عن أمير المؤمنين عثمان. انتهى.\nقلتُ: الأثر عن عثمان -﵁-، لم نقف له على إسنادٍ؛ فلا حاجة إلى تأويله وتوجيهه، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٨ -) «التحقيقات» (ص ٢٥١ -) «ابن أبي شيبة» (١١/ ٢٧٥ -) «بداية المجتهد» (٤/ ١٦٩) «سنن البيهقي» (٦/ ٢٤٤) «الرسالة» (ص ٥٨٧ - ٥٩) «سنن ابن منصور» رقم (١١٢ -).","vol":"7","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3884>فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلّقُ بِمِيْرَاثِ المُلاعِنة وَوَلدها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3885>مسألة [١]: توارث الزوجين المتلاعنين</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ١١٥): وينقطع التوارث بين الزوجين، لا نعلم بين أهل العلم في هذه الجملة خلافًا. اهـ\nيعني إذا تمَّ اللعان بينهما، وفرَّق الحاكمُ بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3886>مسألة [٢]: إذا مات أحد المتلاعنين قبل تمام اللعان</span>؟\n• مذهب الجمهور أنَّ الآخر يرث؛ لأنَّ اللعان لم يتم.\n• وقال الشافعي: إذا كمَّل الزوج؛ لم يتوارثا.\n• وقال مالك: إذا مات الزوج بعد لعانه؛ لم ترث إلا إذا لم تلاعن وتُحَدُّ، وإن ماتت الزوجة؛ ورثها.\nوهذا القول أقرب، والله أعلم. «المغني» (٩/ ١١٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3887>مسألة [٣]: إذا مات أحدهم قبل تفريق الحاكم</span>؟\n• جماعة من أهل العلم على عدم التوارث، قال به الزهري، وربيعة، ومالك، وزُفر، وداود، وأحمد في رواية.","vol":"7","page":389},{"text":"• وقال بعض أهل العلم: يتوارثان. وهو قول الحنفية، وأحمد في رواية.\nقلتُ: والصحيح عدم التوارث إذا تمَّ اللعان، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3888>مسألة [٤]: إذا فرَّق الحاكم قبل تمام اللعان</span>؟\n• ليس للحاكم ذلك، ولا تقع الفرقة، ولا ينقطع التوارث عند الجمهور.\n• خلافًا للحنفية، حيث قالوا: إن تلاعنا ثلاثًا؛ فتقع الفرقة، ولا توارث. والصحيح قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3889>مسألة [٥]: هل يرث الملاعِن الولد الذي نفاه عن نفسه</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٦٧٤٨): اتفقوا على أنه لا ميراث بين الولد، وبين الذي نفاه. اهـ\nواستثنى أهل العلم حالة رجوع الملاعن، وتكذيب نفسه فيجلد الحد، وينسب إليه ولده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3890>مسألة [٦]: من يرث ابنَ الملاعنة</span>؟\nترثه أمه، ويرثه ذوو الفرض منه فروضهم، كالزوجة، والأخ لأم، وهذا لا يعلم فيه خلاف كما ذكر ابن قدامة -﵀-. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١١٥).\n(^٢) «المغني» (٩/ ١١٥).\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ١١٤ - ١١٥).","vol":"7","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3891>مسألة [٧]: من هم عصبته الذين يأخذون ما أبقت الفروض</span>؟\nينقطع تعصيبه من جهة الملاعن بالإجماع.\nواختلف أهل العلم في عصبته:\n• فمنهم من قال: عصبته عصبة أمه، وهذا قول جابر بن زيد، وعطاء، والنخعي، والحكم، وحماد، وأحمد في رواية، وصحَّ عن ابن عباس -﵄-.\n• ومنهم من قال: أمه عصبته؛ فإن لم تكن؛ فعصبته عصبة أمه، وهو قول مكحول، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، والثوري، وأحمد في رواية، وثبت هذا القول عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود -﵄-.\nوفي المسألة حديث واثلة بن الأسقع مرفوعًا: «تحوز المرأة ثلاثة مواريث: لقيطها، وعتيقها، وولدها الذي لاعنت فيه»، وهو حديث ضعيفٌ منكرٌ، وقد تقدم.\nوحديث: قضى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بميراث ابن الملاعنة لأمه، ولورثتها من بعده. رواه أبو داود (٢٩٠٨)، والبيهقي (٦/ ٢٥٩)، من طريق: عيسى بن موسى، أبي محمد القرشي، عن العلاء ابن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده.\nوعيسى بن موسى حسن الحديث، فظاهر الإسناد الحسن؛ إلا أنَّ الهيثم بن حميد، وهو أحفظ من عيسى بن موسى رواه عن العلاء عن عمرو بن شعيب، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- معضلًا.","vol":"7","page":391},{"text":"أخرج ذلك الدارمي في «سننه» (٣١٥٧) من النسخة المحققة، وبيَّن المحقق أنَّ النسخ المطبوعة زِيْدَ فيها (عن أبيه عن جده) وليست موجودة في المخطوطات.\nوصح عن مكحول مرسلًا بمثل حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أخرجه أبو داود برقم (٢٨٩٠)، والبيهقي (٦/ ٢٥٩)، وهو معضل، وأخرج أبو داود في «المراسيل» (٣٥٢)، والبيهقي (٦/ ٢٥٩) من طريق: عبد الله بن عبيد، عن رجل من أهل الشام، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في ابن الملاعنة: «عصبته عصبة أمه»، وهو حديث ضعيفٌ؛ لأنَّ فيه مبهمًا ولا نستطيع الجزم بأنه تابعي، بل يحتمل أنه تابع تابعي، وعبد الله بن عبيد قيل: هو الأنصاري، وهو مجهول. وقيل: هو الليثي، وهو ثقة. (^١)\nوقد رجَّح ابن القيم -﵀- هذا القول اعتمادًا على مجموع ما تقدم ذكره في هذا الباب.\n• وذهب جمهور أهل العلم إلى أن عصبته بيت المال، فترث منه أمه ما فرض الله لها، وإذا وجد صاحب فرض آخر أُعطي فرضه، وما بقي يجعل في بيت المال، وهذا قول زيد بن ثابت -﵁-، وقال به سعيد بن المسيب، وعروة، وسليمان بن يسار، والزهري، وربيعة، ومالك، والشافعي، والحنفية؛ لعموم الآية: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء:١١] الآية، فبيَّن الله تعالى\n_________\n(^١) انظر: كتاب «المراسيل» (ص ٤١٨) بتحقيق الزهراني.","vol":"7","page":392},{"text":"ميراث الأم، ولم يخص الأم الملاعنة بحكم آخر.\nقالوا: والأحاديث الورادة في ذلك لا تقوى للاحتجاج بها، وقد جاء في آخر حديث سهل بن سعد في «الصحيحين» في قصة المتلاعنين: ثم جرت السُّنَّة أنه يرثها، وترث منه ما فرض الله لها. جاء في بعض الروايات أنه قالها سهل، وفي بعض الروايات أنها من قول الزهري، فيحتمل أنَّ كليهما قالها.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح في المسألة ما قاله علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود -﵄-، وذلك يتوافق مع مسألة الرد، ومع مسألة توريث ذوي الأرحام، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3892>مسألة [٨]: ولد الزنا</span>.\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ١٢٢): وَالْحُكْمُ فِي مِيرَاثِ وَلَدِ الزِّنَى فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، كَالْحُكْمِ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَقْوَالِ، وَالِاخْتِلَافِ، إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ ابْنَ صَالِحٍ قَالَ: عَصَبَةُ وَلَدِ الزِّنَى سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ لَيْسَتْ فِرَاشًا، بِخِلَافِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا؛ لِانْقِطَاعِ نَسَبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَبِيهِ، إلَّا أَنَّ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ يَلْحَقُ الْمُلَاعِنَ إذَا اسْتَلْحَقَهُ، وَوَلَدُ الزِّنَى لَا يَلْحَقُ الزَّانِيَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ: يَلْحَقُ الْوَاطِئَ إذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَيَرِثُهُ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: يَلْحَقُهُ إذَا جُلِدَ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١١٦) «ابن أبي شيبة» (١١/ ٣٣٤ -) «الفتح» (٥٣١٥) (٦٧٤٨) «سنن الدارمي» (٤/ ١٩٣٤ -) «تهذيب السنن» (٤/ ١٧٧ -) «سنن أبي داود» (٢٠٩٨) «المراسيل» رقم (٣٥٢) تحقيق الزهراني، «سنن البيهقي» (٦/ ٢٥٩).","vol":"7","page":393},{"text":"الْحَدَّ، أَوْ مَلَكَ الْمَوْطُوءَةَ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: يَلْحَقُهُ. وَذُكِرَ عَنْ عُرْوَةَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ نَحْوُهُ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ قَالَ: لَا أَرَى بَأْسًا إذَا زَنَى الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ فَحَمَلَتْ مِنْهُ، أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مَعَ حَمْلهَا، وَيَسْتُرَ عَلَيْهَا، وَالْوَلَدُ وَلَدٌ لَهُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا وُلِدَ عَلَى فِرَاشٍ رَجُلٍ؛ فَادَّعَاهُ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا وُلِدَ عَلَى غَيْرِ فِرَاشٍ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ إذَا لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ؛ فَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ بِحَالٍ، كَمَا لَوْ كَانَتْ أُمُّهُ فِرَاشًا، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ يُجْلَدْ الْحَدَّ عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَهُ. اهـ\n• قال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ٤٢٥ -): فإن قيل: فقد دلَّ الحديثُ على حكم استلحاق الولد، وعلى أن الولد للفراش، فما تقولون لو استلحق الزانى ولدًا لا فِراش هُناك يُعارضه، هل يلحقُه نسبُه، ويثبتُ له أحكامُ النسب؟ قيل: هذه مسألة جليلة اختلف أهلُ العلم فيها، فكان إسحاق بن راهويه يذهبُ إلى أن المولودَ مِن الزِّنى إذا لم يكن مولودًا على فراش يدَّعيه صاحبه، وادعاه الزانى؛ أُلحِقَ به، وأوَّل قول النبى - ﷺ -: «الولد للفراش» على أنه حكم بذلك عند تنازُع الزاني وصاحب الفراش كما تقدم، وهذا مذهب الحسن البصرى، رواه عنه إسحاق بإسناده، فى رجلٍ زنى بامرأة، فولدت ولدًا، فادَّعى ولدَها، فقال: يُجلد ويلزمُه الولد، وهذا مذهبُ عروة بن الزبير، وسليمانَ بن يسار ذكر عنهما أنهما قالا: أيُّما رجل أتى إلى غلام يزعم أنه ابن له، وأنه زنى بأمه ولم يَدَّعِ ذلك الغلامَ أحد، فهو ابنُه، واحتج سليمان، بأن عمر بن الخطاب كان يُلِيطُ أولادَ","vol":"7","page":394},{"text":"الجاهلية بمن ادعاهم فى الإسلام، وهذا المذهبُ كما تراه قوة ووضوحًا، وليس مع الجمهور أكثرُ مِن «الولد للفراش»، وصاحبُ هذا المذهب أوَّلُ قائل به، والقياسُ الصحيح يقتضيه؛ فإن الأبَ أحدُ الزانيين، وهو إذا كان يلحق بأمه، وينسب إليها وترثه ويرثُها، ويثبت النسب بينه وبين أقارب أمه مع كونها زنت به، وقد وُجِدَ الولدُ مِن ماء الزانيين، وقد اشتركا فيه، واتفقا على أنه ابنهُما، فما المانِعُ مِن لحوقه بالأب إذا لم يدَّعِهِ غيرُه؟ فهذا محضُ القياس، وقد قال جريج للغلام الذى زنت أمُّه بالراعى: «من أبوك يا غلام؟ قال: فلان الراعى»، وهذا إنطاق من الله لا يُمكن فيه الكذبُ. اهـ\nوانظر ما ذكرناه عند الحديث رقم (١١٢٢). (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٧٤٤) «ابن أبي شيبة» (١١/ ٣٤٨ -) «سنن الدارمي» (٤/ ١٩٩٦).","vol":"7","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3893>فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مَسَائِلَ أُخْرَى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3894>مسألة [١]: الغرقى، والهدمى، والحرقى، ومن أشبههم</span>.\nوالمقصود من ذكر هؤلاء أنهم يموتون جماعة وبينهم توارث، ولا يدرى السابق منهم من اللاحق.\n• والحكم في هؤلاء الذين لا يُدرى من مات منهم أولًا فيه اختلاف عند أهل العلم:\n• فمنهم من قال: يرث كل واحد منهم من الآخر مع بقية ورثته؛ إلا أنه لا يرث منه إلا من قديم ماله دون حديثه الذي ورثه من ميت معه، هذا القول ثبت عن عمر -﵁-، وقال به شريح، وإبراهيم، والشعبي، وإياس، وعطاء، والحسن، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق.\n• ومنهم من قال: لا يرث واحد منهم الآخر، وكل واحد منهم يرثه بقية ورثته، وهذا قول زيد بن ثابت -﵁-، وهو ثابت عنه، ونقل عن غيره من الصحابة، وقال به عمر بن عبد العزيز، وأبو الزناد، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، والحنفية.\nوحجتهم: أنَّ من شروط الإرث أن يعلم حياة الوارث بعد موت المورث،","vol":"7","page":396},{"text":"والشرط ههنا مفقود، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3895>مسألة [٢]: توريث الخنثى</span>.\nالخنثى هو من له آلة الذكورة، وآلة الأنوثة، أو له ثقب لا يشبه واحدًا منهما.\nوحكم الخنثى أنه إذا تميز بأن يكون البول من إحدى الآلتين دون الأخرى؛ فيحكم له بها عند أهل العلم؛ فإن كان يبول من آلة الذكر؛ ورث على أنه ذكر، وإن كان من آلة الأنثى؛ ورث على أنه أنثى. ذكر ذلك ابن المنذر، وغيره من أهل العلم.\n• فإن بال منهما جميعًا؛ اعتُبر الأسبق عند جمهور أهل العلم، وإن عدم السابق؛ فاعتبر بعضهم الأكثر، وهو قول أحمد في رواية، والأوزاعي، وصاحبي أبي حنيفة، ووجهٌ للشافعية.\n• وقال بعضهم: لا يعتبر بالأكثر، وهو قول الشافعية، وبعض الحنابلة.\nقلتُ: ويظهر أن لا اعتبار بالأكثر، ولا بالأسبق، والله أعلم. (^٢)\nوإذا لم يتميز الخنثى أذكرٌ هو أو أنثى؟ وقف الأمر حتى يبلغ فتتبين فيه علامات الرجال، أو علامات النساء، وإذا احتيج إلى قسم الميراث قبل ذلك؛ قُسم الميراث على تقديرين، على تقدير كونه أنثى، وعلى تقدير كونه ذكرًا، ثم\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٧٠) «سنن ابن منصور» (١/ ٨٤) «سنن الدارمي» (٤/ ١٩٧٤ -) «ابن أبي شيبة» (١١/ ٣٤٢ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ١٠).","vol":"7","page":397},{"text":"يُعطى هو وبقية الورثة أقل النصيبين من المسألتين، ويوقف الباقي حتى يتبين الأمر.\n• وإن مات قبل البلوغ، وأيس الورثة من التبين؛ فجماعة من أهل العلم يقولون: يرث نصف ميراث ذكر، ونصف ميراث أنثى، وهذا قول الشعبي، وابن أبي ليلى، وأحمد، والثوري، والمالكية، وأهل المدينة، وأهل مكة.\n• وورثه أبو حنيفة بأسوأ حالتيه، وأعطى الباقي الورثة الآخرين.\n• وأعطاه الشافعي، وأبو ثور، وداود، وابن جرير اليقين، ووقف الباقي حتى يتبين الأمر، أو يصطلحوا.\nوالقول الأول هو الذي يظهر، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3896>مسألة [٣]: توريث الحمل</span>.\nإذا مات الإنسان عن حملٍ يرثه؛ وقف الأمر حتى يوضع ويتبين؛ فإن طالب الورثة بالقسمة قبل ذلك؛ أُجيبوا لها، فيُعطى من لا ينقصه الحمل شيئًا ميراثه كاملًا، ويُعطى من ينقصه على بعض التقادير أقل ما يصيبه من تلك التقادير، ومن يسقط بتقدير من تقادير الحمل لا يُعطى شيئًا. وإذا كان للحمل شريكٌ موجودٌ في الفرض، أو التعصيب، هل يدفع له شيء؟\n• أكثر أهل العلم على أنه يوقف للحمل شيء ويدفع لشركائه الباقي، وهو\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١١٠ -).","vol":"7","page":398},{"text":"قول أحمد، والشافعي في رواية، والليث، والحنفية وآخرين.\n• وقال بعض أهل العلم: لا يدفع للشركاء شيء؛ لأنَّ الحمل لا حدَّ له، وهو قولٌ للشافعي والأرجح عند المالكية. (^١)\n• اختلف القائلون بالوقف كم يوقف؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يوقف نصيب ذكرين، أو أنثيين، أيهما كان أكثر، وهو قول أحمد، ومحمد بن الحسن.\n• وقال شريك: نصيب أربعة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي.\n• وقال الليث، وأبو يوسف: نصيب غلام.\nوالصواب هو القول الأول؛ لأنَّ ولادة اثنين يحصل بكثرة، فاحتيط له دون ما فوقه، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3897>مسألة [٤]: شروط توريث الحمل</span>.\nيرث الحمل بشرطين:\nالأول: أن يعلم أنه كان موجودًا حال الموت، ويعلم ذلك باعتبار أقل مدة الحمل، وهي ستة أشهر، وباعتبار أكثره.\n• واختلفوا في أكثره، فمنهم من قال: سنتين. ومنهم من قال: ثلاث سنوات.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٧٧).\n(^٢) انظر «المغني» (٩/ ١٧٧ - ١٧٨).","vol":"7","page":399},{"text":"ومنهم من قال: أربع سنوات. ومنهم من قال: خمس.\nوذكر بعضهم أنه لم يوجد حملٌ في أكثر من أربع سنوات، فاعتبروها، والله أعلم.\nالثاني: أن تضعه أُمُّهُ حيًّا حياةً مستقرة؛ للحديث الذي في الباب: «إذا استهل المولود ورث»، وقد اتفق أهل العلم على أنها إذا وضعته ميتًا؛ لم يرث، واتفقوا على أنه إذا استهل صارخًا؛ ورث.\n• واختلفوا فيما سوى الاستهلال، فذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه لا يرث حتى يستهل صارخًا، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وشريح، والحسن، وابن سيرين، والنخعي، وهو قول مالك، وأبي عبيد، وأحمد في المشهور عنه، وإسحاق.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى توريثه إذا حدث منه أيُّ صوتٍ تُعلم به حياته، كالعطاس، والبكاء وغيرهما، وهو قول الزهري، والقاسم، وأحمد في رواية.\n• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى توريثه إذا عُلِمت حياته بصوتٍ، أو بحركةٍ، أو برضاعٍ، أو بغير ذلك، وهو قول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبي حنيفة، وداود، وابن حزم، وهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ المقصود هو العلم بحياته، وذلك يحصل بكل ما ذُكر، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٧٩ -) «المحلى» (١٧٤٨).","vol":"7","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3898>مسألة [٥]: إذا خرج بعضه فاستهل، ثم مات بتمام انفصاله</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنه لا يرث.\n• ومذهب الحنفية أنه يرث إذا استهل بعد خروج أكثره.\n• ومذهب الظاهرية أنه يرث، ولو خرج أقله، وهذا أقرب؛ لظاهر الحديث. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3899>مسألة [٦]: ميراث المفقود</span>.\n• مذهب الجمهور أنَّ من فُقِد يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم، سواء كان الغالب في حاله الهلاك أو السلامة، فيضرب الحاكم مدة ينتظر فيها المفقود، ولا يقسم ماله، أو يُورَّث إن كان وارثًا إلا عند حكم الحاكم بموته.\n• ومذهب أحمد -﵀- أنه إن كان الغالب في حاله الهلاك ينتظر أربع سنوات؛ فإن لم يظهر له خبر بعد ذلك؛ قُسم ماله، وأما من كان الغالب على حاله السلامة؛ فعنه روايتان رواية كقول الجمهور، ورواية أنه ينتظر تمام تسعين سنة، ولا دليل على هذا التحديد.\nورجَّح الإمام ابن عثيمين قول الجمهور، وهو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3900>مسألة [٧]: هل يَرِثُ المفقودَ من مات قبل حكم الحاكم بموته</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ١٨٨): واتفق الفقهاء على أنه لا يرث المفقود إلا الأحياء من ورثته يوم قسم ماله لا من مات قبل ذلك اليوم ولو بيوم. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٨١) «المحلى» (١٧٤٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ١٨٧) «الشرح الممتع» (٥/ ٩٢).","vol":"7","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3901>مسألة [٨]: من مات وفي ورثته مفقود</span>؟\n• مذهب أحمد، وأكثر الفقهاء على أنه يُعطى كل وارث من ورثته اليقين، ويوقف الباقي حتى يتبين أمره، أو تمضي مدة الانتظار.\n• وقال بعض الشافعية: يقسم المال على الموجودين؛ لأنهم متحققون، والمفقود مشكوك فيه؛ فلا يُورَّث مع الشك. والصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3902>مسألة [٩]: هل الأسير عند العدو كالمفقود</span>؟\n• إذا انقطع خبره ولم تُعلم حياته؛ فهو كالمفقود، وإن علمت حياته وَرِثَ عند الجمهور.\n• وحُكي عن سعيد بن المسيب أنه لا يرث؛ لأنه عبدٌ، وحُكي ذلك عن النخعي، وقتادة.\nوالصحيح القول الأول، والكفار لا يملكون الأحرار، وهذا القول المحكي عنهم غريب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3903>مسألة [١٠]: إذا وقف مالٌ للمفقود من ميت يرثه، فلم يتبين أمر المفقود، وحكم الحاكم بموته</span>؟\n• من أهل العلم من قال: المال لورثة المفقود، ولا يرد لورثة الأول، وهو الصحيح في مذهب الحنابلة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٨٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ١٩١).","vol":"7","page":402},{"text":"• ومنهم من يقول: يرد لورثة الأول، وهو وجهٌ في مذهب الحنابلة، واختاره ابن قدامة، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنفية، وهذا القول أقرب، والحجة فيه أنه لم يعلم السابق منهم موتًا من اللاحق؛ فلا توارث بينهما كالغرقى، والهدمى، والحرقى، وهو ترجيح الفوزان، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3904>مسألة [١١]: توريث المجوس</span>.\nأما المجوس ومن جرى مجراهم ممن ينكح ذوات المحارم إذا أسلموا، فلا خلاف بين العلماء يُعلم أنهم لا يرثون بنكاح ذوات المحارم، فأما غيره من الأنكحة؛ فكل نكاح اعتقدوا صحته، وأقروا عليه بعد إسلامهم؛ توارثوا به، سواء وجد بشروطه المعتبرة في نكاح المسلمين، أو لم يوجد، وما لا يقرون عليه بعد إسلامهم لا يتوارثون به.\nوالمجوس وغيرهم في هذا سواء، فلو طلق الكافر امرأته ثلاثًا، ثم نكحها، ثم أسلما، ومات أحدهما؛ لم يُقرَّا عليه، ولم يتوارثا به، وكذلك إن مات أحدهما قبل إسلامهما؛ لم يتوارثا في قول الجميع، وهناك صُورٌ أخرى يختلف فيها أهل العلم بناء على الاختلاف فيما يُقرَّان عليه إذا أسلما، أو تحاكما إلينا، وسيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3905>مسألة [١٢]: وهل يتوارث المجوس بأكثر من قرابة</span>؟\n• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنهم يتوارثون بجميع القرابات إن أمكن ذلك،\n_________\n(^١) انظر: «التحقيقات» (ص ٢٣٤ -) للفوزان.","vol":"7","page":403},{"text":"نصَّ عليه أحمد -﵀-، وهو قول إسحاق، وداود، ويحيى بن آدم، والشافعي في قول، والحنفية، ونُقل هذا القول عن علي، وابن مسعود -﵄-، ولم يثبت عنهما؛ فإنَّ في الإسناد رجلًا مُبهمًا كما في «مصنف ابن أبي شيبة» و«سنن الدارمي»، واختار هذا القول ابن الَّلبَّان.\n• وذهب الحسن، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والليث، وحماد، وهو الصحيح عن الشافعي أنه يرث بأقوى القرابتين، وهي التي لا تسقط بحال، ونقل هذا القول عن زيد ابن ثابت، واحتجوا بأنهما قرابتان لا يورث بهما في الإسلام، فلا يورث بهما في غيره، كما لو أسقطت إحداهما الأخرى.\nواستدل أهل القول الأول بأنَّ الله تعالى أعطى الأم الثلث، وأعطى الأخت النصف، فإذا كانت الأم أختًا؛ وجب إعطاؤها ما فَرض الله لها في الآيتين، ولأنهما قرابتان ترث بكل واحدة منهما منفردة، لا تحجب إحداهما الأخرى ولا ترجح بها، فترث بهما مجتمعتين، كزوج هو ابن عم، أو ابن عم هو أخ من أم، وكذوي الأرحام المدلين بقرابتين.\nوأجابوا على قياس أهل القول الثاني: بأنَّ قياسهم فاسد؛ لأنَّ القرابتين في الأصل تسقط إحداهما الأخرى إذا كانتا في شخصين، فكذلك إذا كانتا في شخص.\nوقولهم: (لا يُورث بهما في الإسلام) ممنوعٌ؛ فإنه إذا وجد ذلك من وطء شبهة في الإسلام؛ ورث بهما، ثم إن امتناع الإرث بهما في الإسلام؛ لعدم وجودهما، ولو تصور وجودهما؛ لورث بهما، بدليل أنه قد ورث بنظيرهما في ابن","vol":"7","page":404},{"text":"عمٍّ، هو زوج، أو أخ من أم.\nثم نقل ابن قدامة عن ابن اللبان كلامًا جيدًا يبين فيه أنَّ الراجح هو التوريث بالقرابتين، وفيه إلزامات مفسدة لقول من قال بالتوريث بأقوى القرابتين. (^١)\nتنبيه: حديث عمر الذي في الباب «ما أحرز الوالد، أو الولد فهو لعصبته من كان» ستأتي دراسته إن شاء الله تعالى في [كتاب العتق]، وبالله التوفيق، والتسديد.\n_________\n(^١) انظر جميع ما تقدم في «المغني» (٩/ ١٦٥ - ١٦٧).","vol":"7","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3906>بَابُ الوَصَايَا</span>\n٩٥١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٩٥٢ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا». قُلْت: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: «لَا». قُلْت: أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّك إنْ تَذَرْ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n٩٥٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إنْ تَصَدَّقْت عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^٣)\n\n٩٥٤ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَحَسَّنَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٣٨)، ومسلم (١٦٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤).\n(^٤) حسن بذاته، صحيح بشواهده. أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٧)، وأبوداود (٣٥٦٥)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣)، وابن الجارود (٩٤٩)، كلهم من طريق إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم قال: سمعت أبا أمامة فذكره. وإسناده حسن، إسماعيل بن عياش إذا روى عن أهل بلده حُسِّن حديثه، وهذا منها، والحديث له شواهد كثيرة، فقد جاء من حديث ابن عباس وعمرو بن خارجة وعبدالله بن عمرو وأنس بن مالك وجابر بن عبدالله وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن عمر والبراء وزيد بن أرقم -﵃-، وبعض هذه الشواهد تصلح للتقوية. انظر تخريجها في كتاب «الإرواء» (١٦٥٥) للعلامة الألباني -﵀-، فالحديث صحيح بشواهده، والله أعلم.","vol":"7","page":406},{"text":"٩٥٥ - وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: «إلَّا أَنْ يَشَاءَ الوَرَثَةُ». وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. (^١)\n\n٩٥٦ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إنَّ اللهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. (^٢)\n_________\n(^١) زيادة ضعيفة. رواه الدارقطني (٤/ ٩٧، ١٥٢)، وأخرجه أيضًا أبوداود في «المراسيل» (٣٤١)، والبيهقي (٦/ ٢٦٣)، كلهم من طريق حجاج عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس به.\nقال أبوداود: عطاء الخراساني لم يدرك ابن عباس ولم يره. اهـ\nقلت: وفيه مع ذلك ضعف، وقد رواه يونس بن راشد عن عطاء الخراساني عن عكرمة عن ابن عباس به. أخرجه الدارقطني (٤/ ٩٨، ١٥٢)، فذكر الواسطة (عكرمة).\n\nلكن قال الحافظ في «التلخيص» (٣/ ٦٢): والمعروف المرسل. اهـ يعني المنقطع الذي قبله. وقد رويت الزيادة في حديث عبدالله بن عمرو عند الدارقطني (٤/ ٩٨)، ولكن في إسناده سهل بن عمار وهو كذاب.\nوجاءت في بعض طرق حديث عمرو بن خارجة عند البيهقي (٦/ ٢٦٤)، وفي إسناده: إسماعيل ابن مسلم المكي، وهو شديد الضعف.\nوقد حكم الإمام الألباني -﵀- على هذه الزيادة بالنكارة في «الإرواء» (٦/ ٩٧).\n(^٢) ضعيف. أخرجه الدارقطني (٤/ ١٥٠)، من طريق إسماعيل بن عياش، عن عتبة بن حميد البصري، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن معاذ به. وإسناده ضعيف؛ لضعف عتبة بن حميد، وإسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير أهل بلده، وهذا منها.","vol":"7","page":407},{"text":"٩٥٧ - وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ. (^١)\n\n٩٥٨ - وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، لَكِنْ قَدْ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا. وَاللهُ أَعْلَمُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3907>مسألة [١]: تعريف الوصايا</span>.\nجمع وصية، كعطايا وعطية، وهي بالتصرف بعد الموت، والوصية بالمال هي التبرع به بعد الموت. قاله ابن قدامة في «المقنع» (٧/ ١٧٢) مع «الإنصاف».\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه أحمد (٦/ ٤٤٠ - ٤٤١)، والبزار كما في «كشف الأستار» (١٣٨٢) من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن أبي الدرداء.\nوأبوبكر بن أبي مريم إلى الضعف الشديد أقرب، وضمرة بن حبيب لم يذكر له سماع من أبي الدرداء، بل لم يذكر له صاحب «تهذيب الكمال» رواية عنه.\n(^٢) ضعيف جدًّا. أخرجه ابن ماجه (٢٧٠٩)، وفي إسناده طلحة بن عمرو الحضرمي، وهو متروك.\nوله شاهد آخر من حديث خالد بن عبيد السلمي:\nأخرجه الطبراني (٤١٢٩) من طريق إسماعيل بن عياش عن عقيل بن مدرك عن الحارث بن خالد بن عبيد السلمي عن أبيه رفعه به. وإسناده ضعيف؛ فإن عقيلًا مجهول الحال، والحارث مجهول العين، ووالده مختلف في صحبته.\nوله شاهد من حديث أبي بكر:\nأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٢/ ٧٩٤) وفي إسناده حفص بن عمر بن ميمون العدني الملقب ب (فرخ) قال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن عدي: عامة حديثه غير محفوظ.\nفالحديث لا يرتقي إلى الحجية بهذه الشواهد، والله أعلم.","vol":"7","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3908>مسألة [٢]: مشروعيتها</span>.\nدلَّ على مشروعية الوصايا الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٨٠].\nوأما من السنة: فالأحاديث كثيرة، منها ما تقدم ذكره في الباب.\nوأجمع العلماء، بل المسلمون على مشروعية الوصية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3909>مسألة [٣]: هل يجب على الإنسان أن يوصي من ماله للفقراء، والمحتاجين</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوصية، وهو قول الظاهرية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ الآية، وبحديث ابن عمر الذي في الباب.\n• وذهب الجمهور من أهل العلم إلى استحباب الوصية؛ للأدلة الواردة في الباب وغيرها، واستدلوا على عدم الوجوب بحديث أبي أمامة الذي في الباب: «إنَّ الله قد أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه؛ فلا وصية لوارث»، وبأنَّ كثيرًا من الصحابة ومن بعدهم ماتوا ولم يوصوا.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٨٩) «الشرح الكبير» (٨/ ١١٣) «البيان» (٨/ ١٤٧ -).","vol":"7","page":409},{"text":"• وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوصية للوالدين، والأقربين الذين لا يرثون، واستدلوا بالآية السابقة، وقالوا: خصصت بالحديث المتقدم: «لا وصية لوارث»، فبقي غيرهم من الأقربين الذي لا يرثون على الحكم السابق، وهو وجوب الوصية.\nوهذا القول قال به مسروق، وطاوس، وإياس، وقتادة، وابن جرير، وإسحاق، وبعض الحنابلة، واختاره الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nقلتُ: والذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ الآية المذكورة منسوخة بآية المواريث، وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فدل على أنَّ الأقربين الذين لا يرثون ليس لهم حق واجب، والله أعلم.\nوحديث ابن عمر محمولٌ على تأكد الوصية، أو على الوصية الواجبة التي أوجبها العلماء، وهي أن يكون عليه حقوق من ديون، أو ودائع، أو غيرها، وليس في ذلك بينة، ولا شهود؛ فيجب عليه حينئذٍ أن يوصي بها حتى لا تضيع حقوق الناس، وفي حديث ابن عمر قال: «يريد أن يوصي»، فعلَّق الوصية بإرادته؛ فدل على عدم الوجوب. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٩٠ -) «الشرح الكبير» (٨/ ١١٤ - ١١٥)، «المحلى» (١٧٤٩) (١٧٥١) «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٥٩) «الإنصاف» (٧/ ١٧٨) «الشرح الممتع» (٤/ ٦٣٨) ط/الآثار.","vol":"7","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3910>مسألة [٤]: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾</span>.\nالخير ههنا المراد به المال بلا خلاف، قاله القرطبي، وقد استحب أهل العلم لمن ترك مالًا كثيرًا أن يوصي وكرهوا لمن له مال قليل أن يوصي، وأحبوا له أن يترك المال لأولاده، وورثته.\n• واختلف أهل العلم في تحديد الكثير من القليل.\nقال ابن الجوزي -﵀- في «زاد المسير» (١/ ١٨٢): وفي مقدار المال الذي تقع هذه الوصية فيه ستة أقوال: أحدها: أنه ألف درهم فصاعدًا، روي عن علي (^١)، وقتادة. والثاني: أنه سبعمائة درهم فما فوقها، رواه طاووس عن ابن عباس. (^٢) والثالث: ستون دينارًا فما فوقها، رواه عكرمة عن ابن عباس. (^٣) والرابع: أنه المال الكثير الفاضل عن نفقة العيال. قالت عائشة لرجل سألها: إني أُريد الوصية. فقالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة. قالت: هذا شيء يسير، فدعه لعيالك. (^٤) والخامس: أنه من ألف درهم إلى خمسمائة، قاله إبراهيم النخعي. والسادس: أنه القليل والكثير، رواه معمر عن الزهري. اهـ\n_________\n(^١) أثر علي -﵁- أخرجه ابن جرير في تفسير [آية:١٨٠] من سورة البقرة، والدارمي (٢/ ٤٠٥)، من طريق: عروة، عن علي، وعروة لم يسمع من علي -﵁-؛ فالإسناد ضعيف منقطع.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في «التفسير» رقم (٢٥٠)، من طريق: ابن جريج، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس بمعناه، وابن جريج لم يصرح بالسماع، وليث هو ابن أبي سليم ضعيف. وأخرجه البيهقي (٦/ ٢٧٠)، وابن أبي شيبة (١١/ ٢٠٧)، من نفس الوجه.\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد كما في «الدر المنثور» [آية:١٨٠] من سورة البقرة.\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور برقم (٢٤٨)، وابن أبي شيبة (١١/ ٢٠٨)، والبيهقي (٦/ ٢٧٠)، من طريق: أبي معاوية، عن محمد بن شريك، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به، وهذا إسناد صحيح.","vol":"7","page":411},{"text":"ونقل ابن قدامة عن أحمد أنه قال: إذَا تَرَكَ دُونَ الْأَلْفِ لَا تُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ. وَعَنْ طَاوُس: الْخَيْرُ ثَمَانُونَ دِينَارًا. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: الْقَلِيلُ أَنْ يُصِيبَ أَقَلُّ الْوَرَثَةِ سَهْمًا خَمْسُونَ دِرْهَمًا.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْمَتْرُوكُ لَا يَفْضُلُ عَنْ غِنَى الْوَرَثَةِ، فَلَا تُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَّلَ الْمَنْعَ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ: «أَنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً»، وَلِأَنَّ إعْطَاءَ الْقَرِيبِ الْمُحْتَاجِ خَيْرٌ مِنْ إعْطَاءِ الْأَجْنَبِيِّ، فَمَتَى لَمْ يَبْلُغْ الْمِيرَاثُ غِنَاهُمْ، كَانَ تَرْكُهُ لَهُمْ كَعَطِيَّتِهِمْ إيَّاهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِهِ لِغَيْرِهِمْ فَعِنْدَ هَذَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِاخْتِلَافِ الْوَرَثَةِ فِي كَثْرَتِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ، وَغِنَاهُمْ وَحَاجَتِهِمْ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِقَدْرٍ مِنْ المَالِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\nوالأشهر في مذهب الحنابلة أنَّ ذلك يرجع إلى العرف كما في «الإنصاف» (٧/ ١٧٨). (^١)\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٩٣): وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ بِالْوَصِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنْ الثُّلُثِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «الثُّلُثُ كَثِيرٌ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\nفائدة أخرى: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٩٤): وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْعَلَ وَصِيَّتَهُ لِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ، إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.\n_________\n(^١) وانظر: «تفسر القرطبي» (٢/ ٢٥٩) «زاد المسير» (١/ ١٨٢) «المغني» (٨/ ٣٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٧٤٣)، ومسلم برقم (١٦٢٩).","vol":"7","page":412},{"text":"قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ عَلِمْتُ فِي ذَلِكَ إذَا كَانُوا ذَوِي حَاجَةٍ ... اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3911>مسألة [٥]: إذا أوصى لغير ذوي القربى المحتاجين</span>؟\n• أكثر أهل العلم على صحة الوصية وهو قول سالم، وعطاء، وسليمان بن يسار ومالك، الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، والأوزاعي، والحنفية وغيرهم.\nواستدلوا على ذلك بحديث عمران بن حصين في «صحيح مسلم» (١٦٦٨): أنَّ رجلًا أعتق ستة مماليك له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فجزأهم أثلاثًا، فأعتق اثنين، وأرقَّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا.\nوفي رواية عنده: أن رجلًا من الأنصار أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين.\nفهذا الرجل من الأنصار، والظاهر أنَّ له قرابة، وأمضى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصيته في الثلث لغير قرابته، وهذا الحديث مما يدل أيضًا على عدم وجوب الوصية للقرابة.\n• وحُكي عن طاوس، والضحاك أنه ينزع منهم، ويرد إلى قرابته.\n• وذهب سعيد بن المسيب، والحسن، وجابر بن زيد إلى أنَّ الموصى لهم يُعطون ثلث الوصية، والباقي يرد إلى القرابة، ومال إلى هذا ا بن القيم -﵀- في «مفتاح دار السعادة».\nوالصحيح هو القول الأول، والقولان الأخيران مبنيان على وجوب الوصية للأقارب. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٩٥) «المحلى» (١٧٥٣) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٣٤).","vol":"7","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3912>مسألة [٦]: الوصية بأكثر من الثلث</span>.\n• جمهور العلماء على أنه لا يجوز الوصية بأكثر من الثلث، واستدلوا على ذلك بحديث سعد بن أبي وقاص -﵁- الذي في الباب، وبحديث عمران بن حصين المتقدم في المسألة السابقة.\nوسواء كان له ورثة أو لم يكن، وهذا قول أحمد، والشافعي، ومالك، والأوزاعي، والظاهرية، وقال به ابن شبرمة، والحسن بن حي، وآخرون. ولكن مالكًا تسامح فيما إذا زادت الدرهم والدرهمين ونحوه.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ من لا وارث له له أن يوصي بماله كله، صحَّ هذا القول عن عبد الله بن مسعود -﵁-، وقال به مسروق، وعبيدة السلماني، والحسن، وشريك، وهو الأشهر في مذهب الحنابلة، وقال به إسحاق، واختاره ابن القيم، والشوكاني ورجحه الإمام ابن عثيمين.\nوحجة هؤلاء أنَّ المنع من الزيادة عن الثلث إنما كان من أجل الورثة، كما يدل عليه حديث سعد بن أبي وقاص -﵁-.\nوأجاب أهل القول الأول بأنَّ الحديث عامٌّ، وإن كان سببه خاصًّا، وليست العلة في غنى الورثة وعدمه، فقد يكون وارثه أغنى منه، وليس له مع ذلك الوصية بأكثر من الثلث، وقد يكون له وارث لا يأخذ من ماله إلا السدس، ومع ذلك فليس له أن يوصي بأكثر من الثلث بموافقة من المخالفين.","vol":"7","page":414},{"text":"فالذي يظهر أنَّ القول الأول أقرب إلا أنَّ له أن يوصي بماله كله في حالة عدم وجود وارث عند عدم انتظام بيت المال، كما هو الحال في يومنا هذا، والله المستعان. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3913>مسألة [٧]: إذا أذن الورثة لمورثهم أن يوصي بأكثر من الثلث</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يلزمهم ذلك، وليس لهم الرجوع بعد موته، وهو قول عطاء، والحسن، والزهري، وربيعة، وحماد، وابن أبي ليلى، والأوزاعي؛ لأنهم قد عفوا عن حقهم.\n• وذهب طائفةٌ إلى أنه لا يلزمهم، بل لهم الرجوع بعد موته، وهو قول شريح، وطاوس، والحكم، والنخعي، والشعبي، والثوري، والحسن بن حي، وأحمد، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، والحنفية، وجوَّزوا لهم الرجوع؛ لأنَّ المال إنما ينتقل إليهم بموت مورثهم، فالاعتبار بإجازتهم في ذلك الوقت لا قبل ذلك.\n• وقال بعض أهل العلم: لا يجوز لهم ذلك؛ لأنَّ المورث لا يجوز له أن يوصي بأكثر من الثلث، وليس للورثة حقٌّ قبل موته حتى يجيزوه؛ فإنَّ المال لا ينتقل إليهم إلا بالموت، وهذا قول المزني، وداود، وابن حزم، وأسند عن ابن مسعود أنه أنكر ذلك.\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٧٥٥) «الإنصاف» (٧/ ١٨٠ -) «أعلام الموقعين» (٤/ ٣٩) «السيل الجرار» (٤/ ٤٧٣ - ٤٧٤) «الشرح الممتع» (٤/ ٦٤٢) «المغني» (٨/ ٥١٦).","vol":"7","page":415},{"text":"• وقال مالك: إن أذنوا في مرض موته؛ فلا رجوع لهم، وإن أذنوا في صحته؛ فلهم الرجوع.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الاعتبار بإجازتهم بعد موته؛ لأنهم حينئذٍ يملكون المال، وأما قبل ذلك فلا اعتبار بإجازتهم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3914>مسألة [٨]: الوصية لوارث</span>.\nتقدم النهي عن ذلك في حديث أبي أمامة الذي في الباب.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٩٦): إذَا وَصَّى الْإِنْسَانُ لِوَارِثِهِ بِوَصِيَّةٍ، فَلَمْ يُجِزْهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ؛ لَمْ تَصِحَّ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا. وَجَاءَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - بِذَلِكَ، فَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ، قَالَ سَمِعْت رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «إنَّ الله قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ فَلَا وَصِيَّةَ لَوَارِثٍ».اهـ\nواختلف أهل العلم فيما إذا أجازها الورثة، هل تصح الوصية أم لا؟\n• فذهب الجمهور إلى أنها تصح بإجازة الورثة، واستدلوا بالزيادة المذكورة في الباب: «إلا أن يشاء الورثة»، وفي لفظ: «إلا أن يجيز الورثة».\n• وذهب بعض الحنابلة، وبعض الشافعية منهم: المزني، والظاهرية إلى أنَّ الوصية باطلة؛ لأنها منهي عنها، ولا تصح إذا أجازها الورثة؛ إلا أن يعطوه عطية\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤٠٥ -) «المحلى» (١٧٥٥) «الإنصاف» (٧/ ١٨٣).","vol":"7","page":416},{"text":"مبتدأة، وهذا قول الشافعي، وحُكي رواية عن أحمد، وهذا القول أقرب فيما يظهر، والله أعلم؛ لعدم صحة الزيادة المذكورة، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3915>مسألة [٩]: إذا أوصى لكل وارث بمقدار حقه</span>؟\n• ذكر أهل العلم أنَّ الوصية تصح إذا لم يعين، وأما إذا عيَّن بعض ماله، ففيه وجهان للحنابلة، والشافعية، والصحيح أنه لا يصح؛ لأنَّ في التعيين تفويتًا لبعض الأغراض، والورثة تعلقت حقوقهم بجميع المال، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3916>مسألة [١٠]: إذا أسقط في وصيته عن وارثه دينًا، أو أوصى بقضاء دينه، أو عفا عن بعض الجنايات</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٣٩٧): وإن أسقط عن وراثه دينًا، أو أوصى بقضاء دينه، أو أسقطت المرأة صداقها عن زوجها، أو عفا عن جناية موجبها المال؛ فهو كالوصية.\nوإن عفا عن القصاص، وقلنا: الواجب القصاص عينا. سقط إلى غير بدل. وإن قلنا: الواجب أحد شيئين. سقط القصاص، ووجب المال. وإن عفا عن حد\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٣٩٦) «المحلى» (١٧٥٢) «الإنصاف» (٧/ ١٨٣ -) «الاختيارات» (ص ١٩٣).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٧/ ١٨٤) «البيان» (٨/ ١٥٩) «الشرح الممتع» (٤/ ٦٤٣) «المغني» (٨/ ٣٩٧ -).","vol":"7","page":417},{"text":"القذف، سقط مطلقا.\nوإن وصى لغريم وارثه، صحت الوصية. وكذلك إن وهب له. وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة. وقال أبو يوسف: هو وصية للوارث؛ لأن الوارث ينتفع بهذه الوصية وتستوفى ديونه منها.\nولنا: أنه وصى لأجنبي، فصح، كما لو وصى لمن عادته الإحسان إلى وارثه. وإن وصى لولد وارثه، صح، فإن كان يقصد بذلك نفع الوارث، لم يجز فيما بينه وبين الله تعالى. قال طاوس، في قوله ﷿: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢]، قال: أن يوصي لولد ابنته، وهو يريد ابنته. رواه سعيد. قال ابن عباس: الجنف في الوصية والإضرار فيها من الكبائر (^١). انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3917>مسألة [١١]: إذا وصَّى لوارثه وأجنبي بثلث ماله</span>؟\n• مقتضى مذهب الجمهور أنَّ الورثة إذا أجازوا الوصية للوارث أنَّ الثلث بينهما سدسان، كل له سدس، وإن لم يجيزوا الوصية للوارث؛ فللأجنبي السدس، وتبطل الوصية للوارث.\n• ومقتضى مذهب من أبطلوا الوصية للوارث أنَّ الوصية ههنا لا تصح إلا للأجنبي، فيُعطى السدس نصف الثلث وأما الوارث فالوصية له باطلة، وإن أحب الورثة أن يعطوه عطية مبتدأة منهم فلهم ذلك، وهذا أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه ابن المنذر، وابن جرير، وابن أبي حاتم في تفسير سورة النساء (آية:١٢) بأسانيد صحيحة.\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٤٠١).","vol":"7","page":418},{"text":"تنبيه: إذا وصَّى لهما بأكثر من الثلث يمضى للأجنبي نصيبه إن كان ثلثًا فما دون، وأما الوارث فالوصية له لا تصح، وإن شاء الورثة أعطوه منهم ما شاؤوا، هذا هو الصحيح.\nومذهب الجمهور أنَّ الورثة إن أجازوا الوصية بأكثر من الثلث، والوصية للوراث؛ فالمال بينهما على حسب الوصية، وإن أبطلوا الزائد عن الثلث من غير تعيين؛ فالثلث الباقي بينهما نصفان.\nتنبيه آخر: الجمهور الذين يرون صحة الوصية بأكثر من الثلث، وللوارث بإجازة الورثة، يعتبرون في الإجازة أنْ تكون من جائز التصرف، فأما الصبي، والمجنون، والمحجور عليه لسفهٍ؛ فلا تصح الإجازة منهم؛ لأنها تبرع بالمال؛ فلم تصح منهم كالهبة. وأما المحجور عليه لفلس؛ فإن قلنا: الإجازة هبة؛ لم تصح منه؛ لأنه ليس له هبة ماله، وإن قلنا: هي تنفيذ؛ صحَّت. قاله ابن قدامة، والصحيح أنها هبة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3918>مسألة [١٢]: الوقت المعتبر به للوصية</span>.\nقال أبو محمد المقدسي -﵀- في «المغني» (٨/ ٤٠٧ - ٤٠٨): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ اعْتِبَارَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ، فَلَوْ أَوْصَى لِثَلَاثَةِ إخْوَةٍ لَهُ مُتَفَرِّقِينَ يعني أحدهم شقيق والآخر لأب، والثالث لأم وَلَا وَلَدَ لَهُ، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ وَلَدٌ؛ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ الْأَخِ مِنْ الْأَبِ، إلَّا بِالْإِجَازَةِ مِنْ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ وُلِدَ لَهُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤٠٧).","vol":"7","page":419},{"text":"ابْنٌ؛ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ إجَازَةٍ، إذَا لَمْ تَتَجَاوَزْ الْوَصِيَّةُ الثُّلُثَ.\nقال: وَلَوْ أَوْصَى لَهُمْ، وَلَهُ ابْنٌ، فَمَاتَ ابْنُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ؛ لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِأَخِيهِ مِنْ أَبَوَيْهِ، وَلَا لِأَخِيهِ مِنْ أُمِّهِ، وَجَازَتْ لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ. فَإِنْ مَاتَ الْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ قَبْلَ مَوْتِهِ؛ لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِلْأَخِ مِنْ الْأَبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ وَارِثًا.\nقال: وَلَوْ أَوْصَى لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ أَوْصَتْ لَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا؛ لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُمَا إلَّا بِالْإِجَازَةِ مِنْ الْوَرَثَةِ. وَإِنْ أَوْصَى أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا؛ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَيْرَ وَارِثٍ. اهـ\nوقد خالف ابن حزم، فجعل الاعتبار بحال الوصية فيما إذا كان وارثًا، ثم صار غير وارثٍ، فأبطلها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3919>مسألة [١٣]: الموصى له هل يملكها بغير قبول كالميراث</span>؟\n• جمهور العلماء على أنه لا يملكها إلا بالقبول؛ لأنه حرٌّ يملك، والأصل أنه لا يملك شيئًا إلا بإرادته، ولم يأت شيء يملكه حكمًا غير الميراث، فيبقى على ذلك، ولا يعدَّى الحكم إلى غيره إلا بدليل.\n• وجاء عن أحمد رواية، وبه قال بعض الحنابلة، أنه يملكها قهرًا كالميراث.\nوالصواب هو القول الأول، والله أعلم.\nتنبيه: إذا كان الموصى له عامًا غير معين؛ لم يعتبر قبولهم. (^٢)\n_________\n(^١) «المحلى» (١٧٥٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٤١٨) «البيان» (٨/ ١٧٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٣٦) ط/دار المعرفة.","vol":"7","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3920>مسألة [١٤]: وقت اعتبار القبول والرد</span>.\nقال ابن قدامة المقدسي -﵀- في «المغني» (٨/ ٤١٩): ويجوز القبول على الفور والتراخي، ولا يكون إلا بعد موت الموصي؛ لأنه قبل ذلك لم يثبت له حق، ولذلك لم يصح رده. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3921>مسألة [١٥]: إذا قبل الوصية فمن متى يثبت له الملك</span>؟\n• الأصح في مذهب الحنابلة أنه يثبت له الملك من حين القبول؛ لأنه بقبوله دخل في ملكه، ولا يسبق الملك القبول؛ لأنَّ القبول سبب الملك، وهذا قول مالك، والحنفية، ورُوي عن الشافعي.\n• وللحنابلة وجهٌ أنه يثبت له الملك من حين مات الموصي، وهذا ظاهر مذهب الشافعي؛ لأنَّ الموصى به لا يثبت الملك فيه للورثة، ولا يبقى للميت؛ لأنه صار جمادًا لا يملك؛ فهو ملك مُراعَى، فبقبولهم تبيَّنَّا أنه ملك لهم مستقر، وهذا القول أقرب، والله أعلم.\nوقد تردد الإمام ابن عثيمين بين هذين القولين، فلم يجزم بالراجح منهما كما في «الشرح الممتع».\n• وللشافعي قولٌ ثالث: أنَّ الوصية تملك بالموت، ويحكم بذلك قبل القبول. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٨/ ١٧٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٤١٩) «البيان» (٨/ ١٧٢) «الإنصاف» (٧/ ١٩٤ -).","vol":"7","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3922>مسألة [١٦]: إذا ردَّ الموصى له الوصية</span>؟\nلهذه المسألة حالات:\nالأولى: أن يردها قبل موت الموصي؛ فلا يعتبر بالرد ههنا؛ لأنَّ الوصية لم تقع بعد، فأشبه رد المبيع قبل إيجاب البيع.\nالثانية: أن يردها بعد الموت قبل القبول، فيصح الرد وتبطل الوصية، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا. ولعله أراد عند من يعتبر القبول والرد في تملك الوصية.\nالثالثة: أن يرد بعد القبول والقبض فلا يصح الرد، بل تكون منه هبةً لها أحكامها.\nالرابعة: أن يرد بعد القبول وقبل القبض، فمنهم من قال: يصح الرد. وهو وجهٌ للشافعية، وهو المنصوص عن الشافعي، واحتمالٌ للحنابلة.\nوالظاهر عند الحنابلة، وهو قول بعض الشافعية: أنه لا يصح الرد في غير المكيل والموزون؛ لأنَّ المكيل والموزون عندهم لا يستقر ملكه عليه قبل قبضه.\nوالصحيح أنه إذا قبله؛ فقد دخل في ملكه، وإن لم يقبضه، وليس القبض بشرط في تملكه؛ فعلى هذا فحكمه حكم الحالة الثالثة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3923>مسألة [١٧]: إذا مات الموصى له قبل أن يقبل أو يرد</span>؟\n• قال بعض أهل العلم: يقوم وارثه مقامه، وهو الأظهر في مذهب الحنابلة، واختاره الخِرَقي، وابن قدامة، كما أنَّ للورثة أن يردوا المبيع بالعيب؛ لحديث:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤١٥) «البيان» (٨/ ١٧٣) «الإنصاف» (٧/ ١٩٣).","vol":"7","page":422},{"text":"«من ترك مالًا؛ فلورثته»، وهذا من حقوق المال.\n• وقال بعضهم: تبطل الوصية، وهو اختيار بعض الحنابلة؛ لأنَّ الخيار كان للموصى له دون غيره. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3924>مسألة [١٨]: الوصية المقيدة والمطلقة</span>.\nالوصية المقيدة مثل أن يقول: إن مت في مرضي هذا، أو في هذه البلدة، أو في سفري هذا؛ فثلثي للمساكين.\nوالمطلقة أن يقول: إن مت؛ فثلثي للمساكين، أو لزيد.\nفالوصية المطلقة تصح بلا إشكال في الثلث وما دون، وفي غير وارث.\nوالوصية المقيدة إن مات فيما قيَّد؛ فتصح، ولا إشكال.\n• وإن لم يمت في ذلك المرض، أو في ذلك السفر؛ فتبطل الوصية، وهو قول الحسن، والثوري، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وهو الصحيح.\n• وقال مالك: إن قال قولًا، ولم يكتب فهو كذلك، وإن كتب كتابًا، ثم صحَّ من مرضه، وأقرَّ الكتاب؛ فوصيته بحالها مالم ينقضها.\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤١٧ -) «الإنصاف» (٧/ ١٩٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٤٢٢).","vol":"7","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3925>مسألة [١٩]: إذا أوصى بجزء مبهم من ماله، فكم يخرج عنه</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٤٢٦): وَإِنْ أَوْصَى بِجُزْءٍ، أَوْ حَظٍّ، أَوْ نَصِيبٍ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ؛ أَعْطَاهُ الْوَرَثَةُ مَا شَاءُوا. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ جُزْءٌ، وَنَصِيبٌ، وَحَظٌّ، وَشَيْءٌ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: (أَعْطُوا فُلَانًا مِنْ مَالِي، أَوْ اُرْزُقُوهُ)؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا حَدَّ لَهُ فِي اللُّغَةِ، وَلَا فِي الشَّرْعِ؛ فَكَانَ عَلَى إطْلَاقِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3926>مسألة [٢٠]: إذا أوصى بمثل نصيب أحد ورثته</span>؟\nلهذه المسألة حالتان:\nالأولى: أن يكون ورثته متساوين في الميراث.\n• فمذهب الجمهور أنه يُعطى مثل نصيب أحدهم مضافًا إلى الفريضة؛ فإن كان ترك ثلاثة أولاد؛ فأصل المسألة من ثلاثة أسهم، فتجعل المسألة من أربعة أسهم، فيُعطى كل واحد منهم سهمًا، ويُعطى الموصى له سهمًا.\n• ومذهب مالك، وأبن أبي ليلى، وزُفر، وداود أنه يُعطى مثل نصيب أحدهم، ثم يقسم الباقي بين الورثة.\nومذهب الجمهور أقرب؛ لأنه على قول هؤلاء سيُعطى أكثر من ميراث أحدهم، والظاهر من عبارة الموصي أنه أراد التسوية بينهم.\nالثانية: أن يكون الورثة مختلفين في الميراث.","vol":"7","page":424},{"text":"• فمذهب الجمهور أنه يُعطى مثل نصيب أقلهم ميراثًا، يُزاد على فريضتهم، وقال مالك: ينظر إلى عدد رؤوسهم، فيُعطى سهمًا من عددهم.\nوالصواب هو قول الجمهور، وليس لمالكٍ دليل على قوله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3927>مسألة [٢١]: إذا أوصى بنصيب وارثه</span>؟\n• قال بعض أهل العلم: هو كقوله: (أوصي بمثل نصيب وارثي)؛ فتصح، ويُعطى مثل نصيبه، هذا قول مالك، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وقال به ابن أبي ليلى، وزُفر، وداود.\n• وقال بعضهم: لا تصح الوصية؛ لأنَّه أوصى بحق غيره، فالوصية باطلة، وهو وجهٌ للحنابلة، وعليه أكثر الشافعية، وهو قول الحنفية؛ لظاهر العبارة.\nوالصحيح في المسألة: أن اللفظ المذكور إن كان يراد به في العرف: (بمثل نصيب وارثه) فالقول الأول هو الصحيح، وإن لم يكن فيه عرف، أو علم أنه قصد الوصية بحق وارثه؛ فلا يصح كقول أصحاب القول الثاني، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3928>مسألة [٢٢]: إذا أوصى بضعف نصيب وارثه لفلان</span>؟\n• عامَّةُ أهل العلم على أنه يُعطى مثليه؛ لأنَّ ضعف الشيء مثليه.\n• وقال أبو عبيد القاسم بن سلَّام: يُعطى مثله؛ لأنَّ ضعف الشيء مثله، قال\n_________\n(^١) وانظر كلام ابن قدامة في «المغني» (٨/ ٤٢٦ - ٤٢٧)، وانظر «البيان» (٨/ ٢٣٨ - ٢٣٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٤٢٨) «البيان» (٨/ ٢٣٩).","vol":"7","page":425},{"text":"تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠]، وقال تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة:٢٦٥].\nوأُجيب عن ذلك: بقوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٥]، وبقوله: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ [سبأ:٣٧]، وقوله: ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]، وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩].\nفيُستفاد من ذلك أن الضعف بمعنى المثلين، وأما الآيات المذكورة؛ فلا إشكال فيها؛ فإن الضعف في حالة التثنية؛ فما زاد يأتي بمعنى المثل، فيقال: لفلان مِثْلَا فلان، وضعفا فلان، وثلاثة أمثال فلان، وثلاثة أضعاف فلان، وهكذا.\nوعلى هذا فالصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3929>مسألة [٢٣]: الوصية للميت</span>.\n• مذهب الجمهور أنَّ الوصية لا تصح، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وقال به ابن حزم؛ لأنه جماد لا يملك؛ فلا تصح الوصية له.\n• وقال مالك: إن علم أنه ميت؛ فتصح الوصية له، وهي لورثته بعد قضاء ديونه، وتنفيذ وصاياه؛ لأنَّ الغرض نفعه بها، وبهذا يحصل له النفع.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: والقول الراجح أنها تصح للميت لا على سبيل التمليك؛ لأنَّ الميت لا يملك، وكل أحد يعرف أنَّ الإنسان إذا أوصى لميت لا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤٢٨) «البيان» (٨/ ٢٤٠).","vol":"7","page":426},{"text":"يريد أن يشترى له طعامٌ يأكله، أو شرابٌ يشربه، أو لباسٌ يلبسه، وإنما يريد أن يصرف في أعمال الخير لهذا الميت، لكن لو قال: أنا أريد تمليك الميت. قلنا: الوصية غير صحيحة؛ لأنه تلاعب؛ لأنَّ الميت لا يملك، بل ينتقل ملكه إذا مات إلى غيره. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3930>مسألة [٢٤]: إذا مات الموصى له قبل موت الموصي</span>؟\n• تبطل الوصية عند أكثر أهل العلم، وهو قول الزهري، وحماد، وربيعة، وأصحاب المذاهب الأربعة، وابن حزم، وغيرهم، وهو الصحيح.\n• وجاء عن الحسن أنه قال: تكون لولد الموصى له. وقال عطاء: إن علم بموته ولم يحدث شيئًا؛ فهي لوارث الموصى له؛ لأنه مات بعد عقد الوصية، فيقوم الوارث مقامه، كما لو مات بعد موت الموصي، وقبل القبول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3931>مسألة [٢٥]: الوصية للحمل</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٤٥٦): وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ، فَصَحِيحَةٌ أَيْضًا، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَبِذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ جَرَتْ مَجْرَى الْمِيرَاثِ، مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا انْتِقَالَ الْمَالِ مِنْ الْإِنْسَانِ بَعْدَ مَوْتِهِ، إلَى المُوصَى لَهُ، بِغَيْرِ عِوَضٍ، كَانْتِقَالِهِ إلَى وَارِثِهِ ...، وَالْحَمْلُ يَرِثُ؛ فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أَوْسَعُ مِنْ الْمِيرَاثِ؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤١٣) «المحلى» (١٧٥٧) «الشرح الممتع» (٤/ ٦٦١) ط/الآثار.\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٤١٣) «المحلى» (١٧٥٧) «الإنصاف» (٧/ ١٩٣).","vol":"7","page":427},{"text":"فَإِنَّهَا تَصِحُّ لِلْمُخَالِفِ فِي الدِّينِ وَالْعَبْدِ، بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ ...؛ فَإِنْ انْفَصَلَ الْحَمْلُ مَيِّتًا؛ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ، وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ حَيًّا حِينَ الْوَصِيَّةِ، فَلَا تَثْبُتُ لَهُ الْوَصِيَّةُ وَالْمِيرَاثُ بِالشَّكِّ ...، وَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا؛ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ، إذَا حَكَمْنَا بِوُجُودِهِ حَالَ الْوَصِيَّةِ ...، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بَأَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَر إِذَا لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا لِسَيِّدٍ أَوْ زَوْجٍ. انتهى بتصرف. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3932>مسألة [٢٦]: إذا أوصى لما ستحمل فلانة</span>؟\n• مذهب الحنابلة، وجماعة من الشافعية عدم صحة ذلك؛ لأنها وصية لمعدومٍ لا يملك.\n• وقال بعض الشافعية: يصح. والصحيح القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3933>مسألة [٢٧]: إذا أوصى لحمل أمرأةٍ فولدت ذكرًا وأنثى</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٤٥٨): وَإِذَا أَوْصَى لِحَمْلِ امْرَأَةٍ، فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى؛ فَالْوَصِيَّةُ لَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَطِيَّةٌ وَهِبَةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهُمَا شَيْئًا بَعْدَ وِلَادَتِهِمَا. وَإِنْ فَاضَلَ بَيْنَهُمَا؛ فَهُوَ عَلَى مَا قَالَ، كَالْوَقْفِ. وَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا غُلَامٌ؛ فَلَهُ دِينَارَانِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ جَارِيَةٌ؛ فَلَهَا دِينَارٌ. فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا وَصَّى لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فِيهِ. وَإِنْ وَلَدَتْ أَحَدَهُمَا مُنْفَرِدًا؛ فَلَهُ وَصِيَّتُهُ. وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ حَمْلُهَا، أَوْ إنْ كَانَ مَا فِي\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٨/ ١٦٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٤٥٨) «البيان» (٨/ ١٦٥).","vol":"7","page":428},{"text":"بَطْنِهَا غُلَامًا؛ فَلَهُ دِينَارَانِ، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً؛ فَلَهَا دِينَارٌ. فَوَلَدَتْ أَحَدَهُمَا مُنْفَرِدًا؛ فَلَهُ وَصِيَّتُهُ. وَإِنْ وَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً؛ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ هُوَ جَمِيعَ الْحَمْلِ، وَلَا كُلَّ مَا فِي الْبَطْنِ. وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قوله: (وَإِنْ وَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً ...) إلى آخره. الصحيح فيه أن العبرة بمقصود القائل؛ فإن علم أنه ما يريد أن يعطيهم إلا في حالة انفراد أحدهم؛ فليس لهم شيء، وإن كان مراده إعطاؤهم في حال انفرادهم، واجتماعهم فيعطون نصيب الولد، ويكون بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.\nوإن لم يعلم المراد من قوله، فالأقرب ما ذكرناه من أنهم يعطون نصيب الذكر؛ لأنه قد رضي بإخراج دينارين من نصيبه، ولأنه قد وجد ما سمَّاه وزيادة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3934>مسألة [٢٨]: إذا أوصى بثمرة شجرة، أو غلة دار، أو خدمة عبدٍ</span>؟\n• مذهب الجمهور صحة ذلك، سواء وصَّى بذلك في مدةٍ معلومة، أو بجميع الثمرة والمنفعة في الزمان كله، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.\n• وذهب ابن أبي ليلى، وابن حزم، وابن شبرمة، وابن عبد البر إلى أنه لا تصح الوصية بالمنفعة؛ لأنها منتقلة لملك الوارث؛ فلا وصية فيما يوجد في ملك غيره.","vol":"7","page":429},{"text":"وأجاب الجمهور بأنه يصح تمليكها بعقد المعاوضة، فتصح الوصية بها كالأعيان.\nويُعتبر عند الجمهور خروجها من ثلث المال؛ فإن لم تخرج من الثلث؛ أُجيز منها بقدر الثلث، وبهذا قال الشافعي، وأحمد.\nوقال مالك: إذا أوصى بخدمة عبده سنة؛ فلم يخرج من الثلث، فالورثة بالخيار: بين تسليم خدمته سنة، وبين تسليم ثلث المال.\nوقال أصحاب الرأي، وأبو ثور: إذا أوصى بخدمة عبده سنة؛ فإنَّ العبد يخدم الموصى له يومًا، والورثة يومين، حتى يستكمل الموصى له سنة؛ فإن أراد الورثة بَيع العبد بِيْعَ على هذا.\nوأجاب الجمهور بأنها وصية صحيحة؛ فوجب تنفيذها على صفتها إن خرجت من الثلث، أو بقدر ما يخرج من الثلث منها كسائر الوصايا.\nوقول أحمد، والشافعي هو الأقرب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3935>مسألة [٢٩]: كيفية تقويم المنفعة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٤٥٩ - ٤٦٠): إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَتَى أُرِيدَ تَقْوِيمُهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِمُدَّةٍ؛ قُوِّمَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، ثُمَّ تُقَوَّمُ الْمَنْفَعَةُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَيُنْظَرُ كَمْ قِيمَتُهَا. وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ، فَقَدْ قِيلَ: تُقَوَّمُ الرَّقَبَةُ بِمَنْفَعَتِهَا جَمِيعًا، وَيُعْتَبَرُ","vol":"7","page":430},{"text":"خُرُوجُهَا مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ عَبْدًا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ، وَشَجَرًا لَا ثَمَرَ لَهُ، لَا قِيمَةَ لَهُ غَالِبًا. وَقِيلَ: تُقَوَّمُ الرَّقَبَةُ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَالْمَنْفَعَةُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ. وَصِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يُقَوَّمَ الْعَبْدُ بِمَنْفَعَتِهِ، فَإِذَا قِيلَ: قِيمَتُهُ مِائَةٌ. قِيلَ: كَمْ قِيمَتُهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ؟ فَإِذَا قِيلَ: عَشَرَةٌ. عَلِمْنَا أَنَّ قِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ تِسْعُونَ. اهـ (^١)\nتنبيه: إذا أراد الموصى له إجارة العبد، والدار في المدة التي أوصي له بنفعها؛ جاز، وبه قال الشافعي، وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إجارة المنفعة المستحقة بالوصية؛ لأنه إنما أوصى له باستيفائها.\nوأجاب الجمهور بأنه يملك منفعته ملكًا تامًّا؛ فجاز أخذ العوض عنها بالأعيان كما لو ملكها بالإجارة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3936>مسألة [٣٠]: النفقة على العبد والحيوان الموصى بنفعه</span>.\n• من أهل العلم من قال: النفقة على مالك الرقبة، وهو قول جماعة من الحنابلة، وأبي ثور، والأظهر عند الشافعية؛ لأنه ملك لهم، فوجبت النفقة عليهم كالعبد الذي لا ينفع.\n• وذهب بعض الشافعية والحنابلة، وأصحاب الرأي إلى أنَّ النفقة على مالك المنفعة.\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٨/ ٢٠٥، ٢٠٦، ٢٧٤) «المحلى» (١٧٥٧) «الفتح» (٢٧٣٨) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٣٥) ط/دار المعرفة.\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٤٦٠).","vol":"7","page":431},{"text":"ورجَح ابن قدامة -﵀- هذا القول، فقال: وَهَذَا أَصَحُّ إنْ شَاءَ الله تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَفْعَهُ عَلَى التَّأْبِيدِ؛ فَكَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ، كَالزَّوْجِ، وَلِأَنَّ نَفْعَهُ لَهُ، فَكَانَ عَلَيْهِ ضُرُّهُ، كَالْمَالِكِ لَهُمَا جَمِيعًا، يُحَقِّقُهُ أَنَّ إيجَابَ النَّفَقَةِ عَلَى مَنْ لَا نَفْعَ لَهُ ضَرَرٌ مُجَرَّدٌ، فَيَصِيرُ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ: أَوْصَيْت لَك بِنَفْعِ عَبْدِي، وَأَبْقَيْت عَلَى وَرَثَتِي ضُرَّهُ. وَإِنْ وَصَّى بِنَفْعِهِ لَإِنْسَانٍ، وَلِآخَرَ بِرَقَبَتِهِ، كَانَ مَعْنَاهُ: أَوْصَيْت لِهَذَا بِنَفْعِهِ، وَلِهَذَا بِضُرِّهِ. وَالشَّرْعُ يَنْفِي هَذَا بِقَوْلِهِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». وَلِذَلِكَ جَعَلَ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ؛ لِيَكُونَ ضُرُّهُ عَلَى مَنْ لَهُ نَفْعُهُ. وَفَارَقَ الْمُسْتَأْجَرَ؛ فَإِنَّ نَفْعَهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْمُؤَجِّرِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الْأَجْرَ عِوَضًا عَنْ مَنَافِعِهِ. وَقِيلَ: تَجِبُ نَفَقَتُهُ فِي كَسْبِهِ. وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى إيجَابِهَا عَلَى صَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ مِنْ مَنَافِعِهِ، فَإِذَا صُرِفَ فِي نَفَقَتِهِ، فَقَدْ صُرِفَتْ الْمَنْفَعَةُ الْمُوصَى بِهَا إلَى النَّفَقَةِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ صُرِفَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ سِوَاهُ. اهـ\nقلتُ: وما صححه ابن قدامة هو الصواب، وهو المتعارف عليه عند الناس. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3937>مسألة [٣١]: إذا أراد الورثة إعتاق العبد أو بيعه</span>؟\nقال أبو محمد المقدسي -﵀- في «المغني» (٨/ ٤٦١ - ٤٦٢): وَإِذَا أَعْتَقَ الْوَرَثَةُ الْعَبْدَ؛ عَتَقَ، وَمَنْفَعَتُهُ بَاقِيَةٌ لِلْمُوصَى لَهُ بِهَا، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُعْتِقِ بِشَيْءٍ. وَإِنْ أَعْتَقَهُ صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ؛ لَمْ يُعْتَقْ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لِلرَّقَبَةِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا. وَإِنْ وَهَبَ صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ مَنَافِعَهُ لِلْعَبْدِ، وَأَسْقَطَهَا عَنْهُ؛ فَلِلْوَرَثَةِ الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّ مَا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤٦٠ - ٤٦١).","vol":"7","page":432},{"text":"يُوهَبُ لِلْعَبْدِ يَكُونُ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ بَيْعَ الْعَبْدِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ، وَيُبَاعُ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ، وَيَقُومُ الْمُشْتَرِي مَقَامَ الْبَائِعِ، فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ.\nقال: لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ؛ فَصَحَّ بَيْعُهُ كَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ إعْتَاقُهُ وَتَحْصِيلُ وَلَائِهِ، وَجَرُّ وَلَاءِ مَنْ يَنْجَرُّ وَلَاؤُهُ بِعِتْقِهِ، بِخِلَافِ الْحَشَرَاتِ. انتهى بتصرف.\nقال ذلك ردًّا على من منع من بيعه؛ لأنه مسلوب المنفعة، فأشبه الحشرات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3938>مسألة [٣٢]: إذا أوصى بوصايا متعددة تجاوزت الثلث</span>؟\n• عامَّةُ أهل العلم على أنهم يتحاصون فيها، ويدخل النقص عليهم جميعًا، كلٌّ بقدر ما أُوصي له، وذلك لأنَّ الوصايا عطايا معلقة بالموت، فكانت كلها في وقت واحد؛ فلا يقدم واحد، ويؤخر آخر.\n• وقال ابن حزم: يبدأ بالأول فالأول، فمن أوصي له أولًا؛ أُعطي، ثم الثاني، حتى يستكمل الثلث.\nوهذا القول غير صحيح؛ لما ذكرناه قريبًا، والله أعلم.\n• واختلف أهل العلم إذا كان في الوصايا عتق، هل يقدم العتق والباقي بالحصص، أم أن العتق يعمل كسائر الوصايا بالحصة؟\nفقال بالأول بعض أهل العلم، منهم: شريح، ومسروق، وقتادة، والزهري، ومالك، وأحمد في رواية، والثوري، وإسحاق، والشافعي في قول؛ لأنَّ الله ﷿","vol":"7","page":433},{"text":"حثَّ على العتق، ورغَّب فيه؛ فيقدم لتأكده.\nوقال بالثاني ابن سيرين، والشعبي، وأبو ثور، وأحمد في رواية، والشافعي في قول؛ لأنهم تساووا في سبب الاستحقاق، فتساووا فيه كسائر الوصايا، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3939>مسألة [٣٣]: إذا كان في الموصى لهم رجلٌ تجاوز وصيته الثلث منفردًا</span>؟\n• مذهب الجمهور أنهم يتحاصون، ويُعطى بقدر ما أُوصي له، وإن تجاوز الثلث؛ لأنه فاضل بالوصية بذلك القدر، فاعتبرت تلك المفاضلة من الثلث، وكما اعتبرنا الزيادة على الثلث متفرقة؛ اعتبرناها إن كانت عند واحد.\n• وقال أبو ثور، وابن ا لمنذر، وأبو حنيفة: لا يضرب الموصى له في حال الرد بأكثر من الثلث؛ لأنَّ ما جاوز الثلث باطلٌ، فكيف يضرب له به. وهذا القول قريب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3940>مسألة [٣٤]: إذا أوصى لولد فلان، فهل يدخل فيهم الإناث</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٤٤٨): أَمَّا إذَا أَوْصَى لِوَلَدِهِ، أَوْ لِوَلَدِ فُلَانٍ؛ فَإِنَّهُ لِلذُّكُورِ، وَالْإِنَاثِ، وَالْخَنَاثَى. لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، نَفَى الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥٧٧، ٤٤٦) «الإنصاف» (٧/ ١٨٤) «المحلى» (١٧٦٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٤٤٤).","vol":"7","page":434},{"text":"جَمِيعًا، وَإِنْ قَالَ: لِبَنِيَّ، أَوْ بَنِي فُلَانٍ. فَهُوَ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ وَالْخَنَاثَى. هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ: هُوَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ وَهُمْ قَبِيلَةٌ؛ دَخَلَ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إنْ كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا؛ فَهُوَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ كُنَّ بَنَاتٍ لَا ذَكَرَ مَعَهُنَّ، فَلَا شَيْءَ لَهُنَّ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ غَلَبَ لَفْظُ التَّذْكِيرِ، وَدَخَلَ فِيهِ الْإِنَاثُ، كَلَفْظِ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ.\nقال: وَلَنَا أَنَّ لَفْظَ الْبَنِينَ يَخْتَصُّ الذُّكُورَ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات:١٥٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف:١٦]، وَقَالَ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران:١٤]، وَقَالَ: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَشْتَهُونَ الْبَنَاتِ، فَقَالَ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ [النحل: ٥٧ - ٥٨] الْآيَةَ، وَإِنَّمَا دَخَلُوا فِي الِاسْمِ إذَا صَارُوا قَبِيلَةً؛ لِأَنَّ الِاسْمَ نُقِلَ فِيهِمْ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْعُرْفِ، وَلِهَذَا تَقُولُ الْمَرْأَةُ: أَنَا مِنْ بَنِي فُلَانٍ. إذَا انْتَسَبَتْ إلَى الْقَبِيلَةِ، وَلَا تَقُولُ ذَلِكَ إذَا انْتَسَبَتْ إلَى أَبِيهَا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3941>مسألة [٣٥]: إذا أوصى لبنات فلان هل يدخل فيه الذكور</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٤٥٠): دَخَلَ فِيهِ الْإِنَاثُ دُونَ غَيْرِهِنَّ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِنَّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ كَوْنَهُ أُنْثَى. اهـ","vol":"7","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3942>مسألة [٣٦]: إذا أوصى لولد فلان، فهل يدخل أولاد أولاده</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٤٥٠): وَإِنْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ، أَوْ لِبَنِي فُلَانٍ، وَلَمْ يَكُونُوا قَبِيلَةً؛ فَهُوَ لِوَلَدِهِ لِصُلْبِهِ، وَأَمَّا أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى دُخُولِهِمْ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ لِوَلَدِ فُلَانٍ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ، أَوْ قَالَ: وَلَا يُعْطَى وَلَدُ الْبَنَاتِ شَيْئًا. أَوْ قَالَ: إلَّا وَلَدَ فُلَانٍ. أَوْ فَضَّلُوا وَلَدَ فُلَانٍ عَلَى غَيْرِهِمْ. وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ دَخَلُوا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُمْ، وَالْقَرِينَةَ صَارِفَةٌ لَهُ إلَيْهِمْ، فَصَارَ كَالتَّصْرِيحِ بِهِمْ.\nوَإِنْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى إخْرَاجِهِمْ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ. وَإِنْ انْتَفَتْ الْقَرَائِنُ؛ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ حَقِيقَةً عِبَارَةٌ عَنْ وَلَدِ الصُّلْبِ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ دَخَلُوا فِي قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١].\nقُلْنَا: إنَّمَا دَخَلُوا فِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ابْنٌ مِنْ وَلَدِ الصُّلْبِ، وَدَخَلُوا مَعَ الْإِنَاثِ عَلَى أَنَّهُمْ إنَّمَا يَرِثُونَ مَا فَضَلَ عَنْ الْبَنَاتِ، عَلَى مَا ذُكِرَ تَفْصِيلُهُ فِي الْفَرَائِضِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ هَا هُنَا، فَانْتَفَى دُخُولُهُمْ.\nوقال -﵀- (٨/ ٤٥٠): وَإِنْ وَصَّى لِوَلَدِ فُلَانٍ، أَوْ بَنِي فُلَانٍ، وَهُمْ قَبِيلَةٌ، كَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي تَمِيمٍ؛ دَخَلَ فِيهِمْ الذَّكَرُ، وَالْأُنْثَى، وَالْخُنْثَى، وَيَدْخُلُ وَلَدُ الرَّجُلِ مَعَهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ بَنَاتِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ ذَكَرِهَا وَأُنْثَاهَا، قَالَ الله تَعَالَى:","vol":"7","page":436},{"text":"﴿يَابَنِي آدَمَ﴾، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠] يُرِيدُ الْجَمِيعَ. وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ [الجاثية:١٦].\nقال: وَلَا يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنَاتِ فِيهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَسِبُونَ إلَى الْقَبِيلَةِ. اهـ\nتنبيه مهم: ألفاظ الموصي، والواقف، يُراعَى فيها عرفهما؛ فإن كان لهما عرف في اللفظ المذكور؛ قُدِّم على حقيقته اللغوية؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»؛ فإن كان عرفهم لا يخالف معناه اللغوي؛ فلا إشكال، والله أعلم. وهذا التنبيه يغنينا عن مسائل كثيرة ذكروها في هذا الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3943>مسألة [٣٧]: إذا أوصى لجماعة لا يمكن حصرهم واستيعابهم</span>؟\nكأن يوصي لقبيلة عظيمة، كبني هاشم، أو للفقراء، أو للمساكين.\n• فمذهب أحمد، والشافعي أنه يصح، ويجزئ عند أحمد أن تصرف، ولو لواحد منهم، وعند الشافعي لا تجزئ لأقل من الثلاثة؛ لأنه أقل الجمع.\n• وقال أبو حنيفة، والشافعي في قول: لا تصح الوصية للقبيلة؛ لأنه لا يمكن حصرهم، ولا عُرْفَ لما يُعطى لهم في الشرع، بخلاف الفقراء، كذا علَّل الشافعية، وعلل الحنفية بدخول الأغنياء معهم؛ فلا تكون قربة.\nوأُجيب: بأنه لا يشترط أن يستوعبهم، ولا حدَّ في إعطائهم؛ فيُعطى قليلًا أو كثيرًا على حسب ما يراه الموصى إليه، كما يصنع ذلك مع الفقراء، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤٥٥) «البيان» (٨/ ٢٣٣).","vol":"7","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3944>مسألة [٣٨]: هل للموصي أن يرجع عن الوصية</span>؟\nأجمع أهل العلم على أنَّ للموصي أن يرجع عن الوصية؛ إلا الوصية بالعتق، نقل الإجماع على ذلك ابن حزم، وابن قدامة وغيرهما، ووجه ذلك أنها لم تخرج من ملكه وهي عطية معلقة بالموت؛ فلم تقع.\nواختلفوا في الوصية بالإعتاق:\n• فذهب الأكثر إلى أن له الرجوع، وهو قول عطاء، وجابر بن زيد، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وذلك لأنها وصية كغيرها، وهي عطية تنجز بالموت؛ فجاز له الرجوع عنها قبل تنجيزها.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ليس له الرجوع في ذلك، وهو قول الشعبي، وابن سيرين، وابن شبرمة، والنخعي؛ لأنَّه إعتاق بعد الموت، فلم يملك تغييره كالتدبير.\nوأُجيب: بأنَّ التدبير تعليق بشرطٍ؛ فلم يملك تغييره كتعليقه على صفة في الحياة، ففارق ما نحن فيه من الوصية بالعتق؛ فإنه لم يعتقه بشرط مستقبل كالتدبير، والله أعلم.\nوقول الجمهور هو الصواب، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3945>مسألة [٣٩]: إذا أوصى ببيت لزيد، ثم أوصى به لبكر</span>؟\n• قال الجمهور: لا يكون رجوعًا في الوصية الأولى، ويكون البيت بينهما،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤٦٨) «البيان» (٨/ ٢٩٦) «مراتب الإجماع» (ص ١٩٢).","vol":"7","page":438},{"text":"وهو قول ربيعة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ اللفظ ليس بظاهر في الرجوع عن الوصية للأول، بل يحتمل أنه أراد التشريك بينهما، فلا يترك أمر متيقن بأمر مشكوك فيه.\n• وقال بعض أهل العلم: هو للآخر منهما. وهو قول أبي الشعثاء، والحسن، وعطاء، وطاوس، وداود، وجعلوا هذا اللفظ منه رجوعًا.\nوالراجح قول الجمهور؛ ما لم تظهر قرينة على أنه أراد الرجوع عن الوصية للأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3946>مسألة [٤٠]: إذا قال: ما أوصيت به لفلان، فهو لفلان</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٤٦٧): هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا -يعني أنه للآخر منهما- وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَهُوَ أَيْضًا عَلَى مَذْهَبِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ.\nوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْأَوَّلِ بِذِكْرِهِ أَنَّ مَا أَوْصَى بِهِ مَرْدُودٌ إلَى الثَّانِي. اهـ\nوقال العمراني -﵀- في «البيان» (٨/ ٢٩٧): وحكى الشيخ أبو إسحاق وجهًا آخر أنه يكون بينهما والأول أصح. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤٦٥) «البيان» (٨/ ٢٩٦).","vol":"7","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3947>مسألة [٤١]: بم يحصل الرجوع في الوصية</span>؟\nيَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ، كَأَنْ يَقُولَ: رَجَعْت فِي وَصِيَّتِي، أَوْ أَبْطَلْتهَا، أَوْ غَيَّرْتهَا. أَوْ مَا أَوْصَيْت بِهِ لِفُلَانٍ فَهُوَ لِفُلَانٍ. أَوْ فَهُوَ لِوَرَثَتِي. أَوْ فِي مِيرَاثِي. وَإِنْ أَكَلَهُ، أَوْ أَطْعَمَهُ، أَوْ أَتْلَفَهُ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ كَانَ ثَوْبًا غَيْرَ مُفَصَّلٍ فَفَصَّلَهُ وَلَبِسَهُ، أَوْ جَارِيَةً فَأَحْبَلَهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا؛ فَهُوَ رُجُوعٌ.\nقَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِطَعَامٍ فَأَكَلَهُ، أَوْ بِشَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ بِجَارِيَةٍ فَأَحْبَلَهَا، أَوْ أَوْلَدَهَا، أَنَّهُ يَكُونُ رُجُوعًا.\nوَحُكِي عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْي أَنَّ بَيْعَهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بَدَلَهُ بِخِلَافِ الْهِبَةِ، وَأُجِيْبَ بِأَنَّهُ أَزَالَ مُلْكَهُ عَنْهَ؛ فَكَانَ رُجُوعًا، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ.\nوَإِنْ عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ، أَوْ وَصَّى بِبَيْعِهِ، أَوْ أَوْجَبَ الْهِبَةَ؛ فَلَمْ يَقْبَلْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، أَوْ كَاتَبَهُ، أَوْ وَصَّى بِإِعْتَاقِهِ، أَوْ دَبَّرَهُ، كَانَ رُجُوعًا؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ لِلرُّجُوعِ بِعَرْضِهِ عَلَى الْبَيْعِ، وَإِيجَابِهِ لِلْهِبَةِ، وَوَصِيَّتِهِ بِبَيْعِهِ أَوْ إعْتَاقِهِ؛ لِكَوْنِهِ وَصَّى بِمَا يُنَافِي الْوَصِيَّةَ الْأُولَى، وَالْكِتَابَةُ بَيْعٌ، وَالتَّدْبِيرُ أَقْوَى مِنْ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُنْجَزُ بِالْمَوْتِ، فَيَسْبِقُ أَخْذَ الْمُوصَى لَهُ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قوله: (أَوْ بِجَارِيَةٍ فَأَحْبَلَهَا) مبني على القول بعتقها بموت سيدها أو بالولادة، والصحيح في كلا المسألتين عدم عتقها بذلك كما سيأتي","vol":"7","page":440},{"text":"بيانه إن شاء الله في كتاب العتق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3948>مسألة [٤٢]: إن وصَّى بشيء، ثم استعمله بما يغيره عن حاله</span>؟\n• مثل أن يوصي بِحَبٍّ ثم يطحنه، أو بدقيق فيعجنه، أو بخبزٍ فيفتّه؛ فيكون ذلك رجوعًا؛ لأنه أزال اسمه، وعرضه للاستعمال؛ فدلَّ على رجوعه، وهو قول الحنابلة والشافعية.\n• وإن وصَّى بكتان، أو قطن فغزله، أو بغزل فنسجه، أو بثوب فقطعه، أو شاة فذبحها؛ كان رجوعًا، وهو قول الحنابلة، والشافعية، وأصحاب الرأي.\n• وقال بعض الحنابلة، والشافعية: ليس برجوعٍ، وهو قول أبي ثور؛ لأنه لا يزيل الاسم.\nقال ابن قدامة -﵀-: ولنا أنه عرضه للاستعمال؛ فكان رجوعًا كالتي قبلها، ولا يصح قوله: إنه لا يزيل الاسم؛ فإنَّ الثوب لا يسمى غزلًا، والغزل لا يسمى كتانًا. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3949>مسألة [٤٣]: إذا أوصى بجزء مشاع من ماله، فهل يعتبر به عند الوصية، أو عند الموت</span>؟\nمثل أن يقول: (أوصيت بثلث مالي للفقراء والمساكين)، فهل يخرج ثلث ماله الموجود عند الوصية، أم ثلث ماله الموجود حال موته، وإن كان قد زاد؟.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٨/ ٤٦٨) «البيان» (٨/ ٢٩٦، ٢٩٧، ٢٩٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٤٦٩) «البيان» (٨/ ٢٩٩ - ٣٠٠).","vol":"7","page":441},{"text":"• مذهب الجمهور أنه يعتبر بالمال الذي هو موجود في حال الموت؛ لأنها عطية منجزة عند الموت، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، والأوزاعي، وأصحاب الرأي.\n• وقال بعض الشافعية: المعتبر عند الوصية؛ لأنه وقت العقد، وهو قول ابن حزم، فعندهم إذا استفاد مالًا بعد الوصية لم تتعلق به الوصية، وأما إن نقص المال، فقال ابن حزم: يخرج ثلث ما آل إليه المال، ولم يعتبره في حال الوصية.\nوالصحيح هو قول الجمهور؛ لأنها عطية مؤخرة، وكل إنسان يعلم أنَّ ماله سيزيد أو سينقص، فلما لم يحدد، ويعين الموصَى به؛ دلَّ على أنه قصد ثلث ما سيكون عليه ماله، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3950>مسألة [٤٤]: هل تخرج الوصية من دية الموصي مع أصل ماله إن مات مقتولا</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الوصية تشمل المال كاملًا، وفيه الدية، فيخرج المسمى من ذلك كله، وهو قول الحسن، والنخعي، والأوزاعي، وأحمد، ومالك، وذلك لأنَّ الدية عوض لنفسه؛ فكانت ملكه؛ ولهذا فإنها تقسم بين الورثة على حسب الميراث؛ فدل على أنها من ضمن تركته.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الوصية تخرج من غير الدية، وهو قول مكحول، وشريك، وأبي ثور، وداود، وإسحاق، وأحمد في رواية، وقال به مالك\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٧٥٤) «المغني» (٨/ ٥٤٩) «البيان» (٨/ ١٥٩ - ١٦٠) «الإنصاف» (٧/ ٢٤٥ - ٢٤٦) «الشرح الكبير» (٨/ ٢١٣).","vol":"7","page":442},{"text":"في قتل العمد؛ لأنَّ الدية إنما تجب للورثة بعد موت الموصي؛ بدليل أن سببها الموت فلا يجوز وجوبها قبله؛ لأنَّ الحكم لا يتقدم سببه وقد زال ملكه بالموت.\nوقد رجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- القول الأول، وهو أظهر؛ لما ذكرناه.\nوقد مال إلى ذلك ابن قدامة -﵀- فقال: لِأَنَّهَا بَدَلُ نَفْسِهِ، وَنَفْسُهُ لَهُ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا، وَلِأَنَّ بَدَلَ أَطْرَافِهِ فِي حَالَ حَيَاتِهِ لَهُ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ؛ وَلِهَذَا نَقْضِي مِنْهَا دُيُونَهُ، وَيُجَهَّزُ مِنْهَا إنْ كَانَ قَبْلَ تَجْهِيزِهِ، وَإِنَّمَا يَزُولُ مِنْ أَمْلَاكِهِ مَا اسْتَغْنَى عَنْهُ، فَأَمَّا مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُهُ فَلَا. وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ مِلْكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَمَنْ نَصَبَ شَبَكَةً فَسَقَطَ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ فَإِنَّهُ يُمْلَكُ بِحَيْثُ تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْهُ، وَيُجَهَّزُ، فَكَذَلِكَ دَينُهُ؛ لِأَنَّ تَنْفِيذَ وَصِيَّتِهِ مِنْ حَاجَتِهِ، فَأَشْبَهَتْ قَضَاءَ دَينِهِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3951>مسألة [٤٥]: هل تدخل الوصية فيما لم يعلم به من ماله</span>؟\n• مذهب الجمهور أنها تدخل فيما لم يعلم به -إذا كان الموصى به مشاعًا- لأنه من ماله، فيدخل كالمعلوم، وهذا قول أحمد، والشافعي وأصحابهما.\n• وذهب مالك -﵀- إلى أنه لا يدخل في الوصية ما لا يعلم به من ماله، إلا إن كان هناك شيءٌ يتوقعه ويرجوه؛ فيدخل.\n• وحُكي عن أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز، وربيعة أنه لا يدخل، واختاره ابن حزم ونصره، قال: لأنه أطلق ثلث ماله ولم يعلم بذلك المال؛ فيؤاخذ بعلمه.\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٧٥٤) «المغني» (٨/ ٥٤٨) «الإنصاف» (٧/ ٢٤٦ -).","vol":"7","page":443},{"text":"والصحيح القول الأول؛ لأنه عطية مؤخرة ناجزة بالموت، وكل إنسان يعلم أنَّ ماله ربما يزيد وربما يقل، ومع ذلك إطلاقه بغير تحديد وتعيين يدل على دخوله، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3952>مسألة [٤٦]: كتابة الوصية والإشهاد عليها</span>؟\nاستحبَّ أهل العلم كتابةَ الوصية، والإشهاد عليها حتى لا تهمل، أو لا يمضيها الورثة، ويدل على الاستحباب حديث ابن عمر الذي في أول الكتاب.\nقلتُ: ويمكن أن يقال بوجوب ذلك عليه إن كانت الوصية بحقوق واجبة عليه ليس فيها بينات، وهو يعلم أنَّ ورثته لن يبالوا بها؛ فينبغي له الكتابة، والإشهاد، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3953>مسألة [٤٧]: هل يعتمد على الوصية المكتوبة بدون إشهاد</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٢٧٣٨): وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: «وَوَصِيَّتُه مَكْتُوبَة عِنْده» عَلَى جَوَاز الِاعْتِمَاد عَلَى الْكِتَابَة وَالْخَطّ، وَلَوْ لَمْ يَقْتَرِن ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ، وَخَصَّ أَحْمَد وَمُحَمَّد ابْن نَصْر مِنْ الشَّافِعِيَّة ذَلِكَ بِالْوَصِيَّةِ؛ لِثُبُوتِ الْخَبَر فِيهَا دُون غَيْرهَا مِنْ الْأَحْكَام، وَأَجَابَ الْجُمْهُور بِأَنَّ الْكِتَابَة ذُكِرَتْ لِمَا فِيهَا مِنْ ضَبْط الْمَشْهُود بِهِ، قَالُوا: وَمَعْنَى «وَوَصِيَّته مَكْتُوبَة عِنْده»، أَيْ: بِشَرْطِهَا. وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ: إِضْمَار الْإِشْهَاد فِيهِ بُعْد. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥٤٩) «الشرح الكبير» (٨/ ٢١٢) «الإنصاف» (٧/ ٢٤٥) «المحلى» (١٧٥٤).","vol":"7","page":444},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: قول أحمد، وابن نصر هو الصواب، ولكن إذا انتفت التهمة بأن تكون عند الميت بخطه المعلوم، وأما إذا حصلت ريبة؛ فلا يعمل بها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3954>مسألة [٤٨]: إذا كتب وصيةً، ثم قال: اشهدوا عليَّ بما في هذه الورقة</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها لا تصح حتى يسمعوا من فيه، أو يقرؤوها عليه، ويقرها، وهو قول الحسن، وأبي قلابة، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية.\n• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى صحتها، وهو قول مكحول، ومالك، والليث، والأوزاعي، وأبي عبيد، وإسحاق، وبعض الحنابلة، وهذا هو الصحيح، وينبغي إزالة ما يتطرق إلى الورقة من الاشتباه حيث أمكن بقراءتها عليه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3955>مسألة [٤٩]: وصية الصبي</span>؟\nالطفل الذي دون السبع لا تجوز وصيته، ولا تصح في قول عامة أهل العلم، ونقل خلافٌ عن إياس أنه قال فيما إذا وافقت الحق جازت. بمعنى إذا تصرف تصرفًا يتصرفه الرشيد.\n• واختلف أهل العلم في الصبي الذي فوق ذلك، فمنهم من صححها، وقيَّد ذلك بأن يعقل ما يوصي، وهو قول مالك، والشافعي في قول، وعن مالك\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٨/ ٤٧٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٤٧١).","vol":"7","page":445},{"text":"التقييد بتسع. وعن أحمد بسبع، وعنه بعشر وهو الأشهر في مذهبه، وعن إسحاق: إذا بلغ اثنتي عشرة.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى عدم صحة وصيته حتى يبلغ، وهو قول الحسن، ومجاهد، وأصحاب الرأي، والشافعي في قولٍ، والظاهرية، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنَّ الصبي محجور عليه كما تقدم في باب الحجر، ولا ينفك عنه الحجر حتى يبلغ، ويُؤنس منه الرشد؛ فالوصية هي من سائر التصرفات التي مُنع منها الصبي، وكما لا يصح وقفه، وبيعه، وشراؤه بما لم يأذن وليه؛ فكذلك الوصية، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3956>مسألة [٥٠]: المحجور عليه لِسَفَهٍ</span>.\n• نُقِل عن الأكثرين صحة وصيته؛ لأنَّ الوصية تصرفٌ رشيد؛ فَقُبِلَ منه.\n• وذهب بعض الحنابلة -وهو قولٌ للشافعي- إلى أنها لا تصح؛ لأنَّه محجور عليه لا يصح تصرفه بالبيع والهبة؛ فلا يصح تصرفه بالوصية.\nوهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3957>مسألة [٥١]: وصية الأخرس</span>.\nوصية الأخرس تصح بالإشارة إذا فُهِمت منه عند أهل العلم.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٢٧٣٨) «المغني» (٨/ ٥٠٨ -) «المحلى» (١٧٦٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٥١٠) «البيان» (٨/ ١٦٠ - ١٦١).","vol":"7","page":446},{"text":"• فأما الناطق إذا اعتقل لسانه؛ فمنع بعضهم وصيته بالإشارة؛ لأنه غير مأيوس من نطقه، وهذا قول جماعة من الحنابلة، به قال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة.\n• وقال الشافعي، وابن المنذر: تصح وصيته؛ لأنه غير قادر على الكلام؛ فأشبه الأخرس، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3958>مسألة [٥٢]: وصية العبد</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٥١١): وَإِنْ وَصَّى عَبْدٌ، أَوْ مُكَاتَبٌ، أَوْ مُدَبَّرٌ، أَوْ أُمُّ وَلَدٍ وَصِيَّةً، ثُمَّ مَاتُوا عَلَى الرِّقِّ، فَلَا وَصِيَّةَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُمْ. وَإِنْ أَعْتَقُوهُمْ، ثُمَّ مَاتُوا وَلَمْ يُغَيِّرُوا وَصِيَّتَهُمْ؛ صَحَّتْ؛ لِأَنَّ لَهُمْ قَوْلًا صَحِيحًا وَأَهْلِيَّةً تَامَّةً، وَإِنَّمَا فَارَقُوا الْحُرَّ بِأَنَّهُمْ لَا مَالَ لَهُمْ، وَالْوَصِيَّةُ تَصِحُّ مَعَ عَدَمِ الْمَالِ، كَمَا لَوْ وَصَّى الْفَقِيرُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَغْنَى.\nوَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمْ: مَتَى عَتَقْت ثُمَّ مِتّ، فَثُلُثِي لِفُلَانٍ وَصِيَّةً. فَعَتَقَ وَمَاتَ؛ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ\n• وخالف ابن حزم، فلم يصحح وصية العبد؛ لأنَّ ماله إذا مات لسيده؛ فلا مال له يورث، فالوصية كذلك، والصحيح قول الجمهور. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥١١).\n(^٢) انظر: «المحلى» (١٧٦٣).","vol":"7","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3959>مسألة [٥٣]: وصية المسلم للذمي</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٥١٢): وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ، وَالذِّمِّيِّ لِلْمُسْلِمِ، وَالذِّمِّيِّ لِلذِّمِّيِّ. رُوِيَ إجَازَةُ وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ عَنْ شُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ\nوقال ابن حزم -﵀- في «المحلى» (١٧٥٦): والوصية للذمي جائزةٌ، ولا نعلم في هذا خلافًا، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «في كل كبدٍ رطبة أجر» (^١). اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3960>مسألة [٥٤]: وصية المسلم للكافر الحربي</span>؟\n• مذهب أحمد، ومالك، والشافعي صحة ذلك؛ لأنَّ عمر كسا أخًا له مشركًا بحلة أعطاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في «الصحيحين» فلم ينكر ذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأسماء بنت أبي بكر قالت: يا رسول الله، أتتني أمي وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: «نعم» متفق عليهما، ففي هذين الحديثين (^٢) صلة أهل الحرب وبرهم. وكما تصح الهبة لهم؛ تصح الوصية، واستدلوا بعموم الآية: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢].\n• ومنع الحنفية، وبعض الشافعية من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٣٦٣)، ومسلم (٢٢٤٤)، من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) تقدم تخريجهما في [باب الهبة].","vol":"7","page":448},{"text":"الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩].\nوأُجيب عليهم: بأن الآية حجة عليهم في الذين لم يقاتلوا من أهل الحرب، وأما المقاتل فإنما نهى عن توليه، ولم ينه عن بره وصلته، وإن احتجوا بالمفهوم، فالحنفية لا يحتجون به، والمنطوق من الأحاديث التي أوردناها مقدم على ذلك، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: لا تصح الوصية للكافر بسلاح، ولا مصحف، ولا عبد مسلم. (^٢)\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٥١٢): وَإِذَا صَحَّتْ وَصِيَّةُ المُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ؛ فَوَصِيَّةُ الذِّمِّيِّ لِلْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ لِلذِّمِّيِّ أَوْلَى. وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِمَا تَصِحُّ بِهِ وَصِيَّةُ المُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ، وَلَوْ أَوْصَى لِوَارِثِهِ، أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ؛ وَقَفَ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، كَالمُسْلِمِ سَوَاء. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3961>مسألة [٥٥]: الوصية بمعصية وفعل محرم</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٥١٤): وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَعْصِيَةٍ وَفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، مُسْلِمًا كَانَ الْمُوصِي أَوْ ذِمِّيًّا، فَلَوْ وَصَّى بِبِنَاءِ كَنِيسَةٍ، أَوْ بَيْتِ نَارٍ، أَوْ عِمَارَتِهِمَا، أَوْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا؛ كَانَ بَاطِلًا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَصِحُّ. وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ الْوَصِيَّةَ بِأَرْضِهِ تُبْنَى كَنِيسَةً.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥١٢) «البيان» (٨/ ١٦١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٥١٣) «البيان» (٨/ ١٦١).","vol":"7","page":449},{"text":"وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ. وَأَجَازَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَنْ يُوصِيَ بِشِرَاءِ خَمْرٍ، أَوْ خَنَازِيرَ، وَيَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَهَذِهِ وَصَايَا بَاطِلَةٌ، وَأَفْعَالٌ مُحَرَّمَةٌ؛ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ، فَلَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بِهَا، كَمَا لَوْ وَصَّى بِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ لِلْفُجُورِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3962>مسألة [٥٦]: إذا أوصى لعبده بجزء مشاع من ماله</span>؟\n• قال جماعة من أهل العلم: تصح الوصية؛ فإن خرج العبد من الوصية؛ عتق، واستحق باقيها، وإن لم يخرج؛ عتق منه بقدر الوصية، وهو قول الحسن، وابن سيرين، والحنابلة، وقال به أصحاب الرأي؛ إلا أنهم قالوا: إن لم يخرج من الثلث استسعي في باقيه.\n• وقال الشافعي: لا تصح الوصية إلا أن يوصي بعتقه؛ لأنها تصبح وصية للورثة.\n• وقال ابن حزم: تصح، ويملك العبد ذلك المال، ولا يعتق إلا أن يوصي بعتقه.\nقلتُ: وقول الشافعي هو أقرب الأقوال، إلا أن يقصد الموصي بالوصية عتقه من الثلث، أو ما وصى به، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3963>مسألة [٥٧]: إذا أوصى لعبده بشيء معين من ماله</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنها لا تصح؛ لأنَّه يصبح كأنه أوصى للورثة، وهو قول\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥١٨) «المحلى» (١٧٦٣).","vol":"7","page":450},{"text":"الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وأصحاب الرأي، وهذا هو الصحيح، والله أعلم.\n• وقال بعضهم: تصح، وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد في رواية.\n• وقال الحسن، وابن سيرين: إن شاء الورثة أجازوا، وإن شاءوا رَدُّوا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3964>مسألة [٥٨]: إذا أوصى للعبد برقبته</span>؟\n• قال أكثر أهل العلم هو تدبير؛ فيعتق إن حمله الثلث، وهو قول مالك، والحنابلة، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ معنى الوصية له برقبته عتقه؛ لعلمه بأنه لا يملك رقبته؛ فصارت الوصية به كناية عن إعتاقه بعد موته.\n• وقال أبو ثور: الوصية باطلة؛ لأنه لا يملك رقبته، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3965>مسألة [٥٩]: الوصية للمكاتَب</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٥١٩): وَإِنْ وَصَّى لِمُكَاتَبِهِ، أَوْ مُكَاتَبِ وَارِثِهِ، أَوْ مُكَاتَبِ أَجْنَبِيٍّ؛ صَحَّ، سَوَاءٌ أَوْصَى لَهُ بِجُزْءٍ شَائِعٍ أَوْ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ وَرَثَتَهُ لَا يَسْتَحِقُّونَ المُكَاتَبَ، وَلَا يَمْلِكُونَ مَالَهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3966>مسألة [٦٠]: إذا أوصى لعبد غيره، ممن لا يرثه</span>؟\n• تصح الوصية لعبد غيره، وتكون وصية للسيد، والقبول في ذلك إلى العبد؛ لأنَّ العقد مضاف إليه، فأشبه ما لو وهبه شيئًا، فإذا قبل؛ ثبت لسيده؛ لأنه من\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥١٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٥١٩).","vol":"7","page":451},{"text":"كسب عبده، وكسب العبد للسيد، ولا تفتقر في القبول إلى إذن السيد؛ لأنه كسب؛ فصحَّ من غير إذن سيده كالاحتطاب، هذا قول الحنابلة، وأصحاب الرأي، والشافعي.\n• ولأصحاب الشافعي وجهٌ أنه يفتقر إلى إذن السيد؛ لأنه تصرف من العبد، فأشبه بيعه، وشراءه.\nوأُجيب: بأنه تحصيل مالٍ بغير عوض؛ فلم يفتقر إلى الإذن، كقبول الهبة وتحصيل المباح. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3967>مسألة [٦١]: الوصية لعبد وارثه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٥٢٠): وَإِنْ وَصَّى لِعَبْدِ وَارِثِهِ، فَهِيَ كَالْوَصِيَّةِ لِوَارِثِهِ، يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ يَسِيرًا؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ، وَإِنَّمَا لِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ مِنْ يَدِهِ، فَإِذَا وَصَّى لَهُ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ؛ عُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ الْعَبْدَ دُونَ سَيِّدِهِ. وَلَنَا أَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِعَبْدِ وَارِثِهِ؛ فَأَشْبَهَتْ الْوَصِيَّةَ بِالْكَثِيرِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ مِلْكِ الْعَبْدِ مَمْنُوعٌ، وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ؛ فَإِنَّهُ مَعَ هَذَا الْقَصْدِ يَسْتَحِقُّ سَيِّدُهُ أَخْذَهُ، فَهُوَ كَالْكَثِيرِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3968>مسألة [٦٢]: إذا أوصى بثلثه أن يُحَجَّ عنه به</span>؟\n• ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى أن ثلثه يصرف له في الحج؛ فإن كان واجبًا نظرنا: إن كان الثلث يكفي للحجة الواجبة؛ فلا بأس، ولا إشكال، وإن كان\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥٢٠).","vol":"7","page":452},{"text":"الثلث يكفي لأكثر من حجة؛ حُجَّ عنه تطوعًا بعد الفريضة، وإن كان الثلث أقل من مؤنة الحجة الواجبة؛ فيتمم القدر الكافي من رأس المال؛ لأنه دين لله، ودين الله أحق أن يُقضَى، وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢]، وهذا قول عطاء، وطاوس، والحسن، وسعيد بن المسيب، والزهري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\n• وقال بعض أهل العلم: إن وصَّى بالحج؛ فمن ثلثه، وإلا فليس على ورثته شيءٌ وهذا قول ابن سيرين، والنخعي، والشعبي، وحماد، والثوري، وأبي حنيفة.\nوالقول الأول هو الصواب؛ لما ذكرناه، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في [كتاب الحج].\n• وإن كان الحج تطوعًا؛ فإن كان الثلث يكفي حجَّه؛ صرف فيها، وإن كان يكفي أكثر؛ صرف فيها، وإن كان لا يكفي حجةً كاملة؛ يحج عنه من حيث يبلغ. قاله أحمد، والعنبري، وهو الصحيح.\n• وقال بعضهم: يُعان به في الحج، وهو قول سوَّار، وبعض الحنابلة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3969>مسألة [٦٣]: هل تستأذن المرأة في وصيتها زوجها، أو أباها</span>؟\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلى» (١٧٦٠): ووصية المرأة البكر ذات الأب، وذات الزوج، البالغة، والثيب ذات الزوج جائزة كوصية الرجل، أحبَّ الأب أو\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥٤١ - ٥٤٢).","vol":"7","page":453},{"text":"الزوج، أو كرها، ولا معنى لإذنهما في ذلك؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالوصية أمرًا عامًّا للمؤمنين، وهو لفظ يعم الرجال والنساء، ولم يخص الله ﷿ فيه أحدًا من أحد، وما كان ربك نسيًّا، وما نعلم في ذلك خلافًا من أحد، وبالله تعالى التوفيق. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3970>مسألة [٦٤]: الوصية للقاتل</span>.\n• قال بعض أهل العلم: تصح الوصية. وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وأظهر قولي الشافعي، وابن المنذر؛ لأنَّ الهبة له تصح؛ فصحت الوصية.\n• وقال بعضهم: لا تصح الوصية له، وهو قول الثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ القتل يمنع الميراث، وهو آكد من الوصية؛ فالوصية أولى.\n• وقال بعضهم: إن وصَّى له بعد جَرحه؛ صحَّ، وإن وصَّى له قبله، ثم طرأ القتل على الوصية؛ أبطلها، قاله أبو الخطاب الحنبلي جمعًا بين قولي أحمد، وهو قول الحسن بن صالح، واستحسنه ابن قدامة؛ لأنَّ الوصية بعد الجرح صدرت من أهلها في محلها، ولم يطرأ عليها ما يبطلها بخلاف ما إذا تقدمت؛ فإنَّ القتل طرأ عليها، فأبطلها؛ لأنه يبطل ما هو آكد منها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3971>مسألة [٦٥]: من أُوصِي له بشيء فهلك ذلك الشيء، أو هلك المال</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٥٧١): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِمَّنْ عَلِمْنَا قَوْلَهُ، عَلَى أَنَّ المُوصَى بِهِ إذَا تَلِفَ قَبْلَ مَوْتِ المُوصِي أَوْ بَعْدَهُ؛ فَلَا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ. كَذَلِكَ حَكَاهُ ابْنُ المُنْذِرِ، فَقَالَ: أَجْمَعَ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥٢١ - ٥٢٢) «البيان» (٨/ ١٦٢ -).","vol":"7","page":454},{"text":"الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أُوصِيَ لَهُ بِشَيْءٍ، فَهَلَكَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فِي سَائِرِ مَالِ المَيِّتِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ المُوصَى لَهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْوَصِيَّةِ لَا غَيْرُ، وَقَدْ تَعَلَّقَتْ بِمُعَيَّنٍ، وَقَدْ ذَهَبَ؛ فَذَهَبَ حَقُّهُ، كَمَا لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ. انتهى المراد.\nوإن هلك المال غير الموصى به؛ فإن كان ذلك بعد الموت؛ فلا شيء للورثة، والوصية نافذة، وإن كان قبل الموت؛ استحق الموصى له ثلث الوصية، والباقي للورثة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3972>مسألة [٦٦]: من أُوصِي له بشيء، فلم يأخذه زمانًا، فتغيرت قيمته، وأصبح أكثر من الثلث</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٥٧٢): الِاعْتِبَارَ فِي قِيمَةِ الْمُوصَى بِهِ وَخُرُوجِهَا مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ عَدَمِ خُرُوجِهَا، بِحَالَةِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهَا حَالُ لُزُومِ الْوَصِيَّةِ، فَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمَالِ فِيهَا. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. فَيُنْظَرُ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ وَقْتَ الْمَوْتِ ثُلُثَ التَّرِكَةِ، أَوْ دُونَهُ؛ نَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ، وَاسْتَحَقَّهُ الْمُوصَى لَهُ كُلَّهُ. فَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ حَتَّى صَارَ مُعَادِلًا لِسَائِرِ المَالِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ هَلَكَ المَالُ كُلُّهُ سِوَاهُ، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ، لَا شَيْءَ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ؛ فَإِنْ كَانَ حِينَ الْمَوْتِ زَائِدًا عَنْ الثُّلُثِ؛ فَلِلْمُوصَى لَهُ مِنْهُ قَدْرُ ثُلُثِ المَالِ؛ فَإِنْ كَانَ نِصْفَ المَالِ؛ فَلِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثَاهُ. وَإِنْ كَانَ ثُلُثَيْهِ؛ فَلِلْمُوصَى لَهُ نِصْفُهُ. وَإِنْ كَانَ نِصْفَ المَالِ وَثُلُثَهُ؛ فَلِلْمُوصَى لَهُ خُمُسَاهُ؛ فَإِنْ نَقَصَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ زَادَ، أَوْ نَقَصَ سَائِرُ المَالِ أَوْ زَادَ؛ فَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ سِوَى مَا كَانَ لَهُ حِينَ الْمَوْتِ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥٧٢).","vol":"7","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3973>مسألة [٦٧]: من أعتق عبيده في مرض موته وليس له سواهم</span>؟\n• حكم العتق في مرض الموت حكم الوصية، لا يجوز منه إلا ثلث المال؛ إلا أن يجيزه الورثة، وهذا قول جمهور الفقهاء؛ لحديث عمران بن حصين أنَّ رجلًا من الأنصار أعتق ستة أَعْبُد عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرقَّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا. أخرجه مسلم (١٦٦٨).\n• وقال مسروق فيمن أعتق عبده في مرض موته، ولا مال له غيره: أجيزه برمته، شيء جعله لله لا أرده. ولعله لم يبلغه الحديث المتقدم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3974>مسألة [٦٨]: إذا أوصى إنسانٌ بشيء غير معين كعبدٍ من عبيده، أو شاة من غنمه</span>؟\n• قال بعض أهل العلم: تصح، ويقرع، فيأخذ الموصى له ما خرجت به القرعة، وهذا قول إسحاق، وأحمد.\n• وقال بعضهم: يعطيه الورثة ما أحبوا، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية.\n• وقال مالك: له جزء مشاع بقدره؛ فإن كان له عشر شياه، شارك الورثة بالعشر، وهكذا.\nوالصحيح هو القول الأول، ويدل عليه حديث عمران المتقدم. «المغني» (٨/ ٥٦٥).\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥٦٣ - ٥٦٤).","vol":"7","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3975>مسألة [٦٩]: الوصية إلى رجل بالتصرف والولاية على من له عليه ولاية</span>.\nالْوَصِيَّةُ إِلَى رَجُلٍ هِيَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ التَّصَرُّفَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فِيمَا كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، مِنْ قَضَاءِ دُيُونِهِ، وَاقْتِضَائِهَا، وَرَدِّ الْوَدَائِعِ، وَاسْتِرْدَادِهَا، وَتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ، وَالْوِلَايَةِ عَلَى أَوْلَادِهِ الَّذِينَ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِمْ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ، وَمَنْ لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهُ، وَالنَّظَرُ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ بِحِفْظِهَا، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِمَا لَهُمْ الْحَظُّ فِيهِ. فَأَمَّا مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ، كَالْعُقَلَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَغَيْرِ أَوْلَادِهِ مِنْ الْإِخْوَةِ، وَالْأَعْمَامِ، وَسَائِرِ مَنْ عَدَا الْأَوْلَادَ؛ فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْمُوصِي عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِنَائِبِهِ بَعْدَ الْمَمَاتِ. قاله ابن قدامة، ثم قال: وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ خِلَافًا. اهـ «المغني» (٨/ ٥٥٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3976>مسألة [٧٠]: تبعيض الوصية</span>.\nبأن يجعل لرجل تصرفًا بشيء، ولآخر بشيء آخر، مثل أن يوصي إلى إنسان بتفريق وصيته، وإلى آخر بقضاء دينه، وإلى آخر بحفظ أولاده.\n• فمذهب الحنابلة، والشافعية صحة ذلك.\n• وقال أبو حنيفة: من أُوصِي له بشيء يصير وصيًّا في كل ما يملكه الوصيُّ؛ لأنَّ هذه ولاية تنتقل من الأب بموته؛ فلا تتبعض كولاية الجد.\nوأُجيب عنه: بأنه استفاد التصرف بالإذن من جهة الموصي؛ فكان مقصورًا على ما أذن فيه، كالوكيل، وولاية الجد استفادها بقرابته، وهي لا تتبعض، والإذن","vol":"7","page":457},{"text":"يتبعض، فافترقا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3977>مسألة [٧١]: الوصية إلى رجلين</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٥٥١): وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إلَى رَجُلَيْنِ مَعًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَيَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ مُنْفَرِدًا، فَيَقُولَ: أَوْصَيْت إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ. لِأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيًّا مُنْفَرِدًا، وَهَذَا يَقْتَضِي تَصَرُّفَهُ عَلَى الِانْفِرَادِ. وَلَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَيْهِمَا لِيَتَصَرَّفَا مُجْتَمِعَيْنِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلَيْهِ، وَلَمْ يَرْضَ بِنَظَرِهِ وَحْدَهُ.\nوَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ لَا أَعْلَمُ فِيهِمَا خِلَافًا.\nوَإِنْ أَطْلَقَ فَقَالَ: أَوْصَيْت إلَيْكُمَا فِي كَذَا. فَلَيْسَ لَأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.\nوَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ وَالْوِلَايَةَ لَا تَتَبَعَّضُ، فَمَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادَ بِهَا كَالْأَخَوَيْنِ فِي تَزْوِيجِ أُخْتِهِمَا.\nقال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّهُ شَرَكَ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ، كَالْوَكِيلَيْنِ. وَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ نَقُولُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْوِلَايَةَ إلَيْهِمَا بِاجْتِمَاعِهِمَا فَلَيْسَتْ مُتَبَعِّضَةً، كَمَا لَوْ وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ، أَوْ صَرَّحَ لِلْوَصِيَّيْنِ بِأَنْ لَا يَتَصَرَّفَا إلَّا مُجْتَمِعَيْنِ، ثُمَّ يَبْطُلُ مَا قَالَهُ بِهَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥٥١).","vol":"7","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3978>مسألة [٧٢]: الأوصاف التي تنبغي في الموصى إليه</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٥٥٢): تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى الرَّجُلِ الْعَاقِلِ، الْمُسْلِمِ، الْحُرِّ، الْعَدْلِ إجْمَاعًا. وَلَا تَصِحُّ إلَى مَجْنُونٍ، وَلَا طِفْلٍ، وَلَا وَصِيَّةُ مُسْلِمٍ إلَى كَافِرٍ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ وَالطِّفْلَ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمَا، فَلَا يَلِيَانِ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَالْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ عَلَى مُسْلِمٍ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3979>مسألة [٧٣]: الوصية إلى الفاسق</span>.\n• قال جماعةٌ من أهل العلم: لا تصح. وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنه غير عدل؛ فليس بمأمون.\n• وقال أحمد في رواية: تصح. قال أصحابه: ويجعل عليه أمين. وقال أبو حنيفة: تصح، وينفذ تصرفه، وعلى الحاكم عزله.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٤/ ٦٧٤ - ٦٧٥): قد يوجد فاسقٌ، لكنه أمين من جهة المال، ولنفرض أنه يشرب الدخان، فشرب الدخان إصرار على صغيرة، إذًا هو فاسق، إذا كان هذا الشارب للدخان رجلًا عاقلًا، أمينًا، رشيدًا، فهل نقول: لا تصح الوصية إليه؟ في هذا نظر لا شك، ولهذا نقول: إنَّ اشتراط العدالة فيه تفصيل؛ فإن كانت العدالة تخدش في تصرفه؛ فهي شرطٌ، وإن كانت لا تخدش في تصرفه، وهو قد تصرف تصرُّفًا تامًّا ليس فيه أي إشكال؛ فإنها","vol":"7","page":459},{"text":"لا تشترط، هذا هو الصحيح. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3980>مسألة [٧٤]: إذا طرأ عليه الفسق</span>؟\n• قال بعضهم: تزول ولايته، ويقيم الحاكم مقامه أمينًا. وهو قول بعض الحنابلة، والثوري، والشافعي، وإسحاق.\n• وقال بعضهم: يضم إليه أمين. وهو قول الحسن، وابن سيرين، وبعض الحنابلة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: أيهما رآه القاضي أصلح؛ فعله، وبالله التوفيق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3981>مسألة [٧٥]: الوصية إلى العبد</span>.\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنها تصح، وهو قول مالك، وبعض الحنابلة، سواء كان عبد نفسه، أو عبد غيره.\nالثاني: لا تصح، وهو قول الشافعي، وأبي يوسف، ومحمد؛ لأنَّ العبد مملوك لغيره؛ فلا تكون له ولاية.\nالثالث: تصح إلى عبد نفسه دون عبد غيره، وهذا قول النخعي، وابن شبرمة، والأوزاعي، وقال به أبو حنيفة إذا لم يكن من ورثته رشيد.\nوالصواب في هذه المسألة هو القول الأول، ولكن تعتبر بإذن السيد؛ فإن لم\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٨/ ٥٥٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٥٥٥).","vol":"7","page":460},{"text":"يأذن فلا تصح الوصية؛ لأنَّ العبد سيشغل وقتًا غير قصير لتصريف هذه الوصية، فيقطع جزءًا من الوصية يفوته على سيده، فلابد من إذن السيد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3982>مسألة [٧٦]: الوصية إلى المرأة</span>؟\n• أكثر أهل العلم على صحة الوصية إليها، وهو قول شُريح، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وأبي ثور وأصحاب الرأي.\n• وقال عطاء: لا تصح؛ لأنها لا تكون قاضية، فلا تكون وصية كالمجنون.\nوأُجيب: بأنَّ هذا القياس فاسد؛ لأنَّ القضاء يُعتبر له الكمال في الخلقة، والولاية فيها عامة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة» بخلاف مسألتنا؛ فالصواب قول الجمهور، ويُعتبر عندهم أنْ تكون رشيدة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3983>مسألة [٧٧]: الوصية إلى الصبي العاقل</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٥٥٣): وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ، فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَالْإِقْرَارِ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ إلَّا بِإِذْنٍ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَلِأَنَّهُ مَوْلًى عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ وَالِيًا، كَالطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ الله. وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ وَكَالَتِهِ. وَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَاوَزَ الْعَشْرَ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥٥٣) «الشرح الممتع» (٤/ ٦٧٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٥٥٢).","vol":"7","page":461},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: تصح الوصية إلى الصبي، ولكنه لا يُمَكَّنُ من التصرف فيها حتى يبلغ ويؤنس منه الرشد، وقبل ذلك يجعل على الوصية رجلًا أمينًا بتعيين الحاكم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3984>مسألة [٧٨]: وصية الكافر إلى المسلم</span>.\nالذي عليه أهل العلم أنها تصح إذا لم تكن تركته خمرًا، أو خنزيرًا، أو نحوه مما حرم بعينه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3985>مسألة [٧٩]: وصية الكافر إلى الكافر</span>.\n• قال بعض أهل العلم: تصح إن كان عدلًا في دينه. وهو قول بعض الشافعية، والحنابلة، وقال به أصحاب الرأي؛ لأنه يلي بالنسب، فيلي بالوصية.\n• وقال بعضهم: لا تصح؛ لأنه أبعد حالًا من الفاسق، وهو قول أبي ثور، ووجهٌ للحنابلة، والشافعية.\nوالذي يظهر هو صحتها، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين -﵀-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3986>مسألة [٨٠]: هل للموصى إليه أن يرد الوصية إليه ولا يقبلها</span>؟\n• له أن يردها وله أن يقبلها في مذهب أحمد، والشافعي، وله أن يعزل نفسه متى شاء مع القدرة والعجز في حياة الموصي وبعد موته.\n• وقال أبو حنيفة، وأحمد في رواية: ليس له عزل نفسه بعد الموت، وزاد أبو حنيفة: وليس له أيضًا في حياته بدون إعلام الموصي؛ لأنه يغره بذلك.\n_________\n(^١) انظر «المغني» (٨/ ٥٥٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٥٥٣) «الشرح الممتع» (٤/ ٦٧٣).","vol":"7","page":462},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنَّ له أن يعزل نفسه ولو بعد الموت، ولكن إذا فعل ذلك بعد الموت يجب عليه أن لا يضيع ما أُوصي إليه به، وذلك بأن يطلب من الحاكم أن يقيم بدله أمينًا، أو من له شأن في ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3987>مسألة [٨١]: إذا أوصى رجلٌ إلى رجلٍ وأذن له أن يوصي إلى من يشاء</span>؟\n• تصح الوصية، وله أن يوصي إلى من يشاء؛ لأنه رضي باجتهاده، وهذا قول أكثر أهل العلم.\n• وحُكي عن الشافعي أنه قال في أحد القولين: ليس له أن يوصي؛ لأنه يلي بتوليه، فلا يصح أن يوصي كالوكيل.\nوأُجيب: بأنه مأذون له في التصرف؛ فجاز له أن يأذن لغيره كالوكيل إذا أمر بالتوكيل، والوكيل حجة عليه من الوجه المذكور.\n• وأما إذا أوصى إليه وأطلق، ولم يأذن له في الإيصاء ففيه قولان:\nالأول: له أن يوصي إلى غيره، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والثوري، وأبي يوسف، وأحمد في رواية؛ لأنه جعل التصرف إليه، ومن التصرف أن يجعل وصيًّا يقوم مقامه إذا خاف الموت، أو خشي من نفسه التقصير.\nالثاني: ليس له ذلك، وهو قول الشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية؛ لأنه أذن له ولم يأذن لغيره، كالوكيل.\nوالذي يظهر أن القول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥٥٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٥٥٨).","vol":"7","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3988>مسألة [٨٢]: إذا اختلف الوصيان عند من يجعل المال</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يجعل في مكان تحت أيديهما جميعًا؛ لأنَّ الموصي لم يأمن أحدهما على حفظه، ولا التصرف فيه، وهذا مذهب الحنابلة.\n• وقال مالك: يجعل عند أعدلهما.\n• وقال أصحاب الرأي: يقسم بينهما. وهو المنصوص عن الشافعي.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\nفائدة: إذا مات الرجل، ولا وصي له، فينصب الحاكم رجلًا يتولى ذلك وإن كان في بلد نائية، وليس هناك حاكم؛ فيجوز لرجل من المسلمين أن يتولى ذلك، بل يجب وجوبًا كفائيًّا على من علم بالحال، وكان على الميت ما يستحق أن يولى عليه. (^٢)\nتنبيه: إن وصَّى إنسان وعليه ديون تستغرق ماله؛ بطلت الوصية، وقُضيت الديون. «المحلى» (١٧٦٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3989>مسألة [٨٣]: إذا أُوصي إليه بتفريق مال على أبواب البر، أو على بعض المستحقين، فهل له الأخذ منه</span>؟\n• قال أحمد، ومالك، والشافعي: ليس له ذلك؛ لأنه أُمر بتوزيعه، فلا يبقي عنده شيئًا.\n• وقال أبو ثور، وأصحاب الرأي -وهو احتمالٌ للحنابلة-: له أن يأخذ منه إذا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥٦٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٥٦١) (٨/ ٥٥٩).","vol":"7","page":464},{"text":"تناوله لفظ الموصي.\n• وذكر ابن قدامة احتمالًا آخر: أن ينظر إلى قرائن الأحوال؛ فإن دلت على أنه أراد أخذه منه، مثل أن يكون من جملة المستحقين الذين يصرف إليهم ذلك، أو عادته الأخذ من مثله؛ فله الأخذ منه، وإلا فلا.\nقلتُ: هذا القول جيد، وهو النظر إلى قرائن الأحوال، وإذا عدمت القرائن؛ فالصحيح قول أبي ثور، ومن معه، والورع الترك، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3990>مسألة [٨٤]: التبرعات المنجزة هل تحسب من الثلث، أم من رأس المال</span>؟\nمثل العتق، والهبة المقبوضة، والصدقة، والوقف، والإبراء، والمحاباة، والعفو عن الجناية الموجبة للمال إذا كانت هذه التبرعات في الصحة؛ فهي من رأس المال بلا خلاف.\n• وإن كانت في مرضٍ مخوفٍ اتصل به الموت؛ فهي من ثلث المال عند الجمهور، واستدلوا بحديث عمران بن حصين الذي في «مسلم»، وقد تقدم.\n• وذهب ابن حزم إلى أنَّ سائر تبرعات المريض صحيحة من رأس المال، ونقل ابن قدامة عن أهل الظاهر أنهم قالوا ذلك في الهبة المقبوضة، وظاهر نقله أنهم خصُّوا ذلك بها.\nوالصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٥٦١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٤٧٣ - ٤٧٤) «المحلى» عقب المسألة (١٧٦٨).","vol":"7","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3991>مسألة [٨٥]: بِمَ توافق العطايا في مرض الموت الوصية، وبم تخالفها</span>؟\nتوافقها بأمور، منها:\n١) يقف نفوذها على خروجها من الثلث، أو إجازة الورثة.\n٢) أنها لا تصح لوارث؛ إلا بإجازة الورثة.\n٣) فضيلتها ناقصة عن فضيلة الصدقة في الصحة.\n٤) خروجها من الثلث معتبرٌ حال الموت لا قبله، ولا بعده.\nوتخالف الوصايا بأمور، وهي:\n١) أنَّ العطية لازمة في حق المعطي ليس له الرجوع فيها.\n٢) قبولها على الفور في حال حياة المعطي، وكذلك ردها، والوصايا لا حكم لقبولها ولا ردها إلا بعد الموت.\n٣) العطية تقدم على الوصية على الصحيح، وهو قول أحمد، والشافعي، والجمهور، واستثنى أبو حنيفة، وأبو يوسف، وزُفر العتق.\n٤) العطايا إذا عجز الثلث عن جميعها بدئ بالأول فالأول، سواء كان الأول عتقًا أو غيره، وهو قول أحمد، والشافعي، وهو الصحيح.\nوقال أبو حنيفة: الجميع سواء إذا كانت من جنس واحد، وإن كانت من أجناس، وكانت المحاباة متقدمة؛ قُدِّمت، وإن تأخرت؛ سوى بينها وبين العتق. وقال أبو يوسف: يقدم العتق؛ تقدم أو تأخر.","vol":"7","page":466},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: الصواب هو قول أحمد، والشافعي، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3992>مسألة [٨٦]: ما لزم المريض من حقوق في مرضه، ولا يمكنه دفعها وإسقاطها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٤٨٧): وَمَا لَزِمَ الْمَرِيضَ فِي مَرَضِهِ مِنْ حَقٍّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ وَإِسْقَاطُهُ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَجِنَايَةِ عَبْدِهِ، وَمَا عَاوَضَ عَلَيْهِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ؛ فَهُوَ مِنْ رَأْسِ المَالِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3993>مسألة [٨٧]: ضابط المرض المخوف</span>.\n• هو المرض الذي يسبب الموت، ولا يستغرب الناس الموت بسببه، ويرجع في معرفته إلى قول أهل المعرفة بذلك، وهم الأطباء، واشترط بعض الفقهاء أن يكونوا اثنين، والصحيح قبوله من الواحد كما هو قول بعضهم، واشترط بعضهم أن يكون عدلًا.\nوقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: لا يُشترط ذلك، بل يقبل قول الحاذق الماهر في هذا الشأن وإن لم يكن مسلمًا. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3994>مسألة [٨٨]: هل عطية الحامل من الثلث، أم رأس المال</span>؟\n• من أهل العلم من قال: عطيتها من الثلث إذا صار لها ستة أشهر، وهو قول مالك، والحنابلة. وعن أحمد، وإسحاق إذا أثقلت.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤٧٤ - ٤٧٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٤٩٠ - ٤٩١) «الشرح الممتع» (٤/ ٦١٨) ط/الآثار.","vol":"7","page":467},{"text":"• وقال جماعةٌ من أهل العلم: إذا ضربها المخاض؛ فعطيتها من الثلث؛ لأنها في ذلك الحين في مرض مخوف، وهذا قول النخعي، ومكحول، ويحيى الأنصاري، والأوزاعي، والعنبري، وبعض الحنابلة، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وصححه ابن قدامة.\n• وقال بعضهم: عطيتها كعطية الصحيح من رأس المال، وإن ضربها المخاض، وهو قول الحسن، والزهري، والشافعي في قول، وابن حزم.\nقلتُ: والقول الثاني أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3995>مسألة [٨٩]: عطية المقاتل في أرض المعركة من الثلث، أم من رأس المال</span>؟\n• ألحق طائفة من أهل العلم في المرض المخوف إذا التحم الحرب، واختلطت الطائفتان للقتال، وكانت كل طائفة مكافئة للأخرى، أو مقهورة، فأما القاهرة بعد ظهورها فليست خائفة.\nوكذلك إذا لم يختلطوا، بل كانت كل واحدة منهما متميزة، سواء كان بينهما رميٌ بالسهام، أو لم يكن؛ فليست حالة خوف، ولا فرق عندهم بين كون الطائفتين متفقتين في الدين، أو مفترقتين، وهذا قول أحمد، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وقولٌ للشافعي.\n• وللشافعي قولٌ أنه ليس بمخوف؛ لأنه ليس بمريض، وقال ابن حزم: عطيته كعطية الصحيح.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤٩١) «المحلى» عقب المسألة (١٧٦٧).","vol":"7","page":468},{"text":"وأُجيب: بأنَّ توقع التلف ههنا كتوقع المرض، أو أكثر؛ فيلحق به. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3996>مسألة [٩٠]: هل يلتحق به إذا قدم ليقتل</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعي في قولٍ أنه يلحق بالمرض المخوف، وهو الصحيح، وذهب ابن حزم إلى أن عطيته كعطية الصحيح، وهو قولٌ للشافعي. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3997>مسألة [٩١]: هل يلتحق بذلك إذا تموج البحر واضطرب عليهم وهم في سفينة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٨/ ٤٩٣): إذَا رَكِبَ الْبَحْرَ؛ فَإِنْ كَانَ سَاكِنًا؛ فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ، وَإِنْ تَمَوَّجَ وَاضْطَرَبَ وَهَبَّتْ الرِّيحُ الْعَاصِفُ؛ فَهُوَ مَخُوفٌ؛ فَإِنَّ الله تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس:٢٢].اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3998>مسألة [٩٢]: هل الأسير والمحبوس عطيته من الثلث</span>؟\n• قال جماعةٌ من أهل العلم: إذا كان من العادة قتله؛ فهو خائف، عطيته من الثلث، وإلا فلا، وهذا قول أحمد، ومالك، وابن أبي ليلى، والحسن، والشافعي في قولٍ، وأبي حنيفة، وهو الصحيح.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤٩٢) «المحلى» عقب المسالة (١٧٦٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٨/ ٤٩٣) «المحلى» عقب المسألة (١٧٦٧).","vol":"7","page":469},{"text":"• ومنهم من قال: عطيته من الثلث مطلقًا، ولم يقيد ذلك بما إذا كان من العادة قتله، هذا قول الزهري، والثوري، وإسحاق، وبعض الحنابلة، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، وتأوله القاضي على التفصيل المتقدم.\n• وقال مالك، والشعبي: الغازي عطيته من الثلث.\n• وقال مسروق: إذا وضع رجله في الغرز؛ فعطيته من الثلث.\n• وقال ابن حزم: عطيته من رأس المال. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٨/ ٤٩٣ - ٣٩٤) «المحلى» عقب المسألة (١٧٦٧).","vol":"7","page":470},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3999>بَابُ الوَدِيعَةِ</span>\n٩٥٩ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ، جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. (^١)\nوَبَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الزَّكَاةِ.\nوَبَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغَنِيمَةِ يَأْتِي عَقِبَ الجِهَادِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4000>مسألة [١]: تعريف الوديعة</span>.\nهي فعيلة من: ودع الشيء إذا تركه، أي: متروكة عند المودع. اشتقاقها من السكون؛ لأنها ساكنة عند المودَع، ومستقرة عنده. وقيل: مشتقة من الحفظ والدَّعة؛ لأنها في دَعَةٍ عند المودع. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4001>مسألة [٢]: مشروعيتها</span>.\nالوديعة مشروعة، دلَّ عليها الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، وقوله ﷿: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقوله سبحانه:\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه ابن ماجه (٢٤٠١)، من طريق أيوب بن سويد الرملي، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو ابن شعيب به. وإسناده ضعيف؛ لضعف أيوب والمثنى.\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٢٥٦) «البيان» (٦/ ٤٧١).","vol":"7","page":471},{"text":"﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥].\nومن السنة: حديث الباب، وحديث: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك»، وفيه كلام، وقد تقدم، وجرى ذلك في عصره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بدون نكير منه.\nوأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على جواز ذلك.\nويُستحبُّ للرجل قبول الوديعة إذا علم من نفسه حفظ الأمانة؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» أخرجه مسلم (٢٦٩٩)، عن أبي هريرة -﵁-. (^١)\nتنبيه: الوديعة إذا أُخذت؛ فلكل واحد منهما أن يرجع عن ذلك، فلصاحبها أخذها متى شاء، وللمودَع أن يردها متى شاء؛ فهي عقد جائز الطرفين. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4002>مسألة [٣]: إذا تلفت الوديعة من غير تعدي ولا تفريط من المودَع</span>؟\n• عامَّةُ أهل العلم على أنَّ المودع ليس عليه ضمان؛ لأنه مؤتمن محسن في قبول الوديعة؛ فليس لنا أن نضمنه تلفها بغير تعديه وتفريطه، ولا دليل أيضًا على تضمينه.\n• وعن أحمد رواية أنها إن تلفت الوديعة من بين ماله؛ ضمن، وإن تلفت مع ماله؛ لم يضمن. وجاء عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه ضمَّن أنسًا -﵁- وديعة\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٥٦) «البيان» (٦/ ٤٧١ - ٤٧٢) «الشرح الكبير» (٩/ ٥٣).\n(^٢) «المغني» (٩/ ٢٥٦).","vol":"7","page":472},{"text":"تلفت عليه بسبب أنه لم يفقد معها شيئًا من ماله. أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٤٠١)، بإسناد صحيح.\nوالصحيح قول الجمهور، وتضمين عمر لأنس -﵄- محمول على أنَّ أنسًا وُجِدَ منه تفريط في حفظها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4003>مسألة [٤]: إذا اشترط ا لمودِع على المودَع الضمان</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٢٥٨): إذَا شَرَطَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ عَلَى المُسْتَوْدَعِ ضَمَانَ الْوَدِيعَةِ، فَقَبِلَهُ أَوْ قَالَ: أَنَا ضَامِنٌ لَهَا. لَمْ يَضْمَنْ. قَالَ أَحْمَدُ فِي المُودَعِ: إذَا قَالَ: (أَنَا ضَامِنٌ لَهَا)، فَسُرِقَتْ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَصْلُهُ الْأَمَانَةُ، كَالمُضَارَبَةِ، وَمَالِ الشَّرِكَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالْوَكَالَةِ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ المُنْذِرِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ شَرْطُ ضَمَانِ مَا لَمْ يُوجَدْ سَبَبُ ضَمَانِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ ضَمَانَ مَا يَتْلَفُ فِي يَدِ مَالِكِهِ. اهـ\nقلتُ: وهذا هو الصحيح، وقد نقل ابن رشد عن بعضهم أنه ضمَّنه، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4004>مسألة [٥]: إذا أودع رجلٌ وديعة ولم يعين له المودِع مكان حفظها</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ عليه أن يحفظها في حرز مثلها؛ فإن لم يحفظها في حرز مثلها فإنه يضمن.\n• وأما إن عيَّن المودِع مكانًا لحفظها؛ فيلزم المودَع أن يحفظها فيما أمره به،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٥٧) «الشرح الكبير» (٩/ ٥٤ - ٥٥) «المحلى» (١٣٨٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٢٥٨) «الشرح الكبير» (٩/ ٥٥) «بداية المجتهد» (٤/ ١١٨).","vol":"7","page":473},{"text":"سواء كان حرز مثلها، أو لم يكن؛ فإن أحرزها في دونه؛ ضمنه، وإن أحرزها بمثله، أو أعلى؛ لم يضمن عند طائفة من أهل العلم، وهو قول الشافعية، وبعض الحنابلة، وهو الصحيح، وقال بعض الحنابلة: يضمن. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4005>مسألة [٦]: إن عيَّن له مكانًا ونهاه عن إخراجها منه</span>؟\n• إن أخرجها لغشيان شيء الغالب منه الهلاك، كحريق، أو غزو، أو نهب، وما أشبهه؛ فلا يضمن بإخراجها، وإن تركها، فتلفت؛ يضمن في مذهب الحنابلة، وبعض الشافعية؛ لأنه قصَّر في حفظها.\n• وقال بعض الشافعية: لا يضمن؛ لأنه ممتثل ما أُمر به، والأول أقرب.\n• وإن قال له: لا تخرجها وإن خفت عليها. فوجد ما يخاف عليها منه فأخرجها؛ لم يضمن عند الحنابلة وبعض الشافعية، وقال بعضهم: يضمن. والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4006>مسألة [٧]: إذا تلفت الوديعة المنهي عن إخراجها بسبب إخراجها</span>؟\n• يضمن المودَع بإخراجها؛ فإنِ ادَّعى أنه أخرجها لغشيان نار، أو سيل، أو ما أشبه ذلك؛ فالقول قوله مع يمينه، ولا ضمان عليه، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية وغيرهم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٥٩) «البيان» (٦/ ٤٧٧ -) «الشرح الكبير» (٩/ ٥٦ - ٥٧).\n(^٢) انظر: «الشرح الكبير» (٩/ ٥٧ - ٥٨) «البيان» (٦/ ٤٧٨).\n(^٣) انظر: «الشرح الكبير» (٩/ ٥٨).","vol":"7","page":474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4007>مسألة [٨]: إذا أودعه بهيمة، فهل يلزم المودَع علفها</span>؟\n• مذهب الشافعي والحنابلة أنه يلزمه علفها؛ لحرمة الحيوان.\n• ومذهب أبي حنيفة، وبعض الحنابلة أنه لا يلزمه علفها؛ لأنَّ العلف على المالك؛ فهو المفرط.\nوالصحيح هو القول الأول؛ لأنَّ من حفظ الوديعة إذا كانت بهيمة أن يسقيها ويعلفها، ولكن للمودَع أن يرجع بالنفقة على صاحبها إذا لم يكن متطوعًا بذلك.\nوأما إذا أودعه البهيمة، وأمره بعلفها، فأخذها بذلك فيلزمه؛ لحرمة الحيوان، ولأخذه الوديعة بذلك.\nوهل يرجع بالنفقة على المودِع؟ يرجع ذلك على ما يتفقان عليه؛ فإن لم يتفقا؛ فله الرجوع إلا أن يكون محتسبًا متطوعًا بالنفقة.\nوأما إذا أودعه البهيمة ونهاه عن علفها؛ لم يجز له ترك علفها وسقيها؛ لأنَّ للحيوان حرمة في نفسه، فيجب إحياؤه لحق الله تعالى؛ فإنْ علفها وسقاها كان كالذي قبله، وإن تركها حتى تلفت؛ لم يضمنها عند الحنابلة، وأكثر الشافعية؛ لأنَ التعدي حصل في حق الله؛ فيأثم، وأما في حق الآدمي فلم يتعد، بل فعل ما أمره به.\n• وذهب بعض الشافعية، وابن المنذر إلى أنه يضمن؛ لأنه إضاعة للمال، وتفريط في حفظ الوديعة، والأقرب القول الأول، والله أعلم.\nتنبيه: إذا عجز المودَع عن العلف في الصورة المتقدمة؛ فعليه أن يعيد","vol":"7","page":475},{"text":"الوديعة إلى صاحبها، أو وكيله؛ فإن عجز عنهما؛ رفع الأمر إلى الحاكم فيفعل الحاكم الأحظ لصاحب الوديعة، إما ببيعها وحفظ ثمنها، أو ببيع بعضها لينفق على البعض الآخر، أو يستدين له حتى يرجع، وهذا إذا لم يجد له مالًا لينفق عليها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4008>مسألة [٩]: إذا دفع الوديعة إلى إنسان آخر، فهل يضمن</span>؟\n• إن كان ذلك لغير عذر؛ فمذهب الجمهور أنه يضمن؛ لأنه خالف المودِع في مراده، وقصده؛ فإنه دفعها إليه ليحفظها، ولم يرض لها غيره، وهو مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي وغيرهم.\n• وقال ابن أبي ليلى: لا ضمان عليه؛ لأنَّ عليه حفظها، وإحرازها، وقد أحرزها عند غيره وحفظها به. وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم.\n• وأما إن كان ذلك لعذر، مثل أن يكون أراد السفر، أو خاف عليها عند نفسه من حرقٍ، أو غرقٍ، أو غيره؛ فإنْ قدر على صاحبها، أو وكيله في قبضها؛ لم يجز له دفعها إلى غيره؛ فإن فعل؛ ضمنها، وإن لم يقدر على صاحبها، أو وكيله؛ فله دفعها إلى الحاكم، سواء كان به ضرورة إلى السفر، أو لم يكن؛ لأنه متبرع بإمساكها، والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته، وإن أودعها مع قدرته على الحاكم؛ ضمنها عند الشافعية، وأكثر الحنابلة.\n• وقال بعض الحنابلة: لا يضمنه ويجوز له إيداعها؛ لأنه قد يكون أحفظ وأحب\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٧٤ - ٢٧٥) «البيان» (٦/ ٤٩٠ -) «الشرح الكبير» (٩/ ٥٩ - ٦٠).","vol":"7","page":476},{"text":"إلى صاحبها. وإن لم يقدر على الحاكم، فأودعها ثقة؛ لم يضمنها؛ لوجود الحاجة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4009>مسألة [١٠]: هل على الثاني الضمان إذا أخذ هذه الوديعة</span>؟\nأما إذا كان الثاني يعلم بالحال؛ فيده يد معتدي؛ فعليه الضمان، وللمودِع الأول -رب الوديعة- أن يضمن الأول أو الثاني، ويستقر الضمان على الثاني كالمغصوب.\n• وأما إذا كان الثاني لا يعلم بالحال؛ فليس له تضمين الثاني على الصحيح؛ لأنه دخل في العقد على أنه أمين، وهذا قول أحمد، وأبي حنيفة، ومالك.\n• ومذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أنَّ له تضمين الثاني؛ لأنها تلفت تحت يده ولكن الثاني يرجع على الأول فيستقر الضمان على الأول، وصوَّب هذا ابن قدامة.\nوالذي يظهر أنَّ القول الأول هو الصحيح، وهو ترجيح ابن القيم، وقد تقدم نقل كلامه في باب الغصب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4010>مسألة [١١]: إذا دفع الوديعة إلى من يحفظ ماله كامرأته وغلامه</span>؟\n• ذهب أحمد، ومالك، وأبو حنيفة إلى أنه لا يضمن؛ لأنه حفظها بما يحفظ به ماله.\n• وقال الشافعي: يضمن؛ لأنه سلم الوديعة إلى من لم يرض به صاحبها،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٥٩ - ٢٦١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٢٥٩ - ٢٦٠) «الشرح الكبير» (٩/ ٦٤ - ٦٥) «بداية المجتهد» (٤/ ١١٨) «البيان» (٦/ ٤٨٧ - ٤٨٨).","vol":"7","page":477},{"text":"فضمنها كما لو سلمها لأجنبي.\nوأُجيب بالفرق؛ فإنَّ من دفعها إلى الأجنبي لم يحفظها، بل أودعها عند غيره بغير إذن بخلاف مسألتنا؛ فإنها لم تخرج من كونها وديعة عنده، والصحيح قول مالك، وأحمد، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4011>مسألة [١٢]: هل للمودَع أن يسافر بالوديعة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٢٦١): وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِهَا وَقَدْ نَهَاهُ الْمَالِكُ عَنْ ذَلِكَ؛ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِصَاحِبِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَهَاهُ، لَكِنَّ الطَّرِيقَ مَخُوفٌ، أَوْ الْبَلَدَ الَّذِي يُسَافِرُ إلَيْهِ مَخُوفٌ؛ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ فَلَهُ السَّفَرُ بِهَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، سَوَاءٌ كَانَ بِهِ ضَرُورَةٌ إلَى السَّفَرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ سَافَرَ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى صَاحِبِهَا، أَوْ وَكِيلِهِ، أَوْ الْحَاكِمِ، أَوْ أَمِينٍ؛ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ يُسَافِرُ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ السَّفَرُ مَخُوفًا.\nقال -﵀-: وَلَنَا أَنَّهُ نَقَلَهَا إلَى مَوْضِعٍ مَأْمُونٍ؛ فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَمَا لَوْ نَقَلَهَا فِي الْبَلَدِ، وَلِأَنَّهُ سَافَرَ بِهَا سَفَرًا غَيْرَ مَخُوفٍ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَتْرُكُهَا عِنْدَهُ. وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ مَتَى سَافَرَ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَالِكِهَا، أَوْ نَائِبِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ فَهُوَ مُفَرِّطٌ عَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَى صَاحِبِهَا إمْكَانَ اسْتِرْجَاعِهَا، وَيُخَاطِرُ بِهَا ..،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٦٠) «الشرح الكبير» (٩/ ٦٤) «بداية المجتهد» (٤/ ١١٨) «البيان» (٦/ ٤٨٧).","vol":"7","page":478},{"text":"وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِذْنِ فِي إمْسَاكِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَضْمَنُ هَذَا الْخَطَرَ، وَلَا يُفَوِّتُ إمْكَانَ رَدِّهَا عَلَى صَاحِبِهَا الْإِذْنُ فِيمَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ، فَأَمَّا مَعَ غَيْبَةِ المَالِكِ وَوَكِيلِهِ، فَلَهُ السَّفَرُ بِهَا إذَا كَانَ أَحْفَظَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَتِهِ، فَيَخْتَارُ فِعْلَ مَا فِيهِ الْحَظُّ. اهـ\nقلتُ: والذي يظهر أنَّ قول الشافعي هو الصواب، وهو مذهب مالك؛ لأنَّ السفر بها مظنة لضياعها، فلا يسافر بها إلا إن عجز عن حفظها بغير السفر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4012>مسألة [١٣]: إذا خلط الوديعة بما لا تتميز منه من ماله</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية، وأصحاب الرأي أنه يضمنها، سواء خلطها بمثلها، أو دونها، أو أجود من جنسها، أو من غير جنسها؛ لأنَّ هذا منه تعدي في الوديعة، وإخراج لها عن حالها، وفوت على نفسه ردها.\n• وحُكي عن مالك أنه لا يضمن إلا أن يكون خلطها بدونها؛ لأنه لا يمكنه ردها إلا ناقصة، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4013>مسألة [١٤]: إذا سأل المودِعُ الوديعةَ، فأبى المودَع أن يعطيه بغير عذر</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٢٦٨): لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ رَدِّ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَالِكِهَا، إذَا طَلَبِهَا، فَأَمْكَنَ أَدَاؤُهَا إلَيْهِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٦١ - ٢٦٢) «الشرح الكبير» (٩/ ٦٥) «بداية المجتهد» (٤/ ١١٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٢٥٨).","vol":"7","page":479},{"text":"قال: فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ، فَتَلِفَتْ؛ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا؛ لِكَوْنِهِ أَمْسَكَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ؛ فَأَشْبَهَ الْغَاصِبَ.\nقال: فَأَمَّا إنْ طَلَبِهَا فِي وَقْتٍ لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهَا إلَيْهِ؛ لِبُعْدِهَا، أَوْ لِمَخَافَةٍ فِي طَرِيقِهَا، أَوْ لِلْعَجْزِ عَنْ حَمْلِهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِتَرْكِ تَسْلِيمِهَا؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا. وَإِنْ تَلِفَتْ؛ لَمْ يَضْمَنْهَا؛ لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ.\nقال: وَإِنْ قَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَقْضِيَ صَلَاتِي، أَوْ آكُلَ؛ فَإِنِّي جَائِعٌ. أَوْ أَنَامَ؛ فَإِنِّي نَاعِسٌ. أَوْ يَنْهَضِمَ عَنِّي الطَّعَامُ؛ فَإِنِّي مُمْتَلِئٌ. أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4014>مسألة [١٥]: إن مات المودَع وعليه وديعة، ولم توجد بعينها</span>؟\n• مذهب الجمهور أنَّ المودِع يُعطَى وديعته من التركة؛ فإن ازدحمت الديون على التركة؛ فيكون مع بقية الغرماء أسوة؛ لأنَّ كل ذلك حقوق واجبة عليه حلت بموته.\n• وقال النخعي: الأمانة قبل الدين، وقال الحارث العُكُلِّي: الدين قبل الأمانة.\nوالصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4015>مسألة [١٦]: إذا ادُّعِي على رجل وديعة فأنكر، ثم أقرَّ وادَّعى التلف</span>؟\nإذا ادُّعِي على رجل وديعة، فأنكر؛ فالقول قوله مع يمينه؛ فإن جاء المدعي بالبينة؛ لزم المنكر ضمان الوديعة؛ فإن قال بعد أن أنكر: (نعم، أودعني، ولكن\n_________\n(^١) انظر «المغني» (٩/ ٢٧٠).","vol":"7","page":480},{"text":"تلفت عليَّ بغير تفريط)؛ لم يقبل قوله في ذلك عند أهل العلم. وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي؛ لأنه مُكذَّبٌ؛ لإنكاره الأول، معترف على نفسه بالكذب المنافي للأمانة.\nوإن أقرَّ أنها تلفت بعد جحوده؛ لم يسقط عنه الضمان؛ لأنه خرج بالجحود عن الأمانة؛ فصار ضامنًا كمن طُولِبَ بالوديعة، فامتنع من ردها. وإن أقام بينة بتلفها بعد الجحود؛ لم يسقط عنه الضمان لذلك.\nوإن أقام البينة بتلفها قبل الجحود من الحرز، فهل تقبل بينته؟\n• منهم من قال: لا تقبل منه؛ لأنه مكذب لها بإنكاره الإيداع. ومنهم من قال: يقبل منه، وتسمع بينته؛ لأنَّ المودَع لو اعترف بذلك؛ سقط حقه، فتسمع البينة به، وهذا أرجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4016>مسألة [١٧]: إذا ادَّعى المودَع التلف، فهل يقبل قوله</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٢٧٣): وَالمُودَعُ أَمِينٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ تَلَفِ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ المُودَعَ إذَا أَحْرَزَ الْوَدِيعَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا ضَاعَتْ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ. وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: مَعَ يَمِينِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4017>مسألة [١٨]: إذا ادَّعى المودَع رد الوديعة لصاحبها، فأنكر المالك ذلك</span>؟\n• مذهب الجمهور أنَّ القول قول المودَع؛ لأنه مؤتمن، فيقبل قوله في الرد كما\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٧١).","vol":"7","page":481},{"text":"يقبل قوله في التلف.\n• وقال مالك: إن كان دفعها إليه بغير بينة؛ فيقبل قوله، وإن كان دفعها إليه ببينة؛ فعليه البينة في ردها، وإلا فالقول قول المالك مع يمينه.\nوالصحيح قول الجمهور، وهو اختيار ابن حزمٍ، والشوكاني. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4018>مسألة [١٩]: إذا قال المودَع: دفعتها إلى فلان بأمرك. فأنكر صاحب الوديعة ذلك</span>؟\n• من أهل العلم من قال: القول قول المالك. وهو قول مالك، والثوري، والعنبري، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الأصل عدم الإذن؛ فله تضمينه.\n• وقال بعضهم: القول قول المودَع؛ لأنه مؤتمن، فكما يؤخذ بقوله في التلف، وفي ردها إلى صاحبها؛ يقبل قوله ههنا، وهذا قول ابن أبي ليلى، وأحمد، وابن حزم، ورجحه الشوكاني، وهو الذي يظهر؛ لأنَّ الوديعة مبنية على الائتمان، والمؤتمن مُحسنٌ بفعله؛ فيقبل قوله مالم يظهر منه خيانة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4019>مسألة [٢٠]: إذا تعدى على بعض الوديعة، فهل يضمنها كلها أم بعضها</span>؟\nأما إذا كانت الوديعة مما ينقصها تلف بعضها، كالنعل الواحدة، والكتاب الواحد من خمسة أجزاء، وما أشبه ذلك؛ فإنه يضمنها كلها إن لم يستطع أن يأتي بمثل الذي أتلفه.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٧٤) «المحلى» (١٣٩٢) «السيل الجرار» (٣/ ٣٤٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٢٧٣) «المحلى» (١٣٩٢) «السيل» (٣/ ٣٤٤).","vol":"7","page":482},{"text":"وأما إن كانت الوديعة مما لا ينقصها تلف بعضها، كأن يستودع خمس شياه، فيذبح واحدة منها:\n• فمذهب أحمد، والشافعي، أنه يضمن ذلك البعض الذي تعدى فيه؛ فتصبح شاة من ضمانه، وإن ردَّ مثلها، وإن لم يفرط بحفظها؛ لتعديه بذبحها، وهو اختيار ابن حزم، والشوكاني.\n• وقال مالك: لا ضمان عليه إذا ردَّه، أو مثله. وقال أصحاب الرأي: إن لم ينفق ما أخذه وردَّه؛ لم يضمن، وإن أنفقه ثم رده، أو مثله؛ ضمن.\nوالصحيح قول أحمد، والشافعي؛ لأنَّ الضمان قد تعلق بذمته بأخذه، بدليل أنه لو تلف في يده قبل رده؛ ضمنه، فلا يزول الضمان إلا برده إلى صاحبه كالمغصوب، أو بإخبار صاحبها بما حصل.\nتنبيه: الخلاف المذكور في استمرار الضمان عليه هو حاصل أيضًا فيما إذا أتلف الوديعة كلها، وجاء ببدلها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4020>مسألة [٢١]: إذا استعمل الوديعة بركوب، أو لبس، أو ما أشبهه، ثم ردها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٢٧٩): وَلَوْ تَعَدَّى فَلَبِسَ الثَّوْبَ، وَرَكِبَ الدَّابَّةَ، أَوْ أَخَذَ الْوَدِيعَةَ لِيَسْتَعْمِلَهَا، أَوْ لِيُخَزِّنَ فِيهَا، ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ؛ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الضَّمَانِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَبْرَأُ؛ لِأَنَّهُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٧٧ -) «البداية» (٤/ ١١٨) «المحلى» (١٣٩١) «السيل» (٣/ ٣٤٤).","vol":"7","page":483},{"text":"مُمْسِكٌ لَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا؛ فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَ التَّعَدِّي.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ ضَمِنَهَا بِعُدْوَانٍ؛ فَبَطَلَ الِاسْتِئْمَانُ، كَمَا لَوْ جَحَدَهَا ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا، وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4021>مسألة [٢٢]: رجل في يده وديعة ادَّعاها رجلان</span>؟\nإن أقرَّ بها لأحدهما؛ سُلِّمت إليه؛ فإنه لو ادَّعاها لنفسه كان القول قوله، فإذا أقرَّ بها لغيره؛ وجب أن يقبل، ويلزمه أن يحلف للآخر؛ لأنه منكر لحقه؛ فإن حلف؛ برئ، وإن نكل؛ لزمه أن يغرم له قيمتها؛ لأنه فوتها عليه.\nوإن أقرَّ بها لهما جميعًا؛ فهي بينهما، ويلزمه اليمين لكل واحد منهما في نصفها. وإن قال: هي لأحدهما لا أعرفه عينًا. فاعترفا له بجهله تعيَّنَ المستحق لها؛ فلا يمين عليه. وإن ادَّعيا معرفته؛ فعليه اليمين أنه لا يعلم ذلك.\n• فإذا حلف، فمذهب الحنابلة أنه يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف أنها له، وتسلم إليه.\n• وقال الشافعي: يتحالفان ويوقف الشيء بينهما حتى يصطلحا. وهو قول ابن أبي ليلى.\n• وللشافعي قول آخر أنها تقسم بينهما، وحكاه ابن المنذر عن ابن أبي ليلى، وهو قول الحنفية، قالوا: ويضمن المستودَع نصفها لكل واحد منهما؛ لأنه فوَّت ما استودع بجهله، وللمالكية قولان كقول الشافعي، والحنفية.","vol":"7","page":484},{"text":"قال ابن قدامة -﵀-: وَلَنَا أَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الْحَقِّ فِيمَا لَيْسَ بِأَيْدِيهِمَا؛ فَوَجَبَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، كَالْعَبْدَيْنِ إذَا أَعْتَقَهُمَا فِي مَرَضِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَحَدُهُمَا، أَوْ كَمَا لَوْ أَرَادَ السَّفَرَ بِإِحْدَى نِسَائِهِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْعَيْنَ لَمْ تَتْلَفْ، وَلَوْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي جَهْلِهِ تَفْرِيطٌ؛ إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ أَنْ لَا يَنْسَى وَلَا يَجْهَلَ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4022>مسألة [٢٣]: إذا تعدى المودَع بالوديعة، فاتَّجَرَ بها، فربح</span>؟\n• قال ابن رشد -﵀- في «بداية المجتهد» (٤/ ١١٩): قال مالك، والليث، وأبو يوسف، وجماعةٌ: إذا ردَّ المال؛ طاب له الربح، وإن كان غاصبًا للمال فضلًا عن أن يكون مُسْتَوْدَعًا عنده. وقال أبو حنيفة، وزفر، ومحمد بن الحسن: يؤدي الأصل، ويتصدق بالربح. وقال قوم: لرب الوديعة الأصل والربح. وقال قوم: هو مخير بين الأصل والربح. وقال قوم: البيع الواقع في تلك التجارة فاسد. اهـ\n• وقد قال الحنابلة في المغصوب، والوديعة إذا اتجر به؛ فالمال والربح للمالك؛ لأنه نماء ماله، وهو المشهور عن أحمد، وعنه: يتصدق بالربح، وعن أبي حنيفة، والشافعي في قولٍ: الربح للغاصب.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنَّ الربح بينهما كالمضاربة الشرعية، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٧٦ - ٢٧٧) «البيان» (٦/ ٥٠٠ -) «البداية» (٤/ ١١٨).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٧/ ٣٩٩ - ٤٠٠) «الإنصاف» (٦/ ١٩٦) (٦/ ١٩٧ - ١٩٨).","vol":"7","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4023>مسألة [٢٤]: الوديعة تعتبر من جائز التصرف</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٢٧٩): وَلَا يَصِحُّ الْإِيدَاعُ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ؛ فَإِنْ أَوْدَعَ طِفْلٌ، أَوْ مَعْتُوهٌ إنْسَانًا وَدِيعَةً؛ ضَمِنَهَا بِقَبْضِهَا، وَلَا يَزُولُ الضَّمَانُ عَنْهُ بِرَدِّهَا إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَزُولُ بِدَفْعِهَا إلَى وَلِيِّهِ النَّاظِرِ لَهُ فِي مَالِهِ، أَوْ الْحَاكِمِ؛ فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا؛ صَحَّ إيدَاعُهُ لِمَا أُذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَالِغِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ؛ فَإِنْ أَوْدَعَ رَجُلٌ عِنْدَ صَبِيٍّ أَوْ مَعْتُوهٍ وَدِيعَةً، فَتَلِفَتْ؛ لَمْ يَضْمَنْهَا، سَوَاءٌ حَفِظَهَا أَوْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا؛ فَإِنْ أَتْلَفَهَا، أَوْ أَكَلَهَا؛ ضَمِنَهَا فِي قَوْلِ الْقَاضِي، وَظَاهِرِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى إتْلَافِهَا بِدَفْعِهَا إلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَى صَغِيرٍ سِكِّينًا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، كَانَ ضَمَانُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّ مَا ضَمِنَهُ بِإِتْلَافِهِ قَبْلَ الْإِيدَاعِ؛ ضَمِنَهُ بَعْدَ الْإِيدَاعِ، كَالْبَالِغِ. وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: إنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى إتْلَافِهَا. وَإِنَّمَا اسْتَحْفَظَهُ إيَّاهَا، وَفَارَقَ دَفْعَ السِّكِّينِ؛ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلْإِتْلَافِ، وَدَفْعُ الْوَدِيعَةِ بِخِلَافِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4024>مسألة [٢٥]: إذا غصبت الوديعة على المودَع</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٢٨٠): وَإِنْ غُصِبَتْ الْوَدِيعَةُ مِنْ المُودَعِ قَهْرًا؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أُخِذَتْ مِنْ يَدِهِ، أَوْ أُكْرِهَ عَلَى تَسْلِيمِهَا فَسَلَّمَهَا بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عُذْرٌ لَهُ يُبِيحُ لَهُ دَفْعَهَا، فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَمَا لَوْ أُخِذَتْ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا. اهـ\nتم بحمد الله ومنته في يوم الجمعة الموافق (٧/ ١١/١٤٢٦ هـ)","vol":"7","page":486},{"text":"فتح العلام\nفي دراسة أحاديث بلوغ المرام\nحديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\nتأليف\nأبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني\nفي دار الحديث بدماج\n\nالجزء الثامن\nكِتابُ النِّكَاح - كِتَابُ الطَّلاقِ\nعِشْرَةُ النِّسَاء - الصَّدَاق - الوَلِيمَة - القَسْم - الخُلْع - الرَّجْعَة الإِيلاءُ وَالظِّهَارُ وَالكَفَّارَة - اللِّعَان","vol":"8","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4025>كِتَابُ النِّكَاحِ</span>\n\nكتاب النكاح\nتعريفه:\nالنكاح في اللغة: الضم، والتداخل، ومنه قولهم: نكح المطر الأرض، ونكح النعاس عينه، ونكحت القمح في الأرض إذا حرثتها، وبذرتها فيها.\nقال الأزهري: أصل النكاح في لغة العرب: الوطء. وقيل: للتزويج نكاح؛ لأنه سبب الوطء. وبنحوه قال الفَرَّاء.\nوقال أبو القاسم الزجاجي: النكاح في كلام العرب بمعنى الوطء، والعقد جميعًا.\nوقال الفارسي: (إذا قالوا: نكح فلانة، أو بنت فلان)؛ فالمراد به العقد، وإذا قالوا: (نكح زوجته)؛ فالمراد به الوطء.\nقلتُ: فالظاهر أنه في اللغة يُطلق على الأمرين، ويعرف المراد بقرائن الكلام، كما أشار إلى ذلك الفارسي.\nوفي الشرع: حقيقة في العقد، مجاز في الوطء. هذا اختيار الأكثر من الحنابلة، والشافعية وغيرهم.","vol":"8","page":5},{"text":"والحجة في ذلك: كثرة وروده في الكتاب والسنة للعقد حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد، ولا يرد مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠]؛ لأنَّ شرط الوطء في التحليل إنما ثبت في السنة، وإلا فالعقد لابد منه.\nوقد أفاد أبو الحسين بن فارس أنَّ النكاح لم يرد في القرآن إلا للتزويج إلا في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:٦]؛ فإنَّ المراد به الحُلُمَ.\n• وذهب الحنفية، وبعض الشافعية إلى أنَّ النكاح هو حقيقة في الوطء، مجاز في العقد. وهو قول بعض الحنابلة.\n• وقيل: هو مشترك بينهما. وهو قول بعض الشافعية والحنابلة.\nوهذا هو الأقرب إلا أنَّ الأصل في إطلاقه بالنصوص الشرعية أنَّ المراد به العقد؛ إلا أنْ يأتي دليل يدل على أنه أراد زيادة على ذلك، وهو الوطء، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» [كتاب النكاح]، «المغني» (٩/ ٢٣٩) «تحرير ألفاظ التنبيه» (ص ٢٤٩) «الإنصاف» (٨/ ٤ - ٥).","vol":"8","page":6},{"text":"٩٦٠ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nقوله: «البَاءَةَ».\n• اختلف العلماء في تفسير (الباءة) في حديث الباب، فقيل: المراد بها الجماع، وصححه النووي، والمازري. وقال بعضهم: المراد به مؤن النكاح. وهو اختيار شيخ الإسلام. قال: لأنَّ الحديث فيه خطابٌ للقادر على الوطء، ولذلك قال: «فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ».\nوقال النووي -﵀-: انفصل القائلون بالقول الأول بأنْ قالوا: تقدير الحديث: من استطاع منكم الجماع؛ لقدرته على مؤنة النكاح؛ فليتزوج. اهـ\nوقال الحافظ ابن حجر -﵀-: لا مانع من الحمل على المعنى الأعم بأنْ يُراد بالباءة القدرة على الوطء، ومؤن التزويج. اهـ\nوأجاب على الإشكال في قوله: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» إلى أنه يجوز أن يرشد من لا يستطيع الجماع إلى ما يهيء له استمرار تلك الحالة بالصوم. (^٢)\nقوله: «وِجَاء».\nالوِجَاء بكسر الواو والمد، أصله الغمز، والمقصود به: رض الأنثيين، حتى تنقطع الشهوة، وإطلاق الوجاء على الصيام من مجاز المشابهة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٥٠٦٥) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٦) «شرح مسلم» (١٤٠٠).","vol":"8","page":7},{"text":"٩٦١ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «لَكِنِّي أَنَا أُصَلِّي، وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nقوله: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».\nقال الحافظ -﵀-: المُرَاد بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَة لَا الَّتِي تُقَابِل الْفَرْض، وَالرَّغْبَة عَنْ الشَّيْء الْإِعْرَاض عَنْهُ إِلَى غَيْره، وَالْمُرَاد: (مَنْ تَرَكَ طَرِيقَتِي وَأَخَذَ بِطَرِيقَةِ غَيْرِي؛ فَلَيْسَ مِنِّي)، وَلمَّحَ بِذَلِكَ إِلَى طَرِيق الرَّهْبَانِيَّة؛ فَإِنَّهُمْ الَّذِينَ اِبْتَدَعُوا التَّشْدِيد كَمَا وَصَفَهُمْ اللهُ تَعَالَى، وَقَدْ عَابَهُمْ بِأَنَّهُمْ مَا وَفُّوهُ بِمَا اِلْتَزَمُوهُ، وَطَرِيقَة النَّبِيّ - ﷺ - الْحَنِيفِيَّة السَّمْحَة، فَيُفْطِر لِيَتَقَوَّى عَلَى الصَّوْم، وَيَنَام لِيَتَقَوَّى عَلَى الْقِيَام، وَيَتَزَوَّج لِكَسْرِ الشَّهْوَة، وَإِعْفَاف النَّفْس، وَتَكْثِير النَّسْل.\nوَقَوْله «فَلَيْسَ مِنِّي»: إِنْ كَانَتْ الرَّغْبَة بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيل يُعْذَر صَاحِبه فِيهِ، فَمَعْنَى «فَلَيْسَ مِنِّي»، أَيْ: (عَلَى طَرِيقَتِي) وَلَا يَلْزَم أَنْ يَخْرُج عَنْ المِلَّة، وَإِنْ كَانَ إِعْرَاضًا وَتَنَطُّعًا يُفْضِي إِلَى اِعْتِقَاد أَرْجَحِيَّة عَمَله؛ فَمَعْنَى «فَلَيْسَ مِنِّي» لَيْسَ عَلَى مِلَّتِي؛ لِأَنَّ اِعْتِقَاد ذَلِكَ نَوْع مِنْ الْكُفْر. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١).","vol":"8","page":8},{"text":"٩٦٢ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَأْمُرُنَا بِالبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\n٩٦٣ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ ابْنِ يَسَارٍ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4027>مسألة [١]: حكم الزواج</span>.\nقسّمَ العلماءُ أحوالَ الرجلِ في التزويج إلى أقسام:\nالقسم الأول: التائق إليه، القادر على مُؤَنِهِ، الخائف على نفسه من الوقوع في المعصية.\nقال ابن قدامة -﵀-: يجب عليه النكاح في قول عامة الفقهاء؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه، وصونها عن الحرام، وطريقه النكاح. اهـ\n_________\n(^١) حسن صحيح بشواهده. أخرجه أحمد (٣/ ١٥٨)، وابن حبان (٤٠٢٨)، من طريق خلف بن خليفة حدثني حفص بن عمر عن أنس بن مالك به. وإسناده حسن. وهو صحيح بشواهده منها الذي بعده.\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٢٠٥٠)، والنسائي (٦/ ٦٥ - ٦٦)، وابن حبان (٤٠٥٦) (٤٠٥٧)، من طريق: يزيد بن هارون، أخبرنا المستلم بن سعيد، عن منصور بن زادان، عن معاوية بن قرة، عن معقل ابن يسار، به، ولفظه: (جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: «لا»، ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: «تزوجوا الودود ...» فذكره كحديث أنس، وإسناده صحيح.","vol":"8","page":9},{"text":"وقال القرطبي -﵀- كما في «الفتح»: المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه، ودينه من العزوبة بحيث لا يرتفع عنه ذلك إلا بالتزويج لا يختلف في وجوب التزويج عليه. اهـ\nقلتُ: ليس في المسألة إجماعٌ، بل ظاهر النقل عن الشافعي في كتب مذهبه أنه يرى الاستحباب، وكذا في مذهب المالكية. والقول بالوجوب هو مذهب الظاهرية أيضًا، وقال به أبو عوانة الاسفرائيني من الشافعية.\nوالقول بالوجوب هو الصحيح؛ للأدلة الآمرة بذلك كما في أحاديث الباب، ولأنه يخاف على نفسه المحرم، ومحل الوجوب فيما إذا لم يمكنه دفع المحرَّم عن نفسه إلا بالزواج، فأمَّا إن كانت له ملك يمين؛ فلا يجب عليه الزواج كما نبه على ذلك ابن حزمٍ، والشوكاني، وابن دقيق العيد كما في «الفتح» (٥٠٦٥).\nقال الحافظ -﵀-: الذين قالوا بالوجوب قيَّدُوه بما إذا لم يندفع التوقان بالتسري، فإذا لم يندفع؛ تعيَّنَ التزويج. اهـ\nودليله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣]. (^١)\nالقسم الثاني: من له شهوة يأمن معها الوقوع في المحظور.\n• فيستحب له النكاح عند الجمهور؛ للأدلة الواردة في الباب، وهو قول\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٤١) «الفتح» (٥٠٦٥) «بداية المجتهد» (٣/ ٣٧ -) «المحلى» (١٨١٥) «السيل» (٢/ ٢٤٣) «البيان» (٩/ ١٠٩).","vol":"8","page":10},{"text":"المالكية، والحنابلة، وأصحاب الرأي.\nوقال ابن حزم بوجوبه وهو رواية عن أحمد، وقال الشافعي: التَّخلِّي لعبادة الله عزوجل أفضل؛ لأنَّ الله مدح يحيى -﵇- بقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران:٣٩].\nوالصحيح قول الجمهور؛ للأدلة الواردة في الحث على الزواج، وقد ذكر بعضها في الباب، ولأنَّ ذلك من سنن المرسلين، قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨]، والنكاح فيه مصالح كثيرة يؤجر عليها الإنسان؛ فإنه يشتمل على تحصين الدين وإحرازه، وتحصين المرأة وحفظها، والقيام بها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وغير ذلك من المصالح الراجح أحدها على نفل العبادة، فمجموعها أولى.\nوأما ما ذُكر عن يحيى -﵇-؛ فهو شرعه، وشرعنا وارد بخلافه؛ فهو أولى. (^١)\nالقسم الثالث: من لا شهوة له، إما لأنه لم يخلق له شهوة كالعِنِّين، أو كانت له شهوة فذهبت بِكِبَرٍ، أو مرضٍ ونحوه.\n• ففيه وجهان للحنابلة:\nأحدهما: يستحب له النكاح؛ لعموم الأدلة الحاثَّة على الزواج.\nالثاني: التخلي له أفضل؛ لأنه لا يحصل مصالح النكاح، ويمنع زوجته من التحصين بغيره، ويضر بها، ويحبسها على نفسه، ويعرض نفسه لواجبات وحقوق\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٤١ - ٣٤٣) «الإنصاف» (٨/ ٧) «المحلى» (١٨١٥) «البيان» (٩/ ١١٣).","vol":"8","page":11},{"text":"لعله لا يتمكن من القيام بها، ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه، والأخبار تحمل على من له شهوة؛ لما فيها من القرائن الدالة على ذلك.\nوهذا الوجه للحنابلة أصح، وهو مذهب الشافعية، وقد قال بعض الفقهاء: إذا أضرَّ بامرأته؛ حَرُمَ عليه الزواج، وقد ردَّ ذلك الشوكاني -﵀- في «السيل الجرار» فقال: هذا التحريم لا وجه له، ولا يلزم الإنسان ترك ما أحل الله له، بل ما أمره به ورغَّبَهُ فيه بتجويز وقوع المعصية من غيره يعني عدم قدرته على الوطء يجعل المرأة تعمل المعصية فذنب كل مذنب عليه لا يتعداه إلى غيره، وهذه المرأة قد جعل الله لها فرجًا ومخرجًا، واوجبٌ عليها أن تدع ما حَرَّمَه عليها، وتشكو أمرها الى حُكَّام الشريعة كما وقع ذلك من المرأة التي شكت زوجها الى رسول الله - ﷺ -، وقالت: إنما معه كهدبة الثوب. فإذا كان إمساكه لها مع عجزه عن أن يعفها ويكسر سورة شهوتها؛ فذلك من الإمساك لها ضرارًا، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ [البقرة:٢٣١]، وهو أيضًا من المضارة لها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وهذا مضار لها، وفي الشريعة المطهرة ما يدل على جواز الفسخ بمجرد الكراهة كما في حديث: «أتردين عليه حديقته؟»، وفيها أيضا جواز الفسخ للإعواز عن النفقة، وبهذا تعرف أنه لا وجه للحكم بهذا التحريم بادئ بدء، وهكذا لا وجه للحكم بالتحريم على عارف التفريط من نفسه؛ فإنه قد يتحول الحال، وقد ترضى المرأة بتفريطه، وبعد هذا كله فالطلاق بيده إذا استمر على هذا السَجِيَّة المذمومة، والطبيعة الناقصة، وأيضا لها أن تطلب الخلاص منه؛ لِمَا","vol":"8","page":12},{"text":"قَدَّمْنَا. اهـ (^١)\nالقسم الرابع: من لا شهوة له في الجماع، وهو قادر عليه، فمن الفقهاء من جعل النكاح في حق هذا مُباحًا، والصحيح أنه يُستحَبُّ في حقه، وذلك لأنه يحصل منه النسل، وتحصين امرأة، وتشمله الأدلة التي فيها الحث على النكاح.\nوبهذا يقول جماعة من أهل العلم، وهو مذهب الحنفية، وقال به بعض الحنابلة، والمالكية، والشافعية.\nقال الشوكاني -﵀- في «السيل» (٢/ ٢٤٥): والحاصل أنَّ النكاح سنة مؤكدة، فلا وجه لجعل بعض أقسامه مُباحًا؛ فإنَّ ذلك دفع في وجه الأدلة، ورد للترغيبات الكثيرة في صحاح الأحاديث وحسانها. نعم من كان فقيرًا لا يستطيع القيام بمؤنة الزوجة؛ فله رخصة في ترك هذه السنة الحسنة؛ لقوله عزوجل: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣].انتهى المراد. (^٢)\nتنبيه: الظاهرية يوجبون النكاح على كل قادر على الوطء، وعلى مؤن النكاح. (^٣)\nفائدة: قال الإمام أحمد -﵀-: ليست العزبة من أمر الإسلام في شيء. وقال\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٤٣ -) «البيان» (٩/ ١١٣) «السيل» (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤) «الفتح» (٥٠٦٥).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٥٠٦٥) «البيان» (٩/ ١١٤) «السيل» (٢/ ٢٤٥) «المغني» (٩/ ٣٤١) «الإنصاف» (٨/ ٧) «البداية» (٣/ ٣٧).\n(^٣) انظر «المحلى» (١٨١٥).","vol":"8","page":13},{"text":"أيضًا: من دعاك إلى غير التزويج؛ فقد دعاك إلى غير الإسلام، ولو تزوج بشر كان قد تمَّ أمره. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4028>مسألة [٢]: حكم الاختصاء</span>.\nالاختصاء هو طلب الخصاء، والخصاء هو الشق على الأُنثيين وانتزاعهما.\nوفي «الصحيحين» عن سعد بن أبي وقاص قال: ردَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على عثمان بن مظعون التَّبتل، ولو أذن له؛ لاختصينا. (^٢)\nوفي «الصحيحين» أيضًا عن ابن مسعود قال: كُنَّا نغزو مع رسول الله - ﷺ -، وليس لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ... الحديث. (^٣)\nففي هذين الحديثين النهي عن الخِصاء.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٠٧٥): وهو نهي تحريم بلا خلاف في بني آدم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4029>مسألة [٣]: هل يُستحب التزوج بأكثر من واحدة</span>؟\n• الأشهر عند الحنابلة أن الاقتصار على واحدة أفضل؛ لأنه أقرب إلى العدل.\n• وذهب بعضهم إلى أنَّ الزيادة على الواحدة أفضل، ويستحب الزيادة، ويجب\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٤١).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٥٠٧٣)، ومسلم برقم (١٤٠٢).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٥٠٧١) (٥٠٧٥)، ومسلم برقم (١٤٠٤).","vol":"8","page":14},{"text":"العدل، وهذا قول بعض الحنابلة، وهو ظاهر تبويب البخاري، فقد بوَّبَ: [باب كثرة النساء]، وأسند تحته قول ابن عباس لسعيد بن جبير: تزوج؛ فإنَّ خير هذه الأمة أكثرها نساء، وهذا القول أصح لمن قدر على كفاية زوجاته، وأمن على نفسه من الجور. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٨/ ١٥ - ١٦) «الفتح» (٥٠٦٩).","vol":"8","page":15},{"text":"٩٦٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ بَقِيَّةِ السَّبْعَةِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4030>مسألة [١]: قوله: «لِحَسَبِهَا»</span>.\nبفتح المهملتين، ثم موحدة، أي: شرفها، والحسب في الأصل الشرف بالآباء، وبالأقارب، مأخوذٌ من الحساب؛ لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدُّوا مناقبهم، ومآثر آبائهم، وقومهم، وحسبوها، فَيُحْكَم لمن زاد عدده على غيره.\nوقيل: المراد بالحسب هنا الفِعَال الحسنة.\nوقيل: المراد المال، وهو مردود؛ لذكر المال قبله، وذكره معطوفًا عليه.\nوأما ما أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٣)، والنسائي (٦/ ٦٤)، وصححه ابن حبان (٧٠٠)، والحاكم (٢/ ١٦٣)، من حديث بريدة رفعه: «إنَّ أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال».\nفيحتمل أن يكون المراد: أنه حسب من لا حسب له، فيقوم النسب الشريف لصاحبه مقام المال لمن لا نسب له، أو أنَّ من شأن أهل الدنيا رفعة من كان كثير\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦)، وأبوداود (٢٠٤٧)، وأحمد (٢/ ٤٢٨)، والنسائي (٦/ ٦٨)، وابن ماجه (١٨٥٨)، ولم يخرجه الترمذي.","vol":"8","page":16},{"text":"المال، ولو كان وضيعًا، وضعة من كان مُقِلًّا، ولو كان رفيع النسب كما هو موجود مُشاهد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4031>مسألة [٢]: قوله: «تَرِبَتْ يَدَاك»</span>.\nأي: لَصِقَتَا بالتراب، وهي كناية عن الفقر، وهو خبر بمعنى الدعاء، لكن لا يُراد به حقيقته، وذكروا لها معانٍ أخرى هذا أرجحها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4032>مسألة [٣]: الصفات المستحسنة في المرأة التي يُراد الزواج بها</span>.\nاستحبَّ أهل العلم في المرأة أن تكون تقية، ورعة، دَيِّنَة؛ لهذا الحديث «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك».\nواستحبوا أيضًا أن تكون ولودًا ليست بعاقر؛ لحديث معقل بن يسار المتقدم، وكذا حديث أنس.\nواستحبوا أيضًا أن تكون ودودًا، وهي التي تعمل الأعمال التي تحبب زوجها إليها، وتجتنب الأعمال التي تسخطه.\nواستحبوا أيضًا أن تكون بكرًا؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لجابر: «هلَّا بكرًا تلاعبها وتلاعبك». (^٣)\nواستحبوا أيضًا أن تكون ذات نسب؛ لحديث الباب، وذات جمال حتى يكون\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٠٩٠).\n(^٢) انظر «الفتح» (٥٠٩٠).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٥٠٧٩)، ومسلم برقم (٥٤) من [كتاب الرضاع] من حديث جابر -﵁-.","vol":"8","page":17},{"text":"ذلك سببًا في الائتلاف، ودوام العشرة الحسنة.\nوأباحوا أن يتزوج الرجل المرأة لمالها حتى تكون عونًا له على الأولاد، وتقل طلبات المرأة لزوجها، ويُكره للمسلم أن يقدم غير ذات الدِّين على المرأة الصالحة؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة». (^١)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٤٦٧)، من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄-.","vol":"8","page":18},{"text":"٩٦٥ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا رَفَّأَ إنْسَانًا إذَا تَزَوَّجَ قَالَ: «بَارَكَ اللهُ لَك، وَبَارَكَ عَلَيْك، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4033>مسألة [١]: الدعاء بالرَّفاء للمتزوج</span>.\nالرَّفاء: هو الالتئام، والموافقة، وحسن العشرة، وهو من (رفأ الثوب، رفوته رفوًا) وهو دعاء للزوج بالالتئام والائتلاف مع زوجه، ويُستحب أن يُدعى للمتزوج بالدعاء المذكور في حديث أبي هريرة -﵁-.\nوفي «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دعا لعبد الرحمن بن عوف، ولجابر بن عبد الله بقوله لكل واحد منهما: «بارك الله لك». (^٢)\nوقد جاء في بعض الأحاديث أنَّ أهل الجاهلية كانوا يقولون: بالرَّفاء والبنين. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تقولوا هكذا، وقولوا: بارك الله لكم، وبارك عليكم»، وهو حديث يحسنه الإمام الألباني -﵀-، كما في «آداب الزفاف» (ص ١٧٥ - ١٧٦).\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٣٨١)، وأبوداود (٢١٣٠)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٢٥٩)، والترمذي (١٠٩١)، وابن ماجه (١٩٠٥)، وابن حبان (٤٠٥٢)، من طريق: عبدالعزيز الدراوردي، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁-، وهذا إسناد حسن على شرط مسلم.\n(^٢) انظر: «البخاري» رقم (٥١٥٥) (٥٣٦٧)، ومسلم برقم (١٤٢٧)، و(٥٥) من [كتاب الرضاع].","vol":"8","page":19},{"text":"قال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥١٥٥): اختلف في علة النهي عن ذلك، فقيل: لأنه لا حمد فيه ولا ثناء، ولا ذكر لله. وقيل: لما فيه من الإشارة إلى بغض البنات لتخصيص البنين بالذكر. قال ابن المنير: الذي يظهر أنه - ﷺ - كره اللفظ لما فيه من موافقة الجاهلية؛ لأنهم كانوا يقولونه تفاؤلًا لا دعاءً. اهـ\nويستحبُّ أيضًا للنساء أن يَدعِين بهذا الدعاء للمرأة المتزوجة، وفي «الصحيحين» أنَّ النسوة قُلْن لعائشة عند زفافها: على الخير والبركة، وعلى خير طائر. (^١)\nفائدة: يُستحَبُّ للمتزوج إذا تزوج امرأة أن يأخذ بناصيتها، ويقول: «اللهم إني أسألك من خيرها، وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها، وشر ما جبلتها عليه» (^٢)، ثبت ذلك بإسناد حسن من طريق: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥١٥٦)، ومسلم برقم (١٤٢٢).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢١٦٠)، وابن ماجه (١٩١٨)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٢٤٠) (٢٦٣).","vol":"8","page":20},{"text":"٩٦٦ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁-، قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - التَّشَهُّدَ فِي الحَاجَةِ: «إنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4034>مسألة [١]: الخطبة قبل عقد النكاح</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٤٦٤): وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ الْعَاقِدُ، أَوْ غَيْرُهُ قَبْلَ التَّوَاجُبِ، ثُمَّ يَكُونَ الْعَقْدُ بَعْدَهُ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَحْمَدَ اللهَ تَعَالَى، وَيَتَشَهَّدَ، وَيُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ بِخُطْبَةِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ يعني التي رواها عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث الباب ... قَالَ الْخَلَّالُ: حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ إمَامُ طَرَسُوسَ، قَالَ: كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إذَا حَضَرَ عَقْدَ نِكَاحٍ لَمْ يُخْطَبْ فِيهِ بِخُطْبَةِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَامَ وَتَرَكَهُمْ. وَهَذَا كَانَ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِحْبَابِهَا، لَا عَلَى الْإِيجَابِ؛ فَإِنَّ حَرْبَ بْنَ إسْمَاعِيلَ قَالَ: قُلْت لِأَحْمَدَ: فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ خُطْبَةُ النِّكَاحِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ؟ فَوَسَّعَ فِي\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٣٩٢ - ٣٩٣)، وأبوداود (٢١١٨)، والنسائي (٣/ ١٠٤ - ١٠٥)، والترمذي (١١٠٥)، وابن ماجه (١٨٩٢)، والحاكم (٢/ ١٨٢ - ١٨٣)، وهو حديث صحيح، وقد صححه الإمام الوادعي والإمام الألباني رحمة الله عليهما.","vol":"8","page":21},{"text":"ذَلِكَ. انتهى المراد.\nوقال -﵀- (٩/ ٤٦٥): وَالْخُطْبَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلِمْنَاهُ، إلَّا دَاوُد؛ فَإِنَّهُ أَوْجَبَهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَلَنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - يَا رَسُولَ الله، زَوِّجْنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْه، وَلَمْ يَذْكُرْ خُطْبَةً. اهـ\nقال الترمذي -﵀- عقب الحديث (١١٠٥): وقد قال أهل العلم: إنَّ النكاح جائز بغير خطبة، وهو قول سفيان الثوري، وغيره من أهل العلم. اهـ\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥١٤٦): وقد شرطه بعض أهلُ الظاهر، وهو شاذٌّ. اهـ","vol":"8","page":22},{"text":"٩٦٧ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ المَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إلَى مَا يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\n٩٦٨ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ المُغِيرَةِ. (^٢)\n\n٩٦٩ - وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ. (^٣)\n_________\n(^١) حسن بذاته، صحيح بشواهده. أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٤، ٣٦٠)، وأبوداود (٢٠٨٢)، والحاكم (٢/ ١٦٥)، وأخرجه أيضًا الطحاوي (٣/ ١٤)، والبزار كما في «الوهم والإيهام» (٤/ ٤٢٨)، والبيهقي (٧/ ٨٤)، كلهم من طريق ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن واقد عن جابر به. وقد اختلف الرواة على ابن إسحاق في تسمية (واقد) فمنهم من يقول (واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ) وهذا ثقة، ومنهم من يقول (واقد بن عبدالرحمن بن سعد بن معاذ) وهذا مجهول. والأكثر رووه وسموه (ابن عمرو) فروايتهم أولى وأرجح. وابن إسحاق قد صرح بالتحديث عند أحمد (٣/ ٣٦٠) والحاكم، فالحديث حسن، وهو صحيح بشواهده التي بعده.\n(^٢) صحيح. أخرجه الترمذي (١٠٨٧)، والنسائي (٦/ ٩٧ - ٨٠)، وغيرهما من طرق عن عاصم الأحول عن بكر بن عبدالله المزني عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». وهذا الإسناد رجاله ثقات، وقد قال ابن معين: لم يسمع بكر من المغيرة، ولكن خالفه الدارقطني فأثبت سماعه منه كما في «العلل» (٧/ ١٣٩) فالإسناد صحيح.\n(^٣) إسناده ضعيف، والحديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (١٨٦٤)، وابن حبان (٤٠٤٢)، وغيرهما وقد وجد اختلاف في إسناده، ولعله بسبب الحجاج بن أرطاة فإن الاختلاف دائر عليه، وقد كان فيه ضعف، وهو مدلس ولم يصرح بالتحديث، وفي إسناده محمد بن سليمان بن أبي حثمة، وهو مجهول الحال. انظر «تحقيق المسند» (٢٥/ ٤١٠ - ٤١٢).\nولفظ حديث محمد بن مسلمة: «إذا ألقي في قلب امرئ خطبة لامرأة فلا بأس أن ينظر إليها». وهو حديث صحيح بشواهده التي قبله. وفي هذا الباب حديث أبي حميد: أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٤)، والطحاوي (٣/ ١٤)، والطبراني في «الأوسط» (٩١٥)، من طريق زهير بن معاوية ثنا عبدالله بن عيسى حدثني موسى بن عبدالله بن يزيد عن أبي حميد -﵁- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبتها وإن كانت لا تعلم». وإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين إلا موسى، وهو ثقة من رجال مسلم فقط.","vol":"8","page":23},{"text":"٩٧٠ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً: «أَنَظَرْتَ إلَيْهَا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «اذْهَبْ فَانْظُرْ إلَيْهَا». (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nالخِطْبة: بكسر الخاء المعجمة بعدها مهملة، ثم موحدة هي طلب نكاح المرأة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4035>مسألة [١]: حكم النظر إلى من أراد خطبتها</span>.\nعامة أهل العلم على مشروعية النظر إلى من أراد خطبتها؛ للأدلة الواردة في أحاديث الباب، ونقل ابن قدامة عدم الخلاف في مشروعية ذلك، والواقع أنه قد وجد خلاف، فقد نقل الطحاوي عن قوم أنه لا يجوز النظر إليها قبل العقد؛ لأنها ليست محرمًا له، وهذا قولٌ شاذ مردود، مخالف للأحاديث الواردة.\n• واختلفوا -أعني الجمهور- هل هو مستحب أم مباح؟\nوالأقرب إلى ظاهر الأحاديث هو الاستحباب، وقال الجمهور: له النظر إليها وإن لم تعلم. ويدل عليه حديث أبي حميد الذي ذكرناه في تخريج أحاديث الباب، وقال مالك في رواية: يشترط إذنها. والصحيح قول الجمهور؛ إلا أنه لا يفعل ذلك إلا بإذن وليها؛ حتى لا يتهم في دينه، وحتى لا يتذرع بذلك أصحاب الفساد. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٤٢٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤٨٩)، «الفتح» (٥١٢٦)، «البيان» (٩/ ١٢١ -)، «الإنصاف» (٨/ ١٧).","vol":"8","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4036>مسألة [٢]: ما هو الموضع الذي يجوز النظر إليه من المرأة المخطوبة</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه ينظر إلى الوجه والكفين فقط؛ وعلل بعضهم ذلك بأنهما ليسا بعورة، ولأنَّ في النظر إليهما يحصل المقصود؛ فإنَّ الوجه مجمع المحاسن، وباليد يعلم نعومة بدنها.\n• وذهب داود، والأوزاعي، وأحمد في رواية إلى أنه ينظر إلى جميع جسمها عدا العورة المغلظة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أباح النظر وأطلق؛ فجاز النظر إلى جميع المرأة.\nوهذا قولٌ ضعيفٌ.\n• وعن أحمد رواية إلى ما يظهر غالبًا من يد، أو قدم، أو نحو ذلك مع الوجه.\nوهذا اختيار الصنعاني، ورجحه الشيخ ابن عثيمين، وهو الراجح، واستقرب هذا القول الإمام الألباني -﵀- في «الصحيحة».\nقال ابن قدامة -﵀-: وَوَجْهُ جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا أَذِنَ فِي النَّظَرِ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمِهَا؛ عُلِمَ أَنَّهُ أَذِنَ فِي النَّظَرِ إلَى جَمِيعِ مَا يَظْهَرُ عَادَةً؛ إذْ لَا يُمْكِنُ إفْرَادُ الْوَجْهِ بِالنَّظَرِ مَعَ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِي الظُّهُورِ، وَلِأَنَّهُ يَظْهَرُ غَالِبًا؛ فَأُبِيحَ النَّظَرُ إلَيْهِ كَالْوَجْهِ. وَلِأَنَّهَا امْرَأَةٌ أُبِيحَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا بِأَمْرِ الشَّارِعِ، فَأُبِيحَ النَّظَرُ مِنْهَا إلَى ذَلِكَ، كَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ. وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ابْنَةَ عَلِيٍّ فَذَكَرَ مِنْهَا صِغَرًا، فَقَالُوا لَهُ: إنَّمَا رَدَّك فَعَاوِدْهُ. فَقَالَ: نُرْسِلُ بِهَا إلَيْك تَنْظُرُ إلَيْهَا فَرَضِيَهَا، فَكَشَفَ عَنْ","vol":"8","page":25},{"text":"سَاقِهَا. فَقَالَتْ: أَرْسِلْ، فَلَوْلَا أَنَّك أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ لَلَطَمْت عَيْنَك. اهـ\nوهذا الأثر عن عمر -﵁- لا يثبت؛ لأنَّ أبا جعفر لم يدرك عمر، وأبو جعفر هو محمد بن علي بن الحسين كما في مشايخ عمرو بن دينار من «تهذيب الكمال». (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٨٩ -) «الإنصاف» (٨/ ١٧) «الفتح» (٥١٢٦) «الصحيحة» (١/ ١٥٦ - ١٥٧) «أحكام النظر» (٣٩٢ -) «المحلى» (١٨٧٧).","vol":"8","page":26},{"text":"فَصْلٌ فِي بَعْضِ أَحْكَامِ النَّظَرِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4037>مسألة [١]: النظر إلى ذوات المحارم</span>.\n• من أهل العلم من قال: يجوز للمحرم أن ينظر من ذات محرمه إلى ما يظهر غالبًا، كالرقبة، والرأس، والكفين، والقدمين، ونحو ذلك، وليس له النظر إلى ما يستر غالبًا، كالصدر، والظهر، ونحوهما، وهذا هو الأشهر في مذهب الحنابلة، وهو وجهٌ للشافعية.\n• ومنهم من قال: يجوز له النظر إلى ما عدا ما بين السُّرَّة والركبة، وهو قول بعض الحنابلة، ووجهٌ للشافعية.\n• ومذهب أبي حنيفة: أنه ينظر إلى الوجه، والرأس، والساقين، والعضدين.\n• وعن أحمد رواية: ينظر إلى الوجه والكفين.\n• وقال ابن حزم: ينظر إلى جميع بدنها ما عدا العورة المغلظة.\n• ومنع الحسن، والشعبي، والضحَّاك من النظر إلى ذوات المحارم.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] الْآيَةَ، وَقَالَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ","vol":"8","page":27},{"text":"سُهَيْلٍ: يَا رَسُولَ الله، إنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا، كَانَ يَأْوِي مَعِي وَمَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَيَرَانِي فَضْلًا، وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ مَا عَلِمْت، فَكَيْفَ تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَرْضِعِيهِ فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ»، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ (^١)، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ مِنْهَا إلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا؛ فَإِنَّهَا قَالَتْ: (يَرَانِي فَضْلًا) وَمَعْنَاهُ فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ الَّتِي لَا تَسْتُرُ أَطْرَافَهَا. وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:\nفَجِئْت وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَا ... لَدَى السِّتْرِ إلَّا لُبْسَةَ الْمُتَفَضِّلِ\nوَمِثْلُ هَذَا يَظْهَرُ مِنْهُ الْأَطْرَافُ وَالشَّعْرُ؛ فَكَانَ يَرَاهَا كَذَلِكَ إذِ اعْتَقَدَتْهُ وَلَدًا، ثُمَّ دَلَّهُمْ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى مَا يَسْتَدِيمُونَ بِهِ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ وَيَفْعَلُونَهُ. وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي «مُسْنَدِهِ» (^٢) عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهَا ارْتَضَعَتْ مِنْ أَسْمَاءَ امْرَأَةِ الزُّبَيْرِ، قَالَتْ: فَكُنْت أَرَاهُ أَبًا، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا أَمْشُطُ رَأْسِي، فَيَأْخُذُ بِبَعْضِ قُرُونِ رَأْسِي، وَيَقُولُ: أَقْبِلي عَلَيَّ. وَلِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ هَذَا لَا يُمْكِنُ. فَأُبِيحَ كَالْوَجْهِ، وَمَا لَا يَظْهَرُ غَالِبًا لَا يُبَاحُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى نَظَرِهِ، وَلَا تُؤْمَنُ مَعَهُ الشَّهْوَةُ وَمُوَاقَعَةُ الْمَحْظُورِ؛ فَحُرِّمَ النَّظَرُ إلَيْهِ كَمَا تَحْتَ السُّرَّةِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الراجح هو القول الأول، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود برقم (٢٠٦١) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه الشافعي كما في «ترتيب المسند» (٢/ ٢٥) بإسناد حسن.\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ٤٩١ - ٤٩٣) «البيان» (٩/ ١٢٩ - ١٣٠) «المحلى» (١٨٧٨) «الإنصاف» (٨/ ١٩) «أحكام النظر» (ص ٣١٢ -) لابن القطان.","vol":"8","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4038>مسألة [٢]: ضابط ذات المحرم</span>.\nذات المحرم هي كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد، بنسبٍ، أو رضاعٍ، أو تحريم المصاهرة بسبب مباح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4039>مسألة [٣]: عبد المرأة هل له أن ينظر إلى سيدته، وماذا ينظر منها</span>؟\n• من أهل العلم من يقول: للعبد أن ينظر إلى الوجه، والكفين من سيدته، ولا ينظر إلى أكثر من ذلك. وهذا قول بعض الحنابلة، وهو مذهب الحنفية.\n• ومنهم من جعل حكمه كحكم ذوي المحارم، وهذا هو الصحيح عند الحنابلة، وهو قول بعض الشافعية، والمالكية.\n• ومنهم من قال: حكمه منها كحكم الأجنبي، وهو الأصح عند الشافعية، وقال به بعض الحنابلة.\n• وقال مالك: ينظر الغلام الوغد إلى شعر سيدته. وقال: يجوز للوغد أن يأكل مع سيدته، ولا يجوز ذلك لذي المنظرة.\nومعنى الوغد: الخفيف العقل، الأحمق، الضعيف.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: في هذه المسألة قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور:٣١]، وحديث أنس -﵁- في «سنن أبي داود» (٤١٠٦)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أتى فاطمة بعبد قد\n_________\n(^١) «المغني» (٩/ ٤٩٣).","vol":"8","page":29},{"text":"وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطَّت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما تلقى، قال: «إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك، وغلامك»، والحديث في «الصحيح المسند» لشيخنا -﵀-.\nوظاهر الآية والحديث أنَّ حكمه كحكم ذوي المحارم.\nوقد أوَّل بعضهم الآية بأنَّ المراد بذلك العبد الصغير، وبعضهم قال: المراد بذلك الإماء. وهذا خلاف الظاهر من الآية، وبالله التوفيق. (^١)\nتنبيه: إذا كان العبد مُبَعَّضًا، بعضه لهذه المرأة، وبعضه لغيرها، أو بعضه الآخر حرٌّ؛ فحكمه حكم الأجنبي، ولا يعد من محارمها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4040>مسألة [٤]: نظر الغلام إلى المرأة</span>.\n• أما إذا كان الغلام طفلًاصغيرًا لا يميز؛ فإنه يُمَكَّن من النظر إلى النساء، ولا يجب الاستتار منه في شيء، قاله ابن قدامة.\n• وأما إذا أصبح الصغير مميزًا: فإما أن يكون غير ذي شهوة، وإما أن يكون مراهقًا ذا شهوة؛ فإن كان من النوع الأول -أعني أنه ليس له شهوة- فمذهب الحنابلة أنه يجوز له النظر إلى ما فوق السُّرَّة، وتحت الركبة.\n• وعن أحمد رواية أنه كالمحرم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٩٤) «الإنصاف» (٨/ ٢٠) «البيان» (٩/ ١٣٠ -) «أحكام النظر» (ص ٢٠٥) مع الحاشية، و(ص ٣٤٥ -) «الفتاوى» (٢٢/ ١١١ - ١١٢).\n(^٢) انظر: «أحكام النظر» (ص ٢١٥، ٣٤٦)","vol":"8","page":30},{"text":"• وإن كان ممن راهق، أو كان مميزًا له شهوة، فقال جماعةٌ من أهل العلم حكمه كالبالغ الأجنبي، وهو مذهب المالكية، وبعض الشافعية، وأحمد في رواية.\n• ومنهم من جعله كذوي المحارم، وهو مذهب الحنابلة، وبعض الشافعية.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: دليل هذه المسألة قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١].\nقال الحافظ ابن كثير -﵀- في تفسير هذه الآية: يعني لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء، وعوراتهن من كلامهن الرَّخيم، وتعطُّفهن في المشية، وحركاتهن، وسكناتهن، فإذا كان الطفل صغيرًا لا يفهم ذلك؛ فلا بأس بدخوله على النساء، فأما إن كان مراهقًا، أو قريبًا منه بحيث يعرف ذلك ويدريه، ويفرق بين الشوهاء، والحسناء؛ فلا يُمَكَّن من الدخول على النساء، وقد ثبت في «الصحيحين» عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إياكم والدخول على النساء» قالوا: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت».\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الطفل الذي يميز إذا كان بدون شهوة؛ فحكمه حكم المحارم، والذي يميز، وهو ذو شهوة فحكمه حكم الأجنبي، ويظهر أنه في سن العاشرة في الغالب يصير ذا شهوة؛ ولذلك أمر النبي - ﷺ - بالتفريق بينهم","vol":"8","page":31},{"text":"بالمضاجع، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4041>مسألة [٥]: النظر إلى البنت الصغيرة</span>.\nإذا كانت البنت طفلة صغيرة لا تصلح للنكاح، وكانت ممن لا تُشْتَهَى؛ لصِغرِها، فيجوز النظر إليها، وإن كانت ممن تُشتهى؛ فحكمها حكم الكبيرة الأجنبية. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4042>مسألة [٦]: نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية</span>.\nقال ابن القطان -﵀- في «أحكام النظر» (ص ٣٢١): لا خفاء في تحريم النظر من الأجنبي إلى ما عدا وجهها، وكفيها، وقدميها، كالصدر، والبطن، والعنق، والشعر، وما فوق السُّرَّة، والظهر، هذه مواضع لا يجوز له النظر إلى شيء منها أصلًا، وهذا ما لا خلاف فيه. اهـ\n• واختلف أهل العلم في نظر الرجل إلى وجهها، وكفيها، وقدميها، فذهب أحمد -﵀- إلى أنه لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها، وهو وجهٌ للشافعية، وهو قول مالك.\nودليل هذا القول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]، واستدلوا بحديث أم سلمة مرفوعًا: «إذا كان لإحداكن مكاتب،\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (٩/ ١٢٨) «أحكام النظر» (ص ٢٣١) «المغني» (٩/ ٤٩٦) «الإنصاف» (٨/ ٢٢ -) «تفسير القرطبي» (١٢/ ٢٣٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٥٠١ - ٥٠٢) «الإنصاف» (٨/ ٢٣) «أحكام النظر» (ص ٣٢٠) «البيان» (٩/ ١٢٧).","vol":"8","page":32},{"text":"فملك ما يؤدي؛ فلتحتجب منه» (^١)، وحديثها قالت: كنت قاعدة أنا وحفصة، فاستأذن ابن أم مكتوم، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «احتجبن منه» رواه أبو داود (٤١١٢)، وغيره، وهما ضعيفان؛ لأنَّ في إسنادهما: نبهان مولى أم سلمة، وهو مجهول.\nواستُدِلَّ لهذا القول بحديث جابر في «صحيح مسلم» (١٢١٨) أنَّ الفضل جعل ينظر إلى امرأة في حجة الوداع، وتنظر إليه، وجعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر.\nواستدلوا بحديث جرير بن عبد الله -﵁- أنه سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن نظرة الفجأة؟ فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يصرف بصره، أخرجه مسلم (٢١٥٩)، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لعلي -﵁-: «لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنَّ لك الأولى، وليست لك الآخرة» أخرجه أبو داود (٢١٤٨)، وهو حديث حسن لغيره.\nوفي إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها دليل على التحريم عند عدم ذلك، وهذا القول يوافق ما فسَّره ابن مسعود -﵁- ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]: الظاهرة هي الثياب. (^٢)\n• وذهب جمعٌ من الفقهاء إلى جواز النظر إلى وجه المرأة الأجنبية، وكفيها، إذا لم يكن ذلك بشهوة، ولم يخف على نفسه من الفتنة، وهو قول الشافعي،\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» (١٤٣١).\n(^٢) أخرجه ابن جرير في تفسير الآية المذكورة بإسناد صحيح، وهو عند «ابن أبي شيبة» كذلك (٤/ ٢٨٣).","vol":"8","page":33},{"text":"والأوزاعي، وأبي ثور، وبعض المالكية، وأحمد في رواية، والحنفية، وللحنفية وجهٌ بزيادة القدمين.\nواستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس -﵄-: هو الوجه، والكفان. صحَّ ذلك عنه، وصحَّ أيضًا عن ابن عمر -﵄-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، و«تفسير ابن جرير».\nواستدلوا أيضًا بحديث: «يا أسماء، إنَّ المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا»، وأشار إلى وجهه وكفيه. وهو حديث ضعيفٌ، فقد أخرجه أبو داود (٤١٠٤)، والبيهقي (٧/ ٨٦)، من طريق: سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد بن دريك، عن عائشة -﵂-، فذكره.\nوإسناده ضعيف؛ لأنه منقطع، فخالد بن دريك لم يدرك عائشة، قاله أبو داود، وسعيد ابن بشير ضعيفٌ لا سيما في روايته عن قتادة، وقد خُولِف، فقد رواه هشام الدستوائي عن قتادة، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كما في «المراسيل» لأبي داود رقم (٤٢٤)، وهشام الدستوائي من أثبت الناس في قتادة؛ فالراجح أنه من مراسيل قتادة.\nوله شاهد من حديث أسماء بنت عميس، أخرجه البيهقي (٧/ ٨٦) من طريق: ابن لهيعة، عن عياض بن عبد الله أنه سمع إبراهيم بن عبيد بن رفاعة يخبر عن أبيه، أظنه عن أسماء بنت عميس، فذكره، وفيه: «إنه ليس للمرأة المسلمة أن","vol":"8","page":34},{"text":"يبدو منها إلَّا هذا، وهذا»، وأخذ بكفيه (^١)، فغطى بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفيه إلا أصابعه، ثم نصب كفيه على صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه. قال البيهقي: إسناده ضعيف.\nقلتُ: في إسناده عياض بن عبد الله، وهو الفهري، قال فيه أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال ابن معين: ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث. ووثقه ابن حبان، وفي إسناده أيضًا ابن لهيعة، وهو مشكوك في وصله؛ فالحديث لا يصلح للتقوية، والله أعلم.\nفقال أهل هذا القول: قد أُبيح للمرأة إظهار كفيها ووجهها؛ فدلَّ على أنه يجوز النظر إليهما.\nوأُجيب: بأنه لو سُلِّم بالإباحة فلا يلزم منه جواز النظر لما يحصل من الفتنة العظيمة، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بصرف البصر، بل قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠]، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما تركت بعدي فتنة أضرَّ على الرجال من النساء». (^٢)\nفالصواب في هذه المسألة أنه لا يجوز للرجل أن ينظر إلى شيء من بدن المرأة الأجنبية، وفي حديث عبد الله بن مسعود عند الترمذي مرفوعًا، وهو حديث\n_________\n(^١) كذا في «البيهقي»، والصواب (بكميه) كما في «الطبراني».\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٥٠٩٦)، ومسلم برقم (٢٧٤٠).","vol":"8","page":35},{"text":"صحيح: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان»، وهو ترجيح ابن القيم -﵀-، وشيخه شيخ الإسلام -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4043>مسألة [٧]: نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي</span>.\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز لها أن تنظر إلى الرجل الأجنبي، لا إلى العورة منه، ولا إلى غير العورة، من غير حاجة شرعية، وهذا قول بعض الحنابلة، والشافعية، وعزاه النووي للجمهور كما سيأتي في كلامه؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١].\nواستدلوا على ذلك أيضًا بحديث أم سلمة عند أبي داود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٨)، وغيرهما قالت: كُنْتُ قاعدة عِند النَّبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَعِنْدَهُ مَيْمُونَةُ، فَأَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرْنَا بِالْحِجَابِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «احْتَجِبَا مِنْهُ»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، أَلَيْسَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا وَلَا يَعْرِفُنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا، أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ؟!». وهو حديث ضعيفٌ، فيه: نبهان مولى أم سلمة، وهو مجهول.\n• وذهب بعضهم إلى أنها يجوز لها النظر إلى ما عدا العورة، وهذا قول بعض الحنابلة، والشافعية، وهو مذهب الحنفية، وهو قول بعض المالكية.\n• وقال بعضهم: يجوز لها النظر إلى ما يجوز للرجل أن ينظر من ذوات\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٩٨ -) «البيان» (٩/ ١٢٣) «النظر في أحكام النظر» لابن القطان (ص ٣٢١، ١٣٩، ١٤٢ - ١٤٤) «الفتاوى» (٢٢/ ١٠٩ -) (٢١/ ٢٥١) «الآداب الشرعية» (١/ ٢٨٠) «أعلام الموقعين» (٢/ ٧) (٣/ ١٥١).","vol":"8","page":36},{"text":"المحارم، وهو قول بعض المالكية، وهو رواية عن أحمد بقوله: يُباح لها النظر منه إلى ما يظهر غالبًا.\n• وعن أحمد رواية بكراهة النظر إلى وجهه، وبدنه، وقدمه، واختاره شيخ الإسلام كما في «الإنصاف».\nوفي مسألة نظر المرأة إلى الرجل أحاديث، فمنها: حديث عائشة -﵂- أنها كانت تنظر إلى الحبش يلعبون في المسجد. (^١)\nوقد أُجيب عنه: بأنها كانت صغيرة، وردَّ ذلك الحافظ في «الفتح» بأنَّ وفد الحبشة كان متأخرًا، وعائشة في السادسة عشرة من عمرها، وبوَّب البخاري في «صحيحه» [باب نظر المرأة إلى الحبش، ونحوهم من غير ريبة].\nومنها حديث فاطمة بنت قيس، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لها: «اعتدي في بيت ابن أم مكتوم؛ فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك، ولا يراك». (^٢)\nومنها حديث أنَّ الفضل كان ينظر إلى المرأة وتنظر إليه، فصرف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وجه الفضل، ولم ينه المرأة عن ذلك. (^٣)\nوقد استدل القائلون بالتحريم من حيث النظر بأنَّ المعنى المحرم للنظر هو خوف الفتنة، وهذا في المرأة أبلغ؛ فإنها أشد شهوة، وأقل عقلًا، فتسارع الفتنة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٩٤٩)، ومسلم برقم (٨٩٢) (١٧ -).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٤٨٠) من طرق كثيرة.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر -﵁-.","vol":"8","page":37},{"text":"إليها أكثر.\nواستدل القائلون بجواز النظر من حيث النظر بأنَّ النساء لو منعن النظر؛ لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء؛ لئلا ينظرن إليهم.\nوقد رجَّح النووي -﵀- القول بالمنع، وأجاب عن حديث عائشة بجوابين، قال: أقواهما أنه ليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم، وأبدانهم، وإنما نظرت إلى لعبهم وحرابهم، ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن، وإن وقع النظر بلا قصد صرفته في الحال. اهـ\nوقد أشار شيخ الإسلام -﵀- إلى اختيار هذا القول كما في «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٣٩٦).\nوالجواب الثاني: أنَّ ذلك قبل التحريم، وأنَّ عائشة كانت صغيرة، وقد تقدم ما فيه.\nوأجاب الصنعاني -﵀- بأنَّ الحديث يُستفاد منه جواز نظر المرأة إلى جملة الناس من دون تفصيل لأفرادهم كما تنظرهم إذا خرجت للصلاة في المسجد، وعند الملاقاة في الطرقات. «سبل السلام» [باب المساجد].\nوأجاب النووي عن حديث فاطمة بنت قيس:\nفقال -﵀- كما في شرح «صحيح مسلم» (١٠/ ٩٦): وَقَدْ اِحْتَجَّ بَعْض النَّاس بِهَذَا عَلَى جَوَاز نَظَر الْمَرْأَة إِلَى الْأَجْنَبِيّ بِخِلَافِ نَظَره إِلَيْهَا، وَهَذَا قَوْل ضَعِيف،","vol":"8","page":38},{"text":"بَلْ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْعُلَمَاء وَأَكْثَر الصَّحَابَة أَنَّهُ يَحْرُم عَلَى الْمَرْأَة النَّظَر إِلَى الْأَجْنَبِيّ كَمَا يَحْرُم عَلَيْهِ النَّظَر إِلَيْهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾، وَلِأَنَّ الْفِتْنَة مُشْتَرَكَة، وَكَمَا يَخَاف الِافْتِتَان بِهَا تَخَاف الِافْتِتَان بِهِ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ مِنْ السُّنَّة حَدِيث نَبْهَان مَوْلَى أُمّ سَلَمَة ...، فذكر الحديث المتقدم.\nقال: وَأَمَّا حَدِيث فَاطِمَة بِنْت قَيْس مَعَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم، فَلَيْسَ فِيهِ إِذْن لَهَا فِي النَّظَر إِلَيْهِ بَلْ فِيهِ أَنَّهَا تَأْمَن عِنْده مِنْ نَظَر غَيْرهَا وَهِيَ مَأْمُورَة بِغَضِّ بَصَرهَا فَيُمْكِنهَا الِاحْتِرَاز عَنْ النَّظَر بِلَا مَشَقَّة. اهـ\nوأما حديث الفضل فيُجاب عنه بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اكتفى بصرف وجه الفضل عن أن يصرف وجه المرأة أيضًا، وفعله ذلك يدل على أنه لا يجوز لكل واحد منهما النظر إلى الآخر، والله أعلم.\nتنبيه: نظر المرأة إلى عورة الرجل الأجنبي محرم بالإجماع، قاله ابن القطَّان. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4044>مسألة [٨]: عورة الرجل من الرجل، وعورة المرأة من المرأة</span>.\nعورة المرأة من المرأة كعورة الرجل من الرجل، وقد ذكرنا الخلاف في عورة الرجل في شروط الصلاة. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٠٦) «البيان» (٩/ ١٢٦) «شرح مسلم» (٦/ ١٨٤) (١٠/ ٩٦) «سبل السلام» (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤) «الإنصاف» (٨/ ٢٥) «النظر في أحكام النظر» (ص ٣٥٣ -).\n(^٢) انظر: «البيان» (٩/ ١٣٠) «المغني» (٩/ ٥٠٤ - ٥٠٥) «الإنصاف» (٨/ ٢٣ - ٢٤) «أحكام النظر» (٢٧١، ١٣١، ٢٨٦).","vol":"8","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4045>مسألة [٩]: نظر كل واحد من الزوجين إلى عورة الآخر</span>.\nيجوز لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه بلا خلاف.\n• ويجوز له عند عامتهم النظر إلى الفرج أيضًا؛ إلا أنه كرهه جماعةٌ من الحنابلة، والشافعية.\n• وقال بعض الشافعية: لا يجوز.\nوقد جاءت أدلة في تحريم ذلك لا يصح منها شيء، بل بعضها موضوع.\nوالصحيح أنه يجوز له النظر بلا كراهة، وهو قول المالكية، والحنفية، والأشهر عند الحنابلة، وبعض الشافعية؛ لحديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «احفظ عورتك إلا من زوجك، أو ما ملكت يمينك» أخرجه أبو داود (٤٠١٧) بإسناد حسن، وقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يغتسل هو والمرأة من نسائه من إناء واحد. (^١)\nتنبيه: ويجوز أيضًا للسيد أن ينظر إلى جميع بدن أمته، والعكس. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4046>مسألة [١٠]: إذا زوَّج السيد أمته</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٤٩٧): فَإِنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ؛ حَرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ، وَالنَّظَرُ مِنْهَا إلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ؛ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ رَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ؛ فَلَا يَنْظُرْ إلَى مَا\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٨/ ٣١ - ٣٢) «البيان» (٩/ ١٣١) «المغني» (٩/ ٤٩٦ -) «أحكام النظر» (ص ٣٠٢).\n(^٢) انظر المصادر السابقة.","vol":"8","page":40},{"text":"دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ؛ فَإِنَّهُ عَوْرَةٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^١)، وَمَفْهُومُهُ إبَاحَةُ النَّظَرِ إلَى مَا عَدَاهُ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فَلَا شَكَّ فِيهِ وَلَا اخْتِلَافَ؛ فَإِنَّهَا قَدْ صَارَتْ مُبَاحَةً لِلزَّوْجِ، وَلَا تَحِلُّ الْمَرْأَةُ لِرَجُلَيْنِ؛ فَإِنْ وَطِئَهَا، لَزِمَهُ الْإِثْمُ وَالتَّعْزِيرُ، وَإِنْ وَلَدَتْ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لِغَيْرِهِ، فَلَمْ يَلْحَقْهُ وَلَدُهَا، كَالْأَجْنَبِيَّةِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4047>مسألة [١١]: النظر إلى العجوز</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٥٠٠): وَالْعَجُوزُ الَّتِي لَا يُشْتَهَى مِثْلُهَا، لَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلَى مَا يَظْهَرُ مِنْهَا غَالِبًا؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠].اهـ\nقال الحافظ ابن كثير -﵀- في تفسير هذه الآية: وقوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال سعيد ابن جُبَيْر، ومُقَاتل بن حَيَّان، وقتادة، والضحاك: هن اللواتي انقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾، أي: لم يبق لهن تَشوُّف إلى التزويج، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾.\nأي: ليس عليها من الحرج في التستر كما على غيرها من النساء. قال ابن مسعود: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال: الجلباب،\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في [كتاب الصلاة].","vol":"8","page":41},{"text":"أو الرداء. (^١)\nوكذا رُوي عن ابن عباس (^٢)، وابن عمر (^٣)، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، وإبراهيم النَّخَعِيّ، والحسن، وقتادة، والزهري، والأوزاعي، وغيرهم.\nوقال أبو صالح: تضع الجلباب، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ يقول: لا يتبرجن بوضع الجلباب، أن يرى ما عليها من الزينة.\nوقوله: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور:٦٠]، أي: وترك وضعهن لثيابهن، وإن كان جائزًا خير، وأفضل لهن ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٦٠].اهـ\nقلتُ: وأضاف بعضهم جواز وضع الخمار، ورجَّحه ابن القطان. (^٤)\nتنبيه: ألحق بعض الفقهاء بالقواعد من النساء الشَّوهاء التي لا تُشْتَهَى. وهذا القول ليس عليه دليل، والله ﷿ قال: ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾، والشوهاء ليست كذلك، ولعل الشوهاء يُفتن بها بعض الناس، وكما قيل: لكل ساقطة لاقطة. وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير في تفسير الآية المذكورة بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٤١) بإسنادين أحدهما صحيح، والآخر ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٤١) بإسناد فيه: ابن لهيعة.\n(^٤) انظر: «تفسير ابن جرير» و«تفسير ابن كثير» «أحكام النظر» (ص ٢٤٨ - ٢٥١).","vol":"8","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4048>مسألة [١٢]: هل تظهر المرأة زينتها للنساء الكافرات</span>؟\nيقول الله ﷿ في كتابه الكريم: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] الآية.\nفنهى الله ﷿ المؤمنة عن إبداء الزينة، واستثنى (زينةً)، فأجاز إظهارها للأجانب، وأباح لها إظهار الزينة لمن ذكر في الآية.\nفدلَّ ذلك على أنَّ الزينة الأولى -وهي الظاهرة- غير الزينة الثانية وهي الباطنة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٠٩ -): والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين، فقال ابن مسعود ومن وافقه: هي الثياب. وقال ابن عباس ومن وافقه: هي في الوجه واليدين، مثل الكحل والخاتم. (^١) وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء في النظر إلى المرأة الأجنبية، فقيل: يجوز النظر لغير شهوة إلى وجهها ويديها. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي،\n_________\n(^١) تقدم تخريج الأثرين قريبًا.","vol":"8","page":43},{"text":"وقول في مذهب أحمد. وقيل: لا يجوز. وهو ظاهر مذهب أحمد؛ فإن كل شيء منها عورة حتى ظفرها، وهو قول مالك. وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة، وزينة غير ظاهرة، وجوَّز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج، وذوي المحارم، وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب، كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها؛ لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل الله عزوجل آية الحجاب بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] حجب النساء عن الرجال، وكان ذلك لما تزوج زينب بنت جحش، فأرخى الستر، ومنع النساء أن ينظرن، ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر، قالوا: إنْ حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه. فحجبها.\nمتفق عليه، فلما أمر الله أن لا يسألن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه، وبناته، ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب هو الملاءة، وهو الذى يسميه ابن مسعود وغيره الرداء، وتسميه العامة الإزار، وهو الإزار الكبير الذى يغطي رأسها وسائر بدنها وقد حكى أبوعبيد وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، ومن جنسه النقاب، فكن النساء ينتقبن، وفى «الصحيح» أنَّ المحرمة لا تنتقب، ولا تلبس القفازين، فإذا كُنَّ مأمورات بالجلباب؛ لئلا يُعْرَفن، وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب؛ كان الوجه واليدان من الزينة التى أمرت ألا تظهرها للأجانب، فما بقي يحل للأجانب النظر؛","vol":"8","page":44},{"text":"إلا إلى الثياب الظاهرة، فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين.\nثم قال -﵀-: وقوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ احتراز عن النساء المشركات، فلا تكون المشركة قابلة للمسلمة، ولا تدخل معهن الحمام، لكن قد كُن النسوة اليهوديات يدخلن على عائشة وغيرها، فيرين وجهها ويديها، بخلاف الرجال؛ فيكون هذا في الزينة الظاهرة في حق النساء الذِّمِيَّات، وليس للذميات أن يطلعن على الزينة الباطنة، ويكون الظهور والبطون بحسب ما يجوز لها إظهاره، ولهذا كان أقاربها تبدي لهن الباطنة، وللزوج خاصة ليست للأقارب. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4049>مسألة [١٣]: نظر الرجل الذي لا شهوة له إلى النساء</span>.\nقال الله عزوجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور:٣١].\nقال الحافظ ابن كثير -﵀- في تفسيرها: يعني كالأُجراء، والأتباع الذين ليسوا بأكفاء، وهم مع ذلك في عقولهم وَلَهٌ وخَوَث، ولا همَّ لهم إلى النساء، ولا يشتهونهن. قال ابن عباس: هو المغفل الذي لا شهوة له. (^٢) وقال مجاهد: هو الأبله. وقال عكرمة: هو المخنَّث الذي لا يقوم إربه. وكذلك قال غير واحدٍ من السلف. اهـ (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «تفسير ابن كثير» و«تفسير ابن جرير» «أحكام النظر» (ص ٢٣٣ -).\n(^٢) أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم في تفسير الآية المذكورة، وفيه انقطاع بين علي بن أبي طلحة، وابن عباس، وفيه: عبدالله بن صالح كاتب الليث، وفيه ضعف.\n(^٣) وانظر: «النظر في أحكام النظر» (ص ٢٢٩ - ٢٣٠).","vol":"8","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4050>مسألة [١٤]: نظر الرجل إلى الأمرد</span>.\nذكر شيخ الإسلام -﵀- أنَّ النظر إلى الأمرد على ثلاثة أقسام:\nالأول: ما يقرن به الشهوة؛ فهو حرام بالاتفاق.\nالثاني: ما يجزم أنه لا شهوة معه، كنظر الرجل الورع إلى ابنه الحسن، وابنته الحسنة، وأمه، فهذا لا يقرن به شهوة؛ إلا أن يكون الرجل من أفجر الناس، ومتى اقترنت به الشهوة حرم.\nالثالث: النظر إليه من غير شهوة، لكن مع خوف ثورانها، قال: فيه وجهان في مذهب أحمد، أصحهما وهو المحكي عن نص الشافعي أنه لا يجوز. والثاني: يجوز؛ لأنَّ الأصل عدم ثورانها، فلا يحرم بالشك، بل قد يكره.\nقال -﵀-: والأول هو الراجح، والأصل أنَّ كل ما كان سببًا للفتنة لا يجوز؛ فإنَّ الذريعة إلى الفساد يجب سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة. اهـ (^١)\nتنبيه وفائدة: أحسن كتاب مؤلف في مسائل النظر هو كتاب ابن القطان «النظر في أحكام النظر بحاسة البصر» فجزى الله مؤلفه خيرًا، ومن أحب أن يتوسع في فروع هذه المسائل فليراجع الكتاب المذكور، وغيره من كتب أهل العلم، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) انظر: «الفتاوى» (٢١/ ٢٥٠ - ٢٥١) «أحكام النظر» (ص ٢٧٢ -).","vol":"8","page":46},{"text":"٩٧١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَخْطُبْ بَعْضُكُم عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الخَاطِبُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4051>مسألة [١]: الخِطبة على خطبة الأخ المسلم</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ في ذلك ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: أن تسكن إلى الخاطب لها، فتجيبه، أو تأذن لوليها في إجابته، وتزويجه، فهذا يحرم على غير خاطبها خطبتها؛ لحديث ابن عمر -﵄- المذكور في الباب، وجاء بنحوه عن أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^٢)، وعن عقبة بن عامر -﵁- في «صحيح مسلم» (١٤١٤).\nقال ابن قدامة -﵀-: ولا نعلم في هذا خلافًا بين أهل العلم؛ إلا أنَّ قومًا حملوا النهي على الكراهة، والظاهر أولى. اهـ\nالحالة الثانية: أن ترده، ولا تركن إليه، فهذه يجوز خطبتها عند كثير من أهل العلم، ويستدلون على ذلك بحديث فاطمة بنت قيس أنها أتت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فذكرت أنَّ معاوية، وأبا جهم خطباها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أما معاوية فصعلوك لا مال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٤٢)، ومسلم (١٤١٢).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٥١٤٤)، ومسلم برقم (١٤١٣).","vol":"8","page":47},{"text":"له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، انكحي أسامة» أخرجه مسلم (١٤٨٠)، فخطبها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعد إخبارها إياه بخطبة معاوية، وأبي جهم لها.\nقالوا: وفي تحريم خطبتها على هذا الوجه إضرار بها؛ فإنه لا يشاء أحد أن يمنع المرأة النكاح إلا منعها بخطبته إياها.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: أما إذا رُدَّ؛ فلا إشكال، وأما كونها لم تركن إليه، ومثله إذا لم يُعلم هل قُبِل أم رُدَّ؟ فلا يجوز الخطبة على خطبته؛ لظاهر الأحاديث.\nوأما حديث فاطمة بنت قيس، فقال الحافظ: وأشار النووي وغيره إلى أنه لا حجة فيه؛ لاحتمال أن يكونا خطبا معًا، أو لم يعلم الثاني بخطبة الأول، والنبي - ﷺ - أشار بأسامة، ولم يخطب، وعلى تقدير أن يكون خطب، فكأنه لما ذكر لها ما في معاوية، وأبي جهم ظهر منها الرغبة عنهما، فخطبها لأسامة. اهـ\nوممن نصَّ على أنه لا يجوز الخطبة إذا لم يحصل الرد مع عدم الركون أبو محمد بن حزم، والشوكاني، ثم الإمام ابن عثيمين ﵏.\nقال الشوكاني -﵀-: فوقوع الخطبة مُقْتَضٍ لتحريم خطبة الآخر إلى هذه الغاية -حتى يترك الخاطب أو يأذن له- وبمجرد وقوع الخطبة الأولى يحصل التحريم، سواء علم الآخر بالرضى من المرأة أم لم يعلم، لكن إذا انتهى الحال إلى عدم وقوع الرضى منها، فتلك الخطبة كأنها لم تكن؛ لعروض مانع من ثبوتها، وهو عدم الرضى.","vol":"8","page":48},{"text":"قال: ولا منافاة بين الأحاديث القاضية بتحريم الخطبة وبين ما وقع منه - ﷺ - من المشورة على فاطمة بنت قيس بأن تنكح أسامة بن زيد بعد أن خطبها أبو جهم ومعاوية؛ لأنه - ﷺ - لم يخطبها لأسامة، بل أشار عليها به بعد أن استشارته، وَبَيَّن لها أن معاوية صعلوك وأبا جهم لا يضع عصاه عن عاتقه، وأنه ضَرَّاب للنساء، والأمر اليها في ذلك.\nوفي رواية في «صحيح مسلم» (^١) وغيره: أن أسامة قد كان خطبها معهما وأن الثلاثة خطبوها، فأشار عليها النبي - ﷺ - به، وهذا يوضح لك عدم الاختلاف بين هذا الحديث، وأحاديث تحريم الخطبة على الخطبة. اهـ\nالحالة الثالثة: أن يوجد من المرأة ما يدل على الرضى، والسكون تعريضًا لا تصريحًا.\n• فظاهر مذهب أحمد وأصحابه أنه لا يجوز خطبتها، وهو قول بعض الشافعية.\n• وذهب بعض الحنابلة، والشافعية إلى جواز ذلك، وهو مذهب المالكية، والحنفية.\nوالصحيح هو القول الأول؛ لظاهر الأحاديث، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظرها في «مسلم» (١٤٨٠) (٤٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٥٦٧ - ٥٦٨) «الفتح» (٥١٤٢) «المحلى» (١٨٨٤) «السيل» (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦) «الإنصاف» (٨/ ٣٥ - ٣٦).","vol":"8","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4052>مسألة [٢]: إذا خطب إنسان على خطبة أخيه، ثم حصل بعد ذلك زواج، فهل يصح الزواج</span>؟\n• جمهور العلماء على أنه يأثم على صنيعه، وأما زواجه فصحيح؛ لأنَّ التحريم إنما هو للخطبة لا للزواج.\n• ومذهب الظاهرية عدم صحة الزواج، وهو رواية عن أحمد، ورواية عن مالك. وعن مالك رواية: أنه يفسخ قبل الدخول لا بعده. والصحيح قول الجمهور. (^١)\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٥٧١): لا يُكره للولي الرجوع عن الإجابة إذا رأى المصلحة لها في ذلك. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4053>مسألة [٣]: الخطبة على خطبة الذِّمِّي والكافر</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ التحريم المذكور خاصٌّ بالخطبة على المؤمن، وأما الخطبة على خطبة الكافر؛ فجائزة.\nواستدلوا على ذلك بقوله: «على خطبة أخيه»، وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث عقبة بن عامر -﵁- في «صحيح مسلم» (١٤١٤) «المؤمن أخو المؤمن؛ فلا يحل لمؤمن أن يخطب على خطبة أخيه».\nوهذا القول قال به أحمد، والأوزاعي، وجماعةٌ من الشافعية، وابن المنذر،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٧٠) «الفتح» (٥١٤٢) «البداية» (٤/ ٣٨) «توضيح الأحكام» (٥/ ٢٥٣).","vol":"8","page":50},{"text":"والخطابي، واستظهره الشوكاني.\n• وذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز أن يخطب على خطبة الذمي، وأنَّ الحديث خرج مخرج الغالب.\nورجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-، فقال: وهذا القول أصح، أنه لا يجوز أن يخطب على خطبة غير المسلم إذا لم يكن حربيًّا؛ فإن كان حربيًّا فليس له حق؛ فإن كان معاهدًا، أو مستأمنًا، أو ذميًّا فله حق، ويمتنع ذلك في حقه؛ لأنه من باب حقوق العقد للعاقد، كما أننا لو خطبنا على خطبة غير المسلم؛ فإنَّ هذا فيه مضرة على الإسلام؛ لأنَّ غير المسلمين حينئذٍ يتصورون الإسلام دينًا وحشيًّا، ودين اعتداء على الغير، وعدم احترام الحقوق، فما دام هذا الرجل خطبها، وهو كفءٌ لها في دينها؛ فلا يجوز أن نعتدي عليه. اهـ\nقلتُ: وظاهر الأدلة تؤيد القول الأول، والله أعلم بالصواب. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٧١) «الفتح» (٥١٤٢) «النيل» (٢٦٣٤).","vol":"8","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4054>بَعْضُ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4055>مسألة [١]: خطبة المعتدة</span>.\nقال القرطبي -﵀- في «تفسيره» (٣/ ١٨٨): قال ابن عطية: أجمعت الأمة على أنَّ الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزوجها، وتنبيه عليه لا يجوز. اهـ\nقلتُ: أما قوله (وتنبيه) يشمل التعريض، وفيه تفصيلٌ يأتي ذِكْرُه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4056>مسألة [٢]: التعريض بالخِطبة للمعتدة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀-: التَّعْرِيضُ أَنْ يَقُولَ: إنِّي فِي مِثْلِك لَرَاغِبٌ. وَرُبَّ رَاغِبٍ فِيك. وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: التَّعْرِيضُ أَنْ يَقُولَ: إنَّك عَلَيَّ لَكَرِيمَةٌ. وَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ. وَإِنَّ اللهَ لَسَائِقٌ إلَيْك خَيْرًا، أَوْ رِزْقًا. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَنْتِ جَمِيلَةٌ. وَأَنْتِ مَرْغُوبٌ فِيك. وَإِنْ قَالَ: لَا تَسْبِقِينَا بِنَفْسِك. أَوْ لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِك. أَوْ إذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي. وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ جَازَ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: مشروعية التعريض للمعتدة إنما هو في عدة الوفاة، أو المطلقة البائن، وأما المطلقة الرجعية؛ فلا يشرع في حقها التعريض؛ لأنها لا تزال زوجة للغير. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (١٥٢٤).","vol":"8","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4057>مسألة [٣]: إذا خطبها في عدتها، أو عرَّض حيث لا يجوز له، ثم نكحها بعد العدة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٥٧٤): فَإِنْ صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ، أَوْ عَرَّضَ فِي مَوْضِعٍ يَحْرُمُ التَّعْرِيضُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ حِلِّهَا؛ صَحَّ نِكَاحُهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُطَلِّقُهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا. وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُحَرَّمَ لَمْ يُقَارِنْ الْعَقْدَ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ، كَمَا فِي النِّكَاحِ الثَّانِي، أَوْ كَمَا لَوْ رَآهَا مُتَجَرِّدَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا. اهـ","vol":"8","page":53},{"text":"٩٧٢ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ -﵁- قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ جِئْت أَهَبُ لَك نَفْسِي، فَنَظَرَ إلَيْهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ المَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنْ لَمْ تَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، قَالَ: «فَهَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ؟» فَقَالَ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «اذْهَبْ إلَى أَهْلِك، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟» فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَجَدْت شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «انْظُرْ، وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إزَارِي قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِك؟ إنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ». فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّى إذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: «مَاذَا مَعَك مِنَ القُرْآنِ؟» قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا فَقَالَ: «تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِك؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «اذْهَبْ؛ فَقَدْ مَلَّكْتُكهَا بِمَا مَعَك مِنَ القُرْآنِ».\nمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ القُرْآنِ». (^٢)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَك مِنَ القُرْآنِ». (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٣٠) (٥٠٨٧)، ومسلم (١٤٢٥) (٧٦). واللفظ لهما، وليس لمسلم فقط.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٤٢٥) (٧٧).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٥١٢١). لكن بلفظ: «أملكناكها».","vol":"8","page":54},{"text":"٩٧٣ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: «مَا تَحْفَظُ؟» قَالَ: سُورَةَ البَقَرَةِ، وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَ: «قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً». (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4058>مسألة [١]: أركان العقد</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ العقد أعني عقد النكاح لا ينعقد إلا بالإيجاب والقبول؛ لأنَّ ماهية العقد مركبة منهما. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4059>مسألة [٢]: هل للإيجاب صيغة معينة</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ العقد لا ينعقد إلا بلفظ النكاح، أو التزويج، وهذان اللفظان مُجمع على انعقاد النكاح بهما؛ لأنَّ هذين اللفظين هما اللذان وردا في القرآن ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:٢٢]، وهذا قول جماعة من التابعين، منهم سعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري، وقال به ربيعة، والشافعي، وأحمد، وابن حزم وآخرون.\n• وذهب جماعةٌ آخرون من أهل العلم إلى أنَّ النكاح ينعقد بكل لفظ يدل عليه، ويعده الناس نكاحًا، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، وقال به\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٢١١٢)، وفي إسناده عِسْل بن سفيان وهو ضعيف، وقد خالف الثقات في ألفاظ الحديث، فروايته ضعيفة منكرة.\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤٥٩) «المقنع» (٣/ ١٠) مع حاشية سليمان آل الشيخ.","vol":"8","page":55},{"text":"الثوري، وداود، وأبو عبيد، وعزاه ابن القيم للجمهور، ورجحه شيخ الإسلام، وابن القيم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «الإنصاف» (٨/ ٤٣): الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ لَفْظِ (الْإِنْكَاحِ)، وَ(التَّزْوِيجِ).\nقَالَ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ -﵀- وَقِيَاسُ مَذْهَبِهِ وَعَلَيْهِ قُدَمَاءُ أَصْحَابِهِ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ -﵀- نَصَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: (جَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك)، وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ إنْكَاحٌ وَلَا تَزْوِيجٌ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ -﵀- أَنَّهُ خَصَّهُ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ. وَأَوَّلُ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ -﵀- فِيمَا عَلِمْت أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِلَفْظِ (الْإِنْكَاحِ) وَ(التَّزْوِيجِ) ابْنُ حَامِدٍ. وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ؛ لِسَبَبِ انْتِشَارِ كُتُبِهِ، وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ. اهـ\nوقد استدل أصحاب هذا القول بحديث الباب، فقد جاء بلفظ: «أملكناكها»، وبلفظ: «ملكتكها».\nوقد ردَّ أصحاب القول الأول على ذلك بأنَّ أكثر طرق الحديث بلفظ التزويج، فأعلُّوا الألفاظ الأخرى.\nويُجاب عن ذلك بأنها ثابتة في «الصحيحين»، ولا معارضة بينهما حتى يرجح أحدهما على الأخرى.\nوالعبرة بالعقود بالمعاني التي تدل على الإيجاب والقبول، وليس العبرة","vol":"8","page":56},{"text":"بمجرد اللفظ، فالقول الثاني هو الصواب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\nتنبيه: وكذلك القبول ينعقد بكل لفظ يدل عليه أيضًا على الصحيح، وهو قول الجمهور كما في المصارد السابقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4060>مسألة [٣]: إذا قال الخاطب للولي: أزوجت؟ قال: نعم، أقبلت؟ فقال الخاطب: نعم</span>؟\n• ينعقد النكاح عند الجمهور، وهو مذهب الحنابلة أيضًا، وقال الشافعي: لا ينعقد حتى يقول معه: زوجتك ابنتي. ويقول الزوج: قبلت هذا التزويج.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لأنَّ العبرة بالمعنى، وقد دلَّ اللفظ المذكور على الإيجاب والقبول، وقال بعض الحنابلة: السؤال يكون مضمرًا في الجواب، مُعادًا فيه، فيكون معنى (نعم) من الولي: (زوجته ابنتي)، ومعنى (نعم) من المتزوج: (قبلت هذا التزويج)، ولا احتمال فيه؛ فيجب أن ينعقد به. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4061>مسألة [٤]: لو قال: زوجتك ابنتي. فقال: قبلت</span>؟\n• يصح النكاح عند أكثر أهل العلم.\n• وعن الشافعي قولٌ: لا يصح حتى يقول: قبلت هذا التزويج. وقوله الثاني كقول الجمهور، وهو الصواب. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٦٠) «الإنصاف» (٨/ ٤٣) «أعلام الموقعين» (١/ ٢٩١ - ٢٩٢) (٢/ ٤ - ٥) «الفتح» (٥١٤٩) «البداية» (٣/ ٢٥ -) «توضيح الأحكام» (٥/ ٢٥٧) «البيان» (٩/ ٢٣٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤٥٩) «الإنصاف» (٨/ ٤٦ - ٤٧) «البيان» (٩/ ٢٣٤).\n(^٣) انظر: «البيان» (٩/ ٢٣٤) «المغني» (٩/ ٤٥٩ -).","vol":"8","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4062>مسألة [٥]: إذا قال الخاطب: زوجني ابنتك. فقال الولي: زوجتك</span>؟\nوكذا لو قال: تَزوجت ابنتك. فيقول: زوجتك.\n• فمذهب الحنابلة عدم صحة ذلك؛ لأنَّ القبول إنما يكون للإيجاب، فمتى وجد قبله لم يكن قبولًا؛ لعدم معناه.\n• ومذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة صحة ذلك، واستدلوا عليه بقصة الواهبة الذي في الباب، وقد بوَّب عليه البخاري [باب إذا قال الخاطب للولي: زوجني فلانة. فقال: قد زوجتك بكذا وكذا. جاز النكاح، وإن لم يقل للزوج: أرضيت أو قبلت].اهـ\nوهذا القول هو الصحيح، والأحوط إعادة القبول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4063>مسألة [٦]: هل ينعقد النكاح بغير العربية لمن يقدر على العربية</span>؟\n• الأشهر في مذهب الحنابلة عدم صحة العقد بغير العربية لمن يحسنها، وهو الأشهر عند الشافعية أيضًا.\n• والقول الثاني هو الصحة، وهو قول جماعة من الحنابلة، منهم: ابن قدامة، وصاحب «الشرح الكبير» وهو قول بعض الشافعية، وهو مقتضى قول الجمهور، ورجحه شيخ الإسلام، وابن القيم، وهو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٦٢) «الإنصاف» (٨/ ٤٨) «البيان» (٩/ ٢٣٤ - ٢٣٥) «الفتح» (٥١٤١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤٦١) «البيان» (٩/ ٢٣٥) «أعلام الموقعين» (٢/ ٤) «الإنصاف» (٨/ ٤٥).","vol":"8","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4064>مسألة [٧]: إذا تراخى القبول عن الإيجاب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٤٦٣): إِذَا تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ؛ صَحَّ، مَا دَامَا فِي المَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا عَنْهُ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ المَجْلِسِ حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِيهِ، وَثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي عُقُودِ المُعَاوَضَاتِ؛ فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبُولِ، بَطَلَ الْإِيجَابُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ مَعْنَاهُ؛ فَإِنَّ الْإِعْرَاضَ قَدْ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهِ بِالتَّفَرُّقِ، فَلَا يَكُونُ قَبُولًا. وَكَذَلِكَ إنْ تَشَاغَلَا عَنْهُ بِمَا يَقْطَعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُعْرِضٌ عَنْ الْعَقْدِ أَيْضًا بِالِاشْتِغَالِ عَنْ قَبُولِهِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4065>مسألة [٨]: هل في عقد النكاح خيار</span>؟\nقال أبو محمد ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٤٦٤): وَلَا يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ خِيَارٌ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَاجَةَ غَيْرُ دَاعِيَةٍ إلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْغَالِبِ إلَّا بَعْدَ تَرَوٍّ، وَفِكْرٍ، وَمَسْأَلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَنْ صَاحِبِهِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِحَالِهِ. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٩/ ٢٣٦) «الإنصاف» (٨/ ٤٨).\n(^٢) وانظر: «البيان» (٩/ ٢٣٧).","vol":"8","page":59},{"text":"٩٧٤ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4066>مسألة [١]: إعلان النكاح</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- (٩/ ٤٦٧): ويُستحبُّ إعلان النكاح، والضرب فيه بالدف. قال أحمد: يُستحبُّ أن يظهر النكاح، ويضرب فيه بالدف حتى يشتهر، ويُعرف ... اهـ\nوقد اشترط بعضهم لصحة النكاح إعلانه، وهو قول مالك، وبعض الحنابلة، ومذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة عدم اشتراط ذلك، وإنما يُكره عندهم كتمانه، وهذا أظهر، والحديث المذكور لا يفيد الشرطية، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: ضرب الدف خاصٌّ بالنساء إذا وجد فرح، أو سرور، كالنكاح، والعيد، وما أشبهها، وأما الرجال؛ فيحرم عليهم استعماله؛ لأنه تشبه بالنساء، ولأنَّ الرخصة جاءت فيه للنساء فقط. (^٣)\n_________\n(^١) حسن لغيره. أخرجه أحمد (٤/ ٥)، والحاكم (٢/ ١٨٣)، وفي إسناده عبدالله بن الأسود القرشي، انفرد بالرواية عنه عبدالله بن وهب، وقال أبوحاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في «الثقات».\nوله شاهد من حديث محمد بن حاطب: أخرجه أحمد (٣/ ٤١٨)، والترمذي (١٠٨٨)، والنسائي (٦/ ١٢٧)، وابن ماجه (١٨٩٦)، بإسناد حسن مرفوعًا بلفظ: «فصل ما بين الحلال والحرام الدف، والصوت في النكاح». فالحديث حسن بهذا الشاهد، والله أعلم.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٩/ ٤٦٩).\n(^٣) وانظر: «المغني» (١٤/ ١٥٩).","vol":"8","page":60},{"text":"٩٧٥ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ المَدِينِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ. وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ. (^١)\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٣٩٤)، وأبوداود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٧٩)، وابن حبان (٤٠٨٣)، ولم يخرجه النسائي -﵀-.\nوالحديث مداره على أبي إسحاق السبيعي. فرواه عنه إسرائيل، عن أبي بردة، عن أبي موسى به موصولًا.\nوتابعه على ذلك جماعة وهم: يونس بن أبي إسحاق وعيسى بن يونس وأبوعوانة وشريك النخعي وزهير بن معاوية. قال الحافظ في «النكت»: وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق.\nوقد رواه شعبة وسفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة مرسلًا.\nوقد رجح أكثر الحفاظ الرواية الموصولة مع أن شعبة وسفيان أحفظ من كل من رواه موصولًا إلا أن إسرائيل كان له خاصية في جده أبي إسحاق حتى قال عبدالرحمن بن مهدي وقد قيل له: إن شعبة وسفيان يوقفانه على أبي بردة، فقال: إسرائيل عن أبي إسحاق أحب إليَّ من سفيان وشعبة. ونقل البيهقي عن حجاج بن منهال قوله: قلنا لشعبة: حدثنا أحاديث أبي إسحاق، قال: سلوا عنها إسرائيل؛ فإنه أثبت فيها مني. وقد صحح رواية إسرائيل علي بن المديني والبخاري والذهلي والترمذي.\nوقد ذكر الترمذي أن شعبة وسفيان أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد.\n\nفقال: حدثنا محمود بن غيلان ثنا أبوداود ثنا شعبة قال سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق أسمعت أبا بردة -﵁- يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا نكاح إلا بولي»؟ فقال: نعم.\nقال الحافظ في «النكت»: فشعبة وسفيان إنما أخذاه معًا في مجلس واحد. وتوسع الحاكم في ذكر طرق الحديث، وقد رجح المرسل الطحاوي في «معاني الآثار» (٣/ ٨ - ٩) وأشار إليه ابن عدي (٥/ ١٩٥٨) والذي يظهر أن قول أكثر الحفاظ مقدم، ويشهد له الحديث الذي سيأتي عن عائشة -﵂-. وانظر: «تحقيق المسند» (٣٢/ ٢٨٠ - ٢٨٣)، و«النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧).","vol":"8","page":61},{"text":"٩٧٦ - وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ مَرْفُوعًا: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ (^١)». (^٢)\n_________\n(^١) هذا الحديث ليس موجودًا في المخطوطتين، وهو زيادة من المطبوع.\n(^٢) لم يخرجه أحمد من حديث عمران بن حصين، وهو عند الطبراني (١٨/ ٤٢)، والبيهقي (٧/ ١٢٥) من حديث عبدالله بن محرر عن قتادة عن الحسن عن عمران به. وإسناده شديد الضعف؛ لأن عبدالله بن محرر متروك.\nوقد جاءت زيادة (وشاهدين) في جملة من الأحاديث وكلها ضعيفة جدًّا أو غير محفوظة.\nفقد جاء من حديث جابر عند الطبراني في «الأوسط» (٥٥٦٠)، وابن عدي كما في «الكامل» (٦/ ٢١١٣)، وفي إسناده محمد بن عبيدالله العرزمي وهو متروك.\nوجاء من حديث أنس عند ابن عدي (٧/ ٢٥٦٦)، وفي إسناده يزيد الرقاشي وهو متروك.\nوجاء من حديث ابن عباس عند الطبراني (١١٣٤٣)، وفي إسناده الربيع بن بدر وهو متروك.\nوجاء من حديث علي عند ابن عدي (١/ ١٩٧)، وهو باطل كما قال ابن عدي.\nوجاء من حديث أبي هريرة بإسناد فيه سليمان بن أرقم وهو متروك كما في «الأوسط» للطبراني (٦٣٦٢)، وإسناد آخر كما في «الكبرى» للبيهقي (٧/ ١٧٥) فيه المغيرة بن موسى المزني، قال البخاري: منكر الحديث. ووثقه ابن عدي.\nوجاء من حديث أبي موسى عند الطبراني في «الأوسط» (٥٥٦١)، وهو من طريق قيس بن الربيع وهو ضعيف، وقد خالف الثقات في روايته عن أبي إسحاق، فإنهم يروونه بدون زيادة (وشاهدين) فهي زيادة منكرة.\n\nوجاء من حديث عائشة بإسناد فيه كذاب كما في «السنن» للدارقطني (٣/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، وإسناد آخر ظاهره الصحة كما في «صحيح ابن حبان» (٤٠٧٥)؛ إلا أن زيادة (وشاهدين) ليست محفوظة، فقد ذكرها ما يقارب أربعة من الرواة على اختلاف في الرواية عن بعضهم في ذكرها، وخالفهم ما يقارب تسعة عشر راويًا من الحفاظ والثقات ودونهم، وهذا الذي ذكرناه هو مختصر للبحث الذي حررناه بحمد الله في تحقيقنا للمجلد التاسع من «فتح الباري» يسر الله طبعه ونفعنا به في الدنيا والآخرة.","vol":"8","page":62},{"text":"٩٧٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ،، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4067>مسألة [١]: هل يشترط أن يكون للمرأة ولي يلي تزويجها بكرًا كانت، أو ثَيِّبًا، صغيرةً، أو كبيرة</span>؟\n• هذا شرطٌ عند الجمهور، واستدلوا عليه بحديث أبي موسى، وعائشة -﵄-، المذكورين في الباب.\nوقال ابن المنذر: لا أعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك. اهـ\nقال الجمهور: فإن زوجت نفسها؛ فزواجها باطل. وجاء عن بعضهم أنهم قالوا: تأثم، والزواج موقوف على إجازة الولي، وهو قول ابن سيرين، والقاسم، والحسن بن صالح، وأبي يوسف، والأوزاعي.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩)، وابن حبان (٤٠٧٤)، وإسناده حسن، وقد أعل بأن الزهري وهو الذي روى الحديث سئل عنه فلم يعرفه، وأجاب أهل الحديث بأن هذه ليست بعلة، فإن المحدث قد يحدث بالحديث ثم ينساه، والله أعلم. وقد حسن الحديث الإمام الألباني والإمام الوادعي رحمة الله عليهما.","vol":"8","page":63},{"text":"• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ لها أن تزوج نفسها، كما أنَّ لها أن تبيع وتشتري، وهذا فيما إذا كانت رشيدة بالغة.\n• وعن مالك رواية أنَّ لها أن تزوج نفسها إذا كانت غير شريفة.\n• وذهب داود الظاهري إلى أنه يشترط في البكر دون الثيب؛ لحديث: «الثيب أحق بنفسها من وليها» أخرجه مسلم (١٤٢١).\nوالصحيح قول الجمهور؛ للأحاديث الصريحة في ذلك، وقياس أبي حنيفة فاسد؛ لمعارضته النصوص الصحيحة وحديث: «الثيب أحق بنفسها»، أي: في الإذن لا في الولاية عند عامة أهل العلم، وقد خالفه ابن حزم الظاهري ووافق الجمهور. (^١)\nتنبيه: يستفاد من أحاديث الباب بيانُ شرطٍ من شروط صحة النكاح، وهو:\nالشرط الأول: أن يكون للمرأة وليٌّ يتولى تزويجها صغيرة كانت أو كبيرة، بكرًا، أو ثيبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4068>مسألة [٢]: إذا تزوجت المرأة تزويجًا فاسدًا فهل تطلق إذا أرادوا تزويجها لآخر</span>؟\n• مذهب أحمد أنها لا تزوج من آخر حتى يطلقها الأول، أو يفسخ نكاحها، وإذا امتنع من طلاقها فسخ عليه الحاكم؛ لأنه نكاح وجد الاختلاف في صحته.\n• ومذهب الشافعي أنه لا حاجة إلى فسخ، ولا طلاق؛ لأنه نكاح غير منعقد،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٤٥) «الفتح» (٥١٣٠) «بداية المجتهد» (٣/ ٤٤) «المحلى» (١٨٢٥) «الإنصاف» (٨/ ٦٤) «البيان» (٩/ ١٥٢).","vol":"8","page":64},{"text":"كالنكاح في العدة.\nوأُجيب: بأنَّ النكاح في العدة مجمع على عدم انعقاده.\nوالصحيح هو مذهب الشافعي، والأحوط العمل على مذهب أحمد، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4069>مسألة [٣]: هل للمرأة شيء إذا دخل بها الرجل في الزواج الفاسد</span>؟\n• المنصوص عن أحمد -﵀- أنَّ لها المهر المسمى؛ لأنَّ في بعض ألفاظ حديث عائشة -﵂-: «ولها الذي أعطاها بما أصاب منها» «فلها المهر بما استحل من فرجها».\n• وقال بعضهم: لها مهر المثل. وهو مذهب الشافعي، ووجهٌ للحنابلة، وخُرِّجَ رواية عن أحمد؛ لأنَّ العقد باطلٌ، فلا عبرة بما سُمِّيَ به، وتُعطَى مقابل الاستحلال.\n• وقال أبو حنيفة: لها الأقل من المسمَّى، أو مهر المثل؛ لأنها رضيت به إن كان المسمى هو الأقل.\nوالأقرب إلى ظاهر الحديث هو القول الأول، والله أعلم. ثم وجدتُ ابن القيم قد صحح هذا القول كما في «الزاد» (٥/ ١٠٥). (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٥١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٣٥٢).","vol":"8","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4070>مسألة [٤]: إذا خلا بها ولم يدخل بها، فهل لها شيء</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه ليس لها شيء إلا بالدخول بها، وعن أحمد رواية أنَّ المهر يستقر لها بالخلوة قياسًا على العقد الصحيح، والصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4071>مسألة [٥]: ترتيب ولاية الأولياء على المرأة في النكاح</span>.\n• أكثر أهل العلم على أنَّ ترتيبها على النحو الآتي، وهو: الأب، ثم الجد وإن علا، ثم الابن، ثم ابن الابن وإن نزل، ثم الإخوة، ثم أبناؤهم -عدا الأخ لأم وابنه- ثم العمومة، ثم أبناؤهم.\nوهناك خلافٌ في بعض الصور:\nمنها: أن بعض أهل العلم قدَّم ولاية الابن على الأب.\n• وهذا الأشهر عن مالك، وقال به إسحاق، والعنبري، وابن المنذر، وأبو يوسف، وأبو حنيفة، كما هو مقدم عليه في العصبة في المواريث. واستثنى بعض المالكية البنت التي تربت بحجر أبيها؛ فقدموا الأب فيها على الابن.\n• وأجاب الجمهور بأنَّ الأب أعلم بمصلحة ابنته من ولدها، وأكمل نظرًا، وأشد شفقة، ويمكن أن يُقال أيضًا: إنَّ ولاية الأب ثابتة على المرأة قبل أن تأتي بولد، فنقلها إلى الولد يحتاج إلى دليل صحيح، والله أعلم.\nورجح الإمام ابن عثيمين -﵀- أنَّ ولاية الأب مقدمة على ولاية الابن، وهو الأقرب عندي، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٥٣).","vol":"8","page":66},{"text":"وقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الفتاوى الكبرى» (٥/ ٤٥٢): وَلَوْ قِيلَ: إنَّ الِابْنَ وَالْأَبَ سَوَاءٌ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ كَمَا إذَا أَوْصَى لِأَقْرَبِ قَرَابَتِهِ لَكَانَ مُتَوَجِّهًا. اهـ\nومنها: هل الابن مقدم على الجد؟\n• فمذهب أحمد، والشافعي وغيرهما أنَّ الجد مقدم؛ لأنه في حكم الأب. وعن أحمد رواية بتقديم الابن وهو مقتضى قول مالك ومن معه في المسألة التي قبلها.\nومنها: هل الجد مقدم على الأخ؟\n• فالأكثر على أنَّ الجد مقدم عليه؛ لأنه أبٌ، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وبعض المالكية.\n• وعن أحمد رواية أنَّ الأخ مقدم على الجد، وهو قول مالك.\n• وعن أحمد رواية ثالثة: أنَّ الأخ، والجد سواء؛ لاستوائهما في الميراث بالتعصيب، وهو قول محمد بن الحسن، وأبي يوسف. والصحيح قول الجمهور.\nومنها: أنَّ الشافعي، وابن حزم يريان أنْ لا ولاية للأبناء.\nإلا أن يكونوا جمعوا مع البنوة عصبة أخرى، كأن يكون مولى، أو ابن عم، أو ما أشبهه؛ بحجة أنه ليس من قبيلة المرأة وعاقلتها.\n• وخالفهم الجمهور، فقالوا: له الولاية على خلاف بينهم كما تقدم هل ولايته مقدمة على الأب، أم لا؟ لأنه يرث بالتعصيب، ويرث الولاء، وفرعهم الذي قاسوا عليه مختلف فيه؛ فإنه يُعتبر من عاقلتها عند بعض أهل العلم، وقد وافق المزني من الشافعية قول الجمهور.","vol":"8","page":67},{"text":"ومنها: أنهم اختلفوا في تقديم الشقيق من الإخوة، والأعمام، وأبنائهم على من أدلى بالأب فقط.\n• فأكثر أهل العلم على تقديم الشقيق، وهو مذهب مالك، والشافعي في الجديد، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، وصححه ابن قدامة؛ لأنَّ الشقيق أقرب إلى المرأة؛ لأنه مقدم على الآخر بالميراث، وبالولاء.\n• وقال بعضهم: هما سواء في الولاية. وهو قول أبي ثور، وأحمد في رواية، والشافعي في القديم.\nقلتُ: الشقيق لا شك أنه أولى بالولاية، ولكن لو زوجها وليها من الأب مع وجود الشقيق؛ فلا تطمئن النفس إلى إبطال هذا النكاح، لأن الجهة واحدة، ولأن تقديمهم ليس مجمعًا عليه، ولا نعلم دليلًا على الاشتراط، والله أعلم.\nومنها: أنهم اختلفوا في الولاية لمن، إذا لم يكن للمرأة عصبة؟\n• فمذهب الجمهور أنَّ المرأة إذا لم يكن لها عصبة لا من جهة النسب، ولا من جهة الولاء؛ فإنَّ وليها الحاكم، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي، ورواية عن أبي حنيفة.\n• وعن أبي حنيفة رواية أنَّ كل من يرث بفرض، أو تعصيب يليها. فدخل في كلامه هذا الأخ لأم.\n• وذهب الشوكاني -﵀- إلى أنَّ الولاية لكل من له قرابة بالمرأة، ويلي أمرها أشدُّ من عليه الغضاضة إذا تزوجت بغير كفء، فعنده الأخ لأم أولى من ابن","vol":"8","page":68},{"text":"العم، وكذا الخال أولى من ابن ابن العم، وما أشبه ذلك.\nقلتُ: وعامة أهل العلم كما تقدم قاسوا الولاية في النكاح على مسألة ميراث الولاء والعصوبة؛ إلا في حق الأب، وقولهم أقرب، والله أعلم.\nفإذا لم يكن للمرأة عصبة؛ فوليها السلطان؛ لحديث: «فالسلطان ولي من لا ولي له». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4072>مسألة [٦]: إن لم يوجد للمرأة ولي، ولا ذو سلطان</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٣٦٢): فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لِلْمَرْأَةِ وَلِيٌّ وَلَا ذُو سُلْطَانٍ، فَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُزَوِّجُهَا رَجُلٌ عَدْلٌ بِإِذْنِهَا.\nثم قال -﵀-: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْوَلِيِّ هَاهُنَا يَمْنَعُ النِّكَاحَ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَجُزْ، كَاشْتِرَاطِ المُنَاسِبِ فِي حَقِّ مَنْ لَا مُنَاسِبَ لَهَا. وَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ إلَّا بِوَلِيٍّ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: وبقول الإمام أحمد نقول، وبذلك أفتى شيخنا الإمام الوادعي، واللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة ابن باز -﵀-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4073>مسألة [٧]: الوكالة في هذه الولاية</span>.\nيجوز التوكيل في النكاح كما يجوز في غيره من العقود عند أهل العلم؛ لأنه عقد معاوضة؛ فجاز التوكيل فيه كالبيع.\n• وقال بعض الشافعية: لا يجوز توكيل غير الأب والجد؛ لأنَّ ولايته بالإذن،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٥٥ - ٣٥٩) «الشرح الممتع» (٥/ ١٥٢ -) «البيان» (٩/ ١٦٤ - ١٦٨) «بداية المجتهد» (٣/ ٤٨ -) «الفتح» (٥١٣٠).","vol":"8","page":69},{"text":"فلم يَجُزْ التوكيل له كالوكيل.\nوأُجيب عن ذلك: بأنَّ ولايته ثابتة قبل إذنها، وإنما إذنها شرط لصحة تصرفه، فأشبه ولاية الحاكم، ولا خلاف في أنَّ للحاكم أن يستنيب في التزويج من غير إذن المرأة، ولأنَّها لا ولاية لها على نفسها، فكيف يصح لنائبها من قبلها. (^١)\nووكيل الولي يقوم مقامه عند أهل العلم، فوكيل الأب أحق من الأخ، وله أحكام الأب في هذا الباب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4074>مسألة [٨]: التوكيل المطلق والمقيد</span>.\nيجوز التوكيل عند أهل العلم مطلقًا، ومُقيدًا، فالمقيد التوكيل في تزويج رجل بعينه، والمطلق التوكيل في تزويج من يرضاه، أو من شاء.\n• ومنع بعض الشافعية التوكيل المطلق، وقالوا بعدم صحته.\nوالتفصيل بين المطلق والمقيد لا دليل عليه، والصحيح جواز ذلك مطلقًا. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4075>مسألة [٩]: هل يفتقر صحة التوكيل في الولاية إلى إذن المرأة</span>؟\n• اشترط بعض الشافعية في التوكيل أن تأذن المرأة، وذلك في حالة تزويج غير المجبرة عندهم، وهي الثيب، والبكر إذا كان وليها غير أبيها وجدِّها.\nوالصحيح عند أهل العلم أنَّ ذلك ليس بشرطٍ، سواء كان الموكل أبًا، أو غيره؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٦٣).\n(^٢) وانظر: «البيان» (٩/ ١٩١).\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ٣٦٣) «البيان» (٩/ ١٩١).","vol":"8","page":70},{"text":"لأنه إذن من الولي في حق من حقوقه؛ فجاز بغير إذن المرأة، كإذن الحاكم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4076>مسألة [١٠]: هل تستفاد ولاية النكاح بالوصية</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ ولاية النكاح تُستفاد بالوصية كما تُستفاد بالتوكيل، وهو قول الحسن، وحماد، ومالك، وأحمد في رواية، وربيعة، وقالوا: كما يجوز له الوصية بولاية المال؛ فكذلك يجوز له الوصية بولاية التزويج.\n• وذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ ولاية النكاح لا تُستفاد بالوصية، بل هي ثابتةٌ بالشرع، فإذا مات الأول، أو عضل؛ انتقلت إلى الآخر، وهذا قول الشعبي، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وابن المنذر، وأحمد، وبعض المالكية، والظاهرية.\n• وقال بعض الحنابلة: يجوز؛ إن لم يكن لها عصبة.\nوقد رجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- القول الثاني، وهو قول الجمهور، وهو الذي يظهر، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4077>مسألة [١١]: صفات الولي</span>.\nلا خلاف في اعتبار أن يكون عاقلًا، فلا تصح الولاية من الصغير الذي لا يعقل، وكذا المجنون، وكذا الشيخ الذي قد خرَّف لكبره، وكذا السفيه على الصحيح من قولي العلماء.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٦٤) «البيان» (٩/ ١٩١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٣٦٥) «بداية المجتهد» (٣/ ٤٨) «المحلى» (١٨٢٥) «الفتح» (٥١٣٠).","vol":"8","page":71},{"text":"وأما الإغماء فلا يزيل الولاية؛ لأنه يزول عن قرب، فأشبه النوم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4078>مسألة [١٢]: هل يشترط أن يكون الولي مسلمًا</span>؟\nالذي عليه أهل العلم أنه ليس للكافر ولاية على المسلمة؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، ونقل أبو الخطاب عن الحنابلة وجهًا أنَّ للذمي ولاية على أم ولده إذا أسلمت، وهو قول غير صحيح. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4079>مسألة [١٣]: هل يُشترط أن يكون بالغًا</span>؟\n• جمهور العلماء على اشتراط ذلك؛ لأنَّ الله ﷿ حجر على الصبي التصرف في ماله حتى يبلغ ويؤنس منه الرشد؛ فولاية النكاح أولى بذلك من ولايته على المال.\n• وعن أحمد رواية أنَّ له الولاية إذا بلغ عشرًا؛ لأنه في هذا السن يميز.\nوالأقرب قول الجمهور، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4080>مسألة [١٤]: هل تُشترط العدالة</span>؟\n• ذهب بعضُ أهل العلم إلى اشتراط أن يكون عدلًا، فلا ولاية عندهم للفاسق، وهذا قول أحمد في رواية، والشافعي في قولٍ؛ لأنه إذا كان فاسقًا؛ فإنه\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٦٦) «البيان» (٩/ ١٧١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٣٦٧، ٣٧٧).\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ٣٦٧) «البيان» (٩/ ١٦٩) «الإنصاف» (٨/ ٧١).","vol":"8","page":72},{"text":"ربما زوجها بمن لا عدالة له.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى عدم اشتراط ذلك، بل يصح عندهم للفاسق أن يزوج وليته؛ لأنَّ الله ﷿ نفى الولاية عن الكافر، ففهم منه أنَّ ولاية الفاسق ثابتة.\nوقد اختار الإمام ابن عثيمين أنَّ الفاسق إذا كان فسقه يحمله على عدم المبالاة بوليته وتزويجها من الفساق، وبمن لا تريد؛ فلا تصح منه الولاية، وأما إن كان فاسقًا فسقًا لا يحمله على التساهل في مثل هذه الأمور؛ فتصح ولايته، والله أعلم.\nقلتُ: والصحيح أن ولاية الفاسق على ابنته صحيحة ثابتة، ولا يجوز له أن يزوجها بكافر، أو قاطع صلاة، أو بمن يكون سببًا في ضياعها وفسقها؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، والمرأة لها أن ترفض، فعند ذلك لا يصح تزويجه إياها بمن لا تريده.\nوقد رجح الإمام ابن القيم -﵀- عدم اشتراط العدالة في ولاية الحضانة والنكاح؛ فقال -﵀- كما في «زاد المعاد» (٥/ ٤٦١): الصواب أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعًا، وإن شرطها أصحاب أحمد، والشافعي وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد، ولو اشترط في الحاضن العدالة؛ لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على الأمة، واشتد العنتُ، ولم يزل من حين قام الإِسلام إلى أن","vol":"8","page":73},{"text":"تقومَ الساعة أطفال الفساق بينهم لا يتعرض لهم أحدٌ في الدنيا، مع كونهم الأكثرين، ومتى وقع في الإِسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه؟ وهذا في الحرج والعسر، واستمرارُ العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح؛ فإنه دائمُ الوقوع في الأمصار والأعصار، والقرى والبوادي، مع أن أكثر الأولياء الذين يلون ذلك فساق، ولم يزل الفسقُ في الناس، ولم يمنع النبيِ - ﷺ -، ولا أحدٌ من الصحابة فاسقًا من تربية ابنه وحضانته له، ولا مِن تزويجه مولِّيته، والعادةُ شاهدة بأن الرجل ولو كان من الفساق؛ فإنه يحتاط لابنته، ولا يُضيعها، ويحرص على الخير لها بجهده، وإن قُدِّرَ خلاف ذلك، فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد، والشارع يكتفي في ذلك بالباعث الطبيعي، ولو كان الفاسق مسلوبَ الحضانة، وولاية النكاح؛ لكان بيانُ هذا للأمة من أهم الأمور، واعتناء الأمة بنقله، وتوارث العملِ به مقدّمًا على كثير مما نقلوه، وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضييعُه واتصالُ العمل بخلافه، ولو كان الفِسق ينافي الحضانة؛ لكان من زنى أو شرب خمرًا، أو أتى كبيرةً، فرق بينه وبين أولاده الصغار، والتمس لهم غيره، والله أعلم. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4081>مسألة [١٥]: هل يُشترط أن يكون وليها حُرًّا</span>؟\n• اشترط جماعةٌ من أهل العلم أن يكون الولي حُرًّا، ولا تجوز عندهم ولاية العبد؛ لأنه مملوكٌ لا يتصرف إلا بإذن سيده؛ فلا ولاية له.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٩/ ٣٦٨) «البيان» (٩/ ١٧٠) «الإنصاف» (٨/ ٧٢) «الشرح الممتع» (٥/ ١٥١).","vol":"8","page":74},{"text":"• وقال بعض أهل العلم -وهو قول بعض الحنابلة، وهو الصواب-: لا يُشترط أن يكون حُرًّا، بل يجوز للعبد أن يزوج وليته؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، وكونه لا يتصرف إلا بإذن سيده فهذا في الأمور المتعلقة به، وأما هذا الأمر فمتعلق بوليته، وإنما هو يلي العقد فقط ولا ضرر على السيد يلحقه بذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4082>مسألة [١٦]: من يلي تزويج الأمة</span>؟\nأما إن كانت مملوكة لرجل، فهو الذي يلي تزويجها بلا خلاف عند أهل العلم؛ لأنه هو الذي يملكها، فكما يملك بيعها وهبتها؛ فيملك تزويجها.\n• وأما إن كانت مملوكة لامرأة، فقال بعضهم: يلي تزويجها ولي سيدتها بإذن سيدتها. وهو قول أحمد، والشافعي، وقال به ابن حزم، وذلك لأنَّ المرأة لا تزوج نفسها ولا غيرها، وفي الحديث الثابت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تزوج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوج المرأة نفسها» (^٢)، فبقي أن يكون وليها ولي سيدتها؛ لأنه هو الذي يزوج السيدة، ويلي عقد النكاح لها، فكذلك لأمتها.\nواستدل ابن حزم على ذلك بالآية: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، فأمر الله بإنكاح العبيد والإماء، والأمر متوجهٌ إلى من ينكح الأحرار أيضًا؛ لأنَّ الأمر واحد، ولا يصفو له هذا الاستدلال.\n• ومنهم من قال: تُولِّي أمر أمتها رجلًا يزوجها، وهو قول أحمد في رواية.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٦٧) «الإنصاف» (٨/ ٧٠) «البيان» (٩/ ١٦٩) «الشرح الممتع» (٥/ ١٤٨).\n(^٢) سيأتي في «البلوغ» برقم (٩٨٠).","vol":"8","page":75},{"text":"• وقال أبو حنيفة: تزوجها سيدتها.\nوالقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4083>مسألة [١٧]: إذا كانت المرأة عتيقة لامرأة</span>؟\n• يلي نكاحها أولياؤها؛ لأنها حُرَّة؛ فإن لم يكن لها ولي من النسب، فيزوجها من يزوج مولاتها، وهو قول أحمد في رواية، وذلك لأنهم هم الذين يعقلون عنها، ويرثونها بالتعصيب عند عدم سيدتها.\n• وعن أحمد رواية أخرى أنَّ لمولاتها التوكيل في التزويج.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4084>مسألة [١٨]: إن كان للأمة سيدان</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٣٧٣): وَإِذَا كَانَ لِلْأَمَةِ مَوْلًى؛ فَهُوَ وَلِيُّهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَوْلَيَانِ، فَالْوِلَايَةُ لَهُمَا، وَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِاسْتِقْلَالُ بِالْوِلَايَةِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا نِصْفَهَا، وَإِنْ اشْتَجَرَا لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ؛ فَإِنَّ نِكَاحَهَا حَقٌّ لَهَا، وَنَفْعَهُ عَائِدٌ إلَيْهَا، وَنِكَاحُ الْأَمَةِ حَقٌّ لِسَيِّدِهَا، وَنَفْعُهُ عَائِدٌ إلَيْهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لِلسُّلْطَانِ عَنْهُ فِيهِ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٧٠) «المحلى» (١٨٣٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٣٧٢).","vol":"8","page":76},{"text":"قلتُ: ولكن للسلطان إلزامهما بتزويجها إذا طالبت الأمة بالزواج؛ ل ٥ حاجتها الشرعية له، ويمهلهما فترة، لا ضرر فيها عليهما، ولا على الأمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4085>مسألة [١٩]: إذا كانت المعتقة لها موليان</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٣٧٣): فَإِنْ أَعْتَقَاهَا وَلَهَا عَصَبَةٌ مُنَاسِبٌ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَصَبَةٌ، فَهُمَا وَلِيَّاهَا، وَلَا يَسْتَقِلُّ أَحَدُهُمَا بِالتَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى نِصْفِهَا؛ فَإِنْ اشْتَجَرَا أَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ حُرَّةً، وَصَارَ نِكَاحُهَا حَقًّا لَهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ أَوْ الْمُعْتِقَةُ وَاحِدًا، وَلَهُ عَصَبَتَانِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، كَالِابْنَيْنِ، أَوْ الْأَخَوَيْنِ، فَلِأَحَدِهِمَا الِاسْتِقْلَالُ بِتَزْوِيجِهَا، كَمَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ سَيِّدَتِهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4086>مسألة [٢٠]: هل للمسلم ولاية على الكافرة</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنه لا ولاية للمسلم على الكافرة؛ إلا أن يكون سلطانًا، أو سيدًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣]، ولأنَّ مختلفي الدين لا يرث أحدهما الآخر، ولا يعقل عنه؛ فلم يل عليه.\n• ونقل ابن حزم عن ابن وهب صاحب مالك أنَّه أجاز ولاية المسلم على ابنته الكافرة، واختار هذا القول الإمام ابن عثيمين؛ لأنَّ الضرر الحاصل من ولاية الكافر على المسلمة ليس موجودًا فيما إذا كان المسلم هو الولي على الكافرة، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٧٧) «المحلى» (١٨٣٧) «الشرح الممتع» (٥/ ١٥٠).","vol":"8","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4087>مسألة [٢١]: إذا تزوج المسلم ذمية، فمن يكون وليها</span>؟\n• الأكثر على أن وليها هم عصبتها، وإن كانوا كافرين، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وبعض الحنابلة.\n• وقال بعض الحنابلة: يزوجها الحاكم.\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4088>مسألة [٢٢]: إذا زوَّج الولي الأبعد من غير عذرٍ مع وجود الأقرب</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية عدم صحة ذلك الزواج، وهو قول أبي عبيد، وأبي ثور، وهو رواية عن مالك، واختاره ابن حزم، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة -﵂-: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل»، ووليها هو الأقرب. وقال ابن حزم ما معناه: الناس كلهم ينتهي نسبهم إلى آدم، فلو قيل بجواز تزويج الأبعد مع وجود الأقرب؛ لكان يجوز لكل رجل أن يزوج أي امرأة. قال: فَعُلِم أنه لا يجوز أن يزوج الأبعد، ولو بدرجة واحدة مع وجود من هو أقرب منه.\n• وعن الإمام مالك أنَّ الزواج صحيح، ويقف على إجازة الولي، وعنه: إن كان كفؤًا أمر الحاكم الولي بالإجازة؛ فإنْ أبى صار عاضلًا، وأجاز عليه الحاكم.\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٧٨) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٨) «الإنصاف» (٨/ ٧٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٣٧٨ -) «الإنصاف» (٨/ ٧٩ -) «البداية» (٣/ ٤٩) «البيان» (٩/ ١٧٤).","vol":"8","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4089>مسألة [٢٣]: إذا عضل الولي وليته عن الزواج</span>؟\nإذا لم يكن لها عصبة آخرون؛ زوَّجها الحاكم بالاتفاق، واختلفوا إذا كان لها عصبة من يزوجها؟\n• فمنهم من قال: يقدم الحاكم على العصبة الآخرين، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية، وقال به شريح؛ لحديث: «فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له»، ولأنَّ ذلك حقٌّ عليه امتنع من أدائه؛ فقام الحاكم مقامه، كما لو كان عليه دين فامتنع من قضائه.\n• وذهب جماعةٌ آخرون إلى أنَّ وليها العصبة الذي يليه، وهو مذهب أحمد، والمشهور عن أبي حنيفة؛ لأنَّ التزويج تعذر من جهة الأقرب، فملكه الأبعد، كما لو جُنَّ، ولأنه يفسق بالعضل، فتنتقل الولاية عنه كما لو شرب الخمر؛ فإن عضل الأولياء كلهم؛ زوَّج الحاكم، والحديث المذكور حجة لهؤلاء؛ لقوله: «السلطان ولي من لا ولي له»، وهذه لها ولي، ويمكن حمله على ما إذا عضل الكل؛ لأن قوله: «فإن اشتجروا» ضمير جمع يتناول الكل.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَالْوِلَايَةُ تُخَالِفُ الدَّيْنَ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا حَقٌّ لِلْوَلِيِّ، وَالدَّيْنُ حَقٌّ عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ، وَالْوِلَايَةُ تَنْتَقِلُ لِعَارِضٍ مِنْ جُنُونِ الْوَلِيِّ، أَوْ فِسْقِهِ، أَوْ مَوْتِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الدَّيْنَ لَا يُعْتَبَرُ فِي بَقَائِهِ الْعَدَالَةُ، وَالْوِلَايَةُ يُعْتَبَرُ لَهَا ذَلِكَ. اهـ، يعني عند جماعة من أهل العلم.","vol":"8","page":79},{"text":"قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القول الثاني أقرب، والأحوط أن يستأذنوا الحاكم في نقل الولاية إلى الثاني، فيزوجها الثاني بإذن الحاكم؛ خروجًا من الخلاف، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4090>مسألة [٢٤]: معنى العضل</span>.\nهو منع المرأة من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل واحد منهما في صاحبه. روى البخاري -﵀- (٥١٣٠) من حديث معقل بن يسار -﵁- قال: زوجت أختًا لي من رجل، فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك، وأفرشتك، وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله، لا تعود إليك أبدًا. وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢]، فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: «فزوجها إياه». (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4091>مسألة [٢٥]: إذا غاب الأقرب من أوليائها وتعذر الوصول إليه</span>؟\n• للأبعد أن يزوجها عند أكثر أهل العلم، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة.\n• وقال الشافعي: يزوجها الحاكم. والصحيح قول الجمهور. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٨٢ - ٣٨٣) «البيان» (٩/ ١٧٥) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣٣).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٩/ ٣٨٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ٣٨٥) «الإنصاف» (٨/ ٧٤) «البيان» (٩/ ١٧٦) «البداية» (٣/ ٥٠).","vol":"8","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4092>مسألة [٢٦]: إذا اجتمع أكثر من ولي في درجة واحدة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٤٣٠): إذَا اسْتَوَى الْأَوْلِيَاءُ فِي الدَّرَجَةِ، كَالْإِخْوَةِ وَبَنِيهِمْ، وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ، فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ أَكْبَرِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا تَقَدَّمَ إلَيْهِ مُحَيِّصَةُ، وَحُوَيِّصَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «كَبِّرْ كَبِّرْ» (^١)، أَيْ: قَدِّمْ الْأَكْبَرَ، قَدِّمْ الْأَكْبَرَ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ. وَإِنْ تَشَاحُّوا وَلَمْ يُقَدِّمُوا الْأَكْبَرَ؛ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ اسْتَوَى فِي الْقَرَابَةِ.\nقال: فَإِنْ بَدَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَزَوَّجَ كُفُؤًا بِإِذْنِ الْمَرْأَةِ، صَحَّ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْغَرَ الْمَفْضُولَ الَّذِي وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ تَزْوِيجٌ صَدَرَ مِنْ وَلِيٍّ كَامِلِ الْوِلَايَةِ بِإِذْنِ مُوَلِّيَتِهِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ. وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِإِزَالَةِ الْمُشَاحَّةِ. اهـ\nقلتُ: وهو قول بعض الشافعية، وقال بعضهم: لا تصح؛ لأنَّ القرعة إذا خرجت له تعينت له الولاية. ومذهب الحنابلة هو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4093>مسألة [٢٧]: هل لولي المرأة أن يزوجها من نفسه إن كانت ممن تُباح له</span>؟\nأجاز أهل العلم لولي المرأة أن يزوجها من نفسه إن كان ممن تباح له، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]، وعُلِمَ أنه إذا أقسط في صداقها جاز له الزواج منها.\n_________\n(^١) سيأتي في «البلوغ» رقم (١١٨٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤٣٠) «الإنصاف» (٨/ ٨٥ - ٨٦) «البيان» (٩/ ١٦٦).","vol":"8","page":81},{"text":"واختلف أهل العلم هل له أن يلي طرفي العقد بنفسه، أم يوكل غيره بذلك؟\n• فذهب الأكثر إلى أنه يجوز له أن يلي طرفي العقد بنفسه، وفعل ذلك عبدالرحمن بن عوف، وهو ثابتٌ عنه (^١)، وهو قول الحسن، وابن سيرين، وربيعة، والثوري، وإسحاق، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد، والبخاري، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن حزم وآخرين؛ لأنه هو وليها، فصحَّ أن يزوج نفسه منها، ولا مانع من ذلك.\n• وذهب بعضهم إلى أنه لا يصح تزويجه لنفسه، وهو قول الشافعي، وداود، وزُفر، وأحمد في رواية، وصحَّ عن المغيرة بن شعبة كما في «المحلى» أنه وكَّل إنسانًا يزوجه من موليته. وحجتهم أنَّ النكاح لا يصح إلا بخاطب وولي، وههنا الخاطب هو الولي؛ فلا يصح ذلك.\nقلتُ: والصواب هو القول الأول، وفعل المغيرة بن شعبة لا يدل على اشتراط ذلك، والوكيل إنما هو قائمٌ مقام الموكل، فلا فرق، ولذلك فإن بعضهم يقول: إنما يزوجها إياه الحاكم. وهذا مخالف لفعل الصحابة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4094>مسألة [٢٨]: إذا زوَّج نفسه، فكيف يقول في العقد</span>؟\n• ذهب بعض الحنابلة إلى أنَّ عليه أن يوجب، ثم يقبل، فيقول: (زوجت نفسي من فلانة)، ثم يقول: (وقبلت هذا التزويج).\n_________\n(^١) علقه البخاري في «صحيحه» [باب (٣٧) من كتاب النكاح]، ووصله ابن سعد (٨/ ٤٧٢) بإسناد صحيح.\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٣٧٤ -) «الفتح» (٥١٣١) «المحلى» (١٨٣٨) «البيان» (٩/ ١٨٨).","vol":"8","page":82},{"text":"• وذهب مالك، وأبو حنيفة، وبعض الحنابلة إلى أنه يكفيه أن يقول: (زوجت نفسي فلانة، أو تزوجت فلانة).\nوهذا هو الصحيح؛ لأنه لفظ يتضمن الإيجاب والقبول، وقد فعل ذلك عبد الرحمن بن عوف كما تقدم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4095>مسألة [٢٩]: هل يُشترط للنكاح شاهدان</span>؟\n• اشترط ذلك بعض أهل العلم، واستدلوا بالأحاديث الواردة في الباب، وقد تقدم أنها ضعيفة، وهذا قول سعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، وجابر بن زيد، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأحمد.\n• وعن أحمد -﵀- رواية أنه يصح بغير شهود، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، والعنبري، وأبي ثور، وابن المنذر، وذلك لعدم صحة الأحاديث الواردة بذلك، واستدل بعضهم بقصة الواهبة، وردَّ ذلك الحافظ بأنه كان في المجلس رجال كما في بعض طرق الحديث.\n• وقال الزهري، ومالك، وشيخ الإسلام: إذا أعلن النكاح؛ فلا يُشترط. وإذا لم يشهد؛ فلابد عندهم من إعلان النكاح، ولا يصح بدونه.\nوالذي يظهر أنَّ القول الثاني هو الراجح، وهو ترجيح شيخنا مقبل، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٩/ ٣٧٤ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٣٤٧) «الشرح الممتع» (٥/ ١٥٩ -) «الفتح» (٥١٤٩).","vol":"8","page":83},{"text":"فروع على اشتراط الشاهدين:\nالذين اشترطوا الشاهدين اشترطوا أن يكونا مسلمين؛ إلا أنَّ أبا حنيفة يقول: إذا كانت المرأة ذمية؛ صحَّ شهادة ذميين.\nولا ينعقد النكاح بشهادة الفاسق عند الشافعي، وأحمد في رواية.\nوعن أحمد رواية بانعقاده، وهو قول أبي حنيفة.\nولا ينعقد بشهادة رجل وامرأتين عند أكثرهم، وينعقد عند أصحاب الرأي.\nوينعقد بشهادة العبدين عند الحنابلة، ولا ينعقد عند الشافعي، وأبي حنيفة.\nوينعقد بشهادة الأعمى عند الحنابلة، وبعض الشافعية، خلافًا لبعضهم. ولا ينعقد عندهم بشهادة الصبيان، وأجازه بعض الحنابلة للمراهق العاقل. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٣٤٩ - ٣٥١) «البيان» (٩/ ٢٢١ -) «الإنصاف» (٨/ ٩٩ -).","vol":"8","page":84},{"text":"٩٧٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُت» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n٩٧٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\nوَفِي لَفْظٍ: «لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ، وَاليَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4096>مسألة [١]: تزويج الرجل ابنته البكر الصغيرة، هل يفتقر إلى إذنها</span>؟\nنقل بعض أهل العلم الإجماع على أنَّ له أن يزوجها من الكُفء بغير إذنٍ، واستدلوا على ذلك بأنَّ أبا بكر الصديق -﵁- زوَّج ابنته عائشة -﵂- من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهي صغيرة في السادسة من عمرها، وهي في هذا السن لا يعتبر إذنها؛ لأنها لا تعلم معنى الزواج، ولا تعقل ذلك.\nوقد نقل ابن حزم، والطحاوي الخلاف عن ابن شبرمة بأنه لم يُجَوِّز للأب تزويج الصغيرة، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٣٦)، ومسلم (١٤١٩).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٤٢١).\n(^٣) أخرجه أبوداود (٢١٠٠)، والنسائي (٦/ ٨٤)، وابن حبان (٤٠٨٩)، وإسناده صحيح.\n(^٤) انظر: «المغني» (٩/ ٣٩٨) «الفتح» (٥١٣٣) «البيان» (٩/ ١٧٨) «المحلى» (١٨٢٢).","vol":"8","page":85},{"text":"تنبيه: لا خيار للصغيرة إذا بلغت عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4097>مسألة [٢]: إذا كانت الصغيرة قد بلغت التاسعة، فهل يُشترط إذنها</span>؟\n• جمهور العلماء على أنَّ حكمها حكم التي لم تبلغ التاسعة، فيجوز للأب أن يزوجها بغير إذنها حتى تبلغ. واستدلوا بحديث عائشة المتقدم، وألحقوا بها من جاوزت التاسعة بجامع عدم البلوغ.\n• وقال بعضهم: لا يجوز تزويجها إذا بلغت التاسعة بدون إذنها، وهو قول أحمد في رواية، وبعض أصحابه، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وذلك أنَّ الصغيرة لم يُعتبر إذنها؛ لكونها ممن لا يُعتبر لها إذن؛ لصغرها، فأما إذا بلغت التاسعة فمثلها يُعتبر منها الإذن.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: إذا كانت البنت قد بلغت سِنًّا تعقل هذه الأمور فيُعتبر إذنها كالبالغة لعموم الحديث: «والبكر تُستأذن، وإذنها صماتها» والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4098>مسألة [٣]: الصغيرة اليتيمة هل يُعتبر إذنها</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ ولي الصغيرة اليتيمة له أن يزوجها بغير إذنها، وهو قول أبي حنيفة، وابن شبرمة، والأوزاعي، وقال به بعض التابعين، ولكن لها الخيار عندهم إذا بلغت، وهو رواية عن أحمد، وقال به أبو يوسف، ولا خيار لها عنده.\n_________\n(^١) انظر: «شرح مسلم» (١٤٢١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤٠٤) «الإنصاف» (٨/ ٥٢) «الاختيارات» (ص ٢٠٤).","vol":"8","page":86},{"text":"• وقال بعض أهل العلم: ليس له أن يزوجها بغير إذنها، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، والثوري، وأبي عبيد، وابن حزم وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأنَّ الأصل اعتبار إذن البكر، فخصَّ حديث عائشة تزويج الأب لابنته الصغيرة، فبقي غير الأب على الاستئذان؛ إلا أنَّ الشافعي استثنى الجد فجعله كالأب.\n• وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يزوجها بإذنها إذا بلغت التاسعة، ولا خيار لها إذا بلغت، وهو قول أحمد في رواية، وجماعة من أصحابه، واختاره شيخ الإسلام، واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة، وأبي موسى -﵄-، وكلاهما في «الصحيح المسند»: «اليتيمة تُستأمر في نفسها؛ فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت؛ فلا جواز عليها». (^١)\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الصحيح أنه يجوز تزويج اليتيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧] الآية.\nوأما اعتبار الإذن فالذي يظهر أنه يُعتبر إذا بلغت سِنًّا تعقل فيه أمور النكاح، وإن لم تكن قد بلغت؛ للحديث المتقدم.\n_________\n(^١) أما حديث أبي هريرة -﵁-، فأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٩)، وأبو داود (٢٠٩٣)، والترمذي (١١٠٩)، والنسائي (٦/ ٨٧) بإسناد حسن، وأما حديث أبي موسى -﵁-، فأخرجه أحمد (٤/ ٣٩٤)، والدارمي (٢١٩١) بإسناد صحيح، وانظر: «الصحيح المسند» رقم (٨١٧) (١٢٥٦).","vol":"8","page":87},{"text":"وأما قبل ذلك فالذي يظهر أنه ليس للولي تزويجها إلا أن يرى لها في الزواج مصلحة ظاهرة، كما أنه لا يجوز له أن ينفق مالها إلا فيما لها فيه مصلحة ظاهرة، فإذا زوجها كذلك فلا خيار لها إذا بلغت كتزويج الأب، والله أعلم.\nولكن لها أن تفسخ إذا كرهت ذلك الزواج، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4099>مسألة [٤]: هل للأب إجبار البكر البالغة على النكاح، وتزويجها من غير إذنها</span>؟\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الأب يجوز له تزويجها بغير إذنها وإن كرهت، واستدلوا على ذلك بحديث: «الثيب أحق بنفسها من وليها»، فمفهومه أنَّ الأب أحق بالبكر من نفسها، وأما حديث: «لا تنكح البكر حتى تُستأذن» فبعضهم حمله على الاستحباب، وبعضهم حمله على اليتيمة، وقالوا: يبينه الحديث الآخر «لا تنكح اليتيمة حتى تُستأمر»، وهذا القول قال به ابن أبي ليلى، والشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية.\n• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه لا يجوز للأب أن يزوجها بغير إذنها، وهذا قول الأوزاعي، والثوري وأحمد في رواية، وأبي عبيد، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر، والبخاري، وأصحاب الرأي، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الحافظ ابن القيم ﵏، وعزا ابن القيم هذا القول لجمهور السلف.\nواستدل أصحاب هذا القول بحديث: «لا تنكح البكر حتى تُستأذن»،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٠٢) «شرح مسلم» (٩/ ٢٠٦) «المفهم» (٤/ ١٢٠) «الإنصاف» (٨/ ٦٠) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٤٥ - ٤٧، ٤٩ - ٥٠) «زاد المعاد» (٥/ ١٠٠).","vol":"8","page":88},{"text":"وبحديث ابن عباس -﵄- في «صحيح مسلم»: «والبكر يستأمرها أبوها ...» الحديث، وبحديث ابن عباس وبريدة وغيرهما، وهو حسن بمجموع طرقه: أنَّ فتاة زوجها أبوها، وهي كارهة، فذكرت ذلك للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فخيَّرها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (^١)\nوقد تكلم شيخ الإسلام، وابن القيم على هذه المسألة كلامًا جيدًا، فأجادا، ومما ذكراه أنَّ المخالف يقول: (ليس للأب أن يأخذ دينارًا واحدًا من مال ابنته وهي كارهة بدون حاجة)، فكيف يحرم ذلك، ويجوز له أن يجعلها مع بضعها تحت إنسان تبغضه، ولا تريده طوال حياتها؟!\nوأيضًا الحديث الذي استدل به المخالف إنما أفاده بالمفهوم، والمنطوق مُقَدَّمٌ عليه، بل قد ذكر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في نفس الحديث أنَّ البكر تُستأذن، وأمر بذلك، فكيف يُقال: إنَّ أوَّل الحديث يدل على جواز التزويج بغير استئذان، وقد دلَّ آخر الحديث على وجوب الاستئذان، فدلَّ على أنَّ التخصيص بأنَّ الثيب أحق بنفسها أراد به أمرًا آخر غير الاستئذان، وهو أنَّ البكر لكونها تستحيي لا تُطالب بالزواج، بل تخطب عند أبيها، فكان هو أحق بها من هذا الوجه، وأمَّا الثيب فلا تستحيي كاستحياء البكر، فقد تخطب إلى نفسها، وتوافق؛ فيجب على الأب أن يزوجها إذا كان خاطبها كفؤًا، وإن لم يكن راضيًا بذلك، والله أعلم.\nوالقول الثاني هو الصواب، وبالله التوفيق. (^٢)\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (٩٨٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٣٩٩ -) «زاد المعاد» (٥/ ٩٥ -) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٢ -) «الفتح» (٥١٣٦) «البيان» (٩/ ١٧٩ -).","vol":"8","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4100>مسألة [٥]: هل لغير الأب إجبار البكر البالغة وتزويجها بغير إذنها</span>؟\nلا يجوز لغير الأب تزويج البكر البالغة بغير إذنها عند عامة أهل العلم، ونقل على ذلك الإجماع؛ للأدلة المتقدمة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4101>مسألة [٦]: هل يجوز تزويج الثيب بغير استئذانها</span>؟\nعامة أهل العلم على أنه لا يجوز تزويج الثيب إلا بإذنها، سواء كان الولي أبًا أو غيره؛ لحديث ابن عباس، وأبي هريرة -﵃- الَّلذين في الباب، وكذا يدل على ذلك حديث الخنساء بنت خدام في «صحيح البخاري» أنَّ أباها زَوَّجَها وهي ثيب كارهة، فردَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نكاحه.\nوجاء عن الحسن، والنخعي تجويز ذلك، وقولهم لا دليل عليه، وهو مخالف لقول عامة أهل العلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4102>مسألة [٧]: إذا كانت الثيب صغيرة لم تبلغ، فهل يجوز للأب تزويجها بغير إذنها</span>؟\n• ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنه لا يجوز تزويجها بغير إذنها؛ لعموم حديث أبي هريرة، وابن عباس -﵃- الَّلذين في الباب، وهو قول الشافعي، وأبي يوسف، ومحمد، وبعض الحنابلة، وابن حزم.\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٤٠) «البيان» (٩/ ١٨١).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٥١٣٦) «البيان» (٩/ ١٨٢) «الفتح» (٥١٣٦) «المغني» (٩/ ٤٠٦) «المحلى» (١٨٢٢).","vol":"8","page":90},{"text":"• وقال جماعةٌ من أهل العلم: يجوز له تزويجها بغير إذنها؛ لحديث عائشة -﵂- أنها زوجت وهي بنت ست سنين بغير إذنها، ولم يعتبر إذنها لا لأنها بكر، بل لأنها لا تعقل معنى ذلك الأمر، فكذلك الثيب، وهذا قول مالك، وداود، وأبي حنيفة، وبعض الحنابلة.\nقال ابن قدامة -﵀-: ويتخرج وجهٌ ثالث للحنابلة أنَّ ابنة تسع سنين يزوجها بإذنها، ومن دون ذلك فعلى ما ذُكر من الخلاف.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: قول مالك ومن معه أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4103>مسألة [٨]: ما هو المعتبر في إذن الثيب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٤٠٧): أما الثيب فلا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنَّ إذنها الكلام للخبر، ولأنَّ اللسان هو المعبر عمَّا في القلب، وهو المعتبر في كل موضع اعتبر فيه الإذن، غير أشياء يسيرة أقيم فيها الصمت مقامه لعارض. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4104>مسألة [٩]: ما هو المعتبر في إذن البكر</span>؟\nعامة أهل العلم على أنَّ المعتبر في إذن البكر هو السكوت، لا فرق في ذلك بين كون الولي أبًا، أو غيره؛ لعموم حديث الباب، وقال بعض أصحاب الشافعي: في صمتها في حق غير الأب وجهان.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٠٧) «المحلى» (١٨٢٢) «البيان» (٩/ ١٨٢ - ١٨٣) «الفتح» (٥١٣٦).","vol":"8","page":91},{"text":"قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٤٠٨): وهذا شذوذٌ عن أهل العلم، وترك للسنة الصحيحة الصريحة، يُصان الشافعي عن إضافته إليه، وجعله مذهبًا له مع كونه من أتبع الناس لسنة رسول الله - ﷺ - ولا يعرج منصف على هذا القول. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4105>مسألة [١٠]: إذا أذنت البكر بالنطق</span>؟\nعامة أهل العلم على أنها إذا أذنت بالكلام؛ جاز أيضًا، واعتبر منها الإذن؛ لأنَّ المقصود من الحديث هو معرفة إذنها، فإذا تكلمت به حصل المقصود، وخالف ابن حزم الظاهري، فلم يعد ذلك إذنًا، وهذا من جموده الممقوت. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4106>مسألة [١١]: إذا ضحكت البكر أو بكت، فهل يعتبر إذنًا</span>؟\n• الراجح من أقوال أهل العلم أنَّ ذلك يُعتبر إذنًا ما لم تظهر قرينة تدل على أنَّ البكاء، أو الضحك حاصل لعدم الرغبة في ذلك، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4107>مسألة [١٢]: من صارت ثيبًا بوطءٍ حرام، فهل يُعتبر الإذن بالسكوت أو الكلام</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ المعتبر هو نطقها، وهو قول أحمد، والشافعي، ومحمد، وأبي يوسف؛ لأنها صارت ثيبًا فيشملها عموم الحديث المذكور في الباب.\n• وذهب جماعةٌ آخرون إلى أنَّ حكمها حكم البكر، وهو قول مالك، وأبي\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٠٩) «البيان» (٩/ ١٨١ -) «المحلى» (١٨٣٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤٠٩) «البيان» (٩/ ١٨٢) «الفتح» (٥١٣٦).","vol":"8","page":92},{"text":"حنيفة، واختاره ابن حزم، وابن القيم كما أن حكمها حكم البكر في الحدود، ولأنَّ الاستحياء حاصل فيها، وقال ابن القيم: بل الاستحياء عندها أشد بسبب الجريمة التي وقعت فيها. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4108>مسألة [١٣]: إذا ذهبت بكارتها بغير جماع</span>؟\nذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أن حكمها كحكم البكر عند الأئمة الأربعة، وهذا هو الصحيح، ولا ينبغي الخلاف في ذلك؛ فإنَّ المرأة قد تذهب بكارتها بسبب وثبة، أو بسبب الكِبَر، وكثرة الحيض، أو بسبب سقوط، أو ما أشبه ذلك، فلا تزال المرأة تستحيي كغيرها من الأبكار، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4109>مسألة [١٤]: هل يُشترط أن يُشْهِدَ الوليُّ على إذن المرأة</span>؟\n• قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٤١): ليس ذلك شرطًا في صحة العقد عند جماهير العلماء، وإنما فيه خلاف شاذ في مذهب الشافعي، وأحمد، والمشهور في المذهبين كقول الجمهور أنَّ ذلك لا يُشترط؛ فإن أنكرت الزوجة؛ كان القول قولها مع يمينها، ولم يثبت النكاح. اهـ\nقلتُ: القول قولها فيما إذا أنكرت قبل دخول الزوج بها، وأما بعد ذلك؛ فلا، ولعل الخلاف الذي ذكره شيخ الإسلام هو فيما إذا كان قبل الدخول، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٩، ٤٢) «المغني» (٩/ ٤١٠) «الطرق الحكمية» «المحلى» (١٨٢٢) «البيان» (٩/ ١٨٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤١١) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٩).","vol":"8","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4110>مسألة [١٥]: إذا اختلف الزوج والمرأة في إذنها للولي، فالزوج يدعيه والمرأة تنكره</span>؟\n• أما إذا كان هذا الخلاف واقعًا قبل الدخول، فأكثر الفقهاء على أنَّ القول قول المرأة مع يمينها، خلافًا لزُفَر.\n• وأما إذا كان الخلاف واقعًا بعد الدخول، فذكر بعض الحنابلة أنَّ القول قول الزوج. والأشهر عند الحنابلة أنَّ المرأة لا تستحلف، بل القول قولها بدون يمين، والأظهر أنها تستحلف، وهو مقتضى مذهب الجمهور. (^١)\nتنبيه: إذا أبت المرأة أن تحلف؛ فلا يثبت النكاح عند الحنابلة، ويثبت عند أبي يوسف، ومحمد، وكذلك عند الشافعي بعد أن يحلف الزوج أيضًا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4111>مسألة [١٦]: هل لولي المجنونة أن يزوجها بغير إذنها</span>؟\nأمَّا إن كانت ممن تزوج بغير إذنها لو كانت عاقلة؛ فيجوز تزويجها لو كانت مجنونة بغير إذنٍ عند أهل العلم كالمجنونة الصغيرة، وعند من يقول: إنَّ البكر البالغة يجوز للأب أن يزوجها بغير إذنها، فعندهم أيضًا يجوز ذلك في المجنونة من باب أولى.\n• وأمَّا إن كانت ممن لا تزوج إلا بإذنها لو كانت عاقلة، كالثيب الكبيرة، أو البكر البالغة عند من يقول بذلك.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤١١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤١١).","vol":"8","page":94},{"text":"فإما أن يكون وليها الأب:\n• فيجوز له عند الشافعي، وأبي حنيفة، وبعض الحنابلة؛ لأنها لا تعقل الإذن فحكمها حكم الصغيرة.\n• وقال بعض الحنابلة: ليس له تزويجها؛ لأنها ولاية إجبار، وليس على الثيب ولاية إجبار، وهو قول ابن حزم، والصحيح هو القول الأول.\nوإما إن يكون وليها الحاكم:\n• فمنهم من قال: له تزويجها إذا رأى منها حاجة إلى الزواج، ورأى لها المصلحة في ذلك، وهو قول بعض الحنابلة، والحنفية، والشافعية، إلا أنَّ الشافعية استثنوا الصغيرة.\n• ومنهم من قال: ليس له تزويجها مطلقًا؛ لأنَّ هذه ولاية إجبار، فلا تثبت لغير الأب، ولأنها لا تزوج إلا بإذنها وإذنها متعذر، وهذا قول جماعة من الحنابلة، وابن حزم.\nوالصواب هو القول الأول، والله أعلم.\nوأما إذا كان وليها غير الأب والحاكم، كالإخوة والأعمام:\n• فقال بعض أهل العلم: لا يزوجها غير الحاكم، وهو قول القاضي، والشافعي وأصحابه.\n• ومنهم من قال: له تزويجها إذا رأوا منها الرغبة، وكان لها في ذلك مصلحة،","vol":"8","page":95},{"text":"وهو قول الحنفية، وبعض الحنابلة.\nوهذا أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4112>مسألة [١٧]: إذا زوجت المرأة بغير إذنها، وهي ممن يُعتبر إذنها، فهل يصح العقد</span>؟\n• منهم من يقول: العقد باطلٌ؛ لأنه زواج منهي عنه. وهذا مذهب الشافعي، والمشهور عن أحمد، وهو قول أبي عبيد، وأبي ثور، وهو ظاهر اختيار البخاري، واستدلوا على ذلك بحديث خنساء بنت خدام عند البخاري أنَّ أباها زوَّجها وهي كارهة، فأتت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فردَّ نكاحها، ولأنَّ النهي يقتضي الفساد، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تنكح البكر حتى تُستأذن، ولا تنكح الأيم حتى تُستأمر ...» الحديث.\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى أنَّ العقد موقوف على إجازتها؛ فإنْ أجازته فهو صحيح، وإن لم تجزه؛ فهو باطل، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس -﵄-، أنَّ جارية بكرًا أتت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فذكرت أنَّ أباها زوجها وهي كارهة، فخيَّرها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. أخرجه أحمد وغيره، وقد أعلَّه بعض الحفاظ بالإرسال كما سيأتي، وجاء عن بريدة أنَّ فتاة أتت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقالت: يا رسول الله، إن أبي زوجني من ابن أخيه؛ ليرفع بي خسيسته. فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء إن ليس للآباء من الأمر\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤١٢ -) «البيان» (٩/ ١٨٥).","vol":"8","page":96},{"text":"شيء. أخرجه ابن ماجه وغيره (^١)، وظاهره الصحة؛ إلا أنه قد أُعِلَّ بالإرسال أيضًا، أعله بذلك الدارقطني.\nوقد يُستدل لهم أيضًا بحديث ابن عمر -﵄- -وهو حديث صحيح- أنَّ قدامة ابن مظعون زوَّجه من ابنة أخيه عثمان بن مظعون، وذهب المغيرة فأرغب أمها بالمال، فرغبت في تزويجه، ورغبت البنت بما رغبت فيه الأم، فاختلفوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هي يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها»، قال: فانتزعت مني بعد أن ملكتها، وزوجوها المغيرة بن شعبة.\nوهذا القول رجحه الشوكاني -﵀- في «السيل»، وهو الراجح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4113>مسألة [١٨]: هل يجوز تزويج الغلام الصغير</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنه يجوز للأب أن يزوج غلامه الصغير، ونقل ابن المنذر، وابن قدامة عدم الخلاف في ذلك، وجاء عن ابن عمر بإسناد صحيح كما في «سنن البيهقي» (٧/ ١٤٣) أنه زوَّج غلامه الصغير.\n• وخالف ابن حزمٍ، فلم يُجِزْ تزويج الصغير؛ لأنَّ الدليل جاء بالصغيرة، ولم يأتِ في الصغير.\n• وقال الجمهور: إذا كان ذلك جائزًا في الصغيرة فمن باب أولى في الصغير؛\n_________\n(^١) سيأتي تخريج الحديثين قريبًا رقم (٩٨٢).\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٩،٤٢) «المغني» (٩/ ٤٠٦) «الفتح» (٥١٣٨) «المحلى» (١٨٢٢) «المقنع» (٣/ ٢٣) مع الحاشية.","vol":"8","page":97},{"text":"لأنَّ الصغير يملك الخروج من ذلك بالطلاق، وليس عليه في ذلك نقص بخلاف المرأة.\nوقول الجمهور هو الصواب، وابن حزم محجوج بعدم الخلاف قبله، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4114>مسألة [١٩]: إذا كان الصغير معتوهًا، فهل للأب تزويجه</span>؟\n• أجاز ذلك الحنابلة؛ لأنه إذا جاز له ذلك وهو عاقل فمن باب أولى وهو معتوه، وقال الشافعي: لا يجوز؛ لأنه يلزم عليه بالزواج حقوق مع عدم حاجته، فلم يجزئه كبقية الأولياء.\nومذهب الحنابلة أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4115>مسألة [٢٠]: إذا كان المجنون كبيرًا بالغًا، فهل يزوجه بغير إذنه</span>؟\n• يجوز تزويجه في مذهب أحمد، ومالك.\n• وقال الشافعي، وبعض الحنابلة: لا يزوجه إلا إذا ظهرت منه الرغبة في النساء.\n• وقال أبو بكر الحنبلي: لا يزوج مطلقًا؛ لأنه رجل، فلا يُجبر على النكاح كالعاقل.\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٨٢٢) «البيان» (٩/ ٢١١) «الشرح الكبير» (٩/ ١٧٩) «المغني» (٩/ ٤١٥ -).\n(^٢) انظر المصادر السابقة.","vol":"8","page":98},{"text":"• وقال زُفَر: إن طرأ عليه الجنون بعد البلوغ؛ لم يجز تزويجه، وإن كان مستدامًا؛ جاز.\n• وقال مالك، والحنابلة: ليس ذلك لغير الأب؛ لأنه أشفق بولده، وأعلم بمصلحته. وقال ابن حامد الحنبلي، والشافعية: للحاكم أيضًا تزويجه.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الصحيح أنَّ لولي المجنون أن يزوجه إذا رأى له مصلحة في ذلك، سواء كان أبًا، أو غيره، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4116>مسألة [٢١]: إذا تزوج لصغير، أو مجنون فمن يقبل النكاح</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٤١٧): وَإِنْ تَزَوَّجَ لِصَغِيرٍ، أَوْ مَجْنُونٍ؛ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ لَهُمَا النِّكَاحَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمَا فِي قَبُولِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ. وَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرٍ، وَهُوَ مُمَيِّزٌ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ تَفْوِيضِ الْقَبُولِ إلَيْهِ، حَتَّى يَتَوَلَّاهُ لِنَفْسِهِ، كَمَا يُفَوَّضُ أَمْرُ الْبَيْعِ إلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ بِنَفْسِهِ. وَإِنْ تَزَوَّجَ لَهُ الْوَلِيُّ؛ جَازَ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ، وَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِصِحَّةِ بَيْعِهِ وَوُقُوعِ طَلَاقِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُ؛ فَهَذَا أَوْلَى. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4117>مسألة [٢٢]: هل يجوز للولي أن يتزوج له بزيادة على مهر المثل</span>؟\n• مذهب الشافعي عدم جواز ذلك، وقال به القاضي من الحنابلة.\n• ومذهب الحنابلة الجواز، ورجحه ابن قدامة، فقال: الغالب أنَّ المرأة لا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤١٥ -) «البيان» (٩/ ٢١١) «الشرح الكبير» (٩/ ١٨ - ١٨٢).","vol":"8","page":99},{"text":"ترضى بتزويج مجنون إلا أن ترغب بزيادة على مهر مثلها، فيتعذر الوصول إليه بدون ذلك. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4118>مسألة [٢٣]: المحجور عليه لسفه، هل يزوجه وليه بغير إذنه</span>؟\nعلى ولي السَّفِيه أن يزوجه إذا علم حاجته إلى النكاح؛ لأنه نصب لمصلحته، وهذا من مصالحه؛ لأنه يصون به دينه، وعرضه، ونفسه؛ فإنه ربما تعرض بترك التزويج للإثم بالزنى، والحد، وهتك العرض، وسواء علم حاجته بقوله، أو بغير قوله، وسواء كانت حاجته إلى الاستمتاع أو إلى الخدمة، فيزوجه امرأة لتحل له؛ لأنه يحتاج إلى الخلوة بها.\nوإن لم يكن للسفيه حاجة إلى الزواج؛ لم يجز تزويجه؛ لأنه يلزمه بالنكاح حقوقًا، من المهر، والنفقة، والعِشْرَة، والمبيت، والسكنى؛ فيكون تضييعًا لماله، ونفسه من غير فائدة؛ فلم يجز، كتبذير ماله. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4119>مسألة [٢٤]: وإذا أراد تزويجه، فهل يشترط أن يستأذنه</span>؟\n• الأشهر عند الحنابلة عدم اشتراط ذلك، فيصح التزويج إذا زوجه من غير إذنه، وهو وجهٌ للشافعية.\n• وللحنابلة وجهٌ في اشتراط ذلك، وهو وجهٌ للشافعية، وهو الصواب، والله أعلم؛ لأنه يملك الطلاق، فلم يجبر على النكاح كالرشيد، وكالعبد الكبير،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤١٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤١٩) «البيان» (٩/ ٢١٢).","vol":"8","page":100},{"text":"وذلك لأنَّ إجباره على النكاح مع ملك الطلاق مجرد إضرار؛ فإنه يطلق، فيلزمه الصداق مع فوات النكاح، ولأنه قد يكون له غرض في امرأة ولا يكون له في أخرى، فإذا أُجبر على من يكرهها؛ لم تحصل له المصلحة منها، وفات عليه غرضه من الأخرى، فيحصل مجرد ضرر مستغنى عنه، وإنما جاز ذلك في حق المجنون، والطفل؛ لعدم إمكان الوصول إلى ذلك من قولهما، ولم يتعذر ذلك ههنا؛ فوجب أن لا يفوت ذلك عليه. (^١)\nتنبيه: إذا تزوج السفيه بغير إذن، فيصح زواجه على الأصح، وقد تقدمت المسألة في باب الحجر. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4120>مسألة [٢٥]: إذا زوج السيد أمته، فهل يشترط أن يستأذنها</span>؟\n• نقل ابن قدامة -﵀- عدم الخلاف على أنه لا يشترط استئذانها، وأنه إذا زوجها بغير إذنٍ؛ لزمها النكاح؛ لأنَّ منافعها مملوكة له، والنكاح عقد على منفعتها، فأشبه عقد الإجارة، ولذلك ملك الاستمتاع بها، وبهذا فارقت العبد، ولأنه ينتفع بتزويجها لما يحصل له من مهرها، وولدها، ويسقط عنه من نفقتها، وكسوتها، بخلاف العبد.\nقلتُ: وقد خالف ابن حزمٍ في ذلك، فأدخل الأمة في عموم الأحاديث، والراجح قول الجمهور. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤١٩ - ٤٢٠) «البيان» (٩/ ٢١٢ -).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٩/ ٤٢٠).\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ٤٢٢) «الشرح الكبير» (٩/ ١٨٩).","vol":"8","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4121>مسألة [٢٦]: العبد الصغير الذي لم يبلغ هل لسيده تزويجه</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ للسيد تزويج عبده الصغير؛ لأنه إذا ملك تزويج ابنه الصغير فعبده مع ملكه له وتمام ولايته عليه أولى، وكذلك الحكم في عبده المجنون، وهذا هو الصحيح، وخالف بعض الشافعية فلم يجيزوا ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4122>مسألة [٢٧]: هل للسيد تزويج عبده البالغ العاقل بغير إذنه</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي في قولٍ أنَّ السيد لا يملك إجبار عبده؛ لأنه مكلف يملك الطلاق، فلا يجبر على النكاح كالحر، ولأنَّ النكاح خالص حقه، ونفعه له، فأشبه الحر.\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في قولٍ إلى أنَّ له إجبار عبده على الزواج؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، ولأنه يملك رقبته، فملك إجباره على النكاح كالأمة، ولأنه يملك إجارته، فأشبه الأمة.\nوأُجيب: بأن الأمر بإنكاحه مختصٌّ بحال طلبه؛ بدليل عطفه على الأيامى، وإنما يزوجن عند الطلب، ومقتضى الأمر الوجوب، وإنما يجب تزويجه عند طلبه، وأما الأمة؛ فإنه يملك منافع بضعها والاستمتاع بها بخلاف العبد، ويفارق النكاح الإجارة؛ لأنها عقد على منافع بدنه، وهو يملك استيفاءها.\nوالراجح القول الأول. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٢٥) «الشرح الكبير» (٩/ ١٩٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤٢٤ -) «البيان» (٩/ ٢١٧).","vol":"8","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4123>مسألة [٢٨]: إذا طلبت الأمة من سيدها تزويجها، فهل يجبر على ذلك</span>؟\nلا يُجبر على تزويجها؛ لأنَّ عليه ضررًا في تزويجها إذا كان يطؤها لأنَّ وطأها يدفع حاجتها؛ فإن كان لا يطؤها لكونها محرمة عليه، أو لا يرغب في وطئها؛ أُجبر على تزويجها، أو وطئها إن كانت محللة له، أو إزالة ملكه عنها؛ لأنه وليها، فأجبر على تزويجها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4124>مسألة [٢٩]: هل للسيد أن يزوج أمته بمعيب</span>؟\nإذا كان العيب عيبًا يرد به النكاح، ويؤثر في الاستمتاع؛ فليس له ذلك؛ لأنَّ ذلك حق لها، ولذلك ملكت الفسخ بالجَبِّ، والعُنَّةِ، والامتناعِ من العبد دون السيد -يعني في الإيلاء-، وفارق بيعها من المعيب؛ لأنه لا يُراد للاستمتاع، ولهذا ملك شراء الأمة المحرمة عليه ولم تملك الأمة الفسخ لعيبه ولا عُنَّيته، ولا إيلائه.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٤٢٤): وَإِنْ زَوَّجَهَا مِنْ مَعِيبٍ فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ فَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ. فَلَهَا الْفَسْخُ. وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَهَلْ لَهُ الْفَسْخُ فِي الْحَالِ، أَوْ يَنْتَظِرُ بُلُوغَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ هَكَذَا. اهـ\nتنبيه: مما تقدم يُستفاد:\nالشرط الثاني: وهو: أنه يُشترط رضى الزوجين حيث يعتبر ذلك.\nالشرط الثالث من شروط النكاح: تعيين الزوجين.\nيُشترط لصحة النكاح تعيين الزوجين؛ لأنَّ كل عاقد ومعقود عليه يجب\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٢٣).","vol":"8","page":103},{"text":"تعيينهما كالمشتَرَى، والْمَبيع، وعلى هذا فعليه تمييز المرأة المنكوحة بإشارة، أو تسمية، أو صفة، أو غير ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4125>مسألة [٣٠]: إذا خطب امرأة فَزُوِّجَ بغيرها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٤٨١): لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ انْصَرَفَ إلَى غَيْرِ مَنْ وُجِدَ الْإِيجَابُ فِيهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ سَاوَمَهُ بِثَوْبٍ وَأَوْجَبَ الْعَقْدَ فِي غَيْرِهِ بِغَيْرِ عِلْمِ الْمُشْتَرِي، فَلَوْ عَلِمَ الْحَالَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَرَضِيَ؛ لَمْ يَصِحَّ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ خَطَبَ جَارِيَةً، فَزَوَّجُوهُ أُخْتَهَا، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ الصَّدَاقُ عَلَى وَلِيِّهَا؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَيُجَهِّزُ إلَيْهِ أُخْتَهَا الَّتِي خَطَبَهَا بِالصَّدَاقِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ قَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ، يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ. وَقَوْلُهُ: (يُجَهِّزُ إلَيْهِ أُخْتَهَا) يَعْنِي وَاَللهُ أَعْلَمُ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ هَذِهِ إنْ كَانَ أَصَابَهَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي عَقَدَهُ لَمْ يَصِحَّ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ صَدَرَ فِي إحْدَاهُمَا وَالْقَبُولَ فِي الْأُخْرَى فَلَمْ يَنْعَقِدْ فِي هَذِهِ وَلَا فِي تِلْكَ؛ فَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ فِي إحْدَاهُمَا أَيَّتَهُمَا كَانَ؛ جَازَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4126>مسألة [٣١]: إذا تزوج امرأة فبانت من محارمه</span>؟\nالذي عليه أهل العلم انفساخ النكاح بدون طلاق، واختلفوا فيما يتعلق بالمهر:\n• فذهب النخعي، ومكحول، والقاسم، وسالم، والأوزاعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأبو عبيد، وابن المنذر إلى أن لها المهر كاملًا بما استحل\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٨١ - ٤٨٢) «البيان» (٩/ ٢٢٧ -).","vol":"8","page":104},{"text":"من فرجها.\nوقال طاوس: لها نصف المهر. وقال الشعبي: لا شيء لها. وقال أصحاب الرأي: لها الأقل من صداق مثلها، أو ما سمي لها من المهر.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الصحيح أنَّ لها ما سمَّى لها من المهر كاملًا، إن كان سمَّى لها، أو مهر أمثالها؛ إن لم يكن سمَّى لها، ويدل على ذلك حديث عائشة -﵂-، أن النبي - ﷺ - قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» أخرجه أحمد، وأبو داود، وهو حديث صحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4127>مسألة [٣٢]: إذا تزوج امرأة فَزُفَّت إليه غيرها</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٤٨١): وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا: لَهَا الْمَهْرُ بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، وَلِأُخْتِهَا الْمَهْرُ. قِيلَ: يَلْزَمُهُ مَهْرَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَرْجِعُ عَلَى وَلِيِّهَا، هَذِهِ مِثْلُ الَّتِي بِهَا بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ. عَلِيٌّ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِ غُرْمٌ. (^٢) وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي امْرَأَةٍ جَاهِلَةٍ بِالْحَالِ أَوْ بِالتَّحْرِيمِ، أَمَّا إذَا عَلِمَتْ أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً، وَأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، وَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لَهَا صَدَاقٌ؛ لِأَنَّهَا زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ، فَأَمَّا إنْ جَهِلَتْ الْحَالَ؛ فَلَهَا الْمَهْرُ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ -﵁- فِي رَجُلَيْنِ\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (٨/ ٣٩٩ -) «الفقه على المذاهب الأربعة» (٤/ ١٠٧).\n(^٢) سيأتي في «البلوغ» برقم (١٠١١).","vol":"8","page":105},{"text":"تَزَوَّجَا امْرَأَتَيْنِ، فَزُفَّتْ كُلُّ امْرَأَةٍ إلَى زَوْجِ الْأُخْرَى: لَهُمَا الصَّدَاقُ، وَيَعْتَزِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا امْرَأَتَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. اهـ\nقلتُ: أثر علي أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٣٠٤) من طريق: خلاس عن علي، وقد قيل: إنه لم يسمع منه، وإنما هي صحيفة. وأخرجه ابن المنذر (٨/ ٣٩٩) من طريق محمد بن سالم، عن الشعبي، عن علي -﵁-، به. ومحمد بن سالم متروك.\n\n٩٨٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ نَفْسَهَا». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nاستدل أهل العلم بهذا الحديث على أنَّ المرأة لا يجوز لها أن تزوج نفسها وإن كانت رشيدة خلافًا لأبي حنيفة وعلى أنَّ المرأة لا تصلح لولاية النكاح، وإنما هي خاصة بالرجال، وقد تقدم ذكر هذه المسألة سابقًا، فراجعها.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه ابن ماجه (١٨٨٢)، والدارقطني (٣/ ٢٢٧)، من طريق جميل بن الحسن العتكي، ثنا محمد بن مروان العقيلي، ثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة به.\nوإسناده حسن من أجل محمد بن مروان وجميل، فإنهما حسنا الحديث.\nوالحديث له إسنادان آخران صحيحان: انظر الدارقطني (٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، والبيهقي (٧/ ١١٠) إلا أن فيه زيادة: «فإن الزانية هي التي تزوج نفسها». والراجح وقفها على أبي هريرة. انظر «الإرواء» (١٨٤١).","vol":"8","page":106},{"text":"٩٨١ - وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَاتَّفَقَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَلَى أَنَّ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4128>مسألة [١]: سبب تسمية هذا النكاح شغارًا</span>.\nقيل: مأخوذٌ من الفراغ، فيقال: مكان شاغر، أي: فارغ. وسُمِّي به هذا النكاح؛ لأنه فارغ من المهر.\nوقيل: مأخوذٌ من الرفع، يقال: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول، وسُمِّي به هذا النكاح؛ لرفع المهر، وتشبيهًا له بفعل الكلب؛ لقبحه. وقيل غير ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4129>مسألة [٢]: ما حكم هذا النكاح إذا خلا من الصداق</span>؟\nهذه الصورة متفق على أنها شغار، ومحرم.\n• واختلفوا في صحة العقد، فأكثر أهل العلم على فساد، وبطلان هذا النكاح إذا خلا من الصداق بأن يجعل بضع إحداهما مهرًا للأخرى، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي وإسحاق وغيرهم؛ لأنه محرمٌ منهيٌ عنه والنهي يقتضي الفساد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١١٢) (٦٩٦٠)، ومسلم (١٤١٥).\n(^٢) انظر: «لسان العرب» (مادة شَغَرَ) «شرح مسلم» (٩/ ٢٠٠) «المغني» (١٠/ ٤٢).","vol":"8","page":107},{"text":"• وقال بعض أهل العلم: يصح النكاح، وعلى كل واحد أن يدفع مهر المثل. وهو قول عطاء، وعمرو بن دينار، ومكحول، والزهري، والثوري، والحنفية، والليث، وأحمد في رواية؛ لأنَّ التحريم بسبب عدم وجود المهر، فإذا فرض مهر المثل انتفت علة التحريم.\n• وعن مالك رواية أنَّ النكاح يفسخ قبل الدخول؛ فإن دخل بها فلا فسخ، ولها مهر المثل، وهو قول الأوزاعي.\nوالذي يظهر أنَّ القول الأول هو الصواب، وعليه فإذا حصل ذلك؛ دفع لها المهر، وجدد العقد، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4130>مسألة [٣]: إذا جعلا صداقًا، فهل يدخل في التحريم</span>؟\n• مذهب الجمهور، ومنهم: أحمد في المشهور، والشافعي وغيرهما أنه لا يُعَدُّ شِغَارًا، وإن اشترط ذلك؛ طالما قد جعلوا لكل واحدة الصداق، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر -﵄- في الباب، وفيه: «وليس بينهما صداق».\nوأُجيب: بأنَّ التفسير من كلام نافع، وأُجيب بأنه أعلم بمعنى ما روى، ولعله أخذه عن ابن عمر.\nواستدل الجمهور بحديث أنس -﵁- عند عبد الرزاق (٦/ ١٨٤)، وبحديث جابر -﵁- عند البيهقي (٧/ ٢٠٠)، وإسناد الأول ضعيف؛ لأنه من رواية: معمر\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٨٥٢) «الفتح» (٥١١٢) «شرح مسلم» (٩/ ٢٠١) «الإنصاف» (٨/ ١٥٧) «المغني» (٩/ ٤٢) «الأوسط» (٨/ ٣٦٠).","vol":"8","page":108},{"text":"عن ثابت، وإسناد الثاني صحيح، وفي كل منهما ظهور في اللفظ، أنَّ المقصود من ذلك بضع إحداهما عوض ومهر للأخرى، بل حديث جابر -﵁- نصٌّ في ذلك، فلفظ حديث أنس: «والشغار أن يزوج الرجلُ الرجلَ أختَه بأخته»، ولفظ حديث جابر: «والشغار أن ينكح هذه بهذه بغير صداق، بضع هذه صداق هذه، وبضع هذه صداق هذه».\nوقالوا أيضًا: هذا هوالشغار الذي كان في الجاهلية وحرَّمه الشرع، ولأنَّ هذه الصورة هي التي تتفق مع المعنى الُّلغوي، وهي الصورة المجمع عليها، وما عداها مختلف فيه؛ فلا تدخل في التحريم إلا بدليل صحيح صريح.\n• وقال بعض أهل العلم: إنَّ هذه الصورة تدخل في نكاح الشغار. وهو قول مالك، والخِرَقِي، والظاهرية، وهو رواية عن أحمد، واختارها بعض أصحابه، واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة -﵁- في «صحيح مسلم» (١٤١٦): «نهى النبي - ﷺ - عن الشِّغار، وهو أن يقول الرجلُ للرجل: أزوجك ابنتي وتزوجني ابنتك. أو: أزوجك أختي وتزوجني أختك».\nوقالوا: ليس في هذا الحديث ذكر (ليس بينهما صداق). وأُجيب بأنَّ هذه الزيادة أيضًا من تفسير بعض الرواة، فقد جاء في «سنن النسائي» (٦/ ١١٢) التصريح بأنَّ التفسير من كلام عبيد الله بن عمر القواريري، وقد بيَّن ذلك الحافظ في «الفتح».\nوعدم ذكره لها لا يدل على أنه لا يرى ذلك شرطًا؛ لأنه قد يكون أراد بكلامه","vol":"8","page":109},{"text":"الأول اشتراط ذلك، أعني أن يكون بضع إحداهما صداقًا للأخرى.\nواستدلوا أيضًا بحديث معاوية بن أبي سفيان في «مسند أحمد» (٤/ ٩٤)، و«سنن أبي داود» (٢٠٧٥): أنَّ العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته على أن ينكحه ابنته، وكانا جعلا صداقًا، فكتب معاوية يأمر بالتفريق بينهما، وقال: لهذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ -.\nوأُجيب عن هذا الحديث: بأنَّ المقصود منه جعلا ذلك الزواج صداقًا، أعني المبادلة، وذلك بأنَّ المفعول الثاني محذوف، والتقدير: (وكانا جعلاه صداقًا)، ويؤيده أنَّ أبا يعلى أخرج الحديث بهذا اللفظ في «مسنده» (٧٣٧٠).\nوعلى التسليم بأنَّ مراد معاوية أنَّ هذا محرم، وإن كان قد جعلا صداقًا، فهذا فَهْمٌ منه -﵁- قد خالفه جمهور أهل العلم، بل لم ينقل عن أحد من الصحابة الإنكار، وقد كانوا متوافرين في المدينة في عهد معاوية -﵁-.\nوقد رجَّح الإمام ابن باز -﵀- القول الثاني، ورجَّح الإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين القول الأول، وهو أقرب، وبالله التوفيق.\nوقد اشترط الإمام ابن عثيمين -﵀- في جواز ذلك أن يزوجها من كُفءٍ بمهر مثلها، وأن يراعي مصلحتها. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٤٤) «المحلى» (١٨٥٢) «الإنصاف» (٨/ ١٥٧) «الشرح الممتع» (١٢/ ١٧٤) ط/ابن الجوزي «فتاوى اللجنة» (١٨/ ٤٢٧) «الفتح» (٥١١٢) «الأوسط» (٨/ ٣٦٢).","vol":"8","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4131>مسألة [٤]: إذا قلنا بصحة العقد، فهل يُعتبر المهر المسمى</span>؟\nأما إذا كان المهر المسمى هو مهر مثلها؛ فيُعتبر.\n• وإن كان دون ذلك، فقال بعضهم: يفسد المسمى، ويجب لها مهر المثل. وهو مذهب الشافعي، ووجهٌ للحنابلة. وللحنابلة وجهٌ أنه يثبت لها المسمى.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4132>مسألة [٥]: إذا جعلا واحدة بأخرى، ولم يسميا صداقًا، ولم يقولا: هذه بصداق هذه</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والمنصوص عن الشافعي أنه يُعَدُّ شغارًا، ولا يصح.\n• والأصح عند الشافعية صحته، ويكون لكل واحدة مهر المثل، والصحيح القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4133>مسألة [٦]: إذا شرَّك البضع مع شيء من المال، فجعل ذلك صداقًا</span>؟\n• مذهب الحنابلة فساد النكاح، وهو وجهٌ للشافعية، وهو الصحيح.\n• وللشافعية وجهٌ أنه صحيح، ولها مهر المثل، والأول أقرب. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٤٤ - ٤٥) «البيان» (٩/ ٢٧٣).\n(^٢) انظر: «البيان» (٩/ ٢٧٣) «المغني» (١٠/ ٤٣) «الفتح» (٥١١٢).\n(^٣) انظر: «البيان» (٩/ ٢٧٤) «المغني» (١٠/ ٤٤) «الإنصاف» (٨/ ١٥٧).","vol":"8","page":111},{"text":"٩٨٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - فَذَكَرَتْ: أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nاستدل بهذا الحديث من قال: إنَّ المرأة إذا زوجت بغير إذنها أنَّ نكاحها موقوف على إجازتها. وهو مذهب مالك، وأحمد في رواية، وهو الصحيح؛ لحديث الباب، وقد تقدم ذكر الخلاف ودراسته في هذه المسألة تحت حديث (٩٧٨).\n_________\n(^١) حسن لغيره. أخرجه أحمد (٢٤٦٩)، وأبوداود (٢٠٩٦)، وابن ماجه (١٨٧٥)، من طريق جرير ابن حازم عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس به. وقد حكم عليه جماعة من الحفاظ بالخطأ، وأن جريرًا أخطأ في وصل الحديث، والمحفوظ عن أيوب عن عكرمة مرسلًا، وقد رجح الإرسال أبوحاتم وأبوزرعة كما في «العلل» (١/ ٤١٧)، وأبوداود في «سننه» (٢٠٩٧)، والبيهقي في «السنن» (٧/ ١١٧)، وغيرهم، ويشهد لهذا الحديث حديث بريدة أن فتاة أتت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقالت: يا رسول الله، إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته. فجعل الأمر إليها قالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء. أخرجه ابن ماجه (١٨٧٤) وفي إسناده اختلاف، وقد رجح الدارقطني في «العلل» (١٥/ ٨٩) إرساله، وهذا المرسل يصلح للتقوية.","vol":"8","page":112},{"text":"٩٨٣ - وَعَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4134>مسألة [١]: إذا زوج المرأةَ وليان قد أذنت لكل واحد منهما</span>؟\nدلَّ الحديث المتقدم على أنها للأول منهما، والحديث وإن كان ضعيفًا؛ إلا أنَّ العمل عليه، فقد قال الترمذي -﵀- عقب الحديث: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في هذا.\nقلتُ: خالف مالك، وعطاء فيما إذا كان الثاني قد دخل بها، فقالا: هو أولى. وخالفهم عامة العلماء، فقالوا: هي للأول مطلقًا؛ لأنَّ عقد الثاني صادف امرأة متزوجة؛ فهو عقد باطل، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: ذكر بعض العلماء أنَّ الثاني إذا دخل بها فلها عليه مهر المثل، وتُردُّ على الأول، ولا يحل له وطؤها حتى تنقضي عدتها ممن وطئها، والمقصود بالعدة الاستبراء. (^٣)\n_________\n(^١) ضعيف. رواه أحمد (٥/ ٨)، وأبوداود (٢٠٨٨)، والترمذي (١١١٠)، والنسائي (٧/ ٣١٤)، كلهم رووه من طريق الحسن عن سمرة، ورواية الحسن عن سمرة ضعيفة؛ لأن الصحيح أنه ما سمع منه إلا حديث العقيقة، فهو منقطع. ولم يخرج الحديث ابن ماجه.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٩/ ٤٢٩).\n(^٣) انظر «المغني» (٩/ ٤٣١).","vol":"8","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4135>مسألة [٢]: إذا جهل الأول منهما</span>؟\n• قال جماعةٌ من العلماء: يفسخ الحاكمُ النكاحين جميعًا، ثم تتزوج من شاءت منهما، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي حنيفة.\n• وعن أحمد رواية أخرى أنه يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة أمر صاحبه بالطلاق، ثم يجدد العقد.\n• وقال الثوري، وأبو ثور: يجبرهما السلطان على أن يطلق كل واحد منهما طلقة؛ فإن أبيا فرَّق بينهما. وهذا قريب من القول الأول؛ لأنه تعذر إمضاء العقد الصحيح؛ فوجب إزالة الضرر بالتفريق.\n• وقال الشافعي، وابن المنذر: النكاح مفسوخٌ؛ لأنه تعذر إمضاؤه.\nوهذا لا يصح؛ لأنَّ العقد الصحيح لا يبطل بمجرد تعذر تعيينه.\n• ورُوي عن شُريح، وعمر بن عبد العزيز، وحماد بن أبي سليمان أنها تُخَيَّر، فأيهما اختارته فهو زوجها.\nوهذا ليس بصحيح؛ فإنَّ أحدهما ليس بزوج لها إلا أن يريدوا بقولهم: إنها إذا اختارت أحدهما فرَّق الحاكم بينها وبين الآخر، ثم عَقَدَ للمختار نكاحها؛ فهذا حسن، وعليه فهو راجع إلى القول الأول.\nوالصحيح في هذه المسألة أنه يجب على المرأة الخروج من النكاحين، ثم","vol":"8","page":114},{"text":"تختار من شاءت، فيعقد لها به. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4136>مسألة [٣]: إذا ادَّعى كل واحد منهما أنه السابق بالعقد</span>؟\n• لا يُقبل قول من ادَّعى ذلك إلا ببينة عند أهل العلم، ولا يقبل إقرار المرأة لأحدهما عند الحنابلة، وأما الشافعية فيرون قبول إقرارها، والأظهر قول الحنابلة؛ إلا أن تُظهِر بينة على ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4137>مسألة [٤]: إذا وقع العقدان في وقت واحد</span>؟\nهذه مسألة افتراضية يبعد وقوعها ولو فرض وقوع ذلك؛ فالعقدان باطلان، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٣٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤٣٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ٤٣٣ -).","vol":"8","page":115},{"text":"٩٨٤ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ أَوْ أَهْلِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4138>مسألة [١]: هل يجوز للعبد أن ينكح بغير إذن سيده</span>؟\nيحرم على العبد أن ينكح بغير إذن سيده، ولا يجوز له ذلك بالإجماع، نقله ابن المنذر وغيره؛ لأنه مملوك لغيره، وتصرفه بذلك تصرف في ملك الغير بغير إذن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4139>مسألة [٢]: وهل يصح النكاح إذا تزوج بغير إذن</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي عدم صحته؛ لأنه نكاح محرم.\n• ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية أنه موقوف على إجازة سيده.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: هذا القول أقرب؛ لأنَّ في ذلك شبها بالمرأة التي تزوج بغير إذنها، وتقدم أنَّ الراجح صحة النكاح بالإجازة، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف. رواه أحمد (٣/ ٣٠١)، وأبوداود (٢٠٧٨)، والترمذي (١١١١)، من حديث عبدالله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف فيه والراجح ضعفه، وقد تفرد بهذا الحديث.\n\nتنبيه: الحديث لم أجده في صحيح ابن حبان.\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤٣٦) «المحلى» (١٨٣٢) «البيان» (٩/ ١٦٠).","vol":"8","page":116},{"text":"٩٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4140>مسألة [١]: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها في الزواج</span>.\nدلَّ حديث الباب على تحريم ذلك.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٥٢٢): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ. وَلَيْسَ فِيهِ بِحَمْدِ الله اخْتِلَافٌ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبِدَعِ مِمَّنْ لَا تُعَدُّ مُخَالَفَتُهُ خِلَافًا، وَهُمْ الرَّافِضَةُ وَالْخَوَارِجُ لَمْ يُحَرِّمُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُولُوا بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْ النبي - ﷺ -.\nثم قال -﵀-: ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ، حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، كَعَمَّاتِ آبَائِهَا وَخَالَاتِهِمْ، وَعَمَّاتِ أُمَّهَاتِهَا وَخَالَاتِهِنَّ، وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ، مِنْ نَسَبٍ كَانَ ذَلِكَ أَوْ مِنْ رَضَاعٍ، فَكُلُّ شَخْصَيْنِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَزَوَّجَ الْآخَرَ، لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى لِأَجْلِ الْقَرَابَةِ، لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِتَأْدِيَةِ ذَلِكَ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْقَرِيبَةِ، لِمَا فِي الطِّبَاعِ مِنْ التَّنَافُسِ وَالْغَيْرَةِ بَيْنَ الضَّرَائِرِ، وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُمِّهَا فِي الْعَقْدِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ الْأُمَّ إلَى ابْنَتِهَا أَقْرَبُ مِنْ الْأُخْتَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يُجْمَعْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ؛ فَالْمَرْأَةُ وَبِنْتُهَا أَوْلَى. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨).","vol":"8","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4141>مسألة [٢]: الجمع بين المرأة وبنت عمها، أو بنت خالها</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ ذلك جائز، وأكثرهم على أنه لا كراهة في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤].\n• وكره ذلك جابر بن زيد، وعطاء، والحسن، وسعيد بن عبد العزيز، وأحمد في رواية؛ لوجود القطيعة بينهما، وهما ذوا رحم.\nوالقول الأول أظهر، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٢٤) «الفتح» (٥١٠٥).","vol":"8","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4142>فَصْل فِي ذِكْرِ المُحَرَّمِ نِكَاحُهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ</span>\nيقول ربُّنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * ... وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٢ - ٢٤].\nفي هذه الآيات تنصيص على تحريم خمس عشرة امرأة، وهنّ سبع بالنسب:\n١) الأمهات: وهُنَّ كل من انتسبت إليها بولادة، سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة، وهي التي ولدتك، أو مجازًا، وهي التي ولدت من ولدتك وإن علت من قبل الأم، أو من قبل الأب، وارثات كُنَّ أو غير وارثات.","vol":"8","page":119},{"text":"٢) البنات: وهُنَّ كل أنثى انتسبت إليك بولادة، كابنة الصُّلب، وبنات البنين والبنات، وإن نزلت درجتهن، وراثات، أو غير وارثات.\n٣) الأخوات: من الجهات الثلاث، من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم، ولا تفريع عليهن.\n٤) العمات: أخوات الأب من الجهات الثلاث، وأخوات الأجداد من قِبَل الأب، ومن قِبَل الأم، قريبًا كان الجد أو بعيدًا، وراثًا أو غير وارث.\n٥) الخالات: أخوات الأم من الجهات الثلاث، وأخوات الجدات وإن علون، وقد ذكرنا أنَّ كلَّ جدةٍ أُمٌّ، فكذلك كل أخت لجدة خالة محرَّمة.\n٦) بنات الأخ: كل امرأة انتسبت إلى أخ بولادة؛ فهي بنت أخ محرمة، من أي جهة كان الأخ.\n٧) بنات الأخت: كل امرأة انتسبت إلى أخت بولادة؛ فهي بنت أخت محرمة من أي جهة كانت الأخت.\nومنهن من حُرِّمت بسبب الرضاع، وهنّ اثنتان:\n٨) الأمهات المرضعات: وهُنَّ اللاتي أرضعنك، وأمهاتهن، وجداتهن وإن علت درجتهن على ما ذكر في النسب.","vol":"8","page":120},{"text":"٩) الأخوات من الرضاعة: وهي كل امرأة أرضعتك أُمُّهَا، أو أرضعتها أُمُّك، أو أرضعتك وأرضعتها امرأة أخرى؛ فهي أختك محرمة عليك. (^١)\nومنهن من حرمت بسبب المصاهرة، وهُنّ أربع:\n١٠) أمهات النساء، فمن تزوج امرأة حرم عليه كل أم لها، قريبة أو بعيدة، بمجرد العقد، هذا قول جمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، والمعقود عليها من نسائه؛ فتدخل في عموم الآية.\nوقد جاء عن علي -﵁- من طريق: خِلاس بن عمرو عنه أنه قال: لا تحرم إلا بالدخول بابنتها، كما لا تحرم ابنتها إلا بالدخول بالأم، وجاء أيضًا عن زيد بن ثابت أنها لا تحرم إلا بالدخول بها، أو بموتها، وهو من طريق: قتادة عن سعيد بن المسيب.\nفهذان الأثران فيهما نظر؛ لأنَّ خِلاس بن عمرو لم يسمع من علي، وقتادة شديد التدليس عن سعيد، وقد ضعف روايته عنه ابن المديني بسبب ذلك كما في «التهذيب» ولو صحَّ الأثران عنهما فهذا اجتهاد منهما، والصحيح قول الجمهور. (^٢)\n١١) بنت امرأته التي دخل بها: وهي الربيبة، وهي كل بنت للزوجة قريبة أو بعيدة، ولا تحرم إلا بالدخول بها في قول عامة أهل العلم؛ إلا أن زيد بن ثابت\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥١٣ - ٥١٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٥١٥) «الدر المنثور» (٤/ ٣٠٥ -) «تفسير ابن المنذر» (٢/ ٦٢٦ -).","vol":"8","page":121},{"text":"رُوي عنه بالإسناد المتقدم أنها تحرم عليه أيضًا إذا ماتت الأم، وإن لم يدخل بها، وهو رواية عن أحمد، والصحيح قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾\n١٢) بنت الربيبة، وبنت الربيب وإن نزلن، بالاتفاق، قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٦٥): وتحرم عليه بنت امرأته، وهي الربيبة، وبنت بنتها وإن سفلت، وبنت الربيب أيضا حرام؛ كما نص عليه الأئمة المشهورون: الشافعي وأحمد وغيرهما ولا أعلم فيه نزاعا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4143>مسألة [١]: هل تحرم عليه الربيبة إذا لم تكن في حجره</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنها لا تحرم عليه إذا لم تكن في حجره؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، فقالوا: هذا قيد في الآية، فلا تحرم عليه إلا إذا كانت في حجره، وهذا القول صحَّ عن علي بن أبي طالب -﵁-، وهو قول الظاهرية، واستدلوا عليه أيضًا بحديث: «إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّت لي». (^١)\n• وذهب جمهور العلماء إلى أنها تحرم عليه وإن لم تكن في حجره، وقالوا: القيد في الآية خرج مخرج الغالب، ولا مفهوم له. واستدلوا على التحريم المطلق بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في نفس الحديث السابق: «فلا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥١٠١)، ومسلم برقم (١٤٤٩)، عن أم حبيبة -﵂-.","vol":"8","page":122},{"text":"وأُجِيب: بأنه نهى عن ذلك؛ لأنه لا يجوز الجمع بين الأختين، وبين المرأة وبنتها، واستدلوا على ذلك بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «أيما رجل نكح امرأة، فدخل بها؛ فلا يحل له نكاح ابنتها» (^١)،\nفقالوا: مفهومه أنه إن كان قد دخل بها؛ لم تحل له ربيبته، ولم يذكر قيد كونها في الحجر.\nوقالوا: حديث أم حبيبة قد جاء بلفظ: «لو لم تكن ربيبتي ما حلَّت لي»، وبلفظ: «لو لم أنكح أم سلمة؛ ما حلَّت لي». (^٢)\nوأُجيب بأنَّ الحديث واحدٌ، والقصة واحدة، وأكثر الطرق بلفظ: «لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّت لي»؛ فدلَّ على أنَّ الروايات الأخرى اختصار من بعض الرواة.\nوقد اعترف الحافظ ابن حجر بأنَّ هذا القيد يشبه أن يكون معتبرًا، قال: ولولا الإجماع الحادث في المسألة، وندرة المخالف لكان الأخذ به أولى؛ لأنَّ التحريم جاء مشروطًا بأمرين: أن تكون في الحجر، وأن يكون الذي يريد التزويج قد دخل بالأم. اهـ\nوقد اعترف الإمام العثيمين -﵀- أنَّ قولهم (خرج مخرج الغالب) ليس بصحيح؛ لأنَّ الغالب أنَّ البنت لا تكون في حجر زوج أمها.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١١١٧)، من طريق: ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، به.\n\nقال الترمذي -﵀-: هذا حديث لا يصح من قِبل إسناده، وإنما رواه ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، والمثنى بن الصباح، وابن لهيعة يضعفان في الحديث.\n(^٢) اللفظان في «البخاري» برقم (٥١٠٦) (٥١٢٣).","vol":"8","page":123},{"text":"ثم استدل على أنَّ القيد غير معتبر بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فذكر انتفاء قيد الدخول، ولم ينبه على انتفاء قيد الحجر؛ فدلَّ على عدم اعتباره.\nثم ظهر لي أن القيد المعتبر هو الدخول على الأم فقط، وأما كونها في حجره فليس شرطًا في التحريم؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فدل على أن هذا القيد هو المعتبر، لإعادته، دون إعادة القيد الثاني، ولأنه حتى وإن كانت في حجره؛ فكيف سيراها في أول ليلة يدخل على أمها، وهي في أول الأمر ليست في حجره؛ فيلزم من ذلك أنها تحتجب منه أيامًا حتى تصير في حجره، ولا أعلم قائلا بذلك، والله أعلم.\nوقد رجَّح شيخنا مقبل الوادعي، والإمام الألباني رحمهما الله القول الأول، ورجَّح القول الثاني العثيمين، واللجنة الدائمة رحمة الله عليهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4144>مسألة [٢]: ضابط الدخول الْمُحَرِّم</span>.\n• صَحَّ عن ابن عباس -﵄- أنَّ المراد بقوله ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ الجماع (^٢)، وهو قول طاوس، وعمرو بن دينار، وعبد الكريم الجزري، وبعض الحنابلة، والشافعي في قولٍ، وهو اختيار البخاري، وهذا هو الصواب.\n• وقد ذهب الجمهور إلى أنه إن باشرها بشهوةٍ، بتقبيلٍ، أو مسٍّ، أو كشفٍ؛\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٨٦٠) «المغني» (٩/ ٥١٦ - ٥١٧) «الفتح» (٥١٠٦) «الشرح الممتع» (٥/ ٢٠١ - ٢٠٢) «البيان» (٩/ ٢٤١ -).\n(^٢) أخرجه عبدالرزاق كما في «تغليق التعليق» (٤/ ٤٠٦) بإسناد صحيح.","vol":"8","page":124},{"text":"حرمت عليه ابنتها. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n١٣) حلائل الأبناء: يعني زوجة ابنه، وابن ابنته، وابن ابنه وإن نزلوا، وتحرم بمجرد العقد عليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾، قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافًا. «المغني» (٩/ ٥١٨).\n١٤) زوجات الأب: يحرم على الرجل امرأة أبيه قريبًا كان أو بعيدًا، وارثًا أو غير وارث، من نسبٍ، أو رضاع؛ للآية المتقدمة ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء:٢٢]، وسواء في هذا امرأة أبيه، أو امرأة جده لأبيه، أو جده لأمه، قَرُبَ أو بَعُدَ، وليس في هذا بين أهل العلم خلاف يُعلم، قال ذلك ابن قدامة.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٥١٨): وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْ وَطِئَهَا أَبُوهُ، أَوْ ابْنُهُ، بِمِلْكِ يَمِينٍ أَوْ شُبْهَةٍ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْ وَطِئَهَا فِي عَقْدِ نِكَاحٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الْمِلْكُ فِي هَذَا وَالرَّضَاعُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا ذَلِكَ عَنْهُ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَمَكْحُولٌ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافَهُمْ. اهـ\nومنهنّ من حرمت بسبب الجمع:\n١٥) وهي أخت الزوجة، فتحرم على زوج أختها ما دامت أختها زوجة له،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥١٧، ٥٣١) «تفسير القرطبي» [آية: ٢٤ من النساء] «الفتح» (٥١٠٦).","vol":"8","page":125},{"text":"فإذا ماتت، أو طلقت وانتهت عدتها؛ حلَّت له؛ فإن تزوجهما في عقد واحد فسد؛ لأنه لا مزية لأحداهما على الأخرى، وسواء علم بذلك حال العقد أو بعده؛ فإن تزوج إحداهما بعد الأخرى؛ فنكاح الأولى صحيح؛ لأنه لم يحصل فيه جمع، ونكاح الثانية باطل؛ لأنَّ به يحصل الجمع، وليس في هذا اختلاف، قاله ابن قدامة. «المغني» (٩/ ٥١٩).\n١٦) والمرأة الخامسة عشرة هي المتزوجة، فهي حرام؛ لكونها زوجة لإنسان آخر، فإذا خرجت من عصمته حلَّت؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٤] الآية.\nفائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٦٦):\nبنات المحرمات محرمات؛ إلا بنات العمات والخالات، وأمهات النساء، وحلائل الآباء والأبناء، وهذا مما لا أعلم فيه نزاعا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4145>مسألة [٣]: هل الوطء بنكاح شبهة تحصل فيه حرمة المصاهرة</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٦٦): من وطئَ امرأة بما يعتقده نكاحًا؛ فإنه يلحق به النسب، ويثبت فيه حرمة المصاهرة باتفاق العلماء فيما أعلم. اهـ\nوقد نقل الاتفاق أيضًا ابن المنذر، وابن قدامة كما في «المغني» (٩/ ٥٢٨).\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٦٦) «المغني» (٩/ ٥٢٥).","vol":"8","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4146>مسألة [٤]: إذا زنى رجلٌ بامرأة، فهل تحرم هذه المرأة على أبيه، وابنه، وهل تحرم عليه أمها وبنتها</span>؟\n• من أهل العلم من يقول: تثبت حرمة المصاهرة بذلك، وهو قول الحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وجاء عن ابن مسعود، وعمران بن حصين ما يدل على هذا القول، وفي الإسنادين ضعفٌ.\nواستدلوا بحديث ضعيف، وهو حديث ابن مسعود عند الدارقطني (٣/ ٢٦٩): «لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها»، ولا يثبت لا مرفوعًا، ولا موقوفًا، ولهم في ذلك بعض القياسات كما في «المغني» (٩/ ٥٢٧).\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ ذلك لا يحرم، صحَّ ذلك عن ابن عباس -﵄-، وهو قول سعيد بن المسيب، ويحيى بن يعمر، وعروة، والزهري، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، وعزاه الحافظ للجمهور.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ سياق الآيات يدل على تحريمٍ انعَقَدَ بمصاهرة، وبنكاح؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، وهذه ليست حليلة له، وقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وهذه ليست من نسائه، وقوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ وهذه ليست من نسائه.\nوهذا القول هو الصواب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-.","vol":"8","page":127},{"text":"قال ابن عبد البر -﵀-: قد أجمع أهل الفتوى من الأمصار على أنه لا يحرم على الزاني تزوج من زنى بها؛ فنكاح أمها وابنتها أجوز. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4147>مسألة [٥]: اللواط بالغلام هل يحرم</span>؟\n• العجب أن بعض أهل العلم يقول: إذا لاط الرجل بالغلام -والعياذ بالله- حرمت عليه أمه وابنته، ونُقل هذا القول عن الثوري، والأوزاعي، وأحمد. وعامة أهل العلم، وجمهورهم يقولون بعدم التحريم، وهذا هو الصواب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4148>مسألة [٦]: هل تحرم البنت من الزنى والأخت من الزنى</span>؟\n• عامة أهل العلم على التحريم؛ لأنَّ الآية تشمل ذلك، أعني قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣].\n• ونُقل عن الشافعي عدم التحريم؛ لأنها لا تنسب إليه شرعًا، ولا يجري التوارث بينهما، ولا تلزمه نفقتها. وقد دافع بعض أهل العلم عن الشافعي، وبينوا أنه لا يرى الجواز، وإنما أطلق الكراهة، وأراد بذلك التحريم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4149>مسألة [٧]: إذا باشر أجنبية بدون الفرج</span>؟\nإن كانت المباشرة لغير شهوة؛ لم تنتشر حرمة المصاهرة بلا خلاف.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٢٦) «الشرح الممتع» (٥/ ٢٠٢ - ٢٠٣) «المصنف» (٦/ ٨٣ -) «البيهقي» (٧/ ١٦٨ - ١٧٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٥٢٨) «الفتح» (٥١٠٥).\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ٥٢٩) «أعلام الموقعين» (١/ ٤٢ -) «زاد المعاد» (٥/ ٥٦٩ - ٥٧٠).","vol":"8","page":128},{"text":"• وإن كانت المباشرة لشهوة؛ ففيه خلاف، وعن أحمد: لا يحرم. وهو قول من يقول: الزنى لا يحرم. وهو الصواب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4150>مسألة [٨]: إذا خلا بالأجنبية بدون مباشرة</span>؟\nنقل ابن قدامة عدم الخلاف على أنها لا تحرم، ولا تنتشر حرمة بذلك. (^٢)\nتنبيه: إذا خلا بامرأة تزوجها بغير شهوة؛ فلا تنتشر حرمة المصاهرة من جهة ابنتها عند أكثر أهل العلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4151>مسألة [٩]: إذا تزوج امرأةً مع خالتها، أو عمتها</span>؟\nإن تزوجهما معًا في وقت واحد؛ فالعقدان باطلان، وإن تقدمت إحداهما؛ فالعقد على المتقدمة صحيح، وعلى الأخرى باطل. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4152>مسألة [١٠]: هل يجوز أن يجمع بين امرأة وبنت زوجها الأول من غيرها</span>؟\n• ذكر أهل العلم أنَّ ذلك جائز، ولا مانع بدليل صحيح من ذلك، وصح عن عبدالله بن جعفر أنه تزوج بنت علي وزوجته كما في «البخاري» معلقًا، ووصله البغوي، وابن منصور، وابن سعد كما في «الفتح»، وجاء عن بعضهم أنه كره ذلك، رُوي ذلك عن الحسن، وعكرمة، وابن أبي ليلى، والصحيح الجواز بدون\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٣١).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٥٣٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ٥٣٣).\n(^٤) انظر: «المغني» (٩/ ٥٣٤).","vol":"8","page":129},{"text":"كراهة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4153>مسألة [١١]: الجمع بين الأختين بملك اليمين</span>.\nأما مجرد التملك فيجوز أن يتملك الأختين، والأم وابنتها، والمرأة وخالتها بغير خلاف.\nواختلفوا هل يجوز له الجمع بينهما في الوطء؟\n• فذهب جمعٌ من أهل العلم إلى عدم الجواز، وهو قول جابر بن زيد، وطاوس، والحكم، وحماد، والشعبي، وابن سيرين، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وأبي حنيفة. ومنع من ذلك من الصحابة علي، وابن مسعود -﵄-، وكره ذلك عمر، وعائشة -﵄-، وهو ثابت عنهم.\n• وقال عثمان بن عفان -﵁-: أحلته آية، وحرمته آية، وما أحب أن أفعل ذلك. وهو ثابت عنه أيضًا.\nواستدل القائلون بالتحريم بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:٢٣].\n• وذهب إلى جواز ذلك الظاهرية، وصحَّ عن ابن عباس -﵄-، واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٦/المعارج:٣٠]، وقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، وعن أحمد رواية بالكراهة، فقد\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٤٣) «الفتح» (٥١٠٥).","vol":"8","page":130},{"text":"تعارض عمومان كما هو ظاهر، والمحققون من أهل العلم على الترجيح بين العمومين في مثل هذه الحالة، وإبقاء العموم الراجح على عمومه، وتخصيص العموم المرجوح.\nوقد تكلم الشنقيطي -﵀- على ذلك بكلام جيد في «دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب»، ورجَّح عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ لأمور، منها: أنها سيقت في محل بيان المحرمات، والآية الأخرى سيقت في معرض وصف المتقين المفلحين. ومنها: أنَّ الأصل في الفروج التحريم، فلا يحل فرج إلا بدليل صحيح لا معارض له. ومنها: أنَّ عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قد خُصَّ بالإجماع إذا ملك أختين من الرضاع، أو أمًا وابنتها من الرضاع، أو المرأة وخالتها من الرضاع ...؛ فضعف عمومه، بخلاف عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾؛ فإنه لم يخص، وعلى هذا فالقول بالمنع هو الأقرب، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: ذهب الحكم، وحماد، والنخعي إلى أنه إن كان يملك أختين؛ فلا يقرب واحدة منهما، وهو قول ابن حزم، وأكثر أهل العلم على أنَّ له أن يطأ واحدة منهما دون الأخرى؛ لأنه في هذه الحالة لم يجمع بينهما بالفراش. وهذا هو\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٣٧ -) «الدر المنثور» (٤/ ٣١٠ -) «البيهقي» (٧/ ١٦٤ -) «تفسير ابن المنذر» (١٥٥٦ - ١٥٥٩) «ابن أبي شيبة» (٤/ ١٦٩ -) «مصنف عبدالرزاق» (١٢٧٢٨ -) «تفسير ابن جرير» و«تفسير ابن أبي حاتم» [آية:٢٣] من سورة النساء.","vol":"8","page":131},{"text":"الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4154>مسألة [١٢]: إذا وطئ إحداهما، ثم أراد أن يطأ الأخرى</span>؟\n• ليس له ذلك حتى يحرم الأولى على نفسه بتزويجها، أو إخراجها عن ملكه ببيع، أو هبة، وهو قول علي، وابن عمر -﵃-، وقال به الحسن، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ولا تحل له برهنها.\n• وقال قتادة: إن استبرأها؛ حلَّت له أختها.\nوالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4155>مسألة [١٣]: إذا كاتب إحداهما، فهل تحل له الأخرى</span>؟\n• الحنابلة على أنَّ ذلك لا يُحِلُّ له الأخرى إن كان وطئ الأولى التي كاتبها؛ لأنَّ الكتابة لا تخرجها من ملكه إلا بعد الأداء، ولاحتمال رجوعها إليه، فأشبهت المرهونة.\n• ومذهب الشافعية أنَّ الثانية تحل له؛ لأنه أصبح ممنوعًا من الأولى بسبب لا يقدر على دفعه، فأشبه تزويجها.\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٨٥٧) «المغني» (٩/ ٥٣٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٥٣٩) «الدر المنثور» (٤/ ٣١٠ -) «ابن أبي شيبة» (٤/ ١٦٨ - ١٦٩).\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ٥٣٩).","vol":"8","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4156>مسألة [١٤]: إذا أخرج من وطئها من ملكه، فهل يُشترط استبراء رحمها حتى تحل أختها</span>؟\n• اشترط ذلك جماعةٌ من الفقهاء من الحنابلة وغيرهم، ولم يشترط ذلك أبو يوسف، ومحمد، وهو الصواب؛ لعدم وجود دليل على اشتراط ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4157>مسألة [١٥]: إن وطئ أَمَتَيْهِ (الأختين)، فما الحكم</span>؟\nالوطء الثاني محرم عليه، ولا حدَّ عليه؛ لأنَّ وطأه في ملكه، ولأنه مختلف في حكمها، وله سبيل إلى استباحتها.\n• ثم إنَّ الحنابلة يرون أنه لا يحل له واحدة منهما حتى يحرم الأخرى على نفسه ويستبرئها.\n• وأما الشافعية، وبعض الحنابلة فيقولون: الأولى باقية على حِلِّها؛ لأن الوطء الحرام لا يحرم الحلال إلا أنَّ القاضي قال: لا يطؤها حتى يستبرئ الثانية.\nوالصحيح قول الشافعية، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4158>مسألة [١٦]: إذا زال ملكه عن الموطوءة، فوطئ أختها، ثم عادت الأولى إلى ملكه</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنه ليس له أن يطأ إحداهما حتى يُحَرِّمَ الأخرى على نفسه بإخراجها من ملكه، أو تزويجها.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٧٩، ٥٣٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٥٣٩ -).","vol":"8","page":133},{"text":"• وقال أصحاب الشافعي: لا تحرم عليه واحدة منهما؛ لأنَّ الأولى لم تبق فراشَا؛ فأشبه ما لو وطئ أمةً، ثم اشترى أختها، فعلى هذا فالأُولَى ما زالت تحل له، فإذا أراد أن يطأ الذي رجعت إلى ملكه؛ حرَّم الأولى على نفسه.\nقلتُ: قول الشافعية أقرب، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: التحريم يحصل بالجماع على الصحيح. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4159>مسألة [١٧]: إذا وطئ أمةً، ثم أراد أن يتزوج بأختها</span>؟\n• لا يصح النكاح عند بعض أهل العلم، وهو قول مالك في رواية، ونقل عن أحمد؛ لأنَّ النكاح تصير به المرأة فراشًا، فلم يجز أن ترد على فراش الأخت كالوطء، ولأنه فعلٌ في الأخت ينافي إباحة أختها المفترشة؛ فلم يَجُزْ كالوطء.\n• وقال بعضهم: يصح النكاح، ولا تُباح له حتى يُحرِّم أختها. وهو مذهب أبي حنيفة، ونقل عن أحمد؛ لأنه سبب يُستباح به الوطء، فجاز أن يرد على وطء الأخت، ولا يبيح كالشراء.\n• وقال الشافعي: يصح النكاح، وتحل له المنكوحة، وتحرم عليه أختها؛ لأنَّ النكاح أقوى. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٤٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٥٤١).\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ٥٤١ -).","vol":"8","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4160>مسألة [١٨]: نكاح حرائر أهل الكتاب</span>.\nقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥].\nفعامة أهل العلم على جواز نكاح حرائر أهل الكتاب؛ لهذه الآية، بشرط أن تكون عفيفة، وقد نقل الإجماع على ذلك، ولكن قد صح عن ابن عمر -﵄- كما في «صحيح البخاري» (٥٢٨٥) أنه كان يمنع من ذلك، ويقول: قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة:٢٢١] قال: ولا أعلم من الشرك أعظم من أن تقول المرأة: (ربها عيسى).\nوحمل بعضهم قول ابن عمر أنه كان يأمر بالتنزه عن ذلك. قال أبو عبيد: المسلمون اليوم على الرخصة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4161>مسألة [١٩]: من هم أهل الكتاب</span>؟\nهم أهل التوراة، والإنجيل، وإن كان ذلك بعد التبديل، والتحريف، والنسخ، فقد كان التحريف والتبديل والنسخ حاصل في عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومع ذلك أُبيحت نساؤهم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٤٥ -) «الفتح» (٥٢٨٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٥٤٦) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٨٧ - ١٨٨) «الشرح الممتع» (٥/ ٢١٨) «فتاوى اللجنة».","vol":"8","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4162>مسألة [٢٠]: نساء المجوس</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٥٤٧): وَلَيْسَ لِلْمَجُوسِ كِتَابٌ، وَلَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ، وَلَا نِكَاحُ نِسَائِهِمْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، إلَّا أَبَا ثَوْرٍ؛ فَإِنَّهُ أَبَاحَ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» (^١)، وَلِأَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً (^٢)، وَلِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، فَأَشْبَهُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى.\nقال -﵀-: وَلَنَا قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة:٢٢١]، وَقَوْله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠]، فَرَخَّصَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، فَمَنْ عَدَاهُمْ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ، وَقَوْله - ﷺ -: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ، وَإِقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ لَا غَيْرُ.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١٣٠٥).\n(^٢) ضعيف. أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٨/ ٤٧٦)، وابن حزم في «المحلى» (٩/ ٤٤٩)، من طريق الحسن: أن حذيفة تزوج امرأة مجوسية.\nوهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فإن الحسن لم يسمع من حذيفة، وقد ضعف هذا الأثر ابن عبد البر في «التمهيد» (٢/ ١٢٨).\nوفي «سنن البيهقي» (٧/ ١٧٣) عن معبد الجهني، قال: رأيت امرأة حذيفة مجوسية. ومعبد لم يدرك حذيفة -﵁-، وكان رأسًا في القدرية، قال عنه الحسن: ضال، مضل.\nقال البيهقي عقب روايته: فهذا غير ثابت، والمحفوظ أنه نكح يهودية، والله أعلم.\nوله طريق أخرى عند ابن المنذر في «الأوسط» (٨/ ٤٧٦)، وابن حزم في «المحلى» (٩/ ٤٤٩)، عن الحسن: أن حذيفة تزوج امرأة مجوسية.\nوالحسن لم يسمع من حذيفة، وقد ضعف هذا الأثر ابن عبد البر في «التمهيد» (٢/ ١٢٨).","vol":"8","page":136},{"text":"قال: وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً، وَضَعَّفَ أَحْمَدُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً. وَقَالَ: أَبُو وَائِلٍ يَقُول: تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً. وَهُوَ أَوْثَقُ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً.\nقال: وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ؛ فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ مَعَ مُخَالِفَتِهِ الْكِتَابَ، وَقَوْلَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا إقْرَارُهُمْ بِالْجِزْيَةِ؛ فَلِأَنَّنَا غَلَّبْنَا حُكْمَ التَّحْرِيمِ لِدِمَائِهِمْ، فَيَجِبُ أَنْ يُغَلَّبَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فِي ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4163>مسألة [٢١]: نساء الصابئين</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٥٤٦ -): وَأَمَّا الصَّابِئُونَ فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ السَّلَفُ كَثِيرًا، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ جِنْسٌ مِنْ النَّصَارَى. وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَعَلَّقَ الْقَوْلَ فِيهِمْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يَسْبِتُونَ. فَهَؤُلَاءِ إذَا يُشْبِهُونَ الْيَهُودَ. وَالصَّحِيحُ فِيهِمْ أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا يُوَافِقُونَ النَّصَارَى أَوْ الْيَهُودَ فِي أَصِلْ دِينِهِمْ، وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي فُرُوعِهِ، فَهُمْ مِمَّنْ وَافَقُوهُ، وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي أَصِلْ الدِّينِ؛ فَلَيْسَ هُمْ مِنْهُمْ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4164>مسألة [٢٢]: سائر الكفار غير أهل الكتاب</span>.\nلا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم، وذبائحهم، قاله ابن قدامة -﵀- كما في «المغني» (٩/ ٥٤٨).","vol":"8","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4165>مسألة [٢٣]: إذا كان أحد أبوي المرأة ليس كتابيا</span>؟\n• جاء عن بعض أهل العلم أنها لا تحل، وقال به أحمد في رواية، وقال بذلك أيضًا الشافعي فيما إذا كان الأب غير كتابي، وقال بعض الحنابلة: تحل؛ لأنها تدخل في عموم الآية، وهذا أقرب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4166>مسألة [٢٤]: إذا تركت الكتابية دينها بعد الزواج وانتقلت إلى دين كفر آخر</span>؟\nأولًا الكتابي إذا انتقل إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر عليه بلا خلاف، وهل يقر إذا انتقل إلى دين أهل الكتاب الآخر؟\n• قال بعضهم: لا يقر. وهو قولٌ للشافعي، ورواية عن أحمد.\n• وقال بعضهم: يقر. وهو قولٌ للشافعي، ورواية عن أحمد، والحنفية.\nوعلى القول الأول قال بعضهم: لا يقبل منه بعد ذلك إلا الإسلام. قاله أحمد، والشافعي في قول. وقال بعضهم: يقبل منه الإسلام، وكل دين يقر أهله عليه.\nوالترجيح بين هذه الأقوال يحتاج إلى تحرير، وعلى كُلٍّ فالكتابية إذا فارقت دين أهل الكتاب إلى غير دين أهل الكتاب فتحرم على زوجها، وينفسخ نكاحها، ولا مهر لها. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٤٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٥٥٠ - ٥٥٢).","vol":"8","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4167>مسألة [٢٥]: هل تحل الأمة الكتابية للمسلم</span>؟\n• كرهه الحسن، وأباح ذلك عامة العلماء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٦/المعارج:٣٠]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4168>مسألة [٢٦]: هل تحل الإماء المشركات للمسلمين</span>؟\n• منع من ذلك كثير من العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:٢٢١].\n• وذهب بعضهم إلى الجواز، وهو قول طاوس، وآخرين، واستدلوا على الجواز بعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦/المعارج:٣٠]، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- متواتر عنه أنه قاتل مشركي العرب وأسر منهم، وسبى نساءهم، وكان الصحابة يتسرون بهن، وهذا القول هو الصواب، والعجب من كثرة المخالف، والآية التي استدلوا بها المراد بها الزواج؛ جمعًا بين الأدلة، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4169>مسألة [٢٧]: ما حكم التزوج بأمة كتابية</span>؟\n• جمهور العلماء على المنع من ذلك، وهو ظاهر مذهب أحمد، وقال بذلك الحسن، والزهري، ومكحول، ومالك، والشافعي، والثوري، والأوزاعي،\n_________\n(^١) «المغني» (٩/ ٥٥٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٥٥٢) «الشرح الممتع» (٩/ ٢٢٨ -).","vol":"8","page":139},{"text":"والليث، وإسحاق، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥].\n• وأجاز ذلك أبو حنيفة، وأبو ميسرة، وأحمد في رواية، وردَّ الخلال هذه الرواية، واستدلوا على ذلك بأنها كما تحل بملك اليمين؛ فتحل له بالنكاح كالمسلمة.\nوأُجيب عن ذلك بالفارق، بأنَّ المسلمة لا يؤدي ذلك إلى استرقاق الكافر ولدها؛ لأنَّ الكافر لا يقر ملكه على مسلمة، والكافرة تكون ملكًا للكافر، ويقر ملكه عليها، وولدها مملوك لسيدها، ولو لم يحصل هذا الفارق كأن تكون مملوكة لرجل مسلم؛ لما حلت أيضًا لظاهر الآية المتقدمة، ولا يجوز معارضتها بالقياس. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4170>مسألة [٢٨]: وهل يجوز للعبد المسلم التزوج بالأمة الكتابية</span>؟\n• أجاز ذلك الحنفية، وبعض الشافعية؛ لأنَّ الآية ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المخاطب بها الأحرار.\n• ومذهب الحنابلة، وجماعة من الشافعية وغيرهم المنع من ذلك أيضًا؛ لعموم الدليل، ولأنَّ ما حُرِّم على الحر تزويجه لأجل دينه؛ حُرِّم على العبد كالمجوسية. وهذا أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٥٤ -) «البيان» (٩/ ٢٦٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٥٥٤ - ٥٥٥) «البيان» (٩/ ٢٦٨).","vol":"8","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4171>مسألة [٢٩]: نكاح الحر المسلم الأمة المسلمة</span>.\n• جمهور أهل العلم على جواز ذلك إذا وجد الشرطان اللذان ذكرهما الله في كتابه، وهما عدم القدرة على نكاح الحرة، والثاني خوف العنت. والصبر أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء:٢٥]، فإذا عدم أحد هذين الشرطين لم يحل له نكاحها، وهو قول عطاء، وطاوس، وجابر بن زيد، والزهري، وعمرو بن دينار، ومكحول، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\n• وذهب مجاهد إلى جواز نكاح الأمة وإن كان موسرًا، وقال به أبو حنيفة إذا لم يكن تحته حرة.\n• وأجاز ذلك قتادة، والثوري لمن خاف العنت، وإن وجد الطَّوْل.\nوالصحيح هو قول الجمهور؛ لظاهر الآية، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4172>مسألة [٣٠]: إذا أيسر بعد الزواج بأمة</span>؟\n• مذهب الشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه أنَّ النكاح لا ينفسخ؛ لأنه قد انعقد على وجهٍ صحيح، فلا يفسخ إلا بدليل صحيح.\n• وذهب بعض الحنابلة، والشافعية، منهم: المزني إلى أنَّ النكاح ينفسخ؛ لأنَّ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٥٥) «تفسير القرطبي» «تفسير ابن كثير» عند الآية المتقدمة.","vol":"8","page":141},{"text":"الشرط فقد، كأكل الميتة للمضطر إذا وجد الأكل الحلال.\nوأُجيب: بأنَّ فَقْدَ الطَّول أحد شرطَي إباحة نكاح الأمة، فلم تعتبر استدامته، كخوف العنت، ويفارق أكل الميتة؛ فإنَّ أكلها بعد القدرة ابتداءٌ للأكل، وهذا لا يبتدئ النكاح إنما يستديمه، والاستدامة للنكاح تخالف ابتداءه، بدليل أنَّ العدة، والردة، وأمن العنت يمنعن ابتداءه دون استدامته. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4173>مسألة [٣١]: إذا تزوج الحر بحرة على أمة قد تزوجها قبلُ</span>؟\n• قال بعضهم: يبطل نكاحه بالأمة. نُقل عن ابن عباس -﵄- (^٢)، وهو قول مسروق، وإسحاق، والمزني، وأحمد في رواية.\n• وقال آخرون: لا يبطل نكاحه بالأمة ولا ينفسخ. وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والشافعي، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي، وثبت هذا القول عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁-، عند الدارقطني (٣/ ٢٨٥)، والبيهقي (٧/ ١٧٥) من طرق يحسن بها، وهذا أرجح، ووجهُ القولين ما تقدم في المسألة السابقة. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٥٨ - ٥٥٩).\n(^٢) صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٤٩) - ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ١٤٩) -: عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس به. وإسناده صحيح.\nوأخرجه عبد الرزاق (٧/ ١٦٨)، والبيهقي (٧/ ١٧٦) عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس. وإسناده صحيح أيضًا.\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ٥٥٩).","vol":"8","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4174>مسألة [٣٢]: هل له أن ينكح أكثر من أمة مع وجود الشرطين</span>؟\n• قال بعض أهل العلم: له ذلك. وهو قول الزهري، ومالك، وأحمد، وأصحاب الرأي؛ لعموم الآية.\n• وقال بعضهم: ليس له ذلك. وهو قول قتادة، والشافعي، وابن المنذر؛ لأنَّ من له زوجة يمكنه وطؤها لا يخشى العنت.\nوأُجيب بأنَّ المسألة موضوعة فيمن يخشى العنت، فإذا حصل ذلك أُبيح له؛ لعموم الآية، فالصواب هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4175>مسألة [٣٣]: نكاح العبد الأمة المسلمة</span>.\nأجاز ذلك أهل العلم؛ لأنَّ كليهما رقيق، ولأنَّ ظاهر الآية أنها خطاب للأحرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4176>مسألة [٣٤]: وهل له أن ينكحها على الحرة</span>؟\n• منع من ذلك أصحاب الرأي، وأحمد في رواية، وأجازه الأكثر. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4177>مسألة [٣٥]: نكاح العبد مولاته</span>؟\nأجمع أهل العلم على أنَّ نكاح العبد لسيدته باطل، نقل ذلك ابن المنذر وغيره؛ لتفاوت القيومية، وصح عن عمر -﵁- أنه همَّ أن يقيم الحد على من\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٦٠).\n(^٢) انظر: «البيان» (٩/ ٢٦٨) «المغني» (٩/ ٥٦٠ -).","vol":"8","page":143},{"text":"نكحت عبدها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4178>مسألة [٣٦]: إذا تزوج العبد بحرة ثم ملكته</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ نكاحها ينفسخ، وجمهورهم على أنه لا يعد طلاقًا، وهو الصحيح، وقال الحسن، والزهري، وقتادة، والأوزاعي: تحتسب تطليقة؛ فلو تزوجها بعد ذلك يبقى له تطليقتان. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4179>مسألة [٣٧]: نكاح الرجل أمته</span>؟\nلا يصح النكاح عند أهل العلم؛ إلا أن يعتقها، ثم يتزوجها؛ لأنَّ كونها أمة تحته أعظم من كونها زوجة. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4180>مسألة [٣٨]: إذا تزوج أمة ثم ملكها</span>؟\n• ينفسخ النكاح عند أكثر أهل العلم؛ إلا أنَّ الحسن قال: إذا اشترى امرأته للعتق، فأعتقها حين ملكها؛ فهما على نكاحهما.\n• وأجاب الجمهور بأنَّ الفسخ أسبق؛ لأنه يحصل بمجرد انتقالها إلى ملكه، والعتق حاصل بعد ذلك في غير ملك.\nوالراجح قول الجمهور. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (٩/ ٢٦٩) «الشرح الكبير» (٩/ ٣٣٧) «مصنف عبدالرزاق» (٧/ ٢٠٧).\n(^٢) انظر: «البيان» (٩/ ٢٦٩) «الشرح الكبير» (٩/ ٣٣٨ - ٣٣٩).\n(^٣) انظر: «البيان» (٩/ ٢٦٩) «الشرح الكبير» (٩/ ٣٣٧).\n(^٤) انظر: «البيان» (٩/ ٢٦٩) «الشرح الكبير» (٩/ ٣٣٨).","vol":"8","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4181>مسألة [٣٩]: تزوج الرجل أمة ولده، وولد ولده</span>.\n• منع من ذلك الشافعية، والحنابلة؛ لشبهة حديث: «أنت ومالك لأبيك».\n• وأجاز أهل العراق ذلك؛ لأنها ليست ملكًا له، وحديث: «أنت ومالك لأبيك» (^١) محمول على أنه يُباح للوالد أن يأخذ من مال ولده بدون إجحاف فيما لا يحتاجه الولد. وهذا القول أقرب، والمراد بذلك فيما إذا لم يطأ الولد أمته؛ فإن كان قد وطئها؛ صارت حرامًا على والده؛ لأنها حليلة الولد، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4182>مسألة [٤٠]: نكاح الرجل أمة أبيه</span>.\nأجاز أهل العلم للولد أن يتزوج بأمة أبيه التي لم يمسها أبوه، وللأب أيضًا أن يزوج مملوكه بابنته، فإذا مات الأب وورث الابنُ الأمةَ، أو البنتُ العبدَ؛ انفسخ النكاح كما تقدم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4183>مسألة [٤١]: متى تحرم أمة الرجل على والده وولده</span>؟\nأما إذا وطئها حرمت على والده، وولده بلا خلاف.\nوأما إذا لم يطأها؛ فللوالد والولد تملكها، وهل له وطؤها؟ فيه خلاف.\n• منهم من قال: إن جردها؛ فليس لهما ذلك. وهو قول الحسن، ورُوي عن\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في [باب الهبة].\n(^٢) انظر: «البيان» (٩/ ٢٦٩) «الشرح الكبير» (٩/ ٣٣٧).\n(^٣) انظر: «الشرح الكبير» (٩/ ٣٣٨).","vol":"8","page":145},{"text":"عمر -﵁- بسند منقطع.\n• ومنهم من قال: إذا لمسها، ونظر إليها؛ حرمت. وهو قول مسروق.\n• ومنهم من قال: إذا باشر، أو قبَّل؛ حرمت عليهما. وهو قول مجاهد، والنخعي، وابن أبي ليلى، والشافعي.\n• ومنهم من قال: إذا نظر إلى عورتها؛ حرمت. وهو مروي عن عامر بن ربيعة، وقال به أبو حنيفة، والثوري.\n• ومنهم من قال: إذا نظر إلى شيء من محاسنها كالساق، والشعر، والصدر. وهو قول مالك.\n• ومنهم من قال: تحرم بمجرد تملكها. وهو قول ابن حزم.\n• ومنهم من قال: يحرمها الوطء. وهو قول الحسن، وقتادة.\nويظهر أنَّ الأخير أقرب الأقوال، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4184>مسألة [٤٢]: الزواج بأكثر من أربع</span>.\nلا يجوز الزواج بأكثر من أربع عند أهل السنة، خلافًا لطائفة من الشيعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]، فأباح الله الأربع في سياق الامتنان، فأفاد الحصر بأربع، ولو جاز بأكثر؛ لذكره الله عزوجل، وفي حديث عبد الله بن عمر -﵄- عند البيهقي (٧/ ١٨٣) وغيره: أنَّ غيلان بن\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٨٥٩).","vol":"8","page":146},{"text":"سلمة أسلم وتحته تسع نسوة، فأمره رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يختار منهن أربعًا. وهو حديث صحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4185>مسألة [٤٣]: هل للعبد أن يتزوج بأربع</span>؟\n• ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنه لا يجوز له الزواج بأكثر من اثنتين، صحَّ ذلك عن عمر -﵁-، وجاء عن علي، وعبد الرحمن بن عوف، ولم يثبت عنهما، وهو قول عطاء، والحسن، والشعبي، وقتادة، والثوري، والشافعية، وأحمد، وأصحاب الرأي، واستدلوا على ذلك بفتوى عمر ومن معه، قالوا: ولا يُعلم لهم مخالف.\n• وقال بعض أهل العلم: له أن ينكح أربع زوجات كالحر؛ لعموم الدليل، ولا دليل صحيحًا يخصه، وهو قول القاسم، وسالم، وطاوس، ومجاهد، والزهري، وربيعة، ومالك، وأبي ثور، وداود، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4186>مسألة [٤٤]: هل للعبد أن يتسرى</span>؟\n• للعبد أن يتسرى بإذن سيده، صحَّ ذلك عن ابن عمر، وعن ابن عباس -﵄-، وهو قول الشعبي، والنخعي، والزهري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي في قول، وأحمد.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٧١) «الشرح الكبير» (٩/ ٣٠٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤٧٢) «المحلى» (١٨٢٠) «عبد الرزاق» (٧/ ٢٧٤ -) «ابن أبي شيبة» (٤/ ١٤٤) «الشرح الكبير» (٩/ ٣١٠).","vol":"8","page":147},{"text":"• وكره ذلك ابن سيرين، وحماد، والثوري، والشافعي في قول، وأصحاب الرأي.\nوالصحيح هو القول الأول؛ لأنَّ العبد يملك بتمليك سيده له؛ فإذن سيده له تمليك له تلك الأمة فيدخل في عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦/المعارج:٣٠]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4187>مسألة [٤٥]: هل له أن يتسرى بأكثر من أمة</span>؟\n• الصحيح أنَّ له أن يتسرى بما شاء إذا أذن له السيد، وإذا أذن السيد وأطلق؛ لم يزد على واحدة عند الحنابلة، وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور: له أن يزيد.\nوأُجيب: بأنَّ الإذن المطلق يتناول أقل ما يقع عليه الاسم يقينًا، وما زاد مشكوك فيه، فيبقى على الأصل، وقول الحنابلة أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4188>مسألة [٤٦]: إذا أباحت الأم، أو الأخت للرجل أن يطأ جاريتهما</span>؟\nأكثر أهل العلم على أنه لا يحل له ذلك، وأنها حرام عليه، وصح ذلك عن ابن عمر -﵄-، وهو قول الزهري، وعمرو بن دينار، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وابن المنذر.\nوقال بعض أهل العلم: تصير له رقبتها، وتباح له، وهو قول الحسن، والشعبي، والحكم، وحماد، وطاوس. وثبت عن ابن عباس -﵄- الفتوى بذلك،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٧٤) «المحلى» (١٨٢٠) «عبد الرزاق» (٧/ ٢١٤ - ٢١٥) «ابن أبي شيبة» (٤/ ١٧٤)، «الأوسط» (٩/ ١٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤٧٥).","vol":"8","page":148},{"text":"وجعل الرقبة لصاحبتها.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الصحيح التحريم، وهو قول الشافعي، وأحمد أيضًا؛ لأنها ليست ملك يمينه فهو متعد، وملوم؛ لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4189>مسألة [٤٧]: ما حُرِّم نكاحها لأجل الجمع، هل يستمر النكاح إذا طلق الأولى</span>؟\nكزواج أخت زوجته، أو خالتها، أو عمتها، أو الزواج بخامسة.\nفإذا كان الطلاق رجعيًّا؛ استمر التحريم عند أهل العلم. وأما إذا كان الطلاق بائنًا، أو فسخًا، فقولان:\n• الأول: ما زال التحريم باقيًا، ولا يجوز له نكاحها، رُوي عن علي، وابن عباس، وزيد بن ثابت (^٢)، وهو قول سعيد بن المسيب، ومجاهد، والنخعي، والثوري، وأحمد، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ هذا مروي عن الصحابة، ولأنَّ العدة\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٨/ ٤٠٢)، «البيان» (١٢/ ٣٦٤).\n(^٢) الآثار الواردة عن هؤلاء الصحابة أنهم قالوا: لا يتزوج حتى تنقضي عدة التي طلق، وليس فيه تفصيل بين البائنة والرجعية، وأثر علي -﵁- أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢/٢٤٣)، من طريق: حجاج، عن الشعبي، عن علي، وحجاج هو ابن أرطاة مدلس، والشعبي لم يسمع من علي إلا حديثًا واحدًا، كما ذكر ذلك الدارقطني.\nوأثر ابن عباس -﵄- أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢/٢٤٣ -) بإسناد صحيح، وأثر زيد -﵁- أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢/٢٤٢) بإسناد صحيح.","vol":"8","page":149},{"text":"من حقوق الزوج.\n• الثاني: يجوز له الزواج، وهو قول القاسم، وعروة، وعطاء، وابن أبي ليلى، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأبي عبيد، وابن المنذر، ورُوي عن زيد بن ثابت (^١)؛ لأنها لم تبق في عصمته.\nوهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور (١٧٤٧)، وفي إسناده: محمد بن سالم الهمداني، وهو متروك.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٩/ ٤٧٨).","vol":"8","page":150},{"text":"٩٨٦ - وَعَنْ عُثْمَانَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «وَلَا يَخْطُبُ». وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ: «وَلَا يُخْطَبُ عَلَيْهِ» (^٢).\n\n٩٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\n٩٨٨ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَيْمُونَةَ نَفْسِهَا -﵂- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4190>مسألة [١]: حكم نكاح المحرم</span>.\nتقدم الكلام على هذه المسألة في [كتاب الحج] تحت حديث (٧١٦)، ورجحنا تحريم ذلك، وبطلان ذلك النكاح، وبالله التوفيق.\nتنبيه: يُستفاد من المسائل المتقدمة شرط من شروط صحة النكاح، وهو:\nالشرط الرابع: يُشترط لصحة العقد أن تكون المرأة التي يُراد التزوج بها مباحة للرجل المتزوج.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٤٠٩).\n(^٢) أخرجه في «صحيحه» (٤١٢٤)، وفي إسناده فليح بن سليمان فيه ضعف، وعبدالجبار بن نبيه بن وهب وهو مجهول. ومع ذلك فقد جاء الحديث من طريقهما بدون هذه الزيادة كما في الطحاوي (٢/ ٢٦٨)، وابن حبان (٤١٢٥)، فهي زيادة ضعيفة غير محفوظة، والله أعلم.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٨٣٧)، ومسلم (١٤١٠).\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (١٤١١)، من طريق: جرير بن حازم، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة به. وقد أعله جماعةٌ من الحفاظ بالإرسال ورجحوا أن الصواب في الحديث عن يزيد بن الأصم مرسلًا، ومنهم: البخاري والدارقطني وغيرهم.\nوللحديث شواهد يصح بها. انظر شرح كتاب الحج تحت حديث (٧١٦).","vol":"8","page":151},{"text":"٩٨٩ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4191>مسألة [١]: الشروط في النكاح</span>.\nالشروط في النكاح تخالف شروط النكاح؛ فإنَّ شروط النكاح من وضع الشارع، والشروط في النكاح من وضع العاقد.\nوشروط النكاح يتوقف عليها صحة النكاح، وأما الشروط فيه فلا تتوقف عليها صحته، إنما يتوقف عليها لزومه، فلمن فات شرطه فسخ النكاح.\nوشروط النكاح لا يمكن إسقاطها، والشروط في النكاح يمكن إسقاطها ممن هي له من المتعاقدين. (^٢)\nومن الشروط في النكاح ما يجب الوفاء به عند أهل العلم بلا خلاف، وهي اشتراط ما يقتضيه العقد بنفسه، كأن تشترط المرأة على الرجل أن ينفق عليها، أو يعاشرها بالمعروف، أو يشترط الرجل على المرأة أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه، وما أشبه ذلك.\nومن الشروط في النكاح ما هي باطلة عند أهل العلم، ولا اعتبار فيها، كاشتراط زواج المرأة بزواج أخرى بدون مهر، أو اشتراط الزواج إلى أجل، أو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٥١)، ومسلم (١٤١٨).\n(^٢) انظر: «الشرح الممتع» (٥/ ٢٣٣).","vol":"8","page":152},{"text":"اشتراط الزواج للتحليل فقط. ومن الشروط ما هي مختلف فيها، هل تلزم أم لا؟ وسيأتي إن شاء الله ذكر صور من ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4192>مسألة [٢]: اشتراط المرأة طلاق أختها</span>.\nجاء الحديث عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بتحريم هذا الشرط كما في «الصحيحين» عن أبي هريرة -﵁-: «لا تسأل المرأة طلاق أختها؛ لتستفرغ صحفتها، ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها»، وفي رواية عندهما: «نهى أن تشترط المرأة طلاق أختها». (^٢)\nفعامة أهل العلم على أنَّ هذا الشرط باطل، وقال أبو الخطاب الحنبلي: يصح الشرط؛ لأنَّ لها فيه فائدة. وهو قول ضعيف؛ لأنه معارض للنص والنهي يقتضي الفساد. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4193>مسألة [٣]: اشتراط المرأة أن لا يسافر بها من بلدها، أو يتزوج عليها، أو يتسرى عليها</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يوفى لها بشرطها ولها الفسخ إن لم يف. وهو قول شُريح، وعمر بن عبد العزيز، وطاوس، وجابر بن زيد، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، ومالك، وصحَّ عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه سئل عن رجل تزوج امرأة وشرط لها دارها، ثم أراد الانتقال، فقال عمر: لها شرطها، مقاطع\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥١٥١) «المغني» (٩/ ٤٨٤، ٤٨٨) «الإنصاف» (٨/ ١٥٨).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٥١٥٢) (٢٧٢٣)، ومسلم برقم (١٤٠٨).\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ٤٨٥ -) «الشرح الكبير» (٩/ ٣٤٧) «الفتح» (٥١٥١، ٥١٥٢) «الإنصاف» (٨/ ١٥٤) «الشرح الممتع» (٥/ ٢٣٥).","vol":"8","page":153},{"text":"الحقوق عند الشروط. وصحَّ أيضًا عن عمرو بن العاص بنحو ذلك، وجاء عن سعد، ومعاوية -﵃-.\nوحجَّةُ أصحاب هذا القول حديث عقبة بن عامر -﵁- الذي في الباب، وحديث: «المسلمون على شروطهم». (^١)\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الشرط باطل، وهو قول الزهري، وقتادة، وهشام، والليث، والثوري، والشافعي، وأبي حنيفة، ومالك في رواية وغيرهم. وعند الشافعي، وأبي حنيفة أنَّ هذا الشرط يؤثر على المهر المسمى، فيفسد المسمى، ويثبت مهر المثل، وجاء القول بالبطلان عن علي بسند ضعيف.\nواستدل هؤلاء بحديث: «ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله؛ فهو باطل» (^٢)، وبحديث: «إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا». (^٣)\nوأُجيب عن الأول: بأنَّ المقصود (ليس في كتاب الله حِلّه، وإباحته)، ولا يوجد دليل في تحريم الشروط المذكورة من كتاب الله، أو سنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأما حديث: «أو حرَّم حلالًا»، فقد أجاب عنه شيخ الإسلام في «القواعد النورانية» بجواب نفيس جيد.\nفقال -﵀- (ص ٢٢٠ - ٢٢١): إِنَّ المشترط ليس له أن يبيح ما حرمه الله، ولا\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٨٦١).\n(^٢) تقدم تخريجه في «البلوغ» برقم (٧٧٥).\n(^٣) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٨٦١).","vol":"8","page":154},{"text":"يحرم ما أباحه الله؛ فإنَّ شرطَه حينئذٍ يكون مبطلًا لحكم الله، وكذلك ليس له أن يسقط ما أوجبه الله، وإنما المشترط له أن يوجب بالشرط مالم يكن واجبًا بدونه، فمقصود الشروط وجوب مالم يكن واجبًا، ولا حرامًا، وعدم الإيجاب ليس نفيًا للإيجاب حتى يكون المشترط مناقضًا للشرع، وكل شرط صحيح فلابد أن يفيد وجوب؛ مالم يكن واجبًا؛ فإنَّ المتبايعين يجب لكل منهما على الآخر من الإقباض مالم يكن واجبًا، ويباح أيضًا لكل منهما مالم يكن مباحًا، ويحرم على كل منهما مالم يكن حرامًا، وكذلك كل من المتآجرين والمتناكحين، وكذلك إذا اشترط صفة في المبيع، أو رهنًا، أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مثلها؛ فإنه يجب، ويحرم، ويُباح بهذا الشرط مالم يكن كذلك.\nقال: وقد توهم بعض الناس أنَّ هذا الحديث متناقض، وليس كذلك، بل كل ما كان حرامًا بدون الشرط فالشرط لا يبيحه، كالربا، وكالوطء في ملك الغير، وكثبوت الولاء لغير المعتق.\nقال: وأما ما كان مُباحًا بدون الشرط؛ فالشرط يوجبه، كالزيادة في المهر، والثمن، والرهن، وتأخير الاستيفاء؛ فإن الرجل له أن يعطي المرأة، وله أن يتبرع بالرهن، وبالإنظار ونحو ذلك، فإذًا شرطه صار واجبًا، وإذا وجب؛ فقد حرمت المطالبة التي كانت حلالًا بدونه؛ لأن المطالبة لم تكن حلالًا مع عدم الشرط؛ فإن الشارع لم يبح مطالبة المدين مطلقًا، فما كان حلالًا وحرامًا مطلقًا؛ فالشرط لا يغيره. اهـ","vol":"8","page":155},{"text":"فالصواب في هذه المسألة هو القول الأول، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، ثم الإمام ابن عثيمين وغيرهم، والله الموفق للصواب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4194>مسألة [٤]: إذا اشترط الرجل أنْ لا مهر للمرأة</span>؟\n• مذهب الشافعية، والحنفية، وظاهر مذهب الحنابلة أنَّ الشرط لا يصح، ولها المهر، ولا يبطل العقد؛ لأنَّ العقد يصح إذا لم يسمِّ المهر، فكذلك إذا شرط نفيه.\n• وذهب بعض العلماء إلى أنَّ الشرط باطل، والنكاح باطل؛ لأنَّ الزواج بلا مهر لا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء:٢٤]، وهذا قول جماعة من الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام.\nقال صاحب «الإنصاف» -﵀- (٨/ ١٦٣): واختار -يعني شيخ الإسلام فيما إذا شرط أنْ لا مهر- فساد العقد، وأنه قول أكثر السلف، وقد استدل لهذا القول ببطلان نكاح الشغار بسبب عدم المهر.\nوقد اختار هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٨٤ -) «الشرح الكبير» (٩/ ٣٤٥ -) «الإنصاف» (٨/ ١٥٢ -) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٧٦) (٣٢/ ١٦٤ - ١٦٦، ١٧٠) «القواعد النوارنية» (ص ٢٢٠،٢٣٩) «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٥٥) «زاد المعاد» (٥/ ١٠٧) «الفتح» (٥١٥١) «ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٠٠) «مصنف عبدالرزاق» (٦/ ٢٢٧ -) «سنن ابن منصور» (١/ ١٨٢ -) «سنن البيهقي» (٧/ ١٤٩ -) «زاد المعاد» (٥/ ١١٧ -).\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٥٧ - ١٥٨) «الإنصاف» (٨/ ١٦٣) «الشرح الممتع» (٥/ ٢٤٩ -).","vol":"8","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4195>مسألة [٥]: إذا شرط الزوج أنْ لا نفقة لها عليه، وكذا عدم الوطء</span>؟\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ١٠٦): وقد اتفق على وجوب الوفاء بتعجيل المهر، أو تأجيله، والضمين، والرهن به، ونحو ذلك، وعلى عدم الوفاء باشتراط ترك الوطء، والإنفاق، والخلو عن المهر، ونحو ذلك. اهـ\nقلتُ: قد خالف شيخه شيخ الإسلام، فاختار صحة الشرط بذلك؛ لأنه حق أسقط برضى مستحقه، وقد رجَّح هذا القول الشيخ ابن عثيمين، وهو الراجح.\nوأما الخلو عن المهر فلم يجز؛ لأنَّ الشرع حرَّم النكاح بدونه، والله أعلم، ومثل ما تقدم ما إذا شرط أن يقسم لها أقل من ضرتها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4196>مسألة [٦]: إذا شرط أحدهما الخيار</span>؟\n• أكثر العلماء على عدم صحة الشرط؛ لأنَّ النكاح لا يحصل إلا بعد الاستخبار، ولأنه لم يأت دليل في شرعيته في النكاح، بل جاء في البيع.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى صحة الشرط وشرعيته، وهو قول أبي ثور، وشيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين.\nواستدلوا بعموم حديث: «المسلمون على شروطهم»، وبعموم حديث عقبة الذي في الباب. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٨/ ١٦٣) «الاختيارات» (ص ٢١٩) «المغني» (٩/ ٢٥٠) «الشرح الممتع» (٥/ ٢٥٠).\n(^٢) انظر: «بداية المجتهد» (٣/ ٤٣) «الإنصاف» (٨/ ١٦٣) «الشرح الممتع» (٥/ ٢٥٠ - ٢٥١).","vol":"8","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4197>مسألة [٧]: إذا شرط على الرجل: إذا أتيت بالمهر إلى وقت كذا، وإلا فلا نكاح بيننا</span>؟\n• أكثر العلماء أيضًا على عدم صحة الشرط؛ لأنه تعليق للعقد، وهذه العقود ينبغي أن تكون لازمة نافذة.\n• وذهب بعضهم إلى صحة ذلك، وهو مقتضى قول من تقدم ذكرهم في المسألة السابقة، ورواية عن أحمد، واستدلوا بما تقدم.\nواختلف القائلون بعدم صحة الشرط هل يبطل العقد، أم لا؟\n• فمنهم من قال: يبطل العقد. وهو رواية عن أحمد، وقال به الشافعي، وأبو عبيد، ونحوه عن مالك.\n• ومنهم من قال: لا يبطل العقد. وهو رواية عن أحمد، وقال به إسحاق، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، وهو قول عطاء، والزهري.\nقلتُ: وهذا الخلاف في صحة العقد وفساده يصلح ذكره في المسألة التي قبلها، والتي بعدها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4198>مسألة [٨]: تعليق العقد بشرط مستقبل</span>.\nمثل قوله: (زوجتك إذا جاء رأس الشهر) إذا قصد به الإنشاء مع التعليق، لا مجرد الوعد، أو قوله: (زوجتك إن رَضِيَتْ أُمُّها)، أو ما أشبه ذلك.\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الكبير» (٩/ ٣٦٠) «المغني» (٩/ ٤٨٨) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٥٨) «الشرح الممتع» (٥/ ٢٥٣).","vol":"8","page":158},{"text":"• فمذهب الجمهور أنه لا يصح؛ لأنَّ العقد يكون لازمًا، وبتعليقه بشرط مستقبل لا يكون كذلك.\n• وعن أحمد رواية بصحة العقد، واختارها شيخ الإسلام، وقوَّاها ابن رجب، وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين، وهو الصواب؛ لحديث: «المسلمون على شروطهم»، ولحديث عقبة الذي في الباب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4199>مسألة [٩]: إذا شرط الرجل في المرأة وصفًا معتبرًا، فبانت بخلافه</span>؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «القواعد النورانية» (ص ٢٣٨): ثم لو شرط أحد الزوجين في الآخر صفة مقصودة كالمال، والجمال، والبكارة، ونحو ذلك؛ صح ذلك، وملك المشترط الفسخ عند فواته في أصح الروايتين عند أحمد، وهو أصح وجهي أصحاب الشافعي، وظاهر مذهب مالك.\nقال: والرواية الأخرى لا يملك الفسخ إلا في شرط الحرية والدين، وفي شرط النسب على هذه الرواية وجهان.\nقال: وسواء كان المشترط هو المرأة في الرجل، أو الرجل في المرأة، بل اشتراط المرأة في الرجل أوكد باتفاق الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، وما ذكره بعض أصحاب أحمد بخلاف ذلك لا أصل له. اهـ\nوقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ١٨٤ - ١٨٥): وأَمَّا إِذَا اشْتَرَطَ السَّلَامَةَ، أَوْ شَرَطَ الْجَمَالَ، فَبَانَتْ شَوْهَاءَ، أَوْ شَرْطَهَا شَابّةً حَدِيثَةَ السّنّ، فَبَانَتْ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٨٨) «الشرح الكبير» (٩/ ٣٥٨) «الإنصاف» (٨/ ١٦٢).","vol":"8","page":159},{"text":"عَجُوزًا شَمْطَاءَ، أَوْ شَرَطَهَا بَيْضَاءَ، فَبَانَتْ سَوْدَاءَ، أَوْ بِكْرًا، فَبَانَتْ ثَيّبًا؛ فَلَهُ الْفَسْخُ فِي ذَلِكَ كُلّهِ.\nقال: فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدّخُولِ؛ فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَهَا الْمَهْرُ وَهُوَ غُرْمٌ عَلَى وَلِيّهَا إنْ كَانَ غَرّهُ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْغَارّةُ؛ سَقَطَ مَهْرُهَا، أَوْ رَجَعَ عَلَيْهَا بِهِ إنْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ، وَنَصّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَهُوَ أَقْيَسُهُمَا وَأَوْلَاهُمَا بِأُصُولِهِ فِيمَا إذَا كَانَ الزّوْجُ هُوَ الْمُشْتَرِطَ. وَقَالَ أَصْحَابُهُ -يعني الحنابلة- إذَا شَرَطَتْ فِيهِ صِفَةً فَبَانَ بِخِلَافِهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا إلّا فِي شَرْطِ الْحُرّيّةِ إذَا بَانَ عَبْدًا؛ فَلَهَا الْخِيَارُ، وَفِي شَرْطِ النّسَبِ إذَا بَانَ بِخِلَافِهِ وَجْهَانِ.\nقال: وَاَلّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ وَقَوَاعِدُهُ أَنّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ اشْتِرَاطِهِ وَاشْتِرَاطِهَا، بَلْ إثْبَاتُ الْخِيَارِ لَهَا إذَا فَاتَ مَا اشْتَرَطَتْهُ أَوْلَى؛ لِأَنّهَا لَا تَتَمَكّنُ مِنْ الْمُفَارَقَةِ بِالطّلَاقِ، فَإِذَا جَازَ لَهُ الْفَسْخُ مَعَ تَمَكّنِهِ مِنْ الْفِرَاقِ بِغَيْرِهِ، فَلَأَنْ يَجُوزَ لَهَا الْفَسْخُ مَعَ عَدَمِ تَمَكّنِهَا أَوْلَى، وَإِذَا جَازَ لَهَا الْفَسْخُ إذَا ظَهَرَ الزّوْجُ ذَا صِنَاعَةٍ دَنِيئَةٍ لَا تَشِينُهُ فِي دِينِهِ وَلَا فِي عِرْضِهِ وَإِنّمَا تَمْنَعُ كَمَالَ لَذّتِهَا وَاسْتِمْتَاعِهَا بِهِ، فَإِذَا شَرَطَتْهُ شَابًّا جَمِيلًا صَحِيحًا؛ فَبَانَ شَيْخًا مُشَوّهًا، أَعْمَى، أَطْرَشَ، أَخْرَسَ، أَسْوَدَ، فَكَيْفَ تُلْزَمُ بِهِ وَتُمْنَعُ مِنْ الْفَسْخِ؟\nهَذَا فِي غَايَةِ الِامْتِنَاعِ وَالتّنَاقُضِ وَالْبُعْدِ عَنْ الْقِيَاسِ وَقَوَاعِدِ الشّرْعِ، وَبِاَلله التّوْفِيقُ. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الكبير» (٩/ ٣٦٢) «الاختيارات» (ص ٢١٩).","vol":"8","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4200>مسألة [١٠]: إذا تزوج امرأة على أن يحج بها</span>؟\nقال الإمام ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٠٩ -): وقالت الحنابلة والشافعية: لو تزوجها على أن يحج بها لم تصح التسمية، ووجب مهر المثل، وقاسوا هذه التسمية على ما إذا تزوجها على شيء لا يدرى ما هو.\nثم قالت الشافعية: لو تزوج الكتابية على أن يعلمها القرآن جاز، وقاسوه على جواز إسماعها إياه، فقاسوا أبعد قياس، وتركوا محض القياس، فإنهم صرحوا بأنه لو استأجرها ليحملها إلى الحج جاز، ونزلت الإجارة على العرف، فكيف صح أن يكون مورد العقد الإجارة ولا يصح أن يكون صداقا؟\nثم ناقضتم أبين مناقضة، فقلتم: لو تزوجها على أن يرد عبدها الآبق من مكان كذا وكذا صح مع أنه قد يقدر على رده وقد يعجز عنه؟ فالغرر الذي في هذا الأمر أعظم من الغرر الذي في حملها إلى الحج بكثير.\nوقلتم: لو تزوجها على أن يعلمها القرآن أو بعضه صح. وقد تقبل التعليم وقد لا تقبله، وقد يطاوعها لسانها وقد يأبى عليها.\nوقلتم: لو تزوجها على مهر المثل صحت التسمية مع اختلافه لامتناع من يساويها من كل وجه أو لقربه وإن اتفق من يساويها في النسب فنادر جدا من يساويها في الصفات والأحوال التي يقل المهر بسببها ويكثر فالجهالة التي في حجه بها دون هذا بكثير.","vol":"8","page":161},{"text":"وقلتم: لو تزوجها على عبد مطلق صح ولها الوسط. ومعلوم أن في الوسط من التفاوت ما فيه.\nوقلتم: لو تزوجها. على أن يشتري لها عبد زيد صحت التسمية، مع أنه غرر ظاهر، إذ تسليم المهر موقوف على أمر غير مقدور له، وهو رضى زيد ببيعه، ففيه من الخطر ما في رد عبدها الآبق، وكلاهما أعظم خطرا من الحج بها.\nوقلتم: لو تزوجها على أن يرعى غنمها مدة صح، وليس جهالة حملانها إلى الحج بأعظم من جهالة أوقات الرعي ومكانه.\nعلى أن هذه المسألة بعيدة من أصول أحمد ونصوصه ولا تعرف منصوصة عنه، بل نصوصه على خلافها، قال في رواية منها، فيمن تزوج على عبد من عبيده جاز، وإن كانوا عشرة عبيد يعطي من أوسطهم، فإن تشاحا أقرع بينهما، قلت: وتستقيم القرعة في هذا؟ قال: نعم، وقلتم: لو خالعها على كفالة ولدها عشر سنين صح، وإن لم يذكر قدر الطعام والإدام والكسوة، فيا للعجب، أين جهالة هذا من جهالة حملانها إلى الحج؟ اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4201>مسألة [١١]: لو اشترطت المرأة أن يقيم ولدها معها، وينفق عليه</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀-: ولو اشترطت مقام ولدها عندها، ونفقته على الزوج كان مثل اشتراط الزيادة في الصداق، ويرجع ذلك إلى العُرف، كالأجير بطعامه","vol":"8","page":162},{"text":"وكسوته. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4202>مسألة [١٢]: لو اشترطت المرأة أن لا تسلم نفسها إلا بعد مدة معينة</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀-: قياس المذهب صحته، كاشتراط تأخير التسليم في البيع والإجارة، وكما لو اشترطت أن لا يخرجها من دارها. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4203>مسألة [١٣]: هل الوفاء بالشروط على سبيل الاستحباب، أم الوجوب</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ ذلك على سبيل الاستحباب، وهو الأشهر عند الحنابلة، وأشار إلى ذلك الحافظ في «الفتح».\n• وذهب بعضهم إلى الوجوب كسائر العقود، وهو اختيار جماعةٍ من الحنابلة، منهم: شيخ الإسلام، ورجَّحه الشيخ ابن عثيمين، وهو الصواب؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء:٣٤]. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4204>مسألة [١٤]: الوقت المعتبر في ذكر الشروط</span>.\nسئل شيخ الإسلام -﵀-: هل الشروط التي قبل العقد تكون صحيحة لازمة كالمقارِنة للعقد؟\nفأجاب قائلا: الحمد لله، نعم تكون صحيحة لازمة إذا لم يبطلاها حتى قارنت\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٨/ ١٦٣) «الاختيارات» (ص ٢١٩) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٦٥).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٨/ ١٥٦) «الاختيارات» (ص ٢١٩).\n(^٣) انظر: «الإنصاف» (٨/ ١٥٥) «الشرح الممتع» (١٢/ ١٦٤ - ١٦٥) ط/ابن الجوزي «الفتح» (٥١٥١).","vol":"8","page":163},{"text":"عقد العقد، هذا ظاهر مذهب الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، وغيرهما في جميع العقود، وهو وجهٌ في مذهب الشافعي.\nقال: وهكذا يطرده مالك، وأحمد في العبادات.\nقال: وفي مذهب أحمد قول ثانٍ، أنَّ الشروط المتقدمة لا تؤثر.\nقال: وأما عامة نصوص أحمد، وقدماء أصحابه، ومحققي المتأخرين على أنَّ الشروط المواطأة التي تجري بين المتعاقدين قبل العقد إذا لم يفسخاها حتى عقد العقد؛ فإنَّ العقد يقع مقيدًا بها، وعلى هذا جواب أحمد في مسائل الحيل في البيع، والإجارة، والرهن، والقرض، وغير ذلك، وهذا كثير موجود في كلامه، وكلام أصحابه. اهـ، وانظر بقية كلامه.\nوأما الشروط بعد العقد فلا تلزم عند أهل العلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4205>مسألة [١٥]: هل ما اعتاده الناس شرطًا في النكاح يقوم مقام التلفظ به</span>؟\nللحافظ ابن القيم -﵀- بحثٌ نفيس في «زاد المعاد» (٥/ ١١٨) يقرر أنَّ المشروط عرفًا كالمشروط لفظًا، ومما استدل به حديث المسور بن مخرمة في «الصحيحين» أنَّ بني هشام بن المغيرة استأذنوا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في أن ينكحوا ابنتهم عليًّا، فقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، فإنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها»، وفي رواية في «البخاري»: ثم ذكر صهرًا له، فأثنى عليه، فقال: «حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي». (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٦٦ -) «الإنصاف» (٨/ ١٥٢) «الشرح الممتع» (٥/ ٢٣٣).\n(^٢) انظر: «البخاري» رقم (٣١١٠) (٥٢٣٠)، ومسلم رقم (٢٤٤٩).","vol":"8","page":164},{"text":"قال -﵀-: فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَشْرُوطَ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا، وَأَنَّ عَدَمَهُ يُمَلِّكُ الْفَسْخَ لِمُشْتَرِطِهِ، فَلَوْ فُرِضَ مِنْ عَادَةِ قَوْمٍ أَنَّهُمْ لَا يُخْرِجُونَ نِسَاءَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَلَا يُمَكِّنُونَ أَزْوَاجَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْبَتَّةَ وَاسْتَمَرَّتْ عَادَتُهُمْ بِذَلِكَ كَانَ كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا، وَهُوَ مُطَّرِدٌ عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَوَاعِدِ أحمد -﵀- أَنَّ الشَّرْطَ الْعُرْفِيَّ كَاللَّفْظِيِّ سَوَاءٌ، وَلِهَذَا أَوْجَبُوا الْأُجْرَةَ عَلَى مَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى غَسَّالٍ أَوْ قَصَّارٍ، أَوْ عَجِينَهُ إِلَى خَبَّازٍ، أَوْ طَعَامَهُ إِلَى طَبَّاخٍ يَعْمَلُونَ بِالْأُجْرَةِ، أَوْ دَخَلَ الْحَمَّامَ أَوِ اسْتَخْدَمَ مَنْ يَغْسِلُهُ مِمَّنْ عَادَتُهُ يَغْسِلُ بِالْأُجْرَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَشْرُطْ لَهُمْ أُجْرَةَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ. وَعَلَى هَذَا، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ بَيْتٍ لَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلَى نِسَائِهِمْ ضَرَّةً وَلَا يُمَكِّنُونَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَعَادَتُهُمْ مُسْتَمِرَّةٌ بِذَلِكَ، كَانَ كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا.\nوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تُمَكِّنُ إِدْخَالَ الضَّرَّةِ عَلَيْهَا عَادَةً لِشَرَفِهَا وَحَسَبِهَا وَجَلَالَتِهَا، كَانَ تَرْكُ التَّزَوُّجِ عَلَيْهَا كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا سَوَاءٌ.\nوَعَلَى هَذَا فَسَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَابْنَةُ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِينَ أَحَقُّ النِّسَاءِ بِهَذَا، فَلَوْ شَرَطَهُ عَلِيٌّ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ كَانَ تَأْكِيدًا لَا تَأْسِيسًا. اهـ\nووجه تضمن الحديث لذلك أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخبر أنَّ ذلك يؤذي فاطمة، ويريبها، وأنه يؤذيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ويريبه، ومعلومٌ قطعًا أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما زوَّجَه فاطمة -﵂- على أن لا يؤذيها، ولا يريبها، ولا يؤذي أباها ولا يريبه، وإن لم يكن هذا مشترطًا في صلب العقد؛ فإنه من المعلوم بالضرورة أنه إنما دخل عليه، وفي ذكره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صهره","vol":"8","page":165},{"text":"الآخر، وثناءه عليه بأنه حدثه فصدقه، ووعده فوفى له تعريضٌ بعلي -﵁-، وتهييج له على الاقتداء به، وهذا يُشعر بأنه في حكم من جرى منه وعدٌ له بأن لا يريبها، ولا يؤذيها، فهيجه على الوفاء له كما وفى له صهره الآخر.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: والعبرة بالمعنى لا بمجرد اللفظ، فإذا حصل المعنى بما تعارف عليه الناس كفى ذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4206>مسألة [١٦]: إذا تخلف الشرط، فهل يفسخ على الفور أم هو على التراخي</span>؟\nذكر أهل العلم أنه يستحق الفسخ إلا أن يسقط حقه من الفسخ بقولٍ، أو فعلٍ يدل عليه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4207>مسألة [١٧]: إذا شرط وصفًا فبانت بوصف مخالف، ولكنه أفضل</span>؟\nمثل لو شرطها أمةً، فبانت حرَّة، أو شرطها كتابية، فبانت مسلمة.\n• فأكثر الحنابلة على أنَّ النكاح صحيح نافذٌ، ولا فسخ له، وقال أبو بكر الحنبلي: له الخيار؛ لأنه قد يكون له غرض في ذلك. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٨/ ١٥٦).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٨/ ١٦٤ - ١٦٥).","vol":"8","page":166},{"text":"٩٩٠ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ -﵁- قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n٩٩١ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁-، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ المُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n٩٩٢ - وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ وَعَنْ أَكْلِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ. (^٣) أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد. (^٤)\n\n٩٩٣ - وَعَنْ رَبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إنِّي كُنْت أَذِنْت لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا، وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا (١)». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ. (^٥)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nالجمع بين الأحاديث المتقدمة:\nقد تُشْكِل الأحاديث على بعض الناس؛ فإنَّ في بعضها أنَّ التحريم كان يوم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٤٠٥) (١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٢١٦)، ومسلم (١٤٠٧).\n(^٣) هذا الحديث ليس موجودًا في المخطوطتين.\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (٥١١٥). وأحمد (١/ ٧٩)، والنسائي (٦/ ١٢٥)، والترمذي (١١٢١)، وأخرجه مسلم برقم (١٤٠٧)، وابن ماجه (١٩٦١)، بتقديم قوله: (يوم خيبر) عقب قوله: (النساء).\n(^٥) أخرجه مسلم برقم (١٤٠٦)، وأبوداود (٢٠٧٣)، والنسائي (٦/ ١٢٦)، وابن ماجه (١٩٦٢)، أحمد (٣/ ٤٠٥)، وابن حبان (٤١٤٧)، وأخرجه أبوداود مختصرًا، وفي بعض طرقه: أن ذلك عام الفتح.","vol":"8","page":167},{"text":"خيبر، وفي بعضها عام أوطاس، وفي بعضها عام الفتح، ولا إشكال في ذلك؛ فقد جمع أهل العلم بينها بأنَّ تحريم المتعة حصل يوم خيبر بعد أن كانت مباحة، ثم رُخِّص فيها عام الفتح ثلاثة أيام كما في حديث سبرة، ثم نهى عنها إلى يوم القيامة، وأما حديث سلمة: «عام أوطاس» فلا يُعارض حديث سبرة؛ لأنَّ «عام أوطاس» هو نفسه عام الفتح؛ لأنَّ الوقعتين ليس بينهما إلا فترة يسيرة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4208>مسألة [١]: معنى نكاح المتعة وحكمه</span>.\nنكاح المتعة هو الزواج بامرأة إلى أجل معين، وقد كان مباحًا ثم حرَّمه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى يوم القيامة؛ فهو نكاح محرم عند أهل العلم، ونقل عن ابن عباس -﵄- أنه كان يفتي بجواز ذلك، وهو ثابت عنه كما في «الصحيحين» (^٢) وغيرهما، وقد أنكر عليه الصحابة، منهم: علي، وابن عمر، وابن الزبير -﵃- (^٣)، وقد جاء في بعض الروايات أنه إنما أباحها للضرورة كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، فتوسع الناس في أخذهم بهذه الفتوى، فرجع عن ذلك، فقد أخرج أبو عوانة (٤٠٥٧) بإسناد صحيح عن الربيع بن سبرة قال: ما مات ابن عباس حتى رجع عن هذه الفُتيا.\nوقد جاء عن ابن جريج أيضًا -﵀- أنه كان يرى المتعة، ثم ثبت عنه الرجوع\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٥١١٥) «شرح مسلم» (٩/ ١٨٠ - ١٨١).\n(^٢) انظر «البخاري» رقم (٥١١٦)، ومسلم رقم (١٤٠٧).\n(^٣) انظر «البخاري» رقم (٥١١٥)، ومسلم رقم (١٤٠٧) (١٤٠٦)، «مصنف عبدالرزاق» رقم (١٤٠٣٣).","vol":"8","page":168},{"text":"كما في «مستخرج أبي عوانة» أيضًا (٤٠٨٧).\nوقد جاء من حديث جابر -﵁- في «صحيح مسلم» (١٤٠٥): «تمتعنا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبي بكر، حتى نهى عنها عمر ...»، فهذا محمول على أنَّ بعض الصحابة لم يبلغهم النهي، فاستمروا على ذلك حتى أظهر النهي عمر بن الخطاب -﵁-.\nوقد ذهب بعض أهل البدع إلى القول بنكاح المتعة، وهم الشيعة، والرافضة، وليس معهم على ذلك إلا اتباع الهوى، وخلافهم لا يُعتد به.\nأما قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء:٢٤]، فالمقصود به عند أكثر المفسرين عقد النكاح المعروف، أي: إذا تزوج بامرأة فليُعْطها مهرها، وسياق الآية التي قبلها يدل على ذلك، وبعضهم فسَّرها بنكاح المتعة، ولكن نصوا على أنه منسوخ بالأحاديث المشهورة في تحريم المتعة، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: لا يصح النكاح إذا حصل عند عامة أهل العلم، إلا زُفر فقال: يبطل الشرط، ويصح النكاح. وقوله باطل. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4209>مسألة [٢]: إذا تزوجها بغير شرط، ولكن في نيته تطليقها بعد أجل معين</span>؟\n• جمهور العلماء على جواز ذلك، وأنه ليس بنكاح متعة؛ لأنه ليس نكاحًا\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٥١١٥) «شرح مسلم» (٩/ ١٧٩) «المغني» (١٠/ ٤٦ -) «زاد المعاد» (٥/ ١١١ - ١١٢).\n(^٢) «المغني» (١٠/ ٤٦ -).","vol":"8","page":169},{"text":"مؤجَّلًا، ولأنه قد يستمر معها بعد الزواج إذا وجد الراحة معها، ولأنَّ نكاح المتعة الذي جاء تحريمه كان نكاحًا مؤجلًا، وكما أنَّ الرجل ينوي طلاق المرأة إذا لم توافقه على ما يريده، فكذلك يجوز هذا.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى تحريم ذلك؛ لأنَّ فيه معنى المتعة من التأجيل، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «إنما الأعمال بالنيات»، وهذا القول قال به الزهري، وأكثر الحنابلة، وأفتت به اللجنة الدائمة، وفيهم الإمام ابن باز -﵀-، والفوزان، وغيرهما، وأشار إلى ترجيحه ابن عثيمين في «قواعده الفقهية» -﵀-، بينما اختار -﵀- في «الشرح الممتع» أنه ليس بنكاح متعة، بل يحرم لأجل الغش والخيانة، وهذا قريب، واختار شيخ الإسلام قول الجمهور، وصححه كما في «مجموع الفتاوى». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4210>مسألة [٣]: نكاحٌ شَرَطَ فيه طلاقها في وقت معين</span>؟\n• مذهب أحمد بطلانه؛ لأنه في معنى نكاح المتعة، وقال الشافعي، وأبو حنيفة: يصح النكاح، ويبطل الشرط. والصحيح قول أحمد، والله أعلم. (^٢)\nفائدة: قال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٩/ ١٨١): قال القاضي: واتفق العلماء على أنَّ هذه المتعة كانت نكاحًا إلى أجل لا ميراث فيها، وفراقها يحصل بانقضاء الأجل من غير طلاق. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٨ - ٤٩) «شرح مسلم» (٩/ ١٨٢) «الإنصاف» (٨/ ١٦١) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٤٧) «الشرح الممتع» (٥/ ٢٤٧) «فتاوى اللجنة» (١٨/ ٤٤٢ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٤٩) «الإنصاف» (٨/ ١٦١).","vol":"8","page":170},{"text":"٩٩٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - المُحل وَالمُحَلَّلَ لَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (^١)\n\n٩٩٥ - وَفِي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4211>مسألة [١]: نكاح التحليل وحكمه</span>.\nهو أن يشترط عليه عند الزواج، أو يشترط هو بنفسه أن يتزوجها حتى يحلها لفلان، وهو زوجها الأول الذي قد بتَّ طلاقها، فهذا الزواج محرم، وباطل عند عامة أهل العلم. وقال أبو حنيفة: يصح النكاح، ويبطل الشرط.\nوالصحيح قول الجمهور، وقد صحَّ عن ابن عمر -﵄-، أنه قال: سِفاح. وقال عمر -﵁-: لا أُوتَى بِمُحَلِّلٍ، ولا مُحَلَّلٍ له إلا رجمتهما. وهو ثابت عنه أيضًا. (^٣)\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٤٤٨)، والنسائي (٦/ ١٤٩)، والترمذي (١١٢٠)، من طرق عن الثوري، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن عبدالله بن مسعود به.\nوإسناده صحيح، ورجاله رجال الشيخين، وقد صححه شيخنا الوادعي -﵀-.\n(^٢) أخرجه أبوداود (٢٠٧٦)، والترمذي (١١١٩)، وابن ماجه (١٩٣٥)، من طريق الحارث الأعور عن علي به. وإسناده شديد الضعف؛ لأن الحارث قد كذب.\nوقد جاء في الباب أحاديث، جاء أيضًا الحديث المذكور عن ابن عباس وجابر وعقبة بن عامر وأبي هريرة. ذكرها ابن كثير في «تفسيره» والسيوطي في «الدر المنثور» عند قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾.\nوفي كل حديث منها ضعف إلا أن الضعف فيها ليس بشديد فهي تصلح للتقوية، وحديث ابن مسعود هو أصح حديث في هذا الباب.\n(^٣) وانظر: «المغني» (١٠/ ٤٩) «البيان» (٩/ ٢٧٨) «سنن ابن منصور» (٢/ ٤٩ -) «عبد الرزاق» (٦/ ٢٦٥ -) «البيهقي» (٧/ ٢٠٨ -).","vol":"8","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4212>مسألة [٢]: إذا نوى التحليل في نفسه من غير شرط في العقد</span>؟\n• أكثر أهل العلم على التحريم أيضًا والبطلان، وهو قول الحسن، والنخعي، والشعبي، وقتادة، والليث، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وهو ظاهر قول ابن عمر، وعثمان، وابن عباس -﵃-، ويشمله عموم الحديث الذي في الباب.\n• ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة صحة العقد، واستدلوا على ذلك بأثر عمر أنه أقرَّ نكاحًا حصل فيه ذلك، وهو أثر ضعيفٌ؛ لأنه منقطع؛ فإنَّ ابن سيرين لم يدرك عمر، وحمله أهل العلم على أنَّ الرجل لم يقصد التحليل كما يظهر من سياق القصة، وهي في «البيهقي» (٧/ ٢٠٩). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4213>مسألة [٣]: إذا شرط عليه التحليل قبل العقد، فنوى بالعقد غير ما شرطوا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٥٣): فإن شرط عليه أن يحلها قبل العقد، فنوى بالعقد غير ما شرطوا عليه، وقصد نكاح رغبة؛ صحَّ العقد؛ لأنه خلا عن نية التحليل وشرطه، فصحَّ كما لو لم يذكر ذلك. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4214>مسألة [٤]: إذا قصدت المرأة التحليل، ولم يقصد ذلك الزوج</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه لا عبرة بقصد المرأة، ولا بقصد وليها؛ لأنَّ الذي يقع منه الطلاق هو الزوج، وفي الحديث: «لعن المحلل»، وفي الحديث:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٥١) «البيان» (٩/ ٢٧٩) «الإنصاف» (٨/ ١٥٩) «سنن ابن منصور» (٢/ ٤٩ -) «عبد الرزاق» (٦/ ٢٦٥ -) «البيهقي» (٧/ ٢٠٨ -).","vol":"8","page":172},{"text":"«أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟». (^١)\n• وجاء عن الحسن، والنخعي أنَّ النكاح فاسد إذا قصد ذلك المرأة، أو وليها.\nوالقول الأول أرجح. (^٢)\nوقد مال إليه شيخ الإسلام -﵀- ببحث طويل، وكلام سديد في كتابه المفيد «بيان الدليل في بطلان التحليل» (ص ٤٩٣ - ٥٢٩)، ثم بيَّن -﵀- أنَّ المرأة لها مراتب في النية:\nالأولى: أنْ تنوي أنَّ هذا الزوج الثاني إنْ طلقها، أو مات عنها، أو فارقها بغير ذلك؛ تزوجت بالأول، أو ينوي المطلق ذلك أيضًا يعني الزوج الأول\nقال: فهذا قصدٌ محض لنفس ما أباحه الله.\nالثانية: أن تتسبب إلى أن يفارقها من غير معصية، ولا خديعة توجب فراقها، كأن تطلب منه الطلاق، أو الاختلاع؛ فإن كانت المرأة تخاف ألا تقيم حدود الله جاز لها ذلك؛ فإن كانت لم تنو هذا الفعل إلا بعد العقد فهي كسائر المختلعات، وإن كانت حين العقد تنوي ذلك فهي غارة للرجل، مدلسة عليه، وهذا نوع من الخلابة، بل من أقبح الخلابة.\nثم بيَّن -﵀- أن العقد صحيح مع تحريم ذلك الفعل من المرأة.\n_________\n(^١) قطعة من حديث الباب رقم (٩٩٧) في بعض طرقه.\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٣).","vol":"8","page":173},{"text":"الثالثة: أن تتسبب إلى فرقته بمعصية مثل أن تنشز عليه، أو تسيء العِشْرَة، أو غير ذلك.\nقال: وتحريم هذا لا ريب فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣٠]، وهذه تنوي أن لا تقيم حدود الله.\nثم بيَّن أن الحال في هذه الصورة أنَّ العقد صحيح من جهة الرجل، فاسد من جهة المرأة؛ فيحرم عليها الانتفاع بما حصل لها في هذا العقد مع حل الانتفاع للزوج.\nالرابعة: أن تفعل ما يوجب فرقتها، مثل أن ترضع امرأة له صغيرة، أو تباشر أباه، أو ابنه، فإذا كانت قد قصدت ذلك حين العقد؛ فإنَّ هذه بمنزلة المحلل، وذلك لا يقدح في صحة العقد بالنسبة للزوج.\nالخامسة: أن تقصد وقت العقد الفرقة بسبب تملكه بغير رضا الزوج، مثل أن تتزوج بفقير تنوي طلب فرقته بعد الدخول بها بسبب الإعسار؛ فهذه إلى المحلل أقرب من التي قبلها؛ إذ السبب هنا مملوك لها شرعًا.\nثم قال -﵀-: فهذه المراتب التي ذكرناها في نية المرأة لابدَّ من ملاحظتها، ولا تحسبن أنَّ كلام الإمام أحمد أو غيره من الأئمة أنَّ (نية المرأة ليست بشيء) يعم ما إذا نوت أن تفارقه بطريق تملكه؛ فإنهم عللوا ذلك بأنها لا تملك الفرقة، وهذه العلة منتفية في هذه الصورة. انتهى بتصرف واختصار.","vol":"8","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4215>مسألة [٥]: لو أقامت عند الزوج الثاني، فهل يحتاج إلى استئناف عقد</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- في كتابه «بيان الدليل» (ص ٥٢٨): لَكِنْ لَوْ أَقَامَتْ عِنْدَ الزَّوْجِ، فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ كَمَا فِي الرَّجُلِ المُحَلِّلِ؟ وَلَوْ عَلِمَ الرَّجُلُ أَنَّ هَذَا كَانَ مِنْ نِيَّتِهَا وَهِيَ مُقِيمَةٌ عَلَيْهِ، فَهَلْ يَسَعُهُ المُقَامُ مَعَهَا؟\nهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ فِي النِّكَاحِ مَمْلُوكَةٌ وَالزَّوْجُ هُوَ المَالِكُ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَاقِدًا وَمَعْقُودًا عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْغَالِبَ عَلَى الزَّوْجِ أَنَّهُ مَالِكٌ، وَالْغَالِبَ عَلَى المَرْأَةِ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ، وَنِيَّةُ الْإِنْسَانِ قَدْ لَا تُؤَثِّرُ فِي إبْطَالِ مِلْكِ غَيْرِهِ، كَمَا يُؤَثِّرُ فِي إبْطَالِ مِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ مُحَرَّمٍ، فَالرَّجُلُ إذَا نَوَى التَّحْلِيلَ فَقَدْ قَصَدَ مَا يُنَافِي الْمِلْكَ، فَلَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لَهُ؛ فَانْتَفَتْ سَائِرُ الْأَحْكَامِ تَبَعًا، وَإِذَا نَوَتْ المَرْأَةُ أَنْ تَأْتِيَ بِالْفُرْقَةِ فَقَدْ نَوَى هُوَ لِلْمِلْكِ، وَهِيَ قَدْ مَلَّكَتْهُ نَفْسَهَا فِي الظَّاهِرِ، وَالْمِلْكُ يَحْصُلُ لَهُ إذَا قَصَدَهُ حَقِيقَةً مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ ظَاهِرًا، لَكِنَّ نِيَّتَهَا تُؤَثِّرُ فِي جَانِبِهَا خَاصَّةً فَلَا يَحْصُلُ لَهَا بِهَذَا النِّكَاحِ حِلُّهَا لِلْأَوَّلِ؛ حَيْثُ لَمْ تَقْصِدْ أَنْ تَنْكِحَ وَإِنَّمَا قَصَدَتْ أَنْ تُنْكَحَ وَالْقُرْآنُ قَدْ عَلَّقَ الْحِلُّ بِأَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠]، يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ نِكَاحٌ حَقِيقَةً مِنْ جِهَتِهَا لِزَوْجٍ هُوَ زَوْجٌ حَقِيقَةً، فَإِذَا كَانَ مُحَلِّلًا لَمْ يَكُنْ زَوْجًا، بَلْ تَيْسًا مُسْتَعَارًا. اهـ\nقلتُ: فشيخ الإسلام -﵀- يميل إلى صحة العقد، فلو غيَّرتِ المرأةُ نيتَها، وأحبت المقام مع الزوج الثاني؛ فلا يحتاج إلى تجديد العقد، ولو جُدِّد احتياطًا فلا","vol":"8","page":175},{"text":"بأس، وأما إذا استمرت على نيتها فلا يجوز للزوج أن يستمتع بها بعد أن يعلم حالتها، وله حق الفسخ بهذا العيب العظيم.\nوأما إذا علم الزوج بحال المرأة حين العقد؛ فالعقد باطل، والله أعلم.","vol":"8","page":176},{"text":"٩٩٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَنْكِحُ الزَّانِي المَجْلُودُ إلَّا مِثْلَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4216>مسألة [١]: حكم الزواج بمن تبين زناها، وكذا العكس</span>.\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يحرم على العفيف أن يتزوج بزانية لم تتب من هذه الجريمة، وكذا العكس، واستدلوا بحديث الباب، وبقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣]، وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد وغيرهم.\n• وذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، وبعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور:٣٢]، وقالوا: الآية المذكورة ليس فيها دليل على المنع من النكاح، فمنهم من قال: هي منسوخة بالآية: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، ومنهم من قال: ليس المراد بذلك النكاح، بقرينة أنَّ المشركة لا يجوز للزاني تزوجها، والزانية لا يجوز لها تزوج المشرك، قالوا: فالمقصود بقوله ﴿لَا يَنْكِحُ﴾، أي: لا يزني؛ فالمعنى (الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة) وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة وغيرهم.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٤)، وأبوداود (٢٠٥٢)، من طريق عبد الوارث، عن حبيب، حدثني عمرو بن شعيب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به. وإسناده حسن، رجاله ثقات، إلا عمرو بن شعيب؛ فإنه حسن الحديث، وقد حسنه شيخنا -﵀- في «الصحيح المسند».","vol":"8","page":177},{"text":"وقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن القيم القول الأول.\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ١١٤): وَأَمّا نِكَاحُ الزّانِيَةِ فَقَدْ صَرّحَ اللهُ ﷾ بِتَحْرِيمِهِ فِي سُورَةِ النّورِ، وَأَخْبَرَ أَنّ مَنْ نَكَحَهَا فَهُوَ إمّا زَانٍ، أَوْ مُشْرِكٌ؛ فَإِنّهُ إمّا أَنْ يَلْتَزِمَ حُكْمَهُ سُبْحَانَهُ وَيَعْتَقِدَ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ، أَوَ لَا؛ فَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ وَلَمْ يَعْتَقِدْهُ؛ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنْ الْتَزَمَهُ وَاعْتَقَدَ وُجُوبَهُ وَخَالَفَهُ؛ فَهُوَ زَانٍ، ثُمّ صَرّحَ بِتَحْرِيمِهِ، فَقَالَ: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النّورُ: ٣]، وَلَا يَخْفَى أَنّ دَعْوَى نَسْخِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النّورُ:٣٤] مِنْ أَضْعَفِ مَا يُقَالُ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ حَمْلُ النّكَاحِ عَلَى الزّنَى؛ إذْ يَصِيرُ مَعْنَى الْآيَةِ: (الزّانِي لَا يَزْنِي إلّا بِزَانِيَةٍ أَوْ مُشْرِكَةٍ وَالزّانِيَةُ لَا يَزْنِي بِهَا إلّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) وَكَلَامُ الله يَنْبَغِي أَنْ يُصَانَ عَنْ مِثْلِ هَذَا.\nقال: كَيْفَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ إنّمَا أَبَاحَ نِكَاحَ الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ بِشَرْطِ الْإِحْصَانِ، وَهُوَ الْعِفّةُ، فَقَالَ: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النّسَاءُ:٢٥]، فَإِنّمَا أَبَاحَ نِكَاحَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ دُونَ غَيْرِهَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ؛ فَإِنّ الْأَبْضَاعَ فِي الْأَصْلِ عَلَى التّحْرِيمِ، فَيُقْتَصَرُ فِي إبَاحَتِهَا عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الشّرْعُ وَمَا عَدَاهُ فَعَلَى أَصْلِ التّحْرِيمِ، وَأَيْضًا فَإِنّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور:٢٦] وَالْخَبِيْثَاتُ: الزَّوَانِي، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ تَزَوّجَ بِهِنّ فَهُوَ خَبِيثٌ مِثْلُهُنّ.\nقال: وَأَيْضًا فَمِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ أَنْ يَكُونَ الرّجُلُ زَوْجَ بَغِيّ، وَقُبْحُ هَذَا مُسْتَقِرّ","vol":"8","page":178},{"text":"فِي فِطَرِ الْخَلْقِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ غَايَةُ المَسَبّةِ. وَأَيْضًا: فَإِنّ الْبَغِيّ لَا يُؤْمَنُ أَنْ تُفْسِدَ عَلَى الرّجُلِ فِرَاشَهُ وَتُعَلّقَ عَلَيْهِ أَوْلَادًا مِنْ غَيْرِهِ، وَالتّحْرِيمُ يَثْبُتُ بِدُونِ هَذَا.\nوَأَيْضًا: فَإِنّ النّبِيّ - ﷺ - فَرّقَ بَيْنَ الرّجُلِ وَبَيْنَ المَرْأَةِ الّتِي وَجَدَهَا حُبْلَى مِنْ الزّنَى (^١).\nوَأَيْضًا: فَإِنّ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ اسْتَأْذَنَ النّبِيّ - ﷺ - أَنْ يَتَزَوّجَ عَنَاقَ وَكَانَتْ بَغِيّا، فَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ الله - ﷺ - آيَةَ النّورِ، وَقَالَ: لَا تَنْكِحْهَا (^٢). اهـ\nفهذا بحثٌ مفيدٌ، مختصرٌ فيه الكفاية في هذه المسألة إن شاء الله تعالى، وما رجحه ابن القيم هو الصواب.\nوقد استفاد بعض كلامه من شيخه شيخ الإسلام، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهما، وبالله التوفيق.\nوكما يحرم على الرجل الزواج بالزانية؛ فيحرم أيضًا على المرأة أن تتزوج بزاني. (^٣)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه سعيد بن منصور (٦٩٣)، وأبو داود (٢١٣١)، والبيهقي (٧/ ١٥٧) من طريق سعيد بن المسيب مرسلًا، أن رجلا تزوج امرأة فلما أصابها وجدها حبلى، فرفع ذلك إلى النبي - ﷺ -، ففرق بينهما، وجعل لها الصداق، وجلدها مائة. فهو مرسل ضعيف، وقد وصله إبراهيم بن أبي يحيى، وجعله عن بصرة الغفاري، وهو متروك.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣١٧٧)، وأبو داود (٢٠٥١)، والنسائي (٦/ ٦٦)، والبيهقي (٧/ ١٥٣) بإسناد حسن، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.\n(^٣) انظر بحث شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٠٩ - ١٢٥)، وانظر: «المغني» (٩/ ٥٦٢).","vol":"8","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4217>مسألة [٢]: هل يُشترط أن تعتد بعد الزنى مع التوبة</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١١٠): لكن مالك يشترط الاستبراء، وأبو حنيفة يجوز العقد قبل الاستبراء إذا كانت حاملًا، لكن إذا كانت حاملًا لا يجوز وطأها حتى تضع، والشافعي يبيح العقد والوطء مطلقًا؛ لأن ماء الزاني غير محترم، وحكمه لا يلحقه نسبه، هذا مأخذه، وأبوحنيفة يفرق بين الحامل وغير الحامل؛ فإن الحامل إذا وطئها استلحق ولدًا ليس منه قطعًا، بخلاف غير الحامل، ومالك وأحمد يشترطان الاستبراء، وهو الصواب، لكن مالك وأحمد في رواية يشترطان الاستبراء بحيضة، والرواية الأخرى عن أحمد هي التي عليها كثير من أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه: أنه لابدَّ من ثلاث حيض. والصحيح أنه لا يجب إلا الاستبراء فقط؛ فإن هذه ليست زوجة يجب عليها عدة، وليست أعظم من المستبرأة التي يلحق ولدها سيدها، وتلك لا يجب عليها إلا الاستبراء، فهذه أولى، وإن قدر أنها حرة كالتي أعتقت بعد وطء سيدها وأريد تزويجها إما من المعتق وإما من غيره؛ فإن هذه عليها استبراء عند الجمهور، ولا عدة عليها، وهذه الزانية ليست كالموطوءة بشبهة التي يلحق ولدها بالواطئ مع أن في إيجاب العدة على تلك نزاعًا. اهـ\nوقال -﵀- (٣٢/ ١١٢): ومن قال: (لا حرمة لماء الزاني) يقال له: الإستبراء لم يكن لحرمة ماء الأول، بل لحرمة ماء الثاني؛ فإن الإنسان ليس له أن يستلحق ولدًا ليس منه، وكذلك إذا لم يستبرئها وكانت قد علقت من الزاني. اهـ","vol":"8","page":180},{"text":"قلتُ: وفي الحديث «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره» (^١)، وفي حديث أبي الدرداء -﵁- في «صحيح مسلم» (١٤٤١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ مُجِحٍّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ، فَقَالَ: «لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا؟» فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ، كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟»\nوقد كان شيخنا مقبل الوادعي -﵀- يفتي بأنَّ العقد إذا حصل صحيح، ولكن لا يقربها حتى يستبرئها، وإن كانت حاملًا فلا يقربها حتى تضع، وهو قولٌ قريب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4218>مسألة [٣]: إذا حصلت التوبة من الرجل والمرأة، فهل تحل للذي زنى بها</span>؟\n• أكثر أهل العلم على الحل والجواز؛ لعدم وجود دليل يمنع ذلك، وكما تحل لغيره تحل له، وصحَّ هذا القول عن عمر، وابن عباس، وجابر، وجاء عن غيرهم.\n• وجاء عن ابن مسعود، وعائشة -﵄- أنهما لا يزالان زانيين ما اجتمعا.\nوالذي يظهر أنهما أرادا قبل التوبة كما جاء ما يدل على ذلك في أثر ابن مسعود، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١١١٠).\n(^٢) وانظر: «المغني» (٩/ ٥٦٢ -) «تهذيب السنن» (٣/ ٦٢).\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ٥٦٤) «مصنف عبدالرزاق» (٧/ ٢٠٢ - ٢٠٦).","vol":"8","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4219>مسألة [٤]: إذا زنت امرأةُ رجلٍ، أو زنى زوجها، فهل ينفسخ النكاح</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ النكاح لا ينفسخ، وجاء عن مكحول أنه لا يحل له الاجتماع معها، وقال جابر -﵁-: يفرَّق بينهما، وليس لها شيء. وجاء عن علي -﵁- أنه فرَّق بينهما، وصحَّ عن ابن عباس -﵄- أنه أمر الرجل بفراقها، وقال ابن عمر -﵄-: لا يقربها.\n• قال أحمد: لا أرى أن يمسك مثل هذه. قال ابن المنذر: لعل من كره هذه المرأة إنما كرهها على غير وجه التحريم؛ فيكون مثل قول أحمد هذا. قال أحمد: ولا يطؤها حتى يستبرئها بثلاث حِيَض.\nقال ابن قدامة -﵀-: والأَوْلَى أنه يكفي استبراؤها بحيضة واحدة؛ لأنها تكفي في استبراء الإماء، وفي أم الولد إذا عتقت بموت سيدها، أو بإعتاق سيدها، فيكفي ههنا، والمقصود ههنا مجرد الاستبراء، وقد حصل بحيضة، فتكفي. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4220>مسألة [٥]: إذا علم الرجل من جاريته الفُجُور</span>؟\n• قال أحمد: لا يطؤها؛ لعلها تلحق به ولدًا ليس منه. وهو قول الحسن، وابن سيرين.\n• ومذهب الجمهور أنه له أن يطأها بعد أن يستبرئها، وصحَّ فعل ذلك عن ابن عباس -﵄-، وسعيد بن المسيب. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٥٦٥) «البيان» (٩/ ٢٥٨) «ابن أبي شيبة» (٦/ ٨٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٥٦٦) «ابن أبي شيبة» (٦/ ٨٠) «عبدالرزاق» (٧/ ٢٠٨).","vol":"8","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4221>مسألة [٦]: إذا زنى بأخت امرأته، أو أمها، فهل تحرم عليه امرأته</span>؟\n• جاء عن بعض أهل العلم أنهم قالوا: تحرم عليه امرأته، جاء عن الحسن، وجاء عن ابن مسعود، وعمران.\nولا يثبت عنهما، ففي كلا الإسنادين ضعف؛ فالأول فيه: ليث بن أبي سليم. والآخر من طريق: قتادة عن عمران، ولم يسمع منه.\n• وصحَّ عن ابن عباس -﵄- أنَّ ذلك لا يحرم عليه امرأته، وهو الصحيح، وهو قول طائفة من أهل العلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «ابن أبي شيبة» (٦/ ٨٣ - ٨٤).","vol":"8","page":183},{"text":"٩٩٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوْجُهَا الأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لَا، حَتَّى يَذُوقَ الآخَرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الأَوَّلُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4222>مسألة [١]: إذا طلَّق الرجل امرأته ثلاثًا، فمتى يحل له تزوجها</span>؟\nقال الله ﷿ في كتابه الكريم: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٣٠].\n• وجمهور العلماء وعامتهم يبيحون للزوج الأول الزواج بها إن تزوجها رجل آخر ودخل بها، ويستدلون على اشتراط الدخول بها بحديث عائشة -﵂- المذكور في الكتاب، فتبين أنَّ المراد بالنكاح المذكور في الآية هو العقد مع الوطء.\n• وقد اشترط الحسن حصول الإنزال، ولا دليل على هذا الشرط؛ فإنَّ ذوق العسيلة المراد به حلاوة الجماع، وقد يحصل الإنزال من غير جماع، وقد يحصل الجماع بغير إنزال.\n• وذهب سعيد بن المسيب إلى أنَّ العقد بزوج آخر نكاح رغبة يكفي في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٦١)، ومسلم (١٤٣٣) (١١٥).","vol":"8","page":184},{"text":"إحلالها للأول؛ لظاهر الآية، وكأنه لم يبلغه حديث عائشة -﵂-، والصحيح قول الجمهور. (^١)\nيُستفاد من الآية والحديث أنها تحل للأول بثلاثة شروط:\nالأول: أن تنكح زوجًا غيره، فلا يحلها وطء السيد إن كانت أمة.\nالثاني: أن يكون النكاح صحيحًا، فلا يحلها نكاحٌ محرمٌ كنكاح الشِّغار، والتحليل وغيرهما عند جمهور العلماء، خلافًا للحكم، والشافعي في القول القديم.\nالثالث: أن يدخل بها، ويطأها في فرجها، وهو قول عامة العلماء كما تقدم. (^٢)\nاختلف أهل العلم في شرطٍ رابعٍ، وهو: هل يُشترط أن يكون الوطء حلالًا؟ بمعنى أنه لو جامعها في رمضان وهو صائم، أو في حال إحرامه، فلا تحل للأول؟\nاشترط ذلك مالك، وأكثر الحنابلة، ولم يشترطه الشافعي، وأبو حنيفة، وبعض الحنابلة، وصححه ابن قدامة؛ لأنه قد حصل جماع في عقد صحيح، والإثم عليه بمباشرة الجماع في غير وقت حِلِّه، وهو الأقرب، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٣١٧) «المغني» (١٠/ ٥٤٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٤٩).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٤٩ -).","vol":"8","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4223>بَابُ الكَفَاءَةِ وَالخِيَارِ</span>\n٩٩٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «العَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، وَالمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، إلَّا حَائِكًا أَوْ حَجَّامًا». رَوَاهُ الحَاكِمُ، وَفِي إسْنَادِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُوحَاتِمٍ. (^١)\n\n٩٩٩ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ البَزَّارِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ. (^٢)\n\n١٠٠٠ - وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ -﵂- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهَا: «انْكِحِي أُسَامَةَ». رَوَاهُ مُسْلِم. (^٣)\n\n١٠٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «يَا بَنِي بَيَاضَةَ، أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَانْكِحُوا إلَيْهِ» وَكَانَ حَجَّامًا. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ. (^٤)\n_________\n(^١) ضعيف باطل. أخرجه البيهقي (٧/ ١٣٤)، من طريق الحاكم، ولم أجده في «المستدرك». وهو ضعيف؛ لأن في إسناده من لم يسمَّ، وفيه عنعنة ابن جريج. وسئل عنه أبوحاتم فقال: كذب لا أصل له. وللحديث طرق لا تخلو من متروك أو كذاب. انظرها في «الإرواء» (١٨٦٩). وجاء من حديث عائشة عند البيهقي (٧/ ١٣٥)، وفي إسناده: الحكم بن عبدالله الأيلي يروي الموضوعات.\n(^٢) ضعيف. أخرجه البزار كما في «الوهم والإيهام» (٣/ ٦٢ - ٦٣) من طريق سليمان بن أبي الجون، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ مرفوعًا به. وهذا إسناد ضعيف؛ لأن خالد بن معدان لم يسمع من معاذ، وسليمان لا يعرف.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٤٨٠).\n(^٤) حسن. رواه أبوداود (٢١٠٢)، والحاكم (٢/ ١٦٤) من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به، وهذا إسناد حسن.","vol":"8","page":186},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4224>مسألة [١]: اعتبار الكفاءة في الرجل المتزوج</span>.\nلخَّصَ ابن القيم -﵀- هذه المسألة بكلام نفيس في «زاد المعاد» (٥/ ١٥٨ - ١٦١).\nفقال -﵀-: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الْحُجُرَاتُ: ١٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الْحُجُرَاتُ:١٠]، وَقَالَ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التّوْبَةُ:٧١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آلُ عِمْرَانَ:١٩٥].\nوَقَالَ - ﷺ -: «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيّ عَلَى عَجَمِيّ وَلَا لِعَجَمِيّ عَلَى عَرَبِيّ وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ إلّا بِالتّقْوَى النّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» (^١)، وَقَالَ - ﷺ -: «إنّ آلَ بَنِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إنَّ أَوْلِيَائِي الْمُتّقُونَ حَيْثُ كَانُوا وَأَيْنَ كَانُوا». (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٤١١) بإسناد صحيح عن صحابي مبهم، وصححه شيخنا الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» رقم (١٥٢٣).\n(^٢) أوله في «البخاري» برقم (٥٩٩٠)، ومسلم برقم (٢١٥)، عن عمرو بن العاص -﵁-، وبقية لفظه: «...، إنما ولي الله وصالح المؤمنين»، وأما قوله: «إنَّ أوليائي المتقون ...»، فقد أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٥)، وابن أبي عاصم في «السنة» (ص ٩٣)، وإسناده صحيح، وصححه شيخنا الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (١١٠٨).","vol":"8","page":187},{"text":"وَفِي «التّرْمِذِيّ» عَنْهُ - ﷺ - قال: «إذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ؛ فَأَنْكِحُوهُ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ» قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ فَقَالَ: «إذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ؛ فَأَنْكِحُوهُ» ثَلَاثَ مَرّاتٍ. (^١)\nوَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِبَنِي بَيَاضَةَ: «أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَأَنْكِحُوا إلَيْهِ»، وَكَانَ حَجّامًا، وَزَوّجَ النّبِيّ - ﷺ - زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الْقُرَشِيّةَ مِنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ، وَزَوّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ الْفِهْرِيّةَ الْقُرَشِيّةَ مِنْ أُسَامَةَ ابْنِهِ، وَتَزَوّجَ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ بِأُخْتِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النّورُ:٢٦]، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النّسَاءُ:٣].\nفَاَلّذِي يَقْتَضِيهِ حُكْمُهُ - ﷺ - اعْتِبَارُ الدّينِ فِي الْكَفَاءَةِ أَصْلًا، وَكَمَالًا، فَلَا تُزَوَّجُ مُسْلِمَةٌ بِكَافِرٍ، وَلَا عَفِيفَةٌ بِفَاجِرٍ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ الْقُرْآنُ وَالسّنّةُ فِي الْكَفَاءَةِ أَمْرًا وَرَاءَ\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الترمذي (١٠٨٥)، من طريق: عبدالله بن مسلم بن هرمز، عن محمد، وسعيد ابني عبيد، عن أبي حاتم المزني، به. وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف عبدالله بن مسلم، وجهالة محمد، وسعيد. وله طريق أخرى عند الترمذي (١٠٨٤)، والحاكم (٢/ ١٦٤ -)، من طريق: عبدالحميد بن سليمان، عن محمد بن عجلان، عن ابن وثيمة، عن أبي هريرة -﵁-، به.\n\nقال الترمذي -﵀-: قد خولف عبدالحميد بن سليمان؛ فرواه الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا. قال محمد -يعني البخاري-: وحديث الليث أشبه، ولم يعد حديث عبدالحميد محفوظًا. اهـ\nقلتُ: فالراجح أنَّ الحديث منقطع؛ لأنَّ ابن عجلان لم يدرك أبا هريرة.\nوقد جاء الحديث عن ابن عمر -﵄-، عند ابن عدي (٥/ ١٧٢٨)، وفي إسناده: عمار بن مطر، كذاب متروك، وقال ابن عدي: في أحاديثه عن مالك بواطيل.\nقلتُ: فالحديث ضعيف، ولا يرتقي إلى الحسن، والله أعلم.","vol":"8","page":188},{"text":"ذَلِكَ؛ فَإِنّهُ حَرّمَ عَلَى الْمُسْلِمَةِ نِكَاحَ الزّانِي الْخَبِيثِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ نَسَبًا، وَلَا صِنَاعَةٌ، وَلَا غِنًى، وَلَا حُرّيّةً؛ فَجَوّزَ لِلْعَبْدِ الْقِنّ نِكَاحَ الْحُرّةِ النّسِيبَةِ الْغَنِيّةِ إذَا كَانَ عَفِيفًا مُسْلِمًا، وَجَوّزَ لِغَيْرِ الْقُرَشِيّينَ نِكَاحَ الْقُرَشِيّات، وَلِغَيْرِ الْهَاشِمِيّينَ نِكَاحَ الْهَاشِمِيّاتِ، وَلِلْفُقَرَاءِ نِكَاحَ الْمُوسِرَاتِ.\nوَقَدْ تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي أَوْصَافِ الْكَفَاءَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ: إنّهَا الدِّين. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: إِنَّها ثَلَاثَة: الدِّيْنُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالسَّلَامَةُ مِنَ الْعُيُوبِ.\nوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ النّسَبُ وَالدّينُ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: هِيَ الدّينُ وَالنّسَبُ خَاصّةً. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: هِيَ خَمْسَةٌ: الدّينُ، وَالنّسَبُ، وَالْحُرّيّةُ، وَالصّنَاعَةُ، وَالْمَالُ. وَإِذَا اُعْتُبِرَ فِيهَا النّسَبُ فَعَنْهُ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنّ الْعَرَبَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ. الثّانِيَةُ: أَنّ قُرَيْشًا لَا يُكَافِئُهُمْ إلّا قُرَشِيّ، وَبَنُو هَاشِمٍ لَا يُكَافِئُهُمْ إلّا هَاشِمِيّ.\nوَقَالَ أَصْحَابُ الشّافِعِيّ: يُعْتَبَرُ فِيهَا الدّينُ، وَالنّسَبُ، وَالْحُرّيّةُ، وَالصّنَاعَةُ، وَالسّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُنَفّرَةِ. وَلَهُمْ فِي الْيَسَارِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: اعْتِبَارُهُ فِيهَا، وَإِلْغَاؤُهُ، وَاعْتِبَارُهُ فِي أَهْلِ الْمُدُنِ دُونَ أَهْلِ الْبَوَادِي، فَالْعَجَمِيّ لَيْسَ عِنْدَهُمْ كُفْئًا لِلْعَرَبِيّ، وَلَا غَيْرُ الْقُرَشِيّ لِلْقُرَشِيّةِ، وَلَا غَيْرُ الْهَاشِمِيّ لِلْهَاشِمِيّةِ، وَلَا غَيْرُ الْمُنْتَسِبَةِ إلَى الْعُلَمَاءِ وَالصّلَحَاءِ الْمَشْهُورِينَ كُفْئًا لِمَنْ لَيْسَ مُنْتَسِبًا إلَيْهِمَا، وَلَا الْعَبْدُ كُفْئًا لِلْحُرّةِ، وَلَا الْعَتِيقُ كُفْئًا لِحُرّةِ الْأَصْلِ، وَلَا مَنْ مَسّ الرّقّ أَحَدَ آبَائِهِ كُفْئًا لِمَنْ لَمْ يَمَسّهَا رِقّ وَلَا أَحَدًا مِنْ آبَائِهَا، وَفِي تَأْثِيرِ رِقّ الْأُمّهَاتِ وَجْهَانِ، وَلَا مَنْ بِهِ عَيْبٌ","vol":"8","page":189},{"text":"مُثْبِتٌ لِلْفَسْخِ كُفْئًا لِلسّلِيمَةِ مِنْهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْفَسْخُ، وَكَانَ مُنَفّرًا كَالْعَمَى، وَالْقَطْعِ، وَتَشْوِيهِ الْخِلْقَةِ، فَوَجْهَانِ. وَاخْتَارَ الرّويَانِيّ أَنّ صَاحِبَهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ، وَلَا الْحَجّامُ، وَالْحَائِكُ، وَالْحَارِسُ كُفْئًا لِبِنْتِ التّاجِرِ، وَالْخَيّاطِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا المُحْتَرِفُ لِبِنْتِ الْعَالِمِ، وَلَا الْفَاسِقُ كُفْئًا لِلْعَفِيفَةِ، وَلَا الْمُبْتَدِعُ لِلسّنّيّةِ، وَلَكِنْ الْكَفَاءَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هِيَ حَقّ لِلْمَرْأَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ.\nثُمّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ أَصْحَابُ الشّافِعِيّ: هِيَ لِمَنْ لَهُ وِلَايَةٌ فِي الْحَالِ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: حَقّ لِجَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ، فَمَنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهُمْ؛ فَلَهُ الْفَسْخُ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ: إنّهَا حَقّ الله، فَلَا يَصِحّ رِضَاهُمْ بِإِسْقَاطِهِ، وَلَكِنْ عَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ لَا تُعْتَبَرُ الْحُرّيّةُ، وَلَا الْيَسَارُ، وَلَا الصّنَاعَةُ، وَلَا النّسَبُ، إنّمَا يُعْتَبَرُ الدّينُ فَقَطْ؛ فَإِنّهُ لَمْ يَقُلْ أَحْمَدُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ العُلَمَاءِ إِنَّ نِكَاحَ الْفَقِيرِ لِلْمُوسِرَةِ بَاطِلٌ، وَإِنْ رَضِيَت، وَلَا يَقُولُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ: إنّ نِكَاحَ الْهَاشِمِيّةِ لِغَيْرِ الْهَاشِمِيّ، وَالْقُرَشِيّةِ لِغَيْرِ الْقُرَشِيّ بَاطِلٌ. وَإِنّمَا نَبّهْنَا عَلَى هَذَا؛ لِأَنّ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِنَا يَحْكُونَ الْخِلَافَ فِي الْكِفَاءَةِ: هَلْ هِيَ حَقّ لله أَوْ لِلْآدَمِيّ؟ وَيُطْلِقُونَ مَعَ قَوْلِهِمْ: إنّ الْكَفَاءَةَ هِيَ الْخِصَالُ الْمَذْكُورَةُ. وَفِي هَذَا مِنْ التّسَاهُلِ وَعَدَمِ التّحْقِيقِ مَا فِيهِ. انتهى كلامه -﵀- بنِصِّه.\nوخلاصة ما تقدم: أنَّ الصحيح أنَّ المعتبر بالكفاءة هو الدين، أما أصلًا فمجمع عليه؛ فلا تزوج المسلمة بكافر، وأما كمالًا؛ فعامة أهل العلم على اعتباره إلا أنَّ محمد بن الحسن لم يعتبر الدين إلا أن يكون ممن يسكر، ويخرج، ويسخر","vol":"8","page":190},{"text":"منه الصبيان.\nوجمهور أهل العلم لا يعدون الكفاءة شرطًا للنكاح، بل شرطًا للزومه، وعن أحمد رواية أنَّ ذلك شرطًا لصحته، وقد أشار إلى ذلك ابن القيم كما تقدم.\nوحق الفسخ عند الجمهور للمرأة والأولياء، ولكن عند الشافعي، ومالك أنَّ الفسخ للأولياء الذين يستحقون العقد حالًا، وعند أحمد: جميع الأولياء من قَرُبَ منهم، ومن بَعُدَ.\nوقال أبو حنيفة: إذا رضيت المرأة، وبعض الأولياء لم يكن للباقين الفسخ.\nوقد نبَّه الإمام ابن عثيمين -﵀- على أنَّ الفسخ بكل فسق محل نظر، وأشار إلى أنَّ الفسق الذي يفسخ فيه ما فيه ضرر على المرأة في دينها، ومثَّل على ذلك بشرب الخمر.\nقلتُ: وتقدم اعتبار أن يكون عفيفًا، وبالله التوفيق. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٩/ ٣٨٧ -) «الفتح» (٥٠٨٨) (٥٠٩٢).","vol":"8","page":191},{"text":"١٠٠٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: خُيِّرَتْ بَرِيرَةُ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. (^١)\nوَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا -﵂-: أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا (^٢)، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: كَانَ حُرًّا (^٣).\nوَالأَوَّلُ أَثْبَتُ.\n\n١٠٠٣ - وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵁-، عِنْدَ البُخَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4225>مسألة [١]: خيار الأَمَةِ إذا عتقت تحت عبد</span>.\nدلَّ حديثُ الباب على أنَّ لها الخيار، وقد نُقِل على ذلك الإجماع، نقله ابن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٩٧)، ومسلم (١٥٠٤) (١٤).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٥٠٤) (١١) (١٣).\n(^٣) ليست في مسلم، وإنما في مسلم برقم (١٥٠٤) (١٢). قال عبدالرحمن بن القاسم: وكان زوجها حرًّا، قال شعبة: ثم سألته عن زوجها فقال: لا أدري.\nوقد أخرج البخاري في «صحيحه» (٦٧٥٤) من طريق الأسود عن عائشة، وفيه: قال الأسود: وكان زوجها حرًّا. هكذا من قوله.\nقال البخاري: قول الأسود منقطع، وقول ابن عباس رأيته عبدًا أصح.\nوقد أخرج الرواية الموصولة عن عائشة بزيادة (كان حرًّا) أحمد (٦/ ٤٢)، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٩٥) وقد بين الحافظ -﵀- أن الرواية الموصولة مدرجة وأن الصحيح أنه من قول الأسود.\nقال: وعلى تقدير أن يكون موصولًا، فترجح رواية من قال: كان عبدًا بالكثرة، وأيضًا فآل المرء أعرف بحديثه، فإن القاسمَ ابنُ أخي عائشة، وعروةَ ابنُ أختها، وتابعهما غيرهما، فروايتهما أولى من رواية الأسود، فإنهما أقعد بعائشة وأعلم بحديثها، والله أعلم. اهـ «الفتح» (٥٢٨٤).\nقلتُ: فالرواية بأنه كان حرًّا إما أن تكون مدرجة من قول الأسود، أو تكون وهمًا، والله أعلم.\n\nوقد أشار الدارقطني، والبخاري إلى ترجيح رواية من قال: إنه كان عبدًا. «الفتح» (٥٢٨٤).\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (٥٢٨٣).","vol":"8","page":192},{"text":"المنذر، وابن عبد البر، وابن قدامة، وابن بطال، وابن القيم وغيرهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4226>مسألة [٢]: إذا عتقت الأمة تحت حُرٍّ</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا خيار لها، وهو قول سعيد، والحسن، وعطاء، وسليمان بن يسار وغيرهم، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وحجَّتُهم أنَّ الحديث الوراد جاء فيما إذا كانت أمة تحت عبد؛ فإنها حين عتقت زالت الكفاءة، وأصبح لا يُكافئها؛ لأنه عبدٌ، وأما إذا كان زوجها حُرًّا؛ فإنه يكافئها، فلا خيار لها.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ لها الخيار، وهو قول طاوس، وابن سيرين، ومجاهد، والثوري، وهو قول أصحاب الرأي، ورواية عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وقالا: إنَّ سبب تخيير الأمة هو كونها ملكت نفسها؛ فإنها في حال كونها أمة ملك لغيرها، ولا عبرة بإذنها، فلما ملكت نفسها اعتبر إذنها، ولا فرق في ذلك بين أن تكون تحت عبد، أو حُرٍّ.\nقال ابن القيم -﵀-: قَوْلُهم: (كَمُلَتْ تَحْتَ نَاقِصٍ)، هَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنّ الْكَفَاءَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الدّوَامِ كَمَا هِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ، فَإِذَا زَالَتْ خُيّرَتْ الْمَرْأَةُ كَمَا تُخَيّرُ إذَا بَانَ الزّوْجُ غَيْرَ كُفْءٍ لَهَا، وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنّ شُرُوطَ النّكَاحِ لَا يُعْتَبَرُ دَوَامُهَا وَاسْتِمْرَارُهَا، وَكَذَلِكَ تَوَابِعُهُ الْمُقَارِنَةُ لِعَقْدِهِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ تَوَابِعَ فِي الدّوَامِ؛ فَإِنَّ رِضَى الزّوْجَةِ غَيْرِ الْمُجْبَرَةِ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الدّوَامِ،\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٢٨٢) «المغني» (١٠/ ٦٨) «زاد المعاد» (٥/ ١٦٩).","vol":"8","page":193},{"text":"وَكَذَلِكَ الْوَلِيّ، وَالشّاهِدَانِ، وَكَذَلِكَ مَانِعُ الْإِحْرَامِ، وَالْعِدّةِ، وَالزّنَى عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُ نِكَاحَ الزّانِيَةِ، إنّمَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ دُونَ اسْتِدَامَتِهِ؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْكَفَاءَةِ ابْتِدَاءَ اشْتِرَاطٍ اسْتِمْرَارُهَا وَدَوَامُهَا. الثّانِي: أَنّهُ لَوْ زَالَتْ الْكَفَاءَةُ فِي أَثْنَاءِ النّكَاحِ بِفِسْقِ الزّوْجِ، أَوْ حُدُوثِ عَيْبٍ مُوجِبٍ لِلْفَسْخِ؛ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ قُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ. وَأَثْبَتَ الْقَاضِي الْخِيَارَ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ، وَيَلْزَمُهُ إثْبَاتُهُ بِحُدُوثِ فِسْقِ الزّوْجِ، وَقَالَ الشّافِعِيّ: إنْ حَدَثَ بِالزّوْجِ؛ ثَبَتَ الْخِيَارُ، وَإِنْ حَدَث بِالزّوْجَةِ؛ فَعَلَى قَوْلَيْنِ. اهـ المراد، وانظر بقية بحثه في هذه المسألة؛ فإنه مفيد.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: وقد يُقال: إنْ كان سيدها قد أكرهها على الزواج؛ خُيِّرت، وإن كانت لم تُكره ورضيت به؛ فلا خيار لها. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: لم يسأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بريرة هل كانت راضية بزوجها حين العقد، أم أُكرهت عليه؟ فدلَّ على عدم اعتبار ذلك، وما رجَّحه شيخ الإسلام، وابن القيم هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4227>مسألة [٣]: إذا اختارت المرأة الفراق، فهل هو فسخ، أو طلاق</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه يُعَدُّ فسخًا لا طلاقًا، وجاء عن مالك، والأوزاعي، والليث أنه يُعَدُّ طلقة بائنة، وليس لهم على ذلك دليل صحيح، وظاهر حديث\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٢٨٢) «المغني» (١٠/ ٦٩) «الشرح الممتع» (٥/ ٢٥٨ -) «زاد المعاد» (٥/ ١٦٩ -) «الاختيارات» (ص ٢٢٣).","vol":"8","page":194},{"text":"بريرة يدل على أنه فسخ، والطلاق بيد الرجل والأمر ههنا بيد المرأة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4228>مسألة [٤]: هل خيار المرأة على الفور، أم على التراخي</span>؟\n• قال أصحاب الرأي: خيار المرأة ما دامت في مجلس الحكم؛ فإنْ فارقته فلا خيار لها.\n• وعن الشافعي أنَّ خيارها يمتد ثلاثة أيام. وعنه قول آخر أنه على الفور. وعنه قول ثالث أنه على التراخي. وهذا القول قال به مالك، والأوزاعي، وأحمد، وقال به من التابعين: نافع، وسليمان بن يسار، والزهري، وقتادة وغيرهم. وصحَّ عن ابن عمر، وحفصة -﵃- ما يدل عليه كما في «موطإ مالك» وغيره.\nوهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خيَّرها ولم يحدد لها أجلًا، ولأنه حق لها، فلا يزول هذا الحق في وقت معين إلا بدليل، ولأنَّ ابن عمر، وحفصة -﵃- ثبت عنهما القول به، قال ابن عبد البر: لا أعلم لهما مخالفًا من الصحابة. والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4229>مسألة [٥]: إذا أمكنته من نفسها، فهل يسقط خيارها</span>؟\nإن كانت تعلم أنَّ لها الخيار شرعًا؛ فيسقط خيارها.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: اتفقوا على أنها إن أمكنته من وطئها؛ سقط خيارها. اهـ\nوصحَّ عن ابن عمر، وحفصة القول به كما في «الموطإ».\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٢٨٢) «المغني» (١٠/ ٧٠، ٧٩).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٥٢٨٤) «المغني» (١٠/ ٧١ -) «زاد المعاد» (٥/ ١٧٣) «موطأ مالك» (٢/ ٥٦٢ - ٥٦٣).","vol":"8","page":195},{"text":"• وأما إن كانت لا تعلم أنَّ لها الخيار، فالأكثر على أنَّ لها الخيار، ولا يسقط بذلك، وهو قول الأوزاعي، والثوري، وحماد، وعطاء، وإسحاق، والشافعي، وجماعة من الحنابلة.\n• وقال جماعةٌ من الحنابلة، وبعض الشافعية: يسقط خيارها وإن لم تعلم، ولا دليل على ذلك، والصواب هو القول الأول، وهو ترجيح ابن القيم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4230>مسألة [٦]: إذا كانت الأمة لنفسين، وأعتق أحدهما وهو معسر</span>؟\n• مذهب الشافعي، وأحمد في رواية أنْ لا خيار لها؛ لأنها ليست حرة كاملة الحرية، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أثبت الخيار لمن كمل لها الحرية.\n• وعن أحمد رواية أنَّ لها الخيار؛ لأنها أكمل من العبد؛ فإنها ترث وتورث، وتحجب بقدر ما فيها من الحرية.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4231>مسألة [٧]: إذا طلقها طلاقًا رجعيًّا، ثم عتقت، فهل لها الفسخ</span>؟\n• جماعةٌ من الحنابلة على أنَّ لها الفسخ؛ لأنها ما زالت في عصمته، وله حق إرجاعها؛ فإنِ اختارت الفسخ بطلت الرجعة، وإن اختارت البقاء معه؛ صحَّ، وسقط الخيار، وتبقى على عدتها.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٢٨٤) «المغني» (١٠/ ٧٢) «زاد المعاد» (٥/ ١٧٣) «الموطأ» (٢/ ٥٦٢ - ٥٦٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٧٤ - ٧٥).","vol":"8","page":196},{"text":"• وذهب الشافعي، وجماعةٌ من الحنابلة إلى أنه لا عبرة بالاختيار في زمن العدة؛ لأنه زمن هي صائرة فيه إلى بينونة؛ فالاختيار ممتنع، قالوا: فإن اختارت البقاء؛ فلا يسقط خيارها، وما زال لها الخيار إذا ارتجعها.\nوالقول الأول هو الصحيح، وهو اختيار ابن القيم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4232>مسألة [٨]: إذا عتقت أمة فطلقها زوجها قبل أن تفسخ</span>؟\n• مذهب جماعة من الحنابلة، والشافعية وقوع الطلاق؛ لأنها قبل الفسخ ما زالت امرأة له، وهو اختيار ابن القيم، وقال جماعة من الحنابلة، والشافعية: يوقف الطلاق؛ فإن لم تفسخ وقع، وإن فسخت تبَيَنَّا أنَّ الطلاق وقع على غير امرأة له؛ فلا يقع. والصحيح القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4233>مسألة [٩]: ماذا عن المهر إذا فسخت</span>؟\nإذا كان الفسخ بعد الدخول بها؛ فالمهر ثابت، وهو للسيد، إن شاء أقره بيدها، وإن شاء أخذه. وهل الواجب المهر المسمَّى، أم مهر المثل؟\n• الواجب هو المهر المسمى؛ لأنه نكاح صحيح، وهذا مذهب الحنابلة، وقال أصحاب الشافعي: إن كان دخل بها قبل العتق؛ فالواجب المهر المسمى، وإن كان دخل بها بعد العتق؛ فالواجب مهر المثل، وهذا التفصيل لا دليل عليه.\n• وإذا كان الفسخ قبل الدخول بها؛ فلا مهر لها ولا للسيد، وهو مذهب أحمد،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٧٧) «زاد المعاد» (٥/ ١٧٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٧٨) «الزاد» (٥/ ١٧٤).","vol":"8","page":197},{"text":"والشافعي، وعن أحمد رواية أنَّ للسيد نصفه.\nوالصحيح القول الأول؛ لأنه لم يدخل بها، ولم يطلقها، بل كان الفسخ من قبلها، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: إذا اختارت المعتقة زوجها بشرط أن يزيد في المهر؛ صح شرطها، والزيادة لها، وليست للسيد. (^٢)\nفائدة: فسخ المعتقة لا يحتاج إلى حكم حاكم؛ لأنه أمرٌ مجمع عليه غير مجتهد فيه، هذا إذا كانت تحت عبد؛ فإن كانت تحت حُرٍّ احتاج إلى ذلك. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٧٦) «الزاد» (٥/ ١٧٤ - ١٧٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٨٠).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٠/ ٧٩).","vol":"8","page":198},{"text":"١٠٠٤ - وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ -﵁-، قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي أَسْلَمْت وَتَحْتِي أُخْتَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْت». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالبَيْهَقِيُّ، وَأَعَلَّهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n١٠٠٥ - وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ -﵁- أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ، وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ البُخَارِيُّ، وَأَبُوزُرْعَةَ، وَأَبُوحَاتِمٍ. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٤/ ٢٣٢)، وأبوداود (٢٢٤٣)، والترمذي (١١٢٩) (١١٣٠)، وابن ماجه (١٩٥١)، وابن حبان (٤١٥٥)، والدارقطني (٣/ ٢٧٣)، والبيهقي (٧/ ١٨٤)، كلهم من طريق أبي وهب الجيشاني، عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه، به.\nوإسناده ضعيف؛ لجهالة حال أبي وهب والضحاك، وقال البخاري في «التاريخ الكبير»: الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه روى عنه أبو وهب الجيشاني لا يعرف سماع بعضهم من بعض. اهـ\n(^٢) صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٣)، والترمذي (١١٢٨)، وابن حبان (٤١٥٦)، والحاكم (٢/ ١٩٢)، كلهم من طريق معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه به. والحديث ظاهر إسناده الصحة، ولكن قد أعله البخاري وأبوزرعة وأبوحاتم، وكذلك مسلم، وأحمد، والترمذي. فمنهم من يعله بالاختلاف في الأسانيد، ومنهم من يرجح إرساله، وهم الأكثر.\nقلتُ: له إسناد آخر سنده صحيح، وليس من طريق الزهري:\n\nأخرجه البيهقي (٧/ ١٨٣)، والدارقطني (٣/ ٢٧١، ٢٧٢)، من طريقين صحيحين إلى أبي بريد عمرو بن يزيد الجرمي ثنا سيف بن عبيدالله الجرمي ثنا سرار أبوعبيدة العنزي عن أيوب عن نافع وسالم عن ابن عمر فذكره. وفيه (تسع نسوة). وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقد صححه شيخنا -﵀- في «الجامع الصحيح»، فعلى هذا فالحديث صحيح إن شاء الله، وبالله التوفيق.","vol":"8","page":199},{"text":"١٠٠٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: رَدَّ النَّبِيُّ - ﷺ - ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي العَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ الأَوَّلِ، وَلَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَالحَاكِمُ. (^١)\n\n١٠٠٧ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي العَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَجْوَدُ إسْنَادًا، وَالعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ. (^٢)\n\n١٠٠٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجَتْ، فَجَاءَ زَوْجُهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي كُنْت أَسْلَمْت، وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ زَوْجِهَا الآخَرِ وَرَدَّهَا إلَى زَوْجِهَا الأَوَّلِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. (^٣)\n_________\n(^١) حسن بشواهده. أخرجه أحمد (١/ ٢١٧)، وأبوداود (٢٢٤٠)، والترمذي (١١٤٣)، وابن ماجه (٢٠٠٩)، والحاكم (٢/ ٢٠٠) (٣/ ٢٣٧)، من طريق ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة عن ابن عباس به. وإسناده ضعيف؛ لضعف رواية داود بن الحصين، عن عكرمة، وابن إسحاق قد صرح بالتحديث عند الترمذي والحاكم في الموضع الثاني.\nولكن له شاهد من مرسل الشعبي: أخرجه سعيد بن منصور (٢١٠٧)، وابن سعد (٨/ ٣٢)، بإسناد صحيح. وآخر من مرسل قتادة: أخرجه ابن سعد (٨/ ٣٢). فالحديث حسن بشواهده.\n(^٢) ضعيف. أخرجه الترمذي (١١٤٢)، وأحمد (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، وابن ماجه (٢٠١٠)، من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب به. وإسناده ضعيف؛ لأن حجاجًا مدلس، وفيه ضعف ولم يصرح بالتحديث.\nوقال أحمد عقب الحديث: هذا حديث ضعيف، أو قال: واهٍ، ولم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب إنما سمعه من محمد بن عبيدالله العرزمي، والعرزمي لا يساوي حديثه شيئًا، والحديث الصحيح الذي روي أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أقرهما على النكاح الأول. اهـ\n(^٣) ضعيف. أخرجه أحمد (١/ ٢٣٢)، وأبوداود (٢٢٣٨)، وابن ماجه (٢٠٠٨)، وابن حبان (٤١٥٩)، والحاكم (٢/ ٢٠٠)، وأخرجه أيضًا الترمذي (١١٤٤)، كلهم من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وإسناده ضعيف؛ لضعف رواية سماك عن عكرمة، فإنها مضطربة.","vol":"8","page":200},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\nالأحاديث المتقدمة متعلقة بأنكحة المشركين، وفي ذلك مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4234>مسألة [١]: هل تُقَرُّ أنكحة المشركين إذا أسلموا</span>؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٧٤ - ١٧٥): كانت مناكحهم في الجاهلية على أنحاء متعددة، منها: نكاح الناس اليوم، وذلك النكاح في الجاهلية صحيح عند جمهور العلماء، وكذلك سائر مناكح أهل الشرك التي لا تحرم في الإسلام، ويلحقها أحكام النكاح الصحيح من الإرث، والإيلاء، واللعان، والظهار، وغير ذلك. وحُكي عن مالك أنه قال: نكاح أهل الشرك ليس بصحيح. ومعنى هذا عنده أنه لو طلق الكافر ثلاثًا لم يقع به طلاق، ولو طلق المسلم زوجته الذمية ثلاثًا، فتزوجها ذمي ووطئها؛ لم يحلها عنده، ولو وطئ ذمي ذمية بنكاح؛ لم يصر بذلك محصنًا.\nقال: وأكثر العلماء يخالفونه في هذا، وأما كونه صحيحًا في لحوق النسب، وثبوت الفراش؛ فلا خلاف فيه بين المسلمين، فليس هو بمنزلة وطء الشبهة، بل لو أسلم الزوجان الكافران أُقِرَّا على نكاحهما بالإجماع، وإن كانا لا يُقَرَّان على وطء شبهة.","vol":"8","page":201},{"text":"وقد احتُجَّ بهذا الحديث (^١) على أنَّ نكاح الجاهلية صحيح.\nواحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤]، وقوله: ﴿امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص:٩/التحريم:١١]، وقالوا: قد سماها الله (امرأة)، والأصل في الإطلاق الحقيقة، والله أعلم. اهـ\nوقال -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ٢٢٤): والصواب أنَّ أنكحتهم المحرمة في دين الإسلام حرام مطلقًا، إذا لم يسلموا عوقبوا عليها، وإن أسلموا عُفِي لهم عن ذلك؛ لعدم اعتقادهم تحريمه.\nواختُلِف في الصحة والفساد، والصواب أنها صحيحة من وجهين؛ فإن أُريد بالصحة إباحة التصرف، فإنما يُباح لهم بشرط الإسلام، وإن أُريد نفوذه وترتيب أحكام الزوجية عليه من حصول الحل به للمطلق ثلاثًا، ووقوع الطلاق فيه، وثبوت الإحصان به؛ فصحيح. انتهى المراد.\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٥): أَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ، يُقَرُّونَ عَلَيْهَا إذَا أَسْلَمُوا أَوْ تَحَاكَمُوا إلَيْنَا، إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا فِي\n_________\n(^١) يعني به ما أخرجه البخاري برقم (٥٢٨٦) عن ابن عباس -﵄-، قال: كان المشركون على منزلتين من النبي - ﷺ - والمؤمنين: كانوا مشركي أهل حرب، يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد، لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه، وإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران، ولهما ما للمهاجرين - ثم ذكر من أهل العهد مثل حديث مجاهد - وإن هاجر عبد أو أمة للمشركين أهل العهد لم يردوا، وردت أثمانهم. قال عطاء، عن ابن عباس: كانت قريبة بنت أبي أمية عند عمر بن الخطاب، فطلقها فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وكانت أم الحكم بنت أبي سفيان تحت عياض بن غنم الفهري، فطلقها فتزوجها عبد الله بن عثمان الثقفي.","vol":"8","page":202},{"text":"الْحَالِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى صِفَةِ عَقْدِهِمْ وَكَيْفِيَّتِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ شُرُوطُ أَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ الْوَلِيِّ، وَالشُّهُودِ، وَصِيغَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا، فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، أَنَّ لَهُمَا الْمُقَامَ عَلَى نِكَاحِهِمَا؛ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ وَلَا رَضَاعٌ، وَقَدْ أَسْلَمَ خَلْقٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَأَسْلَمَ نِسَاؤُهُمْ، وَأُقِرُّوا عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ رَسُولُ الله - ﷺ - عَنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ، وَلَا كَيْفِيَّتِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ وَالضَّرُورَةِ، فَكَانَ يَقِينًا، وَلَكِنْ يُنْظَرُ فِي الْحَالِ، فَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى صِفَةٍ يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا؛ أُقِرَّ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، كَأَحَدِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالنَّسَبِ أَوْ السَّبَبِ، أَوْ الْمُعْتَدَّةِ، وَالْمُرْتَدَّةِ، وَالْوَثَنِيَّةِ، وَالْمَجُوسِيَّةِ، وَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا؛ لَمْ يُقَرَّ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ، وَأَسْلَمَا بَعْدَ انْقِضَائِهَا، أُقِرَّا؛ لِأَنَّهَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4235>مسألة [٢]: إذا أسلم الكافر وتحته أكثر من أربع نسوة أسلمن معه</span>؟\nليس له إمساك أكثر من أربع نسوة بلا خلاف عند أهل العلم.\n• ومذهب الجمهور أنه يختار منهن أربعًا، ويفارق سائرهن سواء تزوجهُنَّ في عقد واحد أو في عقود، وسواء اختار الأوائل أو الأواخر، واستدلوا على ذلك بحديث غيلان ابن سلمة الذي في الباب، ولأنَّ كل عدد جاز له ابتداء العقد عليه؛ جاز له إمساكه بنكاح مطلق في حال الشرك، كما لو تزوجهن بغير شهود. وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والليث، والأوزاعي،","vol":"8","page":203},{"text":"والثوري وغيرهم.\n• وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: إن كان تزوجهن في عقد؛ انفسخ نكاح جميعهن، وإن كان في عقود؛ فنكاح الأوائل صحيح، ونكاح ما زاد على أربع باطل؛ لأنَّ العقد إذا تناول أكثر من أربع فتحريمه من طريق الجمع؛ فلا يكون فيه مُخيَّرًا بعد الإسلام كما لو تزوجت المرأة زوجين في حال الكفر ثم أسلموا.\nوأُجيب: بأنَّ قياسهم مخالف للحديث الوارد، ولأنَّ أنكحة الكفار لا يُشترط فيها أن تكون على شروط العقد عند المسلمين كما تقدم تقريره، وأما تزوج المرأة بزوجين؛ فإنَّ نكاح الثاني باطل؛ لأنها ملكته ملك غيرها، وإن جمعت بينهما؛ لم يصح؛ لأنها لم تملكه جميع بضعها، ولأنَّ ذلك ليس بشائع عند أحد من أهل الأديان، ولأنَّ المرأة ليس لها اختيار النكاح وفسخه، بخلاف الرجل. انتهى ملخصًا من «المغني» (١٠/ ١٤ - ١٥). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4236>مسألة [٣]: إذا أبى أن يختار منهن أربعًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٥): فَإِنْ أَبَى؛ أُجْبِرَ بِالْحَبْسِ، وَالتَّعْزِيرِ إلَى أَنْ يَخْتَارَ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ عَلَيْهِ يُمْكِنُهُ إيفَاؤُهُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْهُ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ، كَإِيفَاءِ الدَّيْنِ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَخْتَارَ عَنْهُ، كَمَا يُطَلِّقُ عَلَى الْمُولِي إذَا امْتَنَعَ مِنْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ هَاهُنَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا تَتَعَيَّنُ الزَّوْجَاتُ بِاخْتِيَارِهِ وَشَهْوَتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَعْرِفُهُ الْحَاكِمُ؛ فَيَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ، بِخِلَافِ الْمُولِي؛ فَإِنَّ الْحَقَّ\n_________\n(^١) وانظر: «الزاد» (٥/ ١١٥) «أعلام الموقعين» (٢/ ٣٣١).","vol":"8","page":204},{"text":"الْمُعَيَّنَ يُمْكِنُ الْحَاكِمُ إيفَاءَهُ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4237>مسألة [٤]: إذا مات قبل أن يختار</span>؟\nلا يقوم الوارث مقامه في الاختيار؛ لما ذكرناه قريبًا، وعلى جميعهن العدة؛ لأنَّ الزوجات لم يتعين منهن، فمن كانت حاملًا فعدتها بوضعه، ومن كانت آيسة، أو صغيرة فعدتها أربعة أشهر وعشر، ومن كانت من ذوات القُروء فعدتها أطول الأجلين، من ثلاثة قروء، أو أربعة أشهر وعشر؛ لتقضي العدة بيقين، هذا مذهب الحنابلة، والشافعية. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4238>مسألة [٥]: إذا كان الذي أسلم صغيرًا، وتحته أكثر من أربع نسوة</span>؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ٢٢٦): وإن أسلم الكافر، وله ولد صغير؛ تبعه في الإسلام، فإذا كان تحت الصغير أكثر من أربع نسوة، فقال القاضي: ليس لوليه الاختيار منهن؛ لأنه راجع إلى الشهوة، والإرادة. ثم قال في «الجامع»: يوقف الأمر حتى يبلغ فيختار. وقال في «المجرد»: حتى يبلغ عشر سنين. وقال ابن عقيل: حتى يُراهق، ويبلغ أربع عشرة سنة.\nقال شيخ الإسلام: الوقف هنا ضعيف؛ لأنَّ الفسخ واجب، فيقوم الولي مقامه في التعيين، كما يقوم مقامه في تعيين الواجب عليه من المال في الزكاة وغيرها. اهـ (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٩/ ٣٣٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ١٦) «البيان» (٩/ ٣٣٩).\n(^٣) وانظر: «الإنصاف» (٨/ ٢١٧) «المغني» (١٠/ ١٥ - ١٦).","vol":"8","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4239>مسألة [٦]: بِمَ يحصل الاختيار</span>؟\nيحصل الاختيار بما يدل عليه من الكلام بأن يقول: (اخترت نكاح هؤلاء)، أو (اخترت هؤلاء)، أو (أمسكتهن)، أو (اخترت حبسهن)، أو (إمساكهن)، أو (أمسكت نكاحهنَّ)، أو (ثَبَّتُّ نكاحهنَّ) وما أشبه ذلك.\nوإن قال لما زاد على الأربع: (فسخت نكاحهن) فسخ، وكان اختيارًا للأربع.\nوأما إذا طلق إحداهن، أو بعضهن، فمذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ ذلك يُعَدُّ اختيارًا لها؛ لأنَّ الطلاق لا يكون إلا في زوجة.\nقال صاحب «الإنصاف» -﵀-: وقيل: ليس اختيارًا لها. اهـ\nوهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وهو الصواب؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات». (^١)\nوإن قال: (فارقت هؤلاء) فيقع الفسخ فيهن عند جماعة من الحنابلة، والشافعية، وهو الصحيح خلافًا لطائفة منهم. (^٢)\nوإن وطئ إحداهن، فهل يُعَدُّ اختيارًا لها؟\n• أكثر الحنابلة، والشافعية على أنه يعد اختيارًا لها، وهو الصحيح خلافًا لطائفة منهم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٦ - ١٧) «البيان» (٩/ ٣٣٥ - ٣٣٦) «الإنصاف» (٨/ ٢٢٠) «الاختيارات» (ص ٢٢٧) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣٠٢).\n(^٢) انظر: «البيان» (٩/ ٣٣٦) «المغني» (١٠/ ١٧) «الإنصاف» (٨/ ٢٢١).\n(^٣) انظر المصادر السابقة.","vol":"8","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4240>مسألة [٧]: إذا اختار أربعًا، فهل على الباقيات عدة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٨): وَإِذَا اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارَقَ الْبَوَاقِيَ؛ فَعِدَّتُهُنَّ مِنْ حِينِ اخْتَارَ؛ لِأَنَّهُنَّ بِنَّ مِنْهُ بِالِاخْتِيَارِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عِدَّتُهُنَّ مِنْ حِينِ أَسْلَمَ؛ لِأَنَّهُنَّ بِنَّ بِإِسْلَامِهِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ، كَمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَلَمْ يُسْلِمْ الْآخَرُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَفُرْقَتُهُنَّ فَسْخٌ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِإِسْلَامِهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ فِيهِنَّ، وَعِدَّتُهُنَّ كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَاتِ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ مِنْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا كَذَلِكَ. اهـ\nقلتُ: قرر شيخ الإسلام -﵀-، وكذا ابن حزم أنَّ الفسوخ ليس فيها عدة، إنما العدة في الطلاق، والمتوفى عنها زوجها، وإنما عليها أن تستبرئ بحيضة؛ إلا أنَّ ابن حزمٍ استثنى المختلعة، وردَّ عليه شيخ الإسلام. (^١)\nتفريعات:\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٩): إذَا أَسْلَمَ قَبْلَهُنَّ، وَقُلْنَا بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ؛ فَلَا كَلَامَ. وَإِنْ قُلْنَا: يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. وَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّهُنَّ بِنَّ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهُنَّ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ لَمْ يَقَعْ بِهِنَّ، وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إذَا أَسْلَمْنَ، وَإِنْ كَانَ وَطِئَهُنَّ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَطِئَ غَيْرَ نِسَائِهِ، وَإِنْ آلَى مِنْهُنَّ، أَوْ ظَاهَرَ، أَوْ قَذَفَ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَيْرِ زَوْجِهِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ خَاطَبَ بِذَلِكَ أَجْنَبِيَّةً؛ فَإِنْ أَسْلَمَ\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٩٥٢) (١٩٩٢) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣٢٩ - ٣٣٥).","vol":"8","page":207},{"text":"بَعْضُهُنَّ فِي الْعِدَّةِ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَوَقَعَ طَلَاقُهُ بِهَا، وَكَانَ وَطْؤُهُ لَهَا وَطْئًا لِمُطَلَّقَتِهِ. وَإِنْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ غَيْرَهَا، فَوَطْؤُهُ لَهَا وَطْءٌ لِامْرَأَتِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ وَطْؤُهُ لَهَا قَبْلَ طَلَاقِهَا، وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ، فَأَسْلَمَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ مِنْهُنَّ، أَوْ أَقَلُّ فِي عِدَّتِهِنَّ، وَلَمْ تُسْلِمْ الْبَوَاقِي؛ تَعَيَّنَتْ الزَّوْجِيَّةُ فِي الْمُسْلِمَاتِ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِنَّ، فَإِذَا أَسْلَمَ الْبَوَاقِي؛ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهِنَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ بِهِنَّ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: هذه التفريعات مبنية على اعتبار فسخ نكاح الكافر، أو الكافرة إذا أسلم أحدهما بانتهاء العدة، وفي المسألة خلافٌ يأتي بيانه إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4241>مسألة [٨]: إذا أسلم بعضهن، فهل له تأخير الاختيار حتى يسلم الباقي</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٠): إذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمَ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ، فَلَهُ اخْتِيَارُهُنَّ، وَلَهُ الْوُقُوفُ إلَى أَنْ يُسْلِمَ الْبَوَاقِي.\nفَإِنْ مَاتَ اللَّاتِي أَسْلَمْنَ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَاقِيَاتُ، فَلَهُ اخْتِيَارُ الْمَيِّتَاتِ، وَلَهُ اخْتِيَارُ الْبَاقِيَاتِ، وَلَهُ اخْتِيَارُ بَعْضِ هَؤُلَاءِ؛ وَبَعْضِ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَيْسَ بِعَقْدِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصْحِيحٌ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ فِيهِنَّ، وَالِاعْتِبَارُ فِي الِاخْتِيَارِ بِحَالِ ثُبُوتِهِ، وَحَالَ ثُبُوتِهِ كُنَّ أَحْيَاءَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4242>مسألة [٩]: إذا اختار نكاح من أسلمت، وإذا فسخ نكاح من أسلمت</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٠): وَإِنْ أَسْلَمَتْ وَاحِدَةُ مِنْهُنَّ،","vol":"8","page":208},{"text":"فَقَالَ: اخْتَرْتهَا. جَازَ، فَإِذَا اخْتَارَ أَرْبَعًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي. وَإِنْ قَالَ لِلْمُسْلِمَةِ: اخْتَرْت فَسْخَ نِكَاحِهَا. لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَالِاخْتِيَارُ لِلْأَرْبَعِ، وَهَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْبَعِ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْفَسْخِ الطَّلَاقَ، فَيَقَعُ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَيَكُونُ طَلَاقُهُ لَهَا اخْتِيَارًا لَهَا، وَإِنْ قَالَ: اخْتَرْت فُلَانَةَ. قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ إلَيَّ بَيْنُونَةٍ، فَلَا يَصِحُّ إمْسَاكُهَا. وَإِنْ فَسَخَ نِكَاحَهَا، لَمْ يَنْفَسِخْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ الِاخْتِيَارُ، لَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ. وَإِنْ نَوَى بِالْفَسْخِ الطَّلَاقَ، أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ. فَهُوَ مَوْقُوفٌ؛ فَإِنْ أَسْلَمَتْ وَلَمْ يُسْلِمْ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْبَعٍ، أَوْ أَسْلَمَ زِيَادَةٌ فَاخْتَارَهَا؛ تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِهَا، وَإِلَّا فَلَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4243>مسألة [١٠]: هل له الاختيار وهو محرم بحج أو عمرة</span>؟\n• منع بعض الشافعية والحنابلة ذلك، وأكثرهم على جواز ذلك، وهو الصحيح؛ لأنه استدامة للنكاح وتعيين للمنكوحة وليس ابتداءً فأشبه الرجعة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4244>مسألة [١١]: إذا أسلم وتحته أختان</span>؟\n• مذهب الجمهور أنه يختار منهن واحدة، ويفارق الأخرى، وهو قول الحسن، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وأبي عبيد، واستدلوا على ذلك بحديث الباب: «طَلِّق أيتهما شئت»، ولأنَّ أنكحة الكفار صحيحة، وإنما حرم الجمع في الإسلام، فيزيله بتطليقِ واحدةٍ.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢١) «البيان» (٩/ ٣٣٨).","vol":"8","page":209},{"text":"• وقال أبو حنيفة ههنا كقوله في الزيادة على الأربع.\nوالصحيح قول الجمهور، ويدل عليه أيضًا حديث غيلان بن سلمة؛ فإنه يدل على التخيير، وإن كان الكافر قد تزوج واحدة يحرم عليه جمعها مع من معه في الإسلام، ومع ذلك أمره ﵊ بالاختيار، وهو كما لو طلق أختها قبل إسلامه، ثم أسلم، والأخرى في حِبَاله، وهكذا الحكم في المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها؛ لأنَّ المعنى في الجميع واحد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4245>مسألة [١٢]: إذا أسلم وتحته أم وابنتها، فأسلمن معه</span>؟\nإذا كان قد دخل بهما؛ حرمتا عليه على التأبيد، تحرم الأم لأنها أم زوجته، والبنت؛ لأنه ربيبته من زوجته التي دخل بها، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم.\nوهذا قول الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، ومالك، وأهل الحجاز، والثوري، وأهل العراق، والشافعي، وأحمد ومن تبعهم، وكذلك إن دخل بالأم وحدها؛ لأنَّ البنت تكون ربيبته مدخولًا بأمها، والأم حرمت بمجرد العقد على ابنتها، وأما إن كان دخل بالبنت وحدها فيثبت نكاحها، ويفسد نكاح أمها.\n• وإذا كان لم يدخل بواحدة منهن فمذهب أحمد، والشافعي في قولٍ، والمزني أنه يفسد نكاح الأم، ويثبت نكاح البنت؛ لأنَّ الأم تحرم بمجرد العقد على\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٢).","vol":"8","page":210},{"text":"البنت، قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، والبنت لا تحرم إلا بالدخول بأمها.\n• وقال الشافعي في قولٍ: يختار أيتهما شاء؛ لأنَّ عقد الشرك إنما يثبت له حكم الصحة إذا انضم إليه الاختيار.\nوالصحيح القول الأول، وقولهم: (إنما يصح العقد بانضمام الاختيار إليه) غير صحيح؛ فإنَّ أنكحة الكفار صحيحة يثبت لها أحكام الصحة، وكذلك لو انفردت كان نكاحها صحيحًا لازمًا من غير اختيار، ولهذا فوض إليه الاختيار، ولا يصح أن يختار من ليس نكاحها صحيحًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4246>مسألة [١٣]: إذا أسلم الرجل وتحته أربع إماء</span>؟\n• إذا أسلم الرجل وتحته إماء، فأسلمن معه، وكُنَّ زوجات له، فله أن يختار واحدة منهن إن كان عادمًا للطول خائفًا من العَنت؛ فإن كانت لا تعفه فله أن يزيد واحدة، وهكذا، وهو قول أحمد، والشافعي.\n• وإن عدم فيه الشرطان؛ ينفسخ النكاح عند أحمد، والشافعي وغيرهما.\n• وقال أبو ثور: لا ينفسخ؛ لأنَّه استدامة نكاح وليس ابتداءً.\nوأجاب الجمهور بأنَّ أنكحة الكفار يُقَرُّ منها ما يجوز ابتداؤه، وهذا لا يجوز ابتداؤه؛ فلا يقر عليه. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٣ - ٢٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٧ - ٢٨).","vol":"8","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4247>مسألة [١٤]: إذا كان واجدًا للطول، ثم أسلمن بعد أن أعسر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٨): وَلَوْ أَسْلَمَ وَهُوَ وَاجِدٌ لِلطَّولِ، فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى أَعْسَرَ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ شَرَائِطَ النِّكَاحِ تُعْتَبَرُ فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، وَهُوَ وَقْتُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ عَادِمٌ لِلطَّولِ خَائِفٌ لِلْعَنَتِ؛ فَكَانَ لَهُ الِاخْتِيَارُ. وَإِنْ أَسْلَمَ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى أَيْسَرَ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ؛ لِذَلِكَ. اهـ\nفائدة: قال الحافظ ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ١٣٥) بعد أن ذكر آثارًا، وأحاديث تدل على مسائل الباب: فَتَضَمّنَ هَذَا الْحُكْمُ أَنّ الزّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ كَيْفِيّةِ وُقُوعِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ هَلْ وَقَعَ صَحِيحًا أَمْ لَا؟ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُبْطِلُ قَائِمًا كَمَا إذَا أَسْلَمَا، وَقَدْ نَكَحَهَا وَهِيَ فِي عِدّةٍ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ تَحْرِيمًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، أَوْ مُؤَبّدًا كَمَا إذَا كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ بِنَسَبٍ، أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ كَانَتْ مِمّا لَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ مَعَهُ، كَالْأُخْتَيْنِ، وَالْخَمْسِ وَمَا فَوْقَهُنّ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ أَحْكَامُهَا مُخْتَلِفَةٌ، فَإِذَا أَسْلَمَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مَحْرَمِيّةٌ مِنْ نَسَبٍ، أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ صَهْرٍ، أَوْ كَانَتْ أُخْتَ الزّوْجَةِ، أَوْ عَمّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا، أَوْ مَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا؛ فُرّقَ بَيْنَهُمَا بِإِجْمَاعِ الْأُمّةِ، لَكِنْ إنْ كَانَ التّحْرِيمُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ؛ خُيّرَ بَيْنَ إمْسَاكِ أَيّتهِمَا شَاءَ.\nثم قال -﵀-: وَإِنْ أَسْلَمَا وَقَدْ عَقَدَاهُ بِلَا وَلِيّ، أَوْ بِلَا شُهُودٍ، أَوْ فِي عِدّةٍ وَقَدْ انْقَضَتْ، أَوْ عَلَى أُخْتٍ وَقَدْ مَاتَتْ، أَوْ عَلَى خَامِسَةٍ كَذَلِكَ؛ أُقِرَّا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ","vol":"8","page":212},{"text":"قَهَرَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيّةً، وَاعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا، ثُمّ أَسْلَمَا؛ أُقِرَّا عَلَيْهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4248>مسألة [١٥]: إذا أسلم الكافران معًا في وقت واحد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٧): إِنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ. وَلَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ الله. ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ اخْتِلَافٌ في الدِينٍ. اهـ\nقال: وَيُعْتَبَرُ تَلَفُّظُهُمَا بِالْإِسْلَامِ دَفْعَةً وَاحِدَةً؛ لِئَلَّا يَسْبِقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَيَفْسُدَ النِّكَاحُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْمَجْلِسِ، كَالْقَبْضِ وَنَحْوِهِ؛ فَإِنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ كُلِّهِ حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ، وَلِأَنَّهُ يَبْعُدُ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ؛ لَوَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَ كُلِّ مُسْلِمَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ، إلَّا فِي الشَّاذِّ النَّادِرِ، فَيَبْطُلُ الْإِجْمَاعُ. اهـ\nقلتُ: الصحيح عدم اعتبار تلفظهما جميعًا كما سيأتي في المسألة التي تليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4249>مسألة [١٦]: إذا أسلم أحد الزوجين قبل الآخر، فما الحكم</span>؟\n• في هذه المسألة ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أنَّ النكاح ينفسخ بمجرد إسلام الأول منهما، وهو قول الحسن، وعطاء، وطاوس، وعكرمة، وقتادة، وصح عن ابن عباس -﵄- أنه قال: إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه.","vol":"8","page":213},{"text":"وقال بهذا القول أيضًا الحكم، والثوري، وأبو ثور، وهو ظاهر اختيار البخاري، وأحمد في رواية اختارها الخلَّال، وأبو بكر، ونصره ابن حزم، واستدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ ... [الممتحنة:١٠]، واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب الوارد في الباب.\nوأبو حنيفة يقول بهذا القول؛ إلا أنه لا يفسخ النكاح حتى يعرض على الآخر الإسلام فيأبى، ومثله قول مالك فيما إذا كان الرجل هو الذي أسلم.\nالقول الثاني: أنَّ النكاح لا ينفسخ حتى تنقضي عدة المرأة؛ فإن أسلم الآخر قبل انقضائها؛ فهما على نكاحهما، وإن أسلم بعد انقضائها؛ وقعت الفرقة من حين اختلف الدينان، وإن أحبَّا الاجتماع فبعقد جديد.\nوهذا قول الزهري، والليث، والحسن بن صالح، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، والمشهور عن أحمد، ومالك، وحجتهم في ذلك أنَّ الفسخ لا يحصل بمجرد الإسلام، فقد حصل إسلام جمع من الكفار مع تفاوتٍ بين إسلام الزوجين منهم، فأقرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على أنكحتهم ولم يجدد عقدًا، ومنهم أبو العاص بن الربيع؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أعاد عليه ابنته زينب بدون عقد جديد، وكذلك ما اشتهر في السيرة أنَّ صفوان بن أمية أسلم بعد امرأته بنحو شهر، وكذلك أسلمت أم حكيم قبل زوجها عكرمة بن أبي جهل، وأسلم أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وأبو سفيان بن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية عام الفتح قبل أزواجهم، ولم يُعْلَم","vol":"8","page":214},{"text":"أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فرَّق بين أحدٍ ممن أسلم، وبين امرأته، أو أمرهما بتجديد العقد.\nالقول الثالث: أنَّ النكاح موقوف، وإن انقضت العدة، وهو قول النخعي، وحماد بن أبي سليمان، ورواية عن الزهري، وعن علي، وعمر ما يدل عليه (^١)، واختاره شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم -﵀-.\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ١٣٦): وَتَضَمّنَ أَنّ أَحَدَ الزّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَ قَبْلَ الْآخَرِ لَمْ يَنْفَسِخْ النّكَاحُ بِإِسْلَامِهِ، فَرّقَتْ الْهِجْرَةُ بَيْنَهُمَا أَوْ لَمْ تُفَرّقْ؛ فَإِنّهُ لَا يُعْرَفُ أَنّ رَسُولَ الله - ﷺ - جَدّدَ نِكَاحَ زَوْجَيْنِ سَبَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِإِسْلَامِهِ قَطّ، وَلَمْ يَزَلْ الصّحَابَةُ يُسْلِمُ الرّجُلُ قَبْلَ امْرَأَتِهِ وَامْرَأَتُهُ قَبْلَهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ الْبَتّةَ أَنّهُ تَلَفّظَ بِإِسْلَامِهِ هُوَ وَامْرَأَتُهُ، وَتَسَاوَقَا فِيهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ، هَذَا مِمّا يُعْلَمُ أَنّهُ لَمْ يَقَعْ الْبَتّةَ.\nقال: وَأَمّا مُرَاعَاةُ زَمَنِ الْعِدّةِ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ نَصّ وَلَا إجْمَاعٍ، وَقَدْ ذَكَرَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ فِي الزّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا: هُوَ أَمْلَكُ بِبُضْعِهَا مَا دَامَتْ فِي دَارِ هِجْرَتِهَا. وَذَكَرَ سُفْيَانُ بْن عُيَيْنَة، عَنْ مُطَرّفِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ الشّعْبِيّ، عَنْ عَلِيّ: هُوَ أَحَقّ بِهَا مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِصْرِهَا (^٢). وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزّهْرِيّ: إنْ أَسْلَمَتْ وَلَمْ يُسْلِمْ زَوْجُهَا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا إلّا أَنْ يُفَرّقَ\n_________\n(^١) سيأتي إن شاء الله ذكر الأثرين في كلام ابن القيم عن قريب.\n(^٢) الإسناد الأول عن علي -﵁- إسناده صحيح؛ لولا عنعنة قتادة، والإسناد الثاني صحيح رجاله ثقات.","vol":"8","page":215},{"text":"بَيْنَهُمَا سُلْطَانٌ.\nقال: وَلَا يُعْرَفُ اعْتِبَار الْعِدّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَلَا كَانَ النّبِيّ - ﷺ - يَسْأَلُ الْمَرْأَةَ هَلْ انْقَضَتْ عِدّتُهَا أَمْ لَا، وَلَا رَيْبَ أَنّ الْإِسْلَامَ لَوْ كَانَ بِمُجَرّدِهِ فُرْقَةً؛ لَمْ تَكُنْ فُرْقَةً رَجْعِيّةً، بَلْ بَائِنَةً، فَلَا أَثَرَ لِلْعِدّةِ فِي بَقَاءِ النّكَاحِ، وَإِنّمَا أَثَرُهَا فِي مَنْعِ نِكَاحِهَا لِلْغَيْرِ، فَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ نَجّزَ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا؛ لَمْ يَكُنْ أَحَقّ بِهَا فِي الْعِدّةِ، وَلَكِنْ الّذِي دَلّ عَلَيْهِ حُكْمُهُ - ﷺ - أَنّ النّكَاحَ مَوْقُوفٌ؛ فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدّتِهَا؛ فَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَإِنْ انْقَضَتْ عِدّتُهَا؛ فَلَهَا أَنْ تَنْكِحَ مَنْ شَاءَتْ، وَإِنْ أَحَبّتْ انْتَظَرَتْهُ؛ فَإِنْ أَسْلَمَ كَانَتْ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَجْدِيدِ النّكَاحِ.\nقال: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا جَدّدَ لِلْإِسْلَامِ نِكَاحَهُ الْبَتّةَ، بَلْ كَانَ الْوَاقِعُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إمّا افْتِرَاقُهُمَا وَنِكَاحُهَا غَيْرَهُ، وَإِمّا بَقَاؤُهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ تَأَخّرَ إسْلَامُهَا أَوْ إسْلَامُهُ، وَأَمَّا تَنْجِيزُ الْفُرْقَةِ، أَوْ مُرَاعَاةُ الْعِدّةِ، فَلَا نَعْلَمُ أَنّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَضَى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ أَسْلَمَ فِي عَهْدِهِ مِنْ الرّجَالِ وَأَزْوَاجِهِنّ، وَقُرْبِ إسْلَامِ أَحَدِ الزّوْجَيْنِ مِنْ الْآخَرِ وَبُعْدِهِ مِنْهُ، وَلَوْلَا إقْرَارُهُ - ﷺ - الزّوْجَيْنِ عَلَى نِكَاحِهِمَا وَإِنْ تَأَخّرَ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَزَمَنِ الْفَتْحِ؛ لَقُلْنَا بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ عِدّةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.\nقال: وَلَكِنْ الّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿لَا","vol":"8","page":216},{"text":"هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾؛ لَمْ يَحْكُمْ بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ.\nثم ذكر إسلام عدد من الصحابة قبل أزواجهم.\nثم قال: وَجَوَابُ مَنْ أَجَابَ بِتَجْدِيدِ نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ فِي غَايَةِ الْبُطْلَانِ، وَمِنْ الْقَوْلِ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - بِلَا عِلْمٍ، وَاتّفَاقُ الزّوْجَيْنِ فِي التّلَفّظِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ مَعًا فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ مَعْلُومُ الِانْتِفَاءِ. وَيَلِي هَذَا الْقَوْلَ مَذْهَبُ مَنْ يَقِفُ الْفُرْقَةَ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدّةِ مَعَ مَا فِيهِ؛ إذْ فِيهِ آثَارٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُنْقَطِعَةً، وَلَوْ صَحّتْ لَمْ يَجُزْ الْقَوْلُ بِغَيْرِهَا. قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: كَانَ النّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - يُسْلِمُ الرّجُلُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ قَبْلَ الرّجُلِ، فَأَيّهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدّةِ الْمَرْأَةِ؛ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْعِدّةِ؛ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا.\nثم ذكر -﵀- أثر عمر الذي يدل على أنه يقول بالوقف، ولا يعلقه بانتهاء العدة.\nقال: ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيّوبَ وَقَتَادَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِالله بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيّ، أَنَّ نَصْرَانِيّا أَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ، فَخَيّرَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ -﵁-: إنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ وَإِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ (^١). وَمَعْلُومٌ بِالضّرُورَةِ أَنّهُ إنّمَا خَيّرَهَا بَيْنَ انْتِظَارِهِ إلَى أَنْ يُسْلِمَ؛ فَتَكُونَ زَوْجَتُهُ كَمَا هِيَ، أَوْ تُفَارِقَهُ. وَكَذَلِكَ صَحّ عَنْهُ أَنّ نَصْرَانِيّا أَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ، فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: إنْ أَسْلَمَ؛ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ؛ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا. فَلَمْ يُسْلِمْ، فَفُرّقَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ قَالَ لِعُبَادَةَ بْنِ النّعْمَانِ\n_________\n(^١) إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين.","vol":"8","page":217},{"text":"التّغْلِبِيّ، وَقَدْ أَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ: إمّا أَنْ تُسْلِمَ وَإِلّا نَزَعْتهَا مِنْك. فَأَبَى، فَنَزَعَهَا مِنْهُ. اهـ\nقلتُ: وهذا هو الذي قرره شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨) (٣٢/ ١٧٦)، وبيَّنَ -﵀- أنَّ النكاح لا ينفسخ بالإسلام، ولا بانقضاء العدة، بل هو موقوف حتى تنكح زوجًا غيره؛ فإنْ أسلم قبل أن تنكح؛ فهو أحق بها، وهي امرأته.\nوظاهر كلامه -﵀- كما في «الاختيارات» أنَّ من أسلم منهما فلا ينفسخ النكاح مطلقًا، بل هو موقوف؛ فإن أسلم الآخر وأحبَّا أن يكونا على نكاحها؛ فلهما ذلك.\nقال -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ٢٢٦): وإذا أسلمت الزوجة، والزوج كافرٌ، ثم أسلم قبل الدخول أو بعد الدخول؛ فالنكاح باقٍ مالم تنكح غيره، والأمر إليها، ولا حكم له عليها، ولا حق لها عليه، وكذا إن أسلم قبلها، وليس له حبسها، فمتى أسلمت ولو قبل الدخول أو بعده فهي امرأته إن اختار. اهـ\nقلتُ: والقول الأخير هو الصحيح، وهو اختيار الصنعاني، واستحسنه الشوكاني واختاره، ورجَّحه الإمام ابن عثيمين، والشيخ عبد الرحمن السعدي ﵏، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4250>مسألة [١٧]: إذا أسلم أحدهما قبل الدخول</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ النكاح ينفسخ بمجرد الإسلام؛ إلا أن أبا حنيفة يشترط أن يعرض على الآخر الإسلام، وكذا مالك إن كانت المرأة هي التي\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٥٢٨٨) «المحلى» (٩٣٩) «أعلام الموقعين» (٢/ ٣٣٢ -) «المغني» (١٠/ ٨).","vol":"8","page":218},{"text":"أسلمت؛ لأنَّ غير المدخول بها لا عدة عليها، واختار شيخ الإسلام أنَّ النكاح موقوف، وهو مقتضى قول أصحاب القول الثالث في المسألة السابقة، وهو الراجح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4251>مسألة [١٨]: هل تستحق المهر إذا حصلت الفرقة بعد الدخول</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ الفرقة إذا حصلت بإسلام أحدهما بعد الدخول؛ فإنَّ للمرأة المهر كاملًا؛ لأنه استقر بالدخول فلم يسقط بشيء؛ فإنْ كان مسمًّى صحيحًا فهو لها؛ لأنَّ أنكحة الكفار صحيحة يثبت لها أحكام الصحة، وإن كان محرمًا وقد قبضته في حال الكفر؛ فليس لها غيره؛ لأننا لا نتعرض لما مضى من أحكامهم، وإن لم تقبضه وهو حرام؛ فلها مهر مثلها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4252>مسألة [١٩]: إذا حصلت الفرقة بإسلام أحدهما قبل الدخول</span>؟\n• إذا كان المسلم منهما هي الزوجة، فقال جماعةٌ من أهل العلم: لا شيء لها. وهو قول الحسن، والزهري، وابن شبرمة، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد في رواية، ووجهُ هذا القول أنَّ الفرقة سببها اختلاف الدين، وذلك حصل بفعل المرأة؛ فلا شيء لها.\n• وذهب بعضهم إلى أنَّ لها نصف المهر إذا كانت هي المسلمة، وهو قول قتادة، والثوري، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة؛ لأنَّ الفرقة حصلت من قبله بإبائه\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٦) «الاختيارات» (ص ٢٢٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ١١، ٣٤).","vol":"8","page":219},{"text":"الإسلام، وامتناعه منه، وهي فعلت ما فرض الله عليها.\n• وإن كان المسلم منهما هو الرجل؛ فللمرأة نصف المهر عند الجمهور، وهو قول من تقدم ذكرهم في بداية المسألة؛ لأنه هو المتسبب بالفرقة بإسلامه.\n• وعن أحمد رواية: لا شيء لها؛ لأنها هي المتسببة بالفرقة بإبائها الإسلام.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الله ﷿ أمر بنصف المهر في حال الطلاق، وأما في حال انفساخ النكاح بسبب الإسلام فلا نعلم دليلًا على إيجابه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4253>مسألة [٢٠]: ما هو قدر العدة المذكورة في المسائل السابقة</span>؟\n• الجمهور يعتبرونها كعدة المطلقة ثلاث حيض، إن كانت مدخولًا بها، وهي من ذوات الأقراء، وأبو حنيفة يعتبرها حيضة، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن حزم وغيرهما.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣٣٦): وقد روى البخاري في «صحيحه» عن ابن عباس قال: كان المشركون على منزلتين من النبي - ﷺ -، والمؤمنين كانوا مشركي أهل حرب، يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد، لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب؛ لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت؛ حل لها النكاح؛ فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح؛ رُدَّت إليه؛ فإن هاجر عبد منهم أو أمة؛ فهما حُرَّان، ولهما ما للمهاجرين، ثم ذكر\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٧) «البيان» (٩/ ٣٥٩) «الإنصاف» (٨/ ٢١٠ - ٢١١).","vol":"8","page":220},{"text":"في أهل العهد مثل حديث مجاهد، وإن هاجر عبد، أو أمة للمشركين أهل العهد؛ لم يردوا، وردت أثمانهم.\nقال: ففي هذا الحديث أنَّ المهاجرة من دار الحرب إذا حاضت، ثم طهرت؛ حل لها النكاح، فلم يكن يجب عليها إلا الاستبراء بحيضة، لا بثلاثة قروء، وهي معتدة من وطء زوج، لكن زال نكاحه عنها بإسلامها، ففي هذا أنَّ الفرقة الحاصلة باختلاف الدين، كإسلام امرأة الكافر إنما يوجب استبراءً بحيضة، وهي فسخ من الفسوخ، ليست طلاقًا، وفي هذا نقض لعموم من يقول: كل فرقة في الحياة بعد الدخول توجب ثلاثة قروء. وهذه حرة مسلمة، لكنها معتدة من وطء كافر. اهـ المراد. (^١)\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: أثر ابن عباس الذي ذكره شيخ الإسلام أخرجه البخاري برقم (٥٢٨٦) من طريق: ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس به.\nوهذا الأثر قد أعله بعض الحفاظ، وهو أبو مسعود الدمشقي، وتبعه على ذلك آخرون، وجزموا بأنَّ عطاءً المذكور هو الخراساني، وأنَّ ابن جريج لم يسمع منه التفسير، وإنما أخذه من ابنه عثمان، وعثمان ضعيفٌ جدًّا، وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس.\nفالأثر مُعلٌّ، ولكن لا نعلم دليلًا صحيحًا على أنها تعتد عدة المطلقة، فالأقرب ما ذكره شيخ الإسلام -﵀-، وبالله التوفيق. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١١١، ١٧٦).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (٥٢٨٦).","vol":"8","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4254>مسألة [٢١]: هل عليه النفقة عليها أثناء العدة</span>؟\n• أما الذين يقولون بأنَّ النكاح ينفسخ بمجرد الإسلام؛ فمقتضى قولهم أنه ليس لها نفقة عليه؛ لأنها ليست زوجة له، وأما الذين يقولون: النكاح يوقف حتى تنتهي العدة. فيقولون: إذا كانت غير مدخول بها؛ فلا نفقة أيضًا، وإن كان مدخولًا بها؛ فلها النفقة إذا كانت هي المسلمة، ولا نفقة لها إذا كان هو المسلم. (^١)\nتنبيه: المسائل السابقة فيما إذا كانت المرأة الكافرة ليست كتابية، أما إذا كانت كتابية، وأسلم زوجها؛ أقر النكاح؛ لجواز زواج المسلم بالكتابية. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4255>مسألة [٢٢]: تزوج ذمي ذمية بغير صداق، أو بدون تسميته</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٣٥): إذَا تَزَوَّجَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً، عَلَى أَنْ لَا صَدَاقَ لَهَا، أَوْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ؛ فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ، إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ؛ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، كَمَا فِي نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا؛ فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا مَهْرَ لَهَا. وَالأُخْرَى: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ لِحَقِّ الله تَعَالَى وَحَقِّهَا، وَقَدْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا، وَالذِّمِّيُّ لَا يُطَالَبُ بِحَقِّ الله تَعَالَى.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١١) «البيان» (٩/ ٣٥٨).\n(^٢) «المغني» (١٠/ ٣٢).","vol":"8","page":222},{"text":"قال: وَلَنَا أَنَّ هَذَا نِكَاحٌ خَلَا عَنْ تَسْمِيَةٍ؛ فَيَجِبُ لِلْمَرْأَةِ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ كَالْمُسْلِمَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ المَهْرُ فِي حَقِّ المُفوَّضة؛ لِئَلَّا تَصِيرَ كَالمَوْهُوبَةِ وَالمُبَاحَةِ، وَهَذَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4256>مسألة [٢٣]: إذا ترافعوا إلى الحاكم في ابتداء العقد</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٣٦): إذَا ارْتَفَعُوا إلَى الْحَاكِمِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ؛ لَمْ يُزَوِّجْهُمْ إلَّا بِشُرُوطِ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِقَوْلِ الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة:٤٢]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩]، وَلِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى عَقْدِهِ، بِخِلَافِ ذَلِكَ.\nقال: وَإِنْ أَسْلَمُوا، أَوْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا بَعْدَ الْعَقْدِ؛ لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ عَقْدِهِمْ، وَنَظَرْنَا فِي الْحَالِ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً، أَقَرَّهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، كَذَوَاتِ مَحْرَمِهِ؛ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4257>مسألة [٢٤]: هل يتعلق بأنكحة الكفار الطلاق، والإيلاء، والظهار، وغيرها من الأحكام</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٣٦ - ٣٧): وَأَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَالظِّهَارِ، وَالْإِيلَاءِ، وَوُجُوبِ الْمَهْرِ، وَالْقَسَمِ، وَالْإِبَاحَةِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَالْإِحْصَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.\nقال: وَمِمَّنْ أَجَازَ طَلَاقَ الْكُفَّارِ: عَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ،","vol":"8","page":223},{"text":"وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ بَالِغٍ عَاقِلٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ؛ فَوَقَعَ، كَطَلَاقِ المُسْلِمِ؛ فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ أَنْكِحَتِهِمْ. قُلْنَا: دَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ النِّسَاءَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، وَقَالَ: ﴿امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾، وَحَقِيقَةُ الْإِضَافَةِ تَقْتَضِي زَوْجِيَّةً صَحِيحَةً، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وُلِدْت مِنْ نِكَاحٍ، لَا مِنْ سِفَاحٍ» (^١)،\nوَإِذَا ثَبَتَ صِحَّتُهَا؛ ثَبَتَتْ أَحْكَامُهَا، كَأَنْكِحَةِ المُسْلِمِينَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4258>مسألة [٢٥]: إذا ارتد أحد الزوجين، فهل ينفسخ النكاح</span>؟\n• أما إذا كان ارتداد أحدهما قبل الدخول؛ فينفسخ بمجرد الردة عند عامة أهل العلم، واختار شيخ الإسلام أنه موقوف حتى تنكح زوجًا غيره.\n• وأما إذا كان ارتداد أحدهما بعد الدخول، فالأكثر على تعجل الفرقة، وينفسخ النكاح بمجرد الردة، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وزُفر، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن حزم.\n• وقال بعضهم: موقوف إلى انقضاء العدة. وهو قول الشافعي، وأحمد\n_________\n(^١) ضعيف. أحسن طرقه مرسل أبي جعفر الباقر، أخرجه عبدالرزاق (١٣٢٧٣)، وابن جرير (١٢/ ٩٧)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٩١٧)، والبيهقي (٧/ ١٩٠).\n\nوله طرقٌ أخرى شديدة الضعف لا تصلح للتقوية، انظرها في «الإرواء» (١٩١٤)، وقد حسنه الإمام الألباني -﵀- بمجموع طرقه.","vol":"8","page":224},{"text":"في رواية.\nواختار شيخ الإسلام أنه موقوف حتى تنكح زوجًا غيره. وهو أصح الأقوال، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4259>مسألة [٢٦]: إذا ارتد الزوجان معًا</span>؟\nالحكم فيها كالحكم في المسألة السابقة؛ إلا أنَّ أبا حنيفة يقول ههنا: لا ينفسخ النكاح. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4260>مسألة [٢٧]: هل له الوطء حال ردته</span>؟\nإذا ارتد الزوجان، أو أحدهما؛ فلا يحل له وطء المرأة؛ فإن وطأها؛ فلها عليه مهر المثل لهذا الوطء مع المهر الأول، وإن أسلما؛ فلا مهر عليه. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٨ - ٣٩) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٩٠ - ١٩١) «الاختيارات» (ص ٢٢٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٤٠) «الاختيارات» (ص ٢٢٦).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٠/ ٤٠ - ٤١).","vol":"8","page":225},{"text":"١٠٠٩ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - العَالِيَةَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَوَضَعَتْ ثِيَابَهَا، رَأَى بِكَشْحِهَا (^١) بَيَاضًا، فَقَالَ: «الْبَسِي ثِيَابَكِ، وَالْحَقِي بِأَهْلِك»، وَأَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاقِ. رَوَاهُ الحَاكِمُ، وَفِي إسْنَادَهُ جَمِيلُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي شَيْخِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. (^٢)\n\n١٠١٠ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ -﵁- قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَوَجَدَهَا بَرْصَاءَ، أَوْ مَجْنُونَةً، أَوْ مَجْذُومَةً فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَسِيسِهِ إيَّاهَا، وَهُوَ لَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا. أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^٣)\n\n١٠١١ - وَرَوَى سَعِيدٌ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَبِهَا قَرْنٌ (^٤)، فَزَوْجُهَا بِالخِيَارِ، فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا. (^٥)\n_________\n(^١) الكَشْحُ: هو الخاصرة، والخاصرتان هما جانبا البطن من اليمين والشمال.\n(^٢) ضعيف جدًّا. أخرجه الحاكم (٤/ ٣٤)، من طريق أبي معاوية الضرير، عن جميل بن زيد الطائي، عن زيد بن كعب ... به. وإسناده ضعيف جدًّا؛ بسبب جميل بن زيد، فقد قال فيه ابن معين والنسائي: ليس بثقة. وقال أبوحاتم: ضعيف. وقال ابن حبان: واهي الحديث. كما في «التهذيب»، والعجب أن هذه الأقوال ذكرها الحافظ في «التهذيب» ثم قال ههنا: مجهول!\n(^٣) صحيح. أخرجه سعيد بن منصور في «السنن» (١/ ٢١٢)، ومالك (٢/ ٥٢٦)، وابن أبي شيبة (٤/ ١٧٥) من طريق يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عمر به. وهذا الإسناد رجاله ثقات حفاظ، وسعيد بن المسيب اختلف في سماعه من عمر، والصحيح أنه سمع منه يسيرًا، وقد قال أحمد -﵀-: إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟!\n(^٤) قال في «النهاية»: شيءٌ يكون في فرج المرأة كالسن يمنع من الوَطْء ويقال له: العَفَلة.\n(^٥) صحيح. أخرجه سعيد بن منصور (١/ ٢١٣) عن سفيان، عن مطرف، عن الشعبي، عن علي به. وهذا الإسناد صحيح، رجاله ثقات، وقد اختلف في سماع الشعبي من علي -﵁-، وذكر الدارقطني أنه لم يسمع منه إلا حديثًا واحدًا، والأصح أنه قد سمع منه جملة من الآثار، فقد صرح بسماعه من علي -﵁- في عدد من الآثار، كما في «سنن ابن منصور»، و«مصنف ابن أبي شيبة».","vol":"8","page":226},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4261>مسألة [١]: هل يفسخ النكاح بوجود عيب في الرجل أو المرأة</span>؟\n• مذهب الظاهرية أنه لا يفسخ النكاح بعيب البتة، بل النكاح صحيح، ولا يخرج منه إلا بطلاق أو خلع.\n• وعامة أهل العلم على مشروعية فسخ النكاح؛ لوجود عيب يمنع الاستمتاع، واختلفوا في اعتبار هذه العيوب، فعند أبي حنيفة يفسخ النكاح إذا كان الرجل مجبوبًا، أو عنينًا، ولا يفسخ في غير ذلك من العيوب.\n• وعند الشافعي، ومالك، وأحمد يفسخ النكاح بالجنون، والبرص، والجذام، والقرن، والجَّبْ، والعُنَّة، وزاد أحمد: أن تكون المرأة رتقاء.\nومعنى القرن: لحم نابت في فرج المرأة يمنع الجماع.\nومعنى الرتقاء: هي التي ملتئمٌ فرجها.\n• واختلف الشافعية، والحنابلة فيما بينهم في اعتبار بعض العيوب في الفسخ، من ذلك: نتن الفرج، والفم، وانخراق مخرجي البول والمني في الفرج، والقروح السيالة في الفرج، والبواسير، والناصور، والاستحاضة، واستطلاق البول وغير ذلك، فلهم فيها وجهان.","vol":"8","page":227},{"text":"• وعن بعض الشافعية كما في «زاد المعاد» أنَّ الفسخ يحصل بكل عيب ترد به الجارية في البيع.\nوقال ابن القيم: كل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة، والمودة؛ يوجب الخيار، وهو أولى من البيع، وعن شُريح، والزهري ما يوافق ذلك كما في «الزاد».\nوقال شيخ الإسلام: وترد المرأة بكل عيب ينفر عن كمال الاستمتاع. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: هذا القول أقرب، واعتبار العيب راجعٌ إلى العرف، والله أعلم.\nوأما الدليل على جواز الفسخ بالعيوب؛ فلِأنَّ العقد المطلق اقتضى سلامتها من ذلك، وإخفاء هذه العيوب غش وخداع.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «القواعد النورانية الفقهية» (ص ٢٣٨): وكذلك يوجب العقد المطلق سلامة الزوج من الجب، والعنة عند عامة الفقهاء، وكذلك يوجب عند الجمهور سلامتها من موانع الوطء، كالرتق، وسلامتها من الجنون، والجذام، والبرص، وكذلك سلامتها من العيوب التي تمنع كماله، كخروج النجاسات منه، أو منها، ونحو ذلك في أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره دون الجمال، ونحو ذلك، وموجبه كفاءة الرجل أيضًا دون ما زاد على","vol":"8","page":228},{"text":"ذلك. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4262>مسألة [٢]: إذا حدث العيب بأحدهما بعد العقد</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يثبت الخيار. وهو وجهٌ للحنابلة، ومنهم من قال: لا خيار، وهو وجهٌ للحنابلة، وقال به مالك.\n• وقال الشافعية: إن حدث بالزوج فلها الخيار، وإن حدث بالمرأة فلهم وجهان كالأولين.\nوالصحيح أنه لا خيار له، ولا لها؛ لأنَّ العقد انعقد على ما أراده كل واحد منهما، والعيب حدث بعده؛ فلا غرر، ولا غش، ولا خداع يوجب الفسخ، ولكن للزوج أن يطلق، وللمرأة أن تخالع، وبالله التوفيق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4263>مسألة [٣]: هل يستحق الفسخ مَنْ به عيب يجيز الفسخ مِنْ عيب صاحبه</span>؟\n• إذا كان العيب ليس من جنس عيب الآخر؛ فله الفسخ، وإن كان من جنسه ففيه وجهان عند الحنابلة، والشافعية، والذي يظهر أنَّ لكل واحد منهما الفسخ؛ لأنَّ نفس الإنسان تعاف من عيب غيره، وإن كان به مثله. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ١٨٢ -) «المغني» (١٠/ ٥٦ -) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٧٢) «الاختيارات» (ص ٢٢٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٦٠ - ٦١) «الزاد» (٥/ ١٨٢) «البيان» (٩/ ٢٩٥ - ٢٩٦).\n(^٣) انظر: «البيان» (٩/ ٢٩٥) «المغني» (١٠/ ٦٠).","vol":"8","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4264>مسألة [٤]: إذا علم أحدهما عيب صاحبه حال العقد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٦١): ومن شرط ثبوت الخيار بهذه العيوب أن لا يكون عالمًا بها وقت العقد، ولا يرضى بها بعده؛ فإنْ علم بها في العقد، أو بعده فرضي؛ فلا خيار له، لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه رضي به، فأشبه مشتري العيب. اهـ (^١)\nوإن ظن العيب يسيرًا، فبان كثيرًا؛ فلا خيار له أيضًا إلا أن يكون خُدِع بذلك، فأخبروه أنه يسيرٌ، فبان كثيرًا، وإن كثر بعد اختياره؛ فلا خيار له، وإن رأى عيبًا آخر غير ما رضي به؛ فله الخيار، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4265>مسألة [٥]: هل هذا الخيار على الفور، أم على التراخي</span>؟\n• ظاهر مذهب الحنابلة أنَّ خيار العيب ثابتٌ على التراخي، لا يسقط حتى يوجد منه ما يدل على الرضى به من القول، أو الاستمتاع من الزوج، أو التمكين من المرأة.\n• ومذهب الشافعي، واختاره القاضي أبو يعلى الحنبلي أنه على الفور؛ لأنه خيار عيب لا يحتاج إلى نظر، وتأمل.\nوالصحيح هو القول الأول، ولا دليل يدل على أنه على الفور، وبالله التوفيق. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٩/ ٢٩٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٦١) «البيان» (٩/ ٢٩٦).\n(^٣) انظر: «البيان» (٩/ ٢٩٧) «المغني» (١٠/ ٦١ - ٦٢).","vol":"8","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4266>مسألة [٦]: هل تستحق المرأة المهر إذا فسخ النكاح</span>؟\n• إذا كان الفسخ قبل الدخول؛ فلا مهر لها عليه؛ لأنَّ المرأة إن كانت هي التي فسخت؛ فالفرقة جاءت من جهتها، وإن كان الزوج هو الذي فسخ؛ فإنما فسخ لمعنى من جهتها، وهو تدليسها بالعيب، وهذا هو مذهب الحنابلة، والشافعية وغيرهم.\n• وإن كان الفسخ بعد الدخول؛ فلها المهر عند أهل العلم بما استحل من فرجها، ويرجع على من غرَّه، هذا هو قول عمر -﵁- كما في الباب، وهو قول الزهري، وقتادة، ومالك، وأحمد، والشافعي في القديم، واستدلوا بأثر عمر، ولأنَّ من غرَّه هو الغاش، فيتحمل أضرار جنايته.\n• وقال أبو حنيفة، والشافعي في الجديد: لا يرجع على من غرَّه؛ لأنه ضمن ما استوفى بدله، وهو الوطء، فلا يرجع به على غيره، كما لو كان المبيع معيبًا فأتلفه، وذكروا أنَّ هذا قول علي -﵁- كما في الباب.\nوالصحيح هو القول الأول، وقول علي -﵁- ليس فيه التصريح بما ذكروا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4267>مسألة [٧]: هل لها المهر المسمى، أم مهر المثل</span>؟\n• ظاهر قول عمر، وعلي أنَّ لها المهر المسمى، وهو ظاهر قول الجمهور.\n• وقال الشافعي: لها مهر المثل، ونقل رواية عن أحمد.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٦٤ - ٦٥) «البيان» (٩/ ٢٩٨ - ٢٩٩).","vol":"8","page":231},{"text":"والصحيح القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4268>مسألة [٨]: هل الغرم على المرأة، أم على وليها</span>؟\n• إن كان الولي عَلِمَ بالعيب؛ فالتغرير منه، فيتحمل المهر، وإن لم يعلم؛ فالتغرير من المرأة، فيرجع عليها بجميع الصداق على الصحيح كما تقدم، وهو قول الحنابلة.\n• وقال الزهري، وقتادة: إن علم الولي؛ غرم، وإن لم يعلم؛ استحلف بالله ما علم، وهو على الزوج.\n• وقال القاضي: إن كان أبًا، أو جدًّا، أو أخًا -يعني الذين يجوز لهم رؤيتها- فالتغرير منهم، وإن كان وليًّا أبعد؛ فالتغرير منها. وهو قول مالك، إلا أنَّ مالكًا يقول: يرد على المرأة قدر ما تستحل به؛ لئلا تصير موهوبة. وللشافعي قولان كقول القاضي، وكقول مالك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4269>مسألة [٩]: إن طلَّقها قبل الدخول، ثم علم أنه كان بها عيبٌ</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ عليه نصف الصداق، ولا يرجع به؛ لأنه رضي بإزالة الملك، والتزام نصف الصداق، وإن مات، أو ماتت قبل العلم بالعيب؛ فلها الصداق كاملًا، ولا يرجع على أحد. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٦٣ - ٦٤) «البيان» (٩/ ٢٩٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٦٥) «البيان» (٩/ ٢٩٩ - ٣٠٠).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٠/ ٦٦) «البيان» (٩/ ٣٠١).","vol":"8","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4270>مسألة [١٠]: إذا فسخ النكاح، فهل لها السكنى والنفقة</span>؟\nليس لها سكنى، ولا نفقة عند أهل العلم؛ إذا لم تكن حاملًا.\n• وإن كانت حاملًا، ففيه وجهان عند الحنابلة، والشافعية، والذي يظهر أنَّ عليه النفقة بسبب حملها من أجل الجنين، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4271>مسألة [١١]: هل للأب أن يزوج ابنته بمعيب لا ترضاه، وهل له منعها من معيب تبغيه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٦٧): وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ كَبِيرَةٍ بِمَعِيبِ بِغَيْرِ رِضَاهَا. بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ إذَا عَلِمَتْ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَالِامْتِنَاعُ أَوْلَى. وَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ مَعِيبًا؛ فَلَهُ مَنْعُهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُزَوِّجَهَا بِعِنِّينٍ، وَإِنْ رَضِيت السَّاعَةَ تَكْرَهُهُ إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِنَّ النِّكَاحَ، وَيُعْجِبُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعْجِبُنَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي هَذَا دَائِمٌ، وَالرِّضَى غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِدَوَامِهِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّخَلُّصِ إذَا كَانَتْ عَالِمَةً فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ؛ فَيَتَضَرَّرُ وَلِيُّهَا وَأَهْلُهَا، فَمَلَكَ الْوَلِيُّ مَنْعَهَا، كَمَا لَوْ أَرَادَتْ نِكَاحَ مَنْ لَيْسَ بِكُفْءٍ. وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ مَنْعُهَا مِنْ نِكَاحِ الْمَجْنُونِ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ نِكَاحِ الْمَجْبُوبِ وَالْعِنِّينِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا عَلَيْهَا خَاصَّةً. وَفِي الْأَبْرَصِ وَالْمَجْذُومِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَمْلِكُ مَنْعَهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، وَالضَّرَرَ عَلَيْهَا، فَأَشْبَهَا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٦٦).","vol":"8","page":233},{"text":"الْمَجْبُوبَ وَالْعِنِّينَ. وَالثَّانِي: لَهُ مَنْعُهَا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ يُعَيَّرُ بِهِ، وَيُخْشَى تَعَدِّيهِ إلَى الْوَلَدِ، فَأَشْبَهَ التَّزْوِيجَ بِمَنْ لَا يُكَافِئُهَا.\nوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَوْلَى أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا فِيهِ ضَرَرًا دَائِمًا، وَعَارًا عَلَيْهَا وَعَلَى أَهْلِهَا، فَمَلَكَ مَنْعَهَا مِنْهُ، كَالتَّزْوِيجِ بِغَيْرِ كُفْءٍ. اهـ\nقلتُ: إذا كان في الرجل عيب لا يعود على المرأة بضرر؛ فليس للولي أن يمنعها، والله أعلم.\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٦٦): وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ وَالصَّغِيرِ، وَسَيِّدِ الْأَمَةِ تَزْوِيجُهُمْ مِمَّنْ بِهِ أَحَدُ هَذِهِ الْعُيُوبِ؛ لِأَنَّهُ نَاظِرٌ لَهُمْ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ، وَلَا حَظَّ لَهُمْ فِي هَذَا الْعَقْدِ؛ فَإِنْ زَوَّجَهُمْ مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ؛ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ لَهُمْ عَقْدًا لَا يَجُوزُ عَقْدُهُ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ بَاعَ عَقَارَهُ لِغَيْرِ غِبْطَةٍ، وَلَا حَاجَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ؛ صَحَّ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى لَهُمْ مَعِيبًا لَا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْفَسْخُ إذَا عَلِمَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ النَّظَرَ لَهُمْ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ، وَالْحَظُّ فِي الْفَسْخِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ زَوَّجَهُمْ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهُمْ إيَّاهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهُمْ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4272>مسألة [١٢]: تزوج امرأة على أنها حرة، فبانت بعد ذلك أمةً</span>؟\n• الصحيح أنَّ النكاح لا يفسد بمجرد التغرير، ولكن إن كان الزوج ممن يحرم عليه نكاح الإماء؛ فإنه يفرق بينهما، ويفسد النكاح من أجل ذلك، وهذا مذهب\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٩/ ٣٠١ - ٣٠٢).","vol":"8","page":234},{"text":"أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي في قول، وعن الشافعي قول بفساده بمجرد التغرير، وهو قول مرجوح.\n• وإن كان الزوج ممن يُباح له نكاح الأمة لتوفر الشروط في إباحتها له؛ فالعقد صحيح، ويخير بين الفسخ والمقام معها، قال بذلك أحمد، والشافعي، وأما أبو حنيفة فيقول: لا خيار له. والصحيح قولُ أحمد، والشافعي؛ لأنه غر بذلك، وعليه فيه ضرر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4273>مسألة [١٣]: إذا حملت منه قبل علمه بذلك</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ أولاده أحرار، وقال ابن قدامة -﵀-: بلا خلاف نعلمه. اهـ (^٢)\nقلتُ: قد خالف ابن حزم -﵀- كما في «المحلى» (١٨٨٤)، والصحيح قول الجمهور؛ لأنَّ ترقيق الأولاد إضرار بالأب بغير جناية منه، بل هو مخدوعٌ مغرور، وابن حزم محجوج بإجماع من قبله إن صحَّ الإجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4274>مسألة [١٤]: هل للسيد فداء مقابل الأولاد</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ للسيد الفداء مقابل تفويت رقِّ الأولاد؛ فإِنَّ الأولاد من نماء أمته، وقد قضى بذلك عمر بن الخطاب -﵁-، وثبت ذلك عنه، وجاء\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٤٠، ٤٤٦).\n(^٢) «المغني» (٩/ ٤٤١).","vol":"8","page":235},{"text":"عن غيره من الصحابة، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة.\n• وعن أحمد رواية خلاف المشهور عنه، أنه ليس عليه فداؤهم، بل هم أحرار بغير فداء. والصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4275>مسألة [١٥]: هل يرجع بالمهر والفداء على من غرَّه</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي في القديم، ومالك أنه يرجع بالمهر والفداء على من غرَّه، وهو المنقول عن عمر -﵁-؛ لأنه مغرور فلا يضمن بجناية غيره.\n• وعن أحمد رواية أنه يرجع بالفداء، ولا يرجع بالمهر، وهو قول الثوري، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، والشافعي في الجديد؛ لأنه قد أصاب منها مقابل المهر.\nوالصحيح هو القول الأول، والله أعلم.\nفعلى هذا؛ فإن كان السيد هو الذي غرَّه؛ فلا يدفع له مهرًا، ولا فدية؛ لأنه لا فائدة في أن يجب له ما يرجع به عليه، وإن كان الغرور من الأمة ففيه قولان عند الحنابلة وغيرهم:\nأحدهما: يتعلق بذمتها إلى بعد العتق، فتتبع به.\nوالآخر: يتعلق برقبتها، والسيد مخيَّرٌ بين فدائها بقيمتها، أو يسلمها إليه. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٤١) «المحلى» (١٨٨٤) «مصنف عبد الرزاق» (٧/ ٢٧٧ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤٤٤ - ٤٤٥) «المحلى» (١٨٨٤).","vol":"8","page":236},{"text":"تنبيه: ذكر الشافعي، والقاضي أبو يعلى الحنبلي أنَّ الغرور الموجب للرجوع هو أن يكون اشتراط الحرية في العقد بأن يقول: (زوجتك على أنها حرة)، وهذا قول غير صحيح، ومقتضى قول الجمهور عدم اعتبار ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4276>مسألة [١٦]: إذا كان المغرور عبدًا، فهل أولاده أحرار</span>؟\nحكمه حكم الحر على الصحيح عند أهل العلم؛ لأنه وطئ زوجته معتقدًا حريتها؛ فكان ولده حُرًّا، وقال أبو حنيفة: أولاده رقيق كحال والديهما، ولا دليل له على ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4277>مسألة [١٧]: تزوجت المرأة رجلا على أنه حر، فبان عبدًا</span>؟\n• الصحيح عند أهل العلم أن النكاح صحيح إذا كملت فيه شروط النكاح، وكان ذلك بإذن سيده، وللمرأة الخيار بين الفسخ والإمضاء، وللمرأة الخيار أيضًا إذا كانت أمة كما للعبد الخيار إذا غُرَّ بأمة. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4278>مسألة [١٨]: كم تستحق المرأة من المهر إذا فسخ النكاح</span>؟\nقال أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة -﵀- (٩/ ٤٤): وَكُلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِفَسَادِ الْعَقْدِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، أَوْ الْمُسَمَّى، عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ فُسِخَ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٤٥ - ٤٤٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤٥٠).\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ٤٤٨) «مصنف عبد الرزاق» (٧/ ٢٦١) «ابن أبي شيبة» (٦/ ٤٦).","vol":"8","page":237},{"text":"النِّكَاحُ مَعَ الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَهَا الْمُسَمَّى. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4279>مسألة [١٩]: الوقت المعتبر في تقويم الفداء</span>.\n• مذهب أحمد، والشافعي أنَّ المعتبر في تقويمه هو وقت ولادته؛ لأنه محكوم بحريته من حين يوضع؛ فوجب أن يضمن حينئذٍ؛ لأنه فات رقه حينئذٍ، ولأنَّ القيمة التي تزيد بعد الوضع لم تكن مملوكة لمالك الأمة، فلم يضمنها، وهو قول ابن أبي ليلى، وظاهر قول عمر.\n• ومذهب مالك، وأبي حنيفة أنه يضمنهم بقيمتهم يوم الخصومة؛ لأنه إنما يضمنهم بالمنع، ولم يمنعهم إلا حال الخصومة.\nقلتُ: مأخذ أهل القول الأول أقرب، والله أعلم.\nقال ابن قدامة -﵀-: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كَانَ مَحْكُومًا بِحُرِّيَّتِهِ، وَهُوَ جَنِينٌ. قُلْنَا: إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ تَضْمِينُهُ حِينَئِذٍ؛ لِعَدَمِ قِيمَتِهِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، فَأَوْجَبْنَا ضَمَانَهُ فِي أَوَّلِ حَالٍ يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ، وَهُوَ حَالُ الْوَضْعِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4280>مسألة [٢٠]: هل يفديهم بالقيمة، أم بالمثل</span>؟\n• أكثر الفقهاء على أنه يفديهم بالقيمة؛ لأنَّ العبيد عندهم ليسوا من ذوات الأمثال.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٤٢) «عبد الرزاق» (٧/ ٢٧٩ -) «المحلى» (١٨٨٤).","vol":"8","page":238},{"text":"• وعن أحمد رواية أنه يفديهم بمثلهم عبيدًا، وهو ظاهر قول عمر.\nوقد تقدم في البيوع تقرير هذه المسألة، وهو أنَّ المتلف يضمن بمثله؛ فإن عجز عن ذلك فبقيمته حتى في الحيوانات والعبيد، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4281>مسألة [٢١]: من وُلِدَ حيًّا ثم مات</span>؟\n• عن مالك، وأبي حنيفة: لا يضمن، ولا يُفْدى؛ لأنه لا يجب عليه الفداء إلا يوم الخصومة؛ فإن مات قبل ذلك فلا فدية عليه، وهو قول الثوري، وأبي ثور.\n• ومذهب أحمد، والشافعي أنه يُفْدى؛ لأنَّ القيمة تجب حين الوضع، وهذا أقرب. (^٢)\nتنبيه: السقط ومن ولد لدون ستة أشهر لا يضمن أيضًا عند أحمد، والشافعي. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٤٤٢) «المحلى» (١٨٨٤) «عبد الرزاق» (٧/ ٢٧٧ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٤٤٣) «المحلى» (١٨٨٤).\n(^٣) انظر: «المغني» (٩/ ٤٤٣).","vol":"8","page":239},{"text":"١٠١٢ - وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أَيْضًا، قَالَ: قَضَى عُمَرُ -﵁- فِي العِنِّينِ أَنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4282>مسألة [١]: معنى العِنِّين</span>.\nقال الإمام يحيى بن سالم العمراني -﵀- في «البيان» (٩/ ٣٠٢): العنين هو الرجل العاجز عن الجماع، وربما يشتهي الجماع ولا يناله، واشتقاقه من (عنَّ الشيءَ) إذا اعترض؛ لأنَّ ذكره يعن، أي: يعترض عن يمين الفرج وشماله؛ فلا يقصده. وقيل: اشتق من عنان الدابة، أي: أنه يشبهه في اللين. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) صحيح بطرقه. ظاهر قول الحافظ: (ومن طريق ...) أنه رواه سعيد بن منصور، ولم أجده في «سننه»، وقد أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٠٧)، والبيهقي (٧/ ٢٢٦)، من طريق قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب به.\nقال البيهقي: ورواه معمر عن ابن المسيب عن عمر.\nقلتُ: سعيد بن المسيب اختلف في سماعه من عمر، والراجح أنه سمع منه يسيرًا، والراجح أنه سمع منه يسيرًا، ومع ذلك فيصح حديثه عن عمر عند عامة المحدثين؛ لأنه اعتنى بعلم عمر؛ حتى قال الإمام أحمد: إذا لم يقبل سعيد عن عمر؛ فمن يقبل. وقتادة مدلس لاسيما عن سعيد، ولكنه قد توبع.\nوللأثر طريق أخرى عند ابن أبي شيبة (٤/ ٢٠٧) من طريق ابن أبي ليلى عن الشعبي عن عمر.\nوالإسناد ضعيف؛ لضعف ابن أبي ليلى وانقطاعه بين الشعبي وعمر.\nوله طريق ثالثة: عند ابن أبي شيبة (٤/ ٢٠٦) من طريق أشعث عن الحسن عن عمر، وهو منقطع أيضًا. وطريق رابعة: عنده (٤/ ٢٠٧) وفي إسناده مبهم. فالأثر صحيح بهذه الطرق، والله أعلم.\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٠/ ٨٢).","vol":"8","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4283>مسألة [٢]: الحكم على من به العُنَّة</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ ذلك عيب يثبت به الخيار للزوجة في فسخ النكاح بعد مدة تضرب للرجل يختبر بها؛ فإن استطاع فيها الجماع، وإلا ثبت الخيار للزوجة، وصحَّ هذا القول عن عمر، وابن مسعود -﵄-.\nوجاء عن المغيرة وعلي -﵄- بإسنادين ضعيفين، وأخذ به جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]، ولا يكون ذلك بغير وطء، ولأنَّ الله تعالى أوجب على المولي أن يفيء، أو يطلق؛ لما يلحقها من الضرر بامتناعه من الوطء، والضرر حاصل في امرأة العنين بأعظم من ذلك.\n• وقال داود الظاهري وأصحابه، ونقل عن الحكم: هي امرأته، ولا يؤجل وليس ذلك بعيب يفسخ به النكاح. واستُدِل لهم بحديث امرأة عبدالرحمن بن الزَّبير حين شكت إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه لا يستطيع جماعها، فلم يفرق النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بينهما، ولم يجعل أجلًا.\nوأُجيب بأنَّ عبد الرحمن قد أنكر ذلك عند النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وبين أنها ناشز تريد رفاعة، وأنه قد جامعها، فلم يثبت كونه عنينًا.\nوالصحيح قول الجمهور، وأما مسألة التأجيل سنة فليس عليه دليل صحيح يعتمد؛ فالظاهر أنَّ عمر فعله من اجتهاده، وتبعه على ذلك ابن مسعود، وذكر الفقهاء أنَّ العلة في ذلك أنه تمر عليه الفصول الأربعة ويتبين أن عجزه عن الوطء","vol":"8","page":241},{"text":"ليس بسبب اختلاف الأهوية عليه، وجاء عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أنه أجل عشرة أشهر. (^١)\nقال أبوعبد الله غفر اللهُ لهُ: الذي يظهر أنَّ التأجيلَ أمرٌ اجتهادي يجتهد فيه الحاكم؛ فإن رأى في ذلك مصلحة أجَّل، وإن علم أنَّ هذا عنين من أصل خلقته، ولن يستطيع الجماع؛ فلا يلزم أن يؤجله، وكذا إن تضررت المرأة بتأجيل المدة فيقصرها على أربعة أشهر، وهو حد الإيلاء، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4284>مسألة [٣]: إذا انقضت المدة ولم يطأ</span>؟\nالمرأة بعد ذلك بالخيار بين الفسخ، أو البقاء معه، وإن اختارت الفسخ؛ فينبغي أن يكون بحكم حاكم؛ لوجود شيء من الاختلاف في ذلك، ولا يُشترط على الصحيح.\n• ويكون ذلك فسخًا عند أحمد، والشافعي، وهو الصحيح.\n• وقال مالك، وأبو حنيفة، والثوري: يفرق الحاكم بينهما، وتكون طلقة. (^٣)\nتنبيه: إذا أراد الزواج بها مرة أخرى فيجوز ذلك بعقد جديد، ومهر جديد. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٨٢ -) «البيان» (٩/ ٣٠٤ -).\n(^٢) وانظر: «الشرح الممتع» (٥/ ٢٦٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٠/ ٨٤) «البيان» (٩/ ٣٠٧ -).\n(^٤) «المغني» (١٠/ ٨٤).","vol":"8","page":242},{"text":"تنبيه آخر: الخصي إن كان لا يستطيع الجماع فحكمه حكم العنين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4285>مسألة [٤]: إذا عَلِمَت المرأة عنة الزوج وقت العقد</span>؟\n• لا يؤجل وهي زوجته، ولا خيار لها، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: عطاء، والثوري، وأحمد، والشافعي في القديم، وأصحاب الرأي؛ وذلك لأنها قد علمت بالعيب، وتزوجت به عالمة به، فسقط خيارها؛ فإن كرهته بعد ذلك فلها الخلع.\n• وقال الشافعي في الجديد: يؤجل، ولها الخيار بعد التأجيل. والصحيح القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4286>مسألة [٥]: إذا علمت أنه عنين بعد الدخول، فسكتت عن المطالبة، ثم طالبت</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: لها المطالبة بعد ذلك، لا نعلم في هذا اختلافًا. اهـ (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4287>مسألة [٦]: إذا قالت: رضيت به عنينًا</span>؟\n• يسقط خيارها عند أهل العلم، وقال الشافعي في الجديد: إن قالت ذلك قبل انقضاء المدة؛ فلا يسقط خيارها، وإن قالت ذلك بعد المدة؛ سقط خيارها؛ لأنَّ قبل انقضاء المدة ليس موطنًا للخيار.\n_________\n(^١) «المغني» (١٠/ ٨٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٨٦) «البيان» (٩/ ٣٠٩).\n(^٣) «المغني» (١٠/ ٨٦).","vol":"8","page":243},{"text":"وأُجيب عنه: بأنها أسقطت حقها مع علمها بالعيب، وإنما المدة من أجل الرجل ومعرفة ثبوت العيب فيه، والصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4288>مسألة [٧]: إذا وطئها مرة واحدة، ثم عجز، هل يكون عنينًا</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه لا يُعدُّ عنينًا؛ لأن العنين لا يستطيع الجماع، وهذا قدر عليه.\n• وقال أبو ثور: حكمه حكم العنين.\nقال ابن عثيمين -﵀- -في قول الفقهاء (إذا جامع الرجل مرة واحدة فليس بعنين) -: هذا قول ضعيفٌ يخالف الواقع؛ فإنَّ العنة تحدث بلا ريب، فكثير من الناس يُصاب بمرض يفقده الشهوة نهائيًّا، يبدأ بأن لا يشتهيها إطلاقًا، ولا ينتشر ذكره، وهذه هي العنة، فهذا الذي حدث له ذلك نقول لها تصبر معه؟! والله يقول: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٦ - ٢٢٧].\nوإن مضت أربعة أشهر، ولم يعزم لا هذا، ولا هذا؛ فإنَّ الحاكم يفسخ النكاح، أو يطلقها عليه، فكيف نقول هذا في هذه المسألة، ونحن نعلم علم اليقين أنَّ زوجها لن يجامعها، ثم نقول: لا خيار لها؟ فالصواب أنَّ العنة تحدث، وأنها إذا حدثت فللزوجة الخيار. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٨٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٨٨) «الشرح الممتع» (٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥) «البيان» (٩/ ٣٠٨ -).","vol":"8","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4289>مسألة [٨]: متى يخرج عن كونه عنينًا</span>؟\nالوطء الذي يخرج به عن العنة هو تغييب الحشفة في الفرج؛ لأنَّ الأحكام المتعلقة بالوطء تتعلق بتغييب الحشفة؛ فكان وطأً صحيحًا؛ فإن كان الذكر مقطوع الحشفة، فإيلاج قدر الحشفة، وهو قول بعض الحنابلة، والشافعية، وقال بعضهم: بتغييب الباقي. (^١)\nتنبيه: إن كان الرجل قد وطئ امرأةً قبل زواجه بهذه المرأة، فهل يخرج عن كونه عنينًا؟ فيه خلاف، والراجح عدم خروجه من ذلك؛ لما تقدم ذكره قبل مسألة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4290>مسألة [٩]: المجبوب هل يؤجل</span>؟\nالمجبوب هو المقطوع الذكر، ولا يؤجل عند أهل العلم، والعنين إن جُبَّ ذكره في المدة؛ فلا ينتظر انقضاء المدة، بل لها الخيار من حينه. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4291>مسألة [١٠]: إذا اختلف الرجل مع المرأة في كونه عنينًا</span>؟\n• إن تزوجها بكرًا، فتراها النساء المأمونات، الثقات؛ فإن رأينها بكرًا فالقول قولها، ويؤجل الرجل، وقد أفتى بذلك أحمد، وإسحاق، والشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٨٨ - ٨٩) «البيان» (٩/ ٣٠٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٨٩).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٠/ ٩٠).","vol":"8","page":245},{"text":"• وإن تزوجها ثيبًا، فجماعة يقولون: القول قول الرجل. وهو قول الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي.\n• وعن أحمد رواية: يخلو معها، ويخرج ماءه على شيء؛ فإن فعل فليس بعنين، والقول قوله، وإلا فقولها.\n• وعن أحمد رواية: القول قولها مع يمينها.\n• وقال بعضهم: يزوج أخرى مأمونة من بيت المال حتى ترى هل الرجل عنين، أم لا.\nوالذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ القول في ذلك قول الرجل؛ لأنه مدعى عليه، وهو منكر، ولأن الأصل في عامة الرجال القدرة على ذلك؛ فمن ادعى على أحدهم خلاف ذلك فعليه البينة؛ فإن لم تكن بينة كما في مسألتنا فعليه اليمين، وللمرأة أن تتخلص منه بالفسخ والخلع؛ فقد جعل الله لها من ذلك مخرجًا. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٩٢ -) «البيان» (٩/ ٣٠٦).","vol":"8","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4292>بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ</span>\n١٠١٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ أُعِلَّ بِالإِرْسَالِ. (^١)\n\n١٠١٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَنْظُرُ اللهُ إلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلَّ بِالوَقْفِ. (^٢)\n_________\n(^١) صحيح بشواهده. أخرجه أبوداود (٢١٦٢)، والنسائي في «الكبرى» (٩٠١٥)، من طريق سهيل بن أبي صالح عن الحارث بن مخلد عن أبي هريرة به. وإسناده ضعيف؛ لأن الحارث مجهول الحال، ولم أجد من أعله بالإرسال. وله طريق أخرى: أخرجه أبويعلى (٦٤٦٢)، وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٣١٣) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن مسلم بن خالد عن العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة به. وإسناده ضعيف؛ لضعف مسلم بن خالد، فالحديث حسن بهذين الطريقين وهو صحيح بشواهده التي بعده.\nتنبيه: اللفظ الذي ذكره الحافظ لأبي داود والنسائي، وقد أخرج الحديث أحمد (٢/ ٢٧٢) (٢/ ٣٤٤)، والنسائي (٩٠١٤)، وابن ماجه (١٩٢٣)، وآخرون بلفظ: «لا ينظر الله إلى رجل أتى امرأته في دبرها».\n(^٢) الراجح وقفه وله حكم الرفع. أخرجه الترمذي (١١٦٥)، والنسائي في «الكبرى» (٩٠٠١)، وابن حبان (٤٢٠٣)، من طريق أبي خالد الأحمر، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس به مرفوعًا. وهذا إسناد ظاهره الحسن، إلا أن وكيعًا خالف أبا خالد الأحمر فرواه عن الضحاك بإسناده موقوفًا. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٩٠٠٢)، وهذه الرواية أرجح؛ لأن وكيعًا ثقة حافظ، وأبا خالد حسن الحديث.\n\nقال الحافظ -﵀- في «التلخيص» (٣/ ٣٧١): وهو أصح عندهم من المرفوع. اهـ\nقلتُ: ولكن له حكم الرفع. وفي الباب أحاديث في النهي عن ذلك:\nفقد جاء من حديث خزيمة بن ثابت مرفوعًا بلفظ: «إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن». أخرجه أحمد (٥/ ٢١٣)، وغيره، وفي إسناده مجهول حال.\nوجاء بنحوه من حديث علي بن طلق. أخرجه أحمد برقم (٦٥٥)، وفي إسناده مسلم بن سلام الحنفي، وهو مجهول.\nوجاء من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص بلفظ: «الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى». أخرجه أحمد (٢/ ٢١٠)، وقد روي موقوفًا على عبدالله بن عمرو وهو أصح، ورجح ذلك ابن كثير في تفسير سورة البقرة آية (٢٢٣).\nوجاء من حديث عبدالله بن عمرو. أخرجه الفريابي كما في «تفسير ابن كثير» مرفوعًا بلفظ: «سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ...» ومنهم «ناكح المرأة في دبرها». وفي إسناده ابن لهيعة وعبدالرحمن بن زياد الإفريقي، وكلاهما ضعيف.\nوجاء من حديث عبدالله بن مسعود كما في «تفسير ابن كثير»، والراجح وقفه على ابن مسعود.\nوجاء من حديث عمر بمثل حديث خزيمة. والراجح وقفه على عمر أيضًا كما في «تفسير ابن كثير».\nوجاء من حديث عمر بإسناد يحتمل التحسين. كما في «مسند أحمد» (١/ ٢٩٧) أنه أتى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: يا رسول الله هلكت، قال: «ما الذي أهلكك؟» قال: حولت رحلي البارحة، قال: فلم يرد عليه شيئًا، فأوحى الله إلى رسوله: ﴿نِسَاؤُكُم حَرْثٌ لَكُم﴾ الآية. فقال: «أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة».\nوجاء عن أبي هريرة مرفوعًا «من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد». أخرجه أحمد (٢/ ٤٠٨، ٤٧٦) وغيره من طريق حكيم الأثرم عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة به. وهذا الحديث قد أعل، فإن البخاري يقول في أبي تميمة: لا يعرف له سماع من أبي هريرة. وحكيم الأثرم ثقة، ولكن قال البخاري: لا يتابع على حديثه هذا. وقال البزار: حدث عنه حماد بحديث منكر، يعني هذا الحديث. وذكره ابن عدي في «الكامل».\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٤٥٢٦): وذهب جماعة من أئمة الحديث كالبخاري والذهلي والبزار والنسائي وأبي علي النيسابوري إلى أنه لا يثبت فيه شيء. قلت: لكن طرقها كثيرة فمجموعها صالحة للاحتجاج به. اهـ\nقلتُ: لعلهم أرادوا عدم ثبوت شيء بذاته، وأما مجموعها فلا يقل عن درجة الصحة، والله أعلم.","vol":"8","page":247},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4293>مسألة [١]: حكم إتيان المرأة في دبرها</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٢٦): وَلَا يَحِلُّ وَطْءُ الزَّوْجَةِ فِي الدُّبُرِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: عَلِيٌّ (^١)، وَعَبْدُ الله (^٢)، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ (^٣)، وَابْنُ عَبَّاسٍ (^٤)، وَعَبْدُ الله بْنُ عَمْرٍو (^٥)،\nوَأَبُو هُرَيْرَةَ (^٦). وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ،\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الثوري في جامعه - كما في «تفسير ابن كثير» من سورة البقرة (آية: ٢٢٢ - ٢٢٣) - وابن أبي شيبة (٤/ ٢٥٣) عن الصلت بن بهرام، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مسعود، عن أبي المعتمر - أو أبي الجويرية -، قال: سأل رجلٌ عليًّا ... فذكره.\nقال البيهقي في «السنن» (٧/ ١٩٨): والصواب عن الصلت بن بهرام، عن أبي الجويرية - وهو عبد الرحمن بن مسعود - عن أبي المعتمر، قال: سأل رجل عليًّا ... الخ».\nقلتُ: وأبو المعتمر هو حنش بن المعتمر، وهو ضعيف.\n(^٢) ضعيف. أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٥٢)، والبيهقي (٧/ ١٩٩) من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي عبد الله الشقري، عن أبي القعقاع، عن ابن مسعود به.\nوأبو القعقاع ترجمته في «الجرح والتعديل»، لم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلًا؛ فهو مجهول الحال.\n(^٣) صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٥٢)، وأحمد في «المسند» (١١/ ٥٥٤)، والبيهقي (٧/ ١٩٩) من طريق قتادة، عن عقبة بن وساج، عن أبي الدرداء به. وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات.\n(^٤) صحيح. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٩٠٠٢)، والبيهقي في «الشعب» (٥٣٧٨) من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، أن رجلًا سأل ابن عباس ... فذكره. وإسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(^٥) صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٥٢)، والبيهقي في «الشُّعَب» (٥٣٨١) من طريق عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو به.\n\nوإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات، وأبو أيوب هو المراغي، الأزدي، وثقه النسائي.\n(^٦) حسن لغيره. أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٥٢)، والنسائي في «الكبرى» (٩٠١٨) من طريق حفص، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة. وليث هو ابن أبي سليم ضعيف.\nوله طريق أخرى عند ابن أبي شيبة (٤/ ٢٥٣) من طريق أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة -﵁-، به.\nقال البخاري: «لا نعرف لأبي تميمة سماعًا من أبي هريرة». والأثر بالطريقين حسن.","vol":"8","page":249},{"text":"وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَرُوِيَتْ إبَاحَتُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَنَافِعٍ، وَمَالِكٍ.\nوَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَدْرَكْت أَحَدًا أَقْتَدِي بِهِ فِي دِينِي يَشُكُّ فِي أَنَّهُ حَلَالٌ. وَأَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ.\nقال: وَاحْتَجَّ مَنْ أَحَلَّهُ بِقُولِ الله تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]، وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ [المؤمنون:٦]، [المعارج:٣٠].\nثم ذكر الأدلة السابقة في تحريم ذلك.\nقلتُ: صحَّ عن ابن عباس -﵄- أنه سُئل عن ذلك، فقال: تسألني عن الكفر. وصح عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: محاش النساء حرام. وصحَّ عن أبي الدرداء أنه قال: وهل يفعل ذلك إلا كافر.\nوصحَّ عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- أنه قال: هي اللوطية الصُّغرى. وجاء عن أبي هريرة -﵁- أنه قال: كفر. وفي إسناده: ليث بن أبي سليم.\nوصحَّ عن عمر -﵁- أنه قال: لا تأتوا النساء في أدبارهن. وصحَّ عن ابن عمر","vol":"8","page":250},{"text":"-﵄-، أنه قال: أُفٍّ، أف، هل يفعل ذلك أحدٌ من المسلمين؟! وفي رواية: أيفعل ذلك مؤمن؟!\nوكل هذه الآثار ذكرها الحافظ ابن كثير في تفسير سورة البقرة عند الآية المذكورة.\nوالذي نُقِلَ عن ابن عمر -﵄- في إباحة ذلك أخرجه البخاري (٤٥٢٧) أنه قال لنافع حين قرأ عليه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ...﴾ قال: تدري فيما أُنزلت؟ قال: لا. قال: يأتيها في. كذا في «البخاري» بحذف المجرور، وزاد إسحاق، وابن جرير وغيرهما: في أدبارهن.\nقال الحافظ ابن كثير -﵀-: وقد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك -قد تقدم ذكره- صريحًا، وأنه لا يُباح، ولا يحل كما سيأتي، وإن كان قد نُسِب هذا القول إلى طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم، وعزاه بعضهم إلى الإمام مالك في كتاب «السر» وأكثر الناس ينكر أن يصح ذلك عن الإمام مالك.\nثم ذكر -﵀- أحاديث كثيرة، وآثارًا في تحريم ذلك، ثم ذكر أثر ابن عمر في تحريم ذلك.\nثم قال: وهذا إسناد صحيح، ونصٌّ صريح منه بتحريم ذلك، فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل؛ فهو مردود إلى هذا المحكم.\nثم قال: وروى معمر بن عيسى، عن مالك أنَّ ذلك حرام، وقال أبو بكر بن","vol":"8","page":251},{"text":"زياد النيسابوري: حدثني إسماعيل بن حصن، حدثني إسرائيل بن روح، قال: سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: ما أنتم قومٌ عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع، لا تعدوا الفرج. قلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون: إنك تقول ذلك؟! قال: يكذبون عليَّ، يكذبون عليَّ. اهـ\nقلتُ: إسرائيل بن روح لا يُدرى من هو كما في «لسان الميزان».\nقال ابن كثير -﵀-: فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم قاطبة، وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعكرمة، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر، والحسن وغيرهم من السلف، أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يُطلِق على فاعله الكفر، وهو مذهب جمهور العلماء، وقد حُكِي في هذا شيء عن بعض الفقهاء من أهل المدينة حتى حَكَوه عن الإمام مالك، وفي صحته عنه نظر. انتهى المراد من «التفسير».\nقلتُ: أما الآية ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فالمقصود به أنه يجوز أن يأتيها في فرجها من أمامها وخلفها، ويبين ذلك حديث جابر في «صحيح مسلم» (١٤٣٥) في سبب نزولها أنَّ اليهود كانت تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها؛ كان الولد أحول، فنزلت الآية.\nوالله عزوجل أباح إتيانها في موضع الولد، وهو المراد بالحرث، لا في الحش","vol":"8","page":252},{"text":"الذي هو موضع الأذى.\nقال ابن القيم -﵀- -بعد أن ذكر الأدلة في تحريم ذلك-: ومن ههنا نشأ الغلط على من نُقِل عنه الإباحة من السلف، والأئمة؛ فإنهم أباحوا أن يكون الدبر طريقًا إلى الوطء في الفرج، فيطأ من الدبر لا في الدبر، فاشتبه على السامع (من) بـ (في)، ولم يظن بينهما فرقًا، فهذا الذي أباحه السلف والأئمة؛ فغلط عليهم الغالط أقبح الغلط، وأفحشه. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4294>مسألة [٢]: المباشرة بين الإليتين بغير إيلاج</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٢٨): ولا بأس بالتلذذ بين الإليتين من غير إيلاج؛ لأنَّ السنة إنما وردت بتحريم الدبر، فهو مخصوص بذلك، ولأنه حرم لأجل الأذى، وذلك مخصوص بالدبر؛ فاختص التحريم به. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «زاد المعاد» (٤/ ٢٥٦ - ٢٦٣) «الفتح» (٤٥٢٦) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٦٥ - ٢٦٨) «تفسير ابن كثير» [آية:٢٢٣] من سورة البقرة، «المغني» (١٠/ ٢٢٦) «البيان» (٩/ ٥٠٤).\n(^٢) وانظر: «البيان» (٩/ ٥٠٥).","vol":"8","page":253},{"text":"١٠١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهُ كَسَرْته، وَإِنْ تَرَكْته لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\nوَلِمُسْلِمٍ: «فَإِنِ اسْتَمْتَعْت بِهَا اسْتَمْتَعْت بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهَا كَسَرْتهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا».\nالحكم المستفاد من الحديث\nقوله: «فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ».\nقال النووي -﵀- (١٠/ ٥٧): وفيه دليل لما يقوله الفقهاء، أو بعضهم أنَّ حواء خُلِقَت من ضلع آدم، قال الله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١]، وبيَّن النبي - ﷺ - أنها خُلِقت من ضِلَع. اهـ\nقال الحافظ -﵀-: فكان المعنى أنَّ النساء خُلِقن من أصل خلق، من شيء معوج، وهذا لا يخالف الحديث الماضي من تشبيه المرأة بالضلع، بل يُستفاد من هذا نكتة التشبيه، وأنها عوجاء مثله؛ لكون أصلها منه. اهـ\nقال النووي -﵀- (١٠/ ٥٧): وفي هذا الحديث ملاطفة النساء، والإحسان\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٨٥، ٥١٨٦)، ومسلم (١٤٦٨) (٦٢) (٤٧).","vol":"8","page":254},{"text":"إليهن، والصبر على عوج أخلاقهن، واحتمال ضعف عقولهن، وكراهة طلاقهن بلا سبب، وأنه لا يطمع باستقامتها، والله أعلم. اهـ\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥١٨٦): وفي الحديث الندب إلى المداراة؛ لاستمالة النفوس، وتألف القلوب، وفيه سياسة النساء بأخذ العفو منهن، والصبر على عوجهن، وأنَّ من رام تقويمهن فاته الانتفاع بهن مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها، ويستعين بها على معاشه، فكأنه قال: الاستمتاع بهن لا يتم إلا بالصبر عليهن. اهـ","vol":"8","page":255},{"text":"١٠١٦ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَزَاةٍ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: «أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا يَعْنِي عِشَاءً لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «إذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا».\nالحكم المستفاد من الحديث\nالطُّروق بالضم للمهملة، قال أهل اللغة: هو المجيء بالليل من سفر، أو من غيره على غفلة، ويقال لكل آت بالليل طارق، ولا يقال بالنهار إلا مجازًا، وسُمِّي الآتي بالليل طارقًا؛ لأنه يحتاج غالبًا إلى دق الباب.\nوقوله في الحديث: «إذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الغَيْبَةَ» تقييده بطول الغيبة، يشير إلى أنَّ علة النهي إنما توجد حينئذٍ، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والعلة في ذلك هي ما ذُكِر في الحديث «لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ المُغِيبَةُ»؛ فإنَّ الرجل قد يجد امرأته على غير أُهبة من التنظف، والتزين المطلوب من المرأة؛ فيكون ذلك سببًا لنفرته عنها، ويؤخذ من ذلك كراهة مباشرة المرأة في الحال التي تكون فيها غير متنظفة؛ لئلا يطلع منها على ما يكون سببًا لنفرته عنها.\nوذكر أهل العلم من العلل في النهي عن ذلك أن يكون الحامل له على ذلك تخونهم، والتماس عثرتهم، وجاء ذلك في رواية في «صحيح مسلم»، لكن قال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٤٥) (٥٢٤٤)، ومسلم عقب حديث (١٩٢٨).","vol":"8","page":256},{"text":"سفيان: لا أدري هذا في الحديث أم لا؟ فالظاهر أنها زيادة مدرجة، فقد رواه شعبة عن شيخ سفيان بدون الزيادة.\nوعُلِمَ من الحديث أنَّ من أعلم أهله بقدومه لا يتناوله النهي، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر شرح الحديث من «الفتح» و«شرح مسلم».","vol":"8","page":257},{"text":"١٠١٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٤٣٧): وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَحْرِيم إِفْشَاء الرَّجُل مَا يَجْرِي بَيْنه وَبَيْن اِمْرَأَته مِنْ أُمُور الِاسْتِمْتَاع، وَوَصْف تَفَاصِيل ذَلِكَ، وَمَا يَجْرِي مِنْ الْمَرْأَة فِيهِ مِنْ قَوْل، أَوْ فِعْل وَنَحْوه. فَأَمَّا مُجَرَّد ذِكْر الْجِمَاع؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَائِدَة، وَلَا إِلَيْهِ حَاجَة فَمَكْرُوه؛ لِأَنَّهُ خِلَاف الْمُرُوءَة. وَقَدْ قَالَ - ﷺ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَلله وَالْيَوْم الْآخِر؛ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت» (^٢)، وَإِنْ كَانَ إِلَيْهِ حَاجَة، أَوْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَائِدَة، بِأَنْ يُنْكِر عَلَيْهِ إِعْرَاضه عَنْهَا، أَوْ تَدَّعِي عَلَيْهِ الْعَجْز عَنْ الْجِمَاع أَوْ نَحْو ذَلِكَ؛ فَلَا كَرَاهَة فِي ذِكْره كَمَا قَالَ - ﷺ -: «إِنِّي لَأَفْعَلَهُ أَنَا وَهَذِهِ» (^٣)، وَقَالَ - ﷺ - لِأَبِي طَلْحَة: «أَعْرَسْتُمْ اللَّيْلَة؟» (^٤)، وَقَالَ لِجَابِرٍ: «الْكَيْس الْكَيْس» (^٥)،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٤٣٧). من طريق عمر بن حمزة عن عبدالرحمن بن سعد عن أبي سعيد به، وعمر بن حمزة ضعيف، ضعفه ابن معين، والنسائي، وقال أحمد: أحاديثه مناكير.\nوهذا الحديث ذكر الذهبي في «الميزان» أنه مما استنكر عليه.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٠١٨)، ومسلم برقم (٤٧)، عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٣٥٠)، من حديث عائشة -﵂-.\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (٥٤٧٠)، ومسلم برقم (٢١٤٤)، عن أنس -﵁-.\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٢٤٥)، ومسلم برقم (٥٧)، من [كتاب الرضاع].","vol":"8","page":258},{"text":"وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ\nقلتُ: وقد جاء في تحريم ذلك حديث آخر وهو أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لعل رجلًا يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأةً تخبر بما فعلت مع زوجها» فأرم القوم، فقالت امرأة: يا رسول الله، إنهم ليفعلون، وإنهن ليفعلن، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فلا تفعلوا، فإنما ذلك مثل شيطان لقي شيطانة في طريقٍ فغشيها والناس ينظرون».\nأخرجه أحمد (٦/ ٤٥٦ - ٤٥٧) من حديث أسماء بنت يزيد، وفي إسناده: شهر ابن حوشب، فيه ضعفٌ، وحفص بن أبي حفص السراج، ترجمته في «تعجيل المنفعة»، وهو مجهول الحال.\nوله شاهد عند أحمد (١٠٩٧٧) من حديث أبي هريرة، والراوي عن أبي هريرة -﵁- مبهم.\nوله شاهد من حديث أبي سعيد، أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (١٤٥٠)، وفي إسناده شيخ البزار: روح بن حاتم أبو غسان، ترجمته في «الميزان» و«اللسان»، قال ابن معين: ليس بشيء.\nوقد حسَّن الإمام الألباني -﵀- هذا الحديث في «آداب الزفاف» بمجموع هذه الطرق، وهو كذلك، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «آداب الزفاف» (ص ١٤٣ - ١٤٤).","vol":"8","page":259},{"text":"١٠١٨ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ -﵁- قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ مَا حَقُّ زَوْجِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تُطْعِمُهَا إذَا أَكَلْت وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيْت، وَلَا تَضْرِبِ الوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إلَّا فِي البَيْتِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَلَّقَ البُخَارِيُّ بَعْضَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4295>مسألة [١]: ضرب الزوجة إذا نشزت</span>.\nقوله ﵊: «ولا تضرب الوجه»، فيه دلالة على جواز الضرب في غير الوجه، وذلك مقيد بما إذا نشزت؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:٣٤].\nويدل على جواز ضربهن في هذه الحال حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذباب، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تضربوا إماء الله»، فجاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: يا رسول الله، ذئرن النساء على أزواجهن، فرخَّص في ضربهن، فجاء نساء يشكون أزواجهن، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ليس أولئك بخياركم» أخرجه أبو داود (٢١٤٦)، وابن ماجه (١٩٨٥)، والحديث حسن لغيره.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٤/ ٤٤٧)، وأبوداود (٢١٤٢)، والنسائي في «الكبرى» (٩١٨٠)، وابن ماجه (١٨٥٠)، وابن حبان (٤١٧٥)، والحاكم (٢/ ١٨٨). وإسناده حسن، وعلق البخاري بعضه في (باب: ٩٢) من كتاب النكاح.","vol":"8","page":260},{"text":"وكذلك يدل على جواز ذلك حديث جابر في «صحيح مسلم» (١٢١٨): «ولهن عليكم أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه؛ فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مبرح»، وفي حديث عمرو بن الأحوص الجشمي، وهو حديث حسن: «واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هنَّ عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك؛ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة؛ فإن فعلن، فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن؛ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا» أخرجه الترمذي (١١٦٣) (٣٠٨٧) وغيره.\nويُستفاد من هذين الحديثين أنه لا يجوز الضرب الشديد، وإنما هو ضرب تأديب خفيف، ومع جواز ذلك؛ فالأولى اجتناب ذلك؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خياركم خياركم لنسائهم» أخرجه ابن ماجه (١٩٧٨)، من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص بإسناد حسن، وقوله في الذي يضربون: «ليس أولئك بخياركم».\nوهل إباحة ضربها في حال النشوز مقيد بما إذا لم ينفع معها الموعظة والهجر؟ أم يجوز أن يضربها بدون أن يعظها ويهجرها؟\n• فيه قولان لأهل العلم، وهما وجهان عند الحنابلة، والشافعية، وظاهر حديث جابر، وعمرو بن الأحوص، وإياس يدل على جواز ضربها مباشرة، والآية ظاهرها أن يبدأ بالموعظة، ثم الهجر، ثم الضرب؛ لأنه رتب على","vol":"8","page":261},{"text":"الأسهل، ثم الأشد فالأشد، وهو ظاهر اختيار ابن كثير، والقرطبي. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4296>مسألة [٢]: قوله: «وَلا تُقَبِّحْ»</span>.\nقال المغربي -﵀- في شرحه: أي لا تسمعها المكروه، ولا تشتمها بأن يقول (قبحك الله)، وما أشبهه من الكلام. اهـ (٣/ ٥٦٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4297>مسألة [٣]: هجران المرأة إذا آذت زوجها</span>؟\nدلَّ حديث الباب على جواز هجر المرأة، وكذلك الآية: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ وهجر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نساءه شهرًا، اعتزل في مشربة له. والحصر في حديث معاوية «وَلَا تَهْجُرْ إلَّا فِي البَيْتِ» غير لازم، فقد هجر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في غير البيت.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٢٠٢): وَالْحَقّ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال، فَرُبَّمَا كَانَ الْهِجْرَان فِي الْبُيُوت أَشَدّ مِنْ الْهِجْرَان فِي غَيْرهَا، وَبِالْعَكْسِ، بَلْ الْغَالِب أَنَّ الْهِجْرَان فِي غَيْر الْبُيُوت آلَم لِلنُّفُوسِ، وَخُصُوصًا النِّسَاء؛ لِضَعْفِ نُفُوسهنَّ، وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّفْسِير فِي الْمُرَاد بِالْهِجْرَانِ، فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ تَرْك الدُّخُول عَلَيْهِنَّ وَالْإِقَامَة عِنْدهنَّ عَلَى ظَاهِر الْآيَة، وَهُوَ مِنْ الْهِجْرَان، وَهُوَ الْبُعْد، وَظَاهِره أَنَّهُ لَا يُضَاجِعهَا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: يُضَاجِعهَا وَيُوَلِّيهَا ظَهْره. وَقِيلَ: يَمْتَنِع مِنْ جِمَاعهَا. وَقِيلَ: يُجَامِعهَا وَلَا يُكَلِّمهَا. وَقِيلَ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ مُشْتَقّ مِنْ الْهُجْر، بِضَمِّ الْهَاء، وَهُوَ الْكَلَام الْقَبِيح، أَيْ: أَغْلِظُوا لَهُنَّ فِي الْقَوْل. وَقِيلَ: مُشْتَقّ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٥٩ -) «البيان» (٩/ ٥٢٨ -) «الفتح» (٥٢٠٤) «تفسير ابن كثير والقرطبي» [آية:٣٤ من سورة النساء].","vol":"8","page":262},{"text":"مِنْ الْهِجَار، وَهُوَ الْحَبْل الَّذِي يُشَدّ بِهِ الْبَعِير، يُقَال: هَجَرَ الْبَعِير، أَيْ: رَبَطَهُ، فَالْمَعْنَى: (أَوْثِقُوهُنَّ فِي الْبُيُوت، وَاضْرِبُوهُنَّ) قَالَهُ الطَّبَرِيُّ وَقَوَّاهُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ وَوَهَّاهُ اِبْن الْعَرَبِيّ فَأَجَادَ. اهـ\nقلتُ: الصحيح أنه مشتق من الهجران، وظاهر الآية أنه يترك مضاجعتها، والله أعلم.\n\n١٠١٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄- قَالَ: كَانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه إباحة إتيان الرجل لامرأته في قبلها من أي جانب شاء؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾، وموضع الولد هو قبلها، وعلى هذا عامة أهل العلم، وقد تقدم في بداية الباب الإشارة إلى ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٢٨)، ومسلم (١٤٣٥).","vol":"8","page":263},{"text":"١٠٢٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتنَا، فَإِنَّهُ إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4298>مسألة [١]: قوله: «لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا»</span>.\nاتفقوا على عدم حمل النفي على العموم في أنواع الضرر.\n• ثم اختلفوا في المقصود:\nفقيل: المعنى: لم يسلط عليه، بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢].\nوقيل: المراد: لا يطعنه في بطنه. واستبعده الحافظ؛ لمنابذته للحديث الصحيح، وليس تخصيصه بأولى من تخصيص هذا الحديث.\nوقيل: المراد: لم يصرعه.\nوقيل: لم يضره في بدنه.\nوقيل: لا يفتنه عن دينه إلى الكفر.\nوقيل: لم يضره في مشاركة أبيه في جماع أمه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٦٥)، ومسلم (١٤٣٤).","vol":"8","page":264},{"text":"واستقرب الحافظ القول الأخير، وفيه نظر.\nوالأظهر هو القول الأول، والذي قبل الأخير؛ فإنهما بمعنى واحد، والله أعلم. (^١)\nفائدة الحديث: فيه استحباب التسمية، والإتيان بالدعاء المذكور عند إرادة الوقاع، والله أعلم.\n_________\n(^١) «الفتح» (٥١٦٥).","vol":"8","page":265},{"text":"١٠٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، لَعَنَتْهَا المَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\nوَلِمُسْلِمٍ: «كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا».\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4299>مسألة [١]: امتناع المرأة من الفراش إذا دعاها زوجها</span>.\nدلَّ حديثُ الباب على أنَّ ذلك محرم على الزوجة إن لم يكن لها عذر، بل دلَّ الحديث على أنَّ ذلك من كبائر الذنوب، وسواء كان ذلك ليلًا، أو نهارًا، ويدل على ذلك ما رواه أحمد (٤/ ٢٢)، والترمذي (١١٦٠) من حديث طلق بن علي -﵁- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا دعا الرجل امرأته؛ فلتأته وإن كانت على التنور»، وهو حديث حسن.\nوأيضًا رواية مسلم التي أشار إليها الحافظ، ولفظها: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها».\nوعلى هذا فقوله في حديث الباب: «فَبَاتَ»، وقوله: «حتى تصبحَ» خرج مخرج الغالب، واختلف أهل العلم في المسألة الآتية، وهي:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٩٣)، ومسلم (١٤٣٦).","vol":"8","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4300>مسألة [٢]: طاعة الزوجة لزوجها في الخدمة ومصالح البيت</span>.\n• جمهور العلماء على أنَّ ذلك ليس واجبًا عليها، وإنما هو مستحبٌّ، ومعروف، وإحسان؛ لأنَّ عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام، وبذل المنافع، والأحاديث وردت في توعد من عصت زوجها في الفراش لا في غيره، وهذا قول مالك، وأحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، والظاهرية.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى وجوب خدمتها لزوجها، وهو قول أبي ثور، وأبي بكر بن أبي شيبة، والجوزجاني، وأصبغ، ورُوي عن مالك، ورجح ذلك شيخ الإسلام، وابن القيم، ثم الإمام الألباني رحمة الله عليهم.\nواستدل القائلون بالوجوب بحديث: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» أخرجه الترمذي (١١٥٩)، عن أبي هريرة -﵁- بإسناد حسن، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨]، وهذا هو المعروف عند من خاطبهم الله ﷾ بكلامه.\nوأما ترفيه المرأة، وقيام الرجل بخدمة البيت وكنسه، والطحن، والعجن، والغسيل، والفرش؛ فَمِنَ الْمُنْكَرِ.\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، وإذا لم تخدمه المرأة، بل يكون هو الخادم لها؛ فهي القَوَّامَةُ عليه.","vol":"8","page":267},{"text":"واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اتقوا الله في النساء، فإنما هن عوان عندكم» (^١)، والعاني: الأسير، ومرتبة الأسير خدمة من هو تحت يده.\nواستدلوا على ذلك أيضًا بحديث فاطمة أنها شكت إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما تلقى من الرَّحى، وسألته خادمًا، فعلمها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الاستعانة على ذلك بالذِّكْرِ،، ولم يقل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا خدمة عليها، وإنما هي عليك يا علي. ذكر أكثر الأدلة المتقدمة الحافظ ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد».\nوقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٩٠): وتنازع العلماء: هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل، ومناولة الطعام والشراب، والخبز، والطحن، والطعام لمماليكه، وبهائمه، مثل علف دابته، ونحو ذلك؟ فمنهم من قال: لا تجب الخدمة. وهذا القول ضعيفٌ كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء. فان هذا ليس معاشرة له بالمعروف، بل الصاحب في السفر الذى هو نظير الإنسان وصاحبه في المسكن إن لم يعاونه على مصلحته؛ لم يكن قد عاشره بالمعروف. وقيل وهو الصواب: وجوب الخدمة؛ فإن الزوج سيدها في كتاب الله، وهي عانية عنده بسنة رسول الله - ﷺ -، وعلى العاني والعبد الخدمة، ولأن ذلك هو المعروف، ثم مِنْ هؤلاء من قال: تجب الخدمة اليسيرة. ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف. وهذا هو الصواب؛ فعليها أن تخدمه الخدمة المعروفة من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال، فخدمة البدوية\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٣٠٨٧)، من حديث عمرو بن الأحوص -﵁-، وهو حديث حسن.","vol":"8","page":268},{"text":"ليست كخدمة القروية، وخدمة القويه ليست كخدمة الضعيفة. اهـ\nوهذا القول هو الصواب، وأما قولهم: إنَّ عقد النكاح اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام؛ فمردود بأنَّ الاستمتاع حاصل للمرأة أيضًا بزوجها، والمهر في مقابلة البضع؛ فكانت النفقة، والكسوة، والمسكن في مقابل الخدمة، والله أعلم.\nقال الإمام الألباني -﵀- في «آداب الزفاف» (ص ٢٩٠): هذا، وليس فيما سبق من وجوب خدمة المرأة لزوجها ما ينافي استحباب مشاركة الرجل لها في ذلك إذا وجد الفراغ والوقت، بل هذا من حسن المعاشرة بين الزوجين، ولذلك قالت السيدة عائشة -﵂-: كان - ﷺ - يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. رواه البخاري (^١). اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4301>مسألة [٣]: هل يجب على الرجل الوطء</span>؟\n• مذهب الشافعي أنَّ الوطء لا يجب عليه، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه حق له، فلا يجب عليه كسائر حقوقه، وكأنَّ المراد عندهما: أنه لا يجب عليه إلا مرة يستقر بها الصداق. وقال القاضي أبو يعلى: لا يجب إلا أن يتركه للإضرار.\n• ومذهب أحمد، ومالك، والأكثر وجوبه؛ لأنه حق لها كما هو حق له، ولذلك ملكت الفسخ بالجب، والعنة، ووقت لمن آلى أربعة أشهر، ثم يفيء،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٧٦).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٠/ ٢٢٥ -) «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٨٩ - ٩٠) «زاد المعاد» (٥/ ١٨٦ - ١٨٩) «البيان» (٩/ ٥٠١) «آداب الزفاف» (ص ٢٨٦ -).","vol":"8","page":269},{"text":"أو يطلق.\nوهذا القول هو الصواب، واختلف أهل هذا القول في الضابط لوجوب الجماع، فقال ابن حزم: يجب عليه في كل طهر مرة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وقال أحمد: أذهبُ إلى أربعة أشهر، كالإيلاء.\nواختار بعض الحنابلة أنه لا حدَّ فيه، فيرجع فيه إلى العُرف، والعُرف أن يطأها بقدر حاجتها وطاقته، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩].\nقال شيخ الإسلام -﵀-: والصحيح الذي تدل عليه أكثر نصوص أحمد، وعليه أكثر السلف أنَّ ما يوجبه العقد لكل واحد من الزوجين على الآخر كالنفقة، والاستمتاع، والمبيت للمرأة، وكالاستمتاع للزوج ليس بمقدر، بل المرجع في ذلك إلى العرف.\nقال: فإذا تنازع الزوجان فيه؛ فرض الحاكم ذلك باجتهاده، كما فرضت الصحابة مقدار الوطء للزوج بمرات معدودة، ومن قدر من أصحاب أحمد الوطء المستحق، فهو كتقدير الشافعي النفقة؛ إذ كلاهما تحتاجه المرأة، ويوجبه العقد، وتقدير ذلك ضعيف عند عامة الفقهاء. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: أما القول بأنه لا يجب عليه، فقال ابن القيم -﵀-:","vol":"8","page":270},{"text":"إنه من أضعف الأقوال؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨]، وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:٢٢٩].\nوأما قول ابن حزم: إنه يجب في كل طُهر مرة. فليس بصحيح؛ لأنَّ الأمر في الآية ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ إنما هو للإباحة؛ إذ كان محرمًا عليه إتيانها أثناء الحيض، والله أعلم.\nوالقول بتوقيته أربعة أشهر ليس بضعيف.\nلكن قال ابن القيم -﵀-: وهذا القول وإن كان أقرب من الذي قبله؛ فليس أيضًا بصحيح؛ فإنه غير المعروف الذي لها وعليها، وأما جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر؛ فنظرًا منه ﷾ للأزواج؛ فإنَّ الرجل قد يحتاج إلى ترك وطء امرأته مدةً لعارضٍ من سفرٍ، أو تأديبٍ، أو راحة نفس، أو اشتغال بمهم، فجعل الله ﷾ له أجلًا أربعة أشهر، ولا يلزم من ذلك أن يكون الوطء مؤقتًا بأربعة أشهر مرة. اهـ\nقلتُ: وما رجحه شيخ الإسلام، وابن القيم هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4302>مسألة [٤]: هل يؤجر الرجل إذا جامع امرأته، وليس له شهوة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٤١): وَسُئِلَ أَحْمَدُ: يُؤْجَرُ الرَّجُلُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ وَلَيْسَ لَهُ شَهْوَةٌ؟ فَقَالَ: إي وَاَلله، يَحْتَسِبُ الْوَلَدَ، وَإِنْ لَمْ يُرْدِ الْوَلَدَ؟\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٣٩) «الإنصاف» (٨/ ٣٥٣) «المحلى» (١٨٩٠) «روضة المحبين» لابن القيم (ص ٢١٢ - ٢١٧) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٧٣ - ١٧٤) (٢٨/ ٣٨٣ - ٣٨٤).","vol":"8","page":271},{"text":"يَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ، لِمَ لَا يُؤْجَرُ؟ وَهَذَا صَحِيحٌ؛ فَإِنَّ أَبَا ذَرٍّ رَوَى أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «مُبَاضَعَتُك أَهْلَك صَدَقَةٌ»، قُلْت: يَا رَسُولَ الله، أَنُصِيبُ شَهْوَتَنَا وَنُؤْجَرُ؟ قَالَ: «أَرَأَيْت لَوْ وَضَعَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟» قَالَ: قُلْت: بَلَى. قَالَ: «أَفَتَحْتَسِبُونَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَا تَحْتَسِبُونَ بِالْخَيْرِ» (^١)، وَلِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْوَلَدِ، وَإِعْفَافِ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ، وَغَضِّ بَصَرِهِ، وَسُكُونِ نَفْسِهِ، أَوْ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ١٥٤)، من طريق: أبي البختري، عن أبي ذر، وهذا منقطع؛ لأنَّ أبا البختري لم يسمع من أبي ذر، ولكن الحديث أصله في «مسلم» (١٠٠٦) (٥٣) بمعناه؛ فهو حديث صحيح.","vol":"8","page":272},{"text":"١٠٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَعَنَ الوَاصِلَةَ، وَالمُسْتَوْصِلَة، وَالوَاشِمَةَ، وَالمُسْتَوْشِمَة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4303>مسألة [١]: معنى وصل الشعر وحكمه</span>.\nأما الوصل: فهي الزيادة في الشعر بشعر آخر، أو بغير شعر عند جماعة من الفقهاء.\nوالواصلة: هي التي تصل الشعر لنفسها، أو لغيرها.\nوالمستوصلة: هي التي تطلب فعل ذلك، أو يفعل بها برضاها.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٩٣٢) في شرح حديث معاوية أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنما هلكت بنو إسرائل حين اتخذ هذه نساؤهم».\nقال: وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِلْجُمْهُورِ فِي مَنْع وَصْل الشَّعْر بِشَيْءٍ آخَر، سَوَاء كَانَ شَعْرًا أَمْ لَا، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث جَابِر: زَجْر رَسُول الله - ﷺ - أَنْ تَصِل الْمَرْأَة بِشَعْرِهَا شَيْئًا. أَخْرَجَهُ مُسْلِم. (^٢)\nوَذَهَبَ اللَّيْث، وَنَقَلَهُ أَبُو عُبَيْدَة عَنْ كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء أَنَّ الْمُمْتَنِع مِنْ ذَلِكَ وَصْل الشَّعْر بِالشَّعْرِ، وَأَمَّا إِذَا وَصَلَتْ شَعْرهَا بِغَيْرِ الشَّعْر مِنْ خِرْقَة وَغَيْرهَا؛ فَلَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٣٧)، ومسلم (٢١٢٤).\n(^٢) انظر: «صحيح مسلم» (٢١٢٦).","vol":"8","page":273},{"text":"يَدْخُل فِي النَّهْي، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيح (^١) عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ: لَا بَأْس بِالْقَرَامِل. وَبِهِ قَالَ أَحْمَد، وَالْقَرَامِل: جَمْع قَرْمَل، بِفَتْحِ الْقَاف وَسُكُون الرَّاء: نَبَات طَوِيل الْفُرُوع لَيِّن، وَالْمُرَاد بِهِ هُنَا خُيُوط مِنْ حَرِير، أَوْ صُوف يُعْمَل ضَفَائِر تَصِل بِهِ الْمَرْأَة شَعْرهَا.\nوَفَصَّلَ بَعْضهمْ بَيْن مَا إِذَا كَانَ مَا وَصَلَ بِهِ الشَّعْر مِنْ غَيْر الشَّعْر مَسْتُورًا بَعْد عَقْده مَعَ الشَّعْر، بِحَيْثُ يُظَنّ أَنَّهُ مِنْ الشَّعْر، وَبَيْن مَا إِذَا كَانَ ظَاهِرًا، فَمَنَعَ قَوْم الْأَوَّل فَقَطْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّدْلِيس، وَهُوَ قَوِيّ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ الْوَصْل مُطْلَقًا، سَوَاء كَانَ بِشَعْرٍ آخَر، أَوْ بِغَيْرِ شَعْر إِذَا كَانَ بِعِلْمِ الزَّوْج وَبِإِذْنِهِ، وَأَحَادِيث الْبَاب حُجَّة عَلَيْهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4304>مسألة [٢]: معنى الوشم وحكمه</span>.\nالوَشم: بفتح الواو، وسكون المعجمة، هو أن يغرز في العضو إبرة، أو غيرها، حتى يسيل الدم، ثم يحشي بنورة، أو غيرها، فيخضر، وقد يكون في اليد وغيرها من الجسد، وقد يفعل ذلك نقشًا، وقد يجعل دوائر، وقد يكتب اسم المحبوب، أو يجعل صورة خيل، أو شمس، ونحو ذلك.\nوهذا مُحَرَّمٌ؛ للعن الوارد فيه كما في حديث الباب، وقد جاء اللعن أيضًا في «الصحيحين» (^٢) عن ابن مسعود. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤١٧١)، وفي إسناده: شريك القاضي، وهو ضعيف سيء الحفظ.\n(^٢) انظر: «البخاري» رقم (٤٨٨٦)، ومسلم رقم (٢١٢٥).\n(^٣) انظر: «الفتح» (٥٩٣١).","vol":"8","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4305>مسألة [٣]: معنى النَّمص وحكمه</span>.\nجاء في «الصحيحين» عن ابن مسعود أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: لعن النامصات والمتنمصات.\nالنماص: إزالة شعر الحاجبين؛ لترفيعهما، أو تسويتهما، والنامصة: هي التي تفعله، والمتنمصة هي التي يفعل بها ذلك. وقد ذهب بعضهم إلى أنَّ النهي للتنزيه.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٩٣٧): وفي هذه الأحاديث حجة لمن قال: يحرم الوصل في الشعر، والوشم، والنمص على الفاعل والمفعول به، وهي حجة على من حمل النهي فيه على التنزيه؛ لأنَّ دلالة اللعن على التحريم من أقوى الدلالات، بل عند بعضهم أنه من علامات الكبيرة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4306>مسألة [٤]: معنى التفلج وحكمه</span>.\nجاء في «الصحيحين» عن ابن مسعود -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لعن المتفلجات للحسن، والمغيرات خلق الله.\nالمتفلجة: هي التي تطلب الفلج، أو تصنعه، والفلج هو انفراج ما بين الثنيتين والتفلج أن يفرج ما بين المتلاصقين بالمبرد ونحوه، وهو مختص عادة بالثنايا، والرباعيات، ويستحسن من المرأة، فربما صنعته المرأة التي تكون أسنانها متلاصقة؛ لتصير متفلجة، وقد تفعله الكبيرة توهم أنها صغيرة، ويسمى تحديد الأسنان: الوشر، وقد ثبت النهي عنه أيضًا في بعض طرق حديث ابن مسعود -﵁-. (^١)\n_________\n(^١) «الفتح» (٥٩٣١).","vol":"8","page":275},{"text":"١٠٢٣ - وَعَنْ جُدَامَةَ (^١) بِنْتِ وَهْبٍ -﵂- قَالَتْ: حَضَرْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي أُنَاسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الغِيلَةِ (^٢) فَنَظَرْت فِي الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ أَوْلَادَهُمْ شَيْئًا». ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ العَزْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ذَلِكَ الوَأْدُ الخَفِيُّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\n١٠٢٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ اليَهُودَ تَحَدَّثُ: أَنَّ العَزْلَ المَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، قَالَ: «كَذَبَتِ اليَهُودُ، لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْت أَنْ تَصْرِفَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ،، وَالنَّسَائِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^٤)\n_________\n(^١) في المخطوطتين بالذال المعجمة والصواب أنه بالمهملة كما في «صحيح مسلم» وغيره.\n(^٢) قال صاحب النهاية: هو أن يجامع الرجل زوجته وهي مرضع، وكذلك إذا حملت وهي مرضع.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٤٤٢).\n(^٤) حسن. أخرجه أحمد (٣/ ٥١، ٥٣، ٣٣)، وأبوداود (٢١٧١)، والنسائي في «الكبرى» (٩٠٨١)، والطحاوي في «شرح المعاني» (٣/ ٣١) من طرق عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبدالرحمن ابن ثوبان عن أبي مطيع بن رفاعة عن أبي سعيد به. وإسناده ضعيف؛ لأن أبا مطيع مجهول.\nوله إسناد آخر عند ابن أبي شيبة (٤/ ٢٢١ - ٢٢٢)، والطحاوي في «شرح المعاني» (٣/ ٣٢)، وإسناده حسن لولا أن فيه عنعنة ابن إسحاق.\n\nوله إسناد آخر عند البزار كما في «كشف الأستار» (١٤٥٣)، والطحاوي (٣/ ٣١ - ٣٢) وإسناده لا بأس به. فالحديث بمجموع هذه الطرق ثابت عن أبي سعيد، والله أعلم.\nوله شاهد من حديث أبي هريرة. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٩٠٩١)، بإسناد حسن.","vol":"8","page":276},{"text":"١٠٢٥ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ، وَلَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ القُرْآنُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَلِمُسْلِمٍ: فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - فَلَمْ يَنْهَنَا.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4307>مسألة [١]: معنى الغيلة</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٤٤٢): قَالَ أَهْل اللُّغَة: (الْغِيلَة) هُنَا بِكَسْرِ الْغَيْن، وَيُقَال لَهَا: الْغَيْل بِفَتْحِ الْغَيْن مَعَ حَذْف الْهَاء، و(الْغِيَال) بِكَسْرِ الْغَيْن.\nقال: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالْغِيلَةِ فِي هَذَا الْحَدِيث، وَهِيَ الْغَيْل، فَقَالَ مَالِك فِي «الْمُوَطَّأ»، وَالْأَصْمَعِيّ، وَغَيْره مِنْ أَهْل اللُّغَة: أَنْ يُجَامِع اِمْرَأَته وَهِيَ مُرْضِع، يُقَال مِنْهُ: أَغَالَ الرَّجُل وَأَغْيَلَ، إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ. وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت: هُوَ أَنْ تُرْضِع الْمَرْأَة وَهِيَ حَامِل، يُقَال مِنْهُ: غَالَتْ وَأَغْيَلَت. قَالَ الْعُلَمَاء: سَبَب هَمّه - ﷺ - بِالنَّهْيِ عَنْهَا أَنَّهُ يَخَاف مِنْهُ ضَرَر الْوَلَد الرَّضِيع. قَالُوا: وَالْأَطِبَّاء يَقُولُونَ: إِنَّ ذَلِكَ اللَّبَن دَاء، وَالْعَرَب تَكْرَههُ وَتَتَّقِيه. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الْغِيلَة؛ فَإِنَّهُ - ﷺ - لَمْ يَنْهَ عَنْهَا، وَبَيَّنَ سَبَب تَرْك النَّهْي. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٠٩)، ومسلم (١٤٤٠). وليس عند البخاري: ولو كان شيئًا ينهى عنه ... وهذه الزيادة صرح مسلم في روايته أنها من قول سفيان.","vol":"8","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4308>مسألة [٢]: إشكال بين الحديثين الأولين:</span>\n• اختلف أهل العلم في توجيه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ذَلِكَ الوَأْدُ الخَفِيُّ» يعني العزل، وتكذيبه لليهود في تسميته: المَوْءُودَةُ الصُّغْرَى.\nفمنهم من ضعَّف حديث أبي سعيد.\nومنهم من ضعَّف حديث جدامة بأنه معارض بما هو أكثر طرقًا منه.\nومنهم من ادَّعى أنَّ حديث جدامة منسوخ.\nومنهم من رجَّح حديث جدامة بثبوته في «الصحيح».\nومنهم من قال: قولهم (المَوْءُودَةُ الصُّغْرَى) يقتضي أنه وأدٌ ظاهر، لكنه صغير بالنسبة إلى دفن المولود بعد وضعه حيًّا، فلا يُعارض قوله: «الوَأْدُ الخَفِيُّ»؛ فإنه يدل على أنه ليس في حكم الظاهر، فلا يترتب عليه حكم، وإنما جعله وَأْدًا من جهة اشتراكهما في قطع الولادة.\nوقال ابن القيم -﵀-: الَّذِي كَذَبَتْ فِيهِ الْيَهُود زَعْمهمْ أَنَّ الْعَزْل لَا يُتَصَوَّر مَعَهُ الْحَمْل أَصْلًا، وَجَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ قَطْع النَّسْل بِالْوَأْدِ، فَأَكْذَبهمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَمْنَع الْحَمْل إِذَا شَاءَ اللهُ خَلَقَهُ، وَإِذَا لَمْ يُرِدْ خَلْقه؛ لَمْ يَكُنْ وَأْدًا حَقِيقَة، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ وَأْدًا خَفِيًّا فِي حَدِيث جُدَامَة؛ لِأَنَّ الرَّجُل إِنَّمَا يَعْزِل هَرَبًا مِنْ الْحَمْل، فَأَجْرَى قَصْده لِذَلِكَ مَجْرَى الْوَأْد، لَكِنَّ الْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الْوَأْد ظَاهِر بِالْمُبَاشَرَةِ اِجْتَمَعَ فِيهِ الْقَصْد","vol":"8","page":278},{"text":"وَالْفِعْل، وَالْعَزْل يَتَعَلَّق بِالْقَصْدِ صَرْفًا؛ فَلِذَلِكَ وَصْفه بِكَوْنِهِ خَفِيًّا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4309>مسألة [٣]: حكم العزل</span>.\nالعزل: هو أن يُجامع الرجل زوجته، أو أمته، فإذا قارب الإنزال نزع، وأنزل خارج الفرج.\n• وقد كرهه أهل العلم، وثبت ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر -﵃-؛ للأحاديث الواردة في كراهته منها: حديث أبي سعيد الخدري في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سُئل عن العزل؟ فقال: «وَلِمَ يفعل ذلك أحدكم؛ فإنه ليس من نفسٍ مخلوقة إلا الله خالقها» (^٢)، ولحديث جدامة، وأبي سعيد الَّلذَينِ في الباب.\nومع كراهته فقد أجازه أهل العلم، ورخَّصوا فيه، واستدلوا على ذلك بحديث جابر الذي في الباب، وبحديث أبي سعيد أيضًا الذي في الباب؛ ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ولم يفعل ذلك أحدكم»، ولم يقل: لا يفعل ذلك أحدكم. ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استأذنه رجلٌ في العزل عن جاريته فقال له: «اعزل عنها إن شئت؛ فإنه سيأتيها ما قُدِّر لها»، ثم إنها حملت، فقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «قد قلت لك إنه سيأتيها ما قدر لها» أخرجه مسلم برقم (١٤٣٩).\n• وأجازه بعض أهل العلم بلا كراهة إذا كان لذلك حاجة، كأن تكون زوجته\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٢١٠).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٢٢٩)، ومسلم برقم (١٤٣٨).","vol":"8","page":279},{"text":"أمةً فيخشى على ولده من الرِّق، والله أعلم. وقد ثبت فعله عن علي، وسعد، وزيد، وابن عباس وخباب بن الأرت -﵃-.\n• وقد ذهب ابن حَزْم إلى عدم جواز العزل مطلقًا؛ لحديث جدامة، وتقدم الجواب عنه، والصحيح أنَّ العزل جائزٌ مع الكراهة، إلا أنْ تدعو الحاجة إليه؛ فلا يُكره، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4310>مسألة [٤]: هل يجوز له العزل عن زوجته بغير إذنها</span>؟\n• أما إن كانت زوجته حُرَّة فأكثر العلماء على اعتبار إذنها، ولا يجوز عندهم أن يعزل عنها إلا بإذنها؛ لما روى أحمد (١/ ٣١)، من حديث عمر بن الخطاب -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها. وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: ابن لهيعة، وهو ضعيف. وقالوا: للحرة حق في الولد، وعليها ضرر في العزل، ونقص في الاستمتاع، وقد نقل ابن عبد البر عدم الخلاف على هذا القول، وليس بصحيح.\n• فقد وجد في ذلك خلاف، فقد قال جماعةٌ من الحنابلة، والشافعية بجواز العزل بغير إذنها، قالوا: لأنَّ حقها في الوطء دون الإنزال؛ بدليل أنه يخرج به من الفيئة، والعنة، وهذا القول أقرب فيما يظهر، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٢٨ - ٢٢٩) «البيان» (٩/ ٥٠٧) «الفتح» (٥٢١٠) «شرح مسلم» (١٤٣٨) «المحلى» (١٩١١) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٠٨)، «الأوسط» (٩/ ١١٥ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٣٠) «البيان» (٩/ ٥٠٨) «الفتح» (٥٢٠٩).","vol":"8","page":280},{"text":"• وأما إن كانت زوجته أمة؛ فله أن يعزل بغير إذنها عند الجمهور، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد.\n• وقال أبو يوسف، ومحمد، وأحمد في رواية: يُعتبر إذنها؛ لأنَّ لها حقًا في الاستمتاع، والعزل يمنع كمالَه.\nوالصحيح هو قول الجمهور، وقد استدل بعضهم بالحديث المتقدم، وهو ضعيف، ويُغني عنه الأحاديث المتقدمة في جواز العزل مع وجود الحاجة أيضًا، وهو خوفه من استرقاق ولده.\n• واختلف الجمهور هل يُشترط إذن السيد له في ذلك، فاشترطه المالكية، والحنابلة، وأبو حنيفة؛ لأنَّ للسيد حق في الولد.\n• ومذهب الشافعية، وأحمد في رواية عدم اشتراط ذلك؛ لأنَّ العزل لا يمنع الحمل، وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4311>مسألة [٥]: هل له أن يعزل عن أمته</span>؟\n• عامَّة أهل العلم على أن للسيد أن يعزل عن أمته بغير إذنها؛ لأنَّ حقها من الوطء أقل من حق الزوجة، ولذلك لا تملك المطالبة بالقسم، ولا الفيئة، ويدل على ذلك حديث جابر -﵁-: «اعزل عنها إن شئت؛ فإنه سيأتيها ما قُدِّر لها» رواه مسلم (١٤٣٩)، وحديث أبي سعيد الذي في الكتاب.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٣٠) «البيان» (٩/ ٥٠٧ - ٥٠٨) «الفتح» (٥٢٠٩) «الإنصاف» (٨/ ٣٤٧).","vol":"8","page":281},{"text":"• وذهب ابن حزم إلى عدم جواز ذلك، وهو وجهٌ ضعيف للشافعية؛ لعموم حديث جدامة.\nوالصحيح قول الجمهور، وتقدم توجيه حديث جدامة، وهو حمله على الكراهة؛ جمعًا بينه وبين الأدلة الأخرى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4312>مسألة [٦]: إن كان يعزل عن زوجته، أو أمته فحملت، فهل يلحقه النسب</span>؟\nذكر أهل العلم أنه يلحقه النسب؛ لأنَّ العزل لا يمنع الحمل كما في حديث جابر المتقدم، وحديث أبي سعيد الذي في الكتاب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4313>مسألة [٧]: تعمد إسقاط الجنين وهو نطفة</span>.\n• عدَّه جماعةٌ من الفقهاء كالعزل، وقالوا: كما جاز العزل وهو صرف النطفة عن دخولها الرحم؛ فيجوز إخراجها بعد استقرارها في الرحم. وهو قول أكثر الشافعية، والحنابلة.\n• ومنع من ذلك بعضهم، وهو أقرب؛ لأنَّ العزل ليس فيه إسقاط شيء، إنما هو تسبب إلى منع انعقاده، وقد لا يمتنع انعقاده بالعزل إذا أراد الله خلقه، وأما الإسقاط فهو أشد؛ لأنَّ الجنين إذا استقر في الرحم انعقد ولدًا. وبالغ بعض الفقهاء فأجازوا الإسقاط ما لم ينفخ فيه الروح.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٢٠٩) «البيان» (٩/ ٥٠٧) «المغني» (١٠/ ٢٣٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٣٠).","vol":"8","page":282},{"text":"قال الحافظ ابن رجب -﵀-: وقد رخَّص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها ما لم ينفخ فيه الروح، وجعلوه كالعزل، وهو قول ضعيف؛ لأنَّ الجنينَ ولدٌ انعقد، وربما تصور، وفي العزل لم يوجد ولد بالكلية، وإنما تسبب إلى منع انعقاده، وقد لا يمتنع انعقاده بالعزل إذا أراد الله خلقه.\nقال: وقد صرَّح أصحابنا بأنه إذا صار الولد علقة؛ لم يجز للمرأة إسقاطه؛ لأنه ولدًا انعقد، بخلاف النطفة؛ فإنها لم تنعقد بعد، وقد لا تنعقد ولدًا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4314>مسألة [٨]: حكم الاستمناء</span>.\nقال الإمام العمراني -﵀- في «البيان» (٩/ ٥٠٦): ويحرم الاستمناء، وهو إخراج الماء الدافق بيده، وبه قال أكثر أهل العلم، وقال ابن عباس: نكاح الأمة خير منه، وهو خير من الزنى. ورُوي أنَّ عمرو بن دينار رخَّص فيه عند الاضطرار، وخوف الهلكة، وبه قال أحمد ابن حنبل -﵀-. دليلنا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ فمنها دليلان: أحدهما: أنه أباح الاستمتاع بالفرج بالزوجة، أو ملك اليمين، وهذا ليس بواحد منهما. والثاني: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٦/المعارج:٣٠]، والاستمناء وراء ذلك.\nقال: ولأنَّ فيه قطع النسل، والامتناع من التزويج. اهـ\nقلتُ: أثر ابن عباس أخرجه البيهقي (٧/ ١٩٩) وعبد الرزاق (٧/ ٣٩٠ -\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٢٠٩) «توضيح الأحكام» (٥/ ٦٠٨) «جامع العلوم والحكم» (١/ ١٥٧).","vol":"8","page":283},{"text":"٣٩١)، وابن المنذر (٩/ ١٢٥) من طريق: أبي يحيى عن ابن عباس به، وأبو يحيى هو مِصدع الأعرج فيه ضعف، قال ابن حبان: يخالف الأثبات، ويروي المناكير، ولم يوثقه معتبر.\nوقد جاء عن ابن عمر -﵄- كما في «مصنف عبد الرزاق» (٧/ ٣٩٠)، و«الأوسط» لابن المنذر (٩/ ١٢٥) أنه قال في المستمني: هو نائك نفسه. وفي إسناده: عبد الله بن عثمان بن خثيم، وحديثه يحتمل التحسين.\nقلتُ: والصحيح هو القول بالتحريم؛ للآية المذكورة، ولحديث: «ومن لم يستطع؛ فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء»، وهو ترجيح ابن المنذر -﵀-.\n\n١٠٢٦ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. أَخْرَجَاهُ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيستفاد من الحديث أنه يُشرع للرجل أن يطوف على نسائه بغسل واحد، وهذا محمول على ما إذا رضيت بذلك صاحبة النوبة، أو كان بعد انتهائه من القسم، أو عند قدومه من سفر، فجعل يومًا عامًّا لجميع نسائه لم يخص واحدة منهن.\nوأما ما يتعلق بالغسل، أو الوضوء بين الجِماعين فقد تقدم الكلام على ذلك في [كتاب الطهارة] تحت حديث (١١١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٤)، ومسلم (٣٠٩). ولفظ البخاري: كان يطوف على نسائه في ليلة واحدة.","vol":"8","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4315>مَسَائِلُ مُلْحَقَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالبَابِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4316>مسألة [١]: تسليم المرأة لزوجها إذا طلبها</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٢٢): إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِثْلُهَا يُوطَأُ، فَطَلَبَ تَسْلِيمَهَا إلَيْهِ؛ وَجَبَ ذَلِكَ، وَإِنْ عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ؛ لَزِمَهُ تَسَلُّمُهَا، وَوَجَبَتْ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ طَلَبَهَا، فَسَأَلْت الْإِنْظَارَ؛ أُنْظِرَتْ مُدَّةً جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ تُصْلِحَ أَمَرَهَا فِيهَا، كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ جَرَتْ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا، حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغَيَّبَةُ» (^١)، فَمَنَعَ مِنْ الطُّرُوقِ، وَأَمَرَ بِإِمْهَالِهَا لِتُصْلِحَ أَمْرَهَا؛ مَعَ تَقَدُّمِ صُحْبَتِهِ لَهَا، فَهَاهُنَا أَوْلَى، ثُمَّ إنْ كَانَتْ حُرَّةً؛ وَجَبَ تَسْلِيمُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَهُ السَّفَرُ بِهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُسَافِرُ بِنِسَائِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفَرًا مَخُوفًا، فَلَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً؛ لَمْ يَلْزَمْ تَسْلِيمُهَا إلَّا بِاللَّيْلِ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ عُقِدَ عَلَى إحْدَى مَنْفَعَتَيْهَا، فَلَمْ يَلْزَمْ تَسْلِيمُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4317>مسألة [٢]: هل يجبر زوجته على الغسل من الحيض والنفاس والجنابة</span>؟\nقال أهل العلم: له أن يجبر زوجته على الغسل من الحيض، والنفاس، سواء كانت مسلمة، أو ذمية؛ لأنه يمنع الاستمتاع الذي هو حق له، فملك إجبارها على\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (١٠١٦).\n(^٢) وانظر: «البيان» (٩/ ٤٩٥ - ٤٩٦).","vol":"8","page":285},{"text":"إزالة ما يمنع حقه.\nوقال أبو حنيفة: ليس له إجبار الذمية. وأما الغسل من الجنابة؛ فإن كانت مسلمة فلا إشكال في أنَّ له أن يجبرها على ذلك؛ لوجوب الصلاة عليها.\n• وأما الذمية، فهل له إجبارها على ذلك فيه قولان:\nأحدهما: له إجبارها، وهو وجهٌ للحنابلة، ووجهٌ للشافعية؛ لأنَّ النفس تعاف من لا يغتسل من الجنابة.\nالثاني: ليس له إجبارها، وهو قول مالك، والثوري، ووجهٌ للحنابلة، والشافعية؛ لأنَّ الوطء لا يقف عليه؛ فإنه مباح بدونه، ولأن الغسل عبادة، ولا يصح من الذمية؛ فلا فائدة فيه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4318>مسألة [٣]: هل له أن يجبرها على قص الأظفار، وحلق شعر العانة، ونتف الإبط</span>؟\n• فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنَّ له أن يجبرها على ذلك؛ لأنَّ إزالة هذه الأمور المذكورة من تمام الاستمتاع، وبقاؤها يمنع من ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4319>مسألة [٤]: هل له أن يمنعها من أكل ما له رائحة كريهة</span>؟\n• فيه خلاف، والراجح أنَّ له منعها من ذلك إذا أحبَّ أن يعاشرها قبل زوال\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٢٣) «البيان» (٩/ ٤٩٧).\n(^٢) انظر: «البيان» (٩/ ٤٩٨) «المغني» (١٠/ ٤٢٣).","vol":"8","page":286},{"text":"ذلك الريح، وأما إن كان الأكل في وقتٍ بعيد عن وقت المعاشرة يزول الريح قبل ذلك؛ فلا يمنعها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4320>مسألة [٥]: طاعة الزوج مقدمة على طاعة الوالدين</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٦١): المرأة إذا تزوجت كان زوجها أملك بها من أبويها، وطاعة زوجها عليها أوجب، قال الله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤].\nثم ذكر أحاديث كثيرة في بيان حق الزوج على امرأته.\nثم قال: والأحاديث في ذلك كثيرة عن النبي - ﷺ -، وقال زيد بن ثابت: الزوج سيد في كتاب الله، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف:٢٥] (^٢)، وقال عمر بن الخطاب: النكاح رِقٌّ؛ فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته. (^٣)\nوفي الترمذي وغيره عن النبي - ﷺ - أنه قال: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنما هن عندكم عوان» (^٤)، فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق، والأسير؛ فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه، سواء أمرها أبوها، أو أمها، أو غير أبويها باتفاق الأئمة، وإذا\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (٩/ ٤٩٨) «المغني» (١٠/ ٤٢٣).\n(^٢) أخرجه ابن جرير عند تفسير الآية المذكورة بدون قراءة الآية، من طريق: الحسن، عن زيد بن ثابت، والحسن لا نعلم له سماعًا من زيد، بل لم يذكر المزي له رواية عنه كما في «تهذيب الكمال»، وفي الإسناد شيخ ابن جرير المثنى بن إبراهيم الآملي، لم توجد له ترجمة.\n(^٣) لم أجده.\n(^٤) تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"8","page":287},{"text":"أراد الرجل أن ينتقل بها إلى مكان آخر مع قيامه بما يجب عليه، وحفظ حدود الله فيها، ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك؛ فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها؛ فإن الأبوين هما ظالمان، ليس لهما أن ينهياها عن طاعة مثل هذا الزوج، وليس لها أن تطيع أمها فيما تأمرها به من الاختلاع منه، أو مضاجرته حتى يطلقها، مثل أن تطالبه من النفقة، والكسوة، والصداق بما تطلبه ليطلقها؛ فلا يحل لها أن تطيع واحدًا من أبو يها في طلاقه إذا كان مُتَّقيًا لله فيها. انتهى المراد. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٩/ ٥٠٠) «المغني» (١٠/ ٢٢٤).","vol":"8","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4321>بَابُ الصَّدَاقِ</span>\n١٠٢٧ - عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٠٢٨ - وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْت: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِأَزْوَاجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\n١٠٢٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَعْطِهَا شَيْئًا» قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ، قَالَ: «فَأَيْنَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ (^٣)؟». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4322>مسألة [١]: الصداق</span>.\nهو بفتح الصاد وكسرها، مأخوذٌ من الصِّدق؛ لإشعاره بصدق رغبة الزوج في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٨٦)، ومسلم في كتاب النكاح رقم (٨٥).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٤٢٦).\n(^٣) هي منسوبة إلى بطن من عبدالقيس يقال لهم: حطمة بن محارب كانوا يعملون الدروع، هذا أشبه الأقوال، وقيل غير ذلك. «النهاية».\n(^٤) صحيح. أخرجه أبوداود (٢١٢٥)، والنسائي (٦/ ١٣٠)، وإسناده صحيح على شرط البخاري. ولم أجده في «مستدرك الحاكم».","vol":"8","page":289},{"text":"الزوجة. ويقال له: صَدُقة بفتح الصاد، وضم الدال، وصُدْقة بضم الصاد، وسكون الدال، وهو اسم لما يعطيه الرجل للمرأة مقابل الزواج، واستحلال الفرج، وله ثمانية أسماء مجموعة في قول الشاعر:\nصداق ومهر نحلة وفريضة ... حباء وأجر ثم عقرُ علائق (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4323>مسألة [٢]: هل لأقله وأكثره حدٌّ</span>؟\nأما أكثره؛ فلا حد له عند أهل العلم، ونُقِل إجماعًا، قال تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء:٢٠].\nوأخرج ابن المنذر (٧٢٣٥) وغيره، أن عمر بن الخطاب -﵁- تزوج أم كلثوم بنت علي -﵂- بأربعين ألف درهم، وفي إسناده عبد الله بن زيد بن أسلم، وفيه ضعف.\nوأخرج برقم (٧٢٣٦) بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه أصدق صفية بنت أبي عبيد عشرة آلاف درهم.\nوأخرج برقم (٧٢٣٧) بإسناد صحيح عنه أنه كان يزوج بنات أخيه على عشرة آلاف درهم.\nوأخرج برقم (٢٧٣٩) بإسناد صحيح عن الحسن بن علي -﵄-، أنه تزوج امرأة فأرسل إليها مائة جارية، مع كل جارية ألف درهم.\n_________\n(^١) انظر: «البدر التمام» (٤/ ٥) «تحرير ألفاظ التنبيه» (ص ٢٥٦ -) «المغني» (١٠/ ٩٧).","vol":"8","page":290},{"text":"وأخرج برقم (٧٢٤٠) من طريق ابن سيرين عن ابن عباس -﵄- أنه تزوج شميلة السلمية على عشرة آلاف درهم.\nوأخرج برقم (٧٢٤١) بإسناد صحيح عن أنس -﵁-، أنه تزوج على عشرة آلاف درهم.\n• وأما أقله فاختلف فيه أهل العلم، فذهب أكثرهم إلى أنه لا حدَّ لأقله، وهو قول الحسن، وعطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود وغيرهم، واستدلوا على ذلك بحديث أنس في «الصحيحين» (^١) أنَّ عبد الرحمن تزوج على وزن نواة من ذهب قُدِّرت بثلاثة دراهم، وقيل: خمسة دراهم، وبحديث سهل بن سعد: «التمس ولو خاتمًا من حديد»، ثم زوجه بما معه من القرآن، وتزوجت أم سليم أبا طلحة بإسلامه (^٢)، وتزوج علي فاطمة بدرع.\nوقالوا: لم يأت نصٌّ في تحديد أقله، واستدل بعضهم بحديث عامر بن ربيعة، وجابر بن عبد الله الَّلذَين سيأتيان في الكتاب، وهما ضعيفان، وجاء في حديث جابر عند مسلم (١٤٠٥) (١٦): كُنَّا نستمتع على عهد رسول الله - ﷺ - بالقبضة من التمر، والدقيق. وهذا في نكاح المتعة قبل نسخه.\n• وقال مالك: أقله ثلاثة دراهم؛ لأنه حد قطع اليد.\n_________\n(^١) سيأتي في «البلوغ» رقم (١٠٣٩).\n(^٢) أخرجه النسائي (٣٣٤٠) (٣٣٤١)، من حديث أنس بن مالك -﵁-، وهو حديث صحيح.","vol":"8","page":291},{"text":"• وقال أبو حنيفة: أقله عشرة دراهم. لأنه حد قطع اليد في السرقة عنده، وله حديث ضعيفٌ سيأتي.\n• وقال ابن شبرمة: حده خمسة دراهم.\n• وقال النخعي: أربعون درهمًا. وعنه عشرون.\n• وعن سعيد بن جبير: خمسون درهمًا.\nوالصحيح أنه لا حَدَّ لأقَلِّه، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني وغيرهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4324>مسألة [٣]: ما هو المقدار المستحب عند القدرة واليسار</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٩٤): والمستحب في الصداق مع القدرة واليسار أن يكون جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج النبي ولا بناته، وكان ما بين أربعمائة إلى خمسمائة بالدراهم الخالصة نحوًا من تسعة عشر دينارًا، فهذه سنة رسول الله - ﷺ - مَنْ فعل ذلك؛ فقد استن بسنة رسول الله - ﷺ - في الصداق، قال أبو هريرة -﵁-: كان صداقنا إذ كان فينا رسول الله - ﷺ - عشر أواق، وطبق بيديه، وذلك أربعمائة درهم. رواه الإمام أحمد في «مسنده»، وهذا لفظ أبي داود في «سننه» (^٢)، وقال أبو سلمة: قلت لعائشة: كم كان صداق\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٩٩) «الفتح» (٥١٤٩) «زاد المعاد» (٥/ ١٧٦ -) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٩٢ -) «تهذيب السنن» (٣/ ٤٩ -) «أعلام الموقعين» (١/ ٢٧٧) (٢/ ٣٣٠) «البيان» (٩/ ٣٦٩ -)، «الأوسط» (٨/ ٣٢٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٧)، والنسائي (٣٣٤٨)، وإسناده صحيح، ولم يخرجه أبو داود.","vol":"8","page":292},{"text":"رسول الله - ﷺ -؟\nثم ذكر حديث الباب.\nثم قال: وقال عمر: ما أصدق رسول الله - ﷺ - امرأةً من نسائه ولا أُصْدِقَت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية. قال الترمذي حديث صحيح. (^١)\nقال: فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صداق ابنته على صداق بنات رسول الله - ﷺ - اللواتي هُنَّ خير خلق الله في كل فضيلة، وَهُنَّ أفضل نساء العالمين في كل صفة؛ فهو جاهل أحمق، وكذلك صداق أمهات المؤمنين، وهذا مع القدرة واليسار، فأما الفقير ونحوه؛ فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4325>مسألة [٤]: استحباب تخفيف الصداق</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١٩٢ - ١٩٤): السنة تخفيف الصداق، وأن لا يزيد على نساء النبي - ﷺ - وبناته، فقد روت عائشة -﵂- عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أن أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة» (^٢)، وعن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: «خيرهن أيسرهن صداقا» (^٣)، وعن الحسن البصري قال: قال\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي برقم (١١١٤) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه أحمد (٦/ ٨٢) (٦/ ١٤٥)، وفي إسناده: عيسى بن ميمون الواسطي، وهو متروك، وانظر «الضعيفة» (١١١٧).\n(^٣) أخرجه الطبراني (١١١٠٠) (١١١٠١)، من طريق: رجاء بن الحارث، عن مجاهد، عن ابن عباس، به، وهذا إسناد ضعيف؛ رجاء بن الحارث ضعفه ابن معين وغيره.","vol":"8","page":293},{"text":"رسول الله - ﷺ -: «ألزموا النساء الرجال، ولا تغالوا في المهور»، وخطب عمر بن الخطاب الناس، فقال: ألا لا تغالوا في مهور النساء؛ فإنها لو كانت مَكْرُمَة في الدنيا، أو تقوى عند الله؛ كان أولاكم النبي - ﷺ -، ما أصدق امرأة من نسائه، ولا أُصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية. قال الترمذي حديث صحيح. (^١) ويكره للرجل أن يصدق المرأة صداقًا يضرُّ بِهِ إن نقده، ويعجز عن وفائه إن كان دينًا، قال أبو هريرة: جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فقال: إني تزوجت إمرأةً من الأنصار، فقال: «على كم تزوجتها؟» قال: على أربع أواق.\nفقال النبي - ﷺ -: «على أربع أواق، فكأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه»، قال: فبعث بعثًا إلى بني عبس، فبعث ذلك الرجل فيهم. رواه مسلم في «صحيحه» (^٢)، والأوقية عندهم أربعون درهمًا، وهي مجموع الصداق ليس فيه مقدم ومؤخر، وعن أبي عمرو الأسلمي أنه ذكر أنه تزوج إمرأة فأتى النبي - ﷺ - يستعينه في صداقها، فقال: «كم أصدقت؟» قال: فقلت: مائتي درهم. فقال: «لو كنتم تغرفون الدراهم من أوديتكم ما زدتم» رواه الإمام أحمد في «مسنده» (^٣) وإذا أصدقها دينًا كثيرًا في ذمته، وهو ينوي أن لا يعطيها\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١١١٤)، وكذلك أحمد (١/ ٤٠ -)، وأبو داود (٢١٠٦)، والنسائي (٣٣٤٩)، وابن ماجة (١٨٨٧)، وإسناده صحيح. وقد وقع في بعض طرقه عن ابن سيرين، قال: نبئت عن أبي العجفاء، عن عمر ...، فذكره، وظاهره الانقطاع، لكن ابن سيرين قد صرح بالسماع عند أحمد (١/ ٤٨)، فيحمل على الوجهين.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٤٢٤).\n(^٣) أخرجه أحمد (٣/ ٤٤٨)، من حديث أبي حدرد الأسلمي بإسناد صحيح، وليس هو من حديث أبي عمرو الأسلمي، فتنبه!.","vol":"8","page":294},{"text":"إياه؛ كان ذلك حرامًا.\nقال: وما يفعله بعض أهل الجفاء، والخيلاء، والرياء من تكثير المهر للرياء والفخر، وهم لا يقصدون أخذه من الزوج، وهو ينوي أن لا يعطيهم إياه؛ فهذا منكرٌ، قبيحٌ مخالفٌ للسنة، خارجٌ عن الشريعة.\nقال: وإن قصد الزوج أن يؤديه، وهو في الغالب لا يطيقه؛ فقد حمَّل نفسه، وشغل ذمته، وتعرض لنقص حسناته، وارتهانه بالدين، وأهل المرأة قد آذوا صهرهم وضروه. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4326>مسألة [٥]: هل يصح أن يكون الصداق منفعة</span>؟\nالصداق يصح بالمال بلا خلاف؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء:٢٤]، وهل يكون بالمنافع، كالبناء، والخياطة، والحراثة، والرعي، والتعليم وغيرها؟.\n• أجازه الجمهور، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد.\n• وقال أبو حنيفة: منافع الحر لا تكون صداقًا؛ لأنها ليست مالًا.\nوأجاب الجمهور عليه بأنها كما يجوز العوض عنها في الإجارة؛ فجازت صداقًا كمنفعة العبد، وقولهم: (ليست مالًا) ممنوع؛ فإنها تجوز المعاوضة عنها وبها، ثم إن لم تكن مالًا؛ فقد أُجريت مجرى المال في هذا، فكذلك النكاح.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٠/ ١٠١).","vol":"8","page":295},{"text":"واستدلوا على الجواز بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧].\nوقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم، ويُعتبر فيه أن تكون المنفعة معلومة المقدار. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4327>مسألة [٦]: تزوجها على أن يحج بها</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي عدم صحة المهر المسمى، ولها صداق مثلها، ولها قبل الدخول المتعة؛ لأنَّ الحملان مجهول.\n• ومذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي -وهو قول النخعي- الجواز والصحة، ولا جهالة في ذلك؛ لأنه معلوم عُرفًا، والتفاوت يسير في ذلك، والله أعلم، وهذا أقرب، وإن طلقها قبل الدخول بها؛ فإن مالكًا، والأوزاعي، وأبا عبيد يقولون: عليه نصف قيمة الحملان. وقال الأوزاعي وأبو عبيد: وعليه النفقة والكسوة. يعنيان للحج. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4328>مسألة [٧]: تزوجها على أن يعلمها من القرآن</span>؟\n• مذهب الشافعي، وأحمد، والبخاري الجواز، واستدلوا على ذلك بحديث سهل بن سعد في قصة الواهبة، قال: «زوجتكها بما معك من القرآن».\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٠٢) «البيان» (٩/ ٣٧٤) «الزاد» (٥/ ١٧٨ - ١٧٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ١٠٢ -)، «الأوسط» (٨/ ٣٤٥).","vol":"8","page":296},{"text":"قالوا: والمقصود تعليمها كما جاء في «صحيح مسلم» في رواية: فعلمها من القرآن. وهذه الزيادة ذكرها زائدة بن قدامة.\nوقد روى الحديث جمعٌ عن أبي حازم بدون هذه الزيادة، وهم ما يقارب العشرة كما في «المسند الجامع» (٧/ ٢٨١)، ومنهم: مالك، والسفيانان، ومعمر، وحماد، وعبدالعزيز بن أبي حازم وآخرون، ففي ثبوت هذه الزيادة نظر.\nقالوا: وقد جاء في حديث أبي هريرة: «قم فعلمها عشرين آية»، وفي إسناده: عسل بن سفيان، وهو ضعيف أيضًا، وقد تقدم.\nقالوا: وإذا لم يكن المقصود هو التعليم؛ كان تزويجًا لصلاح الرجل، ولكونه حافظًا، ولا منفعة للمرأة من ذلك؛ فتكون كالموهوبة، وقد قال تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠].\n• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى المنع من ذلك، وهو قول مالك، والليث، وأبي حنيفة، وإسحاق، وأحمد في رواية؛ لأنَّ الفروج تُستباح بالأموال، والقرآن لا يؤخذ عليه أجرة، ولأنَّ التعليم من المعلم والمتعلم مختلف، ولا يكاد ينضبط، فأشبه الشيء المجهول.\nوأجاب هؤلاء عن حديث سهل بن سعد بأنها خاصَّة بذلك الرجل، ولا دليل صحيحًا على الخصوصية.\nوقال بعضهم «زوجتكها بما معك من القرآن»، أي: لما معك من القرآن،","vol":"8","page":297},{"text":"والمهر يبقى في ذمته.\nوقال بعضهم: يحتمل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أصدق عنه. ولهم تأويلات أخرى كما في «الفتح» وغيره.\nوالصحيح أنه يجوز أن يكون الصداق تعليمها القرآن؛ لأنها منفعة أحب إلى المرأة العاقلة الصالحة من المال، بل زاد بعض أهل العلم فقالوا: يجوز أن يزوج؛ لكونه عالمًا، ولكونه حافظًا للقرآن دون أن يشترط منه التعليم، ويكون مهر المرأة انتفاعها من علم هذا الرجل وأخلاقه. ومثل هذا الحديث عندهم ما صحَّ عند النسائي (٣٣٤٠) وغيره من حديث أنس -﵁- أنَّ أم سليم تزوجت أبا طلحة على إسلامه.\nقال ابن القيم -﵀- -بعد أن ذكر حديث أم سليم وحديث الواهبة-: وَتَضَمّنَ أَنّ المَرْأَةَ إذَا رَضِيَتْ بِعِلْمِ الزّوْجِ، وَحِفْظِهِ لِلْقُرْآنِ أَوْ بَعْضِهِ مِنْ مَهْرِهَا؛ جَازَ ذَلِكَ، وَكَانَ مَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ انْتِفَاعِهَا بِالْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ هُوَ صَدَاقُهَا، كَمَا إذَا جَعَلَ السّيّدُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، وَكَانَ انْتِفَاعُهَا بِحُرّيّتِهَا وَمِلْكِهَا لِرَقَبَتِهَا هُوَ صَدَاقَهَا، وَهَذَا هُوَ الّذِي اخْتَارَتْهُ أُمّ سُلَيْمٍ مِنْ انْتِفَاعِهَا بِإِسْلَامِ أَبِي طَلْحَةَ، وَبَذْلِهَا نَفْسَهَا لَهُ إنْ أَسْلَمَ، وَهَذَا أَحَبّ إلَيْهَا مِنْ الْمَالِ الّذِي يَبْذُلُهُ الزّوْجُ؛ فَإِنّ الصّدَاقَ شُرِعَ فِي الْأَصْلِ حَقًّا لِلْمَرْأَةِ تَنْتَفِعُ بِهِ، فَإِذَا رَضِيَتْ بِالْعِلْمِ، وَالدّينِ، وَإِسْلَامِ الزّوْجِ، وَقِرَاءَتِهِ لِلْقُرْآنِ؛ كَانَ هَذَا مِنْ أَفْضَلِ الْمُهُورِ، وَأَنْفَعِهَا، وَأَجَلّهَا.","vol":"8","page":298},{"text":"قال: وَلَيْسَ هَذَا مُسْتَوِيًا بَيْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ الْمَوْهُوبَةِ الّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنّبِيّ - ﷺ -، وَهِيَ خَالِصَةٌ لَهُ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنّ تِلْكَ وَهَبَتْ نَفْسَهَا هِبَةً مُجَرّدَةً عَنْ وَلِيّ وَصَدَاقٍ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ فَإِنّهُ نِكَاحٌ بِوَلِيّ وَصَدَاقٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَالِيّ؛ فَإِنّ الْمَرْأَةَ جَعَلَتْهُ عِوَضًا عَنْ الْمَالِ؛ لِمَا يَرْجِعُ إلَيْهَا مِنْ نَفْعِهِ، وَلَمْ تَهَبْ نَفْسَهَا لِلزّوْجِ هِبَةً مُجَرّدَةً كَهِبَةِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا بِخِلَافِ الْمَوْهُوبَةِ الَّتِي خَصَّ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ - ﷺ -، هَذَا مُقْتَضَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ. اهـ (^١)\nتنبيه: إذا تزوجها على تعليم القرآن، أو بعضه، فمن قال بجواز ذلك اشترط أن يعين المقدار الذي يعلمها، أو المدة التي يعلمها فيها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4329>مسألة [٨]: هل يصح أن يتزوج أمته، ويجعل عتقها صداقها</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٥٠٨٦) -بعد ذكره حديث أنس -﵁- الذي في أول الباب-: وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ مِنْ الْقُدَمَاء: سَعِيد بْن المُسَيِّب، وَإِبْرَاهِيم، وَطَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيّ، وَمِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار: الثَّوْرِيّ، وَأَبُو يُوسُف، وَأَحْمَد، وَإِسْحَاق، قَالُوا: إِذَا أَعْتَقَ أَمَته عَلَى أَنْ يَجْعَل عِتْقهَا صَدَاقهَا؛ صَحَّ الْعَقْد، وَالْعِتْق، وَالْمَهْر عَلَى ظَاهِر الْحَدِيث.\nقال: وَأَجَابَ الْبَاقُونَ عَنْ ظَاهِر الْحَدِيث بِأَجْوِبَةٍ، أَقْرَبهَا إِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيث: أَنَّهُ أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجهَا؛ فَوَجَبَتْ لَهُ عَلَيْهَا قِيمَتهَا، وَكَانَتْ مَعْلُومَة فَتَزَوَّجَهَا بِهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ جَعَلَ نَفْس الْعِتْق مَهْرًا، وَلَكِنَّهُ مِنْ خَصَائِصه، وَمِمَّنْ جَزَمَ\n_________\n(^١) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ١٧٨ - ١٧٩) «المغني» (١٠/ ١٠٣ -) «البيان» (٩/ ٣٧٧) «الفتح» (٥١٤٩).\n(^٢) «البيان» (٩/ ٣٧٧) «المغني» (١٠/ ١٠٥).","vol":"8","page":299},{"text":"بِذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَالَ آخَرُونَ: قَوْله: (أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا) مَعْنَاهُ: أَعْتَقَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا لَمْ يَعْلَم أَنَّهُ سَاقَ لَهَا صَدَاقًا قَالَ: أَصْدَقهَا نَفْسهَا، أَيْ: لَمْ يُصْدِقهَا شَيْئًا فِيمَا أَعْلَم، وَلَمْ يَنْفِ أَصْل الصَّدَاق. وَقِيْلَ: قَالَ ذَلِكَ أَنَس بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَعْطَاهَا بِغَيْرِ عِلْمِهِ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَنْكِحهَا بِغَيْرِ مَهْر، فَلَزِمَهَا الْوَفَاء بِذَلِكَ، وَهَذَا خَاصّ بِالنَّبِيِّ - ﷺ -. وَقِيْلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْعِتْق يَحِلّ مَحَلّ الصَّدَاق، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَدَاقًا، كَقَوْلِهِمْ (الْجُوع زَاد مَنْ لَا زَادَ لَهُ) قَالَهُ ابنُ الصَّلَاحِ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ فِي «الرَّوْضَة».\nواستقرب الحافظ هذا القول، فقال: وَهَذَا الْوَجُهُ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ، وَأَقَرَبِهَا إِلَى لَفْظِ الْحَدِيْثِ. انتهى بتصرف واختصار.\nوسبب تأويلهم للحديث أمران:\nأحدهما: أن عقدها على نفسها إما أن يقع قبل عتقها وهو محال؛ لتناقض الحكمين: الحرية والرق؛ فإن الحرية حكمها الاستقلال والرق ضده وإما بعد العتق؛ فيزول حكم الجبر عنها بالعتق، فيجوز أن لا ترضى، وحينئذٍ لا تنكح إلا برضاها.\nالثاني: إذا جُعِلَ العتق صداقًا، فإما أن يتقرر العتق حالة الرق وهذا محال؛ لتناقضهما أو حالة الحرية؛ فيلزم أسبقيته على العقد؛ فيلزم وجود العتق حالة فرض عدمه، وهو محال؛ لأنَّ الصداق لابد أن يتقدم تقرره على الزوج إما نصًّا، أو حكمًا؛ حتى تملك الزوجة طلبه. ذكر ذلك القرطبي.","vol":"8","page":300},{"text":"وأجاب الشوكاني -﵀- عن الأول: بأنَّ العقد يكون بعد العتق، فإذا وقع منها الامتناع؛ لزمها السعاية بقيمتها، ولا محذور في ذلك.\nوعن الثاني قال الحافظ -﵀-: وتعقب ما ادعاه من الاستحالة بجواز تعليق الصداق على شرطٍ إذا وجد استحقته المرأة، كأن يقول: تزوجتك على ما سيستحق لي عند فلان، وهو كذا، فإذا حل المال الذي وقع العقد عليه؛ استحقته. اهـ\nقال الحافظ ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (١/ ١١٢ -): وَتَزَوّجَ - ﷺ - صَفِيّةَ بِنْتَ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ سَيّدِ بَنِي النّضِيرِ مِنْ وَلَدِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ أَخِي مُوسَى؛ فَهِيَ ابْنَةُ نَبِيّ، وَزَوْجَةُ نَبِيّ، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَكَانَتْ قَدْ صَارَتْ لَهُ مِنْ الصّفِيّ أَمَةً، فَأَعْتَقَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، فَصَارَ ذَلِكَ سُنّةً لِلْأَمَةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَنْ يَعْتِقَ الرّجُلُ أَمَتَهُ، وَيَجْعَلُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا؛ فَتَصِيرُ زَوْجَتَهُ بِذَلِكَ، فَإِذَا قَالَ: أَعْتَقْت أَمَتِي وَجَعَلَتْ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. أَوْ قَالَ: جَعَلْت عِتْقَ أَمَتِي صَدَاقَهَا. صَحّ الْعِتْقُ وَالنّكَاحُ، وَصَارَتْ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ، وَلَا وَلِيّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ.\nقال: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هَذَا خَاصّ بِالنّبِيّ - ﷺ -، وَهُوَ مِمّا خَصّهُ اللهُ بِهِ فِي النّكَاحِ دُونَ الْأَمَةِ. وَهَذَا قَوْلُ الْأَئِمّةِ الثّلَاثَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَالصّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوّلُ؛ لِأَنّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ حَتّى يَقُومَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَاَللهُ سُبْحَانَهُ لَمّا خَصّهُ بِنِكَاحِ الْمَوْهُوبَةِ لَهُ قَالَ فِيهَا: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْأَحْزَابُ:٥٠]، وَلَمْ يَقُلْ هَذَا","vol":"8","page":301},{"text":"فِي الْمُعْتَقَةِ، وَلَا قَالَهُ رَسُولُ الله - ﷺ - لِيَقْطَعَ تَأَسّي الْأُمّةِ بِهِ فِي ذَلِكَ، فَاَلله سُبْحَانَهُ أَبَاحَ لَهُ نِكَاحَ امْرَأَةِ مَنْ تَبَنّاهُ؛ لِئَلّا يَكُونَ عَلَى الْأُمّةِ حَرَجٌ فِي نِكَاحِ أَزْوَاجِ مَنْ تَبَنّوْهُ، فَدَلّ عَلَى أَنّهُ إذَا نَكَحَ نِكَاحًا؛ فَلِأُمّتِهِ التّأَسّي بِهِ فِيهِ مَا لَمْ يَأْتِ عَنْ الله وَرَسُولِهِ نصٌّ بِالِاخْتِصَاصِ، وَقَطْعِ التّأَسّي، وَهَذَا ظَاهِرٌ.\nقال -﵀- (٣/ ٣٤٩): وَمِنْهَا: جَوَازُ عِتْقِ الرّجُلِ أَمَتَهُ، وَجَعْلِ عِتْقِهَا صَدَاقًا لَهَا، وَيَجْعَلُهَا زَوْجَتَهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا، وَلَا شُهُودٍ، وَلَا وَلِيّ غَيْرِهِ، وَلَا لَفْظِ إنْكَاحٍ، وَلَا تَزْوِيجٍ كَمَا فَعَلَ - ﷺ - بِصَفِيّةَ، وَلَمْ يَقِلْ قَطّ هَذَا خَاصّ بِي، وَلَا أَشَارَ إلَى ذَلِك؛ مَعَ عِلْمِهِ بِاقْتِدَاءِ أُمّتِهِ بَهْ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الصّحَابَةِ إنّ هَذَا لَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، بَلْ رَوَوْا الْقِصّةَ وَنَقَلُوهَا إلَى الْأُمّةِ، وَلَمْ يَمْنَعُوهُمْ، وَلَا رَسُولُ الله - ﷺ - مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ذَلِكَ.\nثم قال: وَالْقِيَاسُ الصّحِيحُ يَقْتَضِي جَوَازَ ذَلِكَ؛ فَإِنّهُ يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا، وَمَنْفَعَةَ وَطْئِهَا، وَخِدْمَتِهَا؛ فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقّهُ مِنْ مِلْكِ الرّقَبَةِ وَيَسْتَبْقِيَ مِلْكَ المَنْفَعَةِ، أَوْ نَوْعًا مِنْهَا كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدِمَهُ مَا عَاشَ، فَإِذَا أَخْرَجَ المَالِكُ رَقَبَةَ مِلْكِهِ وَاسْتَثْنَى نَوْعًا مِنْ مَنْفَعَتِهِ؛ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنْهُ فِي عَقْدِ النّكَاحِ.\nوَلمَّا كَانَتْ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ لَا تُسْتَبَاحُ إلّا بِعَقْدِ نِكَاحٍ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، وَكَانَ إعْتَاقُهَا يُزِيلُ مِلْكَ الْيَمِينِ عَنْهَا؛ كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ اسْتِبَاحَةِ هَذِهِ المَنْفَعَةِ جَعْلُهَا زَوْجَةً وَسَيّدُهَا كَانَ يَلِي نِكَاحَهَا، وَبَيْعَهَا مِمَّنْ شَاءَ بِغَيْرِ رِضَاهَا، فَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ مِنْهَا، وَلمَّا كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ عَقْدُ النّكَاحِ مَلَكَهُ؛ لِأَنّ بَقَاءَ مِلْكِهِ","vol":"8","page":302},{"text":"المُسْتَثْنَى لَا يَتِمّ إلّا بِهِ، فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ الصّحِيحِ المُوَافِقِ لِلسّنَةِ الصّحِيحَةِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: كلام ابن القيم -﵀- مفيد جيد، وبه يتبين أن لا حجة للجمهور في أنَّ هذا الحديث مخالف للقياس، بل هو أصل بنفسه، ومخصوص مما ذكروه، والله أعلم.\nوهذا القول هو ترجيح شيخ الإسلام، والشوكاني، والصنعاني، وهي فتوى علمائنا في هذا العصر، كالعلامة ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4330>مسألة [٩]: هل يصح الزواج بدون تسمية المهر</span>؟\nاتفق أهل العلم على صحة الزواج الذي لم يسمَّ به المهر، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة:٢٣٦] الآية، وكذلك حديث معقل بن سنان الذي سيأتي في الكتاب برقم (١٠٣٠)، والأفضل عند أهل العلم تسمية المهر، وإذا لم يسمِّ المهر، وطلقها قبل الدخول استحقت المتعة فقط، وقلنا: إن التسمية أفضل؛ لأنه أقطع للنزاع، وأفضل للمرأة؛ لأنها إن طلقت قبل الدخول استحقت نصفه، وإذا لم يسمَّ المهر، فتستحق مهر المثل عند موجب استحقاقه. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٠٨٦) «شرح مسلم» (٩/ ٢٢١ -) «المغني» (١١/ ٢٧١) «البيان» (٩/ ٣٨٣ -) «الاختيارات» (ص ٢٣٣) «نيل الأوطار» و«سبل السلام».\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٩٧، ١٣٧) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٤٤) «الفتح» (٥١٤٩) (٩/ ٢٦٤) ط/السلام.","vol":"8","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4331>مسألة [١٠]: تأجيل الصداق وتعجيله</span>.\nأجاز أهل العلم أن يكون الصداق معجلًا، ومؤجلًا إلى أجل مسمى.\n• وإن كان مؤخرًا بدون تعيين أجل؛ فاختلفوا في صحته، وفي وقت حلوله.\nقال الإمام ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (٣/ ٩٢ -): إِنَّ الْمُؤَخَّرَ لَا يُسْتَحَقُّ الْمُطَالَبَةُ بِهِ إلَّا بِمَوْتٍ أَوْ فُرْقَةٍ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ لَا يَحِلُّ الْآجِلُ إلَّا بِمَوْتٍ أَوْ فُرْقَةٍ، وَاخْتَارَهُ قُدَمَاءُ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَلَهُ فِيهِ رِسَالَةٌ كَتَبَهَا إلَى مَالِكٍ يُنْكِرُ عَلَيْهِ خِلَافَ هَذَا الْقَوْلِ سَنَذْكُرُهَا بِإِسْنَادِهَا وَلَفْظِهَا، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو عُبَيْد: يَبْطُلُ الْآجِلُ لِجَهَالَةِ مَحِلِّهِ، وَيَكُونُ حَالًّا، وَقَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: يَصِحُّ الْآجِلُ، وَلَا يَحِلُّ الصَّدَاقُ إلَّا أَنْ يُفَارِقَهَا أَوْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا؛ فَلَهَا حِينَئِذٍ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، وَقَالَ مَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: يَحِلُّ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: تَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لِجَهَالَةِ الْعِوَضِ بِجَهَالَةِ أَجَلِهِ فَتَرْجِعُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: كَانَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ مُؤَخَّرًا وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: إنَّمَا الصَّدَاقُ فِيمَا مَضَى نَاجِزٌ كُلُّهُ، فَإِنْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ مُؤَخَّرًا فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَطُولَ الْأَجَلُ\nفِي ذَلِكَ، وَحَكَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ تَأْخِيرَهُ إلَى السَّنَتَيْنِ وَالْأَرْبَعِ، وَعَنْ ابْنِ","vol":"8","page":304},{"text":"وَهْبٍ إلَى السَّنَةِ، وَعَنْهُ إنْ زَادَ الْأَجَلُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً فُسِخَ، وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ فُسِخَ، وَعَنْهُ إلَى الْخَمْسِينَ وَالسِّتِّينَ.\nثم قال ابن القيم -﵀-: وَالصَّحِيحُ مَا عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ الله - ﷺ - مِنْ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ، وَعَدَمِ تَمْكِينِ الْمَرْأَةِ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِهِ إلَّا بِمَوْتٍ، أَوْ فُرْقَةٍ، حَكَاهُ اللَّيْثُ إجْمَاعًا مِنْهُمْ، وَهُوَ مَحْضُ الْقِيَاسِ، وَالْفِقْهِ؛ فَإِنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ الْعُقُودِ يَنْصَرِفُ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَمَا فِي النَّقْدِ، وَالسِّكَّةِ، وَالصِّفَةِ، وَالْوَزْنِ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ بِتَرْكِ الْمُطَالَبَةِ بِالصَّدَاقِ إلَّا بِالْمَوْتِ، أَوْ الْفِرَاقِ، فَجَرَتْ الْعَادَةُ مَجْرَى الشَّرْطِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْأَمْثِلَةِ بِذَلِكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يُخَالِفُ سَائِرَ الْعُقُودِ، وَلِهَذَا نَافَاهُ التَّوْقِيتُ الْمُشْتَرَطُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ عَلَى الْمَنَافِعِ، بَلْ كَانَتْ جَهَالَةُ مُدَّةِ بَقَائِهِ غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ فِي صِحَّتِهِ، وَالصَّدَاقُ عِوَضُهُ وَمُقَابِلُهُ؛ فَكَانَتْ جَهَالَةُ مُدَّتِهِ غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ فِي صِحَّتِهِ، فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ.\nقال: وَأَمَّا تِلْكَ التَّقْدِيرَاتُ الْمَذْكُورَةُ فَيَكْفِي فِي عَدَمِ اعْتِبَارِهَا عَدَمُ دَلِيلٍ وَاحِدٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا، ثُمَّ لَيْسَ تَقْدِيرٌ مِنْهَا بِأَوْلَى مِنْ تَقْدِيرٍ أَزْيَدَ عَلَيْهِ أَوْ أَنْقَصَ مِنْهُ، وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ؛ فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: هذا فيما إذا كان لهم عرف، وأما إذا لم يكن لهم عرف فيرجع إلى الوقت المحدد؛ إن حددوا وقتًا، وإلا فعند المطالبة","vol":"8","page":305},{"text":"والاستطاعة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4332>مسألة [١١]: إذا سَمَّي في النكاح صداقًا محرمًا</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١١٦): إذَا سَمَّى فِي النِّكَاحِ صَدَاقًا مُحَرَّمًا، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ؛ فَالتَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ: الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ ...، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ ثَبَتَ النِّكَاحُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ؛ فُسِخَ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَفْسَدَهُ بِأَنَّهُ نِكَاحٌ جُعِلَ الصَّدَاقُ فِيهِ مُحَرَّمًا، فَأَشْبَهَ نِكَاحَ الشِّغَارِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ نِكَاحٌ لَوْ كَانَ عِوَضُهُ صَحِيحًا؛ كَانَ صَحِيحًا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، وَإِنْ كَانَ عِوَضُهُ فَاسِدًا، كَمَا لَوْ كَانَ مَغْصُوبًا أَوْ مَجْهُولًا، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَفْسُدُ بِجَهَالَةِ الْعِوَضِ، فَلَا يَفْسُدُ بِتَحْرِيمِهِ كَالْخُلْعِ، وَلِأَنَّ فَسَادَ الْعِوَضِ لَا يَزِيدُ عَلَى عَدَمِهِ، وَلَوْ عَدِمَ؛ كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا، فَكَذَلِكَ إذَا فَسَدَ.\nقال: وَمَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ مَا كَانَ فَاسِدًا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهُوَ بَعْدَهُ فَاسِدٌ. انتهى المراد.\nقلتُ: ومثله لو كان الصداق مغصوبًا معلومًا بغصبه، أو كان الصداق طلاق ضرتها. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٠/ ١١٥ -) «الأوسط» (٨/ ٣٤٩).\n(^٢) انظر: «البيان» (٩/ ٣٧٤) «الإنصاف» (٨/ ٢٤١، ٢٤٥).","vol":"8","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4333>مسألة [١٢]: ماذا عليه لو كانت التسمية فاسدة؛ لكون الصداق محرمًا</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ عليه لها مهر المثل، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وذلك لأنَّ فساد العوض يقتضي رد المعوض، وقد تعذر رده؛ لصحة النكاح؛ فيجب رد قيمته، وهو مهر المثل، كمن اشترى شيئًا بثمن فاسد، فقبض المبيع، وتلف في يده؛ فإنه يجب عليه رد قيمته، هذا الذي ذكره ابن قدامة -﵀- كما في «المغني» (١٠/ ١١٧).\n• بينما اختار شيخ الإسلام أنَّ العقد باطل، فقال -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٣٧٩): وعلى هذا فلو سمَّى المهر بما يعلمان تحريمه كخمر، وخنزير؛ بطل النكاح، كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب مالك، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وهو أشبه بظاهر القرآن، وأشبه بقياس الأصول. اهـ\nقلتُ: وبه قال أبو عبيد.\n• واختار بعض الحنابلة أنَّ عليه مثل المغصوب، أو قيمته، ومثل الخمر خلًّا، أو عصيرًا.\nومال الإمام العثيمين -﵀- إلى القول الأول كما في «الشرح الممتع» (٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣، ٣٠٧ - ٣٠٨)، وهو الصواب؛ لما تقدم في المسألة السابقة، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٨/ ٢٤٥ - ٢٤٦) (٨/ ٢٤١)، «الأوسط» (٨/ ٣٤١).","vol":"8","page":307},{"text":"فرع: إذا كان الطلاق قبل الدخول في المسألة السابقة؛ فقال بعض أهل العلم: عليه لها المتعة؛ لأنه التسمية للمهر باطلة فيشمله قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، وهذا قول أبي ثور، وأصحاب الرأي، وبعض الحنابلة.\nوقال الشافعي والحنابلة: لها نصف مهر أمثالها؛ لأن المُفوَّضة رضيت بلا عوض، وأما التي اشترطت لنفسها مهرا، فلم ترض إلا بعوض، ولم يحصل لها العوض الذي اشترطته، فوجب لها بدل ما فات عليها من العوض، وهو مهر المثل، أو نصفه إن كان قبل الدخول، ولأن الأصل وجوب مهر المثل، لأنه وجب بالعقد، بدليل أنه يستقر بالدخول والموت، وإنما خولف هذا في المُفوَّضة بالنص الوارد فيها، ففيما عداها يبقى على الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4334>مسألة [١٣]: إذا سمَّى في النكاح صداقًا مجهولا، أو جعل على حكم الزوج أو الزوجة، أو معجوزًا عن تسليمه، أو معدومًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١١٦): فأما إذا فسد الصداق؛ لجهالته، أو عدمه، أو العجز عن تسليمه؛ فإنَّ النكاح ثابتٌ، لا نعلم فيه خلافًا. اهـ\nقلتُ: ومثله إذا كان مستحقًّا، ولم يعلم بذلك وقت العقد.","vol":"8","page":308},{"text":"• ومذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أنَّ فيه مهر المثل، وقال غيرهم: فيه بدل المهر المسمى.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٠٨ - ٤٠٩): وطرد الشافعي هذا في المسمَّى الفاسد في النكاح، والمغصوب، فأوجب مهر المثل؛ بناء على أنه كان يجب رد البضع لفساد التسمية، فلما لم يمكن رده؛ رد بدله، وهو مهر المثل، وخالفه بعض أصحابه. والجمهور من أصحابنا وغيرهم وسائر العلماء أوجبوا بدل المهر المسمى مثله، أو قيمته، لا بدل البضع، وهو الصواب قطعًا؛ لأن النكاح هنا لم يفسد، فلم يجب رد المستحق به، وهو البضع، واذا لم يجب رد البضع لم يجب رد بدله، بل الواجب هو إعطاء المسمى إن أمكن، وإلا فبدله؛ فكان بدل المسمى هو الواجب، وهو أقرب إلى ما تراضوا به من بدل البضع، وفى سائر العقود إذا فسدت نوجب رد العين أو بدلها، وظاهر كلام أحمد أن الواجب في المشاركة مثل المضاربة ونحوها المسمى أيضًا: كالنكاح الفاسد على ظاهر المذهب، وهذا القول أقوى. انتهى المراد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4335>مسألة [١٤]: إن طلقها قبل الدخول، وكانت التسمية فاسدة</span>؟\n• مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة أنَّ لها نصف مهر المثل؛ لأنَّ ما أوجبه عقد النكاح يتنصف بالطلاق قبل الدخول، ومهر المثل قد أوجبه العقد، فيتنصف به المسمى.\n• وقال أصحاب الرأي، وبعض الحنابلة: لها المتعة؛ لأنَّ التسمية فاسدة،\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٩/ ٣٧٤ -) «البداية» (٣/ ٦٣)، «الأوسط» (٨/ ٣٢٥).","vol":"8","page":309},{"text":"فاعتبر لها بمهر المثل، كالمُفوَّضة والمُفوَّضة لها نصف الصداق إذا طلقت قبل الدخول، فكذلك هذه.\nوهذا أقرب فيما إذا كان الصداق محرمًا.\nوأما إذا كان المهر المسمى فاسدًا؛ لكونه معدومًا، أو عجز عن تسليمه، أو مغصوبًا؛ فإنه يجب عليه نصف بدل المهر المسمى، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4336>مسألة [١٥]: إذا أصدقها عبدًا بعينه، فبان معيبًا</span>؟\n• أجاز أهل العلم للمرأة أن ترد العبد المعيب، ولها منه بدله، أو تمسكه ولها أرش العيب. وقال أبو حنيفة: لا ترد في العيب اليسير.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لأنه عيب يرد به المبيع، فرد به الصداق، كالعيب الكثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4337>مسألة [١٦]: وهل على الرجل للمرأة قيمته، أو مثله</span>؟\n• تقدم أنَّ مذهب الجمهور أنَّ العبيد، والحيوانات ليسوا من ذوات الأمثال، فيجب عندهم فيها القيمة.\nوتقدم أنَّ الصواب أنَّ كل ما كان له مثيلًا، ولو مقاربًا فهو من ذوات الأمثال، سواء كان من الحيوانات، أو المصنوعات، أو المكيلات والموزونات، أو غيرها، وما لم؛ فالقيمة، وهو قول أحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام، وتلميذه ابن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١١٧).","vol":"8","page":310},{"text":"القيم، ثم الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4338>مسألة [١٧]: إذا أصدقها عبدًا فخرج حُرًّا، أو مستحقًّا</span>؟\n• منهم من قال: لها القيمة. وهو مذهب أحمد، وأبي يوسف، والشافعي في القديم.\n• ومنهم من قال: لها مهر المثل. وهو قول الشافعي في الجديد.\n• ومنهم من قال: لها القيمة في المغصوب، وأما في الحر فلها مهر المثل، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد.\nقلتُ: تقدم أنَّ الصواب: أنها إن كانت تعلمه حرًّا، أو مغصوبًا؛ فالمهر فاسد، فلها مهر المثل، وإن كانت لا تعلم ذلك؛ فلها البدل، وهو المثل؛ فإن لم يوجد المثل؛ فالقيمة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4339>مسألة [١٨]: إذا تزوجها على أن يشتري لها شيئًا بعينه، فلم يرض صاحبه ببيعه، أو تلف </span>...؟\n• الصحيح أنَّ لها عليه بدله، وهو المثل إن وجد، وإلا فالقيمة، وهو قول أحمد، وعن أحمد: لها القيمة، وقال الشافعي: لها مهر المثل، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٠٨ - ١٠٩) «الشرح الممتع» (٥/ ٣٠٧ - ٣٠٨) «أعلام الموقعين» (١/ ٣٢٢ - ٣٢٧) (٢/ ٢٥ - ٢٦) «تهذيب السنن» (٦/ ٣٤٠ - ٣٤١) «الاختيارات» (ص ١٦٥) «البداية» (٣/ ٦٤).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٠/ ١٠٩ -) «الأوسط» (٨/ ٣٢٥).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٠/ ١١١).","vol":"8","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4340>مسألة [١٩]: إذا فسد المهر المسمى، فهل يجب عليه مهر المثل، وإن كان أكثر من المسمَّى</span>؟\n• الجمهور على أنَّ عليه مهر المثل، وإن كان أكثر من المسمى.\n• وقال أبو حنيفة وصاحباه: إن كان أكثر من المسمى؛ فعليه المسمى، وإن كان أقل؛ فعليه مهر المثل. ولا دليل على هذا التفصيل، والصحيح قول الجمهور. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١١٨) «البيان» (٩/ ٣٧٥).","vol":"8","page":312},{"text":"١٠٣٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ عَلَى صَدَاقٍ أَوْ حِبَاءٍ أَوْ عِدَةٍ، قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4341>مسألة [١]: إذا اشترط أبو المرأة لنفسه شيئًا</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ له أن يشترط ذلك، ويكون من ضمن المهر، وهو قول بعض التابعين، منهم: علي بن الحسين، ومسروق، وهو مذهب\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٢/ ١٨٢)، وأبوداود (٢١٢٩)، والنسائي (٦/ ١٢٠)، وابن ماجه (١٩٥٥)، من طريق ابن جريج عن عمرو بن شعيب به. وهذا إسناد ضعيف؛ لأن ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب شيئًا، قاله البخاري، وما جاء عند الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٤٤٧١)، وكذا النسائي من تصريح بالتحديث فهو وهم من بعض الرواة، وأكثر طرق الحديث ليس فيه تصريح بذلك.\nقال عبدالرزاق عقب الحديث السابق (١٠٧٤٠): سمعت المثنى يحدث أنه سمع عمرو بن شعيب يحدث أنه سمع بهذا الحديث، قال عمرو: وأخبرني عروة عن عائشة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوقد أخرج حديث عائشة: أحمد (٦/ ١٢٢)، والبيهقي (٧/ ٢٤٨)، من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب به. والحجاج ضعيف ومدلس، وهو يدلس المثنى بن الصباح في غيرما حديث، والظاهر أنه هنا قد دلسه؛ لأن الحديث معروف بالمثنى كما ذكر عبدالرزاق.\nوجاء من مراسيل مكحول: أخرجه أبوداود في «المراسيل» (٢١٢) (٢١٣)، وعبدالرزاق (١٠٧٤٣).\nوالحديث بهذه الطرق لا يقوى للاحتجاج به، والله أعلم. وقد ضعفه الإمام الألباني -﵀- في «الضعيفة» وبالله التوفيق.","vol":"8","page":313},{"text":"أحمد، وإسحاق، والحنفية؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أنت ومالك لأبيك»؛ فيجوز للأب أن يأخذ من مال ولده ما لا يجحف به، ولم تتعلق به حاجته.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه ليس له ذلك، وإذا فعل كان المال كله للمرأة، وهو قول عطاء، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والثوري، ومالك، وأبي عبيد؛ لأنه ملكٌ لها فلا يؤخذ إلا بطيب نفس منها.\n• وقال الشافعي: تفسد التسمية، ولها مهر المثل.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القول الثاني هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4342>مسألة [٢]: إذا اشترط ذلك غيرُ الأب من الأولياء</span>؟\n• مذهب أحمد، وإسحاق أنَّ الشرط باطل إذا كان ذلك من غير الأب، وهو قول مالك، والثوري، ومن معهم في المسألة السابقة؛ فالكل عندهم للمرأة مهرًا لها، إلا أنْ ترضى بجعله للولي.\n• وقالت الحنفية: الشرط لازم، واستدلوا بحديث الباب، وهو حجة عليهم.\n• وقال الشافعي، وبعض الحنابلة: لها مهر المثل، وتفسد التسمية.\nوالصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٠/ ١١٨) «معالم السنن» (٣/ ١٨٥ - ١٨٦) «البيان» (٩/ ٣٨٧ -) «البداية» (٣/ ٦٤) «الأوسط» (٨/ ٣٥٢).\n(^٢) انظر المصادر السابقة.","vol":"8","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4343>مسألة [٣]: هل للأب أن يزوج ابنته بدون صداق مثلها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٤١٣ -): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ لِلْأَبِ تَزْوِيجَ ابْنَتِهِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ فَإِنْ فَعَلَ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْقُصَ فِيهِ عَنْ قِيمَةِ الْمُعَوَّضِ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ تَفْرِيطٌ فِي مَالِهَا، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.\nقال: وَلَنَا أَنَّ عُمَرَ -﵁- خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَمَا أَصْدَقَ رَسُولُ الله - ﷺ - أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أَحَدًا مِنْ بَنَاتِهِ، أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ أُوقِيَّةً (^١)، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرُوهُ؛ فَكَانَ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ دُونَ صَدَاقِ الْمِثْلِ. وَزَوَّجَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ابْنَتَهُ بِدِرْهَمَيْنِ، وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، شَرَفًا وَعِلْمَا وَدِينًا، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَهْرَ مِثْلِهَا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ النِّكَاحِ الْعِوَضَ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ السَّكَنُ وَالِازْدِوَاجُ، وَوَضْعُ الْمَرْأَةِ فِي مَنْصِبٍ عِنْدَ مَنْ يَكْفِيهَا، وَيَصُونَهَا، وَيُحْسِنُ عِشْرَتَهَا، وَالظَّاهِرُ مِنْ الْأَبِ، مَعَ تَمَامِ شَفَقَتِهِ، وَبُلُوغِ نَظَرِهِ، أَنَّهُ لَا يَنْقُصُهَا مِنْ صَدَاقِهَا إلَّا لِتَحْصِيلِ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ بِالنِّكَاحِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ بِتَفْوِيتِ غَيْرِهِ، وَيُفَارِقُ سَائِرَ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا الْعِوَضُ، فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُهُ. اهـ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه تحت حديث (١٠٢٨).","vol":"8","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4344>مسألة [٤]: هل يجوز لغير الأب أن يزوج وليته بدون صداق مثلها</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٤١٤ -): فَأَمَّا غَيْرُ الْأَبِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُصَهَا مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ فَإِنْ زَوَّجَ بِدُونِ ذَلِكَ، صَحَّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ فَسَادَ التَّسْمِيَةِ وَعَدَمَهَا لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ، وَيَكُونُ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ قِيمَةُ بُضْعِهَا، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ نَقْصُهَا مِنْهُ، فَرَجَعَتْ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ.\nقال: وَتَمَامُ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ هَاهُنَا فَاسِدَةٌ؛ لِكَوْنِهَا غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهَا شَرْعًا، فَوَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ مَهْرُ الْمِثْلِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا بِمُحَرَّمٍ. وَعَلَى الْوَلِيِّ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُفَرِّطُ، فَكَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَهَا بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ. قَالَ أَحْمَدُ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا. وَلَيْسَ الْأَبُ مِثْلَ الْوَلِيِّ، وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهَا وُجُوبُ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الكبير» (٩/ ٤٨٢).","vol":"8","page":316},{"text":"١٠٣١ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁-: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا العِدَةُ، وَلَهَا المِيرَاثُ. فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ -امْرَأَةٍ مِنَّا- مِثْلَ مَا قَضَيْت، فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَجَمَاعَةٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4345>مسألة [١]: متى تملك المرأة الصداق</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ المرأة تملك الصداق بالعقد، ويدل عليه حديث الباب؛ فإنه قضى به للمرأة بموت زوجها من غير حصول الدخول، وكذا قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن أعطيتها إزارك؛ جلست ولا إزار لك»، ويدل على أنَّ الصداق كله للمرأة، لا يبقى للرجل منه شيء.\n• وقال مالك: تملك نصف المسمى بالعقد، والنصف الباقي تملكه بالدخول؛ لأنه لو طلقها قبل الدخول تملك نصفه.\nوالصحيح هو قول الجمهور، ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٩ - ٢٨٠) (٣/ ٤٨٠)، وأبوداود (٢١١٥)، والترمذي (١١٤٥)، والنسائي (٦/ ١٢١)، من طريق سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة. وإسناده صحيح على شرط الشيخين.","vol":"8","page":317},{"text":"نِحْلَةً﴾ [النساء:٤]، فلولا أنهن ملكنه؛ لما أمر بتسليمه إليهن، ولأنه عقد تملك به العوض بالعقد، فملك فيه العوض كاملًا كالبيع، وسقوط نصفه بالطلاق لا يمنع وجوب جميعه بالعقد، ألا ترى أنها لو ارتدت سقط جميعه، وإن كانت قد ملكت نصفه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4346>مسألة [٢]: إن كان الصداق معينًا، فلِمَن غُنْمه وعلى من غَرمُه</span>؟\nعلى القول بأنها تملك الصداق بالعقد؛ فللمرأة نماؤه وزيادته، سواء قبضته أو لم تقبضه، متصلًا كان أو منفصلًا، وإن كان مالًا زكويًّا فحال عليه الحول؛ فزكاته عليها.\nوإن نقص بعد قبضها له، أو تلف؛ فهو من ضمانها، وإن كان ذلك قبل القبض؛ فإنْ كان قد منعها من قبضه، ولم يمكنها من قبضه؛ فهو من ضمانه؛ لأنه بمنزلة الغاصب، وإن لم يحل بينه وبينها ففيه خلاف، والراجح أنه من ضمانها، وقد تقدم بيان ذلك في البيوع. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4347>مسألة [٣]: إن طلق الزوج قبل الدخول، فكم للمرأة من المهر</span>؟\nقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وهذا مجمع عليه، ليس في ذلك اختلاف. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٢١) «البيان» (٩/ ٣٩٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ١٢١ - ١٢٢).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٠/ ١٢٢) «تفسير ابن كثير» و«تفسير القرطبي».","vol":"8","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4348>مسألة [٤]: هل يدخل النصف في ملك الزوج حكمًا، أم باختياره</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والمنصوص عن الشافعي أنه يدخل في ملكه حكمًا كالميراث، وهو قول زُفَر؛ لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، أي: لكم ولهن؛ فاقتضى ذلك أنَّ النصف لها، والنصف له بمجرد الطلاق، ولأنَّ الطلاق سبب يملك به بغير عوض، فلم يقف الملك على إزالته واختياره كالإرث.\n• وقال بعضهم: يدخل النصف في ملكه باختياره، وهو قول بعض الحنابلة، وبعض الشافعية، وأبي حنيفة؛ لأنَّ الملك من غير اختيار لا يقع إلا بالإرث، وهذا ليس بإرث.\nوأُجيب بعدم تسليم الحصر المذكور.\nوالصحيح هو القول الأول، والله أعلم، وتنبني على ذلك مسائل لا تخفى على المتأمل، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4349>مسألة [٥]: لو تزوج المختلعة منه في عدتها، ثم طلقها قبل الدخول بها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ١٢٣): وَلَوْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ بَعْدَ الدُّخُولِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، فَلَهَا فِي النِّكَاحِ الثَّانِي نِصْفُ الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى فِيهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهَا جَمِيعُهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوَطْءِ مَوْجُودٌ فِيهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ؛ لَزِمَهُ. وَلَنَا قَوْلُ الله سُبْحَانَهُ:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ١٢٢ - ١٢٣) «البيان» (٩/ ٤١١ - ٤١٢).","vol":"8","page":319},{"text":"﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ نِكَاحٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَتَنَصَّفَ بِهِ الْمَهْرُ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ، وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنْ لُحُوقَ النَّسَبِ لَا يَقِفُ عَلَى الْوَطْءِ عِنْدَهُ، وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4350>مسألة [٦]: إذا زاد الصداق بعد العقد، ثم طلق قبل الدخول</span>؟\nإن كانت الزيادة منفصلة عن الأصل، كالولد، والكسب، والثمرة؛ فالزيادة للمرأة، وللرجل نصف الأصل.\n• وإن كانت غير منفصلة، كالسمن، والتعلم، وما أشبهها؛ فالمرأة بالخيار: إن شاءت دفعت إليه نصفه زائدًا، وإن شاءت دفعت نصف قيمته بدون الزيادة، هكذا قال أكثر أهل العلم، وقال محمد بن الحسن: الزيادة المتصلة تابعة للعين.\nوالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4351>مسألة [٧]: إنْ نقص الصداق بعد العقد</span>؟\nتقدم أنَّ النقص من ضمان المرأة؛ فإن كان النقص متميزًا، كعبدين تلف أحدهما؛ فإنَّ الزوج يرجع بنصف الباقي، ونصف قيمة التالف، أو مثل نصف التالف إن كان من ذوات الأمثال.\nوإن كان النقص غير متميز كشاة هَزُلَت، وعبدٍ متعلم نسي العلم؛ فالخيار إلى الزوج إن شاء أخذ نصفه ناقصًا، وتجبر المرأة على ذلك، وإن شاء رجع بنصف\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٢٤ -).","vol":"8","page":320},{"text":"قيمته قبل النقص. وقال محمد بن الحسن: النقص يتبع العين.\nوالصحيح ما تقدم، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: هناك مسائل عديدة تتعلق بزيادة الصداق، ونقصه، وتغيره، والحكم ههنا كالحكم المتقدم في البيوع، إذا زادت السلعة، أو نقصت، أو تغيرت عند المشتري، ثم وقف على عيب، فأراد الفسخ، وتقدمت المسائل في كتاب البيوع، فليراجع ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4352>مسألة [٨]: إذا اختلف الزوجان في قدر الصداق</span>؟\n• من أهل العلم من قال: القول قول من يدَّعي مهر المثل، أو قريبًا منه، وهذا قول النخعي، وحماد، وأبي حنيفة، وأبي عبيد، وأحمد في رواية؛ لأنَّ ظاهر الحال معه؛ لأنَّ الغالب هو التزوج بمهر المثل.\n• وعن أحمد رواية أنَّ القول قول الزوج بكل حال، وهو قول الشعبي، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبي ثور، وأبي يوسف؛ إلا أنْ يدعي مبلغًا مستنكرًا، وذلك لأنَّ الزوج ينكر الزيادة، والمرأة تثبتها؛ فالبينة على المدعي، وإلا فالقول قول المنكر، وهو الرجل مع يمينه.\n• وقال الشافعي: يتحالفان؛ فإنْ حلفا وجب مهر المثل، وإن نكل أحدهما؛ ثبت ما قاله الآخر، وهو قول الثوري.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٢٤ -).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٠/ ١٢٤ - ١٣١) «البيان» (٩/ ٤١١ -).","vol":"8","page":321},{"text":"• وقال مالك: إن كان قبل الدخول؛ تحالفا، وفسخ النكاح، وإن كان بعده؛ فالقول قول الزوج.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القولان الأولان أرجح، والقاضي يعمل بما رآه أقرب، وأما قول الشافعي ففيه نظر؛ لأنه يؤدي إلى إلزام الرجل بمالٍ لا تطالبه المرأة به، كأن يكون الخلاف بين سبعين درهمًا، وخمسين درهمًا، ومهر مثلها مائة درهم، ويؤدي أيضًا إلى أنَّ المرأة تلزم بمال والرجل يقر لها بأكثر منه، كأن يكون الخلاف بين مائة وعشرين درهمًا، ومائة وأربعين، ومهر مثلها مائة درهم، فتأمل ذلك، وقول مالك تفريقٌ لا دليل عليه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4353>مسألة [٩]: إذا ادَّعى كل واحد منهما مهرًا بعيدًا من مهر المثل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ١٢٣): فَإِنْ ادَّعَى أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَادَّعَتْ هِيَ أَكْثَرَ مِنْهُ؛ رُدَّ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا يَمِينًا وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَحَالَفَا؛ فَإِنَّ مَا يَقُولُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَمِلٌ لِلصِّحَّةِ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ إلَّا بِيَمِينِ مِنْ صَاحِبِهِ، كَالمُنْكِرِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي عَدَمِ الظُّهُورِ، فَيُشْرَعُ التَّحَالُفُ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْبَاقُونَ عَلَى أُصُولِهِمْ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4354>مسألة [١٠]: إذا أنكر الزوج صداق امرأته، وادَّعت ذلك عليه</span>؟\n• جماعةٌ من أهل العلم على أنَّ القول قولها، سواء ادعى أنه وفَّاها، أو أبرأته منه، أو قال: لا تستحق عليَّ شيئًا. وسواء كان قبل الدخول أو بعده، وهو قول\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٣٢) «الأوسط» (٨/ ٣٦٦).","vol":"8","page":322},{"text":"سعيد بن جبير، والشعبي، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وذلك لأنَّ الأصل أنَّ للمرأة على زوجها الصداق، وهو يدعي سقوطه، وهي تنكر ذلك، والقول قول المنكر مع يمينه.\n• وحُكي عن الفقهاء السبعة، ومالك: إن كان بعد الزفاف؛ فالقول قول الزوج، والدخول بالمرأة يقطع الصداق. وقال أصحاب مالك: إنما قال ذلك لأنَّ العادة كانت في تعجيل الصداق في المدينة، فيحمل قوله على ما إذا كانت العادة كذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4355>مسألة [١١]: إن تزوجها بغير تسمية صداق، ثم طلقها قبل الدخول</span>؟\nيقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦].\n• فذهب الجمهور إلى أنه يجب لها على الزوج المتعة؛ للآية المتقدمة، وقال مالك، والليث، وابن أبي ليلى: المتعة مستحبة، وليست واجبة، واستدلوا بقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، فقالوا: هذه المتعة من باب الإحسان، وليست واجبة.\n• وعن أحمد رواية أنَّ لها نصف مهر مثلها، كما أنَّ لها بالدخول مهر مثلها، فيتنصف بالطلاق قبل الدخول، كما يتنصف المسمى.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٣٤ -).","vol":"8","page":323},{"text":"والقول الأول هو الصحيح؛ لانَّ الآية تدل على الوجوب، وقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ لا يلزم منه أنَّ ذلك على سبيل الاستحباب؛ فإنَّ الأمور الواجبة كالصلاة، والزكاة، وبر الوالدين وغيرها، الإتيان بها حق على المحسنين، ولا يدل ذلك على أنها مستحبة، والله أعلم.\nثم قد قال في الآية الأخرى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4356>مسألة [١٢]: إن فرض لها بعد العقد، ثم طلقها قبل الدخول</span>؟\n• قال جماعةٌ من أهل العلم: لها نصف المهر، وليس عليه المتعة. وهو قول عطاء، والشعبي، والنخعي، والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وهي عامة في المفروض لها من حين العقد، وبعد العقد.\n• وعن أحمد رواية: لها المتعة، ويسقط المهر. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه نكاح عري عن التسمية للصداق فيه؛ فوجبت به المتعة، كما لو لم يفرض لها.\nوأُجيب عنه بعموم الآية كما تقدم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4357>مسألة [١٣]: مَنْ وجب لها نصف المهر، هل لها المتعة أيضًا</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ لها نصف المهر، ولا متعة لها عليه، وهو\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٣٩) «البيان» (٩/ ٤٧١، ٤٧٣) «تفسير ابن كثير».\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ١٣٩ - ١٤٠) «البيان» (٩/ ٤٧٢).","vol":"8","page":324},{"text":"الأشهر عند الحنابلة، وهو قول الحنفية، والشافعي وأصحابه؛ لأنَّ الله تعالى أوجب لها نصف المهر، ولم يذكر لها المتعة، وهو في مقام بيان ما يجب لها، بينما أوجب للتي لم يسمَّ لها المتعة؛ فدل على أنَّ من حصلت على نصف المهر؛ فلا يجب على الزوج لها متعة، ولأنَّ نصف المهر أفضل لها من المتعة، ولأنَّ المتعة شُرِعت جبرًا لخاطرها، ويحصل لها ذلك بنصف المهر، وهذا القول صحَّ عن ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، وجاء عن غيرهم.\n• وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنَّ لها المتعة، وهو قول الحسن، وابن جبير، وأبي قلابة، والزهري، وقتادة، والضحاك، وأبي ثور، وأحمد في رواية؛ لعموم الآية: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١].\nوالصحيح هو القول الأول، والآية عامة مخصوصة بالآية السابقة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4358>مسألة [١٤]: بقية المطلقات هل لهن متعة</span>؟\nوَهُنَّ: من طُلِّقَت بعد الدخول، وقد فرض لها مهرًا، أو لها مهر مسمَّى قد قبضته، أو لم تقبضه، أومن طُلِّقت بعد الدخول، وكانت مفوضة.\n• فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه لا يجب لها المتعة، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، وهو قول الشافعي في القديم؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالمتعة لمن طُلِّقت قبل الدخول، ولم يفرض لها، فإذا فُقِد أحد هذين الأمرين؛ فلا متعة،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٤٠) «البيان» (٩/ ٤٧٢) «مصنف عبدالرزاق» (٧/ ٦٨ - ٧١) «تفسير ابن كثير».","vol":"8","page":325},{"text":"وفي الآية الأخرى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٩] فجعل لهن المتعة قبل المسيس، وقد وجد المسيس ههنا.\n• وذهب جماعة آخرون إلى أنَّ لها المتعة على الزوج، وهو قول سعيد بن جبير، والزهري، وأبي قلابة، وشُريح، وأبي العالية، والحسن، ومجاهد، وهو قول الشافعي في الجديد، وأحمد في رواية، وصحَّ عن ابن عمر، وجاء عن غيره من الصحابة.\nورجَّح هذا القول شيخ الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١]، فالآية عامة، تشمل المطلقات المذكورات، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4359>مسألة [١٥]: هل تجب المتعة على الذِّمِّي والعبد، وللذمية والأمة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٤٢): وَالْمُتْعَةُ تَجِبُ عَلَى كُلِّ زَوْجٍ، لِكُلِّ زَوْجَةٍ مُفَوَّضَةٍ طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ، وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ، وَالْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ، وَالْمُسْلِمَةُ وَالذِّمِّيَّةُ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا مُتْعَةَ لِلذِّمِّيَّةِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنْ كَانَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا؛ فَلَا مُتْعَةَ.\nقال: وَلَنَا عُمُومُ النَّصِّ، وَلِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ نِصْفِ الْمَهْرِ فِي حَقِّ مَنْ سُمِّيَ،\n_________\n(^١) انظر: «مصنف عبد الرزاق» (٧/ ٦٨ - ٧٠) «المغني» (١٠/ ١٤١) «البيان» (٩/ ٤٧٢ - ٤٧٣) «تفسير ابن كثير».","vol":"8","page":326},{"text":"فَتَجِبُ لِكُلِّ زَوْجَةٍ عَلَى كُلِّ زَوْجٍ كَنِصْفِ الْمُسَمَّى، وَلِأَنَّ مَا يَجِبُ مِنْ الْعِوَضِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ، كَالْمَهْرِ. اهـ\nقلتُ: وكذلك في كل موضع يجب فيه المتعة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4360>مسألة [١٦]: تقدير المتعة</span>.\n• اختلف أهل العلم في تقدير المتعة، والصحيح أنه لا حدَّ لأعلاها، ولا لأقلِّها، بل كل ما يصلح أن يمتع به فيجزئ بالمعروف، وعلى الموسع أكثر مما على المقتر، فسواء متعها بمالٍ، أو ذهبٍ، أو ثيابٍ، أو طعامٍ أو غيره؛ فإنه يجزئ، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4361>مسألة [١٧]: المُفوَّضة هل لها المطالبة بفرض المهر</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٤٥): المُفوَّضة لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَخْلُو مِنْ الْمَهْرِ؛ فَوَجَبَتْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِبَيَانِ قَدْرِهِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.\nقال: فَإِنْ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى فَرْضِهِ؛ جَازَ مَا فَرَضَاهُ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، سَوَاءٌ كَانَا عَالِمَيْنِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ غَيْرَ عَالَمِينَ بِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ: لَا يَصِحُّ الْفَرْضُ بِغَيْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ إلَّا مَعَ عِلْمِهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ مَا يَفْرِضُهُ بَدَلٌ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْدَلُ مَعْلُومًا.\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٩/ ٤٧٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ١٤٣) «تفسير القرطبي» و«ابن كثير» «البيان» (٩/ ٤٧٦ -).","vol":"8","page":327},{"text":"قال: وَلَنَا أَنَّهُ إذَا فَرَضَ لَهَا كَثِيرًا، فَقَدْ بَذَلَ مِنْ مَالِهِ فَوْقَ مَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ رَضِيت بِالْيَسِيرِ؛ فَقَدْ رَضِيت بِدُونِ مَا يَجِبُ لَهَا، فَلَا تُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُمْ (إنَّهُ بَدَلٌ) غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْبَدَلَ غَيْرُ الْمُبْدَلِ، وَالْمَفْرُوضُ إنْ كَانَ نَاقِصًا فَهُوَ بَعْضُهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ الْوَاجِبُ وَزِيَادَةٌ؛ فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ بَدَلًا، وَلَوْ كَانَ بَدَلًا لَمَا جَازَ مَعَ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ يُبْدِلُ مَا فِيهِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا.\nقال: فَأَمَّا إنْ تَشَاحَّا فِيهِ، فَفَرَضَ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ؛ فَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِسِوَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِهِ، لَمْ يَسْتَقِرَّ لَهَا حَتَّى تَرْضَاهُ؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْمُتْعَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهَا بِفَرْضِهِ مَا لَمْ تَرْضَ بِهِ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ، وَإِنْ فَرَضَ لَهَا أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِتَمَامِهِ.\nقال: وَإِنْ تَشَاحَّا، وَارْتَفَعَا إلَى الْحَاكِمِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا إلَّا مَهْرَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَيْلٌ عَلَيْهِ، وَالنُّقْصَانَ مِيلٌ عَلَيْهَا، وَالْعَدْلُ الْمِثْلُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفْرَضُ بَدَلُ الْبُضْعِ، فَيُقَدَّرُ بِهِ، كَالسِّلْعَةِ إذَا تَلِفَتْ فَرَجَعَا فِي تَقْوِيمِهَا إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَيُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ مَهْرِ الْمِثْلِ لِيُتَوَصَّلَ إلَى إمْكَانِ فَرْضِهِ، وَمَتَى صَحَّ الْفَرْضُ؛ صَارَ كَالمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ فِي أَنَّهُ يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ، وَلَا تَجِبُ المُتْعَةُ مَعَهُ، وَإِذَا فَرَضَهُ الْحَاكِمُ؛ لَزِمَ مَا فَرَضَهُ، سَوَاءٌ رَضِيَتْهُ أَوْ لَمْ تَرْضَهُ، كَمَا يَلْزَمُ مَا حَكَمَ بِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4362>مسألة [١٨]: متى يجب المهر للمفوضة</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والحنفية، وبعض الشافعية أنه يجب المهر لها بالعقد، وهو قول الثوري، وأبي ثور، وابن المنذر، وأفتى بذلك ابن مسعود -﵁-.","vol":"8","page":328},{"text":"واستدلوا بحديث معقل بن سنان الذي في الباب؛ فإنه لما مات زوجها استحقت المهر كاملًا؛ فدلَّ على أنه قد دخل في ملكها من حين العقد؛ ولأنها لو ماتت بعد العقد بدقيقة؛ لاستحقت ذلك.\n• والأصح عند الشافعية أنه لا يجب بالعقد؛ لأنه لو وجب بالعقد؛ لتنصف بالطلاق كالمسمى في العقد، وهو قول الزهري، ومالك، والأوزاعي، وقال به من الصحابة علي، وزيد بن ثابت، وابن عمر -﵃-، أخرجها عنهم عبد الرزاق (١٠٨٨٩ - ١٠٨٩٣)، وابن المنذر في الأوسط (٨/ ٣٧٠) بأسانيد صحيحة.\nوأُجيب: بأنها تملك المطالبة به؛ فكان واجبًا كالمسمى، ولو لم يجب بالعقد؛ لما استقر بالموت، وإنما لم يتنصف؛ لأنَّ الله تعالى نقل غير المسمى لها بالطلاق إلى المتعة كما نقل من سُمِّي لها إلى نصف المسمى لها، والله أعلم، والصحيح القول الأول.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٤٧): فَعَلَى هَذَا لَوْ فَوَّضَ الرَّجُلُ مَهْرَ أَمَتِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا، ثُمَّ فُرِضَ لَهَا الْمَهْرُ؛ كَانَ لِمُعْتِقِهَا، أَوْ بَائِعِهَا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ بِالْعَقْدِ فِي مِلْكِهِ. وَلَوْ فَوَّضَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، ثُمَّ طَالَبَتْ بِفَرْضِ مَهْرِهَا بَعْدَ تَغَيُّرِ مَهْرِ مِثْلِهَا، أَوْ دَخَلَ بِهَا؛ لَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلِهَا حَالَةَ الْعَقْدِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَوَافَقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَسْتَنِدُ إلَى حَالَةِ الْعَقْدِ، إلَّا فِي الْأَمَةِ الَّتِي أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. اهـ (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (٨/ ٣٧٠).","vol":"8","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4363>مسألة [١٩]: هل يجوز الدخول بالمرأة قبل أن يعطيها شيئًا</span>؟\n• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى جواز ذلك، سواء كانت مفوضة، أو مسمى لها، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر.\nواستدلوا بحديث عقبة بن عامر: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟» قال: نعم. وقال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانًا؟» قالت: نعم. فزوج أحدهما صاحبه، قال: فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقًا، ولم يعطها شيئًا، ثم حضرته الوفاة، فأعطاها سهمه بخيبر. أخرجه أبو داود (٢١١٧)، وغيره، وهو حديث صحيح.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يدخل بها حتى يعطيها شيئًا، وهو قول الزهري، وقتادة، ومالك.\nوثبت عن ابن عباس -﵄- بسند حسنٍ أنه كره أن يدخل بها حتى يعطيها شيئًا. أخرجه ابن منصور (١/ ١٩٩).\nوثبت عن ابن عمر -﵄-، كما في «الأوسط» لابن المنذر، أنه قال: لا يحل لمسلم أن يدخل على امرأة حتى يقدم إليها ما قلَّ، أو كثر.\nوالصحيح القول الأول، وقول ابن عباس -﵄- محمول على الأفضلية، ويمكن حمل قول الزهري ومن معه على ذلك؛ فلا يكون بين القولين فرق. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٤٧ - ١٤٨) «الأوسط» (٨/ ٣٧٣).","vol":"8","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4364>مسألة [٢٠]: لو مات أحدهما قبل الإصابة وقبل أن يفرض لها شيئًا</span>؟\nأما الميراث فحاصل بينهما بلا خلاف؛ لأنَّ كل واحد منهما صار زوجًا للآخر بمجرد العقد.\n• وأما المهر، فاختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: لها مهر نسائها. وهو قول ابن مسعود -﵁-، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، وإسحاق، وأحمد، والشافعي، واستدلوا بحديث معقل بن سنان الذي في الباب.\n• وقال جماعة من أهل العلم: لا مهر لها. وهو قول الزهري، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، كما لو طلقها؛ فإنه لو طلقها لا مهر لها، فكذلك إذا مات عنها، وصحَّ هذا القول عن علي، وابن عمر، وزيد بن ثابت -﵃-.\n• وقال أبو حنيفة في المسلمة كالقول الأول، وفي الذمية كالقول الثاني.\n• وعن أحمد رواية: لها نصف المهر. وهو قول الشافعي، ونُقل عن ابن عباس -﵄-.\nوالصحيح هو القول الأول -أعني: أنَّ لها مثل مهر نسائها-؛ لصحة الحديث فيه ومن خالف ذلك من الصحابة لعله لم يبلغه الحديث ولو بلغه لقال به، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4365>مسألة [٢١]: من المقصود بنسائها</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة أنَّ المقصود أقاربها.\n• وقال مالك: تعتبر بمن هي مثلها في الجمال، والمال، والشرف.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٤٩) «مصنف ابن أبي شيبة» (٦/ ٢٢٧ - ٢٣١) «البيان» (٩/ ٤٠١).","vol":"8","page":331},{"text":"وليس بين القولين كبير خلاف؛ لأنَّ الذين قالوا: أقاربها. يعتبرون أيضًا الجمال، والشرف، والمال. وقول مالك (الشرف) يشمل أن تكون ذات نسب مثلها، وغالبًا ما يكون ذلك فيما إذا كانت من أسرتها؛ ولذلك فإن أحمد، والشافعي اعتبروا في القرابة أن تكون من قبل الأب، ولم يعتبر ذلك ابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية، والأول أقرب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4366>مسألة [٢٢]: متى يستقر المهر للمرأة على زوجها</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الخلوة بالمرأة توجب المهر، وروى ابن أبي شيبة، وابن منصور وغيرهما عن زرارة بن أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنَّ من أغلق بابًا وأرخى سترًا؛ فقد وجب المهر، ووجبت العدة. وهذا منقطع؛ لأنَّ ابن أوفى لم يدركهم، ولكن قد صحَّ عن عمر، وعلي -﵄- من أوجه أخرى عند ابن أبي شيبة، وابن منصور، والبيهقي بمجموعها، وصحَّ أيضًا هذا القول عن ابن عمر -﵄- كما في «مصنف ابن أبي شيبة».\nوحجَّةُ أصحاب هذا القول هو فتوى هؤلاء الصحابة المذكورين، حتى قالوا: لم يخالفهم أحدٌ من الصحابة؛ فكان إجماعًا.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يستقر المهر كاملًا إلا بالوطء، وأما الخلوة فلا اعتبار فيها، وهذا القول جاء عن ابن مسعود -﵁- من طريق: الشعبي عنه، ولم يسمع منه، وجاء عن ابن عباس -﵄-، وفي إسناده: ليث بن أبي سليم،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٥٠) «الأوسط» (٨/ ٣٣٧).","vol":"8","page":332},{"text":"وهو ضعيفٌ، وله طريق أخرى عند البيهقي (٧/ ٢٥٥) من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ولم يسمع منه، وفي الإسناد إليه أبو صالح كاتب الليث، وفي ضعف، فالأثر عنه حسن، وقد ثبت عنه تفسير المسيس، والإفضاء ونحوهما بالجماع كما سيأتي، وقال بهذا القول شريح، والشعبي، وطاوس، وابن سيرين، والشافعي في الجديد، وأحمد في رواية، وأبو ثور.\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، والمسيس: هو الجماع، وقد فسَّره بذلك ابن عباس (^١) وغيره.\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٢١]، وقد فسَّر ابن عباس -﵄- الإفضاء بالجماع (^٢)؛ فدلَّ على أنه قبل الجماع لا يجب المهر كاملًا عليه.\nوهذا القول قال به الظاهرية، وهو أقرب إلى الأدلة، قال شريح -﵀-: لم أسمع الله ﷿ ذكر في كتابه بابًا، ولا سترًا إذا زعم أنه لم يمسها؛ فلها نصف الصداق. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه عبدالرزاق كما في «التغليق» (٤/ ٤٠٦) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه عبدالرزاق كما في «التغليق» (٤/ ٤٠٦) بإسناد صحيح.\n(^٣) انظر: «المغني» (١٠/ ١٥٣) «البيان» (٩/ ٤٠١ -) «المحلى» (١٨٤٦) «ابن أبي شيبة» (٦/ ١٤٦ - ١٥٠) «البيهقي» (٧/ ٢٥٤ - ٢٥٥) «سنن ابن منصور» (١/ ٢٠٢ -) «الأوسط» (٨/ ٣٨٠).","vol":"8","page":333},{"text":"تفريعات على مذهب الجمهور في المسألة السابقة:\nذكر الجمهور أنَّ لها حكم المدخول بها الموطوءة من تكميل المهر، ووجوب العدة، وتحريم أختها، وأربع سواها إذا طلقها حتى تنتهي عدتها، وثبوت الرجعة له عليها في عدتها، وقال أبو حنيفة، والثوري: لا رجعة له عليها إذا أقر أنه لم يصبها.\nقالوا: ولها عليه نفقة العدة والسكنى؛ لأنَّ ذلك للمطلقة رجعيًّا.\nقالوا: ولا تثبت بها الإباحة للزوج المطلق ثلاثًا؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك»، ولا يثبت بذلك الإحصان؛ لأنه يُعتبر لإيجاب الحد، والحدود تُدرأ بالشبهات.\nولا يثبت بذلك الغسل، ولا يخرج من العنة، ولا تحصل به الفيئة، ولا تفسد به العبادات، ولا تجب به الكفارة، ولا تحرم بها الربيبة على الأصح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4367>مسألة [٢٣]: إذا خلا بها وهناك مانع من الوطء، حِسِيٌّ أو شرعيٌّ</span>؟\n• قال بعض أهل العلم: يكمل الصداق، ويستقر. وهو قول عطاء، وابن أبي ليلى، والثوري، وأحمد في رواية، وقضى به عمر -﵁- في العنين.\n• وقال بعضهم: لا يكمل بذلك الصداق. وهو قول شريح، وأبي ثور، وأحمد في رواية.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٥٤ - ١٥٥).","vol":"8","page":334},{"text":"• وعن أحمد رواية: إن كان المانع صومًا، أو إحرامًا؛ فلا يكمل الصداق، وإن كان المانع الجب، أو العنة، أو الرتق؛ فيكمل الصداق.\n• وقال أبو حنيفة: إن كان المانع من جهتها، أو من جهته بصومِ فرضٍ، أو إحرام لم يكمل الصداق وإن كان المانع من جهته بِجُبٍّ أو عنة؛ استقر الصداق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4368>مسألة [٢٤]: إذا حصلت الخلوة وأحدهما صغير</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٥٧): وَإِنْ خَلَا بِهَا، وَهِيَ صَغِيرَةٌ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، أَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً فَمَنَعَتْهُ نَفْسَهَا، أَوْ كَانَ أَعْمَى فَلَمْ يَعْلَمْ بِدُخُولِهَا عَلَيْهِ؛ لَمْ يَكْمُلْ صَدَاقُهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4369>مسألة [٢٥]: إذا خلا بها في نكاح فاسد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٥٧): وَالْخَلْوَةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يَجِبُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَمْ يَجِبْ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا يُوجِبُهُ الْوَطْءُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَلِذَلِكَ لَا يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلِ الدُّخُولِ، فَأَشْبَهَ ذَلِكَ الْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4370>مسألة [٢٦]: إذا قبَّلها، أو نظر إليها عريانة تغتسل، أو أخذ بيدها من غير خلوة</span>؟\n• عن أحمد رواية وهي الأشهر: يجب عليه المهر.\n• والجمهور على أنَّ المهر لا يكمل، ولا يستقر بذلك. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٥٥ - ١٥٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ١٥٧ - ١٥٨).","vol":"8","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4371>مسألة [٢٧]: من هو المراد بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾</span>؟\n• اختلف أهل العلم في المراد بذلك على قولين:\nالأول: المراد بذلك الزوج. وهو قول سعيد بن المسيب، وشُريح، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وإياس بن معاوية، وأبي الشعثاء، وابن سيرين، والشعبي، وعكرمة، ونافع، ومكحول وغيرهم.\nوهو مذهب الشافعي في الجديد، والحنفية، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن جرير الطبري وغيرهم.\nواستدلوا بحديث من طريق ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، مرفوعًا: «ولي عقد النكاح الزوج»، وهو حديث ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة، وقد رُوي عن عمرو بن شعيب مرسلًا.\nوقالوا: الذي بيده عقدة النكاح حقيقةً الزوج؛ فإنَّ بيده عقدها وإبرامها، ونقضها، وانهدامها، وكما أنه لا يجوز للولي أن يهب من مال المولية شيئًا للغير؛ فكذلك في الصداق.\nوهذا القول ثبت عن علي بن أبي طالب، وجبير بن مطعم، وابن عباس -﵃-.\nالثاني: المراد بذلك ولي المرأة، وهو قول علقمة، والحسن، وعطاء، وطاوس، والزهري، وربيعة، وزيد بن أسلم، والنخعي، وعكرمة في أحد قوليه، وابن سيرين في أحد قوليه، وهو مذهب مالك، وقول الشافعي في القديم، وأحمد","vol":"8","page":336},{"text":"في رواية، وصحَّ هذا القول عن ابن عباس -﵄-، وسنده أصح من المروي عنه بالقول الأول.\nواستدلوا بأنَّ الله تعالى بدأ بخطاب الأزواج على المواجهة بقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، ثم قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧]، وهذا خطاب غير حاضر.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القول الأول أقرب، ولا يمتنع العدول عن خطاب الحاضر إلى خطاب الغائب، ونظير ذلك في القرآن كثير.\nوعلى هذا فمتى طلق الزوج قبل الدخول؛ ننصف المهر بينهما؛ فإن عفا الزوج لها عن النصف الذي له كمل لها الصداق جميعه، وإن عفت المرأة عن النصف الذي لها منه، وتركت له جميع الصداق؛ جاز إذا كان العافي منهما رشيدًا جائز التصرف في ماله، وإن كان صغيرًا، أو سفيهًا؛ لم يصح عفوه؛ لأنه ليس له التصرف في ماله بهبة، ولا إسقاط، ولا يصح عفو الولي عن صداق الزوجة أبًا كان أو غيره، صغيرةً كانت أو كبيرة، نصَّ عليه أحمد في الأشهر عنه، وعنه رواية أنَّ له ذلك، وللشافعية قولان كهذين.\nواشترطوا على القول بأنَّ له العفو شروطًا، وهي أن يكون ذلك من الأب، وأن تكون المرأة صغيرة، بكرًا طُلِّقت قبل الدخول. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٦٠ - ١٦٢) «تفسير الطبري» و«ابن كثير» عند الآية [٢٣٧ من سورة البقرة] «الأوسط» (٨/ ٣٧٦).","vol":"8","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4372>مسألة [٢٨]: هل صداق الصغير على الأب، أم على الصبي في ماله</span>؟\n• الذي عليه جمهور العلماء: أن الصداق على الصغير في ماله، وهو قول الحسن، والحكم، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، والشافعي في الجديد.\n• وقال جماعة من أهل العلم: الصداق على الأب إن كان الغلام يوم الزواج لا مال له، وهو قول مالك، وربيعة.\nوالأقرب القول الأول، وليس للولي أن يزوج الصبي إلا إذا علم له في ذلك مصلحة شرعية؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4373>مسألة [٢٩]: هل لولي الصغير، أو السفيه، أو المجنون أن يعفو عن الصداق</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٦٣): وَلَوْ بَانَتْ امْرَأَةُ الصَّغِيرِ، أَوْ السَّفِيهِ، أَوْ الْمَجْنُونِ، عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُ صَدَاقَهَا عَنْهُمْ، مِثْلُ أَنْ تَفْعَلَ امْرَأَتُهُ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا، مِنْ رَضَاعِ مَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ، أَوْ رِدَّةٍ، أَوْ بِصِفَةٍ لَطَلَاقٍ مِنْ السَّفِيهِ، أَوْ رَضَاعٍ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ لِمَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ لَمْ يَكُنْ لَوَلِيِّهِمْ الْعَفْوُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الصَّدَاقِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ قَوْلًا وَاحِدًا. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الصَّغِيرَةِ أَنَّ وَلِيَّهَا أَكْسَبَهَا الْمَهْرَ بِتَزْوِيجِهَا، وَهَاهُنَا لَمْ يُكْسِبْهُ شَيْئًا، إنَّمَا رَجَعَ الْمَهْرُ إلَيْهِ بِالْفُرْقَةِ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (٨/ ٣٩٥).","vol":"8","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4374>مسألة [٣٠]: إذا عفت المرأة عن صداقها الذي لها لزوجها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٦٣): وَإِذَا عَفَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ صَدَاقِهَا الَّذِي لَهَا عَلَى زَوْجِهَا، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، أَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ بَعْدَ قَبْضِهِ، وَهِيَ جَائِزَةُ الْأَمْرِ فِي مَالِهَا؛ جَازَ ذَلِكَ وَصَحَّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يَعْنِي الزَّوْجَاتِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4375>مسألة [٣١]: إذا أصدق المرأة شيئًا ثم وهبته له، ثم طلقها قبل الدخول</span>؟\n• قال بعض أهل العلم: يرجع بنصف المهر الذي أعطاها. وهو قول أبي ثور، وقولٌ للشافعي، وأحمد في رواية.\n• وقال بعضهم: لا يرجع عليها بشيء. وهو قول مالك، والمزني، وقولٌ للشافعي، وأحمد في رواية.\n• وقال الحنفية: إن كانت قد قبضته؛ فله عليها نصف المهر، وأما إن لم تكن قبضته؛ فلا شيء له.\nوالذي يظهر لي أنه لا يرجع عليها بشيء؛ لأنه قد أخذ حقه الذي قدمه، ولأن المرأة ضعيفة العقل يغرها زوجها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4376>مسألة [٣٢]: إذا أصدقها مالا فاشترت به متاعًا، ثم طلقها قبل الدخول</span>؟\nقال مالك، والأوزاعي: ترد عليه نصف المتاع الذي اشترته. وزاد مالك: إن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٦٤) «الأوسط» (٨/ ٣٩٧).","vol":"8","page":339},{"text":"كان المتاع مما تحتاجه لعرسها.\nوقال الثوري، والشافعي، وأحمد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي: متاعها لها، وترد عليه نصف المال. وهذا القول هو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4377>مسألة [٣٣]: إذا أبرأت المُفوَّضة من المهر، وكذا الذي سمي لها مهر فاسد</span>؟\n• مذهب الحنابلة وغيرهم أنه يصح إبراؤها؛ لأنَّ المهر واجب، ولكن جهل قدره، والبراءة من المجهول صحيحة.\n• وقال الشافعي: لا تصح البراءة. بناء على اختياره أنَّ المُفوَّضة لم يجب لها المهر بالعقد، وأنَّ البراءة من المجهول لا تصح.\nوالصحيح قول الحنابلة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4378>مسألة [٣٤]: هل يبرأ الزوج من الصداق بتسليمه إلى وليها</span>؟\n• إذا كانت رشيدة، فمذهب أحمد، والشافعي: أنه لا يبرأ إلا بالتسليم إليها، أو إلى وكيلها، ولا يبرأ بالتسليم إلى أبيها، ولا إلى غيره، بكرًا كانت أو ثيبًا.\nوقال أبو حنيفة: له قبض صداق البكر دون الثيب؛ لأنَّ ذلك العادة، ولأنَّ البكر تستحيي، فقام أبوها مقامها كما قام مقامها في تزويجها.\n_________\n(^١) «الأوسط» (٨/ ٣٩٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ١٦٦).","vol":"8","page":340},{"text":"وأما الصغيرة التي دون البلوغ فيبرأ الزوج بدفعه إلى وليها في قولهم جميعًا. قاله ابن المنذر -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4379>مسألة [٣٥]: هل للمرأة أن تمنع تسليم نفسها حتى تتسلم صداقها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٧١): فَإِنْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا حَتَّى تَتَسَلَّمَ صَدَاقَهَا، وَكَانَ حَالًّا؛ فَلَهَا ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَأَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ دُخُولِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا، حَتَّى يُعْطِيَهَا مَهْرَهَا. وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: لَا أُسَلِّمُ إلَيْهَا الصَّدَاقَ حَتَّى أَتَسَلَّمَهَا. أُجْبِرَ الزَّوْجُ عَلَى تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ أَوَّلًا، ثُمَّ تُجْبَرُ هِيَ عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4380>مسألة [٣٦]: إن سلمت نفسها قبل قبض المهر، ثم أرادت منع نفسها حتى تقبضه</span>؟\n• قال جماعةٌ من أهل العلم: ليس لها ذلك، وهو قول مالك، والشافعي، وبعض الحنابلة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن؛ لأنَّ التسليم استقر به العوض برضى الْمُسَلَّم؛ فلم يكن لها أن تمتنع منه بعد ذلك، كما لو سلَّم البائع المبيع.\n• وذهب بعض الحنابلة، منهم: ابن حامد، وأبو حنيفة إلى أنَّ لها ذلك؛ لأنه تسليم يوجبه عليها عقد النكاح، فملكت أن تمتنع منه قبل قبض صداقها\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٦٨) «البيان» (٩/ ٣٩٢) «الأوسط» (٨/ ٤٠٥) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٤٠).","vol":"8","page":341},{"text":"كالأول. وهذا القول رجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4381>مسألة [٣٧]: إن أعسر الزوج عن المهر الحال، فهل للمرأة الفسخ</span>؟\n• أما إذا كان ذلك قبل الدخول، فمذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ لها الفسخ.\n• ومذهب مالك: أن الأمر يختلف؛ فمن رجي له المال؛ لوجود العمل له؛ ضرب له الأجل، والأجل بعد الأجل. ومن لم يرج منه شيء؛ فرق بينهما. وقول مالك أقرب، والله أعلم.\n• وإن كان ذلك بعد الدخول، ففيه وجهان للحنابلة، والشافعية.\n• وقال أبو حنيفة: لا يفرق بينهما، بل هو غريم من الغرماء، ولها أن تمنع نفسها حتى يعطيها المهر، وقول أبي حنيفة في هذه المسألة قريب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4382>مسألة [٣٨]: الجمع في العقد بين نكاح وبيع</span>؟\nكأن يقول الرجل: هذا الألف صداق لابنتك، وثمن لعبدك.\n• منع من ذلك مالك، وابن القاسم، وأبو ثور، والشافعي في قول؛ لوجود الجهالة؛ فبطل كالبيع.\n• وأجازه الحنابلة، والشافعي في قول، وأشهب، وأبو حنيفة؛ لأنهما عقدان\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٧١) «الشرح الممتع» (١٢/ ٣١٧) ط/ابن الجوزي.\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ١٧٢) «البيان» (٩/ ٤٥٣) «البداية» (٣/ ٩٠) «الأوسط» (٨/ ٣٧٥).","vol":"8","page":342},{"text":"يصح كل واحدٍ منهما منفردًا؛ فصح جمعهما، كما لو باعه ثوبين؛ فإن قال: زوجتك، ولك هذا الألف بألفين. لم يصح؛ لأنه كمسألة مد عجوة. وقالوا: النكاح يغتفر فيه من الجهالة ما لا يغتفر في البيع، وهذا القول هو الراجح، وللمرأة مهر المثل، والباقي قيمة للعبد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4383>مسألة [٣٩]: إن تزوجها على طلاق امرأة له أخرى</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٧٧ - ١٧٨): وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى طَلَاقِ امْرَأَةٍ لَهُ أُخْرَى؛ لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ، وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا. وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِنَّمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتُكْفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا، وَلِتَنْكِحَ، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» (^٢)؛ وَلِأَنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا فِي بَيْعٍ، وَلَا أَجْرًا فِي إجَارَةٍ؛ فَلَمْ يَصِحَّ صَدَاقًا، كَالْمَنَافِعِ الْمُحَرَّمَةِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ أَصْدَقَهَا خَمْرًا وَنَحْوَهُ، يَكُونُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، أَوْ نِصْفُهُ إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ الْمُتْعَةِ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُهَا فِي التَّسْمِيَةِ الْفَاسِدَةِ.\nقال: وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِعْلًا لَهَا فِيهِ نَفْعٌ وَفَائِدَةٌ لِمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ الرَّاحَةِ بِطَلَاقِهَا مِنْ مُقَاسَمَتِهَا، وَضَرَرِهَا، وَالْغَيْرَةِ مِنْهَا، فَصَحَّ صَدَاقًا، كَعِتْقِ أَبِيهَا، وَخِيَاطَةِ قَمِيصِهَا. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٧٦) «البداية» (٣/ ٦٣).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٥١٥٢)، ومسلم (١٤٠٨)، من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"8","page":343},{"text":"قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: وقول الشافعي: أن لها النصف إن طلقها قبل الدخول. وقال الثوري، وأبو ثور، وابن نصر، وابن المنذر، وأصحاب الرأي: لها المتعة فساد المهر المسمَّى. وهذا القول أقرب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4384>مسألة [٤٠]: الزيادة في الصداق بعد العقد، هل تلحق به</span>؟\n• مذهب أحمد، وأبي حنيفة أنَّ الزيادة في الصداق بعد العقد تلحق به؛ فإن طلقها قبل الدخول؛ فلها نصف الصداق كاملًا بالزيادة.\n• ومذهب الشافعي أنَّ الزيادة لا تلحق بالعقد؛ فإن زادها؛ فهي هبة تفتقر إلى شروط الهبة، وإن طلقها قبل الدخول؛ فله نصف الصداق الأول دون الزيادة.\nواحتج الشافعي بأنَّ الزوج ملك البضع بالمسمى في العقد؛ فلم يحصل بالزيادة شيء من المعقود؛ فلا تكون عوضًا في النكاح، كما لو وهبها شيئًا.\nواستدل ابن قدامة للقول الأول بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء:٢٤]، ولأنَّ ما بعد العقد زمن لفرض المهر؛ فكان حال الزيادة كحال العقد. وانظر بقية كلامه.\nوالقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4385>مسألة [٤١]: التي تستحق المهر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٨٦): ويجب المهر للمنكوحة نكاحًا صحيحًا والموطوءة في نكاح فاسد والموطوءة بشبهة بغير خلاف نعلمه. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٧٨).","vol":"8","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4386>مسألة [٤٢]: المكرهة على الزنى هل تستحق مهرًا</span>؟\n• الجمهور على أن لها المهر؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فلها المهر بما استحل من فرجها»، فهو يشمل المكرهة، وخالف أبو حنيفة فقال: لامهر لها؛ لأنَّ النبي - ﷺ - نهى عن مهر البغي.\nوأُجيب: بأنَّ هذه مكرهة ليست زانية، والصحيح قول الجمهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4387>مسألة [٤٣]: وهل لها أرش البكارة</span>؟\n• أحمد في رواية والشافعي على أنَّ لها أرش البكارة.\n• وقال أحمد في رواية -وهو قول جماعة من أصحابه-: لا أرش لها؛ لأنَّ الحديث أوجب لها المهر دون الأرش، ولأنَّ مهر البكر أكثر من الثيب بسبب بكارتها. وهذا أرجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4388>مسألة [٤٤]: هل تستحق الموطوءة بشبهة المهر، وإن كانت من المحارم</span>؟\n• جماعةٌ من أهل العلم على أنَّها تستحقه، وهو قول مكحول، والنخعي، والشافعي، وأبي حنيفة.\n• وعن أحمد رواية: لا مهر للمحارم. وهو قول الشعبي. وعن أحمد رواية: من تحرم عليه ابنتها؛ فلا مهر لها. والصحيح القول الأول. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر ما تقدم في باب الغصب من «البيوع»، وانظر: «المغني» (١٠/ ١٨٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ١٨٧).","vol":"8","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4389>مسألة [٤٥]: هل للمطاوعة على الزنى مهر</span>؟\nذكر أهل العلم أنه ليس لها مهر؛ إلا أن تكون أمة فمهرها لسيدها إذا زنت بغير إذنه وعلمه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4390>مسألة [٤٦]: هل يجب المهر بالوطء في الدبر، وباللواط</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٨٧): ولا يجب المهر بالوطء في الدبر، ولا اللواط؛ لأنَّ الشرع لم يرد ببدله، ولا هو إتلاف لشيء؛ فأشبه القبلة، والوطء دون الفرج. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4391>مسألة [٤٧]: لو طلق امرأته قبل الدخول طلقة، فظن أنها لا تبين منه، فوطئها</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنه يلزمه نصف المسمى، ومهر المثل؛ لأنَّ المفروض يتنصف بطلاقه؛ لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]، ووطؤه بعد ذلك عري عن العقد؛ فوجب مهر المثل.\n• وقال مالك: يلزمه مهر واحد.\nوالصحيح القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4392>مسألة [٤٨]: من نكاحها باطل، هل لها المهر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٨٨): وَمَنْ نِكَاحُهَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، كَالْمُزَوَّجَةِ، وَالْمُعْتَدَّةِ، إذَا نَكَحَهَا رَجُلٌ، فَوَطِئَهَا عَالِمًا بِالْحَالِ، وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٨٧).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٠/ ١٨٧ - ١٨٨).","vol":"8","page":346},{"text":"وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ عَالِمَةٌ، فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ زِنَى يُوجِبُ الْحَدَّ، وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَهِلَتْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ، أَوْ كَوْنَهَا فِي الْعِدَّةِ؛ فَالْمَهْرُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4393>مسألة [٤٩]: إذا تزوج العبد بإذن سيده، فعلى من المهر، والنفقة</span>؟\nقال العِمْرَاني -﵀- في «البيان» (٩/ ٤٥٥ - ٤٥٦): لا يخلو العبد إما أن يكون مكتسِبًا غير مأذون له في التجارة، وإما مأذونًا له في التجارة، أو غير مكتسب ولا مأذون له في التجارة.\nقال: فإن كان مكتسبًا غير مأذون له في التجارة؛ تعلق المهر والنفقة في كسبه؛ لأنه لا يخلو إما أن يتعلق بذمة سيده، أو برقبة العبد، أو بذمته إلى أن يعتق، أو بكسبه؛ فبطل أن يقال: يتعلق بذمة السيد؛ لأنه لم يضمن ذلك، وإنما أذن في النكاح، وذلك ليس بضمان. وبطل أن يقال: يتعلق ذلك برقبة العبد؛ لأنه حق وجب برضى من له الحق، وإنما يتعلق برقبته ما وجب بغير رضى من له الحق. وبطل أن يقال: يتعلق بذمته إلى أن يعتق؛ لأنه يجب في مقابلة ما يستحقه من الاستمتاع حالًا، فإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا تعلقه بكسبه.\nقال: إذا ثبت هذا؛ فعلى السيد تخليته بالنهار للاكتساب، وبالليل للاستمتاع؛ لأنَّ إذنه بالنكاح يتضمن ذلك، إلا أن يختار السيد أن يستخدمه نهارًا؛ فإنه يلزمه نفقته، ونفقة زوجته، والمهر.\nقال: وإن كان العبد مأذونًا له في التجارة ...، فقد قال الشافعي -﵀-: إنه يعطي مما في يده. واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يدفع المهر، والنفقة من أصل","vol":"8","page":347},{"text":"المال الذي في يده للتجارة؛ لأنه يجوز أن يقضي منه دين التجارة، والمهر والنفقة دين عليه لزمه برضى السيد؛ فهو كدين التجارة. ومنهم من قال: لا يجوز له أن يدفع المهر والنفقة من المال الذي بيده للتجارة، وإنما يدفعهما من فضل المال الذي بيده للتجارة، كما لا يجوز أن يدفعهما من المال الذي اكتسبه قبل النكاح؛ لأنَّ ذلك مال السيد، وحمل النص على فضل المال.\nقال: وإن كان العبد غير مكتسب، ولا مأذون له في التجارة، فمن أين يستوفي المهر والنفقة؟ فيها وجهان:\nأحدهما: يتعلقان بذمة العبد إلى أن يُعتق؛ لأنه حق وجب برضى من له الحق؛ فتعلق بذمته كما لو استدان شيئًا.\nالثاني: يجبان في ذمة السيد؛ لأنه لما أذن له في النكاح مع علمه بوجوب المهر والنفقة، وعلمه بحاله؛ كان ذلك رضى منه بضمانهما. انتهى بتصرف.\nتنبيه: الوجهان عند الحنابلة مطلقًا، سواء كان له كسب، أم لا. (^١)\nفائدة في الخلاف السابق:\nقال المرداوي -﵀- في «الإنصاف» (٨/ ٢٥٥): وفائدة الخلاف أنَّا إذا قلنا: (يتعلق بذمة السيد) تجب النفقة عليه، وإن لم يكن للعبد كسب، وليس للمرأة الفسخ لعدم الكسب، وللسيد استخدامه، ومنعه من التكسب. وإن قلنا: (يتعلق بكسبه) فللمرأة الفسخ إذا لم يكن له كسب.\n_________\n(^١) «الإنصاف» (٨/ ٢٥٥).","vol":"8","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4394>مسألة [٥٠]: إذا زوج السيد عبدَه أمته، فهل عليه مهر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٥٢): إذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجِبُ مَهْرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لِسَيِّدِهَا، وَلَا يَجِبُ لِلسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ مَالٌ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجِبُ الْمُسَمَّى، أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى؛ كَيْ لَا يَخْلُوَ النِّكَاحُ عَنْ مَهْرٍ، ثُمَّ يَسْقُطُ لِتَعَذُّرِ إثْبَاتِهِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله: إذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ، فَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ بِمَهْرٍ وَشُهُودٍ. قِيلَ: فَإِنْ طَلَّقَهَا؟ قَالَ: يَكُونُ الصَّدَاقُ عَلَيْهِ إذَا أُعْتِقَ. قِيلَ: فَإِنْ زَوَّجَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ مَهْرٍ؟ قَالَ: قَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ جَابِرٌ إلَى أَنَّهُ جَائِزٌ (^١). اهـ\nوبقول القاضي قال الشافعي، وبقول أبي الخطاب قال أبو حنيفة، وهذا أقرب، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: إذا تزوج العبد بغير إذن سيده ففي صحته خلاف تقدم ذكره، وإذا وطئها؛ فالمهر يتعلق برقبته على الصحيح، وقيل: يتعلق في ذمته. وقيل: الواجب خُمُسا المهر. وقيل: المسمى. وقيل: المثل. والمرجح عند الشافعية أنه يتعلق في ذمته، وليس ذلك ببعيد فيما إذا علمت المرأة بحاله؛ لأنه يصبح حقًّا وجب برضاها، والله أعلم، ووجه الأول أنه كالجناية. (^٣)\n_________\n(^١) لم أجد الأثر عن جابر -﵁-، ووجدته عن ابن عباس -﵄-: أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٤٤)، والبيهقي (٧/ ١٢٧) من طريقين عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس -﵄-، قال: لا بأس أن يزوج الرجل أمته عبده بغير مهر. وهذا إسنادٌ صحيحٌ، وابن جريج عنعنته عن عطاء مقبولة.\n(^٢) وانظر: «البيان» (٩/ ٤٦١).\n(^٣) انظر: «الإنصاف» (٨/ ٢٥٧) «البيان» (٩/ ٤٥٨).","vol":"8","page":349},{"text":"١٠٣٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ سَوِيقًا، أَوْ تَمْرًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَأَشَارَ إلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ. (^١)\n\n١٠٣٣ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَيْنِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَخُولِفَ فِي ذَلِكَ. (^٢)\n\n١٠٣٤ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -﵁- قَالَ: زَوَّجَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ. أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنَ الحَدِيثِ الطَّوِيلِ المُتَقَدِّمِ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ. (^٣)\nالحكم المستفاد من الأحاديث\nدلَّت الأحاديث المتقدمة على أنه لا حدَّ لأقل الصداق، وقد تقدم ذكر\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٢١١٠)، من طريق موسى بن مسلم بن رومان، عن أبي الزبير، عن جابر به. كذا في «السنن» (موسى بن مسلم) والصواب (صالح بن مسلم) كما بين ذلك الحافظ في «التهذيب» وهو ضعيف، وقال أبوداود عقب الحديث: رواه عبدالرحمن بن مهدي عن صالح بن رومان عن أبي الزبير عن جابر موقوفًا. ورواه أبوعاصم عن صالح بن رومان عن أبي الزبير عن جابر قال: كنا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نستمتع بالقبضة من الطعام على معنى المتعة. اهـ\n(^٢) ضعيف منكر. أخرجه الترمذي (١١١٣)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (١٨٨٨)، وأحمد (٣/ ٤٤٥)، من طريق عاصم بن عبيدالله عن عبدالله بن عامر به.\n\nقال ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٤٢٤): سألت أبي عن عاصم بن عبيدالله فقال: منكر الحديث، يقال: إنه ليس له حديث يعتمد عليه. قلت: ما أنكروا عليه؟ قال: روى عن عبدالله بن عامر بن ربيعة ... فذكر الحديث، وهو منكر. اهـ\n(^٣) ضعيف منكر. أخرجه الحاكم (٢/ ١٧٨)، من طريق عبدالله بن مصعب الزبيري عن أبي حازم عن سهل بن سعد، به. وعبدالله بن مصعب ضعيف، ضعفه ابن معين كما في «الميزان» ومع ضعفه فقد خالف الثقات الحفاظ وهم أكثر من عشرة رووا الحديث عن أبي حازم باللفظ المتقدم في أوائل النكاح، وفيه أنه زوجه بما معه من القرآن، فهذا الحديث منكر.","vol":"8","page":350},{"text":"المسألة في أوائل الباب، وهذه الأحاديث ضعيفة، وهناك ما يُغني عنها في الدلالة كما تقدم.\n\n١٠٣٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: لَا يَكُونُ المَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الأثر\nهذا الأثر من أدلة الحنفية في تحديد أقل المهر بعشرة دراهم، وهو ضعيف لا يثبت، وقد جاء مرفوعًا من حديث جابر أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٤٥).\nوهو حديث موضوع؛ في إسناده: مبشر بن عبيد، وكان يضع الحديث.\n\n١٠٣٦ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه الحث على تيسير الصداق، وأنه سبب للبركة، وقد تقدم الكلام على ذلك في أول الباب.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٤٥)، وفي إسناده داود بن يزيد الأودي وهو ضعيف.\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٢١١٧)، والحاكم (٢/ ١٨١ - ١٨٢)، وإسناده صحيح.","vol":"8","page":351},{"text":"١٠٣٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ الجَوْنِ تَعَوَّذَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ تَعْنِي لَمَّا تَزَوَّجَهَا، فَقَالَ: «لَقَدْ عُذْتِ بِمُعَاذٍ» فَطَلَّقَهَا، وَأَمَرَ أُسَامَةَ فَمَتَّعَهَا بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي إسْنَادِهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ. (^١)\n\n١٠٣٨ - وَأَصْلُ القِصَّةِ فِي «الصَّحِيحِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه أنَّ المطلقة تُمَتَّع بثيابٍ، أو مالٍ، أو غيره بالمعروف، وقد قدمنا الكلام على أحكام المتعة في هذا الباب، فراجعها.\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه ابن ماجه (٢٠٣٧)، والراوي المتروك هو عبيد بن القاسم، وقد كان يضع الحديث.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٥٢٥٥). وفيه (أتي بالجونية) وفيه (فلما دخل عليها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «هبي نفسك لي» قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: «قد عذت بمعاذ» ثم خرج علينا فقال: «يا أبا أسيد، اكسها رازقيين وألحقها بأهلها».","vol":"8","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4395>بَابُ الوَلِيمَةِ</span>\nتعريف الوليمة:\nالوليمة اسم للطعام في العرس خاصَّة، مأخوذ من الولم، وهو الاجتماع، هذا الذي عليه أكثر أهل اللغة، والفقهاء.\nوقال بعضهم: هو اسم طعام كل سرور حادث، وكثر استعماله في العرس. والقول الأول أصح.\nوالعرب يسمون الأطعمة، فطعام العرس يسمونه: وليمة.\nوطعام الولادة يسمونه: الخُرْس.\nوطعام العقيقة: اسم للطعام الذي يُصنع عند ذبح العقيقة.\nوطعام القدوم من السفر يسمونه: نقيعة.\nوطعام الختان يسمونه: الإعذار.\nوطعام السكن في البيت الجديد يسمونه: وكيرة.\nوالطعام المتخذ عند المصيبة يسمونه: وضيمة.\nوطعام الزائر يسمونه: التحفة.\nوالمأدبة: اسم لكل دعوة لسبب كانت أو لغير سبب. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥١٧٣) «المغني» (١٠/ ١٩١) «تحرير ألفاظ التنبيه» (ص ٢٥٨) «البيان» (١٠/ ٤٨٩).","vol":"8","page":353},{"text":"١٠٣٩ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى عَلَى عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: «فَبَارَكَ اللهُ لَك، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\n\n١٠٤٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى الوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\nوَلِمُسْلِمٍ: «إذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ».\n\n١٠٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ: يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\n١٠٤٢ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا. (^٤)\n\n١٠٤٣ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُهُ وَقَالَ: «فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ». (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٥٥)، ومسلم (١٤٢٧). واللفظ لهما.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥١٧٣)، ومسلم (١٤٢٩) (٩٦) (١٠٠).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٤٣٢) (١١٠). وهو في البخاري (٥١٧٧)، ومسلم (١٤٣٢) (١٠٧) موقوفًا.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (١٤٣١).\n(^٥) أخرجه مسلم برقم (١٤٣٠).","vol":"8","page":354},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4396>مسألة [١]: حكم الوليمة</span>.\n• جمهور العلماء، والفقهاء على أنه يستحب لمن تزوج أن يولم؛ لحديث أنس الذي في أول الباب، وذلك لأنه طعام لسرور حادث، فأشبه سائر الأطعمة، ويدل على الاستحباب أنه أمره بالشاة، ولا خلاف في أنها لا تجب.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى وجوب الوليمة على من تزوج، وهو قول الشافعي، وجماعةٍ من أصحابه، والظاهرية، وبعض المالكية، وأحمد في رواية.\nواستدلوا على ذلك بحديث: «أولم ولو بشاة»، والأمر يقتضي الوجوب؛ مالم يصرفه صارف.\nواستدلوا بحديث بريدة عند أحمد (٥/ ٣٥٩) مرفوعًا: «لابد للعرس من وليمة» وهو حديث ضعيف؛ لأنَّ في إسناده: عبد الكريم بن سليط وهو مجهول الحال.\nوالصحيح هو القول بالوجوب، وكونه لا تجب الشاة؛ فلأنه قد جاءت أدلة تدل على أنه يجزئ أن يولم بدون الشاة كما سيأتي إن شاء الله. (^١)\nتنبيه: طعام غير العرس لا يجب عند أهل العلم، وَنُقِل الإجماع على ذلك، ولا يدخل في ذلك الضيافة، فهي واجبة على الصحيح. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥١٦٦) «المغني» (١٠/ ١٩٢ - ١٩٣) «البيان» (٩/ ٤٨١) «الإنصاف» (٨/ ٣١٧).\n(^٢) انظر: «البيان» (٩/ ٤٨٠).","vol":"8","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4397>مسألة [٢]: وقت الوليمة</span>.\nكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يولم بعد دخول زوجته إليه كما في قصة زينب بنت جحش، وصفية؛ فاستحب جماعةٌ من أهل العلم أن تكون كذلك، وهو قول مالك، وأكثر أصحابه، واختاره الماوردي، وشيخ الإسلام، وهو الصحيح.\nوهل تجزئ قبل الدخول؟\nالذي عليه العلماء أنها تجزئ، حتى قال بعضهم: تجزئ من حين العقد إلى انتهاء أيام العرس. وهو قول بعض الحنابلة، والمالكية.\nواستحب جماعة من المالكية أن تكون قبيل الدخول، قال الحافظ: وعليه عمل الناس اليوم. وقال المرداوي: لكن قد جرت العادة فعل ذلك قبل الدخول بيسير. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4398>مسألة [٣]: إجابة الدعوة إلى الوليمة</span>.\n• جمهور العلماء يقولون بوجوب الإجابة، ويستدلون بأحاديث الباب، وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «حق المسلم على المسلم ست» ومنها: «إذا دعاك؛ فأجبه»، وحديث البراء: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بسبع، وذكر منها: «إجابة الداعي»، وكلاهما في «الصحيحين» (^٢)، ولفظ الأول لمسلم.\n• وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى استحباب الإجابة، ولم يقولوا\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥١٦٦) «الإنصاف» (٨/ ٣١٧).\n(^٢) انظر: «البخاري» (١٢٤٠) (١٢٣٩)، ومسلم برقم (٢١٦٢) (٢٠٦٦).","vol":"8","page":356},{"text":"بالوجوب، واختاره شيخ الإسلام، وقال بعض الشافعية: فرض كفاية.\nوالصحيح هو القول الأول، وكيف لا يقال به بعد قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ومن لم يجب الدعوة؛ فقد عصى الله ورسوله»؟! (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4399>مسألة [٤]: إجابة الدعوة إلى غير الوليمة</span>.\n• جمهور العلماء على الاستحباب؛ للأحاديث المتقدمة؛ فإنها عامة، واستدل بعضهم بحديث يدل على أنَّ الأمر فيها للاستحباب، وهو ما أخرجه مسلم من حديث أنس برقم (٢٠٣٧) أنَّ جارًا لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فارسيًا كان طيب المرق، فصنع لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثم جاء يدعوه، فقال: «وهذه؟» لعائشة، فقال: لا. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا»، فعاد يدعوه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وهذه؟» لعائشة، فقال: لا. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا»، ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وهذه؟» قال: نعم. في الثالثة، فقاما حتى أتيا منزله.\nوقد سمعت شيخنا مقبلًا الوادعي -﵀- يستدل بهذا الحديث على ذلك.\n• وللشافعية قول بالوجوب، وهو قول العنبري، وابن حزم.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» [باب: (٧١) من كتاب النكاح] «المغني» (١٠/ ١٩٣ -) «البيان» (٩/ ٤٨٤) «الإنصاف» (٨/ ٣١٨) «المحلى» (١٨٢٤).\n(^٢) انظر: «المحلى» (١٨٢٤) «البيان» (٩/ ٤٨٣) «المغني» (١٠/ ٢٠٧) «الفتح» (باب:٧١) من النكاح.","vol":"8","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4400>مسألة [٥]: إذا دعا عمومًا، فهل تجب الإجابة</span>؟\nوذلك كقوله: يا أيها الناس، تعالوا إلى الطعام. أو يقول: كل من علم بعرسنا فليأت. أو ما أشبه ذلك.\n• مذهب الحنابلة عدم وجوب ذلك، وكذا الشافعية، بل قال الشافعي: استحب له أن لا يحضر. وكره الحنابلة حضوره، وعن بعضهم: لا يجب، ولا يستحب. وعن بعضهم: يجب.\nوالصحيح عدم الكراهة، فقد صحَّ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لأنس في عرسه بزينب: «ادع فلانًا، وفلانًا، ومن لقيت»، أخرجه مسلم (٩٤) من [كتاب النكاح]، والبخاري (٥١٦٣) معلقًا.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٥/ ٣٤٢ - ٣٤٣): والصواب أنه لا بأس، وأنَّ الإجابة في هذه الحالة ليست مكروهة، بل في ظني أنَّ عدم الإجابة إلى الكراهة أقرب؛ لأنه إذا دعا الناس عمومًا وتخلف واحد يقول الناس: هذا متكبر.\nفالصواب أنه لا تكره الإجابة، صحيح أنها لا تجب على كل واحد؛ لأنَّ الدعوة عامة؛ فهي تشبه فرض الكفاية، لكنها ليست مكروهة، وليست بواجبة، لكن إذا علم أحد المدعوين أنه يسر الداعي أن يحضر؛ فإنه ينبغي له أن يحضر. اهـ (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٩٤) «البيان» (٩/ ٤٨٤) «الإنصاف» (٨/ ٣١٩).","vol":"8","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4401>مسألة [٦]: إذا دعاه ذمي، فهل تجب إجابته</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية عدم وجوب إجابة دعوة الذمي، ويدل على ذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «حق المسلم على المسلم»، وكره ذلك جماعة من الحنابلة.\n• وعن بعض الشافعية وجوب ذلك.\nوالصحيح عدم وجوب الإجابة، ولكن ذلك لا يُكره؛ لأنه ربما تأثر فأسلم، وقد أجاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دعوة اليهود وأكل من طعامهم، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4402>مسألة [٧]: هل يجب عليه الأكل إذا أتى الوليمة</span>؟\nأما إذا كان صائمًا فلا يجب عليه الأكل عند أهل العلم؛ لحديث الباب: «فإن كان مفطرًا؛ فليطعم، وإن كان صائمً؛ فليصل»، ويستحب له أن يدعوَ لصاحب الوليمة.\n• وأما إذا كان مفطرًا، فقالت الظاهرية، وبعض الشافعية: يجب عليه أن يأكل؛ للحديث المتقدم؛ ولأنَّ الغرض من دعوته إلى الوليمة هو الأكل.\n• ومذهب الجمهور أنه لا يجب عليه الأكل؛ لحديث جابر في «صحيح مسلم» المذكور في الباب: «إذا دعا أحدكم أخاه؛ فليجب؛ فإن شاء طعم، وإن شاء ترك».\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ١٩٥) «البيان» (١٠/ ٤٨٤) «الإنصاف» (٨/ ٣٢٠) «الشرح الممتع» (٥/ ٣٤٤).","vol":"8","page":359},{"text":"وقال الأولون: هذا الحديث محمول على الصائم.\nوقد جاء عند ابن ماجه زيادة: «إذا دُعي أحدكم إلى طعام وهو صائم»، ولكن للحديث طرق كثيرة بدون زيادة: «وهو صائم» كما في «صحيح مسلم»، و«أبي عوانة» و«الطحاوي». (^١)\nوقد جمع الإمام ابن عثيمين -﵀- بين الحديثين بأنه يجب الأكل إذا حصل مفسدة بترك الأكل، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ الأفضل للصائم المتطوع أن يصوم ويتم صومه إلا أن يشق ذلك على صاحب الطعام؛ فيستحب له الفطر.\nوقد جاء حديث عن أبي سعيد مرفوعًا: «دعاك أخوك، وتكلف لك، أفطر، وكل، وصم يومًا مكانه» أخرجه البيهقي (٤/ ٢٧٩).\nوفي إسناده: إسماعيل بن أبي أويس وأبوه، وكلاهما ضعيف، وله طريق أخرى عنده (٧/ ٢٦٣ -)، وفي إسناده: حماد بن أبي حميد، ويقال له: محمد، وهو شديد الضعف، واختلف عليه في إسناد الحديث، وعلى هذا فالأفضل أن لا يقطع عبادته الجليلة، وهو معذورٌ شرعًا، ولا ينبغي أن يشق ذلك على صاحب الطعام. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر «المسند الجامع» (٤/ ٢٨٥).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٥١٧٩) «المغني» (١٠/ ١٩٦ -) «الشرح الممتع» (٥/ ٣٤٦).\n(^٣) انظر: «الإنصاف» (٨/ ٣٢٢) «المغني» (١٠/ ١٩٦ -) «الفتح» (٥١٧٩).","vol":"8","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4403>مسألة [٨]: إن كان في الدعوة منكر كالخمر، والزمر، وغيره</span>؟\n• إن كان يستطيع تغييره؛ وجب عليه الحضور؛ إجابة للدعوة، وتغييرًا للمنكر، وإن كان لا يستطيع تغييره؛ فلا يجوز له الحضور؛ لأنَّ حضور المنكر لا يجوز، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠].\nوإن كان قد حضر، ثم علم بالمنكر، وشاهده؛ فإن استطاع تغييره غيَّره، وإن لم يستطع انصرف.\n• وإن علم به ولم يره، ولم يسمعه؛ فله الجلوس والانصراف، والأولى أن ينظر المصلحة في ذلك. هذا هو مذهب الحنابلة، والشافعية.\n• وقال مالك: أما اللهو الخفيف، كالدف، والكَبْرِ وهو الطبل؛ فلا يرجع.\n• وقال أبو حنيفة: إذا وجد اللعب؛ فلا بأس أن يأكل. وقال محمد بن الحسن: إن كان ممن يقتدى به؛ فلا أحب أن يشهدها.\nوالصحيح القول الأول. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٨/ ٣٣٤ -) «الشرح الممتع» (٥/ ٣٤٨ - ٣٥١) «البيان» (٩/ ٤٨٧ -) «المغني» (١٠/ ١٩٨) «الشرح الكبير» (٩/ ٥٧١ - ٥٧٣).","vol":"8","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4404>مسألة [٩]: إذا رأى في البيت صورًا للحيوان معلقة بالستور وغيرها</span>؟\n• أكثر الشافعية، وجماعةٌ من الحنابلة على أنه يحرم عليه البقاء في ذلك البيت حتى تُزال الصور.\n• وبعض الحنابلة، والشافعية على أنه لا يحرم.\nوالقول الأول عزاه في «المغني» لأكثر أهل العلم، وهو الأصح؛ لأنه منكر فيجب عليه التغيير وعدم المشاركة فيه بالجلوس عنده، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4405>مسألة [١٠]: إذا كانت الجدر مسترة بغير تصاوير ذوات الأرواح</span>؟\n• مذهب الشافعي جواز الدخول، وهو الأصح عند الحنابلة، ولكن الحنابلة يقولون بالكراهة. وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ فاطمة وعليًّا دعياه إلى طعام، فلما بلغ البيت رجع، وقال: «ما كان لنبي أن يدخل بيتًا مزوَّقًا».\nفالذي يظهر هو جواز الدخول؛ لانَّ تستير الجدر مكروه، وليس بمحرم، وأما حديث: «لا تستروا الجدر بالثياب»، فهو حديث ضعيفٌ، أخرجه أبو داود (١٤٨٥)، ثم ضعفه، وفيه مجاهيل.\nوقال بعض الحنابلة بوجوب الإجابة في هذه الحال، وصحَّ عن أبي أيوب الأنصاري أنه لم يدخل بيت عبد الله بن عمر من أجل ذلك في عرس سالم (^٢). (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٨/ ٣٣٥) «البيان» (١٠/ ٤٨٨ -) «المغني» (١٠/ ١٩٩).\n(^٢) علقه البخاري في «صحيحه» رقم الباب (٧٦) من [كتاب النكاح]، ووصله أحمد في «الورع» كما في «التغليق»، ومسدد كما في «المطالب العالية» (٢٢٢٣)، والطبراني (٣٨٥٣)، وهو أثرٌ صحيح.\n(^٣) انظر: «البيان» (٩/ ٤٨٩) «الإنصاف» (٨/ ٣٣٦ - ٣٣٧) «المغني» (١٠/ ٢٠٣ - ٢٠٥).","vol":"8","page":362},{"text":"١٠٤٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «طَعَامُ أَوَّلِ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. (^١)\n\n١٠٤٥ - وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الترمذي (١٠٩٧)، من طريق زياد بن عبدالله البكائي عن عطاء بن السائب عن أبي عبدالرحمن السلمي عن ابن مسعود به. وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف زياد وروايته عن عطاء بعد الاختلاط أعني اختلاط عطاء.\nوقال الترمذي عقب الحديث: لا نعرفه مرفوعًا يعني حديث ابن مسعود إلا من حديث زياد ابن عبدالله، وزياد بن عبدالله كثير الغرائب والمناكير، قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يذكر عن محمد بن عقبة قال: قال وكيع: زياد بن عبدالله مع شرفه يكذب في الحديث. اهـ\nقلتُ: وفي «التاريخ» قال: هو أشرف من أن يكذب. ومحمد بن عقبة هو السدوسي، ضعفه أبوزرعة وترك حديثه، فلا يعتمد في نقله، والمعروف أن زيادًا لم يكذب.\n(^٢) حديث أنس إنما هو عند البيهقي (٧/ ٢٦٠ - ٢٦١)، وفي إسناده بكر بن خنيس وهومتروك.\nوأما ابن ماجه فإنما أخرجه من حديث أبي هريرة برقم (١٩١٥) وفي إسناده أبومالك النخعي عبدالملك بن الحسين وهو متروك.\nوللحديث طرق أخرى كلها ضعيفة:\n\nفقد جاء من حديث رجل من ثقيف، أخرجه أحمد (٥/ ٢٨)، وأبوداود (٣٧٤٥) من طريق قتادة عن الحسن عن عبدالله بن عثمان الثقفي عن رجل من ثقيف يقال: إن له معروفًا وأثنى عليه فذكره.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لأن عبدالله بن عثمان مجهول وشيخه لم يسم ولا يعرف هل هو صحابي أم لا، وقد خولف قتادة، فرواه يونس بن عبيد عن الحسن مرسلًا، ورجحه أبوحاتم والنسائي أعني الإرسال.\nوجاء من حديث وحشي بن حرب، أخرجه الطبراني (٢٢/ ٣٦٢)، وفي إسناده مجهول حال ومجهول عين.\nوجاء من حديث ابن عباس، أخرجه الطبراني (١١٣٣١)، وفيه: محمد بن عبيدالله العرزمي وهو متروك. فالحديث لا يثبت من جميع طرقه، والله أعلم. وانظر «الفتح» (٥١٧٣).","vol":"8","page":363},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4406>مسألة [١]: حكم إجابة الدعوة في غير اليوم الأول</span>.\nقال البخاري -﵀- في «صحيحه» [باب (٧١) من كتاب النكاح]: بَاب حَقِّ إِجَابَةِ الْوَلِيمَةِ، وَالدَّعْوَةِ، وَمَنْ أَوْلَمَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوَهُ، وَلَمْ يُوَقِّتْ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ. انتهى، ثم ذكر أحاديث في الأمر بإجابة الدعوة.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: قَوْله: (وَمَنْ أَوْلَمَ سَبْعَة أَيَّام وَنَحْوه) يُشِير إِلَى مَا أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة مِنْ طَرِيق حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ قَالَتْ: لَمَّا تَزَوَّجَ أَبِي دَعَا الصَّحَابَة سَبْعَة أَيَّام، فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَنْصَار دَعَا أُبَيّ بْن كَعْب، وَزَيْد بْن ثَابِت وَغَيْرهمَا؛ فَكَانَ أُبَيّ صَائِمًا، فَلَمَّا طَعِمُوا دَعَا أُبَيّ وَأَثْنَى.\nقلتُ: إسناده صحيح، وهو في «المصنف» (٤/ ٢/٣١٤).\nقال الحافظ: قَوْله: (وَلَمْ يُوَقِّت النَّبِيّ - ﷺ - يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ)، أَيْ: لَمْ يَجْعَل لِلْوَلِيمَةِ وَقْتًا مُعَيَّنًا يَخْتَصّ بِهِ الْإِيجَاب، أَوْ الِاسْتِحْبَاب، وَأُخِذَ ذَلِكَ مِنْ الْإِطْلَاق. اهـ\nقلتُ: مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ الإجابة تجب في اليوم الأول، وتستحبُّ في اليوم الثاني، وفي اليوم الثالث لاتستحب.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: وَقَالَ الْعِمْرَانِيّ: إِنَّمَا تُكْرَه إِذَا كَانَ الْمَدْعُوّ فِي","vol":"8","page":364},{"text":"الثَّالِث هُوَ الْمَدْعُوّ فِي الْأَوَّل، وَكَذَا صَوَّرَهُ الرُّويَانِيّ، وَاسْتَبْعَدَهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ؛ لِأَنَّ إِطْلَاق كَوْنه رِيَاء وَسُمْعَة يُشْعِر بِأَنَّ ذَلِكَ صُنِعَ لِلْمُبَاهَاةِ، وَإِذَا كَثُرَ النَّاس فَدَعَا فِي كُلّ يَوْم فِرْقَة؛ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُبَاهَاة غَالِبًا، وَإِلَى مَا جَنَحَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيّ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّة، قَالَ عِيَاض: اِسْتَحَبَّ أَصْحَابنَا لِأَهْلِ السَّعَة كَوْنهَا أُسْبُوعًا. قَالَ: وَقَالَ بَعْضهمْ: مَحَلّه إِذَا دَعَا فِي كُلّ يَوْم مَنْ لَمْ يُدْعَ قَبْله وَلَمْ يُكَرِّر عَلَيْهِمْ. وَهَذَا شَبِيه بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الرُّويَانِيّ، وَإِذَا حَمَلْنَا الْأَمْر فِي كَرَاهَة الثَّالِث عَلَى مَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ رِيَاء، وَسُمْعَة، وَمُبَاهَاة كَانَ الرَّابِع وَمَا بَعْده كَذَلِكَ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: من دُعي مرة أخرى في اليوم الثاني وما بعده فلا يجب عليه الحضور؛ لأنه قد أجاب في اليوم الأول، وأدَّى الواجب، وإن علم فيهم فخرًا، ورياء، وسمعة؛ فيكره له الحضور.\nوأما من دُعي في اليوم الثاني، أو الثالث، ولم يكن قد دُعي قبل ذلك، أو حضر؛ فيجب عليه الحضور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4407>مسألة [٢]: هل يجوز دخول بيت فيه تصاوير في غير دعوة الوليمة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٠٢): فَأَمَّا دُخُولُ مَنْزِلٍ فِيهِ صُورَةٌ؛ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ مِنْ أَجَلِهِ؛ عُقُوبَةً لِلدَّاعِي، بِإِسْقَاطِ حُرْمَتِهِ؛ لِإِيجَادِهِ الْمُنْكَرَ فِي دَارِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ رَآهُ فِي مَنْزِلِ الدَّاعِي الْخُرُوجُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ: إذَا رَأَى صُوَرًا عَلَى السِّتْرِ لَمْ\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥١٧٣) «البيان» (٩/ ٥٤٨) «المغني» (١٠/ ١٩٤ -) «الإنصاف» (٨/ ٣٢٠).","vol":"8","page":365},{"text":"يَكُنْ رَآهَا حِينَ دَخَلَ؟ قَالَ: هُوَ أَسْهَلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْجِدَارِ. قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَرَهُ إلَّا عِنْدَ وَضْعِ الْخِوَانُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، أَيَخْرُجُ؟ فَقَالَ: لَا تُضَيِّقْ عَلَيْنَا، وَلَكِنْ إذَا رَأَى هَذَا وَبَّخَهُمْ وَنَهَاهُمْ. يَعْنِي لَا يَخْرُجُ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهَا تَنَزُّهًا، وَلَا يَرَاهَا مُحَرَّمَةً. وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إذَا كَانَتْ الصُّوَرُ عَلَى السُّتُورِ، أَوْ مَا لَيْسَ بِمَوْطُوءٍ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الدُّخُولُ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، لَمَا جَازَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ الْوَاجِبَةِ مِنْ أَجْلِهِ. اهـ\nثم استدل ابن قدامة لترجيح مذهبه بدخول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الكعبة وفيها صور (^١)، وبأثر عمر -﵁- في شروطه على أهل الذمة بأن يوسعوا أبواب كنائِسِهم (^٢)، وبِيَعِهِم؛ ليدخلها المسلمون للمبيت فيها، والمارة بدوابهم.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلِأَنَّ دُخُولَ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ فَكَذَلِكَ الْمَنَازِلُ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرُ وَكَوْنُ الْمَلَائِكَةِ لَا تَدْخُلُهُ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِهِ عَلَيْنَا، كَمَا لَوْ كَانَ فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْنَا صُحْبَةُ رُفْقَةٍ فِيهَا جَرَسٌ مَعَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَصْحَبُهُمْ.\nقال: وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ مِنْ أَجْلِهِ عُقُوبَةً لِفَاعِلِهِ، وَزَجْرًا لَهُ عَنْ فِعْلِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه أيضًا البخاري (١٦٠١) عن ابن عباس -﵄-، قال: لما قدم النبي - ﷺ - مكة أبى أن يدخل البيت، وفيه الآلهة فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام فقال النبي - ﷺ -: «قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط». وهذا الحديث واضح أنه - ﷺ - لم يدخل إلا بعد أن طهرت الكعبة من الصور.\n(^٢) حسن بطرقه. انظر تخريجه في تحقيقنا للمغني لابن قدامة، نسأل الله ﷿ أن ييسر طبعه ونشره في كتاب الجزية، تحت المسألة رقم (١٧٠٠).","vol":"8","page":366},{"text":"فائدة: من الأعذار في ترك إجابة الدعوة في الوليمة أن يكون طعام صاحب الوليمة من مكسب حرام، أو يكون المدعو في مكان بعيد يشق عليه الحضور، أو يستأذن المدعو من الداعي بالتخلُّف، فيأذن له في ذلك.\n\n١٠٤٦ - وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ -﵂- قَالَتْ: أَوْلَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n١٠٤٧ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ خَيْبَرَ وَالمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ المُسْلِمِينَ إلَى وَلِيمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إلَّا أَنْ أَمَرَ بِالأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ وَالأَقِطُ وَالسَّمْنُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلبُخَارِيِّ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديثين\nفي هذين الحديثين دلالة على أنَّ الوليمة تجزئ بما تيسر، ولا يُشترط فيها أن يذبح شاة، ولكن المستحب للمستطيع أن لا يقل عن شاة؛ لحديث: «أولم ولو بشاة».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥١٧٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٠٨٥)، ومسلم (١٣٦٥).","vol":"8","page":367},{"text":"١٠٤٨ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4408>مسألة [١]: إذا اجتمع داعيان</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ١٩٦): فَإِنْ دَعَاهُ رَجُلَانِ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَسَبَقَ أَحَدُهُمَا؛ أَجَابَ السَّابِقَ؛ لِأَنَّ إجَابَتَهُ وَجَبَتْ حِينَ دَعَاهُ، فَلَمْ يَزُلْ الْوُجُوبُ بِدُعَاءِ الثَّانِي، وَلَمْ تَجِبْ إجَابَةُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُمْكِنَةٍ مَعَ إجَابَةِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنْ اسْتَوَيَا؛ أَجَابَ أَقْرَبَهُمَا مِنْهُ بَابًا؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ»، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ الله، إنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: «أَقْرَبُهُمَا مِنْك بَابًا» (^٢)، وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ؛\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٣٧٥٦)، وكذلك أحمد (٥/ ٤٠٨)، والبيهقي (٧/ ٢٧٥)، من طريق أبي خالد الدالاني، عن أبي العلاء الأودي، عن حميد بن عبدالرحمن، عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، به.\n\nوأبوالعلاء الأودي هو داود بن عبدالله وهو ثقة، واختلف في أبي خالد الدالاني واسمه يزيد بن عبدالرحمن، فقال ابن معين والنسائي وأحمد: لا بأس به. وقال أبوحاتم: صدوق ثقة. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة وفي حديثه لين إلا أنه مع لينه يكتب حديثه. وقال ابن سعد: منكر الحديث. وقال ابن حبان: كثير الخطأ فاحش الوهم. وقال الحاكم: إن الأئمة المتقدمين شهدوا له بالصدق والإتقان. وقال ابن عبدالبر: ليس بحجة. (كذا في «التهذيب»). والذي يظهر لي أن حديثه لا ينزل عن الحسن، ولكنه تفرد بالحديث ومثله لا يحتمل تفرده؛ فالأقرب تضعيف حديثه.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٢٥٩).","vol":"8","page":368},{"text":"فَقُدِّمَ بِهَذِهِ الْمَعَانِي؛ فَإِنْ اسْتَوَيَا؛ أَجَابَ أَقْرَبَهُمَا رَحِمًا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ؛ فَإِنْ اسْتَوَيَا؛ أَجَابَ أَدْيَنَهُمَا؛ فَإِنْ اسْتَوَيَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ تُعَيِّنُ الْمُسْتَحِقَّ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْحُقُوقِ. اهـ\nقلتُ: وقال بعض الحنابلة، والشافعية بتقديم الرحم على الجار، والراجح تقديم الجار؛ لحديث الباب، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: حديث الباب مرفوعٌ عند أبي داود وغيره، وليس كما أوهمه صنيع الحافظ -﵀- أنه موقوف.\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٨/ ٣٣٣ - ٣٣٤) «البيان» (٩/ ٤٨٥ - ٤٨٦).","vol":"8","page":369},{"text":"١٠٤٩ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4409>مسألة [١]: الأكل متكئًا</span>.\nدلَّ حديث الباب على كراهة ذلك.\n• واختُلِف في تفسير الاتكاء:\nفقيل: هو المتمكن في جلوسه من التربع، وشبهه، المعتمد على الوطاء تحته.\nوقيل: هو الميل على أحد الشقين. وهذا القول أقرب، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٣٩٨) (٥٣٩٩).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٥٣٩٨) «النيل» (٥/ ٣٨٢).","vol":"8","page":370},{"text":"١٠٥٠ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا غُلَامُ سَمِّ اللهَ وَكُلْ بِيَمِينِك وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4410>مسألة [١]: حكم التسمية على الطعام</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٣٧٦): قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى اِسْتِحْبَاب التَّسْمِيَة عَلَى الطَّعَام فِي أَوَّله. وَفِي نَقْل الْإِجْمَاع عَلَى الِاسْتِحْبَاب نَظَر، إِلَّا إِنْ أُرِيدَ بِالِاسْتِحْبَابِ أَنَّهُ رَاجِح الْفِعْل وَإِلَّا فَقَدْ ذَهَب جَمَاعَة إِلَى وُجُوب ذَلِكَ. اهـ\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨): وَالصّحِيحُ وُجُوبُ التّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَأَحَادِيثُ الْأَمْرِ بِهَا صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ وَلَا مُعَارِضَ لَهَا، وَلَا إجْمَاعَ يُسَوّغُ مُخَالَفَتَهَا وَيُخْرِجُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا، وَتَارِكُهَا شَرِيكُهُ الشّيْطَانُ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ. اهـ\nوالقول بالوجوب هو الصحيح، وهو قول الظاهرية، والشوكاني. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4411>مسألة [٢]: من نسي التسمية في أوله</span>؟\nجاءت أحاديث مجموعها يرتقي إلى الصحة أنَّ من نسي في أوله، فيقول حين يذكر: «بسم الله أوله وآخره» جاء ذلك من حديث ابن مسعود، وعائشة، وأمية بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣٧٦)، ومسلم (٢٠٢٢).\n(^٢) وانظر: «النيل» (٥/ ٣٧٩) «المحلى» (١٠٢٣).","vol":"8","page":371},{"text":"مخشي -﵃-. (^١)\nتنبيه: ظاهر الأدلة الواردة أنَّ صفة التسمية «بسم الله»، وقال النووي: الأفضل أن يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال الحافظ: ولم أرَ لما ادَّعاه من الأفضلية دليلًا خاصًّا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4412>مسألة [٣]: الأكل باليمين</span>.\nدلَّ حديث الباب على وجوب الأكل باليمين، ويدل عليه أيضًا حديث: «لا تأكلوا بالشمال، ولا تشربوا بالشمال؛ فإنَّ الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله»، وسيأتي في آخر الباب.\nوكذا حديث سلمة بن الأكوع في «صحيح مسلم» (٢٠٢١): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى رجلًا يأكل بشماله قال: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع. قال: «لا استطعت» ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه.\nوقد قال بالوجوب جماعةٌ من الشافعية، والحنابلة، وقال به ابن العربي، والشوكاني وغيرهم، وقال الجمهور بالكراهة فقط. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4413>مسألة [٤]: الأكل مما يليه</span>.\nقال القرطبي -﵀- في «المفهم» (٥/ ٢٩٨): قوله: «كل مما يليك» سنة متفق\n_________\n(^١) انظر: «الإرواء» (١٩٦٥).\n(^٢) «الفتح» (٥٣٧٦).\n(^٣) انظر: «الفتح» (٥٣٧٦) «النيل» (٥/ ٣٨٠) «شرح مسلم» (٢٠٢٠) «سبل السلام» (٦/ ١٧١).","vol":"8","page":372},{"text":"عليها، وخلافها مكروه شديد الاستقباح، لكن إذا كان الطعام نوعًا واحدًا، وسبب الاستقباح أنَّ كل آكل كالحائز لما يليه من الطعام، فأخذ الغير له تعد عليه مع ما في ذلك من تقزز النفوس مما خاضت فيه الأيدي والأصابع، ولما فيه من إظهار الحرص على الطعام، والنهم، ثم هو سوء أدب من غير فائدة إذا كان الطعام نوعًا واحدًا، وأما إذا اختلفت أنواع الطعام؛ فقد أباح ذلك العلماء؛ إذ ليس فيه شيء من تلك الأمور المستقبحة. اهـ\nويؤيد حديث الباب حديث أنس -﵁- في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما أولم على زينب قال للناس: «اذكرو اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه». (^١)\nوقد أخرج الشيخان من حديث أنس -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دُعي إلى طعام، فكان معه أنس، قال أنس: فرأيت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يتتبع الدُّباء من حوالي الصحفة. (^٢)\nوقد حمله البخاري -﵀- على ما إذا لم يعرف من صاحبه كراهة ذلك؛ جمعًا بين الأدلة.\nونقل ابن بطال عن مالك أنه قال: إنَّ المؤاكل لأهله وخدمه يُباح له أن يتبع شهوته حيث رآها إذا علم أنَّ ذلك لا يُكره منه، فإذا علم كراهتهم لذلك لم يأكل إلا مما يليه.\nوقال أيضًا: إنما جالت يد رسول الله - ﷺ - إلى الطعام؛ لأنه علم أنَّ أحدًا لا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥١٦٣)، ومسلم (٩٤) من [كتاب النكاح]، وهو عند البخاري معلقًا.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٥٣٧٩) (٥٤٣٦)، ومسلم برقم (٢٠٤١).","vol":"8","page":373},{"text":"يكره ذلك منه، ولا يتقذره، بل كانوا يتبركون بريقه، ومماسة يده، بل كانوا يتبادرون إلى نخامته، فيتدلكون بها، فكذلك من لم يتقذر من مؤاكله يجوز له أن تجول يده في الصحفة. وقيل: كان النبي - ﷺ - يأكل وحده. وفيه نظر.\nوقال ابن حزم: ليس في الحديث أنه أكل الدباء مما يلي غيره.\nوفيه نظر أيضًا. والذي أجاب به البخاري هو الجواب المرضي.\nوقد ذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز له أن يأكل مما يلي غيره؛ لظاهر الأمر، وليس ذلك ببعيد إذا تأذى صاحبه بذلك، والله أعلم، وهو منقول عن الشافعي. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٣٧٩) «المحلى» (١٠٢١) «النيل» (٥/ ٣٨١).","vol":"8","page":374},{"text":"١٠٥١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ، فَقَالَ: «كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسْطِهَا، فَإِنَّ البَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسْطِهَا». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيِّ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4414>مسألة [١]: الأكل من وسط الطعام</span>.\nدلَّ الحديث على النهي عن ذلك، وجمهور الفقهاء على الكراهة، وعن بعضهم تحريم ذلك، نُقل عن الشافعي، وقال به ابن حزم، وهو اختيار الصنعاني. (^٢)\n_________\n(^١) صحيح. رواه أبوداود (٣٧٧٢)، والترمذي (١٨٠٥)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ١٧٥)، وابن ماجه (٣٢٧٧)، من طرق عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -﵄-. وإسناده صحيح، وعطاء وإن كان قد اختلط فهذا الحديث قد رواه عنه شعبة وسفيان وهما ممن سمع منه قبل اختلاطه.\n(^٢) انظر: «سبل السلام» (٦/ ١٧٠) «نيل الأوطار» (٥/ ٣٨١) «المحلى» (١٠٢١).","vol":"8","page":375},{"text":"١٠٥٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4415>مسألة [١]: عيب الطعام</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٤٠٩): أَيْ الطَّعَام الْمُبَاح، أَمَّا الْحَرَام فَكَانَ يَعِيبهُ، وَيَذُمّهُ، وَيَنْهَى عَنْهُ، وَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّ الْعَيْب إِنْ كَانَ مِنْ جِهَة الْخِلْقَة؛ كُرِهَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَة الصَّنْعَة؛ لَمْ يُكْرَه، قَالَ: لِأَنَّ صَنْعَة الله لَا تُعَاب، وَصَنْعَة الْآدَمِيِّينَ تُعَاب. قُلْت: وَاَلَّذِي يَظْهَر التَّعْمِيم؛ فَإِنَّ فِيهِ كَسْر قَلْب الصَّانِع. قَالَ النَّوَوِيّ: مِنْ آدَاب الطَّعَام الْمُتَأَكِّدَة أَنْ لَا يُعَاب، كَقَوْلِهِ: مَالِح، حَامِض، قَلِيل الْمِلْح، غَلِيظ، رَقِيق، غَيْر نَاضِج، وَنَحْو ذَلِكَ. اهـ\n\n١٠٥٣ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث دلالة على تحريم الأكل بالشمال، والشرب بها، وأنَّ ذلك من أعمال الشيطان، وقد تقدم ذكر المسألة قريبًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٤٠٩)، ومسلم (٢٠٦٤).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٢٠١٩).","vol":"8","page":376},{"text":"١٠٥٤ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٠٥٥ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- نَحْوُهُ، وَزَادَ: «وَيَنْفُخُ فِيهِ». وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4416>مسألة [١]: النفخ في الشراب والطعام</span>.\nقال القرطبي -﵀- في «المفهم» (٥/ ٢٨٨): نهيه - ﷺ - عن التنفس في الإناء إنما هو لئلا يتنفس فيه؛ فيتقذر الماء ببزاق يخرج من الفم، أو بريح كريهة تتعلق بالماء. اهـ\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٥٣): وهذا النهي للتأدب لإرادة المبالغة في النظافة؛ إذ قد يخرج مع النفس بصاق، أو مخاط، أو بخار رديء، فيكسبه رائحة كريهة، فيتقذر بها هو أو غيره عن شربه. اهـ\nوقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٦٧): قال العلماء: والنهي عن التنفس في الإناء هو من طريق الأدب؛ مخافة من تقذيره، ونتنه، وسقوط شيء من الفم، والأنف فيه، ونحو ذلك، والله أعلم. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧).\n(^٢) أخرجه أبوداود (٣٧٢٨)، والترمذي (١٨٨٨)، وإسناده صحيح.","vol":"8","page":377},{"text":"وقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (٦/ ١٧٢): فيه دلالة على تحريم النفخ في الإناء. اهـ\nوأخرج حديثَ ابن عباس -﵄- أحمدُ (١/ ٣٠٩)، بلفظ: «نهى أن ينفخ في الطعام والشراب»، وهو في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» (٥٩٢)، فالنهي يشمل الطعام والشراب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4417>مسألة [٢]: بعض الآداب التي لم تتناولها الأحاديث السابقة</span>.\n١) من الآداب في ذلك: الحمد، والثناء على الله بعد الأكل؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها» أخرجه مسلم (٢٧٣٤)، من حديث أنس بن مالك -﵁-.\n٢) غسل اليدين قبل الطعام لمن احتاج ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ولم يثبت حديثٌ في الحث على غسل اليدين قبل الطعام. (^٢)\n٣) غسل اليدين بعد الطعام، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه غسل يديه بعد الطعام. أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (٢٦٩) وغيره، من حديث أبي هريرة -﵁-، بإسناد حسن، وفي «سنن أبي داود» (٣٨٥٢)، من حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من نام وفي يده غمر ولم يغسله، فأصابه\n_________\n(^١) انظر: «منار السبيل» (٢/ ١٩٠).\n(^٢) انظر: «الإرواء» (١٩٦٣) (١٩٦٤) «السلسلة الضعيفة» (١٦٨).","vol":"8","page":378},{"text":"شيءٌ، فلا يلومن إلا نفسه»،وإسناده صحيح.\n٤) يُستحب له الأكل بثلاث أصابع، ولا يمسح يده حتى يلعقها، ثبت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في «صحيح مسلم» (٢٠٣٢) (٢٠٣٤)، من حديث أنس بن مالك، وكعب بن مالك -﵄-.\n٥) يستحب لعق الأصابع، والصحفة؛ لحديث جابر في «صحيح مسلم» (٢٠٣٣): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: «إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة».\n٦) يستحب إذا سقطت اللقمة أن يأخذها، ويميط عنها الأذى، ويأكلها، أمر بذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في «صحيح مسلم» (٢٠٣٣) (٢٠٣٤)، من حديث جابر، وأنس -﵄-.\n٧) يستحب له أن يزيل فضل الطعام الذي بين أسنانه؛ لأنه ببقائه تنبعث الريح الكريهة، وتوهن الأضراس، وثبت عن ابن عمر -﵄- كما في «معجم الطبراني» أنه قال: إن فضل الطعام الذي يبقى بين الأضراس يوهن الأضراس. وصححه الإمام الألباني في «الإرواء» (١٩٧٤).\n٨) يُكره أكل الطعام الشديد الحرارة، وقد صحَّ عن أبي هريرة -﵁- كما في «سنن البيهقي» (٧/ ٢٨٠)، أنه كان يقول: لا يؤكل طعام حتى يذهب بخاره. وصححه الإمام الألباني في «الإرواء» (١٩٧٨).\nوقد أخرج الطبراني عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أُتي بصحفة","vol":"8","page":379},{"text":"تفور، فرفع يده منها، فقال: «اللهم لا تطعمنا نارًا»، وفي إسناده: عبد الله بن يزيد البكري، وهو ضعيف، وبلال بن أبي هريرة، وهو مجهول، وقد ضعفه الإمام الألباني في «الإرواء» (١٩٧٨).\nوقد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال في الطعام الذي ذهب فوره: «إنه أعظم للبركة» أخرجه أحمد (٦/ ٣٥٠)، والحاكم (٤/ ١١٨)، والبيهقي (٧/ ٢٨٠)، من حديث أسماء بنت أبي بكر -﵂-، وهو في «السلسلة الصحيحة» (٣٩٢).","vol":"8","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4418>بَابُ القَسْمِ</span>\n١٠٥٦ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: «اللهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ، وَلَكِنْ رَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ إرْسَالَهُ. (^١)\n\n١٠٥٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف الراجح إرساله. أخرجه أبوداود (٢١٣٤)، والنسائي (٧/ ٦٤)، والترمذي (١١٤٠)، وابن ماجه (١٩٧١)، وابن حبان (٤٢٠٥)، والحاكم (٢/ ١٨٧)، كلهم من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابه عن عبدالله بن يزيد عن عائشة به. وقد خولف حماد بن سلمة في إسناد الحديث، فقد رواه حماد بن زيد وابن علية وغيرهما عن أيوب عن أبي قلابة مرسلًا، ورجح المرسل البخاري وأبوزرعة والترمذي وأشار إلى ذلك النسائي. انظر: «العلل الكبير» للترمذي (١/ ٤٤٨)، و«علل ابن أبي حاتم» (١/ ٤٢٥)، و«تحقيق المسند» (٢٥١١١).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٥)، وأبوداود (٢١٣٣)، والترمذي (١١٤١)، والنسائي (٧/ ٦٣)، وابن ماجه (١٩٦٩)، كلهم من طريق همام بن يحيى عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة به. وهذا إسناد ظاهره الصحة رجاله رجال الشيخين.\nولكن روى الحديث هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: كان يقال: من كانت ... فذكره. قال الترمذي عقب الحديث: إنما أسند هذا همام بن يحيى عن قتادة، ورواه هشام الدستوائي عن قتادة قال: كان يقال ... ولا نعرف هذا الحديث مرفوعًا إلا من حديث همام. اهـ\nورواية سعيد ذكرها الترمذي في «العلل الكبير» (١/ ٤٤٩) ثم رجح حديث همام فقال: وحديث همام أشبه وهو ثقة حافظ. وقد ذكر شيخنا الوادعي -﵀- هذا الحديث في «أحاديث معلة» ص (٤٠٧).","vol":"8","page":381},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nتعريف القسم وحكمه:\nالقَسْم: هو بفتح القاف، وسكون السين، مصدر: قسمت الشيءَ قَسْمًا.\nوالمراد به هنا أن يسوي الرجل بين زوجاته في المبيت، والنفقة، والكسوة، والعطايا.\nقال ابن قدامة -﵀- كما في «المغني» (١٠/ ٢٣٥): لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الْقَسْمِ خِلَافًا، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، وَلَيْسَ مَعَ الْمَيْلِ مَعْرُوفٌ. اهـ ثم استدل بحديثي الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4419>مسألة [١]: عماد القَسْم</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المقنع»: وَعِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ؛ إِلَّا لِمنْ مَعِيْشَتُه بِالَّليلِ كَالْحَارِسِ.\nوقال -﵀- في «المغني»: لَا خِلَافَ فِي هَذَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّيْلَ لِلسَّكَنِ وَالْإِيوَاءِ، يَأْوِي فِيهِ الْإِنْسَانُ إلَى مَنْزِلِهِ، وَيَسْكُنُ إلَى أَهْلِهِ، وَيَنَامُ فِي فِرَاشِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ عَادَةً، وَالنَّهَارَ لِلْمَعَاشِ، وَالْخُرُوجِ، وَالتَّكَسُّبِ، وَالِاشْتِغَالِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ:١٠ - ١١]، وَقَالَ: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص:","vol":"8","page":382},{"text":"٧٣]؛ فَعَلَى هَذَا يَقْسِمُ الرَّجُلُ بَيْنَ نِسَائِهِ لَيْلَةً وَلَيْلَةً، وَيَكُونُ فِي النَّهَارِ فِي مَعَاشِهِ، وَقَضَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ، وَمَا شَاءَ مِمَّا يُبَاحُ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ مَعَاشُهُ بِاللَّيْلِ، كَالْحُرَّاسِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ؛ فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ بِالنَّهَارِ، وَيَكُونُ اللَّيْلُ فِي حَقِّهِ كَالنَّهَارِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. اهـ (^١)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٤٢ -): وَالنَّهَارُ يَدْخُلُ فِي الْقَسْمِ تَبَعًا لِلَّيْلِ؛ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ أَنَّ سَوْدَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢) وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قُبِضَ رَسُولُ الله - ﷺ - فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي. (^٣) وَإِنَّمَا قُبِضَ النَّبِيُّ - ﷺ - نَهَارًا. وَيَتْبَعُ الْيَوْمُ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ تَابِعٌ لِلَّيْلِ، وَلِهَذَا يَكُونُ أَوَّلُ الشَّهْرِ اللَّيْلَ، وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ؛ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ شَمْسِ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْهُ، فَيَبْدَأُ بِاللَّيْلِ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَ النَّهَارَ مُضَافًا إلَى اللَّيْلِ الَّذِي يَتَعَقَّبُهُ جَازَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَفَاوَتُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4420>مسألة [٢]: هل يَقْسِم المريض، والمجبوب، والعنين، والخصي</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٣٦): وَيَقْسِمُ الْمَرِيضُ، وَالْمَجْبُوبُ، وَالْعِنِّينُ، وَالْخُنْثَى، وَالْخَصِيُّ، وَبِذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْقَسْمَ لِلْأُنْسِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ مِمَّنْ لَا يَطَأُ. وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - لَمَّا كَانَ فِي مَرَضِهِ جَعَلَ يَدُورُ فِي نِسَائِهِ، وَيَقُولُ: «أَيْنَ أَنَا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٤٢) «الشرح الكبير» (٩/ ٦١٧).\n(^٢) سيأتي في «البلوغ» رقم (١٠٦٠).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٤٤٤٩) (٤٤٥١).","vol":"8","page":383},{"text":"غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١)؛ فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، اسْتَأْذَنَهُنَّ فِي الْكَوْنِ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ -.\nقال: فَإِنْ لَمْ يَأْذَنَّ لَهُ؛ أَقَامَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ بِالْقُرْعَةِ، أَوْ اعْتَزَلَهُنَّ جَمِيعًا إنْ أَحَبَّ. اهـ\nقلتُ: وإن كانت واحدة منهن تحسن الاعتناء به في مرضه؛ فلا يبعد جواز بقائه عندها، وإن لم يأذنَّ، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4421>مسألة [٣]: هل يَقْسِم المجنون</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٣٦): فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَجْنُونًا لَا يُخَافُ مِنْهُ، طَافَ بِهِ الْوَلِيُّ عَلَيْهِنَّ، وَإِنْ كَانَ يُخَافُ مِنْهُ، فَلَا قَسْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ أُنْسٌ وَلَا فَائِدَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْدِلْ الْوَلِيُّ فِي الْقَسْمِ بَيْنَهُنَّ، ثُمَّ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ لِلْمَظْلُومَةِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَزِمَهُ إيفَاؤُهُ حَالَ الْإِفَاقَةِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4422>مسألة [٤]: هل يقسم للمريضة، والرتقاء، والحائض، والنفساء، والمُحْرِمَة، والصغيرة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٣٦): وَيُقْسَمُ لِلْمَرِيضَةِ، وَالرَّتْقَاءِ، وَالْحَائِضِ، وَالنُّفَسَاءِ، وَالْمُحْرِمَةِ، وَالصَّغِيرَةِ الْمُمْكِنِ وَطْؤُهَا، وَكُلُّهُنَّ سَوَاءٌ فِي\n_________\n(^١) سيأتي في «البلوغ» رقم (١٠٦٣).\n(^٢) انظر: «الأوسط» (٩/ ٣٦).","vol":"8","page":384},{"text":"الْقَسْمِ. وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. وَكَذَلِكَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْإِيوَاءُ، وَالسَّكَنُ، وَالْأُنْسُ، وَهُوَ حَاصِلٌ لَهُنَّ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4423>مسألة [٥]: هل يقسم للمجنونة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٣٧): وَأَمَّا الْمَجْنُونَةُ؛ فَإِنْ كَانَتْ لَا يُخَافُ مِنْهَا، فَهِيَ كَالصَّحِيحَةِ، وَإِنْ خَافَ مِنْهَا، فَلَا قَسْمَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَحْصُلُ لَهَا أُنْسٌ وَلَا بِهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4424>مسألة [٦]: هل يلزمه قسم الابتداء</span>؟\nومعنى قسم الابتداء أنه يلزمه أن يبيت عند امرأته إذا كان له واحدة ليلة من كل أربع ليال، وإن كان له أربع نسوة فكل واحدة منهن ليلة من كل أربع ليال.\nوبتعبير آخر: إن كان له امرأة ليس له ترك المبيت عندها أكثر من ثلاث ليالٍ، وإن كان له امرأتان فليس له أن يترك المبيت عند واحدة منهما أكثر من ليلتين، وهكذا.\n• فمذهب أحمد وجوبه، وهو قول الثوري، وأبي ثور، مالم يكن له عذر، واستدلوا على ذلك بحديث: «وإنَّ لأهلك عليك حقًّا»، وبقصة كعب بن سور أنه كان جالسًا عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁-، فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلًا قط أفضل من زوجي، والله إنه ليبيت ليله قائمًا،\n_________\n(^١) «الأوسط» (٩/ ٣٨).","vol":"8","page":385},{"text":"ويظل نهاره صائمًا، فاستغفر لها وأثنى عليها، واستحيت المرأة وقامت راجعة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين، هلا أعديت المرأة على زوجها، فقال: وما ذاك؟ فقال: إنها جاءت تشكوه، إذا كان هذا حاله في العبادة، فمتى يتفرغ لها؟ فبعث عمر إلى زوجها، فجاء، فقال لكعب: اقض بينهما؛ فإنك فهمت من أمرهما مالم أفهم. قال: فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن، فأقضي له بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة. فقال عمر: والله، ما رأيك الأول بأعجب إليَّ من الآخر، اذهب فأنت قاضٍ على أهل البصرة. رواه عمر بن شبة في كتاب «قضاة البصرة» من طرق، وذكر الحافظ في «الإصابة» أن لها طرقًا، وصححها الإمام الألباني في «الإرواء» (٢٠١٦).\n• وذهب الشافعي -﵀- إلى أنه لا يجب قسم الابتداء؛ لأنَّ القسم لحقه، فلم يجب عليه، وهو قول القاضي أبي يعلى الحنبلي، قال: إلا أن يترك الوطء مُصِرًّا.\n• وقال القاضي، وابن عقيل كما في «الإنصاف»: يلزمه من البيتوتة ما يزول معه ضرر الوحشة، ويحصل منه الأُنس المقصود بالزوجية بلا توقيت، فيجتهد الحاكم. قال المرداوي: وهو الصواب.\nوقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: وقال بعض أهل العلم: إنه يجب عليه أن يبيت عندها بالمعروف، ولا يلزم من كونه لا يلزمه إلا ليلة إذا كان عنده أربع نساء أن لا يجب عليه أكثر إذا لم يكن له إلا واحدة؛ لأنَّ كونه لا يلزمه إلا ليلة إذا كان عنده أربع نساء هو من ضرورة العدل، فإذا صرن أربعًا؛ فلابد أن يكون لكل واحدة","vol":"8","page":386},{"text":"منهن ليلة من أربع بخلاف ما إذا كان مُخْلٍ لها وليس معها أحد؛ فإنَّ الحكم يختلف، فيجب عليه أن يبيت عندها ما جرت به العادة، والظاهر أنَّ ما جرت به العادة يكون مقاربًا لما قضى به عمر -﵁- عند النزاع والتنازع، وأما المشورة؛ فإنه ينبغي أن يُشار على الزوج، فيقال: هذه زوجتك، ولا ينبغي لك أن تهجرها، والله تعالى يقول: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ متى؟ ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، أما مع عدم خوف النشوز فلا ينبغي أن تُهجر ولا ليلة؛ إلا إذا جرى العرف بذلك. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4425>مسألة [٧]: إذا سافر عن امرأته، فهل يسقط حقها من القسم، والوطء</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٤٠): وَإِنْ سَافَرَ عَنْ امْرَأَتِهِ لَعُذْرٍ وَحَاجَةٍ؛ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ وَالْوَطْءِ، وَإِنْ طَالَ سَفَرُهُ، وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمَفْقُودِ إذَا تَرَكَ لِامْرَأَتِهِ نَفَقَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ الرُّجُوعِ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ ذَهَبَ إلَى تَوْقِيتِهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ: كَمْ يَغِيبُ الرَّجُلُ عَنْ زَوْجَتِهِ؟ قَالَ: سِتَّةَ أَشْهُرٍ، يُكْتَبُ إلَيْهِ؛ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا. وَإِنَّمَا صَارَ إلَى تَقْدِيرِهِ بِهَذَا؛ لِحَدِيثِ عُمَرُ رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَحْرُسُ الْمَدِينَةَ، فَمَرَّ بِامْرَأَةٍ فِي بَيْتِهَا، وَهِيَ تَقُولُ:\nتَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَاسْوَدَّ جَانِبُهُ ... وَطَالَ عَلَيَّ أَنْ لَا خَلِيلَ أُلَاعِبُهُ\nوَوَالله لَوْلَا خَشْيَةُ الله وَحْدَهُ ... لَحُرِّك مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٣٧ -) «الشرح الممتع» (٥/ ٣٦٥) «الإنصاف» (٩/ ٣٥٢).","vol":"8","page":387},{"text":"فَسَأَلَ عَنْهَا عُمَرُ؟ فَقِيلَ لَهُ: هَذِهِ فُلَانَةُ، زَوْجُهَا غَائِبٌ فِي سَبِيلِ الله. فَأَرْسَلَ إلَيْهَا امْرَأَةً تَكُونُ مَعَهَا، وَبَعَثَ إلَى زَوْجِهَا فَأَقْفَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ الله! مِثْلُك يَسْأَلُ مِثْلِي عَنْ هَذَا. فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أُرِيدُ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ مَا سَأَلْتُك. قَالَتْ: خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، سِتَّةَ أَشْهُرٍ. فَوَقَّتَ لِلنَّاسِ فِي مَغَازِيهِمْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، يَسِيرُونَ شَهْرًا، وَيُقِيمُونَ أَرْبَعَةً، وَيَسِيرُونَ شَهْرًا رَاجِعِينَ.\nقال: فَإِنْ غَابَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُرَاسِلُهُ الْحَاكِمُ؛ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَقْدَمَ، فَسَخَ نِكَاحَهُ. وَمَنْ قَالَ: لَا يُفْسَخُ نِكَاحُهُ إذَا تَرَكَ الْوَطْءَ وَهُوَ حَاضِرٌ، فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْفَسْخُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. اهـ\nقلتُ: أثر عمر أخرجه سعيد بن منصور (٢/ ١٧٤)، وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه؛ فإنَّ زيد بن أسلم لم يلق عمر، وله طريق أخرى عند البيهقي (٩/ ٢٩) مختصرًا، وفيه: أربعة أشهر، أو ستة أشهر. وهو من طريق: إسماعيل بن أبي أويس عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عمر. وإسماعيل ضعيف، وعبد الله ابن دينار لم يلق عمر.\nوقال الحافظ ابن كثير -﵀- في تفسير آية الإيلاء: وقد ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر الأثر الذي رواه مالك بن أنس في «الموطإ» عن عبد الله بن دينار قال: خرج عمر ... .","vol":"8","page":388},{"text":"فذكره كرواية البيهقي، ثم ذكر طريقًا أخرى من طريق محمد بن إسحاق، وليس فيه تحديد المدة، وهو عند ابن أبي الدنيا في كتابه «الأشراف» (٢٦٠)، وفيه مجهول، وانقطاع، وعنعنة ابن إسحاق.\nوله طريق أخرى عند ابن أبي الدنيا (٢٦١) مختصرًا وفيه التحديد بستة أشهر، ولكنه ضعيفٌ جدًّا؛ فإن في إسناده الحسن بن دينار، وهو متروك قد كُذِّب، يرويه عن الحسن البصري عن عمر، وهو منقطع.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: إن لم يكن للزوج عذر وحاجة في السفر وطالبت المرأة برجوعه؛ فلها الفسخ عند الحاكم إذا جاوز مدة أربعة أشهر؛ لآية الإيلاء، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4426>مسألة [٨]: إذا غاب الرجل في يوم بعض نسائه وليلتها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٤٣): وَإِنْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَعْضِ نِسَائِهِ فِي زَمَانِهَا؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي النَّهَارِ أَوْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، أَوْ آخِرِهِ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِالِانْتِشَارِ فِيهِ، وَالْخُرُوجِ إلَى الصَّلَاةِ؛ جَازَ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَخْرُجُونَ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَلِصَلَاةِ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِهِ، وَأَمَّا النَّهَارُ، فَهُوَ لِلْمَعَاشِ وَالِانْتِشَارِ.\nقال: وَإِنْ خَرَجَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ عَادَ، لَمْ يَقْضِ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَضَاءِ ذَلِكَ. وَإِنْ أَقَامَ؛ قَضَاهُ لَهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ إقَامَتُهُ لَعُذْرٍ مِنْ شُغْلٍ، أَوْ حَبْسٍ،\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الممتع» (٥/ ٣٦٧ - ٣٦٨)، «الإنصاف» (٨/ ٣٥٤ -)، «فتاوى اللجنة» (١٩/ ٣٣٨ - ٣٤١).","vol":"8","page":389},{"text":"أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا قَدْ فَاتَ بِغَيْبَتِهِ عَنْهَا. وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَ قَضَاءَهُ لِذَلِكَ غَيْبَتَهُ عَنْ الْأُخْرَى، مِثْلُ مَا غَابَ عَنْ هَذِهِ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ تَحْصُلُ بِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ تَرْكُ اللَّيْلَةِ بِكَمَالِهَا فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَبَعْضُهَا أَوْلَى.\nقال: إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَضَاؤُهُ كُلَّهُ مِنْ لَيْلَةِ الْأُخْرَى؛ لِئَلَّا يَفُوتَ حَقُّ الْأُخْرَى، فَتَحْتَاجَ إلَى قَضَاءٍ، وَلَكِنْ إمَّا أَنْ يَنْفَرِدَ بِنَفْسِهِ فِي لَيْلَةٍ، فَيَقْضِيَ مِنْهَا، وَإِمَّا أَنْ يَقْسِمَ لَيْلَةً بَيْنَهُنَّ، وَيُفَضِّلُ هَذِهِ بِقَدْرِ مَا فَاتَ مِنْ حَقِّهَا، وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَ مِنْ لَيْلَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِثْلَ مَا فَاتَ مِنْ لَيْلَةِ هَذِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَقْسِمَ المَتْرُوكَ بَيْنَهُمَا، مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ مِنْ لَيْلَةِ إحْدَاهُمَا سَاعَتَيْنِ، فَيَقْضِيَ لَهَا مِنْ لَيْلَةِ الْأُخْرَى سَاعَةً وَاحِدَةً، فَيَصِيرَ الْفَائِتُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سَاعَةً. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4427>مسألة [٩]: الدخول على امرأة في زمن الأخرى</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (١٠/ ٢٤٤): وَأَمَّا الدُّخُولُ عَلَى ضَرَّتِهَا فِي زَمَنِهَا؛ فَإِنْ كَانَ لَيْلًا لَمْ يَجُزْ إلَّا لضَرُورَةٍ، مِثْل أَنْ تَكُونَ مَنْزُولًا بِهَا، فَيُرِيدُ أَنْ يَحْضُرَهَا، أَوْ تُوصِي إلَيْهِ، أَوْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ؛ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنَّ خَرَجَ؛ لَمْ يَقْضِ. وَإِنْ أَقَامَ وَبَرَأتْ الْمَرْأَةُ الْمَرِيضَةُ؛ قَضَى لِلْأُخْرَى مِنْ لَيْلَتِهَا بِقَدْرِ مَا أَقَامَ عِنْدَهَا. وَإِنْ خَرَجَ لَحَاجَةٍ غَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ؛ أَثِمَ. وَالْحُكْمُ فِي الْقَضَاءِ، كَمَا لَوْ دَخَلَ لَضَرُورَةٍ إن لم يَلبثْ أنْ خرجَ لم يقضِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَضَاءِ الْيَسِيرِ، وَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَجَامَعَهَا فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٩/ ٥١٧ - ٥١٨).","vol":"8","page":390},{"text":"أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُسْتَحَقُّ فِي الْقَسْمِ، وَالزَّمَنُ الْيَسِيرُ لَا يُقْضَى.\nوَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْضِيَهُ، وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْمَظْلُومَةِ فِي لَيْلَةِ الْمُجَامَعَةِ، فَيُجَامِعُهَا؛ لِيَعْدِلَ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّ الْيَسِيرَ مَعَ الْجِمَاعِ يَحْصُلُ بِهِ السَّكَنُ، فَأَشْبَهَ الْكَثِيرَ.\nقال: وَأَمَّا الدُّخُولُ فِي النَّهَارِ إلَى الْمَرْأَةِ فِي يَوْمِ غَيْرِهَا، فَيَجُوزُ لِلْحَاجَةِ، مِنْ دَفْعِ النَّفَقَةِ، أَوْ عِيَادَةٍ، أَوْ سُؤَالٍ عَنْ أَمْرٍ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ، أَوْ زِيَارَتِهَا لِبُعْدِ عَهْدِهِ بِهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ.\nثم استدل بحديث عائشة -﵂-، وهو في «سنن أبي داود» وسيأتي في الكتاب.\nقال: وَإِذَا دَخَلَ إلَيْهَا لَمْ يُجَامِعْهَا، وَلَمْ يُطِلْ عِنْدَهَا؛ لِأَنَّ السَّكَنَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ، وَهِيَ لَا تَسْتَحِقُّهُ، وَفِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنْهَا بِمَا دُونَ الْفَرْجِ وَجْهَانِ:\nأَحَدُهُمَا: يَجُوزُ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ.\nوَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهَا بِهِ السَّكَنُ، فَأَشْبَهَ الْجِمَاعَ؛ فَإِنْ أَطَالَ الْمُقَامَ عِنْدَهَا، قَضَاهُ، وَإِنْ جَامَعَهَا فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.\nقال: وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَقْضِي إذَا جَامَعَ فِي النَّهَارِ. وَلَنَا أَنَّهُ زَمَنٌ يَقْضِيهِ إذَا طَالَ الْمُقَامُ، فَيَقْضِيهِ إذَا جَامَعَ فِيهِ، كَاللَّيْلِ. اهـ","vol":"8","page":391},{"text":"قلتُ: بل للشافعية وجهان في القضاء أيضًا في المسألة الأخيرة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4428>مسألة [١٠]: إذا أعطى الرجل إحدى نسائه مالا؛ لتحلله من يومها وليلتها</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى المنع من ذلك، وهو مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر؛ بحجة أنه ليس للزوج أن يزيدها ليلة، لو دفعت هي إليه مالا.\n• وذهب أبو ثور إلى مشروعية ذلك؛ لأنه حق لها تركته بمقابل مال؛ فلا بأس عليه في ذلك. وهذا القول أقرب، وما ذكره ابن المنذر: أنه ليس للزوج أن يزيدها ليلة لو دفعت هي إليه مالا؛ فلا إشكال فيه؛ لأن الحق ليس له، وإنما لبقية نسائه؛ فلو رضين بذلك جاز له ولهن ذلك؛ لأن هذه حقوق، والحقوق يجوز بيعها، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4429>مسألة [١١]: التسوية بين نسائه في النفقة، والكسوة</span>.\nقال المرداوي -﵀- في «الإنصاف» (٨/ ٣٦٣): ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَعَلَيْهِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْقَسْمِ) أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ إذَا كَفَى الْأُخْرَى. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ -﵀-: يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ فِيهِمَا أَيْضًا. وَقَالَ: لَمَّا عَلَّلَ الْقَاضِي عَدَمَ\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٩/ ٥١٦، ٥١٨).\n(^٢) وانظر: «الأوسط» (٩/ ٣٧).","vol":"8","page":392},{"text":"الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ: (لِأَنَّ حَقَّهُنَّ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالْقَسْمِ وَقَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ؛ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ إلَى مَنْ شَاءَ) قَالَ: مُوجِبُ هَذِهِ الْعِلَّةِ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْسِمَ لِلْوَاحِدَةِ لَيْلَةً مِنْ أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ، وَيَبِيتُ الْبَاقِيَ عِنْدَ الْأُخْرَى. اهـ (^١)\nوفي «فتاوى اللجنة الدائمة» (١٩/ ٢٠٥) فتوى في ذلك برئاسة العلامة ابن باز -﵀-، ونصُّها: يجب على الزوج العدل بين زوجاته في النفقة، والكسوة، والمسكن، والهدايا، وغير ذلك من الأمور الظاهرة، ولا يجوز له أن يعطي واحدة ويمنع الأخرى إلا برضاها، وعفوها عن حقها. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4430>مسألة [١٢]: التسوية بين النساء في الجماع</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٤٥): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْجِمَاعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِك، وَالشَّافِعِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِمَاعَ طَرِيقُهُ الشَّهْوَةُ وَالْمَيْلُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ قَلْبَهُ قَدْ يَمِيلُ إلَى إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، قَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ.\nقال: وَإِنْ أَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْجِمَاعِ؛ كَانَ أَحْسَنَ وَأَوْلَى؛ فَإِنَّهُ أَبْلُغُ فِي الْعَدْلِ.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٠/ ٢٤٢).\n(^٢) وانظر: (١٩/ ١٩٨ -).","vol":"8","page":393},{"text":"قال: وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الِاسْتِمْتَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْ الْقُبَلِ، وَاللَّمْسِ، وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَجِبْ التَّسْوِيَةُ فِي الْجِمَاعِ، فَفِي دَوَاعِيهِ أَوْلَى. اهـ\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٥/ ٣٧٥): وعلى هذا فلو قال إنسان: إنه رجل غيرُ قوي الشهوة إذا جامع واحدة في الليلة ما يستطيع إن يجامع في الليلة الثانية، أو يشق عليه ذلك، فقال: أجمع قوتي لهذه دون تلك. فهذا لا يجوز؛ وذلك لأنَّ الإيثار هنا ظاهر، وهو يستطيع أن يعدل، المهم أنه ما لا يمكن القسم فيه؛ فإنه لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وما يمكنه؛ فإنه يجب عليه أن يقسم. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4431>مسألة [١٣]: الجمع بين امرأتين في مسكن واحد</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٣٤): وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْن امْرَأَتَيْهِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ رِضَاهُمَا، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمَا ضَرَرًا؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالْغَيْرَةِ، وَاجْتِمَاعُهُمَا يُثِيرُ الْمُخَاصَمَةَ وَالْمُقَاتَلَةَ، وَتَسْمَعُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حِسَّهُ إذَا أَتَى إلَى الْأُخْرَى، أَوْ تَرَى ذَلِكَ؛ فَإِنْ رَضِيَتَا بِذَلِكَ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَلَهُمَا الْمُسَامَحَةُ بِتَرْكِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ رَضِيَتَا بِنَوْمِهِ بَيْنَهُمَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ رَضِيَتَا بِأَنْ يُجَامِعَ وَاحِدَةً بِحَيْثُ تَرَاهُ الْأُخْرَى؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَنَاءَةً، وَسُخْفًا، وَسُقُوطَ مُرُوءَةٍ؛ فَلَمْ يُبَحْ بِرِضَاهُمَا. وَإِنْ أَسْكَنَهُمَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي بَيْتٍ؛ جَازَ، إذَا كَانَ ذَلِكَ مَسْكَنَ مِثْلِهَا. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «زاد المعاد» (٥/ ١٥١).","vol":"8","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4432>مسألة [١٤]: كم يقسم للزوجة الأمة مع الزوجة الحرة</span>؟\n• ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى أنه يقسم للأمة ليلة، وللحرة ليلتين، وهو قول سعيد بن المسيب، ومسروق، والشعبي، والحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، والثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي.\nواستدلوا على ذلك بما رواه الدارقطني عن علي -﵁- أنه كان يقول: إذا تَزَوَّجَ الحرة على الأمة؛ قسم للأمة ليلة، وللحرة ليلتين. وهذا الأثر له عند الدارقطني (٣/ ٢٨٥) طريقان، إحداهما فيها حجاج بن أرطاة، وقد عنعن، والثانية فيها ابن أبي ليلى سيء الحفظ، وعباد بن عبد الله الأسدي، ضعيف، وهذه الطريق قد أخرجها أيضًا ابن المنذر (٩/ ٣٤)؛ فالأثر بالطريقين حسن.\nوقالوا: الحرة يجب تسليمها ليلًا ونهارًا، فكان حظها أكثر في الإيواء.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يسوي بين الأمة والحرة في القسم، وهو قول مالك، والليث، والظاهرية؛ لأنه يشملها الآية ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، وهذا القول هو الصواب، وقد صوبه الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4433>مسألة [١٥]: هل يقسم للزوجة الكتابية</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٤٧): وَالْمُسْلِمَةُ، وَالْكِتَابِيَّةُ سَوَاءٌ فِي الْقَسْمِ؛ فَلَوْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، أَمَةٌ مُسْلِمَةٌ، وَحُرَّةٌ كِتَابِيَّةٌ، قَسَمَ لِلْأَمَةِ لَيْلَةً وَلِلْحُرَّةِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٤٦) «البيان» (٩/ ٥١١) «المحلى» (١٨٩٢) «الشرح الممتع» (٥/ ٣٧٤) «الأوسط» (٩/ ٣٤).","vol":"8","page":395},{"text":"لَيْلَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا حُرَّتَيْنِ، فَلَيْلَةٌ وَلَيْلَةٌ.\nقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ سَوَاءٌ.\nكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَسْمَ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، فَاسْتَوَتْ فِيهِ الْمُسْلِمَةُ وَالْكِتَابِيَّةُ، كَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4434>مسألة [١٦]: هل للأمة أن تسقط حقها من القسم بدون إذن سيدها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٤٧): وَالْحَقُّ فِي الْقَسْمِ لِلْأَمَةِ دُونَ سَيِّدِهَا، فَلَهَا أَنْ تَهَبَ لَيْلَتَهَا لِزَوْجِهَا، وَلِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا، كَالْحُرَّةِ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهَا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا، وَلَا أَنْ يَهَبَهُ دُونَهَا؛ لِأَنَّ الْإِيوَاءَ وَالسَّكَنَ حَقٌّ لَهَا دُونَ سَيِّدِهَا، فَمَلَكَتْ إسْقَاطَهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4435>مسألة [١٧]: هل على الرجل أن يقسم لإمائه مع زوجاته</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٤٧ - ٢٤٨): وَلَا قَسْمَ عَلَى الرَّجُلِ فِي مِلْكِ يَمِينِهِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ نِسَاءٌ وَإِمَاءٌ، فَلَهُ الدُّخُولُ عَلَى الْإِمَاءِ كَيْفَ شَاءَ، وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهِنَّ إنْ شَاءَ كَالنِّسَاءِ، وَإِنْ شَاءَ أَقَلَّ، وَإِنْ شَاءَ أَكْثَرَ، وَإِنْ شَاءَ سَاوَى\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٨٩٢) «البيان» (٩/ ٥١١) «الأوسط» (٩/ ٣٣).","vol":"8","page":396},{"text":"بَيْن الْإِمَاءِ، وَإِنْ شَاءَ فَضَّلَ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَمْتَعَ مِنْ بَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ، وَرَيْحَانَةُ، فَلَمْ يَكُنْ يَقْسِمُ لَهُمَا، وَلِأَنَّ الْأَمَةَ لَا حَقَّ لَهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ، وَلِذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ بِكَوْنِ السَّيِّدِ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا، وَلَا تُضْرَبُ لَهَا مُدَّةُ الْإِيلَاءِ، لَكِنْ إنْ احْتَاجَتْ إلَى النِّكَاحِ؛ فَعَلَيْهِ إعْفَافُهَا، إمَّا بِوَطْئِهَا، أَوْ تَزْوِيجِهَا، أَوْ بَيْعِهَا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4436>مسألة [١٨]: هل يقسم لنسائه ليلة ليلة، أم له الزيادة</span>؟\nأما القسم ليلة ليلة فهو فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لنسائه، وهو أفضل القسم.\n• وإن أحب الرجل الزيادة على ذلك بأن يقسم ليلتين ليلتين، أو أكثر، فمذهب الحنابلة، والمالكية: أنه لا يجوز له ذلك إلا برضاهن. واختاره ابن المنذر.\n• ومذهب الشافعية، وجماعة من الحنابلة أنَّ له أن يقسم ليلتين ليلتين، وثلاثًا ثلاثًا، ولا تجوز الزيادة على ذلك إلا برضاهن.\n• وذهب ابن حزم -﵀- إلى جواز القسم إلى سبعة أيام فما دون؛ لحديث أم سلمة: «إن شئتِ سبَّعتُ لكِ، وإن سبَّعتُ لكِ؛ سبَّعتُ لنسائي»، (^٢) قال: فصح أنَّ للزوج أن يسبع وما دون السبع جائز لجواز السبع؛ لأنه بعض السبع، وأما الزيادة على السبع فممنوع؛ لما ذكرنا قبل من وجوب العدل بينهن، فلو جاز\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٩/ ٥٢٦) «المحلى» (١٩٠٥) «الأوسط» (٩/ ٣٩).\n(^٢) سيأتي في «الكتاب» رقم (١٠٥٩).","vol":"8","page":397},{"text":"أكثر من سبع؛ لكان له أن يبيت عند الواحدة ما شاء، ولو أعوامًا، ويقول: سأقسم للأخرى مثل ذلك، وهذا باطل، وظلم. اهـ\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4437>مسألة [١٩]: إن كانت امرأتاه في بلدين متباعدين</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٤٩): فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَتَاهُ فِي بَلَدَيْنِ، فَعَلَيْهِ الْعَدْلُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ الْمُبَاعَدَةَ بَيْنَهُمَا، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُمَا عَنْهُ بِذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَمْضِيَ إلَى الْغَائِبَةِ فِي أَيَّامِهَا، وَإِمَّا أَنْ يُقْدِمَهَا إلَيْهِ وَيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ؛ فَإِنْ امْتَنَعَتْ مِنْ الْقُدُومِ مَعَ الْإِمْكَانِ، سَقَطَ حَقُّهَا لِنُشُوزِهَا، وَإِنْ أَحَبَّ الْقَسْمَ بَيْنَهُمَا فِي بَلَدَيْهِمَا؛ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَقْسِمَ لَيْلَةً وَلَيْلَةً، فَيَجْعَلَ الْمُدَّةَ بِحَسَبِ مَا يُمْكِنُ، كَشَهْرِ وَشَهْرٍ، أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ أَقَلَّ، عَلَى حَسَبِ مَا يُمْكِنُهُ، وَعَلَى حَسَبِ تَقَارُبِ الْبَلَدَيْنِ وَتَبَاعُدِهِمَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4438>مسألة [٢٠]: إذا سافرت المرأة بإذن زوجها، فهل لها القسم والنفقة</span>؟\nوذلك كأن تسافر لِحَجٍّ، أو لعمرة، أو زيارة بإذن زوجها.\n• فالأصح في مذهب الحنابلة أنه لا قسم لها ولا نفقة، وهو وجهٌ للشافعية.\n• وعند الحنابلة والشافعية وجهٌ آخر أنه لا يسقط عليه القسم والنفقة، وذلك لأنها سافرت بإذنه، فأشبه ما لو سافرت معه.\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٩٠٦) «المغني» (١٠/ ٢٤٨) «الإنصاف» (٨/ ٣٦٣) «البيان» (٩/ ٥١٢).","vol":"8","page":398},{"text":"ووجه القول الأول أنَّ القسم للأنس، والنفقة للتمكين من الاستمتاع، وقد تعذر ذلك بسبب من جهتها؛ فسقط.\n• واختار بعض الحنابلة أنه يسقط القسم فقط، ولا تسقط النفقة، ومال إلى ذلك الإمام ابن عثيمين، وهو أقرب الأقوال. (^١)\nتنبيه: إن سافرت بغير إذنه؛ سقط حقها من القسم والنفقة عند أهل العلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٥١ - ٢٥٢) «الإنصاف» (٨/ ٣٦٩ - ٣٧٠) «البيان» (٩/ ٥١٠ -) «الشرح الممتع» (٥/ ٣٧٧).","vol":"8","page":399},{"text":"١٠٥٨ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ البِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ قَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَسَمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\n\n١٠٥٩ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: «إنَّهُ لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلِك هَوَانٌ، إنْ شِئْت سَبَّعْت لَكِ وَإِنْ سَبَّعْت لَكِ سَبَّعْت لِنِسَائِي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4439>مسألة [١]: إذا تزوج الرجل امرأة جديدة، فكم يقيم عندها قبل القسم</span>؟\nحديثا الباب نصٌّ في أنَّ البكر يقيم عندها سبعًا، ثم يقسم، والثيب يقيم عندها ثلاثًا، ثم يقسم، وللثيب أن تجعله يقيم عندها سبعًا، ثم يقسم لنسائه سبعًا سبعًا.\n• وهذا قول جمهور العلماء، وهو قول أنس بن مالك -﵁-، والشعبي، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد، والظاهرية، وعن جماعة من الشافعية أنه يقضي للباقي ما زاد على الثلاث.\n• وذهب بعضهم إلى أنه يقيم عند البكر ثلاثًا، وعند الثيب ليلتين، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، وخلاس، ونافع، والثوري، والأوزاعي.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢١٤)، ومسلم (١٤٦١).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٤٦٠).","vol":"8","page":400},{"text":"قال ابن حزم -﵀-: واحتج من ذهب إلى قول الحسن، وابن المسيب بخبر رويناه من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق قالا جميعًا: قال رسول الله - ﷺ -: «للبكر ثلاث».\nقال: وهو مرسل لا حجة فيه؛ فسقط هذا القول. اهـ\nقلتُ: بل هو معضل، وفيه عنعنة ابن جريج.\n• وذهب الحكم، وحماد، وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا فضل للجديدة، ويقسم لها كغيرها.\nواستدلوا بالأدلة الواردة في وجوب العدل بين الزوجات، وقولهم باطل، وأدلتهم مخصوصة، وبالله التوفيق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4440>مسألة [٢]: إذا تزوج أمةً، فهل يقيم عندها سبعًا إن كانت بكرًا، وثلاثًا إن كانت ثيبًا</span>؟\n• حديث الباب عامٌّ يشمل الحرة والأمة، وهو قول الحنابلة، وابن حزم، وبعض الشافعية وغيرهم.\n• وللشافعية قول أنَّ الأمة على النصف من الحرة، وقولٌ ثالث: للبكر أربع، وللثيب ليلتان، والقول الأول هو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٥٦ - ٢٥٧) «المحلى» (١٩٠٤) «البيان» (٩/ ٥١٩) «الأوسط» (٩/ ٣١).\n(^٢) انظر: «المحلى» (١٩٠٤) «المغني» (١٠/ ٢٥٧).","vol":"8","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4441>مسألة [٣]: إذا كان له امرأة فتزوج أخرى، ثم أراد السفر قبل أن يتم حق الجديدة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٥٥): إذَا كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجَ أُخْرَى، وَأَرَادَ السَّفَرَ بِهِمَا جَمِيعًا؛ قَسَمَ لِلْجَدِيدَةِ سَبْعًا إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَثَلَاثًا إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، ثُمَّ يَقْسِمُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَدِيمَةِ. وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِإِحْدَاهُمَا؛ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الْجَدِيدَةِ، سَافَرَ بِهَا مَعَهُ، وَدَخَلَ حَقُّ الْعَقْدِ فِي قَسْمِ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ قَسْمٍ. وَإِنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ لِلْأُخْرَى؛ سَافَرَ بِهَا، فَإِذَا حَضَرَ؛ قَضَى لِلْجَدِيدَةِ حَقَّ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ سَافَرَ بَعْدَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ.\nقال: وَإِنْ تَزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ، وَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَسَافَرَ بِاَلَّتِي تَخْرُجُ لَهَا الْقُرْعَةُ، وَيَدْخُلُ حَقُّ الْعَقْدِ فِي قَسْمِ السَّفَرِ، فَإِذَا قَدِمَ؛ قَضَى لِلثَّانِيَةِ حَقَّ الْعَقْدِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ لَهَا قَبْلَ سَفَرِهِ لَمْ يُؤَدِّهِ إلَيْهَا، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُسَافِرْ بِالْأُخْرَى مَعَهُ. وَالثَّانِي: لَا يَقْضِيهِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ تَفْضِيلًا لَهَا عَلَى الَّتِي سَافَرَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِلْمُسَافِرَةِ مِنْ الْإِيوَاءِ، وَالسَّكَنِ، وَالْمَبِيتِ عِنْدَهَا، مِثْلُ مَا يَحْصُلُ فِي الْحَضَرِ، فَيَكُونُ مَيْلًا، فَيَتَعَذَّرُ قَضَاؤُهُ.\nقال: فَإِنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَنْقَضِي فِيهَا حَقُّ عَقْدِ الْأُولَى؛ أَتَمَّهُ فِي الْحَضَرِ، وَقَضَى لِلْحَاضِرَةِ مِثْلَهُ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَفِيمَا زَادَ الْوَجْهَانِ. وَيَحْتَمِلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَجْهًا ثَالِثًا، وَهُوَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ قَضَاءَ حَقِّ الْعَقْدِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَى الْمُسَافِرَةِ بِمُدَّةِ سَفَرِهَا، كَمَا لَا يَحْتَسِبُ بِهِ عَلَيْهَا فِيمَا عَدَا حَقِّ","vol":"8","page":402},{"text":"الْعَقْدِ. وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ مِنْ إسْقَاطِ حَقِّ الْعَقْدِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ بِغَيْرِ مُسْقِطٍ. اهـ\nقلتُ: وما استَقْرَبَهُ ابنُ قدامة هو الظاهر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4442>مسألة [٤]: هل يجب على الرجل الإقامة عند الجديدة وإن لم يكن له امرأة قبلها</span>؟\n• قال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٤٦١): وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَنَّ هَذَا الْحَقّ لِلزَّوْجِ أَوْ لِلزَّوْجَةِ الْجَدِيدَة، وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور أَنَّهُ حَقّ لَهَا، وَقَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة: حَقّ لَهُ عَلَى بَقِيَّة نِسَائِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي اِخْتِصَاصه بِمَنْ لَهُ زَوْجَات غَيْر الْجَدِيدَة. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: جُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَقّ لِلْمَرْأَةِ بِسَبَبِ الزِّفَاف، سَوَاء كَانَ عِنْده زَوْجَة أَمْ لَا؛ لِعُمُومِ الْحَدِيث: «إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْر أَقَامَ عِنْدهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّب أَقَامَ عِنْدهَا ثَلَاثًا»، لَمْ يَخُصّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَة.\n• وَقَالَتْ طَائِفَة: الْحَدِيث فِيمَنْ لَهُ زَوْجَة أَوْ زَوْجَات؛ غَيْر هَذِهِ لِأَنَّ مَنْ لَا زَوْجَة لَهُ فَهُوَ مُقِيم مَعَ هَذِهِ كُلّ دَهْره، مُؤْنِس لَهَا، مُتَمَتِّع بِهَا، مُسْتَمْتِعَة بِهِ بِلَا قَاطِع، بِخِلَافِ مَنْ لَهُ زَوْجَات؛ فَإِنَّهُ جُعِلَتْ هَذِهِ الْأَيَّام لِلْجَدِيدَةِ تَأْنِيسًا لَهَا مُتَّصِلًا؛ لِتَسْتَقِرّ عِشْرَتهَا لَهُ، وَتَذْهَب حِشْمَتهَا وَوَحْشَتهَا مِنْهُ، وَيَقْضِي كُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا لَذَّته مِنْ صَاحِبه، وَلَا يَنْقَطِع بِالدَّوَرَانِ عَلَى غَيْرهَا. وَرَجَّحَ الْقَاضِي عِيَاض\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٩/ ٥٢٤).","vol":"8","page":403},{"text":"هَذَا الْقَوْل وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا فِي فَتَاوِيه فَقَالَ: إِنَّمَا يَثْبُت هَذَا الْحَقّ لِلْجَدِيدَةِ إِذَا كَانَ عِنْده أُخْرَى يَبِيت عِنْدهَا؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُخْرَى، أَوْ كَانَ لَا يَبِيت عِنْدهَا؛ لَمْ يَثْبُت لِلْجَدِيدَةِ حَقّ الزِّفَاف، كَمَا لَا يَلْزَمهُ أَنْ يَبِيت عِنْد زَوْجَاته اِبْتِدَاء. وَالْأَوَّل أَقْوَى، وَهُوَ الْمُخْتَار؛ لِعُمُومِ الْحَدِيث. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: بل ما رجَّحه عياض، والبغوي أقرب؛ لقوله في الحديث: «إذا تزوج البكر على الثيب»، ولقوله «ثم قسم».\nوهو ترجيح الصنعاني -﵀- كما في «السبل»، ومال إليه الحافظ في «الفتح»، وابن دقيق العيد، وغيرهم. (^١)\nتنبيه: أفرط بعضهم، وبالغوا، فقالوا: له أن يترك الجماعة للإقامة عند زوجته. وهذا قول باطلٌ بعيدٌ، فلا تعارض بين أن يقيم عندها، ويصلي الجماعة. وأبعد منه من قال: له ترك الجمعة. نسأل الله العافية والهداية.\nقال ابن حزم -﵀- في «المحلى» (١٩٠٤): وأما التخلف عن صلاة الجماعة، فقد ذكرنا في كتاب الصلاة من ديواننا وغيره إيجاب رسول الله - ﷺ - ذلك، وتوعده بحرق بيوت المتخلفين عنها لغير عذر، وقد تزوج ﵊، وأصحابه، فما منهم من أحد تخلَّف في التسبيع، والتثليث عن صلاة الجماعة والجمعة، وإنما هي ضلالة أحدثها الشيطان. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٢١٤) «إحكام الأحكام» (٤/ ٤١).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (٥٢١٤) «إحكام الأحكام» (٤/ ٤٢) «النيل» (٤/ ٣٣١).","vol":"8","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4443>مسألة [٥]: إذا كان عنده امرأتان، فقسم للأولى ثم تزوج أخرى في الليلة الثانية قبل أن يقسم للأخرى</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٥٨): (٥٧٣٨) وَإِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَتَانِ، فَبَاتَ عِنْدَ إحْدَاهُمَا لَيْلَةً، ثُمَّ تَزَوَّجَ ثَالِثَةً قَبْلَ لَيْلَةِ الثَّانِيَةِ، قَدَّمَ الْمَزْفُوفَةَ بِلَيَالِيِهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهَا آكَدُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْعَقْدِ، وَحَقُّ الثَّانِيَةِ ثَبَتَ بِفِعْلِهِ، فَإِذَا قَضَى حَقَّ الْجَدِيدَةِ، بَدَأَ بِالثَّانِيَةِ، فَوَفَّاهَا لَيْلَتَهَا، ثُمَّ يَبِيتُ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْقَسْمَ.\nوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إذَا وَفَّى الثَّانِيَةَ لَيْلَتَهَا، بَاتَ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ نِصْفَ لَيْلَةٍ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْقَسْمَ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي يُوَفِّيهَا لِلثَّانِيَةِ نِصْفُهَا مِنْ حَقِّهَا وَنِصْفُهَا مِنْ حَقِّ الْأُخْرَى، فَيَثْبُتُ لِلْجَدِيدَةِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ نِصْفُ لَيْلَةٍ بِإِزَاءِ مَا حَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ ضَرَّتَيْهَا.\nوَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَحْتَاجُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِنَفْسِهِ فِي نِصْفِ لَيْلَةٍ، وَفِيهِ حَرَجٌ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا لَا يَجِدُ مَكَانًا يَنْفَرِدُ فِيهِ، أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ إلَيْهِ فِي نِصْفِ اللَّيْلَةِ، أَوْ الْمَجِيءِ مِنْهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْبِدَايَةِ بِهَا بَعْدَ الثَّانِيَةِ وَفَاءٌ بِحَقِّهَا بِدُونِ هَذَا الْحَرَجِ؛ فَيَكُونُ أَوْلَى إنْ شَاءَ الله. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (٩/ ٥٢٠).","vol":"8","page":405},{"text":"١٠٦٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4444>مسألة [١]: هبة المرأة ليلتها لزوجها، أو لبعض ضرائرها</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٥٠): وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ لِزَوْجِهَا، أَوْ لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا، أَوْ لَهُنَّ جَمِيعًا، وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِرِضَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَا يَسْقُطُ إلَّا بِرِضَاهُ، فَإِذَا رَضِيَتْ هِيَ وَالزَّوْجُ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ لَهُمَا، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا؛ فَإِنْ أَبَتْ الْمَوْهُوبَةُ قَبُولَ الْهِبَةِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ثَابِتٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، إنَّمَا مَنَعَتْهُ الْمُزَاحَمَةُ بِحَقِّ صَاحِبَتِهَا، فَإِذَا زَالَتْ الْمُزَاحَمَةُ بِهِبَتِهَا؛ ثَبَتَ حَقُّهُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَإِنْ كَرِهَتْ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4445>مسألة [٢]: إذا وهبت المرأة يومها لإحدى ضرائرها، فهل له أن يجعله تاليًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٥٠ - ٢٥١): ثُمَّ إنْ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ تَلِي لَيْلَةَ المَوْهُوبَةِ، وَالَى بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَلِيهَا؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ المُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا، إلَّا بِرِضَى الْبَاقِيَاتِ، وَيَجْعَلُهَا لَهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ لِلْوَاهِبَةِ؛ وَلِأَنَّ الْمَوْهُوبَةَ قَامَتْ مَقَامَ الْوَاهِبَةِ فِي لَيْلَتِهَا، فَلَمْ يَجُزْ تَغْيِيرُهَا عَنْ مَوْضِعِهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢١٢)، ومسلم (١٤٦٣).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (٥٢١٢) «البيان» (٩٢٥).","vol":"8","page":406},{"text":"لِلْوَاهِبَةِ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَأْخِيرَ حَقِّ غَيْرِهَا، وَتَغْيِيرًا لِلَيْلَتِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا؛ فَلَمْ يَجُزْ.\nقال: وَفِيهِ وَجْهٌ آخِرُ: أنَّهُ يَجُوزُ المُوَالَاةُ بَيْنَ اللَّيْلَتَيْنِ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي التَّفْرِيقِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. اهـ\nوقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٢١٢): قَالَ الْعُلَمَاء: إِذَا وَهَبَتْ يَوْمهَا لِضَرَّتِهَا؛ قَسَمَ الزَّوْج لَهَا يَوْم ضَرَّتهَا؛ فَإِنْ كَانَ تَالِيًا لِيَوْمِهَا، فَذَاكَ، وَإِلَّا لَمْ يُقَدِّمهُ عَنْ رُتْبَته فِي الْقَسْم إِلَّا بِرِضَى مَنْ بَقِيَ. اهـ\nقلتُ: هو قول أكثر الشافعية كما في «البيان» (٩/ ٥٢٥)، وقال بعضهم: له أن يوالي بينهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4446>مسألة [٣]: إذا وهبت المرأة ليلتها لزوجها</span>؟\n• قال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (٦/ ١٨٣): وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ إذَا وَهَبَتْ نَوْبَتَهَا لِلزَّوْجِ، فَقَالَ الْأَكْثَرُ: تَصِحُّ وَيَخُصُّ بِهَا الزَّوْجُ مَنْ أَرَادَ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ تَصِيرُ كَالمَعْدُومَةِ. وَقِيلَ: إنْ قَالَتْ لَهُ خُصَّ بِهَا مِنْ شِئْت. جَازَ، لَا إذَا أَطْلَقَتْ لَهُ. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٥٠): وَإِنْ وَهَبَتْهَا لِلزَّوْجِ، فَلَهُ جَعْلُهُ لِمَنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْبَاقِيَاتِ فِي ذَلِكَ، إنْ شَاءَ جَعَلَهُ لِلْجَمِيعِ، وَإِنْ شَاءَ خَصَّ بِهَا وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَ لَبَعْضِهِنَّ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «زاد المعاد» (٥/ ١٥٢).\n(^٢) وانظر: «البيان» (٩/ ٥٢٥ - ٥٢٦).","vol":"8","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4447>مسألة [٤]: إذا وهبت ليلتها لجميع ضرائرها</span>؟\nقال العِمراني -﵀- في «البيان» (٩/ ٥٢٦): وإن وهبتها لجميع ضرائرها؛ صحَّ ذلك، وسقط قسمها، وصارت كأن لم تكن. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4448>مسألة [٥]: هل للواهبة الرجوع والمطالبة بليلتها</span>؟\n• أكثر الفقهاء على أنَّ لها الرجوع في ذلك فيما يستقبل لا فيما مضى؛ لأنها هبة لم تقبض، وما مضى فهو هبة مقبوضة؛ فلا رجوع لها في ذلك، وهذا قول عطاء، والثوري، والشافعي، وأحمد.\n• وذهب ابن القيم -﵀- إلى أنها إن وهبت له ذلك عن صلح؛ فليس لها الرجوع.\nقال -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ١٥٣): فَإِذَا رَضِيَتْ بِذَلِكَ؛ لَزِمَ، وَلَيْسَ لَهَا المُطَالَبَةُ بِهِ بَعْدَ الرّضَى.\nقال: هَذَا مُوجَبُ السّنّةِ وَمُقْتَضَاهَا، وَهُوَ الصّوَابُ الّذِي لَا يَسُوغُ غَيْرُهُ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنّ حَقّهَا يَتَجَدّدُ فَلَهَا الرّجُوعُ فِي ذَلِكَ مَتَى شَاءَتْ. فَاسِدٌ؛ فَإِنّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمُعَاوَضَةِ، وَقَدْ سَمّاهُ اللهُ تَعَالَى صُلْحًا، فَيَلْزَمُ كَمَا يَلْزَمُ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْأَمْوَالِ، وَلَوْ مُكِّنَتْ مِنْ طَلَبِ حَقِّهَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لَكَانَ فِيهِ تَأْخِيرُ الضّرَرِ إلَى أَكْمَلِ حَالَتَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ صُلْحًا، بَلْ كَانَ مِنْ أَقْرَبِ أَسْبَابِ الْمُعَادَاةِ، وَالشّرِيعَةُ مُنَزّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ، وَمِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ أَنّهُ إذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ،","vol":"8","page":408},{"text":"وَالْقَضَاءُ النّبَوِيّ يَرُدّ هَذَا. اهـ\nوقد اختار الإمام ابن عثيمين -﵀- هذا القول في «الشرح الممتع» (٥/ ٣٧٩)، ورجَّح الشوكاني قولَ الجمهور، وهو قول ابن حزم، وهو ظاهر اختيار الصنعاني. وهو أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4449>مسألة [٦]: إذا تزوج الرجل ثانية بشرط أن يقسم لها ليلة واحدة، وللأولى ليلتين</span>؟\n• قال بعض أهل العلم: الشرط باطل، وهو قول الزهري، والثوري.\n• وكره ذلك الإمام مالك.\n• وقال الحسن بجوازه، وهو مقتضى قول الجمهور الذين أجازوا الصلح بين الرجل وبين امرأته على أن تعفو عن القسمة لها. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (٩/ ٥٢٦) «المغني» (١٠/ ٢٥١) «الفتح» (٥٢١٢) «السيل» (ص ٣٨١) «سبل السلام» (٦/ ١٨٤) «المحلى» (١٩٠٧).\n(^٢) انظر: «الأوسط» (٩/ ٤٤).","vol":"8","page":409},{"text":"١٠٦١ - وَعَنْ عُرْوَةَ -﵁- قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ -﵂-: يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي القَسْمِ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتَّى يَبْلُغَ الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا، فَيَبِيتَ عِنْدَهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\n١٠٦٢ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا صَلَّى العَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ يَدْنُو مِنْهُنَّ ... الحَدِيثَ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديثين\nفي الحديثين السابقين دليل على أنَّه يجوز للرجل أن يدخل على من لم يكن في يومها من نسائه، والتأنيس لها، واللمس، والتقبيل بدون إطالة، أو وقاع، وقد تقدم بعض ذلك. (^٣)\n_________\n(^١) رواه أحمد (٦/ ١٠٧ - ١٠٨)، وأبوداود (٢١٣٥)، والحاكم (٢/ ١٨٦)، من طريق عبدالرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه به.\nوعبدالرحمن بن أبي الزناد فيه ضعف، ولكن قال ابن معين: إنه أثبت الناس في هشام بن عروة.\nفالحديث صالح للاحتجاج به، وقد صححه الألباني والوادعي رحمة الله عليهما.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٤٧٤) (٢١). وأخرجه أيضًا البخاري برقم (٢٥١٦) (٢٥٦٨). واللفظ لمسلم.\n(^٣) وانظر: «سبل السلام» (٦/ ١٨٤ - ١٨٥) «نيل الأوطار» (٤/ ٣٣٣).","vol":"8","page":410},{"text":"١٠٦٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «أَيْنَ أَنَا غَدًا؟» يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nدلَّ حديث الباب على أنَّ الرجل إذا مرض فشق عليه أن يدور على نسائه؛ فله البقاء في بيت إحداهن بإذنهن؛ فإن لم يأذن فيقرع بينهن، والذي يظهر أنَّ له البقاء عند من تحسن القيام على مرضه إذا لم يكنَّ مثلها، والله أعلم، وقد تقدمت الإشارة إلى هذه المسألة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢١٧)، ومسلم (٢٤٤٣).","vol":"8","page":411},{"text":"١٠٦٤ - وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتَهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4450>مسألة [١]: هل للرجل إذا أراد السفر أن يأخذ بعض زوجاته بدون قرعة</span>؟\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ١٥١ - ١٥٢): وإذا أراد السفر؛ لم يجز له أن يسافر بإحداهن إلا بقرعة. اهـ\n• وهذا قول أكثر أهل العلم، وهو مذهب الحنابلة، والشافعية، والظاهرية، وغيرهم، واستدلوا بحديث الباب، ولأنَّ سفره بإحداهن تفضيل لها، وليس ذلك من العدل.\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه يجوز له السفر بإحداهن بغير قرعة؛ وذلك لأن بعض النسوة قد تكون أنفع له في السفر من غيرها، فلو خرجت القرعة للتي لا نفع بها في السفر؛ لأضر بحال الرجل، وكذا العكس قد يكون بعض النساء أقوم ببيت الرجل من الأخرى.\nوالصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٩٣)، ومسلم (٢٧٧٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٥٢ -) «المحلى» (١٩٠٤) «الفتح» (٥٢١١).","vol":"8","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4451>مسألة [٢]: هل عليه أن يقضي للمقيمة المدة التي سافر فيها بالأخرى</span>.\n• أما إذا سافر بها بقرعة فعامة أهل العلم على أنه لا قضاء عليه، وخالف داود الظاهري فقال: عليه القضاء. وليس ذلك بصحيح؛ فإنه لم يُنقل عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه كان يقضي للمقيمات، ولو فعل ذلك؛ لَنُقِل، ولأنه لو قضى للمقيمة؛ لكان مفضلًا لها على المسافرة؛ لأنه لا يحصل لها من السكن، والراحة في السفر كما يحصل للمقيمة، ورجَّح ابن حزم قول الجمهور.\n• وأما إذا سافر بإحداهن بغير قرعة، فاختلفوا في ذلك، فذهب أبو حنيفة، ومالك إلى عدم القضاء؛ لأنَّ قسم الحضر ليس بمثلٍ لقسم السفر، فيتعذر القضاء، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يقض.\n• ومذهب أحمد، والشافعي، والظاهرية أنه يقضي للمقيمة؛ لأنه خصَّ بعضهنَّ بمدة على وجه تلحقه التهمة فيه، ولأنه فضل بلا قرعة، وهذا القول أقرب.\nقال ابن قدامة -﵀-: إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَهُ قَضَاءُ الْمُدَّةِ، وَإِنَّمَا يَقْضِي مِنْهَا مَا أَقَامَ مِنْهَا مَعَهَا بِمَبِيتٍ وَنَحْوِهِ، فَأَمَّا زَمَانُ السَّيْرِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهَا مِنْهُ إلَّا التَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ، فَلَوْ جَعَلَ لِلْحَاضِرَةِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ مَبِيتًا عِنْدَهَا، وَاسْتِمْتَاعًا بِهَا؛ لَمَالَ كُلَّ الْمَيْلِ. اهـ (^١)\nتنبيه: قال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٢١١): وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلّ الْإِطْلَاق فِي تَرْكِ الْقَضَاء فِي السَّفَر مَا دَامَ اِسْم السَّفَر مَوْجُودًا، فَلَوْ سَافَرَ إِلَى بَلْدَة فَأَقَامَ بِهَا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٥٣) «زاد المعاد» (٥/ ١٥٢) «المحلى» (١٩٠٤) «الفتح» (٥٢١١).","vol":"8","page":413},{"text":"زَمَانًا طَوِيلًا، ثُمَّ سَافَرَ رَاجِعًا؛ فَعَلَيْهِ قَضَاء مُدَّة الْإِقَامَة، وَفِي مُدَّة الرُّجُوع خِلَاف عِنْد الشَّافِعِيَّة، وَالْمَعْنَى فِي سُقُوط الْقَضَاء أَنَّ الَّتِي سَافَرَتْ وَفَازَتْ بِالصُّحْبَةِ لَحِقَهَا مِنْ تَعَب السَّفَر وَمَشَقَّته مَا يُقَابِل ذَلِكَ، وَالْمُقِيمَة عَكْسهَا فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا. اهـ\nوقد نصَّ على ذلك أيضًا ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٥٤)، والعِمراني في «البيان» (٩/ ٥٢٣).\nتفريعات:\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٥٣ - ٢٥٤): إذَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِإِحْدَاهُنَّ؛ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ السَّفَرُ بِهَا، وَلَهُ تَرْكُهَا وَالسَّفَرُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تُوجِبُ، وَإِنَّمَا تُعَيِّنُ مَنْ تَسْتَحِقُّ التَّقْدِيمَ. وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِغَيْرِهَا؛ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ بِالْقُرْعَةِ، فَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا. وَإِنْ وَهَبَتْ حَقَّهَا مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهَا؛ جَازَ إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، فَصَحَّتْ هِبَتُهَا لَهُ، كَمَا لَوْ وَهَبَتْ لَيْلَتَهَا فِي الْحَضَرِ. وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَى الزَّوْجِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي هِبَةِ اللَّيْلَةِ فِي الْحَضَرِ. وَإِنْ وَهَبَتْهُ لِلزَّوْجِ، أَوْ لِلْجَمِيعِ؛ جَازَ. وَإِنْ امْتَنَعَتْ مِنْ السَّفَرِ مَعَهُ؛ سَقَطَ حَقُّهَا إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ، وَإِنْ أَبَى، فَلَهُ إكْرَاهُهَا عَلَى السَّفَرِ مَعَهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ رَضِيَ بِذَلِكَ، أَسْتَأْنَفَ الْقُرْعَةَ بَيْنَ الْبَوَاقِي. وَإِنْ رَضِيَ الزَّوْجَاتُ كُلُّهُنَّ بِسَفَرِ وَاحِدَةٍ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُنَّ، إلَّا أَنْ لَا يَرْضَى الزَّوْجُ، وَيُرِيدَ غَيْرَ مَنْ اتَّفَقْنَ عَلَيْهَا، فَيُصَارُ إلَى الْقُرْعَةِ. اهـ","vol":"8","page":414},{"text":"١٠٦٥ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَمْعَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه النهي عن ضرب الرجل امرأته ضربًا شديدًا، ويدل بمفهومه على جواز ضربها ضربًا غير مبرح إذا كانت تستحق ذلك، وتستحق الضرب إذا كانت ناشزًا، عاصية لزوجها؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] الآية.\nوقد تقدم الكلام على بعض الأحكام المتعلقة بذلك في باب عشرة النساء، فراجعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4452>مسألة ملحقة: هل كان القسم واجبًا على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أم لا</span>؟\nيقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]، وقد جاء في هذه الآية حديثان.\nأحدهما: ما أخرجه الشيخان من حديث عائشة -﵂-، قالت: كنت أغار على اللاتي يهبن أنفسهن لرسول الله - ﷺ -، وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ قلت: ما أرى ربك إلا يسارع لك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٢٠٤). وهو في مسلم أيضًا (٢٨٥٥).","vol":"8","page":415},{"text":"في هواك. (^١)\nالثاني: ما أخرجاه أيضًا عن عائشة -﵂- قالت: إنَّ رسول الله - ﷺ - كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾، فقالت لها معاذة: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له: إن كان ذلك إليَّ؛ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدًا. (^٢)\nفالحديث الأول يدل على أنَّ المراد بالآية الواهبات أنفسهن للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فيقبل من شاء منهن، ويرد من شاء، وإذا رغب بواحدة بعد ردها فلا جناح عليه في قبولها بعد ذلك، وقال بذلك جماعة من المفسرين، والفقهاء.\nوالحديث الثاني يدل على أنَّ المراد بالآية أنه لا حرج عليه في ترك القسم، وقال بذلك جمعٌ من المفسرين، والفقهاء.\nقال ابن الجوزي -﵀- في «زاد المسير» (٦/ ٤٠٧): وأكثر العلماء على أنَّ هذه الآية نزلت مبيحة لرسول الله - ﷺ - مصاحبة نسائه كيف شاء من غير إيجاب القسمة عليه، والتسوية بينهن؛ غير أنَّه كان يسوي بينهن. اهـ\nقال الحافظ ابن كثير -﵀- في تفسير [آية: ٥١ من سورة الأحزاب]: ومن هاهنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات، وفي النساء اللاتي عنده، أنه مخير فيهن، إن شاء قسم، وإن شاء لم يقسم. وهذا الذي اختاره حسنٌ جيدٌ قويٌّ، وفيه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٧٨٨)، ومسلم برقم (١٤٦٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٧٨٩)، ومسلم برقم (١٤٧٦).","vol":"8","page":416},{"text":"جمع بين الأحاديث؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥١]، أي: إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحَرَج في القسم؛ فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم، لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا أنت تقسم لهن اختيارًا منك لا أنه على سبيل الوجوب، فرحن بذلك واستبشرن به، وحملن جميلك في ذلك، واعترفن بمنتك عليهن في قسمك لهن، وتسويتك بينهن، وإنصافك لهن، وعدلك فيهن. انتهى.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الآية تشمل الأمرين؛ بدلالة الحديثين المتقدمين، والله أعلم.","vol":"8","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4453>فَصْل فِيمَا إِذَا حَصَلَ الشِّقَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4454>مسألة [١]: إذا ادَّعى كل من الرجل والمرأة على صاحبه النشوز</span>؟\nإذا وقع بين الزوجين شقاق، نظر الحاكم؛ فإن بان له أنه من المرأة؛ فهو نشوز، وقد مضى حكمه، وإن بان أنه من الرجل؛ منع من ذلك، أو أصلح بينه وبين المرأة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨].\nوإن لم يتبين للحاكم، وادَّعى كل واحد على الآخر الظلم؛ فيبعث الحاكم حكمًا من أهل الرجل، وحكمًا من أهل المرأة، فيسمعان من الرجل والمرأة، وينظران في أمرهما، ثم يفعلان ما يريان المصلحة فيه، من جمعٍ، أو تفريق؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4455>مسألة [٢]: هل الرجلان حكمان، أم وكيلان للرجل والمرأة</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنهما وكيلان للزوجين، وهو قول عطاء، والحسن، وأبي حنيفة، والشافعي في قول، وأحمد في رواية، فلا يملكان التفريق إلا بإذنهما؛ وذلك لأنَّ الطلاق بيد الزوج، وبذل العوض بيد المرأة، فافتقر إلى\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٦٣ -) «البيان» (٩/ ٥٣٢ -) تفسير الآية من ابن كثير، والقرطبي.","vol":"8","page":418},{"text":"رضاهما، واستدلوا بأثر علي -﵁- أنه قال للحكمين: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعليَّ. وقال الرجل: أما الجمع، فنعم، وأما الفرقة فلا. فقال علي: كذبت، لا والله، لا تبرح حتى ترضى بمثل ما رضيت به. وإسناده صحيح.\n• وذهب أكثر أهل العلم إلى أنهما حكمان من قبل الحاكم لا يفتقر حكمهما إلى إذن الزوجين، صحَّ ذلك عن علي، وابن عباس -﵃-، وهو قول الشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، وقول للشافعي، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وهو الصحيح؛ لأنَّ الله سمَّاهما حكمين، ولم يعتبر رضى الزوجين، وقد قال علي -﵁- كما تقدم: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما. وهذا صريح في أنَّ الأمر إليهما، واستدلالهم بقول الرجل غير صحيح؛ فإنَّ عليًّا -﵁- لم يطلب من الرجل أن يأذن، بل ألزمه بقبول حكم الله في ذلك.\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ١٩٠ -): وَالْعَجَبُ كُلّ الْعَجَبِ مِمّنْ يَقُولُ هُمَا وَكِيلَانِ لَا حَاكِمَانِ، وَاَللهُ تَعَالَى قَدْ نَصّبَهُمَا حَكَمَيْنِ، وَجَعَلَ نَصْبَهُمَا إلَى غَيْرِ الزّوْجَيْنِ، وَلَوْ كَانَا وَكِيلَيْنِ؛ لَقَالَ: (فَلْيَبْعَثْ وَكِيلًا مِنْ أَهْلِهِ وَلْتَبْعَثْ وَكِيلًا مِنْ أَهْلِهَا)، وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَا وَكِيلَيْنِ؛ لَمْ يَخْتَصّا بِأَنْ يَكُونَا مِنْ الْأَهْلِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ جَعَلَ الْحُكْمَ إلَيْهِمَا، فَقَالَ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، وَالْوَكِيلَانِ لَا إرَادَةَ لَهُمَا، إنّمَا يَتَصَرّفَانِ بِإِرَادَةِ مُوَكّلَيْهِمَا، وَأَيْضًا فَإِنّ الْوَكِيلَ لَا يُسَمّى حَكَمًا فِي لُغَةِ","vol":"8","page":419},{"text":"الْقُرْآنِ، وَلَا فِي لِسَانِ الشّارِعِ، وَلَا فِي الْعُرْفِ الْعَامّ، وَلَا الْخَاصّ، وَأَيْضًا فَالْحَكَمُ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْحُكْمِ وَالْإِلْزَامِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَإِنّ الْحَكَمَ أَبْلَغُ مِنْ حَاكِمٍ؛ لِأَنّهُ صِفَةٌ مُشَبّهَةٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ دَالّةٌ عَلَى الثّبُوتِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعَرَبِيّةِ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ اسْمُ الْحَاكِمِ لَا يَصْدُقُ عَلَى الْوَكِيلِ الْمَحْضِ، فَكَيْفَ بِمَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ؟! وَأَيْضًا فَإِنّهُ سُبْحَانَهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ غَيْرَ الزّوْجَيْنِ، وَكَيْفَ يَصِحّ أَنْ يُوَكّلَ عَنْ الرّجُلِ وَالمَرْأَةِ غَيْرُهُمَا؟!.اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4456>مسألة [٣]: هل ينفذ حكم الحكمين في الجمع والتفريق</span>؟\nأما حكمهم في الجمع فينفذ بالإجماع، قاله ابن عبد البر، وغيره من أهل العلم.\n• واختلف أهل العلم في نفوذ حكمهما بالتفريق، فمذهب الجمهور أنه ينفذ في التفريق، وهو قول علي، وابن عباس -﵃-، ولا يعلم لهم مخالف، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وغيرهم، إلا قول من قال: إنه توكيل، فلا ينفذ إلا برضى الزوجين.\n• وذهب الحسن، وقتادة، وزيد بن أسلم، وأحمد في رواية، وأبو ثور، وابن حزم إلى أنه لا ينفذ قولهما في التفريق، ولا ينفذ إلا في الجمع؛ لأنَّ الله تعالى ذكر الجمع ولم يذكر التفريق، فقال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٠/ ٢٦٤) «البيان» (٩/ ٥٣٢ -) «المحلى» (١٩٢٥) «البيهقي» (٧/ ٣٠٥ - ٣٠٦).","vol":"8","page":420},{"text":"وأُجيب: بأنَّ الصحابة فهموا ذلك، وبأنَّ إطلاق الحكم عليهما يدل على أنَّ حكمهما يمضي مطلقًا، وإنما ذكر الله الإصلاح فقط للحث عليه، وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4457>مسألة [٤]: إذا اختلف الحكمان في الحكم</span>؟\nقال ابن عبد البر -﵀-: أجمع العلماء على أنَّ الحكمين إذا اختلفا؛ فلا عبرة بقول أحدهما. اهـ\nفعلى هذا، فيبعث حكمان آخران في ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4458>مسألة [٥]: شروط الحكمين</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٦٥): إذا ثبت هذا؛ فإنَّ الحكمين لا يكونان إلا عاقلين، بالغين، عَدْلَين، مسلِمَين؛ لأنَّ هذه من شروط العدالة. اهـ (^٣)\nويُعتبر أيضًا أن يكونا عالِمَين بأسباب الجمع، والتفريق، وأحكامهما. ويعتبر أيضًا فيهم الذكورية؛ لظاهر الآية، ولأنَّ الرجل أهل رأي ونظر. ولا يشترط عند أهل العلم أن يكون من الأهل، ولكنه على سبيل الأفضلية. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٦٤) «البيان» (٩/ ٥٣٣) «المحلى» (١٩٢٥) «تفسير ابن كثير».\n(^٢) انظر: «تفسير ابن كثير» عند الآية المتقدمة.\n(^٣) وانظر: «البيان» (٩/ ٥٣٤).\n(^٤) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٦٥) «البيان» (٩/ ٥٣٤).","vol":"8","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4459>بَابُ الخُلْعِ</span>\n١٠٦٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَأَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا. (^١)\n_________\n(^١) صحيح بشواهده بدون ذكر الطلاق. أخرجه البخاري برقم (٥٢٧٣). حدثنا أزهر بن جميل حدثنا عبدالوهاب الثقفي حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس به. ثم قال البخاري: لا يتابع فيه عن ابن عباس.\nوالرواية الثانية أخرجها البخاري (٥٢٧٤) حدثنا إسحاق الواسطي حدثنا خالد عن خالد الحذاء عن عكرمة فذكره مرسلًا. وفيه (وأمره يطلقها) هكذا لفظه في البخاري، والحافظ ذكرها بالمعنى. قال البخاري: وقال إبراهيم بن طهمان عن خالد عن عكرمة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وطلقها».\nفأشار البخاري -﵀- بأن ذكر (الطلاق) من طريق خالد الحذاء عن عكرمة مرسلًا.\nفقد رواه عن خالد الحذاء على وجه الإرسال خالد الطحان وإبراهيم بن طهمان.\nقال الدارقطني في «التتبع»: وأصحاب الثقفي غير أزهر يرسلونه.\nثم أخرج البخاري الحديث بدون ذكر (الطلاق) موصولًا من رواية جرير بن حازم، ومعلقًا من رواية إبراهيم بن طهمان وقد وصلها الإسماعيلي كلاهما عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس به. ثم أخرجه من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلًا.\nقال البيهقي: وكذلك رواه وهيب عن أيوب.\n\nقال أبوعبدالله غفر الله له: رواية الإرسال أقوى في رواية أيوب، أيضًا فإن حماد بن زيد أثبت من روى عن أيوب، نص على ذلك ابن معين وأحمد والنسائي وابن عدي وغيرهم، وأيضًا وهيب أثبت من إبراهيم بن طهمان وجرير بن حازم في أيوب، بل قال أحمد كما في «ملحق شرح العلل»: جرير ابن حازم يروي عن أيوب عجائب.\nقلتُ: والراوي عن جرير بن حازم كما في البخاري والبيهقي هو عبدالرحمن بن غزوان أبونوح الملقب ب (قراد) وله أوهام وأخطاء. ومما يقوي رواية الإرسال أن حماد بن زيد ووهيب قد تابعهما على الإرسال أيضًا سعيد بن أبي عروبة كما في «سنن البيهقي» (٧/ ٣١٣ - ٣١٤).\nويقوي رواية الإرسال أن قتادة قد تابع أيوب وخالد الحذاء على رواية الإرسال.\nأخرجه البيهقي (٧/ ٣١٣ - ٣١٤)، من طريق عبدالوهاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عكرمة به مرسلًا.\nقال: وكذلك رواه محمد بن أبي عدي عن ابن أبي عروبة عن قتادة مرسلًا.\nوأخرجه البيهقي (٧/ ٣١٣)، من طريق عبدالأعلى عن سعيد بن أبي عروبة بإسناده موصولًا بذكر ابن عباس فيه، ثم قال: وأرسله غيره عنه يعني غير عبدالأعلى.\nوخلاصة ما تقدم: أن الراجح في حديث ابن عباس أنه من مراسيل عكرمة، وذكر (الطلاق) إنما هو في رواية خالد الحذاء فقط، وأما رواية أيوب وقتادة فليس فيها ذكر (الطلاق) إنما في رواية أيوب (وفرق بينهما) وفي رواية: (وأمره ففارقها) وفي رواية قتادة: (ففرق بينهما رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-).\nوالحديث صحيح بدون ذكر (الطلاق) فإن له شاهدًا من حديث حبيبة بنت سهل.\nأخرجه مالك في «موطئه» (٢/ ٥٦٤) عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبدالرحمن أخبرته عن حبيبة بنت سهل أنها أخبرتها أنها كنت عند ثابت بن قيس بن شماس -﵁-، وأن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من هذه؟» فقالت: أنا حبيبة بنت سهل، فقال: «ما شأنك؟» قالت: لا أنا ولا ثابت لزوجها، فلما جاء ثابت بن قيس قال له رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر»، فقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لثابت: «خذ منها» فأخذ منها وجلست في أهلها. وإسناده صحيح على شرط الشيخين.\nوللحديث شاهد من حديث عمرو بن شعيب. وآخر من حديث سهل بن أبي حثمة. وسيأتي تخريجه إن شاء الله.","vol":"8","page":422},{"text":"وَلِأَبِي دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَحَسَّنَهُ: أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عِدَّتَهَا حَيْضَةً. (^١)\n_________\n(^١) ضعيف وصح من وجه آخر. أخرجه أبوداود (٢٢٢٩)، والترمذي (١١٨٥)، من طريق هشام بن يوسف عن معمر عن عمرو بن مسلم الجندي عن عكرمة عن ابن عباس به.\nقال أبوداود: وهذا الحديث رواه عبدالرزاق عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسلًا. اهـ\nقلتُ: والراجح رواية الإرسال كما تقدم، ولكن ذكر الاعتداد بحيضة لا يثبت من هذا الوجه؛ فإن الثقات الذين رووا الحديث عن عكرمة لم يذكروا ذلك، وخالفهم عمرو بن مسلم -وهو ضعيف- فذكر ذلك، فروايته غير محفوظة، والله أعلم.\nولكن قد صح الاعتداد بحيضة من وجه آخر:\nأخرجه النسائي (٦/ ١٨٦)، قال أخبرنا عبيدالله بن سعد بن إبراهيم بن سعد قال حدثنا عمي قال: حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن ربيع بنت معوذ قال قلت لها: حدثيني حديثك. قالت: اختلعت من زوجي ثم جئت عثمان، فسألته ماذا عليَّ من العدة؟ فقال: لا عدة عليك، إلا أن تكوني حديثة العهد به، فتمكثي حتى تحيضي حيضة، قال: وأنا متبع في ذلك قضاء رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مريم المغالية، كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فاختلعت منه. وإسناده حسن. وقد حسنه الإمام الوادعي في «الصحيح المسند».","vol":"8","page":423},{"text":"١٠٦٧ - وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ أَنَّ ثَابِتَ ابْنَ قَيْسٍ كَانَ دَمِيمًا، وَأَنَّ امْرَأَتَهُ قَالَتْ: لَوْلَا مَخَافَةُ اللهِ إذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَصَقْتُ فِي وَجْهِهِ. (^١)\n\n١٠٦٨ - وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ خُلْعٍ فِي الإِسْلَامِ. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه ابن ماجه (٢٠٥٧)، وأخرجه أيضًا أحمد (٤/ ٣)، من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس وكان رجلًا دميما فذكره وفيه زيادة (فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم، قال: فردت عليه حديقته، قال: ففرق بينهما رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف حجاج وعنعنته، فإنه مدلس، والحديث صحيح بشواهده المتقدمة إلا اللفظ الذي ذكره الحافظ، فإنه لا شاهد له.\n(^٢) ضعيف. أخرجه أحمد (٤/ ٣)، من طريق حجاج بن أرطاة عن محمدبن سليمان بن أبي حثمة عن عمه سهل بن أبي حثمة به. ولفظه كلفظ حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وفيه الزيادة التي ذكرها الحافظ. وإسناده ضعيف أيضًا؛ لضعف حجاج وعنعنته فإنه مدلس.","vol":"8","page":424},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nتعريف الخلع:\nالخُلع: هو فراق الزوجة على عوض تبذله لزوجها عند كراهيتها له، وخوفها من عدم القيام بحقه. وهو مأخوذ من خلع الثوب؛ لأنَّ المرأة لباس الرجل معنى، وهو لباسها معنى، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، والمصدر بفتح الخاء وأما ههنا فهو مضموم (خُلع) للتفريق بينه وبين مصدر المحسوس. (^١)\nمشروعيته:\nالخلع مشروع في كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وعند عامة أهل العلم.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\nوأما من السنة: فأحاديث الباب، وما ذكرنا من شواهدها.\nولم ينقل خلاف في مشروعيته؛ إلا عن بكر بن عبد الله المزني، واستدل بالآية: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء:٢٠]، وزعم أنها ناسخة لآية الخلع.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٢٧٣): وتعقب مع شذوذه بقوله تعالى في النساء أيضًا: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤]، وبقوله فيها: ﴿فَلَا جُنَاحَ\n_________\n(^١) «الفتح» (٥٢٧٣).","vol":"8","page":425},{"text":"عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾ [النساء: ١٢٨] الآية، وبالحديث، وكأنه لم يثبت عنده، أو لم يبلغه، وانعقد الإجماع بعده على اعتباره، وأنَّ آية النساء مخصوصة بآية البقرة، وبآيتي النساء الآخرتين. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4460>مسألة [١]: هل يفتقر الخلع إلى الحاكم، أم يصح بدون سلطان</span>؟\n• أكثر أهل العلم على صحة الخلع بدون سلطان، صحَّ ذلك عن عمر، وعثمان -﵄-، وهو قول شُريح، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والبخاري، وغيرهم؛ لأنه معاوضة بتراضي؛ فلا يفتقر إلى حكم الحاكم، كالبيع والنكاح، وكما يصح الطلاق بدون سلطان فكذلك الخلع.\n• وقال الحسن، وابن سيرين: لا يجوز إلا عند السلطان. واختاره أبو عبيد؛ لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فجعل الخوف لغير الزوجين.\nويُجاب عن ذلك بأنَّ المراد بذلك أنَّ الحاكم يقره إذا كان على ذلك الحال، ولا يمنعه، ويحتمل أنَّ المراد به من له صلة بالزوجين من القرابة، والصحيح القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4461>مسألة [٢]: هل يشترط في صحة الخلع وجود الشقاق</span>؟\n• أكثر أهل العلم على عدم اشتراط ذلك، بل يصح الخلع عندهم ولو كان الحال بينهما ملتئمًا، وهو قول قتادة، ومالك، والثوري، والأوزاعي،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٠/ ٢٦٧ -) «البيان» (١٠/ ٧).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٥٢٧٣) «المغني» (١٠/ ٢٦٨) «البيان» (١٠/ ١٥).","vol":"8","page":426},{"text":"والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] الآية.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى اشتراط ذلك، وذلك بأن تكرهه المرأة ولا ترغب في معاشرته، وهو قول الحسن، وأبي عبيد، وداود، وابن المنذر، وخُرِّج رواية عن أحمد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا يدل بمفهومه على أنَّ الجناح لاحق بهما إذا افتدت من غير خوف، ثم غلظ بالوعيد فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩].\nوفي حديث ثوبان -﵁- عند أبي داود (٢٢٢٦) بإسناد صحيح مرفوعًا: «أيما امرأةٍ سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنة»، ولأنه إضرار بها، وبزوجها، وإزالة مصالح النكاح بغير حاجة؛ فحرم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا ضرر، ولا ضرار»، وهذا القول رجحه ابن حزم، ثم شيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين، وهو الصواب في هذه المسألة، والله أعلم.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة أن تكون المرأة كارهة للزوج تريد فراقه فتعطيه الصداق أو بعضه؛ فداء نفسها، كما يفتدي الأسير وأما إذا كان كل منهما مريدًا لصاحبه؛ فهذا الخلع محدثٌ في الإسلام. اهـ (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٦٨، ٢٧٠) «الفتح» (٥٢٧٣) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٨٢) «الشرح الممتع» (٥/ ٣٨٨، ٣٩٤) «المحلى» (١٩٨٢).","vol":"8","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4462>مسألة [٣]: إذا عضل زوجته وضارَّها، ومنعها من حقوقها حتى تفتدي منه</span>؟\n• أكثر أهل العلم على عدم صحة الخلع، والعوض مردود لا يحل للزوج منه شيء، وهو قول عطاء، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والقاسم، وعروة، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾،\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩].\n• وقال أبو حنيفة: يأثم، ويصح الخلع، والعوض لازم.\n• وعن مالك، وبعض الحنابلة: أن الخلع صحيح، ولا يحل له ما أخذه؛ لأنه أخذه بغير حق، فيلزمه رده، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4463>مسألة [٤]: إن ضربها لنشوزها تأديبًا، ثم خالعته، فهل يصح الخلع</span>؟\n• ذكر أهل العلم أنَّه يصح الخلع؛ لأنَّ الضرب كان مقصودًا للتأديب، ولأنه فعل شيئًا مباحًا لا يأثم عليه، وأما إذا ضربها ظلمًا؛ لسوء خلقه، فيأثم، ويصح الخلع إذا لم يكن مقصوده أن تفتدي نفسها.\n• وخالف شيخ الإسلام فقال: لا يحل له، ولا يجوز. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٧٢) «البيان» (١٠/ ٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٧٣) «البيان» (١٠/ ٩) «الإنصاف» (٨/ ٣٨٥).","vol":"8","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4464>مسألة [٥]: إذا زنت، فعضلها؛ لتفتدي نفسها منه، فهل يصح الخلع</span>؟\nقال الله ﷿: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩].\nقال الحافظ ابن كثير -﵀- في تفسير [سورة النساء آية:١٩]: وقوله ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال ابن مسعود (^١)، وابن عباس (^٢)، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والضحاك، وأبو قلابة، وأبو صالح، والسدي، وزيد ابن أسلم، وسعيد بن أبي هلال: يعني بذلك الزنى. يعني إذا زنت؛ فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها وتضاجرها حتى تتركه لك، وتخالعها، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ الآية.\nقال: وقال ابن عباس (^٣) وعكرمة، والضحاك: الفاحشة المبينة النشوز والعصيان.\nقال: واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله: الزنى، والعصيان، والنشوز، وبذاء اللسان، وغير ذلك. يعني أنَّ هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها، أو بعضه، ويفارقها، وهذا جيد، والله أعلم. اهـ\n_________\n(^١) ذكره ابن أبي حاتم في «تفسيره» بدون إسناد.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسير سورة النساء [آية:١٩]، من طريق: أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس -﵄-، وأبو يحيى فيه ضعف لاسيما في روايته عن مجاهد.\n(^٣) أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم في تفسير [آية:١٩] من سورة النساء، وله ثلاث طرق يحسَّن بمجموعها.","vol":"8","page":429},{"text":"والقول بصحة الخلع هو الصواب، وهو قول الجمهور، وخالف الشافعي في قولٍ، فقال: لا يصح؛ لأنه عوض أُكرهت عليه، أشبه ما لم تزنِ. وهو قياس مخالف للنص؛ فهو فاسد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4465>مسألة [٦]: الألفاظ التي يقع بها الخلع</span>.\nيقع الخلع بما يدل عليه من الألفاظ مع النية، سواء كان اللفظ صريحًا مثل: خالعتك. أو بلفظ المفاداة، أو الفسخ.\nأو كان بألفاظ غير صريحة، مثل: بارأتك. أو: أبرأتك، أو: أبنتك. أو غيرها من الألفاظ العجمية والعربية.\nوكما تقدم في أبواب كثيرة أنَّ العبرة بالمعاني لا بالألفاظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4466>مسألة [٧]: هل يشترط أن يتلفظ الزوج بالقبول</span>؟\n• اشترط ذلك بعض الحنابلة، ولم يشترط ذلك بعضهم، بل قالوا: إذا قبل الزوج العوض؛ وقعت الفرقة. وهو قول الحسن، والنخعي، وغيرهما، وهو أقرب، والله أعلم\n• وأما على مقتضى قول الجمهور في أن الخلع طلاق؛ فيحتاج على مذهبهم إلى أن يتلفظ بالطلاق. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٧٣ -) «البيان» (١٠/ ٩ - ١٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٧٦ -).","vol":"8","page":430},{"text":"تنبيه: لا يشترط رضى الزوج في صحة الخلع إذا كان لامرأته الحجة في الخلع، وإذا أبى أن يأخذ المال ألزمه الحاكم بذلك، وقد قال بذلك جماعةٌ من الحنابلة؛ لأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثابت بن قيس بذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4467>مسألة [٨]: هل للرجل أن يأخذ زيادة على ما أعطاها إذا أعطته المرأة</span>؟\n• أكثر أهل العلم على صحة الخلع بأكثر مما أصدقها إذا تراضيا على ذلك، وهو قول عكرمة، ومجاهد، والنخعي، وغيرهم من التابعين، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، إلا أنَّ الحنفية يقولون: لا يأخذ الزيادة؛ فإن أخذها تصدق بها. وقول الجمهور صحَّ عن ابن عمر، وجاء عن عثمان بإسناد لا بأس به، وهو قول الظاهرية.\nوالحجة لأصحاب هذا القول قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\n• وقال عطاء، وطاوس، والزهري، وعمرو بن شعيب: لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها. ورُوي عن علي نحو ذلك، وفي إسناده ضعفٌ.\nواستدل لأصحاب هذا القول بما رواه ابن ماجه (٢٠٥٦)، والبيهقي (٧/ ٣١٤)، من رواية عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس بنحو حديث الباب، وفيه زيادة: فأمره أن يأخذ منها\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٨/ ٣٨٣) «الشرح الممتع» (٥/ ٤١١) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٨٣).","vol":"8","page":431},{"text":"حديقته ولا يزداد.\nوهذه الرواية الراجح فيها الإرسال كما بينا ذلك في تخريج حديث الباب، ثم إنَّ خالدًا الحذاء، وأيوب رويا الحديث عن عكرمة بدون هذه الزيادة، قال أيوب كما في «سنن البيهقي» (٧/ ٣١٣ - ٣١٤): لا أحفظ «ولا تزداد».\nواستدلوا بمرسلٍ عن عطاء أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم، وزيادة. فقال: «أما الزيادة فلا» أخرجه البيهقي (٧/ ٣١٤) بإسناد صحيح عنه مرسلًا.\nواستدل لهم بمرسل أبي الزبير عند الدارقطني (٣/ ٢٥٥)، والبيهقي (٧/ ٣١٤) بمثل مرسل عطاء، وإسناده صحيح إلى أبي الزبير، وفي آخر الحديث قال: سمعه أبو الزبير من غير واحد.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح»: فإن كان فيهم صحابي؛ فهو صحيح، وإلا فيعتضد بما سبق. اهـ يعني حديث ابن عباس، ومرسل عطاء.\nقلتُ: الطرق الصحيحة في الحديث ليس فيها هذه الزيادة، ففي النفس منها شيء، وعلى صحتها فقال الحافظ -﵀-: لكن ليس فيه دلالة على الشرط، فقد يكون ذلك وقع على سبيل الإشارة؛ رفقًا بها.\nقال الشافعي -﵀-: إذا كانت غير مؤدية لحقه كارهة له؛ حل له أن يأخذ؛ فإنه يجوز له أن يأخذ منها ما طابت به نفسًا بغير سبب؛ فالبسبب أولى.","vol":"8","page":432},{"text":"والصحيح هو قول الجمهور، لكنَّ الحنابلة، وإسحاق، وأبا عبيد كرهوا ذلك، واستحبوا له عدم الأخذ.\nوقال مالك: إن كان النشوز من قِبَلِ الرجل؛ لم يحل له، ويرد عليها إن أخذ وتمضي الفرقة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4468>مسألة [٩]: هل الخلع إذا جرد عن الطلاق يعتبر فسخًا، أم طلاقًا</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الخلع يُعتبر طلاقًا، فيقع طلقة بائنة، رُوي ذلك عن سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وقبيصة، وشُريح، ومجاهد، والنخعي، والشعبي، والزهري، ومكحول، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وهو قول الشافعي في الجديد، وقد عزاه الحافظ في «الفتح» للجمهور.\nوحجتهم أنها بذلت العوض للفرقة، والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ؛ فوجب أن يكون طلاقًا، ولأنه أتى بكناية الطلاق قاصدًا فراقها؛ فكان طلاقًا، وبه أفتت اللجنة الدائمة.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يُعدُّ فسخًا لا طلاقًا، وهذا القول صحَّ عن عثمان، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير -﵃-، وهو قول عكرمة، وطاوس، وهو المشهور عن أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو قولٌ للشافعي؛ وذلك لأنها\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٦٩ - ٢٧٠) «المحلى» (١٩٨٢) «الفتح» (٥٢٧٣) «سنن البيهقي» (٧/ ٣١٣ - ٣١٤).","vol":"8","page":433},{"text":"فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته؛ فكانت فسخًا كسائر الفسوخ.\nواستدل ابن عباس على ذلك بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠]، فذكر التطليقتين، والخلع، وتطليقة بعدها؛ فلو كان الخلع طلاقًا؛ لكان أربعًا. وقد نقل القول الأول عن بعض الصحابة، ولا يصح عنهم.\nوالصحيح أنَّ الخلع يُعتبر فسخًا، وهو ترجيح شيخنا مقبل الوادعي -﵀-، والشيخ الإمام ابن عثيمين -﵀-، وقبلهما شيخ الإسلام، وابن القيم رحمهما الله، وعزاه شيخ الإسلام إلى جمهور فقهاء الحديث، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر، وابن خزيمة. (^١)\nتنبيه: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٧٥): وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا خَالَعَهَا بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ، وَلَمْ يَنْوِهِ. فَأَمَّا إنْ بَذَلَتْ لَهُ الْعِوَضَ عَلَى فِرَاقِهَا، فَهُوَ طَلَاقٌ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَإِنْ وَقَعَ بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ، مِثْلُ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، أَوْ لَفْظِ الْخُلْعِ وَالْمُفَادَاةِ، وَنَحْوِهِمَا، وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، فَهُوَ طَلَاقٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ نَوَى بها الطَّلَاقَ، فَكَانَتْ طَلَاقًا، كَمَا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ، فَهُوَ الَّذِي فِيهِ الرِّوَايَتَانِ. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٧٤ -) «الفتح» (٥٢٧٣) «ابن أبي شيبة» (٥/ ١١٢) «عبدالرزاق» (٦/ ٤٨٥ -) «الفتاوى» (٣٢/ ٢٨٩ -) (٣٣/ ١٥٣ -).\n(^٢) وانظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ١٧).","vol":"8","page":434},{"text":"قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: وقد نقل الطحاوي أيضًا الإجماع كما في «الفتح» (٥٢٧٣) على أنه إذا نوى بالخلع الطلاق وقع الطلاق وإن لم يتلفظ بالطلاق.\nقلتُ: والواقع وجود الخلاف، فقد قال بعض الشافعية: لا يقع. كما في «الفتح» وهو قول بعض الحنابلة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام.\nبل ذكر شيخ الإسلام -﵀- قولًا ثالثًا، وهو أنه فسخ بأي لفظ وقع، بالطلاق أو بغيره، وليس من الطلاق الثلاث.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: وأصحاب هذا القول لم يشترطوا لفظًا معينًا، ولا عدم نية الطلاق، وهذا هو المنقول عن ابن عباس وأصحابه، وهو المنقول عن أحمد بن حنبل، وقدماء أصحابه في الخلوع، (لا يفرقون) (^١) بين لفظ ولفظ، لا لفظ الطلاق ولا غيره، بل ألفاظهم صريحة في أنه فسخ بأي لفظ كان، أصرح من لفظ الطلاق في معناه الخالص.\nقال: وأما الشافعي فلم يقل عن أحد من السلف أنه فرق بين لفظ الطلاق وغيره، بل لما ذكر قول ابن عباس وغيره، وأصحابه، ذكر عن عكرمة أنه قال: كلما أجازه المال فليس بطلاق. قال: وأحسب من لم يجعله طلاقًا إنما يقول ذلك إذا لم يكن بلفظ الطلاق.\nقال: ومن هنا ذكر محمد بن نصر، والطحاوي، ونحوهما أنهم لا يعلمون نزاعًا في الخلع بلفظ الطلاق، ومعلوم أنَّ مثل هذا الظن لا ينقل به مذاهب\n_________\n(^١) ما بين القوسين زيادة من عندي يقتضيها السياق.","vol":"8","page":435},{"text":"السلف، ويعدل به عن ألفاظهم وعلمهم، وأدلتهم البينة في التسوية بين جميع الألفاظ، وأما أحمد فكلامه بَيِّن في أنه لا يعتبر لفظًا، ولا يفرق بين لفظ ولفظ، وهو مُتَّبِعٌ لابن عباس في هذا القول، وبه اقتدى، فتبين أنَّ الاعتبار عندهم ببذل المرأة العوض وطلبها الفرقة. اهـ\nوقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- القول بأنَّ الفرقة بعوض تعتبر فسخًا، سواء كان بلفظ الطلاق، أو غيره، ونصر هذا القول نصرًا شديدًا، وقد بحث المسألة بحثًا طويلًا، فأفاد وأجاد ﵀ ورضي عنه، وانظر لزامًا بحثه في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٨٩ - ٣٣٢)، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀- كما في «الشرح الممتع» (٥/ ٤٠١)، وهو الذي ندين الله به، وبالله التوفيق. (^١)\nتنبيه: إذا طلق الرجل مُرِيدًا الطلاق لا من أجل العوض؛ فيقع الطلاق، ولا يحل له أخذ العوض وعلى المرأة عدة الطلاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4469>مسألة [١٠]: هل تجوز المخالعة أثناء حيض المرأة</span>؟\nأجاز أهل العلم ذلك؛ لأنه ليس بطلاق، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يستفصل امرأة ثابت ابن قيس هل هي حائض، أم لا؟ ولعدم وجود دليل على عدم جواز ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4470>مسألة [١١]: كم على المختلعة عدة</span>؟\n• تقدم في تخريج أحاديث الباب أنَّ المختلعة ليس عليها عدة، وإنما عليها\n_________\n(^١) وانظر: «الفتاوى» (٣٣/ ١٥٣ - ١٥٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٦٩) «الفتح» (٥٢٧٣) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٢١).","vol":"8","page":436},{"text":"الاستبراء، قضى بذلك عثمان، وقال: إنه متبع في ذلك قضاء رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في امرأة ثابت بن قيس، وهو قول ابن عباس -﵄-، وآخر القولين عن ابن عمر -﵄-، وهو قول أبان بن عثمان، وعكرمة، وأحمد في رواية، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من فقهاء الحديث، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، ثم الإمام ابن عثيمين وغيرهم.\n• وذهب جمهور الفقهاء من الشافعية، والحنابلة، والمالكية، وأصحاب الرأي وغيرهم إلى أنَّ عدتها عدة المطلقة؛ بناء على ما اختاروه من أنَّ الخلع طلاق، والصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4471>مسألة [١٢]: هل يصح الخلع بغير عوض</span>؟\n• أجاز ذلك بعض أهل العلم، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، وهو اختيار الخِرَقِي وبعض الحنابلة؛ لأنه قطع للنكاح؛ فصح من غير عوض، كالطلاق، ولأنه لو أجابها إلى الفسخ بغير عوض حصل المقصود بالخلع.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يصح الخلع إلا بعوض، وهو مذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة؛ لأنه إذا لم يكن هناك فليس هناك فداء؛ فعلى هذا فلا فرقة إلا بطلاق، أو خلع كما بينه الله، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أتردين عليه حديقته؟».\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٩١ - ٢٩٢، ٣٢١ - ٣٢٣، ٣٢٧، ٣٣٤ - ٣٣٥، ٣٤٢) (٣٣/ ١٠).","vol":"8","page":437},{"text":"قال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٥/ ٤٠٨): وقال شيخ الإسلام: يصح أن يخالعها على غير عوض، وعلل ذلك بأمرين: أحدهما: أنَّ العوض حق للزوجة، فإذا أسقطه باختياره فلا حرج، كغيره من الحقوق. الثاني: الحقيقة أنه إذا خالعها، فإنما يخالعها على عوض؛ لأنها تسقط حقها من الإنفاق؛ لأنه لو كان الطلاق رجعيًّا؛ لكانت النفقة مدة العدة على الزوج، فإذا خالعته فلا نفقة عليه؛ فكأنها بذلت له عوضًا فهي قد أسقطت حقها الذي لها على الزوج من النفقة، وهو قد أسقط الحق الذي له على الزوجة من الرجعة، فالرجعة حق للزوج، والنفقة مدة العدة حق للزوجة، فإذا رضيا بإسقاطهما في الخلع فلا مانع.\nهكذا قال شيخ الإسلام -﵀-، ويجيب عن الاستدلال بالآية بأنَّ الغالب أنَّ الزوج لا يفارق زوجته إلا بعوض؛ لهذا قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وما قاله الشيخ -﵀- جيد؛ لأنه في الحقيقة خلع على عوض، وهو النفقة، وما قاله الشيخ ظاهر جدًّا إلا فيما إذا كان الطلاق آخر ثلاث تطليقات؛ لأنه إذا كان آخر ثلاث تطليقات؛ فإنَّ المطلقة ثلاثًا ليس لها على زوجها نفقة، وحينئذٍ لا يستفيد الزوج، ولكن يقال: إذا رضي بهذا؛ فالحق له.\nقال: كذلك إذا خالعها بغير عوض، قلنا: لم يصح، وإذا لم يصح؛ فإنه إن وقع بلفظ الطلاق، أو نيته؛ فهو طلاق، وإن وقع بلفظ الخلع؛ فليس بشيء. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٢٤) «البيان» (١٠/ ١٩) «الفتاوى» (٣٢/ ٣٠٣) «الإنصاف» (٨/ ٣٩٧ - ٣٩٨).","vol":"8","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4472>مسألة [١٣]: المخالعة على عوض محرم</span>؟\nكأن يخالعها على خنزير، أو خمر، أو مغصوب، وما أشبه ذلك.\n• فمذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة أنه لا يصح الخلع؛ لأنَّ العوض المحرم لا قيمة له؛ فصار كالخلع بغير عوض.\n• وقال الشافعي: يصح الخلع، ويجب عليها مهر مثلها.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٥/ ٤٠٨): كذلك إذا خالعها على محرم، كأن تقول له: خالعني بخنزير عندها؛ فلا يجوز؛ لأنه محرم، فلا يصح الخلع، لكن بشرط أن يعلما أنه محرم؛ فإن كانا لا يعلمان أنه محرم؛ فإنَّ الخلع يصح، وله قيمته المباحة، مثل لو خالعها على ولد لها من غيره. قالت: أخالعك على هذا الولد لك عبد. فلا يجوز؛ لأنه حرٌّ؛ فإن كان لا يعلمان أنه حر، فله مثل قيمته عبدًا. اهـ\nقلتُ: الصحيح أنَّ الخلع يصح، وعليها إعادة مهرها الذي أعطاها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4473>مسألة [١٤]: المخالعة على عوضٍ مجهول</span>؟\nكأن يخالعها على حمل شجرتها، أو أمتها، أو ما في بيتها من دراهم، أو متاع.\n• فمذهب الحنابلة، وأصحاب الرأي صحة ذلك؛ وذلك لأنَّ الخلع إسقاطٌ لحقه من البضع، وليس فيه تمليك شيء، والإسقاط تدخله المسامحة؛ ولذلك جاز من غير عوض، بخلاف النكاح، ولأنَّ هذا ليس معاوضة محضة، وإنما\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٢٧) «البيان» (١٠/ ٢٤) «الإنصاف» (٨/ ٣٩٩).","vol":"8","page":439},{"text":"الغرض منه التخلص من هذا الزوج، فإذا رضي بأي عوض وهو غير محرم شرعًا؛ فله ذلك.\n• وذهب أبو ثور، وبعض الحنابلة إلى أنه لا يصح؛ لأنه معاوضة، فلا يصح بالمجهول كالبيع، وهو قول ابن حزم.\n• وقال الشافعي: يصح الخلع، وله مهر مثلها كالنكاح.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: إنْ كان الزوج يعلم القدر الأقل الذي ربما تحصَّل عليه ورضي بذلك فلا إشكال في ذلك، وإن كان لا يعلم فالخلع صحيح، وإن حصل الخلاف فله المهر الذي أعطاها فالخلع صحيح على كلا الوجهين، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: عند الحنابلة إذا خرج العوض المجهول لا شيء؛ فعليها للرجل أقل ما يطلق عليه الاسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4474>مسألة [١٥]: الخلع بالمنافع</span>.\nيصح الخلع بالمنافع إذا كانت معلومة، كأن يخالع الحامل على نفقة عدتها، أو على إرضاع ولده، وحضانته، أو كفالته. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4475>مسألة [١٦]: هل يقع على المختلعة في عدتها طلاق</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنه لا يقع عليها في عدتها طلاق، صحَّ هذا القول عن عبدالله بن عباس، وعبد الله بن الزبير -﵃-، وهو قول عكرمة، وجابر بن زيد،\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١٠/ ٢٤) «الشرح الكبير» (١٠/ ٣٢ -) «الإنصاف» (٨/ ٤٠٤) «الشرح الممتع» (٥/ ٤١٢ - ٤١٣) «المحلى» (١٩٨٣).\n(^٢) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٣٠ - ٣٢) «الإنصاف» (٨/ ٤٠٢ - ٤٠٣) «الفتاوى» (٣٢/ ٣٥٣).","vol":"8","page":440},{"text":"والحسن، والشعبي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم؛ وذلك لأنها بالخلع تبين منه، وليست امرأة له حتى يلحقها طلاقه، فهي امرأة أجنبية لا تحل له إلا بنكاح جديد، فأشبهت المطلقة قبل الدخول، أو المنقضية عدتها.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه يلحقها طلاقه، ورُوي نحوه عن سعيد بن المسيب، وشُريح، وطاوس، والزهري، والحكم، وحماد، واستُدِلَّ لهم بحديث: «المختلعة في طلاقٍ ما كانت في العدة» أخرجه عبد الرزاق معضلًا، وقال الثوري: لم نجد له أصلًا. وقال ابن قدامة: حديثهم لا نعرف له أصلًا. والصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4476>مسألة [١٧]: هل للرجل الرجعة بعد المخالعة</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٢٧٨ - ٢٧٩): وَلَا يَثْبُتُ فِي الْخُلْعِ رَجْعَةٌ، سَوَاءٌ قُلْنَا: هُوَ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ. فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُمَا قَالَا: الزَّوْجُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إمْسَاكِ الْعِوَضِ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ، وَبَيْنَ رَدِّهِ وَلَهُ الرَّجْعَةُ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إنْ كَانَ الْخُلْعُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ؛ فَلَهُ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ مِنْ حُقُوقِ الطَّلَاقِ، فَلَا تَسْقُطُ بِالْعِوَضِ، كَالْوَلَاءِ مَعَ الْعِتْقِ.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٧٨) «مصنف عبد الرزاق» (٦/ ٤٨٧ - ٤٩٠).","vol":"8","page":441},{"text":"قال: وَلَنَا قَوْلُهُ ﷾: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِدَاءً إذَا خَرَجَتْ بِهِ عَنْ قَبْضَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَإِذَا كَانَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ، فَهِيَ تَحْتَ حُكْمِهِ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ إزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْ الْمَرْأَةِ، فَلَوْ جَازَ ارْتِجَاعُهَا؛ لَعَادَ الضَّرَرُ، وَفَارَقَ الْوَلَاءَ؛ فَإِنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وَالطَّلَاقُ يَنْفَكُّ عَنْ الرَّجْعَةِ فِيمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِذَا أَكْمَلَ الْعَدَدَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4477>مسألة [١٨]: إذا اشترط الرجل في الخلع أنَّ له الرجعة</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يصح الخلع، ويبطل الشرط. وهو قول أبي حنيفة، ومذهب الحنابلة، ومالك في رواية؛ وذلك لأنه شرط ينافي مقصود الخلع؛ إذ أنَّ مقصود الخلع هو التخلص من الزوج، وبالشرط يفوت هذا المقصود، ولأنَّ الله ﷿ لم يجعل في الخلع رجعة، وقصر الرجعة في المطلقة رجعيًّا بعد الدخول، فاشتراط الرجعة في ذلك إحداث وتغيير للحكم، و«من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد».\n• وقال بعضهم: يبطل الخلع مع الشرط. وهو قول الشافعي، وبعض الحنابلة؛ لأنَّ هذا الشرط يبطل المقصود من أصله؛ إذ أنه يجعل الخلع اللازم جائزًا، متى شاء أبطله؛ فهو كما لو وقف شيئًا واشترط أن يبيعه متى شاء.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: وهناك قولٌ ثالثٌ بصحة الشرط والخلع، وهو عكس القول الثاني.","vol":"8","page":442},{"text":"وقال: ما دام أنَّ هذا الشرط ثبت باختيارهما، ولا إكراه عليه؛ فالأصل في الشروط الصحة، وكونه ينافي مقتضى الخلع فهذا صحيح، ولكن الخلع من حقها، فإذا رضيت بإسقاطه؛ فلها الحق في ذلك.\nقال: لكن المذهب في هذه هو أقرب الأقوال؛ لأنها قد تغتر عند عقد الخلع، وتوافق على هذا الشرط، ثم تندم؛ فالصحيح في هذه المسألة المذهب: أنَّ الشرط فاسدٌ، وأنَّ الخلع صحيح، وأما من قالوا: إنَّ الخلع لا يصح؛ لأنه يجب عليه أن يرد عليها ما أخذ منها، وله أن يراجعها. فلا وجه له؛ لأنَّ العقد وقع باشتراطهما، ورضاهما. اهـ\nقلتُ: وما استقربه الإمام العثيمين -﵀- هو الراجح عندي، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4478>مسألة [١٩]: إذا شرط في الخلع الخيار للرجل، أو المرأة لمدة معلومة</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنَّ الخلع يصح، ويبطل شرط الخيار؛ لما تقدم ذكره في المسألة السابقة.\n• وقال أبو حنيفة: يصح الخيار إذا كان للمرأة، ولا يصح الخيار للرجل.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: الذي يظهر أنه يصح الشرط؛ لأنَّ هذه المسألة ليست كالمسألة الأولى، فالرجعة في المسألة الأولى للزوج، وأما هذا الخيار لهما جميعًا، فلكلٍّ منهما أن يختار، لكن قد يقول قائل: إن الزوج لو اختار؛ فإنَّ الزوجة\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٧٩) «الشرح الممتع» (٥/ ٤٠٦ -) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣٠٠).","vol":"8","page":443},{"text":"تجبر على موافقته، وحينئذٍ نعود إلى أنه كشرط الرجعة تمامًا إلا أنَّ الرجعة من جانب واحدٍ، وهذا من جانبين، لكن بدلًا من هذا كله نسلك شيئًا لا خلاف فيه، وهو العقد، فنقول: بدلًا من أن أعطيها الدراهم وأرد الخلع، نقول: هذه الدراهم مهر لك. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: يظهر لي -والله أعلم- أنَّ قول أبي حنيفة في هذه المسألة أرجح؛ لأن الرجل لا يشترط رضاه؛ فللقاضي إلزامه بالخلع، ولولم يرض، وعلى هذا فالخيار من قبل المرأة فحسب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4479>مسألة [٢٠]: هل للأب خلع زوجة ابنه الصغير والطلاق عنه</span>؟\n• من أهل العلم من قال: له ذلك. وهو قول عطاء، وقتادة، وأحمد في رواية، ومالك في الخلع بعوض؛ لأنَّ له الولاية عليه، فكما يملك إنكاحه فيملك إزالة النكاح.\n• ومنهم من قال: ليس له ذلك. وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، ومالك في الطلاق؛ لأنَّ الطلاق بيد الزوج؛ فكذلك الفرقة بالفسخ، ولأنه حق للصغير؛ فليس لغيره إسقاطه.\nوالصحيح هو القول الأول، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وصححه ابن عثيمين، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٢٧٩) «الإنصاف» (٨/ ٣٩٧) «الشرح الممتع» (٥/ ٤٠٧).\n(^٢) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ١٣) «المغني» (٩/ ٤٢١) «الاختيارات» (ص ٢٥٤) «الفتاوى» (٣٢/ ٣٥٩) «الشرح الممتع» (٥/ ٤١٨ -).","vol":"8","page":444},{"text":"تنبيه: قال ابن قدامة -﵀- كما في «الشرح الكبير» (١٠/ ١٤): والقول في زوجةِ عَبْدِهِ الصغير كالقول في زوجة ابنه الصغير؛ لأنه في معناه، فأما غير الأب؛ فليس له تطليق امرأة المولى عليه، سواء كان ممن يملك التزويج، كوصي الأب، والحاكم على قول ابن حامد، أو لا يملكه، لا نعلم في هذا خلافًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4480>مسألة [٢١]: هل للأب خلع ابنته الصغيرة بشيء من مالها</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس له ذلك؛ لأنه ليس له التصرف في مالها، إلا فيما فيه الحظ، وليس في هذا حظ، وهذا مذهب كثير من الحنابلة، والشافعية.\n• وقال بعض أهل العلم: له ذلك إذا رأى في ذلك مصلحة لها. وهو قول مالك، وبعض الحنابلة، والشافعية. وصحح هذا القول الإمام ابن عثيمين؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢/الإسراء:٣٤] يشمل ما كان أحسن له في ماله، أو في دينه، أو في بدنه، أو في أي شيء يكون. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4481>مسألة [٢٢]: إذا خالعت السفيهة</span>.\nإذا خالعت المحجور عليها لسفهها؛ فإنَّ خلعها لا يصح؛ لأنَّه تصرف في المال، وهي محجورة عنه، بخلاف المحجور عليها لفلس؛ فإنه يصح خلعها. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (٩/ ٤٢١).\n(^٢) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ١٤) «البيان» (١٠/ ١١) «الشرح الممتع» (٥/ ٤٢٠).\n(^٣) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ١٦) «البيان» (١٠/ ١٢) «الشرح الممتع» (٥/ ٣٩٧).","vol":"8","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4482>مسألة [٢٣]: هل يصح خلع الأجنبي عن المرأة</span>؟\n• أكثر أهل العلم على صحته من الأجنبي، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، كما يجوز أن يفتدي الأسيرة، وكما يجوز أن يبذل الأجنبي لسيد العبد عوضًا ليعتقه.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: ولهذا ينبغي أن يكون ذلك مشروطًا بما إذا كان قصده تخليصها من رق الزوج؛ لمصلحتها في ذلك كما يُفتدي الأسير. اهـ\n• وذهب أبو ثور، وبعض الحنابلة إلى أنه لا يصح، وهو قول بعض الشافعية؛ لأنها كالإقالة، والإقالة لا تصح من الأجنبي.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣٠٧): هو شبيه بإعتاق العبد، وفك الأسير، لا بالإقالة في البيع؛ فلهذا يجوز باتفاق الأئمة بدون الصداق المسمى، وجوزه الأكثرون بأكثر من الصدقات، ويجوز أيضًا بغير جنس الصداق، وليست الإقالة كذلك، بل الإقالة المقصود بها تراد العوض. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4483>مسألة [٢٤]: مخالعة الأمة</span>.\nإذا خالعت الأمة زوجها؛ صحَّ الخلع، سواء كان بإذن سيدها، أم لم يكن.\nقال ابن قدامة -﵀- كما في «الشرح الكبير» (١٠/ ١٥): فإن كان الخلع بغير إذن سيدها على شيء في ذمتها؛ فإنه يتبعها إذا عتقت؛ لأنه رضي بذمتها، وإن كان\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ١٤) «البيان» (١٠/ ١٤).","vol":"8","page":446},{"text":"على عين، فقال الخرقي: إنه يثبت في ذمتها مثله، أو قيمته إن لم يكن مثليًّا؛ لأنه لا تملك العين، وما في يدها من شيء؛ فهو لسيدها؛ فيلزمها، كما لو خالعها على عبد فخرج حُرًّا، أو مستحقًّا.\nقال: وقياس المذهب أنه لا شيء له؛ لأنه إذا خالعها على عين، وهو يعلم أنها أمة؛ فقد علم أنها لا تملك العين؛ فيكون راضيًا بغير عوض، فلا يكون له شيء كما لو قال: خالعتك على هذا المغصوب، أو هذا الحر. وكذلك ذكر القاضي، وهذا قول مالك.\nقال: وقال الشافعي: يرجع عليها بمهر المثل. كقوله في الخلع على الحر، والمغصوب.\nقال ابن قدامة: وإن كان الخلع بإذن السيد؛ تعلَّق العوض بذمته في قياس المذهب كما لو أذن لعبده أن يستدين.\nقال: ويحتمل أن يتعلق برقبة الأمة. اهـ\nوقال العِمراني في «البيان» (١٠/ ١٣): إن كانت مأذونًا لها في التجارة؛ أدَّت المال مما في يدها، وإن كانت مكتسبة؛ أدَّت العوض من كسبها، وإن كانت غير مكتسبة ولا مأذون لها؛ ثبت في ذمتها إلى أن تعتق. اهـ\nوللشافعية وجهٌ أنه على السيد، كقول الحنابلة، كما في «البيان» (١٠/ ١٣).\nقلتُ: الصواب أنه يكون في ذمتها، والله أعلم.","vol":"8","page":447},{"text":"تنبيه: قال ابن قدامة كما في «الشرح الكبير» (١٠/ ١٦): وإن خالعته على معين بإذن السيد فيه؛ ملكه، وإن أذن في قدرٍ من المال، فخالعت بأكثر منه؛ فالزيادة في ذمتها، وإن أطلق الإذن؛ اقتضى الخلع بالمسمى لها؛ فإن خالعت به، أو بما دونه؛ لزم السيد، وإن كان بأكثر منه؛ تعلقت الزيادة بذمتها كما لو عين لها قدرًا فخالعت بأكثر منه، وإن كانت مأذونًا لها في التجارة؛ سلمت العوض مما في يدها. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4484>مسألة [٢٥]: الخلع بدون تحديد العوض</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ٢٥٢): والذي يقتضيه القياس أنهما إذا أطلقا الخلع؛ صحَّ بالصداق، كما لو أطلقا النكاح ثبت صداق المثل، فكذا الخلع وأولى. اهـ\nفائدة: الخلع لا يسقط ما على الرجل من حقوقٍ للمرأة؛ إلا أن تدخل تلك الحقوق في ضمن العوض. (^١)\n\nتمَّ بحمد الله ومنته يوم الثلاثاء الموافق (١١/ربيع الثاني/١٤٢٧ هـ)\nوالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات\n_________\n(^١) «الشرح الممتع» (٥/ ٤٢٠ - ٤٢١).","vol":"8","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4485>كِتَابُ الطَّلاقِ</span>\n\nتعريف الطلاق:\nالطلاق في اللغة: حل الوثاق، مشتقٌّ من الإطلاق، وهو الإرسال، والترك. ويقال: فلان طلق اليد في الخير، أي: كثير البذل.\nوفي الشرع: هو حل عقدة النكاح.\nوطَلُقت المرأة، بفتح الطاء، وضم اللام، وبفتحها أيضًا وهو أفصح، وطُلِّقت أيضًا بضم أوله، وكسر اللام الثقيلة؛ فإن خففت فهو خاصٌّ بالولادة، والمضارع فيها بضم اللام، والمصدر في الولادة طلْقًا ساكنة اللام فهي طالق فيهما. (^١)\n\nمشروعية الطلاق:\nدلَّ على مشروعيته الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].\nوأما من السنة: فأحاديث الباب التي سنذكرها.\nوأجمع العلماء على مشروعيته في الجملة. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٢٥١)، «المغني» (١٠/ ٣٢٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٢٣) «البيان» (١٠/ ٦٥ - ٦٦).","vol":"8","page":449},{"text":"١٠٦٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَبْغَضُ الحَلَالِ إلَى اللهِ الطَّلَاقُ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَرَجَّحَ أَبُوحَاتِمٍ إرْسَالَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4487>مسألة [١]: حكم الطلاق</span>.\nالطلاق تجري فيه الأحكام الخمسة:\nفيكون الطلاق واجبًا على الزوج في صورٍ منها: طلاق المولي بعد التربص إذا أبى الفيئة، وطلاق الحكمين في الشقاق إذا رأيا ذلك، وطلاق المرأة إذا كانت غير عفيفة على الصحيح.\nويكون الطلاق محرما فيما إذا كان بدعيًّا، كأن يطلقها في الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه.\nقال ابن قدامة -﵀-: أجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على تحريمه، ويسمى طلاق البدعة؛ لأنَّ المطلق خالف السنة. اهـ\nويكون الطلاق مستحبًّا إذا رأى في الزواج ضررًا على المرأة، أو كرهت المرأة، فأرادت الخلع، فيستحب له أن يطلقها؛ إحسانًا إليها، أو كانت المرأة\n_________\n(^١) ضعيف الراجح إرساله. أخرجه أبوداود (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨)، والحاكم (٢/ ١٩٦)، من طريق محارب بن دثار عن ابن عمر. وقد رجح جماعة من الحفاظ أن الصواب في الحديث عن محارب بن دثار عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسلًا، رجح ذلك أبوحاتم كما في «العلل» لولده (١/ ٤٣١)، وكذا الدارقطني في «علله» (١٣/ ٢٢٥)، وقال المنذري: إن المشهور في هذا الحديث أنه مرسل. وانظر «البدر المنير» (٨/ ٦٥ - ٦٧).","vol":"8","page":450},{"text":"فاسقة بغير الزنى، ولم يستطع تقويمها.\nويكون الطلاق مباحًا إذا احتاج إليه الرجل بعد صبره على المرأة، ولم يحصل المقصود.\nويكون مكروهًا إذا طلقها لغير حاجة، والحال بينهما مستقيمة، جزم بذلك الشافعية، وأكثر الحنابلة، وعن أحمد رواية في تحريمه إذا كان لغير حاجة، وهو قول الحنفية.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٩٠): الطلاق إذا لم تَدْعُ الحاجة إليه منهي عنه باتفاق العلماء، إما نهي تحريم، وإما نهي تنزيه. اهـ\nوقال في (٣٣/ ٨١): الأصل في الطلاق الحظر وإنما أُبيح منه قدر الحاجة. اهـ\nثم استدل بحديث أنَّ إبليس يضع عرشه على البحر، ويبعث سراياه، فأحبهم إليه الذي يفرق بين الرجل وامرأته. أخرجه مسلم برقم (٢٨١٣) من حديث جابر -﵁-، وبأنَّ هذا عمل السحرة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4488>مسألة [٢]: هل يجب على الرجل أن يطيع أباه في طلاق امرأته</span>؟\nثبت في الترمذي (١١٨٩)، عن ابن عمر -﵄- أنَّ أباه أمره أن يطلق امرأته، فقال له النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «طلِّقْها».\nوثبت عن أبي الدرداء عند أحمد (٥/ ١٩٦)، وغيره، أنه سئل عن رجل أمرته\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٥٢٥١) «المغني» (١٠/ ٣٢٣ - ٣٢٤) «البيان» (١٠/ ٧٧ - ٧٨) «الإنصاف» (٨/ ٤٢٩) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٤٢٧).","vol":"8","page":451},{"text":"أمُّه أن يفارق امرأته؟ فقال: ما أنا بالذي آمرك أن تفارق، ولا أنا بالذي آمرك أن تمسك، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة؛ فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه».\nوقد نصَّ الإمام أحمد في رواية أنه يجب على الولد طاعة أبيه الصالح العدل إذا أمره بذلك.\nوقال شيخ الإسلام -﵀- (٣٣/ ١٦): والأب الصالح إذا أمر ابنه بالطلاق لما رآه من مصلحة الولد؛ فعليه أن يطيعه، كما قال أحمد وغيره، كما أمر النبي - ﷺ - عبد الله بن عمر أن يطيع أباه لما أمره بطلاق امرأته. اهـ\nوسئل شيخ الإسلام كما في «الفتاوى» (٣٣/ ١١٢) عن رجل متزوج وله أولاد، ووالدته تكره زوجته، وتشير عليه بطلاقها، فهل يجوز له طلاقها؟\nفقال: لا يحل له أن يطلقها لقول أمه، بل عليه أن يبر أمه، وليس تطليق امرأته من برها، والله أعلم. اهـ\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «شرح رياض الصالحين» (٣٣٣): ولكن ليس كل والد يأمر ابنه بطلاق زوجته تجب طاعته؛ فإنَّ رجلًا سأل الإمام أحمد، فقال: إنَّ أبي يقول: طلِّق امرأتك. وأنا أُحِبُّها؟ قال: لا تطلقها. قال: أليس النبي - ﷺ - قد أمر ابن عمر أن يطلق زوجته لما أمره عمر؟ فقال له الإمام أحمد: وهل أبوك عمر؟ لأن عمر نعلم علم اليقين أنه لن يأمر عبد الله بطلاق زوجته إلا لسبب","vol":"8","page":452},{"text":"شرعي، وقد يكون ابن عمر لم يعلمه؛ لأنه من المستحيل أنَّ عمر يأمر ابنه بطلاق زوجته ليفرق بينه وبين زوجته بدون سبب شرعي، هذا بعيد، وعلى هذا فإنْ أمر أبوك، أو أمك بأن تطلق امرأتك وأنت تحبها، ولم تجد عليها مأخذًا شرعيًّا؛ فلا تطلقها؛ لأنَّ هذه من الحاجات الخاصة التي لا يتدخل أحد فيها بين الإنسان وبين زوجته. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٨/ ٤٣٠ -) «السيل الجرار» (ص ٤٠١) «فتاوى اللجنة» (٢٠/ ٢٩ - ٣١).","vol":"8","page":453},{"text":"١٠٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ ليَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا». (^٢)\nوَفِي أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ: وَحُسِبَتْ تَطْلِيقَةٌ. (^٣)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَنِي أَنْ أُرَاجِعَهَا ثُمَّ أُمْهِلُهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ أُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ أُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ أَمَسَّهَا، وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا فَقَدْ عَصَيْت رَبَّك فِيمَا أَمَرَك بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِك. (^٤)\nوَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: قَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ: فَرَدَّهَا عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا، قَالَ: «إذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ». (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٥١)، ومسلم (١٤٧١).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٤٧١) (٥).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٥٢٥٣). بلفظ: (حسبت عليًّ بتطليقه).\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (١٤٧١) (٣)، وقد تصرف الحافظ في اللفظ.\n(^٥) أخرج هذه الرواية مسلم برقم (١٤٧١) (١٤). بدون قوله (ولم يرها شيئًا) بل اختصر الحديث، وهي عند أبي داود (٢١٨٥)، من نفس الوجه من طريق أبي الزبير عن ابن عمر.\n\nقال أبوداود: روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة، وأحاديثهم كلها على خلاف ما قال أبوالزبير. وقال ابن عبدالبر: قوله: (ولم يرها شيئًا) منكر لم يقله غير أبي الزبير. وقال ابن رجب: أنكر الأئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير. وقال الخطابي: قال أهل الحديث: لم يروِ أبوالزبير حديثًا أنكر من هذا. وأعلها أيضًا الشافعي. انظر: «الفتح» (٩/ ٤٣٩) ط. السلام، و«جامع العلوم والحكم» (١/ ١٨٧ - ١٨٨).","vol":"8","page":454},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4489>مسألة [١]: ضابط الطلاق المشروع</span>.\nالطلاق المشروع: هو أن يطلق الرجل امرأته وهي طاهر، ولم يمسها في ذلك الطهر، أو تكون حاملًا قد تبين حملها، وإن كان قد مسَّها؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]، وكذلك أحاديث الباب دالة على ذلك.\nولا خلاف بين أهل العلم أنَّ من طلَّق امرأته في طهر لم يصبها فيه، ثم تركها حتى تنقضي عدتها أنه مصيب للسنة، قال ابن مسعود -﵁-: طلاق السنة أن يطلقها من غير جماع. أخرجه النسائي (٦/ ١٤٠) بإسناد صحيح.\nوالسنة أن يطلقها واحدة، وأما أكثر من واحدة فخلاف السنة، ولو طلقها واحدة في كل طهر؛ فخلاف السنة أيضًا إذا لم يراجع، وهو قول أحمد، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبي عبيد، وصحَّ عن ابن مسعود، وجاء عن علي بسند منقطع.\n• وعدَّ ذلك بعضُهم طلاق سنة، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وابن مسعود في قولٍ، وليس لهم على ذلك دليل صحيح يعتمد عليه. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٢٦ - ٣٢٧) «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ٤).","vol":"8","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4490>مسألة [٢]: إذا طلق امرأته حال حيضها، أو في طهرٍ أصابها فيه، ولم يتبين حملها، هل يقع طلاقه</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ الطلاق يقع، ويأثم الرجل على ذلك الطلاق، حتى قال ابن المنذر، وابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال. ولعلهما عنيا بذلك إبراهيم ابن عُليَّه، وهشام بن الحكم، والشيعة.\nواستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمره بمراجعتها. وبقول ابن عمر -﵄-: وحُسِبت علي تطليقة.\nوأخرج ابن وهب في «جامعه» عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، وفيه: مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، وهي واحدة. وأخرجه أيضًا الدارقطني (٤/ ٩) من طريق: يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب به.\nوللمخالف أن يقول: إن ابن أبي ذئب تفرد بهذه الزيادة عن نافع، ولم يذكرها الثقات الأثبات في نافع، وهم: مالك، وعبيد الله، والليث، وموسى بن عقبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومعهم محمد بن إسحاق، وروايتهم في «الصحيحين» و«السنن».\nوبيَّن المعلمي أنَّ الدارقطني فهم أن مقصود ابن أبي ذئب أن ابن عمر طلق واحدة لا ثلاثًا كما قال بعضهم. (^١)\nواستدلوا على ذلك بأنَّ ابن عمر كان يفتي بذلك كما في حديث الباب.\n_________\n(^١) انظر: «السنن» (٤/ ٧ - ٩) «المسند الجامع» (١٠/ ٤١١).","vol":"8","page":456},{"text":"وروى مسلم في «صحيحه» عن محمد بن سيرين قال: مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهم أنَّ ابن عمر طلَّق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فأُمر أن يراجعها، فجعلتُ لا أتهمهم، ولا أعرف الحديث حتى لقيت أبا غلاب يونس بن جبير الباهلي، وكان ذا ثبت، فحدثني أنه سأل ابن عمر، فحدثه أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض، فأُمر أن يراجعها.\nقال ابن رجب -﵀-: استنكار ابن سيرين لرواية الثلاث يدل على أنه لم يعرف قائلًا معتبرًا قال: إنَّ الطلاق المحرم غير واقع، وأنَّ هذا القول لا وجه له.\nقال: وسُئل أحمد عمَّن قال: لا يقع الطلاق المحرم؛ لأنه يخالف ما أمر به؟ فقال: هذا قول سوءٍ، رديء.\nثم ذكر قصة ابن عمر، وأنه احتسب بطلاقه في الحيض.\nقال: وقال أبو عبيد: الوقوع هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار، حجازهم، وتهامهم، ويمنهم، وشامهم، وعراقهم، ومصرهم. اهـ\n• وذهب ابن حزم، وشيخ الإسلام، وابن القيم، والشوكاني إلى عدم وقوع الطلاق.\nواستدلوا على ذلك برواية أبي الزبير المتقدمة، وهي رواية منكرة كما تقدم، وقد روى الحديث عن ابن عمر نافع، وسالم، وأنس بن سيرين، وطاوس، ويونس ابن جبير، وعبد الله بن دينار، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران وغيرهم، ولم","vol":"8","page":457},{"text":"يذكروا ما ذكره أبو الزبير، بل صرح بعضهم عن ابن عمر أنها حسبت عليه بتطليقة.\nواستدلوا بما رواه سعيد بن منصور (١٥٥٢) بإسناده عن ابن عمر، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ليس ذلك بشيء»، وهي رواية ضعيفة، منكرة؛ فإن شيخ سعيد: حديج ابن معاوية فيه ضعف، والراوي عن ابن عمر هو عبد الله بن مالك بن الحارث الهمداني مجهول الحال، وقد خالف الأثبات من تلاميذ ابن عمر كما تقدم.\nواستدلوا على ذلك بأنه صح عن ابن عمر أنه قال: لا يعتد بها. وصحَّ أيضًا مثل ذلك عن خلاس بن عمرو، وقالوا: هذا طلاق بدعة فلا يصح؛ لحديث: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».\nوقالوا: النكاح متيقن؛ فلا يزول إلا بيقين مثله من كتاب، أو سنة، أو إجماع.\nوقالوا: ليس في الأحاديث أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- احتسب عليه تلك الطلقة، بل فيه أنها حسبت من طلاقه، ولم يذكر من الذي احتسبها عليه.\nوقالوا: أما قوله: «فليراجعها» فالمقصود أن يجتمعا كما كانا قبل الطلاق.\nوقد أطال ابن القيم -﵀- في الدفاع عن هذا القول، وأطال الحافظ ابن حجر في نصر القول الأول، وهو الذي يظهر، والله أعلم؛ لأنَّ أدلة القائلين بعدم الوقوع ضعيفة.\nوأما قولهم (بأنه طلاق محرم مبتدع؛ فلا يقع) فيقال: هذا هو الأصل لو لم","vol":"8","page":458},{"text":"تثبت الأحاديث باعتداد تلك الطلقة، وأما مع ثبوتها كما تقدم؛ فهي لازمة.\nوأما ما نقلوه عن ابن عمر، وخلاس بن عمرو، فقد بين وجه ذلك الحافظ ابن رجب -﵀-.\nفقال -﵀- كما في «جامع العلوم والحكم»: وأمَّا ما حكاه ابنُ حزم عن ابن عمر أنَّه لا يقع الطلاقُ في الحيضِ، مستندًا إلى ما رواه من طريق محمد بن عبد السلام الخشني الأندلسي، حدَّثنا محمَّد بن بشار، حدثنا عبد الوهَّاب الثقفي، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابنِ عمر في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال: لا يُعتَدُّ بها. وبإسناده عن خِلاس نحوه؛ فإنَّ هذا الأثرَ قد سقط من آخره لفظة وهي قال: لا يعتد بتلك الحيضة. كذلك رواه أبو بكر بنُ أبي شيبة في كتابه (^١) عن عبد الوهَّاب الثقفي، وكذا رواه يحيى بنُ معين، عن عبد الوهَّاب أيضًا، وقال: هو غريب لم يحدث به إلا عبدُ الوهَّاب، ومرادُ ابنِ عمر أنَّ الحيضة التي طلق فيها المرأة لا تعتدُّ بها المرأة قرءًا، وهذا هو مرادُ خِلاس وغيره. وقد روي ذلك أيضًا عن جماعةٍ منَ السَّلف، منهم: زيدُ بنُ ثابت، وسعيد بنُ المسيب، فوهم جماعة من المفسرين وغيرهم كما وهم ابنُ حزم، فحَكَوا عن بعضِ من سمينا أنَّ الطلاق في الحيض لا يقع، وهذا سببُ وهمهم، واللهُ أعلم. اهـ\nوأما قولهم: (لم يصرح ابن عمر بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الذي حسبها عليه).\nفقال الحافظ ابن حجر -﵀-: إنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - هُوَ الْآمِر بِالْمُرَاجَعَةِ، وَهُوَ\n_________\n(^١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ٥).","vol":"8","page":459},{"text":"الْمُرْشِد لِابْنِ عُمَر فِيمَا يَفْعَل إِذَا أَرَادَ طَلَاقهَا بَعْد ذَلِكَ، وَإِذَا أَخْبَرَ اِبْنُ عُمَر أَنَّ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ حُسِبَتْ عَلَيْهِ بِتَطْلِيقَةٍ كَانَ اِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ الَّذِي حَسَبَهَا عَلَيْهِ غَيْر النَّبِيّ - ﷺ - بَعِيدًا جِدًّا، مَعَ اِحْتِفَاف الْقَرَائِن فِي هَذِهِ الْقِصَّة بِذَلِكَ.\nثم ذكر رواية ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر «هي واحدة».\nقال: وَهَذَا نَصّ فِي مَوْضِع الْخِلَاف؛ فَيَجِب الْمَصِير إِلَيْهِ. وَقَدْ أَوْرَدَهُ بَعْض الْعُلَمَاء عَلَى اِبْنِ حَزْم، فَأَجَابَهُ بِأَنَّ قَوْله «هِيَ وَاحِدَة» لَعَلَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيّ - ﷺ -، فَأَلْزَمَهُ بِأَنَّهُ نَقَضَ أَصْله؛ لِأَنَّ الْأَصْل لَا يُدْفَع بِالِاحْتِمَالِ.\nقال: وَعِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ فِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ أَنَسِ بْن سِيرِينَ، عَنْ اِبْنِ عُمَر فِي الْقِصَّة، فَقَالَ عُمَر: يَا رَسُول الله، أَفَتُحْتَسَب بِتِلْكَ التَّطْلِيقَة؟ قَالَ: «نَعَمْ».\nقلتُ: هي عند الدارقطني (٤/ ٥)، ورجاله ثقات؛ إلا عبد الملك بن محمد الرقاشي؛ فإنه حسن الحديث له أوهام، وقد وهم؛ فجعل السؤال موجهًا للنبي - ﷺ -، وقوله: (نعم) من قول النبي - ﷺ -، والمحفوظ في طرق الحديث من أوجهٍ كثيرة، أنه من فتوى ابن عمر -﵄-، وأنه هو الذي سئل عن ذلك.\nقال الحافظ: وَعِنْده -يعني الدارقطني- مِنْ طَرِيق سَعِيد بنِ عَبْد الرَّحْمَن الْجُمَحِيِّ، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر، عَنْ نَافِع، عَنْ اِبْنِ عُمَر، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: إِنِّي طَلَّقْت اِمْرَأَتِي الْبَتَّة وَهِيَ حَائِض. فَقَالَ: عَصَيْت رَبَّك، وَفَارَقْتَ اِمْرَأَتك. قَالَ: فَإِنَّ رَسُول الله - ﷺ - أَمَرَ اِبْنَ عُمَر أَنْ يُرَاجِع اِمْرَأَته، قَالَ: إِنَّهُ أَمَرَ اِبْنَ عُمَر أَنْ يُرَاجِعَهَا","vol":"8","page":460},{"text":"بِطَلَاقٍ بَقِيَ لَهُ، وَأَنْتَ لَمْ تُبْقِ مَا تَرْتَجِع بِهِ اِمْرَأَتك. وَفِي هَذَا السِّيَاق رَدّ عَلَى مَنْ حَمَلَ الرَّجْعَة فِي قِصَّة اِبْنِ عُمَر عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيّ.\nقلتُ: الحديث الأخير عند الدارقطني (٤/ ٧ - ٨)، وإسناده حسن، وقد فهم ابن عمر بالارتجاع المعنى الشرعي، وهو المخاطب بذلك؛ فبطل حمل المراجعة على معنى الاجتماع فقط، والله أعلم.\nوقد رجَّح قول الجمهور الإمام الألباني، وشيخنا مقبل الوادعي رحمهما الله، ورجح القول الثاني الإمام ابن باز، والسعدي، وابن عثيمين ﵏. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4491>مسألة [٣]: هل يجوز تطليق الغير المدخول بها وهي حائض</span>؟\nقال ابن القيم -﵀- في «الزاد» (٥/ ٢١٩): وَأَمّا مَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا؛ فَيَجُوزُ طَلَاقُهَا حَائِضًا وَطَاهِرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [الْبَقَرَةُ:٢٣٦]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الْأَحْزَابُ: ٤٩]، وَقَدْ دَلّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطّلَاقُ: ١]، وَهَذِهِ لَا عِدّةَ لَهَا، وَنَبّهَ عَلَيْهِ رَسُولُ الله - ﷺ - بِقَوْلِهِ: «فَتِلْكَ الْعِدّةُ الّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النّسَاءُ»، وَلَوْلَا هَاتَانِ الْآيَتَانِ اللّتَانِ فِيهِمَا إبَاحَةُ الطّلَاقِ قَبْلَ الدّخُولِ؛ لَمَنَعَ مِنْ طَلَاقِ مَنْ\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٢٥٢) «جامع العلوم والحكم» (١/ ١٨٩ -) «زاد المعاد» (٥/ ٢٢١ - ٢٤٠) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٢٠ - ٢٥، ٧٠، ٧٢، ٩٨ - ١٠١، ..) «المغني» (١٠/ ٣٢٧ -) «البيان» (١٠/ ٧٩ -) «إرواء الغليل» (٧/ ١٣٣ -).","vol":"8","page":461},{"text":"لَا عِدّةَ لَهُ عَلَيْهَا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4492>مسألة [٤]: إذا طلق امرأته وهي حائضٌ، هل يجب عليه مراجعتها</span>؟\n• ذهب طائفة من أهل العلم إلى وجوب المراجعة عليه؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر عبد الله بن عمر بذلك، وهو قول مالك، وداود، وأحمد في رواية، والذي عليه مالك، وأكثر أصحابه أنه يجبر مالم تَنْقَضِ عدتها، وقال أشهب: يجبر في الحيضة الأولى.\n• وذهب جماعة إلى استحباب الرجعة، وعدم وجوبها، وهو الأظهر في مذهب أحمد، وقال به الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه طلاق لا يرتفع بالرجعة؛ فلم تجب عليه الرجعة فيه، كالطلاق في طهر مسَّها فيه؛ فإنهم أجمعوا على أنَّ الرجعة لا تجب، حكاه ابن عبد البر. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4493>مسألة [٥]: إذا راجعها، فهل يمسكها حتى تطهر من حيضها فقط، أو ينتظر الحيضة الأخرى والطهر منها، ثم يطلق</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يجب عليه إمساكها حتى تحيض حيضة أخرى وتطهر منها، ثم يطلق، وهذا قول مالك، ووجهٌ للشافعية، ونقله الحافظ ابن حجر عن أبي يوسف، ومحمد من كتب الحنفية، وعن ابن تيمية في «المحرر».\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الممتع» (٥/ ٤٥٩) «المغني» (١٠/ ٣٤٠).\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٩٨) «المغني» (١٠/ ٣٢٨ - ٣٢٩) «بداية المجتهد» (٣/ ١٠٦) «الإنصاف» (٨/ ٤٤٩).","vol":"8","page":462},{"text":"واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر الذي في الباب، وهو من طريق: نافع عنه.\n• وذهب جماعةٌ إلى أنه يجوز له تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلَّق فيها، وهو قول أحمد في رواية، وأبي حنيفة، والأشهر في مذهب أحمد القول الأول.\nوالقول الثاني قال به بعض الشافعية، واستدلوا على ذلك بأنَّ يونس بن جبير، وسعيد بن جبير، وأنس بن سيرين، وزيد بن أسلم، وأبا الزبير رووا عن ابن عمر -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمره أن يراجعها حتى تطهر، ولأنه تشمله الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: رواية الزهري عن سالم موافقة لرواية نافع، وقد نبَّه على ذلك أبو داود، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما إذا كان حافظًا. اهـ\nقال ابن عبد البر -﵀-: وذلك لوجوه عند أهل العلم، منها: أنَّ الرجعة لا تكاد تُعلم صحتها إلا بالوطء؛ لأنه المبتغى من النكاح، ولا يحصل الوطء إلا في الطهر، فإذا وطئها حرم طلاقها فيه حتى تحيض، ثم تطهر، واعتبرنا مظنة الوطء ومحله لا حقيقته. ومنها: أنَّ الطلاق كُره في الحيض؛ لتطويل العدة، فلو طلقها عقيب الرجعة من غير وطءٍ كانت في معنى المطلقة قبل الدخول، وكانت تبني على عدتها، فأراد الرسول - ﷺ - قطع حكم الطلاق بالوطء، واعتبر الطهر الذي هو","vol":"8","page":463},{"text":"موضع الوطء، فإذا وطئ؛ حرم طلاقها حتى تحيض، ثم تطهر. اهـ المراد\nومنها: أنه عوقب على إيقاعه في الوقت المحرم بمنعه منه في الوقت الذي يُباح له.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: وقيل: الحكمة فيه أن لا تصير الرجعة فيه لغرض الطلاق، فإذا أمسكها زمانًا يحل له فيه طلاقها ظهرت فائدة الرجعة؛ لأنه قد يطول مقامه معها، فقد يجامعها فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها فيمسكها. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القول الأول أرجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4494>مسألة [٦]: العلة من منع طلاق الحائض</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: وتنازعوا في علة منع طلاق الحائض: هل هو تطويل العدة كما يقول أصحاب مالك، والشافعي، وأكثر أصحاب أحمد؟ أو لكونه حال الزهد في وطئها، فلا تطلق إلا في حال الرغبة في الوطء؛ لكون الطلاق ممنوعًا لا يُباح إلا لحاجة كما يقوله أصحاب أبي حنيفة، وأبو الخطاب من أصحاب أحمد؟ أو هو تعبد لا يعقل معناه كما يقوله بعض المالكية؟.اهـ (^٢)\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القول الأول أقرب؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فتلك العدة التي\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٢٥١) «الإنصاف» (٨/ ٤٤٩ - ٤٥٠) «المغني» (١٠/ ٣٢٩ -) «البداية» (٣/ ١٠٦).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٩٩).","vol":"8","page":464},{"text":"أمر الله أن تطلق لها النساء»، وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ولا يمنع ذلك أن هناك عللًا أخرى لا نعلمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4495>مسألة [٧]: إذا سألته المرأة الطلاق في وقت الحيض، فهل يزول التحريم</span>؟\n• الأشهر في مذهب أحمد، والشافعي أنه يزول التحريم، وهو مقتضى قول الأكثر من المالكية؛ لأنهم عللوا المنع بتطويل العدة.\n• وذهب جماعةٌ من الحنابلة، والشافعية، والمالكية إلى أنه لا يزول؛ لأنَّ الله نهى عن هذا الطلاق، وكونه من العلل في ذلك عدم تطويل عدة المرأة لا يمنع وجود علل أخرى. وهذا أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4496>مسألة [٨]: إذا علق طلاقها بصفة، فوافق وقت حيضها</span>؟\n• اختلف الفقهاء في ذلك، فمنهم من قال: طلاق مباح. ومنهم من قال: طلاق بدعي. ومنهم من قال: طلاق بدعي ولا إثم عليه. وهذا أقربها، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4497>مسألة [٩]: متى يطلقها، بانقطاع الدم، أم بعد غسلها من الحيض</span>؟\n• مذهب الشافعي، وأحمد أنه يطلقها بانقطاع الدم إذا شاء؛ لأنه في ذلك الوقت يصح منها الصوم، ووجوب الصلاة في ذمتها، وقيل: هي في هذه الحالة أشبهت الجنب، والمرأة الجنب لا يحرم طلاقها.\n_________\n(^١) انظر: «جامع العلوم والحكم» (١/ ١٨٧) «الإنصاف» (٨/ ٤٤٨).\n(^٢) انظر: «الإنصاف» (٨/ ٤٤٩) «المغني» (١٠/ ٣٣٩).","vol":"8","page":465},{"text":"• وعن أحمد رواية أنه لا يطلقها إلا بعد غسلها من الحيض، كما لا يحل وطؤها، ولا تصح صلاتها إلا بذلك، وهي ليست كالجنب؛ فإنها لو كانت كالجنب؛ لحلَّ وطؤها.\nوأخرج النسائي في «سننه» (٣٣٩٦) من حديث المعتمر بن سليمان قال: سمعت عبيدالله، عن نافع، عن عبد الله أنه طلق امرأته وهي حائض ...، فذكر الحديث، وفيه: «فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى؛ فلا يمسها حتى يطلقها؛ فإن شاء أن يمسكها فليمسكها؛ فإنها العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء». وهو على شرط الشيخين.\nقال ابن القيم -﵀-: وهو مفسِّرٌ لقوله: «فإذا طهرت»، فيجب حمله عليه. اهـ\n• وقال أبوحنيفة: إن طهرت لأكثر الحيض؛ حل طلاقها بانقطاع الدم، وإن طهرت لدون أكثره؛ لم يحل طلاقها حتى تغتسل، أو تتيمم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4498>مسألة [١٠]: إذا كانت المرأة لا تحيض؛ لصغرها، أو كبرها</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٧): وإن كانت المرأة ممن لا تحيض؛ لصغرها، أو كبرها؛ فإنه يطلقها متى شاء، سواء كان وطئها، أو لم يكن يطؤها؛ فإنَّ هذه عدتها ثلاثة أشهر، ففي أي وقت طلقها لعدتها؛ فإنها لا تعتد بقروء ولا بحمل، لكن من العلماء من يسمي هذا (طلاق سنة) ومنهم من لا يسميه طلاق سنة، ولا بدعة. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «تهذيب السنن» (٣/ ١٠٦ - ١٠٧).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٠/ ٣٤٠).","vol":"8","page":466},{"text":"١٠٧١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: إنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ؟ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١٠٧٢ - وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ -﵁- قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانَ ثُمَّ قَالَ: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا أَقْتُلُهُ؟ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ. (^٢)\n\n١٠٧٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: طَلَّقَ أَبُو رُكَانَةَ أُمَّ رُكَانَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «رَاجِعِ امْرَأَتَك»، فَقَالَ: إنِّي طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا، قَالَ: «قَدْ عَلِمْت، رَاجِعْهَا». رَوَاهُ أَبُودَاوُد. (^٣)\nوَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: طَلَّقَ رُكَانَةَ امْرَأَتَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلَاثًا، فَحَزِنَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَإِنَّهَا وَاحِدَةٌ». وَفِي سَنَدِهِمَا ابْنُ إِسْحَاقَ، وَفِيهِ مَقَالٌ. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٤٧٢).\n(^٢) ضعيف. أخرجه النسائي (٦/ ١٤٢ - ١٤٣)، من طريق مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد فذكره. وإسناده ضعيف؛ لأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه، فهو منقطع.\nوقال النسائي: لا أعلم أحدًا رواه غير مخرمة بن بكير عن أبيه.\n(^٣) ضعيف. أخرجه أبوداود (٢١٩٦)، من طريق ابن جريج قال أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس به. وهذا إسناد ضعيف؛ لأن شيخ ابن جريج مبهم لم يسمًّ.\n(^٤) ضعيف. رواه أحمد (١/ ٢٦٥)، من طريق ابن إسحاق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس به. وإسناده ضعيف؛ لأن رواية داود بن الحصين عن عكرمة منكرة ضعيفة. نص على ذلك غير واحد من الحفاظ والأئمة.","vol":"8","page":467},{"text":"وَقَدْ رَوَى أَبُودَاوُد مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ: أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ ألبَتَّةَ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَرَدْت بِهَا إلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ -. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4499>مسألة [١]: هل الجمع لثلاث تطليقات في طهر لم يمسها فيه طلاق مباح أو بدعة</span>؟\n• من أهل العلم من قال: إنه طلاق غير محرم. وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وهو قول ابن سيرين، والشعبي، ونقله ابن سيرين عن\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٢٢٠٦) (٢٢٠٧)، من طريق الشافعي عن عمه محمد بن علي بن شافع عن عبدالله بن علي بن السائب عن نافع بن عجير بن عبديزيد بن ركانة عن ركانة فذكره. وفي رواية أن ركانة، فذكره. وهذا إسناد ضعيف؛ لأن عبدالله بن علي بن السائب ونافع بن عجير كلاهما مجهول الحال.\nوله طريق أخرى عند أبي داود (٢٢٠٨)، والترمذي (١١٧٧)، من طريق جرير بن حازم عن الزبير بن سعيد عن عبدالله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده به. وهو عند ابن ماجه (٢٠٥١).\nوهذا إسناد أشد ضعفًا من الذي قبله؛ فإن الزبير بن سعيد هو الهاشمي ضعيف، وشيخه مجهول وعلي بن يزيد أيضًا مجهول وروايته عن ركانة مرسلة كما في «التهذيب». وهذا الحديث قد أنكره جماعة من الحفاظ وضعفوه. فقال البخاري: حديث مضطرب. وقال أحمد: حديث ركانة ليس بشيء. وقال طرقه ضعيفة.\nقال العجلي في الزبير بن سعيد: روى حديثًا منكرًا في الطلاق.\nوقال البخاري في ترجمة علي بن يزيد: لم يصح حديثه. وقال العقيلي في ترجمة عبدالله بن علي: لا يتابع على حديثه مضطرب الإسناد، والاضطراب الذي ذكره الأئمة بينه الدارقطني في «سننه». وانظر: «الإرواء» (٢٠٦٣) للعلامة الألباني -﵀- فقد أفاد وأجاد في بحث هذا الحديث كما هي عادته جمعنا الله وإياه في ظله يوم لا ظل إلا ظله.","vol":"8","page":468},{"text":"عبدالرحمن بن عوف، وهو منقطع كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ١١)، وقال بذلك ابن حزم كما في «المحلى» (١٩٥٣).\nواستدلوا على ذلك بحديث عويمر العجلاني لَمَّا لاعن امرأته، قال: كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها. فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. متفق عليه (^١)، ولم ينكر عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوفي حديث عائشة -﵂- أنَّ امرأة رفاعة قالت: يا رسول الله، إنَّ رفاعة طلقني فَبَتَّ طلاقي. متفق عليه. (^٢)\nوفي حديث فاطمة بنت قيس -﵂- أن زوجها أرسل إليها بثلاث تطليقات. أخرجه مسلم (١٤٨٠)؛ ولأنه جاز تفريقه، فيجوز جمعه.\n• وقال جماعة من أهل العلم: هو طلاق محرم، وبدعة. وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، ونقل عن جماعةٍ من الصحابة، منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم -﵃-. (^٣) وقال به من التابعين: الحسن، والزهري وغيرهما.\nواستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٣٠٨)، ومسلم برقم (١٤٩٢).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٠٨٤)، ومسلم برقم (١٤٣٣) (١١٢).\n(^٣) كلها آثار ثابتة، أسانيدها صحيحة؛ إلا أثر علي -﵁- فله عند ابن منصور طريقان، أحدهما فيه انقطاع بين الحكم بن عتيبة وعلي، والثاني: فيه مبهمان. انظر: «سنن ابن منصور» (٢/ ٢٦١ -)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ١١ -).","vol":"8","page":469},{"text":"وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] الآيات.\nواستدلوا على ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي في الكتاب، ولأنه ضرر وإضرار بنفسه، وامرأته.\nوحديث المتلاعنين غير لازم؛ لأنَّ الفرقة لم تقع بالطلاق؛ فإنها وقعت بمجرد لعانهما، وعند الشافعي بمجرد لعان الزوج، والطلاق بعده طلاقٌ بعد انفساخ النكاح.\nوحديث امرأة رفاعة قد جاء في بعض ألفاظه أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، وكذا حديث فاطمة بنت قيس في بعض ألفاظه أنه أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت من طلاقها.\nوالقول الثاني هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4500>مسألة [٢]: إذا طلق امرأته ثلاثًا، فهل يقع ذلك</span>؟\n• أكثر أهل العلم على وقوع الطلاق البائن، فتقع ثلاث تطليقات، ولا تحل بعد ذلك حتى تنكح زوجًا غيره، لا فرق في ذلك بين قبل الدخول وبعده.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٣١ - ٣٣٣) «زاد المعاد» (٥/ ٢٤٣ - ٢٤٥، ٢٥٢).","vol":"8","page":470},{"text":"واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فكما يجوز الجمع بين الاثنتين؛ يجوز بين الثلاث.\nواستدلوا على ذلك بحديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين، وبحديث فاطمة بنت قيس المتقدم، وكذا حديث امرأة رفاعة.\nواستدلوا على ذلك بحديث محمود بن لبيد، وقالوا: الظاهر أنه أجازها، ولم ينقل أنه قال: إنما هي واحدة.\nواستدلوا على ذلك بحديث ركانة الذي فيه أنه طلق امرأته البتة، فاستحلفه أنه ما أراد إلا واحدة. يدل على أنه لو قصد ثلاثًا ما أعادها إليه.\nواستدلوا بالآيات التي فيها ذكر الطلاق مطلقًا.\nواستدلوا على ذلك بحديث علي عند الدارقطني (٤/ ٢٠)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من طلَّق البتة؛ ألزمناه ثلاثًا، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره»، وهو حديث ضعيفٌ، فيه إسماعيل بن أمية القرشي، وهو ضعيف، وفي إسناده مجاهيل.\nواستدلوا بحديث معاذ بن جبل -﵁- عند الدارقطني (٤/ ٢٠) بنحو حديث علي -﵁-، وفيه أيضًا إسماعيل بن أمية، وهو ضعيف.\nوصحَّ هذا القول عن ابن عباس، وابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وابن عمر وغيرهم -﵃-، كما تقدم.","vol":"8","page":471},{"text":"• والقول الثاني في هذه المسألة من ذهب إلى أنه يقع واحدة رجعية، وهذا القول ثابت عن ابن عباس -﵄-، وقال به ابن إسحاق. قال ابن القيم: وهو قول طاوس، وعكرمة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.\nورجَّحه ابن القيم، ثم الشوكاني، والصنعاني، وقال به نفر يسير من أصحاب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وهو قول داود.\nواستدل هؤلاء بحديث ابن عباس -﵄- الذي ذُكر في الباب، وفي «صحيح مسلم» أيضًا من طريق طاوس أنَّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبي بكر، وثلاثًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم.\nوعنده أيضًا بلفظ: ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم.\nواستدلوا أيضًا بحديث ابن عباس في طلاق ركانة امرأته ثلاثًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هي واحدة»، وقالوا: هو طلاق بدعة، والبدعة مردودة: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يفرق بين المدخول بها وغيرها، فتقع الثلاث في المدخول بها، وأما غير المدخول بها فتقع واحدة، قال ابن القيم: هذا قول جماعة من أصحاب ابن عباس، وهو مذهب إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه","vol":"8","page":472},{"text":"محمد بن نصر المروزي في كتاب «اختلاف العلماء».\nواستدل لهم بما رواه أبو داود (٢١٩٩) من طريق: أيوب عن غير واحد، عن طاوس، أنَّ رجلًا يُقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أنَّ الرجل كان إذا طلَّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبي بكر، وعمر صدرًا من إمارته، فلما رأى أنَّ الناس قد تتابعوا فيهن قال: أجيزوهن عليهم. وفي إسناده رجلٌ مبهم؛ فهو ضعيفٌ، ولأنَّ أصحاب طاوس الثقات رووه عنه بدون ذكر «قبل أن يدخل بها» منهم: إبراهيم ابن ميسرة، وعبد الله بن طاوس، وهما ثقتان، فالرواية المذكورة ضعيفة إن لم تكن منكرة، وقد ضعفها الإمام الألباني -﵀- كما في «ضعيف أبي داود».\nوقالوا: إنَّ غير المدخول بها تَبِيْنُ بقوله (طالق)، فَذِكْرُ الثلاث يصادفها وهي بائن؛ فتلغوا وأما المدخول بها فتصادفها وهي غير بائن؛ فتقع، ونقل صاحب «المغني» هذا القول عن عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وجابر بن زيد.\n• وذهب بعض المبتدعة إلى عدم وقوع الطلاق مطلقًا، لا واحدة ولا ثلاثًا، وهذا قول الرافضة، وقول إبراهيم بن عُليَّه، وهشام بن الحكم الرافضي.\nقال الشوكاني -﵀-: وبه قال أبو عبيدة، وبعض أهل الظاهر، وحجتهم أنه طلاق مبتدع؛ فلا يقع. والجواب أنَّ المبتدع هو الزيادة على الطلقة الواحدة. اهـ","vol":"8","page":473},{"text":"وقد أجاب الجمهور على حديث ابن عباس -﵄- بأجوبة عديدة:\nأحدها: تضعيف الحديث بأنَّ طاوسًا شذَّ فيه، ولم يذكر ذلك غيره، قال أحمد عند أن سأله الأثرم عن حديث ابن عباس -﵄- بأي شيء تدفعه؟ فقال: أدفعه برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه.\nوقال البيهقي -﵀- في «سننه»: أخرجه مسلم، وتركه البخاري، وأظنه تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس ... . وساق الروايات.\nثم قال: فهذه رواية سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن بكير كلهم عن ابن عباس أنه أجاز الثلاث وأمضاهن، قال ابن المنذر: فغير جائز أن نظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي - ﷺ - شيئًا ثم يُفتي بخلافه. اهـ\nونقل ابن رجب عن الجوزجاني أنه قال: هو حديث شاذ. ونقل عن إسماعيل القاضي أنه قال في «أحكام القرآن»: طاوس مع فضله وصلاحه يروي أشياء منكرة، منها هذا الحديث.\nالثاني: أنَّ الحديث منسوخ؛ ولذلك لم يقل به ابن عباس؛ لأنه علم في ذلك ناسخًا، قاله الشافعي، وأيَّده البيهقي بما أخرجه أبو داود من طريق: يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك، وقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.","vol":"8","page":474},{"text":"الثالث: أنه ورد في صورة خاصة، قال ابن سريج: يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ، كأن يقول: (أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق)، وكانوا قبلُ على سلامة صدروهم يُقبل منهم أنهم أرادوا التوكيد، فلما كثر الناس في زمان عمر، وكثر الخداع؛ حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار، وأمضاه عليهم، وهذا القول ارتضاه القرطبي، وقال النووي: هو أصح الأجوبة.\nالرابع: أنَّ المقصود بالحديث «كان الطلاق الذي يوقعه المطلق الآن ثلاثًا، يوقعه على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأبي بكر واحدة» فهو إخبار عن الواقع لا عن المشروع، بمعنى أنهم كانوا يطلقون واحدة ثم صاروا في عهد عمر يطلقون ثلاثًا.\nالخامس: ليس في الحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الذي كان يجعل الثلاث واحدةً، ولا أنه علم بذلك، فأقره.\nالسادس: أنَّ المقصود بالحديث طلاق (البتة)، فكان يقبل قولهم أنهم أرادوا واحدة، فَلمَّا كان عمر جعلها ثلاثًا؟\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الراجح هو القول الثاني؛ لصحة دليله، وهو حديث نصٌّ في المسألة.\nوأما أدلة الجمهور فالجواب عنها كما يلي:\nأولا: قولهم (آيات الطلاق تعم من أوقعها متفرقة ومجموعة).\nقال ابن القيم -﵀-: وغاية ما تمسكتم به إطلاق القرآن للفظ الطلاق، وذلك","vol":"8","page":475},{"text":"لا يعم جائزه ومحرمه، كما لا يدخل تحته طلاق الحائض، وطلاق الموطوءة في طهرها، ومعلوم أنَّ القرآن لم يدل على جواز كل طلاق حتى تُحَمِّلُوه ما لا يطيقه، وإنما دل على أحكام الطلاق، والمبين عن الله ﷿ بيَّن حلاله وحرامه. وأما حديث الملاعن فأجابوا عنه بأنَّ الطلاق في ذلك الحين لغوٌ؛ لأنَّ الفرقة قد حصلت في اللعان، وقد بين ابن عباس أنَّ النبي - ﷺ - كان لا ينفذ هذا الطلاق. اهـ\nوأما حديث امرأة رفاعة القرظي ففي بعض الروايات أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، وهي رواية في «الصحيح»، وكذلك حديث فاطمة بنت قيس كما تقدم في المسألة السابقة.\nوأما حديثهم في قصة ركانة؛ فضعيفٌ كما بينا، وكذا أحاديثهم الأخرى.\nوأما ما ذكروه عن حديث ابن عباس، فالجواب عنه كما يلي:\nالأول: تضعيفهم الحديث.\nقال ابن القيم -﵀-: هذا المسلك من أضعف المسالك؛ إذ لم يعرف أحد من الحفاظ قَدَحَ في هذا الحديث، ولا ضعَّفه، وكما قيل للإمام أحمد: بأي شيء ترد حديث ابن عباس؟ فقال: برواية الناس عنه خلافه. ولم يرده بتضعيف، ولا قدح في صحته، ولا سبيل إلى ذلك؛ لأنَّ رواته كلهم أئمةٌ حُفَّاظٌ، وكون البخاري لم يخرج هذا الحديث في «صحيحه» ليس دليلًا على كونه مضطربًا غير صالح للاستدلال. (^١)\nقلتُ: ومن حكم عليه بالشذوذ، كالجوزجاني وإسماعيل القاضي ليسوا\n_________\n(^١) «إغاثة اللهفان» وبنحوه في «الزاد».","vol":"8","page":476},{"text":"بمرتبة مسلم، وكذا الدارقطني؛ فإنه لم يذكره في «التتبع» ولا غيره من الحفاظ المتقدمين ثم إن ابن عباس قد صحَّ عنه القول بما يوافق هذا الحديث، فالقول الذي يوافق الحديث أولى، ولعله كان يقول بأحد القولين فرجع إلى الآخر، والله أعلم.\nالثاني: دعوى النسخ.\nتحتاج إلى دليل يثبت ذلك، وأما حديث عكرمة عن ابن عباس فليس فيه حجة، فإنما فيه أنَّ الرجل كان يطلق امرأته، ويراجعها بغير عدد، فنسخ ذلك، وقصر على ثلاث فيها تنقطع الرجعة، فأين ذلك في الإلزام بالثلاث بفم واحد؟\nثم كيف يستمر العمل بالمنسوخ إلى عهد عمر مع حاجة الناس إليه؛ لكونه مما يتعلق بالفروج؟!!\nالثالث: حمل الحديث على تكرار اللفظ.\nلا يساعده سياق الحديث، وهذا الذي أولوا فيه الحديث لم يتغير الحكم فيه بوفاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا يختلف على عهده وعهد خلفائه، ومن ينويه في قصد التأكيد لا يفرق بين بَرٍّ وفاجر، وصادق وكاذب، بل يرده إلى نيته، وكذلك من لا يقبله في الحكم، لا يقبله مطلقًا، برًّا كان أو فاجرًا.\nالرابع: حملهم الحديث على المعنى المذكور.\nباطلٌ لا تساعده ألفاظ الحديث.\nالخامس: أنه ليس في الحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الذي كان يجعل الثلاث واحدة.\nقال ابن القيم -﵀- في «الزاد»: يُقَالَ: سُبْحَانَك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ أَنْ يَسْتَمِرّ هَذَا","vol":"8","page":477},{"text":"الْجَعْلُ الْحَرَامُ الْمُتَضَمّنُ لِتَغْيِيرِ شَرْعِ الله، وَدِينِهِ، وَإِبَاحَةُ الْفَرْجِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَتَحْرِيمُهُ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ حَلَالٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَأَصْحَابِهِ خَيْرِ الْخَلْقِ، وَهُمْ يَفْعَلُونَهُ وَلَا يَعْلَمُونَهُ، وَلَا يَعْلَمُهُ هُوَ، وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُقِرّهُمْ عَلَيْهِ، فَهَبْ أَنّ رَسُولَ الله - ﷺ - لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، وَكَانَ الصّحَابَةُ يَعْلَمُونَهُ وَيُبَدّلُونَ دِينَهُ وَشَرْعَهُ، وَاَلله يَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَا يُوحِيهِ إلَى رَسُولِهِ وَلَا يُعْلِمُهُ بِهِ، ثُمّ يَتَوَفّى الله رَسُولَهُ - ﷺ - وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ.\nقال: وَتَالله، لَوْ كَانَ جَعْلُ الثّلَاثِ وَاحِدَةً خَطَأً مَحْضًا؛ لَكَانَ أَسْهَلَ مِنْ هَذَا الْخَطَأِ الّذِي ارْتَكَبْتُمُوهُ، وَالتّأْوِيلِ الّذِي تَأَوّلْتُمُوهُ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ الْمَسْأَلَةَ بِهَيْئَتِهَا؛ لَكَانَ أَقْوَى لِشَأْنِهَا مِنْ هَذِهِ الْأَدِلّةِ وَالْأَجْوِبَةِ. اهـ\nالسادس: قولهم: إنَّ المقصود بالحديث طلاق ألبتة.\nهذا التأويل يخالف ألفاظ الحديث ولا يساعده لفظ الحديث من قريب أو بعيد.\nوقد رجَّح القول الثاني شيخنا الإمام مقبل الوادعي -﵀-، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين، والإمام ابن باز رحمة الله عليهما. (^١)\nوأحسن مرجع لهذه المسألة هوكتاب ابن القيم -﵀- «إغاثة اللهفان» فقد\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٣٤) «حاشية المسند» (٥/ ٦٢ - ٦٣) «البيان» (١٠/ ٨٠ -) «زاد المعاد» (٥/ ٢٤٧ - ٢٧٠) «الفتح» (٥٢٥٩) «أعلام الموقعين» (٣/ ٤٥ -) «نيل الأوطار» (٤/ ٣٥٦ -) «تهذيب السنن» (٣/ ١٢٥ - ١٣٠) «إغاثة اللهفان» (١/ ٤٢٥ -) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٧ - ١٦، ٧١ - ٧٣، ٨١) «سنن ابن منصور» (١/ ٢٦١ -) «المحلى» (١٩٥٣) «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ١١ -) «مصنف عبدالرزاق» (٦/ ٣٩٠ -) «سنن البيهقي» (٧/ ٣٣٣ -) «الداقطني» (٤/ ٥ -) رسالة «الطلاق الثلاث بلفظ واحد» لمحمد إشفاق السلفي.","vol":"8","page":478},{"text":"تناول المسألة بتوسع من كل جانب (١/ ٤٢٥ - ٤٩٥).\nتنبيه: مثل الخلاف السابق أن يقول: (أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق) وأن يقول: (طالق، وطالق، وطالق) أو يقول: (أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق) أو يقول: (أنت طالق) ثم يقول: (أنت طالق) ثم يقول: (أنت طالق) أو (أنت طالق عشرًا) أو (مائة) ونحو ذلك من العبارات. قال ذلك شيخ الإسلام -﵀- (٣٣/ ٧ - ٨) (٣٣/ ٧٢).\nويُستثنى من ذلك ما إذا أراد بتكراره ثلاثًا التأكيد، لا التطليق ثلاثًا؛ فإنه يقع واحدة عند أكثر أهل العلم، وصحَّ عن الثوري أنه قال: تقضى عليه بثلاث. وهو قول الشافعي. (^١)\nتنبيه آخر: لو طلقها الثانية قبل الرجعة؛ فالأمر فيه كالخلاف السابق حتى ولو كان في طهر آخر. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «مصنف عبد الرزاق» (٦/ ٣٩٨) «الفتح» (٥٢٥٩) «المحلى» (١٩٥٥) «زاد المعاد» (٥/ ٢٢٦) «الشرح الكبير» (١٠/ ١١٥) «اختلاف العلماء» (ص ١٣٤) للمروزي.\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣١١ -) (٣٣/ ٦٧).","vol":"8","page":479},{"text":"١٠٧٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ: «الطَّلَاقُ، وَالعَتَاقُ، وَالنِّكَاحُ». (^٢)\n\n١٠٧٥ - وَلِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -﵃- رَفَعَهُ: «لَا يَجُوزُ اللَّعِبُ فِي ثَلَاثٍ: الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالعَتَاقُ، فَمَنْ قَالَهُنَّ، فَقَدْ وَجَبْنَ». وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. (^٣)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٢١٩٤)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩)، والحاكم (٢/ ١٩٨)، من طريق عبدالرحمن بن حبيب بن أردك عن عطاء بن أبي رباح عن ابن ماهك عن أبي هريرة به.\nقال الحاكم: صحيح الإسناد، وعبدالرحمن بن حبيب من ثقات المدنيين. كذا قال الحاكم، وتعقبه الذهبي فقال: فيه لين. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال النسائي -﵀-: منكر الحديث.\n(^٢) ضعيف جدًّا. أخرجه ابن عدي (٦/ ٢٠٣٣) من طريق غالب بن عبيدالله الجزري عن الحسن عن أبي هريرة به. وغالب بن عبيدالله الجزري قال ابن معين: ليس بثقة. وقال الدارقطني وغيره: متروك.\n(^٣) ضعيف. أخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في «بغية الباحث» (٥٠٣) من طريق بشر بن عمر عن ابن لهيعة ثنا عبيدالله بن أبي جعفر عن عبادة بن الصامت فذكره. وإسناده ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة وانقطاعه بين عبيدالله بن أبي جعفر وعبادة فإنه لم يسمع من أحد من الصحابة. ولابن لهيعة فيه إسناد آخر: فقد أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٨/ ٣٠٤) من طريق يحيى بن عثمان بن صالح حدثنا أبي ثنا ابن لهيعة حدثني عبدالله بن أبي جعفر عن حنش بن عبدالله السبأي عن فضالة بن عبيد به.\nقال ابن الملقن في «البدر المنير»: وعبدالله هذا فيه خلاف، وثقه أبوزرعة وأبوحاتم وقال محمد ابن حميد: كان فاسقًا. وقال ابن عدي: في بعض حديثه ما لا يتابع عليه.\nقلتُ: هذا الذي قاله ابن الملقن بناءً منه على أنه الرازي، بينما قال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٣٣٥) بعد أن ذكر ابن لهيعة، قال: وبقية رجاله رجال الصحيح.\nفيحتمل عندي أن الصواب في السند (عبيدالله)؛ لأن ابن لهيعة روايته عنه مشهورة، وأما عبدالله الرازي فلم يذكر المزي في «تهذيبه» رواية له عنه.\nوعلى هذا فيكون ابن لهيعة قد اضطرب في إسناد الحديث فتارة يسوق له إسنادًا عن عباد، وتارة عن فضالة، والله أعلم.\n\nولحديث عبادة بن الصامت طريق أخرى عند ابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» آية (٢٣١) من سورة البقرة. وفي إسناده يحيى بن عبدالحميد الحماني وقد كذبه أحمد وابن نمير، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن معين: ثقة. قال الشيخ مقبل -﵀-: الجرح مفسر فهو مقدم على التعديل. وفي إسناده يعقوب بن أبي يعقوب ترجمته في «تاريخ أصبهان» لم يذكر جرحًا ولا تعديلًا فهو مستور الحال.\nوفي إسناده رجلان قال الشيخ -﵀- لم أجد ترجمتهما. وهو من طريق الحسن عن عبادة ولم يسمع منه. قال الشيخ -﵀-: فالحديث بهذا السند ضعيف جدًّا.\nوله شاهد من حديث أبي ذر -﵁-:\nأخرجه عبدالرزاق في «مصنفه» (١٠٢٤٩) عن إبراهيم بن محمد عن صفوان بن سليم عن أبي ذر بنحوه. وإسناده شديد الضعف؛ لأن إبراهيم هو الأسلمي كذاب، وصفوان لم يسمع من أبي ذر.\nوله شاهد من حديث أبي الدرداء -﵁-:\nأخرجه الطبراني كما في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨) قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه عمرو بن عبيد وهو من أعداء الله. وقال في (٤/ ٢٤٦) رواه الطبراني وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف.\nقلتُ: بل هو أشد من الضعيف، والمحفوظ أنه موقوف على أبي الدرداء.\nفقد رواه عبدالرزاق (١٠٢٤٥) عن معمر عن قتادة عن الحسن عن أبي الدرداء قال: ثلاث: اللاعب فيهن كالجاد: النكاح والطلاق والعتاقة. ومع ذلك فهو ضعيف أيضًا؛ لضعف رواية معمر عن قتادة، ولأن رواية الحسن عن أبي الدرداء منقطعة قاله أبوزرعة كما في «جامع التحصيل» ثم رأيت قتادة قد تابعه يونس بن عبيد عند ابن أبي شيبة (٦/ ١٠٥) فالعلة بالانقطاع فقط.\nوله شاهد من مراسيل الحسن:\nأخرجه ابن أبي حاتم (٢/ ٤٢٥) حدثنا عصام بن رواد حدثنا آدم حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن البصري فذكره مرسلًا. وإسناده ضعيف؛ فإن عصام بن رواد لينه أبوأحمد الحاكم كما في «الميزان»، والمبارك بن فضالة مدلس ولم يصرح بالتحديث وله أوهام، ومراسيل الحسن ضعيفة عند جماعة من أهل العلم.\nوله طريق أخرى عند الطبري (٢/ ٤٨٢) وليس فيه ذكر النكاح، ولكن الراوي عن الحسن هو سليمان بن أرقم وهو متروك.\nوله طريق ثالثة عند ابن أبي شيبة (٥/ ١٠٦) من طريق عمرو بن عبيد عن الحسن فذكره. وعمرو بن عبيد معتزلي ضال متروك.\nوله شاهد من حديث ابن عباس -﵄- بذكر الطلاق فقط:\nأخرجه ابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» آية (٢٣١) من سورة البقرة، أخرجه من طريق إسماعيل ابن يحيى عن سفيان عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس قال: طلق رجل امرأته وهو يلعب لا يريد الطلاق، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزوًا﴾ فألزمه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الطلاق. وهذا إسناد تالف؛ لأن إسماعيل بن يحيى هو التيمي وضاع كذاب كما في «الميزان»، و«لسان الميزان»، وليث هو ابن أبي سليم ضعيف مختلط. وجاء هذا أثرًا عن عمر:\nأخرجه عبدالرزاق (١٠٢٤٨) وفي إسناده عبدالكريم بن أبي المخارق شديد الضعف.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٠٥) وفي إسناده حجاج بن أرطاة مدلس وفيه ضعف، وسعيد بن المسيب لم يسمع من عمر إلا قليلًا، وهو من روايته عنه.\nوله إسناد آخر عند البخاري في «التاريخ» (٦/ ٥٠٢) ومن طريقه البيهقي (٧/ ٣٤١)، وفي إسناده عبدالله بن صالح كاتب الليث، وفيه ضعف، ومحمد بن إسحاق مدلس ولم يصرح بالتحديث، وهو كسابقه من طريق سعيد بن المسيب عن عمر.\nوجاء أثرًا عن علي:\nأخرجه عبدالرزاق (١٠٢٤٧) من طريق الثوري عن جابر عن عبدالله بن نجي عن علي فذكره. وفي إسناده جابر بن يزيد الجعفي وهو متروك، وعبدالله بن نجي قيل: لم يسمع من علي، بينهما أبوه.\nوجاء أيضًا عن ابن مسعود قال: (من طلق لاعبًا، أو نكح لاعبًا فقد جاز) أخرجه عبدالرزاق (٦/ ١٣٣). وفي إسناده عبدالكريم بن أبي المخارق يرويه عن ابن مسعود، وعبدالكريم شديد الضعف، وهو منقطع لم يسمع من ابن مسعود.","vol":"8","page":480},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4501>مسألة [١]: طلاق الهازل</span>.\nالهازل: هو الذي يتلفظ بالطلاق قاصدًا التلفظ به، عالمًا معناه؛ إلا أنه لا يريد وقوعه.\nقال ابن المنذر -﵀- في كتابه «الإجماع»: وأجمعوا على أنَّ جد الطلاق وهزله سواء. اهـ\nونقله ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٣٧٣) ولم يتعقب عليه بشيء، بينما عزا هذا القول ابن القيم -﵀- للجمهور.\nقال -﵀- في «أعلام الموقعين» (٣/ ١٣٦): فَأَمَّا طَلَاقُ الْهَازِلِ فَيَقَعُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَذَلِكَ نِكَاحُهُ صَحِيحٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّصُّ، وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَحَكَاهُ أَبُو حَفْصٍ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِهِ، وَقَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْهَازِلِ لَا يَصِحُّ بِخِلَافِ طَلَاقِهِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ: أَنَّ هَزْلَ النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ لَازِمٌ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ. وَرَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ أَنَّ نِكَاحَ الْهَازِلِ لَا يَجُوزُ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: فَإِنْ قَامَ دَلِيلُ الْهَزْلِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقٌ، وَلَا نِكَاحٌ، وَلَا طَلَاقٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ، وَأَمَّا بَيْعُ الْهَازِلِ وَتَصَرُّفَاتُهُ الْمَالِيَّةُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَكْثَرِ","vol":"8","page":483},{"text":"أَصْحَابِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ: يَصِحُّ بَيْعُهُ كَطَلَاقِهِ، وَخَرَّجَهَا بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَمَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ؛ قَاسَ سَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالرَّجْعَةِ.\nقال: وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ الْهَازِلَ أَتَى بِالْقَوْلِ غَيْرَ مُلْتَزِمٍ لِحُكْمِهِ، وَتَرْتِيبُ الْأَحْكَامِ عَلَى الْأَسْبَابِ لِلشَّارِعِ لَا لِلْعَاقِدِ، فَإِذَا أَتَى بِالسَّبَبِ؛ لَزِمَهُ حُكْمُهُ، شَاءَ أَمْ أَبَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقِفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْهَازِلَ قَاصِدٌ لِلْقَوْلِ مَرِيدٌ لَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِمَعْنَاهُ وَمُوجِبِهِ، وَقَصْدُ اللَّفْظِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْمَعْنَى قَصْدٌ لِذَلِكَ الْمَعْنَى؛ لِتَلَازُمِهِمَا، إلَّا أَنْ يُعَارِضَهُ قَصْدٌ آخَرُ، كَالْمُكْرَهِ، وَالْمُخَادِعِ الْمُحْتَالِ؛ فَإِنَّهُمَا قَصَدَا شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ مَعْنَى الْقَوْلِ وَمُوجِبِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكْرَهَ قَصَدَ دَفْعَ الْعَذَابِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ السَّبَبَ ابْتِدَاءً، وَالْمُحَلِّلُ قَصَدَ إعَادَتَهَا إلَى الْمُطَلِّقِ، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِقَصْدِهِ مُوجِبَ السَّبَبَ، وَأَمَّا الْهَازِلُ فَقَصَدَ السَّبَبَ وَلَمْ يَقْصِدْ حُكْمَهُ، وَلَا مَا يُنَافِي حُكْمَهُ؛ فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ. اهـ المراد\nوهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٢٣٩)، والإمام الشوكاني كما في «السيل» و«وبل الغمام»، والإمام ابن باز كما في «فتاوى اللجنة الدائمة» (٢٠/ ٦٥)، والإمام ابن عثيمين كما في «الشرح الممتع».\n• وذهب بعضهم إلى أنه لا يُعدُّ طلاقًا، وهو الصحيح؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، وهذا القول قال به بعض المالكية كما أشار إلى ذلك ابن القيم في كلامه المتقدم، وهو","vol":"8","page":484},{"text":"ظاهر اختيار البخاري، وعزاه الماوردي في «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٥٤) إلى داود الظاهري، وهو ظاهر اختيار ابن حزم كما في «المحلى» (١٦٧٢) (١٩٦٠)، وهذان الأخيران كلامهم صريح في أنَّ الطلاق الصريح يحتاج إلى نية، فيحتمل دخول الهازل في كلامهم، وعن أحمد رواية أيضًا بأنَّ صريح الطلاق لابد له من نية أيضًا. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٦/ ٤٦٤) «ابن أبي شيبة» (٥/ ١٠٥ -) «مصنف عبدالرزاق» (٦/ ١٣٣) «زاد المعاد» (٥/ ٢٠٤).","vol":"8","page":485},{"text":"١٠٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ اللهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَكَلَّمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4502>مسألة [١]: هل يقع طلاق من نوى الطلاق بقلبه بدون أن يتلفظ به</span>؟\nدلَّ حديث الباب على عدم وقوع الطلاق، وهو قول عامة أهل العلم من التابعين، وأصحاب المذاهب وغيرهم.\n• ونقل عن ابن سيرين أنه قال فيمن طلَّق في نفسه: أليس قد عَلِمَه الله، ثم توقف.\n• وعن مالك رواية بوقوعه، وهو قول الزهري إذا جزم؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»؛ ولأنَّ الإنسان يأثم على أعمال القلوب، ويؤجر عليها.\nوأُجيب عن الحديث بأنَّه حجة عليهم؛ لأنه أخبر فيه أن العمل مع النية هو المعتبر، لا النية وحدها، وأما الثواب والعقاب على أعمال القلوب؛ فحق، ولا تلازم بينها وبين الطلاق؛ لأنها طاعات، ومعاص قلبية بخلاف الطلاق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4503>مسألة [٢]: ألفاظ الطلاق هل يُعتبر فيها النية</span>؟\nأما صريح الطلاق فيكون بلفظ (الطلاق)، وما اشتق منه، وهل (الفراق)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٠/ ٣٥٥) «الزاد» (٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤) «البداية» (٣/ ١١٧).","vol":"8","page":486},{"text":"و(السراح) من صريح الطلاق، أم لا؟\n• مذهب الشافعي، وجماعة من الحنابلة كالخرقي، وأبي يعلى وغيرهما على أنها من صريح الطلاق؛ لمجيء القرآن بذلك؛ لقوله تعالى ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب:٢٨]، وقوله: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠].\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ (الفراق) و(السراح) ليسا من الصريح، وهو قول جماعة من الحنابلة، عزاه شيخ الإسلام لجمهورهم، ومنهم: أبو بكر، وابن حامد، وأبو الخطاب، وغيرهم. وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وبعض الشافعية؛ لأنَّ لفظ الفراق والسراح استعملتا كثيرًا في غير الطلاق حتى في القرآن، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] إلى قوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:٢٣١] وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]. (^١)\n• فأما صريح الطلاق فمذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، والحنفية، وغيرهم أنه يقع، ولا يعتبر قصده، فإذا تكلم به؛ حكم عليه به، وإن قال: إنه لم يقصد الطلاق.\n• وعن أحمد رواية أنه يُعتبر له النية، وهو قول داود الظاهري، وأبي عبيد، وابن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٥٥ -) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٣٥ - ٥٣٦) «البيان» (١٠/ ٨٩) «الفتح» (باب:٦).","vol":"8","page":487},{"text":"حزم، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهم. (^١)\n• والمالكية وإن كان إمامهم مالك يعتبر النية في الطلاق أيضًا إلا أنه لا يعتبرها هنا؛ لأنه موضع تهمة، ولذلك قال جماعة من المالكية: إذا اقترن بالحال قرينة تدل على صدق دعواه؛ فإنه يقبل قوله.\nوالقول باعتبار النية هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: بعض الصيغ المشتقة من لفظ (الطلاق) فيها خلاف، هل هي صريحة، أم لا؟ كقوله (أنت مطلقة) لم يعدها أبو حنيفة صريحًا، وكذلك أحمد في رواية، وكذا لفظ (الطلاق) عند طائفة من الشافعية ليست صريحة، وكذا لفظ (الإطلاق) ليست صريحة في الطلاق عند جماعة من الحنابلة، وهو قول أكثرهم، وعدها بعضهم صريحة. (^٣)\nفائدة: قال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ٣٢١): وَتَقْسِيمُ الْأَلْفَاظِ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ، وَإِنْ كَانَ تَقْسِيمًا صَحِيحًا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، لَكِنْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، وَالْأَزْمِنَةِ، وَالْأَمْكِنَةِ، فَلَيْسَ حُكْمًا ثَابِتًا لِلّفْظِ لِذَاتِهِ، فَرُبّ لَفْظٍ صَرِيحٍ عِنْدَ قَوْمٍ كِنَايَةٌ عِنْدَ آخَرِينَ، أَوْ صَرِيحٌ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ كِنَايَةٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الزّمَانِ\n_________\n(^١) وانظر كلام ابن القيم في «زاد المعاد» (٥/ ٣٢٠ - ٣٢٢).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٠/ ٣٥٦ -) «البيان» (١٠/ ٨٩) «بداية المجتهد» (٣/ ١١٦) «المحلى» (١٩٦٠)، «الفتح» [باب: (٦) كتاب الطلاق].\n(^٣) انظر: «البيان» (١٠/ ٨٩) «الإنصاف» (٨/ ٤٦١ - ٤٦٢) «المغني» (١٠/ ٣٥٨) «البيان» (١٠/ ٩٥).","vol":"8","page":488},{"text":"وَالْمَكَانِ، وَالْوَاقِعُ شَاهِدٌ بِذَلِكَ، فَهَذَا لَفْظُ السّرَاحِ لَا يَكَادُ أَحَدٌ يَسْتَعْمِلُهُ فِي الطّلَاقِ لَا صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً، فَلَا يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَنْ تَكَلّمَ بِهِ؛ لَزِمَهُ طَلَاقُ امْرَأَتِهِ، نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، وَيَدّعِي أَنّهُ ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الشّرْعِ وَالِاسْتِعْمَالُ؛ فَإِنّ هَذِهِ دَعْوَى بَاطِلَةٌ شَرْعًا وَاسْتِعْمَالًا، أَمّا الِاسْتِعْمَالُ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُطَلّقُ بِهِ ألْبَتّةَ، وَأَمّا الشّرْعُ فَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِ الطّلَاقِ. اهـ، ثم ذكر بعض الأدلة المتقدمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4504>مسألة [٣]: إذا قال لامرأته: (أنت طالق)، وأراد (من وثاقي)، أو (من زوج قبلي)</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣١٧): وقد قال الفقهاء: إنه إذا قال: أنت طالق. ونوى (من وثاقي) أو (من زوجٍ قبلي) لم يقع به الطلاق فيما بينه وبين الله، وهل يقبل منه في الحكم؟ على قولين معروفين هما روايتان عن أحمد. اهـ\nقلتُ: القول الأول: أنه لا يقبل منه في الحكم. وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد في رواية. القول الثاني: يقبل في الحكم إذا ظهرت القرينة بصدق قوله كما إذا لم يكن في حالة غضب، أو في حال سؤالها الطلاق. وهو قول أحمد في رواية، وجماعة من المالكية، وهو قول جابر بن زيد، والشعبي، والحكم.\nتنبيه: إذا قال: أردت أنها مطلقة من زوج قبلي. وكانت لم تتزوج قبله؛ فلا يُعتبر بقوله. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٨/ ٤٦٤ -) «البيان» (١٠/ ٨٩ -) «المغني» (١٠/ ٣٥٧).","vol":"8","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4505>مسألة [٤]: إذا قيل له: (أطلقت أمرأتك؟) قال: (نعم) كاذبًا، فهل تطلق</span>؟\nومثل ذلك لو قيل له (امرأتك طالق) قال: (نعم) وأراد الكذب، أو (ألك امرأة) قال: (قد طلقتها).\n• فالصحيح في مذهب الحنابلة، وهو قول بعض الشافعية أنه يقع عليها الطلاق؛ لأنَّ (نعم) صريح في الجواب، والجواب الصريح للفظ الصريح صريح.\n• ومذهب الشافعية، وبعض الحنابلة أنه يقع في الحكم دون ما بينه وبين الله.\n• وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى أنه لا يقع؛ لأنه ليس لفظًا صريحًا. وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4506>مسألة [٥]: لو ضرب امرأته، أو لطمها، وقال: هذا طلاقك</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٣٦٠): فَأَمَّا إذَا لَطَمَهَا، وَقَالَ: هَذَا طَلَاقُك. فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالُوا: لَيْسَ هَذَا كِنَايَةً، وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ، وَإِنْ نَوَى؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُؤَدِّي مَعْنَى الطَّلَاقِ، وَلَا هُوَ سَبَبٌ لَهُ، وَلَا حُكْمٌ؛ فَلَمْ يَصِحَّ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: غَفَرَ اللهُ لَك.\nقال: وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ: أَوْقَعْت عَلَيْك طَلَاقًا هَذَا الضَّرْبُ مِنْ أَجْلِهِ.\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٨/ ٤٦٥) «المغني» (١٠/ ٣٧٨) «البيان» (١٠/ ٩١).","vol":"8","page":490},{"text":"قال: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ بِالتَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ سَبَبٌ لِطَلَاقِك؛ لِكَوْنِ الطَّلَاقِ مُعَلَّقًا عَلَيْهِ، فَصَحَّ أَنْ يُعَبِّرَ بِهِ عَنْهُ، وَلَيْسَ بِصَرِيحِ؛ لِأَنَّهُ احْتَاجَ إلَى تَقْدِيرٍ، وَلَوْ كَانَ صَرِيحًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لَهُ وَلَا مُسْتَعْمَلٌ فِيهِ شَرْعًا وَلَا عُرْفًا؛ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْكِنَايَاتِ.\nقال: وَعَلَى قِيَاسِهِ مَا لَوْ أَطْعَمَهَا، أَوْ سَقَاهَا، أَوْ كَسَاهَا، وَقَالَ: هَذَا طَلَاقُك. فَهُوَ مِثْلُ لَطْمِهَا. اهـ باختصار.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: إنْ كان قصده ما ذكره ابنُ حامد؛ وقع الطلاق، وإلا فلا، وفي الحكم يُديَّن فيما بينه وبين الله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4507>مسألة [٦]: لو قال لامرأته: أنت طالق لا شيء، أو طلاقًا ليس بشيء</span>؟\nومثله: أنت طلاق طلقة لا تقع عليك. أو طالق طلقة لا ينقص بها عدد الطلاق.\nقال ابن قدامة -﵀- كما في «الشرح الكبير» (١٠/ ١١٨) -بعد أن حكى وقوعه عن الحنابلة والشافعي-: ولا نعلم فيه مخالفًا. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4508>مسألة [٧]: إذا كتب الطلاق في ورقة فهل يقع</span>؟\nأمَّا إذا كتب الطلاق وتلفظ به، ونواه؛ فلا نزاع في وقوعه.\n• وأما إذا كتب الطلاق، ونواه، ولم يتلفظ به، فمذهب مالك، وأبي حنيفة،\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٨/ ٤٦٧).\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٨/ ٤٦٩ - ٤٧٠).","vol":"8","page":491},{"text":"والشافعي، وأحمد وقوعه، وهو قول النخعي، والشعبي، والزهري، والأوزاعي، والحسن بن حي؛ لأنَّ التعبير عما في النفس يحصل بالكتابة كما يحصل بالقول، وفي الحديث: «ما لم تعمل أو تتكلم»، وعزاه الحافظ للجمهور، وذكر أنَّ مالكًا اشترط الإشهاد.\n• ورُوي عن الحسن، وقتادة، والشعبي: ليس بشيء؛ إلا أن يمضيه، أو يتكلم به. وقال به عطاء.\n• وذهب ابن حزم إلى عدم وقوعه، وحُكي قولًا للشافعي، وقال به نزر من الحنابلة؛ لأنه قادر على النطق، فاعتبر نطقه.\nوالقول الأول رجَّحه الإمام ابن عثيمين -﵀-، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4509>مسألة [٨]: إذا كتب الطلاق، ولم ينوه</span>؟\n• مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة عدم وقوعه، وهو رواية عن أحمد؛ لأنَّ الكتابة قد يقصد بها تجويد الخط، وغمُّ الأهل وجعلوه كالكناية لا يقع إلا بالنية.\n• وعن أحمد رواية أنه يقع، وإن لم ينوه.\nوالصحيح القول الأول؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١٠/ ١٠٥) «الشرح الكبير» (١٠/ ١١٨) «المحلى» (١٩٦٤) «الشرح الممتع» (٥/ ٤٦٥) «الإنصاف» (٨/ ٤٧١) «مصنف ابن أبي شيبة» (٦/ ٤٠٨) «مصنف عبد الرزاق» (٦/ ٤١٣ -).\n(^٢) انظر: «البيان» (١٠/ ١٠٤ -) «الإنصاف» (٨/ ٤٧٢) «الشرح الكبير» (١٠/ ١١٩).","vol":"8","page":492},{"text":"تنبيه: إذا ادَّعى أنه نوى تجويد الخط، أو غم الأهل، أو ما أشبه ذلك، فيقبل قوله في الحكم عند الجمهور، خلافًا لأحمد في رواية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4510>مسألة [٩]: إذا كتب في شيء لا يَبِين، كأن يكتب ذلك في الهواء، أو في الماء</span>؟\n• في هذه المسألة وجهان للحنابلة، والأصح عندهم عدم وقوعه كالهمس بالفم بما لا يستبين، وثمَّ لا يقع فههنا أولى. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4511>مسألة [١٠]: إذا كتب في كتابه: (إذا أتاكِ كتابي فأنت طالق)</span>؟\nلا يقع الطلاق؛ إلا إذا وصل إلى امرأته ما كتبه، فإذا لم تصل الورقة، أو وصلت وقد انمحى المكتوب فلا يقع الطلاق. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4512>مسألة [١١]: لو قال لشخص: اكتب طلاق زوجتي</span>؟\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٥/ ٤٦٦ - ٤٦٧): إن كان يريد منه أن يكتب طلاقًا سابقًا وقع منه، فهنا قد وقع الطلاق بالكلام السابق، ويكون الأمر هنا للتوثيق فقط، أما إذا كان يقول: اكتب طلاق زوجتي. كتوكيلٍ منه له أن يطلقها الآن فإنها لا تطلق حتى يكتبه؛ لأنه وكَّله في إيقاع الطلاق بالكتابة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4513>مسألة [١٢]: طلاق الأخرس بالإشارة المفهمة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- كما في «الشرح الكبير» (١٠/ ١١٩): من لا يقدر على\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١٠/ ١٠٤ -) «الإنصاف» (٨/ ٤٧٣).\n(^٢) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ١١٩) «الإنصاف» (٤/ ٤٧٤).\n(^٣) «البيان» (١٠/ ١٠٦).","vol":"8","page":493},{"text":"الكلام كالأخرس إذا طلق بالإشارة؛ طلقت زوجته، وبهذا قال الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم؛ لأنه لا طريق له إلى الطلاق إلا بالإشارة، فقامت إشارته مقام النطق من غيره فيه كالنكاح. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4514>مسألة [١٣]: إذا أشار الناطق بالطلاق ونواه</span>؟\n• لا يقع في مذهب الحنابلة، والشافعية وغيرهم، وعن بعض الشافعية وقوع ذلك، وليس بصحيح. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4515>مسألة [١٤]: طلاق الأعجمي</span>.\nإذا تلفظ بالطلاق بِلُغَتِه وقع بغير خلاف عند أهل العلم إذا نواه، وإن تلفظ العجمي بالطلاق باللغة العربية عالمًا بمعناه؛ وقع أيضًا، وإن لم يعلم معنى ذلك فلا يقع، وإن تلفظ العربي بالطلاق بلغة العجم وهو عالم بمعناه ناويًا للطلاق؛ وقع، وإن كان لا يعلم معناه؛ فلا يقع. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١٠/ ١٠٨).\n(^٢) انظر: «البيان» (١٠/ ١٠٧) «الشرح الكبير» (١٠/ ١١٩) «الفتح» (٥٢٩٩).\n(^٣) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ١١٩) «المغني» (١٠/ ٣٧٣، ٣٥٩).","vol":"8","page":494},{"text":"١٠٧٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ اللهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالحَاكِمُ، وَقَالَ أَبُوحَاتِمٍ: لَا يَثْبُتُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4516>مسألة [١]: من أراد أن يقول (أنت طاهر) فقال (أنت طالق) خطأ</span>؟\nومثل أن يريد أن يقول: (طلبتك) فيخطئ، ويقول: طلقتك.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه ابن ماجه (١/ ٦٣٠)، من طريق الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس به. قال البوصيري في زاوئده: إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع؛ بدليل زيادة (عبيد بن عمير) في الطريق الثاني، وليس ببعيد أن يكون السقط من جهة الوليد بن مسلم، فإنه كان يدلس يعني تدليس التسوية. اهـ\nقال الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (١/ ١٢٣): والطريق المشار إليها أخرجها الطحاوي في «شرح المعاني» (٢/ ٥٦)، والدارقطني (٤٩٧)، والحاكم (٢/ ١٩٨)، وابن حزم في «أصول الأحكام» (٥/ ١٤٩) من طريق بشر بن بكر وأيوب بن سويد قالا: حدثنا الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير عن ابن عباس به. قال الحاكم: إسناده صحيح على شرطهما ... اهـ\nقلتُ: وإسناده ظاهره الصحة لكن قال ابن رجب متعقبًا على الحاكم: كذا قال، ولكن له علة، وقد أنكره الإمام أحمد جدًّا، وقال: ليس يروى فيه إلا عن الحسن عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسلًا.\nوقال أبوحاتم كما في «العلل» لولده (١/ ٤٣١): لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث من عطاء، إنما سمعه من رجل لم يسمه أتوهم أنه عبدالله بن عامر أو إسماعيل بن مسلم، قال: ولا يصح هذا الحديث ولا يثبت إسناده. اهـ\nوللحديث طرق أخرى من حديث ابن عباس وابن عمر وثوبان وأم الدرداء وعقبة بن عامر وأبي ذر وكلها شديدة الضعف أو غير محفوظة. انظرها في «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٣٦١).\nوقد نقل ابن رجب تضعيف الحديث عن أحمد وأبي حاتم ومحمد بن نصر المروزي.","vol":"8","page":495},{"text":"• قال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» [باب: (١١) من كتاب الطلاق]: وكذلك اختلف في طلاق المخطئ، فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع، وعن الحنفية فيمن أراد أن يقول لامرأته شيئًا فسبقه لسانه فقال: أنت طالق. يلزمه الطلاق. اهـ\nقلتُ: وبقول الحنفية يقول الحكم، والزهري، وقتادة، وربيعة، ومكحول، ومالك، وابن أبي ليلى، والثوري.\nوقول الجمهور هو الصواب؛ لأنَّ المخطئ لا قصد له في الطلاق.\nوهو قول الشعبي، وطاوس، وعطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح، وأحمد، وإسحاق.\nولكن هل يقبل منه ذلك في الحكم؟\n• فيه روايتان عن الإمام أحمد:\nإحداهما: يقبل قوله إن لم يكن هناك قرينة على الطلاق، كالغضب، أو سؤال امرأته الطلاق، أو ما أشبه ذلك.\nوالثانية: لا يقبل قوله. وهو مقتضى قول مالك، والشافعي. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4517>مسألة [٢]: من علَّق طلاقه بفعل شيء، ثم فعله ناسيًا</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يقع طلاقه. وهو قول قتادة، والزهري، ومجاهد،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٥٧) «الإنصاف» (٨/ ٤٦٤) «البداية» (٣/ ١١٦) «المحلى» (١٩٦٨) «الأوسط» (٩/ ٢٥٦).","vol":"8","page":496},{"text":"وعمر بن عبد العزيز، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية، والشافعي في قول؛ لأنه علق طلاقه بشيء فإذا حصل ذلك الشيء وقع طلاقه، كقوله: أنت طالق إذا جاء يوم الجمعة.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم وقوع طلاقه، وهو قول عطاء، وعمرو ابن دينار، وابن أبي نجيح، وإسحاق، والشافعي في أظهر قوليه، ورواية عن أحمد، وعزاه الحافظ ابن حجر للجمهور.\nورجَّح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-؛ لأنه بفعله ذلك ليس قاصدًا إيقاع الطلاق، وفي الحديث: «إنما الأعمال بالنيات».\nوليس هو تعليقًا محضًا مقصوده وقوع الشرط والجزاء، كقوله: (إذا جاء يوم الجمعة فأنت طالق)، وإنما مقصوده توكيد ما علق عليه الطلاق.\nوهذا القول هو الصواب؛ لأنَّ الناسي لا يُؤَاخَذ، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوهذا تصويب الشيخ ابن عثيمين -﵀-.\nتنبيه: مثل الخلاف السابق لو أخطأ ففعل ما علَّق الطلاق به معتقدًا أنه غيره؛ فلا يُؤاخَذ بذلك أيضًا على الصحيح عند أهل العلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٤٦ -) «الفتح» [باب (١١) من كتاب الطلاق] «مصنف عبدالرزاق» (٦/ ٤٠٥ -) «معالم السنن» (٣/ ٢٤٤) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٢٠٨ -، ٢٣١ -) (٣٢/ ٨٦) «الشرح الممتع» (٥/ ٥٣٣).","vol":"8","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4518>مسألة [٣]: من أكره على الطلاق هل يقع طلاقه</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أن طلاق المكره لا يقع، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وقال بذلك من التابعين عكرمة، والحسن، وأبو الشعثاء، وشريح، وعطاء، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. ونقل عن جماعة من الصحابة.\nواستدلوا بحديث الباب: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه»، وحديث عائشة عند أبي داود (٢١٩٣)، وغيره: «لا طلاق في إغلاق»، وفي إسناده: محمد بن عبيد المكي، وهو ضعيف، ولكن له طريق أخرى من حديث صفية بنت شيبة عند الحاكم (٢/ ١٩٨)، وفي إسناده: قزعة بن سويد، ضعيف، والحديث حسن بطريقيه، وانظر: «الإرواء» (٢٠٤٧) إلا أنَّ بعضهم فسروا الإغلاق بالغضب، وقالوا: لم يؤاخذ بكلمة الكفر، ففي الطلاق أولى، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦].\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقع، وهو قول أبي قلابة، والشعبي، والنخعي، والزهري، والثوري، وأبي حنيفة وصاحبيه؛ لأنه طلاق من مكلف في محل يملكه، فينفذ كطلاق غير المكره.\n• وعن الشعبي: وقوعه إذا كان الإكراه من السلطان، ولا يقع إذا كان الإكراه","vol":"8","page":498},{"text":"من اللصوص. وهو قول الثوري، وابن عيينة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4519>مسألة [٤]: ضابط الإكراه</span>.\nيكون الرجل مكرهًا إذا أصابه شيء من العذاب، كالضرب، والخنق وغير ذلك، وهل يكون مكرهًا إذا توعد بذلك، وبأشد منه؟\n• الجمهور على أنه مكره، وهو الصحيح، إذا علم أنه سيحصل به ذلك إذا امتنع، وعن أحمد رواية أنه ليس بمكره. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4520>مسألة [٥]: شروط الإكراه</span>.\nالأول: أن يكون الإكراه من قادر بسلطان، أو تغلب، كاللص ونحوه، وحكي عن الشعبي أنه إذا أكرهه اللص؛ لم يقع، وإن أكرهه السلطان؛ وقع، والصحيح العموم المتقدم.\nالثاني: أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى طلبه.\nالثالث: أن يكون مما يستضر به ضررًا كثيرًا، كالقتل، والضرب الشديد، والقيد، والحبس الطويل.\nالرابع: أن يكون المتهدد به مما يحرم على المكرِه تعاطيه منه، فلو قال ولي\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٥٠) «البيان» (١٠/ ٧٠ -) «مصنف عبد الرزاق» (٦/ ٤٠٦ -) «الفتح» [باب (١١) من كتاب الطلاق] «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١١٠) «الأوسط» (٩/ ٢٥٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٥٢) «البيان» (١٠/ ٧١ - ٧٢) «الأوسط» (٩/ ٢٥٥).","vol":"8","page":499},{"text":"القصاص للجاني: طلق امرأتك وإلا اقتصصت منك. لم يكن ذلك إكراهًا.\nالخامس: أن يكون المتهدد به عاجلًا، ويغلب على ظن المكلف أنه سيوقع به ذلك ناجزًا، ولا يستطيع الدفع عن نفسه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4521>مسألة [٦]: إذا أكره على طلاق امرأة من زوجاته، فطلق أخرى</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ الطلاق يقع عليها؛ لأنه ليس مكرها في تطليقها. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٥٣) «روضة الطالبين» (٨/ ٥٨، ٦١) «قواعد الحصني» (٢/ ٣٠٦) «الأشباه والنظائر» (٢٠٩ - ٢١٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٥٣).","vol":"8","page":500},{"text":"١٠٧٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: إذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n١٠٧٩ - وَلِمُسْلِمٍ: إذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، فَهُوَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا. (^٢)\n\n١٠٨٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ ابْنَةَ الجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْك. فَقَالَ: «لَقَدْ عُذْت بِعَظِيمٍ، الحَقِي بِأَهْلِك». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4522>مسألة [١]: كنايات الطلاق</span>.\nالكناية في الطلاق: هي كلُّ لفظٍ يدل على الفراق، أو يحتمله؛ فهو كناية يحصل به الطلاق إذا نواه.\nقال الناظم:\nوَكُلُّ لَفْظٍ لِفرَاقٍ احْتَمَلْ ... فَهْوَ كِنَايَةٌ بِنِيَّةٍ حَصَلْ\nوألفاظ الكناية كثيرة، وهي: (أنتِ خلية، وبرية، وبائن، وبتة، وحُرَّة، وحرام، والحرج، ومقطوعة، ومنقطعة، وتزوجي، واختاري لنفسك بعلًا، ولست لي بامرأة، اعتدي، استبرئي، اعتزلي، اخرجي، اذهبي، ابتعدي، الحقي بأهلك، حبلك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٢٦٦).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٤٧٣).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٥٢٥٤).","vol":"8","page":501},{"text":"على غاربك، رفعت يدي عنك، أنت أعلم بشأنك، ذوقي وتجرعي، اجمعي ثيابك، أنفقي على نفسك من مالك) وغير ذلك.\nوكذلك (السراح والفراق) عند من لم يجعلها صريحة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4523>مسألة [٢]: وقوع الطلاق إذا تلفظ بألفاظ الكناية مع النية</span>.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٥٢): والسلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وجماهير الخلف من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم متفقون على أنَّ اللفظ الذي يحتمل الطلاق وغيره إذا قصد به الطلاق؛ فهو طلاق، وإذا قصد به غير الطلاق؛ لم يكن طلاقًا، وليس للطلاق عندهم لفظ معين؛ فلهذا يقولون: إنه يقع بالصريح والكناية.\nوقال -﵀- (٣٢/ ٣٠٢): إن الطلاق لم يجعل له الشارع لفظًا معينًا، بل إذا وقع الطلاق بأي لفظ يحتمله؛ وقع عند الصحابة، والسلف، وعامة العلماء، ولم ينازع في ذلك إلا بعض متأخري الشيعة، والظاهرية، ولا يعرف في ذلك خلاف عن السلف. اهـ\n• وخالف ابن حزم، فرأى أنه لا يقع الطلاق إلا بلفظ (الطلاق) و(السراح) و(الفراق) وما اشتق منها؛ لأنه هو الذي ورد في القرآن، والصحيح القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١٠/ ٩٣) «الإنصاف» (٨/ ٤٧٥ - ٤٧٧) «الشرح الممتع» (٥/ ٤٦٨).\n(^٢) انظر: «المحلى» (١٩٦٠).","vol":"8","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4524>مسألة [٣]: إذا أتى بالكناية في حال الغضب بدون نية الطلاق</span>؟\n• أكثر أهل العلم على عدم وقوع الطلاق بذلك، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، ومالك قاله في الكنايات الخفية دون الكنايات الظاهرة، واستثنى أبو حنيفة قوله (اعتدي، وأمرك بيدك).\n• وقال أحمد في رواية: قرينة الغضب، وكذا سؤال المرأة الطلاق تقوم مقام النية في الكناية، وهو قول بعض أصحابه، واحتمل ابن قدامة أن تحمل هذه الرواية على ما كان من الكنايات يستعمل في غير الفرقة نادرًا.\n• وأما مالك فيرى أنَّ الكنايات الظاهرة لا يعتبر فيها قصد صاحبها كالطلاق الصريح، كالبتة، والبائن، والخلية، وما أشبه ذلك، ووافق أبو حنيفة أحمد على عدم اعتبار قصده إذا كان ذلك عند ذكر الطلاق.\nوالصحيح من هذه الأقوال هو: اعتبار النية، ولا يقع الطلاق إلا بالنية، والله أعلم. وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\nفائدة: قال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٥/ ٤٧١): الضابط في الكنايات الظاهرة هي كل لفظ احتمل الفراق على وجه البينونة.\nوقال: الظاهرة ليست معناها الظاهرة في المعنى، بل هي التي تحتمل الفراق على وجه البينونة. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٦٠ -) «الشرح الممتع» (٥/ ٤٧٢ -) «بداية المجتهد» (٣/ ١١٥ - ١١٦).","vol":"8","page":503},{"text":"قلتُ: قول ابن قدامة (تحمل هذه الرواية على ما كان من الكنايات يستعمل في غير الفرقة نادرًا) يشعر بأن الكنايات الظاهرة ما كان على ذلك الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4525>مسألة [٤]: كم عدد الطلاق الواقع بالكناية</span>؟\nأما الكنايات الظاهرة كقوله: (برية، وخلية، وبتة، وبائن) وغيرها، فاختلف فيها أهل العلم.\n• فعن أحمد أنها ثلاث، وجاء عن علي بن أبي طالب -﵁- القول بذلك من طرقٍ يعضد بعضها بعضًا.\nوصحَّ عن أبي هريرة، وابن عباس، وعائشة -﵃- أنهم قالوا في البتة: «ثلاث». وهو قول مكحول، والزهري، وغيرهما.\nوعن زيد بن ثابت بإسناد حسن أنه قال في البرية، والبتة، والحرام: ثلاث ثلاث. وصح عن ابن عمر أنه قال في الخلية، والبرية، والبتة: ثلاث لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. وصح عنه أيضًا مثل ذلك في البائن.\n• وقال بعض أهل العلم: هي على ما نوى، إن نوى واحدة؛ فواحدة، وإن نوى ثلاثًا؛ فثلاث، وإن نوى اثنتين؛ فاثنتين. وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية، وهو قول شريح، وطاوس من التابعين.\n• وقال أبو حنيفة، والثوري: إن نوى ثلاثًا؛ فثلاث، وإن نوى واحدة، أو اثنتين؛ فهي واحدة.","vol":"8","page":504},{"text":"• وقال مالك: هي ثلاث في المدخول بها، وأما غير المدخول بها فنيته.\n• وقال النخعي: إن نواها واحدة؛ فهي طلقة بائنة، وإن نواها ثلاثًا؛ فهي ثلاث. وهي رواية عن أحمد.\n• ومن أهل العلم من قال: هي واحدة رجعية. صح ذلك عن ابن مسعود، وصح عن عمر بن الخطاب في قوله: «البتة». وجاء عنه أيضًا أنها واحدة في الألفاظ الأخرى بإسناد منقطع. وهو قول أبان بن عثمان، وسعيد بن جبير، وأبي ثور، وداود الظاهري.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: وهذا القول هو الصواب، وليس للرجل أن يطلق أكثر من طلقة، وهو قول من يقول: إن طلاق الثلاث مجموعة تعتبر واحدة. وقد تقدمت المسألة. (^١)\n• وأما الكنايات الخفية، فتقع واحدة، وإن نوى أكثر من ذلك؛ وقعت عند الجمهور إلا أبا حنيفة، فعنده إذا نوى اثنتين وقعت واحدة.\nوالصحيح أنها لا تقع إلا واحدة كما قررناه في الطلاق الصريح إذا جمع أكثر من واحدة، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٦٤ -) «الشرح الكبير» (١٠/ ١٢٠ -) «المحلى» (١٩٦٢) «الفتح» [باب: (١١) من كتاب الطلاق] «مصنف ابن أبي شيبة» (٦/ ٤٣٢ - ٤٣٩) «مصنف عبدالرزاق» (٦/ ٣٥٥ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٦٩ - ٣٧٠).","vol":"8","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4526>مسألة [٥]: هل الطلاق الواقع بالكناية رجعي</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٣٧٠): وَالطَّلَاقُ الْوَاقِعُ بِالْكِنَايَاتِ رَجْعِيٌّ، مَا لَمْ يَقَعْ الثَّلَاثُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كُلُّهَا بَوَائِنُ، إلَّا: اعْتَدِّي. وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك. وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ، فَتَقَعُ الْبَيْنُونَةُ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ صَادَفَ مَدْخُولًا بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَلَا اسْتِيفَاءِ عَدَدٍ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ رَجْعِيًّا، كَصَرِيحِ الطَّلَاقِ، وَمَا سَلَّمُوهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4527>مسألة [٦]: إذا نوى الطلاق وتلفظ بما لا يدل عليه</span>؟\nكقوله: (اقعدي، واقربي، واطعميني، واسقيني، ويا فلانة، وبارك الله فيك، وغفر الله لك، وأنت قبيحة، أنت مليحة) وغير ذلك.\n• مذهب الحنابلة، والشافعية، والحنفية أنه لا يقع الطلاق؛ لأننا إذا أوقعناه بذلك كنا قد اعتبرنا النية فقط، وقد تقدم أنه لا يقع بها على الصحيح.\n• واستثنى بعض الشافعية قوله (كلي، واشربي)؛ لأنه يحتمل أن يكون المقصود: كلي ألم الطلاق، واشربي كأس الفراق، وقاسوه على قوله: ذوقي وتجرعي.\nوأُجيب: بأنَّ اللفظ المذكور (كلي) و(اشربي) لا يستعمل بمفرده إلا فيما لا ضرر فيه، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٩ /المرسلات:٣٤]","vol":"8","page":506},{"text":"﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]؛ فلا يكون كناية كقوله: (اطعميني)، وفارق، (ذوقي، وتجرعي)؛ فإنه يستعمل في المكاره، كقول الله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وكذلك التجرع ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧].\n• وقال مالك: إذا خاطبها بأي لفظ كان، وقصد الطلاق طلقت، حتى لو قال: (يا فلانة) يريد به الطلاق؛ فهو طلاق. وبه قال الحسن بن صالح بن حي.\nوالصحيح هو القول الأول، وقد رجحه الإمام النسائي في «سننه» (٣٤٣٨)، وبوب عليه، واستدل عليه بحديث أبي هريرة -﵁-، وهو في «البخاري» (٣٥٣٣)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش، وذمهم، يشتمون مذممًا، ويلعنون مذممًا، وأنا محمد». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4528>مسألة [٧]: إذا قال لامرأته أنت علي حرام</span>؟\n• اختلف أهل العلم في مسألة التحريم إلى أقوال كثيرة:\nأحدها: أنَّ عليه فيه كفارة يمين، وهذا القول صحَّ عن ابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وجاء عن أبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وعائشة -﵃-، بأسانيد ضعيفة لا تثبت.\nوهذا قول عكرمة، وعطاء، ومكحول، وقتادة، والحسن، والشعبي، وسعيد\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٧٠) «الفتح» (باب: ٦) «البيان» (١٠/ ٩٧).","vol":"8","page":507},{"text":"ابن المسيب، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، ونافع، والأوزاعي، وأبي ثور، وخلقٍ كثير سواهم.\nوحجة هذا القول ظاهر القرآن ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]؛ فإن الله تعالى ذكر فرض تحلة الأيمان عقب تحريم الحلال؛ فلا بد أن يتناوله يقينًا.\nالقول الثاني: أنه لغوٌ، لا شيء فيه، وهو قول مسروق، والشعبي، وأبي سلمة ابن عبدالرحمن، وحميد بن عبد الرحمن، وهو قول أهل الظاهر، واختاره الصنعاني، وحجتهم أنه تحريم منه لشيء أحله الله؛ فلا عبرة بقوله؛ فإن التحريم، والتحليل ليس له، ويشمله الآية ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، واستدلوا بحديث «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».\nالقول الثالث: أنها تقع عليه ثلاثًا، نقل عن علي، وزيد بن ثابت، وابن عمر -﵃-، ولا يثبت عنهم ذلك، وهو قول الحسن، وابن أبي ليلى، والحكم، وحجة هذا القول أنها لا تحرم عليه إلا بالثلاث؛ فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حرامًا عليه.\nالقول الرابع: أنه ثلاث في حق المدخول بها، وفي غير المدخول بها على ما نواه، وهذا في الزوجة لا في الأمة، وهو قول مالك.\nالقول الخامس: إن نَوى الطلاق؛ كان طلاقًا، وإن لم ينوه؛ فهو مولٍ، وإن نوى الكذب؛ فليس بشيء، وإن نوى الطلاق؛ فإن نواه ثلاثًا؛ وقع ذلك، وإن نواه دون","vol":"8","page":508},{"text":"الثلاث؛ وقعت واحدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.\nالقول السادس: مذهب الشافعي، وتفصيله: إن نوى الطلاق؛ وقع، وعدده على ما نواه، وإن نوى الظهار؛ كان ظهارًا، وإن نوى اليمين؛ كان يمينًا، وإن نوى تحريم عينها من غير طلاق، ولا ظهار؛ فعليه كفارة يمين، وإن لم ينو شيئًا، ففيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه شيء. والثاني: يلزمه كفارة اليمين.\nوإن كان أمة فنوى العتق؛ وقع، وإن نوى الظهار؛ لم يصح.\nالقول السابع: مذهب أحمد، أنه بإطلاقه ظهار؛ إلا أن يصرفه بنيته إلى الطلاق، أو اليمين. وعنه رواية أنه يمين بإطلاقه إلا أن يصرفه بالنية إلى الطلاق، أو الظهار. وعنه رواية ثالثة أنه ظهار بكل حال.\nوحجةُ هذا القول أن الله تعالى جعل تشبيه المرأة بِأُمِّهِ المحرَّمة عليه ظهارًا، وجعله منكرًا من القول وزورًا، فإذا كان التشبيه بالمحرمة يجعله ظهارًا؛ فإذا صرح بتحريمها كان أولى بالظهار.\nوممن قال بأنَّ فيه كفارة الظهار: أبو قلابة، وسعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وعثمان التيمي، وغيرهم، وصح أيضًا عن ابن عباس -﵄- كما في «مصنف عبدالرزاق» (٦/ ٤٠٤).\nالقول الثامن: إن نوى ثلاثًا؛ فهي ثلاث، وإن نوى به واحدة؛ فهي واحدة بائنة، وإن نوى به يمينًا؛ فهي يمين، وإن لم ينو شيئًا؛ فهي كذبة لا شيء فيها. وهو","vol":"8","page":509},{"text":"مذهب سفيان الثوري. وحجةُ هذا القول أن اللفظ يحتمل لما ذكر.\nالقول التاسع: أنه طلقة واحدة بائنة بكل حال، وهذا مذهب حماد بن أبي سليمان، وحجة هذا القول أنَّ التحريم لا يقتضي التحريم بالثلاث، بل يصدق بأقله، والواحدة متيقنة، فجعل اللفظ عليها؛ لأنها اليقين، فهو نظير التحريم بانقضاء العدة، وهو قول في مذهب مالك.\nالقول العاشر: إن نوى ثلاثًا؛ فثلاث، وإن نوى واحدة، أو لم ينو شيئًا؛ فواحدة بائنة، وهو قول إبراهيم النخعي.\nالقول الحادي عشر: أنه طلقة رجعية، قال ابن القيم -﵀-: حكاه ابن الصباغ وصاحبه أبو بكر الشاشي، عن الزهري، عن عمر بن الخطاب -﵁-، وهو قولٌ في مذهب مالك.\nالقول الثاني عشر: الفرق بين أن يوقع التحريم منجزًا، أو معلقًا تعليقًا مقصودًا، وبين أن يخرجه مخرج اليمين؛ فالأول ظهار بكل حال، ولو نوى به الطلاق، والثاني يمين يلزمه به كفارة اليمين.\nفلو قال: (أنت عليَّ حرام، أو إذا دخل رمضان فأنت علي حرام)؛ فهو ظهار، وإن قال: (إن سافرتُ، أو إن أكلتُ هذا الطعام، أو كلمتُ فلانًا؛ فامرأتي عليَّ حرام)؛ فيمين مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: وهو مقتضى المنقول عن ابن عباس؛ فإنه مرة جعله ظهارًا، ومرة جعله يمينًا.","vol":"8","page":510},{"text":"قال ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين»: وَعَلَيْهِ يَدُلُّ النَّصُّ وَالْقِيَاسُ؛ فَإِنَّهُ إذَا أَوْقَعَهُ كَانَ قَدْ أَتَى مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا، وَكَانَ أَوْلَى بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ مِمَّنْ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِالْمُحَرَّمَةِ، وَإِذَا حَلَفَ بِهِ كَانَ يَمِينًا مِنْ الْأَيْمَانِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ بِالْتِزَامِ الْعِتْقِ، وَالْحَجِّ، وَالصَّدَقَةِ، وَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ وَالْفِقْهِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: مدار هذه المسألة على الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢].\n• وقد اختلف العلماء: هل سبب الآية تحريم العسل، أو تحريم أم ولده؟\nوالصحيح عند المحققين أنَّ الآية نزلت بالسببين كما قرر ذلك الحافظ في «الفتح» في تفسير سورة التحريم.\nولكن قوله تعالى: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ هل المراد منه أنَّ من قال: (امرأتي عليَّ حرام) يُعتبر يمينًا كما تقدم عن طائفة من أهل العلم، أو أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حرَّم ذلك على نفسه بيمينٍ حلفها؟\nالذي قرره الصنعاني في هذه المسألة كما في رسالته في ذلك أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حلف مع التحريم كما في «صحيح البخاري» من حديث عائشة، وفيه قال: «فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا».\nقال: وهذا هو المعهود في القرآن في لفظ (اليمين).","vol":"8","page":511},{"text":"قال: ولا يليق أن ينسب إلى رسول الله - ﷺ - رأس أهل الإيمان أن يحرم على نفسه شيئًا أحله الله له.\nقال: وكيف يحلف النبي - ﷺ - بالتحريم، وهو القائل: «من حلف بغير الله؛ فقد أشرك». انتهى بتصرف.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٢٦٦): وحمل بعضهم قوله: «حلفت» على التحريم، ولا يخفى بُعْده، والله أعلم. اهـ\nقلتُ: فقول من حمل ذلك على أنه يمين فيه نظر، وقول من قال: لغو مطلقًا. فيه نظر أيضًا؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، ولفظ التحريم فيه كناية عن الطلاق؛ فيقع إذا نواه، وقول من حمله على الطلاق مطلقًا خطأ ظاهر.\nفالصحيح في هذه المسألة أنه إذا أراد به الطلاق؛ وقع طلقة رجعية لا ثلاثًا، وإن لم ينو الطلاق فهو كلامُ لغوٍ يأثم عليه؛ لأنَّ الله ﷿ نهى عن ذلك إلا أن يكون قصد بذلك اليمين؛ فله حكم اليمين، كما أفتى بذلك الصحابة رضوان الله عليهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4529>مسألة [٨]: إذا قال لامرأته: أنت طالق واحدة بائنة، أو غير رجعية</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها تطلق طلقة واحدة رجعية؛ لأنه وصفها بوصف لا تتصف به شرعًا، فيكون لغوًا، وهذا القول عزاه ابن القيم للجمهور، وهو قول أحمد، والشافعي، وأهل الظاهر، وبعض المالكية.\n_________\n(^١) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٣٠٠ -) «أعلام الموقعين» (٣/ ٧٦ -) «نيل الأوطار» رسالة الصنعاني في ذلك، «الفتح» (٥٢٦٤) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٧٥).","vol":"8","page":512},{"text":"• وعن أحمد رواية أنها تطلق ثلاثًا، وهو قول بعض المالكية.\n• وعنه أنها تطلق واحدة بائنة، وهو قول بعض المالكية.\nوالصحيح القول الأول، ورجحه ابن القيم -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4530>مسألة [٩]: إذا قال لزوجته: أنا منك طالق</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها لا تطلق؛ لأنه أوقع الطلاق في غير محله، وهو قول أحمد، والثوري، وأبي عبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.\n• وقال جماعة: يقع الطلاق إن نواه. وهو قول عطاء، والنخعي، والقاسم، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وبعض الحنابلة؛ لأنه إن لم يكن صريحًا في الطلاق؛ فلا يَقِلُّ عن أن يكون كناية، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4531>مسألة [١٠]: إذا قال لزوجته: أنا منك بائن، أو بريء، أو حرام</span>؟\n• للحنابلة وجهان في ذلك، هل يعد كناية، أم لا؟ والصواب أنه يعد كناية، ويقع الطلاق إذا نواه، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4532>مسألة [١١]: إذا قال الرجل لامرأته: وهبتك لأهلك</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\n_________\n(^١) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٢٤٧) «المغني» (١٠/ ٣٦٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٧١) «الإنصاف» (٨/ ٤٨٤).\n(^٣) انظر: «الإنصاف» (٨/ ٤٨٥) «المغني» (١٠/ ٣٧١).","vol":"8","page":513},{"text":"القول الأول: إن قبلوها؛ فواحدة رجعية، وإن لم يقبلوها؛ فلا شيء. صح ذلك عن ابن مسعود -﵁-، وهو قول عطاء، ومسروق، والزهري، ومكحول، وقال به مالك، وأحمد، وإسحاق.\nالقول الثاني: إن قبلوها؛ فواحدة بائنة، وإن لم يقبلوها؛ فواحدة رجعية، وهو قول النخعي، وجاء عن علي، وإسناده ضعيفٌ؛ لأنه من طريق: يحيى الجزار عنه، ولم يسمع منه إلا ثلاثة أحاديث ليس هذا منها.\nالقول الثالث: إن قبلوها؛ فثلاث، وإن لم يقبلوها؛ فواحدة رجعية، وهو قول الحسن، ورواه عن زيد بن ثابت، ولم يسمع منه، وقال به أحمد في رواية.\nالقول الرابع: أنها ثلاث، وهو قول أبي الزناد، وربيعة، ويحيى بن سعيد، ومالك.\nالقول الخامس: أنها على نيته، إن نوى ذلك طلاقًا ثلاثًا؛ فكذلك، وإن نوى أقل؛ فكذلك، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، ووكيع، إلا أنَّ أبا حنيفة يقول: إذا نوى اثنتين يقع واحدة.\nوالصحيح أنَّ الطلاق في هذا اللفظ يقع إذا نوى ذلك، ويقع طلقة واحدة رجعية، ولا يشترط قبول أهلها لها، وأصحاب القول الأول راعوا اللفظ، وجعلوا شرط الهبة القبول؛ فإن كان من عرفهم ذلك؛ فلا يقع إلا بقبولهم، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٨٠) «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ٧٥).","vol":"8","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4533>مسألة [١٢]: إذا جعل الرجل لامرأته الخيار بين البقاء معه والفراق</span>؟\nأهل العلم على أنَّ ذلك مشروع، وعلى وقوع الطلاق إذا اختارت الفراق.\n• وخالف ابن حزم الظاهري، فقال: لا يصح ذلك في الطلاق.\nولا يقع الطلاق عنده إلا بثلاثة ألفاظ كما تقدم، وهو قول الظاهرية.\n• وإذا اختارت المرأة زوجها فلا يقع الطلاق عند عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم.\nوصحَّ ذلك عن عمر، وعائشة، وابن عباس، وزيد بن ثابت -﵃-، وقال به عمر بن عبد العزيز، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، والشافعي، وأحمد، وابن المنذر وغيرهم.\nودليل هذا القول حديث عائشة في «الصحيح» (^١) «خيرنا رسول الله - ﷺ -، فاخترناه، فلم يعده طلاقًا».\n• وعن الحسن أنه يقع واحدة رجعية، وصحَّ ذلك عن علي -﵁-، وهو رواية عن أحمد.\n• وقال زيد بن ثابت: واحدة بائنة.\nوالصحيح القول الأول أنَّ الطلاق لا يقع إذا اختارت زوجها. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٢٦٣)، ومسلم برقم (١٤٧٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٩١) «ابن أبي شيبة» (٥/ ٥٨ -) «زاد المعاد» (٥/ ٢٨٧).","vol":"8","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4534>مسألة [١٣]: إذا اختارت نفسها</span>؟\n• من أهل العلم من قال: تقع واحدة رجعية. صح هذا القول عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وجاء عن زيد بن ثابت، وابن عباس، وهو قول عمر بن عبدالعزيز، وابن أبي ليلى، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور وغيرهم؛ لأنَّ تفويض الأمر إليها بذلك يقع بالواحدة.\n• ومنهم من قال: هي واحدة بائنة، صح ذلك عن علي، ورُوي عن ابن مسعود بسند منقطع، وهو قول أبي حنيفة.\n• ومنهم من قال: هي ثلاث. صحَّ عن زيد بن ثابت، وهو قول الحسن، ومالك، والليث، واستثنى مالك غير المدخول بها؛ فيقع عليها ما نوى.\nوالصحيح هو القول الأول.\nتنبيه: الخلاف في هذه المسألة هو فيما إذا لم ينويا الثلاث، أما إذا نوياه؛ فيقع عند الجمهور، والصحيح عدم وقوع الثلاث كما تقدم، لا من الرجل، ولا من المرأة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4535>مسألة [١٤]: إذا ردت المرأة الخيار من أصله، ولم تقبل التفويض إليها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٣٨٢): وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِ هَذَا الْقَوْلِ -يعني قوله: (أمرك بيدك) وقوله: (اختاري) و(تخيري) - مَا لَمْ يَنْوِ بِهِ إيقَاعَ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٨٢) «زاد المعاد» (٥/ ٢٩٦) «ابن أبي شيبة» (٥/ ٥٨).","vol":"8","page":516},{"text":"طَلَاقِهَا فِي الْحَالِ، أَوْ تُطَلِّقْ نَفْسَهَا.\nقال: وَمَتَى رَدَّتْ الْأَمْرَ الَّذِي جُعِلَ إلَيْهَا؛ بَطَلَ، وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: ابْنُ عُمَرَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَسْرُوقٌ، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: إنْ رَدَّتْ؛ فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ. وَلَنَا أَنَّهُ تَوْكِيلٌ، أَوْ تَمْلِيكٌ لَمْ يَقْبَلْهُ الْمُمَلَّكُ؛ فَلَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ، كَسَائِرِ التَّوْكِيلِ وَالتَّمْلِيكِ، فَأَمَّا إنْ نَوَى بِهَذَا تَطْلِيقَهَا فِي الْحَالِ؛ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى قَبُولِهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: حَبْلُك عَلَى غَارِبِك. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4536>مسألة [١٥]: هل يفتقر التخيير من الزوج والاختيار من الزوجة إلى النية</span>؟\n• أما في حق الزوج فمذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة أنه يفتقر إلى نيته كما في سائر الكنايات، أو إلى دلالة الحال عند أحمد؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات».\n• وأما مالك فعنده أنَّ ذلك من الكنايات الظاهرة، ولا يلتفت عنده في الكنايات الظاهرة إلى مقصود المتكلم بها مالم تظهر قرائن واضحة تدل على خلاف ذلك.\nوالصحيح هو القول الأول، وبالله التوفيق.\n• وأما في حق المرأة، فمذهب أحمد، والشافعي أنها لو قالت: اخترت نفسي. أو فسخت نكاحَكَ. أنه يفتقر إلى نيتها، إذا كان ذلك بالكناية دون الصريح كأن","vol":"8","page":517},{"text":"تقول: (طلقت نفسي، أو اخترت الطلاق).\n• وقال أبو حنيفة: لا يفتقر وقوع الطلاق إلى نيتها إذا نوى الزوج، كما لو قال: (إن تكلمت فأنت طالق) فتكلمت.\n• وقال أصحاب مالك: إن قالت: (اخترت نفسي، أو قبلت نفسي)؛ لزم الطلاق؛ ولو قالت: (لم أرده) وإن قالت: (قبلت أمري)؛ سُئل عن مقصودها في ذلك، واعتبر نيتها.\nوالصحيح هو قول الشافعي، وأحمد، ويُعتبر نيتها في الصريح أيضًا على الراجح كما تقدم في حق الرجل، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: ألفاظ الكناية إذا اختارت بها الزوجة؛ وقعت واحدة على الصحيح رجعيةً، ومذهب الجمهور وقوع ما نوت، وعن أبي حنيفة واحدة بائنة. وهنالك تفصيل عند جماعةٍ من الفقهاء بين ألفاظ الكنايات كما تقدم في حق الزوج. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4537>مسألة [١٦]: هل للزوج الرجوع فيما جعل إليها</span>؟\n• من أهل العلم من قال: له الرجوع، ويبطل خيارها. وهو قول عطاء، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق؛ لأنه توكيل، وللموكل الرجوع فيما وكل فيه. وهو قول بعض الشافعية.\n_________\n(^١) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٢٩٦ - ٢٩٧) «المغني» (١٠/ ٣٨٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٨٣).","vol":"8","page":518},{"text":"• ومنهم من قال: ليس له الرجوع. وهو قول الزهري، والثوري، ومالك، وأصحاب الرأي، وبعض الشافعية؛ وذلك لأنه تمليك منه لها، فلا رجوع له.\nوالصحيح هو القول الأول؛ لأنَّ جعل الأمر إليها توكيل لا تمليك، فالله عزوجل ملك الزوج الطلاق، وليس ذلك ملكًا لغيره، ولا ينتقل عنه إلا على سبيل الإنابة، وهذا الباب من ذلك.\nوأيضًا: لو كان ذلك تمليكًا؛ لكانت المرأة مالكة للطلاق، وحينئذٍ يجب أن لا يبقى الزوج مالكًا؛ لاستحالة كون الشيء الواحد بجميع أجزائه ملكًا لمالكين في زمن واحد، والزوج مالك للطلاق بعد التخيير، فلا تكون هي مالكة، بخلاف ما إذا كان توكيلًا؛ فإنَّ الزوج يكون مالكًا وهي نائبة ووكيلة عنه.\nوأيضًا: فإنه لو قال لها: (طلقي نفسك) ثم حلف أن لا يطلق، فطلقت نفسها؛ حنث؛ فدل على أنها نائبة عنه.\nوأيضًا: قولهم (إنه تمليك) إما أن يريدوا به أنه ملكهانفسها، أو أنه ملكها أن تطلق؛ فإن أردتم الأول؛ لزمكم أن يقع الطلاق بمجرد قولها: (قبلت)؛ لأنه أتى بما يقتضي خروج بضعها عن ملكه، واتصل به القبول، وإن أردتم الثاني؛ فهو معنى التوكيل، وإن غيرت العبارة. انتهى ملخصًا من «الزاد». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4538>مسألة [١٧]: إن طلقت نفسها ثلاثًا، فقال الزوج: لم أجعل إليها إلا واحدة</span>؟\n• قال بعض أهل العلم: يقع الطلاق ثلاثًا. وهو قول سعيد بن المسيب،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٨٢) «الزاد» (٥/ ٢٨٩ - ٢٩٠).","vol":"8","page":519},{"text":"وعطاء، والزهري، وأحمد، ونُقل عن عثمان، وابن عباس، وفضالة بن عبيد أنهم قالوا: القضاء ما قَضَتْ.\nولم تصح هذه الآثار، ففي أسانيدها ضعفٌ، وهي مع كونها ضعيفة؛ محتملةٌ أنهم قصدوا أصل الطلاق.\n• وذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تعد واحدة فقط. صحَّ ذلك عن عمر، وابن مسعود -﵄-، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.\nوصح عن ابن عمر أنه قال: القضاء ما قضت؛ فإن تناكرا حَلَفَ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4539>مسألة [١٨]: إذا جعل أمر امرأته بيدها، فقالت: أنت طالق</span>؟\n• جماعةٌ من أهل العلم على أنَّ الطلاق لا يقع، وهو قول أحمد، والثوري، وأبي عبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي؛ لأنه أوقع الطلاق في غير محله، وصحَّ عن ابن عباس أنه سئل عن امرأة فعلت ذلك، فقال: خطَّأ الله نوءها، لو قالت: أنا طالق؛ لكان كما قالت. وفي رواية قال: الطلاق لك عليها، وليس لها عليك.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الطلاق يقع عليها إذا نوت ذلك، وهو قول عطاء، والقاسم، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وبعض الحنابلة، وصح ذلك عن عمر، وابن مسعود، وهو الصواب؛ لأنَّ هذا اللفظ لا يقل عن كونه كناية، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٨٤) «ابن أبي شيبة» (٥/ ٥٥) (٥/ ٥٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٧١) «ابن أبي شيبة» (٥/ ٥٧ -).","vol":"8","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4540>مسألة [١٩]: هل التخيير للمرأة على الفور، أم على التراخي</span>؟\n• أما في قول الرجل لامرأته (تخيري) و(اختاري)، فأكثر الفقهاء أنه على الفور، تختار ما دامت في المجلس، فإذا انصرفت من المجلس قبل الاختيار انقطع خيارها، جاء ذلك عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وجابر، ولا يثبت ذلك عنهم، ففي الأسانيد عنهم ضعف، وهو قول عطاء، وجابر بن زيد، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي. واستدلوا بالآثار الواردة عن الصحابة.\n• وذهب الزهري، وقتادة، وأبو عبيد، وابن المنذر، ومالك في رواية، وبعض الشافعية، والحنابلة إلى أنه على التراخي؛ لعدم وجود دليل يجعله على الفور، ولحديث عائشة -﵂- في «الصحيحين» «إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستشيري أبويك» (^١)، وهذا القول أرجح فيما يظهر، والله أعلم. (^٢)\nوأما في قول الرجل (أمرك بيدك) فقد وافق أحمد قول من قال على التراخي، وقال بذلك أيضًا الحكم، وأبو ثور وغيرهم؛ لأنَّ ظاهره التوكيل مطلقًا، وهذا هو الصواب، خلافًا لمالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. (^٣)\nتنبيه: إذا قيد الخيار بوقت معلوم؛ تقيد به. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٧٨٥)، ومسلم برقم (١٤٧٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٨٧) «ابن أبي شيبة» (٥/ ٦٢) «الإنصاف» (٨/ ٤٩٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٨١).\n(^٤) «المغني» (١٠/ ٣٨٩).","vol":"8","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4541>مسألة [٢٠]: إذا اختلفا، فقال الزوج: لم أنو الطلاق. وادَّعت عليه أنه نوى</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٣٩٦): إذَا اخْتَلَفَا، فَقَالَ الزَّوْجُ: لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ بِلَفْظِ الِاخْتِيَارِ وَأَمْرُك بِيَدِك. وَقَالَتْ: بَلْ نَوَيْت. كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ جَوَابَ سُؤَالٍ، أَوْ مَعَهَا دَلَالَةُ حَالٍ. وَإِنْ قَالَ: لَمْ تَنْوِ الطَّلَاقَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِك. وَقَالَتْ: بَلْ نَوَيْت. فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي. وَأَنْكَرَ وُجُودَ الِاخْتِيَارِ مِنْهَا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لَهُ، وَهُوَ مِمَّا يُمْكِنُهُ عِلْمُهُ، وَيُمْكِنُهَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى دُخُولِ الدَّارِ، فَادَّعَتْهُ، فَأَنْكَرَهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4542>مسألة [٢١]: إذا قال الرجلُ لامرأته: (أنت علي كظهر أمي) يريد به الطلاق</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٧٤): ولو قال: أنت عليَّ كظهر أمي. وقصد به الطلاق؛ فإنَّ هذا لا يقع به الطلاق عند عامة العلماء، وفي ذلك أنزل الله القرآن؛ فإنهم كانوا يعدون الظهار طلاقًا، والإيلاء طلاقًا، فرفع الله ذلك كله، وجعل في الظهار الكفارة الكبرى، وجعل الإيلاء يمينًا يتربص فيها الرجل أربعة أشهر، فإما أن يمسك بمعروف، أو يسرح بإحسان. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٠/ ٤٠٠) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٦٠).","vol":"8","page":522},{"text":"١٠٨١ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا طَلَاقَ إلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقَ إلَّا بَعْدَ مِلْكٍ». رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَهُوَ مَعْلُولٌ. (^١)\n\n١٠٨٢ - وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مِثْلَهُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ أَيْضًا. (^٢)\n\n١٠٨٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَنُقِلَ عَنِ البُخَارِيِّ أَنَّهُ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِيهِ. (^٣)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبويعلى كما في «إتحاف الخيرة المهرة» (٤٤٧٠)، والحاكم (٢/ ٢٠٤)، من طريق ابن أبي ذئب عن عطاء عن جابر بن عبدالله به. وابن أبي ذئب لم يسمعه من عطاء، فقد أخرجه الطيالسي (١٦٨٢) عن ابن أبي ذئب عمن سمع عطاء.\nقال الحافظ في «الفتح»: وكذلك رويناه في «الغيلانيات» من طريق الحسين بن محمد المروزي عن ابن أبي ذئب.\nقلتُ: فالصحيح أن الإسناد ضعيف؛ لأن فيه من لم يسمَّ، والتصريح بالتحديث الواقع في إسناد الحاكم لا يعتمد عليه؛ لأن في الإسناد إليه محمد بن سنان القزاز وقد كذب.\n(^٢) حسن لغيره. أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٨)، من طريق علي بن الحسين بن واقد عن هشام بن سعد عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة به.\n\nقلتُ: علي بن الحسين وهشام بن سعد كلاهما فيه ضعف، وقد خولف علي بن الحسين في إسناده، فقد رواه بشر بن السري وغيره عن هشام عن الزهري عن عروة مرسلًا، قاله الترمذي كما في «العلل» (١/ ٤١٥). ورواه حماد بن خالد عن هشام عن الزهري عن عروة عن عائشة، أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٦) كذلك.\nقال أبوعبدالله غفر الله له: الحديث ضعيف على الأوجه كلها؛ لضعف هشام بن سعد، ومع ذلك فالحديث لا ينزل عن رتبة الاستشهاد، والله أعلم، فهو حسن بشاهده الذي بعده.\n(^٣) حسن. أخرجه أبوداود (٢١٩٠)، والترمذي (١١٨١)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٢٠٤٧)، وأحمد (٢/ ١٨٩، ١٩٠، ٢٠٧)، والدارقطني (٤/ ١٤)، والبيهقي (٧/ ٣١٨)، وغيرهم من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به. وهذا إسناد حسن، وسأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث فقال: هو أصح ما ورد في هذا الباب. وقد وُجِدَ في إسناده اختلاف:\nفرواه ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن طاوس عن معاذ مرفوعًا. رواه البيهقي (٧/ ٣٢٠).\nوأخرجه سعيد بن منصور (١٠٢١) من طريق عبدالحكيم بن عبدالله بن أبي فروة عن عمرو بن شعيب أنه قدم عليهم قال: فسألته عن ذلك فقال: كان أبي عرض علي امرأة يزوجنيها فأبيت أن أتزوجها وقلت: هي طالق البتة يوم أتزوجها، ثم ندمت فقدمت المدينة فسألت سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير فقالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا طلاق إلا بعد نكاح».\nقال أبوعبدالله غفر الله له: الراجح هو الوجه الأول: (عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده) فقد رواه كذلك عامر الأحول وحسين المعلم ومطر الوراق ومحمد بن إسحاق وعبدالرحمن بن الحارث المخزومي وحبيب المعلم. وهؤلاء غالبهم ثقات.\nوأما رواية ابن جريج فمرجوحة؛ لأنه لم يصرح بالتحديث فروايته ضعيفة لا تقوى بنفسها فكيف بالمخالفة. وأما رواية سعيد بن منصور فهي من طريق عبدالحكيم الفروي وهو ضعيف كما في «الميزان».\nفالحديث حسن والله أعلم، ويزداد قوة بالأحاديث التي قبله.\n\nوفي الباب أحاديث شديدة الضعف عن علي وابن عمر وابن عباس وجابر وغيرهم كما في «سنن الدارقطني»، و«البيهقي»، و«نصب الراية»، و«التلخيص الحبير».","vol":"8","page":523},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4543>مسألة [١]: من طلق امرأة ليست زوجة له</span>؟\nأما إن كان الطلاق منجزًا بغير توكيل؛ فلا يقع بالإجماع.\n• واختلف أهل العلم في الطلاق المعلق بنكاحها، كأن يقول: فلانة إن تزوجتها فهي طالق. أو هي طالق بعد أن أتزوجها. أو يقول: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. أو كل امرأة أتزوجها من هذه القرية فهي طالق. ففي ذلك مذاهب","vol":"8","page":524},{"text":"لأهل العلم.\n• المذهب الأول: أنَّ الطلاق لا يقع في جميع الصور المذكورة العامة منها والخاصة، وهذا قول جمهور الفقهاء، والمحدثين، والتابعين، وهو قول أحمد، والشافعي، وإسحاق، وابن مهدي، وداود الظاهري وغيرهم.\nوصح ذلك عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وجاء عن علي بسند منقطع.\nواستدلوا على ذلك بحديث الباب.\nواستدل ابن عباس -﵄- بالآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] الآية، ونقل هذا القول عن ما يقارب عشرين رجلًا من التابعين، ورجحه البخاري -﵀- في «صحيحه» [باب: (٩) من كتاب الطلاق].\n• المذهب الثاني: الوقوع مطلقًا، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، واستدل آخرون عليه بمشروعية الوصية.\nقال الحافظ -﵀-: كُلُّ ذَلِكَ لَا حُجَّةَ فِيْهِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاق لَيْسَ مِنْ الْعُقُود، وَالنَّذْر يُتَقَرَّب بِهِ إِلَى الله، بِخِلَافِ الطَّلَاق؛ فَإِنَّهُ أَبْغَض الْحَلَال إِلَى الله، وَمِنْ ثَمَّ فَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْن تَعْلِيق الْعِتْق وَتَعْلِيق الطَّلَاق، فَأَوْقَعَهُ فِي الْعِتْق دُون الطَّلَاق، وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ","vol":"8","page":525},{"text":"مَنْ قَالَ: لله عَلَيَّ عِتْق. لَزِمَهُ، وَلَوْ قَالَ: لله عَلَيَّ طَلَاق. كَانَ لَغْوًا، وَالْوَصِيَّة إِنَّمَا تَنْفُذ بَعْد الْمَوْت، وَلَوْ عَلَّقَ الْحَيُّ الطَّلَاقَ بِمَا بَعْد الْمَوْت؛ لَمْ يَنْفُذ.\nقال: وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ بِصِحَّةِ تَعْلِيق الطَّلَاق، وَأَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ دَخَلْت الدَّار فَأَنْتِ طَالِق. فَدَخَلَتْ؛ طَلُقَتْ. وَالْجَوَاب: أَنَّ الطَّلَاق حَقّ مِلْك الزَّوْج، فَلَهُ أَنْ يُنْجِزهُ وَيُؤَجِّلهُ، وَأَنْ يُعَلِّقهُ بِشَرْطٍ، وَأَنْ يَجْعَلهُ بِيَدِ غَيْره كَمَا يَتَصَرَّف الْمَالِك فِي مِلْكه، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجًا، فَأَيّ شَيْء مَلَكَ حَتَّى يَتَصَرَّف؟ اهـ\n• المذهب الثالث: إن خصص امرأة بعينها، أو بلدة بعينها، أو ما أشبه ذلك؛ يقع الطلاق، وإن عمم جميع النساء؛ فلا يقع. وهو قول ابن مسعود، والنخعي، وحماد، والشعبي، وآخرين من أهل الكوفة، وهو قول مالك في المشهور عنه، وعليه جمهور المالكية.\nوحجتهم أنه طلاق معلق بشرط؛ فيقع عند وقوعه.\nقال ابن العربي: ونظر مالك، ومن قال بقوله في مسألة الفرق بين المعينة وغيرها أنه إذا عم؛ فقد سد على نفسه باب النكاح الذي ندب الله إليه، فعارض عنده المشروع؛ فسقط.\nقال: وهذا على أصل اختلف فيه، وهو تخصيص الأدلة بالمصالح، وإلا فلو كان هذا لازمًا في الخصوص للزم في العموم، والله أعلم. اهـ\nوأجاب الجمهور: بأنه علَّق الطلاق بشرط قبل أن يملكه؛ فلا يصح عنه، ولو","vol":"8","page":526},{"text":"صح لما كان هناك فرقًا بين التعميم والتخصيص.\n• المذهب الرابع: التوقف. وهو رواية عن مالك، والثوري، وأبي عبيد.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القول الأول هو الصواب، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني، والإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» [باب (٩) من كتاب الطلاق]، «المغني» (١٣/ ٤٨٨) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١١٤) «المحلى» (١٩٧١) «زاد المعاد» (٥/ ٢١٦ -).","vol":"8","page":527},{"text":"١٠٨٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيقَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4544>مسألة [١]: من الذي يقع منه الطلاق</span>؟\nأولا: الطلاق بيد الرجل لا بيد المرأة بإجماع المسلمين؛ لأنَّ الله تعالى خاطب به الرجال في القرآن، والأدلة على ذلك متواترة، وهو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة.\nوثانيًا: يقع الطلاق من الرجل العاقل، البالغ، المختار، بلا خلافٍ بين أهل العلم، كما ذكر ذلك ابن قدامة، وابن القيم وغيرهما. (^٢)\n_________\n(^١) صحيح لغيره. أخرجه أحمد (٦/ ١٠٠ - ١٠١) (٦/ ١٤٤)، وأبوداود (٤٣٩٨)، والنسائي (٦/ ١٥٦)، وابن ماجه (٢٠٤١)، والحاكم (٢/ ٥٩)، من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة به. وهذا إسناد ضعيف، قال أحمد: في رواية حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان تخليط كثير.\nقلتُ: وحماد بن أبي سليمان الراجح فيه أنه حسن الحديث كما يظهر من ترجمته في «التهذيب».\nوله شاهد من حديث علي بن أبي طالب، وله عنه طرق بعضها فيها ضعف، وبعضها سندها صحيح، وقد أعل بالوقف، ولكن له حكم الرفع؛ لأن ظاهر كلامه يدل على ذلك، فإنه يقول لعمر بن الخطاب -﵁-: أما علمت أن القلم رفع عن ثلاثة، فذكرهم. وانظر «الإرواء» للعلامة الألباني (٢٩٧).\n(^٢) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٧٤) «زاد المعاد» (٤/ ٤٣) الطبعة القديمة.","vol":"8","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4545>مسألة [٢]: طلاق من زال عقله بغير المسكر</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٣٤٥): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الزَّائِلَ الْعَقْلُ بِغَيْرِ سُكْرٍ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ. كَذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ (^١)، وَعَلِيٌّ (^٢) وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.\nقال: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ فِي حَالِ نَوْمِهِ، لَا طَلَاقَ لَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل»، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الْعَقْلُ، كَالْبَيْعِ.\nقال: وَسَوَاءٌ زَالَ عَقْلُهُ لَجُنُونٍ، أَوْ إغْمَاءٍ، أَوْ نَوْمٍ، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ، أَوْ إكْرَاهٍ عَلَى شُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ شُرْبُهُ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُزِيلٌ لِلْعَقْلِ، فَكُلُّ هَذَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4546>مسألة [٣]: هل يقع طلاق من شرب الخمر مختارًا فسكر</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يقع طلاقه. وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وميمون بن مهران،\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٠)، والبيهقي (٧/ ٣٥٩) بإسناد صحيح.\n(^٢) يؤخذ ذلك من حديثه الذي في الباب.\n(^٣) وانظر: «البيان» (١٠/ ٦٨).","vol":"8","page":529},{"text":"والحكم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد في رواية، والشافعي، وأصحاب الرأي.\nواستدلوا بحديث: «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه»، وبأن عمر استشار الصحابة فيمن شربوا الخمر، فقال علي: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى؛ فحدُّه حد المفتري. فَجَلَدَه عمرُ ثمانين. فقالوا: فيه مؤاخذة للشارب بما يقول في سكره. وقالوا: هو مكلف، ويؤاخذ بجنايته.\n• وقال بعضهم: يقع طلاقه؛ عقوبة له. وقالوا: قد ورد عن بعض الصحابة أنهم أوقعوا طلاقه. جاء ذلك عن عمر، أن رجلًا طلق امرأته وهو سكران، فشهد أربع نسوة بذلك، ففرق عمر -﵁- بينهما. وكذا جاء عن معاوية أنه أجاز طلاق السكران، وجاء عن ابن عباس -﵄-.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقع طلاق السكران. وهو قول عمر بن عبدالعزيز، والقاسم، وطاوس، وربيعة، ويحيى الأنصاري، والليث، والعنبري، وإسحاق، وأبي ثور، والمزني، وأحمد في رواية، وصحَّ عن عثمان بن عفان عند ابن أبي شيبة (٥/ ٣٠)، وغيره قال: ليس لمجنون ولا سكران طلاق.\nوهذا قولٌ للشافعي، والظاهرية، واستقر عليه مذهب أحمد، وقال به من الحنفية: أبو جعفر الطحاوي، وأبو الحسن الكرخي.\nوصحَّ هذا القول أيضًا عن ابن عباس، علَّقه البخاري عنه بصيغة الجزم في","vol":"8","page":530},{"text":"[كتاب الطلاق باب (١١)]، ووصله ابن أبي شيبة (٥/ ٤٨).\nواستدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣]، فجعل سبحانه قول السكران غير معتبر؛ لأنه لا يعلم ما يقول، وصحَّ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه أمر بالمقِر بالزِّنى أن يستنكه (^١) ليعتبر قوله الذي أقرَّ به، أو يلغى.\nوفي «الصحيحين» (^٢) أن حمزة لما سكر قبل تحريم الخمر، قال للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومن معه: «هل أنتم إلا عبيد لأبي»، وهذا القول لو قاله غير سكران؛ لكان رِدَّةً وكفرًا، ولم يؤاخذ بذلك حمزة.\nقالوا: ولأنه عند أن زال عقله أشبه المجنون والنائم؛ ولأنه مفقود الإرادة، فأشبه المكره.\nوهذا القول هو اختيار البخاري، ورجَّحه شيخ الإسلام، وابن القيم وغيرهما من المحققين، وهو الصواب في هذه المسألة.\nوأما ما استدل به أصحاب القول الأول، فحديثهم: «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه» حديث شديد الضعف، أخرجه الترمذي (١١٩١)، من حديث أبي هريرة -﵁-، وفيه: عطاء ابن العجلان، وهو شديد الضعف.\n_________\n(^١) انظر: «صحيح مسلم» (١٦٩٥) من حديث بريدة -﵁-.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٤٠٠٣)، ومسلم برقم (١٩٧٩)، من حديث علي -﵁-.","vol":"8","page":531},{"text":"وأما خبر أنَّ الصحابة جعلوه كالصاحي في القذف؛ فهو حديث ضعيفٌ، أخرجه مالك (٢/ ٨٤٢) بإسناد منقطع، ووصله البيهقي (٨/ ٣٢١) بإسناد ضعيف، فيه يحيى بن فُليح، وهو مجهول.\nوأما قولهم (هو مكلف) فباطل؛ إذ الإجماع منعقد على أنَّ شرط التكليف العقل، وهو لا يعقل، فليس بمكلف.\nوأما كون الله خاطبهم فقال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فليس فيه ذلك، بل المقصود أنه خاطب الصاحي، وأمره أن لا يسكر إذا أراد الصلاة، وأما من لا يعقل فلا يؤمر ولا ينهى.\nوأما كونه يلزم بالجنايات؛ فهو كالمجنون في ذلك، يتحمل الجنايات وليه، وذلك من الأحكام الوضعية، وقد دلَّت الأدلة على أنه لا يلزم بأقواله في حال فقد عقله.\nوأما قولهم (يقع عقوبة له) فقول ضعيفٌ؛ فإنَّ الحد يكفيه عقوبة الشرع، وقد رضي الله سبحانه من هذه العقوبة بالحد، ولا عهد لنا بالشريعة بالعقوبة بالطلاق والتفريق بين الزوجين.\nوأما قولهم (إنَّ إيقاع الطلاق من ربط الأحكام بالأسباب) ففي غاية الفساد، والسقوط؛ فإنَّ هذا يوجب إيقاع الطلاق ممن سكر مكرهًا، أو جاهلًا بأنه خمر، وبالمجنون، بل وبالنائم، ثم يقال: وهل ثبت لكم أنَّ طلاق السكران سبب حتى","vol":"8","page":532},{"text":"يربط الحكم به، وهل النزاع إلا في ذلك؟\nوأما ما نقلوه عن الصحابة من إيقاع الطلاق، فأثر عمر لم يثبت؛ فإنه من طريق: أبي لبيد عن عمر كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ٣٨)، وأبو لبيد هو لمازة بن زبار، ولم يلق عمر كما في «التهذيب».\nوأما أثر معاوية فثابت عنه، أخرجه أبو عبيد بإسناد صحيح كما في «زاد المعاد»، وأما أثر ابن عباس، فلم يثبت عنه، ففي إحدى طريقيه: الحجاج بن أرطاة، وفي الأخرى: إبراهيم بن أبي يحيى، قاله ابن حزم، وقد ثبت عنه خلافه كما تقدم.\nوقد لخصنا هذه الردود من كلام ابن القيم في «زاد المعاد»، فراجعه؛ فإنه مفيد. (^١)\nتنبيه: الحكم في عتق السكران، ونذره، وبيعه، وشرائه، وردته، وإقراره، وقتله، وقذفه، وسرقته كالحكم في طلاقه؛ لأنَّ المعنى في الجميع واحد. (^٢)\nتنبيه آخر: حد السكر الذي وقع الاختلاف فيه هو الذي يخلط في كلامه ولا يعي ما يقول؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، أما إذا كان السكر غير\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٠/ ٣٤٦ - ٣٤٧) «الإنصاف» (٨/ ٤٣٣ - ٤٣٤) «زاد المعاد» (٥/ ٢٠٩ - ٢١٤) «المحلى» (١٩٧٢) «البيان» (١٠/ ٦٩ - ٧٠) «الفتح» [باب: (١١) من كتاب الطلاق] «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٠٦ - ١٠٩) (٣٣/ ١٠٢ - ١٠٣) «ابن أبي شيبة» (٥/ ٣٩).\n(^٢) «المغني» (١٠/ ٣٤٨).","vol":"8","page":533},{"text":"مطبق بحيث يعي ما يقول؛ فإنه يقع طلاقه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4547>مسألة [٤]: هل يقع طلاق الصبي</span>؟\nأما إذا كان الصبي غير مميز، ولا يعقل، فلا خلاف في أنه لا طلاق له.\nوأما الذي يعقل معنى الطلاق، ويعلم أنَّ زوجته تبين منه، وتحرم عليه، ففيه خلاف بين أهل العلم.\n• فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى وقوع طلاقه، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، والشعبي، وأحمد في الأشهر عنه، وإسحاق، واستدلوا بحديث: «الطلاق لمن أخذ بالساق»، وحديث: «كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله»، وقال علي: اكتموا الصبيان النكاح. وفائدته أن لا يطلقوا.\n• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى عدم وقوعه، وهو قول النخعي، والزهري، وحماد، والثوري، وأبي عبيد، وأحمد في رواية، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي وغيرهم، واستدلوا بحديث عائشة الذي في الباب.\n• وعن عطاء: يقع إذا بلغ اثنتي عشرة سنة.\n• وعن مالك رواية: إذا ناهز الاحتلام.\n• وأما إسحاق فقال: إذا جاوز اثنتي عشرة. وعن أحمد تحديده بمجاوزة\n_________\n(^١) «المغني» (١٠/ ٣٤٨).","vol":"8","page":534},{"text":"العشر. وعن سعيد إذا عقل الصلاة والصيام.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: أما حديث: «الطلاق لمن أخذ بالساق» فقد أخرجه ابن ماجه (٢٠٨١)، من حديث ابن عباس -﵄-، وفي إسناده ضعف، ففيه ابن لهيعة، وقد رواه موصولًا، ومرسلًا عن عكرمة، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وله طرق شديدة الضعف لا تصلح لتقويته، وقد حسَّنه بها الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٢٠٤١).\nوأما حديث: «كل الطلاق جائز ...» فقد تقدم في المسألة السابقة أنه حديث شديد الضعف، وأما أثر علي ففي إسناده رجل مبهم كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، ورُوي من طريق مرجوحة تسميته (عاصم بن ضمرة) ولا عبرة بها.\nوقد جاء عن ابن عباس أنَّ طلاقه لا يجوز، وفي إسناده حجاج بن أرطاة، ولم يصرح بالتحديث.\nوقد رجح الشوكاني -﵀- عدم وقوعه كما في «السيل» (ص ٤٠٢)؛ للحديث المتقدم، وهو الأقرب، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: تقدم في باب الخلع أنه يجوز للأب أن يطلق زوجة ابنه الصغير، وهو قول عطاء، وقتادة، وقول في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام خلافًا لمالك\n_________\n(^١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٨) «المغني» (١٠/ ٣٤٨ -) «البيان» (١٠/ ٦٨) «الفتح» [باب (١١) من كتاب الطلاق] «إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان» (٦٦).","vol":"8","page":535},{"text":"والشافعي، وأبي حنيفة. (^١)\nتنبيه آخر: المجنون من أجاز لوليه تزويجه فالقياس أنَّه يجوز له الطلاق عنه إذا رأى له مصلحة في ذلك، وقد صرَّح بذلك جمعٌ من التابعين كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٦/ ٣٩٥ - ٣٩٦). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4548>مسألة [٥]: هل يقع طلاق السفيه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٣٥٠): فَأَمَّا السَّفِيهُ، فَيَقَعُ طَلَاقُهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. وَمَنَعَ مِنْهُ عَطَاءٌ. وَالْأَوْلَى صِحَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، مَالِكٌ لِمَحَلِّ الطَّلَاقِ، فَوَقَعَ طَلَاقُهُ كَالرَّشِيدِ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ لَا يَمْنَعُ تَصَرُّفَهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِيهِ، كَالْمُفْلِسِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4549>مسألة [٦]: طلاق الغضبان</span>.\nتقدم الحديث: «لا طلاق، ولا عتاق في إغلاق» (^٣)، وقد فسر الإغلاق بالإكراه وبالغضب، وممن فسره بالغضب أحمد، وأبو داود.\nقال ابن القيم -﵀- في «تهذيب السنن»: قال شيخنا: والإغلاق انسداد باب العلم، والقصد عليه، فيدخل فيه طلاق المعتوه، والمجنون، والسكران،\n_________\n(^١) وانظر: «الفتاوى» (٣٢/ ٣٥٩) «المغني» (١٠/ ٣١٢) «الاختيارات» (ص ٢٥٤).\n(^٢) وانظر: «الاختيارات» (ص ٢٥٤).\n(^٣) تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٠٧٧)، المسألة رقم (٣).","vol":"8","page":536},{"text":"والمكره، والغضبان الذي لا يعقل ما يقول؛ لأنَّ كُلًّا من هؤلاء قد أغلق عليه باب العلم والقصد، والطلاق إنما يقع من قاصد له، عالم به، والله أعلم. اهـ\nوهذا التفسير هو الصواب، وعلى هذا فطلاق الغاضب على أقسام.\nقال ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (٤/ ٥٠): وقسم شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه الغضب إلى ثلاثة أقسام: قسم يزيل كالسكر، فهذا لا يقع معه طلاق بلا ريب، وقسم يكون في مبادئه بحيث لا يمنعه من تصور ما يقول وقصده؛ فهذا يقع معه الطلاق. وقسم يشتد بصاحبه ولا يبلغ به زوال عقله، بل يمنعه من التثبت والتروي، ويخرجه عن حال اعتداله، فهذا محل اجتهاد. اهـ\nقال ابن القيم في القسم الأول: وهذا لا يتوجه فيه نزاع أنه لا يقع. وقال في الثاني: لا إشكال في وقوع طلاقه، وعتقه، وصحة عقوده.\nوقال في القسم الثالث: هذا موضع الخلاف، ومحل النظر، والأدلة الشرعية تدل على عدم نفوذ طلاقه، وعتقه، وعقوده التي يعتبر فيها الرضى، وهو فرع من الإغلاق الذي فسره الأئمة.\nثم ساق أدلةً كثيرة، وأوجهًا عديدة في ترجيح ذلك بلغت أكثر من عشرين وجهًا، وعزا القول بعدم وقوعه إلى الجمهور، وصرح به أصحاب أحمد، والشافعي، ومالك، ورجحه الإمام ابن عثيمين. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» [باب (١١) من كتاب الطلاق] «زاد المعاد» (٥/ ٢١٥) «تهذيب السنن» (٣/ ١١٧ - ١١٨) «إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان» لابن القيم.","vol":"8","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4550>مسألة [٧]: التوكيل في الطلاق</span>.\n• أجاز أهل العلم للرجل أن يوكل آخرًا في طلاق امرأته، وخالف ابن حزم، فلم يجزه، والصحيح جوازه، والدليل آية التخيير.\nولا يُوَكَّل إلا من يصح طلاقه بنفسه، فلا يُوكل الصبي، والمجنون؛ لأنه لا يصح الطلاق منهما؛ فلا يصح أن يكونا وكيلين فيه، وإذا وكَّل صبيًّا، أو مجنونًا، فطلق واحد منهم؛ لم يقع طلاقه. وقال الحنفية: يقع. والصحيح عدم وقوعه؛ لأنهما ليسا من أهل التصرف، ولا يصح منهم ذلك. (^١)\nفرع: من وُكِّل بالطلاق فله أن يطلق متى شاء إلا أن يُحَدَّ له حدًّا، وليس له الطلاق أكثر من واحدة، إلا أن يجعل ذلك إليه؛ لأنَّ التوكيل المطلق يتناول ما يقع عليه الاسم، وهو يقع بالواحدة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4551>مسألة [٨]: إذا وكل اثنين بطلاق امرأته، فهل لواحد منهما أن ينفرد بذلك</span>؟\nليس لأحدهما أن ينفرد بذلك؛ إلا أن يجعل الأمر إلى كل واحد منهما، وأما إذا وكلهما جميعًا في ذلك؛ فلا يصح انفراد واحد منهما في ذلك، وهو قول\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٨٧ - ٨٨) «البيان» (١٠/ ٨٢ -) «الشرح الممتع» (٥/ ٤٤٣) «المغني» (١٠/ ٣٨٥)، «المحلى» (١٩٦٣).\n(^٢) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٨٩) «البيان» (١٠/ ٨٤ - ٨٥) «الشرح الممتع» (٥/ ٤٤٣ -) «المغني» (١٠/ ٣٨٥).","vol":"8","page":538},{"text":"الحسن، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبي عبيد، وأحمد، وابن المنذر، وإسحاق وغيرهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4552>مسألة [٩]: إذا وكَّل امرأته في طلاق نفسها</span>؟\nأجاز أهل العلم ذلك، وقالوا: إذا طلَّقت نفسها؛ يقع الطلاق، وله أن يرجع عن ذلك قبل أن تطلق.\n• فإذا رجع قبل أن تطلق؛ بطل التوكيل عند أحمد، والشافعي.\n• وقال مالك، وأبو حنيفة: إذا خيَّرها؛ فليس له أن يرجع ولا يبطل التفويض إليها بالطلاق كما لو قال لها: إذا اخترت؛ فأنت طالق. ثم رجع قبل أن تختار.\nوالصحيح هو القول الأول، والله أعلم، واستدلوا عليه بآية التخيير. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٨٩) «المغني» (١٠/ ٣٨٥ -).\n(^٢) انظر: «البيان» (١٠/ ٨٣) «الشرح الكبير» (١٠/ ٩١) «الإنصاف» (٨/ ٤٤٦) «الشرح الممتع» (٥/ ٤٤٤).","vol":"8","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4553>فَصْل فِي أَقْسَامِ الطّلاقِ مِنْ حَيْثُ صِيْغَتِهِ</span>\nالطلاق من حيث صيغة وقوعه له ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: صيغة التنجيز، مثل أن يقول: امرأتي طالق، أو أنت طالق، أو فلانة طالق، أو هي مطلقة، ونحو ذلك. فهذا يقع به الطلاق على التفاصيل المتقدمة في المسائل السابقة.\nالقسم الثاني: أن يحلف بذلك، فيقول: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا، أو لا أفعلُ كذا. أو يقول: عليَّ طلاق امرأتي إن فعلت كذا. يحلف به على حضٍّ، أو منعٍ، أو تصديق، أو تكذيب.\nالقسم الثالث: تعليق الطلاق بحصول شيء، كأن يقول: إن كان كذا، وكذا؛ فعليَّ الطلاق. أو يقول: علي الطلاق إن لم أفعل كذا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4554>مسألة [١]: الحلف بالطلاق هل يقع أم لا</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٣١، ٢١٦): فيه قولان لعلماء المسلمين: القول الأول: لا يقع الطلاق. وهذا منصوص عن أبي حنيفة نفسه، وهو قول طائفة من أصحاب الشافعي، كالقفال، وأبي سعيد المتولي، صاحب «التتمة»، وبه يفتي ويقضي في هذه الأزمنة المتأخرة طائفةٌ من أصحاب\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٢٢٣) (٣٣/ ٤٤ -) (٣٣/ ١٤٠).","vol":"8","page":540},{"text":"أبي حنيفة، والشافعي، وغيرهم من أهل السنة، والشيعة في بلاد الشرق، والجزيرة، والعراق، وخراسان، والحجاز، واليمن وغيرها، وهو قول داود وأصحابه، كابن حزم وغيره.\nقال: وهو قول طائفة من السلف، كطاوس وغير طاوس، وبه يفتي كثير من علماء المغرب في هذه الأزمنة المتأخرة، من المالكية وغيرهم، وكان بعض شيوخ مصر يفتي بذلك.\nقال: وقد دل على ذلك كلام الإمام أحمد بن حنبل المنصوص عنه، وأصول مذهبه في غير موضع.\nقال: القول الثاني: أنه يقع الطلاق إذا حنث في يمينه، وهذا هو المشهور عند أكثر الفقهاء المتأخرين، حتى اعتقد طائفة منهم أنَّ ذلك إجماع؛ ولهذا لم يذكر عامتهم عليه حجة، وحجتهم عليه ضعيفة جدًّا، وهي أنه التزم أمرًا عند وجود شرطه، فلزمه ما التزمه.\nقال: وهذا منقوض بصور كثيرة، وبعضها مجمع عليه، كنذر الطلاق، والمعصية، والمباح، وكالتزام الكفر على وجه اليمين، مع أنه ليس له أصلٌ يقاس به إلا وبينهما فرق مؤثر في الشرع، ولا دلَّ عليه عموم نصٍّ ولا إجماع، لكن لما كان موجب العقد لزوم ما التزمه صار يظن في بادئ الرأي أنَّ هذا عقد لازم، وهذا يوافق ما كانوا عليه في أول الإسلام قبل أن ينزل الله كفارة اليمين موجبة ومحرمة، ثم فرض الله للمسلمين تحلة أيمانهم، وجعل لهم أن يحلوا عقد اليمين بما فرضه","vol":"8","page":541},{"text":"من الكفارة. انتهى بتصرف.\nقلتُ: القول الأول هو الصواب، وهو ترجيح ابن القيم -﵀-، والشوكاني.\nواختلف القائلون بعدم وقوعه هل عليه فيه كفارة يمين، أم لا؟\n• فمذهب الظاهرية أنه لا شيء عليه فيه؛ لأنه لغو.\nقال شيخ الإسلام: ويذكر ما يدل عليه عن طائفة من السلف، بل هو مأثور عن طائفة صريحًا، كأبي جعفر الباقر. اهـ\n• وذهب جماعةٌ إلى أنَّ عليه كفارة يمين إذا لم يوقع الطلاق.\nقال شيخ الإسلام: وهو أصح الأقوال، وهو الذي يدل عليه الكتاب، والسنة، والاعتبار؛ فإنَّ هذه يمين من أيمان المسلمين، فيجري فيها ما يجري في أيمان المسلمين، وهو الكفارة عند الحنث؛ إلا أن يختار الحالف إيقاع الطلاق؛ فله أن يوقعه ولا كفارة، وهذا قول طائفة من السلف والخلف، كطاوس وغيره، وهو مقتضى المنقول عن أصحاب رسول الله - ﷺ -، وبه يفتي كثير من المالكية وغيرهم، وهو مقتضى نصوص أحمد بن حنبل، وأصوله في غير موضع. اهـ (^١)\nفائدة: قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٢٢٣): صيغة القسم كما إذا قال: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا. فهذه يمين باتفاق أهل اللغة، والفقهاء. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٢١٦ - ٢١٩) «أعلام الموقعين» (٣/ ٧١ -) «السيل» (٢/ ٣٥٩).\n(^٢) وانظر (٣٣/ ٤٥) (٣٣/ ١٤٢ -).","vol":"8","page":542},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4555>مسألة [٢]: تعليق الطلاق بشرط</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٤٦): والثالث صيغة تعليق، كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق. ويُسمى هذا طلاقًا بصفة، فهذا إما أن يكون قصد صاحبه الحلف وهو يكره وقوع الطلاق إذا وجدت الصفة، وإما أن يكون قصده إيقاع الطلاق عند تحقق الصفة. فالأول حكمه حكم الحلف بالطلاق باتفاق الفقهاء، والثاني وهو أن يكون قصد إيقاع الطلاق عند الصفة؛ فهذا يقع به الطلاق إذا وجدت الصفة، كما يقع المنجز عند عامة السلف والخلف، وكذلك إذا وقت الطلاق بوقت كقوله: أنت طالق عند رأس الشهر. وقد ذكر غير واحد الإجماع على وقوع هذا الطلاق المعلق، ولم يعلم فيه خلافًا قديمًا، لكن ابن حزم زعم أنه لا يقع به الطلاق، وهو قول الإمامية. اهـ المراد\nوقال -﵀- في (٣٣/ ٥٩): والنوع الثالث من الصيغ: أن يعلق الطلاق، أوالعتاق، أو النذر بشرطٍ، فيقول: إن كان كذا؛ فعليَّ الطلاق، أو الحج، أو فعبيدى أحرار. ونحو ذلك، فهذا ينظر إلى مقصوده؛ فإن كان مقصوده أن يحلف بذلك، ليس غرضه وقوع هذه الأمور، كمن ليس غرضه وقوع الطلاق إذا وقع الشرط؛ فحكمه حكم الحالف، وهو من باب اليمين، وأما إن كان مقصوده وقوع هذه الأمور، كمن غرضه وقوع الطلاق عند وقوع الشرط، مثل أن يقول: لإمرأته إن ابرأتيني من طلاقك فأنت طالق. فتبرئه، أو يكون غرضه أنها إذا فعلت فاحشة أن يطلقها، فيقول: إذا فعلت كذا فأنت طالق. بخلاف من كان غرضه أن يحلف","vol":"8","page":543},{"text":"عليها ليمنعها، ولو فعلته؛ لم يكن له غرض في طلاقها؛ فإنها تارة يكون طلاقها أكره إليه من الشرط؛ فيكون حالفًا، وتارة يكون الشرط المكروه أكره إليه من طلاقها؛ فيكون موقعًا للطلاق إذا وجد ذلك الشرط؛ فهذا يقع به الطلاق. اهـ\nوقال -﵀- (٣٣/ ٢٢٣): والثالث صيغة التعليق، فهذه إن قصد بها اليمين؛ فحكمها حكم الثاني باتفاق العلماء، وأما إن قصد وقوع الطلاق عند الشرط، مثل أن يختار طلاقها إذا أعطته العوض، فيقول: إن أعطيتني كذا فأنت طالق. ويختار طلاقها إذا أتت كبيرة، فيقول: أنت طالق إن زنيت، أو سرقت. وقصده الإيقاع عند الصفة لا الحلف؛ فهذا يقع به الطلاق باتفاق السلف؛ فإنَّ الطلاق المعلق بالصفة رُوي وقوع الطلاق فيه عن غير واحد من الصحابة، كعلي، وابن مسعود، وأبي ذر، وابن عمر، ومعاوية، وكثير من التابعين ومن بعدهم، وحكى الإجماع على ذلك غيرُ واحد، وما علمت أحدًا نقل عن أحد من السلف أنَّ الطلاق بالصفة لا يقع وإنما علم النزاع فيه عن بعض الشيعة، وعن ابن حزم من الظاهرية، وهؤلاء الشيعة بلغتهم فتاوى عن بعض فقهاء أهل البيت فيمن قصده الحلف، فظنوا أن كل تعليق كذلك، كما أن طائفة من الجمهور بلغتهم فتاوى عن بعض الصحابة والتابعين فيمن علق الطلاق بصفة أنه يقع عندها، فظنوا أن ذلك يمين، وجعلوا كل تعليق يمينًا كمن قصده اليمين، ولم يفرقوا بين التعليق الذى يقصد به اليمين والذى يقصد به الإيقاع، كما لم يفرق أولئك بينهما في نفس الطلاق، وما علمت أحدًا من الصحابة أفتى في اليمين بلزوم الطلاق، كما لم أعلم أحدًا منهم","vol":"8","page":544},{"text":"أفتى بالطلاق في التعليق الذي يُقصد به اليمين، وهو المعروف عن جمهور السلف، حتى قال به داود وأصحابه، ففرقوا بين تعليق الطلاق الذي يُقصد به اليمين والذى يقصد به الإيقاع، كما فرقوا بينهما في تعليق النذر وغيره، والفرق بينهما ظاهر؛ فإن الحالف يكره وقوع الجزاء وإن وجدت الصفة، كقول المسلم: إن فعلت كذا فأنا يهودي، أو نصراني. فهو يكره الكفر، وإن وجدت الصفة إنما التزامه لئلا يلزم، وليمتنع به من الشرط، لا لقصد وجوده عند الصفة، وهكذا الحلف بالإسلام، لو قال الذمي: إن فعلت كذا فأنا مسلم. اهـ\nوالتفصيل في التعليق هو الصحيح، وقد رجَّح ذلك الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما. (^١)\nتنبيه: بعض التعليقات محضة لا يدخلها الحلف، كقوله (إن طلعت الشمس فأنت طالق) أو (إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق) فهذه يقع فيها الطلاق إذا وجد الشرط. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4556>مسألة [٣]: إذا قال رجل لامرأة أجنبية: إن فعلت كذا فأنت طالق. ثم تزوجها، ففعلت</span>؟\nذكر ابن قدامة -﵀- أنه لا خلاف في أنها لا تطلق؛ لأنه طلقها قبل أن يملكها، ولم يعلق ذلك بزواجه بها، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الممتع» (٥/ ٥١٠) «فتاوى اللجنة الدائمة» (٢٠/ ١٧٤ -).\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٤٧) (٣٥/ ٢٤٧).\n(^٣) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٢٢٥) «زاد المعاد» (٥/ ٢١٧).","vol":"8","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4557>مسألة [٤]: إن علق الزوج الطلاق بشرط، فهل تطلق قبل وجوده، وهل له وطؤها قبل وجوده</span>؟\nأما الطلاق فلا يقع قبل وجود الشرط عند أهل العلم.\nواختلفوا هل له أن يطأها قبل وجود الشرط؟\n• فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ له ذلك؛ لأنها ما زالت امرأته، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة.\n• وقال بعضهم: لا يطأها؛ لأنَّ الأصل وقوع الطلاق بعد تلفظه به إلا أن يتخلف الشرط. وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والشعبي، ومالك، وأبي عبيد.\n• وقال مالك، وربيعة، والأنصاري: يضرب له أجل المولي كما لو حلف أن لا يطأها.\nوالصحيح هو القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4558>مسألة [٥]: لو قال: أنت طالق. ثم قال: أردت (إن قمت، أو خرجت)</span>؟\n• الأشهر في مذهب أحمد -﵀- أنه يُدَيَّن، ويقبل منه في الفتوى، وأمَّا في الحكم فلا يقبل منه؛ لأنه يدعي خلاف ما يقتضيه إطلاق اللفظ\n• وقال الشافعية: ينظر في التفسير بخلاف الظاهر، فإن كان لو وصل باللفظ لا\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٢٣٢، ٢٢٥).","vol":"8","page":546},{"text":"ينتظم الكلام ولا يستقيم معناه لم يقبل قضاء، ولا ديانة، كأن يقول: أردت طلاقا لا يقع، وإن كان الكلام ينتظم ويستقيم معناه بالوصل، فلا يقبل ظاهرا، ويقبل ديانة. كأن يقول: أردت طلاقا في وثاق، أو: أردت إن دخلت الدار؛ لأن اللفظ يحتمله. واستثنوا من هذا نية التعليق بمشيئة الله تعالى فقالوا: لا يدين فيه على المذهب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4559>مسألة [٦]: إذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق</span>؟\nإذا لم يطلقها؛ يقع الطلاق؛ فإن عيَّن وقتًا؛ طلقت في ذلك الوقت، وإن لم يعين وقتًا ولم يطلقها؛ كان على التراخي، لا يحنث بتأخره؛ لأنَّ كل زمن يمكن أن يفعل فيه ما حلف عليه فلم يفت الوقت، وتطلق في آخر حياة أحدهما؛ لأنه إذا مات أحدهما علمنا حنثه يومئذٍ؛ لأنه لا يمكن إيقاع الطلاق بعدها، فتبين أنه يقع إذا لم يبق من حياته ما يتسع لتطليقها، وهو قول الحنابلة، والشافعية، والحنفية.\nقال ابن قدامة -﵀-: ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4560>مسألة [٧]: إذا كان الطلاق المعلق في الصورة السابقة هي الطلقة الثالثة، فهل يتوارثان</span>؟\n• من أهل العلم من يقول: ترثه إذا مات ولا يرثها إذا ماتت. وهو قول عطاء، ويحيى الأنصاري، وأحمد؛ لأنه أوقع الطلاق عليها في آخر حياته، ولا يصح منه\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٢٢٦) «الموسوعة الكويتية» (٢١/ ٩٩).\n(^٢) «الشرح الكبير» (١٠/ ٢٣١).","vol":"8","page":547},{"text":"ذلك، وهو مقتضى قول مالك.\n• ومنهم من قال: يقع الطلاق، ولا ترثه ولا يرثها. وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، والشعبي، وأبي عبيد، ووجهٌ للحنابلة، وهو مقتضى قول الشافعية، وهو الصحيح. (^١)\nتنبيه: أدوات الشرط التي يعلق بها الطلاق ليست محصورة، بل كل لفظ تعارف الناس عليه بأنه يفيد الشرط والتعليق؛ وقع التعليق به، وتعلق به الطلاق، وهل هي على الفور، أم التراخي؟\nالصحيح أنَّ ذلك راجع إلى نية المتلفظ بالطلاق، وإلى قصده؛ فإن لم يكن له نية، فعرف الناس معتبر في ذلك، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4561>مسألة [٨]: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى وقوع الطلاق بذلك، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، ومكحول، وقتادة، والزهري، ومالك، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وأبي عبيد؛ لأنَّ هذا ليس بيمين حتى يعلق بالمشيئة.\nونُقل هذا القول عن ابن عباس، وقال الإمام الألباني -﵀-: لم أجده. ولأنه استثناء برفع جملة الطلاق، فلم يصح كقوله: (أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا).\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٢٣٣)، كتاب الفرائض من كتابنا هذا.\n(^٢) «الشرح الممتع».","vol":"8","page":548},{"text":"• وقال جماعةٌ من أهل العلم: لا يقع الطلاق. وهو قول طاوس، والحكم، وأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه علق الطلاق بمشيئة لا يُعْلَم وجودها؛ فلا يقع، ولحديث: «من حلف فقال: إن شاء الله. لم يحنث».\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٤٤): ولو قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله. ففيه نزاع مشهور، وقد رجحنا التفصيل، وهو أنَّ الكلام يُراد به شيئان، يراد به إيقاع الطلاق تارة، ويراد به منع إيقاعه تارة؛ فإن كان مراده: (أنت طالق بهذا اللفظ) فقوله (إن شاء الله) مثل قوله: (بمشيئة الله) وقد شاء الله الطلاق حين أتى بالتطليق؛ فيقع، وإن كان قد علق؛ لئلا يقع، أو علقه على مشيئة توجد بعد هذا؛ لم يقع به الطلاق حتى يطلق بعد هذا؛ فإنه حينئذٍ شاء الله أن تطلق.\nقال: وقول من قال: (المشيئة تنجزه) ليس كما قال، بل نحن نعلم قطعًا أنَّ الطلاق لا يقع إلا إذا طلقت المرأة، بأن يطلقها الزوج، أو من يقوم مقامه، من ولي، أو وكيل، فإذا لم يوجد تطليق؛ لم يقع طلاق قط، فإذا قال: (أنت طالق إن شاء الله)، وقصد حقيقة التعليق؛ لم يقع إلا بتطليق بعد ذلك، وكذلك إذا قصد تعليقه؛ لئلا يقع الآن، وأما إن قصد إيقاعه الآن وعلقه بالمشيئة توكيدًا، وتحقيقًا؛ فهذا يقع به الطلاق. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٢٨٦) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٢٣٩) (٣٥/ ٣٠٨ -) (١٣/ ٤٤) «المغني» (١٠/ ٤٧٢ -) «البداية» (٣/ ١٢٠).","vol":"8","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4562>مسألة [٩]: إذا قال لامرأته: أنت طالق إن شئت</span>؟\n• إذا شاءت المرأة الطلاق؛ وقع، سواء شاءته على الفور، أم على التراخي، وهو قول الزهري، وقتادة، ومالك، وأحمد وأصحابه، ومثله لو قال: (كيف شئت) و(حيث شئت) و(أين شئت).\n• وقال أبو حنيفة: إن قال (أنت طالق كيف شئت)؛ فتطلق في الحال طلقة رجعية؛ لأنَّ هذا ليس بشرطٍ إنما هو صفة للطلاق الواقع بمشيئتها.\n• وقال الشافعي: يقع الطلاق إذا شاءت في الحال. ووافقه أصحاب الرأي في (إن) وأما إذا لم تشأ في الحال؛ فلا يقع، كقوله (اختاري)، وهو قول الحسن، وعطاء.\nوالصحيح هو القول الأول.\nوأُجيب عن قول أبي حنيفة: بأنه أضاف الطلاق إلى مشيئتها، فأشبه ما لو قال: حيث شئت.\nوأُجيب عن قول الشافعي: بأنَّ قوله (اختاري) تخيير، وقوله (إن شئت) تعليق للطلاق على شرط؛ فكان على التراخي كالعتق، وقول أبي حنيفة صحيح إذا كان المتلفظ قد نوى ما ذكره أبو حنيفة، والله أعلم.\nومثله لو قال: (إن شاء فلان) فشاءه. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٢٨٣) «المغني» (١٠/ ٤٦٧ -) «البداية» (٣/ ١٢٠).","vol":"8","page":550},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4563>مسألة [١٠]: إذا قال: أنت طالق إن شئت. فقالت: قد شئت إن شئت. أو قد شئت إن شاء فلان</span>؟\nلا يقع الطلاق بذلك عند أهل العلم؛ لأنها لم تشأ؛ فإنَّ المشيئة أمر حقيقي لا يصح تعليقها على شرطٍ.\nقال ابن المنذر -﵀-: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ الرجل إذا قال لزوجته: أنت طالق إن شئت. فقالت: قد شئت إن شاء فلان. أنها قد ردت الأمر، ولا يلزمها الطلاق، وإن شاء فلان؛ وذلك لأنه لم يوجد منها مشيئة، إنما وجد منها تعليق مشيئتها بشرط، وليس تعليق المشيئة بشرط مشيئةً. اهـ (^١)\nفائدة: من حلف بالطلاق على شيء يعتقد صحته؛ فتبين بخلاف ذلك، فلا حنث عليه على الصحيح، والخلاف فيه كالخلاف في الناسي، وقد تقدم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4564>مسألة [١١]: إذا قال أنت طالق إلا أن يشاء الله</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٤٧٤): إِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الله. طَلُقَتْ، وَوَافَقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ. وَعَلَّقَ رَفْعَهُ بِمَشِيئَةٍ لَمْ تُعْلَمْ. اهـ\nقلتُ: الذي يظهر أنه يشمل هذه الصورة تفصيلُ شيخ الإسلام الذي تقدم، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٢٨٤) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٣٠٩) «المغني» (١٠/ ٤٦٩ - ٤٧٠).\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٢٣٧) (٢٠/ ٢٠٥ - ٢٠٦) (٣٢/ ٢٨٦).","vol":"8","page":551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4565>مسألة [١٢]: إذا قال: أنت طالق إلا أن تشائي أو يشاء زيد</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٤٧٠): فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ تَشَائِي. أَوْ: يَشَاءَ زَيْدٌ. فَقَالَتْ: قَدْ شِئْت. لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ أَخَّرَا ذَلِكَ؛ طَلُقَتْ، وَإِنْ جُنَّ مَنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَتِهِ؛ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ وَعَلَّقَ رَفْعَهُ بِشَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4566>مسألة [١٣]: إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق. فدخلت ناسية</span>؟\n• قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٦٩): إذا قال: إن دخلت الدار فأنتِ طالق. فدخلت ناسية؛ لم يقع الطلاق في أظهر قولي العلماء، وهو مذهب أهل مكة، كعمرو بن دينار، وابن جريج وغيرهما، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. اهـ\n• واعتبر الجمهور ظاهر اللفظ؛ فأوقعوا عليه الطلاق. والصحيح ما استظهره شيخ الإسلام، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4567>مسألة [١٤]: إذا طلَّق امرأته بسبب غير صحيح، ثم تبين له ذلك</span>؟\nمثل أن يبلغه أنَّ امرأته كذبت عليه، أو أدخلت بيته رجلًا، فيطلقها ثم يتبين له أنَّ ذلك كذب، ولم تفعل ذلك.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٨٧): وكذلك لو طلق امرأته بصفة، ثم تبين بخلافها، مثل أن يقول: أنت طالق أن دخلت الدار -","vol":"8","page":552},{"text":"بفتح الهمزة- أي: لأجل دخولك الدار، ولم تكن دخلت؛ فهل يقع به الطلاق؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره، وكذلك إذا قال: أنت طالق لأنك فعلت كذا. ونحو ذلك، ولم تكن فعلته، ولو قيل له: امرأتك فعلت كذا. فقال: هي طالق. ثم تبين أنهم كذبوا عليه؟ ففيه قولان ...\nقلتُ: وظاهر كلام شيخ الإسلام أنه يرجح عدم الوقوع.\nوقال الإمام ابن عثيمين -﵀- كما في «الشرح الممتع» (٥/ ٥١٤ -): فتبين الآن أنَّ السبب يخصص العموم، ويقيد المطلق، فإذا قال: أنت طالق. بناء على سبب من الأسباب؛ فإنها لا تطلق، يعني إذا كان السبب لم يصح، ثم إذا كان السبب مقرونًا بالكلام؛ قُبِل حكمًا، وإن لم يكن مقرونًا بالكلام؛ لم يقبل حكمًا. اهـ\nوهذا القول أفتى به الإمام ابن باز، وسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والغديان وغيرهم كما في «فتاوى اللجنة الدائمة» (٢٠/ ١٦٥ - ١٧١).\nقلتُ: ومقتضى قول الجمهور الذين اعتبروا الألفاظ الصريحة بدون النية أنه يقع، وما رجحه الإمامان ابن باز، والعثيمين -رحمهما الله- أقرب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4568>مسألة [١٥]: الرجوع عن الطلاق المعلق</span>.\nقال المرداوي -﵀- كما في «الإنصاف» (٩/ ٦٢): إذا علَّق الطلاق على شرط؛ لزمه، وليس له إبطاله، هذا المذهب وعليه الأصحاب قاطبة، وقطعوا به، وذكر في «الانتصار» و«الواضح» رواية بجواز فسخ العتق المعلق على شرط. قال في","vol":"8","page":553},{"text":"«الفروع»: ويتوجه ذلك في الطلاق. ذكره في باب التدبير.\nقال: وقال الشيخ تقي الدين -﵀- أيضًا: لو قال: (إن أعطيتيني) أو (إذا أعطيتيني) أو (متى أعطيتيني ألفًا فأنت طالق) أنَّ الشرط ليس بلازم من جهته كالكتابة عنده. قال في «الفروع»: ووافق الشيخ تقي الدين -﵀- على شرط محض كـ (إن قام زيد فأنت طالق)، قال الشيخ تقي الدين -﵀-: التعليق الذي يقصد به إيقاع الجزاء إن كان معاوضة؛ فهو معاوضة، ثم إن كانت لازمة؛ فلازم، وإلا فلا يلزم الخلع قبل القبول، ولا الكتابة، وقول من قال: (التعليق لازم) دعوى مجردة. انتهى.\nومعنى كلام شيخ الإسلام أنَّ له الرجوع فيما كان على سبيل المعاوضة. (^١)\nتنبيه: بعض الطلاق المعلق يكون مقصود قائله في فترة معينة، فهذا له قصده، ولا يقع الطلاق بعد تلك الفترة، والله أعلم.\nوقد أفتى شيخنا مقبل بن هادي الوادعي -﵀- فيمن قال لامرأته: (إن ذهبت إلى بيت فلان فأنت طالق) ثم أذن لها في الذهاب ورجع عن التعليق السابق أنَّ ذلك جائز، ولا يقع الطلاق. سمعته أفتى بذلك -﵀- في بعض دروسه.\n_________\n(^١) وانظر «الشرح الممتع» (٥/ ٥١٣).","vol":"8","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4569>فَصلٌ في الشك في الطلاق وإبهامه والخطأ فيه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4570>مسألة [١]: عدد التطليقات التي يملكها الحر والعبد</span>.\n• في هذه المسألة أقوال لأهل العلم:\nالأول: أنَّ العبرة بذلك الرجل؛ فإن كان حرًّا؛ ملك ثلاث تطليقات، سواء كانت المرأة حرة، أو أمة، وإن كان الرجل عبدًا؛ فطلاقه اثنتان؛ حرة كانت المرأة أو أمة.\nوهذا القول صح عن عمر، وعثمان، وزيد، وابن عباس، وعائشة -﵃-، وهو قول عطاء، وسليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وابن المنذر وغيرهم؛ وذلك لأنَّ الله خاطب الرجال بالطلاق؛ فكان لهم، والعبد له نصف الحر في عدد المنكوحات؛ فكذلك في التطليقات.\nوروى الدارقطني (٤/ ٤٠) عن عائشة -﵂- مرفوعًا: «طلاق العبد اثنتان، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره»، وهو حديث ضعيفٌ منكر، تفرد به مظاهر بن أسلم، وأُنكر عليه، ومظاهر قال فيه ابن معين: ليس بشيء.\nالثاني: أنَّ العبرة بذلك المرأة؛ فإن كانت المرأة حرة؛ كان لها ثلاث تطليقات، حرًّا كان الرجل أو عبدًا، وإن كانت المرأة أمة؛ فلها تطليقتان، سواء","vol":"8","page":555},{"text":"كان زوجها حرًّا أو عبدًا، وهذا القول صح عن علي -﵁-، وجاء عن ابن مسعود -﵁-، وفي إسناده: أشعث بن سوَّار، وهو ضعيف، وهو قول الحسن، وابن سيرين، وعكرمة، وعبيدة، ومجاهد، ومسروق، والزهري، ونافع، والنخعي، والحكم، وحماد، والثوري، وأبي حنيفة؛ لحديث عائشة المتقدم، فقد رواه أبو داود (٢١٨٩) بلفظ: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان»، وتقدم بيان ضعفه، ولأنَّ المرأة محل الطلاق؛ فيعتبر بها كالعدة.\nالثالث: الحكم للرق خاصَّة، فإذا كان أحدهما رقيقًا؛ فله تطليقتان، وهذا القول رُوي عن ابن عمر -﵄- كما في «المحلى»، ورجاله ثقات، ولكن صحَّ عنه من نفس الوجه عند ابن أبي شيبة القول بأنَّ الحكم والعبرة بالرجل، وهذا القول قال به عثمان البتي.\nالرابع: يملك الزوج ثلاث طلقات، سواء كان حرًّا، أو عبدًا، وسواء كانت المرأة أمة أو حرة، وهذا قول الظاهرية كلهم؛ لعموم الآيات ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وهذا القول اختاره الشوكاني.\nومال ابن القيم -﵀- إلى هذا القول، ثم الإمام ابن عثيمين؛ لأنَّ الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة، والصحابة مختلفون في هذه المسألة؛ فنبقى على عموم الآية. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٢٧٣ -) «الشرح الكبير» (١٠/ ١٥٧ -) «المحلى» (١٩٨١) «الشرح الممتع» (٥/ ٤٨٤) «ابن أبي شيبة» (٦/ ٤٥١).","vol":"8","page":556},{"text":"فائدة: صحَّ عن ابن عباس، وجابر -﵃-، أنَّ للسيد أن يطلق زوجة عبده، وأنه ليس للعبد طلاقٌ إلا بإذن سيده، ونقله الشعبي عن أهل المدينة، وعامة أهل العلم على أنَّ طلاق العبد بيده يُطلِّق متى شاء، ويصح طلاقه بدون إذن سيده، وهو ظاهر كلام سائر الصحابة والتابعين، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، والظاهرية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4571>مسألة [٢]: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق نصف طلقة، أو طلقة إلا جزءًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المقنع»: وإذا قال: أنت طالق نصف طلقة، أو نصفي طلقة، أو نصف طلقتين. طلقت طلقة، وإذا قال: أنت طالق نصف طلقة، أو جزءًا منها، وإن قلَّ؛ وقع طلقة كاملة في قول عامة أهل العلم إلا داود قال: لا تطلق بذلك. اهـ\nوقال ابن المنذر كما في «الشرح الكبير» (١٠/ ١٧٠ -): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنها تطلق بذلك، منهم: الشعبي، والحارث العكلي، والزهري، وقتادة، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأبو عبيد. اهـ\nوقال أبو عبد الله: وهو قول مالك، وأهل الحجاز، وأهل العراق؛ وذلك لأن ذكر ما لا يتبعض في الطلاق ذكرٌ لجميعه كما لو قال: نصفك طالق. انتهى من «الشرح الكبير».\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٩٨١).","vol":"8","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4572>مسألة [٣]: إذا قال: نصفك طالقة، أو رأسك طالق، أو دمك طالق</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية، وأبي ثور، وجماعة من المالكية أنها تطلق كلها، سواء كان الجزء شائعًا، أو معينًا، كبيرًا، أو صغيرًا.\n• وقال أصحاب الرأي: إن إضافه إلى جزء شائع، أو واحد من أعضاء خمسة: الرأس، والوجه، والرقبة، والظهر، والفرج؛ فتطلق، وإن أضافه إلى جزء معين غير الخمسة؛ لم تطلق؛ لأنه جزء تبقى الجملة بدونه، أو جزء لا يعبر به عن الجملة.\nوأجاب أصحاب القول الأول بأنه أضاف الطلاق إلى جزء ثابت استباحه بعقد النكاح، فأشبه الجزء الشائع، والأعضاء الخمسة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4573>مسألة [٤]: إذا قال: شعرك، أو ظفرك، أو سنك طالق</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والحنفية أنها لا تطلق؛ لأنها أجزاء تنفصل منها في حالة السلامة.\n• ومذهب مالك، والشافعي أنها تطلق بذلك؛ لأنَّه جزء يستباح بنكاحها، فتطلق بطلاقه، كالإصبع. وهذا القول احتمال لبعض الحنابلة، ورُوي نحوه عن الحسن. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ١٧٧).\n(^٢) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ١٧٨) «الشرح الممتع» (٥/ ٤٨٩).","vol":"8","page":558},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4574>مسألة [٥]: إذا أضاف الطلاق إلى ريقها، أو دمعها، أو حملها، أو عرقها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- كما في «الشرح الكبير» (١٠/ ١٧٨): لا نعلم فيه خلافًا -يعني: في عدم وقوعه-؛ لأنَّ هذه ليست من جسمها؛ فإنَّ الريق، والدمع، والعرق فضلات، والحمل، وإن كان متصلًا بها إلا أنَّ مآله إلى الانفصال؛ فلذلك لم تطلق به، وهو مودع فيها، قال تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨]، أي: في بطن الأم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4575>مسألة [٦]: إذا علق الطلاق بشيء مستحيل</span>؟\nكأن يقول: أنت طالق إن طرت. أو قلبت الحجر ذهبًا. أو إن جمعت بين الضدين. ونحو ذلك.\n• فلا تطلق بذلك على الصحيح في مذهب الحنابلة، وهو وجهٌ للشافعية؛ لأنه علق الطلاق بصفة لا توجد، ولأنَّ ما يقصد تبعيده يعلق على المحال كما قال تعالى في حق الكفار: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠].\n• وقال بعض الحنابلة، والشافعية بوقوع الطلاق؛ لأنه أردف الطلاق بما يرفع جملته، ويمنع وقوعه في الحال، فألغيت الصفة، وبقي الطلاق مجردًا.\nوالصحيح هو القول الأول. (^١)\nتنبيه: إذا علق الطلاق بنفي شيء مستحيل؛ طلقت في الحال مثل أن يقول: أنت طالق إن لم تشربي نهر دجلة. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٢٠٧) «البيان» (١٠/ ١٩٤) «الشرح الممتع» (٥/ ٥٠٣ - ٥٠٤).\n(^٢) «الشرح الممتع» (٥/ ٥٠٤).","vol":"8","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4576>فَصْلٌ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4577>مسألة [١]: من شك في طلاقه، أو في شرط الطلاق</span>؟\nمن شك هل طلق أم لا؟ أو شك هل وقع شرط الطلاق أم لا؟ فلا يقع الطلاق؛ لأنَّ الأصل عدم الطلاق، واليقين لا يزول بشك؛ لحديث عبدالله بن زيد في «الصحيحين»: «فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا»، وإذا استيقن أنه طلق، وشك هل اشترط أم لا؟ فيقع الطلاق؛ لأنَّ الأصل عدم الاشتراط. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4578>مسألة [٢]: إذا قال لزوجاته: إحداكن طالق</span>؟\nإن كان له نية في واحدة منهن؛ وقع عليها الطلاق، وإن لم يكن له نية، ففيه خلاف:\n• من أهل العلم من قال: تخرج المطلقة منهن بالقرعة. وهو قول الحسن، وأبي ثور، والحنابلة؛ قياسًا على العتق، ولأنَّ الحق لغير معين، فوجب تعيينه بالقرعة، وهذا القول صححه ابن القيم بكلام نفيس في «البدائع».\n• ومنهم من قال: يطلقن جميعًا. وهو قول قتادة، ومالك.\n• وقال جماعة من أهل العلم: يعين من شاء منهن، فيوقع عليها الطلاق. وهو\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٥١٤) «الشرح الممتع» (٥/ ٥٤٢).","vol":"8","page":560},{"text":"قول حماد، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه يملك إيقاعه ابتداءً، فإذا أوقعه ولم يعينه؛ ملك تعيينه؛ لأنه استيفاء ما ملكه.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: إن كان قصد التعيين بعد الإبهام؛ فالعمل على القول الأخير، وإن لم يقصد ذلك؛ فالعمل على القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4579>مسألة [٣]: إذا طلق امرأة من نسائه، ثم نسي من هي التي طلقها</span>؟\n• أكثر الحنابلة على أنها تخرج بالقرعة، فيثبت حكم الطلاق فيها، ويحل له الباقيات.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٥٢٢): وَقَدْ رَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تُسْتَعْمَلُ هَاهُنَا لِمَعْرِفَةِ الْحِلِّ، وَإِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ لِمَعْرِفَةِ الْمِيرَاثِ ... ثم ذكر نص أحمد.\nثم قال: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَصِيرُ الْقُرْعَةُ عَلَى المَالِ، وَجَمَاعَةُ مَنْ رَوَى عَنْهُ الْقُرْعَةُ فِي المُطَلَّقَةِ المَنْسِيَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي التَّوْرِيثِ، فَأَمَّا فِي الْحِلِّ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ بِالْقُرْعَةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.\nقال: فَلَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهَا يعني القرعة؛ لِأَنَّهُ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ، فَلَمْ تَحِلَّ لَهُ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ بِأَجْنَبِيَّةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا عَقْدٌ، وَلِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تُزِيلُ التَّحْرِيمَ مِنْ المُطَلَّقَةِ، وَلَا تَرْفَعُ الطَّلَاقَ عَمَّنْ وَقَعَ عَلَيْهِ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٥١٩ - ٥٢٠) «الشرح الممتع» (٥/ ٥٤٢) «ابن أبي شيبة» (٥/ ٤٦) «بدائع الفوائد» (٣/ ٢٦٩).","vol":"8","page":561},{"text":"ورجَّح الشيخ ابن عثيمين -﵀- القول بالقرعة، وللحافظ ابن القيم -﵀- بحث نفيس في «البدائع» يرجح القول بالقرعة، وناقش المسألة وأطال فيها، فأفاد وأجاد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4580>مسألة [٤]: إذا مات الرجل قبل أن يتذكر من طلقها</span>؟\n• منهم من قال: يقرع الورثة بينهن، فمن خرج لها الطلاق؛ لم تعط من الميراث، ويقسم الميراث للبواقي. وهذا قول أحمد وأصحابه.\n• وقال أبو حنيفة: يقسم الميراث بينهن كلهن؛ لأنهن تساوين في احتمال استحقاقه، ولا يخرج الحق عنهن.\n• وقال الشافعي: يوقف الميراث المختص بهن حتى يصطلحن عليه؛ لأنه لا يُعلم المستحق منهن.\n• وقد جاء عن علي -﵁- العمل بالقرعة، ولا يصح إسناده.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: القول بالقرعة أقرب، وإذا حصل التراضي بين النساء على القسمة بينهن عمل به. (^٢)\nتنبيه: يحصل الإشكال في المسألة السابقة فيما إذا كان الطلاق هو الثالثة، وأما إذا كان رجعيًّا فيمكن الخلاص من ذلك إن لم تنته العدة، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الممتع» (٥/ ٥٤٤ - ٥٤٥) «بدائع الفوائد» (٣/ ٢٦١ - ٢٧١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٢٦) «الشرح الممتع» (٥/ ٥٤٤).","vol":"8","page":562},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4581>مسألة [٥]: هل له أن يتزوج بخامسة قبل تعيين المطلقة منهن</span>؟\n• ذكر أهل العلم أنَّ له ذلك إذا انقضت عدتهن جميعًا، ومتى عينت، أو خرجت فيها القرعة؛ فعدتها من حين طلقها، خلافًا لأبي حنيفة، وبعض الشافعية، حيث قالوا: يبدأ من حين التعيين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4582>مسألة [٦]: إذا مات الزوج قبل البيان؛ فعلى من العدة</span>؟\nعلى جميع نسائه العدة للوفاة في قول جماعة من أهل العلم، وهم: الشعبي، والنخعي، وعطاء الخراساني.\nقال أبو عبيد: وهو قول أهل الحجاز، والعراق؛ لأنَّ كل واحدة منهن يحتمل أنها باقية على النكاح، والأصل بقاؤه، فتلزمها عدته.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٥٢٩): وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدَةٍ أَطُولُ الْأَجَلَيْنِ: مِنْ عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَعِدَّةِ الطَّلَاقِ، لَكِنَّ عِدَّةَ الطَّلَاقِ مِنْ حِينِ طَلَّقَ وَعِدَّةَ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ؛ فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الطَّلَاقِ، فَلَا تَبْرَأُ يَقِينًا إلَّا بِأَطْوَلِهِمَا، وَهَذَا فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ، فَأَمَّا الرَّجْعِيُّ؛ فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4583>مسألة [٧]: إذا تزوج خامسة، ثم مات قبل تعيين المطلقة</span>؟\nالخامسة تستحق ربع ميراث النسوة بلا خلاف بين أهل العلم، وبقية النسوة على الخلاف السابق. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٢٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٢٨).","vol":"8","page":563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4584>مسألة [٨]: إذا ادَّعت المرأة على زوجها أنه طلقها، فأنكر ذلك الزوج</span>؟\nإن كان للمرأة بينة على ذلك؛ قبل منها، وإلا فالقول قول الزوج؛ لأنه منكر، وعليه اليمين على الصحيح؛ لحديث: «واليمين على من أنكر» هذا من حيث القضاء.\n• وأما فيما بين المرأة وبين الله تعتبرها طلقة؛ فإن كانت رجعية بقيت مع زوجها، وإن كانت الطلقة الثالثة فجمهور أهل العلم على أنه لا يحل للمرأة أن تمكنه من نفسها، وعليها الفرار منه إذا قدرت على ذلك، أو الفداء إذا قدرت عليه؛ فإن لم تستطع فلا تتزين له، ولا تمكنه من نفسها، ولا يصيبها إلا مغصوبة، مكرهة، وهو قول جابر بن زيد، وابن سيرين، وحماد، وأصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم.\n• ورُوي عن الحسن، والزهري، والنخعي أنه يستحلف، والإثم عليه.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٥٢٩ - ٥٣٠): وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُونَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَعْلَمُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ، مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ؛ فَوَجَبَ عَلَيْهَا الِامْتِنَاعُ وَالْفِرَارُ مِنْهُ كَسَائِرِ الْأَجْنَبِيَّاتِ.\nقال: وَهَكَذَا لَوِ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ كَذِبًا، وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدَيْ زُورٍ، فَحَكَمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِالزَّوْجِيَّةِ، أَوْ لَوْ تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا بَاطِلًا وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ بِذَلِكَ؛ فَالْحُكْمُ فِي هَذَا كُلِّهِ كَالْحُكْمِ فِي المُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا. اهـ","vol":"8","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4585>مسألة [٩]: وهل لها أن ترثه في الصورة السابقة</span>؟\n• جمهور أهل العلم على أنها لا ترثه، وهو قول قتادة، وأحمد، والشافعي، وأبي يوسف، وأبي حنيفة، وابن المنذر وغيرهم؛ لأنها تعلم أنها أجنبية منه.\n• وقال الحسن: ترثه؛ لأنها في حكم الزوجات ظاهرًا.\nوالصحيح قول الجمهور. (^١)\nفائدة: قال أحمد -﵀-: ولا تتزوج حتى يُظهرَ طلاقها، وتعلم ذلك، يجيء فيدعيها، فترد عليه، وتعاقب.\nقال ابن قدامة -﵀-: مَنَعَهَا مِنْ التَّزْوِيجِ -يعني أحمد- قَبْلَ ثُبُوتِ طَلَاقِهَا؛ لِأَنَّهَا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ زَوْجَةُ هَذَا الْمُطَلِّقِ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ وَجَبَ عَلَيْهَا فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ الْعُقُوبَةُ وَالرَّدُّ إلَى الْأَوَّلِ، وَيَجْتَمِعُ عَلَيْهَا زَوْجَانِ، هَذَا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَذَاكَ بِبَاطِنِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4586>مسألة [١٠]: إذا وطئها بعد أن طلقها ثلاثًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٥٣١): قَالَ أَحْمَدُ: إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُ وَطِئَهَا؛ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، إنَّمَا أَوْجَبَهُ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالطَّلَاقِ أَجْنَبِيَّةً، فَهِيَ كَسَائِرِ الْأَجْنَبِيَّاتِ، بَلْ هِيَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَطْئًا وَنِكَاحًا.\nقال: فَإِنْ جَحَدَ طَلَاقَهَا وَوَطِئَهَا، ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِطَلَاقِهِ؛ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٣١).","vol":"8","page":565},{"text":"قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ جَحْدَهُ لِطَلَاقِهِ يُوهِمُنَا أَنَّهُ نَسِيَهُ، وَذَلِكَ شُبْهَةٌ فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ، وَلَا سَبِيلَ لَنَا إلَى عِلْمِ مَعْرِفَتِهِ بِالطَّلَاقِ حَالَةَ وَطْئِهِ إلَّا بِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ؛ فَإِنْ قَالَ: وَطِئْتهَا عَالِمًا بِأَنَّنِي كُنْت طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا. كَانَ إقْرَارًا مِنْهُ بِالزِّنَى، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4587>مسألة [١١]: إذا طلق امرأته فانقضت عدتها، ثم تزوجها، فهل ترجع بما بقي من الطلاق، أم بثلاث</span>؟\nهذه المسألة لها ثلاث حالات:\nالحالة الأولى: أن يطلقها الثالثة، فتنقضي عدتها، فتتزوج غيره، ويصيبها، ثم يطلقها، وتنتهي عدتها، ثم يتزوجها الأول، فترجع إليه، وله عليها ثلاث طلقات بإجماع أهل العلم. قاله ابن المنذر.\nالحالة الثانية: أن يطلقها دون الثلاث، ثم تعود إليه برجعة، أو نكاح جديد قبل زوجٍ ثانٍ، فهذه ترجع إليه على ما بقي من طلاقها. قال ابن قدامة: بغير خلاف نعلمه.\nالحالة الثالثة: أن يطلقها دون الثلاث، ثم تعود إليه بنكاح جديد بعد زوج ثاني، ففيها خلاف:\n• ذهب أكابر الصحابة، وجمهور العلماء إلى أنها تعود إلى الأول بما بقي","vol":"8","page":566},{"text":"من طلاقها.\nوهذا القول صح عن عمر، وأبي بن كعب، وعمران، وأبي هريرة، ورُوي عن علي، ومعاذ -﵃-، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، وعبيدة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وأبي عبيد، وأبي ثور، ومحمد ابن الحسن، وابن المنذر وغيرهم.\nوحجتهم في ذلك: أنَّ عدم اعتبار الطلاق السابق جاء في حق المطلقة ثلاثًا إذا تزوجت زوجًا آخر، فيقتصر عليه.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها ترجع إليه وله عليها ثلاث طلقات، صح هذا القول عن ابن عباس، وابن عمر، وهو قول عطاء، والنخعي، وشريح، وأبي حنيفة، وأبي يوسف.\nوحجتهم في ذلك: أنَّ الزواج بزوج ثاني هدم الثلاث الطلقات، فيهدم ما دونها من باب أولى، ومال إلى ذلك الشوكاني في «وبل الغمام».\nوأُجيب عن ذلك: بأنَّ وطءَ الثاني في هذه الصورة لا يحتاج إليه في الإحلال للزوج الأول، فلا يغير حكم الطلاق، كوطء السيد؛ ولأنه تزويج قبل استيفاء الثلاث، فأشبه ما لو رجعت إليه قبل وطء الثاني.\nوالقول الأول رجحه الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو الأقرب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٣٢) «ابن أبي شيبة» (٥/ ١٠١ -) «الشرح الممتع» (٥/ ٥٥٥ - ٥٥٦) «المحلى» (١٩٨٩).","vol":"8","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4588>مسألة [١٢]: لو قال الرجل لامرأته: أنت طالق بعد موتي، أو موتك، أو مع موتي</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٥٤٣): فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ مَوْتِك، أَوْ مَعَ مَوْتِي أَوْ مَوْتِك. لَمْ تَطْلُقْ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهَا تَبِينُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، فَلَا يُصَادِفُ الطَّلَاقُ نِكَاحًا يُزِيلُهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4589>مسألة [١٣]: إذا قال لامرأته وأجنبية: أحداكما طالق</span>؟\nأما فيما بينه وبين الله فيقبل قوله أنه أراد الأجنبية، ويدين.\n• وأما في الحكم، فمذهب أحمد أنه لا يقبل قوله؛ لأنَّ الطلاق لا يقع على الأجنبية.\n• وعن أحمد رواية: أنه يقبل قوله؛ لأنَّ اللفظ يحتمل ذلك، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.\nوهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4590>مسألة [١٤]: إذا كان اسم زوجته زينب، فقال: زينب طالق. وقال: قصدت امرأةً أجنبية</span>؟\nأما فيما بينه وبين الله فيدين، ويقبل منه.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٧٣ -).","vol":"8","page":568},{"text":"• وأما في الحكم، فمذهب أحمد، والشافعي عدم قبول ذلك منه؛ لأنه خلاف الظاهر.\n• وقال أصحاب الرأي، وأبو ثور: يقبل؛ لأنه فسَّر كلامه بما يحتمله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4591>مسألة [١٥]: إن لم ينو زوجته، ولا الأجنبية</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٣٧٥): وَإِنْ لَمْ يَنْوِ زَوْجَتَهُ، وَلَا الْأَجْنَبِيَّةَ؛ طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الطَّلَاقِ، وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهَا وَيَصْلُحُ لَهَا، وَلَمْ يَصْرِفْهُ عَنْهَا، فَوَقَعَ بِهِ، كَمَا لَوْ نَوَاهَا. اهـ\nقلتُ: إن لم ينو فلا يقع؛ لما تقدم من أن اللفظ الصريح أيضًا يحتاج إلى نية، وفي القضاء لا يقبل منه ذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4592>مسألة [١٦]: إذا لقي أجنبية ظنها زوجته، فقال: فلانة، أنت طالق</span>؟\n• مذهب أحمد أنَّ زوجته تطلق؛ لأنه أرادها بالطلاق وتلفظ به كما لو طلقها وهي غائبة.\n• ومذهب الشافعي عدم وقوع الطلاق؛ لأنه خاطب بالطلاق غيرها.\nوالصحيح قول أحمد. وفي مذهب أحمد وجهان فيما إذا لم يسمها، والصحيح وقوعه أيضًا.\nتنبيه: محل ذلك فيما إذا لم يكن سبب طلاقها هو رؤيته لها في ذلك المكان؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٧٤).","vol":"8","page":569},{"text":"لما تقدم من أنَّ الطلاق إذا كان بسبب غير صحيح لا يقع، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4593>مسألة [١٧]: إذا لقي امرأته، فظنها أجنبية، فقال: أنت طالق</span>؟\nلا يقع الطلاق عند أهل العلم؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٧٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٣٧٧) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٢٣٩، ٢٤١).","vol":"8","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4594>بَاب الرَّجْعَة</span>\nالرجعة: بفتح الراء، وكسرها، والفتح أشهر، مصدر رجع، وهي المرة من الرجوع. وشرعًا: إعادة المطلقة غير البائن إلى زوجها بغير عقد نكاح.\nوهي مشروعة بالكتاب، والسنة والإجماع.\nأما في القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nوأما من السنة: فحديث عمر -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- طلق حفصة، ثم راجعها. أخرجه أبو داود (٢٢٨٣)، والنسائي (٦/ ٢١٣).\nوهو في «الصحيح المسند» (٩٩٣)، وكذلك أحاديث الباب التي سنذكرها. وأجمع المسلمون على مشروعية الرجعة، وهي من نِعَمِ الله على المسلمين.","vol":"8","page":571},{"text":"١٠٨٥ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁- أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ ثُمَّ يُرَاجِعُ، وَلَا يُشْهِدُ، فَقَالَ: أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا، وَعَلَى رَجْعَتِهَا. رَوَاهُ أَبُودَاوُد هَكَذَا مَوْقُوفًا، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. (^١)\nوَأَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ -﵁- سُئِلَ عَمَّنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يُشْهِدْ، فَقَالَ: فِي غَيْرِ سُنَّةٍ، فَلْيُشْهِدِ الآنَ. (^٢)\nوَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَةٍ (^٣): وَيَسْتَغْفِرِ اللهَ. (^٤)\n\n١٠٨٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّهُ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٥)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4595>مسألة [١]: للزوج إرجاع امرأته المطلقة الرجعية ما دامت في العدة</span>.\nأجمع أهل العلم على أنَّ للزوج أن يرجع طليقته التي قد دخل بها بعد الطلقة\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٢١٨٦)، ولفظه: (طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد). وإسناده حسن رجاله ثقات إلا جعفر بن سليمان الضبعي فإنه حسن الحديث.\n(^٢) أخرجه البيهقي في «سننه» (٧/ ٣٧٣) بإسناد صحيح من طريق ابن سيرين عن عمران، وقد قال الدارقطني: إن ابن سيرين لم يسمع من عمران، ولكن قد أثبت سماعه منه ابن معين كما في «الجرح والتعديل» وأحمد كما في «مسائل ابنه صالح» (٢/ ٢٩٦) والمثبت مقدم على النافي. فالإسناد صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٨/ ١٨١) وهي أيضًا من طريق ابن سيرين، عن عمران. والإسناد صحيح إلى ابن سيرين.\n(^٤) رواية البيهقي والطبراني ليست موجودة في المخطوطتين، وهي زيادة من المطبوع.\n(^٥) تقدم في أوائل الطلاق.","vol":"8","page":572},{"text":"الأولى والثانية إذا كان حُرًّا، وبعد الأولى إذا كان عبدًا ما دامت في عدتها، فإذا انقضت عدتها؛ فلا رجعة له.\nقلتُ: ويدل على ذلك أحاديث الباب، والصحيح أنَّ العبد كالحر كما تقدم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4596>مسألة [٢]: هل يعتبر في الرجعة رضى المرأة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٥٥٣): وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الرَّجْعَةِ رِضَى الْمَرْأَةِ؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، فَجَعَلَ الْحَقَّ لَهُمْ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، فَخَاطَبَ الْأَزْوَاجَ بِالْأَمْرِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُنَّ اخْتِيَارًا؛ وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ إمْسَاكٌ لِلْمَرْأَةِ بِحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهَا فِي ذَلِكَ، كَاَلَّتِي فِي صُلْبِ نِكَاحِهِ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4597>مسألة [٣]: الألفاظ في المراجعة</span>.\nتقدم في أبواب كثيرة أنَّ الصحيح عند المحققين من أهل العلم أنَّ العبرة بالمعاني، والألفاظ تدل عليها، فاللفظ الذي يدل على المعنى يصح به العقد، ولا يشترط للعقود ألفاظ معينة.\nوقد ذكروا في ألفاظ الرجعة (راجعتك، أو أرجعتك، أو ارتجعتك، أو رددتك، أو أمسكتك) وإن قال: تزوجتك، أو نكحتك. فهل يصح ذلك منه؟ فيه\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٣٣٢) «المغني» (١٠/ ٥٥٣).\n(^٢) وانظر: «الشرح الممتع» (٥/ ٥٤٦).","vol":"8","page":573},{"text":"وجهان للحنابلة، والشافعية، والراجح صحته إذا نوى الإرجاع، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4598>مسألة [٤]: هل تفتقر الرجعة إلى ولي وصداق، ورضى المرأة وعلمها</span>؟\nالرَّجْعَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى وَلِيٍّ، وَلَا صَدَاقٍ، وَلَا رِضَى الْمَرْأَةِ، وَلَا عِلْمِهَا، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ فِي أَحْكَامِ الزَّوْجَاتِ، وَالرَّجْعَةُ إمْسَاكٌ لَهَا، وَاسْتِبْقَاءٌ لِنِكَاحِهَا. اهـ\n• وخالف ابن حزم، واشترط إعلام المرأة، أو وليها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ ومن لم يفعل فلم يرد الإصلاح. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4599>مسألة [٥]: هل يشترط في الرجعة الإشهاد</span>؟\n• في هذه المسألة قولان لأهل العلم:\nالأول: اشتراط شاهدين، وهو قولٌ للشافعي، وأحمد في رواية؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وظاهر الأمر الوجوب، وهو قول ابن حزم.\nواستدلوا أيضًا بحديث عمران بن حصين الذي في الباب.\nالثاني: لا تجب الشهادة، بل تستحب، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي في قولٍ، وأحمد في ظاهر مذهبه؛ وذلك لأنها لا تفتقر إلى قبول، فلم تفتقر\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٣٣٣) «الإنصاف» (٩/ ١٤٩) «البيان» (١٠/ ٢٤٨) «الشرح الممتع» (٥/ ٥٤٧).\n(^٢) «المحلى» (١٩٩٠).","vol":"8","page":574},{"text":"إلى شهادة، كسائر حقوق الزوج، ولأنَّ ما لا يشترط فيه الولي لا يشترط فيه إلى إشهاد كالبيع، ولحديث ابن عمر؛ فإنه أمره بالمراجعة، ولم يأمره بالإشهاد، ولأنَّ الله أمر بالإشهاد على الطلاق والرجعة، وقد أجمعوا على صحة الطلاق بغير شهود، فكذلك الرجعة، وهذا القول هوالصحيح، والله أعلم.\nورجح الإمام ابن عثيمين -﵀- وجوب الإشهاد إذا راجعها بدون علمها، وهو قريب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4600>مسألة [٦]: الرجعية زوجةٌ لها أحكام الزوجة في أمور كثيرة</span>.\nمنها أنه يلحقها ظهاره، وإيلاؤه، ولعانه، والطلاق عند الجمهور، والإرث بالإجماع، وعليه النفقة، والسكنى لها كالزوجة، بل هي زوجته. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4601>مسألة [٧]: هل يباح لزوجها وطؤها، والخلوة بها ومباشرتها</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يباح له ذلك. وهو ظاهر مذهب أحمد، وأبي حنيفة، وابن حزم؛ لأنها ما زالت زوجة له، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولأنَّ الله عزوجل نهاها أن تخرج من بيته؛ فدل على جواز ذلك له، ولقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٦/المعارج:٣٠].\n• ومنهم من قال: لا يجوز له الاستمتاع بها، ولا مباشرتها، والنظر إليها\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٥٩) «النيل» (٤/ ٣٨٨) «المحلى» (١٩٩٠) «الشرح الممتع» (٥/ ٥٤٨).\n(^٢) انظر: «المحلى» (١٩٩٠) «الشرح الكبير» (١٠/ ٣٣٦).","vol":"8","page":575},{"text":"بشهوة، وهو قول عطاء، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، واستدلوا على ذلك بأثر ابن عمر -﵄- أنه طلق امرأته وهي في مسكن حفصة -﵂-، وكان ذلك طريقه إلى المسجد، فكان يسلك الطريق الآخر من أدبار البيوت كراهية أن يستأذن عليها حتى راجعها. رواه البيهقي (٧/ ٣٧٢) بإسناد صحيح، ونُقِل هذا القول عن عطاء، وعمرو بن دينار؛ ولأنها مطلقة فكانت محرمة كما لو طلقها بعوض واحدةً.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الصحيح أنه لا يجوز له وطؤها؛ إلا إذا نوى المراجعة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4602>مسألة [٨]: إذا وطئ امرأته، فهل يحصل بذلك الرجعة</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال لأهل العلم:\nالأول: يكون رجعة، سواء نوى به الإرجاع أم لا، وهذا قول سعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، وطاوس، والزهري، والثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وأحمد في ظاهر مذهبه، والحنفية؛ لأنه بوطئه لها ارتضاها زوجة له.\nالثاني: يكون رجعة إذا نوى بذلك الإرجاع، وهذا قول مالك، وإسحاق، وأحمد في رواية، واختاره جماعة من الحنابلة، منهم: شيخ الإسلام، وصححه\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٥٤) «الشرح الكبير» (١٠/ ٣٣٦ -) «المحلى» (١٩٩ -) «البيان» (١٠/ ٢٤٥).","vol":"8","page":576},{"text":"ابن عثيمين.\nالثالث: لا تكون رجعة بذلك، وهو قول الشافعي، والليث، وأبي ثور، وأبي قلابة، وجابر بن زيد، وأحمد في رواية، وابن حزم، فلا رجعة عندهم إلا بالكلام؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وذلك يحصل بالكلام.\nورجح شيخنا مقبل -﵀- القول الثاني؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وهو أقرب فيما يظهر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4603>مسألة [٩]: إذا باشرها، أو قبلها، أو نحو ذلك، فهل تعتبر رجعة</span>؟\n• أكثر أهل العلم على عدم حصول الرجعة بذلك، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، والأوزاعي وغيرهم؛ لأنه أمر لا يتعلق به إيجاب العدة، ولا المهر فلا تحصل به الرجعة.\n• وقال أبو حنيفة، والثوري: يحصل بذلك الرجعة، وكذا لمسها بشهوة، وزاد أبو حنيفة: النظر إلى فرجها. وهو قول بعض الحنابلة، وقال به بعض المالكية: إذا نوى الإرجاع. كما في «تفسير القرطبي». (^٢)\nتنبيه: قال صاحب «الإنصاف» (٩/ ١٥١): وظاهر قوله (والرجعية زوجة)\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٣٣٧) «المغني» (١٠/ ٥٥٩ -) «الإنصاف» (٩/ ١٥٢) «المحلى» (١٩٩٠) «البيان» (١٠/ ٢٤٧) «الشرح الممتع» (٥/ ٥٥١) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٣٨١).\n(^٢) انظر: «المحلى» (١٩٩٠) «الشرح الكبير» (١٠/ ٣٣٨) «الإنصاف» (٩/ ١٥٢ - ١٥٣) «المغني» (١٠/ ٥٦٠).","vol":"8","page":577},{"text":"أنَّ لها القسم، وهو ظاهركلام أكثر الأصحاب، وصرح المصنف في «المغني» أنه لا قسم لها، ذكره في الحضانة عند قول الخرقي (وإذا أخذ الولد من الأم إذا تزوجت ثم طلقت). وعند الحنفية لا قسم لها إلا إن كان يقصد مراجعتها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4604>مسألة [١٠]: هل يصح تعليق الرجعة بشرط</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية عدم صحة ذلك، كقوله: (راجعتك إن شئت)، أو يقول: (كلما طلقتك فقد راجعتك) أو ما أشبه ذلك. وحجتهم في عدم صحة الرجعة: أنه استباحة بضع بعقد، فيشترط تنجيزه، ولأنَّ هذا يدل على عدم الرغبة الأكيدة في الرجوع. (^٢)\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٥/ ٥٥٢): ولكن هذا التعليل عليل؛ فكونه مأخوذًا بالتعليل أنه إرجاع اشترط تنجيزه فهذا تعليل للحكم بالحكم، فلا يقبل، لو قلت: يجب على الإنسان أن يصلي مع الجماعة؛ لأنه يجب أن يصلي مع الجماعة. فهذا ليس بدليل. فإذا قلنا: إنَّ الرجعة إرجاعٌ يشترط فيه التنجيز؛ فلا يصح معلقًا بشرط. قلنا: هذا تعليل بالحكم؛ فلا يقبل. وأما قولهم: (إنه لا يدل على الرغبة) فهذا أيضًا فيه نظر، فقد يعلقه الإنسان على شرط؛ لأنه يريد أن يتمهل، مثل أن يقول لها -وهو غرض صحيح-: إن لم ترجع أم الأولاد في خلال الحيضتين الأوليين، أو قبل أن تحيض الحيضة الثالثة؛ فأنت مراجعة. فهذا\n_________\n(^١) «رد المحتار على الدر المختار» (٥/ ٣٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٦٢) «البيان» (١٠/ ٢٥٠).","vol":"8","page":578},{"text":"غرض صحيح، مقصود؛ فإنَّ الأصل في غير العبادات الحل، حتى يقوم دليل على المنع؛ ولهذا فهناك قولٌ لبعض أهل العلم أنها تصح الرجعة المعلقة بشرط، وهذا القول أصح؛ ولهذا قال الناظم:\nوالأصل في الأشياء حل وامنع ... عبادة إلا بإذن الشارع\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: ما ذكره الإمام العثيمين -﵀- قول قوي، جمعنا الله وإياه في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4605>مسألة [١١]: إذا كانت المرأة حاملا باثنين، فولدت أحدهما، فهل له الرجعة قبل ولادة الثاني</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ له الرجعة مالم تضع الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، واسم الحمل متناول لكل ما في البطن.\n• وقال عكرمة: تنقضي العدة بوضع الأول. والصحيح قول الجمهور.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَأَظُنُّ أَنَّ قَتَادَةَ نَاظَرَ عِكْرِمَةَ فِي هَذَا، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ أَحَدِ الْوَلَدَيْنِ. فَقَالَ لَهُ قَتَادَةُ: أَيَحِلُّ لَهَا بِأَنْ تَتَزَوَّجَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: خُصِمَ الْعَبْدُ. وَلَوْ خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ، فَارْتَجَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَضَعَ بَاقِيَهُ صَحَّ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَضَعْ جَمِيعَ حَمْلِهَا، فَصَارَتْ كَمَنْ وَلَدَتْ أَحَدَ الْوَلَدَيْنِ. اهـ (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٥٥ - ٥٥٦) «الشرح الكبير» (١٠/ ٣٣٩).","vol":"8","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4606>مسألة [١٢]: إذا راجع امرأته في ردة أحدهما</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٠/ ٥٦٢): فَإِنْ رَاجَعَهَا فِي رِدَّةِ أَحَدِهِمَا، فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَهُوَ صَحِيحُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ، فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الرِّدَّةِ، كَالنِّكَاحِ، وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ تَقْرِيرُ النِّكَاحِ، وَالرِّدَّةَ تُنَافِي ذَلِكَ، فَلَمْ يَصِحَّ اجْتِمَاعُهُمَا. وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ قُلْنَا: تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ بِالرِّدَّةِ. لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ بِهَا. وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ. فَالرَّجْعَةُ مَوْقُوفَةٌ، إنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا فِي الْعِدَّةِ؛ صَحَّتْ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ ارْتَجَعَهَا فِي نِكَاحِهِ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إمْسَاكٍ، فَلَمْ تَمْنَعْ مِنْهُ الرِّدَّةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ فِي الْعِدَّةِ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ قَبْلَ الرَّجْعَةِ. وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ، وَاخْتِيَارُ أَبِي حَامِدٍ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيمَا إذَا رَاجَعَهَا بَعْدَ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا. اهـ (^١)\nقلتُ: تقدم أنَّ الراجح أنَّ النكاح موقوف إذا حصل الخلاف في الدين، وعلى هذا فتصح الرجعة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4607>مسألة [١٣]: إذا راجع الزوج امرأته، فادَّعت أن عدتها قد انقضت</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ المرأة يقبل قولها فيما إذا ادعت ذلك في زمنٍ يمكن انقضاؤها فيه عادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nوبَوَّب البخاري في «صحيحه» [باب: (٢٤) من كتاب الحيض]: باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض، وما يصدق النساء في الحيض، والحمل فيما يمكن\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١٠/ ٢٥٠).","vol":"8","page":580},{"text":"من الحيض.\nقال: ويُذكر عن علي، وشريح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرضى دينه أنها حاضت ثلاثًا في شهرٍ؛ صدقت. وهو من طريق الشعبي عنهما.\nونقل ذلك البخاري عن عطاء، والنخعي.\nقال ابن رجب -﵀- -بعد أن وصل الآثار المذكورة-: فهؤلاء كلهم يقولون: إنَّ المراة قد تنقضي عدتها في شهر واحد بثلاثة أقراء، وهو قول كثير من العلماء منهم: مالك، وأحمد، وإسحاق وغيرهم.\nقال: وهذا ينبني على أصلين: أحدهما: الاختلاف في الأقراء، هل هي الأطهار، أم الحيض؟ والثاني: الاختلاف في مدة أقل الحيض، وأقل الطهر.\nثم ذكر الخلاف في ذلك.\n• ومذهب أبي حنيفة: لا تُصَدَّق في دعوى انقضاء العدة في أقل من ستين يومًا.\n• وقال أبو يوسف ومحمد: لا تصدق إلا في كمال تسعة وثلاثين يومًا.\n• وقال سفيان الثوري: لا تصدق في أقل من أربعين يومًا.\n• وقال الحسن بن صالح: لا تصدق في أقل من خمسة وأربعين يومًا.\nقال ابن رجب -﵀-: ولم يذكر هؤلاء أنَّ دعواها لا تقبل إلا ببينة، وهو قول","vol":"8","page":581},{"text":"الخرقي من أصحابنا.\nقال: والمنصوص عن أحمد أنَّ دعوى انقضاء العدة في شهر لا تقبل بدون بينة تشهد به من النساء، ودعوى انقضائها في زيادة على شهر تقبل بدون بينة؛ لأنَّ المرأة مؤتمنة على حيضها.\n• ومنهم من قال: إنما يقبل ذلك بغير بينة في حق من ليس لها عادة مستقرة، فأما من لها عادة منتظمة؛ فلا تصدق إلا ببينة على الأصح.\n• وقال إسحاق، وأبو عبيد: لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر؛ إلا أن تكون لها عادة معلومة قد عرفها بطانة أهلها المرتضى دينهم، وأمانتهم، فيعمل بها حينئذٍ، ومتى لم يكن كذلك فقد وقعت الريبة، فيحتاط، وتعدل الأقراء بالشهور كما في حق الآيسة والصغيرة. انتهى «الفتح» [باب: (٢٤) من كتاب الحيض].\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٥/ ٥٥٩): فصار لها ثلاث حالات:\nالحال الأولى: أن تدعي انقضاء العدة في زمن لا يمكن انقضاؤها فيه، فهذه لا تسمع بينتها أصلًا، ولا يلتفت إليها القاضي.\nالحال الثانية: أن تدعي انقضاءها في زمن ممكن، لكنه بعيد، ونادر، فهذه تسمع، ولكن لا تقبل إلا ببينة.\nالحال الثالثة: أن تدعي انقضاءها في زمن يمكن انقضاؤها فيه، ولا يندر أن","vol":"8","page":582},{"text":"تنقضي فيه، أي: أنَّ مثيلاتها كثير، مثل لو ادعت انقضاءها في مدة شهرين، فهذا أمر يقع كثيرًا، فتقبل بلا بينة؛ وذلك لأنَّ هذا أمر ممكن وكثير، فليس هناك ما يمنع قولها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.اهـ\nهذا فيما إذا ادَّعت انقضاء العدة بالحيض، وأما إذا ادعت انقضاءها بوضع الحمل:\nفقال ابن قدامة: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَدَّعِيَ وَضْعَ الْوَلَدِ لِتَمَامٍ، أَوْ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ قَبْلَ كَمَالِهِ؛ فَإِنِ ادَّعَتْ وَضْعَهُ لِتَمَامٍ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ إمْكَانِ الْوَطْءِ بَعْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْمُلُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ؛ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَانِينَ يَوْمًا مِنْ حِينِ إمْكَانِ الْوَطْءِ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ سَقْطٍ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ مَا أَتَى عَلَيْهِ ثَمَانُونَ يَوْمًا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً بَعْدَ الثَّمَانِينَ، وَلَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُضْغَةً بِحَالٍ، وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ.\nقال: الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَدَّعِيَ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا بِالشُّهُورِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِيهِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الزَّوْجُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا؛ لِيُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ نَفَقَتَهَا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: طَلَّقْتُكِ فِي شَوَّالٍ. فَتَقُولَ هِيَ: بَلْ فِي ذِي الْحِجَّةِ.","vol":"8","page":583},{"text":"فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4608>مسألة [١٤]: إذا ادعى الزوج المراجعة وأنكرت ذلك المرأة</span>؟\nإذا ادعى ذلك في زمن عدتها أنه راجعها بالأمس، أو قبل شهر، أو نحو ذلك؛ قبل قوله؛ لأنه يملك الرجعة في ذلك الحين، فأولى أن يصح إقراره بها، ويملك ذلك، وهذا قول الحنابلة، والشافعية، وأصحاب الرأي وغيرهم من أهل العلم.\nوإذا ادعى ذلك الزوج بعد انقضاء عدتها، فيقول: كنت راجعتك في عدتك. فأنكرته؛ فالقول قولها بإجماعهم، قاله ابن قدامة؛ لأنه ادعاها في زمن لا يملكها، والأصل عدمها، وحصول البينونة، وعليها اليمين عند أكثرهم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4609>مسألة [١٥]: من راجع امرأته وليس قاصدًا الإصلاح هل تصح رجعته</span>؟\nمن راجع قاصدًا الإضرار وقع في الإثم؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وهذا مجمع عليه.\n• وجمهور العلماء على أنه إن فعل ذلك صحت الرجعة، ويأثم على ذلك القصد؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٦٣ - ٥٦٦) «الفتح» لابن رجب [كتاب الحيض باب: (٢٤)].\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٦٧) «القرطبي» (٣/ ١٢٢).","vol":"8","page":584},{"text":"• وذهب شيخ الإسلام، وابن حزم إلى عدم صحة الرجعة بذلك.\nوقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في تفسير سورة البقرة: لا حق للزوج في الرجعة إذا لم يرد الإصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، وقال بعض أهل العلم: إنَّ هذا ليس على سبيل الشرط، ولكنه على سبيل الإرشاد. وهو خلاف ظاهر الآية، والواجب إبقاء الآية على ظاهرها؛ فليس له أن يراجع إلا بهذا الشرط. اهـ\nوكلامه يحتمل أنه أراد عدم صحة الرجعة إذا وقعت كذلك.\nوقال السعدي -﵀- في «تفسيره»: والصحيح أنه إذا لم يرد الإصلاح؛ لا يملك ذلك كما هو ظاهر الآية الكريمة. اهـ\nوقال الشنقيطي -﵀- في «أضواء البيان» (١/ ١٥٧ -): فالرجعة بقصد الإضرار حرام إجماعًا كما دل عليه مفهوم الشرط ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ المصرح به في قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وصحة الرجعة حينئذ باعتبار ظاهر الأمر، فلو صرح للحاكم بأنه ارتجعها بقصد الإضرار؛ لأبطل رجعته كما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: إن قصد الإضرار بالمراجعة، وأظهر ذلك؛ لم تصح الرجعة، ولا يمكن منها، وإن لم يظهر ذلك؛ صحت الرجعة والإثم عليه، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «تفسير القرطبي» و«ابن الجوزي» و«توضيح الأحكام» «المحلى» (١٩٩٠).","vol":"8","page":585},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4610>مسألة [١٦]: إذا طلق امرأته، ثم راجعها، ثم طلقها قبل دخوله بها، فهل تستأنف العدة، أم تبني</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها تبني على العدة السابقة، وهو قول عطاء، ورواية عن أحمد، وقول للشافعي؛ لأنَّ الرجعة لم يتصل بها دخول؛ فلم يجب بالطلاق منها عدة كما لو نكحها ثم طلقها قبل الدخول.\n• وذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تستأنف العدة؛ لأنه طلاق جديد في زوجة قد روجعت، وهو قول طاوس، وعمرو بن دينار، وأبي قلابة، وجابر بن زيد، وإسحاق، وأحمد في رواية، وقول للشافعي، وأبي ثور، وأبي عبيد، والثوري، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.\n• وحكى أبو الخطاب عن مالك: إن قصد الإضرار بها؛ بنت وإلا استأنفت؛ لأنَّ الله تعالى جعل الرجعة لمن أراد الإصلاح بقوله: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾.\nقلتُ: إن علم منه أنه أراد ذلك؛ فهذا القول قريب، وإن لم يعلم؛ فالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4611>مسألة [١٧]: إذا ادعى زوج الأمة بعد عدتها أنه كان راجعها في عدتها، فأنكرت الأمة، وصدقه السيد</span>؟\n• جمهور العلماء على أنَّ القول قول الأمة؛ لأنها هي المنكرة، وهي محل الإرجاع، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور وغيرهم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٧١).","vol":"8","page":586},{"text":"• وقال أبو يوسف ومحمد: القول قول الزوج؛ لأنَّ سيدها أقر عليها وهي ملك له. والصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4612>مسألة [١٨]: إن خالع زوجته، أو فسخ، ثم نكحها في عدتها، ثم طلقها</span>؟\nأما إن دخل بها فعليها العدة بالإجماع، وذكر ابن قدامة عدم الخلاف في ذلك.\n• وأما إن لم يكن دخل بها فمذهب الحنابلة أنها تبني.\n• وعن أحمد رواية أنها تستأنف، وهو قول الحنفية؛ لأنَّ النكاح أقوى من الرجعة، ولو طلقها بعد الرجعة استأنفت العدة؛ فهنا أولى.\nوحجة القول الأول: أنه طلاق من نكاح لم يصبها فيه؛ فلم يجب به عدة كما لو نكحها بعد انقضاء عدتها.\nتنبيه: هذه المسألة تعتبر تفريعًا على مذهب الجمهور في أن الخلع يحتاج إلى عدة كعدة المطلقة، والذي نختاره أن عليها الاستبراء، لا العدة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4613>مسألة [١٩]: إذا راجعها زوجها في عدتها، ولم تعلم، فتزوجت بآخر بعد انقضاء العدة</span>؟\n• أكثر الفقهاء على أنه إذا أقام البينة على ذلك؛ ثبت أنها زوجته، وأنَّ نكاح الثاني فاسد؛ لأنَّه تزوج امرأة غيره، وتُرد إلى الأول، سواء دخل بها الثاني، أو لم\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٦٩ -) «تفسير القرطبي» (٣/ ١٢٢ - ١٢٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٠/ ٥٧٢).","vol":"8","page":587},{"text":"يدخل بها، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي عبيد، والثوري، وأصحاب الرأي، ورُوي ذلك عن علي -﵁- من طرقٍ تحتمل التحسين كما في «المحلى»، و«سنن البيهقي» و«مصنف ابن أبي شيبة»، وهو قول الظاهرية إلا ابن حزم.\n• وقال بعضهم: إن دخل بها الثاني؛ فهي امرأته، وإن لم يدخل بها؛ فهي للأول. وهذا قول مالك، وجماعة من أصحابه، ورواية عن أحمد، وهو قول سعيد بن المسيب، وعبدالرحمن بن القاسم، ونافع؛ لأنَّ كل واحد منهما عقد عليها وهي ممن يجوز له العقد عليها في الظاهر، ومع الثاني مزية الدخول، فقدم بها، وهذا القول رُوي عن عمر من طرق يحسن بها كما في «المحلى» و«مصنف ابن أبي شيبة»، وعزا ابن حزمٍ هذا القول لليث، والأوزاعي أيضًا. وروى ابن القاسم عن مالك أنه رجع عن هذا القول للقول الأول.\n• وذهب ابن حزم إلى أنها للزوج الثاني مطلقًا، ويشترط عنده في الرجعة الإعلام؛ لأنه إذا لم يُعلم فلم يرد الإصلاح، والله ﷿ يقول: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾.\nوالصحيح -والله أعلم- هو القول الأول، وبالله التوفيق.\nتنبيه: إذا قصد كتم المراجعة حتى انتهت العدة مع قدرته على إعلامها، أو وليها؛ فلا رجعة له، وهي للزوج الثاني، وبذلك قضى شريح، وقال: ليس له إلا فسوة الضبع. وصح ذلك عن الحسن، وجابر بن زيد.","vol":"8","page":588},{"text":"قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ٢٧٣): ولا تصلح الرجعة مع الكتمان بحال، وذكره أبو بكر في «الشافي».\nقال: وروي عن أبي طالب قال: سألت أحمد عن رجل طلق امرأته وراجعها، واستكتم الشهود حتى انقضت العدة؟ قال يفرق بينهما، ولا رجعة له عليها. اهـ (^١)\nفرع: إن دخل بها الثاني؛ ثبت لها المهر؛ لأنه وطء شبهة، ولا تحل للأول حتى تعتد من الثاني.\nفرع آخر: إن تزوجها الثاني مع علمهما بالرجعة، أو علم أحدهما؛ فالنكاح باطل بغيرخلاف، والوطء محرم على من علم منهما، وحكمه حكم الزاني في الحد وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4614>مسألة [٢٠]: إذا لم يكن لمدعي الرجعة بينة</span>؟\nإذا لم يكن لمدعي الرجعة بينة، فإما أن ينكرا قوله، وإما أن يقبلاه؛ فإن أنكراه جميعًا؛ فالنكاح صحيح في حقهما، وإن اعترفا له بالرجعة؛ ثبت، والحكم فيه كما لو قامت به البينة سواء.\nوإن أقر له الزوج وحده؛ فقد اعترف بفساد نكاحه فتبين منه، وعليه مهرها إن كان بعد الدخول، أو نصفه إن كان قبله؛ لأنه لا يصدق على المرأة في إسقاط حقها، ولا تسلم المرأة إلى المدعي؛ لأنه لا يقبل قول الزوج الثاني عليها، وإنما\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٩٩٠) «ابن أبي شيبة» (٦/ ٥٨١ - ٥٨٣) «المغني» (١٠/ ٥٧٣ - ٥٧٤) «البيهقي» (٧/ ٣٧٢ -).","vol":"8","page":589},{"text":"يلزم في حقه، ويكون القول قولها.\nوإن اعترفت المرأة وأنكر الزوج؛ لم يقبل اعترافها على الزوج في فسخ نكاحه؛ لأنَّ قولها إنما يقبل على نفسها في حقها. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٠/ ٥٧٤).","vol":"8","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4615>بَابُ الإِيلاءِ وَالظِّهَارِ وَالكَفَّارَةِ</span>\n١٠٨٧ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: آلَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ، فَجَعَلَ الحَرَامَ حَلَالًا، وَجَعَلَ لِلْيَمِينِ كَفَّارَةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. (^١)\n\n١٠٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵁-: إذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وُقِفَ المُولِي حَتَّى يُطَلِّقَ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\n١٠٨٩ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ -﵁- قَالَ: أَدْرَكْت بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كُلُّهُمْ يَقِفُونَ المُولِي. رَوَاهُ الشَّافِعِيِّ. (^٣)\n\n١٠٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: كَانَ إيلَاءُ الجَاهِلِيَّةِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ؛ فَوَقَّتَ اللهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَيْسَ بِإِيلَاءٍ. أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ. (^٤)\n_________\n(^١) ضعيف منكر. أخرجه الترمذي (١٢٠١)، وابن ماجه (٢٠٧٢)، من طريق مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند عن عامر عن مسروق عن عائشة به. والإسناد رجاله ثقات إلا مسلمة بن علقمة فهو حسن الحديث له أوهام ومنكرات لاسيما عن داود بن أبي هند قاله أحمد وغيره كما في «التهذيب». وهذا الحديث قد أخطأ فيه فقد قال الترمذي -﵀- عقب الحديث: حديث مسلمة بن علقمة عن داود رواه علي بن مسهر وغيره عن داود عن الشعبي عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسلًا، وليس فيه عن مسروق عن عائشة، وهذا أصح من حديث مسلمة بن علقمة. اهـ، وذكر الذهبي في «الميزان» هذا الحديث مما أنكر على مسلمة بن علقمة.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٥٢٩١).\n(^٣) صحيح. أخرجه الشافعي كما في «ترتيب المسند» (٢/ ٤٢): أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار به. وإسناده صحيح رجاله رجال الشيخين.\n(^٤) ضعيف. رواه البيهقي (٧/ ٣٨١)، من طريق الحارث بن عبيد أبي قدامة الإيادي، عن عامر الأحول، عن عطاء، عن ابن عباس به. وإسناده ضعيف؛ لضعف الحارث بن عبيد؛ فقد ضعفه ابن معين. وقال أحمد: مضطرب الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي.","vol":"8","page":591},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nتعريف الإيلاء:\nالإيلاء في اللغة: الحلف. يقال: آلى يولي إيلاء، وأليَّة، وجمع الألية ألايا.\nقال الشاعر:\nقليل الألايا حافظ ليمينه ... إذا صدرت منه الألية برت\nوفي الشرع: هو الحلف على ترك وطء المرأة، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4616>مسألة [١]: هل يشترط في الإيلاء أن يكون الحلف بالله، أو بصفة من صفاته</span>؟\n• اشترط بعض أهل العلم في الإيلاء أن يكون الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، ولا خلاف في أن الحلف بذلك إيلاء بين أهل العلم، وهذا الشرط اشترطه أحمد في رواية، وهو ظاهر مذهبه، وهو قول الشافعي في القديم، فلا يصح عندهم الحلف بالطلاق، أو العتاق، أو النذر، أو الحج، وقال بذلك ابن حزم.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ الحلف عند الإطلاق يُراد به الحلف بالله، وبقراءة ابن عباس وأُبي (للذين يقسمون)، والأيمان المذكورة لا تعد قسمًا.\n• وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يعد موليًا إذا حلف بالطلاق، أو العتاق وغيره","vol":"8","page":592},{"text":"مما لا يكون شركًا، أو حلفًا بغير الله، وهو قول الشافعي في الجديد، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، والثوري، وأبي عبيد، وغيرهم.\nواستدلوا بالآية: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، والإيلاء: الحلف، وهذا عام يشمل الحلف بالله، ويشمل الإيمان الأخرى المباحة؛ ولأنها يمين باتفاق أهل اللغة والفقهاء، ويلزمه بالحنث فيها حق؛ فصح إيلاؤه بها.\nوروى البيهقي (٧/ ٣٨١) عن ابن عباس قال: كل يمين منعت جماعها؛ فهي إيلاء. وهو من طريق الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، والحكم لم يسمع من مقسم إلا قدر خمسة أحاديث. وهذا القول هو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4617>مسألة [٢]: هل يشترط في الإيلاء أن يكون الحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال:\nالقول الأول: أنه لا يكون إيلاءً إلا إذا حلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر، وهذا القول ثبت عن ابن عباس -﵄-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، وهو قول طاوس، وسعيد بن جبير، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأبي عبيد، واستدلوا بالآية: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥ -) «البيان» (١٠/ ٢٧٥) «الإنصاف» (٩/ ١٧٢) «زاد المعاد» (٥/ ٣٥١ - ٣٥٣) «الشرح الممتع» (٥/ ٥٧٥).","vol":"8","page":593},{"text":"فجعل له تربص أربعة أشهر، فإذا حلف على أربعة أشهر، أو ما دونها فلا معنى للتربص؛ لأنَّ مدة الإيلاء تنقضي قبل ذلك، أو مع انقضائه، وتقدير التربص بأربعة أشهر يقتضي كونه في مدة تناولها الإيلاء، ولأنَّ المطالبة إنما تكون بعد أربعة أشهر، فإذا انقضت المدة بأربعة أشهر فما دون؛ لم تصح المطالبة من غير إيلاء.\nالقول الثاني: أنَّ الإيلاء يكون بأربعة أشهر فما زاد، وهذا قول عطاء، والثوري، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة؛ لأنه ممتنع عن الوطء باليمين أربعة أشهر؛ فكان موليًا كما لو حلف على ما زاد، وقول أبي حنيفة هنا مبني على قوله بأن الفيء يكون قبل انقضاء الأربعة؛ فإن انقضت وقع الطلاق، وخالفه الجمهور كما سيأتي إن شاء الله.\nالقول الثالث: الحلف على ترك الوط يعتبر إيلاء مطلقا لمدة قليلة، أو كثيرة، فكل من حلف على ترك وطء امرأته ولو لمدة يوم؛ فهو مولي، وهذا قول النخعي، وقتادة، وحماد، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وابن حزم، واستدلوا بعموم الآية ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، وهذا مولي.\nوالصحيح في هذه المسألة هو القول الأول، وهو ترجيح ابن القيم -﵀- كما يظهر من كلامه في «زاد المعاد». (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٨) «المحلى» (١٨٩٣) «زاد المعاد» (٥/ ٣٤٥ -) «ابن أبي شيبة» (٥/ ١٣٦) «تفسير القرطبي» (٣/ ١٠٤ -).","vol":"8","page":594},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4618>مسألة [٣]: تعليق مدة الإيلاء بشرط مستقبل</span>؟\nأما إذا علق المدة بأمر مستحيل؛ فيكون إيلاء، كأن يقول: (والله لا أقربك حتى تطيري، أو تشربي نهر دجلة).\nوأما إذا علق المدة بشيء يعلم أنه لا يوجد قبل أربعة أشهر كقيام الساعة فيقول: (والله لا وطئتك حتى تقوم الساعة) فهذا يعتبر إيلاء؛ لأن لها علامات تسبقها.\nوأما إذا علق المدة بشيء يغلب على الظن أن لا يوجد قبل أربعة أشهر؛ فهو إيلاء أيضًا، كتعليق المدة بخروج الدجال، والدابة، وبموته، أو موت زيد، وهو صحيح، أو حتى يقدم زيد من الصين، والمعروف أنه لا يقدم إلا بعد مدة أربعة أشهر.\nوأما إذا علق مدة الإيلاء بشيء يمكن حصوله قبل الأربعة الأشهر وبعدها؛ فهذا ليس بمولي؛ لأنه لا يعلم أن حلفه على أكثر من أربعة أشهر.\nوإن علق مدة الإيلاء بشيء يعلم حصوله قبل الأربعة أشهر؛ فليس بإيلاء، كأن يقول: والله لا وطئتك حتى يفسد هذا البطيخ، أو يجف هذا الثوب ...، وما أشبه ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4619>مسألة [٤]: إذا علق الإيلاء على فعل من المرأة هي قادرة عليه</span>؟\nينقسم ذلك إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: أن يعلقه على فعل مباح، لا مشقة فيه، كقوله: (والله لا أطأُك حتى\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١١ - ١٢) «البيان» (١٠/ ٢٩٢).","vol":"8","page":595},{"text":"تدخلي الدار، أو تلبسي هذا الثوب) ونحو ذلك؛ فليس بإيلاء؛ لأنه يمكن وجود الفعل بغير ضرر عليها.\nالثاني: أن يعلقه على محرم، كقوله: (والله لا أطأك حتى تشربي الخمر، أو تزني، أو تسقطي ولدك) ونحو ذلك؛ فهذا إيلاء؛ لأنه علقه بممتنع شرعًا، فأشبه الممتنع حسًّا.\nالثالث: أن يعلق بما عليها فيه مضرة مثل قوله: (والله لا أطأك حتى تسقطي صداقك عني، أو تهبيني مالك) فهذا إيلاء؛ لأنَّ أخذه لمالها محرم، فجرى مجرى شرب الخمر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4620>مسألة [٥]: إذا قال: والله، لا وطئتك مريضة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١٣): وَإِنْ قَالَ: وَاَلله، لَا وَطِئْتُك مَرِيضَةً. لَمْ يَكُنْ مُولِيًا لِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَا مَرَضٌ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَوْ لَا يَزُولُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ؛ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لَهَا وَهِيَ صَحِيحَةٌ، فَمَرِضَتْ مَرَضًا يُمْكِنُ بُرْؤُهُ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، لَمْ يَصِرْ مُولِيًا، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ فِيهَا، صَارَ مُولِيًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَزُولُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، صَارَ مُولِيًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4621>مسألة [٦]: وإن قال: والله، لا وطئتك في هذه البلدة، أو في هذا البيت</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ليس بمولي، وهو قول الثوري،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٢).","vol":"8","page":596},{"text":"والأوزاعي، وأحمد، والشافعي، والحنفية؛ لأنه يمكنه وطؤها بغير حنث.\n• وقال ابن أبي ليلى، وإسحاق: هو مولٍ؛ لأنه حالف على ترك وطئها.\nوالقول الأول أقرب والله أعلم، إلا أنْ يعجز عن الخروج من بلده. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4622>مسألة [٧]: إذا قال: والله، لا وطئتك إن شاء فلان</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (١١/ ١٤): فَإِنْ قَالَ: وَاَلله، لَا وَطِئْتُك إنْ شَاءَ فُلَانٌ؛ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا حَتَّى يَشَاءَ، فَإِذَا شَاءَ صَارَ مُولِيًا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُمْتَنِعًا مِنْ الْوَطْءِ مَتَى يَشَاءَ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا حَتَّى يَشَاءَ. وَإِنْ قَالَ: وَاَلله، لَا وَطِئْتُك إنْ شِئْتِ. فَكَذَلِكَ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ شَاءَتْ عَلَى الْفَوْرِ جَوَابًا لِكَلَامِهِ صَارَ مُولِيًا، وَإِنْ أَخَّرَتْ المَشِيئَةَ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَخْيِيرٌ لَهَا، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ، كَقَوْلِهِ: اخْتَارِي فِي الطَّلَاقِ. وَلَنَا أَنَّهُ عَلَّقَ الْيَمِينَ عَلَى الْمَشِيئَةِ بِحَرْفِ إنْ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَمَشِيئَةِ غَيْرِهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4623>مسألة [٨]: من حلف على ترك ما سوى الجماع في الفرج، أو حلف على ترك وطء الأمة</span>؟\nاشترط العلماء في الإيلاء أن يكون الحلف على ترك الوطء في الفرج، أما لو حلف على ترك الوطء في الدبر، أو فيما دون الفرج؛ فليس بإيلاء عند أهل العلم.\nومن شروطه: أن يكون الحلف على ترك الوطء في زوجته لا في أمته؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ...﴾. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٣ - ١٤) «القرطبي» (٣/ ١٠٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٢٢، ٢٣) «القرطبي» (٣/ ١٠٧).","vol":"8","page":597},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4624>مسألة [٩]: إذا حلف الرجل على ترك وطء امرأة أجنبية، ثم تزوجها</span>؟\n• قال جماعة من أهل العلم: ليس بمولي؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، وهو قول أحمد، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، وغيرهم. وقال به ابن حزم.\n• وقال مالك: إذا بقي من مدة يمينه بعد الزواج أكثر من أربعة أشهر؛ فهو مولي.\n• وقال أبو حنيفة: إذا علق اليمين بالزواج بها؛ فهو إيلاء كقوله: إن تزوجت فلانة، فوالله، لا أقربها. وإن قال في امرأة: والله، لا أقربها دون تعليق؛ فليس بإيلاء.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: ما ذكره مالك -﵀- هو الصواب -والله أعلم-؛ لأن المعنى واحد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4625>مسألة [١٠]: هل يصح الإيلاء من طليقته الرجعية</span>؟\n• مذهب الجمهور أنه يصح الإيلاء؛ لأنها ما زالت زوجة له، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة.\n• وحكى ابن حامد رواية عن أحمد أنه لا يصح؛ لأن الطلاق يقطع مدة الإيلاء إذا طرأ عليه؛ فلأن يمنع صحته ابتداء أولى.\nوأُجيب بأنها زوجة تشملها الآية.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٣) «المحلى» (١٨٩٧).","vol":"8","page":598},{"text":"• فإذا آلى منها فمذهب الحنابلة، والحنفية أنه يحتسب المدة من حين آلى، وإن كانت في العدة.\n• وقال الشافعي، وبعض الحنابلة: يحتسب المدة من حين راجعها.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4626>مسألة [١١]: هل يصح الإيلاء من الزوجة الأمة، والزوجة الذمية</span>؟\nذكر أهل العلم أن الإيلاء يصح في كل زوجة مسلمة، أو كتابية حرة، أو أمة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4627>مسألة [١٢]: الإيلاء قبل الدخول بالمرأة</span>؟\n• مذهب الجمهور أن الإيلاء يصح قبل الدخول وبعده؛ لعموم الآية: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وهو قول النخعي، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، والشافعي وغيرهم.\n• وقال الزهري، وعطاء، والثوري: إنما يصح الإيلاء بعد الدخول. ولا دليل لهم على هذا التقييد، والله أعلم. (^٣)\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٢٤): وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ المَجْنُونَةِ وَالصَّغِيرَةِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِالْفَيْئَةِ فِي الصِّغَرِ وَالْجُنُونِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ المُطَالَبَةِ. فَأَمَّا الرَّتْقَاءُ وَالْقَرْنَاءُ، فَلَا يَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مُتَعَذِّرٌ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٣ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٢٤) «القرطبي» (٣/ ١٠٧).\n(^٣) انظر: «المغني» (١١/ ٢٤) «القرطبي» (٣/ ١٠٧).","vol":"8","page":599},{"text":"دَائِمًا، فَلَمْ تَنْعَقِدْ الْيَمِينُ عَلَى تَرْكِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4628>مسألة [١٣]: الذي ينعقد منه الإيلاء</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٢٥): وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ عَلَى الْوَطْءِ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ، فَلَا يَصِحُّ إيلَاؤُهُمَا؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُمَا، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ تَجِبُ بِمُخَالَفَتِهِ كَفَّارَةٌ أَوْ حَقٌّ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ مِنْهُمَا كَالنَّذْرِ.\nوَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ الْوَطْءِ؛ فَإِنْ كَانَ لِعَارِضٍ مَرْجُوٍّ زَوَالُهُ، كَالْمَرَضِ وَالْحَبْسِ، صَحَّ إيلَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ، فَصَحَّ مِنْهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ كَالْجُبِّ وَالشَّلَلِ، لَمْ يَصِحَّ إيلَاؤُهُ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى تَرْكِ مُسْتَحِيلٍ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4629>مسألة [١٤]: إيلاء الذمي</span>.\n• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور، وغيرهم أنه يصح إيلاؤه، ويلزمه ما يلزم المسلم إذا تقاضوا إلينا، وإن أسلم فلا ينقطع حكم إيلائه. واستدلوا بعموم الآية.\n• وقال مالك: إن أسلم؛ سقط حكم يمينه.\n• وقال أبو يوسف، ومحمد: ليس بمولي إذا حلف بالله؛ لأنه لا يحنث إذا جامع؛ لكونه غير مكلف، وإن كانت يمينه بطلاق، أو عتاق، فهو مول؛ لأنه يصح عتقه، وطلاقه. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٥) «القرطبي» (٣/ ١٠٧ -).","vol":"8","page":600},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4630>مسألة [١٥]: هل يشترط في الإيلاء أن يكون في حال الغضب، وقصد المضارة</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى اشتراط ذلك، فقالوا: لا إيلاء إلا في الغضب على وجه المضارة، روي ذلك عن علي، وابن عباس، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و«سنن ابن منصور»، وفيهما ضعف، الأول فيه جهالة، والثاني انقطاع. وهو قول الحسن، والنخعي، وقتادة، وعطاء، والليث.\n• وذهب أكثر أهل العلم إلى عدم اشتراط ذلك، وروي هذا القول عن ابن مسعود، وفيه ضعف. وهو قول ابن سيرين، والشعبي، وسعيد بن جبير، والثوري، والشافعي، ومالك، والأوزاعي، وأبي عبيد، وأهل العراق، وابن المنذر؛ لعدم وجود دليل على هذا الشرط، والآية عامة، وهو قول الظاهرية، ولكن قال مالك، والأوزاعي، وأبو عبيد: من حلف ألا يطأ زوجته حتى تفطم ولده، وقصده الإصلاح لولده؛ فلا يكون إيلاء. والصحيح أنه يعد إيلاء؛ لعموم الآية، وهو قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4631>مسألة [١٦]: مدة التربص للمولي</span>؟\nيقول الله عزوجل: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ولا خلاف بين أهل العلم أن مدة تربص الحر من الحرة أربعة أشهر للآية.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٦) «القرطبي» (٣/ ١٠٦) «ابن أبي شيبة» (٥/ ١٤١ -) «سنن ابن منصور» (٢/ ٢٥) «المحلى» (١٨٩٣) «البيهقي» (٧/ ٣٨١).","vol":"8","page":601},{"text":"• واختلفوا في العبد، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن حكم العبد كحكم الحر يتربص أربعة أشهر؛ لعموم الآية، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، والظاهرية. وهذا القول هو الصحيح.\n• وذهب بعضهم إلى أن إيلاء العبد شهران، وهو قول عطاء، والزهري، ومالك قياسا على تنصيف عدد منكوحاته.\n• وذهب الحسن، والشعبي إلى أنه إذا كانت زوجته أمةً فشهران، وإن كانت حرة فأربعة أشهر.\n• وقال الشعبي، وأبو حنيفة: الإيلاء من الأمة نصف الإيلاء من الحرة، حرًّا كان الزوج، أو عبدًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4632>مسألة [١٧]: بعد الأربعة الأشهر هل يقع الطلاق بانقضاء المدة، أم لا يقع إلا بتطليقة</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أن الطلاق لا يقع بمجرد انقضائها، وإنما يوقفه الحاكم، ويخيره بين أن يفيء، أو يطلق؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧].\nوهذا قول أكثر الصحابة كما ذكره سليمان بن يسار كما في الباب، وصح\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٠) «القرطبي» (٣/ ١٠٧).","vol":"8","page":602},{"text":"ذلك عن علي، وابن عمر، وجاء عن عثمان، وفي إسناده ضعف، وجاء عن عائشة بإسناد صحيح.\nوهو قول سعيد بن المسيب، وعروة، ومجاهد، وطاوس، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والظاهرية، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، وغيرهم.\nووجه استدلالهم بالآية ذكره الفيئة بعد الأربعة أشهر بالفاء المقتضية للتعقيب، ثم قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾، ولو وقع بمضي المدة لم يحتج إلى عزم عليه.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه إن لم يفيء خلال الأربعة أشهر؛ وقع عليه الطلاق بانقضائها. وهذا القول صح عن ابن مسعود، وابن عباس، وجاء عن عثمان، وعلي، وزيد، ولم يصح عنهم، وهو قول عكرمة، وجابر بن زيد، وعطاء، والحسن، ومسروق، وقبيصة، والنخعي، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، ويقع عليه عند هؤلاء طلقة بائنة.\n• وقال بعضهم: يقع عليه طلقة رجعية. وهو قول الزهري، ومكحول، وأبي بكر بن عبد الرحمن.\nقلتُ: الصحيح هو القول الأول، وكيف يقع الطلاق بانقضاء المدة، والله يقول:","vol":"8","page":603},{"text":"﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾. (^١)\nتنبيه: على القول بالوقف، وهو الصحيح، فلا يحكم عليه بما تقدم إلا بعد أن ترافعه المرأة إلى القاضي. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4633>مسألة [١٨]: مدة التربص لا تفتقر إلى حكم الحاكم</span>.\nقال العِمراني -﵀- في «البيان» (١٠/ ٣٠٣): ولا يفتقر ضرب مدة التربص إلى الحاكم؛ لأنها ثبتت بالنص، والإجماع، فلم يفتقر ضربها إلى الحاكم كمدة العنة، ويكون ابتداؤها من حين اليمين؛ لأن ذلك أول وقت يقتضيه، فهو كالأجل في الثمن. اهـ (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4634>مسألة [١٩]: إذا وطئها قبل انقضاء المدة، أو قبل المطالبة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٣٢): فَإِنْ وَطِئَهَا؛ فَقَدْ عَجَّلَ حَقَّهَا قَبْلَ مَحِلَّهُ، وَخَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ، كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ دَفَعَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ. وَهَكَذَا إنْ وَطِئَ بَعْدَ الْمُدَّةِ، قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ أَوْ بَعْدَهَا؛ خَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ. وَسَوَاءٌ وَطِئَهَا وَهِيَ عَاقِلَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ، أَوْ يَقْظَانَةُ أَوْ نَائِمَةٌ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ وَطِئَهَا وَهُوَ مَجْنُونٌ؛ لَمْ يَحْنَثْ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَحْنَثُ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣١) «المحلى» (١٨٩٣) «القرطبي» (٣/ ١١١) «ابن أبي شيبة» (٥/ ١٢٨ -) «البيهقي» (٧/ ٣٧٧) «زاد المعاد» (٥/ ٣٤٦ - ٣٥٠).\n(^٢) «المغني» (١١/ ٣٠ -) «القرطبي» (٣/ ١٠٥).\n(^٣) وانظر: «القرطبي» (٣/ ١٠٥ -).","vol":"8","page":604},{"text":"لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ. اهـ\nقلتُ: الصحيح أنه لا يحنث؛ لأنه غير مكلف، إلا أن يستمر على ذلك بعد الإفاقة، والله أعلم.\nوقال -﵀- (١١/ ١٤): قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ الله: الْمُولِي يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ؟ قَالَ: يَذْهَبُ عَنْهُ الْإِيلَاءُ، وَلَا يُوقَفُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ، وَذَهَبَ الْإِيلَاءُ حِينَ ذَهَبَتْ الْيَمِينُ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَمْنُوعًا مِنْ الْوَطْءِ بِيَمِينِهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ حَلَفَ وَاسْتَثْنَى. فَإِنْ كَانَ تَكْفِيرُهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ؛ انْحَلَّ الْإِيلَاءُ حِينَ التَّكْفِيرِ، وَصَارَ كَالْحَالِفِ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَإِنْ كَفَّرَ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ وَقَبْلَ الْوُقُوفِ؛ صَارَ كَالْحَالِفِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْهَا، إذَا مَضَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ قَبْلَ وَقْفِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4635>مسألة [٢٠]: إن وطئ العاقل ناسيًا يمينه، أو جاهلًا للمحلوف عليها</span>؟\nفيه وجهان عند أهل العلم، كحكم وطء المجنون، وقد تقدم بيان الراجح فيه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4636>مسألة [٢١]: إن وطئها وطئًا محرمًا</span>؟\n• مذهب الشافعي، وأكثر الحنابلة أنه إن وطئها وطئًا محرمًا أنه يحنث، ويخرج من الإيلاء، كأن يطاها حائضًا، أو نفساء، أو صائمًا، أو مظاهرًا.\n• وقال أبو بكر الحنبلي بعدم خروجه من الإيلاء؛ لأنه وطءٌ غير مشروع لا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٣).","vol":"8","page":605},{"text":"يؤمر به في الفيئة، فلا يخرج به من الإيلاء، كالوطء في الدبر.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٣٣ - ٣٤): لا يصح هذا؛ لأنَّ يمينه انحلت، ولم يبق ممتنعًا من الوطء بحكم اليمين، فلم يبق الإيلاء، كما لو كفر عن يمينه، وفارق الوطء في الدبر؛ فإنه لا يحنث به، وليس محلا للوطء، بخلاف مسألتنا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4637>مسألة [٢٢]: إن عفت عن المطالبة بعد وجوبها</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنها تسقط، وليس لها بعد ذلك المطالبة؛ لأنها رضيت بإسقاط حقها.\n• ومذهب الشافعية وهو احتمال للحنابلة أنه لا يسقط حقها، ولها المطالبة متى شاءت؛ لأنها تثبت برفع الضرر بترك ما يتجدد مع الأحوال، وهذا القول جيد، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4638>مسألة [٢٣]: معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾</span>.\nفسَّر أهل العلم الفيئة بالجماع.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٣٨): لَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ الله. قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْفَيْءَ الْجِمَاعُ.\nقال: وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ (^٢)، وَبِهِ قَالَ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٦).\n(^٢) أثر ابن عباس ثابت عنه، وأما أثر علي، وابن مسعود؛ فإنه من طريق: محمد بن سالم الهمداني، وهو متروك كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ١٣٨ -)، و«تفسير الطبري» [آية:٢٢٦] من سورة البقرة.","vol":"8","page":606},{"text":"مَسْرُوقٌ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، إذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ. وَأَصْلُ الْفَيْءِ الرُّجُوعُ؛ وَلِذَلِكَ يُسَمَّى الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى الْمَشْرِقِ، فَسُمِّيَ الْجِمَاعُ مِنْ الْمُولِي فَيْئَةً؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى فِعْلِ مَا تَرَكَهُ. وَأَدْنَى الْوَطْءِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الْفَيْئَةُ أَنْ تَغِيبَ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ؛ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ. وَلَوْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ فِي الدُّبُرِ، لَمْ يَكُنْ فَيْئَةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْلُوفٍ عَلَى تَرْكِهِ، وَلَا يَزُولُ الضَّرَرُ بِفِعْلِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4639>مسألة [٢٤]: هل عليه كفارة إذا فاء</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ عليه كفارة، وهو قول ابن سيرين، والنخعي، والثوري، وقتادة، ومالك، والشافعي في ظاهر مذهبه، وأحمد، وأبي عبيد، وأهل المدينة، وأصحاب الرأي، وابن المنذر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩]، ولحديث: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها؛ فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك». (^١)\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا كفارة عليه، وهو قول الحسن، والشافعي في قول؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦].\nوأُجيب: بأنَّ المغفرة لا تنافي الكفارة؛ فإنَّ الله تعالى قد غفر لرسوله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد قال: «إني والله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٦٢٢)، ومسلم (١٦٥٢)، من حديث عبدالرحمن بن سمرة -﵁-.","vol":"8","page":607},{"text":"منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» متفق عليه. (^١)\nورجح شيخ الإسلام قول الجمهور، وهو ترجيح الشيخ ابن باز -﵀-، وهو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4640>مسألة [٢٥]: إذا كان الحالف حلف بعتقٍ، أو طلاقٍ، فهل يقع عليه إذا فاء</span>؟\n• مذهب الجمهور وقوع الطلاق؛ لأنَّ مذهبهم كما تقدم في الطلاق وقوع الطلاق المعلق، ولا يفصلون بين ما خرج مخرج اليمين، وبين ما خرج مخرج التعليق المحض، ومثله في العتق.\nوالصحيح هو ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم منهم طاوس، وعكرمة، وبعض أهل الظاهر، وبعض المالكية، والشافعية، وشيخ الإسلام، وابن القيم من أنه إذا خرج مخرج اليمين بأن يكون قصده الحض، أو المنع؛ فإنه يمين له حكم اليمين، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4641>مسألة [٢٦]: إذا كان الحلف بالطلاق هو الطلقة الثالثة</span>؟\n• اختلف الجمهور في هذه المسألة هل يمكن من الجماع أم لا؟\n• فجماعة من الحنابلة، والشافعية يقولون: لا يمكن من الجماع، بل يحرم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٦٢٣)، ومسلم برقم (١٦٤٩)، من حديث أبي موسى -﵁-.\n(^٢) انظر «المغني» (١١/ ٣٨ -) «القرطبي» (٣/ ١٠٩ -) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٥٢ - ٥٣) «فتاوى اللجنة» (٢٠/ ٢٥٨).\n(^٣) وانظر: «المغني» (١١/ ٣٩) «زاد المعاد» (٥/ ٣٥١ - ٣٥٣).","vol":"8","page":608},{"text":"عليه؛ لأنها بالإيلاج تطلق عندهم، فيصير ما بعد الإيلاج محرمًا، فيكون الإيلاج محرمًا، وهذا كالصائم إذا تيقن أنه لم يبق إلى طلوع الفجر إلا قدر إيلاج الذكر دون إخراجه؛ حرم عليه الإيلاج وإن كان في زمن الإباحة؛ لوجود الإخراج في زمن الحظر، كذلك ههنا يحرم عليه الإيلاج وإن كان قبل الطلاق؛ لوجود الإخراج بعده، وهذا القول هو ظاهر مذهب الحنابلة.\n• وجماعة من الحنابلة، وأكثر الشافعية يقولون: لا يحرم عليه الإيلاج؛ لأنها زوجته، ولا يحرم عليه الإخراج؛ لأنه ترك، وإن طلقت بالإيلاج، ويكون المحرم بهذا الوطء استدامة الإيلاج لا الابتداء والنزع، وهذا ظاهر نص الشافعي في المجامع عند طلوع الفجر، وفي المولي.\nقال ابن القيم -﵀-: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ: لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ، وَلَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ الزّوْجَةُ، بَلْ يُوقَفُ وَيُقَالُ لَهُ مَا أَمَرَ اللهُ، إمّا أَنْ تَفِيءَ وَإِمّا أَنْ تُطَلّقَ. قَالُوا: وَكَيْفَ يَكُونُ مُولِيًا، وَلَا يُمَكّنُ مِنْ الْفَيْئَةِ، بَلْ يَلْزَمُ بِالطّلَاقِ، وَإِنْ مُكّنَ مِنْهَا وَقَعَ بِهِ الطّلَاقُ؛ فَالطّلَاقُ وَاقِعٌ بِهِ عَلَى التّقْدِيرَيْنِ مَعَ كَوْنِهِ مُولِيًا؟ فَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ، بَلْ يُقَالُ لِهَذَا: إنْ فَاءَ؛ لَمْ يَقَعْ بِهِ الطّلَاقُ، وَإِنْ لَمْ يَفِئْ؛ أُلْزِمَ بِالطّلَاقِ.\nوَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ يَرَى الْيَمِينَ بِالطّلَاقِ لَا يُوجِبُ طَلَاقًا وَإِنّمَا يُجْزِئُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظّاهِرِ، وَطَاوُس، وَعِكْرِمَةَ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيّةَ قَدّسَ اللهُ رُوحَهُ. اهـ (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٠) «زاد المعاد» (٥/ ٣٥١ - ٣٥٣).","vol":"8","page":609},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4642>مسألة [٢٧]: إذا كان المولي لا يستطيع الفيء بالجماع لعذر يمنعه، من مرض، أو حبس، أو غير ذلك</span>؟\n• جمهور العلماء من التابعين، ومن بعدهم يقولون: عليه أن يفيء بلسانه، فيقول: متى قدرت جامعتها. أو نحو ذلك.\nوهذا قول جابر بن زيد، والنخعي، والحسن، وعكرمة، والزهري، وأبي قلابة، والثوري، والأوزاعي، وأبي عبيد، وأحمد، وجماعة من الشافعية، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ القصد بالفيئة ترك ما قصده من الإضرار، وقد ترك قصد الإضرار بما أتى به من الاعتذار، والقول مع العذر يقوم مقام فعل القادر؛ ولأنَّ هذا هو غاية ما يستطيعه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].\n• وقال بعضهم: لا فيء إلا بالجماع. قاله الشعبي، والحكم، ونقل عن سعيد ابن جبير.\n• وقال أبو ثور: إذا لم يقدر لم يوقف حتى يصح، أو يَصِل إن كان غائبًا، ولا تلزمه الفيئة باللسان؛ لأنَّ الضرر بترك الوطء لا يزول بالقول.\n• وقال بعض الشافعية: يحتاج أن يقول: قد ندمت على ما فعلت، وإن قدرت وطئت.","vol":"8","page":610},{"text":"والصحيح هو القول الأول، وبالله التوفيق. (^١)\nتنبيه: من الأعذار أيضًا أن يكون محرمًا، أو معتكفًا اعتكافًا واجبًا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4643>مسألة [٢٨]: متى قدر على الوطء، هل يؤمر به، أم تجزئه فيئة اللسان</span>؟\n• مذهب الشافعي، والحنابلة أنه يؤمر بالوطء؛ فإن فعل وإلا أمر بالطلاق.\n• وقال بعضهم: إذا فاء بلسانه؛ فلا يطالب بالفيئة مرة أخرى.\nوهو قول الحسن، وعكرمة، والأوزاعي، وأبي بكر الحنبلي؛ لأنه فاء مرة، فخرج من الإيلاء.\n• وقال أبو حنيفة: تستأنف له مدة الإيلاء ثانية.\nوأُجيب: بأنه إنما أخر حقها لعجزه عنه، فإذا قدر عليه؛ لزمه أن يوفيها إياه، كالدين على المعسر إذا قدر عليه.\nفالصحيح القول الأول، وما ذكروه فليس بحقها، ولا يزول الضرر عنها به، وإنما وعدها بالوفاء، ولزمها الصبر عليه، وإنظاره كالغريم، والمعسر. (^٣)\nتنبيه: ليس على من فاء بلسانه الكفارة حتى يجامع. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٢) «البيان» (١٠/ ٣٢٢) «ابن أبي شيبة» (٥/ ١٣٧ -) «المحلى» (١٨٩٣).\n(^٢) «المغني» (١١/ ٤٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (١١/ ٤٥).\n(^٤) «المغني» (١١/ ٤٥).","vol":"8","page":611},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4644>مسألة [٢٩]: إذا أبى أن يفيء، وأبى الطلاق</span>؟\n• قال بعض أهل العلم: يطلق عليه الحاكم. وهو قول أحمد، ومالك، وهو قول للشافعي؛ لأنَّ الطلاق تدخله النيابة، وقد استحقته المرأة، وامتنع من هو عليه الحق، فيقوم الحاكم مقامه، كقضاء الدين.\n• وقال بعضهم: لا يطلق عليه الحاكم، ولكن يحبسه، ويضر به حتى يفيء أو يطلق. وهو قول الشافعي في القديم، وأحمد في رواية، وابن حزم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٧]، فأضاف الطلاق إلى الأزواج؛ فدل على أن غيرهم، والحاكم لا يطلق عليهم، ولحديث: «الطلاق لمن أخذ بالساق». (^١)\nورجح الإمام ابن باز، والشيخ صالح الفوزان القول الأول كما في «فتاوى اللجنة» (٢٠/ ٢٦٢)، وهو الأقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4645>مسألة [٣٠]: ما حكم الطلاق الذي يقع من المولي</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه طلاق رجعي، سواء طلق بنفسه، أو أوقعه عليه الحاكم، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية.\n• وعن أحمد رواية أنَّ طلاق الحاكم وتفريقه يكون بائنًا وهذا الأشهر عن أحمد.\n_________\n(^١) حديث ضعيف، وقد تقدم.\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٦) «البيان» (١٠/ ٣١٧ - ٣١٨) «المحلى» (١٨٩٣) «بداية المجتهد» (٣/ ١٤٥).","vol":"8","page":612},{"text":"• وذهب أبو حنيفة، وأبو ثور إلى أنه طلاق بائن مطلقًا. وعند أبي حنيفة: يقع الطلاق بانقضاء المدة كما تقدم.\nوحجة أصحاب القول الأول: أنَّ الأصل أنَّ كل طلاق وقع بالشرع؛ فإنه رجعي.\nوحجة أصحاب القول الثاني: أنه إن كان رجعيًّا لم يزل الضرر عنها بذلك؛ لأنه يجبرها على الرجعة، والصحيح أنه طلاق رجعي؛ لأنه هو الأصل في الطلاق، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4646>مسألة [٣١]: هل للحاكم أن يطلق عليه ثلاثًا</span>؟\n• مذهب الحنابلة جواز ذلك؛ لأنه قائم مقام المطلق، وهو الزوج، فيملك من الطلاق ما يملك.\n• وقال الشافعي: ليس له إلا واحدة؛ لأنَّ إيفاء الحق يحصل بها، فلم يملك زيادة عليها كما لم يملك الزيادة على وفاء الدين في حق الممتنع، وهذا أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4647>مسألة [٣٢]: إذا راجع امرأته، فهل تستأنف مدة الإيلاء</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ المولي إذا طلَّق، أو طلَّق عليه الحاكم له أن يراجع امرأته، ومن قال: إنها طلقة بائنة فيقول: له مراجعتها بعقد جديد.\n_________\n(^١) انظر: «بداية المجتهد» (٣/ ١٤٥) «المغني» (١١/ ٤٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٧).","vol":"8","page":613},{"text":"قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٤٩): إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ إذَا طَلَّقَ دُونَ الثَّلَاثِ، فَرَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا؛ فَإِنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ تَنْقَطِعُ بِالطَّلَاقِ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِمَا قَبْلَ الرَّجْعَةِ مِنْ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْنُوعَةً مِنْهُ بِغَيْرِ الْيَمِينِ، فَانْقَطَعْت الْمُدَّةُ كَمَا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا؛ فَإِنْ رَاجَعَ؛ اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ رَجْعَتِهِ؛ فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ سَقَطَ الْإِيلَاءُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهَا؛ تَرَبَّصْنَا بِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ وَقَفْنَاهُ لِيَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ، ثُمَّ يَكُونُ الْحُكْمُ هَاهُنَا كَالْحُكْمِ فِي وَقْفِهِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنْ طَلَّقَ أَوْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَاحِدَةً، ثُمَّ رَاجَعَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، انْتَظَرْنَاهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ طُولِبَ بِالْفَيْئَةِ أَوْ الطَّلَاقِ؛ فَإِنْ طَلَّقَ، فَقَدْ كَمُلَتْ الثَّلَاثُ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.\nقال: وَيَقْتَضِي مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الله بْنِ حَامِدٍ، أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ اُسْتُؤْنِفَتْ المُدَّةُ الْأُخْرَى مِنْ حِينَ طَلَّقَ، فَلَوْ تَمَّتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ، وُقِفَ ثَانِيًا؛ فَإِنْ فَاءَ، وَإِلَّا أُمِرَ بِالطَّلَاقِ. وَنَحْوُ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.\nوَإِنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَبْلَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ؛ بَانَتْ، وَانْقَطَعَ الْإِيلَاءُ؛ فَإِنْ رَاجَعَ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، تَرَبَّصَ بِهِ تَمَامَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ طَلَّقَ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ (^١)، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، أَنَّ الطَّلَاقَ\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه سعيد بن منصور (٢/ ٣٤) عن ابن جريج، عمن حدثه، عن ابن مسعود، وشيخ ابن جريج مبهم، ولا يعلم: هل سمع من ابن مسعود، أم لم يسمع.\nوأخرجه سعيد أيضًا (٢/ ٣٤)، وفيه محمد بن سالم، وهو شديد الضعف، والشعبي لم يسمع من ابن مسعود -﵁-.","vol":"8","page":614},{"text":"يَهْدِمُ الْإِيلَاءَ.\nقال: وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْطَعُ مُدَّتَهُ، فَلَا يُحْتَسَبُ بِمُدَّتِهِ قَبْلَ الرَّجْعَةِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ مِثْلَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُزِيلُ حُكْمَهُ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّاهَا حَقَّهَا بِالطَّلَاقِ، فَسَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّ حُكْمَ الْيَمِينِ بَاقٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ، فَيَبْقَى الْإِيلَاءُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ، بِخِلَافِ الْفَيْئَةِ؛ فَإِنَّهَا تَرْفَعُ الْيَمِينَ لِحُصُولِ الْحِنْثِ فِيهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4648>مسألة [٣٣]: إذا وقف بعد الأربعة أشهر، فقال: قد أصبتها. فأنكرت</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية وغيرهم أنها إن كانت ثيبًا؛ فالقول قول الرجل، وعليه اليمين؛ لأنَّ الأصل بقاء النكاح، والمرأة تدعي ما يلزمه به رفعه، وهو يدعي ما يوافق الأصل.\n• وعن أحمد رواية: أنه ليس عليه يمين، والصحيح أن عليه اليمين، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين، قال: ويستثنى من ذلك إذا دلت القرينة على كذبه، كأن تكون المرأة قد قضت المدة عند أهلها، ونحو ذلك.\n• وأما إن كانت بكرًا، فيجعل بعض النساء الثقات يرينها ولو واحدة فإن شهدت ببكارتها؛ فالقول قولها، وإن شهدت بأنها ثيب؛ فالقول قوله، ومثل ذلك لو اختلفا في المدة. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٠) «الشرح الممتع» (٥/ ٥٨١ - ٥٨٢) «المغني» (١١/ ٥٢).","vol":"8","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4649>مسألة [٣٤]: إذا أبان امرأته بعدما آلى منها، ثم تزوجها، فهل يستمر حكم الإيلاء</span>؟\nأما إذا أبان زوجته؛ فإنَّ مدة الإيلاء تنقطع بغير خلاف كما ذكر ابن قدامة -﵀-، سواء بانت بفسخ، أو طلاق ثلاث، أو بخلع، أو بانقضاء عدتها من الطلاق الرجعي؛ لأنها صارت أجنبية منه، ولم يبق شيء من أحكام نكاحها.\nفإن عاد فتزوجها، ففيه خلاف بين أهل العلم:\n• منهم من يقول: يعود حكم الإيلاء، ويستأنف العدة من حينئذٍ. وهو قول مالك، والحنابلة، وبعض الشافعية.\n• ومنهم من يقول: إن كان الطلاق أقل من ثلاث، ثم تركها حتى انتهت عدتها، ثم نكحها؛ عاد الإيلاء، وإن استوفى عدد الطلاق؛ لم يعد الإيلاء؛ لأنَّ حكم النكاح الأول زال بالكلية، ولهذا ترجع إليه على طلاق ثلاث. وهذا قول أبي حنيفة، وبعض الشافعية.\n• ومنهم من يقول: لا يعود حكم الإيلاء بحال. وهو قول ابن المنذر، وبعض أصحاب الشافعي؛ لأنها صارت بحال لو آلى منها؛ لم يصح إيلاؤه؛ فبطل حكم الإيلاء منها.\nقلتُ: وهذا القول أظهر لي، والله أعلم؛ لأنها خرجت عن كونها من نسائه، وانقطع الحكم السابق، لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة:","vol":"8","page":616},{"text":"٢٢٦ - ٢٢٧]، وهي بعد إبانتها ليست من نسائه؛ فانقطع الحكم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4650>مسألة [٣٥]: إذا ترك وطء امرأته بغير يمين، فهل له حكم الإيلاء</span>؟\n• من أهل العلم من قال: إن ترك ذلك بغير عذر إضرارًا بها؛ فله حكم الإيلاء، فتضرب له المدة، ثم يخير؛ لأنه في معنى الإيلاء، وقد أضرَّ بها في نفس المدة، فيأخذ حكمه، ولأنَّ حكم الإيلاء ثبت لإزالة الضرر عن المرأة، وهو حاصل بدون اليمين. وهذا قول أحمد في رواية، ومالك.\n• ومن أهل العلم من قال: لا يعتبر إيلاءً، ولا يأخذ حكمه. وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية؛ لأنَّ تعليق الحكم بالإيلاء يدل على انتفائه عند عدمه؛ إذ لو ثبت هذا الحكم بدونه لم يكن له أثر، والله أعلم. وهذا القول هو الصحيح، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: ليس الأمر كما قال المؤلف؛ لأنه لا يمكن أن يعطى حكمًا كحكم مع اختلاف بينهما، بل يقال: إنه يطلب منه إما أن يعاشر بالمعروف، وإما أن يفسخ، أو يطلق، والفرق بينه وبين المولي حنيئذٍ أنَّ المولي آلى وحلف، فترتب على إيلائه التربص كما أمره الله ﷿؛ مراعاةً ليمينه، أما هذا فمجرد إضرار بها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال النبي - ﷺ -: «لا ضرر ولا ضرار»، فالصواب أن يقال: إنه إما أن يؤمر بالمعاشرة بالمعروف، أو يفارق. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥١).","vol":"8","page":617},{"text":"قال القرطبي -﵀- في «تفسيره»: قال علماؤنا: ومن امتنع من وطء امرأته بغير يمين حَلَفَها إضرارًا بها؛ أُمر بوطئها؛ فإن أبى وأقام على امتناعه مضرًّا بها؛ فرق بينه وبينها من غير ضرب أجل. اهـ (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٣) «القرطبي» (٣/ ١٠٦) «الإنصاف» (٩/ ١٦٩ -) «بداية المجتهد» (٣/ ١٤٥) «الشرح الممتع» (٥/ ٥٨٣) «البيان» (١٠/ ٣٠٣).","vol":"8","page":618},{"text":"١٠٩١ - وَعَنْهُ -﵁- أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: إنِّي وَقَعْت عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ، قَالَ: «فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَك اللهُ». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ إرْسَالَهُ. (^١)\nوَرَوَاهُ البَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، وَزَادَ فِيهِ: «كَفِّرْ، وَلَا تَعُدْ». (^٢)\n\n١٠٩٢ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ -﵁- قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ فَخِفْتُ أَنْ أُصِيبَ امْرَأَتِي، فَظَاهَرْت مِنْهَا، فَانْكَشَفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ لَيْلَةً، فَوَقَعْت عَلَيْهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «حَرِّرْ رَقَبَةً» فَقُلْت: مَا أَمْلِكُ إلَّا رَقَبَتِي. قَالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قُلْت: وَهَلْ أَصَبْت الَّذِي أَصَبْت إلَّا مِنَ الصِّيَامِ؟ قَالَ: «أَطْعِمْ فَرَقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ. (^٣)\n_________\n(^١) الراجح إرساله وهو حسن بشاهده الذي بعده. أخرجه أبوداود (٢٢٢٣)، والنسائي (٦/ ١٦٧)، والترمذي (١١٩٩)، وابن ماجه (٢٠٦٥)، من طريق معمر عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وهذا الإسناد ظاهره الصحة، ولكنه معل بالإرسال فقد رواه جماعة عن الحكم عن عكرمة مرسلًا. وهم: سفيان بن عيينة ومعتمر وإسماعيل بن علية ومعمر في رواية عبدالرزاق. انظر هذه الروايات في «سنن أبي داود» (٢٢٢١ - ٢٢٢٥) و«سنن النسائي» (٦/ ١٦٧).\nقال النسائي: المرسل أولى بالصواب من المسند. وقال أبوحاتم في الموصول: هو خطأ وإنما هو عكرمة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسل. «العلل» (١٣٠٧).\n(^٢) ذكرها الحافظ في «التلخيص» (٣/ ٤٤٥) من طريق خصيف عن عطاء عن ابن عباس. وإسناده ضعيف؛ لضعف خصيف، ولم يذكر الحافظ بقية الإسناد للنظر في رجاله.\n(^٣) حسن لغيره. أخرجه أحمد (٤/ ٣٧)، وأبوداود (٢٢١٣)، والترمذي (١١٩٨) (٣٢٩٩)، وابن ماجه (٢٠٦٢)، وابن خزيمة (٢٣٧٨)، وابن الجارود (٧٤٤) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر به. وهذا إسناد ضعيف فيه علتان: عنعنة ابن إسحاق، والانقطاع بين سليمان بن يسار وسلمة بن صخر، فقد قال البخاري: إنه لم يسمع منه كما في «جامع التحصيل».\nوللحديث طريق أخرى بنحوه:\nأخرجه عبدالرزاق (١١٥٢٨)، والترمذي (١٢٠٠)، والطبراني (٦٢٢٨) (٦٢٢٩) (٦٢٣١) (٦٢٣٢)، والحاكم (٢/ ٢٠٤)، والبيهقي (٧/ ٣٩٠)، من طرق عن يحيى بن أبي كثير حدثنا أبوسلمة بن عبدالرحمن عن سلمان بن صخر وقرن بأبي سلمة محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان عند البيهقي والحاكم. وهذا إسناد ضعيف أيضًا؛ لانقطاعه، فقد أشار البيهقي إلى عدم سماع أبي سلمة وابن ثوبان من سلمة بن صخر كما في «سننه». والحديث بهاتين الطريقين والطريق المرسلة السابقة يرتقي إلى الصحة، وقد صححه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء».\nتنبيه: سلمة بن صخر، يقال في اسمه (سلمان)، والأشهر (سلمة) كما نبه على ذلك ابن عبدالبر وابن الملقن وغيرهما.","vol":"8","page":619},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nتعريف الظهار:\nالظِّهار: بكسر الظاء، مشتق من الظهر، وإنما خصوا الظهر من بين سائر أعضاء البدن؛ لأنَّ كل مركوب يسمى ظهرًا؛ لحصول الركوب على ظهره، فشبهت الزوجة به، والمقصود به أن يقول لزوجته (أنت عليَّ كظهر أمي). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4651>مسألة [١]: حكم الظهار</span>.\nكان الظهار في الجاهلية يعد طلاقًا، فنقل في الشرع إلى التحريم، والكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢].\nوقال تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة:٢]، وقال عزوجل: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٤) «البيان» (١٠/ ٣٣١).","vol":"8","page":620},{"text":"مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]. (^١)\nوالأصل في الظهار وحكمه الكتاب والسنة.\nفمن كتاب الله عزوجل: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] الآيات.\nومن السنة: حديثا الباب، وحديث خويلة بنت ثعلبة حين ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، فنزلت الآية. أخرجه أبو داود (٢٢١٤)، وأحمد (٦/ ٤١٠، ٤١١)، وغيرهما، وهو حديث حسن بشواهده، وطرقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4652>مسألة [٢]: من يصح منه الظهار</span>؟\nيصح الظهار من كل زوجٍ يصح طلاقه، وهو البالغ العاقل، سواء كان مسلمًا، أو كافرًا، حرًّا، أو عبدًا، والسكران لا يصح ظهاره كما أنَّ الراجح أنه لا يصح طلاقه، والصبي تقدم أنَّ الجمهور لا يعدون طلاقه، فكذلك ظهاره، ووافق على ذلك ههنا بعض الحنابلة، وصححه ابن قدامة، فقال: والصحيح أن ظهار الصبي غير صحيح؛ لأنها يمين موجبة للكفارة، فلم تنعقد منه كاليمين بالله تعالى، ولأنَّ الكفارة وجبت لما فيه من قول المنكر، والزور، وذلك مرفوع عن الصبي؛ لكون القلم مرفوعًا عنه. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٤) «البيان» (١٠/ ٣٣١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٥٦) «البيان» (١٠/ ٣٣٤).","vol":"8","page":621},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4653>مسألة [٣]: هل يصح ظهار العبد</span>؟\n• عموم الآية يشمل العبد ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾، فاسم الموصول يفيد العموم، وعلى ذلك أكثر أهل العلم خلافًا لمن منعه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4654>مسألة [٤]: هل يصح ظهار الذمي</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنه يصح ظهار الذمي؛ لأنه يصح طلاقه، فيصح ظهاره.\n• ومذهب مالك، وأبي حنيفة أنه لا يصح ظهاره؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ يعني من المسلمين، وهذا يقتضي خروج الذمي من الخطاب، ولأنه لا تصح منه الكفارة، وهي الرافعة للتحريم، فلا يصح منه التحريم.\nوأُجيب: بأنَّ قوله ﴿مِنْكُمْ﴾ لا يفيد خصوص الحكم بالمسلم، وبعدم التسليم أن التكفير لا يصح منه؛ فإنه يصح منه العتق والإطعام، وإنما لا يصح منه الصوم، فلا تمتنع صحة الظهار بامتناع بعض أنواع الكفارة.\nورجح الإمام الشوكاني -﵀- قول مالك، وأبي حنيفة، وهو ظاهر ترجيح الصنعاني. والذي يظهر أنَّ قول الشافعي، وأحمد أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١٠/ ٣٣٤) «المغني» (١١/ ٥٦) «تفسير القرطبي» (١٧/ ٢٧٦) «الإنصاف» (٩/ ٢٠١).\n(^٢) انظر: «السيل الجرار» (ص ٤٤١) «الإنصاف» (٩/ ٢٠١) «المغني» (١١/ ٥٦) «البيان» (١٠/ ٣٣٤) «القرطبي» (١٧/ ٢٧٦).","vol":"8","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4655>مسألة [٥]: من لا يصح طلاقه لا يصح ظهاره</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٧): وَمَنْ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ لَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ، كَالطِّفْلِ، وَالزَّائِلِ الْعَقْلِ بِجُنُونٍ، أَوْ إغْمَاءٍ، أَوْ نَوْمٍ، أَوْ غَيْرِهِ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْمُكْرَهِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَصِحُّ ظِهَارُهُ. وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ طَلَاقِهِ، وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4656>مسألة [٦]: هل يصح الظهار من كل زوجة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٧): وَيَصِحُّ الظِّهَار مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً، مُمْكِنًا وَطْؤُهَا أَوْ غَيْرَ مُمْكِنٍ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ الَّتِي لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، وَالظِّهَارُ لِتَحْرِيمِ وَطْئِهَا. وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَصِحُّ طَلَاقُهَا، فَصَحَّ الظِّهَارُ مِنْهَا كَغَيْرِهَا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4657>مسألة [٧]: ظهار السيد من أمته</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن ظهار السيد من أمته لا يصح، وهو قول مجاهد، وربيعة، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي حنيفة وأصحابهم.\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١٠/ ٣٣٤).","vol":"8","page":623},{"text":"واستدلوا بقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾؛ ولأنه لفظ يتعلق به تحريم الزوجة، فلا تحرم به الأمة كالطلاق، ولأنَّ الظهار كان طلاقًا في الجاهلية فنقل حكمه وبقي محله.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى صحة ظهار السيد من أمته، وهو قول سعيد ابن المسيب، والحسن، وسليمان بن يسار، ومرة الهمداني، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، والشعبي، وعكرمة، وطاوس، والزهري، وقتادة، وعمرو بن دينار، ومنصور بن المعتمر، وهو قول مالك، والليث، والحسن بن حي، وسفيان الثوري، والظاهرية.\n• وعن الحسن، وسعيد بن المسيب، والأوزاعي: إن كان يطأها؛ فهو ظهار، وإن لم يكن يطأها؛ فلا كفارة عليه.\n• وقال عطاء: عليه نصف كفارة حرة.\nوحجة القائلين بصحة الظهار منها أنها مباحة كالحرة؛ ولأنها من نسائه، كما قال تعالى في آية التحريم: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهو يشمل أم الأمة.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الذي يظهر أنَّ القول الأول هو الصواب، وأنَّ الآية نزلت في تحريم الزوجات بالظهار، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤].","vol":"8","page":624},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4658>مسألة [٨]: إذا قال: أنت علي كظهر أمي</span>.\nهذا اللفظ يُعتبر ظهارًا بالإجماع، قال ابن قدامة -﵀-: هذا ظهارٌ إجماعًا، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن تصريح الظهار أن يقول: أنت عليَّ كظهر أمي. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4659>مسألة [٩]: إذا شبه زوجته بظهر من تحرم عليه من ذوي محارمه</span>؟\nكأن يذكر ابنته، أو أخته، أو عمته، أو خالته، أو جدته.\n• فمذهب الجمهور أنه يعد ظهارًا، وهو قول الحسن، وعطاء، وجابر بن زيد، والشعبي، والنخعي، والزهري، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، والشافعي في قولٍ، وأصحاب الرأي، وحجتهم في ذلك أنَّ المعنى واحد بجامع الحرمة الأبدية.\n• ونقل عن الشعبي، وقتادة أنه لا ظهار إلا من أم، أو جدة، وهو قولٌ للشافعي، وهو قول الظاهرية، وحجتهم في ذلك ظاهر القرآن ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤].\nوقد رجح هذا القول الإمام الإمام الصنعاني، والإمام الإمام الشوكاني رحمهما الله.\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (٣/ ٣٨٨): ولا يخفى أنَّ النص لم يرد\n_________\n(^١) «المغني» (١١/ ٥٧).","vol":"8","page":625},{"text":"إلا في الأم، وما ذكر من إلحاق غيرها؛ فبالقياس، وملاحظة المعنى، ولا ينتهض دليلًا على الحكم. اهـ\nقال الشوكاني -﵀- في «السيل الجرار» (ص ٤٤٢): وأما تشبيه الزوجة بابنته، أو أخته، أو جزء منهما، فهذا خارج عن النص، وإن كان معنى الحرمة موجودًا، والقول بالقياس لا يكون إلا بجامع الحرمة، وجامع الحرمة موجود في الأجنبيات فضلًا عن القرائب؛ فإن أُريد التحريم المؤبد؛ لزم ذلك في مثل الملاعنة. والحاصل أنَّ هذا القياس لا ينبغي أن يقال به ههنا؛ فإنَّ الله سبحانه قد وصف المظاهرين بأنهم ﴿لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]؛ فلا ينبغي توسيع دائرة ما هذا شأنه، بل يقصر على مورد النص، وهن الأمهات من النسب، وقد استرسل بعض أهل العلم في ذلك حتى قال: إن مجرد تحريم الوطء المطلق ظهار، وهو باطل من القول، وغلط في الاستدلال. اهـ\nوقد رجح الإمام ابن عثيمين -﵀- القول الأول، وهو ترجيح الإمام ابن باز -﵀-، ورجح شيخنا مقبل الوادعي -﵀- القول الثاني، وهو الراجح، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: مثل الخلاف السابق ما إذا شبهها بمن تحرم عليه تأبيدًا من غير ذوات الرحم، كالأمهات، والأخوات من الرضاعة، وحلائل الآباء، والأبناء، وأمهات النساء، والربائب اللاتي دخل بأمهن. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٧ - ٥٨) «المحلى» (١٨٩٨) «القرطبي» (١٧/ ٢٧٣) «البيان» (١٠/ ٣٣٦) «فتاوى اللجنة» (٢٠/ ٢٩٥) «الشرح الممتع».\n(^٢) «المغني» (١١/ ٥٨).","vol":"8","page":626},{"text":"تنبيه آخر: الذين يقولون: لا يُعدُّ ظهارًا. فحكمه عندهم حكم من يقول لامرأته: أنت علي حرام. وقد تقدم ذكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4660>مسألة [١٠]: إذا شبه امرأته بظهر من تحرم عليه مؤقتًا</span>؟\n• اختلف الجمهور في هذه المسألة، فذهب مالك، وأحمد في رواية إلى أنه ظهار؛ لأنه شبهها بمُحَرَّمة، واختاره الخِرَقي.\n• ومذهب الشافعي، وأحمد في رواية أنه ليس بظهار؛ لأنها غير محرمة على التأبيد، فلا يكون ظهارًا، كالحائض والمُحْرِمة من نسائه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4661>مسألة [١١]: إذا قال: أنت عليَّ كظهر أبي</span>؟\n• أكثر الجمهور يقولون: ليس بظهار؛ لأنه تشبيه بما ليس بمحل للاستمتاع أشبه ما لو قال: أنت عليَّ كمال زيد.\n• وعن أحمد رواية أنه ظهار، وهو قول بعض المالكية. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4662>مسألة [١٢]: لو قال: أنت علي كأمي، أو مثل أمي</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٦٠): وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي. أَوْ: مِثْلُ أُمِّي. وَنَوَى بِهِ الظِّهَارَ، فَهُوَ ظِهَارٌ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَاهُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.\nقال: وَإِنْ نَوَى بِهِ الْكَرَامَةَ وَالتَّوْقِيرَ، أَوْ أَنَّهَا مِثْلُهَا فِي الْكِبَرِ، أَوْ الصِّفَةِ؛ فَلَيْسَ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٨ - ٥٩) «المحلى» (١٨٩٨) «البيان» (١٠/ ٣٣٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٥٩) «البيان» (١٠/ ٣٣٦).","vol":"8","page":627},{"text":"بِظِهَارٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ.\nقال: وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فِيهِ رِوَايَتَانِ، أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ حَتَّى يَنْوِيَهُ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْكَرَامَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّحْرِيمِ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِجُمْلَةِ أُمِّهِ؛ فَكَانَ مُشَبِّهًا لَهَا بِظَهْرِهَا.\nقال: وَاَلَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الظِّهَارِ، مِثْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ مَخْرَجَ الْحَلِفِ، فَيَقُولُ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي. أَوْ قَالَ ذَلِكَ حَالَ الْخُصُومَةِ، وَالْغَضَبِ، فَهُوَ ظِهَارٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْحَلِفِ، فَالْحَلِفُ يُرَادُ لِلِامْتِنَاعِ مِنْ شَيْءٍ، أَوْ الْحَثِّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ كَوْنَهَا مِثْلُ أُمِّهِ فِي صِفَتِهَا أَوْ كَرَامَتِهَا لَا يَتَعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الظِّهَارَ، وَوُقُوعُ ذَلِكَ فِي حَالِ الْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَذَاهَا، وَيُوجِبُ اجْتِنَابَهَا، وَهُوَ الظِّهَارُ، وَإِنْ عَدِمَ هَذَا فَلَيْسَ بِظِهَارٍ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِغَيْرِ الظِّهَارِ احْتِمَالًا كَثِيرًا، فَلَا يَتَعَيَّنُ الظِّهَارُ فِيهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4663>مسألة [١٣]: إذا قال: أنت علي كظهر أمي. ونوى الطلاق</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٦٢): وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١٠/ ٣٣٥) «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٥ - ٧).","vol":"8","page":628},{"text":"حَرَامٌ. فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ، لَا يَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهِ، سَوَاءٌ نَوَى الطَّلَاقَ، أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ الله.\nقال: وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي. أَوْ: كَأُمِّي. فَكَذَلِكَ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي، إذَا نَوَى الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: لَا أَقْبَلُ قَوْلَهُ فِي نَفْيِ الظِّهَارِ. وَوَجْهُ قَوْلِهِمْ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ. إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ، وَزِيَادَةُ قَوْلِهِ: كَظَهْرِ أُمِّي. بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنْفِي الطَّلَاقَ.\nقال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّهُ أَتَى بِصَرِيحِ الظِّهَارِ، فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.\nقال الشوكاني -﵀- في «السيل» (ص ٤٤٣): قد قدمنا لك أن الشرع نسخ ما كانت تفعله الجاهلية من الظهار مريدين به الطلاق، وظاهر هذا أنه لا يقع به الطلاق أصلًا، وإن أراده؛ لأنه أراد ما لم يصح في الشريعة. اهـ\nوقد تقدم نقل كلام شيخ الإسلام في ذلك في باب كنايات الطلاق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4664>مسألة [١٤]: إذا شبه عضوًا من امرأته بظهر أمه</span>؟\nمثل أن يقول: صدرك مني كظهر أمي. أو يدك كظهر أمي. أو فرجك مني كظهر أمي. أو رأسك ... .\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٦): إذَا شَبَّهَ عُضْوًا مِنْ امْرَأَتِهِ بِظَهْرِ أُمِّهِ، أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا؛ فَهُوَ مُظَاهِرٌ، فَلَوْ قَالَ: فَرْجُك، أَوْ ظَهْرُك، أَوْ رَأْسُك، أَوْ\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٩٥) (٣٣/ ٧٤).","vol":"8","page":629},{"text":"جِلْدُك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ بَدَنِهَا، أَوْ رَأْسِهَا، أَوْ يَدِهَا؛ فَهُوَ مُظَاهِرٌ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ.\nقال: وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُظَاهِرٍ حَتَّى يُشَبِّهَ جُمْلَةَ امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِاَلله لَا يَمَسُّ عُضْوًا مِنْهَا، لَمْ يَسْرِ إلَى غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ الْمُظَاهَرَةُ، وَلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ. اهـ\nقلتُ: وظاهر كلام الشوكاني، والصنعاني أنَّ هذا ليس بظهار، وهو أقرب، وقد تقدم نقل كلامهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4665>مسألة [١٥]: لو شبه امرأته بعضو من أعضاء أمه غير الظهر</span>؟\nمثل أن يقول: أنت علي كفرج أمي، أو كبطن أمي، أو كرأس أمي، أو كيد أمي.\n• فمذهب مالك، والشافعي، وأحمد أنه يعد ظهارًا؛ لأنَّ المعنى في ذلك واحد.\n• وقال أبو حنيفة: إن شبهها بما يحرم النظر إليه من الأم، كالفرج، والفخذ ونحوهما؛ فهو مظاهر، وإن لم يحرم النظر إليه كالرأس، والوجه؛ لم يكن مظاهرًا، كما لو شبهها بعضو زوجة له أخرى. وهذا قياسٌ فاسد؛ فإنَّ الزوجة لا يقع فيها الظهار، والنظر، وإن لم يحرم؛ فإنَّ التلذذ يحرم، وهو المقصود في هذا الباب.\n• وذهب ابن حزم، والصنعاني إلى أنه لا يقع الظهار إلا بذكر الظهر.","vol":"8","page":630},{"text":"واختار الشوكاني، والإمام ابن عثيمين القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4666>مسألة [١٦]: إذا ظاهر من امرأة أجنبية، ثم تزوجها</span>؟\n• ذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّ الظهار يصح، ولا يقربها حتى يكفر، وسواء قال ذلك لامرأة بعينها، أو عمم، وسواء علق ذلك بتزوجها أم لا، وهذا قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وعروة، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وعزاه ابن حزم أيضًا إلى الثوري، وأبي حنيفة، بينما عزا ابن قدامة إليهما القول الثاني وهو أنه لا يصح الظهار قبل التزويج، وهو قول الشافعي، والظاهرية، وبعض الحنابلة، وثبت ذلك عن ابن عباس -﵄-.\nواستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]؛ ولأنَّ الظهار يمين ورد الشرع بحكمها مقيدًا بنسائه؛ فلم يثبت حكمها في الأجنبية كالإيلاء.\nواستدل أهل القول الأول بأثر عمر -﵁- أنَّ رجلًا جعل امرأة كظهر أمه إن تزوجها، فقال له عمر: إن تزوجتها فلا تقربها حتى تكفر. وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه؛ فإن القاسم بن محمد يرويه عن عمر، ولم يدركه، وقد ضعفه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٧/ ١٧٦)، وقالوا: هي يمين، فتنعقد قبل النكاح.\nوأجابوا عن آيات الظهار: بأنَّ تخصيص الزوجات فيها خرج مخرج الغالب،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٦٤ - ٦٥) «البيان» (١٠/ ٣٣٧) «القرطبي» (١٧/ ٢٧٤) «المحلى» (١٨٩٨) «السيل».","vol":"8","page":631},{"text":"وبأنَّ الإيلاء اختص حكمه بنسائه؛ لكونه يقصد الإضرار بهن دون غيرهن، والكفارة وجبت ههنا؛ لقول المنكر والزور، ولا يختص ذلك بنسائه، وفرقوا بينه وبين الطلاق بأنَّ الطلاق حل عقدة النكاح فلا يسبقه، والظهار لا يرفع، وإنما يعلق الإباحة على شرط.\nوالراجح هو القول الثاني؛ لأنَّ الإيلاء لا يختص من قَصَد الإضرار، ولأنَّ الظهار الذي جاءت به الأدلة هو الظهار من الزوجة، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4667>مسألة [١٧]: تعليق الظهار بشرط</span>.\nمثل أن يقول: (إن ذهبت إلى بيت فلان فأنت عليَّ كظهر أمي) أو (إن شاء زيد فأنت عليَّ كظهر أمي) أو (إذا جاء رأس الشهر فأنت عليَّ كظهر أمي) وما أشبه ذلك.\n• فأكثر أهل العلم يقولون: يصح تعليق الظهار بالشروط. وهو مذهب الحنابلة، والشافعية، والحنفية وغيرهم؛ لأنه يمين فجاز تعليقه على شرط كالإيلاء، وسائر الأيمان، ولأنَّ أصل الظهار كان طلاقًا، والطلاق يصح تعليقه بشرط.\n• وذهب ابن حزم إلى عدم صحة الطلاق بصيغة التعليق، ومقتضاه عدم صحة الظهار أيضًا.\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (١٨٩٩) «المغني» (١١/ ٧٥ - ٧٦) «الإنصاف» (٩/ ٢٠٥) «البيان» (١٠/ ٣٤٤).","vol":"8","page":632},{"text":"• وذهب شيخ الإسلام -﵀- إلى أنَّ حكمه حكم الطلاق؛ فإن كان تعليقًا محضًا؛ وقع الظهار، وإن كان خرج مخرج اليمين والحلف؛ فعليه كفارة يمين.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٣١٩ -): إذا حلف بالظهار، أو الحرام على حض، أو منع، كقوله: إن فعلت هذا فأنت علي كظهر أمي، أو حرام، أو الحرام يلزمني، أو الظهار لا أفعله، أو لأفعلنه. فهذا أصحابنا فيه إذا حنث بالظهار، كما أنه يقع به الطلاق والعتاق، ولهذا قالوا في أيمان المسلمين: منها الظهار.\nقال: وكنت أفتي بهذا تقليدًا، ولما ذكروه من الحجة من أنه حكم معلق بشرط، كما لو قال: إن فعلت هذا فأنت عليَّ حرام. عقوبة له على فعله.\nقال: وأفتيت بعد هذا أنَّ عليه كفارة اليمين إذا كان مقصوده عدم الفعل، وعدم التحريم، كما قلنا في مسألة (نذر اللجاج والغضب) وكما قلناه في قوله: هو يهودي، أو نصراني إن فعل كذا. وقوله: هو يستحل الخمر والميتة إن فعل كذا. فإنه لما لم يكن مقصوده الحكم عند الشرط، وإنما الغرض الامتناع من فعل، فكذلك إذا قال: الحل علي حرام إن فعل كذا. وليس غرضه تحريم الحلال عند الفعل، وإنما غرضه الامتناع من الفعل وذكر التزام ذلك تقديرًا تحقيقًا للمنع، كما ذكر التزام التهود والتنصر تقديرًا كما أنه معنى اليمين (هتكت حرمة الإيمان بالله إن فعلت هذا، أو نقضت حرمة الله، أو استخففت بحرمة الله إن فعلت). اهـ\nقلتُ: وقول شيخ الإسلام هو الذي تطمئن إليه النفس، والله أعلم بالصواب، وبالله التوفيق.","vol":"8","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4668>مسألة [١٨]: هل يصح أن يكون الظهار مؤقتًا</span>؟\n• ذهب كثير من أهل العلم إلى صحة الظهار المؤقت، وإذا مضى الوقت زال الظهار بغير كفارة، وهذا قول عطاء، وقتادة، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، والشافعي في قول.\nواستدلوا بحديث سلمة بن صخر؛ فإنه ظاهر من امرأته حتى ينسلخ شهر رمضان، ولم ينكر عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذلك، ولم يخبره أنَّ الظهار كذلك لا يصح.\n• وللشافعي قول آخر أنَّ الظهار لا يصح، وهو قول ابن أبي ليلى، والليث؛ لأنَّ الشرع ورد بلفظ الظهار مطلقًا، وهذا لم يُطلِق، فأشبه ما لو شبهها بمن تحرم عليه في وقتٍ دون وقت.\n• وقال مالك: يسقط التأقيت، ويكون ظهارًا مطلقًا؛ لأنَّ هذا لفظٌ يوجب تحريم المرأة، فإذا وقته لم يتوقت كالطلاق، وبنحوه قول طاوس؛ فإنه قال: عليه الكفارة وإن برَّ.\nوالصحيح هو القول الأول؛ لحديث سلمة، ولأنَّ الظهار يمين، فله أحكام الأيمان من جواز تقييدها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4669>مسألة [١٩]: قول الرجل: أنت علي كظهر أمي إن شاء الله</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٧٠): فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ شَاءَ اللهُ. لَمْ يَنْعَقِدْ ظِهَارُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: هِيَ عَلَيْهِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٦٨ - ٦٩).","vol":"8","page":634},{"text":"كَظَهْرِ أُمِّهِ إنْ شَاءَ الله. فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، هِيَ يَمِينٌ. وَإِذَا قَالَ: مَا أَحَلَّ الله عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ شَاءَ الله. وَلَهُ أَهْلٌ، هِيَ يَمِينٌ، لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4670>مسألة [٢٠]: هل للمظاهر أن يقرب امرأته قبل أن يكفر</span>؟\nأما إذا كانت الكفارة بالعتق، أو الصيام؛ فلا يجوز له أن يمسها قبل الكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٤]، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.\n• واختلفوا: هل له وطؤها قبل أن يكفر بالإطعام؟ على قولين:\nالقول الأول: أنه يحل له وطؤها قبل الكفارة. وهو قول أبي ثور، وأحمد في رواية، وابن حزم؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، ولم يقل من قبل أن يتماسا، كما ذكر ذلك في العتق، والصيام، والله سبحانه لم يقيد ذلك عبثًا، بل لفائدة وهي تقييد ما قيده وإطلاق ما أطلقه ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].\nالقول الثاني: لا يحل له ذلك. وهو قول الجمهور، وقال به عطاء، والزهري، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة وأصحابهم.\nقال ابن القيم -﵀-: وَوَجْهُ الْمَنْعِ: اسْتِفَادَةُ حُكْمِ مَا أَطْلَقَهُ مِمّا قَيّدَهُ، إمّا بَيَانًا عَلَى الصّحِيحِ، وَإِمّا قِيَاسًا قَدْ أُلْغِيَ فِيهِ الْفَارِقُ بَيْنَ الصّورَتَيْنِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يُفَرّقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرَ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] مَرّتَيْنِ، فَلَوْ أَعَادَهُ","vol":"8","page":635},{"text":"ثَالِثًا؛ لَطَالَ بِهِ الْكَلَامُ، وَنَبّهَ بِذِكْرِهِ مَرّتَيْنِ عَلَى تَكَرّرِ حُكْمِهِ فِي الْكَفّارَاتِ، وَلَوْ ذَكَرَهُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ مَرّةً وَاحِدَةً؛ لَأَوْهَمَ اخْتِصَاصَهُ بِالْكَفّارَةِ الْأَخِيرَةِ، وَلَوْ ذَكَرَهُ فِي أَوّلِ مَرّةٍ؛ لَأَوْهَمَ اخْتِصَاصَهُ بِالْأُولَى، وَإِعَادَتُهُ فِي كُلّ كَفّارَةٍ تَطْوِيلٌ، وَكَانَ أَفْصَحَ الْكَلَامِ وَأَبْلَغَهُ وَأَوْجَزَهُ مَا وَقَعَ، وَأَيْضًا فَإِنّهُ نَبّهَ بِالتّكْفِيرِ قَبْلَ الْمَسِيسِ بِالصّوْمِ مَعَ تَطَاوُلِ زَمَنِهِ، وَشِدّةِ الْحَاجَةِ إلَى مَسِيسِ الزّوْجَةِ عَلَى أَنّ اشْتِرَاطَ تَقَدّمِهِ فِي الْإِطْعَامِ الّذِي لَا يَطُولُ زَمَنُهُ أَوْلَى. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الصواب قول الجمهور، وقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: هو أحوط. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4671>مسألة [٢١]: المباشرة بما دون الجماع في الفرج</span>؟\n• قال جماعةٌ من أهل العلم: يحرم عليه ذلك حتى يكفر. وهو قول الزهري، ومالك، والأوزاعي، وأحمد في رواية، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي، وقول للشافعي.\nواستدلوا على ذلك بأنه شبهها بمن يحرم وطؤها ودواعيه، وبقوله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، وهذا يعتبر مسًّا.\n• وقال جماعة من أهل العلم: لا يحرم عليه ذلك. وهو قول أحمد، والثوري، وإسحاق، وأبي حنيفة، وحُكي عن مالك، وهو القول الثاني للشافعي؛ لقوله\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٦٦) «الزاد» (٥/ ٣٣٨) «الشرح الممتع» (٥/ ٥٩٤ - ٥٩٥) «المحلى» (١٨٩٨).","vol":"8","page":636},{"text":"تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ قالوا: المقصود به الجماع، ولا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه، والصائم يحرم منه الوطء دون دواعيه، والمسبية قبل استبرائها يحرم وطؤها دون دواعيه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4672>مسألة [٢٢]: متى تجب عليه الكفارة</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الكفارة تجب بمجرد الظهار، وهذا قول طاوس، ومجاهد، والزهري، وقتادة، وعثمان البتي.\nقال ابن القيم -﵀-: وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أَنّ الْعَوْدَ شَرْطٌ فِي الْكَفّارَةِ، وَلَكِنْ الْعَوْدُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْعَوْدُ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيّةِ. انتهى\nوقولهم خلاف ظاهر الآية، وقد رده ابن القيم من ثلاثة أوجه كما في «زاد المعاد».\n• وذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ الكفارة تجب بالعود؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] الآية.\n• ثم اختلفوا في المقصود بالعود على أقوال:\nالقول الأول: أنَّ المقصود به الوطء. حُكي ذلك عن الحسن، والزهري، وأحمد، وهو الأشهر عند الحنابلة، وهو قول أبي حنيفة، ومالك في رواية، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٦٧) «زاد المعاد» (٥/ ٣٣٧ - ٣٣٨) «القرطبي» (١٧/ ٢٨٣).","vol":"8","page":637},{"text":"وقال هؤلاء: العود هو فعل ضد قوله، ومنه العائد في هبته، هو الراجع في الموهوب، والعائد في عدته، أي: التارك للوفاء بما وعد، والعائد فيما نُهي عنه فاعل المنهي عنه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨]، فالمظاهر محرم للوطء على نفسه، ومانع لها منه؛ فالعود فعله.\nوهؤلاء يقولون: المقصود بقوله ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ أي: يريدون العود، فيبدأ بالتكفير، ثم يطأ؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾.\nالقول الثاني: أنَّ العود هو مجرد العزم على الوطء، وإن لم يطأ، وهو قول جماعة من الحنابلة، منهم: أبو يعلى، ومالك، وأبي عبيد؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، وهذا صريح في أنَّ العود غير التماس.\nوقالوا: ما يحرم قبل الكفارة لا يجوز كونه متقدمًا عليها، قالوا: ولأنَّ الظهار تحريم، والعزم على وطئها إرادة للاستباحة؛ فيكون عودًا عن التحريم.\nواختلف هؤلاء فيما إذا ماتت، أو طلق بعد العزم قبل الوطء:\n• فمذهب الحنابلة أنه لا تجب عليه الكفارة.\n• ومذهب مالك، وأبي عبيد، وبعض الحنابلة أن عليه الكفارة.\nالقول الثالث: أنَّ إمساكها بعد الظهار مدة يستطيع أن يطلقها فيها يوجب عليه الكفارة، وهو قول الشافعي وأصحابه.","vol":"8","page":638},{"text":"القول الرابع: أنَّ المراد بالعود هو إعادة الظهار، والتلفظ به مرة أخرى، وهو قول الظاهرية.\nوقالوا: العود في الشيء هو فعله مرة أخرى، هذا الذي يعقل في لغة العرب ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨].\nوقد أجاب ابن القيم -﵀- على الأقوال المخالفة في هذه المسألة كما في «زاد المعاد».\nأما أصحاب القول الثاني فيلزمهم أنه لو طلق، أو ماتت المرأة بعد أن عزم فعليه الكفارة، وكيف تجب عليه الكفارة وهو لم يحنث؟\nوأما قول الشافعي: إنه مجرد الإمساك ...\nفقال ابن القيم -﵀-: قَالَ مُنَازِعُوهُ يعني الذي يقول فيه (أنت طالق) إِنّ هَذَا النّفَسَ الْوَاحِدَ لَا يُخْرِجُ الظّهَارَ عَنْ كَوْنِهِ مُوجَبَ الْكَفّارَةِ، فَفِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يُوجِبْ الْكَفّارَةَ إلّا لَفْظُ الظّهَارِ، وَزَمَنُ قَوْلِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ) لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ إيجَابًا وَلَا نَفْيًا، فَتَعْلِيقُ الْإِيجَابِ بِهِ مُمْتَنِعٌ، وَلَا تُسَمّى تِلْكَ اللّحْظَةُ وَالنّفَسُ الْوَاحِدُ مِنْ الْأَنْفَاسِ عَوْدًا لَا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَلَا فِي عُرْفِ الشّارِعِ، وَأَيّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْجُزْءِ الْيَسِيرِ جِدًّا مِنْ الزّمَانِ مِنْ مَعْنَى الْعَوْدِ أَوْ حَقِيقَتِهِ؟ قَالُوا: وَهَذَا لَيْسَ بِأَقْوَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: (هُوَ إعَادَةُ اللّفْظِ بِعَيْنِهِ)؛ فَإِنّ ذَلِكَ قَوْلٌ مَعْقُولٌ يُفْهَمُ مِنْهُ الْعَوْدُ لُغَةً وَحَقِيقَةً، وَأَمّا هَذَا الْجُزْءُ مِنْ الزّمَانِ فَلَا يُفْهَمُ مِنْ الْإِنْسَانِ فِيهِ الْعَوْدُ","vol":"8","page":639},{"text":"الْبَتّةَ. قَالُوا: وَنَحْنُ نُطَالِبُكُمْ بِمَا طَالَبْتُمْ بِهِ الظّاهِرِيّةَ: مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَ الشّافِعِيّ؟ قَالُوا: وَاَللهُ سُبْحَانَهُ أَوْجَبَ الْكَفّارَةَ بِالْعَوْدِ بِحَرْفِ (ثُمّ) الدّالّةِ عَلَى التّرَاخِي عَنْ الظّهَارِ، فَلَابُدّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْعَوْدِ وَبَيْنَ الظّهَارِ مُدّةٌ مُتَرَاخِيَةٌ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عِنْدَكُمْ، وَبِمُجَرّدِ انْقِضَاءِ قَوْلِهِ (أَنْتَ عَلَيّ كَظَهْرِ أُمّي) صَارَ عَائِدًا مَا لَمْ يَصِلْهُ بِقَوْلِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ)، فَأَيْنَ التّرَاخِي وَالْمُهْلَةُ بَيْنَ الْعَوْدِ وَالظّهَارِ؟.اهـ\nوأما قول الظاهرية:\nفقال ابن القيم -﵀- -في الرد عليهم-: نَظِيرُهَا -أي: آية الظهار- ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨]، وَمَعَ هَذَا فَهَذِهِ الْآيَةُ تُبَيّنُ المُرَادَ مِنْ آيَةِ الظّهَارِ؛ فَإِنَّ عَوْدَهُمْ لِمَا نُهُوا عَنْهُ هُوَ رُجُوعُهُمْ إلَى نَفْسِ المَنْهِيّ عَنْهُ، وَهُوَ النّجْوَى، وَلَيْسَ المُرَادُ بِهِ إعَادَةَ تِلْكَ النّجْوَى بِعَيْنِهَا، بَلْ رُجُوعُهُمْ إلَى المَنْهِيّ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الظّهَارِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة:٣]، أَيْ: لِقَوْلِهِمْ. فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى المَفْعُولِ، وَهُوَ تَحْرِيمُ الزّوْجَةِ بِتَشْبِيهِهَا بِالمُحَرّمَةِ؛ فَالْعَوْدُ إلَى المُحَرّمِ هُوَ الْعَوْدُ إلَيْهِ، وَهُوَ فِعْلُهُ، فَهَذَا مَأْخَذُ مَنْ قَالَ إنّهُ الْوَطْءُ.\nقال: وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنّ الْقَوْلَ فِي مَعْنَى المَقُولِ، وَالمَقُولُ هُوَ التّحْرِيمُ، وَالْعَوْدُ لَهُ هُوَ الْعَوْدُ إلَيْهِ، وَهُوَ اسْتِبَاحَتُهُ عَائِدًا إلَيْهِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى قَوَاعِدِ اللّغَةِ الْعَرَبِيّةِ وَاسْتِعْمَالِهَا.\nقال: وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السّلَفِ أَنّهُ فَسّرَ الْآيَةَ بِإِعَادَةِ اللّفْظِ الْبَتّةَ، لَا مِنْ","vol":"8","page":640},{"text":"الصّحَابَةِ، وَلَا مِنْ التّابِعِينَ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ، وَهَا هُنَا أَمْرٌ خَفِيَ عَلَى مَنْ جَعَلَهُ إعَادَةَ اللّفْظِ، وَهُوَ أَنّ الْعَوْدَ إلَى الْفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ مُفَارَقَةَ الْحَالِ الّتِي هُوَ عَلَيْهَا الْآنَ، وَعَوْدَهُ إلَى الْحَالِ الّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَوّلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الْإِسْرَاءُ:٨] أَلَا تَرَى أَنّ عَوْدَهُمْ مُفَارَقَةُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْإِحْسَانِ، وَعَوْدُهُمْ إلَى الْإِسَاءَةِ، وَكَقَوْلِ الشّاعِرِ: (وَإِنْ عَادَ لِلْإِحْسَانِ فَالْعَوْدُ أَحْمَدُ)، وَالْحَالُ الّتِي هُوَ عَلَيْهَا الْآنَ التّحْرِيمُ بِالظّهَارِ، وَاَلّتِي كَانَ عَلَيْهَا إبَاحَةُ الْوَطْءِ بِالنّكَاحِ الْمُوجِبِ لِلْحِلّ؛ فَعَوْدُ الْمُظَاهِرِ عَوْدٌ إلَى حِلّ كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الظّهَارِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْكَفّارَةِ، فَتَأَمّلْهُ؛ فَالْعَوْدُ يَقْتَضِي أَمْرًا يَعُودُ إلَيْهِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ.\nقال: وَقَدْ أَمَرَ النّبِيّ - ﷺ - أَوْسَ بْنَ الصّامِتِ، وَسَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ بِكَفّارَةِ الظّهَارِ، وَلَمْ يَتَلَفّظَا بِهِ مَرّتَيْنِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4673>مسألة [٢٣]: إذا ظاهر الرجل من زوجة له أمة، ثم ملكها، فهل يسقط الظهار</span>؟\nتقدم في كتاب النكاح أنَّ من ملك امرأته الأمة انفسخ النكاح، واختلف أهل العلم هل يسقط الظهار أم لا؟\n• فأكثر أهل العلم على بقاء الظهار، فلا يحل له وطء أمته حتى يكفر، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد في الأشهر في مذهبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة:٣] الآية، وهذا قد ظاهر من امرأته؛ فلا يحل\n_________\n(^١) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٣٢٦ - ٣٣٥) «المغني» (١١/ ٧٣ -) «الاختيارات» (ص ٢٧٦).","vol":"8","page":641},{"text":"له أن يمسها حتى يكفر؛ ولأنَّ الظهار قد صح فيها، وحكمه لا يسقط بالطلاق المزيل للملك والحل، فبملك اليمين أولى.\n• وقال بعض الحنابلة: يسقط الظهار بملكه لها، كما لو ظاهر منها وهي أمته. والصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4674>مسألة [٢٤]: إذا ظاهر من نسائه بكلمة واحدة</span>؟\nكأن يكون له أربع نسوة، فيقول: أنتنَّ عليَّ كظهر أمي. ففيه خلاف بين أهل العلم.\n• فأكثر أهل العلم يقولون: عليه كفارة واحدة. صحَّ ذلك عن عمر، وجاء عن علي -﵄-، وهو قول عروة، وطاوس، وعطاء، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، والشافعي في القديم.\nوحجتهم في ذلك أنه قول عمر، وعلي -﵄-، ولا يعلم لهما مخالف؛ ولأنَّ الظهار كلمة تجب بمخالفتها الكفارة، فإذا وجدت في جماعة؛ أوجبت كفارة واحدة كاليمين بالله تعالى.\n• وذهب الحسن، والنخعي، والزهري، ويحيى الأنصاري، والحكم، والثوري، والشافعي في الجديد، وأصحاب الرأي، وابن المنذر إلى أنه يجب عليه لكل امرأة كفارة؛ لأنه وجد الظهار، والعود في حق كل امرأة منهن؛ فوجب\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٧٧ - ٧٨).","vol":"8","page":642},{"text":"عليه عن كل واحدة منهن كفارة كما لو أفردها.\nوأُجيب: بأنه لو أفرد كل واحدة بكلمة؛ فالحكم يخصها؛ لأنَّ كل كلمة تقتضي كفارة ترفعها وتكفر إثمها، وههنا الكلمة واحدة، فالكفارة الواحدة ترفع حكمها، وتمحو إثمها؛ فلا يبقى لها حكم. والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4675>مسألة [٢٥]: إذا ظاهر من امرأته، ثم قال للأخرى: وأنت شريكتها، أو مثلها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٨٠): إذَا ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَةٍ، ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى: أَشْرَكْتُك مَعَهَا، أَوْ أَنْتِ شَرِيكَتُهَا، أَوْ كَهِيَ. وَنَوَى الْمُظَاهَرَةَ مِنْ الثَّانِيَةِ؛ صَارَ مُظَاهِرًا مِنْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.\nقال: وَإِنْ أَطْلَقَ؛ صَارَ مُظَاهِرًا أَيْضًا، إذَا كَانَ عَقِيبَ مُظَاهَرَتِهِ مِنْ الْأُولَى، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ مُظَاهِرًا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الظِّهَارِ، وَلَا نَوَى بِهِ الظِّهَارَ؛ فَلَمْ يَكُنْ ظِهَارًا. اهـ\nقلتُ: في الحديث: «إنما الأعمال بالنيات» فإذا لم ينو لم يقع ظهارًا، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٧٩) «الإشراف» (٥/ ٢٨٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٨٠) «الإشراف» (٥/ ٢٩٩).","vol":"8","page":643},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4676>فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلّقُ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ</span>\nتنبيه: تقدم ذكر بعض المسائل المتعلقة بذلك في كفارة المجامع امرأته في نهار رمضان، وسنذكر في هذا الفصل بعض المسائل التي لم نذكرها هنالك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4677>مسألة [١]: كفارة الظهار بثلاثة أمور لا يجزئ الثاني منهما إذا كان قادرًا على الأول</span>.\nلقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٣ - ٤].\nوقد أجمع أهل العلم على أنَّ المظاهر فرضه في الكفارة العتق إن كان قادرًا عليها؛ فإن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين؛ فإن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكينًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4678>مسألة [٢]: إذا وجد ثمن الرقبة وهو محتاج إليه لنفقةٍ ونحوها</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة أنه لا يلزمه شراؤها، بل له أن ينتقل إلى\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٨١، ٨٥، ٩٢) «تفسير القرطبي».","vol":"8","page":644},{"text":"الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\n• ومذهب مالك، والأوزاعي أنَّ عليه شراء الرقبة وعتقها؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، وهذا واجد؛ فعليه العتق.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4679>مسألة [٣]: إذا وجد ثمن الرقبة، ولم يجد رقبة يشتريها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٨٧): إنْ وَجَدَ ثَمَنَ الرَّقَبَةِ، وَلَمْ يَجِدْ رَقَبَةً يَشْتَرِيهَا؛ فَلَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ، كَمَا لَوْ وَجَدَ ثَمَنَ الْمَاءِ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَشْتَرِيهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4680>مسألة [٤]: إن وجد رقبة تُباع بزيادة على ثمنها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٨٧): وَإِنْ وَجَدَ رَقَبَةً تُبَاعُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ تُجْحِفُ بِمَالِهِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الرَّقَبَةِ بِثَمَنٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لَا يُجْحِفُ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بِيعَتْ بِثَمَنِ مِثْلِهَا. وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً بِثَمَنِ مِثْلِهَا، أَشْبَهَ الْعَادِمَ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١٠/ ٣٦٠) «المغني» (١١/ ٨٦).","vol":"8","page":645},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4681>مسألة [٥]: وجوب التتابع في صيام الشهرين</span>.\nأجمع أهل العلم على وجوب التتابع في الصيام في كفارة الظهار؛ للآية والحديث، وأجمعوا على أن من صام بعض الشهر، ثم قطعه لغير عذر أنَّ عليه استئناف شهرين متتابعين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4682>مسألة [٦]: إذا أصاب امرأته في أثناء مدة الشهرين</span>؟\nأما إذا أصابها نهارًا متعمدًا غير ناسٍ، فينقطع التتابع، وعليه استئناف شهرين متتابعين.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الإجماع» (ص ١٢٠): وأجمعوا على أنَّ من صام شهرًا عن ظهاره، ثم جامع نهارًا عامدًا أنه يبتدئ الصوم. اهـ\nوأما إذا أصابها في ليالي الصوم، ففيه خلاف بين أهل العلم.\n• فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّه يجب عليه استئناف الشهرين؛ لأنَّ الله عزوجل قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، فأمر بالشهرين خاليين عن الوطء، ولم يأت بذلك على ما أُمر، فلم يجزئه كما لو وطئ نهارًا؛ ولأنَّ تحريم الوطء فيه عام يشمل الليل والنهار، وهذا قول مالك، وأحمد، والثوري، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الوطء بالليل لا يقطع التتابع ويبني،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٨٨) «البيان» (١٠/ ٣٨٧).","vol":"8","page":646},{"text":"وهذا قول الشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وابن المنذر؛ لأنه وطءٌ لا يبطل الصوم؛ فلا يوجب الاستئناف، كوطء غيرها؛ ولأنَّ التتابع في الصيام عبارة عن اتباع صوم يوم للذي قبله من غير فارق، وهذا متحقق، وإن وطئ ليلًا. قالوا: وارتكاب النهي لم يُخِل بالتتابع، فلا يمنع صحته وإجزاءه، كما لو وطئ قبل الشهرين، أو وطئ ليلة أول الشهرين، ثم أصبح صائمًا، والإتيان بالتتابع قبل التَّماس في حق هذا لا سبيل إليه، سواء بنى أو استأنف.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: والصحيح أنه إذا أصابها ليلًا فهو آثم، ولكنه لا ينقطع التتابع؛ وذلك لأنَّ استئناف الشهرين لا يرتفع به إثم الإصابة، فيقال لمن أصابها في أثناء الشهرين ليلًا، يقال له: إنك أخطأت، وأثمت، فعليك أن تتوب، ولكن الشهرين لا ينقطع التتابع فيهما. اهـ\nقلتُ: وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4683>مسألة [٧]: إذا أصاب امرأته نهارًا ناسيًا</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يفطر، ولا ينقطع التتابع، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وابن المنذر، وأبي يوسف، وهو الصحيح؛ لأنه معذور غير مؤاخذ بالنسيان.\n• ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية أنه يفطر، وينقطع التتابع؛ فعليه بعد ذلك الاستئناف. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٩١ - ٩٢) «البيان» (١٠/ ٣٨٧) «الشرح الممتع» (٥/ ٦١٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٩٢) «البيان» (١٠/ ٣٨٧).","vol":"8","page":647},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4684>مسألة [٨]: إن وطئ امرأته الأخرى التي لم يظاهر منها ليلًا</span>؟\nلا ينقطع التتابع بغير خلاف؛ لأنَّ ذلك ليس بمحرم عليه، ولا هو مخل باتباع الصوم الصومَ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4685>مسألة [٩]: التتابع في الإطعام، ووطئ امرأته أثناء الإطعام</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٩٨): وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي الْإِطْعَامِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَقِيلَ لَهُ: تَكُونُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَيُطْعِمُ الْيَوْمَ وَاحِدًا، وَآخَرَ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَآخَرَ بَعْدُ، حَتَّى يَسْتَكْمِلَ عَشْرَةً؟ فَلَمْ يَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَشْتَرِطْ التَّتَابُعَ فِيهِ. وَلَوْ وَطِئَ فِي أَثْنَاءِ الْإِطْعَامِ، لَمْ تَلْزَمْهُ إعَادَةُ مَا مَضَى مِنْهُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.\nوَقَالَ مَالِكٌ: يَسْتَأْنِفُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ فِي أَثْنَاءِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، فَوَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ، كَالصِّيَامِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ وَطِئَ فِي أَثْنَاءِ مَا لَا يُشْتَرَطُ التَّتَابُعُ فِيهِ، فَلَمْ يُوجِبْ الِاسْتِئْنَافَ، كَوَطْءِ غَيْرِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا، أَوْ كَالْوَطْءِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الصِّيَامَ. اهـ\nتنبيه: اشترط بعض الحنابلة أن يكون الطعام من الأصناف التي تخرج في زكاة الفطر، وهذا القول ليس عليه دليل، وقد خالفهم بعض الحنابلة، والشافعية، وغيرهم فأجازوا الإطعام من جميع الأقوات، وهو الصحيح. «المغني» (١١/ ٩٩).\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٩٢).","vol":"8","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4686>مسألة [١٠]: هل تجزئ القيمة من المال بدل الإطعام</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١٠١): ولا تجزئ القيمة في الكفارة، نقلها الميموني والأثرم، وهو مذهب الشافعي. انتهى المراد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4687>مسألة [١١]: مصر ف الإطعام</span>.\nيُطْعِم الفقراء والمساكين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، ولا يطعم غيرهم من الأصناف الثمانية الذين تصرف إليهم الزكاة إلا من كان منهم فقيرًا، أو مسكينًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4688>مسألة [١٢]: إذا تخلل الشهرين المتتابعين صوم رمضان، وأيام العيد</span>؟\n• لا يقطع التتابع في مذهب الحنابلة؛ لأنه زمن منع الشرع عن صومه في الكفارة.\n• ومذهب الشافعية أنه ينقطع التتابع، ويلزمه الاستئناف؛ لأنه أفطر في أثناء الشهرين بما كان يمكنه التحرز منه، وقول الحنابلة أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4689>مسألة [١٣]: إذا كان المظاهر عبدًا</span>؟\n• من أهل العلم من قال: كفارة العبد الصيام. وهو قول الحسن، والشافعي، وأحمد في رواية، وحُكي عن مالك، وأبي حنيفة، وسواء أذن له سيده\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٠٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٠٣ - ١٠٤).","vol":"8","page":649},{"text":"بالعتق أم لم يأذن.\n• وعن أحمد رواية: إن أذن له سيده في التكفير بالعتق؛ جاز، وهو قول الأوزاعي؛ لأنه بإذن سيده يصير قادرًا على ذلك إذا كان في يده مال. وهذا القول أقرب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4690>مسألة [١٤]: فإن عجز العبد عن العتق والصيام، فهل عليه الإطعام</span>؟\n• يجزئه عند مالك، وأحمد، والأوزاعي، وأبي ثور وغيرهم إن أذن له السيد في التكفير بالمال، وهو قول بعض الشافعية، وهو الصحيح خلافًا لمن منع من ذلك من الشافعية، والحنابلة، والحنفية. (^٢)\nتنبيه: الذين منعوا صحة العتق حجتهم في ذلك أنه يتضمن ثبوت الولاء، وليس ممن يثبت له ذلك، ولا يصح منه الإطعام؛ لأنه مملوك لغيره، فيقع تكفيره بالمال بمال غيره، ولا يجزئ.\nوأُجيب عن الأول: أنَّ الولاء يثبت له بذلك، ولا يرث به ما دام عبدًا؛ لوجود مانع الرق، وعن الثاني بأنَّ القول بصحته منه موقوف على إذن السيد، وإذا أذن له؛ فقد ملكه، والله أعلم.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١٠٧): وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِذَا صَامَ، لَا يُجْزِئُهُ إلَّا شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٠٦) «البيان» (١٠/ ٣٩٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٠٦) «البيان» (١٠/ ٣٩٨).","vol":"8","page":650},{"text":"مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]؛ وَلِأَنَّهُ صَوْمٌ فِي كَفَّارَةٍ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ صَامَ شَهْرًا؛ أَجْزَأَهُ. وَقَالَهُ النَّخَعِيُّ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4691>مسألة [١٥]: الوقت الذي تعتبر فيه الكفارة</span>؟\n• من أهل العلم من قال: الاعتبار في الكفارة بحالة الوجوب. وهو قول أحمد في الظاهر عنه، وهو أحد قولي الشافعي، وقال به ابن حزم؛ لأنه هو الوقت الذي خوطب بالكفارة، فاعتبر به. قال ابن قدامة: فعلى هذه الرواية يعتبر إعساره ويساره حال وجوبها عليه؛ فإن كان موسرًا حال الوجوب؛ استقر وجوب الرقبة عليه، فلم يسقط باعساره بعد ذلك، وإن كان معسرًا؛ ففرضه الصوم، فإذا أيسر بعد ذلك؛ لم يلزمه الانتقال إلى الرقبة.\n• وقال بعض أهل العلم: الاعتبار بأغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى حين التكفير، فمتى وجد رقبة فيما بين الوجوب إلى حين التكفير؛ لم يجزئه إلا الاعتاق. وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي.\n• وقال بعضهم: الاعتبار بحالة الأداء. وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، كالوضوء إذا وجد الماء بعد تيممه؛ وذلك لأنه حق ذو بدل من غير","vol":"8","page":651},{"text":"جنسه، فيعتبر به حال الأداء، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4692>مسألة [١٦]: اشتراط النية</span>.\nيُشترط في الكفارة النية؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4693>مسألة [١٧]: من وطئ قبل أن يكفر</span>؟\nيحرم عليه ذلك في العتق والصيام بالإجماع، وفي الإطعام على الصحيح.\n• وإذا فعل ذلك؛ فقد عصى ربه، وتستقر الكفارة في ذمته، فلا تسقط بعد ذلك بموتٍ، ولا طلاقٍ، ولا غيره، وتحريم زوجته عليه باقٍ بحاله حتى يكفر، وهذا قول أكثر أهل العلم، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، وجابر بن زيد، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ عليه كفارتين، رُوي ذلك عن قبيصة، وسعيد ابن جبير، والزهري، وقتادة؛ لأنَّ الوطء يوجب كفارة والظهار موجب لأخرى.\n• وقال أبو حنيفة: لا تثبت الكفارة في ذمته، وإنما هي شرط للإباحة بعد الوطء.\nواستدل الجمهور بأحاديث الباب؛ ولأنه وجد الظهار والعود، فتشمله الآية\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٠٨) «المحلى» (١٩٠٢) «البيان» (١٠/ ٣٦٢ -) «الإنصاف» (٩/ ٢١٣ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١١٥) «البيان» (١٠/ ٣٩٠).","vol":"8","page":652},{"text":"﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4694>مسألة [١٨]: إذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أبي</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١١٢): لَيْسَ ذَلِكَ بِظِهَارٍ. قَالَ الْقَاضِي: لَا تَكُونُ مُظَاهِرَةً، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: هُوَ ظِهَارٌ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، إلَّا أَنَّ النَّخَعِيّ قَالَ: إذَا قَالَتْ ذَلِكَ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ؛ فَلَيْسَ بِشَيْءِ. وَلَعَلَّهمْ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ظَاهَرَ مِنْ الْآخَرِ؛ فَكَانَ مُظَاهِرًا كَالرَّجُلِ.\nقال: وَلَنَا قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣]، فَخَصَّهُمْ بِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ تَحْرِيمًا فِي الزَّوْجَةِ، يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَفْعَهُ، فَاخْتَصَّ بِهِ الرَّجُلُ، كَالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ الْحِلَّ فِي الْمَرْأَةِ حَقٌّ لِلرَّجُلِ، فَلَمْ تَمْلِكْ الْمَرْأَةُ إزَالَتَهُ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4695>مسألة [١٩]: وهل عليها الكفارة لظهارها</span>؟\n• منهم من أوجب عليها الكفارة، وهو قول أحمد في رواية، وفعلته عائشة بنت طلحة، وأعتقت، أفتاها أهل المدينة بذلك.\n• ومنهم من قال: ليس عليها كفارة؛ لأنه قول منكر، وزور، ولكونه ليس\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١١٠ - ١١١) «الإشراف» (٥/ ٢٩٥).","vol":"8","page":653},{"text":"بظهار. وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأحمد في رواية.\n• وعن أحمد رواية ثالثة: عليها كفارة يمين، وهو قول عطاء، قال ابن قدامة: وهذا أقيس على مذهب أحمد، وأشبه بأصوله. وصوَّبه الإمام ابن عثيمين -﵀-. وهذا القول أقرب إن قصدت المرأة اليمين؛ وإلا فالراجح هو القول الثاني، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4696>مسألة [٢٠]: إذا كرر الظهار من زوجة له واحدة</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ عليه كفارة واحدة، فإذا كفَّر، ثم ظاهر بعد التكفير؛ فعليه كفارة ثانية، وسواء نوى بذلك التوكيد، أو الاستئناف، أو أطلق، وهو قول عطاء، وجابر ابن زيد، وطاوس، والشعبي، والزهري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، والشافعي في القديم؛ لأنه قول لم يؤثر تحريمًا؛ فإنها قد حرمت بالقول الأول، ولم يزد تحريمها؛ ولأنه لفظ يتعلق به كفارة، فإذا كرره؛ كفاه كفارة واحدة كاليمين بالله تعالى.\n• وقال بعضهم: إن أراد التأكيد؛ فواحدة، وإن أراد الاستئناف؛ فكفارات. وهو قول الثوري، والشافعي في الجديد، وخُرِّج رواية عن أحمد.\n• وقال أصحاب الرأي: إن كرر في مجلس واحد؛ فكفارة واحدة، وإن كان في مجالس شتى؛ فكفارات. وهو قول قتادة، وعمرو بن دينار، ورُوي عن علي (من طريق: خِلاس بن عمرو عنه، وقد قيل: إنه لم يسمع منه إنما هي كتب.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١١٢ - ١١٣) «المحلى» (١٨٩٨) «الشرح الممتع» (٥/ ٥٩٢).","vol":"8","page":654},{"text":"والصحيح هو القول الأول، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\nتنبيه: قال ابن قدامة -﵀-: فأما إن كفَّر عن الأول، ثم ظاهر؛ لزمه للثاني كفارة بلا خلاف. (^٢)\nتنبيه آخر: لا يجوز تقديم كفارة الظهار قبل وقوع الظهار؛ فإن فعل لم يجزئه، وعليه كفارة أخرى بعد الظهار، ثم العود. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4697>مسألة [٢١]: إذا لم يكفر المظاهر، فهل يكون حكمه كحكم الإيلاء</span>؟\n• ذهب مالك -﵀- إلى أنَّ المظاهر يدخل عليه الإيلاء إذا كان مُضَارًّا، وقال الثوري: يكون له حكم الإيلاء وإن لم يقصد الإضرار، وهو قول قتادة، وجابر ابن زيد.\n• وذهب أحمد، والشافعي، والأوزاعي، وأبو حنيفة وغيرهم إلى أنَّ حكم الظهار خلاف حكم الإيلاء، سواء قصد الإضرار أم لم يقصد، وهو قول ابن المسيب، والحسن، والنخعي، وابن المنذر؛ لأنَّ الله جعل لكل منهما حكمًا خاصًّا، وهذا القول أقرب، والله أعلم، وإذا حصل على المرأة ضرر رفعت أمرها إلى القاضي، وبالله التوفيق. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١١٤ -) «المحلى» (١٩٠٠) «عبدالرزاق» (٦/ ٤٣٦ -).\n(^٢) «المغني» (١١/ ١١٥).\n(^٣) «المغني» (١١/ ١١٨ -).\n(^٤) انظر: «بداية المجتهد» (٣/ ١٥٥) «الإشراف» (٥/ ٢٧٧ - ٢٧٨).","vol":"8","page":655},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4698>بَابُ اللِّعَانِ</span>\n١٠٩٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: سَأَلَ فُلَانٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْت أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ. فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ، فَقَالَ: إنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ الآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ، فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، قَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَك بِالحَقِّ مَا كَذَبْت عَلَيْهَا. ثُمَّ دَعَاهَا [النَّبِيُّ - ﷺ -]، فَوَعَظَهَا كَذَلِكَ، قَالَتْ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَك بِالحَقِّ إنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، ثُمَّ ثَنَّى بِالمَرْأَةِ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١٠٩٤ - وَعَنْهُ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: «حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَالِي. فَقَالَ: «إنْ كُنْت صَدَقْت عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْت كَذَبْت عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَك مِنْهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4699>مسألة [١]: معنى اللعان</span>.\nهو مشتق من اللعن، وهو الطرد والإبعاد، والمراد به في هذا الباب: شهادات\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٤٩٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٣١٢)، ومسلم (١٤٩٣).","vol":"8","page":656},{"text":"مؤكدات بأيمان من الجانبين، وهما الزوج والزوجة، عند أن يقذف الرجل امرأته بالزنى مقرونة بلعن من الزوج، وغضب من الزوجة، وعدد الشهادات أربع، والخامسة أنَّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وفي الزوجة أنَّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين. (^١)\nوالأصل في اللعان قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] الآيات.\nوحديث ابن عمر (الذي في الباب، وبنحوه حديث سهل بن سعد (في «الصحيحين»، وبنحوه حديث ابن عباس (عند البخاري، وهو عند مسلم كذلك مختصر، وجاء عن ابن مسعود (عند مسلم، وجاء عن غيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4700>مسألة [٢]: إذا قذف الرجل زوجته بالزنى</span>؟\n• عليه حد القذف عند جمهور العلماء؛ إلا أن يأتي ببينة، أو يسقط الحد عن نفسه باللعان؛ فإن لم يأت بالبينة، وأبى اللعان حُدَّ حَدَّ القذف، وأصبح فاسقًا لا تقبل شهادته.\n• وقال أبو حنيفة: يجب اللعان دون الحد؛ فإن أبى؛ حُبِس حتى يلاعن للآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية، فلم يوجب بقذف الأزواج إلا اللعان.\nواستدل الجمهور بعموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٢٠) «البيان» (١٠/ ٤٠١) «الشرح الممتع» (٥/ ٦١٩ - ٦٢٠).","vol":"8","page":657},{"text":"[النور: ٤] الآية، وإنما خصَّ الزوج بأن أقام لعانه مقام الشهادة في نفي الحد، والفسق، ورد الشهادة عنه، ويدل على ذلك قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لهلال بن أمية: «البينة، وإلا حد في ظهرك» أخرجه البخاري برقم (٤٧٤٧) عن ابن عباس -﵄-، وقوله لما لاعن: «عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة».\nوالصحيح هو قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4701>مسألة [٣]: قذف الزوج لا يشترط له الرؤية</span>.\n• ذهب مالك إلى أنَّ الرجل ليس له أن يلاعن إلا أن يرى الزنى، أو ينكر حملها؛ لأنَّ هذا هو الذي حصل لهلال بن أمية.\n• وذهب أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة إلى عدم اشتراط ذلك؛ لعموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية، وهو قول عطاء، وأبي ثور وغيرهم. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4702>مسألة [٤]: هل يحكم باللعان لكل زوج قذف زوجته</span>؟\n• جماعةٌ من أهل العلم على عمومه لكل زوج، سواء كان الزوجان مسلمين، أو كافرين، أو عدلين، أو فاسقين، أو محدودين في قذف، أو كان أحدهما كذلك، وهذا قول سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والحسن، وربيعة، ومالك،\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الكبير» (١٠/ ٥٠٥ - ٥٠٦) «البيان» (١٠/ ٤٠٤ -) «المحلى» (١٩٤٧) «المغني» (١١/ ١٣٦ - ١٣٧).\n(^٢) انظر: «البيان)» ١٠/ ٤٠٦ - ٤٠٧) «المغني» (١١/ ١٣٦) «البداية» (٣/ ١٦٢).","vol":"8","page":658},{"text":"وأحمد، وإسحاق.\nواستدلوا بعموم الآية ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، ولأنها أيمان فتصح منهم.\n• وذهب بعضهم إلى أنَّ اللعان لا يصح إلا من مسلمين، عدلين، بالغين، حرين، غير محدودين في قذف.\nوهذا قول الزهري، والثوري، والأوزاعي، وحماد، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية؛ لأنَّ اللعان شهادة بتنصيص الآية، ولا تصح الشهادة من الكافر، والفاسق، والعبد، وهو قول الشافعي.\n• وعن مكحول: ليس بين المسلم والذمية لعان.\n• وعن عطاء، والنخعي في المحدود في القذف: يضرب الحد، ولا يلاعن.\nوالصحيح القول الأول؛ فإن اللعان يمين لا يفتقر إلى ما شرطوه، كسائر الأيمان، ويدل على أنه يمين قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لولا الأيمان؛ لكان لي ولها شأن». (^١)\nولأنه يفتقر إلى اسم الله تعالى، ويستوي فيه الذكر والأنثى، وتسميته شهادة؛ فلقوله في يمينه: (أشهد بالله) فسُمِيَّ بذلك شهادة، وإن كان يمينًا، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] الآيتين، وقد أطال ابن القيم في الكلام على هذه المسألة، فأفاد. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (١/ ٢٣٨ -)، وأبو داود (٢٢٥٦)، من حديث ابن عباس، وفي إسناده: عباد ابن منصور، وفيه ضعف.\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٢٢ - ١٢٤) «البيان» (١٠/ ٤٤٦) «المحلى» (١٩٤٨) «زاد المعاد» (٥/ ٣٥٩ -).","vol":"8","page":659},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4703>مسألة [٥]: هل يشمل الحكم السابق الغير مدخول بها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١٢٤): وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الزَّوْجَةِ مَدْخُولًا بِهَا، أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، فِي أَنَّهُ يُلَاعِنُهَا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، مِنْهُمْ: عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَالشَّافِعِيُّ، بِظَاهِرِ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾.\nقال: فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا؛ فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ مِنْهُ. كَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا صَدَاقَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِلِعَانِهِمَا جَمِيعًا، فَأَشْبَهَ الْفُرْقَةَ لَعَيْبٍ فِي أَحَدِهِمَا. اهـ\nوقال بقول الحسن وسعيد بن جبير: الشعبي، والأوزاعي، وابن المنذر.\nوالرواية الأخرى، قال بها الزهري، وأبو بردة، وهذا القول أقرب فيما يظهر لي؛ لأن الله ﷿ أمر بنصف الصداق في حال الطلاق، وليس ههنا طلاق، ولأنه لم يصب منها شيئًا.\nوفي المسألة قول ثالث: وهو أن لها الصداق كاملًا، وهو قول الحكم، وأبي الزناد، وحماد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4704>مسألة [٦]: إذا قذف الطفل زوجته، وإذا جاءت بولد</span>؟\nلا يصح من الطفل القذف، ولا يلزم به حد عند أهل العلم؛ لأنه مرفوع\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (٩/ ٤٦٤).","vol":"8","page":660},{"text":"عنه القلم.\nفإن أتت امرأته بولد؛ فإن كان لدون عشر؛ لم يلحقه الولد، ويكون منفيًّا عنه؛ لأن الله عزوجل لم يجر العادة بأن يولد له لدون ذلك، فينتفي عنه كما لو أتت به المرأة لدون ستة أشهر منذ تزوجها.\n• وإن كان ابن عشر فصاعدًا، فقال بعض الحنابلة: لا يلحق به أيضًا إلا بعد البلوغ؛ لأنَّ الولد لا يلحق إلا من الماء، ولو أنزل؛ لبلغ.\n• وقال بعض الحنابلة، منهم ابن حامد: يلحق به، وهو ظاهر كلام أحمد، وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّ الولد يلحق بالإمكان، وإن خالف الظاهر، وهذا أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4705>مسألة [٧]: إذا قذف المجنون زوجته، وإذا جاءت بولد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١٢٦): لَا حُكْمَ لِقَذْفِهِ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ عَنْهُ مَرْفُوعٌ أَيْضًا، وَإِنْ أَتَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ، فَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ؛ لِإِمْكَانِهِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى نَفْيِهِ مَعَ زَوَالِ عَقْلِهِ، فَإِذَا عَقَلَ، فَلَهُ نَفْيُ الْوَلَدِ حِينَئِذٍ وَاسْتِلْحَاقُهُ.\nقال: وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ ذَاهِبَ الْعَقْلِ حِينَ قَذْفِهُ، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ، وَلِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِمَا قَالَ؛ ثَبَتَ قَوْلُهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَالَةٌ عُلِمَ فِيهَا زَوَالُ عَقْلِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالظَّاهِرَ الصِّحَّةُ وَالسَّلَامَةُ. وَإِنْ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٢٥) «البيان» (١٠/ ٤٤٦) «الإجماع» لابن المنذر (١٠٨).","vol":"8","page":661},{"text":"عُرِفَتْ لَهُ حَالَةُ جُنُونٍ، وَلَمْ تُعْرَفْ لَهُ حَالَةُ إفَاقَةٍ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ عُرِفَتْ لَهُ حَالَةُ جُنُونٍ وَحَالَةُ إفَاقَةٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ. اهـ\nقلتُ: والأقرب أنَّ القول قوله؛ لأنَّ الأصل براءة ذمته من الحد، فلا يجب بالشك، ولأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4706>مسألة [٨]: إذا لم يلاعن الزوج، فهل يلحقه النسب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١٢٩): وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا لِعَانَ فِيهِ فَالنَّسَبُ لَاحِقٌ فِيهِ وَيَجِبُ بِالْقَذْفِ مُوجَبُهُ مِنْ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاذِفُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا؛ فَلَا ضَرْبَ فِيهِ وَلَا لِعَانَ. كَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُوعُبَيْدٍ وَأَبُوثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ: وَلَا أَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4707>مسألة [٩]: إذا قذف أجنبية، فهل له إسقاط الحد عن نفسه باللعان</span>؟\nاللعان خاصٌّ بالزوجين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور:٦] الآيات، فإذا قذف أجنبية؛ فعليه حد القذف؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور:٤] الآيتين، وهذا الحكم لا خلاف فيه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4708>مسألة [١٠]: إذا قذف أمته بالزنى، فهل عليه اللعان، أو الحد</span>؟\nفي «الصحيحين» عن أبي هريرة (، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من قذف مملوكه\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٢٩).","vol":"8","page":662},{"text":"بالزنى؛ يُقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال». (^١)\nوقد نقل النوويُّ الإجماعَ على أنه لا حدَّ على من قذف مملوكه.\nومن ليس عليه الحد؛ فليس عليه اللعان، والله عزوجل خصَّ ذلك بالزوجات، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ الآية، قال ابن عبد البر: وأجمع العلماء على أنْ لا لعان بين الأمة وسيدها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4709>مسألة [١١]: إذا ولدت أمته ولدًا، فهل له أن ينتفي منه، وهل يلاعن على ذلك</span>؟\nإن لم يعترف بوطئها؛ لم يلحقه نسبه، ولم يحتج إلى نفيه، ولا تصير فراشًا عند أهل العلم.\n• وأما إن كان قد وطئها؛ فإنها تصير فراشًا عند الجمهور، وإن جاءت بولد لمدة الحمل من يوم الوطء؛ لحقه، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي.\n• وقال الثوري، وأبو حنيفة: لا تصير فراشًا له حتى يقر بولدها، فإذا أقرَّ به صارت فراشًا له، ولحقه أولادها بعد ذلك؛ لأنها لو صارت فراشًا بالوطء؛ لصارت فراشًا بإباحته، كالزوجة.\nواستدل الجمهور بحديث عائشة في «الصحيحين» عند أن نازع سعد بن أبي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٨٥٨)، ومسلم برقم (١٦٦٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٢٩) «شرح مسلم» (١١/ ١٣١ - ١٣٢) «بداية المجتهد» (٣/ ١٦٥) «التمهيد» (٨/ ١٨٤).","vol":"8","page":663},{"text":"وقاص عبدَ ابن زمعة في ابن وليدة زمعة، فقال عبدٌ: هو أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. وقال سعد: ابن أخي عتبة، عهد إليَّ أنه ولده. فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر». (^١)\nقال ابن قدامة -﵀-: وَقِيَاسُهُمْ الْوَطْءَ عَلَى الْمِلْكِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْوَلَدُ بِدُونِ الْوَطْءِ، وَيُفَارِقُ النِّكَاحَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُرَادُ إلَّا لِلْوَطْءِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، وَلَا يَنْعَقِدُ فِي مَحَلٍّ يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِيهِ. اهـ\nوالصحيح هو قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4710>مسألة [١٢]: فهل له أن ينتفي من ولد أمته الذي يلحقه شرعًا</span>؟\nإذا ادَّعى أنه استبرأها بعد وطئه لها بحيضة؛ فينتفي بذلك، وإن ادعى أنه كان يعزل عنها؛ لم ينتف عنه بذلك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال للذي يعزل: «سيأتيها ما قدر لها»، ثم حملت، أخرجه مسلم (١٤٣٩) من حديث جابر -﵁-، وقال: «كذبت يهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه». (^٣)\n• وإذا ادعى الوطء في غير الفرج، فوجهان للحنابلة، والشافعية.\nوإن ادعى الاستبراء، فهل يستحلف؟\n_________\n(^١) سيأتي في «البلوغ» برقم (٣١٢٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٢٩ - ١٣٠) «البيان» (١٠/ ٤٤١ - ٤٤٢).\n(^٣) تقدم تخريجه في «البلوغ» برقم (١٠٢٤).","vol":"8","page":664},{"text":"للحنابلة وجهٌ أنه يقبل قوله بغير يمين، كالمرأة تدعي انقضاء عدتها، ولهم وجه أنه يستحلف، وهو مذهب الشافعي؛ لعموم قوله ﵊: «ولكن اليمين على المدعى عليه»؛ ولأنَّ الاستبراء غير مختص به؛ فلم يقبل قوله فيه بغير يمين كسائر الحقوق بخلاف العدة.\n• ومتى لم يدعِ الاستبراء؛ لحقه ولدها، وليس له أن ينتفي عنه، هذا مذهب الحنابلة، وإمامهم.\n• وقال الشافعي وأصحابه: له أن ينتفي منه إذا لم يرضه. والمشهور عن الشافعي: بغير لعان. وعنه قولٌ أنه ينتفي عنه بلعان.\nوالصحيح قول الحنابلة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4711>مسألة [١٣]: إذا نكح امرأة نكاحًا فاسدًا، ثم قذفها</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية أنه إن كان بينهما ولد؛ فله أن يلاعن لنفيه، ولا حدَّ عليه، وإن لم يكن بينهما ولدٌ؛ حُدَّ ولا لعان بينهما؛ لأنه ولد يلحقه بحكم عقد النكاح؛ فكان له نفيه كما لو كان النكاح صحيحًا، ويفارق إذا لم يكن ولد؛ فإنه لا حاجة إلى القذف؛ لكونها أجنبية.\n• وقال أبو حنيفة: يلحقه الولد، وليس له نفيه، ولا اللعان؛ لأنها أجنبية؛ فأشبهت سائر الأجنبيات.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٣٠ - ١٣١) «البيان» (١٠/ ٤٤٣ - ٤٤٤).","vol":"8","page":665},{"text":"وأُجيب عنه: بأنه يفارق سائر الأجنبيات بأنه لا يلحقه ولدهن؛ فلا حاجة به إلى قذفهن.\nقال الجمهور: ويفارق الزوجة؛ فإنه يحتاج إلى قذفها مع عدم الولد؛ لكونها خانته، وغاظته، وأفسدت فراشه، فإذا كان له منها ولد فالحاجة موجودة فيهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4712>مسألة [١٤]: إذا أبان زوجته، ثم قذفها بزنى أضافه إلى حال الزوجية</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، ومالك أنه إن كان بينها ولدٌ يريد نفيه؛ لاعن، وإلا حُدَّ ولم يلاعن؛ لما تقدم في المسألة السابقة، وثبت هذا القول عن ابن عباس -﵄-، كما في «الأوسط»، وسنن ابن منصور، ولكنه قيده في حال العدة.\n• وقال أبو حنيفة: يحد، ويلحقه الولد، ولا يلاعن في أي حال، وثبت هذا القول عن ابن عمر -﵄-، كما في «الأوسط»، وسنن ابن منصور.\n• وقال الحسن، وعثمان البتي: له أن يلاعن، وإن لم يكن بينهما ولد.\nوالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4713>مسألة [١٥]: إذا قذف مطلقته الرجعية</span>؟\n• عامة أهل العلم يقولون: يلاعن ما دامت حين قذفها في العدة. ثبت ذلك عن ابن عمر، ابن عباس -﵄-، وهو قول جابر بن زيد، والنخعي، والزهري،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٣٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٣٣) «البيان» (١٠/ ٤٣٩)، «الأوسط» (٩/ ٤٦٠).","vol":"8","page":666},{"text":"وقتادة، والشافعي، وإسحاق، وأحمد، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنها ما زالت زوجة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4714>مسألة [١٦]: إذا قذف زوجته، ثم أبانها</span>؟\n• له لعانها عند طائفة من أهل العلم، بل أكثرهم، وهو قول الحسن، والقاسم، ومكحول، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنه قذفها وهي زوجته، فتشمله آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾.\n• وقال الحارث العكلي، وجابر بن زيد، وقتادة، والحكم: يجلد.\n• وقال أصحاب الرأي، وحماد: لا حدَّ، ولا لعان؛ لأنَّ اللعان إنما يكون بين الزوجين، وليسا بزوجين، ولا يحد؛ لأنه لم يقذف أجنبية.\nوهذا قول باطل، والصحيح قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4715>مسألة [١٧]: إذا قذف أجنبية، ثم تزوجها</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ عليه الحد، ولا يلاعن؛ لأنَّ الحد وجب في حال كونها أجنبية، فلم يملك اللعان كما لو لم يتزوجها\nقال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٩/ ٤٦٦): وقال كل من نحفظ عنه من أهل العلم: إذا قذفها، وهي غير زوجة، ثم تزوجها: أن عليه الحد، ولا\n_________\n(^١) «المغني» (١١/ ١٣٣ - ١٣٤)، «الأوسط» (٩/ ٤٦٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٣٤) «البداية» (٣/ ١٦٣)، «الأوسط» (٩/ ٤٦١).","vol":"8","page":667},{"text":"يلاعن. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4716>مسألة [١٨]: إذا قذف امرأته بعد أن تزوجها بزنًى أضافه إلى ما قبل النكاح</span>؟\n• من أهل العلم من يقول: له أن يلاعن؛ لأنه قذف امرأته، فيشمله عموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، وهو قول الحسن، وزرارة بن أوفى، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يحد، وليس له اللعان، سواء كان ثمَّ ولد، أو لم يكن، وهو قول مالك، وأبي ثور، والشافعي في قول، والأوزاعي، والمشهور في مذهب أحمد، وروي عن ابن المسيب، والشعبي؛ لأنه قذفها قذفًا مضافًا إلى حال البينونة أشبه ما لو قذفها وهي بائن.\n• وقال الشافعي: إن لم يكن له ولد؛ حُدَّ ولم يلاعن. وفي مذهبه وجهان إن كان هناك ولد.\n• وقال أبو عبيد: إن أقام على ما كان قذفها به؛ فهو قاذف لها الآن فعليه اللعان كما قال الحسن، وزرارة بن أوفى، وإن قال: ليست الآن كذلك فعليه الحد لما قال الشعبي، ومالك.\nقال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: قول أبي عبيد أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١١/ ١٣٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٣٥) «البيان» (١٠/ ٤٣٨) «الإشراف» (٥/ ٣٢١) «الأوسط» (٩/ ٤٦٥).","vol":"8","page":668},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4717>مسألة [١٩]: قذف الأخرسِ وملاعنته</span>.\nأما إن لم تكن له إشارات مفهمة؛ فلا يصح عنه شيء من ذلك.\n• وإن كان له إشارات مفهمة في ذلك؛ صحَّ منه القذف، والملاعنة في مذهب مالك، والشافعي، وعليه أكثر الحنابلة، وابن حزم، كما يصح منه النكاح، والطلاق؛ ولقوله ﵊: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، وقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\n• ومن أهل العلم من يقول: لا يصح ذلك منه. وهو قول أحمد في رواية، وإسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي؛ لاحتمال أن لا يفهم منه، والحدود تُدرأ بالشبهات، ولأنَّ اللعان لفظٌ؛ فلا يصح بالإشارة والكناية، واختاره الشوكاني.\nقلتُ: والقول الأول هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4718>مسألة [٢٠]: هل يتعرض للرجل بحد القذف، أو اللعان بغير مطالبة المرأة</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية وغيرهم أنه لا يتعرض له بإقامة الحد عليه، ولا طلب اللعان منه حتى تطالبه زوجته بذلك؛ فإنَّ ذلك حق لها، فلا يقام من غير طلبها، واستدلوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٢٧ - ١٢٨) «القرطبي» (١٢/ ١٨٧) «البيان» (١٠/ ٤٤٦ -) «البداية» (٣/ ١٦٥) «السيل» (ص ٤٤٩) «الإنصاف» (٩/ ٢٤٥).","vol":"8","page":669},{"text":"عليكم حرام»، فأضاف العرض إلينا كإضافة الدم والمال.\n• وذهب أبو حنيفة، وابن حزم إلى أنه يُقام عليه الحد، وإن عَفَتِ المرأة، واشترط أبو حنيفة المطالبة، وقالوا: هو حق لله؛ فلا يسقط، وإن عفت المرأة عنه. والقول الأول أقرب والله أعلم، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين كما في «الشرح الممتع» (٦/ ١٦٥ -). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4719>مسألة [٢١]: هل للزوج أن يلاعن من غير طلب المرأة الحد</span>؟\n• لا يشرع اللعان عند أكثر أهل العلم في كل موضع يسقط فيه حد القذف، كعفو المرأة، أو إقامته البينة بزناها، أو حُدَّ حد القذف ثم أراد لعانها، إلا إذا كان هناك نسب يريد أن ينفيه.\n• وقال بعض الشافعية: له الملاعنة؛ لإزالة الفراش. والصحيح عند الشافعية كقول الجمهور؛ لأنَّ إزالة الفراش ممكنة بالطلاق، والتحريم المؤبد ليس بمقصود يشرع اللعان من أجله. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4720>مسألة [٢٢]: إذا كان هناك ولد، فما حكم الملاعنة</span>؟\n• مذهب الشافعية، والحنابلة أنَّ له أن يلاعن إذا أراد نفيه، وإن لم تطالب المرأة بذلك؛ لينفي عن نفسه النسب الباطل إن كان قد وقع الزنى.\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١٠/ ٤٠٧) (١٢/ ٤١٧) «المغني» (١١/ ١٣٨) «المحلى» (١٩٤٨) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٨٢) «المغني» (١٢/ ٣٨٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٣٨) «البيان» (١٠/ ٤٠٨) «المحلى» (١٩٤٨).","vol":"8","page":670},{"text":"• وظاهر كلام شيخ الإسلام الوجوب، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين.\n• وخالف في ذلك الحنفية، وبعض الظاهرية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4721>مسألة [٢٣]: إذا مات أحدهما قبل اللعان</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١٣٩): وَإِذَا قَذَفَهَا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ لِعَانِهِمَا، أَوْ قَبْلَ إتْمَامِ لِعَانِهِ؛ سَقَطَ اللِّعَانُ، وَلَحِقَهُ الْوَلَدُ، وَوَرِثَتْهُ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ لَمْ يُوجَدْ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ. وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ لِعَانَهُ، وَقَبْلَ لِعَانِهَا، فَكَذَلِكَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَبِينُ بِلِعَانِهِ، وَيَسْقُطُ التَّوَارُثُ، وَيَنْتَفِي الْوَلَدُ، وَيَلْزَمُهَا الْحَدُّ، إلَّا أَنْ تَلْتَعِنَ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ إكْمَالِ اللِّعَانِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ إكْمَالِ الْتِعَانِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا رَتَّبَ هَذِهِ الْأَحْكَامَ عَلَى اللِّعَان التَّامِّ. اهـ\nقلتُ: والذي يظهر لي أنَّ الولد لا يلحق به؛ لأنها إما أن تعترف بذلك فتحد حد الزنى، ولا يلحق الولد به، وما زالت زوجة ترثه؛ لأنها لم تلتعن.\nوإما أن لا تعترف فتلتعن، فعند ذلك تقع البينونة، ولا يلحق به الولد على الحالين، والله أعلم.\nوأما الفراق؛ فلا يقع إلا بإكمال اللعان منهما كما سيأتي إن شاء الله. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٣٨) «البيان» (١٠/ ٤٠٨) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٨٣) (١٥/ ٣٢٤) «الشرح الممتع» (٥/ ٦٢٥ - ٦٢٦) «الإنصاف» (٩/ ٢٥٨).\n(^٢) وانظر: «البيان» (١٠/ ٤٧٢ - ٤٧٣).","vol":"8","page":671},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4722>مسألة [٢٤]: إذا مات المقذوف قبل المطالبة بالحد، هل يسقط</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنَّ الحد يسقط، وليس للورثة المطالبة به؛ لأنه هو المالك للمطالبة، وإذا لم يطالب؛ لم يكن لغيره المطالبة عنه.\n• ومذهب الشافعية أنَّ المطالبة بالحد تورث؛ لأنها من حقوق المتوفَى.\nقلتُ: وقول الشافعية أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4723>مسألة [٢٥]: صفة اللعان</span>.\nصفته أنَّ الإمام يبدأ بالزوج فيقول له: قل أربع مرات: (أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنى) أو يسميها إن كانت غائبة.\nفإذا شهد أربع مرات وقفه الحاكم، وقال له: اتق الله؛ فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. ويأمر رجلًا فيضع يده على فيه حتى لا يبادر بالخامسة قبل الموعظة. ثم يأمر رجلًا فيرسل يده عن فيه؛ فإن رآه يمضي في ذلك، قال له: قل: (وأنَّ لعنة الله عليَّ إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنى).\nثم يأمر المرأة، ويقوله لها: قولي (أشهد بالله أنَّ زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى) فإذا كررت ذلك أربع مرات، وقفها ووعظها كما في حق الزوج؛ فإن رآها تمضي على ذلك قال لها: قولي (وأنَّ غضب الله عليَّ إن كان\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٤٠).","vol":"8","page":672},{"text":"زوجي هذا من الصادقين عليَّ فيما رماني به من الزنى). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4724>مسألة [٢٦]: إذا نَقَص من الأيمان واحدة، أو أكثر</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية أنه إن أخلَّ بواحدة منها؛ لم يصح اللعان، ولا تتعلق به الأحكام، وإن حكم بذلك الحاكم.\n• وقال أبو حنيفة: إذا شهد أحدهما مرتين، وأتى باللعان في الثالثة، وحكم الحاكم بالفرقة بذلك، ونفى النسب؛ فقد أخطأ ونفذ حكمه.\nواستدل الأولون على قولهم بأنَّ الله تعالى علَّق الحكم بالألفاظ الخمسة، وهو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4725>مسألة [٢٧]: هل يصح اللعان عند غير الحاكم</span>؟\nقال ابن رشد -﵀- في «البداية» (٣/ ١٦٦): وأجمعوا على أنَّ من شرط صحته أن يكون بحكم حاكم. اهـ\nوذكر غيره زيادة (أو نائبه)، وقال ابن عبد البر: هذا ما لا خلاف فيه. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4726>مسألة [٢٨]: هل يشترط الابتداء بالرجل</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية اشتراط ذلك، فإذا بدأت المرأة؛ لم يصح اللعان؛ لأنَّ الله عزوجل أمر باللعان كذلك، وفعله كذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «ومن عمل عملًا\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١٠/ ٤٥٠) «المغني» (١١/ ١٧٦ - ١٧٧) «البداية» (٣/ ١٦٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٧٧) «البيان» (١٠/ ٤٥٢).\n(^٣) انظر: «المغني» (١١/ ١٧٩) «البيان» (١٠/ ٤٤٩) «التمهيد» (٦/ ١٩٠ - ١٩١) «الزاد» (٥/ ٣٧٥).","vol":"8","page":673},{"text":"ليس عليه أمرنا؛ فهو رد»، وظاهر الآيات اعتبار الترتيب.\n• وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يشترط، ويصح اللعان إذا بدأت المرأة؛ لأنَّ المقصود الأيمان والشهادات، وقد حصلت، وإن لم يرتب. والقول الأول هو ظاهر ترجيح الإمام ابن عثيمين (، وقبله الإمام الشوكاني -﵀-، وهو الحق بلا ريب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4727>مسألة [٢٩]: هل يشترط أن تكون الأيمان بعد طلب الحاكم ذلك</span>؟\nاشترط ذلك الحنابلة، قالوا: فإن بادر أحدهما قبل أن يطالب منه الحاكم؛ لم يصح كما لو حلف قبل أن يحلفه الحاكم، وهو مذهب الشافعية أيضًا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4728>مسألة [٣٠]: زيادة: (فيما رميت به هذه من الزنى) بعد قوله: (من الصادقين) وكذلك المرأة بعد قولها: (من الكاذبين)</span>؟\n• اشترط ذلك جمع من الفقهاء من الحنابلة، والشافعية وغيرهم، والصحيح عدم اشتراط ذلك.\nقال الوزير ابن هبيرة الحنبلي -﵀-: ولا أراه يحتاج إليه؛ لأنَّ الله سبحانه أنزل ذلك وبينه، ولم يذكر هذا الاشتراط. اهـ\nوقال الشوكاني -﵀- في «السيل» (ص ٤٥١): قد علمنا اللهُ ﷾\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٥٢ - ١٥٣) (١١/ ١٧٩) «البيان» (١٠/ ٤٦٢) «السيل» (ص ٤٥١) «الشرح الممتع» (٥/ ٦٢٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٧٩) «روضة الطالبين» (٨/ ٣٥٢).","vol":"8","page":674},{"text":"كيف يقول المتلاعنان، فلا حاجة في الزيادة على ذلك، ولا في إحضار الولد. اهـ\nوقال بذلك ابن حزم، وشدد القول على من اشترط ذلك، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين؛ لأنَّ الأيمان لا تأويل فيها؛ لحديث: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» (^١)، وهو اختيار ابن القيم -﵀-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4729>مسألة [٣١]: هل يُشترط في اللعان كلمة (أشهد)</span>؟\n• الأصح عند الحنابلة، وهو وجه للشافعية أنه يُشترط أن يتلفظ بالشهادة مع اليمين؛ لأنَّ الله تعالى نصَّ على لفظ الشهادة، فإذا عدل عنه إلى غيره؛ لم يجزه.\n• ووجهٌ للحنابلة، والشافعية أنه يصح أن يبدل لفظة (أشهد) بقوله: (أحلف بالله) و(أقسم بالله) و(أولي بالله)؛ لأنَّ المقصود هو اليمين، وهذه الألفاظ صريحة فيه.\n• وبعض الحنابلة، والشافعية على جواز ترك كلمة (أشهد) والاقتصار على اليمين بدون هذا اللفظ، وهو قول ابن حزم، والشوكاني وغيرهم، وهو الأظهر، والله أعلم. (^٣)\nتنبيه: إن أبدل لفظة اللعن بالإبعاد؛ لم يصح عند أكثر الحنابلة، والشافعية، وإن أبدل لفظ اللعن بالغضب؛ لم يجز في قول جماعة من الحنابلة، والشافعية،\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١٣٦١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٧٨) «المحلى» (١٩٤٨) «البيان» (١٠/ ٤٥٠) «الزاد» (٥/ ٣٧٨ -).\n(^٣) انظر: «المغني» (١١/ ١٧٨) «البيان» (١٠/ ٤٥٣) «روضة الطالبين» (٨/ ٣٥٢).","vol":"8","page":675},{"text":"وأجازه جماعة منهم.\nوإن أبدلت المرأة لفظ الغضب باللعن؛ لم يجز عندهم، وإن أبدلته بالسخط ففيه وجهان. ورجح ابن القيم عدم إجزاء الإبدال مطلقًا، قال: وهو أصح القولين في مذهب أحمد، ومالك وغيرهما.\nقلتُ: الصحيح عدم إجزاء الإبدال مطلقًا كما ذكر ابن القيم -﵀- لقوله - ﷺ -: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» والله تعالى أعلى وأعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4730>مسألة [٣٢]: الالتعان بغير العربية</span>؟\nمن يحسن العربية؛ فلا يصح التعانه إلا بها؛ لأنَّ اللعان ورد في القرآن بلفظ العربية، ومن لا يحسن؛ جاز له الالتعان بلسانه مع حضور ترجمان. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4731>مسألة [٣٣]: هل يحتاج إلى نفي الولد عن نفسه في اللعان</span>؟\nقال ابن القيم -﵀- في «الزاد» (٥/ ٣٧٩): وَمِنْهَا: أَنّ الْحَمْلَ يَنْتَفِي بِلِعَانِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: وَمَا هَذَا الْحَمْلُ مِنّي. وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: وَقَدْ اسْتَبْرَأْتهَا. هَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَأَهْلِ الظّاهِرِ، وَقَالَ الشّافِعِيّ: يَحْتَاجُ الرّجُلُ إلَى ذِكْرِ الْوَلَدِ وَلَا تَحْتَاجُ الْمَرْأَةُ إلَى ذِكْرِهِ. وَقَالَ الْخِرَقِيّ وَغَيْرُهُ: يَحْتَاجَانِ إلَى ذِكْرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١٠/ ٤٥٣ - ٤٥٤) «المغني» (١١/ ١٧٨) «روضة الطالبين» (٨/ ٣٥٢) «زاد المعاد» (٥/ ٣٧٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٨٢) «الروضة» (٨/ ٣٥٣).","vol":"8","page":676},{"text":"الْوَلَدُ مِنْ زِنىً وَلَيْسَ هُوَ مِنّي. وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ، وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ أَصَحّ الْأَقْوَالِ، وَعَلَيْهِ تَدُلّ السّنّةُ الثّابِتَةُ. اهـ\nورجح ذلك الصنعاني أيضًا في «السبل» (٦/ ٢٦٧) وهو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4732>مسألة [٣٤]: التلاعن بحضرة الناس</span>.\nاستحبَّ أهل العلم للحاكم أن يجعل اللعان بمحضر جماعة من الناس يشهدونه؛ فإنَّ ابن عباس، وابن عمر، وسهل بن سعد (حضروه مع حداثة أسنانهم؛ فدل ذلك على أنه حضره جمعٌ كثير؛ فإنَّ الصبيان إنما يحضرون مثل هذا الأمر تبعًا للرجال، وقد قال سهل بن سعد فتلاعنا، وأنا مع الناس عند النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nقال ابن القيم -﵀-: وحِكمةُ هذا والله أعلم أنَّ اللعان بُني على التغليظ؛ مبالغةً في الردع والزجر، وفعله في الجماعة أبلغ في ذلك. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4733>مسألة [٣٥]: هل يغلظ اللعان في مكانه وزمانه</span>؟\n• من أهل العلم من قال بالتغليظ في المكان، كعند منبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إن كان بالمدينة، أو بين الركن والمقام إن كان بمكة، أو عند الصخرة إن كان ببيت المقدس، وفي غيرها في المساجد، وهذا قول الشافعي، وبعض الحنابلة، وكذلك قالوا بالتغليظ في الزمان، فيجعل في يوم الجمعة.\n• ومن أهل العلم من لم يقل بالتغليظ بذلك، وهو قول جماعة من الحنابلة،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١١/ ١٥٣ -).\n(^٢) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٣٧٦) «البيان» (١٠/ ٤٥٤) «المغني» (١١/ ١٧٤).","vol":"8","page":677},{"text":"وأبي حنيفة؛ لأنه لم يدل دليل على اعتبار ذلك، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4734>مسألة [٣٦]: السيد هل يلاعن بين عبده وأمته</span>؟\n• أجازه الشافعية، كما له أن يقيم الحد على أمته.\n• ومنع من ذلك الحنابلة كغيرهما من الأحرار والحرائر، وقالوا: لم يأت في الأدلة: أنَّ السيد أُبيح له الحد على أمته المتزوجة، وبالفرق بين الحد واللعان، فالحد زجر وتأديب، واللعان شهادة ويمين. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4735>مسألة [٣٧]: التلاعن قيامًا</span>.\nقال ابن القيم -﵀- في «الزاد» (٥/ ٣٧٦): وَمِنْهَا أي: فوائد أحاديث اللعان: أَنّهُمَا يَتَلَاعَنَانِ قِيَامًا، وَفِي قِصّةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيّةَ أَنّ النّبِيّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: «قُمْ فَاشْهَدْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَلله»، وَفِي «الصّحِيحَيْنِ» فِي قِصّةِ الْمَرْأَةِ: ثُمّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ. وَلِأَنّهُ إذَا قَامَ شَاهَدَهُ الْحَاضِرُونَ؛ فَكَانَ أَبْلَغَ فِي شُهْرَتِهِ، وَأَوْقَعَ فِي النّفُوسِ. اهـ\nوذكر نحو ذلك ابن قدامة في «المغني» (١١/ ١٧٥)، ثم قال: وليس ذلك واجبًا، وبهذا كله قال أبو حنيفة، والشافعي، ولا أعلم فيه مخالفًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4736>مسألة [٣٨]: موعظة الإمام للمتلاعنين</span>.\nقال ابن القيم -﵀- في «الزاد» (٥/ ٣٧٧): وَمِنْهَا: وَعْظُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَلَاعِنَيْنِ عِنْدَ إرَادَةِ الشّرُوعِ فِي اللّعَانِ، فَيُوعَظُ، وَيُذَكّرُ، وَيُقَالُ لَهُ: (عَذَابُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٧٥) «البيان» (١٠/ ٤٥٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٧٤).","vol":"8","page":678},{"text":"الدّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ)، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْخَامِسَةِ؛ أُعِيدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا كَمَا صَحّتْ السّنّةُ بِهَذَا وَهَذَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4737>مسألة [٣٩]: إذا لم تلاعن المرأة، وأبت</span>؟\n• من أهل العلم من قال: إذا أبت اللعان؛ وجب عليها الحد. وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، وبه قال مكحول، والشعبي، وهو قول شيخ الإسلام، وابن القيم؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور:٨]، وهذا يدل على أنَّ سبب العذاب الدنيوي قد وجد؛ فلا يزول عنها إلا باللعان، والله عزوجل جعل التعان الزوج بدلًا عن الشهود، وقائمًا مقامهم، بل جعل الأزواج الملتعنين شهداء، وصرَّح بأنَّ لعانهم شهادة.\n• ومن أهل العلم من قال: لا حدَّ عليها إذا لم تلاعن. وهو قول الحسن، والأوزاعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، وعثمان البتي، والحارث العكلي، وقالوا: إنما دلَّت الآية بالمفهوم على أنها تحد. وقالوا: لو كان لعان الرجل بينة توجب الحد عليها؛ لم تملك إسقاطه باللعان، وتكذيب البينة كما لو شهد عليها أربعة.\nقالوا: ولا يصح إثباته بنكول المرأة؛ لأنَّ الحد لا يثبت به؛ فإنه يُدْرأ بالشبهات، ولعلها نكلت لشدة حيائها، أو لعقلة لسانها؛ فلا يجوز إثبات الحد الذي اعتبر فيه من البينة ضعف ما اعتبر في سائر الحدود مع الشهادة بحقيقة الزنى، بشيء مشتبه.","vol":"8","page":679},{"text":"وقالوا: إنَّ المرأة إذا أقرَّت على نفسها بالزنى، ثم رجعت؛ قُبِل رجوعها، فكيف يثبت عليها الحد بالنكول.\nوقد أجاب ابن القيم -﵀- في «زاده» على هذه المعارضات، وبيَّن أنَّ اللعان حكمٌ بنفسه شرعه الله غير مردود إلى أحكام الدعاوى والبينات، وأنَّ الذي أوجب الحد هو مجموع التعانه مع نكولها في حال قدرتها على ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4738>مسألة [٤٠]: إذا قذف امرأته برجل بعينه</span>؟\nاختلف أهل العلم هل يُحد الرجل بقذفه للرجل المعين بامرأته؟\n• فمن أهل العلم من قال: يسقط الحد إذا لاعن امرأته؛ فلا يحد لقذفه لامرأته، ولا بقذفه للرجل. وهذا قول أحمد، وقال به الشافعي في قول، وقال بذلك بعض الشافعية، قالوا: وإن لم يلاعن يحد حدين. ولا خلاف بين الشافعية أنَّ الحد يسقط إذا ذكره في اللعان.\n• وقال مالك، وأبو حنيفة أيضًا: عليه الحد وإن لاعن. وهو قول بعض الشافعية فيما إذا لم يذكر الرجل في اللعان.\nوحجة أصحاب القول الأول أنه لم يَرِدْ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حدَّ هلال بن أمية بعد لعانه؛ لقذفه شريك بن سحماء بامرأته.\nوأجاب مالك، ومن معه: بأنه محمول على أنه لم يطالب بالحد.\n_________\n(^١) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٣٦٥ - ٣٧٤) «المغني» (١١/ ١٨٨ -) «البيان» (١٠/ ٤٦٥ -).","vol":"8","page":680},{"text":"قال ابن القيم -﵀- (٥/ ٣٨٣): وهذا ينقلب حجة عليكم؛ لأنه لما استقر عنده أنه لا حق له في هذا القذف؛ لم يطالب به، ولم يتعرض له، وإلا كيف يسكت عن براءة عرضه، وله طريق إلى إظهارها بحد قاذفه، والقوم كانوا أشد حمية وأنفة من ذلك.\nثم ذكر كلامًا ما معناه: أنَّ الشهادة قد أُقيمت مقام الشهود، وكما أنَّ شهادته وأيمانه درأت عنه الحد من طرف الزوجة؛ فكذلك تدرأ عنه من طرف المقذوف. وانظر بقية كلامه، وهو الراجح إن شاء الله. (^١)\nتنبيه: أكثر أهل العلم على أنَّ عليه حدين إذا لم يلاعن، وخالف بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، فقالوا: عليه حدٌّ واحد، وهو الأظهر؛ لأنه جمع القذف في وقت واحد، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4739>مسألة [٤١]: متى تحصل الفرقة بين المتلاعنين</span>؟\n• من الفقهاء من يقول: لا تحصل الفرقة حتى يفرق الحاكم بينهما بعد لعانهما. وهو قول بعض الحنابلة، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ في حديث المتلاعنين: «ففرق بينهما رسول الله - ﷺ -».\n• ومن أهل العلم من يقول: تحصل الفرقة بتلاعنهما، وبالفراغ منه، ولا يشترط في ذلك تفريق الحاكم، وهذا قول مالك، وأحمد في رواية، وجماعة من\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٨١) «البيان» (١٠/ ٤٦٣) «زاد المعاد» (٥/ ٣٨٣ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٨١) «البيان» (١٠/ ٤٦٤).","vol":"8","page":681},{"text":"أصحابه، وأبي ثور، وداود، وزفر، وابن المنذر.\nواستدل هؤلاء بأنَّ اللعان نفسه معنى يقتضي التحريم المؤبد؛ للحديث: «مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا»، وحديث: «قال: لا يجتمعان أبدًا» أخرجهما البيهقي (٧/ ٤٠١)، والدارقطني (٣/ ٢٧٥ -) من حديث ابن عمر، وسهل بن سعد -﵄-، وهما حديثان ثابتان.\nوحديث ابن عمر (الذي في «الصحيحين»: «لا سبيل لك عليها»، فهذه الأدلة تبين أنَّ الفرقة تحصل باللعان، فتفريق النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بينهما إنما كان تبعًا للحكم المترتب على اللعان، ولو كان الأمر للحاكم؛ لساغ له ألا يفرق بينهما إذا كره ذلك الزوجان.\nقالوا: وقوله «فرق النبي - ﷺ - بينهما» يحتمل أمورًا ثلاثة: إنشاء الفرقة، والثاني: الإعلام بها، والثالث: إلزامه بموجبها من الفرقة الحسية.\n• وذهب الشافعي إلى أنَّ الفرقة تحصل بانتهاء الزوج؛ لأنها فرقة حاصلة بالقول، فتحصل بقول الزوج وحده كالطلاق، ولا دليل على هذا القول؛ فإنَّ الأحاديث لم يأت فيها التفريق إلا بالفراغ من اللعان.\n• وقال أبو عبيد: تحصل الفرقة بمجرد القذف. وهذا القول ضعيف، والصحيح قول مالك ومن معه. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٤٤ -) «البيان» (١٠/ ٤٦٧) «الزاد» (٥/ ٣٨٨ -).","vol":"8","page":682},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4740>مسألة [٤٢]: إذا فرق الحاكم قبل تمام اللعان</span>؟\n• مذهب مالك، وأحمد أنَّ تفريقه باطل، لا عبرة به؛ لأنَّ الفرقة إنما تحصل بتمام اللعان.\n• وقال الشافعي: إنْ فرق بعد انتهاء الزوج؛ صحَّ. بناءً على ما اختاره في المسألة السابقة.\n• وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: إذا فرَّق بينهما بعد أن لاعن كل واحد منهما ثلاث مرات؛ أخطأ السنة، والفرقة جائزة، وإن كان أقل من الثلاث؛ فالفرقة باطلة.\nوهذا التفصيل لا دليل عليه، والصحيح قول مالك، وأحمد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4741>مسألة [٤٣]: هل فرقة اللعان فسخٌ، أم طلاقٌ</span>؟\n• ذهب أبو حنيفة إلى أنه طلاق؛ لأنها فرقة من جهة الزوج؛ فكان كذلك.\n• وذهب الجمهور، منهم: أحمد، والشافعي إلى أنه فسخ؛ لأنَّ اللعان ليس صريحًا بالطلاق، ولا نوى به الطلاق، ولو كان طلاقًا لوقع بلعان الزوج قبل لعان المرأة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4742>مسألة [٤٤]: هل التحريم الحاصل باللعان مؤبد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١٤٩): تحرم عليه باللعان مؤبدًا؛ فلا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٤٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ١٤٦).","vol":"8","page":683},{"text":"تحل له، ولا خلاف بين أهل العلم في أنه إذا لم يكذب نفسه لا تحل له، إلا أن يكون قولًا شاذًّا. اهـ\nواستدل على ذلك بما في «الصحيحين» عن ابن عمر (أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا سبيل لك عليها»، وبما أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٧٥)، والبيهقي (٧/ ٤٠١) من حديث سهل بن سعد قال: فتلاعنا عند رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ففرق رسول الله بينهما، وقال: «لا يجتمعان أبدًا»، وإسناده صحيح.\nوله شاهد من حديث علي (قال: مضت السنة في المتلاعنين ألَّا يجتمعا أبدًا. أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٧٦)، والبيهقي (٧/ ٤١٠)، وفي إسناده قيس بن الربيع، وفيه ضعف.\nوكذلك جاء عن ابن مسعود أنه قال: مضت السنة في المتلاعنين ألا يجتمعا أبدًا. وفي إسناده كذلك قيس، ولهما حكم الرفع، أخرجه الدارقطني، (٣/ ٢٧٦).\nوجاء عن عمر (من طريق: النخعي عنه أنه قال: يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدًا. أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٥١)، وعبدالرزاق (١٢٤٣٣)، وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه.\nواختلف أهل العلم فيما إذا كذَّب نفسه، فهل تحل له بعد ذلك؟\n• فعامة أهل العلم على أنها تحرم عليه مؤبدًا، وإن كذب نفسه؛ لعموم الأحاديث، والآثار المتقدمة، وبه قال الحسن، وعطاء، وجابر بن زيد، والنخعي، والزهري، والحكم، ومالك، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، والشافعي،","vol":"8","page":684},{"text":"وأبو عبيد، وأبو ثور وغيرهم.\n• وعن أحمد رواية: إن أكذب نفسه؛ حلت له. قال ابن قدامة: وهي رواية شاذة، شذ بها حنبل عن أصحابه. قال أبو بكر: لا نعلم أحدًا رواها غيره.\n• وقال عثمان البتي: اللعان لا يتعلق به فرقة؛ لقوله «فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره ...» في حديث سهل.\n• وقال سعيد بن المسيب: إن أكذب نفسه؛ فهو خاطب من الخطاب. وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن.\n• وقال سعيد بن جبير: ترد إليه ما دامت في العدة.\nوالصحيح القول الأول، وهو قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4743>مسألة [٤٥]: إن كانت الملاعنة أمة، ثم اشتراها ملاعنها، فهل يحل له وطؤها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١٥٠): فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَاشْتَرَاهَا مُلَاعِنُهَا؛ لَمْ تَحِلَّ لَهُ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ، فَحَرُمَتْ بِهِ عَلَى مُشْتَرِيهَا، كَالرَّضَاعِ، وَلِأَنَّ الْمُطَلِّقَ ثَلَاثًا إذَا اشْتَرَى مُطَلَّقَتَهُ، لَا تَحِلُّ لَهُ قَبْلَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ، فَهَاهُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ مُؤَبَّدٌ، وَتَحْرِيمُ الطَّلَاقِ لَيْسَ بِمُؤَبَّدٍ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ يَخْتَصُّ النِّكَاحَ، وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٤٩) «زاد المعاد» (٥/ ٣٩١) «سنن البيهقي» (٧/ ٤٠٩ - ٤١٠).\n(^٢) وانظر: «زاد المعاد».","vol":"8","page":685},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4744>مسألة [٤٦]: إذا أكذب نفسه، فهل يُقام عليه الحد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١٥٠): الرَّجُلُ إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ؛ فَلَهَا عَلَيْهِ الْحَدُّ، سَوَاءٌ أَكْذَبَهَا قَبْلَ لِعَانِهَا أَوْ بَعْدَهُ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4745>مسألة [٤٧]: هل يلحقه نسب الولد إذا أكذب نفسه</span>؟\nإن كان الولد حيًّا؛ لحقه بلا خلاف؛ لأنَّ في ذلك مصلحة للولد بحفظ نسبه.\n• وإن كان ميتًا فكذلك عند الجمهور.\n• وقال الثوري: لا يلحقه الميت إن كان ذا مال.\n• وقال أصحاب الرأي: إن كان الولد الميت ترك ولدًا؛ ثبت نسبه من المستلحق، وتبعه نسب ابنه، وإن لم يكن ترك ولدًا؛ لم يصح استلحاقه، ولم يثبت نسبه. والصحيح قول الجمهور إلا أن تظهر قرائن واضحة أنه يريد الميراث، وأنه لم يستلحقه إلا من أجله؛ فلا يثبت كما تقدم في الإقرار، والله أعلم. ورجَّح الشوكاني قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4746>مسألة [٤٨]: إذا أراد اللعان أثناء إقامة الحد عليه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١٥١): فَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ بَعْضَهُ، فَبَذَلَ اللِّعَانَ، وَقَالَ: أَنَا أُلَاعِنُ. قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ يُسْقِطُ جَمِيعَ الْحَدِّ، فَيُسْقِطُ بَعْضَهُ، كَالْبَيِّنَةِ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٥٠، ١٥٦) «السبل» (ص ٤٥٢).","vol":"8","page":686},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4747>مسألة [٤٩]: حكم القذف لامرأته</span>.\nمن القذف ما يكون واجبًا، كأن يرى امرأته تزني في طهرٍ لم يصبها فيه، واعتزلها حتى تبين حملها من الزاني؛ لزمه قذفها، ونفي ولدها؛ لأنه إذا لم يفعل لحقه الولد، وورثه، وورث أقاربه، وورثوا منه، ونظر إلى بناته، وأخواته، وليس ذلك بجائز.\nومنه ما يكون جائزًا، كأن يتحقق الرجل زناها، وليس هناك ولد، فيجوز له قذفها، والأفضل أن يسترها، ويطلقها.\nومنه ما يكون محرمًا، وهو أن يقذف زوجته بمجرد شكوك، وأوهام، أو ما أشبه ذلك؛ فهذا من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4748>مسألة [٥٠]: إذا قال الرجل: ليس هذا ولدي، ولكني لا أرميها بالزنى</span>؟\nأو قال: لقد وطئت بشبهة. أو قال: اغتصبت على الزنى. أو أكرهت. أو لم يجزم بواحدة، لكن بنفي ولده.\n• فمذهب الحنابلة، والحنفية أنه لا حد عليه، ولا لعان؛ لأنه لم يقذفها بالزنى.\n• وذكر القاضي رواية فيما إذا قال: أكرهت على الزنى. بأنَّ له اللعان؛ لأنه محتاج إلى نفي الولد. وهو قول الشافعي. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٥٧) «البيان» (١٠/ ٤٠١ -) (١٠/ ٤٢٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٦٥ - ١٦٦) «الشرح الممتع» (٥/ ٦٣٠) «البيان» (١٠/ ٤٢٦ - ٤٢٨).","vol":"8","page":687},{"text":"وإذا قال الزوج: ليس بولدي إنما التقطته، أو استعارته؟\nفهذا القول لا يعتبر قذفًا.\n• وإن ادَّعت المرأة أنه ولده؛ فالجمهور على أنه يقبل قولها بالبينة؛ لأنَّ الولادة يمكن إقامة البينة عليها، والأصل عدمها، هذا قول الحنابلة، والشافعية، والحنفية، وأبي ثور.\n• وقال بعض الحنابلة: يقبل قولها بغير بينة، كالحيض، والحمل. والصحيح أنه يلزمها أن تقيم البينة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4749>مسألة [٥١]: إذا قذف امرأته وهي صغيرة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١٢٦): فَإِنْ كَانَتْ طِفْلَةً لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا، فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ يُتَيَقَّنُ كَذِبُهُ فِيهِ، وَبَرَاءَةُ عِرْضِهَا مِنْهُ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ حَدٌّ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَهْلُ الدُّنْيَا زُنَاةٌ. وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ؛ لِلسَّبِّ، لَا لِلْقَذْفِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي التَّعْزِيرِ إلَى مُطَالَبَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لَتَأْدِيبِهِ، وَلِلْإِمَامِ فِعْلُهُ إذَا رَأَى ذَلِكَ؛ فَإِنْ كَانَتْ يُجَامَعُ مِثْلُهَا، كَابْنَةِ تِسْعِ سِنِينَ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهَا وَلَا لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ حَتَّى تَبْلُغَ، فَإِذَا بَلَغَتْ فَطَالَبَتْ، فَلَهَا الْحَدُّ، وَلَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ، وَلَيْسَ لَهُ لِعَانُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ يُرَادُ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ أَوْ نَفْي الْوَلَدِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ قَبْلَ بُلُوغِهَا، وَلَا وَلَدَ فَيَنْفِيَهُ. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٦٧).\n(^٢) وانظر: «البيان» (١٠/ ٤٠٩) «الشرح الممتع» (٥/ ٦٢٨ - ٦٢٩).","vol":"8","page":688},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4750>مسألة [٥٢]: إن قذف امرأته المجنونة</span>؟\nذكر أهل العلم أنه إن قذف امرأته بزنى أضافه إلى حال الإفاقة؛ فإنه لا يقام عليه الحد، ولا لعان حتى تفيق، فإما أن تعترف، وإما أن تطالب بالحد، وله أن يزيل الحد باللعان.\n• وإن كان هناك ولد يريد نفيه، فمذهب الحنابلة، والحنفية أنه لا يلاعن حتى تفيق، ويلحقه الولد حتى يحصل اللعان.\n• ومذهب الشافعي أن له أن يلاعن لنفيه عن نفسه، وهذا أقرب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٢٧) «الشرح الممتع» (٥/ ٦٢٨ - ٦٢٩).","vol":"8","page":689},{"text":"١٠٩٥ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطًا، فَهُوَ لِزَوْجِهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا، فَهُوَ لِلَّذِي رَمَاهَا بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nدلَّ هذا الحديث على صحة اللعان من المرأة الحامل.\n• والجمهور على أنه يصح أن يلاعن حتى على نفي الولد، ولا يشترط انتظاره حتى تلد؛ لظاهر حديث الباب.\n• ومذهب الحنفية، وأحمد في رواية: لا لعان لنفي الحمل حتى تضع؛ لجواز أن يكون ريحًا، أو غيرها، فيصبح اللعان معلقًا بشرط وجوده، فلا يصح.\nوالصحيح أنه يجوز اللعان لنفي الحمل، ولا يشترط ذكر ذلك في اللعان كما تقدم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٤٩٦) بنحوه. ولم يخرجه البخاري.\n(^٢) وانظر: «المغني» (١١/ ١٦١) «سبل السلام» (٦/ ٢٦٧) «البيان» (١٠/ ٤٣٢).","vol":"8","page":690},{"text":"١٠٩٦ -\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ الخَامِسَةِ عَلَى فِيهِ، وَقَالَ: «إنَّهَا مُوجِبَةٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nدل هذا الحديث على أنه يستحب للحاكم أن يأمر رجلًا أن يضع يده عند الخامسة على في الرجل؛ حتى لا يتعجل بها قبل أن يسمع الموعظة، ثم يعظه الحاكم، ويذكره بالله، وأنَّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.\nواستحب بعض الفقهاء أن يفعل ذلك في المرأة أيضًا، ولا دليل على ذلك؛ فإنه لم يرو أنه أمر بوضع يدِ أحدٍ على فم المرأة، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) أخرجه أبوداود (٢٢٥٥)، والنسائي (٦/ ١٧٥)، وإسناده حسن.","vol":"8","page":691},{"text":"١٠٩٧ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -﵁- -فِي قِصَّةِ المُتَلَاعِنَيْنِ- قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إنْ أَمْسَكْتهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nاستدل بهذا الحديث مَن قال: إنَّ اللعان لا يقع إلا بتفريق الحاكم، ومن قال: إنَّ اللعان طلاق لا فسخ. وهذا غير صحيح؛ فقد دل الحديث بطرقه الأخرى مع الأحاديث الأخرى أنَّ الفرقة تقع باللعان نفسه، وأنه فسخٌ، وليس بطلاق.\nوهذا الفعل من قول عويمر العجلاني -﵁-، وليس بحجة، وقد تقدم ذكر المسألتين سابقًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣٠٨)، ومسلم (١٤٩٢).","vol":"8","page":692},{"text":"١٠٩٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، قَالَ: «غَرِّبْهَا»، قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي، قَالَ: «فَاسْتَمْتِعْ بِهَا». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَالبَزَّارُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^١)\nوَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- بِلَفْظِ قَالَ: «طَلِّقْهَا»، قَالَ: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا، قَالَ: «فَأَمْسِكْهَا». (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديث\nقال المغربي -﵀- في «البدر التمام» (٤/ ١٦٠): اختلف العلماء في معنى ذلك، فقيل: معناه الفجور، وأنها لاتمتنع ممن يطلب الفاحشة. وبهذا قال أبو عبيد، والخلال، والنسائي، وابن الأعرابي، والخطابي، والغزالي، والنووي، واستدل به الرافعي على أنه لا يجب تطليق من فسقت بالزنى إن كان الرجل لا يقدر على مفارقتها. وقيل: المراد أنها تُبَذِّر ولا تمنع أحدًا طلب منها شيئًا من مال زوجها. وبهذا قال أحمد، والأصمعي، ومحمد بن ناصر، ونقله عن علماء الإسلام، وابن الجوزي، وأنكر على من ذهب إلى القول الأول، وقال في «النهاية»: وهو أشبه\n_________\n(^١) ضعيف منكر. أخرجه أبوداود (٢٠٤٩)، وأخرجه أيضًا النسائي (٦/ ١٦٩ - ١٧٠)، من طريق الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة عن ابن عباس به.\nوهذا الحديث ظاهر إسناده الحسن، ولكن قال أحمد: هو حديث منكر. وقال النسائي: هذا الحديث ليس بثابت. وقال الدارقطني: تفرد به الحسين بن واقد، وتفرد به عنه الفضل بن موسى.\n(^٢) أخرجه النسائي (٦/ ٦٧ - ٦٨، ٧٠)، ورجح النسائي أنه من مراسيل عبدالله بن عبيد بن عمير، ومن وصله بذكر ابن عباس فقد وهم.","vol":"8","page":693},{"text":"بالحديث؛ لأنَّ المعنى الأول يشكل على ظاهر قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]، وإن كان في معنى الآية وجوهٌ كثيرة. اهـ\nقال الصنعاني -﵀- في «السبل» (٦/ ٢٧١): الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فِي غَايَةٍ مِنْ الْبُعْدِ، بَلْ لَا يَصِحُّ؛ لِلْآيَةِ وَلِأَنَّهُ - ﷺ - لَا يَأْمُرُ الرَّجُلَ أَنْ يَكُونَ دَيُّوثًا، فَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ، وَالثَّانِي بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ التَّبْذِيرَ إنْ كَانَ بِمَالِهَا فَمَنْعُهَا مُمْكِنٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ فَكَذَلِكَ، وَلَا يُوجِبُ أَمْرُهُ بِطَلَاقِهَا، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُتَعَارَفْ فِي اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ لَا يَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، كِنَايَةً عَنْ الْجُودِ؛ فَالْأَقْرَبُ الْمُرَادُ أَنَّهَا سَهْلَةُ الْأَخْلَاقِ، لَيْسَ فِيهَا نُفُورٌ وَحِشْمَةٌ عَنْ الْأَجَانِبِ، لَا أَنَّهَا تَأْتِي الْفَاحِشَةَ، وَكَثِيرٌ مِنْ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مَعَ الْبُعْدِ مِنْ الْفَاحِشَةِ، وَلَوْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهَا لَا تَمْنَعُ نَفْسَهَا عَنْ الْوِقَاعِ مِنْ الْأَجَانِبِ؛ لَكَانَ قَاذِفًا لَهَا. اهـ\nتنبيه: استدل بعض الشافعية وغيرهم بهذا الحديث على أنه يجوز للرجل أن يمسك امرأته الزانية، واستحبوا له الطلاق استحبابًا، والذي يظهر أنَّ المرأة إن لم تتب من ذلك؛ فلا يجوز له إبقاؤها تحت عصمته كما أشرنا إلى ذلك في كتاب النكاح والطلاق، والله أعلم.","vol":"8","page":694},{"text":"١٠٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ المُتَلَاعِنَيْنِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَتْ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللهُ جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ، احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\n١١٠٠ - وَعَنْ عُمَرَ -﵁- قَالَ: مَنْ أَقَرَّ بِوَلَدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ. أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وَهُوَ حَسَنٌ مَوْقُوفٌ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4751>مسألة [١]: متى يلحق الولد بالأب، وليس له أن ينتفي منه</span>؟\nذكر أهل العلم على أنَّ من ولدت زوجته التي أصبحت فراشًا له بولد في وقت يمكن أن يكون منه؛ فلا يجوز له الانتفاء منه، ويلحقه الولد؛ مالم يرها تزني، أو يخبره من يثق به بذلك؛ لأنه بذلك يعتبر قذفًا لامرأته وهي محصنة، فتشمله الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ [النور: ٢٣] الآية.\nواستدلوا بحديث أبي هريرة (الذي في الباب.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٢٢٦٣)، والنسائي (٦/ ١٧٩)، وابن ماجه (٢٧٤٣)، وابن حبان (٤١٠٨)، وفي إسناد ابن ماجه موسى بن عبيدة الربذي وهو شديد الضعف، وشيخه يحيى بن حرب وهو مجهول، وفي إسناد الباقين عبدالله بن يونس وهو مجهول. وضعفه الألباني -﵀- في «الضعيفة» (١٤٢٧).\n(^٢) ضعيف. أخرجه البيهقي (٧/ ٤١١ - ٤١٢)، وفي إسناده مجالد بن سعيد الهمداني وهو ضعيف.","vol":"8","page":695},{"text":"ومعنى «ينظر إليه»، أي: يعلم أنه منه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4752>مسألة [٢]: متى تكون المرأة فراشًا لزوجها؛ ليشمله الحكم السابق</span>؟\n• ذهب أبو حنيفة إلى أنَّ المرأة تكون فراشًا لزوجها بمجرد العقد حتى وإن لم يلتق بها، وهو قول ضعيف.\n• وذهب الجمهور إلى أنَّ المرأة تكون فراشًا لزوجها بالعقد مع إمكان الوطء.\n• وذهب أحمد في رواية حرب، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم إلى أنها تصير فراشًا إذا حصل حقيقة الوطء، وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو الصواب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4753>مسألة [٣]: إذا ولدت امرأته ولدًا في وقت لا يمكن أن يكون منه</span>؟\nنقل العِمراني -﵀- في «البيان» (١٠/ ٤١٨) الإجماع على أنه ينتفي عنه بغير لعان؛ لأنها لو أتت بولد بأقل من ستة أشهر عُلِم أنها علقت قبل حدوث الفراش. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4754>مسألة [٤]: إذا زنى رجل بامرأة، فولدت، فهل يلحقه الولد إذا استلحقه</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه لا يلحقه؛ للحديث: «الولد للفراش وللعاهر الحجر».\nوهذا القول رجحه الإمام ابن باز -﵀- واللجنة الدائمة والإمام الوادعي -﵀-.\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١٠/ ٤٢٨ -) «الشرح الممتع» (٥/ ٦٣٧).\n(^٢) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٤١٥) «الشرح الممتع» (٥/ ٦٤٠).\n(^٣) وانظر: «المغني» (١١/ ١٦٧ -).","vol":"8","page":696},{"text":"• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يلحقه إن لم يعارضه بالولد صاحب الفراش، وهو قول إسحاق، وعزاه إلى الحسن، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم؛ وذلك لأنه أبوه حقيقة، ولذلك لو كانت بنتًا لم يجز له الزواج بها، وفي حديث جريج: «من أبوك؟ قال: فلان الراعي» (^١)، وكما أنَّ الأم تعتبر أمًّا له وإن كان من زنى؛ فكذلك الأب، والحديث المذكور «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» (^٢)، المقصود به عندهم من اختلف فيه صاحب الفراش مع الزاني، بدليل سبب الحديث.\nوهذا القول هو الراجح، وقد نَصَره ابن القيم بكلام قوي، فراجعه. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4755>مسألة [٥]: إن وطئ امرأة بشبهة فأتت بولد</span>؟\n• يلحقه نسبه عند الجمهور؛ لأنه وطء لا يوجب الحد، وخالف بعض الحنابلة، كأبي بكر بن عبد العزيز، والصحيح قول الجمهور. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4756>مسألة [٦]: إن كان لا يطأ امرأته إلا دون الفرج، فجاءت بولد، فهل له نفيه</span>؟\n• من أهل العلم من قال: له نفيه. وهو قول بعض الحنابلة، وأكثر الشافعية؛ لأنَّ احتمال الحمل من ذلك بعيد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٤٣٦)، ومسلم برقم (٢٥٥٠)، عن أبي هريرة -﵁- في ضمن حديث طويل.\n(^٢) سيأتي الحديث في «البلوغ» (١١٢٢).\n(^٣) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٤٢٥ -) «الشرح الممتع» (٥/ ٦٣٧) «فتاوى اللجنة» (٢٠/ ٣٨٧).\n(^٤) انظر: «المغني» (١١/ ١٧١) «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٤).","vol":"8","page":697},{"text":"• وقال أكثر الحنابلة، والشافعية: ليس له نفيه؛ لاحتمال أن يمني عند فرجها، فيدخل شيء منه، فتحمل. ورجح ابن قدامة القول الأول.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١٥٩ - ١٦٠): فَأَمَّا إنْ وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا مَعَ الزِّنَا، وَيُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ الزَّانِي، مِثْلُ إنْ زَنَتْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ، أَوْ زَنَتْ فَلَمْ يَعْتَزِلْهَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا، أَوْ كَانَ لَا يَطَؤُهَا إلَّا دُونَ الْفَرْجِ، لَوْ كَانَ الْوَلَدُ شَبِيهًا بِالزَّانِي دُونَهُ، لَزِمَهُ نَفْيُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مَعَ الزِّنَا يُوجِبُ نِسْبَتَهُ إلَى الزَّانِي، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حَكَمَ بِوَلَدِ امْرَأَةِ هِلَالٍ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ، بِشَبَهِهِ لَهُ، مَعَ لِعَانِ هِلَالٍ لَهَا، وَقَذْفِهِ إيَّاهَا. وَأَمَّا إذَا أَتَتْ زَوْجَتُهُ بِوَلَدٍ، فَشَكَّ فِيهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَتِهِ لِزِنَاهَا، فَلَا يَحِلُّ لَهُ قَذْفُهَا، وَلَا لِعَانُهَا؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْفَزَارِيِّ. وَكَذَلِكَ إنْ عَرَفَ زِنَاهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ الزَّانِي، وَلَا وُجِدَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4757>مسألة [٧]: مقطوع الذكر والخصيتين، أو أحدهما هل يلحقه الولد</span>؟\nأما من كان مقطوع الذكر والخصيتين؛ فلا يلحقه الولد عند عامة أهل العلم.\n• وأما إن كان مقطوع الخصيتين فقط، فالجمهور على أنه لا يلحقه.\n• وخالف بعض الحنابلة، والشافعية، فقالوا: يلحقه.\n• وأما إن كان مقطوع الذكر فقط، فالجمهور على أنه لا يلحقه.\n• وقال جماعة من الحنابلة، والشافعية: يلحقه؛ لأنه يمكن أن يساحق، فينزل\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١٠/ ٤٣٢).","vol":"8","page":698},{"text":"ماء يخلق منه الولد.\nورد الجمهور ببعد هذا الاحتمال. «المغني» (١١/ ١٦٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4758>مسألة [٨]: إن غاب عن زوجته سنين، فتزوجت تظنه ميتًا، فجاءت من الآخر بولد</span>؟\n• يفسخ نكاح الثاني، وترد إلى الأول، وتعتد من الثاني، ولها عليه الصداق، والأولاد له عند عامة أهل العلم؛ لأنه انفرد بوطئها في نكاح يلحق النسب في مثله؛ فكان الولد له.\n• وقال أبو حنيفة: الولد للأول؛ لأنه صاحب الفراش، ولأنَّ نكاح الثاني غير صحيح.\nوالصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4759>مسألة [٩]: من ولدت امرأته ولدًا، فأقرَّ به، ثم أراد نفيه</span>؟\nدلَّ أثر عمر (الذي في الباب أنه ليس له نفيه بعد أن أقرَّ به، وجاء عن عمر أنه قضى بذلك في قضية حصلت في عهده، أخرجه البيهقي (٧/ ٤١١)، وهو من طريق: مخرمة بن بكير عن أبيه، ولم يسمع منه.\nقال المغربي -﵀- في «البدر التمام» (٤/ ١٦٢): وهذا مجمع عليه. اهـ\nكذا قال، وقد نُقل الخلاف عن الحسن.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٧١).","vol":"8","page":699},{"text":"قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١٦٥): وَقَالَ الْحَسَنُ: لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ، مَا دَامَتْ أُمُّهُ عِنْدَهُ يَصِيرُ لَهَا الْوَلَدُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى؛ فَإِنَّهُ أَقَرَّ بِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ جَحْدَهُ، كَمَا لَوْ بَانَتْ مِنْهُ أُمُّهُ، وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ جَحْدُهُ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4760>مسألة [١٠]: من سكت عن نفيه مع إمكانه، ثم أراد نفيه بعد ذلك</span>؟\n• قال بعض أهل العلم: ليس له نفيه بعد ذلك. وهذا قول أحمد، والشافعي، كخيار الشفعة.\n• وقال أبو حنيفة: له تأخير نفيه يومًا، ويومين؛ استحسانًا؛ لأنَّ النفي عقيب الولادة يشق، فقدر باليومين لقلته.\n• وقال أبو يوسف، ومحمد: يقدر بمدة النفاس؛ لأنها جارية مجرى الولادة في الحكم.\n• وحُكي عن عطاء، ومجاهد: له أن ينفيه مالم يعترف به. وهو اختيار الشوكاني. وهو الصحيح؛ لأنه قد يسكت؛ لينظر في أمره. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4761>مسألة [١١]: إن دُعي له بالولد، وهنئ به، فأمَّن أو دعا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ١٦٤): فَإِنْ هُنِّئَ بِهِ، فَأَمَّنَ عَلَى الدُّعَاءِ؛ لَزِمَهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. وَإِنْ قَالَ: أَحْسَنَ اللهُ جَزَاءَك. أَوْ: بَارَكَ اللهُ عَلَيْك.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٦٢ - ١٦٣) «السيل» (ص ٤٥٢) «البيان» (١٠/ ٤٣٣).","vol":"8","page":700},{"text":"أَوْ: رَزَقَكَ اللهُ مِثْلَهُ. لَزِمَهُ الْوَلَدُ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ جَازَاهُ عَلَى قَصْدِهِ. وَإِذَا قَالَ: رَزَقَكَ اللهُ مِثْلَهُ. فَلَيْسَ ذَلِكَ إقْرَارًا، وَلَا مُتَضَمِّنًا لَهُ.\nقال: وَلَنَا أَنَّ ذَلِكَ جَوَابُ الرَّاضِي فِي الْعَادَةِ، فَكَانَ إقْرَارًا، كَالتَّأْمِينِ عَلَى الدُّعَاءِ. اهـ\nقلتُ: إن أجاب الدعاء راضيًا بذلك؛ لزمه، وإن قصد المجازاة كما قال الشافعي؛ لم يلزمه الإقرار المذكور، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4762>مسألة [١٢]: إذا وُطِئَت امرأة متزوجة بشبهة</span>؟\nقال العِمراني -﵀- في «البيان» (١٠/ ٤٢٥): إن كان لرجل زوجة، فوطئها رجلٌ بشبهة؛ لزمها أن تعتد منه؛ فإن أتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهما؛ عرض الولد على القافة؛ لأنَّ لها مدخلًا في إلحاق النسب، ولا يلاعن الزوج لنفيه؛ لأنه يمكنه نفيه بغير لعان، ومتى أمكن نفي الولد بغير لعان؛ لم يكن له أن يلاعن؛ فإن ألحقته القافة بالواطئ انتفى عن الزوج بغير لعان، ولحق الولد بالواطئ، وليس له نفيه باللعان؛ لأنَّ اللعان يختص به الزوج، وإن ألحقته بالزوج انتفى عن الواطئ، ولحق بالزوج، وله نفيه باللعان، فإذا نفاه انتفى عنهما، وإن ألحقته القافة بهما، أو نفته عنهما، أو لم تكن قافة، أو كانت وأشكل عليها ترك إلى أن يبلغ سن الانتساب، ثم يؤمر بالانتساب إلى أحدهما؛ فإن انتسب إلى الزوج لحق به، ولا ينتفي عنه إلا باللعان، وإن انتسب إلى الواطئ لحق به، ولا ينتفي عنه باللعان؛ لأنَّ اللعان يختص به الزوج، والواطئ أجنبي. اهـ","vol":"8","page":701},{"text":"١١٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، قَالَ: «هَلْ لَك مِنْ إبِلٍ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَمَا ألوَانُهَا؟» قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ (^١)؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَنَّى ذَلِكَ؟» قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: «فَلَعَلَّ ابْنَك هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: وَهُوَ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4763>مسألة [١]: الانتفاء من الولد بمخالفة لونه وصفاته</span>.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٥٣٠٥): وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الزَّوْج لَا يَجُوز لَهُ الِانْتِفَاء مِنْ وَلَده بِمُجَرَّدِ الظَّنّ، وَأَنَّ الْوَلَد يَلْحَق بِهِ وَلَوْ خَالَفَ لَوْنه لَوْن أُمّه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ تَبَعًا لِابْنِ رُشْد: لَا خِلَاف فِي أَنَّهُ لَا يَحِلّ نَفْي الْوَلَد بِاخْتِلَافِ الْأَلْوَان الْمُتَقَارِبَة، كَالْأُدْمَةِ وَالسُّمْرَة، وَلَا فِي الْبَيَاض وَالسَّوَاد إِذَا كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِالْوَطْءِ وَلَمْ تَمْضِ مُدَّة الِاسْتِبْرَاء. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ فِي مَذْهَبه، وَإِلَّا فَالْخِلَاف ثَابِت عِنْد الشَّافِعِيَّة بِتَفْصِيلِ، فَقَالُوا: إِنْ لَمْ يَنْضَمّ إِلَيْهِ قَرِينَة زِنى؛ لَمْ يَجُزْ النَّفْي؛ فَإِنْ اِتَّهَمَهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ عَلَى لَوْن الرَّجُل الَّذِي اِتَّهَمَهَا بِهِ جَازَ النَّفْي عَلَى الصَّحِيح، وَفِي حَدِيث\n_________\n(^١) الأورق: هو الأسمر.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٣٠٥)، ومسلم (١٥٠٠).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٥٠٠) (١٩).","vol":"8","page":702},{"text":"اِبْن عَبَّاس الْآتِي فِي اللِّعَان مَا يُقَوِّيه. وَعِنْد الْحَنَابِلَة يَجُوز النَّفْي مَعَ الْقَرِينَة مُطْلَقًا، وَالْخِلَاف إِنَّمَا هُوَ عِنْد عَدَمهَا. اهـ\nقلتُ: عنى الحافظ بحديث ابن عباس -﵄- ما أخرجه البخاري (٤٧٤٧) عنه مرفوعًا: «إِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ، سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ؛ فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ»، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ الله؛ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ».\nوقد استدل به بعض الشافعية، والحنابلة على جواز النفي بدون قرينة أخرى، وحديث الباب حجة عليهم، والصحيح أنه لا يجوز ذلك، وصححه ابن قدامة.\nقال -﵀-: حَدِيْثُ ابنِ عَبَّاس إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَنْهُ، مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ لِعَانِهِ وَنَفْيِهِ إيَّاهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَجَعَلَ الشَّبَهَ مُرَجِّحًا لِقَوْلِهِ، وَدَلِيلًا عَلَى تَصْدِيقِهِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اسْتِقْلَالِ الشَّبَهِ بِالنَّفْيِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ زَالَ الْفِرَاشُ، وَانْقَطَعَ نَسَبُ الْوَلَدِ عَنْ صَاحِبِهِ، فَلَا يَثْبُتُ مَعَ بَقَاءِ الْفِرَاشِ الْمُقْتَضِي لُحُوقَ نَسَبِ الْوَلَدِ بِصَاحِبِهِ. اهـ\nومثل حديث ابن عباس السابق حديث أنس المتقدم في الباب.\nومن القرائن عند الحنابلة أن يكون الرجل يعزل عن امرأته، أو يجامعها في غير فرجها. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٥٨ - ١٦٠) «الفتح» (٥٣٠٥).","vol":"8","page":703},{"text":"فتح العلام\nفي دراسة أحاديث بلوغ المرام\nحديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\nتأليف\nأبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني\nفي دار الحديث بدماج\n\nالجزء التاسع\nتابع كِتَاب الطَّلاق - كتاب الحُدُود\nالعِدَّةُ وَالإحْدَادُ وَالاسْتِبْرَاءُ - الرَّضَاع - النَّفَقَات - الحَضَانَة - الدِّيَات - دَعْوَى الدَّمِ وَالقَسَامَةِ - قِتَالُ أَهْلِ البَغْيِ - قِتَالُ الجَانِي وَقَتْلُ المُرْتَدِّ - حَدُّ الزَّانِي - حَدُّ القَذْفِ\nحَدُّ السَّرِقَةِ - حَدُّ الشَّارِبِ وَبَيَانُ المُسْكِر - التَّعْزِيرُ وُحُكْم الصَّائِل","vol":"9","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4764>بَابُ العِدَّةِ وَالإحْدَاد وَالاسْتِبْرَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ</span>\nمعنى العدة:\nالعدة في اللغة: مأخوذة من العدد؛ لاشتمالها على عدد من الأيام، أو الأقراء، أو الأشهر.\nوفي الشرع: اسم لمدة تتربص بها المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها، أو فراقه لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4765>مسألة [١]: حكم العدة</span>.\nيجب على المرأة العدة من الوفاة، والطلاق بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].\nومن السنة: أحاديث الباب الآتية.\nوالإجماع واقع على وجوب العدة في الجملة، وأجمعوا على أنَّ المطلقة قبل المسيس لا عدة عليها؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩]. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٩٣ - ١٩٤) «البيان» (١١/ ٧ - ٨).","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4766>مسألة [٢]: هل تجب العدة على الذمية من زوجها المسلم، أو الذمي</span>؟\n• جمهور العلماء على وجوب العدة عليها؛ لعموم الآيات السابقة، ولأنَّ العدة للزوج فيها حق.\n• وقال أبو حنيفة: لا عدة عليها؛ لأنهم ليسوا مخاطبين بفروع الدين.\nوالصحيح قول الجمهور، وعدتها عدة المسلمة عند أحمد، والشافعي، وأبي عبيد، وأبي ثور، والثوري وغيرهم.\n• وخالف مالك، فقال: تعتد من الوفاة بحيضة. وأُجيب عنه بعموم الآية. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٩٤).","vol":"9","page":6},{"text":"١١٠٢ - عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ -﵁- أَنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ -﵂- نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَنَكَحَتْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١)، وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ». (^٢)\nوَفِي لَفْظٍ: أَنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. (^٣)\nوَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ:، وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَزَوَّجَ وَهِيَ فِي دَمِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\nتنبيه: قبل الشروع في الكلام على عدة الحامل نذكر عدة الحائل إن شاء الله تعالى وتحت ذلك مسائل كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4767>مسألة [١]: إذا خلا الرجل بامرأة بعد النكاح ولم يمسها، فهل عليها العدة إذا طلقها</span>؟\n• جمهور العلماء على وجوب العدة عليها، واستدلوا على ذلك بالآية ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقالو: فسَّرها جمعٌ من الصحابة والتابعين بأنها تشمل الجماع، ومقدماته، والخلوة بها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٣٢٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٣١٨) (٥٣١٩)، ومسلم (١٤٨٥) (١٤٨٤) من حديث أم سلمة وسبيعة الأسلمية -﵄-.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٤٩٠٩).\n(^٤) أخرجه مسلم عقب الحديث (١٤٨٤) (٥٦).","vol":"9","page":7},{"text":"• وذهب الشافعي في قوله الجديد، وبعض أهل العلم إلى أنه ليس عليها عدة؛ لظاهر الآية، قال: والمقصود بقوله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الجماع. وهذا القول هو الصحيح، وقد تقدمت المسألة عند الكلام على ثبوت المهر لها بذلك في باب الصداق من كتاب النكاح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4768>مسألة [٢]: كم عدة المطلقة الحائل</span>؟\nلا خلاف بين أهل العلم أنَّ عدتها ثلاثة قروء إذا كانت حرة.\n• واختلفوا فيما إذا كانت أمة، وسيأتي الكلام على ذلك، واختلفوا أيضًا في بيان معنى (القرء)، وستأتي المسألة أيضًا إن شاء الله تعالى.\nوالدليل على ما ذكر قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، ومثله لو كانت الطلقة بائنة عند عامة أهل العلم.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: هذا هو المعروف عند من بلغنا قوله من العلماء؛ فإن كان إجماعًا فهو الحق وإن وجد من قال: عليها الاستبراء فقط. فهذا وجهٌ قوي. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4769>مسألة [٣]: إن كانت المطلقة الحائل ممن لا تحيض</span>؟\nأجمع أهل العلم على أن عدتها ثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٩٧ - ١٩٨) «البيان» (١١/ ٧ - ٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ١٩٩) «البيان» (١١/ ١٤، ٢٧) «الفتاوى» (٣٢/ ٣٤٢)، وانظر لزامًا «زاد المعاد» (٥/ ٦٧٣).","vol":"9","page":8},{"text":"• فإن كان الطلاق في أول الهلال؛ اعتُبر ثلاثة أشهر بالأهلة؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وإن وقع الطلاق في أثناء الشهر؛ اعتدت بقيته، ثم اعتدت شهرين بالأهلة، ثم اعتدت من الشهر الثالث تمام ثلاثين يومًا، هذا مذهب أحمد، ومالك، والشافعي، والأوزاعي وغيرهم.\n• وقال أبو حنيفة: تقضي ما فاتها من الشهر الأول، وليس عليها تمام الثلاثين إلا إذا كان الشهر تامًّا.\n• وقال ابن حزم: عليها أن تعتد سبعة وثمانين يومًا؛ للحديث «الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا».\n• وقال بعض الحنابلة، وابن بنت الشافعي: عليها تسعون يومًا.\nقلتُ: القول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4770>مسألة [٤]: هل تحتسب الساعات</span>؟\n• تحتسب عند أكثر أهل العلم، وهو مذهب الشافعي، وأحمد وغيرهم.\n• وقال مالك، والأوزاعي، وابن حامد الحنبلي: لا تحتسب بالساعات، وإنما تحتسب بأول الليل والنهار؛ فإن طلقها نهارًا؛ احتسبت من أول الليل الذي يليه، وإن طلقها ليلًا؛ احتسبت بأول النهار الذي يليه؛ لأنَّ حساب الساعات يشق،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٠٧) «البيان» (١١/ ٢٧) «المحلى» (١٩٩٨).","vol":"9","page":9},{"text":"فسقط اعتباره.\nواستدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]؛ فلا تجوز الزيادة عليها بغير دليل وحساب الساعات ممكن إمَّا يقينًا أو استظهارًا؛ فلا وجه للزيادة على ما أوجبه الله تعالى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4771>مسألة [٥]: إذا بلغت الفتاة سنًّا تحيض فيه النساء، فلم تحض</span>؟\nكالخامسة عشرة، أو العشرين.\n• فمذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة أنها تعتد بالشهور؛ لأنها تشملها الآية.\n• وقال أحمد: تقعد مدة الحمل غالبًا. ثم تعتد بعده بثلاثة أشهر، روى هذا القول عنه أبو طالب، وخالفه غيره.\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4772>مسألة [٦]: إذا شرعت الصغيرة بالاعتداد بالأشهر، ثم بلغت المحيض، ورأت الدم</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنها تستقبل العدة بالقروء، ولو لم يبق من عدتها إلا يوم واحد.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَهَذَا قَوْلِ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، مِنْهُمْ: سَعِيدُ بْنُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٠٨) «البيان» (١١/ ٢٧) «المحلى» (١٩٩٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٢١٢) «البيان» (١١/ ٢٨).","vol":"9","page":10},{"text":"الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشُّهُورَ بَدَلٌ عَنْ الْحَيْضِ، فَإِذَا وُجِدَ الْمُبْدَلُ بَطَلَ حُكْمُ الْبَدَلِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].اهـ\nقال العِمراني في «البيان»: قال أصحابنا: وهذا إجماع لا خلاف فيه. اهـ\nقلتُ: وقد خالف ابن حزم في «المحلى» ثم رجع إلى القول الأول. (^١)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٢٢٠): وَيَلْزَمُهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ إنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ الْحَيْضُ. وَإِنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ، فَهَلْ تَعْتَدُّ بِمَا مَضَى مِنْ الطُّهْرِ قَبْلَ الْحَيْضِ قُرْءًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ:\nأَحَدُهُمَا: تَعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ طُهْرٌ انْتَقَلَتْ مِنْهُ إلَى حَيْضٍ، فَأَشْبَهَ الطُّهْرَ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ.\nوَالثَّانِي: لَا تَعْتَدُّ بِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْقُرْءَ هُوَ الطُّهْرُ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ. وَهَذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَيْضٌ؛ فَلَمْ يَكُنْ قُرْءًا.\nفَأَمَّا إنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالشُّهُورِ، ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَهَا وَلَوْ بِلَحْظَةٍ؛ لَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى حَدَثَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، كَاَلَّتِي حَاضَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. اهـ. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٢٠) «البيان» (١١/ ٢٩) «المحلى» (٢٠٠٠).\n(^٢) وانظر: «البيان» (١١/ ٢٩).","vol":"9","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4773>مسألة [٧]: السن التي تصبح فيه المرأة من الآيسات</span>؟\nاختلف العلماء في تحديد ذلك:\n• فمنهم من قال: حده خمسون سنة. وهو قول إسحاق، وأحمد في رواية، واحتجوا بقول عائشة: لن ترى المرأة في بطنها ولدًا بعد خمسين. وهو أثر لم نقف له على إسناد.\n• وقال بعضهم: حده ستون سنة. وهو قول أحمد في رواية، وبعض الشافعية.\n• وعن أحمد رواية ثالثة أنَّ نساء العجم خمسون، ونساء العرب ستون سنة.\n• وعنه رواية أنَّ ما بعد الخمسين إلى الستين مشكوك؛ فإن تكرر بعد الخمسين؛ فهو حيض.\n• والمشهور عن الشافعي أنه يعرف بيأس أقاربها. وعنه قول: يعتبر بيأس جميع النساء.\n• وأصحاب مالك لم يحددوا سن الإياس بحدٍّ البتة، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، بل النساء يختلفن، والمراد بالآية ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ هو أنْ تيأس المرأة من نفسها؛ لأنَّ اليأس ضد الرجاء، فإذا كانت المرأة قد يئست من الحيض ولم ترجه؛ فهي آيسة، وإن كان لها أربعون أو نحوها، وغيرها قد لا تيأس منه، وإن كان لها خمسون. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٦٥٧ -) «المغني» (١١/ ٢١٠) «البيان» (١١/ ٢٥ - ٢٦) «الشرح الممتع» (٥/ ٦٧٦).","vol":"9","page":12},{"text":"فائدة: وأقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين؛ لأنَّ المرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد من تحيض لتسع، وقد تقدم ذلك في كتاب الحيض، وإن وجدت من حاضت لثمان؛ فيعتبر به على الصحيح، قاله ابن عثيمين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4774>مسألة [٨]: إذا طلق امرأته وهي ممن تحيض، ثم ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنها تتربص أولًا تسعة أشهر؛ فإن استبان بها حمل وإلا فتعتد ثلاثة أشهر عدة الآيسة، وهذا قول مالك، وأحمد، والشافعي في أحد قوليه، وقضى بذلك عمر (، قال الشافعي: هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار لا ينكره منهم منكر علمناه.\n• وقال الشافعي في قول: تتربص أربع سنين أكثر مدة الحمل، ثم تعتد بثلاثة أشهر؛ لأنَّ هذه المدة هي التي يتيقن بها براءة رحمها؛ فوجب اعتبارها احتياطًا.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها تكون في عدة أبدًا حتى تحيض، أو تبلغ سن الإياس، وهذا قول الشافعي في الجديد، وأبي حنيفة، وهو قول جابر بن زيد، وعطاء، وطاوس، والشعبي، والنخعي، والزهري، وأبي الزناد، والثوري، وأبي عبيد.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: وفي هذا القول ضرر عظيم عليها؛ فإنها تمكث عشرين، أو ثلاثين، أو أربعين سنة لا تتزوج، ومثل هذا الحرج مرفوع عن الأمة،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢١١) «الشرح الممتع» (٥/ ٦٧٦).","vol":"9","page":13},{"text":"وإنما اللائي يئسن من المحيض يعتددن ثلاثة أشهر بنص القرآن، وإجماع الأمة. اهـ\nوقال -﵀- (٣٤/ ٢٤): وهذا قولٌ ضعيف جدًّا مع ما فيه من الضرر الذي لا تأتي الشريعة بمثله. اهـ\nقلتُ: أثر عمر المذكور أخرجه مالك في «الموطإ» (٢/ ٥٨٢)، وهو من طريق: سعيد بن المسيب عنه، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٢١٥): فَإِنْ عَادَ الْحَيْضُ إلَيْهَا فِي السَّنَةِ، وَلَوْ فِي آخِرهَا؛ لَزِمَهَا الِانْتِقَالُ إلَى الْقُرُوءِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، فَبَطَلِ بِهَا حُكْمُ الْبَدَلِ، وَإِنْ عَادَ بَعْدَ مُضِيِّهَا وَنِكَاحِهَا، لَمْ تَعُدْ إلَى الْقُرُوءِ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ، وَحَكَمْنَا بِصِحَّةِ نِكَاحِهَا، فَلَمْ تَبْطُلْ، كَمَا لَوْ اعْتَدَّتْ الصَّغِيرَةُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَتَزَوَّجَتْ، ثُمَّ حَاضَتْ، وَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَ السَّنَةِ، وَقَبْلَ نِكَاحهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4775>مسألة [٩]: إذا ارتفع الحيض بعد أن حاضت حيضة، أو حيضتين</span>؟\nقال الخِرَقِي -﵀- في «مختصره»: وإن حاضت حيضة، أو حيضتين، ثم ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه؛ لم تنقض عدتها إلا بعد سنة من وقت انقطاع الحيض. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٢١٧ -): وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢١٤) «البيان» (١١/ ٢٤ - ٢٦) «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٩ - ٢٣) «زاد المعاد» (٥/ ١٥٨).","vol":"9","page":14},{"text":"(أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ، فَارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ: تَجْلِسُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَبِنْ بِهَا حَمْلٌ، تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَذَلِكَ سَنَةٌ. وَلَا نَعْرِفُ لَهُ مُخَالِفًا. قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: قَضَى بِهِ عُمَرُ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ. اهـ، وأثر عمر تقدم تخريجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4776>مسألة [١٠]: إذا ارتفع الحيض لعارض من رضاع، أو مرض، أو نحوه</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- (٣٤/ ٢٣): إن كان قد ارتفع حيضها بمرض، أو رضاع؛ فإنها تتربص حتى يزول العارض، وتحيض باتفاق العلماء. اهـ\nومثله إن كانت عادتها متباعدة، كأن تكون من عادتها أن تحيض في العام مرة؛ فإنها تنتظر حتى يمر عليها ثلاثة قروء.\nقال ابن قدامة -﵀-: ولا نعلم في هذا مخالفًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4777>مسألة [١١]: إذا أتبع التطليقة الأولى بتطليقة أخرى في العدة فهل تعتد من الطلاق الأول أم الثاني</span>؟\nالجمهور من أهل العلم على أنها تواصل عدتها من الأول؛ لأنه طلاق صحيح، لم تحصل منه مراجعة. واختاره ابن المنذر.\nوحكي عن خلاس بن عمرو: أنها تعتد من الطلاق الثاني، وهو قول ضعيف، وهذه المسألة مبنية على صحة الطلاق المتعاقب بدون مراجعة، والصحيح عدم\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢١٦، ٢١٨ - ٢١٩) «البيان» (١١/ ٢٢).","vol":"9","page":15},{"text":"وقوع الثانية حتى يفصل بينها وبين الأولى بمراجعة كما بيناه سابقًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4778>مسألة [١٢]: إذا حاضت حيضة، أو حيضتين، ثم صارت من الآيسات</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٢٢٠ - ٢٢١): وَلَوْ حَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ، ثُمَّ صَارَتْ مِنْ الْآيِسَاتِ، اسْتَأْنَفَتْ الْعِدَّةَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تُلَفَّقُ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إتْمَامُهَا بِالْحَيْضِ، فَوَجَبَ تَكْمِيلُهَا بِالْأَشْهُرِ. اهـ المراد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4779>مسألة [١٣]: عدة المتوفى عنها وهي حائل</span>؟\nقال الله عزوجل في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٢٢٣): أَجْمَعْ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ المُسْلِمَةِ غَيْرِ ذَاتِ الْحَمْلِ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، مَدْخُولًا بِهَا أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ كَبِيرَةً بَالِغَةً أَوْ صَغِيرَةً لَمْ تَبْلُغْ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَلله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢) اهـ. (^٣)\nتنبيه: الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (٩/ ٥٣١).\n(^٢) سيأتي في «البلوغ» برقم (١١٠٥).\n(^٣) وانظر: «البيان» (١١/ ٣٤).","vol":"9","page":16},{"text":"لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠]، هذه الآية منسوخة عند جمهور العلماء بالآية السابقة، وذهب بعضهم، منهم: مجاهد إلى أنها محمولة على الاستحباب فيما زاد على الأربعة الأشهر والعشر، والصحيح قول الجمهور، وقد بينت ذلك في كتابي «فتح المنان فيما صح من منسوخ القرآن» نفعني الله، والمسلمين به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4780>مسألة [١٤]: عدة الحامل المطلقة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٢٢٧): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْحَامِلَ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ حَمْلِهَا. وَكَذَلِكَ كُلُّ مُفَارَقَةٍ فِي الْحَيَاةِ. اهـ\nودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4781>مسألة [١٥]: عدة الحامل المتوفى عنها زوجها</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٢٢٧): وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا، أَجَلُهَا وَضْعُ حَمْلِهَا، إلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ (^٢)، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ مُنْقَطِعٍ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ (^٣). وَقَالَهُ أَبُو السَّنَابِلِ\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١١/ ٩) «الأوسط» (٩/ ٥٢٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٩٦)، وسعيد بن منصور (١٥١٨) بإسناد صحيح.\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور (١٥١٧) (١٥١٩)، من طريق الشعبي، عن علي، والشعبي قال الدارقطني: لم يسمع من علي إلا حديثًا واحدًا. ولكن له طريق أخرى عند ابن أبي شيبة (٤/ ٢٩٧) فيه: عنعنة ابن إسحاق؛ فالأثر ثابت عنه -﵁-.","vol":"9","page":17},{"text":"ابْنُ بَعْكَكٍ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - قَوْلَهُ (^١)، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ (^٢) لَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ سُبَيْعَةَ، وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ أَنْ تَنْكِحَ فِي دَمِهَا. وَيُحْكَى عَنْ حَمَّادٍ، وَإِسْحَاقَ أَنَّ عِدَّتَهَا لَا تَنْقَضِي حَتَّى تَطْهُرَ.\nقال: وَأَبَى سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْقَوْلَ، وَقَالُوا: لَوْ وَضَعَتْ بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْ وَفَاةِ زَوْجهَا؛ حَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَلَكِنْ لَا يَطَؤُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ نِفَاسِهَا وَتَغْتَسِلَ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. انتهى المراد.\nقلتُ: وهذه الآية تخصص عموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]؛ فتكون هذه الآية خاصة بغير الحامل بدليل حديث سبيعة الأسلمية، وكان ابن مسعود (يقول: من شاء باهلته لأنزلت سورة النساء القصرى بعد الأربعة أشهر وعشر. (^٣) يعني بذلك أنَّ قوله تعالى في سورة الطلاق ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ مخصص للآية التي في البقرة. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٣١٨)، ومسلم برقم (١٤٨٤).\n(^٢) أخرجه البيهقي (٧/ ٤٢٧)، من طريق: علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ولم يسمع منه، وفي الإسناد إليه: عبدالله بن صالح، وهو ضعيف.\n(^٣) أخرجه ابن جرير في تفسير سورة الطلاق [آية:٤] بإسناد صحيح، وهو أيضًا عند أبي داود (٢٣٠٧)، والنسائي (٣٥٢١).\n(^٤) وانظر: «البيان» (١١/ ٣٧ -).","vol":"9","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4782>مسألة [١٦]: هل يعتبر في الأربعة أشهر وعشر أن يكون فيها حيضة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٢٢٤): وَلَا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْحَيْضِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا؛ وَجَبَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ فِيهَا حَيْضَةٌ، وَاتِّبَاعُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ الْحَيْضُ فِي حَقِّهَا؛ لَاعْتُبِرَ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، كَالمُطَلَّقَةِ. وَهَذَا الْخِلَافُ يَخْتَصُّ بِذَاتِ الْقُرْءِ، فَأَمَّا الْآيِسَةُ وَالصَّغِيرَةُ فَلَا خِلَافَ فِيهِمَا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4783>مسألة [١٧]: هل المعتبر في العشر الليالي بأيامها، أم الليالي فقط</span>؟\n• جمهور العلماء على أنَّ المعتبر في العشر هو عشر ليال بأيامها، فتجب عشرة أيام مع الليالي، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وأبي عبيد، وابن المنذر وغيرهم.\n• وقال الأوزاعي: يجب عشر ليالٍ وتسعة أيام؛ لأنَّ العشر تستعمل في الليالي دون الأيام، وإنما دخلت الأيام اللاتي في أثناء الليالي تبعًا.\nوأُجيب: بأنَّ العرب تغلب اسم التأنيث في العدد خاصة على المذكر، فتطلق لفظ الليالي وتريد الليالي بأيامها، كما قال الله تعالى لزكريا: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، يريد بأيامها؛ بدليل أنه قال في موضع آخر: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر «البيان» (١١/ ٣٧ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٢٢٤) «البيان» (١١/ ٣٦).","vol":"9","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4784>مسألة [١٨]: إذا مات زوج المطلقة رجعيًّا وهي في عدتها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٢٢٥): وَإِذَا مَاتَ زَوْجَ الرَّجْعِيَّةِ؛ اسْتَأْنَفَتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، بِلَا خِلَافٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ، وَيَنَالُهَا مِيرَاثُهُ، فَاعْتَدَّتْ لِلْوَفَاةِ، كَغَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ. اهـ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4785>مسألة [١٩]: إذا مات زوج المطلقة البائن</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنها تكمل عدتها عدة الطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]؛ ولأنها أجنبية منه في نكاحه وميراثه، والحل له، وغير ذلك.\n• وقال أبو حنيفة، والثوري: عليها أطول الأجلين؛ لأنَّ عليها العدة كالرجعية. ووافق أحمد، ومحمد بن الحسن على هذا القول فيما إذا كان الطلاق في مرض موته؛ لأنها ترث كالرجعية. والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4786>مسألة [٢٠]: إذا خرج بعض الحمل</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ العدة تنتهي بخروجه كاملًا، وانفصال جميعه، وإن ظهر بعضه فهي في عدتها حتى ينفصل باقيه؛ لأنها لا تكون واضعة لحملها حتى يخرج كله. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١١/ ٤٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٢٢٥ - ٢٢٦) «البيان» (١١/ ٤٠، ٤٢).\n(^٣) انظر: «المغني» (١١/ ٢٢٩) «الأوسط» (٩/ ٥٢٩).","vol":"9","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4787>مسألة [٢١]: إذا كانت حاملا باثنين، فخرج أحدهما</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ العدة لا تنتهي إلا بوضع الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فعلَّق الانتهاء بوضع الحمل كاملًا.\n• وقال عكرمة، وأبو قلابة: تنتهي بوضع الأول ولا يحل لها الزواج حتى تضع الثاني.\nوالصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4788>مسألة [٢٢]: ضابط الحمل الذي تنتهي به العدة، وتتعلق به أحكام الحمل</span>؟\nأما إن كان قد نُفِخ فيه الروح، وما زاد على ذلك؛ فهذا تتعلق به أحكام الحامل بلا خلاف، وتنتهي العدة بوضعه.\nوأما إن كان ما زال نطفة، أو دمًا لا يشبه العلقة؛ فهذا لا تتعلق به أحكام الحامل عند أهل العلم، ولا تنتهي العدة بوضعه.\n• وأما إن كان علقة -وهو الدم المتجمد- فأكثر أهل العلم على أنه لا تتعلق به أحكام الحامل، فإذا ألقت علقة فلا تنتهي العدة بذلك؛ لاحتمال أن يكون دم فساد.\n• وبعض أهل العلم يعلق بذلك الأحكام، وهو قول الحسن وبعض الحنابلة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٢٩) «الأوسط» (٩/ ٥٢٩).","vol":"9","page":21},{"text":"وأما إن كان مضغة، فإما أن تكون قد ظهرت فيها خلقة الآدمي، وتميز؛ فهذه تتعلق بها الأحكام بلا خلاف بين أهل العلم.\n• وأما إن كانت لم تبن فيها الخلقة، ولكن شهدت القوابل الثقات أن فيها تصوير آدمي غير ظاهر؛ فلها حكم التي قبلها.\nقال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٩/ ٥٣٠): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن عدة المرأة المطلقة تنقضي بالسقط تسقطه إذا علم أنه ولد.\n• وأما إن كانت لم تبن فيها الخلقة، ولكن شهد القوابل الثقات أنها مبتدأ خلق آدمي؛ فظاهر مذهب الشافعي، وهو قول الحسن، وبعض الحنابلة أنها تتعلق بها الأحكام وتنتهي بها العدة.\n• وخالف الحنابلة، وبعض الشافعية.\n• وأما إن لم يشهدن بأنه بدء خلق آدمي، فمذهب الحنابلة، والشافعية أنه لا تتعلق بها الأحكام، بل هو قول عامة العلماء كما أشرنا إلى ذلك في [كتاب الحيض]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4789>مسألة [٢٣]: أقل مدة الحمل، وأقصى مدته</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ أقل مدة الحمل ستة أشهر، ونُقِلَ الإجماع على ذلك، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وبقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، وقد استدل بذلك علي بن أبي طالب (، كما في\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٢٩ - ٢٣١).","vol":"9","page":22},{"text":"«البيهقي» (٧/ ٤٤٢) بإسناد لا بأس به. (^١)\nواختلف العلماء في أقصى مدة الحمل:\n• فمنهم من قال: سنتان. وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وأحمد في رواية، وقد وُلِد الضحاك بن مزاحم، وهرم بن حيان لسنتين، وجاء هذا القول عن عائشة -﵂-: أخرجه ابن حزم من طريق جميلة بنت سعد، عنها، وهي مجهولة.\n• وقال الليث: أقصاه ثلاث سنين، حملت مولاة لعمر بن عبدالله ثلاث سنين.\n• وقال مالك، وأحمد في ظاهر مذهبه، والشافعي: أقصاه أربع سنين؛ لأنه وجد ذلك، وهو أقصى ما وجد، فقد بقي محمد بن عجلان في بطن أمه أربع سنوات، بل حملت ثلاث بطون على ذلك. وكذلك بقي محمد بن الحسن بن الحسن بن علي في بطن أمه أربع سنين، ونُقِل عن غيرهما.\n• وقال عباد بن العوام: خمس سنين. وحكي عن ابن عجلان أن امرأته كانت تحمل خمس سنين.\n• وقال الزهري: قد تحمل ست سنين، وسبع سنين.\n• وقال أبو عبيد: لا حد لأكثره. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٣١ - ٢٣٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٢٣٢ - ٢٣٣) «الأوسط» (٩/ ٥١٩) «المحلى» (١٠/ ٣١٦).","vol":"9","page":23},{"text":"١١٠٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: أُمِرَتْ بَرِيرَةُ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4790>مسألة [١]: كم عدة من عتقت تحت زوجها واختارت الفراق</span>؟\n• جمهور العلماء على أنَّ عدتها عدة المطلقة ثلاثة قروء، واستدلوا بحديث الباب، واستدلوا أيضًا بقياسها على المطلقة؛ لأنها مفارقة في الحياة، وبعضهم قاسها على المختلعة.\n_________\n(^١) ضعيف معل. أخرجه ابن ماجه (٢٠٧٧)، حدثنا علي بن محمد قال حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة به.\nوهذا إسناد رجاله رجال الشيخين إلا شيخ ابن ماجه وهما اثنان أحدهما ثقة والآخر حسن الحديث، فلا يدرى أيهما هو. وقد انتقد شيخ الإسلام -﵀- هذا الحديث، فقال -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ١١١ - ١١٢): هذا حديث معلول. أما أولًا، فإن عائشة قد ثبت عنها من غير وجه أن العدة عندها ثلاثة أطهار، وأنها إذا طعنت في الحيضة الثالثة حلت، فكيف تروي عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرها أن تعتد بثلاث حيض؟! والنزاع بين المسلمين من عهد الصحابة إلى اليوم في العدة: هل هي ثلاث حيض، أو ثلاث أطهار؟ وما سمعنا أحدًا من أهل العلم احتج بهذا الحديث على أنها ثلاث حيض، ولو كان لهذا أصل عن عائشة، لم يخف ذلك على أهل العلم قاطبة. ثم هذه سنة عظيمة تتوافر الهمم والدواعي على معرفتها؛ لأن فيها أمرين عظيمين: أحدهما: أن المعتقة تحت عبد تعتد بثلاث حيض. والثاني: أن العدة ثلاث حيض. وأيضًا فلو ثبت ذلك كان يحتج به من يري أن المعتقة إذا اختارت نفسها كان ذلك طلقة بائنة - كقول مالك وغيره - وعلى هذا، فالعدة لا تكون إلا من طلاق، لكن هذا أيضًا قول ضعيف .. .\n\nوقال ابن القيم في «أعلام الموقعين» (٢/ ٧٢): وهذا حديث منكر بإسناد مشهور. وذكر معناه في «زاد المعاد» (٥/ ٦٧٤).","vol":"9","page":24},{"text":"• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا عدة عليها، وإنما عليها الاستبراء، صح هذا القول عن ابن عمر -﵄-، وهذا مذهب مالك، وأحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم؛ لأنها ليست بمطلقة إنما هو فسخ، وقياسها على الخلع قياس صحيح، ولكن الخلع نفسه الراجح أنه ليس فيه عدة، وإنما فيه الاستبراء كما تقدم في باب الخلع، وعلى هذا فمقتضى ذلك أن هذا يعتبر قولًا لعثمان، وابن عباس -﵃-؛ لأنهم يقولون بأنَّ الخلع فيه الاستبراء.\nومثل هذا الخلاف فرقة اللعان، والرضاع، والفسخ بالعيب، واختلاف الدين وغيره، وكذا الموطوءة بشبهة، وبنكاح فاسد.\nوالصحيح في ذلك قول من قال: عليها الاستبراء، وليس عليها العدة. والاستبراء أولى بذلك من الاستبراء في حالة الخلع. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4791>مسألة [٢]: كم عدة المزني بها</span>؟\n• من أهل العلم من قال: عليها عدة المطلقة. وهو قول الحسن، والنخعي، وأحمد في رواية؛ لأنه وطئها، وقد اعتبر الشارع عدة الزوجة ثلاثة قروء، فيعتبر به هنا.\n• ومنهم من يقول: عليها الاستبراء بحيضة. وهو قول مالك، وأحمد في رواية،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ١٩٥ - ١٩٦) «زاد المعاد» (٥/ ٦٧٤) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣٤٨) (٣٢/ ١١٠ - ١١١) «البيان» (١١/ ٣٣) «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ١٦٨) «الفتاوى» (٣٢/ ٣٣٦ -).","vol":"9","page":25},{"text":"واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وهو ظاهر اختيار الإمام ابن عثيمين؛ لأنها ليست بزوجة، ولا موجب للعدة.\n• ومنهم من يقول: ليس عليها العدة، ولا الاستبراء. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، والثوري، لكن قال أبو حنيفة: إن كانت حاملًا؛ فلا يقربها حتى تضع؛ وذلك لأنَّ الزاني لا حرمة لمائه.\nوأُجيب: بأنَّ الاستبراء لحرمة الزوج الذي سيتزوج بها؛ فإنها إذا لم تستبرء اختلطت الأنساب.\nوالقول الثاني هو الراجح، والله أعلم.","vol":"9","page":26},{"text":"١١٠٤ - وَعَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ -﵂- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي المُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا-: «لَيْسَ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١١٠٥ - (^٢) وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قُلْت يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4792>مسألة [١]: المطلقة الرجعية هل لها السكنى والنفقة</span>؟\nلا خلاف بين أهل العلم في أنَّ المطلقة الرجعية لها السكنى، والنفقة؛ لأنها ما زالت زوجة له، ولقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق:١] إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:١ - ٢]. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4793>مسألة [٢]: المطلقة البائن هل لها السكنى، والنفقة</span>؟\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: لها السكنى، وليس لها النفقة.\nوهو قول عامة الفقهاء السبعة، ومالك، والثوري، والشافعي وأصحابهم،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٤٨٠) (٤٤).\n(^٢) حصل تأخير خمسة أحاديث من هذا الموضع إلى موضع آخر سيأتي قريبًا.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٤٨٢).\n(^٤) انظر: «شرح مسلم» (١٤٨١).","vol":"9","page":27},{"text":"وحجتهم في وجوب السكنى عموم قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق:١]، وبقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦].\nواستدلوا بعدم وجوب النفقة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] دلَّ على أن غير ذات الحمل لا نفقة لها، وبحديث فاطمة بنت قيس، وقد عُزي هذا القول للجمهور.\nالقول الثاني: لها السكنى والنفقة. وهو قول أبي حنيفة، وآخرين، وصح عن عمر، وابن مسعود -﵄-، واستدلوا على ذلك بأنها إذا وجب عليها السكنى؛ فيجب لها النفقة، وإلا فكيف تحبس، وقال به شريح، والنخعي، وغيرهم.\nالقول الثالث: لا سكنى لها ولا نفقة. وهو قول فاطمة بنت قيس، وجابر بن عبد الله، ونقل عن ابن عباس -﵃-، وقال به عطاء، وطاوس، والحسن، وعمرو بن ميمون، وعكرمة، وإسحاق، وأحمد، وأبو ثور، وداود الظاهري، وغيرهم. واستدل أصحاب هذا القول بحديث فاطمة بنت قيس الذي في الباب: «لَيْسَ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةٌ».\nوقد أُجيب عن حديث فاطمة بنت قيس -﵂- بأجوبة عديدة، منها: أنَّ عمر ابن الخطاب -﵁- قال كما في «صحيح مسلم» (١٤٨٠): لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة، لا ندري أحفظت أم نسيت.","vol":"9","page":28},{"text":"وبقول عائشة -﵂- في «الصحيحين» (^١): لا خير لها أن تذكر ذلك. تعني فاطمة. وقالت عائشة كما في «البخاري» (٥٣٢٦): إنَّ فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فأرخص لها رسول الله - ﷺ -.\nوقيل: كانت فاطمة سيئة الخلق مع أهل زوجها، فأمرها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالانتقال. أشار إلى ذلك مروان كما في «البخاري» (٥٣٢٣)، وصرح بذلك سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار.\nوقد أُجيب عن هذه المطاعن: بأنها صحابية جليلة من المهاجرات الأُوَل، فلم لا يقبل خبرها، وإن كانت امرأة، فقد قُبلت أخبار كثيرة من النساء، وهي تحكي قصة حصلت لها، وصاحب القصة أحفظ لها من غيره. وأما كونها خالفت القرآن في ذلك، فَرُدَّ بنقيضه، وقالوا: بل وافقت القرآن؛ فإنَّ الآيات من أول سورة الطلاق سياقها في المطلقة الرجعية، ولو فرض العموم في قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾؛ لكان حديث فاطمة مخصصًا للآية، ولا تعارض بين عام وخاص.\nوأما قولهم: إنما كان ذلك لفحش من لسانها. فتأويل بعيد، فكيف لم ينكر عليها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هذا الفحش، ويقول لها: اتقي الله، وكفي لسانك عن أذى أهل زوجك. وكيف يعدل عن هذا إلى قوله: «لَيْسَ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةٌ».\nوأما قولهم: إنها كانت في مكان وحش. فهو تأويل أقوى مما قبله، ولكن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بين في الألفاظ الأخرى أنَّ السكنى ليس لها على الزوج من الأصل،\n_________\n(^١) انظر: «البخاري» (٥٣٢٥)، ومسلم (١٤٨١) (٥٤).","vol":"9","page":29},{"text":"فلعلها -أعني فاطمة -﵂- - ظنَّت في بداية الأمر أنه يجب عليها السكنى، فاستأذنته في التحول، فأذن لها، وبين لها عدم وجوب ذلك، ولا تعارض في ذلك، والله أعلم.\nومن أقوى ما استدلوا به على السكنى أنهم قالوا: الآية في قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ المقصود بها المطلقة ثلاثًا، ويدل عليه تخصيص الحامل بالنفقة بقوله ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، والرجعية تجب لها النفقة حاملًا، أو حائلًا، فما فائدة تخصيص الحامل بالنفقة؟\nقال ابن القيم -﵀- في «الزاد»: فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَائِدَةُ فِي تَخْصِيصِ نَفَقَةِ الرّجْعِيّةِ بِكَوْنِهَا حَامِلًا؟ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَقْتَضِي أَنّهُ لَا نَفَقَةَ لِلرّجْعِيّةِ الْحَائِلِ، بَلْ الرّجْعِيّةُ نَوْعَانِ قَدْ بَيّنَ اللهُ حُكْمَهُمَا فِي كِتَابِهِ، حَائِلٌ: فَلَهَا النّفَقَةُ بِعَقْدِ الزّوْجِيّةِ؛ إذْ حُكْمُهَا حُكْمُ الْأَزْوَاجِ. أَوْ حَامِلٌ: فَلَهَا النّفَقَةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ إلَى أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا فَتَصِيرُ النّفَقَةُ بَعْدَ الْوَضْعِ نَفَقَةَ قَرِيبٍ لَا نَفَقَةَ زَوْجٍ، فَيُخَالِفُ حَالُهَا قَبْلَ الْوَضْعِ حَالَهَا بَعْدَهُ؛ فَإِنّ الزّوْجَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَحْدَهُ إذَا كَانَتْ حَامِلًا، فَإِذَا وَضَعَتْ صَارَتْ نَفَقَتُهَا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الطّفْلِ، وَلَا يَكُونُ حَالُهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا كَذَلِكَ بِحَيْثُ تَجِبُ نَفَقَتُهَا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الطّفْلِ؛ فَإِنّهُ فِي حَالِ حَمْلِهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا، فَإِذَا انْفَصَلَ كَانَ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ، وَانْتَقَلَتْ النّفَقَةُ مِنْ حُكْمٍ إلَى حُكْمٍ، فَظَهَرَتْ فَائِدَةُ التّقْيِيدِ وَسِرّ الِاشْتِرَاطِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ مِنْ كَلَامِهِ. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١١/ ٣٠٠ -) «ابن أبي شيبة» (٥/ ١٤٦ -) «زاد المعاد» (٥/ ٥٢٢ - ٥٤٢).","vol":"9","page":30},{"text":"١١٠٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -﵁- قَالَ: لَا تُلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا: عِدَّةُ أُمِّ الوَلَدِ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالِانْقِطَاعِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4794>مسألة [١]: عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها</span>؟\n• من أهل العلم من قال: ليس عليها عدة، وإنما عليها الاستبراء بحيضة. وهذا قول ابن عمر، وعائشة، والحسن، والشعبي، والقاسم، وأبي قلابة، ومكحول، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وأبي ثور وغيرهم؛ لأنها ليست زوجة، ولا دليل يوجب العدة.\n• ومن أهل العلم من قال: عليها عدة الوفاة أربعة أشهر وعشر، وهو قول سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وابن جبير، ومجاهد، وعمر بن عبدالعزيز، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد في رواية، ورُوي ذلك عن عمرو بن العاص، وحجتهم حديث الباب، ورُوي ذلك عن علي من طريق خِلاس عنه، ولم يسمع منه.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٤/ ٢٠٣)، وأبوداود (٢٠٣٨)، وابن ماجه (٢٠٨٣)، والحاكم (٢/ ٢٠٩)، والدارقطني (٣/ ٣٠٩)، من طريق قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص. قال الدارقطني: قبيصة لم يسمع من عمرو. وقد أعل بالوقف على عمرو بلفظ: (لا تلبسوا علينا ديننا) قال الدارقطني: وهو الصواب. «السنن» (٣/ ٣٠٩). وضعف الحديث أيضًا أحمد وابن المنذر وأبوعبيد كما في «المغني» (١١/ ٢٦٣).","vol":"9","page":31},{"text":"• وقال بعضهم: عدتها شهران، وخمسة أيام، وهو قول عطاء، وطاوس، والزهري؛ لأنه مات عنها وهي أمة.\n• وقال جماعة: عليها عدة المطلقة ثلاثة قروء. وهو قول عطاء، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي، ورُوي عن علي، وابن مسعود، ولا يثبت ذلك عنهما.\nوالصحيح من هذه الأقوال هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٦٢) «ابن أبي شيبة» (٥/ ١٦٢ -).","vol":"9","page":32},{"text":"١١٠٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: إنَّمَا الأَقْرَاءُ الأَطْهَارُ. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي قِصَّةٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4795>مسألة [١]: ما هو المراد بالأقراء، الأطهار، أم الحيض</span>؟\nجاءت اللغة العربية بتفسير الأقراء بالحيض وبالطهر، وأنشدوا في الأمرين أشعارًا تدل على ذلك.\nواختلف أهل العلم في المقصود بالآية على قولين:\n• القول الأول: أنَّ المقصود بذلك الحيض.\nصحَّ هذا القول عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبدالله بن مسعود، وأبي موسى، وجاء ذلك عن عثمان، وأبي بكر، وابن عباس، وفي الأسانيد إليهم ضعف.\nوكذا عن أبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، والإسناد إليهما منقطع.\nوهذا قول علقمة، والأسود، وإبراهيم، وشريح، والشعبي، والحسن، وقتادة، وسعيد بن جبير، وطاوس، وسعيد بن المسيب، والثوري، والأوزاعي، والعنبري، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي.\nوهذا القول هو الذي استقر عليه قول أحمد كما ذكر ذلك أصحابه.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه مالك (٢/ ٥٧٦ - ٥٧٧) عن الزهري عن عمرة عن عائشة به. وإسناده صحيح.","vol":"9","page":33},{"text":"واستدل أصحاب هذا القول بأدلة وهي:\n١) قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤]، فنقلهن عند عدم الحيض إلى الاعتداد بالأشهر، فدل ذلك على أنَّ الأصل الحيض.\n٢) المعهود في استعمال الشرع استعمال القرء بمعنى الحيض؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي الصلاة أيام أقرائك»، ولم يأت في موضع واحد استعمال الشرع له بمعنى الطهر.\n٣) ظاهر قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] أنهن يتربصن ثلاثة كاملة، ومن جعل القروء الأطهار لم يوجب ثلاثة؛ لأنه يكتفي بطهرين، وبعض الثالث، ولو بجزء يسير، فيخالف ظاهر النص.\n٤) أنَّ العدة استبراء فكانت بالحيض، كاستبراء الأمة.\n٥) قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهو الحيض والحمل عند عامة المفسرين.\n٦) أنَّ الذي يدل على براءة الرحم هو الحيض لا الطهر.\n• القول الثاني: أنَّ الأقراء هي الأطهار. وهذا القول صح عن عائشة، وزيد بن ثابت، وعبدالله بن عمر، وابن عباس، وهو قول القاسم، وسالم، وسليمان بن يسار، وأبان ابن عثمان، وعمر بن عبدالعزيز، والزهري، ومالك، والشافعي،","vol":"9","page":34},{"text":"وداود، وأبي ثور وأصحابهم، وقال به أحمد في رواية.\nواستدلوا على ذلك بأدلة:\n١) قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أو في عدتهن كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، أي: في يوم القيامة، فاللام لام الوقت، وكذا ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقد فسَّر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- العدة حين أمر عبدالله أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه، ثم قال: «فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».\n٢) قراءة ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبلِ عِدَّتِهِنَّ﴾، أي: مستقبلة عدتها؛ وذلك بأن يطلقها طاهرًا؛ لأنها حينئذٍ تستقبل عدتها، ولو طلقت حائضًا لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض.\n٣) قالوا: وأما قول المخالف: (ثلاثة كاملة) فبقية الطهر، وإن كان قليلًا يعتبر قُرءًا كاملًا، وكذلك العرب توقع اسم الجمع على اثنين، وبعض الثالث، كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].\n٤) قالوا: وتأنيث اللفظ بقوله ﴿ثَلَاثَة﴾ يدل على أنه قصد الأطهار؛ لأنه مذكر، لا الحيضة؛ لأنها مؤنثة.\n٥) قالوا: الحديث الوارد: «تدع الصلاة أيام أقرائها» أجاب عنه الشافعي بأنَّ أيوب شكَّ في اللفظ فقال: «تدع الصلاة عدد الليالي والأيام التي كانت","vol":"9","page":35},{"text":"تحيضهن، أو أيام أقرائها» قال: وقد رواه نافع بإسناده عن أم سلمة: «لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها ما أصابها، ثم لتدع الصلاة ..»، وقد روى أيوب الحديث بهذا اللفظ بدون شك؛ فوجب الأخذ به لموافقته لنافع عليه.\nوقال البيهقي -﵀-: وقد رُوي هذا اللفظ الذي احتجوا به في أحاديث ذكرناها في كتاب الحيض، وتلك الأحاديث في نفسها مختلف فيها، فبعض الرواة قال فيها: «أيام أقرائها»، وبعضهم قال فيها: «أيام حيضها» أو في معناه، وكل ذلك من جهة الرواة، كل واحد منهم يعبر بما يقع له، والأحاديث الصحاح متفقة على العبارة عنه بأيام الحيض دون لفظ الأقراء، والله أعلم.\n٦) قالوا: استدلال المخالف بالآية: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨] لا يدل على أنَّ الأقراء الحيض؛ لأنَّ المرأة إذا كتمت مجيء الحيض فقد كتمت انقضاء الطهر.\n٧) وقالوا: استدلال المخالف بالآية: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] ليس فيه أنَّ الأقراء الحيض، وإنما فيه أنَّ التي لا تحيض تعتد بالأشهر.\nونحن نقول: الأطهار لا يمكن وجودها إلا مع الحيض، والقول الأول هو الصواب.","vol":"9","page":36},{"text":"وأما الجواب عن أدلة أصحاب هذا القول فكما يلي:\n١) استدلالهم بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أجاب عنه ابن القيم -﵀-، فقال: أَمّا اسْتِدْلَالُكُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾؛ فَهُوَ إلَى أَنْ يَكُونَ حُجّةً عَلَيْكُمْ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى أَنْ يَكُونَ حُجّةً لَكُمْ؛ فَإِنّ الْمُرَادَ طَلَاقُهَا قَبْلَ الْعِدّةِ ضَرُورَةً؛ إذْ لَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى الطّلَاقِ فِي الْعِدّةِ؛ فَإِنَّ هَذَا مَعَ تَضَمّنِهِ لِكَوْنِ اللّامِ لِلظّرْفِيّةِ بِمَعْنَى (فِي) فَاسِدٌ مَعْنَى؛ إذْ لَا يُمْكِنُ إيقَاعُ الطّلَاقِ فِي الْعِدّةِ؛ فَإِنّهُ سَبَبُهَا وَالسّبَبُ يَتَقَدّمُ الْحُكْمَ، وَإِذَا تَقَرّرَ ذَلِكَ فَمَنْ قَالَ: الْأَقْرَاءُ (الْحِيَضُ)، فَقَدْ عَمِلَ بِالْآيَةِ وَطَلّقَ قَبْلَ الْعِدّةِ.\nقال: فَإِنْ قُلْتُمْ: وَمَنْ قَالَ: إنّهَا الْأَطْهَارُ. فَالْعِدّةُ تَتَعَقّبُ الطّلَاقَ؛ فَقَدْ طَلّقَ قَبْلَ الْعِدّةِ.\nقال: قُلْنَا: فَبَطَلَ احْتِجَاجُكُمْ حِينَئِذٍ، وَصَحّ أَنّ الْمُرَادَ الطّلَاقُ قَبْلَ الْعِدّةِ، لَا فِيهَا، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ يَصِحّ أَنْ يُرَادَ بِالْآيَةِ.\nثم ذكر كلامًا في تقرير أنَّ اللام هنا ليست للظرفية، وإنما هي تفيد مُضِي زمن الفعل أو استقباله.\nثم قال: وَإِذَا تَقَرّرَ هَذَا مِنْ قَوَاعِدِ الْعَرَبِيّةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ مَعْنَاهُ: لِاسْتِقْبَالِ عِدّتِهِنّ لَا فِيهَا، وَإِذَا كَانَتْ الْعِدّةُ الّتِي يُطَلّقُ لَهَا النّسَاءُ مُسْتَقْبَلَةً بَعْدَ الطّلَاقِ؛ فَالْمُسْتَقْبَلُ بَعْدَهَا إنّمَا هُوَ الْحَيْضُ؛ فَإِنّ الطّاهِرَ لَا","vol":"9","page":37},{"text":"تَسْتَقْبِلُ الطّهْرَ؛ إذْ هِيَ فِيهِ، وَإِنّمَا تَسْتَقْبِلُ الْحَيْضَ بَعْدَ حَالِهَا الّتِي هِيَ فِيهَا، هَذَا الْمَعْرُوفُ لُغَةً، وَعَقْلًا، وَعُرْفًا؛ فَإِنّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ هُوَ فِي عَافِيَةٍ: هُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْعَافِيَةَ. وَلَا لِمَنْ هُوَ فِي أَمْنٍ: هُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْأَمْنَ.\nقال: فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَنْ طَلّقَ فِي الْحَيْضِ مُطَلّقًا لِلْعِدّةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ؛ لِأَنّهَا تَسْتَقْبِلُ طُهْرَهَا بَعْدَ حَالِهَا الّتِي هِيَ فِيهَا. قُلْنَا: نَعَمْ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ.\nثم قال: وَلَوْ سَلّمْنَا أَنّ (اللّامَ) بِمَعْنَى (فِي)، وَسَاعَدَ عَلَى ذَلِكَ قِرَاءَةُ ابْنِ عُمَرَ -﵄- وَغَيْرِهِ ﴿فَطَلّقُوهُنّ فِي قُبُلِ عِدّتِهِنّ﴾؛ فَإِنّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْقَرْءُ هُوَ الطّهْرَ؛ فَإِنّ الْقَرْءَ حِينَئِذٍ يَكُونُ هُوَ الْحَيْضَ، وَهُوَ الْمَعْدُودُ وَالْمَحْسُوبُ، وَمَا قَبْلَهُ مِنْ الطّهْرِ يَدْخُلُ فِي حُكْمِهِ تَبَعًا وَضِمْنًا لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنّ مِنْ ضَرُورَةِ الْحَيْضِ أَنْ يَتَقَدّمَهُ طُهْرٌ، فَإِذَا قِيلَ: تَرَبّصِي ثَلَاثَ حِيَضٍ. وَهِيَ فِي أَثْنَاءِ الطّهْرِ؛ كَانَ ذَلِكَ الطّهْرُ مِنْ مُدّةِ التّرَبّصِ، كَمَا لَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ: أَقِمْ هَاهُنَا ثَلَاثَةَ أَيّامٍ. وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ لَيْلَةٍ؛ فَإِنّهُ يُدْخِلُ بَقِيّةَ تِلْكَ اللّيْلَةِ فِي الْيَوْمِ الّذِي يَلِيهَا كَمَا تَدْخُلُ لَيْلَةُ الْيَوْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِي يَوْمَيْهِمَا. الثّانِي: أَنّ الْحَيْضَ إنّمَا يَتِمّ بِاجْتِمَاعِ الدّمِ فِي الرّحِمِ قَبْلَهُ؛ فَكَانَ الطّهْرُ مُقَدّمَةً وَسَبَبًا لِوُجُودِ الْحَيْضِ، فَإِذَا عُلّقَ الْحُكْمُ بِالْحَيْضِ فَمِنْ لَوَازِمِهِ مَا لَا يُوجَدُ الْحَيْضُ إلّا بِوُجُودِهِ. اهـ\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٤٧٩): ثم الطهر يدخل في اسم القُرء تبعًا كما يدخل الليل في اسم اليوم، قال النبي - ﷺ -","vol":"9","page":38},{"text":"للمستحاضة: «دعي الصلاة أيام أقرائك»، والطهر الذي يتعقبه حيض هو قرء؛ فالقرء اسم للجميع.\nقال: وأما الطهر المجرد؛ فلا يسمى قرءًا؛ ولهذا إذا طلقت في أثناء حيضة لم تعتد ذلك قرءًا؛ لأنَّ عليها أن تعتد بثلاثة قروء، وإذا طلقت في أثناء طهر كان القرء الحيضة مع ما تقدمها من الطهر؛ ولهذا كان أكابر الصحابة على أنَّ الأقراء الحيض، كعمر، وعثمان، وعلي، وأبي موسى وغيرهم؛ لأنها مأمورة بتربص ثلاثة قروء، فلو كان القرء هو الطهر؛ لكانت العدة قُرأين، وبعض الثالث؛ فإنَّ النزاع من الطائفتين في الحيضة الثالثة؛ فإنَّ أكابر الصحابة ومن وافقهم يقولون: هو أحق بها مالم تغتسل من الحيضة الثالثة. وصغار الصحابة يقولون: إذا طعنت في الحيضة الثالثة؛ فقد حلَّت. فقد ثبت بالنص والإجماع أنَّ السنة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، وقد مضى بعض الطهر، والله أمر أن يطلق لاستقبال العدة لا في أثناء العدة وقوله ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] عدد ليس هو كقوله ﴿ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] فإنَّ ذلك صيغة جمع لا عدد، فلابد من ثلاثة قروء كما أمر الله، لا يكفي بعض الثالث. انتهى.\nقلتُ: ويلزم القائلين بالأطهار أنه إذا طلقها في آخر جزء من الحيض؛ فقد طلقها لعدتها؛ لأنها تستقبل الأطهار، وهم لا يقولون بذلك.\nويلزمهم أنه إذا طلقها في آخر جزء من الطهر؛ فقد طلقها لغير عدتها؛ لأنه طلقها مستقبلة الحيض، وهم لا يقولون بذلك، بل يقولون: إنه طلقها طلاقًا","vol":"9","page":39},{"text":"شرعيًّا؛ فدلَّ على أنَّ الأقراء هي الحيض، ويدخل الطهر فيه تبعًا، والله أعلم.\n٢) وقولهم: (إن بعض الطهر ولو كان لحظة يُعتبر قُرءًا كاملًا) فيحتاجون إلى إثبات ذلك من لغة العرب، أو لسان الشارع دون قول هؤلاء أنفسهم.\nوقولهم: (إنَّ العرب توقع اسم الجمع على اثنين وبعض الثالث).\nفقال ابن القيم -﵀-: إِنّمَا يَقَعُ هَذَا فِي أَسْمَاءِ الْجُمُوعِ الّتِي هِيَ ظَوَاهِرُ فِي مُسَمّاهَا، وَأَمّا صِيَغُ الْعَدَدِ الّتِي هِيَ نُصُوصٌ فِي مُسَمّاهَا، فَكَلّا وَلَمَّا، وَلَمْ تَرِدْ صِيغَةُ الْعَدَدِ إلّا مَسْبُوقَةً بِمُسَمّاهَا، كَقَوْلِهِ ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التّوْبَةَ:٣٦]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الْكَهْفَ:٢٥]، وَقَوْلُهُ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [الْبَقَرَةَ:١٩٦]، وَقَوْلُهُ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الْحَاقّةَ:٧]، وَنَظَائِرُهُ مِمّا لَا يُرَادُ بِهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ دُونَ مُسَمّاهُ مِنْ الْعَدَدِ، وَقَوْلُهُ: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ اسْمُ عَدَدٍ لَيْسَ بِصِيغَةِ جَمْعٍ، فَلَا يَصِحّ إلْحَاقُهُ بِأَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنّ اسْمَ الْعَدَدِ نَصٌّ فِي مُسَمّاهُ لَا يَقْبَلُ التّخْصِيصَ الْمُنْفَصِلَ بِخِلَافِ الِاسْمِ الْعَامّ؛ فَإِنّهُ يَقْبَلُ التّخْصِيصَ الْمُنْفَصِلَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ التّوَسّعِ فِي الِاسْمِ الظّاهِرِ التّوَسّعُ فِي الِاسْمِ الّذِي هُوَ نَصّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ.\nالثّانِي: أَنّ اسْمَ الْجَمْعِ يَصِحّ اسْتِعْمَالُهُ فِي اثْنَيْنِ فَقَطْ مَجَازًا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَحَقِيقَةً عِنْدَ بَعْضِهِمْ، فَصِحّةُ اسْتِعْمَالِهِ فِي اثْنَيْنِ وَبَعْضِ الثّالِثِ أَوْلَى بِخِلَافِ الثَّلَاثَة؛ وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ","vol":"9","page":40},{"text":"فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النّسَاءَ: ١١] حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَخَوَيْنِ، وَلَمّا قَالَ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النّورَ:٦] لَمْ يَحْمِلْهَا أَحَدٌ عَلَى مَا دُونَ الْأَرْبَعِ. اهـ\n٣) أما الأحاديث التي فيها أنَّ المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها فقد تقدم أحدها، وكلام الشافعي عليه، وقد جاء من حديث عائشة وفاطمة بنت أبي حبيش -﵄-: «إذا أتى قرؤك فلا تصلي، وإذا مرَّ قرؤك فتطهري، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء» رواه أبو داود (٢٨٠)، والنسائي (١/ ١٨٣)، وفي إسناده: المنذر بن المغيرة، وهو مجهول.\nوأخرجه الحاكم (١/ ١٧٥) من وجهٍ آخر بلفظ: «لتدع الصلاة في كل شهر أيام أقرائها»، وهو عند أحمد أيضًا (٦/ ٤٦٤)، وفي إسناده: عثمان بن سعد الكاتب، وهو ضعيف.\nوأخرج نحوه أبو داود (٢٩٧) من حديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، وإسناده شديد الضعف بسبب أبي اليقظان عثمان بن عمير، وهو متروك، وأخرج أبو داود نحوه عقب الحديث (٢٨١)، بإسناد ظاهره الصحة.\nوأصح ما ورد ما رواه أحمد (٦/ ١٢٨ - ١٢٩) من حديث عائشة، وفيه: «لتنظر عدد أيام قرئها ...»، وإسناده ظاهره الصحة، وتقدم كلام البيهقي أنها رُويت بالمعنى، وليس ببعيد ما قاله؛ فإنَّ القصة واحدة، وأكثر الألفاظ بلفظ الحيض.","vol":"9","page":41},{"text":"قال ابن القيم -﵀-: وتعليل هذه الأحاديث بأنَّ هذا من تغيير الرواة، رووه بالمعنى، لا يلتفت إليه، ولا يعرج عليه، فلو كانت من جانب من عللها؛ لأعاد ذكرها، وأبداه، وشنع على من خالفها.\n٤) قال ابن القيم: قولكم (دخول التاء في ثلاثة يدل على أنَّ واحدها مذكر، وهو الطهر) جوابه: أنَّ واحد القروء قرء، وهو مذكر، فأتى بالتاء مراعاة للفظه، وإن كان مسماه حيضة، وهذا كما يقال (جاءني ثلاثة أنفس) وهنَّ نساء؛ باعتبار اللفظ، والله أعلم. اهـ\nوهذه المسألة تترتب عليها مسائل مهمة، والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الصحيح قول من قال: (الأقراء الحيض)، وهو اختيار الشوكاني، ثم الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، وغيرهم.\nونسأل الله عزوجل أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، والحمد لله. (^١)\nتفريع: الذين يقولون: (الأقراء هي الأطهار)، يقولون بانقضاء العدة بدخولها في الحيضة الثالثة، ولها أن تتزوج قبل انتهاء الحيضة عند أكثرهم، وقال بعضهم: لا تتزوج حتى تطهر. وهو قول ابن عباس، وسالم.\nوقال أبو عبيد: إن كان قد جامعها في الطهر الذي طلقها فيه؛ فلا تعتد بذلك\n_________\n(^١) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٦٠٠ - ٦٥٠) «المغني» (١١/ ١٩٩ -) «المحلى» (١٩٩٣) «البيان» (١١/ ١٤ -) «تفسير الطبري»، و«ابن كثير» «ابن أبي شيبة» (٥/ ١٦١) «سنن ابن منصور» (١/ ٢٩١ -) «البيهقي» (٧/ ٤١٥ -).","vol":"9","page":42},{"text":"الطهر. وخالفه الباقون.\nوقال الزهري: إن كان قد مضى بعض الطهر؛ فلا تعتد بذلك الطهر. وخالفه الباقون في ذلك، والذين يقولون: (الأقراء هي الحيض) اختلفوا متى تنتهي العدة، وهي المسألة التي سنذكرها الآن. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4796>مسألة [٢]: هل تنقضي العدة بانقطاع الحيض، أم بغسل المرأة من الحيض</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال عند أهل العلم:\nالأول: أنها تنتهي بغسلها من الحيض، وهذا قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وقال به سعيد بن المسيب، وهو قول أحمد في رواية، وإسحاق، والثوري، وحجتهم أنَّ ذلك فتوى كبار الصحابة؛ ولأنَّ بعض الأحكام لا تباح إلا بالغسل فتحمل العدة عليها احتياطًا.\nالثاني: أنها تنتهي بالغسل، أو فوات وقت الصلاة التي طهرت فيها، وهذا قول أبي حنيفة، والثوري، وأحمد في رواية، لكن قاله أبو حنيفة فيمن لم تطهر لأكثر الحيض؛ فإن كانت قد حاضت لأكثر الحيض انتهت العدة بانتهاء الحيض مباشرة.\nالثالث: أنها تنتهي بانقطاع الدم، وانتهاء الحيض، وهذا قول سعيد بن جبير، وابن شبرمة، والأوزاعي، وأحمد في رواية اختارها أبو الخطاب وغيره، والشافعي\n_________\n(^١) انظر: «الزاد» (٥/ ٦٠١ -) «المحلى» (١٩٩٣) «المغني» (١١/ ٢٠٣).","vol":"9","page":43},{"text":"في القديم؛ لقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وبانتهاء الحيض تنتهي الثلاثة القروء؛ لعدم وجود دليل يدل على اشتراط الغسل، وهذا القول أظهر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4797>مسألة [٣]: إذا طلقت أثناء الحيض فهل تعتد بتلك الحيضة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (١١/ ٢٠٣): الحيضة التي تطلق فيها لا تحتسب من عدتها بغير خلاف بين أهل العلم؛ لأنَّ الله تعالى أمر بثلاثة قروء فتناول ثلاثة كاملة، والتي طلق فيها لم يبق منها ما تتم به مع اثنتين ثلاثًا كاملة؛ فلا يعتد بها ... اهـ\n_________\n(^١) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٦٠٢) «المحلى» (١٩٩٣) «المغني» (١١/ ٢٠٤ -).","vol":"9","page":44},{"text":"١١٠٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: طَلَاقُ الأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَخْرَجَهُ مَرْفُوعًا، وَضَعَّفَهُ. (^١)\n\n١١٠٩ - وَأَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ -﵂-، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ وَخَالَفُوهُ، فَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4798>مسألة [١]: عدة الأمة</span>.\n• أكثر أهل العلم على أنَّ عدة الأمة نصف عدة الحرة، فإذا كان من طلاق؛ فعدتها قُرءان؛ لأنَّ القرء لا يتنصف، وصحَّ ذلك عن ابن عمر -﵄-، ونُقل عن عمر، وعلي -﵄- بإسنادين ضعيفين، ثم وجدت لأثر عمر سندًا صحيحًا كما في «المحلى»، وإن كانت العدة من وفاةٍ؛ فعدتها عندهم شهران وخمسة أيام.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ عدتها كعدة الحرة؛ لعموم الأدلة، وهو قول ابن سيرين، والظاهرية، ورجح ذلك الإمام ابن عثيمين -﵀-، ولا دليل على\n_________\n(^١) المرفوع ضعيف والموقوف صحيح. أخرج الموقوف الدارقطني (٤/ ٣٨ - ٣٩)، من طرق بعضها صحيح على شرط الشيخين. والمرفوع أخرجه (٤/ ٣٨) وفي إسناده عمر بن شبيب ضعيف، وعطية العوفي يرويه عن ابن عمر مرفوعًا ومع ضعفه قد خالفه سالم ونافع فروياه عنه موقوفًا فرفعه ضعيف منكر.\n(^٢) ضعيف منكر. أخرجه أبوداود (٢١٨٩)، والترمذي (١١٨٢)، وابن ماجه (٢٠٨٠)، والحاكم (٢/ ٢٠٥)، وفي إسناده مظاهر بن أسلم ضعيف. وأنكر عليه هذا الحديث، أنكره عليه أبوداود وغيره. وقال الضحاك بن مخلد كما في «سنن الدارقطني» (٤/ ٤٠) ليس في البصرة حديث أنكر من حديث مظاهر هذا.","vol":"9","page":45},{"text":"التنصيف؛ فهذا القول هو الصواب.\n• وإذا كانت العدة من طلاق، وهي من غير ذوات الأقراء؛ فعدتها ثلاثة أشهر عند ابن سيرين، والظاهرية، ووافقهم على هذا في هذه المسألة الحسن، ومجاهد، وعمر بن عبدالعزيز، والنخعي، ويحيى الأنصاري، وربيعة، ومالك، والشافعي في قولٍ، وأحمد في رواية، وهو الصحيح.\n• وقال بعضهم: تعتد بشهرين؛ لأنَّ ذلك بدل القُرءين. وهو قول عطاء، والزهري، وإسحاق، وأحمد في رواية، وقولٌ للشافعي.\n• وقال بعضهم: عدتها شهرٌ ونصف؛ لأنه نصف ثلاثة أشهر. وهو قول سعيد ابن المسيب، وسالم، والشعبي، والثوري، وأصحاب الرأي، وقولٌ للشافعي.\n• وإن كانت الأمة حاملًا؛ فعدتها كعدة الحرة بلا خلاف بين أهل العلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٠٦، ٢٠٨ -، ٢٢٤، ٢٢٧) «ابن أبي شيبة» (٥/ ١٦٦) «المحلى» (٢٠١٢).","vol":"9","page":46},{"text":"١١١٠ - وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَحَسَّنَهُ البَزَّارُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4799>مسألة [١]: وطء الرجل امرأةً حاملًا من غيره</span>؟\nدلَّ حديث الباب على أنه يحرم على الرجل أن يطأ امرأةً حاملًا من غيره، سواء كانت من السبايا، أو تزوجها بعقد شبهة وهي حامل من غيره، أو تزوجها وهي حامل من الزنى عند من يجيز ذلك فلا يجوز له أن يطأ هذه المرأة، وهذا الحكم مجمع عليه في غير الحامل من الزنى؛ فإنَّ الشافعي أجاز وطأها بحجة أنه لا حرمة لماء الزاني.\nوخالفه الجمهور، وهو الصواب؛ لعموم الحديث الذي في الباب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4800>مسألة [٢]: إذا تزوج رجل امرأة في عدتها، فما الحكم</span>؟\nأما من حيث الحكم التكليفي؛ فهو محرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة:٢٣٥]، وأما من حيث الحكم الوضعي؛\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (٢١٥٨)، والترمذي (١١٣١)، وابن حبان (٤٨٥٠)، وإسناد أبي داود حسن، فيه محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث، وإسناد الترمذي وابن حبان ضعيف، فيه ربيعة بن سليم وهو مجهول الحال، فالحديث حسن.\n(^٢) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ١٥٥) «تهذيب السنن» (٣/ ٦٢).","vol":"9","page":47},{"text":"فيجب على ولي الأمر أن يفرق بينها وبينه، وإذا كان لم يدخل بها فما زالت في عدتها من الأول لم تنقطع.\nواختلفوا فيما إذا كان قد دخل بها هل تنقطع العدة أم لا؟\n• فمذهب أحمد، ومالك أنَّ العدة تنقطع؛ لأنها أصبحت زوجة لرجل آخر بشبهة عقد.\n• ومذهب أبي حنيفة عدم انقطاع العدة مطلقًا؛ لأنَّ كونها فراشًا لغير مَنْ له العدة لا يمنعها، كما لو وطئت بشبهة.\n• وقال الشافعي: إنْ علما بالتحريم؛ لم تنقطع العدة؛ فإنه زنى، وإن لم يعلما؛ فتنقطع العدة؛ لشبهة العقد.\nفعلى قول أحمد، ومالك؛ فإنَّ المرأة تكمل عدة زوجها بعد أن يفرق بينها وبين الآخر.\nوعلى قول أبي حنيفة؛ فإنها لا تزال في عدة؛ فإن فارقها الثاني بعد انتهاء العدة؛ فليس عليها شيء، وإن فارقها وبقي شيء من عدتها؛ أكملت ما بقي.\nوعلى قول الشافعي؛ فإنْ كانا يعلمان بالتحريم فكقول أبي حنيفة، وإن كانا جاهلين فكقول أحمد، ومالك.\nوقول الشافعي في هذه المسألة قريب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٣٧) «البيان» (١١/ ٨٩ -).","vol":"9","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4801>مسألة [٣]: هل تعتد للثاني، أم تتداخل العدتان</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، ومالك أنها تعتد للأول بما بقي، ثم تعتد للثاني، واستدلوا بأثر عمر -﵁- أنه قال: أيما امرأة نكحت في عدتها؛ فإنْ كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها؛ فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، وكان خاطبًا من الخطاب، وإن كان دخل بها؛ فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ولا ينكحها أبدًا. أخرجه مالك وغيره، وله عن عمر طرق، رواه عنه سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والشعبي، فالأثر ثابت بهذه الطرق.\nوجاء ذلك عن علي، ولكنه خالف عمر بقوله: (ولا ينكحها أبدًا)، وقال: لها أن تتزوجه بعد العدتين إن شاءت. وله عن علي -﵁- ثلاث طرق يثبت بها إن شاء الله كما في «سنن البيهقي» و«ابن أبي شيبة».\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ العدتين تتداخلان، فتأتي بثلاثة قروء بعد مفارقة الثاني تكون عن بقية عدة الأول، وعدة الثاني.\n• وعن مالك رواية أيضًا بتداخل العدتين؛ لأنَّ القصد معرفة براءة الرحم، وهذا تحصل به براءة الرحم منهما.\nوأجاب الجمهور بأنَّ هذا خلاف ما قضى به عمر، وعلي -﵄-، ولا يُعلم لهم في ذلك مخالف؛ ولأنهما حقَّان مقصودان لآدميَّين، وحقوق الآدميِّين لا تتداخل؛","vol":"9","page":49},{"text":"ولأنَّ ذلك حق للرجال على النساء فلا يتداخل، قال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩] ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨].\n• وذهب شيخ الإسلام -﵀- إلى أنَّ عليها للثاني الاستبراء بحيضة فقط، وقال: إنَّ السلف يُطلِقون العدة على عدة النكاح والوفاة، وعلى الاستبراء. واستدل على ذلك بأنَّ المختلعة الصحيح أنَّ عليها حيضة، وهو فسخٌ من نكاح شرعي محترم، فههنا أولى أن يكون عليها الاستبراء فقط، وجعل هذا القول مقتضى قول من يقول في الخلع عليها حيضة، وقول شيخ الإسلام هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4802>مسألة [٤]: هل يجوز للثاني أن يتزوج بها بعد انتهاء العدتين</span>؟\n• من أهل العلم من قال: لا يجوز له أن يتزوجها أبدًا. صحَّ ذلك عن عمر -﵁-، كما تقدم، وهو قول مالك، وأحمد في رواية، والشافعي في القديم، وحجتهم قول عمر -﵁-، ومعاقبة له على استعجاله؛ فعُومل بنقيض قصده.\n• ومنهم من قال: يجوز له ذلك. وهو قول علي -﵁-، كما تقدم، وأحمد في ظاهر مذهبه، والشافعي، بل قال الشافعي، وبعض الحنابلة: يجوز للثاني أن يتزوجها بعد انتهاء عدة الأول في أثناء عدتها من الثاني، أي: نفسه.\nوهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٣٨) «البيان» (١١/ ٨٩ -) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٣٨٠) (٣٢/ ٣٤٤ - ٣٥٢) «ابن أبي شيبة» (٥/ ١٧٠) «سنن البيهقي» (٧/ ٤٤١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٢٣٩) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣٥١).","vol":"9","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4803>مسألة [٥]: إن كانت المرأة حاملًا بولد</span>؟\n• إن علم أنه من الأول؛ فتنقضي عدتها منه بوضعه، وتعتد للثاني عند الجمهور ثلاثة قروء.\n• وإن علم أنه من الثاني دون الأول؛ فتعتد من الثاني بوضعه، ثم تكمل عدة الأول. وإن أمكن أن يكون منهما؛ فيعرض على القافة؛ فإنْ ألحقته بالأول، لحق به، كما لو علم أنه منه، وإن ألحقته بالثاني، لحق به، كما لو علم أنه منه. وإن أشكل أمره على القافة، أو لم تكن قافة؛ لزمها أن تعتد بعد وضعه بثلاثة قروء؛ لأنه إن كان من الأول فقد أتت بما عليها من عدة الثاني، وإن كان من الثاني؛ فعليها أن تكمل عدة الأول؛ ليسقط الفرض بيقين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4804>مسألة [٦]: هل يجوز للرجل الذي خالع امرأته أن يتزوجها في عدتها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٢٤٢): وَإِذَا خَالَعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ، أَوْ فَسَخَ نِكَاحَهُ؛ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَشَذَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَقَالَ: لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا، وَلَا خِطْبَتُهَا؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ. وَلَنَا أَنَّ الْعِدَّةَ لِحِفْظِ نَسَبِهِ، وَصِيَانَةِ مَائِهِ، وَلَا يُصَانُ مَاؤُهُ عَنْ مَائِهِ إذَا كَانَا مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ. اهـ\nوقد نقل شيخ الإسلام الإجماع على ذلك كما في «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣٥٠).\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٤١).","vol":"9","page":51},{"text":"١١١١ - وَعَنْ عُمَرَ -﵁- -فِي امْرَأَةِ المَفْقُودِ- تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. (^١)\n\n١١١٢ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «امْرَأَةُ المَفْقُودِ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا البَيَانُ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث والأثر\nمع بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4805>مسألة [١]: إذا غاب الرجل عن أهله ولم تنقطع عنه الأخبار، ولا الكتابة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٢٤٧): إِذَا كَانَت الْغَيْبَةُ غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ، يُعْرَفُ خَبَرُهُ وَيَأْتِي كِتَابُهُ؛ فَهَذَا لَيْسَ لِامْرَأَتِهِ أَنْ تَتَزَوَّجَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَجْمَعِينَ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ، فَلَهَا أَنْ تَطْلُبَ فَسْخَ النِّكَاحِ، فَيُفْسَخَ نِكَاحُهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4806>مسألة [٢]: زوجة الأسير</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٢٤٧): وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ زَوْجَةَ الْأَسِيرِ لَا تَنْكِحُ حَتَّى تَعْلَمَ يَقِينَ وَفَاتِهِ. اهـ\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه مالك (٢/ ٥٧٥)، والشافعي كما في «سنن البيهقي» (٧/ ٤٤٥) من طريق سعيد ابن المسيب عن عمر، وروايته عنه صالحة للحجية كما تقدم. وله طرق صحيحة أخرى عند البيهقي (٧/ ٤٤٥).\n(^٢) ضعيف جدًّا. أخرجه الدارقطني (٣/ ٣١٢)، من طريق سوار بن مصعب عن محمد بن شرحبيل عن المغيرة. وسوار ومحمد بن شرحبيل متروكان. وذكره ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٤٣١) من طريق بشر بن جميلة عن سوار بن أشعث عن محمد بن شرحبيل عن المغيرة به. وقال: قال أبي: هذا حديث منكر، ومحمد بن شرحبيل متروك الحديث يروي عن المغيرة بن شعبة مناكير وأباطيل.","vol":"9","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4807>مسألة [٣]: زوجة العبد الآبق</span>.\nقال -﵀- في «المغني» (١١/ ٢٤٧): وَإِنْ أَبَقَ الْعَبْدُ، فَزَوْجَتُهُ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، حَتَّى تَعْلَمَ مَوْتَهُ أَوْ رِدَّتَهُ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إبَاقُهُ طَلَاقُهُ. وَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَفْقُودٍ؛ فَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهُ، كَالْحُرِّ، وَمَنْ تَعَذُّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْ مَالِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ، فَحُكْمُهَا فِي الْفَسْخِ حُكْمُ مَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، أَوْ فِي كَسْبِهِ، فَيُعْتَبَرُ تَعَذُّرُ الْإِنْفَاقِ مِنْ مَحَلِّ الْوُجُوبِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4808>مسألة [٤]: الغائب المنقطع خبره، وهو المفقود</span>.\n• من أهل العلم من يقول: هي امرأته، ولا تتزوج حتى تتيقن موته. وهذا قول ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، وأبي قلابة، والنخعي، وأصحاب الرأي، والشافعي في الجديد، ونُقل عن علي بن أبي طالب -﵁- من طرق يثبت بها كما في «سنن البيهقي» (٧/ ٤٤٤).\n• ومن أهل العلم من يقول: تنتظر أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة، سواء كان الغالب السلامة، أو الهلاك. وهو قول مالك، والشافعي في القديم، واستدلوا بأثر عمر -﵁- أنه قضى بذلك، وثبت عن عثمان، وابن عمر، وابن عباس -﵃- أنهم حددوا ذلك الزمن أيضًا، إلا أنَّ مالكًا قال فيمن قتل في الصف: لا تتربص. وقال سعيد بن المسيب في ذلك: تتربص سنة.","vol":"9","page":53},{"text":"• وفصَّل بعض أهل العلم، وهو المشهور في مذهب أحمد، فقالوا: إذا كانت الغيبة ظاهرها الهلاك، كمن يكون في سفينة فتغرق، أو بين الصفين، أو يسافر في مفازة مهلكة، فتتربص أربع سنين كالقول الثاني، وإن كان ظاهرها السلام؛ فتنتظر حتى تتيقن موته، وعن أحمد رواية: تنتظر إلى تمام تسعين سنة.\n• ومن الحنابلة من قال: يجتهد الحاكم، فتبقى المرأة ما رآه الحاكم.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: إن قيل: إنَّ امرأته تبقى إلى أن يُعلم خبره؛ بقيت لا أيِّمًا ولا ذات زوج إلى أن تصير عجوزًا، وتموت ولم تعلم خبره، والشريعة لم تأت بمثل هذا. انتهى.\nثم اختار -﵀- الذي قضى به عمر، وبين أنه موافق للقياس في كلامٍ مفيدٍ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧٦ - ٥٨٢).\nقلتُ: وهو الذي ينبغي أن يعتمد عليه في القضاء، والله أعلم.\nوقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: الصحيح أننا لا نقدر ذلك بما قدره الفقهاء، وأنَّ الأمر في ذلك راجع إلى اجتهاد القاضي في كل قضية بعينها، وأنَّ الأمر يختلف باختلاف الأحوال، والأزمان، والأمكنة، والأسباب التي بها فقد. اهـ\nوحمل -﵀- ما جاء عن الصحابة بأنها قضية عين لا تكون عامة لكل واقعة، وقوله قوي، والله أعلم.\nواختار الصنعاني في «السبل» أنَّ للحاكم الفسخ بدون تربص إذا تضررت المرأة. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٤٧ - ٢٥٠) «البيان» (١١/ ٤٢ -) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧٦ -) «سنن البيهقي» (٧/ ٤٤٤ -) «الشرح الممتع» (٥/ ٦٨٣) «الإنصاف» (٩/ ٢٩٨، ٣٠٥).","vol":"9","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4809>مسألة [٥]: هل يعتبر أن يطلقها ولي زوجها بعد التربص</span>؟\n• جاء عن عمر في رواية أنه قال بذلك كما في «سنن البيهقي» (٧/ ٤٤٥)، ووافقه أحمد في رواية، وأكثر الصحابة، وأكثر أهل العلم لم يعتبروا ذلك، وهو قول أحمد في رواية، ولم يذكر ذلك عمر في بعض الروايات.\nوالصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4810>مسألة [٦]: وقت ابتداء المدة</span>.\n• للحنابلة، والشافعية قولان في اعتبار المدة، هل هي من حين انقطع خبره، أم من حين ضربها الحاكم؟\nوالذي يظهر أنَّ المدة ترجع إلى حكم الحاكم؛ فإن رأى أن يحسبها من حين انقطاع الخبر؛ فذاك، وإن رأى أن يحسبها من حين ارتفعت المرأة إليه؛ فذاك، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4811>مسألة [٧]: هل يفتقر ذلك إلى الحاكم، أم للمرأة أن تحسب لنفسها المدة بدون الحاكم</span>؟\n• ذهب بعض الحنابلة، والشافعية إلى عدم اعتبار ذلك، واختاره شيخ الإسلام.\n• وذهب جماعة منهم إلى اعتبار ذلك.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٥١) «البيهقي» (٧/ ٤٤٥) «الإنصاف» (٩/ ٣٠٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٢٥١ -) «البيان» (١١/ ٤٦).","vol":"9","page":55},{"text":"قال الإمام ابن عثيمين -﵀-: والقول الثاني في المسألة أنه لابد من حكم الحاكم؛ لئلا يقع الناس في الفوضى؛ لأننا إذا قلنا بهذا القول فربما تدعي الزوجة أنَّ زوجها مفقود، فتعمل هذا العمل؛ ولهذا فإنَّ القول الثاني في المذهب، وهو قول الأئمة الثلاثة أنه لابد لها من مراجعة القاضي، وهذا متعين لاسيما على القول الراجح الذي رجحناه، وهو أن يرجع فيه إلى الحكم بالموت إلى اجتهاد القاضي. انتهى.\nقلتُ: وما رجحه الإمام العثيمين -﵀- هو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4812>مسألة [٨]: إذا قضى الحاكم بالفرقة، فهل ينفسخ النكاح ظاهرًا وباطنًا، أم في الظاهر فقط</span>؟\n• مذهب مالك، وبعض الحنابلة، والشافعية أنَّ الفسخ يكون ظاهرًا وباطنًا؛ فتكون زوجة شرعية للثاني في الظاهر والباطن، وهذا ظاهر قضاء الصحابة، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام.\n• والأشهر في مذهب الحنابلة، وبعض الشافعية أنَّ الفسخ يكون ظاهرًا لا باطنًا؛ بدليل أنَّ زوجها إذا جاء فهو أحق بامرأته في قضاء الصحابة.\nوالراجح -والله أعلم- هو القول الأول.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: الصواب أنها زوجته، أي الثاني، ظاهرًا وباطنًا؛ لأنَّ الأحكام الشرعية إذا ثبتت؛ ثبتت ظاهرًا وباطنًا، فعلى هذا فلها أن تتزوج\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٩/ ٢٩٩ - ٣٠٠) «البيان» (١١/ ٤٦ - ٤٧) «الشرح الممتع» (٥/ ٦٨٤).","vol":"9","page":56},{"text":"زوجًا آخر. اهـ\nفائدة الخلاف: أنَّ من قال: ينفسخ ظاهرًا فقط. فإنَّ المفقود لو طلق، أو ظاهر بعد الفراق؛ لزمه ذلك، ولو ماتت وجاء المفقود؛ ورثها، وترثه إذا مات، وإذا جاء ولم يختر زوجته؛ فإنَّ الثاني يجدد العقد عليها، ومن قال: ينفسخ ظاهرًا وباطنًا. فالحكم عنده بخلاف ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4813>مسألة [٩]: إن قدم زوجها الأول بعد تربصها قبل التزوج</span>؟\n• هو أحق بها عند أكثر أهل العلم وعامتهم.\n• وقال بعض أصحاب الشافعي: إذا انقضت المدة؛ بطل نكاح الأول.\nوالقول الأول هو الصحيح؛ لأنه إنما أُبيح لها التزويج؛ لأنَّ الظاهر موته، فإذا بان حيًّا؛ انخرم ذلك الظاهر، وكان النكاح بحاله. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4814>مسألة [١٠]: إذا قدم زوجها بعد أن تزوجت بآخر</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه إذا قدم قبل دخول الثاني بها؛ فهي امرأته، وهو أحق بها، وإن قدم بعد دخوله بها؛ يُخيَّر بين امرأته، وبين صداقه. وهو قول الحسن، وعطاء، وخِلاس، والنخعي، وقتادة، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وغيرهم؛ لأنَّ هذا هو الذي قضى به عمر -﵁-، وبين شيخ الإسلام أنَّ قضاء عمر يوافق\n_________\n(^١) انظر: «الإنصاف» (٩/ ٣٠١) «الفتاوى» (٢٠/ ٥٧٦) «البيان» (١١/ ٤٧) «الشرح الممتع» (٥/ ٦٨٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٢٥٢) «البيان» (١١/ ٤٨).","vol":"9","page":57},{"text":"القياس بكلام نفيس يُراجع من «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٧٦ - ٥٨٢).\n• وذهب أحمد في رواية إلى أنه يخير مطلقًا. وأخذ به بعض الحنابلة، وأنكر ابن قدامة هذه الرواية، وقال: إنما كان كلام أحمد عامًّا، وقد بينه في رواية أخرى.\nورجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- الخيار مطلقًا، والصحابة لم يفصلوا.\n• وعن مالك أنها زوجة الثاني، ولا خيار للأول، دخل بها أم لم يدخل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4815>مسألة [١١]: إذا اختار الترك، فهل له الصداق، وعلى من</span>؟\nالذي قضى به عمر بن الخطاب -﵁- أنَّ له الصداق على زوجها الآخر، كما في «سنن البيهقي» (٧/ ٤٤٦)؛ لأنه حال بينه وبينها بعقده عليها ودخوله بها.\nواختلفوا هل يعطيه الصداق الذي أمهرها الزوج الأول، أم الصداق الذي أمهرها هو؟\n• فقال بالأول الزهري، وقتادة، والحسن، وأحمد في رواية، وعلي بن المديني، ونقل عن عثمان، وعلي -﵄- بسند ضعيف.\n• وقال بالثاني أحمد في رواية.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: والصواب أنَّ الأول يرجع بمهره هو؛ فإنه الذي استحقه، وأما المهر الذي أصدقها الثاني فلا حق له فيه. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٥٢) «سنن البيهقي» (٧/ ٤٤٦) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٨١ - ٥٨٢) «الشرح الممتع» (٥/ ٦٨٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٢٥٣) «الفتاوى» (٢٠/ ٥٨٠) «البيهقي» (٧/ ٤٤٧).","vol":"9","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4816>مسألة [١٢]: إذا ضمن الثاني للأول المهر، هل يرجع به على المرأة</span>؟\n• الأظهر في مذهب أحمد عدم الرجوع، وعنه رواية بالرجوع، والذي ثبت عن عمر -﵁- أنه على الزوج، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- (٥/ ٦٨٧): والصحيح أنه لا يرجع عليها بشيء؛ إلا أن تكون قد غرَّته، أما إذا لم تغره؛ فإنه لا يرجع عليها بشيء؛ لأنه هوالذي فوتها على زوجها الأول. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتاوى» (٢٠/ ٥٨٠ - ٥٨١) «المغني» (١١/ ٢٥٤).","vol":"9","page":59},{"text":"١١١٣ - (^١) وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ -﵂- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ (^٢)، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا، إلَّا إذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ، أَوْ أَظْفَارٍ (^٣)». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. (^٤)\nوَلِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنَ الزِّيَادَةِ: «وَلَا تَخْتَضِبُ» (^٥)، وَلِلنَّسَائِيِّ: «وَلَا تَمْتَشِطُ». (^٦)\n\n١١١٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- قَالَتْ: جَعَلْت عَلَى عَيْنِي صَبِرًا، بَعْدَ أَنْ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّهُ يَشِبُّ (^٧) الوَجْهَ، فَلَا تَجْعَلِيهِ إلَّا بِاللَّيْلِ وَانْزِعِيهِ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ، وَلَا بِالحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ»، قُلْت: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ؟ قَالَ: «بِالسِّدْرِ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. (^٨)\n_________\n(^١) هذا الحديث والأربعة التي بعده أخَّرناها عن موضعها في المتن إلى هذا الموضع؛ ليتناسب موضوع الأحاديث.\n(^٢) قال ابن الأثير -﵀-: العَصْب: برود يمنية يعصب غزلها، أي يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج فيأتي موشيًا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ. اهـ «النهاية».\n(^٣) القسط والأظفار بعض أنواع الطيب أو البخور.\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٣٤١)، ومسلم (٩٣٨).\n(^٥) أخرجه أبوداود (٢٣٠٢)، والنسائي (٦/ ٢٠٤) وإسنادهما صحيح.\n(^٦) أخرجه النسائي (٦/ ٢٠٢)، وإسناده صحيح.\n(^٧) يشب الوجه، أي: يلونه ويحسنه.\n(^٨) ضعيف. أخرجه أبوداود (٢٣٠٥)، والنسائي (٦/ ٢٠٤ - ٢٠٥)، من طريق المغيرة بن الضحاك عن أم حكيم بنت أسيد عن أمها عن أم سلمة. وإسناده ضعيف؛ لأن من دون أم سلمة كلهم مجاهيل.","vol":"9","page":60},{"text":"١١١٥ - وَعَنْهَا -﵂- أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ ابْنَتِي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا، أَفَنَكْحَلُهَا؟ قَالَ: «لَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nتعريف الإحداد:\nلغة: المنع. وفي الشرع: هو ترك الطيب، والزينة للمعتدة عن الوفاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4817>مسألة [١]: حكم إحداد الزوجة على زوجها</span>.\nدلت الأحاديث المتقدمة على وجوب إحداد الزوجة على زوجها أربعة أشهر وعشرًا.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٢٨٤): وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، إلَّا عَنْ الْحَسَنِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَجِبُ الْإِحْدَادُ. وَهُوَ قَوْلٌ شَذَّ بِهِ عَنْ أَهْلَ الْعِلْمِ، وَخَالَفَ بِهِ السُّنَّةَ، فَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ. اهـ\nقلتُ: وقد صحَّ الخلاف عن الشعبي أيضًا، وكأنه لم يبلغهما الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4818>مسألة [٢]: هل يجب الإحداد على الصغيرة والذمية</span>؟\n• ذهب الحنفية إلى أنه ليس عليهما الإحداد؛ لأنهما غير مكلفتين.\n• وذهب الجمهور إلى وجوب الإحداد عليهما؛ لعموم الدليل، وهو الصحيح، ولكن الصغيرة التي دون البلوغ يلزم وليها إن يجنبها الزينة؛ كما أن الصغير إذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣٣٦)، ومسلم (١٤٨٨).","vol":"9","page":61},{"text":"حجَّ به وجب على وليه إن يجنبه محظورات الإحرام. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4819>مسألة [٣]: الإحداد هل يشمل أمَّ الولد والأمة إذا مات سيدهما</span>؟\nالدليل خاصٌّ بالمتزوجة، فلا إحداد على أم الولد إذا مات سيدها، قال ابن المنذر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك، وكذلك الأمة، والموطوءة بشبهة، والموطوءة في نكاح فاسد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4820>مسألة [٤]: هل على المطلقة الإحداد إذا طلقها زوجها بسبب الطلاق</span>؟\nأما الرجعية فلا إحداد عليها بغير خلاف؛ لأنها في حكم الزوجات لها أن تتزين لزوجها، وتتشوف له.\n• وأما المطلقة البائن، فقال بعض أهل العلم بوجوب الإحداد عليها، وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية؛ لأنها معتدة بائن، فلزمها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها؛ وذلك لأنَّ العدة تحرم النكاح، فحرمت دواعيه.\n• وذهب عطاء، وربيعة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وابن المنذر -وهو قول الجمهور- إلى أنه لا يجب عليها الإحداد؛ لأنَّ الدليل جاء في المتوفى عنها زوجها، ولأنَّ الإحداد في عدة الوفاة لإظهار الأسف على فراق زوجها وموته، فأمَّا الطلاق؛ فإنه فارقها باختيار نفسه، وقطع نكاحها؛ فلا معنى لتكليفها\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٨٤) «الفتح» (٥٣٣٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٢٨٤ - ٢٨٥).","vol":"9","page":62},{"text":"الحزن عليه.\nوقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4821>مسألة [٥]: الأشياء التي تجتنبها المرأة في إحدادها</span>.\n• أولًا: الطيب.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ الْإِحْدَادَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا تَمَسُّ طِيبًا إلَّا إذَا طَهُرَتْ ...».اهـ\nويدخل في ذلك الأدهان المطيبة، فأما الأدهان التي ليست مطيبة فلا بأس بها؛ لأنها ليست بطيب.\n• ثانيًا: اجتناب الزينة.\nوذلك واجب في قول عامة أهل العلم، وهو يشمل الزينة في نفسها بالخضاب، والكحل، والحناء، والمواد الأخرى التي تستخدم للتجميل، ويدل عليه أحاديث الباب.\nويشمل أيضًا لباس الثياب المزينة التي تدعو إلى جماعها؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا ...».\nقال ابن المنذر -﵀-: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادَّة لبس الثياب المعصفرة، ولا المصْبغة؛ إلا ما صبغ بسواد. اهـ\nويشمل أيضًا لباس الحلي عند عامة أهل العلم، وأباح عطاء حُلي الفضة دون\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٨٥،٢٩٩) «السبل» (٦/ ٢٨٨) «الفتح» (٥٣٣٤).","vol":"9","page":63},{"text":"الذهب، واستدل الجمهور على المنع من الحلي بما رواه أبو داود (٢٣٠٤)، والنسائي (٦/ ٢٠٣)، وأحمد (٦/ ٣٠٢)، من حديث أم سلمة بإسناد صحيح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشق، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل»؛ ولأنَّ الحلي يزيد في حسنها، ويدعو إلى مباشرتها، قالت امرأةٌ:\nوما الحلي إلا زينة لنقيصة ... تتمم من حسنٍ إذا الحسن قصَّرا (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4822>مسألة [٦]: كم مدة الإحداد للمتوفى عنها زوجها</span>؟\nالمدة التي تحدها المرأة أربعة أشهر وعشر، كما في حديث أم عطية، وجاء عن أم حبيبة، وزينب بنت جحش كما في «الصحيحين» (^٢)، وأخرج أحمد (٦/ ٤٣٨) من حديث أسماء بنت عميس أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لها في اليوم الثالث من قتل جعفر: «لا تحدي بعد يومك هذا».\nوهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: محمد بن طلحة بن مصرف، الراجح أنه ضعيف، يُقبل في الشواهد، وقد خُولِف في إسناده، فرواه غيره مرسلًا، منهم: شعبة، ورجَّح الدارقطني المرسل. (^٣)\nوأما الحامل فإحدادها عند أهل العلم ينتهي بوضع حملها، كما تنتهي عدتها\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٨٥ - ٢٨٩) «الفتح» [باب: (٤٦) من كتاب الطلاق].\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٥٣٣٤) (٥٣٣٧)، ومسلم برقم (١٤٨٦) (١٤٨٧).\n(^٣) انظر: «تحقيق المسند» (٤٥/ ٢٠ - ٢١).","vol":"9","page":64},{"text":"بوضع حملها، وسواءٌ كان بأقل من أربعة أشهر وعشر، أو بأكثر من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4823>مسألة [٧]: إذا احتاجت الحادة للكحل</span>؟\nاختلف أهل العلم فيما إذا احتاجت المرأة للتداوي بالكحل في حال إحدادها.\n• فمنهم من أباح ذلك في الليل، وتمسحه في النهار، واستدلوا بحديث أم سلمة الذي في الباب، وهو ضعيف. وهو مذهب الحنابلة، والشافعية.\n• ومنهم من أجازه إذا لم يكن فيه طيب، وهو قول عطاء، والنخعي، ومالك في رواية، وأصحاب الرأي؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].\n• ومنهم من منعه مطلقًا، وهو قول مالك في رواية، وابن حزم، ورجَّحه الشيخ ابن عثيمين؛ لحديث أم سلمة الذي في الباب في المرأة التي اشتكت عينها، فلم يأذن لها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الكحل، وهذا القول هو الصواب، وهناك مواد أخرى مباحة للتداوي تُغني عن الكحل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4824>مسألة [٨]: الثياب المصبوغة بالسواد</span>.\n• أجاز ذلك جماعة من أهل العلم، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم؛ لأنه ليس بلباس زينة، ومنع منه بعض المالكية إن كان مما\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٨٧ -) «الفتح» (٥٣٣٤) «الشرح الممتع» (٥/ ٧٠٧).","vol":"9","page":65},{"text":"يتزين به.\nقلتُ: الظاهر أنَّ المنع من المصبوغ؛ لكونه لباس زينة؛ فإن كان الأسود لباس زينة؛ امتنعت منه المرأة، سواء كان مصبوغًا أو غير مصبوغ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4825>مسألة [٩]: لباس الحرير</span>.\n• أباح لبسه بعض الشافعية، والأكثر على المنع؛ لأنه من أحسن الألبسة زينة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4826>مسألة [١٠]: ما صُبِغَ ثم نُسِجَ</span>؟\n• أجاز لبسه بعض الحنابلة، والشافعية؛ لقوله: «إلا ثوب عصب»، فقالوا: المعصوب هو الذي صبغ، ثم نسج، وأكثرهم على المنع؛ لعموم الحديث: «ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا»، وقالوا: وثوب العصب نوع من ثياب اليمن، فيقتصر عليه، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٣٤١) «المغني» (١١/ ٢٨٩) «البيان» (١١/ ٨٧).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٥٣٤١).\n(^٣) انظر: «البيان» (١١/ ٨٦) «المغني» (١١/ ٢٨٩).","vol":"9","page":66},{"text":"١١١٦ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «بَلَى، جُدِّي نَخْلَك، فَإِنَّك عَسَى أَنْ تَصَّدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١١١٧ - وَعَنْ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ فَقَتَلُوهُ، قَالَتْ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنْ أَرْجِعَ إلَى أَهْلِي، فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ لِي مَسْكَنًا يَمْلِكُهُ، وَلَا نَفَقَةً، فَقَالَ: «نَعَمْ»، فَلَمَّا كُنْت فِي الحُجْرَةِ نَادَانِي، فَقَالَ: «امْكُثِي فِي بَيْتِك حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ»، قَالَتْ: فَاعْتَدَدْت فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَقَضَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عُثْمَانُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالذُّهْلِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٤٨٣).\n(^٢) حسن. أخرجه أحمد (٦/ ٣٧٠)، وأبوداود (٢٣٠٠)، والنسائي (٦/ ١٩٩)، والترمذي (١٢٠٤)، وابن ماجه (٢٠٣١)، وابن حبان (١٣٣١)، والحاكم (٢/ ٢٠٨).\nوفي إسناده زينب بنت كعب بن عجرة، ولم يؤثر لها على توثيق من معتبر، ولكن حديثها هذا أخذ به عامة المحدثين، والفقهاء واحتجوا به، وذلك لقرائن كثيرة تقوي من حاله: منها: أن الراوية المذكورة زينب بنت كعب بن عجرة ابنة صحابي، وهذا يرفع من شأن جهالتها. ومنها: أنها تحكي قصة حصلت لصحابية مشهورة، وهي فريعة بنت مالك، أخت أبي سعيد الخدري -﵄-، ومن شأن هذا القصص أن تشتهر. ومنها: صحح الحديث جماعة من الحفاظ منهم الذهلي، وابن خزيمة، والترمذي، وآخرون، وهذا فيه التوثيق الضمني، ومنها: أن زينب بنت كعب بن عجرة هي زوجة أبي سعيد، وتروي قصة حصلت لأخت زوجها، وهذا يدل على حفظها لذلك. ومنها: أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -﵁-، كان يفتي بما دل عليه هذا الحديث، ويمنع النساء المعتدات عن الحج. أخرجه عبد الرزاق (٧/ ٣٣) وكذلك ثبت عن ابن مسعود -﵁- ذلك أخرجه عبد الرزاق (٧/ ٣٢)، وابن أبي شيبة (٥/ ١٨٥) بإسنادٍ صحيحٍ.","vol":"9","page":67},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4827>مسألة [١]: هل يجب على الحادَّة أن تلازم بيت زوجها أثناء الإحداد</span>؟\n• ذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّ على الحادة أن تعتد في منزل زوجها الذي كانت تسكنه، ولا تخرج إلى لحاجة، وهو قول عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن مسعود -﵃-، ومن أصحاب المذاهب مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، واستدلوا بحديث فريعة الذي في الباب.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تعتد حيث شاءت، ولا يلزمها العدة في بيت زوجها، صحَّ ذلك عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعائشة -﵃-، وهو قول الحسن، وعطاء، وجابر بن زيد، وغيرهم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، وهذه الآية ناسخة للآية الأخرى، وليس فيها ذكر السكنى، والنفقة، والقول الأول أقرب؛ لحديث فريعة -﵂- الذي في الباب. (^١)\nتنبيه: اختلف أهل العلم هل يجب للمرأة السكنى في مدة عدتها من مال الزوج؛ بناء على الاختلاف السابق، فالذين يقولون: يلزمها المكوث في بيت زوجها. يقولون: تجب السكنى؛ فإن كان البيت للزوج، فلا تخرج منه حتى تكمل العدة، وإن كان البيت مستأجرًا؛ دفعت الإجارة من جميع المال قبل\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٩٠) «مصنف عبدالرزاق» (٧/ ٢٩ -) «ابن أبي شيبة» (٥/ ١٨٤).","vol":"9","page":68},{"text":"القسمة. والذين يقولون: تعتد حيث شاءت. فإنهم يرون أنَّ السكنى ليست واجبة في مال الزوج. وقالوا: الميراث نسخ النفقة والسكنى. وهذا أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4828>مسألة [٢]: خروج المعتدة للحاجة</span>.\nحديث جابر -﵁- المذكور في الكتاب جاء عند أبي داود (٢٢٩٧)، وغيره: «طلقت ثلاثًا».\nقال النووي -﵀- (١٤٨٣): هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِخُرُوجِ الْمُعْتَدَّة الْبَائِن لِلْحَاجَةِ، وَمَذْهَب مَالِك، وَالثَّوْرِيِّ، وَاللَّيْث، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَآخَرِينَ جَوَاز خُرُوجهَا فِي النَّهَار لِلْحَاجَةِ.\nوَكَذَلِكَ عِنْد هَؤُلَاءِ يَجُوز لَهَا الْخُرُوج فِي عِدَّة الْوَفَاة، وَوَافَقَهُمْ أَبُو حَنِيفَة فِي عِدَّة الْوَفَاة، وَقَالَ فِي الْبَائِن: لَا تَخْرُج لَيْلًا وَلَا نَهَارًا. اهـ\nقلتُ: وممن ثبت عنه القول بأن المتوفى عنها زوجها تلازم بيتها، وتخرج للحاجة: عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وزيد بن ثابت -﵃-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ١٨٩)، وأما في الليل فيشرع لها الخروج فيه عند الضرورة، أو الحاجة الشديدة. (^٢)\nتنبيه: إذا انتقل أهل ذلك البيت؛ فلها أن تنتقل معهم، وممن نص على ذلك عروة بن الزبير: أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٨٧) بإسنادٍ صحيح.\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١١/ ٥٩ - ٦٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٢٩٧).","vol":"9","page":69},{"text":"فائدة: قال ابن أبي شيبة (٥/ ١٨٨) حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أن امرأة من الأنصار توفي عنها زوجها وأن أباها اشتكى فاستأذنت عمر فلم يرخص لها إلا في ليلة. قلت: إسناده حسن.\nقال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا ابن عون، عن أنس بن سيرين أن ابنة لعبدالله بن عمر توفي زوجها فأتتهم فأرادت أن تبيت عندهم فمنعها عبدالله بن عمر وقال: ارجعي إلى بيتك فبيتي فيه. قلت: وإسناده صحيح، وابن عون هو عبدالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4829>مسألة [٣]: متى يبدأ توقيت العدة</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ ابتداء العدة من حين طلق أو مات عنها، وهو قول ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود -﵃-، ومسروق، وعطاء، وجابر بن زيد، وابن سيرين، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وطاوس، وآخرين من التابعين، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الطلاق والموت هو سبب العدة؛ فكان هو ابتداءها.\n• وعن أحمد رواية: إن قامت بذلك بينة، فمن حين مات، أو طلق، وإن لم تقم بينة فمن حين بلغها الخبر.\n• ورُوي عن سعيد بن المسيب، وعمر بن عبدالعزيز نحو ما قاله أحمد.\n• ويُروى عن الحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، وخِلاس أنَّ عدتها من يوم يأتيها الخبر.\nوالصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٠٧ - ٣٠٨) «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ١٩٦ - ٢٠٠).","vol":"9","page":70},{"text":"١١١٨ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا، أَوْ ذَا مَحْرَمٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١١١٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديثين\nفي هذين الحديثين دلالة على تحريم الخلوة بالأجنبية، وثبت في «مسند أحمد» (١/ ٢٦)، من حديث عمر -﵁- مرفوعًا: «لا يخلون رجل بامرأة؛ فإن الشيطان ثالثهما»، ويجوز للمحرم أن يخلو بالمرأة التي تحرم عليه إذا أمن على نفسه الفتنة؛ لحديث الباب، وضابط المرأة المحرمة هي كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد لسبب مباح لحرمتها.\nوقولهم: (لسبب مباح) يخرجون به أم الموطوءة بشبهة، وبنتها؛ فإنها حرام على التأبيد، لكن ليس لسبب مباح؛ فإنَّ وطء الشبهة لا يوصف بأنه مباح، ولا محرم، ولا بغيرهما من أحكام الشرع الخمسة؛ لأنه ليس فعل مكلف.\nوقولهم: (لحرمتها) احتراز من الملاعنة؛ فهي حرام على التأبيد، لا لحرمتها، بل تغليظًا عليهما. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢١٧١).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٥٢٣٣). وأخرجه مسلم برقم (١٣٤١).\n(^٣) انظر: «البدر التمام» (٤/ ٢١٣).","vol":"9","page":71},{"text":"١١٢٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\n١١٢١ - وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- فِي الدَّارَقُطْنِيِّ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4830>مسألة [١]: من ملك أمة من مغنم، أو شراء، أو هبة، فهل عليه الاستبراء</span>؟\nأولا: الاستبراء هو طلب براءة الرحم، وذلك باعتزال المرأة حتى تحيض، فيتبين عدم حملها، أو حتى يتبين حملها، فلا يقربها حتى تضع.\nولا خلاف بين أهل العلم أنَّ الحامل تُستبرأ بوضع الحمل؛ لحديث الباب.\n_________\n(^١) إسناده ضعيف، وهو صحيح بشواهده. أخرجه أبوداود (٢١٥٦)، والحاكم (٢/ ١٩٥)، وفي إسناده شريك القاضي وهو ضعيف ويشهد له ما بعده.\n(^٢) أخرجه الدارقطني (٣/ ٥٧)، وأعله ابن صاعد بالإرسال ونقله عنه الدارقطني وأقره. والمرسل يرويه عمرو بن مسلم الجندي عن عكرمة مرسلًا، وعمرو بن مسلم فيه ضعف.\nوله شاهد من حديث رويفع بن ثابت: أخرجه أحمد (٤/ ١٠٨)، وأبوداود (٢١٥٨)، وإسناده حسن.\nوله شاهد من مراسيل الشعبي: أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٦٩) بإسناد حسن إلى الشعبي.\nوله شاهد من مراسيل طاوس: أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٧٠) من طريق عمرو بن مسلم الجندي عن طاوس، وعمرو بن مسلم فيه ضعف، وقد تقدم أنه رواه عن عكرمة، فيحتمل أنه رواه عنهما جميعًا، ويحتمل أن أحدهما خطأ.\nوله شاهد من حديث علي: أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٦٩) وفيه ضعف وانقطاع. فالحديث بهذه الطرق والشواهد صحيح، والله أعلم. وللفقرة الأولى شواهد أخرى.","vol":"9","page":72},{"text":"• وأمَّا إن كانت غير حامل، فجمهور العلماء على أنها تستبرأ بحيضة، سواء كانت بكرًا، أم ثيبا، وسواء كانت ممن يحمل، أم لم تكن كذلك؛ لعموم حديث الباب.\n• وقال داود الظاهري: إن كانت بكرًا؛ فلا يجب استبراؤها. واختاره شيخ الإسلام، وصوَّبه ابن عثيمين.\n• وقال الليث: إن كانت ممن لا يحمل؛ لم يجب استبراؤها.\n• وقال البتي: يجب الاستبراء على البائع دون المشتري.\nوالصحيح أنه يجب على المشتري، وهو قول الجمهور، ولا يجب على البائع، وهو ظاهر من حديث الباب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4831>مسألة [٢]: إن كانت الأمة من غير ذوات الأقراء، فكيف تستبرأ</span>؟\n• من أهل العلم من يقول: تستبرأ بثلاثة أشهر. وهو قول الحسن، وابن سيرين، والنخعي، وأبي قلابة، وأحمد، والشافعي في قول؛ وذلك لأنها إن كانت حاملًا تبين في تلك المدة، وقد اعتبر الله ذلك في عدة الآيسة، فيعتبر ههنا.\n• ومن أهل العلم من قال: تستبرأ بشهر. وهو قولٌ للشافعي، وأحمد في رواية.\n• وذكر القاضي عن أحمد رواية ثالثة: أنها تستبرأ بشهرين كعدة الأمة المطلقة،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٦٧، ٢٧٤) «الشرح الممتع» (٥/ ٧١٨) «البيان» (١١/ ١٢٣) (١١/ ١١٤ -).","vol":"9","page":73},{"text":"قال ابن قدامة: ولم أر لذلك وجهًا.\n• وقال سعيد بن المسيب، وعطاء، والضحاك، والحكم: تستبرأ بشهر ونصف. ورُوي عن أحمد.\nوالصحيح عن أحمد القول الأول، وهو أصح الأقوال في المسألة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4832>مسألة [٣]: إذا اشترى الأمة من امرأة، أو من رجل أخبره أنه لم يطأها، أو قد استبرأها</span>؟\n• جمهور الفقهاء يُلزِمونه بالاستبراء كذلك؛ لعموم الحديث، واختار شيخ الإسلام -﵀- أنه ليس عليه في هذه الحالة الاستبراء، ومثل ذلك لو اشتراها من طفل. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4833>مسألة [٤]: هل يحل للرجل أثناء الاستبراء أن يباشرها، ويقبلها، ويتلذذ بها بدون الجماع</span>؟\n• فيه وجهان للشافعية، والحنابلة، والأصح جواز ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦ /المعارج:٣٠] فحرم الوطء من أجل الاستبراء، فبقي ما عداه على الإباحة، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٢٦٥ - ٢٦٦).\n(^٢) انظر: «الشرح الممتع» (٥/ ٧١٨) «البيان» (١١/ ١٢٤).\n(^٣) انظر: «المغني» (١١/ ٢٧٧) «البيان» (١١/ ١٢٢) «الشرح الممتع» (٥/ ٧١٦ - ٧١٧).","vol":"9","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4834>مسألة [٥]: هل يلزم الرجل أن يستبرئ أمته التي كان يطؤها إذا أراد تزويجها</span>؟\n• مذهب الجمهور أنه لا يجوز له تزويجها حتى يستبرئها، وهو قول الزهري، والثوري، وأحمد، والشافعي، وغيرهم.\n• وقال أصحاب الرأي: ليس عليه الاستبراء؛ لأنَّ له بيعها؛ فكان له تزويجها كالتي لا يصيبها.\n• وقال عطاء، وقتادة: عدتها حيضتان كعدة الأمة المطلقة.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٢٧٠ - ٢٧١): وَلَنَا أَنَّهَا فِرَاشٌ لِسَيِّدِهَا؛ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَى فِرَاشِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ، كَمَا لَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَلِأَنَّ هَذِهِ مَوْطُوءَةٌ وَطْئًا لَهُ حُرْمَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَتَزَوَّجَ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، وَهَذَا لِأَنَّهُ إذَا وَطِئَهَا سَيِّدُهَا الْيَوْمَ، ثُمَّ زَوَّجَهَا، فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ فِي آخِرِ الْيَوْمِ، أَفْضَى إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَامْتِزَاجِ الْأَنْسَابِ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ، وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ؛ فَإِنَّهَا لَا تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُشْتَرِيهَا وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، فَلَا يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ؛ وَلِهَذَا يَصِحُّ فِي الْمُعْتَدَّةِ وَالْمُزَوَّجَةِ، بِخِلَافِ التَّزْوِيجِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4835>مسألة [٦]: اشترى أمة فأعتقها قبل استبرائها، ثم أراد الزواج بها</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي رحمة الله عليهما أنَّ ذلك لا يجوز حتى يستبرئها، وأجاز الحنفية ذلك.","vol":"9","page":75},{"text":"قال الإمام أحمد -﵀-: سُبْحَانَ الله! مَا أَعْظَمِ هَذَا، أَبْطَلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، جَعَلَ اللهُ عَلَى الْحَرَائِرِ الْعِدَّةَ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ، فَلَيْسَ مِنْ امْرَأَةٍ تَطْلُقُ أَوْ يَمُوتُ زَوْجُهَا إلَّا تَعْتَدُّ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ، وَسَنَّ رَسُولُ الله - ﷺ - اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ بِحَيْضَةٍ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ، فَفَرْجٌ يُوطَأُ يَشْتَرِيهِ، ثُمَّ يَعْتِقُهَا عَلَى الْمَكَانِ، فَيَتَزَوَّجهَا، فَيَطَؤُهَا، يَطَؤُهَا رَجُلٌ الْيَوْمَ وَيَطَؤُهَا الْآخَرُ غَدًا؛ فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا كَيْفَ يَصْنَعُ؟ هَذَا نَقْضُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تُوطَأُ الْحَامِلُ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ الْحَامِلِ حَتَّى تَحِيضَ»، وَهَذَا لَا يَدْرِي أَهِيَ حَامِلٌ أَمْ لَا. مَا أَسْمَجَ هَذَا. قِيلَ لَهُ: إنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ هَذَا. فَقَالَ: قَبَّحَ اللهُ هَذَا، وَقَبَّحَ مَنْ يَقُولُهُ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4836>مسألة [٧]: إن كانت الأمة بين شريكين</span>؟\nإن كانت الأمة لشريكين؛ فلا يحل لواحد منهما وطؤها بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣]، وهذا يملك نصفها.\n• فإن حصل منهما الوطء، فقال بعض الفقهاء: عليها استبراءان، كما أن العدة لا تتداخل، فكذلك الاستبراء. وهذا قول الحنابلة، وبعض الشافعية.\n• وقال بعض الشافعية: عليها استبراء واحد. وهو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) «المغني» (١١/ ٢٧٢ - ٢٧٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٢٧٦) «البيان» (١١/ ١١٥).","vol":"9","page":76},{"text":"١١٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ. (^١)\n\n١١٢٣ - وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةٍ. (^٢)\n\n١١٢٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ النَّسَائِيّ. (^٣)\n\n١١٢٥ - وَعَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد. (^٤)\nتقدمت مباحث هذه الأحاديث في باب اللعان، وبيان متى تكون المرأة فراشًا، والمسائل المتعلقة بذلك؛ فكان إيراد الحديث في باب اللعان أقرب.\nويحتمل أنَّ الحافظ أورد الحديث في هذا الباب ليبين أنَّ الزنى ليس فيه عدة؛ لأنَّ جماعه محرَّم، فلا حرمة له، وتقدمت هذه المسألة في أوائل هذا الباب، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا به.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨١٨)، ومسلم (١٤٥٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٨١٧)، ومسلم (١٤٥٧).\n(^٣) أخرجه النسائي (٦/ ١٨١)، وإسناده ظاهره الصحة، لكن قال النسائي عقبه: لا أحسب هذا عن ابن مسعود، وذكر الحافظ في «النكت الظراف» أن جريرًا رواه عن مغيرة عن أبي وائل عن ابن مسعود، وأن شعبة خالفه فرواه عن مغيرة بدون ذكر ابن مسعود، فكأن الراجح هو المرسل، والحديث صحيح بشواهده.\n(^٤) أخرجه أبوداود (٢٢٧٥)، وفي إسناده رجل يقال له: رباح وهو مجهول، والحديث صحيح بما تقدم.","vol":"9","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4837>بَابُ الرَّضَاعِ</span>\n١١٢٦ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ وَالمَصَّتَانِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١١٢٧ - وَعَنْهَا -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «انْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ؛ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n١١٢٨ - وَعَنْهَا -﵂- قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ مَعَنَا فِي بَيْتِنَا وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ. فَقَالَ: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\n١١٢٩ - وَعَنْهَا أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا بَعْدَ الحِجَابِ، قَالَتْ: فَأَبَيْت أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَخْبَرْته بِالَّذِي صَنَعْته، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ، وَقَالَ: «إنَّهُ عَمُّك». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٤)\n\n١١٣٠ - وَعَنْهَا -﵂- قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهِيَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٤٥٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٤٧)، ومسلم (١٤٥٥).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٤٥٣) (٢٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٦٤٤)، ومسلم (١٤٤٥).\n(^٥) أخرجه مسلم برقم (١٤٥٢).","vol":"9","page":78},{"text":"١١٣١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ، فَقَالَ: «إنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي؛ إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١١٣٢ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ (^٢) الأَمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الفِطَامِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالحَاكِمُ. (^٣)\n\n١١٣٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: لَا رَضَاعَ إلَّا فِي الحَوْلَيْنِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَرَجَّحَا المَوْقُوفَ. (^٤)\n\n١١٣٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا رَضَاعَ إلَّا مَا أَنْشَزَ (^٥) العَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد. (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٦).\n(^٢) فتق الأمعاء: أي وسَّعها ونمَّاها.\n(^٣) الراجح وقفه. أخرجه الترمذي (١١٥٢)، ولم يخرجه الحاكم، من طريق أبي عوانة، عن هشام، عن امرأته فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة به.\nوهذا إسناد ظاهره الصحة. لكن قال الدارقطني في «العلل» (١٥/ ٢٥٥): وخالفه يحيى القطان، فرواه عن هشام، عن يحيى بن عبدالرحمن، عن أم سلمة موقوفًا، وقول يحيى أشبه بالصواب. اهـ\nقلتُ: وتابع يحيى القطان على الوقف عبدة بن سليمان كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٩٠).\n(^٤) الراجح وقفه. أخرجه الدارقطني (٤/ ١٧٤)، وابن عدي (٧/ ٢٥٦٢).\nوأخطأ برفعه الهيثم بن جميل، وغيره يرويه موقوفًا. وانظر: «نصب الراية» (٣/ ٢١٨ - ٢١٩).\n(^٥) أنشز العظم: أكبره وأعلاه وأعظم حجمه.\n(^٦) ضعيف. أخرجه أبوداود (٢٠٦٠)، وفي إسناده أبوموسى الهلالي يرويه، عن أبيه، عن ابن مسعود. وأبوموسى وأبوه مجهولان.","vol":"9","page":79},{"text":"١١٣٥ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: لَقَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «كَيْفَ، وَقَدْ قِيلَ»، فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، فَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n١١٣٦ - وَعَنْ زِيَادٍ السَّهْمِيِّ (^٢) قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ تُسْتَرْضَعَ الحَمْقَى. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَلَيْسَتْ لِزِيَادٍ صُحْبَةٌ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4838>مسألة [١]: التحريم بالرضاع</span>.\nثابتٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣].\nوأما من السنة: فأحاديث الباب، وأجمع علماء الأمة على التحريم بالرضاع. (^٤)\nقال ابن قدامة -﵀-: وَتَثْبُتُ الْمَحْرَمِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا فَرْعٌ عَلَى التَّحْرِيمِ إذَا كَانَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٨٨).\n(^٢) وقع في (ب) (-﵁-) وسقوطها أقرب.\n(^٣) ضعيف. أخرجه أبوداود في «المراسيل» (٢٠٧)، ومع إرساله فإن زيادًا مجهول، والراوي عنه، وهو هشام بن إسماعيل المكي مجهول أيضًا.\n(^٤) انظر: «المغني» (١١/ ٣٠٩).","vol":"9","page":80},{"text":"بِسَبَبٍ مُبَاحٍ، فَأَمَّا بَقِيَّةُ أَحْكَامِ النَّسَبِ، مِنْ النَّفَقَةِ، وَالْعِتْقِ، وَرَدِّ الشَّهَادَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ أَقْوَى مِنْهُ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، وَإِنَّمَا يُشَبَّه بِهِ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِيهِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4839>مسألة [٢]: عدد الرضعات المحرمة</span>.\n• في هذه المسألة أقوال لأهل العلم:\nالأول: أنه يحرم قليل الرضاع وكثيره. وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، ومكحول، والزهري، وقتادة، والحكم، وحماد، ومالك، الأوزاعي، والثوري، والليث، وأصحاب الرأي، وأحمد.\nواستدلوا بالعمومات ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وغير ذلك.\nوهذا القول عُزِي للجمهور، وادَّعى الليث الإجماع عليه، وهذا القول رُوي عن علي، وابن عباس -﵃- بإسنادين ضعيفين، وجاء عن ابن مسعود -﵁- بإسناد لا بأس به، وصح عن ابن عمر -﵄-.\nالثاني: وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الذي يحرم ثلاث رضعات. وهو قول أبي ثور، وأبي عبيد، وإسحاق، وداود، وأحمد في رواية، وابن المنذر، والظاهرية؛ إلا ابن حزم.\n_________\n(^١) «المغني» (١١/ ٣٠٩).","vol":"9","page":81},{"text":"وحجتهم حديث: «لا تحرِّم المصة والمصتان»، وحديث أم الفضل في «صحيح مسلم» (١٤٥١): «لا تحرم الإملاجة والإملاجتان»، وعنده عنها أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل هل تحرم الرضعة الواحدة؟ قال: «لا».\nوقد ثبت عن عائشة، وابن عباس، وابن الزبير -﵃-، أنهم قالوا: لا تحرم المصة، ولا المصتان. كما في «سنن ابن منصور» (٩٦٨)، و«الأوسط» لابن المنذر (٨/ ٥٥٢).\nالثالث: أنَّ الذي يحرم خمس رضعات. وهذا القول صحَّ عن عائشة، وابن الزبير -﵄-، وهو قول عطاء، وطاوس، والشافعي، وأحمد في المشهور من مذهبه، وابن حزم وغيرهم.\nواستدلوا بحديث عائشة -﵂- الذي في الباب: «كان فيما أنزل من القرآن ...» الحديث، وقال هؤلاء: قولنا لا يعارض ما استدللتم به، بل يجمع هذا القول جميع الأدلة، وقول من قال بأحد القولين السابقين يرد بعض الأدلة.\nالرابع: أنها تحرم عشر رضعات. صحَّ عن عائشة وحفصة -﵄-، وليس نصًّا في اشتراط ذلك إنما فيه أنهما أمرا بالعشر؛ لتقع الحرمة. وعن عائشة -﵂- قول بسبع رضعات، ولكنها لم تذكره على سبيل الاشتراط.\nوالصحيح من هذه الأقوال هو القول الثالث، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، والإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي ﵏. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣١٠) «زاد المعاد» (٥/ ٥٧٠ - ٥٧٤) «الفتح» (٥١٠٢) «ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٨٥ -) «مصنف عبدالرزاق» (٧/ ٤٦٦ -) «البيهقي» (٧/ ٤٥٥ -) «مجموع الفتاوى» (ج ٣٤) «المحلى» (١٨٧٢)، «الأوسط» (٨/ ٥٥٠ -).","vol":"9","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4840>مسألة [٣]: ضابط الرضعة</span>.\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ٥٧٥): الرضعة فَعْلَةٌ من الرضاع، فهي مرة منه بلا شك، كضربة، وجلسة، وأكلة، فمتى التقم الثدي فامتص منه، ثم تركه باختياره من غير عارض؛ كان ذلك رضعة؛ لأنَّ الشرع ورد بذلك مطلقًا، فحمل على العرف، والعرف هذا. اهـ\nوقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٥٧): والرضعة أن يلتقم الثدي فيشرب منه، ثم يدعه؛ فهذه رضعة، فإذا كان في كرةٍ واحدة قد جرى له خمس مرات؛ فهذه خمس رضعات، وإن جرى ذلك خمس مرات في كرتين؛ فهو أيضًا خمس رضعات، وليس المراد بالرضعة ما يشربه في نوبة واحدة في شربه؛ فإنها قد ترضعه بالغداة، ثم بالعشي، ويكون في كل نوبة قد أرضعته رضعات كثيرة، والله أعلم. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4841>مسألة [٤]: إن حصل قطع لعارض أثناء الارتضاع</span>؟\n• إن كان القطع لعارض كالتنفس، والاستراحة اليسيرة، أو لشيء يلهيه، ثم يعود عن قرب؛ فلا يخرجه عن كونه رضعة واحدة، كما أنَّ الآكل إذا قطع أكلته بذلك ثم عاد عن قريب لم يكن ذلك أكلتين، بل واحدة، هذا مذهب\n_________\n(^١) وانظر: «الإنصاف» (٩/ ٣٥٠).","vol":"9","page":83},{"text":"الشافعي، وأحمد.\n• واختار بعض الحنابلة أنَّ ذلك رضعتان.\nومال ابن القيم إلى القول الأول، وكذا الصنعاني. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4842>مسألة [٥]: إذا كانت المرضعة هي التي قطعت على الرضيع</span>؟\nإن لم يعد عن قرب؛ اعتُبِرت رضعة كاملة، والتي بعدها أخرى، وإن عاد عن قرب ففيه وجهان للحنابلة، والشافعية:\nالأول: أنها رضعة واحدة، ولو قطعته مرارًا حتى يقطع باختياره.\nقالوا: لأنَّ الاعتبار بفعله لا بفعل المرضعة؛ ولهذا لو ارتضع منها وهي نائمة؛ حُسبت رضعة، فإذا قطعت عليه؛ لم يعتد به، كما لو شرع في أكلةٍ واحدة أمره بها الطبيب، فجاء شخص فقطعها عليه، ثم عاد؛ فإنها أكلة واحدة.\nوهذا القول أقرب فيما يظهر لي، والله أعلم.\nوالثاني: أنها رضعة أخرى؛ لأنَّ الرضاع يصح من المرتضع، ومن المرضعة؛ ولهذا لو أَوْجَرَتْه وهو نائم؛ احتُسبت رضعة. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣١٢) «زاد المعاد» (٥/ ٥٧٥ - ٥٧٦) «السبل» (٣/ ٤٣٨) «البيان» (١١/ ١٤٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣١٢) «زاد المعاد» (٥/ ٥٧٥ - ٥٧٦) «البيان» (١١/ ١٤٨).","vol":"9","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4843>مسألة [٦]: هل يثبت التحريم بالسعوط والوجور</span>؟\nالسعوط: هو أن يصب اللبن في أنفه من إناءٍ أو غيره.\nوالوجور: هو أن يصب في حلقه صبًّا من غير الثدي.\n• فأما مسألة الوجور، فأكثر العلماء على أنه يحصل به التحريم، وهو قول مالك، وأحمد في المشهور عنه، والشعبي، والثوري، وأصحاب الرأي، والشافعي.\n• وذهب داود الظاهري، وأحمد في رواية إلى عدم التحريم به، وهو اختيار ابن حزم، وعزاه لليث؛ لأنه ليس فيه رضاع، والصحيح القول الأول.\n• وأما مسألة السعوط، فكذلك يحصل به التحريم عند أحمد، والشافعي، والشعبي، والثوري، وأصحاب الرأي.\n• وذهب داود الظاهري، وعطاء الخراساني، وأحمد في رواية إلى عدم حصول التحريم به، وهذا أقرب، والله أعلم؛ لأنه لا يدخل إلا شيء يسير جدًّا، وهو اختيار ابن حزم وعزاه لليث وقد قال النبي - ﷺ -: «إنما الرضاعة من المجاعة». (^١)\nتنبيه: يُعتبر في التحريم بالوجور أن يكون شربه في خمسة أوقات، فلو أشربه دفعة واحدة؛ فهو رضعة. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣١٣) «البيان» (١١/ ١٥٠) «الفتاوى» (٣٤/ ٥٥) «المحلى» (١٨٧٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣١٤) «البيان» (١١/ ١٥٢) «الأوسط» (٨/ ٥٦٦).","vol":"9","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4844>مسألة [٧]: إن جمد اللبن إلى جبن</span>؟\n• يثبت به التحريم في مذهب أحمد، والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يحرم؛ لزوال الاسم، وهو قول بعض الحنابلة، والأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4845>مسألة [٨]: إن شيب اللبن بغيره</span>؟\n• من أهل العلم من يقول: لا يزال على ثبوت الحرمة. وهو قول أحمد في رواية، والشافعي في قول، وسواء شيب بطعام، أو شراب.\n• واختار بعض الحنابلة، والشافعية، وهو قول أبي ثور، والمزني أنَّ الحكم للأغلب؛ لأنه إذا غلب غير اللبن على اللبن، فقد زال الاسم والمعنى.\nووجهُ القول الأول أنَّ اللبن متى كان ظاهرًا فقد حصل شربه، ويحصل منه إنبات اللحم، وإنشاز العظم.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ صِفَاتُ اللَّبَنِ بَاقِيَةً، فَأَمَّا إنْ صُبَّ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ؛ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَبَنٍ مَشُوبٍ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ التَّغَذِّي، وَلَا إنْبَاتُ اللَّحْمِ، وَلَا إنْشَازُ الْعَظْمِ.\nقال: وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّ التَّحْرِيمَ يَثْبُتُ بِهِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ اللَّبَنِ حَصَلَتْ فِي بَطْنِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَوْنُهُ ظَاهِرًا. وَلَنَا أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرَضَاعِ، وَلَا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣١٤ - ٣١٥) «البيان» (١١/ ١٥٣ -).","vol":"9","page":86},{"text":"فِي مَعْنَاهُ؛ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمُهُ فِيهِ. اهـ (^١)\nتنبيه: إذا جمع للطفل لبن امرأتين في إناء فشرب منه، وفعل به ذلك خمس مرات؛ صارت كل واحدة منهما أمًّا له من الرضاعة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4846>مسألة [٩]: لبن الميتة هل يحرم</span>؟\n• جماعة من أهل العلم على أنَّ المرأة إذا ماتت وفي ثديها لبن، فارتضعه طفل؛ فإنَّ ذلك يحرم، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي ثور، والأوزاعي، وابن القاسم، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وابن حزم وغيرهم؛ لأنه لبن طاهر، ووجد الارتضاع على وجه ينبت اللحم، وينشز العظم، فأثبت التحريم.\n• وذهب الشافعي إلى عدم التحريم به؛ لأنَّ الرضاع معنى يوجب تحريمًا مؤبدًا، فلم يتعلق به التحريم بعد الموت، كوطء الشبهة؛ وذلك أنه لو وطئ ميتة بشبهة لم يثبت به تحريم المصاهرة.\nوالصحيح قول الجمهور، وقياسهم يخالف عموم النصوص، ويخالف المعنى. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣١٥ - ٣١٦) «البيان» (١١/ ١٥٤) «البداية» (٣/ ٧٤) «الأوسط» (٨/ ٥٧١).\n(^٢) «البيان» (١١/ ١٥٣) «المغني» (١١/ ٣١٦).\n(^٣) انظر: «المغني» (١١/ ٣١٦) «البيان» (١١/ ١٥٥) «المحلى» (١٨٧١) «الأوسط» (٨/ ٥٧٢).","vol":"9","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4847>مسألة [١٠]: هل تنتشر الحرمة بغير لبن الآدمية</span>؟\nعامة أهل العلم على عدم انتشار الحرمة بذلك، فلو ارتضع اثنان من لبن بهيمة؛ لم يصيرا أخوين، ولم يوجد في ذلك إلا خلاف شاذٌّ لا يعرج عليه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4848>مسألة [١١]: إذا حصل عند امرأة لبن بغير نكاح</span>؟\n• يحصل به الحرمة عند الجمهور، وهو قول مالك، والشافعي، والثوري، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي؛ لأنه لبن امرأة، فيتعلق به التحريم.\n• وعن أحمد رواية بعدم حصول التحريم به؛ لأنه نادر لم تجر العادة به لتغذية الأطفال. والصحيح القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4849>مسألة [١٢]: هل يشترط في التحريم بالرضاع أن يكون في الحولين</span>؟\n• اشترط ذلك أكثر أهل العلم، وهذا القول صحَّ عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر -﵃-، وسائر أزواج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ إلا عائشة، وهو قول الشعبي، وابن شبرمة، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبي ثور، ومالك في رواية.\n• ورُوي عن مالك: إنْ زاد شهرًا؛ جاز. ورُوي: شهرين، وقال بعض المالكية: يغتفر نصف سنة زيادة.\n_________\n(^١) «المغني» (١١/ ٣٢٣) «الأوسط» (٨/ ٥٧٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣٢٤) «الأوسط» (٨/ ٥٦٩ - ٥٧٠).","vol":"9","page":88},{"text":"• وقال أبو حنيفة: يحرم الرضاع في ثلاثين شهرًا؛ لقوله سبحانه ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥]، قال: ولم يرد بالحمل حمل الأحشاء؛ لأنه يكون سنتين، فعُلِم أنه أراد الحمل في الفصال.\n• وقال زفر: مدة الرضاع ثلاث سنين.\n• وقال عطاء، والليث، وداود: رضاع الكبير يحرم كما يحرم رضاع الصغير. واستدلوا بحديث سهلة بنت سهيل الذي في الباب، وهو قول عائشة -﵂-.\nواستدل الجمهور على قولهم بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فجعل تمام الرضاعة حولين؛ فدل على أنه لا حكم لها بعدهما.\nواستدلوا بحديث عائشة: «إنما الرضاعة من المجاعة»، وبحديث أم سلمة، وابن مسعود، وابن عباس المذكورة في الباب، وفيها ضعفٌ كما تقدم.\nوأما الزيادة على الحولين في مذهب مالك، فإنما قالوا بذلك؛ لأنَّ العادة أنَّ الصبي لا يفطم دفعة واحدة، بل على التدريج، فجعلوا للأيام التي يحاول فيها فطامه حكم الحولين، واختلفوا في تقدير ذلك كما سبق.\nوأجاب الجمهور على حديث سالم مولى أبي حذيفة بأنه خاص به، كما جزم بذلك أزواج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غير عائشة كما في «صحيح مسلم».\nوتوسط شيخ الإسلام، فقال: خاصٌّ بسالم ومن كان بمثل حاله ممن يحتاج","vol":"9","page":89},{"text":"إلى ذلك، وتابعه ابن القيم، والشوكاني.\nوأما قول أبي حنيفة، فهو ضعيف يخالف ظاهر القرآن؛ فإنَّ المقصود بالآية ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ حمل البطن، وفهم ذلك الصحابة، وأفتوا بأنَّ أقل مدة الحمل ستة أشهر.\nوقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4850>مسألة [١٣]: هل الاعتبار بالعامين، أم بالفطام</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي وغيرهما، وهو ظاهر أقوال الصحابة أنَّ العبرة بالصغر والحولين، فلو رضع في تلك المدة؛ حرم، وإن كان قد فطم، أو استغنى بالأكل، وهو قول أبي حنيفة.\n• ومذهب مالك أنه إن فطم واستغنى بالأكل؛ فلا يحرم الرضاع بعد ذلك، وإن كان في الحولين، وقال به الأوزاعي.\nوالقول الأول أقرب والله أعلم، وهو ظاهر قول الجمهور، واختار شيخ الإسلام قول مالك، وكذا ابن عثيمين، إلا أنَّ شيخ الإسلام زاد فقال بالتحريم وإن تأخر الفطام عن الحولين. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣١٩ -) «الفتح» (٥١٠٢) «زاد المعاد» (٥/ ٥٧٧ - ٥٩٣) «ابن أبي شيبة» (٤/ ٢٩٠ -) «مذكرة فقه ابن عثيمين» (٣/ ٤٠٥) «السيل» (٢/ ٤٦٩) «الأوسط» (٨/ ٥٥٩ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣٢١) «البيان» (١١/ ١٤٤) «الفتح» (٥١٠٢) «التوضيح» (٦/ ٢٦) «البداية» (٣/ ٧٣) «الإنصاف» (٩/ ٣٤٩) «مذكرة فقه ابن عثيمين» (٣/ ٤٠٥).","vol":"9","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4851>مسألة [١٤]: لبن الرجل هل ينشر الحرمة من قبله</span>؟\nمعناه أنَّ المرأة إذا أرضعت طفلًا بلبن ثاب من وطء رجل؛ حرم الطفل على الرجل وأقاربه كما يحرم ولده من النسب؛ لأنَّ اللبن من الرجل كما هو من المرأة، فيصير الطفل ولدًا للرجل، والرجلُ أباه، وأولاد الرجل إخوته، سواء كانوا من تلك المرأة أو من غيرها، وإخوة الرجل وأخواته أعمام الطفل، وعماته، وآباؤه، وأمهاته أجداده وجداته، وهذه المسألة يسميها الفقهاء (لبن الفحل).\n• فأكثر أهل العلم على أنَّ لبن الفحل يحرم، والدليل عليه حديث أبي القعيس الذي في الباب. وصحَّ هذا القول عن ابن عباس، وعائشة -﵃-، وقال به عطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، والشعبي، والقاسم، وعروة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.\nقال ابن عبد البر -﵀-: وإليه ذهب فقهاء الأمصار بالحجاز، والعراق، والشام، وجماعة أهل الحديث. اهـ\n• وذهب بعض الصحابة، والتابعين إلى أنَّ لبن الفحل لا يحرم، جاء ذلك عن ابن الزبير، وزينب بنت أبي سلمة، وسعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وسليمان ابن يسار، والنخعي، وأبي قلابة، وغيرهم، ونقل عن ابن عمر، ورافع بسندين ضعيفين. وقال به داود، وربيعة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي","vol":"9","page":91},{"text":"أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣]، فقالوا: ذكر الله التحريم بالرضاعة من جهة الأم، ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤].\nوأجاب الجمهور بأنَّ الحديث حديث أبي القعيس بيَّن أنَّ الحرمة بالرضاع تنشر من الجهتين: من جهة الأم والأب، فإما أن يكون مبينًا، وإما أن يكون مخصصًا لقوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.\nقال ابن القيم -﵀- مرجحًا قول الجمهور: وَهَذَا هُوَ الْحَقّ الّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ مَنْ خَالَفَ مِنْ الصّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَسُنّةُ رَسُولِ الله - ﷺ - أَحَقّ أَنْ تُتّبَعَ، وَيُتْرَكَ مَا خَالَفَهَا لِأَجْلِهَا، وَلَا تُتْرَكُ هِيَ لِأَجْلِ قَوْلِ أَحَدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ. وَلَوْ تُرِكَتْ السّنَنُ لِخِلَافِ مَنْ خَالَفَهَا؛ لِعَدَمِ بُلُوغِهَا لَهُ أَوْ لِتَأْوِيلِهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لَتُرِكَ سُنَنٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَتُرِكَتْ الْحُجّةُ إلَى غَيْرِهَا، وَقَوْلُ مَنْ يَجِبُ اتّبَاعُهُ إلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَجِبُ اتّبَاعُهُ، وَقَوْلُ المَعْصُومِ إلَى قَوْلِ غَيْرِ المَعْصُومِ، وَهَذِهِ بَلِيّةٌ نَسْأَلُ اللّهَ الْعَافِيَةَ مِنْهَا وَأَنْ لَا نَلْقَاهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4852>مسألة [١٥]: هل يحرم لبن الزاني</span>؟\n• مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة عدم التحريم به؛ لأنَّ التحريم فرع حرمة الأبوة.\n_________\n(^١) انظر: «زاد المعاد» (٥/ ٥٦٤ -) «الفتح» (٥١٠٣) «المغني» (٩/ ٥٢٠) (١١/ ٣١٨) «ابن أبي شيبة» (٤/ ٣٤٩ - ٣٥٠) «عبدالرزاق» (٧/ ٤٧٤) «الأوسط» (٨/ ٥٦٣).","vol":"9","page":92},{"text":"• وجماعةٌ من الحنابلة، وهو ظاهر ترجيح ابن قدامة أنه ينشر الحرمة كما تنتشر الحرمة بينه وبين الولد.\nوهذا القول أصح، والله أعلم. وأما المرضعة فتنتشر الحرمة من قبلها عند أهل العلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4853>مسألة [١٦]: إن طلق الرجل زوجته ولها منه لبن، فتزوجت آخر</span>؟\nهذه المسألة لها خمسة أحوال:\nالأول: أن يبقى لبن الأول بحاله لم يزد ولم ينقص، ولم تلد من الثاني؛ فهو للأول، سواء حملت من الثاني أو لم تحمل. قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا.\nالثاني: أن لا تحمل من الثاني؛ فهو للأول، سواء زاد أم لم يزد، أو انقطع ثم عاد، أو لم ينقطع.\nالثالث: أن تلد من الثاني؛ فاللبن له خاصة. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك. وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي، سواء زاد، أو لم يزد، انقطع أو اتصل؛ لأنَّ لبن الأول ينقطع بالولادة من الثاني؛ فإنَّ حاجة المولود إلى اللبن تمنع كونه لغيره.\nالرابع: أن يكون لبن الأول باقيًا، وزاد بالحمل من الثاني.\n• فمذهب الحنابلة أنَّ اللبن منهما جميعًا.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٢١ -).","vol":"9","page":93},{"text":"• وقال أبو حنيفة: هو للأول؛ ما لم تلد من الثاني. وهذا القول هو الأصح عندي؛ لأن اللبن يخلق بعد الولادة عادة.\n• وقال الشافعي: إن لم ينته الحمل إلى حال ينزل منه اللبن؛ فهو للأول، فإذا بلغ إلى حال ينزل به اللبن، فزاد به، ففيه قولان كالسابقين.\n• وقال ابن حزم: إن تغير اللبن، ثم اعتدل؛ بطل حكم الأول، وصار للثاني.\nالخامس: انقطع اللبن من الأول، ثم رجع اللبن بالحمل من الثاني.\n• فقيل: هو منهما. وهو قول بعض الحنابلة، وقول للشافعي بالقيد السابق.\n• وقيل: اللبن للثاني. وهو قول بعض الحنابلة منهم: أبو الخطاب، وهو قول للشافعي.\n• وقال أبو حنيفة: هو للأول؛ مالم تلد للثاني. وهو قول ثالث للشافعي؛ لأنَّ الحمل لا يقتضي اللبن، وإنما يخلقه الله تعالى للولد عند وجوده، وهو الصحيح عندي، والله أعلم.\n• وخالف الشوكاني في الصور كلها، فجعل الحق للثاني في اللبن؛ لأنَّ الأول ليس له حق في المرأة فكذلك لبنها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4854>مسألة [١٧]: لو تزوج رجل امرأةً كبيرة، وطفلة رضيعة، فأرضعت الكبيرة</span>\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٢٦ - ٣٢٧) «السيل» (٢/ ٤٧١) «الحاوي» (١١/ ٣٩٨ - ٣٩٩) «الأوسط» (٨/ ٥٧٥).","vol":"9","page":94},{"text":"الصغيرة بلبن غيره؟\n• قال الأوزاعي: نكاح الكبيرة ثابت، وتنزع منه الصغيرة.\n• وخالفه جمهور العلماء، فقالوا: يفسد نكاح الكبيرة، وتحرم على التأبيد؛ لأنها صارت أُمًّا لامرأته الصغيرة، والله عزوجل يقول: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، والأم تحرم بمجرد العقد على الصغيرة، والصغيرة لا تحرم إلا بالدخول بالأم.\nواختلفوا: هل ينفسخ نكاح الصغيرة أم هو ثابت؟\n• فمذهب أحمد في المشهور عنه أن نكاحه بالصغيرة ثابت؛ لأنَّ العقد عليها صحيح، ولم يطرأ عليه ما يبطله.\n• وذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى بطلانه؛ لأنه يكون جمعًا بين الأم وابنتها، ولا يصح ذلك بالإجماع.\nوأُجيب: بأنه بمجرد الإرضاع المحرم ينفسخ نكاح الكبرى، ولا يحصل الجمع بينهما.\nوقول أحمد الأول أقرب، والله أعلم.\nوهذه المسألة فيما إذا كان ذلك قبل الدخول بالكبيرة، وأما إذا كان الإرضاع بعد الدخول بالكبيرة؛ حرمت عليه الاثنتان تأبيدًا، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٢٨) «الأوسط» (٨/ ٥٦٨).","vol":"9","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4855>مسألة [١٨]: هل على الزوج نصف المهر للصغيرة، وهل عليه مهر للكبيرة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٣٢٩): عَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا انْفَسَخَ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا، وَالْفَسْخُ إذَا جَاءَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ كَانَ كَطَلَاقِ الزَّوْجِ فِي وُجُوبِ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ، وَلَا مَهْرَ لِلْكَبِيرَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّ فَسْخَ نِكَاحِهَا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا، فَسَقَطَ صَدَاقُهَا، كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.\nقال: وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ؛ لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِدُخُولِهِ بِهَا اسْتِقْرَارًا لَا يُسْقِطُهُ شَيْءٌ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْقُطُ بِرِدَّتِهَا وَلَا بِغَيْرِهَا. اهـ\nوقال -﵀- في (١١/ ٣٣٣): وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي أَنَّهَا إذَا أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ إنْ كَانَ أَدَّاهُ إلَيْهَا، وَلَا فِي أَنَّهَا إذَا أَفْسَدَتْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَنَّهُ يَسْقُطُ صَدَاقُهَا، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا أَعْطَاهَا. اهـ\nقلتُ: الصحيح أنه يرجع على امرأته الكبرى بالمهر؛ لأنها هي التي أفسدت نفسها عليه، وهو قول بعض الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام -﵀-، كما في «الإنصاف» (٩/ ٣٥٦، ٣٥٧). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4856>مسألة [١٩]: هل يرجع على الكبيرة بما يدفعه إلى الصغيرة</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنه يرجع عليها بما لزمه من صداق الصغيرة.\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١١/ ١٦٥ - ١٧٠).","vol":"9","page":96},{"text":"• وقال بعض الشافعية: يرجع عليها بجميع الصداق.\n• وقال أصحاب الرأي: إن أرادت الفساد؛ رجع عليها، وإلا فلا.\n• وقال مالك: لا يرجع عليها بشيء.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: عليه نصف المهر المسمَّى في مذهب أحمد، وأبي حنيفة، وغيرهما، وهو الصحيح، وخالف الشافعي، فقال: لها نصف مهر المثل.\nقاعدة: كل امرأة تحرم ابنتها على رجلٍ كأمه، وأخته، وجدته، وربيبته إذا أرضعت زوجة هذا الرجل الصغيرة رضعة محرمة أفسدت نكاحه وحرمتها عليه. ويلزمها عندهم -أعني الحنابلة والشافعية- نصف الصداق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4857>مسألة [٢٠]: لو تزوج بكبيرة وصغيرتين، ثم أرضعت الكبيرة الصغيرتين</span>؟\nلو تزوج بكبيرة وصغيرتين، فأرضعت الكبيرة الصغيرتين؛ حرمت عليه الكبيرة؛ لأنها صارت من أمهات النساء، وكذلك ينفسخ نكاح الصغيرتين؛ لأنهما صارتا أُختين، واجتمعتا في الزوجية، فينفسخ نكاحهما كما لو ارتضعتا معًا، ولا مهر للكبيرة؛ لأنَّ الفساد جاء من قِبلِها، ويرجع عليها بنصف صداق الصغيرتين؛ لأنها أفسدت نكاحهما، وله أن ينكح من شاء منهما؛ لأنَّ انفساخ نكاحهما للجمع، ولا يوجب تحريمًا مؤبدًا.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٢٩) «البيان» (١١/ ١٧٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣٣٠).","vol":"9","page":97},{"text":"وهذا فيما إذا كان إرضاع الكبيرة قبل الدخول بها، وأما إذا أرضعت بعد الدخول بها؛ فإنها تحرم وتحرم الصغيرتان على التأبيد؛ لأنهما ربيبتان قد دخل بأمهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4858>مسألة [٢١]: إن أرضعت الصغيرتين أجنبيةٌ</span>؟\n• ينفسخ نكاحهما أيضًا، وهو مذهب الحنابلة، والحنفية، وأحد قولي الشافعي، واختاره المزني.\n• وقال الشافعي في قولٍ له: ينفسخ نكاح الأخرى وحدها.\nوأُجيب بأنه جامع بين الأختين في النكاح، فانفسخ نكاحهما كما لو أرضعتهما معًا، وفارق ما لو عقد على واحدة بعد الأخرى؛ فإنَّ عقد الثانية لم يصح، فلم يصر به جامعًا بينهما، وههنا حصل الجمع برضاع الثانية، ولا يمكن القول بأنه لم يصح، فحصلتا معًا في نكاحه، وهما أختان لا محالة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4859>مسألة [٢٢]: إذا شهدت امرأة على الرضاع، هل يقبل قولها</span>؟\n• من أهل العلم من لا يقبل إلا شهادة امرأتين، وهو قول الحكم، ومالك، وأحمد في رواية؛ لاحتمال أن تنسى، أو تخطئ، أو نحو ذلك.\n• ومنهم من يقول: يشترط أربع نسوة. وهو قول عطاء، وقتادة، والشافعي؛ لحديث: «شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل».\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٣٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣٣٧ - ٣٣٨).","vol":"9","page":98},{"text":"• ومنهم من يقول: شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين. وهو قول الحنفية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\n• ومنهم من يقول: يقبل قول الواحدة وتستحلف. وهو قول إسحاق، وأحمد في رواية.\n• ومنهم من يقول: يقبل قول الواحدة إن كانت مرضية ثقة. وهو قول أحمد في الأشهر عنه، وقال به طاوس، والزهري، والأوزاعي، وابن أبي ذئب وآخرون، واختاره ابن القيم، والشوكاني.\nوهو الصحيح؛ لحديث عقبة الذي في الباب، والله أعلم. وهو اختيار شيخ الإسلام. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4860>مسألة [٢٣]: إذا أقر الرجل أنَّ زوجته أخته من الرضاعة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٣٤٣ - ٣٤٤): إذَا أَقَرَّ الزَّوْجُ أَنَّ زَوْجَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ؛ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا قَالَ: وَهَمْتُ، أَوْ أَخْطَأتُ. قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ، وَلَوْ جَحَدَ النِّكَاحَ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ؛ قُبِلَ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.\nقال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ رَجَعَ، أَوْ أَقَرَّ أَنَّ أَمَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ النَّسَبِ، وَمَا قَاسُوا عَلَيْهِ غَيْرُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٤٠) «توضيح الأحكام» (٦/ ٢٨) «السيل» (ص ٤٧٤) «سبل السلام» (٣/ ٤٤٧) «الاختيارات» (ص ٢٨٣) «البداية» (٣/ ٧٦) «الأوسط» (٨/ ٥٧٦).","vol":"9","page":99},{"text":"مُسَلَّمٍ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْحُكْمِ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، فَيَنْبَنِي ذَلِكَ عَلَى عِلْمِهِ بِصِدْقِهِ؛ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ؛ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، وَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِهِ؛ فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ، وَقَوْلُهُ كَذِبٌ لَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرِّمَ حَقِيقَةُ الرَّضَاعِ، لَا الْقَوْلُ. وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ؛ لَمْ تَزُلْ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ.\nقال: فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَلَا شَيْءَ لَهَا؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ مِنْ أَصْلِهِ لَا يُسْتَحَقُّ فِيهِ مَهْرٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةِ، وَإِنْ أَكْذَبَتْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَيْهَا فِي إسْقَاطِ حُقُوقِهَا؛ فَلَزِمَهُ إقْرَارُهُ فِيمَا هُوَ حَقٌّ لَهُ، وَهُوَ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ، وَفَسْخُ نِكَاحِهِ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ المَهْرِ. اهـ\nفرع: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٣٤٤): وَإِنْ قَالَ: هِيَ عَمَّتِي، أَوْ خَالَتِي، أَوْ ابْنَةُ أَخِي، أَوْ أُخْتِي، أَوْ أُمِّيِّ مِنْ الرَّضَاعِ. وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ؛ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ: هِيَ أُخْتِي. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صِدْقُهُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لِأَصْغَرِ مِنْهُ أَوْ لِمِثْلِهِ: هَذِهِ أُمِّيِّ. أَوْ لِأَكْبَرِ مِنْهُ أَوْ لِمِثْلِهِ: هَذِهِ ابْنَتِي. لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا تَحَقَّقَ كَذِبُهُ فِيهِ. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4861>مسألة [٢٤]: إن كانت المرأة هي التي قالت: هو أخي من الرضاعة</span>؟\nإذا أقرَّت المرأة أنَّ زوجها أخوها من الرضاعة، فأكذبها؛ لم يقبل قولها في فسخ النكاح؛ لأنه حق عليها؛ فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها؛ لأنها تقر بأنها لا تستحقه؛ فإن كانت قد قبضته؛ لم يكن للزوج أخذه؛ لأنه يقر بأنه حق عليه.","vol":"9","page":100},{"text":"وإن كان بعد الدخول، فأقرت أنها كانت عالمة بأنها أخته، وبتحريمها عليه، ومطاوعة له في الوطء؛ فلا مهر لها أيضًا؛ لإقرارها بأنها زانية مطاوعة، وإن أنكرت شيئًا من ذلك؛ فلها المهر؛ لأنه وطء بشبهة، وهي زوجته في ظاهر الحكم؛ لأنَّ قولها عليه غير مقبول.\nفأمَّا فيما بينها وبين الله تعالى؛ فإن علمت صحة ما أقرت به؛ لم يحل لها مساكنته، وتمكينه من وطئها، وعليها أن تفر منه، وتفتدي نفسها بما أمكنها؛ لأنَّ وطأه لها زنى، فعليها التخلص منه مهما أمكنها، كما قلنا في التي علمت أنَّ زوجها طلقها ثلاثًا، وجحدها ذلك.\nوينبغي أن يكون الواجب لها من المهر بعد الدخول أقل الأمرين من المسمى، ومهر المثل؛ لأنه إن كان المسمى أقل؛ فلا يقبل قولها في وجوب زائد عليه، وإن كان الأقل مهر المثل؛ لم تستحق أكثر منه؛ لاعترافها بأنَّ استحقاقها له بوطئها لا بالعقد؛ فلا تستحق أكثر منه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4862>مسألة [٢٥]: استشراف المرضعة</span>.\nاستحب أهل العلم أن يتخير المرضعة الصالحة، الشريفة، العاقلة، وكرهوا استرضاع الفاسقة، والحمقاء، وهي ضعيفة العقل، وسيئة التصرف. (^٢)\n_________\n(^١) انتهى بتلخيص من «المغني» (١١/ ٣٤٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣٤٦) «السبل» آخر الرضاع، «الأوسط» (٨/ ٥٦٧).","vol":"9","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4863>مسألة [٢٦]: المحرمات بسبب الرضاع</span>.\nفي «الصحيحين» وغيرهما أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»؛ وبناء على هذا الحديث فمن رضع من امرأة رضاعة محرمة؛ أصبح كولدها من النسب، فيحرم على هذا الرضيع جميع محارم مرضعته، ولا يحرم على المرضعة إلا هذا الولد وما تناسل منه، ولا يحرم على المرضعة أقارب هذا الولد غير نسله، وكذلك محارم الرجل صاحب اللبن يصيرون محارم للرضيع، وأقارب له، ولا يحرم عليهم وعلى الأب إلا الرضيع ونسله.\nوقد ثبت عن ابن مسعود، وعائشة، وابن عباس -﵃- الفتوى بما تضمنه حديث: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» كما في الأوسط لابن المنذر (٨/ ٥٤٧).\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ٥٥٦ -): فَانْتَشَرَتْ الْحُرْمَةُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ الثّلَاثِ، فَأَوْلَادُ الطّفْلِ وَإِنْ نَزَلُوا أَوْلَادُ وَلَدِهِمَا، وَأَوْلَادُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُرْضِعَةِ وَالزّوْجِ مِنْ الْآخَرِ وَمِنْ غَيْرِهِ إخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ مِنْ الْجِهَاتِ الثّلَاثِ. فَأَوْلَادُ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ إخْوَتُهُ، وَأَخَوَاتُهُ لِأَبِيهِ وَأُمّهِ وَأَوْلَادُ الزّوْجِ مِنْ غَيْرِهَا إخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ مِنْ أَبِيهِ، وَأَوْلَادُ الْمُرْضِعَةِ مَنْ غَيْرِهِ إخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ لِأُمّهِ، وَصَارَ آبَاؤُهَا أَجْدَادَهُ وَجَدّاتِهِ، وَصَارَ إخْوَةُ الْمَرْأَةِ وَأَخَوَاتُهَا أَخْوَالَهُ وَخَالَاتِهِ، وَإِخْوَةُ صَاحِبِ اللّبَنِ وَأَخَوَاتُه أَعْمَامَهُ وَعَمّاتَهُ، فَحُرْمَةُ الرّضَاعِ تَنْتَشِرُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ الثّلَاثِ فَقَطْ.","vol":"9","page":102},{"text":"قال: وَلَا يَتَعَدّى التّحْرِيمُ إلَى غَيْرِ الْمُرْتَضِعِ مِمّنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ، فَيُبَاحُ لِأَخِيهِ نِكَاحُ مَنْ أَرْضَعَتْ أَخَاهُ، وَبَنَاتِهَا، وَأُمّهَاتِهَا، وَيُبَاحُ لِأُخْتِهِ نِكَاحُ صَاحِبِ اللّبَنِ، وَأَبَاهُ وَبَنِيهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَنْتَشِرُ إلَى مَنْ فَوْقَهُ مِنْ آبَائِهِ وَأُمّهَاتِهِ، وَمَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ أَعْمَامِهِ، وَعَمّاتِهِ، وَأَخْوَالِهِ، وَخَالَاتِهِ؛ فَلِأَبِي الْمُرْتَضِعِ مِنْ النّسَبِ وَأَجْدَادِهِ أَنْ يَنْكِحُوا أُمّ الطّفْلِ مِنْ الرّضَاعِ، وَأُمّهَاتِهَا، وَأَخَوَاتِهَا، وَبَنَاتِهَا، وَأَنْ يَنْكِحُوا أُمّهَاتِ صَاحِبِ اللّبَنِ، وَأَخَوَاتِهِ وَبَنَاتِهِ؛ إذْ نَظِيرُ هَذَا مِنْ النّسَبِ حَلَالٌ؛ فَلِلْأَخِ مِنْ الْأَبِ أَنْ يَتَزَوّجَ أُخْتَ أَخِيهِ مِنْ الْأُمّ، وَلِلْأَخِ مِنْ الْأُمّ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَ أَخِيهِ مِنْ الْأَبِ، وَكَذَلِكَ يَنْكِحُ الرّجُلُ أُمّ ابْنِهِ مِنْ النّسَبِ وَأُخْتَهَا، وَأَمّا أُمّهَا وَبِنْتُهَا فَإِنّمَا حَرُمَتَا بِالْمُصَاهَرَةِ. اهـ\nوقد لخَّص بعضهم ما تقدم ذكره ببيتين، فقال:\nأقارب ذي الرضاعة بانتساب ... أجانب مرضع إلا بنيه\nومرضعة أقاربها جميعًا ... أقاربه ولا تخصيص فيه\nوقوله: (إلا بنيه) مراده أولاده من البنين، والبنات، وما تناسل من صلبه، وهذا الذي تقدم ذكره متفق عليه بين الأئمة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4864>مسألة [٢٧]: الجمع بين الأختين من الرضاعة، وبين المرأة وخالتها أو عمتها من الرضاعة</span>؟\n• عامة أهل العلم على تحريم ذلك؛ لأنَّ ذلك يحرم بين الأختين من النسب، وبين المرأة وخالتها، أو عمتها من النسب؛ فيحرم من الرضاعة؛ لحديث: «يحرم\n_________\n(^١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٣٢ - ٧٧) «الأوسط» (٨/ ٥٤٧).","vol":"9","page":103},{"text":"من الرضاع ما يحرم من النسب».\n• ومال ابن القيم -﵀- إلى عدم التحريم في «زاد المعاد»؛ لأنَّ التحريم بسبب الجمع لا بسبب النسب. وقال شيخ الإسلام: إن كان أحدٌ قد قال بعدم التحريم؛ فهو أقوى.\nوالصحيح قول الجمهور، والله أعلم، ولا نعلم أحدًا سبق شيخ الإسلام، وابن القيم إلى القول بذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4865>مسألة [٢٨]: أم الزوجة من الرضاعة وابنتها كذلك من الرضاعة، وزوجة الأب من الرضاعة، وزوجة الابن كذلك</span>.\n• عامة أهل العلم على التحريم؛ للحديث السابق: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، ولعموم الآية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء:٢٢]، وقوله ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، وقوله ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣].\nوهذا ترجيح الإمام ابن باز، والشيخ صالح الفوزان في آخرين من أعضاء اللجنة الدائمة (٢١/ ١٠٣).\n• وذهب شيخ الإسلام، وابن القيم إلى عدم التحريم؛ لأنَّ في الحديث: «ما يحرم من النسب».\n_________\n(^١) «زاد المعاد» (٥/ ٥٥٧ -).","vol":"9","page":104},{"text":"والنسب غير الصهر، قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان:٥٤]، والمحرمات المذكورة في الآية حرمت بسبب الصهر لا بسبب النسب.\nونفى ابن القيم الإجماع في مسألة زوجة الأب من الرضاعة بأنَّ هناك طائفة من السلف لا يرون تحريم لبن الفحل، فهم لا يرون الرجل محرمًا؛ فضلًا عن زوجته.\nونفى الإجماع على بنت المرأة من الرضاعة بأنَّ الخلاف موجود في بنت المرأة من النسب إن لم تكن في حجرها، فكيف إذا كانت ابنتها من الرضاعة فحسب.\nوبأنَّ الله قيد في زوجة الولد فقال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، وأجاب الجمهور بأنَّ ذلك لإخراج ابن التَّبَنِّي.\nقلتُ: أما الإجماع فلا يصح؛ فالخلاف ثابت، ولكن الصحيح هو التحريم؛ للحديث المتقدم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».\nوقولهم: (حرمت بسبب الصهر) يُجاب عنه أنَّ الحرمة حصلت بسبب الصهر مع النسب، فتأمل ذلك. (^١)\nفائدة: قال في «الإنصاف» (٩/ ٣٤٩): لو أكرهت على الرضاع؛ ثبت حكمه. ذكره القاضي في «الجامع» محل وفاق.\n_________\n(^١) وانظر: «زاد المعاد» (٥/ ٥٥٧ -) «فتاوى اللجنة» (٢١/ ٤٥ - ٤٦، ١٠٣).","vol":"9","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4866>بَابُ النَّفَقَاتِ</span>\n١١٣٧ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إلَّا مَا أَخَذْت مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ: «خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيك وَمَا يَكْفِي بَنِيك». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١١٣٨ - وَعَنْ طَارِقٍ المُحَارِبِيِّ -﵁- قَالَ: قَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ عَلَى المِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ وَيَقُولُ: «يَدُ المُعْطِي العُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّك وَأَبَاك، وَأُخْتَك وَأَخَاك، ثُمَّ أَدْنَاك فَأَدْنَاك». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ. (^٢)\n\n١١٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\n١١٤٠ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ القُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٣٦٤)، ومسلم (١٧١٤).\n(^٢) صحيح. أخرجه النسائي (٢٥٣٢)، وابن حبان (٣٣٤١)، والدارقطني (٣/ ٤٤ - ٤٥)، وإسناده صحيح.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٦٦٢).","vol":"9","page":106},{"text":"حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إذَا طَعِمْت، وَتَكْسُوَهَا إذَا اكْتَسَيْت، (^١) (الحَدِيثَ، وَتَقَدَّمَ فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ) (^٢). (^٣)\n\n١١٤١ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيّ - ﷺ - فِي حَدِيثِ الحَجِّ بِطُولِهِ- قَالَ فِي ذِكْرِ النِّسَاءِ: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٤)\n\n١١٤٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كَفَى بِالمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: «أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ». (^٥)\n\n١١٤٣ - وَعَنْ جَابِرٍ -يَرْفَعُهُ، فِي الحَامِلِ المُتَوَفَّى عَنْهَا- قَالَ: «لَا نَفَقَةَ لَهَا». أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنْ قَالَ: المَحْفُوظُ وَقْفُهُ. (^٦)\n_________\n(^١) في (أ) زيادة: «وَلَا تَضْرِبِ الوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي البَيْتِ»، أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ.\n(^٢) هذه العبارة ليست موجودة في النسخة (أ).\n(^٣) تقدم تخريجه هنالك.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (١٢١٨).\n(^٥) أخرجه النسائي في «الكبرى» (٩١٧٧)، من طريق أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبدالله بن عمرو. ووهب بن جابر هو الخيواني، قال ابن المديني والنسائي: مجهول، ووثقه ابن معين، والعجلي، وابن حبان.\nقلتُ: قد تابعه على معناه خيثمة بن عبدالرحمن وهو ثقة، فرواه عن عبدالله بن عمرو باللفظ الذي عند مسلم، وهو في «صحيحه» برقم (٩٩٦).\n(^٦) الراجح وقفه. أخرجه البيهقي (٧/ ٤٣١)، من طريق حرب بن أبي العالية عن أبي الزبير عن جابر. وحرب مختلف فيه، ضعفه أحمد وابن معين في رواية، ووثقه القواريري وابن معين في رواية، وقد خالفه ابن جريج فرواه عن أبي الزبير عن جابر موقوفًا، أخرجه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن جريج (٧/ ٤٣٠)، وقال: هذا هو المحفوظ موقوف.\nقلتُ: وقد تابع ابن جريج حبيب بن أبي ثابت فرواه عن أبي الزبير موقوفًا. وتابع أبا الزبير قتادة، فرواه عن جابر كذلك موقوفًا. أخرجهما ابن أبي شيبة (٥/ ٢٠٦)، وقتادة لم يدرك جابرًا، فالراجح وقفه على جابر، والله أعلم.","vol":"9","page":107},{"text":"١١٤٤ - وَثَبَتَ نَفْيُ النَّفَقَةِ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ -﵂- كَمَا تَقَدَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١١٤٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَيَبْدَأُ أَحَدُكُمْ بِمَنْ يَعُولُ، تَقُولُ المَرْأَةُ: أَطْعِمْنِي، أَوْ طَلِّقْنِي». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٤٨٠).\n(^٢) صحيح دون قوله (تقول المرأة ...) فهو مدرج من قول أبي هريرة. أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٩٥ - ٢٩٧)، من طريق محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به. وفيه: قال: من أعول يا رسول الله؟ قال: «امرأتك تقول» فذكره .. وفيه زيادة: «ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول ولده إلى من تكلني».\nوأخرجه من طريق عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «المرأة تقول» فذكره، بدون الحديث الذي في أوله.\n\nقال الحافظ في «الفتح» (٥٣٥٥): وقع في رواية للنسائي من طريق محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح به. فقال: من أعول يا رسول الله؟ ... الحديث. وهو وهم، والصواب ما أخرجه من وجه آخر عن ابن عجلان به. وفيه: فسئل أبوهريرة.\nثم ذكر رواية عاصم المتقدمة وقال: لا حجة فيه؛ لأن في حفظ عاصم شيئًا.\nقلتُ: وقد أخرج الحديث البخاري برقم (٥٣٥٥). وفيه فقالوا: يا أبا هريرة: سمعت هذا من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: لا، هذا من كيس أبي هريرة، يعني قوله: (تقول المرأة ...) الخ.\nقال الحافظ في «الفتح» (٥٣٥٥): وكذا وقع للإسماعيلي من طريق أبي معاوية عن الأعمش بسند البخاري، قال أبوهريرة: تقول المرأة، ووقع فيها، قالوا: يا أبا هريرة، شيء تقول من رأيك أو من قول رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: هذا من كيسي. اهـ","vol":"9","page":108},{"text":"١١٤٦ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ فِي الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ قَالَ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْهُ قَالَ: قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: سُنَّةٌ؟ فَقَالَ: سُنَّةٌ، وَهَذَا مُرْسَلٌ قَوِيٌّ. (^١)\n\n١١٤٧ - وَعَنْ عُمَرَ -﵁- أَنَّهُ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الأَجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ: أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا، أَوْ يُطَلِّقُوا، فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةٍ مَا حَبَسُوا. أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، ثُمَّ البَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (^٢)\n\n١١٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك»، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِك»، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِك»، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِك»، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟، قَالَ: «أَنْتَ أَعْلَمُ». أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ وَالَّلفْظُ لَهُ، وَأَبُودَاوُد، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَالحَاكِمُ بِتَقْدِيمِ الزَّوْجَةِ عَلَى الوَلَدِ. (^٣)\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه سعيد بن منصور (٢/ ٥٥)، وإسناده صحيح إلى سعيد بن المسيب وهو موقوف عليه وليس له حكم الرفع على الصحيح.\n(^٢) صحيح. أخرجه الشافعي كما في «المسند» (٢/ ٦٥)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٤٦٩)، وفي إسناده مسلم بن خالد وهو ضعيف، لكن للأثر طريق أخرى على شرط الشيخين، وأخرى صحيحة. انظر: عبدالرزاق (٧/ ٩٣ - ٩٤)، وابن أبي شيبة (٥/ ٢١٤ -).\n(^٣) ضعيف. أخرجه الشافعي كما في «المسند» (٢/ ٦٣ - ٦٤)، وأبوداود (١٦٩١)، والنسائي (٥/ ٦٢)، والحاكم (١/ ٤١٥)، وهو من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ولفظ الحاكم بتقديم الولد على الزوجة أيضًا.\nورواية ابن عجلان عن المقبري ضعيفة، ضعفها يحيى القطان والنسائي. وقد تقدم الحديث في أواخر [كتاب الزكاة].","vol":"9","page":109},{"text":"١١٤٩ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّك»، قُلْت: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّك»، قُلْت: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّك»، قُلْت: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أَبَاك، ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4867>مسألة [١]: النفقة على الزوجات</span>.\nيجب على الرجل أن ينفق على زوجته، دلَّ على ذلك القرآن والسنة، ووقع الإجماع على ذلك.\nفمن القرآن: قول الله عزوجل: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:٧].\nومن السنة: حديث عائشة، وجابر، ومعاوية بن حيدة -﵃-، وغيرها من الأحاديث التي في الباب.\nونقل ابن المنذر وغيره الإجماعَ على وجوب ذلك على الأزواج إذا كانوا بالغين، إلا لمن كانت ناشزًا. (^٢)\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (٥١٣٩)، والترمذي (١٨٩٧) من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده به، واللفظ للترمذي، وإسناده حسن.\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣٤٧ - ٣٤٨).","vol":"9","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4868>مسألة [٢]: هل الاعتبار في النفقة بحالة الزوج أم الزوجة</span>؟\n• مذهب مالك، وأبي حنيفة أنَّ الاعتبار بحال المرأة على قدر كفايتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».\n• ومذهب الشافعي -﵀- أنَّ الاعتبار بحال الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٧].\n• ومذهب الحنابلة أنه يعتبر حالهما معًا؛ فإن كانا موسرين؛ فينفق عليها نفقة الموسرين، وإن كانا معسرين؛ فينفق عليها نفقة المعسرين، وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا؛ فعليه نفقة المتوسطين.\nوالأظهر -والله أعلم- هو قول الشافعي -﵀-، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4869>مسألة [٣]: ما هو المقدار الذي يلزمه لزوجته</span>؟\n• أكثر أهل العلم على عدم التقدير في ذلك، بل يقولون: يلزمه ما يكفيها بالمعروف. وهذا قول مالك، وأحمد، وأبي حنيفة وغيرهم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك»، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٤٨ - ٣٤٩) «الشرح الممتع» (٦/ ١٣).","vol":"9","page":111},{"text":"بالمعروف»، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣].\n• وذهب الشافعي إلى التحديد بِمُدٍّ على الْمُقِلِّ، ومُدَّين على الموسر؛ قياسًا على الكفارات.\n• وقيد بعض الحنابلة الواجب برطلين من الخبز كل يوم.\nوالصحيح القول الأول، وهو ترجيح شيخ الإسلام وغيره. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4870>مسألة [٤]: ما تحتاجه المرأة من المشط، والدهان، والسدر، والصابون لشعرها وجسدها</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٣٥٣): وَيَجِبُ لِلْمَرْأَةِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمُشْطِ، وَالدُّهْنِ لِرَأْسِهَا، وَالسِّدْرِ، أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا تَغْسِلُ بِهِ رَأْسَهَا، وَمَا يَعُودُ بِنَظَافَتِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ، فَكَانَ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ كَنْسَ الدَّارِ وَتَنْظِيفَهَا. فَأَمَّا الْخِضَابُ؛ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الزَّوْجُ مِنْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلزِّينَةِ، وَإِنْ طَلَبَهُ مِنْهَا، فَهُوَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الطِّيبُ، فَمَا يُرَادُ مِنْهُ لِقَطْعِ السُّهُولَةِ، كَدَوَاءِ الْعَرَقِ؛ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلتَّطَيُّبِ، وَمَا يُرَادُ مِنْهُ لِلتَّلَذُّذِ وَالِاسْتِمْتَاعِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ حَقٌّ لَهُ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا يَدْعُوهُ إلَيْهِ. اهـ\n• وهذا هو مذهب الشافعية أيضًا كما في «البيان» (١١/ ٢٠٧) والمالكية كما في «الفقه المالكي» (٢/ ٦٤٢)، وهو الصحيح.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٤٩ -) «البيان» (١١/ ٢٠٣) «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٨٣، ٨٦) «الأوسط» (٩/ ٥٣ -).","vol":"9","page":112},{"text":"بينما قال الشوكاني -﵀- في «السيل الجرار» (٤٦٠): ليس في هذه الأمور دليل يدل على أنها تلزم الزوج، ولا هي مما تدعو إليه الضرورة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4871>مسألة [٥]: هل يلزم الزوج شراء الدواء لزوجته المريضة</span>؟\n• أكثر الفقهاء على أنَّ ذلك لا يلزم الزوج؛ لأنه يُراد لإصلاح الجسم، فلا يلزمه، كما لا يلزم المستأجر بناء ما يقع من الدار، وحفظ أصولها، وكذلك أجرة الحجام والفاصد، وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، والمالكية، والحنفية.\nوقال الشوكاني -﵀- في «السيل الجرار» -معلِّقًا على قول صاحب «متن الأزهار» (عليه كفايتها كسوةً، ونفقةً، وإدامًا، ودواءً) -: وأمَّا إيجاب الدواء فوجهه أنَّ وجوب النفقة عليه هي لحفظ صحتها، والدواء من جملة ما تحفظ به صحتها. انتهى.\nقلتُ: ويستدل له أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، والدواء مما يقوم به الرجل عرفًا، وكذلك فإنَّ بعض الأمراض تمنعها من أكل ما ينفق عليها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وذلك مقيد باستطاعته؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، والله أعلم.\nوقد رجَّح الإمام ابن باز -﵀- عدم الوجوب، وأنه من باب حسن العشرة، والمعروف. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٥٤) «البيان» (١١/ ٢٠٨) «مدونة الفقه المالكي» (٢/ ٦٤٢) «رد المحْتار» (٥/ ٢٩١) «السيل» (ص ٤٦٠) «فتاوى اللجنة» (٢١/ ١٧٠) «الروض المربع» (٧/ ١١٢).","vol":"9","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4872>مسألة [٦]: كسوة الزوجة</span>.\nيجب على الرجل كسوة زوجته بالإجماع؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف»، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وتكسوها إذا اكتسيت»، وقبل ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، وليس هناك دليل في تحديد وقت الكسوة، وكيفيتها، فيرجع في تحديد ذلك إلى العرف والحاجة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4873>مسألة [٧]: هل على الرجل ما تحتاجه المرأة من الفراش، واللحاف ونحوه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٣٥٥): وَعَلَيْهِ لَهَا مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلنَّوْمِ، مِنْ الْفِرَاشِ، وَاللِّحَافِ، وَالْوِسَادَةِ، كُلٌّ عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4874>مسألة [٨]: المسكن للزوجة</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٣٥٥): وَيَجِبُ لَهَا مَسْكَنٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷾: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦]، فَإِذَا وَجَبَتْ السُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ، فَلِلَّتِي فِي صُلْبِ النِّكَاحِ أَوْلَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، وَمِنْ الْمَعْرُوفِ أَنْ يُسْكِنَهَا فِي مَسْكَنٍ؛ وَلِأَنَّهَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْ الْمَسْكَنِ لِلِاسْتِتَارِ عَنْ الْعُيُونِ، وَفِي التَّصَرُّفِ، وَالِاسْتِمْتَاعِ، وَحِفْظِ المَتَاعِ، وَيَكُونُ المَسْكَنُ عَلَى قَدْرِ يَسَارِهِمَا وَإِعْسَارِهِمَا؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٥٤) «البيان» (١١/ ٢٠٨، ٢١٧) «المغني» (١١/ ٣٥٩ -) «الأوسط» (٩/ ٥٦).\n(^٢) وانظر: «البيان» (١١/ ٢١٠).","vol":"9","page":114},{"text":"﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾؛ وَلِأَنَّهُ وَاجِبٌ لَهَا لِمَصْلَحَتِهَا فِي الدَّوَامِ، فَجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4875>مسألة [٩]: إذا كانت المرأة ممن لا يخدم نفسها؛ لكونها من ذوي الأقدار، أو مريضة</span>؟\n• جمهور العلماء على أنَّ على الرجل أن يُخْدِمها خادمًا، وعليه الأجرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\n• وذهب داود إلى أنه لا يجب عليه ذلك؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف».\n• وقال مالك، وأبو ثور: إذا احتاجت إلى خادم؛ وجب عليه ذلك. لما تقدم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4876>مسألة [١٠]: وقت دفع النفقة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٣٥٨): وَيَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ نَفَقَتِهَا إلَيْهَا فِي صَدْرِ نَهَارِ كُلِّ يَوْمٍ إذَا طَلَعْت الشَّمْسُ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْحَاجَةِ؛ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَأْخِيرِهَا؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، فَإِذَا رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِهِ؛ جَازَ، كَالدَّيْنِ. وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَعْجِيلِ نَفَقَةِ عَامٍ أَوْ شَهْرٍ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ تَأْخِيرِهِ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا؛ فَجَازَ مِنْ تَعْجِيلِهِ وَتَأْخِيرِهِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، كَالدَّيْنِ. وَلَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافٌ عَلِمْنَاهُ. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٥٥ - ٣٥٦) «البيان» (١١/ ٢١١) «الأوسط» (٩/ ٧٦).\n(^٢) وانظر: «البيان» (١١/ ٢١٥).","vol":"9","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4877>مسألة [١١]: إن قدم لها نفقة عام فماتت، فهل له استرجاع نفقة ما بقي</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه له استرجاعها؛ لأنه سلم إليها النفقة معجلة عن وقت وجوبها، فإذا لم يحل وقت الوجوب؛ فهي ملكه، وهذا القول هو الصحيح.\n• وخالف أبو حنيفة، وأبو يوسف، فقالا: لا يسترجعها؛ لأنها صلة، فلا رجوع فيها كصدقة التطوع.\nوأُجيب بأنها واجبة لم يحل وجوبها، وليست بتطوع، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4878>مسألة [١٢]: المرأة الذمية هل لها ما للزوجة المسلمة من النفقة والكسوة</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٣٦٠): وَالذِّمِّيَّةُ كَالْمُسْلِمَةِ فِي النَّفَقَةِ، وَالْمَسْكَنِ، وَالْكِسْوَةِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِعُمُومِ النُّصُوصِ وَالْمَعْنَى. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4879>مسألة [١٣]: إذا منع الرجل النفقة لعسرته</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ للمرأة أن تصبر، أو تطلب الفراق، وهو قول سعيد ابن المسيب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، وربيعة، وحماد، وأحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وصحَّ عن عمر -﵁- نحوه كما في الباب، ونقل عن علي، وأبي هريرة -﵄-.\nوحجَّةُ أصحاب هذا القول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة:٢٣١]، وقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]؛ ولأنَّه أُبيح\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٥٨) «البيان» (١١/ ٢١٦).","vol":"9","page":116},{"text":"للمرأة الفسخ بالعنة، والجب، وهما أقل ضررًا عليها من عدم الإنفاق.\n• وقال بعضهم: لا تملك فراقه، ولكن يرفع الرجل يده عنها لتكتسب. وهو قول عطاء، والزهري، وابن شبرمة، وأبي حنيفة.\n• وقال الثوري: بلاء بُليت به، فلتصبر.\nوقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: إن مكنها من الاكتساب؛ فلا تملك الفسخ؛ لأنَّ تمكينه لها من ذلك في حكم الإنفاق، وإن لم تمكن من الاكتساب أو لا تستطيع؛ فتملك الفسخ. انتهى بالمعنى.\nقال الإمام الشوكاني -﵀- في «السيل» (ص ٤٦٢ - ٤٦٣): وأما استدلال المانعين من الفسخ بقوله سبحانه ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:٧].\nفيُجاب عنه بأنَّا لا نكلفه بأن ينفق زيادة على ما آتاه الله، بل دفعنا الضرار عن المرأة، وخلصناها من حباله لتذهب تطلب لنفسها رزق الله عزوجل بالتكسب، أو بزوجٍ آخر يقوم بمطعمها ومشربها. اهـ\nقال أبو عبدالله غفر الله له: الصحيح قول الجمهور، وأما تمكينها من الاكتساب؛ فإنْ كان ذلك العمل مشروعًا سهلًا ليس فيه مشقة عليها؛ فالظاهر أنها لا تملك الفسخ، وإن كان غير ذلك؛ فلها الفسخ، وبالله التوفيق. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٦١) «عبدالرزاق» (٧/ ٩٥ - ٩٦) «ابن أبي شيبة» (٥/ ٢١٣ -) «السيل» (ص ٤٦٢ -) «البيان» (١١/ ٢٢٠ -) «الأوسط» (٩/ ٧٠).","vol":"9","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4880>مسألة [١٤]: هل للحاكم الفسخ بالإعسار من غير إنظار</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي في قولٍ أنَّ لها المطالبة بالفسخ من غير إنظار، واستدلوا بأثر عمر -﵁- الذي في الكتاب، فليس فيه الإمهال؛ ولأنه معنى يثبت الفسخ، ولم يرد الشرع بالإنظار فيه؛ فوجب أن يثبت الفسخ في الحال كالعيب؛ ولأنَّ سبب الفسخ الإعسار، وقد وُجِد؛ فلا يلزم التأخير.\n• وقال حماد بن أبي سليمان: يؤجل سنة؛ قياسًا على العنين.\n• وقال عمر بن عبدالعزيز: اضربوا له شهرًا، أو شهرين.\n• وقال مالك: الشهر ونحوه.\n• وقال الشافعي في القول الآخر: يؤجل ثلاثًا؛ لأنه قريب. (^١)\nتنبيه: إذا أعسر بما زاد على ما يقوم به البدن؛ فلا فسخ، ولا فسخ إلا فيما إذا أعسر فيما يقوم به البدن. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4881>مسألة [١٥]: إن أعسر بالكسوة، فهل لها الفسخ</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٣٦٣): وَإِنْ أَعْسَرَ بِالْكِسْوَةِ؛ فَلَهَا الْفَسْخُ؛ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَلَا يُمْكِنُ الصَّبْرُ عَنْهَا، وَلَا يَقُومُ الْبَدَنُ بِدُونِهَا. اهـ (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٦٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣٦٢ -).\n(^٣) وانظر: «البيان» (١١/ ٢٢١).","vol":"9","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4882>مسألة [١٦]: إذا امتنع من الإنفاق مع القدرة عليه</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٣٦٣): إِنْ قَدَرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ؛ أَخَذَتْ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهَا، وَلَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ هِنْدًا بِالْأَخْذِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا الْفَسْخَ، وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ؛ رَافَعَتْهُ إلَى الْحَاكِمِ، فَيَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ، وَيُجْبِرُهُ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ؛ فَإِنْ صَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ؛ أَخَذَ الْحَاكِمُ النَّفَقَةَ مِنْ مَالِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا عُرُوضًا أَوْ عَقَارًا؛ بَاعَهَا فِي ذَلِكَ.\nوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: النَّفَقَةُ فِي مَالِهِ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَلَا يَبِيعُ عَرْضًا إلَّا بِتَسْلِيمٍ؛ لِأَنَّ بَيْعَ مَالِ الْإِنْسَانِ لَا يَنْفُذُ إلَّا بِإِذْنِهِ، أَوْ إذْنِ وَلِيِّهِ، وَلَا وِلَايَةَ عَلَى الرَّشِيدِ.\nوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ - لِهِنْدٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيك»، وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ لَهُ، فَتُؤْخَذُ مِنْهُ النَّفَقَةُ، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَلِلْحَاكِمِ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ، بِدَلِيلِ وِلَايَته عَلَى دَرَاهِمِهِ وَدَنَانِيرِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4883>مسألة [١٧]: إن كان عليها له دين، وأراد أن يسقط النفقة بمقابله</span>؟\nإن كانت موسرة؛ فله ذلك، وإن كانت معسرة؛ فليس له ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]. (^١)\nتنبيه: الفسخ للحاكم، وليس للمرأة أن تفسخ بنفسها؛ لأنه فسخ مُخْتَلَف فيه، ولأنَّ جعله لغير الحاكم فتح باب للفساد، ولا يجوز للحاكم الفسخ إلا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٦٥) «البيان» (١١/ ٢٢٧).","vol":"9","page":119},{"text":"بمطالبة المرأة ذلك؛ لأنَّ الحق لها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4884>مسألة [١٨]: هل في الفسخ رجعة</span>؟\n• قال مالك: هو تطليقة، وهو أحق بها إن أيسر في عدتها.\n• وقال الجمهور: لا رجعة فيه؛ إلا أن يكون الحاكم ألزمه بالطلاق ولم يفسخ؛ فله الرجعة. وهذا قول أحمد، والشافعي، وابن المنذر، وهو الصحيح. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4885>مسألة [١٩]: إن رضيت بالمقام معه مع عسرته، ثم بدا لها الفسخ</span>؟\n• من أهل العلم من قال: لها الفسخ. وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنَّ وجوب النفقة يتجدد كل يوم، فيتجدد لها الفسخ.\n• ومنهم من يقول: ليس لها الفسخ. وهو قول مالك، وأحمد في رواية؛ لأنها رضيت بعيبه، ودخلت في العقد عالمةً به؛ فلم تملك الفسخ.\nوالصحيح القول الأول. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4886>مسألة [٢٠]: من ترك الإنفاق مدة</span>؟\n• مذهب الجمهور أنها عليه في ذمته، سواء تركها لعذر، أو لغير عذر؛ لأثر عمر -﵁- الوراد في الباب. وهو قول الحسن، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر.\n_________\n(^١) «المغني» (١١/ ٣٦٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣٦٥).\n(^٣) انظر: «المغني» (١١/ ٣٦٦).","vol":"9","page":120},{"text":"• وذهب بعضهم إلى أنها تسقط، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، واستثنوا إن كان الحاكم قد فرضها؛ فلا تسقط.\nوالصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4887>مسألة [٢١]: إذا أنفقت المرأة من مال زوجها الغائب، ثم بان أنه مات قبل إنفاقها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٣٦٨): يُحْسَبُ عَلَيْهَا مَا أَنْفَقَتْهُ مِنْ مِيرَاثِهَا، سَوَاءٌ أَنْفَقَتْهُ بِنَفْسِهَا، أَوْ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ؛ لِأَنَّهَا أَنْفَقَتْ مَا لَا تَسْتَحِقُّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4888>مسألة [٢٢]: هل يشترط في الزوجة التي تجب النفقة لها أن تكون كبيرة يمكن وطؤها</span>؟\n• اشترط ذلك الجمهور بحجة أنَّ النفقة تجب مقابل الاستمتاع.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى عدم اشتراط ذلك، وهو قول الثوري، والشافعي في قول، وداود وأصحابه، ومنهم ابن حزم.\nوهو ترجيح الشوكاني؛ لأنَّ الصغيرة والمريضة زوجة تشملها أدلة الباب، وهو الصحيح. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٦٧) «السيل» (ص ٤٦١) «الأوسط» (٩/ ٦٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣٩٦) «المحلى» (١٩٢٦) «البيان» (١١/ ١٩٢).","vol":"9","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4889>مسألة [٢٣]: هل يشترط أن تسَّلم لزوجها</span>؟\n• اشترط ذلك الجمهور؛ فلا تجب النفقة عندهم إلا بتسليمها، فلو منعها أهلها، أو امتنعت، أو تساكتا بعد العقد فلم تسلم، ولم يطلب؛ فليس لها النفقة عندهم.\n• وذهب الظاهرية إلى وجوب النفقة بمجرد العقد.\nقلتُ: قول الجمهور قريب في حالة الامتناع، ثم رأيت جماعة من أهل العلم قد قيدوه بحالة الامتناع، وهم الثوري، ومالك، والشافعي، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4890>مسألة [٢٤]: إذا تزوج صغيرة؛ فهل عليه النفقة</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ليس عليه نفقة، وهو قول بكير بن الأشج، ومالك، وذلك لأنه لا يستمتع بها، وقالوا: النفقة مقابل الاستمتاع.\n• وذهب آخرون إلى أن عليه النفقة؛ لأنها زوجته، وهو قول الثوري، والظاهرية.\n• وقال آخرون: إذا منعوها منه؛ فليس عليه نفقة، وهو قول الحسن، والنخعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وهذا القول هو الصحيح في المسألة، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٩٦) «المحلى» (١٩٢٦) «البيان» (١١/ ١٩١) «الأوسط» (٩/ ٥٩).\n(^٢) «الأوسط» (٩/ ٦٠).","vol":"9","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4891>مسألة [٢٥]: هل يجب على الصغير النفقة</span>؟\n• يجب على وليه أن ينفق على زوجته من ماله؛ فإن لم يكن له مال؛ فللولي أن ينفق عليه من مال نفسه، وله أن لا يفعل ذلك؛ فإن لم ينفق عليها؛ فرَّق الحاكم بينهما، وهذا قول أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن وغيرهم، وهو الصحيح.\n• وقال مالك، والشافعي في قول: لا يجب عليه النفقة؛ لأنه لا يتمكن من الاستمتاع. والصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4892>مسألة [٢٦]: هل للمرأة الناشز نفقة</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه ليس لها نفقة، وهو قول الشعبي، وحماد، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ النفقة تجب مقابل تمكينها.\n• وذهب الحكم، والظاهرية، والشوكاني إلى أنها تجب لها النفقة؛ لأنَّ وجوب النفقة بسبب الزوجية لا بسبب التمكين، والأدلة الواردة في وجوب الإنفاق علقت ذلك بالزوجية، ولم يخص بها الطائعة ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].\nقال الشوكاني -﵀-: لم يرد في الأدلة ما يدل على أنَّ الزوجة إذا عصت زوجها سقطت نفقتها. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٩٨) «البيان» (١١/ ١٩٢) «الأوسط» (٩/ ٦١).","vol":"9","page":123},{"text":"قلتُ: الله عزوجل جعل لها النفقة، ولم يسقطها في حال النشوز، بل أباح للرجل الهجر، والضرب، ولم يبح له ترك الإنفاق، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:٣٤]، ولكن إن أدَّى بها نشوزها إلى مفارقة بيته والمكوث عند أهلها؛ فالظاهر أنه لا يلزمه أن يتبعها النفقة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4893>مسألة [٢٧]: المطلقة البائن، أو البائن بفسخ إن كانت حاملًا</span>.\nإن كانت حاملًا فلها النفقة، والسكنى بالإجماع، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وفي حديث فاطمة بنت قيس: «لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا».\nكذا نقل ابن قدامة الإجماع، وقد خالف الحسن، وعطاء، وسعيد في المختلعة الحامل، وقالوا: لا نفقة لها. والصحيح أن لها النفقة والسكنى؛ للآية المتقدمة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4894>مسألة [٢٨]: المعتدة من الوفاة هل لها النفقة من مال الزوج</span>؟\nأما إن كانت حائلًا؛ فلا نفقة لها عند أهل العلم، واختلفوا فيما إذا كانت حاملًا.\n• فمنهم من يقول: لها النفقة. وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي، وهو قول\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤١٠) «المحلى» (١٩٢٦) «السيل» (ص ٤٦٠) «البيان» (١١/ ١٩٥) «الأوسط» (٩/ ٦٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٠٢) «البيان» (١١/ ٢٣٠) «الأوسط» (٩/ ٥٢١ - ٥٢٣).","vol":"9","page":124},{"text":"الثوري، والحسن بن صالح، وحماد، وغيرهم؛ قياسًا على المطلقة كما تقدم. وصح هذا القول عن ابن عمر -﵄-، وقال به شُريح، والنخعي، وابن سيرين، وأبو العالية، وخلاس، والشعبي.\n• ومنهم من يقول: ليس لها النفقة؛ لأنَّ المال قد صار للورثة. وهو قول مالك، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، وإسحاق، والشافعي في قول، وقال به سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وعكرمة، وهو قول ابن عباس، وجابر بن عبدالله. واختاره ابن المنذر.\nوهذا القول أقرب، والله أعلم، وهو ترجيح ابن باز -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4895>مسألة [٢٩]: هل تجب النفقة للحمل أو للحامل بسبب الحمل</span>؟\n• منهم من يقول: تجب للحمل. هو قول أحمد في رواية، وقول للشافعي؛ لأنه تجب بوجوده، وتسقط بانفصاله.\n• ومنهم من يقول: تجب للحامل بسبب الحمل. وهو قول أحمد في رواية، وقول للشافعي، وهذا القول أقرب إلى ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ فُرُوعٌ، مِنْهَا: أَنَّهَا إذَا كَانَتْ المُطَلَّقَةُ الْحَامِلُ أَمَةً؛ فَإِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ. فَنَفَقَتُهَا عَلَى سَيِّدِهَا. وَإِنْ قُلْنَا النَّفَقَة\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٠٥) «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ٣٥٩ - ٣٦٠) «عبدالرزاق» (٧/ ٣٧ - ٣٩) «البيان» (١١/ ٢٣٨) «فتاوى اللجنة» (٢١/ ١٨٥) «الأوسط» (٩/ ٥١٨).","vol":"9","page":125},{"text":"لِلْحَامِل. فَالنَّفَقَةُ عَلَى المُطَلق.\nقال: وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، وَقُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ. فَعَلَى الْوَاطِئِ بِشُبْهَةِ النَّفَقَةِ. وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَامِلِ فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا. اهـ\nوذكر غير ذلك.\nوهناك قول ثالث، وهو أنَّ النفقة تجب للحمل، ولها من أجل الحمل؛ لكونها حاملًا بولده. وهذا قول مالك، وأحد القولين في مذهب أحمد، والشافعي، وصححه شيخ الإسلام، وانظر بقية كلامه في «الفتاوى». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4896>مسألة [٣٠]: دفع النفقة إلى المطلقة الحامل يوميًّا</span>.\n• وبهذا يقول أحمد، والشافعي في أحد قوليه.\n• وقال في القول الآخر: لا يلزمه دفعها إليها حتى تضع؛ لأنَّ الحمل غير متحقق. وهذا خلاف قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4897>مسألة [٣١]: النفقة على المختلعة غير الحامل</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أن لها النفقة والسكنى، وهو قول الشعبي، وأبي العالية، والنخعي، والثوري. ووجه هذا القول قياسها على المطلقة البائن.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٠٥ -) «البيان» (١١/ ٢٣٠) «الفتاوى» (٣٤/ ٧٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٠٦).","vol":"9","page":126},{"text":"• وقال أصحاب الرأي: للمختلعة النفقة، والسكنى مادامت في العدة، وإن كان الزوج اشترط على المرأة أنه برئ من النفقة والسكنى؛ فهو برئ من النفقة، وأما السكنى فلا؛ لأنها عندهم معصية أن تسكن في غير بيت زوجها حتى تنقضي عدتها.\n• وقالت طائفة: ليس لها سكنى، ولا نفقة كذلك قال أبو ثور. وهو قول الزهري، والشعبي، وقتادة. وهذا القول هو الصحيح؛ لأنها صارت امرأة أجنبية.\n• وقال آخرون من أهل العلم: لها السكنى، وليس لها النفقة، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي عبيد.\n• وقال الحسن، وحماد: لا نفقة لها إلا أن يشترط ذلك على زوجها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4898>مسألة [٣٢]: النفقة على أم الولد</span>؟\nقال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (٩/ ٥٢٥): كان الحسن البصري يقول: في أم الولد إذا مات عنها سيدها، وهي حامل، قال: إن ولدته حيًّا فنفقتها من نصيبه، وإن ولدته ميتًا؛ فنفقتها من جميع المال. وكان عبد الله بن يعلى قاضي البصرة لا يرى لها نفقة. وحكى أبو عبيد هذا القول عن أهل العراق أنهم قالوا: لا نفقة لها وإن كانت حاملًا. وهذا قول مالك، والشافعي.\nوحكي عن سفيان الثوري أنه قال: لها النفقة. وقال أبو عبيد: لها النفقة من جميع المال. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (٩/ ٥٢٤).","vol":"9","page":127},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: كأنهم بنوا ذلك على أنها بموته صارت عتيقة، والراجح في هذه المسألة أن أم الولد لا تزال على رقها، وإن مات سيدها، وعليه فالنفقة واجبة على ورثة السيد، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4899>مسألة [٣٣]: النفقة على الملاعنة</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ليس لها نفقة، ولا سكنى، وهو قول أبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وابن المنذر.\nواستدلوا بحديث ابن عباس عند أبي داود (٢٢٥٦)، وأحمد (١/ ٢٤٥) أن النبي - ﷺ - قضى أن لا بيت لها، ولا نفقة من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق، ولا متوفى عنها. وهذا الحديث إسناده ضعيف؛ لضعف عباد بن منصور، راويه عن عكرمة، عن ابن عباس. ولكن يدل على ذلك أنها صارت بائنة منه بينونة كبرى لا تحل له بعد هذا اللعان، فصارت كما قال الإمام أحمد أشد من المطلقة ثلاثًا، يعني: لا نفقة لها ولا سكنى.\n• وقال بعض أهل العلم: لها السكنى، وليس لها النفقة، وهذا قول الزهري، ومالك، والشافعي. ووجه قولهم قياسها على المطلقة ثلاثًا في مذهبهم.\n• وقال بعض أهل العلم: لها السكنى، والنفقة. هذا قول حماد بن أبي سليمان، وسفيان الثوري. وكذلك قال أصحاب الرأي: إذا لا عنها بغير ولد. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (٩/ ٥٢٦).","vol":"9","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4900>فَصْلٌ فِي النّفَقَةِ عَلَى الأقَارِبِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4901>مسألة [١]: النفقة على الوالدين والأولاد</span>.\nيجب على الرجل أن ينفق على والديه، وأولاده المحتاجين إن قدر على ذلك، ودلَّ على وجوب ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، فأوجب أجر رضاع الولد على أبيه.\nوقال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فأوجب النفقة والكسوة على المرضعة من أجل الولد؛ فدل على وجوب ذلك للولد.\nوقال ﷾: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣].\nومن السنة: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك، ويكفي بنيك»، وحديث: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإنَّ ولده من كسبه».\nوأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنَّ نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ على المرء النفقة لأولاده الأطفال الذين لا مال لهم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٧٣).","vol":"9","page":129},{"text":"تنبيه: جاء عن مالك أنه لم يوجب على الرجل أن ينفق على أمه؛ لكونه ليس من عصبتها، وخالفه الجمهور. ولعله أراد إن كان لها عصبة من نسبها، والله أعلم، ودليل الجمهور أنَّ الأدلة دلت على أنَّ حق الأم أعظم من حق الأب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4902>مسألة [٢]: هل تجب النفقة من الأم إن كانت موسرة على ولدها إن كان الأب معسرًا، أو ميتًا</span>؟\n• مذهب الجمهور وجوب ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٣٣].\n• وقال مالك: لا يجب عليها؛ لأنه ليس من عصبتها. والصحيح قول الجمهور.\n• وأكثرهم على أنها لا ترجع بالنفقة على الولد إذا أيسر؛ لأنَّ النفقة واجبة عليها.\n• وقال أبو يوسف، ومحمد: ترجع عليه.\nوالصحيح قول الجمهور، وهو ترجيح الشوكاني في «السيل». (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4903>مسألة [٣]: هل تجب النفقة على الأجداد وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا</span>؟\n• أكثرهم على الوجوب، وهو مذهب أحمد، والشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنهم يدخلون في مطلق اسم الولد والوالد كما دلت الأدلة على ذلك.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٧٣) «البيان» (١١/ ٢٤٦) «الأوسط» (٩/ ٧٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣٧٣) «البيان» (١١/ ٢٤٦).","vol":"9","page":130},{"text":"• وقال مالك: لا تجب النفقة عليهم ولا لهم؛ لأنَّ الجد ليس بأب حقيقي. والصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4904>مسألة [٤]: شروط وجوب الإنفاق على الأقارب</span>.\nالأول: أن يكون المنفق عليه فقيرًا لا مال له، ولا كسب يستغني به عن الإنفاق؛ لأنها تجب لهم على سبيل المواساة، والغني ليس بحاجة إلى المواساة، ولأنه لو وجب؛ لوجب في كثير من الصور أن ينفق كل واحد منهما على الآخر، ولا يصح هذا.\nالثاني: أن يكون المنفق له فضل عن نفقة نفسه إما من ماله، أو من كسبه؛ لحديث جابر -﵁- في «صحيح مسلم» (٩٩٧)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها؛ فإن فضل شيء فلأهلك؛ فإن فضل شيء فلذي قرابتك؛ فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا، وهكذا».\nالثالث: أن يكون المنفق وارثًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4905>مسألة [٥]: إن كان هنالك مانع من الإرث</span>؟\nإن كان المانع من الإرث هو الرق؛ فلا نفقة لأحدهما على صاحبه بغير خلاف؛ لأنه لا ولاية بينهما، ولا إرث، ولأنَّ العبد لا مال له؛ فتجب عليه النفقة، وكسبه لسيده، ونفقته على سيده، فيستغني بها عن نفقة غيره.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٧٤) «البيان» (١١/ ٢٤٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣٧٤ - ٣٧٥).","vol":"9","page":131},{"text":"• وأما إن كان المانع من الإرث هو اختلاف الدين؛ فلا نفقة للآخر على صاحبه؛ لاختلاف الدين، والله عزوجل قيد ذلك بالوارث ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وهو مذهب الحنابلة.\n• وذهب الشافعي، وبعض الحنابلة إلى أنَّ النفقة تجب في عَمُودَي النسب؛ لأنها واجبة مع اتفاق الدين، فتجب مع اختلافه كنفقة الزوجة والمملوك؛ ولأنه يعتق على قريبه، فوجب عليه الإنفاق كما لو اتفق دينهما.\nوالصحيح القول الأول؛ للآية، وقياسهم المذكور لا عبرة به؛ لوجود الفارق، والله أعلم. وهذا هو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4906>مسألة [٦]: وإن كان المانع من الإرث كونه محجوبًا</span>؟\n• إن كان الحاجب له موسرًا؛ فالنفقة عليه؛ لأنه أقرب إلى الميت، وإن كان معسرًا؛ فإن كان من عمودي النسب فعليه النفقة أيضًا وهو قول أحمد، والشافعي.\n• وإن كان من غير عمودي النسب ففيه وجهان لأصحاب أحمد، والشافعي. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4907>مسألة [٧]: النفقة على ذوي الأرحام غير الوارثين</span>.\n• إن كان من عمودي النسب؛ فيجب النفقة عليه عند الحنابلة، والشافعية.\n• وإن لم يكن من عمودي النسب؛ فلا تجب عند الشافعي، وأكثر الحنابلة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٧٥ - ٣٧٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣٧٦ - ٣٧٧).","vol":"9","page":132},{"text":"• وقال بعض الحنابلة: تجب عند عدم العصبات، وذوي الفروض. وهذا أقرب؛ لأن الله تعالى أوجبها على الوارث ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وذووا الأرحام يرثون عند عدم وجود صاحب فرض وتعصيب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4908>مسألة [٨]: هل يشترط في النفقة على الوالد والولد أن يكون ناقصًا في الحكم، أو الخلقة</span>؟\nالناقص في الحكم هو المجنون، والصغير، والناقص في الخلقة كالأعرج، والأعمى وغيرهما.\n• مذهب الحنابلة عدم اشتراط ذلك، وبه قال أبو حنيفة في الوالد، والشافعي في قول؛ لعموم حديث: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».\n• وقال الشافعي، وأبو حنيفة: يشترط ذلك في الولد.\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4909>مسألة [٩]: من كان له أب من أهل الإنفاق لم تجب النفقة على غيره</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٣٧٨): وَمَنْ كَانَ لَهُ أَبٌ مِنْ أَهْلِ الْإِنْفَاقِ؛ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ عَلَى سِوَاهُ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، وَقَالَ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٣]، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٧٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣٧٨).","vol":"9","page":133},{"text":"لِهِنْدٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ»، فَجَعَلَ النَّفَقَةَ عَلَى أَبِيهِمْ دُونَهَا، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ، إلَّا أَنَّ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ لِلْفَقِيرِ أَبٌ وَابْنٌ مُوسِرَانِ، وَجْهَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَب وَحْدَهُ.\nوَالثَّانِي: عَلَيْهِمَا جَمِيعًا؛ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقُرْب. وَلَنَا أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَبِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا؛ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ النَّصِّ، وَتَرْكُ مَا عَدَاهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4910>مسألة [١٠]: هل يلزم الرجل إعفاف أبيه بتزويجه</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي في الظاهر أنه يلزمه إذا احتاج إلى النكاح؛ لأنه يستضر بفقد ذلك، فأشبه النفقة.\n• وللشافعية وجهٌ أنه لا يجب إعفاف الأب الصحيح.\n• وقال أبو حنيفة: لا يلزم الرجل إعفاف أبيه، سواء وجبت نفقته، أو لم تجب؛ لأنَّ هذا من باب التلذذ كالحلوى.\nقلتُ: والصحيح هو القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4911>مسألة [١١]: هل على الأب إعفاف ولده</span>؟\n• مذهب الحنابلة وجوب ذلك؛ لما تقدم، وهو قول بعض الشافعية، وأفتى بذلك الإمام ابن باز، وقال بعض الشافعية: لا يجب. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٧٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣٨٠) «فتاوى اللجنة» (٢١/ ١٨٠).","vol":"9","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4912>مسألة [١٢]: النفقة على الأقارب الوارثين</span>.\n• أوجبها كثيرٌ من أهل العلم، وهو قول الحسن، ومجاهد، والنخعي، وقتادة، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، وأبي ثور، وأحمد، وهو الأشهر عند أصحابه؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فأوجب على الأب نفقة الرضاع، ثم عطف الوارث عليه فأوجب على الوارث مثل ما أوجب على الوالد.\nواستدلوا بحديث الباب: «أمك وأباك، وأختك وأخاك».\n• وذهب بعضهم إلى أنَّ النفقة على العصبة، وهو قول الأوزاعي، وإسحاق، وأحمد في رواية.\nواستدلوا على ذلك بأنه نقل عن عمر -﵁- ذلك، وقياسًا على العقل، وأثر عمر أخرجه سعيد بن منصور (٢/ ١١٣)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٤٧٨)، وفي إسناده عنعنة ابن جريج، بل يرويه عن عمرو بن شعيب، ولم يسمع منه كما قال البخاري؛ فالأثر ضعيف.\n• وقال أبو حنيفة وأصحابه: تجب النفقة على كل ذي رحم مَحْرَم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٧٥/الأحزاب:٦].\n• وقال مالك، والشافعي، وابن المنذر: لا نفقة إلا على الوالدين والمولودين؛ لحديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب، ففي آخره: «أنت أعلم به»، ولم يأمره","vol":"9","page":135},{"text":"بالنفقة على ذوي الأقارب. وحجة أبي حنيفة عليه لا له، ويرد على مالك، والشافعي حديث معاوية بن حيدة المذكور في الباب، والآية.\nوالصحيح القول الأول، وهو ترجيح الإمام ابن باز. (^١)\nتنبيه: إذا اجتمع أكثر من وراث، وليس أحدهما محجوبًا بالآخر؛ فالنفقة عليهم بقدر إرثهم، هذا قول الحنابلة وغيرهم، وهو الصحيح، وللشافعية والحنفية خلافات في بعض الصور، والله أعلم. «المغني» (١١/ ٣٨٣ - ٣٨٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4913>مسألة [١٣]: هل على المعتِق نفقة معتَقه</span>؟\n• إذا توفرت الشروط السابقة؛ وجب عليه النفقة، وهو قول الحنابلة، وخالف مالك، والشافعي، وأبو حنيفة؛ بناء على أصولهم في المسألة السابقة، والصحيح قول الحنابلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4914>مسألة [١٤]: على من تجب نفقة المملوك</span>؟\nنفقة المملوك على مالكه بالسنة والإجماع، أما من السنة فحديث الباب: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ»، وحديث أبي ذر في «الصحيحين»: «فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَه؛ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُل، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَس ..». وأجمع العلماء على ذلك، والواجب من ذلك قدر كفايته بالمعروف، وكذا الكسوة. «المغني» (١١/ ٤٣٤ - ٤٣٥).\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٨٠ - ٣٨٢) «البيان» (١١/ ٢٤٩ -) «فتاوى اللجنة» (٢١/ ١٨٤).","vol":"9","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4915>مسألة [١٥]: الأمة إذا زوجت، فعلى من نفقتها</span>؟\n• تجب نفقتها على زوجها إذا كان حرًّا بالاتفاق، وإن كان عبدًا عند الجمهور، وحُكي عن مالك أنه لم يوجب النفقة عليه؛ لأنه ليس من أهلها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4916>مسألة [١٦]: وهل هي على العبد في كسبه، أم على السيد، أم في رقبته</span>؟\n• قال بالأول الشافعي، وبعض الحنابلة.\n• والثاني هو الأشهر عند الحنابلة.\n• والثالث قول أصحاب الرأي، وبعض الحنابلة.\nوالصحيح أنَّ السيد مخير بين أن يجعل العبد ينفق من كسبه، وبين أن يأخذ الكسب وينفق بنفسه، وإن لم يكن للعبد كسب؛ فهي على السيد، فقول الحنابلة أنها على السيد هو الراجح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4917>مسألة [١٧]: إذا حصل للعبد ولد من الأمة؛ فعلى من نفقته</span>؟\nنفقته على سيد الأمة؛ لأنه رقيق له. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4918>مسألة [١٨]: المبعض كيف نفقته</span>؟\n• على سيده بقدر عبوديته من النفقة، وهو قول الحنابلة، والمزني.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٨٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٣٨٩ - ٣٩٠).\n(^٣) «المغني» (١١/ ٣٩١).","vol":"9","page":137},{"text":"• وقال الشافعي: على سيده النفقة؛ لأنَّ المبعض عنده كالقن الخالص العبودية.\nوالصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4919>مسألة [١٩]: هل على السيد إعفاف مملوكه بالتزويج</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي في قولٍ وجوب ذلك إذا طلب ذلك العبد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢].\n• مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي في قولٍ عدم وجوب ذلك؛ لأنَّ فيه ضررًا عليه، وليس مما تقوم به البنية. ويُستدل لهم بحديث: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ» أخرجه مسلم عن أبي هريرة -﵁-، ولم يذكر في الحديث التزويج.\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم.\nوالمملوكة إذا طلبت الزواج؛ فيجب عليه إما تزويجها، أو إعفافها بنفسه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4920>مسألة [٢٠]: هل على السيد أن ينفق على المكاتب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٤٣٩ - ٤٤٠): لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا تَلْزَمُ سَيِّدَهُ نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ أَوْجَبَ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ إكْسَابَ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٣٩٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٣٨).","vol":"9","page":138},{"text":"نَفْسِهِ وَمَنَافِعَهُ، وَمَنَعَ السَّيِّدَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِمَا، فَلَا يَمْلِكُ اسْتِخْدَامَهُ، وَلَا إجَارَتَهُ، وَلَا إعَارَتَهُ، وَلَا أَخْذَ كَسْبِهِ، وَلَا أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، فَسَقَطَتْ نَفَقَتُهُ عَنْهُ كَمَا لَوْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ، فَإِذَا عَجَزَ؛ عَادَ رَقِيقًا قِنًّا، وَعَادَ إلَيْهِ مِلْكُ نَفْعِهِ، وَأَكْسَابُهُ؛ فَعَادَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ بَيْعِهِ. اهـ\nفروع: لا يجوز للسيد أن يكلف عبده ما لا يطيق؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ».\nولا يجوز له أن يجبر عبده على المخارجة، ولا تحصل المخارجة إلا برضى السيد وعبده.\nوإذا زَمِن المملوك؛ فالنفقة واجبة على سيده، وإن أصبح غير صالح للاكتساب.\nوإذا امتنع السيد من النفقة على عبده، أو أمته؛ أجبره الحاكم على النفقة، أو البيع.\nوليس للسيد أن يضرب العبد ضربًا مبرحًا، أو يضربه بغير سبب؛ فإن فعل فكفارته أن يعتقه.\nوإذا رهن السيد عبده؛ فالنفقة على السيد.\nوللسيد أن يؤدب عبده، أو أمته بالتوبيخ، والضرب الخفيف.\nوللسيد أن يؤجر أمته بالإرضاع؛ إلا أن يكون لها ولد ليس لها فضل عن","vol":"9","page":139},{"text":"إرضاعه.\nويستحب للسيد أن يحسن إلى عبده بالطعام الطيب، والملبس الحسن. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4921>مسألة [٢١]: النفقة على الحيوان والبهيمة</span>.\nمن ملك بهيمة؛ وجب عليه أن يحسن إليها، وأن ينفق عليها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة» أخرجه أبو داود (٢٥٤٨)، من حديث سهل ابن الحنظلية -﵁- بإسناد صحيح.\nوقوله: «ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، إنه شكى إلي أنك تجيعه وتُدْئبه» أخرجه أحمد (١/ ٢٠٤)، وأبو داود (٢٥٤٩) بإسناد صحيح.\nوحديث: «عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» (^٢). (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٣٥ - ٤٤١).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» برقم (١١٥٦).\n(^٣) «المغني» (١١/ ٤٤١ -).","vol":"9","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4922>بَابُ الحَضَانَةِ</span>\n١١٥٠ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄- أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\n١١٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا غُلَامُ، هَذَا أَبُوك، وَهَذِهِ أُمُّك، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْت»، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (^٢)\n\n١١٥٢ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ -﵁- أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ فَأَقْعَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - الأُمَّ نَاحِيَةً وَالأَبَ نَاحِيَةً، وَأَقْعَدَ الصَّبِيَّ بَيْنَهُمَا فَمَالَ إلَى أُمِّهِ، فَقَالَ: «اللهُمَّ اهْدِهِ» فَمَالَ إلَى أَبِيهِ فَأَخَذَهُ. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^٣)\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١٨٢)، وأبوداود (٢٢٧٦)، والحاكم (٢/ ٢٠٧)، وهو حديث حسن؛ لأنه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به.\n(^٢) صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٦)، وأبوداود (٢٢٧٧)، والنسائي (٦/ ١٨٥ - ١٨٦)، والترمذي (١٣٥٧)، وابن ماجه (٢٣٥١)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) ضعيف. أخرجه أبوداود (٢٢٤٤)، والنسائي في «الكبرى» (٦٣٨٥)، والحاكم (٢/ ٢٠٦)، من طريق عبدالحميد بن جعفر أخبرني أبي عن جده رافع بن سنان به. وجعفر والد عبدالحميد هو ابن عبدالله بن الحكم بن رافع، فهو يرويه عن جد أبيه. قال النخشبي كما في «جامع التحصيل»: مرسل، جعفر لم يدرك جد أبيه.\nقلتُ: وقد وهم عثمان البتي في إسناده. انظر «تحقيق المسند» (٣٩/ ١٦٦ - ١٦٨).","vol":"9","page":141},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nتعريف الحضانة:\nلغة: مشتقة من الحِضن، وهو الجنب ما دون الإبط إلى الكشح والخصر، وسُمِّي بذلك لأنَّ الأم تضم ولدها إلى حضنها.\nوشرعًا: هو حفظ من لا يستقل بأموره عما يؤذيه؛ لعدم تمييزه، أو دفع ما يضره، وتربيته بما يصلحه. «حاشية البيان» (١١/ ٢٧٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4923>مسألة [١]: حكم الحضانة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٤١٢): كَفَالَةُ الطِّفْلِ وَحَضَانَتُهُ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَهْلِكُ بِتَرْكِهِ، فَيَجِبُ حِفْظُهُ عَنْ الْهَلَاكِ، كَمَا يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَإِنْجَاؤُهُ مِنْ المَهَالِكِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِقَرَابَتِهِ؛ لِأَنَّ فِيهَا وِلَايَةً عَلَى الطِّفْلِ وَاسْتِصْحَابًا لَهُ، فَتَعَلَّقَ بِهَا الْحَقُّ، كَكَفَالَةِ اللَّقِيطِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4924>مسألة [٢]: أوصاف لا تثبت لصاحبها الحضانة</span>.\nلا تثبت الحضانة لمجنون، ومعتوه؛ لأنَّه لا يقدر عليها، وهو محتاج إلى من يكفله، فكيف يكفل غيره. ولا تثبت الحضانة لطفل لما تقدم في المجنون.\nوقال بعض الفقهاء: لا تثبت الحضانة لفاسق؛ لأنه لا يؤمن أن يُنشِّيء الولد على طريقته، ولم يرتض الشوكاني والصنعاني هذا الشرط.","vol":"9","page":142},{"text":"ودفعه ابن القيم بكلام جيد، فقال -﵀- كما في «زاد المعاد» (٥/ ٤٦١): الصوابُ أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعًا، وإن شرطها أصحاب أحمد، والشافعي وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد، ولو اشترط في الحاضن العدالة؛ لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على الأمة، واشتد العنتُ، ولم يزل من حين قام الإِسلام إلى أن تقومَ الساعة أطفال الفساق بينهم لا يتعرض لهم أحدٌ في الدنيا، مع كونهم الأكثرين، ومتى وقع في الإِسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه؟ وهذا في الحرج والعسر، واستمرارُ العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح؛ فإنه دائمُ الوقوع في الأمصار والأعصار، والقرى والبوادي، مع أن أكثر الأولياء الذين يلون ذلك فساق، ولم يزل الفسقُ في الناس، ولم يمنع النبيُّ - ﷺ -، ولا أحدٌ من الصحابة فاسقًا من تربية ابنه وحضانته له، ولا مِن تزويجه مولِّيته، والعادةُ شاهدة بأن الرجل ولو كان من الفساق؛ فإنه يحتاط لابنته، ولا يُضيعها، ويحرص على الخير لها بجهده، وإن قُدِّرَ خلاف ذلك، فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد، والشارع يكتفي في ذلك بالباعث الطبيعي، ولو كان الفاسق مسلوبَ الحضانة، وولاية النكاح؛ لكان بيانُ هذا للأمة من أهم الأمور، واعتناء الأمة بنقله، وتوارث العملِ به مقدّمًا على كثير مما نقلوه، وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضييعُه واتصالُ العمل بخلافه، ولو كان الفِسق ينافي الحضانة؛ لكان من زنى أو شرب خمرًا، أو أتى","vol":"9","page":143},{"text":"كبيرةً، فرق بينه وبين أولاده الصغار، والتمس لهم غيره، والله أعلم. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4925>مسألة [٣]: هل للرقيق حضانة</span>؟\n• من أهل العلم من قال: ليس له حضانة؛ لأنه مشغول بخدمة سيده، وهذا قول عطاء، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي.\n• وقال مالك في حر له ولدٌ حرٌّ من أمة: الأم أحق به إلا أن تباع فتنقل؛ فيكون الأب أحق به؛ لأنها أم مشفقة، فأشبهت الحرة.\n• واختار ابن حزم أنَّ الأمة كالحرة؛ لعموم الأحاديث الواردة في الباب، وقال الشوكاني في «السيل» (ص ٤٥٤): لا فرق بين الحرة والأمة؛ لعموم الأدلة، ولاستوائهما في الحنو على الصبي، ورعاية ما يصلحه، ودفع ما يضره. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4926>مسألة [٤]: هل تثبت الحضانة للكافر على المسلم</span>؟\n• أكثر أهل العلم على عدم ثبوتها للكافر على المسلم، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وسوار، والعنبري وغيرهم؛ لأنه ولاية، ولا ولاية للكافر على المسلم، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]؛ ولأنَّ ولاية الكافر فيها ضرر على المسلم بإخراجه عن الإسلام، وتعليمه الكفر،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤١٢) «البيان» (١١/ ٢٧٥) «رد المحتار» (٥/ ٢٥٣ - ٢٥٤) «السيل» (٤٥٥) «زاد المعاد» (٥/ ٤٦١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤١٢) «البيان» (١١/ ٢٧٥) «المحلى» (٢٠١٨) «السيل» (ص ٤٥٤) «الزاد» (٥/ ٤٦٢).","vol":"9","page":144},{"text":"وتزيينه له، وتربيته عليه، وهذا أعظم الضرر. والحضانة إنما تثبت لحظ الولد؛ فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه، وإهلاك دينه.\n• وقال ابن القاسم، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: تثبت له الولاية. واستدلوا بحديث رافع بن سنان الذي في الباب، وتقدم أنه ضعيف؛ فلا حجة لهم فيه، وقالوا: إن الحنو والرحمة لا تزال مع اختلاف الدين.\nوالصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4927>مسألة [٥]: إذا فارق الرجل زوجته، فمن أحق منهما بحضانة الطفل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٤١٣): إذَا افْتَرَقَ الزَّوْجَانِ، وَلَهُمَا وَلَدٌ طِفْلٌ أَوْ مَعْتُوهٌ، فَأُمُّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِكَفَالَتِهِ إذَا كَمُلَتْ الشَّرَائِطُ فِيهَا، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَهَذَا قَوْلُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ. اهـ\nثم استدل بحديث عبدالله بن عمرو بن العاص الذي في أول الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4928>مسألة [٦]: إذا افترقا ولهما ولد بالغ</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٤١٤): وَلَا تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ إلَّا عَلَى الطِّفْلِ أَوْ المَعْتُوهِ فَأَمَّا الْبَالِغُ الرَّشِيدُ؛ فَلَا حَضَانَةَ عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ الْخِيرَةُ فِي الْإِقَامَةِ عِنْدَ مَنْ شَاءَ مِنْ أَبَوَيْهِ؛ فَإِنْ كَانَ رَجُلًا، فَلَهُ الِانْفِرَادُ بِنَفْسِهِ؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُمَا،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤١٢ - ٤١٣) «البيان» (١١/ ٢٧٥).","vol":"9","page":145},{"text":"وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْفَرِدَ عَنْهُمَا، وَلَا يَقْطَعَ بِرَّهُ عَنْهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً لَمْ يَكُنْ لَهَا الِانْفِرَادُ وَلِأَبِيهَا مَنْعُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مَنْ يُفْسِدُهَا، وَيُلْحِقُ الْعَارَ بِهَا وَبِأَهْلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ، فَلِوَلِيِّهَا وَأَهْلِهَا مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4929>مسألة [٧]: إذا افترقا ولهما ولد بلغ سن الاستقلال ولم يبلغ</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق أنه يخيَّر بين أبيه وأمه، وهو قول شريح، وثبت عن عمر، وأبي بكر -﵄- من طرق يقوي بعضها بعضًا، وجاء عن علي -﵁-، ولكن الراوي عنه مجهول الحال، وهو عمارة بن ربيعة. واستدل أصحاب هذا القول بحديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ الأب أحق به ولا يخير، وهو قول أحمد في رواية، وبنحوه قال مالك، حتى يثغر يعني سقوط الأسنان وتبدلها وعنه رواية وهي الأشهر: حتى يبلغ. وهو رواية عن أحمد.\nوالقول الأول هو الصحيح، وقد قيده الحنابلة، والشافعية بسبع سنوات؛ لأنها أول حال أمر الشرع فيها بمخاطبته بالأمر بالصلاة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4930>مسألة [٨]: إذا اختار أحدهما، فسلم إليه، ثم بعد أيام اختار الآخر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٤١٦): وَمَتَى اخْتَارَ أَحَدَهُمَا، فَسُلِّمَ إلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ؛ رُدَّ إلَيْهِ؛ فَإِنْ عَادَ فَاخْتَارَ الْأَوَّلَ، أُعِيدَ إلَيْهِ، هَكَذَا أَبَدًا، كُلَّمَا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤١٥) «البيان» (١١/ ٢٨٧ - ٢٨٨) «المحلى» (٢٠١٨) «الفتاوى» (٣٤/ ١١٢ -) «زاد المعاد» (٥/ ٤٣٥ - ٤٣٧).","vol":"9","page":146},{"text":"اخْتَارَ أَحَدَهُمَا صَارَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اخْتِيَارُ شَهْوَةٍ، لَحَظِّ نَفْسِهِ، فَاتَّبَعَ مَا يَشْتَهِيه، كَمَا يَتَّبِعُ مَا يَشْتَهِيه فِي المَأْكُولِ وَالمَشْرُوبِ، وَقَدْ يَشْتَهِي المُقَامَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا فِي وَقْتٍ، وَعِنْدَ الْآخَرِ فِي وَقْتٍ، وَقَدْ يَشْتَهِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا. اهـ\nوما ذكره ابن قدامة -﵀- في هذه المسألة هو تنصيص الإمام الشافعي، وعليه أصحابه، كما في «الحاوي الكبير» (١١/ ٥٠٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4931>مسألة [٩]: إذا خير، فلم يختر واحدًا منهما، أو اختارهما معًا</span>؟\nذكر أهل العلم أنه يقدم أحدهما بالقرعة؛ لأنه لا مزية لأحدهما على صاحبه، ولا يمكن اجتماعهما على حضانته، فقدم أحدهما بالقرعة، فإذا قدم بها ثم اختار الآخر؛ رُدَّ إليه. «المغني» (١١/ ٤١٦ -).\nتنبيه: يُخَيَّر الطفل إذا كان الوالدان كلاهما من أهل الحضانة، ويشترط أن لا يكون الغلام معتوهًا؛ فإن كان معتوهًا؛ فله حكم الطفل الصغير الذي لا يعقل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4932>مسألة [١٠]: إذا بلغت الجارية سبع سنوات، فهل تخير كالغلام</span>؟\n• مذهب الشافعي أنها تخير كالغلام؛ لأنَّ حديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب يتناول الجارية؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يعلق الحكم؛ لكونه غلامًا.\n• ومذهب مالك أنَّ الأم أحق بها حتى تتزوج، ويدخل بها زوجها.\n• ومذهب أحمد، وأبي حنيفة أنَّ أباها أحق بها؛ لأنه يصونها، ويحفظها، وينفق\n_________\n(^١) «المغني» (١١/ ٤١٧).","vol":"9","page":147},{"text":"عليها. وخصُّوا الحديث بالغلام دون الجارية.\nوقول الشافعي أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4933>مسألة [١١]: إذا تزوجت المرأة، فهل يصبح الأب أحق بالحضانة</span>؟\n• أكثر أهل العلم، وعامتهم على أنَّ الأم إذا تزوجت صار الأب أحق بالحضانة؛ لحديث عبدالله بن عمرو -﵄- الذي في الباب: «أنت أحق به مالم تنكحي».\nوأكثرهم على اعتبار ذلك بالعقد.\nوهو الصحيح، واعتبره مالك بالدخول.\n• وحُكي عن الحسن أنها لا تسقط حضانتها بالتزويج، وكأنه لم يبلغه الحديث.\nوقد استُدِلَّ له بما فيه نظر كما في «المغني» و«البيان» وغيرهما، وقال بذلك ابن حزم -﵀-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4934>مسألة [١٢]: إذا طلقت بعد تزوجها هل يعود حقها من الحضانة</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنها تعود؛ لأنها مطلقة لم تعد مشغولة بزوجها، وسواء كان الطلاق رجعيًّا، أم بائنًا.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤١٨) «البيان» (١١/ ٢٨٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٢٠ - ٤٢١) «البيان» (١١/ ٢٧٦) «زاد المعاد» (٥/ ٤٥٤، ٤٥٥).","vol":"9","page":148},{"text":"• ومذهب مالك أنَّ حقَّها لا يعود؛ لأنَّ الحق قد انتقل للأب.\n• ومذهب أبي حنيفة، والمزني أنَّ الحق يعود لها إن كان الطلاق بائنًا، ولا يعود إن كان رجعيًّا حتى تنتهي العدة؛ لأنها في أثناء العدة لها أحكام الزوجات، وهو قول بعض الشافعية.\nوهو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٢٧ -) «البيان» (١١/ ٢٧٧ - ٢٧٨) «زاد المعاد» (٥/ ٤٥٢ -).","vol":"9","page":149},{"text":"١١٥٣ - وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَضَى فِي ابْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: «الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n١١٥٤ - وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ -﵁-، فَقَالَ: «وَالجَارِيَةُ عِنْدَ خَالَتِهَا؛ فَإِنَّ الخَالَةَ وَالِدَةٌ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4935>مسألة [١]: الأحق بالحضانة وترتيب المستحقين لها</span>؟\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ٤٣٨ -): وَلَمّا كَانَ النّسَاءُ أَعْرَفَ بِالتّرْبِيَةِ، وَأَقْدَرَ عَلَيْهَا، وَأَصْبَرَ، وَأَرْأَفَ، وَأَفْرَغَ لَهَا؛ لِذَلِكَ قُدّمَتْ الْأُمّ فِيهَا عَلَى الْأَبِ. وَلَمّا كَانَ الرّجَالُ أَقْوَمَ بِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْوَلَدِ وَالِاحْتِيَاطِ لَهُ فِي الْبُضْعِ؛ قُدِّمَ الْأَبُ فِيهَا عَلَى الْأُمّ، فَتَقْدِيمُ الْأُمّ فِي الْحَضَانَةِ مِنْ مَحَاسِنِ الشّرِيعَةِ، وَالِاحْتِيَاطُ لِلْأَطْفَالِ، وَالنّظَرُ لَهُمْ، وَتَقْدِيمُ الْأَبِ فِي وِلَايَةِ الْمَالِ وَالتّزْوِيجِ كَذَلِكَ.\nقال: إذَا عُرِفَ هَذَا، فَهَلْ قُدّمَتْ الْأُمّ لِكَوْنِ جِهَتِهَا مُقَدّمَةً عَلَى جِهَةِ الْأُبُوّةِ فِي الْحَضَانَةِ فَقُدّمَتْ لِأَجْلِ الْأُمُومَةِ، أَوْ قُدّمَتْ عَلَى الْأَبِ لِكَوْنِ النّسَاءِ أَقْوَمَ بِمَقَاصِدِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٦٩٩).\n(^٢) حسن. أخرجه أحمد (١/ ٩٨ - ٩٩) قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، وهبيرة بن يريم، عن علي به. وإسناده حسن، رجاله ثقات؛ إلا هانئًا، وهبيرة؛ فحديثهما حسن بمتابعة أحدهما للآخر، وهو صحيح لغيره بشاهده عن البراء الذي قبله.","vol":"9","page":150},{"text":"الْحَضَانَةِ وَالتّرْبِيَةِ مِنْ الذّكُورِ؛ فَيَكُونُ تَقْدِيمُهَا لِأَجْلِ الْأُنُوثَةِ؟ فَفِي هَذَا لِلنّاسِ قَوْلَانِ، وَهُمَا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِي تَقْدِيمِ نِسَاءِ الْعَصَبَةِ عَلَى أَقَارِبِ الْأُمّ أَوْ بِالْعَكْسِ، كَأُمِّ الْأُمِّ، وَأُمِّ الْأَبِ، وَالْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ، وَالْأُخْتِ مِنْ الْأُمّ، وَالْخَالَةِ، وَالْعَمّةِ، وَخَالَةِ الْأُمّ، وَخَالَةِ الْأَبِ، وَمَنْ يُدْلِي مِنْ الْخَالَاتِ وَالْعَمّاتِ بِأُمٍّ، وَمَنْ يُدْلِي مِنْهُنّ بِأَبٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. إحْدَاهُمَا: تَقْدِيمُ أَقَارِبِ الْأُمّ عَلَى أَقَارِبِ الْأَبِ. وَالثّانِيَةُ: وَهِيَ أَصَحّ دَلِيلًا، وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيّةَ: تَقْدِيمُ أَقَارِبِ الْأَبِ. وَهَذَا هُوَ الّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيّ فِي «مُخْتَصَرِهِ» فَقَالَ: وَالْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ أَحَقّ مِنْ الْأُخْتِ مِنْ الْأُمّ، وَأَحَقّ مِنْ الْخَالَةِ، وَخَالَةُ الْأَبِ أَحَقّ مِنْ خَالَةِ الْأُمّ، وَعَلَى هَذَا فَأُمّ الْأَبِ مُقَدّمَةٌ عَلَى أُمّ الْأُمّ كَمَا نَصّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَعَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ؛ فَأَقَارِبُ الْأَبِ مِنْ الرّجَالِ مُقَدّمُونَ عَلَى أَقَارِبِ الْأُمّ، وَالْأَخُ لِلْأَبِ أَحَقّ مِنْ الْأَخِ لِلْأُمّ، وَالْعَمّ أَوْلَى مِنْ الْخَالِ هَذَا إنْ قُلْنَا: إنّ لِأَقَارِبِ الْأُمّ مِنْ الرّجَالِ مَدْخَلًا فِي الْحَضَانَةِ. وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشّافِعِيّ.\nأَحَدُهُمَا: أَنّهُ لَا حَضَانَةَ إلّا لِرَجُلِ مِنْ الْعَصَبَةِ مَحْرَمٌ، أَوْ لِامْرَأَةِ وَارِثَةٍ، أَوْ مُدْلِيَةٍ بِعَصَبَةِ، أَوْ وَارِثٍ. وَالثّانِي: أَنّ لَهُمْ الْحَضَانَةَ وَالتّفْرِيعُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رُجْحَانِ جِهَةِ الْأُبُوّةِ عَلَى جِهَةِ الْأُمُومَةِ فِي الْحَضَانَةِ، وَأَنّ الْأُمّ إنّمَا قُدّمَتْ لِكَوْنِهَا أُنْثَى لَا لِتَقْدِيمِ جِهَتِهَا؛ إذْ لَوْ كَانَت جِهَتُهَا رَاجِحَةً لَتَرَجّحَ رِجَالُهَا وَنِسَاؤُهَا عَلَى الرّجَالِ وَالنّسَاءِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، وَلَمّا لَمْ يَتَرَجّحْ رِجَالُهَا اتّفَاقًا فَكَذَلِكَ النّسَاءُ، وَمَا الْفَرْقُ الْمُؤَثّرُ؟","vol":"9","page":151},{"text":"قال: وَأَيْضًا فَإِنّ أُصُولَ الشّرْعِ وَقَوَاعِدَهُ شَاهِدَةٌ بِتَقْدِيمِ أَقَارِبِ الْأَبِ فِي الْمِيرَاثِ، وَوِلَايَةِ النّكَاحِ، وَوِلَايَةِ الْمَوْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعْهَدْ فِي الشّرْعِ تَقْدِيمُ قَرَابَةِ الْأُمّ عَلَى قَرَابَةِ الْأَبِ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَمَنْ قَدّمَهَا فِي الْحَضَانَةِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مُوجَبِ الدّلِيلِ.\nقال: فَالصّوَابُ فِي الْمَأْخَذِ هُوَ أَنّ الْأُمّ إنّمَا قُدّمَتْ؛ لِأَنّ النّسَاءَ أَرْفَقُ بِالطّفْلِ، وَأَخْبَرُ بِتَرْبِيَتِهِ، وَأَصْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَالْجَدّةُ أُمُّ الْأَبِ أَوْلَى مِنْ أُمّ الْأُمّ، وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ لِلْأُمّ، وَالْعَمّةُ أَوْلَى مِنْ الْخَالَةِ كَمَا نَصّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَتُقَدّمُ أُمّ الْأَبِ عَلَى أَب الْأَبِ كَمَا تُقَدّمُ الْأُمّ عَلَى الْأَبِ.\nقال: وَإِذَا تَقَرّرَ هَذَا الْأَصْلُ؛ فَهُوَ أَصْلٌ مُطّرِدٌ مُنْضَبِطٌ لَا تَتَنَاقَضُ فُرُوعُهُ، بَلْ إنْ اتّفَقَتْ الْقَرَابَةُ وَالدّرَجَةُ وَاحِدَةٌ؛ قُدِّمَتْ الْأُنْثَى عَلَى الذّكَرِ، فَتُقَدّمُ الْأُخْتُ عَلَى الْأَخِ، وَالْعَمَّةُ عَلَى العَمِّ، وَالْخَالَةُ عَلَى الْخَالِ وَالْجَدّةُ عَلَى الْجَدّ، وَأَصْلُهُ تَقْدِيمُ الْأُمّ عَلَى الْأَبِ. وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْقَرَابَةُ؛ قُدّمَتْ قَرَابَةُ الْأَبِ عَلَى قَرَابَةِ الْأُمّ، فَتُقَدّمُ الْأُخْتُ لِلْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأُمّ، وَالْعَمّةُ عَلَى الْخَالَةِ، وَعَمّةُ الْأَبِ عَلَى خَالَتِهِ، وَهَلُمّ جَرًّا.\nقال: وَهَذَا هُوَ الِاعْتِبَارُ الصّحِيحُ، وَالْقِيَاسُ الْمُطّرِدُ، وَهَذَا هُوَ الّذِي قَضَى بِهِ سَيّدُ قُضَاةِ الْإِسْلَامِ شُرَيْحٌ.\nقال: وَمَنْ سَلَكَ غَيْرَ هَذَا الْمَسْلَكِ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ التّنَاقُضِ. ثم ذكر أمثلة","vol":"9","page":152},{"text":"على ذلك.\nقال: فَإِنْ قِيلَ: الْخَالَةُ تُدْلِي بِالْأُمِّ، وَالْعَمّةُ تُدْلِي بِالْأَبِ، فَكَمَا قُدّمَتْ الْأُمّ عَلَى الْأَب؛ قُدّمَ مَنْ يُدْلِي بِهَا، وَيَزِيدُهُ بَيَانًا كَوْنُ الْخَالَةِ أُمًّا كَمَا قَالَ النّبِيُّ - ﷺ -، فَالْعَمّةُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ. قِيلَ: قَدْ بَيّنّا أَنّهُ لَمْ يُقَدّمْ الْأُمّ عَلَى الْأَبِ لِقُوّةِ الْأُمُومَةِ وَتَقْدِيمِ هَذِهِ الْجِهَةِ، بَلْ لِكَوْنِهَا أُنْثَى، فَإِذَا وُجِدَ عَمّةٌ وَخَالَةٌ؛ فَالْمَعْنَى الّذِي قُدّمَتْ لَهُ الْأُمّ مَوْجُودٌ فِيهِمَا، وَامْتَازَتْ الْعَمّةُ بِأَنّهَا تُدْلِي بِأَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ، وَهِيَ قُرَابَةُ الْأَبِ.\nقال: وَالنّبِيّ - ﷺ - قَضَى بِابْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: «الْخَالَةُ أُمٌّ» حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهَا مُزَاحِمٌ مِنْ أَقَارِبِ الْأَبِ تُسَاوِيهَا فِي دَرَجَتِهَا.\nثم أورد ابن القيم على نفسه (صفية بنت عبد المطلب)؛ فإنها عمتها، وكانت موجودة، وأجاب عن ذلك بأنها كانت كبيرة السن قد جاوزت الخمسين في ذلك الحين، فلعلها لم تطالب بالحضانة لكبرها، فالحديث يدل على ما ذكروا لو ثبت أن صفية خاصمت في ابنة أخيها وطلبت كفالتها، فقدم رسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الخالة، وهذا لا سبيل إليه.\nقال: وَمِمّا يُبَيّنُ صِحّةَ الْأَصْلِ الْمُتَقَدّمِ أَنّهُمْ قَالُوا: إذَا عَدِمَ الْأُمّهَاتِ وَمَنْ فِي جِهَتهنَّ؛ انْتَقَلَتْ الْحَضَانَةُ إلَى الْعَصَبَاتِ، وَقُدّمَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْهُمْ كَمَا فِي الْمِيرَاثِ، فَهَذَا جَارٍ عَلَى الْقِيَاسِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلَّا رَاعَيْتُمْ هَذَا فِي جِنْسَ الْقَرَابَةِ، فَقَدّمْتُمْ الْقَرَابَةَ الْقَوِيّةَ الرّاجِحَةَ عَلَى الضّعِيفَةِ الْمَرْجُوحَةِ كَمَا فَعَلْتُمْ فِي الْعَصَبَاتِ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّحِيْحَ فِي الْأَخَوَاتِ عِنْدَكُم أَنَّهُ يُقَدَّم مِنْهُنَّ مَنْ كَانَتْ","vol":"9","page":153},{"text":"لِأَبَوَيْنِ، ثُمَّ مِنْ كَانَتْ لِأَبٍ، ثُمَّ مَنْ كَانَتْ لِأُمٍّ، وَهَذَا صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِلْأُصُولِ وَالْقِيَاسِ، لَكِنْ إذَا ضُمَّ هَذَا إلَى قَوْلِهِمْ بِتَقْدِيمِ قَرَابَةِ الْأُمّ عَلَى قَرَابَةِ الْأَبِ؛ جَاءَ التّنَاقُضُ، وَتِلْكَ الْفُرُوعُ الْمُشْكِلَةُ الْمُتَنَاقِضَةُ. وَأَيْضًا فَقَدْ قَالُوا بِتَقْدِيمِ أُمّهَاتِ الْأَبِ وَالْجَدّ عَلَى الْخَالَاتِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأُمّ، وَهُوَ الصّوَابُ الْمُوَافِقُ لِأُصُولِ الشّرْعِ، لَكِنّهُ مُنَاقِضٌ لِتَقْدِيمِهِمْ أُمّهَاتِ الْأُمّ عَلَى أُمّهَاتِ الْأَبِ، وَيُنَاقِضُ تَقْدِيمَ الْخَالَةِ وَالْأُخْتِ لِلْأُمّ عَلَى الْأَبِ.\nثم قال: وَقَدْ ضَبَطَ هَذَا الْبَابَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيّةَ بِضَابِطِ آخَرَ، فَقَالَ: أَقْرَبُ مَا يُضْبَطُ بِهِ بَابُ الْحَضَانَةِ أَنْ يُقَالَ: لَمّا كَانَتْ الْحَضَانَةُ وِلَايَةً تَعْتَمِدُ الشّفَقَةَ، وَالتّرْبِيَةَ، وَالْمُلَاطَفَةَ؛ كَانَ أَحَقّ النّاسِ بِهَا أَقْوَمَهُمْ بِهَذِهِ الصّفَاتِ وَهُمْ أَقَارِبُهُ، يُقَدّمُ مِنْهُمْ أَقْرَبُهُمْ إلَيْهِ، وَأَقْوَمُهُمْ بِصِفَاتِ الْحَضَانَةِ؛ فَإِنْ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ اثْنَانِ فَصَاعِدًا؛ فَإِنْ اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمْ؛ قُدّمَ الْأُنْثَى عَلَى الذّكَرِ، فَتُقَدّمُ الْأُمّ عَلَى الْأَبِ، وَالْجَدّةُ عَلَى الْجَدِّ، وَالْخَالَةُ عَلَى الْخَالِ، وَالْعَمّةُ عَلَى الْعَمّ، وَالْأُخْتُ عَلَى الْأَخِ؛ فَإِنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ، أَوْ أُنْثَيَيْنِ؛ قُدّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، يَعْنِي مَعَ اسْتِوَاءِ دَرَجَتِهِمَا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ دَرَجَتُهُمَا مِنْ الطّفْلِ؛ فَإِنْ كَانُوا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ؛ قُدّمَ الْأَقْرَبُ إلَيْهِ، فَتُقَدّمُ الْأُخْتُ عَلَى ابْنَتِهَا، وَالْخَالَةُ عَلَى خَالَةِ الْأَبَوَيْنِ، وَخَالَةُ الْأَبَوَيْنِ عَلَى خَالَةِ الْجَدّ وَالْجَدّةِ، وَالْجَدّ أَبُو الْأُمّ عَلَى الْأَخِ لِلْأُمّ، هَذَا هُوَ الصّحِيحُ؛ لِأَنّ جِهَةَ الْأُبُوّةِ وَالْأُمُومَةِ فِي الْحَضَانَةِ أَقْوَى مِنْ جِهَةِ الْأُخُوّةِ فِيهَا. وَقِيلَ: يُقَدّمُ الْأَخُ لِلْأُمِّ؛ لِأَنّهُ أَقْوَى مِنْ أَبِ الْأُمّ فِي الْمِيرَاثِ. وَالْوَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنّهُ","vol":"9","page":154},{"text":"لَا حَضَانَةَ لِلْأَخِ مِنْ الْأُمّ بِحَالِ؛ لِأَنّهُ لَيْسَ مِنْ الْعَصَبَاتِ، وَلَا مِنْ نِسَاءِ الْحَضَانَةِ، وَكَذَلِكَ الْخَالُ أَيْضًا؛ فَإِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْوَجْهِ يَقُولُ: لَا حَضَانَةَ لَهُ.\nوَلَا نِزَاعَ أَنّ أَبَا الْأُمّ وَأُمّهَاتِهِ أَوْلَى مِنْ الْخَالِ.\nقال: وَإِنْ كَانُوا مِنْ جِهَتَيْنِ، كَقَرَابَةِ الْأُمّ، وَقَرَابَةِ الْأَبِ، مِثْلَ الْعَمّةِ، وَالْخَالَةِ، وَالْأُخْتِ لِلْأَبِ، وَالْأُخْتِ لِلْأُمّ، وَأُمّ الْأَبِ، وَأُمّ الْأُمّ، وَخَالَةِ الْأَبِ، وَخَالَةِ الْأُمّ؛ قُدِّمَ مَنْ فِي جِهَةِ الْأَبِ فِي ذَلِكَ كُلّهِ عَلَى إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ فِيهِ. هَذَا كُلّهُ إذَا اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمْ، أَوْ كَانَتْ جِهَةُ الْأَبِ أَقْرَبَ إلَى الطّفْلِ، وَأَمّا إذَا كَانَتْ جِهَةُ الْأُمّ أَقْرَبَ، وَقَرَابَةُ الْأَبِ أَبْعَدُ، كَأُمِّ الْأُمِّ، وَأُمِّ أَبِ الْأَبِ، وَكَخَالَةِ الطّفْلِ، وَعَمّةِ أَبِيهِ؛ فَقَدْ تَقَابَلَ التّرْجِيحَانِ، وَلَكِنْ يُقَدّمُ الْأَقْرَبُ إلَى الطّفْلِ لِقُوّةِ شَفَقَتِهِ وَحُنُوّهِ عَلَى شَفَقَةِ الْأَبْعَدِ، وَمَنْ قَدّمَ قَرَابَةَ الْأَبِ فَإِنّمَا يُقَدّمُهَا مَعَ مُسَاوَاةِ قَرَابَةِ الْأُمّ لَهَا، فَأَمّا إذَا كَانَتْ أَبْعَدَ مِنْهَا؛ قُدِّمَتْ قَرَابَةُ الْأُمّ الْقَرِيبَةِ، وَإِلّا لَزِمَ مِنْ تَقْدِيمِ الْقَرَابَةِ الْبَعِيدَةِ لَوَازِمُ بَاطِلَةٌ لَا يَقُولُ بِهَا أَحَدٌ، فَبِهَذَا الضّابِطِ يُمْكِنُ حَصْرُ جَمِيعِ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ وَجَرْيُهَا عَلَى الْقِيَاسِ الشّرْعِيّ، وَاطّرَادُهَا وَمُوَافَقَتُهَا لِأُصُولِ الشّرْعِ، فَأَيّ مَسْأَلَةٍ وَرَدَتْ عَلَيْك أَمْكَنَ أَخْذُهَا مِنْ هَذَا الضّابِطِ مَعَ كَوْنِهِ مُقْتَضَى الدّلِيلِ، وَمَعَ سَلَامَتِهِ مِنْ التّنَاقُضِ وَمُنَاقَضَةِ قِيَاسِ الْأُصُولِ، وَبِاَلله التّوْفِيقُ. انتهى من «زاد المعاد» باختصار (٥/ ٤٣٨ - ٤٥١).\nتنبيه: الترتيب المذكور إنما هو في حالة التنازع، وأما إن رضي القريب بحضانة البعيد؛ فلا إشكال في ذلك، ومن قصَّر في الحضانة؛ فإنَّ الحاكم يلزمه بها، وإلا نقلها إلى غيره ممن يقوم بها، والله أعلم.","vol":"9","page":155},{"text":"فائدة: تقدم أنَّ الأم أحق بالطفل مالم تتزوج؛ فإن تزوجت فالأب أحق به، هذا قول الجمهور كما تقدم، وبقي إذا لم يكن الأب موجودًا، فهل تنتقل الحضانة إلى أقرباء الأب، وتؤخذ من الأم؟\nقال بذلك الجمهور، والذي يظهر أنهم ليس لهم أخذها من الأم؛ لأنَّ الحديث الوارد كان النزاع فيه بين الأب والأم، وهم في درجة واحدة، وهذا قول الحسن، وابن حزم، وابن جرير، ثم ظهر لي أن قول الجمهور أقرب، وهو أن الأولياء أحق به بعد زواجها؛ لأنه يشق عليهم بقاؤه عند رجل أجنبي، وبذلك أفتى الإمام ابن باز مع غيره من أعضاء اللجنة الدائمة. (^١)\nفائدة أخرى: قال ابن القيم -﵀-: وَهَاهُنَا مَسْأَلَةٌ يَنْبَغِي التّنْبِيهُ عَلَيْهَا وَهِيَ: أَنّا إذَا أَسْقَطْنَا حَقَّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ بِالنّكَاحِ، وَنَقَلْنَاهَا إلَى غَيْرِهَا، فَاتّفِقَ أَنّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهَا؛ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ، وَهِيَ أَحَقّ بِهِ مِنْ الْأَجْنَبِيّ الّذِي يَدْفَعُهُ الْقَاضِي إلَيْهِ، وَتَرْبِيَتُهُ فِي حِجْرِ أُمّهِ، وَرَأْيِهِ أَصْلَحُ مِنْ تَرْبِيَتِهِ فِي بَيْتِ أَجْنَبِيّ مَحْضٍ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا تُوجِبُ شَفَقَتَهُ وَرَحْمَتَهُ، وَحُنُوّهُ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ تَأْتِيَ الشّرِيعَةُ بِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ بِمَفْسَدَةِ أَعْظَمَ مِنْهَا بِكَثِيرِ، وَالنّبِيُّ - ﷺ - لَمْ يَحْكُمْ حُكْمًا عَامًّا كُلِّيًّا: أَنّ كُلّ امْرَأَةٍ تَزَوّجَتْ سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، حَتّى يَكُونَ إثْبَاتُ الْحَضَانَةِ لِلْأُمّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُخَالَفَةً لِلنّصّ. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) «زاد المعاد» (٥/ ٤٨٥ -).\n(^٢) «زاد المعاد» (٥/ ٤٦٢ - ٤٦٣).","vol":"9","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4936>مسألة [٢]: إذا سافر أحد الوالدين، فمن أحق بالحضانة</span>؟\nأما إن سافر أحدهما لحاجة ثم يعود؛ فالمقيم أحق به؛ لأنَّ السفر فيه مشقة، والطفل غني عنها، وأما إن سافر أحدهما للإقامة ببلد آخر؛ فإن كان الطريق، أو البلد مخوفًا؛ فالمقيم أحق به، وإن كان الطريق، والبلد آمنين، فاختلف الفقهاء في ذلك.\n• فمذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية أنَّ الأب أحق، سواء كان هو المسافر، أم المقيم؛ وذلك ليتمكن من تربية الولد، وتأديبه، وتعليمه، وهو قول شريح، وظاهر اختيار شيخ الإسلام.\n• وقال أحمد في رواية: الأم أحق؛ وذلك لأنها هي المستحقة للحضانة إذا لم تتزوج، فتبقى على حالها.\n• وقال الحنفية: إن كان المنتقل هو الأب؛ فالأم أحق به، وإن كان المنتقل هي الأم؛ فالأب أحق به، إلا أن تنتقل إلى البلد الذي كان فيه النكاح؛ فهي أحق به.\n• وعن أبي حنيفة قول آخر، وهو: إن انتقلت من بلد إلى قرية؛ فالأب أحق، وإن انتقلت إلى بلد آخر؛ فهي أحق.\nقال الحافظ ابن القيم -﵀-: وَهَذِهِ أَقْوَالٌ كُلّهَا كَمَا تَرَى لَا يَقُومُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ يَسْكُنُ الْقَلْبُ إلَيْهِ؛ فَالصّوَابُ النّظَرُ وَالِاحْتِيَاطُ لِلطّفْلِ فِي الْأَصْلَحِ لَهُ، وَالْأَنْفَعِ مِنْ","vol":"9","page":157},{"text":"الْإِقَامَةِ أَوْ النّقْلَةِ، فَأَيّهُمَا كَانَ أَنْفَعَ لَهُ، وَأَصْوَنَ، وَأَحْفَظَ؛ رُوعِيَ، وَلَا تَأْثِيرَ لِإِقَامَةٍ وَلَا نُقْلَةٍ، هَذَا كُلّهُ مَا لَمْ يُرِدْ أَحَدُهُمَا بِالنّقْلَةِ مُضَارّةَ الْآخَرِ وَانْتِزَاعَ الْوَلَدِ مِنْهُ؛ فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ، وَاَللهُ المُوَفّقُ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الذي له الحضانة قبل السفر تستمر له الحضانة؛ فإن كانت الأم لم تتزوج فهي أحق بالحضانة، وإن كانت قد تزوجت فالأب أحق بالحضانة، ما لم يحصل للولد بالانتقال ضرر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4937>مسألة [٣]: هل تجبر المرأة على إرضاع ولدها</span>؟\nأما إن كانت مطلقة؛ فليس للرجل إجبارها على إرضاع ولدها.\nقال ابن قدامة -﵀-: لا نعمل في ذلك خلافًا. اهـ\nواستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق:٦]، ولكن يقيد ذلك بما إذا وجد غيرها ترضعه؛ فإنْ لم يوجد غيرها فتلزم بإرضاعه، وكذلك لا تترك الرضاع حتى تغذيه باللبأ -وهو باكورة اللبن الذي لا قوام للولد غالبًا إلا به- قاله ابن كثير.\n• وأما إن كانت المرأة في حالة الزوجية غير مطلقة، فمذهب الحنابلة، والشافعية، والحنفية، والثوري أنه ليس للأب إجبارها، واستدلوا بالآية: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق:٦]؛ ولأنه كما أنه ليس له أن يجبرها على إرضاع\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤١٩ - ٤٢٠) «زاد المعاد» (٥/ ٤٦٣) «الفتاوى» (٣٤/ ١٠٣ - ١٠٤).","vol":"9","page":158},{"text":"ولده من غيرها، فكذلك ولده منها.\n• وذهب ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وأبو ثور، ومالك، والظاهرية إلى وجوب الإرضاع على المرأة، وللزوج إجبارها على ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣] الآية، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4938>مسألة [٤]: إذا طلبت الأم الإرضاع بأجرة المثل</span>؟\n• مذهب الحنابلة -وقال به ابن حزم- أنَّ الأم أحق به حتى وإن وجد الرجل مرضعة متبرعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.\n• وقال الشافعي: إن وجد متبرعة؛ فله أخذه ودفعه إليها.\n• وقال أبو حنيفة: لا يأخذه من أمه، ولكن يجعل المرضعة تذهب إليه عند أمه فترضعه عندها.\nوالقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: أجرة الإرضاع واجبة على الأب للمطلقة بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وقوله ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٣٠ - ٤٣١) «المحلى» (٢٠٢١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٣١) «المحلى» (٢٠٢١).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٧٥، ٦٦ - ٦٧).","vol":"9","page":159},{"text":"١١٥٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\n\n١١٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ، سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتِ النَّارَ فِيهَا، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ (^٢) الأَرْضِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nتقدم الكلام على نفقة المملوك، ونفقة البهائم في آخر باب النفقات، وكان ذكر الحديثين هنالك أولى، وبالله التوفيق.\n\nسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك\nتم بحمد الله وتوفيقه ومنته يوم الأحد\nالموافق (٦/جمادى الآخر/١٤٢٧ هـ)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٤٦٠)، ومسلم (١٦٦٣).\n(^٢) خشاش الأرض: هوامها وحشراتها.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٣٦٥)، ومسلم (٢٢٤٢).","vol":"9","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4939>كِتَابُ الْجِنَايَات</span>\nالجنايات لغة: جمع جناية، وهي مصدر من جَنَى. فجنى الذنب يجنيه، إذا جرَّ على نفسه الذنب، وجنى الثمر إذا جمعه واقتطفه.\nوالظاهر أنه يطلق على الذنوب المتعدية للغير في المال، والبدن، والعرض.\nواصطلاحًا: التعدي على الأبدان بما يوجب القصاص، أو المال.\nوجُمعت الجناية مع أنها مصدر باعتبار اختلاف أنواعها. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «سبل السلام» «حاشية البيان» (١١/ ٢٩٥) «الشرح الممتع» (٦/ ٣٥) «المغني» (١١/ ٤٤٣).","vol":"9","page":161},{"text":"١١٥٧ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ المُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١١٥٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ إلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٌ فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، وَرَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ الإِسْلَامِ فَيُحَارِبُ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصْلَبُ، أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^٢)\n\n١١٥٩ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر مجموعة من المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4941>مسألة [١]: تحريم القتل بغير حق</span>.\nأجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق، وهو كبيرة من كبائر الذنوب، دلَّ على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦).\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٤٣٥٣)، والنسائي (٧/ ٩١)، والحاكم (٤/ ٣٦٧)، وهو حديث صحيح، وأخرجه مسلم عقب الحديث السابق ولم يسق لفظه، بل أحال على لفظ حديث ابن مسعود.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٥٣٣)، ومسلم (١٦٧٨).","vol":"9","page":162},{"text":"أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١/الإسراء:٣٣]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٢ - ٩٣].\nومن السنة: أحاديث الباب، وغيرها كثير في ذلك.\nوتوبة القاتل مقبولة عند أكثر أهل العلم وعامتهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٩ - ٧٠]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4942>مسألة [٢]: أنواع القتل</span>.\n• القتل ثلاثة أنواع عند عامة أهل العلم: العمد، وشبه العمد، والخطأ. وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم.\n• وعن مالك رواية أنه نوعان فقط: خطأ وعمد، ولم يذكر الله تعالى غيرهما، وهو قول ابن حزم.\nوأجاب أصحاب القول الأول بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- عند أبي داود وغيره أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ألا إنَّ دية الخطإ شبه العمد ما كان بالسوط\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١١/ ٢٩٥ -) «المغني» (١١/ ٤٤٣ - ٤٤٤) «المحلى» (٢٠٢٢).","vol":"9","page":163},{"text":"والعصا، مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها».\nوالراجح هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4943>مسألة [٣]: ضابط قتل العمد</span>.\nهو أن يضرب رجلٌ آخر بمحدد، وهو ما يقطع ويدخل في البدن، كالسيف، والسكين، والسِّنان، وما في معناه مما يحدد فيجرح، من الحديد، والنحاس، والرصاص، والذهب، والفضة، والزجاج، والحجر، والقصب، والخشب، فهذا كله إذا جرح به جرحًا كبيرًا فمات؛ فهو قتل عمدٍ لا خلاف فيه بين العلماء. قاله ابن قدامة.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٧٣): العمد المحض هو أن يقصد من يعلمه معصومًا بما يقتل غالبًا، سواء كان يقتل بحده كالسيف ونحوه، أو بثقله كالسندان، وكوذين القصار، أو بغير ذلك كالتحريق، والتغريق، والإلقاء من مكان شاهق، والخنق، وإمساك الخصيتين حتى تخرج الروح، وغم الوجه حتى يموت، وسقي السموم، ونحو ذلك من الأفعال؛ فهذا إذا فعله وجب فيه القود.\nفإن كان الجرح يسيرًا، كشرطة الحجام، أو غرزة بإبرة، أو شوكة، نظرت؛ فإن كان في مقتل، كالعين، والفؤاد، والخاصرة، والصدغ، وأصل الأذن، فمات؛ فهو عمد أيضًا؛ لأنَّ الإصابة بذلك في المقتل كالجرح بالسكين في غير المقتل. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٤٥) «المحلى» (٢٠٢٣) «الأوسط» (١٣/ ٧٧).","vol":"9","page":164},{"text":"قال ابن قدامة -﵀-: وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ، نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ بَالَغَ فِي إدْخَالِهَا فِي الْبَدَنِ، فَهُوَ كَالْجُرْحِ الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَشْتَدُّ أَلَمُهُ، وَيُفْضِي إلَى الْقَتْلِ.\nقال: وَإِنْ كَانَ الْغَوْرُ يَسِيرًا، أَوْ جَرَحَهُ بِالْكَبِيرِ جُرْحًا لَطِيفًا، كَشَرْطَةِ الْحَجَّامِ فَمَا دُونَهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنًا حَتَّى مَاتَ، فَفِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهُ، وَإِنْ مَاتَ فِي الْحَالِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ...\nثم ذكرهما، ونحو ذلك مذهب الشافعي، ورجَّح الإمام ابن عثيمين أنه ليس بعمد.\n• وإن كان القتل بغير محدد مما يغلب على الظن حصول الزهوق به عند استعمال؛ فإنه يُعَدُّ عمدًا أيضًا، وهو قول النخعي، والزهري، وابن سيرين، وحماد، وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمد؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]؛ ولحديث أنس أنَّ يهوديًّا قتل جارية بحجر ... الحديث متفق عليه، وفيه أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قتله بذلك. (^١)\n• وقال الحسن: لا قود في ذلك. ورُوي ذلك عن الشعبي، وقال ابن المسيب، وعطاء، وطاوس: العمد ما كان بالسلاح.\n_________\n(^١) سيأتي في «البلوغ» برقم (١١٦٣).","vol":"9","page":165},{"text":"• وقال أبو حنيفة: لا قود في ذلك؛ إلا أن يكون قتله بالنار. وعنه في مثقل الحديد روايتان، واحتج بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ألا إنَّ في قتيل عمد الخطإ، قتيل السوط، والعصا، والحجر مائة من الإبل ...»، فأوجب فيه الدية دون القصاص، وسمَّاه عمد الخطإ؛ ولأنَّ العمد لا يمكن اعتباره بنفسه، فيجب ضبطه بمظنته، ولا يمكن ضبطه بما يقتل غالبًا؛ لحصول العمد بدونه في الجرح الصغير؛ فوجب ضبطه بالجرح.\nقال ابن قدامة -﵀- في الرد عليه: أَمَّا الْحَدِيثُ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُثْقَلِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْعَصَا وَالسَّوْطَ، وَقَرَنَ بِهِ الْحَجَرَ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا يُشْبِهُهُمَا.\nوَقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ. مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّنَا نُوجِبُ الْقِصَاصَ بِمَا نَتَيَقَّنُ حُصُولَ الْغَلَبَةِ بِهِ، وَإِذَا شَكَكْنَا؛ لَمْ نُوجِبْهُ مَعَ الشَّكِّ، وَصَغِيرُ الْجُرْحِ قَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ضَبْطُهُ بِالْجُرْحِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِالنَّارِ، أَوْ بِمُثْقَلِ الْحَدِيدِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4944>مسألة [٤]: إذا ضربه بالعصا، والسوط، والحجر الصغير</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٤٤٩): النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ صَغِيرٍ، كَالْعَصَا، وَالسَّوْطِ، وَالْحَجَرِ الصَّغِيرِ، أَوْ يَلْكُزَهُ بِيَدَيْهِ فِي مَقْتَلٍ، أَوْ فِي حَالِ ضَعْفٍ مِنْ المَضْرُوبِ؛ لَمَرَضٍ، أَوْ صِغَرٍ، أَوْ فِي زَمَنٍ مُفْرِطِ الْحَرِّ، أَوْ الْبَرْدِ، بِحَيْثُ تَقْتُلُهُ تِلْكَ الضَّرْبَةُ، أَوْ كَرَّرَ الضَّرْبَ حَتَّى قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَفِيهِ الْقَوَدُ؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٤٦ - ٤٥٥) «الشرح الممتع» (٦/ ٣٦ - ٣٧) «البيان» (١١/ ٣٣٤ - ٣٤٨)، «السيل» (ص ٨٨٧) «الأوسط» (١٣/ ٧٣).","vol":"9","page":166},{"text":"لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا، فَأَشْبَهَ الضَّرْبَ بِمُثْقَلٍ كَبِيرٍ. وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ لَوْ عَصَرَ خُصْيَتَهُ عَصْرًا شَدِيدًا فَقَتَلَهُ بِعَصْرٍ يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا؛ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ.\nقال: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ، وَفِيهِ الدِّيَةُ، إلَّا أَنْ يَصْغُرَ جِدًّا، كَالضَّرْبَةِ بِالْقَلَمِ وَالْإِصْبَعِ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ، وَنَحْوِ هَذَا مِمَّا لَا يُتَوَهَّمُ الْقَتْلُ بِهِ، فَلَا قَوَدَ فِيهِ، وَلَا دِيَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ مَسَّهُ بِالْكَبِيرِ، وَلَمْ يَضْرِبْهُ بِهِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالْقَتْلِ، وَلَيْسَ هَذَا بِقَتْلٍ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4945>مسألة [٥]: إذا منع خروج نَفَسِ إنسان، فمات</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٤٥٠): النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يَمْنَعَ خُرُوجَ نَفَسِهِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجْعَلَ فِي عُنُقِهِ خِرَاطَةً، ثُمَّ يُعَلِّقَهُ فِي خَشَبَةٍ أَوْ شَيْءٍ، بِحَيْثُ يَرْتَفِعُ عَنْ الْأَرْضِ، فَيَخْتَنِقُ وَيَمُوتُ، فَهَذَا عَمْدٌ، سَوَاءٌ مَاتَ فِي الْحَالِ أَوْ بَقِيَ زَمَنًا؛ لِأَنَّ هَذَا أَوْحَى أَنْوَاعِ الْخَنْقِ، وَهُوَ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِفِعْلِهِ مِنْ الْوُلَاةِ فِي اللُّصُوصِ وَأَشْبَاهِهِمْ مِنْ الْمُفْسِدِينَ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْنُقَهُ وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ، أَوْ مِنْدِيلٍ، أَوْ حَبْلٍ، أَوْ يَغمَّهِ بِوِسَادَةٍ، أَوْ شَيْءٍ يَضَعُهُ عَلَى فِيهِ وَأَنْفِهِ، أَوْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمَا فَيَمُوتَ، فَهَذَا إنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ مُدَّةً يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا، فَمَاتَ؛ فَهُوَ عَمْدٌ فِيهِ الْقِصَاصُ. وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْد الْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُدَّةٍ لَا يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا، فَمَاتَ؛ فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَسِيرًا فِي الْعَادَةِ، بِحَيْثُ لَا يُتَوَهَّمُ الْمَوْتُ مِنْهُ، فَلَا يُوجِبُ\n_________\n(^١) وانظر نحو ذلك في «البيان» (١١/ ٣٣٧ - ٣٣٨) «الأوسط» (١٣/ ٧٣).","vol":"9","page":167},{"text":"ضَمَانًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ لَمْسِهِ. وَإِنْ خَنَقَهُ، وَتَرَكَهُ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ، فَفِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ جِنَايَتِهِ، فَهُوَ كَالْمَيِّتِ مِنْ سِرَايَةِ الْجُرْحِ، وَإِنْ تَنَفَّسَ وَصَحَّ، ثُمَّ مَاتَ، فَلَا قَوَدِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ، ثُمَّ مَاتَ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4946>مسألة [٦]: إذا أكره إنسانٌ آخرَ على قتل شخص، فقتله</span>؟\nإكراه الرجل على قتل إنسان مسلم لا يبيح له ذلك بالاتفاق، قاله ابن رجب.\nواختلف العلماء على مَن القود إذا قتله المكرَه؟ على أقوال:\n• منهم من قال: القود على المكرِه المتسبب؛ لأنَّ المكرَه لا قصد له، بل هو كالآلة في يد المكرِه. وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، والشافعي في قول.\n• ومنهم من قال: القود على المكرَه المباشر فقط؛ لأنَّ الإكراه لا يبيح له ذلك. وهو قول زفر، وبعض الحنابلة، واختاره الشوكاني في «السيل».\nفقال -﵀-: المسلم معصومٌ بعصمة الإسلام، فلا يجوز الإقدام على سفك دمه لمجرد الإكراه، بل على من طُلِب منه ذلك أن يمتنع ولو خشي على نفسه القتل؛ فضلًا عما دونه، فليس له أن يطلب حياة نفسه بموت غيره، ويجعل نفس المسلم فداء لنفسه، فإذا أقدم على قتله مع تمكنه من الكف؛ فقد أقدم إقدامًا\n_________\n(^١) وانظر نحو ذلك في «البيان» (١١/ ٣٣٨ -) «الأوسط» (١٣/ ٨١).","vol":"9","page":168},{"text":"يخالف الشرع، فاستحق أن يقتص منه، وأما إذا لم يتمكن من الكف بوجه من الوجوه، كأن يضع المكرِه له سيفًا في يده، ثم يأخذ بيده فيضرب بها عنق رجل، فلا شك ولا ريب أن القصاص هاهنا على المكْرِه له؛ لأنه صار كالآلة له، وليس على من وقع عليه الإكراه لا قود ولا دية. اهـ\n• وقال أبو يوسف: لا يجب على واحد منهما القَود، بل فيه الدية.\nوالصحيح -والله أعلم- قولُ زُفر، والشوكاني، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4947>مسألة [٧]: إذا شهد رجلان على رجل بما يوجب القتل، فَقُتِل، ثم أكذبا أنفسهما</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنهما إن اعترفا بكذبهما، وتعمدا القتل ظلمًا؛ فيقادان به.\n• ومذهب أبي حنيفة أنه لا قصاص؛ لأنه تسبب غير ملجئ، كحفر البئر.\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4948>مسألة [٨]: ضابط قتل شبه العمد</span>.\nهو أن يقصد من يعلمه آدميًّا معصومًا بما يقتل مثله، ولا يغلب على الظن الموت به. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٥٥) «البيان» (١١/ ٣٥٠ -) «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٣٧١) «القواعد» لابن رجب (ص ٢٨٧) «الشرح الممتع» (٦/ ٥٢) «السيل» (ص ٨٨٧ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٥٦) «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٥٧).\n(^٣) انظر: «الشرح الممتع» (٦/ ٣٨ - ٣٩).","vol":"9","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4949>مسألة [٩]: حكم هذا القتل</span>.\nشبه العمد يسمَّى أيضًا عمد الخطإ، وخطأ العمد، ويسمى بذلك لأنه تعمد الفعل وأخطأ في القتل.\n• فالجمهور على عدم القود فيه، والدية على العاقلة، واستدلوا بحديث المرأتين التي ضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط، فقتلتها وما في بطنها، فجعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الدية على العاقلة، دل على أنه ليس بعمدٍ له أحكامه.\n• وجعل مالك هذا القسم من العمد، وجعله موجبًا للقصاص.\n• وقال أبو بكر الحنبلي، وابن شبرمة: الدية على القاتل.\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4950>مسألة [١٠]: ضابط قتل الخطإ</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الإجماع» (ص ١٤٥): وأجمعوا على أنَّ القتل الخطأ أن يريد يرمي الشيءَ فيصيب غيره. اهـ\nقلتُ: ومنه أيضًا عند أهل العلم أنَّ يظن إنسانًا كافرًا فيقتله، فيتبين أنه مؤمن، ومنه أيضًا: أنْ تنفلت منه آلة القتل على إنسان بغير قصد منه، ومنه: أن يتسبب في قتل إنسان بغير قصد؛ حيث لا يباشر القتلَ إنسانٌ غيرُه. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٦٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٦٤ - ٤٦٥) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٢) «الأوسط» (١٣/ ٧٥).","vol":"9","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4951>مسألة [١١]: إذا أراد أن يقتل إنسانًا فأصاب غيره</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٤٦٤): وَإِنْ قَصَدَ فِعْلًا مُحَرَّمًا، فَقَتَلَ آدَمِيًّا، مِثْلَ أَنْ يَقْصِدَ قَتْلَ بَهِيمَةٍ، أَوْ آدَمِيًّا مَعْصُومًا، فَيُصِيبَ غَيْرَهُ، فَيَقْتُلَهُ، فَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ الْخَطَأَ أَنْ يَرْمِيَ الرَّامِي شَيْئًا، فَيُصِيبَ غَيْرَهُ. اهـ\nوللحنابلة قولٌ أن هذا عمد، قال صاحب «الإنصاف»: وهو منصوص الإمام أحمد -﵀-.\nورجح ذلك الإمام ابن عثيمين -﵀-، وقال: هو يعتبر عمدًا؛ لأنه لا شك أنه قصد جنايةً على آدمي معصوم، ولا فرق عند الله أن يقتل زيدًا، أو عمرًا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر أنه قَتْلُ خَطأٍ، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4952>مسألة [١٢]: إذا قتل مسلمًا في دار الحرب يظنه كافرًا</span>؟\nتقدم أنَّ أهل العلم عدُّوه خطأً، واختلفوا هل في ذلك الدية أم لا؟\n• فذهب جمعٌ منهم إلى أنه ليس فيه الدية، وهذا قول عطاء، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والأوزاعي، والثوري، وأبي ثور، وأحمد في المشهور عنه، وأبي حنيفة وغيرهم.\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الممتع» (٦/ ٤٠) «الإنصاف» (٩/ ٤٦٩).","vol":"9","page":171},{"text":"واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، ولم يذكر الدية، وتَرْكُه لها في هذا القسم مع ذكرها في الذي قبلها وبعده ظاهر أنها غير واجبة.\n• وذهب بعضهم إلى أنَّ فيه الدية، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء:٩٢].\nوالصحيح القول الأول، وموضع الخلاف فيما إذا كان أهله كفارًا، وكان مسلمًا، وأما إن كان أهله مؤمنين؛ فتجب لهم الدية كما هو ظاهر من الآية، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٦٥).","vol":"9","page":172},{"text":"١١٦٠ - وَعَنْ سَمُرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ عَنْ سَمُرَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ.\nوَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ: «وَمَنْ خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ». وَصَحَّحَ الحَاكِمُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4953>مسألة [١]: هل يقتل الحر إذا قتل عبدًا</span>؟\nأجمع العلماء على أنَّ العبد إذا قتل الحر قُتل به، واختلفوا فيما إذا قتل الحرُ عبدًا، هل يُقاد به أم لا؟\n• فذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الحر لا يقاد بالعبد، رُوي هذا القول عن عمر بأسانيد تصلح للتحسين، وجاء عن أبي بكر، وعلي بأسانيد ضعيفة، وهو قول الحسن، وعطاء، وعمر بن عبدالعزيز، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور وغيرهم.\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨]، وبحديث: «لا يقتل حرٌّ بعبد»، أخرجه الدارقطني (٣/ ١٣٣) من حديث ابن عباس -﵄-. وقول\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٥/ ١٠)، وأبوداود (٤٥١٥) (٤٥١٦)، والنسائي (٨/ ٢١)، والترمذي (١٤١٤)، وابن ماجه (٢٦٦٣)، والحاكم (٤/ ٣٦٧)، وإسناده ضعيف؛ لأن الحسن لم يسمع من سمرة غير حديث العقيقة.","vol":"9","page":173},{"text":"علي -﵁-: من السنة أن لا يقتل حر بعبد. أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٢٩٥)، والدارقطني (٣/ ١٣٤).\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقتل به، وهو قول سعيد بن المسيب، والنخعي، وقتادة، والثوري، وأصحاب الرأي، والظاهرية، وجاء عن علي، وابن مسعود بإسناد ضعيف.\nواستُدِل لهذا القول بقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وبحديث ابن مسعود -﵁- الذي في أول الباب «النفس بالنفس»، وبحديث علي -﵁- وسيأتي «المؤمنون تتكافأ دماؤهم»، وبحديث سمرة الذي في الباب.\nوهذا القول رجحه الإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهما، وهو الصواب فيما يظهر لنا، والله أعلم.\nثم رأيت شيخ الإسلام قد صحح هذا القول كما في «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٨٥ - ٨٦)، والآية التي ذكروها لا تفيد تخصيص أدلتنا، بل هي من ذكر بعض أفراد العام، وهم لا يقولون بخصوصها في جميع صورها المذكورة فيها، وحديثهم فيه جويبر وهو متروكٌ، وأثر علي فيه جابر الجعفي وهو متروك وقد كُذِّب وقد رجح القول الأول الشوكاني، والصنعاني، والشنقيطي، وغيرهم، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٧٣)، «ابن أبي شيبة» (٩/ ٣٠٦)، «سنن البيهقي» (٨/ ٣٤ - ٣٥)، «المحلى»، «سبل السلام»، «السيل»، «الأضواء»، «البيان» (١١/ ٣٠٨ -)، «الشرح الممتع» (٦/ ٤٤) «الأوسط» (١٣/ ٤٨).","vol":"9","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4954>مسألة [٢]: السيد هل يقتل إذا قتل عبده</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه لا يقتل بعبده؛ لأنه ملكه، ولقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨].\n• وذهب بعضهم إلى أنه يقتل به، وهو قول النخعي، والحكم، وداود، والثوري في أحد قوليه، وعلي بن المديني، والبخاري.\nواختاره شيخ الإسلام، وقيده بما إذا اختار ذلك الحاكم؛ لأنه وليه.\nواستدلوا بحديث سمرة الذي في الباب، وبالعمومات الواردة كما تقدم، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4955>مسألة [٣]: القصاص من الحر فيما جناه على العبد فيما دون النفس</span>.\nنقل بعضهم الإجماع وعدم الخلاف أنه لا قصاص على الحرِّ في ذلك، نقل ذلك أبو ثور وابن المنذر، وابن قدامة، وغيرهم.\nوالواقع وجود الخلاف، فقد خالف ابن أبي ليلى، وداود، وابن حزم، فقالوا بالقصاص في جميع الأعضاء؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم»؛ ولحديث سمرة: «ومن جدع عبده جدعناه»، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٧٥) «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٤٩) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٣٠٣ -) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٨٥ - ٨٦) «الأوسط» (١٣/ ٤٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٧٥) «القرطبي» (٢/ ٢٤٧) «الأوسط» (١٣/ ٥١).","vol":"9","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4956>مسألة [٤]: القصاص بين العبيد</span>.\n• أكثر أهل العلم على أنَّ القصاص يجري بين العبيد في النفوس، وفيما دون النفوس كما يجري بين الأحرار، سواء اتفقت أثمانهم أو اختلفت؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾.\n• وخالف عطاء، وأحمد في رواية، فقالا: إذا لم تتساوَ القيمة؛ فلا قصاص في النفوس. وقال بذلك فيما دون النفوس الشعبي، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة. وثبت هذا القول عن ابن مسعود -﵁-، كما في مصنف ابن أبي شيبة، و«الأوسط» لابن المنذر.\nوالصحيح قول الجمهور أنَّ القصاص بينهم جاري في النفوس، وفيما دون النفوس، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٧٥ - ٤٧٦) «القرطبي» (٢/ ٢٤٩) «الأوسط» (١٣/ ٦١).","vol":"9","page":176},{"text":"١١٦١ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يُقَادُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ، وَالبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّهُ مُضْطَرِبٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4957>مسألة [١]: إذا قتل الوالد ولده، فهل يقتل به</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ الوالد لا يقتل بالولد، وهو الذي قضى به عمر بن الخطاب -﵁-، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وإسحاق، والأوزاعي، والثوري، واستدلوا بحديث الباب، وحديث: «أنت ومالك لأبيك»؛ ولأنه\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (١/ ٤٩)، والترمذي (١٤٠٠)، وابن ماجه (٢٦٦٢)، من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب به. وإسناده ضعيف؛ لضعف حجاج وتدليسه، وقد عنعن. وتابعه ابن لهيعة عند أحمد (١/ ٢٢)، وصرح بالتحديث وليس بشيء، فقد قال أبوحاتم: لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب شيئًا. وتابعهما محمد بن عجلان، رواه ابن الجارود (٧٨٨)، والبيهقي (٨/ ٣٨)، بإسناد حسن عن محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب به. وفيه قصة. وهذا الإسناد ظاهره الحسن.\nوقد رواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن شعيب عن عمر، فذكر قصة قتل الوالد لولده وقضى عليه عمر بالدية ولم يقضِ بقتله، ولكن لم يذكر الحديث المرفوع، وذكر حديث «ليس لقاتل شيءٌ» أخرجه مالك (٢/ ٨٦٧)، وابن أبي شيبة (١١/ ٣٥٨)، وغيرهما.\nولحديث عمر طريق أخرى، أخرجه أحمد (١/ ١٦)، بإسناد حسن عن مجاهد عن عمر فذكره. وإسناده ضعيف؛ لأن مجاهدًا لم يدرك عمر -﵁-.\nوله شاهد من حديث ابن عباس:\nأخرجه الحاكم (٤/ ٣٦٩)، وفي إسناده سعيد بن بشير وهو صالح في الشواهد. فالحديث حسن بمجموع هذه الطرق، وقد صححه الإمام الألباني في «الإرواء» (٢٢١٤).","vol":"9","page":177},{"text":"السبب في وجود الابن.\n• وقال مالك في رواية، وابن نافع، وابن عبدالحكم، وابن المنذر: يقتل به؛ لظاهر آي القرآن، والأخبار الموجبة للقصاص؛ ولأنهما حُرَّان، مسلمان من أهل القصاص؛ فوجب أن يقتل كل واحد منهما بصاحبه.\n• وقال مالك: إن قتله حذفًا بالسيف ونحوه؛ لم يقتل به، وإن ذبحه، أو قتل قتلًا لا يشك في أنه عَمَدَ إلى قتله دون تأديبه؛ أُقيد به.\nوالصحيح هو القول الأول، وعليه فتوى أكثر المحققين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4958>مسألة [٢]: الجد من قِبَل الأب، ومن قِبَل الأم</span>.\n• حكمه كحكم الأب؛ لأنَّ الجد أبٌ من الجهتين، هذا مذهب الحنابلة، والشافعية وغيرهم. ويدل على ذلك حديث: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»\n• وخالف الحسن بن حي، فجعل على الجد القَوَد. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4959>مسألة [٣]: الأم إذا قتلت ولدها</span>؟\n• مذهب الحنابلة، وهو المشهور عن أحمد أنَّ الأم كالأب لا تقتل بولدها،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٨٣) «البيان» (١١/ ٣١٨) «الأوسط» (١٣/ ٥٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٨٤) «البيان» (١١/ ٣١٩ -).","vol":"9","page":178},{"text":"وهو مذهب الشافعية؛ لأنَّ الأم أحد الوالدين، فيشملها الحديث: «لا يقتل الوالد بولده»؛ ولأنَّ حقها عظيم كحق الأب، أو أعظم.\n• وعن أحمد رواية أنها تقاد بالولد؛ لأنها ليس لها ولاية عليه كالأب، والصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4960>مسألة [٤]: هل يُقتل الولد بالوالد</span>؟\n• إذا قتل الولد أحد أبويه؛ قُتِل بهما عند عامة أهل العلم؛ لأنَّ الأدلة الموجبة للقصاص تشمله، ولا دليل يخرجه منها، وقد نُقِل في ذلك الإجماع.\n• وعن أحمد رواية أنه لا يُقاد به؛ لأنه ممن لا تقبل شهادته له بحق النسب؛ فلا يقتل به، كالأب مع ابنه، وردَّ ابن قدامة هذا القول، ورجَّح القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4961>مسألة [٥]: لو قتل أحد الأبوين صاحبه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٤٨٦): وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ صَاحِبَهُ، وَلَهُمَا وَلَدٌ؛ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ؛ لَوَجَبَ لِوَلَدِهِ، وَلَا يَجِبُ لِلْوَلَدِ قِصَاصٌ عَلَى وَالِده؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، فَلَأَنْ لَا يَجِبَ لَهُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، أَوْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ وَلَدٌ سِوَاهُ، أَوْ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْقِصَاصُ؛ لَوَجَبَ لَهُ جُزْءٌ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ وُجُوبُهُ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ بَعْضُهُ، سَقَطَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ. وَصَارَ كَمَا لَوْ عَفَا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٨٤) «البيان» (١١/ ٣١٩ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٨٩) «البيان» (١١/ ٣١٦) «الأوسط» (١٣/ ٥٩).","vol":"9","page":179},{"text":"بَعْضُ مُسْتَحِقِّي الْقِصَاصِ عَنْ نَصِيبِهِ مِنْهُ. اهـ (^١)\n• أما إذا لم يكن بينهما ولد؛ فعامة أهل العلم على أنه يجب القصاص.\n• وخالف الزهري، وحُكي عن الليث أنَّ الرجل إذا قتل امرأته لا يقتل بها؛ لأنَّ النكاح ضربٌ من الرق، فأشبهت أمته. وهذا قول باطل، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١١/ ٣٢١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٨٦) «القرطبي» (٢/ ٢٤٩).","vol":"9","page":180},{"text":"١١٦٢ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْت لِعَلِيٍّ -﵄-: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ غَيْرَ القُرْآنِ؟ قَالَ: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللهُ تَعَالَى رَجُلًا فِي القُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قُلْت: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، ولَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\nوَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ -﵁-، وَقَالَ فِيهِ: «المُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ». وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4962>مسألة [١]: قتل المسلم بالكافر</span>.\nإذا قتل المسلم كافرًا؛ فإنْ كان حربيًّا فلا قود عليه بالإجماع.\n• وأما إن كان ذميًّا فالجمهور على أنه لا يقتل به أيضًا، ويأثم المسلم على قتله؛ لأنه معصوم الدم، واستدلوا على عدم القود به بحديث الباب: «ولا يقتل مسلم بكافر». وثبت عن عمر -﵁- من طرق أنه قضى بذلك، وكذا ثبت القول بذلك عن عثمان، وعلي -﵄-. أخرجها عنهم ابن المنذر في «الأوسط» (١٣/ ٥٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١١١).\n(^٢) صحيح. أخرجه أحمد (١/ ١٢٢)، وأبوداود (٤٥٣٠)، والنسائي (٨/ ١٩)، والحاكم (٢/ ١٤١) حدثنا يحيى، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد، عن علي -﵁- به، وإسناده صحيح.","vol":"9","page":181},{"text":"• وذهب النخعي، والشعبي، وأصحاب الرأي إلى أنَّ المسلم يقتل بالذمي؛ لأنه معصوم الدم، فيقتل به؛ ولحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قتل مسلمًا بمعاهد، وقال: «أنا أولى من وفَّى بذمته»، وهو حديث شديد الضعف كما سيأتي بيانه في آخر الباب برقم (١١٧١).\nوالصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم.\nومثله المستأمن عند الجمهور، ووافق عليه أبو حنيفة، والشعبي، والنخعي، وخالف أبو يوسف. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4963>مسألة [٢]: إن قتل كافرٌ كافرًا، ثم أسلم</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية أنه يقتص منه؛ لأنه كان في حال الجناية ممن يُقاد بذلك.\n• وذهب الأوزاعي، وبعض الحنابلة رحمة الله عليهم إلى أنه لا يُقاد به؛ لأنه صار مسلمًا، ويشمله الحديث: «لا يقتل مسلم بكافر»، وهو الصحيح. (^٢)\nتنبيه: الذمي إذا قتل مسلمًا؛ قُتل به بلا خلاف. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4964>مسألة [٣]: هل يقتل الذمي إذا قتل حربيًّا</span>؟\nإذا قتل الذمي حربيًّا؛ لم يقتل به بلا خلاف؛ لأنَّ الذمي معصوم الدم،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٦٦) «البيان» (١١/ ٣٠٧) «الأوسط» (١٣/ ٥٣ - ٥٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٦٧) «البيان» (١١/ ٣٠٧).\n(^٣) «المغني» (١١/ ٤٧١).","vol":"9","page":182},{"text":"والحربي غير معصوم الدم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4965>مسألة [٤]: قتل المرتد</span>.\n• المرتد مباح الدم كالحربي، وإذا قتله الذمي فلا يقتل به، وهو مذهب الحنابلة، وأكثر الشافعية.\n• وقال بعض الشافعية: إذا قتله الذمي ففيه القصاص.\nوالقول الأول هو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4966>مسألة [٥]: هل يجري القصاص بين الولاة ورعيتهم</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٤٨٠): وَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْن الْوُلَاةِ وَالْعُمَّالِ وَبَيْنَ رَعِيَّتِهِمْ؛ لِعُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ؛ وَلِأَنَّ المُؤْمِنِينَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. اهـ\nوقد ثبت عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب -﵄- القصاص في العمال كما في «مصنف عبد الرزاق» (١٨٠٣٥ -)، و«الأوسط» لابن المنذر (١٣/ ٩١ -) وللسلطان أن يرضي المجني عليهم بالمال على ترك القصاص من عماله.\n_________\n(^١) «المغني» (١١/ ٤٧١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٧٢).","vol":"9","page":183},{"text":"١١٦٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-: أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا: مَنْ صَنَعَ بِك هَذَا: فُلَانٌ، فُلَانٌ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ فَأَقَرَّ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4967>مسألة [١]: هل يقتل الرجل بالمرأة</span>؟\nإذا قتلت المرأة رجلًا؛ تُقتل به بلا خلاف.\n• وإذا قتل الرجلُ المرأةَ؛ فيقتل بها كذلك عند عامة أهل العلم.\n• إلا أنَّ بعضهم يقول: على أولياء المرأة إذا طلبوا القصاص نصف دية لأولياء الرجل؛ لأنَّ دية الرجل ضعف دية المرأة، قال بذلك الحسن، وعطاء، وجاء عن علي -﵁- من طريقين يصلح بهما للتحسين. والصحيح هو القول الأول، وقد جاء نحو ذلك عن عمر، وعبدالله بن مسعود -﵄-، وفي إسنادهما ضعف.\n• وقد ذهب الجمهور إلى أنَّ الرجل يقاص حتى فيما دون النفس.\n• وخالف أبو حنيفة، فقال: لا قصاص فيما دون النفس.\nواستدل الجمهور بالآية نفسها ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥].\nوالصحيح قول الجمهور. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤١٣)، ومسلم (١٦٧٢) (١٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٥٠٠) «القرطبي» (٢/ ٢٤٨) «سنن البيهقي» (٨/ ٢٧ - ٢٨) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٢٩٥ - ٢٩٧) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٧٦) «الأوسط» (١٣/ ٤٣، و٤٧).","vol":"9","page":184},{"text":"١١٦٤ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁-: أَنَّ غُلَامًا لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4968>مسألة [١]: هل يقام القصاص على الصبي والمجنون</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٤٨١): لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ زَائِلِ الْعَقْلِ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ، مِثْلَ النَّائِمِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَنَحْوِهِمَا، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» (^٢)؛ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ مُغَلَّظَةٌ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ، وَزَائِلِ الْعَقْلِ كَالْحُدُودِ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ صَحِيحٌ، فَهُمْ كَالْقَاتِلِ خَطَأً. اهـ\nقلتُ: ويدل على ذلك حديث الباب أيضًا. (^٣)\nتنبيه: السكران الذي فقد عقله لا يُقاد إذا قتل على الصحيح، كما لا يقع\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٤٣٨)، وأبوداود (٤٥٩٠)، والنسائي (٨/ ٢٥ - ٢٦) من طريق معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين به، وإسناده صحيح.\nتنبيه: الحديث لم يخرجه الترمذي -﵀-.\n(^٢) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (١٠٨٤).\n(^٣) وانظر: «البيان» (١١/ ٣٠٣).","vol":"9","page":185},{"text":"طلاقه، ومن قال بوقوع طلاقه؛ فإنه يقول بالقود عليه، وراجع المسألة في كتاب الطلاق. (^١)\nإشكال: لماذا لم يأخذ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الدية من أهل الغلام الجاني؟\nقال البيهقي -﵀- في «الكبرى» (٨/ ١٠٥): إن كان المراد بالغلام المذكور فيه المملوك؛ فإجماع أهل العلم على أنَّ جناية العبد في رقبته، يدل والله أعلم أنَّ الجناية كانت خطأ، وأنَّ النبي - ﷺ - إنما لم يجعل عليه شيئًا؛ لأنه التزم أرش جنايته، فأعطاه من عنده متبرعًا بذلك، وقد حمله أبو سليمان الخطابي -﵀- على أنَّ الجاني كان حُرًّا، وكانت الجناية خطأ، وكان عاقلته فقراء، فلم يجعل عليهم شيئًا، إما لفقرهم، وإما لأنهم لا يعقلون الجناية الواقعة على العبد إن كان المجني عليه مملوكًا، والله أعلم.\nقال البيهقي: وقد يكون الجاني غلامًا، حُرًّا، غير بالغٍ، وكانت جنايته عمدًا؛ فلم يجعل أرشها على عاقلته، وكان فقيرًا؛ فلم يجعله في الحال عليه، أو رآه على عاقلته فوجدهم فقراء؛ فلم يجعله عليه؛ لكون جنايته في حكم الخطإِ، ولا عليهم؛ لكونهم فقراء، والله أعلم. انتهى. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٨٢) «البيان» (١١/ ٣٠٣).\n(^٢) وانظر: «معالم السنن» (٤/ ٤١).","vol":"9","page":186},{"text":"١١٦٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ -﵄- أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَقَالَ: حَتَّى تَبْرَأَ ثُمَّ جَاءَ إلَيْهِ، فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَأَقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ إلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَرَجْتُ، فَقَالَ: «قَدْ نَهَيْتُك فَعَصَيْتنِي، فَأَبْعَدَكَ اللهُ، وَبَطَلَ عَرَجُكَ»، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ. (^١)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٢/ ٢١٧)، والدارقطني (٣/ ٨٨)، الأول من طريق ابن إسحاق، والثاني من طريق ابن جريج، كلاهما عن عمرو بن شعيب به. وابن إسحاق وابن جريج مدلسان ولم يصرحا بالسماع، بل قال البخاري عن ابن جريج: لم يسمع من عمرو بن شعيب.\nوقد خالفهما أيوب فرواه عن عمرو بن شعيب قال قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أبعدك الله أنت عجلت» كذا ذكره مختصرًا. أخرجه عبدالرزاق (١٧٩٨٨)، ومن طريقه الدارقطني (٣/ ٩٠)، وقد رواه كذلك أيضًا ابن جريج كما في «مصنف عبدالرزاق» (١٧٩٩١) وذكره مطوَّلًا. فالراجح في هذه الطريق أنها من مراسيل عمرو بن شعيب، ومراسيله غالبها معضلة، والله أعلم.\nوللحديث شاهد عن جابر بن عبدالله:\nأخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٣٦٩)، ومن طريقه ابن المنذر (١٣/ ١١١)، والدارقطني (٣/ ٨٩) عن ابن علية عن أيوب عن عمرو بن دينار عن جابر به، بنحو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال الدارقطني عقبه: قال أبو أحمد بن عبدوس: ما جاء بهذا إلا أبو بكر، وعثمان.\nقال الدارقطني: أخطأ ابنا أبي شيبة، وخالفهما أحمد بن حنبل وغيره عن ابن علية عن أيوب عن عمرو مرسلًا، وكذلك قال أصحاب عمرو بن دينار عنه، وهو المحفوظ مرسلًا.\n\nثم أسند من طريق معمر عن أيوب، ومن طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن محمد بن طلحة بن يزيد عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ورجَّح المرسل أيضًا أبو زرعة كما في «العلل» لابن أبي حاتم (١/ ٤٦٣)، وموسى بن هارون الحمال، وتابعه ابن المنذر كما في الأوسط (١٣/ ١١١).\nقلتُ: ومحمد بن طلحة لم يسمع من أحدٍ من الصحابة؛ فمرسله معضل.\nوللحديث عن جابر طريق أخرى:\nأخرجها الدارقطني (٣/ ٨٨)، والبيهقي (٨/ ٦٧) من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب عن عبدالله بن عبدالله الأموي، عن ابن جريج، وعثمان بن الأسود، ويعقوب بن عطاء، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكر النهي عن ذلك بدون القصة.\nقال البيهقي: تفرد به عنهم الأموي، وعنه يعقوب بن حميد.\nقلتُ: وعبد الله بن عبد الله الأموي مجهولٌ، ذكره البخاري في «التاريخ» وسكت عنه، وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: يخالف. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به. وذكر له حديثًا آخر، ويعقوب بن حميد ضعيف، وتفرد الأموي بمثل هذا الإسناد لا يعتمد عليه؛ فإنَّ مثله لا يحتمل تفرده، والله أعلم.\nوللحديث عن جابر طريقٌ أخرى:\nأخرجها الطحاوي في «شرح المعاني» (٣/ ١٨٤) من طريق مهدي بن جعفر قال: ثنا عبدالله بن المبارك، عن عنبسة بن سعيد، عن الشعبي، عن جابر، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا يُستقاد من الجرح حتى يبرأ»، وهذا الإسناد ظاهره الحسن، رجاله ثقات غير مهدي؛ فإنه حسن الحديث له أخطاء.\nقال الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ٣٧٧): قال صاحب «التنقيح»: إسناده صالح، وعنبسة وثقه أحمد وغيره، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: هو مرسل مقلوب. وانظر: «العلل» (١٣٧١).\nوله شاهد من حديث ابن عباس:\nأخرجه البيهقي (٨/ ٦٧) من طريق أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره مع القصة بنحوها. قال أحمد: روى إسرائيل عن أبي يحيى القتات أحاديث مناكير جدًّا كثيرة.\nقلتُ: وهذا من روايته عنه، وقد صح من وجهٍ آخر عن مجاهد مرسلًا، أخرجه عبدالرزاق (١٧٩٨٩) عن الثوري، عن حميد الأعرج، عن مجاهد مرسلًا، وهذا هو المحفوظ.","vol":"9","page":187},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4969>مسألة [١]: تأخير القصاص من الجروح حتى يندمل الجرح</span>.\n• جمهور العلماء على أنَّ القصاص لا يجوز إلا بعد اندمال الجرح، وهو قول النخعي، والثوري، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، ورُوي ذلك عن عطاء، والحسن. واستدل أصحاب هذا القول بحديث الباب.","vol":"9","page":188},{"text":"• وذهب الشافعي، وبعض الحنابلة إلى أنه يجوز القصاص قبل اندمال الجرح، واستدلوا بحديث الباب؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أجابه إلى طلبه.\nقلتُ: الحديث ضعيف؛ فالصحيح جواز القصاص قبل اندمال الجرح، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nتنبيه: المختار عندهم جميعًا الانتظار حتى يندمل الجرح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4970>مسألة [٢]: إن اقتص قبل الاندمال، فسارت الجناية وتضاعفت بعد ذلك</span>؟\n• مذهب الحنابلة أن سراية الجناية هدر، واستدلوا بحديث الباب.\n• ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة أنها مضمونة، وهذا هو الصحيح، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4971>مسألة [٣]: إن اندمل جرح الجناية، فاقتص منه، ثم انتقض فسرى</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٦٥): وَإِنْ انْدَمَلَ جُرْحُ الْجِنَايَةِ، فَاقْتُصَّ مِنْهُ، ثُمَّ انْتَقَضَ فَسَرَى، فَسِرَايَتُهُ مَضْمُونَةٌ، وَسِرَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَّ بَعْدَ جَوَازِ الِاقْتِصَاصِ؛ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ، فَبَرَأَ، فَاقْتُصَّ، ثُمَّ انْتَقَضَ جُرْحُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَمَاتَ، فَلِوَلِيِّهِ قَتْلُ الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ عَفَا إلَى الدِّيَةِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى بِالْقَطْعِ مَا قِيمَتُهُ دِيَةٌ، وَهُوَ يَدَاهُ، وَإِنْ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٦٣ -) «الشرح الممتع» (٦/ ٦٦) «الأوسط» (١٣/ ١١٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٥٦٤) «الشرح الممتع» (٦/ ٦٦).","vol":"9","page":189},{"text":"سَرَى الِاسْتِيفَاءُ؛ لَمْ يَجِبْ أَيْضًا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ قَدْ سَقَطَ بِمَوْتِهِ، وَالدِّيَةُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ بِالْجِنَايَةِ يَدًا، فَوَلِيُّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَبَيْنَ الْعَفْوِ إلَى نِصْفِ الدِّيَةِ، وَمَتَى سَقَطَ الْقِصَاصُ بِمَوْتِ الْجَانِي أَوْ غَيْرِهِ؛ وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي، أَوْ مَالِهِ إنْ كَانَ حَيًّا. اهـ\nفائدة: الحامل لا يقتص منها في النفس وما دونها حتى تضع الحمل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4972>مسألة [٤]: إذا حصل القصاص فيما دون النفس فمات الجاني من القصاص</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا دية له، والحقُّ قَتَلَه. وهو قول الحسن، وابن سيرين، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعي، ومالك، وربيعة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن. وثبت هذا القول عن عمر بن الخطاب -﵁-، من طرق، وعن علي -﵁-، كما في «مصنف عبد الرزاق»، و«الأوسط لابن المنذر».\n• وقال بعض أهل العلم: على المقتص الدية، وهو قول عطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والزهري، والشعبي، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة.\n• وقيل: عليه الدية، ويطرح منها دية جرحه. قاله الشعبي، وحماد، وثبت عن ابن مسعود -﵁-. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٦٧).\n(^٢) انظر: «الأوسط» (١٣/ ١٠٠ -).","vol":"9","page":190},{"text":"١١٦٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يُغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ، وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ، وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّمَا هَذَا مِنْ إخْوَانِ الكُهَّانِ»؛ مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١١٦٧ - وَأَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ -﵁- سَأَلَ مَنْ شَهِدَ قَضَاءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي الجَنِينِ؟ قَالَ: فَقَامَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ، فَقَالَ: كُنْت بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى. فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٥٨)، ومسلم (١٦٨١).\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٤٥٧٢)، والنسائي (٨/ ٢١ - ٢٢)، وابن حبان (٦٠٢١)، والحاكم (٣/ ٥٧٥)، من طرق عن أبي عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع طاوسا، عن ابن عباس، عن عمر ... فذكره.\nوعند غير الحاكم زيادة القتل للمرأة بلفظ: (فقضى بغرة وأن تقتل المرأة).\n\nوقد اختلف في وصل الحديث وإرساله، فمنهم من وصله ومنهم من أرسله.\nوعلى تقدير ترجيح المرسل فلا يضر الحديث، فإنه يشهد له الحديث الذي قبله.\nوأما الزيادة: (وأن تقتل) فهي زيادة غير محفوظة، فقد راجع ابن جريج عمرو بن دينار فيها فقال: لقد شككتني. أخرجه أحمد (٣٤٣٩).\nوقال البيهقي (٨/ ١١٤): كذا قال (وأن تقتل يعني المرأة القاتلة) ثم شك فيه عمرو بن دينار، والمحفوظ أنه قضى بديتها على عاقلة القاتلة.\nوقال المنذري في «مختصر سنن أبي داود» (٦/ ٣٦٧): وقوله: (وأن تقتل) لم يذكر في غير هذه الرواية.","vol":"9","page":191},{"text":"الحكم المستفاد من الحديثين\n\nفيهما أنَّ القتل بما لا يغلب على الظن القتل به -وهو شبه العمد- ليس فيه القود، وإنما فيه الدية على العاقلة، وهو قول الجمهور كما تقدم.\nوأما الكلام على دية الجنين فسيأتي إن شاء الله في باب الديات.","vol":"9","page":192},{"text":"١١٦٨ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ -عَمَّتَهُ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إلَيْهَا العَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا الأَرْشَ، فَأَبَوْا فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَأَبَوْا إلَّا القِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟ لَا، وَالَّذِي بَعَثَك بِالحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ»، فَرَضِيَ القَوْمُ فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «إنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمع ذكر مجموعة من المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4973>مسألة [١]: القصاص في الجروح والأعضاء</span>.\nيجري القصاص في الجروح، والأطراف، والأعضاء بالنص، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥].\nومن السنة: حديث أنس المذكور في الباب.\nوأما الإجماع: فقد وقع الإجماع في الجملة على القصاص في ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4974>مسألة [٢]: شروط القصاص في الجروح والأعضاء</span>.\n• اشترط أهل العلم في ذلك شروطًا:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٠٣)، ومسلم (١٦٧٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٥٣٠ - ٥٣١، ٥٣٦) «البيان» (١١/ ٣٥٨).","vol":"9","page":193},{"text":"الأول: أن تكون الجناية عمدًا محضًا، فأما الخطأ فلا قصاص فيه إجماعًا، وشبه العمد ليس فيه القصاص عند الأكثر، وخالف بعض الحنابلة فأوجب في ذلك القصاص، وكذا الحنفية.\nوحجة الجمهور أنَّ النفس لا يقاد فيه بالخطإ وشبه العمد؛ فما دون النفس من باب أولى.\nالثاني: التكافؤ بين الجارح والمجروح، والتكافؤ يحصل بما يبيح نفسه بنفسه، بمعنى أنه إذا قتله قِيد به، فلا قصاص بين الكافر والمسلم.\n• وذهب الجمهور إلى أنه لا قصاص بين الحر والعبد، وقد تقدم أن الراجح خلافه.\nالثالث: إمكان الاستيفاء من غير حيف، ولا زيادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، ولا خلاف في ذلك كما قال ابن قدامة.\nولذلك فأهل العلم يمنعون القصاص في الجروح التي يُخشى على الجاني إذا استوفي منه أن يتضرر بأكثر مما جنى، أو يؤدي به إلى الموت، كالمنقلة، والمأمومة، والدامغة.\nوكذلك يقولون: إذا كان القطع في الأطراف مما دون المفصل؛ فلا قصاص،","vol":"9","page":194},{"text":"وإنما له الدية.\n• واختلفوا هل له القصاص فيما دون ذلك، كأن يقطع طرفه من الساعد، فيطالب بالقصاص من الرسغ، أو يقطع من العضد فيطالب بالقصاص من المرفقين، ونحو ذلك.\nففيه وجهان للحنابلة، والصحيح أنَّ له القصاص بذلك، وهو مذهب الشافعية، بل إن أمكن أن يقاص من موضع القطع فله ذلك.\nقال الإمام الشوكاني -﵀- في «السيل» (ص ٨٧٤): والحاصل أنَّ القصاص ثابت في الجروح، وهي تشمل ما كان ذا مفصل، وما كان غير ذي مفصل إذا أمكن الوقوف على مقداره، بحيث يمكن المقتص أن يقتص من الجاني بمثل الجناية الواقعة منه، وسواء كانت الجناية موضحة، أو دونها، أو فوقها. اهـ\nورجَّح الإمام ابن عثيمين أنه إذا أمكن القصاص بدون زيادة؛ فيقاص ولو كان من غير المفصل، وهو الصحيح، والله أعلم.\nالرابع: اشترط أهل العلم التكافؤ في الأطراف، فلا تقطع الصحيحة بالمشلولة، ولا الكاملة بناقصة الأصابع، وعليه عامة أهل العلم.\nوخالف داود الظاهري، فقال بالقطع، وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، وتعذرت المماثلة هنا؛ فعليه الدية.","vol":"9","page":195},{"text":"الخامس: الاشتراك في الاسم الخاص، فلا تؤخذ اليمنى باليسرى، ولا الضرس بالثنية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4975>مسألة [٣]: أسماء الجراحات الواقعة في الرأس والوجه</span>.\nالحارصة: هي التي تكشط الجلد كشطًا لا يُدمِي.\nالدامية: هي التي كشطت الجلد، وخرج منها الدم.\nالباضعة: هي التي تبضع اللحم، أي: تشقه بعد الجلد.\nالمتلاحمة: وهي التي تنزل في اللحم.\nالسِّمحاق: وهي التي وصلت إلى جلدة رقيقة بين اللحم والعظم، وتسمى تلك الجلدة (السِّمحاق).\nالموضحة: وهي التي أوضحت العظم وكشفت عنه.\nالهاشمة: وهي التي هشمت العظم.\nالمنقلة: قيل: تنقل العظم من موضع إلى موضع. وقيل: حاجته في العلاج إلى إخراج شيء من العظم.\nالمأمومة: وهي التي قطعت العظم، وبلغت إلى قشرة رقيقة فوق الدماغ.\nالدامغة: وهي التي بلغت إلى الدماغ. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٣١ - ٥٣٢، ٥٣٦ - ٥٣٨،٥٦٩ - ٥٧٠) «البيان» (١١/ ٣٦٠، ٣٦٥، ٣٧٦، ٣٨٣) «بداية المجتهد» (٤/ ٢٣٦ -).\n(^٢) انظر: «البيان» (١١/ ٣٦٠ - ٣٦١).","vol":"9","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4976>مسألة [٤]: القصاص في الموضحة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٣٢): وَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِ الْقِصَاصِ فِي المُوضِحَةِ خِلَافًا، وَهِيَ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى الْعَظْمِ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4977>مسألة [٥]: الجرح الذي ينتهي إلى العظم في غير الرأس والوجه</span>.\n• أكثر أهل العلم على أنَّ فيها القصاص؛ لأنها بمعنى التي قبلها، وخالف بعض الشافعية، فقالوا: لا قصاص فيها؛ لأنها لم تقدر فيها دية كالأولى.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٣٢): وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]؛ وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا بِغَيْرِ حَيْفٍ وَلَا زِيَادَةٍ، لِانْتِهَائِهَا إلَى عَظْمٍ، فَهِيَ كَالمُوضِحَةِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي المُوضِحَةِ لَيْسَ هُوَ المُقْتَضِي لِلْقِصَاصِ، وَلَا عَدَمُهُ مَانِعًا، وَإِنَّمَا كَانَ التَّقْدِيرُ فِي المُوضِحَةِ لِكَثْرَةِ شَيْنِهَا، وَشَرَفِ مَحَلِّهَا؛ وَلِهَذَا قُدِّرَ مَا فَوْقَهَا مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَلَا قِصَاصَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْجَائِفَةُ أَرْشُهَا مُقَدَّرٌ، وَلَا قِصَاصَ فِيهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4978>مسألة [٦]: الاستيفاء بآلة لا يحصل منها تعدي</span>.\nذكر أهل العلم رحمة الله عليهم أنَّ الاستيفاء يكون بآلة لا يحصل بها زيادة على الجرح، كالموسى، والسكين الصغيرة، وما أشبه ذلك.\nويلي القصاص رجل جرائحي عنده خبرة، ينوبه الحاكم في ذلك. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٣٣).","vol":"9","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4979>مسألة [٧]: وهل للمجني عليه أن يباشر ذلك بنفسه إن كان عنده قدرة</span>؟\n• مذهب الشافعي، وبعض الحنابلة عدم ذلك؛ لأنه لا يؤمن مع العدواة وقصد التشفي أن يحيف في الاستيفاء بما لا يمكن تلافيه، وربما أفضى إلى النزاع والاختلاف.\n• وظاهر مذهب الحنابلة أنَّ له ذلك.\nوالقول الأول أحوط، والثاني أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4980>مسألة [٨]: هل في المأمومة قصاص</span>؟\n• أكثر أهل العلم، وعامتهم على أنه ليس فيها قصاص؛ لعدم إمكان المماثلة فيها، ولأنه قد تؤدي إلى الوفاة إذا اقتص من الجاني.\n• وصحَّ عن ابن الزبير أنه قال بالقصاص فيها، وأنكر الناس قوله. وقال عطاء: ما أعلم أحدًا قال بذلك قبل ابن الزبير. والصحيح قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4981>مسألة [٩]: القصاص في المنقلة والجائفة</span>.\nتقدم تفسير المنقلة، والجائفة هي في البدن، وهي التي تصل إلى الجوف، وليس فيهما قصاص بلا خلاف، وحُكي عن ابن الزبير القصاص في المنقلة، ولم يثبت عنه، وحُكي عن مالك رواية فيه. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٣٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٥٣٩) «البيان» (١١/ ٣٦٤) «عبدالرزاق» (٩/ ٤٥٩).\n(^٣) انظر: «المغني» (١١/ ٥٣٩، ٥٤٠).","vol":"9","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4982>مسألة [١٠]: ما دون الموضحة من جراحات الرأس، والوجه، هل فيها القصاص</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي عدم القصاص فيها. وقال بذلك الحسن، وأبو عبيد؛ لأنه لا يؤمن فيها الزيادة، فأشبه كسر العظام. وبيان ذلك أنَّه إن اقتص من غير تقدير؛ أفضى إلى أن يأخذ أكثر من حقه، وإن اعتبر مقدار العمق؛ أفضى إلى أن يقتص من الباضعة، والسمحاق موضحة، ومن الباضعة سمحاقًا؛ لأنه قد يكون لحم المشجوج كثيرًا، بحيث يكون عمق باضعته كعمق موضحة الشاج، أو سمحاقة، ولأنه لم يعتبر في الموضحة قدر عمقها؛ فكذلك في غيرها.\n• ومذهب مالك، وأصحاب الرأي أنه يجب القصاص في الدامية وما زاد عنها، وهو قول المزني من الشافعية؛ وذلك لأنَّ هذا الجرح يمكن أن يقتص منها بدون خوف على العظام، ويمكن تحري عمقها من أهل الخبرة في ذلك، وبالله التوفيق.\nوهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين، وهو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4983>مسألة [١١]: الاقتصاص عن المأمومة والمنقلة بـ (موضحة)</span>.\nأجاز الفقهاء أن يقتص المجني عليه من الجاني بدون جنايته، كأن يقتص من المأمومة موضحة.\nواختلفوا هل له أرش ما زاد؟\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٤٠) «الشرح الممتع» (٦/ ٦٥).","vol":"9","page":199},{"text":"• فمذهب الشافعي، وجماعة من الحنابلة أنَّ له أرش ما زاد.\n• وقال بعض الحنابلة: ليس له أرش ما زاد، بل إما أن يأخذ دية المأمومة، أو يرضى بالموضحة فحسب.\nقال الشوكاني -﵀- في «السيل»: الذي أثبته الشرع للمجني عليه هو القصاص، أو الأرش؛ فليس له أن يجمع بينهما. انتهى المراد.\nقلتُ: وما ذكره الشوكاني -﵀- أقرب، إلا أن يرضى الجاني بذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4984>مسألة [١٢]: القصاص في الأنف</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٤٣): وَأَجْمَعُوا عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِي الْأَنْفِ أَيْضًا؛ لِلْآيَةِ وَالْمَعْنَى، وَيُؤْخَذُ الْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ، وَالْأَقْنَى بِالْأَفْطَسِ، وَأَنْفُ الْأَشَمِّ بِأَنْفِ الْأَخْشَمِ الَّذِي لَا يَشُمُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِعِلَّةٍ فِي الدِّمَاغِ، وَالْأَنْفُ صَحِيحٌ.\nثم قال: وَاَلَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ هُوَ الْمَارِنُ، وَهُوَ مَالَانِ مِنْهُ، دُونَ قَصَبَةِ الْأَنْفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ، فَهُوَ كَالْيَدِ، يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا انْتَهَى إلَى الْكُوعِ، وَإِنْ قَطَعَ الْأَنْفَ كُلَّهُ مَعَ الْقَصَبَةِ؛ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْمَارِنِ، وَحُكُومَةٌ لِلْقَصَبَةِ. هَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ لَا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٤١) «السيل» (ص ٨٨١).","vol":"9","page":200},{"text":"يَجِبُ مَعَ الْقِصَاصِ حُكُومَةٌ؛ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ قِصَاصٌ وَدِيَةٌ. اهـ (^١)\nقلتُ: إن أمكن القصاص في القصبة؛ فله القصاص، وإن لم يمكن؛ فله القصاص في المارن والحكومة فيما زاد، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4985>مسألة [١٣]: القصاص في الذكر</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٤٤ -): لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ الْقِصَاصَ يَجْرِي فِي الذَّكَرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾؛ وَلِأَنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ، وَيُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ، فَوَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ، كَالْأَنْفِ. وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ ذَكَرُ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالشَّيْخِ وَالشَّابِّ، وَالذَّكَرُ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، وَالصَّحِيحُ وَالمَرِيضُ. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4986>مسألة [١٤]: هل يقطع ذكر الفحل بذكر الخصي والعنين</span>؟\n• مذهب مالك، وأحمد في رواية أنه لا يقطع به؛ لأنه لا منفعة فيهما؛ لأنَّ العنين لا يطأ، ولا ينزل، والخصي لا يولد له، ولا ينزل، ولا يكاد يقدر على الوطء؛ ولأنَّ كل واحد منهما ناقص، فلا يؤخذ به الكامل كاليد الناقصة بالكاملة.\n• ومذهب الشافعي أنه يقطع بهما؛ لأنهما متساويان في السلامة، وإنما عدم الإنزال، والجماع لمعنى في غيره؛ فلا يمنع القصاص، كأذن السميع بأذن الأصم.\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١١/ ٣٦٧ - ٣٦٨).\n(^٢) وانظر: «البيان» (١١/ ٣٨٧).","vol":"9","page":201},{"text":"قال أبو عبدالله غفر الله له: مذهب مالك أرجح -والله أعلم؛ لعدم تحقق المساواة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4987>مسألة [١٥]: إذا قطع بعض الذكر</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٤٥): وَيُؤْخَذُ بَعْضُهُ بِبَعْضِهِ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِالْأَجْزَاءِ دُونَ الْمِسَاحَةِ، فَيُؤْخَذُ النِّصْفُ بِالنِّصْفِ، وَالرُّبْعُ بِالرُّبْعِ، وَمَا زَادَ أَوْ نَقَصَ فَبِحَسَبِ ذَلِكَ. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4988>مسألة [١٦]: القصاص في الأُنثيين</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٤٦): وَيَجْرِي الْقِصَاصُ فِي الْأُنْثَيَيْنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ النَّصِّ وَالمَعْنَى. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ فَإِنْ قَطَعَ إحْدَاهُمَا، وَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إنَّهُ مُمْكِنٌ أَخْذُهَا مَعَ سَلَامَةِ الْأُخْرَى؛ جَازَ. فَإِنْ قَالُوا: لَا يُؤْمَنُ تَلَفُ الْأُخْرَى. لَمْ تُؤْخَذْ؛ خَشْيَةَ الْحَيْفِ، وَيَكُونُ فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ. وَإِنْ أُمِنَ تَلَفُ الْأُخْرَى؛ أُخِذَتْ الْيُمْنَى بِالْيُمْنَى، وَالْيُسْرَى بِالْيُسْرَى. اهـ (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4989>مسألة [١٧]: القصاص في شفري المرأة</span>.\nفي ذلك وجهان للحنابلة، والشافعية:\n• فمنهم من يقول: فيه القصاص؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾؛ ولأنهما\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٤٥) «البيان» (١١/ ٣٨٧).\n(^٢) وانظر: «البيان» (١١/ ٣٨٨).\n(^٣) وانظر: «البيان» (١١/ ٣٨٨).","vol":"9","page":202},{"text":"لحمان محيطان بالفرج من الجانبين، يُعرف انتهاؤهما؛ فوجب فيهما القصاص.\n• وقال بعضهم: لا قصاص فيه؛ لأنه لحم، وليس له مفصل ينتهي إليه؛ فلم يجب فيه القصاص كلحم الفخذين.\nوالأول أصح عند الشافعية، وهو أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4990>مسألة [١٨]: القصاص في الأليتين</span>.\n• مذهب الحنابلة، والشافعية وجوب القصاص فيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾؛ ولأنَّ لهما حدًّا ينتهيان إليه؛ فجرى القصاص فيهما.\n• وقال المزني: لا قصاص فيهما؛ لأنهما لحمٌ متصل بلحم، فأشبه لحم الفخذ.\nوالصحيح الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4991>مسألة [١٩]: القصاص في العين</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٤٧): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقِصَاصِ فِي الْعَيْنِ، وَمِمَّنْ بَلَغَنَا قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ مَسْرُوقٌ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ -﵁- (^٣)، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ الله تَعَالَى:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٤٦) «البيان» (١١/ ٣٨٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٥٤٧) «البيان» (١١/ ٣٨٧).\n(^٣) حسن: أخرجه عبد الرزاق (٩/ ٣٢٧) عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي -﵁-، به. وإسناده حسن، رجاله ثقات؛ إلا عاصم بن ضمرة؛ فإنه حسن الحديث.","vol":"9","page":203},{"text":"﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة:٤٥]؛ وَلِأَنَّهَا تَنْتَهِي إلَى مَفْصِلٍ، فَجَرَى الْقِصَاصُ فِيهَا كَالْيَدِ، وَتُؤْخَذُ عَيْنُ الشَّابِّ بِعَيْنِ الشَّيْخِ الْمَرِيضَةِ، وَعَيْنُ الْكَبِيرِ بِعَيْنِ الصَّغِيرِ وَالْأَعْمَشِ، وَلَا تُؤْخَذُ صَحِيحَةٌ بِقَائِمَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4992>مسألة [٢٠]: إذا قلع الأعور عين صحيح</span>.\n• من أهل العلم من قال: ليس في ذلك القود؛ لأنَّ عين الأعور قائمة مقام عينين تعمل عملهما، وعلى الأعور الدية كاملة. هذا قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وهو مذهب الحنابلة، وصحَّ عن عمر وابنه -﵄- أنَّ العين في الأعور فيها الدية كاملة، فمقتضى قولهما أن لا قود. وجاء عن عثمان نحو ذلك، وفي إسناده انقطاع وجهالة، وجاء عن علي بأسانيد تحتمل التحسين كما في «سنن البيهقي».\n• وقال الحسن، والنخعي: يقتص الصحيح، ويعطيه نصف الدية.\n• وقال مالك: إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ دية كاملة.\n• وقال جماعة من أهل العلم: له القصاص، ولا شيء عليه، وإن عفا؛ فله نصف الدية؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾.\nوهذا قول مسروق، والشعبي، وابن سيرين، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وصحَّ عن عبدالله بن مغفل -﵁-.","vol":"9","page":204},{"text":"قلتُ: ورجح الإمام العثيمين -﵀- القول الأول، ويظهر لي أنَّ الراجح القول الأخير، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: محل الخلاف في المسألة السابقة في الأعور الذي لم يكن سبب عوره جناية سابقة أدت إلى القصاص منه بإفساد عينه، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4993>مسألة [٢١]: لو قلع الأعور عين مثله</span>؟\nفيه القصاص بغير خلاف، قاله ابن قدامة. (^٢)\nتفريع على مذهب الحنابلة المتقدم:\nالذين قالوا بأنَّ عين الأعور فيها الدية كاملة يقولون: إن قلع الأعور عيني الصحيح؛ فالصحيح مخير بين أن يقتص بعين الأعور، أو الدية كاملة، وإن اقتص فلا شيء له؛ لأنه قد أخذ جميع بصره بجميع بصره.\nويقولون: إن قلع صحيح العينين عينَ أعور؛ فله القصاص من مثلها، ويأخذ نصف الدية. نصَّ عليه أحمد؛ لأنَّه ذهب بجميع بصره، أو يأخذ الدية كاملة، ولا قصاص.\nوالصحيح في المسألة: أن الأعور إذا جنى على عيني الصحيح؛ فللصحيح أن يقتص بواحدة، ويأخذ دية الثانية، وإذا جنى الصحيح على الأعور فليس للأعور\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٥٠) «البيهقي» (٨/ ٩٤) «ابن أبي شيبة» (٩/ ١٩٦) «الإشراف» (٧/ ٤١٠) «الشرح الممتع» (٦/ ٦٣).\n(^٢) «المغني» (١١/ ٥٥١).","vol":"9","page":205},{"text":"إلا القصاص أو نصف الدية، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4994>مسألة [٢٢]: إن قطع الأقطع يد من له يدان</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ فيها القصاص؛ لأنَّ يد الأقطع لا تقوم مقام يديه في الانتفاع والبطش، بخلاف عين الأعور؛ فإنها تقوم مقام عينيه جميعًا.\nوخرج بعض الحنابلة وجهًا بأنها لو قطعت في سبيل الله؛ ففيها الدية كاملة، فلا تقطع بذلك والصحيح القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4995>مسألة [٢٣]: القصاص في الجفن</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٥٢): وَيُؤْخَذُ الْجَفْنُ بِالْجَفْنِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]؛\n_________\n(^١) «المغني» (١١/ ٥٥١).\n(^٢) «المغني» (١١/ ٥٥٢).","vol":"9","page":206},{"text":"وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ؛ لِانْتِهَائِهِ إلَى مَفْصِلٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَيُؤْخَذُ جَفْنُ الْبَصِيرِ بِجَفْنِ الْبَصِيرِ وَالضَّرِيرِ، وَجَفْنُ الضَّرِيرِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي السَّلَامَةِ مِنْ النَّقْصِ، وَعَدَمُ الْبَصَرِ نَقْصٌ فِي غَيْرِهِ، لَا يَمْنَعُ أَخْذَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، كَالْأُذُنِ إذَا عَدِمَ السَّمْعَ مِنْهَا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4996>مسألة [٢٤]: القصاص في الأذن</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٤١): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْأُذُنَ تُؤْخَذُ بِالْأُذُنِ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [المائدة:٤٥]؛ وَلِأَنَّهَا تَنْتَهِي إلَى حَدٍّ فَاصِلٍ، فَأَشْبَهَتْ الْيَدَ. وَتُؤْخَذُ الْكَبِيرَةُ بِالصَّغِيرَةِ، وَتُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ بِأُذُنِ السَّمِيعِ، وَتُؤْخَذُ أُذُنُ الْأَصَمِّ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ لِتَسَاوِيهِمَا؛ فَإِنَّ ذَهَابَ السَّمْعِ نَقْصٌ فِي الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ، وَلَيْسَ بِنَقْصٍ فِيهِمَا.\nقال: وَتُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بِالْمَثْقُوبَةِ؛ لِأَنَّ الثُّقْبَ لَيْسَ بِعَيْبٍ، وَإِنَّمَا يُفْعَلُ فِي الْعَادَةِ لِلْقُرْطِ وَالتَّزَيُّنِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ الثُّقْبُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، أَوْ كَانَتْ مَخْرُومَةً؛ أُخِذَتْ بِالصَّحِيحَةِ، وَلَمْ تُؤْخَذْ الصَّحِيحَةُ بِهَا؛ لِأَنَّ الثُّقْبَ إذَا انْخَرَمَ صَارَ نَقْصًا فِيهَا، وَالثُّقْبُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ عَيْبٌ، وَيُخَيَّرُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَيْنَ أَخْذِ الدِّيَةِ إلَّا قَدْرَ النَّقْصِ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ فِيمَا سِوَى الْمَعِيبِ وَيَتْرُكَهُ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي. وَفِي وُجُوبِ الْحُكُومَةِ لَهُ فِي قَدْرِ الثُّقْبِ وَجْهَانِ.\nقال: وَإِنْ قُطِعَتْ بَعْضُ أُذُنِهِ؛ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي بِقَدْرِ مَا قُطِعَ مِنْهُ، وَتَقْدِيرُ ذَلِكَ بِالْأَجْزَاءِ. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4997>مسألة [٢٥]: إن قطع رجلٌ أذن إنسان، ثم ألصقها صاحبها، فالتصقت، فهل فيها القصاص</span>؟\n• من أهل العلم من قال: فيها القصاص، أو الدية. وهذا قول الثوري، والشافعي، وإسحاق، وبعض الحنابلة؛ لأنَّ القصاص يجب بالإبانة، وقد وجدت.\n• ومنهم من يقول: لا قصاص فيها. وهو قول مالك، وبعض الحنابلة؛ لأنها لم\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١١/ ٣٦٧).\n(^٢) وانظر: «البيان» (١١/ ٣٦٨ -).","vol":"9","page":207},{"text":"تبن على الدوام، وإن سقطت بعد ذلك قريبًا أو بعيدًا؛ فله القصاص.\nوهل له الدية إذا لم تسقط؟\n• قال مالك: ليس له الدية. وقال أبو بكر الحنبلي: له الدية. وهو قول أصحاب مالك.\nوالصحيح أنه ليس له الدية، وإنما حكومة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4998>مسألة [٢٦]: إذا ألصق الجاني أذنه بعد أن استُوفِيَ منه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٤٣): وَإِنْ قَطَعَ أُذُنَ إنْسَانٍ، فَاسْتُوْفِيَ مِنْهُ، فَأَلْصَقَ الْجَانِي أُذُنَهُ فَالْتَصَقَتْ، وَطَلَبَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ إبَانَتَهَا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِبَانَةَ قَدْ حَصَلَتْ، وَالْقِصَاصُ قَدْ اُسْتُوْفِيَ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَمْ يَقْطَعْ جَمِيعَ الْأُذُنِ، إنَّمَا قَطَعَ بَعْضَهَا، فَالْتَصَقَ؛ كَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَطْعُ جَمِيعِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ إبَانَةَ جَمِيعِهَا، وَلَمْ يَكُنْ إبَانَةٌ. وَالْحُكْمُ فِي السِّنِّ كَالْحُكْمِ فِي الْأُذُنِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إن كان الجاني جنى على الآخر في موضع لا يستطيع فيه أن يدرك إعادة إلصاقها، أو على طريقة لا يمكن إعادة إلصاقها؛ فالقصاص فيها أن يُمنع الجاني بعد القصاص منه من إعادة إلصاق أذنه، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٤٢ -) «البيان» (١١/ ٣٦٩).","vol":"9","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4999>مسألة [٢٧]: القصاص في السن</span>.\nويؤخذ السِّنُّ بِالسِّنِّ بالإجماع؛ للآية المتقدمة، ولأنَّ القصاص فيها ممكن، ولحديث أنس -﵁- الذي في الباب.\nوأصحاب المذاهب الأربعة على أنه لا يقتص إلا من سنٍّ أثغر، وأما من لم يثغر فينتظر؛ فإن عادت أخرى مكانها؛ فلا قصاص، وإن لم تعد ويُئِس من عودها؛ فصاحبها مخير بين القصاص والدية.\nوتؤخذ الصحيحة بالصحيحة، والمكسورة بالصحيحة؛ لأنه يأخذ بعض حقه، وهل يأخذ مع القصاص أرش الباقي؟ فيه وجهان. ولا تؤخذ الصحيحة بالمكسورة.\n• وإن عادت السن في حال الانتظار؛ فلا دية أيضًا عند الحنابلة، والحنفية، وبعض الشافعية، وقال بعض الشافعية: له الأرش. وهو الصحيح.\nوتؤخذ بعض السن بالبعض إن أمكن، ويقدر ذلك بالأجزاء، وتؤخذ السن الزائدة بالسن الزائدة إذا شاركتها في الموضع، وإلا فلا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5000>مسألة [٢٨]: القصاص في اللسان</span>.\nيؤخذ اللسان باللسان بلا خلاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، ولأنَّ له حد ينتهي إليه، ويؤخذ بعضه ببعضه بالأجزاء.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٥٣ - ٥٥٥) «البيان» (١١/ ٣٧٣ - ٣٧٥).","vol":"9","page":209},{"text":"ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس؛ لأنه أفضل منه، ويؤخذ الأخرس بالناطق؛ لأنه بعض حقه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5001>مسألة [٢٩]: قصاص اليمنى باليسرى والعكس</span>.\n• أكثر أهل العلم على أنه لا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار بيمين، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم؛ لأنَّ كل واحدة منهما تختص باسم؛ فلا تؤخذ إحداهما بالأخرى كاليد مع الرجل، وذلك في كل ما انقسم إلى يمين ويسار، كاليدين، والرجلين، والمنخرين، والأذنين وغيرها.\n• وقال ابن سيرين، وشريك: تؤخذ إحداهما بالأخرى؛ لأنهما يستويان في الخلقة والمنفعة. (^٢)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٥٧): وَمَا انْقَسَمَ إلَى أَعْلَى وَأَسْفَلِ، كَالْجَفْنَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، لَا يُؤْخَذُ الْأَعْلَى بِالْأَسْفَلِ، وَلَا الْأَسْفَلُ بِالْأَعْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا تُؤْخَذُ إصْبَعٌ بِإِصْبَعِ، إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا فِي الِاسْمِ وَالْمَوْضِعِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5002>مسألة [٣٠]: هل سراية القَوَد مضمونة</span>؟\n• أكثر أهل العلم على عدم ضمان سراية القود، ومعناه: أنه إذا قطع طرفًا يجب القود فيه، فاستوفى منه المجني عليه، ثم مات الجاني بسراية الاستيفاء؛ لم يلزم المستوفي شيء، وهذا قول الحسن، وابن سيرين، ومالك، والشافعي،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٥٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٥٥٧).","vol":"9","page":210},{"text":"وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمد، وابن المنذر، وثبت هذا القول عن علي -﵁-، وجاء عن عمر -﵁- بأسانيد تحتمل التحسين؛ وذلك لأنه قطع مستحق فلا تضمن سرايته كقطع يد السارق.\n• وقال جماعةٌ من أهل العلم: عليه الضمان. وهو قول عطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحارث العُكْلِي، والشعبي، والنخعي، والزهري، وأبي حنيفة؛ لأنه فوَّت نفسه، ولا يستحق إلا طرفه؛ فلزمته ديته. قال أبو حنيفة: في ماله. وقال غيره: على عاقلته. والصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5003>مسألة [٣١]: سراية الجناية هل تضمن</span>؟\nسراية الجناية مضمونة بلا خلاف في الجملة إذا لم يقتص قبل اندمال الجرح، سواء كان ذلك مما يمكن مباشرته بالجناية أم لا، وهناك خلاف للفقهاء في بعض المسائل الفرعية في ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5004>مسألة [٣٢]: هل تؤخذ الأُذُن الصحيحة، والأنف الصحيح بالأشلين منهما</span>؟\nفي هذه المسألة وجهان للحنابلة والشافعية:\n• فمنهم من يقول: تؤخذ بها؛ لأنَّ نفع الأذن والأنف لا يذهب بشلله؛ فإنَّ نفع\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٦١) «البيهقي» (٨/ ٦٨) «عبدالرزاق» (٩/ ٤٥٧ - ٤٥٨) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٣٤١ - ٣٤٣) «البداية» (٤/ ٢٣٩ -) «الأوسط» (١٣/ ١٠٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٥٦٢) «البيان» (١١/ ٣٦٦).","vol":"9","page":211},{"text":"الأذن جمع الأصوات، ورد الهوام، وستر موضع السمع، ونفع الأنف جمع الريح، ورد الهواء، والهوام، فقد ساوى الصحيح في الجمال والنفع.\n• ومنهم من يقول: لا يؤخذ به كسائر الأعضاء.\nوالقول الأول أقرب؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5005>مسألة [٣٣]: إذا قطع اليدَ الكاملةَ ذو يَدٍ فيها أصبع زائدة</span>؟\nللحنابلة وجهان:\n• فمنهم من يقول: تقطع يده؛ لأنَّ الزائدة عيب ونقص في المعنى؛ فلا يمنع وجودها القصاص منها.\n• ومنهم من يقول: لا تقطع بها؛ لأنَّ فيها زيادة. وهذا مذهب الشافعي.\nوالصحيح القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5006>مسألة [٣٤]: إن كانت يد القاطع شلاء والمقطوعة سليمة</span>؟\nله أن يأخذ الدية بلا خلاف، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم، وله أن يقاصَّه إذا أمن على الجاني من السراية بسبب الشلل، وإذا قاصَّه فليس له مع القصاص أرش عند الأكثر، وهو الصحيح إلا أن يتراضيا على ذلك. وقال بعض الحنابلة: له الأرش. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٦٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٥٧٠).\n(^٣) انظر: «المغني» (١١/ ٥٧١).","vol":"9","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5007>مسألة [٣٥]: قصاص الشلاء بالشلاء</span>.\n• تؤخذ الشلاء بالشلاء على الصحيح، وهو مذهب الحنابلة، وبعض الشافعية.\n• وقال بعض الشافعية: لا تؤخذ بها؛ لأنَّ الشلل علة، والعلل يختلف تأثيرها في البدن؛ فلا تتحقق المماثلة بينهما.\nوأُجيب بأنهما متماثلان في ذات العضو وصفته، فجاز أخذ إحداهما بالأخرى، كالصحيحة بالصحيحة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5008>مسألة [٣٦]: القصاص في الضربة، واللطمة، والسب</span>.\n• قال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٦٢): وأما القصاص في اللطمة والضربة ونحو ذلك، فمذهب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين أن القصاص ثابت في ذلك كله، وهو المنصوص عن أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي، وذهب كثير من الفقهاء إلى أنه لا يشرع في ذلك قصاص؛ لأنَّ المساواة فيه متعذرة في الغالب، وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.\nقال: والأول أصح؛ فإنَّ سنة النبي - ﷺ - مضت بالقصاص في ذلك، وكذلك سنة الخلفاء الراشدين، وقد قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٧١ - ٥٧٢).","vol":"9","page":213},{"text":"وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، ونحو ذلك.\nقال: وأما قول القائل إنَّ المماثلة في هذه الجناية متعذرة، فيقال: لابد لهذه الجناية من عقوبة، إما قصاص، وإما تعزير، فإذا جوز أن يعزر تعزيزًا غير مضبوط الجنس والقدر؛ فلأن يعاقب إلى ما هو أقرب إلى الضبط من ذلك أولى وأحرى، والعدل في القصاص معتبر بحسب الإمكان، ومن المعلوم أن الضارب إذا ضرب ضربة مثل ضربته أو قريبًا منها؛ كان هذا أقرب إلى العدل من أن يعزر بالضرب بالسوط، فالذي يمنع القصاص في ذلك خوفًا من الظلم يبيح ما هو أعظم ظلمًا مما فَرَّ منه؛ فَعُلم أنَّ ما جاءت به السنة أعدل وأمثل.\nقال: وكذلك له أن يسبه كما يسبه، مثل أن يلعنه كما يلعنه، أو يقول: قبحك الله. فيقول: قبحك الله، أو أخزاك الله. فيقول له: أخزاك الله. أو يقول: يا كلب، يا خنزير. فيقول: يا كلب، ياخنزير. فأما إذا كان محرم الجنس مثل تكفيره، أو الكذب عليه؛ لم يكن له ان يكفره، ولا يكذب عليه، وإذا لعن أباه؛ لم يكن له أن يلعن أباه؛ لأن أباه لم يظلمه. اهـ\nقال البخاري -﵀- في «صحيحه» (٦٨٩٦): وأقاد أبو بكر، وابن الزبير، وعلي، وسويد بن مقرن من لطمة، وأقاد عمر من ضربة بالدرة، وأقاد علي من ثلاثة أسواط، واقتص شريح من سوط وخموش. اهـ. وانظر من وصل هذه","vol":"9","page":214},{"text":"الآثار في «الفتح». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5009>مسألة [٣٧]: من استحق القتل قصاصًا؛ فقطع ولي القصاص يد المجني عليه أو رجله، ولم يقتله</span>.\n• قال بعض أهل العلم: لا عقل عليه، ولا كفارة، ويعزر ويعاقب؛ لأنه فعل ما لم يبح له الشرع فعله، ولم يلزم بالعقل والكفارة؛ لأنه قد استحق القتل، وهو أعظم مما فعله، وهذا قول الشافعي، والحنفية.\n• ثم اختلف الحنفية فيما لو قال بعد قطع يده: قد عفوت عنه. فقال أبو حنيفة: عليه دية اليد. وقال أبو يوسف ومحمد: لا ضمان عليه من قبل أنه قد كانت له النفس. قال ابن المنذر: هذا أصح.\nقلتُ: والصحيح أنه لا ضمان عليه؛ لأنه اكتفى عن القصاص بالنفس بما فعله من جناية على اليد، أو الرجل، وعفا عن القتل. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5010>مسألة [٣٨]: إذا قطع رَجلٌ يمين شخص، ويمين آخر</span>.\n• الصحيح في هذا المسألة ما ذهب إليه الإمام الشافعي -﵀- من أنهما إذا اجتمعا على طلب القصاص؛ قطعت يمينه فحسب عن الجنايتين. وإن اختار أحدهما القطع، واختار الآخر الدية؛ قطعت يده، وودي الآخر.\n• وذهب مالك إلى أنهما إذا طلبا القصاص؛ فلهما القصاص بدون دية، وإن\n_________\n(^١) وانظر «ابن أبي شيبة» (٩/ ٢٦٣) «تفسير القرطبي» (٦/ ٢٠٦).\n(^٢) وانظر «الأوسط» (١٣/ ١٠٥).","vol":"9","page":215},{"text":"أرادا الدية؛ فلهما الدية جميعًا.\n• وقال الحنفية: تقطع يمينه لهما، ولكل واحد نصف الدية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5011>مسألة [٣٩]: إذا قطع رَجلٌ يمين شخص، ويسار آخر</span>.\nقال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٣/ ١٠٣): وإذا قطع يد رجل اليمنى، ويد آخر اليسرى، اقتص منه لهما جميعًا. وفي قول مالك والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، ولا أحفظ في ذلك عن أحد لقيته خلافًا. اهـ\n_________\n(^١) وانظر «الأوسط» (١٣/ ١٠٥).","vol":"9","page":216},{"text":"١١٦٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيَّا أَوْ رِمِّيًّا بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ، أَوْ عَصًا، فَعَلَيْهِ عَقْلُ الخَطَأِ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا، فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5012>مسألة [١]: معنى قوله: «عِمِّيًّا أَوْ رِمِّيًّا»</span>.\nالعميا: بكسر العين المهملة، وتشديد الميم، والياء المثناة من تحت بالقصر، فِعِّيلى من العمى، ورميا بزنة الأول مصدران يُراد بهما المبالغة.\nقال في «النهاية» (٣/ ٣٠٥): العميا بالكسر والتشديد والقصر، فِعِّيلى من العَمَى، كالرمِّيَّا من الرمي، والخصيصى من التخصيص، وهي مصادر، والمعنى أن يوجد بينهم قتيل يَعْمَى أمره، ولا يتبين قاتله؛ فحكمه حكم قتيل الخطإ تجب فيه الدية. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5013>مسألة [٢]: إذا قتل قتيل بين أناس لا يعلم من قتله</span>.\nويكون قتله إما بسبب زحام، أو حصل بينهم ضرب بدون سلاح، أو ما أشبه\n_________\n(^١) الراجح إرساله. أخرجه أبوداود (٤٥٤٠)، والنسائي (٨/ ٣٩ - ٤٠)، وابن ماجه (٢٦٣٥)، من طريق سليمان بن كثير عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس به. وعندهم زيادة: «والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل»، وسليمان بن كثير قد شذ في وصله، فقد رواه حماد بن زيد وسفيان بن عيينة بدون ذكر ابن عباس، رواه أبوداود (٤٥٣٩)، من طريقهما كذلك. قال الدارقطني في «العلل» (١١/ ٣٥ - ٣٦): رواه إسماعيل بن مسلم وسليمان بن كثير عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وخالفهم حماد بن زيد فرواه عن عمرو عن طاوس مرسلًا، وهو الصحيح. اهـ","vol":"9","page":217},{"text":"ذلك.\n• فمن أهل العلم من قال: ديته على من كان حاضرًا. وهو قول الزهري، والحسن؛ لأنه مات بفعلهم، فلا تتعداهم إلى غيرهم.\n• ومنهم من يقول: يهدر. وهو قول مالك.\n• ومنهم من يقول: يدعي على من شاء، ويحلف على ذلك؛ فإن أبى؛ حلف المدَّعى عليه. وهو قول الشافعي.\n• ومنهم من يقول: ديته في بيت المال. وهذا قول سعيد بن المسيب، وعروة ابن الزبير، وهو قول أحمد، وإسحاق بن راهويه، وابن حزم، وصح ذلك عن عمر، وعلي -﵄-، وهو الصحيح؛ لأنَّ دم المسلم لا يهدر، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث القسامة وَدَى المسلمَ من عنده حين لم يتبين قاتله، ولا يصح أن يحمل أحدٌ الدية بمجرد الظن؛ لأنَّ أموال المسلمين محرمة. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (٢٠٧٨) «سبل السلام» (٣/ ٤٩٢) «الفتح» (٦٨٩٠) «المغني» (١٢/ ١٩٤).","vol":"9","page":218},{"text":"١١٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الآخَرُ يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ القَطَّانِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّ البَيْهَقِيَّ رَجَّحَ المُرْسَلَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5014>مسألة [١]: إذا أمسك الرجلُ الرجلَ وقتله آخر</span>؟\nلا خلاف بين أهل العلم أنَّ الذي باشر القتل يُقتل، واختلفوا في الممسك.\n• فمنهم من يقول: يُقتل الممسك أيضًا. وهو قول مالك، وسليمان بن موسى، والليث، وأحمد في رواية؛ لأنه شاركه في القتل، ولو لم يمسكه ما قتله.\n• ومنهم من يقول: يحبس حتى يموت. وهو قول عطاء، وربيعة، وأحمد في رواية. واستدل لذلك بحديث الباب؛ ولأنه أمسك للقتل، فيمسك محبوسًا حتى يموت، وهو قول ابن حزم، وجاء عن علي -﵁- بسند منقطع.\n• وقال جماعةٌ من الفقهاء: يعاقبه الإمام، ويأثم، ولا يقتل. وهذا قول أبي\n_________\n(^١) الراجح إرساله. أخرج الموصول الدارقطني (٣/ ١٤٠)، والبيهقي (٨/ ٥٠)، من طريق أبي داود الحفري عن الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر فذكره.\nوقد خالف أبا داود وكيعٌ فرواه عن الثوري عن إسماعيل بن أمية قال: قضى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فذكره مرسلًا. وتابع الثوري على هذه الرواية معمر وابن جريج كما في «سنن الدارقطني» (٣/ ١٤٠)، قال البيهقي في «سننه» (٨/ ٥٠) بعد أن ذكر الرواية الموصولة: هذا غير محفوظ، والصواب ما أخبرنا ... فأسنده من طريق وكيع عن الثوري عن إسماعيل بن أمية مرسلًا.\n\nقلتُ: وإسماعيل بن أمية لم يسمع من أحد من الصحابة فمرسله معضل.","vol":"9","page":219},{"text":"حنيفة، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، ورجحه الصنعاني، وهو أقرب، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: الذين يقولون بقتل الممسك يقيدون ذلك بما إذا أمسكه وهو يعلم أنَّ الآخر يريد قتله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5015>مسألة [٢]: من أمر عبده بقتل إنسان، فقتله العبد</span>؟\nأما إذا كان حديث عهد بإسلام لا يعلم تحريم القتل، أو يظن أنه يجب عليه طاعة سيده بذلك؛ فيعذر بجهله، والقصاص على السيد؛ لأنه أصبح كالآلة في يده، ويؤدب العبد.\nوأما إن كان عالمًا بالتحريم، فاختلفوا:\n• فمنهم من يقول: يقتل السيد؛ لأنه الآمر، والعبد كالآلة في يده، ويحبس العبد. نُقل عن علي -﵁- بسند فيه ضعف. وهذا القول صح عن أبي هريرة -﵁-، وهو قول أحمد في رواية، وإسحاق، ومال إليه ابن حزم.\n• ومنهم من يقول: يقتلان جميعًا. وهو قول قتادة، وابن القاسم المالكي.\n• وقال سليمان بن موسى: يديه السيد، ويُعاقب ويحبس، ولا يقتل أحدهما.\n• ومنهم من يقول: يُقتل العبد، ويُعاقب السيد الآمر. وهو قول الثوري، والحكم، وحماد، والشعبي، والنخعي، وداود، والشافعي، وأحمد في رواية. وهذا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٩٦) «المحلى» (٢٠٩٧) «سبل السلام» (٣/ ٤٩٣) «الأوسط» (١٣/ ٨٦).","vol":"9","page":220},{"text":"القول هو الصحيح، والله أعلم، ورجحه الشوكاني. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5016>مسألة [٣]: إن أمر صبيًّا لا يميز، أو مجنونًا بقتل إنسان</span>؟\n• مذهب الشافعي، وأحمد أن الآمر لهما هو الذي يتحمل الجناية، فيقتل الآمر، أو يدفع الدية إن رضي أولياء المقتول بذلك، وهو أيضًا مذهب المالكية، إلا أن الصبي عندهم مشارك في القتل؛ فعليه نصف الدية على عاقلته.\n• وظاهر مذهب الثوري، وزفر، والحسن بن زياد أنَّ الجناية يتحملها الصبي، قال الثوري: ويرجع بها على الذي أمره. وقال الآخران: على عاقلته ترجع بها على الذي أمره. وهو قول الحنابلة، والشافعية فيما إذا كان الصبي مميزًا.\nقلتُ: قول الشافعي، وأحمد هو الأقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5017>مسألة [٤]: إن أمر السلطان رجلًا أن يقتل رجلًا غير مستحق للقتل، فقتله</span>؟\n• ذكر الحنابلة، والشافعية أنه إن كان القاتل يعلم أنه لا يستحق القتل؛ فالقصاص عليه دون السلطان، وإن لم يعلم ذلك؛ فالقصاص على الآمر دون المأمور، وإن قتله وهو يعلم أنه لا يستحق، ولكن أكرهه السلطان على ذلك؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٩٨) «الحاوي» (١٢/ ٧٨) «المحلى» (٢٠٩٦) «الإنصاف» (٩/ ٤٧٧) «السيل» (ص ٨٨٧) «الأوسط» (١٣/ ٨٩).\n(^٢) انظر: «الحاوي» (١٢/ ٧٩) «المدونة للفقه المالكي» (٥/ ٤٨١ -) «الإنصاف» (٩/ ٤٧٦ -) «المغني» (١١/ ٥٩٨) «المحلى» (٢٠٩٦).","vol":"9","page":221},{"text":"فيقاد السلطان.\nواختلفوا هل يقاد المأمور؟\n• فمنهم من قال: يقاد. وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي في الأصح؛ لأنَّ الإكراه لا يبيح له القتل بغير حق.\n• ومنهم من يقول: لا يقاد. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في قول.\nقلتُ: وتقدم في المسألة (٦) من أول كتاب الجنايات: قول زفر أنه يقتل المكرَه فقط. وهو أقرب الأقوال، والله أعلم. (^١)\nفائدة: إن أمر إنسانًا بقتل آخر، فقتله بغير سلطان ولا إكراه؛ فالمأمور هو الذي يستحق القصاص عند أهل العلم، وممن نص على ذلك: عطاء، وسليمان ابن موسى، والحكم، وحماد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٩٨ -) «الحاوي» (١٢/ ٧٢ -) «البيان» (١١/ ٣٥٠ - ٣٥١).\n(^٢) «المغني» (١١/ ٥٩٩) «الأوسط» (١٣/ ٨٦).","vol":"9","page":222},{"text":"١١٧١ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ البَيْلَمَانِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَتَلَ مُسْلِمًا بِمُعَاهَدٍ، وَقَالَ: «أَنَا أَوْلَى مَنْ وَفَى بِذِمَّتِهِ». أَخْرَجَهُ عَبْدُالرَّزَّاقِ هَكَذَا مُرْسَلًا، وَوَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِذِكْرِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَإِسْنَادُ المَوْصُولِ وَاهٍ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nاستدل الحنفية بهذا الحديث على أنَّ المسلم يقتل بالذمي، وهو حديث ضعيف، وخالفهم الجمهور كما تقدم.\nواستدلوا بالحديث المتقدم برقم (١١٦٢)، وفيه: «ولا يقتل مسلم بكافر».\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه مرسلًا عبدالرزاق (١٠/ ١٠١) عن الثوري عن ربيعة عن عبدالرحمن بن البيلماني فذكره بنحوه. وأخرج الموصول الدارقطني (٣/ ١٣٤ - ١٣٥)، من طريق إبراهيم بن محمد الأسلمي عن ربيعة عن عبدالرحمن بن البيلماني عن ابن عمر فذكره.\nقال الدارقطني: لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث، والصواب عن ربيعة عن ابن البيلماني مرسل عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف بما يرسله، والله أعلم. اهـ «السنن» (٣/ ١٣٥).","vol":"9","page":223},{"text":"١١٧٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قُتِلَ غُلَامٌ غِيلَةً (^١)، فَقَالَ عُمَرُ: لَوِ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأثر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5018>مسألة [١]: إذا اجتمع جماعة على قتل رجل</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه يجب القصاص عليهم جميعًا إذا كان كل واحد منهم لو انفرد بفعله وجب عليه القصاص، وممن قال بقتلهم جميعًا سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وقتادة، وأصحاب المذاهب الأربعة، والثوري، والأوزاعي وغيرهم.\nوهذا القول صح عن عمر -﵁- كما في الباب، وقد صحَّ في «مصنف ابن أبي شيبة» أنَّ الذين اشتركوا في قتله كانوا سبعة، فقتلهم عمر به.\nوصح عن علي -﵁- كما في «المصنف» أيضًا أنه قتل ثلاثة برجل؛ وذلك لأنهم قد اشتركوا في القتل، وأُطْلِق على كل واحد منهم قاتل؛ ولأنَّ عدم القصاص يؤدي إلى فتح باب القتل.\n• وقال بعضهم: ليس في ذلك القصاص، وإنما الدية. وهذا قول الزهري، وابن سيرين، وربيعة، وداود، وأحمد في رواية، وابن المنذر.\n_________\n(^١) هو أن يخدع شخصًا حتى يصير به إلى موضع خفي فيقتله.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٨٩٦).","vol":"9","page":224},{"text":"• ونُقل عن ابن سيرين، والزهري أنه يقتل منهم واحد، ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية.\n• وصح عن ابن الزبير أنه كان يقتل منهم واحدًا، ورُوي عن معاذ بسند ضعيف أنه قال لعمر: ليس لك أن تقتل نفسين بنفس. وفي إسناده مجهول.\nوحجة أصحاب هذا القول عدم المكافأة، وقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وكما لا تقطع يدان بيد؛ فكذلك لا تقتل نفسان بنفس.\nوالقول الأول هو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5019>مسألة [٢]: إذا قطع رجل يد آخر من الكوع، ثم قطعها آخر من المرفق، فمات</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنها إن كانت قد برأت؛ فالقاتل هو الثاني فقط، وإن لم تكن قد برأت؛ فالقاتل هو الأول والثاني جميعًا.\n• ومذهب أبي حنيفة أنَّ القاتل هو الثاني مطلقًا؛ لأنَّ الموت حصل بعد جنايته.\n• ومذهب مالك أنَّ الثاني إن قطع عقيب الأول؛ فالاثنان، وإن تأخر حتى أكل، أو شرب؛ فعلى الثاني.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٩٠) «الفتح» (٦٨٩٦) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٣٤٨) «عبدالرزاق» (٩/ ٤٧١ -) «البيان» (١١/ ٣٢٦) «الأوسط» (١٣/ ٦٥ - ٦٧).","vol":"9","page":225},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله له: إن تابعه في القطع؛ فعليهما، وإن تأخر حتى ظهرت علامات الشفاء، ولم يظن الموت من الجناية الأولى؛ فالظاهر أنها على الثاني، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5020>مسألة [٣]: إذا اجتمع جماعة على رجل فقطعوا يده</span>؟\n• من أهل العلم من قال: تقطع يد كل واحد منهما. كما تقدم في النفس، وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم.\n• ومنهم من يقول: لا تقطع. وهو قول الحسن، والزهري، والثوري، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، ووجهٌ في مذهب أحمد.\nوالراجح هو القول الأول كما تقدم في النفس. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5021>مسألة [٤]: إذا اشترك الأب مع غيره في قتل ولده</span>؟\n• من أهل العلم من يقول: يجري القصاص على شريك الأب فقط. وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور.\n• وقال بعضهم: لا قصاص عليهما. وهو قول أصحاب الرأي، وأحمد في رواية.\nوالصحيح الأول. (^٣)\n_________\n(^١) «المغني» (١١/ ٤٩٢ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٩٣ -) «الأوسط» (١٣/ ٦٨).\n(^٣) انظر: «المغني» (١١/ ٤٩٦ -).","vol":"9","page":226},{"text":"تنبيه: مثل المسألة السابقة لو اشترك إنسان يجري عليه القصاص مع آخر لا يجري عليه القصاص، مثل لو اشترك المسلم والذمي في قتل ذميٍّ؛ فإنَّ الذمي يقتل، وعلى المسلم نصف دية الذمي. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5022>مسألة [٥]: لو اشترك صبي، ومجنون، وعاقل بالغ في قتل شخص</span>؟\n• من أهل العلم من قال: القصاص على البالغ العاقل؛ لأنَّ كل واحد منهم قتل، وامتنع القصاص من الصبي، والمجنون؛ لعدم التكليف. وهذا قول مالك، والشافعي في قول، وأحمد في رواية، وهو قول قتادة، والزهري، وحماد.\nوعند هؤلاء على الصبي والمجنون نصف الدية، جعلها مالك والشافعي في مال الصبي، أو المجنون، وجعلها الآخرون على العاقلة، وهو أقرب؛ لأن جناية الصبي والمجنون في حكم الخطأ، وإن كانت عمدًا.\n• ومنهم من يقول: عليهم الدية، ولا قصاص على أحد؛ لأنَّ عمد الصبي، والمجنون كالخطإ.\nوهذا قول الحسن، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي حنيفة، وقول للشافعي، والأصح عن أحمد. وقال به أبو يوسف، ومحمد بن الحسن.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) «المغني» (١١/ ٤٩٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٩٨) «الأوسط» (١٣/ ٦٨).","vol":"9","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5023>مسألة [٦]: لو اشترك في القتل رجل مخطئ، وآخر متعمد</span>؟\n• مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة أنه لا يجب القصاص على واحد منهما؛ لأنَّ الروح لم تخرج عن عمد محض، ويمكن أن يكون هلاك النفس من فعل الذي لا قصاص عليه، وإذا لم يمكن الدم؛ وجب بدله، وهو الدية.\n• ومذهب مالك أنه يجب القصاص على العامد منهما، وهو رواية عن أحمد؛ لأنه تعمد القتل، وحصل ذلك، وهو شريك فيه؛ فيقاد.\nوهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5024>مسألة [٧]: لو قتله إنسان، فشاركه بنفسه في نفسه، أو اشترك إنسان مع سَبُع</span>؟\n• في ذلك وجهان للحنابلة، والشافعية، ومذهب الحنفية عدم القصاص؛ لأنه شاركه من لا ضمان عليه؛ فهو أولى بعدم القصاص من المخطئ؛ فإنَّ عليه الضمان.\nقلتُ: الأظهر أنَّ عليه القصاص، وهو يوافق ما تقدم تقريره. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5025>مسألة [٨]: إذا اجتمع حرٌ وعبدٌ على قتل حر</span>؟\n• ذهب النخعي والثوري إلى أنهما يقتلان جميعًا إذا شاء الولي.\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١١/ ٣٢٨) «البداية» (٤/ ٢٢٤) «الشرح الممتع» (٦/ ٤٩) «المغني» (١١/ ٥٠٢ - ٥٠٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٥٠٣) «البيان» (١١/ ٣٢٩).","vol":"9","page":228},{"text":"• وذهب الزهري وقتادة إلى أنه يقتل الحر، وأما العبد فله قتله، وله استخدامه.\n• وذهب الإمام الشافعي -﵀- إلى أن الأولياء إن شاءوا قتلوهما جميعًا، وإن شاءوا عفوا عنهما، وإن شاءوا قتلوا الحر، وبيع العبد في نصف الدية؛ إلا أن يفدي السيد عبده.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ما ذهب إليه الإمام الشافعي -﵀- في هذه المسألة هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5026>مسألة [٩]: إذا اشترك جماعة في القتل، فهل للأولياء أن يعفوا عن البعض دون بعض</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ لهم العفو عن بعضٍ دون بعض، ولا يسقط القصاص عن البعض بالعفو عن البعض؛ لأنهما شخصان أو أكثر؛ فلا يسقط القصاص عن أحدهما بإسقاطه عن الآخر، كما لو قتل كل واحد رجلًا. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (١٣/ ٥٢).\n(^٢) «المغني» (١١/ ٥٩١).","vol":"9","page":229},{"text":"١١٧٣ - وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الخُزَاعِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إمَّا أَنْ يَأْخُذُوا العَقْلَ أَوْ يَقْتُلُوا». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (^١)\n\n١١٧٤ - وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5027>مسألة [١]: خيار أولياء المقتول بين القصاص والدية</span>.\nدلَّ حديث الباب على أنَّ من قُتِل له قتيلٌ عمدًا؛ فأولياؤه بالخيارين: بين القصاص، والدية، وعلى هذا العمل عند أهل العلم.\n• إلا أنَّ مالكًا استثنى قتل الغيلة، فقال: ليس لولي الدم العفو عنه؛ وذلك إلى السلطان، وهو قول أبي الزناد.\nوالغيلة عنده أن يخدع الإنسان فيدخل بيتًا، أو نحوه فيقتله، واستدل لذلك بحديث عمر -﵁- أنَّ غلامًا قتل غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء؛ لقتلتهم به. وجعله كالمحارب.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لعموم الحديث، والله أعلم، وليس في أثر عمر -﵁-\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٤٥٠٤)، ولم يخرجه النسائي، وإنما أخرج أصل الحديث (٥/ ٢٠٥)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥). في حديث طويل فيه: «ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يعقل، وإما أن يقاد». واللفظ للبخاري.","vol":"9","page":230},{"text":"عدم اعتبار قول أولياء الدم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5028>مسألة [٢]: من هم أهل القتيل الذين لهم الخيار</span>؟\n• من أهل العلم من قال: إنَّ المراد عصبته.\nوهو قول الزهري، ومالك، ووجهٌ للشافعية؛ وذلك لأنَّ القصاص يدفع العار عن النسب، فاختص به العصبات، كولاية النكاح؛ فإن اقتصوا فلا كلام، وإن عفوا على مالٍ؛ كان لجميع الورثة.\n• وقال بعضهم: هم الذين يرثونه بالنسب لا بالسبب.\nوهو قول ابن شبرمة، ووجهٌ للشافعية.\n• ومنهم من قال: هم جميع الورثة بالنسب وبالسبب. وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، والجمهور؛ لأنَّ الحديث فيه التخيير بين القصاص والدية؛ فجعل القود لمن جعل له الدية، ولا خلاف أنَّ الدية لجميع الورثة؛ ولأنَّ قوله «فَأَهْلُهُ» يشمل الرجال والنساء، العصبة وغيرهم.\nوثبت عن عمر بن الخطاب -﵁-، ما يؤيد ذلك كما في «الأوسط» (١٣/ ١١٤).\n• ومنهم من أخرج النساء مطلقًا كالزهري، والليث، والأوزاعي، والحسن، وقتادة. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٤٦٠) «الفتح» (٦٨٨١) «الأوسط» (١٣/ ٨٥).\n(^٢) انظر: «البيان» (١١/ ٣٩٧ - ٣٩٨) «بداية المجتهد» (٤/ ٢٣١ - ٢٣٢) «المغني» (١١/ ٥٨١).","vol":"9","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5029>مسألة [٣]: إذا اختار أولياء المقتول الدية، فهل يُشترط رضى القاتل بذلك، أم له أن يرفض، ويطلب القصاص</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ الخيار إلى ولي الدم، ولا عبرة بقول الجاني؛ لظاهر حديث الباب، وهذا قول سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور وغيرهم.\n• وذهب النخعي، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة إلى أنه يُعتبر رضى الجاني بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة:١٧٨]، والمكتوب لا يتخير فيه.\n• وعن مالك رواية كقوله الجمهور، وهو الصواب؛ للحديث المتقدم؛ ولأنَّ الآية المذكورة فيها ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨]، وذلك هو العفو، وقبول الدية في العمد كما فسره ابن عباس (^١) وغيره. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5030>مسألة [٤]: إذا كان بعض أولياء المقتول غائبًا، فهل يُقاد بغير إذنه</span>؟\nنقل ابن قدامة، والعِمراني عدم الخلاف في أنه ليس للحاضر الاستيفاء بغير إذن الغائب؛ لأنَّ له حق في الخيار. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5031>مسألة [٥]: إن كان في أولياء الدم صبي، أو مجنون</span>؟\n• من أهل العلم من قال: ليس لهم الاستيفاء حتى يبلغ الصبي، ويفيق\n_________\n(^١) أثر ابن عباس -﵄- في «صحيح البخاري» (٤٤٩٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٥٩١) «الفتح» (٦٨٨١) «البيان» (١١/ ٤٣١).\n(^٣) انظر: «المغني» (١١/ ٥٧٦) «البيان» (١١/ ٤٠١).","vol":"9","page":232},{"text":"المجنون. وبهذا قال ابن أبي ليلى، وأحمد في ظاهر مذهبه، والشافعي، وإسحاق، وأبو يوسف، ونُقل عن عمر بن عبد العزيز؛ وذلك لأنَّ للصغير والمجنون في ذلك حقًّا؛ فلا يفوت عليه. قال بعضهم: ويحبس حتى يبلغ الصبي، ويعقل المجنون.\n• وقال جماعةٌ من أهل العلم: للكبار العقلاء استيفاء القصاص. وهو قول الحسن، وحماد، ومالك، والليث، والأوزاعي، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ ولاية القصاص هي استحقاق استيفائه، وليس للصغير ولاية؛ ولأنَّ الحسن بن علي قَتل ابنَ ملجم، وكان هناك ورثة صغار، وهذا الأثر في إسناده ضعفٌ؛ ففيه مبهم كما في «مصنف ابن أبي شيبة» و«سنن البيهقي».\nثم وجدت له طريقًا أخرى عند ابن سعد (٣/ ٣٩ - ٤٠)، وفي إسناده: عمرو ابن عبدالله الأصم الهمداني وهو مجهول، ترجمته في «الجرح والتعديل»، وطريقًا أخرى عند الطبري في «تهذيب الآثار» رقم (١٣٧) من [مسند علي] بإسناد منقطع؛ فالأثر يثبت بهذه الطرق.\nقال الطبري -﵀- في «تهذيب الآثار» (ص ٧١) من [مسند علي]: أهل السير لا تدافع بينهم أن عليًّا رضوان الله عليه إنما أمر بقتل قاتله ونهى عن أن يمثل به. اهـ\nورجَّح الإمام ابن عثيمين القولَ الأول، واستثنى أصحابُ القول الأول","vol":"9","page":233},{"text":"المجنونَ، فقالوا: لوليه العفو للدية؛ لأنَّ الجنون لا يُدرى متى يزول، وبعضهم استثنى الصبي إذا كان فقيرًا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جعل لأهله الخيار عقب القتل؛ دلَّ على أنَّ الاعتبار بمن له رأي، وعليه فولي الصبي والمجنون يقوم مقامه، وله أن يقبل القصاص، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5032>مسألة [٦]: إن قتله بعض الأولياء بغير إذن الباقين</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والحنفية أنه لا قصاص عليه، وهو قولٌ للشافعي؛ لأنه مشارك في استحقاق القتل؛ فلم يجب عليه القصاص، كما لو كان مشاركًا في ملك الجارية ووطئها.\n• وللشافعي قولٌ أنَّ عليه القصاص؛ لأنه ممنوع من قتله، والقصاص قد يجب بإتلاف بعض النفس كما لو قتل جماعةٌ واحدًا. والقول الأول أصح عند الشافعية.\nوقد أُجيب عن قولهم المذكور بأنَّ القصاص من الجماعة للواحد ليس موجبه قتل بعض النفس، وإنما كل واحد منهم يجعل قاتلًا لجميعها، وإن سلم؛ فمن شرطه المشاركة لمن فعله كفعله في العمد، والعدوان، ولا يتحقق ذلك هنا. والقول الأول أرجح فيما يظهر، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٧٦) «البيان» (١١/ ٤٠١) «المغني» (١١/ ٥٩٣ - ٥٩٤) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٣٦٨) «سنن البيهقي» (٨/ ٥٨) «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٤٠، ١٤٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٥٧٨ -) «البيان» (١١/ ٤٠٢).","vol":"9","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5033>مسألة [٧]: إن قتله أحدهما بعد عفو الآخر عالمًا بذلك</span>؟\n• عليه القصاص، سواء حكم بذلك الحاكم أم لا، وهذا مذهب الحنابلة، والحنفية، وأبي ثور، وظاهر مذهب الشافعية. واختاره ابن المنذر.\n• وللشافعي قول أنه لا يجب القصاص؛ لأنه له فيه شبهة؛ لوقوع الخلاف فيه، والصحيح القول الأول.\nتنبيه: إذا كان القاتل جاهلًا بأنه قد وقع العفو فأكثرهم على أنه لا قصاص عليه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5034>مسألة [٨]: إن قتل القاتلَ إنسانٌ متعدِّيًا غير أولياء الدم</span>؟\n• من أهل العلم من قال: على قاتله القصاص، ولورثة الأول الدية في تركة الجاني الأول. وهو قول أحمد، والشافعي.\n• وقال الحسن، ومالك: يُقتل قاتله، ويبطل دم الأول؛ لأنه فات محله، أشبه ما لو قتل العبدَ الجاني. ورُوي عن قتادة، وأبي هاشم أنه لا قود على الثاني؛ لأنه قتل مباحَ الدم؛ فلم يجب بقتله قصاص، كالزاني المحصن.\nوأجاب أهل القول الأول بأنَّ وجوب القصاص لم يتحتم، ولم يبح لغير ولي الدم قتله، وعند تعذر القصاص؛ وجبت الدية. والقول الأول هو الصحيح. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٨٣) «البيان» (١١/ ٤٠٣) «الأوسط» (١٣/ ١٢٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٤٨٠ -) «الأوسط» (١٣/ ١٠٦).","vol":"9","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5035>مسألة [٩]: فإذا كان القتل الثاني خطأً</span>؟\n• قال جماعة من أهل العلم: لا شيء لورثة المقتول الأول، والدية لورثة الثاني، وهو قول الحسن، وحماد، والنخعي.\n• وقال جماعة من أهل العلم: الدية لورثة المقتول الأول، وهو قول عطاء والزهري، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وابن المنذر.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: كل من القتيلين يستحق الدية، فالأول يستحق أولياؤه الدية لفوات محل القصاص، والثاني يستحق أولياؤه الدية لأنه قتل خطأً، وعليه فمصير الدية لورثة القتيل الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5036>مسألة [١٠]: إن كان القاتل للجاني هو العافي</span>؟\n• عليه القصاص، سواء عفا مطلقًا أو إلى مال، عند جمع من العلماء، منهم: عكرمة، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وابن المنذر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨ /المائدة:٩٤]، فسرت بذلك.\n• ورُوي عن الحسن: تؤخذ منه الدية ولا يقتل.\n• وقال عمر بن عبد العزيز: الحكم فيه إلى السلطان.\nوالقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (١٣/ ١٠٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٥٨٣ - ٥٨٤) «الأوسط» (١٣/ ١٢٥).","vol":"9","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5037>مسألة [١١]: إذا عفا ولي الدم عن القاتل، فهل يُعاقِب الإمامُ القاتل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٨٤): وَإِذَا عَفَا عَنْ الْقَاتِلِ مُطْلَقًا؛ صَحَّ وَلَمْ تَلْزَمْهُ عُقُوبَةٌ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُضْرَبُ، وَيُحْبَسُ سَنَةً.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاحِدٌ، وَقَدْ أَسْقَطَهُ مُسْتَحِقُّهُ؛ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الدِّيَةَ عَنْ الْقَاتِلِ خَطَأً. اهـ\nقلتُ: الذي يظهر أنَّ للإمام أن يعاقب من يصنع ذلك بما يردعه وأمثاله عن هذا العمل، والله أعلم.\nوقد قال بذلك أبو ثور إذا علم منه الشر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5038>مسألة [١٢]: إذا عفا بعض أولياء الدم عن القصاص</span>؟\nقال يحيى بن سالم العِمراني -﵀- في «البيان» (١١/ ٤٣٣): وإن كان القصاص لجماعة، فعفا بعضهم عن القود؛ سقط القود عن القاتل؛ لقوله - ﷺ -: «فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية»، وهؤلاء لم يحبوا؛ لأنَّ فيهم من يحب، وفيهم من لا يحب.\nثم نقل عن عمر، وابن مسعود -﵄- القول بذلك.\nقال: ولا مخالف لهما من الصحابة؛ فدل على أنه إجماع. اهـ\n_________\n(^١) «البداية» (٤/ ٢٣٣) «الأوسط» (١٣/ ١٢٧).","vol":"9","page":237},{"text":"قلتُ: أثر عمر، وابن مسعود -﵄- صحيحان كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٩/ ١٦٢) و«البيهقي» (٨/ ٥٩)، ولكن قد خالف بعض المالكية، فقالوا بالقصاص، وإن حصل عفوٌ من البعض، وهو قولٌ ضعيف. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5039>مسألة [١٣]: إذا عفا المقتول عمدًا عن دمه قبل أن يموت</span>؟\n• قال جماعةٌ من أهل العلم يمضي ذلك، ويكون جائزًا على الورثة. وهو قول مالك، والأشهر عند الحنابلة، وأبي حنيفة، والأوزاعي، والشافعي في قول؛ لأنَّ الحق المذكور مقابل نفس المقتول؛ فهو له، وإنما ناب الولي منابه، وأقيم مقامه؛ فكان المقتول أحق بالخيار من الذي أقيم مقامه بعد موته، وهو قول طاوس، والحسن، وقتادة.\n• وقال جماعة من أهل العلم: لا يلزم عفوه، والأولياء بالخيار. وهذا قول أبي ثور، ووجه للحنابلة، والشافعي في القديم، وداود الظاهري وغيرهم، وعمدتهم الحديث: «فمن قتل له قتيل؛ فأهله بين خيرتين»، فجعل الخيار للورثة؛ فدلَّ على أنَّ ذلك حق لهم، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5040>مسألة [١٤]: إذا جنى على الإنسان جناية فيما دون النفس جناية فيها القصاص، فعفا، ثم مات</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة أنه لا يجب القصاص بعد؛ لأنه يتعذر\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٨١).\n(^٢) انظر: «بداية المجتهد» (٤/ ٢٣٢) «الإنصاف» (٩/ ٥٠٧) «الأوسط» (١٣/ ١٢٢).","vol":"9","page":238},{"text":"استيفاء القصاص في النفس دون ما عفا عنه؛ فيسقط، كما لو عفا بعض الأولياء.\n• وقال مالك: فيه القصاص؛ لأنَّ الجناية صارت في النفس، ولم يعف عنها؛ إلا أن يقول: عفوت عن الجراحات وعما تؤول إليه. (^١)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٨٧): فَإِنْ كَانَ عَفَا عَلَى مَالٍ؛ فَلَهُ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَإِنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ؛ وَجَبَتْ الدِّيَةُ، إلَّا أَرْشَ الْجُرْحِ الَّذِي عَفَا عَنْهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ صَارَتْ نَفْسًا، وَحَقُّهُ فِي النَّفْسِ لَا فِيمَا عَفَا عَنْهُ. اهـ\nوبقول أبي حنيفة قال المزني من الشافعية، وبقول أحمد، والشافعي، يقول الثوري أيضًا.\nقلتُ: والذي يظهر لي -والله أعلم- أن فيه القصاص، سواء عفا إلى مال، أو بدون مال؛ لأنه الجناية صارت في النفس وهو إنما عفا عن عما دون النفس، والله أعلم. (^٢)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٨٧): فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ لَا قِصَاصَ فِيهِ، كَالْجَائِفَةِ وَنَحْوِهَا، فَعَفَا عَنْ الْقِصَاصِ فِيهِ، فَسَرَى إلَى النَّفْسِ، فَلِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَمْ يَجِبْ فِي الْجُرْحِ، فَلَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْقِصَاصُ بَعْدَ عَفْوِهِ، وَلَهُ الْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ، وَلَهُ كَمَالُ الدِّيَةِ. وَإِنْ عَفَا عَنْ دِيَةِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٨٦ -) «البداية» (٤/ ٢٣٢ -) «البيان» (١١/ ٤٣٦).\n(^٢) وانظر: «بداية المجتهد» (٤/ ٢٣٣) «البيان» (١١/ ٤٣٦).","vol":"9","page":239},{"text":"الْجُرْحِ؛ صَحَّ، وَلَهُ بَعْدَ السِّرَايَةِ دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا أَرْشَ الْجُرْحِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5041>مسألة [١٥]: إذا عفا المجني عليه عن الجاني، في الجراح وما يسري منه فهل يشمل عفوه سقوط الدية عن النفس</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٩٠): فَإِنْ قَالَ: عَفَوْت عَنْ الْجِنَايَةِ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا، صَحَّ عَفْوُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي سِرَايَتِهَا قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَسَوَاءٌ عَفَا بِلَفْظِ الْعَفْوِ أَوْ الْوَصِيَّةِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِصِحَّةِ عَفْوِ الْمَجْرُوحِ عَنْ دَمِهِ؛ مَالِكٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ.\nوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إذَا قَالَ: عَفَوْت عَنْ الْجِنَايَةِ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا. فَفِيهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَصِيَّةٌ، فَيُبْنَى عَلَى الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ، وَفِيهَا قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ، فَتَجِبُ دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا دِيَةَ الْجُرْحِ. وَالثَّانِي، يَصِحُّ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ سَقَطَ، وَإِلَّا سَقَطَ مِنْهَا مَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ، وَوَجَبَ الْبَاقِي.\nوَالْقَوْلُ الثَّانِي، لَيْسَ بِوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ فِي الْحَيَاةِ، فَلَا يَصِحُّ، وَتَلْزَمُهُ دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا دِيَةَ الْجُرْحِ.\nوَلَنَا، أَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ، فَسَقَطَ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الشُّفْعَةَ بَعْدَ الْبَيْعِ، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ الْقَوَدُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، أَوْ أَحَدُ شَيْئَيْنِ، فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فَمَا تَعَيَّنَتْ الدِّيَةُ، وَلَا تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ بِمَالٍ، وَلِذَلِكَ صَحَّ الْعَفْوُ مِنْ الْمُفْلِسِ إلَى غَيْرِ مَالٍ.","vol":"9","page":240},{"text":"وَأَمَّا جِنَايَةُ الْخَطَأِ، فَإِذَا عَفَا عَنْهَا وَعَمَّا يَحْدُثُ مِنْهَا، اُعْتُبِرَ خُرُوجُهَا مِنْ الثُّلُثِ، سَوَاءٌ عَفَا بِلَفْظِ الْعَفْوِ أَوْ الْوَصِيَّةِ أَوْ الْإِبْرَاءِ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ، صَحَّ عَفْوُهُ فِي الْجَمِيعِ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، سَقَطَ عَنْهُ مِنْ دِيَتِهَا مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَنَحْوَهُ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ هَاهُنَا بِمَالٍ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الحق في العفو عن القتل للورثة، والدية حق لهم؛ فليس لغيرهم أن يعفو عن ذلك؛ لما تقدم ذكره في المسألة السابقة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5042>مسألة [١٦]: إن قطع يده، فعفا عنه، ثم عاد الجاني فقتله</span>؟\n• للولي القصاص عند الحنابلة، والشافعية؛ لأنَّ القتل انفرد عن القطع، فعفوه عن القطع لا يمنع ما يلزم بالقتل. وهو مقتضى مذهب أبي حنيفة، ومالك.\n• وقال بعض الشافعية: لا قصاص؛ لأنَّ العفو حصل عن البعض؛ فلا يقتل به، كما لو سرى القطع إلى نفسه.\nوالصحيح القول الأول.\n• وإذا اختار الدية، فقال بعضهم: إن كان عفا في الطرف إلى غير دية؛ فله بالقتل نصف الدية. وهذا قول بعض الحنابلة، وظاهر مذهب الشافعي.\n• وقال بعض الحنابلة، وبعض الشافعية: له الدية كاملة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٩٠) «البداية» (٤/ ٢٣٢).","vol":"9","page":241},{"text":"وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5043>مسألة [١٧]: عفو المجني عليه خطأ عن الدية</span>؟\n• أكثر أهل العلم على اعتبار خروجها من الثلث؛ إلا أن يجيز الورثة، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم.\n• وقال طاوس، والحسن: يجوز في جميع المال.\nوالصحيح أنها لا تخرج إلا من الثلث؛ فإن كانت الدية أكثر؛ فيسقط منها بقدر الثلث. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5044>مسألة [١٨]: إذا قُتِل إنسان ليس له وارث</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٩٤): وَإِذَا قُتِلَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَالْأَمْرُ إلَى السُّلْطَانِ؛ فَإِنْ أَحَبَّ الْقِصَاصَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَحَبَّ الْعَفْوَ عَلَى مَالٍ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَحَبَّ الْعَفْوَ إلَى غَيْرِ مَالٍ؛ لَمْ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا حَظَّ لَهُمْ فِي هَذَا. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْعَفْوَ عَلَى مَالٍ إلَّا بِرِضَى الْجَانِي. اهـ\nقلتُ: وبقول الحنابلة قال الشافعيةُ، وابنُ المنذر، وبقولهم نقول. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٨٨ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٥٩٠) «البداية» (٤/ ٢٣٢) «الأوسط» (١٣/ ١٢٣).\n(^٣) وانظر: «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٨٦) «الأوسط» (١٣/ ١٠٥).","vol":"9","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5045>مسألة [١٩]: إذا قتل المسلمُ رجلًا مسلمًا، وأهله كافرون</span>.\nالذي عليه أهل العلم: أنه لا دية لأهله، وعلى القاتل الكفارة لقول الله تعالى: (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة)، وقد نص على ذلك عطاء، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، وقتادة، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وابن المنذر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5046>مسألة [٢٠]: إذا أراد أولياء الدم القصاص، فأعطاهم الجاني أكثر من الدية، فهل لهم قبول ذلك</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٩٥): إنَّ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ، لَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ، وَبِقَدْرِهَا وَأَقَلِّ مِنْهَا، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5047>مسألة [٢١]: إذا قتل رجلٌ اثنين، وأولياء الأول غير أولياء الثاني</span>؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة:\n• فمذهب الحنابلة أنَّ أولياء القتيلين إن اتفقا على القتل؛ قُتل بهما، وإن اختاروا جميعًا الدية، أو بعض أولياء كل واحد منهما؛ فليس لهم إلا الدية، وإن اختار أولياءُ قتيلٍ القصاصَ، واختار أولياءُ الآخر أو بعضهم الديةَ؛ قُتل لمن اختار القود، وأُعطي أولياء الثاني الدية، سواء كان المختار للقود الثاني، أو الأول، وسواء قتلهما دفعة واحدة، أو دفعتين؛ فإن بادر أحدهما بقتله؛ وجب للآخر الدية في ماله أيهما كان.\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (١٣/ ١٣٥).","vol":"9","page":243},{"text":"• وقال مالك، وأبو حنيفة: يقتل بالجماعة، ليس لهم إلا ذلك، أو العفو جميعًا، وإن قتله واحد؛ سقط حق الباقين.\n• وقال الشافعي: يُقتل بواحد، وللآخر الدية، وإن طلبوا جميعًا القصاص. وباقي قوله كقول الحنابلة.\nوقول الحنابلة هو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5048>مسألة [٢٢]: إذا قتل إنسانًا وقطع يد آخر</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة أنه تقطع يده أولًا، ثم يُقتل؛ لأنهما جنايتان مختلفتان، فلا يتداخلان، كقطع يَدَي رَجُلَين.\n• وقال مالك: يُقتل ولا يقطع؛ لأنه إذا قُتل تلف الطرف، فلا فائدة في القطع؛ فأشبه ما لو كانا لواحد.\nوالصحيح القول الأول، وقياسه غير صحيح، لا يسلم له في الأصل ولا في الفرع. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5049>مسألة [٢٣]: الذي يتولى استيفاء القصاص</span>.\nقال العِمراني -﵀- في «البيان» (١١/ ٤٠٢): وإن قتل رجلٌ رجلًا، وله أخوان، أو ابنان من أهل استيفاء القصاص؛ لم يكن لهما أن يستوفيا القصاص\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٢٦ - ٥٢٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١١/ ٥٢٩).","vol":"9","page":244},{"text":"جميعًا؛ لأنَّ في ذلك تعذيبًا للقاتل، فإما أن يوكلا رجلًا يستوفي لهما القصاص، وإما أن يوكل أحدهما الآخر في الاستيفاء. اهـ، ثم ذكر أنهما إذا لم يفعلا يُقرع بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5050>مسألة [٢٤]: القصاص بإذن الحاكم</span>.\n• مذهب الشافعي، وجماعةٍ من الحنابلة، وغيرهم أنَّ القصاص لا يكون إلا بإذن الحاكم، أو بحضوره؛ لأنَّ ذلك يضبط الأمور، ويؤمن فيه من التعدي، والفتن، وهذا هو الحق.\nتنبيه: إذا كان الحاكم ظالمًا جائرًا ولم يبال بدم القتيل؛ فللولي أن يقتل غريمه بدون إحداث فتنة، بذلك سمعت شيخنا مقبل الوادعي -﵀- يفتي، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5051>مسألة [٢٥]: إذا قتله بغير السيف - بخنق، أو تغريق، أو هدم - هل يُفعل به مثل ذلك</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يُفعل به مثل ما فعل في القاتل. وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية. واستدلوا بالآية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، وبحديث الجارية الذي رُضَّ رأسها بين حجرين.\n• ومنهم من يقول: لا يستوفي إلا بالسيف. وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة».\nوالقول الأول هو الصحيح، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم،\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١١/ ٤٠٥) «االمغني» (١١/ ٥١٥) (١١/ ٥١٧ - ٥١٨).","vol":"9","page":245},{"text":"والصنعاني، والشوكاني رحمة الله عليهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5052>مسألة [٢٦]: إن قتله بلواط، أو سحر، أو تجريع الخمر، أو التحريق</span>؟\nلا يُقتل بذلك عند أهل العلم؛ لأنه محرم بعينه.\n• وقال بعض الشافعية في اللواط: يدخل في دبره خشبة يقتله بها. وفي الخمر: يجرعه الماء حتى يموت.\n• وأما التحريق، فمذهب الشافعي الجواز، وللحنابلة وجهان، واستدلوا على الجواز بحديث البراء: «من غرق غرقناه، ومن حرَّق حرقناه»، رواه البيهقي (٨/ ٤٣)، وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده مجاهيل. (^٢)\nوالصحيح عدم القصاص بذلك؛ لحديث أبي هريرة -﵁- في البخاري (٢٩٥٤)، عن النبي - ﷺ - قال: «إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن أخذتموهما فاقتلوهما». وأخرج أبو داود (٢٦٧٣، و٢٦٧٥) عن حمزة بن عمرو الأسلمي، وعن ابن مسعود -﵄-، عن النبي - ﷺ - قال: «إنه لا يعذب بالنار إلا رب النار»، وهو حديث صحيح. (^٣)\nثم ظهر لي أنَّ القصاص بالتحريق جائز؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦] وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠].\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١١/ ٥١٢) «البيان» (١١/ ٤١٤).\n(^٢) انظر «الإرواء» (٢٢٣٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (١١/ ٥١٣) «البيان» (١١/ ٤١٥ -).","vol":"9","page":246},{"text":"وهذه الآيات تكون مخصصة للحديث المتقدم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5053>مسألة [٢٧]: إذا قطع يد رجل، أو جرحه جرحًا، ثم ضرب عنقه</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يستوفي بالسيف في العنق. وهو قول عطاء، وأبي يوسف، ومحمد، والثوري، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث: «لا قود إلا بالسيف»، وهو حديث ضعيف كما في «البدر المنير» (٨/ ٣٩٠ - ٣٩٥).\n• ومنهم من قال: يفعل به كما فَعَل. وهو قول عمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة، وأبي ثور، واستدلوا بالأدلة المتقدمة. وهذا هو الراجح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5054>مسألة [٢٨]: إذا صار الأمر إلى الدية، فكم يجب</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٠٩): إِذَا صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ، إمَّا بِعَفْوِ الْوَلِيِّ، أَوْ كَوْنِ الْفِعْلِ خَطَأً، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَالْوَاجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَجِبُ دِيَةُ الْأَطْرَافِ الْمَقْطُوعَةِ وَدِيَةُ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قُطِعَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ بِقَتْلِهِ؛ صَارَ كَالْمُسْتَقِرِّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَسْقُط الْقِصَاصُ فِيهِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ قَاتِلٌ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْجُرْحِ، فَدَخَلَ أَرْشُ الْجِرَاحَةِ فِي أَرْشِ النَّفْسِ، كَمَا لَوْ سَرَتْ إلَى نَفْسِهِ، وَالْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَجِبُ، وَإِنْ وَجَبَ؛ فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَا يُشْبِهُ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّ سِرَايَةَ الْجُرْحِ لَا تُسْقِطُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٠٨).","vol":"9","page":247},{"text":"الْقِصَاصَ فِيهِ، وَتُسْقِطُ دِيَتَهُ. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5055>مسألة [٢٩]: إذا جنى رجلٌ على آخر جناية تخرجه عن الحياة، ثم جاء آخر فزاد المجني عليه جناية أخرى</span>؟\nمثل أن يأتي إنسان إلى آخر، فيقطع عنقه، ثم يأتي آخر فيطعن المجني عليه في صدره.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٠٦ - ٥٠٧): فَالْأَوَّلُ هُوَ الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى مَعَ جِنَايَتِهِ حَيَاةٌ، وَالْقَوَدُ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَعَلَى الثَّانِي التَّعْزِيرُ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مَيِّتٍ. وَإِنْ عَفَا الْوَلِيُّ إلَى الدِّيَةِ؛ فَهِيَ عَلَى الْأَوَّلِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ يَجُوزُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ مَعَهُ، مِثْلُ شَقِّ الْبَطْنِ مِنْ غَيْرِ إبَانَةِ الْحَشْوَةِ، أَوْ قَطْعِ طَرَفٍ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ، فَالثَّانِي هُوَ الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ الْأَوَّلُ مِنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ، فَيَكُونُ الثَّانِي هُوَ الْمُفَوِّتُ لَهَا، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَالدِّيَةُ كَامِلَةً، إِنْ عَفَا عَنْهُ، ثُمَّ نَنْظُرُ فِي جُرْحِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ، كَقَطْعِ الطَّرَفِ، فَالْوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَطْعِ طَرَفِهِ وَالْعَفْوِ عَنْ دِيَتِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، كَالْجَائِفَةِ وَنَحْوِهَا؛ فَعَلَيْهِ الْأَرْشُ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا عَلَيْهِ الْقِصَاصَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الثَّانِي قَطَعَ سِرَايَةِ جِرَاحِهِ، فَصَارَ كَالْمُنْدَمِلِ الَّذِي لَا يَسْرِي. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.\nقال: وَلَوْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ يُفْضِي إلَى الْمَوْتِ لَا مَحَالَةَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ، وَتَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ، مِثْلَ خَرْقِ الْمِعَى، أَوْ أُمِّ الدِّمَاغِ،","vol":"9","page":248},{"text":"فَضَرَبَ الثَّانِي عُنُقَهُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً. وَقِيلَ: هُوَ فِي حُكْمِ الْحَيَاةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا جُرِحَ، دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّبِيبُ فَسَقَاهُ لَبَنًا، فَخَرَجَ يَصْلُدُ، فَعَلِمَ الطَّبِيبُ أَنَّهُ مَيِّتٌ، فَقَالَ: اعْهَدْ إلَى النَّاسِ. فَعَهِدَ إلَيْهِمْ، وَأَوْصَى، وَجَعَلَ الْخِلَافَةَ إلَى أَهْلِ الشُّورَى، فَقَبِلَ الصَّحَابَةُ عَهْدَهُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ وَصَايَاهُ وَعَهْدِهِ. فَلَمَّا كَانَ حُكْمُ الْحَيَاةِ بَاقِيًا؛ كَانَ الثَّانِي مُفَوِّتًا لَهَا، فَكَانَ هُوَ الْقَاتِلَ، كَمَا لَوْ قَتَلَ عَلِيلًا لَا يُرْجَى بُرْءُ عِلَّتِهِ. انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5056>مسألة [٣٠]: إذا ألقى رجلٌ آخر من شاهق، فتلقاه آخر بسيف، فقتله</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١١/ ٥٠٧): إذَا أُلْقِي رَجُلٌ مِنْ شَاهِقٍ، فَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفِ فَقَتَلَهُ، فَالْقِصَاصُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَيَاتَهُ قَبْلَ الْمَصِيرِ إلَى حَالٍ يَئِسُوا فِيهَا مِنْ حَيَاتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَاهُ إنْسَانٌ بِسَهْمٍ قَاتِلٍ، فَقَطَعَ آخَرُ عُنُقَهُ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ، أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَأَطَارَ آخَرُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ وُقُوعِهَا عَلَيْهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، إنْ رَمَاهُ مِنْ مَكَان يَجُوزُ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ، وَإِنْ رَمَاهُ مِنْ شَاهِقٍ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ الْوَاقِعُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: كَقَوْلِنَا. وَالثَّانِي: الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا بِالْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ عِنْدَ سُقُوطِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبٌ لِلْإِتْلَافِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّ الرَّمْيَ سَبَبٌ، وَالْقَتْلَ مُبَاشَرَةٌ، فَانْقَطَعَ حُكْمُ السَّبَبِ، كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ، وَالْجَارِحِ مَعَ الذَّابِحِ، وَكَالصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَمَا ذَكَرُوهُ بَاطِلٌ بِهَذِهِ الْأُصُولِ الْمَذْكُورَةِ. انتهى.","vol":"9","page":249},{"text":"تنبيه: إن قطع يديه، فاندمل الجرح؛ فعليه دية؛ فإن قتله بعد ذلك؛ فعليه دية أخرى، وكذلك إن قطع يديه ورجليه، فاندمل الجرح، ثم قتله؛ فعليه ثلاث ديات بلا خلاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5057>مسألة [٣١]: جناية العبد في رقبته</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ جناية العبد في رقبته، ومعنى ذلك أنَّ المجني عليه، وأولياءه يطالبون السيد بجناية عبده، والسيد يتخير بين أن يعطيهم العبد مقابل الجناية، وإن كانت الجناية أقل من قيمة العبد؛ باعه لهم، أو غيرهم، وأوفاهم حقهم، وإن كان العبد أقل من الجناية؛ فليس لهم إلا العبد، وللسيد أن يفتدي عبده فيدفع أرش الجناية من عنده. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١١/ ٤٣٢) «المغني» (١٢/ ٣٦).","vol":"9","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5058>بَابُ الدِّيَاتِ</span>\n١١٧٥ - عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ -﵃- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَتَبَ إلَى أَهْلِ اليَمَنِ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «أَنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ قَوَدٌ، إلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ المَقْتُولِ، وَإِنَّ فِي النَّفْسِ الدِّيَةَ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الأَنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلِ الوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي المَأْمُومَةِ (^١) ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الجَائِفَةِ (^٢) ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي المُنَقِّلَةِ (^٣) خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ اليَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي المُوضِحَةِ (^٤) خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ الفُ دِينَارٍ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد فِي «المَرَاسِيلِ»، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأَحْمَدُ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهِ. (^٥)\n_________\n(^١) المأمومة: هي الضربة التي تصل إلى الغشاء الذي يحيط بالدماغ.\n(^٢) الجائفة: هي الطعنة التي تدخل إلى جوف الإنسان.\n(^٣) المنقلة: هي التي تنقل العظم عن مكانه.\n(^٤) الموضحة: هي التي توضح عظم الرأس.\n(^٥) الراجح إرساله، وقد تُلُقِّيَ بالقبول. أخرج الموصول النسائي (٨/ ٥٧ - ٥٩)، وابن حبان (٦٥٥٩)، وفي إسناده سليمان بن أرقم يرويه عن الزهري عن أبي بكر به.\nوقد وهم الحكم بن موسى فسماه سليمان بن داود، وسليمان بن داود هو الخولاني ثقة، ورجح النسائي (٨/ ٥٩)، وأبو داود في «المراسيل» (٢٥٨) أن الذي في السند سليمان بن أرقم، وأن الحكم بن موسى وهم في تسميته.\nقلتُ: وسليمان بن أرقم متروك، وقد خالفه الثقات فرووه عن الزهري عن أبي بكر بن حزم مرسلًا. منهم: يونس بن يزيد وسعيد بن عبدالعزيز كما في «سنن النسائي» (٨/ ٥٩)، و«المراسيل» لأبي داود (٢٥٧)، وقد رواه أيضًا مالك (٢/ ٨٤٩)، عن عبدالله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه مرسلًا. فالمعروف في الحديث الإرسال.\nقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ٣٨٦): قال يعقوب بن سفيان الحافظ: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والتابعين يرجعون إليه ويدعون آراءهم. وقال الإمام الشافعي في «رسالته»: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وقال ابن عبدالبر: كتاب عمرو بن حزم هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه؛ لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة. قال: وقال العقيلي في «تاريخه»: هذا حديث ثابت محفوظ إن شاء الله تعالى إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري. اهـ\nتنبيه: لم يخرج الحديث أحمد ولا ابن خزيمة، وقد أخرج ابن خزيمة قطعة من الكتاب مختصرة متعلقة بالزكاة برقم (٢٢٦٩). وأخرجه ابن الجارود (٧٨٤) مختصرًا من طريق عبدالرزاق عن معمر عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، وهذا الموصول خطأ، فقد أخرجه عبدالرزاق في «مصنفه» (٦٧٩٣) عن معمر عن عبدالله بن أبي بكر مرسلًا.\nتنبيه آخر: هناك ألفاظ في الموصول ليست موجودة في المرسل وهي: «وفي الشفتين الدية»، «وفي البيضتين الدية»، «وفي الصلب الدية»، «وأن الرجل يقتل بالمرأة ...» إلى آخره.\nوفي المرسل زيادة: «وفي اليد خمسون»، «وفي الأذن خمسون»، وأما ذكر اللسان والذكر فهو في «المراسيل» لأبي داود (٢٦٠) من طريق محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال: كان في كتاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وفي الذكر الدية، وفي اللسان الدية».","vol":"9","page":251},{"text":"١١٧٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «دِيَةُ الخَطَأِ أَخْمَاسًا عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَأَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ بِلَفْظِ: «وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ»","vol":"9","page":252},{"text":"بَدَلَ: «بَنِي لَبُونٍ». وَإِسْنَادُ الأَوَّلِ أَقْوَى. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ مِنَ المَرْفُوعِ. (^١)\n\n١١٧٧ - وَأَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، رَفَعَهُ: «الدِّيَةُ: ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ، جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا». (^٢)\n_________\n(^١) المرفوع ضعيف، والموقوف صحيح. أما رواية الدارقطني فهي في «سننه» (٣/ ١٧٢) من طريق أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود عن أبيه به. فذكره موقوفًا وليس مرفوعًا كما يفهم من صنيع الحافظ. وأبوعبيدة لم يسمع من أبيه فهو منقطع، ولا يضر ذلك، فقد تابعه علقمة من طريق أبي إسحاق عنه والنخعي، فالأثر صحيح، ورواية إبراهيم وعلقمة عند الدارقطني (٣/ ١٧٢ - ١٧٣)، وهي عند ابن أبي شيبة (٩/ ١٣٤)، لكن فيه: «بنو مخاض» بدل «بنو لبون» ورجح ذلك البيهقي في «سننه» (٨/ ٧٥)، وقال: هو المعروف في طرق حديث ابن مسعود الموقوف، ووهم الدارقطني في اللفظ المذكور.\nوأما المرفوع فقد أخرجه أبوداود (٤٥٤٥)، والنسائي (٨/ ٤٣ - ٤٤)، وابن ماجه (٢٦٣١)، من طريق حجاج بن أرطاة، عن زيد بن جبير، عن خشف بن مالك، عن ابن مسعود به مرفوعًا. وإسناده ضعيف؛ لضعف حجاج بن أرطاة وتدليسه، وخشف بن مالك حكم بجهالته الدارقطني، والبيهقي، وابن عبدالبر، ووثقه النسائي وابن حبان. وقد أطال الدارقطني في «سننه» في الكلام على هذا الحديث وتضعيفه. انظر: «السنن» (٣/ ١٧٣ - ١٧٦).\n(^٢) حسن. أخرجه الترمذي (١٣٨٧)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٢٦٢٦)، وأحمد (٦٧١٨)، من طرق عن محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب به، وإسناده حسن. وفيه في أوله: «من قتل متعمدًا دفع إلى أولياء القتيل، فإن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة ...» فذكره، وليس عندهم «في بطونها أولادها» وزادوا: «وذلك عقل العمد، وما صالحوا عليه فهو لهم، وذلك تشديد العقل».\nتنبيه: أبوداود لم يخرج الحديث كاملًا، وإنما أخرج برقم (٤٥٠٦) اللفظ الذي في أوله، وليس موجودًا في «البلوغ»، وأخرج الحديث مطولًا برقم (٤٥٦٤) ولم يذكر فيه اللفظ الذي في الكتاب.","vol":"9","page":253},{"text":"١١٧٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مَنْ قَتَلَ فِي حَرَمِ اللهِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ لِذَحْلِ (^١) الجَاهِلِيَّةِ». أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ. (^٢)\n\n١١٧٩ - [وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.] (^٣)\n\n١١٨٠ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَلَا إنَّ دِيَةَ الخَطَأِ شِبْهِ العَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالعَصَا مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٤)\n_________\n(^١) الذَحْل: هو العداوة والبغضاء.\n(^٢) صحيح لغيره. أخرجه ابن حبان (٥٩٩٦)، وفي إسناده سنان بن الحارث بن مصرف مجهول الحال، وهو من رواية يحيى بن عبدالرحمن الأرحبي عن عبيدة بن الأسود، وقد قال أبوحاتم يروي عنه غرائب.\nولم أجد هذا الحديث عند غير ابن حبان.\nوله شاهد من حديث ابن عباس: في «صحيح البخاري» (٦٨٨٢) بلفظ: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحدٌ في الحرم، ومبتغٍ في الإسلام سنةً جاهلية، ومطلب دم امرئٍ بغير حق ليهريق دمه» فلو ذكر الحافظ هذا الحديث لكان أولى.\n\nوللحديث شاهد بلفظه من حديث عبدالله بن عمرو، أخرجه أحمد (٢/ ١٧٩)، بإسناد حسن. فالحديث صحيح بهذين الشاهدين.\n(^٣) تقدم تخريجه في الحديث السابق.\n(^٤) صحيح. أخرجه أبوداود (٤٥٤٧)، والنسائي (٨/ ٤٠ - ٤٢)، وابن ماجه (٢٦٢٧)، وابن حبان (٦٠١١)، وقد اختلف في إسناد هذا الحديث كما بين ذلك النسائي في «سننه» ولا يضر ذلك الاختلاف؛ لإمكان الجمع بين الاختلاف المذكور، وقد جوَّد إسناده خالد الحذاء فرواه عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن عبدالله بن عمرو فذكره ضمن حديث أطول منه. ورجح هذه الرواية الدارقطني في «علله» كما في «البدر المنير» (٨/ ٣٦٠)، ويحيى بن معين كما في «السنن الكبرى» (٨/ ٦٨ - ٦٩)، وتابعه البيهقي.\nقلتُ: وهذه الطريق صحيحة، وأما قول الغلابي كما في «جامع التحصيل»: لم يسمع منه يعني عقبة من عبدالله فلم يسبقه إلى ذلك أحد من الأئمة، وقد أدرك جماعة من الصحابة.","vol":"9","page":254},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5059>مسألة [١]: الدية وحكمها</span>.\nالدية واجبة بالكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢].\nومن السنة: أحاديث الباب. ووقع الإجماع على وجوب الدية في الجملة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5060>مسألة [٢]: قدر دية المسلم الحر</span>.\nنُقل الإجماع على أنَّ دية الحر المسلم مائة من الإبل، وقد دلت على ذلك الأحاديث الورادة في الباب، نقل ذلك الإجماع ابن المنذر، ثم ابن قدامة وغيرهما. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5061>مسألة [٣]: هل الأصل في الدية الإبل لا غير</span>؟\n• جماعةٌ من أهل العلم يقولون: الأصل في الدية الإبل فقط؛ فإن عدمت الإبل\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٥) «البيان» (١١/ ٤٤٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٦) «الإجماع» لابن المنذر (٦٦٩).","vol":"9","page":255},{"text":"أعطى قيمتها بسعر يومها، وهذا قول طاوس، والشافعي في الجديد، وأحمد في رواية، وابن المنذر.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الأصل في الدية الإبل، والذهب، والوَرِق، والبقر، والغنم، والحلل، وهذا قول الحسن، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد في رواية.\nواستدلوا بحديث عمرو بن حزم «وعلى أهل الذهب ألف دينار»، وبحديث ابن عباس أنَّ رجلًا قتل، فجعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ديته اثني عشر ألف درهم. وهو حديث فيه ضعف، والراجح إرساله، وسيأتي ذكره في هذا الباب برقم (١١٨٦).\nولكن أبا يوسف، ومحمد يقولان: هو مخيَّرٌ بين هذه كلها. وغيرهما يقول: هو مخير بين ما عدا الإبل عند عدم وجودها.\nومن حجج هؤلاء ما رواه أبو داود (٤٥٤٢)، عن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم؛ فكان ذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبًا، فقال: ألا إن الإبل قد غَلَت. قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. وفي إسناده: عبدالرحمن بن عثمان البكراوي، وهو ضعيف، وللأثر طريق أخرى عند عمر -﵁- عند عبد الرزاق (١٧٢٦٣)، وابن المنذر (١٣/ ١٤٨) من طريق الشعبي عن عمر، ولم يدركه؛ فهو منقطع؛ فيحسن الأثر بالطريقين.","vol":"9","page":256},{"text":"• وقال أبو حنيفة: ثلاثة أصول: مائة من الإبل، أو عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار.\n• وقال مالك، والشافعي بالقديم بمثل قول أبي حنيفة؛ إلا أنهما قالا: اثنا عشر ألفًا من الدراهم. وقالا: لا يعدل عن الإبل عند وجودها، وجعلها أبو حنيفة على التخيير.\nوالصحيح في هذه المسألة: أنَّ الأصل هو الإبل فقط؛ لظاهر الأحاديث الواردة في الباب، والأحاديث التي خالفت ذلك لم تصح، ويمكن حملها على أنها قومت على المائة من الإبل، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: عند إعواز الإبل تعتبر قيمتها بالغة ما بلغت في قول الشافعي الجديد. ومذهب الحنابلة، والشافعي في القديم أنها إذا لم توجد إلا بأكثر من ثمن المثل، فله العدول إلى ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم. وهذا أقرب، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه آخر: مذهب الشافعي وهو قول بعض الحنابلة أنه لا تعتبر قيمة الإبل، بل متى وجدت على الصفة المشروطة؛ أجزأت، قلَّت قيمتها أو كثرت، وهذا القول رجحه ابن قدامة، وهو الراجح، وعن أحمد رواية أنها تؤخذ مائة قيمة كل ناقة منها مائة وعشرون درهمًا؛ فإن لم يقدر على ذلك أدَّى اثني عشر ألف درهم، أو ألف دينار. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٦ - ٨) «البيان» (١١/ ٤٨٩ - ٤٩٢) «الأوسط» (١٣/ ١٤٥).\n(^٢) «المغني» (١٢/ ٨ - ٩).\n(^٣) «المغني» (١٢/ ٩).","vol":"9","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5062>مسألة [٤]: دية قتل العمد</span>.\nأجمع العلماء على أنَّ دية قتل العمد تجب في مال القاتل لا تحملها العاقلة، وهذا قضية الأصل، وهو أنَّ بدل المتلَف يجب على المتلِف، وأرش الجناية على الجاني، قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لبعض أصحابه وقد رأى ولده معه: «أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه»، أخرجه أبو داود (٤٤٩٥)، وأحمد (٢/ ٢٢٦) عن أبي رمثة -﵁-، بإسناد صحيح.\n• وخالف الشوكاني فجعلها على العاقلة.\nوأما قدرها وصفتها:\n• فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها أرباع، خمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، هذا قول الزهري، وربيعة، وسليمان بن يسار، ومالك، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة، ونُقل ذلك عن ابن مسعود -﵁-.\nواستُدِلَّ لهم بحديثٍ عن السائب فيه ذكر ذلك، وهو ضعيفٌ ضعفه السيوطي في «الجامع» (١/ ١٢٢٦).\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وهذا قول عطاء، ومحمد بن الحسن، والشافعي، وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده الذي في","vol":"9","page":258},{"text":"الباب، ونُقل ذلك عن عمر -﵁- بسند منقطع، وهذا القول أقرب؛ للحديث المذكور.\n• وعن أبي ثور -﵀-: أنها تخمس كما تخمس دية الخطأ.\nتنبيه: العاقلة لا تتحمل دية العمد في الجنايات التي لا قصاص فيها، كالجائفة، والمأمومة؛ خلافًا لقتادة، ومالك في رواية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5063>مسألة [٥]: أسنان الإبل في دية شبه العمد</span>؟\n• قال جماعة من أهل العلم: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وهذا قول عطاء، والشافعي، ومن الصحابة ثبت عن المغيرة بن شعبة، وأبي موسى، وزيد بن ثابت -﵃-.\n• وقال بعض أهل العلم: أربعون خلفة، وثلاثون حقة، وثلاثون بنات لبون، وهو قول الحسن، وطاوس، والزهري.\n• وقال آخرون: أربع وثلاثون خلفة، وثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وهو ثابت عن علي -﵁-، والنخعي، والشعبي.\n• وقال آخرون: خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون ثني إلى بازل، وهو قول ابن مسعود من\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٣ - ١٤، ٢٨) «ابن أبي شيبة» (٩/ ١٣٥ -) «السيل» (٤/ ٤٥٤) «الأوسط» (١٣/ ١٥٠).","vol":"9","page":259},{"text":"طريق ولده أبي عبيدة عنه، ولم يسمع منه، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف.\n• وقال الإمام أحمد مثل القول السابق؛ إلا أنه قال: خمس وعشرون بنات مخاض، بدل قوله: ثني إلى بازل. وهذا القول هو الثابت عن ابن مسعود -﵁-.\n• وقال أبو ثور: تخمس أخماسًا كما في دية الخطأ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الحجة في هذا المسألة حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص الذي في الباب، وقد دلَّ على أنه يلزم أن يكون فيها أربعون في بطونها أولادها، وبقية المائة يجزئ من كل ما ذكره الصحابة رضوان الله عليهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5064>مسألة [٦]: من يتحمل دية شبه العمد</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ الدية على العاقلة، وهو قول الشعبي، والنخعي، والحكم، والشافعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر وغيرهم.\nواستدلوا على ذلك بقصة المرأتين التي ضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالدية على العاقلة.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الدية على القاتل، وهو قول ابن سيرين، والزهري، والحارث العُكْلي، وابن شبرمة، وقتادة، وأبي ثور، وبعض الحنابلة، وهو مقتضى قول مالك؛ لأنه لا يرى شبه العمد، بل يراه عمدًا.\n_________\n(^١) «الأوسط» (١٣/ ١٥٢) «عبد الرزاق» (٩/ ٢٨٤) «ابن أبي شيبة» (٩/ ١٣٥).","vol":"9","page":260},{"text":"وحجتهم أنه قصد الفعل الذي أدى إلى القتل، فأشبه المتعمد؛ فيغلظ عليه بتحميلها عليه.\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5065>مسألة [٧]: هل تجب حالَّةً أَمْ مؤجلةً</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنها مؤجلة في ثلاث سنوات، واستدلوا على ذلك بأثر عمر -﵁-، وآخر عن علي -﵁-، وفيه أنهما قضيا بالدية على من قتل من غير قصد القتل، قضيا على عاقلته بالدية مؤجلة، وفي إسناد أثر عمر: أشعث بن سوار، وفي إسناد أثر علي: ابن لهيعة.\nومن حجتهم أنها تجب على العاقلة على سبيل المواساة؛ فلا يكلفون بدفعها حالَّة.\nوذكر ابن قدامة الخلاف في ذلك عن بعض الخوارج.\n• وقد ذهب ابن حزم -﵀- إلى أنها حالة لا مؤجلة؛ لعدم وجود دليل على التأجيل، وقوله قوي، وهو الأصل.\nولكن يظهر أنَّ الإمام إذا رأى على العاقلة مشقة جعل لهم أجلًا، ولا يُشترط أن يكون ثلاث سنوات، والله أعلم، وهذا قول شيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٦ - ١٧) «البيهقي» (٨/ ١١٠ -) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٢٨٤) «المحلى» (٢٠٢٨).","vol":"9","page":261},{"text":"تنبيه: ابتداء التأجيل عند أحمد، والشافعي من حين وجوب الدية، وعند أبي حنفية من حين حكم الحاكم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5066>مسألة [٨]: أسنان الإبل في قتل الخطإ</span>.\n• من أهل العلم من جعلها أخماسًا على ما جاء في أثر ابن مسعود -﵁- الموقوف عليه، وهي: عشرون بنو مخاض، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. وهذا قول النخعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. واستدلوا بأثر ابن مسعود -﵁-.\n• ومنهم من جعلها أخماسًا كالتي قبلها، ولكن جعل مكان (عشرون بنو مخاض) (عشرون بنو لبون).\nواستدلوا على ذلك بحديث ابن مسعود -﵁- المرفوع في الباب، وهو ضعيفٌ، والصواب وقفه باللفظ المتقدم، وهذا قول عمر بن عبدالعزيز، وسليمان ابن يسار، والزهري، والليث، وربيعة، ومالك، والشافعي.\n• ومنهم من جعلها أرباعًا كما تقدم في العمد، وهو قول الحسن، والشعبي، والحارث العُكْلي، وإسحاق، وجاء عن علي -﵁- بإسناد لا بأس به.\n• ومنهم من جعلها ثلاثين حقة، وثلاثين بنات لبون، وعشرين بنات مخاض، وعشرين بني لبون ذكر، نُقل هذا عن زيد بن ثابت، وعثمان -﵄-، وفي إسنادهما ضعف.\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ١٧).","vol":"9","page":262},{"text":"• وقال طاوس: ثلاثون حقة، وثلاثون بنات لبون، وثلاثون بنات مخاض، وعشرة بني لبون ذكر.\nواستدل لهذا القول بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى أنَّ من قتل خطأ؛ فديته من الإبل ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكر. رواه أبو داود (٤٥٤١)، وابن ماجه (٢٦٣٠)، والنسائي (٨/ ٤٢ -)، من طريق: محمد بن راشد المكحولي، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب به، وقد ضعَّف هذا الحديث الدارقطني في «سننه» (٣/ ١٧٦)، وضعف محمدَ بن راشد، وقال: لم يذكر عمرو بن شعيب سماع أبيه من جده.\nقلتُ: محمد بن راشد وثقه أحمد، وابن معين وآخرون، ولا ينزل حديثه عن درجة الحسن.\nوأما كون عمرو بن شعيب لم يذكر سماع أبيه من جده، فما أدري لِمَ ذكر الدارقطني هذه العلة مع أنه يحتج بهذه الرواية في كثير من المواضع؟! وقد صحَّ سماع أبيه من جد أبيه كما قرر ذلك في غير ما كتاب.\nوقال النسائي -﵀- عقب الحديث من «الكبرى» (٤/ ٢٣٣ - ٢٣٤): هذا حديث منكر، وسليمان بن موسى ليس بالقوي في الحديث، ولا محمد بن راشد. اهـ","vol":"9","page":263},{"text":"قلتُ: قد رواه أيضًا محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب به مطولًا، أخرجه أحمد (٢/ ٢١٧)، وابن إسحاق لم يصرح بالتحديث.\nقال ابن القيم -﵀- في «تهذيب السنن» (٦/ ٣٥٠) بعد أن ذكر أقوال الصحابة في ذلك: وهذا يدل على أنه ليس في الأسنان شيء مقدر عن النبي - ﷺ -.اهـ\nقلتُ: إن ثبت حديث عمرو بن شعيب؛ فالحكم به، وإن لم يثبت، فكما قال ابن القيم -﵀-، والله أعلم.\nوقد أجمعوا على عدم إجزاء الفصيل، وهو ما دون ابن المخاض، وأجمعوا على التنويع كما في «الإجماع» لابن المنذر، وابن القطان. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5067>مسألة [٩]: من يتحمل دية الخطإ، وهل هي حالة أم مؤجلة</span>؟\nنقل ابن قدامة عدم الخلاف أنَّ دية الخطإ على العاقلة، وأنها مؤجلة.\nواستدل على الأول بحديث المرأتين اللتين قتلت إحداهما الأخرى، فقضى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالدية على العاقلة.\nواستدل على التأجيل بأثر عمر، وعلي -﵄-، ولم يثبت عنهما.\nوالصحيح ما ذكره ابن قدامة في أنَّ الدية على العاقلة، ولكن الخلاف قد نقل عن عثمان البتي كما ذكر ذلك ابن حزم، وقوله مردود؛ لمخالفته للحديث.\nوأما التأجيل: فالصحيح عدم التأجيل؛ إلا إذا رأى ذلك الإمام لحاجة العاقلة\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٩ -) «تهذيب السنن» (٦/ ٣٤٨ - ٣٥٠) «البيهقي» (٨/ ٧٣ -).","vol":"9","page":264},{"text":"إلى ذلك كما تقدم، وهو قول ابن حزم، وشيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين رحمة الله عليهم، وعزاه شيخ الإسلام لأحمد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5068>مسألة [١٠]: هل يتحمل القاتل من دية الخطإ شيئًا</span>؟\n• مذهب الجمهور أنه لا يتحمل، وأنَّ وجوب الدية ليس عليه، بل على العاقلة؛ لحديث المرأتين: «وجعل ديتها على عاقلتها».\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ القاتل يتحمل معهم، وهو قول الليث، وابن شبرمة، ونُقل عن مالك.\nوالصحيح القول الأول؛ لظاهر الحديث، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو قول الظاهرية.\n• وقال الشافعي: إن عجزت العاقلة؛ ففي ماله. وخالفه الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5069>مسألة [١١]: الكفارة هل يتحملها القاتل أم العاقلة</span>؟\n• مذهب الحنابلة، وأكثر الشافعية وغيرهم أنه يتحملها القاتل؛ لأنَّ هذا كفارة لجنايته، ولا تصح الكفارة من غير صاحب الجناية كما لا يصح الصوم عنه من غيره.\n• وقال بعض الشافعية: إنها تكون في بيت المال.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢١ -) «المحلى» (٢٠٢٩) «الشرح الممتع» «الفتاوى» (١٩/ ٢٥٨) «الأوسط» (١٣/ ٣٤٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٢ -) «المحلى» (٢١٤٦).","vol":"9","page":265},{"text":"والصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5070>مسألة [١٢]: عمد الصبي والمجنون هل تتحمله العاقلة</span>؟\n• مذهب الجمهور أنَّ العاقلة تتحمله، وهو قول أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، والشافعي في قول؛ لأنَّ عمدَه جرى مجرى الخطإِ؛ لكون المجنون لا قصد له، ولكون الصبي قصده غير تام، ولأنهما لا يعقلان ولا يقدران قدر هذه الجريمة.\n• ومذهب الشافعي في الأشهر عنه أنَّ الجناية على المجنون، والصبي في ماليهما؛ لأنه عمدٌ لا خطأ، وهذا القول صح عن عبدالله بن الزبير كما في «المحلى».\n• وذهب ابن حزم إلى أنه لا دية عليهما، ولا على عاقلتهما، وبه قال ربيعة، ومالك إذا كان صغيرًا جدًّا لا يعقل. وقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5071>مسألة [١٣]: هل تتحمل العاقلة قتل الحر منهم لعبد</span>؟\n• جمهور العلماء على أنَّ العاقلة لا تتحمل الجناية على العبد، جاء ذلك عن ابن عباس -﵄- بإسناد فيه ضعف؛ لأنَّ فيه: عبدالرحمن بن أبي الزناد، وفيه ضعف، وهو قول الشعبي، ومكحول، والنخعي، والثوري، ومالك، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، والشافعي في قول.\nوحجتهم أنَّ العبد ديته قيمته؛ فدل على أنَّ ذلك من ضمان المتلفات، فلا تتحمل ذلك العاقلة، كجنايته على حيوان، كبعير، أو فرس؛ فإنَّ الغرامة في ذلك\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٩) «المحلى» (٢٠٢٤) «البداية» (٤/ ٢٤٥).","vol":"9","page":266},{"text":"على الجاني، واستدلوا بأثر ابن عباس -﵄-، ولا يُعلم له مخالف.\n• وذهب بعض الفقهاء إلى أنَّ العاقلة تتحمل ذلك؛ لأنها دية مقدرة بالقيمة، وكونها دية مقدرة؛ فلا يمنع تحملها، وهذا قول عطاء، والزهري، والحكم، وحماد، والشافعي في قولٍ، وأبي حنيفة.\nواختار الإمام ابن عثيمين -﵀- القول الأول، ورجح القول الثاني ابن حزم -﵀-، وهو الأقرب فيما يظهر لي، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5072>مسألة [١٤]: هل تُحَمَّل العاقلة ما اعترف به إنسان من قتل الخطإ</span>؟\nجاء عن ابن عباس -﵄- أنه قال: لا تحمل العاقلة عمدًا، ولا عبدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا.\nوفي إسناده: عبدالرحمن بن أبي الزناد، وفيه ضعف، وجاء عن عمر -﵁-، وفي إسناده أبو مالك النخعي عبدالملك بن الحسين متروك.\nوقد أخذ بهذا الأثر عامة أهل العلم، فلم يوجبوا على العاقلة تحمل الجناية بالاعتراف؛ لأنَّ إقرار الإنسان لا يُقبل على غيره.\nوقال ابن قدامة -﵀-: لا نعلم فيه خلافًا. اهـ\nواختلفوا هل يحملها القاتل، أم لا؟\n• فذهب أكثرهم إلى أنه يحملها القاتل.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٧) «الشرح الممتع» «المحلى» (٢١٤٤) «الرسالة» (ص ٥٢٩) «البداية» (٤/ ٢٤٧).","vol":"9","page":267},{"text":"• وذهب أبو ثور، وابن عبدالحكم إلى أنه لا يصح إقراره؛ لأنه يقر على غيره.\n• وقال مالك، وابن حزم: إن حلف أولياء المقتول؛ وجبت الدية على العاقلة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5073>مسألة [١٥]: هل تتحمل العاقلة صلحًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٢٩): وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الصُّلْحَ. وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ، فَيُنْكِرَهُ وَيُصَالِحَ الْمُدَّعِي عَلَى مَالٍ، فَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ ثَبَتَ بِمُصَالَحَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، فَلَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ، كَاَلَّذِي ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِ.\nقال: وَمِمَّنْ قَالَ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الصُّلْحَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ حَمَلَتْهُ الْعَاقِلَةُ، أَدَّى إلَى أَنْ يُصَالِحَ بِمَالِ غَيْرِهِ، وَيُوجِبَ عَلَيْهِ حَقًّا بِقَوْلِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5074>مسألة [١٦]: هل تتحمل العاقلة ما دون الثلث من الدية</span>؟\n• ذهب جمعٌ من العلماء إلى أنَّ العاقلة لا تحمل ما دون الثلث، وهذا قول سعيد بن المسيب، وعطاء، ومالك، وأحمد، وإسحاق؛ لما رُوي عن عمر -﵁- أنه قضى في الدية أن لا يحمل منها شيء حتى تبلغ عقل المأمومة. ذكره ابن حزم في «المحلى» من طريق: ابن سمعان عن بعض العلماء عن عمر به.\n• وقال أبو حنيفة، والثوري: تحمل السن والموضحة وما فوقهما؛ لأنَّ النبي\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٩) «المحلى» (٢١٤٤).","vol":"9","page":268},{"text":"-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جعل الغرة على العاقلة، والغرة هي نصف عشر الدية.\n• وذهب الشافعي إلى أنها تحمل ما قلَّ أو كَثُر؛ لأنَّ من حمل الكثير حمل القليل كالجاني في العمد.\n• وقال ابن حزم: لا تحمل العاقلة إلا النفس والغرة.\nوالصحيح ما ذهب إليه الشافعي، والله أعلم.\nوخبر عمر -﵁- تالف؛ لأنَّ ابن سمعان قد كُذِّب، وشيخه مبهم، وقد نقل الإجماع على أنها تتحمل ما زاد على الثلث. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5075>مسألة [١٧]: إذا كان الجاني من أهل الذمة</span>؟\n• مذهب الشافعي، وأحمد وغيرهما أنَّ العقل على العاصبة كالمسلم؛ لأنَّ الأحكام تجري عليهم.\n• وعن أحمد رواية أنهم لا يتعاقلون؛ لأنَّ العقل شرع للمؤازرة، والتخفيف عن الجاني؛ فلا يُعان الذمي عليه.\nوالصحيح القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5076>مسألة [١٨]: إن جنى الرجل على نفسه خطأً، أو على بعض أطرافه، فهل على العاقلة الدية</span>؟\n• بعض أهل العلم يقولون: على العاقلة الدية. وهذا قول الأوزاعي،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٠) «المحلى» (٢١٤٥) «الإجماع» لابن المنذر (٧٠٥) «التمهيد» (١٧/ ٣١٦) «الموسوعة الفقهية» (٢٩/ ٢٢٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٢) «المحلى» (٢١٤٩).","vol":"9","page":269},{"text":"وإسحاق، وأحمد في رواية؛ لأنها جناية خطإٍ؛ فكان عقلها على العاقلة، كما لو كانت الجناية من غيره.\n• وذهب الجمهور إلى أنَّ الجناية هدر، ولا يلزم العاقلة شيء، وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٣ - ٣٤): وَهِيَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ عَامِرَ بْنَ الْأَكْوَعِ بَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَمَاتَ (^١)، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَضَى فِيهِ بِدِيَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -؛ وَلِأَنَّهُ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ غَيْرُهُ، كَالْعَمْدِ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ إنَّمَا كَانَ مُوَاسَاةً لِلْجَانِي، وَتَخْفِيفًا عَنْهُ، وَلَيْسَ عَلَى الْجَانِي هَاهُنَا شَيْءٌ يَحْتَاجُ إلَى الْإِعَانَةِ وَالْمُوَاسَاةِ فِيهِ؛ فَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِهِ، وَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ؛ لَأَجْحَفَ بِهِ وُجُوبُ الدِّيَةِ؛ لِكَثْرَتِهَا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5077>مسألة [١٩]: خطأ الإمام والحاكم وعماله</span>.\nإن كان خطؤه في غير الحكم والاجتهاد؛ فعلى عاقلته بلا خلاف، وإن كان خطؤه في الحكم والاجتهاد؛ فعلى قولين:\n• منهم من قال: على عاقلته أيضًا. وهو قول أحمد في رواية، والشافعي في قول؛ لما رُوي عن عمر -﵁- أنه بعث إلى امرأة ذكرت بسوء، فأجهضت جنينها، فقال عمر لعلي: عزمت عليك لا تبرح حتى تقسمها على قومك. وهو أثر ضعيف،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤١٩٦)، ومسلم برقم (١٨٠٢) عن سلمة بن الأكوع -﵁-.","vol":"9","page":270},{"text":"من طريق: الحسن عن عمر، أخرجه عبدالرزاق (٩/ ٤٥٨ -).\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ ذلك في بيت المال، وهو مذهب الأوزاعي، والثوري، وأحمد، وأبي حنيفة، وإسحاق؛ لأنَّ الخطأ يكثر في أحكامه واجتهاده، فإيجاب عقله على عاقلته يجحف بهم؛ ولأنه نائب في إقامة أحكام الله؛ فكان أرش جنايته في مال الله، وهذا قولٌ للشافعي.\nواستُدِلَّ لهذا القول أيضًا بما صحَّ عن خالد بن الوليد أنه قتل قومًا أسلموا، ولكنهم لم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا. بل جعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «اللهم، إني أبرأ إليك مما صنع خالد» ووداهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من بيت المال (^١). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5078>مسألة [٢٠]: جناية العبد على غيره</span>.\n• جنايته تتعلق برقبته عند عامة أهل العلم، وخالف ابن حزم فقال: تجب على عاقلته.\n• فإن كانت الجناية أقل من قيمة العبد؛ خُيِّر السيد بين أن يدفع لهم أرش الجناية، أو يسلم لهم العبد.\n• وإن كانت الجناية أكثر من قيمة العبد؛ فيُخيَّر السيد بين أن يدفع لهم الأرش، أو يسلم لهم العبد، ولا يلزمه دفع الزيادة عند عامة أهل العلم. وقال\n_________\n(^١) انظر «البخاري» مع «فتح الباري» (٤٣٣٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٥).","vol":"9","page":271},{"text":"الشوكاني: يدفع الزيادة كجناية الحيوانات.\nوهل له أن يدفع لهم قيمة العبد؟\n• عن أحمد رواية جواز ذلك، وهو قولٌ للشافعي.\n• وقال مالك، وأحمد في رواية، والشافعي في قول: ليس له ذلك إلا برضاهم، وهم مخيرون بين الأرش وبين العبد. وهذا أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5079>مسألة [٢١]: من هم العاقلة</span>؟\nالعاقلة هم الذين يحملون العَقْلَ، وهي الدية. وسُمِّيت الدية عقلًا، قيل: لأنها تعقل لسان ولي المقتول. وقيل: هو من المنع؛ فالعاقلة يمنعون عن القاتل. وقيل: لأنَّ الإبل تدفع معقولة فنسبت إليها. والله أعلم. (^٢)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٩): لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْعَاقِلَةَ الْعَصَبَاتُ وَأَنَّ غَيْرَهُمْ مِنْ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ، وَسَائِرِ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَالزَّوْجِ، وَكُلِّ مَنْ عَدَا الْعَصَبَاتِ لَيْسَ هُمْ مِنْ الْعَاقِلَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْآبَاءِ وَالْبَنِينَ ... اهـ\n• فمذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، وهي الرواية الأظهر، وعزاه شيخ الإسلام للجمهور أنَّ العصبة يدخل فيهم الآباء، والأبناء.\nواستدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: وقضى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يعقل على المرأة عصبتها من كانوا، ولا يرثون منه شيئًا إلا ما\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٦) «المحلى» «السيل» (٤/ ٤٣١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٩) «الفتح» (٦٩٠٣).","vol":"9","page":272},{"text":"فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها، وهم يقتلون قاتلها. رواه النسائي (٨/ ٣٨)، وأبو داود (٤٥٦٣)، وأحمد (٢/ ٢٢٤) وغيرهم؛ ولأنهم عصبة، فأشبهوا الإخوة، يحققه أنَّ العقل موضوع على التناصر، وهم من أهله؛ ولأنَّ العصبة في تحمل العقل كهم في الميراث في تقديم الأقرب فالأقرب، وآباؤه وأبناؤه أحق العصبات بميراثه، فكانوا أولى بتحمل عقله.\n• وذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى أنهم ليسوا من العاقلة.\nواستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁- في «البخاري» (٦٧٤٠)، و«مسلم» (١٦٨١) (٣٥)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى بالدية على العاقلة، ثم توفيت القاتلة، فقضى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأنَّ العقل على عصبتها.\nواستدلوا بحديث جابر في «سنن أبي داود» (٤٥٧٥): فجعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دية المقتولة على عاقلة القاتلة، وبرأ زوجها وولدها. وفي إسناده: مجالد الهمداني، وهو ضعيف.\nوإذا ثبت ذلك في الأولاد؛ فكذلك في الوالد؛ لأنه في معناه، ولأنَّ مال ولده ووالده كماله؛ ولذلك لا تقبل شهادة أحدهما للآخر، ويجب على كل واحد منهما النفقة على الآخر عند الحاجة.\nقال أبو عبدالله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لأنَّ الابن والأب هم من نفس القبيلة والبطن، وفي حديث جابر في «صحيح مسلم» (١٥٠٧)، أنَّ النبي","vol":"9","page":273},{"text":"-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جعل على كل بطن عقولَه.\nولكن إذا كانت القاتلة امرأة، فهل يكون ولدها من العاقلة؟\nنصَّ ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ١٠) أنهم ليسوا من العاقلة، واستدل بحديث أبي هريرة المتقدم، وسبقه إلى ذلك البخاري، فقال في «صحيحه»: [باب جنين المرأة، وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد].\nونُقل ذلك عن بعض التابعين كما في «سنن البيهقي» (٨/ ١٠٧) بإسناد ضعيف، ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك برقم (٧٠٢)؟! والواقع وجود الخلاف كما تقدم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5080>مسألة [٢٢]: إن كان الولد للمرأة هو ابن ابن عمها</span>؟\n• مذهب الجمهور أنه من العاقلة، وهو قول أحمد.\n• وخالفه الشافعية، فقالوا: ليس من العاقلة، والصحيح قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5081>مسألة [٢٣]: العاقلة هل يدخل فيهم العصبة القريب والبعيد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٤١): وَسَائِرُ الْعَصَبَاتِ مِنْ الْعَاقِلَةِ بَعُدُوا أَوْ قَرُبُوا مِنْ النَّسَبِ، وَالْمَوْلَى وَعَصَبَتُهُ، وَمَوْلَى الْمَوْلَى وَعَصَبَتُهُ، وَغَيْرُهُمْ، وَبِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَحَمَّادُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٩ - ٤٠) «البيان» (١١/ ٥٩٥) «المحلى» (٢١٤٣) «الفتح» (٦٩٠٣، ٦٩٠٩) «الفتاوى» (٣٤/ ١٥٨) «البداية» (٤/ ٢٤٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٠ - ٤١) «البيان» (١١/ ٥٩٦).","vol":"9","page":274},{"text":"وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ يَرِثُونَ الْمَالَ إذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ أَقْرَبَ مِنْهُمْ، فَيَدْخُلُونَ فِي الْعَقْلِ كَالْقَرِيبِ، وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونُوا وَارِثِينَ فِي الْحَالِ، بَلْ مَتَى كَانُوا يَرِثُونَ لَوْلَا الْحَجْبُ عَقَلُوا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَضَى بِالدِّيَةِ بَيْنَ عَصَبَةِ الْمَرْأَةِ مَنْ كَانُوا، لَا يَرِثُونَ مِنْهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَرَثَتِهَا؛ وَلِأَنَّ الْمَوَالِيَ مِنْ الْعَصَبَاتِ، فَأَشْبَهُوا الْمُنَاسِبِينَ. اهـ\nقلتُ: مذهب الظاهرية أنَّ الموالي ليسوا من العاقلة، وهذا أقرب؛ لأنهم ليسوا من نفس البطن.\nوتقدم حديث جابر في «صحيح مسلم» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كتب على كل بطن عقوله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5082>مسألة [٢٤]: هل يعقل أهل الديوان عمن معهم في الديوان</span>؟\n• ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنَّ أهل الديوان الواحد يعقل بعضهم عن بعض قبل العصبة، واستدلوا على ذلك بأنَّ عمر بن الخطاب -﵁- لما وضع الديوان جعل العقل عليه، والعلة في ذلك أنَّ المقصود من العاقلة هم الذين ينصرونه، ويؤونه، وهذا حاصل في أصحاب الديوان الواحد. ومال إلى هذا شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٢٥٦).\n• وذهب الجمهور إلى أنَّ أهل الديوان لا عقل عليهم إن لم يكونوا من العصبة؛ لما تقدم من الأحاديث، وأما أثر عمر؛ فضعيف، أورده ابن حزم كما في\n_________\n(^١) انظر: «بداية المجتهد» (٤/ ٢٤٥) «المحلى» (٢١٤٣) (٢١٤٨).","vol":"9","page":275},{"text":"«المحلى» من طريق رجل مبهم عن الشعبي عن عمر، ففي إسناده انقطاع وجهالة.\nوقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5083>مسألة [٢٥]: هل يشترك في العقل الغائبُ</span>؟\n• مذهب أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي أنَّ الغائب يشترك؛ لأنه تشمله الأدلة.\n• ومذهب مالك -وهو قولٌ للشافعي- أنه يختص به الحاضر؛ لأنَّ التحمل بالنصرة، وإنما هي بين الحاضرين، ولأنَّ في قسمته على الجميع مشقة.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5084>مسألة [٢٦]: كيفية تقسيم العقل على العاقلة</span>.\n• مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ الحاكم يقسم على العاقلة، فيبدأ بالأقرب فالأقرب، فيبدأ بالأب، والابن، ثم الإخوة وبنيهم، ثم الأعمام وبينهم، ثم أعمام الأب وبنيه، وهكذا.\n• ومذهب أبي حنيفة أنَّ الدية تقسم على جميع العاقلة؛ لظاهر الحديث.\nوحجة الأولين أنَّ هذا الحكم يتعلق بالتعصيب، فاعتبر به الأقرب فالأقرب كالميراث، وظاهر كلام ابن حزم اختيار قول أبي حنيفة. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٢) «البيان» (١١/ ٥٩٩ -) «البداية» (٤/ ٢٤٥) «المحلى» (٢١٤٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٢).\n(^٣) انظر: «البيان» (١١/ ٦٠٦) «المغني» (١٢/ ٤٣ - ٤٤) «المحلى» (٢١٤٧).","vol":"9","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5085>مسألة [٢٧]: مقدار ما يتحمله كل واحد من العاقلة</span>.\n• مذهب مالك، وأحمد عدم التقدير في ذلك، بل على الحاكم أن يأخذ من كل شخص شيئًا لا يشق عليه، ولا يجحف به، وهو قول ابن حزم.\n• وذهب الشافعي إلى تحديده بربع دينار على المتوسط، وعلى الغني نصف دينار؛ لأنَّ ما دون ذلك تافه لا تُقطع به اليد، وهو رواية عن أحمد.\n• وعن أبي حنيفة أنَّ أكثره أربعة دراهم، ولا حدَّ لأقله.\nوالصحيح القول الأول، ولا خلاف أنه لا يكلف أحد بما يشق عليه، ويجحف به. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5086>مسألة [٢٨]: هل يشارك في العقل المرأة، والصبي، والمجنون، والفقير</span>؟\nأما المرأة: فنقل ابن المنذر الإجماع على أنه لا مشاركة عليها في العقل؛ لأنها ليست عصبة.\nوأما الصبي: فنقل ابن المنذر كذلك الإجماع على أنه ليس عليه المشاركة، وعلل الفقهاء ذلك بأنَّ الصبي ليس من أهل النصرة.\n• وقد خالف ابن حزم، فأوجبها على الصبي؛ لأنه من العاقلة، وكما تجب الزكاة في ماله فكذلك الدية.\nوقول ابن حزم أقرب، والله أعلم، والخلاف في المجنون كالخلاف في الصبي.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٥) «البيان» (١١/ ٦٠٤) «المحلى» (٢١٤٧) «البداية» (٤/ ٢٤٥).","vol":"9","page":277},{"text":"• وأما الفقير: فالجمهور على أنه لا يجب عليه المشاركة؛ لعدم استطاعته، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال سبحانه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]؛ ولأنَّ الدية تحملتها العاقلة للمواساة، والفقير بنفسه يحتاج إلى مواساة.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه يتحمل كغيره، وهي رواية عن أحمد.\nوالصحيح القول الأول. (^١)\nتنبيه: المريض مرضًا مزمنًا، والشيخ الهرم اختلف فيه الحنابلة، والشافعية، فمنهم من يقول: لا عقل عليه؛ لأنه ليس من أهل النصرة، ومنهم من يقول: عليه العقل؛ لأنه عصبة، وهذا هو الصحيح. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5087>مسألة [٢٩]: الذي ليس له عاقلة</span>.\n• يُؤَدَّى عنه من بيت المال عند جماعة من أهل العلم، وهو قول الزهري، والشافعي، وأحمد.\n• وعن أحمد رواية أنه لا يجب أن يؤدَّى عنه من بيت المال.\nوالقول الأول أقرب؛ لحديث: «أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه، وأرثه» (^٣). (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (٢١٤٧) «البيان» (١١/ ٦٠٤) «المغني» (١٢/ ٤٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٨) «البيان» (١١/ ٦٠٣ -).\n(^٣) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٩٤٤)، وهو حديث حسن.\n(^٤) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٨) «البيان» (١١/ ٥٩٧).","vol":"9","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5088>مسألة [٣٠]: إذا لم يمكن أخذها من بيت المال</span>؟\n• مذهب أحمد، وقولٌ للشافعي أنه ليس على القاتل تحملها.\n• وعن الشافعي قول أنه يتحملها القاتل، وهو تخريج في مذهب أحمد. ورجح ذلك ابن قدامة حتى لا تهدر دماء المسلمين بدون ديات. وهو الأقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5089>مسألة [٣١]: هل يشترط في العاقلة أن تكون على دين القاتل</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ المسلم لا يعقل عن الكافر، ولا الكافر يعقل عنه؛ لأنه لا توارث بينهما، ولأنه لا موالاة، ولا نصرة بين كافر ومؤمن.\n• وأما أهل الذمة فيعقل بعضهم عن بعض.\n• وخالف أبو حنيفة، فقال بعدم ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5090>مسألة [٣٢]: هل تغلظ الدية على من قتل في الحرم</span>؟\nأما من حيث التحريم: فالتحريم أشد في الحرم؛ لحديث ابن عمر -﵄- الذي في الباب مع شواهده.\nوأما من حيث التغليظ: فذهب جماعة من أهل العلم إلى التغليظ، ونُقل ذلك عن عمر، وعثمان، وعبدالله بن عباس -﵃-، والأسانيد إليهم ضعيفة وهو قول عطاء وطاوس، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والشعبي، ومجاهد، والزهري، وسليمان بن يسار، وقتادة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٥٠) «البيان» (١١/ ٥٩٨).\n(^٢) انظر: «البيان» (١١/ ٦٠٠ -).","vol":"9","page":279},{"text":"• واختلفوا في صفة التغليظ، فمنهم من يقول: تغلظ عليه بزيادة ثلث الدية، ومثل ذلك لو قتل في الشهر الحرام، أو قتل محرمًا؛ فإن اجتمعت الحرمات الثلاث؛ زيدت عليه دية، وهذا قول أحمد، وممن قال بزيادة ثلث الدية التابعون الذين تقدم النقل عنهم، وكذا الصحابة الذين نقل عنهم ذلك، وتقدم أنه لم يثبت عنهم.\n• وقال مالك، والشافعي: تغلظ دية الخطإ بدية العمد؛ لما روي عن عمر أنه أخذ من قتادة المدلجي دية ابنه حين حذفه بالسيف ثلاثين حِقَّة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، ولم يزد في العدد شيئًا، والشافعي لا يغلظ في العمد.\n• ومنهم من ذهب إلى عدم التغليظ في الدية، وهو قول الحسن، والشعبي، والنخعي، وأبي حنيفة، ورواية عن مالك، والجوزجاني، وابن المنذر، ونقل عن عمر بن عبدالعزيز، وعن بعض الفقهاء السبعة.\nواستدلوا بحديث أبي شريح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وأنتم يا خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله، عاقله» أخرجه أبو داود (٤٥٠٤)، والترمذي (٨٠٩) بإسناد صحيح، وهذا القتل كان بمكة في حرم الله، ولم يزد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الدية.\nواستدلوا بعموم الأحاديث السابقة؛ فليس فيها تفريق بين القتل في الحرم وغيره، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٣ - ٢٦) «ابن أبي شيبة» (٩/ ١٦٩ - ١٧١) «البيهقي» (٨/ ٧١) «الأوسط» (١٣/ ١٦٠ - ١٦٣).","vol":"9","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5091>فَصْلٌ فِي دِيَاتِ الْجِرَاحِ</span>\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١٠٥): كُلُّ عُضْوٍ لَمْ يَخْلُقْ اللهُ ﷾ فِي الْإِنْسَانِ مِنْهُ إلَّا وَاحِدًا كَاللِّسَانِ، وَالْأَنْفِ، وَالذَّكَرِ، وَالصُّلْبِ، فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ؛ لِأَنَّ إتْلَافَهُ إذْهَابُ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَإِذْهَابُهَا كَإِتْلَافِ النَّفْسِ، وَمَا فِيهِ مِنْهُ شَيْئَانِ: كَالْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَالْعَيْنَيْنِ، وَالْأُذُنَيْنِ، وَالْمَنْخِرَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَالْخُصْيَتَيْنِ، وَالثَّدْيَيْنِ، وَالْأَلْيَتَيْنِ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ كَامِلَةً؛ لِأَنَّ فِي إتْلَافِهِمَا إذْهَابَ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفٌ؛ لِأَنَّ فِي إتْلَافِهِ إذْهَابَ نِصْفِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. اهـ\nوالظاهر أنه عنى دفع الخلاف في الجملة، وإلا ففي بعض ما ذكره خلافٌ، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5092>مسألة [١]: الجناية على العينين</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في كتابه «الإجماع» (٦٨١): وأجمعوا أنَّ في العينين إذا أُصيبتا خطأً الدية، وفي العين الواحدة نصف الدية. اهـ\nوكذلك نقل الإجماع ابن قدامة لما ورد في كتاب عمرو بن حزم «وفي العينين الدية».","vol":"9","page":281},{"text":"• وخالف ابن حزم، فقال: إن جنى عليهما خطأً فلا شيءَ عليه، وإن جنى عليهما عمدًا فعليه القصاص، وصاحب الجناية مخيَّرٌ بين القصاص، أو قبول المفاداة بما تراضيا عليه، ومثله في غير العين. والصحيح القول الأول، وابن حزم محجوج بإجماع من قبله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5093>مسألة [٢]: إذا جنى على رأسه جناية ذهب بها بصره</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ في ذلك الدية إذا يئسوا من رجوعه، وإلا فينتظر، وإذا ذهب البصر من واحدة، ففيها نصف الدية؛ لأنَّ ذلك هو المنفعة المقصودة بالعين. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5094>مسألة [٣]: إذا جنى عليه جناية أذهبت بعض البصر</span>؟\nذكر أهل العلم أنه يُعطى من الدية بالنسبة بقدر ما نقص، وإن لم يعرف قدر النقص ففيه حكومة وقد صح ذلك عن علي -﵁- كما في «سنن البيهقي» (٨/ ٨٧). (^٣)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١٠٩): وَإِنْ جَنَى عَلَى عَيْنَيْهِ، فَنَدَرَتَا، أَوْ احْوَلَّتَا، أَوْ عَمِشَتَا، فَفِي ذَلِكَ حُكُومَةٌ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ يَدَهُ فَاعْوَجَّتْ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5095>مسألة [٤]: دية عين الأعور</span>.\n• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنَّ الأعور في عينه الدية كاملة، وهو قول الزهري، وقتادة، ومالك، والليث، وأحمد، وإسحاق.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٠٦) «البيان» (١١/ ٥١٤ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٠٧) «البيان» (١١/ ٥١٥).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ١٠٩) «البيان» (١١/ ٥١٦ -).","vol":"9","page":282},{"text":"واستدلوا على ذلك بأنَّ هذا هو الذي قضى به الصحابة، فقد ثبت ذلك عن عمر وابن عمر -﵄- وجاء عن علي -﵁- بأسانيد تحتمل التحسين وجاء عن عثمان بسند ضعيف، ولا يُعلم لهم مخالف؛ ولأنَّ إذهاب عينه يُذهب البصر كاملًا.\n• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنَّ فيها نصف الدية، وهذا قول النخعي، ومسروق، والثوري، والشافعي، وأبي حنيفة؛ لأنَّ ما ضمن ببدل مع بقاء نظيره؛ ضمن به مع فقد نظيره، كاليد، ولعموم الأدلة الواردة. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5096>مسألة [٥]: أجفان العين</span>.\n• من أهل العلم من يقول: فيها الدية، وفي الواحد منها ربع الدية. وهذا قول الحسن، والشعبي، وقتادة، وأحمد، والشافعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وصحَّ ذلك عن زيد بن ثابت -﵁-.\n• وقال مالك: ليس فيها تقديرٌ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ففيها اجتهاد، وحكومة.\n• وأما ابن حزم فيقول -كما تقدم-: إن كان عمدًا؛ فالمفاداة، وإن كان خطأً؛ فلا شيء.\nوالصحيح هو قول مالك، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١١٠) «البيان» (١١/ ٥١٤ -)، وانظر المسألة رقم [١٩] تحت حديث (١١٦٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١١٣ -) «البيان» (١١/ ٥١٨) «البيهقي» (٨/ ١٥٢) «ابن أبي شيبة» (٩/ ١٦٤) «المحلى» (١٢/ ٦٩).","vol":"9","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5097>مسألة [٦]: أهداب العينين</span>.\nالأهداب هو الشعر الذي على الأجفان.\n• ومذهب الحنابلة، وأبي حنيفة أنَّ في جميعها الدية، وفي الواحد ربع الدية.\n• ومذهب مالك، والشافعي أنَّ فيها حكومة، وهو الصواب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5098>مسألة [٧]: دية الأذنين</span>.\n• عامة أهل العلم على أنَّ الأذنين فيهما الدية، وفي الواحدة منهما نصف الدية؛ لحديث عمرو بن حزم: «وفي الأذن خمسون من الإبل» ونُقل ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود -﵃-.\n• وعن مالك رواية أنَّ فيها حكومة، وحمل الحديث المذكور على ذهاب السمع مع الأذن، والأقرب قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5099>مسألة [٨]: استحشاف الأذن بالجناية</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١١٥): فَإِنْ جَنَى عَلَى أُذُنِهِ، فَاسْتَحْشَفَتْ، وَاسْتِحْشَافُهَا كَشَلَلِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ؛ فَفِيهَا حُكُومَةٌ. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ فِي الْآخَرِ: فِي ذَلِكَ دِيَتُهَا؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَتْ دِيَتُهُ بِقَطْعِهِ، وَجَبَتْ بِشَلَلِهِ، كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّ نَفْعَهَا بَاقٍ بَعْدَ اسْتِحْشَافِهَا وَجَمَالَهَا؛ فَإِنَّ نَفْعَهَا جَمْعُ الصَّوْتِ،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١١٤) «البيان» (١١/ ٥١٨).\n(^٢) انظر: «ابن أبي شيبة» (٩/ ٢٦ -) «البيان» (١١/ ٥١٩) «البيهقي» (٨/ ٨٥) «المغني» (١٢/ ١١٤ -).","vol":"9","page":284},{"text":"وَمَنْعُ دُخُولِ الْمَاءِ وَالْهَوَامِّ فِي صِمَاخِهِ، وَهَذَا بَاقٍ بَعْدَ شَلَلِهَا؛ فَإِنْ قَطَعَهَا قَاطِعٌ بَعْدَ اسْتِحْشَافِهَا، فَفِيهَا دِيَتُهَا؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ أُذُنًا فِيهَا جَمَالُهَا وَنَفْعُهَا، فَوَجَبَتْ دِيَتُهَا كَالصَّحِيحَةِ، وَكَمَا لَوْ قَلَعَ عَيْنًا عَمْشَاءَ، أَوْ حَوْلَاءَ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5100>مسألة [٩]: دية أذن الأصم</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١١٥): وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي أُذُنِ الْأَصَمِّ؛ لِأَنَّ الصَّمَمَ نَقْصٌ فِي غَيْرِ الْأُذُنِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي دِيَتِهَا، كَالْعَمَى لَا يُؤَثِّرُ فِي دِيَةِ الْأَجْفَانِ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. اهـ يعني عند من أوجب الدية بالأذن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5101>مسألة [١٠]: دية السمع</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١١٥ - ١١٦): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ فِي السَّمْعِ الدِّيَةَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَا أَعْلَم عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافًا لَهُمْ.\nقال: وَإِنْ ذَهَبَ السَّمْعُ مِنْ إحْدَى الْأُذُنَيْنِ؛ وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ ذَهَبَ الْبَصَرُ مِنْ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ. انتهى المراد.\nقلتُ: وأثر عمر الذي أشار إليه، في إسناده انقطاع كما في «سنن البيهقي» (٨/ ٩٨)، و«ابن أبي شيبة» (٩/ ١٦٧).\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١١/ ٥٢٠).","vol":"9","page":285},{"text":"وفي حديث معاذ بن جبل عند البيهقي (٨/ ٨٧ - ٨٨): «وفي السمع مائة من الإبل»، وهو حديث شديد الضعف، فيه رشدين بن سعد، شديد الضعف، وعبدالرحمن الإفريقي ضعيف.\n• وذهب ابن حزم إلى ما ذهب إليه في العين والأذن. «المحلى» (٢٠٥٧).\nوقال الشوكاني -﵀- في «السيل» (ص ٩٠٤) بعد أن ذكر أثر عمر، وحديث معاذ: فهذا غاية ما في الباب جميعه، ولا تقوم به الحجة، فينبغي الرجوع في ذلك إلى اجتهاد الإمام والحاكم العارفين بالمسالك الشرعية، وفي قضاء عمر لهما أسوة إن لم يجدا ما هو أنهض من ذلك. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5102>مسألة [١١]: إذا جنى على شعر الرأس، أو الحاجب، أو اللحية</span>؟\n• من أهل العلم من قال: إذا لم يرجع؛ ففيه الدية كاملة، وفي الحاجب نصف الدية، وفي الحاجبين الدية كاملة. وهذا قول الحنابلة، والثوري، والحنفية.\n• ومنهم من قال: فيه الحكومة؛ لأنَّ الشعر ليس له منفعة كالأعضاء، وهذا قول مالك، والشافعي، وبعض الحنابلة، وابن المنذر، وهو الصحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5103>مسألة [١٢]: دية الأنف</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١١٩ - ١٢٠): وَفِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ إذَا كَانَ قُطِعَ مَارِنُهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ. حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَمَّنْ يَحْفَظُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١١٧ -) «البيهقي» (٨/ ٩٨).","vol":"9","page":286},{"text":"عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «وَفِي الْأَنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ.\nوَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي «الْمُوَطَّإِ» «إذَا أُوعِيَ جَدْعًا»، يَعْنِي إذَا: اُسْتُوْعِبَ وَاسْتُؤْصِلَ؛ وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ فِيهِ جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ، لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِنْهُ إلَّا شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَكَانَتْ فِيهِ الدِّيَةُ، كَاللِّسَانِ، وَإِنَّمَا الدِّيَةُ فِي مَارِنِهِ، وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ.\nقال: فَإِنْ قُطِعَ بَعْضُهُ، فَفِيهِ بِقَدْرِهِ مِنْ الدِّيَةِ، يُمْسَحُ وَيُعْرَفُ قَدْرُ ذَلِكَ مِنْهُ، كَمَا قُلْنَا فِي الْأُذُنَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّعْبِيِّ وَالشَّافِعِيِّ. اهـ\nوفي بعض طرق حديث عمرو بن حزم المرسل: «وفي الأنف إذا استوعب مارنه الدية»، وإسناده إلى أبي بكر بن حزم حسن. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5104>مسألة [١٣]: إذا قطع أحد المنخرين</span>؟\n• من أهل العلم من قال: فيه ثلث الدية؛ لأنَّ الأنف يتكون من منخرين، وحاجز، ففي كل واحد الثلث.\nوهذا القول جاء عن زيد بن ثابت بسند منقطع، وهو قول أحمد، وإسحاق، ووجهٌ للشافعية.\n• وقال بعضهم: المنخران فيهما الدية، والحاجز فيه حكومة. وهذا القول رواية عن أحمد، ووجهٌ للشافعية. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «البيهقي» (٨/ ٨٨) «ابن أبي شيبة» (٩/ ١٥٥ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٢٠) «البيهقي» (٨/ ٨٨) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٣٠).","vol":"9","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5105>مسألة [١٤]: إن قطع مع المارن القصبة، أو شيئًا منها</span>؟\n• مذهب مالك، والأشهر عند الحنابلة أنَّ فيه الدية فقط.\n• ومذهب الشافعي، واحتمال للحنابلة أنَّ فيه الدية للمارن، وحكومة للقصبة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5106>مسألة [١٥]: إذا ضرب أنفه، فأشله</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنَّ في ذلك حكومة، وهو قولٌ للشافعي، وهو الصحيح، وللشافعي قول أنَّ فيه الدية، وهو مرجوح. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5107>مسألة [١٦]: إذا جنى على أنفه فأزال الشم</span>؟\nذكر ابن قدامة -﵀- أنَّ في ذلك الدية، وقال: لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه حاسة تختص بمنفعته؛ فكان فيها كسائر الحواس. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5108>مسألة [١٧]: دية الشفتين</span>.\nنُقِل عدم الخلاف في أنَّ فيهما الدية؛ لما في كتاب عمرو بن حزم، ونقل ذلك عن أبي بكر -﵁- بسند منقطع، أو معضل، وجاء عن علي -﵁- بسند لا بأس به.\n• ثم اختلفوا، فمنهم من قال: في كل شفة نصف الدية. وهو قول الأكثر، وهو\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٢١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٢١).\n(^٣) «المغني» (١٢/ ١١٩).","vol":"9","page":288},{"text":"الوارد عن علي، وأبي بكر -﵄-.\n• ومنهم من قال: في السفلى الثلثان، وفي العليا ثلث. نُقل عن زيد بن ثابت بسند منقطع، وقال بذلك ابن المسيب، والزهري، وأحمد في رواية؛ لأنَّ السفلى أكثر نفعًا. وأُجيب عنهم باليدين؛ فإنهما يتساويان مع أنَّ اليمنى أكثر نفعًا، والقول الأول أرجح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5109>مسألة [١٨]: دية اللسان</span>.\nلسان الناطق فيه الدية بالإجماع، ثبت ذلك عن علي، وجاء عن أبي بكر، وعمر -﵃-، ولم يثبتا، والعمدة في ذلك كتاب عمرو بن حزم: «وفي اللسان الدية». (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5110>مسألة [١٩]: إذا جنى عليه، فخرس دون قطع لسانه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١٢٤): فَإِذَا جَنَى عَلَيْهِ فَخَرِسَ، وَجَبَتْ دِيَتُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا تَعَلَّقَتْ الدِّيَةُ بِإِتْلَافِهِ، تَعَلَّقَتْ بِإِتْلَافِ مَنْفَعَتِهِ، كَالْيَدِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5111>مسألة [٢٠]: إذا قطع لسانه، وهو أخرس</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١٢٤): فَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ؛ لَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِذَهَابِ نَفْعِهِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ، وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ. اهـ\n• واختلفوا فيما يجب فيه، فذهب أحمد إلى وجوب ثلث الدية، وهو قول قتادة،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٢٢ -) «المحلى» (٢٠٥٦) «البيهقي» (٨/ ٨٨) «ابن أبي شيبة» (٩/ ١٧٤ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٢٤) «البيهقي» (٨/ ٨٩) «ابن أبي شيبة» (٩/ ١٧٦ -).","vol":"9","page":289},{"text":"وابن شبرمة، وجاء عن عمر بسند ضعيف، وحجتهم في ذلك قياسه على اليد الشلاء، والعين القائمة، والسن السوداء، فقد جاء فيها الحديث بأنَّ فيها الثلث.\n• وذهب مالك، والشافعي، والحنفية إلى أنَّ في ذلك حكومة؛ لأنه لم يرد فيه التقدير شرعًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5112>مسألة [٢١]: إذا جنى على لسانه فذهب ذوقه</span>؟\n• قال بعض الحنابلة، والشافعية: فيه الدية.\n• وقال جماعة منهم: فيه حكومة، وليس فيه الدية.\nوصوَّب ذلك ابن قدامة، فقال: وَالصَّحِيحُ -إنْ شَاءَ الله- أَنَّهُ لَا دِيَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِي إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ لِسَانَ الْأَخْرَسِ لَا تَكْمُلُ الدِّيَةُ فِيهِ؛ إجْمَاعًا عَلَى أَنَّهَا لَا تَكْمُلُ فِي ذَهَابِ الذَّوْقِ بِمُفْرَدِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ عُضْوٍ لَا تَكْمُلُ الدِّيَةُ فِيهِ بِمَنْفَعَتِهِ، لَا تَكْمُلُ بِمَنْفَعَتِهِ دُونَهُ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5113>مسألة [٢٢]: ذهاب بعض الكلام</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١٢٦): وَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُ الْكَلَامِ؛ وَجَبَ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ، يُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِحُرُوفِ الْمُعْجَمِ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا سِوَى (لَا)؛ فَإِنَّ مَخْرَجَهَا مَخْرَجُ اللَّامِ وَالْأَلِفِ، فَمَهْمَا نَقَصَ مِنْ الْحُرُوف؛ وَجَبَ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِهِ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (٢٠٥٢).\n(^٢) «المغني» (١٢/ ١٢٥).","vol":"9","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5114>مسألة [٢٣]: دية الأسنان</span>.\nلا خلاف بين أهل العلم أنَّ السن فيها خمس من الإبل، ثبت ذلك في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وجاء أيضًا في كتاب عمرو بن حزم ذلك.\n• ثم ذهب بعضهم إلى أنَّ ذلك في غير الأضراس، وجعل في الأضراس ناقتين ناقتين؛ تكملة المائة. وهذا قول سعيد بن المسيب، وعطاء، ورُوي عن مالك، وأحمد في رواية، وجاء عن عمر، ولم يصح عنه.\n• وثبت عن عمر -﵁- كما في «مصنف عبدالرزاق» أنه جعل في الأضراس بعيرًا بعيرًا.\n• وأكثر العلماء على أنَّ الضرس، والناب، والثنية، والرباعية كلها سواء، خمس من الإبل؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: «الثنية، والضرس سواء»، وهو حديث ثابت سيأتي تخريجه إن شاء الله.\nوثبت هذا القول عن ابن عباس، ومعاوية -﵃-، كما في «مصنف عبدالرزاق».\nوالصحيح في هذه المسألة قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5115>مسألة [٢٤]: دية اليد الشلاء، والعين القائمة، والسن السوداء</span>.\nالعين القائمة: هي التي ذهب بصرها، وصورتها باقية، كصورة الصحيحة.\n• فذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ في ذلك ثلث الدية، وهو قول مجاهد،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٣٠ - ١٣٢) «ابن أبي شيبة» (٩/ ١٨٥ - ١٨٦) «البيهقي» (٨/ ٨٩ - ٩٠)، «مصنف عبدالرزاق» (٩/ ٣٤٥).","vol":"9","page":291},{"text":"وأحمد، وإسحاق، ورُوي ذلك عن عمر بسند صحيح.\nواستدلوا على ذلك بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قضى رسول الله - ﷺ - في العين القائمة السادة لمكانها بثلث ديتها، وفي اليد الشلاء إذا قُطعت ثلث ديتها، وفي السن السوداء إذا قُلِعت ثلث ديتها.\nوإسناده صحيح إلى عمرو بن شعيب؛ فالحديث حسنٌ، رواه النسائي (٨/ ٢٩)، وغيره.\n• وذهب مالك، والشافعي، والحنفية، وأحمد في رواية إلى أنَّ فيها حكومة، وهو قول مسروق، والزهري، وأبي ثور، وابن المنذر.\nوالصحيح القول الأول، وكأنهم لم يبلغهم الحديث، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5116>مسألة [٢٥]: دية سن الصبي الذي لم يثغر</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١٣٢ - ١٣٣): فَأَمَّا سِنُّ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يُثْغَرْ؛ فَلَا يَجِبُ بِقَلْعِهَا فِي الْحَالِ شَيْءٌ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ عَوْدُ سِنِّهِ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا فِي الْحَالِ شَيْءٌ، كَنَتْفِ شَعْرِهِ، وَلَكِنْ يُنْتَظَرُ عَوْدُهَا؛ فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ يَيْأَسُ مِنْ عَوْدِهَا، وَجَبَتْ دِيَتُهَا. اهـ\nثم ذكر كلامًا معناه أنَّ السن إن نبتت متغيرة ففيها حكومة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٥٥) «البيهقي» (٨/ ٩٨) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٢٠٥).","vol":"9","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5117>مسألة [٢٦]: دية اليدين</span>.\nأجمع أهل العلم على وجوب الدية في اليدين، ووجوب نصفها في أحدهما؛ لحديث عمرو بن حزم المرسل: «وفي اليد خمسون من الإبل»، وكذلك في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده من الطريق التي أشرنا إليها في المسألة رقم [٧]، وفيه: قضى النبي - ﷺ - في اليد إذا قُطعت نصف العقل. وثبت ذلك عن علي بن أبي طالب -﵁-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5118>مسألة [٢٧]: ضابط اليد التي تجب بها الدية</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١٣٩): وَالْيَدُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الدِّيَةُ مِنْ الْكُوعِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْيَدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَيْهَا، بِدَلِيلِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، كَانَ الْوَاجِبُ قَطْعَهُمَا مِنْ الْكُوعِ، وَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ يَجِبُ فِيهِ مَسْحُ الْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5119>مسألة [٢٨]: إن قطع يده من فوق الكوع: الساعد، أو المرفق، أو العضد</span>؟\n• جماعة من أهل العلم على أنَّ له الدية فقط، ولا زيادة له في ذلك، وهذا قول عطاء، والنخعي، وقتادة، وابن أبي ليلى، ومالك، وأحمد، وبعض الشافعية؛ لأنَّ اليد اسم للجميع إلى المنكب.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٣٨) «البيهقي» (٨/ ٩١ -) «ابن أبي شيبة» (٩/ ١٨٠ -) «البيان» (١١/ ٥٣٩).\n(^٢) وانظر: «البيان» (١١/ ٥٤٠).","vol":"9","page":293},{"text":"• وذهب الشافعي في الأشهر عنه، وبعض الحنابلة إلى أنه يجب مع الدية حكومة لما زاد عن الكوع؛ لأنَّ الدية تجب بقطعها من الكوع، فما زاد ففيه حكومة.\nوأُجيب عن ذلك: بأنَّ الدية المذكورة تجب بقطع الأصابع مفردة، ولا يجب بقطعها من الكوع أكثر مما يجب في قطع الأصابع. فالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5120>مسألة [٢٩]: إذا قطع من الكوع، ثم من المرفق</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١٤٠): فَأَمَّا إذَا قَطَعَ الْيَدَ مِنْ الْكُوعِ، ثُمَّ قَطَعَهَا مِنْ الْمَرْفِقِ؛ وَجَبَ فِي الْمَقْطُوعِ ثَانِيًا حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَةُ الْيَدِ بِالْقَطْعِ الْأَوَّلِ، فَوَجَبَتْ بِالثَّانِي حُكُومَةٌ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَصَابِعَ، ثُمَّ قَطَعَ الْكَفَّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5121>مسألة [٣٠]: إذا جنى عليها، فأشلها</span>؟\nتجب فيها الدية؛ لأنه فوت منفعتها؛ فلزمته ديتها كما لو أعمى عينه مع بقائها، أو أخرس لسانه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5122>مسألة [٣١]: دية الرجلين</span>.\nأجمع أهل العلم على أنَّ في الرجلين الدية، وفي الواحدة نصف الدية؛ لحديث\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٣٩ -) «البيان» (١١/ ٥٤٠).\n(^٢) «المغني» (١٢/ ١٤٠).","vol":"9","page":294},{"text":"عمرو بن حزم، وعمرو بن شعيب المتقدمين، وثبت ذلك عن علي -﵁-، وجاء عن عمر -﵁- بسند ضعيف. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5123>مسألة [٣٢]: قدم الأعرج، ويد الأعْسَم</span>.\nالأعْسَم: هو الذي عنده اعوجاج في الرسغ.\n• ففي رجل الأعرج، ويد الأعسم الدية كاملة؛ لأنَّ ذلك ليس عيبًا في قدمٍ، ولا كف؛ فلم يمنع ذلك كمال الدية فيهما، وهو مذهب الشافعي، والحنابلة.\n• وقال بعض الحنابلة: فيها ثلث ديتها كاليد الشلاء.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١٤٨): ولا يصح؛ لأنَّ هذين لم تبطل منفعتهما؛ فلم تنقص ديتهما بخلاف اليد الشلاء. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5124>مسألة [٣٣]: أصابع اليد والقدمين</span>.\nعامة أهل العلم على أنَّ دية الأصابع عشر من الإبل، لكل أصبع، ثبت ذلك عن علي، وعمر -﵄-، وهو قول مسروق، وعروة، ومكحول، والشعبي، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني»: لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، إلَّا رِوَايَةً عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَضَى فِي الْإِبْهَامِ بِثُلُثِ غُرَّةٍ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَفِي الْوُسْطَى بِعَشْرٍ،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٤٨) «البيان» (١١/ ٥٤٣) «البيهقي» (٨/ ٩١) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٢٠٨ -) «عبدالرزاق» (٩/ ٣٨٠ -).\n(^٢) وانظر: «البيان» (١١/ ٥٤٤).","vol":"9","page":295},{"text":"وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِتِسْعٍ، وَفِي الْخِنْصَرِ بِسِتٍّ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا أُخْبِرَ بِكِتَابٍ كَتَبَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - لِآلِ حَزْمٍ: «وَفِي كُلِّ إصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ»، أَخَذَ بِهِ وَتَرَكَ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: فِي الْإِبْهَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا عَشْرٌ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا ثَمَانٍ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا سَبْعٌ. اهـ\nقلتُ: أثر عمر، ومجاهد ثابتان كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و«عبدالرزاق» و«سنن البيهقي»، وأثر عمر من طريق: سعيد بن المسيب عنه، وفي الأثرين: «في الثانية: عشر».\nوحجةُ القول الأول بأنَّ كلها عشر، حديث ابن عباس -﵄- في «البخاري»: «هذه، وهذه سواء» يعني الخنصر والإبهام. وعن ابن عباس -﵄-: «دية أصابع اليدين، والرجلين عشر من الإبل، لكل أصبع»، وهو حديث ثابتٌ، وجاء في كتاب عمرو بن حزم ذلك، وجاء في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5125>مسألة [٣٤]: الأصبع الزائدة</span>.\n• أكثر العلماء على أنَّ فيها حكومة، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وأبي ثور، وغيرهم.\n• ونُقل عن زيد بن ثابت بسند منقطع أنَّ فيها ثلث دية الأصبع.\n• وخالف ابن حزم، فقال: فيها عشر؛ لعموم الحديث. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٤٩) «البيهقي» (٨/ ٩٢ - ٩٣) «ابن أبي شيبة» (٩/ ١٩٣ -) «عبدالرزاق» (٩/ ٣٨٣ -) «البيان» (١١/ ٥٤٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٥٠) «المحلى» (٢٠٤٣).","vol":"9","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5126>مسألة [٣٥]: دية الأنامل</span>.\n• دية كل أصبع مقسومة على أناملها، وفي كل أصبع ثلاث أنامل إلا الإبهام، ففيه أنملتان، ففي كل أنملة خمسٌ من الإبل، هذا مذهب أحمد، والشافعي.\n• وقال مالك: هُنَّ ثلاث أنامل أيضًا، إحداهن باطنة.\nوأُجيب بأنَّ الاعتبار بما ظهر، وهو الصحيح. (^١)\nتنبيه: المقدار الذي يستحق الدية من الرجل هو مفصل القدم، وما زاد؛ فكما تقدم في اليد.\nتنبيه آخر: إذا اعتدى الرجل على ظفر أخيه المسلم ففسد واسوَدَّ فلم يثبت في تقديره حديثٌ مرفوع، ولكن ثبت بإسناد صحيح كما في «المصنفين» عن ابن عباس -﵄-، أنه قال: في الظفر إذا أعور خمس دية الأصبع. وبذلك أخذ أحمد، وإسحاق.\nقال أبو عبدالله غفر الله له: فيه حكومة، سواء نبت أم لم ينبت، وهو قول مالك، والشافعي، وابن المنذر، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5127>مسألة [٣٦]: دية الذكر</span>.\nأجمع أهل العلم على أنَّ في الذكر الدية؛ لما جاء في كتاب عمرو بن حزم: «وفي الذكر الدية».\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٥٠) «البيان» (١١/ ٥٤١).\n(^٢) انظر: «الإشراف» (٧/ ٤٢٨) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٢٢٠) «عبدالرزاق» (٩/ ٣٩١ -).","vol":"9","page":297},{"text":"وثبت ذلك عن علي -﵁-، وجاء عن غيره، وإذا أشله؛ ففيه الدية، سواء كان ذلك في ذكر الصغير، أو الكبير. (^١)\nتنبيه: نصَّ جماعةٌ من السلف أنَّ الدية تستحق بقطع الحشفة، وما زاد، وأما ما نقص عن الحشفة ففيه حكومة. وقال بعض الشافعية: فيما زاد حكومة. وقال بعض الحنابلة، والشوكاني: تستحق الدية بقطعه كاملًا، وفي النصف النصف، ثم بحسابه، وهذا أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5128>مسألة [٣٧]: دية الأنثيين</span>.\n• عامة أهل العلم على أنَّ فيهما الدية؛ لما جاء في كتاب عمرو بن حزم: «وفي البيضتين الدية»، وجاء ذلك عن جماعة من الصحابة، ثبت منها أثر علي -﵁-.\n• وأكثرهم على أنَّ كل واحدة فيها نصف الدية، وقال سعيد بن المسيب: في اليسرى ثلثا الدية، وفي اليمنى ثلث؛ لأنَّ من اليسرى يأتي الولد؛ فهي أكثر نفعًا.\nوأُجيب بأنَّ ما وجبت الدية في شيئين منه؛ وجب في إحدهما نصفها، كاليدين، وسائر الأعضاء، وتستوي دياتها مع اختلاف نفعها، وإذا رضت الأنثيين؛ ففيهما الدية. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٤٦) «البيهقي» (٨/ ٩٧) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٢١٣ -) «البيان» (١١/ ٥٤٨) «المحلى» (٢٠٥٩).\n(^٢) انظر: «ابن أبي شيبة» (٩/ ٢١٥ -) «البيان» (١١/ ٥٤٨) «المغني» (١٢/ ١٤٦ - ١٤٧)، «السيل».\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ١٤٧) «البيان» (١١/ ٥٤٩).","vol":"9","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5129>مسألة [٣٨]: ذكر العنين</span>.\n• أكثر أهل العلم على أنَّ فيه الدية كاملة؛ لأنه عضو سليم في نفسه غير مأيوس من جِمَاعِهِ.\n• وعن أحمد رواية أنه لا تكمل فيه الدية، وهو قول قتادة.\nوالصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5130>مسألة [٣٩]: ذكر الخصي</span>.\n• من أهل العلم من قال: فيه الدية كاملة. وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية، وابن المنذر؛ لأنَّ الخصي يستطيع الجماع؛ فمنفعة الذكر باقية فيه.\n• ومنهم من يقول: لا تجب فيه الدية كاملة. وهو قول مالك، والثوري، وأصحاب الرأي، وإسحاق، وأحمد في رواية؛ لأنه قد ذهب منه النسل، والجماع يذهب في الغالب.\nوالصحيح القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5131>مسألة [٤٠]: ثديا المرأة</span>.\nنقل ابن المنذر، وابن قدامة الإجماع على أنَّ فيهما الدية؛ لأنهما عضوان فيهما منفعة عظيمة مقصودة، وفي الواحد منهما نصف الدية. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٤٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٤٦).\n(^٣) «المغني» (١٢/ ١٤٦).","vol":"9","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5132>مسألة [٤١]: حلمتا الثديين</span>.\n• ذهب الشعبي، والنخعي، وأحمد، والشافعي إلى أنَّ فيهما الدية؛ لأنَّ بذهابهما تذهب منفعة الثديين.\n• وقال مالك، والثوري: إن ذهب اللبن؛ وجبت ديتهما، وإلا وجبت حكومة بقدر شينه، وهو قول قتادة، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5133>مسألة [٤٢]: إن ضربهما، فأبطل نفعهما، وأصبح اللبن يخرج منهما</span>؟\n• من أهل العلم من قال: فيه حكومة. وهو مذهب الشافعية، والحنابلة.\n• ومنهم من قال: فيه الدية. وهو قول مالك، والثوري، وقتادة، وبعض الحنابلة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5134>مسألة [٤٣]: ثديا الرجل (الثندوتان)</span>.\n• من أهل العلم من قال: فيهما الدية كثديي المرأة، وهو قول أحمد، وإسحاق، والشافعي في قول.\n• ومنهم من يقول: فيهما حكومة. وهو قول النخعي، ومالك، والشافعي في ظاهر مذهبه، وابن المنذر؛ لعدم وجود دليل على التقدير، ونفع ثديي المرأة أعظم من ثديي الرجل، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٤٢ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٤٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ١٤٣).","vol":"9","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5135>مسألة [٤٤]: دية الأليتين</span>.\nنقل ابن المنذر الإجماع على أنَّ في الأليتين الدية، وفي الواحدة منهما نصف الدية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5136>مسألة [٤٥]: دية الصلب</span>.\n• عامة أهل العلم على أنَّ في الصلب إذا كسر ولم ينجبر الدية؛ لحديث الباب: «وفي الصلب الدية».\n• وقال الشافعية: ليس فيه الدية إلا أن يذهب مشيه، أو جماعه؛ فتجب الدية من أجل ذلك، لا من أجل الصلب. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5137>مسألة [٤٦]: إذا ضرب في بطنه، فصار لا يستمسك الغائط، أو في المثانة، فصار لا يستمسك البول</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١٤٤): فِيْهِ الدِّيَةُ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَلَمْ أَعْلَمْ فِيهِ مُخَالِفًا، إلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي مُوسَى ذَكَرَ فِي الْمَثَانَةِ رِوَايَةً أُخْرَى، فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ.\nوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْمَحَلَّيْنِ عُضْوٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَبِيرَةٌ، لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُ؛ فَوَجَبَ فِي تَفْوِيتِ مَنْفَعَتِهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ. اهـ\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ١٤٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٤٤).","vol":"9","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5138>مسألة [٤٧]: دية العقل</span>.\nفيه الدية كاملة عند أهل العلم، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا.\nورُوي ذلك عن عمر -﵁- بإسناد ضعيف، وعن زيد بن ثابت بإسناد حسن، وجاء فيه حديث مرفوع عن معاذ بن جبل، وهو شديد الضعف، وقد ذكرناه في [مسألة دية السمع]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5139>مسألة [٤٨]: إذا تلف أكثر من عضو، أو أكثر من حاسة بجناية واحدة</span>.\n• ذكر أهل العلم أنَّ الدية تتعدد بالأعضاء، والحواس التالفة، وجاء عن عمر -﵁-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و«مصنف عبدالرزاق» أنه قضى في رجل رمى رجلًا بحجر فذهب سمعه، ولسانه، وعقله، وجِمَاعه، فقضى له بأربع ديات. ولكنه أثر ضعيف منقطع.\n• وعن مالك في مسألة إذا قطع الأذن، فذهب السمعُ أنَّ فيه دية واحدة فقط، وخالفه الجمهور، فقالوا: فيه ديتان: دية الأذن، ودية السمع.\n• وعن أحمد رواية، وعن الشافعي قول فيما إذا جنى على صلبه، فذهب جماعه، ومشيه، فيه دية واحدة؛ لأنها منفعة عضو واحد كاللسان. والأصح عنهما أنَّ فيه ديتين، وهو الأقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٥١) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٢٦٦) «البيهقي» (٨/ ٨٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١١٦) (١٢/ ١٤٤ -) (١٢/ ١٥٣) «البيان» (١١/ ٥٢١، ٥٤٧) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٢٦٦) «البداية» (٤/ ٢٥٦) «عبدالرزاق» (١٠/ ١١).","vol":"9","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5140>مسألة [٤٩]: دية الترقوة والضِلَع</span>.\nالتُّرْقوة: هي العظم الذي يمتد من النحر إلى الكتف من الجانبين؛ فللإنسان ترقوتان. والضِلَع معروف.\n• نُقِل عن زيد بن ثابت أنَّ في ذلك بعيرين، وفي العظمين أربعة، وإسناده ضعيف، وقال به الخِرَقِي.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ في الترقوة والضلع بعير واحد، صحَّ ذلك عن عمر -﵁-، وهو قول سعيد بن المسيب، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وأحمد، وإسحاق، وقولٌ للشافعي. وحجتهم أنَّ عمر -﵁- قضى بذلك، ولم يصح عن غيره من الصحابة خلافه.\n• وقال جماعةٌ من أهل العلم: في ذلك حكومة. وهو قول مالك، والشافعي في الأشهر عنه، والحنفية، ومسروق، وابن المنذر.\n• ونُقل عن عمرو بن شعيب أنه أوجب في ذلك الدية.\nوالصحيح ما ذهب إليه مالك، والشافعي، ولكن أفضل ما يحكم به هو ما قضى به عمر -﵁-، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5141>مسألة [٥٠]: عظم الزند</span>.\n• مذهب الحنابلة أنَّ الزند فيه عظمان، كل عظم فيه بعير واحد، ونقل ذلك عن عمر -﵁- بسند منقطع.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٧٢ - ١٧٣) «البيان» (١١/ ٥٦٣) «المحلى» (٢٠٦١) (٢٠٦٢) «ابن أبي شيبة» (٩/ ١٨٤، ٢٢٤).","vol":"9","page":303},{"text":"• ومذهب مالك، والشافعي، والحنفية أنَّ فيه حكومة، وهذا هو الصواب؛ لعدم وجود دليل على التقدير. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5142>مسألة [٥١]: سائر العظام غير ما تقدم</span>.\n• أكثر أهل العلم على عدم التقدير، وقدر بعض الحنابلة دية الساق ببعيرين، وكذلك الفخذ.\nوالذي يظهر أنَّه حكومة؛ لعدم وجود دليل يُعتمد عليه في التحديد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5143>مسألة [٥٢]: من قُطِعت يده في سبيل الله، فقطع رجل يده الأخرى</span>.\n• نُقل عن الزهري أنه قال: يغرم له دية كاملة، وهو مقتضى قول بعض الحنابلة.\n• والجمهور على أنَّ عليه دية قطع اليد فحسب، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5144>مسألة [٥٣]: دية الظفر</span>.\n• نُقل عن زيد بن ثابت أنه قال: إذا سقط؛ ففيه بعير، وإذا ثبت ففيه خمسا بعير، وإسناده ضعيف منقطع.\n• وعن ابن عباس -﵄- أنَّ الظفر إذ أعور -أي: لم ينبت- فيه خمس دية الأصبع. والأثر ثابت عنه، وبذلك قال أحمد، وإسحاق.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٧٣ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٧٤).\n(^٣) «المحلى» (٢٠٤٧).","vol":"9","page":304},{"text":"• وقال جماعة: فيه بعير. نُقل عن عمر بسند ضعيف منقطع، وقال بذلك مجاهد، وعمر بن عبدالعزيز.\n• وقال جماعةٌ: حكومة لا تقدير فيه. وهو قول مالك، والشافعي، والحنفية، ونحوه عن عطاء، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5145>مسألة [٥٤]: إذا وطئ الرجل زوجته الصغيرة، أو الضعيفة، فأفضاها</span>؟\nالإِفْضَاءُ: هو خرق ما بين مسلك البول، والمني.\n• من أهل العلم من أوجب في ذلك ثلث الدية، وهو المنقول عن عمر بن الخطاب بإسناد منقطع، وقال به قتادة، والحنابلة، والحنفية.\n• وبعضهم أوجب في ذلك الدية، وهو قول الشافعي، ونُقل عن عمر بن عبدالعزيز، وأبان بن عثمان.\nقلتُ: ومقتضى قول مالك أنَّ في ذلك حكومة، وهو أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5146>مسألة [٥٥]: هل يضمن الرجل لو كانت زوجته كبيرة غير ضعيفة، فحصل الإفضاء</span>؟\n• من أهل العلم من قال: لا يضمن. وهذا قول عمر بن عبدالعزيز، وأبان بن عثمان، وأحمد، وأبي حنيفة؛ لأنه فعل ما هو مأذون له شرعًا.\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (٢٠٥٥) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٢٢٠) «عبدالرزاق» (٩/ ٣٩١ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٧٠) «البيان» (١١/ ٥٥٨).","vol":"9","page":305},{"text":"• وقال الشافعي: عليه الضمان؛ لأنه جرحها خطأً؛ فعليه الدية كسائر الجنايات التي تحصل خطأ.\nقلتُ: فعل ما هو مأذون له شرعًا؛ فلا حرج عليه في ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5147>مسألة [٥٦]: إذا أدى بها ذلك إلى عدم استمساك البول</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والحنفية أنَّ التي تستحق الضمان إذا أدى بها ذلك إلى عدم استمساك البول؛ فلها الدية كاملة بدون زيادة؛ لأنه إتلاف عضو واحد؛ فلم يَفُتْ غير منافعه.\n• وقال الشافعي: عليه دية، وحكومة؛ لأنه فَوَّتَ منفعتين؛ فلزمه أرشهما.\nوأُجيب بأنَّ المنفعتين حاصلة من عضو واحد، وقد أتلف العضو؛ فوجب دية العضو لا دية المنافع، كما لو قطع لسانه؛ ففيه دية واحدة مع أنه ذهب الكلام والذوق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5148>مسألة [٥٧]: إذا أكره امرأةً على الزنى، فأفضاها</span>؟\n• أما إن كانت مكرهة؛ فلها أرش الجناية، ومهر مثلها، وأرش البكارة يدخل في المهر على الصحيح كما تقدم في النكاح.\n• وأما إن كانت مطاوعة؛ فلا مهر لها، وهل لها أرش الجناية؟ عند الحنابلة لا ضمان لها؛ لأنها أذنت له بهذا الفعل، وعند الشافعي عليه الضمان؛ لأنَّ الإذن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٧٠) «البيان» (١١/ ٥٥٨) «المحلى» (١٢/ ٩٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٧١) «البيان» (١١/ ٥٥٨ -) «المحلى» (١٢/ ٩٧).","vol":"9","page":306},{"text":"بالجماع لا بالإفضاء. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5149>مسألة [٥٨]: دية الموضحة</span>.\nالموضحة من شجاج الرأس والوجه، وهي التي تصل إلى العظم، سمِّيت موضحة؛ لأنها أبدت بياض العظم.\nوثبت عن أبي بكر، وعمر -﵄-، كما في «سنن البيهقي» (٨/ ٨٢) أنهما قالا: في الموضحة في الرأس والوجه سواءٌ. وإسناده حسن.\nقال ابن قدامة -﵀-: وأجمع العلماء على أن أرشها مقدر، قاله ابن المنذر. اهـ\nيعني خمسًا من الإبل، ثم استدل على ذلك بكتاب عمرو بن حزم، وبحديث عمرو بن شعيب الآتي بعدُ في الباب، ونَقَلَ عن سعيد بن المسيب في موضحة الوجه عشر. (^٢)\nتنبيه: استثنى مالك الموضحة التي في الأنف، واللحي الأسفل؛ فجعل فيها حكومة، وليس له دليل على هذا الاستثناء. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5150>مسألة [٥٩]: الموضحة في غير الرأس والوجه</span>.\n• أكثر الفقهاء على أنَّ الموضحة في غير الرأس، والوجه غير مقدرة، وفيها حكومة، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وغيرهم. وسواء كانت\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٧١) «البيان» (١١/ ٥٥٨ - ٥٥٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٥٨ - ١٥٩) «البيان» (١١/ ٥٠٥ - ٥٠٦).\n(^٣) «البيان» (١١/ ٥٠٥).","vol":"9","page":307},{"text":"الموضحة صغيرة، أو كبيرة.\n• وقال الليث بن سعد: هي كالموضحة في الرأس.\n• وقال الأوزاعي، وعطاء الخراساني: نصف موضحة الرأس.\nوالقول الأول هو الصحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5151>مسألة [٦٠]: إذا جنى عليه بموضحتين</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١٦١): وَإِنْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ مُوضِحَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ؛ فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مُوضِحَتَانِ؛ فَإِنْ أَزَالَ الْحَاجِزَ الَّذِي بَيْنَهُمَا؛ وَجَبَ أَرْشُ مُوضِحَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ الْجَمِيعُ بِفِعْلِهِ مُوضِحَةً، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَوْضَحَ الْكُلَّ مِنْ غَيْرِ حَاجِزٍ يَبْقَى بَيْنَهُمَا، وَإِنْ انْدَمَلَتَا، ثُمَّ أَزَالَ الْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا؛ فَعَلَيْهِ أَرْشُ ثَلَاثِ مَوَاضِحَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَرْشُ الْأُولَيَيْنِ بِالِانْدِمَالِ، ثُمَّ لَزِمَتْهُ دِيَةُ الثَّالِثَةِ. وَإِنْ تَآكَلَ مَا بَيْنَهُمَا قَبْلَ انْدِمَالِهِمَا فَزَالَ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ سِرَايَةَ فِعْلِهِ كَفِعْلِهِ. وَإِنْ انْدَمَلَتْ إحْدَاهُمَا وَزَالَ الْحَاجِزُ بِفِعْلِهِ، أَوْ سِرَايَةِ الْأُخْرَى؛ فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ. وَإِنْ أَزَالَ الْحَاجِزَ أَجْنَبِيٌّ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ، وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ مُوضِحَةٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا لَا يَنْبَنِي عَلَى فِعْلِ الْآخَرِ، فَانْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُكْمِ جِنَايَتِهِ. وَإِنْ أَزَالَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ؛ وَجَبَ عَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِجِنَايَتِهِ لَا يَسْقُطُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قوله: (فَإِنْ أَزَالَ الْحَاجِزَ الَّذِي بَيْنَهُمَا؛ وَجَبَ أَرْشُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٦١).","vol":"9","page":308},{"text":"مُوضِحَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ الْجَمِيعُ بِفِعْلِهِ مُوضِحَةً) فيه نظر؛ فإنه جنى موضحتين؛ فلا تصير بعد ذلك واحدة، وإن أزال الحاجز، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5152>مسألة [٦١]: دية الهاشمة</span>.\nالهاشمة: هي التي تتجاوز الموضحة فتهشم العظم، وليس فيها تقدير عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\n• وصحَّ عن زيد بن ثابت أنه قدرها بعشرٍ من الإبل، وأخذ بذلك الجمهور، وقال به الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، والثوري وغيرهم.\n• وقال الحسن: ليس فيها توقيت. ونحوه قول مالك، قال في الموضحة: خمس، وما زاد حكومة.\nورجَّح ابن المنذر القول بالحكومة، وقول مالك هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5153>مسألة [٦٢]: دية المنقلة</span>.\nالمنقلة زائدة على الهاشمة، وهي التي تكسر العظام وتزيلها عن مواضعها، فيحتاج إلى نقل العظم ليلتئم.\nوفيها خمس عشرة من الإبل، نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك؛ لحديث عمرو ابن حزم. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١١/ ٥٠٦ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٦٢ - ١٦٣) «البيان» (١١/ ٥٠٩).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ١٦٤).","vol":"9","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5154>مسألة [٦٣]: إذا حصلت هاشمة بدون موضحة</span>؟\nفي ذلك وجهان للحنابلة، والشافعية:\n• منهم من أوجب خمسًا من الإبل.\n• ومنهم من قال: فيها حكومة. وهو قول مالك، والحسن، وابن المنذر، وهو الصحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5155>مسألة [٦٤]: دية المأمومة</span>.\nيُقال لها: المأمومة، والآمَّة.\nقال ابن عبد البر -﵀-: أهل العراق يقولون لها (الآمة) وأهل الحجاز (المأمومة)، وهي الجراحة الواصلة إلى أم الدماغ، سمِّيت أم الدماغ؛ لأنها تحوطه وتجمعه؛ فهي جلدة تحيط به، وأرشها ثلث الدية عند عامة أهل العلم؛ لما في كتاب عمرو بن حزم المتقدم، وكذلك في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: «وفي المأمومة ثلث العقل».اهـ\nونقل عن مكحول أنَّ في العمد ثلثين، وفي الخطإِ ثلثًا، ولا دليل عليه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5156>مسألة [٦٥]: دية الدامغة</span>.\nالدامغة: هي التي خرقت جلدة الدماغ، وفيها ثلث الدية؛ لأنها مأمومة\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١١/ ٥٠٩) «المغني» (١٢/ ١٦٣ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٦٤ - ١٦٥) «البيان» (١١/ ٥٠١).","vol":"9","page":310},{"text":"وزيادة. وقال بعض الحنابلة، والشافعية: يجب حكومة فيما زاد. وهو الذي يظهر، وأكثرهم لم يذكر ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5157>مسألة [٦٦]: دية الجائفة</span>.\nالجائفة: ما وصل إلى الجوف من بطنٍ، أو ظهرٍ، أو صدرٍ، أو ثغرةٍ، أو نحرٍ، ونحو ذلك، وفيها ثلث الدية عند أهل العلم، ولا خلاف في ذلك؛ لحديث عمرو ابن حزم -﵁- الذي في الباب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5158>مسألة [٦٧]: إن أجافه جائفتين</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١٦٦ - ١٦٧): وَإِنْ أَجَافَهُ جَائِفَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ؛ فَعَلَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ. وَإِنْ خَرَقَ الْجَانِي مَا بَيْنَهُمَا، أَوْ ذَهَبَ بِالسِّرَايَةِ، صَارَ جَائِفَةً وَاحِدَةً، فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ لَا غَيْرُ. وَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا أَجْنَبِيٌّ، أَوْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَعَلَى الْأَجْنَبِيِّ الثَّانِي ثُلُثُهَا، وَيَسْقُطُ مَا قَابَلَ فِعْلَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: قوله: (وَإِنْ خَرَقَ الْجَانِي مَا بَيْنَهُمَا، أَوْ ذَهَبَ بِالسِّرَايَةِ، صَارَ جَائِفَةً وَاحِدَةً) فيه نظر؛ فقد ثبتت في فعله جائفتان؛ فلا تصير بعد ذلك جائفة بزيادة عدوانه، والله أعلم.\nقال ابن قدامة: وَإِنْ أَجَافَهُ رَجُلٌ، فَوَسَّعَهَا آخَرُ؛ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْشُ\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١١/ ٥١٠) «المغني» (١٢/ ١٦٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٦٦).","vol":"9","page":311},{"text":"جَائِفَةٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ كَانَ جَائِفَةً، فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِانْضِمَامِهِ إلَى فِعْلِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْإِنْسَانِ لَا يَنْبَنِي عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ.\nقال: وَإِنْ وَسَّعَهَا جَانٍ آخَرُ، فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، أَوْ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ؛ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ لَمْ تَبْلُغْ الْجَائِفَةَ. وَإِنْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ فِي الْجَائِفَةِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا، عُزِّرَ، وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ خَاطَهَا، فَجَاءَ آخَرُ، فَقَطَعَ الْخُيُوطَ، وَأَدْخَلَ السِّكِّينَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَلْتَحِمَ، عُزِّرَ أَشَدَّ مِنْ التَّعْزِيرِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَغَرَّمَهُ ثَمَنَ الْخُيُوطِ وَأُجْرَةَ الْخَيَّاطِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَرْشُ جَائِفَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِفْهُ. وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الْتِحَامِهَا، فَعَلَيْهِ أَرْشُ الْجَائِفَةِ وَثَمَنُ الْخُيُوطِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5159>مسألة [٦٨]: إذا جرحه جائفة، فنفذت من الجانب الآخر</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ ذلك جائفتان، فيهما ثلثا الدية، نُقِل ذلك عن أبي بكر الصديق من طريق: سعيد بن المسيب عنه، وهو منقطع. أخرجه البيهقي (٨/ ٨٥).\nونُقل عن عمر -﵁-، قال الألباني -﵀- في «الإرواء» (٢٢٩٩): لم أقف عليه. وهو قول عطاء، ومجاهد، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي.\nوحُكي عن بعض الشافعية، وكذا عن أبي حنيفة أنَّ ذلك جائفة واحدة؛ لأنَّ الجائفة هي التي تنفذ من ظاهر البدن إلى الجوف، وهذه الثانية إنما نفذت من الباطن إلى الظاهر.","vol":"9","page":312},{"text":"قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ١٦٨ - ١٦٩): وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِوُصُولِ الْجُرْحِ إلَى الْجَوْفِ، لَا بِكَيْفِيَّةِ إيصَالِهِ؛ إذْ لَا أَثَرَ لِصُورَةِ الْفِعْلِ مَعَ التَّسَاوِي فِي المَعْنَى. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5160>مسألة [٦٩]: شجاج الرأس دون الموضحة</span>.\nتقدم تحت الحديث (١١٨٦) المسألة، رقم (٢): أنَّ شجاج الرأس دون الموضحة خمسة أنواع، وهي:\n١) الحارصة، ويقال لها: الكاشطة. وهي التي تكشط الجلد.\n٢) الدامية، ويقال لها: الدامعة، وهي التي يخرج منها الدم، ويكون قليلًا.\n٣) الباضعة: وهي التي تدخل في اللحم، فيخرج دمٌ أكثر.\n٤) المتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم أكثر من التي قبلها.\n٥) السمحاق، وهي التي تصل إلى غشاء السمحاق الذي قبل العظام.\n• فأكثر أهل العلم على أنَّ هذه الجنايات ليس فيها تقدير، وإنما هو حكومة بما دون الموضحة.\n• وثبت عن زيد بن ثابت أنه جعل في الدامية بعيرًا، وفي الباضعة بعيرين، وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي السمحاق أربعة. وقال بذلك أحمد في رواية، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٧٥ -) «البيان» (١١/ ٥١٠ -).","vol":"9","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5161>مسألة [٧٠]: الجناية على العبد، وقدر الدية في ذلك</span>.\nأما إذا كانت الجناية عليه بالقتل؛ فالدية هي قيمة العبد عند عامة أهل العلم، وَنُقِل الإجماع على ذلك، نقله ابن قدامة وغيره.\nواختلفوا فيما إذا بلغت قيمته دية الحر، أو أكثر.\n• فأكثر أهل العلم على أنَّ فيه قيمته بالغة ما بلغت، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبدالعزيز، وإياس بن معاوية، والزهري، ومكحول، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي وغيرهم؛ لأنه مالٌ متقوم فيضمن بكمال قيمته بالغة ما بلغت.\n• وخالف أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، فقالا: لا تبلغ دية الحر؛ فإنْ كانت قيمته كذلك؛ نقص منها عشرة دراهم، وإن كان الموت حصل بضمانٍ باليد لا بالجناية؛ فتجب الدية كاملة، كأن يغصب عبدًا، فيموت في يده. والصحيح قول الجمهور. (^١)\nوأما إن كانت الجناية على العبد بما دون النفس؛ فإن كانت الجناية في شيء ليس فيه تقدير بالنسبة للحر؛ فإن سيد العبد يستحق ما نقصت الجناية من قيمة العبد بلا خلاف.\n• وأما إن كان في شيء فيه تقدير بالنسبة للحر: فالجمهور على أنَّ العبد\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١١/ ٥٠٤ - ٥٠٥) (١٢/ ٥٨) «البيان» (١١/ ٥٦٨).","vol":"9","page":314},{"text":"يستحق نفس النسبة من قيمته، فلو قطعت يده؛ استحق نصف القيمة، وهكذا في غير اليد.\n• وقال أحمد في رواية وحُكي عن مالك: يستحق ما نقصت قيمته، لكن قيده مالك في غير الموضحة، والمنقلة، والهاشمة، والجائفة.\nوالقول الأول قريب. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٨٣ - ١٨٤).","vol":"9","page":315},{"text":"١١٨١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «هَذِهِ، وَهَذِهِ سَوَاءٌ» يَعْنِي الخِنْصَرَ وَالإِبْهَامَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\nوَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ: «دِيَةُ الأَصَابِعِ سَوَاءٌ، وَالأَسْنَانُ سَوَاءٌ: الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ». (^٢) وَلِابْنِ حِبَّانَ: «دِيَةُ أَصَابِعِ اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ، عَشْرَةٌ مِنَ الإِبِلِ لِكُلِّ أُصْبُعٍ». (^٣)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيستفاد من حديث الباب أن دية كل أصبع عشر من الإبل، وأنَّ دية كل سن خمس من الإبل، لا تختلف الدية باختلاف السن والأصبع في ذلك.\nوقد تقدم ذكر المسائل المتعلقة بذلك في الحديث السابق.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٨٩٥).\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٤٥٥٩)، والترمذي (١٣٩١)، واللفظ لأبي داود، ولفظ الترمذي إنما هو كلفظ ابن حبان الذي بعده، وإسناد أبي داود صحيح، وإسناد الترمذي حسن.\n(^٣) حسن. أخرجه ابن حبان (٦٠١٢)، وأخرجه أيضًا الترمذي (١٣٩١)، بإسناد حسن.","vol":"9","page":316},{"text":"١١٨٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ قَالَ: «مَنْ تَطَبَّبَ -وَلَمْ يَكُنْ بِالطِّبِّ مَعْرُوفًا- فَأَصَابَ نَفْسًا فَمَا دُونَهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، (وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرِهِمَا، إلَّا أَنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ أَقْوَى مِمَّنْ وَصَلَهُ) (^١). (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5162>مسألة [١]: ضمان جناية الطبيب</span>.\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٤/ ١٣٩ -): الْأَقْسَامُ خَمْسَةٌ: أَحَدُهَا: طَبِيبٌ حَاذِقٌ أَعْطَى الصّنْعَةَ حَقّهَا، وَلَمْ تَجْنِ يَدُهُ، فَتَوَلّدَ مِنْ فِعْلِهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الشّارِعِ، وَمِنْ جِهَةِ مَنْ يَطِبّهُ تَلَفُ الْعُضْوِ، أَوْ النّفْسِ، أَوْ ذَهَابُ صِفَةٍ؛ فَهَذَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ اتّفَاقًا.\n_________\n(^١) ما بين القوسين ساقط من النسخة (أ).\n(^٢) ضعيف. أخرجه الدارقطني (٣/ ١٩٦)، والحاكم (٤/ ٢١٢)، وأبوداود (٤٥٨٦)، والنسائي (٨/ ٥٢ - ٥٣)، وكذلك ابن ماجه (٣٤٦٦)، من طريق الوليد بن مسلم أخبرنا ابن جريج عن عمرو بن شعيب به.\nقال الدارقطني: لم يسنده عن ابن جريج غير الوليد بن مسلم، وغيره يرويه عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب مرسلًا.\nقلتُ: وابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب كما ذكر ذلك البخاري.\nفهو معضل، في إسناده ضعف أعني الانقطاع.\nوله طريق أخرى عند أبي داود (٤٥٨٧)، من طريق تابعي مبهم عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فهو مرسل من رجل مبهم. فالحديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"9","page":317},{"text":"قال: وَهَكَذَا سِرَايَةُ كُلّ مَأْذُونٍ فِيهِ لَمْ يَتَعَدّ الْفَاعِلُ فِي سَبَبِهَا كَسِرَايَةِ الْحَدّ بِالِاتّفَاقِ، وَسِرَايَةِ الْقِصَاصِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.\nقال: الْقِسْمُ الثّانِي: مُطَبّبٌ جَاهِلٌ بَاشَرَتْ يَدُهُ مَنْ يَطِبّهُ، فَتَلِفَ بِهِ؛ فَهَذَا إنْ عَلِمَ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ أَنّهُ جَاهِلٌ لَا عِلْمَ لَهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي طِبّهِ؛ لَمْ يَضْمَنْ وَلَا تُخَالِفُ هَذِهِ الصّورَةُ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ؛ فَإِنّ السّيَاقَ وَقُوّةَ الْكَلَامِ يَدُلّ عَلَى أَنّهُ غَرّ الْعَلِيلَ، وَأَوْهَمَهُ أَنّهُ طَبِيبٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنْ ظَنّ الْمَرِيضُ أَنّهُ طَبِيبٌ وَأَذِنَ لَهُ فِي طِبّهِ لِأَجْلِ مَعْرِفَتِهِ؛ ضَمِنَ الطّبِيبُ مَا جَنَتْ يَدُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ وَصَفَ لَهُ دَوَاءً يَسْتَعْمِلُهُ، وَالْعَلِيلُ يَظُنّ أَنّهُ وَصَفَهُ لِمَعْرِفَتِهِ وَحِذْقِهِ، فَتَلِفَ بِهِ؛ ضَمِنَهُ، وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِيهِ أَوْ صَرِيحٌ. يعني حديث الباب.\nالْقِسْمُ الثّالِثُ: طَبِيبٌ حَاذِقٌ أَذِنَ لَهُ، وَأَعْطَى الصّنْعَةَ حَقّهَا، لَكِنّهُ أَخْطَأَتْ يَدُهُ، وَتَعَدّتْ إلَى عُضْوٍ صَحِيحٍ، فَأَتْلَفَهُ مِثْلَ أَنْ سَبَقَتْ يَدُ الْخَاتِنِ إلَى الْكَمَرَةِ، فَهَذَا يَضْمَنُ؛ لِأَنّهَا جِنَايَةُ خَطَإٍ، ثُمّ إنْ كَانَتْ الثّلُثَ؛ فَمَا زَادَ فَهُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَاقِلَةٌ، فَهَلْ تَكُونُ الدّيَةُ فِي مَالِهِ أَوْ فِي بَيْتِ الْمَالِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ.\nالْقِسْمُ الرّابِعُ: الطّبِيبُ الْحَاذِقُ الْمَاهِرُ بِصَنَاعَتِهِ اجْتَهَدَ، فَوَصَفَ لِلْمَرِيضِ دَوَاءً فَأَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ، فَقَتَلَهُ؛ فَهَذَا يُخَرّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا: أَنّ دِيَةَ الْمَرِيضِ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَالثّانِيَةُ: أَنّهَا عَلَى عَاقِلَةِ الطّبِيبِ، وَقَدْ نَصّ عَلَيْهِمَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي خَطَإِ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ.","vol":"9","page":318},{"text":"الْقِسْمُ الْخَامِسُ: طَبِيبٌ حَاذِقٌ أَعْطَى الصّنْعَةَ حَقّهَا، فَقَطَعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ، أَوْ صَبِيّ، أَوْ مَجْنُونٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَوْ إذْنِ وَلِيّهِ، أَوْ خَتَنَ صَبِيًّا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيّهِ، فَتَلِفَ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَضْمَنُ؛ لِأَنّهُ تَوَلّدَ مِنْ فِعْلٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْبَالِغُ، أَوْ وَلِيّ الصّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ؛ لَمْ يَضْمَنْ.\nقال: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَضْمَنَ مُطْلَقًا؛ لِأَنّهُ مُحْسِنٌ وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ. وَأَيْضًا فَإِنّهُ إنْ كَانَ مُتَعَدّيًا فَلَا أَثَرَ لِإِذْنِ الْوَلِيّ فِي إسْقَاطِ الضّمَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدّيًا فَلَا وَجْهَ لِضَمَانِهِ؛ فَإِنْ قُلْتَ: هُوَ مُتَعَدّ عِنْدَ عَدَمِ الْإِذْنِ غَيْرُ مُتَعَدّ عِنْدَ الْإِذْنِ. قُلْتُ: الْعُدْوَانُ وَعَدَمُهُ إنّمَا يَرْجِعُ إلَى فِعْلِهِ هُوَ؛ فَلَا أَثَرَ لِلْإِذْنِ، وَعَدَمِهِ فِيهِ، وَهَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ. اهـ","vol":"9","page":319},{"text":"١١٨٣ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «فِي المَوَاضِحِ خَمْسٌ، خَمْسٌ، مِنَ الإِبِلِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ.\nوَزَادَ أَحْمَدُ: «وَالأَصَابِعُ سَوَاءٌ، كُلُّهُنَّ عَشْرٌ، عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ». وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nحديث الباب يدل على أن الموضحة وهي من شجاج الرأس والوجه، وهو التي توضح العظم فيها خمس من الإبل، ويدل على أن دية كل أصبع من أصابع اليدين والقدمين عشر من الإبل.\nوتقدم ذكر هذه المسائل وبيان مذاهب العلماء في ذلك.\n_________\n(^١) حسن. رواه أحمد (٢/ ٢١٥)، وأبوداود (٤٥٦٦)، والنسائي (٨/ ٥٧)، والترمذي (١٣٩٠)، وابن ماجه (٢٦٥٥)، وابن الجارود (٧٨٥)، وهو حديث حسن.","vol":"9","page":320},{"text":"١١٨٤ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِينَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ.\nوَلَفْظُ أَبِي دَاوُد: «دِيَةُ المُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ». (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5163>مسألة [١]: عقل أهل الذمة من اليهود والنصارى</span>.\nاختلف أهل العلم في مقدار دية الذمي على أقوال:\n• فمنهم من قال: دية الذمي نصف دية المسلم. وهذا قول عمر بن عبدالعزيز، وعروة، ومالك، وأحمد. واستدلوا على ذلك بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده المذكور في الباب.\n• وقال جماعةٌ من أهل العلم: دية الذمي أربعة آلاف درهم. ثبت ذلك عن عمر، وعثمان -﵄-، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وعكرمة، وعمرو بن دينار، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ هذا قضاء عمر، وعثمان، ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة، وبحديث عبادة بن الصامت، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «دية اليهودي، والنصراني أربعة آلاف، أربعة آلاف»، وهو حديث لا أصل له صحيح في كتب\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١٨٠) (٢/ ١٨٣)، وأبوداود (٤٥٨٣)، والترمذي (١٤١٣)، والنسائي (٨/ ٤٥)، وابن ماجه (٢٦٤٤)، من طرق عن عمرو بن شعيب به. واللفظ للنسائي، وعنده زيادة: «وهم اليهود والنصارى» وألفاظ الباقين بالمعنى. وإسناد الحديث حسن.","vol":"9","page":321},{"text":"السنة المشهورة.\n• وقال جماعة من أهل العلم: دية المعاهد كدية المسلم. وهو قول علقمة، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وثبت ذلك عن ابن مسعود بإسنادين منقطعين، يتقوى أحدهما بالآخر، ونُقل عن علي -﵁- بسند ضعيف منقطع.\nوالصحيح في هذه المسألة هو القول الأول؛ لحديث الباب، وأما أثر عمر، وعثمان -﵄- في التقدير بأربعة آلاف؛ فإنما كان ذلك حين كانت الدية من الإبل تُقَوَّمُ بثمانية آلاف درهم، فيكون قول عمر، وعثمان -﵄- يوافق القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5164>مسألة [٢]: هل تغلظ الدية على من قتل معاهدًا عمدًا</span>؟\n• نُقل عن عثمان -﵁- بإسناد صحيح أنه جعل على من قتل معاهدًا عمدًا الدية كاملة ألف دينار (^٢)، وأخذ بذلك أحمد في المشهور عنه.\n• والجمهور على عدم التغليظ؛ لأنَّ الدية مائة من الإبل في حق المسلم عمدًا، أو خطأً؛ فكذلك لا تختلف في حق الذمي، وهذا أقرب، والله أعلم. (^٣)\nتنبيه: جراحهم من دياتهم كجراح المسلمين من دياتهم. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٥١ - ٥٣) «البيهقي» (٨/ ١٠١ - ١٠٣) «عبدالرزاق» (١٠/ ٩٢ -) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٢٨٦ -) «البيان» (١١/ ٤٩٢).\n(^٢) ذكره ابن قدامة -﵀- بإسناده، وهو في «مصنف عبدالرزاق» (١٠/ ٩٦).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٥٤).\n(^٤) «المغني» (١٢/ ٥٣ -).","vol":"9","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5165>مسألة [٣]: دية المجوسي المعاهد</span>.\n• أكثر أهل العلم على أنَّ دية المجوسي ثمانمائة درهم، ثبت ذلك عن عمر بن الخطاب -﵁-، وهو قول سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعطاء، والحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وغيرهم.\nواستدلوا بأنَّ ذلك قضاء عمر، ولا يعلم له مخالف من الصحابة.\n• وقال عمر بن عبدالعزيز: ديته نصف دية المسلم، كالذمي من أهل الكتاب، ويدل عليه حديث: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»، وهو حديث أخرجه مالك (١/ ٢٧٨) بإسناد منقطع، بل يدل عليه عموم حديث الباب: «عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين».\n• وقال النخعي، والشعبي، وأصحاب الرأي: ديته كدية المسلم؛ لأنه آدمي معصوم الدم، فأشبه المسلم.\nوأجاب الجمهور على الحديث المتقدم بضعفه، وبأنَّ معناه في أخذ الجزية، وحقن الدماء، بدليل أنَّ ذبائحهم، ونساءهم لا تحل لنا، ولا يجوز اعتباره بالمسلم، ولا الكتابي؛ لنقصان دينه، وأحكامه عنهما، فينبغي أن تنقص ديته.\nقال أبو عبدالله غفر الله له: قول عمر بن عبدالعزيز -﵀- هو الصواب؛ لما تقدم، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٥٥) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٢٨٨ -) «عبدالرزاق» (١٠/ ٩٤ -) «البيان» (١١/ ٤٩٣).","vol":"9","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5166>مسألة [٤]: دية الكفار الحربيين، وعبدة الأوثان وغيرهم</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٥٥ -): فَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، وَسَائِرِ مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ، كَالتُّرْكِ، وَمَنْ عَبَدَ مَا اسْتَحْسَنَ؛ فَلَا دِيَةَ لَهُمْ وَإِنَّمَا تُحْقَنُ دِمَاؤُهُمْ بِالْأَمَانِ، فَإِذَا قُتِلَ مَنْ لَهُ أَمَانٌ مِنْهُمْ، فَدِيَتُهُ دِيَةُ مَجُوسِيٍّ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الدِّيَاتِ، فَلَا تَنْقُصُ عَنْهَا، وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ ذُو عَهْدٍ لَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُ، فَأَشْبَهَ المَجُوسِيَّ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5167>مسألة [٥]: من لم تبلغه الدعوة، هل فيه دية</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والحنفية أنه لا دية فيه؛ لأنه كافر لا عهد له، فلم يضمن كصبيان المشركين، ومجانينهم.\n• ومذهب الشافعية، وبعض الحنابلة أنه يضمن بالدية؛ لأنه لا يجوز قتله، فأشبه الذمي بجامع كونهما محقوني الدم.\nوالقول الأول أقرب.\nواختلف القائلون بالدية في تقديرها:\n• فمنهم من قال: كدية المسلم.\n• ومنهم من قال: كدية أهل دينه.\n• ومنهم من قال: كدية المجوسي. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١١/ ٤٩٣).\n(^٢) انظر: «البيان» (١١/ ٤٩٣) «المغني» (١٢/ ٥٦).","vol":"9","page":324},{"text":"١١٨٥ - وَلِلنَّسَائِيِّ: «عَقْلُ المَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا» وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5168>مسألة [١]: دية الحرة المسلمة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٥٦): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ. وَحَكَى غَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَالْأَصَمِّ، أَنَّهُمَا قَالَا: دِيَتُهَا كَدِيَةِ الرَّجُلِ، وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ، يُخَالِفُ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ، وَسُنَّةَ النَّبِيِّ - ﷺ -.اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5169>مسألة [٢]: جراحات المرأة</span>.\n• من أهل العلم من قال: جراحات المرأة كجراحات الرجل في الدية إلى ثلث الدية، فما زاد؛ ففيه نصف الدية. وهذا قول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبدالعزيز، وعروة، والزهري، وقتادة، والأعرج، وربيعة، وأحمد، ومالك، والشافعي في القديم.\nواستدلوا على ذلك بحديث الباب، وهو ضعيف، ونُقل عن ابن المسيب أنه\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه النسائي (٨/ ٤٤ - ٤٥)، وأخرجه أيضًا الدارقطني (٣/ ٩١)، من طريق إسماعيل ابن عياش، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب به. وإسناده ضعيف؛ لأن إسماعيل بن عياش روايته عن غير الشاميين ضعيفة، وهذا منها، وابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب كما ذكر ذلك البخاري. وقد ضعفه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٢٢٥٤).\n(^٢) وانظر: «البيان» (١١/ ٤٩٤) «الأوسط» (١٣/ ١٦٤).","vol":"9","page":325},{"text":"قال: هكذا السنة. ونقل عن عمر -﵁-، هذا القول بإسناد شديد الضعف، فيه جابر الجعفي، وهو متروك، وجاء عن زيد بن ثابت، من طريق الشعبي عنه، ولم يسمع منه، ثم وقفت على إسناد آخر صحيح عند ابن المنذر عنه، أنه قال: يستويان إلى المنقلة، ويختلفان فيما فوق ذلك.\n• وقال الحسن: يستويان في الجراحات إلى النصف.\n• وقال جماعةٌ من أهل العلم: دية المرأة في الجراحات على النصف من دية الرجل فيما قلَّ وكثر. ثبت عن علي -﵁-، وهو قول ابن سيرين، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والليث، والثوري، والحنفية، وأبي ثور، والشافعي في ظاهر مذهبه، وابن المنذر. وحجتهم أنها كما ناصفته في النفس؛ فكذلك في الأعضاء، وسائر الجراحات، وهذا أقرب، والله أعلم.\n• وثبت عن ابن مسعود -﵁-، أنهما يستويان إلى دية الموضحة، ودية السن، وما زاد فهو على النصف، وهو قول شريح، وروي عن عمر -﵁- من طريق النخعي عنه، ولم يسمع منه. (^١)\nتنبيه: دية نساء أهل الكتاب، والمجوس، وجراحاتهن كنصف دية رجالهم وجراحهم على الخلاف السابق.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٥٧) «البيهقي» (٨/ ٩٦) «الأوسط» (١٣/ ١٦٥).","vol":"9","page":326},{"text":"١١٨٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «عَقْلُ شِبْهِ العَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ العَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ، وَذَلِكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيْطَانُ؛ فَتَكُونَ دِمَاءٌ بَيْنَ النَّاسِ فِي غَيْرِ ضَغِينَةٍ، وَلَا حَمْلِ سِلَاحٍ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَضَعَّفَهُ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nدلَّ حديث الباب على أن أسنان الإبل في دية قتل شبه العمد مغلظة مثل دية العمد، وتقدم ذكر هذه المسألة.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه الدارقطني (٣/ ٩٥)، وليس عنده «وذلك أن ينزو الشيطان ...» إلى آخره، والحديث عند أبي داود (٤٥٦٥)، وأحمد (٢/ ١٨٣)، وهو من طريق محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب به، وإسناده حسن.\nتنبيه: لم أجد تضعيف الدارقطني في «سننه»، وظاهر عبارة الحافظ أن تضعيفه في «سننه»!!","vol":"9","page":327},{"text":"١١٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألفًا. رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ، وَأَبُوحَاتِمٍ إرْسَالَهُ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nاستدل بهذا الحديث من جعل مقدار الدية اثني عشر ألف درهم، ومن قال: إنَّ الدية كما تكون مائة من الإبل فتكون أيضًا بالمقدار المذكور من الفضة.\nوالراجح أن الأصل في الدية مائة من الإبل، ثم ما يُقَوَّمُ بقيمتها من الأموال، وتقدم ذكر المسألة وأقوال العلماء في ذلك.\n_________\n(^١) ضعيف مرسل. أخرجه أبوداود (٤٥٤٦)، والنسائي (٨/ ٤٤)، وفي «الكبرى» (٧٠٠٦) (٧٠٠٧)، والترمذي (١٣٨٨)، وابن ماجه (٢٦٢٩)، من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس. ومحمد بن مسلم له أخطاء، وقد أخطأ في هذا الحديث فوصله، وخالفه ابن عيينة فرواه مرسلًا بدون ذكر ابن عباس، ورجح النسائي في «الكبرى» المرسل، وكذا أبوحاتم كما في «العلل» لولده (١٣٩٠) وكذا الترمذي وأبوداود في «سننيهما» عقب الحديث.","vol":"9","page":328},{"text":"١١٨٨ - وَعَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: أَتَيْت النَّبِيَّ - ﷺ - وَمَعِي ابْنِي، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟» فَقُلْت: ابْنِي وَأَشْهَدُ بِهِ، فَقَالَ: «أَمَا إنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْك، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَأَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الجَارُودِ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفي الحديث دلالة على أنه لا يطالب أحد بجناية غيره، سواء كان قريبًا كالأب، والولد وغيرهما، أو أجنبيًّا؛ فالجاني يطلب وحده بجنايته، ولا يُطالب بجنايته غيره، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].\nفإن قلت: قد أمر الشارع بتحمل العاقلة الدية في جناية الخطإِ، أو القسامة. فيقال: هذا مخصوص من الحكم العام. وقيل: إن ذلك ليس من تحمل الجناية، بل من باب التعاضد، والتناصر فيما بين المسلمين. (^٢)\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٤٤٩٥)، والنسائي (٨/ ٥٣)، وابن الجارود (٧٧٠) وإسناده صحيح.\n(^٢) انتهى من «السبل» (٣/ ٥١٣).","vol":"9","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5170>فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلّقُ بِدِيَةِ الْجَنِيْنِ</span>\nتقدم حديث أبي هريرة -﵁- في الباب السابق في قصة المرأتين التي ضربت إحداهما الأخرى بحجر، وفي رواية: بعمود فسطاط، فقتلتها، وما في بطنها، فقضى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في جنينها بغرة عبد، أو أمة.\nوفي «الصحيحين» عن المغيرة بن شعبة أنَّ عمر بن الخطاب -﵁- استشار الناس في إملاص المرأة، فقال المغيرة -﵁-: قضى بها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بغرة عبد أو أمة. فقال عمر -﵁-: لتأتين بمن يشهد معك. فشهد معه محمد بن مسلمة -﵁-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5171>مسألة [١]: الجنين المحكوم بإسلامه كم ديته</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ في ذلك غرة عبد أو أمة كما جاء في الحديثين السابقين، وأصل الغرة البياض الذي في جبهة الفرس، وقد استُعْمِل للآدمي كما في حديث الوضوء: «يأتون غُرًّا محجلين»، وفي هذا الحديث، وأُطلق على الآدمي غرة؛ لأنه أشرف الحيوان؛ فإنَّ محل الغرة الوجه، والوجه أشرف الأعضاء، والغرة المراد منها العبد، أو الأمة كما هو مفسر في الحديث، وعليه جمهور أهل العلم.\n• ونقل ابن المنذر، والخطابي عن طاوس، ومجاهد، وعروة بن الزبير أنهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٩٠٥) (٦٩٠٦)، ومسلم برقم (١٦٨٢).","vol":"9","page":330},{"text":"زادوا: «أو فرس»، وقد بيَّن البيهقي وغيره أنَّ زيادة «الفرس» جاءت في حديث أبي هريرة -﵁-، وهي شاذة، وَهِمَ فيها: عيسى بن يونس، وجاء من وجه آخر، والصواب أنها مدرجة من كلام طاوس، ولعل من قال بالفرس اعتمد على قوله «غرة»، ويُجاب عنه بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد فسَّر الغرة؛ فوجب الأخذ بتفسيره، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5172>مسألة [٢]: تقدير الغرة</span>.\n• عامة أهل العلم على أنَّ الغرة تساوي نصف عشر الدية، وهي خمس من الإبل، وما يساويها من الدراهم والدنانير، ونقل ذلك عن عمر بسند ضعيف منقطع.\n• وذهب ابن حزم إلى عدم التقدير؛ لأنَّ العبد تختلف قيمته باختلاف الأزمان، ومال إلى هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو الأقرب، والله أعلم، وتحديد الفقهاء ليس ببعيد، ولا بأس بالعمل به في مثل هذه الأيام التي لا عبيد فيها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5173>مسألة [٣]: الجنين المحكوم بكفره، كم ديته</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٦١): وَأَمَّا جَنِينُ الْكِتَابِيَّةِ، وَالْمَجُوسِيَّةِ إذَا كَانَ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ، فَفِيهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ،\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٦٩٠٨) «المغني» (١٢/ ٦٠، ٦٤) «شرح مسلم» (١٦٨١) «سنن البيهقي» (٨/ ١١٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٦٦) «المحلى» (٢١٣٣) «البيهقي» (٨/ ١١٦ - ١١٧).","vol":"9","page":331},{"text":"وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ جَنِينَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ مَضْمُونٌ بِعُشْرِ دِيَةِ أُمِّهِ، فَكَذَلِكَ جَنِينُ الْكَافِرَةِ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ يَرَوْنَ أَنَّ دِيَةَ الْكَافِرَةِ كَدِيَةِ الْمُسْلِمَةِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُمْ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ. اهـ\nوقد خالف ابن حزم -﵀- فأوجب في ذلك الغرة أيضًا؛ لعموم الحديث؛ ولأنَّ القول المذكور مبني على تقدير الغرة بنصف عشر دية المسلم، أو عشر دية الأم، ولا دليل على التقدير. (^١)\nتنبيه: إذا كان أحد الأبوين مسلمًا؛ ففيه الغرة، وإن كانا كافرين؛ ففيه القيمة، وإن كان أحدهما أرفع ديةً من الآخر كالمجوسي والكتابية، والعكس؛ فيُعطَى نسبة القيمة من قيمة الأكثر. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5174>مسألة [٤]: متى تجب الغرة</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ الغرة تجب بسقوط الجنين ميتًا من الضربة، ويُعلم ذلك بسقوطه عقيب الضرب، أو ببقائها متألمة إلى أن يسقط. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5175>مسألة [٥]: إن قتل حاملًا ولم يسقط جنينها، أو ضرب من في جوفها حركة وانتفاخ، فأذهب ذلك</span>؟\n• أكثر أهل العلم على عدم ضمان الجنين، وهو قول قتادة، والأوزاعي،\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (٢١٣٣).\n(^٢) «المغني» (١٢/ ٦١).\n(^٣) «المغني» (١٢/ ٦٢).","vol":"9","page":332},{"text":"ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ لأنه لا يثبت حكم الولد إلا بخروجه؛ ولذلك لا تصح له وصية ولا ميراث، ولأنَّ الحركة يجوز أن تكون لريح في البطن سكنت، ولا يجب الضمان بالشك.\n• وقال الزهري: عليه غرة؛ لأنَّ الظاهر أنه قتل الجنين، فلزمته الغرة كما لو أسقطت، وعنه قول كالقول الأول، واختار ابن حزم وجوب الغرة؛ لأنَّ الجنين قد هلك؛ فوجب فيه ذلك كما لو أسقطته. قال: ولم يشترط النبي - ﷺ - في الحديث إلقاؤه. وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.\nوأما الانتفاخ؛ فإنَّ النساء تميز انتفاخ الحمل وغيره، وكذلك في هذه الأيام يتميز ذلك بالأجهزة الحديثة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5176>مسألة [٦]: إذا ألقت الجنين بعد موتها</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي وجوب الغرة في ذلك، وهو الصحيح.\n• ومذهب مالك عدم الوجوب، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنَّ سقوطها بعد موتها لا أثر له؛ لأنه يجري مجرى الأعضاء، وبموتها سقط حكم أعضائها، وهذا قياس مخالف لعموم النص السابق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5177>مسألة [٧]: إذا خرج بعض الجنين</span>؟\n• تجب فيه الغرة كذلك، وهو الصحيح، وهو مذهب أحمد، والشافعي.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٦٢) «المحلى» (٢١٢٧) «الفتح» (٦٩٠٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٦٣).","vol":"9","page":333},{"text":"• وخالف مالك، وابن المنذر؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما قضى فيمن ألقت الجنين، وهذه لم تُلِقِ شيئًا، ولا دليل لهما على اعتبار ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5178>مسألة [٨]: هل يشترط في الجنين أن يكون قد نفخ فيه الروح</span>؟\nلم أجد أحدًا من أهل العلم اشترط ذلك، بل نقل النووي الإجماع في «شرح مسلم» على أنها إذا ألقت جنينًا في حال كونه مضغة قد ظهرت فيه صورة الآدمي أنها تجب الغرة؛ لعموم الحديث.\nوأما إن كان فيه صورة خفية شهدت النساء القوابل بأنه مبتدؤ خلق آدمي ففيه وجهان للحنابلة، والشافعية، والأقرب أن حكمه كحكم من ظهرت فيه الصورة. وأما إن لم تظهر فيه الصورة لا الخفية ولا الظاهرة، فذكروا أنه ليس فيه شيء. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5179>مسألة [٩]: من يملك الغرة المدفوعة</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ الغرة موروثة، توزع على الوراثين بنسب ميراثهم، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم؛ لأنها دية آدمي حُرٍّ، فوجب أن تكون موروثة عنه، كما لو ولدته حيًّا ثم مات.\n• وقال الليث: لا تُورث، بل تكون بدله لأمه؛ لأنه كعضو من أعضائها.\n• وقال ابن حزم: إن كان بعد الأربعة الأشهر؛ فتورث، وإن كان قبل ذلك؛ فلا تورث، بل هي للأم؛ لأنَّ بعد الأربعة الأشهر أصبح حيًّا، فيورث، وأما قبل\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٦٣).\n(^٢) «المغني» (١٢/ ٦٣).","vol":"9","page":334},{"text":"ذلك؛ فليس بحي. وهذا قول قوي، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5180>مسألة [١٠]: إذا سقط من المرأة أكثر من جنين</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٦٨): وَإِذَا ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ، فَأَلْقَتْ أَجِنَّةً، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ غُرَّةٌ. وَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. قَالَ: وَلَا أَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5181>مسألة [١١]: من يتحمل الغرة</span>؟\n• مذهب أحمد -﵀- أنَّ الجناية إن كانت خطأ، وماتت الأم تحملت العاقلة الدية كاملة، ومعها الغرة، وإن لم تمت الأم فيتحمل ذلك القاتل؛ بناء على قوله: إنَّ العاقلة لا تتحمل إلا الثلث وما زاد. وإن كانت الجناية عمدًا؛ فيتحملها القاتل مطلقًا.\n• ومذهب الشافعي -﵀- أنَّ العاقلة تتحمل الغرة مطلقًا؛ لأنه يرى أنَّ العاقلة تتحمل ما نقص من الثلث أيضًا، ويرى أن لا عمد في الجناية على الجنين؛ لأنه قد يموت الجنين، وقد لا يموت؛ ولأنه لا يتحقق وجود الجنين.\nوالصحيح ما ذهب إليه أحمد، إلا في تحمل العاقلة للغرة في الخطإ إذا لم تمت الأم؛ فالصحيح أنَّ الذي يتحمل الغرة هي العاقلة، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٦٧) «المحلى» (٢١٣١).\n(^٢) وانظر: «المحلى» (٢١٣٠).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٦٨) «البيان» (١١/ ٥٠٢).","vol":"9","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5182>مسألة [١٢]: الجنين المملوك كم ديته</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ ديته عشر قيمة أمه، وهذا قول الحسن، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر وغيرهم، كما يجب في الجنين الحر عشر دية الأم.\n• وقال زيد بن أسلم: يجب فيه نصف عشر غرة، وهو خمسة دنانير.\n• وقال الثوري، والحنفية: يجب فيه نصف عشر قيمته إن كان ذكرًا، وعشر قيمته إن كان أنثى؛ لأنَّ الغرة الواجبة في جنين الحرة هي نصف عشر دية الرجل، وعشر دية الأنثى، وهذا متلف، فاعتباره بنفسه أولى من اعتباره بأمه.\nوالصحيح القول الأول.\nوقد شذ ابن حزم، فقال: فيه الغرة كالحر؛ لعموم الحديث. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5183>مسألة [١٣]: إذا خرج الجنين حيًّا ثم مات</span>؟\nنقل غير واحد الإجماع على أنَّ فيه الدية كاملة، منهم: النووي، وابن قدامة، وابن المنذر، وابن عبد البر وغيرهم، بشرط أن تعلم حياته بعد ولادته باستهلالٍ أو نحوه؛ لأنه مات من الجناية بعد ولادته في وقتٍ يعيش لمثله، فأشبه قتله بعد وضعه. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٦٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٧٤) «الفتح» (٦٩٠٨) «شرح مسلم» (١٦٨١).","vol":"9","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5184>مسألة [١٤]: إذا خرج في وقتٍ لا يعيش فيه كأن يخرج في خمسة أشهر</span>؟\n• مذهب أحمد أنَّ فيه الغرة، وإن خرج حيًّا ثم مات؛ لأنه يشبه ما لو خرج ميتًا؛ لأنَّ حياته غير مستقرة، وهو قول بعض الشافعية، منهم المزني.\n• ومذهب الشافعي أنَّ فيه الدية كاملة؛ لأنه قد خرج حيًّا فَعُلِمت حياته.\nوالقول الأول الأقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5185>مسألة [١٥]: هل في قتل الجنين كفارة مع الغرة</span>؟\n• أكثر أهل العلم على وجوب الكفارة، وهو قول الزهري، والنخعي، وعطاء وغيرهم من التابعين، وقال بذلك مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر وغيرهم، ونُقل ذلك عن عمر -﵁- بسند منقطع، وقال بذلك ابن حزم، لكن نبه على أنَّ الكفارة فيما إذا كان قد نُفِخ فيه الروح، ويظهر أنَّ هذا هو قول الجمهور؛ لأنهم استدلوا بعموم الآية: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢]، ومن كان دون الأربعة الأشهر لا يُطلق عليه (قُتِلَ).\n• وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى عدم وجوب الكفارة؛ لعدم ورودها في الحديث.\nوأجاب الجمهور بأنها لم تذكر للعلم بها كما لم تذكر في حق المرأة، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٧٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٧٩) «المحلى» (٢١٢٨) «الفتاوى» (٣٤/ ١٦٠).","vol":"9","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5186>مسألة [١٦]: تعمد إسقاط الولد</span>.\n• أكثر أهل العلم على أنَّ على من أسقط الولد الدية، والكفارة، وإن كان قريبًا؛ لم يرث من الدية شيئًا.\n• وذهب ابن حزم إلى أنَّ هذا قتل عمد فيه القود، أو الدية، أو المفاداة.\nقلتُ: قول الجمهور هو الصواب، ولكنَّ الكفارة على من قتل خطأً، وأما من فعل ذلك عمدًا فعليه التوبة، ولا تنفعه الكفارة، وبهذا أفتى الإمام ابن باز، والإمام الفوزان، والإمام بكر أبو زيد ﵏ كما في «فتاوى اللجنة» (٢١/ ٢٤٨). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5187>مسألة [١٧]: هل يجوز إسقاط الجنين المشوه</span>؟\nجاء في «فتاوى اللجنة» (٢١/ ٢٥١) ما نصُّهُ: لا يجوز إسقاط الحمل؛ لأن الغالب على أخبار الأطباء الظن، والأصل وجوب احترام الجنين وتحريم إسقاطه؛ ولأن الله ﷾ قد يصلح الجنين في بقية المدة فيخرج سليمًا مما ذكره الأطباء إن صحَّ ما قالوه، فالواجب حسن الظن بالله، وسؤاله سبحانه أن يشفيه، وأن يكمل خلقته، وأن يخرجه سليمًا، وعلى والديه أن يتقيا الله سبحانه، ويسألاه أن يشفيه من كل سوء، وأن يقر أعينهما بولادته سليمًا، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يقول الله عزوجل: أنا عند ظن عبدي بي»، وبالله التوفيق.\nوكانت هذه الفتوى برئاسة الإمام ابن باز -﵀-، ومعه صالح الفوزان، وبكر\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٨١) «المحلى» (٢١٢٩) «الفتاوى» (٣٤/ ١٦١) (٣٤/ ١٥٩).","vol":"9","page":338},{"text":"أبو زيد، وابن غديان، وعبدالعزيز آل الشيخ ﵏.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5188>مسألة [١٨]: جنين البهيمة</span>.\n• منهم من قال: فيه عشر قيمة البهيمة. وهو قول مالك، والحسن بن حي؛ قياسًا على جنين الأمة.\n• ومنهم من قال: يجتهد في تقديره الحاكم. وهو قول ربيعة، والزهري.\n• ومنهم من قال: فيه ما نقصت البهيمة من ثمنها. وهو قول أبي الزناد، وأكثر أهل العلم، واختاره ابن حزم. وهو الأقرب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٨١) «المحلى» (٢١٣٤).","vol":"9","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5189>فَصْل فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلّقَةِ بتَضْمِينِ الْمُتَسبِبِ فِي الْقَتْلِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5190>مسألة [١]: إذا حفر إنسان بئرًا فسقط فيه إنسان، فمات، فهل عليه ضمان</span>؟\nفي هذه المسألة حالان:\nالحال الأولى: أن يحفر في طريق مسلوكة، أو في ملك غيره بغير إذن؛ فعليه الضمان عند أهل العلم، وممن قال بذلك شريح، والنخعي، والشعبي، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وغيرهم.\nالحال الثانية: أن يحفر في ملكه؛ فإن دخل إنسان إلى أرضه، أو بستانه بغير إذنه، فوقع في ذلك البئر؛ فلا ضمان عليه، وإن دخل بإذنه فإما أن تكون البئر ظاهرة أو لا؛ فإن كان الأول فلا ضمان عليه، وإن كان الثاني؛ فعليه الضمان، وعلى ذلك أكثر أهل العلم، منهم: شُريح، والنخعي، والشعبي، وحماد، ومالك، وأحمد، ووجهٌ للشافعية، ولهم وجهٌ أنه لا يضمن.\nوالصحيح القول الأول. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٩٣ - ٩٤) (١٢/ ٨٨).","vol":"9","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5191>مسألة [٢]: إذا حفر في أرض مشتركة بدون إذن شركائه</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنَّ عليه الضمان، ويضمن جميع الدية، وليس على شركائه شيء.\n• ومذهب أبي حنيفة أنه يضمن بقدر حصص الشركاء؛ لأنه تعدى في نصيبهم، فلو كان له شريكان؛ ضمن ثلثي الدية، وهكذا.\n• وقال أبو يوسف: يضمن النصف؛ لوجود جهتين: جهة له، وجهة لشركائه.\nوالقول الأول هو الصواب؛ لأنه متعدي في حفر البئر، وإن كان شريكًا؛ فلا يجوز له الحفر بغير إذن الشركاء، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5192>مسألة [٣]: إذا كان الحافر أجيرًا</span>؟\nإن كان يحفر في أرض لا يملكها المستأجر بغير إذن صاحبها، أو في طريق مسلوكة؛ فعلى الحافر الضمان إن كان يعلم ذلك، وإن لم يكن يعلم ذلك؛ فالضمان على من استأجره. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5193>مسألة [٤]: إذا مات الأجير أثناء حفره</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٩٣): وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَحْفِرَ لَهُ فِي مِلْكِهِ بِئْرًا، أَوْ لِيَبْنِيَ لَهُ فِيهَا بِنَاءً، فَتَلِفَ الْأَجِيرُ بِذَلِكَ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُسْتَأْجِرُ، وَبِهَذَا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٩٢).\n(^٢) «المغني» (١٢/ ٩٣).","vol":"9","page":341},{"text":"قَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «الْبِئْرُ جُبَارٌ»؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهُ، وَإِنَّمَا فَعَلَ الْأَجِيرُ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ فِعْلًا أَفْضَى إلَى تَلَفِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ تَبَرُّعًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَجِيرُ عَبْدًا اسْتَأْجَرَهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ صَبِيًّا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ، فَيَضْمَنَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِاسْتِعْمَالِهِ، مُتَسَبِّبٌ إلَى إتْلَافِ حَقِّ غَيْرِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5194>مسألة [٥]: سقط إنسان في بئر، فسقط عليه آخر فقتله بسقوطه عليه</span>؟\nعلى الثاني الضمان عند أهل العلم؛ لأنه قتله فضمنه، كما لو رمى عليه حجرًا، ثم ينظر؛ فإن كان عِمِدَ رمي نفسه عليه، وهو مما يقتل غالبًا؛ فعليه القصاص، وإن كان مما لا يقتل غالبًا؛ فهو شبه عمد، وإن وقع خطأ؛ فالدية على عاقلته مخففة، وقد نُقِل نحو ذلك عن عمر -﵁-، وسنده ضعيف، منقطع، أخرجه البيهقي (٨/ ١١٢)، وهذا قول شريح، والنخعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5195>مسألة [٦]: إذا بنى إنسانٌ في ملكه حائطًا مائلًا إلى الطريق، أو إلى ملك غيره</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٩٤): وَإِذَا بَنَى فِي مِلْكِهِ حَائِطًا مَائِلًا إلَى الطَّرِيقِ، أَوْ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، فَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ، أَوْ سَقَطَ عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ، ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالْبِنَاءِ فِي هَوَاءِ مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ هَوَاءٍ مُشْتَرَكٍ؛ وَلِأَنَّهُ يُعَرِّضُهُ لِلْوُقُوعِ عَلَى غَيْرِهِ فِي مِلْكِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَصَبَ فِيهِ مِنْجَلًا يَصِيدُ بِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ","vol":"9","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5196>مسألة [٧]: إذا بنى في ملكه حائطًا مستويًا فمال إلى الطريق، أو إلى ملك غيره</span>؟\n• إن كان لا يمكنه نقضه؛ فلا ضمان عليه، وإن كان يمكنه نقضه، ولم يطالب بذلك؛ فمن أهل العلم من قال: لا يضمن. وهو قول أحمد، وظاهر مذهب الشافعي، وهو قول الحسن، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنه بناه في ملكه، والميل حادث بغير فعله، فأشبه ما لو وقع قبل ميله.\n• وقال بعض أهل العلم: عليه الضمان. وهو قول ابن أبي ليلى، وأبي ثور، وإسحاق، وبعض الحنابلة، وبعض الشافعية؛ لأنه مُتَعَدٍّ بتركه مائلًا، فضمن ما تلف به، وهذا القول أقرب، والله أعلم.\n• وأما إن طُولِب بالنقض فلم يفعل؛ فالأكثر على الضمان، وهو قول مالك، والحنابلة، والحسن، والنخعي، والثوري؛ لأنه متعدٍّ بتركه مائلًا مع مطالبة الناس له بنقضه.\n• وقال بعض الحنابلة، والحنفية: لا يضمن؛ لأنه لم يسقط بفعله، والقول الأول أقرب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5197>مسألة [٨]: إذا أخرج من بيته جناحًا، أو ساباطًا إلى طريق نافذ فسقط على شيء فأتلفه</span>؟\n• مذهب الحنابلة أن عليه الضمان؛ لأنه تلف بما أخرجه إلى هواء الطريق\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٩٥).","vol":"9","page":343},{"text":"فضمنه؛ ولأنه تلف بعدوانه.\n• ومذهب الشافعية: إن وقعت خشبة غير مركبة على حائطه؛ وجب ضمان من أتلفت، وإن كانت مركبة على حائطه؛ وجب نصف الضمان؛ لأنه تلف بما وضعه على ملكه وملك غيره. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5198>مسألة [٩]: إن أخرج ميزابًا إلى الطريق، فسقط على شخص فأتلفه</span>؟\n• مذهب أحمد، وأبي حنيفة أنه يضمنه؛ لأنه تلف بعدوانه بوضعه الميزاب على هواء مشترك.\n• وحُكي عن مالك أنه لا يضمن، وليس بمتعدٍّ.\n• وقال الشافعي: إن سقط كله؛ فعليه نصف الضمان، وإن انكسر فسقط منه ما خرج عن الحائط؛ ضمن جميع ما تلف به.\nوالقول الأول أقربها، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5199>مسألة [١٠]: إن أخرج الميزاب إلى ملك غيره بغير إذنه</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٩٨): فَأَمَّا إنْ أَخْرَجَ إلَى مِلْكِ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ شَيْئًا مِنْ جَنَاحٍ، أَوْ سَابَاطٍ، أَوْ مِيزَابٍ، أَوْ غَيْرِهِ؛ فَهُوَ مُتَعَدٍّ، وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ٩٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٩٨).","vol":"9","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5200>مسألة [١١]: طلب رجلٌ رجلًا بسيف شاهر، فهرب منه، فتلف في هربه</span>؟\n• كأن يقع من شاهق، أو انخسف به سقف، أو خرَّ في بئر، أو نحو ذلك، فمذهب الحنابلة أنَّ على ذلك الطالب الضمان؛ لأنه تسبب بقتله، سواء كان المطلوب صبيًّا، أو كبيرًا، أعمى أو بصيرًا، عاقلًا، أو مجنونًا.\n• وقال الشافعي: لا يضمنُ البالغَ العاقلَ البصيرَ إلا أن ينخسف به سقف، ففيه وفي الأعمى، والصغير، والمجنون قولان. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5201>مسألة [١٢]: لو شهر سيفًا في وجهه، فمات من الخوف</span>؟\nعليه الضمان، وإن ذهب عقله؛ فعليه ديته. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5202>مسألة [١٣]: إن صاح بصبي، أو مجنون صيحة شديدة، فخرَّ من السقف</span>؟\nعلى الصائح الدية تحملها العاقلة، ومثل ذلك لو كان بالغًا غافلًا، صاح به، فأصابه ذلك؛ فعليه الدية.\n• وخالف الشافعي في الكبير دون الصغير. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5203>مسألة [١٤]: إن شهد رجلان على آخر بما يوجب قتله، أو قطع يده، ثم رجعا بعد إقامة الحد عليه</span>؟\nعليهما الضمان عند أهل العلم، وإن كانا متعمدين؛ فالقصاص. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٩٩ - ١٠٠).\n(^٢) «المغني» (١٢/ ١٠٠).\n(^٣) «المغني» (١٢/ ١٠٠).\n(^٤) انظر: «المغني» (١٢/ ١٠٠ - ١٠١).","vol":"9","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5204>مسألة [١٥]: أفزع امرأة، فأسقطت جنينها</span>.\n• عليه ضمان دية الجنين، وهو مذهب أحمد، والشافعي وغيرهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5205>مسألة [١٦]: إذا أخفى عليه طعامه في مهلكة</span>؟\nيضمن؛ لأنه متعدي تسبب بموت غيره بتعديه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5206>مسألة [١٧]: إذا اضطر إلى طعام، أو شراب، فوجده عند شخص، فمنعه منه حتى مات</span>؟\n• يضمن المطلوب منه؛ لأنه تسبب إلى إهلاكه بمنعه ما يستحقه؛ فلزمه ضمانه كما لو أخذ طعامه وشرابه؛ فهلك بذلك. نُقِل تضمينه عن عمر -﵁-، من طريق: الحسن عنه، وهو منقطع.\n• وظاهر كلام أحمد أنَّ الدية في ماله؛ لأنه تعمد هذا الفعل الذي يقتل غالبًا، وهو اختيار ابن حزم، بل نصَّ على القصاص.\n• وقال القاضي: تكون على العاقلة؛ لأنه لا يوجب القصاص؛ فيكون شبه العمد. وأما إذا لم يطالب بالطعام والشراب؛ لم يضمن؛ لأنه لم يمنعه، وقد أساء.\n• وقال أبو الخطاب: يضمن. كالمسألة التي قبلها، ورجح ابن قدامة عدم الضمان. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٠١).\n(^٢) «المغني» (١٢/ ١٠٢).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ١٠٢ - ١٠٣) «المحلى» (٢١٠٤).","vol":"9","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5207>مسألة [١٨]: اصطدام باخرتين، ونحوهما</span>.\nله ثلاث أحوال:\nالحال الأولى: أن يكون القَيِّمان مفرطين في الاصطدام، كأن يكون في إمكانهما ضبطهما، والانحراف؛ فلم يفعلا، فصارا جانيين؛ فإن كانت السفينتان لهما؛ وجب على كل واحد منهما للآخر نصف قيمة سفينة صاحبه، ونصف قيمة ما فيها، ويسقط النصف؛ لأنَّ سفينة كل واحد منهما تلفت بفعله، وفعل صاحبه؛ فسقط ما قابل فعله، ووجب ما قابل فعل صاحبه.\n• وإن كانت السفينتان لغيرهما مع ما فيهما؛ وجب على كل واحد منهما نصف قيمة سفينته، ونصف قيمة ما فيها، ونصف قيمة سفينة صاحبه، ونصف قيمة ما فيها؛ لأنَّ كل واحدة منهما تلفت بفعلهما، هذا مذهب الشافعي، ومالك، وزفر.\n• ومذهب أحمد أنَّ كل واحد منهما يضمن سفينة الآخر بما فيها من نفسٍ ومال، وهو قول إسحاق، وأبي حنيفة.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم.\nالحال الثانية: أن لا يفرط القيمان، مثل أن تشتد الريح، وتضطرب الأمواج؛ فلا يمكنهما إمساك السفينتين، ولا تنحيتهما.\n• ففيه وجهان للشافعية، ومذهب الحنابلة عدم الضمان، وهو الصحيح؛ لأنه لا يدخل في وسعه ضبطها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].","vol":"9","page":347},{"text":"الحال الثالثة: أن يكون أحدهما مفرطًا، والآخر غير مفرط؛ فالضمان على المفرط منهما، ولا ضمان على الآخر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5208>مسألة [١٩]: إذا اصطدم فارسان، فماتت الدابتان، ومات الفارسان</span>.\n• من أهل العلم من قال: يضمن كل واحد منهما دابة الآخر في ماله، وتضمن عاقلة كل واحد منهما دية الآخر، وهذا قول أحمد، وإسحاق، وأبي حنيفة وصاحبيه؛ لأنَّ كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه، وإنما هو قربها إلى محل الجناية؛ فلزم الآخر ضمانها.\n• ومن أهل العلم من قال: يضمن كل واحد منهما نصف دابة الآخر، وتضمن عاقلة كل واحد منهما نصف الآخر. وهذا قول الشافعي، ومالك، وزفر؛ لأنَّ كل واحد منهما مات بفعل نفسه وفعل غيره، فسقط نصف ديته لفعل نفسه، ووجب النصف لفعل غيره كما لو شارك غيره في قتله.\nوهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: إن كان أحدهما واقفًا، فجاء الآخر فصدمه؛ فالضمان على الثاني، وإن كان أحدهما يسير بين يدي الآخر، فأدركه الثاني فصدمه؛ فالضمان على الثاني، وإن كان الواقف متعديًّا بوقوفه؛ فعليه الضمان. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩) «البيان» (١١/ ٤٧٠ -).\n(^٢) انظر: «البيان» (١١/ ٤٦٥ -) «المغني» (١٢/ ٥٤٥ - ٥٤٦).\n(^٣) «المغني» (١٢/ ٥٤٦).","vol":"9","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5209>مسألة [٢٠]: اصطدام السيارات وحوادثها</span>.\nالذي قرره أهل العلم أن من تسبب في الحادث فعليه الضمان، فإذا حصل خطأ من السائق فهو ضامن، عليه الدية والكفارة، وإذا حصل اصطدام بين سيارتين فضمان الحادث على المخطئ منهما.\nوإن حصل اشتراك في الخطإِ فكلٌّ عليه الكفارة، وكُلٌّ عليه من الدية بنسبة خطئه الذي يقرره المختصون من إدارة المرور، والله أعلم.","vol":"9","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5210>فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلّقُ بِكَفَّارَةِ القَتْلِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5211>مسألة [١]: الكفارة على من قتل مؤمنًا خطأً</span>.\nأجمع العلماء على أنَّ من قتل مؤمنًا خطأ في دار الإسلام أنَّ عليه الكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، سواءٌ قتل كبيرًا أو صغيرًا، ذكرًا أو أنثى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5212>مسألة [٢]: إذا كان القتل بتسبب لا بمباشرة</span>؟\n• الجمهور على أنَّ عليه الكفارة، وتشمله الآية السابقة.\n• وخالف أبو حنيفة، فلم يوجب عليه الكفارة؛ لأنه ليس بقتل منه.\nوأُجيب أنه تسبب بالقتل؛ فكان ضمانه عليه، فعليه أيضًا الكفارة، والصحيح قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5213>مسألة [٣]: هل تجب الكفارة بقتل العبد المسلم</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة وجوب ذلك؛ لعموم الآية السابقة.\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ٢٢٣) «البيان» (١١/ ٦٢١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٢٣) «البيان» (١١/ ٦٢٥).","vol":"9","page":350},{"text":"• وقال مالك: ليس فيه كفارة؛ لأنه مضمون بالقيمة أشبه البهيمة.\nوالصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5214>مسألة [٤]: هل تجب الكفارة بقتل الذمي والمستأمن</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنَّ فيه الكفارة، وعزاه ابن قدامة لأكثر العلماء، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢].\n• وقال الحسن، ومالك: لا كفارة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وسياق الآيات التي بعدها في قتل المؤمن. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5215>مسألة [٥]: إذا كان القاتل صبيًّا، أو مجنونًا، فهل عليه كفارة</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنَّ عليهما الكفارة في مالهما؛ لعموم الآية السابقة، ولأنَّ هذا متعلق بالمال، أعني تحرير الرقبة؛ فوجبت في مالهما كالزكاة، والديات.\n• وقال أبو حنيفة: لا كفارة على واحد منهما؛ لأنها عبادة، وهما غير مكلفين.\nوأُجيب بأنها عبادة متعلقة بالمال؛ فوجبت الكفارة كغيرها من الحقوق\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٢٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٢٤) «البيان» (١١/ ٦٢١) (١١/ ٦٢٤).","vol":"9","page":351},{"text":"المالية، وإن كانت عبادات. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5216>مسألة [٦]: إن قتل مؤمنًا في دار الحرب</span>.\n• بأن يكون أسيرًا في صفهم، أو مقيمًا بينهم باختياره، ففيه الكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5217>مسألة [٧]: من قتل نفسه خطأ، فهل في ماله الكفارة</span>؟\n• الأشهر في مذهب الحنابلة، والشافعية أنَّ الكفارة واجبة في ماله؛ لعموم الآية.\n• وذهب بعض الشافعية، والحنابلة إلى عدم وجوب الكفارة، ورجَّح ذلك ابن قدامة -﵀-، واستدل على ذلك بقصة عامر بن الأكوع حين قتل نفسه خطأ، ولم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بكفارة.\nقال -﵀-: وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ إنَّمَا أُرِيدَ بِهَا إذَا قَتَلَ غَيْرَهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، وَقَاتِلُ نَفْسِهِ لَا تَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ؛ بِدَلِيلِ قَتْلِ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٢٤) «البيان» (١١/ ٦٢٥).\n(^٢) انظر: «البيان» (١١/ ٦٢١) «المغني» (١٢/ ٢٢٤).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٢٥ -) «البيان» (١١/ ٦٢٤).","vol":"9","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5218>مسألة [٨]: إذا تشارك قوم في قتل خطإٍ، فهل تتعدد الكفارات عليهم، أم يشتركون في كفارة واحدة</span>؟\n• أكثر أهل العلم على تعدد الكفارات، فكل واحد تلزمه الكفارة، وهو قول الحسن، وعكرمة، والنخعي، والثوري، وأصحاب المذاهب الأربعة.\n• ونُقِل عن أحمد رواية أنَّ عليهم كفارة واحدة، وهو قول أبي بكر، وحُكي عن الأوزاعي؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.\nوأُجيب بأنَّ الكفارة ههنا لاتتبعض؛ لأنها لم تجب بدلًا، وإنما وجبت لقتل آدمي، فكملت في حق كل واحد من المشتركين كالقصاص.\nوقول الجمهور هو الصواب، والصوم كيف يحصل به الاشتراك، ففيه تخفيف على القاتلين مع أنهم أكثر من الواحد، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5219>مسألة [٩]: هل تجب الكفارة بقتل العمد</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ الكفارة إنما تجب في قتل الخطإ، وأما قتل العمد فلا تنفع فيه الكفارة، وليس فيه كفارة؛ لأنَّ الله تعالى أوجب الكفارة في قتل الخطإ، ولم يوجبها في قتل العمد، وهذا قول مالك، وأحمد، وأبي ثور، والثوري، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.\n• ومنهم من قال: فيه الكفارة. وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية، وحُكي عن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٢٦) «البيان» (١١/ ٦٢٦).","vol":"9","page":353},{"text":"الزهري؛ لأنه إذا وجبت في حق المخطئ؛ فالمتعمد من باب أولى.\nواستدلوا أيضًا بحديث واثلة بن الأسقع قال: أتينا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بصاحب لنا قد أُوجِب بالقتل، فقال: «اعتقوا عنه رقبة، يعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار» أخرجه أحمد (٣/ ٤٧١) وغيره، وهو حديث ضعيف، ضعفه الإمام الألباني -﵀- في «الضعيفة» (٩٠٧).\nوالصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5220>مسألة [١٠]: هل تجب الكفارة بقتل شبه العمد</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية وجوب ذلك؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في قصة المرأتين جعل الدية على العاقلة؛ فكانت فيها الكفارة كذلك.\n• ومذهب الحنفية، والثوري، وربيعة أنه لا تجب الكفارة إلا في الخطإ؛ للآية السابقة.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5221>مسألة [١١]: كفارة القتل</span>.\nأوجب الله عزوجل في كفارة القتل عتق رقبة مؤمنة؛ فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧) «البيان» (١١/ ٦٢٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨) «البيان» (١١/ ٦٢٢).","vol":"9","page":354},{"text":"واختلف الفقهاء فيما إذا لم يستطع الصوم، هل عليه الإطعام، أم لا؟ على قولين، وهما وجهان في مذهب أحمد، والشافعي:\n• منهم من قال: عليه الإطعام كما في كفارة الظهار.\n• ومنهم من قال: ليس عليه الإطعام؛ لأنَّ الله تعالى لم يذكر الإطعام، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5222>مسألة [١٢]: إثبات القتل بالشهود</span>.\n• عامةُ أهل العلم على أنه لا يقبل في إثبات القتل أقل من شاهدين عدلين، فلا يقبل شهادة رجل وامرأتين، ولا شهادة رجل مع يمين الطالب؛ لأنَّ هذا الأمر فيه إباحة الدم، وهو أشد من الحقوق المالية.\n• ونُقل عن أحمد رواية أنه اشترط أربعة شهداء في ذلك؛ قياسًا على رجم الزاني.\nوأُجيب بأنَّ الأربعة الشهداء إنما اشتُرِطُوا؛ لكونه زنى، ولذلك فإنه يشترط فيه ذلك حتى في حق البكر مع أنه فيه الجلد لا الرجم، والله أعلم.\nتنبيه: ما أوجب المال دون القصاص من الجنايات يُقبل فيه قول رجل وامرأتين، أو قول رجل ويمين الطالب في مذهب أحمد، والشافعي، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٢٨) «البيان» (١١/ ٦٢٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٢٩).","vol":"9","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5223>بَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالقَسَامَةِ</span>\n١١٨٩ - عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ -﵁- عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، خَرَجَا إلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ فَأُتِيَ مُحَيِّصَةُ فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَعَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كَبِّرْ كَبِّرْ» يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنُوا بِحَرْبٍ». فَكَتَبَ إلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إنَّا وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَيَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟» قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ مِائَةَ نَاقَةٍ، قَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١١٩٠ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَقَرَّ القَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ نَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى اليَهُودِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٩٢)، ومسلم (١٦٦٩) (٦).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٦٧٠).","vol":"9","page":356},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nالقسامة:\nهي مصدر: أقَسَمَ قَسَمًا، وقَسَامَة، ومعناه: حَلَفَ حَلِفًا، والمراد به ههنا اسم للأيمان المكررة في دعوى القتل. هذا قول الفقهاء.\nوقال بعض أهل اللغة: إنها اسم للقوم الذين يحلفون، سُمُّوا باسم المصدر، والأصل في القسامة حديث الباب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5224>مسألة [١]: القضاء بالقسامة</span>.\n• ذهب أكثر العلماء إلى القضاء بالقسامة، حتى قال القاضي عياض -﵀-: هذا الحديث أصلٌ من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركنٌ من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأئمة والسلف من الصحابة، والتابعين، وعلماء الأمة، وفقهاء الأمصار من الحجازيين، والشاميين، والكوفيين، وإن اختلفوا في صورة الأخذ به.\nوحجتهم في ذلك حديث الباب.\n• وقال بعض أهل العلم: لا يعمل بالقسامة. وهو قول سالم، وأبي قلابة، والنخعي، والحكم بن عتيبة، وسليمان بن يسار، وقتادة، وهو قول عمر بن عبدالعزيز الذي أخذ به بعد قوله بالقول الأول، وإليه يميل البخاري.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٨٨).","vol":"9","page":357},{"text":"واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجال دماء أُناس وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه»، وفي رواية: «البينة على المدَّعِي، واليمين على من أنكر».\nقال ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (٢/ ٣١٢) في بيان عدم التعارض بين الحديثين: وَاَلَّذِي شَرَعَ الْحُكْمَ بِالْقَسَامَةِ هُوَ الَّذِي شَرَعَ أَنْ لَا يُعْطَى أَحَدٌ بِدَعْوَاهُ الْمُجَرَّدَةِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ الله، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَلَمْ يُعْطَ فِي الْقَسَامَةِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَكَيْفَ يَلِيقُ بِمَنْ بَهَرَتْ حِكْمَةُ شَرْعِهِ الْعُقُولَ أَنْ لَا يُعْطِيَ الْمُدَّعِي بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ عُودًا مِنْ أَرَاكٍ، ثُمَّ يُعْطِيه بِدَعْوَى مُجَرَّدَةٍ دَمَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ؟ وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الظَّاهِرِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فَوْقَ تَغْلِيبِ الشَّاهِدَيْنِ، وَهُوَ اللَّوَثُ، وَالْعَدَاوَةُ، وَالْقَرِينَةُ الظَّاهِرَةُ مِنْ وُجُودِ الْعَدُوِّ مَقْتُولًا فِي بَيْتِ عَدُوِّهِ، فَقَوَّى الشَّارِعُ الْحَكِيمُ هَذَا السَّبَبَ بِاسْتِحْلَافِ خَمْسِينَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ الَّذِينَ يَبْعُدُ أَوْ يَسْتَحِيلُ اتِّفَاقُهُمْ كُلُّهُمْ عَلَى رَمْيِ الْبَرِيءِ بِدمٍ لَيْسَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ، وَلَا يَكُونُ فِيهِمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يُرَاقِبُ اللهَ؟.\nقال: وَلَوْ عُرِضَ عَلَى جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ هَذَا الْحُكْمُ، وَالْحُكْمُ بِتَحْلِيفِ الْعَدُوِّ الَّذِي وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي دَارِهِ بِأَنَّهُ مَا قَتَلَهُ؛ لَرَأَوْا أَنَّ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَدْلِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.\nوَلَوْ سُئِلَ كُلُّ سَلِيمِ الْحَاسَّةِ عَنْ قَاتِلِ هَذَا؛ لَقَالَ: مَنْ وُجِدَ فِي دَارِهِ. وَاَلَّذِي يَقْضِي مِنْهُ الْعَجَبُ أَنْ يُرَى قَتِيلٌ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ وَعَدُوُّهُ هَارِبٌ بِسِكِّينٍ مُلَطَّخَةٍ","vol":"9","page":358},{"text":"بِالدَّمِ، وَيُقَالُ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ. فَيَسْتَحْلِفُهُ بِاَلله مَا قَتَلَهُ وَيُخَلِّي سَبِيلَهُ، وَيُقَدَّمُ ذَلِكَ عَلَى أَحْسَنِ الْأَحْكَامِ، وَأَعْدَلِهَا، وَأَلْصَقِهَا بِالْعُقُولِ وَالْفِطَرِ، الَّذِي لَوْ اتَّفَقَتْ الْعُقَلَاءُ لَمْ يَهْتَدُوا لِأَحْسَنَ مِنْهُ، بَلْ وَلَا لِمِثْلِهِ.\nوَأَيْنَ مَا تَضَمَّنَهُ الْحُكْمُ بِالْقَسَامَةِ مِنْ حِفْظِ الدِّمَاءِ إلَى مَا تَضَمَّنَهُ تَحْلِيفُ مَنْ لَا يُشَكُّ مَعَ الْقَرَائِنِ الَّتِي تُفِيدُ الْقَطْعَ أَنَّهُ الْجَانِي؟\nقال: وَقَوْلُهُ - ﷺ -: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ» لَا يُعَارِضُ الْقَسَامَةَ بِوَجْهٍ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا نَفَى الْإِعْطَاءَ بِدَعْوَى مُجَرَّدَةٍ، وَقَوْلُهُ: «وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» هُوَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ، حَيْثُ لَا تَكُونُ مَعَ الْمُدَّعِي إلَّا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى. اهـ\nوقال -﵀- في «تهذيب السنن» (٦/ ٣٢٥) بعد أن ذكر حديث: «لو يُعطى الناس بدعواهم ...»: فهذا إنما يدل على أنه لا يُعطى أحد بمجرد دعواه دمَ رجلٍ ولا ماله، وأما في القسامة؛ فلم يعط الأولياء بمجرد دعواهم، بل بالبينة، وهي ظهور اللوث، وأيمان خمسين، لا بمجرد الدعوى، وظهور اللوث، وحلف خمسين؛ بينة بمنزلة الشهادة، وأقوى. اهـ (^١)\nتنبيه: اللوث هي قرائن تجعل الشخص يغلب على ظنه أنَّ ذلك حصل منه القتل، وربما قالوا: شبهة يغلب على الظن الحكم بها. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٦٨٩٩) «المغني» (١٢/ ٢٠٢ -) «الفتاوى» (٣٤/ ١٥٤ - ١٥٥) «البداية» (٤/ ٢٦٣).\n(^٢) «الفتاوى» (٣٤/ ١٥٤) «الفتح» (٦٨٩٩).","vol":"9","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5225>مسألة [٢]: بعض الصور التي يحصل فيها اللوْث، والشبهة</span>.\n• منها: أن يقول المقتول عند موته: دمي عند فلان. قال بذلك مالك، والليث، وخالفهما الجمهور.\n• ومنها: أن يشهد من لا يكمل النصاب بشهادته، كالواحد، والجماعة غير العدول. قال بذلك مالك، والليث، والشافعي، وأحمد في رواية.\n• ومنها: أن تقتتل طائفتان، فيوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند الجمهور، وفي رواية عن مالك: تختص القسامة بالطائفة التي ليس هو منها إلا إن كان من غيرهما؛ فعلى الطائفتين.\n• ومنها: أن يوجد المقتول مرميًّا في قرية، أو قبيلة. فإن كان بينهم عداوة، وحروب؛ ثبتت القسامة عند أهل العلم في ذلك، واختلفوا فيما إذا لم تكن عداوة، فالجمهور على عدم إثباتها، وأثبتها أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، واشترط الثوري، والأوزاعي أن يكون فيه جراح، ولم يشترطه الحنفية. والصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5226>مسألة [٣]: الدعوى على محلة، أو قبيلة بدون تعيين أحد منهم</span>.\n• مذهب أحمد، الشافعي أنَّ الدعوى لا تسمع إلا في حق معين، وأما على الجمع فلا تسمع، واستدلوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تقسمون على رجل منهم؛ فيدفع إليكم برمته».\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٦٨٩٩) «المغني» (١٢/ ١٩٣ - ١٩٥) (١٢/ ١٨٩) (١٢/ ٢٠٧) «البداية» (٤/ ٢٦٧ - ٢٦٨).","vol":"9","page":360},{"text":"• وقال أبو حنيفة: تسمع الدعوى، ويُستحلف خمسون منهم؛ لأنَّ الأنصار ادعوا القتل على يهود خيبر، ولم يعينوا القاتل، فسمع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دعواهم.\nويُجاب عن ذلك بأنه لم يمكنهم من الأيمان على التعميم، وإنما أمرهم أن يحلفوا على معين كما في الرواية المتقدمة؛ فالصحيح قول أحمد، والشافعي.\nويبقى أنَّ القاضي يصنع كما صنع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فيبرئ القبيلة، أو القرية بخمسين يمينًا كما قال في الحديث: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا»؛ فإن حلفوا؛ برئوا، وإن لم يحلفوا ونكلوا؛ قُضي عليهم بالدية، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5227>مسألة [٤]: إذا ادُّعِي على شخص القتل بدون لَوْث</span>؟\n• إذا كانت الدعوى بدون لوْث؛ فليس لها حكم القسامة عند عامة أهل العلم، بل تكون من الدعاوى التي دل عليها حديث ابن عباس، ويحلف المدعى عليه إن لم توجد بينة على الصحيح. وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية.\n• وعن أحمد رواية: لا يحلف المدعى عليه؛ لأنها دعوى فيما لا يجوز بذله، فلا حلف فيها كالحدود، ولأنها دعوى لا يقضى فيها بالنكول، فلا حلف فيها كالحدود.\nوالصحيح القول الأول؛ لحديث ابن عباس -﵄-.\n• وعليه في ذلك يمين واحدة على الصحيح في مذهب أحمد، وهو قول\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٩٠) «الفتح» (٦٨٩٨).","vol":"9","page":361},{"text":"للشافعي.\n• وعن أحمد رواية أنَّ فيه خمسين يمينًا، وهو قولٌ للشافعي.\nوالصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5228>مسألة [٥]: إذا أبى المدَّعَى عليه أن يحلف</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنَّ النكول لا يوجب عليه الحد؛ لأنَّ القتل لم يثبت ببينة، ولا إقرار؛ ولم يعضده لوْث؛ فلم يجب القصاص كما لو لم ينكل، ولا يصح إلحاق الأيمان مع النكول ببينة، ولا إقرار؛ لأنها أضعف منها، بدليل أنه لا يشرع إلا عند عدمها؛ فيكون بدلًا عنهما، والبدل أضعف من المبدل.\n• ومذهب الشافعية أنَّ اليمين تُرَدُّ عند النكول على المدعي، فيحلف خمسين يمينًا، ويستحق القصاص إن كان عمدًا، أو الدية إن كان خطأً؛ لأنَّ النكول مع حلف المدعي كالبينة، أو الإقرار.\nوقول الحنابلة أقرب، والله أعلم، وهو قول الحنفية. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5229>مسألة [٦]: هل يشترط في اللوْث أن يكون بالقتيل أثر القتل</span>؟\n• مذهب أحمد، ومالك، والشافعي عدم اشتراط ذلك؛ لأنَّ القتل يحصل بما لا أثر له، كغم الوجه، والخنق، والعصر للخصيتين، وضربة الفؤاد؛ ولأنَّ ما به\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٩١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٩٢) «الفتح» (٦٨٩٩).","vol":"9","page":362},{"text":"أثر قد يموت حتف أنفه؛ لسقطته، أو صرعه، أو يقتل نفسه.\n• ومذهب أبي حنيفة، والثوري، وحماد، وأحمد في رواية أنه يشترط ذلك؛ لأنه إذا لم يكن به أثر فيحتمل أنه مات حتف أنفه.\nوالقول الأول أقوى، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5230>مسألة [٧]: يشترط في القسامة اتفاق أولياء الدعوى</span>.\nيشترط في القسامة اتفاق أولياء الدعوى في تعيين القاتل، وعدم تكذيب أحدهما الآخر. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5231>مسألة [٨]: إذا استحقت القسامة، فمن يبدأ بالأيمان</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ الأيمان يبدأ بها المدَّعون، فيحلفون خمسين يمينًا؛ فإن حلفوا؛ استحقوا، وإن لم يحلفوا؛ استحلف المدَّعَى عليهم خمسين يمينًا وبرئوا، وهو قول يحيى بن سعيد، وربيعة، والليث، ومالك، وأحمد، والشافعي وغيرهم، واستدلوا بحديث الباب.\n• وقال الحسن: يبدأ المدَّعى عليهم. وجاءت رواية تدل على ذلك، وهي غير محفوظة.\n• وقال الشعبي، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي: يستحلف خمسون\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ١٩٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ١٩٧ -).","vol":"9","page":363},{"text":"رجلًا من أهل المحلة، ويغرمون الدية؛ لأنه نقل عن عمر -﵁- أنه قضى بذلك، والأثر عن عمر -﵁- ضعيفٌ لا يثبت.\nوالصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5232>مسألة [٩]: إذا حلف الأولياء، هل يستحقون القود إذا كانت الجناية عمدًا</span>؟\n• جماعةٌ من أهل العلم على استحقاق القود بذلك، صحَّ ذلك عن ابن الزبير كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٩/ ٣٨٧)، وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد، والشافعي في قول، وابن المنذر، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما.\nواستدلوا على ذلك بحديث: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم؛ فيدفع إليكم برمته»، والرمة: الحبل الذي يربط به من عليه القود، وفي لفظ: «وتستحقون دم صاحبكم» أراد دم القاتل؛ لأنَّ دم القتيل ثابت لهم قبل الأيمان، والرواية الأولى في «مسلم» والثانية في «الصحيحين».\n• ومنهم من قال: إنما يستحقون الدية فقط. نُقِل عن عمر، وابن عباس (^٢)، ولم يثبت عنهما، وهو قول الحسن، وإسحاق، والشافعي في قولٍ؛ لحديث الباب: «إمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنُوا بِحَرْبٍ».\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٠٢) «البيهقي» (٨/ ١٢٤).\n(^٢) أما أثر عمر -﵁-، فأخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٣٨٧) بإسناد منقطع، وأما أثر ابن عباس -﵄-، فأخرجه عبدالرزاق (١٠/ ٤١ - ٤٢)، وفي إسناده: إبراهيم بن أبي يحيى وهو كذاب.","vol":"9","page":364},{"text":"والقول الأول أقرب إلى ظاهر الأحاديث، والله أعلم، واللفظ الذي ذكروا لا ينافي الألفاظ المتقدمة لمن تأمل، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5233>مسألة [١٠]: إذا أبى المدعون أن يحلفوا</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ الأيمان ترجع على المدَّعَى عليهم، فيحلفون خمسين يمينًا أنهم ما قتلوا، ولا علموا من قتل؛ فإن حلفوا؛ برئوا، وإن لم يحلفوا؛ تحملوا الدية، وهذا قول يحيى بن سعيد، وربيعة، وأبي الزناد، ومالك، والليث، والشافعي، وأبي ثور؛ لحديث الباب: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا».\n• وذهب بعضهم إلى أنهم يحلفون، ويغرمون الدية، وهو قول أصحاب الرأي، ورواية عن أحمد، ونُقِل عن عمر -﵁- كما في «مصنف عبدالرزاق» (١٠/ ٣٥) بسند ضعيف.\nوالقول الأول أقرب والله أعلم، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5234>مسألة [١١]: إذا امتنع المدَّعَى عليهم من اليمين</span>؟\n• عن أحمد رواية أنهم يحبسوا حتى يحلفوا، وهو قول أبي حنيفة.\n• والأشهر في مذهب أحمد أنهم لا يحبسون، وأنَّ الإمام يلزمهم بالدية.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٠٤) «الفتح» (١٢/ ٢٩٣) (٦٨٩٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٠٥).","vol":"9","page":365},{"text":"وهذا هو الصحيح، وهو قول الجمهور كما تقدم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5235>مسألة [١٢]: من هم الأولياء الذين يحلفون</span>؟\n• منهم من قال: هم العصبة وارثًا، أو غير وارث. وهذا قول مالك، وأحمد في رواية؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خاطب عبدالرحمن بن سهل، وبني عمِّه، وقال: «يحلف خمسون رجلًا منكم على رجل منهم ...»، قالوا: فإن لم يوجد خمسون من نسبه؛ رُدَّتِ الأيمان عليهم.\n• ومنهم من قال: هم الورثة، عصبة أو غير عصبة. وهذا قول الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنهم هم الذين يستحقون الدية لو كانت دية، وهم الذين يعفون عن القود إلى الدية، وهذا ظاهر اختيار الشيخ ابن عثيمين -﵀-، وهو الأقرب، والله أعلم.\nقال ابن القيم -﵀-: وإن وُجِد خمسون؛ فلابد من أن يحلف الخمسون. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5236>مسألة [١٣]: هل يدخل الصبي في القسامة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٢٠٨): أَمَّا الصِّبْيَانُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْم أَنَّهُمْ لَا يُقْسِمُونَ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ حُجَّةٌ لِلْحَالِفِ، وَالصَّبِيُّ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ حُجَّةٌ، وَلَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ؛ لَمْ يُقْبَلْ، فَلَأَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ أَوْلَى. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٠٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢١٠ -) «الشرح الممتع» «زاد المعاد» (٥/ ١٢).","vol":"9","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5237>مسألة [١٤]: هل يدخل النساء في القسامة</span>؟\nأما إن كانت المرأة من المدَّعى عليهم القتل؛ فتشرع القسامة في حقها؛ لأنها لتبرئة نفسها.\n• وأما إن كانت من المدعين؛ فجماعةٌ من أهل العلم على أنها لا تدخل في القسامة، وهو قول ربيعة، والثوري، والليث، والأوزاعي، وأحمد؛ لأنَّ شهادة النساء لا تقبل في القتل والحدود؛ فلا يؤخذ بيمينها.\n• وذهب مالك إلى أنَّ المرأة تدخل في القسامة إن كان القتل المدَّعَى خطأً، ولا تدخل في العمد؛ لأنَّ الخطأ موجبه المال، والعمد يجب به القصاص.\n• وقال الشافعي: تدخل النساء في القسامة؛ لأنها من الوارثين، ويدخل جميع الورثة البالغين.\nواستدل أهل القول الأول -وهو الصحيح- بالحديث: «يقسم خمسون رجلًا منكم على رجل منهم». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5238>مسألة [١٥]: إن كان المقتول كافرًا ذِمِّيًّا</span>؟\n• إن كان المدَّعى عليهم كفارًا أيضًا، ففيه القسامة عند أهل العلم، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم من الفقهاء.\nوإن كان المدَّعى عليهم من المسلمين.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٠٨).","vol":"9","page":367},{"text":"• فمذهب مالك، والحنابلة أنه لا قسامة في ذلك؛ لأنهم لا يستحقون القَوَد، ولأنهم قومٌ كفار لا يؤمن منهم الكذب والحلف عليه.\n• ومنهم من أجاز القسامة في ذلك، وهو قول الشافعي، وجماعة من الحنابلة؛ لأنهم يستحقون الدية إذ لم يكن قود. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5239>مسألة [١٦]: إن كان المقتول عبدًا</span>؟\n• إن كان المدَّعى عليه عبدًا مثله، ففيه القسامة عند الأكثر، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه يستحق به القود بلا خلاف.\n• وذهب بعضهم إلى عدم القسامة؛ لأنَّ العبد مال؛ فحكمه كحكم البهيمة، وهذا قول الزهري، ومالك، والثوري، والأوزاعي.\nوأُجيب عليهم بأنَّ البهيمة لا قصاص في قتلها، وليست معصومة الدم.\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n• وإن كان المدَّعَى عليه حرًّا؛ فلا قسامة عند مالك، ومن ذكر معه في المسألة السابقة، وهو قول بعض الحنابلة؛ لأنه لا يُقاد به عندهم.\n• وذهب بعضهم إلى أنَّ فيه القسامة، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي، وبعض الحنابلة؛ لأنه قَتْلُ آدَمِيٍّ يوجب الكفارة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢١٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢١٥).","vol":"9","page":368},{"text":"قلتُ: وهو يوجب القصاص على الصحيح كما تقدم؛ فالصحيح ثبوت القسامة في ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5240>مسألة [١٧]: هل تثبت القسامة على الجروح والأعضاء</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٢١٧): وَلَا قَسَامَةَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْأَطْرَافِ وَالْجَوَارِحِ، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافًا، وَمِمَّنْ قَالَ: لَا قَسَامَةَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ تَثْبُتُ فِي النَّفْسِ لِحُرْمَتِهَا، فَاخْتَصَّتْ بِهَا دُونَ الْأَطْرَافِ، كَالْكَفَّارَةِ؛ وَلِأَنَّهَا تَثْبُتُ حَيْثُ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَتَعْيِينُ قَاتِلِهِ، وَمَنْ قُطِعَ طَرَفُهُ، يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، وَحُكْمُ الدَّعْوَى فِيهِ حُكْمُ الدَّعْوَى فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ يَمِينًا وَاحِدَةً؛ وَلِأَنَّهَا دَعْوَى لَا قَسَامَةَ فِيهَا، فَلَا تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ، كَالدَّعْوَى فِي الْمَالِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5241>مسألة [١٨]: إذا ادُّعِي القتل على ثلاثة اشتركوا فيه</span>؟\n• جماعةٌ من أهل العلم يقولون: لا يستحق بالقسامة أكثر من قتل واحد. وهو قول الزهري، ومالك، والحنابلة، وبعض الشافعية؛ للحديث: «يقسم خمسون رجلًا منكم على رجل منهم».\n• وذهب أبو ثور، وجماعةٌ من الشافعية إلى أنه يستحق بها قتل الجماعة؛ لأنها موجبة للقود، فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢١٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢١٨).","vol":"9","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5242>بَابُ قِتَالِ أَهْلِ البَغْيِ</span>\n١١٩١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١١٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، وَمَاتَ فَمِيتَتُهُ مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\n١١٩٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تَقْتُلُ عَمَّارًا الفِئَةُ البَاغِيَةُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\n١١٩٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هَلْ تَدْرِي يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، كَيْفَ حُكْمُ اللهِ فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟» قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهَا، وَلَا يُطْلَبُ هَارِبُهَا، وَلَا يُقْسَمُ فَيْؤُهَا». رَوَاهُ البَزَّارُ وَالحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ فَوَهِمَ؛ لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ كَوْثَرَ بْنَ حَكِيمٍ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ. (^٤)\n\n١١٩٥ - وَصَحَّ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ نَحْوُهُ مَوْقُوفًا. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالحَاكِمُ. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٧٤)، ومسلم (٩٨).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٨٤٨).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٢٩١٦) (٧٣).\n(^٤) ضعيف جدًّا. أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (١٨٤٩)، والحاكم (٢/ ١٥٥)، وفي إسناده العلة التي ذكرها الحافظ.\n(^٥) صحيح بطرقه. أخرجه ابن أبي شيبة (١٥/ ٢٦٣)، والحاكم (٢/ ١٥٥)، وكذا البيهقي (٨/ ١٨١ - ١٨٢)، من طرق كثيرة فيها معنى ما تقدم في الحديث المرفوع، وليس عند الحاكم ذكر (علي) -﵁-.","vol":"9","page":370},{"text":"١١٩٦ - وَعَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nتعريف البغي:\nالْبَغْيُ: مصدر بَغَى يبغي بغيًا، وهو التعدي على الغير، والظلم، والعدول عن الحق، وله معان أخرى، والمقصود به هنا التعدي على حق إمام المسلمين في الخروج عن طاعته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5243>مسألة [١]: قتال البُغاة</span>.\nقتال البغاة مشروعٌ في الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩].\nومن السنة: أحاديث الباب. ونقل غيرُ واحد الإجماع على مشروعيته، وفعله من الصحابة أبو بكر، وعلي -﵄-. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٨٥٢) (٦٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨).","vol":"9","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5244>مسألة [٢]: أقسام الخارجين عن الإمام</span>.\nالخارجون عن قبضة الإمام وطاعته أقسام:\nالقسم الاول: قومٌ امتنعوا من طاعته، وخرجوا عن قبضته بغير تأويل؛ فهؤلاء قُطَّاع الطريق، ساعون في الأرض بالفساد.\nالقسم الثاني: قومٌ لهم تأويل إلا أنهم نفرٌ يسير لا منعة لهم، كالواحد والاثنين، والعشرة ونحوهم، فهؤلاء يعتبرون قطاع طريق في مذهب أحمد، والشافعي، وليس لهم أحكام البغاة؛ ولذلك لما قتل عبدالرحمن بن ملجم علي بن أبي طالب -﵁-؛ قُتِل به، ولأنه لو ثبت للعدد اليسير حكم البغاة في سقوط ضمان ما أتلفوه أفضى إلى إتلاف أموال الناس، وهو الصحيح.\nالقسم الثالث: الخوراج الذين يكفِرُّون بالذنب، ويكفرون الحكام، ويستحلون دماء المسلمين، وأموالهم، فأكثر الفقهاء على أنهم بغاة، عزاه لأكثر الفقهاء ابنُ قدامة في «المغني»، بينما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: إنما هو قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد وغيرهم.\nثم قال: وأما جمهور أهل العلم فيفرقون بين الخوارج المارقين، وبين أهل الجمل وصفين، ممن يُعدُّ من البغاة المتأولين، وهذا هو المعروف عن الصحابة، وعليه عامة أهل الحديث، والفقهاء، والمتكلمين، وعليه نصوص أكثر الأئمة، وأتباعهم من أصحاب مالك، وأحمد، والشافعي، وغيرهم.","vol":"9","page":372},{"text":"قال: وذلك أنه قد ثبت في «الصحيح» عن النبي - ﷺ - أنه قال: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق» (^١)، وهذا الحديث يتضمن ذكر الطوائف الثلاثة، يبين أنَّ المارقين نوع ثالث ليسوا من جنس أولئك.\nثم ذكر الأحاديث في الحث على قتال الخوارج.\nثم قال: فالنبي - ﷺ - أمر بقتال الخوارج قبل أن يقاتلوا، وأما (أهل البغي)؛ فإن الله تعالى قال فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الآية، فلم يأمر بقتال الباغية ابتداءً، فالاقتتال ابتداءً ليس مأمورًا به، ولكن إذا اقتتلوا أُمروا بالإصلاح بينهم، ثم إن بغت الواحدة؛ قُوتِلت، ولهذا قال من قال من الفقهاء: إنَّ البغاة لا يبتدئون بقتالهم حتى يقاتلوا، وأما الخوارج، فقد قال النبي - ﷺ - فيهم: «أينما لقيتموهم؛ فاقتلوهم؛ فإنَّ في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة» (^٢)، وقال: «لئن أدركتهم؛ لأقتلنهم قتل ثمود» (^٣). انتهى بتصرف.\nقال شيخ الإسلام -﵀- (٢٨/ ٤٨٥ -): ومعلوم قطعًا أن إيمان الخوارج بما جاء به محمد - ﷺ - أعظم من إيمانهم يعني الرافضة فإذا كان أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب -﵁- قد قتلهم، ونهب عسكرُه عسكرَهم من الكراع، والسلاح، والأموال (^٤)؛ فهؤلاء أولى أن يقاتلوا، وتؤخذ أموالهم كما أخذ علي بن أبي طالب\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٠٦٥) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣١٩) من حديث ابن مسعود -﵁- بإسناد حسن.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٣٣٤٤)، ومسلم برقم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.\n(^٤) فائدة: انظر كلامًا مفيدًا في عدم تكفير الخوراج، لشيخ الإسلام -﵀- في «منهاج السنة» (٣/ ٦٠).","vol":"9","page":373},{"text":"أموال الخوارج.\nقال: ومن اعتقد من المنتسبين إلى العلم أو غيره أن قتال هؤلاء بمنزلة قتال البغاة الخارجين على الإمام بتأويل سائغ كقتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأهل الجمل وصفين؛ فهو غالط جاهل بحقيقة شريعة الإسلام.\nقال: وكثير من الأئمة المصنفين في الشريعة لم يذكروا في مصنفاتهم قتال الخارجين عن أصول الشريعة الاعتقادية والعملية كمانعي الزكاة، والخوارج، ونحوهم؛ إلا من جنس قتال الخارجين عن الإمام، كأهل الجمل وصفين، وهذا غلط، بل الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة فرق بين الصنفين كما ذكر ذلك أكثر أئمة الفقه، والسنة، والحديث، والتصوف، والكلام، وغيرهم. اهـ (^١)\nثم وجدت كلامًا لشيخ الإسلام -﵀- يذكر فيه أنَّ عليًّا -﵁- لم يَسْبِ منهم، ولم يغنم، وعاملهم معاملة البغاة.\nقال -﵀- في «منهاج السنة» (٣/ ٦٠): ...، ثم أرسل إليهم ابن عباس فناظرهم، فرجع نحو نصفهم، ثم قاتل الباقي وغلبهم، ومع هذا لم يسب لهم ذرية، ولا غنم لهم مالًا، ولا سار فيهم سيرة الصحابة في المرتدين ... .\nوقال كما في «مجموع الفتاوى» (٣/ ٢٨٢): ولم يكفرهم علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم\n_________\n(^١) وانظر كلامًا نفيسًا في (٣٥/ ٥٣ - ٥٧) (٤/ ٤٥٠ - ٤٥٢).","vol":"9","page":374},{"text":"يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم، وبغيهم لا لأنهم كفار؛ ولهذا لم يسبِ حريمهم، ولم يغنم أموالهم. اهـ\nقلتُ: ويؤيد هذا ما أخرجه المروزي في «تعظيم الصلاة» برقم (٥٩١) بإسناد صحيح عن علي -﵁- أنه سئل عنهم: أمشركون هم؟ قال: هم من الشرك فرُّوا. فقيل: منافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلًا. قيل: فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا، فقاتلناهم.\nقال ابن قدامة -﵀-: والصحيح إن شاء الله أن الخوارج يجوز قتلهم ابتداءً، والإجازة على جريحهم؛ لأمر النبي - ﷺ - بقتلهم ووعده بالثواب من قتلهم، فإن عليا، -﵁-، قال: لولا أن ينظروا، لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد - ﷺ -؛ ولأن بدعتهم، وسوء فعلهم، يقتضي حل دمائهم؛ بدليل ما أخبر به النبي - ﷺ - من عظم ذنبهم، وأنهم شر الخلق والخليقة، وأنهم يمرقون من الدين، وأنهم كلاب النار، وحثه على قتلهم، وإخباره بأنه لو أدركهم لقتلهم قتل عاد، فلا يجوز إلحاقهم بمن أمر النبي - ﷺ - بالكف عنهم، وتورع كثير من أصحاب رسول الله - ﷺ - عن قتالهم، ولا بدعة فيهم. اهـ\n• وذهب مالك إلى استتابتهم، ثم قتلهم على الفساد.\n• وذهب جماعة من المحدثين والفقهاء إلى تكفيرهم.\nالقسم الرابع: قوم من أهل الحق يخرجون عن قبضة الإمام، ويرومون","vol":"9","page":375},{"text":"خلعه؛ لتأويل سائغ، وفيهم منعة يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش، فهؤلاء البغاة الذي يُذكر في هذا الباب حكمهم، وواجب على الناس معونة إمامهم في قتال البغاة؛ لأنه لو تركوا معونته لقهره أهل البغي، وظهر الفساد في الأرض. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5245>مسألة [٣]: قتال البغاة الذين يخرجون بتأويل سائغ</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ من خرج على من ثبتت إمامته بأحد هذه الوجوه باغيًا؛ وجب قتاله، ولا يجوز قتالهم حتى يبعث إليهم من يسألهم، ويكشف لهم الصواب، ويزيل لهم ما يذكرونه من المظالم، ويزيح حججهم؛ فإن لجوا قاتلهم حينئذٍ؛ لأن الله تعالى بدأ بالأمر بالإصلاح قبل القتال، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]؛ فإن أبوا الرجوع وعظهم، وخوفهم القتال قبل أن يقاتلهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5246>مسألة [٤]: إن حضر معهم شخصٌ لا يقاتل</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنه لا يقتل، ولا يجوز قتله، وهو قول بعض الشافعية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] الآية، وكذا الأخبار الواردة في تحريم قتل المؤمن، وخُصَّ من ذلك ما حصل\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٣٨ - ٢٤٠) «الفتاوى» (٣٥/ ٥٣ - ٥٧) «البيان» (١٢/ ١٥ - ١٨).","vol":"9","page":376},{"text":"ضرورة دفع الباغي والصائل، ففيما عداه يبقى على العموم والتحريم.\n• وقال بعض الشافعية: يجوز قتله. لما نُقل من أنَّ محمد بن طلحة السجاد قتله أصحاب علي، ولم يكن يقاتل إنما كان يحمل راية أبيه، والقصة في «مستدرك الحاكم» (٣/ ٣٧٥)، وفي إسنادها ضعف، ومع ذلك فلم ينقل أنَّ عليًّا -﵁- أقرَّ ذلك.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5247>مسألة [٥]: قتل النساء، والصبيان، والعبيد</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٢٤٦): وَإِذَا قَاتَلَ مَعَهُمْ عَبِيدٌ، وَنِسَاءٌ، وَصِبْيَانٌ؛ فَهُمْ كَالرَّجُلِ الْبَالِغِ الْحُرِّ، يُقَاتَلُونَ مُقْبِلِينَ، وَيُتْرَكُونَ مُدْبِرِينَ؛ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لِلدَّفْعِ، وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ قَتْلَ إنْسَانٍ؛ جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ، وَإِنْ أَتَى عَلَى نَفْسِهِ؛ وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا كَانَ مَعَهُمْ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يُقَاتِلُونَ؛ قُوتِلُوا، وَقُتِلُوا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5248>مسألة [٦]: لا يقاتل البغاة بما يعم إتلافه</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٢٤٧): وَلَا يُقَاتَلُ الْبُغَاةُ بِمَا يَعُمُّ إتْلَافُهُ، كَالنَّارِ، وَالْمَنْجَنِيقِ، وَالتَّغْرِيقِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ مَنْ لَا يُقَاتِلُ، وَمَا يَعُمُّ إتْلَافُهُ يَقَعُ عَلَى مَنْ يُقَاتِلُ وَمَنْ لَا يُقَاتِلُ؛ فَإِنْ دَعَتْ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ، مِثْلُ أَنْ يَحْتَاطَ بِهِمْ الْبُغَاةُ، وَلَا يُمْكِنَهُمْ التَّخَلُّصُ إلَّا بِرَمْيِهِمْ بِمَا يَعُمُّ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٤٥).","vol":"9","page":377},{"text":"إتْلَافُهُ؛ جَازَ ذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا تَحَصَّنَ الْخَوَارِجُ، فَاحْتَاجَ الْإِمَامُ إلَى رَمْيِهِمْ بِالْمَنْجَنِيقِ؛ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ، مَا كَانَ لَهُمْ عَسْكَرٌ، وَمَا لَمْ يَنْهَزِمُوا، وَإِنْ رَمَاهُمْ الْبُغَاةُ بِالْمَنْجَنِيقِ وَالنَّارِ؛ جَازَ رَمْيُهُمْ بِمِثْلِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5249>مسألة [٧]: هل للإمام أن يستعين على البغاة بالكفار</span>؟\n• ذهب الحنفية إلى أنَّ له أن يستعين بأهل الذمة، والمستأمنين إذا كان أهل العدل هم الظاهرين على من يستعينون به.\n• ومذهب الحنابلة، والشافعية عدم الاستعانة بهم؛ لأنَّ الكفار همهم قتل المسلمين، فربما قتلوا الجريح والهارب؛ ولأنَّ في ذلك تسليطًا للكافر على المؤمن؛ ولأنَّ القصد هو كفهم وردهم إلى الطاعة دون قتلهم، وإن دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم؛ فإن كان يقدر على كفهم؛ استعان بهم، وإن لم يقدر؛ لم يجز.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: لا يستعان بهم إلا عند الضرورة، أو الحاجة الشديدة، وهي فتوى الإمام ابن باز، والعثيمين، والألباني والوادعي رحمة الله عليهم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5250>مسألة [٨]: إذا أظهر قومٌ رأي الخوارج، ولم يخرجوا عن قبضة الإمام</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٢٤٧): وَإِذَا أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ، مِثْلُ تَكْفِيرِ مَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، وَتَرْكِ الْجَمَاعَةِ، وَاسْتِحْلَالِ دِمَاءِ\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ٢٤٧).","vol":"9","page":378},{"text":"الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَسْفِكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، فَحَكَى الْقَاضِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بِذَلِكَ قَتْلُهُمْ وَلَا قِتَالُهُمْ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْفِقْهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ فَعَلَى هَذَا حُكْمُهُمْ فِي ضَمَانِ النَّفْسِ وَالْمَالِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ.\nقال: وَإِنْ سَبُّوا الْإِمَامَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ؛ عُزِّرُوا؛ لِأَنَّهُمْ ارْتَكَبُوا مُحَرَّمًا لَا حَدَّ فِيهِ. وَإِنْ عَرَّضُوا بِالسَّبِّ، فَهَلْ يُعَزَّرُونَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْإِبَاضِيَّةِ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ: يُسْتَتَابُونَ؛ فَإِنْ تَابُوا، وَإِلَّا ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ. قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ: رَأَى مَالِكٌ قَتْلَ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْقَدَرِ مِنْ أَجْلِ الْفَسَادِ الدَّاخِلِ فِي الدِّينِ، كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ. اهـ\nقال: وَأَمَّا مَنْ رَأَى تَكْفِيرَهُمْ، فَمُقْتَضَى قَوْلِهِ أَنَّهُمْ يُسْتَتَابُونَ؛ فَإِنْ تَابُوا، وَإِلَّا قُتِلُوا؛ لِكُفْرِهِمْ، كَمَا يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ، وَاحْتُجَّ لَهم بِأَمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِقَتْلِهِم وَالْحَثِ عَلَى ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِفِعْلِ عَلِيٍّ -﵁-: لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ: لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ الله أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ الله تَعَالَى، وَلَا نَمْنَعُكُمْ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ. اهـ بتصرف يسير.\nوهذا الأثر الذي ذكره ضعيفٌ كما في «الإرواء» (٢٤٦٧)، لكن ثبت عن علي -﵁- بسند حسن كما في «مسند أحمد» (١/ ٨٦ -)، و«مستدرك الحاكم» (٢/ ١٥٢ -)، أنه قال: بيننا وبينكم أن نقيكم رماحنا؛ مالم تقطعوا سبيلًا، وتطلبون دمًا؛ فإنكم إن فعلتم ذلك؛ فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء، إن الله لا يحب","vol":"9","page":379},{"text":"الخائنين. وصححه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٢٤٥٩).\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٢٤٧ - ٢٤٩): وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ مَعَهُ فِي الْمَدِينَةِ؛ فَلَأَنْ لَا يُتَعَرَّضَ لِغَيْرِهِمْ أَوْلَى، وَقَدْ رُوِيَ فِي خَبَرِ الْخَارِجِيِّ الَّذِي أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَنَّ خَالِدًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: «لَا، لَعَلَّهُ يُصَلِّي»، قَالَ: رُبَّ مُصَلٍّ لَا خَيْرَ فِيهِ. قَالَ: «إنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ». (^١) اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5251>مسألة [٩]: ضمان من قُتِل من أهل البغي، وأهل العدل</span>.\nإن كان في حال الحرب؛ فلا ضمان على أهل العدل؛ لأنَّ الله أباح لهم قتالهم، سواء كان في الأنفس، أم الأموال، وأما إن كان في غير الحرب؛ فيضمن.\nوأما أهل البغي فيضمنون ما أتلفوه في غير الحرب، وهل يضمنون ما أتلفوه في الحرب من الأنفس والأموال؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة وغيرهم أنهم لا يضمنون؛ لأنهم متأولون، ولم ينقل تضمين ما أتلفه معاوية -﵁-، ومن معه على عسكر علي -﵁-.\n• وذهب الشافعي في قولٍ إلى أنه يضمن، واستدل على ذلك بقول أبي بكر لأهل الردة: تَدُونَ قتلانا، ولا ندي قتلاكم. أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ٢٦٤)، والبيهقي (٨/ ١٨٣،٣٣٥)، وهو أثر ضعيف، وفي الأثر أنَّ عمر -﵁- عارضه في قوله هذا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٤٣٥١)، ومسلم برقم (١٠٦٤)، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.","vol":"9","page":380},{"text":"والصحيح القول الأول، والله أعلم.\nومن قُتِل من أهل العدل؛ فيُرجى له الشهادة، وبالله التوفيق. (^١)\nتنبيه: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٢٥٢): فَأَمَّا الْخَوَارِجُ، فَالصَّحِيحُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا: إبَاحَةُ قَتْلِهِمْ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى قَاتِلِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5252>مسألة [١٠]: إذا ترك أهل البغي القتال لعجزٍ</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنَّ أهل البغي إذا تركوا القتال، إما بالرجوع إلى الطاعة، وإما بإلقاء السلاح، وإما بالهزيمة إلى فئة، أو إلى غير فئة، وإما بالعجز؛ لجراح، أو مرض، أو أسر؛ فإنه يحرم قتلهم وَاتِّبَاع مدبرهم؛ للأثر الوارد عن علي -﵁- بذلك.\n• وقال أبو حنيفة، وبعض الشافعية: إذا هزموا، وكان لهم فئة؛ قُتِلوا وإن كانوا مدبرين، ويقتل أسيرهم، ويجهز على جريحهم، وإن لم يكن لهم فئة؛ ضُرِبُوا وَحُبِسُوا.\nوالصحيح القول الأول. (^٢)\nتنبيه: إن قتل من ترك القتل منهم لما ذكر؛ ضمن، وفي القصاص وجهان. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٥٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٥٢).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٥٣).","vol":"9","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5253>مسألة [١١]: غنيمة الأموال، وسبي النساء</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٢٥٤): فَأَمَّا غَنِيمَةُ أَمْوَالِهِمْ، وَسَبْيُ نِسَائِهِم؛ فَلَا نَعْلَمُ فِي تَحْرِيمِهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ مِنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ مَا حَصَلَ مِنْ ضَرُورَةِ دَفْعِهِمْ وَقِتَالِهِمْ، وَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ. انتهى بتصرف يسير، ثم ذكر عن علي -﵁- ما يوافق ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5254>مسألة [١٢]: هل يجوز الانتفاع بأسلحتهم في حال الحرب</span>؟\n• أجاز ذلك الحنابلة، والحنفية؛ لأنَّه في حال الحرب يجوز إتلاف نفوسهم، وحبس سلاحهم، وكراعهم؛ فيجوز الانتفاع بها كسلاح أهل الحرب.\n• وقال الشافعي: لا يجوز ذلك إلا من ضرورة إليه؛ لأنه مال مسلم؛ فلا يجوز الانتفاع به بغير إذنه، كغيره من أموالهم. والصحيح قول الحنابلة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5255>مسألة [١٣]: من قتل من أهل البغي، فهل يغسل ويصلى عليه</span>؟\n• مذهب الجمهور أنهم يغسلون، ويُصلَّى عليهم، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي؛ لأنهم تشملهم الأدلة العامة في ذلك.\n• وقال الحنفية: إن لم يكن لهم فئة؛ صُلِّي عليهم، وإن كان لهم فئة؛ لم يُصَلَّ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٥٥).","vol":"9","page":382},{"text":"عليهم. وهو قول ضعيف. (^١)\nتنبيه: وكذلك الخوارج عند الجمهور، وعن أحمد: لا يصلى عليهم، يعني من باب الزجر؛ لكونهم مبتدعة، وهو قول مالك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5256>مسألة [١٤]: هل يُفَسَّقُ البغاة</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنهم لا يُفَسَّقون، وتُقبَل شهادتهم؛ لأنهم متأولون بتأويل سائغ، قال ابن قدامة: ولا أعلم خلافًا.\n• وأما الخوارج: فمذهب الحنابلة، والشافعية تفسيقهم، ورد شهادتهم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5257>مسألة [١٥]: إن ارتكب البغاة ما يوجب عليهم الحد، فهل يقادون به بعد التمكن منهم</span>؟\n• مذهب الجمهور أنهم يقادون به، وهو قول الشافعي، وأحمد، ومالك، وابن المنذر، وهو الصحيح.\n• وشذَّ أبو حنيفة، فقال: إذا امتنعوا بدارٍ؛ لم يجب الحد. وهو قول ضعيف. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5258>مسألة [١٦]: إذا أعان البغاةَ الكفارُ</span>؟\nيُقتلون معهم، وإن كانوا أهل عهد؛ لأنَّ إعانتهم للبغاة نقض للعهد. (^٥)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٥٥).\n(^٢) «المغني» (١٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٥٧).\n(^٤) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٥٨).\n(^٥) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٦١).","vol":"9","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5259>مسألة [١٧]: إذا ارتد قوم فأتلفوا أموالًا، وأنفسًا للمسلمين، فهل عليهم الضمان</span>؟\nالحكم فيهم كالحكم في أهل البغي إن كان ذلك في غير الحرب ضمنوا، وإن كان ذلك في حال الحرب لم يضمنوا كأهل الحرب. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣).","vol":"9","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5260>فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلّقُ بِالإِمَامَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5261>مسألة [١]: وجوب نصب إمام للمسلمين</span>.\nأجمع أهل العلم على وجوب نصب إمام للمسلمين؛ لإقامة الحدود، ودفع الفساد، وإقامة الجهاد، وفصل الخصومات، ورد المظالم وغير ذلك.\nوقال شيخ الإسلام -﵀-: ذلك من أعظم واجبات الدين. اهـ\nوقال بعض أهل الكلام: لو تكاف الناس عن الظلم؛ لم يجب ذلك. وهو قولٌ باطل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5262>مسألة [٢]: كيفية تعيين الإمام</span>.\nهناك ثلاث طرق شرعية لتعيين الإمام.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٨٢٣): أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْخَلِيفَة إِذَا حَضَرَتْهُ مُقَدِّمَات الْمَوْت، وَقَبْل ذَلِكَ يَجُوز لَهُ الِاسْتِخْلَاف، وَيَجُوز لَهُ تَرْكه؛ فَإِنْ تَرَكَهُ فَقَدْ اِقْتَدَى بِالنَّبِيِّ - ﷺ - فِي هَذَا، وَإِلَّا فَقَدْ اِقْتَدَى بِأَبِي بَكْر، وَأَجْمَعُوا عَلَى اِنْعِقَاد الْخِلَافَة بِالِاسْتِخْلَافِ، وَعَلَى اِنْعِقَادهَا بِعَقْدِ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد لِإِنْسَانٍ إِذَا لَمْ يَسْتَخْلِف الْخَلِيفَة، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز جَعْل الْخَلِيفَة الْأَمْر\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١٢/ ٧) «مجموع الفتاوى» «شرح مسلم» (١٨٢٣).","vol":"9","page":385},{"text":"شُورَى بَيْن جَمَاعَة، كَمَا فَعَلَ عُمَر بِالسِّتَّةِ. اهـ\nوهناك طريقة تصح بها الإمامة، وإن لم تكن شرعية: وهي التوثب عليها، وأخذها بالقهر؛ فإن فعل ذلك أحدٌ، واستتب له الأمر؛ وجبت الطاعة له، وحرم الخروج عليه، كما فعل عبدالملك بن مروان؛ فإنه خرج على ابن الزبير، وقتله، واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعًا وكرها، فصار إمامًا يحرم الخروج عليه؛ وذلك لما في الخروج عليه من شق عصا المسلمين، وإراقة دمائهم، وذهاب أموالهم.\nوقد أشار النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى ذلك بقوله: «اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي» أخرجه البخاري (٦٩٣) عن أنس -﵁-، وقال أبو ذرٍّ -﵁-: أوصاني خليلي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا مجدع الأطراف. أخرجه مسلم برقم (٦٤٨). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5263>مسألة [٣]: شروط الإمام الشرعي</span>.\nقال الحافظ ابن كثير -﵀- في تفسير سورة البقرة [آية:٣٠]: ويجب أن يكون ذكرًا، حُرًّا، بالغًا، عاقلًا، مسلمًا، عدلًا، مجتهدًا، بصيرًا، سليم الأعضاء، خبيرًا بالحروب، والآراء، قُرشيًّا على الصحيح، ولا يُشترط الهاشمي، ولا المعصوم من الخطإِ، خلافًا للغلاة من الروافض. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٤٣) «شرح مسلم» (١٨٢٣) «تفسير ابن كثير» سورة البقرة [آية:٣٠].\n(^٢) وانظر: «البيان» (١٢/ ٨ -).","vol":"9","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5264>مسألة [٤]: نصب إمامين، أو أكثر</span>.\nلا يجوز عند أهل العلم نصب أكثر من إمام، ولا يبايع إلا لإمام واحد، ولا يبايع بعده لغيره؛ فإن جاء آخر ينازعه؛ استحق القتال؛ لحديث عرفجة بن شريح الذي في الباب.\nقال النووي -﵀- (١٨٤٢): إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَةٍ بَعْد خَلِيفَة، فَبَيْعَة الْأَوَّل صَحِيحَة يَجِب الْوَفَاء بِهَا، وَبَيْعَة الثَّانِي بَاطِلَة يَحْرُم الْوَفَاء بِهَا، وَيَحْرُم عَلَيْهِ طَلَبهَا، وَسَوَاء عَقَدُوا لِلثَّانِي عَالِمِينَ بِعَقْدِ الْأَوَّل أَوْ جَاهِلِينَ، وَسَوَاء كَانَا فِي بَلَدَيْنِ أَوْ بَلَد، أَوْ أَحَدهمَا فِي بَلَد الْإِمَام الْمُنْفَصِل وَالْآخَر فِي غَيْره، هَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابنَا وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء، وَقِيلَ: تَكُون لِمَنْ عُقِدَتْ لَهُ فِي بَلَد الْإِمَام. وَقِيلَ: يُقْرَع بَيْنهمْ. وَهَذَانِ فَاسِدَانِ.\nقال: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يُعْقَد لِخَلِيفَتَيْنِ فِي عَصْر وَاحِد، سَوَاء اِتَّسَعَتْ دَار الْإِسْلَام أَمْ لَا، وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابه «الْإِرْشَاد»: قَالَ أَصْحَابنَا: لَا يَجُوز عَقْدهَا لِشَخْصَيْنِ، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوز عَقْدهَا لِاثْنَيْنِ فِي صُقْع وَاحِد، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ. قَالَ: فَإِنْ بَعُدَ مَا بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ، وَتَخَلَّلَتْ بَيْنهمَا شُسُوع؛ فَلِلِاحْتِمَالِ فِيهِ مَجَال، قَالَ: وَهُوَ خَارِج مِنْ الْقَوَاطِع، وَحَكَى الْمَازِرِيُّ هَذَا الْقَوْل عَنْ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْل الْأُصُولِ، وَأَرَادَ بِهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَهُوَ قَوْل فَاسِد مُخَالِف لِمَا عَلَيْهِ السَّلَف وَالْخَلَف، وَلِظَوَاهِر إِطْلَاق الْأَحَادِيث. وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر تفسير ابن كثير [آية: ٣٠] من سورة البقرة.","vol":"9","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5265>مسألة [٥]: هل للإمام أن يخلع نفسه من الإمامة</span>؟\nقال ابن كثير -﵀-: وهل له أن يعزل نفسه؟ فيه خلاف، وقد عزل الحسن ابن علي -﵁- نفسه (^١)، وسلم الأمر إلى معاوية، لكن هذا لعذر، وقد مُدِح على ذلك. اهـ\nقلتُ: وكذلك إن رأى من نفسه عجزًا؛ فله ذلك، وعليه أن يعينها لإنسان كُفءٍ لها، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5266>مسألة [٦]: خلع الإمام؛ لكفره وفسقه</span>.\nجاء في حديث عبادة بن الصامت -﵁- في «الصحيحين» (^٣)، قال: بَايَعْنَا رَسُولَ الله - ﷺ - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ؛ إِلَّا أَنْ تَرَوا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُم فِيْهِ مِنَ اللهِ بُرْهَانٌ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي الله لَوْمَةَ لَائِمٍ».\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» [كتاب الإمارة: ٤١]: وَمَعْنَى الْحَدِيث: لَا تُنَازِعُوا وُلَاة الْأُمُور فِي وِلَايَتهمْ، وَلَا تَعْتَرِضُوا عَلَيْهِمْ؛ إِلَّا أَنْ تَرَوْا مِنْهُمْ مُنْكَرًا مُحَقَّقًا تَعْلَمُونَهُ مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ؛ فَأَنْكِرُوهُ عَلَيْهِمْ، وَقُولُوا بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا كُنْتُمْ، وَأَمَّا الْخُرُوج عَلَيْهِمْ وَقِتَالهمْ؛ فَحَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ،\n_________\n(^١) انظر «البخاري» رقم (٢٧٠٤).\n(^٢) وانظر: «البيان» (١٢/ ١٢).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٧٠٥٦) (٧٢٠٠)، ومسلم برقم (١٧٠٩).","vol":"9","page":388},{"text":"وَإِنْ كَانُوا فَسَقَة ظَالِمِينَ. وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث بِمَعْنَى مَا ذَكَرْته، وَأَجْمَعَ أَهْل السُّنَّة أَنَّهُ لَا يَنْعَزِل السُّلْطَان بِالْفِسْقِ، وَأَمَّا الْوَجْه الْمَذْكُور فِي كُتُب الْفِقْه لِبَعْضِ أَصْحَابنَا أَنَّهُ يَنْعَزِل، وَحُكِيَ عَنْ الْمُعْتَزِلَة أَيْضًا؛ فَغَلَط مِنْ قَائِله، مُخَالِف لِلْإِجْمَاعِ. قَالَ الْعُلَمَاء: وَسَبَب عَدَم اِنْعِزَاله وَتَحْرِيم الْخُرُوج عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْفِتَن، وَإِرَاقَة الدِّمَاء، وَفَسَاد ذَات الْبَيْن، فَتَكُون الْمَفْسَدَة فِي عَزْله أَكْثَر مِنْهَا فِي بَقَائِهِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْإِمَامَة لَا تَنْعَقِد لِكَافِرٍ، وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْكُفْر؛ اِنْعَزَلَ. قَالَ: وَكَذَا لَوْ تَرَكَ إِقَامَة الصَّلَوَات وَالدُّعَاء إِلَيْهَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ عِنْد جُمْهُورهمْ الْبِدْعَة. قَالَ: وَقَالَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ: تَنْعَقِد لَهُ، وَتُسْتَدَام لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّل.\nقَالَ الْقَاضِي: فَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ كُفْر، وَتَغْيِير لِلشَّرْعِ، أَوْ بِدْعَة؛ خَرَجَ عَنْ حُكْم الْوِلَايَة، وَسَقَطَتْ طَاعَته، وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَام عَلَيْهِ، وَخَلْعه، وَنَصْب إِمَام عَادِل إِنْ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ؛ فَإِنْ لَمْ يَقَع ذَلِكَ إِلَّا لِطَائِفَةٍ؛ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِيَام بِخَلْعِ الْكَافِر، وَلَا يَجِب فِي الْمُبْتَدِع؛ إِلَّا إِذَا ظَنُّوا الْقُدْرَة عَلَيْهِ؛ فَإِنْ تَحَقَّقُوا الْعَجْز؛ لَمْ يَجِب الْقِيَام، وَلْيُهَاجِرْ الْمُسْلِم عَنْ أَرْضه إِلَى غَيْرهَا، وَيَفِرّ بِدِينِهِ. قَالَ: وَلَا تَنْعَقِد لِفَاسِقٍ اِبْتِدَاء، فَلَوْ طَرَأَ عَلَى الْخَلِيفَة فِسْق، قَالَ بَعْضهمْ: يَجِب خَلْعه؛ إِلَّا أَنْ تَتَرَتَّب عَلَيْهِ فِتْنَة وَحَرْب. وَقَالَ جَمَاهِير أَهْل السُّنَّة مِنْ الْفُقَهَاء، وَالْمُحَدِّثِينَ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ: لَا يَنْعَزِل بِالْفِسْقِ، وَالظُّلْم، وَتَعْطِيل الْحُقُوق، وَلَا يُخْلَع وَلَا يَجُوز الْخُرُوج عَلَيْهِ بِذَلِكَ، بَلْ يَجِب وَعْظه وَتَخْوِيفه؛ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ.\nقَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ اِدَّعَى أَبُو بَكْر بْن مُجَاهِد فِي هَذَا الْإِجْمَاع،","vol":"9","page":389},{"text":"وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضهمْ هَذَا بِقِيَامِ الْحَسَن، وَابْن الزُّبَيْر، وَأَهْل الْمَدِينَة عَلَى بَنِي أُمَيَّة، وَبِقِيَامِ جَمَاعَة عَظيمة مِنْ التَّابِعِينَ، وَالصَّدْر الْأَوَّل عَلَى الْحَجَّاج مَعَ اِبْن الْأَشْعَث، وَتَأَوَّلَ هَذَا الْقَائِل قَوْله: «أَلَّا نُنَازِع الْأَمْر أَهْله» فِي أَئِمَّة الْعَدْل، وَحُجَّة الْجُمْهُور: أَنَّ قِيَامهمْ عَلَى الْحَجَّاج لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الْفِسْق، بَلْ لَمَّا غَيَّرَ مِنْ الشَّرْع، وَظَاهَرَ مِنْ الْكُفْر، قَالَ الْقَاضِي: وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْخِلَاف كَانَ أَوَّلًا، ثُمَّ حَصَلَ الْإِجْمَاع عَلَى مَنْع الْخُرُوج عَلَيْهِمْ. وَاَللَّه أَعْلَم. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: وكذلك لو كفر الإمام؛ فلا خروج عليه إلا مع القدرة على ذلك، كما ذكر أهل العلم، وأما الخروج بدون قدرة فمحرَّمٌ؛ لما فيه من سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، واستباحة الأموال بدون تحقيق نفعٍ، وبالله التوفيق.","vol":"9","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5267>بَابُ قِتَالِ الجَانِي وَقَتْلِ المُرْتَدِّ</span>\n١١٩٧ - عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5268>مسألة [١]: هل يجوز لمن أُريد أخذ ماله أن يدفع عن ماله بالقتل</span>؟\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٢٤٨٠): قَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ جَوَاز قَتْلِ مَنْ قَصَدَ أَخْذَ الْمَال بِغَيْرِ حَقٍّ، سَوَاء كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَشَذَّ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَقَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّةِ: لَا يَجُوزُ إِذَا طَلَبَ الشَّيْء الْخَفِيف. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: سَبَبُ الْخِلَافِ عِنْدَنَا: هَلْ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ، فَلَا يَفْتَرِقُ الْحَال بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؟ أَوْ مِنْ بَابِ دَفْعِ الضَّرَرِ فَيَخْتَلِفُ الْحَالُ؟ وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر عَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ: مَنْ أُرِيدَ مَاله، أَوْ نَفْسه، أَوْ حَرِيمه؛ فَلَهُ الِاخْتِيَارُ أَنْ يُكَلِّمَهُ أَوْ يَسْتَغِيثَ؛ فَإِنْ مُنِعَ أَوْ اِمْتَنَعَ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِتَاله، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَوْ أَتَى عَلَى نَفْسِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَقْل، وَلَا دِيَة، وَلَا كَفَّارَة، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ عَمْد قَتْله. قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: وَالَّذِي عَلَيْهِ أَهْل الْعِلْمِ أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْفَعَ عَمَّا ذَكَرَ إِذَا أُرِيدَ ظُلْمًا بِغَيْرِ تَفْصِيل؛ إِلَّا أَنَّ كُلَّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيث كالْمُجْمِعِينَ عَلَى اِسْتِثْنَاءِ السُّلْطَانِ لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ بِالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِهِ وَتَرْك\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٤٧٧١)، والنسائي (٧/ ١١٥)، والترمذي (١٤١٩)، وفات الحافظ أن الحديث في البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١). واللفظ لغير أبي داود.","vol":"9","page":391},{"text":"الْقِيَام عَلَيْهِ. وَفَرَّقَ الْأَوْزَاعِيّ بَيْنَ الْحَالِ الَّتِي لِلنَّاسِ فِيهَا جَمَاعَة وَإِمَام، فَحَمَلَ الْحَدِيث عَلَيْهَا، وَأَمَّا فِي حَال الِاخْتِلَاف وَالْفُرْقَة؛ فَلْيَسْتَسْلِمْ وَلَا يُقَاتِلْ أَحَدًا.\nوَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد مُسْلِم بِلَفْظ: أَرَأَيْت إِنْ جَاءَ رَجُل يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلَا تُعْطِهِ» قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «فَاقْتُلْهُ»، قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيد»، قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «فَهُوَ فِي النَّارِ». (^١) اهـ.\nقلتُ: الصحيح قول الجمهور، وسواء كان المعتدي يريد المال، أو النفس، أو الأهل، وقد تقدم في كلام الشافعي، وابن المنذر الجزم بانَّ الحكم واحد.\nوقد دلَّ على ذلك حديث سعيد بن زيد في «السنن» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من قُتِل دون ماله؛ فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه؛ فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله أو دمه؛ فهو شهيد» (^٢)، وهو حديث صحيح.\nتنبيه: لا يجب على الرجل المدافعة عن نفسه، أو ماله بقتل الآخر، ولكنه جائز، واستدل العلماء على ذلك بحديث: «اجلس في بيتك؛ فإن خشيت أن يروعك شعاع السيف، فغطِّ وجهك، يبوء بإثمه، وإثمك» (^٣)، وبحديث: «تكون فتن؛ فكن عبدالله المقتول، ولا تكن عبدالله القاتل» (^٤)، وأما المرأة؛ فلا يجوز لها\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٤٠).\n(^٢) أخرجه أحمد (١/ ١٩٠)، وأبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١)، والنسائي (٧/ ١١٦)، وإسناده صحيح.\n(^٣) أخرجه أحمد (٥/ ١٤٩) (٥/ ١٦٣)، وابن أبي شيبة (١٥/ ١٣) بإسناد صحيح عن أبي ذر -﵁-.\n(^٤) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١٢٥٥).","vol":"9","page":392},{"text":"التمكين بدون مدافعة، وكذا وليها.\nقال النووي -﵀-: وأما المدافعة عن الحريم؛ فواجبة بلا خلاف. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5269>مسألة [٢]: إذا دفعت المرأة عن نفسها الرجلَ بالقتل</span>؟\nأخرج ابن أبي شيبة -﵀- في «مصنفه» (٩/ ٣٧٢)، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن القاسم، عن عبيد بن عمير، أنَّ رجلًا أضاف إنسانًا من هذيل، فذهبت جارية منهم تحتطب، فأرادها على نفسها، فرمته بفهر هي حجر ملء الكف فقتلته، فرفع إلى عمر بن الخطاب -﵁-، فقال: ذلك قتيل الله، لا يودى أبدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5270>مسألة [٣]: إذا وجد الرجل على امرأته رجلًا فقتله</span>؟\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٣/ ٩٥): بعد أن أسند عن علي -﵁-، بإسناد صحيح أنه قال: إن لم يأت بأربعة شهداء؛ فليعط برمته.\nقال: وكان الشافعي يقول بعد أن ذكر حديث علي -﵁-: وبهذا نأخذ. اهـ\nولا أحفظ عن أحد قبلنا من أهل العلم مخالفًا، غير أن الشافعي قال: ويسعه فيما بينه وبين الله تعالى قتل الرجل وامرأته إذا كانا ثيبين، وعلم أنه قد نال منها ما يوجب الغسل، ولا يسقط بقوله فيما يبطل عنه القود قال: وهكذا لو وجد يتلوط بابنه، أو يزني بجاريته. وقال أبو ثور كما قال الشافعي: إذا نال منها ما يوجب الغسل، وكان ثيبًا، ويحكم عليه بالقود في الحكم. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٥٣٣ - ٥٣٤) «شرح مسلم» (١٤١).","vol":"9","page":393},{"text":"وقد ثبت أيضًا عن عمر -﵁- أنه قضى على رجل بالدية، بعد أن قتل امرأته وجد معها رجلًا؛ فعفا أحد إخوتها عن القصاص. أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٣١٧)، وابن المنذر (١٣/ ٩٧) بإسناد صحيح.\nوقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٦٨٤٦): قال الجمهور: عليه القود. وقال أحمد، وإسحاق: إن أقام بينة أنه وجده مع امرأته؛ هدر دمه. وقال الشافعي: يسعه فيما بينه وبين الله قتل الرجل إن كان ثيبًا، وعلم أنه نال منها ما يوجب الغسل، ولكن لا يسقط عنه القود في ظاهر الحكم. اهـ\nقلتُ: وبقول الشافعي نقول، والأثر المذكور عن علي -﵁-: أخرجه أيضًا مالك (٢/ ٥٦٦)، وعبد الرزاق (١٧٩١٥)، والبيهقي (٨/ ٣٣٧).","vol":"9","page":394},{"text":"١١٩٨ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁- قَالَ: قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ (^١)، فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَاخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الفَحْلُ؟ لَا دِيَةَ لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5271>مسألة [١]: من عضَّ يدَ غيره، فنزع يده ووقعت ثنية العاض</span>؟\n• قال الحافظ -﵀- في شرح حديث الباب (٦٨٩٢): وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّة الْجُمْهُورُ، فَقَالُوا: لَا يَلْزَمُ الْمَعْضُوضَ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْم الصَّائِل. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ بِأَنَّ مَنْ شَهَرَ عَلَى آخَر سِلَاحًا لِيَقْتُلهُ، فَدَفَعَ عَنْ نَفْسه؛ فَقَتَلَ الشَّاهِرَ، أَنَّهُ لَا شَيْء عَلَيْهِ، فَكَذَا لَا يَضْمَن سِنَّهُ بِدَفْعِهِ إِيَّاهُ عَنْهَا، قَالُوا: وَلَوْ جَرَحَهُ الْمَعْضُوض فِي مَوْضِع آخَر؛ لَمْ يَلْزَمهُ شَيْء.\nقال: وَشَرْط الْإِهْدَار أَنْ يَتَأَلَّم الْمَعْضُوض، وَأَنْ لَا يُمْكِنهُ تَخْلِيص يَده بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ضَرْب فِي شِدْقَيْهِ، أَوْ فَكّ لِحْيَتِهِ لِيُرْسِلهَا، وَمَهْمَا أَمْكَنَ التَّخْلِيص بِدُونِ ذَلِكَ، فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى الْأَثْقَل؛ لَمْ يُهْدَر.\nقال: وَعِنْد الشَّافِعِيَّة وَجْه أَنَّهُ يُهْدَر عَلَى الْإِطْلَاق، وَوُجِّهَ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَهُ فِي ذَلِكَ؛ ضَمِنَ. اهـ\nكذا قال الحافظ، وهو قولُ جماعةٍ من الحنابلة.\n_________\n(^١) زيادة من المطبوع، ومن «صحيح مسلم».\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٨٩٢)، ومسلم (١٦٧٣).","vol":"9","page":395},{"text":"وأما ابن قدامة -﵀- فقال: وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَلَهُ أَنْ يَجْذِبَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَسْتَفْصِلْ، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَرْكُ يَدِهِ فِي فَمِ الْعَاضِّ حَتَّى يَتَحَيَّلَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ. اهـ وقد ثبت القضاء بذلك عن أبي بكر الصديق -﵁- كما في البخاري برقم (٢٢٦٦).\n• وذهب مالك في الرواية الأشهر عنه إلى الضمان مطلقًا، وهو قول ابن أبي ليلى؛ لحديث: «في السن خمس من الإبل».\nوأجابوا عن حديث الباب أنَّ سقوط السن سببه شدة العض لا النزع؛ فيكون سقوط السن حصل بفعل نفسه.\nوهذا القول غير صحيح، وهو خلاف ظاهر الحديث، واعتذر جماعةٌ عن مالك بأنه لم يبلغه الحديث، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: إن كان العض مباحًا، كأن يكون قصاصًا، فنزع ثنيته؛ ضمن. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٦٨٩٢) «المغني» (١٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٥٣٨).","vol":"9","page":396},{"text":"١١٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ أَبُوالقَاسِمِ - ﷺ -: «لَوْ أَنَّ امْرَءًا اطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إذْنٍ، فَحَذَفْته بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْت عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك جُنَاحٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: «فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَلَا قِصَاصٍ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5272>مسألة [١]: من اطلع في بيت غيره، فهل يُباح لصاحب البيت فقؤ عينه، وهل عليه الضمان</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى الأخذ بظاهر الحديث، وقالوا: يُباح فقؤ عين من اطلع في بيت غيره من صاحب ذلك البيت في حال الاطلاع، وليس له دية، ولا قصاص. وقد جاء عن عمر بن الخطاب -﵁- الفتوى بما جاء به الحديث كما في «الأوسط» (١٣/ ١٣٣ -)، ولكنه من طريق الحسن عن عمر، ولم يدركه؛ فهو منقطع.\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه يضمن، بل صرح المالكية بالقصاص، وعللوا ذلك بأنَّ المعصية لا تدفع بالمعصية، وعلل الحنفية المنع بأنه لو دخل المنزل ونظر فيه، أو نال من امرأته ما دون الفرج؛ لم يجز قلع عينه؛ فالنظر أولى.\nوهذه حجج مخالفة للنص؛ فلا تعويل عليها، وقد أباح الشرع ذلك، فكيف\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٩٠٢)، ومسلم (٢١٥٨) (٤٤).\n(^٢) صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٥)، والنسائي (٨/ ٦١)، وابن حبان (٦٠٠٤)، وإسناده صحيح.","vol":"9","page":397},{"text":"يقال: معصية.\nوفي «الصحيحين» عن سهل بن سعد أنَّ رجلًا اطلع في جحرٍ في باب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مدرى يحك بها رأسه، فلما رآه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لو أعلم أنك تنظرني؛ لطعنت به في عينك». أخرجه البخاري برقم (٥٩٢٤)، ومسلم برقم (٢١٥٦).\nوفيهما عن أنس -﵁- أنَّ رجلًا اطلع في بعض حجر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقام إليه بمشقص، وجعل يختل ليطعنه. أخرجه البخاري برقم (٦٢٤٢)، ومسلم برقم (٢١٥٧). (^١)\nتنبيه: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٥٤٠ -): وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ رَمْيُ النَّاظِرِ بِمَا يَقْتُلُهُ ابْتِدَاءً؛ فَإِنْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ يَقْتُلُهُ، أَوْ حَدِيدَةٍ ثَقِيلَةٍ، ضَمِنَهُ بِالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَهُ مَا يَقْلَعُ بِهِ الْعَيْنَ الْمُبْصِرَةَ الَّتِي حَصَلَ الْأَذَى مِنْهَا، دُونَ مَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا؛ فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ الْمُطَّلِعُ بِرَمْيِهِ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ؛ جَازَ رَمْيُهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ النَّاظِرُ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ مِلْكِ نَفْسِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٦٩٠٢) «المغني» (١٢/ ٥٣٩).","vol":"9","page":398},{"text":"١٢٠٠ - وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَنَّ حِفْظَ الحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ حِفْظَ المَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ المَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَفِي إسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5273>مسألة [١]: ضمان ما أتلفته البهيمة من الزرع</span>.\nفي هذه المسألة حالان:\nالحال الأولى: أن لا تكون يد صاحبها عليها، ففيه أقوال:\nالقول الأول: أنَّ صاحبها يضمن ما أفسدته بالليل دون النهار. وهذا قول أحمد، ومالك، والشافعي، وجماعة آخرين، واستدلوا على ذلك بحديث الباب،\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٤/ ٢٩٥)، وأبوداود (٣٥٧٠)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٤١١)، وابن ماجه (٢٣٣٢)، وابن حبان (٦٠٠٨).\nوقد وجد في إسناده اختلاف على أوجه كثيرة. وأقوى تلك الأوجه من رواه عن الزهري عن حرام بن محيصة أن ناقة للبراء ... فذكره مرسلًا.\nرواه كذلك مالك (٢/ ٧٤٧)، وابن عيينة كما في «مسند أحمد» (٥/ ٤٣٦)، والليث بن سعد عند ابن ماجه (٢٣٣٢)، ويونس بن يزيد عند الدارقطني (٣/ ١٥٦)، ثم قال: وكذلك رواه صالح ابن كيسان والليث ومحمد بن إسحاق وعقيل وشعيب ومعمر من غير رواية عبدالرزاق.\nقلتُ: وتابعهم الأوزاعي في رواية عنه كما في «تحقيق المسند» (٣٠/ ٥٦٩).\n\nفالصواب في الحديث أنه مرسل، ومن رواه على خلاف ذلك، فروايته غير محفوظة، والله أعلم. انظر: «تحقيق المسند» (٣٠/ ٥٦٩ - ٥٧٠)، و«البدر المنير» (٩/ ١٩ - ٢١)، و«التلخيص الحبير» (٤/ ١٦٢ - ١٦٣).","vol":"9","page":399},{"text":"وعزاه الحافظ للجمهور.\nالقول الثاني: يضمن صاحبها مطلقًا بأقل الأمرين من قيمتها، أو قدر ما أتلفت. وهو قول الليث، وبعض المالكية.\nالقول الثالث: لا ضمان عليه. وهو قول الظاهرية، والحنفية؛ لحديث: «العجماء جرحها جبار»، وسواء كان ذلك ليلًا، أو نهارًا.\nالحال الثانية: أن تكون يد صاحبها عليها، ففيه أقوال:\nالقول الأول: عليه ضمان ما أتلفت من مال، أو زرع، أو نفس، أو غيره. وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، وقال به شريح؛ لأنها تحت يده، فكان ذلك بتفريطه.\nالقول الثاني: لا ضمان عليه؛ لحديث: «العجماء جرحها جبار»، وهو مذهب مالك، وقال به الظاهرية، واستثنوا ما إذا كان الفعل منسوبًا إليه بأن حملها على ذلك الفعل، كأن يلوي عنانها، أو يطعنها، أو يسوقها، أو يقودها، وما أشبه ذلك.\nوالذي يظهر أنه في الحالين يضمن إذا حصل منه تفريطٌ، أو تعدي مع مراعاة العرف في ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5274>مسألة [٢]: إذا جنت الدابة برجلها وصاحبها عليها، أو معها</span>؟\n• ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يضمن، وهو قول الحنفية، وجماعة من\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٥٤١ - ٥٤٤) «الفتح» (٦٩١٣) «الأوسط» (١٣/ ١٣١).","vol":"9","page":400},{"text":"الحنابلة؛ لحديث أبي هريرة -﵁-: «والرجل جبار» أخرجه أبو داود (٤٥٩٢)، والبيهقي (٨/ ٣٤٣) من حديث أبي هريرة -﵁-، وهو حديث ضعيف، من طريق: سفيان بن الحسين عن الزهري، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب الزهري، فلم يذكروا هذه اللفظة، بل ذكروا قوله: «العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار»، ولم يذكروا اللفظ المذكور، وقد ضعفه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» رقم (١٥٢٦).\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ عليه الضمان؛ لأنه قائدها، وسائقها؛ فقد حصل منه التفريط، وهذا قول شريح، والشافعي، وبعض الحنابلة، وهو أقرب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٥٤٤).","vol":"9","page":401},{"text":"١٢٠١ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁- فِي رَجُلٍ أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَأُمِرَ بِهِ فَقُتِلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد: وَكَانَ قَدِ اسْتُتِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ. (^٢)\n\n١٢٠٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nتعريف المرتد:\nلغة: الراجع. وفي اصطلاح الفقهاء: الذي يكفر بعد إسلامه طوعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5275>مسألة [١]: قتل المرتد</span>.\nأجمع العلماء على أنَّ المرتد يجب قتله، وإن كانوا جماعة وجب قتالهم، وقد صح فعل ذلك عن أبي بكر، وعلي -﵄-، وغيرهما من الصحابة، ويدل عليه حديث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٩٢٣)، ومسلم (١٨٢٤).\n(^٢) ضعيف. أخرجه أبوداود (٤٣٥٥)، من طريق: بريد بن عبدالله بن أبي بردة، وطلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى به.\nقال أبو داود عَقِبَه: قال أحدهما: وكان قد استتيب قبل ذلك.\nقلتُ: لعل هذه الزيادة من طلحة بن يحيى، وهو حسن الحديث له منكرات، ورواية بريد عند البخاري ومسلم بدون الزيادة المذكورة، وكذلك رواه جماعة عن أبي بردة بدون هذه الزيادة. انظر: «البخاري» (٤٣٤١) (٤٣٤٢) (٦٩٢٣) (٧١٥٧)، ومسلم (١٨٢٤)، «المسند الجامع» (١١/ ٤٣١).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٣١٠٧).","vol":"9","page":402},{"text":"الباب، وهذا الحكم يشمل الرجال والنساء عند عامة أهل العلم، ونُقل عن الحسن، وقتادة أنها تُسْتَرَقُّ ولا تُقتل، وقال به أبو حنيفة إذا لحقت بدار حرب، وهذا قول ضعيف ليس عليه دليل صحيح. وحجة الجمهور عموم الحديث السابق. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5276>مسألة [٢]: اعتبار الردة ممن له عقل</span>.\nلا خلاف بين أهل العلم أنَّ الردة تعتبر من العاقل؛ فلا تصح الردة من المجنون، والطفل الذي لا يعقل، والمغمى عليه، والنائم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5277>مسألة [٣]: إسلام الصبي وارتداده</span>.\n• إسلام الصبي معتبر عند الجمهور، ويصح؛ لحديث: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» أخرجه البخاري برقم (١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة -﵁-؛ ولأنه يقبل منه الصلاة، والصيام؛ فالإسلام من باب أولى.\n• وقال الشافعي، وزُفر: لا يصح إسلامه حتى يبلغ؛ لحديث: «رُفع القلم عن الصبي حتى يبلغ».\nوالصحيح القول الأول، ومعنى «رفع القلم»، أي: رُفعت عنه المؤاخذة على الذنوب كما قرر ذلك شيخ الإسلام وغيره.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٦٤) (١٢/ ٢٨٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٦٦).","vol":"9","page":403},{"text":"ويُشترط عند الجمهور في صحة إسلام الصبي أن يعقل معناه، واشترط بعضهم أن يكون في العاشرة، ولم يشترطه الأكثر كما ذكر ذلك ابن قدامة.\n• وأما ارتداد الصبي: فعند الشافعي لا تصح منه الردة كما لا يصح منه الإسلام حتى يبلغ، ووافقه في ذلك أحمد في رواية، وبعض المالكية؛ لحديث: «رُفع القلم عن الصبي حتى يبلغ».\n• وذهب مالك في الأظهر من مذهبه، والحنفية، وأحمد في رواية إلى أنَّ الردة تصح منه.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5278>مسألة [٤]: استتابة المرتد قبل قتله</span>.\n• أكثر أهل العلم على أنَّ المرتد لا يُقتل حتى يؤمر بالتوبة؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وكما يُدْعَى الكافر الأصلي إلى الإسلام قبل قتله؛ فكذلك المرتد. ونُقل ذلك عن جماعة من الصحابة، نُقل عن أبي بكر، وابن عمر -﵃- بسندين ضعيفين، وثبت ذلك عن عمر -﵁- كما في «سنن البيهقي» و«مصنف عبدالرزاق»، وثبت عن علي، وعن عثمان -﵄- بأسانيد يتقوى بعضها ببعض.\nواستدل الجمهور أيضًا على وجوب الاستتابة بالآيات التي فيها الأمر\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ٢٨٠ - ٢٨١).","vol":"9","page":404},{"text":"بالدعوة إلى الإسلام، وإلى سبيل الله، وكذلك الأحاديث الواردة في ذلك.\n• وذهب بعض الفقهاء إلى عدم الاستتابة، نُقل ذلك عن الحسن، وعبيد بن عمير، وقال به ابن حزم، وحمله ابن قدامة وغيره على عدم الوجوب لا أنها لا تشرع عندهم.\nوالصحيح -والله أعلم- هو القول الأول، وهو مشروعية الاستتابة.\nواختلف الجمهور: هل ذلك على سبيل الوجوب، أم على سبيل الاستحباب؟\n• فذهب جماعةٌ منهم إلى وجوب الاستتابة، وهذا قول عطاء، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وقال بذلك أيضًا الشافعي في قول؛ للأدلة المتقدمة في ذلك.\n• وذهب أحمد في رواية، والشافعي في قول -ونقله صاحب «البيان» عن أبي حنيفة- إلى أنَّ ذلك مستحبٌّ، وليس بواجب؛ للحديث: «من بدل دينه؛ فاقتلوه»، ولم يذكر الاستتابة، ولحديث معاذ في الباب.\nوأجاب الجمهور بحمل الحديث على القتل بعد الاستتابة؛ لفعل الصحابة في ذلك، وقول الجمهور قوي، ومن فائدة الاستتابة أنه يحصل في أثنائها إزالة الشبهة لو وجدت، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٦٦ -) «البيان» (١٢/ ٤٦ -) «البيهقي» (٨/ ٢٠٥ - ٢٠٧) «عبدالرزاق» (١٠/ ١٦٤ -) «المحلى» (٢١٩٩) «الأوسط» (١٣/ ٤٥٩).","vol":"9","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5279>مسألة [٥]: المدة التي يستتاب فيها</span>.\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى تحديد ثلاثة أيام، نُقل عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر -﵃-، وفي أسانيدها ضعف، وأخذ بذلك مالك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وبعض الشافعية.\nوحجَّتُهم ما ورد في ذلك عن الصحابة؛ ولأنَّ الثلاثة حدٌّ بين القلة والكثرة.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يستتاب في الحال؛ فإن تاب وإلا قُتل، هذا قول الشافعي، وقال به ابن المنذر، وهو قول الزهري، والحسن، وعبيد بن عمير.\nواستدلوا بحديث ابن عباس، ومعاذ -﵃- الَّلذَيْنِ في الباب، وهذا القول هو الصحيح، ولا دليل على التحديد.\n• وقد صحَّ عن علي -﵁- أنه استتاب إنسانًا، فأبى، فقتله. كما في «مصنف عبدالرزاق».\n• وقد ذهب النخعي، والثوري إلى أنه يستتاب أبدًا. وقال الزهري: يكرر له الأمر بالتوبة ثلاث مرات.\n• ونُقل عن علي -﵁- أنه استتاب رجلًا شهرًا. أخرجه عبدالرزاق، وهو ضعيف.\n• وعن أبي موسى أنه استتاب اليهودي شهرين. أخرجه ابن أبي شيبة،","vol":"9","page":406},{"text":"وهو ضعيف.\nوالصحيح عدم التحديد، وللحاكم تأخير القتل إذا رجا عودة الرجل للإسلام للثلاثة الأيام ونحوها، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: إذا ارتد الصبي، فاستتابته التي ينبني عليها حكم القتل تكون بعد بلوغه؛ فإن أصر على الكفر؛ قُتل حينئذٍ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5280>مسألة [٦]: توبة الزنديق الذي يستسر بالكفر</span>.\n• مذهب الشافعي قبول توبته، وهو قول العنبري، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة في رواية؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨].\n• ومذهب مالك، والليث، وإسحاق، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة في رواية أنه لا تقبل توبته؛ لأنَّ الزنديق لا تظهر منه علامة تبين صدقه وتوبته؛ لأنه كان مُظْهِرًا للإسلام، مُسِرًّا للكفر، فإذا وقف على ذلك، فأظهر التوبة؛ لم يزد على ما كان منه قبلها، وهو إظهار الإسلام.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٢٦٩ - ٢٧١): وَفِي الْجُمْلَةِ: فَالْخِلَافُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ فِي الظَّاهِرِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا. مِنْ تَرْكِ قَتْلِهِمْ،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٦٨) «البيان» (١٢/ ٤٧ -) «الكبرى» (٨/ ٢٠٧) «عبدالرزاق» (١٠/ ١٦٤ -) «ابن أبي شيبة» (١٠/ ١٣٧ -) «الأوسط» (١٣/ ٤٦١).\n(^٢) انظر «المغني» (١٢/ ٢٨١ - ٢٨٢).","vol":"9","page":407},{"text":"وَثُبُوتِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِمْ، وَأَمَّا قَبُولُ الله تَعَالَى لَهَا فِي الْبَاطِنِ، وَغُفْرَانُهُ لِمَنْ تَابَ وَأَقْلَعَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَلَا خِلَافَ فِيهِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي الْمُنَافِقِينَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٤٦].اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5281>مسألة [٧]: مال المرتد</span>.\n• أكثر أهل العلم على أنَّ مال المرتد يوقف حتى يُقتل أو يموت، ثم اختلفوا بعد ذلك: هل يكون فيئًا لبيت المال، أو يكون لورثته المسلمين؟ وقد تقدم ذكر هذه المسألة في باب الفرائض.\nوالذي يظهر أنه يكون فيئًا لبيت المال، وورثة المرتد إن كانوا محتاجين؛ فهم أولى بالميراث من غيرهم، والله أعلم.\nوحقوق المسلمين تؤخذ من مال المرتد أعني الحقوق التي على المرتد قبل أن يأخذه بيت المال.\nوأما تصرفات المرتد أثناء وقف المال في ماله؛ فلا تنفذ، بل تكون موقوفة، إن رجع إلى الإسلام؛ نفذت، وإن لم يرجع؛ فهي باطلة.\nوهذا عليه الأكثر؛ لأنَّ المال لا يخرج من الملك بمجرد الردة، نقل ابنُ المنذر الإجماعَ على ذلك. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٧٢ -).","vol":"9","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5282>مسألة [٨]: زواج المرتد وتزويجه</span>.\nلا يصح عند أهل العلم؛ لأنه كافر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5283>مسألة [٩]: من يتولى قتل المرتد</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ الذي يتولى قتل المرتد هو الإمام، حرًّا كان أو عبدًا.\n• وعند الشافعية وجهٌ أنَّ للسيد قتل عبده إذا ارتد؛ لحديث: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» (^٢)؛ ولأنَّ حفصة قتلت جارية سحرتها. أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٤١٦)، والبيهقي (٨/ ١٣٦) بإسناد صحيح.\nوأجاب الجمهور عن ذلك بأنَّ هذا قتل لحق الله تعالى؛ فكان ذلك إلى الإمام، كرجم الزاني، وقتل الحر.\nوأما قوله: «أقيموا الحدود ...»؛ فلا يتناول القتل للردة؛ فإنه قَتْلٌ لكفره لا حدًّا في حقه، وأما خبر حفصة؛ فإنَّ عثمان تغيظ عليها كما في الأثر السابق، وشق عليه قتلها بدون أمره. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5284>مسألة [١٠]: من ترك شيئًا من أركان الإسلام غير الشهادتين</span>؟\nمن ترك الصلاة، أو الزكاة، أو الصوم، أو الحج جحودًا؛ كفر، إلا لعذرٍ من جهلٍ، أو من حديث عهد بإسلام، وأما من ترك الصلاة تكاسلًا فتقدم في كتاب\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ٢٧٤).\n(^٢) سيأتي تخريجه في «البلوغ» (١٢٠٩).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٧١ - ٢٧٢).","vol":"9","page":409},{"text":"الصلاة أنَّ الجمهور على استتابته حتى يصلي، أو يقتل لمدة ثلاثة أيام. وخالفهم بعض الفقهاء.\nواستدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وبحديث: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ...» الحديث.\nومثله لو ترك الزكاة بُخلًا، أو ترك الصيام تكاسلًا، وأما الحج؛ فلا يُقتل؛ لأن العلماء اختلفوا في وجوبه هل هو على الفور أم على التراخي، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5285>مسألة [١١]: من اعتقد حِلَّ شيءٍ معلوم تحريمه في الدين ضرورة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٢٧٦): وَمَنْ اعْتَقَدَ حِلَّ شَيْءٍ أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَظَهَرَ حُكْمُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَزَالَتْ الشُّبْهَةُ فِيهِ؛ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَالزِّنَى، وَأَشْبَاهِ هَذَا، مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ، كُفِّرَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5286>مسألة [١٢]: ذبيحة المرتد</span>.\n• أكثر أهل العلم على عدم حل ذبيحته، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وإن ارتد إلى دين أهل الكتاب؛ لأنَّ المرتد لا تثبت له أحكام الكافر الأصلي؛ فهو لا يُقر على دينه، ولو دفع الجزية، ولا يُسْتَرَقُّ، وإن كانت امرأة؛ لم يحل\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٧٥ -).","vol":"9","page":410},{"text":"نكاحها، وكذلك ذبيحته؛ فإنها لا تحل كالوثني.\n• وذهب إسحاق إلى أنه إن تدين بدين أهل الكتاب؛ حلَّت ذبيحته، وحكي ذلك عن الأوزاعي.\nوالصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5287>مسألة [١٣]: حكم أولاد المرتدين</span>.\nأما من وُلِد قبل الردة؛ فإنهم محكوم بإسلامهم تبعًا لآبائهم، ولا يتبعونهم في الردة؛ لأنَّ الإسلام يعلو، وقد تبعوهم فيه، فلا يتبعونهم في الكفر، فلا يجوز استرقاقهم صغارًا؛ لأنهم مسلمون، ولا كبارًا؛ لأنهم إن ثبتوا على إسلامهم فهم مسلمون، وإن كفروا؛ فهم مرتدون، حكمهم حكم آبائهم في الاستتابة، وتحريم الاسترقاق.\n• وأما من وُلِد بعد الردة؛ فهو محكوم بكفره؛ لأنه وُلِد بين أبوين كافرين، ويجوز استرقاقه؛ لأنه ليس بمرتد، هذا مذهب أحمد.\n• ومذهب الشافعي أنه لا يجوز استرقاقهم تبعًا لآبائهم.\n• وقال أبو حنيفة: إن وُلِدوا في دار الإسلام؛ لم يجز استرقاقهم، وإن وُلِدوا في دار الحرب؛ جاز استرقاقهم.\nوالصحيح قول أحمد، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٧٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٨٣).","vol":"9","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5288>مسألة [١٤]: إذا ارتد أهل بلد، فهل تُسبى ذريتهم، وتُغنم أموالهم</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٢٨٣): وَمَتَى ارْتَدَّ أَهْلُ بَلَدٍ، وَجَرَتْ فِيهِ أَحْكَامُهُمْ؛ صَارُوا دَارَ حَرْبٍ فِي اغْتِنَامِ أَمْوَالِهِمْ، وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ الْحَادِثِينَ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَعَلَى الْإِمَامِ قِتَالُهُمْ.\nثم استدل على ذلك بفعل أبي بكر الصديق -﵁-.\nثم قال: وَإِذَا قَاتَلَهُمْ؛ قَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَيَتْبَعُ مُدْبِرَهُمْ، وَيُجْهِزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَتُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5289>مسألة [١٥]: هل تثبت الردة بالشهادة</span>؟\n• أثبت أهل العلم الردة بالشهادة، وعامتهم على ثبوتها بشهادة عدلين.\n• ونُقل عن الحسن أنه خالف، فقال: لا يقبل في القتل إلا أربعة؛ لأنه يوجب القتل، فأشبه الزنى.\nوأُجيب بأنَّ الزنى وجب فيه أربعة شهداء؛ لأنه زنى، لا لكونه يوجب القتل، بدليل زنى البكر. وعليه: فيُقام عليه حد الردة، وهو القتل، إلا أنْ يأتي بالشهادتين مع إنكاره، أو يقر بما جحده أو نُسب إليه إنكاره. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5290>مسألة [١٦]: إن صلى الكافر هل يحكم له بالإسلام</span>؟\n• مذهب أحمد أنه يُحكم له بالإسلام، سواء صلى في دار الحرب، أو دار الإسلام، أو صلَّى جماعةً أو إفرادًا.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٨٧ - ٢٨٩).","vol":"9","page":412},{"text":"• وقال الشافعي: إن صلى في دار الحرب؛ حكم بإسلامه، وإن صلى في دار الإسلام؛ لم يحكم بإسلامه؛ لاحتمال أنه صلى تُقيةً ورياءً.\nوأجاب الحنابلة بأنَّ ما كان إسلامًا في دار الحرب؛ كان إسلامًا في دار الإسلام، كالشهادتين، وبأنَّ الصلاة ركنٌ يختص به الإسلام؛ فحكم بإسلامه كالشهادتين، واحتمال التقية والرياء يبطل بالشهادتين. وأما سائر الأحكام فلا يُحكم بإسلامه بها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5291>مسألة [١٧]: إذا أُكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن</span>؟\n• إذا أسلم على ذلك؛ لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعًا، مثل أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه عنه؛ فإن مات قبل ذلك؛ فحكمه حكم الكفار، وإن رجع إلى دين الكفر؛ لم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام، هذا مذهب الحنابلة، والشافعية، والحنفية وغيرهم.\n• وقال محمد بن الحسن: يصير مسلمًا في الظاهر، وتجري عليه الأحكام حسب ظاهر حاله. والقول الأول هو الصحيح؛ لعدم اعتبار قول المكره. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5292>مسألة [١٨]: من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر</span>؟\n• مذهب الجمهور أنه معذور بالإكراه، ولا يصير كافرًا بذلك، بل يبقى مسلمًا، وله أحكام المسلم، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة؛ لقوله تعالى:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٩٠ - ٢٩١) «البيان» (١٢/ ٥١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٩٢).","vol":"9","page":413},{"text":"﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] الآية.\n• وقال محمد بن الحسن: هو كافر في الظاهر، تجري عليه أحكام الكفار، وهو مسلم فيما بينه وبين الله. وهذا قول باطل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5293>مسألة [١٩]: من ارتد وهو سكران</span>؟\n• إن كان السكر قد غلب على صاحبه، فأفقده عقله؛ فحكمه حكم المجنون على الصحيح، وهو قول من تقدم ذكرهم في كتاب الطلاق. أعني الذين لم يعتبروا طلاقه.\n• وذهب بعض الفقهاء إلى اعتبار الردة منه، وهو مذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وآخرين. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5294>مسألة [٢٠]: من أصاب حدًّا ثم ارتد، ثم أسلم، هل يُقام عليه الحد</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية أنه يُقام عليه الحد، سواء لحق بدار الحرب في ردته، أو لم يلحق؛ لأنه حق عليه؛ فلم يسقط بردته.\n• وقال قتادة، والثوري، وأبو حنيفة: يسقط بردته إلا حقوق الناس؛ لأنَّ الردة تحبط العمل؛ فتسقط ما عليه من حقوق الله تعالى. واستدلوا بحديث: «الإسلام يجب ما قبله»، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ٢٩٢ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٩٥).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٩٧).","vol":"9","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5295>مسألة [٢١]: من أصاب جناية في حال ردته</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٢٩٨): وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوْ كَوْنِهِ فِي جَمَاعَةٍ مُمْتَنِعَةٍ، لَا يَضْمَنُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَمَا فَعَلَهُ قَبْلَ هَذَا، أُخِذَ بِهِ، إذَا كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ؛ لِأَنَّهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَزِمَهُ حُكْمُ جِنَايَتِهِ، كَالذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ.\nوَأَمَّا إنْ ارْتَكَبَ حَدًّا خَالِصًا لله تَعَالَى، كَالزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةِ؛ فَإِنَّهُ إنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ؛ سَقَطَ مَا سِوَى الْقَتْلِ مِنْ الْحُدُودِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ مَعَ الْقَتْلِ حَدٌّ، اُكْتُفِيَ بِالْقَتْلِ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ، أُخِذَ بِحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأُخِذَ بِهِمَا، كَالذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ.\nقال: وَأَمَّا حَدُّ الْخَمْرِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ، فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْخَمْرِ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ رِدَّتِهِ، وَهَذَا مِنْ أَحْكَامِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِجَحْدِهِ بَعْدَهُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5296>مسألة [٢٢]: من انتقل من دين غير الإسلام إلى دين آخر غير الإسلام</span>.\nأما إن انتقل الكتابي إلى دين غير أهل الكتاب؛ فلا يقر عليه بلا خلاف، كعبادة الأوثان وغيرها؛ وذلك لأنَّ الأصلي منهم لا يقر عليه، فالمنتقل إليه أولى.\nومثله الانتقال إلى المجوسية؛ لأنها ملة أنقص من ملة أهل الكتاب.","vol":"9","page":415},{"text":"• فأما إن انتقل اليهودي إلى النصرانية والعكس، فمنهم من قال: يقر عليه. وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية، وقول للشافعي؛ لأنَّ كلها أديان كفر.\n• ومنهم من قال: لا يقر عليه. وهو قول أحمد في رواية، والشافعي في قول؛ لأنه انتقل إلى دين يعتقد بطلانه، ويشمله الحديث: «من بدل دينه؛ فاقتلوه» أخرجه البخاري عن ابن عباس -﵁-، وعلى هذا القول فهل يُقتل، أم يضرب ويحبس؟ فيه روايتان عن أحمد.\nوأما المجوسي إذا انتقل إلى دين لا يقر أهله عليه؛ فلا يُقَرُّ عليه كأهل ذلك الدين، وإن انتقل إلى دين أهل الكتاب؛ فَيُخَرَّج على القولين السابقين.\nتنبيه: مذهب أحمد في رواية أنَّ المرتد منهم لا يقبل منه بعد ذلك إلا الإسلام، وهو قول للشافعي، وعن أحمد رواية: الإسلام، أو الدين الذي كان عليه. وعن أحمد رواية ثالثة: الإسلام، أو الدين الذي كان عليه، أو دين يقر أهله عليه إن كان انتقل إلى غير دين أهل الكتاب.\nقلتُ: هذه المسألة مبنية على القول بأنه لا يقر على الجزية إلا أهل الكتاب، والصحيح عدم الخصوصية بذلك لهم، بل يقر على الجزية أيضًا المجوس، وأهل الشرك على الصحيح كما سيأتي معنا في باب الجزية. (^١)\n_________\n(^١) انظر «المغني» (٩/ ٥٥٠ - ٥٥١).","vol":"9","page":416},{"text":"١٢٠٣ - وَعَنْهُ أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا، فَلَا تَنْتَهِي، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَخَذَ المِغْوَلَ (^١)، فَجَعَلَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «أَلَا اشْهَدُوا؛ فَإِنَّ دَمَهَا هَدَرٌ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5297>مسألة [١]: حكم سب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم</span>-.\nأما إن كان الذي سبَّه مسلمًا فعامة أهل العلم على أنه مرتد، ويُقتل، نقل الإجماع إسحاق بن راهويه، وابن المنذر، وأبو بكر الفارسي الشافعي، والقاضي عياض، والخطابي، وابن سحنون وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [براءة:٦٥ - ٦٦].\nواستدلوا على قتله بحديث الباب، وبحديث قتل كعب بن الأشرف، وبحديث قتل أبي رافع، وبإباحة قتل القينتين اللتين كانتا لابن خطل يغنيان بهجاء النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وبإباحته قتل عبدالله بن سعد بن أبي السرح عند أن جاء ليبايع على\n_________\n(^١) المغول: هو شبه سيف قصير يشتمل به الرجل تحت ثيابه فيغطيه. «النهاية».\n(^٢) حسن. أخرجه أبوداود (٤٣٦١)، وأخرجه أيضًا النسائي (٤٠٧٠)، والطبراني (١١٩٨٤)، والدارقطني (٣١٩٤، و٣١٩٥)، والحاكم (٨٠٤٤)، والبيهقي (٧/ ٦١) من طرق عن إسرائيل، عن عثمان الشحام، عن عكرمة، عن ابن عباس به. إسناده حسن، رجاله ثقات؛ إلا عثمان الشحام؛ فإنه حسن الحديث.","vol":"9","page":417},{"text":"الإسلام، فأمسك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن مبايعته حتى يقتله بعض الصحابة.\nوكذلك استدلوا بحديث: «من بدل دينه؛ فاقتلوه»، فقد أصبح مرتدًا بذلك.\n• وأما إن كان الذي سبَّه من أهل الذمة: فجمهور العلماء على أنه يُقتل أيضًا؛ لما تقدم من الأدلة، فحديث الباب: كانت أم ولد من أهل الكتاب. وكذا حديث قتل كعب بن الأشرف، وأبي رافع وغيرهما.\n• وذهب أبو حنيفة إلى عدم قتله بحجة أنَّ ما عندهم من الشرك أعظم، وقد أُقِرُّوا عليه.\nوأجاب الجمهور بأنهم أُقِرُّوا على دينهم؛ مالم ينقضوا العهد، وما داموا أذلة، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [براءة:١٢ - ١٤]، وبقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [براءة:٢٩]، وأين الصَّغار فيمن يسب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nواستدل بعضهم لمذهب أبي حنيفة بقول اليهود للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند السلام: السام عليكم.","vol":"9","page":418},{"text":"وأُجيب عن ذلك بأجوبة منها:\n• أنهم يستخفون بها، ولا يقرون بها؛ فلم يقض فيهم بعلمه.\n• وقيل: ترك القضاء عليهم للتأليف. ويحتمل الأمرين، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5298>مسألة [٢]: استتابة المسلم الساب، وقبول توبته</span>.\nأما توبته من الكفر فتُقبل عند أهل العلم، واختلفوا هل يسقط عنه القتل بالتوبة؟\n• فذهب الجمهور إلى أنَّ القتل لا يسقط، عزاه للجمهور القاضي عياض، وهو الأشهر في مذهب مالك، وأحمد، وقال به الليث، وبعض الشافعية.\nوحجتهم في ذلك أنَّ هذا حق للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فليس لأحدٍ أن يعفوَ، والذين قتلوا لم يقتلوا للكفر، وإنما قتلوا لسبهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في المرأة التي كانت تسبه، وتقع فيه: «اشهدوا أنَّ دمها هدر»؛ وذلك بسبب السب، وإلا فإنَّ المرأة الحربية لا تقتل، وإنما تُسْتَرَقُّ، وكذلك كعب بن الأشرف إنما قُتِل لِسَبِّه، لا لكونه صار من أهل الحرب؛ فإنَّ الحربي لا يؤمن ولا يستأمن، وقد حصل بين كعب والصحابة أمان، ثم قتلوه، وكان الأمان من كعب، وأما الصحابة فأظهروا له ذلك دون أن يصرحوا له.\nواستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ\n_________\n(^١) انظر: «الصارم المسلول» (ص ٤ - ٥، ١٢ -، ٢٤٦) «الفتح» (٦٩٢٦).","vol":"9","page":419},{"text":"وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * ... يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * ... لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٥٧ - ٦١].\nواستدلوا بأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقتل القينتين اللتين كانتا لابن خطل يغنيان بهجاء النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومعلوم أنَّ النساء لا يُقتلن بالحرب، بل عفا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن كفار قريش إلا نفرًا يسيرًا.\nواستدلوا بقصة عبدالله بن سعد بن السرح عند أن أراد أن يبايع على الإسلام، فأمسك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن مبايعته؛ ليقتله بعض الصحابة.\nفاستدل الجمهور بهذه الأدلة على أنَّ القتل لا يسقط بالتوبة، وإن كان يعامل معاملة المسلم من حيث الصلاة عليه، وتغسيله، ودفنه، وميراثه، وغير ذلك.\n• وذهب بعض الفقهاء إلى أنَّ توبته تُسقِطُ القتلَ، وهذا قول الحنفية، والأشهر عند الشافعية، وحُكي عن أحمد روايةً، وعن مالك كذلك، وهو خلاف المشهور عنهما.\nوحجة أصحاب هذا القول أنه يُقتل لكونه مرتدًا؛ فإنْ تاب سقط عنه ذلك.","vol":"9","page":420},{"text":"والصحيح قول الجمهور؛ لما تقدم من الأدلة وهو ترجيح شيخ الإسلام -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5299>مسألة [٣]: إذا أسلم الذمي السابُّ، أو عاد إلى عهده، فهل يسقط عنه القتل</span>؟\n• المشهور في مذهب أحمد، ومالك، وهو قول بعض الشافعية أنه يقتل وإن أسلم؛ لما تقدم من الأدلة، وهو اختيار شيخ الإسلام. (^٢)\n• وعن مالك رواية، وكذا عن أحمد أنه لا يقتل؛ لأنه قد أسلم، والإسلام يَجُبُّ ما قبله، وهو قول الشافعي، وزاد أنه لا يقتل إذا تاب ورجع إلى عهده.\nوأجاب أصحاب القول الأول أنَّ هذا حقٌّ للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فلا يسقط إلا بعفوه، وقد تعذر؛ لكونه ميتًا، فيقام عليه الحد.\nوهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5300>مسألة [٤]: هل يسقط عنه القتل إذا تاب قبل القدرة عليه</span>؟\n• جمهور الفقهاء على عدم سقوط القتل عنه كسائر حقوق الآدميين، كما لا يسقط القتل قودًا عن قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه.\n• والمشهور في مذهب أحمد، والشافعي سقوط القتل، وهذا القول أحوط، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «الصارم المسلول» (ص ٢٩٦ -) (٣١٠، ٣٣٤ -).\n(^٢) انظر: «الصارم المسلول» (ص ٣٦٩ -).\n(^٣) انظر: «الصارم المسلول» (ص ٣٢٦).\n(^٤) انظر: «الصارم المسلول» (ص ٥١٢ - ٥١٤).","vol":"9","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5301>مسألة [٥]: ضابط السب</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- في «الصارم المسلول» (ص ٥٣٤): يجب أن يرجع في حد الأذى، والشتم، والسب إلى العُرف، فما عَدَّه أهل العرف سبًّا، أو انتقاصًا، أو عيبًا، أو طعنًا ونحو ذلك؛ فهو من السب، وما لم يكن كذلك وهو كفر به؛ فيكون كفرًا ليس بسب، حكم صاحبه حكم المرتد، إن كان مُظهرًا له، وإلا فهو زندقة، والمعتبر أن يكون سبًّا وأذى للنبي - ﷺ -، وإن لم يكن سبًّا وأذى لغيره؛ فعلى هذا كل ما لو قيل لغير النبي - ﷺ - أوجب تعزيرًا، أو حدًّا بوجه من الوجوه؛ فإنه من باب سب النبي - ﷺ -، كالقذف، واللعن وغيرهما من الصور.\nقال: وأما ما يختص بالقدح في النبوة؛ فإنْ لم يتضمن إلا مجرد عدم التصديق بنبوته؛ فهو كفرٌ محضٌ، وإن كان فيه استخفاف واستهانة مع عدم التصديق؛ فهو من السب، وهنا مسائل اجتهادية يتردد الفقهاء هل هي من السب أومن الردة المحضة. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5302>مسألة [٦]: حكم سب الله تعالى، وحكم من فعل ذلك</span>.\nسب الله تعالى كفرٌ بإجماع الأمة، ومن فعل ذلك؛ فهو كافر بلا خلاف، قال تعال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [براءة:٦٥ - ٦٦].\nواختلف العلماء إذا تاب السَّابُّ هل يسقط عنه القتل أم لا؟","vol":"9","page":422},{"text":"• فمنهم من قال: لا يسقط عنه القتل. وهو قول مالك في رواية، وأحمد في رواية، وبعض الشافعية؛ لأنَّ سب الله تعالى أعظم من سب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\n• وذهب جماعةٌ من الفقهاء إلى أنه يسقط عنه القتل، وهو قول الشافعي، ومالك في رواية، وأحمد في رواية، وهو قول الحنفية؛ لأنه يقتل ردة لا حدًّا؛ فإن تاب؛ قُبِلت توبته، وصح إسلامه؛ فلا يُقتل.\nوهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5303>مسألة [٧]: حكم سب سائر الأنبياء</span>.\nمن سبَّ نبيًّا من الأنبياء؛ فالحكم فيه كالحكم فيمن سب نبينا محمدًا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5304>مسألة [٨]: من سبَّ نساء رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم</span>-.\nأما قذفهن بالزنى؛ فهو كفر، وصاحبه كافر بالإجماع في عائشة -﵂-، وعلى الأصح في سائر أزواج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وأما سبهن بغير ذلك؛ فحكمها كحكم سب سائر الصحابة. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5305>مسألة [٩]: من سب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم</span>-؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- في «الصارم المسلول» (ص ٥٩١) في كلامه على\n_________\n(^١) انظر: «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (ص ٥٥٠ - ٥٥٤).\n(^٢) انظر: «الصارم المسلول» (ص ٥٧٠).\n(^٣) انظر: «الصارم المسلول» (ص ٥٧٢ -).","vol":"9","page":423},{"text":"الرافضة والشيعة: أما من اقترن بسبه دعوى أن عليًّا إله أو أنه كان هو النبي، وإنما غلط جبريل في الرسالة فهذا لاشك في كفره بل لاشك في كفر من توقف في تكفيره، وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية، ومنهم التناسخية وهؤلاء لا خلاف في كفرهم. وأما من سبهم سبًّا لا يقدح في عدالتهم، ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد ونحو ذلك؛ فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير، ولا يحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من العلماء.\nوأما من لعن وقبح مطلقًا؛ فهذا محل الخلاف فيهم؛ لتردد الأمر بين لعن الغيظ، ولعن الاعتقاد. وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله - ﷺ - إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم؛ فهذا لا ريب أيضا في كفره؛ فإنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم، والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين؛ فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق، وأن هذه الأمة التي هي ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وخيرها هو القرن الأول كان عامتهم كفارًا، أو فساقًا، ومضمونها أن هذه الامة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الاسلام. انتهى المراد.","vol":"9","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5306>مسألة [١٠]: تعريف السحر، وحكمه، وحكم فاعله</span>.\nالسحر في اللغة: كل ما لَطُفَ وخَفِي سببه، ومنه سُمِّي السَّحَرُ سَحَرًا في آخر الليل؛ لأنه خفيٌّ، ومنه قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن من البيان لسحرًا» البيان معناه: الكلام البليغ؛ لأنه يستميل النفوس، ويؤثر فيها بلطف.\nوأما في الشرع: فهو عُقَدٌ، ورُقى غير شرعية، يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين فيما يريد به من ضرر المسحور، ولا يحصل ذلك إلا بإذن الله، قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢].\nوقد ذكر عامة العلماء نوعًا من السحر يكون بالخداع والتخييل، وبالأدوية والعقاقير لا باستخدام الشياطين؛ فهذا فسقٌ، وظلمٌ، وعدوان، والله أعلم. (^١)\n• والسحر له حقيقة، وهو مذهب أحمد، والشافعي وغيرهما، ومعناه أنَّ له تأثيرًا في بدن المسحور حقيقةً كما حصل ذلك للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأثر فيه السحر حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيءَ ولا يفعله، وكذلك الواقع يدل على ذلك؛ فإنَّ مما يحصل: القتل، والمرض، والبغض الشديد مع ضيق الصدر، والتفريق بين الزوج وزوجه.\n• وذهب أبو حنيفة، وبعض الشافعية إلى أنه مجرد خيال ولا تأثير له على البدن، وهذا قول غير صحيح، وأما استدلالهم بالآية: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ\n_________\n(^١) انظر: «شرح كتاب التوحيد» للعثيمين (١/ ٤٨٩) والفوزان (١/ ٣١٩).","vol":"9","page":425},{"text":"أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]، فهي دليل للقول الأول، وذلك لأن السحر أثَّر في أعين الناس تأثيرًا حقيقيًا حتى رأوا الشيء على خلاف حقيقته. (^١)\nوتعلم السحر وتعليمه محرَّمٌ بلا خلاف عند عامة أهل العلم، بل هو كفر، ونقل خلاف شاذ ذكره الحافظ ابن كثير في «تفسيره».\nوالدليل على تحريمه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]. (^٢)\n• والساحر الذي يستخدم الشياطين كافر عند الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]؛ ولأنه قد صح عن جمع من الصحابة قتلهم.\n• وقال الشافعي: يستوصف السحر؛ فإن وصفه بما يقتضي الكفر؛ فهو كافر، وإلا فلا. والصحيح قول الجمهور. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5307>مسألة [١١]: وهل يُقتل لردته فقط فيستتاب، أم يقتل حدًّا لفساده وإفساده</span>؟\n• ذهب الشافعي، وابن المنذر، وأحمد في رواية إلى أنه يستتاب؛ لأنه يقتل لردته؛ فإنْ تاب وإلا قُتل.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٩٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٠٠) «تفسير ابن كثير» [آية: ١٠٢] من البقرة.\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٠٠ - ٣٠١) «شرح كتاب التوحيد» للفوزان» (١/ ٣٣٠) «عبدالرزاق» (١٠/ ١٧٩) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٤١٦) (١٠/ ١٣٥) «الكبرى» للبيهقي (٨/ ١٣٦).","vol":"9","page":426},{"text":"• وذهب الجمهور إلى أنه يقتل بدون استتابة، وصح ذلك عن عمر، وعثمان، وجندب، وحفصة، وابن عمر وغيرهم، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم؛ فإنْ كان لم يظهر منه فساد، فيُستتاب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5308>مسألة [١٢]: ساحر أهل الكتاب</span>.\n• مذهب أحمد أنه لا يقتل؛ إلا أن يقتل بسحره؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يقتل لبيد بن الأعصم.\n• ومذهب أبي حنيفة أنه يُقتل؛ لعموم الأدلة.\nوالذي يظهر أنه يجوز قتله إذا آذى المسلمين، والله أعلم. (^٢)\nفائدة: الساحر، والكاهن، والمنجم، والعرَّاف كلهم كفار عند أهل العلم، ومن صدقهم؛ فهو كافر أيضًا.\nوانظر شروح «كتاب التوحيد» لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب -﵀-.\nتم بحمد الله كتاب الجنايات\nيوم الثلاثاء الموافق (١٢/شعبان/١٤٢٧) من هجرة المصطفى -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣) «شرح التوحيد» للفوزان (١/ ٣٣١).\n(^٢) «المغني» (١٢/ ٣٠٥، ٣٠٦).","vol":"9","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5309>كِتابُ الْحُدودِ</span>\nالحدود: جمعُ حَدٍّ، وهو في اللغة: المنع، والفصل، والحاجز بين الشيئين، وحدُّ الشيء منتهاه.\nوشرعًا: هو عقوبةٌ مقدرةٌ شرعًا في معصية لتمنع من وقوع مثلها، وتكفر عن صاحبها.\nويُطلق في الشرع أيضًا على نفس الجناية، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧]. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «حاشية البيان» (١٢/ ٣٤٥) «الملخص الفقهي» (٢/ ٥٢١) «الشرح الممتع» (٦/ ٩٩) «الحدود والتعزيرات» (ص ٢٤ -).","vol":"9","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5310>بَابُ حَدِّ الزَّانِي</span>\n١٢٠٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ -﵄- أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْشُدُك اللهَ إلَّا قَضَيْت لِي بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَقَالَ الآخَرُ -وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ- نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ وَأْذَنْ لِي، فَقَالَ: «قُلْ» قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا (^١) عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْت أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْك، وَعَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَهَذَا اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^٢)\n\n١٢٠٥ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\n١٢٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ -فَنَادَاهُ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ\n_________\n(^١) العسيف: هو الأجير.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٢٤) (٢٧٢٥)، ومسلم (١٦٩٧) (١٦٩٨).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٦٩٠).","vol":"9","page":429},{"text":"مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ أَحْصَنْت؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٢٠٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: «لَعَلَّك قَبَّلْت، أَوْ غَمَزْت، أَوْ نَظَرْت؟» قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\n١٢٠٨ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -﵁- أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: عَلَى مَنْ زَنَى، إذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر مسائل أخرى ملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5311>مسألة [١]: تحريم الزنى</span>.\nتحريم الزنى أمرٌ مقطوع به، وهو معلومٌ في دين الإسلام بالاضطرار، بل هو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٧١)، ومسلم (١٦٩١) (١٦). واللفظ لمسلم.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٨٢٤). وتمامه: قال: «أنكتها؟» لا يكني. قال: فعند ذلك أمر برجمه.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١).","vol":"9","page":430},{"text":"من كبائر الذنوب وعظامها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢].\nوعن ابن مسعود -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك». قلت: ثم أيُّ؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك». قلت: ثم أيُّ؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك»، أخرجه البخاري برقم (٤٤٧٧)، ومسلم برقم (٨٦).\nوعن أبي هريرة -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، أخرجه البخاري برقم (٥٥٧٨)، ومسلم برقم (٥٧).\nفائدة: كان حدُّ الزنى في أول الإسلام الحبس للمرأة، والأذية للمرأة والرجل؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا * وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٥ - ١٦].\nثم نسخ الله ذلك كما في حديث عبادة بن الصامت الذي في الباب، وقد بيَّنت ذلك في كتابي «فتح المنان فيما صح من منسوخ القرآن».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5312>مسألة [٢]: حقيقة الزنى</span>.\nالزنى: هو وطءُ المرأة من غير عقد شرعي، أو عقد شبهة، أو شبهة وطءٍ، أو","vol":"9","page":431},{"text":"ملك يمين، أو شبهة ملك، ويحصل الزنى عند أهل العلم بتغييب الحشفة، أو قدرها من الذكر في فرج المرأة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5313>مسألة [٣]: حدُّ الزاني المحصن</span>.\nعامةُ أهل العلم أنَّ الزاني المحصن حدُّه الرجم حتى يموت رجلًا كان أو امرأة، واستدلوا بأحاديث الباب.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا الْخَوَارِجَ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْجَلْدُ لِلْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢].اهـ\nوهو قول باطلٌ؛ لأنَّ السنة متواترة في إثبات الرجم، وبالله التوفيق، ولا عبرة بخلاف كلاب النار.\nواختلف العلماء هل يجمع على المحصن مع الرجم الجلدَ، أم لا؟ على ثلاثة أقوال:\n• فمذهب الجمهور أنه يرجم، ولا يُجلد، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رجم ماعزًا، والغامدية، واليهوديين، ولم يجلدهم.","vol":"9","page":432},{"text":"وثبت عن عمر بن الخطاب -﵁- كما في «سنن البيهقي» (٨/ ٢١٥) أنه أمر برجم امرأة زنت ولم يأمر بجلدها.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الزاني المحصن يُجلد مائة، ثم يُرجم، وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وداود الظاهري، واختاره ابن المنذر.\nواستدلوا على ذلك بحديث عبادة بن الصامت الذي في الباب، وقالوا: قضى بذلك علي بن أبي طالب -﵁- -وهو ثابت عنه- وهو قول أبي بن كعب، ونُقل عن عمر، وأبي ذرٍّ -﵄- بسندين ضعيفين.\nوالصحيح هو قول الجمهور.\nوأجابوا عن حديث عبادة -﵁- بأنَّ الجلد منسوخ بفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ إذ لم يرد عنه الجمع، وهذا اختيار ابن القيم -﵀-، ونُقل عن أحمد أنه رجع إلى هذا القول، والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣١٠): مَعْنَى الرَّجْمِ: أَنْ يُرْمَى بِالْحِجَارَةِ وَغَيْرِهَا حَتَّى يُقْتَلَ بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ المَرْجُومَ يُدَامُ عَلَيْهِ الرَّجْمُ حَتَّى يَمُوتَ. وَلِأَنَّ إطْلَاقَ الرَّجْمِ يَقْتَضِي الْقَتْلَ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء:١١٦]، وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ الله - ﷺ - الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا، وَمَاعِزًا، وَالْغَامِدِيَّةَ حَتَّى مَاتُوا. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٦٨١٢) «المغني» (١٢/ ٣١٣) «البيان» (١٢/ ٣٤٩) «الحدود والتعزيرات» (ص ١٢٩) «الشرح الممتع» (٦/ ١١٩) «ابن أبي شيبة» (١٠/ ٨٠ -) «البيهقي» (٨/ ٢١٥).","vol":"9","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5314>مسألة [٤]: اشتراط الإحصان، وبماذا يحصل الإحصان</span>؟\nالرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل العلم؛ لما جاء في حديث عمر -﵁- في الباب: «إن الرجم حقٌّ على من زنى، وقد أحصن»، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، وذكر منها: «أو زنًى بعد إحصان»، ولحديث الباب: «هل أحصنت؟».\nوقد اشترط أهلُ العلم للإحصان شروطا:\nالأول: الوطء في القُبُل.\nولا خلاف في اشتراطه؛ للحديث: «الثيب بالثيب»، والثيابة تحصل بالوطء في القبل؛ فوجب اعتباره، ولا خلاف في أنَّ عقد النكاح الخالي عن الوطء لا يحصل به إحصان.\nويُشترط أن يكون وطئًا حصل به تغييب الحشفة؛ لأنَّ ذلك حد الوطء الذي يتعلق به أحكام الوطء.\nالثاني: أن يكون الوطء في نكاح.\nلأنَّ النكاح يسمى إحصانًا، بدليل قول الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٤] يعني: المتزوجات.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ التَّسَرِّيَ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِنِكَاحٍ، وَلَا تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ. اهـ","vol":"9","page":434},{"text":"الثالث: أن يكون النكاح صحيحًا.\n• اشترط جمهور العلماء في الإحصان أن يكون النكاح صحيحًا، وهو قول عطاء، وقتادة، وقال به أصحاب المذاهب الأربعة.\n• وقال أبو ثور: يحصل الإحصان بالوطء في نكاح فاسد، وحُكي ذلك عن الليث، والأوزاعي، وبعض الشافعية؛ لأنَّ الصحيح والفاسد سواء في أكثر الأحكام مثل وجوب المهر، والعدة، وتحريم الربيبة، وأم المرأة، ولحاق الولد. واختاره الشوكاني.\nوأُجيب بأنه وطءٌ في غير ملك؛ فلم يحصل به الإحصان كوَطءِ الشبهة، ولا يسلم ما ذكروه من أن الأحكام تعلقت به لكونه نكاح شبهة، وإنما تثبت بالوطء فيه، وهذه ثبتت في كل وطءٍ، وليست مختصة بالنكاح؛ إلا أنَّ النكاح ههنا صار شبهة، فصار فيه كوطء الشبهة.\nالرابع: الحرية.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَهِيَ شَرْطٌ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ كُلِّهِمْ، إلَّا أَبَا ثَوْرٍ: قَالَ الْعَبْدُ، وَالْأَمَةُ هُمَا مُحْصَنَانِ، يُرْجَمَانِ إذَا زَنَيَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ إجْمَاعٌ يُخَالِفُ ذَلِكَ. وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فِي الْعَبْدِ تَحْتَهُ حُرَّةٌ: هُوَ مُحْصَنٌ يُرْجَمُ إذَا زَنَى، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ؛ لَمْ يُرْجَمْ.\nوَهَذِهِ أَقْوَالٌ تُخَالِفُ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ","vol":"9","page":435},{"text":"بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥].اهـ\nوالرجم لا يتنصف، وإيجابه كله يخالف النص مع مخالفة الإجماع المنعقد قبله، وقد وافق الأوزاعي على أنَّ العبد إذا وطئ الأمة، ثم عتق لم يصيرا محصنين، وهو قول الجمهور.\nالخامس والسادس: البلوغ والعقل.\nفلو وطئ وهو صبي، أو مجنون، ثم بلغ، أو عقل؛ لم يكن محصنًا. هذا قول أكثر أهل العلم، وهو مذهب الشافعي، ونُقل عن بعض أصحابه أنه قال: يصير محصنًا، وكذلك العبد إذا وطِئَ في رِقِّه ثم عَتَقَ يصير محصنًا؛ لأنه وطء يحصل به الإحلال للمطلق ثلاثًا؛ فيحصل به الإحصان أيضًا.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣١٤ - ٣١٦): وَلَنَا قَوْلُهُ -﵇-: «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ»، فَاعْتَبَرَ الثُّيُوبَةَ خَاصَّةً، وَلَوْ كَانَتْ تَحْصُلُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّجْمُ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَعَقْلِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَيُفَارِقُ الْإِحْصَانُ الْإِحْلَالَ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْوَطْءِ فِي حَقِّ الْمُطَلِّقِ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَةً لَهُ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَطَأَهَا غَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَأْبَاهُ الطِّبَاعُ وَيَشُقُّ عَلَى النُّفُوسِ، فَاعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ زَجْرًا عَنْ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا، وَهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الْعَاقِلُ وَالْمَجْنُونُ، بِخِلَافِ الْإِحْصَانِ؛ فَإِنَّهُ اُعْتُبِرَ لِكَمَالِ النِّعْمَةِ فِي حَقِّهِ؛ فَإِنْ مَنْ كَمَلَتْ النِّعْمَةُ فِي حَقِّهِ، كَانَتْ جِنَايَتُهُ أَفْحَشَ وَأَحَقَّ بِزِيَادَةِ الْعُقُوبَةِ، وَالنِّعْمَةُ فِي الْعَاقِلِ الْبَالِغِ أَكْمَلُ. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١٢/ ٣٥٣ - ٣٥٥) «السيل» (ص ٨٤٦) «الشرح الممتع».","vol":"9","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5315>مسألة [٥]: إذا كان الرجل أو المرأة لم تتوفر فيه الشروط السابقة، فهل يحصن الآخر الذي توفرت فيه الشروط</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى اشتراط توفر الشروط في كل من الرجل والمرأة، فإذا نقصت من أحدهما؛ لم يحصل الإحصان لأحدهما، وهذا قول الحنابلة، والحنفية، وقول للشافعي.\n• وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملًا؛ صار محصنًا. وهو قول ابن المنذر؛ لأنه حرٌّ، بالغ، عاقل وطئ في نكاح صحيح؛ فصار محصنًا، كما لو كان الآخر مثله، وحُكي ذلك عن الأوزاعي. وهذا قول للشافعي؛ إلا أنَّ مالكًا والأوزاعي استثنوا الصبي إذا وطئ الكبيرة؛ فإنه لا يحصنها.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنه إذا توفرت الشروط في أحدهما صار محصنًا، وهو ترجيح الشوكاني -﵀-؛ لأنه جماعٌ في نكاح صحيح؛ فصار محصنًا، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5316>مسألة [٦]: هل يشترط الإسلام في الإحصان</span>؟\n• من أهل العلم من قال: ليس ذلك بشرط. وهو قول الزهري، والشافعي، وأحمد في رواية، وعليه فالذمي يحصن الذمية، والمسلم يحصن الذمية ويصير محصنًا.\nواستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر -﵄- في «الصحيحين» أنه رجم\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣١٧) «السيل» (ص ٨٤٦) «البيان» (١٢/ ٣٥٤) «الأوسط» (١٢/ ٤٣٨).","vol":"9","page":437},{"text":"اليهوديين اللذين زنيا. (^١)\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الإسلام شرط في الإحصان؛ فلا يكون الكافر محصنًا، ولا تحصن الذمية مسلمًا، وهو قول عطاء، والنخعي، ومجاهد، والثوري، وأحمد في رواية، ومالك؛ إلا أنَّ مالكًا قال: (الذمية تحصن المسلم)؛ بناء على أصله في أنه لا يعتبر الكمال في الزوجين.\nواستدل أصحاب هذا القول بحديث: «من أشرك بالله؛ فليس بمحصن» أخرجه الدارقطني (٣/ ١٤٧)، وهو معَلٌّ بالوقف على ابن عمر -﵄-.\nوالصحيح القول الأول، وهو اختيار ابن القيم -﵀-. (^٢)\nفائدة: إذا ارتد المحصن لم يبطل إحصانه عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5317>مسألة [٧]: حدُّ الحر البكر</span>.\nوالمقصود به هنا من لم يحصن، وإن كان ثيِّبًا.\nويُجلد الزاني غير المحصن مائة جلدة؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، ولحديث عبادة بن الصامت -﵁- الذي في الباب،\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» (١٢١٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٣١٧ -) «البيان» (١٢/ ٣٥٤) «الحدود والتعزيرات» (ص ١١٨ -).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٣١٩) «البيان» (١٢/ ٣٥٥).","vol":"9","page":438},{"text":"وحديث العسيف أيضًا.\n• ويجب مع الجلد تغريب عام عند الجمهور، وصح ذلك عن أبي بكر، وعمر -﵄-، (^١) وعن غيرهم من الصحابة، وهو قول عطاء، وطاوس، والثوري، وابن أبي ليلى، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور.\nواستدلوا بحديث عبادة بن الصامت -﵁-، وبفعل الخلفاء الراشدين.\n• وقال مالك، والأوزاعي: يُغَرَّبُ الرجل دون المرأة؛ لأنَّ المرأة تحتاج إلى حفظٍ، وصيانة، وتغريبها ومعها محرمها تغريب لمن ليس له ذنب، وتغريبها بدون محرم لا يجوز.\n• وقال أبو حنيفة، وحماد، ومحمد بن الحسن: لا يجب التغريب؛ لعدم ذكره في القرآن؛ فهو على سبيل التعزير، إن رآه الإمام؛ فعل، وإلا ترك.\nوصحح ابن قدامة قول مالك، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5318>مسألة [٨]: ضابط النفي والتغريب</span>.\n• منهم من قال: أقلُّه مسافة القصر. وهو قول في مذهب أحمد، ومذهب الشافعي، ومذهب مالك.\n• وقال أبو ثور، وابن المنذر: لو نفي إلى قرية أخرى بينهما ميل، أو أقل؛ جاز.\n_________\n(^١) سيأتي ذكر الأثرين في «البلوغ» رقم (١٢١٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٢٢ -) «البيان» (١٢/ ٣٥٥).","vol":"9","page":439},{"text":"• وقال إسحاق: يجوز أن يُنْفَى من مصر إلى مصر. ونحوه قال ابن أبي ليلى، وعن أحمد ما يدل عليه.\nوهذا قولٌ ليس ببعيد عن القول الأول، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: لا يحبس الزاني في البلد الذي ينفى إليه عند الجمهور خلافًا لمالك؛ لعدم وجود دليل على ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5319>مسألة [٩]: إقامة الحد بمحضر طائفة من المؤمنين</span>.\nيجب على الإمام أن يقيم الحد بمحضر طائفة من المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢].\nواختلف العلماء في تحديد الطائفة:\n• فمنهم من يقول: الواحد فأكثر طائفة، فأقل الطائفة واحد. وهو قول مجاهد، ورُوي عن ابن عباس -﵄- بسند فيه ضعف، وهو قول أحمد وأصحابه، وابن جرير.\n• وقال بعضهم: أقلهم اثنان. وهو قول عطاء، وإسحاق.\n• وقال بعضهم: أقلهم ثلاثة. وهو قول الزهري، والشافعي في قول.\n• وقال بعضهم: أقلهم أربعة. وهو قول مالك، والشافعي في قول.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٢٤ -).\n(^٢) «المغني» (١٢/ ٣٢٥).","vol":"9","page":440},{"text":"• وقال ربيعة: خمسة.\n• وقال الحسن: عشرة.\n• وقال قتادة: نفرٌ من المسلمين.\nوالقول الأول أقرب الأقوال؛ لأنَّ الطائفة في لغة العرب تطلق على الواحد، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، ثم قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]، وقيل في قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ [التوبة:٦٦]: إنه مخشي بن حُمَيِّر وحده. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5320>مسألة [١٠]: هل يجب حضور الإمام والشهود</span>.\n• أكثر أهل العلم على عدم وجوب حضورهم؛ لعدم وجود دليل يوجب ذلك. وقد أمر النبي - ﷺ - برجم ماعز بن مالك -﵁-، ولم يحضر رجمه، وأقام عثمان بن عفان حد الشرب على الوليد بن عقبة، ولم يحضر إقامة الحد.\n• وأوجب أبو حنيفة على الإمام الحضور إن ثبت الحد بالإقرار، وأوجب على الشهود الحضور إن ثبت الحد بالبينة، ولا دليل على ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5321>مسألة [١١]: إذا وطئ امرأة أجنبية في دبرها؛ فهل يكون زنى</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٤٠): وَالْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ مِثْلُهُ فِي\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٢٦) «تفسير ابن كثير وابن جرير».\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٢٦ -).","vol":"9","page":441},{"text":"كَوْنِهِ زِنًى؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ؛ فَكَانَ زِنًى، كَالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ؛ وَلِأَنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:١٥]، وَالْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ فَاحِشَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قَوْمِ لُوطٍ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف:٨٠ /النمل:٥٤]، يَعْنِي الْوَطْءَ فِي أَدْبَارِ الرِّجَالِ. اهـ\n• وللشافعية في ذلك قولان كما في «البيان» (١٢/ ٣٦٨)، فمنهم من قال بقول الحنابلة، ومنهم من قال: هو كما لو وطئ رجلًا في دبره، بمعنى أنه لواط. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5322>مسألة [١٢]: إذا زنى بامرأة ميتة، هل يُقام عليه الحد</span>؟\n• من أهل العلم من قال: عليه الحد. وهو قول الأوزاعي، وأحمد في رواية، وعليه جماعة من أصحابه؛ لأنه وطئ في فرج آدمية؛ فأشبه وطءَ الحية؛ ولأنه أعظم ذنبًا، وأكثر إثمًا؛ لأنه انضم إلى فاحشته هتك حرمة الميتة.\n• ومن أهل العلم من قال: لا حدَّ عليه. وهو قول الحسن، وبعض الحنابلة؛ لأنها لا يُشتهى مثلها، وتعافها النفس. وهذا قولٌ غير صحيح، والصحيح القول الأول، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5323>مسألة [١٣]: من وطئ صغيرة أجنبية لم تبلغ التاسعة</span>؟\n• جاء عن بعض الحنابلة أنهم قالوا: لا حد عليه؛ لأنها لا يُشتهى مثلها، فأشبه\n_________\n(^١) وانظر: «الشرح الممتع» (٦/ ١٣١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٤٠) «الشرح الممتع» (٦/ ١٣٣).","vol":"9","page":442},{"text":"ما لو أدخل أصبعه في فرجها. قالوا: وكذلك المرأة لو استدخلت ذكر صبي لم يبلغ عشرًا؛ لا حدَّ عليها. وهو قول باطل.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٤١): وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَتَى وَطِئَ مَنْ أَمْكَنَ وَطْؤُهَا، وَأَمْكَنْت الْمَرْأَةُ مَنْ أَمْكَنَهُ الْوَطْءُ، فَوَطِئَهَا، أَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْهُمَا، وَلَا يَجُوزُ تَحْدِيدُ ذَلِكَ بِتِسْعٍ وَلَا عَشْرٍ؛ لِأَنَّ التَّحْدِيدَ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّوْقِيفِ، وَلَا تَوْقِيفَ فِي هَذَا، وَكَوْنُ التِّسْعِ وَقْتًا لِإِمْكَانِ الِاسْتِمْتَاعِ غَالِبًا لَا يَمْنَعُ وُجُودَهُ قَبْلَهُ، كَمَا أَنَّ الْبُلُوغَ يُوجَدُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا غَالِبًا، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ وُجُودِهِ قَبْلَهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5324>مسألة [١٤]: من زنى بامرأة ذات حرمة منه</span>؟\n• من أهل العلم من قال: حدُّه القتل مطلقًا، أحصن أم لم يحصن. وهذا قول جابر بن زيد، وإسحاق، وابن أبي خيثمة، وأحمد في رواية.\nواستدلوا على ذلك بحديث البراء بن عازب -﵄- عند أحمد (٤/ ٢٩٠)، والترمذي (١٣٦٢)، وغيرهما قال: لقيت عمي ومعه الراية، فقلت: إلى أين تريد؟ فقال: «بعثني رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه، وآخذ ماله»، وهو حديث ضعيف ومضطرب. وعلى القول بتحسينه فالمراد به على الصحيح في حق من استحل النكاح بامرأة أبيه. ويلتحق به من استحل الزواج بذات حرمة منه.\nواستدلوا بحديث ابن عباس عند ابن ماجه (٢٥٦٤) وغيره، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-","vol":"9","page":443},{"text":"قال: «من وقع على ذات محرم فاقتلوه»، وهو حديث ضعيف منكر، من طريق: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس به.\nوإبراهيم بن إسماعيل شديد الضعف، وداود بن الحصين ضعيف الرواية عن عكرمة. وقال أبو حاتم كما في «العلل» (١/ ٤٥٥): حديث منكر، لم يروه غير ابن أبي حبيبة.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن حكمه كحكم من زنى بغير ذات محرم، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية؛ لعموم الآية: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، ولعموم حديث عبادة بن الصامت -﵁- الذي في الباب.\nوهذا القول هو الصحيح؛ لضعف الأدلة الواردة في قتله مطلقًا، ثم إنَّ ظاهر حديث البراء أنه حكم بقتله، واستحلال ماله؛ دلَّ ذلك على الحكم عليه بالرِّدَّة، فحمله بعض أهل العلم كالبيهقي وغيره على أنه استحل ذلك.\nوقد رجَّح ابن القيم -﵀- القول الأول. (^١)\nتنبيه: الحكم فيما لو تزوجها، ثم دخل بها كالحكم السابق على حسب الخلاف المتقدم؛ لأنَّ الزواج باطلٌ بالإجماع، إلا أنَّ أبا حنيفة يقول: لا حدَّ عليه؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٤٢) «الحدود والتعزيرات» (ص ١٤٧) «الشرح الممتع» (٦/ ١٣٢) «البيهقي» (٨/ ٢٠٨) «تحقيق المسند» (٣٠/ ٥٢٦ -).","vol":"9","page":444},{"text":"لشبهة العقد. وهو قول باطل. (^١)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٤٣): وَكُلُّ نِكَاحٍ أُجْمِعَ عَلَى بُطْلَانِهِ، كَنِكَاحِ خَامِسَةٍ، أَوْ مُتَزَوِّجَةٍ، أَوْ مُعْتَدَّةٍ، أَوْ نِكَاحِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، إذَا وَطِئَ فِيهِ عَالَمًا بِالتَّحْرِيمِ؛ فَهُوَ زِنًى مُوجِبٌ لِلْحَدِّ الْمَشْرُوعِ فِيهِ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: لَا حَدَّ فِيهِ؛ لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ. اهـ\nقلتُ: وهذا قول باطل لا دليل عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5325>مسألة [١٥]: من وطئ في نكاح مختلف في صحته</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٤٣): وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَالشِّغَارِ، وَالتَّحْلِيلِ، وَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، وَلَا شُهُودٍ، وَنِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا الْبَائِنِ، وَنِكَاحِ الْخَامِسَةِ فِي عِدَّةِ الرَّابِعَةِ الْبَائِنِ، وَنِكَاحِ الْمَجُوسِيَّةِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي إبَاحَةِ الْوَطْءِ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبَهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5326>مسألة [١٦]: إذا وطئ جارية يشترك فيها بالملك مع غيره</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- (١٢/ ٣٤٤): وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِوَطْءِ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يَجِبُ. وَلَنَا أَنَّهُ فَرْجٌ لَهُ مِلْكٌ، فَلَا يُحَدُّ بِوَطْئِهِ، كَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمَرْهُونَةِ. اهـ\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ٣٤١).","vol":"9","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5327>مسألة [١٧]: إن اشترى أمه أو أخته من الرضاعة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٤٤): وَإِنْ اشْتَرَى أُمَّهُ، أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَنَحْوَهُمَا، وَوَطِئَهُمَا، فَذَكَرَ الْقَاضِي عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ فَرْجٌ لَا يُسْتَبَاحُ بِحَالٍ؛ فَوَجَبَ الْحَدُّ بِالْوَطْءِ، كَفَرْجِ الْغُلَامِ.\nوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا حَدَّ فِيهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ مَمْلُوكٍ لَهُ، يَمْلِكُ الْمُعَاوَضَةَ عَنْهُ، وَأَخْذَ صَدَاقِهِ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْحَدُّ، كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ. فَأَمَّا إنْ اشْتَرَى ذَاتَ مَحْرَمِهِ مِنْ النَّسَبِ، مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَوَطِئَهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ فِيهَا، فَلَمْ تُوجَدْ الشُّبْهَةُ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: يظهر -والله أعلم- أنه يقام عليه الحد في المسألة الأولى أيضًا إذا علم بالتحريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5328>مسألة [١٨]: هل يحد من لم يعلم تحريم الزنى</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٤٥): وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ الزِّنَى. قَالَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ: لَا حَدَّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ. (^١) وَبِهَذَا قَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ فَإِنْ ادَّعَى الزَّانِي الْجَهْلَ بِالتَّحْرِيمِ، وَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَجْهَلَهُ؛ قُبِلَ\n_________\n(^١) ثبت ذلك عن عمر -﵁-، كما في «مصنف عبدالرزاق» (٧/ ٤٠٢ -)، وأما أثر عثمان -﵁- ففيه انقطاع كما في المصدر المذكور والمنقول عن علي أنَّ عليه الحد، كما في المصدر المذكور بإسناد منقطع.","vol":"9","page":446},{"text":"مِنْهُ؛ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لَمْ يُقْبَلْ. انتهى باختصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5329>مسألة [١٩]: من وطئ جارية غيره</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ من وطئ جارية غيره؛ فهو زانٍ وعليه الحد، سواء أذن له، أو لم يأذن؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5330>مسألة [٢٠]: إذا وطئ الأب جارية ولده</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه لا حدَّ عليه، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم؛ لأنه وطءٌ تمكنت الشبهة منه؛ فلا يجب الحد كوطء الجارية المشتركة، والدليل على تمكن الشبهة قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أنت ومالك لأبيك».\n• وقال أبو ثور، وابن المنذر: عليه الحد؛ إلا أنْ يمنع منه إجماع؛ لأنه وطءٌ في غير ملك أشبه وطء جارية أبيه.\nوأُجيب عنهم بما تقدم من وجود الشبهة ههنا، وليست موجودة في جارية الأب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5331>مسألة [٢١]: إذا وطئ الرجل جارية أبيه</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنه يُقام عليه الحد؛ لأنه لا ملك للولد فيها، ولا شبهة ملك.\n• وذكر ابن أبي موسى الحنبلي قولًا في وطء جارية الأب والأم أنه لا يحد؛\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ٣٤٥).\n(^٢) انظر «المغني» (١٢/ ٣٤٥).","vol":"9","page":447},{"text":"لأنه لا يقطع بسرقة ماله.\nقال ابن قدامة -﵀-: والأول أصح. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5332>مسألة [٢٢]: إذا وطئ الرجل جاريةَ امرأته</span>؟\n• في هذه المسألة أقوال لأهل العلم:\nالقول الأول: إن كانت أذنت له؛ فيجلد مائة جلدة، أحصن أو لم يحصن، ولا رجم ولا تغريب. وهذا قول الحنابلة، واختاره ابن القيم.\nواستدلوا على ذلك بحديث النعمان بن بشير -﵄- عند أبي داود (٤٤٥٨)، وأحمد (٤/ ٢٧٧)، وغيرهما أنه رفع إليه وهوأمير على الكوفة رجل وقع على جارية امرأته، فقال: لأقضينَّ فيك بقضية رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، إن كانت أحلتها لك؛ جلدناك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك؛ رجمناك بالحجارة؛ فوجدها أحلتها له، فجلده مائة. وهو حديث ضعيف؛ لأنه من طريق: قتادة عن حبيب بن سالم، ولم يسمعه منه، إنما سمعه من خالد بن عرفطة، وهو مجهول، وقد ضعفه البخاري، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم، وابن عدي، وفي الحديث اضطراب أيضًا. (^٢)\nالقول الثاني: أنه يُعزَّر، ولا حدَّ عليه. وهو قول النخعي؛ لأنه يملك امرأته؛ فله شبهة في مملوكتها.\nالقول الثالث: أنه كوطء الأجنبية، أحلتها له أم لم تحلها له. وهو قول عطاء،\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ٣٤٦).\n(^٢) وانظر: «تحقيق المسند» (١٨٣٩٧).","vol":"9","page":448},{"text":"وقتادة، والشافعي، ومالك؛ لأنه لا شبهة له فيها، فأشبه وطء جارية أخته، ولأنه إباحة لوطءِ محرَّمة عليه؛ فلم يكن شبهة كإباحة سائر الأملاك، وجاء هذا القول عن عمر وعلي -﵄- كما في «المصنفين» من طرقٍ ضعيفة لا بأس بتحسينهما بمجموعهما.\nالقول الرابع: إن كان يظن الحِلَّ؛ لم يحد، وإن لم يظن الحِلَّ؛ حُدَّ. وهو قول الحنفية، والذي يظهر أنَّ أصحاب المذهب الذي قبله لا يقولون بالحد في مثل هذه الصورة، والله أعلم.\nالقول الخامس: إن كان استكرهها؛ فعليه غرم مثلها، وتعتق، وإن كانت مطاوعة؛ فعليه غرم مثلها ويملكها. وهذا قول الحسن، وثبت عن ابن مسعود كما في «مصنف عبدالرزاق».\nوجاء في ذلك حديثٌ مرفوعٌ، أخرجه أحمد (٥/ ٦) (٣/ ٤٧٦)، وأبوداود (٤٤٦٠) (٤٤٦١)، والنسائي (٦/ ١٢٥) وغيرهم، من حديث سلمة بن المحبق -﵁- أنَّ رسول الله قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها؛ فهي حرَّة، وعليه لسيدتها مثلها، وإن كان طاوعته؛ فهي له وعليه لسيدتها مثلها.\nوهو حديث ضعيف، في إسناده: قبيصة بن حريث، وهو مجهول، وقد ضعفه أحمد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، والبيهقي، وابن المنذر، والخطابي، وغيرهم.","vol":"9","page":449},{"text":"والصحيح من هذه الأقوال هو القول الثالث، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5333>مسألة [٢٣]: من وطئ جارية عمته أو خالته أو أخته</span>.\nقال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٢/ ٥٠١): حرم الله الزنا في كتابه، فالواطئ جارية عمته، أو خالته، أو أخته، أو جارية ذي محرم منه زانٍ عليه الحد. وهذا قول مالك بن أنس، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.\nقال: وقد كان اللازم لأصحاب الرأي أن يقولوا: لا حد على من وطئ جارية ذي رحم محرم منه؛ لأنهم زعموا أن لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم منه. وقد أوجب الله في كتابه جلد الزاني، وقطع السارق، والمفرق بينهما قائل بأنه تارك للقول بأخرى؛ لأن الله أوجب قطع السارق، وليس معه حجة في إسقاط القطع عنه إذا سرق من ذي رحم محرم منه. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5334>مسألة [٢٤]: ما حكم من نكح خامسة على أربع في عصمته</span>؟\n• قال جماعة من أهل العلم: يرجم إذا كان عالمًا بالتحريم، وهو قول الزهري، وأحمد، والشافعي، وابن المنذر.\n• وقال أبو حنيفة، وأبو ثور: يدرأ الحد بشبهة النكاح. وقال الثوري: يعزر.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول أرجح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٤٦) «الحدود والتعزيرات» (ص ١٣٧ -) «ابن أبي شيبة» (١٠/ ١٢) «عبدالرزاق» (٧/ ٣٤٢ -) «البيهقي» (٨/ ٢٤٠).\n(^٢) انظر: «الأوسط» (١٢/ ٥١٩).","vol":"9","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5335>مسألة [٢٥]: هل يقام الحد على المكرهة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٤٧): وَلَا حَدَّ عَلَى مُكْرَهَةٍ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. اهـ\nوالدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، فإذا كان الإكراه مانعًا من الكفر، فمن حد الزنى من باب أولى، وثبت عن عمر -﵁- أنه جلد رجلًا، ولم يجلد المرأة المستكرهة على ذلك. علقه البخاري في «صحيحه» (٦٩٤٩)، ووصله البغوي كما في «الفتح» و«التغليق».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5336>مسألة [٢٦]: إذا أكره الرجل على الزنى، فزنى</span>؟\n• من أهل العلم من قال: عليه الحد. وهو المشهور عند الحنابلة، وقال به محمد بن الحسن، وأبو ثور؛ وذلك لأنَّ الوطءَ لا يكون إلا بالانتشار، والإكراه ينافيه، فإذا وُجد الانتشار؛ انتفى الإكراه.\n• وقال أبو حنيفة: إن أكرهه السلطان؛ فلا حد عليه، وإن أكرهه غيرُه؛ حُدَّ استحسانًا.\n• وقال الشافعي، وابن المنذر: لا حدَّ عليه؛ لعموم الخبر، ولأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، والإكراه شبهة.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَيُحَقِّقُهُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ إذَا كَانَ بِالتَّخْوِيفِ، أَوْ بِمَنْعِ مَا تَفُوتُ","vol":"9","page":451},{"text":"حَيَاتُهُ بِمَنْعِهِ، كَانَ الرَّجُلُ فِيهِ كَالْمَرْأَةِ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْحَدُّ؛ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُمْ: (إنَّ التَّخْوِيفَ يُنَافِي الِانْتِشَارَ) لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ التَّخْوِيفَ بِتَرْكِ الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ لَا يُخَافُ مِنْهُ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. اهـ\nورجَّح ذلك الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5337>مسألة [٢٧]: بِمَ يثبت الزنى</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ الزنى يثبت بأمرين:\nأحدهما: إقرار الرجل، أو المرأة بذلك. الثاني: شهادة أربعة رجال عدول.\nواختلفوا في أمرٍ ثالث، وهو: الحمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5338>مسألة [٢٨]: هل يُشترط في إقرار المرء على نفسه بالزنى تكرار الإقرار</span>؟\n• من أهل العلم من اشترط في الإقرار أن يقر على نفسه أربع مرات بذلك، وهو قول الحكم، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي، وأحمد وأصحابه.\nواستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب، وبحديث نعيم ابن هزال عند أبي داود (٤٣٧٧)، وفيه: حتى قالها أربع مرات، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنك قد قلتها أربع مرات، فبمن؟ ...» الحديث، وفي إسناده: هشام بن سعد، وفيه ضعف.\n• وذكر جماعةٌ من أهل العلم أنه لا يشترط تكرارها، بل لو أقر على نفسه مرة\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٤٨) «الشرح الممتع» (٦/ ١٤١).","vol":"9","page":452},{"text":"واحدة؛ كفى ذلك.\nواستدلوا بحديث العسيف: «واغدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها»، ورجم -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الجهنية، وإنما أقرت مرة واحدة.\nواستدلوا بحديث عمر -﵁- الذي في الباب: «...، أو كان الحبل، أو الاعتراف»، وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، والحسن، وحماد، وابن المنذر. وهذا القول هو الصحيح، وتكراره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لماعز بن مالك التقرير على سبيل التثبت لا على سبيل الاشتراط؛ جمعًا بين الأدلة والله أعلم. وهذا ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\nتنبيه: يُشترط في صحة الإقرار أن يذكر حقيقة الفعل؛ لتزول الشبهة؛ لأنَّ الزنى يُعبِّرُ عمَّا ليس بموجب للحد، والدليل على ذلك حديث ابن عباس -﵄- الذي في الباب: «لعلك قبَّلت، أو غمزت، أو نظرت؟» قال: لا. قال: «أفنكتها؟» لا يكني. قال: نعم. فعند ذلك أمر برجمه. رواه البخاري. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5339>مسألة [٢٩]: إذا أقر الرجل أنه زنى بامرأة، فأنكرت المرأة ذلك</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنه يُقام عليه الحد، ولا يُقام على المرأة؛ لأنَّ الرجل ثبت عليه باعترافه، ولم يثبت ذلك على المرأة بإقرارٍ، ولا بينة، وقد روى أبو داود (٤٤٣٧) (٤٤٦٦) عن سهل بن سعد الساعدي -﵁- أنَّ رجلًا أتاه، فأقر عنده\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٥٤ -) «البيان» (١٢/ ٣٧٣) «الشرح الممتع» (٦/ ١٤٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٥٦).","vol":"9","page":453},{"text":"أنه زنى بامرأة سماها له، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت، فجلده الحدَّ وتركها. وإسناده صحيح.\n• وقال أبو حنيفة: لا يُقام على أحدهما الحد؛ لأنَّ المرأة صُدِّقت في إنكارها، فيحكم بكذبه.\nوأُجيب عنه بأنه لم يحكم بصدقها، ولكن لا يُقام عليها الحد؛ لعدم ثبوته بإقرارٍ، أو بينة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5340>مسألة [٣٠]: هل يُشترط في الإقرار أن يكون من معتبر قولُه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٥٧): أَمَّا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ فَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِهِمَا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَصِحَّةِ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ قَدْ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْهُمَا، وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِمَا.\nثم استدل بحديث: «رُفع القلم عن ثلاثة ...»، وبحديث الباب: «أبك جنون؟» قال: لا.\nقال -﵀- (١٢/ ٣٥٨): فَإِنْ كَانَ يُجَنُّ مَرَّةً وَيُفِيقُ أُخْرَى، فَأَقَرَّ فِي إفَاقَتِهِ أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ مُفِيقٌ، أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ زَنَى فِي إفَاقَتِهِ؛ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. اهـ\nقال: وَالنَّائِمُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ، فَلَوْ زَنَى بِنَائِمَةٍ، أَوْ اسْتَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ نَائِمٍ،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٥٦) «البيان» (١٢/ ٣٧٤).","vol":"9","page":454},{"text":"أَوْ وُجِدَ مِنْهُ الزِّنَى حَالَ نَوْمِهِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ. وَلَوْ أَقَرَّ فِي حَالِ نَوْمِهِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ وَلَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَدْلُولِهِ. اهـ\nتنبيه: السكران إذا زنى ففيه خلاف تقدمت الإشارة إليه في طلاق السكران.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٥٩): وَأَمَّا الْأَخْرَسُ؛ فَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ إقْرَارٌ، وَإِنْ فُهِمَتْ إشَارَتُهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ إقْرَارُهُ بِغَيْرِ الزِّنَى صَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ كَالنَّاطِقِ.\nوَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يُحَدُّ بِإِقْرَارٍ وَلَا بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ تَحْتَمِلُ مَا فُهِمَ مِنْهَا وَغَيْرُهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ؛ لِكَوْنِهِ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَا يَجِبُ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ شُبْهَةٌ لَا يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا وَلَا يُعْرَفُ كَوْنُهَا شُبْهَةً. اهـ\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5341>مسألة [٣١]: هل يصح الإقرار ممن أُكرِهَ عليه</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٦٠): وَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ مِنْ الْمُكْرَهِ، فَلَوْ ضُرِبَ الرَّجُلُ لِيُقِرَّ بِالزِّنَا؛ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ الزِّنَا، وَلَا نَعْلَمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ إقْرَارَ الْمُكْرَهِ لَا يَجِبُ بِهِ حَدٌّ. اهـ","vol":"9","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5342>مسألة [٣٢]: إذا رجع عن إقراره قبل تمام الحد عليه</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه يصح رجوعه عن الإقرار، ويجب الكف عنه، وهو قول عطاء، ويحيى بن يعمر، والزهري، وحماد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي حنيفة، وأبي يوسف وغيرهم.\nواستدلوا على ذلك بأنه ثبت من طرقٍ أنَّ ماعزًا هَرَب، وقال: ردوني إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. فقتلوه. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هلا تركتموه وجئتموني به».\n• وذهب جماعةٌ من العلماء إلى أنه يُقام عليه الحد ولا يترك، وهو قول الحسن، وابن أبي ليلى، ومالك في رواية، وسعيد بن جبير.\nواستدلوا بالحديث السابق، وقالوا: لو قُبِلَ رجوعُه؛ للزمتهم الدية، ولأنه حق وجب بإقراره؛ فلم يقبل رجوعه كسائر الحقوق، وهذا قول الظاهرية، واختاره ابن عثيمين.\nوأجاب أصحاب القول الأول بأنَّ رجوعه أقل ما فيه أنه شبهة، والحدود تُدرأ بالشبهات؛ ولأنَّ الإقرار إحدى بينتي الحد، فيسقط بالرجوع عنه، كالبينة إذا رجعت قبل إقامة الحد، وفارق سائر الحقوق؛ فإنها لا تُدرأ بالشبهات.\nقالوا: وإنما لم يجب ضمان ماعز على الذين قتلوه بعد هربه؛ لأنه ليس بصريح في الرجوع، وهذا القول فيما يظهر لي أقرب، والله أعلم.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٦٢): إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّهُ إذَا هَرَبَ لَمْ","vol":"9","page":456},{"text":"يُتْبَعْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ»، وَإِنْ لَمْ يُتْرَكْ وَقُتِلَ، لَمْ يُضْمَنْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يُضَمِّنْ مَاعِزًا مَنْ قَتَلَهُ؛ وَلِأَنَّ هَرَبَهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي رُجُوعِهِ. وَإِنْ قَالَ: رُدُّونِي إلَى الْحَاكِمِ. وَجَبَ رَدُّهُ، وَلَمْ يَجُزْ إتْمَامُ الْحَدِّ؛ فَإِنْ أُتِمَّ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ أَتَمَّهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي هَرَبِهِ. وَإِنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ، وَقَالَ: كَذَبْت فِي إقْرَارِي. أَوْ: رَجَعْت عَنْهُ. أَوْ: لَمْ أَفْعَلْ مَا أَقْرَرْت بِهِ. وَجَبَ تَرْكُهُ؛ فَإِنْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وَجَبَ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ إقْرَارُهُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ، فَصَارَ كَمَنْ لَمْ يُقِرَّ، وَلَا قِصَاصَ عَلَى قَاتِلِهِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ رُجُوعِهِ، فَكَانَ اخْتِلَافُهُمْ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْقِصَاصِ؛ وَلِأَنَّ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ مِمَّا يَخْفَى، فَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ. اهـ\nفائدة: يستحب للإمام أن يراجع المعترف على اعترافه وإقراره كما فعل ذلك النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وصح عن عمر بن الخطاب -﵁- ذلك أيضًا كما في «موطإِ مالك» (٢/ ٨٢٣)، وثبت عن أبي هريرة -﵁- أنه راجع من أقرَّ على نفسه بالسرقة كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١٠/ ٢٣ - ٢٤).\nالأمر الثاني مما يثبت به الزنى: شهادة أربعة رجال عدول.\nشهادة الزنى لها شروط عند أهل العلم:\n• الشرط الأول: أن يكونوا أربعة.\nوهذا إجماع لا خلاف فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ","vol":"9","page":457},{"text":"فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، وقال تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣]، ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء:١٥].\n• الشرط الثاني: أن يكونوا رجالًا كلهم. ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا شَيْئًا يُرْوَى عَنْ عَطَاءٍ، وَحَمَّادٍ، أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ وَامْرَأَتَانِ. وَهُوَ شُذُوذٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْأَرْبَعَةِ اسْمٌ لِعَدَدِ الْمُذَكَّرِينَ، وَيَقْتَضِي أَنْ يُكْتَفَى فِيهِ بِأَرْبَعَةٍ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَرْبَعَةَ إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ نِسَاءً لَا يُكْتَفَى بِهِمْ، وَإِنَّ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ خَمْسَةٌ، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ. اهـ\n• الشرط الثالث: العدالة. ولا خلاف في اشتراطها؛ فلا تقبل شهادة الفاسق، ولا مستور الحال.\n• الشرط الرابع: أن يكون الشهداء مسلمين.\nفلا تقبل شهادة أهل الذمة، ولو على أنفسهم؛ لعدم تحقق العدالة فيهم.\n• الشرط الخامس: أن يصفوا حقيقة الزنى، وصريحه.\nوممن نصَّ على ذلك الزهري، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي وغيرهم. ولا خلاف في ذلك.\n• الشرط السادس: العقل، والبلوغ. فلا يجوز شهادة مجنون، ولا صبي بلا خلاف.","vol":"9","page":458},{"text":"• الشرط السابع: أن لا يكون في أحدهم مانع من الشهادة، كالعمى ونحوه.\n• الشرط الثامن: أن يشهد الأربعة على زنى واحد، بأن يكون وقته واحدًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5343>مسألة [٣٣]: هل يُشترط في الشاهد أن يكون حرًّا</span>؟\n• اشترط الجمهور ذلك؛ لأن العبد مختلف في شهادته في سائر الحقوق، فيكون ذلك شبهة تمنع من قبول شهادته في الحد؛ لأنه يندرئ بالشبهات.\n• وذهب أبو ثور، وأحمد في رواية إلى عدم اشتراط ذلك؛ لعموم النصوص فيه، ولأنه عدل، ذكر، مسلم، فتُقبل شهادته، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5344>مسألة [٣٤]: هل يشترط في الشهود أن يأتوا الحاكم في مجلس واحد</span>؟\n• اشترط ذلك جماعةٌ من أهل العلم، فلو شهد بعضهم في هذا المجلس، وجاء الآخرون بعد أن قام من مجلسه؛ لم تصح الشهادة، وكانوا قذفة. وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ عمر -﵁- أقام حد القذف على ثلاثةٍ شهدوا على المغيرة بالزنى، ولو كان يُجزئ اختلاف المجالس؛ لانتظر تكملة الأربعة في مجالس أخرى.\n• وذهب الشافعي، وعثمان البتي، وابن المنذر إلى عدم اشتراط ذلك؛ لعدم\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٦٢ - ٣٦٥) «الشرح الممتع» (٦/ ١٥٠ - ١٥٤) «الملخص الفقهي» (٢/ ٥٣٢) «تفسير القرطبي» و«ابن كثير».\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٦٣).","vol":"9","page":459},{"text":"وجود دليل يدل عليه.\nوهذا القول هو الصحيح، وفعل عمر لا يدل على اشتراط ذلك لمن تأمل، وقد رجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nتنبيه: الحنفية يشترطون أيضًا حضورهم جميعًا وقت الشهادة، ولا دليل على ذلك، وهو مذهب مالك أيضًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5345>مسألة [٣٥]: إذا شهد أقل من أربعة، ولم يوجد من يكمل العدد</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنهم يجلدون حدَّ القذف.\n• وحُكي عن أحمد رواية، وعن الشافعي قولٌ أنهم لا يجلدون؛ لأنهم شهود.\nوالصحيح ما تقدم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] وهذا يوجب الجلد على كل رامٍ لم يشهد بم قال أربعة وقد فعل ذلك عمر ولم ينكر ذلك عليه أحدٌ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5346>مسألة [٣٦]: إذا اختلف وقت الزنى، أو مكانه من الشهود</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٦٩): وَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَاثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ آخَرَ، أَوْ شَهِدَ كُلُّ اثْنَيْنِ عَلَيْهِ بِالزِّنَا فِي بَلَدٍ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي شَهِدَ بِهِ صَاحِبَاهُمَا، أَوْ اخْتَلَفُوا فِي الْيَوْمِ؛ فَالْجَمِيعُ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمْ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٦٥) «الشرح الممتع» (٦/ ١٥١ - ١٥٢) «المغني» (١٢/ ٣٦٦).\n(^٢) «المغني» (١٢/ ٣٦٧).","vol":"9","page":460},{"text":"الْحَدُّ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ من الحنابلة أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَلُوا أَرْبَعَةً. وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ أَرْبَعَةٌ عَلَى زِنًا وَاحِدٍ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِالشَّهَادَةِ اثْنَانِ وَحْدَهُمَا، فَأَمَّا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ؛ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.\nقال: وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَحَكَى قَوْلًا لِأَحْمَدَ؛ وَهَذَا بَعِيدٌ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ زِنى وَاحِدٍ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ؛ وَلِأَنَّ جَمِيعَ مَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْبَيِّنَةُ، يُعْتَبَرُ كَمَالُهَا فِي حَقِّ وَاحِدٍ. اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5347>مسألة [٣٧]: إذا اختلف الشهود في بعض الأوصاف</span>؟\nكأن يقول اثنان: كان عليه قميص أحمر.\nوقال الآخران: عليه ثوب أبيض.\n• فمذهب الشافعي عدم قبول الشهادة.\n• ومذهب الحنابلة قبولها؛ لاحتمال أن يكون عليه قميصان، أو يكون عليه أحدهما، وعلى المرأة الآخر.\nوكأن يقول اثنان منهما: كان الزنى في الزاوية اليمنى من البيت.\nوقال الآخران: في الزاوية اليسرى من البيت.\n• فمذهب الشافعي عدم قبول الشهادة.\n• ومذهب الحنابلة، والحنفية قبول الشهادة إذا تقاربت الزاويتان، وعدم","vol":"9","page":461},{"text":"قبولها إذا تباعدت الزاويتان. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5348>مسألة [٣٨]: إن شهد الشهداء بزنى قديم</span>؟\n• مذهب الجمهور أنه يجب الحد، وإن كان الزنى قديمًا، وهو قول مالك، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، ومثله الإقرار.\n• وقال أبو حنيفة: لا أقبل بينة على زنى قديم، وأحده بالإقرار به. وحُكي قولًا عن أحمد؛ لما رُوي عن عمر أنه قال: أيما شهود شهدوا بحدٍّ لم يشهدوا بحضرته، فإنما هم شهود ضغن (^٢). ولأنَّ تأخيره تهمة.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣): وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ، وَأَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ عَلَى الْفَوْرِ، فَيَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. وَالْحَدِيثُ -لعله يعني الأثر- رَوَاهُ الْحَسَنُ مُرْسَلًا، وَمَرَاسِيلُ الْحَسَنِ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ، وَالتَّأْخِيرُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ أَوَغَيْبَةً، وَالْحَدُّ لَا يَسْقُطُ بِمُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ سَقَطَ بِكُلِّ احْتِمَالٍ لَمْ يَجِبْ حَدٌّ أَصْلًا. اهـ «الأوسط» (١٢/ ٢٩٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5349>مسألة [٣٩]: إن شهد أربعة بالزنى، وشهد نساء ثقات بوجود البكارة</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ المرأة لا تحد؛ لوجود البكارة التي وجودها يمنع من وجود الزنى ظاهرًا، وقالوا: لا يحد الشهود أيضًا؛ لكمال عدتهم مع احتمال صدقهم؛ فإنه يحتمل أن يكون وَطِئها ولم تذهب بكارتها، فيوجد من النساء من\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٧٠ - ٣٧١).\n(^٢) ذكره ابن المنذر في الأوسط (٧/ ٣١٨) بغير إسناد.","vol":"9","page":462},{"text":"لا تذهب بكارتها مع الجماع. وهذا قول الشعبي، والثوري، وأحمد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.\n• وقال مالك: عليها الحد؛ لأنَّ شهادة النساء لا مدخل لها في الحدود.\nوأُجيب عنه بأن شهادتهن ههنا على وجود البكارة، وذلك يثبت بشهادة النساء؛ فإنه مما لا يطلع عليه الرجال. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5350>مسألة [٤٠]: إذا كان الرجل المشهود عليه بالزنى مجبوبًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٧٥): وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الرَّجُلَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ مَجْبُوبٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُ يُتَيَقَّنُ كَذِبُهُمْ فِي شَهَادَتِهِمْ بِأَمْرٍ لَا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5351>مسألة [٤١]: هل للإمام أن يقيم الحد بعلمه</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ الإمام ليس له أن يقيم الحد بعلمه، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي في قول، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الأدلة جاءت بأنه لا يثبت إلا بالإقرار، أو أربعة شهداء، أو وجود الحمل عند بعض أهل العلم.\n• وذهب أبو ثور، والشافعي في قولٍ إلى أنَّ له ذلك؛ لأنَّ إقامته بالبينة موضع ظن، وهذا موضع علم؛ لأنه قد رأى بنفسه.\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ٣٧٤).\n(^٢) «المغني» (١٢/ ٣٧٦).","vol":"9","page":463},{"text":"الأمر الثالث مما يثبت به الزنى: الحمل.\nاختلف أهل العلم في المرأة توجد حاملًا لا زوج لها، ولا سيد، هل يلزمها الحد بذلك؟\n• فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يلزمها الحد إلا أن تعترف؛ لاحتمال أنها أكرهت، أو وطئت بشبهة، أو دبَّ ماءٌ إلى فرجها بفعلها، أو فعل غيرها. وهذا قول الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة.\n• وذهب مالك -﵀- إلى ثبوت الزنى به؛ مالم تَدَّعِ المرأة أمرًا ممكنًا من الإكراه، أو شبهة، أو ما أشبه ذلك.\nوهو قول عمر بن الخطاب -﵁-، وهذا قولٌ في مذهب أحمد، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٣٤): وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بأصول الشريعة، وهو مذهب أهل المدينة؛ فإنَّ الاحتمالات النادرة لا يُلتفت إليها، كاحتمال كذبها، وكذب الشهود. اهـ\nقلتُ: ما رجحه هذان الإمامان هو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5352>مسألة [٤٢]: المرأة العفيفة تحمل من غير زوج</span>.\nفي «مصنف عبدالرزاق» (٧/ ٤٠٩) عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: بلغ عمر أن امرأة متعبدة حملت. فقال عمر: أراها قامت\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٧٧) «البيان» (١٢/ ٣٥٩) «الحدود والتعزيرات» (ص ١٤٨ -).","vol":"9","page":464},{"text":"من الليل تصلي فخشعت، فسجدت، فأتاها غاوٍ من الغواة فتجشمها. فأتته فحدثته بذلك سواء، فخلَّى سبيلها. إسناده صحيح.\nويستفاد من هذا الأثر أن الحبل لا يثبت به الزنا إذا ادَّعت المرأة فيه أمرًا محتملًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5353>مسألة [٤٣]: إذا وجد الرجل مع المرأة تحت لحاف واحد، فهل يثبت بذلك الزنا</span>؟\n• ثبت عن علي بن أبي طالب -﵁- بإسناد صحيح كما في «مصنف عبدالرزاق» (٧/ ٤٠١) أنه عزَّر من صنع ذلك، وروي عن عمر، وابن مسعود -﵄-، عنده بإسناد منقطع. وهذا قول عطاء، والثوري، ومالك، وأحمد.\n• وقال إسحاق: يضربا مائة مائة. وجاء ذلك عن علي، وعمر -﵄-، كما في «مصنف عبدالرزاق» بإسنادين منقطعين، ولا يثبت عنهما.\nقلتُ: الصحيح أنَّ في ذلك التعزير. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5354>مسألة [٤٤]: من زنى مرارًا فكم يُحد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٨١): مَا يُوجِبُ الْحَدَّ مِنْ الزِّنَى، وَالسَّرِقَةِ، وَالْقَذْفِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، إذَا تَكَرَّرَ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ؛ أَجْزَأَ حَدٌّ وَاحِدٌ. بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ\n_________\n(^١) انظر: «الإشراف» (٧/ ٣٠٥ - ٣٠٦).","vol":"9","page":465},{"text":"الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُوثَوْرٍ، وَأَبُو يُوسُفَ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، ثُمَّ حَدَثَتْ مِنْهُ جِنَايَةٌ أُخْرَى، فَفِيهَا حَدُّهَا. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَمَّنْ يَحْفَظُ عَنْهُ. انتهى المراد. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الأوسط» (١٢/ ٢٩١).","vol":"9","page":466},{"text":"١٢٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. (^١)\n\n١٢١٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد. وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ مَوْقُوفٌ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5355>مسألة [١]: حد الزاني من العبيد والإماء</span>.\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:\nالقول الأول: أنَّ حدَّهما خمسون جلدة، ذكرًا أو أنثى، محصنًا أو غير محصنٍ، وهذا قول الجمهور، منهم: الحسن، والنخعي، ومالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، والشافعي.\nواستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]، والرجم لا ينصف؛ فَعُلِم أنَّ المقصود\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٥٢)، ومسلم (١٧٠٣).\n(^٢) المرفوع ضعيف، والموقوف صحيح. المرفوع أخرجه أبوداود (٤٤٧٣)، وفي إسناده عبدالأعلى بن عامر الثعلبي وهو ضعيف. والموقوف أخرجه مسلم برقم (١٧٠٥) بلفظ: «يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن».","vol":"9","page":467},{"text":"الجلد، وإذا كان هذا في المحصنة، فغير المحصنة أولى، وقاسوا العبد عليها بجامع الرق، وقد جاء هذا القول عن عمر، وعلي -﵄-، وفي إسناد كل واحد من الأثرين مجهول الحال، وجاء عن ابن مسعود أيضًا من طريق ولده: عبيدة، ولم يسمع منه.\nالقول الثاني: إن كانا مزوجين؛ فعليهما نصف الحد، ولا حدَّ على غير المزوجين، صحَّ هذا القول عن ابن عباس -﵄-، وقال به طاوس، وأبو عبيد.\nوأُجيب عن هذا القول بحديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب: «إذا زنت أمة أحدكم ...»؛ فإنه عامٌّ يشمل المتزوجة وغير المتزوجة.\nالقول الثالث: على الأمة المزوجة نصف الحد، وعلى العبد الحدُّ كاملًا مائة جلدة، وفي غير المزوجة قولان:\nأحدهما: لا حد عليها.\nوالثاني: جلد مائة. وهذا قول داود الظاهري.\nالقول الرابع: قال أبو ثور: إذا لم يحصنا بالتزويج؛ فعليهما نصف الحد، وإن أحصنا؛ فعليهما الرجم.\nوهذا قول مخالف للآية: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ الآية.\nوأقرب هذه الأقوال هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٣١) «البيهقي» (٨/ ٢٤٢ - ٢٤٣) «ابن المنذر» (١٦٢٤).","vol":"9","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5356>مسألة [٢]: تغريب العبيد والإماء</span>.\n• أكثر الفقهاء على عدم تغريبهم، وهو قول الحسن، وحماد، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في قول.\nواستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁- المتقدم؛ فإنه ذكر الجلد، ولم يذكر التغريب، وحديث عبادة ظاهره في الأحرار؛ لقوله: «جلد مائة»، ولأنَّ في تغريبه إضرارًا بالسيد.\n• وذهب الثوري، وأبو ثور، والشافعي في قول إلى أنه يغرَّب نصف عام؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]، وثبت النفي بدون تحديد عن عمر، وابن عمر، وابن مسعود -﵃-، واستدلوا على ذلك بعموم حديث عبادة، وبفعل الصحابة المذكورين. والذي يظهر لي أنَّ القول الأول أقرب؛ لما ذكرناه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5357>مسألة [٣]: إقامة السيد على عبده، أو أمته الحد</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ للسيد أن يقيم الحد على مملوكه؛ لحديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب، وكذا أثر علي -﵁-.\n• وخالف الحنفية، فقالوا: إنما ذلك للسلطان.\nوالصحيح قول الجمهور، واشترط الجمهور أن يكون السيد عنده معرفة بكيفية\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٣٣) «البيهقي» (٨/ ٢٤٣) «عبدالرزاق» (٧/ ٣١٢).","vol":"9","page":469},{"text":"إثبات الزنى، وبكيفية إقامة الحد، وأن يكون عاقلًا، بالغًا، غير مشترك في العبد مع غيره. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5358>مسألة [٤]: هل للسيد أن يعفوَ عن الحد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٣٤): وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنْ عَبْدِهِ؛ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا الْحَسَنَ، قَالَ: يَصِحُّ عَفْوُهُ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لله تَعَالَى، فَلَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ سَيِّدِهِ، كَالْعِبَادَاتِ، وَكَالْحُرِّ إذَا عَفَا عَنْهُ الْإِمَامُ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٣٤ - ٣٣٨).","vol":"9","page":470},{"text":"١٢١١ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁- أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَصَبْت حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَلِيَّهَا، فَقَالَ: «أَحْسِنْ إلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا» فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: أَتُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْت أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا للهِ تَعَالَى؟». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5359>مسألة [١]: إقامة الحد على الحامل</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٢٧): وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى حَامِلٍ حَتَّى تَضَعَ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَمْلُ مِنْ زِنًى أَوْ غَيْرِهِ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ لَا تُرْجَمُ حَتَّى تَضَعَ. -ثم ذكر حديث الغامدية-.\nثم قال: وَلِأَنَّ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا إتْلَافًا لَمَعْصُومٍ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ تَلَفُ الْوَلَدِ مِنْ سِرَايَةِ الضَّرْبِ وَالْقَطْعِ.\nقال: فَإِذَا وَضَعْت الْوَلَدَ؛ فَإِنْ كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا؛ لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ؛ لِأَنَّ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٦٩٦).","vol":"9","page":471},{"text":"الْوَلَدَ لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ، ثُمَّ إنْ كَانَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ أَوْ تَكَفَّلَ أَحَدٌ بِرَضَاعِهِ رُجِمَتْ وَإِلَّا تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ.\nقال: وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ حَمْلُهَا، لَمْ تُؤَخَّرُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ حَمَلَتْ مِنْ الزِّنَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَجَمَ الْيَهُودِيَّةَ وَالْجُهَنِيَّةَ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ اسْتِبْرَائِهِمَا.\nقال: وَإِنْ كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا، فَإِذَا وَضَعَتْ الْوَلَدَ، وَانْقَطَعَ النِّفَاسُ، وَكَانَتْ قَوِيَّةً يُؤْمَنُ تَلَفُهَا؛ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَتْ فِي نِفَاسِهَا، أَوْ ضَعِيفَةً يُخَافُ تَلَفُهَا؛ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهَا الْحَدُّ حَتَّى تَطْهُرَ وَتَقْوَى. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. انتهى المراد باختصار.","vol":"9","page":472},{"text":"١٢١٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄- قَالَ: رَجَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ، وَرَجُلًا مِنَ اليَهُودِ وَامْرَأَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١٢١٣ - وَقِصَّةُ [رَجْمِ] اليَهُودِيَّيْنِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديثين\nيستفاد من الحديثين أن حدَّ المحصن هو الرجم، وأن المحصن يكتفى فيه بالرجم، ولا يجمع في حقه الجلد مع الرجم، وأن هذا الحكم يشمل أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا، وقد تقدمت الإشارة إلى هذه المسائل، وذكر مذاهب العلماء في ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٧٠١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٨٤١)، ومسلم (١٦٩٩). ولفظه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى جَاءَ يَهُودَ، فَقَالَ: «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى» قَالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا، وَنُحَمِّلُهُمَا، وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا، قَالَ: «فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» فَجَاءُوا بِهَا فَقَرَءُوهَا حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجْمِ وَضَعَ الفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلَامٍ وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مُرْهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ، فَرَفَعَهَا فَإِذَا تَحْتَهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَرُجِمَا.","vol":"9","page":473},{"text":"١٢١٤ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ بَيْنَ أَبْيَاتِنَا رُوَيْجِلٌ ضَعِيفٌ، فَخَبَثَ بِأَمَةٍ مِنْ إمَائِهِمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «اضْرِبُوهُ حَدَّهُ» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «خُذُوا عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ (^١) ثُمَّ اضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً» فَفَعَلُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5360>مسألة [١]: هيئة جلد الزاني الصحيح وصفته</span>.\n• قال العِمراني -﵀- في «البيان» (١٢/ ٣٨٢): إن كان صحيحًا قويًّا، والزمان\n_________\n(^١) العثكال: العذق، وكل غصن من أغصانه شِمْراخ، وهو الذي عليه البسر. «النهاية».\n(^٢) صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٢)، والنسائي في «الكبرى» (٧٣٠٩)، وابن ماجه (٢٥٧٤)، من طريق محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عبدالله بن الأشج عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن سعيد بن سعد بن عبادة به. ومحمد بن إسحاق قد خالفه محمد بن عجلان فرواه عن يعقوب مرسلًا بدون ذكر سعيد. أخرجه كذلك النسائي في «الكبرى» (٧٣١٠)، وتابع يعقوب على رواية الإرسال الزهريُّ في المحفوظ عنه، كما في «سنن أبي داود» (٤٤٧٢) وأبوالزناد -في المحفوظ عنه- كما في «مصنف عبدالرزاق» (١٦١٣٤)، والشافعي كما في «المسند» (٢/ ٧٩ - ٨٠)، ويحيى بن سعيد الأنصاري كما في المصدرين السابقين، وأبوحازم كما في «الكبرى» للنسائي (٧٣٠١)،.\nفالصحيح أنه من مراسيل أبي أمامة بن سهل بن حنيف، وجوَّد النسائي المرسل، ورجحه البيهقي والدارقطني على بعض الطرق الموصولة. انظر: «السنن الكبرى» للنسائي (٤/ ٣١٤)، و«الكبرى» للبيهقي (٨/ ٢٣٠)، «العلل» للدارقطني (٢٧١٣).\nقلتُ: ومراسيل أبي أمامة بن سهل صحيحة؛ لأنه صحابي صغير له رؤية، ولأنه يأخذ عن الصحابة؛ فهو مرسل صحابي، وهو أقوى من مرسل سعيد بن المسيب الذي قَبِلَهُ جمعٌ من المحدثين.","vol":"9","page":474},{"text":"معتدل الحر والبرد؛ فإنه يجلد، ولا يجرد، ولا يقيد، وقال أبو حنيفة: يجرد عن الثياب.\nقال: دليلنا ما رُوي عن ابن مسعود أنه قال: ليس في هذه الأمة مدٌّ، ولا تجريد، ولا غل، ولا صفد. ولا مخالف له في الصحابة. اهـ\nقلتُ: أثر ابن مسعود أخرجه عبدالرزاق (١٣٥٢٢)، والبيهقي في «الكبرى» (٨/ ٣٢٦)، وفي إسناده: جويبر، وهو متروك.\n• والقول بعدم التجريد هو مذهب الحنابلة أيضًا، ومذهب مالك التجريد؛ لأنَّ الأمر بجلده يقتضي مباشرة جسمه.\nوأُجيب بأنَّ التجريد لم يأمر الله به، ولا رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا نُقل عن أحد من الصحابة ذلك، ومن جُلِدَ من فوق الثوب فقد جُلِد. (^١)\nوأما التقييد، والتمديد؛ فلا يُفعَل به ذلك.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٥٠٨): ولا نعلم عنهم في هذا خلافًا. اهـ\n• وَيُفَرَّقُ الضرب على جميع الجسد؛ ليأخذ كل عضو منه حصته، ويُكثر منه في مواضع اللحم كالأليتين، والفخذين، ويُتَّقَى المقاتل كالرأس، والوجه، والذكر، والخصيتين، والفرج من المرأة. هذا مذهب الحنابلة، والشافعية.\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ٥٠٨).","vol":"9","page":475},{"text":"• وقال مالك: يُضرب الظهر وما يقاربه.\n• وقال أبو يوسف، وبعض الشافعية: يُضرب الرأس أيضًا.\nوالصحيح ما تقدم؛ لقول علي -﵁-: اضرب، واعط كل عضو حقَّه، واتق وجهه، ومذاكيره. أخرجه عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، والبيهقي، وفي إسناده: محمد بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ. وثبت عن عمر بن الخطاب -﵁- عند المذكورين أنه قال: اضرب، ولا يُرى إبطك، واعط كل عضو حقَّه.\nوأما استثناء الرأس؛ فلأنه لا يؤمن أن يسري ذلك على حواسه، أو نفسه.\n• ويضرب الرجل قائمًا في مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة؛ لأنَّ في قيامه وسيلة لإعطاء كل عضو حظَّه من الضرب.\n• وقال مالك: يُضرب جالسًا. وحُكي عن أحمد؛ لأنَّ الله تعالى لم يأمر بالقيام.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الأمر في هذا واسع، ويضربه على الحال التي هي أيسر عليه، وإن احتاج إلى ضرب المواضع التي لا تظهر إلا بالقيام؛ أقامه، والأقرب ضربه قائمًا، والله أعلم.\n• وأمَّا المرأة؛ فإنها تجلد جالسة عند الجمهور.\n• وخالف ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، فقالا: تجلد قائمةً كالرجل.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لأنَّ ذلك أستر لها، وتشد على المرأة ثيابها؛ لئلا","vol":"9","page":476},{"text":"ينكشف بدنها.\nويُضرب بسوط بين سوطين، لا جديد؛ فيجرح، ولا يابس؛ فلا يؤلم، ويضرب ضربًا بين ضربين؛ فلا يرفع الجلاد يده حتى يُرى بياض أبطيه، ولا يضعها وضعًا يسيرًا، ولكن يرفع ذراعه ويضرب؛ لما ثبت عن عمر بن الخطاب -﵁- عند عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، والبيهقي أنه أُتِي برجل يقيم عليه الحد، فأُتي بسوط فيه شدة، فقال: أريد ألين من هذا. ثم أُتي بسوط فيه لين، فقال: أريد أشد من هذا. فأُتي بسوط بين السوطين، فقال: اضرب، ولا يُرى إبطك، واعط كل عضوٍ حقَّه. ولا يُعلم له مخالف في ذلك. (^١)\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٥١١): أَشَدُّ الضَّرْبِ فِي الْحَدِّ ضَرْبُ الزَّانِي، ثُمَّ حَدُّ الْقَذْفِ، ثُمَّ حَدُّ الشُّرْبِ، ثُمَّ التَّعْزِيرُ. وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّهَا وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِجَلْدِ الزَّانِي وَالْقَاذِفِ أَمْرًا وَاحِدًا، وَمَقْصُودُ جَمِيعِهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الزَّجْرُ؛ فَيَجِبُ تَسَاوِيهَا فِي الصِّفَةِ.\nقال: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: التَّعْزِيرُ أَشَدُّهَا، ثُمَّ حَدُّ الزَّانِي، ثُمَّ حَدُّ الشُّرْبِ، ثُمَّ حَدُّ الْقَذْفِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَصَّ الزَّانِيَ بِمَزِيدِ تَأْكِيدٍ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢]، فَاقْتَضَى ذَلِكَ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ فِيهِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٥٠٧ - ٥١٠) «البيان» (١٢/ ٣٨٢ - ٣٨٤) «ابن أبي شية» (١٠/ ٤٨ -) «البيهقي» (٨/ ٣٢٦ - ٣٢٧) «عبدالرزاق» (٧/ ٣٦٧ - ٣٧٦).","vol":"9","page":477},{"text":"فَتَعَيَّنَ جَعْلُهُ فِي الصِّفَةِ؛ وَلِأَنَّ مَا دُونَهُ أَخَفُّ مِنْهُ عَدَدًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ فِي إيلَامِهِ وَوَجَعِهِ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا، أَوْ زِيَادَةِ الْقَلِيلِ عَلَى أَلَمِ الْكَثِيرِ. اهـ\nورجَّح الشوكاني -﵀- قول مالك كما في «السيل» (ص ٨٤٥)، وهو الأقرب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5361>مسألة [٢]: إذا كان الزاني مريضًا</span>؟\n• إذا كان المرض مرضًا يُرجى برؤه، ففيه قولان:\nالأول: يُجلد الحد، ولا يؤخر. وهو قول إسحاق، وأبي ثور، وجماعة من الحنابلة؛ لأنه نُقل عن عمر -﵁- أنه أقام حد الشرب على قدامة بن مظعون وهو مريض؛ ولأنَّ الحدَّ واجبٌ؛ فلا يؤخر ما أوجبه الله بغير حجة.\nالثاني: يؤخر الحد حتى يبرأ من مرضه. وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وجماعة من الحنابلة. واستدلوا بحديث علي -﵁- في «صحيح مسلم» (١٧٠٥) أنَّ أمةً لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: «أحسنت». ولأنَّ في تأخيره إقامة الحد على الكمال من غير إتلاف؛ فكان أولى.\nوأما حديث عمر -﵁- في جلد قدامة؛ فإنه إن صح ذلك يحتمل أن يكون مرضًا خفيفًا لا يمنع من إقامة الحد على الكمال، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.","vol":"9","page":478},{"text":"وأما إذا كان المرض مرضًا لا يُرجَى برؤه:\n• فمذهب الحنابلة، والشافعية أنه يُقام عليه الحد في الحال، ولا يؤخر، بسوط يؤمن معه التلف، كالقضيب الصغير، وشمراخ النخل؛ فإن خيف عليه من ذلك؛ جمع ضِغثٌ فيه مائة شمراخ، فيضرب به ضربة واحدة. واستدلوا بحديث الباب، وقالوا: هذا أولى من ترك الضرب.\n• وأنكر مالك ذلك، فقال: هذه جلدة واحدة، وقد قال تعالى: ﴿مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢].\nوأُجيب بأنه تعذر الجلد مائة، ويجوز أن يُقام الجلد بالضغث، والعثكال في حال العذر مقام المائة، كما قال الله تعالى في حق أيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص:٤٤]، وكما في حديث الباب، وهذا أولى من تَرْكِ حَدِّهِ بالكلية، أو قتله بما لا يوجب القتل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5362>مسألة [٣]: هل يحفر للمرجوم في حد الزنى</span>؟\nفي «صحيح مسلم» (١٦٩٥) عن بريدة -﵁-، في قصة ماعز بن مالك -﵁-، قال فيه: «فلما كان الرابعة -يعني الإقرار على نفسه- حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم». وهذه الرواية من طريق بشير بن المهاجر، وفي حفظه شيء، وقد أخرج مسلم حديث بريدة -﵁- من وجهٍ آخر أصح منه، وليس فيه ذكر الحفر.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٢٩ - ٣٣١).","vol":"9","page":479},{"text":"وجميع الأحاديث الأخرى التي فيها ذكر قصة ماعز بن مالك -﵁-، لم يقع فيها أنه حفر له حفرة، بل في صحيح مسلم (١٦٩٤) عن أبي سعيد الخدري -﵁-، في هذه القصة، قال: «فما أوثقناه، ولا حفرنا له».\nوفي صحيح مسلم (١٦٩٥) عن بريدة -﵁- في قصة الغامدية التي زنت، قال: «ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها».\nوثبت عن علي -﵁- أنه رجم امرأة فحفر لها. أخرجه ابن المنذر من طريقين يحسن بهما.\nوعلى ما تقدم ذكره من الأدلة فالصحيح في هذه المسألة قول من قال: إنه يحفر للمرأة، وأما الرجل فيرجم بدون حفر، وهو قول بعض الشافعية، والحنابلة. وليس معناه عدم مشروعية الحفر للرجل.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى عدم الحفر مطلقًا، وهو المشهور في مذهب الشافعي، وقال به أحمد، وأصحاب الرأي.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى الحفر للرجل والمرأة، وهو قول قتادة، وأبي ثور. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الأوسط» (١٢/ ٤٤١) «نيل الأوطار» (١٣/ ٢٨٦).","vol":"9","page":480},{"text":"١٢١٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ، وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا البَهِيمَةَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، إلَّا أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5363>مسألة [١]: بيان معنى اللواط، وحَدِّه</span>.\nاللواط لغة: مصدر من لاط، والأصل في هذه المادة بمعنى الإلصاق. ويقال: لاط، ولاوط، أي: عَمِل عَمَلَ قوم لوط.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٢٧٣٢)، وأبوداود (٤٤٦٢) (٤٤٦٤)، والترمذي (١٤٥٦) (١٤٥٥)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٣٢٢)، وابن ماجه (٢٥٦١)، كلهم من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس به. وليس عند أحمد وابن ماجه «ومن وجدتموه وقع على بهيمة ...» من هذا الوجه، وأخرجه أحمد (١٨٧٥)، بلفظ: «ملعون من وقع على بهيمة»، ولفظ النسائي في أوله: «لعن الله من عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط ...» وقد رووه مقطعًا.\nوعمرو بن أبي عمرو هو مولى المطلب بن عبدالله بن حنطب وهو صدوق، ولكن في روايته عن عكرمة مناكير، وقد أنكر عليه هذا الحديث. قال الحافظ في «التلخيص» (٤/ ١٠٢): واستنكره النسائي. قال البخاري وقد سئل عن هذا الحديث: روى عن عكرمة مناكير ولم يذكر في شيء من ذلك أنه سمع من عكرمة. «العلل الكبير» للترمذي (٢/ ٦٢٢).\n\nوروى أحمد بن أبي مريم عن ابن معين قال: عمرو بن أبي عمرو ثقة ينكر عليه حديث عكرمة عن ابن عباس قال: «اقتلوا الفاعل والمفعول به» «تحقيق المسند» (٤/ ٤٦٥).\nوللحديث طريق أخرى عند أحمد (٢٧٢٧)، وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي وهو شديد الضعف، يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة، ورواية داود عن عكرمة فيها ضعف.\nوله طريق ثالثة، من طريق عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس. أخرجه البيهقي (٨/ ٢٣٢) وعباد ضعيف ومدلس، قال أبوحاتم: ونرى أنه قد أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بن الحصين، فدلس بإسقاط الرجلين. انظر: «تحقيق المسند» (٤/ ٤٦٥).","vol":"9","page":481},{"text":"وعند الفقهاء: هو إيلاج الرجل ذكره في دبر الرجل. وألحق بعضهم دبر المرأة.\nوأما حدُّ اللواط: فعامة الفقهاء على أنَّ الفاعل والمفعول به كلاهما يُقتل.\nقال ابن القيم -﵀-: الصحابة -﵃- متفقون على قتل اللوطي، وإنما اختلفوا في كيفية قتله، فظن بعض الناس أنهم متنازعون في قتله، ولا نزاع بينهم فيه؛ إلا في إلحاقه بالزاني، أو قتله مطلقًا.\nوقال أيضًا: قال ابن القصار، وشيخنا: أجمعت الصحابة -﵃- على قتله، وإنما اختلفوا في كيفية قتله.\nوقال أيضًا: أطبق أصحاب رسول الله - ﷺ - على قتله، لم يختلف منهم رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظن بعض الناس أنَّ ذلك اختلاف منهم في قتله، فحكاها مسألةَ نزاع بين الصحابة -﵃-، وهي بينهم مسألة إجماع لا مسألة نزاع. اهـ (^١)\nوقد اختلف الفقهاء في حد اللواط:\n• فمنهم من جعل حدَّه القتل، محصنًا كان أم غير محصن، وهذا قول ربيعة، ومالك، وإسحاق، وأحمد في أصح الروايتين عنه، والشافعي في أحد قوليه، وهذا هو المنقول عن الصحابة رضوان الله عليهم، ثبت ذلك عن ابن عباس، وعلي\n_________\n(^١) انظر كلام ابن القيم -﵀- في «الحدود والتعزيرات» (ص ١٧٣) لبكر أبوزيد -﵀-.","vol":"9","page":482},{"text":"-﵃-، ونُقل عن أبي بكر بسند منقطع.\nواستدل هؤلاء بحديث الباب، وبِفُتيا الصحابة المذكورين، قالوا: ولا يعلم لهم مخالف.\n• وذهب جماعةٌ من الفقهاء إلى أنَّ عقوبته كعقوبة الزاني، إن كان محصنًا؛ فيُرجم، وإن كان غير محصنٍ؛ فالجلد والتغريب، وهذا قول سعيد بن المسيب، ومجاهد، والزهري، وعطاء، والحسن، والنخعي، وقتادة، والأوزاعي، وهو القول الثاني للشافعي، وهو الأشهر عنه، وقال به أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور.\nواستدلوا على ذلك بحديث أبي موسى -﵁-: «إذا أتى الرجلُ الرجلَ؛ فهما زانيان» أخرجه البيهقي، وفي إسناده: محمد بن عبدالرحمن القشيري، وهو كذاب، وله إسناد آخر عند الطيالسي وفي إسناده: بشر بن المفضل البجلي، وهو مجهول.\nوقالوا: يُقاس حد اللواط على الزاني بجامع الإيلاج في فرج محرم، ونُقل هذا القول عن ابن الزبير، وفي إسناده: اليمان بن المغيرة، شديد الضعف.\n• وذهب الحكم، وأبو حنيفة إلى أنه يُعزَّر ولا حدَّ عليه. قال الحنفية: إذا أكثر من اللواط؛ فللحاكم تعزيره بالقتل.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: ليس في المسألة إجماع للصحابة في قتله؛ لما علمت من ضعف الإسناد في ذلك عن أبي بكر، ولم يثبت في ذلك إلا فتيا عن ابن","vol":"9","page":483},{"text":"عباس في قتله، وإن كان بكرًا، وقضاء من علي في قتل لوطي، ولم ينقل أنه كان بكرًا، ولو كان في المسألة إجماع من الصحابة لما وسع التابعين ومن بعدهم من الأئمة خلاف في ذلك.\nوالذي يظهر لي أنَّ الصواب أن حكمه كحكم الزاني؛ فإن كان محصنًا رُجِم، وإن كان بكرًا جُلِد وغُرِّب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5364>مسألة [٢]: الشهود على اللواط وغيره</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٧٥): وَكُلُّ زِنًى أَوْجَبَ الْحَدَّ؛ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا أَرْبَعَةُ شُهُودٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ لِتَنَاوُلِ النَّصِّ لَهُ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، وَيَدْخُلُ فِيهِ اللِّوَاطُ، وَوَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا؛ لِأَنَّهُ زِنًى، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ؛ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5365>مسألة [٣]: السِّحاق</span>.\nومعنى السِّحاق: إتيان المرأةِ المرأةَ بأن تستبطن كل واحدة منهما الأخرى، ويتدالكان.\nوهذا العمل محرم عند أهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥]، وفي «سنن البيهقي» (٨/ ٢٣٣) من حديث أبي موسى أنَّ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠) «البيهقي» (٨/ ٢٣٢ - ٢٣٣) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٥٢٩ -) «الحدود والتعزيرات» عند ابن القيم (ص ١٧٤ -) لبكر أبوزيد «مصنف عبدالرزاق» (٧/ ٣٦٣).","vol":"9","page":484},{"text":"رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وإذا أتت المرأة المرأةَ؛ فهما زانيتان» وهذا الحديث في إسناده محمد بن عبدالرحمن القشيري، وهو كذاب.\n• والذي عليه أكثر أهل العلم أنَّ ذلك ليس فيه الحد، وللحاكم أن يعزر من فعل ذلك.\n• ونُقل عن مالك أنه جعل في ذلك الحد: جلد مائة. وهذا غير صحيح؛ لأنها مباشرة لا إيلاج فيها، فذلك كما لو باشر رجلٌ امرأةً فيما دون الفرج. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5366>مسألة [٤]: من أتى بهيمةً</span>؟\nيحرم إتيان البهيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧].\nواختلف أهل العلم فيما يستحقه من فعل ذلك:\n• فأكثر أهل العلم على أنه ليس فيه حدٌّ، وإنما فيه التعزير، وهو قول عطاء، والشعبي، والنخعي، والحكم، وأصحاب المذاهب الأربعة، والثوري وغيرهم، وثبت هذا القول عن ابن عباس -﵄- بإسناد حسن عند ابن أبي شيبة (١٠/ ٥).\n• وقال بعضهم: يقتل. وهو قول أبي سلمة بن عبدالرحمن، وبعض الشافعية؛ لحديث الباب.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٥٠) «البيان» (١٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠).","vol":"9","page":485},{"text":"• وعن أحمد: حكمه حكم اللائط.\n• وقال الحسن: عليه حد الزنى.\nوالصحيح هو القول الأول؛ لضعف حديث الباب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5367>مسألة [٥]: هل تقتل البهيمة</span>؟\n• مذهب الحنابلة، وجماعة من الشافعية أنها تقتل، وهو قول أبي سلمة بن عبدالرحمن؛ للحديث المتقدم.\nقالوا: والعلة في ذلك: لئلا يقال: هذه، وهذه قد فُعِل بها؛ ولئلا تلد خلقًا مشوهًا.\n• وذهب الطحاوي، وبعض الشافعية إلى أنها إن كانت مما يؤكل؛ تُذبح، وإن لم تكن مما يؤكل؛ لم تقتل.\n• وذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أنها لا تقتل.\nوهذا هو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يدل على ذلك. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٥١ -) «البيان» (١٢/ ٣٧٠ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٥٢ -) «البيان» (١٢/ ٣٧٠ -) «الإنصاف» (١٠/ ١٦٨).","vol":"9","page":486},{"text":"١٢١٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، [وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ] (^١) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيستفاد من هذا الحديث أن الزاني البكر يجمع في حقه الجلد والتغريب.\nوقد تقدم ذكر هذه المسألة وبيان مذاهب العلماء في ذلك.\n_________\n(^١) زيادة من المطبوع، و«سنن الترمذي».\n(^٢) صحيح بدون ذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\n\nأخرجه الترمذي (١٤٣٨)، من طريق عبدالله بن إدريس عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر به. ثم قال: حديث غريب رواه غير واحد عن عبدالله بن إدريس فرفعوه، وروى بعضهم عن عبدالله بن إدريس هذا الحديث عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر أن أبابكر ... فذكره بدون ذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: وهكذا روي هذا الحديث من غير رواية ابن إدريس عن عبيدالله بن عمر نحو هذا. وهكذا رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر لم يذكر فيه عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nقال: وقد صح عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- النفي. رواه أبوهريرة وزيد بن خالد وعبادة بن الصامت.","vol":"9","page":487},{"text":"١٢١٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالمُتَرَجِّلَات مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: «أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nأصل مادة (خنث) بمعنى: التلين، والتكسر. والمقصود بالمخنثين من الرجال، أي: الذي يتشبه بالنساء في حركاته، وكلامه، وغير ذلك من الأمور المختصة بالنساء.\nوالمقصود بالمترجلات من النساء، أي: المتشبهات منهن بالرجال.\nولعل الحافظ -﵀- أورد الحديث في النهي عن ذلك؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى الفاحشة، وإشارة منهم إلى أنَّ هؤلاء المخنثين يستحقون التعزير بإبعادهم عن مخالطة الناس، أو بغير ذلك، ومن كان منهم خِلْقة فيكتفى فيه بإبعاده عن المخالطة، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٨٣٤).","vol":"9","page":488},{"text":"١٢١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ادْفَعُوا الحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\n١٢١٩ - وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ -﵂- بِلَفْظِ: «ادْرَءُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ». وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا. (^٢)\n\n١٢٢٠ - وَرَوَاهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ -﵁- مِنْ قَوْلِهِ: بِلَفْظِ: ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5368>مسألة [١]: درءُ الحدود بالشبهات</span>.\nقال ابن المنذر -﵀- في كتابه «الإجماع» رقم (٦٣٩): وأجمعوا على أنَّ درء الحد بالشبهات. اهـ\nوقد صح عن ابن مسعود -﵁- كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٩/ ٥٦٧) أنه\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه ابن ماجه (٢٥٤٥)، وفي إسناده إبراهيم بن الفضل المخزومي وهو شديد الضعف.\n(^٢) ضعيف جدًّا. أخرجه الترمذي (١٤٢٤)، والحاكم (٤/ ٣٨٤)، وتمامه «فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة»، وفي إسناده يزيد بن زياد الدمشقي، وهو متروك، وقد صحح الترمذي أنه موقوف.\n\nقلتُ: والموقوف أيضًا من طريق يزيد المذكور.\n(^٣) لم يخرجه البيهقي موقوفًا، وإنما أخرجه في «الكبرى» (٨/ ٢٣٨) مرفوعًا، بدون قوله (بالشبهات) وفي إسناده المختار بن نافع التمار، وهو متروك.","vol":"9","page":489},{"text":"قال: ادرؤوا القتل، والجلد عن المسلمين ما استطعتم.\nوثبت عن عمر -﵁- من طرق أنه ترك بعض الحدود؛ لوجود شبهة.\nقال الشوكاني -﵀- في «النيل» (٤/ ٦٥٤): فيصلح بعد ذلك للاحتجاج به على مشروعية درء الحدود بالشبهات المحتملة لا مطلق الشبهة. اهـ","vol":"9","page":490},{"text":"١٢٢١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اجْتَنِبُوا هَذِهِ القَاذُورَاتِ الَّتِي نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بِهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ تَعَالَى، وَلْيَتُبْ إلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ ﷿». رَوَاهُ الحَاكِمُ، وَهُوَ فِي المُوَطَّأِ مِنْ مَرَاسِيلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. (^١)\nالحكم المستفاد من هذا الحديث\nيستفاد من هذا الحديث أنَّ من وقع في حدٍّ من حدود الله، فستره الله؛ فالأفضل له أن يستتر بستر الله، وأن يستغفر الله، ويتوب إليه؛ لهذا الحديث.\nويجوز له أن يقر على نفسه عند الحاكم لإقامة الحد؛ فإنَّ في الحد كفارة؛ لما جاء عن عبادة بن الصامت -﵁-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أصاب من ذلك شيئًا؛ فعوقب به في الدنيا؛ فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله؛ فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه»، أخرجه البخاري برقم (١٨)، ومسلم برقم (١٧٠٩).\n_________\n(^١) حسن لغيره. أخرجه الحاكم (٤/ ٢٤٤، ٣٨٣)، من طريق عبدالله بن دينار عن ابن عمر به. وإسناده ظاهره الصحة، لكن قال الحافظ في «التلخيص» (٤/ ١٠٦): ذكره الدارقطني في «العلل» وقال: روى عن عبدالله بن دينار مرسلًا ومسندًا، والمرسل أشبه. اهـ، وانظر: «العلل» (٢٨١١).\nوأخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٨٢٥) عن زيد بن أسلم مرسلًا بنحوه.\nقلتُ: فالحديث حسن بهذين المرسلين، والله أعلم.","vol":"9","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5369>بَابُ حَدِّ القَذْفِ</span>\nالقذف في اللغة: الرمي بالشيء.\nوفي الشرع: الرمي بالزنى، أو اللواط.\nوهو من كبائر الذنوب، ودلَّ على تحريمه الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣].\nوعن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «اجتنبوا السبع الموبقات ...» وذكر منها: «وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» أخرجه البخاري برقم (٢٧٦٦)، ومسلم برقم (٨٩).\nوأجمع المسلمون على تحريم ذلك، وأنه من كبائر الذنوب.","vol":"9","page":492},{"text":"١٢٢٢ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى المِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ وَتَلَا القُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا الحَدَّ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَأَشَارَ إلَيْهِ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n١٢٢٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: أَوَّلُ لِعَانٍ كَانَ فِي الإِسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ ابْنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بِامْرَأَتِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «البَيِّنَةَ، وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِك» ... الحَدِيثُ. أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^٢)\n\n١٢٢٤ - وَهُوَ فِي البُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-. (^٣)\n\n١٢٢٥ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: لَقَدْ أَدْرَكْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ -﵃- وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ المَمْلُوكَ فِي القَذْفِ إلَّا أَرْبَعِينَ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ. (^٤)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٦/ ٣٥)، وأبوداود (٤٤٧٤)، والترمذي (٣١٨١)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٣٢٥)، وابن ماجه (٢٥٦٧)، وفي إسناده محمد بن إسحاق، ولم يصرح بالتحديث عندهم جميعًا، وقد وجد تصريحه بالتحديث عند البيهقي في «دلائل النبوة» (٤/ ٧٤)، ولكن لم يصح السند إلى ابن إسحاق.\nفالحديث ضعيف بسبب عنعنة ابن إسحاق، والله أعلم.\n(^٢) صحيح. أخرجه أبويعلى (٢٨٢٤)، حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدثنا مخلد بن الحسين، حدثنا هشام، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك به. وإسناده صحيح، رجاله ثقات.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٢٦٧١).\n(^٤) صحيح. أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٨٢٨)، والثوري كما في «سنن البيهقي» (٨/ ٢٥١)، عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة به. وهذا إسناد صحيح. واللفظ للثوري، وليس في «الموطإِ» ذكر (أبي بكر).","vol":"9","page":493},{"text":"١٢٢٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ يَوْمَ القِيَامَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5370>مسألة [١]: شروط إقامة حد القذف</span>.\nاشترط أهل العلم في إقامة حد القذف شروطًا في القاذف، وشروطًا في المقذوف.\nأما في القاذف، فاشترطوا أن يكون عاقلًا، بالغًا، غير مكره، ولا تخفى الأدلة على ذلك.\nوأما الشروط التي في المقذوف، فكما يلي:\n١) أن يكون المقذوف مسلمًا. فلا يُقام الحد على من قذف كافرًا، ونُقِل عن ابن المسيب، وابن أبي ليلى أنه يحد من قذف ذمية لها ولد مسلم، دون من ليس لها ولد.\nوردَّ الجمهور ذلك بعدم وجود دليل على هذا التفصيل.\n٢) أن يكون المقذوف يمكنه الجماع، فلو قذف صغيرًا لا يمكنه الجماع؛ لم يُقَم عليه الحد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٥٨)، ومسلم (١٦٦٠).","vol":"9","page":494},{"text":"٣) أن يكون المقذوف عاقلًا، فلو قذف مجنونًا؛ لم يقم عليه الحد؛ لأنَّ المجنون ليس عليه في ذلك نقصٌ.\n• وخالف ابن حزم في المسألتين فأوجب فيهما الحد.\n٤) أن يكون المقذوف عفيفًا عن الزنى، فلو قذف من عُلِمَ منه الزنى؛ فلا يُقام عليه الحد.\n٥) أن يكون المقذوف حُرًّا، فلو قذف عبدًا؛ لم يُقم عليه الحد عند الجمهور.\n• وخالف داود الظاهري، فقال: يقام عليه الحد إذا توفرت فيه الشروط السابقة؛ لأنه يشمله عموم الآية. ونصره ابن حزم.\nوقول داود أرجح، ويدل عليه أيضًا آخر أحاديث الباب المتقدمة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5371>مسألة [٢]: هل يُشترط في المقذوف أن يكون بالغًا</span>؟\n• اشترط بعضُ أهل العلم البلوغَ، فلا يُقام حد القذف عندهم على من رمى صبيًّا بالزنى، وإن كان يقدر عليه. وهذا قول الشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي؛ لأنه ليس بمكلف، ولا يُقام عليه حدُّ الزنى؛ فهو كالمجنون.\n• وقال بعضهم: لا يُشترط ذلك، بل يكفي أن يكون قادرًا على الزنى، وهذا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥) «البيان» (١٢/ ٣٩٦ -) «بداية المجتهد» (٤/ ٢٨١) «المحلى» (٢٢٣٢) (٢٢٣٣).","vol":"9","page":495},{"text":"قول إسحاق، وأحمد في رواية، ومالك؛ لأنه يشمله عموم الآية، وفارق المجنون بأنَّ المجنون لا نقص عليه في ذلك؛ لزوال عقله، بخلاف الصبي. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5372>مسألة [٣]: قاذف الخصي والمجبوب، والرتقاء، والقرناء، هل يقام عليه الحد</span>؟\n• مذهب الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر أنه لا يُقام عليه الحد؛ لأنَّ العار منتفٍ عن المقذوف بدونه؛ للعلم بكذب القاذف، والحدُّ إنما يجب لنفي العار.\n• ومذهب الحنابلة أنه يجب الحد عليه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، ولأنه قاذف لمحصن؛ فيلزمه الحد، كقاذف القادر على الوطء، ولأنَّ إمكان الوطء أمر خفي لا يعلمه كثير من الناس؛ فلا ينتفي العار عند من لم يعلمه بدون الحد؛ فيجب كقذف المريض. اهـ\nوهو قول الظاهرية، وهو الصحيح. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5373>مسألة [٤]: مقدار حد القذف</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٨٦): وَقَدْرُ الْحَدِّ ثَمَانُونَ، إذَا كَانَ الْقَاذِفُ حُرًّا؛ لِلْآيَةِ وَالْإِجْمَاعِ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا غَيْرَ مُكْرَهٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُشْتَرَطَةٌ لِكُلِّ حَدٍّ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٨٥) «البيان» (١٢/ ٣٩٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٨٥) «المحلى» (٢٢٣٢).","vol":"9","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5374>مسألة [٥]: إذا كان القاذف عبدًا، فكم يجلد</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنه يجلد في القذف أربعين تنصيفًا له، كما نصف في حد الزاني.\nواستدلوا على ذلك بأثر عبدالله بن عامر بن ربيعة الذي في الباب، وقالوا: هو إجماع من الصحابة، ولا يعلم لهم مخالف في ذلك.\n• ومذهب الظاهرية أنه يجلد ثمانين كالحر، وهو قول الزهري، وعمر بن عبدالعزيز، وحُكي عن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه فعل ذلك، واستدلوا بعموم الآية.\nوقد أنكر عبدالله بن عامر بن ربيعة على أبي بكر بن حزم ذلك، وقال: أدركت أبا بكر ...، كما في الباب، وفيه زيادة، وما رأيت أحدًا ضرب المملوك المفتري على الحر ثمانين جلدة قبل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.\nورجح الإمام ابن عثيمين -﵀- القول بأنه يجلد ثمانون. والعمل بما ورد عن الصحابة أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5375>مسألة [٦]: إقامة الحد تكون بمطالبة المقذوف</span>.\nقال الشيخ صالح الفوزان عافاه الله كما في «الملخص الفقهي» (٢/ ٥٣٧): قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: لا يحد القاذف إلا بالطلب إجماعًا. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٢/ ٣٨٧ -) «البيان» (١٢/ ٣٩٧ -) «الشرح الممتع» (٦/ ١٦١).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٢/ ٣٨٦) «البيان» (١٢/ ٤١٧).","vol":"9","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5376>مسألة [٧]: إذا طالب المقذوف بالحد، ثم عفا عنه</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وآخرين أنه يسقط عنه الحد؛ لأنَّ إقامة الحد حق للمقذوف.\n• وقال الحسن، وأصحاب الرأي: لا يسقط بعفوه؛ لأنه حد، فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود.\nوأُجيب بالفارق؛ فإنه لا يعتبر في سائر الحدود في أقامتها الطلب باستيفائها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5377>مسألة [٨]: هل يقام الحد على من قذف ولده</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٨٨): وَإِذَا قَذَفَ وَلَدَهُ، وَإِنْ نَزَلَ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاذِفُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً. وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّهُ حَدٌّ، فَلَا تَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِهِ قَرَابَةُ الْوِلَادَةِ، كَالزِّنَا.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ عُقُوبَةٌ تَجِبُ حَقًّا لِآدَمِيٍّ، فَلَا يَجِبُ لِلْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ، كَالْقِصَاصِ، أَوْ نَقُولُ: إنَّهُ حَقٌّ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِالْمُطَالَبَةِ بِاسْتِيفَائِهِ، فَأَشْبَهَ الْقِصَاصَ. وَلِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، فَلَا يَجِبُ لِلِابْنِ عَلَى أَبِيهِ كَالْقِصَاصِ؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٨٦ -) «البيان» (١٢/ ٤١٧).","vol":"9","page":498},{"text":"وَلِأَنَّ الْأُبُوَّةَ مَعْنًى يُسْقِطُ الْقِصَاصَ، فَمَنَعَتْ الْحَدَّ، كَالرِّقِّ وَالْكُفْرِ، وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ. وَمَا ذَكَرُوهُ يُنْتَقَضُ بِالسَّرِقَةِ؛ فَإِنَّ الْأَبَ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ ابْنِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَذْفِ وَالزِّنَا: أَنَّ حَدَّ الزِّنَا خَالِصٌ لِحَقِّ الله تَعَالَى، لَا حَقَّ لِلْآدَمِيِّ فِيهِ، وَحَدَّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5378>مسألة [٩]: من قذف شخصًا بعمل قوم لوط</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٣٨٩): مَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ، إمَّا فَاعِلًا وَإِمَّا مَفْعُولًا، فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ عِنْدَهُ، وَعِنْدَنَا هُوَ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى. وَكَذَلِكَ لَوْ قَذَفَ امْرَأَةً أَنَّهَا وُطِئَتْ فِي دُبُرِهَا، أَوْ قَذَفَ رَجُلًا بِوَطْءِ امْرَأَةٍ فِي دُبُرِهَا؛ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لَا حَدَّ عَلَيْهِ. وَمَبْنَى الْخِلَافِ هَاهُنَا عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5379>مسألة [١٠]: إذا قال لشخص: (يا لوطي) فهل يسمع قوله في تأويلها</span>؟\nكأن يقول: (أردت أنك من قوم لوط) أو (دينه دين لوط) أو (أنك تحب الصبيان، وتقبلهم، وتنظر إليهم) دون الفاحشة.\n• فجماعةٌ من أهل العلم على أنه يقام عليه الحد، ولا يسمع منه التأويل؛ لأنّ\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١٢/ ٣٩٩ -).","vol":"9","page":499},{"text":"هذه الكلمة لا يفهم منها إلا القذف بعمل قوم لوط؛ فكانت صريحة فيه كقوله: (يا زاني) ولأنَّ قوم لوط لم يبق منهم أحد؛ فلا يحتمل أن ينسب إليهم، وهذا قول الزهري، ومالك، وأحمد في رواية.\n• وقال الحسن، والنخعي: لا حدَّ عليه. وهو قول أحمد في رواية.\n• وعن أحمد رواية ثالثة: إن كان في غضب؛ أُقيم عليه الحد، بخلاف حال الرضى.\nقلتُ: إن ظهرت من حاله القرائن على أنه أراد قذفه بالفاحشة؛ فلا يقبل منه، وإن ظهرت من حاله القرائن على أنه لم يرد ذلك؛ قُبِل منه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5380>مسألة [١١]: التعريض بالقذف</span>.\nكأنْ يقول لمن يخاصمه: ما أنت بزان. وما يعرفك الناس بالزنى. أو يقول: ما أنا بزانٍ، ولا أمي بزانية.\n• فذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه لا حدَّ عليه، وهو قول عطاء، وعمرو بن دينار، وقتادة، والثوري، والشافعي، وأحمد في رواية، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.\nواستدلوا بالحديث: «إنَّ امرأتي ولدت غلامًا أسود»، وقد فرَّق الله بين التصريح بالخطبة، والتعريض بها للمعتدة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٩٠ - ٣٩١).","vol":"9","page":500},{"text":"• وعن أحمد رواية أنَّ عليه الحد، وهو قول إسحاق؛ لأنَّ عمر -﵁- أقام الحد على من قال لآخر: ما أبي بزانٍ، ولا أمي بزانية. وهو من طريق: عمرة، عنه، ولم تلق عمر -﵁-.\nوعند البيهقي (٨/ ٢٥٢) إسناد آخر ظاهره الصحة أنَّ عمر -﵁- كان يجلد في التعريض، وهو في «مصنف عبدالرزاق» (٧/ ٤٢١).\nوهذا عند الحنابلة إنما هو مع القرينة التي تدل على أنه أراد ذلك، والله أعلم. واختار هذا القول ابن القيم -﵀-، وعزاه أيضًا لعمر بن عبدالعزيز، والأوزاعي، وأهل المدينة، ورد على حديث الأعرابي بقوله: ليس فيه ما يدل على القذف لا صريحًا ولا كناية، وإنما أخبر بالواقع مستفتيًا عن حكم هذا الولد أيستلحقه مع مخالفة لونه للونه، أم ينفيه؟ فأفتاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقرب له الحكم بالشبه الذي ذكره؛ ليكون أذعن لقبوله، وانشراح صدره، ولا يقبله على إغماض، فأين في هذا ما يبطل حد القذف.\nقال: وكما يقع الطلاق، والعتاق، والوقف وغيرهما بالكناية، فكذلك ههنا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5381>مسألة [١٢]: إذا نفى رجلًا عن أبيه، فهل عليه حد القذف</span>؟\nذكر جماعةٌ من أهل العلم أنَّ عليه الحد، وهو قول النخعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وأبي حنيفة، وحماد، ومالك، والشافعي وغيرهم من أهل العلم؛ لأنَّ في ذلك قذفًا لأمِّه بالزنى، ونقل ذلك عن ابن مسعود بسند ضعيف.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٩٢ -) «الحدود والتعزيرات» (ص ٢١٦ -) «البيان» (١٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣).","vol":"9","page":501},{"text":"قلتُ: هو ظاهر في القذف إذا أراده، ولكن إذا ادعى أنه لم يرد قذفه، وإنما أراد أنه يختلف عن أبيه في صفاته؛ فعيره بذلك، فليس فيه حد القذف، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5382>مسألة [١٣]: لو نفى رجلًا من قبيلته</span>؟\n• مذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية أنه لا يجب الحدُّ بذلك؛ لأنه يحتمل غير القذف احتمالًا كبيرًا، فلا يتعين صرفه إليه، وإذا فسَّر ذلك بالقذف؛ فهو قاذف.\n• وعن أحمد رواية أنَّ عليه الحد كما لو نفاه عن أبيه. قال ابن قدامة: والأول أصح. وهو كذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5383>مسألة [١٤]: إذا أقرَّ إنسان أنه زنى بامرأة سماها، فأنكرت، فهل عليه حد القذف</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يلزمه الحد، وهو قول أبي ثور، والحنابلة، والشافعية، وابن المنذر؛ لأنه قذفها بالزنى.\n• وقال أبو حنيفة: لا يلزمه حد القذف؛ لأنه يتصور منه الزنى بها من غير زناها؛ لاحتمال أن تكون مكرهة، أو موطوءة بشبهة.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: في حديث سهل بن سعد عند أبي داود (٤٤٣٧) (٤٤٦٦)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جلد الرجل الحد وتركها، ولم ينقل أنه جمع عليه حدَّين\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٩٤) «البيان» (١٢/ ٤١٦) «البيهقي» (٨/ ٢٥٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٩٤) «البيان» (١٢/ ٤١٦).","vol":"9","page":502},{"text":"حد القذف، وحد الزنى. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5384>مسألة [١٥]: من قذف رجلا بالزنى ولم يقم البينة على ذلك، فزنى المقذوف بعد ذلك</span>؟\n• جماعة من أهل العلم يقولون: لا حدَّ عليه؛ لأنَّ وجود الزنى منه يقوي قول القاذف؛ ولأنه قد صار زانيًا، فانطبق عليه ما رمي به. وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ عليه الحد؛ لأنه قد وجب عليه، وهذا قول أحمد، والثوري، وأبي ثور، والمزني، وداود الظاهري.\nقلتُ: القول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5385>مسألة [١٦]: من قذف جماعةً بكلمات متفرقة</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٤٠٧): وَإِنْ قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَاتٍ؛ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ. وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ حَمَّادٌ، وَمَالِكٌ: لَا يَجِبُ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ تُوجِبُ حَدًّا، فَإِذَا تَكَرَّرَتْ؛ كَفَى حَدٌّ وَاحِدٌ، كَمَا لَوْ سَرَقَ مِنْ جَمَاعَةٍ، أَوْ زَنَى بِنِسَاءٍ، أَوْ شَرِبَ أَنْوَاعًا مِنْ الْمُسْكِرِ. وَلَنَا أَنَّهَا حُقُوقٌ لِآدَمِيِّينَ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ، كَالدُّيُونِ وَالْقِصَاصِ. وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ حَقٌّ لله تَعَالَى. اهـ (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٩٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٣٩٨).\n(^٣) وانظر: «البيان» (١٢/ ٤٢١).","vol":"9","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5386>مسألة [١٧]: من قذف جماعةً بكلمة واحدة</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ عليه حدًّا واحدًا، وهو قول طاوس، والشعبي، والزهري، والنخعي، وقتادة، وحماد، ومالك، والثوري، وأبي حنيفة وصاحبيه، وأحمد في رواية، والشافعي في قولٍ، وإسحاق.\nواستدلوا على ذلك بالآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، ولم يفرق بين قذف واحد، أو جماعة؛ ولأنَّ الذين شهدوا على المغيرة قذفوا امرأة؛ فلم يحدهم عمر إلا حدًّا واحدًا؛ ولأنه قذف واحد؛ فلم يجب إلا حد واحد.\n• وذهب أحمد في رواية، والشافعي في قولٍ إلى أنَّ عليه لكل واحد منهم حدًّا، كما لو قذفهم بكلمات.\nوأُجيب عن ذلك: بأنَّ الحد إنما وجب بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه، وبحد واحد يظهرُ كذبُ هذا القاذف، وتزول المعرة؛ فوجب أن يُكتَفَى به، بخلاف ما إذا قذف كل واحد قذفًا مفردًا؛ فإنَّ كذبه في قذف لا يلزم منه كذبه في آخر، ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين بحده للآخر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5387>مسألة [١٨]: إذا قذف رجلًا واحدًا مرات</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٤٠٧): وَإِنْ قَذَفَ رَجُلًا مَرَّاتٍ، فَلَمْ يُحَدَّ؛ فَحَدٌّ وَاحِدٌ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، سَوَاءٌ قَذَفَهُ بِزِنًى وَاحِدٍ، أَوْ بِزَنْيَاتٍ. وَإِنْ قَذَفَهُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٠٦) «البيان» (١٢/ ٤٢٠).","vol":"9","page":504},{"text":"فَحُدَّ، ثُمَّ أَعَادَ قَذْفَهُ، نَظَرْت؛ فَإِنْ قَذَفَهُ بِذَلِكَ الزِّنَا الَّذِي حُدَّ مِنْ أَجْلِهِ؛ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ أَوْجَبَ حَدًّا ثَانِيًا. وَهَذَا يُخَالِفُ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّ أَبَا بَكْرَةَ لَمَّا حُدَّ بِقَذْفِ الْمُغِيْرَةِ أَعَادَ قَذْفَهَ فَلَمْ يَرَوْا عَلَيْهِ حَدًّا ثَانِيًا.\nقال: فَأَمَّا إنْ حُدَّ لَهُ، ثُمَّ قَذَفَهُ بِزِنًى ثَانٍ، نَظَرْت؛ فَإِنْ قَذَفَهُ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ، فَحَدٌّ ثَانٍ؛ لِأَنَّهُ لَا تَسْقُطُ حُرْمَةُ الْمَقْذُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَاذِفِ أَبَدًا، وَإِنْ قَذَفَهُ عَقِيبَ حَدِّهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. انتهى باختصار.\nوالصحيح أنه إن قذفه بعد الحد الأول؛ استحق أن يقام عليه الحد مرة أخرى، سواءٌ طال الفصل، أم لم يطل، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5388>مسألة [١٩]: إذا قال لامرأةٍ: زنيت وأنت مكرهة</span>؟\n• ذكر أهل العلم أنه لا يكون قاذفًا للمرأة؛ لأنه رماها بوطء ليست بزانية فيه.\n• وذكر بعض الشافعية أنه يعزر. وهذا قول قريب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5389>مسألة [٢٠]: إن قذف جماعةً لا يحتمل صدقه في ذلك</span>؟\nكأن يقول: القبيلة الفلانية كلهم زناة. أو مدينة بغداد. أو ما أشبه ذلك؛ فهذا ليس عليه حد القذف؛ لأنَّ القذف هو فيما احتمل الصدق، أو الكذب، وههنا يقطع بكذبه، ويعزر على الكذب لحق الله تعالى، ولأذية المسلمين. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١٢/ ٤١٢).\n(^٢) انظر: «البيان» (١٢/ ٤٢١).","vol":"9","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5390>مسألة [٢١]: قذف الملاعنة</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ من قذف الملاعنة؛ أُقيم عليه الحد.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٤٠١): نصَّ أحمد على هذا، وهو قول ابن عمر (^١)، وابن عباس (^٢)، والحسن، والشعبي، وطاوس، ومجاهد، ومالك، والشافعي، وجمهور الفقهاء، ولا نعلم فيه خلافًا. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٥٦١)، وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو متروك.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٥٦١)، وفيه عباد بن منصور، وهو ضعيف.","vol":"9","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5391>بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ</span>\n١٢٢٧ - عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\nوَلَفْظُ البُخَارِيِّ: «تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا».\nوَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: «اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ». (^٢)\n\n١٢٢٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\n١٢٢٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ البَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا. (^٤)\n\n١٢٣٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟» ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٨٩)، ومسلم (١٦٨٤) (٢).\n(^٢) صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٨٠ - ٨١)، بإسناد صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٧٩٥)، ومسلم (١٦٨٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦٧٩٩)، ومسلم (١٦٨٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٧٨٨)، ومسلم (١٦٨٨).","vol":"9","page":507},{"text":"١٢٣١ - وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِقَطْعِ يَدِهَا. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nتعريف السرقة:\nالسرقة لغة: أخذ الشيء على وجه الخُفية، والاستتار، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر:١٨].\nوفي الشرع: أخذ مال الغير ظلمًا خفية من حرزِ مثله. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5392>مسألة [١]: حد السرقة</span>.\nحد السرقة قطع اليد، دلَّ عليه الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] الآية.\nوأما من السنة: فأحاديث الباب. وأجمع المسلمون على وجوب قطع يد السارق في الجملة. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٦٨٨) (١٠). وقد أعل بما لا يقدح فيه كما أبان ذلك الحافظ -﵀- في «الفتح» (٦٧٨٨).\n(^٢) انظر: «حاشية البيان» (١٢/ ٤٣٢) «المغني» (١٢/ ٤١٦).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٤١٥) «البيان» (١٢/ ٤٣٢ -) «الفتح» (٦٧٨٩).","vol":"9","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5393>مسألة [٢]: نصاب المال الذي تقطع فيه يد السارق</span>.\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ أقل ما تقطع فيه اليد ربع دينار من الذهب، أو ما يعادله من غيره. وهذا قول الشافعي وأصحابه، وأبي بكر بن حزم، وعمر بن عبدالعزيز، والأوزاعي، والليث، ورواية عن إسحاق، وعن داود، وهو قول عائشة -﵂-، ونُقل عن عمر، وعثمان، وعلي -﵃-، والأسانيد إليهم ضعيفة كما في «الفتح»، و«الأوسط» (١٢/ ٢٧٨)\nواستدل هؤلاء بحديث عائشة -﵂- الذي في الباب، وهو صريح في ذلك.\n• وذهب جماعةٌ إلى أنَّ النصاب ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمته ثلاثة دراهم من غيرهما، وهذا قول مالك، وأحمد في رواية، وإسحاق.\nواستدلوا على ذلك بحديث عائشة -﵂-، وحديث ابن عمر -﵄-، المذكورين في الباب.\n• ونُقل عن أحمد رواية أنه يقطع في ثلاثة دراهم، ويقوم ما عداها بها، ولو كان ذهبًا، وحكاه الخطابي عن مالك، والمشهور عنه القول الذي قبله.\n• تقطع اليد في ربع دينار، وفي ثلاثة دراهم، وما يبلغ قيمة أحدهما، وهو المشهور عن أحمد، ورواية عن إسحاق؛ لحديث عائشة، وابن عمر -﵃-.\n• تقطع في خمسة دراهم، قال بذلك ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، ونقل عن الحسن، وسليمان بن يسار، ونقله ابن المنذر (١٢/ ٢٧٨) عن عمر -﵁- بإسناد","vol":"9","page":509},{"text":"صحيح من طريق: سعيد بن المسيب عنه. وثبت عن أبي بكر الصديق -﵁- أنه قطع في مجن قيمته خمسة دراهم، ولا يفيد ذلك الحصر.\nوجاء في ذلك حديث مرفوع أخرجه ابن أبي شيبة من طريق: عيسى بن أبي عزة، عن الشعبي، عن ابن مسعود، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قطع في خمسة دراهم. وهذا حديث ضعيف أنكر على عيسى بن أبي عزة، أنكره يحيى القطان كما في «الضعفاء» للعقيلي، والشعبي لم يسمع من ابن مسعود، والحديث ليس فيه دلالة على التحديد.\n• وذهب الحنفية إلى تحديد القطع بعشرة دراهم، وما بلغ قيمتها من الذهب والعروض. وجاء ذلك عن ابن مسعود -﵁-، من طريق القاسم بن عبد الرحمن، عنه. ولم يسمع منه.\nواستدلوا على ذلك بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «لا قطع إلا في عشرة دراهم».\nأخرجه أحمد (٢/ ٢٠٤)، والدارقطني (٣/ ١٩٢)، من طريق: حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، به، وحجاج ضعيف، ومدلس، ولم يصرح بالتحديث.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يقطع في القليل والكثير، وهو قول داود الظاهري، ونُقل عن الحسن، وابن بنت الشافعي، وقال بذلك الخوارج؛","vol":"9","page":510},{"text":"لعموم الآية.\nواستدل بعضهم بحديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب: «لعن الله السارق يسرق البيضة ...».\n• ونُقِل عن النخعي أنَّ القطع يكون في أربعين درهمًا، وعنه: دينار، أو ما بلغ قيمته.\n• قال ابن حزم: يقطع في ربع دينار فصاعدًا من الذهب؛ لحديث عائشة، وأما من غيره فيقطع في القليل والكثير.\n• وعن عثمان البتي القطع في درهم فصاعدًا.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح هو القول الأول، وحديث المجن محمول على أنَّ الثلاثة الدراهم كانت تساوي ربع الدينار.\nوأما حديث: «لعن الله السارق ...»، فأُجيب عنه بأنَّ المقصود بالبيضة ما يغطي به المقاتل رأسه، وبالحبل حبل السفينة. وقيل وهو أقوى من الذي قبله: ليس المراد بهذا الحديث القطع بسرقة البيضة والحبل، بل المراد الإخبار بتحقير شأن السارق، وخسارة ما ربحه من السرقة، وهو أنه إذا تعاطى هذه الأشياء الحقيرة؛ صار ذلك خلقًا له جرَّأه ذلك على سرقة ما هو أكثر من ذلك مما يبلغ قدره ما يقطع به.\nوقد توسع الحافظ ابن حجر -﵀- في ذكر الأقوال في هذه المسألة، فبلغت","vol":"9","page":511},{"text":"عشرين قولًا، وأشهرها ما تقدم ذكره، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5394>مسألة [٣]: إذا سرق شيئًا فيه القطع، ثم نقصت قيمته قبل أن تقطع يده</span>؟\n• مذهب مالك، وأحمد، والشافعي أنه يقطع؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾؛ ولأنه نقص حدث في العين؛ فلم يمنع القطع كما لو حدث باستعماله، والنصاب شرطٌ لوجوب القطع؛ فلا تعتبر استدامته كالحرز.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يقطع؛ لأنَّ النصاب شرط، فتعتبر استدامته.\nوأُجيب عنه بأنه شرط لوجوب الحد لا لإقامة الحد، وقد حصل الشرط. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5395>مسألة [٤]: النباش، هل تقطع يده بسرقة الكفن</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه إن سرق كفنًا يبلغ النصاب؛ قُطعت يده، وهو قول الحسن، وعمر بن عبدالعزيز، وقتادة، والشعبي، والنخعي، وحماد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر. وقالوا: هو سارق؛ فيشمله عموم الآية؛ لأنه أخذ ملك الميت.\n• وذهب الثوري، وأبو حنيفة إلى أنه لا يقطع؛ لأنه لم يسرق من حرزٍ، فالقبر ليس بحرز، والحرز ما يوضع فيه المتاع للحفظ، والكفن لا يوضع في القبر لذلك؛ ولأنَّ الكفن لا مالك له.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٦٧٩٠) «ابن أبي شيبة» (٩/ ٤٦٨ -) «المغني» (١٢/ ٤١٨ -) «البيان» (١٢/ ٤٣٦) «الأوسط» (١٢/ ٣١٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٥٣) «الأوسط» (١٢/ ٢٨٧).","vol":"9","page":512},{"text":"وأخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن الزهري قال: أتى مروان بن الحكم بقوم يختفون القبور يعني ينبشون فضربهم، ونفاهم، وأصحاب رسول الله - ﷺ - متوافرون.\nقلتُ: وهذا العمل أقرب، أعني أنهم يعزرون فقط، ولا يقام عليهم الحد. (^١)\nتنبيه: إذا وضع في القبر ذهب، أو مال غير الكفن، فأخذه النباش؛ فلا قطع عندهم جميعًا؛ لأنَّ هذا ليس بحرزمثله. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5396>مسألة [٥]: هل يقطع في سرقة الْمُحَرَّم</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٤٥٧): لَا يُقْطَعُ فِي سَرِقَةِ مُحَرَّمٍ؛ كَالْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَنَحْوِهَا، سَوَاءٌ سَرَقَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ سَارِقَ خَمْرِ الذِّمِّيِّ يُقْطَعُ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُمْ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ دَرَاهِمَهُمْ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهَا عَيْنٌ مُحَرَّمَةٌ، فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهَا، كَالْخِنْزِيرِ؛ وَلِأَنَّ مَا لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ، لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ، كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، وَمَا ذَكَرُوهُ يُنْتَقَضُ بِالْخِنْزِيرِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ؛ فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ دُونَ أَحْكَامِهِمْ، وَهَكَذَا الْخِلَافُ مَعَهُ فِي الصَّلِيبِ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ مَعَ تَأْلِيفِهِ نِصَابًا.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٥٥ -) «ابن أبي شيبة» (١٠/ ٣٣) «الأوسط» (١٢/ ٣١٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٥٦) «الجوهر النقي» (٨/ ٢٧٠) مع «البيهقي».","vol":"9","page":513},{"text":"قال: وَأَمَّا آلَةُ اللَّهْوِ كَالطُّنْبُورِ، وَالْمِزْمَارِ، وَالشَّبَّابَةِ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ، وَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ مُفَصَّلًا نِصَابًا. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.\nقال: وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ زَوَالِ تَأْلِيفِهِ نِصَابًا، فَفِيهِ الْقَطْعُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَطْعِ؛ فَوَجَبَ قَطْعُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ ذَهَبًا مَكْسُورًا.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ آلَةٌ لِلْمَعْصِيَةِ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ، كَالْخَمْرِ؛ وَلِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي أَخْذِهَا لِكَسْرِهَا، فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً مَانِعَةً مِنْ الْقَطْعِ، كَاسْتِحْقَاقِهِ مَالَ وَلَدِهِ.\nقال: فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ حِلْيَةٌ تَبْلُغُ نِصَابًا، فَلَا قَطْعَ فِيهِ أَيْضًا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا لَا قَطْعَ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْخَشَبَ وَالْأَوْتَارَ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ الْقَطْعُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُنْفَرِدَ. اهـ\nقلتُ: الصحيح قول الشافعي، أعني في المسألة الأخيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5397>مسألة [٦]: إن سرق صليبًا من ذهب أو فضة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٤٥٨): وَإِنْ سَرَقَ صَلِيبًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، يَبْلُغُ نِصَابًا مُتَّصِلًا، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا قَطْعَ فِيهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُقْطَعُ سَارِقُهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَوَجْهُ الْمَذْهَبَيْنِ مَا تَقَدَّمَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا: أَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا لَهُ كَسْرُهُ، بِحَيْثُ لَا تَبْقَى لَهُ قِيمَةٌ تَبْلُغُ نِصَابًا، وَهَا هُنَا لَوْ كُسِرَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ بِكُلِّ وَجْهٍ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ عَنْ","vol":"9","page":514},{"text":"النِّصَابِ؛ وَلِأَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ جَوْهَرُهُمَا غَالِبٌ عَلَى الصَّنْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ، فَكَانَتْ الصِّنَاعَةُ فِيهِمَا مَغْمُورَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى قِيمَةِ جَوْهَرِهِمَا، وَغَيْرُهُمَا بِخِلَافِهِمَا؛ فَتَكُونُ الصِّنَاعَةُ غَالِبَةً عَلَيْهِ؛ فَيَكُونُ تَابِعًا لِلصِّنَاعَةِ الْمُحَرَّمَةِ.\nقال: وَلَوْ سَرَقَ إنَاءً مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، قِيمَتُهُ نِصَابٌ إذَا كَانَ مُتَكَسِّرًا، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَقِيمَتُهُ بِدُونِ الصِّنَاعَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا نِصَابٌ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح قول الشافعي -﵀-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5398>مسألة [٧]: هل تقطع يد الوالد إذا أخذ من مال ولده</span>؟\n• عامة أهل العلم على عدم القطع، سواء في ذلك الأب، والأم، والجد، والجدة، وإن علوا، وهذا قول أصحاب المذاهب الأربعة، والثوري وغيرهم.\nواستدلوا بالحديث: «أنت ومالك لوالدك» أخرجه أحمد (٦٦٧٨)، وأبو داود (٣٥٣٠) بإسناد حسن، وبحديث: «إنَّ أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، وهو حديث حسن بطرقه وشواهده؛ ولأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، وأعظم الشبهات أخذ الرجل من مالٍ أضافه الشرع إليه، وأباح له أخذه.\n• وقال أبو ثور، وابن المنذر: القطع على كل سارق؛ إلا أن يجمعوا على شيء فيستثنى.","vol":"9","page":515},{"text":"واستدلوا بعموم الآية، والصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5399>مسألة [٨]: هل تقطع يد الولد إذا سرق من مال أبيه</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الولد تقطع يده بذلك، وهو قول مالك، وأبي ثور، وابن المنذر، وبعض الحنابلة؛ لأنه يحد بالزنى بجاريته، ويُقاد بقتله، فيقطع بسرقة ماله.\n• وذهب الحسن، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وأصحاب الرأي إلى عدم القطع بسرقة الولد، وإن سفل؛ لأنَّ النفقة تجب في مال الأب لابنه؛ حفظًا له، فلا يجوز إتلافه؛ حفظًا للمال، وأما الزنى بجاريته؛ فيجب به الحد؛ لأنه لا شبهة له فيها بخلاف المال. وهذا هو القول الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5400>مسألة [٩]: سرقة الأقارب غير الفروع والأصول</span>؟\n• مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق: القطع بذلك؛ لعدم وجود الشبهة في ذلك؛ ولأنها قرابة ليست بقوة القرابة السابقة، واستدلوا بعموم الآية. وهذا هو الصحيح.\n• ومذهب أبي حنيفة عدم القطع فيما إذا سرق من قريب ذي رحم محرم؛ لأنها قرابة تمنع النكاح، وتبيح النظر، وتوجب النفقة، أشبه قرابة الولادة. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٥٩) «البيان» (١٢/ ٤٧٤) «الأوسط» (١٢/ ٣٢٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٦٠ - ٤٦١) «البيان» (١٢/ ٤٧٤) «الأوسط» (١٢/ ٣٢٨).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٦١) «البيان» (١٢/ ٤٧٤) «الأوسط» (١٢/ ٣٢٨).","vol":"9","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5401>مسألة [١٠]: هل يقطع العبد بسرقته من مال سيده</span>؟\n• عامة أهل العلم على عدم القطع.\nواستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود (٤٤١٢)، والنسائي (٨/ ٩١)، من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «إذا سرق المملوك؛ فبعه ولو بنش»، وفي إسناده: عمر بن أبي سلمة الزهري، وهو ضعيف.\nواستدلوا على ذلك بما أخرجه مالك في «الموطإِ» (٢/ ٨٣٩ -) بإسناد صحيح أنَّ عبدالله بن عمرو بن الحضرمي جاء بغلامٍ له إلى عمر بن الخطاب -﵁-، فقال: إن غلامي هذا سرق، فاقطع يده. فقال عمر: ما سرق؟ قال: سرق مرآة امرأتي، ثمنها ستون درهمًا. فقال: أرسله، لا قطع عليه خادمكم أخذ متاعكم.\nولأنَّ العبد هو بعض ماله، فسرق بعض ماله بعضًا. وصحَّ عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: مَالُكَ سَرَقَ بعضُه بعضًا. أخرجه البيهقي (٨/ ٢٨١)، وقال البيهقي: وهو قول ابن عباس. (^١) اهـ.\nولا يعلم مخالف لهؤلاء الصحابة.\n• وذهب داود الظاهري إلى أنه يقطع بذلك؛ لعموم الآية.\nقلتُ: وما قضى به الصحابة -﵃- هو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٤٨٤) بإسناد صحيح.\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٥٩ -) «البيان» (١٢/ ٤٧٤ -) «البيهقي» (٨/ ٢٨١).","vol":"9","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5402>مسألة [١١]: إن سرق أحد الزوجين من مال الآخر</span>؟\nإن كان ذلك مما ليس محرزًا عن الآخر؛ فلا قطع فيه.\nوأما إن كان مما أحرزه عنه، ففيه خلاف:\n• فذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا قطع فيه، وهذا مذهب أحمد في رواية، والشافعي في قول، وأبي حنيفة.\nواستدلوا بأثر عمر المتقدم: خادمكم أخذ متاعكم. وإذا لم يقطع العبد بسرقة مال امرأته؛ فهو أولى؛ ولأنَّ كل واحد منهما يرث صاحبه بغير حجب، ولا تقبل شهادته له، ويتبسط في مال الآخر عادة، فأشبه الوالد والولد.\n• وقال بعض أهل العلم: في ذلك القطع. وهو مذهب مالك، وأبي ثور، والشافعي في قول، وأحمد في رواية، وإسحاق، وابن المنذر؛ لعموم الآية، ولأنه سرق مالًا محرزًا عنه لا شبهة له فيه، أشبه الأجنبي.\n• وللشافعية وجه أنه إن سرق الزوج؛ قطع، وإن سرقت الزوجة؛ لم تقطع؛ لأنَّ لها شبهة في ماله، وهي وجوب النفقة عليها من ماله.\nقال أبو عبدالله غفر الله له: الحدود تُدرأ بالشبهات، والحال المذكورة فيها شبهة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5403>مسألة [١٢]: من سرق من بيت المال</span>؟\n• أكثر أهل العلم على عدم القطع إذا كان مسلمًا، وهو قول الشعبي،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٦١) «البيان» (١٢/ ٤٧٦) «الأوسط» (١٢/ ٣٢٩).","vol":"9","page":518},{"text":"والنخعي، والحكم، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي.\nواستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس -﵄- عند ابن ماجه (٢٥٩٠)، أنَّ عبدًا من رقيق الخمس سرق من الخمس، فرفع ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فلم يقطعه. وقال: «مال الله سرق بعضه بعضًا»، وفي إسناده: جبارة بن المغلس، وحجاج بن تميم، وكلاهما شديد الضعف.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ هذا هو الثابت عن الصحابة، فقد جاء عن علي -﵁- من طريق الشعبي، عنه أنه قال: ليس على من سرق من بيت المال قطع. وذكر له البيهقي شاهدًا من فعله -﵁-، وفي إسناده مجهول.\nوجاء عن عمر -﵁- أنه قال لابن مسعود: أرسله، فما من أحد إلا وله في بيت المال حق. أخرجه عبدالرزاق (١٠/ ٢١٢)، وفي إسناده مبهم؛ فهو ضعيف.\n• وذهب مالك، وحماد، وابن المنذر إلى أنه يقطع؛ لعموم الآية.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: الصحيح أنه لا يقطع؛ لأن كل مسلم له حق في بيت المال. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5404>مسألة [١٣]: إذا اشترك جماعةٌ في سرقةٍ بلغت نصاب القطع</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يقطعون جميعًا. وهو قول مالك، وأحمد، وأبي ثور،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٦١ -) «البيان» (١٢/ ٤٧٠) «البيهقي» (٨/ ٢٨٢) «الأوسط» (١٢/ ٢٩٥).","vol":"9","page":519},{"text":"حتى وإن صار أقل من النصاب عند القسمة بينهم؛ وذلك لأنَّ النصاب أحد شرطي القطع، فإذا اشتركوا فيه كانوا كالواحد؛ قياسًا على هتك الحرز، وقاسوه على القصاص.\n• وذهب الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وإسحاق إلى أنه لا قطع عليهم، إلا أن تبلغ حصة كل واحد منهما نصابًا؛ لأنَّ كل واحد منهم لم يسرق نصابًا؛ فلم يجب عليه قطع، كما لو انفرد بدون النصاب، واختار هذا بعض الحنابلة.\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٤٦٨): وَهَذَا الْقَوْلُ أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ هَاهُنَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَلَا يَجِبُ وَالِاحْتِيَاطُ بِإِسْقَاطِهِ أَوْلَى مِنْ الِاحْتِيَاطِ بِإِيجَابِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. اهـ\nتنبيه: الاشتراك يكون بهتك الحرز منهم جميعًا، وإخراج النصاب منهم جميعًا، فإذا أخذ كل واحد منهم جزءًا؛ فلا قطع إذا لم يبلغ النصاب منفردًا، قال بذلك مالك. وأما أحمد فيجب عنده القطع، وإن أخرج كل واحد منهم جزءًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5405>مسألة [١٤]: هل يشترط في قطع يد السارق أن يكون المسروق مالًا</span>؟\n• اشترط ذلك أكثر أهل العلم، وعليه: فلو سرق حُرًّا؛ فلا قطع فيه صغيرًا كان أو كبيرًا، وهذا قول الثوري، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.\nودليل اشتراط كونه مالًا حديث عائشة -﵂- الذي في الباب.\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ٤٦٨) «الأوسط» (١٢/ ٢٨٥).","vol":"9","page":520},{"text":"• وذهب مالك، وإسحاق إلى أنه يقطع بسرقة الحر الصغير؛ لأنه غير مميز، أشبه العبد، وذكر رواية عن أحمد، وقال به الحسن، والشعبي.\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5406>مسألة [١٥]: إذا كان الحر الصغير عليه متاع، أو حلي تبلغ النصاب</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقطع، وهو قول أبي يوسف، وبعض الحنابلة، وبعض الشافعية، وابن المنذر؛ لأنه سرق نصابًا من الحي؛ فوجب فيه القطع كما لو سرقه منفردًا.\n• وذهب جماعة من الحنابلة، وأكثر ا لشافعية، وأبو حنيفة إلى عدم القطع؛ لأنه تابع لما لا قطع في سرقته، أشبه ثياب الكبير؛ ولأن يد الصبي على ما عليه، بدليل أنَّ ما يوجد مع اللقيط يكون له، وهكذا لو كان الكبير نائمًا، فسرقه مع متاعه النائم عليه؛ لم يقطع؛ لأن يده عليه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5407>مسألة [١٦]: إذا سرق عبدًا</span>؟\nأما إذا كان العبد صغيرًا لا يميز؛ فعليه القطع عند عامة أهل العلم.\nقال ابن المنذر -﵀-: أجمع على هذا من نحفظ عنه من أهل العلم. اهـ\n• وإن كان كبيرًا؛ لم يقطع سارقه إلا أن يكون نائمًا، أو مجنونًا، أو أعجميًّا لا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٢٢) «الأوسط» (١٢/ ٢٩٤).\n(^٢) «المغني» (١٢/ ٤٢٢) «الأوسط» (١٢/ ٢٩٤).","vol":"9","page":521},{"text":"يميز بين سيده، وبين غيره في الطاعة؛ فيقطع سارقه عند أهل العلم.\n• وقال أبو يوسف: لا يقطع سارق العبد، وإن كان صغيرًا؛ لأنَّ من لا يقطع بسرقته كبيرًا لا يقطع بسرقته صغيرًا كالحر.\nوأجاب الجمهور بأنه سرق مالًا مملوكًا تبلغ قيمته نصابًا؛ فوجب القطع عليه كسائر الحيوانات، وفارق الحر؛ لأنه ليس بمالٍ، ولا مملوك، وفارق الكبير؛ لأنَّ الكبير لا يسرق، وإنما يخدع بشيء إلا أنْ يكون في حال زوال عقله بنوم أو جنون؛ فتصح سرقته. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5408>مسألة [١٧]: جاحد العارية هل تقطع يده</span>؟\n• ذهب إسحاق، وأحمد في رواية إلى أنه تقطع يده؛ لحديث عائشة -﵂- الذي في الباب في رواية مسلم.\n• وذهب الجمهور، وأحمد في رواية إلى عدم القطع؛ لأنَّ ذلك ليست بسرقة، وإنما هي خيانة، والخائن لا تقطع يده كما سيأتي في الحديث.\nوأجاب الجمهور عن حديث عائشة -﵂-: وكانت امرأةً تستعير المتاع، فتجحده. أنها ذكرت ذلك على سبيل الوصف والتعريف، لا أنَّ ذلك سبب القطع.\nومما يدل على أنَّ سبب القطع هو السرقة قوله في الحديث: «إن قريشًا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت»، وقوله: «إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ٤٢٢) «الأوسط» (١٢/ ٢٩٤).","vol":"9","page":522},{"text":"سرق فيهم الشريف ...»، وقوله: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطعت يدها».\nوالصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5409>مسألة [١٨]: جاحد الوديعة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٤١٧ -): فَأَمَّا جَاحِدُ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمَانَاتِ، فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُ بِوُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَيْهِ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤١٦ - ٤١٧) «الأوسط» (١٢/ ٣١٨).","vol":"9","page":523},{"text":"١٢٣٢ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ، وَلَا مُنْتَهِبٍ قَطْعٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5410>مسألة [١]: هل على الخائن، والمختلس، والمنتهب قطع</span>؟\nالخائن: هو الذي يأخذ المال من صاحب له مؤتمنٍ له؛ فيخونه ويأخذه،\n_________\n(^١) صحيح لغيره. أخرجه أحمد (٣/ ٣٨٠)، وأبوداود (٤٣٩١) (٤٣٩٢) (٤٣٩٣)، والترمذي (١٤٤٨)، والنسائي (٨/ ٨٩)، وابن ماجه (٢٥٩١)، وابن حبان (٤٤٥٧)، من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر به. وابن جريج لم يسمع هذا الحديث من أبي الزبير، نص على ذلك أحمد كما في «سنن أبي داود»، وأبوحاتم وأبوزرعة كما في «العلل» لابن أبي حاتم (١/ ٤٥٠)، والنسائي (٨/ ٨٩)، قالوا: وإنما سمعه من ياسين الزيات.\nقلتُ: وياسين بن معاذ الزيات متروك كما في «لسان الميزان»، وكلام هؤلاء الحفاظ مقدم على التصريح بالتحديث عند عبدالرزاق (١٨٨٤٤)، والنسائي في «الكبرى» (٧٤٦٣)، فالتصريح وهَم كما أشار إلى ذلك النسائي عقب الحديث وكذلك في «الصغرى» (٨/ ٨٩).\n\nوقد أخرجه النسائي (٧٤٦١)، وابن حبان (٤٤٥٨)، من طريق سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر. قال النسائي عقبه: لم يسمعه سفيان من أبي الزبير، ثم ساق بإسناده عن سفيان عن ابن جريج عن أبي الزبير. فعادت رواية سفيان إلى ابن جريج.\nوأخرجه النسائي في «الكبرى» (٧٤٦٨)، من طريق المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر به.\nوقال: المغيرة بن مسلم ليس بالقوي في أبي الزبير وعنده غير حديث منكر.\nوله شاهد من حديث أنس: أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٥١٣)، وظاهر إسناده الصحة، ولفظه كلفظ حديث جابر.\nوله شاهد من حديث عبدالرحمن بن عوف: بلفظ: «ليس على المختلس قطع» فقط، أخرجه ابن ماجه (٢٥٩٢)، وإسناده صحيح.\nفهاتان الطريقان مع حديث جابر من طريق المغيرة يكون بها الحديث صحيحًا، والمغيرة بن مسلم يحتج بحديثه ولا ينزل عن درجة الاحتجاج.","vol":"9","page":524},{"text":"فيشمل جاحد العارية والوديعة، ويشمل المضارب إذا جحد صاحب المال.\nوالمختلس: اسم فاعل من اختلس الشيءَ إذا اختطفه، فالاختلاس نوع من الخطف، ذلك أنه يستخفي في ابتداء اختلاس الشيء، ثم يمر به بانتهاء أمره.\nالمنتهب: هو الذي يأخذ المال من صاحبه قهرًا.\nوهؤلاء المذكورون لا قطع عليهم عند عامة أهل العلم؛ لأنَّ الواحد منهم لا يعتبر سارقًا، ولحديث الباب.\nونُقل عن إياس بن معاوية أنه قال بقطع المختلس؛ لأنه يستخفي بأخذه، فيكون سارقًا، وأهل الفقه والفتوى من علماء الأمصار على خلافه؛ لما تقدم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5411>مسألة [٢]: هل يُقطع الطرَّار</span>؟\nالطرَّار: هو الذي يأخذ المال من جيب الرجل، أو كمه، أو مخبئه، أو عيبته خفيةً.\n• فعن أحمد فيه روايتان: رواية بالقطع؛ لأنه يعتبر سارقًا. ورواية: لا يقطع كالمختلس.\nوالقول بالقطع مذهب الشافعي، وأهل المدينة، والثوري، والأوزاعي، وأبي ثور، وابن المنذر.\nوهذا القول هو الصحيح؛ لأنه أخذه خفية من حرز مثله؛ فهي سرقة واضحة، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤١٦) «الأوسط» (١٢/ ٣٢٢، و٣٢٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٣٦) «البيان» (١٢/ ٤٤٨) «البيهقي» (٨/ ٢٦٩) «الأوسط» (١٢/ ٣٢٣).","vol":"9","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5412>مسألة [٣]: إذا دخل رجل دار قوم فذبح شاة ثم أخرج لحمها</span>؟\n• قال طائفة من أهل العلم: عليه القطع، وهو مذهب مالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر. لأنها سرقة من حرز.\n• وقال أصحاب الرأي: لا قطع عليه؛ لأنه ضمن قيمتها حية، وصار لحمها له. وهذا قول باطل.\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) «الأوسط» (١٢/ ٣٢٥).","vol":"9","page":526},{"text":"١٢٣٣ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ (^١)». رَوَاهُ المَذْكُورُونَ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5413>مسألة [١]: القطع بما سُرِق من الفواكه، والثمار، وما زالت في شجرها</span>.\n• جمهور أهل العلم على عدم القطع؛ لحديث الباب، وصح ذلك عن ابن عمر -﵄-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١٠/ ٢٦).\n• وخالف في ذلك أبو ثور، وابن المنذر، فقالا بالقطع؛ لأنه قد سرق نصابًا من حرزٍ؛ فوجب.\nوأجاب الجمهور بأحاديث الباب؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يعتبر البستان حرزًا.\nوالصحيح قول الجمهور. (^٣)\n_________\n(^١) الكثر: هو جُمَّار النخل، وهو شحمه الذي وسط النخلة.\n(^٢) حسن لغيره. أخرجه أحمد (٣/ ٤٦٣)، وأبوداود (٤٣٨٨)، والترمذي (١٤٤٩)، والنسائي (٨/ ٨٧)، وابن ماجه (٢٥٩٣)، وابن حبان (٤٤٦٦)، وهو من طريق محمد بن يحيى بن حبان عن رافع بن خديج به. وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه، فإن محمد بن يحيى لم يسمع من رافع، وقد رواه بعضهم فذكر الواسطة، عن عمه واسع بن حبان، وهي رواية غير محفوظة، فقد رواه جمع كثير بدون زيادة (عن عمه) بل ثبت بإسناد صحيح عند النسائي وغيره أنه قال: (عن رجل من قومه) فهذا يؤكد الانقطاع، والله أعلم. وانظر: «تحقيق المسند» (٢٥/ ١٠٣ - ١٠٧). والحديث حسن بشاهده عن عبدالله بن عمرو بن العاص الآتي بعد ثلاثةأحاديث.\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٣٨) «الأوسط» (١٢/ ٣٠٠).","vol":"9","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5414>مسألة [٢]: هل يقطع في سرقة الفواكه، والخضروات المحروزة</span>؟\n• مذهب الجمهور أنه يقطع فيه؛ لحديث عبدالله بن عمرو -﵄-: «ومن خرج بشيء منه بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن؛ فعليه القطع». (^١)\n• وقال أبو حنيفة: لا قطع على سارق الطعام الرَّطب الذي يتسارع إليه الفساد، كالفواكه، والطبائخ؛ لحديث: «لا قطع في ثمر، ولا كثر».\nوأُجيب عنه بأنه مبين بحديث عبدالله بن عمرو -﵄-.\n• وقال الثوري: ما يفسد في يومه، كالثريد، واللحم؛ لا قطع فيه.\nوالصحيح قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5415>مسألة [٣]: من سرق شيئا من الطيور كالحمام والدجاج</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن فيها القطع إذا أخذها من مراحها، وبلغ نصاب القطع، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.\n• وقال بعض أهل العلم: ليس فيها قطع، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وروي هذا القول عن عثمان بن عفان -﵁- بسند فيه جابر الجعفي، وهو متروك.\nوالصحيح هو القول الأول إذا كان أخذها من حرز، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) سيأتي في «البلوغ» برقم (١٢٣٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥) «الأوسط» (١٢/ ٢٩٧).\n(^٣) «الأوسط» (١٢/ ٣٠٢).","vol":"9","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5416>مسألة [٤]: من سرق شيئًا من المواشي</span>؟\n• جمهور العلماء على أنه يقطع إذا سرقها بعد أن آواها المراح، وبلغ نصاب القطع. وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وابن المنذر.\n• وقال أبو ثور، وأصحاب الرأي: يقطع فيها، ولو أخذها من غير مراحها إذا كانت في حائط مغلق، وكسر الباب.\nوالصحيح قول الجمهور، والصورة التي ذكرها الحنفية فيها شبهة يدرأ بها الحد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5417>مسألة [٥]: من سرق مصحفًا أو كتابًا شرعيًا</span>؟\n• قال جماعة من أهل العلم: فيه القطع إذا بلغ النصاب، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وابن القاسم المالكي، وأبي يوسف، وابن المنذر.\n• وقال أبو حنيفة: لا أقطع في كتاب فيه الشِّعر، وتعقبه أبو يوسف، وقال: يقطع ما لم يكن فيه معصية. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5418>مسألة [٦]: من سرق كلب صيد</span>؟\n• هذه المسألة متعلقة بجواز بيعه؛ فمن قال: إنه يحرم بيعه؛ يقول: إنه لا يقطع فيه. وهذا القول هو الصحيح. ومن قال: إنه لا يحرم بيع كلب الصيد؛ فيقول: إنه يقطع بسرقته إذا بلغ النصاب وسرق من حرز مثله. (^٣)\n_________\n(^١) «الأوسط» (١٢/ ٣٠٤).\n(^٢) «الأوسط» (١٢/ ٣٠٦).\n(^٣) «الأوسط» (١٢/ ٣٠٢).","vol":"9","page":529},{"text":"١٢٣٤ - وَعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ -﵁- قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِلِصٍّ قَدِ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا إخَالُكَ سَرَقْت» قَالَ: بَلَى فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ، وَجِيءَ بِهِ فَقَالَ: «اسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إلَيْهِ»، فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ فَقَالَ: «اللهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ» ثَلَاثًا. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^١)\n\n١٢٣٥ - وَأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، فَسَاقَهُ بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ فِيهِ: «اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ». وَأَخْرَجَهُ البَزَّارُ أَيْضًا، وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5419>مسألة [١]: الأمور التي تثبت بها السرقة</span>.\nتثبت السرقة عند أهل العلم بالبينة، أو الإقرار.\n• فأمَّا البينة فيشترط فيها أن يكونا رجلين، مسلمين، حرين، عدلين، سواء\n_________\n(^١) حسن لغيره. أخرجه أبوداود (٤٣٨٠)، وأحمد (٥/ ٢٩٣)، والنسائي (٨/ ٦٧)، وفي إسناده أبوالمنذر مولى أبي ذر وهو مجهول. والحديث حسن بشاهده الذي بعده.\n(^٢) حسن، دون الزيادة المذكورة. أخرجه الحاكم (٤/ ٣٨١)، والبزار كما في «كشف الأستار» (١٥٦٠) من طريق الدراوردي عن يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة به. وهذا إسناد ظاهره الصحة، لكن رواه الثقات عن يزيد عن ابن ثوبان مرسلًا. رواه كذلك الثوري كما في «المراسيل» لأبي داود (٢٤٤)، وابن جريج كما في «مصنف عبدالرزاق» (١٨٩٢٣)، وإسماعيل بن جعفر كما في «غريب الحديث» (٢/ ٢٥٨).\n\nقال الحافظ في «التلخيص» (٤/ ١٢٤): ورجح ابن خزيمة وابن المديني وغير واحد إرساله. اهـ\nقلتُ: وأشار إلى ذلك الدارقطني في «سننه» (٣/ ١٠٢)، فالحديث مرسل، وهو حسن بشاهده الذي قبله دون قوله: «اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه».","vol":"9","page":530},{"text":"كان السارق مسلمًا، أو ذِمِّيًّا، وتقدم في (الشهادة في الزنى) ذكر الخلاف في اشتراط الحرية، والصحيح عدم اشتراطها.\nقال ابن المنذر -﵀-: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن قطع السارق يجب إذا شهد بالسرقة شاهدان، حُرَّان، مسلمان، ووصفا ما يوجب القطع. اهـ\nوقوله: (ووصفا ما يوجب القطع)، أي: بأن يصفا السرقة، والحرز، وجنس النصاب، وقدره. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5420>مسألة [٢]: إذا اختلف الشاهدان في بعض الشهادة</span>؟\nإذا اختلف الشاهدان في تعيين وقت السرقة، أو مكانها، أو المسروق؛ لم يقطع في قولهم جميعًا. وبذلك قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور وغيرهم.\n• وإذا اختلف الشاهدان بالشيء اليسير، كلون الثوب، أو كون المسروق بقرة، أو ثورًا، أو ما أشبه ذلك، فمذهب الشافعي عدم قبول الشهادة، وهو قول أبي ثور، وابن المنذر.\n• ومذهب الحنابلة، والحنفية قبول الشهادة؛ لأنَّ التفاوت اليسير قد لا يضبط. (^٢)\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ٤٦٣ - ٤٦٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٦٤ -).","vol":"9","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5421>مسألة [٣]: ثبوت السرقة بالاعتراف</span>.\nجميع أهل العلم يقولون بثبوت السرقة بذلك، واختلفوا هل يشترط التكرار؟\n• فذهب جماعةٌ منهم إلى اشتراط ذلك، وهو مذهب الحنابلة، وقال به ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو يوسف، وزُفر.\nواستدلوا على ذلك بحديث الباب، وصحَّ عن علي -﵁-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٩/ ٤٩٤)، وابن المنذر (١٢/ ٣٣١)، أنه فعل ذلك، اعترف سارق عنده بذلك، فانتهره، فاعترف ثانية، فأمر به، فقطع.\n• وذهب الجمهور إلى عدم اشتراط ذلك، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنفية.\nواستدلوا على ذلك بما تقدم ذكره في الاعتراف بالزنى، وقالوا: حديث الباب، وأثر علي -﵁- ليس فيهما الاشتراط، وإنما فيه أنه يستحب للإمام أن يفعل كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في التثبت في الإقرار، ولا خلاف في استحباب ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5422>مسألة [٤]: هل يشترط في إقراره بالسرقة حضور المسروق منه</span>؟\n• ذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لا يشترط، وهو قول مالك، وابن أبي ليلى، وأبي ثور، وابن المنذر.\n• وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه يشترط، وهو قول الشافعية، والحنفية.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٦٤ -) «الأوسط» (١٢/ ٣٣١).","vol":"9","page":532},{"text":"والصحيح القول الأول، وليس هنالك دليل على اشتراط ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5423>مسألة [٥]: الرجوع عن الإقرار هل يقبل</span>؟\n• مذهب الجمهور أنه يقبل رجوعه، ولا يُقام عليه الحد، ويغرم المسروق، فلا يقبل رجوعه فيه. واستدلوا على ذلك بحديث الباب: «ما إخالك سرقت»، عرَّض له ليرجع، ولأنه حدٌّ لله تعالى، ثبت بالاعتراف، فقبل رجوعه عنه، كحد الزنى؛ ولأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، ورجوعه عنه شبهة؛ ولأنَّ حجة القطع زالت قبل استيفائه؛ فسقط، كما لو رجع الشهود عن الشهادة.\n• وذهب ابن أبي ليلى، وداود الظاهري إلى عدم قبول رجوعه؛ لأنه لو أقرَّ لآدمي بقصاص، أو حقٍّ؛ لم يُقبل رجوعه عنه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5424>مسألة [٦]: كيفية قطع يد السارق</span>.\nذكر أهل العلم أنه يجب على الإمام أن يستخدم آلةً حادَّة في قطع يد السارق، وتُقطع من الكوع عند مفصل الكف مع الساعد بضربة واحدة، ولا يقطعها في شدة حرٍّ ولا برد حتى لا يتأثر السارق بذلك، وبعد القطع تحسم يد السارق في زيت مغلي حتى يستمسك الدم، أو ما يقوم مقام ذلك.\nقالوا: ويستحب تعليق يده على عنقه، وجاء في ذلك حديث مرفوع من حديث فُضَالَة بن عبيد أخرجه البيهقي، وفيه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فعل ذلك، وهو حديث\n_________\n(^١) «الأوسط» (١٢/ ٢٨٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٦٦).","vol":"9","page":533},{"text":"ضعيفٌ، في إسناده حجاج بن أرطاة، وهو مدلس فيه ضعف، ولم يصرح بالتحديث.\nوجاء عن علي بن أبي طالب -﵁- أنه فعل ذلك. أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٤٩٤)، وإسناده صحيح. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١٢/ ٤٩٧) «المغني» (١٢/ ٤٤٢) «سبل السلام» (٧/ ١٨٤) «البيهقي» (٨/ ٢٧٥).","vol":"9","page":534},{"text":"١٢٣٦ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَغْرَمُ السَّارِقُ إذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَبَيَّنَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَقَالَ أَبُوحَاتِمٍ: هُوَ مُنْكَرٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5425>مسألة [١]: رد العين المسروقة</span>.\nأما إن كانت العين المسروقة باقيةً لم تتلف؛ فيجب ردها لمالكها؛ قطع السارق، أو لم يقطع، بلا خلاف.\nوأما إن كانت قد تلفت، أو استهلكت، ففيه خلاف.\n• فذهب أكثر العلماء إلى وجوب ردِّها لمالكها بمثلها، أو قيمتها، سواء قطع، أو لم يقطع؛ لأنه حقٌّ لآدمي، فلا يسقط بإقامة الحد عليه، ولا دليل على سقوطه بذلك.\nواستدلوا بالأدلة العامة في وجوب رد المظالم إلى أهلها، وهذا قول الحسن، والنخعي، وحماد، والبتي، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومالك وغيرهم.\n_________\n(^١) ضعيف منكر. أخرجه النسائي (٨/ ٩٣)، من طريق المسور بن إبراهيم عن جده عبدالرحمن بن عوف به.\nقال النسائي عقبه: هذا مرسل، وليس بثابت. اهـ\nوقال أبوحاتم كما في «العلل» لولده (١٣٥٧): هذا حديث منكر، ومسور لم يلق عبدالرحمن، هو مرسل أيضًا. اهـ\nقلتُ: والمسور بن إبراهيم مجهول.","vol":"9","page":535},{"text":"• وقال جماعةٌ من أهل العلم: إن قطع؛ فلا يغرم. وهو قول ابن سيرين، وعطاء، والشعبي، ومكحول، ومالك في الرجل المعسر. وقال بذلك الثوري، وأبو حنيفة، وقالا: وإن غرم؛ فلا قطع.\nواستدلوا بحديث الباب، وهو ضعيفٌ منكر، والصحيح قول الجمهور.\nتنبيه: إن كانت العين ناقصة بالاستعمال، وما أشبه ذلك؛ ضمن ما نقص منها عند الجمهور. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٥٤ -).","vol":"9","page":536},{"text":"١٢٣٧ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -﵄- عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّمْرِ المُعَلَّقِ، فَقَالَ: «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الغَرَامَةُ وَالعُقُوبَةُ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الجَرِينَ فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ فَعَلَيْهِ القَطْعُ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5426>مسألة [١]: عقوبة من سرق من الثمار المعلقة في شجرها</span>.\nدلَّ حديثُ الباب أنه لا قطع في ذلك، وفي الحديث: «فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ، وَالعُقُوبَةُ».\n• فذهب أحمد، وإسحاق إلى الأخذ بظاهر الحديث بأنه يغرم بمثلي المسروق، ويؤدبه الحاكم، واعتمد أحمد أيضًا بفعل عمر -﵁- المتقدم في تغريم حاطب مِثْلَي قيمة الناقة.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (٤٣٩٠)، والنسائي (٨/ ٨٥ - ٨٦)، والحاكم (٤/ ٣٨٠)، من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فهو حديث حسن، وعندهم «فعليه غرامة مثليه والعقوبة» واللفظ لغير الحاكم، وعندهم زيادة بعد قوله في آخره «فعليه القطع»: «ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة»، وعند الحاكم «مثله» واللفظ لغير الحاكم.\nتنبيه: ضعف الطحاوي الحديث بسبب قوله: «غرامة مثليه» فقال: يدفعه الإجماع، بينما قال ابن عبدالبر: إنه منسوخ لا نعلم أحدًا من الفقهاء قال به إلا ما جاء عن عمر في رقيق حاطب بن أبي بلتعة حين انتحروا ناقة رجل من مزينة، ورواية عن الإمام أحمد. اهـ «التمهيد» (١٩/ ٢١٢)، و«البدر المنير» (٨/ ٦٥٥).","vol":"9","page":537},{"text":"• وذهب الجمهور إلى أنَّ عليه غرامة المثل، وادَّعوا نسخ الحديث، وضعَّفَه الطحاوي من أجل مخالفته لما هو معلوم من المعاقبة بالمثل.\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، وبقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦].\nوالصحيح القول الأول؛ لظاهر الحديث، وهو مخصص للآية المذكورة تعزيرًا وتأديبًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5427>مسألة [٢]: يشترط في القطع أن تكون السرقة من حِرزٍ</span>.\nاستدل أهل العلم بحديث الباب على اشتراط الحرز.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٤٢٦): وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافَهُمْ، إلَّا قَوْلًا حُكِيَ عَنْ عَائِشَةَ (^٢)،\nوَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، فِيمَنْ جَمَعَ الْمَتَاعَ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ الْحِرْزِ؛ عَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ. وَحُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْحِرْزُ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ لَا\n_________\n(^١) «التمهيد» (٢٣/ ٣١٢، و٣١٤) «المغني» (١٢/ ٤٣٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٤٧٩) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، قال: بلغ عائشة ...\n\nوعبد الرحمن بن القاسم ثقة، وقد ولد في حياة عائشة، وليس له سماع من أحد من الصحابة. قال ابن المنذر في «الأوسط» (١٢/ ٣١٠): «لا يثبت في هذا الباب عن أحد له رواية عن أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - شيء».","vol":"9","page":538},{"text":"تَفْصِيلَ فِيهَا. وَهَذِهِ أَقْوَالٌ شَاذَّةٌ غَيْرُ ثَابِتَةٍ عَمَّنْ نُقِلَتْ عَنْهُ. اهـ\nثم نقل عن ابن المنذر أنه نقل الإجماع على ذلك. وحديث عبدالله بن عمرو -﵄- حجة المسألة، وهو مخصص للآية.\nقال ابن قدامة -﵀- (١٢/ ٤٢٧): وَالْحِرْزُ مَا عُدَّ حِرْزًا فِي الْعُرْفِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ فِي الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ عَلَى بَيَانِهِ، عُلِمَ أَنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْعُرْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَيُرْجَعُ إلَيْهِ، كَمَا رَجَعْنَا إلَيْهِ فِي مَعْرِفَةِ الْقَبْضِ وَالْفُرْقَةِ فِي الْبَيْعِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5428>مسألة [٣]: من سرق من دار هو داخلها، ولكن من حجرة أخرى، وكل يغلق على حجرته بابه</span>؟\n• قال بعض أهل العلم: فيه القطع؛ لأنه سرق من حرز مثله، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، ورواية عن أبي حنيفة.\n• وقال بعض أهل العلم: لا يقطع، وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبي حنيفة في رواية.\nوالقول الأول أقرب إذا سرق منها في حال كونها محروزة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5429>مسألة [٤]: من جمع المتاع في البيت، وانكشف أمره قبل إخراجه</span>؟\n• الذي عليه عامة أهل العلم: أنه لا قطع عليه حتى يخرجه من البيت؛ فلعله\n_________\n(^١) وانظر: «الحدود والتعزيرات» عند ابن القيم (ص ٣٦٢) «الأوسط» (١٢/ ٣٠٧).\n(^٢) «الأوسط» (١٢/ ٣١٧).","vol":"9","page":539},{"text":"أن يتوب قبل إخراجه، وهذا قول الشعبي، وعطاء، والزهري، وعمرو بن دينار، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.\n• ونقل قول عن الحسن، والنخعي: أن عليه القطع. ونقل عنهما خلافه على قول الجمهور. وقال ابن المنذر: هو عندي كالإجماع. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5430>مسألة [٥]: إذا دخل البيت فرمى بالمتاع إلى الطريق ثم خرج وأخذه</span>.\n• عامة أهل العلم على أن فيه القطع، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأحمد، وأصحاب الرأي، وابن المنذر؛ لأنه قد أخرجه من حرزه، وأخذه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5431>مسألة [٦]: إذا دخل الدار فناول المتاع رجلًا في الخارج فعلى من القطع</span>؟\n• الجمهور على أن القطع على الذي أخرجه؛ لأنه هو الذي هتك الحرز، وأخذه من حرزه، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.\n• وقال أصحاب الرأي: لا قطع على أحدهما.\nوالصحيح هو القول الأول، وعلى الأخر التعزير. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5432>مسألة [٧]: إذا نقب البيت، وأدخل يده من الخارج؛ فأخذ المتاع</span>.\n• الجمهور على أن عليه القطع، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأبي\n_________\n(^١) «الأوسط» (١٢/ ٣٠٨).\n(^٢) «الأوسط» (١٢/ ٣١٠).\n(^٣) «الأوسط» (١٢/ ٣١٠).","vol":"9","page":540},{"text":"يوسف، وابن المنذر. لأنه قد أخذ المتاع بخفية من حرز مثله.\n• وخالف أبو حنيفة فقال: لا يقطع.\nوالصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5433>مسألة [٨]: إذا نقب البيت اثنان ودخل أحدهما فأخذ المتاع، ثم حملاه جميعًا</span>؟\n• الصحيح في هذا المسألة أن القطع على الذي دخل، وأخذ المتاع؛ لأنه هو الذي هتك الحرز، وباشر السرقة، وهذا قول الجمهور، ومقتضى قول أبي حنيفة: أنه يقطع كلاهما، والصحيح القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5434>مسألة [٩]: إذا دخل البيت جماعة، وجمعوا المتاع ثم أخرجه واحد منهم فعلى من القطع</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن القطع على الذي أخرجه منهم، وهو قول مالك في رواية، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن القطع عليه جميعًا، وهو قول مالك في رواية، والحنفية.\nوالقول الأول أقرب، وأحوط؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات. (^٣)\n_________\n(^١) «الأوسط» (١٢/ ٣١١).\n(^٢) «الأوسط» (١٢/ ٣١١).\n(^٣) «الأوسط» (١٢/ ٣١١).","vol":"9","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5435>مسألة [١٠]: إذا سرق باب بيت مشدودًا</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يقطع، وهو قول ابن القاسم، وأبي ثور، والشافعي، وابن المنذر. لأن ذلك هو حرز مثله\n• وقال أصحاب الرأي: لا يقطع؛ لأنه ظاهر. والقول الأول أقرب، والله أعلم، وهو أعظم من أخذ التمر من الجرين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5436>مسألة [١١]: إذا سرق ثيابًا من حمام</span>.\n• أكثر العلماء على أنه إن كان عليها حارس؛ فاستغفله وسرقها أن عليه القطع، وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر. وإن لم يكن عليها حارس فلا قطع.\n• وقال الحنفية: لا قطع في ذلك مطلقًا.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5437>مسألة [١٢]: إذا سرق من داخل خيمة أو فسطاط</span>.\nالذي عليه أهل العلم: أنه يعتبر سرقة من حرز، وفيه القطع، وهو قول الثوري، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وقال: ولا أعلم في ذلك خلافًا. (^٣)\n_________\n(^١) «الأوسط» (١٢/ ٣١٢).\n(^٢) «الأوسط» (١٢/ ٣١٣).\n(^٣) «الأوسط» (١٢/ ٣١٦).","vol":"9","page":542},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5438>مسألة [١٣]: إذا سرق فسطاطًا فهل فيه قطع</span>؟\n• قال بعض أهل العلم: فيه القطع، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.\n• وقال الحنفية: لا قطع في ذلك، ومثله الجوالق على ظهر البعير، والذي يظهر أنها كانت مهجورة؛ فلا قطع فيها، وإن كانت مستعملة، واستغفل صاحبها ثم سرقها؛ ففيها القطع، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5439>مسألة [١٤]: إذا ادعى السارق أن ربَّ المنزل أمره بدخول منزله</span>.\n• أكثر العلماء على عدم قبول هذه الدعوى، وأنه يقطع، وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، واختاره ابن المنذر.\n• ومذهب الحنفية: أنه لا يقطع. والقول الأول أقرب؛ لبعد الكلام المذكور؛ فإن وجد من قرينة الحال ما يحتمل ما ذكر فلا يقطع؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5440>مسألة [١٥]: إذا سرق من السارق المتاع الذي سرقه، فما الحكم</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يقطع الأول والثاني، وهكذا إن تسلسل. وهو قول مالك، وربيعة، وأبي ثور، وابن شبرمة، وإسحاق، وابن المنذر.\n_________\n(^١) «الأوسط» (١٢/ ٣١٦).\n(^٢) «الأوسط» (١٢/ ٢٨٩).","vol":"9","page":543},{"text":"• وذهب آخرون إلى أن القطع للأول فقط، وهو قول الثوري، ومعمر، والحنفية، وتوقف فيه أحمد\nقال أبو عبد الله غفر الله له: إن كان للثاني شبهة فلا يقام عليه الحد، كأن يعلم أنه مسروق؛ فيظن أن لا حرمة له بعد السرقة الأولى؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5441>مسألة [١٦]: من سرق متاعًا من رجل عليه له دين</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ليس فيه قطع إذا كان الذي عليه الحق مانعًا، أو مماطلًا، أو جاحدًا؛ لأن له في ذلك شبهة كبيرة. وفي الصحيحين عن عائشة -﵂-، أن امرأة أبي سفيان استأذنت النبي - ﷺ - أن تأخذ من مال أبي سفيان ما تحتاجه للنفقة بغير علمه؛ فأذن لها بالمعروف. وممن قال بهذا القول الشعبي، وأبو ثور، وأحمد، وابن المنذر.\n• وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن عليه القطع، وهو قول ابن القاسم صاحب مالك.\n• وقال أصحاب الرأي: عليه القطع؛ إلا أن يقول: أردت أن آخذه رهنًا، أو قصاصًا بحقي.\nوالصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) «الأوسط» (١٢/ ٢٨٦).\n(^٢) «الأوسط» (١٢/ ٢٨٨).","vol":"9","page":544},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5442>مسألة [١٧]: السرقة في المجاعة وعام السنة</span>.\n• مذهب أحمد، والأوزاعي عدم قطع من سرق في المجاعة؛ لما نُقل عن عمر أنه قال: لا قطع في عذق، ولا عام سنة. وهو من طريق: يحيى بن أبي كثير، عن عمر، ولم يدركه؛ فهو منقطع.\n• وجاء عن عمر أنه قال لحاطب عند أن سرق غلمانه ناقة رجل من مُزينة وانتحروها: لولا أني أظن أنك تجيعهم؛ لقطعتهم. ثم غرَّم حاطبًا مثلي قيمة الناقة (ثمانمائة درهم)، وهو عند البيهقي (٨/ ٢٧٨)، وغيره من طريق: يحيى ابن عبدالرحمن بن حاطب، عن عمر، ولم يسمع منه؛ فهو منقطع.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣): وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَجِدُ مَا يَشْتَرِيهِ، أَوْ لَا يَجِدُ مَا يَشْتَرِي بِهِ؛ فَإِنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي أَخْذِ مَا يَأْكُلُهُ، أَوْ مَا يَشْتَرِي بِهِ مَا يَأْكُلُهُ.\nقال: فَأَمَّا الْوَاجِدُ لِمَا يَأْكُلُهُ، أَوْ الْوَاجِدُ لِمَا يَشْتَرِي بِهِ وَمَا يَشْتَرِيهِ؛ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَإِنْ كَانَ بِالثَّمَنِ الْغَالِي. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. اهـ\nوقد رجَّح الحافظ ابن القيم عدم القطع في ذلك، واعتبر ذلك شبهة تمنع قيام الحد، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الحدود والتعزيرات» (ص ٣٧٣) «عبدالرزاق» (١٠/ ٢٤٢) «ابن أبي شيبة» (١٠/ ٢٧).","vol":"9","page":545},{"text":"١٢٣٨ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ -لَمَّا أَمَرَ بِقَطْعِ الَّذِي سَرَقَ رِدَاءَهُ فَشَفَعَ فِيهِ-: «هَلَّا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ وَالحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5443>مسألة [١]: هل يشترط في القطع مطالبة المسروق منه بالعين المسروقة</span>؟\n• اشترط ذلك الجمهور؛ لأنه بعدم المطالبة يحتمل أن يكون أهداها له، أو باعها له، أو للسارق فيها شبهة، أو ما أشبه ذلك. واستدلوا على ذلك بحديث الباب.\n• وذهب أحمد في رواية، وحُكي رواية عن مالك أنه لا يشترط ذلك، بل يقطع وإن لم يطالب؛ لأنَّ هذا من حقوق الله.\nوالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5444>مسألة [٢]: إذا ملك السارق العين المسروقة ببيع، أو هبة، أو غير ذلك</span>؟\n• جمهور أهل العلم على أنه إن كان ذلك قبل الرفع إلى الحاكم، والمطالبة؛ فلا\n_________\n(^١) حسن بمجموع طرقه. أخرجه أحمد (٣/ ٤٠١) (٦/ ٤٦٦)، وأبوداود (٤٣٩٤)، والنسائي (٨/ ٦٩)، وابن ماجه (٢٥٩٥)، وابن الجارود (٨٢٨)، والحاكم (٤/ ٣٨٠)، من طرق يحسن بمجموعها، والله أعلم. وانظر: «الإرواء» (٢٣١٧).\nتنبيه: الحديث لم يخرجه الترمذي.\n(^٢) انظر: «الحدود والتعزيرات» (ص ٣٧٢ -) «المغني» (١٢/ ٤٥٢).","vol":"9","page":546},{"text":"قطع عليه، وإن كان بعد ذلك، ففيه القطع؛ لحديث صفوان.\n• وقال أبو حنيفة: لا قطع في ذلك مطلقًا؛ لأنَّ الشروط يُعتبر دوامها.\nوأجاب الجمهور بأنَّ المطالبة شرط الحكم لا شرط القطع؛ بدليل أنه لو استرد العين لم يسقط القطع، وقد زالت المطالبة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5445>مسألة [٣]: حكم الشفاعة في عدم إقامة الحد</span>؟\nأما بعد الرفع إلى الحاكم فلا يجوز؛ لحديث أسامة في أول الباب، ولحديث ابن عمر عند أبي داود (٣٥٩٧) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فقد ضادَّ الله»، وأجمعوا عليه.\nوأما قبل ذلك فتجوز الشفاعة فيه والعفو؛ لحديث صفوان.\nوقال مالك: من عُرِف بِشَرٍّ، وفسادٍ؛ فلا أحب أن يشفع له أحد. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٥٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٦٧).","vol":"9","page":547},{"text":"١٢٣٩ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ جِيءَ بِسَارِقٍ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» فَقَالُوا: إنَّمَا سَرَقَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «اقْطَعُوهُ» فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الخَامِسَةَ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَاسْتَنْكَرَهُ. (^١)\n\n١٢٤٠ - وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ الحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ نَحْوَهُ. وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ القَتْلَ فِي الخَامِسَةِ مَنْسُوخٌ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5446>مسألة [١]: إذا تكررت من الرجل السرقة</span>؟\nأمَّا في أول السرقة؛ فتُقطع يده اليمنى من مفصل الكف، وهو الكوع، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، كما ذكر ذلك ابن قدامة، وابن كثير رحمة الله عليهما؛ لأنَّ هذا هو الوارد عن الصحابة، نُقل عن عمر، وعلي -﵄-، ولا مخالف لهما من الصحابة.\n_________\n(^١) ضعيف منكر. أخرجه أبوداود (٤٤١٠)، والنسائي (٨/ ٩٠ - ٩١)، وفي إسناده مصعب بن ثابت ابن عبدالله بن الزبير. قال النسائي عقب الحديث: هذا حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث، والله تعالى أعلم.\n(^٢) منكر. أخرجه النسائي (٨/ ٨٩ - ٩٠)، وكذلك الحاكم (٤/ ٣٨٢)، وفي إسناده يوسف بن سعد الجمحي، قال ابن معين: ثقة. والترمذي قال: مجهول. وأنكر عليه هذا الحديث كما في «ميزان الاعتدال». وقال الذهبي في «التلخيص» (٤/ ٣٨٢)،: منكر. قال ابن عبدالبر: حديث القتل في الخامسة منكر لا أصل له.","vol":"9","page":548},{"text":"• وإذا سرق ثانيًا فالجمهور على قطع رجله اليسرى، وحجتهم في ذلك أن هذا هو الثابت عن أبي بكر، وعمر، وعلي -﵃-.\nوجاء في ذلك حديث مرفوعٌ: «إذا سرق؛ فاقطعوا يده، ثم إن سرق؛ فاقطعوا رجله»، أخرجه الدارقطني (٣/ ١٨١)، من حديث أبي هريرة -﵁-، وفي إسناده: الواقدي، وهو كذاب.\n• وحُكي عن عطاء، وربيعة، وداود أنه في الثانية تقطع يده اليسرى؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَهَذَا شُذُوذٌ يُخَالِفُ قَوْلَ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ، مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ -﵄-.\nقال: وَلِأَنَّ قَطْعَ يَدَيْهِ يُفَوِّتُ مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ، فَلَا تَبْقَى لَهُ يَدٌ يَأْكُلُ بِهَا، وَلَا يَتَوَضَّأُ، وَلَا يَسْتَطِيبُ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، فَيَصِيرُ كَالْهَالِكِ؛ فَكَانَ قَطْعُ الرِّجْلِ الَّذِي لَا يَشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ المَفْسَدَةِ أَوْلَى.\nقال: وَأَمَّا الْآيَةُ؛ فَالْمُرَادُ بِهَا قَطْعُ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ الْيَدَانِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى. اهـ\nورجَّح الشوكاني أنه لا تقطع إلا يده اليمنى فقط، وما قضى به الصحابة","vol":"9","page":549},{"text":"أصح، والله أعلم. (^١)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٤٤١): وَتُقْطَعُ الرِّجْلُ مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ -﵁-، وَكَانَ عَلِيٌّ -﵁- يَقْطَعُ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ مِنْ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَيَدَعُ لَهُ عَقِبًا يَمْشِي عَلَيْهَا. (^٢) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. وَلَنَا أَنَّهُ أَحَدُ الْعُضْوَيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ فِي السَّرِقَةِ؛ فَيُقْطَعُ مِنْ الْمَفْصِلِ كَالْيَدِ. اهـ\n• وإن عاد فسرق ثالثة: فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يحبس، ولا يقطع منه شيء آخر، ثبت ذلك عن علي بن أبي طالب -﵁-، وقال بذلك الحسن، والشعبي، والنخعي، والزهري، وحماد، والثوري، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة.\n• وذهب بعضهم إلى أنه تقطع في الثالثة يده اليسرى؛ فإن عاد؛ قُطعت رجله اليمنى، وفي الخامسة يُعَزَّر ويُحبس، وَنُقِل عن أبي بكر، وعمر -﵄- أنهما قطعا يد أقطع اليد والرجل، وهو قول قتادة، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وابن المنذر، والأثر عن أبي بكر وعمر -﵄-، في «المصنف»، و«سنن البيهقي»، وهو ثابت عنهما.\n• وذهب أبو مصعب المالكي إلى القتل في الخامسة، وحُكي عن عمر بن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٤٠ -) «البيهقي» (٨/ ٢٧٤ - ٢٧٥) «السيل» (٤/ ٣٦٣)، «ابن أبي شيبة» (٩/ ٥٠٩ -)، «مصنف عبدالرزاق» (١٠/ ١٨٥) «الأوسط» (١٢/ ٣٣٦).\n(^٢) أثر عمر -﵁- من طريق عكرمة عنه، وهو منقطع، وأثر علي -﵁- له أربع طرق يحسن بها. انظر «ابن أبي شيبة» (١٠/ ٢٩)، و«عبدالرزاق» (١٠/ ١٨٥).","vol":"9","page":550},{"text":"عبدالعزيز وهو قول غير صحيح، والحديث الوارد ضعيفٌ منكرٌ، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5447>مسألة [٢]: إن تكررت السرقة قبل القطع</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ القطع ليده اليمنى يجزئ عن السرقات المتعددة، وتتداخل حدودها؛ لأنه حدٌّ من حدود الله تعالى، فإذا اجتمعت أسبابه تداخل كحد الزنى.\nقال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٢/ ٣٣٢): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السارق مرات إذا قدم إلى الحاكم في آخر السرقات أن قطع يده يجزئ من ذلك كله.\n• وذكر القاضي رواية: أنَّه إذا سرق من جماعة، وجاءوا متفرقين أنها لا تتداخل، ولعله يقيس ذلك على حد القذف.\nوالصحيح القول الأول، وما ذكره القاضي مخالف لما ذكره ابن المنذر من الإجماع. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5448>مسألة [٣]: إن سرق، فقطع، ثم سرق مرة أخرى من المكان الأول</span>؟\nيقطع بالسرقة الثانية عند أهل العلم، حتى ولو سرق العين المسروقة أولًا في مذهب الشافعية والحنابلة، وأبي ثور، وابن المنذر خلافًا لأبي حنيفة، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٤٦) «البيهقي» (٨/ ٢٧٢ -) «عبدالرزاق» (١٠/ ١٨٤ -) «الحدود والتعزيرات» (ص ٤٠١ -)، «ابن أبي شيبة» (٩/ ٥٠٩ -) «الأوسط» (١٢/ ٣٣٦).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٢/ ٤٤٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٤٣) «الأوسط» (١٢/ ٢٩٢).","vol":"9","page":551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5449>مسألة [٤]: من سرق وله يمنى، فقطعت في قصاص، أو تعدي، أو أكلة</span>؟\n• يسقط القطع، ولا شيء على العادي إلا الأدب، وبهذا يقول أصحاب المذاهب الأربعة.\n• وقال قتادة: يقتص من القاطع، وتقطع رجل السارق. وهذا غير صحيح؛ فإنَّ يد السارق ذهبت، والقاطع قطع عضوًا غير معصوم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5450>مسألة [٥]: إذا قطع الجذَّاذ اليسرى بدل اليمنى</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٤٤٥): وَإِنْ سَرَقَ فَقَطَعَ الْجَذَّاذُ يَسَارَهُ بَدَلًا عَنْ يَمِينِهِ، أَجْزَأَتْ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ إلَّا الْأَدَبُ. وَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ قَطْعَ يُمْنَى السَّارِقِ يُفْضِي إلَى تَفْوِيتِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَقَطْعِ يَدَيْهِ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يُشْرَعُ، وَإِذَا انْتَفَى قَطْعُ يَمِينِهِ، حَصَلَ قَطْعُ يَسَارِهِ مُجْزِئًا عَنْ الْقَطْعِ الْوَاجِبِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى فَاعِلِهِ قِصَاصٌ.\nوَقَالَ أَصْحَابُنَا: فِي وُجُوبِ قَطْعِ يَمِينِ السَّارِقِ وَجْهَانِ. وَلِلشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْقَاطِعُ كَوْنَهَا يَسَارًا، أَوْ ظَنَّ أَنَّ قَطْعَهَا يُجْزِئُ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا تُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ، كَيْ لَا تُقْطَعَ يَدَاهُ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالثَّانِي: تُقْطَعُ، كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يُسْرَاهُ قِصَاصًا.\nفَأمَّا القَاطِعُ فاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا، وَالشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ قَطَعَهَا عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ السَّارِقِ، أَوْ كَانَ السَّارِقُ أَخْرَجَهَا دَهْشَةً، أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا تُجْزِئُ، وَقَطَعَهَا الْقَاطِعُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥).","vol":"9","page":552},{"text":"عَالِمًا بِأَنَّهَا يُسْرَاهُ، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ؛ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا يُسْرَاهُ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ؛ فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا.\nوَإِنْ كَانَ السَّارِقُ أَخْرَجَهَا مُخْتَارًا عَالِمًا بِالْأَمْرَيْنِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي قَطْعِهَا فَأَشْبَهَ غَيْرَ السَّارِقِ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ أولًا، وَاَلله أَعْلَمُ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5451>مسألة [٦]: من سرق، ولا يمنى له</span>؟\nحكمه حكم من قطعت يمينه ثم سرق مرة أخرى. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5452>مسألة [٧]: من سرق وكانت يمينه شَّلاءَ</span>؟\n• في المسألة روايتان عن أحمد:\nإحداهما: تقطع رجله اليسرى؛ لأنَّ الشلاء لا نفع فيها؛ فأشبهت كفًّا لا أصابع فيها، وهذا قول مالك.\nوالثانية: تُقطع يده إن كانت تنحسم كالصحيحة، ويرقأ الدم، وهذا قول الشافعي. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5453>مسألة [٨]: من سَرَقَ وليس له أصابع في يمناه</span>؟\nفيه وجهان للحنابلة:\n• منهم من قال: تقطع؛ لأنَّ الراحة بعض ما يقطع في السرقة، فإذا كان\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٤٥) «البيان» (١٢/ ٤٩٧ -).\n(^٢) «المغني» (١٢/ ٤٤٤).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٤٤) «الفواكه الدواني» (٢/ ٢١٤).","vol":"9","page":553},{"text":"موجودًا؛ قطع، كما لو ذهبت الخنصر، أو البنصر، وهذا القول أرجح، والله أعلم.\n• ومنهم من قال: لا تقطع، وتقطع الرجل؛ لأنَّ الكف لا تجب فيه دية اليد.\nوأما إن كان بعض الأصابع موجودة بحيث بقيت لها منافع؛ فالأولى قطعها عندهم؛ لأنَّ نفعها لم يذهب بالكلية، قاله ابن قدامة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5454>مسألة [٩]: السارق من العبيد والإماء</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنهم يقطعون؛ لعموم الآية: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وثبت ذلك عن ابن عمر -﵄-، كما في «ابن أبي شيبة». وهذا القول هو الصحيح.\n• وثبت عن ابن عباس -﵄-، كما في «ابن أبي شيبة» أنه قال: لا قطع عليهما. وَعُلِّلَ ذلك بأنه حدٌّ لا يمكن تنصيفه؛ فلم يجب في حقهما كالرجم، ولأنه حد، فلا يساوي العبدُ فيه الحرَّ كسائر الحدود.\n• وعكس الجمهور القياس، فقالوا: حدٌّ فلا يتعطل في حق العبد والأمة كسائر الحدود، وفارق الرجم؛ فإنَّ حد الزاني لا يتعطل بتعطيله بخلاف القطع؛ فإنَّ حدَّ السرقة يتعطل بتعطيله. (^٢)\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ٤٤٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٥٠)، «ابن أبي شيبة» (٩/ ٤٨٣ - ٤٨٤)، «عبدالرزاق» (١٠/ ٢٣٧ -).","vol":"9","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5455>فَصْلٌ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيْقِ</span>\nالأصل في حكمهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣].\n• وهذه الآية تشمل قُطَّاع الطريق من المسلمين عند أكثر العلماء، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة؛ لأنَّ الآية عامة، ولأنَّ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:٣٤] دليلًا على أنها في حق المسلمين؛ إذ أنَّ الكفار تقبل منهم التوبة قبل القدرة عليهم وبعدها.\n• ونُقِل عن الحسن، وعطاء أنها نزلت في المرتدين، واستدل على ذلك بأنَّ سبب الآية قصة العُرنيين، وكانوا ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الرعاة واستاقوا الإبل.\nوالقول الأول أصح؛ لعموم الآية، والأصل عموم النص لا خصوص سببه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5456>مسألة [١]: ضابط المحاربين الذين تشملهم الآية السابقة</span>.\nاعتبر أهل العلم للمحاربين شروطًا، وهي:\n١) أن يكون ذلك في الخلاء خارج المصر؛ فإن كان في القرية، فلم يعدهم جماعة من أهل العلم محاربين.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٧٣).","vol":"9","page":555},{"text":"• وهو قول الثوري، وإسحاق، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة؛ لأنَّ الذي في المصر والقرية يلحقه الغوث غالبًا، فتذهب شوكة المعتدين، ويكونون مختلسين.\n• وقال جماعة من أهل العلم: هو قاطع حيث كان، وإن كان في المصر، أو في القرية، وهو قول الأوزاعي، والليث، والشافعي، وأحمد في رواية، وأبي يوسف، وأبي ثور؛ لعموم الآية؛ ولأنَّ حصول ذلك في المصر يجعله أعظم خوفًا وأعظم ضررًا. وهو رواية عن مالك.\n• وقال مالك: إن كان يبعد عن القرية ثلاثة أميال فصاعدًا؛ فهم قطاع طريق، وإن كان أقل من ثلاثة أميال؛ فليسوا كذلك.\nوالصحيح القول الثاني، والله أعلم، وهو ترجيح شيخ الإسلام.\n٢) واشترط أهل العلم أن يكون معهم سلاح؛ فإن لم يكن معهم سلاح؛ فهم غير محاربين؛ لأنهم لا يمنعون من يقصدهم، قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافًا.\n• وإن عرضوا بالعصي والحجارة؛ فهم محاربون في مذهب أحمد، والشافعي، وأبي ثور.\n• وقال أبو حنيفة: ليسوا محاربين؛ لأنه لا سلاح معهم.\nوالصحيح القول الأول؛ لأنَّ ذلك في حكم السلاح، بل لو قطعوا الطريق بدون","vol":"9","page":556},{"text":"سلاح؛ لشملهم الحكم كذلك، وقد أشار إلى ذلك ابن حزم. (^١)\n٣) ويشترط عند أهل العلم أخذ المال مجاهرةً قهرًا، فأما إن أخذوه مختفين؛ فهم سُرَّاق، وإن اختطفوه وهربوا؛ فهم مختلسون، ومنتهبون.\n٤) ويشترط عندهم أن يكون القطاع عندهم منعة، فلو خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة، فاستلبوا منها شيئًا؛ فليسوا بمحاربين؛ لأنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة، وإن خرجوا على عدد يسير، فقهروهم؛ فهم قطاع طريق. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5457>مسألة [٢]: هل العقوبات المذكورة في الآية للتنويع، أو الخيار</span>؟\n• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنَّ العقوبات للتنويع، فمن قَتَل؛ قُتِل، ومن قتل وأخذ المال؛ صُلِب، ومن أخذ المال ولم يقتل؛ قُطع من خلاف، وإن أخاف السبيل؛ نُفي. رُوي هذا القول عن ابن عباس بإسناد ضعيف، وهو قول قتادة، وأبي مجلز، وحماد، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nواستدلوا على ذلك بالحديث: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»؛ ولأنه رتب العقوبات بالأغلظ؛ فدل على عدم إرادة التخيير.\n• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنَّ ذلك على الخيار، ويجتهد الحاكم في فعل ما يستحقه القاطع من تلك العقوبات، وهذا قول سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والحسن، والضحاك، والنخعي، وأبي الزناد، وأبي ثور، وداود، ومالك.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٧٥) «البيان» (١٢/ ٥٠٢) «المحلى» (١٣/ ١٥٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٧٥) «البيان» (١٢/ ٥٠٢).","vol":"9","page":557},{"text":"واستدلوا بالتخيير بالآية بقوله ﴿أَوْ﴾، ورجَّح ذلك ابن حزم، والشوكاني.\nقال أبو عبد الله غفر الله له: القول بالتخيير إلى القاضي أرجح، ولكن ينبغي أن يراعي القاضي ما تقدم ذكره في القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5458>مسألة [٣]: أحوال المحاربين</span>.\nالحال الأولى: أن يَقتلوا فقط، فهؤلاء يُقتلون عند أهل العلم، ونُقل الإجماع على ذلك، ويتحتم قتله، ولا يدخله عفو الولي؛ لأنه حد من حدود الله.\n• وخالف ابن حزم، فقال بالخيار، وإن قتلوا، وهو قول ضعيف.\nالحال الثانية: أن يقتلوا ويأخذوا المال.\n• فجمهور أهل العلم على أنهم يصلبون مع القتل، ولا يقطعون.\n• وقال بعض الشافعية، وأحمد في رواية: يقطعون ويصلبون. وكلهم يقولون بالقتل، ونُقل الإجماع على ذلك، ويتحتم القتل، ولا يدخله العفو؛ لما تقدم. (^٢)\nالحال الثالثة: أن يأخذوا المال بدون قتل.\nذكر أهل العلم أنها تُقطع يده اليمنى، ورجله اليسرى، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾، ثم يُحسمان.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٧٦) «البيان» (١٢/ ٥٠٠) «المحلى» (٢٢٦٠) «السيل» (ص ٨٦٧)، «تفسير ابن جرير» و«ابن كثير» [آية:٣٣/من المائدة]، «ابن أبي شيبة» (١٠/ ١٤٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٧٥ - ٤٧٧) «البيان» (١٢/ ٥٠٧) «المحلى» (٢٢٦٠).","vol":"9","page":558},{"text":"قال ابن قدامة -﵀-: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ مِنْهُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ، إذَا كَانَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ صَحِيحَتَيْنِ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مَعْدُومَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، إمَّا لِكَوْنِهِ قَدْ قُطِعَ فِي قَطْعِ طَرِيقٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ لِمَرَضٍ، فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ سُقُوطُ الْقَطْعِ عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْيَدَ الْيُمْنَى وَالرِّجْلَ الْيُسْرَى، أَوْ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ قَطْعَ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ يَذْهَبُ بِمَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، إمَّا مَنْفَعَةُ الْبَطْشِ، أَوْ الْمَشْيِ، أَوْ كِلَيْهِمَا، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَسْتَوْفِي أَعْضَاءَ السَّارِقِ الْأَرْبَعَةَ، يُقْطَعُ مَا بَقِيَ مِنْ أَعْضَائِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةً، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وَحْدَهَا، وَلَوْ كَانَتْ يَدَاهُ صَحِيحَتَيْنِ، وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةً، قُطِعَتْ يُمْنَى يَدَيْهِ، وَلَمْ يُقْطَعْ غَيْرُ ذَلِكَ. وَجْهًا وَاحِدًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي مَحَلِّ الْحَدِّ مَا يُسْتَوْفَى، فَاكْتُفِيَ بِاسْتِيفَائِهِ. اهـ\n• وذهب ابن حزم إلى أنَّ الحد في القطع، إما اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، أو اليد اليسرى مع الرجل اليمنى، وكلهما مجزئ، والله أعلم. (^١)\nالحال الرابعة: أن لا يقتلوا، ولا يأخذوا مالًا، وإنما يخيفون السبيل بذلك.\n• الجمهور على أنهم ينفون. واختلفوا في تفسير النفي: فمنهم من قال: يشردون ولا يتركون يأوون إلى بلدٍ. وهذا قول الحسن، والزهري، وجماعة من الحنابلة.\n• ومنهم من قال: ينفيهم إلى بلد آخر.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٨٠ -) «البيان» (١٢/ ٥٠٤) «المحلى» (٢٢٦٥).","vol":"9","page":559},{"text":"• وزاد بعضهم: ويحبس في البلد الذي ينفى إليها. وهو قول مالك، وابن سريج.\n• وقال بعضهم: يحبس حتى يحدث توبة. وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة.\n• وقال بعضهم: يطلبهم الإمام ليعاقبهم، أو يخرجوا من بلاد المسلمين. وهو قولٌ للشافعي، ورواية عن أحمد.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: وتنازع العلماء في نفي المحارب من الأرض هل هو طرده بحيث لا يأوي في بلد، أو حبسه، أو بحسب ما يراه الإمام من هذا وهذا؟ ففي مذهب أحمد ثلاث روايات، الثالثة أعدل وأحسن؛ فإنَّ نفيه بحيث لا يأوي في بلد لا يمكن؛ لتفرق الرعية واختلاف هممهم، بل قد يكون بطرده يقطع الطريق، وحبسه لا يمكن؛ لأنه يحتاج إلى مؤنة، إلى طعام وشراب، وحارس، ولا ريب أنَّ النفي أسهل إن أمكن.\nقال: ومعلوم أن قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] لا يتضمن نفيه من جميع الأرض، وإنما هو نفيه من بين الناس، وهذا حاصل بطرده وحبسه. اهـ\nقلتُ: يرجح شيخ الإسلام -﵀- أن الأمر راجع إلى الإمام في ذلك، وهذا هو الذي يظهر، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5459>مسألة [٤]: وقت الصلب</span>.\n• قال بعض أهل العلم: يُقتل، ثم يُصلب. وهو قول الشافعي، وأحمد؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٨٢) «البيان» (١٢/ ٥٠٠) «الفتاوى» (١٥/ ٣١٠).","vol":"9","page":560},{"text":"لحديث: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة».\n• وقال جماعةٌ: يُصلب، ثم يُقتل. وهو قول الأوزاعي، ومالك، والليث، وأبي حنيفة، وأبي يوسف؛ لأنَّ الصلب فيه تعذيب، ولا فائدة من كونه بعد القتل.\n• وعند ابن حزم، وبعض الظاهرية أنه يُصلب بدون قتل، ويُترك كذلك حتى يموت.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀-: وينبغي أن ينظر في هذا إلى المصلحة، فإذا رأى القاضي أنَّ المصلحة أن يُصلب قبل أن يُقتل فعل. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5460>مسألة [٥]: مدة الصلب</span>.\n• الأشهر عند الحنابلة أنه يصلب حتى يشتهر أمره؛ لأنَّ من المقصود في ذلك الزجر، والردع.\n• ومذهب الشافعية، والحنفية الصلب ثلاثة أيام.\n• وقال بعض الحنابلة: قدر ما يقع عليه اسم الصلب.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: إن مات قبل صلبه لم يصلب؛ لأنَّ الصلب من تمام الحد، وقد فات الحد بالموت. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٧٨) «الشرح الممتع» (٦/ ٢٣٢) «المحلى» (٢٢٦٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٧٨ -) «الشرح الممتع» (٦/ ٢٣٢).\n(^٣) «المغني» (١٢/ ٤٧٩).","vol":"9","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5461>مسألة [٦]: هل يعتبر التكافؤ في القتل في حدِّ المحاربين</span>؟\n• في هذه المسألة قولان لأهل العلم، وهما روايتان عن أحمد، ووجهان في مذهب الشافعية، ومعنى ذلك أنَّ المحارب يُقتل ولو كان حُرًّا والمقتول عبدًا، أو كان مسلمًا والمقتول ذِمِّيًّا، أو مستأمنًا.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: والأقوى أنه يُقتل؛ لأنه قتل للفساد العام حَدًّا، كما يقطع إذا أخذ أموالهم، كما يحبس بحقوقهم. اهـ\nواختار هذا القول ابن حزم أيضًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5462>مسألة [٧]: إن جَرَحَ المحاربُ ولم يقتل، ولم يأخذ مالًا</span>؟\n• أما على القول بأنَّ العقوبات على التخيير؛ فيكون ذلك راجعًا إلى اجتهاد الحاكم، وأما على القول بأنها للتنويع كما تقدم، فقالوا: في ذلك القصاص.\n• واختلفوا هل القصاص متحتم، أم على اختيار الولي؟ على وجهين في مذهب أحمد، والشافعي. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5463>مسألة [٨]: هل يشترط في القطع ههنا أن يكونوا أخذوا مالًا بلغ النصاب</span>؟\n• اشترط ذلك بعض أهل العلم؛ قياسًا على السرقة، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وأصحاب الرأي.\n• ولم يشترط ذلك بعض أهل العلم؛ لعدم وجود نص على التقييد المذكور،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٧٧) «البيان» (١٢/ ٥٠٥ -) «الفتاوى» (٢٨/ ٣١١) «المحلى» (٢٢٦٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٨٠) «البيان» (١٢/ ٥٠٦).","vol":"9","page":562},{"text":"وهو مذهب مالك، وأبي ثور، وابن المنذر، وهذا القول أرجح؛ لأن القطع للفساد، وليس للسرقة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5464>مسألة [٩]: عقوبة المحاربين هل هي خاصة بالمباشرين، أم تشمل الردء، والمعين</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣١١ -): وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة؛ فالواحد منهم باشر القتل بنفسه، والباقون له أعوان وردء له، فقد قيل: إنه يُقتل المباشر فقط.\nقلتُ: وهو مذهب الشافعي، وقال: يعزر الباقون؛ لحديث: «لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث ...».\nقال: والجمهور على أنَّ الجميع يقتلون، ولو كانوا مائة، وأنَّ الردء والمباشر سواء، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين؛ فإنَّ عمر بن الخطاب -﵁- قتل ربيئة المحاربين، والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عالٍ ينظر منه لهم من يجيء، ولأنَّ المباشر إنما تمكن من قتله بقوة الردء ومعونته.\nقال: والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين؛ فهم مشتركون في الثواب، والعقاب كالمجاهدين. اهـ\nقلتُ: الصواب قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٨١ -) «البيان» (١٢/ ٥٠٢).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٢/ ٤٨٦) «البيان» (١٢/ ٥٠٣).","vol":"9","page":563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5465>مسألة [١٠]: إذا كان في القطاع صبي، أو مجنون</span>؟\n• لا يُقام عليه الحد، ويُقام على الباقي عند الجمهور.\n• وخالف أبو حنيفة، فقال: لا يُقام على الباقين أيضًا، ويصير أمرهم إلى الأولياء يخيرون بين العفو والقصاص.\nوالصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5466>مسألة [١١]: إن كانت فيهم امرأة</span>؟\n• يُقام عليها الحد في مذهب أحمد، والشافعي.\n• وقال أبو حنيفة: لا يُقام عليها؛ لأنه ليست أهلًا لذلك.\nوالصحيح قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5467>مسألة [١٢]: توبة المحاربين قبل القدرة عليهم</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ الحد يسقط عنهم، ويبقى عليهم القصاص في النفس، والجراح، وغرامة المال، والدية لما لا قصاص فيه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤]. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5468>مسألة [١٣]: بقية الحدود كحد الزنى والسرقة، هل تسقط إذا تاب</span>.\n• من أهل العلم من قال: تسقط كحد المحاربة. وهو قولٌ للشافعي، ورواية\n_________\n(^١) «المغني» (١٢/ ٤٨٦) «البيان» (١٢/ ٥٠٤).\n(^٢) «المغني» (١٢/ ٤٨٦) «البيان» (١٢/ ٥٠٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٨٣) «البيان» (١٢/ ٥١٠).","vol":"9","page":564},{"text":"عن أحمد.\n• والأكثر على عدم سقوطه بذلك، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والأشهر في مذهب أحمد، وقولٌ للشافعي؛ لعدم ورود الدليل بإسقاطه، ولعموم الأدلة الواردة في إقامة الحد، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أقام الحد على ماعز، والغامدية، وقد حسنت توبتهما، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5469>مسألة [١٤]: إذا اجتمع على الرجل استحقاق عدد من الحدود، ومنها قتله</span>.\n• أكثر أهل العلم على أنها تقام عليه الحدود كلها، وهو قول الحسن، وابن أبي مليكة، والزهري، وقتادة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. واختاره المنذر، وهو الصحيح في المسألة؛ لأن الله ﷿ أمر بإقامتها كلها، ويمكن إقامتها بتعجيلها قبل حد القتل.\n• وقال بعض أهل العلم: يكفيه القتل. نقل هذا القول عن ابن مسعود -﵁-، ولم يثبت عنه؛ فإنه من طريق حبان العنزي، ومجالد الهمداني، وكلاهما ضعيف. وقال بهذا القول عطاء، والشعبي، والنخعي، وحماد، ومالك، إلا أنه استثنى الفرية. وقال الثوري: ما كان للناس أقيد منه، وما كان لله فيكفيه القتل. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٨٤ -) «البيان» (١٢/ ٥١١ -) «الأوسط» (١٢/ ٢٩٠، و٢٩٣).\n(^٢) «الأوسط» (١٢/ ٤٦٣).","vol":"9","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5470>بَابُ حَدِّ الشَّارِبِ وَبَيَانِ المُسْكِر</span>\n١٢٤١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُوبَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٢٤٢ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ -﵁- فِي قِصَّةِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ: جَلَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَرْبَعِينَ، وَأَبُوبَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ. وَفِي هَذَا الحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ الخَمْرَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا. (^٢)\n\n١٢٤٣ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ فِي شَارِبِ الخَمْرِ: «إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ الثَّالِثَةَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إذَا شَرِبَ الرَّابِعَةَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَالأَرْبَعَةُ وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ أَبُودَاوُد صَرِيحًا عَنِ الزُّهْرِيِّ. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٧٣)، ومسلم (١٧٠٦). واللفظ لمسلم، وليس عند البخاري (فلما كان عمر ...) إلخ.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٧٠٧).\n(^٣) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٩٣، ٩٦)، وأبوداود (٤٤٨٢)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، والترمذي (١٤٤٤)، وابن ماجه (٢٥٧٣)، وله إسناد صحيح، وآخر حسن.","vol":"9","page":566},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5471>مسألة [١]: حكم شرب الخمر</span>.\nشرب الخمر من كبائر الذنوب، ودلَّ على تحريمه الكتاب، والسنة.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١].\nومن السنة: حديث أنس -﵁- عند الترمذي (١٢٩٥)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لعن الله في الخمر عشرة» وذكر منهم: «شاربها»، وإسناده حسن.\nوحديث عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄- عند النسائي (٨/ ٣١٤) وغيره: «لا يشرب الخمر رجل من أمتي؛ فيقبل الله منه صلاة أربعين يومًا» وإسناده صحيح.\nوفي «صحيح مسلم» (٢٠٠٢) من حديث جابر -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنَّ حقًّا على الله لمن شرب المسكر أن يسقيه الله من طينة الخبال يوم القيامة ..».\nوأجمع المسلمون على تحريم الخمر في الجملة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5472>مسألة [٢]: مقدار الحد على الشارب</span>.\n• من أهل العلم من قال: حدُّه ثمانون جلدة. وهذا قول مالك، والثوري،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٩٣ - ٤٩٥) «البيان» (١٢/ ٥١٤).","vol":"9","page":567},{"text":"وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، والشافعي في قولٍ؛ لأنَّ هذا الذي استقر عليه الأمر في عهد عمر -﵁- بإشارة الصحابة، وعُزِي هذا القول للجمهور.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ حدَّه أربعون. وهو قول الشافعي في الأصح عنه، وأحمد في رواية، وأبي ثور، وداود الظاهري وأصحابه.\nواستدلوا بحديث أنس، وحديث علي -﵄- اللذين في الباب.\n• وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنَّ الخمر لا حدَّ فيها، وإنما فيها التعزير. نقله عنهم ابن المنذر، والطبري، ونُقل هذا القول عن الزهري، وأخرج أحمد (٢٩٦٣)، وأبو داود (٤٤٧٦)، عن ابن عباس -﵄- أنه قال: لم يقت النبي - ﷺ - في الخمر حدًّا، شرب رجل، فسكر، فانطلق به إلى النبي - ﷺ -، فلما حاذى دار العباس انفلت منهم، فدخل على العباس، فالتزمه، فذكر ذلك للنبي - ﷺ -، فضحك، ولم يأمر فيه بشيء. ولكن في إسناده: محمد بن علي بن يزيد بن ركانة، وهو مجهول الحال.\nواستُدِلَّ لهذا القول بحديث أبي هريرة -﵁- في «البخاري» (٦٧٧٧)، قال: أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، قَالَ: «اضْرِبُوهُ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللهُ. قَالَ: «لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ».\nوَأَخْرَجَ (٦٧٧٤) عَنْ عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ -﵁- أن النَّبِيَّ - ﷺ - جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ، أَوْ","vol":"9","page":568},{"text":"بِابْنِ النُّعَيْمَانِ شَارِبًا، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَنْ كَانَ بِالْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوهُ. قَالَ: فَضَرَبُوهُ، فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ.\nوفي «الصحيحين» عَنْ عَلِيًّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقِيمَ حَدًّا عَلَى أَحَدٍ، فَيَمُوتَ فَأَجِدَ فِي نَفْسِي إِلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - لَمْ يَسُنَّهُ. (^١)\nوفي «البخاري» (٦٧٧٩) عَنِ السَّائِبِ بنِ يَزِيد -﵁- قَالَ: كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَإِمْرَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا، وَنِعَالِنَا، وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ، فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ، حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا؛ جَلَدَ ثَمَانِينَ.\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٦٧٧٩): وَالْجَوَاب: أَنَّ الْإِجْمَاع اِنْعَقَدَ بَعْد ذَلِكَ عَلَى وُجُوب الْحَدّ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْر تَحَرَّى مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - ضَرَبَ السَّكْرَانَ؛ فَصَيَّرَهُ حَدًّا، وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا اِسْتَمَرَّ مَنْ بَعْدَهُ، وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي الْعَدَد.\nقال: وَجَمَعَ الْقُرْطُبِيّ بَيْن الْأَخْبَار بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَوَّلًا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ حَدٌّ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ حَدِيثُ اِبْن عَبَّاس فِي الَّذِي اِسْتَجَارَ بِالْعَبَّاسِ، ثُمَّ شُرِعَ فِيهِ التَّعْزِيرُ عَلَى مَا فِي سَائِر الْأَحَادِيث الَّتِي لَا تَقْدِيرَ فِيهَا، ثُمَّ شُرِعَ الْحَدُّ، وَلَمْ يَطَّلِعْ أَكْثَرُهُمْ عَلَى تَعْيِينِهِ صَرِيحًا مَعَ اِعْتِقَادهمْ أَنَّ فِيهِ الْحَدَّ الْمُعَيَّنَ، وَمِنْ ثَمَّ تَوَخَّى أَبُو\n_________\n(^١) سيأتي في «البلوغ» برقم (١٢٥٣).","vol":"9","page":569},{"text":"بَكْرٍ مَا فُعِلَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْر، ثُمَّ رَأَى عُمَرُ وَمَنْ وَافَقَهُ الزِّيَادَة عَلَى الْأَرْبَعِينَ، إِمَّا حَدًّا بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاط، وَإِمَّا تَعْزِيرًا. اهـ\nوالصحيح في هذه المسألة أنه يُجلد أربعين كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبو بكر، والله أعلم.\nويدل عليه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بالجلد في حديث معاوية الذي في الباب، وجاء عن أبي هريرة، وابن عمر -﵃-، وغيرهم، واختار الشوكاني أنه تعزير يرجع إلى الإمام، واختاره ابن عثيمين، ولكن قال: لا ينقص عن أربعين جلدة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5473>مسألة [٣]: شروط إقامة الحد</span>.\nذكر أهل العلم لإقامة الحد شروطًا:\nالأول: أن يشربها مختارًا لذلك، لا بإكراه، أو اضطرار، فمن شربها مكرهًا، أو مضطرًا؛ فلا حدَّ عليه.\nالثاني: أن يشربها عالمًا بأنَّ كثيرها يُسكر.\nالثالث: أن يكون مكلَّفًا.\nالرابع: أن يثبت عليه الشرب ببينة، أو إقرار، ويكفي الإقرار مرة عند عامة أهل العلم؛ لأنَّ الحد ليس فيه إتلاف، والبينة شهادة عدلين مسلمين. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٦٧٧٩) «المغني» (١٢/ ٤٩٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٤٩٩ - ٥٠٣).","vol":"9","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5474>مسألة [٤]: هل يجب الحد بوجود ريح الخمر من فمه، أو بِتَقَيُّئِها</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه لا يجب الحد بمجرد وجود الريح؛ لأنه يحتمل أنه تمضمض به، أو حسبها ماءً؛ فلما صارت في فيه مجَّها، أو ظنها لا تُسكر أوكان مكرهًا، أو نحو ذلك، وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية.\n• وذهب مالك، وأحمد في رواية إلى أنه يُقام عليه الحد؛ إلا أن يدعي أمرًا ممكنًا، وشبهة دارئةً للحد. وصحَّ إقامة الحد بذلك عن عمر، وابن مسعود -﵄-. (^١)\nومثله الخلاف فيما إذا تقيأ خمرًا، وقد صحَّ عن عثمان -﵁- إقامة الحد بذلك، كما في أحاديث الباب، وقد رجَّح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-.\nفقال كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٣٩): فإن وُجِدت منه رائحة الخمر، أو رُئِيَ وهو يتقيؤها، ونحو ذلك، فقد قيل: لا يقام عليه الحد؛ لاحتمال أنه شرب ما ليس بخمرٍ، أو شربها جاهلًا بها، أو مكرهًا ونحو ذلك. وقيل: بل يُجلد إذا عُرِفَ أن ذلك مسكر. وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة، كعثمان، وعلي (^٢)، وابن مسعود، وعليه تدلُّ سنةُ رسول الله - ﷺ -، وهو الذي يصلح عليه الناس، وهو مذهب مالك، وأحمد في غالب نصوصه وغيرهما. اهـ\n_________\n(^١) أثر عمر عند الشافعي في «مسنده» (٢/ ٩١)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٣٨) بإسناد صحيح، وأثر ابن مسعود عند «البخاري» (٥٠٠١)، و«مسلم» (٨٠١).\n(^٢) في حديث الباب أمر عثمان -﵁- بجلده بحضور علي -﵁-، ولم ينكر ذلك، بل أمر عليٌّ عبدَالله بن جعفر بجلده، كما في «صحيح مسلم».","vol":"9","page":571},{"text":"وقال -﵀- في (٢٠/ ٣٨٣) من «مجموع الفتاوى»: إذا لم يكن هناك شبهة. اهـ\nوهذا القول هو الصحيح، والله أعلم، وهو اختيار ابن القيم -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5475>مسألة [٥]: هل يُقتل الشارب في الرابعة</span>؟\n• عامة أهل العلم على عدم القتل، ونقل الترمذي الإجماعَ على عدم العمل بالحديث الوارد بالقتل في الرابعة، وحمله الجمهور على أنه منسوخ.\nواحتجوا على نسخه بحديث عمر بن الخطاب -﵁- في «صحيح البخاري» (٦٧٨٠) أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الله، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ الله - ﷺ -، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ، فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَالله مَا عَلِمْتُ، أَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ».\nقال شيخ الإسلام -﵀-: وهذا من أجود ما يُحتجُّ به على أنَّ الأمر بقتل الشارب في الثالثة، والرابعة منسوخٌ.\nقال: ولكن نسخ الوجوب لا يمنع الجواز إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك. انتهى بتصرف.\nوقد قيل: إنَّ الإجماع لم يصح.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٥٠١، ٥٠٢) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٣٩) (٢٠/ ٣٨٣) «الحدود والتعزيرات» (ص ٣٢٥ -).","vol":"9","page":572},{"text":"قال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٦٧٧٩) -بعد أن ذكر كلام الترمذي-: وهو محمول على من بعد من نقل غيره عنه القول به، كعبدالله بن عمرو فيما أخرجه أحمد، والحسن البصري، وبعض أهل الظاهر. اهـ\nقلتُ: الأثر عن عبدالله بن عمرو بن العاص أخرجه أحمد في «مسنده» (٢/ ١٩١) من طريق الحسن عنه، ولم يسمع منه؛ فهو منقطع لا يثبت عنه.\nوأما قول الحسن، فقال بكر أبو زيد -﵀-: لابد من العلم بسنده، ولم يذكر له الحافظ سندًا. اهـ\nوقد ذهب ابن القيم -﵀- إلى جواز القتل إذا رأى الإمامُ المصلحةَ في ذلك، وإليه يميل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما تقدم.\nوالصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5476>مسألة [٦]: مقدار حد العبد والأمة الشاربين</span>.\n• مذهب الجمهور التنصيف في ذلك؛ قياسًا على حد الزنى، فمنهم من قال: أربعين جلدة. ومنهم من قال: عشرين جلدة. كلٌّ على أصله.\n• وذهب أبو ثور، وأكثر الظاهرية إلى أنه يُجلد كما يجلد الحر، وهذا هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٦٧٧٩) «الحدود والتعزيرات عند ابن القيم» (ص ٣٠٦) «المحلى» (٢٢٩٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٨٣) (٢٨/ ٣٤٧) (٣٤/ ٣١٩) «الاختيارات» (ص ٢٩٩).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٦٧٧٩) «المغني» (١٢/ ٥١١) «البيان» (١٢/ ٥٢٤).","vol":"9","page":573},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5477>مسألة [٧]: إن مات المجلود بسبب الجلد</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنه لا ضمان على الجلاد إذا لم يتعد أو يفرط، وقال به الشافعي إذا لم يزد على أربعين؛ لأنه فَعَلَ ما هو مأذون له شرعًا.\nوما في «الصحيحين» عن علي -﵁- أنه قال: ما كنت لأقيم على أحدٍ حدًّا فيموت، فأجد عليه في نفسي إلا صاحب الخمر؛ فإنه لو مات وديته؛ لأنَّ النبي - ﷺ - لم يسنه. (^١) فهذا منه -﵁- على سبيل الورع، والله أعلم.\nوأما غير شارب الخمر فاتفقوا على أنه لا ضمان عليه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5478>مسألة [٨]: هل يُقام عليه الحد حال سكره، أم بعد صحوه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٥٠٥ - ٥٠٦): وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّكْرَانِ حَتَّى يَصْحُوَ. رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الزَّجْرُ وَالتَّنْكِيلُ، وَحُصُولُهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ فِي صَحْوِهِ أَتَمُّ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَخَّرَ إلَيْهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5479>مسألة [٩]: هل يُشترط أن يكون الجلد بسوط</span>؟\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٦٧٧٥): قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شَرْح مُسْلِمٍ»: أَجْمَعُوا عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْجَرِيدِ، وَالنِّعَال، وَأَطْرَاف الثِّيَاب. ثُمَّ قَالَ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ بِالسَّوْطِ وَشَذَّ مَنْ قَالَ: (هُوَ شَرْطٌ) وَهُوَ غَلَطٌ مُنَابِذٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة. اهـ\n_________\n(^١) سيأتي في «البلوغ» برقم (١٢٥٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٥٠٣، ٥٠٤) «الفتح» (٦٧٧٨) «الأوسط» (١٣/ ١٠١).","vol":"9","page":574},{"text":"وبَوَّبَ البخاري -﵀- في «صحيحه»: [باب الضرب بالجريد والنعال]، ثم استدل بحديث أبي هريرة، والسائب بن يزيد -﵄-، وقد تقدما.\nوقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٨٣): وكذلك صفة الضرب؛ فإنه يجوز جلد الشارب بالجريد، والنعال، وأطراف الثياب بخلاف الزاني، والقاذف. اهـ\n\n١٢٤٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الوَجْهَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيُستفاد من الحديث عدم جواز الجلد والضرب بالوجه، وقد تقدمت المسائل المتعلقة بصفة الجلد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٥٩)، ومسلم (٢٦١٢). ولفظ البخاري «إذا قاتل» وهي عند مسلم أيضًا.","vol":"9","page":575},{"text":"١٢٤٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5480>مسألة [١]: إقامة الحدود في المساجد</span>.\n• جمهور أهل العلم وعامتهم على عدم جواز إقامة الحدود في المساجد؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ذلك كما في الحديث المذكور؛ ولأنه لا يؤمن أن يخرج منه أذى أثناء إقامة الحد، والله أعلم.\nوقد ثبت عن عمر -﵁- بإسناد صحيح كما في «مصنف عبدالرزاق» (١٠/ ٢٣) أنه كان يأمر بإخراج الرجل من المسجد وضربه خارج المسجد.\n• وذهب ابن أبي ليلى إلى الجواز.\nوالصحيح قول الجمهور. (^٢)\n_________\n(^١) حسن لغيره. أخرجه الترمذي (١٤٠١)، والحاكم (٤/ ٣٦٩)، وفي إسناد الترمذي إسماعيل بن مسلم المكي، ولكن تابعه سعيد بن بشير عند الحاكم، والأول شديد الضعف، والثاني ضعفه يسير.\nويشهد له حديث حكيم بن حزام الذي تقدم تخريجه في (باب المساجد) من (كتاب الصلاة) برقم (٢٤٩)؛ فالحديث حسن، والله أعلم.\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٥١١ -).","vol":"9","page":576},{"text":"١٢٤٦ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: «لَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، وَمَا بِالمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إلَّا مِنْ تَمْرٍ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١٢٤٧ - وَعَنْ عُمَرَ -﵁- قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالعَسَلِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n١٢٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\n١٢٤٩ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٤)\n\n١٢٥٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ فِي السِّقَاءِ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ، وَالغَدَ، وَبَعْدَ الغَدِ، فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ؛ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أَهْرَاقَهُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٩٨٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٥٨١)، ومسلم (٣٠٣٢).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٢٠٠٣).\n(^٤) حسن، صحيح بشواهده. أخرجه أحمد (٣/ ٣٤٣)، وأبوداود (٣٦٨١)، والترمذي (١٨٦٥)، وابن ماجه (٣٣٩٣)، وابن حبان (٥٣٨٢)، وهو حديث حسن، وصحيح بشواهده.\nتنبيه: لم يخرج النسائي حديث جابر، وإنما أخرج الحديث في «سننه» (٨/ ٣٠٠ - ٣٠١)، عن عبدالله بن عمرو بإسناد حسن، وعن سعد بن أبي وقاص بإسناد صحيح.\n(^٥) أخرجه مسلم برقم (٢٠٠٤) (٨٢).","vol":"9","page":577},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5481>مسألة [١]: الأشربة المحرمة، ومقدار ما يحرم منها</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٤٩٥): الْمُجْمَعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ: عَصِيرُ الْعِنَبِ، إذَا اشْتَدَّ وَقَذَفَ زَبَدَهُ.\n• قال: وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، وَهُوَ خَمْرٌ حُكْمُهُ حُكْمُ عَصِيرِ الْعِنَبِ فِي تَحْرِيمِهِ، وَوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِهِ. وَرُوِيَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ (^١)، وَعَلِيٍّ (^٢)، وَابْنِ مَسْعُودٍ (^٣)، وَابْنِ عُمَرَ (^٤)، وَأَبِي هُرَيْرَةَ (^٥)، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (^٦)، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ (^٧)، وَأَنَسٍ (^٨)، وَعَائِشَةَ (^٩) -﵃-، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ، وَقَتَادَةُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٌ،\n_________\n(^١) أخرجه بمعناه البخاري برقم (٤٦١٩)، ومسلم برقم (٣٠٣٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٥٤٢)، وفي إسناده الحارث الأعور، وقد كذب، والحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف.\n(^٣) أخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (٨/ ٢٩٨)، وفيه حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (٩/ ٢٢١) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وهذا إسنادٌ صحيح.\n(^٥) ذكره الدارقطني في العلل (٩/ ٢٩٠) ليعلل به طريقًا مرفوعة غير محفوظة، وإسناد الموقوف حسن.\n(^٦) أخرجه النسائي (٨/ ٣٠١) عن سعد بن أبي وقاص -﵁-، مرفوعًا بإسناد حسن.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق (٩/ ٢٣) من طريق ذر بن عبد الله، عن ابن أبي أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب. وإسناده ضعيف؛ لأن ذر بن عبد الله لم يسمع من ابن أبي أبزى.\n(^٨) جاء عن أنس مرفوعًا، ذكره الدارقطني في «العلل» (١٢/ ٢٠٢)، وصوب أنه عن عائشة -﵂-.\n(^٩) أخرجه مرفوعًا البخاري (٥٥٨٥)، ومسلم (٢٠٠١).","vol":"9","page":578},{"text":"وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ.\n• وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ إذَا طُبِخَ فَذَهَبَ ثُلُثَاهُ، وَنَقِيعِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ، وَنَبِيذِ الْحِنْطَةِ، وَالذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ نَقِيعًا كَانَ أَوْ مَطْبُوخًا: كُلُّ ذَلِكَ حَلَالٌ، إلَّا مَا بَلَغَ السُّكْرَ، فَأَمَّا عَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا اشْتَدَّ، وَقَذَفَ زَبَدَهُ، أَوَطُبِخَ فَذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ، وَنَقِيعُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا اشْتَدَّ بِغَيْرِ طَبْخٍ، فَهَذَا مُحَرَّمٌ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: «حُرِّمَتْ الْخَمْرَةُ لِعَيْنِهَا، وَالْسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ». (^١)\nقال: وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ»، وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ؛ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ، وَغَيْرُهُمَا، وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»، قَالَ: «وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ؛ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ (^٢)، وَقَالَ عُمَرُ -﵁-: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣)؛ وَلِأَنَّهُ مُسْكِرٌ، فَأَشْبَهَ عَصِيرَ الْعِنَبِ.\nقال: فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي الرُّخْصَةِ فِي المُسْكِرِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ ابْنِ شَدَّادٍ،\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٨/ ٣٢٠ - ٣٢١)، وصوب وقفه على ابن عباس -﵄-.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٦٨٧)، والترمذي (١٨٦٦)، وأحمد (٦/ ٧٢)، بإسناد صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٥٥٨٠)، ومسلم برقم (٣٠٣٢).","vol":"9","page":579},{"text":"عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: وَالمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ. وَقَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: جَاءَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِأَحَادِيثَ مَعْلُولَةٍ، ذَكَرْنَاهَا مَعَ عِلَلِهَا. وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ أَحَادِيثَهُمْ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالصَّحَابَةِ، فَضَعَّفَهَا كُلَّهَا، وَبَيَّنَ عِلَلَهَا. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالسُّكْرِ: المُسْكِرَ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ؛ فَإِنَّهُ يَرْوِي هُوَ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5482>مسألة [٢]: هل يجب الحد على من شرب قليلًا لم يسكر منه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٤٩٧): يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ شَرِبَ قَلِيلًا مِنْ المُسْكِرِ أَوْ كَثِيرًا. وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي ذَلِكَ فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ غَيْرِ المَطْبُوخِ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِهَا، فَذَهَبَ إمَامُنَا إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَكُلِّ مُسْكِرٍ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَتَادَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُحَدُّ؛ إلَّا أَنْ يَسْكَرَ. مِنْهُمْ: أَبُو وَائِلٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.\nقال: وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ؛ فَاجْلِدُوهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ؛ فَيَتَنَاوَلُ الْحَدِيثُ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5483>مسألة [٣]: حكم النبيذ والعصير</span>.\nالنبيذ: هو الماء يُنبذ فيه التمر، أو الزبيب؛ لتكسبه الحلاوة.\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١٢/ ٥١٩) «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٩٩ - ٢٠٠).\n(^٢) وانظر: «البيان» (١٢/ ٥١٩).","vol":"9","page":580},{"text":"قال النووي -﵀- في شرح حديث ابن عباس الذي في الباب: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلَالَة عَلَى جَوَاز الِانْتِبَاذ، وَجَوَاز شُرْب النَّبِيذ مَا دَامَ حُلْوًا لَمْ يَتَغَيَّر، وَلَمْ يَغْلِ، وَهَذَا جَائِز بِإِجْمَاعِ الْأُمَّة.\nقال: وَأَمَّا سَقْيه الْخَادِم بَعْد الثَّلَاث وَصَبّه؛ فَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَن بَعْد الثَّلَاث تَغَيُّره، وَكَانَ النَّبِيّ - ﷺ - يَتَنَزَّه عَنْهُ بَعْد الثَّلَاث. اهـ (^١)\nقال ابن قدامة -﵀-: لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَغْلِ، أَوْ تَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.\nوقال -﵀- (١٢/ ٥١٢): أَمَّا إذَا غَلِيَ الْعَصِيرُ كَغَلَيَانِ الْقِدْرِ، وَقَذَفَ بِزَبَدِهِ، فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ، وَإِنْ أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَمْ يَغْلِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ حَرَامٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ: اشْرَبْهُ ثَلَاثًا، مَا لَمْ يَغْلِ، فَإِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَا تَشْرَبْهُ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: هُوَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَغْلِ وَيُسْكِرْ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله - ﷺ -: «اشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢)؛ وَلِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمُسْكِرِ خَاصَّةً.\nثم استدل ابن قدامة على ترجيح المذهب بحديث ابن عباس -﵄- الذي في الباب.\nثم قال: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شُرْبُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ إذَا لَمْ يَغْلِ مَكْرُوهًا غَيْرَ مُحَرَّمٍ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَحْرِيمِهِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: أَكْرَهُهُ. وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ\n_________\n(^١) «شرح مسلم» (٢٠٠٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود برقم (٣٦٩٨) عن بريدة -﵁- بإسناد صحيح.","vol":"9","page":581},{"text":"- ﷺ - لَمْ يَكُنْ يَشْرَبُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5484>مسألة [٤]: صفة الوعاء الذي ينبذ فيه</span>.\n• كان قد نُهي عن الانتباذ في الدُّبَّاء، والحنتم، والنقير، والمقير، والمزفت، كما جاء ذلك في «الصحيحين» عن عدد من الصحابة، ثم نسخ النهي عن ذلك بحديث بريدة: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأوعية كلها، ولا تشربوا مسكرًا» أخرجه مسلم (١٩٩٩)، وعليه فيجوز الانتباذ في جميع الأوعية، ويحذر من الأوعية المذكورة؛ فإنَّ الإسكار يسرع فيها، وجمهور العلماء على ذلك.\n• وعن أحمد رواية، ومالك بالمنع من ذلك؛ للنهي الوارد، والصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5485>مسألة [٥]: انتباذ نوعين كالتمر والزبيب، أو الرطب والتمر، ونحوهما</span>؟\nفي «الصحيحين» عن جابر -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى أن يخلط الزبيب، والتمر، والبسر والرطب. (^٢)\nوفيهما عن أبي قتادة -﵁-: نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يجمع بين التمر والزهو، والتمر والزبيب، ولينبذ كل واحد منهما على حِدَة. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٥٩٢) «الحدود والتعزيرات» (ص ٢٨٩ -) «المغني» (١٢/ ٥١٥).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٥٦٠١)، ومسلم برقم (١٩٨٦).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٥٦٠٢)، ومسلم برقم (١٩٨٨).","vol":"9","page":582},{"text":"وفي «صحيح مسلم» (١٩٨٧) عن أبي سعيد -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن التمر والزبيب أن يخلط بينهما، وعن التمر والبسر أن يخلط بينهما.\nوفي رواية: من شرب النبيذ منكم؛ فليشربه زبيبًا فردًا، أو تمرًا فردًا، أو بسرًا فردًا.\nوأخرجه مسلم (١٩٨٩ - ١٩٩١) بنحوه عن أبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر -﵃- أيضًا.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٩٨٦): سَبَب الْكَرَاهَة فِيهِ أَنَّ الْإِسْكَار يُسْرِع إِلَيْهِ بِسَبَبِ الْخَلْط قَبْل أَنْ يَتَغَيَّر طَعْمه، فَيَظُنّ الشَّارِب أَنَّهُ لَيْسَ مُسْكِرًا، وَيَكُون مُسْكِرًا، وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور: أَنَّ هَذَا النَّهْي لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيه، وَلَا يَحْرُم ذَلِكَ مَا لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء، وَقَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة: هُوَ حَرَام. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة، وَأَبُو يُوسُف فِي رِوَايَة عَنْهُ: لَا كَرَاهَة فِيهِ، وَلَا بَأْس بِهِ؛ لِأَنَّ مَا حَلَّ مُفْرَدًا؛ حَلَّ مَخْلُوطًا. وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وَقَالُوا: مُنَابَذَة لِصَاحِبِ الشَّرْع، فَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة فِي النَّهْي عَنْهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا كَانَ مَكْرُوهًا. اهـ\nقلتُ: وقال بالتحريم إسحاق، ومالك، وأحمد في رواية، وبعض الشافعية وهو الصحيح، وقال به ابن حزم في الخمسة الأنواع التي ذُكِرت في الأحاديث. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٦٠٠) «المغني» (١٢/ ٥١٥) «الحدود والتعزيرات» (٢٨٦ -).","vol":"9","page":583},{"text":"تنبيه: القائلون بتحريم الخليطين، وكذا الانتباذ في الأوعية، وكذا بتحريم النبيذ بعد ثلاث، لا حدَّ عندهم على من تناول ذلك؛ إلا أن يسكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5486>مسألة [٦]: حكم شرب الطِّلاء</span>.\nنُقل عن جماعة من الصحابة أنهم أباحوا شرب (الطِّلاء) إذا طُبِخ وذهب ثُلثاه، وعن بعضهم إذا ذهب نصفه.\nقال البخاري -﵀- في «صحيحه» [باب: (١٠) من كتاب الأشربة]: وَرَأَى عُمَرُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَمُعَاذٌ شُرْبَ الطِّلَاءِ عَلَى الثُّلُثِ، وَشَرِبَ الْبَرَاءُ، وَأَبُو جُحَيْفَةَ عَلَى النِّصْفِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اشْرَبْ الْعَصِيرَ مَا دَامَ طَرِيًّا. اهـ\nقلتُ: والآثار المذكورة قد بين الحافظ من وصلها في «الفتح»، و«التغليق»، وأسانيدها ثابتة، وانظر «مصنف ابن أبي شيبة» (٧/ ٥٢٨).\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» بعد أن ذكر من وَصَلَ الآثار المذكورة: وَالطِّلَاء بِكَسْرِ المُهْمَلَة وَالْمَدّ: هُوَ الدِّبْس، شُبِّهَ بِطِلَاءِ الْإِبِل، وَهُوَ الْقَطِرَان الَّذِي يُدْهَن بِهِ، فَإِذَا طُبِخَ عَصِير الْعِنَب حَتَّى تَمَدَّدَ أَشْبَهَ طِلَاء الْإِبِل، وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالَة غَالِبًا لَا يُسْكِر.\nقال: وَقَدْ وَافَقَ عُمَرَ، وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ عَلَى الْحُكْم الْمَذْكُور أَبُو مُوسَى (^١)، وَأَبُو\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٥٧٢١) أخبرنا سويد، قال: أنبأنا عبد الله، عن هشيم، قال: أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي موسى الأشعري، أنه كان يشرب من الطلاء ما ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه. وإسناده صحيح، رجاله ثقات.","vol":"9","page":584},{"text":"الدَّرْدَاء (^١) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُمَا، وَعَلِي (^٢)، وَأَبُو أُمَامَةَ (^٣)، وَخَالِد بْن الْوَلِيد (^٤)\nوَغَيْرهمْ أَخْرَجَهَا اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره، وَمِنْ التَّابِعِينَ: اِبْن المُسَيِّب، وَالْحَسَن، وَعِكْرِمَة، وَمِنْ الْفُقَهَاء: الثَّوْرِيّ، وَاللَّيْث، وَمَالِك، وَأَحْمَد، وَالْجُمْهُور، وَشَرْط تَنَاوُله عِنْدهمْ مَا لَمْ يُسْكِر، وَكَرِهَهُ طَائِفَة تَوَرُّعًا.\nثم ذكر من وصل أثر أبي جحيفة، والبراء.\nثم قال: وَوَافَقَ الْبَرَاء، وَأَبَا جُحَيْفَةَ جَرِير (^٥)، وَأَنَس (^٦)، وَمِنْ التَّابِعِينَ اِبْن الْحَنَفِيَّة، وَشُرَيْح.\nقال: وَأَطْبَقَ الْجَمِيع عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ يُسْكِر؛ حَرُمَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي «الْأَشْرِبَة»: بَلَغَنِي أَنَّ النِّصْف يُسْكِر؛ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ حَرَام.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٥٧٢٠) أخبرنا زكريا بن يحيى، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن داود، عن سعيد بن المسيب، أن أبا الدرداء، كان يشرب ما ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه. وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله ثقات.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٢٩) من طريق أبان بن عبد الله البجلي، عن رجل سماه، عن علي -﵁-، وإسناده ضعيف؛ لجهالة الراوي عن علي -﵁-، ثم وجدت عن علي -﵁- طريقًا أخرى صحيحة عند النسائي (٥٧١٨) بمعناه.\n(^٣) حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٣١) حدثنا حماد بن خالد، عن معاوية بن صالح، عن سالم بن سالم قال: دخلت على أبي أمامة، وهو يشرب طلاء الرُّب. وهذا إسناد حسن، وسالم بن سالم، هو أبو شداد الحمصي، شهد وفاة النبي - ﷺ - ودفنه، كما في معرفة الصحابة لأبي نعيم (٣/ ١٣٦٥).\n(^٤) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٣٢) حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا إسماعيل، عن مغيرة، عن شريح؛ أن خالد بن الوليد كان يشرب الطلاء بالشام. وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات ...\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٤٣)، وفي إسناده جرير بن أيوب البجلي، وهو متروك، وقد اتهم.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٤٣)، وفي إسناده عبيدة بن معتب الضبي، وهو ضعيف.","vol":"9","page":585},{"text":"قال الحافظ: وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ أَعْنَاب الْبِلَاد، فَقَدْ قَالَ اِبْن حَزْم: إِنَّهُ شَاهَدَ مِنْ الْعَصِير مَا إِذَا طُبِخَ إِلَى الثُّلُث يَنْعَقِد وَلَا يَصِير مُسْكِرًا أَصْلًا، وَمِنْهُ مَا إِذَا طُبِخَ إِلَى النِّصْف كَذَلِكَ، وَمِنْهُ مَا إِذَا طُبِخَ إِلَى الرُّبْع كَذَلِكَ. بَلْ قَالَ: إِنَّهُ شَاهَدَ مِنْهُ مَا يَصِير رُبًّا خَاثِرًا لَا يُسْكِر، وَمِنْهُ مَا لَوْ طُبِخَ لَا يَبْقَى غَيْر رُبْعه لَا يَخْثُر وَلَا يَنْفَكّ السُّكْر عَنْهُ. قَالَ: فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَل مَا وَرَدَ عَنْ الصَّحَابَة مِنْ أَمْر الطِّلَاء عَلَى مَا لَا يُسْكِر بَعْد الطَّبْخ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ اِبْن عَبَّاس بِسَنَدٍ صَحِيح أَنَّ النَّار لَا تُحِلّ شَيْئًا وَلَا تُحَرِّمهُ. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ يُرِيد بِذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْهُ فِي الطِّلَاء. وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ قَالَ: هُوَ الَّذِي يَصِير مِثْل الْعَسَل، وَيُؤْكَل وَيُصَبّ عَلَيْهِ الْمَاء فَيُشْرَب.\nثم ذكر أثر ابن عباس -﵄-: اشرب العصير ما دام طريًّا.\nقال: وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي ثَابِت الثَّعْلَبِيّ قَالَ: كُنْت عِنْد اِبْن عَبَّاس، فَجَاءَهُ رَجُل يَسْأَلهُ عَنْ الْعَصِير؟ فَقَالَ: اِشْرَبْهُ مَا كَانَ طَرِيًّا. قَالَ: إِنِّي طَبَخْت شَرَابًا وَفِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْء. قَالَ: أَكُنْت شَارِبه قَبْل أَنْ تَطْبُخهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِنَّ النَّار لَا تُحِلّ شَيْئًا قَدْ حُرِّمَ (^١). وَهَذَا يُقَيِّد مَا أُطْلِقَ فِي الْآثَار الْمَاضِيَة، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يُطْبَخ إِنَّمَا هُوَ الْعَصِير الطَّرِيّ قَبْل أَنْ يَتَخَمَّر، أَمَّا لَوْ صَارَ خَمْرًا فَطُبِخَ؛ فَإِنَّ الطَّبْخ لَا يُطَهِّرهُ، وَلَا يُحِلّهُ إِلَّا عَلَى رَأْي مَنْ يُجِيز تَخْلِيل الْخَمْر، وَالْجُمْهُور\n_________\n(^١) حسن: أخرجه النسائي (٥٧٢٩) أخبرنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله، عن أبي يعفور السلمي، عن أبي ثابت الثعلبي، به. وهذا إسناد حسن، وأبو ثابت الثعلبي، هو أيمن بن ثابت، وهو حسن الحديث، وأبو يعفور، هو عبد الرحمن بن عبيد، وهو ثقة.","vol":"9","page":586},{"text":"عَلَى خِلَافه.\nقال: وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي شَيْبَة، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيِّب، وَالشَّعْبِيّ، وَالنَّخَعِيِّ: اِشْرَبْ الْعَصِير مَا لَمْ يَغْلِ. وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ: مَا لَمْ يَتَغَيَّر. وَهَذَا قَوْل كَثِير مِنْ السَّلَف أَنَّهُ إِذَا بَدَأَ فِيهِ التَّغَيُّر يَمْتَنِع، وَعَلَامَة ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذ فِي الْغَلَيَان، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُف. وَقِيلَ: إِذَا اِنْتَهَى غَلَيَانه وَابْتَدَأَ فِي الْهُدُوّ بَعْد الْغَلَيَان. وَقِيلَ: إِذَا سَكَنَ غَلَيَانه.\nقال: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: لَا يَحْرُم عَصِير الْعِنَب النِّيء حَتَّى يَغْلِي وَيَقْذِف بِالزَّبَدِ. فَإِذَا غَلَى وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ؛ حَرُمَ. وَأَمَّا الْمَطْبُوخ حَتَّى يَذْهَب ثُلُثَاهُ وَيَبْقَى ثُلُثه فَلَا يَمْتَنِع مُطْلَقًا، وَلَوْ غَلَى وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ بَعْد الطَّبْخ. وَقَالَ مَالِك، وَالشَّافِعِيّ، وَالْجُمْهُور: يَمْتَنِع إِذَا صَارَ مُسْكِرًا، شُرْب قَلِيله وَكَثِيره، سَوَاء غَلَى أَمْ لَمْ يَغْلِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَبْلُغ حَدَّ الْإِسْكَار بِأَنْ يَغْلِي، ثُمَّ يَسْكُن غَلَيَانه بَعْد ذَلِكَ، وَهُوَ مُرَاد مَنْ قَالَ: حَدُّ مَنْع شُرْبه أَنْ يَتَغَيَّر. وَاَللهُ أَعْلَم. اهـ (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» [باب: (١٠) من كتاب الأشربة] «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٩٩ - ٢٠٠، ٢١٥ -) «المغني» (١٢/ ٥١٤) «ابن أبي شيبة» (٨/ ١٧٠).","vol":"9","page":587},{"text":"١٢٥١ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ». أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\n١٢٥٢ - وَعَنْ وَائِلٍ الحَضْرَمِيِّ أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ -﵁- سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنِ الخَمْرِ يَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: «إنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُودَاوُد وَغَيْرُهُمَا. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5487>مسألة [١]: شرب الخمر للتداوي، ولدفع العطش عند الضرورة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٢/ ٥٠٠): وَإِنْ شَرِبَهَا صِرْفًا، أَوْ مَمْزُوجَةً بِشَيْءٍ يَسِيرٍ لَا يَرْوِي مِنْ الْعَطَشِ، أَوْ شَرِبَهَا لِلتَّدَاوِي؛ لَمْ يُبَحْ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ الْحَدُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُبَاحُ شُرْبُهَا لَهُمَا.\nقال: وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: يُبَاحُ شُرْبُهَا لِلتَّدَاوِي دُونَ الْعَطَشِ؛ لِأَنَّهَا حَالُ ضَرُورَةٍ، فَأُبِيحَتْ فِيهَا؛ كَدَفْعِ الْغُصَّةِ وَسَائِرِ مَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ. اهـ\nثم استدل ابن قدامة على التحريم بحديثي الباب.\nقال النووي -﵀- في شرح حديث وائل: وَفِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ؛\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه البيهقي (١٠/ ٥)، وابن حبان (١٣٩١)، وفي إسناده حسان بن مخارق، وهو مجهول الحال. وقد صح عن ابن مسعود موقوفًا عليه، أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ٩٦)، والطبراني (٩٧١٤) بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٩٨٤)، وأبوداود (٣٨٧٣).","vol":"9","page":588},{"text":"فَيَحْرُم التَّدَاوِي بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ، فَكَأَنَّهُ يَتَنَاوَلهَا بِلَا سَبَب، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا أَنَّهُ يَحْرُم التَّدَاوِي بِهَا، وَكَذَا يَحْرُم شُرْبهَا لِلْعَطَشِ، وَأَمَّا إِذَا غَصَّ بِلُقْمَةٍ وَلَمْ يَجِد مَا يُسِيغهَا بِهِ إِلَّا خَمْرًا؛ فَيَلْزَمهُ الْإِسَاغَة بِهَا؛ لِأَنَّ حُصُول الشِّفَاء بِهَا حِينَئِذٍ مَقْطُوع بِهِ، بِخِلَافِ التَّدَاوِي، وَاللهُ أَعْلَم. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5488>مسألة [٢]: الحشيشة والمخدرات</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٢١٠): هذه الحشيشة الصلبة حرام، سواء سكر منها أو لم يسكر، والسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال؛ فإنه يُستتاب؛ فإن تاب، وإلا قُتل مرتدًا، لا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتاوى» (٣٤/ ٢١١، ٢١٣ - ٢١٤).","vol":"9","page":589},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5489>بَابُ التَّعْزِير وُحُكْمِ الصَّائِل</span>\nالتعزير: هو المنع، والمقصود الزجر، أو الإهانة، أو اللوم، أو الضرب لمن يستحقه؛ ليمنعه مما أوجب عليه ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح:٩]، أي: لتنصروه بمنعه مما تمنعوا منه أنفسكم وأولادكم.\nوالمقصود به في هذا الباب: تأديب من يستحق ذلك بعقوبة غير مقدره شرعًا، ولا قصاص فيها. (^١)\n_________\n(^١) انظر «حاشية البيان» (١٢/ ٥٣٢) «الشرح الممتع» (٦/ ١٨٤) «الفتح» (٦٨٤٨).","vol":"9","page":590},{"text":"١٢٥٣ - عَنْ أَبِي بُرْدَةَ الأَنْصَارِيِّ -﵁- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5490>مسألة [١]: ما المقصود بقوله: «إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله تَعَالَى»، وكم هو مقدار التعزير</span>؟\nقال ابن القيم -﵀- في «أعلام الموقعين» (٢/ ٢٩): إِنَّ الْحَدَّ فِي لِسَانِ الشَّارِعِ أَعَمُّ مِنْهُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ؛ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِالْحُدُودِ: عُقُوبَاتِ الْجِنَايَاتِ الْمُقَدَّرَةِ بِالشَّرْعِ خَاصَّةً. وَالْحَدُّ فِي لِسَانِ الشَّارِعِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يُرَادُ بِهِ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ تَارَةً، وَيُرَادُ بِهِ نَفْسَ الْجِنَايَةِ تَارَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧]، وَقَوْلِهُ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩]؛ فَالْأَوَّلُ حُدُودُ الْحَرَامِ، وَالثَّانِي حُدُودُ الْحَلَالِ. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إنَّ اللهَ حَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا» (^٢)، وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ: «وَالسُّورَانُ حُدُودُ الله» (^٣)، وَيُرَادُ بِهِ تَارَةً جِنْسُ الْعُقُوبَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُقَدَّرَةً، فَقَوْلُهُ - ﷺ -: «لَا يُضْرَبُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله» يُرِيدُ بِهِ الْجِنَايَةَ الَّتِي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٨٤٨)، ومسلم (١٧٠٨).\n(^٢) أخرجه الدارقطني (٤/ ١٨٣ - ١٨٤)، من حديث أبي ثعلبة الخشني، وهو حديث حسن بشواهده. انظر «جامع العلوم والحكم» رقم (٣٠).\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٨٢)، وصححه شيخنا الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» رقم (١١٧٩).","vol":"9","page":591},{"text":"هِيَ حَقٌّ لله.\nفَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ تَكُونُ الْعَشَرَةُ فَمَا دُونَهَا إذْ كَانَ المُرَادُ بِالْحَدِّ الْجِنَايَةُ؟ قِيلَ: فِي ضَرْبِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَعَبْدَهُ، وَوَلَدَهُ، وَأَجِيرَهُ؛ لِلتَّأْدِيبِ وَنَحْوَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ؛ فَهَذَا أَحْسَنُ مَا خُرِّجَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَبِاَلله التَّوْفِيقُ. اهـ\nوهذا القول هو مقتضى مذهب مالك، وأبي ثور، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٤٧ - ٣٤٨)؛ وعليه فقد اختلف الفقهاء في أكثر التعزير.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ١٠٨): وأما أكثر التعزير ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: أحدها: عشر جلدات. والثاني: دون أقل الحدود إما تسعة وثلاثون سوطًا، وإما تسعة وسبعون سوطًا، وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد. والثالث: أنه لا يتقدر بذلك. وهو قول أصحاب مالك، وطائفة من أصحاب الشافعي، وأحمد، وهو إحدى الروايتين عنه، لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدر؛ لم يبلغ به ذلك المقدر، مثل التعزير على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القطع، والتعزير على المضمضة بالخمر لا يبلغ به حد الشرب، والتعزير على القذف بغير الزنى لا يبلغ به الحد.\nقال: وهذا القول أعدل الأقوال عليه دلت سنة رسول الله - ﷺ -، وسنة خلفائه الراشدين، فقد أمر النبي - ﷺ - بضرب الذي أحلت له امرأته جاريتها مائة، ودرأ عنه","vol":"9","page":592},{"text":"الحد بالشبهة (^١)، وأمر أبو بكر، وعمر بضرب رجل وأمرأة وُجِدا في لحاف واحد مائة، مائة. (^٢)\nوأمر عمر بضرب الذي نقش على خاتمه وأخذ من بيت المال مائة، ثم ضربه في اليوم الثاني مائة، ثم ضربه في اليوم الثالث مائة، وضرب صبيغ بن عسل لما رأى من بدعته ضربًا كثيرًا لم يعده. (^٣)\nقال: ومن لم يندفع فساده في الأرض الا بالقتل؛ قُتل، مثل المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى البدع في الدين، قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢]، وفى «الصحيح» عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا بويع لخليفتين؛ فاقتلوا الآخِرَ منهما»، وقال: «من جاءكم وأمركم على رجل واحد، يريد أن يفرق جماعتكم؛ فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا من كان» (^٤)، وأمر النبي - ﷺ - بقتل رجل\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٤٥٨)، وأحمد (٤/ ٢٧٧)، من حديث النعمان بن بشير -﵄-، وهو من طريق قتادة، عن حبيب بن سالم، ولم يسمعه منه، إنما سمعه من خالد بن عرفطة، وهو مجهول، وقد ضعف الحديث البخاري، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم، وابن عدي، وفي الحديث اضطراب أيضًا.\n(^٢) لم أجده عن أبي بكر، وإنما وجدته عن عمر، وعلي -﵄-، من طرقٍ متعددة يثبت بها الأثران. انظر «ابن أبي شيبة» (٩/ ٥٢٨ -)، «عبدالرزاق» (٧/ ٤٠١).\n(^٣) أخرج القصة الدارمي برقم (١٤٦) (١٥٠)، والآجري في «الشريعة» (ص ٧٥)، وابن بطة في «الإبانة» (٣٢٩) (٣٣٠)، وبعض أسانيدها صحيحة، وبعضها فيها ضعف.\n(^٤) أخرجهما مسلم (١٨٥٢) (١٨٥٣)، الأول عن أبي سعيد الخدري، والثاني عن عرفجة بن شريح -﵄-.","vol":"9","page":593},{"text":"تعمد عليه الكذب (^١)، وسأله ابن الديلمي عمن لم ينته عن شرب الخمر؟ فقال: «من لم ينته عنها؛ فاقتلوه». (^٢)\nقال: ومن أنواع التعزير: النفي، والتغريب، كما كان عمر بن الخطاب يعزر بالنفي في شرب الخمر إلى خيبر، وكما نفى صبيغ بن عسل إلى البصرة، وأخرج نصر بن حجاج إلى البصرة لما افتتن به النساء. (^٣) اهـ\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ٢٩٩ - ٣٠١): ومن التعزير الذي جاءت به السنة ونصَّ عليه أحمد، والشافعي: نفي المخنث، وحلق عمر رأس نصر بن حجاج، ونفاه لما افتتن به النساء، فكذلك من افتتن به الرجال من المرادان، بل هو أولى. ولا يقدر التعزير، بل بما يردع المعزر، وقد يكون بالعزل، والنيل من عرضه، مثل أن يقال له: يا ظالم، يا معتدي. وبإقامته من مجلسه.\nقال: والذين قدروا التعزير من أصحابنا إنما هو فيما إذا كان تعزيرًا على ما مضى من فعل، أو ترك؛ فإن كان تعزيرًا لأجل ترك ما هو فاعل له؛ فهو بمنزلة قتل\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في «الكبير» (٦٢١٥)، من حديث صحابي مبهم، وفي إسناده: أبو حمزة الثمالي، وهو متروك. وأخرجه في «الأوسط» (٢١١٢)، من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄-، وفي إسناده: عطاء بن السائب، وهو مختلط، والراوي عنه هو وهيب بن خالد، وقد روى عنه بعد الاختلاط؛ فالحديث ضعيف.\n(^٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٣١ - ٢٣٢) بإسناد صحيح، وقد صححه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» رقم (٣٢٥).\n(^٣) أورد ابن عساكر -﵀- في «تاريخه» طُرقًا عديدة لهذه القصة تثبت بمجموعها. انظر «تاريخ دمشق» (٦٢/ ٢٠ -)، «طبقات ابن سعد» (٣/ ٢٨٥)، «حلية الأولياء» (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣).","vol":"9","page":594},{"text":"المرتد، والحربي، وقتل الباغي، والعادي، وهذا تعزير غير مقدر، بل قد ينتهي إلى القتل، كما في الصائل لأخذ المال يجوز أن يمنع من أخذ المال، ولو بالقتل. وعلى هذا فإذا كان المقصود دفع الفساد، ولم يندفع إلا بالقتل؛ قُتل، وحينئذٍ فمن تكرر منه فعل الفساد ولم يرتدع بالحدود المقدرة، بل استمر على ذلك الفساد؛ فهو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل، فيقتل، ويمكن أن يُخَرَّج قتل شارب الخمر في الرابعة على هذا.\nقال: وكذلك تارك الواجب، فلا يزال يعاقب حتى يفعله.\nقال: والتعزير بالمال سائغٌ؛ إتلافًا وأخذًا، وهو جارٍ على أصل أحمد؛ لأنه لم يختلف أصحابه أنَّ العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها.\nقال: وقول الشيخ أبي محمد المقدسي: (ولا يجوز أخذ ماله) يعني: المعزر، إشارة منه إلى ما يفعله الولاة الظلمة.\nقال: والتعزير يكون على فعل المحرمات، وترك الواجبات، فمن جنس ترك الواجبات من كتم ما يجب بيانه كالبائع المدلس، والمؤجر المدلس، والنكاح وغيرهم من العالمين، وكذا الشاهد، والمفتي، والحاكم، ونحوهم؛ فإنَّ كتمان الحق مشبه بالكذب ... انتهى المراد باختصار، وانظر بقية كلامه؛ فإنه مفيد. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» (٦٨٤٨) ففيه بحث مفيد في هذه المسألة، و«الطرق الحكمية» (ص ١٠٦ -) ط/المكتبة العلمية.","vol":"9","page":595},{"text":"١٢٥٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ، إلَّا الحُدُودَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5491>مسألة [١]: حكم إقامة التعزير</span>.\n• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنَّه يجب على الإمام إقامة التعزير على من يستحقه، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة؛ لأنَّ في ذلك درءًا للفساد.\n• وذهب الشافعي إلى عدم وجوب ذلك عليه.\nواستدلوا على ذلك بحديث الرجل الذي أصاب من امرأة ما دون الجماع، فأتى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يسأله، فصَّلى مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقال له: «قد غُفِر لك».\nوفي رواية: فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]، ولم يعزره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنَّ الرجل جاء تائبًا نادمًا على فعله، والتعزير إنما هو تأديب لمن يستحقه. والتأديب يكون لكل إنسان بما يناسبه،\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٦/ ١٨١)، وأبو داود (٤٣٧٥)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٣١٠)، والبيهقي (٨/ ٣٣٤). وفي إسناده عبدالملك بن زيد العدوي، ضعفه ابن الجنيد وابن عدي وأورد ابن عدي حديثه في «الكامل» وقال: منكر. وله متابعات كلها فيها ضعف وأحسنها مرسل عمرة: أخرجه النسائي في «الكبرى» (٤/ ٣١٠)، بإسناد صحيح عنها مرسلًا. وله شواهد لا تصلح لتقويته. انظر طرق الحديث وشواهده في «تحقيق المسند» (٤٢/ ٣٠٠ - ٣٠٥).","vol":"9","page":596},{"text":"فمنهم من يصلح في حقه العزل من منزلته، ومنهم من يصلح له الزجر، والكلام، ومنهم من يحتاج إلى حبس، ومنهم من يحتاج إلى الجلد، وغير ذلك، وللحاكم أن يعفو عمن فعل فعلًا يوجب التعزير إذا رأى أنَّ العفو يصلح لردع ذلك الشخص، وعدم معاودته ذلك الفعل، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٢/ ٥٢٦ -) «البيان» (١٢/ ٥٣٤) «الشرح الممتع» (٦/ ١٨٥).","vol":"9","page":597},{"text":"١٢٥٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: مَا كُنْت لِأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فَأَجِدَ فِي نَفْسِي إلَّا شَارِبَ الخَمْرِ فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5492>مسألة [١]: من أُقيم عليه التعزير، فتلف، فهل يضمن</span>؟\n• مذهب الجمهور أنه لا ضمان عليه؛ إلا إذا تعدَّى، أو فرَّط، كالحدود؛ لأنه عقوبة مشروعة، فحكمها حكم الحدود.\n• وذهب الشافعي إلى الضمان، واستدل بأثر علي -﵁- الذي في الباب.\nوأجاب الجمهور بأنَّ ذلك من علي -﵁- على سبيل التورع، وقد خالفه غيرُه من الصحابة، والتابعين.\nوقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\nومثله إذا حصل التلف بتأديب الرجل زوجته، أو المعلم بتأديبه الصبي.\n• فمذهب أحمد، ومالك أن لا ضمان إلا بتفريط، أو تعدي.\n• ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة الضمان مطلقًا. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٧٧٨). وأخرجه أيضًا مسلم برقم (١٧٠٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٥٢٧ -) «البيان» (١٢/ ٥٣٦).\n(^٣) «المغني» (١٢/ ٥٢٨).","vol":"9","page":598},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5493>مسألة [٢]: التعزير بالعقوبات المالية</span>.\nقال ابن القيم -﵀- في «الطرق الحكمية» (ص ٢٦٦ -): وَأَمَّا التَّعْزِيرُ بِالْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ فَمَشْرُوعٌ أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَعَنْ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ: مِنْهَا: إبَاحَتُهُ - ﷺ - سَلَبَ الَّذِي يَصْطَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ لِمَنْ وَجَدَهُ (^١). وَمِثْلُ: أَمْرِهِ - ﷺ - بِكَسْرِ دِنَانِ الْخَمْرِ وَشَقِّ ظُرُوفِهَا (^٢). وَمِثْلُ: أَمْرِهِ لِعَبْدِ الله بْنِ عَمْرو بِأَنْ يُحَرِّقَ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ (^٣). وَمِثْلُ: أَمْرِهِ - ﷺ - يَوْمَ خَيْبَرَ بِكَسْرِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَ فِيهَا لَحْمُ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنُوهُ فِي غَسْلِهَا، فَأَذِنَ لَهُمْ (^٤)؛ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً بِالْكَسْرِ. وَمِثْلُ: هَدْمِهِ مَسْجِدَ الضِّرَارِ (^٥). وَمِثْلُ: تَحْرِيقِ مَتَاعِ الْغَالِّ (^٦).\nوَمِثْلُ: حِرْمَانِ السَّلَبِ الَّذِي أَسَاءَ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٣٦٤) عن سعد بن أبي وقاص -﵁-.\n(^٢) أخرجه الترمذي (١٢٩٣)، والدارقطني (٤٧٠٢، و٤٧٠٦)، والطبراني (٤٧١٤) من طريق ليث ابن أبي سليم، عن يحيى بن عباد، عن أنس، عن أبي طلحة به وإسناده ضعيف؛ لضعف ليث بن أبي سليم.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٢٠٧٧) عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-.\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (٤١٩٦)، ومسلم برقم (١٨٠٢) عن سلمة بن الأكوع -﵁-.\n(^٥) راجع ذلك في تفسير ابن كثير، تفسير سورة التوبة، آية (١٠٧).\n(^٦) ضعيف .. أخرجه أبو داود (٢٧١٥)، والحاكم (٢/ ١٣٠)، والبيهقي (٩/ ٢٠٣) من طريق الوليد ابن مسلم، حدثنا زهير بن محمد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه.\nقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ١٣٩): وقال البيهقي: الأحاديث الواردة في الغلول ليس فيها أنه -﵇- أمر بتحريق متاع الغال. قال: وفي ذلك دليل على ضعف هذا الحديث. قال: ويقال: إن زهيرًا هذا مجهول، وليس بالمكي. قلت: غريب. وقال الرافعي عن الشافعي: لو صح هذا الحديث قلت به. قال الرافعي: يريد أنه لم تظهر صحته. اهـ\nقلتُ: وإن كان زهير بن محمد هو الخراساني؛ فرواية الشاميين عنه غير مستقيمة، وهذا منها؛ فالراوي عنه هو الوليد بن مسلم، وهو شامي.\nوجاء من حديث عمر بن الخطاب -﵁-:\nأخرجه أبو داود (٢٧١٣)، والترمذي (١٤٦١)، والبزار (١٢٣)، والحاكم (٢/ ١٢٧ - ١٢٨)، والبيهقي (٩/ ١٠٢) من طريق صالح بن محمد بن زائدة، عن سالم، عن أبيه، عن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من وجدتموه قد غل فأحرقوا متاعه». قال الترمذي ﵀: سألتُ محمدًا عن هذا الحديث، فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة، وهو أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث، قال محمد: وقد روي في غير حديث عن النبي - ﷺ - في الغال، فلم يأمر فيه بحرق متاعه. انتهى.","vol":"9","page":599},{"text":"عَلَى نَائِبِهِ (^١).\nوَمِثْلُ: إضْعَافِ الْغُرْمِ عَلَى سَارِقِ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ مِنْ الثَّمَرِ وَالْكَثَرِ (^٢). وَمِثْلُ: إضْعَافِهِ الْغُرْمَ عَلَى كَاتِمِ الضَّالَّةِ (^٣).\nوَمِثْلُ: أَخْذِهِ شَطْرَ مَالِ مَانِعِ الزَّكَاةِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ الرَّبِّ ﵎ (^٤).\nوَمِثْلُ: أَمْرِهِ لَابِسَ خَاتَمِ الذَّهَبِ بِطَرْحِهِ، فَطَرَحَهُ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٧٥٣) عن عوف بن مالك -﵁-.\n(^٢) حسن: تقدم تخريجه في البلوغ برقم (١٢٣٥).\n(^٣) ضعيف. أخرجه عبد الرزاق (١٨٥٩٩)، وأبو داود (١٧١٨) من طريق عمرو بن مسلم الجندي، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قال: «ضالة الإبل المكتومة عرامتها، ومثلها معها». وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعف عمرو بن مسلم الجندي.\n(^٤) حسن: تقدم تخريجه في البلوغ برقم (٥٨٨).\n(^٥) أخرجه مسلم (٢٠٩٠) من حديث ابن عباس -﵄-.","vol":"9","page":600},{"text":"وَمِثْلُ: تَحْرِيقِ مُوسَى -﵇- الْعِجْلَ، وَإِلْقَاءِ بُرَادَتِهِ فِي الْيَمِّ.\nوَمِثْلُ: قَطْعِ نَخِيلِ الْيَهُودِ؛ إغَاظَةً لَهُمْ (^١).\nوَمِثْلُ: تَحْرِيقِ عُمَرَ (^٢)،\nوَعَلِيٍّ (^٣) -﵄- الْمَكَانَ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ.\nوَمِثْلُ: تَحْرِيقِ عُمَرَ قَصْرَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لَمَّا احْتَجَبَ فِيهِ عَنْ الرَّعِيَّةِ (^٤)، وَهَذِهِ قَضَايَا صَحِيحَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَلَيْسَ يَسْهُلُ دَعْوَى نَسْخِهَا.\nقال: وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةَ مَنْسُوخَةٌ. وَأَطْلَقَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ غَلِطَ عَلَى مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ نَقْلًا وَاسْتِدْلَالًا، فَأَكْثَرُ هَذِهِ المَسَائِلِ سَائِغٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا سَائِغٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَفِعْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَأَكَابِرِ الصَّحَابَةِ لَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ - ﷺ - مُبْطِلٌ أَيْضًا لِدَعْوَى نَسْخِهَا، وَالمُدَّعُونَ لِلنَّسْخِ لَيْسَ مَعَهُمْ كِتَابٌ وَلَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٣٢٦)، ومسلم (١٧٤٦) عن ابن عمر -﵄-.\n(^٢) صحيح: أخرجه أبو عبيد في الأموال (٢٨٧) حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: وجد عمر في بيت رجل من ثقيف شرابا، فأمر به فأحرق، وكان يقال له: رويشد، فقال له: «أنت فويسق» وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله رجال الشيخين.\n\nوأخرجه ابن زنجويه برقم (٤١٠) حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، أنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده، أن عمر بن الخطاب، أحرق بيت رويشد الثقفي، وكان، حانوت شراب، وكان قد تقدم إليه في ذلك. فكأني أنظر إلى بيته كأنه جمرة أو فحمة، يشك إبراهيم بن سعد. وهذا إسناد صحيح.\nوأخرجه عبد الرزاق (٩/ ٢٢٩) من طريقين عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عمر به.\n(^٣) أخرجه أبو عبيد (٢٦٨)، من طريق عمر المكتب، حدثنا حذلم، عن ربيعة بن زكاء، أو زكار، عن علي -﵁-، فذكره. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه من لم يعرف.\n(^٤) ضعيف. أخرجه أحمد (٣٩٠) من طريق عباية بن رفاعة، عن عمر -﵁-، به. وإسناده ضعيف؛ لأنه منقطع؛ فعباية لم يدرك عمر -﵁-.","vol":"9","page":601},{"text":"سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ يُصَحِّحُ دَعْوَاهُمْ. انتهى المراد\nومن القائلين بالنسخ: الشافعي في قولٍ، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وبعض الحنابلة، وبعض المالكية.\nوالصحيح ما قرره ابن القيم، وهو قول شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ١٠٩ - ١١٢) (٢٩/ ٢٩٤ -) (٢٠/ ٣٨٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5494>مسألة [٣]: أقل التعزير</span>.\nقال شيخ الإسلام -﵀- (٢٨/ ٣٤٤): وليس لأقل التعزير حدٌّ، بل هو بكل ما فيه إيلام الإنسان، من قولٍ، أو فعلٍ، وترك قول، وترك فعل، فقد يعزر الرجل بوعظه، وتوبيخه، والإغلاظ له، وقد يعزر بهجره، وترك السلام عليه حتى يتوب إذا كان ذلك هو المصلحة، كما هجر النبيُّ - ﷺ - وأصحابُه الثلاثةَ الذي خلفوا، وقد يعزر بعزله عن ولايته، وقد يعزر بترك استخدامه في جند المسلمين، كالجندي المقاتل إذا فرَّ من الزحف، وقطع أجره نوعُ تعزيرٍ له، وكذلك الأمير إذا فعل ما يُستَعْظَم؛ فعزله تعزير له، وكذلك قد يعزَّر بالحبس، وقد يعزَّر بالضرب. انتهى.","vol":"9","page":602},{"text":"١٢٥٦ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيستفاد من الحديث أن من تُعُدِّيَ عليه في ماله؛ فله أن يدفع عن ماله ولو أدَّى به إلى قتل المعتدي، وليس له أن يدفعه بالقتل وهو قادر على دفعه بدون ذلك.\nومن قُتل دون ماله فهو شهيد، وإن قَتَلَ صاحِبُ المال المعتديَ؛ فليس عليه شيء فيما بينه وبين الله، وأما في الحكم فعليه البينة على ذلك؛ وإلا فيقاد به، وقد تقدمت الإشارة إلى نحو ذلك تحت الحديث رقم (١١٩٦).\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١)، والنسائي (٧/ ١١٦)، وابن ماجه (٢٥٨٠)، وهو حديث صحيح.","vol":"9","page":603},{"text":"١٢٥٧ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ خَبَّابٍ -﵁- قَالَ: سَمِعْت أَبِي -﵁- يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «تَكُون فِتَنٌ، فَكُنْ فِيهَا عَبْدَاللهِ المَقْتُولَ، وَلَا تَكُنِ القَاتِلَ». أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيّ. (^١)\n\n١٢٥٨ - وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ نَحْوَهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفي الحديث أنَّ الأفضل عند الفتن، بل الواجب تجنب ذلك، ولو أدَّى إلى أن يقتل المسلم خير له من المشاركة في ذلك، وهذا محمول على غير البغي على الإمام، وجماعة المسلمين؛ فإنه يجب على المسلم مناصرة أهل العدل، ولا ينافي حديث الباب أنَّ الإنسان يدفع عن نفسه إذا أراد أحدٌ قتله؛ لحديث: «من قُتل دون دمه؛ فهو شهيد» أخرجه أبو داود (٤٧٧٢) عن سعيد بن زيد -﵄- بإسناد صحيح.\nكان الفراغ من كتاب الحدود بحمد الله ومنته في يوم الأحد\nالموافق (١٢/ذي القعدة/١٤٢٧ من هجرة المصطفى -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-\n_________\n(^١) حسن لغيره. أخرجه أبوعمرو الداني في «السنن الواردة في الفتن» (٣٠)، وأخرجه أحمد بنحوه (٥/ ١١٠)، وفي إسناده رجل من عبدالقيس مبهم لا يدرى من هو، وقد سقط من إسناد الداني، فالحديث إسناده ضعيف، وهو حسن إن شاء الله بشاهده الذي بعده.\nتنبيه: الدارقطني أخرج أصل الحديث في «سننه» (٣/ ١٣٢) ولم يخرج اللفظ المذكور في الباب.\n(^٢) حسن لغيره. أخرجه أحمد (٥/ ٢٩٢)، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. ويشهد له حديث خباب الذي قبله، وحديث أبي ذر في «مسند أحمد» (٥/ ١٤٩)، وفي «صحيح ابن حبان» (٦٦٨٥) بإسناد صحيح، وهو طويل وفيه: «إن خشيت أن يروعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه».","vol":"9","page":604},{"text":"فتح العلام\nفي دراسة أحاديث بلوغ المرام\nحديثيا وفقهيا مع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\nتأليف\nأبي عبدالله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني\nفي دار الحديث بدماج\n\nالجزء العاشر\nكِتَابُ الْجِهَادِ - كِتَابُ الجَامِع\nالجِزْيَةِ وَالهُدْنَةِ-السَّبَقُ وَالرَّمْي-الصَّيْدُ وَالذَّبَائِح-الأَضَاحِي-العَقِيقَة-الشَّهَادَات- الدَّعْوَى وَالبَيِّنَات- كِتَابُ الْعِتْقِ- المُدَبَّرُ وَالمُكَاتَبُ وَأُمُّ الوَلَدِ- كِتَابُ الجَامِع","vol":"10","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5495>كِتَابُ الْجِهَادِ</span>\n\nالجهاد: مصدر من الفعل الرباعي: (جَاهَدَ)، وهو بذل الطاقة، والقوة في أمرها، فيبلغ المشقة، والمقصود به ههنا: بذل الطاقة والجهد في قتال الكفار. «الفتح» [كتاب الجهاد].\n١٢٥٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١٢٥٨ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^٢)\n\n١٢٥٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قُلْت يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الحَجُّ وَالعُمْرَةُ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَصْلُهُ فِي «البُخَارِيِّ». (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5497>مسألة [١]: فضيلة الجهاد</span>.\nالآيات، والأحاديث في فضل الجهاد كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٩١٠).\n(^٢) صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ١٢٤، ١٥٣، ٢٥١)، والنسائي (٦/ ٧)، والحاكم (٢/ ٨١)، وهو أيضًا عند أبي داود (٢٥٠٤). وإسناده صحيح.\n(^٣) تقدم تخريجه في كتاب الحج برقم (٦٩٢).","vol":"10","page":5},{"text":"هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١٠ - ١١].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [براءة:١١١].\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٧٤].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] وغيرها من الآيات.\nومن الأحاديث: أحاديث الباب، وحديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الْجِهَادُ فِي\n_________\n(^١) انظر «البخاري» رقم (٣٦)، و«مسلم» رقم (١٨٧٦).","vol":"10","page":6},{"text":"سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ».\nوفي «صحيح البخاري» (٢٧٩٠) عن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الله، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ...» الحديث.\nوفي «الصحيحين» عن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِالله وَرَسُولِهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ». (^١)\nوفي «الصحيحين» عن أنس -﵁- قال: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ الله، أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». (^٢)\nوفي «صحيح مسلم» (١٨٧٨) عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ الله، لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ الله تَعَالَى»، وهو في «البخاري» (٢٧٨٧) مختصرًا والأحاديث في الباب كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5498>مسألة [٢]: أقسام الجهاد</span>.\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٣/ ٩ - ١١): الْجِهَادُ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: جِهَادُ النّفْسِ، وَجِهَادُ الشّيْطَانِ، وَجِهَادُ الْكُفّارِ، وَجِهَادُ المُنَافِقِينَ. فَجِهَادُ النّفْسِ أَرْبَعُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٦)، ومسلم برقم (٨٣).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٧٩٢)، ومسلم برقم (١٨٨٠).","vol":"10","page":7},{"text":"مَرَاتِبَ أَيْضًا: إحْدَاهَا: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى تَعَلّمِ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ الّذِي لَا فَلَاحَ لَهَا وَلَا سَعَادَةَ فِي مَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا إلّا بِهِ، وَمَتَى فَاتَهَا عِلْمُهُ؛ شَقِيَتْ فِي الدّارَيْنِ. الثّانِيَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ. الثّالِثَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الدّعْوَةِ إلَيْهِ وَتَعْلِيمِهِ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ، وَإِلّا كَانَ مِنْ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ الْهُدَى وَالْبَيّنَاتِ. الرّابِعَةُ: أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الصّبْرِ عَلَى مَشَاقّ الدّعْوَةِ إلَى الله.\nقال: وَأَمَّا جِهَادُ الشّيْطَانِ فَمَرْتَبَتَانِ: إحْدَاهُمَا: جِهَادُهُ عَلَى دَفْعِ مَا يُلْقِي إلَى الْعَبْدِ مِنْ الشّبُهَاتِ وَالشّكُوكِ الْقَادِحَةِ فِي الْإِيمَانِ. الثّانِيَةُ: جِهَادُهُ عَلَى دَفْعِ مَا يُلْقِي إلَيْهِ مِنْ الْإِرَادَاتِ الْفَاسِدَةِ، وَالشّهَوَاتِ؛ فَالْجِهَادُ الْأَوّلُ يَكُونُ بَعْدَهُ الْيَقِينُ، وَالثّانِي يَكُونُ بَعْدَهُ الصّبْرُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السّجْدَةُ ٢٤].\nقال: وَأَمّا جِهَادُ الْكُفّارِ، وَالمُنَافِقِينَ فَأَرْبَعُ مَرَاتِبَ: بِالْقَلْبِ، وَاللّسَانِ، وَالْمَالِ، وَالنّفْسِ. وَجِهَادُ الْكُفّارِ أَخُصّ بِالْيَدِ، وَجِهَادُ المُنَافِقِينَ أَخُصّ بِاللّسَانِ.\nقال: وَأَمّا جِهَادُ أَرْبَابِ الظّلْمِ، وَالْبِدَعِ، وَالْمُنْكَرَاتِ؛ فَثَلَاثُ مَرَاتِبَ: الأُولَى: بِالْيَدِ إذَا قَدَرَ؛ فَإِنْ عَجَزَ انْتَقَلَ إلَى اللّسَانِ؛ فَإِنْ عَجَزَ جَاهَدَ بِقَلْبِهِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَرْتَبة. انتهى باختصار يسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5499>مسألة [٣]: حكم جهاد الكفار</span>.\n• عامة أهل العلم على أنَّ الجهاد من فروض الكفايات.","vol":"10","page":8},{"text":"• وحُكي عن سعيد بن المسيب أنه من فروض الأعيان. واستُدِلَّ لهذا القول بقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة:٤١]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة:٢١٦]، وبحديث أبي هريرة، وأنس -﵄- اللذين في الكتاب.\nواستدل الجمهور على عدم فرضيته عينيًّا بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء:٩٥]، وهذا يدل على أنَّ القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم.\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]، وكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يبعث البعوث، والسرايا، ويبقى.\nوأما قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة:٤١]، فقيل: إنها منسوخة. وقيل: محكمة وهو الصحيح، والمراد بها إذا تعين ذلك باستنفار الإمام، أو حلول العدو في البلد، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5500>مسألة [٤]: أحوال تعين الجهاد</span>.\nهناك أحوال يتعين فيها الجهاد، وهي:\nالأولى: إذا التقى الزحفان، وتقابل الصَّفَّان؛ حرم على من حضر الانصراف،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٧ - ٦) «البيان» (١٢/ ٩٩ -).","vol":"10","page":9},{"text":"وتعين عليه المقام؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٥ - ١٦]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥].\nالثانية: إذا نزل الكفار ببلد؛ تعيَّن على أهله قتالهم، ودفعهم للمحافظة على دينهم، وأموالهم، وأعراضهم.\nالثالثة: إذا استنفر الإمامُ قومًا؛ لزمهم النفير معه؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة:٣٨ - ٣٩]، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وإذا استُنْفِرْتُم؛ فانفروا».\nالرابعة: أن يحتاج إلى أناس معينين؛ لخبرتهم، ومعرفتهم؛ فيتعين عليهم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5501>مسألة [٥]: شروط وجوب الجهاد</span>.\nيُشترط لوجوب الجهاد على الشخص أن يكون مسلمًا، عاقلًا، بالغًا، حُرًّا، ذكرًا، سالمًا من الضرر، واجدًا للنفقة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٨) «الشرح الممتع» (٨/ ١٢ - ١٣).","vol":"10","page":10},{"text":"أما الإسلام، والبلوغ، والعقل؛ فهي شروط لوجوب سائر التكاليف الواجبة؛ ولأنَّ الكافر غير مأمون في الجهاد، والمجنون لا يتأتى منه الجهاد، والصبي ضعيف البنية، وقد ردَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعض الصبيان يوم أُحد؛ لكونهم لم يبلغوا.\nوأما الحرية؛ فقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٤١]، والعبد لا مال له؛ ولقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة:٩١]، والعبد لا يجد ما ينفق؛ ولأنَّ العبد مشغول بخدمة سيده؛ فلا يجب عليه.\nوأما الذكورية فتشترط لحديث عائشة -﵂- الذي في الباب؛ ولأنها ليست من أهل القتال؛ لضعفها، وخورها.\nوأما السلامة من الضرر فمعناه: السلامة من العمى، والعرج، والمرض، وهو شرطٌ؛ لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١]؛ ولأنَّ هذه الأعذار تمنعه من الجهاد، والمانع من العرج والمرض هو ما كان شديدًا يمنعه من الجهاد.\nوأما النفقة فتشترط؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩١]؛ ولأنَّ الجهاد لا يمكن إلا بآلة، فيعتبر القدرة عليها.\nفإن كان الجهاد على مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ اشتُرِط أن يكون واجدًا","vol":"10","page":11},{"text":"للزاد، ونفقة عائلته في مدة غيابه، وسلاحٍ يقاتل به، ولا تعتبر الراحلة؛ لأنه سفر قريب.\nوإن كانت المسافة تقصر فيها الصلاة؛ اعتُبِر مع ذلك الراحلة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5502>مسألة [٦]: أقل ما يجب من الجهاد في العام الواحد</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٨٢٥): وَيَتَأَدَّى فَرْض الْكِفَايَة بِفِعْلِهِ فِي السَّنَة مَرَّة عِنْد الْجُمْهُور، وَمِنْ حُجَّتهمْ: أَنَّ الْجِزْيَة تَجِب بَدَلًا عَنْهُ، وَلَا تَجِب فِي السَّنَة أَكْثَر مِنْ مَرَّة اِتِّفَاقًا؛ فَلْيَكُنْ بَدَلهَا كَذَلِكَ، وَقِيلَ: يَجِب كُلَّمَا أَمْكَنَ. وَهُوَ قَوِيٌّ. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٨ - ١٠) «البيان» (١٢/ ١٠٣ - ١٠٩).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٣/ ١٠) «البيان» (١٢/ ١٠٣).","vol":"10","page":12},{"text":"١٢٦٠ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يَسْتَأْذِنُ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاك؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٢٦١ - وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ: «ارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَك، وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5503>مسألة [١]: استئذان الوالدين في الجهاد الغير متعين</span>.\nقال الخِرَقِي -﵀-: وإذا كان أبواه مسلمين؛ لم يجاهد تطوعًا إلا بإذنهما. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀-: رُوي نحو ذلك عن عمر، وعثمان -﵄-، وبه قال مالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وسائر أهل العلم. اهـ\nثم استدل -﵀- بالحديثين المذكورين؛ ولأنَّ بر الوالدين فرض عين، والجهاد فرض كفاية، وفرض العين يقدم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5504>مسألة [٢]: إذا كان أبواه كافرين</span>؟\n• جمهور العلماء على أنه لا إذن لهما.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠٠٤)، ومسلم (٢٥٤٩).\n(^٢) صحيح لغيره. أخرجه أحمد (٣/ ٧٥ - ٧٦)، وأبوداود (٢٥٣٠)، وهو من رواية درَّاج أبي السمح، عن أبي الهيثم، وهي رواية ضعيفة، ولكن الحديث صحيح بشاهده الذي قبله.\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٥ - ٢٦) «الفتح» (٣٠٠٤).","vol":"10","page":13},{"text":"• وخالف الثوري، فاعتبر إذنهما؛ لعموم الآية.\nواحتج الجمهور بأنَّ أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كانوا يجاهدون، وفيهم من له أبوان كافران من غير استئذانهما، منهم: أبو بكر الصديق -﵁-، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة -﵁- كان مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم بدر، وأبوه رئيس المشركين يومئذٍ، قُتل ببدر، وأبو عبيدة -﵁- قتل أباه في الجهاد، وعموم الأخبار يخصص بما ذكرناه. (^١)\nفائدة: إذا تعين الجهاد لم يعتبر إذن الوالدين؛ لأنه صار فرض عين، وتركه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله، وكذلك كل واجب عيني، مثل الحج، والصلاة في الجماعة، والجمع، والسفر للعلم الواجب. (^٢)\nفائدة أخرى: إذا أذن له أبواه، ثم منعاه؛ امتنع، إلا أن يكون قد حضر الصف، وكذا لو شرطا عليه أن لا يقاتل، فحضر الصف؛ فلا أثر للشرط، ووجب عليه القتال. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٦) «الفتح» (٣٠٠٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٦) «الفتح» (٣٠٠٤).\n(^٣) انظر: «الفتح» (٣٠٠٤) «المغني» (١٣/ ٢٧).","vol":"10","page":14},{"text":"١٢٦٢ - وَعَنْ جَرِيرٍ البَجَلِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ المُشْرِكِينَ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَجَّحَ البُخَارِيُّ إرْسَالَهُ. (^١)\n\n١٢٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n١٢٦٤ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\n١٢٦٥ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ السَّعْدِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ العَدُوُّ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٤)\n_________\n(^١) ضعيف مرسل. أخرجه أبوداود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤)، من طريق أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير به.\nوقد شذ أبومعاوية بوصل الحديث، وأصحاب إسماعيل يروونه مرسلًا بدون ذكر جرير. وقد رجح الإرسال البخاري والترمذي وأبوداود والدارقطني وأبوحاتم. وقد رواه النسائي (٨/ ٣٦)، مرسلًا. وقد وهم حفص بن غياث أيضًا، فرواه عن إسماعيل عن قيس عن خالد بن الوليد، والصواب إرساله، ذكر ذلك الدارقطني. انظر «البدر المنير» (٩/ ١٦٣)، و«العلل» لابن أبي حاتم (٩٤٢)، و«سنن الترمذي وأبي داود».\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٨٢٥)، ومسلم (١٣٥٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٨١٠)، ومسلم (١٩٠٤).\n(^٤) حسن. أخرجه النسائي (٧/ ١٤٦، ١٤٧)، وابن حبان (٤٨٦٦)، وقد وقع في إسناده اختلاف كما بينه صاحب «تحقيق المسند» (٣٧/ ١١).\n\nوالراجح من تلك الطرق في إسنادها حسان بن عبدالله الضمري وهو مجهول، وسقط من بعض الطرق، ولعله وهم من بعض الرواه، أو إرسال من الراوي.\nولكن للحديث طريق أخرى عند أحمد (٥/ ٢٧٠)، وإسناده حسن، ولفظ النسائي وابن حبان «ما قوتل الكفار» ولفظ أحمد «ما قوتل العدو» والله أعلم.","vol":"10","page":15},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nتعريف الهجرة:\nالهجرة: هي الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5505>مسألة [١]: هل انقطعت الهجرة، أم هي باقية</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ الهجرة باقية لم تنقطع، ولا تنقطع إلى قيام الساعة؛ لحديث عبدالله بن السعدي الذي في الكتاب، ولأنَّ الهجرة يحتاج إليها ما دام الكفر باقيًا.\nوأما حديث: «لا هجرة بعد الفتح»؛ فهو محمول عند الأكثر على أنه: لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، وكذلك لا هجرة من بلادٍ أصبحت دار إسلام، وحمله بعضهم على نفي الوجوب. والصحيح التوجيه الأول، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5506>مسألة [٢]: أحوال الناس في الهجرة</span>.\nذكر الفقهاء أنهم على ثلاثة أضرب:\nالأول: من لا يمكنه إظهار دينه، ولا إقامة واجبات دينه، ويقدر على الهجرة؛ فتجب عليه الهجرة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ\n_________\n(^١) انظر: «نضرة النعيم» (٨/ ٣٥٤٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ١٥٠) «الفتح» (٢٨٢٥).","vol":"10","page":16},{"text":"قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧].\nالثاني: من يعجز عن الهجرة؛ لمرضٍ، أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء، والولدان، وشبههم؛ فلا تجب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٩٨ - ٩٩]، ولا توصف باستحبابٍ؛ لكونها غير مقدور عليها.\nالثالث: من يقدر على الهجرة، ولكنه متمكن من إقامة دينه، ويظهر شرائعه، وشعائره، فيستحب له الهجرة؛ ليتمكن من جهادهم، وتكثير المسلمين، ومعونتهم، ويتخلص من تكثير سواد الكفار، ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه الهجرة؛ لإمكانه إقامة واجبات الدين بدونها، وقد كان العباس مقيمًا بمكة مع إسلامه، ونُقِل عن نعيم بن النحام أنه بقي بين قومه يقيم دينه، وترك الهجرة؛ تلبية لطلبهم؛ لأنه كان يقوم على اليتامى والأرامل (^١). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5507>مسألة [٣]: إخلاص النية في الجهاد والهجرة</span>.\nقال الحافظ -﵀- في شرح حديث أبي موسى -﵁- (٢٨١٠): الْمُرَاد بِكَلِمَةِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٤/ ١٣٨)، من طريق محمد بن عمر الواقدي، والواقدي كذّاب. وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٢/ ١٧٨)، بإسناده عن الزبير بن بكار معضلا.\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ١٥١ -) «البيان» (١٢/ ٩٧ -) «فتاوى اللجنة» (١٢/ ٥٠ - ٥٧).","vol":"10","page":17},{"text":"الله: دَعْوَة الله إِلَى الْإِسْلَام.\nقال: وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد: أَنَّهُ لَا يَكُون فِي سَبِيل الله إِلَّا مَنْ كَانَ سَبَب قِتَاله طَلَب إِعْلَاء كَلِمَة الله فَقَطْ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ سَبَبًا مِنْ الْأَسْبَاب الْمَذْكُورَة؛ أَخَلَّ بِذَلِكَ، وَيَحْتَمِل أَنْ لَا يُخِلّ إِذَا حَصَلَ ضِمْنًا لَا أَصْلًا وَمَقْصُودًا، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الطَّبَرِيُّ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ أَصْل الْبَاعِث هُوَ الْأَوَّل لَا يَضُرّهُ مَا عَرَضَ لَهُ بَعْد ذَلِكَ. وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُور، لَكِنْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ بِإِسْنَادٍ جَيِّد قَالَ: جَاءَ رَجُل فَقَالَ: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِس الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ، مَاله؟ قَالَ: «لَا شَيْء لَهُ»، فَأَعَادَهَا ثَلَاثًا كُلّ ذَلِكَ يَقُول: «لَا شَيْء لَهُ»، ثُمَّ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «إِنَّ الله لَا يَقْبَل مِنْ الْعَمَل إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهه».\nقال: وَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل هَذَا عَلَى مَنْ قَصَدَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا عَلَى حَدّ وَاحِد، فَلَا يُخَالِف الْمُرَجَّح أَوَّلًا، فَتَصِير الْمَرَاتِب خَمْسًا: أَنْ يَقْصِد الشَّيْئَيْنِ مَعًا، أَوْ يَقْصِد أَحَدهمَا صِرْفًا، أَوْ يَقْصِد أَحَدهمَا وَيَحْصُل الْآخَر ضِمْنًا، فَالمَحْذُور أَنْ يَقْصِد غَيْر الْإِعْلَاء، فَقَدْ يَحْصُل الْإِعْلَاء ضِمْنًا، وَقَدْ لَا يَحْصُل وَيَدْخُل تَحْته مَرْتَبَتَانِ، وَهَذَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي مُوسَى، وَدُونه أَنْ يَقْصِدهُمَا مَعًا؛ فَهُوَ مَحْذُور أَيْضًا عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ، وَالمَطْلُوب أَنْ يَقْصِد الْإِعْلَاء صِرْفًا، وَقَدْ يَحْصُل غَيْر الْإِعْلَاء وَقَدْ لَا يَحْصُل، فَفِيهِ مَرْتَبَتَانِ أَيْضًا، قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة: ذَهَبَ المُحَقِّقُونَ\n_________\n(^١) لم يخرجه أبو داود، وأخرجه النسائي برقم (٣١٤٠) بإسناد حسن.","vol":"10","page":18},{"text":"إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْبَاعِث الْأَوَّل قَصْد إِعْلَاء كَلِمَة الله؛ لَمْ يَضُرّهُ مَا اِنْضَافَ إِلَيْهِ. اهـ\nقال: وَيَدُلّ عَلَى أَنَّ دُخُول غَيْر الْإِعْلَاء ضِمْنًا لَا يَقْدَح فِي الْإِعْلَاء إِذَا كَانَ الْإِعْلَاء هُوَ الْبَاعِث الْأَصْلِيّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ عَبْدالله بْن حَوَالَة قَالَ: بَعَثَنَا رَسُول الله - ﷺ - عَلَى أَقْدَامنَا لِنَغْنَم، فَرَجَعْنَا وَلَمْ نَغْنَم شَيْئًا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تَكِلهُمْ إِلَيَّ». (^١) انتهى المراد.\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» مُعَلِّقًا على حديث أبي أمامة: وَلَعَلَّ بُطْلَانَهُ هُنَا لِخُصُوصِيَّةِ طَلَبِ الذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ انْقَلَبَ عَمَلُهُ لِلرِّيَاءِ، وَالرِّيَاءُ مُبْطِلٌ لِمَا يُشَارِكُهُ، بِخِلَافِ طَلَبِ المَغْنَمِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي الْجِهَادَ، بَلْ إذَا قَصَدَ بِأَخْذِ المَغْنَمِ إغَاظَةَ المُشْرِكِينَ وَالِانْتِفَاعَ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ؛ كَانَ لَهُ أَجْرٌ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة:١٢٠]، وَالمُرَادُ النَّيْلُ الْمَأْذُونُ فِيهِ شَرْعًا، وَفِي قَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا؛ فَلَهُ سَلَبُهُ» قَبْلَ الْقِتَالِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَافِي قَصْدُ المَغْنَمِ الْقِتَالَ، بَلْ مَا قَالَهُ إلَّا لِيَجْتَهِدَ السَّامِعُ فِي قِتَالِ المُشْرِكِينَ، وَفِي «الْبُخَارِيِّ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «انْتَدَبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا إيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرَسُولِي أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ» (^٢)،\nوَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَخْبَارَ هَذِهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَشْرِيكِ النِّيَّةِ؛ إذْ الْإِخْبَارُ بِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ غَالِبًا؛ ثُمَّ إنَّهُ يُقْصَدُ المُشْرِكُونَ لِمُجَرَّدِ نَهْبِ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود برقم (٢٥٣٥)، وأحمد (٥/ ٢٨٨) بإسناد حسن.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٣١٢٣)، وكذلك مسلم برقم (١٨٧٦) ..","vol":"10","page":19},{"text":"أَمْوَالِهِمْ كَمَا خَرَجَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِمَنْ مَعَهُ فِي غَزَاةِ بَدْرٍ لِأَخْذِ عِيرِ المُشْرِكِينَ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا، بَلْ ذَلِكَ مِنْ إعْلَاءِ كَلِمَةِ الله تَعَالَى؛ وَأَقَرَّهُمْ اللهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، بَلْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧]، وَلَمْ يَذُمَّهُمْ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ فِي هَذَا الْإِخْبَارِ إخْبَارًا لَهُمْ بِمَحَبَّتِهِمْ لِلْمَالِ دُونَ الْقِتَالِ، فَإِعْلَاءُ كَلِمَةِ الله يَدْخُلُ فِيهِ إخَافَةُ المُشْرِكِينَ، وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ، وَقَطْعُ أَشْجَارِهِمْ وَنَحْوِهِ.\nقال: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد (^١) أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله، رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ الله، وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا؟ فَقَالَ: «لَا أَجْرَ لَهُ»، فَأَعَادَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لَا أَجْرَ لَهُ»؛ فَكَأَنَّهُ فَهِمَ - ﷺ - أَنَّ الْحَامِلَ هُوَ الْعَرَضُ مِنْ الدُّنْيَا، فَأَجَابَهُ بِمَا أَجَابَ وَإِلَّا فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ تَشْرِيكُ الْجِهَادِ بِطَلَبِ الْغَنِيمَةِ أَمْرًا مَعْرُوفًا فِي الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ عَبْدَالله بْنَ جَحْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي رَجُلًا شَدِيدًا أُقَاتِلُهُ وَيُقَاتِلُنِي، ثُمَّ اُرْزُقْنِي عَلَيْهِ الصَّبْرَ حَتَّى أَقْتُلَهُ وَآخُذَ سَلَبَهُ. (^٢) فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الْعَرَضِ مِنْ الدُّنْيَا مَعَ الْجِهَادِ كَانَ أَمْرًا مَعْلُومًا جَوَازُهُ لِلصَّحَابَةِ، فَيَدْعُونَ اللهَ بِنَيْلِهِ. اهـ\nقلتُ: وَمِنَ الأدلةِ على جواز تشريك قصد المغنم حديث أبي هريرة -﵁- في\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢٥١٦)، وفي إسناده رجل مبهم.\n(^٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٧٦)، والبيهقي (٦/ ٣٠٧)، من حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- بإسناد حسن، ولكن الدعوة المذكورة إنما هي دعوة سعد، وأما ابن جحش فله دعوة أخرى كما في المصدرين السابقين.","vol":"10","page":20},{"text":"«صحيح مسلم» (١٤٢٤)، أنَّ رجلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟» قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ»، قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ، بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ.\nوكذلك ما أخرجه أحمد (٢/ ٥٠) عن ابن عمر -﵄-، بإسناد حسن، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «بُعِثتُ بين يَدَي الساعة بالسيف؛ حتى يُعْبَدَ الله وحده لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعِلت الذِّلَّة والصَّغَار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5508>مسألة [٤]: إذا غنم المسلمون، فهل ينقص الأجر</span>؟\nفي «صحيح مسلم» (١٩٠٦)، من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو؛ فَتَغْنَمُ، وَتَسْلَمُ، إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ، وَتُصَابُ إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ».\nقال النووي -﵀- في شرح الحديث (١٩٠٦): وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث: فَالصَّوَاب الَّذِي لَا يَجُوز غَيْره أَنَّ الْغُزَاة إِذَا سَلِمُوا أَوْ غَنِمُوا يَكُون أَجْرهمْ أَقَلّ مِنْ أَجْر مَنْ لَمْ يَسْلَم، أَوْ سَلِمَ وَلَمْ يَغْنَم، وَأَنَّ الْغَنِيمَة هِيَ فِي مُقَابَلَة جُزْء مِنْ أَجْر غَزْوهمْ، فَإِذَا حَصَلَتْ لَهُمْ فَقَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرهمْ الْمُتَرَتَّب عَلَى الْغَزْو، وَتَكُون هَذِهِ الْغَنِيمَة مِنْ جُمْلَة الْأَجْر، وَهَذَا مُوَافِق لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة عَنْ الصَّحَابَة","vol":"10","page":21},{"text":"كَقَوْلِهِ: (مِنَّا مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَأْكُل مِنْ أَجْره شَيْئًا، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَته؛ فَهُوَ يَهْدُبُهَا) (^١)، أَيْ: يَجْتَنِيهَا. فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ الصَّوَاب، وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث، وَلَمْ يَأْتِ حَدِيث صَرِيح صَحِيح يُخَالِف هَذَا؛ فَتَعَيَّنَ حَمْله عَلَى مَا ذَكَرْنَا. انتهى المراد، وانظر بقية كلامه؛ فهو مفيد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٢٧٥) من قول عبدالرحمن بن عوف -﵁-.","vol":"10","page":22},{"text":"١٢٦٦ - وَعَنْ نَافِعٍ -﵁- قَالَ: أَغَارَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى بَنِي المُصْطَلِقِ، وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ: حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ -﵄-. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٢٦٧ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنَ المُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوك إلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُمْ إلَى الإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا فَأَخْبِرْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الغَنِيمَةِ وَالفَيْءِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمُ الجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ تَعَالَى وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوا أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَفْعَلْ وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَك، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ، وَإِذَا أَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلَا تَفْعَلْ، بَلْ عَلَى حُكْمِك فَإِنَّك لَا تَدْرِي: أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ تَعَالَى أَمْ لَا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٤١)، ومسلم (١٧٣٠).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٧٣١).","vol":"10","page":23},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5509>مسألة [١]: حكم الدعوة قبل القتال</span>.\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٧٣٠): فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة مَذَاهِب حَكَاهَا الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي: أَحَدهَا: يَجِب الْإِنْذَار مُطْلَقًا، قَالَهُ مَالِك وَغَيْره. وَهَذَا ضَعِيف. وَالثَّانِي: لَا يَجِب مُطْلَقًا. وَهَذَا أَضْعَف مِنْهُ، أَوْ بَاطِل. وَالثَّالِث: يَجِب إِنْ لَمْ تَبْلُغهُمْ الدَّعْوَة، وَلَا يَجِب إِنْ بَلَغَتْهُمْ، لَكِنْ يُسْتَحَبّ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَبِهِ قَالَ نَافِع مَوْلَى اِبْن عُمَر، وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْث، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْر، وَابْن الْمُنْذِر، وَالْجُمْهُور، قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: وَهُوَ قَوْل أَكْثَر أَهْل الْعِلْم، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَلَى مَعْنَاهُ، فَمِنْهَا هَذَا الْحَدِيث، وَحَدِيث قَتْل كَعْب بْن الْأَشْرَف، وَحَدِيث قَتْل ابْنِ أَبِي الْحُقَيْق. اهـ\nوكذلك حديث الصعب بن جثامة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل عن المشركين يبيتون، فيصيبون ذراريهم؟ فقال: «هم منهم» متفق عليه. (^١)\nوحديث رجل مبهم عند أبي داود (٢٥٩٧)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إن بيتم؛ فليكن شعاركم (حم لا ينصرون)».\nوحديث سلمة بن الأكوع عند أبي داود (٢٦٣٨)، قال: بعثنا رسولُ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع أبي بكر على سرية، فبيتناهم نقتلهم، وكان شعارنا تلك الليلة (أمِتْ، أمِتْ)، وكلاهما في «الصحيح المسند».\n_________\n(^١) سيأتي في «البلوغ» رقم (١٢٧٠).","vol":"10","page":24},{"text":"ويدل على استحباب التبليغ حديث بريدة الذي في الباب، وحديث غزوة خيبر عند أن دفع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الراية لعلي، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام.\nوأما وجوبه إذا لم تبلغهم الدعوة؛ فلقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وما أشبهها من الآيات.\nوقد قال باشتراط الدعوة عمر بن عبدالعزيز، وأما مالك، فقال بذلك إذا بعدت ديارهم عن دار الإسلام. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5510>مسألة [٢]: استرقاق العرب</span>.\nقال النووي -﵀- في شرحه لحديث ابن عمر -﵄- (١٧٣٠): وَفِي هَذَا الْحَدِيث: جَوَاز اِسْتِرْقَاق الْعَرَب؛ لِأَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِق عَرَب مِنْ خُزَاعَة، وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد، وَهُوَ الصَّحِيح، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَجُمْهُور أَصْحَابه، وَأَبُو حَنِيفَة، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَجُمْهُور الْعُلَمَاء، وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء: لَا يُسْتَرَقُّونَ. وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم. اهـ\nقلتُ: وممن قال بعدم الاسترقاق الزهري، والشعبي، وسعيد بن المسيب، ونُقل عن عمر ابن الخطاب -﵁- من طريق الشعبي عنه، ومن طريق سعيد بن المسيب عنه، أخرجه من الطريقين البيهقي (٩/ ٧٤).\nوالصحيح هو قول الجمهور، ويدل عليه حديث الباب في سبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بني\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٢٩٣٨) «المغني» (١٣/ ٢٩ - ٣٠).","vol":"10","page":25},{"text":"المصطلق، وكذلك سبيه لهوازن.\nوفي «الصحيحين» عن أبي سعيد قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبيًّا من سبي العرب ... الحديث. (^١)\nوكذلك أبو بكر الصديق -﵁- سبى من بني حنيفة، وهم من العرب.\nقال أحمد -﵀-: لا أذهب إلى قول عمر: (ليس على عربي ملك)، وقد سبى النبي - ﷺ - من العرب. (^٢)\nبعض فوائد حديث بريدة:\nقال النووي -﵀- (١٧٣١): وَفِي هَذِهِ الْكَلِمَات مِنْ الْحَدِيث فَوَائِد مُجْمَع عَلَيْهَا، وَهِيَ تَحْرِيم الْغَدْر، وَتَحْرِيم الْغُلُول، وَتَحْرِيم قَتْل الصِّبْيَان إِذَا لَمْ يُقَاتِلُوا، وَكَرَاهَة الْمُثْلَة، وَاسْتِحْبَاب وَصِيَّة الْإِمَام أُمَرَاءَهُ وَجُيُوشه بِتَقْوَى الله تَعَالَى، وَالرِّفْق بِأَتْبَاعِهِمْ، وَتَعْرِيفهمْ مَا يَحْتَاجُونَ فِي غَزْوهمْ، وَمَا يَجِب عَلَيْهِمْ، وَمَا يَحِلّ لَهُمْ، وَمَا يَحْرُم عَلَيْهِمْ. وَمَا يُكْرَه وَمَا يُسْتَحَبّ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5511>مسألة [٣]: أخذ الجزية من الكفار</span>.\nأما أهل الكتاب: وهم اليهود، والنصارى؛ فإنها تقبل منهم بلا خلاف، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٢١٩)، ومسلم برقم (١٤٣٨).\n(^٢) انظر: «سبل السلام» (٤/ ٩٠) «البيهقي» (٩/ ٧٤ -).","vol":"10","page":26},{"text":"يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].\nوكذلك المجوس؛ فإنها تقبل منهم الجزية عند أهل العلم؛ لحديث عبدالرحمن بن عوف في «صحيح البخاري» (٣١٥٧)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخذ الجزية من مجوس هجر.\nونُقل على ذلك الاتفاق، لكن قد خالف الحنفية، وقالوا: تؤخذ من مجوس العجم دون مجوس العرب.\nوقال الحافظ -﵀-: وحكى ابن التين عن عبدالملك أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى فقط. اهـ\nوالصحيح أنها تؤخذ منهم لما تقدم من الدليل.\nواختلف الفقهاء في المشركين عبدة الأوثان وسائر الكفار هل تقبل منهم الفدية أم لا؟\n• فذهب أحمد، والشافعي إلى أنها لا تقبل منهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» الحديث، وخصَّ منهم أهل الكتاب بالآية المتقدمة، وكذا المجوس.","vol":"10","page":27},{"text":"• وذهب أبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى أنها تقبل من جميع الكفار؛ إلا عبدة الأوثان من العرب؛ لأنهم يقرون على دينهم بالاسترقاق، فيقرون ببذل الجزية كالمجوس.\n• وذهب مالك، والأوزاعي، وفقهاء الشام إلى أنه تقبل الجزية من جميع الكفار إلا من ارتد. وهذا القول رجحه ابن القيم، والصنعاني، والشوكاني، واستدلوا بحديث بريدة الذي في الباب؛ فإنه عام يشمل جميع المشركين.\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ٩١): فَأَخْذُهَا مِنْهُمْ يعني المجوس دَلِيلٌ عَلَى أَخْذِهَا مِنْ جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وَإِنّمَا لَمْ يَأْخُذْهَا - ﷺ - مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ؛ لِأَنّهُمْ أَسْلَمُوا كُلّهُمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ؛ فَإِنّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ تَبُوكَ، وَكَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - قَدْ فَرَغَ مِنْ قِتَالِ الْعَرَبِ، وَاسْتَوْثَقَتْ كُلّهَا لَهُ بِالْإِسْلَامِ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ الْيَهُودِ الّذِينَ حَارَبُوهُ؛ لِأَنّهَا لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ، فَلَمّا نَزَلَتْ أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَمِنْ المَجُوسِ، وَلَوْ بَقِيَ حِينَئِذٍ أَحَدٌ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ بَذَلَهَا لَقَبِلَهَا مِنْهُ كَمَا قَبِلَهَا مِنْ عَبَدَةِ الصّلْبَانِ، وَالنّيرَانِ، وَلَا فَرْقَ، وَلَا تَأْثِيرَ لِتَغْلِيظِ كُفْرِ بَعْضِ الطّوَائِفِ عَلَى بَعْضٍ، ثُمّ إنّ كُفْرَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَيْسَ أَغْلَظَ مِنْ كُفْرِ الْمَجُوسِ، وَأَيّ فَرْقٍ بَيْنَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالنّيرَانِ، بَلْ كُفْرُ المَجُوسِ أَغْلَظُ، وَعُبّادُ الْأَوْثَانِ كَانُوا يُقِرّونَ بِتَوْحِيدِ الرّبُوبِيّةِ وَأَنّهُ لَا خَالِقَ إلّا الله، وَأَنّهُمْ إنّمَا يَعْبُدُونَ آلِهَتَهُمْ لِتَقَرّبِهِمْ إلَى الله ﷾، وَلَمْ يَكُونُوا يُقِرّونَ بِصَانِعَيْنِ لِلْعَالَمِ أَحَدُهُمَا: خَالِقٌ لِلْخَيْرِ. وَالآخَرُ: الشَّرُّ، كَمَا تَقُولُه المَجُوسُ، وَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَحِلّونَ نِكَاحَ","vol":"10","page":28},{"text":"الْأُمّهَاتِ، وَالْبَنَاتِ، وَالْأَخَوَاتِ، وَكَانُوا عَلَى بَقَايَا مِنْ دِينِ إبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ الله وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.\nوَأَمّا المَجُوسُ فَلَمْ يَكُونُوا عَلَى كِتَابٍ أَصْلًا، وَلَا دَانُوا بِدِينِ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، لَا فِي عَقَائِدِهِمْ، وَلَا فِي شَرَائِعِهِمْ، وَالْأَثَرُ الّذِي فِيهِ أَنّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ فَرُفِعَ وَرُفِعَتْ شَرِيعَتُهُمْ لَمّا وَقَعَ مَلِكُهُمْ عَلَى ابْنَتِهِ لَا يَصِحّ ألْبَتّةَ، وَلَوْ صَحّ لَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّ كِتَابَهُمْ رُفِعَ، وَشَرِيعَتُهُمْ بَطَلَتْ؛ فَلَمْ يَبْقَوْا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا. اهـ\nوهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتح» (٣١٥٦) «شرح مسلم» (١٧٣١) «المغني» (١٣/ ٣١ - ٣٢) «سبل السلام» و«السيل الجرار».","vol":"10","page":29},{"text":"١٢٦٨ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيُستحبُّ لقائد الجيش أن يوهم خروجه إلى مكانٍ وهو يقصد مكانًا آخر حتى لا يتأهب العدو فيأخذهم على غفلة، وذلك من الخداع المباح، وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة، وجابر -﵄- أنَّ النبي - ﷺ - قال: «الحرب خدعة». (^٢)\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٣٠٢٩): وَأَصْل الْخَدْع إِظْهَار أَمْر وَإِضْمَار خِلَافه. وَفِيهِ التَّحْرِيض عَلَى أَخْذ الْحَذَر فِي الْحَرْب، وَالنَّدْب إِلَى خِدَاع الْكُفَّار، وَأنَّ مَنْ لَمْ يَتَيَقَّظ لِذَلِكَ لَمْ يَأْمَن أَنْ يَنْعَكِس الْأَمْر عَلَيْهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَاز خِدَاع الْكُفَّار فِي الْحَرْب كَيْفَمَا أَمْكَنَ، إِلَّا أَنْ يَكُون فِيهِ نَقْضُ عَهْد أَوْ أَمَانٍ؛ فَلَا يَجُوز، قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: الْخِدَاع فِي الْحَرْب يَقَع بِالتَّعْرِيضِ، وَبِالْكَمِينِ، وَنَحْو ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيث الْإِشَارَة إِلَى اِسْتِعْمَال الرَّأْي فِي الْحَرْب، بَلْ الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ آكَد مِنْ الشَّجَاعَة، وَكَذَا وَقَعَ الِاقْتِصَار عَلَى مَا يُشِير إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيث، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: «الحَجّ عَرَفَة»، قَالَ اِبْن المُنِير: مَعْنَى الْحَرْب خَدْعَة، أَيْ: الْحَرْب الْجَيِّدَة لِصَاحِبِهَا، الْكَامِلَة فِي مَقْصُودهَا، إِنَّمَا هِيَ المُخَادَعَة لَا المُوَاجَهَة؛ وَذَلِكَ لِخَطَرِ المُوَاجَهَة وَحُصُول الظَّفَر مَعَ المُخَادَعَة بِغَيْرِ خَطَر. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٤٧)، ومسلم (٢٧٦٩) (٥٤).\n(^٢) انظر «البخاري» (٣٠٢٩) (٣٠٣٠)، ومسلم (١٧٣٩) (١٧٤٠).","vol":"10","page":30},{"text":"١٢٦٩ - وَعَنْ مَعْقِلِ، أَنَّ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ -﵁- قَالَ: شَهِدْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - إذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ أَخَّرَ القِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^١)، وَأَصْلُهُ فِي «البُخَارِيِّ». (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه أنَّ القائد للجيش يتحين الأوقات المناسبة للمعركة، وأوقات النشاط، كأول النهار وآخره، وكذلك في أوقات الصلوات، فيقع فيها الدعاء بالنصر، والظفر. (^٣)\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، وأبوداود (٢٦٥٥)، والنسائي في «الكبرى» (٥/ ١٩١)، والترمذي (١٦١٣)، وإسناده صحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٣١٦٠) بلفظ: (قال: شهدت القتال مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات).\n(^٣) انظر: «الفتح» [باب: (١١٢) من كتاب الجهاد].","vol":"10","page":31},{"text":"١٢٧٠ - وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ -﵁- قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ [أَهْلِ] (^١) الدَّارِ مِنَ المُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ، فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، فَقَالَ: «هُمْ مِنْهُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n١٢٧١ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِرَجُلٍ تَبِعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ: «ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\n١٢٧٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَأَنْكَرَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٤)\n\n١٢٧٣ - وَعَنْ سَمُرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اقْتُلُوا شُيُوخَ المُشْرِكِينَ وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (^٥)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5512>مسألة [١]: قتل النساء والصبيان</span>.\n• ذهب الجمهور إلى جواز قتل النساء، والصبيان في البيات؛ عملًا بحديث\n_________\n(^١) زيادة من المطبوع ومن «صحيح البخاري».\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٠١٢)، ومسلم (١٧٤٥).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٨١٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٠١٤)، ومسلم (١٧٧٤).\n(^٥) صحيح لغيره. أخرجه أبوداود (٢٦٧٠)، والترمذي (١٥٨٣)، وهو من طريق الحسن عن سمرة ولم يسمع منه -كما تقدم- إلا حديث العقيقة، ولكن يشهد له الحديث الذي قبله، فهو صحيح بشاهده. و(الشرخ) هم صغار المشركين.","vol":"10","page":32},{"text":"الصعب، وقوله: «هم منهم»، أي: في إباحة القتل تبعًا لا قصدًا إذا لم يمكن انفصالهم عمَّن يستحق القتل.\n• وذهب مالك، والأوزاعي إلى أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال، حتى ولو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان، أو تحصَّنوا بحصن أو سفينة، وجعلوا معهم النساء والصبيان؛ لم يجز رميهم، ولا تحريقهم.\nقال الحافظ -﵀-: وَاتَّفَقَ الْجَمِيع كَمَا نَقَل اِبْن بَطَّال وَغَيْره عَلَى مَنْع الْقَصْد إِلَى قَتْل النِّسَاء وَالْوَلَدَانِ، أَمَّا النِّسَاء؛ فَلِضَعْفِهِنَّ، وَأَمَّا الْوِلْدَان؛ فَلِقُصُورِهِمْ عَنْ فِعْل الْكُفْر، وَلِمَا فِي اِسْتِبْقَائِهِمْ جَمِيعًا مِنْ الِانْتِفَاع بِهِمْ، إِمَّا بِالرِّقِّ، أَوْ بِالْفِدَاءِ فِيمَنْ يَجُوز أَنْ يُفَادَى بِهِ. اهـ\nوكذلك عند الجمهور الشيخ الفاني، والزمن، والأعمى، خلافًا للشافعي في قول، وابن المنذر، ولا خلاف في أنَّ من قاتل من هؤلاء قُتل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5513>مسألة [٢]: الاستعانة بالكفار في القتال</span>.\n• منع من ذلك بعض أهل العلم، وهو قول بعض الحنابلة، وبعض الشافعية، والجوزجاني، وابن المنذر وغيرهم.\nواستدلوا على ذلك بحديث عائشة -﵂- المتقدم، وهو قول مالك.\n• وذهب الشافعي في الأصح عنه، وأحمد في رواية إلى جواز الاستعانة بهم ضد\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٣٠١٢) «المغني» (١٣/ ١٧٧ -).","vol":"10","page":33},{"text":"الكفار إذا احتيج إلى ذلك.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استعار من صفوان بن أمية دروعًا، واستعان به في معركة حنين (^١)، وكان كافرًا لم يسلم بعدُ، وهو قول أبي حنيفة.\nواستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩].\nواستدلوا بحديث ذي مخبر -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ستصالحون الروم صلحًا آمنًا، وتغزون أنتم وهم عدوًّا من ورائكم، فتنصرون وتغنمون» أخرجه أبو داود برقم (٢٧٦٧) بإسناد صحيح، ولم يذمهم على ذلك؛ فدل على الجواز، وهو محمول على الحاجة، أو الضرورة.\nواشترط هؤلاء أن يكون المستعان بهم ممن يؤمن منهم على المسلمين، وهو ترجيح ابن باز، وابن عثيمين، والوادعي ﵏. (^٢)\n_________\n(^١) انظر ما تقدم في «البلوغ» رقم (٨٨١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٩٨) «شرح مسلم» (١٨١٧) «سبل السلام»، «مجموع فتاوى ابن باز» (١٨/ ٢٥٩ -).","vol":"10","page":34},{"text":"١٢٧٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁-، أَنَّهُمْ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد مُطَوَّلًا. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5514>مسألة [١]: مشروعية المبارزة</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٣٨): وَأَمَّا الْمُبَارَزَةُ، فَتَجُوزُ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا الْحَسَنَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهَا، وَكَرِهَهَا. وَلَنَا أَنَّ حَمْزَةَ، وَعَلِيًّا، وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ بِإِذْنِ النَّبِيِّ - ﷺ - (^٢)، وَبَارَزَ عَلِيٌّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ فَقَتَلَهُ (^٣). وَبَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَر (^٤). وَقِيلَ بَارَزَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ (^٥)،\nوَبَارَزَهُ قَبْلَ ذَلِكَ عَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٩٦٥)، وأبوداود (٢٦٦٥)، وإسناد أبي داود صحيح أيضًا.\n(^٢) هو الحديث المخرج في الباب.\n(^٣) ضعيف. أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٢/ ٧٧)، عن عمر -﵁-، وفي إسناده: عبد الله بن شبيب واهٍ، وفيه أيضًا: عنعنة ابن إسحاق.\nوأخرجه ابن عساكر أيضًا، والبيهقي في «الدلائل» (٣/ ٤٣٥ - ٤٣٩)، من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، مرسلًا.\nقال الإمام الألباني -﵀- في «الضعيفة» (١/ ٥٧٧): وقصة مبارزة علي -﵁- لعمرو بن عبد ود، وقتله إياه، مشهورة في كتب السيرة، وإن كنت لا أعرف لها طريقا مسندًا صحيحًا، وإنما هي من المراسيل والمعاضيل، فانظر إن شئت «سيرة ابن هشام» (٣/ ٢٤٠ - ٢٣٤) و«دلائل النبوة» للبيهقي (٣/ ٤٣٥ - ٤٣٩)، و«سيرة ابن كثير» (٣/ ٢٠٣ - ٢٠٥).\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (١٨٠٧) عن سلمة بن الأكوع -﵁-.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد (٣/ ٣٨٥)، وأبو يعلى (١٨٦١)، والحاكم (٣/ ٤٣٦ - ٤٣٧)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/ ١٣١)، وفي «الدلائل» (٤/ ٢١٥ - ٢١٦)، من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل، أخو بني حارثة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري -﵁-.\nوظاهر إسناده الحسن.\n\nقال النووي -﵀-: الأصح أنّ عليًّا هو قاتل مرحب، وقيل: إنّ قاتل مرحب هو محمد ابن مسلمة.","vol":"10","page":35},{"text":"فَاسْتُشْهِدَ (^١). وَبَارَزَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ مَرْزُبَانَ الزَّأْرَةِ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ (^٢).\nقال: وَلَمْ يَزَلْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - ﷺ - يُبَارِزُونَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ وَبَعْدَهُ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ؛ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا. اهـ (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5515>مسألة [٢]: هل يُشترط إذن الأمير</span>؟\n• اشترط ذلك أحمد، والثوري، وإسحاق، والأوزاعي؛ لأنَّ الإمام أعلم بفرسانه، وفرسان العدو، ومتى برز الإنسان إلى من لا يطيقه؛ كان معرضًا نفسه للهلاك، فيكسر قلوب المسلمين.\n• وذهب مالك، والشافعي، وابن المنذر إلى عدم اشتراط ذلك؛ لأنَّ من نقل عنهم المبارزة لم ينقل أنهم استأذنوا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٨٠٧) عن سلمة بن الأكوع -﵁-.\n(^٢) صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ٣٧١ - ٣٧٢)، والبيهقي (٦/ ٣١٠ - ٣١١)، والطبراني في «الكبير» (٢/ ٢٧)، وابن المنذر في «الأوسط» (٦٤٩٤)، من طرق عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك. وإسناده صحيح.\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٨ - ٣٩) «الفتح» (٣٩٦٥).\n(^٤) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٩) «الفتح» (٣٩٦٥).","vol":"10","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5516>مسألة [٣]: إذا خرج كافرٌ يطلب البِرازَ، هل يجوز أن يُرمَى ويُقتل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٤٠): إذَا خَرَجَ كَافِرٌ يَطْلُبُ الْبِرَازَ؛ جَازَ رَمْيُهُ وَقَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُشْرِكٌ لَا عَهْدَ لَهُ، وَلَا أَمَانَ لَهُ، فَأُبِيحَ قَتْلُهُ كَغَيْرِهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بَيْنَهُمْ أَنَّ مَنْ خَرَجَ يَطْلُبُ الْمُبَارَزَةَ لَا يُعْرَضُ لَهُ؛ فَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى الشَّرْطِ. اهـ","vol":"10","page":37},{"text":"١٢٧٥ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ -﵁- قَالَ: إنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، يَعْنِي: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] قَالَهُ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ حَمَلَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفي الحديث جواز دخول المسلم في صف الكفار للقتال، وذلك فيما إذا كان ذلك لفرط شجاعته، وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يُجَرِّئ المسلمين عليهم، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة.\n• وأماإذا كان مجرد تهور؛ فممنوع، لاسيما إذا ترتب على ذلك وهن المسلمين، وهذا قول الجمهور. (^٢)\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٢٥١٢)، والترمذي (٢٩٧٢)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٢٩٩)، وابن حبان (٤٧١١)، والحاكم (٢/ ٢٧٥)، من طرق عن حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران التجيبي، عن أبي أيوب الأنصاري -﵁- به. وإسناده صحيح.\n(^٢) «سبل السلام» (٧/ ٢٦٩).","vol":"10","page":38},{"text":"١٢٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: حَرَّقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَّعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5517>مسألة [١]: التحريق، والتخريب في أرض العدو</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٣٠٢١): وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى جَوَاز التَّحْرِيق وَالتَّخْرِيب فِي بِلَاد الْعَدُوِّ، وَكَرِهَهُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْث، وَأَبُو ثَوْر، وَاحْتَجُّوا بِوَصِيَّةِ أَبِي بَكْر لِجُيُوشِهِ أَنْ لَا يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ النَّهْي مَحْمُول عَلَى الْقَصْد لِذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَصَابُوا ذَلِكَ فِي خِلَال الْقِتَال كَمَا وَقَعَ فِي نَصْبِ الْمَنْجَنِيق عَلَى الطَّائِف، وَهُوَ نَحْو مَا أَجَابَ بِهِ فِي النَّهْي عَنْ قَتْل النِّسَاء وَالصِّبْيَان، وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم، وَنَحْو ذَلِكَ الْقَتْل بِالتَّغْرِيقِ. وَقَالَ غَيْره: إِنَّمَا نَهَى أَبُو بَكْر جُيُوشه عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ تِلْكَ الْبِلَاد سَتُفْتَحُ، فَأَرَادَ إِبْقَاءَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَاللهُ أَعْلَم. اهـ\nوقال الصنعاني -﵀- في «السُّبُل»: وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يعني أبا بكر -﵁- رَأَى المَصْلَحَةَ فِي بَقَائِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا تَصِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَأَرَادَ بَقَاءَهَا لَهُمْ، وَذَلِكَ يَدُورُ عَلَى مُلَاحَظَةِ المَصْلَحَةِ. اهـ\nونقل ابن قدامة -﵀- عدم الخلاف في جواز قطع ما يحتاج المسلمون لقطعه. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٠٣١)، ومسلم (١٧٤٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ١٤٦).","vol":"10","page":39},{"text":"١٢٧٧ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَغُلُّوا؛ فَإِنَّ الغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5518>مسألة [١]: معنى الغُلُول، وحكمه</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٣٠٧٣): الْغُلُول: بِضَم الْمُعجَمَة وَالْلَام، أَي: الْخِيَانَة فِي الْمَغْنَم، قَالَ ابْن قُتَيبَة: سُمِي بِذَلِك؛ لأَن آخِذَه يَغُلُه فِي مَتَاعِه، أَي: يُخْفِيه فِيه. وَنَقَلَ الْنَووي الإِجْمَاع عَلى أَنَّه مِنَ الْكَبَائِر. اهـ\nويدل على أنه من الكبائر حديث الباب، وحديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في رجل أخذ شملة غلولًا: «إنَّ الشملة لتلتهب عليه نارًا، أخذها من المغانم قبل أن تُقسم». (^٢)\nوفي «البخاري» (٣٠٧٤)، عن عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: كان على ثقل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رجل يُقال له كركرة، فمات، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هو في النار»،\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٣١٦)، وفي إسناده أبوبكر بن أبي مريم، وهو شديد الضعف، وأخرجه أيضًا (٥/ ٣١٨)، وابن حبان (٤٨٥٥)، وفي إسناده عبدالرحمن بن الحارث بن عياش فيه ضعف، وأخرجه أحمد (٥/ ٣٣٠)، وفي إسناده ربيعة بن ناجذ وهو مجهول، وأخرجه ابن ماجه (٢٨٥٠)، وفي إسناده عيسى بن سنان أبوسنان فيه ضعف. فالحديث حسن بمجموع طرقه، والله أعلم.\nتنبيه: النسائي لم يخرج هذا الحديث، وإنما أصله في (٧/ ١٣١).\n(^٢) انظر «البخاري» (٤٢٣٤)، و«مسلم» (١١٥).","vol":"10","page":40},{"text":"فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءةً قد غلَّها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5519>مسألة [٢]: إعادة الغلول</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٣٠٧٣): قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَى الْغَالِّ أَنْ يُعِيد مَا غَلَّ قَبْل الْقِسْمَة، وَأَمَّا بَعْدهَا فَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْث، وَمَالك: يَدْفَع إِلَى الْإِمَام خُمُسه وَيَتَصَدَّق بِالْبَاقِي. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ لَا يَرَى بِذَلِكَ، وَيَقُول: إِنْ كَانَ مَلَكَهُ؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّق بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَمْلِكهُ؛ فَلَيْسَ لَهُ الصَّدَقَة بِمَالِ غَيْره. قَالَ: وَالْوَاجِب أَنْ يَدْفَعهُ إِلَى الْإِمَام كَالْأَمْوَالِ الضَّائِعَة. اهـ\nوالقول بالصدقة هو مذهب أحمد أيضًا، ووجهه أنَّ الجيش قد تفرقوا، ولا يُعلم أشخاصهم، وأماكنهم، وهذا القول هو الصحيح فيما إذا لم يمكن معرفة الجيش وأفراده، وأما إذا أمكن؛ فيُعطَى كل فرد حقَّه، ولا وجه للصدقة كما قال الشافعي، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5520>مسألة [٣]: تحريق متاع الغال</span>.\nجاء في ذلك حديث عند أبي داود (٢٧١٣)، والترمذي (١٤٦١) من حديث عمر -﵁- مرفوعًا: «إذا وجدتم الرجل قد غلَّ؛ فأحرقوا متاعه»، وعند أبي داود (٢٧١٥)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبا بكر، وعمر أحرقوا متاع الغال.\nوالحديث الأول في إسناده: صالح بن محمد بن زائدة، ضعَّفه الأئمة، وقال\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٢/ ١٧١ - ١٧٢).","vol":"10","page":41},{"text":"البخاري: منكر الحديث، وأنكر حديثه هذا، وضعفه غير واحد، وأعله أبو داود بالوقف، فساق إسنادًا آخر من طريق صالح بن محمد أيضًا موقوفًا على الوليد بن هشام.\nوالحديث الثاني أعله أبو داود بالوقف، وقال الحافظ: وهو الراجح.\n• وقد أخذ بذلك أحمد، وإسحاق، والأوزاعي، ومكحول، والحسن، فقالوا: يحرق متاعه إلا المصحف، وما فيه روح.\n• وذهب الجمهور إلى عدم التحريق، وهو قول مالك، والليث، والشافعي، والبخاري، وأصحاب الرأي.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثابت عنه عدم تحريق متاع الغال في أكثر من حديث، منها: حديث عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄- عند البخاري، وآخر عنه عند أبي داود، وحديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» وقد تقدمت، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ١٦٨ -) «الفتح» (٣٠٧٤).","vol":"10","page":42},{"text":"١٢٧٨ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ. (^١)\n\n١٢٧٩ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -﵁- فِي قِصَّةِ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟» قَالَا: لَا، قَالَ فَنَظَرَ فِيهِمَا، فَقَالَ: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ»، سَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5521>مسألة [١]: معنى السَّلَب</span>.\nهو ما على المقاتل من ملبوس وغيره، والسَّلَب بفتح المهملة واللام. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5522>مسألة [٢]: من قتل رجلا من المشركين، فهل يستحق سَلَبَه</span>؟\nأما استحقاق السلب في الجملة فلا خلاف فيه، كما قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٦٣)، ولكن أهل العلم اشترطوا في استحقاق السلب شروطًا:\nالأول: أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم، فأما إن قتل امرأة، أو صبيًّا، أو شيخًا فانيًا، أو ضعيفًا مهينًا، ونحوهم ممن لا يقاتل لم يستحق سَلَبَه،\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٢٧١٩)، وهو في مسلم برقم (١٧٥٣) (٤٤). بنفس اللفظ، فقول الحافظ: (وأصله) فيه نظر، وكان الأولى ذكره من مسلم، والله أعلم.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣١٤١)، ومسلم (١٧٥٢).\n(^٣) «الفتح» (٣١٤١).","vol":"10","page":43},{"text":"قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا.\nالثاني: أن يكون المقتول فيه منعة غير مُثخن بالجراح؛ فإن كان مثخنًا بالجراح فليس لقاتله شيء من سلبه.\n• هذا قول أحمد، والشافعي، وحريز بن عثمان، ومكحول؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى بسلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح، ولم يعط ابن مسعود شيئًا.\nالثالث: أن يقتله، أو يجرحه بجراح تجعله في حكم المقتول، فأما إذا أسره؛ فلا يستحق بذلك حتى وإن قتله الإمام.\nوقال القاضي أبو يعلى الحنبلي: يستحق السلب بالأسر إذا قتله الإمام؛ لأنَّ الأسر أصعب من مجرد القتل. وصحح ابن قدامة عدم الاستحقاق، واستدل على ذلك بأسارى بدر، فقد قتل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عُقبة، والنضر بن الحارث، ولم يعط من أسرهم أسلابهم؛ ولأنَّ الأحاديث الواردة بالسلب فيها التنصيص أنه للقاتل.\nالرابع: أن يغرر بنفسه في قتله، فأما إن رماه بسهم من صف المسلمين، فقتله؛ فلا سلب له، وإن حمل جماعة من المسلمين على واحد فقتلوه؛ فالسلب في الغنيمة. هذا مذهب أحمد، والشافعي.\n• وذهب أبو ثور، وداود، وابن المنذر إلى أنَّ السلب لكل قاتل؛ لعموم الخبر، وهذا هو الصحيح، إلا أن لم يتبين القاتل؛ فيعمل بالمذهب الأول، إلا أن تطيب أنفسهم في أن يكون للمشاركين في قتله جميعًا، والله أعلم.","vol":"10","page":44},{"text":"الخامس: أن يقتله والحرب قائمة، سواء مقبلًا، أو مدبرًا، فأما إن انهزموا، ثم قتله؛ لم يستحق السلب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5523>مسألة [٣]: هل يُشترط في استحقاق السلب أن يقول الإمام: من قتل قتيلًا فله سلبه</span>؟\n• مذهب الجمهور عدم اشتراط ذلك، بل يستحق القاتل السلب، قال ذلك الإمام أم لم يقل، وهو قول الأوزاعي، والليث، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد وغيرهم.\nواستدلوا بحديث عوف بن مالك، وفيه: أنَّ القاتل أراد سلبه من خالد، فاستكثره خالد ولم يعطه، فقال له عوف: أما علمت أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى بالسلب للقاتل. ثم ارتفعوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأمر خالدًا أن يعطيه سلبه. أخرجه مسلم (١٧٥٣).\nواستدلوا بحديث أبي قتادة في قصة قتله المشرك في غزوة حنين، ثم أعطاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- السلب (^٢)، ولم ينقل أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال ذلك قبل المعركة، وكذا حديث عبدالرحمن بن عوف الذي في الباب.\n• وقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية، والثوري: لا يستحقه إلا أن يقول الإمام ذلك. وعند مالك أنَّ الإمام لا يقول ذلك إلا بعد انقضاء الحرب؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٦٦ -) «الفتح» (٣١٤٢) «البيان» (١٢/ ١٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢١٠٠) (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١).","vol":"10","page":45},{"text":"واستدلوا بحديث أنس -﵁- عند أحمد (١٢٢٣٦)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال يوم حنين: «من قتل كافرًا؛ فله سلبه» فقتل أبو طلحة عشرين رجلًا، فأخذ أسلابهم. وإسناده صحيح.\nقلتُ: القول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٧٢): إذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْخُذَ السَّلَبَ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالشَّافِعِيُّ: لَهُ أَخْذُهُ بِغَيْرِ إذْنٍ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِجَعْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَأْمَنُ إنْ أَظْهَرَهُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُعْطَاهُ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ فِعْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَلَمْ يَنْفُذْ أَمْرُهُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ كَأَخْذِ سَهْمِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ أَحْمَدَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ، فَعَلَى هَذَا إنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ؛ تَرَكَ الْفَضِيلَةَ وَلَهُ مَا أَخَذَهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5524>مسألة [٤]: هل يُخَمَّس السَّلب</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يخمس السلب. وهو قول الأوزاعي، ومكحول؛ لعموم الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١].\n• وقال إسحاق: يخمسه إذا استكثره.\n• وعن مالك رواية أنَّ الإمام يخير بين أن يخمسه، أو يدفعه لصاحبه بدون تخميس.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٧٠ -) «الفتح» (٣١٤١) «البيان» (١٢/ ١٦٠) «زاد المسير» (٣/ ٣١٩).","vol":"10","page":46},{"text":"• وذهب الجمهور إلى أنه لا يخمس؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُنقَل عنه تخميس السَّلب كما في الأحاديث المتقدمة، بل صرح بعض الصحابة بذلك، ففي «سنن أبي داود» (٢٧٢١)، من حديث عوف بن مالك، وخالد بن الوليد أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يخمس السلب. وإسناده حسن، وهذا قول أحمد، والشافعي، ومالك، وابن المنذر، وابن جرير وغيرهم، وهو اختيار البخاري، وهو الصحيح. (^١)\nتنبيه: السَّلَبُ يُخرَجُ من أصل الغنيمة عند الجمهور، وخالف مالك فقال: من خمس الخمس. والصحيح قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5525>مسألة [٥]: إذا اشترك اثنان أو ثلاثة في القتل؛ فلمن السَّلَب</span>؟\nإن كان أحدهما قد أثخن في الجرح، أو سبق بالطعن بما يوجب قتله عادة؛ فهو أحق بالسلب، وعليه حُمل حديث عبدالرحمن بن عوف في قضاء رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بسلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح.\nوإن كان كلاهما قتله؛ فيشتركان في السلب على الصحيح، وهو قول القاضي، وأبي الخطاب، وهو مقتضى قول أبي ثور، وداود، وابن المنذر. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5526>مسألة [٦]: الأشياء التي تدخل في السلب</span>.\nيدخل في السلب كل ما كان لابسًا له من الثياب، وكذا المنطقة، والمغفر،\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٣١٤١) «المغني» (١٣/ ٦٩).\n(^٢) «المغني» (١٣/ ٧٠).\n(^٣) انظر: «الفتح» (٣١٤١) «المغني» (١٣/ ٦٨).","vol":"10","page":47},{"text":"والبيضة، ويدخل فيه السلاح من السيف، والرمح، والسكين، وكذلك الدابة.\n• وعلى ذلك الجمهور، منهم: أحمد، والشافعي، والأوزاعي وغيرهم.\nويدخل في السلب الحلي الذي يتحلى به؛ لأنه ملبوس له.\n• وخالف الشافعي في قول له، فقال: لا يدخل؛ لأنه لا يحتاج إليه في الحرب، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5527>مسألة [٧]: المال الذي في مخبئه، أو عيبته، هل يدخل في السلب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٧٢): فَأَمَّا الْمَالُ الَّذِي مَعَهُ فِي كمرانه وَخَرِيطَتِهِ، فَلَيْسَ بِسَلَبٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَلْبُوسِ، وَلَا مِمَّا يَسْتَعِينُ بِهِ فِي الْحَرْبِ، وَكَذَلِكَ رَحْلُهُ وَأَثَاثُهُ، وَمَا لَيْسَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ لَيْسَ مِنْ سَلَبِهِ. وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَالشَّافِعِيُّ. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: كل ما كان معه في رحله، أو خيله أو ثيابه فهو من السلب، وما لم يكن تحت يده حينئذٍ؛ فليس من السلب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5528>مسألة [٨]: هل يدخل في السلب الدابة إن لم يكن راكبًا عليها</span>؟\nإن كان القتل هو الذي استنزله من دابته، أو صرعه منها؛ فيستحقها، وإن كان ممسكًا بعنان دابته، فقتله، ففيه روايتان عن أحمد.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٧٢ - ٧٣) «البيان» (١٢/ ١٦٣).\n(^٢) وانظر: «البيان» (١٢/ ١٦٣).","vol":"10","page":48},{"text":"• ومذهب الشافعي أنها من السلب، وهذا هو الصحيح؛ لحديث سلمة بن الأكوع في «الصحيحين»: «له سلبه أجمع» وكان معه جمل.\n• واختار الخِرقي، والخلال أنها ليست من السلب؛ لأنها اشبهت ما لو كانت عند غلامه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5529>مسألة [٩]: سَلْبُ الكافرِ، وَتَرْكُهُ عاريًا</span>؟\n• أجاز ذلك أحمد، والأوزاعي؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «له سلبه أجمع».\n• وكره ذلك الثوري، وابن المنذر؛ لما فيه من كشف عوراتهم، وهذا القول أظهر، أعني أن يجعل عليهم ما يغطي عوراتهم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5530>مسألة [١٠]: من ادَّعى قتل كافرٍ ويريد سلبه، فعليه البينة</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٣١٤٢): قوله في هذا الحديث -حديث أبي قتادة- «له عليه بينة» مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَا يُقْبَلُ، وَسِيَاقُ أَبِي قَتَادَةَ يَشْهَدُ لِذَلِكَ، وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَعْطَاهُ لِأَبِي قَتَادَةَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي «مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ» أَنَّ أَوْسَ بْنَ خَوْلِيٍّ شَهِدَ لِأَبِي قَتَادَةَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلِمَ أَنَّهُ الْقَاتِلُ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ.\nقال: وَنَقَلَ اِبْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ هُنَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ يُكْتَفَى بِهِ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٧٤) «البيان» (١٢/ ١٦٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٧٥).","vol":"10","page":49},{"text":"١٢٨٠ - وَعَنْ مَكْحُولٍ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَصَبَ المَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِف. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد فِي «المَرَاسِيلِ»، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^١)\n\n١٢٨١ - وَوَصَلَهُ العُقَيْلِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ -﵁-. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5531>مسألة [١]: تحريق العدو</span>.\nأما العدو إذا قُدِر عليه؛ فلا يجوز تحريقه بالنار.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ١٣٩): أَمَّا الْعَدُوُّ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ؛ فَلَا يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ بِالنَّارِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- يَأْمُرُ بِتَحْرِيقِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِالنَّارِ. وَفَعَلَ ذَلِكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِأَمْرِهِ (^٣)،\nفَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا أَعْلَمُ\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٣٣٥)، وهو ضعيف؛ لكونه مرسلًا.\n(^٢) ضعيف جدًّا. أخرجه العقيلي في كتابه «الضعفاء» (٢/ ٢٤٤)، من وجه آخر، وفي إسناده عبدالله بن خراش بن حوشب وهو شديد الضعف. قال البخاري: منكر الحديث. وقال أبوحاتم: ذاهب الحديث. وقال أبوزرعة: ليس بشيء كما في «الميزان».\nتنبيه: قول الحافظ: (ووصله) يشعر بأنه من نفس الوجه السابق -أعني من طريق مكحول- وقد بينا أنه من وجه آخر.\n(^٣) ضعيف. أخرجه البيهقي في «الكبرى» (٨/ ١٧٨)، والطبري في «تاريخه» (٣/ ٢٦٥)، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبي بكر. وطلحة مجهول حال ولم يدرك أبا بكر.\n\nوأخرجه البيهقي في «المعرفة» معلقًا (١٣/ ٢٣٩) قال: وقال أبو يوسف: حدثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي بكر، وفيه: أن أبا بكر أمر خالد بن الوليد أنه أيما دار غشيتها فلم تسمع فيها أذانا؛ فشن عليهم الغارة، واقتل وحرق. ومحمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن، ويزيد بن عبد الله لم يدرك أبا بكر -﵁-، والسند معلق معضل.","vol":"10","page":50},{"text":"فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ خِلَافًا. اهـ\nواستدلوا على عدم الجواز بحديث: «لا يعذب بالنار إلا ربُّ النار».\nقال ابن قدامة -﵀-: فَأَمَّا رَمْيُهُمْ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالنَّارِ؛ فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُمْ بِدُونِهَا؛ لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ بِهَا؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَى الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمْ بِغَيْرِهَا، فَجَائِزٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ. وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفْوَانِ بْنِ عَمْرٍو، وَحَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ جُنَادَةَ بْنَ أُمَيَّةَ الْأَزْدِيَّ، وَعَبْدَ الله بْنَ قَيْسٍ الْفَزَارِيّ، وَغَيْرَهُمَا مِنْ وُلَاةِ الْبَحْرَيْنِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، كَانُوا يَرْمُونَ الْعَدُوَّ مِنْ الرُّومِ وَغَيْرِهِمْ بِالنَّارِ، وَيُحَرِّقُونَهُمْ، هَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ. قَالَ عَبْدَ الله بْنَ قَيْسٍ: لَمْ يَزُلْ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5532>مسألة [٢]: تغريق الكفار</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ١٣٩): وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي فَتْحِ الْبُثُوقِ عَلَيْهِمْ؛ لِيُغْرِقَهُمْ، إنْ قُدِرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِ؛ لَمْ يَجُزْ، إذَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ إتْلَافَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، الَّذِينَ يَحْرُمُ إتْلَافُهُمْ قَصْدًا، وَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِمْ إلَّا بِهِ؛ جَازَ، كَمَا يَجُوزُ الْبَيَاتُ الْمُتَضَمِّنُ لِذَلِكَ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5533>مسألة [٣]: إذا تترس الكفار بأناس مسلمين، فهل يجوز قتالهم</span>؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٤٦): وقد اتفق العلماء على أنَّ جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى","vol":"10","page":51},{"text":"المسلمين، وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا؛ فإنهم يُقَاتَلُون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، وإن لم يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران. اهـ\n• ذهب أحمد في رواية، والأوزاعي، والليث إلى عدم جواز قتالهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٥].\n• وذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى الجواز، وهو اختيار القاضي أبي يعلى حتى لا يؤدي ذلك إلى ترك جهاد الكفار، وذلك إذا كانت الحرب قائمة. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٣/ ١٤١).","vol":"10","page":52},{"text":"١٢٨٢ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5534>مسألة [١]: القصاص في الحرم، وإقامة الحدود، ومن جنى خارج الحرم، ثم لجأ إليه</span>؟\nانظر هذه المسألة في [كتاب الحج] عند حديث (٧٢٢): «وإنما أُحِلَّت لي ساعةً من نهار».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5535>مسألة [٢]: هل فُتِحت مكةُ صُلحًا، أم عنوة</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ مكة فُتحت عنوة.\nواستدلوا على ذلك بحديث أنس -﵁- الذي في الباب، فقد دخل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لابسًا أداة الحرب، وكذلك قسَّم الجيش على ميمنة، وميسرة، وقلب، كشأن الغزوات.\nواستدلوا بحديث: «وإنما أُحِلَّت لي ساعةً من نهار».\nواستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للأنصار: «أترون إلى أوباش قريش، احصدوهم حصدًا حتى توافوني على الصفا»، وقال: «من دخل دار أبي سفيان؛ فهو آمن، ومن أغلق بابه؛ فهو آمن، ومن ألقى السلاح؛ فهو آمن»، أخرجه مسلم برقم (١٧٨٠) عن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٤٦)، ومسلم (١٣٥٧).","vol":"10","page":53},{"text":"أبي هريرة -﵁-.\nوأيضًا فإن خالد بن الوليد قاتل عند دخوله، وقتل جماعةً منهم. (^١)\n• وذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى أنها فتحت صلحًا؛ لأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يقسمها بين الغانمين كما قسم خيبر، ولو فُتِحت عنوة؛ لملكها الغانمون برباعها، ودورها، وكانوا أحق بها من أهلها، وجاز إخراجهم منها.\nوأجاب ابن القيم -﵀- عن ذلك بأنَّ الأرض لا تجري مجرى الغنائم، بل الإمام مخير بين قسمتها بين الغانمين، أو وقفها على جميع المسلمين، أو قسمة البعض ووقف البعض على حسب المصلحة.\nقال: ورسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد فعل الأقسام الثلاثة؛ فإنه قَسَمَ أرض قريظة، والنضير، وترك قسمة مكة، وقسم بعض خيبر، وترك بعضها؛ لما ينوبه من مصالح المسلمين. اهـ\nقلتُ: ويحتمل أن يكون رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مَنَّ على أهلها وترك لهم دورهم، وأموالهم، هذا وينبغي أن لا يغفل عن كون أكثر أهل مكة أسلموا في ذلك الوقت؛ فعصمت أموالهم، وبالله التوفيق. (^٢)\n_________\n(^١) انظر «صحيح البخاري» (٤٢٨٠).\n(^٢) انظر: «زاد المعاد» (٣/ ٤٢٩ -)، «نيل الأوطار» (٣٤٤٦).","vol":"10","page":54},{"text":"١٢٨٣ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَةً صَبْرًا. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد فِي «المَرَاسِيلِ»، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^١)\n\n١٢٨٤ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَدَى رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مُشْرِكٍ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ (^٢)، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ. (^٣)\n\n١٢٨٥ - وَعَنْ صَخْرِ بْنِ العَيْلَةَ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ القَوْمَ إذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ. (^٤)\n\n١٢٨٦ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ فِي أَسَارَى بَدْر: «لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتهمْ لَهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٥)\n\n١٢٨٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَتَحَرَّجُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤] الآيَةَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٦)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود في «المراسيل» (٣٣٧)، وهو ضعيف؛ لكونه مرسلًا.\n(^٢) صحيح. أخرجه الترمذي (١٥٦٨) حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن عمه، عن عمران بن حصين به، وهذا إسنادٌ صحيح رجاله ثقات، وعم أبي قلابة، هو أبو المهلب الجرمي.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٦٤١). مطولًا، من نفس الوجه، فلفظ الترمذي مختصر.\n(^٤) ضعيف. أخرجه أبوداود (٣٠٦٧)، من طريق عثمان بن أبي حازم بن صخر بن العيلة، عن أبيه، عن جده، وعثمان وأبوه مجهولان، فالحديث ضعيف.\n(^٥) أخرجه البخاري برقم (٣١٣٩).\n(^٦) أخرجه مسلم برقم (١٤٥٦).","vol":"10","page":55},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5536>مسألة [١]: أسير الكفار ما يُصنَع به</span>؟\n• جمهور العلماء على أنَّ الإمام يتخيَّر فيه بالأصلح للمسلمين، بين أربعة أمور: قتله، أو استرقاقه، أو فدائه، أو المنِّ عليه؛ لأنَّ هذه الأمور كلها فعلها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقد قتل بني قُريظة، وقتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث في بدر، وآخرين، واسترقَّ جماعةً في كثير من غزواته، وفدى الأسارى يوم بدر، ومَنَّ على أبي العاص بن الربيع، وثمامة بن أثال، وقد قال تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد:٤].\n• وذهب أبو حنيفة إلى وجوب القتل، أو الاسترقاق؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وزاد مالك: أو يفادي.\n• وعن مالك في المَنِّ روايتان: إحداهما: بعدم الجواز؛ لأنه ليس فيه مصلحة للمسلمين. والثانية: الجواز، كقول الجمهور.\nوالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5537>مسألة [٢]: النساء والصبيان</span>.\nذكر الفقهاء أنَّ من سُبِيَ من النساء والصبيان صار رقيقًا بالسبي، ونصَّ الإمام أحمد أنه يجوز فداء النساء بأسارى المسلمين، ولا يجوز فداؤهن بالمال.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٤ -) «سبل السلام».","vol":"10","page":56},{"text":"قلتُ: ويدل على جواز فداء النساء بأسارى المسلمين حديث سلمة بن الأكوع -﵁-، في «صحيح مسلم» (١٧٥٥)، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعث بامرأةٍ من أهل الشرك كانت أسرت، بعث بها إلى أهل مكة، ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أُسِروا بمكة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5538>مسألة [٣]: إذا أسلم الأسير</span>؟\nأما إسلام الكافر قبل أسره؛ فإنه ينفعه بخلاصه من الرق، ولا سبيل عليه، ولا يجوز أسره.\n• وأما إذا أسلم بعد أسره؛ فإنه يصير رقيقًا، ويزول التخيير بين الأربعة الأمور في مذهب أحمد، وقول للشافعي.\n• وعن الشافعي قولٌ أنه يزول القتل، ويتخير الثلاث الباقية؛ لحديث عمران ابن حصين أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فادى رجلين مسلمين برجل مشرك، وكان هذا المشرك قد قال: إني مسلم. أخرجه مسلم (١٦٤١).\n• وعن بعض الحنابلة جواز المن مع الاسترقاق؛ لأنه إذا جاز المن على الأسير المشرك؛ فعلى الأسير المسلم من باب أولى.\nوهذا القول جيد، وحديث عمران محمول إما على أنَّ الرجل لم يصدق في إسلامه، أو يحمل على أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى منه قوة وصدقًا؛ بحيث إنه لا يتضرر\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٤، ٥٠).","vol":"10","page":57},{"text":"بالرجوع إلى قومه، ويمكنه الرجوع إلى المسلمين، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5539>مسألة [٤]: إن سأل الأسارى من أهل الكتاب تخليتهم مقابل دفع الجزية</span>؟\n• قال جماعةٌ من الفقهاء: لا يجوز ذلك في نسائهم، وذراريهم؛ لأنهم صاروا غنيمة بالسبي، وأما الرجال؛ فيجوز ذلك فيهم في مذهب أحمد، ولا يزول التخيير الثابت فيهم، ومذهب أحمد هو الصحيح.\n• وقال أصحاب الشافعي: يحرم قتلهم كما لو أسلموا.\nوأُجيب بأنه بدل لا تلزم الإجابة إليه؛ فلم يحرم قتلهم كعبدة الأوثان. (^٢)\nتنبيه: الرقيق والمال الْمُفْدَى به سبيله سبيل الغنمية، يُخمَّس، ثم يقسم بلا خلاف. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5540>مسألة [٥]: بيع الرقيق الكافر من الكفار</span>.\n• منع من ذلك الحسن، وأحمد؛ لأنَّ بقاءه بين المسلمين يعرضه ظاهرًا للإسلام.\n• وأجاز ذلك الشافعي، وأبو حنيفة؛ لأنه كافر، والأصل في البيع الجواز؛ مالم يأت دليل بالتحريم، وهذا القول أظهر، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٨ -).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٩).\n(^٤) انظر: «المغني» (١٣/ ٥١).","vol":"10","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5541>مسألة [٦]: من أسر أسيرًا، فهل له قتله بنفسه</span>؟\nذكر أهل العلم أنه ليس له قتله بنفسه؛ إلا أن يخشى منه، أو يمتنع من الانقياد له، أو ما أشبه ذلك، وإلا فيرفعه إلى الإمام والقائد، ويتخير فيه بما يراه مصلحة للإسلام والمسلمين. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٥١).","vol":"10","page":59},{"text":"١٢٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَرِيَّةً وَأَنَا فِيهِمْ، قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إبِلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٢٨٩ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^٢)\nوَلِأَبِي دَاوُد: أَسْهَمَ لِرَجُلٍ وَلِفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمًا لَهُ. (^٣)\n\n١٢٩٠ - وَعَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ -﵄- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا نَفَلَ إلَّا بَعْدَ الخُمُسِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ. (^٤)\n\n١٢٩١ - وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ -﵁- قَالَ: شَهِدْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَفَّلَ الرُّبُعَ فِي البَدْأَةِ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٣٤)، ومسلم (١٧٤٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٢٢٨)، ومسلم (١٧٦٢).\n(^٣) صحيح. أخرجه أبوداود (٢٧٣٣) حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر به. وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين.\n(^٤) صحيح. رواه أحمد (٣/ ٤٧٠)، وأبوداود (٢٧٥٣) (٢٧٥٤)، والطحاوي (٣/ ٢٤٢) من طرق عن عاصم بن كليب، قال: حدثني أبو الجويرية، عن معن بن يزيد به، وإسناده صحيح، رجاله ثقات، وأبو الجويرية: هو حطان بن خفاف الجرمي.\n(^٥) صحيح. أخرجه أبوداود (٢٧٥٠)، وابن الجارود (١٠٧٩)، وابن حبان (٤٨٣٥)، والحاكم (٢/ ١٣٣) من طرق إلى مكحول، عن حبيب بن مسلمة به، وإسناده صحيح.","vol":"10","page":60},{"text":"١٢٩٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قِسْمَةِ عَامَّةِ الجَيْشِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nالغنيمة: مأخوذة من الغُنْم، وهو الربح والفضل.\nوهي في اللغة: ما يناله الرجل، أو الجماعة بسعي، ومنه قول الشاعر:\nوقد طَوَّفْتُ في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب\n\nوالمقصود به ههنا: هو مال الكفار الذي يظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5542>مسألة [١]: المستحق للغنيمة</span>.\nيستحق الغنيمة كل من شهد الوقعة، ثبت ذلك عن عمر بن الخطاب -﵁- كما في «سنن البيهقي» (٩/ ٥٠)، ولا يُعلم في ذلك خلاف. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5543>مسألة [٢]: ما يستحقه الراجل والفارس</span>.\nأما الرَّاجل فيستحق سهمًا بلا خلاف.\n• وأما الفارس فيستحق ثلاثة أسهم عند الجمهور؛ لحديث ابن عمر -﵄- الذي في الباب، لاسيما برواية أبي داود، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣١٣٥)، ومسلم (١٧٥٠) (٤٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٨٤) «البيان» (١٢/ ٢١٠ - ٢١١).","vol":"10","page":61},{"text":"وغيرهم، وهو الصحيح.\n• وقال أبو حنيفة: يستحق سهمين فقط. واستدل على ذلك بأدلة غير صريحة في ذلك، وبعضها ضعيفة. (^١)\nتنبيه: ذهب أبو حنيفة إلى أنَّ الاعتبار بدخول الحرب؛ فإن دخل فارسًا؛ فله سهم فارس، وإن نفق فرسُه قبل القتال، وإن دخل راجلًا؛ فله سهم الراجل، وإن استفاد فرسًا فقاتل عليه. وخالفه الجمهور فقالوا: كل من شهد الوقعة على حالة يعطى عليها. واستدلوا بأثر عمر المتقدم: الغنيمة لمن شهد الوقعة. (^٢)\nتنبيه آخر: لا فرق عند الجمهور بين الفرس العربي، والبرذون، والهجين، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل صحيح يفرق بينهما. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5544>مسألة [٣]: هل يُسْهَم للرجل بأكثر من فرس</span>؟\n• الجمهور على أنه لا يسهم له إلا بفرس؛ لأنَّ هذا هو الوارد عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولم يرد الإسهام للرجل بأكثر من فرس؛ ولأنَّ القتال إنما يكون على فرس واحد.\n• وأجاز أحمد الإسهام بفرسين، ولم يجز بأكثر من ذلك؛ لأنه محتاج إلى آخر، ومستغني عن غيره.\nوقول الجمهور أقرب، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٨٥، ٩٢) «الفتح» (٢٨٦٣) «البيان» (١٢/ ٢٠٩ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٨٤).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٨٦ -) «البيان» (١٢/ ٢١١).\n(^٤) انظر: «المغني» (١٣/ ٨٩) «البيان» (١٢/ ٢١٣).","vol":"10","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5545>مسألة [٤]: هل يسهم لمن قاتل على البعير سهمًا لبعيره</span>؟\n• ذكر بعض الحنابلة أنه يسهم له سهمين سهمًا له، وسهمًا لبعيره.\n• وعامة أهل العلم على أنه يسهم له سهم راجل.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٩٠): قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَنْ غَزَا عَلَى بَعِيرٍ، فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ. كَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ، وَمَكْحُولٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ أَسْهَمَ لِغَيْرِ الْخَيْلِ مِنْ الْبَهَائِمِ. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀- في (١٣/ ٩٠): وَمَا عَدَا الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، مِنْ الْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَالْفِيَلَةِ وَغَيْرِهَا، لَا يُسْهَمُ لَهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ عَظُمَ غَنَاؤُهَا، وَقَامَتْ مَقَامَ الْخَيْلِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يُسْهِمْ لَهَا، وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ، وَلِأَنَّهَا مِمَّا لَا يَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ؛ فَلَمْ يُسْهَمْ لَهَا، كَالْبَقَرِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5546>مسألة [٥]: من مات قبل حيازة الغنائم، فهل يستحق ورثته نصيبه</span>؟\n• من أهل العلم من يقول: إن مات الغازي قبل حيازة الغنيمة؛ فلا يسهم له، وإن مات بعد حيازة الغنيمة؛ فسهمه لورثته، وهذا مذهب أحمد وأصحابه؛ وذلك لأنَّ ملك المسلمين لها يحصل بحيازتها.\n• وقال جماعة من أهل العلم: من حضر القتال؛ أسهم له، سواءٌ مات قبل حيازة الغنيمة أو بعدها، وهذا قول الشافعي، وأبي ثور، ومالك، والليث، وهذا\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١٢/ ٢١١).","vol":"10","page":63},{"text":"القول أقرب والله أعلم، كما أنه يغنم من حضر، ولو لم يشارك كأن يكون حارسًا.\n• وقال أبو حنيفة: إن كان في دار الإسلام؛ فيستحق من الغنيمة إن مات بعد الإحراز، وإن كان في دار الكفر؛ فيستحق إن مات بعد القسمة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5547>مسألة [٦]: إذا كان مع المسلمين نسوة، فهل يعطين من الأسهم</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ المرأة لا يسهم لها سهم كامل، بل تُعطى شيئًا من الغنيمة بدون تقدير، ويرجع ذلك إلى اجتهاد الإمام.\nواستدلوا على ذلك بما رواه مسلم في «صحيحه» (١٨١٢) عن ابن عباس -﵄- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يغزو بالنساء، فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة، وأما سهم؛ فلم يضرب لهن.\n• ونقل عن بعضهم أنه أفتى بأنَّ النساء يسهم لهن، ولا دليل لهم فيما نعلم، أعني دليلًا صحيحًا، صريحًا في ذلك، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5548>مسألة [٧]: هل يسهم للعبد</span>؟\n• الجمهور على أنه لا يسهم للعبد أيضًا، وإنما يرضخ له كذلك، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.\nواستدلوا على ذلك بحديث عمير مولى آبي اللحم، قال: شهدت خيبر مع\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٩١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٩٣) «البيان» (١٢/ ٢١٨ -).","vol":"10","page":64},{"text":"ساداتي، فكلموا فيَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأُخبِر أني مملوك، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع. أخرجه أبو داود (٢٧٣٠) بإسناد صحيح.\nوفي حديث ابن عباس -﵄- في «مسلم» (١٨١٢): لم يكن لهم سهم معلوم العبد، والمرأة إلا أن يُحْذَيَا من غنائم القوم.\n• وذهب بعضهم إلى أنه يسهم له، وليس لهم على ذلك دليل صحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5549>مسألة [٨]: هل يسهم للصبي، أم يرضخ له</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه يرضخ له، ولا يسهم له، وهو قول الثوري، والليث، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور؛ لأنه ليس من أهل القتال؛ فلم يسهم له كالعبد، ولم يثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قسم لصبي، بل كان لا يجيزهم في القتال.\n• وقال مالك: يسهم له إذا قاتل وأطاق ذلك، ومثله قد بلغ القتال، كالرجل.\n• وقال القاسم، وسالم في الصبي يُغزَى به: ليس له شيء.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: إن شارك في المعركة كما يشارك الرجال؛ أُسِهم له كما قال مالك وإلا فيُرضخ له كما قال الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5550>مسألة [٩]: هل يسهم للكافر إذا غزا مع المسلمين بإذن إمامهم</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يسهم له. وهو قول الزهري، والثوري، والأوزاعي،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٩٣ -) «البيان» (١٢/ ٢١٨ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٩٥) «البيان» (١٢/ ٢١٩).","vol":"10","page":65},{"text":"وأحمد، وإسحاق.\nواستدلوا على ذلك بحديث من مراسيل الزهري، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- استعان بناس من اليهود في حربه، فأسهم لهم. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٩٥)، ومن طريقه البيهقي (٩/ ٥٣)؛ ولأنَّ الكفر نقص في الدين، فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يرضخ له، ولا يسهم له، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة؛ لأنه من غير أهل الجهاد، فلم يسهم له كالعبد.\nوأُجيب بأنَّ العبد نقصه في دنياه وأحكامه، والكافر نقصه في دينه كما سبق. والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: لا يبلغ بالرضخ للفارس سهم فارس، ولا للراجل سهم راجل، كما لا يبلغ بالتعزير الحد، وللحاكم تفضيل بعض أهل الرضخ على بعض باختلاف أعمالهم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5551>مسألة [١٠]: هل يؤخذ الرضخ من أصل الغنيمة، أم بعد التخميس</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٩٩): وَفِي الرَّضْخِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُحِقَّ بِالْمُعَاوَنَةِ فِي تَحْصِيلِ الْغَنِيمَةِ، فَأَشْبَهَ أُجْرَةَ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٩٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٩٩).","vol":"10","page":66},{"text":"النَّقَّالِينَ وَالْحَافِظِينَ لَهَا. وَالثَّانِي: هُوَ مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُحِقَّ بِحُضُورِ الْوَقْعَةِ، فَأَشْبَهَ سِهَامَ الْغَانِمِينَ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَهَذَيْنِ. اهـ\nوالقول الثاني أقرب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5552>مسألة [١١]: إذا قاتل العبد على فرس لسيده</span>؟\n• مذهب أحمد أنَّ السيد يستحق سهم الفرس.\n• ومذهب أبي حنيفة، والشافعي أنه لا يسهم للفرس؛ لأنه تحت من لا يسهم له؛ فلم يسهم له.\nوقول أحمد أقرب، والله أعلم؛ لأن سهم الفرس يجري، ولو كان عند غير صاحب الفرس. (^١)\nتنبيه: من لحق بالجيش بعد انتهاء المعركة لم يستحق من الغنيمة، وإن كان مددًا. (^٢)\nتنبيه آخر: من بعثه الأمير لمصلحة الجيش، فلم يحضر الغنيمة؛ أُسهِم له أيضًا. (^٣)\nفائدة: يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب عند الجمهور خلافًا لأصحاب الرأي القائلين: لا تقسم إلا في دار الإسلام. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ١٠١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ١٠٤).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ١٠٦).\n(^٤) «المغني» (١٣/ ١٠٧).","vol":"10","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5553>مسألة [١٢]: إذا أخرج من الجيش سرية فغنمت</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ١٣١): الْجَيْشُ إذَا فَصَلَ غَازِيًا، فَخَرَجَتْ مِنْهُ سَرِيَّةٌ أَوْ أَكْثَرُ، فَأَيُّهُمَا غَنِمَ؛ شَارَكَهُ الْآخَرُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَحَمَّادٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. اهـ\n• ثم نقل خلافًا عن النخعي. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5554>مسألة [١٣]: إذا سبوا لم يفرق بين الوالدة وولدها</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ١٠٨): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا الطِّفْلِ غَيْرُ جَائِزٍ. هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي أَهْلِ الشَّامِ، وَاللَّيْثِ فِي أَهْلِ مِصْرَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ فِيهِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا؛ فَرَّقَ الله بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». (^٢) اهـ\n• وأما التفريق بين الأب وولده الطفل؛ فيحرم أيضًا في مذهب أحمد، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنه أحد الأبوين، فأشبه الأم.\n• ومذهب مالك، والليث جواز التفريق، وقال به بعض الشافعية؛ وذلك لأنَّ الأب ليس من أهل الحضانة، وهو قول غير صحيح، ودليلهم فيه نزاع. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١٢/ ٢٢٥).\n(^٢) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٧٩٥).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ١٠٩).","vol":"10","page":68},{"text":"تنبيه: إذا كبر الولد جاز التفريق على الصحيح، وعليه جمهور العلماء. واختلف في تحديد الكبر.\n• فمنهم من قال: إذا أثغر. وهو قول مالك، وقال الأوزاعي، والليث: إذا استغنى عن أمه. ونحوه عن أبي ثور.\n• وقال أحمد، وسعيد بن عبدالعزيز، والشافعي في قول، وأصحاب الرأي: يجوز التفريق إذا بلغ؛ لأنه قبل البلوغ مُوَلَّى عليه، فأشبه الطفل. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5555>مسألة [١٤]: التفريق بين الأخوين والأختين</span>.\n• مذهب الحنابلة، وأصحاب الرأي التحريم؛ لحديث علي -﵁- وقد تقدم في البيوع برقم (٧٩٦) أنه باع أخوين، ففرق بينهما، فنهاه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأمره بارتجاعهما.\n• ومذهب مالك، والشافعي، والليث، وابن المنذر الجواز؛ لأنها قرابة لا تمنع قبول الشهادة؛ فلم يحرم التفريق كقرابة ابن العم.\nوالقول الأول أصح، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: يجوز التفريق بين سائر الأقارب غير من ذُكِر. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ١٠٩ - ١١٠).\n(^٢) «المغني» (١٣/ ١١٠ -).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ١١١).","vol":"10","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5556>مسألة [١٥]: من سُبِيَ من أطفال المشركين</span>.\nإما أن يُسبى منفردًا عن أبويه؛ فهذا يصير مسلمًا بالإجماع.\n• وإماأن يسبى مع أبويه؛ فهذا تبع لأبويه عند الجمهور.\n• وخالف الأوزاعي، فحكم بإسلامه تبعًا لمالكه.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لحديث: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (^١)، وحديث سئل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن أولاد المشركين؟ فقال: «هم من آبائهم». (^٢)\n• وإما أن يسبى مع أحد أبويه، فمذهب أحمد، والأوزاعي الحكم بإسلامه تبعًا لمالكه، وتغليبًا له على أحد الأبوين.\n• ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة أنه تبع لوالده ووالدته؛ للحديثين السابقين.\n• ومذهب مالك أنه إن أسر الأب؛ فالطفل تبع له كما يتبعه في النسب، وإن أسرت الأم؛ فالطفل يحكم بإسلامه.\nقلتُ: مذهب الشافعي -﵀- أقرب، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5557>مسألة [١٦]: إذا أسلم الحربي وله أطفال، وأموال</span>؟\nإذا أسلم في دار الحرب؛ حقن دمه، وأولاده الصغار، وعصم ماله.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٣٥٩)، ومسلم برقم (٢٦٥٨)، عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٧١٢)، وأحمد (٦/ ٨٤) بإسناد صحيح عن عائشة -﵂-.\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ١١٣).","vol":"10","page":70},{"text":"• وإن كان في دار الإسلام وماله وأولاده في دار الحرب؛ عُصم كذلك عند الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، وكذلك إن كان له أرض؛ لم تُغنم عند الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة. (^١)\nتنبيه: الذين قد بلغوا لهم أحكام أنفسهم، ولا يحكم لهم بحكم آبائهم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5558>مسألة [١٧]: إذا أسلم عبد، أو أمة لحربي</span>؟\nإن انتقلوا إلى دار الإسلام؛ صاروا أحرارًا عند عامة أهل العلم؛ لحديث أبي بكرة -﵁- حين أسلم ولحق بالمسلمين، فسأل أهله رسولَ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يرده إليهم، فقال: «هو طليق الله، وطليق رسوله». (^٣)\nوإن لم يلتحقوا بدار الإسلام، ومكثوا في دار الحرب، فلا يزالوا في الرق. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5559>مسألة [١٨]: إذا أخذ الكفار مال مسلم، ثم غنمه المسلمون</span>؟\nإذا أدرك صاحب المتاع متاعه قبل قسمة الغنائم؛ رد إليه عند عامة أهل العلم، خلافًا للزهري، وعمرو بن دينار، والحسن؛ لحديث ابن عمر -﵄- في «صحيح البخاري» (٣٠٦٧) أنه حصل له ذلك، فرده عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ١١٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ١١٥).\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٦٨)، من حديث رجلٍ من ثقيف بإسناد صحيح، وصححه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (١٤٩٩).\n(^٤) انظر: «المغني» (١٣/ ١١٦).","vol":"10","page":71},{"text":"وأما إذا لم يدركه حتى قسم، ففيه ثلاثة أقوال:\nالأول: لا حقَّ له فيه. وهو قول سلمان بن ربيعة، وعطاء، والنخعي، والليث، وأحمد، ونُقل عن عمر -﵁- (^١).\nالثاني: صاحبه أحق به بالثمن الذي حسب على من أخذه، وكذلك إن بيع، ثم قسم ثمنه؛ فهو أحق به بالثمن، وهذا قول مالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد في رواية، وأبي حنيفة، وجاء في ذلك حديث عن ابن عباس -﵄- عند الدارقطني (٤/ ١١٤ - ١١٥)، وهو شديد الضعف، في إسناده: الحسن بن عمارة، وهو متروك.\nالثالث: صاحبه أحق به قبل القسمة، وبعدها، وبعد القسم يعوض صاحب السهم سهمه من خمس المصالح. وهو قول الشافعي وابن المنذر، وهو الصحيح. (^٢)\nفائدة: إذا غنم المسلمون من المشركين شيئًا عليه علامة للمسلمين، ولم يعلم صاحبه؛ فهو غنيمة في مذهب أحمد، والثوري، والأوزاعي. وقال الشافعي: يوقف حتى يجيء صاحبه.\nوالقول الأول أقرب، وإذا كان مكتوبًا عليه (حُبِّس في سبيل الله) فيُعاد إلى الحبس. (^٣)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه سعيد بن منصور (٢٧٩٩)، والبيهقي (٩/ ١١٢)، وإسناده منقطع؛ رجاء بن حيوة لم يدرك عمر -﵁-.\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ١١٧ -).\n(^٣) «المغني» (١٣/ ١٢٠).","vol":"10","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5560>مسألة [١٩]: هل يملك الكفار أموال المسلمين بالقهر</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يملكونها. وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والقاضي أبي يعلى؛ لأنَّ القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر، فيملك الكافر به مال المسلم كالبيع.\n• ومنهم من يقول: لا يملكونها. وهو قول الشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه؛ لأنه مال معصوم طرأت عليه يد عادية؛ فلم يملك بها كالغصب، ولأنَّ من لا يملك رقبة غيره بالقهر لم يملك ماله به كالمسلم مع المسلم.\nوالمسلم يملك مال الكافر بطريقة شرعية، والكافر يأخذه بيد متعدية؛ فافترق الأمران، فالصحيح قول أحمد، والشافعي. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5561>مسألة [٢٠]: إذا أسلم الكافر بعد أن أتلف مال المسلم</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ١٢٢): وَلَا أَعْلَمَ خِلَافًا فِي أَنَّ الْكَافِرَ الْحَرْبِيَّ إذَا أَسْلَمَ، أَوْ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، بَعْدَ أَنْ اسْتَوْلَى عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ فَأَتْلَفَهُ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ، وَإِنْ أَسْلَمَ وَهُوَ فِي يَدِهِ؛ فَهُوَ لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ. انتهى المراد.\nقلتُ: وما ذكره -﵀- هو حكاية عن مذهب الحنابلة، وقد خالف بعض الشافعية، والحنابلة فقالوا بإعادته، وهو أقرب لأنه لم يملكه بطريقة شرعية، وأما\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ١٢١).","vol":"10","page":73},{"text":"حديث: «من أسلم على شيء فهو له» فهو حديث ضعيف (^١)،\nومع ذلك فليس معناه متناولًا ما نحن فيه، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: الكفار لا يملكون الحر من المسلمين بالاستيلاء بغير خلاف، قاله ابن قدامة. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5562>مسألة [٢١]: حكم فداء أسارى المسلمين إذا أمكن</span>.\n• يجب فداء أسارى المسلمين إذا أمكن على الإمام من بيت المال، وإن لم يوجد؛ فيجب على المسلمين وجوبًا كفائيًّا، وهو قول الجمهور.\n• وقال إسحاق: على بيت المال. ونحوه عن مالك.\nوالذي يظهر أنهما لم يريدا أنه لا يجب على المسلمين إذا لم يوجد بيت المال.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبو يعلى (٥٨٤٧)، والبيهقي (٩/ ١١٣)، وابن عدي في «الكامل» (٧/ ٢٦٤٢)، من حديث أبي هريرة -﵁-، وفي إسناده ياسين بن معاذ الزيات، وهو متروك.\n\nقال البيهقي: وهذا الحديث إنما يروى عن ابن أبي مليكة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وعن عروة عن النبي - ﷺ - مرسلًا. اهـ\nوالمرسلان أخرجهما سعيد بن منصور (١٨٩ - ١٩٠)؛ أما الأول فأخرجه من طريق سفيان، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة. وفيه: عنعنة ابن جريج.\nوأما الثاني فأخرجه من طريق ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير. وإسناده صحيح إلى عروة بن الزبير.\nولهما شاهد من حديث بريدة، أخرجه البيهقي (٩/ ١١٣)، وفي إسناده: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف؛ لاختلاطه، وبقية رجاله ثقات. فالحديث حسن بمجموع هذه الطرق، والله أعلم.\n(^٢) وانظر: «الإنصاف» (٤/ ١٤٧).\n(^٣) «المغني» (١٣/ ١٢٢).","vol":"10","page":74},{"text":"ويدل على قول الجمهور حديث أبي موسى في «البخاري»: «فكُّوا العاني، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5563>مسألة [٢٢]: من فدى الأسير المسلم من الكفار، فهل يلزم الأسير أن يعطيه ماله</span>؟\nذكر أهل العلم أن ذلك إذا كان بإذن الأسير، وطلبه؛ لزمه أن يؤدي ذلك، ونقل ابن قدامة عدم الخلاف في ذلك.\n• وإن كان بغير إذنه، وطلبه، فقال بعضهم: يلزمه أن يعطيه. وهو قول الحسن، والنخعي، والزهري، ومالك، والأوزاعي، وأحمد. وقال به الليث إذا كان موسرًا. قال: وإن كان معسرًا؛ فعلى بيت المال.\n• وقال الثوري، والشافعي، وابن المنذر: لا يلزمه؛ لأنه متبرع بذلك.\nوالذي يظهر أنه إن كان قاصدًا الرجوع؛ فعلى بيت المال أن يعطيه، وإلا رجع على صاحبه، وإن كان فقيرًا لا يستطيع القضاء؛ وجب على المسلمين القادرين كفائيًا، وإن لم يكن قاصدًا الرجوع؛ فليس له أن يرجع، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5564>مسألة [٢٣]: أهل الحرب إذا استولوا على أهل ذمتنا، فسبوهم، ثم قُدر عليهم</span>؟\nذكر أهل العلم رحمة الله عليهم أنه يجب ردهم إلى ذمتهم، ولا يجوز استرقاقهم، ولا أخذ أموالهم؛ إلا أن يقاتلوا مع الكفار طواعية. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ١٣٥ -) «الفتح» (٣٠٤٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ١٣٤ -).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ١٣٥).","vol":"10","page":75},{"text":"فائدة: حُلي الجارية يُعتبر من الغنائم، ولا يُباع مع الجارية، ولا يلحقها لو قسمت الجارية لبعض القوم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5565>مسألة [٢٤]: معنى التنفيل وحكمه</span>.\nالنَّفْلُ: زيادة تُزاد على سهم الغازي، والنفل في الغزو على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: تنفيل السرية التي تخرج عن الجيش، فتغير على العدو ببعض ما يغنمون بعد إخراج الخمس.\n• وعلى مشروعية ذلك عامة أهل العلم؛ إلا ما نقل عن عمرو بن شعيب أنه قال: لا نفل بعد رسول الله - ﷺ -. قالوا: ولعله يحتج بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١]، فخصَّه بها.\nوأجاب الجمهور بأحاديث الباب، وفعل بالتنفيل الصحابة من بعد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nويدل على قول الجمهور حديث حبيب بن مسلمة -﵁- قال: شهدت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نفَّل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة.\nومعنى الحديث: أنَّ الإمام، أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازيًا بعث بين يديه سرية تُغير على العدو، ويجعل لهم الربع بعد الخمس مما يغنمون، وإذا قفل بعث سرية تُغير، ويجعل لهم الثلث بعد الخمس؛ وذلك لأنَّ في الابتداء لم يكن الأعداء\n_________\n(^١) «المغني» (١٣/ ١٣٧ - ١٣٨).","vol":"10","page":76},{"text":"على استعداد كالإغارة وقت الرجوع.\nواختلف العلماء هل التنفيل من الخمس، أم من غير الخمس؟\n• فجماعة منهم على أنه من غير الخمس، وهو قول الحسن، والأوزاعي، وأحمد وأصحابه، ويدل على هذا القول حديث معن بن يزيد الذي في الكتاب: «لا نفل إلا بعد الخمس».\n• وذهب سعيد بن المسيب، ومالك إلى أنه من الخمس.\n• وقال الشافعي: من خمس الخمس. لحديث ابن عمر -﵄- الذي في الكتاب، وليس بصريح، وحديث معن نصٌّ في المسألة؛ فالعمل عليه، والله أعلم.\nوهل للتنفيل حدٌّ؟\nاختلف الفقهاء:\n• فذهب الجمهور إلى أنه موكول إلى اجتهاد الإمام؛ إلا أنه لا يجاوز الثلث؛ لأنه أكثر ما ورد تنفيله عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\n• وقال الشافعي: موكول إلى اجتهاده، ولا حدَّ لأكثره.\nوالأقرب قول الجمهور. (^١)\nالقسم الثاني: أن ينفل الإمامُ بعضَ الجيش لعَنائه، وبأسه، وبلائه، أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٥٣ - ٥٥) (١٣/ ٦٠ - ٦١).","vol":"10","page":77},{"text":"أجاز ذلك أهل العلم، واستدلوا عليه بما في «صحيح مسلم» (١٨٠٧) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في غزوة ذات قرد أعطى سلمة بن الأكوع سهمَ راجلٍ، وسهم فارس، وكان راجلًا.\nوفي «مسلم» (١٧٥٥) أيضًا أنَّ أبا بكر نفَّل سلمة بن الأكوع امرأةً؛ لبلائه في تلك الغزوة، وذلك في عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nالقسم الثالث: أن يشترط الإمام شيئًا من فعله نفَّله، كقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من قتل قتيلًا؛ فله سلبه» (^١)، ومثله لو قال قائد الجيش: من طلع الحصن وفتحه؛ فله كذا، ومن قتل عشرة من الكافرين؛ فله كذا.\n• وهذا جائز مشروع عند الجمهور.\n• وكرهه مالك من أجل ألا يكون القتال من أجل ذلك.\nوأجاب الجمهور بأن استحقاق الغنيمة وزيادة السهم للفارس، واستحقاق السلب لم يُمنَع، مع وجود الاحتمال المذكور. والصحيح قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5566>مسألة [٢٥]: مصرف خمس الغنيمة</span>.\nقال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال:٤١].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢١٠٠) (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١)، عن أبي قتادة -﵁-.\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٥٥ - ٥٦).","vol":"10","page":78},{"text":"• فذهب أحمد، والشافعي إلى أنَّ الخمس يقسم على خمسة أسهم: سهم لله ولرسوله يُصرف لمصالح المسلمين. وسهم لذوي القربى. وسهم لليتامى. وسهم للمساكين. وسهم لابن السبيل.\n• وذهب مالك إلى أنَّ مصرفها إلى الإمام يجتهد فيه كيف شاء.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنها تقسم ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. وأما سهم الرسول فسقط بموته، وسهم ذوي القربى قال: المراد به القرابة الذين كانوا في عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nوالصحيح قول أحمد، والشافعي؛ لظاهر الآية، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5567>مسألة [٢٦]: سهم ذوي القربى</span>.\nذووا القربى المراد بهم عند أكثر العلماء، والفقهاء، والمحدثين: بنو هاشم، وبنو المطلب؛ لحديث جبير بن مطعم في «صحيح البخاري» (٣١٤٠) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قسم لهم من خمس خيبر، وقال: «هم بمنزلة واحدة». (^٢)\nويستحقه الرجال، والنساء، والفقراء، والأغنياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5568>مسألة [٢٧]: وهل يفضل الرجال على النساء</span>؟\n• منهم من قال: للرجل ضعف الأنثى، كالميراث. وهو قول المزني، وأبي ثور، وبعض الحنابلة، وابن المنذر.\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١٢/ ٢٢٨) «المغني» (٩/ ٢٨٤ -) «القرطبي» (٨/ ١٠ -) «الإنصاف» (٤/ ١٥٥).\n(^٢) انظر: «القرطبي» (٨/ ١٢) «المغني» (٩/ ٢٩٣ -).","vol":"10","page":79},{"text":"قال الإمام ابن عثيمين -﵀-: وقيل: يُقسم بينهم بحسب الحاجة؛ لأنه يعلم أن من مقاصد الشرع دفع الحاجات، لكن خُصَّ ذوي القربى؛ لأنهم أحق الناس بمثل هذه الغنيمة. ثم استقرب -﵀- هذا القول، وهو الصحيح.\nثم قال: فإن كانوا كلهم سواء في الغنى أو في الحاجة؛ أعطيناهم بالتساوي. اهـ\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ٨١): وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَقْسِمِهُ بَيْنَهُم عَلَى السَّوَاءِ بَيْنَ أَغْنِيَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ، وَلَا كَانَ يَقْسِمُهُ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ، بَلْ كَانَ يَصْرِفُهُ فِيهِمْ بِحَسْبِ الْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجَةِ، فَيُزَوّجُ مِنْهُ عَزَبَهُمْ، وَيَقْضِي مِنْهُ عَنْ غَارِمِهِمْ، وَيُعْطِي مِنْهُ فَقِيرَهُمْ كِفَايَتَهُ، وَفِي «سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ» عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: وَلَّانِي رَسُولُ الله - ﷺ - خُمُسَ الْخُمُسِ، فَوَضَعْتُهُ مَوَاضِعَهُ حَيَاةَ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَحَيَاةَ أَبِي بَكْرٍ -﵁-، وَحَيَاةَ عُمَرَ -﵁-. (^١) وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنّهُ كَانَ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِهِ الْخَمْسَةِ، وَلَا يَقْوَى هَذَا الِاسْتِدْلَالُ؛ إذْ غَايَةُ مَا فِيهِ أَنّهُ صَرَفَهُ فِي مَصَارِفِهِ الّتِي كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَصْرِفُهُ فِيهَا، وَلَمْ يَعْدُهَا إلَى سِوَاهَا، فَأَيْنَ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ بِهِ؟ وَاَلّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ هَدْيُ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَأَحْكَامُهُ أَنّهُ كَانَ يَجْعَلُ مَصَارِفَ الْخُمُسِ كَمَصَارِفِ الزّكَاةِ، وَلَا يَخْرُجُ بِهَا عَنْ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ، لَا أَنّهُ يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ كَقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ، وَمَنْ تَأَمّلَ سِيرَتَهُ وَهَدْيَهُ حَقّ التّأَمّلِ لَمْ يَشُك فِي ذَلِكَ. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود برقم (٢٩٨٣)، وفي إسناده: أبو جعفر الرازي وهو ضعيف.\n(^٢) وانظر: «المغني» (٩/ ٢٩٤ - ٢٩٥) «الإنصاف» (٤/ ١٥٥ -) «البيان» (١٢/ ٢٣٠) «زاد المعاد» (٥/ ٨٠ -).","vol":"10","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5569>مسألة [٢٨]: سهم الصَّفِي</span>.\nكان للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سهم الصَّفي، وهو شيء يختاره من المغنم قبل القسمة، كالجارية، والعبد، والثوب، والسيف ونحوه، وهو ثابت للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند أهل العلم، ويدل على ذلك حديث عائشة -﵂- عند أبي داود (٢٩٩٤) بإسناد صحيح، قال: كانت صفية من الصَّفي. وحديث صحابي مبهم أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كتب إلى زهير ابن أقيش: «إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، وأديتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم الصفي أنتم آمنون بأمان الله ورسوله» رواه أبو داود (٢٩٩٩) بإسناد صحيح، وهما في «الصحيح المسند» لشيخنا -﵀-.\nوهذا خاصٌّ للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند عامة أهل العلم إلا أبا ثور، فقال: للإمام أن يأخذه على نحو ما كان يأخذ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nقال ابن المنذر -﵀-: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَ أَبَا ثَوْرٍ إِلَى هَذَا الْقَوْل. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٢٩١ -): وَأَمَّا انْقِطَاعُهُ بَعْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -؛ فَثَابِتٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ قَبْلَ أَبِي ثَوْرٍ وَبَعْدَهُ، وَكَوْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَمْ يَأْخُذُوهُ، وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَا يُجْمِعُونَ عَلَى تَرْكِ سُنَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ -.اهـ","vol":"10","page":81},{"text":"١٢٩٣ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا العَسَلَ وَالعِنَبَ، فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١)، وَلِأَبِي دَاوُد: فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُم الخُمُسُ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢).\n\n١٢٩٤ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى -﵁- قَالَ: أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ الجَارُودِ وَالحَاكِمُ. (^٣)\n\n١٢٩٥ - وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ المُسْلِمِينَ، حَتَّى إذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ المُسْلِمِينَ حَتَّى إذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالدَّارِمِيُّ، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5570>مسألة [١]: الأكل من الغنائم أثناء المعركة</span>.\nدلَّ حديث ابن عمر، وابن أبي أوفى -﵃- على مشروعية ذلك، وكذا تعليف الدواب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣١٥٤).\n(^٢) حسن. أخرجه أبوداود (٢٧٠١)، وابن حبان (٤٨٢٥)، وإسناده حسن، واللفظ لأبي داود.\n(^٣) صحيح. أخرجه أبوداود (٢٧٠٤) وابن الجارود (١٠٧٢) والحاكم (٢/ ١٢٦) وإسناده صحيح.\n(^٤) حسن. أخرجه أبوداود (٢١٥٩) (٢٧٠٨)، والدارمي (٢٤٩١)، وكذا أخرجه أحمد (٤/ ١٠٨ - ١٠٩)، وإسناده حسن، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث عند أحمد.","vol":"10","page":82},{"text":"• وعلى ذلك عامة أهل العلم، ولا يُشترط عندهم إذن الإمام، خلافًا للزهري في اشتراط ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5571>مسألة [٢]: استخدام الدواب، والأسلحة المغنومة أثناء المعركة</span>.\nقال الخطابي -﵀- في «معالم السنن» (٢/ ٢٥٨): أما في حال الضرورة، وقيام الحرب؛ فلا أعلم بين أهل العلم اختلافًا في جواز استعمال سلاح العدو ودوابهم، فإذا انقضت الحرب؛ فإنَّ الواجب ردها في المغنم، فأما الثياب، والخرثي، والأدوات؛ فلا يجوز أن يستعمل شيء منها إلا أن يقول قائل: إذا احتاج إلى شيء منها حاجة ضرورةٍ؛ كان له أن يستعمله، مثل أن يشتد البرد، فيستدفي بثوب، ويتقوى به على المقام في بلاد العدو مرصدًا لقتالهم. وسئل الأوزاعي عن ذلك؟ فقال: لا يلبس الثوب للبرد إلا أن يخاف الموت. اهـ\nقلتُ: ولا يشترط أن يخاف الموت، بل إذا اشتدت الحاجة؛ فلا بأس باستخدامه، وحديث رويفع -﵁-، محمول على ما إذا لم توجد حاجة، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ١٢٦).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٣/ ١٩٢).","vol":"10","page":83},{"text":"١٢٩٦ - وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ -﵁- قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. (^١)\n\n١٢٩٧ - وَلِلطَّيَالِسيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ: «يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ». (^٢)\n\n١٢٩٨ - وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ عَلِيٍّ -﵁-: «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ». (^٣) زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: «وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ». (^٤)\n\n١٢٩٩ - وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت». (^٥)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nالمقصود بالأمان في هذا الباب هو تأمين الكافر على ماله، ونفسه من\n_________\n(^١) صحيح بشواهده. أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ٤٥٠ - ٤٥١)، وأحمد (١/ ١٩٥)، وفي إسناده: حجاج بن أرطاة فيه ضعف ومدلس، ولم يصرح بالسماع، وقد اضطرب فيه فرواه مرة أخرى، فجعله من مسند أبي أمامة بلفظ: «يجير على المسلمين الرجل منهم»، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ٤٥١)، والحديث صحيح بما بعده.\n(^٢) أخرجه الطيالسي (١٠٦٣) ط. دار هجر، وأخرجه أيضًا أحمد (٤/ ١٩٧)، وفي إسناده رجل مبهم.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٧٥٥)، ومسلم (١٣٧٠).\n(^٤) صحيح بشواهده. أخرجه ابن ماجه (٢٦٨٥)، من طريق عبدالرحمن بن الحارث بن عبدالله بن عياش، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده بلفظ: «ويجير على المسلمين أدناهم، ويرد على المسلمين أقصاهم» وعبدالرحمن بن الحارث الراجح ضعفه، والحديث صحيح بشواهده التي قبله.\n(^٥) أخرجه البخاري (٣١٧١)، ومسلم في (صلاة المسافرين) رقم (٨٢).","vol":"10","page":84},{"text":"المسلمين، ويشمل أولاده الصغار. ويصح الأمان من كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، مختارٍ، ذكرٍ أو أنثى؛ لدلالة أحاديث الباب على ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5572>مسألة [١]: أمان الكافر</span>.\nلا يصح تأمين الكافر وإن كان ذميًّا؛ لحديث الباب: «يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ الرَّجُلُ مِنْهُم» و«يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ». (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5573>مسألة [٢]: أمان الصبي</span>.\nأما إذا كان غير مميز؛ فلا يصح تأمينه بلا خلاف.\n• واختلفوا في الصبي المميز، فصحح تأمينَه مالك، وأحمد في رواية؛ لعموم الأحاديث.\n• وأبطل تأمينَه الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية؛ لأنَّ الصبي مولَّى عليه، وكثير من تصرفاته وعقوده لا تنفذ؛ فكذلك ههنا، ولأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذكره مع المجنون، وقيد رفع القلم عنه «حتى يبلغ».\nوهذا هو الصحيح، والله أعلم. (^٣)\nتنبيه: أمان المجنون لا يصح بغير خلافٍ. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١٢/ ٣٢٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٧٧).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٧٧).\n(^٤) «المغني» (١٣/ ٧٧).","vol":"10","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5574>مسألة [٣]: هل يصح أمان العبد</span>؟\n• على ذلك عامة أهل العلم، وهو الصحيح؛ لعموم الأحاديث خلافًا لأبي حنيفة، وأبي يوسف. (^١)\nتنبيه: للإمام أن يعمم التأمين لأهل بلدة من الكفار، بخلاف غيره من آحاد المسلمين؛ فليس له ذلك؛ لأنَّ فيه تعديًّا في حق الإمام. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5575>مسألة [٤]: تأمين من جاء أسيرًا من الكفار</span>.\n• للإمام أن يؤمنه؛ لأنَّ له أن يمنَّ عليه، فمن باب أولى التأمين، وليس لأحد من المسلمين أن يؤمنه؛ لأنَّ الخيار في الأسير إلى الإمام، وهو قول أحمد، والشافعي وغيرهما.\n• وصحح التأمين الأوزاعي، وأبو الخطاب الحنبلي.\nوقول أحمد، والشافعي أقرب، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5576>مسألة [٥]: إذا ادَّعى مسلمٌ أنه أمَّن كافرًا قبل أن يؤسر</span>؟\nإذا جاء مسلم، فشهد على نفسه بأنه قد أمن هذا الأسير قبل أن يؤسر؛ يُقبل قوله عند أحمد، والأوزاعي، وهو الصحيح، وخالف الشافعي فلم يقبل قوله؛ لأنها شهادة\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٧٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٧٧).\n(^٣) «المغني» (١٣/ ٧٨).","vol":"10","page":86},{"text":"على فعل نفسه.\nوأُجيب عنه بحديث المرضعة التي شهدت على نفسها أنها أرضعت عقبة والتي تزوجها، فأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالفراق، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5577>مسألة [٦]: ما حكم التأمين للكافر</span>؟\nإن طلب الكافر الأمانَ ليسمع القرآن، ويتعرف على الإسلام؛ وجب تأمينه بلا خلاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦]، وإن كان يريد الفساد؛ فلا يجوز تأمينه، وإن كان يريد التجارة، أو النزهة، أو غير ذلك؛ فيُشرع تأمينه إذا وُجِدت مصلحة، وأُمِنَ الضرر من ذلك، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5578>مسألة [٧]: من أُمِّنَ في دار الإسلام، هل تؤخذ منه جزية</span>؟\n• مذهب أحمد -وهو الصحيح- أنه على ما أُمِّنَّ؛ فإنْ أُمِّن بمقابل جزية؛ أُخذت عليه، وإن أُمِّن بغير مقابل؛ لم تؤخذ عليه، وللإمام أن يؤمن بمقابل وغير مقابل حسب المصلحة.\n• وقال الأوزاعي، وأبو الخطاب، والشافعي: لا يؤمنه إلا بجزية. وقيد ذلك الشافعي بما إذا أمنه سنة. (^٣)\n_________\n(^١) «المغني» (١٣/ ٧٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٧٩).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٧٩).","vol":"10","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5579>مسألة [٨]: إذا أُمِّنَ الكافر في دار المسلمين، ثم سافر، وبقيت له أموال بين المسلمين</span>؟\n• يبقى التأمين في ماله، ولا يؤخذ، بل يرسل إليه؛ فإن مات أُرسِل إلى وارثه عند أحمد، والمزني، والشافعي في قول.\n• وعند أبي حنيفة، والشافعي في قول يبطل الأمان، ويأخذه المسلمون.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5580>مسألة [٩]: إذا دخل الكافر دار الإسلام بغير أمان</span>؟\nالإمام مُخَيَّرٌ فيه بين أن يقتله، أو يمن عليه، أو يسترقه، أو يفادي به، وإن زعم الكافر أنه أراد أن يستأمن؛ لم يقبل قوله، وإن زعم أنه رسول؛ لم يقبل قوله إلا بقرينة، كأن يكون حاملًا لرسالة.\nوإن زعم أنه جاء لتجارة فينظر؛ فإن كان العرف والعادة جرت بينهم بأنَّ من دخل لتجارة لم يتعرض له؛ فيُقبل قوله إذا كان له بينة، أو قرينة على قوله، وإن لم تكن العادة جرت بينهم بذلك؛ فلا ينفعه ذلك، وأمره إلى الإمام كما تقدم.\nوإن ضلَّ الطريق، فدخل بلاد الإسلام، فقيل: هو لمن أخذه.\nوقيل: هو فَيءٌ. وهذا أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٨٠ - ٨١) «البيان» (١٢/ ٣٢٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٨٣) (١٣/ ٢٣٦).","vol":"10","page":88},{"text":"تنبيه: يحصل التأمين بأي لفظ يدل عليه، كقوله: (أمنتك) (أجرتك) (لا بأس عليك) (لا تخف على نفسك) وما أشبه ذلك.\nوإذا قال له: (قف، ألق سلاحك) فلا يُعَدُّ تأمينًا إن لم تكن عادة، أو عرف بأنَّ ذلك تأمين. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ١٩٢ - ١٩٤).","vol":"10","page":89},{"text":"١٣٠٠ - وَعَنْ عُمَرَ -﵁- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَأُخْرِجَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إلَّا مُسْلِمًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5581>مسألة [١]: إخراج اليهود، والنصارى، والمشركين من جزيرة العرب</span>.\nفي «الصحيحين» عن ابن عباس -﵄- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب». (^٢)\nوفي «مسند أحمد» (٦/ ٢٧٥) عن عائشة -﵂- قالت، قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لايجتمع في جزيرة العرب دينان»، وإسناده حسن.\nفنصَّ أهل العلم على وجوب إخراج المشركين.\n• لكن خصَّ أحمد، والشافعي الإخراج من الحجاز فقط، والحجاز يشمل المدينة، ومكة، وخيبر، وينبع، وفدك، ومخاليفها، وما والاها، وسُمِّي حجازًا؛ لأنه يحجز بين تهامة ونجد.\nواستدلوا على التخصيص بحديث أبي عبيدة بن الجراح في «مسند أحمد» (١/ ١٩٦) مرفوعًا: «أخرجوا يهود الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب»، وإسناده صحيح.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٧٦٧).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٣٠٥٣)، ومسلم (١٦٣٧).","vol":"10","page":90},{"text":"• وذهب مالك إلى وجوب إخراجهم من جزيرة العرب كاملة، وهي ما أحاطت البحار بها، يعني بحر الهند، وبحر فارس، وبحر القلزم، وبحر الشام، والفرات، أو ما بين عدن إلى أطراف الشام، وما بين جدة والعراق.\nواستدل مالك بالأحاديث المتقدمة.\nورجَّح ذلك الصنعاني، وردَّ على استدلال الشافعي، وأحمد بأنَّ ذكر بعض أفراد العام لا يلزم منه التخصيص، وهذا القول هو الصحيح.\nويُردُّ على استدلالهم أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديثهم أمر بإخراج يهود نجران، وهم لم يقولوا بذلك، ورجح الشوكاني أيضًا قول مالك. (^١)\nتنبيه: الممنوع من بقائهم هو الاستيطان، أما إذا دخلوا لعملٍ، أو تجارةٍ؛ فجائزٌ إذا لم يكن في ذلك مفسدة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5582>مسألة [٢]: دخولهم الحرمين</span>.\nلا يجوز عند أهل العلم تمكين الكفار من دخول الحرمين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٢٨].\nقال العلماء: أطلق المسجد وأراد الحرم كاملًا؛ لقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ١٩٤) «البيان» (١٢/ ٢٨٩ -) «النيل» (٥/ ٢٣٩).\n(^٢) «المغني» (١٣/ ٢٤٤).","vol":"10","page":91},{"text":"أي: فقرًا؛ وذلك بتأخر تجارتهم، وجلبهم عن الحرم، ولم يكونوا يدخلون التجارة إلى المسجد.\n• وأجاز أبو حنيفة دخولهم إلا للاستيطان، كدخولهم للحجاز، وهو قول باطلٌ مخالفٌ للنص. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٤٥).","vol":"10","page":92},{"text":"١٣٠١ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - خَاصَّةً، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الكُرَاعِ (^١) وَالسِّلَاحِ، عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5583>مسألة [١]: معنى الفيء ومصرفه</span>.\nهو ما أخذ على الكفار بحق بدون حرب، وقتال، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر:٧].\nويُستفاد من الآية أنَّ الفيء لا تخميس فيه، وأنه يصرف لمن ذكر في هذه الآية، وكذا الآيات التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * ... وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا\n_________\n(^١) الكُراع: اسم لجمع الخيل.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٩٠٤)، ومسلم (١٧٥٧).","vol":"10","page":93},{"text":"تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:٨ - ١٠].\nوأخرج أبو عبيد في كتابه «الأموال» (ص ٣٠٥) بإسناد صحيح عن عمر -﵁-، أنه قرأ الآيات السابقة، ثم قال: استوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له حقٌّ فيها، أو حظٌّ، إلا بعض من تملكون من أرقائكم، وإن عشت إن شاء الله؛ لَيُؤْتَيَنَّ كل مسلم حقه، أو قال: حظه، حتى يأتي الراعي بسرو حمير لم يعرق فيه جبينه. اهـ\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ٨٥ - ٨٦) بعد أن ذكر الآيات السابقة: فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّ مَا أَفَاءَ عَلَى رَسُولِهِ بِجُمْلَتِهِ لِمَنْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، وَلَمْ يَخُصّ مِنْهُ خُمُسَهُ بِالْمَذْكُورِينَ، بَلْ عَمّمَ وَأَطْلَقَ وَاسْتَوْعَبَ، وَيُصْرَفُ عَلَى الْمَصَارِفِ الْخَاصّةِ، وَهُمْ: أَهْلُ الْخُمُسِ، ثُمّ عَلَى الْمَصَارِفِ الْعَامّةِ وَهُمْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَتْبَاعُهُمْ إلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، فَاَلّذِي عَمِلَ بِهِ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ الرّاشِدُونَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ -﵁- فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ -﵀- وَغَيْرُهُ عَنْهُ: مَا أَحَدٌ أَحَقّ بِهَذَا الْمَالِ مِنْ أَحَدٍ، وَمَا أَنَا أَحَقّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ، وَاَلله مَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ إلّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ نَصِيبٌ، إلّا عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، وَلَكِنّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ الله، وَقَسَمِنَا مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَالرّجُلُ وَبَلَاؤُهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَالرّجُلُ وَقِدَمُهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَالرّجُلُ وَغِنَاؤُهُ (^١) فِي الْإِسْلَامِ، وَالرّجُلُ وَحَاجَتُهُ، وَوَالله لَئِنْ بَقِيَتْ لَهُمْ لَيَأْتِيَنّ الرّاعِيَ بِجَبَلِ صَنْعَاءَ حَظّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ\n_________\n(^١) الغَنَاء: بمعنى النفع.","vol":"10","page":94},{"text":"وَهُوَ يَرْعَى مَكَانَهُ. (^١)\nفَهَؤُلَاءِ الْمُسَمّوْنَ فِي آيَةِ الْفَيْءِ هُمْ الْمُسَمّوْنَ فِي آيَةِ الْخُمُسِ، وَلَمْ يَدْخُلْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَتْبَاعُهُمْ فِي آيَةِ الْخُمُسِ؛ لِأَنّهُمْ الْمُسْتَحَقّونَ لِجُمْلَةِ الْفَيْءِ، وَأَهْلُ الْخُمُسِ لَهُمْ اسْتِحْقَاقَانِ: اسْتِحْقَاقٌ خَاصّ مِنْ الْخُمُسِ، وَاسْتِحْقَاقٌ عَامّ مِنْ جُمْلَةِ الْفَيْءِ؛ فَإِنّهُمْ دَاخِلُونَ فِي النّصِيبَيْنِ.\nقال: وَكَمَا أَنّ قِسْمَتَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْفَيْءِ بَيْنَ مَنْ جُعِلَ لَهُ لَيْسَ قِسْمَةَ الْأَمْلَاكِ الّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمَالِكُونَ كَقِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ، وَالْوَصَايَا، وَالْأَمْلَاكِ الْمُطْلَقَةِ، بَلْ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ، وَالنّفْعِ، وَالْغِنَاءِ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْبَلَاءِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ قِسْمَةُ الْخُمُسِ فِي أَهْلِهِ؛ فَإِنّ مَخْرَجَهُمَا وَاحِدٌ فِي كِتَابِ الله وَالتّنْصِيصُ عَلَى الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ يُفِيدُ تَحْقِيقَ إدْخَالِهِمْ، وَأَنّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ بِحَالٍ، وَأَنّ الْخُمُسَ لَا يَعْدُوهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ، كَأَصْنَافِ الزّكَاةِ لَا تَعْدُوهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ، كَمَا أَنّ الْفَيْءَ الْعَامّ فِي آيَةِ الْحَشْرِ لِلْمَذْكُورِينَ فِيهَا لَا يَتَعَدّاهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ؛ وَلِهَذَا أَفْتَى أَئِمّةُ الْإِسْلَامِ كَمَالِكٍ، وَالْإِمَام أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا أَنّ الرّافِضَةَ لَا حَقّ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ؛ لِأَنّهُمْ لَيْسُوا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَلَا مِنْ الْأَنْصَارِ، وَلَا مِنْ الّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الّذِي سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيّةَ، وَعَلَيْهِ يَدُلّ الْقُرْآنُ، وَفِعْلُ رَسُولُ الله - ﷺ - وَخُلَفَائِهِ الرّاشِدِينَ. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٩٢)، وأبو داود (٢٩٥٠)، ولم يخرج أبو داود قوله: «ووالله، لئن بقيت ...»، وإسناده حسن؛ لولا عنعنة ابن إسحاق.","vol":"10","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5584>مسألة [٢]: هل يشترط تعميم الأصناف المستحقة للخمس، وللفيء، وتعميم أفرادهم</span>؟\n• قال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٥/ ٨٦ - ٨٧): وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي آيَةِ الزَّكَاةِ، وَآيَةِ الْخُمُسِ، فَقَالَ الشّافِعِيُّ: تَجِبُ قِسْمَةُ الزّكَاةِ وَالْخُمُسِ عَلَى الْأَصْنَافِ كُلّهَا، وَيُعْطِي مِنْ كُلّ صِنْفٍ مَنْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ. وَقَالَ مَالِكٌ -﵀-، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ: بَلْ يُعْطِي فِي الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِمَا، وَلَا يَعْدُوهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ، وَلَا تَجِبُ قِسْمَةُ الزّكَاةِ، وَلَا الْفَيْءُ فِي جَمِيعِهِمْ. وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَدُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِ مَالِكٍ -﵏- فِي آيَةِ الزّكَاةِ، وَبِقَوْلِ الشّافِعِيّ -﵀- فِي آيَةِ الْخُمُسِ.\nقال ابن القيم -﵀-: وَمَنْ تَأَمّلَ النّصُوصَ، وَعَمَلَ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَخُلَفَائِهِ؛ وَجَدَهُ يَدُلّ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ أَهْلَ الْخُمُسِ هُمْ أَهْلُ الْفَيْءِ، وَعَيّنَهُمْ؛ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمْ، وَتَقْدِيمًا لَهُمْ، وَلمَّا كَانَتْ الْغَنَائِمُ خَاصّةً بِأَهْلِهَا لَا يَشْرُكُهُمْ فِيهَا سِوَاهُمْ نَصّ عَلَى خُمُسِهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ، وَلَمّا كَانَ الْفَيْءُ لَا يَخْتَصّ بِأَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ جَعَلَ جُمْلَتَهُ لَهُمْ وَلِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَتَابِعِيهِمْ، فَسَوّى بَيْنَ الْخُمُسِ وَبَيْنَ الْفَيْءِ فِي الْمَصْرِفِ، وَكَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَصْرِفُ سَهْمَ الله وَسَهْمَهُ فِي مَصَالِحِ الْإِسْلَامِ، وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْخُمُسِ فِي أَهْلِهَا، مُقَدِّمًا لِلْأَهَمّ فَالْأَهَمّ، وَالْأَحْوَجِ فَالْأَحْوَجِ، فَيُزَوّجُ مِنْهُ عُزّابَهُمْ، وَيَقْضِي مِنْهُ دُيُونَهُمْ، وَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ مِنْهُمْ، وَيُعْطِي عَزَبَهُمْ حَظًّا، وَمُتَزَوّجَهُمْ حَظّيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ","vol":"10","page":96},{"text":"خُلَفَائِهِ يَجْمَعُونَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَأَبْنَاءَ السّبِيلِ وَذَوِي الْقُرْبَى وَيَقْسِمُونَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ بَيْنَهُمْ عَلَى السّوِيّةِ، وَلَا عَلَى التّفْضِيلِ، كَمَا لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الزّكَاةِ، فَهَذَا هَدْيُهُ وَسِيرَتُهُ، وَهُوَ فَصْلُ الْخُطّابِ، وَمَحْضُ الصّوَابِ. اهـ","vol":"10","page":97},{"text":"١٣٠٢ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁- قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - خَيْبَرَ، فَأَصَبْنَا فِيهَا غَنَمًا، فَقَسَمَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَائِفَةً، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهَا فِي المَغْنَمِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nهذا الحديث من ضمن مجموع الأدلة التي تدل على تنفيل الإمام بعض أفراد الجيش ببعض الغنيمة.\nوقد تقدم الكلام على هذه المسائل، وبيان مذاهب العلماء في ذلك.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (٢٧٠٧)، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن المبارك، عن يحيى ابن حمزة، قال: حدثنا أبو عبد العزيز شيخ من أهل الأردن، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل -﵁-، به. وإسناده حسن، وأبو عبد العزيز هو يحيى بن عبد العزيز. قال أبو حاتم: ما بحديثه بأس. وروى عنه عمر بن يونس اليَمَاميُّ، وقال: كان خَيّرًا فاضلًا. وذكر أبو زرعة الدمشقي في «نَفَرْ أهل زُهْد وفضل»: يحيى بن عبد العزيز الأردني. نقله الحافظ ابن كثير كما في كتابه: التكميل في الجرح والتعديل.\nوأخرجه الطبراني (٢٠/ ٦٩)، والبيهقي (٩/ ٦١) من طرق عن يحيى بن حمزة به","vol":"10","page":98},{"text":"١٣٠٣ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ -﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إنِّي لَا أَخِيسُ بِالعَهْدِ، وَلَا أَحْبِسُ الرُّسُلَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5585>مسألة [١]: قتل الرسول بين القومين</span>.\nدلَّ الحديث على عدم جواز قتل الرسل، وجرى العمل على ذلك قبل الإسلام وبعده.\nوقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لرجلٍ مرتَدٍّ رسولًا لمسيلمة: «لولا أنك رسول؛ لقتلتك»، أخرجه أبو داود (٢٧٦٢)، والنسائي في «الكبرى» (٨٦٧٥)، وغيرهما، عن عبدالله ابن مسعود -﵁-، بإسناد صحيح.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٢٧٥٨)، والنسائي في «الكبرى» (٥/ ٢٠٥)، وابن حبان (٤٨٧٧) وكذلك أحمد (٢٣٨٥٧) من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو، عن بكير بن الأشج، عن الحسن بن علي بن أبي رافع، أن أبا رافع أخبره، وإسناده صحيح، وعندهم: «ولا أحبس البرد».","vol":"10","page":99},{"text":"١٣٠٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا فَأَقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ؛ فَإِنَّ خُمُسَهَا للهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5586>مسألة [١]: معنى الحديث</span>.\nالمراد بالقرية الأولى في الحديث هي التي لم يوجف عليها المسلمون بخيل، ولا ركاب، بل أجلى عنها أهلها، أو صالحوا؛ فيكون سهمهم فيها، أي: حقهم من العطاء كما تقرر في الفيء.\nوالمراد بالقرية الثانية ما أُخِذت عنوة؛ فتكون غنيمة يُخرَج منها الخمس، والباقي للغانمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5587>مسألة [٢]: الغنيمة التي لا تنقل، كالأراضي والدُّور</span>؟\n• من أهل العلم من قال: تُقسم بين الغانمين كما تقسم سائر الأموال. وهذا مذهب الشافعي.\nواستدل على ذلك بعموم الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١]، وبحديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب، وقد قسم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أرضَ خيبر بين المقاتلين.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٧٥٦).","vol":"10","page":100},{"text":"• ومن أهل العلم من قال: يخير الإمام بين قسمتها، وبين وقفها على المسلمين، وضرب الخراج على من هي بيده. وهذا مذهب أحمد، والثوري، وابن المبارك.\nواستدلوا على الوقف بفعل عمر بن الخطاب -﵁-، فقد قال -﵁- كما في «صحيح البخاري» (٣١٢٥): لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي - ﷺ - خيبر.\nقالوا: ويشير إلى فعل عمر -﵁- قولُه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في «صحيح مسلم» (٢٨٩٦)، عن أبي هريرة -﵁-: «مَنَعَتْ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، وَمَنَعَتْ الشَّامُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ»، وعليه فإذا وقفها؛ فإنه يعطيها أُناسًا يعملون بها، أو يسكنونها مقابل خراج يؤدونه إلى الإمام يصرفه للغانمين، وللمسلمين.\n• وذهب مالك إلى أنها تصير وقفًا بمجرد الفتح.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز له إقرارها مع الكفار ويضرب عليهم خراجًا.\nوالصحيح مذهب أحمد، واختاره الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «البيان» (١٢/ ٢٠٦) «القرطبي» (٨/ ٤) «النيل» (٥/ ١٧٢ -) «الإنصاف» (٤/ ١٧٨).","vol":"10","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5588>بَابُ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ</span>\nالجِزْية: هي اسم فِعلة، من جزى يجزي، وأصلها أخذ الشيء مقابل شيءٍ، والمراد بها ههنا أخذ مالٍ من أهل الذمة مقابل الكف عنهم، والتمكين لهم من سكنى دار المسلمين.\nوالأصل فيها الكتاب، والسنة، والإجماع.\nأما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].\nوأما من السنة: فأحاديث الباب التي ستأتي، وحديث بريدة الذي تقدم في أوائل الجهاد، وحديث المغيرة بن شعبة في «صحيح البخاري» (٣١٥٩) أنه قال: «أمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوه وحده، أو تؤدوا الجزية». (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٠٢ -) «البيان» (١٢/ ٢٤٩ -).","vol":"10","page":102},{"text":"١٣٠٥ - عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَخَذَهَا يَعْنِي الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١)، وَلَهُ طَرِيقٌ فِي «المُوَطَّأِ» فِيهَا انْقِطَاعٌ. (^٢)\n\n١٣٠٦ - وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ خَالِدَ ابْنَ الوَلِيدِ إلَى أُكَيْدِرِ دُوْمَةِ، فَأَخَذُوهُ، فَحَقَنَ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الجِزْيَةِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد. (^٣)\n\n١٣٠٧ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁- قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - إلَى اليَمَنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرِيًّا. أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣١٥٧).\n(^٢) أخرجه مالك في «الموطإِ» (١/ ٢٧٨)، عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم، فقال عبدالرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». وهو منقطع محمد بن علي لم يدرك عمر بن الخطاب -﵁-.\n(^٣) ضعيف. أخرجه أبوداود (٣٠٣٧)، وفي إسناده عنعنة ابن إسحاق، وعثمان بن أبي سليمان روايته عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- معضلة.\nوأخرجه البيهقي (٩/ ١٨٧)، من طريق ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن رومان وعبدالله بن أبي بكر فذكرا نحوه مطولًا. وإسناده ضعيف أيضًا؛ لأن يزيد بن رومان وعبدالله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم روايتهما عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- معضلة. ثم في الإسناد إلى ابن إسحاق أحمد بن عبدالجبار العطاردي، وقد تكلم فيه.\n(^٤) ضعيف معل بالإرسال. أخرجه أبوداود (٣٠٣٨)، والنسائي (٥/ ٢٥ - ٢٦)، والترمذي (٦٢٣)، وابن حبان (٤٨٨٦)، والحاكم (١/ ٣٩٨)، وقد رجح الترمذي والدارقطني أنه عن مسروق مرسلًا بدون ذكر (معاذ) وقد تقدم بيان ذلك في أوائل [كتاب الزكاة].","vol":"10","page":103},{"text":"١٣٠٨ - وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو المُزَنِيِّ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. (^١)\n\n١٣٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَبْدَءُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إلَى أَضْيَقِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\n١٣١٠ - وَعَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو: عَلَى وَضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد (^٣)، وَأَصْلُهُ فِي «البُخَارِيِّ». (^٤)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٥٢)، من طريق حشرج بن عبدالله بن حشرج عن أبيه عن جده عن عائذ بن عمرو المزني به. وإسناده ضعيف؛ فإن حشرج بن عبدالله مجهول الحال، وأباه وجده مجهولان.\nوذكر الإمام الألباني للحديث شاهدًا عن عمر وآخر عن معاذ، وكلاهما لا يصلحان للتقوية والاعتبار. انظر «الإرواء» (٥/ ١٠٩)، و«التغليق» (٢/ ٤٩٠).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٢١٦٧).\n(^٣) ضعيف. أخرجه أبوداود (٢٧٦٦)، وأخرجه أيضًا أحمد (٤/ ٣٢٤). وفي إسناده عنعنة ابن إسحاق ولم يصرح بالتحديث، وهو كذلك في «سيرة ابن هشام» وفي «البداية والنهاية» بدون تصريح بالسماع أو التحديث. وأما ما جاء عند البيهقي (٩/ ٢٢١)، من التصريح بالتحديث فلا يعتمد عليه، ففي الإسناد إليه أحمد بن عبدالجبار العطاردي، وقد تكلم فيه. والحديث ثابت في «البخاري» بدون التحديد (بعشر سنين).\n(^٤) أصله في «البخاري» برقم (٢٧٣١) (٢٧٣٢).","vol":"10","page":104},{"text":"١٣١١ - وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ بَعْضَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ -﵁-، وَفِيهِ: أَنَّ مَنْ جَاءَنَا مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا، فَقَالُوا: أَنَكْتُبُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ فَسَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا». (^١)\n\n١٣١٢ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5589>مسألة [١]: ممن تؤخذ الجزية</span>؟\nتقدم الكلام على هذه المسألة عند حديث بريدة في أوائل كتاب الجهاد. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5590>مسألة [٢]: مقدار الجزية التي تؤخذ</span>.\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى تقديرها، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية.\n• واختلفوا في التقدير: فمنهم من قال: على الغني ثمانية وأربعون درهمًا. والمتوسط: أربعة وعشرون درهمًا. والْمُقِلّ: اثنا عشر درهمًا. وهذا قول أبي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٧٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٣١٦٦).\n(^٣) وانظر: «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢ -).","vol":"10","page":105},{"text":"حنيفة، وأحمد في رواية.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ هذا هو الوراد عن عمر -﵁-. أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ٢٤١)، والبيهقي (٩/ ١٩٦)، وأبو عبيد في «الأموال» (ص ٥٥ -)، وله طرق أحدها صحيح.\n• وقال مالك: هي في حق الغني أربعون درهمًا، أو أربعة دنانير، وفي حق الفقير عشرة دراهم، أو دينار. وصحَّ عن عمر التحديد بأربعة دنانير بغير هذا التفصيل.\n• وقال الشافعي: الواجب دينار. لحديث معاذ الذي في الكتاب. وقيل عنه: الدنيار أقله.\n• وذهب الثوري، وأبو عبيد، وأحمد في رواية إلى عدم التحديد، بل ذلك إلى اجتهاد الإمام، ويراعى أحوال أهل الذمة، وقدرتهم، وحاجة المسلمين. وهذا القول هو الصحيح وعليه يُحمل فعل عمر -﵁-؛ بدليل أنه قد اختلف عنه التحديد كما تقدم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5591>مسألة [٣]: وقت وجوب الجزية</span>.\n• مذهب أحمد، والشافعي أنها تجب في آخر الحول؛ لأنه مال يتكرر بتكرر الحول؛ فوجب بآخره، كالزكاة.\n• وذهب أبو حنيفة إلى وجوبها في أوله؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢١١) «البيهقي» (٩/ ١٩٣ -) «الأموال» (ص ٥٥) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢٦ -).","vol":"10","page":106},{"text":"وأجاب الأولون بأنَّ المقصود التزام إعطائها دون نفس الإعطاء؛ ولهذا يحرم قتالهم بمجرد التزام بذلها قبل أخذها.\nوالقول الأول عزاه ابن القيم للأكثرين، ومن حجتهم أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما ضرب الجزية على أهل الكتاب، والمجوس لم يطالبهم بها حين ضربها عليهم، ولا ألزمهم بأدائها في الحال وقت نزول الآية، بل صالحهم عليها، وكان يبعث رسله، وسعاته، فيأتون بالجزية والصدقة عند محلها، واستمرت على ذلك سيرة الخلفاء الراشدين من بعده.\nومما يدل على هذا القول أنه إذا أسلم قبل انقضاء الحول؛ لم يُطالب بالجزية عند عامة أهل العلم، خلافًا لبعض الشافعية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5592>مسألة [٤]: هل يتعين في الجزية الذهب، والفضة</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ ذلك لا يتعين، واستدلوا بحديث معاذ بن جبل الذي في الكتاب، وممن نصَّ على ذلك الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5593>مسألة [٥]: الذي يتولى عقد الذمة، والهدنة</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٢١٣): وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الذِّمَّةِ وَالْهُدْنَةِ إلَّا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِ الْإِمَامِ وَمَا يَرَاهُ مِنْ المَصْلَحَةِ؛ وَلِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفْتَاتَ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢١٢ - ٢١٣) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٣٩ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢١٣) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢٩).","vol":"10","page":107},{"text":"بِهِ عَلَى الْإِمَامِ؛ فَإِنْ فَعَلَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لَمْ يَصِحَّ. اهـ\nوالفرق بين عقد الذمة والهدنة أنَّ عقد الذمة إقرار للكفار في البقاء في بلاد المسلمين مقابل دفع الجزية للمسلمين وهم صاغرون. وأما الهدنة فهو عقد بين المسلمين والكفار على أن لا يقاتل أحدهما الآخر، وكلٌّ في بلده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5594>مسألة [٦]: الاشتراط على أهل الذمة ضيافة من مرَّ عليهم من المسلمين</span>؟\nصحَّ عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه اشترط عليهم الضيافة (^١)، وعليه فيصح أن يشترط عليهم ذلك.\n• ولا تجب عليهم إلا بالشرط على الصحيح في مذهب أحمد، وهو مذهب الشافعي.\n• وأوجب بعض الحنابلة عليهم الضيافة بدون شرط، والأول أقرب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5595>مسألة [٧]: هل تفرض الجزية على الصبي، والمجنون، والمرأة</span>؟\nليس على هؤلاء جزية عند أهل العلم، وصح عن عمر كما في كتاب «الأموال» (٩٣) أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن يقاتلوا في سبيل الله ...، وأن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلى على من جرت\n_________\n(^١) هذا الشرط ضمن شروط كثيرة شرطها عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁-، وقد أورد ذلك ابن القيم -﵀- بتمامه، مع ذكر طرق الأثر عن عمر في ذلك في كتابه «أحكام أهل الذمة»، وسيتكرر معنا النقل عن هذه الشروط، فاكتفينا بالتنبيه ههنا.\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢١٤) «أحكام أهل الذمة» (ص ٧٧٩ -).","vol":"10","page":108},{"text":"عليه الموسى.\nولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، قاله ابن المنذر، وابن قدامة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5596>مسألة [٨]: من كان يُجَن ويفيق</span>؟\nإن لم يضبط؛ اعتُبر على الأغلب.\n• وإن ضبط فمنهم من يعتبر الأغلب، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية.\n• ومنهم من يلفق أيام إفاقته، ويؤخذ منه من الجزية بحسب ذلك، وهذا قول أحمد في رواية، وهو أقرب. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5597>مسألة [٩]: هل على الفقير العاجز عن التكسب جزية</span>؟\n• أكثر أهل العلم على عدم وجوب الجزية عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].\n• وذهب الشافعي إلى وجوبها عليه؛ لأنَّ الحقوق لا تسقط بالإعسار، وتبقى في ذمته.\nوأُجيب بأنَّ حقوق الله تسقط بالإعسار بخلاف حقوق الناس، والله أعلم. (^٣)\nتنبيه: مثل الفقير في الخلاف: الشيخ الفاني، والزمن، والأعمى، فالجمهور\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢١٦) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٤٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢١٨) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٤٧ - ٤٨).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٢١٩) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٤٨).","vol":"10","page":109},{"text":"على عدم وجوب الجزية عليه؛ لأنه ليس بأهل للقتال، خلافًا للشافعي. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5598>مسألة [١٠]: هل تجب الجزية على الرهبان</span>؟\nأما إذا كانوا يخالطون الناس، وليسوا منعزلين عنهم؛ فتجب عليهم الجزية بالاتفاق، قاله ابن القيم.\nوأما إذا كانوا منعزلين عن الناس في كنائسهم، ففيه قولان:\n• الأول: ليس عليهم جزية. وهو القول الأشهر في مذهب أحمد، وقول للشافعي، ومحمد ابن الحسن؛ وذلك لأنهم لا يقاتلون، فأشبهوا الشيخ الفاني، والأعمى.\n• الثاني: عليهم الجزية. وهو الأشهر في مذهب الشافعي، وقول أحمد في رواية، وهو قول عمر بن عبدالعزيز؛ لدخولهم في عموم الأدلة؛ ولأنَّ لهم رأيًا وتدبيرًا، ولأنهم من رؤوسهم في الكفر، ومن المحرضين على القتال للمسلمين. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5599>مسألة [١١]: هل تؤخذ الجزية على العبد</span>؟\nأما إذا كان سيده مسلمًا فلا تؤخذ منه بلا خلاف؛ لأنه يؤدي إلى إيجابها على سيده المسلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢١٩) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٤٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٢١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٤٩ -).","vol":"10","page":110},{"text":"• وكذلك إن كان سيده كافرًا عند عامة أهل العلم.\n• وخالف أحمد في رواية، وأوجبها عليه.\nوقول الجمهور أقرب؛ لأنه يؤدي إلى أن يوجب على سيده جزيتان، ولأنَّ العبد مال لا يملك إلا بتمليك سيده؛ فيكون حاله كالفقير العاجز. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5600>مسألة [١٢]: إذا أعتق العبد، هل تجب عليه الجزية</span>؟\n• أكثر العلماء على وجوبها عليه من حينئذٍ؛ لأنه صار حُرًّا، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم.\n• ونُقل عن أحمد رواية أنه لا تجب عليه، وهو قول الشعبي، وقال به مالك إذا كان سيده مسلمًا؛ لأنَّ ذمته ذمة مواليه. والقول الأول هو الصحيح. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5601>مسألة [١٣]: إذا أسلم الذمي أثناء الحول أو بعده، فهل عليه الجزية</span>؟\n• أما إن كان إسلامه أثناء الحول؛ فلا تجب عليه الجزية عند عامة أهل العلم.\n• وأما إن كان إسلامه بعد انتهاء الحول؛ فأوجبها عليه الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر؛ لأنه قد حل وقت وجوبها.\n• وذهب أكثر العلماء إلى عدم وجوبها عليه، وهو قول مالك، وأحمد، والثوري، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي؛ لأنه قد صار مسلمًا، والجزية فيها\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٢٠) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٥٥ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٢٣) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٥٦ -).","vol":"10","page":111},{"text":"إذلال للذمي.\nورجَّح هذا القول ابن القيم، ونصره بكلام نفيس في «أحكام أهل الذمة»، ومما قاله: إنَّ الإسلام أعطى المؤلفة قلوبهم من الزكاة ليسلموا، فكيف يوجب على من أسلم دفع الجزية، وفي ذلك أيضًا تنفير عن الإسلام. (^١)\nتنبيه: الاعتبار في أحكام أهل الكتاب بمن يدين بدينهم، لا بالأنساب.\nقال ابن القيم -﵀- في «أحكام أهل الذمة» (١/ ٦٥): وأخذ الجزية من أهل الكتاب وحِلُّ ذبائحهم ومناكحتهم مرتب على أديانهم لا على أنسابهم؛ فلا يكشف عن آبائهم هل دخلوا في الدين قبل المبعث أو بعده، ولا قبل النسخ والتبديل ولا بعده؛ فإن اللّه سبحانه أقرَّهم بالجزية، ولم يشرط ذلك، وأباح لنا ذبائحهم وأطعمتهم ولم يشرط ذلك في حلها، مع العلم بأن كثيرًا منهم دخل في دينهم بعد تبديله ونسخه، وكانت المرأة من الأنصار تنذر إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما جاء الإسلامِ أرادوا منع أولادهمِ من المقام على اليهودية، وإلزامَهم بالإسلام، فأنزل اللّه تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦]، فأمسكوا عنهم. (^٢)\nومعلوم قطعًا أنَّ دخولهم في دين اليهودية كان بعد تبديله، وبعد مجيء المسيح؛ ولم يسأل النبي - ﷺ - أحدًا ممن أقره بالجزية متى دخل آباؤه في الدين، ولا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٢١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٥٧ -).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٢٦٨٢)، والنسائي في «تفسيره» (٦٨) (٦٩)، وغيرهما بإسناد صحيح عن عبدالله ابن عباس -﵄-.","vol":"10","page":112},{"text":"من كان يأكل هو وأصحابه من ذبائحهم من اليهود؟\nولا أحد من خلفائه ألبتة، وكيف يمكن العلم بهذا، أو يكون شرطًا في حل المناكحة، والذبيحة، والإقرار بالجزية، ولا سبيل إلى العلم به إلا لمن أحاط بكل شيء علمًا؟!.\nوأي شيء يتعلق به من آبائه إذا كان هو على دين باطل لا يقبله اللهُ؟.\nفسواء كان آباؤه كذلك أو لم يكونوا. والنبي - ﷺ - أخذ الجزية من يهود اليمن، وإنما دخلوا في اليهودية بعد المسيح في زمن تُبَّع، وأخذها رسول الله - ﷺ - وخلفاؤه من بعده من نصارى العرب، ولم يسألوا أحدًا منهم عن مبدإ دخوله في النصرانية هل كان قبل المبعث أو بعده، وهل كان بعد النسخ والتبديل أم لا؟ اهـ\nثم ذكر -﵀- قول المخالف، ومستنده، وبيَّن خطأ ذلك والجواب عليه في كلام نفيس في كتابه المذكور (ص ٦٥ - ٧٥).\nفائدة على ما تقدم ذِكْره: فالصحيح في نصارى بني تغلب بن وائل بن ربيعة ابن نزار أنهم يُقرُّون بالجزية، وتؤكل ذبائحهم، وتُنكح نساؤهم كأهل الكتاب، وهم قوم من صميم العرب انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية، وقد فرض عمر -﵁- عليهم الجزية، فأبوا إلا أن تؤخذ منهم صدقة سنوية كالمسلمين، فصالحهم عمر على ذلك لَمَّا رأى المصلحة في ذلك، وأضعف عليهم الصدقة؛ فكان يأخذ عليهم الجزية باسم الصدقة. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «أحكام أهل الذمة» (ص ٧٥ - ٨٧) «الأموال» (ص ٤٠ - ٤١).","vol":"10","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5602>مسألة [١٤]: إذا بذل أهل الذمة في جزيتهم خمرًا، أو خنزيرًا</span>؟\nذكر أهل العلم أنها لا تؤخذ منهم؛ لأنها لا تعتبر مالًا عند المسلمين، فيولون بيعها، ثم تؤخذ منهم، ونُقل ذلك عن عمر بن الخطاب -﵁-، بإسناد صحيح أخرجه أبو عبيد في «الأموال» (١٢٨) (١٢٩). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5603>مسألة [١٥]: أخذ نصف العشر على من دخل أرض المسلمين غير بلده لحاجة</span>؟\n• للإمام أن يشترط على أهل الذمة أخذ نصف العشر مقابل دخولهم أراضي المسلمين لتجارة وغيرها كما فعل ذلك عمر بن الخطاب -﵁-.\n• وخصَّه الشافعي فيمن دخل لتجارة يحتاج إليها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5604>مسألة [١٦]: إحداث الكنائس وإبقاؤها في أمصار المسلمين</span>.\nأمصار المسلمين على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: ما مصَّره المسلمون كالبصرة، والكوفة، وبغداد، وواسط، ومصر عقب فتحه عنوة، فهذه بلاد إسلام لا يجوز فيها إحداث كنيسة ولا إقرارها.\nالقسم الثاني: ما مصَّره الكفار، ثم فتحه المسلمون عنوة، ففيه قولان لأهل العلم، وهما قولان في مذهب أحمد ووجهان للشافعي:\n_________\n(^١) وانظر: «أحكام أهل الذمة» (ص ٦١ -).\n(^٢) «المغني» (١٣/ ٢٢٩).","vol":"10","page":114},{"text":"أحدهما: أنه تقر فيه الكنائس الموجودة ولا تحدث أخرى. وحجتهم أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أقر يهود خيبر مع معابدهم، واحتجوا بأثر ابن عباس -﵄-، وهو ثابتٌ عنه قال: أيما مصر مصرته العرب يعني المسلمين فليس للعجم يعني أهل الذمة أن يبنوا فيه كنيسة، ولا يضربوا فيه ناقوسًا، ولا يشربوا فيه خمرًا. وأيما مصر مصرته العجم، ففتحه الله على العرب؛ فإنَّ للعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم، ولا يكلفوهم فوق طاقتهم.\nوالقول الثاني: أنه لا يجوز إقرار كنيسة ولا بناؤها؛ لأنها صارت بلاد إسلام، فلا تقر فيها شعارات الكفر، وكما لا يجوز إبقاء الأمكنة التي هي شعار الفسوق كالخمارات؛ فكذلك هذا.\nولأنَّ أمكنة البِيَعِ والكنائس قد صارت ملكًا للمسلمين، فتمكين الكفار من إقامة شعار الكفر فيها كَبِيَعِهِم وإجارتهم إياها، ولأنَّ الله تعالى أمر بالجهاد حتى يكون الدين كله له، وتمكينهم من إظهار شعار الكفر في تلك المواطن جعل الدين له ولغيره.\nقال ابن القيم -﵀-: وهذا القول هو الصحيح.\nثم قال: وفصل الخطاب أن يُقال: إن الإمام يفعل في ذلك ما هو الأصلح للمسلمين، فإن كان أخذها منهم أو إزالتها هو المصلحة -لكثرة الكنائس أو حاجة المسلمين إلى بعضها وقلة أهل الذمة- فله أخذها أو إزالتها بحسب المصلحة. وإن كان تركها أصلح -لكثرتهم وحاجتهم إليها وغنى المسلمين","vol":"10","page":115},{"text":"عنها- تركها.\nثم قال: فبهذا التفصيل تجتمع الأدلة، وهو اختيار شيخنا، وعليه يدل فعل الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من أئمة الهدى، وعمر بن عبد العزيز هدم منها ما رأى المصلحة في هدمه وأقر ما رأى المصلحة في إقراره. انتهى بتلخيص.\nالقسم الثالث: ما فُتح صلحًا، وهو على حالتين:\nالأولى: أن يصالحهم على أنَّ لهم الأرض وعليهم الخراج، أو يصالحهم على مالٍ يبذلونه ولهم أرضهم، فلا يمنعون من إحداث ما يختارونه فيها؛ لأنَّ الدار لهم، ونقلوا أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صالح أهل نجران على ذلك.\nالثانية: أن يصالحهم على أنَّ الأرض للمسلمين، ويدفعون الجزية؛ فالحكم على ما يقع الصلح معهم عليه، وينبغي للإمام أن يصالحهم كما فعل عمر -﵁-، وهو أن لا يحدثوا كنيسة.\nوإذا رأى الإمام أن تهدم كنائسهم أيضًا؛ فلا بأس عليه في ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5605>مسألة [١٧]: إعادة بنائها وترميم ما فسد منها</span>.\nإصلاح ما فسد منها يجوز حيث قلنا: يجوز إقرارها.\n• وأما إعادة بنائها فلا يجوز على الصحيح، وهو مذهب أحمد، والشافعي.\n• وذهب أبو حنيفة، وأحمد في رواية إلى أنه يجوز إعادة بنائها إذا انهدمت.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٣٩ -) «أحكام أهل الذمة» (٦٦٩، ٦٨٧ - ٦٩٣).","vol":"10","page":116},{"text":"والصحيح القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5606>مسألة [١٨]: الشروط التي يُعقد لأهل الذمة بها</span>.\nقال ابن قدامة -﵀-: الْمَأْخُوذُ فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ يَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ:\nأَحَدُهَا: مَا لَا يَتِمُّ الْعَقْدُ إلَّا بِذِكْرِهِ، وَهُوَ شَيْئَانِ: الْتِزَامُ الْجِزْيَةِ، وَجَرَيَانُ أَحْكَامِنَا عَلَيْهِمْ؛ فَإِنْ أَخَلَّ بِذِكْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ. وَفِي مَعْنَاهُمَا تَرْكُ قِتَالِ المُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَهُ، فَذِكْرُ المُعَاهَدَةِ يَقْتَضِيه.\nالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى المُسْلِمِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَهُوَ ثَمَانِي خِصَالٍ، وَذَلِكَ مِثْل: الزِّنَى بِمُسْلِمَةٍ، وَإِصَابَتُهَا بِاسْمِ نِكَاحٍ، وَفَتْنُ مُسْلِمٍ عَنْ دِينِهِ، وَقَطْعُ الطَّرِيقِ عَلَيْهِ، وَقَتْلُهُ، وَإِيوَاءُ جَاسُوسِ المُشْرِكِينَ، وَالمُعَاوَنَةُ عَلَى المُسْلِمِينَ بِدَلَالَةِ المُشْرِكِينَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ أَوْ مُكَاتَبَتِهِمْ.\nالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا فِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَهُوَ ذِكْرُ رَبِّهِمْ، أَوْ كِتَابِهِمْ أَوْ دِينِهِمْ، أَوْ رَسُولِهِمْ بِسُوءٍ.\nالْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا فِيهِ إظْهَارُ مُنْكَرٍ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: إحْدَاثُ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا، وَرَفْعُ أَصْوَاتِهِمْ بِكُتُبِهِمْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَإِظْهَارُ الْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالضَّرْبُ بِالنَّوَاقِيسِ، وَتَعْلِيَةُ الْبُنْيَانِ عَلَى أَبْنِيَةِ المُسْلِمِينَ، وَالْإِقَامَةُ بِالْحِجَازِ، وَدُخُولُ الْحَرَمِ، فَيَلْزَمُهُمْ الْكَفُّ عَنْهُ، سَوَاءٌ شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ، فِي جَمِيعِ مَا فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ.\n_________\n(^١) «المغني» (١٣/ ٢٤١).","vol":"10","page":117},{"text":"الْقِسْمُ الْخَامِسُ: التَّمَيُّزُ عَنِ المُسْلِمِينَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: لِبَاسِهِمْ، وَشُعُورِهِمْ، وَرُكُوبِهِمْ، وَكُنَاهُمْ. انتهى بتلخيص. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5607>مسألة [١٩]: نقض أهل الذمة للعهد</span>.\nإذا نقضوا الميثاق؛ جاز قتالهم، وإن حصل النقض من بعضهم؛ حلَّ قتل هؤلاء؛ فإن دافع عنهم أهل الذمة؛ فقد نقضوا العهد جميعًا، وإن نقض رجلٌ العهد؛ لم تحل امرأته وذريته للسبي إلا أن ينقضوا معه.\nوإن خِيف من أهل الذمة الخيانة والنقض، فنصَّ الشافعية، والحنابلة أنه لا يجوز أن ينبذ إليهم عهدهم؛ لأنَّ عقد الذمة لِحَقِّهم؛ بدليل أنَّ الإمام تلزمه إجابتهم إليه، بخلاف عقد الأمان والهدنة؛ فإنه لمصلحة المسلمين، ولأنَّ عقد الذمة مؤبد، وهو معاوضة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5608>مسألة [٢٠]: حماية المسلمين لأهل الذمة من أهل الحرب</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٢٥٠): وَإِذَا عَقَدَ الذِّمَّةَ؛ فَعَلَيْهِ حِمَايَتُهُمْ مِنْ المُسْلِمِينَ، وَأَهْلِ الْحَرْبِ، وَأَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِالْعَهْدِ حِفْظَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ؛ لِتَكُونَ أَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا، وَدِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا. (^٣) وَقَالَ عُمَرُ -﵁- فِي وَصِيَّتِهِ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ: وَأُوصِيه بِأَهْلِ ذِمَّةِ المُسْلِمِينَ\n_________\n(^١) وانظر: «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٦٥٧ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٥٠) «البيان» (١٢/ ٣٢٨).\n(^٣) قال الزيلعي عنه كما في «نصب الراية» (٣/ ٣٨١): غريب.\nوهو يطلق هذا اللفظ فيما ليس له أصل، ثم ذكر أن الدارقطني أخرج عن علي -﵁-، قال: من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا. وفي إسناده: أبو الجنوب وهو ضعيف الحديث. وانظر «سنن الدارقطني» (٣/ ١٤٨).","vol":"10","page":118},{"text":"خَيْرًا، أَنْ يُوفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَيُحَاطُ مِنْ وَرَائِهِمْ. (^١) اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5609>مسألة [٢١]: إذا تحاكم أهل الذمة للحاكم المسلم</span>؟\n• من أهل العلم من يقول: يجب على الحاكم أن يحكم بينهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩]، وهذا قول ابن عباس (^٢)، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسُّدِّي، وعمر بن عبدالعزيز، وهو قول الشافعي، والحنفية، وعزاه القرطبي للجمهور.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الإمام مخير بين الحكم بينهم والإعراض عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة:٤٢] الآية.\nوهذا قول الشعبي، والنخعي، والزهري، وسعيد بن جبير، وهو مذهب أحمد، ومالك، وقول للشافعي، وعزاه البغوي للجمهور.\nوأجاب الأولون بأنَّ آية التخيير منسوخة بالآية التي ذكروها.\nوأُجيب بأنه لا نسخ مع عدم وجود التعارض بين الآيتين؛ فإنَّ الأمر بالحكم بما أنزل الله لا ينافي التخيير؛ فإنه إذا اختار الحكم حَكَم بينهم بما أنزل الله.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣٧٠٠)، وعنده: ويقاتل من ورائهم.\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم برقم (٦٣٨٨) بإسناد صحيح.","vol":"10","page":119},{"text":"والصحيح القول الثاني، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: إذا تحاكم مسلمٌ وذمِيٌّ؛ وجب الحكم بينهم بلا خلاف عند أهل العلم، ذكر ذلك الشوكاني في «فتح القدير» وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5610>مسألة [٢٢]: تمكينهم من شراء المصاحف</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٢٥١): وَلَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُ مِنْ شِرَاءِ مُصْحَفٍ، وَلَا حَدِيثِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَلَا فِقْهٍ؛ فَإِنْ فَعَلَ فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ ابْتِذَالَهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5611>مسألة [٢٣]: تصديرهم في المجالس، وبدؤهم بالسلام</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٢٥١): وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيرُهُمْ فِي الْمَجَالِسِ، وَلَا بَدَاءَتَهُمْ بِالسَّلَامِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي الطَّرِيقِ؛ فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهَا». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّا غَادُونَ غَدًا، فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ، وَإِنْ سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ». (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٥٠) «تفسير ابن كثير» و«القرطبي» و«البغوي» و«ابن الجوزي» عند الآيات المذكورة.\n(^٢) هو في «صحيح مسلم» أيضًا كما في أحاديث الباب.\n(^٣) أخرجه أحمد (٦/ ٣٩٨) من طرق عن أبي بصرة الغفاري، وهو حديث صحيح.","vol":"10","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5612>مسألة [٢٤]: قوله للذمي: كيف أصبحت. ونحوها</span>.\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٢٥٢): قَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ الله: تَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلذِّمِّيِّ: كَيْفَ أَصْبَحْت؟ أَوْ كَيْفَ حَالُك؟ أَوْ كَيْفَ أَنْتَ؟ أَوْ نَحْوَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا عِنْدِي أَكْثَرُ مِنْ السَّلَامِ. اهـ\n• وذهب شيخ الإسلام إلى جواز ذلك؛ لأنَّ السلام يتضمن الإكرام، والدعاء أيضًا.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- (٨/ ١٣): وينبغي أن يُقال: إذا كانوا يفعلون بنا ذلك؛ فلنفعله بهم، أو كان هذا لمصلحة، كالتأليف لقلوبهم؛ فلنفعله بهم، أو كان ذلك خوفًا من شرهم؛ فلنفعله بهم. اهـ","vol":"10","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5613>بَعْضُ المَسَائِلِ المُتَعَلِّقَةِ بِالهُدْنَةِ</span>\nالهُدنة: مأخوذة من الهدون، وهو السكون، والمراد به الصلح بين المسلمين، والكفار على أن يكف كل منهما عن الآخر، ويسمى موادعة، وصُلحًا، وهدنة. وتجوز المهادنة بدون مال، وتجوز بمقابل مال يدفعه الكفار. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5614>مسألة [١]: هل تجوز الهدنة بمقابل مال يدفعه المسلمون للكفار</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ هذا لا يجوز؛ لأنه إذلال للإسلام والمسلمين، وذكروا أنه لا يجوز إلا في حال ضرورة شديدة، كأن يخشى من ذُلٍّ أعظم منه؛ فيجوز للضرورة. (^٢)\nتنبيه: ليس لأحد أن يعقد الهدنة غير الإمام، وليس للإمام أن يعقد الهدنة إلا لمصلحة المسلمين. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5615>مسألة [٢]: هل يشترط في عقد الهدنة أن يكون مقيدًا بزمن</span>؟\n• اشترط ذلك بعض أهل العلم، وهو قول جماعة من الحنابلة، والشافعية، واختاره ابن قدامة؛ لأنَّ عقده مطلقًا يؤدي إلى ترك الجهاد في سبيل الله؛ ولأنَّ المسلمين قد يجدون قوة على عدوهم، فيمنعهم العقد.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى صحة العقد مؤقتًا، ومطلقًا، وهو قول جماعة\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ١٥٤ - ١٥٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ١٥٦) «الفتح» (٣١٧٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ١٥٤).","vol":"10","page":122},{"text":"من الشافعية، والحنابلة، واختار ذلك شيخ الإسلام، وابن القيم رحمة الله عليهما.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد صالح أهل قريظة وغيرهم مطلقًا.\nوقولهم: (يؤدي إلى ترك الجهاد) ليس بصحيح؛ لأنَّه وإن كان مطلقًا، فنحن لا نقول بأنه يجوز أن يشترط جعله لازمًا، بل يكون عقدًا جائزًا إذا أردنا الخروج منه نبذنا إليهم العهد كما قال الله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١ - ٥].\nفهؤلاء هم المعاهدون لغير مدة، وأما الذين لهم مدة، فقال فيهم: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة:٤].\nوعليه فالعهد المطلق لا يجوز أن يجعل لازمًا، والعهد المؤقت يجوز أن يجعل لازمًا، ويجوز أن يجعل جائزًا على الصحيح، ومنعه بعضهم. (^١)\nتنبيه: إذا عقد المسلمون مع المشركين هدنة منعوا منهم أنفسهم، وأهل ذمتهم، وأما إذا عدا عليهم أهل حرب آخرين؛ لم تمنعهم منهم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٤٧٦ -) «المغني» (١٣/ ١٥٤ - ١٥٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ١٥٩).","vol":"10","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5616>مسألة [٣]: إذا نقض أهل الهدنة الصلح</span>؟\nكان حكم الله ورسوله في قريظة حين نقضوا: أن تُقتل المقاتلة، وتُسبى الذرية، وتغنم أموالهم، وعلى هذا جرى أهل العلم فيهم، وللإمام أن يعفوَ إذا رأى مصلحة في ذلك كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع قريش. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5617>مسألة [٤]: هل يصح أن يشترط رد من جاء منهم مسلمًا</span>؟\n• أجاز ذلك جماعةٌ من أهل العلم، وهو مذهب الحنابلة، وجماعة من الشافعية؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قبله، ولا يجوز عندهم قبول هذا الشرط إلا للحاجة، أو تحقق المصلحة منه.\n• ومنع منه الحنفية، وبعض الشافعية، والصحيح ما تقدم، وشرط بعضُ الشافعية أن يكون له عشيرة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5618>مسألة [٥]: هل يجوز اشتراط رد النساء المسلمات منهم</span>؟\nلا يجوز ذلك عند أهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ١٥٣ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ١٦١) «الفتح» (٢٧٣١).\n(^٣) وانظر «المغني» (١٣/ ١٦٢).","vol":"10","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5619>بَابُ السَّبَقِ وَالرَّمْيِ</span>\n١٣١٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: سَابَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالخَيْلِ الَّتِي قَدْ ضُمِّرَتْ، مِنَ الحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nزَادَ البُخَارِيُّ، قَالَ سُفْيَانُ: مِنَ الحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سِتَّةٌ، وَمِنَ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ. (^٢)\n\n١٣١٤ - وَعَنْهُ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سبَّق بَيْنَ الخَيْلِ، وَفَضَّلَ القُرَّحَ (^٣) فِي الغَايَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٤)\n\n١٣١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٢٠)، ومسلم (١٨٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢٨٦٨).\n(^٣) جمع قارح، وهو الذي دخل في السنة الخامسة. «النهاية».\n(^٤) صحيح، دون قوله: (وفضل القرح في الغاية). أخرجه أحمد (٢/ ١٥٧)، وأبوداود (٢٥٧٧)، وابن حبان (٤٦٨٨)، من طريق عقبة بن خالد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر وإسناده صحيح رجاله ثقات، ولكن قوله: (وفضل القرح في الغاية) تفرد بها عقبة بن خالد أبومسعود المجدَّر السكوني، وذكر ذلك الدارقطني في «العلل» (٢٧٦٧).\n(^٥) صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٤٧٤)، وأبوداود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٦/ ٢٢٦)، وابن حبان (٤٦٩٠)، من طرق عن ابن أبي ذئب، عن نافع بن أبي نافع، عن أبي هريرة به. وإسناده صحيح، رجاله ثقات.","vol":"10","page":125},{"text":"١٣١٦ - وَعَنْهُ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنْ أَمِنَ فَهُوَ قِمَارٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. (^١)\n\n١٣١٧ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ يَقْرَأُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. «أَلَا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5620>مسألة [١]: الأمور التي يُشرَع فيها الاستباق</span>.\nالمغالبات ثلاثة أقسام:\n١) قسم محبوب، مُرضِي لله ورسوله، مُعين على تحصيل محابِّه، كالسِّباق بالخيل، والإبل، والرمي بالنشاب، ويدل عليه حديث ابن عمر -﵄-،\n_________\n(^١) ضعيف معل. أخرجه أحمد (٢/ ٥٠٥)، وأبوداود (٢٥٧٩)، من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وسفيان بن حسين ضعيف في الزهري، وقد تابعه سعيد بن بشير عند أبي داود (٢٥٨٠) ولكن قال أبوداود عقب ذلك: رواه معمر وشعيب وعقيل عن الزهري عن رجال من أهل العلم، وهذا أصح عندنا. اهـ\nوقال أبوحاتم كما في «العلل» لولده (٢٢٤٩): هذا خطأ لم يعمل سفيان بن حسين بشيء، لا يشبه أن يكون عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأحسن أحواله أن يكون عن سعيد بن المسيب قوله، وقد رواه يحيى بن سعيد عن سعيد قوله. اهـ\nوقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عنه فقال: هذا باطل، وضرب على أبي هريرة، يعني أنه من قول سعيد بن المسيب. «التلخيص» (٤/ ٣٠٠).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٩١٧).","vol":"10","page":126},{"text":"وحديث أبي هريرة -﵁- الَّلذَيْنِ في الباب، وكذا حديث عقبة.\n٢) قسم مبغوض، مسخط لله ورسوله، موصل إلى ما يكرهه الله ورسوله، كسائر المغالبات التي توقع العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، كالنرد والشطرنج، وما أشبههما.\n٣) قسم ليس فيه مضرة راجحة، ولا هو أيضًا متضمن لمصلحة راجحة يأمر الله تعالى بها، ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فهذا لا يحرم، ولا يؤمر به، كالصراع، والعَدْو، والسباحة، وأخذ الأثقال، ونحوها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5621>مسألة [٢]: الاستباق بلا عوض</span>.\nيجوز الاستباق بغير عوض في القسمين الأول والثالث بلا خلاف عند أهل العلم، وأما القسم الثاني ففيه خلاف نذكره بعدُ إن شاء الله تعالى. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5622>مسألة [٣]: الاستباق بعوض</span>.\nأما القسم الثاني فيحرم العوض فيه، وهو من الميسر، والقمار، سواء كان المال من أحدهما، أو من كليهما، أو من ثالث.\nقال ابن القيم -﵀- في «الفروسية» (١٣٨، ١٤٤): وهذا باتفاق المسلمين غير سائغ. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «الفروسية المحمدية» (ص ٦٢ - ٦٥، ١٣٨ -).\n(^٢) انظر: «الفروسية» (٢٤ -).","vol":"10","page":127},{"text":"وأما القسم الأول: فقد اتفق العلماء على جواز الرهان فيه في الجملة، واختلفوا في بعض الصور كما سيأتي بيانه إن شاء الله.\nوالحجة في جواز العوض فيه حديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ».\nفقوله: «سَبَقَ» بفتح الموحدة، والقاف هو المال الذي يُعطَاه السابق، والخف هو الإبل، والحافر هو الخيل، والنصل أُريد بها السِّهام، والمراد بذلك الاستباق بالخيل، والإبل، والانتضال بالسهام.\n• وأما القسم الثالث: فجمهور العلماء على عدم جوازها بعوض؛ لحديث أبي هريرة -﵁-، ففيه حصر الجواز بثلاثة أمور، وقد تقدم، فما سواها لا يجوز، ويكون من الميسر، ومن أكل المال بالباطل، وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم.\n• وذهب أبو حنيفة، وبعض الشافعية إلى جوازها بالعوض؛ لأنَّ فيها مصلحة كالثلاث المذكورة.\nوأُجيب بأنَّ المصلحة في الثلاث مصلحة راجحة، مأمور بها، فلا يُقاس ما دونها عليها. وقول الجمهور هو الصواب، وهو ترجيح ابن القيم -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5623>مسألة [٤]: المسابقة على البغال والحمير بعوض</span>.\n• ذهب الجمهور إلى عدم جواز ذلك، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي في\n_________\n(^١) انظر: «الفروسية» (ص ٥٧، ٢٤، ٢٨، ١٤٤).","vol":"10","page":128},{"text":"قول؛ وذلك لأنَّ الخيل هي التي تعد لجهاد الأعداء، وهي المقصود بقوله: «حافر».\n• وذهب أبو حنيفة، والشافعي في قول إلى جواز ذلك؛ لأنه يشملها اسم «حافر».\nوأجاب الجمهور بأنَّ إطلاق الحافر كان للمعهود والمتبادر إلى الذهن، وهو الخيل.\nقالوا: وما لحافر البغال، والحمير، والبقر دخول في ذلك ألبتة، ولم يسابق أحدٌ من السلف قط بحمار، ولا بغل، وما سوَّى الله بين الخيل، والحمير قط، لا في سهم الغنيمة، ولا في الغزو، ولا جعل الخير معقود في نواصيها بالأجر والغنيمة، وفي أمور أخرى.\nوقول الجمهور هو الصواب، وإليه يميل ابن القيم -﵀-. (^١)\nفائدة: المراد بـ «الخف» البعير؛ لأنه ذو خف، وألحق بعض الشافعية الفيل، وهو مذهب الحنفية؛ لأنه ذو خف، والجمهور على اختصاصه بالإبل، وهو الصحيح. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5624>مسألة [٥]: المسابقة بالسيف والرمح</span>.\n• منعها بِعِوَضٍ مالك، وأحمد، وهو وجهٌ للشافعية؛ لحديث أبي هريرة -﵁-: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ».\n_________\n(^١) انظر: «الفروسية» (ص ٢٩ - ٣٠، ١٤٤).\n(^٢) انظر: «الفروسية» (ص ٣٠، ١٤٤).","vol":"10","page":129},{"text":"• وأجازها أبو حنيفة، وبعض الشافعية؛ إلحاقًا لها بما ذُكِر في الحديث.\nوالصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5625>مسألة [٦]: الباذل للعوض</span>.\nأمَّا إذا كان الباذل للعوض هو ثالث غير المتسابقين، كالإمام أو غيره؛ فهذا جائز عند عامَّة أهل العلم.\n• وأما إذا كان الباذل أحدهما دون الآخر؛ فهو جائز عند جمهور العلماء، وهو قول أحمد، والشافعي، وإسحاق، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، ومالك في رواية.\nواستدلوا بعموم حديث أبي هريرة -﵁-: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ».\n• وخالف القاسم بن محمد، ومالك في رواية، فلم يجيزوا بذل السبق من أحد المتسابقين؛ لأنه ربما أخذ ماله بغير طيب نفس منه، ولأنه دائر بين الغنم والغرم دون صاحبه.\nومالك -﵀- له تفاصيل في المسألة. انظر: «الفروسية» (ص ١٥٤ -).\nوأُجيب بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أطلق جواز السبق في الأشياء الثلاثة، ولم يخصه بباذلٍ خارج عنهما.\n_________\n(^١) «الفروسية» (ص ٥٦، ١٤٥).","vol":"10","page":130},{"text":"قالوا: وقد التزم بذله عن كونه مغلوبًا، فيحل للغالب أكله بحكم التزامه الاختياري الذي لم يجبره عليه أحد؛ فهو كما لو نذر إن سلَّم الله غائبه أن يتصدق على فلان بكذا وكذا، فوجد الشرط؛ فإنه يلزمه إخراج ما التزمه، ويحل للآخر أكله، وإن كان عن غير طيب نفس منه.\nقالوا: والذي حرمه الشارع أن يكون مكرهًا على إخراج ماله، فأما إذا كان بذله، والتزمه باختياره؛ لم يدخل في الحديث.\nوقول الجمهور هو الصواب، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم. (^١)\n• وأما إن كان العوض من المتسابقين كليهما، فذهب الجمهور إلى عدم جواز ذلك؛ إلا أن يدخل بينهما ثالث محلل، وهذا المحلل لا يخرج شيئًا؛ فإن سبقهما أخذ سبقهما، وإن سبقا معًا؛ أحرزا سبقهما، ولم يغرم المحلل شيئًا، وإن سبق المحلل مع أحدهما؛ اشترك هو والسابق في سبقه، وإن سبق أحد المتسابقين غير المحلل؛ أخذ العوض كاملًا.\nوحجة الجمهور حديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب، وقد تقدم بيان ما فيه. واستدلوا بما أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٤٦٨٩) من حديث ابن عمر -﵄- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سابق بين الخيل، وجعل بينهما سبقًا، وجعل بينهما محللًا، وقال: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي حَافِرٍ، أَوْ نَصْلٍ»، وهو حديث ضعيف، في إسناده: عاصم ابن عمر العمري، وهو ضعيف، ومنهم من تركه.\n_________\n(^١) انظر: «الفروسية» (ص ٥٧ - ٥٨، ١٥٠ -).","vol":"10","page":131},{"text":"قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال مرة: متروك. والحديث المذكور من جملة مناكيره كما في «الكامل» لابن عدي.\nقال الجمهور: وإذا دفع كل واحد من المتسابقين جُعلًا؛ صارا بين الغنم والغرم، وهذا هو الميسر، ولكن إذا دخل المحلل وُجِدَ احتمال ثالث، وهو أن يسبق المحلل فيأخذ جعليهما معًا، ولا يغرم شيئًا.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز المسابقة على عوضٍ يبذله المتسابقان بدون اشتراط دخول المحلل. وهذا قول جابر بن زيد، وثبت عن أبي عبيدة بن الجراح بإسناد حسن كما في «مسند أحمد» (١/ ٤٩) أنه قال: من يراهنني؟ فقال شاب: أنا إن لم تغضب. قال: فسابقه. قال: فرأيت عقيصتي أبي عبيدة تنقزان، وهو على فرسٍ خلفه عربي.\nقال ابن القيم -﵀- (ص ٥٨): والقول بالمحلل مذهبٌ تلقاه الناس عن سعيد ابن المسيب، وأما الصحابة فلا يُحفظ عن أحد منهم قط أنه اشترط المحلل، ولا راهن به مع كثرة تناضلهم ورهانهم، بل المحفوظ عنهم خلافه كما ذكر عن أبي عبيدة بن الجراح. وقال الجوزجاني -﵀- في كتابه «المترجم»: حدثنا أبو صالح هو محبوب بن موسى الفراء، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن ابن عيينة، عن عمرو ابن دينار، قال: قال رجل عند جابر بن زيد: إنَّ أصحاب محمد كانوا لا يرون بالدخيل بأسًا. فقال: هم كانوا أعفَّ من ذلك. والدخيل عندهم هو المحلل، فينافيه ما نُقل عنهم أنهم لم يكونوا يرون به بأسًا، وفرق بين لا يرون به بأسًا، وبين","vol":"10","page":132},{"text":"أن يكون شرطًا في صحة العقد وحِلِّه؛ فهذا لا يُعرف عن أحد منهم ألبتة.\nقال: وقوله: (كانوا أعف من ذلك)، أي: كانوا أعف من أن يدخلوا بينهم في الرهان دخيلًا، كالمستعار؛ ولهذا قال جابر بن زيد رواي هذه القصة: إنه لا يحتاج المتراهنان إلى المحلل. حكاه الجوزجاني وغيره عنه. اهـ\nوالأثر المتقدم أخرجه ابن منصور في «سننه» (٢٩٥٩) عن ابن عيينة به.\nوقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الفروسية» (ص ٦٠): ما علمت بين الصحابة خلافًا في عدم اشتراط المحلل. اهـ\nواستدل أصحاب هذا القول بعموم حديث أبي هريرة -﵁- الذي في الباب: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ ...»، فأطلق النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الجواز ولم يشترط ذلك بكون البذل من غيرهما، أو من أحدهما.\nواستدلوا بما أخرجه أحمد (٣/ ١٦٠) بإسناد حسن عن أنس -﵁-، أنه سئل: أكنتم تراهنون على عهد رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم، لقد راهن رسول الله - ﷺ - على فرس يُقال له: سبْحة، فسبق الناس، فهش لذلك، وأعجبه.\nقالوا: ولو كان إخراج العوض من المتراهنين حرامًا، وهو قمار؛ لما حلَّ بالمحلل، كما لم يحل نكاح التحليل وبيع العينة؛ ولأنَّ العلة في التحريم التي ذكروها ما زالت موجودة مع دخول المحلل.\nوقد توسع ابن القيم -﵀- في تصويب القول بالجواز بدون محلل، وهو","vol":"10","page":133},{"text":"ترجيح شيخ الإسلام، وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\nفائدة: تراهن أبو بكر الصديق مع المشركين عند نزول الآية: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:٣]. فقد أخرج أحمد (٢٧٦٩)، والترمذي (٣١٩١) بإسناد صحيح، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ فَارِسُ عَلَى الرُّومِ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ، فَذَكَرَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَمَا إِنَّهُمْ سَيَغلِبون» فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ لَهُمْ، فَقَالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ أَجَلًا، فَإِنْ ظَهَرُوا، كَانَ لَكَ كَذَا وَكَذَا، وَإِنْ ظَهَرْنَا، كَانَ لَنَا كَذَا وَكَذَا. فَجَعَلَ بَيْنَهُمْ أَجَلًا خَمْسَ سِنِينَ، فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «أَلا جَعَلْتَهُ -أُرَاهُ قَالَ-: دُونَ الْعَشْرِ» -قَالَ: وَقَالَ سَعِيدٌ ابن جبير: الْبِضْعُ مَا دُونَ الْعَشْرِ - قَالَ: فَظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٢]، قَالَ: فَغُلِبَتِ الرُّومُ ثُمَّ غَلَبَتْ بَعْدُ، قَالَ: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤]، قَالَ: يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ.\n• فذهب الجمهور إلى نسخ ذلك، فمنهم من قال بالآية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة:٩٠].\n_________\n(^١) انظر: «الفروسية» (ص ٥٨ - ١٤٠).","vol":"10","page":134},{"text":"وأُجيب عن ذلك بأنَّ غلبة الروم على فارس كانت بعد نزول الآية المذكورة، ولم ينه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أبا بكر عن الرهان.\n• ومنهم من قال: منسوخ بالحديث: «لا سبق إلا في خف ...»، وهذا قول مالك، وأحمد، والشافعي، وأصحابهم.\n• وذهب أبو حنيفة، وشيخ الإسلام إلى أنه حديث محكم، وقالوا: هذا رهان على ما فيه ظهور أعلام الإسلام، وأدلته، وبراهينه كما راهن عليه الصديق؛ فهو من أحق الحق، وهو أولى بالجواز من الرهان على النضال، وسباق الخيل والإبل أدنى، وأثر هذا في الدين أقوى؛ لِأَن الدّين قَامَ بِالْحجَّةِ والبرهان، وبالسيف والسنان، والمقصد الأول إِقَامَته بِالْحجَّةِ وَالسيف منفذ. وهو ترجيح ابن القيم -﵀-. (^١)\nفائدة: المسابقة على حفظ القرآن، والحديث، والفقه وغيرها من العلوم النافعة، والإصابة في الأحكام والمسائل، هل تجوز بعوض؟\n• أجازه أبو حنيفة، وشيخ الإسلام، وابن القيم، واستدلوا على ذلك بقصة أبي بكر المتقدمة.\n• ومنع من ذلك الجمهور؛ لما تقدم، وهذا أقرب لما في ذلك من توسع بدون دليل، ولم يفعله النبي - ﷺ -، والصحابة رضوان الله عليهم، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «الفروسية» (ص ١٤٥، ٢٣).\n(^٢) انظر «الفروسية» (ص ١٤٥).","vol":"10","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5626>مسألة [٧]: هل تجوز المغالبة في الشطرنج، والنرد، وشبههما بغير عوض</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى التحريم؛ لعموم الحديث: «من لعب بالنردشير؛ فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه» أخرجه مسلم (٢٢٦٠) من حديث بريدة -﵁- مرفوعًا. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١].\nقالوا: فهذه العلل للتحريم موجودة في اللعب بدون عوض، وهذا ترجيح شيخ الإسلام، وابن القيم.\n• وذهب الشافعي إلى كراهة الشطرنج إذا خلا عن العوض، وخرَّج بعض أصحابه ذلك قولًا في النرد، وهو تخريج غير صحيح، فقد نصَّ الشافعي على تحريم النرد، وإن خلا عن العوض. (^١)\n\nتم كتاب الجهاد بفضل الملك الوهاب\nفي يوم الإثنين الموافق (١٧/محرم/١٤٢٨)\nمن هجرة المصطفى -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-\nفلله الحمد والمنة\n_________\n(^١) انظر: «الفروسية» (ص ١٣٨ -) «الفتاوى» (٣٢/ ٢١٦ - ٢٤٦، ٢٥٣).","vol":"10","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5627>كِتَابُ الأَطْعِمَةِ</span>\n١٣١٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١٣١٩ - وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- بِلَفْظِ: نَهَى، وَزَادَ: «وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5629>مسألة [١]: تحريم ذوات الأنياب من السِّباع</span>.\nالمقصود بذي الناب عند الفقهاء، أي: حيوان له ناب، يتقوى به، ويعدو به على غيره، كالأسود، والفهود، والنمور، والذئاب، والكلاب وغيرها. (^٣)\n\n• وذوات الأنياب من السباع محرمة عند الجمهور؛ لحديث ال<span data-type=\"title\" id=toc-5628>باب</span>.\n• وذهب بعض المالكية إلى الجواز مع الكراهة، ونُقل عن الشعبي، وسعيد بن جبير.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٩٣٣).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٩٣٤).\n(^٣) انظر: «الأطعمة» للفوزان (ص ٥٦).","vol":"10","page":137},{"text":"واستدل لهذا القول بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:١٤٥].\nوالصحيح هو القول بالتحريم، وهو قول مالك في رواية؛ للحديث المتقدم، ومن خالفه فلعله لم يبلغه، والآية المتقدمة مخصوصة بأحاديث الباب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5630>مسألة [٢]: حكم الضبع</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى إباحته، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وصحَّ عن جماعة من الصحابة أنهم أباحوه، وجعلوا فيه شاة إذا صاده المحرم، منهم: عمر، وجابر، وعلي، وابن عباس -﵃-. (^٢)\nواستدلوا على ذلك بحديث جابر -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أباح أكله، وصيده، وجعل فيه كبشًا، وسيأتي الحديث في هذا الباب، وهو حديث صحيح.\n• وذهب بعض الفقهاء إلى تحريمه، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، ومالك في رواية؛ لأنه ذو ناب من السباع؛ فيشمله الحديث المتقدم.\nوالصحيح القول الأول، والحديث المتقدم عامٌّ مخصوص بحديث جابر الذي أشرنا إليه، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣١٩) «الأطعمة» للفوزان (ص ٥٧) «المجموع» (٩/ ١٧).\n(^٢) تقدم تخريج هذه الآثار في كتاب الحج.","vol":"10","page":138},{"text":"وقيل: إن الضبع لا يعد سبعًا؛ لأنه لا يتعدى كالفهود، والنمور، والأسود وغيرها. وهذا غير صحيح، بل هو سبع، وإنما هو مخصوص كما تقدم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5631>مسألة [٣]: حكم الثعلب</span>.\n• من أهل العلم من يراه مباحًا، وهو قول عطاء، وطاوس، وقتادة، والليث، والشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنه لا يتقوى بنابه؛ ولأنه من الطيبات، وهو الأشهر عند المالكية، إلا أنهم يكرهونه.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى تحريمه، وهو قول أحمد، وهو الأشهر عند أصحابه، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك في رواية؛ لأنه سبع، فيدخل في عموم الحديث المتقدم.\nوهذا القول هو الصحيح، وهو ترجيح الإمام الفوزان حفظه الله؛ لأنه سبع يعدو بنابه، ويفترس، وقولهم: (إنه من الطيبات)، أو قول بعضهم: (إنه يُفدى في الإحرام)؛ فهذا استدلال منهم بموضع الخلاف؛ فإنَّ ما ذكروه مترتب على كونه مباحًا، فكيف يُستدل بذلك؟!. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5632>مسألة [٤]: حكم الفيل</span>؟\n• مذهب أحمد تحريم الفيل؛ لأنه ذو ناب، فيدخل في عموم الحديث؛ ولأنه مستخبث، وقال الحسن: هو مسخ. وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، والكوفيين.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٤١) «الأطعمة» للفوزان (ص ٥٩ - ٦١) «البيان» (٤/ ٥٠٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٢١) «الأطعمة» (ص ٦٢ - ٦٣) «البيان» (٤/ ٥٠٢ - ٥٠٣).","vol":"10","page":139},{"text":"• وللشافعية وجهٌ شاذٌّ بإباحته كما ذكر النووي.\n• وذهب الشعبي إلى جوازه، ورجح ذلك ابن حزم؛ لأنه ليس بسبع، وهو قول المالكية؛ لعموم الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:١٤٥].\nوهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5633>مسألة [٥]: حكم الهر</span>.\n• ذهب الجمهور إلى التحريم؛ لحديث الباب: «نهى عن كل ذي ناب من السِّباع»، وجاء حديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن أكل الهر، وهو حديث ضعيف. (^٢)\n• وذهب المالكية إلى الكراهة، وأباحه الليث، وربيعة.\n• وهناك وجه للشافعية، والحنابلة بتحريم الإنسي وإباحة الوحشي كالحمار.\nوالصحيح قول الجمهور، وهو ترجيح الإمام صالح الفوزان عافاه الله. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5634>مسألة [٦]: حكم الدب</span>.\n• ذهب أحمد إلى أنه إن كان ذا نابٍ؛ يحرم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٢١) «المحلى» (٩٩٤) «المجموع» (٩/ ١٥، ١٧، ٢٣٠).\n(^٢) تقدم تخريجه في [كتاب البيوع].\n(^٣) انظر: «المجموع» (٩/ ٨) «الأطعمة» (ص ٦٤).","vol":"10","page":140},{"text":"• وذهب الشافعية، والحنفية إلى التحريم؛ لحديث: «نهى عن كل ذي ناب من السباع»، وهو الصحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5635>مسألة [٧]: حكم القرد</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٣٢٠): وَلَا يُبَاحُ أَكْلُ الْقِرْدِ. وَكَرِهَهُ ابنُ عُمَرُ (^٢)، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَمَكْحُولٌ، وَالْحَسَنُ، وَلَمْ يُجِيزُوا بَيْعَهُ.\nقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ بَيْنَ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ خِلَافًا أَنَّ الْقِرْدَ لَا يُؤْكَلُ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.\nوَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ لَحْمِ الْقِرْدِ. (^٣) وَلِأَنَّهُ سَبُعٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ، وَهُوَ مَسْخٌ أَيْضًا، فَيَكُونُ مِنْ الْخَبَائِثِ المُحَرَّمَةِ. اهـ\nقلتُ: قوله (وهو مسخ) ليس بصحيح، وإنما مسخ أقوام على أشكالهم؛ ففي «صحيح مسلم» (٢٦٦٣) عن ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله لم يمسخ قومًا فيجعل لهم نسلًا».\nوقد استدل ابن حزم بكونه مسخ أقوام على أشكالها على أنها خبيثة محرمة، وهذا أولى مما ذكره ابن قدامة، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٢١ -) «المجموع» (٩/ ١٤).\n(^٢) لم أجده.\n(^٣) لم أجده، وهو مرسل لا حجة فيه.\n(^٤) وانظر: «المحلى» (١٠٣٠).","vol":"10","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5636>مسألة [٨]: ذو المخالب من الطيور</span>.\n• الجمهور على تحريمها؛ لحديث الباب، فيدخل في ذلك الصقور، والنسور، والبازي، والعقاب، وما أشبهها.\n• وذهب مالك، والليث، والأوزاعي إلى أنه لا يحرم من الطير شيء، ولعلهم لم يبلغهم هذا الحديث. (^١)\nتنبيه: ويحرم من الطيور ما يأكل الجيف، كالرُّخَم، وغراب البين. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٩/ ٢٢) «المغني» (١٣/ ٣٢٢) «الأطعمة» (ص ٧١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٢٢) «الأطعمة» (ص ٧٢).","vol":"10","page":142},{"text":"١٣٢٠ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الخَيْلِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)، وَفِي لَفْظِ: وَرَخَّصَ.\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5637>مسألة [١]: حكم الحُمُر الأهلية</span>.\n• عامة أهل العلم على تحريم الحمر الأهلية؛ لهذا لحديث، وقد رواه عدد من الصحابة، وقد اُكفِئَتِ القدور يوم خيبر بلحوم الحمر الأهلية.\nقال النووي -﵀- في «شرحه لمسلم» (١٩٣٦): اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمَسْأَلَة، فَقَالَ الْجَمَاهِير مِنْ الصَّحَابَة، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدهمْ بِتَحْرِيمِ لُحُومهَا؛ لِهَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة، وَقَالَ اِبْن عَبَّاس: لَيْسَتْ بِحَرَامٍ. وَعَنْ مَالِك ثَلَاث رِوَايَات: أَشْهَرهَا أَنَّهَا مَكْرُوهَة كَرَاهِيَة تَنْزِيه شَدِيدَة. وَالثَّانِيَة: حَرَام. وَالثَّالِثَة: مُبَاحَة. وَالصَّوَاب التَّحْرِيم كَمَا قَالَهُ الْجَمَاهِير؛ لِلْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَة. اهـ\nوقد وافق ابنَ عباس عكرمة، وأبو وائل، وجابر بن زيد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5638>مسألة [٢]: حكم البغال</span>.\nتحرُم البغال عند أهل العلم؛ لأنه نتاج الحمار مع أنثى الفرس. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٢١٩)، ومسلم (١٩٤١).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٣/ ٣١٧) «الفتح» (٤٢١٩).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٣١٩).","vol":"10","page":143},{"text":"١٣٢١ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى -﵁- قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الجَرَادَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5639>مسألة [١]: أكل الجراد</span>.\n• يُباح أكل الجراد بالإجماع؛ إلا أنه إذا مات بسبب البرد، أو مات حتف أنفه بغير سبب فمنع منه مالك، وأحمد في رواية.\n• والجمهور على إباحته؛ لحديث: «أُحلت لنا ميتتان ودمان» (^٢)، وهو الصحيح. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٤٩٥)، ومسلم (١٩٥٢).\n(^٢) تقدم تخريجه في أوائل «البلوغ» رقم (١١).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٣) «المجموع» (٩/ ٢٣).","vol":"10","page":144},{"text":"١٣٢٢ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- -فِي قِصَّةِ الأَرْنَبِ- قَالَ: فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَبِلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5640>مسألة [١]: أكل الأرنب</span>.\n• يُباح أكل الأرنب عند عامة أهل العلم؛ لحديث أنس -﵁- الذي في الباب، وحديث محمد بن صفوان أنه صاد أرنبين، فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأكلهما. (^٢)\n• ونُقِل عن عمرو بن العاص أنه قُدِّمَ إليه فلم يأكل منه. أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٥١٧)، وفي إسناده رجل مبهم. (^٣)\nفائدة: الوبر، واليربوع مُباحان عند جمهور العلماء. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٧٢)، ومسلم (١٩٥٣).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤٧١)، أبو داود (٢٨٢٢)، والدارمي (٢٠٢٠)، وابن ماجه (٣٢٤٤)، والنسائي (٧/ ١٩٧) (٧/ ٢٢٥)، بإسناد صحيح.\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٢٥) «المجموع» (٩/ ٢٣).\n(^٤) «المغني» (١٣/ ٣٢٦ -).","vol":"10","page":145},{"text":"١٣٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5641>مسألة [١]: أكل الأربعة المذكورة</span>.\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى تحريم أكل الأربعة المذكورة، وهو قول جمعٍ من الحنابلة، والشافعية، وبعضهم ينقله إجماعًا في النملة، وفي غيرها، عزاه الصنعاني للجمهور. وهو الصحيح؛ للحديث المذكور.\n• واستثنى بعض أهل العلم ما يؤذي من النمل، فأجازوا قتله، وحملوا النهي على ما لا يؤذي.\n• وذهب مالك، وبعض الشافعية، والحنابلة إلى جواز أكل الهدهد، والصُّرد؛ لأنها ليست من ذوات المخالب. والصحيح القول الأول، والله أعلم. (^٢)\nالصُّرَد: هو طائر ضخم الرأس والمنقار، أكبر من العصفور، فيه بياض وسواد، يصيد العصافير وصغار الطير، ويصرصر كالصقر وغذاؤه اللحم، مأواه\n_________\n(^١) صحيح. رواه أحمد (١/ ٣٣٢)، وأبوداود (٥٢٦٧)، وابن حبان (٥٦٤٦)، وإسناد أحمد وأبي داود على شرط الشيخين، وقد أعل بما لا يقدح فيه كما في «البدر المنير» (٦/ ٣٤٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٢٨) «المجموع» (٩/ ٢٢) «السُّبُل» (٧/ ٣٥٣) «النيل» (٥/ ٣٢٨).","vol":"10","page":146},{"text":"الأشجار ورؤوس القِلاع، وأعلى الحصون، وهو نوع من أنواع الغِربَان. (^١)\nفائدة: قال الفقهاء: ما نُهي عن قتله؛ حُرِّم أكله؛ لأنَّه لا يؤكل حتى يُقتل. وقالوا: وما أُمِر بقتله؛ حَرُمَ أكله أيضًا؛ لأنه لا يؤمر بقتله وهو مباح الأكل، وإلا لأُمِر بذبحه وأكله. ومن ذلك حديث: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»، وفي رواية: «والحية».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5642>مسألة [٢]: سائر الحشرات</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٣١٦ - ٣١٧): فَمِنَ المُسْتَخْبَثَاتِ: الْحَشَرَاتُ كَالدِّيدَانِ، وَالْجُعَلَانِ، وَبَنَاتِ وَرْدَانَ، وَالْخَنَافِسِ، وَالْفَأْرِ، وَالْأَوْزَاغِ، وَالْحَرْبَاءِ، وَالْعَضَاةِ، وَالْجَرَاذِينَ، وَالْعَقَارِبِ، وَالْحَيَّاتِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.\nقال: وَرَخَّصَ مَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي هَذَا كُلِّهِ، إلَّا الْأَوْزَاغَ؛ فَإِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: هُوَ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْحَيَّةُ حَلَالٌ إذَا ذُكِّيَتْ. وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ الْآيَةِ المُبِيحَةِ.\nقال: وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالحَرَمِ: الْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» (^٢)، وَفِي حَدِيثٍ: «الحَيَّةُ» مَكَانَ: «الْفَأْرَةِ»، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ الصَّيْدِ الْمُبَاحِ؛ لَمْ يُبَحْ قَتْلُهَا، وَلِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾\n_________\n(^١) «التوضيح» (٧/ ١٦).\n(^٢) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (٧١٩).","vol":"10","page":147},{"text":"[المائدة:٩٥]، وَقَالَ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]؛ وَلِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ، فَحُرِّمَتْ كَالْوَزَغِ، أَوْ مَأْمُورٌ بِقَتْلِهَا؛ فَأَشْبَهَتْ الْوَزَغَ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5643>مسألة [٣]: ضابط الاستخباث</span>.\n• مذهب الحنابلة، والشافعية، والحنفية أنَّ ضابطه ما استخبثته النفس، وتعففت عن أكله.\n• ثم قال الشافعية: يرجع ذلك إلى العرب الذين هم سكان القرى، والريف دون أجلاف البوادي الذين يأكلون ما دبَّ ودرج من غير تمييز، وتعتبر عادة أهل اليسار، والثروة دون المحتاجين، وتعتبر حالة الخصب والرفاهية دون الجدب والشدة.\n• وقال الحنابلة: الذين تعتبر استتطابتهم هم أهل الحجاز من أهل الأمصار الذين نزل عليهم الكتاب، وخوطبوا به، وبالسنة، فرجع في مطلق ألفاظهما إلى عرفهم دون غيرهم، ولا يعتبر أهل البوادي؛ لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا، ولهذا سئل بعضهم عما يأكلون؟ فقال: ما دبَّ ودرج، إلا أم حبين. فقال: لتهن أم حبين العافية.\n• وذهب مالك إلى أنَّ الطيبات هي ما أحل، والخبائث ما حُرِّمَ.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١٧٨ - ١٨١): وقد قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠]، فعلم أن\n_________\n(^١) وانظر: «المجموع» (٩/ ١٦).","vol":"10","page":148},{"text":"الطيب وصف للعين، وأن الله قد يحرمها مع ذلك عقوبة للعباد كما قال تعالى لما ذكر ما حرمه على بني إسرائيل: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام:١٤٦]، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة:٤]، فلو كان معنى الطيب هو ما أحل؛ كان الكلام لا فائدة فيه، فَعُلم أن الطيب والخبيث وصف قائم بالأعيان.\nقال: وليس المراد به مجرد التذاذ الأكل؛ فإن الإنسان قد يلتذ بما يضره من السموم، وما يحميه الطبيب منه، ولا المراد به التذاذ طائفة من الأمم كالعرب، ولا كون العرب تعودته؛ فإن مجرد كون أمة من الأمم تعودت أكله وطاب لها، أو كرهته لكونه ليس في بلادها؛ لا يوجب أن يحرم الله على جميع المؤمنين ما لم تعتده طباع هؤلاء، ولا أن يحل لجميع المؤمنين ما تعودوه، كيف وقد كانت العرب قد اعتادت أكل الدم، والميتة، وغير ذلك، وقد حرمه الله تعالى، وقد قيل لبعض العرب: ما تأكلون؟ قال: ما دَبَّ ودرج إلا أم حبين. فقال: ليهن أم حبين العافية. ونفس قريش كانوا يأكلون خبائث حرمها الله، وكانوا يعافون مطاعم لم يحرمها الله، وفي «الصحيحين» عن النبى - ﷺ - أنه قدم له لحم ضب فرفع يده ولم يأكل، فقيل: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه» (^١)، فعلم أن كراهة قريش وغيرها لطعام من الأطعمة لا يكون موجبًا لتحريمه على المؤمنين من سائر العرب والعجم، وأيضًا فإن النبي - ﷺ - وأصحابه لم\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١٣٢٩).","vol":"10","page":149},{"text":"يحرم أحد منهم ما كرهته العرب، ولم يبح كل ما أكلته العرب، وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] إخبار عنه أنه سيفعل ذلك، فأحل النبي - ﷺ - الطيبات وحرم الخبائث، مثل: كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير؛ فإنها عادية باغية، فإذا أكلها الناس، والغاذي شبيه بالمغتذي؛ صار في أخلاقهم شوب من أخلاق هذه البهائم، وهو البغي والعدوان، كما حرم الدم المسفوح؛ لأنه مجمع قوى النَّفْس الشهوية الغضبية، وزيادته توجب طغيان هذه القوى.\nقال: فالطيبات التي أباحها هي المطاعم النافعة للعقول والأخلاق، والخبائث هي الضارة للعقول والأخلاق. انتهى المراد.\nوقال -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٥٤٠): وهذا الوصف يعني ما كان نافعًا غير ضار فهو مباح قد دلَّ على تعلق الحكم به النص، وهو قوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، فكل ما نفع؛ فهو طيب، وكل ما ضرَّ؛ فهو خبيث، والمناسبة الواضحة لكل ذي لب أنَّ النفع يناسب التحليل، والضرر يناسب التحريم. اهـ\nفالصحيح في هذه المسألة أنَّ الاستخباث ليس إلى النفوس، وإنما ما عُلِم ضرره؛ حُرِّم وكان خبيثًا، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الأطعمة» للفوزان (ص ٧٨ - ٧٩).","vol":"10","page":150},{"text":"١٣٢٤ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: قُلْت لِجَابِرٍ -﵁-: الضَّبُعُ صَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: قَالَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ البُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. (^١)\nالحكم المستفاد من هذا الحديث\nدلَّ حديث الباب على أنَّ الضبع أكله حلال، وهو مُستثنًى من النهي عن كل ذي ناب من السباع.\nوقد تقدم ذكر هذه المسألة في دراسة الحديث الأول من هذا الباب.\n_________\n(^١) صحيح. رواه أحمد (٣/ ٢٩٧، ٣١٨)، وأبوداود (٣٨٠١)، والنسائي (٥/ ١٩١)، والترمذي (٨٥١)، وابن ماجه (٣٢٣٦)، وابن حبان (٣٩٦٤) (٣٩٦٥)، وهو حديث صحيح، بعض أسانيده على شرط مسلم، واللفظ لغير أبي داود بزيادة: (آكلها؟ قال: نعم) واختصر الحافظ ولم يذكر هذا اللفظ.","vol":"10","page":151},{"text":"١٣٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ القُنْفُذِ فَقَالَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيَةَ، فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «خَبِيثَةٌ مِنَ الخَبَائِثِ»، [فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ هَذَا، فَهُوَ كَمَا قَالَ] (^١). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5644>مسألة [١]: حكم القنفذ</span>.\n• مذهب الحنابلة، والحنفية تحريمه؛ لأنه مستخبثٌ، واستدلوا بحديث الباب.\n• ومذهب مالك، والشافعي، والليث، وأبي ثور إباحته؛ لأنَّ الأصل في الأطعمة الإباحة إلا ما حرم بدليل صحيح، ولا يوجد دليل صحيح على تحريم القنفذ، وهو الصحيح.\nومثله في الخلاف (النيص) وهو حيوان أكبر من القنفذ قليلًا، ويُقارب حجمه الأرنب الكبير، ويأكل الزروع والخضروات، ويتميز عن القنفذ بأنه ينتفض ويقذف من شوكه ليصيب من يريد صيده. (^٣)\n_________\n(^١) زيادة من المطبوع ومن مصادر الحديث.\n(^٢) ضعيف. أخرجه أحمد (٢/ ٣٨١)، وأبوداود (٣٧٩٩)، من طريق عيسى بن نُميلة، عن أبيه، عن ابن عمر به. وإسناده ضعيف؛ لأن عيسى وأباه مجهولان، والراوي عن أبي هريرة مبهم.\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٣١٧) «الأطعمة» (ص ٨٠ - ٨١) «الشرح الممتع» (٦/ ٣١٩).","vol":"10","page":152},{"text":"١٣٢٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5645>مسألة [١]: حكم الجلالة</span>.\nالجلالة: هي التي تأكل العذرة والنجاسات، وفيها قولان:\n• الأول: أنه يحرم أكلها. وهو مذهب أحمد، والشافعي في قول؛ لظاهر حديث الباب.\n• الثاني: تُكره، وهو الأصح عند الشافعية، ورواية عن أحمد، والحنفية، وحملوا النهي على الكراهة.\n_________\n(^١) صحيح بشواهده. أخرجه أبوداود (٣٧٨٥)، والترمذي (١٨٢٤)، وابن ماجه (٣١٨٩)، من طريق محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عمر بلفظ: (عن أكل الجلالة وألبانها) وعند ابن ماجه (لحوم الجلالة). وإسناده ضعيف؛ لعنعنة ابن إسحاق، وقد خالفه الثوري فرواه مرسلًا.\nقال الترمذي عقب الحديث: ورواه الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسلًا.\nوله طريق أخرى عند أبي داود (٣٧٨٧) بإسناد حسن في النهي عن الركوب واللبن، ولم يذكر (الأكل).\nوله شاهد من حديث ابن عباس في النهي عن لبنها، أخرجه أحمد (١/ ٢٢٦، ٢٤١)، والترمذي (١٨٢٥)، وإسناده صحيح.\nوله شاهد من حديث عبدالله بن عمرو في النهي عن ركوبها ولحمها، أخرجه أبوداود (٣٨١١)، بإسناد حسن. فالحديث صحيح.","vol":"10","page":153},{"text":"وجاء عن الحسن أنه قال بالجواز، وكأنه لم يبلغه الحديث، والصحيح هو القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5646>مسألة [٢]: مقدار النجس الذي يعتبر في كونها جلالة</span>.\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ المعتبر في ذلك أن يكون أكثر علفها نجسًا، وهو قول جمع من الشافعية، والحنابلة، والحنفية؛ لأنَّ وصف الجلالة فيها صيغة مبالغة.\n• وهناك وجهٌ للحنابلة أنها إذا أكلت كثيرًا صارت جلالة.\n• والأصح عند الشافعية أنها تصير جلالة إذا ظهر فيها نتن وريح النجاسة.\nورجح الإمام صالح الفوزان حفظه الله القول الأول.\nقلتُ: ولا بأس باعتبار القول الأول والأخير، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5647>مسألة [٣]: متى يزول النهي عن أكل الجلالة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀-: وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِحَبْسِهَا اتِّفَاقًا. اهـ\nيعني: وإطعامها أكلًا طاهرًا. واختلف العلماء في قدر مدة الحبس:\n• فمنهم من قال: ثلاثة أيام. وهو رواية عن أحمد، وهو قول أبي ثور، وقال به أبو حنيفة في الدجاج على سبيل الاستحباب.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٢٨) «الأطعمة» (ص ٧٤) «الشرح الممتع» (٦/ ٣١٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٢٨) «الأطعمة» (ص ٧٤ -).","vol":"10","page":154},{"text":"• وعن أحمد رواية: الدجاج والطير ثلاثًا، والشاة سبعًا، وما عدا ذلك أربعين. يعني الإبل، والبقر.\n• والأصح عند الشافعية تحديد ذلك بذهاب أثر النجاسة.\nوهذا أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n١٣٢٧ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ -﵁- -فِي قِصَّةِ الحِمَارِ الوَحْشِيِّ- فَأَكَلَ مِنْهُ النَّبِيُّ - ﷺ -. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5648>مسألة [١]: حكم حمار الوحش</span>.\nدلَّ الحديث على إباحة حمر الوحش، وهو مجمع عليه. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «الأطعمة» للفوزان (ص ٧٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٨٥٤)، ومسلم (١١٩٦) (٦٣). وذكرها الحافظ بالمعنى.\n(^٣) «المغني» (١٣/ ٣٢٤).","vol":"10","page":155},{"text":"١٣٢٨ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -﵄- قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَرَسًا، فَأَكَلْنَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5649>مسألة [١]: حكم أكل الخيل</span>.\n• تُباح لحوم الخيل عند عامة أهل العلم؛ لحديث الباب.\n• إلا أنَّ مالكًا كره ذلك، وكذلك الأوزاعي، وأبو عبيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل:٨]؛ ولفضائل الخيل.\n• وذهب أبو حنيفة إلى تحريم أكلها؛ للآية المتقدمة.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لحديث الباب، ولحديث جابر -﵁- المتقدم في أوائل الباب: «ورخَّص في الخيل»، ولكن الأفضل أن لا تؤكل إذا وجد غيرها لما لها من فضائل. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥١٠)، ومسلم (١٩٤٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٢٤ -) «الأطعمة» (ص ٤١) «الشرح الممتع» (٦/ ٣٢٣).","vol":"10","page":156},{"text":"١٣٢٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: أُكِلَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5650>مسألة [١]: حكم أكل الضب</span>.\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٩٤٤): وَأَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الضَّبّ حَلَال لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ؛ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة مِنْ كَرَاهَته، وَإِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ قَوْم أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ حَرَام. وَمَا أَظُنّهُ يَصِحّ عَنْ أَحَد، وَإِنْ صَحَّ عَنْ أَحَد؛ فَمَحْجُوج بِالنُّصُوصِ، وَإِجْمَاع مَنْ قَبْله. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٧٥)، ومسلم (١٩٤٧).","vol":"10","page":157},{"text":"١٣٣٠ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ القُرَشِيِّ -﵁-، أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الضِّفْدَعِ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ؟ فَنَهَى عَنْ قَتْلِهَا. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5651>مسألة [١]: حكم الضفدع</span>.\n• جمهور العلماء على تحريم أكل الضفدع؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن قتلها، وما نُهِي عن قتله؛ فإنه لا يجوز أكله.\n• وذهب مالك إلى الجواز، وكأنه لم يبلغه هذا الحديث، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5652>مسألة [٢]: الحيوانات البحرية</span>.\nاتفق أهل العلم على إباحة السمك بأنواعه، واختلفوا في غيره من حيوانات البحر.\n• فمذهب مالك، وأحمد، والشافعي إباحة جميع حيوان البحر؛ إلا أنَّ الشافعي استثنى الضفدع، وزاد أحمد استثناء التمساح والحية.\n• وذهب أبو حنيفة إلى تحريم جميع حيوان البحر إلا السمك، وهو قول\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٣، ٤٩٩)، والحاكم (٤/ ٤١١)، وأبوداود (٣٨٧١)، والنسائي (٧/ ٢١٠)، من طرق عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان به. وإسناده صحيح، رجاله ثقات.\n(^٢) انظر: «الأطعمة» (ص ٩٠ -) «توضيح الأحكام» «سبل السلام».","vol":"10","page":158},{"text":"بعض الشافعية.\n• وهناك قول للشافعية، وقول في مذهب أحمد بإباحة السمك، وما له نظير مباح في البر.\nوالحجة في هذه المسألة قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، وبأنَّ الأصل الإباحة حتى يأتي دليل في التحريم، وعليه فالصحيح قول مالك، والشافعي؛ غير أنَّ التمساح له أنياب يفترس بها، ويعيش في البر والبحر؛ فالأقرب المنع منه، والله أعلم. وقد رجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- جوازه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5653>مسألة [٣]: هل يُباح ما مات من هذه الحيوانات</span>؟\nأما بالنسبة للسمك فتُباح ميتته بلا خلاف؛ إلا أنَّ أبا حنيفة لم يجوز السمك الذي يموت حتف أنفه بغير سبب، والصحيح جوازه، وهو قول الجمهور؛ لحديث: «أُحلت لنا ميتتان ودمان ...».\nوأما غير السمك: فما كان منها لا يعيش إلا في الماء؛ فيجوز أيضًا عند الجمهور، وما كان منها يعيش في البر وفي البحر كالسلحفاة، والسرطان، والضفدع، والتمساح، وكلب البحر، وما شابهها؛ فبالنسبة للضفدع والتمساح فقد تقدم.\n• وأما غيرها فمذهب مالك، والشافعي جوازها.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٤٦) «المجموع» (٩/ ٣٣) «الأطعمة» (ص ٨٦).","vol":"10","page":159},{"text":"• ومذهب الحنابلة عدم الجواز إلا بالصيد، أو التذكية، واستثنى أحمد السرطان؛ لأنه لا دم له، وهذا أرجح، والله أعلم. (^١)\nخلاصة لما تقدم بذكر بعض القواعد:\n١) الأصل في الأطعمة -ومنها الحيوانات- الإباحة عند الجمهور، وهو الصحيح، فما لم يأت نصٌّ بتحريمه؛ فهو مباح.\n٢) يحرم من الحيوان كل ذي ناب من السباع.\n٣) يحرم من الطيور كل ذي مخلب منها.\n٤) يحرم من الحيوانات والطيور ما كان متغذيًا بالنجاسة.\n٥) ما نُهي عن قتله؛ حرم أكله.\n٦) ما أُمر بقتله؛ حرم أكله أيضًا.\n٧) ما عُلم بعينه ضرر؛ فهو مستخبث وحرام.\n_________\n(^١) انظر: «الأطعمة» للفوزان (ص ٨٨ -) «المجموع» (٩/ ٣٣) «المغني» (١٣/ ٣٤٤ - ٣٤٦).","vol":"10","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5654>فَصْل فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5655>مسألة [١]: ما يُباح أكله وما لا يباح من الأعيان غير الحيوانات</span>.\nيُباح من الأعيان ما كان طاهرًا نافعًا بإجماع أهل العلم.\nفأما ما كان نجسًا؛ فيحرم أكله عند أهل العلم؛ لأنه مأمور بالتنزه عن النجاسات، فكيف بأكلها؛ ولأنَّ فيها ضررًا، ويحرم ما كان متنجسًا كما حرمت الجلالة، وما كان فيه ضرر حُرِّم وإن كان طاهرًا، كالسموم والزجاج، والتراب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5656>مسألة [٢]: ما كان من الثمار، والزورع مَسْقِيًّا بالنجاسة</span>؟\n• مذهب أحمد تحريمها كما حرمت الجلالة.\n• ومذهب الجمهور عدم التحريم؛ لأنَّ النجاسة تستحيل في باطنها، فتطهر بالاستحالة.\nوذهب الإمام ابن عثيمين إلى التحريم إذا ظهر أثر النجاسة بريح، أو طعمٍ، وأما إذا لم يظهر فيباح عنده؛ لأنَّ في ذلك نفعًا للأشجار وللأرض، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٩/ ٣٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٣٠).","vol":"10","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5657>مسألة [٣]: الجبن المصنع بإنفحة البهائم</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٩/ ٦٨): أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْجُبْنِ مَا لَمْ يُخَالِطْهُ نَجَاسَةٌ بِأَنْ يُوضَعَ فِيهِ إِنْفِحَةٌ (^١) ذَبَحَهَا مَنْ لَا يَحِلُّ ذَكَاتُهُ. اهـ\nوقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٣٥٢): قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ الله الْجُبْنُ؟ قَالَ: يُؤْكَلُ مِنْ كُلٍّ. وَسُئِلَ عَنْ الْجُبْنِ الَّذِي يَصْنَعُهُ الْمَجُوسُ؟ فَقَالَ: مَا أَدْرِي. إلَّا أَنَّ أَصَحَّ حَدِيثٍ فِيهِ حَدِيثُ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ عَنْ الْجُبْنِ، وَقِيلَ لَهُ: يُعْمَلُ فِيهِ الْإِنْفَحَةُ الْمَيِّتَةُ. فَقَالَ: سَمُّوا أَنْتُمْ، وَكُلُوا. رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ. وَقَالَ: أَلَيْسَ الْجُبْنُ الَّذِي نَأْكُلُهُ عَامَّتُهُ يَصْنَعُهُ الْمَجُوسُ؟.اهـ\nوفي «فتاوى اللجنة الدائمة» (٢٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥): لا حرج في أكل الأجبان المصنوعة من إنفحة البقر، ولا يجب السؤال عنها؛ فإنَّ المسلمين ما زالوا يأكلون من أجبان الكفار من عهد الصحابة، ولم يسألوا عن نوع الإنفحة، فإذا عُلِم يقينًا أنَّ هذه الإنفحة تستخدم من أبقار لم تذبح على الطريقة الشرعية؛ فإنه يحرم حينئذٍ تناولها. انتهى برئاسة الإمام ابن باز، ونيابة عبدالعزيز آل الشيخ، وعضويه صالح الفوزان، وبكر أبو زيد.\nقال ابن حزم في «المحلى» (٩/ ١٠): ولا يحل أكل جبن عقد بإنفحة ميتة؛\n_________\n(^١) في «لسان العرب»: الإنفحة -بكسر الهمزة وفتح الفاء مخففة-: كرشُ الحمل، أو الجدي؛ مالم يأكل، فإذا أكل فهو كرش، وهو شيء أصفر يُستخرج من بطنه، يعصر في صوفة مبتلة في اللبن؛ فيغلظ كالجبن.","vol":"10","page":162},{"text":"لأنَّ أثرها ظاهر فيه، وهو عقدها له، وهكذا كل ما مُزِج بحرام. اهـ\nقلتُ: أورد البيهقي في «الكبرى» (١٠/ ٦) أحاديث مرفوعة أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أكل الجبن، ولم يسأل عنه، ولم يثبت منها شيء.\nوفي «مصنف عبدالرزاق» (٤/ ٥٣٩) بإسناد صحيح أنَّ ابن عمر -﵄- سئل عن الجبن الذي يصنعه المجوس؟ فقال: ما وجدته في سوق المسلمين اشتريته ولم أسأل عنه.\nوفي «الكبرى» للبيهقي (١٠/ ٦) عن ابن عمر -﵄- بإسناد صحيح أنه سئل عن الجبن؟ فقال: كُلْ ما صنع المسلمون، وأهل الكتاب.\nومن طريق أخرى عنه صحيحة: سمِّ وكل. فقيل: إنَّ فيه ميتة. فقال: إن علمت أنَّ فيه ميتة فلا تأكله.\nوفي «مصنف عبدالرزاق» (٤/ ٥٤٠) بإسناد صحيح عن ابن عباس -﵄- أنه كان لا يرى بالجبن الذي تصنعه اليهود والنصارى بأسًا.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٠٣ -): وَأَمَّا لَبَنُ المَيْتَةِ وَإِنْفَحَتِهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ طَاهِرٌ. كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد. وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَجِسٌ. كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَد، وَعَلَى هَذَا النِّزَاعِ انْبَنَى نِزَاعُهُمْ فِي جُبْنِ المَجُوسِ؛ فَإِنَّ ذَبَائِحَ المَجُوسِ حَرَامٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ","vol":"10","page":163},{"text":"ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، فَإِذَا صَنَعُوا جُبْنًا وَالْجُبْنُ يُصْنَعُ بِالْإِنْفَحَةِ كَانَ فِيهِ هَذَانِ الْقَوْلَانِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ جُبْنَهُمْ حَلَالٌ، وَأَنَّ إنْفَحَةَ المَيْتَةِ وَلَبَنَهَا طَاهِرٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا فَتَحُوا بِلَادَ الْعِرَاقِ أَكَلُوا جُبْنَ المَجُوسِ، وَكَانَ هَذَا ظَاهِرًا شَائِعًا بَيْنَهُمْ، وَمَا يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ مِنْ نَقْلِ بَعْضِ الْحِجَازِيِّينَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا أَعْلَمَ بِهَذَا؛ فَإِنَّ المَجُوسَ كَانُوا بِبِلَادِهِمْ وَلَمْ يَكُونُوا بِأَرْضِ الْحِجَازِ.\nقال: وَأَيْضًا فَاللَّبَنُ وَالْإِنْفَحَةُ لَمْ يَمُوتَا، وَإِنَّمَا نَجَّسَهُمَا مَنْ نَجَّسَهُمَا؛ لِكَوْنِهِمَا فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ فَيَكُونُ مَائِعًا فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ؛ فَالتَّنْجِيسُ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: عَلَى أَنَّ الْمَائِعَ لَاقَى وِعَاءً نَجِسًا. وَعَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ نَجِسًا. فَيُقَالُ أَوَّلًا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَائِعَ يَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ عَلَى طَهَارَتِهِ لَا عَلَى نَجَاسَتِهِ. وَيُقَالُ ثَانِيًا: إنَّ الْمُلَاقَاةَ فِي الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل:٦٦]؛ وَلِهَذَا يَجُوزُ حَمْلُ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ مَا فِي بَطْنِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.\nقلتُ: وما رجحه شيخ الإسلام هو الصواب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5658>مسألة [٤]: الأكل من الميتة عند الاضطرار</span>.\nأجمع العلماء على إباحة الأكل من الميتة، ومن سائر المحرمات إذا اضطر إليها.","vol":"10","page":164},{"text":"• ويجب عليه الأكل ليدفع عن نفسه الهلاك في مذهب أحمد، ووجه لأصحاب الشافعي وهو قول مسروق؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥].\n• وعن أحمد رواية، وهو وجهٌ لأصحاب الشافعي أنَّ ذلك ليس بواجب عليه؛ لأنَّ ذلك رخصة، وله أن يأخذ العزيمة.\nوالقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5659>مسألة [٥]: هل له أن يأكل حتى يشبع</span>؟\nيُباح للمضطر أكل ما يسد الرمق بالإجماع، ويحرم عليه ما زاد على الشبع بالإجماع.\n• وفي الشبع قولان:\nالأول: لا يُباح له ذلك. وهو الأظهر في مذهب أحمد، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن مالك، وقول للشافعي؛ لأنه استثنى من الآية ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل الأكل.\nالثاني: يُباح له الشبع. وهو قول للشافعي، ورواية عن أحمد، ومالك؛ لأنه إذا أخذ ما يسد الرمق عاودته الضرورة عن قرب فيجد المشقة في ذلك.\nوالقول الأول هو الصواب، وهو تصويب الإمام ابن عثيمين؛ لقوله تعالى:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٣٠) «المجموع» (٩/ ٥٢).","vol":"10","page":165},{"text":"﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة:١٧٣]، أي: غير مريد تناوله، ولا متجاوز بقدر الضرورة؛ ولأنه محرم فيباح أقل مقدار يسد الضرورة، وأما كونه قد يحتاجه؛ فإنَّ له أن يتزود معه إذا عاودت الضرورة؛ عاود الأكل. (^١)\nتنبيه: التزود من الميتة جائز في مذهب أحمد، ومالك، وهو الصحيح، وعن أحمد رواية بعدم جواز ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5660>مسألة [٦]: الأكل من بستان الغير</span>.\n• جمهور العلماء على عدم جواز ذلك إلا للضرورة كالميتة.\n• وأجازه الإمام أحمد للحاجة، وإن لم تكن ضرورة؛ لحديث عبدالله بن عمرو ابن العاص في «مسند أحمد» وغيره أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة؛ فلا شيء عليه». (^٣)\nوهذا القول أقرب، وهو مقيد بالحاجة، وبأن لا يتخذ خبنة، وبقي أمر ثالث، وهو أن يناديَ صاحب البستان ثلاثًا قبل أن يأكل؛ فإن أجابه استأذنه؛ لما ثبت في «مسند أحمد» (٣/ ٨) من حديث أبي سعيد الخدري أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا أتى أحدكم حائطًا، فأراد أن يأكل؛ فليُنادِ: يا صاحبالحائط، ثلاثًا؛ فإن أجابه، وإلا فليأكل، وإذا مرَّ أحدكم بإبل، فأراد أن يشرب من ألبانها؛ فليُنادِ: يا صاحب\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٣٠ -) «الشرح الممتع» (٦/ ٣٢٨ - ٣٢٩) «المجموع» (٩/ ٥٢).\n(^٢) «المغني» (١٣/ ٣٣٣).\n(^٣) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (١٢٣٥)، وهو حديث حسن.","vol":"10","page":166},{"text":"الإبل، أو: يا راعي الإبل؛ فإن أجابه، وإلا فليشرب».\nوجاء من حديث الحسن عن سمرة أخرجه أبو داود (٢٦١٩)، والترمذي (١٢٩٦)، وفيه: «ماشية»، وهو حسن بشاهده الذي قبله. (^١)\nتنبيه: الزرع له حكم الثمر في رواية عن أحمد، وهو الأظهر، وعنه رواية بخصوصه في الثمار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5661>مسألة [٧]: الشرب من لبن ماشية الغير</span>.\n• مذهب أحمد، وإسحاق جواز ذلك للحاجة بعد أن ينادي صاحبها ثلاثًا؛ للحديث المتقدم.\n• ومذهب الجمهور المنع؛ لحديث ابن عمر -﵄- مرفوعًا: «لا يحلبنَّ أحدكم ماشية غيره إلا بإذنه ...»، أخرجه البخاري برقم (٢٤٣٥)، ومسلم برقم (١٧٢٦).\nوقول أحمد، وإسحاق أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5662>مسألة [٨]: إذا وجد ميتة وطعامًا للغير</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يقدم الميتة. وهو قول سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، وأحمد، وأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنَّ تحريم الميتة حق لله، وتحريم طعام الغير من حق المخلوق، وحقوق الله مبنية على التسامح.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٣٤ - ٣٣٥) «المجموع» (٩/ ٥٤ -).\n(^٢) «المغني» (١٣/ ٣٣٦).","vol":"10","page":167},{"text":"• وذهب مالك، والشافعي في قول، وهو وجهٌ للحنابلة إلى تقديم طعام الغير ما لم يكن صاحبه مضطرًّا إليه كاضطرار الآخر.\nوهذا القول أقرب؛ لأن طعام الغير ليس محرمًا لذاته كالميتة، وإنما محرم لكونه حق الغير، ويستطيع المضطر أن يعوض صاحبه عنه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5663>مسألة [٩]: إذا اضطر إلى طعام الغير وليس له مال، فهل يلزم صاحب الطعام أن يعطيه بلا عوض</span>؟\n• جمهور العلماء على أنَّ له الامتناع من البذل حتى يشتريه بثمن مثله في الذمة.\n• وقال بعض أصحاب داود: يجوز للمضطر أن يأكل منه قدر ما تزول به الضرورة، ولا ضمان عليه في ذلك.\nوأجاب الجمهور بأنَّ الذمة كالمال، ولو كان معه مال لم يلزم صاحب الطعام بذله مجانًا، وكذلك إذا أمكن الشراء في الذمة. (^٢)\nتنبيه: إذا لم يعطه صاحب الطعام مع استغنائه عنه بثمن المثل؛ فله أن يأخذه قهرًا. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5664>مسألة [١٠]: إذا وجد المضطر آدميًّا ميتًا</span>؟\n• مذهب الشافعية جواز الأكل منه؛ للاضطرار.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٣٧) «المجموع» (٩/ ٥٣).\n(^٢) «المجموع» (٩/ ٥٣).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٣٩).","vol":"10","page":168},{"text":"• ومنع منه مالك، وأحمد، وأصحاب الظاهر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5665>مسألة [١١]: حكم الضيافة</span>.\n• مذهب أحمد، والليث وجوبها يومًا وليله؛ لحديث أبي شريح مرفوعًا: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه جائزته» قالوا: وما جائزته؟ قال: «يومه، وليلته، والضيافة ثلاثة أيام؛ فما كان وراء ذلك؛ فهو صدقة»، أخرجه البخاري برقم (٦٠١٩)، ومسلم في [كتاب اللقطة] رقم (١٤).\nوفي «مسند أحمد» (٤/ ١٣٠)، و«سنن أبي داود» (٣٧٥٠)، من حديث المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ليلة الضيف حقٌّ واجبٌ؛ فإن أصبح بفنائه؛ فهو دين عليه، إن شاء اقتضى، وإن شاء ترك».\nوإسناده صحيح.\nوما زاد على اليوم والليلة؛ فهو متأكد الاستحباب إلى ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك؛ فهو صدقة.\n• وعن أحمد رواية بوجوبها على أهل القرى دون الأمصار.\n• وأما الجمهور فذهبوا إلى الاستحباب، واحتجوا بأنَّ هذا مال مسلم لا يحل إلا بطيب نفس منه، وحملوا الأحاديث الواردة بأنها محمولة على الاستحباب، ومكارم الأخلاق. وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة.\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٩/ ٥٣).","vol":"10","page":169},{"text":"وقول الجمهور ضعيف، والصحيح قول أحمد، والليث، وكيف يكون للاستحباب بعد قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه»، وقوله: «حقٌّ واجب»، وقوله: «فهو دين عليه». (^١)\nفائدة: قيل لأحمد: إن ضافَ الرجلَ ضيفٌ كافرٌ يضيفه؟ قال: قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم»، وهذا الحديث بَيِّنٌ، دلَّ على أن المسلم والمشرك يضاف، وأنا أراه كذلك.\nفائدة أخرى: عن أحمد رواية: أنَّ الضيف إذا نزل بقوم ولم يضيفوه؛ فله أن يأخذ من أموالهم بقدر ضيافته، وإن لم يعلموا؛ لحديث عقبة بن عامر -﵁- قال: قلنا: يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا. قال: «إذا نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا؛ فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقَّ الضيف الذي ينبغي لهم»، أخرجه البخاري برقم (٢٤٦١)، ومسلم برقم (١٧٢٧).\nوهو ظاهر تبويب البخاري: [باب قصاص المظلوم] من كتاب المظالم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٥٣) «المجموع» (٩/ ٥٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٥٤).","vol":"10","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5666>بَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ</span>\nالصيد: مصدر صاد يصيد صيدًا، ويطلق على اقتناص الحيوان، سواء كان بريًّا أو بحريًّا، متوحشًا أم غير متوحش، حلالًا أم حرامًا.\nويُطلق أيضًا على المصيد.\nوالمراد به شرعًا: اقتناص حيوان حلال متوحش طبعًا غير مقدور عليه. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الأطعمة» للفوزان (ص ١٦٩).","vol":"10","page":171},{"text":"١٣٣١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ، انْتُقِصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٣٣٢ - وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ؛ فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْك فَأَدْرَكْته حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْته قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْت مَعَ كَلْبِك كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَيَّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيْت بِسَهْمِك فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ تَعَالَى، فَإِنْ غَابَ عَنْك يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلَّا أَثَرَ سَهْمِك فَكُلْ إنْ شِئْت، وَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي المَاءِ فَلَا تَأْكُلْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. (^٢)\n\n١٣٣٣ - وَعَنْ عَدِيٍّ -﵁- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ صَيْدِ المِعْرَاضِ، فَقَالَ: «إذَا أَصَبْت بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْت بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٣)\n\n١٣٣٤ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إذَا رَمَيْت بِسَهْمِك، فَغَابَ عَنْك فَأَدْرَكْته، فَكُلْهُ، مَا لَمْ يُنْتِنْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٢٢)، ومسلم (١٥٧٥) (٥٨). واللفظ لمسلم.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٤٨٤)، ومسلم (١٩٢٩) (٦).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٥٤٧٦). وأخرجه أيضًا مسلم (١٩٢٩) (٣)\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (١٩٣١).","vol":"10","page":172},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5667>مسألة [١]: شروط إباحة الحيوان بالصيد</span>.\nالشرط الأول: أن يكون الصائد ممن تباح ذبيحته.\nوهو المسلم، أو الكتابي العاقل؛ لأنَّ الاصطياد أُقِيم مقام الذكاة، والجارح آلة كالسكين، وعقره للحيوان بمنزلة إفراء الأوداج؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإنَّ أخذ الكلب ذكاته».\nالشرط الثاني: صلاحية الآلة للصيد، وهي نوعان:\nالأول: ما يُرْمَى به الصيد من كل محدد كالرماح، والسيوف، والسهام، وما جرى مجراها مما يجرح بِحدِّه كرصاص البنادق المعروفة اليوم. ويُشتَرط في المحدد ما يُشترط في آلة الذكاة من كونه يقتل بحدِّه، وكونه غير سنٍّ وظفر كما تقدم.\nالثاني: الجوارح. وهي الكواسب من السباع، والكلاب، والطير؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤]، فمنها ما يصيد بنابه كالكلب، والفهد، ومنها ما يصيد بمخلبه كالصقر، والبازي.\nويُشترط في الجوارح أن تكون معلمة بدون خلاف؛ للآية المتقدمة، ولقوله","vol":"10","page":173},{"text":"-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأبي ثعلبة الخُشَني: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله؛ فكل، وإذا أرسلت كلبك غير المعلم، فأدركت ذكاته؛ فكل» أخرجه البخاري برقم (٥٤٧٨)، ومسلم برقم (١٩٣٠)، ويُعتبر في المعلَّم أمور:\nأحدها: إذا أرسله؛ استرسل.\nثانيها: إذا زجره؛ انزجر.\nثالثها: إذا أمسك لم يأكل. وهذا شرطٌ عند الجمهور خلافًا لمالك، وربيعة.\nرابعها: أن يتكرر منه ترك الأكل.\n• فمنهم من قال: ثلاث مرات. وهو قول جماعة من الحنابلة، وأبي يوسف، ومحمد.\n• ومنهم من قال: مرة. وهو قول بعض الحنابلة.\n• وقال أبو حنيفة: مرتين.\n• ولم يقدر أصحاب الشافعي عدد المرات، بل قدَّروه بما يصير به في العرف معلمًا.\n• وقد ذهب مالك، وربيعة إلى أنه لا يشترط في الكلب المعلم عدم الأكل؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه؛ فكل وإن أكل»\nوأجاب الجمهور بأنَّ العادة في المعلم ترك الأكل؛ فاعتُبِر شرطًا كالانزجار","vol":"10","page":174},{"text":"إذا زُجِر.\nوأما حديث أبي ثعلبة الخشني فقد أخرجه أبو داود (٢٨٥٢) من طريق: داود بن عمر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة به.\nوداود بن عمرو حسن الحديث؛ إلا أنَّ له بعض الأخطاء، والحديث في «الصحيحين» من طريق: ربيعة بن يزيد الدمشقي وهو ثقة عن أبي إدريس الخولاني به، وليس فيه ذكر: «وإن أكل»، ورواه عن أبي إدريس أيضًا يونس بن سيف الكلاعي عند أحمد (٤/ ١٩٥) وأبي داود (٢٨٥٦)، والوليد بن عبدالرحمن ابن أبي مالك عند الترمذي (١٤٦٤)، وليس عندهم ذكر الأكل.\nوجاء الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بزيادة: «وإن أكل» أخرجه أبو داود (٢٨٥٧)، وأحمد (٦٧٢٥) من طريق: حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب به.\nلكن رواه النسائي (٧/ ١٩١) من طريق: عبيدالله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب به بدون ذكر الأكل، واختلف في إسناده.\nقال البيهقي -﵀- (٩/ ٣٣٨): وقد روى شعبة عن عبد ربه بن سعيد، عن عمرو بن شعيب، عن رجل من هُذيل أنه سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الكلب يَصطاد؟ فقال: «كل، أكل أو لم يأكل» فصار حديث عمرو بهذا معلولًا.\nوقال: (٩/ ٢٣٨): وحديث الشعبي عن عدي بن حاتم أصح من حديث","vol":"10","page":175},{"text":"داود بن عمرو الدمشقي، ومن حديث عمرو بن شعيب، والله أعلم.\nقال ابن كثير -﵀- في «تفسير المائدة» [آية:٤]: وتوسط آخرون، فقالوا: إنْ أكل عقب ما أمسكه؛ فإنه يحرم؛ لحديث عدي بن حاتم، وللعلة التي أشار إليها النبي - ﷺ -: «فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه»، وأما إن أمسكه، ثم انتظر صاحبه، فطال عليه، وجاع، فأكل منه لجوعه؛ فإنه لا يؤثر في التحريم، وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني، وهذا تفريق حسن، وجمع بين الحديثين صحيح. اهـ\nالشرط الثالث: أن لا يأكل الكلب المعلم من الصيد.\n• وهو قول الجمهور كما تقدم.\n• وذهب مالك، وربيعة إلى عدم اشتراط ذلك، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤]، وبحديث أبي ثعلبة، وعمرو بن شعيب المتقدمين.\nواستدل الجمهور بحديث عدي بن حاتم، وهو الصحيح، وتقدم الكلام على حديث أبي ثعلبة، وعمرو بن شعيب، وأما الآية فمجملة بينها حديث عدي بن حاتم -﵁-. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٦٣) «المجموع» (٩/ ١٠٧).","vol":"10","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5668>مسألة [٢]: هل يُشترط في الصقر والبازي أن لا يأكل من الصيد</span>؟\n• الأصح في مذهب الشافعي اشتراط ذلك؛ لما ورد في حديث عدي عند أبي داود (٢٨٥١): «فإن أكل الكلب، والبازي؛ فلا تأكل».\n• وذهب الجمهور إلى عدم اشتراط ذلك في جارحة الطير؛ لأنَّ جوارح الطير تعلم بالأكل، ويتعذر تعليمها بترك الأكل؛ فلم يقدح في تعليمها، بخلاف الكلب، والفهد.\nوأما الحديث الذي استدلوا به فقد تفرد بذكر زيادة: «البازي» مجالد الهمداني، وهو ضعيف؛ فزيادته منكرة؛ لمخالفته للثقات في ذكرها.\nوهذا قول النخعي، وحماد، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، ومالك، وأحمد، والمزني وغيرهم، وهو الصحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5669>مسألة [٣]: إذا شرب الكلب دم الصيد، ولم يأكل منه</span>؟\n• كرهه الشعبي، والثوري؛ لأنه في معنى الأكل.\n• وأباحه الجمهور، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم؛ لأنه خرج الأكل منه بالنص، وأما الدم فلم يأت نصٌّ في ذلك. وهو الأقرب؛ لأنه لم يأكل من الصيد. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٦٦) «المجموع» (٩/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٦٤) «المجموع» (٩/ ١٠٨).","vol":"10","page":177},{"text":"تنبيه: الصيود الماضية التي لم يأكل منها مباحة لا تحرم؛ لكونه أكل من صيد حادث عند عامة العلماء، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يحرم جميع ما صاده قبل ذلك؛ لأنه تبين عدم تعليمه. وقوله ضعيف جدًّا. (^١)\nالشرط الرابع: أن يرسل الجارحة على الصيد.\n• مذهب الجمهور اشتراط ذلك؛ فإن استرسل بنفسه، فقتل؛ لم يبح، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وربيعة، وأبي ثور، وابن المنذر وغيرهم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أرسلت ...»، ولأنَّ الإرسال قام مقام التذكية.\n• وذهب عطاء، والأوزاعي إلى أنه يُباح إن كان أخرجه للاصطياد.\n• وقال إسحاق: إذا سمَّى عند انفلاته؛ أبيح صيده.\nوقول الجمهور هو الصواب، وهو ترجيح العثيمين، والفوزان. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5670>مسألة [٤]: إذا سمَّى عند انفلاته، وزجره فزاد الكلب في عدوه</span>؟\n• مذهب أحمد، وأبي حنيفة، ومالك في رواية أنه يحل، وهو قول إسحاق؛ لوجود النية، والتسمية والإغراء الذي أثر في عدو الكلب قبل الاصطياد.\n• وذهب الشافعي، ومالك في رواية إلى أنه لا يحل؛ لأنَّ الكلب استرسل بنفسه،\n_________\n(^١) «المجموع» (٩/ ١٠٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٦١) «المجموع» (٩/ ١٠٣) «الأطعمة» (ص ١٨٢) «الشرح الممتع» (٦/ ٣٧٩).","vol":"10","page":178},{"text":"وهو مانع، والإغراء مبيح، فيغلب جانب الحظر، ولأنَّ الإغراء يشترط أن يكون من حين الإرسال.\nورجَّح الإمام ابن عثيمين، والإمام الفوزان القول الأول، والله أعلم. (^١)\nالشرط الخامس: أن يجرح الصيد.\nوعليه: فإنْ أصابه بثقله فقتله، أو خنقه؛ فلا يباح عند أكثر العلماء، بل يصير موقوذًا.\nوقال الشافعي -﵀- في قولٍ له وهو الأصح عند أصحابه: إنه يباح؛ لأنه تشمله الآية ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يفصل بين جرحه وعدم ذلك.\nوأُجيب عنه بأنه لم يذكر ذلك؛ لكون الكلب، والصقر، وما أشبهها من شأنها أن تجرح الصيد، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في المعراض: «وإذا أصابه بعرضه؛ فإنه وقيذ، فلا تأكل»، وقد رجح ابن كثير -﵀- في تفسير المائدة [آية:٣] قول الجمهور، وتوسع في ذكر أدلة الشافعي ومناقشتها. (^٢)\nالشرط السادس: أن يرسله على صيد يراه.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٢٦٥): فَإِنْ أَرْسَلَهُ وَهُوَ لَا يَرَى شَيْئًا،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٦١) «المجموع» (٩/ ١٠٣) «الأطعمة» (ص ١٨٣) «الشرح الممتع» ٦/ ٣٧٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٦٤) «المجموع» (٩/ ١٠٣).","vol":"10","page":179},{"text":"وَلَا يُحِسُّ بِهِ، فَأَصَابَ صَيْدًا؛ لَمْ يُبَحْ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ عَلَى الصَّيْدِ، وَإِنَّمَا اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ. وَهَكَذَا إنْ رَمَى سَهْمًا إلَى غَرَضٍ، فَأَصَابَ صَيْدًا، أَوْ رَمَى بِهِ إلَى فَوْقِ رَأْسِهِ فَوَقَعَ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ؛ لَمْ يُبَحْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِرَمْيِهِ عَيْنًا، فَأَشْبَهَ مَنْ نَصَبَ سِكِّينًا، فَانْذَبَحَتْ بِهَا شَاةٌ. اهـ\nالشرط السابع: التسمية عند إرساله.\n• ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط التسمية؛ لحديث عدي بن حاتم، وأبي ثعلبة.\n• وخالف الشافعي فقال بالاستحباب، وسنذكر إن شاء الله أدلته عند الكلام على التسمية في الذبيحة.\nثم اختلف الجمهور على أقوال:\n• فمنهم من قال: هي شرطٌ مطلقًا على الذاكر والناسي في حالة إرسال الجارح، أو حالة إرسال السهم. وهذا قول الشعبي، وأبي ثور، وداود، وأحمد.\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه إن نسي التسمية فله الأكل؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» (^١)، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].\n• وعن أحمد رواية عدم اشتراطه في الناسي يرمي السهم؛ لأنه يشبه الذبح.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (١٠٧٧).","vol":"10","page":180},{"text":"والصحيح أنَّ التسمية شرطٌ للذاكر والناسي، ولا يُباح الصيد لمن نسي التسمية، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5671>مسألة [٥]: كيفية التسمية</span>.\n• ذكر أهل العلم أنه يقول: (باسم الله)، ولا يقوم غيرها من الذكر مقامها، كالتهليل، والتعظيم، والتسبيح، وهذا قول أحمد، والشافعي.\n• ومذهب الحنفية، والمالكية جواز أي ذكر لله؛ لأنه يكون قد ذكر اسم الله عليها.\nوأجاب أحمد، والشافعي أنَّ السنة قد بينت التسمية عند الذبيحة بقوله: (باسم الله)؛ فكذلك في الصيد.\nوهذا هو الصحيح.\n• وأجاز بعض الفقهاء أن يزيد: (والله أكبر) كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الأضحية، والأولى الاقتصار على (باسم الله).\n• واستحبَّ الشافعي زيادة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وكذا أبو إسحاق بن شاقلا.\n• ومذهب أحمد، والليث عدم مشروعية ذلك، وهو الصحيح. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٥٨) «المجموع» (٩/ ١٠٢) «الأطعمة» (ص ١٨٩) «الشرح الممتع» (٦/ ٣٨١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٦٠) «الأطعمة» (ص ١٣٣).","vol":"10","page":181},{"text":"فائدة: قال الإمام ابن عثيمين -﵀- (٦/ ٣٨٠): الصحيح جواز إضافة كلمة (اسم) إلى اسم آخر (كالرحمن، والعزيز، والجبار) وما أشبه ذلك؛ لأنَّ قوله (باسم الله) أي: باسم هذا المسمى، فإذا أُضيفت كلمة اسم إلى ما يختص بالله عزوجل فلا فرق بين لفظ الجلالة (الله) وغيرها. انتهى بتصرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5672>مسألة [٦]: جوارح الطير، والسباع غير الكلب</span>.\n• الصيد بجوارح الطير والسباع التي تقبل التعلم ويمكن الاصطياد بها جائز، كالكلب عند عامة أهل العلم، كالفهود، والصقور، والبازي.\n• وحُكي عن ابن عمر -﵄-، ومجاهد أنه لا يجوز الصيد إلا بالكلب، ونحوه عن سعيد بن جبير.\nواستدل الجمهور بعموم الآية؛ لأنها من الجوارح، وقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:٤] قيل: إنها حال من الجوارح، أي: وما علمتم من الجوارح حال كونهن مكلبات للصيد، وذلك أن تقتنصه بمخالبها، أو أنيابها.\nوقيل: إنه حال من الضمير في قوله: ﴿عَلَّمْتُمْ﴾؛ فيكون من التكليب، أي: الإغراء، وجمعه وحثه على الشيء.\nوأما أثر ابن عمر -﵄- فقد أخرجه ابن جرير في تفسيره لسورة المائدة [آية:٤]، وعبدالرزاق (٨٥١٩)، وابن أبي شيبة (٥/ ٣٦٥)، وفي إسناده عنعنة ابن","vol":"10","page":182},{"text":"جريج. والصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5673>مسألة [٧]: هل يباح صيد الكلب الأسود البهيم</span>؟\n• مذهب الحسن، والنخعي، وقتادة، وأحمد، وإسحاق عدم إباحة صيده؛ لأنه مأمور بقتله، فلا يجوز اقتناؤه، فكيف يُباح صيده؟!.\n• ومذهب مالك، والشافعي، والحنفية جواز صيده؛ لعموم الآية، ولا يلزم من الأمر بقتله أن لا يباح صيده.\nوالصحيح القول الأول، والآية مخصوصة بالحديث، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5674>مسألة [٨]: إن أدرك الصيد وفيه حياة مستقرة</span>؟\n• إن لم يتسع الوقت لتذكيته؛ يحل عند الجمهور.\n• وخالف أبو حنيفة، فقال: لا يحل؛ لأنه قد تعلقت به الذكاة؛ فهو كما لو اتَّسَع الوقت، فتوانى في ذبحه، فمات.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لأنه معذورٌ غير مفرط.\nوأما ما لم تكن فيه حياة مستقرة، كحركة المذبوح، فيباح عند الجميع بدون تذكية.\nوأما إذا أُصيب الصيد بجرح يعيش به طويلًا، فلم يذكه حتى مات؛ فلا يباح\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٦٥) «المجموع» (٩/ ٩٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٦٧) «المجموع» (٩/ ٩٥).","vol":"10","page":183},{"text":"عند عامة العلماء. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5675>مسألة [٩]: إذا لم يجد ما يذبحه به، وفيه حياة مستقرة</span>؟\n• أكثر العلماء على أنه لا يحل إلا بذبحه؛ لأنه أصبح مقدورًا عليه.\n• وذهب الحسن، والنخعي، وأحمد في رواية إلى أنه يرسل الكلب عليه مرة أخرى؛ ليُجهِز عليه.\nوصحح ابن قدامة قول الجمهور؛ لأنه حيوان لا يُباح بغير التذكية إذا كان معه آلة الذكاة، فلم يبح بغيرها إذا لم يكن معه آلة كسائر المقدور على تذكيته.\nقال: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا يُخَافُ مَوْتُهُ إنْ لَمْ يَقْتُلْهُ الْحَيَوَانُ أَوْ يُذَكَّى؛ فَإِنْ كَانَ بِهِ حَيَاةٌ يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ إلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مَنْزِلَهُ، فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ إلَّا بِالذَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَى تَذْكِيَتِهِ. اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5676>مسألة [١٠]: إذا وجد مع كلبه كلبًا آخر عند الصيد</span>؟\nذكر أهل العلم أنه لا يُباح الصيد إلا إن تيقن أنَّ كلبه هو الذي اصطاده منفردًا، أو شاركه الآخر، والآخر كلب صيد تمت فيه شروط إباحة الصيد.\nوأما إذا لم يكن كلبًا معلمًا تمت فيه الشروط، ولم يتيقن أنَّ كلبه انفرد به فلا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٦٨) «المجموع» (٩/ ١١٥ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٦٩) «المجموع» (٩/ ١١٥ - ١١٦) «المحلى» (١٠٧٩).","vol":"10","page":184},{"text":"يحل؛ للحديث الذي في الباب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5677>مسألة [١١]: إذا أرسل مجوسيٌّ كلبه مع كلب المسلم، فأصاباه جميعًا</span>؟\nذكر أهل العلم أنه لا يباح؛ لأنه اجتمع مبيحٌ وحاظرٌ، فيغلب جانب الحظر.\n• وإن ردَّ كلب المجوسي الصيد جهة كلب المسلم، فصاده كلب المسلم؛ جاز عند الجمهور.\n• وخالف أبو حنيفة، فقال: لا يحل؛ لأنَّ كلب المجوسي قد شارك وأعان في قتل الصيد.\nوالصحيح قول الجمهور. (^٢)\nتنبيه: وكذا يحرم إذا اشترك مع الكلب المعلم كلب معلم لم تكتمل فيه الشروط السابقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5678>مسألة [١٢]: إذا صاد المجوسي بكلب المسلم، وصاد المسلم بكلب المجوسي</span>؟\n• جمهور العلماء على أنَّ العبرة بالمرسل لا بالكلب، فإذا أرسل المسلم كلبًا معلمًا؛ حل الصيد، سواء كان الكلب من تعليم المسلم، أو من تعليم المجوسي، وإذا صاد المجوسي بكلب المسلم؛ لم يحل، وهذا لا خلاف فيه.\n• وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يباح صيد المسلم بكلب المجوسي، وهو\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٧٠).\n(^٢) «المغني» (١٣/ ٢٧١ - ٢٧٢).","vol":"10","page":185},{"text":"قول أحمد في رواية.\nوالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5679>مسألة [١٣]: إذا أرسل الصائد السهم، أو الجارحة على صيدٍ، فأصاب صيدًا غيرَه، أو آخرَ معه</span>؟\n• مذهب الجمهور أنَّ الصيد حلال؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله؛ فكل مما أمسك عليك»، وهذا قول أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة.\n• إلا أنَّ الشافعي قال في كلب الصيد: إن أخذ آخر في طريقه؛ حل، وإن عدا عن طريقه إليه؛ ففيه وجهان.\n• وقال مالك: إذا أرسل كلبه على صيد بعينه، فأخذ غيره؛ لم يُبح؛ لأنه لم يقصد صيده. وهو قول داود.\nوأجاب الجمهور بأنه لا يمكن تعليم الجارح اصطياد واحد بعينه دون واحد، فسقط اعتباره، ورجَّح الفوزان قول الجمهور، وهو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5680>مسألة [١٤]: إن أرسل سهمه، أو الجارح، ولا يرى صيدًا</span>؟\n• مذهب مالك، والشافعي، وأحمد عدم جوازه؛ لأنَّ قصد الصيد شرط، ولا\n_________\n(^١) «المغني» (١٣/ ٢٧٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥) «المجموع» (٩/ ١٢٢) «الأطعمة» (ص ١٨٤) «المحلى» (١٠٧٩).","vol":"10","page":186},{"text":"يصح القصد مع عدم العلم.\n• وأجازه الحسن، ومعاوية بن قرة؛ لعموم الآية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5681>مسألة [١٥]: من رمى شيئًا يظنه حجرًا، أو عدوًّا، أو خنزيرًا، فبان صيدًا</span>؟\n• مذهب الشافعي، وأبي حنيفة جوازه؛ لعموم الآية: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، والحديث: «وما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه؛ فكل».\n• ولم يجزه الشافعي في الجارحة.\n• ومذهب مالك، وأحمد، ومحمد بن الحسن عدم جواز ذلك، واستثنى محمد بن الحسن إذا ظنه خنزيرًا، أو كلبًا؛ فأجازه.\nوحجة من لم يُجِزْ ذلك -وهو الأقرب- أنه لم يقصد الصيد؛ فهو كما لو رمى هدفًا، فأصاب صيدًا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5682>مسألة [١٦]: إذا غاب الصيد عن عينه، ثم أدركه ومعه سهمه، أو كلبه</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز ذلك وإباحته إذا لم يجد في الصيد إلا أثر سهمه، وهو قول الحسن، وقتادة، وأحمد في المشهور عنه، وهو قول مالك في رواية.\n• وقال مالك: إن أدركه من يومه؛ أكله. وعن أحمد رواية بنحوه.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٧٥) «المجموع» (٩/ ١٢١) «المحلى» (١٠٩٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٧٥) «المجموع» (٩/ ١٢٢).","vol":"10","page":187},{"text":"• ومذهب الشافعي، وداود تحريمه.\n• وقال أبو حنيفة: يُباح إن كان مستمرًّا في طلبه؛ فإن ترك طلبه؛ لم يبح.\nوالصحيح هو القول الأول؛ لحديث عدي بن حاتم، وأبي ثعلبة -﵄-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5683>مسألة [١٧]: إذا رمى الصيد فوقع في ماء، أو تردى من جبل</span>؟\nأما إذا كانت الجراحة غير مهلكة، فلا خلاف في تحريمه؛ لأنه لا يُدْرَى أقتل بالجراحة، أم بالغرق والتردي؟\n• وأما إن كانت الجراحة مهلكة كأن يقطع رأسه أو يبين حِشْوتَه، ففيه قولان:\nالأول: يُباح، ولا يضره الغرق، أو التردي. وهذا قول الشافعي، ومالك، والليث، وقتادة، وأبي ثور، وجماعة من الحنابلة؛ لأنه صار في حكم الميت في الذبح.\nالثاني: لا يُباح. وهو قول أحمد، وإسحاق، وعطاء، وربيعة، وأصحاب الرأي؛ لأنه يحتمل أنَّ الماء أعان على خروج روحه، فصار بمنزلة ما لو كانت الجراحة غير موجبة، ورجَّح هذا الفوزان.\nقلتُ: القول الأول أقرب؛ لأنه قد صار في حكم الميت، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٧٦) «المجموع» (٩/ ١١٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٧٨) «الأطعمة» (ص ١٨٨ - ١٨٩).","vol":"10","page":188},{"text":"تنبيه: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٢٧٨): وَلَوْ وَقَعَ الْحَيَوَانُ فِي الْمَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْتُلُهُ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ خَارِجًا مِنْ الْمَاءِ، أَوْ يَكُونَ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي لَا يَقْتُلُهُ الْمَاءُ، أَوْ كَانَ التَّرَدِّي لَا يَقْتُلُ مِثْلَ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ، فَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَتِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قال: «فَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي الْمَاءِ؛ فَلَا تَأْكُلْهُ»؛ وَلِأَنَّ الْوُقُوعَ فِي الْمَاءِ وَالتَّرَدِّي إنَّمَا حُرِّمَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا أَوْ مُعِينًا عَلَى الْقَتْلِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5684>مسألة [١٨]: إذا رمى طيرًا في الهواء، فسقط على الأرض، فمات، فهل يحل</span>؟\n• مذهب الجمهور جوازه؛ لأنه صيد سقط بالإصابة سقوطًا لا يمكن الاحتراز عن سقوطه عليه، فيحل كما لو أصاب الصيد فسقط على جنبه، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي.\n• ومذهب مالك عدم الجواز؛ إلا أن تكون الجراحة مهلكة، أو يموت قبل سقوطه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة:٣]؛ ولأنه اجتمع مبيح وحاظر، فيغلب جانب الحظر.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لما تقدم، إلا أنْ تكون الجراحة خفيفة يُعلم عدم حصول الموت منها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5685>مسألة [١٩]: إذا رمى صيدًا، فقطع منه عضوًا، أو أكثر</span>؟\nهذه المسألة لها ثلاثة أحوال:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٧٩) «المجموع» (٩/ ١١٣).","vol":"10","page":189},{"text":"الحالة الأولى: أن يقطعه قطعتين، أو يقطع رأسه.\n• فهذا حلال عند الجمهور، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وداود الظاهري، ومن التابعين عكرمة، والنخعي، وقتادة.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه يحل إذا كانت القطعتان متساويتين، أو التي مع الرأس أقل، أما إذا كانت التي مع الرأس أكثر؛ فإنها تحل وتحرم الأخرى؛ لحديث: «ما أُبِينَ من حيٍّ؛ فهو ميت».\nوأجاب الجمهور بأنه جزء لا تبقى الحياة مع فقده، فيُباح كما لو تساوت القطعتان.\nالحالة الثانية: أنْ يُبين منه عضوًا، وتبقى فيه حياة مستقرة، فالبائن محرم، سواء بقي الحيوان حيًّا، أو أدركه فَذَكَّاه، أو رماه بسهم آخر فقتله.\nالحالة الثالثة: أن يبين منه عضوًا، ولا تبقى فيه حياة مستقرة.\n• فمذهب أحمد في الأشهر عنه الإباحة، وهو قول الشافعي، وداود؛ لأنها حياة غير مستقرة؛ فهو كحياة المذكَّى، وهو قول عطاء، والحسن.\n• وقال قتادة، وإبراهيم، وعكرمة: إن وَقَعا معًا؛ أكلهما، وإن مشى بعد قطع العضو؛ أكله، ولم يأكل ا لعضو.\n• ومذهب أبي حنيفة عدم الجواز، وهو رواية عن أحمد؛ لحديث: «ما أُبين من الحي؛ فهو ميت».","vol":"10","page":190},{"text":"والصحيح القول الأول، والله أعلم.\nقال ابن قدامة -﵀-: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالطَّرِيدَةِ بَأْسًا، كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي مَغَازِيهِمْ، وَمَا زَالَ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ فِي مَغَازِيهِمْ. وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو عَبْدِ الله، قَالَ: وَالطَّرِيدَةُ الصَّيْدُ يَقَعُ بَيْنَ الْقَوْمِ، فَيَقْطَعُ ذَا مِنْهُ بِسَيْفِهِ قِطْعَةً، وَيَقْطَعُ الْآخَرُ أَيْضًا، حَتَّى يُؤْتَى عَلَيْهِ وَهُوَ حَيٌّ. قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي إلَّا أَنَّ الصَّيْدَ يَقَعُ بَيْنَهُمْ، لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَكَاتِهِ، فَيَأْخُذُونَهُ قِطَعًا. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5686>مسألة [٢٠]: صيد المعراض</span>.\nالمِعْرَاض: عود محدد، وربما جُعِل في رأسه حديدة.\n• دلَّ حديث عدي بن حاتم على جواز ما أصابه بحده، فخرقه، وأما إذا أصابه بثقله، فلا يُباح؛ لأنه وقيذٌ، وهذا قول جمهور العلماء، وأصحاب المذاهب الأربعة.\n• وذهب الأوزاعي وغيره من أهل الشام إلى جوازه مطلقًا، وإن قتل بعرضه، ولعله لم يبلغهم النصُّ في ذلك، والله أعلم.\n• ومنع منه الحسن مطلقًا.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٨٠) «المجموع» (٩/ ١١٨) «المحلى» (١٠٧٦) «ابن أبي شيبة» (٥/ ٣٧٣ - ٣٧٥).","vol":"10","page":191},{"text":"والصحيح تفصيل الجمهور. (^١)\nتنبيه: السيف، والرمح، وغيرها من الأسلحة حكمها حكم المعراض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5687>مسألة [٢١]: إذا نصب أحبولة فيها حجر، أو شبكة، أو حديد</span>؟\n• أما إذا أُصيب بالحجر، أو الحديد، أو غيرها بثقلها؛ فلا يُباح ذلك الصيد عند عامة أهل العلم؛ إلا ما نُقل عن الحسن أنه أجاز ذلك إذا سمَّى عند نصبها.\n• وأما إذا أصابه بسلاح حادٍّ فقتله؛ فيُباح في مذهب أحمد، وهو قول الحسن، وقتادة.\n• ومذهب الشافعي أنه لا يُباح؛ إلا أن يدرك ذكاته؛ لأنه لم يرم، فهو كما لو نصب سكينًا فذبحت شاة.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: يشترط التسمية عند الرمي، والأمر في هذه المسألة متعذر؛ فالأقرب قول الشافعي، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5688>مسألة [٢٢]: الأمور التي يملك بها الصيد</span>.\nأحدها: أن يضبطه بيده، فيملكه، ولا يُشترط فيه قصد التملك، فلو أخذ صيدًا لينظر إليه؛ ملكه، وإن انفلت من يده لم يَزُلْ ملكه عنه؛ لأنه امتنع منه بعد ثبوت ملكه؛ فلم يزل عنه كما لو شردت عليه فرسه.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٨٢) «المجموع» (٩/ ١١١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٨١) «المجموع» (٩/ ١١٨ -) «المحلى» (١٠٨١).","vol":"10","page":192},{"text":"الثاني: أن يجرحه جراحة مذففة، أو يرميه رمية مثخنة، بحيث يعجز عن العدو، أو الطيران، ويزول امتناعه.\nالثالث: أن ينصب شبكة ونحوها للصيد، فيقع فيها صيد، فيملكه؛ مالم ينفلت الصيد من شبكته، أو يهرب مع الشبكة على وجهٍ يقدر على الامتناع. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5689>مسألة [٢٣]: هل يغسل موضع فم الكلب من الصيد</span>؟\n• في ذلك وجهان للحنابلة، والشافعية.\nوالأقرب وجوب غسله، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5690>مسألة [٢٤]: إذا رمى شخصٌ الصيد، فأثبته، ثم رماه آخر فقتله</span>؟\nأما الذي يملكه فهو الأول عند عامة العلماء، وأما إباحته؛ فإن كانت رمية الأول مهلكة؛ فهو مباح، وإن كانت رميته غير مهلكة؛ فينظر في رمية الثاني: إن وقعت في الحلق واللبة؛ فعليه أرش الذبح فقط، وإن كانت وقعت في غير الحلق واللبة؛ فعليه ضمانه؛ لأنه قتل ما هو مقدور عليه، والمقدرو عليه يُذبح ذبحًا، وهذا قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٩/ ١٢٩) «المغني» (١٣/ ٢٨٣، ٢٨٧) «المحلى» (١٠٧٥).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٩/ ١٠٨ - ١٠٩) «المغني» (١٣/ ٢٦٦).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٨٣ -) «المحلى» (١٠٧٩).","vol":"10","page":193},{"text":"١٣٣٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ، لَا نَدْرِي: أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: «سَمُّوا اللهَ عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5691>مسألة [١]: إذا أُهدِي لشخص لحم صيد، أو ذبيحة، ولا يدري أذُكِر اسم الله عليه، أم لا</span>؟\nدلَّ حديث الباب على أنَّ من لم يَعْلَم أسُمِّيَ عليه أم لا؟ أنه يُباح له ذلك؛ لأنَّ المسلم الأصل فيه أنه يسمي عند الذبح، فقدم الظاهر من الحال على الأصل، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٥٥٠٧). من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.\nوقد اختلف في وصله وإرساله، فرواه موصولًا عبدالعزيز الدراوردي، وعبدالرحيم بن سليمان، ومحاضر بن المورع، والنضر بن شميل، وأبوخالد الأحمر، وأسامة بن حفص، ومحمد بن عبدالرحمن الطفاوي.\nورواه مرسلًا بدون ذكر عائشة: مالك، والقطان، وابن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة.\nفذهب البخاري إلى أن الموصول محفوظ، وذهب الدارقطني وأبوزرعة إلى أن الصواب المرسل والوصل غير محفوظ. انظر: «الفتح» (٥٥٠٧)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١٥٢٥).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٥٥٠٧) «الأطعمة» للفوزان (ص ١٣٤ - ١٣٥).","vol":"10","page":194},{"text":"١٣٣٦ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الخَذْفِ، وَقَالَ: «إنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ العَيْنَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5692>مسألة [١]: معنى الخذف، وحكم الصيد بالحجارة، والبندقة</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٤٧٩): وَقَالَ اِبْن فَارِس: خَذَفْت الْحَصَاة رَمَيْتهَا بَيْن أُصْبُعَيْك، وَقِيلَ فِي حَصَى الْخَذْف: أَنْ يَجْعَل الْحَصَاة بَيْن السَّبَّابَة مِنْ الْيُمْنَى وَالْإِبْهَام مِنْ الْيُسْرَى ثُمَّ يَقْذِفهَا بِالسَّبَّابَةِ مِنْ الْيَمِين.\nوَقَالَ اِبْن سِيدَهْ: خَذَفَ بِالشَّيْءِ يَخْذِف فَارِسِيّ، وَخَصَّ بَعْضهمْ بِهِ الْحَصَى، قَالَ: وَالْمِخْذَفَة الَّتِي يُوضَع فِيهَا الْحَجْر وَيُرْمَى بِهَا الطَّيْر، وَيُطْلَق عَلَى الْمِقْلَاع أَيْضًا. قَالَهُ فِي «الصِّحَاح».\nثم قال الحافظ -﵀-: قَالَ الْمُهَلَّب: أَبَاحَ الله الصَّيْد عَلَى صِفَة، فَقَالَ: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾، وَلَيْسَ الرَّمْي بِالْبُنْدُقَةِ وَنَحْوهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ وَقِيذ، وَأَطْلَقَ الشَّارِع أَنَّ الْخَذْف لَا يُصَاد بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ المُجْهِزَات، وَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ عَلَى تَحْرِيم أَكْل مَا قَتَلَتْهُ الْبُنْدُقَة وَالْحَجَر اِنْتَهَى. وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُل الصَّيْد بِقُوَّةِ رَامِيه لَا بِحَدِّهِ. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٤٧٩)، ومسلم (١٩٥٤) (٥٦).","vol":"10","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5693>مسألة [٢]: الصيد بالحجارة، والطين</span>.\nقال الخِرَقِي -﵀- في «مختصره»: ولا يؤكل ما قتل بالبندق، أو الحجر؛ لأنه موقوذ. اهـ\nالبندق: جمع بندقة، وهي عبارة عن طينة مدورة يُرمَى بها.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٢٩٥): يَعْنِي الْحَجَرَ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ، فَأَمَّا المُحَدَّدُ كَالصَّوَّانِ، فَهُوَ كَالْمِعْرَاضِ، إنْ قَتلَ بِحَدِّهِ؛ أُبِيحَ، وَإِنْ قَتلَ بِعَرْضِهِ أَوْ ثِقَلِهِ؛ فَهُوَ وَقِيذٌ لَا يُبَاحُ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي المَقْتُولَةِ بِالْبُنْدُقِ: تِلْكَ المَوْقُوذَةُ. (^١) وَكَرِهَ ذَلِكَ سَالِمٌ، وَالْقَاسِمُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَرَخَّصَ فِيمَا قُتِلَ بِهَا ابْنُ المُسَيِّبِ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَمَّارٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى.\nقال: وَلَنَا قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾.انتهى المراد.\n_________\n(^١) ثبت عن ابن عمر -﵄- أنه كان لا يأكلها، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ٣٧٨)، واللفظ المذكور أخرجه البيهقي (٩/ ٢٤٩) بإسناد صحيح.","vol":"10","page":196},{"text":"١٣٣٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5694>مسألة [١]: حكم صبر البهائم واتخاذها غرضًا</span>.\nدلَّ حديثُ الباب على تحريم ذلك، وكذلك حديث جابر -﵁- الذي سيأتي بعد حديثين: نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يقتل شيء من الدواب صبرًا.\nوفي «مسلم» (١٩٥٨) عن ابن عمر -﵄- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا. وهذا وعيد شديد.\nوإذا قتل الحيوان على هذه الطريقة؛ حَرُمَ أكله، نصَّ على ذلك أحمد، وإسحاق وغيرهما.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٩٥٧).","vol":"10","page":197},{"text":"١٣٣٨ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-: أَنَّ امْرَأَةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n١٣٣٩ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n١٣٤٠ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄- قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْرًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٣)\n\n١٣٤١ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٤)\n\n١٣٤٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ذَكَاةُ الجَنِينِ\n_________\n(^١) ضعيف معل. أخرجه البخاري برقم (٥٥٠٤). واختلف في أسانيده على نافع.\nقال الدارقطني في «التتبع»: اختلف فيه على نافع وعلى أصحابه، اختلف فيه على عبيدالله وعلى يحيى بن سعيد وعلى أيوب وعلى إسماعيل بن أمية وعلى موسى بن عقبة وعلى غيرهم. وقيل فيه: عن نافع عن ابن عمر، ولا يصح، والاختلاف فيه كثير. اهـ\nقال الحافظ في مقدمة «الفتح» (ص ٥٤٠): وهو كما قال، وعلته ظاهرة، والجواب عنه فيه تكلف وتعسف.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٥٠٣)، ومسلم (١٩٦٨).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (١٩٥٩).\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (١٩٥٥).","vol":"10","page":198},{"text":"ذَكَاةُ أُمِّهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\n١٣٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «المُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ؛ فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ ثُمَّ لِيَأْكُلْ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ وَهُوَ صَدُوقٌ ضَعِيفُ الحِفْظِ. (^٢)\nوَأَخْرَجَهُ عَبْدُالرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ. (^٣)\n\n١٣٤٤ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ بِلَفْظِ: «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلَالٌ، ذَكَرَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يَذْكُرْ». وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ. (^٤)\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٣/ ٣٩)، وابن حبان (٥٨٨٩) من طريق أبي عبيدة الحداد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي الوداك جبر بن نوف، عن أبي سعيد الخدري، وهذا إسناد حسن.\nوالحديث أيضًا عند أبي داود (٢٨٢٧)، والترمذي (١٤٧٦)، وابن ماجه (٣١٩٩)، وأحمد (٣/ ٣١)، ولكن في إسناده مجالد بن سعيد الهمداني، ولعل الحافظ عدل عن هذه الطريق من أجله، فأحسن -﵀- في ذلك، والله أعلم.\n(^٢) ضعيف والراجح وقفه. أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٩٦)، من طريق محمد بن يزيد بن سنان عن معقل بن عبيدالله عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس به.\nوإسناده ضعيف؛ لضعف محمد بن يزيد، ثم إن المحفوظ وقفه، فقد رواه سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن عكرمة عن ابن عباس موقوفًا قال: إن في المسلم اسم الله؛ فإن ذبح ونسي اسم الله فليأكل، وإن ذبح المجوسي وذكر اسم الله فلا تأكله. أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٤٨١) (٨٥٤٨) بإسناد صحيح.\n(^٣) تقدم تخريجه في التخريج السابق.\n(^٤) ضعيف. أخرجه أبوداود في «المراسيل» (٣٧٨)، من طريق الصلت السدوسي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فذكره. وهو ضعيف؛ لكونه مرسلًا، ولكون مرسله مجهولًا.","vol":"10","page":199},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5695>مسألة [١]: الحيوان المقدور عليه لا يحل إلا بالتذكية</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٣٠١): فَأَمَّا الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ مِنَ الأَنْعَامِ، فَلَا يُبَاحُ إلَّا بِالذَّكَاةِ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَتَفْتَقِرُ الذَّكَاةُ إلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: ذَابِحٍ، وَآلَةٍ، وَمَحَلٍّ، وَفِعْلٍ، وَذِكْرٍ. انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5696>مسألة [٢]: شروط الذابح</span>.\nيُشترط في الذابح أن يكون مسلمًا، أو كتابيًّا، وأن يكون عاقلًا.\nوعلى ذلك فإن كان الذابح، أو الصائد مجوسيًّا؛ لم يحل صيده، ولا ذبيحته عند عامة أهل العلم؛ لأنَّ الله عزوجل قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة:٥].\n• وخالف أبو ثور فأباح ذبائحهم واحتُجَّ له بحديث: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (^١)، وهو حديث ضعيف، والمقصود به في الجزية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5697>مسألة [٣]: وهل يُباح صيد المجوسي للسمك، والجراد</span>؟\n• جمهور العلماء على إباحته؛ لأنَّ ميتة السمك والجراد مباحة.\n• وخالف مالك، والليث، فقالا بالتحريم في الجراد، وهو قول ضعيف.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في «البلوغ» رقم (١٣٠٥).","vol":"10","page":200},{"text":"وأما الحيتان فمجمع على إباحتها. (^١)\nتنبيه: حكم سائر الكفار غير أهل الكتاب من عبدة الأوثان، والزنادقة حكم المجوسي في تحريم ذبائحهم، وكذا المرتد؛ إلا أنَّ إسحاق أجازها إذا ارتد للنصرانية واليهودية. (^٢)\nتنبيه آخر: طعام المجوس، وعبدة الأوثان غير الذبائح حلال عند أهل العلم؛ ما لم يختلط بمحرم، وممن قال بذلك الشعبي، والحسن، وأحمد وغيرهم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5698>مسألة [٤]: ذبيحة الكتابي</span>.\nتحل ذبيحة الكتابي بلا خلاف عند أهل العلم إذا سمَّى الله عليها ولم يذبحها لغير الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، وخالف الشيعة، ولا يعتد بخلافهم. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5699>مسألة [٥]: ذبيحة المجنون، والسكران، والصبي الذي لا يميز</span>.\n• مذهب الجمهور عدم صحة ذبيحتهم؛ لأنهم لا قصد لهم، وهو قول مالك، وأحمد، وابن المنذر، وداود، ووجهٌ للشافعية.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٩٦ -) «المجموع» (٩/ ٧٩).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٩/ ٧٩) «المغني» (١٣/ ٢٩٨) (١٣/ ٢٨٩).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٩٨).\n(^٤) انظر: «المغني» (١٣/ ٣١١) «المجموع» (٩/ ٧٨، ٨٠).","vol":"10","page":201},{"text":"• والأصح عند الشافعية صحة ذبيحتهم، وهو قول أبي حنيفة، كما لو قطع عنق شاة يظنها خشبة. والصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5700>مسألة [٦]: ذبيحة المرأة، والصبي المميز</span>.\nتحل ذبيحتهم بالإجماع، نقله ابن المنذر، وابن قدامة وغيرهما، وقد استدلوا على ذبيحة المرأة بحديث كعب بن مالك الذي في الكتاب، وقد أُعِلَّ كما تقدم، ولكن يُغني عنه حديث جابر في «مسند أحمد» (٣/ ٣٥١) أنَّ امرأة دعت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه وذبحت لهم شاة. وهو في «الجامع الصحيح» لشيخنا -﵀- (٤/ ٢٦٤). (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5701>مسألة [٧]: ذبيحة الجنب، والحائض</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٩/ ٧٧): نقل ابن المنذر الاتفاق على إباحة ذبيحة الجنب.\nقال: وإذا دلَّ القرآن على حِلِّ إباحة ذبيحة الكتابي مع أنه نجس؛ فالذي نفت السنة عنه النجاسة أولى.\nقال: والحائض كالجنب. اهـ (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5702>مسألة [٨]: ذبيحة الأقلف، وهو من لم يُختن</span>.\nقال النووي -﵀- (٩/ ٧٨): مذهبنا أنه حلال، وبه قال جماهير العلماء. قال\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٠١) «المجموع» (٩/ ٧٦ - ٧٧) «المغني» (١٣/ ٣١١).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٩/ ٧٧) «المغني» (١٣/ ٣١١).\n(^٣) وانظر: «المغني» (١٣/ ٣١٤).","vol":"10","page":202},{"text":"ابن المنذر: وبه قال عوام أهل العلم من علماء الأمصار.\nقال: وبه نقول. قال: وقال ابن عباس: لا تؤكل. وهو إحدى الروايتين عن الحسن البصري، واحتج ابن المنذر والأصحاب بعموم قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٨]، وبأنَّ الله تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب، ومنهم الأقلف؛ فالمسلم أولى. اهـ\nقلتُ: أثر ابن عباس -﵄- صحيح، أخرجه أحمد، والخلَّال كما في «تحفة المودود» (ص ١٩٥ - ١٩٦) بإسناد صحيح، وقال بذلك عكرمة، وأنكر الحسن ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5703>مسألة [٩]: ذبيحة السارق، والغاصب</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٩/ ٧٨): مذهبنا إباحة أكل ذبيحة السارق، والغاصب، وسائر من تعدى بذبح مال غيره لصاحبها ومن أذن له صاحبها، وبه قال الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، ومالك، وأبو حنيفة، والجمهور. وقال طاوس، وعكرمة، وإسحاق بن راهويه: يُكره. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5704>مسألة [١٠]: الآلة التي يحصل بها الذبح</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى حصول الذبح ومشروعيته بكل محدد إلا الظفر، والسنّ، وسائر العظام.\nواستدلوا بحديث رافع بن خديج الذي في الكتاب، وهو قول النخعي،","vol":"10","page":203},{"text":"والحسن بن صالح، والليث، والشافعي في الأصح في مذهبه، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبي داود، وداود الظاهري، وأبي ثور، ومالك في رواية.\n• وذهب أحمد في الرواية الأخرى، ومالك كذلك، والشافعي في قول إلى جواز الذبح بالعظام غير السن؛ لعموم قوله: «ما أنهر الدم ...».\n• وذهب أبو حنيفة إلى جواز الذبح بالسن، والظفر إذا كانا منفصلين.\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5705>مسألة [١١]: لو ذبح بسكين مغصوب، أو مسروق</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٩/ ٨٢): يكره ذلك، وتحل الذبيحة بلا خلاف عندنا، قال العبدري: وبه قال العلماء كافة إلا داود، فقال: لا تحل. وهو رواية عن أحمد؛ لقوله - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد» رواه مسلم بهذا اللفظ من رواية عائشة -﵂-، فيصير كأنه لم يوجد ذبح.\nواحتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:٣]، وبقوله - ﷺ - في الحديث المذكور قريبًا: «ما أنهر الدم». والجواب عن حديث «من عمل عملًا» أنه يقتضي تحريم فعله ولا يلزم منه إبطال الذكاة، ولهذا لو ذبح بسكين حلال في أرض مغصوب أو توضأ بماء في أرض مغصوبة؛ فإنها تحصل الذكاة والوضوء بالإجماع. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٠٢) «المجموع» (٩/ ٨٣).","vol":"10","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5706>مسألة [١٢]: محل التذكية</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٣٠٣): وَأَمَّا الْمَحِلُّ فَالْحَلْقُ وَاللَّبَّةُ، وَهِيَ الْوَهْدَةُ الَّتِي بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ، وَلَا يَجُوزُ الذَّبْحُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحِلِّ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ\nوجاء حديثٌ عند الدارقطني (٤/ ٢٨٣) عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «الذكاة في الحلق واللَّبَّة»، وفي إسناده سعيد بن سلام العطار، وهو كذاب وضاع.\nوصحَّ عن ابن عباس -﵄- أنه قال: الذكاة في الحلق واللبة. أخرجه البيهقي (٩/ ٢٧٨).\nوجاء عن عمر -﵁- أنه قال ذلك، وفي إسناده: فرافصة الحنفي، وهو مجهول الحال، ولا يُعلم له سماع من عمر -﵁-.\nقال ابن قدامة -﵀- (١٣/ ٣٠٣): وَإِنَّمَا نَرَى أَنَّ الذَّكَاةَ اخْتَصَّتْ بِهَذَا الْمَحِلِّ؛ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْعُرُوقِ، فَتَنْفَسِحُ بِالذَّبْحِ فِيهِ الدِّمَاءُ السَّيَّالَةُ، وَيُسْرِعُ زُهُوقَ النَّفْسِ، فَيَكُونُ أَطْيَبَ لِلَّحْمِ، وَأَخَفَّ عَلَى الْحَيَوَانِ. اهـ\nوأما حديث أبي العُشَرَاء عن أبيه، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل: ما تكون الذكاة إلا في الحلق واللَّبة؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لو طعنت في فخذها لأجزأت عنك» (^١)؛ فهو حديث ضعيف، أبو العشراء مجهول، وأبوه لا يعرف في غير هذا الحديث.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ٣٤)، وأبو داود (٢٨٢٥)، والنسائي (٧/ ٢٢٨)، وابن ماجه (٣١٨٤).","vol":"10","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5707>مسألة [١٣]: إذا توحش الحيوان الإنسي، فلم يقدر على ذبحه، أو تردى في محل عجز عن ذبحه، وعقره في محل الذكاة</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٩/ ١٢٦): إذا توحش الحيوان الإنسي المأكول، فلم يقدر عليه، كالبعير النَّاد، أو الشاة، أو البقرة، أو تردى في بئر وعجز عن عقره في محل الذكاة، فمذهبنا أنَّ كلَّ موضع من بدنه محل لذكاته، فحيث جرحه فقتله؛ حل أكله، وبه قال جمهور العلماء، منهم: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس (^١)،\nوطاوس، وعطاء، والشعبي، والحسن البصري، والأسود بن يزيد، والحكم، وحماد، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والمزني، وداود. وقال سعيد بن المسيب، وربيعة، والليث بن سعد، ومالك: لا يحل إلا بذكاته في موضع الذبح، وهو الحلق واللَّبة، ولا يتغير موضع الذكاة بتوحشه وترديه. اهـ\nدليل الجمهور على ذلك حديث رافع بن خديج في «الصحيحين» أنَّ بعيرًا ندَّ فحبسه رجل بسهم، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما ندَّ عليكم منها فاصنعوا به هكذا». (^٢)\n_________\n(^١) أثر علي -﵁- عند ابن أبي شيبة (٥/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، من طريق: محمد بن علي بن الحسين، عن علي -﵁-، وهو منقطع؛ لأنه لم يدركه.\nوأثر ابن مسعود عند ابن أبي شيبة (٥/ ٣٨٦) بإسناد صحيح.\n\nوأما أثر ابن عمر وابن عباس -﵃-، فذكرهما الحافظ في «التغليق» (٤/ ٥٢٠) بإسنادين صحيحين.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٤٥٩٨)، ومسلم برقم (١٩٦٨).","vol":"10","page":206},{"text":"قال أحمد: لعلَّ مالكًا لم يسمع حديث رافع بن خديج. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5708>مسألة [١٤]: ما يُشترط قطعه لحصول الذكاة</span>؟\nقال ابن المنذر -﵀-: أجمع أهل العلم على أنه إذا قطع بما يجوز الذبح به، وسمَّى، وقطع الحلقوم، والمَرِيء، والودجين، وأسال الدم؛ حصلت الذكاة، وحلَّت الذبيحة. اهـ\nقلتُ: واختلفوا هل يشترط قطع الأربعة أم لا؟\n• فمذهب الشافعي أنه يُشترط قطع الحلقوم، والمَرِيء، والودجين، وهو قول الليث، وداود، وأحمد في رواية، ومالك في رواية، وأبي يوسف في رواية، وأبي ثور.\nواستدلوا بحديث أبي هريرة، وابن عباس -﵄- قالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تأكلوا الشريطة؛ فإنها ذبيحة الشيطان»، قال: وهي التي تُذبَح فيقطع الجلد، ولا تفري الأوداج، ثم تترك حتى تموت.\nوهو حديث ضعيفٌ، أخرجه أبو داود (٢٨٢٦)، وأحمد (٢٦١٨)، وغيرهما، وفي إسناده: عمرو بن عبدالله الصنعاني، وهو ضعيف، وقد أنكر عليه هذا الحديث.\n• وقال أبو حنيفة: يُعتبر قطع الحلقوم، والمريء، والودجين، ولا يُشترط\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٣/ ٢٩١ - ٢٩٣).","vol":"10","page":207},{"text":"المريء. ونُقل عن الليث.\n• وذهب الشوكاني -﵀- في «السيل» إلى اشتراط إنهار الدم؛ لحديث رافع بن خديج، وإن لم تقطع جميع الأوداج، ورجَّح الفوزان اشتراط ثلاثة، ورجَّح ابن عثيمين اشتراط قطع الودجين. (^١)\nفائدة: الحُلْقُوم هو مجرى النَّفَس، والمَرِيء مجرى الطعام، والودجان هما عرقان في صفحتي العُنُق يحيطان بالحلقوم، أو المريء، ويسمَّى الجميع بالأوداج الأربعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5709>مسألة [١٥]: إذا تمادى في الذبح حتى يبلغ النخاع</span>؟\n• قال النووي -﵀- في «المجموع» (٩/ ٩١): النَّخْعُ أن يعجل الذابح، فيبلغ بالذبح إلى النخاع، ومذهبنا أنَّ هذا الفعل مكروه، والذبيحة حلال. قال ابن المنذر: وقال ابن عمر: لا تؤكل. (^٢) وبه قال نافع، وكرهه إسحاق، وقال مالك: لا أحب أن يتعمَّد ذلك.\nوكرهت طائفة الفعل، وأباحت الأكل، وبه قال النخعي، والزهري، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وأبو ثور. قال ابن المنذر: بقول هؤلاء أقول. قال: ولا حجة لمن منع أكلها بعد الذكاة. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٩/ ٩٠) «المغني» (١٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤) «الأطعمة» (ص ١٢٢) «السيل» «مذكرة فقه العثيمين» (٤/ ١٢٤).\n(^٢) علق البخاري في «صحيحه» في [كتاب الصيد والذبائح/باب (٢٤)] عن ابن عمر أنه نهى عن النخع. ذكره من طريق ابن جريج، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر به. وهذا إسناد صحيح.","vol":"10","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5710>مسألة [١٦]: إذا ذبحت الذبيحة من القفا</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى إباحة الذبيحة بشرط أن يأتي على الأوداج وما زالت الذبيحة حيَّة، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وأبي ثور، والثوري، وأبي حنيفة، ونُقل عن إسحاق.\n• وذهب جماعةٌ إلى عدم جواز أكله، وهو قول مالك، وداود الظاهري، وجماعة من أصحابه؛ لأنَّ الموت يسرع إليه قبل الوصول إلى الأوداج.\n• وذهب بعضهم إلى أنه يحل إن لم يتعمد، وهو قول أحمد، وإسحاق، وسعيد ابن المسيب بشرط أن يصل إلى الأوداج، وهي حية.\nوالقول الأول هو أقرب الأقوال، والله أعلم، ولا يحصل ذلك إلا بسرعة التذكية، وهو ترجيح الإمام صالح الفوزان عافاه الله، كما لو أدرك أكيلة السبع، والمتردية، والنطيحة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5711>مسألة [١٧]: لو أبان إنسان رأس البهيمة بالسيف قاصدًا تذكيتها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٣٠٨): وَلَوْ ضَرَبَ عُنُقَهَا بِالسَّيْفِ فَأَطَارَ رَأْسَهَا؛ حَلَّتْ بِذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَأْسَ بَطَّةٍ أَوْ شَاةٍ بِالسَّيْفِ يُرِيدُ بِذَلِكَ الذَّبِيحَةَ؛ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: تِلْكَ ذَكَاةٌ وَحِيَّةٌ. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٩/ ٩١) «المغني» (١٣/ ٣٠٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، من طريق: محمد بن علي بن الحسين، عن علي -﵁-، وهو منقطع؛ لأنَّ محمدًا لم يدرك جدَّ أبيه عليًّا -﵁-.\nوثبت هذا الأثر عن ابن عباس -﵄-، أخرجه ابن أبي شيبة كما في «التغليق» (٤/ ٥٢٠) بإسناد صحيح.","vol":"10","page":209},{"text":"وَأَفْتَى بِأَكْلِهَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ (^١)، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لِأَبِي عَبْدِ الله فِيهَا قَوْلَانِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ قَطْعُ مَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ مَعَ الذَّبْحِ، فَأُبِيحَ، كَمَا ذَكَرْنَا مَعَ قَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ. اهـ\nقلتُ: والجواز مذهب الشافعية أيضًا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5712>مسألة [١٨]: قطع عضو من الشاة قبل أن تبرد بعد الذبح</span>؟\n• قال النووي -﵀- في «المجموع» (٩/ ٩١ -): مذهبنا أنَّ الفعل مكروه، والعضو المقطوع حلال، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق. قال ابن المنذر: وكره ذلك عطاء. قال: وقال عمرو بن دينار: ذلك العضو ميتة. وقال عطاء: ألق ذلك العضو. اهـ\nقلتُ: الصحيح قول الجمهور؛ لأنَّ الشاة أصبحت بذبحها مذكاة ذكاة شرعية فيلحق الحكم جميع أعضائها، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) لم أجده عن عمران بن حصين، ووجدته عن ابن مسعود -﵄-، عند ابن أبي شيبة (٥/ ٣٨٦) بإسناد صحيح.\nتنبيه: الأثر عن علي، وابن مسعود -﵄- هو فيما إذا ندَّ الحيوان كما في «المصنف».\n(^٢) انظر: «المجموع» (٩/ ٩١).\n(^٣) وانظر: «المغني» (١٣/ ٣١٠).","vol":"10","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5713>مسألة [١٩]: إذا ذبح الذبيحة فقطع أوداجها، فلم تخرج الروح حتى وقعت في الماء، أو تردت</span>؟\n• مذهب الجمهور أنها مباحة -وهو الصحيح- لأنَّ الموت قد حصل بالذبح.\n• وعن أحمد رواية: لا تؤكل؛ لاحتمال أنها ماتت بغير الذبح.\nوالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5714>مسألة [٢٠]: إذا أدرك ذكاة المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع</span>؟\n• إذا أدركها وهي في حالة يحتمل أن تعيش أو لا تعيش؛ فتُباح بالذكاة عند جمهور العلماء.\n• ونُقل عن مالك أنها لا تباح إلا إن علم أنها ستعيش.\n• وعن أبي حنيفة رواية: إن علم أنها تعيش يومًا أو أكثر.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.\nوأما إن أدركها ولها حركات خفيفة كحركات المذبوح.\n• فمذهب مالك، والشافعي أنها لا تحل؛ لأنها بحكم الميت كالمذبوح.\n• ومذهب أحمد، وإسحاق، وداود الظاهري، وأبي حنيفة في رواية، والثوري،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٠٦).","vol":"10","page":211},{"text":"ونُقل عن مالك أنها تحل ما دام الروح فيها، ويعلم ذلك بحركتها، وخروج الدم عند ذبحها، ونُقل نحو ذلك عن علي، وأبي هريرة -﵄- (^١)، والشعبي، والحسن، وقتادة. قال علي: إن أدركتها وهي تحرك يدًا، أو رجلًا؛ حَلَّت. وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5715>مسألة [٢١]: ذبح ما ينحر، ونحر ما يذبح</span>؟\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٩/ ٩٠): السنة ذبح البقر والغنم، ونحر الإبل، فلو خالف وذبح الإبل، ونحر البقر والغنم؛ جاز. هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة، وأحمد وجمهور العلماء. قال ابن المنذر: قال بهذا أكثر أهل العلم، منهم: عطاء، وقتادة، والزهري، والثوري، والليث بن سعد، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقال مالك: إن ذبح البعير من غير ضرورة، أو نحر الشاة من غير ضرورة؛ كره أكلها، وإن نحر البقر فلا بأس. قال ابن المنذر: وأجمع الناس على أن من نحر الإبل، وذبح البقر والغنم؛ فهو مصيب. قال: ولا أعلم أحدًا حَرَّم أكل بعير مذبوح أو بقرة وشاة منحورين. قال: وإنما كره مالك ذلك كراهة تنزيه، وقد يكره الإنسان الشيء ولا يحرمه. وذكر القاضي عياض عن مالك رواية بالكراهة، ورواية بالتحريم، ورواية بإباحة ذبح المنحور دون نحر المذبوح. ونقل العبدري عن داود أنه قال: إذا ذبح الإبل، ونحر البقر؛ لم يؤكل. وهو محجوج بإجماع\n_________\n(^١) أخرج الأثرين ابن أبي شيبة (٥/ ٣٩٥ - ٣٩٦)، وإسناد أثر أبي هريرة -﵁- صحيح، وإسناد أثر علي -﵁- ضعيف؛ لأنه من طريق: محمد بن علي بن الحسين، عن جد أبيه علي -﵁-، ولم يدركه.\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ١٤٩ -) «المجموع» (٩/ ١٠٩ -).","vol":"10","page":212},{"text":"من قبله. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5716>مسألة [٢٢]: سلخ الحيوان قبل أن يبرد</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٣١٠): ويكره سلخ الحيوان قبل أن يبرد؛ لأنَّ فيه تعذيبًا للحيوان؛ فهو كقطع العضو. اهـ\nتنبيه: إذا قطع من الحيوان شيئًا وفيه حياة مستقرة؛ فهو ميتة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5717>مسألة [٢٣]: الذبح بسكين حاد</span>؟\nكره أهل العلم للذابح أن يذبح بسكين غير حاد؛ لأنَّ في ذلك تعذيبًا للحيوان، وفي حديث الباب: «إنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ...» الحديث.\nقالوا: ويُكره أن يَسُنَّ السكين والحيوان يبصره؛ لما في حديث ابن عباس -﵄- أنَّ رجلًا أضجع شاةً، ثم جعل يحد شفرته، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أتريد أن تميتها موتات؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها» أخرجه الحاكم (٤/ ٢٣١)، وهو في «الصحيح المسند» (٦٥٩).\nوكرهوا أن يذبح شاة والأخرى تنظر إليها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5718>مسألة [٢٤]: توجيه الذبيحة عند ذبحها إلى القبلة</span>.\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٣٠٥): وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ، وَاسْتَحَبَّ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ،\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٣/ ٣٠٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٠٥) «شرح مسلم» (١٩٥٥).","vol":"10","page":213},{"text":"وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَكَرِهَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ سِيرِينَ أَكْلَ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ. وَقَالَ سَائِرُهُمْ: لَيْسَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَذْبَحُونَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَقَدْ أَحَلَّ الله ذَبَائِحَهُمْ. اهـ\nقلتُ: أثر ابن عمر إسناده صحيح كما في «مصنف عبدالرزاق» (٤/ ٤٨٩).\nوجاء في ذلك حديث مرفوع أخرجه أبو داود (٢٧٩٥)، والبيهقي (٩/ ٢٨٥، ٢٨٧) من حديث جابر -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ضحَّى بكبشين، فلما وجههما قال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ...»، وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده عنعنة محمد بن إسحاق، وأبو عياش المعافري المصري، وهو مجهول الحال.\nقال الشوكاني -﵀- في «السيل الجرار» (ص ٧١٣): ليس على هذا -الاستحباب- دليل لا من كتاب، ولا من سنة، ولا من قياس، وما قيل من أنَّ القول بندب الاستقبال في الذبح قياس على الأضحية؛ فليس بصحيح؛ لأنه لا دليل على الأصل حتى يصلح للقياس عليه، بل النزاع فيه كائن كما هو كائن في الفرع، والندب حكم من أحكام الشرع؛ فلا يجوز إثباته إلا بدليل تقوم به الحجة. اهـ\nقلتُ: مَنْ وجَّه إلى القبلة كما فعل ابن عمر -﵄-؛ فلا بأس عليه، وأما كراهية ذبحها لغير القبلة؛ فقول ضعيف.","vol":"10","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5719>مسألة [٢٥]: حكم الجنين الذي في بطن الذبيحة</span>.\nإذا خرج حيًّا؛ فيجب أن يُذَكَّى بغير خلاف عند أهل العلم.\nوأما إن خرج ميتًا، أو بحياة غير مستقرة كحركة المذبوح، ففيه خلاف عند أهل العلم.\n• فذهب جمعٌ من العلماء إلى أنه حلال، سواء أشعر، أم لم يشعر، وهذا مذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف.\nواستدلوا على ذلك بحديث أبي سعيد الذي في الباب، وهو قول سعيد بن المسيب، وابن المنذر.\n• وذهبَ جمعٌ من العلماء إلى أنه إن خرج وقد أشعر؛ فذكاته ذكاة أمه، فقيدوا ذلك بما إذا أشعر، أو أوبر، وهذا قول ابن عمر -﵄-، وهو صحيح عنه، وهو قول الحسن، وقتادة، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والزهري.\nواستدلوا على ذلك بما أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٥٠٠) عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عبدالله بن كعب بن مالك، قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون: إذا أشعر الجنين؛ فذكاته ذكاة أمه. وإسناده صحيح.\nوهذا القول مذهب مالك، والليث، وأبي ثور، والحسن بن صالح.\n• وذهب أبو حنيفة، وزُفر إلى أنه لا يحل إلا أن يخرج حيًّا فيذكَّى؛ لأنه نفس وحيوان ينفرد بحياته؛ فوجب تذكيته.","vol":"10","page":215},{"text":"قال ابن المنذر -﵀-: لا نعلم أحدًا خالف إلى أن جاء أبو حنيفة فحرمه. اهـ والصحيح هو القول الأول، وهو ترجيح الإمام صالح الفوزان حفظه الله وعافاه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5720>مسألة [٢٦]: حكم التسمية على الذبيحة</span>؟\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالأول: أنَّ التسمية واجبة وشرط، ولا تحل الذبيحة إلا بالتسمية، وإن نسي فلا تحل أيضًا، وهو قول ابن سيرين، والشعبي، ونافع، وأبي ثور، وداود الظاهري، وأحمد في رواية، واختاره شيخ الإسلام -﵀-.\nواستدل هؤلاء بالآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١]، وحديث الباب: «ما أنهر الدم، وذُكِر اسم الله عليه؛ فكُلْ».\nالثاني: أنَّ التسمية شرط في حق الذاكر دون الناسي، فإذا نسي التسمية؛ حلَّت الذبيحة، وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، والمشهور في مذهب الحنابلة، وعزاه النووي للجمهور.\nواستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس -﵄- الذي في الباب، وبحديث: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» (^٢)، وصح هذا القول عن ابن عباس -﵄-، وقال به ابن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن، وآخرون،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٠٩ - ٣١٠) «المجموع» (٩/ ١٢٨) «البيهقي» (٩/ ٣٣٥ -) «عبدالرزاق» (٤/ ٥٠٠ -) «الأطعمة» (ص ١٣٩ -).\n(^٢) تقدم في «البلوغ» برقم (١٠٧٧).","vol":"10","page":216},{"text":"وقال هؤلاء: قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ يدل على وجوبها على الذاكر؛ لأنَّ الناسي لا يفسق بذلك.\nالثالث: أنَّ التسمية على الذبيحة مستحب لا واجب، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد، وبعض المالكية.\nواستدلوا بالحديث المرسل الذي في آخر الباب، وبقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، ولم يذكر التسمية، وبقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥]، ولم يشترط التسمية، وبحديث عائشة -﵂-: «لا ندري أذكروا اسم الله عليه، أم لا ...».\nوأجابوا عن الآية أنَّ المراد بها الذبح للأصنام، والأنصاب، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة:٣]، أو محمولة على الميتة.\nوالصحيح في هذه المسألة هو وجوب التسمية مطلقًا؛ فإن نسي؛ فلا تؤكل، وذلك لقوة أدلته، ولأنَّ رفع الإثم عن الناسي لا يدل على حل ذبيحته إن نسي التسمية.\nوأما حمل الآية على ما ذبح للأصنام، أو حملها على الميتة؛ فهو تخصيص لعموم الآية بدون مخصص.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، أي: إذا توفرت شرائطه المشروعة عند المسلمين؛ ولذلك فإنه لا يُباح صيدهم إن لم تتوفر شروط إباحة","vol":"10","page":217},{"text":"الصيد المتقدمة؛ فكذلك ههنا.\nوأما حديث عائشة فظاهره يفيد الوجوب؛ لأنَّ الصحابة فهموا أنه لابد من التسمية، وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك؛ لحداثة إسلامهم، فأمرهم بما يخصهم من التسمية عند الأكل، وإجراء أحكام المسلمين على السداد والصحة حتى يظهر ويعلم خلاف ذلك. وقد رجَّح القول بالوجوب مطلقًا الإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي رحمهما الله، والإمام الفوزان حفظه الله.\nورجَّح الإمام ابن باز -﵀- القول الثاني، وهو اختيار البخاري؛ لأثر ابن عباس -﵄-، ولا يُعلم له مخالف، ولقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١].\nوالذي يظهر أنَّ قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ لا يفيد ما استدلوا به؛ لأنه ليس بحكم على الفاعل بالفسق إنما هو حكم على الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، فتأمل ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5721>مسألة [٢٧]: وقت التسمية على الذبيحة</span>.\nقال الإمام صالح الفوزان حفظه الله وعافاه في كتابه «الأطعمة» (ص ١٣٤): وقتها عند الجميع وقت الذبح؛ لأنه لا يتحقق معنى ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة إلا إذا كان وقت الذبح، ويجوز تقديمها عليه بزمن يسير لا يمكن التحرز عنه. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٢٩٠) «الأطعمة» للفوزان (ص ١٢٧ -) «المجموع» (٨/ ٤١١ - ٤١٢) «الشرح الممتع» «المحلى» (١٠٠٤) «فتاوى اللجنة الدائمة».\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٣/ ٢٩٠).","vol":"10","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5722>مسألة [٢٨]: ذبيحة الكتابي بغير تسميةٍ لله</span>؟\nذبيحة الكتابي لها أحوال:\nالحالة الأولى: أن يسمي الله عليها؛ فهي مباحة عند عامة أهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥]، وخالف من لا يُعتَدُّ بخلافه من الشيعة.\nالحالة الثانية: أن يعلم أنه أهلَّ بها لغير الله.\n• فمذهب الجمهور أنها لا تحل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة:٣].\n• وذهب مجاهد، ومكحول، وعطاء إلى جواز ذلك. قالوا: لأنَّ الله أباح ذبائحهم، وقد علم أنهم سيفعلون ذلك.\nوقول الجمهور هو الصحيح، وقالوا: أحلَّ الله طعام أهل الكتاب إذا اجتمعت فيه شروط الحل عند المسلمين بأن ينهر الدم، ويذكر اسم الله عليه.\nالحال الثالثة: أن يجمع بين اسم الله، واسم غيره، وظاهر النصوص أنها لا تؤكل أيضًا؛ لدخولها فيما أُهِل لغير الله به.\nالحال الرابعة: أن يعلم أنه سكت؛ فلم يسمِّ الله ولا غيره.\n• فالجمهور على إباحة ذبيحته كما ذكر ذلك النووي؛ للآية: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.\n• ومذهب أحمد أنها لا تحل إذا ترك التسمية عمدًا.","vol":"10","page":219},{"text":"• ومذهب أبي ثور أنها لا تحل إذا ترك التسمية مطلقًا. وهذا هو الأقرب؛ للأدلة المتقدم ذكرها في المسألة السابقة، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: إذا لم يعلم أَسَمَّوا الله عليها، أم لا؟ فتؤكل عند جمهور العلماء؛ لحديث عائشة -﵂-: «إن ناسًا يأتوننا باللحم ...». (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5723>مسألة [٢٩]: ضابط الكتابي الذي تؤكل ذبيحته</span>.\n• هو من تدَيَّنَ بدين أهل الكتاب، وإن كان أبواه غير كتابيين على الصحيح، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم.\n• وذهب الحنابلة، والشافعية إلى أنَّ من كان أبواه غير كتابيين؛ فلا تحل ذبيحته، ومثله إن كان أبوه غير كتابي، ولهم خلاف فيما إذا كانت أُمُّه غير كتابية. (^٣)\nتنبيه: ذبيحة الأخرس صحيحة بالإجماع، ويسمي بإشارته إلى السماء، ونحو ذلك. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٩/ ٧٨) «المغني» (١٣/ ٣١١ - ٣١٢) «المحلى» (١٠٠٢) «دفع الإيهام» مع «أضواء البيان» (١٠/ ١٠٠ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣١٢) «المجموع» (٩/ ٧٨) «دفع الإيهام مع الأضواء» (١٠/ ١٠١).\n(^٣) انظر: «الأطعمة» للفوزان (ص ١٠٣ - ١٠٥) «المغني» (١٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤).\n(^٤) انظر: «المغني» (١٣/ ٣١٣) «المجموع» (٩/ ٧٧).","vol":"10","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5724>بَابُ الأَضَاحِي</span>\nالأضاحي: جمعُ أُضحية، وفيها ضم الهمزة وكسرها.\nويُقال: ضَحيَّة، وجمعها ضحايا. ويُقال: أضحاة، وجمعها أَضْحىً، وضحَّى بالشاة ذبحها ضُحى النحر. هذا هو الأصل، وقد تُستعمل التضحية في جميع أوقات أيام النحر. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٨/ ٣٨٢) «لسان العرب» مادة (ضحا).","vol":"10","page":221},{"text":"١٣٤٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ، وَيُسَمِّي، وَيُكَبِّرُ، وَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا. (^١)\nوَفِي لَفْظٍ: ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ. متفق عليه.\nوَفِي لَفْظٍ: سَمِينَيْنِ. (^٢)\nوَلِأَبِي عَوَانَة فِي «صَحِيحِهِ»: ثَمِينَيْنِ بِالمُثَلَّثَةِ بَدَلَ السِّينِ. (^٣)\nوَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، وَيَقُولُ: «بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ». (^٤)\n\n١٣٤٦ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ -﵂- أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي المُدْيَةَ»، ثُمَّ قَالَ: «أَشْحِذِيهَا بِحَجَرٍ (^٥)»، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَهُ، فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ»، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ. (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٦٥)، ومسلم (١٩٦٦).\n(^٢) هذا اللفظ ذكره البخاري بغير سند، فقال: (ويذكر سمينين)، وصنيع الحافظ يوهم أنه لفظ للشيخين فيتنبه. وانظر: «الفتح» (باب ٧) من كتاب الأضاحي.\n(^٣) الذي في «صحيح أبي عوانه» (سمينين) بالسين لا بالمثلثة. أخرجه برقم (٧٧٥٢) (٧٧٩٦)، من طريق الحجاج بن محمد عن شعبة عن قتادة عن أنس فذكره.\nقال الحافظ في «الفتح» بعد أن ذكر رواية أبي عوانة بلفظ: (سمينين) قال: وقد ساقه المصنف في الباب من طريق شعبة عنه وليس فيه (سمينين) وهو المحفوظ عن شعبة.\nوجاء لفظ (سمينين) في حديث عائشة وأبي هريرة عند ابن ماجه (٣١٢٢)، وفي إسناده عبدالله بن محمد بن عقيل فيه ضعف وفي إسناده اختلاف أيضًا ذكره الحافظ في «الفتح» (باب ٧) كتاب الأضاحي.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (١٩٦٦).\n(^٥) في (أ) و(ب): (اشحذي المدية) والمثبت موافق لما في «صحيح مسلم».\n(^٦) أخرجه مسلم برقم (١٩٦٧)، وحصل في (أ) و(ب) نقص لبعض الكلمات، وأثبتنا الحديث بتمامه من «صحيح مسلم».","vol":"10","page":222},{"text":"١٣٤٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَلَكِنْ رَجَّحَ الأَئِمَّةُ غَيْرُهُ وَقْفَهُ. (^١)\n\n١٣٤٨ - وَعَنْ جُنْدُبُ بْنُ سُفْيَانَ -﵁- قَالَ: شَهِدْت الأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ بِالنَّاسِ نَظَرَ إلَى غَنَمٍ قَدْ ذُبِحَتْ، فَقَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5725>مسألة [١]: حكم الأضحية</span>.\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى وجوبها، وهو قول ربيعة، والليث، وأبي\n_________\n(^١) ضعيف مرفوعًا والراجح وقفه. أخرجه أحمد (٢/ ٣٢١)، وابن ماجه (٣١٢٣)، والحاكم (٢/ ٣٨٩) (٤/ ٢٣١ - ٢٣٢)، ومدار طرقه على عبدالله بن عياش القتباني، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وقد اختلف في رفعه ووقفه. فرواه زيد بن الحباب، وعبدالله بن يزيد المقري، عن عبدالله ابن عياش مرفوعًا.\nورواه ابن وهب عن عبدالله بن عياش موقوفًا. ولعل الوهم من عبدالله بن عياش؛ فإنه ضعيف. وقد رجح الوقف ابن عبدالهادي في «التنقيح» كما في «نصب الراية» (٤/ ٢٠٧)، فقال بعد أن ذكر الخلاف فيه: وكذلك رواه جعفر بن ربيعة، وعبيدالله بن أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي هريرة موقوفًا، وهو أشبه بالصواب. اهـ\nوقال الحافظ في «الفتح» (باب ١) من كتاب الأضاحي: لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٥٦٢)، ومسلم (١٩٦٠) (٢). واللفظ لمسلم.","vol":"10","page":223},{"text":"حنيفة، والأوزاعي، والثوري، ومالك في رواية، أوجبوها على غير الحاج بمنى إذا كان موسرًا، وزاد أبو حنيفة، ومالك إذا كان مقيمًا.\nودليل الوجوب حديث أبي هريرة، وجندب -﵄- اللذين في الباب، وحديث البراء: عندي عناق، أيجزيء عني؟. (^١)\n• وذهب جمهور العلماء إلى الاستحباب المؤكد، وهو قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وعلقمة، والأسود، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، وأبي ثور، والمزني، وداود، وابن المنذر.\nودليلهم على عدم الوجوب حديث أم سلمة في «صحيح مسلم» (١٩٧٧)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي؛ فلا يمس من شعره شيئًا»، وفي رواية: «فليمسك من شعره، وأظفاره». فقوله: «وأراد» دليل على عدم الوجوب؛ لأنه جعل التضحية مفوضة لإرادته.\nواستدلوا على ذلك بأنه ثبت بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبي مسعود الأنصاري -﵃- أنهم كانوا يتركون الأضحية مع القدرة عليها حتى لا يظن الناس وجوبها، أخرجه البيهقي وغيره.\nوهذا القول يظهر أنه أقرب -والله أعلم- لأنَّ حديث أبي هريرة -﵁- الراجح وقفه، وحديث جندب فيه أَمْرُ من ضَحَّى قبل الصلاة بأن يذبح أخرى مكانها؛ ليبين لهم أنَّ الأولى لا تجزيء في الأضحية.\n_________\n(^١) انظر: «البخاري» (٥٥٤٥)، «مسلم» (١٩٦١).","vol":"10","page":224},{"text":"وأما حديث البراء فلا حجة فيه؛ لأنَّ قوله: (أفيجزئ عني؟) تطلق على الإجزاء في الواجب، وفي المستحب. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5726>مسألة [٢]: الإمساك عن الشعر، والأظفار لمن أراد التضحية بعد دخول ذي الحجة</span>؟\n• قال الإمام النووي -﵀- في «شرح المهذب» (٨/ ٣٩٢): مذهبنا أنَّ إزالة الشعر، والظفر لمن أراد التضحية مكروه كراهة تنزيه حتى يضحي، وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يكره. وقال سعيد بن المسيب، وربيعة، وأحمد، وإسحاق، وداود: يحرم. وعن مالك أنه يكره، وحكَى عنه الدارمي: يحرم في التطوع، ولا يحرم في الواجب.\nقال: واحتج القائلون بالتحريم بحديث أم سلمة، واحتج الشافعي، والأصحاب عليهم بحديث عائشة أنها قالت: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - ﷺ -، ثم يقلده، ويبعث به، ولا يَحْرُمُ عليه شيء أحله الله له حتى ينحر هديه. رواه البخاري ومسلم (^٢)، وقال الشافعي: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية؛ فدلَّ على أنه لا يحرم ذلك. اهـ\nوالصحيح هو التحريم، وهو ترجيح الصنعاني، والشوكاني، ثم الإمام الوادعي، والإمام ابن عثيمين ﵏، وحديث الشافعي في الهدي لا في الأضحية، وليس\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٦٠ - ٣٦١) «المجموع» (٨/ ٣٨٧) «البيهقي» (٩/ ٤٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (١٦٩٩)، ومسلم (١٣٢١).","vol":"10","page":225},{"text":"في الحديث تعيين اليوم الذي أرسل فيه الهدي، فتنبه!. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5727>مسألة [٣]: استحسان الأضحية، واستسمانها</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٣٦٧): وَيُسَنُّ اسْتِسْمَانُ الْأُضْحِيَّةِ وَاسْتِحْسَانُهَا؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْظِيمُهَا اسْتِسْمَانُهَا، وَاسْتِعْظَامُهَا وَاسْتِحْسَانُهَا. (^٢) وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا، وَأَكْثَرُ لِنَفْعِهَا. اهـ وهذا مجمع عليه كما قال النووي في «شرح مسلم» (١٩٦٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5728>مسألة [٤]: وقت الأضحية</span>.\n• من أهل العلم من قال: يدخل وقت الأضحية إذا مضى بعد طلوع الشمس قدر صلاة العيد، وخطبتين. هذا قول الشافعي، وداود، وابن المنذر، وبعض الحنابلة، سواء كان مقيمًا، أو مسافرًا من أهل الأمصار، أو القرى، أو البوادي.\nواستدلوا بحديث جندب -﵁-، قالوا: والمقصود فيه التقدير بالزمان لا بفعل الصلاة.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الوقت يدخل بعد صلاة الإمام وخطبته، وهو قول الحسن، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعي؛ لحديث جندب -﵁-، وبنحوه\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٣/ ٣٦٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١/٢٩٤)، وابن جرير، وابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» في سورة الحج [آية:٣٢]، وفي إسناده: محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وهو ضعيف؛ لسوء حفظه.","vol":"10","page":226},{"text":"حديث أنس -﵁- في «الصحيحين». (^١)\n• وقال عطاء، وأبو حنيفة: يدخل وقتها في حق أهل الأمصار إذا صلَّى الإمام وخطب، وأما أهل القرى، والبوادي فوقتها في حقهم إذا طلع الفجر الثاني.\n• وقال مالك: لا يجوز ذبحها إلا بعد صلاة الإمام، وخطبته وذبحه.\nوجاء في ذلك حديث عند مسلم (١٩٦٤)، من حديث جابر بن عبدالله -﵁-، أنَّ رجالًا تقدموا، فنحروا، وظنُّوا أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد نحر، قال: فأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من كان نحر قبله أن يعيد بنحرٍ آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\n• وجمهور أهل العلم يرون أنَّ المراد بالحديث النهي عن التعجيل قبل الصلاة؛ لأنَّ في حديث جندب، وأنس -﵄- في «الصحيحين» تقييد ذلك بالصلاة، وهو الأقرب.\n• والمشهور عن أحمد، وهو الصحيح في مذهبه تقييد ذلك بالصلاة فقط، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة.\nوقال ابن قدامة -﵀-: وَالصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ وَقْتَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَالْعَمَلُ بِظَاهِرِهِ أَوْلَى، فَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، فَأَوَّلُ وَقْتِهَا فِي حَقِّهِمْ قَدْرُ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا صَلَاةَ فِي حَقِّهِمْ تُعْتَبَرُ؛ فَوَجَبَ الِاعْتِبَارُ بِقَدْرِهَا. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٥٦١)، ومسلم (١٩٦٢).","vol":"10","page":227},{"text":"وهذا القول هو الراجح، ولكنهم يعتبرون بقدر الصلاة فقط. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5729>مسألة [٥]: آخر وقت للأضحية</span>.\n• من أهل العلم من قال: وقت الأضحية إلى آخر يومين من أيام التشريق. وهو قول أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، والثوري.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ هذا ورد عن الصحابة، عن عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس بن مالك -﵃-.\nوفي هذه الآثار ضعفٌ؛ إلا أثر ابن عمر، وأنس بن مالك؛ فإنهما صحيحان.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ادِّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ولا يجوز الذبح في وقتٍ لا يجوز ادِّخار الأضحية إليه.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يمتد إلى آخر أيام التشريق، وهو قول عطاء، والحسن، وعمر بن عبدالعزيز، ومكحول، والزهري، وهو قول الشافعي، وبعض الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم؛ لحديث جبير بن مطعم عند البيهقي (٩/ ٢٩٦)، وغيره: «كل أيام التشريق ذبح»، وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده انقطاع، واضطراب.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ أيام التشريق متحدة الأحكام في الذكر، والأكل، والنهي عن صومها، ورمي الجمار، فتتحد في هذا الحكم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٨٤ -) «الإنصاف» (٤/ ٧٦ - ٧٧) «المجموع» (٨/ ٣٨٩).","vol":"10","page":228},{"text":"وهذا القول عزاه النووي لداود الظاهري، واختاره الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والإمام الوادعي رحمة الله عليهم، وهو أقرب الأقوال.\n• وذهب ابن سيرين، وحميد بن عبدالرحمن إلى تخصيصه بيوم النحر، وعزاه ابن حزم لداود الظاهري؛ لأنَّ هذا اليوم سُمِّي به؛ ولأنه مجمع عليه، وما سواه مختلف فيه. وقال بذلك سعيد بن جبير، وجابر بن زيد في أهل الأمصار.\n• وذهب سليمان بن يسار، وأبو سلمة بن عبدالرحمن إلى جوازه إلى آخر ذي الحجة، وقالا: بلغنا أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «الأضحى إلى هلال المحرم لمن أراد أن يستأني بذلك»، وأخذ بذلك ابن حزم؛ لأنه فعل خير لم يحدد وقته؛ فيكون آخر ذي الحجة؛ لأنه مجمع على عدم الجواز بعده. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5730>مسألة [٦]: حكم الذبح ليلًا</span>؟\n• مذهب الجمهور جواز ذلك؛ لأنه لم يأت دليلٌ في منع ذلك، والأفضل عندهم الذبح بالنهار.\n• ونصَّ الشافعية على الكراهة، وكذا جماعة من الحنابلة.\n• وذهب بعض الحنابلة إلى الجواز بدون كراهة، وهو قول ابن حزم، وهو الصحيح، ورجحه ابن عثيمين -﵀-.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٨٦ -) «المجموع» (٨/ ٣٩٠) «المحلى» (٩٨٢) «الشرح الممتع» (٧/ ٤٩٨) «فتاوى اللجنة» (١١/ ٤١٠).","vol":"10","page":229},{"text":"• وذهب مالك إلى عدم جواز التضحية ليلًا، وهو رواية عن أحمد، والأصح عنه القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5731>مسألة [٧]: إذا ذهب وقت الأضحية</span>؟\n• أما إن كانت الأُضحية واجبة كالمنذورة، فجمهور العلماء على ذبحها بعد فوات الوقت.\n• وقال أبو حنيفة: لا تُقضَى، بل تفوت وتسقط.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (٧/ ٥٠٤): والصواب في هذه المسألة أنه إذا فات الوقت؛ فإنْ كان تأخيره عن عمدٍ؛ فإنَّ القضاء لا ينفعه، ولا يؤمر به؛ لقول النبي - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد»، وأما إذا كان عن نسيانٍ، أو جهلٍ، أو انفلتت البهيمة، وكان يرجو وجودها قبل فوات الذبح حتى ذهب عليه الوقت، ثم وجد البهيمة؛ ففي هذه الحالة يذبحها؛ لأنه أخَّرها عن الوقت لعذر؛ فيكون ذلك كما في قول النبي - ﷺ -: «من نام عن صلاةٍ، أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك».اهـ\n• وأمَّا إن كانت الأُضحية تطوعًا، فمذهب أحمد، والشافعي أنها تسقط، وإن ذبحها؛ جاز له ذلك، وإن فرَّق لحمها؛ أُجِر على الصدقة لا على الأضحية.\n• وقال أبو حنيفة: ليس له ذبحها، بل يسلمها للفقراء بدون ذبح؛ فإن ذبحها؛\n_________\n(^١) انظر: «المحلى» (٩٨٢) «المجموع» (٨/ ٣٩١) «المغني» (١٣/ ٣٨٧) «الشرح الممتع» (٧/ ٥٠٢).","vol":"10","page":230},{"text":"فعليه أرش ما نقصها الذبح؛ لأنَّ الذبح قد سقط بفوات وقته.\nوالصحيح مذهب أحمد، والشافعي. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5732>مسألة [٨]: التكبير مع التسمية</span>.\nثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «باسم الله، والله أكبر» كما في حديث أنس -﵁- في الباب، ولا خلاف في استحباب التكبير مع التسمية، قاله ابن قدامة، ولا خلاف أيضًا أنَّ التسمية مُجْزِئة بدون التكبير. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5733>مسألة [٩]: قول المضحِّي: اللهم منك ولك، تقبل مني</span>.\n• مشروعٌ عند الحنابلة، والشافعية؛ لحديث عائشة -﵂- الذي في الباب، ولحديث جابر في «سنن أبي داود» (٢٧٩٥)، وأبي هريرة، أو عائشة -﵄- عند البيهقي (٩/ ٢٨١)، وفيهما: «اللهم منك ولك»، وهو حديث حسن بالشواهد، وهو قول الجمهور.\n• وذهب أبو حنيفة إلى كراهة ذلك، ونُقِل عن ابن سيرين، ومالك، قال أبو حنيفة: فيه ذكر اسمٍ لغير الله.\nوالصحيح القول الأول. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨) «المجموع» (٨/ ٣٩١) «الإنصاف» (٤/ ٨٠ -) «الشرح الممتع» (٧/ ٥٠٣ - ٥٠٤).\n(^٢) «المغني» (١٣/ ٣٩٠).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٩٠) «المجموع» (٨/ ٤١٢) «الشرح الممتع» (٧/ ٤٩٣).","vol":"10","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5734>مسألة [١٠]: كيفية حال البهيمة عند ذبحها</span>؟\nاستحبَّ أهل العلم أن تذبح الشاة، والبقرة مضجعة، وأن تُنحر الإبل قائمةً معقولة يدها اليسرى؛ لحديث عائشة -﵂- الذي في الباب، ولحديث ابن عمر -﵄- في «الصحيحين»: ابعثها قائمة مقيدة -يعني الإبل- سنة أبي القاسم - ﷺ -. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5735>مسألة [١١]: هل تتعين الأضحية</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنها تتعين، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة.\nواختلفوا فيما تتعين به.\n• فذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنها تتعين بالنية مع شرائها للأضحية؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات».\n• وذهب أحمد، والشافعي إلى أنها تتعين بالقول (هذه أضحية) كالوقف، والنذر.\nواختار القول الأول شيخ الإسلام، واختار الثاني الإمام ابن عثيمين -﵀-، بدليل أنه لو اشترى عبدًا ليعتقه في كفارة أو غيرها؛ فلا يعتق، أو اشترى بيتًا ليوقفه على الفقراء والمساكين، أو طلبة العلم، أو ما أشبه ذلك.\n• وذهب ابن حزم -﵀- إلى أنَّ الأضحية لا تتعين إلا بذبحها، أو نحرها بنية التضحية؛ لعدم وجود دليل يوجب القول بوجوبها بالتعيين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٧١٣)، ومسلم برقم (١٣٢٠).","vol":"10","page":232},{"text":"ومال إلى هذا القول الشوكاني -﵀- في «السيل الجرار»، بل اختاره وقوَّاه.\nقال الشوكاني -﵀- في «السيل الجرار» (ص ٧١٩): ليس في مصير الأضحية أضحية بمجرد الشراء بالنية، ولا في ثبوت هذه الأحكام التي ذكرها المصنف من أنه لا ينتفع بها -إلى آخر ما ذكره من ذلك- دليل تقوم به حجة، ويجب المصير إليه، والعمل به. اهـ\nقلتُ: وهذا القول أقرب، والله أعلم؛ إلا أن يكون قَصَدَ النذر بها عند قوله: (هذه أضحية)؛ فتتعين، ثم ظهر لي أنَّ قول مالك، وأبي حنيفة وشيخ الإسلام أقرب، وأن الأضحية تتعين بالفعل، كما تتعين بالقول، وقد قال الله تعالى عن الهدي: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5736>مسألة [١٢]: فائدة الخلاف السابق</span>.\n• على القول بوجوبها بالتعيين، وتعينها؛ فلا يجوز له أن يأكلها في غير أضحية، ولا أن يبيعها، ولا أن يجز صوفها، ولا أن يبيع ولدها، ولبنها، ولا يشرب من لبنها إلا ما زاد عن حاجة ولدها، وأنها إذا تعيبت بعد أن تعينت فله أن يذبحها معيبة، وقد قال الجمهور بهذه الأحكام، وخالف أبو حنيفة في المسألة الأخيرة.\n• وعلى القول بعدم تعينها بالقول، أو الفعل؛ فلا يلزمه شيء من هذه الأحكام. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٧٧) «المحلى» (٩٨١) «السيل الجرار» (ص ٧١٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٧٣، ٣٨٣، ٣٨٤) «المحلى» (٩٨١) «المجموع» (٨/ ٤٠٤).","vol":"10","page":233},{"text":"فائدة: اختلف الجمهور فيما إذا أراد بيعها ليشتري خيرًا منها، فأجازه عطاء، ومجاهد، وأبو حنيفة، وبعض الحنابلة، ومنع أكثرهم من ذلك، ومال إليه الإمام ابن عثيمين.\nوأما إذا أبدلها بخير منها؛ فيجوز عند أكثرهم، وهو قول عطاء، ومجاهد، وعكرمة، ومالك، وأحمد، وأبي حنيفة، ومنع من ذلك الشافعي، وأبو يوسف، وبعض الحنابلة.\nورجَّح ابن عثيمين الجواز، واستدل له بحديث الذي نذر أن يصلي في بيت المقدس، فقال له النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صلِّ ههنا في المسجد الحرام» (^١). (^٢)\nوقال الجمهور: إذا أتلف الرجل الأضحية بعد تعينها بتفريط أو تعدي؛ وجب عليه إبدالها، وإن تلفت عليه بدون تعدي؛ لم يضمن. (^٣)\nوهناك أحكام أخرى متفرعة على هذه المسألة.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (١٣٧٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤) «الشرح الممتع» (٧/ ٥٠٩ -).\n(^٣) «المغني» (١٣/ ٣٧٤).","vol":"10","page":234},{"text":"١٣٤٩ - وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الضَّحَايَا: العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا وَالعَرْجَاءُ البَيِّنُ ضَلْعُهَا، وَالكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تُنْقِي». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5737>مسألة [١]: العيوب الأربعة المذكورة في الحديث</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠): أَمَّا الْعُيُوبُ الْأَرْبَعَةُ الْأُوَلُ، فَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّهَا تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ.\nثم استدل بحديث البراء.\nقال: وَمَعْنَى الْعَوْرَاءِ الْبَيِّنِ عَوَرُهَا: الَّتِي قَدْ انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا، وَذَهَبَتْ؛ لِأَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ عَيْنُهَا، وَالْعَيْنُ عُضْوٌ مُسْتَطَابٌ؛ فَإِنْ كَانَ عَلَى عَيْنِهَا بَيَاضٌ وَلَمْ تَذْهَبْ؛ جَازَتْ التَّضْحِيَةُ بِهَا؛ لِأَنَّ عَوَرَهَا لَيْسَ بِبَيِّنٍ، وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ لَحْمَهَا. وَالْعَجْفَاءُ الْمَهْزُولَةُ الَّتِي لَا تُنْقِي: هِيَ الَّتِي لَا مُخَّ لَهَا فِي عِظَامِهَا؛ لِهُزَالِهَا، وَأَمَّا الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا: فَهِيَ الَّتِي بِهَا عَرَجٌ فَاحِشٌ. وَأَمَّا الْمَرِيضَةُ الَّتِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهَا: فَهِيَ الَّتِي بِهَا مَرَضٌ قَدْ يَئِسَ مِنْ زَوَالِهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالقَاضِي أَبُو يَعْلَى\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٩)، وأبوداود (٢٨٠٢)، والنسائي (٧/ ٢١٤ - ٢١٥)، والترمذي (١٤٩٧)، وابن ماجه (٣١٤٤)، وابن حبان (٥٩١٩ - ٥٩٢٢)، وإسناده صحيح، وقد صححه البخاري وأحمد وغيرهما، وقد أُعِلَّ بما لا يقدح فيه.","vol":"10","page":235},{"text":"الْحَنْبَلي إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَرِيضَةِ الْجَرْبَاءُ، وَهَذَا تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ، وَتَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِلَا دَلِيلٍ. انتهى باختصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5738>مسألة [٢]: التضحية بأعضب القرن</span>؟\nالأعضب: هو الذي ذهب نصف قرنه، أو أكثر.\n• فذهب بعض أهل العلم إلى أنه يمنع الإجزاء، وهو قول النخعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد.\nواستدلوا بحديث علي -﵁- عند أحمد (١/ ٨٣) وغيره: نهى رسول الله - ﷺ - أن يضحَّى بأعضب القرن، والأذن. وفي إسناده: جري بن كلب السدوسي، وفيه ضعف. (^١)\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجزئ التضحية به؛ لحديث البراء، فقد ذكر أربعة عيوب، ولم يذكر هذا العيب؛ ولأنَّ هذا العيب لا يؤثر في الأضحية، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، وأبي حنيفة، والشافعي، ومالك إذا كان لا يدمي. والصحيح هو الإجزاء، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5739>مسألة [٣]: التضحية بالعمياء</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٣٧١): وَلَا تُجْزِئُ الْعَمْيَاءُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْعَوْرَاءِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْعَمْيَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمَاهَا بَيِّنًا؛ لِأَنَّ الْعَمَى يَمْنَعُ مَشْيَهَا مَعَ\n_________\n(^١) انظر: «الإرواء» (١١٤٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٧٠) «المجموع» (٨/ ٤٠٤).","vol":"10","page":236},{"text":"الْغَنَمِ، وَمُشَارَكَتَهَا فِي الْعَلَفِ. اهـ\nوعلى هذا عامة العلماء، بل ادَّعى النووي الإجماعَ عليه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5740>مسألة [٤]: التضحية بمقطوعة الأذن</span>.\n• مذهب الشافعية عدم الإجزاء، وهو قول مالك، وداود الظاهري؛ لحديث علي -﵁- المتقدم، وحديث علي الذي سيأتي في الكتاب: «أمرنا أن نستشرف العين والأذن ...».\n• وقال أحمد: إن قطع أكثر من النصف؛ لم تجزئ. لحديث علي المتقدم.\n• وقال أبو حنيفة: إن قطع أكثر من ثلثها؛ لم تجزئ.\n• وقال أبو يوسف، ومحمد: إن بقي أكثر من نصف أذنها؛ أجزأت.\n• وذهب بعض الحنابلة إلى جواز التضحية بمقطوعة الأذن مطلقًا، ذكره ابن مفلح في «الفروع» احتمالًا، وصوَّبه المرداوي، واختاره الشيخ ابن عثيمين؛ لعدم صحة الحديث الوارد في ذلك.\nوهذا القول هو الصواب، وسيأتي تخريج حديث علي -﵁- مع بيان حكمه إن شاء الله. (^٢)\nتنبيه: تجوز الجمَّاء، وهي التي لا قرن لها، والصَّمْعاء، وهي صغيرة الأذن\n_________\n(^١) «المجموع» (٨/ ٤٠٤).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٨/ ٤٠٤) «المغني» (١٣/ ٣٧٠) «الإنصاف» (٤/ ٧٢) «الشرح الممتع» (٧/ ٤٧١).","vol":"10","page":237},{"text":"عند أكثر أهل العلم، ومنع من الجماء بعض الحنابلة، منهم: ابن حامد. وكذلك لو خُلِقت بلا أذن؛ جازت كالجماء، قال بذلك جماعة من الحنابلة، ومنع من ذلك الشافعية. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5741>مسألة [٥]: المقابلة، والمدابرة، والخرقاء، والشرقاء</span>.\nالمقابَلة: هي التي قطع من مُقَدَّم أذنها فلقة، وتدلت في مقابل الأذن، ولم تنفصل.\nالمدابَرة: هي التي قطع من مؤخر أذنها فلقة، وتدلت منه، ولم تنفصل.\nالخرقاء: هي التي في أذنها ثقب مستدير.\nالشرقاء: هي مشقوقة الأذن.\nويستحب أن تكون الأضحية خالية من هذه العيوب، ولكنها لا تمنع الإجزاء.\nقال ابن قدامة -﵀-: يَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِهَا، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ السَّلَامَةِ مِنْ ذَلِكَ يَشُقُّ؛ إذْ لَا يَكَادُ يُوجَدُ سَالِمٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ. اهـ\nقلتُ: وأيضًا فلا يوجد دليل صحيح على اشتراط خلو الأضحية من ذلك، وحديث علي -﵁- الراجح وقفه كما سيأتي إن شاء الله، واشترطه ابن حزم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٧٢) «المجموع» (٨/ ٤٠١، ٤٠٢) «الإنصاف» (٤/ ٧٣ - ٧٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٧٢ - ٣٧٣) «المجموع» (٨/ ٤٠٠ - ٤٠٣) «المحلى» (٩٧٤).","vol":"10","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5742>مسألة [٦]: مقطوعة الألية</span>.\n• ذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى عدم الإجزاء، إلا أنَّ المشهور في مذهب أحمد أنها لا تجزئ إذا قطعت النصف فأكثر.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن بقي منها الثلث؛ أجزأت، وفي رواية عنه: إن بقي أكثرها.\n• وذهب داود الظاهري إلى الجواز، ومال إليه الشوكاني؛ لعدم وجود دليل يدل على عدم الإجزاء. واستدل أهل القول الأول بأنها معيبة أكثر من العوراء، وبأنَّ الألية عضو مستطاب أكثر من العين، ورجَّح ذلك الإمام ابن عثيمين، والإمام ابن باز رحمة الله عليهما.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: والذي يظهر لي هو الإجزاء، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: المخلوقة بلا ألية، أو ذنب يجوز على الأصح عند الشافعية، وهو اختيار الإمام ابن باز -﵀-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5743>مسألة [٧]: البتراء</span>.\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٣٧٢): وَتُجْزئُ الْبَتْرَاءُ، وَهِيَ الَّتِي لَا ذَنَبَ لَهَا، سَوَاءٌ كَانَ خِلْقَةً أَوْ مَقْطُوعًا، وَمِمَّنْ لَمْ يَرَ بَأْسًا بِالْبَتْرَاءِ ابْنُ عُمَرَ، وَسَعِيدُ ابْنُ المُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَكَرِهَ اللَّيْثُ أَنْ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٧١) «المجموع» (٨/ ٤٠٤) «الإنصاف» (٤/ ٧٣) «الشرح الممتع» (٧/ ٤٧٢)، «فتاوى اللجنة» (١١/ ٤١٣).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٨/ ٤٠١) «فتاوى اللجنة» (١١/ ٤١٣).","vol":"10","page":239},{"text":"يُضَحَّى بِالْبَتْرَاءِ مَا فَوْقَ الْقَصَبَةِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5744>مسألة [٨]: الخَصِيُّ والْمَوْجُوء</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٣٧١): وَيُجْزِئُ الْخَصِيُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ (^١)،\nوَالْوَجَأُ رَضُّ الْخُصْيَتَيْنِ، وَمَا قُطِعَتْ خُصْيَتَاهُ أَوْ شَلَّتَا؛ فَهُوَ كَالمَوْجُوءِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ الْخِصَاءَ ذَهَابُ عُضْوٍ غَيْرِ مُسْتَطَابٍ يَطِيبُ اللَّحْمُ بِذَهَابِهِ، وَيَكْثُرُ وَيَسْمَنُ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا زَادَ فِي لَحْمِهِ وَشَحْمِهِ أَكْثَرُ مِمَّا ذَهَبَ مِنْهُ. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5745>مسألة [٩]: التي سقطت بعض أسنانها</span>.\n• في إجزائها خلافٌ عند الحنابلة، والشافعية، والصحيح إجزاؤها، وهو ترجيح شيخ الإسلام. (^٢)\n_________\n(^١) صحيح. دون قوله: (موجوءين): أخرجه أحمد (٦/ ٨)، (٦/ ١٣٦)، والبيهقي (٩/ ٢٧٣)، (٩/ ٢٨٧)، (٩/ ٢٦٨)، وعبد بن حميد (١١٤٦)، وأبو يعلى (١٧٩٢)، ومدار طرقه على عبد الله ابن محمد بن عقيل، وقد اضطرب فيه، فتارة يجعله من مسند أبي رافع، وتارة من مسند أبي هريرة، وتارة من مسند عائشة، وتارة من مسند جابر. وقد حكم عليه بالاضطراب، أبو زرعة وأبو حاتم في «العلل» (٢/ ٣٩ - ٤٠)، والدارقطني في «العلل» (٧/ ١٩ - ٢٠)، (١٥/ ١٤١ - ١٤٢).\nوللحديث عن جابر طريق أخرى: أخرجه أبو داود (٢٧٩٥)، ومن طريقه البيهقي (٩/ ٢٧٣)، من طريق محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عياش، عن جابر به. وإسناده ضعيف؛ لأنّ أبا عياش، هو المعافري المصري، مجهول الحال، ومحمد بن إسحاق مدلس، ولم يصرح بالتحديث.\n\nوقد أخرجه البخاري (٥٥٦٥)، ومسلم (١٩٦٦)، من حديث أنس بن مالك: «أن النبي - ﷺ - ضحى بكبشين أملحين أقرنين»؛ فالحديث صحيح بدون قوله: «موجوءين» والله أعلم.\n(^٢) انظر: «المجموع» (٨/ ٤٠٢) «الإنصاف» (٤/ ٧٤).","vol":"10","page":240},{"text":"١٣٥٠ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، إلَّا إنْ تَعَسَّرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5746>مسألة [١]: نوع الحيوان الذي يضَحَّى به</span>.\n• لا يجزئ في الأضاحي إلا بهيمة الأنعام؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤]، وهي: الإبل، والبقر، والغنم، يدخل فيه جميع أنواع الإبل من البخاتي (^٢)، والعراب، وجميع أنواع البقر من الجواميس، والعراب، والدربانية (^٣)، وجميع أنواع الغنم من الضأن، والمعز وأنواعها، ولا يجزئ غير الأنعام من بقر الوحش، وحميره، والضبا وغيرها. هذا مذهب الجمهور، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم. وقالوا: قد بيَّن الله الأنعام، وفصَّلها في سورة الأنعام.\nوقال الجمهور: لا يجزئ غير بهيمة الأنعام، ولا يجزئ المتولد من الإنسي، والوحشي.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٩٦٣).\n(^٢) في «لسان العرب»: البُخْتُ والبُخْتِيَّةُ: دَخِيل فِي الْعَرَبِيَّةِ، أَعجمي مُعَرَّبٌ، وَهِيَ الإِبل الخُراسانِيَّة، تُنْتَجُ مِنْ بَيْنِ عربيةٍ وفالِجٍ. وفيه: والفَالِجُ: الْبَعِيرُ ذُو السنامَين، وَهُوَ الَّذِي بَيْنَ البُخْتيِّ والعَرَبيِّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَن سَنَامَهُ نِصفان، وَالْجَمْعُ الفَوالِجُ.\n(^٣) في «تحرير ألفاظ التنبيه»: قال ابن فارس: الدربانية ترق أظلافها، وجلودها، ولها أسنمة. وفي «الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي»: ومن أجناس البقر: الدربانيه، وهي التي تنقل عليها الأحمال.","vol":"10","page":241},{"text":"• وقال الحسن بن صالح: بقرة الوحش تجزئ عن سبعة، والظبي عن واحد.\n• وقال الحنفية: ولد البقر الإنسية يجزئ، وإن كان أبوه وحشيًّا.\n• وقال ابن حزم: يجزئ كل حيوان، وطير يؤكل لحمه؛ لحديث: «ومن راح في الساعة الرابعة؛ فكأنما قرَّب دجاجة»، وحديث: «مثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنة ...».\nوالصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5747>مسألة [٢]: ما هو الأفضل في الأضحية</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة أنَّ الأفضل البدنة، ثم البقرة، ثم الشاة، ثم شرك في بدنة، ثم شرك في بقرة؛ لحديث: «من راح في الساعة الأولى؛ فكأنما قرب بدنة ...»، وقياسًا على الهدي.\n• وذهب مالك إلى أفضلية الغنم على الإبل والبقر؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ضحَّى بكبشين، ولا يفعل إلا الأفضل.\n• وقال ابن حزم: الأفضل ما طاب لحمه، وكثر وغلا ثمنه.\nوالقول الأول هو الصواب، والله أعلم، ويجزئ الذكر والأنثى بالإجماع. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٦٨) «المجموع» (٨/ ٣٩٣ - ٣٩٤) «المحلى» (٩٧٧) «أضواء البيان» (٥/ ٦٣٥) «تفسير ابن كثير».\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٦٦) «المحلى» (٩٧٧) «المجموع» (٨/ ٣٩٥، ٣٩٧).","vol":"10","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5748>مسألة [٣]: أسنان الأضاحي المجزئة</span>.\nقال النووي -﵀- في «المجموع» (٨/ ٣٩٤): وأجمعت الأمة على أنه لا يجزئ من الإبل، والبقر، والمعز، إلا الثَّنِي، ولا من الضأن إلا الجذع، وأنه يجزئ هذه المذكورات إلا ما حكاه العبدري وجماعة من أصحابنا عن الزهري أنه قال: لا يجزئ الجذع من الضأن. وعن الأوزاعي أنه يجزئ الجذع من الإبل، والبقر، والمعز، والضأن، وحكى صاحب «البيان» عن ابن عمر (^١) كالزهري، وعن عطاء كالأوزاعي، هكذا نقل هؤلاء، ونقل القاضي عياض الإجماع على أنه يجزئ الجذع من الضأن، وأنه لا يجزئ جذع المعز.\nقال: دليلنا على الأوزاعي حديث البراء بن عازب السابق قريبًا في «الصحيحين».\nيعني حديث: إن عندي عناقًا هي أحب إلي من شاتي لحم. قال: «تجزئك، ولا تجزئ أحدًا بعدك»، وفي رواية: إن عندي جذعة من المعز ... (^٢)\nواحتج له -يعني الأوزاعي- بحديث عقبة بن عامر أن النبي - ﷺ - أعطاه غنمًا يقسمها على صحابته ضحايا، فبقي عتود، فذكره للنبي - ﷺ -، فقال: «ضَحِّ أنت بها» رواه البخاري ومسلم (^٣)، قال أبو عبيد وغيره من أهل اللغة: العتود من أولاد\n_________\n(^١) إنما لفظ أثر ابن عمر كما في «الموطإ» (١/ ٣٨٠) عن نافع، عنه، قال في الضحايا والبُدْن: الثني فما فوقه. وهذا ليس بصريح فيما نسب إليه.\n(^٢) انظر: «البخاري» (٥٥٥٦)، و«مسلم» (١٩٦١).\n(^٣) انظر: «البخاري» (٥٥٤٧)، و«مسلم» (١٩٦٥).","vol":"10","page":243},{"text":"المعز وهو مارعي وقوي. قال الجوهري وغيره: وهو ما بلغ سنة. قال البيهقي: كانت هذه رخصة لعقبة بن عامر. قال: وقد روينا ذلك من رواية الليث بن سعد، ثم ذكره بإسناده الصحيح عن عقبة قال: أعطاني رسول الله - ﷺ - غنمًا أقسمها ضحايا بين أصحابي، فبقي عتود منها، فقال: «ضَحِّ بها أنت ولا رخصة لأحد فيها بعدك» قال البيهقي (^١): وإذا كانت هذه الزيادة محفوظة؛ كان هذا رخصة له كما رخص لأبي بردة بن نيار. وهذا التأويل الذي ذكره البيهقي متعين.\nقال -﵀- (٨/ ٣٩٥): وإن قيل: ظاهر حديث جابر المذكور في الكتاب أن الجذعة من الضأن لا تجزئ إلا إذا عجز عن المسنة. قلنا: هذا مما يجب تأويله؛ لأن الأُمَّةَ مجمعة على خلاف ظاهره كما سبق؛ فإنهم كلهم جوزوا جذع الضأن إلا ما سبق عن ابن عمر، والزهرى أنه لا يجزئ، سواء قدر على مسنة أم لا، فيحمل هذا الحديث على الأفضل، والأكمل، ويكون تقديره: (مستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة؛ فان عجزتم فجذعة ضأن)، والله أعلم. اهـ\nقلتُ: ويؤيد التأويل المذكور حديث مجاشع بن مسعود عند أبي داود (٢٧٩٩)، وابن ماجه (٣١٤٠) بإسناد صحيح، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إن الجذع يوفي ما يوفي منه الثَّني»، وهو محمول على الضأن كما جاء في بعض الروايات عند البيهقي (٩/ ٢٧٠)، وغيره بلفظ: «إن الجذع من الضأن ...». (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «السنن الكبرى» (٩/ ٢٧٠).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨) «سنن البيهقي» (٩/ ٢٧٠ - ٢٧١) «المحلى» (٩٧٥).","vol":"10","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5749>مسألة [٤]: معنى الجذعة، والمسنة</span>.\nالمسنَّة: ويقال لها: الثنية. هي التي سقطت ثناياها، وطلعت لها أخرى.\nوالجذعة: هو ما قَوِيَ من الحيوان ما لم يصر ثنيًّا.\nفالثني من الإبل: ما استكمل خمس سنوات، ودخل في السادسة، والجذع منه ما استكمل أربع سنوات ودخل في الخامسة.\nوالثني من البقر: ما استكمل سنتين ودخل في الثالثة، والجذعة منها ما استكمل سنة ودخل في الثانية.\nوالثني من الماعز: قيل: ما تمت له سنة، ودخل في الثانية، وهو الأشهر عند الحنابلة، وقول بعض الشافعية وبعض أهل اللغة، وعليه فالجذعة منه ستة أشهر.\nوقيل: الثني من الماعز ما تمت له سنتان، والجذع سنة، وهو الأشهر عند الشافعية، وأهل اللغة، ورجحه ابن حزم.\nوالثني من الضأن والجذع كالثني من الماعز وجَذَعِه.\nومنهم من قال: جذع الضأن سبعة أشهر. ومنهم من قال: إن كان من شابتين فسبعة أشهر، وإن كان من هرمين فثمانية أشهر.\nقيل لبعض أهل البادية: كيف تعرفون الضأن إذا أجذع؟ قالوا: لا تزال الصوفة قائمة على ظهره ما دام حَمَلًا، فإذا نامت الصوفة على ظهره؛ فقد أجذع. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩) «المجموع» (٥/ ٣٨٤، ٣٩٧، ٤١٦) «المحلى» (٩٧٥).","vol":"10","page":245},{"text":"١٣٥١ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ نَسْتَشْرِفَ العَيْنَ وَالأُذُنَ، وَلَا نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا خَرْمَاءَ، وَلَا ثَرْمَاءَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nتقدم ذكر عدد من المسائل المتعلقة بهذا الحديث في دراسة الحديث رقم (١٣٤٩).\n_________\n(^١) ضعيف مرفوعًا، والراجح وقفه. أخرجه أحمد (٦٠٩) (٨٥١)، وأبوداود (٢٨٠٤)، والترمذي (١٤٩٨)، والنسائي (٧/ ٢١٧)، وابن ماجه (٣١٤٢)، وابن حبان (٥٩٢٠)، والحاكم (٤/ ٢٢٤)، وليس عند ابن حبان قوله (ولا نضحي ...) إلى آخره. وليس عندهم (ثرماء) بل (شرقاء). والحديث الراجح وقفه على علي في غير طريق ابن حبان. رجح ذلك الدارقطني كما في «العلل» (٣٨٠)، والبخاري في «التاريخ» (٤/ ٢٣٠). وأما طريق ابن حبان فهي مختصرة على قوله: (أمرنا أن نستشرف العين والأذن). وقد أخرجها كذلك ابن ماجه (٣١٤٣)، والنسائي (٧/ ٢١٧)، وفي إسنادهم حجية بن عدي وفيه ضعف، ومن هذه الطريق أخرجه الحاكم (١/ ٤٦٨).","vol":"10","page":246},{"text":"١٣٥٢ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أُقَسِّمَ لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا عَلَى المَسَاكِينِ وَلَا أُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا مِنْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5750>مسألة [١]: حكم إعطاء الجزار من الأضحية مقابل الجزارة</span>.\n• ذهب الجمهور إلى تحريم ذلك لهذا الحديث، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة.\n• ورخَّص في ذلك الحسن، وعبدالله بن عبيد بن عمير، فلعلهم لم يبلغهم الحديث المذكور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5751>مسألة [٢]: حكم بيع شيء منها</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى عدم جواز ذلك؛ لأنه قد حرم جعلها إجارة فكذلك البيع؛ ولأنها أضحية لله فلا يجوز بيع شيء منها، وهو مذهب أحمد، والشافعي.\n• وذهب الحسن، والنخعي، والأوزاعي إلى أنه يرخص له أن يبيع الجلد، ويشتري له شيئًا ينتفع به في بيته.\n• وقال أبو حنيفة: يبيع ما شاء منها، ولكن يتصدق بثمنها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٧١٧)، ومسلم (١٣١٧) (٣٤٩). وليس عند البخاري قوله (على المساكين).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٨١) «المحلى» (٩٨٦).","vol":"10","page":247},{"text":"والصحيح هو القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5752>مسألة [٣]: الأكل من الأضحية والتصدق</span>؟\nاستحبَّ أهل العلم للمضحي أن يأكل من أضحيته؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]، وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦].\nونُقِل عن بعض أهل العلم القول بوجوب الأكل منها؛ لظاهر الآية، وهو قول ابن حزم، والأقرب أن ذلك للاستحباب، والله أعلم.\nواستحب أهل العلم أن يتصدق منها.\nوهل يجوز له أكلها كلها دون أن يتصدق بشيء؟\n• أجاز ذلك الشافعية، وأوجب الحنابلة، وابن حزم أن يتصدق بشيء؛ لظاهر الآية، وعزاه النووي لجمهور الشافعية. (^٢)\nفائدة: استحب كثير من الحنابلة، وبعض الشافعية أن يجعلها أثلاثًا، ثلثًا للأكل، وثلثًا للصدقة، وثلثًا للهدية، ونُقل ذلك عن ابن مسعود (^٣). وذهب بعض\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٨٢) «المحلى» (٩٨٦) «المجموع» (٨/ ٤٢٠).\n(^٢) انظر: «المحلى» (٩٨٥) «المجموع» (٨/ ٤١٩) «المغني» (١٣/ ٣٨٠) «الإنصاف» (٤/ ٩٧، ٩٨) «المجموع» (٨/ ٤١٤ - ٤١٦).\n(^٣) صحيح. أخرجه ابن أبي عروبة في «كتاب المناسك» (١٠١)، وابن أبي شيبة (٣/ ٥٥٤)، والطبراني في «الكبير» (٩/ ٣٤٢)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ٢٤٠)، من طريق إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود به. وهذا إسناد صحيح.","vol":"10","page":248},{"text":"الحنابلة، وهو قول للشافعي إلى استحباب جعلها نصفين: نصفًا للأكل، وآخر للصدقة؛ للآيتين السابقتين، واختاره ابن عثيمين. واختار الحنفية أن يتصدق بأكثر مما يأكل.\nقلتُ: ليس في ذلك تحديد، وفي كلٍّ خير، والنفقة على الأهل والعيال أعظم من أجر الصدقة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5753>مسألة [٤]: هل يأكل من الأضحية المنذورة</span>؟\n• مذهب أحمد، ومالك وغيرهما جواز الأكل منها؛ لأنَّ النذر بالأضحية محمول على ما عهد منها، والمعهود من الأضحية الشرعية ذبحها والأكل منها، والنذر لا يغير من صفة المنذور إلا الإيجاب.\n• وقال الشافعي، والأوزاعي، وداود: لا يؤكل منها؛ لأنها صارت واجبة، فهي كالكفارة، وجزاء الصيد.\nوالصحيح القول الأول، وأما الكفارة وجزاء الصيد؛ فإنها بدل وكفارة، فلا يصح أن يأكل منها. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5754>مسألة [٥]: الادخار من لحوم الأضاحي فوق ثلاث</span>.\nكان منهيًّا عن ذلك ثم نسخ ذلك، والأحاديث في ذلك كثيرة متواترة، منها:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٧١) «الشرح الممتع» (٧/ ٥٢٢ - ٥٢٣).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٨/ ٤١٨).","vol":"10","page":249},{"text":"حديث بريدة في «صحيح مسلم» (١٩٧٧)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث؛ فأمسكوا ما بدا لكم»، وجاء عن غيره من الصحابة بلفظ: «كلوا، وادَّخروا، وتصدقوا»، وعلى جواز ذلك عامة أهل العلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٨١) «المجموع» (٨/ ٤١٨).","vol":"10","page":250},{"text":"١٣٥٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ -﵄- قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ الحُدَيْبِيَةِ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5755>مسألة [١]: أقلُّ ما يجزئ من الأضاحي</span>.\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ أقل ما يجزئ من الأضاحي شاة، أو سُبع بدنة، أو سبع بقرة.\nواستدلوا على ذلك بحديث جابر المتقدم، وبحديث أبي أيوب الأنصاري عند ابن ماجه (٣١٤٧)، والترمذي (١٥٠٥) -وهو صحيح- قال: كان الرجل في عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يضحِّي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون، ويطعمون، ثم تباهى الناس فصار كما ترى. وبحديث أبي سريحة عند ابن ماجه (٣١٤٨)، قال: حملني أهلي على الجفاء بعد ما علمت من السنة، كان أهل البيت يضحون بالشاة، والشاتين، والآن يبخلنا جيراننا. وهذا القول نقل عن: علي (^٢)، وابن عمر. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٣١٨).\n(^٢) صحيح. أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (٤/ ١٧٨)، بإسناد صحيح، وفيه أنه أفتى في البقرة، عن سبعة. وأخرج أيضًا (٤/ ١٧٥) حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن عيسى بن أبي عزة، عن عامر، عن علي، وعبد الله -﵄-، قالا: «البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة» وهذا إسناد حسن، وعامر هو الشعبي. وروايته عن علي متصلة، وعن ابن مسعود مرسلة.\n(^٣) ذكره ابن حزم في «المحلى» (٧/ ٣٨١) مسألة: (٩٨٤) قال: وروينا من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: البدنة عن واحد، والبقرة عن واحد، والشاة عن واحد، لا أعلم شركا. وهذا إسناد صحيح، ولم يذكر ابن حزم الإسناد إلى عبيد الله.","vol":"10","page":251},{"text":"وابن مسعود (^١)، وابن عباس (^٢)، وعائشة، وأنس (^٣)\n-﵃-، وهو قول عطاء، وطاوس، والحسن، وسالم، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.\n• وذهب سعيد بن المسيب، وإسحاق إلى أنَّ البعير يجزئ عن عشرة.\nواستدلوا بحديث ابن عباس -﵄- عند أحمد (١/ ٢٧٥)، وغيره قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في سفر، فحضرت الأضحى، فاشتركنا بالبعير عن عشرة، والبقر عن سبعة. وهو من طريق: الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن عِلباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس به.\nقال البيهقي -﵀- (٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦): تفرد به الحسين بن واقد عن علباء بن أحمر، وحديث جابر أصح. اهـ\nواستدلوا على ذلك بحديث رافع بن خديج في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عدل عشرًا من الغنم ببعير. (^٤)\n_________\n(^١) ضعيف. تقدم تخريجه ضمن تخريج أثر علي -﵁-، وهو من طريق الشعبي عنه، ولم يدركه.\n(^٢) ضعيف. أخرجه ابن وهب في «جامعه» (١٧٩)، والطحاوي في «شرح المعاني» (٦٢٢١)، و«شرح المشكل» (٢٥٩٦)، والبيهقي (٥/ ١٦٩) من طريق عطاء الخراساني، عن ابن عباس -﵄- قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إني نذرت بدنة، فلم أجدها. فقال النبي: «اذبح سبعًا من الغنم». وهذا إسنادٌ ضعيف؛ لأنه منقطع؛ فعطاء الخراساني، لم يدرك ابن عباس -﵄-.\n(^٣) صحيح .. أخرجه مرفوعًا الطحاوي في «شرح المعاني» (٤/ ١٧٥)، وفي «شرح المشكل» (٢٥٩٤) حدثنا أحمد بن داود قال: حدثنا هدبة بن خالد قال: سمعت أبان بن يزيد، يحدث عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال:» إن الجزور عن سبعة «، وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٠٧٥)، ومسلم (١٩٦٨).","vol":"10","page":252},{"text":"• وذهب مالك إلى أنه لا يشترك بالدم أكثر من واحد في جميع الأضاحي، وهو قول محمد بن سيرين، وحماد، والحكم، وصحَّ عن ابن عمر، وقيل: رجع عنه.\n• وذهب ابن حزم إلى جواز الاشتراك حتى بالشاة، ويشترك بها الجماعة؛ لأنه فعل خير، ولا دليل عنده على التحديد. (^١)\nتنبيه: يجوز عند الجمهور أن يشرك الرجل أهل بيته في أضحيته؛ لحديث أبي أيوب، وأبي سريحة المتقدمين، وكره ذلك أبو حنيفة، والثوري؛ لأنَّ الشاة لا تجزئ عن أكثر من واحد.\nوالصحيح قول الجمهور، والاشتراك في الملك ليس كالاشتراك في الثواب، فالاشتراك في الثواب جائز عند الجمهور؛ لحديث عائشة المتقدم في أول الباب، ورجَّح ذلك الإمام ابن عثيمين، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5756>مسألة [٢]: إن كان بعض المشتركين يريد اللحم، فهل تجزئ عن الباقين</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي صحة أضحية الباقين، ولكل إنسان ما نوى.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز الاشتراك إلا للمتقربين فقط.\n• وذهب مالك كما تقدم إلى عدم جواز التشريك.\n• وذهب ابن حزم إلى جوازه مطلقًا كما تقدم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٦٣) «المجموع» (٨/ ٣٩٨) «المحلى» (٩٨٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٦٥) «المجموع» (٨/ ٣٩٧) «الشرح الممتع» (٧/ ٤٦٢).","vol":"10","page":253},{"text":"والصحيح قول أحمد، والشافعي. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5757>مسألة [٣]: لو ضحى عن غيره بغير إذنه</span>؟\n• أما التضحية عن الميت فأجازها الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وأكثر الشافعية؛ قياسًا على الصدقة، ولأنَّ ذلك ورد عن علي -﵁-، ورفعه، أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٦)، أبو داود (٢٨١٠)، والترمذي (١٥٢١)، والبيهقي (٩/ ٢٨٨) من طريق شريكٍ، عن أبي الحسْناء، عن الحكم، عن حنشٍ، قال: رأيت عليًا يُضحِّي بكبشين، فقلت: ما هذا؟ فقال: إن رسول الله - ﷺ - أوصاني أن أُضحِّي عنه؛ فأنا أُضحي عنه. وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف شريك، وجهالة أبي الحسناء، وضعف حنش بن المعتمر الصنعاني.\nوقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ١٢٠): والتضحية عن الميت أفضل من الصدقة بثمنها. اهـ.\nوفي فتاوى اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز -﵀- (١٠/ ٤١٤): الأضحية عن الميت مشروعة؛ لأن النبي - ﷺ - ضحى عمن لم يضح من أمة محمد، وهذا يشمل الأحياء والأموات، فعن جابر قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - عيد الأضحى، فلما انصرف أتي بكبش فذبحه، فقال: «باسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني، وعمن لم يضح من أمتي» رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وأيضا ضحى أمير المؤمنين علي ابن أبى طالب -فذكر الحديث السابق-، والقائل بأنه لا يضحى عن الميت ليس\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٩٢) «المجموع» (٨/ ٣٩٨) «المحلى» (٩٨٤).","vol":"10","page":254},{"text":"عنده دليل يمنع ذلك؛ فرأيه مرجوح لا عمل عليه.\n• وذهب بعض الشافعية إلى عدم الجواز إلا أن يوصي بها الميت.\nقال الإمام ابن عثيمين -﵀- (٧/ ٥٢٠): وليست الأضحية سنة للأموات؛ ولذلك لم يضحِّ النبيُّ - ﷺ - عن أحد ممن مات له، لا عن زوجته خديجة، وهي من أحب النساء إليه، ولا عن عمِّه حمزة وهو من أحب أعمامه إليه، ولا عن أحد أولاده الذين كانوا في حياته، وأولاده بضعة منه، وإنما ضحى عنه وعن أهل بيته، ومن أراد أن يدخل الأموات في العموم؛ فإن قوله قد يكون وجيهًا، ولكن تكون الأضحية عن الأموات هنا تبعًا لا استقلالًا.\nقال: ولهذا لا يُشرع أن يُضَحَّى عن الإنسان الميت استقلالًا؛ لعدم ورود ذلك عن النبي - ﷺ -.اهـ\nوالصحيح في هذه المسألة هو مشروعية ذلك على مذهب الجمهور؛ لأنها عبادة مالية، والعبادات المالية يشرع فيها النيابة، وتشرع عن الميت.\nتنبيه: إذا أوصى الميت بالتضحية عنه، أو وقف وقفًا لذلك جاز بالاتفاق، وإن كانت واجبة بالنذر، وجب على الوارث إنفاذ ذلك. (^١)\nوأما التضحية عن الحي، فقد قال النووي -﵀- في «المجموع» (٨/ ٤٠٦ - ٤٠٧): قال أصحابنا: وإذا ضحى عن غيره بغير إذنه؛ فإنْ كانت الشاة معينة\n_________\n(^١) انظر: «الشرح الممتع» (٧/ ٥٢٠) «المجموع» (٨/ ٤٠٦) «الموسوعة الكويتية» (٥/ ١٠٦).","vol":"10","page":255},{"text":"بالنذر؛ وقعت عن المضَحَّى عنه، وإلا فلا، كذلك قاله صاحب «العدة» وآخرون، وأطلق الشيخ إبراهيم المروروذي أنها تقع عن المضحي، قال هو وصاحب «العدة» وآخرون: ولو ذبح عن نفسه، واشترط غيره في ثوابها؛ جاز. قالوا: وعليه يُحمل الحديث المشهور عن عائشة يعني الذي في أول الباب. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5758>مسألة [٤]: الذبح بنفسه، والتوكيل</span>.\nاستحبَّ أهل العلم للمضَحِّي أن يذبح بنفسه؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذبحها بنفسه. قالوا: فإن وكَّل مسلمًا؛ جاز بلا خلاف.\n• واختلفوا إن وكَّل ذِميًّا، فمنع من ذلك الحسن، وابن سيرين، ومالك، وأحمد؛ لأنَّ الذمي وإن صحت ذبيحته؛ فهو ليس من أهل القربة؛ فلا تصح منه الأضحية والهدي؛ لأنها قربة.\n• وذهب الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، وعزاه النووي للجمهور إلى صحة ذلك كما يصح ذبحه، وكرهوا توكيل الذمي.\nوهذا القول أقرب؛ لأنَّ المتقَرِّب بالأضحية هو صاحبها الموكِّل، وإنما الذمي مجرد ذابح، وذبحه صحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5759>مسألة [٥]: هل يجب على الوكيل أن يذكر عند ذبحه عمن الأضحية</span>؟\nليس بواجب بلا خلاف، وإن ذكر ذلك جاز؛ لما تقدم، وكرهه أبو حنيفة،\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٨/ ٤٠٧) «المغني» (١٣/ ٣٨٩).","vol":"10","page":256},{"text":"وقد تقدمت المسألة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5760>مسألة [٦]: هل للعبد أن يضحي</span>؟\nللعبد أن يضحيَ إذا أذن له سيده، وليس له ذلك بدون إذنه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5761>مسألة [٧]: التضحية عن اليتيم من ماله</span>.\n• أجاز ذلك مالك، وأحمد، وأبو حنيفة؛ لأنَّ في ذلك مواساة له، ولا ينكسر قلبه إذا رأى الناس يأكلون اللحم وهم لا يأكلون.\n• ومنع من ذلك الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأنه تصرف في المال بدون مصلحة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢].\nورجَّح الإمام ابن عثيمين أنه يُضحَّى عنهم إن كانت العادة جرت بذلك، ولو لم يضح عنهم انكسرت قلوبهم، وإن كانوا على غير ذلك؛ فلا يُضَحَّى عنهم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5762>مسألة [٨]: أيهما أفضل: التضحية، أم الصدقة بثمنها</span>؟\nقال ابن القيم -﵀- في «تحفة المودود» (ص ٦٥): فكان الذبح في موضعه أفضل من الصدقة بثمنه، ولو زاد كالهدايا، والأضاحي؛ فإنَّ نفس الذبح وإراقة الدم مقصود؛ فإنه عبادة مقرونة بالصلاة كما قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٩٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٩٢).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٧٨) «الشرح الممتع» (٧/ ٥٢٧).","vol":"10","page":257},{"text":"[الكوثر:٢]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]؛ ولهذا لو تصدق عن دم المتعة، والقِران بأضعاف أضعاف القيمة لم يقم مقامه، وكذلك الأضحية، والله أعلم. اهـ\nوهذا القول هو الصحيح، وهو قول أحمد، وربيعة، وأبي الزناد وغيرهم.\n• وذهب إلى تفضيل الصدقة الشعبي، وأبو ثور.\nورجَّح الإمام ابن عثيمين القول الأول. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٦١) «الشرح الممتع» (٧/ ٥٢١).","vol":"10","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5763>بَابُ العَقِيقَةِ</span>\n١٣٥٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - عَقَّ عَنِ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا. رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الجَارُودِ وَعَبْدُالحَقِّ، لَكِنْ رَجَّحَ أَبُوحَاتِمٍ إرْسَالَهُ. (^١)\n\n١٣٥٥ - وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ. (^٢)\n_________\n(^١) حسن لغيره بدون تحديد العدد. أخرجه أبوداود (٢٨٤١)، وابن الجارود (٩١١) من طريق عبدالوارث عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس به. قال أبوحاتم (١٦٣١): رواه وهيب وابن علية عن أيوب عن عكرمة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسل، وهذا مرسل أصح.\nقال ابن الجارود (٩١١): ورواه الثوري وابن عيينة وحماد بن زيد وغيرهم عن أيوب لم يجاوزوا به عكرمة.\nقلتُ: فالراجح المرسل. وقد رواه النسائي (٧/ ١٦٥ - ١٦٦)، من طريق قتادة عن عكرمة عن ابن عباس به. وقال: كبشين كبشين. وقد رواه الطبراني (٢٥٦٨) من نفس الوجه، بدون قوله (كبشين كبشين).\n\nوالراجح في رواية قتادة الإرسال. قال أبوحاتم (١٦٣٣) في تعليله لطريق أخرى: إنما هو قتادة عن عكرمة قال: عقَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسل. اهـ\nقلتُ: فالصواب في الحديث الإرسال.\nوله شاهد من حديث بريدة بدون ذكر العدد. أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٥)، والنسائي (٧/ ١٦٤)، بإسناد حسن بلفظ (عق عن الحسن والحسين).\n(^٢) معل، والصواب فيه عن عكرمة مرسلا. أخرجه ابن حبان (٥٣٠٩)، من طريق جرير بن حازم عن قتادة عن أنس بن مالك قال: عقَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن حسن وحسين بكبشين. وأخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (١٢٣٥) وقال: لا نعلم أحدًا تابع جريرًا عليه.\nقلتُ: جرير بن حازم روى عن قتادة مناكير وهو ضعيف فيه، وقد أنكر عليه هذا الحديث كما في «الكامل» لابن عدي (٢/ ٥٥٠)، وقال أبوحاتم كما في «العلل» (١٦٣٣): أخطأ جرير في هذا الحديث إنما هو: قتادة عن عكرمة قال: عق رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسل.","vol":"10","page":259},{"text":"١٣٥٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَهُمْ: أَنْ يُعَقَّ عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (^١)\n\n١٣٥٧ - وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الكَعْبِيَّةِ نَحْوَهُ. (^٢)\n\n١٣٥٨ - وَعَنْ سَمُرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (^٣)\n_________\n(^١) الراجح وقفه على عائشة. أخرجه الترمذي (١٥١٣)، من طريق عبدالله بن عثمان بن خثيم عن يوسف ابن ماهك عن حفصة بنت عبدالرحمن عن عائشة به. وإسناده ظاهره الحسن، لكن عبدالله ابن عثمان صدوق له أوهام، وقد خالفه ابن جريج وهو ثقة فرواه عن يوسف به موقوفًا على عائشة، أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٣٢٨).\nوقد أخرج ابن أبي شيبة (٨/ ١٧٦)، وإسحاق (١٠٣٣)، من طريق عبدالملك بن أبي سليمان عن عطاء عن عائشة قالت: السنة عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة. وإسناده حسن وله حكم الرفع.\n(^٢) صحيح لغيره. أخرجه أحمد (٦/ ٣٨١) (٦/ ٤٢٢)، وأبوداود (٢٨٣٤)، والنسائي (٧/ ١٦٥)، والترمذي (١٥١٦)، وابن ماجه (٣١٦٢)، وله إسناد فيه محمد بن سباع بن ثابت وهو مجهول، وإسناد فيه حبيبة بن ميسرة مجهولة، وإسناد ثالث فيه سباع بن ثابت رجح الحافظ صحبته، فعليه يكون إسناده صحيحًا، وبعضهم يجعله من التابعين فيكون مجهول الحال. وفي أسانيد الحديث اختلاف كثير، وأرجو أن يكون حسنًا بالطرق التي ذكرتها. وانظر: «تحقيق المسند» (٤٥/ ١١٣ - ١١٩).\nوله شاهد من حديث أسماء بنت يزيد: أخرجه أحمد (٦/ ٤٥٦)، بإسناد حسن، وآخر عن عبدالله بن عمرو، أخرجه أحمد (٢/ ١٨٢ - ١٨٣)، وإسناده حسن، فالحديث صحيح بشواهده.\n(^٣) صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٧، ٨)، وأبوداود (٢٨٣٨)، والنسائي (٧/ ١٦٦)، والترمذي (١٥٢٢)، وابن ماجه (٣١٦٥)، وإسناده صحيح، وهو من طريق الحسن عن سمرة، وقد سمع منه هذا الحديث كما نص على ذلك بنفسه كما في «صحيح البخاري» برقم (٥٤٧٢).","vol":"10","page":260},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمعنى العقيقة:\nالعقيقة: هي الذبيحة التي تُذبح عن المولود، سُمِّيت بذلك من العَقِّ، وهو القطع؛ فإنَّ الذبيحة يُقطع حلقومها، والمَرِيء، والودجان.\nوقيل: سميت بذلك؛ لأنَّ شعر المولود يحلق معها، فسميت باسم ما كان معه، أو سببه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5764>مسألة [١]: حكم العقيقة</span>.\n• ذهب جمهور العلماء وعامتهم إلى استحباب العقيقة.\nواستدلوا على ذلك بأحاديث الباب، واستدلوا على عدم الوجوب بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند أحمد (٢/ ١٨٢)، وأبي داود (٢٨٤٢): «من ولد له مولود فأحب أن ينسك عنه فعن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة»، وهو حديث حسن.\n• وذهب الحنفية إلى كراهتها؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين سئل عن العقيقة: «لا أحب العقوق».\nوأُجيب عنهم بأنَّ في الحديث نفسه (كأنه كره الاسم) ثم قالوا له: إنما نسألك عن أحدنا يولد له. فقال: «من ولد له ولد؛ فأحب أن ينسك عنه فليفعل، عن الغلام شاتان .. .».\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٨/ ٤٢٨) «المغني» (١٣/ ٣٩٣) «تحفة المودود» (ص ٤٧ -).","vol":"10","page":261},{"text":"• وذهب الحسن، وداود الظاهري إلى وجوب العقيقة؛ لحديث سمرة بن جندب، وهو قولٌ لبعض الحنابلة.\nواحتجوا أيضًا بحديث سلمان بن عامر في «البخاري» (٥٤٧٢): «مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى».\nوقول الجمهور هو الصواب؛ لما تقدم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5765>مسألة [٢]: هل يُكره التسمية بالعقيقة</span>؟\nجاء في عدد من الأحاديث ذكر (العقيقة)، وفي الحديث المتقدم: «لا أحب العقوق».\nقال ابن القيم -﵀- في «تحفة المودود» (٥٤): والتحقيق في الموضعين كراهة هجر الاسم المشروع من (العشاء، والنسيكة) والاستبدال به اسم (العقيقة، والعتمة) فأما إذا كان المستعمل هو الاسم الشرعي، ولم يهجر، وأطلق الآخر أحيانًا؛ فلا بأس بذلك، وعلى هذا تتفق الأحاديث، وبالله التوفيق. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5766>مسألة [٣]: معنى قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ»</span>.\n• قال ابن القيم -﵀- في «تحفة المودود» (ص ٧٢ - ٧٤): وقد اختلف في معنى هذا الحبس والارتهان، فقالت طائفة: هو محبوس مرتهن عن الشفاعة لوالديه. كما قال عطاء، وتبعه عليه الإمام أحمد، وفيه نظر لا يخفى؛ فإن شفاعة الولد في\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٩٣ -) «المجموع» (٨/ ٤٤٧) «تحفة المودود» (ص ٣٥ -) (ص ٥٤ -).","vol":"10","page":262},{"text":"الوالد ليست بأولى من العكس، وكونه والدًا له ليس للشفاعة فيه، وكذا سائر القرابات، والأرحام.\nثم ذكر الأدلة في أنَّ الشفاعة لا تكون إلا لمن أذن الله له، ورضي عنه، وعن المشفوع له.\nثم قال: فمن أين يقال إن الولد يشفع لوالده فإذا لم يعق عنه حبس عن الشفاعة له ولا يقال لمن لم يشفع لغيره إنه مرتهن ولا في اللفظ ما يدل على ذلك\nثم قال: وقد جعل الله سبحانه النسيكة عن الولد سببا لفك رهانه من الشيطان الذي يعلق به من حين خروجه إلى الدنيا وطعن في خاصرته فكانت العقيقة فداء وتخليصا له من حبس الشيطان له وسجنه في أسره ومنعه له من سعيه في مصالح آخرته التي إليها معاده. اهـ\nوهذا القول الذي اختاره ابن القيم قولٌ قريب، واختاره الإمام ابن عثيمين.\nقال -﵀- كما في «الشرح الممتع» (٧/ ٥٣٥): المعنى أنه محبوس عن الانطلاق والانشراح، وكذلك عن الحماية من الشيطان. اهـ\nقلتُ: فيكون مثل تسمية الرجل عند الجماع، ولم يقل أحدٌ بوجوبها؛ فكذلك ههنا، وقد قيل: إن المقصود بالحديث التشبيه بالرهن؛ ليدل على الوجوب. وظاهره غير مقصود. (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «سبل السلام»، و«نيل الأوطار».","vol":"10","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5767>مسألة [٤]: العدد الذي يذبح في العقيقة</span>.\n• أكثر أهل العلم على أنه يُذبح عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة. وهذا قول ابن عباس، وعائشة (^١)، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور وغيرهم.\nواستدلوا على ذلك بحديث أم كرز الكعبية المذكور في الباب مع الشواهد التي ذكرناها.\n• وذهب مالك، وأبو جعفر الصادق إلى أنه يذبح عنهما شاة، الذكر والأنثى.\nواستدلوا بحديث ابن عباس -﵄- الذي في أول الباب، وهو حديث معل بالإرسال، واختلف فيه في ذكر العدد، وثبت هذا القول عن ابن عمر -﵄- بإسناد صحيح كما في «المصنَّفَين» و«الموطإِ»، وهو قول القاسم، وعروة، والزهري.\n• ونقل عن الحسن، وقتادة إلى أنه لا يعق عن الجارية، ولعلهما تمسكا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «كل غلام مرتهن بعقيقته»، والغلام اسم للذكر دون الأنثى.\nوالصحيح هو قول الجمهور، وأثر ابن عمر يدل على الإجزاء بواحدة، ويؤيده حديث سلمان بن عامر المتقدم، وحديث بريدة عند أبي داود (٢٨٤٣) بإسناد حسن، قال: كنا في الجاهلية إذا وُلِدَ لأحدنا غلام ذبح شاةً، ولطخ رأسه بدمها،\n_________\n(^١) أثر عائشة -﵂- صحيح، تقدم تخريجه ضمن حديثها المرفوع في الباب، وأثر ابن عباس -﵄- أخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ٥٠) بإسناد صحيح، وأخرجه عبدالرزاق (٤/ ٣٢٩) من وجهٍ آخر بإسناد حسن.","vol":"10","page":264},{"text":"فلما جاء الإسلام كنا نذبح شاة، ونحلق رأسه، ونلطخه بزعفران.\nوالأفضل شاتان لمن قدر، ومن لم يقدر فعلى استطاعته ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم»، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5768>مسألة [٥]: الوقت الذي يستحب فيه الذبح للعقيقة</span>؟\n• عامة أهل العلم على أنَّ المستحب أن يكون يوم سابع المولود من ولادته؛ لحديث سمرة بن جندب الذي في الباب.\n• إلا أنَّ مالكًا، والشافعي في قولٍ لا يعدَّان يوم الولادة من السبعة؛ إلا أن يولد قبل الفجر من ليلة ذلك اليوم.\nوالذي يظهر أنه يعد من السبعة، وهو قول الحنابلة، وغيرهم.\n• فإن فات اليوم السابع؛ فاستحب الجمهور أن يذبح في السابع الثاني، وهو قول عطاء، وأحمد، وابن وهب، وإسحاق، والشافعي، ومالك؛ فإن فاته فالسابع الثالث.\nواستدلوا على ذلك بأثر عن عائشة -﵂- أنها قالت: وليكن ذلك يوم السابع؛ فإن لم يكن ففي أربعة عشر؛ فإن لم يكن ففي إحدى وعشرين.\nإلا أنَّ مالكًا لم يقل بالسابع الثالث.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٩٥ -) «تحفة المودود» (ص ٦٥ -) «الفتح» (٥٤٧٢) «الشرح الممتع» (٧/ ٥٣٧) «المجموع» (٨/ ٤٤٧) «البداية» (٣/ ١٦ -) «ابن أبي شيبة» (٨/ ٥٠) «عبدالرزاق» (٤/ ٣٢٨ -).","vol":"10","page":265},{"text":"وأثر عائشة -﵂- أخرجه الحاكم (٤/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، وضعَّفه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٤/ ٣٩٥ - ٣٩٦)، وأعلَّه بالانقطاع، والإدراج.\nوقد جاء في ذلك حديث مرفوع، أخرجه البيهقي (٩/ ٣٠٣) من طريق: إسماعيل بن مسلم، عن قتادة، عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه مرفوعًا: «العقيقة تُذبح لسبع، ولأربع عشرة، ولإحدى وعشرين»، وإسماعيل بن مسلم شديد الضعف.\n• وعند الحنابلة بعد الأسبوع الثالث اختلاف في اعتبار ذلك.\n• وذهب الليث، وابن سيرين إلى عدم اعتبار الأسابيع؛ إلا الأسبوع الأول، وهو أقرب، والله أعلم.\nقال ابن القيم -﵀- (ص ٦٣): والظاهر أنَّ التقييد بذلك استحباب، وإلا فلو ذبح عنه في الرابع، أو الثامن، أو العاشر، أو ما بعده؛ أجزأت، والاعتبار بالذبح لا بيوم الطبخ والأكل. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5769>مسألة [٦]: من لم يعق عنه حتى كَبُرَ</span>؟\nجاء حديثٌ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عقَّ عن نفسه بعد النبوة، وفي إسناده عبدالله بن محرر، وهو متروك، أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٣٢٩)، وغيره من حديث أنس -﵁-.\nوله طريق أخرى عند الطبراني في «الأوسط» (٩٩٨)، وفيه: عبدالله بن\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٩٦) «التحفة» (ص ٦٢ -) «ابن أبي شيبة» (٨/ ٥٢) «عبدالرزاق» (٤/ ٣٣٢ -) «المجموع» (٨/ ٤٣١) «الفتح» (٥٤٧٢) «البداية» (٣/ ١٧).","vol":"10","page":266},{"text":"المثنى، وهو ضعيفٌ، وقد تفرد به.\n• فذهب عطاء، والحسن، وابن سيرين إلى أنَّ له أن يعق عن نفسه.\n• وذهب أحمد إلى أنه لا يعق، وذلك لأنَّ هذا مستحب للوالد على ولده، وعليه أكثر الحنابلة. وقال مرةً: من فعله؛ لم أكرهه. ومرةً: من فعله؛ فحسن.\n• وعن بعض الحنابلة وهو قول المالكية: لا يعق غير الأب، ولا يعق المولود عن نفسه إذا كبر، لأنها مشروعة في حق الأب، فلا يفعلها غيره.\n• وللشافعية قولان في استحبابها، وعدم ذلك.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الذي يظهر -والله أعلم- عدم استحباب ذلك؛ لعدم وجود دليل صحيح يدل على ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5770>مسألة [٧]: إذا مات الطفل قبل اليوم السابع</span>؟\n• مذهب الحنابلة، والشافعية أنها تستحب العقيقة عنه؛ لأنها تُشرع بالولادة؛ لحديث: «كلُّ غلام مرتهن بعقيقته»، وحديث: «مع الغلام عقيقته»، وعموم سائر الأحاديث.\n• وذهب مالك، والحسن إلى عدم استحبابها عند ذلك؛ لحديث: «تذبح عنه يوم سابعه».\nورجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- القول الأول، وكذلك الإمام ابن باز -﵀- كما\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٩٧) «التحفة» (ص ٨٧ - ٨٨) «المجموع» (٨/ ٤٣١).","vol":"10","page":267},{"text":"في «فتاوى اللجنة»، وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\nفائدة: العقيقة أفضل من التصدق بثمنها، قاله أحمد، والشافعية، وابن المنذر، واختاره ابن القيم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5771>مسألة [٨]: هل تجزئ العقيقة بغير الغنم</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى الإجزاء، ثبت عن أنس -﵁-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٨/ ٥٧) بإسناد لا بأس به، أنه كان ينحر الجزور.\nوهو قول الحنابلة، والشافعية، والمالكية؛ لأنَّ الإبل، والبقر أعظم أجرًا من الشاة، ولحديث: «أهريقوا عليه دمًا»، واشترط أحمد أنها تُذبح كاملة بدون شرك.\n• وذهب ابن حزم إلى عدم الإجزاء، وثبت عن حفصة بنت عبدالرحمن بن أبي بكر أنه قيل لها: هلَّا عققت جزورًا؟ قالت: معاذ الله، كانت عمتي عائشة تقول: على الغلام شاتان، وعلى الجارية شاة. أخرجه عبدالرزاق (٤/ ٣٢٨) بإسناد صحيح.\nواستدل ابن حزم على ذلك بظاهر الأدلة، ففي كلها «شاة»، وحديث سلمان بن عامر مبيَّن بالأدلة الأخرى، وإلا فيقال: أهريقوا دم طائر. وبما شاءَ؛ للحديث المذكور، وهذا اختيار أبي الشيخ الأصبهاني، والبندنيجي من الشافعية.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الاقتصار على ما جاء في الحديث أولى، ومن عقَّ\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٨/ ٤٤٨) «الإنصاف» (٤/ ١٠١) «الشرح الممتع» (٧/ ٥٣٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٩٥) «التحفة» (ص ٦٥) «المجموع» (٨/ ٤٣٣).","vol":"10","page":268},{"text":"بجزور فأرجو أن يجزئه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5772>مسألة [٩]: شروط العقيقة</span>.\n• ذهب الجمهور إلى أنَّ العقيقة يُشترط فيها ما يُشترط في الأضاحي في السن، والخلو من العيوب؛ قياسًا على الهدي، والأضاحي.\n• وذهب ابن حزم، والشوكاني إلى عدم اشتراط ذلك، وهو الصحيح؛ لعدم وجود دليل يدل على الاشتراط.\nوالأفضل بإجماعهم أن يستسمنها، وأن تكون خالية من العيوب.\nويستحب في الشاتين أن تكونا متماثلتين بمعنى: متقاربتين في السن، والحجم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «متكافئتان».\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ العقيقة لا يكسر عظامها، وإنما تفرق تفريقًا، ثبت ذلك عن عائشة -﵂-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، وبه قال عطاء، وابن جريج، وأحمد، والشافعي.\nواستدلوا بأثر عائشة -﵂-؛ ولأنَّ في ذلك تفاؤلًا بسلامة المولود.\n• وذهب الزهري، ومالك إلى جواز تكسير عظامها كالأضاحي، والهدي، وهو الصحيح، وهو اختيار ابن حزم، والشوكاني. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٨/ ٤٤٨) «التحفة» (ص ٨٢ -) «الفتح» (٥٤٧٢) «المحلى» (١١١٤) «البداية» (٣/ ١٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٩٩، ٤٠١) «المجموع» (٨/ ٤٤٨) «المحلى» (١١٤) «ابن أبي شيبة» (٨/ ٥٥) «النيل» (٢١٤٠) «التمهيد» (١٠/ ٤٠١) «التحفة» (ص ٧٧، ٨٠).","vol":"10","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5773>مسألة [١٠]: تلطيخ رأس الطفل من دم العقيقة</span>.\n• ذهب جمهور الفقهاء، والمحدثين إلى كراهة ذلك، وقالوا: كان هذا من عمل الجاهلية، ثم نسخه الإسلام، وأبطله.\nففي حديث بريدة -﵁- عند أبي داود (٢٨٤٣)، وغيره، قال: كنَّا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح له شاة، ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الإسلام كنا نذبح شاةً، ونحلق رأسه، ونلطخه بزعفران. وهو حديث حسن.\nواستدلوا بحديث سلمان بن عامر: «فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى».\n• وذهب الحسن، وقتادة إلى استحباب تلطيخ رأس الطفل من دم العقيقة.\nواستُدِلَّ لهذا القول بحديث: «ويحلق رأسه ويدمى»، وهذه الرواية تصحيف كما أبانه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء»، والمشهور في لفظ الحديث: «ويُسَمَّى» من التسمية.\nوالصحيح قول الجمهور. (^١)\nفائدة: يجزئ صاحب العقيقة توزيعها، وتفريق لحمها، والأفضل طباختها، والدعوة إليها، أو الإهداء منها مطبوخًا. (^٢)\nفائدة: بيع جلد العقيقة ورأسها، وسقطها فيه قولان في مذهب أحمد والأصح عن أحمد جواز بيعها، لكن مع الصدقة بثمنها، ورجَّح ابن قدامة عدم الجواز. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٩٨) «المجموع» (٨/ ٤٤٨).\n(^٢) انظر: «التحفة» (ص ٧٥ - ٧٦) «المجموع» (٨/ ٤٣٠).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٠١) «التحفة» (ص ٨٩ -).","vol":"10","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5774>مسألة [١١]: حلق شعر المولود يوم سابعه</span>.\nاستحب أهل العلم أن يحلق شعر الغلام يوم سابعه؛ لحديث سمرة بن جندب -﵁- الذي في الباب.\nوهل يحلق شعر الأنثى؟\n• استحبه الشافعية، وبعض الحنابلة.\n• والذي عليه أكثر الحنابلة أنَّ الحلق للذكر فقط، وهو ترجيح الإمام ابن باز -﵀-، وظاهر اختيار الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٨/ ٤٣٢) «الإنصاف» (٤/ ١٠٢) «المغني» (١٣/ ٣٩٧) «الشرح الممتع» (٧/ ٥٤٠).","vol":"10","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5775>فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ المَسَائِلِ المُلْحَقَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5776>مسألة [١]: القَزَع</span>.\nفي «الصحيحين» عن ابن عمر -﵄- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن القزع.\nوالقَزَعُ: أن يحلق بعض رأس الصبي، ويُترك بعضه، والقزع أربعة أنواع:\nالأول: أن يحلق من رأسه مواضع من ههنا، وههنا، مأخوذ من (تَقَزُّعِ السَّحَابِ) وهو تَقَطُّعُه.\nالثاني: أن يحلق وسطه، ويترك جوانبه كما يفعله شمامسة النصارى.\nالثالث: أن يحلق جوانبه، ويترك وسطه، كما يفعله كثير من الأوباش، والسقط.\nالرابع: أن يحلق مُقَدَّمَه، ويترك مؤخره، وهذا كله من القزع. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5777>مسألة [٢]: التصدق بزنة الشعر وَرِقًا</span>.\n• استحب جمهور الفقهاء أن يتصدق بوزن الشعر فضة، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة؛ لما جاء من طرقٍ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر فاطمة أن تتصدق بوزن شعر الحسن، والحسين من الفضة، وهو حديث حسن بمجموع طرقه، وقد حسَّنه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (١١٧٥). (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «تحفة المودود» (ص ١٠٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٣٩٧) «الإنصاف» (٤/ ١٠٢) «المجموع» (٨/ ٤٣٢) «التحفة» (ص ٩٧ -) «البداية» (٣/ ١٧).","vol":"10","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5778>مسألة [٣]: تسمية المولود</span>.\nيُشرع تسميته في اليوم السابع، وتُشرع قبل ذلك، ولو في يوم ولادته، فقد سمَّى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولدَه إبراهيم في يوم ولادته، وكذلك عبدالله بن أبي طلحة، وعبدالله بن الزبير، وغيرهما. (^١)\nوأحبُّ الأسماء إلى الله: عبدالله، وعبدالرحمن كما في «مسلم» عن ابن عمر -﵄- مرفوعًا، وهو قول الجمهور، وعن سعيد بن المسيب: أحبُّ الأسماء إليه أسماء الأنبياء، ورجَّح ابن القيم قول الجمهور (ص ١١٢).\nويستحبُّ للأب أن ينتقي لولده اسمًا حسنًا، ولا يجوز أن يعبد لغير الله، ويُكره ما فيه قبح، أو تزكية، أو ذم.\nوالتسمية حقٌّ للأب دون الأم.\nقال ابن القيم -﵀-: هذا مما لا نزاع فيه بين الناس.\nقال: والأحاديث المتقدمة تدل على هذا، وهذا كما أنه يدعى لأبيه لا لأمه، قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥].اهـ (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5779>مسألة [٤]: ختان المولود</span>.\nالخِتان: مصدر ختن يختن، وهو في حق الغلام قطع القلفة، والغرلة التي في أعلى الذكر، وفي الجارية قطع شيء يسير من الجلدة التي في أعلى فرجها، وشكلها\n_________\n(^١) انظر: «تحفة المودود» (ص ١٠٢ -).\n(^٢) «التحفة» (ص ١٣٥).","vol":"10","page":273},{"text":"كعُرفِ الديك.\nوالختان يسمى به موضع الختن، ومنه حديث: «إذا التقى الختانان؛ وجب الغسل»، فختان الرجل هو الحرف المستدير على أسفل الحشفة، وختان المرأة هي جلدة كعرف الديك فوق الفرج. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5780>مسألة [٥]: حكم الختان</span>.\n• ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى وجوبه، وهو قول الشعبي، وربيعة، والأوزاعي، ويحيى الأنصاري، ومالك، والشافعي، وأحمد.\nواستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٣]، والختان من ملته.\nواستدلوا بحديث: «ألق عنك شعر الكفر، واختتن»، وهو حديث ضعيف جدًّا. (^٢)\nواستدلوا بقول ابن عباس -﵄- وهو صحيح عنه كما في «تحفة المودود»: الأقلف لا تقبل له صلاة، ولا تؤكل ذبيحته.\n_________\n(^١) «تحفة المودود» (ص ١٥٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤١٥)، وأبو داود (٣٥٦)، والبيهقي (١/ ١٧٢)، وغيرهم، من طريق ابن جريج: أخبرت عن عثيم بن كليب، عن أبيه، عن جده، به. وهذا إسناد ضعيف؛ شيخ ابن جريج لم يُسَمَّ، وعثيم مجهول الحال، وأبوه مجهول لا يعرف، وذكر ابن عدي (١/ ٢٢٣) أنَّ المبهم هو إبراهيم ابن أبي يحيى.\nقلتُ: وهو كذاب.","vol":"10","page":274},{"text":"وقالوا: الختان من أظهر الشعائر التي يفرق بها بين المسلم والنصراني؛ فوجب إظهارها.\nوقالوا: يجوز كشف العورة له، فلو لم يجب؛ لما جاز ذلك؛ لعدم وجود ضرورة أخرى، أو مداواة. وكذلك يجوز للخاتن النظر للعورة، ولو لم يجب لما ارتكب فيه المحظور.\nوقالوا: إن الأقلف تبقى فيه بعض النجاسات من البول، والمذي. وأشار إلى ذلك ابن عباس -﵄- بقوله: لا تُقبل له صلاة.\nوقالوا: فيه إيلام للمختون، ويعرض الطفل للتلف، ويخرج الولي من ماله أجرة الخاتن، وثمن الدواء، ولا يضمن سرايته بالتلف، ولو لم يكن واجبًا؛ لما جاز ذلك.\n• وذهب بعضهم إلى أنه سنة غير واجب، وهو قول الحسن، وأبي حنيفة، وبعض الشافعية، وبعض المالكية، وابن أبي موسى الحنبلي.\nواستدلوا بحديث: «الختان سنة للرجال مكرمة للنساء». (^١)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٧٥)، وابن أبي شيبة (٩/ ٥٨)، والطبراني (٧١١٢) (٧١١٣)، والبيهقي (٨/ ٣٢٥)، وفي إسناده: حجاج بن أرطاة مدلس، وقد عنعن، وفيه ضعف، وقد اضطرب في إسناد الحديث، وفي تعيين صحابيه، فجعله مرة عن أسامة بن عمير، ومرة عن شداد بن أوس، ومرة عن أبي أيوب.\nوله طريق أخرى عند البيهقي (٨/ ٣٢٤) من غير طريق حجاج، عن ابن عباس، ولكن رجح البيهقي أنه موقوف على ابن عباس.\nقلتُ: والموقوف المذكور في إسناده سعيد بن بشير، وهو ضعيف.","vol":"10","page":275},{"text":"وقالوا: لم يأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كل من أسلم بالختان، وقد قرنه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالمسنونات بحديث: «الفطرة خمس ...».\nوقالوا: المقصود بالآية: ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ في التوحيد، وأما حديث: «ألق عنك شعر الكفر، واختتن»؛ فهو ضعيف.\nوقالوا: ليس كل ما كان من الشعائر يجب، فهناك شعائر لا تجب، كالتلبية، وسوق الهدي.\nوقالوا: كونه معرض لفساد طهارته إنما يُلام عليه إن كان ذلك باختياره.\nوقالوا: كشف العورة جائز، وإن لم يكن واجبًا لإقامة السنة.\nوأجاب الجمهور عن أدلة هؤلاء بأنَّ حديث: «الختان سنة للرجال» ضعيف، وليس فيه دلالة؛ لأنَّ السنة بمعنى الطريقة، ويؤيده أنَّ ابن عباس -﵄- كان يرى وجوب الختان؛ مع أنه ممن قال بذلك.\nوأما اقترانه بالمسنونات؛ فدلالة الاقتران ضعيفة، ولا تسليم في أنَّ ما اقترن به ليس واجبًا. وأما كونه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يأمر من أسلم بذلك؛ فلكونه كان أمرًا معروفًا عن المسلمين.\nوأما قولكم عن الملة: (هي التوحيد) فغير صحيح، بل الملة هي الدين.\nولم يسلموا لهم ببقية الأجوبة.\n• وذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى وجوبه على الرجال، وإلى كونه سنة","vol":"10","page":276},{"text":"للنساء.\nورجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين في «الشرح الممتع»؛ لأنَّ المرأة لا تتأثر طهارتها بعدم ختانها بخلاف الرجل، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5781>مسألة [٦]: وقت الختان</span>.\nفي «صحيح البخاري» (٦٢٩٩) عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض النبي - ﷺ -؟ قال: أنا يومئذ مختون. وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك.\n• فذهب الجمهور إلى أنه يجب قبل البلوغ، وليس في تحديده قبل ذلك شيء إنما هو أقوال لأهل العلم.\nقال ابن القيم -﵀- في «تحفة المودود» (ص ١٨٤ -): وقال ابن المنذر في ذكر وقت الختان: وقد اختلفوا في وقت الختان، فكرهت طائفة أن يختن الصبي يوم سابعه، كره ذلك الحسن البصري، ومالك بن أنس خلافًا على اليهود، وقال الثوري: هو خطر. قال مالك: والصواب في خلاف اليهود، قال: وعامة ما رأيت الختان ببلدنا إذا أثغر. وقال أحمد بن حنبل: لم أسمع في ذلك شيئًا. وقال الليث بن سعد: الختان للغلام ما بين السبع سنين إلى العشرة. قال ابن المنذر: ليس في هذا الباب شيء يثبت، وليس لوقوع الختان خبر يرجع إليه، ولا سنة تستعمل، فالأشياء على الإباحة، ولا يجوز حظر شيء منها إلا بحجة، ولا نعلم مع من منع\n_________\n(^١) انظر: «تحفة المودود» (ص ١٦٢ -) «الشرح الممتع» (١/ ١٣٣) «نيل الأوطار» (١/ ١٣١).","vol":"10","page":277},{"text":"أن يختن الصبي لسبعة أيام حجة. اهـ\nوالصحيح قول أحمد، وابن المنذر، والأفضل تعجيله في الشهر الأول؛ لأنه لا يحصل للطفل فيه ضرر كبير، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «تحفة المودود» (ص ١٨٤ - ١٨٥).","vol":"10","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5782>كِتَابُ الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ</span>\n١٣٥٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فِي رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ<span data-type=\"title\" id=toc-5783> بِأَبِ</span>يهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَلَا إنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n١٣٦٠ - وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إلَّا بِاللهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللهِ إلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nمع ذكر مجموعة من المسائل الملحقة\nالأَيْمَانُ: جَمْعُ يَمِيْنٍ، وهو القسم والحلف، ويراد به تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّمٍ بصيغة مخصوصة. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5784>مسألة [١]: حكم اليمين</span>.\nقد يكون واجبًا، أو مستحبًّا، أو محرمًا، أو مكروهًا، أو مباحًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (١٦٤٦) (٣).\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٣٢٤٨)، والنسائي (٧/ ٥)، وإسناده صحيح.\n(^٣) «الشرح الممتع» (٦/ ٣٨٥).","vol":"10","page":279},{"text":"مثال اليمين الواجب:\nاليمين عند الحاكم؛ لدفع الظلم عن شخص معيَّنٍ، فلو ادُّعِيَ على مال يتيم دعوة باطلة، وتوجه اليمين على وليه، فيجب عليه اليمين.\nفضابطها: أن ينجي بها إنسانًا من الهلكة، أو يدفع عنه أو عن عرضه، أو ماله، أو يدفع بها عن نفسه، مثل أن يُدَّعَى عليه القتل، وهو بريءٌ.\nواليمين المستحب:\nهو الذي تتعلق به مصلحة من إصلاح بين متخاصمين، أو إزالة حقد من قلب مسلم عن الحالف، أو غيره، أو دفع شر.\nواليمين المحرمة:\nإذا كانت على فعل محرَّمٍ، أو على ترك واجبٍ، أو كانت اليمين على شيء هو فيه كاذب.\nواليمين المكروهة:\nهو الحلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٢٤].\nواليمين المباحة:\nمثل الحلف على فعل مباح، أو تركه، والحلف على الخبر بشيءٍ وهو صادق","vol":"10","page":280},{"text":"فيه، أو يظن أنه صادق فيه. (^١)\nتنبيه: كره أهل العلم الإكثار من الأيمان بدون حاجة، واستدل بعضهم على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، وبعضهم استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم:١٠]. (^٢)\nتنبيه آخر: الحكم على اليمين بالكراهة، والإباحة، والتحريم لا ينافي أنَّ اليمين عبادة محبوبة إلى الله للتعظيم الحاصل بها؛ ولذلك فلا يجوز الحلف بغير الله، بل هو شرك بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5785>مسألة [٢]: الحلف على فعل طاعة، أو ترك معصية</span>.\n• ذهب الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أنه مستحبٌّ؛ لأنَّ ذلك يدعوه إلى فعل الطاعات، وترك المعاصي.\n• وذهب بعض الحنابلة إلى أنه لا يستحب؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك في الأكثر الأغلب، ولا حث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أحدًا عليه، ولا ندب إليه؛ ولأنه يجري مجرى النذر، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن النذر وقال: «لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل». (^٣). (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٤٠ - ٤٤٤) «الشرح الممتع» (٦/ ٣٨٧ - ٣٨٨).\n(^٢) انظر: «الشرح الممتع» (٦/ ٣٨٧) «المغني» (١٣/ ٤٣٩).\n(^٣) سيأتي تخريجه في هذا الباب برقم (١٣٦٩).\n(^٤) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٤١).","vol":"10","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5786>مسألة [٣]: الحلف على الحقوق عند الحاكم</span>.\n• كره ذلك الشافعية، وبعض الحنابلة؛ خشية أن يوافق قدرٌ بلاءً، فيقال: بيمينه.\n• وأجاز ذلك جماعةٌ من الحنابلة؛ لأنه حقٌّ من حقوقه؛ فله أن يحلف على حقه، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5787>مسألة [٤]: الذي تصح منه اليمين</span>.\nتصح اليمين من كل مكلف مختار قاصد لليمين، فلا تصح اليمين من مجنون، ولا طفل.\nواختلفوا هل تصح من المكره؟\n• فأكثر الفقهاء على أنها لا تصح منه؛ لأنه غير مريد لليمين، وقد قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩]، وهذا قول الشافعي، ومالك، وأحمد.\n• وقال أبو حنيفة: تنعقد يمين المكره؛ لأنها يمين مكلف. وهو قولٌ ضعيف. والصحيح قول الجمهور.\nواختلفوا هل تصح يمين السكران؟\nعلى قولين تقدم ذكرهما في مسألة طلاق السكران.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٤٢).","vol":"10","page":282},{"text":"واختلفوا هل تصح يمين الكافر، أم لا؟\n• فذهب الجمهور إلى صحة يمينه كما يصح نذره.\nواستدلوا على صحة النذر بحديث عمر -﵁-: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ... الحديث، وهو في «الصحيحين»، وهذا قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر.\n• وذهب الثوري، وأصحاب الرأي إلى أن يمينه لا تنعقد؛ لأنه ليس من أهل التكليف. والصحيح قول الجمهور.\nواختلفوا هل تلزمه الكفارة إذا حنث؟\n• فقال أحمد: تلزمه مطلقًا، سواء حنث قبل الإسلام، أو بعده.\n• وعند الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر تلزمه إذا حنث بعد الإسلام. وهذا أقرب؛ لحديث: «الإسلام يهدم ما كان قبله». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5788>مسألة [٥]: الحلف بغير الله، وصفاته</span>.\nالحلف بغير الله تعالى شركٌ؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من حلف بغير الله؛ فقد أشرك»، (^٢) وقد نهى عنه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأحاديث كثيرة متواترة، منها: حديث عمر، وعبدالرحمن بن سمرة اللذان في الباب.\n_________\n(^١) «المغني» (١٣/ ٤٣٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥)، وأحمد (٣٢٩) (٤٩٠٤)، وغيرهم من حديث ابن عمر -﵄-، وهو حديث صحيح بشواهده كما بينته في تخريجي لكتاب «فتح المجيد».","vol":"10","page":283},{"text":"ويكون شركًا أكبر إن كان مُعَظِّمًا للمخلوق كتعظيمه لله، أو أشد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5789>مسألة [٦]: اليمين المنعقدة</span>.\nإذا حلف الإنسان بالله؛ انعقدت يمينه بلا خلاف، وتنعقد بأسماء الله وصفاته، سواء كان الاسم مختصًّا بالله أم لا؟ وسواء كانت الصفة ذاتية أو فعلية.\nفمن الأسماء المختصة بالله: (الله، والرحمن، والأول، والآخر، والحي الذي لا يموت، ورب العالمين) وما أشبه ذلك.\nومن الأسماء المشتركة: (العزيز، الرحيم، الملك، القادر، المؤمن) وغيرها.\nومن الصفات الذاتية: (عزة الله، وكبرياؤه، وجلاله، وعظمته، وعلمه، وحكمته، ووجهه ...).\nومن الصفات الفعلية: (مجيء الله، ونزول الله إلى السماء الدنيا).\n• والقول بجواز الحلف بالصفات الذاتية، والفعلية هو مذهب الشافعية، والحنابلة، وقال به بعض المالكية، وهو الصحيح؛ لورود ذلك في الكتاب والسنة.\n• وذهب بعض المالكية إلى جواز الحلف بالصفات الذاتية دون الفعلية. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5790>مسألة [٧]: قول الحالف: وحقِّ الله</span>.\n• مذهب الجمهور أنها يمين منعقدة؛ لأنَّ لله حقوقًا يستحقها لنفسه، من البقاء، والعظمة، والألوهية، والجلال، والعِزَّة، وقد اقترن عرف الاستعمال\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٣٦) «شرح كتاب التوحيد» لابن باز، وللعثيمين.\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٥٢ - ٤٥٤) «الشرح الممتع» (٦/ ٣٨٩) «أحكام اليمين» (ص ٥٦).","vol":"10","page":284},{"text":"بالحلف بهذه الصفة، فتنصرف إلى صفة الله تعالى.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنها غير منعقدة؛ لأنَّ حق الله طاعته، ومفروضاته، وليست صفة له. وهو قول اللجنة الدائمة (٢٣/ ٥٤).\nوالذي يظهر أنَّ الحالف على نيته؛ فإن قصد المعنى الأول؛ انعقدت يمينه، وإن قصد المعنى الثاني؛ لا تنعقد، والأول أقرب إلى ظاهر اللفظ. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5791>مسألة [٨]: قول الحالف: لعمر الله</span>.\n• مذهب الحنابلة، وأبي حنيفة أنها يمين منعقدة تُوجِب الكفارة؛ لأنَّ (العَمْر) بمعنى الحياة والبقاء؛ فهو من صفات الله.\n• وقال الشافعي، وبعض الحنابلة: إن قصد اليمين؛ فهي يمين، وإلا فلا؛ لأنها يمين بتقدير محذوف.\nوالصحيح القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5792>مسألة [٩]: قوله: لعمرك. ولعمري، وما أشبهه</span>؟\n• لا يجوز عند الجمهور، ولا تنعقد يمينه عندهم؛ لأنه قسم بحياة مخلوق.\n• وقال الحسن: قوله: (لعمري) فيه كفارة.\nوالصحيح قول الجمهور، وما جاء من الأحاديث بهذا اللفظ محمول على أنه\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٥٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٥٥) «البيان» (١٠/ ٥٠٥ - ٥٠٦).","vol":"10","page":285},{"text":"جرى على اللسان بغير إرادة للحلف، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5793>مسألة [١٠]: حروف القسم</span>.\nأشهرها ثلاثة (الباء) وهي الأصل، وتدخل على المظهر، والمضمر جميعًا.\nو(الواو) وهي بدل من الباء، وتدخل على المظهر دون المضمر لذلك، وهي أكثر استعمالًا.\nو(التاء) وتدخل على لفظ الجلالة فقط عند الفقهاء، وزاد ابن مالك و(رب)، فقال في «أَلْفِيَّتِهِ»: والتَّاء لله ورب.\nومن حروف القسم: (الهمزة) مذكورة أو مقدرة، وتدخل على لفظ الجلالة (الله) كقولهم: (آلله لتفعلن كذا) فيقول: (آلله لأفعلن).\nومن حروف القسم: (الهاء) كقول أبي بكر: لا ها الله، لا يعمد إلى أسد من أسود الله، فيعطيك سَلَبَه. وغيره، وهذا نادر.\nقيل: ومن حروف القسم اللام كقولهم: للهِ لا يُؤَخَّرُ الأجلُ. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5794>مسألة [١١]: إذا قال: يمين الله، وأيم الله</span>؟\nأيم: أصلها (أيمن)، فحُذِفت النون لكثرة الاستعمال، وهمزتها همزة وصل عند الأكثر، واليمين بها منعقد عند الجمهور، وعند الشافعي، إن قصد\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٥٧).\n(^٢) انظر: «الشرح الممتع» (٦/ ٣٨٦ - ٣٨٧) «أوضح المسالك» (٣/ ٣٢).","vol":"10","page":286},{"text":"صاحبها اليمين.\nوفي البخاري (٤٢٥٠)، ومسلم (٢٤٢٦) عن عبد الله بن عمر -﵄- لما أمَّر النبي - ﷺ - أسامة بن زيد، قال: «إن تطعنوا في إمارته، فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وايم الله لقد كان خليقا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده».\nوأخرج ابن المنذر (١٢/ ٩٥) بإسناد صحيح عن ابن عباس، وابن عمر -﵄- الحلف بها. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5795>مسألة [١٢]: الحلف بالقرآن، أو بآية منه</span>.\n• عامة العلماء على مشروعية ذلك، وأنها تنعقد اليمين بذلك؛ لأنَّ القرآن كلام الله وصفة من صفاته.\n• وذهب الحنفية إلى أنها لا تنعقد، فمنهم من قال: هو مخلوق. ومنهم من قال: القسم به لا يعهد. وهو قولٌ باطلٌ بَيِّن البطلان. (^٢)\nتنبيه: لو حلف بالمصحف؛ انعقدت يمينه، وأجاز ذلك أحمد، وإسحاق؛ لأنَّ الحالف بالمصحف إنما قصد الحلف بالمكتوب فيه، وهو القرآن؛ فإنه بين دَفَّتَي المصحف بإجماع المسلمين. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٥٧) «البيان» (١٠/ ٥٠٧) «أحكام اليمين» (ص ١٠٢ - ١٠٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٦٠).\n(^٣) «المغني» (١٣/ ٤٦١).","vol":"10","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5796>مسألة [١٣]: قوله: أقسم بالله. أحلف بالله. آليت بالله. أعزم بالله. أشهد بالله</span>؟\n• هذه الألفاظ تُعَدُّ يمينًا عند أكثر الفقهاء.\nقال ابن قدامة -﵀-: هذا قول عامة الفقهاء لا نعلم فيه خلافًا.\nقال: وسواء نوى اليمين، أو أطلق؛ لأنه لو قال: (بالله) ولم يقل: (أُقسم) ولا (أشهد)، ولم يذكر الفعل؛ كان يمينًا بتقدير الفعل قبله. اهـ\n• وذهب الشافعي إلى أنَّ (أعزم بالله) و(أشهد بالله) لا تكون يمينًا إلا بالنية. والصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5797>مسألة [١٤]: إن قال: أقسمت. أو آليت. أو حلفت. أو شهدت لأفعلَنَّ كذا</span>؟\n• ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنها يمين، سواء نوى اليمين، أم لا، وهذا قول النخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية؛ لأنه قد ثبت لها عرف الشرع، والاستعمال.\nفقد قال أبو بكر الصديق -﵁-: أقسم عليك يا رسول الله، لتخبرني بما أصبت وما أخطأت. فقال: «لا تقسم» أخرجه أبو داود (٣٢٦٨) بإسناد صحيح عن ابن عباس -﵄-، وأصله في «الصحيحين».\nوأخرج ابن المنذر (١٢/ ١٠٧) بإسناد صحيح عن ابن عمر -﵄- قال:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٦٧ -) «البيان» (١٠/ ٥٠٩).","vol":"10","page":288},{"text":"القسم يمين.\nوأخرج أيضًا بإسناد صحيح عن ابن عباس -﵄-، أنه كان يقرأ: ﴿للذي يقسمون من نسائهم﴾.\nوقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون:١ - ٢].\nوقالت عاتكة بنت عبد المطلب عمةُ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:\nحلفتُ لئن عادوا لنصطلمنهم ... لجاءوا تردَّى حجرتيها المقانبُ\n\nوقالت عاتكةُ بنت زيد بن عمرو بن نفيل:\nفآليتُ لا تنفك عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جلديَ أغبرا\n\n• وذهب بعضهم إلى أنها يمين إذا نوى، وهذا قول مالك، وإسحاق، وأحمد في رواية، وابن المنذر؛ لاحتمال أنه لم يقصد اليمين بالله؛ ولأنَّ قوله (أشهد) لا يُستفاد منها اليمين بنفسها.\n• وذهب الشافعي إلى أنها لا تُعَدُّ يمينًا؛ لأنها عُريت عن اسم الله، وصفته، وهو قول عطاء، والحسن، والزهري، وقتادة، وأبي عبيد.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الصحيح قول مالك، وإسحاق، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٦٩) «البيان» (١٠/ ٥١٠).","vol":"10","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5798>مسألة [١٥]: قول الحالف: عهد الله. ميثاق الله</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ ذلك يمين منعقد يوجب الكفارة بالحنث، وهو قول الحسن، وطاوس، والشعبي، وقتادة، والحكم، والأوزاعي، ومالك، وأحمد؛ لأنَّ (عهدالله) يحتمل كلامه الذي أمرنا به، ونهانا، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ [يس:٦٠]، وكلامه صفة له.\nويحتمل أنه استحقاقه لما تعبدنا به، وقد ثبت له عرف الاستعمال، فيجب أن يكون يمينًا بإطلاقه.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يكون يمينًا إلا أن ينوي، وهو قول عطاء، والثوري، وأبي عبيد، وابن المنذر.\n• وقال الشافعي: لا يكون يمينًا إلَّا أن ينوي اليمين بعهد الله الذي هو صفته، وهو بمعنى الذي قبله.\n• وقال أبو حنيفة: ليس بيمين. ولعله ذهب إلى أنَّ العهد من صفات الفعل، فلا يكون الحلف به يمينًا كما لو قال: وخلْقِ الله، وهو قول ابن حزم.\nوالراجح هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٤٦٣ - ٤٦٤): فَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ الله وَمِيثَاقُهُ لَأَفْعَلَنَّ. أَوْ قَالَ: وَعَهْدِ الله وَمِيثَاقِهِ لَأَفْعَلَنَّ. فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ قَالَ: وَالْعَهْدِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٦٣) «البيان» (١٠/ ٥٠١) «المحلى» (١١٢٩).","vol":"10","page":290},{"text":"وَالْمِيثَاقِ لَأَفْعَلَنَّ. وَنَوَى عَهْدَ الله، كَانَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْحَلِفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الله تَعَالَى. وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ رِوَايَتَانِ. اهـ\nوقد رجَّح الإمام ابن باز، والفوزان، وعبدالعزيز آل الشيخ وغيرهم أنَّ ذلك يمين، أعني الحلف بعهد الله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5799>مسألة [١٦]: الحلف بالخروج من الإسلام</span>.\nكقول الحالف: (هو يهودي إن فعل كذا) أو (هو نصراني، أو مجوسي، أو كافر)، أو نحو ذلك، أو (هو بريء من الإسلام إن لم يفعل كذا).\n• فذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ عليه في ذلك الكفارة إذا حنث، وهو قول عطاء، وطاوس، والحسن، والشعبي، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية، وعليه فتوى الإمام ابن باز، والفوزان، وعبدالعزيز آل الشيخ، وبكر أبو زيد، والغديان، وعليه التوبة والاستغفار.\nوقال شيخ الإسلام -﵀- (٣٥/ ٢٧٤): ولهذا قال أكثر أهل العلم: إذا قال: هو يهودي، أو نصراني إن لم يفعل ذلك؛ فهي يمين بمنزلة قوله: والله لأفعلن؛ لأنه ربط عدم الفعل بكفره الذي هو براءته من الله، فيكون قد ربط الفعل بإيمانه بالله، وهذا هو حقيقة الحلف بالله. وقالوا: يدخل في عموم الأيمان ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩].اهـ\n_________\n(^١) «فتاوى اللجنة الدائمة» (٢٣/ ١٢٠).","vol":"10","page":291},{"text":"• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه لا كفارة فيها، وهو قول مالك، والشافعي، والليث، وأبي ثور، وابن المنذر، وأحمد في رواية؛ لأنه لم يرد في هذه اليمين نصٌّ، ولا هي في قياس المنصوص؛ فإنَّ الكفارة إنما وجبت في الحلف باسم الله تعظيمًا لاسمه، وإظهارًا لشرفه وعظمته، ولا تتحقق السوية.\nواستدلوا على ذلك بحديث بريدة عند أحمد (٥/ ٣٥٥)، والنسائي (٧/ ٦)، وغيرهما، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من قال: إني بريء من الإسلام؛ فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا؛ لم يعد إلى الإسلام سالمًا»، وهو حديث صحيح، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا الوادعي -﵀-.\nوالقول الثاني عزاه ابن المنذر للأكثر، وهو اختيار ابن حزم، والشوكاني. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5800>مسألة [١٧]: إن حرَّم على نفسه ما أحلَّ الله له، فهل هو يمين مكفرة</span>؟\n• ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه يمين منعقد، وتكفر إذا حنث، وهو قول الحسن، وجابر ابن زيد، وعطاء، وقتادة، والحسن، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب العراق. وهذا قول جماعة من الصحابة كما تقدم ذكره في كتاب الطلاق، صحَّ عن ابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وجاء عن أبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وعائشة -﵃- بأسانيد ضعيفة.\nواستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١]، وقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢]، وقالوا: هو يمين يدخل في عموم الآية:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٦٤) «نيل الأوطار» (٥/ ٤٩٠ - ٤٩١) «السيل» «المحلى» (١١٢٩) «الشرح الممتع» (٦/ ٤٠٥) «فتاوى اللجنة» (٢٣/ ١٩٦).","vol":"10","page":292},{"text":"﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩].\n• وذهب مالك، والشافعي إلى أنه ليس بيمين، بل هو لغوٌ، ولا شيء عليه، وهذا قول مسروق، والشعبي، وأبي سلمة، وحميد بن عبدالرحمن، والظاهرية، والصنعاني كما في كتاب الطلاق.\nوالقول الأول رجحه شيخ الإسلام، وابن القيم، والإمام ابن باز، وابن عثيمين، والفوزان، وبكر أبو زيد، والغديان وغيرهم، وهو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5801>مسألة [١٨]: الحلف بالنذر</span>.\nكأن يقول: عليَّ الحج لأفعلن كذا. وأرضي وقف لأفعلن كذا. ومالي صدقة إن لم أفعل كذا.\n• فعامة أهل العلم على أنه يمين، ونقل شيخ الإسلام إجماع أهل العلم على أنَّ هذا يمين.\nوهل يُكَفِّرُ أم لا؟\n• ذهب أكثر العلماء إلى أنه مخير بين الوفاء بالنذر، والتكفير. واستدلوا بعموم الآيات: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩]، وكذا في الحديث: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها ...»، وهذا قول أحمد، والشافعي، والليث، وإسحاق، وغيرهم، ورجحه شيخ الإسلام، وابن القيم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٦٦) «الفتاوى» (٣٥/ ٣٢٩ - ٣٣٠) «فتاوى اللجنة» (٢٣/ ١٦٦ - ١٦٧، ١٧٤) «الشرح الممتع» (٦/ ٤٠١).","vol":"10","page":293},{"text":"وقد صحَّ عن بعض الصحابة أنهم أفتوا بالكفارة، منهم: عُمر، وعائشة، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر -﵃-. (^١)\n• وذهب مالك، وأبو حنيفة في رواية إلى أنه يلزمه الوفاء بالنذر.\nوالصحيح القول الأول؛ لأنَّ هذا يمين بالنذر وليس نذرًا مطلقًا، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5802>مسألة [١٩]: الحلف بالطلاق، والعتاق</span>.\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ فيه الكفارة، وهو قول طاوس، وبعض الحنابلة، والمالكية، واختاره شيخ الإسلام، وابن القيم، وقد تقدمت المسألة، ولله الحمد في كتاب الطلاق، وهذا هو الصحيح.\n• وذهب الجمهور إلى وقوع الطلاق، والعتاق؛ إلا أبا ثور، فلم يقل بوقوع العتاق (^٣)، ونقل ذلك عن ابن عمر -﵄-، أعني القول بعدم وقوعه في العتاق، ونُقل عن ابن عمر، وابن عباس -﵃- القول بوقوعه (^٤)، أعني العتاق، أما الطلاق فليس في الحلف به نصٌّ عن الصحابة، وقد ادعي الإجماع على وقوع الطلاق إذا حنث صاحب اليمين بالطلاق، والواقع وجود الخلاف، وممن ادعى الإجماع\n_________\n(^١) ذكر أسانيد هذه الآثار شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى»، ثم وجدتها أيضًا في الأوسط لابن المنذر (١٢/ ١١٠).\n(^٢) انظر: «الفتاوى» (٣٥/ ٢٥٣ - ٢٥٦) (٣٥/ ٢٨٠).\n(^٣) إسناده صحيح كما في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢٥٥ -).\n(^٤) لم يثبت عنهما؛ ففي إسناده: عثمان بن أبي حازم، وفيه جهالة، وهو لم يسمع من أحدٍ من الصحابة، انظر إسناد الأثرين في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢٦١).","vol":"10","page":294},{"text":"ابن المنذر -﵀- كما في «الأوسط» (١٢/ ١٣٤). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5803>مسألة [٢٠]: الحلف بالأمانة</span>.\n• لا يجوز الحلف بالأمانة، ولا ينعقد بها اليمين، وإن أضافها إلى الله فلا تكون يمينًا إلا بالنية، وهو مذهب الشافعي؛ لحديث: «من حلف بالأمانة؛ فليس منا». (^٢)\n• وعند الحنابلة، والحنفية تنعقد بها اليمين إن أضافها إلى الله بقوله: (بأمانة الله)؛ لأنها تصبح حلفًا بالصفة، وإذا أطلق ففيه وجهان للحنابلة.\nتنبيه: الحلف بالأمانة شركٌ؛ لأنه حلف بغير الله كما تقدم، وإذا قال أحد التُّجَّار بالأمانة، وهو لا يقصد الحلف، وإنما يقصد أنه يتكلم بأمانة، وأنه يعامل صاحبه بأمانة لا بخيانة؛ فليس بحلف، وهو جائز، والأولى والأحوط تركه. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5804>مسألة [٢١]: هل تنعقد اليمين إذا حلف بمخلوق</span>؟\nالحلف بالمخلوق شركٌ، ولا تنعقد اليمين بذلك عند عامة أهل العلم، بل قال شيخ الإسلام -﵀-: لا أعلم فيه مخالفًا. ونقل ابن قدامة -﵀- عن بعض الحنابلة أنَّ فيها كفارة إذا حلف بالرسول، وهو قولٌ ضعيفٌ باطل، وكذلك نقل الخلافَ شيخ الإسلام في موضعٍ آخر. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢٥٩ - ٢٦٤، ٢٧١، ٢٧٣)، وانظر ما تقدم في كتاب الطلاق.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٢٥٣)، وأحمد (٥/ ٣٥٢)، عن بريدة -﵁-، بإسناد صحيح.\n(^٣) وانظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» (٢٣/ ٥٦ - ٥٧).\n(^٤) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٧٢) «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٠٤) (٣٥/ ٢٤٦).","vol":"10","page":295},{"text":"١٣٦١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُك بِهِ صَاحِبُك» وَفِي رِوَايَةٍ: «اليَمِينُ عَلَى نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ». أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5805>مسألة [١]: التأويل في اليمين</span>.\nالتأويل في اليمين هو التعريض بها، فيحلف ويوهم السامع أنه يحلف على شيء، وهو يحلف على شيء آخر؛ فإن كان الحالف مظلومًا جاز له ذلك دفعًا عن نفسه الظلم؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وحديث الباب محمول على من عليه حقٌّ، وهذا قول أحمد، وغيره.\nوإن كان الحالف ظالمًا كالذي يستحلفه الحاكم على حقٍّ عنده، فهذا ينصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلِف، ولا ينفع الحالف تأويله، وهو قول أحمد، والشافعي، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا. وقال النووي: وهذا مجمع عليه.\nفإن كان الحالف غير ظالم ولا مظلوم؛ فله تأويله في مذهب أحمد، والشافعي، قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافًا.\n• وإن كان الحلف على حقٍّ عند غير الحاكم فالجمهور يقولون: اليمين على نية الحالف. وحملوا حديث الباب على ما إذا كان ذلك عند الحاكم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٦٥٣).","vol":"10","page":296},{"text":"• وذهب مالك، وطائفة إلى أنَّ اليمين على نية المستحلِف، وإن لم تحصل المحاكمة؛ لحديث الباب، وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5806>مسألة [٢]: هل العبرة بنية الحالف، أم بلفظه</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ العبرة بنية الحالف، وهذا مذهب أحمد، ومالك، والبخاري وغيرهم؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، فلو حلف بلفظ عام يريد شيئًا خاصًّا؛ وقع اليمين على المخصوص، كأن يقول: (والله، لا آكل لحمًا بعد اليوم) يريد لحمًا بعينه، ومثل أن يطلق الوقت في اللفظ، وهو مقيد في نيته، كأن يقول: (والله، لا أدخل دار زيد) يريد في هذا الشهر. أو يريد: (ما دام مخاصمًا لي) أو ما أشبه ذلك.\nأو يحلف على خاصٍّ ويريد العموم، كأن يقول: (والله، لا أشرب من فلانٍ ماءً) يريد أن يمتنع من جميع مَا لَهُ فيه عليه منة، أو يحلف أن لا يلبس ثوبًا من غزلها، يريد قطع منتها به، فيتعلق يمينه بالانتفاع به، أو بثمنه مما لها فيه منة عليه.\n• وذهب الشافعي، وأبو حنيفة إلى أنه لا عبرة بالنية، والسبب فيما يخالف اللفظ؛ لأنَّ الحنث مخالفة ما عقد على اليمين، واليمين لفظه.\n• ثم ذهب أحمد، ومالك إلى أنها إن عُدِمت النية؛ نُظِر إلى سبب الحلف وقرينة الحال؛ فإن عُدمت؛ فعرف اللفظ؛ فإن عدمت؛ فدلالة اللغة.\nوقول مالك، وأحمد هو الصواب. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «شرح مسلم» (١٦٥٣) «المغني» (١٣/ ٤٩٨ -) «الفتح» (٦٦٨٩) «المحلى» (١١٣٦).\n(^٢) انظر: «البداية» (٢/ ٢٢١) «المغني» (١٣/ ٥٤٣ - ٥٤٦) «الفتح» (٦٦٨٩).","vol":"10","page":297},{"text":"١٣٦٢ - وَعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَإِذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَفِي لَفْظِ لِلْبُخَارِيِّ: «فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك». (^٢)\nوَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد: «فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5807>مسألة [١]: الكفارة قبل الحِنْث، أم بعده</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّ الكفارة في الأيمان تجوز قبل الحنث وبعده، سواء كانت صومًا، أو غيره، وهو قول الحسن، وابن سيرين، وربيعة، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك، وأحمد، ومالك، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي خيثمة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٢٢)، ومسلم (١٦٥٢).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٧٢٢).\n(^٣) أخرجه أبوداود (٣٢٧٨)، من طريق سعيد عن قتادة عن الحسن عن عبدالرحمن بن سمرة. وإسناده صحيح، لكن أكثر الروايات بحرف العطف (الواو) بدل (ثم) فقد رواه النسائي من نفس الوجه (٧/ ١٠) بحرف العطف (الواو). وقد روى الحديث عن الحسن جمع كلهم ب (الواو) وهم: منصور بن زاذان ويونس بن عبيد ومبارك بن فضالة وعبدالله بن عون وهشام بن حسان وجرير بن حازم وحميد الطويل وسماك بن عطية وسليمان التيمي ومنصور بن المعتمر. انظر تخريج رواياتهم في «المسند الجامع» (١٢/ ٣١٢ - ٣١٤)، فالرواية بلفظ (ثم) شاذة غير محفوظة، والله أعلم.","vol":"10","page":298},{"text":"وغيرهم. وثبت عن ابن عمر بإسناد صحيح عند ابن المنذر (١٢/ ٢١٩)، أنه كان يكفر أحيانًا بعد الحنث، وأحيانًا قبل الحنث. وعن ابن عباس أيضًا بإسناد صحيح، أنه أفتى امرأة حلفت أن تهدي ثوبها إن لبسته؛ فقال: لتكفر يمينها، ولتلبس ثوبها.\nوعن عائشة -﵂- بإسناد صحيح، أنها أفتت امرأة جعلت مالها هديًا إن كلمت أخاها، فقالت عائشة: تكفر يمينها، وتكلم أخاها.\nواستدل أصحاب هذا القول على ذلك بحديث عبدالرحمن بن سمرة الذي في الباب، وبنحوه عن أبي هريرة، وعدي بن حاتم عند مسلم (١٦٥٠، و١٦٥١).\nوبحديث أبي موسى في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إني إن شاء الله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفَّرت عن يميني وأتيت الذي هو خير»، وفي رواية: «أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني» (^١)، وبقوله تعالى: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢].\n• وقال أصحاب الرأي: لا تجزئ الكفارة قبل الحِنث؛ لأنه تقديم لها على سببها، فأشبه ما لو كفر قبل اليمين.\n• وقال الشافعي: إذا كانت الكفارة بالصيام؛ فلا تجزئ قبل الحنث؛ لأنها عبادة بدنية، فلا تجزئ قبل سببها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣١٣٣) (٦٧١٩)، ومسلم برقم (١٦٤٩).","vol":"10","page":299},{"text":"وأجاب الجمهور بأنَّ سبب الكفارة هو اليمين مع الحنث، أو مع إرادة الحنث بدلالة الأدلة السابقة، وهو الصحيح، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٤٨٣): فأما التكفير قبل اليمين فلا يجوز عند أحدٍ من العلماء؛ لأنه تقديم الحكم قبل سببه؛ فلم يجز كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب، وكفارة القتل قبل الجرح. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5808>مسألة [٢]: أيهما أفضل في الكفارة قبل الحنث أم بعده</span>؟\n• مذهب أحمد أنهما سواء في الفضيلة؛ لأنَّ الأحاديث الواردة وردت بهذا وهذا.\n• وذهب مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد في رواية إلى تفضيل الكفارة بعد الحنث؛ خروجًا من الخلاف، ولحصول اليقين بإبراء الذمة، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٨١ - ٤٨٢) «الفتاوى» (٣٥/ ٢٥٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٨٣).","vol":"10","page":300},{"text":"١٣٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5809>مسألة [١]: الاستثناء في اليمين</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ من استثنى في يمينه؛ فلا حنث عليه، واستدلوا بحديث الباب، ولأنَّ تعليقه بالمشيئة يدل على أنه لو لم يفعله فإن الله عزوجل لم يشأ ذلك، ونقل ابن قدامة عدم الخلاف في ذلك.\nوالاستثناء في اليمين له شروط:\nأحدها: أن يكون الاستثناء متصلًا حقيقة، أو حكمًا.\n• وهذا اشتراط جمهور العلماء، وأصحاب المذاهب الأربعة، وغيرهم؛ لظاهر حديث الباب، ولأنَّ جوازه منفصلًا يجعل الكفارة غير محتاج إليها.\n_________\n(^١) الراجح وقفه على ابن عمر. أخرجه أحمد (٢/ ٦، ١٠)، وأبوداود (٣٢٦١)، والترمذي (١٥٣١)، والنسائي (٧/ ٢٥)، وابن ماجه (٢١٠٥)، وابن حبان (٤٣٣٩) (٤٣٤٢)، من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر به. واللفظ للترمذي، قال الترمذي عقبه: وقد رواه عبيدالله بن عمر وغيره عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، وهكذا روي عن سالم عن ابن عمر موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب السختياني، وقال إسماعيل بن إبراهيم: وكان أيوب أحيانًا يرفعه، وأحيانًا لا يرفعه. اهـ\nوقال البيهقي بعد أن ذكر بعض المتابعات لأيوب (١٠/ ٤٦): ولا يكاد يصح رفعه إلا من جهة أيوب السختياني، وأيوب يشك فيه أيضًا، ورواية الجماعة من أوجه صحيحة عن نافع عن ابن عمر من قوله غير مرفوع، والله أعلم. اهـ\nوأسند البيهقي (١٠/ ٤٦)، عن حماد بن زيد، قال: كان أيوب يرفع هذا الحديث ثم تركه. وإسناده صحيح.","vol":"10","page":301},{"text":"• وذهب أحمد في رواية إلى أنَّ الاستثناء يصح إن كان الفصل يسيرًا، وهو قول قتادة، والأوزاعي.\n• وعن الحسن، وعطاء يصح ما دام في المجلس.\n• وعن عطاء: يقدر بقدر الحلب.\n• وعن مجاهد، وابن عباس: يصح الاستثناء ولو منفصلًا بدون تحديد.\nوالأثر عن ابن عباس أخرجه البيهقي (١٠/ ٤٨) بإسناد صحيح عنه أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة، ثم قرأ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، قال: إذا ذكرت.\nقال البيهقي -﵀-: يحتمل أن يكون المراد به أن يكون مستعملًا للآية، وأن ذكر الاستثناء بعد حين في مثل ما وردت فيه الآية، لا فيما يكون يمينًا، والله أعلم. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: يظهر أنَّ الفصل اليسير لا يضر؛ لحديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «أن سليمان -﵇- قال: لأطوفن الليلة ... فقيل له: قل إن شاء الله ...» الحديث، أخرجه البخاري (٣٤٢٤)، ومسلم (١٦٥٤).\nوجاء حديث عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «والله لأغزون قُريشًا» ثم سكت. ثم قال: «إن شاء الله»، وهو حديث ضعيفٌ، في إسناده: شريك، واختلف في وصله","vol":"10","page":302},{"text":"وإرساله. أخرجه أبو داود (٣٢٨٥)، والبيهقي (١٠/ ٤٧ -)، وغيرهما. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5810>مسألة [٢]: هل يشترط أن يتلفظ بالاستثناء</span>؟\nعامة أهل العلم على اشتراط ذلك، قالوا: ولا ينفعه الاستثناء بقلبه، وهذا قول الحسن، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي حنيفة، وابن المنذر.\nقال ابن قدامة -﵀- «المغني» (١٣/ ٤٨٥ - ٤٨٦): ولا نعلم لهم مخالفًا؛ للحديث: «فقال إن شاء الله»؛ ولأنَّ اليمين لا تنعقد بالنية، فكذلك الاستثناء. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5811>مسألة [٣]: هل يشترط أن يقصد الاستثناء</span>؟\nاشترط أهل العلم أن يقصد الاستثناء، فلو جرى على لسانه بغير قصد؛ فلا يُعتبر به كما أن اليمين إن جرت على لسانه بغير قصد لم يعتبر بها، وهو قول الشافعي، وبعض الحنابلة، وهو مقتضى مذهب المالكية؛ لاعتبارهم النيات. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5812>مسألة [٤]: هل يشترط أن يقصد الاستثناء من ابتداء اليمين</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٤٨٦): وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَقْصِدَهُ مَعَ ابْتِدَاءِ يَمِينِهِ، فَلَوْ حَلَفَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلِاسْتِثْنَاءِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْيَمِينِ فَاسْتَثْنَى؛ لَمْ يَنْفَعْهُ، وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا يُخَالِفُ عُمُومَ الْخَبَرِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنْ شَاءَ الله؛ لَمْ يَحْنَثْ»، وَلِأَنَّ لَفْظَ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٨٤ -) «البيان» (١٠/ ٥١١ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٨٦) «البيان» (١٠/ ٥١٣).","vol":"10","page":303},{"text":"الِاسْتِثْنَاءِ يَكُونُ عَقِيبَ يَمِينِهِ، فَكَذَلِكَ نِيَّتُهُ. اهـ\n• وللشافعية في المسألة وجهان كما في «البيان» (١٠/ ٥١٣).\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الصحيح أنه لا يُشترط قصده للاستثناء من البداية؛ بدليل حلف سليمان -﵇- الذي تقدمت الإشارة إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5813>مسألة [٥]: الاستثناء في الحلف بالطلاق والعتاق</span>؟\nلا يقع الطلاق على الصحيح من قولي العلماء، وقد تقدمت المسألة في كتاب الطلاق. (^١)\nفائدة: إذا قال: (إن أراد الله) وأراد المشيئة؛ يحصل الاستثناء، قاله شيخ الإسلام. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5814>مسألة [٦]: شروط وجوب الكفارة</span>.\nالشرط الأول: وهو أن يحلف مختارًا؛ فإن حلف مكرهًا؛ لم تنعقد يمينه على الصحيح، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.\nالشرط الثاني: أن تكون اليمين منعقدة بأن تكون بصيغة يحصل الانعقاد بها كما تقدم أيضًا.\nقال ابن عبدالبر -﵀-: اليمين التي فيها الكفارة بإجماع المسلمين هي التي على\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٣/ ٤٨٨).\n(^٢) «الإنصاف» (١١/ ٢٦).","vol":"10","page":304},{"text":"المستقبل من الأفعال. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀-: لا خلاف في هذا عند فقهاء الأمصار.\nقال: وقال قوم: الحنث متى كان طاعة لم يوجب كفارة، وقال قوم: من حلف على فعل معصية فكفارتها تركها. اهـ\nوجاء في ذلك حديث منكر عند أبي داود (٣٢٧٤) وغيره، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها؛ فليدعها وليأت الذي هو خير؛ فإنَّ تركها كفارة»، وهو حديث منكر، انظر: «الضعيفة» (١٣٦٥). (^١)\nالشرط الثالث: الحِنْثُ في اليمين بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله مختارًا ذاكرًا.\nفلو فعل ما حلف عليه مكرهًا؛ لم يحنث، وهذا يشمل ما إذا أُلْجِئَ عليه إلْجاءً، مثل من يحلف أن لا يدخل دارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا، أو حلف ألا يخرج منها، فَأُخْرِج محمولًا، وعلى ذلك الجمهور، وأما مالك فقيده بأن يكون مربوطًا.\n• ويشمل المكره ما إذا أُكره على ذلك بالضرب، والتهديد بالقتل ونحوه؛ فلا يحنثُ أيضًا، وفيه روايتان عن أحمد، وقولان للشافعي، والصحيح في مذهب أحمد عدم الحنث.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٤٥) «الإنصاف» (١١/ ١٥).","vol":"10","page":305},{"text":"• وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه يحنث؛ لأنَّ الكفارة لا تسقط بالشبهة فوجب مع الإكراه والنسيان.\nوالصحيح أنه لا يحنث؛ للأدلة الدالة على عدم مؤاخذة المكره. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5815>مسألة [٧]: إذا فعل ما حلف على تركه ناسيًا</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يحنث، سواء كان الحلف بالله، أو بطلاق، أو عتاق، وتلزمه الكفارة في اليمين المكفرة، وهو قول سعيد بن جبير، ومجاهد، والزهري، وقتادة، وربيعة، ومالك، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية؛ لأنَّ الكفارة لا تسقط بشبهة، فالنسيان شبهة، ولأنَّ الطلاق، والعتاق معلق بشرط فيقع عليه الطلاق والعتاق.\n• وذهب بعضهم إلى أنه لا تلزمه الكفارة، ولا يحنث بها جميعًا، وهو قول عطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح، وأحمد في رواية، وإسحاق، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].\n• وذهب أحمد في الرواية الأشهر إلى أنه لا يحنث إلا في الطلاق، والعتاق؛ فإنه يحنث، واختاره الخلال، والخرقي، وابن قدامة، وهو قول أبي عبيد، واستدلوا بأدلة الفريقين السابقة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨) «الإنصاف» (١٠/ ٢٣).","vol":"10","page":306},{"text":"والصحيح هو القول الثاني، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5816>مسألة [٨]: إن فعل المحلوف عليه جاهلًا به</span>؟\nحكمه حكم الناسي، والخلاف فيه كالخلاف في الذي قبله. (^٢)\n\n١٣٦٤ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا، وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٣)\nالحكم المستفاد من الحديث\nيستفاد من الحديث المذكور أنَّ الحلف يكون بأسماء الله وصفاته، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أوائل الباب، وكان تقديم هذا الحديث إلى أوائل الباب أولى، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٤٦ -) (١٣/ ٤٩٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٤٧).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٦٦٢٨).","vol":"10","page":307},{"text":"١٣٦٥ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄- قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الكَبَائِرُ؟ فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «اليَمِينُ الغَمُوسُ»، وَفِيهِ: قُلْت: وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (^١). (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5817>مسألة [١]: هل في اليمين الغموس كفارة</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا كفارة له، وهو قول ابن مسعود، أخرجه البيهقي عنه بإسناد صحيح، وقال بذلك سعيد بن المسيب، والحسن، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، وأحمد، وأبو عبيد، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي من أهل الكوفة؛ لأنها يمين غير منعقدة فلا توجب الكفارة، كاللغو، أو يمين على ماضٍ، فأشبهت اللغو؛ وذلك لأنها لا توجب بِرًّا، ولأن الكفارة لا ترفع إثمها، فلا تُشرع فيها؛ لأنَّ ذلك من كبائر الذنوب.\nوهذا القول ادُّعِي عليه إجماع الصحابة، وعدم الخلاف؛ لقول ابن مسعود: كُنَّا نعد من الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس. فقيل له: وما اليمين الغموس؟ قال: اقتطاع الرجل مال أخيه باليمين الكاذبة.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح»: ونقل محمد بن نصر في «اختلاف العلماء»، ثم\n_________\n(^١) في الأصل: (مسلم) والصواب ما أثبتناه كما في المخطوطتين.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٩٢٠).","vol":"10","page":308},{"text":"ابن المنذر، ثم ابن عبدالبر اتفاق الصحابة على أنه لا كفارة في اليمين الغموس. اهـ ثم ذكر أثر ابن مسعود.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الكفارة عليه، وهو قول عطاء، والزهري، والحكم، والأوزاعي، والشافعي، وعثمان البتي، وابن حزم؛ وذلك لأنه أحوج للكفارة من غيره، ولعموم الآية: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩].\nوالصحيح -والله أعلم- هو القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5818>مسألة [٢]: الحلف بالطلاق، أو العتاق، والنذر، والخروج من الإسلام كاذبًا</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٣٢٥ - ٣٢٦): فإن كان قد حلف بهذه الأيمان غموسًا فمن أوجب الكفارة في اليمين الغموس، وقال: إن هذه الأيمان تكفر؛ فإنه يوجب فيها الكفارة.\nقال: وأما من قال: اليمين الغموس أعظم من أن تكفر، فلهم قولان: أحدهما: أنَّ هذه يلزمه فيها ما التزمه من نذر، وطلاق، وعتاق، وكفر، وهذا قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة، وأحمد، واحتجوا بقول النبي - ﷺ -: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا؛ فهو كما قال»، وقالوا: يلزمه ما التزمه عقوبة له على كذبه وزجرًا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٤٨ -) «الفتح» (٦٦٧٥) «المحلى» (١١٣٤) «البيهقي» (١٠/ ٣٧ - ٣٨) «الفتاوى» (٣٥/ ٣٢٤).","vol":"10","page":309},{"text":"لمن يحلف يمينًا كاذبة.\nقال: والقول الثاني: وهو قول الأكثرين، أن لا يلزمه ما التزمه من كفر، وغيره، كما لا يلزمه ذلك في اليمين على المستقبل، وإنما قصد في كلا الموضعين اليمين؛ فهو لم يقصد إذا كان كاذبًا أن يكون كافرًا، ولا أنه يلزمه ما التزمه من نذر، وطلاق، وعتاق، وغير ذلك، كما لم يقصد إذا حنث في اليمين على المستقبل أن يلزمه ذلك، بل حقيقة كلامه ومقصوده هو اليمين في الموضعين، لكن هو في الموضعين قد أتى كبيرة من الكبائر بيمينه الغموس، فعليه أن يتوب إلى الله منها كما يتوب من غيرها من الكبائر، وإذا تاب من الذنب كان كمن لا ذنب له، ولا يصدر كفر، ولا نذر، ولا طلاق، ولا عتاق، بل إنما صدر منه الحلف بذلك، والله أعلم. انتهى بتصرف، وتلخيص يسير.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: ظاهر كلام شيخ الإسلام أنه يرجح هذا القول، وهو الصحيح، والله أعلم.\nفائدة: قال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٦٦٧٥): سُمِّيَت الغموس بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار. اهـ","vol":"10","page":310},{"text":"١٣٦٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قَالَتْ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: لَا وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (^١)، وَرَوَاهُ أَبُودَاوُد مَرْفُوعًا. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5819>مسألة [١]: لغو اليمين</span>.\nلغو اليمين لها صور:\nالأولى: أن يجري اليمين على لسانه بدون قصدٍ لليمين.\nوهو الذي ذكرته عائشة، ونقله ابن قدامة -﵀- عن عمر، وعائشة، وابن عباس، وأبي هريرة -﵃- (^٣)، وعطاء، والقاسم، وعكرمة، والحسن، والنخعي، والشعبي، وأحمد، والشافعي، ومالك، وقال: ولا نعلم في هذا خلافًا، ووجه ذلك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٦٦٣).\n(^٢) رفعه شاذ والراجح وقفه. أخرجه أبوداود (٣٢٥٤)، من طريق حسان بن إبراهيم الكرماني، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن عائشة -﵂- مرفوعًا. قال أبوداود عقبه: وروى هذا الحديث داود ابن الفرات عن إبراهيم الصائغ موقوفًا على عائشة. وكذلك رواه الزهري وعبدالملك بن أبي سليمان ومالك بن مغول كلهم عن عطاء عن عائشة موقوفًا أيضًا. اهـ\nوقال البيهقي (١٠/ ٤٩) بعد أن ذكر كلام أبي داود: وكذلك رواه عمرو بن دينار، وابن جريج، وهشام بن حسان، عن عطاء، عن عائشة -﵂- موقوفًا. اهـ\nوقال الدارقطني في «علله» كما في «البدر المنير» (٩/ ٤٥٢): والصحيح فيه الوقف.\n(^٣) لم أجد أثر عمر، وأبي هريرة، وأما أثر ابن عباس فأخرجه ابن جرير في تفسير سورة البقرة [آية:٢٢٥]، وفي إسناده: خصيف الجزري، وفيه ضعف، ولكن له طريق أخرى أشار إليها السيوطي في «الدر المنثور» عند الآية المتقدمة، وعزاه إلى أبي الشيخ.","vol":"10","page":311},{"text":"قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩].\nالثانية: أن يحلف على شيء يظنه كذلك، فيتبين الأمر على خلاف ذلك.\n• فأكثر أهل العلم على أنه لغو لا كفارة فيه، وهو قول الحسن، والنخعي، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وأحمد، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي.\nواستدلوا على ذلك بالآية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، وهذه منها؛ ولأنها يمين غير منعقدة، فلم تجب فيها كفارة، كيمين الغموس؛ ولأنه غير قاصد للمخالفة، فأشبه ما لو حنث ناسيًّا.\n• وذهب النخعي في رواية إلى أنَّ فيها الكفارة، وهو قولٌ للشافعي، ورواية عن أحمد؛ لأنه قصد اليمين وحنث.\nوالصحيح هو القول الأول، ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥]، وقوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].\nالثالثة: الحلف في الغضب المغلق الذي لا يشعر صاحبه باليمين، ولا يريده، نقله ابن جرير عن عطاء، وابن عباس (^١)، ونصَّ عليه ابن حزم، وهو\n_________\n(^١) أثر ابن عباس أخرجه ابن جرير، وسعيد بن منصور في تفسير الآية المتقدمة، والبيهقي (١٠/ ٤٩)، وفي إسناده: وسيم، وهو مجهول، ولكن أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد صحيح.","vol":"10","page":312},{"text":"محمول على الغضب الشديد الذي يفقده الإرادة، فيكون بمعنى القسم الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5820>مسألة [٢]: الحلف على المستحيل</span>.\nكأن يحلف بأن يُحيي الميت، أو يجمع بين الضدين، أو يطير في الهواء، أو يمشي على الماء .. .\n• فمذهب مالك، وبعض الحنابلة أنَّ يمينه لا تنعقد؛ لأنه كذب، أو لغو.\n• وذهب الشافعي، وأبو يوسف، وبعض الحنابلة إلى أنها تنعقد اليمين، وتوجب الكفارة في الحال.\n• وذهب بعض الحنابلة إلى أن ما كان مستحيلًا لذاته لا تنعقد به اليمين، وما كان مستحيلًا في العادة فتنعقد اليمين، ويلزمه الكفارة.\nوالقول الأول هو ظاهر اختيار العثيمين -﵀-، ويظهر لي أنَّ عليه الكفارة؛ لأنه يمين صادر من القلب، وهو غير قادر على فعله؛ فعليه الكفارة، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5821>مسألة [٣]: إذا حلف شخص ليفعلن فلانٌ كذا، فأحنثه ولم يفعل</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٥٠٢): فَإِنْ قَالَ: وَاَلله، لَيَفْعَلَنَّ فُلَانٌ كَذَا، أَوْ لَا يَفْعَلُ. أَوْ حَلَفَ عَلَى حَاضِرٍ، فَقَالَ: وَاَلله، لَتَفْعَلَنَّ كَذَا. فَأَحْنَثَهُ، وَلَمْ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٤٩ - ٤٥٢) «المحلى» (١١٣٥) «تفسير الطبري» و«ابن كثير» «الفتح» (٦٦٦٣).\n(^٢) انظر: «الشرح الكبير» (١٣/ ٢١٣) «الشرح الممتع» (٦/ ٣٩٣) «المغني» (١٣/ ٥٠٢).","vol":"10","page":313},{"text":"يَفْعَلْ، فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ. كَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ (^١)، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ هُوَ الْحَانِثُ، فَكَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْفَاعِلَ لِمَا يُحْنِثُهُ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ إمَّا الْيَمِينُ، وَإِمَّا الْحِنْثُ، أَوْ هُمَا، وَأَيُّ ذَلِكَ قُدِّرَ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالِفِ. اهـ\nوهذا القول -وجوب الكفارة- اختاره الإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين، والشيخ الغديان، والشيخ عبدالرزاق عفيفي رحمة الله عليهم، وعزاه شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٠٦) لعامة الفقهاء. واختار شيخ الإسلام -﵀- أنه لا يجب عليه الكفارة في ذلك.\nفقال -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٣٠٧ - ٣٠٨): اليمين المتضمنة حضًّا أو منعًا لنفسه، كقوله: (لأفعلن، ولا أفعل) فيها معنى الطلب والخبر، وكذلك الوعد والوعيد، بخلاف الخبر المحض كقوله: «والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، وإماما مقسطًا»، أو: والله، ليقدمن الركب. فإن هذا إخبار محضٌ بأمر سيكون كما يخبر عن الماضي بمثل ذلك، وبخلاف الطلب المحض كقوله لغيره: (افعل) أو (بالله افعل) ونحو ذلك إذا لم يكن منه إلا مجرد الطلب، وهو لا يدري أيطيعه أم يعصيه، ولهذا لا يحسن الاستثناء في هذا الضرب، ولا كفارة فيه؛ لعدم المخالفة؛ فإنه طلب محض مؤكدٌ بالله، كقوله: (سألتك بالله إلا ما فعلت) أو (سألتك بالله لا تفعل)، فأما إذا كان المحضوض أو\n_________\n(^١) أخرجه ابن المنذر (١٢/ ١٠٣) من طريق عبد الرزاق، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به. وإسناده ضعيف؛ لضعف عبد الله بن عمر العمري شيخ عبد الرزاق.","vol":"10","page":314},{"text":"الممنوع ممن يغلب على ظنه موافقته له كعبده وزوجته وولده؛ فهو كنفسه فيها معنى الطلب والخبر؛ فإنه لكونه مطيعًا له في العادة جرى مجرى طاعة نفسه لنفسه، فطلب الفعل منهما طلبًا قرنه بالإخبار عن كونه. اهـ\nوقال -﵀- (٣٣/ ٢٢٥): في حنثه نزاع بين العلماء، والأقوى أنه لا يحنث، والله أعلم. اهـ\nواختار هذا القول الشوكاني -﵀- كما في «السيل» (ص ٦٨٦)؛ لأنه فعل ليس في مقدوره. والصحيح فيما يظهر لي قول الجمهور؛ لأنه يمين منعقد من القلب فيدخل في عموم الآية المتقدمة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5822>مسألة [٤]: إذا قال: سألتك بالله لتفعلن كذا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٥٠٢): وَإِنْ قَالَ: أَسْأَلُك بِاَلله لَتَفْعَلَنَّ. وَأَرَادَ الْيَمِينَ؛ فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. وَإِنْ أَرَادَ الشَّفَاعَةَ إلَيْهِ بِاَلله، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. اهـ. (^٢)\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الفتاوى» (١/ ٢٠٦): وأما قوله: (سألتك بالله أن تفعل كذا) فهذا سؤال وليس بقسم، وفي الحديث: «ومن سألكم بالله فأعطوه»، ولا كفارة عليه إذا لم يُجب سؤاله. اهـ\n_________\n(^١) وانظر: «البيان» (١٠/ ٥١١) «روضة الطالبين» (١١/ ٦١) «الشرح الممتع» (٦/ ٤٠٠) «فتاوى اللجنة» (٢٣/ ٨٥، ٩٧، ١٠٧).\n(^٢) وانظر: «البيان» (١٠/ ٥١١).","vol":"10","page":315},{"text":"قلتُ: إن أراد اليمين فعليه الكفارة، ومن لم يرد اليمين فليس عليه شيء، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5823>مسألة [٥]: حكم إبرار القسم</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى استحباب إبرار القسم؛ لحديث البراء -﵁- في «الصحيحين»: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بسبعٍ ...، وذكر منها: «إبرار المقسم»، وحملوا الأمر على الاستحباب بدلالة حديث أبي بكر الصديق -﵁- عند أن حلف على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يخبره ما الذي أخطأ من تعبير الرؤيا، فقال: «لا تقسم» متفق عليه عن ابن عباس -﵄-.\n• وقال بعض الحنابلة بالوجوب إذا لم يكن عليه ضرر، وحملوا حديث أبي بكر -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- امتنع لما علم من الضرر فيه، أو علم أنَّ المصلحة بخلاف ذلك. واختار هذا القول شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات». (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٥٠٣) «الشرح الممتع» (٦/ ٣٩٩) «الاختيارات» «الفتح» «شرح مسلم».","vol":"10","page":316},{"text":"١٣٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَسَاقَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ الأَسْمَاءَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ سَرْدَهَا إدْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث بيان أنَّ من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا من حفظها، وعمل بمقتضاها دخل الجنة.\nوليس في هذا الحديث حصر لأسماء الله في هذا العدد، ويدل على ذلك حديث ابن مسعود -﵁- عند أحمد وغيره في دعاء الكرب، وفيه: «وأسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ...» الحديث، وهو حديث حسن.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٥٠٧)، وابن حبان (٨٠٨)، وقد أطال الحافظ في «الفتح» (٦٤١٠) الكلام على ذكر الأسماء، وبين أنه لم يصح مرفوعًا، وإنما هو مدرج من بعض الرواه.\nوقد قال الترمذي عقب الحديث: حديث غريب.\n\nقال الحافظ ابن كثير -﵀- في تفسير سورة الأعراف آية (١٨٠): والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبدالملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي أنهم جمعوها من القرآن كما ورد عن جعفر بن محمد، وسفيان بن عيينة، وأبي زيد اللغوي، والله أعلم.","vol":"10","page":317},{"text":"والمراد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب أنَّ الحالف يحلف باسم من أسماء الله، أو بصفة من صفاته.\nوقد تقدم ذكر ذلك في أول الباب، وكان ذكر هذا الحديث في أوائل الباب أفضل.","vol":"10","page":318},{"text":"١٣٦٨ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ صُنِعَ إلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث الحث على شكر المعروف ولو بالدعاء المذكور، وليس في هذا الحديث تعلق بهذا الباب، بل موضعه في [كتاب الجامع].\nوقد أشار إلى ذلك المغربي، ثم الصنعاني في «شرح البلوغ».\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢٠٣٥)، وابن حبان (٣٤١٣)، وإسناده ظاهره الحسن.\nلكن قال أبو حاتم كما في «العلل» لولده (٢١٩٧) وقد سئل عنه: هذا حديث عندي موضوع بهذا الإسناد. وقال في (٢٥٧٠): هذا حديث منكر بهذا الإسناد. اهـ\nقلتُ: وقد أخرجه الترمذي من نفس الوجه الذي أنكره أبو حاتم، فالله أعلم.","vol":"10","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5824>فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلّقُ بِكَفَّارَةِ الْيَمِيْنِ</span>\nفائدة: كفارة الأيمان من تيسير الله عزوجل على هذه الأمة، فأما الذين من قبلنا فقد كانوا إذا حلفوا على شيء لزمهم، قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران:٩٣]، وقال تعالى لأيوب -﵇-: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص:٤٤].\nوقد كان الأمر كذلك قبل نزول آية الكفارة، ففي «صحيح البخاري» (٤٦١٤)، عن عائشة -﵂- أنَّ أبا بكر كان لا يحنث في يمينه حتى أنزل الله كفارة اليمين، فقال: لا أحلف على شيء أرى خيرًا منه إلا قبلت رخصة الله، وكفَّرت عن يميني. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5825>مسألة [١]: هل تقتضي اليمين الإيجاب والتحريم</span>؟\nقال شيخ الإسلام -﵀- (٣٥/ ٣٣٢): وقد تنازع الفقهاء في اليمين هل تقتضي إيجابًا وتحريمًا ترفعه الكفارة، أو لا تقتضي ذلك؟ أو هي موجبة لذلك لولا ما جعله الشرع مانعًا من هذا الاقتضاء؟ على ثلاثة أقوال، أصحها الثالث. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٤٧) (٣٥/ ٣٣٠).","vol":"10","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5826>مسألة [٢]: كفارة اليمين</span>.\nالأصل فيها قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٨٩].\nوقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها ...» الحديث.\nوأجمع العلماء على أنَّ الحالف مخيَّرٌ بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة؛ فإن لم يقدر على ذلك، أو لم يجد؛ فينتقل إلى صيام ثلاثة أيام لظاهر الآية.\nوقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحالف الواجد الإطعام، أو الكسوة، أو الرقبة لا يجزئه الصوم إذا حنث في يمينه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5827>مسألة [٣]: أوصاف المساكين المستحقين</span>.\nالأول: أن يكونوا مساكين، وهم الصنفان اللذان تُدفع إليهم الزكاة المذكوران في أول أصنافها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠]، وتقدم في الزكاة تعريفهما.\nالثاني: أن يكونوا أحرارً؛ فلا يجزئ دفعها إلى عبد؛ لأنَّ العبد مملوك لغيره،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٥٠٦، ٥٢٨) «البيان» (١٠/ ٥٨٦) «تفسير ابن كثير» «الأوسط» (١٢/ ٢٠٤).","vol":"10","page":321},{"text":"فَدَفْعُهَا إليه دَفْعٌ لسيده.\n• وأما المكاتب فلا يجوز في مذهب أحمد، ومالك، والشافعي.\n• وقال بعض الحنابلة: يجوز دفعها للمكاتب، لحاجته أشبه المسكين.\nوأجاب الأولون بأنَّ الله تعالى جعله في الزكاة صنفًا غير صنف المساكين، وليس هو في معنى المساكين؛ لأنَّ حاجته غير حاجتهم، فالمسكين يدفع إليه لتتم كفايته، والمكاتب إنما يأخذه لفكاك رقبته.\nوالذي يظهر أنَّ المكاتب يكون غالبًا مسكينًا أيضًا؛ فإنْ لم يكن له ما يسد حاجته زائدًا على ما يؤديه لسيده فيعطَى من الكفارة، والله أعلم. (^١)\nالثالث: أن يكونوا مسلمين.\n• اشترط ذلك الجمهور، وهو قول الحسن، والنخعي، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، فلا يجوز عندهم دفعها لكافرٍ، وحملوا الآية على المسلمين.\n• وقال أبو ثور، وأبو حنيفة: يجوز دفعها إلى الذمي؛ لدخوله في اسم المساكين، ولأنه من أهل دار الإسلام، وهو قول ابن حزم.\nقلتُ: قول الجمهور أقرب؛ قياسًا على الزكاة. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٥٠٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٥٠٨) «المحلى» (١١٨٦).","vol":"10","page":322},{"text":"الرابع: أن يكونوا قد أكلوا الطعام.\n• فإن كان طفلًا لم يطعم؛ لم يجز الدفع إليه، وهو قول مالك، وأحمد في رواية.\n• وذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي إلى أنه يجوز الدفع إليه، ويقبضها عنه وليه، ويصرف الكفارة إلى ما يحتاج إليه مما تتم به كفايته، ولا يشترط الأكل عندهم.\nوالصحيح القول الأول؛ لقوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩]، وهذا يقتضي أكلهم له. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5828>مسألة [٤]: مقدار ما يخرجه الحالف في كفارة اليمين من الطعام</span>.\n• اختلف الفقهاء في تحديد ذلك، فمنهم من يقول: صاع.\n• ومنهم من يقول: نصف صاع.\n• ومنهم من يقول: مدٌّ من البر، ونصف صاع من غيره.\nوأشرنا إلى ذلك في كفارة المجامع أهله من كتاب الصوم.\nوالصحيح عدم التحديد، بل يدفع لكل مسكين ما يشبعه، والظاهر أنه لا ينقص من المد؛ لأنه أقل ما ورد تحديده.\nوقد ثبت عن ابن عباس، وزيد بن ثابت -﵄- الفتوى بأن المد من الحنطة يجزئ.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٥٠٨).","vol":"10","page":323},{"text":"وأفضل من ذلك أن يغدِّيهم، أو يعشيهم.\n• وهو قول ابن سيرين، والحسن، والأوزاعي، وأبي عبيد، وأحمد في رواية.\n• وقال بعضهم: يجمع لهم الغداء والعشاء وهو قول الحسن أيضًا، وقتادة، والشعبي، ومالك، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5829>مسألة [٥]: هل يجزئ إخراج القيمة في كفارة اليمين</span>؟\n• جمهور العلماء على عدم الإجزاء، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي، واختاره ابن المنذر.\n• وذهب أبو حنيفة، والأوزاعي إلى الإجزاء؛ لأنَّ القصد دفع الحاجة، ويحصل ذلك بالقيمة.\nواستدل الجمهور بالآية، فالله أمر بثلاثة أمور يتخير الحالف فيها، قالوا: ولو كانت القيمة تجزئ؛ ما كان في التخيير بين هذه الثلاثة فائدة؛ ولكان يجزئه أن يكسوَ بمقدار الإطعام.\nوالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: لا تجوز الكفارة لمن يجب عليه أن ينفق عليهم، ومن كان يمنع من الزكاة يمنع من الكفارة. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٥٠٩ - ٥١٠) «تفسير ابن كثير»، «الأوسط» (١٢/ ١٨١).\n(^٢) «المغني» (١٣/ ٥١١) «الأوسط» (١٢/ ١٨٢).\n(^٣) «المغني» (١٣/ ٥١٢).","vol":"10","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5830>مسألة [٦]: هل يُشترط في المساكين أن يكون عددهم عشرة</span>؟\n• اشترط ذلك الجمهور؛ لظاهر الآية.\n• وأجاز أبو حنيفة، والأوزاعي دفعها إلى واحد، وقال أبو حنيفة: يكرر عليه عشرة أيام. والصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5831>مسألة [٧]: من عجز عن العشرة المساكين</span>؟\n• كأن يجد خمسة فقط، فمذهب أحمد، والثوري أنه يكرر عليهم لإكمال العشرة.\n• ومذهب مالك، والشافعي، وأحمد في رواية إلى أنه لا يجزئه إلا إكمال العدد، ورجَّح ابن قدامة الإجزاء؛ لأنه موضع تعذر فيه إكمال العشرة، فجاز التكرار؛ لأنه في معناه مع التعذر.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: يكمل العدد من موضع آخر، وإن بَعُدَ؛ إلا أن يشق عليه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5832>مسألة [٨]: إن فرق بين العشرة</span>؟\nكأن يطعم بعضهم اليوم، والبعض غدًا، وهكذا فيجزئ بلا خلاف. قاله ابن قدامة. (^٣)\n_________\n(^١) «المغني» (١٣/ ٥١٣) «الأوسط» (١٢/ ١٨٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٥١٣).\n(^٣) «المغني» (١٣/ ٥١٤).","vol":"10","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5833>مسألة [٩]: إذا دفعها إلى من يظنه فقيرًا، فبان غنيًّا</span>؟\n• قال بعضهم: لا تجزئه؛ لأنه لم يضعها عند مستحقها، وهو قول الشافعي، وأبي يوسف، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وابن المنذر.\n• وذهب بعضهم إلى أنها تجزئه، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأحمد في رواية؛ لأنَّ ذلك مما يخفى غالبًا، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة:٢٧٣]، والصحيح القول الأول؛ لأنه لم يضعها حيث أمره الله ﷿. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5834>مسألة [١٠]: مقدار ما يكسى كل مسكين</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يدفع لكل مسكين ما يجزئه الصلاة فيه. قاله مالك، وأحمد، والنخعي.\n• ومنهم من قال: يجزئ كل ما يقع عليه اسم كسوة، وهو قول الشافعي، والثوري، والأوزاعي، والظاهرية، فيجزئ عندهم العمامة، وعند الشافعية خلافٌ في القلنسوة.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: أطلق الله الكسوة، وليس هناك تحديد شرعي، وعليه فيرجع إلى المعنى اللغوي، فيكون القول الأخير هو الأقرب، وهو اختيار ابن المنذر -﵀-، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٥١٤) «الأوسط» (١٢/ ١٨٧).\n(^٢) انظر: «تفسير ابن كثير» [المائدة:٨٩]، «المغني» (١٣/ ٥١٦) «الأوسط» (١٢/ ١٨٩) «المحلى» (١١٨٥) «الشرح الممتع» (٦/ ٤٢٣).","vol":"10","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5835>مسألة [١١]: هل يجوز إعتاق الطفل في الرقبة</span>؟\n• ذهب إلى الإجزاء الحسن، وعطاء، والزهري، وجماعة من الحنابلة، والشافعي، والظاهرية، وابن المنذر، وهو الصحيح؛ لعموم الآية.\n• وذهب الشعبي، ومالك، وإسحاق إلى أنه يجزئ إذا صلَّى وصام.\n• وقيده جماعة من الحنابلة إذا بلغ السابعة.\nوالصحيح القول الأول، ولا دليل على القيد المذكور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5836>مسألة [١٢]: إعتاق الجنين</span>.\n• الجمهور على عدم الإجزاء؛ لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا بعد.\n• وقال أبو ثور: يجزئ؛ لأنه آدمي مملوك. والصحيح قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5837>مسألة [١٣]: هل يجزئ عتق المكاتب</span>؟\n• ذهب بعضهم إلى الجواز مطلقًا، وهو قول أبي ثور، وأحمد في رواية.\n• وذهب بعضهم إلى عدم الإجزاء مطلقًا، وهو قول الشافعي، ومالك، وأبي عبيد، وأحمد في رواية؛ لأنَّ عتقه مستحق بسبب آخر.\n• وقال بعضهم: إن كان قد ادَّى من كتابته شيئًا؛ فلا يجزئ، وإلا أجزأ، وهو قول أحمد، والليث، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي حنيفة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٥١٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٥١٩ - ٥٢٠).","vol":"10","page":327},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الصحيح هو الإجزاء مطلقًا؛ لأنه ما زال عبدًا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5838>مسألة [١٤]: هل يجزئ المدبر</span>؟\n• ذهب جماعةٌ إلى الإجزاء -وهو الصحيح- وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، وقال بذلك طاوس؛ لأنه ما زال عبدًا يجوز بيعه، وإهداؤه؛ فيجوز عتقه.\n• وذهب مالك، والأوزاعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي إلى عدم الإجزاء؛ لأنَّ عتقه مستحق بسبب آخر، والصحيح ما تقدم. (^٢)\nتنبيه: هناك مسائل تتعلق بالرقبة تقدم ذكرها في (كفارة المجامع أهله في نهار رمضان)، وفي (كفارة الظِّهار).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5839>مسألة [١٥]: ما هي العيوب التي لا يجزئ معها عتق الرقبة</span>؟\nقال الإمام ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١٢/ ١٩٩): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن من العيوب التي تكون في الرقاب ما يجزئ، ومنها ما لا يجزئ، فمما أجمعوا على أنه لا يجزئ: إذا كان أعمى، أو مقعدًا، أو مقطوع اليدين، وأشلهما، أو الرجلين، كذلك قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.\n• وقال الأوزاعي: لا يجزئ الأعمى، والمقعد.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٥٢٦).\n(^٢) «المغني» (١٣/ ٥٢٦).","vol":"10","page":328},{"text":"وأجمع كل هؤلاء الذين ذكرت، أن الأعور يجزئ، والعرج الخفيف.\n• واختلفوا في العرج الشديد؛ فقال مالك: إن كان عرجًا شديدًا لم يجزئ.\n• وقال الشافعي: يجزئ العرج الخفيف.\n• وقال أصحاب الرأي: يجزئ أقطع إحدي اليدين، أو إحدى الرجلين. ولا يجوز ذلك في قول مالك، والشافعي، وأبي ثور.\nقال أبو بكر: فلما أجمعوا أن من العيوب ما يجزئ، ومنها ما لا يجزئ، ورأيت قصد عامتهم في ذلك العمل، رأيت أن يجزئ ما لا يضر من هذه العيوب إضرارًا بينًا، وما أضر به إضرارًا بينًا لا يجزئ، والله أعلم.\nقلتُ: وبقول ابن المنذر -﵀- أقولُ.\nقال: واختلفوا في الأخرس؛ فقالت طائفة: لا يجزئ. كذلك قال الشافعي، وأبو ثور. وقال أصحاب الرأي: يجزئ. انتهى.\nقلتُ: والصحيح الإجزاء؛ لأنه ينتفع به في أمور كثيرة.\nقال ابن المنذر: وقال مالك والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا يجزئ المجنون يعتق عن الرقاب الواجبة، واختلفوا فيمن يُجن، ويُفيق: فكان الشافعي يقول: يجزئ. وقال مالك: لا يجزئ. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.","vol":"10","page":329},{"text":"ولا يجوز عند مالك عتق من عتق إلى سنين. ويجزئ ذلك عند الشافعي، وكذلك نقول.\nقلتُ: أما عن الكفارة الواجبة؛ فلا يجزئ أن يعتقه إلى سنين، بل يجب عليه أن يعتقه في الحال، وأما العتق المستحب؛ فيشرع له أن يعتقه إلى سنين، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5840>مسألة [١٦]: هل يُشترط التتابع في صوم الثلاثة الأيام</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى اشتراط ذلك، وهو قول النخعي، والثوري، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأحمد، وأصحاب الرأي، وقال به عطاء، ومجاهد، وعكرمة وغيرهم.\nواستدلوا على ذلك بقراءة ابن مسعود، وأُبي بن كعب: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ (^١)، قالوا: وهذا إن لم يكن قرآنًا فلا أقل من أن يكون تفسيرًا من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أو فتوى؛ فتكون رواية عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يحتج بها.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم اشتراط التتابع، وهو قول مالك، والشافعي في الأشهر من مذهبه.\nواستدلوا بإطلاق الآية: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩]، وأجابو عن قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب أنها لم تثبت قرآنًا؛ لعدم تواترها، ويحتمل أن تكون قراءة قد\n_________\n(^١) أخرجهما ابن جرير في «تفسيره»، وأثر ابن مسعود له طرق، وهو ثابت عنه، وأثر أبي بن كعب في إسناده: أبو جعفر الرازي، وهو ضعيف.","vol":"10","page":330},{"text":"نُسِخت؛ لأنَّ المصحف أثبت على العرضة الأخيرة.\nوهذا القول هو الصحيح، وإن كان التتابع أفضل، وهو ترجيح الإمام ابن باز، والإمام الوادعي، وغيرهما، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: ذهب الجمهور إلى أنَّ العبد كفارته الصوم فقط، والذي يظهر أنه إن ملكه السيد، وأذن له بالإطعام، والكسوة؛ وجب عليه ذلك، وقال الجمهور: يجزئه ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5841>مسألة [١٧]: ضابط من يجب عليه الإطعام، ومن يجوز له الانتقال إلى الصوم</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يعتبر في عدم الواجد أن لا يجد فاضلًا عن قوته، وقوت عياله، يومه وليلته قدرًا يُكَفِّرُ به، وهذا قول أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وابن المنذر، وابن حزم.\n• وقال الشافعي: من جاز له الأخذ من الزكاة لحاجته وفقره؛ أجزأه الصيام؛ لأنه فقير.\n• وعن النخعي: إذا كان مالكًا لعشرين درهمًا؛ فله الصيام.\n• وقال سعيد بن جبير: إذا لم يملك إلا ثلاثة دراهم كَفَّرَ بها.\n• وقال الحسن: درهمين. وهذان القولان نحو القول الأول.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٥٢٨) «المحلى» (١١٨٧) «الأوسط» (١٢/ ٢٠٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٥٢٩ -).","vol":"10","page":331},{"text":"قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: قول الشافعي هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5842>مسألة [١٨]: إن ملك ما يكفر به، وعليه دين يستغرقه</span>؟\nإن كان مُطَالبًا بالدين؛ لم يكن واجدًا، وله أن يصوم.\n• وإن لم يكن مطالبًا بالدين ففي ذلك روايتان عن أحمد: أحدهما: إنه لا يجزئه الصوم، وعليه العتق، أو الإطعام، أو الكسوة؛ لأنه يملك ما يكفر به. والثانية: أنه يجزئه الصوم؛ لأنه غير مالك في الحكم لما يكفر به؛ فإنه مدين بدين يستغرق هذا المال. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5843>مسألة [١٩]: إن كان له مال غائب، أو دين يرجو وفاءه</span>؟\n• مذهب الشافعي، وأحمد أنه لا يكفر بالصيام؛ لأنه مالك لما يكفر به.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ له أن يكفر بالصوم؛ لكونه غير واجد في ذلك الوقت، وهو قول بعض الحنابلة، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5844>مسألة [٢٠]: من له دار، أو دابة، أو خادم لا غنى له عنها</span>؟\n• ذكر أهل العلم أنه غير واجد، فيكفر بالصوم، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة؛ إلا أنَّ مالكًا، وأبا حنيفة قالوا في الخادم: يعتقه، ولا يجزئه الصوم.\nوالصحيح أنَّ الصوم يُجزِئُه، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٥٣٣ - ٥٣٤) «المحلى» (١١٨٨) «البيان» (١٠/ ٥٩١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٥٣٤).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٥٣٤ - ٥٣٥) «الإنصاف» (١١/ ٤١).\n(^٤) «المغني» (١٣/ ٥٣٥).","vol":"10","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5845>مسألة [٢١]: هل يجزئه أن يطعم خمسة، ويكسو خمسة</span>؟\n• ذهب إلى الإجزاء أحمد، والثوري، والحنفية؛ لأنه يقوم مقامه، فكما يجوز له أن يكسوَ عشرة بدل إطعام عشرة؛ فيجوز له أن يكسوَ البعض بدل إطعامهم.\n• وذهب مالك، والشافعي، وابن حزم إلى أنه لا يجزئ؛ لأنها عبادة أمر بها على الوجه المذكور في الآية؛ فلا يضاف إليها قسم آخر.\nوالأقرب -والله أعلم- أنَّه يُجزِئُه، ولكن ينبغي أن يعمل بالقول الثاني؛ فهو أحوط، وأبرأ للذمة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5846>مسألة [٢٢]: إذا أعتق نصفي عبدين</span>؟\n• مذهب أحمد، وعُزِي لأكثر الفقهاء الإجزاء؛ لأنه في حكم من أعتق رقبة.\n• وذهب بعض الحنابلة، وبعض الشافعية، وابن حزم إلى عدم الإجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩]، وهذا لم يحرر رقبة.\n• وقال بعض الشافعية: إن كانت الرقبة منصَّفَة، وحررها؛ أجزأ عنه.\nوالقول بعدم الإجزاء أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5847>مسألة [٢٣]: إن أعتق نصف رقبة، وأطعم خمسة مساكين</span>؟\nهذا لا يجزئ عند أهل العلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٥٣٦) «المحلى» (١١٨٩) «الأوسط» (١٢/ ١٨٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٥٣٨).","vol":"10","page":333},{"text":"وقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٥٣٩): لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقْصُودَهُمَا مُخْتَلِفٌ مُتَبَايِنٌ؛ إذْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْ الْعِتْقِ تَكْمِيلَ الْأَحْكَامِ، وَتَخْلِيصَ الْمُعْتَقِ مِنْ الرِّقِّ، وَالْقَصْدُ مِنْ الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ سَدَّ الْخَلَّةِ، وَإِبْقَاءَ النَّفْسِ، فَجَرَيَا مَجْرَى الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِيْهَا بِخِلَافِ الْعِتْقِ. انتهى بتصرف في آخره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5848>مسألة [٢٤]: من دخل في الصوم ثم وجد مالًا</span>؟\n• تقدم ذكر هذه المسألة في كفارة المجامِع أهله في نهار رمضان وهو صائم، والصحيح في المسألة أنه يشرع له الرجوع إلى عتق الرقبة، أو الإطعام، أو الكسوة، ولا يلزمه ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5849>مسألة [٢٥]: إذا أحب الانتقال إلى الأعلى بعد شروعه بالأدنى</span>؟\nكمن شرع بالإطعام، ثم بدا له أن يكسوَ، أو شرع بالكسوة ثم بدا له أن يعتق؛ فهذا جائز عند أهل العلم.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٥٤١): لا نعلم فيه خلافًا. اهـ\nثم نقل خلافًا عن بعض الحنابلة، ورجَّح جواز ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5850>مسألة [٢٦]: إذا وجبت الكفارة على موسر، فأعسر</span>؟\n• ذهب أحمد، والشافعي، وابن حزم، وآخرون إلى أنه لا يجزئه الصوم بعد ذلك، بل تبقى الكفارة بالمال في ذمته.\n• وذهب أبو ثور، وأصحاب الرأي، وهو قول بعض الحنابلة إلى أنَّ الصوم","vol":"10","page":334},{"text":"يجزئه، وهو مفرط في تأخيره الكفارة حتى نفد عليه المال، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5851>مسألة [٢٧]: إذا كفر الرجل عن الرجل بالعتق فلمن الولاء</span>؟\n• ذهب أكثر العلماء إلى أن الولاء للذي أعتق عنه، وهو قول الثوري، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وبعض أصحاب الرأي.\n• وقال بعض أصحاب الرأي: لا يجزئ العتق عن الغير، بل يقع العتق، والولاء عن الذي أعتق. والصحيح القول الأول. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5852>مسألة [٢٨]: هل الكفارات على الفور، أم على التراخي</span>؟\n• المشهور في مذهب أحمد أنَّ الأمر على الفور، وهو قول بعض الشافعية، وبعض المالكية، وبعض الحنفية؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وغضب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند أن تأخر أصحابه في حلق رؤوسهم يوم أمرهم بذلك في الحديبية.\n• والمشهور عند الشافعية، والمالكية، والحنفية أنه لا يفيد الفور إلا إذا اقترن بقرينة تدل عليه.\nواستدلوا على ذلك بأنَّ الحج فُرِض في السادسة، وقيل: التاسعة، وحج النبي\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٥٤١) «المحلى» (١١٨١).\n(^٢) «الأوسط» (١٢/ ٢٠١ - ٢٠٢).","vol":"10","page":335},{"text":"-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في العاشرة.\nوالذي يظهر أن الأمر قد يأتي على الفور، وقد يأتي على التراخي، وينظر إلى أدلة أخرى تدل على ذلك، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5853>مسألة [٢٩]: إذا كرر الحالف اليمين، فكم عليه كفارات</span>؟\n• أما إن كانت الأيمان المكررة على شيء واحد، ثم حنث؛ فعليه كفارة واحدة عند جمهور العلماء، وهو قول الحسن، وعروة، وعطاء، وعكرمة، والنخعي، وحماد، والأوزاعي، وأحمد، والشافعي في قول؛ لأنَّ مثل هذا يقصد به التأكيد، ورُوي مثل هذا القول عن ابن عمر -﵄-. (^٢)\n• وذهب أبو حنيفة، وأبو ثور، والثوري إلى تعدد الكفارات على عدد الأيمان، وهو قول الشافعي؛ لأنَّ اليمين الثانية غير الأولى، فتقتضي ما تقتضيه.\nوالقول الأول هو الصواب، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5854>مسألة [٣٠]: إن حلف يمينًا واحدة على أجناس مختلفة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٣/ ٤٧٤): وَإِذَا حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً عَلَى أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَقَالَ: وَاَلله، لَا أَكَلْت، وَلَا شَرِبْت، وَلَا لَبِسْت. فَحَنِثَ فِي\n_________\n(^١) انظر: المسألة في كتب «أصول الفقه».\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١/٢٩)، ومالك «الموطإِ» (٢/ ٤٧٩)، وابن المنذر (١٢/ ٢١٥) بإسناد صحيح.\n(^٣) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٧٣) «الفتاوى» (٣٣/ ٢١٩).","vol":"10","page":336},{"text":"الْجَمِيعِ؛ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَاحِدَةٌ، وَالْحِنْثَ وَاحِدٌ؛ فَإِنَّهُ بِفِعْلِ وَاحِدٍ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ يَحْنَثُ، وَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5855>مسألة [٣١]: إن حلف أيمانًا على أجناس</span>؟\nكأنْ يقول: والله، لا أكلت. والله، لا شربت، والله، لا لبست.\nفإن حنث في واحد منها، ثم كفَّر، ثم حنث في الأخرى؛ فعليه كفارة أخرى بلا خلاف. قاله ابن قدامة؛ لأنَّ الحنث في الثانية تجب به الكفارة بعد أن كفَّر عن الأولى.\n• وإن حنث في الجميع قبل التكفير، فذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ عليه لكل يمين كفارة؛ لأنها أيمان متغايرة لا يحنث في أحدهما إذا حنث في الأخرى، فلا تتكفر إحداهما بكفارة الأخرى.\n• وذهب بعض الحنابلة، وإسحاق إلى أنه تجزئه كفارة واحدة؛ لأنها كفارات من جنس واحد، فتتداخل كالحدود من جنس.\nوقال الجمهور: ما ههنا يفارق الحدود؛ فإنها وجبت للزجر، وتندرئ بالشبهات، بخلاف مسألتنا؛ ولأنَّ الحدود عقوبة بدنية، فالموالاة بينها ربما أفضت إلى التلف.\nوقول الجمهور هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٤٧٤).","vol":"10","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5856>مسألة [٣٢]: إذا حلف الكافر في حال كفره، ثم حنث بعد إسلامه</span>؟\nقال الإمام ابن المنذر -﵀- «في الأوسط» (١٢/ ٢١٢): قال سفيان الثوري: إذا حلف النصراني، أو اليهودي، أو المشرك، ثم أسلم؛ فليس عليه كفارة فيما حلف عليه في شركه. وكذلك قال أصحاب الرأي، وإن حنث بعد إسلامه؛ فلا كفارة عليه.\nوقال الشافعي: عليه الكفارة، وكذلك قال أبو ثور. قال: وإن حنث فيها، ثم أسلم عليه الكفارة، واحتج بأن النبي - ﷺ - أمر عمر -﵁-، أن يقضي في الإسلام اعتكافًا أوجبه على نفسه في الجاهلية. قال أبو بكر: وكذلك نقول.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: وكذلك أقول.","vol":"10","page":338},{"text":"١٣٦٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: «إنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٣٧٠ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢)، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ: «إذَا لَمْ يُسَمَّ». وَصَحَّحَهُ. (^٣)\n\n١٣٧١ - وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- مَرْفُوعًا: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّه فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ». وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، إلَّا أَنَّ الحُفَّاظَ رَجَّحُوا وَقْفَهُ. (^٤)\n\n١٣٧٢ - وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ -﵂-: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ». (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩) (٤). واللفظ لمسلم، وفي البخاري «لا يرد شيئًا» بدل «لا يأتي بخير».\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٦٤٥).\n(^٣) زيادة ضعيفة. أخرجه الترمذي (١٥٢٨)، وفي إسناده محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي مولى المغيرة بن شعبة مجهول الحال، وقد رواه الثقات بدون الزيادة كما في صحيح مسلم، وضعف الزيادة الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٢٥٨٦).\n(^٤) الراجح وقفه. أخرجه أبوداود (٣٣٢٢)، من طريق طلحة بن يحيى الأنصاري عن عبدالله بن سعيد بن أبي هند عن بكير الأشج عن كريب عن ابن عباس به.\nقال أبوداود عقبه: روى هذا الحديث وكيع وغيره عن عبدالله بن سعيد بن أبي هند فأوقفوه على ابن عباس. اهـ\nقلتُ: طلحة بن يحيى قد ضعفه بعض الأئمة ووثقه آخرون فلا يقوى على معارضة وكيع ومن معه، فالراجح الوقف، وقد رجح ذلك الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٨/ ٢١١).\n(^٥) أخرجه البخاري برقم (٦٧٠٠).","vol":"10","page":339},{"text":"١٣٧٣ - وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ: «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ». (^١)\n\n١٣٧٤ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -﵁- قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللهِ حَافِيَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^٢)\nوَلِأَحْمَدَ وَالأَرْبَعَةِ: فَقَالَ: «إنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِك شَيْئًا، مُرْهَا فَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ». (^٣)\n\n١٣٧٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ -﵁- رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقَالَ: «اقْضِهِ عَنْهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٤)\n\n١٣٧٦ - وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ -﵁- قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَنْحَرَ إبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ يُعْبَدُ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» فَقَالَ: لَا. قَالَ: «أَوْفِ بِنَذْرِك، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد وَالطَّبَرَانِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ صَحِيحُ الإِسْنَادِ. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٦٤١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٦٦)، ومسلم (١٦٤٤).\n(^٣) ضعيف. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥)، وأبوداود (٣٢٩٣)، والترمذي (١٥٤٤)، والنسائي (٧/ ٢٠)، وابن ماجه (٢١٣٤)، من طريق عبيدالله بن زحر، عن أبي سعيد الرعيني، عن عبدالله بن مالك اليحصبي، عن عقبة به. وإسناده ضعيف؛ لضعف عبيدالله بن زحر، وأبوسعيد وشيخه مجهولا حال. فالحديث إسناده ضعيف، وهو صحيح بالرواية السابقة في «الصحيحين» بدون ذكر (الاختمار والصوم)، وقد ضعفه الإمام الألباني في «الإرواء» (٢٥٩٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٧٦١)، ومسلم (١٦٣٨).\n(^٥) صحيح. رواه أبوداود (٣٣١٣)، والطبراني في «الكبير» (١٣٤١) وإسناده صحيح.","vol":"10","page":340},{"text":"١٣٧٧ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ كَرْدَمٍ عِنْدَ أَحْمَدَ. (^١)\n\n١٣٧٨ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْمَ الفَتْحِ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي نَذَرْت إنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْك مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقَالَ: «صَلِّ هَاهُنَا»، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «صَلِّ هَاهُنَا»، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «فَشَأْنُك إذَنْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^٢)\n\n١٣٧٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثِهِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى وَمَسْجِدِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (^٣)\n\n١٣٨٠ - وَعَنْ عُمَرَ -﵁- قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي نَذَرْت فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: «أَوْفِ بِنَذْرِك». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٤)\nوَزَادَ البُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣/ ٤١٩) (٤/ ٦٤) (٦/ ٣٦٦)، وله إسناد فيه انقطاع وآخر فيه عبدالله بن عبدالرحمن الطائفي وفيه ضعف، وفيه أيضًا يزيد بن مقسم مجهول الحال، وقد جعل في بعض الطرق من مسند ميمونة بنت كردم. فالحديث صحيح بشاهده الذي قبله، والله أعلم.\n(^٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٣٣٠٥)، وأحمد (٣/ ٣٦٣)، والحاكم (٤/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، وإسناده صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري (١١٩٧)، ومسلم (٤١٥). من كتاب الحج.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦).\n(^٥) أخرجه البخاري برقم (٢٠٤٢).","vol":"10","page":341},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5857>مسألة [١]: معنى النذر</span>.\nهو التزام فعلٍ وعملٍ يعمله لله عزوجل بقوله: (لله عليَّ كذا)، ونحو ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5858>مسألة [٢]: حكم النذر</span>.\nالنذر المقيد بمقابل مكروه؛ لحديث ابن عمر -﵄-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن النذر، وقال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» متفق عليه، واللفظ لمسلم، وجاء عن أبي هريرة -﵁-، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنه لا يرد من القدر، وإنما يستخرج به من البخيل» رواه مسلم؛ ولأنَّ الإنسان قد يلزم نفسَه بعبادة تشق عليه، وقد يعجز عنها، ويندم.\nولهذا كره العلماء النذر، وبعضهم اختار تحريمه، والراجح ما ذهب إليه الجمهور من الكراهة فقط، والدليل على أنه ليس بمحرم ما جاء في «صحيح مسلم» (١٦٤١)، من حديث عمران بن حصين -﵁-، أنَّ امرأةً مسلمة أُسِرَت، فهربت من المشركين على ناقة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ونذرت إن نجَّاها الله لتنحرَنَّها، فأنكر عليها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نذرها في ملك غيرها، ولم ينكر عليها النذر من أصله، وأيضًا لحديث ابن عباس -﵄- عند أبي داود (٣٣٠٨)، وهو في «الصحيح المسند» (٦٥٦) أنَّ امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها الله لتصومَنَّ شهرًا. فنجاها الله، فلم تصم حتى ماتت، فأتت أختها إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأمرها أن تصوم عنها، مع أنه","vol":"10","page":342},{"text":"نذر مقابلة، ولم ينكر عليها ذلك مع أنه مقام بيان، وتعليم.\nقلتُ: والكراهة المذكورة في النذر المقيد بمقابل، أو في نذر أدخل على نفسه صاحبه المشقة، وأما ما لا مشقة فيه، ولا هو نذر مقابلة؛ فلا كراهة فيه، وقد ذهب إلى عدم كراهة النذر المطلق المالكية، والحنفية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5859>مسألة [٣]: أقسام النذر</span>.\nللنذر أقسام:\nالأول: نذر اللُّجَاج والغضب.\nوهو الخارج مخرج اليمين؛ للحث والمنع، فحكمه حكم اليمين، وقد تقدم ذكر ذلك في الأيمان.\nالثاني: نذر الطاعة والتبرر.\n• ويجب الوفاء به عند أهل العلم، سواء كان مقيدًا، أو مطلقًا؛ إلا أنَّ بعض الشافعية لم يوجبوا الوفاء بالنذر المطلق، وأبو حنيفة لم يوجب الوفاء بالنذر الذي ليس في جنسه واجب في الشرع كالاعتكاف.\nوالصحيح قول الجمهور، وهو وجوب الوفاء مطلقًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، وحديث عائشة -﵂- الذي في الباب: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه».\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٦٢١) «الموسوعة الكويتية» (٤٠/ ١٣٩).","vol":"10","page":343},{"text":"الثالث: النذر المبهم.\n• كأن يقول: (لله عليَّ نذر)، فهذا فيه كفارة يمين عند جمهور العلماء؛ لحديث عقبة بن عامر، وابن عباس اللذين في الكتاب، وعلى ذلك عامة العلماء إلا الشافعي، فقال: لا ينعقد النذر، ولا كفارة فيه.\nوالصحيح قول الجمهور، وقد ثبت هذا القول عن ابن عباس، وابن عمر، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ١/٧).\nالرابع: نذر المعصية.\nولا يحل الوفاء به بالإجماع؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ»، ولحديث عمران بن حصين، وثابت بن الضحاك اللذين في الكتاب.\nوهل فيه كفارة يمين؟ اختلف الفقهاء في ذلك.\n• فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ فيه كفارة يمين، وهو قول أحمد، وإسحاق، والثوري، والحنفية.\nواستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس -﵄- الذي في الكتاب، وهو موقوف كما تقدم، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة -﵂- عند أحمد (٦/ ٢٤٧)، وغيره: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين»، وظاهره الصحة، ولكن أعله البخاري، والدارقطني وغيرهما، ورجَّحوا أنه سقط من إسناده سليمان بن أرقم، وهو متروك.","vol":"10","page":344},{"text":"واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس -﵄- عند ابن الجارود (٩٣٥)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «النذر نذران: نذرٌ لله؛ فيجب الوفاء، ونذر للشيطان؛ فكفارته كفارة يمين»، وفي إسناده: خطَّاب بن القاسم الحرَّاني، قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وقال أبو زرعة في رواية ابن أبي حاتم: ثقة. وقال في رواية البرذعي: منكر الحديث. وقال النسائي: لا علم لي به.\nقلتُ: فالحديث حسن إن لم يكن خطابًا قد وهم في رفعه، ويغلب على ظني أنه قد وهم في ذلك؛ لأنَّ المعروف عن ابن عباس الموقوف كما تقدم، والله أعلم.\n• وذهب مسروق، والشعبي، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية إلى أنه ليس فيه كفارة.\nواستدلوا على ذلك بالأحاديث المتقدمة التي فيها عدم الوفاء بالمعصية، ولم يذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيها الكفارة.\nوالقول الأول رجَّحه الإمام ابن باز، والإمام العثيمين رحمة الله عليهما، وهو الصحيح؛ لأنه التزام لله، فهو كاليمين، وقد أفتى بذلك ابن عباس -﵄-، كما تقدم، وفعلته عائشة -﵂-، كما في «صحيح البخاري» (٦٠٧٣)، ولا نعلم لهما مخالفًا.\nوقد سئل ابن عباس -﵄-، كما في «موطإ مالك» (٢/ ٤٧٦) بإسناد صحيح: كيف يكون في هذا كفارة؟ يعني مع كونه معصية فقال ابن عباس: إن الله تعالى قال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة:٢]، ثم جعل فيه من الكفارة ما","vol":"10","page":345},{"text":"قد رأيت. (^١)\nالخامس: النذر على المباح.\n• فمذهب أحمد أنه ينعقد، وفيه كفارة يمين؛ لحديث: «إني نذرت أن أضرب على رأسكَ الدُّفَّ ...» الحديث. (^٢)\n• وذهب مالك، والشافعي إلى أنه لا ينعقد؛ لحديث: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه».\nوالصحيح مذهب أحمد، والله أعلم.\nالسادس: النذر على المكروه.\n• والخلاف فيه كالخلاف في الذي قبله.\nالسابع: النذر على الواجب.\n• فالمشهور في مذهب أحمد أنه لا ينعقد؛ لأنه تحصيلُ حاصل، وهو مذهب الشافعية.\n• وذهب بعض الحنابلة إلى انعقاده، وهو اختيار شيخ الإسلام، ويصير وجوبه من جهتين: من جهة الشرع، ومن جهة النذر، وهو مثل أن يحلف على المحافظة على أمر واجب، وهذا أقرب، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٦٢٢ - ٦٢٤).\n(^٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٣، ٣٥٦) من حديث بريدة -﵁- بإسناد صحيح، وصححه شيخنا الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (١٦٧).","vol":"10","page":346},{"text":"الثامن: النذر على المستحيل.\nكأن يقول: نذرت أن أصوم أمس. فهذا لا ينعقد، نصَّ على ذلك الشافعية، والحنابلة، وغيرهم، ويأثم على ذلك؛ لأن النذر عبادة، وهذا يشعر بالاستهانة، واللعب.\nالتاسع: النذر على ما لا يطيقه.\n• ففيه كفارة يمين عند الجمهور؛ لحديث عقبة، وأثر ابن عباس اللذين في الباب، وإن كان العجز مرجو الزوال انتظر حتى يزول، وإلا كفَّر. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5860>مسألة [٤]: من نذر أن يتصدق بماله كله</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجزئه الثلث، وهو قول الزهري، ومالك، وأحمد في رواية.\nواستدلوا على ذلك بحديث أبي لبابة أنه قال لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: إنَّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يجزئك الثلث»، وهو حديث ضعيف، في إسناده: حسين بن السائب، وهو مجهول الحال، وقد اختلف في أسانيده، أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٢ -)، وأبو داود (٣٣٢١)، وغيرهما.\nواستدلوا على ذلك بحديث كعب بن مالك، وفيه: «أمسك عليك بعض مالك؛ فهو خير لك» أخرجه البخاري (٦٦٩٠)، ومسلم (٢٧٦٩).\nوجاءت رواية: «يجزئك الثلث»، وأعلها البيهقي (١٠/ ٦٧ - ٦٨)، وليس في\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٦٢٦ - ٦٢٨) «الفتاوى» (٣٥/ ٣٤٦).","vol":"10","page":347},{"text":"الحديثين صراحة في أنه نذر.\n• وذهب أحمد في رواية إلى أنَّ كفارته كفارة يمين.\n• وذهب ربيعة إلى أنه يتصدق بقدر زكاة ذلك المال.\n• وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن كان المال زكويًّا؛ تصدق به كله، وإن لم يكن زكويًّا، فاختلف قوله فيه.\n• وذهب النخعي، والشافعي، والبتي إلى أنه يلزمه الوفاء به؛ لحديث: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه».\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: إنْ أحبَّ أن يوفي بنذره؛ فله ذلك، وإن أحب أن يمسك بعض ماله؛ فهو أفضل؛ لحديث كعب بن مالك، وعليه كفارة يمين؛ لحديث عقبة بن عامر الذي في الباب، وقد أفتت بذلك عائشة -﵂-، كما في «موطإ مالك» (٢/ ٤٨١) بإسناد صحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5861>مسألة [٥]: من نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام لحج أو عمرة</span>؟\n• يلزمه الوفاء عند جمهور أهل العلم إن كان قريبًا من البيت الحرام، ولا يشق عليه؛ لحديث: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه»؛ فإن كان المشي يشق عليه؛ فليركب، وعليه كفارة يمين؛ إلا أن الحنفية لا يلزمونه بالمشي، ولو كان يطيقه.\nوهل عليه دم هدي؟\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٦٢٩ -) «الشرح الممتع» (٦/ ٤٦٤).","vol":"10","page":348},{"text":"• ذهب الحنفية، والمالكية، وأكثر الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أن عليه دم هدي. واستدلوا بما رواه أحمد (١٧٧٩٣) عن عقبة بن عامر الجهني، قال: نذرت أختي أن تمشي، إلى الكعبة، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الله لغني عن مشيها لتركب، ولتهد بدنة»، وإسناده ظاهره الصحة، وقد صححه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٢٥٩٢). قالوا: ولأنه أوجب على نفسه المشي في حجه أو عمرته، فصار من واجبات النسك؛ فإن عجز عنه؛ فعليه الهدي.\n• وذهب أكثر الحنابلة إلى أن عليه الكفارة فحسب؛ وليس عليه هدي، وهو قول بعض الحنفية، والشافعية. لحديث عقبة بن عامر في «الصحيحين»؛ فقد ورد بلفظ: قال: نذرت أختي أن تمشي، إلى بيت الله، وأمرتني أن أستفتي لها النبي - ﷺ -، فاستفتيته، فقال - ﷺ -: «لتمش، ولتركب». وليس فيه ذكر الهدي.\nقلتُ: لو صح حديث الأمر بالهدي فهو مذهبنا. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5862>مسألة [٦]: وهل عليه حج أو عمرة إذا أطلق النذر بالمشي</span>؟\nذكر ابن قدامة -﵀- أنه يلزمه المشي بحجٍّ أو عمرة، وقال: وبه يقول الشافعي، ولا أعلم فيه خلافًا، وذلك لأن المشي المعهود في الشرع، هو المشي في حجٍّ، أو عمرة؛ فإذا أطلقه الناذر حمل على المعهود الشرعي. انتهى.\nكذا قال ابن قدامة -﵀-، ومذهب أبي حنيفة: أنه إذا لم ينو حجًّا ولا عمرة؛ فلا ينعقد النذر بالكلية؛ فالظاهر أنه أراد نفي الخلاف في مذهبهم.\n_________\n(^١) «المغني» (١٣/ ٦٣٥)، «الموسوعة الكويتية» (٤٠/ ١٩٦) «الاستذكار» (٥/ ١٧٢) ط/العلمية.","vol":"10","page":349},{"text":"والذي يظهر لي أنَّ للناذر نيته، وقد يريد الذهاب من أجل الصلاة، أو الاعتكاف، وقد قال النبي - ﷺ -: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5863>مسألة [٧]: من قال: لله عليَّ أن أصوم يوم يقدم فلان</span>؟\n• الجمهور على أنَّ نذره هذا منعقد.\n• وخالف الشافعي في قولٍ له، فقال: لا يصح؛ لأنه لا يمكن صومه بعد وجود شرطه.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لأنه زمن يصح فيه صوم التطوع، فينعقد النذر لصومه؛ ولأنه يمكن صومه كأن يعلم قدومه من الليل.\nولهذا النذر خمسة أحوال:\nالحال الأولى: أن يعلم بقدومه من الليل؛ فلا إشكال في ذلك، ويجب عليه تبييت النية في الصوم.\nالحال الثانية: أن يقدم يوم فطرٍ، أو أضحى.\n• ففي المسألة أقوال:\nالقول الأول: لا يصوم ذلك اليوم، ويقضي، ويكفِّر. هذا هو المشهور في مذهب أحمد، وهو قول الحكم، وحماد.\nالقول الثاني: يقضي ولا كفارة عليه. وهو قول الحسن، والأوزاعي، وأبي\n_________\n(^١) «المغني» (١٣/ ٦٣٥) «الفتح» (٦٧٠١).","vol":"10","page":350},{"text":"عبيد، وقتادة، وأبي ثور، وأحمد في رواية، والشافعي في قول.\nالقول الثالث: إن صامه؛ صح صومه، وهو مذهب أبي حنيفة، ونُقل عن أحمد.\nالقول الرابع: يكفر، ولا قضاء. وهو قول بعض الحنابلة.\nالقول الخامس: لا قضاء، ولا كفارة. وهو قول مالك، والشافعي في أحد قوليه، وبعض الحنابلة.\nقلتُ: الذي يظهر -والله أعلم- أنَّ عليه كفارة؛ لأنه صار محرمًا عليه الوفاء، فأشبه نذر المعصية، وليس عليه القضاء.\nالحال الثالثة: يقدم في يوم يصح صومه فيه، ولكنه مفطر.\n• فمنهم من قال: يلزمه القضاء، والكفارة. وهو قول أحمد في رواية.\n• ومنهم من قال: يقضي، ولا كفارة عليه؛ لأنه معذور. وهو قول الشافعي، وبعض الحنابلة.\n• ومنهم من قال: لا يلزمه شيء، لا كفارة، ولا قضاء. وهو قول أبي يوسف، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية، واختاره ابن المنذر؛ لأنه قدم في زمن لا يصح فيه؛ فلم يلزمه.\nالحال الرابعة: أن يقدم والناذر صائم.\nفإن كان الصوم تطوعًا:\n• فقال بعض الحنابلة، وأبو حنيفة: يعقده عن نذره، ويجزئه.","vol":"10","page":351},{"text":"• وقال بعض الحنابلة: يلزمه القضاء، والكفارة.\n• وقال الشافعي: عليه القضاء فقط. وهو قول بعض الحنابلة.\nوأما إن كان الصوم واجبًا:\n• فمنهم من قال: يجزئه الصوم عن النذر أيضًا. وهو قول عكرمة، وأبي يوسف، وأحمد في رواية عنه؛ لأنه نذر الصوم في وقت وقد صام فيه.\n• وعن أحمد رواية أنَّ عليه القضاء.\n• وقال الشافعي، وبعض الحنابلة: لا ينعقد النذر. (^١)\nالحال الخامسة: أن يقدم ليلًا.\nفلا شيء عليه في قولهم جميعًا؛ لأنه لم يقدم في اليوم، ولا في وقت يصح فيه الصيام. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5864>مسألة [٨]: إذا نذر الذهاب إلى مسجد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أو المسجد الأقصى</span>؟\n• جمهور العلماء على أنه يلزمه ذلك، وبهذا قال أحمد، ومالك، والأوزاعي، وأبو عبيد، والشافعي في قول، وابن المنذر؛ لأنَّ شدَّ الرحال إليها مشروع؛ لحديث أبي سعيد الذي في الباب.\n• وذهب الشافعي في قول له إلى عدم الوجوب؛ لأنَّ البر بإتيان هذين نفلٌ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٦٤٥ - ٦٤٧، ٦٤٤).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٦٤٧).","vol":"10","page":352},{"text":"بخلاف المسجد الحرام؛ فهو فرضٌ.\nوالصحيح القول الأول؛ لحديث عائشة -﵂-: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه»، ويلزمه عند الجمهور أن يصلي فيهما ركعتين؛ لأنَّ القصد بالنذر القربة والطاعة، وإنما تحصيل ذلك بالصلاة، وقال أبو حنيفة: لا تتعين عليه الصلاة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5865>مسألة [٩]: من مات وعليه نذر</span>؟\n• إن كان النذر بصوم، أو حجٍّ؛ وفَّى عنه وليه عند الجمهور.\n• وخالف مالك فقال: لا يحج عنه، ولا يصوم، ولا يصلي. ووافقه الشافعي في قول له في الصوم.\nوالصحيح قول الجمهور؛ لحديث ابن عباس -﵄- الذي في الباب: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ -﵁- ...، ولحديث عائشة -﵂- في «الصحيحين»: «من مات وعليه صوم؛ صام عنه وليه»، وغيرهما من الأحاديث.\nوهذا على سبيل الاستحباب عند الجمهور، خلافًا للظاهرية.\n• وأما النذر بالصلاة فالجمهور على أنه لا يصلي عنه وليُه، وهو الصحيح.\n• وللحنابلة وجهٌ بأنه يصلي عنه.\nوأما النذر بالصدقة، والعتق؛ فتؤدَّى عنه من ماله قبل قسمة التركة؛ فإن لم يكن له مال سقط الوجوب وجاز النيابة. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٣/ ٦٣٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٣/ ٦٥٥).","vol":"10","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5866>مسألة [١٠]: من نذر نذرًا في الجاهلية طاعة لله، فهل يلزمه الوفاء بعد إسلامه</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوفاء.\nواستدلوا بحديث عمر -﵁- الذي في الباب، وهذا قول أحمد في رواية، والطبري، والمغيرة بن عبدالرحمن المالكي، وداود الظاهري، وبعض الشافعية.\n• وذهب الجمهور إلى أنَّ ذلك مستحبٌّ غير واجبٍ، وهو قول جمهور الشافعية، والمالكية، وهو قول الحنفية، وأحمد في رواية، وحملوا الأمر الذي في حديث عمر -﵁- على الاستحباب بقرينة أنه جواب لسؤاله.\nوالصحيح هو الوجوب؛ لظاهر الأمر، ولعموم الحديث: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه»، والنذر من الكافر منعقد؛ لحديث عمر -﵁-، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٦٦٩٧).","vol":"10","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5867>كِتَابُ الْقَضَاءِ</span>\nالقضاء في اللغة: يطلق على الفراغ من الشيء، وعلى الإحكام.\nوالمراد به في هذا الباب: الإلزام بالحكم الشرعي، ورفع الخصومات.\n\n١٣٨١ - عَنْ بُرَيْدَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ، رَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَلَمْ يَقْضِ بِهِ وَجَارَ فِي الحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الحَقَّ فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\n١٣٨٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ وَلِيَ القَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. (^٢)\n\n١٣٨٣ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَتِ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٣)\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢)، والنسائي في «الكبرى» (٥٩٢٢)، وابن ماجه (٢٣١٥)، والحاكم (٤/ ٩٠)، وهو حديث حسن، له عندهم إسناد حسن، وآخر ضعيف.\n(^٢) صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٢٣٠)، وأبوداود (٣٥٧١) (٣٥٧٢)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٤٦٢)، والترمذي (١٣٢٥)، وابن ماجه (٢٣٠٨)، ولم أجده في صحيح ابن حبان، وقد أورده في «الثقات» (٦/ ٢٨٦) (٧/ ٢٠٤). وهو حديث صحيح له إسنادان حسنان.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٧١٤٨).","vol":"10","page":355},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5869>مسألة [١]: حكم تولي القضاء</span>.\nتَوَلِّي القضاء فرضُ كفاية؛ لأنَّ أمر الناس لا يستقيم بدونه؛ فوجب كالجهاد والإمامة، ولأنه إذا لم يكن قضاء ضاعت الحقوق، وشاع الظلم.\n\nوفضل القضاء عظيم لمن قَوي عليه، وأدَّى الحق فيه، فذلك من أس<span data-type=\"title\" id=toc-5868>باب </span>دخول الجنة كما في حديث بريدة، وخطره عظيم أيضًا على من لم يؤدِّ حق الله فيه؛ لحديث بريدة، وأبي هريرة -﵄-. (^١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-5870>مسألة [٢]: أحوال الناس في القضاء</span>.\n١) من الناس من يجب عليه القضاء، وهو الرجل الذي يكون من أهل الاجتهاد، والأمانة، وليس هناك من يصلح للقضاء غيره، فيجب على الإمام أن يوليه القضاء، ولا يجوز لذلك أن يمتنع.\n٢) ومن الناس من لا يجوز له تولي القضاء، وهو الرجل الذي ليس له أهلية القضاء؛ لجهله، أو فسقه.\n٣) ومن الناس من يجوز له، ولا يجب عليه، وهو كالأول، إلا أنه يوجد غيره ليقوم بذلك. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٥ - ٦) «البيان» (١٣/ ١٠) «الفتح» (٧١٤٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٧ - ٩) «البيان» (١٣/ ١١ - ١٢).","vol":"10","page":356},{"text":"والقسم الثالث: هل يُستحب لهم أن يتولوا القضاء، أم يُكره؟\n• مذهب الحنابلة الكراهة، وهو قول بعض الشافعية.\n• والأشهر عند الشافعية، وهو قول بعض الحنابلة أنه إن كان الأنفع للناس منه تولي القضاء؛ استُحِبَّ له ذلك، وإن كان الأنفع للناس منه عدم تولي القضاء؛ فيُكره له ذلك. انظر المصادر السابقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5871>مسألة [٣]: أخذ الأجرة على القضاء، وأخذ الرزق</span>.\nأما الاستئجار على القضاء؛ فلا يجوز ذلك عند أهل العلم، وقال ابن قدامة: لا أعلم فيه خلافًا؛ وذلك لأنَّ هذا عمل بر وطاعة فلا تكون إلا لله.\n• وأما أخذ الرزق على ذلك فجائز عند أكثر العلماء؛ لأنَّ القاضي يُشغل بالقضاء عن التكسب، وعلى ذلك العمل في عهد الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم.\n• وكره ذلك الحسن، ومسروق، والقاسم بن عبدالرحمن، وأحمد في رواية إن لم يكن محتاجًا.\n• وقال الشافعية: إن كان متعينًا عليه؛ جاز الأخذ، وإن لم يكن متعينًا؛ لم يجز له الأخذ.\nوالصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٩ -) «البيان» (١٣/ ١٤ -).","vol":"10","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5872>مسألة [٤]: شروط القاضي</span>.\nذكر الفقهاء عددًا من الشروط:\nالأول: أن يكون مسلمًا.\nولا خلاف في ذلك؛ لأنَّ الكافر لا ولاية له على مسلم.\nالثاني: أن يكون عاقلا.\nولا خلاف في ذلك أيضًا.\nالثالث: أن يكون بالغًا.\nوعليه عامة أهل العلم.\nالرابع: أن يكون حُرًّا.\n• وعلى ذلك الجمهور؛ لأنَّ العبد مشغول بخدمة سيده.\n• وذهب بعض الحنابلة إلى جواز ذلك، وعدم اشتراط الحرية، ورجَّح ذلك الإمام ابن عثيمين، وذلك فيما إذا أذن له سيده، وهو الراجح، والله أعلم.\nالخامس: أن يكون ذكرًا.\n• وهو قول الجمهور؛ لحديث: «لن يفلح قوم وَلَّو أمرهم امرأة».\n• وأجاز الطبري تولي المرأة للقضاء كالفتوى، وأجازه أبو حنيفة في غير الحدود، والصحيح قول الجمهور.","vol":"10","page":358},{"text":"السادس: أن يكون متكلمًا، سمعيًا، بصيرًا.\n• واشترط ذلك الجمهور.\n• ولم يشترط ذلك بعض الحنابلة إذا أمكنه أن يفهم بالكتابة، أو الإشارة، واختاره الإمام ابن عثيمين.\nالسابع: العدالة.\n• اشترطه الجمهور خلافًا للأصم الذي أجاز تولية الفاسق، ويُعتبر هذا الشرط حسب الإمكان، قال شيخ الإسلام -﵀-: وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، ويجب تولية الأمثل فالأمثل، فيولي للعدم أنفع الفاسقين، وأقلهما شرًّا، وأعدل المقلدين، وأعرفهما بالتقليد. وبنحوه ذكر الإمام ابن عثيمين -﵀-.\nالثامن: أن يكون من أهل الاجتهاد.\n• ذكره الجمهور؛ لحديث بريدة.\n• وقال بعض الحنفية: يجوز أن يكون عاميًّا يحكم بالتقليد.\nوالصحيح قول الجمهور.\nويجوز المقلد عند عدم المجتهد كما تقدم في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وبنحوه قال العثيمين -﵀-. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ١٢ - ١٥) «البيان» (١٣/ ١٧ -) «الإنصاف» (١١/ ١٦٨) «الشرح الممتع» (٦/ ٥٠٠ -).","vol":"10","page":359},{"text":"تنبيه: ينبغي أن يكون القاضي قويًّا، أمينًا، حليمًا، متأنيًا، ذا يقظة، لا يُؤتى من غفلة، ولا يُخدع لغرة، صحيح السمع، والبصر، عفيفًا، نزيهًا، ورعًا، يستشير أهل الصلاح، لا يخاف في الله لومة لائم، وله أن ينتهر الخصم، ويعزره إذا احتاج إلى ذلك. (^١)\n_________\n(^١) «المغني» (١٤/ ١٧ - ١٨).","vol":"10","page":360},{"text":"١٣٨٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -﵁- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5873>مسألة [١]: هل يأثم الحاكم بخطئه</span>؟\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» (١٧١٦): قَالَ الْعُلَمَاء: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيث فِي حَاكِم عَالِمٍ أَهْلٍ لِلْحُكْمِ؛ فَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ: أَجْرٌ بِاجْتِهَادِهِ، وَأَجْرٌ بِإِصَابَتِهِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ بِاجْتِهَادِهِ. وَفِي الْحَدِيث مَحْذُوف تَقْدِيره: (إِذَا أَرَادَ الْحَاكِم فَاجْتَهَدَ) قَالُوا: فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْحُكْمِ فَلَا يَحِلّ لَهُ الْحُكْم؛ فَإِنْ حَكَمَ فَلَا أَجْر لَهُ، بَلْ هُوَ آثِمٌ، وَلَا يَنْفُذ حُكْمه، سَوَاء وَافَقَ الْحَقّ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ إِصَابَته اِتِّفَاقِيَّة لَيْسَتْ صَادِرَة عَنْ أَصْل شَرْعِيّ فَهُوَ عَاصٍ فِي جَمِيع أَحْكَامه، سَوَاء وَافَقَ الصَّوَاب أَمْ لَا. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦).","vol":"10","page":361},{"text":"١٣٨٥ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5874>مسألة [١]: هل للقاضي أن يحكم وهو غضبان</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز ذلك، وهو قول بعض الحنابلة، وابن حزم الظاهري، والصنعاني وغيرهم. واستدلوا بحديث الباب.\n• وذهب الجمهور إلى الكراهة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قضى بين الزبير بن العوام، ورجلٍ من الأنصار في شراج الحرة بعد أن أغضبه ذلك الرجل، والحديث في «الصحيحين». (^٢)\nوأُجيب عن الحديث بأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- معصوم عن أن يقضي بباطل بسبب الغضب.\nوقيل: إنَّ الغضب طرأ على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعد معرفته للحكم، وأمره بالصلح.\nقلتُ: إن كان الغضب شديدًا؛ فلا يجوز له الحكم عند ذلك، وإن كان يسيرًا؛ جاز؛ لأنَّ الغضب اليسير لا يفقد الإنسان شعوره وإرادته وتفكيره، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٣٥٩)، ومسلم (٢٣٥٧).\n(^٣) انظر: «المحلى» (١٧٨١) «المغني (١٤/ ٢٥) «الفتح» (٧١٥٨).","vol":"10","page":362},{"text":"فائدة: ألحقوا بالغضب كل ما يشغل الذهن، كالغم، والحزن الشديد، والجوع، والعطش الشديد، ومدافعة الأخبثين، وما أشبه ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5875>مسألة [٢]: هل ينفذ القضاء إذا قضى في غضبه</span>؟\n• جمهور العلماء على نفوذه إذا وافق الحق؛ لأنَّ العلة هو أن لا يقضي بالحق؛ لانشغال الذهن.\n• وذهب بعض الحنابلة، والصنعاني إلى عدم نفوذه؛ لأنَّ النهي يقتضي الفساد.\nوالصحيح قول الجمهور. (^١)\nتنبيه: يظهر أنَّ موضع الخلاف السابق هو فيما إذا لم يبلغ به الغضب إلى حالة لا يشعر بها بما يقول؛ لأنه حينئذ زائل العقل في حكم المجنون.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٧١٥٨) «المغني» (١٤/ ٢٥ -).","vol":"10","page":363},{"text":"١٣٨٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا تَقَاضَى إلَيْك رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي»، قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا بَعْدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ المَدِينِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\n١٣٨٧ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5876>مسألة [١]: هل يجب على الحاكم أن يسمع من الخصمين</span>؟\nدلَّ حديثُ الباب على وجوب ذلك، والحديث ضعيف، ولكنَّ العمل عليه، فما زال القضاء على ذلك في عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثم خلفائه الراشدين، ثم من بعدهم. وقد خطَّأ الله ﷿ نبيه داود ﵇ عند أن قضى بين الخصمين، ولم يسمع من الآخر.\n• ويدل على وجوب ذلك أنه قد يكون للمدَّعى عليه بيان أو تأويل مقبول، أو عذر سائغ، أو ما أشبه ذلك، وهذا قول جمهور العلماء.\n• وقال بعض الشافعية: لا يجب كالغائب، والصحيح قول الجمهور. (^٣)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٦٩٠)، وأبوداود (٣٥٨٢)، والترمذي (١٣٣١)، وابن حبان (٥٠٦٥).\nوفي إسناد غير ابن حبان (حنش بن المعتمر) ضعفه الأكثر، وإسناد ابن حبان غير محفوظ.\n(^٢) لم أجد عند الحاكم حديثًا عن ابن عباس بمعنى حديث علي -﵃-، وإنما وجدت أصل الحديث (٤/ ٨٨)، وفي إسناده: مسلم بن كيسان الأعور، وهو متروك.\n(^٣) انظر: «المغني» (١٤/ ٩٤، ٩٦).","vol":"10","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5877>مسألة [٢]: القضاء على الغائب إذا قامت بينة</span>.\n• جمهور العلماء على جواز القضاء على الغائب إن قامت البينة، وهو قول ابن شبرمة، ومالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأبي عبيد، وأحمد، والأوزاعي وإسحاق، وابن المنذر. واستدلوا بحديث: إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيح .. .\n• وذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز ذلك، وهو قول شريح، وابن أبي ليلى، والثوري، والحنفية، وأحمد في رواية، ونُقل عن الشعبي، والقاسم.\nواستدلوا على ذلك بحديث علي -﵁- الذي في الباب: «إذَا تَقَاضَى إلَيْك رَجُلَانِ»؛ ولأنَّ الغائب قد يقدح في البينة.\nوأجاب الجمهور عن ذلك بضعف حديث علي، وعلى صحته فالمقصود به الحاضران كما هو ظاهر اللفظ، وقالوا: إذا قدم الغائب، ونقض البينة بحق؛ نقض الحكم ولا إشكال في ذلك. والصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: القضاء على الغائب إنما هو في حقوق الآدميين، فأما الحدود؛ فلا، نقل الحافظ الاتفاق على ذلك. (^٢)\nتنبيه آخر: الحاضر في البلد لا يقضي إلا بحضوره، عند الجمهور، خلافًا لبعض الشافعية. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٩٣ - ٩٤) «الفتح» (٧١٨٠).\n(^٢) «الفتح» (٧١٨٠) «المغني» (١٤/ ٩٥).\n(^٣) «المغني» (١٤/ ٩٦).","vol":"10","page":365},{"text":"١٣٨٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْت لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5878>مسألة [١]: قضاء الحاكم لا يغير الشيء عن صفته</span>.\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الحاكم إذا أخطأ في الحكم فقضى لشخصٍ بمال من أخيه؛ فذلك المال لا يحل للآخر؛ لحديث أم سلمة، ومثله لو قضى لرجل بأنَّ فلانة زوجته، وهو مخطئ؛ فلا تحل له بذلك.\n• وخالف أبو حنيفة فقال: حكم الحاكم ينفذ ظاهرًا، وباطنًا، فيصير المال والمرأة حلالين. وقوله فاسدٌ باطل. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5879>مسألة [٢]: هل للحاكم أن يحكم بعلمه</span>؟\n• ذهب الأكثر إلى أنَّ الحاكم ليس له أن يحكم بعلمه، وهو قول شريح، والشعبي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، وأبي عبيد ومحمد بن الحسن. واستدلوا بحديث أم سلمة: «فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ»، وقالوا: قضاؤه بعلمه موضع التهمة، وفتح لباب المحاباة.\n• وذهب بعضهم إلى الجواز، وهو قول للشافعي، ورواية عن أحمد، وهو قول\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٦٩)، ومسلم (١٧١٣).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٣٧) «الفتح» (٧١٦٩) «السبل».","vol":"10","page":366},{"text":"المزني؛ وذلك لأنَّ علمه أوثق في نفسه من البينة.\n• وذهب أبو حنيفة إلى جوازه في حقوق الآدميين إلا ما كان قبل ولايته، ولا يجوز في الحدود. والصحيح هو القول الأول، والله أعلم، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5880>مسألة [٣]: إذا شهد عند الحاكم من لا يعرفه</span>؟\n• مذهب الأكثر أنه يسأل عنه؛ فإنْ شُهِدَ له بالعدالة؛ حكم بها، وإلا فلا، وهذا قول أحمد، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن.\n• وذهب الحسن، وأحمد في رواية إلى أنه يحكم بشهادته؛ لكونه مسلمًا.\n• وقال أبو حنيفة: يحكم بشهادته إلا أن يدَّعِي الخصم فسقه.\nوالصحيح هو القول الأول؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وقوله: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5881>مسألة [٤]: كم هو المعتبر في تزكية الشهود</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ المعتبر تزكية عدلين، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر؛ لأنه إثبات صفة من يبني الحاكم على صفته، فاعتبر فيها العدد.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٣٠ -) «الفتح» (٧١٦١) «الشرح الممتع» (٦/ ٥٣٦ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٣).","vol":"10","page":367},{"text":"• وذهب بعضُ أهل العلم إلى صحة ذلك من الواحد، وهو قول أحمد في رواية، وأبي حنيفة، وهو اختيار شيخ الإسلام -﵀-؛ لأنها خبر وتعريف، وليست شهادة، وهو اختيار الإمام ابن عثيمين -﵀- وهو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5882>مسألة [٥]: إذا قال: لا أعلم عنه إلا خيرًا</span>؟\n• ذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه لا يكفي في التزكية؛ لأن نفي علمه لا يدل على ثبوت الخير والصلاح لذلك الشخص.\n• وذهب أبو يوسف، والبتي إلى أنه يكفي، ورجَّح ابن قدامة القول الأول، وهو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5883>مسألة [٦]: الجرح والتعديل من النساء</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي عدم قبوله؛ لأنَّه شهادة فيما ليس بمال، فيما يطلع عليه الرجال.\n• ومذهب أبي حنيفة، وأحمد في رواية قبوله؛ لأنه خبر وتعريف. وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5884>مسألة [٧]: هل يقبل الجرح من الخصم</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٥٠): لا يقبل الجرح من الخصم بلا خلاف بين العلماء. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٧) «الشرح الممتع» (٦/ ٥٥٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٨) «البيان» (١٣/ ٥٣) «مختصر اختلاف الفقهاء» للطحاوي (٣/ ٣٣٢).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٤/ ٥٠).","vol":"10","page":368},{"text":"١٣٨٩ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «كَيْفَ تُقَدَّسُ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\n١٣٩٠ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ البَزَّارِ. (^٢)\n\n١٣٩١ - وَآخَرُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ. (^٣)\nالحكم المستفاد من الأحاديث\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (٨/ ٧٧): وَالْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تُطَهَّرُ أُمَّةٌ مِنْ الذُّنُوبِ لَا يُنْتَصَفُ لِضَعِيفِهَا مِنْ قَوِيِّهَا فِيمَا يَلْزَمُ مِنْ الْحَقِّ لَهُ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ نَصْرُ الضَّعِيفِ حَتَّى يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ الْقَوِيِّ كَمَا يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: «اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا».اهـ\nقلتُ: وهذا دليل على وجوب أخذ الحق لصاحب الحق، قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].\n_________\n(^١) صحيح بشواهده. أخرجه ابن حبان (٥٠٥٨) (٥٠٥٩)، وإسناده حسن لولا عنعنة أبي الزبير، وهو عند ابن ماجه أيضًا (٤٠١٠)، وهو صحيح بشواهده التي بعده.\n(^٢) صحيح بشواهده. أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (١٥٩٦) وفي إسناده عطاء بن السائب، وهو مختلط، والراوي عنه لم يذكر ممن روى عنه قبل الاختلاط، وهو صحيح بشاهده الذي قبله والذي بعده.\n(^٣) صحيح. أخرجه ابن ماجه (٢٤٢٦)، وكذا ابن أبي شيبة (٧/ ٥٣٩)، وأبويعلى (١٠٩١)، وإسناده صحيح.","vol":"10","page":369},{"text":"١٣٩٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «يُدْعَى بِالقَاضِي العَادِلِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي عُمْرِهِ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وَلَفْظُهُ: «فِي تَمْرَةٍ». (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام»: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ حِسَابِ الْقُضَاةِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ وَذَلِكَ لِمَا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنْ الْخَطَرِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى الْحَقَّ، وَيَبْلُغَ فِيهِ جَهْدَهُ، وَيَحْذَرُ مِنْ خُلَطَاءِ السُّوءِ مِنْ الْوُكَلَاءِ وَالْأَعْوَانِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: «مَا اسْتَخْلَفَ الله مِنْ خَلِيفَةٍ إلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مِنْ عَصَمَهُ اللهُ تَعَالَى». (^٢) انتهى المراد.\n\n١٣٩٣ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَنْ يُفْلِحْ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^٣)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث دلالة على عدم جواز تولي المرأة للقضاء، وهو قول الجمهور، وقد تقدم ذكر المسألة عند ذكر شروط القاضي.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه ابن حبان (٥٠٥٥)، والبيهقي (١٠/ ٩٦)، وفي إسناده صالح بن سرج، وهو مجهول الحال، والحديث أيضًا في «مسند أحمد» (٦/ ٧٥)، بلفظ «في تمرة».\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٧١٩٨).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٤٤٢٥).","vol":"10","page":370},{"text":"١٣٩٤ - وَعَنْ أَبِي مَرْيَمَ الأَزْدِيِّ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ وَلَّاهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ المُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ، وَفَقِيرِهِمُ احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِهِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nقال القاضي حسين المغربي -﵀- في «البدر التمام» (٥/ ١٣٥): فيه دلالة على أنه يجب على من وَلِي أمرًا من أمور المسلمين تسهيل الحجاب ليصل إليه ذو الحاجة فيقضي حاجته، والفقير فيعطيه من مال الله الذي يسد خلَّتَه، وإن لم يفعل ذلك منعه الله تعالى فضله ورحمته. اهـ\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٢٩٤٨)، والترمذي (١٣٣٣)، وإسناده صحيح.","vol":"10","page":371},{"text":"١٣٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الرَّاشِيَ وَالمُرْتَشِيَ فِي الحُكْمِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\n١٣٩٦ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو، عِنْدَ الأَرْبَعَةِ إلَّا النَّسَائِيّ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5885>مسألة [١]: حكم الرشوة</span>.\nالرشوة هي بذل المال ليتوصل إلى إبطال حق، أو نصر باطل، وهو حرام بالاتفاق، ونصَّ جمعٌ من أهل العلم على أنه إن فعل ذلك إنسانٌ -أعني دفع المال- ليأخذ حقَّه، أو يدفع الظلم عن نفسه؛ فإنَّ ذلك جائز.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «الاختيارات» (ص ١٨٤): ويجوز للمهدي أن يبذل في ذلك ما يتوصل به إلى أخذ حقه، أو دفع الظلم عنه، وهو المنقول عن\n_________\n(^١) ضعيف من حديث أبي هريرة. أخرجه الترمذي (١٣٣٦)، وأحمد (٢/ ٣٨٧)، من طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة به. وإسناده ضعيف؛ لضعف عمر بن أبي سلمة.\nوقال الترمذي: وروي هذا الحديث عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن عبدالله بن عمرو، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وروي عن أبي سلمة، عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا يصح، وسمعت عبدالله بن عبدالرحمن هو الدارمي يقول: حديث أبي سلمة، عن عبدالله بن عمرو عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أحسن شيء في هذا الباب وأصح. اهـ\nوقد صوب الدارقطني في «علله» (٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥) الرواية عن عبدالله بن عمرو بن العاص.\nقلتُ: وهو الحديث الذي بعده.\nتنبيه: الحديث لم يخرجه من أصحاب السنن الأربع إلا الترمذي فتنبه.\n(^٢) حسن. أخرجه أبوداود (٣٥٨٠)، والترمذي (١٣٣٧)، وابن ماجه (٢٣١٣)، وإسناده حسن، وقد تقدم في أواخر (الربا) برقم (٨٢٨)","vol":"10","page":372},{"text":"السلف، والأئمة الأكابر. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5886>مسألة [٢]: حكم قبول الهدية</span>.\n• ذهب أحمد، والشافعي وغيرهما إلى أنَّ القاضي لا يجوز له قبول الهدية إلا ممن اعتاد منه الإهداء قبل تولي القضاء.\nواستدلوا على ذلك بحديث أبي حميد الساعدي أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إني أستعمل الرجلَ منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا لكم، وهذا أُهدي لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته ...» الحديث. (^٢)\n• وذهب أبو حنيفة إلى الكراهة فقط، والصحيح قول الجمهور. (^٣)\n_________\n(^١) وانظر ما تقدم في آواخر [الربا من كتاب البيوع]، وانظر: «المحلى» (١٦٣٨) (١٦٣٩).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٧١٧٤)، ومسلم برقم (١٨٣٢).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٤/ ٥٨ - ٥٩).","vol":"10","page":373},{"text":"١٣٩٧ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ -﵄- قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنَّ الخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الحَاكِمِ. رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5887>مسألة [١]: التسوية بين الخصمين في المقعد، والخطاب</span>.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٦٢): عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ المَجْلِسِ وَالْخِطَابِ، وَاللَّحْظِ وَاللَّفْظِ، وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَالْإِنْصَاتِ إلَيْهِمَا، وَالِاسْتِمَاعِ مِنْهُمَا. وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. اهـ\nونصَّ جماعةٌ من أهل العلم على أنه يُشرع أن يُرْفَع المسلم على الذمي عند الحاكم إذا تخاصم ذمي مع مسلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5888>مسألة [٢]: هل يجوز للحاكم أن ينقض حكم حاكم قبله</span>؟\n• نصَّ أحمد، والشافعي، وغيرهما على أنه لا يجوز له نقض حكمَ غيره؛ إلا إذا خالف نصًّا، أو إجماعًا.\n• وقيده مالك، وأبو حنيفة بما إذا خالف الإجماع فقط. وقد أُورِدَتْ عليهم\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٣٥٨٨)، والحاكم (٤/ ٩٤)، وفي إسناده مصعب بن ثابت الزبيري وهو ضعيف.\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٦٤) «سبل السلام».","vol":"10","page":374},{"text":"بعض المسائل التي أباحوا نقض الحكم فيها مع أنَّ فيها خلافًا.\n• وذهب داود الظاهري، وأبو ثور إلى أنه ينقض جميع ما استبان خطؤه، وهو اختيار الشوكاني.\nواختار شيخ الإسلام القول الأول، وقيَّد ذلك بما إذا لم يكن الحكم في مسائل الاجتهاد التي اختلف فيها السلف.\nوهذا هو الصواب، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٣٤) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٣٠٢، ٣٠٣).","vol":"10","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5889>بَابُ الشَّهَادَاتِ</span>\n١٣٩٨ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِشهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١٣٩٩ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «إنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\nالجمع بين الحديثين:\nفي الحديث الأول مدح من يأتي بالشهادة قبل أن يسألها، وفي الثاني ذم من يشهد بدون استشهاد، فاختلف العلماء في الجمع بين الحديثين على أقوال:\n• منهم من قال: المراد بحديث زيد -﵁- من عنده شهادة لإنسان بحق لا يعلم بها صاحبها، فيأتي إليه، فيخبره، وحديث عمران فيما سوى ذلك، وهو جواب يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وقال الحافظ: هذا أحسن الأجوبة.\n• ومنهم من قال: حديث زيد المراد به شهادة الحسبة، وهي ما لا يتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم محضًا، ويدخل في الحسبة ما يتعلق بحق الله، أو\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٧١٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٥).","vol":"10","page":376},{"text":"فيه شائبة، منه: كالعتاق، والوقف، والوصية العامة، والعدة، والطلاق، والحدود، ونحو ذلك.\n• ومنهم من قال: حديث عمران بن حصين محمول على شهادة الزور، أي: يؤدون شهادة، ولم يسبق لهم تحملها، نقله الترمذي عن بعض أهل العلم، واختار هذا القول شيخ الإسلام.\nوهناك أقوال أخرى هذه أقواها، وأقوى الأقوال الثالث، ثم الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5890>مسألة [١]: حكم تحمل الشهادة وأدائها</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ ذلك فرض كفاية، وقد يتعين إن لم يوجد غيره يتحمل الشهادة، أو يؤدي، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:٢٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:٢٨٣]. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5891>مسألة [٢]: أخذ مال مقابل الشهادة</span>؟\n• مذهب الحنابلة أنها إن كانت لم تتعين؛ فيجوز له الأخذ إن كان محتاجًا، وإن تعينت عليه، ففيه قولان عندهم: منهم من أجاز الأخذ، ومنهم من منع؛ لئلا يؤخذ على الواجب أجرًا.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٢٦٥١) «شرح مسلم» (١٧١٩) «المغني» (١٤/ ٢١٠) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٦٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ١٢٤) «البيان» (١٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩) «المغني» (١٤/ ١٣٧).","vol":"10","page":377},{"text":"• ومذهب الشافعية أنها إن تعينت؛ لم يجز له الأخذ، وإن لم تتعين فوجهان: منهم من أجاز، ومنهم من منع.\nوالذي يظهر أنه لا يجوز له الاشتراط، وإن أعطي عن غير شرط؛ فله أخذه، والترك أحوط وأفضل، ولكن إن كان عليه في الشهادة بعض الأتعاب، ويتعطل عن بعض عمله؛ فيرجى أن لا بأس عليه باشتراط شيء مقابل تعبه، وتعطيله عن عمله، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ١٣٧) «البيان» (١٣/ ٢٦٩).","vol":"10","page":378},{"text":"١٤٠٠ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ، خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ (^١) عَلَى أَخِيهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ القَانِعِ (^٢) لِأَهْلِ البَيْتِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد. (^٣)\n\n١٤٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ». رَوَاهُ أَبُودَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. (^٤)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5892>مسألة [١]: شروط الشاهد</span>.\nيُشترط في الشاهد أن يكون مسلمًا، عاقلًا، بالغًا، عدلًا، متيقظًا، حافظًا لما يشهد به؛ فخرج بذلك الكافر، والمجنون، والصبي، والفاسق، والمغفل.\nواختلف الفقهاء هل تقبل شهادة الفاسق بشبهة، وهم المبتدعة؟\n• فمن أهل العلم من ردَّ شهادتهم ولم يقبلها، وهو قول مالك، وشريك، وإسحاق، وأحمد، وأبي عبيد، وأبي ثور؛ لأنه يعتبر فاسقًا، وليس بعدل.\n_________\n(^١) الغِمْر: الحقد والضغن.\n(^٢) القانع: هوالخادم والتابع ترد شهادته للتهمة بجلب النفع إلى نفسه. والقانع في الأصل السائل.\n(^٣) حسن. أخرجه أحمد (٢/ ٢٠٤)، وأبوداود (٣٦٠٠)، من طريق محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو به. وإسناده حسن، وقد حسنه الإمام الألباني في «الإرواء» (٢٦٦٩).\n(^٤) أخرجه أبوداود (٣٦٠٢)، وابن ماجه (٢٣٦٧)، وأخرجه أيضًا ابن الجارود (١٠٠٩)، والحاكم (٤/ ٩٩)، وظاهر إسناده الصحة، وسكت عنه الحاكم، وقال الذهبي في «التلخيص»: لم يصححه، وهو حديث منكر على نظافة سنده. وصححه الألباني في «الإرواء» (٢٦٧٤).","vol":"10","page":379},{"text":"• وذهب بعضهم إلى قبول شهادتهم؛ مالم يُعرف منهم الكذب، وهو قول ابن أبي ليلى، والشافعي، والثوري، والحنفية، وسَوَّار، وغيرهم؛ وذلك لأنهم يتدينون بذلك، ويعتقدون أنه الحق، ولم يرتكبوا ذلك عالمين بتحريمه، بخلاف فسق الأفعال، ولأنَّ هذا الفسق لا يدل على كذبهم. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: أجاز أحمد، ومالك شهادة الأطفال بعضهم على بعض في الجروح إذا شهدوا قبل تفرقهم، وقال به ابن الزبير (^٢)، والنخعي.\n• وخالف في ذلك ابن عباس، وشريح، وعطاء، والحسن، وطاوس، والأوزاعي، والحنفية؛ لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، والصحيح القول الأول مع الأخذ بالقرائن والحيطة، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5893>مسألة [٢]: شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم</span>؟\n• أجاز ذلك جمعٌ من أهل العلم، صحَّ ذلك عن ابن عباس (^٤)، وأبي موسى (^٥)، وهو قول شريح، والنخعي، والأوزاعي، وأحمد، وغيرهم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ١٤٥ - ١٤٩) «البيان» (١٣/ ٢٧٤ -).\n(^٢) أخرجه عبدالرزاق (٨/ ٣٤٨) بإسناد صحيح.\n(^٣) انظر: «المغني» (١٤/ ١٤٦) «البيان» (١٣/ ٢٧٥) «عبدالرزاق» (٨/ ٤٣٨ -) «ابن أبي شيبة» (٦/ ٢٨٠ -).\n(^٤) انظر: «البخاري» (٢٧٨٠)، و«تفسير الطبري» [آية:١٠٦] من سورة المائدة.\n(^٥) أخرجه أبو داود (٣٦٠٥) بإسناد صحيح.","vol":"10","page":380},{"text":"واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ الآية [المائدة:١٠٦]، قالوا: ويُستحلَفان بعد العصر ما خانا، ولا كتما، ولا اشتريا به ثمنًا قليلًا.\n• وذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة إلى أنَّ شهادتهم لا تقبل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢]، وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وادَّعَوا نسخ الآية السابقة، ومنهم من قال: ﴿مِنْكُمْ﴾، أي: من عشيرتكم ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]، أي: من غير عشيرتكم.\nوالصحيح القول الأول، وادِّعاءُ النسخ غير مقبول، والتأويل المذكور مستبعد، والله أعلم، وانظر كتابي «فتح المنان فيما صح من منسوخ القرآن». (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5894>مسألة [٣]: هل تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض</span>؟\n• ذهب الجمهور إلى عدم قبول شهادتهم على بعضهم، وهو قول الحسن، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٤/ ١٧٠ -).","vol":"10","page":381},{"text":"• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ شهادة الكفار تُقبل على بعضهم، وإن اختلفوا في الملة، وهذا قول حماد، وسَوَّار، والثوري، والبتي، وأصحاب الرأي.\n• وذهب بعضهم إلى إجازة الشهادة على أهل ملته، وهو قول قتادة، والحكم، وأبي عبيد، وإسحاق.\nواستُدِلَّ للفريقين بحديث جابر -﵁- عند ابن ماجه (٢٣٧٤)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، وهو حديث ضعيف، في إسناده: مجالد بن سعيد الهمداني، وهو ضعيفٌ، وكما تثبت ولاية بعضهم على بعض؛ فتثبت الشهادة.\nوأُجيب بأنَّ الولاية متعلقها القرابة والشفقة، وقرابتهم ثابتة، وشفقتهم كشفقة المسلمين، وجازت لموضع الحاجة.\nوالصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5895>مسألة [٤]: شهادة العبد</span>.\n• أما في الحدود فالجمهور على عدم قبول شهادته، والصحيح قبولها، وقد تقدمت المسألة في كتاب الحدود.\nوأما في غير الحدود ففيه خلاف.\n• فذهب جمعٌ من العلماء إلى قبول شهادته، وهو قول عروة، وشُريح، وإياس،\n_________\n(^١) «المغني» (١٤/ ١٧٣ -).","vol":"10","page":382},{"text":"وابن سيرين، وأحمد، والبتي، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر؛ لأنه تشمله عمومات الأدلة المتقدمة.\n• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى عدم قبول شهادته، وهو قول عطاء، ومجاهد، والحسن، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي؛ لأنه غير ذي مروءة، ولأنَّ الشهادة مبنية على الكمال؛ فلا يدخل فيها العبد.\nوالصحيح هو القول الأول، وما ذكروه منازع فيه، ولا يصلح لتخصيص الأدلة. (^١)\nتنبيه: كذلك الأمة تُقبل شهادتها فيما يقبل فيه شهادة الحرة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5896>مسألة [٥]: شهادة البدوي على صاحب القرية</span>.\n• ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنَّ شهادة البدوي لا تُقبل على صاحب القرية، وهو قول بعض الحنابلة، وأبي عبيد، ومالك في الجِراح.\nواستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة الذي في الباب: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ».\n• وذهب الأكثر إلى صحة الشهادة وقبولها من البدوي على صاحب القرية، وهو قول ابن سيرين، وأحمد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وقال\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ١٨٧).","vol":"10","page":383},{"text":"بذلك مالك في غير الجراح؛ لأنَّ البدوي يدخل في عموم الأدلة المتقدمة، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ١٤٩ - ١٥٠): وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ، وَنَخُصُّهُ بِهَذَا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ الْحَاكِمُ، فَيَعْرِفُ عَدَالَتَهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5897>مسألة [٦]: شهادة الخصم فيما يخاصم فيه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ١٧٤): كُلُّ مَنْ خَاصَمَ فِي حَقٍّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهِ، كَالْوَكِيلِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ، وَلَا الْوَصِيِّ فِيمَا هُوَ وَصِيٌّ فِيهِ، وَلَا الشَّرِيكِ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، وَلَا الْمُضَارِبِ بِمَالٍ أَوْ حَقٍّ لِلْمُضَارَبَةِ، وَلَوْ غَصَبَ الْوَدِيعَةَ مِنْ الْمُودَعِ، وَطَالَبَ بِهَا؛ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِيهِ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بِهِ، كَالْمَالِكِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5898>مسألة [٧]: شهادة الرجل على آخر بينهما عداوة</span>؟\n• ذهب أكثر العلماء إلى عدم قبول شهادته عليه، وقال بذلك ربيعة، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومقصودهم في ذلك العداوة الدنيوية، مثل أن يشهد المقذوف على القاذف، والمقطوع عليه الطريق على القاطع، والمقتول وليه على القاتل، وما أشبه ذلك. وأما العداوة في الدين فلا تمنع الشهادة، كالمسلم يشهد على الكافر، والسُّنِّي على المبتدع.\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٤/ ١٧٧ - ١٧٨).","vol":"10","page":384},{"text":"واستدلوا على منع الشهادة بالعداوة بحديث عبدالله بن عمرو الذي في الباب: «وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ».\n• وذهب أبو حنيفة إلى صحة شهادته، ولا تمنع العداوة الشهادة؛ لأنَّ العداوة لا تخل بالعدالة، فلا تمنع الشهادة كالصَّداقة.\nوأُجيب عنه بالفرق؛ فإنَّ شهادة الصديق لصديقه بالزور نفع غيره بمضرة نفسه، وبيع آخرته بدنياه، وشهادة العدو على عدوه يقصد بها نفع نفسه بالتشفي من عدوه، فافترقا. (^١)\nتنبيه: كثير الغلط والغفلة لا تقبل شهادته؛ لاحتمال أن يكون من غلطاته، ولا يمنع من الشهادة وجود غلط نادر، أو غفلة نادرة؛ لأنَّ أحدًا لا يسلم من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5899>مسألة [٨]: هل تجوز شهادة الأعمى</span>؟\n• ذهب أبو حنيفة، والشافعي إلى أنَّ ذلك مانع من الشهادة؛ لأنَّ الأصوات تشتبه، وهو قول النخعي، وأبي هاشم.\n• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى صحة شهادته إذا تيقن الصوت، وهو قول ابن سيرين، وعطاء، والشعبي، والزهري، ومالك، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وهو الصحيح؛ لأنه تشمله عموم الأدلة، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ١٧٤ - ١٧٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ١٧٨).","vol":"10","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5900>مسألة [٩]: هل تجوز شهادة الأخرس</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جوازها، وهو قول أحمد، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الشهادة يُعتبر فيها اليقين، ولا يحصل اليقين بالإشارة.\n• وذهب مالك، والشافعي، وابن المنذر إلى صحة شهادته إذا فهمت منه بالإشارة، أو الكتابة، وهذا هو الصحيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5901>مسألة [١٠]: شهادة الوالد لولده، والعكس</span>؟\n• ذهب الجمهور من أهل العلم إلى عدم قبول شهادة الوالد للولد، وإن سفل، والعكس من الذكور والإناث، وهو قول شُريح، والحسن، والشعبي، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي.\nواستدلوا على ذلك بحديث عائشة -﵂- عند الترمذي (٢٢٩٨) بنحو حديث عبدالله بن عمرو الذي في الباب، وفيه زيادة: «ولا ظنين في قرابة، ولا ولاء»، أي: متهم لقرابة، أو ولاء، والأب يُتَّهم بولده، والعكس؛ ولأنَّ مال الولد كماله؛ لحديث: «أنت ومالك لأبيك»؛ ولأنَّ الولد بضعة من أبيه، فهو كما لو يشهد لنفسه.\n• وعن أحمد رواية بقبول شهادة الولد لوالده دون العكس؛ لما تقدم.\n• وعنه رواية ثالثة بقبول شهادة كل واحدٍ منهما لصاحبه فيما لا تهمة فيه،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ١٨٠ -).","vol":"10","page":386},{"text":"كالنكاح، والطلاق، والقصاص، والمال إذا كان مستغنًى عنه.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى قبول شهادة كل واحد منهما للآخر؛ لعموم الأدلة، رُوي عن شُريح، وهو قول عمر بن عبدالعزيز، وأبي ثور، والمزني، وداود، وإسحاق، وابن المنذر.\nورجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- أنَّ الأب إذا عُلِم منه بروز العدالة بحيث لا يتهم بشهادته لولده؛ فتُقبل شهادته له.\nقال -﵀-: وتنظر إلى كل قضية بعينها، لاسيما إذا وجدت قرائن تؤيد ما شهدوا به. اهـ\nوهذا هو اختيار ابن القيم -﵀- كما في «أعلام الموقعين» (١/ ١١١، ١٢٩ -)، وهو الصحيح، وأما حديثُ عائشة المتقدم ففيه: يزيد بن أبي زياد الدمشقي، وهو شديد الضعف. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5902>مسألة [١١]: شهادة أحد الوالدين على ولده، والعكس</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ١٨٢): فَأَمَّا شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ فَتُقْبَلُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ فِي «الْجَامِعِ» فِيهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥].اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ١٨١ -) «الشرح الممتع» (٦/ ٦٢٨ -) «ابن أبي شيبة» (٧/ ٢٠٤ -).","vol":"10","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5903>مسألة [١٢]: شهادة السيد لعبده، والعكس</span>؟\nلا تُقبل شهادة السيد لعبده؛ لأنَّ مال العبد للسيد، فشهادته له شهادة لنفسه.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ١٨٣): وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.\nثم قال -﵀-: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ أَيْضًا بِنِكَاحٍ، وَلَا لِأَمَتِهِ بِطَلَاقٍ؛ لِأَنَّ فِي طَلَاقِ أَمَتِهِ تَخْلِيصَهَا لَهُ، وَإِبَاحَةَ بِضْعِهَا لَهُ، وَفِي نِكَاحِ الْعَبْدِ نَفْعًا لَهُ، وَنَفْعُ مَالِ الْإِنْسَانِ نَفْعٌ لَهُ. وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَسَّطُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهُ مِنْهُ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَالِابْنِ مَعَ أَبِيهِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5904>مسألة [١٣]: شهادة أحد الزوجين لصاحبه</span>؟\n• ذهب جمع من أهل العلم إلى عدم جواز هذه الشهادة، وعدم قبولها؛ لأنه موضع تهمة كما تقدم في الوالد وولده، وهذا قول الشعبي، والنخعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.\n• وذهب جماعةٌ إلى صحة هذه الشهادة، وهو قول شريح، والحسن، والشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية؛ لأنه عقد على منفعة؛ فلا يمنع قبول الشهادة كالإجارة.\n• وقال ابن أبي ليلى، والثوري: تُقبل شهادة الرجل لامرأته دون العكس؛ لأنه لا تهمة في حقه.","vol":"10","page":388},{"text":"واحتج أصحاب القول الأول بأنَّ كل واحد منهما يرث الآخر من غير حجب، ويتبسط في مال صاحبه عادة؛ ولأنَّ كل واحد منهما ينتفع بزيادة مال صاحبه. ورجَّح الإمام ابن عثيمين -﵀- نفس ما رجحه في الوالد، والولد، وهو اختيار ابن القيم -﵀-، وهو الصحيح كما تقدم في المسألة المذكورة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5905>مسألة [١٤]: شهادة الأخ لأخيه</span>؟\n• عامة أهل العلم على قبول شهادة الأخ لأخيه، وهو قول شريح، وعمر بن عبدالعزيز، والشعبي، والنخعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأبي عبيد، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.\n• ونُقل عن الثوري أنه لا تقبل شهادة كل ذي رحم محرم.\n• وعن مالك: لا تُقبل شهادته لأخيه إذا كان منقطعًا إليه في صلته، وبرِّه؛ لأنه متهم في حقه.\nواستدل الجمهور بعموم الآيات. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5906>مسألة [١٥]: شهادة من يجر لنفسه نفعًا</span>؟\nذكر أهل العلم أنها لا تقبل شهادته؛ لحديث الباب: «...، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ القَانِعِ لِأَهْلِ البَيْتِ». (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ١٨٣ - ١٨٤) «الشرح الممتع» (٦/ ٦٢٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ١٨٤) «ابن أبي شيبة» (٦/ ٥٠٢).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٤/ ١٧٦، ٢٦٩) «الشرح الممتع» (٦/ ٦٣٠).","vol":"10","page":389},{"text":"١٤٠٢ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5907>مسألة [١]: ضابط العدل</span>.\n• جمهور العلماء على أنَّ العدل من لا يرتكب الكبيرة، ولا يصر على الصغيرة، فمن عُلِمَ منه ذلك؛ فهو عدل، وهذا هو معنى قول عمر -﵁-: وإنما نأخذكم بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيءٌ، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا؛ لم نأمنه، ولم نصدقه، وإن قال: إنَّ سريرته حسنة.\nومن شهد للإنسان بالعدالة فيقبل منه إن كان مجالسًا له، فقد ثبت عند البيهقي (١٠/ ١٢٥)، وغيره أنَّ عمر بن الخطاب -﵁- شهد عنده رجلٌ، فقال عمر -﵁-: لست أعرفك، ولا يضرك أن لا أعرفك، ائت بمن يعرفك، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه. قال: بأي شيء تعرفه؟ قال: بالعدالة، والفضل. فقال: هو جارك الأدنى تعرف ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: لست تعرفه. ثم قال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٦٤١). وفيه زيادة: (فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة).","vol":"10","page":390},{"text":"للرجل: ائت بمن يعرفك. اهـ\nوقد صححه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٨/ ٢٦٠) (٢٦٣٧).\nوحديث عمر يدل على أنه ليس الأصل في المسلمين العدالة كما يقوله البعض، بل الأصل فيهم ستر الحال، حتى تتبين عدالتهم، أو فسقهم، فإذا عُلم الرجل بالخير والفضل؛ فالأصل فيه ذلك حتى يظهر منه خلاف ذلك، وإذا عُلم الرجل بالشر والفسق؛ فالأصل فيه ذلك حتى يظهر خلافه، والله أعلم.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٣٥٧): وأما قول من يقول: (الأصل في المسلمين العدالة)؛ فهو باطل، بل الأصل في بني آدم الجهل، والظلم، كما قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، ومجرد التكلم بالشهادتين لا يوجب انتقال الإنسان عن الظلم، والجهل، إلى العدل. اهـ\nقلتُ: ليس مراده -﵀- أن يحكم على المسلم بأنه ظالم حتى يظهر خلاف ذلك، وإنما مراده الرد على المقالة المذكورة، وأنه يحتاج إلى ثبوت العدالة بغير كونه مسلمًا فحسب.\nوقد قرر ذلك أيضًا الإمام ابن القيم -﵀- كما في «أعلام الموقعين» (١/ ١٢٩). (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «المغني» (١٤/ ١٥٠ -).","vol":"10","page":391},{"text":"١٤٠٣ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ عَدَّ شَهَادَةَ الزُّورِ فِي أَكْبَرِ الكَبَائِرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5908>مسألة [١]: حكم شهادة الزور</span>.\nذكر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ شهادة الزور من كبائر الذنوب، قال الطبري: وأصل الزور تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل لمن سمعه أنه بخلاف ما هو به.\nوالمقصود به ههنا أنْ يشهد الشاهد بخلاف الحق، وهو يعلم ذلك، وقد قرن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- شهادة الزور بالإشراك؛ لعِظَمِ فسادها.\nوذكر جمهور العلماء أنه يعزر، ويشهر، ومتى تاب، وظهر صدقه وعدالته؛ قُبلت شهادته عند الجمهور خلافًا لمالك. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٥٤)، ومسلم (٨٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٢٦١، ٢٦٤).","vol":"10","page":392},{"text":"١٤٠٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِرَجُلٍ: «تَرَى الشَّمْسَ؟» قَالَ نَعَمْ، قَالَ: «عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ فَأَخْطَأَ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5909>مسألة [١]: الشهادة تكون بعلم لا بظن</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ الشهادة لا تجوز لشخص إلا بما علمه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].\nواستدلوا بحديث ابن عباس -﵄-: «عَلَى مِثْلِهَا، فَاشْهَدْ»، وهو ضعيف كما بَيَّنَّا.\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه ابن عدي (٦/ ٢٢١٣)، والحاكم (٤/ ٩٨ - ٩٩)، وقد تصرف الحافظ في اللفظ أو ذكره بالمعنى.\nوفي إسناده عندهما: عمرو بن مالك الراسبي البصري، قال ابن عدي: كان يسرق الحديث وتركه أبوزرعة، يرويه عن محمد بن سليمان بن مشمول المشمولي وهو ضعيف، ويرويه هذا عن عبيدالله بن سلمة بن وهرام، وعبيدالله لا يعرف، قاله ابن المديني.\nوقد تابع عمرَو بن مالك سليمانُ بن داود الشاذكوني وهو كذاب. فالحديث ضعيف جدًّا، ورواية سليمان بن داود عند ابن عدي أيضًا.","vol":"10","page":393},{"text":"قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ١٣٨): وَمَدْرَكُ الْعِلْمِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ الشَّهَادَةُ اثْنَانِ: الرُّؤْيَةُ، وَالسَّمَاعُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5910>مسألة [٢]: هل يشترط أن يعرف الشاهد عين المشهود عليه، واسمه، ونسبه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ١٣٩): إذَا عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ، وَعَيْنِهِ، وَنَسَبِهِ؛ جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ، حَاضِرًا كَانَ أَوْ غَائِبًا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ مَعَ غَيْبَتِهِ، وَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ حَاضِرًا بِمَعْرِفَةِ عَيْنِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5911>مسألة [٣]: الشهادة على الأمور المستفيضة المشتهرة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ١٤١): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّةِ الشَّهَادَةِ بِهَا فِي النَّسَبِ وَالْوِلَادَةِ، قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَمَّا النَّسَبُ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنَعَ مِنْهُ، وَلَوْ مُنِعَ ذَلِكَ لَاسْتَحَالَتْ مَعْرِفَةُ الشَّهَادَةُ بِهِ؛ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ قَطْعًا بِغَيْرِهِ، وَلَا تُمْكِنُ المُشَاهَدَةُ فِيهِ، وَلَوْ اُعْتُبِرْت المُشَاهَدَةُ؛ لَمَا عَرَفَ أَحَدٌ أَبَاهُ، وَلَا أُمَّهُ، وَلَا أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ. اهـ\n• ثم نقل عن الحنابلة أنهم يجوزون الشهادة بالاستفاضة في النكاح، والملك المطلق، والوقف، ومصرفه، والموت، والعتق، والولاء، والولاية، والعزل، وهو قول بعض الشافعية.","vol":"10","page":394},{"text":"• وقال بعض الشافعية: لا تجوز في الوقف، والولاء، والعتق، والزوجية؛ لأنَّ الشهادة ممكنة فيها بالقطع.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح»: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة تَجُوزُ فِي اَلنَّسَبِ، وَالْمَوْتِ، وَالنِّكَاحِ، وَالدُّخُولِ، وَكَوْنِهِ قَاضِيًا. زَادَ أَبُو يُوسُف: وَالْوَلَاء. زَادَ مُحَمَّد: وَالْوَقْف. اهـ\nوقال مالك: السماع في الأحباس، والولاء جائز. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ١٤١ - ١٤٢) «الفتح» (٢٦٤٤).","vol":"10","page":395},{"text":"١٤٠٥ - وَعَنْهُ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ. (^١)\n\n١٤٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- مِثْلُهُ. أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5912>مسألة [١]: عدد الشهود الذي يقضى به</span>؟\nتقدم في باب الحدود أنَّ الزنى يُشترط فيه أربعة شهود، وهذا مُجمع عليه، وألحق به الفقهاء الشهادة على اللواط.\nوهناك أقسام أخرى غير ذلك:\nالقسم الأول: الحدود الأخرى والقصاص.\n• فذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين، إلا ما رُوي عن عطاء، وحماد أنهما قالا: يُقبل فيه رجل وامرأتان؛ قياسًا على الشهادة في الأموال. وهو قول ابن حزم.\n• وعن الحسن: الشهادة على القتل كالشهادة على الزنى؛ لأنها تُبيح الدم.\nواستدل الجمهور على قولهم بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٧١٢). وأبوداود (٣٦٠٨)، والنسائي في «الكبرى» (٦٠١١).\n(^٢) حسن. أخرجه أبوداود (٣٦١٠)، والترمذي (١٣٤٣)، وابن حبان (٥٠٧٣) من طريق الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة به، وإسناده حسن.","vol":"10","page":396},{"text":"[الطلاق:٢]، وقوله ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦]، فإذا كان هذا في حق الرجعة والوصية؛ ففي الحدود من باب أولى؛ لأنها تُدرأ بالشبهات، وفي شهادة النساء شبهة؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]، وهو قول سعيد بن المسيب، والنخعي، والزهري، وحماد، وربيعة، وأصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم.\nالقسم الثاني: ما ليس بعقوبة، ولا يُقصد به المال.\nكالنكاح، والرجعة، والطلاق، والعتاق، والتوكيل، والوصية، وما أشبه ذلك.\n• فذهب الجمهور إلى أنه لا يقبل فيها إلا شهادة رجلين، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وقال بذلك النخعي، والزهري، وغيرهما.\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] في الطلاق والرجعة، وقوله تعالى في الوصية ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦].\n• وذهب بعضهم إلى أنه يقبل فيه شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، رُوي ذلك عن جابر بن زيد، وإياس بن معاوية، وهو قول الشعبي، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية، وابن حزم.\nواحتجوا بأنه لا يسقط بالشبهة، فيثبت برجل وامرأتين كالمال؛ ولأنَّ شهادة المرأتين تعدل شهادة رجل كما في السنة، واختاره شيخ الإسلام، والشوكاني،","vol":"10","page":397},{"text":"وابن عثيمين. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5913>مسألة [٢]: هل يُقبل في هذين القسمين شاهد ويمين</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ١٢٨): وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، فَلِئَلَّا يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَيَمِينٍ أَوْلَى. قَالَ أَحْمَدُ، وَمَالِكٌ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ: إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً، لَا يَقَعُ فِي حَدٍّ، وَلَا نِكَاحٍ، وَلَا طَلَاقٍ، وَلَا عَتَاقَةٍ، وَلَا سَرِقَةٍ، وَلَا قَتْلٍ.\nثم نقل عن أحمد رواية بجواز ذلك في العتق.\nقال: فَيَخْرُجَ مِثْلُ هَذَا فِي الْكِتَابَةِ، وَالْوَلَاءِ، وَالْوَصِيَّةِ، والْوَدِيعَةِ، وَالْوَكَالَةِ، فَيَكُونَ فِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ، مَا خَلَا الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةَ، وَالنِّكَاحَ، وَحُقُوقَهُ؛ فَإِنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، قَوْلًا وَاحِدًا. قَالَ الْقَاضِي- هو أبو يعلى الحنبلي-: الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. اهـ، وهو قول ابن حزم. (^٢)\nالقسم الثالث: ما يُقصد به المال.\nكالقرض، والديون، والبيع، والإجارة، والهبة، والصلح، والمضاربة، والشركة، والجناية الموجبة للمال، وما أشبه ذلك.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ١٢٦ - ١٢٨) «المحلى» (١٧٩٠) «الشرح الممتع» (٦/ ٦٤٣ - ٦٤٤) «السيل» (ص ٧٧٠).\n(^٢) انظر: «المحلى» (١٧٩٠).","vol":"10","page":398},{"text":"ولا خلاف بين أهل العلم في أنَّ المال يثبت بشهادة النساء مع الرجال؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] إلى قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢].\n• وخالف بعض الحنابلة في الجناية على البدن الموجبة للمال، فقالوا: لا تثبت إلا بشهادة رجلين.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ مُوجَبَهَا الْمَالُ، فَأَشْبَهَتْ الْبَيْعَ، وَفَارَقَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ. وَالْمَالُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5914>مسألة [٣]: وهل يقبل في هذا القسم الشاهد، ويمين المدعي</span>؟\n• ذهب أكثر أهل العلم إلى قبول ذلك، ورُوي ذلك عن الخلفاء الأربعة (^١)،\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الدارقطني (٤/ ٢١٥)، من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله ن، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، كانوا يقضون بشهادة الشاهد الواحد ويمين المدعي.\nوإسناده منقطع؛ فرواية محمد وهو ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن جد أبيه علي ابن أبي طالب مرسلة.\nوقد ذكره الدارقطني من طريق أخرى عنهم، وفي إسناده: أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة القرشي، رماه أحمد وابن عدي بالوضع.\nوأما أثر علي -﵁-: فأخرجه الترمذي (١٣٤٥)، والدارقطني (٤/ ٢١٢)، والبيهقي في «الكبرى» (١٠/ ١٦٩)، من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب. وهو منقطع كالذي قبله.","vol":"10","page":399},{"text":"وهو قول الفقهاء السبعة، وهو قولُ جمعٍ من التابعين، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد.\n• وذهب الشعبي، والنخعي، وأصحاب الرأي، والأوزاعي إلى أنه لا يُقضى بيمين وشاهد. واستدلوا بالآية المتقدمة، وليس فيها ذكر اليمين، والشاهد، وفي الحديث: «واليمين على المدَّعَى عليه».\nوردَّ عليهم الجمهور بحديث ابن عباس، وأبي هريرة -﵄- اللذين في الباب، وقد رام الحنفية وغيرهم تضعيف الحديثين بدون حجة، فالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\nفائدة: قال ابن قدامة -﵀- (١٤/ ١٣٢): قَالَ أَحْمَدُ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ؛ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ؛ اسْتُحْلِفَ الْمَطْلُوبُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ: فَإِنْ أَبَى الْمَطْلُوبُ أَنْ يَحْلِفَ؛ ثَبَتَ الْحَقُّ عَلَيْهِ. اهـ\nوهذا المشهور عن أحمد، وهو قول أبي حنيفة. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5915>مسألة [٤]: هل تقبل شهادة امرأتين مع يمين المدعي</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي عدم قبول ذلك؛ لأنَّ الله عزوجل أجاز شهادة المرأتين مع رجل، وأجاز اليمين مع رجل؛ فدلَّ على اعتبار الرجل في ذلك.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ١٢٩ - ١٣١) «المحلى» (١٧٩٠).\n(^٢) انظر: «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢٣٤).","vol":"10","page":400},{"text":"• وذهب مالك إلى جواز ذلك؛ لأنهما في الأموال أُقِيمتا مقام رجل، فيحلف معهما كما يحلف مع الرجل، وهو قول ابن حزم.\nوأُجيب بأنهما لو أُقيمتا مقامه من كل وجه؛ لكفى أربع نسوة مقام رجلين، ولَقُبِل في غير الأموال شهادة رجل وامرأتين، ورجَّح قول مالك شيخ الإسلام، وابن عثيمين. وهو الصحيح، والله أعلم. (^١)\nالقسم الرابع: ما لا يطلع عليه الرجال غالبًا.\nمثل الولادة، والحيض، والبكارة، والثيوبة، والعدة، والرضاع.\nقال ابن قدامة -﵀- (١٤/ ١٣٤ -): لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي قَبُولِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ فِي الْجُمْلَةِ. قَالَ الْقَاضِي: وَاَلَّذِي تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: الْوِلَادَةُ، وَالِاسْتِهْلَالُ، وَالرَّضَاعُ، وَالْعُيُوبُ تَحْتَ الثِّيَابِ كَالرَّتَقِ، وَالْقَرْنِ، وَالْبَكَارَةِ، وَالثِّيَابَةِ، وَالْبَرَصِ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. اهـ\nوهذا قول الجمهور، وخالف أبو حنيفة في الرضاع، والاستهلال عقب الولادة، فيطلع عليه الرجال.\nواستدل الجمهور عليه بحديث عقبة بن الحارث: «كيف وقد قيل» عند أن شهدت امرأةٌ بالرضاع.\nوقالوا: الاستهلال يكون في حالة الولادة، فيتعذر حضور الرجال؛ فأشبه الولادة نفسها؛ ولذلك فقد خالفه صاحباه في ذلك. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ١٣٢) «المحلى» (١٧٩٠) «الشرح الممتع» (٦/ ٦٤٤).\n(^٢) «المغني» (١٤/ ١٣٥ -).","vol":"10","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5916>مسألة [٥]: ما لا يطلع عليه الرجال، كم عدد يُشترط فيه من النساء</span>؟\n• من أهل العلم من أجاز في ذلك شهادة امرأة عدل، وهو مذهب أحمد، وقال به طاوس في الرضاع.\nواستدل هؤلاء بحديث عقبة بن الحارث عند أن شهدت امرأة أنها أرضعت عقبة والتي تزوج بها، فأمره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بفراقها، وقال: «كيف وقد قيل» أخرجه البخاري، واختاره ابن عثيمين، والشوكاني؛ لأنه خبر.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى اشتراط شهادة امرأتين، وهو قول الحكم، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والثوري، ومالك، وأحمد في رواية؛ لأنَّ الرجال في الشهادة يُشترط أن يكونوا اثنين، وهم أكمل منهن عقلًا، فالنساء من باب أولى.\n• وقال عثمان البتي: يكفي ثلاث.\n• وقال أبو حنيفة: تكفي في ولادة الزوجات واحدة دون ولادة المطلقة.\n• وقال عطاء، والشعبي، وقتادة، والشافعي، وأبو ثور: لا يقبل فيه إلا أربع؛ لأنَّ شهادة المرأتين بشهادة رجل. وهو قول ابن حزم؛ إلا في الرضاع، فأجازه بشهادة واحدة.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الصحيح القول الأول فيما كان خبرًا محضًا، وأما ما كان متعلقًا بحقوق شرعية.","vol":"10","page":402},{"text":"فالأقرب فيه قول الإمام الشافعي -﵀-، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: أجاز بعض أهل العلم شهادة النساء مفردات فيما يطلع عليه الرجال في غير الحدود، ويُشترط فيها ضِعفُ ما يشترط من الرجال، واختار ذلك شيخ الإسلام، وابن عثيمين، بل أجاز ابن حزم، والشوكاني ذلك في الحدود أيضًا. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ١٣٥ - ١٣٦) «المحلى» (١٧٩٠) «الشرح الممتع» (٦/ ٦٤٥ -) «السيل» (ص ٧٧٠).\n(^٢) انظر: «المحلى» (١٧٩٠) «السيل» (ص ٧٧٠) «الشرح الممتع» (٦/ ٦٤٤، ٦٤٥).","vol":"10","page":403},{"text":"فَصْل فِي ذِكْرِ مَسَائِلَ أُخْرَى مُتَعَلّقَة بِالْبَاب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5917>مسألة [١]: هل تُقبل شهادة القاذف إذا تاب</span>؟\n• إذا تاب القاذف؛ زال عنه الفسق بلا خلاف، وتُقبل شهادته عند جمهور العلماء، وعامتهم.\n• وخالف أبو حنيفة، فقال: تسقط شهادته عقب الجلد، ولا تُقبل شهادته وإن تاب.\nواحتج عليه الجمهور بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٥]، فمفهوم الآية أنَّ من تاب فليس بفاسق، وتُقبل شهادته.\nوقال أبو حنيفة: الاستثناء يعود إلى الفسق فقط.\nوأُجيب بالمنع، ومع التسليم؛ فإنِ ارتفع فسقه؛ قُبلت شهادته. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5918>مسألة [٢]: هل ترد رواية القاذف</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ١٨٩): وَالْقَاذِفُ فِي الشَّتْمِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَرِوَايَتُهُ حَتَّى يَتُوبَ، وَالشَّاهِدُ بِالزِّنَى إذَا لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ؛ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ دُونَ شَهَادَتِهِ، وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُرَدُّ. وَلَنَا أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَةَ أَبِي بَكْرَةَ، وَقَالَ لَهُ: تُبْ، أَقْبَلْ شَهَادَتَك. (^٢) وَرِوَايَتُهُ مَقْبُولَةٌ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي قَبُولِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ١٨٩ - ١٩٠).\n(^٢) أخرجه البيهقي (١٠/ ١٥٢) بإسناد صحيح.","vol":"10","page":404},{"text":"رِوَايَة أَبِي بَكْرَةَ، مَعَ رَدِّ عُمَرَ شَهَادَتَهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5919>مسألة [٣]: هل يشترط في توبة القاذف أن يكذب نفسه</span>؟\n• مذهب الجمهور أنَّ توبة القاذف بإكذاب نفسه؛ لأنَّ عرض المقذوف تلوَّث بقذفه، فإكذاب نفسه يزيل ذلك التلويث.\n• وذكر بعض الحنابلة، والشافعية أنَّ القذف إن كان سبًّا؛ فيكذب نفسه، وإن كانت شهادة؛ لم تكمل فالتوبة منه أن يقول: القذف حرام، ولن أعود إلى ما قلت.\nواستدل الجمهور بأنَّ الله تعالى سمَّى القاذف كاذبًا إذا لم يأت بأربعة شهداء على الإطلاق، فتكذيب الذي يظن نفسه صادقًا يرجع إلى أنه كاذب في حكم الله، وإن كان في نفس الأمر صادقًا، قال تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣].\nقلتُ: يكفي أن يقر بذنبه، وهو يتضمن تكذيب نفسه في حكم الله، وأبو بكرة -﵁-، لمَّا شهد بالزنى في عهد عمر -﵁- على بعض الناس، ولم تكمل الشهادة، فإنه أبى أن يكذب نفسه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5920>مسألة [٤]: من شهد شهادة في حال فسقه، فردت، ثم شهد بها، وقد تاب، وصار عدلًا</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، وأصحاب الرأي أنها لا تقبل منه؛ لأنه متهم في أدائها؛ لأنه يُعَيَّر بِرَدِّها، ولحقته غضاضة؛ لكونها رُدَّت بسبب نقص يتعير به.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ١٩١ - ١٩٢).","vol":"10","page":405},{"text":"• وذهب أبو ثور، والمزني، وداود الظاهري إلى أنها تُقبل، قال ابن المنذر: والنظر يدل على هذا؛ لأنها شاهد عدل، فتقبل كما لو شهد وهو كافر، فردت شهادته، ثم شهد بها بعد إسلامه. وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5921>مسألة [٥]: فإن لم يؤد الشهادة حتى صار عدلًا</span>؟\nتُقبل شهادته. قال ابن قدامة: بغير خلاف نعلمه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5922>مسألة [٦]: لو شهد وهو عدل، فلم يحكم بشهادته حتى طرأ عليه الفسق، أو الكفر</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، وأبي يوسف عدم الحكم بتلك الشهادة؛ لأنَّ عدالة الشاهد شرط للحكم، فيعتبر دوامها إلى حين الحكم؛ ولأنَّ ظهور فسقه، وكفره يدل على تقدمه؛ لأنَّ عادة الإنسان أن يُسِرَّ الفسق، ويظهر العدالة.\n• وذهب أبو ثور، والمزني إلى الحكم بها. والقول الأول هو الصحيح. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5923>مسألة [٧]: فإن طرأ عليهما الجنون، أو الموت</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي وغيرهما أنَّ الحاكم يحكم بشهادتهما؛ لأنَّ الموت، والجنون لا يؤثر في عدالة الرجل قبل ذلك. (^٤)\n_________\n(^١) «المغني» (١٤/ ١٩٦).\n(^٢) «المغني» (١٤/ ١٩٧).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٤/ ١٩٧ - ١٩٨).\n(^٤) انظر: «المغني» (١٤/ ١٩٨).","vol":"10","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5924>مسألة [٨]: حكم الشهادة على الشهادة</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ١٩٩): الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ جَائِزَةٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَجْمَعَتْ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ عَلَى إمْضَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ. وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا؛ فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ تُقْبَلْ لَبَطَلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَقْفِ، وَمَا يَتَأَخَّرُ إثْبَاتُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثُمَّ يَمُوتُ شُهُودُهُ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى النَّاسِ، وَمَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ؛ فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ، كَشَهَادَةِ الْأَصْلِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5925>مسألة [٩]: فِيْمَ تُقبل الشهادة على الشهادة</span>؟\nأما الأموال، وما يقصد به المال فتُقبل بلا خلاف كما ذكر أبو عبيد.\nوأما في الحدود ففيه خلاف:\n• فذهب النخعي، والشعبي، وأحمد، والحنفية، والشافعي في قول إلى عدم قبولها؛ لأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، والشهادة على الشهادة فيها شبهة، وكذلك الشهادة في القصاص.\n• وذهب بعضُ أهل العلم إلى قبولها حتى في الحدود، والقصاص، وهو قول مالك، والشافعي في قولٍ، وأبي ثور، واختاره شيخ الإسلام، ثم الإمام ابن عثيمين؛ لأنَّ ذلك يثبت بشهادة الأصل، فيثبت بالشهادة على الشهادة، وهذا القول هو الراجح. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «المحلى» (١٨١٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ١٩٩) «الشرح الممتع» (٦/ ٦٥١) «المحلى» (١٨١٨).","vol":"10","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5926>مسألة [١٠]: شروط الشهادة على الشهادة</span>.\nالأول: أن تتعذر شهادة الأصل؛ لموتٍ، أو غيبة، أو حبس، أو خوف من سلطان، أو غيره.\n• وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وعن الشعبي: تُقبل في الموت.\n• وحُكي عن أبي يوسف، ومحمد جوازها مع القدرة على شهادة الأصل؛ قياسًا على الرواية، ولأنه عدل يخبر بذلك، ويشهد به؛ فوجب قبول ذلك، وهو قول ابن حزم. والصحيح قول الجمهور؛ لأنه قد يرجع عن شهادته، وقد يتبين فيها بعض الوهم. (^١)\nالثاني: أن تتحقق شروط الشهادة في الأصل، والفرع، ولا خلاف في ذلك. قاله ابن قدامة.\nالثالث: اشترط جماعةٌ من أهل العلم أن يسترعي شاهدُ الأصل الشاهدَ الآخر، فيقول له: اشهد على شهادتي أني أشهد بكذا.\n• وهذا قول الحنفية، وبعض الحنابلة.\n• والأشهر في مذهب الشافعي عدم اشتراط الاسترعاء، وهو الأشهر في مذهب أحمد، ورجحه الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٠١) «المحلى» (١٨١٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٠٣) «البيان» (١٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤) «الإنصاف» (١٢/ ٨٠).","vol":"10","page":408},{"text":"الرابع: اشترط بعض أهل العلم أنْ تكون شهادة الفرع بعدلين على شهادة الأصل.\n• وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة؛ لأنهما يشهدان على شهادة، فأشبه ما لو شهدا على إقرار شخص؛ إلا أنَّ مالكًا، وأبا حنيفة أجازا أن يشهد الشاهدان أنفسهما على شهادة الآخر من الأصل، وأما الشافعي في الأشهر فاشترط شهادة اثنين آخرين.\n• وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى قبول شهادة واحد على شهادة الأصل، وهو قول شُريح، والشعبي، والحسن، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وابن حزم، والبتي، والعنبري. قال إسحاق: لم يزل أهل العلم على هذا حتى جاء هؤلاء. وقال أحمد: لم يزل الناس على ذا، شُريح فمن دونه إلا أنَّ أبا حنيفة أنكره.\nورجَّح هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-، وهو الصحيح، والله أعلم.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَنَا أَنَّ هَذَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، وَقَدْ شَهِدَ اثْنَانِ بِمَا يُثْبِتُهُ، فَيَثْبُتُ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِنَفْسِ الْحَقِّ، وَلِأَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ بَدَلٌ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ، فَيَكْفِي فِي عَدَدِهَا مَا يَكْفِي فِي شَهَادَةِ الْأَصْلِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَلِأَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ لَا يَنْقُلَانِ عَنْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ حَقًّا عَلَيْهِمَا؛ فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ فِيهِ قَوْلُ وَاحِدٍ، كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ. اهـ (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦) «البيان» (١٣/ ٣٧١ -) «المحلى» (١٨١٨) «الشرح الممتع» (٦/ ٦٥٤).","vol":"10","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5927>مسألة [١١]: ضابط الغَيبَة التي تجيز شهادة الفرع</span>؟\n• منهم من قال: في موضع لا يمكنه الرجوع في يومه. قاله أبو يوسف، والقاضي الحنبلي، وأبو حامد الشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة:٢٨٢].\n• وقال بعضهم: مسافة القصر. وهو قول أبي حنيفة، وأبي الخطاب الحنبلي، وأبي الطيب الطبري الشافعي، وهو الأشهر في مذهب أحمد. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5928>مسألة [١٢]: هل تجوز الشهادة على من سُمِع منه الإقرار بشيء، والشاهدان مستخفيان</span>؟\nوذلك في مثل من يجحد الحق علانية، ويُقِرُّ بِه سِرًّا، فيختبئ شاهدان في موضع لا يعلم بهما ليسمعا إقراره به، ثم يشهدا به.\n• فشهادتهما مقبولة على الصحيح في مذهب أحمد، ورُوي عن شريح، وهو قول الشافعي.\n• وعن أحمد رواية أخرى: لا تسمع شهادته. وهو قول الشعبي، ورُوي عن شُريح أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢].\n• وقال مالك: إن كان المشهود عليه ضعيفًا ينخدع؛ لم يقبلا عليه، وإن لم يكن كذلك؛ قُبلت.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٠١) «البيان» (١٣/ ٣٦٨) «الإنصاف» (١٢/ ٧٧).","vol":"10","page":410},{"text":"قال ابن قدامة -﵀- «المغني» في (١٤/ ٢١١ - ٢١٢ (: وَلَنَا أَنَّهُمَا شَهِدَا بِمَا سَمِعَاهُ يَقِينًا، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، كَمَا لَوْ عَلِمَ بِهَا. اهـ\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: تقبل شهادتهما على إقراره، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5929>مسألة [١٣]: من كان له بينة لا يعلمها، أو غائبة عنه، فحلف المدَّعَى عليه، ثم تمكن من البينة</span>؟\n• جمهور العلماء على أنه يحكم له، وإن كان قد حلف المدَّعَى عليه، وهو قول شريح، والشعبي، ومالك، والثوري، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، وأبي حنيفة.\n• وحُكي عن ابن أبي ليلى، وداود أنَّ بينته لا تسمع؛ لأنَّ اليمين حجة المدَّعَى عليه؛ فلا تسمع بعدها حجة المدَّعِي.\n• وقال الجمهور: ظهور البينة الصادقة يدل على أنَّ اليمين فاجرة، والبينة هي الأصل، وإنما يمين المدَّعَى عليه عند عدمها، وقد وُجِدت.\nوالصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5930>مسألة [١٤]: اليمين التي يحلف بها</span>؟\nاليمين المشروعة في الحقوق التي يبرأ بها المطلوب هي اليمين بالله تعالى في قول عامة أهل العلم؛ إلا أنَّ بعض أهل العلم استحب أن تغلظ بالصيغة لا سيما\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٢٠).","vol":"10","page":411},{"text":"على أهل الكتاب. واستحب بعضهم تغليظها أيضًا في الزمان، والمكان، ولا يُشترط ذلك عند أهل العلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5931>مسألة [١٥]: هل يُقطع بالنفي في يمينه، أو يحلف على نفي علمه</span>؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الأيمان كلها على البَتِّ والقطع؛ إلا على نفي فعل الغير؛ فإنها على نفي العلم، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة.\n• وقال الشعبي، والنخعي: كلها على العلم. وهي رواية عن أحمد.\n• وقال ابن أبي ليلى: كلها على البت كما يحلف على فعل نفسه.\nوالصحيح القول الأول، ووجه ذلك ظاهر، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5932>مسألة [١٦]: الرجوع عن الشهادات</span>؟\nالرجوع عن الشهادة له ثلاث أحوال:\nالحال الأولى: أن يرجعوا قبل الحكم بها.\nفلا يجوز الحكم بها في قول عامة أهل العلم، إلا قولًا حُكي عن أبي ثور أنه يحكم بها، وهو شاذ؛ لأنَّ الشهادة شرط الحكم، وقد انتقضت.\nالحال الثانية: أن يرجعا بعد الحكم، وقبل الاستيفاء.\n• فإنْ كان المحكوم به عقوبة كالحد والقصاص؛ لم يجز استيفاؤه؛ لأنَّ الحدود تُدرَأُ بالشبهات، ورجوعهما من أعظم الشبهات. وإن كان المشهود به\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٢٢ - ٢٢٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٢٨).","vol":"10","page":412},{"text":"مالًا؛ استوفي ولم ينقض الحكم في قول أهل الفُتيا من علماء الأمصار إلا ما حُكي عن سعيد بن المسيب، والأوزاعي أنهما قالا: ينقض الحكم، وإن استُوفي الحق كما لو تبين أنهما كانا كافرين.\nقال ابن قدامة -﵀-: وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الْمَشْهُودِ لَهُ وَجَبَ لَهُ، فَلَا يَسْقُطُ بِقَوْلِهِمَا، كَمَا لَوْ ادَّعَيَاهُ لَأَنْفُسِهِمَا، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ حَقَّ الْإِنْسَانِ لَا يَزُولُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، وَرُجُوعُهُمَا لَيْسَ بِشَهَادَةٍ، وَلِهَذَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلَا هُوَ إقْرَارٌ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ. وَفَارَقَ مَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْحُكْمِ، وَهُوَ شَهَادَةُ الْعُدُولِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يَتَبَيَّنْ ذَلِكَ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ صَادِقَيْنِ فِي شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّمَا كَذَبَا فِي رُجُوعِهِمَا، وَيُفَارِقُ الْعُقُوبَاتِ، حَيْثُ لَا تُسْتَوْفَى؛ لِأنَّهَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. اهـ\n• واختار ابن حزم أنه ينقض حكمه، قال: كما لو أنَّ عدلين شهدا بجرحته حين شهد، فيجب رد ما شهد به، فإقراره على نفسه بالكذب، أو الغفلة أثبت عليه من شهادة غيره عليه بذلك. وعزا هذا القو ل لحماد بن أبي سليمان، والحسن البصري.\nوهذا القول هو الصواب، وقد رجحه الإمام الشوكاني -﵀- فقال في «السيل الجرار» (ص ٧٨٢): ومع الرجوع تبطل شهادته من غير فرق بين كونها قبل الحكم أو بعده، وأي تأثير للحكم مع بطلان مستنده؛ فإنَّ هذا من أعجب ما يقرع سمع من يتعقل الحقائق فضلًا عمن هو عالم بالأسباب الموجبة لثبوت أحكام","vol":"10","page":413},{"text":"الشرع، ولا فرق بين الحد والقصاص وغيرهما؛ فإنْ كان قد وقع الحكم، فلا شك أن الحاكم مغرور من جهة الشهود، وهم سبب الجناية على المشهود عليه، فيغرمون لمن أصيب بشهادتهم في بدنه، أو في ماله، أما في البدن فظاهر؛ لأنه قد حلَّ به ما لم يمكن استدراكه إلا بتسليم ديته، أو أرشه، وأما في المال فلا يغرمون إلا إذا تعذر إرجاع ذلك المال إلى يد مالكه، وتعذر الرجوع على من أتلفه بقيمته. اهـ\nالحال الثالثة: أن يرجع الشاهدان بعد الاستيفاء.\n• فمذهب الجمهور عدم بطلان الحكم، ويرجع بالغرامة على الشاهدين؛ فإن كان مالًا؛ ضمناه، وإن كان إتلافًا؛ مثل القصاص كالقتل والجرح؛ فإن كان عمدًا؛ وشهدا زورًا؛ قِيدَا به، وإن كان خطأ؛ فعليهما الدية.\n• وخالف أبو حنيفة فلم يقل بالقود. وخالف في هذه الحال نفس الذين خالفوا في الحال التي قبلها، وقد تقدم كلام الشوكاني، وهو كلام قوي. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5933>مسألة [١٧]: إذا حكم الحاكم بشهادة فرع، ثم حصل الرجوع</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٢٥٥): وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَا فَرْعٍ عَلَى شَاهِدَيْ أَصْلٍ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَ شَاهِدَا الْفَرْعِ؛ فَعَلَيْهِمَا الضَّمَانُ، لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. وَإِنْ رَجَعَ شَاهِدَا الْأَصْلِ وَحْدَهُمَا؛ لَزِمَهُمَا الضَّمَانُ أَيْضًا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٤٥، ٢٤٨).","vol":"10","page":414},{"text":"عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا جَعَلَا شَهَادَةَ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ شَهَادَةً، لَمْ يَلْزَمْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ضَمَانٌ؛ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا.\nقال: وَلَنَا أَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ؛ بِدَلِيلِ اعْتِبَارِ عَدَالَتِهِمَا، فَإِذَا رَجَعَا؛ ضَمِنَا، كَشَاهِدَيْ الْفَرْعِ. اهـ\nقلتُ: الصحيح أنهما يضمنان؛ لما ذكره ابن قدامة -﵀-، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5934>مسألة [١٨]: إذا حكم الحاكم بشاهدٍ ويمين، فرجع الشاهد</span>؟\n• مذهب أحمد أنه يلزمه غرم جميع المال؛ لأنَّ الشاهد حجة الدعوى، ولأنَّ اليمين لم تقبل من المدَّعِي إلا بوجود هذا الشاهد.\n• ومذهب مالك، والشافعي أنه يلزمه النصف؛ لأنه أحد حجتي الدعوى، وهو قولٌ في مذهب أحمد، وصوب الإمام ابن عثيمين القول الأول.\nقلتُ: وهذا والله أعلم فيما إذا لم يمكن استرجاع المال من المشهود له كما تقدم في كلام الشوكاني، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5935>مسألة [١٩]: إذا قطع الحاكم يد سارق بشهادة اثنين، ثم تبين أنهما كافران، أو فاسقان</span>؟\nذكر أهل العلم أنه لا ضمان على الشاهدين؛ لأنهما مقيمان على أنهما صادقان\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٥٥) «الشرح الممتع» (٦/ ٦٥٩).","vol":"10","page":415},{"text":"فيما شهدا به، وإنما الشرع منع قبول شهادتهما بخلاف الراجعين عن الشهادة؛ فإنهما اعترفا بكذبهما.\nويجب الضمان على الحاكم، أو الإمام الذي تولَّى ذلك، ولا قصاص عليه؛ لأنه مخطئ، وتجب الدية. واختلفوا في محلها، فقيل: على العاقلة. وقيل: على بيت المال. وهو الصواب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5936>مسألة [٢٠]: لو جلد الإمام إنسانًا بشهادة شهود، فبان بعد ذلك فسقهم</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٢٥٨): وَلَوْ جَلَدَ الْإِمَامُ إنْسَانًا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمْ فَسَقَةٌ، أَوْ كَفَرَةٌ، أَوْ عَبِيدٌ، فَعَلَى الْإِمَامِ ضَمَانُ مَا حَصَلَ مِنْ أَثَرِ الضَّرْبِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّهَا جِنَايَةٌ صَدَرَتْ عَنْ خَطَإِ الْإِمَامِ، فَكَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَطَعَهُ أَوْ قَتَلَهُ. اهـ\nقلتُ: قوله (أو عبيد) غير صحيح كما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5937>مسألة [٢١]: من ادَّعى دعوى وقال: لا بينة لي. ثم أتى بعد ذلك ببينة</span>؟\n• من أهل العلم من قال: لا تقبل بينته بعد ذلك؛ لأنه أكذب بينته بإقراره أنه لا يشهد له أحد.\n• وذهب الشافعي في ظاهر مذهبه، وأبو يوسف إلى أنها تقبل، وهو قول ابن المنذر؛ لأنه يجوز أن ينسى، أو يكون الشاهدان سمعا منه، وصاحب الحق لا\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٥٦).","vol":"10","page":416},{"text":"يعلم؛ فلا يثبت بذلك أنه كذَّب بينته.\n• وقال بعض الشافعية: إن كان الإشهاد أمرًا تولاه بنفسه؛ لم تسمع بينته؛ لأنه أكذبها، وإن كان وكيله أشهد على المدَّعَى عليه، أو شهد من غير علمه، أو من غير أن يشهدهم؛ سُمعت بينته؛ لأنه معذور في نفيه إياها.\nقال ابن قدامة: وهو قولٌ حسن.\nقلتُ: الذي يظهر أنَّ القاضي ينظر في كل قضية بعينها؛ فإن بعدت التهمة حكم بالبينة، وإلا فلا يُحكم بها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5938>مسألة [٢٢]: إذا أنكر العدل أن تكون عنده شهادة، ثم شهد بها، وادَّعى أنه نسي</span>؟\n• مذهب الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق قبول شهادته.\nبل قال ابن قدامة -﵀-: وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَسِيَهَا، وَإِذَا كَانَ نَاسِيًا لَهَا، فَلَا شَهَادَةَ عِنْدَهُ، فَلَا نُكَذِّبُهُ مَعَ إمْكَانِ صِدْقِهِ. وَلَا يُشْبِهُ هَذَا إذَا مَا قَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِي. ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ، حَيْثُ لَا تُسْمَعُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ بِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ، وَالْإِنْسَانُ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ، وَقَوْلُ الشَّاهِدِ: لَا شَهَادَةَ عِنْدِي. لَيْسَ بِإِقْرَارٍ؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ لَهُ؛ إنَّمَا هِيَ حَقٌّ عَلَيْهِ. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٧١ - ٢٧٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٦٨).","vol":"10","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5939>مسألة [٢٣]: اختلاف الشهداء</span>.\nإذا اختلف الشهداء في تعيين الجريمة، أو وقتها؛ فلا تُقبل الشهادة، وقد أشرنا إلى ذلك في الحدود.\nوإن اختلف الشاهدان على الإقرار، مثل أن يشهد أحدهما أنه أقرَّ عندي يوم الخميس بدمشق أنه قتله. ويشهد الآخر أنه أقرَّ عندي بهذا يوم السبت.\n• فمذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة أنها تكمل الشهادة؛ لأنَّ الْمُقَرَّ به واحد.\n• وقال زُفر: لا تكمل شهادتهما؛ لأنَّ كل إقرار لم يشهد به إلا واحد؛ فلم تكمل الشهادة، فأشبه الشهادة على الفعل.\nوأجاب الجمهور بأنَّ الشهادة على الفعل شهادة على فعلين مختلفين، فنظيره في الإقرار أن يشهد أحدهما أنه أقر عندي أنه قتله في يوم الخميس، وشهد الآخر أنه أقرَّ بقتله يوم الجمعة؛ فشهادتهما لا تُقبل.\nوالصحيح في هذه المسألة مذهب أحمد؛ لأن كل واحد منهما يشهد عليه بالإقرار؛ فيثبت إقراره، ولو كان الإقرار في مجلسين. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٤١).","vol":"10","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5940>بَابُ الدَّعْوَى وَالبَيِّنَاتِ</span>\n١٤٠٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالِهَمْ وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَلِلْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ». (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5941>مسألة [١]: البينة على المدَّعِي، واليمين على من أنكر</span>.\n• قال ابن رجب -﵀- في «جامع العلوم والحكم» (ص ٢٣٠ -): قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن البينة على المدعي واليمين على المدَّعى عليه. قال: ومعنى قوله: «البينة على المدعي» يعني أنه يستحق بها ما ادَّعى؛ لأنها واجبة يؤخذ بها، ومعنى قوله: «اليمين على المدَّعى عليه»، أي: يبرأ بها؛ لأنها واجبة عليه يؤخذ بها على كل حال. انتهى، وقد اختلف الفقهاء من أصحابنا والشافعية في تفسير المدعي والمدعى عليه، فمنهم من قال: المدعي هو الذي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٥٢)، ومسلم (١٧١١).\n(^٢) أخرجه البيهقي (١٠/ ٢٥٢)، وفي إسناده الحسن بن سهل، وهو الخياط، كما في مشايخ جعفر بن محمد الفريابي من «السير»، وله ترجمة في «الثقات» روى عنه مطين الحضرمي، فهو مجهول الحال.\nولكن للحديث طريق أخرى بمعناها عند البيهقي أيضًا (١٠/ ٢٥٢)، وإسنادها صحيح، ولفظه: «لكن البينة على الطالب، واليمين على المطلوب» فالحديث صحيح.","vol":"10","page":419},{"text":"يخلى، وسكوته من الخصمين، والمدعى عليه من لا يخلَّى وسكوته منهما. ومنهم من قال: المدعي من يطلب أمرًا خفيًّا على خلاف الأصل والظاهر، والمدعى عليه بخلافه.\nقلتُ: التفسير الأول قال فيه ابن حجر -﵀- في «الفتح»: هذا أسلم، والثاني أشهر. اهـ\nوالقول الثاني عزاه الشوكاني للأكثر في «السيل الجرار» (٧٤٦).\nثم قال ابن رجب -﵀-: وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب على قولين: أحدهما: أن البينة على المدعي أبدًا، واليمين على المدعَى عليه أبدًا، وهو قول أبي حنيفة، ووافقه طائفة من الفقهاء والمحدثين، كالبخارى، وطردوا ذلك في كل دعوى حتى في القسامة، وقالوا: لا يحلف إلا المدَّعَى عليه. ورأوا أن لا يُقْضَى بشاهد ولا يمين؛ لأن اليمين لا تكون إلا على المدَّعى عليه.\nقال: واستدلوا في مسألة القسامة بما روى سعيد بن عبيد حدثنا بشير بن يسار الأنصاري عن سهل بن أبي حثمة، وفيه: «تأتوني بالبينة على من قتله» قالوا: ما لنا من بينة. قال: «فيحلفون» قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود. أخرجاه في «الصحيحين».\nقال: وقد ذكر الأئمة الحفاظ أن رواية يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد ابن عبيد الطائي؛ فإنه أجل وأحفظ وأعلم، وهو من أهل المدينة، وهو أعلم","vol":"10","page":420},{"text":"بحديثهم من الكوفيين، وقد ذكر الإمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيي بن سعيد في هذا الحديث، فنفض يده، وقال: ذاك ليس بشيء، رواه على ما يقول الكوفيون. وقال: أذهب إلى حديث المديني يحيى بن سعيد. وقال النسائي: لا نعلم أحدًا تابع سعيدَ بن عبيد على روايته عن بشير بن يسار. وقال مسلم في كتاب «التمييز»: لم يحفظه سعيد بن عبيد على وجهه؛ لأن جميع الأخبار فيها سؤال النبي - ﷺ - إياهم قسامة خمسين يمينًا، وليس في شيء من أخبارهم أن النبي - ﷺ - سألهم البينة، وترك سعيد القسامة، وتواطؤُ الأخبار بخلافه يقضي عليه بالغلط، وقد خالفه يحيى بن سعيد.\nقال: وأما مسألة الشاهد مع اليمين، فاستدل من أنكر الحكم بالشاهد واليمين بحديث: «شاهداك أو يمينه»، وقوله - ﷺ -: «ليس لك إلا ذلك»، وقد تكلم القاضي إسماعيل المالكي في هذه اللفظة، وقال: تفرد بها منصور عن أبي وائل، وخالفه سائر الرواة. وقالوا: إنه سأله «ألك بينة أولا؟» والبينة لا تقف على الشاهدين فقط، بل تعم سائر ما يبين الحق. وقال غيره: يحتمل أن يريد بشهادته كل نوعين يشهدان للمدعي بصحة دعواه يتبين بهما الحق، فيدخل ذلك بشهادة الرجلين، وشهادة الرجل مع المرأتين، وشهادة الواحد مع اليمين، وقد أقام الله سبحانه أيمان المدعي مقام الشهود في اللعان.\nقال: وقوله في تمام الحديث: «ليس لك إلا ذلك» لم يرد به النفي العام، بل النفي الخاص، وهو الذي أراده المدعي، وهو أن يكون القول قوله بغير بينة،","vol":"10","page":421},{"text":"فمنعه من ذلك، وأبى ذلك عليه، وكذلك قوله في الحديث الآخر: «ولكن اليمين على المدعى عليه» إنما أريد بها اليمين المجردة عن الشهادة، وأول الحديث يدل على ذلك، وهو قوله: «لو يُعطي الناس بدعواهم؛ لادَّعى رجالٌ دماء رجال وأموالهم»، فدل على أن قوله: «اليمين على المدعى عليه» إنما هي اليمين القاطعة للمنازعة مع عدم البينة، وأما اليمين المثبتة للحق مع وجود الشهادة، فهذا نوع آخر، وقد ثبت بسنة أخرى.\n• والقول الثاني في المسألة أنه يرجح جانب أقوى المتداعيين، وتجعل اليمين في جانبه، هذا مذهب مالك، وكذا ذكره القاضي أبو يعلى في خلافه أنه مذهب أحمد، وعلى هذا تتوجه المسائل التي تقدم ذكرها من الحكم بالقسامة، والشاهد، واليمين؛ فإنَّ جانب المدعي في القسامة لما قوي باللوث؛ جعلت اليمين في جانبه، وحكم له بها، وكذلك المدعي إذا أقام شاهدًا؛ فإنه قوي جانبه، فيحلف معه، ويقضى له.\nوهؤلاء لهم في الجواب عن قوله: «البينة على المدعي ...» الحديث، طريقان:\nالأول: أنَّ هذا خُصَّ من العموم بدليل.\nوالثاني: أنَّ قوله: «البينة على المدعي ...» الحديث، ليس بعام؛ لأنَّ المراد: على المدعي المعهود. وهو من لا حجة له سوى الدعوى كما في قوله: «لو يُعطى الناس بدعواهم ...»، فأما المدعي الذي معه حجة تُقَوِّي دعواه؛ فليس داخلًا في","vol":"10","page":422},{"text":"الحديث.\nوطريق ثالثة: وهو أنَّ البينة كل ما بيَّن صحة الدعوى من المدعي، وشهد بصدقه، فاللوث مع القسامة بينة، والشاهد مع اليمين بينة. انتهى بتصرف يسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5942>مسألة [٢]: هل يستحلف في النكاح</span>؟\n• مذهب أحمد أنه لا يُستحلف فيه، ولا يُقضى فيه إلا ببينة؛ لأنَّ هذا مما لا يُباح بذله، فلم يستحلف فيه كالحد، يحقق هذا أنَّ الأبضاع مما يحتاط فيها؛ فلا تُباح بالنكول، ولا به وبيمين المدعي كالحدود؛ وذلك لأنَّ النكول ليس بحجة قوية، وهو قول مالك، وأبي حنيفة.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى شرعية الاستحلاف فيه؛ لأنَّ ذلك من الحقوق أيضًا، وهو قول الشافعي، وابن المنذر، وأبي يوسف، ومحمد، فإذا ادعى الرجل أنَّ فلانة امرأته، وأنكرت؛ فإنها تُستحلَف؛ فإن نكلت قُضي بالنكاح عند أبي يوسف، ومحمد، وعند الشافعي تُرد اليمين على الرجل فيحلف ويُقضى بالزواج.\n• وقال بعض الحنابلة بالاستحلاف، ولكن عندهم لا يُقضى بالنكول، وإنما تحبس حتى تقر أو تحلف. (^١)\nتنبيه: مثل النكاح في الخلاف السابق الطلاق، والرجعة، والعتق، والنسب، والاستيلاد، والولاء، والرق، فمنهم من علل فيها كلها بأنها لا تثبت إلا بشاهدين،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٧٥ - ٢٧٦) (١٤/ ٢٣٦ -) «المحلى».","vol":"10","page":423},{"text":"ومنهم من علل فيها بأنها لا يدخلها البدل. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5943>مسألة [٣]: الاستحلاف في حقوق الله</span>.\nحقوق الله تعالى نوعان:\nالأول: الحدود.\nفلا تشرع فيها يمين، لا نعلم في هذا خلافًا. قاله ابن قدامة؛ لأنه لو أقرَّ، ثم رجع عن إقراره؛ قُبل منه، وخلي عنه من غير يمين؛ فلَأَنْ لا يستحلف مع عدم الإقرار أولى، ولأنه يستحب ستره، والتعريض للمُقِرِّ به بالرجوع عن إقراره؛ فلا تُشرع فيه يمين بحال.\nالثاني: الحقوق المالية.\nكدعوى الساعي الزكاة على رب المال بأنَّ الحول قد تم، وكمل النصاب.\n• فذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى عدم الاستحلاف في ذلك، وهذا قول طاوس، والثوري، والحسن بن صالح، وأحمد وأصحابه؛ لأنه حق لله تعالى، فأشبه الحد، ولأنها عبادة فلا يستحلف عليها كالصلاة.\n• وذهب جماعةٌ من الفقهاء إلى أنه يستحلف إذا اتُّهِم في ذلك، وهو قول مالك، والليث، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن؛ لأنها دعوى مسموعة؛ ولأنَّ فيها حقًّا للفقراء. وهذا القول هو الصواب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) «المغني» (١٤/ ٢٣٦ -).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٣٧) «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠).","vol":"10","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5944>مسألة [٤]: إذا ادَّعَت المرأة النكاح على الرجل</span>؟\nأما إذا ادعت المرأة ذلك، وذكرت معه حقًّا من حقوق النكاح كالصداق، والنفقة ونحوها؛ سُمعت دعواها بغير خلاف، كما ذكر ابن قدامة؛ لأنها تدَّعِي حقًّا لها تضيفه إلى سببه.\nوأما إن أفردت دعوى النكاح، ففيه وجهان للحنابلة، والشافعية.\n• منهم من قال: تُسمع الدعوى؛ لأنها سبب لحقوق لها.\n• ومنهم من قال: لا تُسمع الدعوى؛ لأنَّ النكاح حق للزوج عليها، فلا تُسمع دعواها حقًّا لغيرها. والقول الأول أقرب؛ لأنه حق للزوجين، ولأنه قد يكون لها حقوق بذلك، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: ذكر مالك -﵀- أنها لا تُسمع دعوى أهل السَّفه على أهل الفضل، وخالفه الجمهور. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٧٧ - ٢٧٨).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢٦٦٨) «جامع العلوم والحكم» (٣٣).","vol":"10","page":425},{"text":"١٤٠٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ اليَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي اليَمِينِ: أَيُّهُمْ يَحْلِفُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمعنى الحديث:\nأخرج النسائي في «الكبرى» (٣/ ٤٨٧) هذا الحديث من نفس الوجه، وفيه: (فأسرع الفريقان) ففيه بيان أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عرض اليمين على المتخاصِمَين، وحمله كثير من الفقهاء، والشُّرَّاح على أنه في حال الدعوى على عينٍ بدون بينة، وليست العين في يد واحد من المتخاصمين. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5945>مسألة [١]: إذا ادَّعى كل واحد من المتخاصمين عينًا ليست في يده، وجاء كل واحد ببينة</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى سقوط البينتين، ويُقرع بينهم في اليمين، ثبت ذلك عن ابن الزبير -﵄-، (^٣) وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، ومالك في رواية، والقول القديم للشافعي.\nواستدلوا بمرسل سعيد بن المسيب عند البيهقي (١٠/ ٢٥٩) بإسناد صحيح عنه قال: اختصم رجلان إلى رسول الله - ﷺ - في أمرٍ، فجاء كل واحد منهما بشهداء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٦٧٤).\n(^٢) انظر: «الفتح» (٢٦٧٤) «المغني» (١٤/ ٢٩٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٣٩٧)، وعبدالرزاق (٨/ ٢٧٩ - ٢٨٠) بإسناد صحيح.","vol":"10","page":426},{"text":"عدول على عدة واحدة، فأسهم بينهما، وقال: «اللهم أنت تقضي بينهم»، فقضى للذي خرج له السهم. وذكر له البيهقي بعض الشواهد.\n• وذهب بعضهم إلى أنها تُقسم بينهما نصفين وهذا قول قتادة، وابن شبرمة، وحماد، وأبي حنيفة، والشافعي في الجديد، والعُكْلي، وأحمد في رواية؛ لحديث أبي موسى -﵁- الذي في الكتاب، وسيأتي الكلام عليه، وقد اختلفت ألفاظه، ففي بعضها: «ليس لواحد منهما بينة»، وفي أخرى: «فبعث كل واحد منهما بشاهدين»، وليس في الحديث أنَّ البعير لم يكن في أيديهما.\n• وهناك قول ثالث: تُقَدَّم إحدى البينتين بالقرعة، وهو قول أحمد في رواية، وقول ثالث للشافعي، وظاهر مرسل سعيد يدل عليه.\n• وللشافعي قول رابع، وهو التوقف، وهو قول أبي ثور، فيتوقف الحاكم حتى تظهر أمورٌ أخرى.\nوالصحيح هو القول الأول، ويليه في القوة القول الثالث، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٩٤) «البيهقي» (١٠/ ٢٥٩ - ٢٦٠).","vol":"10","page":427},{"text":"١٤٠٩ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الحَارِثِيِّ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١٤١٠ - وَعَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\nالحكم المستفاد من الحديثين\nفي هذين الحديثين تعظيم حقوق المسلمين، وفيه عظم جرم من حلف على حق مسلم ليأخذه ظلمًا، فهو كبيرة من كبائر الذنوب يوجب النار، ويُعرِّض الإنسان لغضب الله ﷾.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٣٥٧)، ومسلم (١٣٨).","vol":"10","page":428},{"text":"١٤١١ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى -﵁-: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي دَابَّةٍ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةٌ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nتقدمت مسألة تتعلق بهذا الحديث، وستأتي مسائل أخرى بعد حديثين.\n_________\n(^١) حديث معل، والصواب إرساله. أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٢)، وأبوداود (٣٦١٣)، والنسائي (٨/ ٢٤٨)، من طريق قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى به.\nوقد اختلف في إسناده على قتادة اختلافًا كثيرًا كما في «العلل» للدارقطني (١٢٩١) و«تحقيق المسند» (٣٢/ ٣٧٩ - ٣٨٢) ورجح الدارقطني أنه عن أبي بردة مرسلًا، ورجح هو والبخاري أن أبا بردة أخذه من سماك بن حرب، وسماك بن حرب إنما رواه عن تميم بن طرفة مرسلًا.\nقال البخاري كما في «العلل الكبير» للترمذي (١/ ٥٦٥): يرجع هذا الحديث إلى حديث سماك ابن حرب عن تميم بن طرفة. قال: روى حماد بن سلمة قال: قال سماك بن حرب أنا حدثت أبا بردة بهذا الحديث. اهـ","vol":"10","page":429},{"text":"١٤١٢ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\n١٤١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ: لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5946>مسألة [١]: تغليظ اليمين</span>.\nفي الحديثين المتقدمين أنَّ اليمين يعظم إثمها بعظم مكانها وزمانها، ففي حديث جابر تغليظ إثم اليمين الكاذبة عند منبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وكونها بعد العصر في حديث أبي هريرة -﵁-؛ ولذلك استحب بعض أهل العلم تغليظ اليمين بذلك، قالوا: وإذا كان بمكة فتغلظ بحلفه بين الركن والمقام، والصحيح عدم الاستحباب، ولكن للقاضي أن يغلظها على من رأى منه التهاون والاستسهال، أو كان الأمر المدعى أمرًا عظيمًا.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٣/ ٣٤٤)، وأبوداود (٣٢٤٦)، والنسائي في «الكبرى» (٦٠١٨)، وابن ماجه (٢٣٢٥)، وابن حبان (٤٣٦٨) من طرق عن هاشم بن هاشم، عن عبد الله بن نسطاس، عن جابر بن عبد الله به، وإسناده صحيح، رجاله ثقات، وهاشم بن هاشم هو ابن عتبة بن أبي وقاص، وعبد الله بن نسطاس، هو المدني، مولى كثير الكندي.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٢١٢)، ومسلم (١٠٨).","vol":"10","page":430},{"text":"١٤١٤ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي نَاقَةٍ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: نُتِجَتْ عِنْدِي، وَأَقَامَا بَيِّنَةً، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5947>مسألة [١]: من ادَّعى عينًا في يد غيره، فأنكر الآخر، ولكل واحد منهما بينة</span>؟\n• من أهل العلم من قال: تقدم بينة المدعي -ويسمونها بينة الخارج- لأنَّ بينة الخارج فيها زيادة علم؛ ولأنَّ في الحديث: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر»؛ ولأنَّ بينة المدَّعَى عليه ويسمونها بينة الداخل قد تكون مستندة إلى رؤية اليد عليها، والتصرف بها. وهذا القول قال به أحمد، وإسحاق.\n• وعن أحمد رواية أخرى أنَّ بينة المدَّعَى عليه تُقبل وتقدم إن شهدت البينة بسبب الملك، كأن يقول الشاهدان: نتجت في ملكه. أو اشتراها، أو نسجها. أو ما أشبه ذلك، وقال بذلك أبو حنيفة، وأبو ثور في النتاج، والنساج الذي لا يتكرر نسجه.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ بينة المدَّعَى عليه تقدم مطلقًا؛ لأنَّ\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٠٩)، من طريق زيد بن نعيم، عن محمد بن الحسن، نا أبو حنيفة عن هيثم الصيرفي، عن الشعبي، عن جابر به. وإسناده ضعيف؛ زيد بن نعيم مجهول لا يعرف إلا في هذا الحديث، وذكره الذهبي مما أنكر عليه كما في «الميزان»، وقد تصحف في المطبوع إلى (يزيد) وفي إسناده أيضًا محمد بن الحسن الشيباني ضعيف، وقد كُذِّب، وفيه أبوحنيفة وهو ضعيف أو أشد.\nوللحديث طريق أخرى عند الشافعي (٢/ ١٨٠)، فيها إبراهيم بن أبي يحيى وإسحاق بن أبي فروة متروكان.","vol":"10","page":431},{"text":"البينتين تتكافأ، ويبقى مع هذا أنها تحت يده، أو لأنَّ كونها تحت يده يقوي بينته. واستدلوا بحديث الباب، وهذا القول قال به شُريح، والشعبي، والنخعي، والحكم، والشافعي، ومالك، وأهل المدينة، وأهل الشام، ونُقل رواية عن أحمد، وهذا القول رجحه الإمام الإمام الشوكاني، والإمام ابن باز، والإمام ابن عثيمين وغيرهم.\nوهذا هو الصواب؛ إلا أن تكون بينة الخارج فيها زيادة علم ليست مع بينة الداخل، فتقدم كما أشار إلى ذلك الشوكاني.\nوعليه فالأصل تقديم بينة الداخل؛ مالم يظهر قوة بينة الخارج عليها، وأنَّ فيها زيادة علم، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5948>مسألة [٢]: وإذا قدمنا بينة المدَّعَى عليه، فهل يحلف</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي في قول أنه لا يحلف؛ لأنها قد رجحت بينته.\n• وللشافعي قول آخر أنه يستحلف؛ لأنَّ البينتين تكافأتا، فيبقى كالدعوى المجردة، فيحلف، وهذا القول أقرب، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5949>مسألة [٣]: إذا كانت البينة مع المدعي فقط</span>؟\n• يستحق عند عامة أهل العلم بغير يمين.\n• وعن شريح أنه يحلف.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٧٩ -) «الشرح الممتع» (٦/ ٥٩٥) «السيل» (ص ٧٥٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٨١).","vol":"10","page":432},{"text":"• وعن الشافعي أنه يحلف إذا كان المدَّعَى عليه ضعيفًا لا يمكنه الانتصار في الحقوق، وقال ابن قدامة: وهذا حسن؛ فإن قيام البينة بثبوت حقه لا ينفي احتمال القضاء، والإبراء. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5950>مسألة [٤]: وإذا كانت البينة مع المنكر فقط</span>؟\n• الأشهر في مذهب الحنابلة أنها تغنيه عن اليمين.\n• وعن بعض الحنابلة أنه يحلف، والأمر سهل؛ فإنْ حلَّفَه القاضي فلا بأس، فهو أحوط، وأوكد، وإلا فليس ذلك بلازم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5951>مسألة [٥]: إذا تنازع رجلان في عين في أيديهما</span>؟\nأما إذا لم يكن لهما بينة، فيحلف كل واحد منهما، وتجعل بينهما نصفين، قال ابن قدامة: لا نعلم في هذا خلافًا.\nوإن نكل أحدهما عن اليمين؛ قُضي بها للآخر، وإن نكلا جميعًا عن اليمين؛ قُسمت بينهما نصفين، وإن كان لكل واحد بينة ففيه خلاف:\n• منهم من قال: تُقسم بينهما نصفين. وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لحديث أبي موسى المتقدم، وقد تقدم الكلام عليه.\n• وذهب أحمد في رواية إلى أنه يُقرع بينهما. والأول أقرب، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) «المغني» (١٤/ ٢٨١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٨٢).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٨٥ - ٢٨٦).","vol":"10","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5952>مسألة [٦]: وهل يحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به</span>؟\n• من أهل العلم من قال: يحلف. وهو قولُ بعض الشافعية، والحنابلة؛ لأنَّ البينتين قد تعارضتا، فتسقطان، ويبقى اليمين على المنكر.\n• ومنهم من قال: لا يحلفان. وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، ورواية عن أحمد؛ لأنه قد قضى لكل واحد ببينته، وكل بينة راجحة في نصف العين.\nوالقول الأول أقرب، ويشمله الحديث: «ولكن اليمين على المدَّعَى عليه»، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5953>مسألة [٧]: هل ترجح إحدى البينتين بكثرة العدد، أو اشتهار العدالة</span>؟\n• من أهل العلم من قال: لا يرجح بذلك. وهو قول أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنَّ كلًّا منهما تعتبر بينة شرعية يقضى بها.\n• ومنهم من قال: يرجح بذلك. وهو قول مالك، ووجهٌ للحنابلة.\nونُقل عن الأوزاعي أنَّ العين تُقسم بالنِّسَب على عدد الشهود، وهو قول ضعيف، والقول الأول أقرب، والله أعلم. (^٢)\nتنبيه: كذلك الشاهدان لا يرجحان على الشاهد والمرأتين.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٨٦).\n(^٢) وانظر: «المغني» (١٤/ ٢٨٧).","vol":"10","page":434},{"text":"وهل يُرجَّحان على الشاهد واليمين؟ فيه وجهان للحنابلة والشافعية، وصحح ابن قدامة الترجيح. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5954>مسألة [٨]: إذا كان الخصمان في أيديهما دار، فادَّعى أحدهما نصفها، وادَّعَى الآخر كلها ولا بينة لأحدهما</span>؟\nقال ابن قدامة: فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَعَلَى مُدَّعِي النِّصْفِ الْيَمِينُ لِصَاحِبِهِ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الْمَحْكُومَ لَهُ بِهِ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ. وَلَا نَعْلَم فِي هَذَا خِلَافًا؛ إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ أَنَّ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا؛ لِأَنَّ النِّصْفَ لَهُ لَا مُنَازِعَ فِيهِ، وَالنِّصْفَ الْآخَرَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ دَعْوَاهُمَا فِيهِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّ يَدَ مُدَّعِي النِّصْفِ عَلَى مَا يَدَّعِيه، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيهِ مَعَ يَمِينِهِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى. اهـ (^٢)\n_________\n(^١) «المغني» (١٤/ ٢٨٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩).","vol":"10","page":435},{"text":"١٤١٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَدَّ اليَمِينَ عَلَى طَالِبِ الحَقِّ. رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5955>مسألة [١]: إذا نكل المنكِر عن اليمين، فهل تحول اليمين على المدعي، أم يستحق بغير يمين</span>؟\n• هذا الحديث مما استدل به من قال بأنَّ اليمين ترد على المدعي، فيحلف ويستحق. وقالوا: لا يستحق بمجرد النكول. وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية. وقد استدل هؤلاء أيضًا بأنَّ النكول لا يصلح أن يكون بينة؛ لوجود الاحتمالات في نكوله وبأنَّ المدعي لو كان معه شاهدٌ احتاج معه إلى اليمين والشاهد أقوى من مجرد النكول، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام، وابن القيم.\n• وذهب أحمد في رواية، وأبو حنيفة إلى أنَّ المدعي يستحق العين بمجرد النكول؛ لضعف حديث ابن عمر؛ ولأنَّه بنكوله يدل على أنَّ الحق للآخر. واستدل أحمد، وأصحابه بحديث: «ولكن اليمين على المدَّعَى عليه»، ورجَّح الشوكاني -﵀- أنَّ الناكل يعزر حتى يحلف، أو يقر، وهو ظاهر اختيار الصنعاني. والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الدارقطني (٤/ ٢١٣)، وأخرجه أيضًا الحاكم (٤/ ١٠٠)، والبيهقي (١٠/ ١٨٤)، وتمام في «فوائده» (٩٣٣) (٩٣٤)، وفي إسناده محمد بن مسروق لا يعرف، وقد صححه الحاكم، فتعقبه الذهبي وقال: لا أعرف محمدًا وأخشى أن يكون باطلًا. وقد ضعفه الإمام الألباني في «الإرواء» (٢٦٤٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ١٣٢) «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢٣٤) «توضيح الأحكام» (٧/ ٢٣٣) «السيل» (ص ٧٥٦).","vol":"10","page":436},{"text":"١٤١٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: «أَلَمْ تَرَيْ إلَى مُجَزِّزٍ المُدْلِجِيِّ؟ نَظَرَ آنِفًا إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: هَذِهِ الأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nالحكم المستفاد من الحديث\nفيه أنَّ شهادة القائف يُعمل بها عند تعذر ما هو أقوى منه، من الفراش، والبينة، وقد تقدم الكلام على ذلك في [كتاب الطلاق]، وذكرنا المسائل المتعلقة في ذلك هنالك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧٧٠)، ومسلم (٦٧٧٠).","vol":"10","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5956>كِتَابُ الْعِتْقِ</span>\nالعِتق في اللغة: الخلوص، والاستقلال.\nوفي الشرع: هو إزالة ملك عن الآدمي لا إلى مالك؛ تقربًا لله تعالى. (^١)\n\n١٤١٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً) مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n١٤١٨ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -﵁-: «وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ». (^٣)\n\n١٤١٩ - وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ -﵁-: «وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنَ النَّارِ». (^٤)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٣٤٤) «حاشية البيان» (٨/ ٣٢١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٥١٧)، ومسلم (١٥٠٩) (٢٤).\n(^٣) ضعيف. أخرجه الترمذي (١٥٤٧)، من طريق عمران بن عيينة، عن حصين بن عبدالرحمن، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي أمامة به. وفيه الزيادة التي في حديث كعب بن مرة الآتي. وإسناده ضعيف؛ لضعف عمران، وسالم لم يسمع من أبي أمامة، قاله البخاري، ويخشى أن يكون عمران قد وهم في الحديث، فإن الثقات يروونه عن سالم بن أبي الجعد ويجعلونه من مسند كعب بن مرة، رواه كذلك عن سالم منصور وزائدة وعمرو بن مرة. انظر: «تحقيق المسند» (٢٩/ ٦٠٠).\n(^٤) ضعيف. أخرجه أبوداود (٣٩٦٧)، وأخرجه أيضًا أحمد (٤/ ٢٣٥)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ١٦٩ - ١٧٠)، وفيه الزيادة التي تقدمت في حديث أبي أمامة. واختلف الثقات في رواية الحديث عن سالم بن أبي الجعد، فمنهم من يقول: عن سالم، عن شرحبيل بن السمط، عن كعب ابن مرة. ومنهم من يقول: عن سالم، عن كعب. ومنهم من يقول: عن سالم، حدثت عن كعب. ومنهم من يقول: عن سالم، عن رجل، عن كعب، وقد صحح الدارقطني هذه الرواية في «العلل» كما في «تحقيق المسند» (٢٩/ ٦٠٠)، والروايات الأخرى منقطعة، فإن سالم بن أبي الجعد لم يسمع من كعب بن مرة، ولا من شرحبيل بن السمط، والله أعلم.","vol":"10","page":438},{"text":"١٤٢٠ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ»، قُلْت: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمع ذكر بعض المسائل الملحقة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5958>مسألة [١]: فضيلة العتق</span>.\nدلَّت الأحاديث المتقدمة على أنَّ العتق من أفضل القُرَب إلى الله تعالى، والمستحب عند أهل العلم عتق من له دين وكسب ينتفع بالعتق.\nفأما من يتضرر بالعتق، كمن لا كسب له؛ تسقط نفقته عن سيده بعتقه، فيصير كلًّا على الناس، ويحتاج إلى المسألة؛ فلا يُستحبُّ عتقه.\nوإن كان ممن يخاف عليه المضي إلى دار الحرب، والرجوع عن دين الإسلام، أو يخاف عليه الفساد، كعبدٍ يخاف أنه إذا أُعتق واحتاج؛ سرق، وفسق، وقطع الطريق، أو جارية يخاف منها الزنى والفساد؛ كره إعتاقه، وإن غلب على الظن إفضاؤه إلى هذا؛ كان محرمًا؛ لأنَّ التوسل إلى الحرام حرام، وإن أعتقه صحَّ؛\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤).","vol":"10","page":439},{"text":"لأنه إعتاق صدر من أهله في محله، فصح كإعتاق غيره. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5959>مسألة [٢]: هل تكفي النية في العتق، أم لابدَّ من القول</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ العتق لا يكفي فيه مجرد النية حتى يتلفظ به؛ لأنه إزالة ملك، فأشبه الوقف والطلاق، وليس له ألفاظ معينة، بل يقع بما يدل عليه من الألفاظ الصريحة، والكنايات مع النية، والله أعلم.\nوالصريح: لفظ (الحرية) و(العتق) وما تصرف منهما.\nومن الكنايات: (خليتك، وسيبتك، وحبلك على غاربك، ولا سلطان لي عليك، لا سبيل لي عليك، وأنت لله، وأنت طالق ...) وما أشبه ذلك. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5960>مسألة [٣]: هل يصح العتق من الكافر</span>؟\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٣٤٨): وَيَصِحُّ الْعِتْقُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي الْمَالِ، وَهُوَ الْبَالِغُ، الْعَاقِلُ، الرَّشِيدُ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ حَرْبِيًّا، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا إلَّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ، فِي أَنَّ عِتْقَ الْحَرْبِيِّ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ عَلَى التَّمَامِ، بِدَلِيلِ إبَاحَةِ أَخْذِهِ مِنْهُ، وَانْتِفَاءِ عِصْمَتِهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، فَصَحَّ إعْتَاقُهُ، كَالذِّمِّيِّ؛ وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ، بَالِغٌ، عَاقِلٌ، رَشِيدٌ، فَصَحَّ إعْتَاقُهُ كَالذِّمِّيِّ، وَقَوْلُهُمْ: لَا مِلْكَ لَهُ. لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَالُوا: إنَّهُمْ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٣٤٤ - ٣٤٥).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٣٤٥ - ٣٤٧) «البيان» (٨/ ٣٢٢).","vol":"10","page":440},{"text":"يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَهْرِ، فَلَأَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ لَهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَوْلَى. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5961>مسألة [٤]: هل يُشترط أن يكون العتق من المالك</span>؟\n• جمهور العلماء على أنه لا يصح العتق من غير المالك، ولو كان أبًا، أو وصيًّا، وهو قول أحمد، والشافعي، وابن المنذر.\n• وذهب مالك إلى جواز أن يعتق عبد ولده الصغير؛ لحديث: «أنت ومالك لأبيك».\nوأُجيب عنه بأنه لم يرد حقيقة الملك، وإنما أراد به المبالغة في وجوب حقه على ولده، وإمكان الأخذ من ماله، وامتناع المطالبة له بما أخذ، وما أشبه ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5962>مسألة [٥]: هل يُشترط أن يكون العتق من جائز التصرف</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٣٤٩): وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، فَلَا يَصِحُّ عِتْقُ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا عَنْهُ ذَلِكَ: الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» (^٢)؛ وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُمَا، كَالْهِبَةِ.\nقال: وَلَا يَصِحُّ عِتْقُ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. اهـ\nثم ذكر خلافًا لبعض الحنابلة، والصحيح ما تقدم.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٣٤٩).\n(^٢) تقدم في «البلوغ» برقم (١٠٨٤).","vol":"10","page":441},{"text":"١٤٢١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٤٢٢ - وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: «وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ وَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ». وَقِيلَ: إنَّ السِّعَايَةَ مُدْرَجَةٌ فِي الخَبَرِ. (^٢)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5963>مسألة [١]: الشركاء في العبد إذا أعتقوا جميعًا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٣٥٠): مَتَى كَانَ لِثَلَاثَةٍ، فَأَعْتَقُوهُ مَعًا، إمَّا بِأَنْفُسِهِمْ، بِأَنْ يَتَلَفَّظُوا بِعِتْقِهِ مَعًا، أَوْ يُعَلِّقُوا عِتْقَهُ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، فَتُوجَدَ، أَوْ يُوَكِّلُوا وَاحِدًا، فَيُعْتِقَهُ، أَوْ يُوَكِّلَ نَفْسَانِ مِنْهُمْ الثَّالِثَ، فَيُعْتِقَهُ؛ فَإِنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا، وَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٢٢)، ومسلم (١٥٠١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٥٢٧)، ومسلم (١٥٠٣). من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة به. وقد رواه شعبة وهشام الدستوائي بدون ذكر السعاية، ورواه همام عن قتادة فجعل السعاية من قول قتادة، وقد ذهب جماعة من الحفاظ إلى أنها لا تصح في الحديث المرفوع منهم أحمد وسليمان بن حرب وأبوبكر النيسابوري والنسائي وهو ظاهر اختيار الدارقطني وكذا قال بذلك ابن المنذر والخطابي والخطيب ونص جماعة منهم إلى أنه مدرج في الخبر من قول قتادة. ولم يرتضِ ذلك البخاري فأيد رواية سعيد بن أبي عروبة بأنه قد تابعه على ذلك جرير بن حازم وحجاج بن حجاج وأبان وموسى بن خلف. وانظر: «الفتح» (٢٥٢٧)، و«سنن الدارقطني» (٤/ ١٢٦).","vol":"10","page":442},{"text":"وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ أَعْتَقَ حَقَّهُ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا.\nقال: فَأَمَّا إنْ أَعْتَقَهُ سَادَتُهُ الثَّلَاثَةُ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَهُمْ مُعْسِرُونَ، أَوْ كَانَ المُعْتِقَانِ الْأَوَّلَانِ مُعْسِرَيْنِ، وَالثَّالِثُ مُوسِرًا، فَالصَّحِيحُ فِيهِ أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقُّهُ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَحَكَى ابْنُ المُنْذِرِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَ المُعْسِرُ نَصِيبَهُ قَوْلَيْنِ شَاذَّيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْتِقَ نِصْفُهُ مُنْفَرِدًا. وَالثَّانِي: يَعْتِقُ كُلُّهُ، وَتَكُونُ القِيمَةُ فِي ذِمَّةِ المُعْتِقِ. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَاذَّانِ، لَمْ يَقُلْهُمَا مَنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَيَرُدُّهُمَا قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ...» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. انتهى باختصار يسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5964>مسألة [٢]: إذا أعتق أحدهم نصيبه وهو موسر</span>؟\nأمَّا نصيبه فيعتق بلا خلاف فيما ذكر ابن قدامة -﵀-؛ للحديث الذي في الباب.\nوإذا أعتق نصيبه، فهل يسري عتقه إلى جميعه، وعلى المعتق قيمة أنصباء شركائه، والولاء له؟\n• نصَّ على هذا عامة أهل العلم، منهم: ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهم؛ لحديث الباب.\n• وقال البتي: لا يعتق إلا حصة المعتق، ونصيب الباقين باقٍ على الرق.","vol":"10","page":443},{"text":"• وقال أبو حنيفة: لا يعتق إلا حصة المعتق، ولشريكه الخيار في ثلاثة أشياء، إن شاء أعتق، وإن شاء استسعى العبد، وإن شاء ضمَّنَ شريكه، فيعتق حينئذٍ.\nواستُدِلَّ لِلْبتي بحديث ابن التِّلِبِّ عن أبيه أنَّ رجلًا أعتق شقصًا له في مملوك، فلم يضمنه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، رواه أبو داود (٣٩٤٨)، وهو حديث ضعيف، فيه مجهول الحال وهو ابن التلب، وقد حمله الجمهور على أنَّه كان معسرًا؛ توفيقًا بين الأحاديث.\nوأما قول أبي حنيفة فلا دليل عليه، والصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5965>مسألة [٣]: إذا أعتقه الشريكان الآخران بعد عتق الأول الموسر</span>؟\n• من أهل العلم من قال: لا يثبت للآخرين فيه عتق؛ لأنَّ العبد قد عتقه الأول، وقد صار حرًّا بعتق الأول، واستقرت القيمة على الأول، وهو قول ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، والشافعي في قول، واختاره المزني، وبعض المالكية.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه لا يعتق إلا بدفع القيمة، ويكون قبل ذلك ملكًا لصاحبه ينفذ عتقه فيه، ولا ينفذ تصرفه فيه بغير العتق، وهذا قول الزهري، وعمرو بن دينار، ومالك، والشافعي في قول، وأبي حنيفة.\nواحتج هؤلاء بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «قوم عليه قيمة عدل، فأُعطي شركاؤه حصصهم، وعتق عليه العبد ...»، وفي لفظ: «فعليه عتقه كله إن كان له مال»، وفي لفظ: «فإن كان موسرًا يقوم عليه قيمة عدل، لا وكس، ولا شطط، ثم يعتق»، فجعله عتيقًا بعد\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٣٥١ - ٣٥٢) «الفتح» (٢٥٢٧).","vol":"10","page":444},{"text":"دفع القيمة.\nوفي حديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيح»: «فعليه خلاصه في ماله إن كان له مال»، وكل الروايات في «الصحيحين».\nواستدل أصحاب القول الأول بما في «البخاري»: «من أعتق نصيبًا، وكان له من المال ما يبلغ ثمنه؛ فهو عتيق»، وفي رواية النسائي: «من أعتق عبدًا، وله فيه شركاء، وله وفاء؛ فهو حرٌّ، ويضمن نصيب شركائه بقيمته».\nوللطحاوي من طريق ابن أبي ذئب، عن نافع: «فكان للذي يعتق نصيبه ما يبلغ ثمنه؛ فهو عتيق كله»، وعن أبي هريرة -﵁- في «البخاري»: «من أعتق شقصًا في عبد أعتق كله إن كان له مال».\nوقد عزا القول الأول الحافظ للجمهور، وأجاب عن أدلة القول الثاني بقوله:\n\"وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْتِيب الْعِتْق عَلَى التَّقْوِيم تَرْتِيبه عَلَى أَدَاءِ الْقِيمَةِ؛ فَإِنَّ التَّقْوِيمَ يُفِيدُ مَعْرِفَة الْقِيمَة، وَأَمَّا الدَّفْع فَقَدْرٌ زَائِد عَلَى ذَلِكَ.\nوَأَمَّا رِوَايَة مَالِك الَّتِي فِيهَا «فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصهمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْد»، فَلَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا لِسِيَاقِهَا بِالْوَاوِ\".اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5966>مسألة [٤]: إذا أعتق الشريكُ وهو معسر</span>؟\nإذا أعتق الشريك وهو معسر، ففيه قولان لأهل العلم:\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٣٥٣ - ٣٥٥) «الفتح» (٢٥٢٥).","vol":"10","page":445},{"text":"• منهم من قال: يُسْتَسْعَى العبد لأداء بقية القيمة للشركاء.\nواستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁-، وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأحمد في رواية، والبخاري، وهو قول ابن شبرمة، وابن أبي ليلى.\n• وذهب كثيرٌ من الفقهاء إلى عدم القول بالسعاية، وقالوا: يعتق منه ما عتق. وهذا قول أحمد، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وداود، وابن المنذر وغيرهم.\nواستدلوا بحديث ابن عمر -﵄- الذي في الباب، وأعلُّوا حديث أبي هريرة كما تقدم.\nوهذا القول أقرب -والله أعلم- لحديث ابن عمر؛ ولأنَّ الاستسعاء إعتاق بعوض؛ فلا يجبر عليه كالكتابة، ولأنَّ في الاستسعاء إضرارًا إِمَّا بالشريك، أو بالعبد.\n• وقد ذهب البخاري إلى أنَّ ذلك بمعنى الكتابة، يعني إذا أراد ذلك السيد، وإذا أراد أن يعتقه؛ فله ذلك، وهذا قول أبي حنيفة.\n• وقال الأكثرون: يصير عتيقًا بمجرد العتق، ويُسْتَسْعَى العبد في تحصيل قيمة نصيب الشريك، وزاد ابن أبي ليلى: ثم يرجع العبد على المعتق الأول بما أداه للشريك.","vol":"10","page":446},{"text":"والذي يظهر هو قول أحمد، ومالك، والشافعي، والله أعلم، وأما الكتابة فسيأتي حكمها وشروطها إن شاء الله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5967>مسألة [٥]: إذا أعتقَ شخصٌ بعض عبده</span>؟\n• إذا أعتق إنسان نصف عبده، أو ثُلُثه، أو عشره، أو أقل، فجمهور العلماء على أنه يعتق كله؛ لأنه إذا سرى العتق لملك الغير فعلى ملكه أولى.\n• وذهب حماد، وأبو حنيفة إلى أنه يعتق ما عتق، ويسعى العبد في باقيه.\nوالصحيح هو قول الجمهور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5968>مسألة [٦]: إذا أعتق جزءًا معينًا من جسده، كرأسه ورجله</span>؟\n• ذهب عامة أهل العلم إلى أنه يعتق كله أيضًا كما لو قال: عشر عبده. أو: نصف عشره.\n• وذهب أصحاب الرأي إلى أنه إن ذكر جزءًا لا تبقى الحياة بدونه؛ عتق كله، وإلا فلا يعتق.\nوالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٣٥٨ -) «الفتح» (٢٥٢٧).\n(^٢) «المغني» (١٤/ ٣٦٢ - ٣٦٣).\n(^٣) «المغني» (١٤/ ٣٦٣).","vol":"10","page":447},{"text":"١٤٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا [فَيَشْتَرِيَهُ] (^١) فَيُعْتِقَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\n١٤٢٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَرَجَّحَ جَمْعٌ مِنَ الحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5969>مسألة [١]: من مَلِكَ عبدًا، أو أمةً وهو ذو رحم محرم</span>؟\n• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يعتق عليه بمجرد ملكه، واستدلوا بحديث\n_________\n(^١) زيادة ومن «صحيح مسلم».\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٥١٠).\n(^٣) معل. أخرجه أحمد (٥/ ١٥)، وأبوداود (٣٩٤٩)، والترمذي (١٣٦٥)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ١٧٣)، وابن ماجه (٢٥٢٤)، من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة به. وقد تفرد حماد بن سلمة بوصل هذا الحديث، ورواه غيره من الثقات عن قتادة عن عمر، وعن قتادة عن الحسن موقوفًا عليهما.\nقال أبوداود: لم يحدث ذلك الحديث إلا حماد بن سلمة، وقد شك فيه، ثم أسند من طريق سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة عن عمر موقوفًا عليه وعن الحسن موقوفًا عليه.\nثم قال: سعيد أحفظ من حماد.\nوقد أعل رواية حماد بن سلمة البخاري وابن المديني والبيهقي وغيرهم. انظر: «نصب الراية» (٣/ ٢٧٩)، و«البدر المنير» (٩/ ٧٠٨).\nوله شاهد من حديث ابن عمر -﵄-: أخرجه النسائي وغيره وأنكره الحفاظ كما في «نصب الراية» (٣/ ٢٧٨)، و«البدر المنير» (٩/ ٧٠٨ - ٧٠٩).","vol":"10","page":448},{"text":"سمرة -﵁-، وبأنه ورد عن عمر -﵁- القول بذلك. (^١)\nثم اختلفوا:\n• فذهب الشافعي إلى تخصيصه بالأصول والفروع، وزاد مالك الإخوة والأخوات.\n• وذهب سائر الجمهور إلى تعميم المحارم؛ لظاهر الحديث.\n• وذهب الظاهرية إلى أنه لا يعتق بمجرد الملك.\nواستدلوا بحديث أبي هريرة -﵁- المتقدم في الباب: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقُهُ»، فجعل العتق أمرًا زائدًا على مجرد الشراء.\nقلتُ: وهذا القول هو الصواب؛ لضعف حديثهم، ولضعف الأثر عن عمر -﵁-. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5970>مسألة [١]: من ملك محرمًا من الرضاعة</span>؟\n• جمهور العلماء على أنه لا يعتق بمجرد الملك.\n• وكان شريك القاضي يعتقهم بمجرد الملك.\nوالصحيح قول الجمهور. (^٣)\n_________\n(^١) هو منقطع كما في تخريج حديث الباب، وكما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٦/ ٣١).\n(^٢) انظر: «تهذيب السنن» (٥/ ٤٠٨) «المغني» (٩/ ٢٢٤) «ابن أبي شيبة» (٦/ ٣٠ -).\n(^٣) انظر: «تهذيب السنن» (٥/ ٤٠٨) «المغني» (٩/ ٢٢٤ -).","vol":"10","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5971>مسألة [٢]: من ملك نصيبًا من ذي رحم محرم</span>؟\n• جمهور العلماء على أنَّ نصيبه يصير حُرًّا، ويسري عليه العتق إن كان موسرًا إن ملكه بغير الميراث، وأما إن ملكه بالميراث؛ فلا يسري؛ لأنَّ الميراث ملك قهري حكمي.\n• وذهب أحمد في رواية إلى أنه يسري حتى في الميراث.\n• وذهب بعضهم إلى أنه لا يسري مطلقًا، والله أعلم.\nقلتُ: المسألة موضوعة، ومفرعة على قول الجمهور في المسألة السابقة. (^١)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٣٧٤ -).","vol":"10","page":450},{"text":"١٤٢٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁-: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكَيْنِ لَهُ، عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا: ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5972>مسألة [١]: إذا أعتق عبيده في مرضِ موته، أو دَبَّرَهم، أو أوصى بعتقهم</span>؟\n• دلَّ حديث عمران بن حصين على أنَّ ذلك يُعتبر خروجه من الثلث؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يجز من العتق إلا ثلثهم؛ فإن أعتق أكثر من الثلث لم يجز إلا الثلث؛ فإن أعتق عبيدًا في مرضه واحدًا بعد واحدٍ؛ بُدِئ بالأول فالأول حتى يُسْتَوفَى الثلث، وإن وقع العتق دفعة واحدة، ولم يخرجوا من الثلث؛ أقرع بينهم، فأخرج الثلث بالقرعة؛ لحديث عمران، وهذا قول عمر بن عبدالعزيز، وأبان بن عثمان، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، وابن جرير.\n• وقال أبو حنيفة: يُعْتَق من كل واحد ثلثه، ويُستسعى في باقيه. وهو قول الشعبي، والنخعي، وقتادة، وحماد، وردَّ الحنفية حديث عمران بأنه مخالف للقياس، وقولهم ضعيف؛ لمخالفته الحديث الصحيح، وأما التابعيون فلعلهم لم يبلغهم الحديث، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٦٦٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٣٧٩ - ٣٨٠).","vol":"10","page":451},{"text":"١٤٢٦ - وَعَنْ سَفِينَةَ -﵁- قَالَ: كُنْت مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: أَعْتِقُكَ وَأَشْتَرِطُ عَلَيْكَ أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَا عِشْت. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5973>مسألة [١]: استثناء منفعة من المعتَق</span>؟\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام»: الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ اشْتِرَاطِ الْخِدْمَةِ عَلَى الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِشَرْطٍ فَيَقَعُ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ. وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ - ﷺ - قَرَّرَ ذَلِكَ؛ إذْ الْخِدْمَةُ لَهُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَعْتَقَ رَقِيقَ الْإِمَارَةِ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْدُمُوا الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ، قَالَ فِي «نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ»: لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ سِنِينَ أَنَّهُ لَا يُتِمُّ عِتْقَهُ إلَّا بِخِدْمَتِهِ. اهـ\nقلتُ: الذي يظهر من الحديث أنه عتق واستثناء منفعة، وليس عتقًا معلقًا بالمنفعة؛ إذًا لقالت: إذا خدمت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كذا وكذا؛ فأنت حرٌّ.\nويؤيد ذلك تعليقها الخدمة بمدة الحياة؛ ولذلك قال الخطابي: هذا وعد عُبِّر عنه باسم الشرط، ولا يلزم الوفاء به، وأكثر الفقهاء لا يصححون إيقاع الشرط بعد\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٢٢١)، وأبوداود (٣٩٣٢)، والنسائي في «الكبرى» (٤٩٩٥)، والحاكم (٢/ ٢١٣ - ٢١٤)، من طرق عن عبد الوارث، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة به. وإسناده صحيح رجال ثقات.","vol":"10","page":452},{"text":"العتق؛ لأنه شرط لا يلاقي ملكًا، ومنافع الحر لا يملكها غيره إلا في إجارةٍ، أو ما في معناها. (^١)\nتنبيه: أحكام العتق في تعليقه بالشرط، ووقوعه بالهزل كأحكام الطلاق في ذلك، وقد تقدم الكلام على ذلك في كتاب الطلاق.\n_________\n(^١) وانظر: «نيل الأوطار» «سبل السلام».","vol":"10","page":453},{"text":"١٤٢٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ. (^١)\n\n١٤٢٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (^٢)، وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5974>مسألة [١]: الولاء لمن أعتق</span>.\nأما معنى الولاء فهي رابطة بين السيد وعبده المعتق يرث بها السيد من عتيقه إن لم يوجد عصبة غيره بسبب نعمته عليه بالعتق، وقد أجمع أهل العلم على أنَّ للسيد على عبده الذي أعتقه الولاء؛ لحديث الباب. (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٦٨)، ومسلم (١٥٠٤).\n(^٢) ضعيف منكر بهذا اللفظ. أخرجه الشافعي كما في «المسند» (٢/ ٧٢ - ٧٣)، وابن حبان (٤٩٥٠)، والحاكم (٤/ ٣٤١)، وفي إسناده أبو يوسف القاضي، وهو ضعيف، وقد خالفه الثقات فرووه باللفظ الآتي في «الصحيحين» وقد أنكره باللفظ المذكور أبوبكر النيسابوري والبيهقي.\nوقد تقدم تخريج الحديث في (باب الفرائض) برقم (٩٤٩) وللحديث طرق أعلها البيهقي (١٠/ ٢٩٢)، وانظر: «التلخيص» (٤/ ٣٩٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٧٥٦)، ومسلم (١٥٠٦). عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن بيع الولاء وهبته.\n(^٤) انظر: «المغني» (٩/ ٢١٥).","vol":"10","page":454},{"text":"وإن اختلف دين السيد وعبده؛ فالولاء ثابت بلا خلاف، ولكنه لا يرثه على الصحيح مطلقًا؛ لوجود مانع، وهو اختلاف الدين، وقد تقدم بيان ذلك في باب الفرائض. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5975>مسألة [٢]: إن أعتق حربيٌّ حربيًّا فهل يثبت له الولاء</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٢١٨): وَإِنْ أَعْتَقَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيًّا، فَلَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ مُشَبَّهٌ بِالنَّسَبِ، وَالنَّسَبُ ثَابِتٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ. وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَهْلَ الْعِرَاقِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْعِتْقُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْكِتَابَةُ وَالتَّدْبِيرُ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَ أَمَتَهُ، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ، مُسْلِمًا كَانَ السَّيِّدُ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا.\nوَلَنَا: أَنَّ مِلْكَهُمْ ثَابِتٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧]، فَنَسَبَهَا إلَيْهِمْ، فَصَحَّ عِتْقُهُمْ كَأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا صَحَّ عِتْقُهُمْ ثَبَتَ الْوَلَاءُ لَهُمْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَإِنْ جَاءَنَا الْمُعْتَقُ مُسْلِمًا، فَالْوَلَاءُ بِحَالِهِ.\nفَإِنْ سُبِيَ مَوْلَى النِّعْمَةِ، لَمْ يَرِثْ مَادَامَ عَبْدًا، فَإِنْ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِمُعْتِقِهِ، وَلَهُ الْوَلَاءُ عَلَى مُعْتِقِهِ، وَهَلْ يَثْبُتُ لِمُعْتِقِ السَّيِّدِ وَلَاءٌ عَلَى مُعْتَقِهِ؟ يُحْتَمَلُ أَنْ يَثْبُتَ؛ لِأَنَّهُ مَوْلَى مَوْلَاهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ؛ لِأَنَّهُ مَا حَصَلَ مِنْهُ إنْعَامٌ عَلَيْهِ وَلَا سَبَبٌ لِذَلِكَ. انتهى.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢١٨).","vol":"10","page":455},{"text":"قلتُ: والذي يظهر أنه يثبت له عليه ولاء؛ لأنه قد أنعم على من له عليه الولاء، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5976>مسألة [٣]: إن سُبي الْمُعتَق الكافرَ الذي أعتقه كافرٌ، ثم اشتراه رجل من المسلمين، فأعتقه، فهل الولاء للأول، أم للثاني</span>؟\n• مذهب أحمد، ومالك، والشافعي أنَّ الولاء للثاني دون الأول؛ لأنَّ السبي يبطل ملك الحربي الأول؛ فالولاء تابع له، ولأنَّ الولاء بطل باسترقاقه، فلم يعد بإعتاقه.\n• وذهب بعضهم إلى أنَّ الولاء بينهما، واختاره ابن المنذر.\n• وقيل: الولاء للأول فقط؛ لأنه أسبق.\nوالقول الأول أقرب الأقوال، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5977>مسألة [٤]: بيع الولاء وهبته</span>؟\nدلَّ حديث الباب على عدم جواز ذلك، بل جاء في الحديث الصحيح: «من تولى غير مواليه؛ فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين» أخرجه البخاري برقم (١٨٧٠)، ومسلم برقم (١٣٧٠) عن علي -﵁-.\nوعلى تحريم ذلك عامة أهل العلم إلا خلافًا شاذًّا حُكي عن عطاء، وآخرين. (^٢)\n_________\n(^١) «المغني» (٩/ ٢١٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٩/ ٢١٩ - ٢٢٠).","vol":"10","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5978>مسألة [٥]: إذا أعتق السيدُ عبدَه سائبة، بمعنى: لا يريد ولاءه</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ له ذلك، ولا ولاء له، رُوي عن عمر (^١)، وهو قول عمر بن عبدالعزيز، والزهري، ومكحول، وأبي العالية، ومالك، وأحمد في رواية؛ إلا أنَّ أحمد قال: إن مات عن مالٍ لم يورث؛ اشتُرِيَ به رقاب، فأُعتِقوا كما نُقِل عن ابن عمر -﵄- أنه فعل ذلك. أخرجه عبدالرزاق (٩/ ٢٨) بإسناد صحيح. وقال الآخرون: يُجعل ولاؤه لجماعة المسلمين. ولا ينافي ذلك ما قاله أحمد؛ لأن أحمد يُحمل قوله على أنه على سبيل الاستحباب.\n• وقال عطاء: يوالي من شاء.\n• وذهب الشعبي، والنخعي، والكوفيون إلى أنه لا بأس ببيع ولاء السائبة وهبته.\n• وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ الولاء للمعتِق، وهو قول ابن سيرين، والحسن، والشافعي، وأحمد في رواية، وابن المنذر؛ لحديث: «إنما الولاء لمن أعتق»، وحديث: «اشترطي لهم، فإنما الولاء لمن أعتق» بمعنى أنَّ الشرط لا يغنيهم شيئًا، وصحَّ هذا القول عن ابن مسعود. (^٢)\nوهذا القول هو الصحيح، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه عبدالرزاق (٩/ ٢٦ -) من طريق: عطاء، عنه؛ فهو منقطع ضعيف، ثم وجدت له طريقًا أخرى عند عبدالرزاق (٩/ ٢٧) بإسناد صحيح بالمعنى.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٧٥٣)، وعبدالرزاق (٩/ ٢٥ - ٢٦).","vol":"10","page":457},{"text":"قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٢٢١ - ٢٢٢): وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ فِي الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ، وَفِي المَوَاضِعِ الَّتِي جَعَلَ الصَّحَابَةُ مِيرَاثَهُ لِبَيْتِ المَالِ أَوْ فِي مِثْلِهِ؛ كَانَ لِتَبَرُّعِ المُعْتِقِ وَتَوَرُّعِهِ عَنْ مِيرَاثِهِ. اهـ (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5979>مسألة [٦]: من ملك ذا رحم محرم</span>؟\nتقدم أنَّ الجمهور يرون عتقه بمجرد ملكه، وهل له الولاء؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٢٢٤): وَمَتَى عَتَقَ عَلَيْهِ؛ فَوَلَاؤُهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ مَالِهِ بِسَبَبِ فِعْلِهِ، فَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ، كَمَا لَوْ بَاشَرَ عِتْقَهُ، وَسَوَاءٌ مَلَكَهُ بِشِرَاءٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ إرْثٍ، أَوْ غَيْرِهِ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ خِلَافًا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5980>مسألة [٧]: هل للسيد على المكاتب ولاء</span>؟\n• جمهور العلماء على أنَّ له عليه الولاء؛ لأنَّ السيد هو الذي أعتقه حين أَتبعه بماله، وماله وكسبه لسيده، فجعل ذلك له، ثم باعه به حتى عتق؛ فكان هو المعتق.\n• وحُكي عن عمرو بن دينار، وأبي ثور أنه لا ولاء على المكاتب.\n• وقال قتادة: من لم يشترط ولاء المكاتب؛ فللمكاتب أن يوالي من شاء.\n• وقال مكحول: أما المكاتب إذا اشترط ولاءه مع رقبته؛ فجائز.\nوالصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) وانظر: «فتح الباري» (٦٧٥٣).\n(^٢) «المغني» (٩/ ٢٢٥).","vol":"10","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5981>مسألة [٨]: إذا أعتق إنسانٌ عبدَه عن غيره</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الولاء للمعتق عنه، حيًّا، أو ميتًا، بأمره، أو بغير أمره، وهو قول الحسن، ومالك، وأبي عبيد؛ لأنَّ العبد معتق عنه.\n• وذهب بعضهم إلى أنَّ الولاء للمعتق مطلقًا؛ لحديث: «إنما الولاء لمن أعتق»، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وداود؛ إلا أن يعتقه عن عوض، فيكون له الولاء، ويلزمه العوض.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن أعتقه بأمره؛ فالولاء للمعتق عنه، وإن أعتقه عنه بغير أمره؛ فالولاء للمعتق؛ لما تقدم من الأدلة، وهذا قول الثوري، والأوزاعي، وأحمد، والشافعي، وهو الصحيح، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: إذا التزم المعتق عنه الثمن مع أمره بالعتق؛ فلا خلاف في أنَّ الولاء له، ويلزمه الثمن، كأن يقول: أعتق عبدك عني، وعليَّ ثمنه. (^٢)\nتنبيه: إذا قال: أعتق عبدك، وعليَّ ثمنه. فالولاء للمعتِق؛ لأنه أعتقه لنفسه، والثمن يكون جعلًا له. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5982>مسألة [٩]: إذا مات المعتِق، فهل ينتقل الولاء لورثته</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٢٢٠): وَلَا يَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ عَنْ الْمُعْتِقِ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٢٧).\n(^٢) «المغني» (٩/ ٢٢٧).\n(^٣) «المغني» (٩/ ٢٢٨).","vol":"10","page":459},{"text":"بِمَوْتِهِ، وَلَا يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ، وَإِنَّمَا يَرِثُونَ الْمَالَ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ لِلْمُعْتِقِ. هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، وَأُسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَابْن قُسَيْطٍ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَدَاوُد، وَشَذَّ شُرَيْحٌ، وَقَالَ: الْوَلَاءُ كَالْمَالِ، يُورَثُ عَنْ المُعْتِقِ، فَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا حَيَاتَهُ؛ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ. وَرَوَاهُ حَنْبَلٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ أَحْمَدَ، وَغَلَّطَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فَإِنَّ رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ -﵇-: «الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ»، وَقَوْلِهِ: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ»، وَالنَّسَبُ لَا يُورَثُ وَإِنَّمَا يُورَثُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُورَثُ بِهِ، فَلَا يَنْتَقِلُ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ، وَاَللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٢٤٤): والمَوْلَى الْعَتِيقَ إذَا لَمْ يَخْلُفْ مِنْ نَسَبِهِ مَنْ يَرِثُ مَالَهُ؛ كَانَ مَالُهُ لِمَوْلَاهُ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ؛ فَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ مَيِّتًا، فَهُوَ لِأَقْرَبِ عَصَبَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ وَلَدًا أَوْ أَبًا، أَوْ أَخًا أَوْ عَمًّا، أَوْ ابْنَ عَمٍّ أَوْ عَمَّ أَبٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُعْتَقُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ مِنْ نَسَبِهِ، كَانَ الْمِيرَاثُ لِمَوْلَاهُ، ثُمَّ لِعَصَبَاتِهِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، ثُمَّ لِمَوْلَاهُ، وَكَذَلِكَ أَبَدًا رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ -﵁-، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ. انتهى المراد.","vol":"10","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5983>مسألة [١٠]: إذا ماتت المعتقة، ثم مات ابنها، ثم مات مولاها</span>؟\nهل ينتقل الإرث بالولاء إلى عصبة الابن، أم إلى عصبة المعتقة؟ فيه خلاف:\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه ينتقل إلى عصبة المعتقة بعد الابن، وهو قول أبان بن عثمان، وقبيصة بن ذؤيب، وعطاء، وطاوس، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأهل العراق، ورُوي عن علي -﵁-.\nوحجَّتُهم في ذلك أنَّ الولاء لا يورث، وإنما يورث به، وهو باقٍ للمعتِق، يرث به أقرب عصباته، والأثر عن علي -﵁- ضعيف. (^١)\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه أي: الإرث بالولاء ينتقل إلى عصبة الابن، وهو قول سعيد بن المسيب، وشُريح، ونُقل عن علي -﵁-.\nواستدلوا بأنَّ عمر بن الخطاب -﵁- قضى بذلك، وأشهد عليه ابن عوف، وزيد.\nواستدلوا بحديث: «ما أحرز الوالد، أو الولد؛ فهو لعصبته من كان»، وهذا الحديث أخرجه أحمد (١٨٣)، وأبو داود (٢٩١٧)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٧٥)، وغيرهم، ومدار طرقه على: حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، فرواه عن حسين: يحيى القطان، وحماد ابن أسامة، وعبدالوارث، عنه، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكر القصة، وقضاء عمر بذلك.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٣٩٢ - ٣٩٣)، وفي إسناده: مندل العنزي، وهو ضعيف، وفيه انقطاع بين إبراهيم النخعي، وعلي -﵁-.","vol":"10","page":461},{"text":"ورواه معتمر بن سليمان كما في «الكبرى» للنسائي (٤/ ٧٥)، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب قال: قال عمر. مرسلًا، ولم أجد من رجَّح رواية الإرسال على الرواية الموصولة، ولكن أسند أبو داود بإسناد صحيح كما في «تحفة الأشراف» (٨/ ٧٧) عن حميد الطويل أنه قال: الناس يتهمون عمرو بن شعيب في هذا الحديث.\nقلتُ: وقد ثبت عن عمر، وعثمان أنهما قالا: الولاء للكُبْر. أخرجه البيهقي (١٠/ ٣٠٣) بإسناد صحيح من رواية سعيد بن المسيب عنهما، ويعنيان أقربهم عصبة بالمعتِق. ومن أجل هذا رَّجح أحمد، والبيهقي هذا الأثر على رواية عمرو بن شعيب.\nقال ابن الملقن -﵀- في «البدر المنير» (٩/ ٧٢٤): قال أحمد في رواية ابنه صالح: حديث عمر مرفوعًا: «ما أحرز الوالد، أو الولد؛ فهو لعصبته من كان» هكذا يرويه عمرو بن شعيب، وقد رُوي عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وابن مسعود أنهم قالوا: الولاء للكُبْر. (^١) فهذا الذي يُذهَب إليه، وهو قول أكثر الناس فيما بلغنا. اهـ\nوقال البيهقي -﵀- (١٠/ ٣٠٤): ومرسل ابن المسيب عن عمر -﵁- أصح من رواية عمرو بن شعيب، وأما الحديث المرفوع فيه؛ فليس فيه أنَّ النبي - ﷺ - قال\n_________\n(^١) أخرجها -دون أثر عثمان- ابنُ أبي شيبة (١١/ ٤٠٤)، من طريق: إبراهيم النخعي عنهم، وهي رواية منقطعة، ولكن رواية إبراهيم عن ابن مسعود مقبولة صحيحة.","vol":"10","page":462},{"text":"ذلك في الولاء. اهـ\nبينما صحح ابن المديني، وابن عبدالبر الرواية المذكورة، وجزم بالقول بها ابن عبدالبر.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الأصح هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5984>مسألة [١١]: أولاد المعتَق، أو المعتَقَة يجري عليهم الولاء</span>؟\nذكر أهل العلم أنَّ من أعتق عبدًا، فولاؤه له، ثم ما جاء من أولاده كذلك، وكذلك من أعتق أمةً ثم ولدت من عبدٍ؛ فولاؤها لمولاها، وكذا ولاء أولادها.\nواختلف أهل العلم فيما إذا أعتق العبد بعد أن أولدها، هل ينجر الولاء من موالي الأم إلى موالي الأب -أعني في الأولاد-؟\n• فذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم إلى أنه ينجر الولاء إلى موالي الأب، وثبت هذا القول عن عمر، وعثمان، وعلي، والزبير، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١١/ ٣٩٧ -)، و«مصنف عبدالرزاق (٩/ ٤٠ -) والبيهقي (١٠/ ٣٠٦) وجاء عن ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وفي الإسناد إليهما ضعف، وهو قول مروان، وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبدالعزيز، والنخعي، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم؛ وذلك لأنَّ الولاء كالنسب، والانتساب إلى\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٤٤ -) «التمهيد» (١١/ ١٦٩ -) ط/مرتبة. «ابن أبي شيبة» (١١/ ٣٩١ -) «البيهقي» (١٠/ ٣٠٤ - ٣٠٥) «المسند الجامع» (١٣/ ٥٧٣ - ٥٧٤).","vol":"10","page":463},{"text":"الأب، فكذلك الولاء، ولذلك لو كانا حرين؛ كان ولاء ولدهما لمولى أبيه بلا خلاف، فلما كان مملوكًا؛ كان الولاء لمولى الأم ضرورة، فإذا عَتَقَ الأبُ؛ زالت الضرورة، فعادت النسبة إليه، والولاء إلى مواليه.\n• وذهب بعضهم إلى أنه لا ينجر إلى موالي الأب بعتقه، بل يبقى الولاء لموالي الأم، وهذا قول الزهري، وميمون بن مهران، ومالك بن أوس بن الحدثان، وحميد بن عبدالرحمن، وداود، ومن الصحابة: رافع بن خديج -﵁- كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١١/ ٣٩٨)، و«مصنف عبدالرزاق» (٩/ ٤١)؛ وذلك لأنه قد ثبت الولاء لهم، فلا يزول بعد ذلك، كما لا يزول النسب.\nوالصحيح -والله أعلم- هو قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5985>مسألة [١٢]: إذا انجر الولاء إلى موالي الأب، ثم انقرضوا</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٢٣٠): إذَا انْجَرَّ الْوَلَاءُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ، ثُمَّ انْقَرَضُوا؛ عَادَ الْوَلَاءُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ بِحَالٍ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- (^٢) أَنَّهُ يَعُودُ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ جَرَى مَجْرَى الِانْتِسَابِ، وَلَوْ انْقَرَضَ الْأَبُ وَآبَاؤُهُ لَمْ تَعُدْ النِّسْبَةُ إلَى الْأُمِّ، كَذَلِكَ الْوَلَاءُ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَوَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِ الْأَبِ؛ كَانَ وَلَاءُ وَلَدِهَا لِمَوَالِي أَبِيهِ بِلَا خِلَافٍ؛ فَإِنْ نَفَاهُ بِاللِّعَانِ، عَادَ وَلَاؤُهُ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ؛\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٢٩ -) «سنن البيهقي» (١٠/ ٣٠٦ - ٣٠٧) «ابن أبي شيبة» (١١/ ٣٩٧ - ٤٠١)، «مصنف عبدالرزاق» (٩/ ٤٠ -).\n(^٢) لم أجد له سندًا.","vol":"10","page":464},{"text":"لِأَنَّا نَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ؛ فَإِنْ عَادَ فَاسْتَلْحَقَهُ، عَادَ الْوَلَاءُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5986>مسألة [١٣]: شروط انجرار الولاء</span>.\nذكر أهل العلم أنَّ الانجرار من موالي الأم إلى موالي الأب له ثلاثة شروط:\nالشرط الأول: أن يكون الأبُ عبدًا حين الولادة.\nفإن كان حُرًّا، وزوجته مولاة لم يَخْلُ إما أن يكون حرَّ الأصل؛ فلا ولاء على ولده بحال، وإن كان مولًى؛ ثبت الولاء على ولده لمواليه ابتداءً، ولا جرَّ فيه.\nالشرط الثاني: أن تكون الأم مولاة.\nفإن لم تكن كذلك لم تَخْلُ إما أن تكون حرة الأصل؛ فلا ولاء على ولدها بحال، وهم أحرار بحريتها، أو تكون أمةً؛ فولدها رقيق لسيدها؛ فإن أعتقهم فولاؤهم له لا ينجر عنه بحال، سواء أعتقهم بعد ولادتهم، أو أعتق أمهم حاملًا بهم، فعتقوا بعتقها؛ لأنَّ الولاء ثبت بالعتق مباشرة، فلا ينجر عن المعتِق؛ لقوله -﵇-: «إنما الولاء لمن أعتق».\nوإن أعتقها المولى فأتت بولدٍ لدونِ ستة أشهر من يوم أعتق؛ فقد مسَّه الرق، وعتق بالمباشرة، فلا ينجر ولاؤه، وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر مع بقاء الزوجية؛ لم يحكم بمس الرق له، وانجر ولاؤه؛ لأنه يحتمل أن يكون حادثًا بعد العتق؛ فلم يمسه الرق، ولم يحكم برقه بالشك، وإن كانت المرأة بائنًا وأتت بولد","vol":"10","page":465},{"text":"لأربع سنين من حين الفرقة؛ لم يلحق بالأب، وكان ولاؤه لمولى أمه، وإن أتت به لأقل من ذلك؛ لحقه الولد، وانجر ولاؤه.\nالشرط الثالث: أن يعتق العبدَ سيدُه.\nفإن مات على الرق؛ لم ينجر الولاء بحال، وهذا لا خلاف فيه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5987>مسألة [١٤]: أولاد الأمة</span>.\nقال أبو محمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (٩/ ٢٣١): وَوَلَدُ الْأَمَةِ مَمْلُوكٌ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ مِنْ سِفَاحٍ، عَرَبِيًّا كَانَ الزَّوْجُ أَوْ أَعْجَمِيًّا.\nوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَعَنْ عُمَرَ: إنْ كَانَ زَوْجُهَا عَرَبِيًّا؛ فَوَلَدُهُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ. (^٢)\nوَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ المُسَيِّبِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ.\nوَالْأُوَلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ أُمَّهُمْ أَمَةٌ، فَكَانُوا عَبِيدًا، كَمَا لَوْ كَانَ أَبُوهُمْ أَعْجَمِيًّا. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5988>مسألة [١٥]: إن كان أحد الأبوين حرَّ الأصل، والآخر حرًّا بالتحرير</span>؟\n• لا ولاء على أولادهما عند جمهور العلماء؛ لأنَّ الأم إن كانت هي الحرة الأصل؛ فلا عبودية على أولادها، وإن كان هو الأب؛ فلا ولاء على الأب،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٩/ ٢٣٠ - ٢٣١).\n(^٢) لم أجد له سندًا.","vol":"10","page":466},{"text":"فكذلك أولاده.\n• وخالف أبو حنيفة، فقال: يثبت الولاء على ولد الأعجمي، وإن كان حرَّ الأصل.\nوالصحيح قول الجمهور. (^١)\nتنبيه: إذا مات المعتَقُ، وخلَّف أبا معتقه وابنه، أو خلَّف جد معتقه وأخاه، ففي هاتين المسألتين خلافٌ، والأقرب تقديم البنوة، ثم الأبوة، ثم الأخوة كالعصبة، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) «المغني» (٩/ ٢٣٢).\n(^٢) «المغني» (٩/ ٢٤٦ - ٢٤٧).","vol":"10","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5989>بَابُ المُدَبَّر وَالمُكَاتَبِ وَأُمِّ الوَلَدِ</span>\n١٤٢٩ - عَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟» فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِاللهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nوَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَاحْتَاجَ. (^٢)\nوَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ: وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ، وَقَالَ: «اقْضِ دَيْنَك». (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nمعنى التدبير:\nهو تعليق عتق العبد بموت سيده، والمدبَّر هو العبد الذي عُلِّقَ عتقه بموت سيده، كأن يقول له سيده: إذا مِتُّ؛ فأنت حر. أو: أنت حرٌّ عَقِبَ موتي. ومثله لو قال: أنت مدَبَّرٌ. أو: دبَّرتُك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5990>مسألة [١]: هل يخرج المدَبَّر من المال كاملًا، أم من الثلث</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه يخرج من الثلث فقط؛ لأنه تبرع بعد الموت؛ فكان\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧١٦)، ومسلم (٩٩٧).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٢١٤١).\n(^٣) أخرجه النسائي (٨/ ٢٤٦)، بإسناد حسن، وفي آخره: «وأنفق على عيالك».","vol":"10","page":468},{"text":"من الثلث كالوصية.\nيُروَى ذلك عن علي، وابن عمر -﵃- (^١)، وهو قول شريح، وابن سيرين، والحسن، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبدالعزيز، ومكحول، والزهري، وقتادة، ومالك، وأهل المدينة، والثوري، وأهل العراق، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي.\n• ورُوي عن ابن مسعود (^٢)، ومسروق، ومجاهد، والنخعي، وسعيد بن جبير أنه يعتق من رأس المال؛ لأنه عتق، فينفذ من رأس المال كالعتق في الصحة.\nوالصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5991>مسألة [٢]: إذا اجتمع العتق في المرض مع التدبير</span>؟\nإن كان التدبير قبل ذلك أو بعده؛ فالعتق في المرض مُقَدَّمٌ؛ لأنه عتق منجز، والتدبير عتق معلق بالموت. (^٤)\nوإن اجتمع التدبير مع الوصية بالعتق؛ قُدِّم التدبير؛ لأنَّ الحرية تقع فيه عند الموت، والوصية تقف على الإعتاق بعده، وقيل: يتساويا. وهو الصحيح. (^٥)\n_________\n(^١) أخرجهما البيهقي (١٠/ ٣١٤)، وأثر ابن عمر إسناده صحيح، وأثر علي إسناده ضعيف؛ فيه: أشعث بن سوَّار، وهو ضعيف.\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور (٢٦٤)، وفي إسناده: شريك القاضي وفيه ضعف، وفيه انقطاع بين الشعبي، وابن مسعود.\n(^٣) «المغني» (١٤/ ٤١٣).\n(^٤) «المغني» (١٤/ ٤١٣ - ٤١٤).\n(^٥) «المغني» (١٤/ ٤١٤).","vol":"10","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5992>مسألة [٣]: بيع المدبر</span>؟\nتقدم ذكر الخلاف في هذه المسألة في كتاب البيوع تحت الحديث رقم (٧٧١)، ورجحنا جواز بيعه، وتقدم هنالك أيضًا ذكر الخلاف في مسألة بيع المكاتب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5993>مسألة [٤]: إذا اشتراه بعد بيعه، هل يرجع في التدبير</span>؟\n• الأشهر في مذهب أحمد أنه يرجع في التدبير؛ وذلك مبني على مسألة أخرى وهي: هل التدبير وصية، أو عتق معلق بوصف؟ فبالأول قال الشافعي في القديم، وأحمد في رواية. وبالثاني قال الشافعي في الجديد وأحمد في رواية، وهو أظهر، والله أعلم. فعليه يرجع التدبير، وليس له الرجوع فيه بالقول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5994>مسألة [٥]: ولد المدبرة</span>.\nله حالان:\nالحال الأولى: أن يكون موجودًا حال تدبيرها، ويعلم ذلك بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر من حين التدبير؛ فهذا يدخل معها في التدبير.\nقال ابن قدامة -﵀-: بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا.\nقال: فَإِنْ بَطَلَ التَّدْبِيْرُ فِي الْأُمِّ؛ لِبَيْعٍ، أَوْ مَوْتٍ، أَوْ رُجُوعٍ بِالْقَوْلِ؛ لَمْ يَبْطُلْ فِي الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِيْهِ أَصْلًا. اهـ\n_________\n(^١) «المغني» (١٤/ ٤٢٢).","vol":"10","page":470},{"text":"الحال الثانية: أن تحمل به بعد التدبير؛ فهذا يتبع أمه في التدبير عند أكثر العلماء، وهو قول جماعة من الصحابة، وأكثر التابعين.\n• وذهب جابر بن زيد، وعطاء إلى أنه لا يتبعها في ذلك، وهو قولٌ للشافعي، ورواية ضعيفة عن أحمد، واختاره المزني؛ لأنَّ عتقها معلق بصفة تثبت بقول المعتِق وحده، فأشبهت من علق عتقها بدخول الدار؛ ولأنَّ التدبير وصية، وولد الموصى بها قبل الموت لسيدها.\nواستدل أصحاب القول الأول بأنه صح عن ابن عمر، وجابر -﵃- أنهما قالا: ولد المدبرة بمنزلتها. أخرجهما البيهقي (١٠/ ٣١٥)، ولا يعلم لهما مخالف.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٤٢٥ - ٤٢٦) -مُرَجِّحًا هذا القول-: وَلِأَنَّ الْأُمَّ اسْتَحَقَّتْ الْحُرِّيَّةَ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا؛ فَيَتْبَعُهَا وَلَدُهَا، كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَيُفَارِقُ التَّعْلِيقَ بِصِفَةٍ فِي الْحَيَاةِ، وَالْوَصِيَّةَ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّدْبِيرَ آكَدُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ الْأَمْرَانِ، وَمَا وُجِدَ فِيهِ سَبَبَانِ آكَدُ مِمَّا وُجِدَ فِيهِ أَحَدُهُمَا، وَكَذَلِكَ لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، وَلَا بِالرُّجُوعِ عَنْهُ. اهـ\nتنبيه: ولد المدبر حكمه حكم أمه بلا خلاف. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5995>مسألة [٦]: هل له وطءُ مدبَّرته</span>؟\n• عامة أهل العلم على أن له ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣]، قال أحمد: لا أعلم أحدًا كره ذلك غير الزهري.\n_________\n(^١) «المغني» (١٤/ ٤٢٧).","vol":"10","page":471},{"text":"• وحُكي عن الأوزاعي أنه إن كان لا يطؤها قبل تدبيرها؛ فلا يطؤها بعده.\nوالصحيح قول الجمهور، وقد صح عن ابن عباس، وابن عمر -﵃- القول بذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5996>مسألة [٧]: هل يصح التدبير من الصبي المميز</span>؟\n• ذهب بعض أهل العلم إلى صحة ذلك، وهو قول أحمد، ومالك في رواية، والشافعي في قول، وهو قول شريح، وعبدالله بن عتبة؛ لأنه نقل عن عمر أنه أجاز ذلك في الوصية (^٢)، فكذلك التدبير.\n• وذهب جماعةٌ إلى أنه لا يصح تدبيره، وهو قول الحسن، ومالك في رواية، والشافعي في قول، وأبي حنيفة؛ للحديث: «وعن الصبي حتى يبلغ»، ولقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:٦] الآية.\nوهذا القول أقرب، والله أعلم.\nوأما في الوصية فلا بأس بها؛ لأنَّ الحظ له؛ فإنه إن كبر وأراد الرجوع؛ فله الرجوع فيها، وإن مات كانت له أجرًا، والله أعلم. (^٣)\nفائدة: إذا قتل المدبَّر سيده؛ بطل تدبيره في الحال الذي لا يستحق فيه\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٢٩) «عبدالرزاق» (٩/ ١٤٧).\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور (١/ ١٢٦، ١٢٧)، ومالك (٢/ ٧٦٢)، والبيهقي (٦/ ٢٨٢)، وعبدالرزاق (٩/ ٧٨)، وفي إسناده انقطاع.\n(^٣) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٣٤ - ٤٣٥).","vol":"10","page":472},{"text":"الإرث، وتبطل فيه الوصية، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5997>مسألة [٨]: مكاتبة المدبر</span>.\nإذا أراد المدبر الكتابة؛ فله ذلك، ويجوز للسيد مكاتبته، نصَّ على ذلك أحمد، وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة (^٢)، والحسن. (^٣)\n_________\n(^١) «المغني» (١٤/ ٤٣٩).\n(^٢) أخرج الأثرين ابن أبي شيبة (٦/ ٣٧٦ -)، وإسناد أثر أبي هريرة -﵁- صحيح، وإسناد أثر ابن مسعود -﵁- ضعيف؛ فيه: محمد بن قيس بن كعب بن الأحنف، يرويه عن أبيه، عن ابن مسعود، ومحمد بن قيس، وأبوه مترجمان في «الجرح والتعديل» وهما مجهولان.\n(^٣) «المغني» (١٤/ ٤٣٩).","vol":"10","page":473},{"text":"١٤٣٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (^١)، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالثَّلَاثَةِ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^٢)\n\n١٤٣١ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (^٣)\n\n١٤٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «يُودَى المُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الحُرِّ، وَبِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ العَبْدِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُودَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (^٤)\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (٣٩٢٦)، بإسناد حسن.\n(^٢) حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١٧٨، ١٨٤)، وأبوداود (٣٩٢٧)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ١٩٧)، والترمذي (١٢٦٠)، وابن ماجه (٢٥١٩)، والحاكم (٢/ ٢١٨)، وهو حديث حسن بمجموع طرقه، ولفظه عند أحمد: «أيما عبد كوتب على مائة أوقية فأدَّاها إلا عشر أوقيات فهو رقيق» واللفظ الأول الذي عند أبي داود أصح، والله أعلم.\n(^٣) ضعيف. أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٩)، وأبوداود (٣٩٢٨)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ١٩٨)، والترمذي (١٢٦١)، وابن ماجه (٢٥٢٠)، وإسناده ضعيف؛ لأن فيه نبهان مولى أم سلمة وهو مجهول.\n(^٤) معل. أخرجه أحمد (١/ ٢٦٠)، وأبوداود (٤٥٨١)، والنسائي (٨/ ٤٥ - ٤٦)، من طرق عن يحيى ابن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس به.\nويحيى بن أبي كثير قد اختلف عليه فيه، فمنهم من رواه من طريقه موقوفًا، وقد خالفه أيوب في المحفوظ عنه فرواه عن عكرمة مرسلًا، وفي رواية جعله من كلام عكرمة، وأوقفه مرة على علي، وأشار إلى إعلاله البخاري وأحمد وأبوداود والبيهقي. انظر: «السنن الكبرى» (١٠/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، و«سنن أبي داود»، و«سنن الترمذي» (١٢٥٩).","vol":"10","page":474},{"text":"المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث\nمعنى الكتابة:\nالكتابة: مصدر من (كَتَبَ)، والمراد بها ههنا أن يعقد السيد مع عبده عقدًا مكتوبًا بأن يدفع العبد مالًا لسيده يكون في ذمته إلى أجلٍ معلوم، فيعتق نفسه بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5998>مسألة [١]: حكم الكِتابة</span>.\n• يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣]، فمن ابتغى الكتابة من العبيد، والإماء؛ فيجب على سيده أن يكاتبه إن علم فيه خيرًا؛ لظاهر الآية.\nوهو قول عطاء، وعمرو بن دينار، والضحاك، وأحمد في رواية، والظاهرية.\n• وقال إسحاق: أخشى أن يأثم. يعني إن لم يكاتبه، وقَوَّى هذا القول الإمام ابن عثيمين -﵀-، وقد علا عمر أنسًا بالدرة عند أن أبى أن يكاتب سيرين. (^١)\n• وذهب الجمهور إلى أنَّ ذلك مستحبٌّ وليس بواجب.\nوليس لهم دليل يصلح لصرف الآية عن الوجوب، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) علقه البخاري في «صحيحه» في [كتاب المكاتب] باب (١)، ووصله إسماعيل القاضي كما في «التغليق» (٣/ ٣٤٨)، والبيهقي (١٠/ ٣١٩) بإسناد صحيح.\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٤٢) «المحلى» (١٦٨٦) «البيان» (٨/ ٤١٢).","vol":"10","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5999>مسألة [٢]: معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾</span>.\n• أكثر الفقهاء والمفسرين يفسرون الخير بالأمانة، والصلاح، والقدرة على الوفاء، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم.\n• وقصرها بعضهم على الأمانة، والدِّين خاصَّة، وهو قول الحسن، والثوري. والصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6000>مسألة [٣]: مكاتبة من لا كسب له</span>.\n• مذهب أحمد كراهية مكاتبة من لا كسب له؛ لأنه ربما حمله ذلك على السرقة، أو الاختلاس، أو المسألة، أو نحو ذلك.\n• وعن أحمد رواية بعدم الاستحباب، وبعدم الكراهة، وهو قول الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر، واستدلوا على ذلك بمكاتبة بريرة، وجويرية -﵄- مع أنهما لا كسب لهما، وهذا القول أصح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6001>مسألة [٤]: الكتابة الحالة والمؤجلة</span>.\n• ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الكتابة لا تكون إلا مؤجلة؛ لأنه إن كان معه مال موجود حالًا؛ فهو ملك لسيده، وهو مذهب أحمد، والشافعي.\n• وذهب أبو حنيفة، ومالك إلى صحتها حالة ومؤجلة؛ لأنَّ العبد قد يستطيع\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٤٣) «البيان» (٨/ ٤١١).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٤٣) «البيان» (٨/ ٤١٢).","vol":"10","page":476},{"text":"أداءها حالًا بالاستدانة، أو بوجود إنسان يهب له مالًا إن علم أنه سيكاتب، أو ما أشبه ذلك. وهذا القول أقرب -والله أعلم- وهو قولٌ في مذهب أحمد، واختاره الإمام ابن عثيمين -﵀-. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6002>مسألة [٥]: إذا عجز المكَاتَب عن أداء جميع المال</span>؟\n• أكثر أهل العلم والفقهاء على أنه لا يزال عبدًا حتى يؤديَ جميع المال، ولا يزال عبدًا ما بقي عليه درهم.\nواستدلوا بحديث عمرو بن شعيب الذي في الباب.\nوقد صحَّ هذا القول عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر، وعائشة -﵃-، (^٢) وسعيد بن المسيب، والحسن، والزهري، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم.\n• وقال بعض الحنابلة: إذا أدَّى ثلاثة أرباع الكتابة عتق.\n• وقال عكرمة: يعتق بقدر ما أدَّى. وهو قول منقول عن ابن عباس، وعلي -﵃-. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٤٩) «الإنصاف» (٧/ ٤٢٤) «البيان» (٨/ ٤١٧ - ٤١٨).\n(^٢) انظر: «ابن أبي شيبة» (٦/ ١٤٦ -) «عبدالرزاق» (٨/ ٤٠٧ -) «البيهقي» (١٠/ ٣٢٤ -).\n(^٣) أثر ابن عباس -﵄- لم يثبت كما أشرنا إلى ذلك في تخريج حديثه في الباب، وأما أثر علي -﵁-، فأخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٥٢) من طريق الشعبي، عن علي -﵁-، وأخرجه عبدالرزاق (٨/ ٤١٢) من طريق عكرمة، عن علي -﵁-؛ فهو أثرٌ ثابت عنه بمجموع الطريقين؛ لأن كلًّا منهما منقطعة. ثم رجح لنا تصحيح رواية الشعبي عن علي -﵁- فقد سمع منه عددا من الأحاديث والآثار، وعلى هذا فالأثر صحيح.","vol":"10","page":477},{"text":"• وقال شريح، وابن مسعود: إذا أدَّى قدر قيمته؛ عتق، وكان غَرِيمًا بالباقي بعد عتقه. (^١)\n• وقال الحسن: إذا عجز؛ استسعي بعد العجز سنتين.\n• وقال النخعي: إذا أدَّى الشطر؛ عتق عليه.\nوالصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6003>مسألة [٦]: ضابط المال الذي يُكاتب عليه</span>.\nتجوز المكاتبة على كل مالٍ يجوز السَّلَم فيه؛ لأنه مال يثبت في الذمة مؤجَّلًا في معاوضة؛ فجاز ذلك فيه، كعقد السلم. «المغني» (١٤/ ٤٥٤).\nوتصح الكتابة على خدمة ومنفعة مباحة؛ لأنها أحد العوضين في الإجارة؛ فجاز أن تكون عوضًا في الكتابة كالأثمان، ويُشترط العلمُ بها كما يُشترط في الإجارة. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6004>مسألة [٧]: إعطاء المكاتَب بعض ما كُوتِب عليه</span>.\n• ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب إعطاء المكاتب شيئًا مما كوتب عليه، ويجب ذلك على السيد بقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، وهذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٤٩)، وعبدالرزاق (٨/ ٤١١) من طريق الشعبي، عن ابن مسعود، ولم يسمع منه.\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٥٢ - ٤٥٣) «البيان» (٨/ ٤٦١).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٥٥).","vol":"10","page":478},{"text":"• وذهب بعضهم إلى عدم الوجوب، وإنما هو مستحب، وهو قول الحسن، والنخعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة؛ لأنه عقد معاوضة؛ فلا يجب وضع شيء منه كسائر المعاوضات.\nوأُجيب بأنَّ الكتابة تخالف سائر العقود؛ فإنَّ القصد بها الرفق بالعبد بخلاف غيرها.\nقلتُ: وحديث عمرو بن شعيب المتقدم: «ما بقي عليه درهم» يدل على أنَّ الإيتاء ليس بواجب، وإنما هو مستحب، والله أعلم.\nوقد قيل: المراد بالإيتاء إعطاؤه من الصدقة، أو الندب إلى التصدق عليه من سائر المسلمين. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6005>مسألة [٨]: مقدار ما يُعطاه</span>.\n• قيل: الربع. قال بذلك جماعةٌ من الحنابلة، ورُوي عن علي -﵁- بإسنادين يحسن الأثر بهما، كما في «سنن البيهقي» (١٠/ ٣٢٩ -)، وابن جرير في تفسير سورة النور [آية:٣٣].\n• وقال قتادة: العُشر.\n• وقال الشافعي، ومالك، وابن المنذر: ما يقع عليه الاسم. ونُقل عن ابن عباس -﵄- ما يؤيده كما في المصادر السابقة، وهو ضعيف؛ لأنه من طريق علي\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٥٨ - ٤٥٩).","vol":"10","page":479},{"text":"ابن أبي طلحة عنه، ولم يسمع منه، وفي الإسناد إليه: عبدالله بن صالح كاتب الليث، وفيه ضعف.\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ و﴿مِنْ﴾ للتبعيض. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6006>مسألة [٩]: إذا عجل المكاتب المال قبل محله</span>؟\n• مذهب الشافعي، والصحيح في مذهب أحمد أنَّ السيد يلزمه قبوله؛ مالم يكن عليه ضرر في قبضه قبل محله، كالذي لا يفسد، ولا يختلف قديمه وحديثه، ولا يحتاج إلى مؤنة في حفظه، ولا يدفعه في حال خوف يخاف ذهابه؛ فإن اختل أحد هذه الأمور لم يلزم قبضه. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6007>مسألة [١٠]: إذا ملك العبد ما يؤدي، فهل يعتق بذلك أم لا يعتق حتى يؤدي</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه لا يعتق حتى يؤدي جميع المال كما تقدم؛ لحديث عمرو بن شعيب.\n• وعن أحمد رواية أنه إذا ملك ما يؤدي؛ عَتق؛ لحديث أم سلمة الذي في الباب.\nوالصحيح قول الجمهور، وحديث أم سلمة ضعيف، وليس بصريح. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٥٩).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٦١ - ٤٦٢).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٦٤ -).","vol":"10","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6008>مسألة [١١]: إذا مات السيد والعبد مكاتَب</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٤٦٩): الْكِتَابَةُ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ جِهَتِهِ، لَا سَبِيلَ إلَى فَسْخِهِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِمَوْتِهِ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6009>مسألة [١٢]: إذا مات المكاتَب، وفي يده وفاء</span>؟\n• من أهل العلم من يقول: تنفسخ الكتابة بموته، ويموت عبدًا، وما في يده لسيده دون ورثته. صح هذا القول عن ابن عمر، ونُقل عن عمر، وزيد -﵃- بإسنادين ضعيفين كما في «سنن البيهقي» (١٠/ ٣٣١ -)، و«ابن أبي شيبة» (٦/ ٤١٦)، وهو قول الزهري، والنخعي، وعمر بن عبدالعزيز، وقتادة، وهو مذهب الشافعي، وأحمد؛ لأنَّ العتق لا يحصل إلا بالأداء؛ لحديث عمرو بن شعيب كما تقدم، وهذا القول هو الصحيح.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه يعتق، وإذا فضل في يده شيءٌ؛ فهو لورثته، نُقل هذا القول عن علي، وابن مسعود، ومعاوية -﵃-، (^١) وهو قول عطاء، والحسن، وطاوس، وشُريح، والنخعي، والثوري، ومالك، وإسحاق، وأحمد في رواية، وبناه بعضهم على أنَّ العتق يحصل بملك ما يؤديه؛ ولأنها\n_________\n(^١) أثر علي ضعيف، أخرجه البيهقي (١٠/ ٣٣١ -) من طريق: عطاء، عنه، وهو منقطع. ومن طريق: محمد بن سالم الهمداني، وهو متروك. وأثر ابن مسعود أخرجه عبدالرزاق (٨/ ٣٩١) من طريق: الشعبي، عنه، ولم يسمع منه. وأثر معاوية أخرجه البيهقي (١٠/ ٣٣٢)، وعبدالرزاق (٨/ ٣٩٣)، وفي إسناده: معبد الجهني، وهو قدري محترق.","vol":"10","page":481},{"text":"معاوضة فلا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين كالبيع.\nوأُجيب بالفارق؛ فإنَّ الكتابة تفارق البيع؛ لأنَّ كل واحد من المتعاقدين غير معقود عليه، ولا يتعلق العقد بعينه؛ فلم ينفسخ بتلفه، والمكاتَبُ هو المعقود عليه، والعقد متعلق بعينه، فإذا تلف قبل تمام الأداء؛ انفسخ العقد كما لو تلف المبيع قبل قبضه؛ ولأنه مات قبل وجود شرط حريته، ويتعذر وجودها بعد موته. (^١)\nتنبيه: إن مات وليس في يده وفاء؛ فإنه يموت عبدًا، وتنفسخ الكتابة والمال للسيد، وعلى هذا عامة أهل العلم؛ إلا خلافًا يسيرًا عن بعضهم في بعض الصور. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6010>مسألة [١٣]: هل للسيد منع المكاتَب من السفر</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه لا يمنع من السفر قريبًا كان أو بعيدًا، وهو قول الشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير، والثوري، والحسن بن صالح، وأبي حنيفة.\n• وعن الشافعي قول كالأول، وقول أنَّ للسيد منعه، وقيل: إنَّ مقصوده في ذلك في سفر بعيد.\n• وقيَّد الحنابلة ذلك بما إذا كانت نجوم الكتابة لا تحل قبل رجوعه من\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٦٥ - ٤٦٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٦٧).","vol":"10","page":482},{"text":"سفره، أما إذا حلَّت قبل؛ فله منعه.\nوالصحيح القول الأول. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6011>مسألة [١٤]: إن شرط عليه في الكتابة أن لا يسافر</span>؟\n• قال جماعةٌ من أهل العلم: الشرط باطل. وهو قول الحسن، وسعيد بن جبير، والشعبي، والنخعي، وأبي حنيفة، والقاضي أبي يعلى الحنبلي.\nقالوا: لأنه ينافي مقتضى العقد، كما لو شرط عليه ترك الاكتساب.\n• وقال مالك، وأبو الخطاب الحنبلي: يصح شرطه، وله منعه من السفر؛ لحديث: «المسلمون على شروطهم»، ولأنه شرط له فيه فائدة؛ فلزم، كما لو شرط نقدًا معلومًا، وبيان فائدته أنه لا يأمن إباقه، وأنه لا يرجع إلى سيده، فيفوت العبد، والمال الذي عليه، وهذا القول هو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6012>مسألة [١٥]: هل للمكاتَب أن يتزوج بغير إذن سيده</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنه ليس له ذلك؛ لأنه ما زال عبدًا، ولأنَّ على السيد فيه ضررًا؛ لأنه ربما عجز فيرجع إليه ناقص القيمة، ويحتاج أن يؤدي المهر، والنفقة من كسبه، فيعجز عن تأدية نجومه، فيمنع من ذلك كالتبرع به، وهذا قول أصحاب المذاهب الأربعة.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٧٥ - ٤٧٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٧٦).","vol":"10","page":483},{"text":"• وقال الحسن بن صالح: له ذلك؛ لأنه عقد معاوضة أشبه البيع.\nوالصحيح قول الجمهور. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6013>مسألة [١٦]: هل للمكاتب التَّسَرِّي</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٤٧٨ - ٤٧٩): وَلَيْسَ لَهُ التَّسَرِّي بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِهِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ التَّسَرِّي.\nوَلَنَا: أَنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ، وَعَلَى السَّيِّدِ فِيهِ ضَرَرٌ؛ فَيُمْنَعُ مِنْهُ، كَالتَّزْوِيجِ. وَبَيَانُ الضَّرَرِ فِيهِ أَنَّهُ رُبَّمَا أَحْبَلَهَا، وَالْحَبَلُ مَخُوفٌ فِي بَنَاتِ آدَمَ، فَرُبَّمَا تَلِفَتْ، وَرُبَّمَا وَلَدَتْ، فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ؛ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَيْعُهَا فِي أَدَاءِ كِتَابَتِهَا، وَإِنْ عَجَزَتْ؛ رَجَعَتْ إلَى السَّيِّدِ نَاقِصَةً، فَإِذَا مُنِعَ مِنْ التَّزْوِيجِ لِضَرَرِهِ، فَهَذَا أَوْلَى. اهـ\nوأما إن أذن له السيد؛ فيجوز على الصحيح، وهو قول الحنابلة، وقول للشافعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6014>مسألة [١٧]: هل للمكاتب أن يزوج عبيدَه وإماءه</span>؟\n• الصحيح أنه ليس له ذلك؛ لأنه قد يحصل على السيد الضررُ في ذلك، وهذا قول أحمد، والشافعي، وابن المنذر.\n• وعن مالك أنَّ له ذلك إذا كان على وجه النَّظر؛ لأنه عقد على منفعة، فملكه\n_________\n(^١) «المغني» (١٤/ ٤٧٨).","vol":"10","page":484},{"text":"كالإجارة، وهو قول أبي الخطاب الحنبلي.\n• وقال أبو حنيفة: له تزويج الأمة دون العبد؛ لأنه يأخذ عوضًا عن تزويجها بخلاف العبد. وهو قول القاضي من الحنابلة.\nوأُجيب عن ذلك: بأنَّ العبد تلزمه نفقة امرأته، ومهرها، ويشغل بحقوق النكاح، وتنقص قيمته، والأمة يملك الزوج بضعها، وتنقص قيمتها، وتقل الرغبات فيها، وربما امتنع بيعها بالكلية.\nوليس ذلك من جهات المكاسب، فربما أعجزه ذلك عن أداء نجومه، وإن عجز؛ عاد رقيقًا للسيد مع ما تعلق بهم من الحقوق، وألحقهم من النقص؛ فلم يجز ذلك له كإعتاقهم، وفارق إجارة الدار؛ فإنها من جهات المكاسب عادة؛ فعلى هذا إن وجب تزوجيهم لطلبهم ذلك، وحاجتهم إليه؛ باعهم؛ فإنَّ العبد متى طلب التزويج خُيِّرَ سيده بين تزويجه وبيعه، وإن أذن له السيد في ذلك جاز؛ لأنَّ الحق له، والمنع من أجله؛ فجاز بإذنه. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6015>مسألة [١٨]: هل للمكاتب أن يعتق رقيقه بغير إذن السيد</span>؟\n• أكثر أهل العلم على أنَّه ليس له ذلك، وهو قول الحسن، والأوزاعي، وأصحاب المذاهب الأربعة؛ لأنه يفوت المال فيما لا يحصل به مال، فأشبه الهبة، ولا يصح العتق.\n_________\n(^١) انتهى من كلام ابن قدامة -﵀- «المغني» (١٤/ ٤٧٩ - ٤٨٠).","vol":"10","page":485},{"text":"• وعن بعض الحنابلة صحته، ويقف على إذن السيد، وهذا أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6016>مسألة [١٩]: هبة المكاتب للمال</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٤٨١): وَالْمُكَاتَبُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، فَلَيْسَ لَهُ اسْتِهْلَاكُهُ، وَلَا هِبَتُهُ، وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. اهـ\nوالشوكاني -﵀- في «السيل» يرى أنَّ المكاتَب له أن يتصرف في ماله بما شاء، والذي يلزمه هو أن يؤدي لسيده ما التزمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6017>مسألة [٢٠]: هل للسيد أن يطأ مكاتَبَتَه</span>؟\n• أما إذا لم يشترط ذلك؛ فلا يجوز له عند الجمهور، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة؛ لأنَّ الكتابة عقدٌ يزيل ملك الاستخدام، والمنافع؛ ولهذا لو وُطِئت بشبهة؛ كان المهر لها.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز له ذلك، وإن لم يشترط؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣]، وقال بذلك ابن حزم؛ مالم تؤدِّ شيئًا؛ فإن كانت قد أدَّت شيئًا صارت عنده حرة بقدر ما أدَّت.\nوأُجيب بأنَّ الآية مخصوصة بالمزوجة؛ فيُقاس عليها محل النزاع. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٨٠).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٨٧) «البيان» (٨/ ٤٣٥).","vol":"10","page":486},{"text":"• أما إذا اشترط السيدُ وطأَها؛ فله ذلك في مذهب أحمد، وهو قول سعيد بن المسيب.\n• وذهب الجمهور إلى عدم جواز ذلك، وإن اشترط.\n• ثم قال الشافعي: الكتابة باطلة تبعًا للشرط.\n• وقال مالك: يفسد الشرط ولا تفسد الكتابة.\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٤٨٨): وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ»؛ وَلِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ، لَهُ شَرْطُ نَفْعِهَا، فَصَحَّ، كَشَرْطِ اسْتِخْدَامِهَا، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ مَنْعَهُ مِنْ وَطْئِهَا مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا، وَوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِحِلِّ وَطْئِهَا، إنَّمَا كَانَ لِحَقِّهَا، فَإِذَا شَرَطَهُ عَلَيْهَا؛ جَازَ، كَالْخِدْمَةِ، وَلِأَنَّهُ اُسْتُثْنِيَ بَعْضُ مَا كَانَ لَهُ؛ فَصَحَّ، كَاشْتِرَاطِ الْخِدْمَةِ، وَفَارَقَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْهَا. اهـ\nقلتُ: الصحيح مذهب أحمد؛ لأنها ما زالت أمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6018>مسألة [٢١]: إن وطئها بغير شرط</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٤٨٨): وَإِنْ وَطِئَهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ؛ فَقَدْ أَسَاءَ، وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا عَنْ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ؛ فَإِنَّهُمَا قَالَا: عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهَا عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ يُحَرِّمُ الْوَطْءَ، فَأَوْجَبَ الْحَدَّ بِوَطْئِهَا، كَالْبَيْعِ.\nقال: وَلَنَا أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ؛ فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِوَطْئِهَا، كَأَمَتِهِ الْمُسْتَأْجَرَةِ","vol":"10","page":487},{"text":"وَالْمَرْهُونَةِ، وَتُخَالِفُ الْبَيْعَ؛ فَإِنَّهُ يُزِيلُ الْمِلْكَ، وَالْكِتَابَةُ لَا تُزِيلُهُ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6019>مسألة [٢٢]: هل للسيد وطء جارية مكاتَبه، ومكاتَبتَه</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٤٨٩): وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ جَارِيَةِ مُكَاتَبَتِهِ وَلَا مُكَاتَبِهِ اتِّفَاقًا؛ فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ، وَعُزِّرَ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَالِكَهَا، وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا لِسَيِّدِهَا، وَوَلَدُهُ مِنْهَا حُرٌّ، يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ سَقَطَ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ ... . انتهى المراد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6020>مسألة [٢٣]: إذا وطئ السيد المكاتبة بغير شرط، فهل عليه لها مهر</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي، والثوري أنه يجب لها المهر، أكرهها أو طاوعته؛ لأنه عوض منفعتها؛ فوجب لها.\n• وذهب قتادة، والمزني إلى أنَّ لها المهر إذا أكرهها فقط.\n• وذهب مالك إلى أنه لا شيء عليه؛ لأنها ملكه، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6021>مسألة [٢٤]: إذا حملت المكاتبة من سيدها</span>؟\n• مذهب الجمهور أنها لا تبطل الكتابة، وهي مخيرة بين البقاء على الكتابة، أو الفسخ، وتصير أم ولد لسيدها.\n• وقال الحكم: تبطل كتابتها، ولا دليل له على ذلك. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٩٠) «البيان» (٨/ ٤٣٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٤٩١).","vol":"10","page":488},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6022>مسألة [٢٥]: إذا مرَّ على المكاتب وقتُ النجم الأول فلم يؤدِّ</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه ليس للسيد الفسخ حتى يحل النجم الآخر بدون أداء، هذا قول الحكم، وابن أبي ليلى، وأحمد في رواية، وعليه أكثر أصحابه، وهو قول أبي يوسف، والحسن بن صالح.\nواستدلوا بما رُوي عن علي -﵁- أنه قال: لا يرد المكاتب في الرق حتى يتوالى عليه نجمان. وهو أثرٌ ضعيفٌ، ذكره ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٣٥)، وفي إسناده: حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف.\n• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنَّ للسيد الفسخ بمرور نجم واحد بدون أداء، وهذا قول العُكْلي، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد في رواية، وهذا القول أقرب، والله أعلم.\n• وقال الحسن: إذا عجز؛ استؤني بعد العجز سنتين.\n• وقال الأوزاعي: شهرين، ونحو ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6023>مسألة [٢٦]: جناية المكاتب</span>.\n• يتعلق أرش الجناية برقبة المكاتب، ويؤدي من المال الذي في يده عند أكثر أهل العلم، وهو الصحيح، ويبدأ بالجناية قبل الكتابة على الصحيح أيضًا؛ لأنَّ أرش الجناية من العبد تقدم على سائر الحقوق المتعلقة به. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٥١٠ - ٥١٢).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٥١٥ - ٥١٦).","vol":"10","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6024>مسألة [٢٧]: إذا مات المكاتب وعليه ديون</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٥٢٤): إِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ، وَأُرُوشُ جِنَايَاتٍ، وَلَمْ يَكُنْ مَلَكَ مَا يُؤَدِّي فِي كِتَابَتِهِ؛ انْفَسَخَتْ كِتَابَتُهُ، وَسَقَطَ أَرْشُ الْجِنَايَاتِ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِرَقَبَتِهِ، وَقَدْ تَلِفَتْ، وَيُسْتَوْفَى دَيْنُهُ مِمَّا كَانَ فِي يَدِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَفِ بِهَا؛ سَقَطَ الْبَاقِي. قَالَ أَحْمَد: لَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ قَضَاءُ دَيْنِهِ، هَذَا كَانَ يَسْعَى لِنَفْسِهِ. اهـ\nقلتُ: وقضاء دينه على الإمام من بيت المال، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6025>مسألة [٢٨]: بيع المكاتب</span>.\nتقدم ذكر هذه المسألة في [كتاب البيوع].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6026>مسألة [٢٩]: إذا عجَّل المكاتَبُ لسيده المال مقابل وضع شيء من المال</span>؟\n• من أهل العلم من أجاز ذلك، وهو قول طاوس، والزهري، والنخعي، وأحمد، وأبي حنيفة؛ لعدم وجود دليل يمنع من ذلك؛ ولأنَّ في ذلك تخفيفًا على العبد، وعلى السيد.\n• وكره ذلك الحسن، وابن سيرين، والشعبي.\n• وقال الشافعي: لا يجوز ذلك؛ لأنه شبيه بربا الجاهلية الذي فيه الزيادة مع التأجيل، وهذا فيه نقص مع التعجيل.\n• وقال ابن حزم: اشتراط ذلك شرطٌ باطل فلا يصح ذلك؛ لأنَّه شرط ليس في","vol":"10","page":490},{"text":"كتاب الله. والصحيح هو القول الأول، والله أعلم. (^١)\nتنبيه: إذا حصل عكس ما تقدم بأن اتفقا على تأجيل المدة مع زيادة في المال؛ فهذا شبيه بربا الجاهلية، ووافق الحنابلةُ الشافعيةَ في المنع ههنا. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6027>مسألة [٣٠]: إذا شرط المكاتب على سيده أن يوالي من شاء</span>؟\nنقل ابن قدامة -﵀- عدم الخلاف في أنَّ الشرط باطل، واستدل بقصة بريرة: «إنما الولاء لمن أعتق». (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6028>مسألة [٣١]: إذا شرط السيد على المكاتب أن يرثه مع الورثة، ويزاحمهم في الميراث</span>؟\n• قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٥٧١): وَإِنْ اشْتَرَطَ السَّيِّدُ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَنْ يَرِثَهُ دُونَ وَرَثَتِهِ، أَوْ يُزَاحِمَهُمْ فِي مَوَارِيثِهِمْ؛ فَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَشُرَيْحٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِالْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَأَجَازَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَشْتَرِطَ شَيْئًا مِنْ مِيرَاثِهِ. وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ كِتَابَ الله ﷿، وَكُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ الله؛ فَهُوَ بَاطِلٌ. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6029>مسألة [٣٢]: إذا شرط عليه خدمةً معلومةً بعد العتق</span>؟\n• ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى جواز ذلك، وهو قول عطاء، وابن شبرمة،\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٥٥٧) «المحلى» (١٧٠٠).\n(^٢) «المغني» (١٤/ ٥٥٨).\n(^٣) «المغني» (١٤/ ٥٦٩).","vol":"10","page":491},{"text":"وأحمد؛ لأنه شرط لا ينافي مقتضى العقد، ويدل عليه حديث سفينة -﵁- الذي في الباب، وقد جاء عن عمر -﵁- أنه أعتق كل من يصلي من سبي العرب، وشرط عليهم أن يخدموا الخليفة من بعده ثلاث سنوات. وهو ثابت عنه بطرقه.\n• وذهب الزهري، ومالك إلى أنه لا يصح؛ لأنه ينافي مقتضى العقد، أشبه ما لو شرط ميراثه.\nوأُجيب بالمنع؛ فإنَّ مقتضاه العتق عند الأداء، وهذا الشرط لا ينافيه.\nوالذي يظهر أنَّ القول الأول أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6030>مسألة [٣٣]: إذا أعتق السيدُ الأمةَ، أو كاتبها، واستثنى ما في بطنها</span>؟\n• نصَّ جماعةٌ من أهل العلم على أنَّ له ما استثنى، جاء ذلك عن ابن عمر (^٢)، وأبي هريرة (^٣) -﵃-، وهو قول النخعي، وابن سيرين، وعطاء، والشعبي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر؛ لأنه فتوى ابن عمر، وأبي هريرة -﵃-، ولا يُعلم لهما مخالف من الصحابة، ولعدم وجود دليل يمنع من ذلك، ولأنه يصح إفراده بالعتق؛ فيصح استثناؤه كالمنفصل.\n• وقال مالك، والشافعي: لا يصح استثناء الجنين، كما لا يصح استثناؤه في\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٥٧١) «عبدالرزاق» (٨/ ٣٨٠، ٣٨٢).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٥٣) من طريق: محمد بن فضاء، عن أبيه، عن ابن عمر -﵄-، وهذا إسناد ضعيف؛ لأنَّ محمد بن فضاء ضعيف، وأباه مجهول.\n(^٣) لم أقف على أثر أبي هريرة -﵁-.","vol":"10","page":492},{"text":"البيع، وكما لا يصح استثناء بعض أعضائها.\nوأُجيب بأن البيع عقد معاوضة يُعتبر فيه العلم بصفات العوض؛ ليُعلم هل هو قائم مقام المعوض، أم لا؟ والعتق تبرع لا تتوقف صحته على معرفة صفات المعتق.\nولا يصح قياسه على بعض أعضائها؛ لأنَّ العضو لا يُتَصَّوَر إفراده بالرِّقِّ، أو الحرية دون الجملة؛ ولذلك لو أعتق عضوًا من أمته؛ صارت كلها حرة بخلاف الولد.\nوالصحيح هو مذهب أحمد، وإسحاق، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6031>مسألة [٣٤]: إذا أعتق ما في بطن أمته دونها</span>؟\nقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٥٥٦): فَأَمَّا إِنْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا دُوْنَها؛ فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِيْهِ يعني في صحته وجوازه. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٥٥٥ - ٥٥٦).","vol":"10","page":493},{"text":"١٤٣٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ أَخِي جُوَيْرِيَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ -﵄- قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا، وَلَا دِينَارًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً، وَلَا شَيْئًا، إلَّا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\n١٤٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (^٢)، وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ -﵁-. (^٣)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6032>مسألة [١]: معنى أم الولد</span>.\nهي الأمة التي ولدت لسيدها في ملكه. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6033>مسألة [٢]: هل يدخل في (أم الولد) ما إذا تزوج أمةً فأولدها، أو أحبلها، ثم ملكها</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي أنها ليس لها حكم (أم الولد)؛ لأنها علقت منه بمملوك؛ ولأنَّ الأصل الرق وإنما خُولِف هذا الأصل فيما إذا حملت منه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٢٧٣٩).\n(^٢) ضعيف. أخرجه ابن ماجه (٢٥١٥)، والحاكم (٢/ ١٩)، وفي إسناده الحسين بن عبدالله بن عبيدالله بن عباس وهو ضعيف وبعضهم تركه، وقد خالفه الثقات فرووه عن عكرمة عن عمر وهو أصح، صحح ذلك البيهقي كما في «الكبرى» (١٠/ ٣٤٦ - ٣٤٧).\n(^٣) للموقوف أسانيد صحيحة في «سنن البيهقي» (١٠/ ٣٤٢ - ٣٤٣).\n(^٤) «المغني» (١٤/ ٥٨٠).","vol":"10","page":494},{"text":"في ملكه بقول الصحابة -﵃-.\n• وقال الحسن، وأبو حنيفة، وبعض الحنابلة: تصير أمَّ ولد في كلا الحالين؛ لأنها أم ولده، وهو مالك لها، فيثبت لها حكم الاستيلاد كما لو حملت في ملكه.\n• وقال مالك، وأحمد في رواية: إذا ملكها حاملًا؛ صارت أم ولد كما لو حملت في ملكه.\nورجَّح ابن قدامة -﵀- القول الأول، وهو أقرب، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6034>مسألة [٣]: أحكام أمهات الأولاد</span>.\nقال أبومحمد بن قدامة -﵀- في «المغني» (١٤/ ٥٨٤): الْأَمَةُ إذَا حَمَلَتْ مِنْ سَيِّدِهَا، وَوَلَدَتْ مِنْهُ؛ ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْإِمَاءِ فِي حِلِّ وَطْئِهَا لِسَيِّدِهَا، وَاسْتِخْدَامِهَا، وَمِلْكِ كَسْبِهَا، وَتَزْوِيجِهَا، وَإِجَارَتِهَا، وَعِتْقِهَا، وَتَكْلِيفِهَا، وَحَدِّهَا، وَعَوْرَتِهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إجَارَتَهَا وَتَزْوِيجَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهَا، فَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا وَإِجَارَتَهَا، كَالْحُرَّةِ. وَلَنَا أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ يُنْتَفَعُ بِهَا، فَيَمْلِكُ سَيِّدُهَا تَزْوِيجَهَا، وَإِجَارَتَهَا، كَالْمُدَبَّرَةِ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ تَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا، فَأَشْبَهَتْ الْمُدَبَّرَةَ.\nقال: وتُخَالِفُ الْأَمَةَ الْقِنَّ فِي أَنَّهَا تَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهَا بِمَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ، مِنْ الْهِبَةِ وَالْوَقْفِ، وَلَا مَا يُرَادُ لِلْبَيْعِ، وَهُوَ الرَّهْنُ، وَلَا تُورَثُ؛ لِأَنَّهَا تَعْتِقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَيَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهَا. اهـ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٥٨٩ - ٥٩١).","vol":"10","page":495},{"text":"وهذا الذي ذكره ابن قدامة قول الجمهور من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، واستدلوا بأحاديث الباب، وقد تقدم الكلام على مسألة بيع أمهات الأولاد في كتاب البيوع، ورجحنا جواز بيعها إن لم يفرق بينها وبين ولدها.\nومن أجاز بيع أمهات الأولاد، فعلى قوله إن لم يبعها حتى مات، ولم يكن له وارث إلا ولدها؛ عتقت عليه، وإن كان له وارث سوى ولدها؛ حسبت من نصيب ولدها؛ فعتقت، وكان له ما بقي من ميراثها، وإن لم يبق شيء؛ فلا شيءَ له، وإن كانت أكثر من نصيبه؛ عتق منها قدر نصيبه، وباقيها رقيق لسائر الورثة. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6035>مسألة [٤]: شروط مصير الأمة أم ولد</span>.\nالأول: أن تحمل من سيدها في ملكه، فخرج بذلك ما إذا حملت منه في غير ملكه، كأن يكون اشترى جارية، فاستولدها، فبانت مستحقة، أو علقت منه بزواج، ثم ملكها كما تقدم الإشارة إلى ذلك.\nالثاني: أن يكون الحمل حرًّا، فخرج بذلك الصورة المتقدمة في المسألة السابقة، وكذلك أمة العبد إذا استولدها العبد، أو المكاتب إذا استولد أمته.\nالثالث: أن تلد ما يتبين فيه خلق إنسان، وهذا شرطٌ عند الجمهور؛ فإن ألقت نطفة، أو علقة؛ لم تصر عندهم أم ولد بذلك، ونقل عن أحمد رواية ضعيفة أنها تعتق، وهو قول الشعبي. (^٢)\n_________\n(^١) انتهى من كلام ابن قدامة «المغني» (١٤/ ٥٨٥ - ٥٨٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٥٩٦).","vol":"10","page":496},{"text":"تنبيه: من رأى عتق أمهات الأولاد؛ فإنَّ عتقهن عندهم من رأس المال. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6036>مسألة [٥]: ولد أم الولد من غير سيدها</span>.\n• جمهور العلماء على أنه يتبع أُمَّه في الحرية؛ لقول ابن عمر -﵄-: ولدها بمنزلتها. أخرجه البيهقي (١٠/ ٣٤٩) عن ابن عمر -﵄- بمعناه بإسناد صحيح.\n• وقال عمر بن عبدالعزيز، والزهري، هم عبيد. وهو قول من لم ير عتق أم الولد، وقيده الجمهور بما إذا كان الولد بعد مصيرها أم ولد. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6037>مسألة [٦]: إذا أسلمت أمةُ الذمي</span>؟\nيمنع منها، ويلزم ببيعها لمسلم، أو يشتريها منه إمام المسلمين.\nوإن كانت أم ولدٍ له فاختلف الجمهور القائلون بعدم جواز بيعها.\n• فقال مالك: تُعتق في ا لحال.\n• وعن أبي حنيفة، وأحمد في رواية: تُستَسعَى.\n• ومذهب الشافعي، وأحمد أنه يحال بينه وبينها، ويجبر على النفقة عليها في مذهب أحمد، وعند الشافعي نفقتها من كسبها إن كان لها كسب. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6038>مسألة [٧]: جناية أم الولد</span>.\n• اختلف الجمهور القائلون بعدم جواز بيعها، فقال أحمد، والشافعي: جنايتها\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٥٩٧).\n(^٢) انظر: «المغني» (١٤/ ٥٩٩ - ٦٠٠).\n(^٣) انظر: «المغني» (١٤/ ٦٠٠ - ٦٠١).","vol":"10","page":497},{"text":"على السيد، وعليه الأقل من أرشها، أو قيمتها.\n• وقال بعض الحنابلة: عليه الأرش يبلغ ما بلغ.\n• بينما قال أبو ثور، وأهل الظاهر: جنايتها في ذمتها تتبعها إذا عتقت.\nوالذي يظهر أنَّ لها حكم الأمة القن؛ لأنَّ الصحيح جواز بيعها، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6039>مسألة [٨]: هل يُشترط رضاها في التزويج</span>؟\n• مذهب أحمد، والشافعي في الجديد، وأبي حنيفة أنَّ حكمها كالأمة القن في ذلك؛ فله تزويجها بغير رضاها.\n• وقال الشافعي في القديم: لا يزوجها إلا برضاها.\n• وله قولٌ ثالث: ليس له تزويجها.\n• وتقدم قول مالك أنها لا تزوج؛ لأنها قد صارت أم ولد لسيدها.\nوالقول الأول أصح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (١٤/ ٦٠٣).\n(^٢) «المغني» (١٤/ ٦٠٦).","vol":"10","page":498},{"text":"١٤٣٥ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ أَظَلَّهُ اللهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nدلَّ الحديث على فضيلة إعانة المكاتَب على أداء الكتابة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، وقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من كان في حاجة أخيه؛ كان الله في حاجته»، وقال ربنا عزوجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].\n\nتم كتاب العتق بحمد الله، وفضله، ومنته\nوأسأل الله ﷿ أن يجعله خالصًا لوجهه، والحمد لله رب العالمين\nالأربعاء/الثامن من ربيع الثاني/١٤٢٨/من الهجرة النبوية\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٧)، والحاكم (٢/ ٨٩)، من طريق عبدالله بن محمد بن عقيل عن عبدالله ابن سهل بن حنيف عن أبيه. وإسناده ضعيف، فعبدالله بن عقيل فيه ضعف، وعبدالله بن سهل مجهول؛ فالحديث ضعيف.","vol":"10","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6040>كِتَابُ الْجَامِعِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-6041>بَابُ الأدَبِ</span>\n١٤٣٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ سِتٌّ: إذَا لَقِيته فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاك فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَك فَانْصَحْهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالمسائل والآداب المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6042>مسألة [١]: حكم الابتداء بالسلام، وحكم الرد</span>؟\nأما الابتداء بالسلام فعامة العلماء على أنه سنة، وليس بواجب، قال ابن كثير -﵀- في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء:٨٦]: وهو قول العلماء قاطبة.\nوقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٦٢٢٧): وقد نقل ابن عبدالبر الإجماع على أنَّ الابتداء بالسلام سنة. اهـ\nوأما ردُّ السلام فهو واجب كفائي بالاتفاق، قال ابن كثير كما تقدم: وهو قول العلماء قاطبة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢١٦٢) (٥).","vol":"10","page":500},{"text":"وقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٦٢٢٧): واتفق العلماء على أنَّ الرد واجب على الكفاية، وجاء عن أبي يوسف أنه قال: يجب الرد على كل فرد فرد. واحتج الجمهور عليه بحديث علي ابن أبي طالب -﵁-: «يُجْزِي عَنْ الْجَمَاعَة إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّم أَحَدهمْ، وَيُجْزِي عَنْ الْجُلُوس أَنْ يَرُدّ أَحَدهمْ» -وهو حديث حسن، وسيأتي تخريجه إن شاء الله-. انتهى بتصرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6043>مسألة [٢]: صيغة السلام</span>.\nالصيغة الكاملة في ذلك قوله: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، وفيها ثلاثون حسنة كما ثبت ذلك عند أبي داود (٥١٩٥) وغيره من حديث عمران بن حصين -﵁-، وجاء كذلك من حديث أبي هريرة -﵁- عند البخاري في «الأدب المفرد» (٩٨٦) وغيرهم، وفي الحديثين أنَّ كلَّ جملة فيها عشر حسنات.\nوإذا قال: (سلام عليكم) بدون تعريف أجزأ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد:٢٣]، وقال تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥]، والأفضل بقوله: (السلام)؛ لأنها تفيد التفخيم والتكثير.\nقال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٢/ ٤٢٠): وَكَانَ هَدْيُهُ فِي ابْتِدَاءِ السّلَامِ أَنْ يَقُولَ: «السّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله»، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ المُبْتَدِئُ (عَلَيْك السّلَامُ)، قَالَ أَبُو جَرِيّ الْهُجَيْمِيّ: أَتَيْتُ النّبِيّ - ﷺ - فَقُلْتُ: عَلَيْكَ السّلَامُ يَا رَسُولَ الله. فَقَالَ: «لَا تَقُلْ: عَلَيْكَ السّلَامُ؛ فَإِنّ عَلَيْكَ السّلَامُ تَحِيّةُ الْمَوْتَى» حَدِيثٌ","vol":"10","page":501},{"text":"صَحِيْحٌ (^١)، وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى طَائِفَةٍ وَظَنّوهُ مُعَارَضًا لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ - ﷺ - فِي السّلَامِ عَلَى الْأَمْوَاتِ بِلَفْظِ «السّلَامُ عَلَيْكُمْ» بِتَقْدِيمِ السّلَامِ؛ فَظَنّوا أَنّ قَوْلَهُ: «فَإِنّ عَلَيْكَ السّلَامُ تَحِيّةُ الْمَوْتَى» إخْبَارٌ عَنْ الْمَشْرُوعِ، وَغَلِطُوا فِي ذَلِكَ غَلَطًا أَوْجَبَ لَهُمْ ظَنّ التّعَارُضِ، وَإِنّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «فَإِنّ عَلَيْكَ السّلَامُ تَحِيّةُ المَوْتَى» إخْبَارٌ عَنْ الْوَاقِعِ لَا المَشْرُوعُ، أَيْ: إنَّ الشّعَرَاءَ وَغَيْرَهُمْ يُحَيُّونَ المَوْتَى بِهَذِهِ اللّفْظَةِ، كَقَوْلِ قَائِلِهِمْ:\nعَلَيْكَ سَلَامُ الله قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ ... وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحّمَا\nفَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُه هُلْكَ وَاحِد ... وَلَكِنّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدّمَا\n\nفَكَرِهَ - ﷺ - أَنْ يُحَيّ بِتَحِيّةِ الْأَمْوَاتِ، وَمِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ لَمْ يَرُدّ عَلَى الْمُسَلِّمِ بِهَا. اهـ\nوأما صيغة الرد فقد قال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٢/ ٤٢١): وَكَانَ يَرُدّ عَلَى الْمُسَلّمِ: «وَعَلَيْكَ السّلَامُ» بِالْوَاوِ وَبِتَقْدِيمِ «عَلَيْكَ» عَلَى لَفْظِ السّلَامِ. اهـ\nقلتُ: ومن ذلك حديث المسيء في صلاته في «الصحيحين»، ففيه: «وعليك السلام».\nوالرد بصيغة الجمع أفضل (وعليكم السلام)، كالابتداء، وقد روى البخاري في «الأدب المفرد» عن معاوية بن قرة بن إياس، قال: قال لي أبي قرة بن إياس: إذا مر بك الرجل، فقال: السلام عليكم. فلا تقل: وعليك السلام. فتخصه وحده؛\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٦٣)، وأبو داود (٤٠٧٥) (٤٠٨٤) (٥٢٠٩)، وهو حديث صحيح.","vol":"10","page":502},{"text":"فإنه ليس وحده.\nقال الحافظ -﵀-: وَمِنْ فُرُوع هَذِهِ الْمَسْأَلَة لَوْ وَقَعَ الِابْتِدَاء بِصِيغَةِ الْجَمْع؛ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي الرَّدّ بِصِيغَةِ الْإِفْرَاد؛ لِأَنَّ صِيغَة الْجَمْع تَقْتَضِي التَّعْظِيم، فَلَا يَكُون اِمْتَثَلَ الرَّدّ بِالْمِثْلِ فَضْلًا عَنْ الْأَحْسَن، نَبَّهَ عَلَيْهِ اِبْن دَقِيق الْعِيد. اهـ\nوإذا حذف الواو، فقال: (عليك السلام) اختلفوا في الإجزاء، والصحيح أنه يجزئ؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾، وفي حديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» «إنَّ الله لما خلق آدم قال له: اذهب، فسلِّم على أولئك النفر من الملائكة، فاستمع ما يحيونك؛ فإنها تحيتك، وتحية ذريتك. فقال: السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. فزادوه: ورحمة الله» (^١)، وفي هذا الحديث أيضًا جواز تقديم السلام في الرد، وكذلك في الآية، والله أعلم.\nواستحب أهل العلم أن يزيد الرَّادُّ على المبتدئ في صيغة السلام؛ لقوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]، قال الحافظ: وهو مستحب بالاتفاق.\nفإذا زاد المبتدئ (ورحمة الله)؛ استحب أن يُزاد (وبركاته)، فلو ذكر المبتدئ قوله (وبركاته) فيرد عليه بمثلها على الصحيح؛ لأنه لم يثبت الزيادة في حديث صحيح مرفوع، وثبت عن ابن عباس -﵄- كما في «موطإِ مالك» (٢/ ٩٥٩)، أنه قال: انتهى السلام إلى البركة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٢٦)، ومسلم (٢٨٤١).","vol":"10","page":503},{"text":"وثبت عن ابن عمر -﵄- كما في «شعب الإيمان» أنه قال: حسبك إذا انتهيت إلى (وبركاته) إلى ما قد قال الله عزوجل.\nيعني بذلك قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧٣]، وصحَّ أيضًا عن ابن عباس -﵄- الاستدلال بالآية كما في «شعب الإيمان» (٦/ ٤٥٥ -). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6044>مسألة [٣]: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَإِذَا اسْتَنْصَحَك فَانْصَحْهُ»</span>.\nفيه دليل على وجوب النصيحة ممن استُنصِحَ لمن طلب ذلك إذا كان أهلًا لذلك، وقادرًا على النصح، ولابد للناصح أن يكون عالمًا بما ينصح وأمينًا، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «المستشار مؤتمن»، أخرجه أبو داود (٥١٢٨)، والترمذي (٢٣٧٠)، عن أبي هريرة -﵁-، بإسناد صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6045>مسألة [٤]: حكم الحمد عند العطاس</span>؟\n• ذهب ابن حزم إلى وجوبه؛ لحديث: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، وليقل له أخوه، أو صاحبه: يرحمك الله» أخرجه البخاري (٦٢٢٤) عن أبي هريرة -﵁-.\n• وذهب الجمهور إلى استحبابه، بل نقل النووي الاتفاق على ذلك.\nواستدلوا على ذلك بحديث أنس -﵁- أنَّ رجلين عطسا عند النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-،\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٦٢٢٧) (٦٢٥١) «زاد المعاد» (٢/ ٤٢٠ -).","vol":"10","page":504},{"text":"فشَمَّتَ أحدَهما ولم يشمت الآخر، فقيل له. فقال: «هذا حمد الله، وهذا لم يحمد الله» أخرجه البخاري برقم (٦٢٢١)، ومسلم برقم (٢٩٩١). (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6046>مسألة [٥]: صيغة التشميت</span>.\nأما صيغة الحمد فيقول: (الحمد لله)؛ للحديث المتقدم ذكره، وجاءت أحاديث بلفظ: «الحمد لله على كل حال» تصلح للاحتجاج بمجموع طرقها، وقد صححها الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٧٨٠).\nوأما صيغة التشميت، فهي قوله: (يرحمك الله)؛ للحديث المتقدم، وعلى هذا أكثر أهل العلم، وفي «الأدب المفرد» للبخاري (٩٢٩) بإسناد صحيح عن ابن عباس -﵄- أنه شُمِّت، فقال: عافانا الله وإياكم من النار، يرحمكم الله. وما جاء في الحديث المرفوع أولى، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6047>مسألة [٦]: زيادة (ومغفرته) في السلام</span>؟\nأولا: زيادة: (ومغفرته) في ابتداء السلام:\nورد في ذلك أحاديث، ودونك هي مع بيان حالها:\nأحدها: حديث معاذ بن أنس -﵁-:\nأخرجه أبو داود (٥١٩٦)، قال: حدثنا إسحاق بن سويد الرملي، حدثنا ابن أبي مريم، قال: أظن أني سمعت نافع بن يزيد، قال: أخبرني أبو مرحوم، عن سهل\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٦٢٢١) «المحلى» (٣٢٦).\n(^٢) «الفتح» (٦٢٢٤).","vol":"10","page":505},{"text":"ابن معاذ بن أنس، عن أبيه عن النبي - ﷺ - فذكر الحديث- قال: ثم أتى آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: «أربعون» قال: «هكذا تكون الفضائل».\nوهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ أبو مرحوم، وهو عبد الرحيم بن ميمون، وكذلك سهل ابن معاذ، كلاهما ضعيف، وحصل الشك من ابن أبي مريم وهو سعيد بن الحكم في شيخه.\nثانيها: حديث سلمة بن خَرِب الهمداني:\nأخرجه أبو يعلى (٤٤٥٣)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٤/ ٢٣٢١) من طريق عبد الرحمن بن صالح العتكي، حدثني يحيى بن عمرو بن يحيى بن عمرو ابن سلمة الهمداني، عن أبيه، عن جده، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - كتب إلى قيس ابن مالك الأرحبي: «باسمك اللهم، من محمد رسول الله إلى قيس بن مالك، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، أما بعد، فذاكم أني استعملتك على قومك: عربهم وخمورهم ومواليهم وحاشيتهم، وأقطعتك من ذرة يسار مائتي صاع، ومن زبيب خيوان مائتي صاع، جار ذلك لك ولعقبك من بعدك أبدًا أبدًا»، قال قيس: وقول رسول الله - ﷺ -: «أبدًا أبدًا»، أحب إلي، إني لأرجو أن يبقى لي عقبي أبدًا، قال يحيى: عربهم: أهل البادية، وخمورهم: أهل القرى.\nقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٨٤): وفيه عمرو بن يحيى بن سلمة،","vol":"10","page":506},{"text":"وهو ضعيف.\nقلتُ: هو عمرو بن يحيى بن عمرو بن سلمة بن خرب الهمداني، ترجمته في «التاريخ الكبير» (٦/ ٣٨٢)، ولم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلًا. وذكره ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢١٥)، ونقل عن ابن معين، أنه قال: ليس بشيء. وقال: لم يكن يُرضى.\nثالثها: مرسل أبي عثمان النهدي.\nأخرجه ابن المنذر في «التفسير» (٢٠٧٣): أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثنا إسرائيل، عن عاصم، عن أبي عثمان، قال: أتى رجل النبي - ﷺ -، فقال: السلام عليكم، فقال النبي: «وعليك رحمة الله»، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبي: «وعليك ورحمة الله وبركاته»، قال: ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال النبي ﵇: «وعليك رحمة الله وبركاته ومغفرته»، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال النبي - ﷺ -: «وعليك»، فقال: يا رسول الله، نقصتني، فأين ما قاله الله ﷿: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، فقال: «إن هؤلاء تركوا لي فضلًا، رددت عليهم، وأنت لم تدع لي فضلًا، فرددت عليك: وعليك».\nوهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لأنه مرسل، وفيه نكارة حيث ترك النبي - ﷺ - الرد بالكلية، ورد بقوله «وعليك»، وهذا الرد يرد به على اليهود، والمشركين.","vol":"10","page":507},{"text":"وقد ثبت الإنكار على من زاد هذه الزيادة عن ابن عباس، وابن عمر -﵄-:\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٦٢٢٧): فَلَوْ زَادَ-يعني: المبتدئ- وَبَرَكَاتُهُ؛ فَهَلْ تُشْرَعُ الزِّيَادَةُ فِي الرَّدِّ، وَكَذَا لَوْ زَادَ الْمُبْتَدِئُ عَلَى: وَبَرَكَاتُهُ. هَلْ يُشْرَعُ لَهُ ذَلِكَ؟ أَخْرَجَ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن ابن عَبَّاسٍ، قَالَ: انْتَهَى السَّلَامُ إِلَى الْبَرَكَةِ. (^١)\nوَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الشُّعَبِ» مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بن بِابِيهِ، قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى ابن عُمَرَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ. فَقَالَ: حَسْبُكَ إِلَى وَبَرَكَاتُهُ (^٢).\nوَمِنْ طَرِيقِ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ (^٣): انْتَهَى السَّلَامُ إِلَى وَبَرَكَاتُهُ. وَرِجَالُهُ ثِقَات (^٤). اهـ\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه مالك (٢/ ٩٥٩) عن وهب بن كيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، أنه قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عباس، فدخل عليه رجل من أهل اليمن، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم زاد شيئا مع ذلك أيضًا، قال ابن عباس، وهو يومئذ قد ذهب بصره: من هذا؟ قالوا: هذا اليماني الذي يغشاك، فعرفوه إياه، قال: فقال ابن عباس: «إن السلام انتهى إلى البركة». وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله ثقات.\n(^٢) صحيح. أخرجه البيهقي في الشعب (٨٤٩٠) أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، قال: نا أبو العباس الأصم، قال: نا بحر بن نصر، قال: نا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره، عن عبدالله بن بابيه، أنه كان مع عبد الله بن عمر، فسلم عليه رجل، فقال: سلام عليك ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فانتهره ابن عمر، وقال: حسبك إذا انتهيت إلى: وبركاته. إلى ما قال الله ﷿. وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله ثقات. إسناده حسن، رجاله ثقات؛ إلا أبا الزبير؛ فإنه حسن الحديث.\n(^٣) كذا وقع في الفتح (عمر): وإنما هو (عروة) كما في «شعب الإيمان» (٨٦٧٥)، فلا أدري أتصحف في «الفتح»، أم هو وهم من الحافظ -﵀-.\n(^٤) صحيح عن عروة بن الزبير، أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٨٦٧٥) أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق، قال: نا أبو العباس الأصم، نا بحر بن نصر، نا ابن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن زهرة بن معبد، عن عروة بن الزبير، أن رجلا سلم عليه، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال عروة: ما ترك لنا فضلا، إن السلام انتهى إلى: وبركاته. إسناده صحيح، رجاله ثقات.","vol":"10","page":508},{"text":"وقال الإمام البيهقي -﵀- في «شعب الإيمان» (٣٦٩٤): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، أخبرنا جعفر بن عون، أخبرنا أبو عميس، عن ابن حلحلة، عن محمد بن عطاء، قال: دخل ابن عباس حجرة خالته ميمونة بعد الجمعة، فجاء سائل، فقام على الباب، فقال: السلام عليكم أهل البيت، ورحمة الله وبركاته، وصلاته ومغفرته، فقال ابن عباس: عباد الله انتهوا بالتحية إلى ما قال الله ﷿: ورحمة الله وبركاته.\nوهذا إسنادٌ صحيح، رجاله ثقات، وأبو عميس، هو عتبة بن عبد الله بن عتبة ابن عبد الله بن مسعود.\nوقال الإمام البيهقي -﵀- في «شعب الإيمان» (٨٤٨٨): أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى، قال: نا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: نا أحمد بن عبد الحميد، قال: نا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، قال: نا محمد بن عمرو بن عطاء، قال: بينا أنا عند ابن عباس، وعنده ابنه، فجاءه سائل فسلم عليه، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه، وعدد من ذا، فقال ابن عباس: ما هذا السلام؟ وغضب حتى احمرت وجنتاه، فقال له ابنه علي: يا أبتاه إنه سائل من السؤال، فقال: إن الله حدَّ السلام حدًّا، ونهى عما وراء ذلك، ثم قرأ إلى:","vol":"10","page":509},{"text":"﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ ثم انتهى.\nوهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله ثقات، وأحمد بن عبد الحميد هو الحارثي، أبو جعفر.\nقال محمد بن الحسن في روايته للموطأ: وبهذا نأخذ. إذا قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فليكفف؛ فإن اتباع السنة أفضل.\nوأخرج معمر بن راشد في جامعه، كما في «المصنف» (١٠/ ٣٩٠): عن أيوب، عن نافع، أو غيره، أن رجلًا كان يلقى ابن عمر، فيسلم عليه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومغفرته ومعافاته، قال: يكثر من هذا، فقال له ابن عمر: «وعليك مائة مرة، لئن عدت إلى هذا لأسوءنك».\nوهذا إسناد ضعيف؛ لشك أيوب في شيخه، بين نافع ورجل مجهول. ولكن قد ثبت عن ابن عمر -﵁- الإنكار من وجهٍ آخر كما تقدم.\nثانيًا: زيادة: (ومغفرته) في ردِّ السلام:\nورد في ذلك أحاديث، ودونك هي مع بيان حالها:\nأولها: حديث زيد بن أرقم -﵁-:\nأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» معلقًا (١/ ٣٣٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٨٤٩١)، وابن عدي في «الكامل» (٨/ ٤٤٠) من طريق محمد بن حميد الرازي، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن شعبة، عن هارون بن سعد، عن ثمامة بن","vol":"10","page":510},{"text":"عقبة، عن زيد بن أرقم، قال: كنا إذا سلم النبي - ﷺ - علينا، قلنا: وعليك السلام، ورحمة الله، وبركاته، ومغفرته.\nوقد علقه البخاري بإهمال محمد، ولم ينسبه، وقد تبين من إسناد ابن عدي، والبيهقي أنه محمد بن حميد الرازي، وهو كذاب، فالحديث باطل موضوع.\nوقد أخطأ الإمام الألباني -﵀- في هذا الحديث؛ فأورده في «الصحيحة» (١٤٤٩) ظنًّا منه أن محمدًا شيخ البخاري، هو محمد بن سعيد الأصبهاني، ولعله لو وقف على التصريح باسمه في «الكامل»، و«شعب الإيمان»؛ لرجع عن ذلك.\nثانيها: حديث أنس بن مالك -﵁-.\nأخرجه ابن السني (٢٣٥) من طريق سليمان بن سلمة، ثنا بقية، ثنا يوسف ابن أبي كثير، عن نوح بن ذكوان، عن الحسن، عن أنس -﵁-، قَالَ: قال: كان رجل يمر بالنبي - ﷺ - يرعى دواب أصحابه، فيقول: السلام عليك يا رسول الله. فيقول له النبي - ﷺ -: «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه». وقيل: يا رسول الله، تسلم على هذا سلاما ما تسلم على أحد من أصحابك؟ فقال: «وما يمنعني من ذلك؟ هو ينصرف بأجر بضعة عشر رجلا».\nوهذا إسناد باطل؛ سليمان بن سلمة هو الخبائري الحمصي، وهو كذاب، وبقية بن الوليد روايته عن المجهولين واهية، وهذا منها، فشيخه يوسف بن أبي كثير مجهول، ونوح بن ذكوان، شديد الضعف.","vol":"10","page":511},{"text":"وقد جاء عن بعض الصحابة بعض الزيادات في ردهم السلام:\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (٦٢٢٧): وَجَاء عَن ابن عُمَرَ الْجَوَازُ -يعني: بالزيادة- فَأَخْرَجَ مَالِكٌ أَيْضًا فِي «الْمُوَطَّأِ» عَنْهُ أَنَّهُ زَادَ فِي الْجَوَابِ وَالْغَادِيَاتُ، وَالرَّائِحَاتُ (^١).\nوَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي «الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ» مِنْ طَرِيقِ عَمْرو بن شُعَيْب، عَن سَالم مولى ابن (عمرو) (^٢)، قَالَ: كَانَ ابن (عَمرو) (^٣) يَزِيدُ إِذَا رَدَّ السَّلَامَ، فَأَتَيْتُهُ مَرَّةً، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَزِدْتُ: وَبَرَكَاتُهُ. فَرَدَّ، وَزَادَ: وَطِيبُ صَلَوَاتِهِ (^٤).\nوَمِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَمَغْفِرَتُهُ، وَطِيبُ صلواته (^٥). اهـ\n_________\n(^١) ضعيف منقطع. أخرجه مالك (٢/ ٩٦٢) عن يحيى بن سعيد، أن رجلًا سلم على عبد الله بن عمر، فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، والغاديات والرائحات. فقال له عبد الله بن عمر: وعليك ألفًا، ثم كأنه كره ذلك. إسناده منقطع؛ يحيى بن سعيد لم يدرك عبد الله بن عمر -﵄-.\n(^٢) وقع في «الفتح» (عمر)، وكذا في بعض نسخ الأدب المفرد، والصواب ما أثبتناه؛ كما في التهذيب، وكما في كتب التراجم.\n(^٣) وقع في «الفتح» (عمر)، وكذا في بعض نسخ الأدب المفرد، والصواب ما أثبتناه؛ كما في «التهذيب»، وكما في كتب التراجم.\n(^٤) ضعيف. أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (١٠١٦) من طريق عمرو بن شعيب، عن سالم مولى عبد الله بن عمرو، قال: كان ابن عمرو إذا سلم عليه فردَّ ... فذكره. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لأن سالمًا مجهول، تفرد بالرواية عنه عمرو بن شعيب، ولم يوثقه معتبر.\n(^٥) ضعيف. أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (١١٣١) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، حدثني أبي: أنه أخذ هذه الرسالة من خارجة بن زيد، ومن كبراء آل زيد: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله معاوية أمير المؤمنين، من زيد بن ثابت: سلام عليك أمير المؤمنين، ورحمة الله، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنك تسألني عن ميراث الجد والإخوة فذكر الرسالة .. . والسلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ومغفرته. وليس فيه زيادة: وطيب صلواته.\nوإسناده ضعيف؛ فيه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وفيه ضعف.","vol":"10","page":512},{"text":"وقال الإمام ابن سعد -﵀- في «الطبقات» (٦/ ٢٠٢): أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا عطية بن عقبة الأسدي قال: حدثني دحية بن عمرو قال: أتيت عمر ابن الخطاب فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفراته. أو قال: ومغفرته.\nوهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ دحية بن عمرو مجهول، ترجمته في «الطبقات» لابن سعد (٦/ ٢٠١)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وعطية بن عقبة الأسدي أيضًا مجهول، لم أجد له ترجمة.\nوقال الإمام ابن أبي شيبة -﵀- (٨/ ٤٢٤): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، أنه كان إذا سلم عليه قال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته.\nوهذا إسناد صحيح إلى زيد بن وهب، موقوفًا عليه.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: فتبين مما سبق أنه لم يثبت في زيادة (ومغفرته) في السلام حديث مرفوع عن النبي - ﷺ -، لا في الابتداء، ولا في الرد.\nولم يثبت أيضًا عن الصحابة رضوان الله عليهم زيادة: (ومغفرته) في الابتداء، بل ثبت عنهم الإنكار، ثبت عن ابن عباس، وابن عمر -﵃-، كما تقدم.","vol":"10","page":513},{"text":"قلتُ: وزيادة: (ومغفرته) في الرد على السلام، لم تثبت أيضًا على الصحيح عن أحد من الصحابة؛ وعلى هذا فلا يعمل بالزيادة، أعني قوله: (ومغفرته)، لا في الابتداء، ولا في الرد، والسنة الانتهاء إلى البركة.\nوقال الشيخ حماد الأنصاري -﵀-: وبعض الناس يزيد في رد السلام كلمة (ومغفرته) في آخرها، وهذه الزيادة لا تصح باطلة. انتهى من «المجموع في ترجمته» (٢/ ٥٢٦).\nوقال الشيخ عبد المحسن العباد عافاه الله في «شرح سنن أبي داود» (٥١٩٦): وأما (مغفرته) فهذه غير ثابتة.\nوكان شيخنا الإمام الوادعي -﵀- يضعف زيادة: (ومغفرته)، ولا يرى العمل بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6048>مسألة [٧]: حكم تشميت العاطس</span>؟\n• ذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوب تشميت العاطس على كل من سمعه، قال ابن دقيق العيد: ظاهر الأمر الوجوب. وهو قول ابن مزين من المالكية، وجمهور الظاهرية، قال ابن أبي جمرة: قال جماعة من علمائنا: إنه فرض عين. وقوَّاه ابن القيم في «تهذيب السنن»، واستدلوا بحديث أبي هريرة في «البخاري» (٦٢٢٣): «فإذا حمد الله كان حقًّا على كل مسلم سمعه أن يشمته».\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ ذلك فرض كفاية، رجحه أبو الوليد بن رشد، وأبو بكر بن العربي، وقال به الحنفية، وجمهور الحنابلة، ورجحه الحافظ ابن حجر.","vol":"10","page":514},{"text":"• وذهب عبد الوهاب وجماعة من المالكية إلى أنه مستحب، ويجزئ الواحد عن الجماعة، وهو قول الشافعية، والأقرب هو القول الأول، وسمعت شيخنا مقبلًا الوادعي -﵀- يرجحه، والله أعلم. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6049>مسألة [٨]: قول العاطس (يهديكم الله ويصلح بالكم)</span>.\nأخرج البخاري (٦٢٤٤) عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي - ﷺ - قال: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم»، فظاهر هذا الحديث أنه يجب على العاطس إذا شمته أخوه المسلم، أن يقول له: يهديكم الله ويصلح بالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6050>مسألة [٩]: عيادة المريض</span>.\nدلَّ الحديث الذي في الباب على الوجوب، ومثله حديث أبي موسى في «البخاري»: «أطعموا الجائع، وعودوا المريض»، ونقل النووي الإجماع على عدم الوجوب، قال الحافظ: يعني على الأعيان. وقد بوَّب البخاري: [باب وجوب عيادة المريض]، وقال بوجوبه على الكفاية الداودي، والجمهور على الاستحباب.\nوالقول بالوجوب على الكفاية أقربها، والله أعلم. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6051>مسألة [١٠]: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ»</span>.\nتقدم الكلام على حكم اتباع الجنازة في كتاب الجنائز، فراجعه.\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٦٢٢٢).\n(^٢) «الفتح» (٥٦٤٩).","vol":"10","page":515},{"text":"١٤٣٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «انْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nالمقصود في الحديث أن الإنسان في الأمور الدنيوية ينظر إلى من هو أدنى منه؛ ليعلم نعمة الله عليه، وأما في الدين، والعبادة؛ فعليه أن ينظر إلى من هو أرفع منه؛ حتى لا يُعجب بنفسه، ويتكبر، وحتى يزداد اجتهادًا في العبادة.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٦٤٩٠): قَالَ اِبْن بَطَّال: هَذَا الْحَدِيثُ جَامِعٌ لِمَعَانِي الْخَيْرِ؛ لِأَنَّ المَرْءَ لَا يَكُون بِحَالٍ تَتَعَلَّق بِالدِّينِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ مُجْتَهِدًا فِيهَا إِلَّا وَجَدَ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ، فَمَتَى طَلَبَتْ نَفْسُهُ اللَّحَاقَ بِهِ؛ اِسْتَقْصَرَ حَالَهُ، فَيَكُون أَبَدًا فِي زِيَادَةٍ تُقَرِّبُهُ مِنْ رَبّه، وَلَا يَكُون عَلَى حَال خَسِيسَةٍ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا وَجَدَ مِنْ أَهْلِهَا مَنْ هُوَ أَخَسُّ حَالًا مِنْهُ، فَإِذَا تَفَكَّرَ فِي ذَلِكَ؛ عَلِمَ أَنَّ نِعْمَةَ الله وَصَلَتْ إِلَيْهِ دُونَ كَثِيرٍ مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ أَوْجَبَهُ، فَيُلْزِمُ نَفْسَهُ الشُّكْرَ، فَيَعْظُمُ اِغْتِبَاطُهُ بِذَلِكَ فِي مَعَادِهِ.\nقال: وَقَالَ غَيْرُهُ: فِي هَذَا الْحَدِيث دَوَاءُ الدَّاءِ؛ لِأَنَّ الشَّخْص إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُؤَثِّرَ ذَلِكَ فِيهِ حَسَدًا، وَدَوَاؤُهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ دَاعِيًا إِلَى الشُّكْر. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٩٠)، ومسلم (٢٩٦٣) (٩). واللفظ لمسلم، وأما لفظ البخاري: «إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه»، وهذا اللفظ في «مسلم» أيضًا (٢٩٦٣) (٨).","vol":"10","page":516},{"text":"١٤٣٨ - وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ -﵁- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ البِرِّ وَالإِثْمِ، فَقَالَ: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِك وَكَرِهْت أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (٤/ ١٩٧٦ - ١٩٧٧): قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْبِرُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الصِّلَةِ، وَبِمَعْنَى الصَّدَقَةِ، وَبِمَعْنَى اللُّطْفِ، وَالْمَبَرَّةِ، وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ وَالْعِشْرَةِ، وَبِمَعْنَى الطَّاعَةِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ هِيَ مَجَامِعُ حُسْنِ الْخُلُقِ.\nقال: وَقَوْلُهُ: «وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِك وَكَرِهْت أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»، أَيْ: تَحَرَّكَ الْخَاطِرُ فِي صَدْرِك، وَتَرَدَّدْت هَلْ تَفْعَلُهُ لِكَوْنِهِ لَا لَوْمَ فِيهِ، أَوْ تَتْرُكُهُ خَشْيَةَ اللُّوَّمِ عَلَيْهِ مِنْ الله ﷾، وَمِنْ النَّاسِ لَوْ فَعَلْته، فَلَمْ يَنْشَرِحْ بِهِ الصَّدْرُ، وَلَا حَصَلْت الطُّمَأْنِينَةُ بِفِعْلِهِ؛ خَوْفَ كَوْنِهِ ذَنْبًا، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي تَرْكُ مَا تُرُدِّدَ فِي إبَاحَتِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ: «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَّا مَا لَا يَرِيبُك» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٢) مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لِلنَّفْسِ إدْرَاكًا لِمَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ وَزَاجِرًا عَنْ فِعْلِهِ. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٥٥٣).\n(^٢) الحديث ليس في «البخاري»، وإنما رواه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٨/ ٣٢٧) بإسناد صحيح.","vol":"10","page":517},{"text":"١٤٣٩ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (^١)\n\nالمسائل والآداب المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6052>مسألة [١]: تناجي اثنان دون ثالث</span>.\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام»: فِيهِ النَّهْيُ عَنْ تَنَاجِي الِاثْنَيْنِ إذَا كَانَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ، إلَّا إذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّهُ يُحْزِنُهُ انْفِرَادُهُ، وَإِيهَامُ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يُؤْهَلْ لِلسِّرِّ، أَوْ يُوهِمُهُ أَنَّ الْخَوْضَ مِنْ أَجْلِهِ، وَدَلَّتْ الْعِلَّةُ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا أَرْبَعَةً فَلَا نَهْيَ عَنْ انْفِرَادِ اثْنَيْنِ بِالْمُنَاجَاةِ؛ لِفَقْدِ الْعِلَّةِ، وَظَاهِرُهُ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْأَحْوَالِ فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ، وَمَالِكٌ، وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤).","vol":"10","page":518},{"text":"١٤٤٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nالآداب المستفادة من الحديث\nقال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢١٧٧): هَذَا النَّهْي لِلتَّحْرِيمِ؛ فَمَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِع مُبَاح فِي الْمَسْجِد وَغَيْره يَوْم الْجُمُعَة أَوْ غَيْره، لِصَلَاةٍ، أَوْ غَيْرهَا؛ فَهُوَ أَحَقّ بِهِ، وَيَحْرُم عَلَى غَيْره إِقَامَته؛ لِهَذَا الْحَدِيث، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابنَا اِسْتَثْنَوْا مِنْهُ مَا إِذَا أَلِف مِنْ الْمَسْجِد مَوْضِعًا يُفْتِي فِيهِ، أَوْ يَقْرَأ قُرْآنًا، أَوْ غَيْره مِنْ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة؛ فَهُوَ أَحَقّ بِهِ. اهـ\nكذا قال، ولا دليل لهم على الاستثناء المذكور.\nوفي «صحيح مسلم» (٢١٧٩) عن أبي هريرة -﵁-، أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من قام من مجلسه، ثم رجع إليه؛ فهو أحق به».\nقال النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢١٧٩): قَالَ أَصْحَابنَا: هَذَا الْحَدِيث فِيمَنْ جَلَسَ فِي مَوْضِع مِنْ الْمَسْجِد أَوْ غَيْره؛ لِصَلَاةٍ مَثَلًا، ثُمَّ فَارَقَهُ لِيَعُودَ، بِأَنْ فَارَقَهُ لِيَتَوَضَّأ، أَوْ يَقْضِي شُغْلًا يَسِيرًا، ثُمَّ يَعُود؛ لَمْ يَبْطُل اِخْتِصَاصه، بَلْ إِذَا رَجَعَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي تِلْكَ الصَّلَاة؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ قَعَدَ فِيهِ غَيْره فَلَهُ أَنْ يُقِيمهُ، وَعَلَى الْقَاعِد أَنْ يُفَارِقهُ؛ لِهَذَا الْحَدِيث، هَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا، وَأَنَّهُ يَجِب عَلَى مَنْ قَعَدَ فِيهِ مُفَارَقَته إِذَا رَجَعَ الْأَوَّل، قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: هَذَا مُسْتَحَبّ، وَلَا يَجِب، وَهُوَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٧٠)، ومسلم (٢١٧٧) (٢٨). واللفظ لمسلم.","vol":"10","page":519},{"text":"مَذْهَب مَالِك، وَالصَّوَاب الْأَوَّل. قَالَ أَصْحَابنَا: وَلَا فَرْق بَيْن أَنْ يَقُوم مِنْهُ، وَيَتْرُك فِيهِ سَجَّادَة وَنَحْوهَا أَمْ لَا، فَهَذَا أَحَقّ بِهِ فِي الْحَالَيْنِ. قَالَ أَصْحَابنَا: وَإِنَّمَا يَكُون أَحَقّ بِهِ فِي تِلْكَ الصَّلَاة وَحْدهَا دُون غَيْرهَا. اهـ\nوأما حجز مكان من المسجد دون الجلوس فيه فهذا من البدع والمحدثات.\nقال شيخ الإسلام -﵀- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٨٩): وأما ما يفعله كثيرٌ من الناس من تقديم مفارش إلى المسجد يوم الجمعة، أو غيرها قبل ذهابهم إلى المسجد؛ فهذا منهيٌ عنه باتفاق المسلمين، بل محرم. اهـ (^١)\n_________\n(^١) وانظر: «الفتاوى» (٢٢/ ١٩٠ - ١٩٣).","vol":"10","page":520},{"text":"١٤٤١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والآداب المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6053>مسألة [١]: حكم لعق الأصابع عند الفراغ من الطعام</span>.\nفي حديث الباب الأمر بلعق الأصابع.\nوفي «صحيح مسلم» (٢٠٣٣)، عن جابر -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: «إنكم لا تدرون في أيِّ طعامكم البركة».\nوفي الباب أحاديث أخرى في «الصحيحين» وغيرها.\n• وهذا على سبيل الاستحباب عند الجمهور؛ لأنه أدب وإرشاد لما فيه البركة.\n• وذهب ابن حزم إلى وجوب ذلك كما في «المحلى» (١٠٣٦)، وهو ظاهر اختيار الصنعاني -﵀- في «السبل».\nوالصحيح قول الجمهور.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٤٥٦)، ومسلم (٢٠٣١). وليس عند البخاري لفظ «طعامًا».","vol":"10","page":521},{"text":"١٤٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لِيُسَلِّمِ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ، وَالمَارُّ عَلَى القَاعِدِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَالرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي». (^٢)\n\nالمسائل والآداب المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6054>مسألة [١]: الابتداء بالسلام</span>.\nدلَّ حديث الباب على أنه يُستحب للصغير أن يبدأ السلام على الكبير، وكذا المار على القاعد، والقليل على الكثير، والراكب على الماشي، وهذا على سبيل الاستحباب.\nويجوز أن يحصل العكس؛ لحديث أبي أمامة -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال في الذي يبدأ بالسلام: «أولاهما بالله تعالى»، أخرجه الترمذي (٢٦٩٤)، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا الوادعي -﵀-.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٣١)، ومسلم (٢١٦٠). وليس عنده «الصغير على الكبير» وفي مكانها الرواية الآتية.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٢١٦٠). وهي عند البخاري أيضًا (٦٢٣٢).","vol":"10","page":522},{"text":"١٤٤٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يُجْزِئُ عَنِ الجَمَاعَةِ إذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الجَمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالبَيْهَقِيُّ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي الحديث دلالة على أنَّ رد السلام فرض على الكفاية، وقد تقدم ذكر المسألة في أحكام الحديث الأول.\n_________\n(^١) حسن لغيره. الحديث لم يخرجه أحمد، وأخرجه أبوداود (٥٢١٠)، والبيهقي (٩/ ٤٩)، وفي إسناده سعيد ابن خالد الخزاعي وهو ضعيف.\nوله شاهد من مراسيل زيد بن أسلم: أخرجه مالك في «الموطإِ» عنه عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بلفظ: «يسلم الراكب على الماشي وإذا سلم من القوم أحد أجزأ عنهم». انظر: «الموطأ» (٢/ ٩٥٩).\nوله شاهد من حديث الحسن بن علي: أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٧٣٠) وفي إسناده عُمر ابن حفص الرقاشي لم أعرفه إلا أن يكون تصحف عن عَمرو بن حفص وهو ابن ربال الرقاشي فهو ثقة، وفي إسناده كثير بن يحيى، قال الهيثمي في «المجمع» (٨/ ٣٥): ضعيف.\nقلتُ: وجدت ترجمة لهذا الاسم في «الميزان» و«اللسان»، فيهما أنه روى عنه أبوزرعة وأبوحاتم وعبدالله بن أحمد، وقال أبوحاتم محله الصدق، وقال أبوزرعة: صدوق، فهذا حسن الحديث على أقل أحواله؛ فإنْ يكن هو الذي في السند فلا إشكال، وإلا فالاعتماد على ما قال الهيثمي.\nوالحديث حسن -إن شاء الله- بهذه الطرق، والله أعلم. وقد حسنه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (٧٧٨)، و«الصحيحة» (١٤١٢).","vol":"10","page":523},{"text":"١٤٤٤ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَبْدَءُوا اليَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالأحكام المستفادة من الحديث\nتقدم هذا الحديث في [باب الجزية والهدنة]، وتقدم ذكر مباحث الحديث هنالك.\n\n١٤٤٥ - وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ للهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ: يَرْحَمُك اللهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُك اللهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\nالمسائل والآداب المستفادة من الحديث\nتقدمت بعض أحكام العطاس عند ذكر الأحكام المستفادة من الحديث الأول، ونذكر ههنا مسألتين ملحقتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6055>مسألة [١]: إذا عطس اليهودي، فهل يشمت إذا حمد الله</span>؟\nثبت من حديث أبي موسى عند أبي داود (٥٠٣٨) وغيره، أنَّ اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رجاء أن يقول لهم: يرحمكم الله. فكان يقول لهم:\n_________\n(^١) كذا في النسخ (وعنه) والصواب (وعن أبي هريرة)؛ لأن الحديث المذكور والأربعة التي بعده كلها عن أبي هريرة. والحديث أخرجه مسلم برقم (٢١٦٧) عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦٢٢٤).","vol":"10","page":524},{"text":"«يهديكم الله ويصلح بالكم»، وهذا الحديث في «الصحيح المسند» لشيخنا، ووالدنا مقبل بن هادي الوادعي -﵀-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6056>مسألة [٢]: إذا تكرر العطاس، فهل يكرر الحمد والتشميت</span>؟\nأخرج مسلم في «صحيحه» (٢٩٩٣) عن سلمة بن الأكوع أنه سمع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وعطس عنده رجل، فقال له: «يرحمك الله»، ثم عطس أخرى، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الرجل مزكوم».\nففي هذا الحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَلِمَ أنه مزكوم؛ فترك تشميته في الثانية، وعليه فإذا عَرَف الرجل أنَّ أخاه مزكوم فلا يلزمه أن يكرر التشميت.\n• وقد قال جماعة من الفقهاء: إنه يشمته ثلاثًا، ثم يترك، وجاء في ذلك حديث مرفوع عن أبي هريرة -﵁- بلفظ: «شمت أخاك ثلاثًا، فما زاد فهو زكام» أخرجه أبو داود (٥٠٣٤)، والراجح وقفه على أبي هريرة.\nوجاء مرسل من مراسيل أبي بكر بن حزم أخرجه مالك في «الموطإِ» (٢/ ٩٦٥).\nوصحَّ عن ابن عمر -﵄- كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٨/ ٤٩٠) أنَّ رجلًا عطس عنده فشمته، ثم عطس، فشمته، ثم عاد في الثالثة، فقال: إنك مضنوك.\nوأثر ابن عمر، وأبي هريرة -﵃- يمكن حمله على أنه يعلم منه الزكام بعد ذلك، فلو علم مرضه في الثانية؛ لم يلزم التشميت كما فعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فلا معارضة في","vol":"10","page":525},{"text":"ذلك، وأما العاطس فعليه أن يكرر الحمد؛ لعموم الحديث، والله أعلم. (^١)\n\n١٤٤٦ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُم قَائِمًا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\nالمسائل والآداب المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6057>مسألة [١]: حكم الشرب قائمًا</span>.\n• ذهب الجمهور من أهل العلم إلى الجواز مع كراهة ذلك؛ جمعًا بين الأدلة، ففي «الصحيحين» عن ابن عباس -﵄- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- شرب من ماء زمزم وهو قائم. (^٣) وفي «البخاري» (٥٦٧١) عن علي -﵁- أنه شرب وهو قائم، ثم قال: هكذا رأيت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يفعل. فجمع أصحاب هذا القول بين الأدلة بذلك.\n• وذهب ابن حزم، والشوكاني، والألباني إلى تحريم ذلك؛ تقديمًا لأدلة المنع؛ لأنها قولية، وهي مقدمة عندهم على الأدلة الفعلية؛ لوجود الاحتمالات فيها.\nوالصحيح قول الجمهور، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) «الفتح» (٦٢٢٢).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٢٠٢٦). وعنده زيادة: «فمن نسي فليستقيء» وفي إسناده عمر بن حمزة، وقد ضعفه جماعة من الأئمة، وهذا الحديث مما أنكر عليه كما في «الميزان».\nوالحديث له شواهد بدون الزيادة «فمن نسي فليستقيء» فهذه الزيادة منكرة، ومن شواهد الحديث حديث أنس عند مسلم (٢٠٢٤) أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن الشرب قائمًا وعنده (٢٠٢٥) عن أبي سعيد أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- زجر عن الشرب قائمًا. وفي الباب أحاديث أخرى. انظر: «الضعيفة» (٩٢٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٦١٧)، ومسلم برقم (٢٠٢٧).\n(^٤) انظر: «الفتح» (٥٦١٥).","vol":"10","page":526},{"text":"١٤٤٧ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِاليَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، وَلْتَكُنِ اليُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والآداب المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6058>مسألة [١]: ابتداء الانتعال باليمين</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٨٥٦): قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ: مَنْ بَدَأَ بِالِانْتِعَالِ فِي الْيُسْرَى أَسَاءَ؛ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّة، وَلَكِنْ لَا يَحْرُم عَلَيْهِ لُبْس نَعْله. وَقَالَ غَيْره: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْزِع النَّعْل مِنْ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَبْدَأ بِالْيُمْنَى، وَنَقَلَ عِيَاض وَغَيْره الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْأَمْر فِيهِ للِاسْتِحْبَابِ. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٥٦)، ومسلم (٢٠٩٧). واللفظ للبخاري، ليس عند مسلم «ولتكن اليمنى ...» إلخ. وعنده «ولينعلهما جميعًا أو ليخلعهما جميعًا».","vol":"10","page":527},{"text":"١٤٤٨ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَلْيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والآداب المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6059>مسألة [١]: المشي في نعل واحدة</span>.\nتقدم حديث الباب في النهي عن ذلك، وفي مسلم (٢٠٩٨)، عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش في نعل واحدة حتى يصلحها»، وبنحوه عنده (٢٠٩٩)، عن جابر -﵁-.\nقال النووي -﵀- (٢٠٩٧): قال العلماء: وسببه أنَّ ذلك تشويه، ومثلة، ومخالف للوقار؛ ولأنَّ المنتعلة تصير أرفع من الأخرى؛ فيعسر مشيه، وربما كان سببًا للعثار.\nقال: وهذا مجمع على استحبابه، وعلى أنه ليس بواجب. اهـ بتصرف يسير.\nقلتُ: ومن العلل التي ذكروها في النهي أنها مشية الشيطان، وهذه العلة قد جاء فيها حديث صحيح، فقد أخرج الطحاوي -﵀- في «مشكل الآثار» (١٣٥٨) بإسناد صحيح عن أبي هريرة -﵁- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن المشي في النعل الواحدة، وقال: «إنَّ الشيطان يمشي بالنعل الواحدة»، وقد صححه الإمام الألباني -﵀- في «الصحيحة» (٣٤٨).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٨٥٥)، ومسلم (٢٠٩٧) (٦٨). ولفظ البخاري «أو ليحفهما».","vol":"10","page":528},{"text":"١٤٤٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَنْظُرُ اللهُ إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والآداب المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6060>مسألة [١]: حكم إسبال الإزار</span>؟\nفي الحديث تحريم إسبال الإزار خيلاءً، ويحرم إسباله على الصحيح، وإن لم يقصد الخيلاء؛ لأنه ذريعة إليه، فقد روى أبو داود (٤٠٨٤)، من حديث جابر بن سليم -﵁-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال له: «إياك وإسبال الإزار؛ فإنَّ إسبال الإزار من المخيلة»، وتقدم ذكر هذه المسألة مع بيان حكمها في [باب اللباس من كتاب الصلاة].\n\n١٤٥٠ - وَعَنْهُ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\nالمسائل والآداب المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6061>مسألة [١]: حكم الأكل والشرب بالشمال</span>؟\nدلَّ الحديث المذكور على تحريم ذلك، وقد تقدم ذكر المسألة في [باب الوليمة من كتاب النكاح].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٧٨٣)، ومسلم (٢٠٨٥).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٢٠٢٠).","vol":"10","page":529},{"text":"١٤٥١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كُلْ، وَاشْرَبْ، وَالبَسْ، وَتَصَدَّقْ فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةٍ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد وَأَحْمَدُ، وَعَلَّقَهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي الحديث تحريم الإسراف، والمخيلة في أكل الإنسان، وشربه، وهذا من شكر نعمة الله؛ فعلى الإنسان أن يشكر نعمة الله بطاعته.\nوأما الإسراف والمخيلة فهي من كفران النعمة، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١]، والإسراف هو مجاوزة الحد الشرعي.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٢/ ١٨١) (٢/ ١٨٢) من طريق همام، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده به، وإسناده حسن، ولم يخرج الحديث أبوداود، وقد أخرجه النسائي (٥/ ٧٩)، وابن ماجه (٣٦٠٥) من طريق همام به، وعلقه البخاري بصيغة الجزم في بداية (كتاب اللباس).","vol":"10","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6062>بَابُ البِرِّ وَالصِّلَةِ</span>\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (٤/ ١٩١٩): الْبِرُّ: بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، هُوَ التَّوَسُّعُ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ. وَالْبَرُّ بِفَتْحِهَا: الْمُتَوَسِّعُ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الله تَعَالَى. وَالصِّلَةُ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مَصْدَرُ وَصَلَهُ كَوَعَدَهُ عِدَةً. فِي «النِّهَايَةِ»: تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ صِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنْ الْإِحْسَانِ إلَى الْأَقْرَبِينَ مِنْ ذَوِي النَّسَبِ وَالْأَصْهَارِ، وَالتَّعَطُّفِ عَلَيْهِمْ، وَالرِّفْقِ بِهِمْ، وَالرِّعَايَةِ لِأَحْوَالِهِمْ، وَكَذَلِكَ إنْ تَعَدَّوْا وَأَسَاءُوا، وَضِدُّ ذَلِكَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ. اهـ","vol":"10","page":531},{"text":"١٤٥٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ (^١) فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ (^٢) لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^٣)\n\n١٤٥٣ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ»، يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٤)\n\nالمسائل والآداب المستفادة من الحديثين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6063>مسألة [١]: معنى قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ»</span>.\nقيل: معناه أن يبارك له في عمره، فيوفقه الله تعالى إلى فعل الطاعات، فيصير كمن طال عمره.\nوقيل: هو على ظاهره، وهو أنَّ الصلة سببٌ في زيادة العمر، وكل ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، فقد كتب فيه أنَّ فلانًا سيصل رحمه، وسيكون أجله في وقت كذا، ويؤيد صحة هذا التفسير حديث عائشة -﵂- عند أحمد (٦/ ١٥٩)، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا -﵀- برقم (١٦٢٩)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار».\nوتغيير العمر يحصل في الصحف التي مع الملائكة، وأما اللوح المحفوظ\n_________\n(^١) في (أ) و(ب): (عليه) والمثبت يوافق رواية البخاري.\n(^٢) أي: يؤخر أجله.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٥٩٨٥). بلفظ: «من سره».\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٩٨٤)، ومسلم (٢٥٥٦). والتفسير لسفيان بن عيينة عند مسلم فقط.","vol":"10","page":532},{"text":"فقد كتب فيه كل ما هو كائن إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6064>مسألة [٢]: ضابط الرحم</span>.\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٩٨٢): بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْحَاء الْمُهْمَلَة، يُطْلَق عَلَى الْأَقَارِب، وَهُمْ مَنْ بَيْنه وَبَيْن الْآخَر نَسَب، سَوَاء كَانَ يَرِثهُ أَمْ لَا، سَوَاء كَانَ ذَا مَحْرَم أَمْ لَا. وَقِيلَ: هُمْ الْمَحَارِم فَقَطْ. وَالْأَوَّل هُوَ الْمُرَجَّح؛ لِأَنَّ الثَّانِي يَسْتَلْزِم خُرُوج أَوْلَاد الْأَعْمَام وَأَوْلَاد الْأَخْوَال مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. اهـ\nقلتُ: ويؤيد ما رجحه الحافظ ما أخرجه مسلم (٢٠٤)، من حديث أبي هريرة -﵁- قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] دعا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قريشًا، فاجتمعوا، فعمَّ وخصَّ، فقال: «يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أنَّ لكم رحمًا سأبلها ببلالها»، وأصله في «البخاري» (٤٧٧١).\nوفي «مستدرك الحاكم» (١/ ٨٩)، عن ابن عباس -﵄- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم؛ فإنه لا بُعْدَ لنسب إذا وُصِلَت وإن كانت بعيدة،\n_________\n(^١) انظر: «الفتح» (٥٩٨٥).","vol":"10","page":533},{"text":"ولا قُرْبَ لها إذا قُطِعت وإن كانت قريبة»، وهو في «الصحيح المسند» (٦٢٧) لشيخنا الوادعي -﵀-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6065>مسألة [٣]: تحريم قطيعة الرحم</span>.\nدلَّ الحديث الثاني على أنَّ قطيعة الرحم محرمة، وأنه سبب لعدم دخول الجنة والعياذ بالله، والمقصود به في حق المؤمن: لا يدخلها دخولًا أوليًّا إن شاء الله تعذيبه، وقد جاء في الحديث الآخر: «إنَّ الله تعالى قال: من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته» أخرجه البخاري (٥٩٨٨)، ومسلم (٢٥٥٤) عن أبي هريرة -﵁-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6066>مسألة [٤]: بماذا تحصل الصلة والقطيعة</span>؟\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٥٩٨٩): قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرَّحِم الَّتِي تُوصَل عَامَّة وَخَاصَّة، فَالْعَامَّة رَحِم الدِّين، وَتَجِب مُوَاصَلَتهَا بِالتَّوَادُدِ، وَالتَّنَاصُح، وَالْعَدْل، وَالْإِنْصَاف، وَالْقِيَام بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَة وَالْمُسْتَحَبَّة، وَأَمَّا الرَّحِم الْخَاصَّة فَتَزِيد لِلنَّفَقَةِ عَلَى الْقَرِيب، وَتَفَقُّد أَحْوَالهمْ، وَالتَّغَافُل عَنْ زَلَّاتهمْ، وَتَتَفَاوَت مَرَاتِب اِسْتِحْقَاقهمْ فِي ذَلِكَ. اهـ\nقلتُ: ويدل على ذلك حديث جابر في «صحيح مسلم» (٩٩٧)، مرفوعًا: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها؛ فإن فضل شيء فلأهلك؛ فإن فضل شيءٌ فلِذي قرابتك»، وكذلك حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه المتقدم في (النفقات)، وفيه: «ثم أدناك أدناك».","vol":"10","page":534},{"text":"قال الحافظ -﵀-: وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة: تَكُون صِلَة الرَّحِم بِالْمَالِ، وَبِالْعَوْنِ عَلَى الْحَاجَة، وَبِدَفْعِ الضَّرَر، وَبِطَلَاقَةِ الْوَجْه، وَبِالدُّعَاءِ. وَالْمَعْنَى الْجَامِع إِيصَال مَا أَمْكَنَ مِنْ الْخَيْر، وَدَفْع مَا أَمْكَن مِنْ الشَّرّ بِحَسَبِ الطَّاقَة، وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَمِرّ إِذَا كَانَ أَهْل الرَّحِم أَهْل اِسْتِقَامَة؛ فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ فُجَّارًا فَمُقَاطَعَتهمْ فِي الله هِيَ صِلَتهمْ، بِشَرْطِ بَذْل الْجَهْد فِي وَعْظهمْ، ثُمَّ إِعْلَامهمْ إِذَا أَصَرُّوا أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَخَلُّفهمْ عَنْ الْحَقّ، وَلَا يَسْقُط مَعَ ذَلِكَ صِلَتهمْ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ بِظَهْرِ الْغَيْب أَنْ يَعُودُوا إِلَى الطَّرِيق الْمُثْلَى. اهـ\nقال النووي -﵀- (١٦/ ١١٣): قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَلَا خِلَاف أَنَّ صِلَة الرَّحِم وَاجِبَة فِي الْجُمْلَة، وَقَطِيعَتهَا مَعْصِيَة كَبِيرَة. قَالَ: وَالْأَحَادِيث فِي الْبَاب تَشْهَد لِهَذَا، وَلَكِنَّ الصِّلَة دَرَجَات بَعْضهَا أَرْفَع مِنْ بَعْض، وَأَدْنَاهَا تَرْك المُهَاجَرَة، وَصِلَتهَا بِالْكَلَامِ وَلَوْ بِالسَّلَامِ، وَيَخْتَلِف ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْقُدْرَة وَالْحَاجَة، فَمِنْهَا وَاجِب، وَمِنْهَا مُسْتَحَبّ، وَلَوْ وَصَلَ بَعْض الصِّلَة ولَمْ يَصِل غَايَتهَا لَا يُسَمَّى قَاطِعًا، وَلَوْ قَصَّرَ عَمَّا يَقْدِر عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي لَهُ لَا يُسَمَّى وَاصِلًا. اهـ\nقال المناوي -﵀- في «فيض القدير» (٩٩٦٢): وقد ورد الحث فيما لا يُحصى من الأخبار على صلة الرحم، ولم يرد لها ضابط؛ فالمعول على العرف، ويختلف باختلاف الأشخاص، والأحوال، والأزمنة، والواجب منها ما يعد به في العرف واصلًا، وما زاد تفضل ومكرمة. انتهى المراد.\nقال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الذي يظهر أنَّ القطيعة تحصل بترك ما هو واجبٌ عليه فيهم بدون عذر، والله أعلم.","vol":"10","page":535},{"text":"١٤٥٤ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\nفي هذا الحديث تحريم عقوق الأمهات، وعقوق الوالدين من كبائر الذنوب، كما عدَّ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في حديث أبي بكرة، وأنس -﵄-، أخرجهما الشيخان.\nوفي الحديث تحريم وأد البنات، وذلك صنيع الجاهلية الذين كانوا يدفنون البنات وهُنَّ أحياء؛ مخافة العار.\nومعنى قوله في الحديث: «وَمَنْعًا وَهَاتِ»، أي: يمنع ما يجب عليه، ويطلب ما لا يستحق طلبه.\nومعنى قوله: «وَكَرِهَ لَكُمْ»، أي: كراهة تحريم، قال تعالى بعد أن ذكر عددًا من كبائر الذنوب: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨].\nوقوله: «قِيلَ وَقَالَ» المراد به نقل الكلام بدون تثبت، وكذا الغيبة، والنميمة، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٧٥)، ومسلم عقب حديث (١٧١٥).","vol":"10","page":536},{"text":"وقوله: «وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» يشمل سؤال المال، ويشمل سؤال التعنت، وسؤال ما لا يجوز أن يسأل عنه.\nوقوله: «وَإِضَاعَةَ المَالِ» هو صرفه في غير وجه شرعي بغير حق، وفي «البخاري» (٣١١٨)، من حديث خولة -﵂-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنَّ أُناسًا يتخوضون في مال الله بغير حقٍّ؛ فلهم النار يوم القيامة».\n\n١٤٥٥ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «رِضَا اللهِ فِي رِضَا الوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ اللهِ فِي سَخَطِ الوَالِدَيْنِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي الحديث أنَّ إرضاء الوالدين سبب لإرضاء الله، وأنَّ سخط الوالدين سبب لسخط الله، والأدلة تبلغ التواتر في طاعة الوالدين، وتحريم عقوقهم، بل قد قرن الله حقهما بحقه ﷾ في أكثر من آية، من ذلك: قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣].\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الترمذي (١٨٩٩)، وابن حبان (٤٢٩)، والحاكم (٤/ ١٥١ - ١٥٢)، وفي إسناده عطاء العامري وهو مجهول، واختلف في رفعه ووقفه ورجح الترمذي وقفه، والموقوف أيضًا فيه الرجل المذكور، وجاء هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ: «طاعة الله طاعة الوالد، ومعصية الله معصية الوالد» أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٢٢٧٦) وفي إسناده أحمد بن إبراهيم بن كيسان الثقفي وإسماعيل بن عمرو كلاهما مترجم في «لسان الميزان»، وكلاهما ضعيف.","vol":"10","page":537},{"text":"١٤٥٦ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ أَوْ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nدلَّ هذا الحديث على أنَّ إيمان المؤمن لا يكون كاملًا حتى يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، ولا سيما في أمور الدين؛ فلا يجوز لمسلم أن يحب لنفسه الاستقامة ولا يحب ذلك لأخيه المسلم.\nويشمل الحديث أيضًا أمورَ الدنيا، وقد قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، ولا يحصل ذلك إلا بأن ينقي الإنسان قلبه من الحسد، والحقد، والبغضاء، ويستعين بربه عزوجل على ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥) (٧٢). ولفظ البخاري «لأخيه» وهي عند مسلم أيضًا.","vol":"10","page":538},{"text":"١٤٥٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك»، قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَك»، قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِك». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\nالأدب والأحكام المستفادة من الحديث\nأعظم ذنب يُعصى الله به هو الشرك بالله، قال تعالى عن لقمان: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].\nومن الذنوب العظيمة قتل الولد خشية الفقر، والزنى بحليلة الجار، قال الله عزوجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا * وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣١ - ٣٢].\nوقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر من أن يزني بامرأة جاره» أخرجه أحمد (٦/ ٨)، من حديث المقداد بن الأسود -﵁-، بإسناد حسن.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦).","vol":"10","page":539},{"text":"١٤٥٨ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مِنَ الكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ»، قِيلَ: وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث عِظَمُ ذنب من يشتم والديه، ويسبهما، ويلعنهما؛ لأنه إذا كان من الكبائر أن يكون سببًا في سب والديه، ولعنهما، فكيف بحال من يباشر السب، واللعن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوهذا الحديث فيه شبه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]؛ فالحديث مع الآية أصلٌ في سد الذرائع، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠). واللفظ لمسلم، وعند البخاري «من الكبائر أن يلعن الرجل والديه» قيل: وكيف يلعن الرجل والديه ... فذكره.","vol":"10","page":540},{"text":"١٤٥٩ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ: يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالمسائل والأحكام المستفادة من الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6067>مسألة [١]: هجر المسلم</span>.\nدلَّ حديثُ الباب على تحريم هجر المسلم فوق ثلاثة أيام، وذلك فيما إذا كان سبب ذلك تحريشات من الشيطان مع صلاح كل منهما في دينه.\nأما إذا كان أحدهما مبتدعًا، أو فاسقًا مجاهرًا بالكبائر؛ فيجوز هجره لله أكثر من ذلك، وما أحسن قول أبي عثمان إسماعيل الصابوني -﵀-، فقد قال في كتابه «عقيدة السلف وأصحاب الحديث» (ص ٢٩٨): ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرَّت بالآذان، وقرَّت في القلوب ضرَّت، وجرَّت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرَّت، وفيه أنزل الله عزوجل قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨].اهـ\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٦٠٧٧) في بيان ضابط التهاجر المحرم: وَلَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٧٧)، ومسلم (٢٥٦٠).","vol":"10","page":541},{"text":"يَخْفَى أَنَّ هُنَا مَقَامَيْنِ أَعْلَى وَأَدْنَى، فَالْأَعْلَى اِجْتِنَاب الْإِعْرَاض جُمْلَةً، فَيَبْذُل السَّلَام، وَالْكَلَام، وَالمُوَادَدَة بِكُلِّ طَرِيق، وَالْأَدْنَى الِاقْتِصَار عَلَى السَّلَام دُون غَيْره، وَالْوَعِيد الشَّدِيد إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَتْرُك المَقَام الْأَدْنَى، وَأَمَّا الْأَعْلَى فَمَنْ تَرَكَهُ مِنْ الْأَجَانِب فَلَا يَلْحَقهُ اللَّوْم، بِخِلَافِ الْأَقَارِب؛ فَإِنَّهُ يَدْخُل فِيهِ قَطِيعَة الرَّحِم. اهـ\nوقال أيضًا (٦٠٧٧): قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز الْهِجْرَان فَوْق ثَلَاث إِلَّا لِمَنْ خَافَ مِنْ مُكَالَمَته مَا يُفْسِد عَلَيْهِ دِينه، أَوْ يُدْخِل مِنْهُ عَلَى نَفْسه أَوْ دُنْيَاهُ مَضَرَّة؛ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ جَازَ، وَرَبّ هَجْر جَمِيل خَيْر مِنْ مُخَالَطَة مُؤْذِيَة. اهـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6068>مسألة [٢]: متى يخرج المتهاجران من الهجر</span>؟\nأخرج الإمام أحمد (٤/ ٢٠)، من حديث هشام بن عامر -﵁- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال؛ فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على صرامهما، وأولهما فيئًا يكون سبقه بالفيء كفارة له، وإن سلم فلم يقبل، وردَّ عليه سلامه؛ ردت عليه الملائكة، وردَّ على الآخر الشيطان، وإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعًا أبدًا»، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا -﵀-، برقم (١١٨٦).\nفهذا الحديث مع حديث الباب: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»؛ فيهما دلالة على أنَّ الْمُسَلِّمَ منهما يخرج من الهجرة، وبالله التوفيق.","vol":"10","page":542},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6069>مسألة [٣]: هجر المبتدع والمجاهر بالفسق</span>.\nالهجر للمبتدع والمجاهر بالفسق نوعان:\nأحدهما: هجر ترك وبعد عن المجالسة لهم، فهذا الهجر أمر به المسلمون؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠]، وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم:٢٩].\nولقوله - ﷺ -: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» أخرجه البخاري (١٠) عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-.\nوفي «الصحيحين» عن أبي موسى الأشعري -﵁-، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة».\nوفي «سنن أبي داود» (٤٨٣٣)، و«الترمذي» (٢٣٧٨)، عن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «المرءُ على دِين خليله، فلينظرْ أحدُكُم مَن يُخَالِلْ».","vol":"10","page":543},{"text":"وأخرج البخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥) عن عائشة، قالت: تلا رسول الله - ﷺ -: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم».\nوثبت عن ابن عباس -﵄-، بإسناد صحيح كما في «الشريعة» للآجري (١٣٣)، أنه قال: لا تجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلوب.\nوأخرج الدارمي في «مقدمة سننه» (٤٠٥) بإسناد صحيح عن أبي قلابة، قال: \"لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون\".\nوأخرجه أيضًا بإسناد صحيح (٤١٥) عن الحسن، وابن سيرين قالا: لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم.\nوالثاني: هجر تأديب وزجر، بترك السلام، والكلام بالكلية، وبترك حقوق المسلم، من عيادة المريض، وشهود الجنازة، ونحو ذلك، فهذا الهجر متعلق بالمصلحة الشرعية، ولا يصنع إلا مع مصالح شرعية راجحة، فإن كانت المفاسد بهذا الهجر راجحة على المصالح ترك هذا الهجر، ويستدل لهذا الهجر بحديث","vol":"10","page":544},{"text":"كعب بن مالك -﵁- في «الصحيحين» أن النبي - ﷺ - والمسلمين هجروه مع بقية الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك خمسين ليلة.\nويستدل له أيضًا بحديث: «القدرية مجوس هذه الأمة: إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم». جاء عن جماعة من الصحابة، وهو حديث حسن بطرقه، كما بينا ذلك في «التوضيح المفيد على كتاب فتح المجيد» (ص ٧٨٩).\nوفي البخاري (٥٤٧٩)، ومسلم (١٩٥٤) عن عبد الله بن مغفل -﵁-، أن قريبًا له حذف، فنهاه، وقال: إن رسول الله - ﷺ - نهى عن الخذف، وقال: «إنها لا تصيد صيدا، ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين»، قال: فعاد، فقال: أحدثك أن رسول الله - ﷺ - نهى عنه، ثم تخذف، لا أكلمك أبدا. واللفظ لمسلم.\nوقد بين ما ذكرناه في هذا الموضع شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- فأحسن البيان كما في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٠٤ -) فراجعه فإنه مفيد.","vol":"10","page":545},{"text":"١٤٦٠ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nقال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٦٠٢١): قال ابن أبي جمرة: يطلق اسم المعروف على ما عُرف بأدلة الشرع أنه من أعمال البر، سواء جرت به العادة أم لا؟ قال: والمراد بالصدقة الثواب؛ فإن قارنته النية أُجِر صاحبه جزمًا وإلا ففيه احتمال. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٠٢١). وقد أخرجه مسلم برقم (١٠٠٥) من حديث حذيفة -﵁-.","vol":"10","page":546},{"text":"١٤٦١ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاك بِوَجْهٍ طَلْقٍ». (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nقال النووي -﵀- (٢٦٢٦): رُوي «طلق» على ثلاثة أوجه: إسكان اللام وكسرها، وطليق بزيادة ياء، ومعناه: سهل منبسط. فيه الحث على فضل المعروف وما تيسر منه وإن قلَّ، حتى طلاقة الوجه عند اللقاء. اهـ\n\n١٤٦٢ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا طَبَخْت مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَك». أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ. (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nقال النووي -﵀- (٢٦٢٥): في الحديث الوصية بالجار، وبيان عظم حقه، وفضيلة الإحسان إليه، وفي الحديث: «فأصبهم منه بمعروف»، أي: أعطهم منه شيئًا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٦٢٦).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٢٦٢٥) (١٤٢).","vol":"10","page":547},{"text":"١٤٦٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالآداب المستفادة من الحديث\nفي الحديث فضيلة عظيمة لمن نفس عن أخيه المؤمن كربة من كُرب الدنيا، سواء كان بمال، أو إعانة ببدن، أو بمشاورة، أو ما أشبه ذلك، وفيه فضيلة أيضًا لمن يسر على المعسر بأن ينظره، أو يضع عنه المال، وذلك أيضًا من تنفيس الكربات.\nوفيه فضيلة لمن ستر مسلمًا فلا ينشر عيبه، ولا يفضحه، وذلك فيما إذا لم يكن في ذلك ضرر بغيره. وفيه فضيلة التعاون على البر والتقوى، وأنَّ ذلك سبب لمعونة الله للعبد.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٦٩٩). في ضمن حديث طويل.","vol":"10","page":548},{"text":"١٤٦٤ - وَعَنِ أَبِي مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nقال النووي -﵀- (١٨٩٣): فِيهِ: فَضِيلَة الدَّلَالَة عَلَى الْخَيْر، وَالتَّنْبِيه عَلَيْهِ، وَالْمُسَاعَدَة لِفَاعِلِهِ، وَفِيهِ: فَضِيلَة تَعْلِيم الْعِلْم، وَوَظَائِف الْعِبَادَات، لَا سِيَّمَا لِمَنْ يَعْمَل بِهَا مِنْ الْمُتَعَبِّدِينَ وَغَيْرهمْ، وَالْمُرَاد بِمِثْلِ أَجْر فَاعِله: أَنَّ لَهُ ثَوَابًا بِذَلِكَ الْفِعْل كَمَا أَنَّ لِفَاعِلِهِ ثَوَابًا، وَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُون قَدْر ثَوَابهمَا سَوَاء. اهـ\n\n١٤٦٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ أَتَى إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ». أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ. (^٢)\nالآداب المستفادة من الحديث\nفي الحديث دلالة على أنَّ المسلم ينبغي له إذا استعاذ إنسان بالله أن يعيذه مما استعاذ منه، وإذا سأله إنسان بالله أن يعطيه، وذلك حيث لا مشقة عليه.\nوكذلك على الإنسان أن يكافئ من صنع إليه المعروف بمعروف مثله، أو بالدعاء، وفي الحديث الآخر: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»، أخرجه أبوداود (٤٨١١)، عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، بإسناد صحيح.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (١٨٩٣).\n(^٢) صحيح. أخرجه البيهقي (٤/ ١٩٩)، وهو عند أبي داود (١٦٧٢)، والنسائي (٥/ ٨٢)، وغيرهم من طرق عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر به. وإسناده صحيح رجاله ثقات.","vol":"10","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6070>بَابُ الزُّهْدِ وَالوَرَعِ</span>\nالزهد: أحسن تعريف له تعريف شيخ الإسلام: (هو ترك ما لا ينفع في الآخرة).\nوالورع: هو ترك ما يُخشَى ضرره في الآخرة. (^١)\n\n١٤٦٦ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -﵄- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ -وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِأُصْبُعَيْهِ إلَى أُذُنَيْهِ-: «إنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nأورد الحافظ -﵀- هذا الحديث في هذا الباب من أجل قوله: «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ».\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢١، ٥١١ - ٥١٢)، «الفوائد» (١١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩).","vol":"10","page":550},{"text":"وهذا الحديث أصلٌ من أصول التورع، ويشبهه حديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»؛ فإنَّ من استهان بالشبهات جرَّه ذلك إلى الحرام، ومن ابتعد من الشبهات سلم من الحرام بتوفيق الله.\nوالحديث له فوائد عظيمة، وشرحها يطول، وإنما ألمحنا إلى الشاهد منه لهذا الباب، وقد شرحه الإمام ابن رجب -﵀- في «جامع العلوم والحكم» فأفاد وأجاد.\n\n١٤٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالقَطِيفَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي الحديث ذمٌّ لمن جعل الدنيا همَّه، وجعلها غاية مقصودة، وذم لمن قدمها على طاعة الله؛ فإنها تذله ويصير عبدًا لها، تُذَلِّلُه الدنيا والشيطان كما يشاء، فمن صرف عبادة لغير الله لينال بها دنيا؛ فقد أشرك، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].\nقال الصنعاني -﵀-: واعلم أنَّ المذموم من الدنيا كل ما يبعد العبد عن الله تعالى، ويشغله عن واجب طاعته وعبادته، لا ما يعينه على الأعمال الصالحة؛ فإنه غير مذموم، وقد يتعين طلبه ويجب عليه تحصيله. اهـ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٤٣٥).","vol":"10","page":551},{"text":"١٤٦٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمَنْكِبَيَّ، فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ -﵄- يَقُولُ: إذَا أَمْسَيْت فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْت فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِك لِسَقَمِك وَمِنْ حَيَاتِك لِمَوْتِك. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث إشارة إلى الزهد في الدنيا، وأخذ البلغة منها، والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك المؤمن لا يحتاج في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل، قال تعالى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٤١٦).","vol":"10","page":552},{"text":"١٤٦٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي الحديث تحريم التشبه بالكافرين فيما هو من خصائصهم كأعيادهم، وعباداتهم، وزيهم، فمن فعل ذلك مُفَضِّلًا هديهم على هدي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فقد كفر، وإلا فهو عاصٍ بفعله ذلك، ويكون قوله: «فهو منهم»، أي: في تلك الخصلة التي شابههم بها، والله أعلم.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (٤٠٣١)، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن ابن ثابت، حدثنا حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر به. وإسناده حسن، وصححه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (١٢٦٩).","vol":"10","page":553},{"text":"١٤٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: كُنْت خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ، احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْك، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَك، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاللهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nقوله: «احفظ الله يحفظك»، أي: احفظ الله بإقامة دينه يحفظك الله بتوفيقك للثبات والاستقامة، ويحفظك الله من بلاء الدنيا والآخرة.\nوقوله: «تجده تجاهك»، أي: تجده ناصرك، ومؤيدك في أمور دنياك وآخرتك.\nوقوله: «إذا سألت فاسأل الله» يشمل الدعاء، ويشمل طلب المال والحاجة الدنيوية.\nوهذا الحديث من جوامع الكلم، فألفاظه يسيرة، ومعانيه كثيرة واسعة، وانظر شرح الحافظ ابن رجب على هذا الحديث العظيم.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، من طريقين عن الليث بن سعد قال: حدثني قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس به، وإسناده حسن.","vol":"10","page":554},{"text":"١٤٧١ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -﵁- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إذَا عَمِلْته أَحَبَّنِي اللهُ، وَأَحَبَّنِي النَّاسُ، فَقَالَ: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّك اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّك النَّاسُ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي الحديث دلالة على أنَّ من رغب عن الدنيا، وأقبل على العلم والعبادة أحبه الله، ومن زهد عما في أيدي الناس أحبه الناس، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا فهناك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة تدل عليه.\n_________\n(^١) ضعيف. رواه ابن ماجه (٤١٠٢)، وفي إسناده خالد بن عمرو القرشي وهو كذاب وضاع، فهذا الإسناد تالف، فعجبًا للحافظ كيف حسنه، وقد ذكر الإمام الألباني -﵀- في «الصحيحة» (٩٤٤) طرقًا لتحسين الحديث، وهي ما بين شديد الضعف أو غير محفوظ، وأحسنها مرسل عن مجاهد، وقيل عن النخعي، وقيل عن ربعي بن حراش، وقيل عن إبراهيم بن أدهم عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، اختلف الرواة فيه. وانظر: «جامع العلوم والحكم» (٢/ ١٧٦)، وقد ضعف الحديث شيخنا مقبل الوادعي -﵀-.","vol":"10","page":555},{"text":"١٤٧٢ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ العَبْدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِيَّ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nدلَّ الحديث على أنَّ من كان عابدًا لله، مُتَّقِيًا لربه سبحانه، غنيًّا في نفسه، وهو القنوع بما أعطاه الله كما في الحديث: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس»، أخرجه البخاري برقم (٦٤٤٦)، ومسلم برقم (١٠٥١)، عن أبي هريرة -﵁-. فمن كان كذلك فهو محبوب عند ربه سبحانه، وتعالى.\nوالخفي هو المنقطع إلى الله في نيته وفي عبادته، ولا يحب الرياء والسمعة، وهو بعيد عنهما، فهذا الإنسان الذي جمع هذه الخصال محبوب عند ربه ﷾، نسأل الله عزوجل أن يجعلنا كذلك بِمَنِّه وكرمه، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٩٦٥).","vol":"10","page":556},{"text":"١٤٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nدلَّ الحديث على أنَّ من أخلاق المسلم الكامل الإسلام أن يدع الخوض في أمور لا تعنيه، سواء كان ذلك من أمور الغيب، أو من أمور الناس الخاصَّة التي لا يحبون أن يطلع عليها غيرهم.\nوالحديث وإن كان ضعيفًا فقد قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].\nوقال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣].\n_________\n(^١) ضعيف معل بالإرسال. أخرجه الترمذي (٢٣١٧)، من طريق قرة بن عبدالرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وقرة بن عبدالرحمن ضعيف، وقد خالفه الحفاظ والثقات؛ فرووه عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، رواه كذلك مالك ويونس ومعمر وإبراهيم ابن سعد.\nورجح إرساله أحمد وابن معين والبخاري والدارقطني والترمذي. انظر: «جامع العلوم والحكم» (١/ ٢٨٧)، وقد ضعف الحديث الإمام الوادعي -﵀-.","vol":"10","page":557},{"text":"١٤٧٤ - وَعَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْن». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nهذا الحديث فيه فائدة عظيمة في المحافظة على الصحة، وهو عدم إملاء المعدة بالطعام؛ فإنَّ إملاءها بالطعام يسبب التخمة، والأمراض، وسوء الهضم، ويوجب الخمول والكسل.\nوكذلك فإن الشبعان أقرب إلى المعصية من الجائع؛ فإنَّ قلة الأكل تسبب رقة القلب، وانكسار النفس، وتمكن الشيطان من الشبعان أعظم من تمكنه من قليل الأكل، والله أعلم.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الترمذي (٢٣٨٠)، وأخرجه أيضًا النسائي في «الكبرى» (٦٧٦٩)، وأحمد (٤/ ١٣٢)، من طريق يحيى بن جابر الطائي، عن المقدام بن معدي كرب، وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه، فإن يحيى روايته عن المقدام مرسلة، قاله أبوحاتم ووافقه المزي والحافظ ابن حجر، وما جاء من تصريح بالسماع عند أحمد فلا يعتمد؛ فإن من أخرج الحديث غيره رووه بالعنعنة وجزم أبي حاتم بالإرسال مقدم على هذا التصريح بالسماع، وللحديث طرق لا تصلح لتقويته. انظر: «الإرواء» (١٩٨٣)، و«تحقيق المسند» (٢٨/ ٤٢٣).","vol":"10","page":558},{"text":"١٤٧٥ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nيدل الحديث على أنَّ ابن آدم لا يسلم من الوقوع في المعاصي، والذنوب، فعليه أن يكثر من التوبة والاستغفار، والحديث وإن كان ضعيفًا فقد دلَّ على ذلك حديث أبي ذر في «صحيح مسلم» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «قال الله تعالى: يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم».\nوإذا علم الإنسان أنه لا يسلم من المعاصي فعليه أن يسأل ربه عزوجل الهداية، والعصمة، فمن سدده الله عزوجل فقد وفق، ولن يقع في معصية إلا بخذلان من الله له في تلك الحال التي عصى الله فيها؛ فإنَّ من هداه الله لم يستطع أحدٌ أن يضله، ومن أضله الله لن يستطيع أحدٌ أن يهديه.\nفنسأل الله عزوجل ذا الجلال والإكرام أن يهدينا، وأن يسددنا في أعمالنا، وأقوالنا، واعتقاداتنا، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الترمذي (٢٤٩٩)، وابن ماجه (٤٢٥١)، من طريق علي بن مسعدة، عن قتادة، عن أنس به. وعلي بن مسعدة ضعيف، وحديثه هذا غير محفوظ كما جزم بذلك ابن عدي، وأورد حديثه هذا في ترجمته من «الكامل».","vol":"10","page":559},{"text":"١٤٧٦ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الصَّمْتُ حِكْمَةٌ، وَقَلِيلٌ فَاعِلَهُ». أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بِسَنَدِ ضَعِيفٍ (^١)، وَصَحَّحَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مِنْ قَوْلِ لُقْمَانَ الحَكِيمِ. (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nدلَّ هذا الحديث على أنَّ الصمت حِكمة، والحديث ضعيفٌ كما تقدم.\nوالصمت قد يكون حكمة، وقد يكون الكلام هو الحكمة، وكُلٌّ بِحَسَبِه في موضعه، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا، أو ليصمت» متفق عليه، وقال ﵊: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري -﵁-.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٥٠٢٧) من طريق عثمان بن سعد الكاتب، عن أنس، وتصحف في المطبوع إلى (سعيد) والصواب ما أثبته كما في «الكامل» لابن عدي (٥/ ١٨١٦)، ثم قال البيهقي: وعثمان ابن سعد فيه ضعف، غلط في هذا والصحيح رواية ثابت يعني الموقوف كما سيأتي.\n(^٢) أخرجه البيهقي في «الشعب» (٥٠٢٦)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٤٢٢)، من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن لقمان كان عند داود وهو يسرد الدرع فجعل يفتله هكذا بيده فجعل لقمان يتعجب، ويريد أن يسأله، فتمنعه حكمته أن يسأل، فلما فرغ منها ضمها على نفسه وقال: نعم درع الحرب هذه. فقال لقمان: إن الصمت من الحكم وقليل فاعله، كنت أريد أن أسألك فسكت حتى كفيتني. وإسناده صحيح. قال البيهقي: هذا هو الصحيح عن أنس.","vol":"10","page":560},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6071>بَابُ الرَّهَبِ مِنْ مَسَاوِئِ الأَخْلاقِ</span>\n١٤٧٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إيَّاكُمْ، وَالحَسَدَ، فَإِنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد. (^١)\n\n١٤٧٨ - وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوُهُ. (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي الحديث تحريم الحسد، وقد دلَّ على تحريمه القرآن والسنة.\nأما من القرآن: فقد ذم الله اليهود بالحسد، فقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٥٤].\nوقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩].\nوذمَّ الله المنافقين بالحسد فقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩].\n_________\n(^١) ضعيف. رواه أبوداود (٤٩٠٣)، من طريق إبراهيم بن أبي أسيد، عن جده، عن أبي هريرة به. وإبراهيم فيه لين، وجده مجهول لا يعرف، وقد ضعفه الإمام الألباني -﵀- في «الضعيفة» (١٩٠٢).\n(^٢) ضعيف جدًّا. أخرجه ابن ماجه (٤٢١٠)، وفي إسناده عيسى بن أبي عيسى الحناط وهو متروك. وانظر: «الضعيفة» (١٩٠١).","vol":"10","page":561},{"text":"ومن السنة في تحريم الحسد: حديث أبي هريرة -﵁- في «مسلم»، وأنس في «الصحيحين» مرفوعًا: «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا ...».\nوالحسد: هو تمني زوال النعمة عن الغير، وأما تمني نعمة كنعمة الغير فهذه (الغبطة)، ويُطلق عليها (حسد)، وليس مذمومًا؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل، وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار» متفق عليه عن ابن عمر -﵄-.\nقال الإمام ابن القيم -﵀- في «بدائع الفوائد» (٢/ ٢٣٨ -): ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب:\nأحدها: التعوذ بالله تعالى من شره، واللجوء والتحصن به، واللجوء إليه.\nالثاني: تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه، فمن اتقى الله تولى الله حفظه، ولم يكله إلى غيره قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ وقال النبي - ﷺ - لعبد الله بن عباس: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك».\nالثالث: الصبر على عدوه، وأن لا يقاتله، ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلا، فما نصر على حاسده، وعدوه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله، ولا يستطل تأخيره وبغيه؛ فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جندًا وقوة للمبغي عليه المحسود، يقاتل به الباغي نفسه وهو لا يشعر، فبغيه سهام يرميها من نفسه، ولو رأي المبغي عليه ذلك لسره بغيه عليه، ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة","vol":"10","page":562},{"text":"البغي دون آخره ومآله، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾.\nالرابع: التوكل على الله، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك؛ فإن الله حسبه أي كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه؛ فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدًا.\nقال بعض السلف: جعل الله تعالى لكل عمل جزاء من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، ولم يقل نؤته كذا وكذا من الأجر، كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه، وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله تعالى حق توكله، وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجا من ذلك وكفاه ونصره.\nالخامس: فراغ القلب من الاشتغال به، والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له، فلا يلتفت إليه ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه، وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره.\nالسادس: الإقبال على الله والإخلاص له، وجعل محبته وترضيه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها، تدب فيها دبيب الخواطر شيئا فشيئا حتى يقهرها","vol":"10","page":563},{"text":"ويغمرها ويذهبها بالكلية، فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب والتقرب إليه وتملقه وترضيه واستعطافه وذكره.\nقال تعالى حكاية عن عدوه إبليس، أنه قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾، وقال في حق الصديق: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن، لقد آوى إلى حصن لا خوف على من تحصن به، ولا ضيعة على من آوى إليه، ولا مطمع للعدو في الدنو إليه منه، و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\nالسابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وقال لخير الخلق وهم أصحاب نبيه دونه - ﷺ -: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها، وما ينساه مما علمه وعمله أضعاف ما يذكره.","vol":"10","page":564},{"text":"الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه؛ فإن لذلك تأثيرا عجيبا في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد، ولو لم يكن في هذا إلا تجارب الأمم قديمًا وحديثا لكفى به فما يكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملا فيه باللطف والمعونة والتأييد، وكانت له فيه العاقبة الحميدة، فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته عليه من الله جنة واقية وحصن حصين، وبالجملة فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سببا لزوالها.\nالتاسع: وهو من أصعب الأسباب على النفس وأشقها عليها، ولا يوفق له إلا من عظم حظه من الله، وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه، فكلما ازداد أذى وشرا وبغيا وحسدا ازددت إليه إحسانا وله نصيحة وعليه شفقة، وما أظنك تصدق بأن هذا يكون فضلا عن أن تتعاطاه فاسمع الآن قوله ﷿: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وقال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، وتأمل حال النبي الذي حكى عنه نبينا - ﷺ - أنه ضربه قومه حتى أدموه فجعل يسلت الدم عنه ويقول: «اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون». رواه البخاري ومسلم.\nكيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان قابل بها إساءتهم العظيمة إليه أحدها: عفوه عنهم. والثاني: استغفاره لهم. الثالث: اعتذاره عنهم","vol":"10","page":565},{"text":"بأنهم لا يعلمون. الرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه، فقال: اغفر لقومي.\nالعاشر: وهو الجامع لذلك كله، وعليه مدار هذه الأسباب، وهو تجريد التوحيد والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأن هذه آلات بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محركها وفاطرها وبارئها ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه فهو الذي يحسن عبده بها، وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه.\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ وقال النبي - ﷺ - لعبد الله بن عباس -﵄-: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك»؛ فإذا جرد العبد التوحيد؛ فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله تعالى، بل يفرد الله بالمخافة، وقد أمنه منه، وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلا واشتغالا به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده؛ لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفع عنه؛ فإن الله يدافع عن الذين آمنوا؛ فإن كان مؤمنا فالله يدافع عنه، ولا بد وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع، وإن مزج مزج له، وإن كان مرة ومرة، فالله له مرة ومرة كما قال بعض السلف: من أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه جملة، ومن","vol":"10","page":566},{"text":"أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة، ومن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة.\nفالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين. قال بعض السلف: من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء. انتهى باختصار.","vol":"10","page":567},{"text":"١٤٧٩ - وَعَنْهُ (^١) -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nبيَّن النبي ﵊ أنَّ من استطاع أن يملك نفسه عند الغضب؛ فإنه رجل شديدٌ قوي، وهو معنى قوله ﵊ للرجل الذي قال: أوصني. قال له: «لا تغضب» فردد مرارًا، قال: «لا تغضب» أخرجه البخاري (٦١١٦) عن أبي هريرة -﵁-، فمعناه أن لا ينفذ غضبه ولا يفعل ما يأمره غضبه به، بل يمسك نفسه في ذلك الوقت، وقيل: إن المعنى أن يجتنب أسباب الغضب، وأما الغضب نفسه فلا يُنهى عنه؛ لكونه ليس من فعله، بل هو طبيعي. وهذا المذموم هو الغضب في غير أمرٍ ديني، أما إذا انتهكت المحارم فقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يغضب من ذلك، ويتلون وجهه ﵊.\nوقال الماوردي -﵀- في كتابه «أدب الدنيا والدين» (ص ٢٥٨): وَاعْلَمْ أَنَّ لِتَسْكِينِ الْغَضَبِ إذَا هَجَمَ أَسْبَابًا يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى الْحِلْمِ مِنْهَا:\nأَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ ﷿ فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ إلَى الْخَوْفِ مِنْهُ، وَيَبْعَثُهُ الْخَوْفُ مِنْهُ عَلَى الطَّاعَةِ لَهُ، فَيَرْجِعُ إلَى أَدَبِهِ وَيَأْخُذُ بِنَدْبِهِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَزُولُ الْغَضَبُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:\n_________\n(^١) يعني: عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩).","vol":"10","page":568},{"text":"﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، قَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي إذَا غَضِبْتَ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٦]، وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ أَيْ: يُغْضِبَنَّكَ، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يَعْنِي أَنَّهُ سَمِيعٌ بِجَهْلِ مَنْ جَهِلَ، عَلِيمٌ بِمَا يُذْهِبُ عَنْك الْغَضَبَ.\nوَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ ذَكَرَ قُدْرَةَ اللَّهِ لَمْ يَسْتَعْمِلْ قُدْرَتَهُ فِي ظُلْمِ عِبَادِ اللَّهِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ مُحَارِبٍ لِهَارُونَ الرَّشِيدِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَسْأَلُك بِاَلَّذِي أَنْتَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَذَلُّ مِنِّي بَيْنَ يَدَيْك، وَبِاَلَّذِي هُوَ أَقْدَرُ عَلَى عِقَابِك مِنْك عَلَى عِقَابِي لَمَا عَفَوْتَ عَنِّي. فَعَفَا عَنْهُ لَمَّا ذَكَّرَهُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى.\nوَمِنْهَا: أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ الْحَالَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا إلَى حَالَةٍ غَيْرِهَا، فَيَزُولُ عَنْهُ الْغَضَبُ بِتَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ وَالتَّنَقُّلِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ. وَكَانَ هَذَا مَذْهَبَ الْمَأْمُونِ إذَا غَضِبَ أَوْ شُتِمَ.\nوَمِنْهَا: أَنْ يَتَذَكَّرَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ الْغَضَبُ مِنْ النَّدَمِ وَمَذَمَّةِ الِانْتِقَامِ.\nوَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْغَضَبُ عَلَى مَنْ لَا تَمْلِكُ عَجْزٌ، وَعَلَى مَنْ تَمْلِكُ لُؤْمٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: إيَّاكَ وَعِزَّةَ الْغَضَبِ؛ فَإِنَّهَا تُفْضِي إلَى ذُلِّ الْعُذْرِ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:\nوَإِذَا مَا اعْتَرَتْك فِي الْغَضَبِ الْعِزَّ ... ةُ فَاذْكُرْ تَذَلُّلَ الِاعْتِذَارِ","vol":"10","page":569},{"text":"وَمِنْهَا: أَنْ يَذْكُرَ ثَوَابَ الْعَفْوِ، وَجَزَاءَ الصَّفْحِ، فَيَقْهَرُ نَفْسَهُ عَلَى الْغَضَبِ رَغْبَةً فِي الْجَزَاءِ وَالثَّوَابِ، وَحَذَرًا مِنْ اسْتِحْقَاقِ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ.\nوَمِنْهَا: أَنْ يَذْكُرَ انْعِطَافَ الْقُلُوبِ عَلَيْهِ، وَمَيْلَ النُّفُوسِ إلَيْهِ، فَلَا يَرَى إضَاعَةَ ذَلِكَ بِتَغَيُّرِ النَّاسِ عَنْهُ فَيَرْغَبُ فِي التَّأَلُّفِ وَجَمِيلِ الثَّنَاءِ.\nوَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: لَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْكِرَامِ سُرْعَةُ الِانْتِقَامِ، وَلَا مِنْ شُرُوطِ الْكَرَمِ إزَالَةُ النِّعَمِ.","vol":"10","page":570},{"text":"١٤٨٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٤٨١ - وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديثين\nيُستفاد من الحديثين تحريم الظلم، ويشمل ظلم الإنسان لنفسه بالشرك، وبالمعاصي، وكذلك ظلمه لغيره بالتعدي عليه في دمه، أو ماله، أو عرضه.\nويُستفاد من الحديث الحذر من الشُّح، والبخل، والشح أشد من البخل؛ فإنَّ البخل هو إمساك ما في اليد، والشح هو إمساك ما في اليد، والحرص على ما في يد الغير، وقد قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].\nوقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في «مسند أحمد» (٥/ ١٥، ٦٤)، من حديث أبي هريرة -﵁-: «شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع» وإسناده حسن، فنعوذ بالله من الظلم، والشح، والبخل، والعجب، والكبر، ونسأل الله عزوجل أن يهدينا إلى سواء الصراط.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٤٧)، ومسلم (٢٥٧٩).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٢٥٧٨).","vol":"10","page":571},{"text":"١٤٨٢ - وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ: الرِّيَاءُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nحذَّر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمته من هذا الذنب العظيم، وهو الرياء، وهو عمل العبادة؛ ليراه الناس، ويحمدونه على ذلك.\nوفي «صحيح مسلم»، عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه».\nوفي «الصحيحين» عن جندب -﵁- مرفوعًا: «من سمَّع سمع اللهُ به، ومن يرائي يرائي الله به» وأخرجه مسلم عن ابن عباس -﵄-، نسأل الله ﷿ أن يعصمنا من ذلك.\nوقد تكلم الحافظ ابن رجب -﵀- على أنواع الرياء بكلام مفيد في كتابه المبارك: «جامع العلوم والحكم» في شرحه للحديث الأول.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٨، ٤٢٩) من طريق: عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن محمود ابن لبيد، به، وفيه زيادة: «يقول الله ﷿ لهم يوم القيامة إذا جُزِيَ الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذي كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» ومحمود بن لبيد صحابي صغير له رؤية وغالب رواياته عن الصحابة، ولكن الإسناد المذكور منقطع؛ لأن عَمْرًا لم يدرك أحدًا من الصحابة، ولكن قد رواه البغوي (٤١٣٥) من نفس الوجه، وذكر الواسطة: عاصم بن عُمر بن قتادة، وهو ثقة؛ وعليه فالإسناد حسن.\nوقد أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٨١)، وابن خزيمة (٩٣٧) من نفس الوجه، مع ذكر الواسطة، بمعناه دون لفظه؛ فالحديث حسن، وقد صحح الإمام الألباني هذا الحديث. انظر: «الصحيحة» (٩٥١).","vol":"10","page":572},{"text":"١٤٨٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٤٨٤ - وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو: «وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديثين\nيُستفاد من الحديثين: أنَّ الكذب، وإخلاف الوعد، والخيانة، والفجور في الخصومة كلها من خصال المنافقين، فيجب على المؤمن أن يحذر هذه المعاصي التي هي من أخلاق المنافقين. ومعنى الفجور في الخصومة: أن يخرجَ عن الحق عمدًا حتى يُصَيِّرَ الحق باطلا والباطل حقًا، وهذا مما يدعو إليه الكذب، كما قال - ﷺ -: «إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار» (^٣). وحاصل الأمر في بيان خصال النفاق العملي: أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية.\nوإخلاف الوعد يكون مذمومًا إذا كان قاصدًا الإخلاف من حين وعد، وأما إذا طرأ له عذر؛ فلا يدخل في التحريم، ويدخل في الذمِّ من تساهل بالوفاء بدون عذر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٤)، ومسلم (٥٨). ولفظه: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا، إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ».\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧) عن ابن مسعود -﵁-.","vol":"10","page":573},{"text":"قال ابن رجب -﵀- في «جامع العلوم والحكم»: والخلف في الوعد على نوعين: أحدهما: أن يَعِدَ ومن نيته أن لا يفي بوعده، وهذا أشر الخلف، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى، ومن نيته أن لا يفعل، كان كذبا وخلفا، قاله الأوزاعي. الثاني: أن يعد ومن نيته أن يفي، ثم يبدو له فيخلف من غير عذر له في الخلف.، والله أعلم. اهـ\nوقال -﵀-: وقد أمر الله بالوفاء بالعهد، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وفي «الصحيحين» عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: «لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به» (^١) وفي رواية: «إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: ألا هذه غدرة فلان» (^٢)، وخرجاه أيضا من حديث أنس بمعناه (^٣). وخرج مسلم من حديث أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -، قال: «لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة» (^٤).\nوالغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهد كافرًا، ولهذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٩٦٦)، ومسلم (١٧٣٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦١٧٧)، ومسلم (١٧٣٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣١٨٦)، ومسلم (١٧٣٧).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٧٣٨).","vol":"10","page":574},{"text":"في حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ -: «من قتل نفسا معاهدا بغير حقها لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» خرَّجه البخاري (^١).\nوقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم، ولم ينقضوا منها شيئا. وأما عهود المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثما. ومن أعظمها: نقض عهد الإمام على من تابعه، ورضي به، وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فذكر منهم: ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفَى له، وإلا لم يفِ له» (^٢)، ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها، ويحرم الغدر فيها: جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات، وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به لله ﷿ مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر التبرر ونحوه. اهـ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٩١٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٧٢)، ومسلم (١٠٨).","vol":"10","page":575},{"text":"١٤٨٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nيستفاد من الحديث تحريم سب المسلم، وأنَّ ذلك سبب من أسباب الفسوق، ويحرم قتله بغير حق.\nوقوله: «وقتاله كفر»، ذكر العلماء أنه كفرٌ دون كفر، مالم يستحل ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠].\nوقال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، فأثبت الأُخُوَّةَ الإيمانية مع وجود القتل.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٤٤)، ومسلم (٦٤).","vol":"10","page":576},{"text":"١٤٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nالظن: هو ما يخطر بالنفس من التجويز المحتمل للصحة والبطلان، فيحكم به ويعتمل عليه، هكذا فسره ابن الأثير في «النهاية».\nوقال الخطابي -﵀-: المراد التهمة، ومحل التحذير، والنهي إنما هو عن التهمة التي لا سبب لما يوجبها. اهـ\nوقال النووي -﵀-: والمراد التحذير من تحقيق التهمة والإصرار عليها، وتقررها في النفس دون ما يعرض ولا يستقر؛ فإنَّ هذا لا يكلف به كما في الحديث: «تجاوز الله عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (^٢)، ونقله عياض عن سفيان. اهـ (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٤٣)، ومسلم (٢٥٦٣).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٥٢٦٩)، ومسلم برقم (١٢٧) عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٣) انظر: «سبل السلام» (٤/ ٢٠٤٣).","vol":"10","page":577},{"text":"١٤٨٧ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nيستفاد من ا لحديث فائدة عظيمة وهي أنَّ كل من تولَّى مسؤولية صغيرة أو كبيرة؛ فهو مؤتَمَنٌ عليها؛ فإنْ أدَّى الأمانة، وأطاع الله عزوجل فيها فقد أفلح، وإن غشَّ وخان فقد عرَّض نفسه لسخط الله عزوجل، نسأل الله العافية.\n\n١٤٨٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اللهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nيستفاد من الحديث أنه يجب على ولي الأمر أن يرفق بالمسلمين، وأن ييسر عليهم أمورهم، وإنْ لم يفعل فالأمر عليه شديد، وإن رفق بهم فسيرفق الله به.\nوفي الحديث الآخر: «من ولَّاه الله شيئًا من أمور المسلمين، فاحتجب دون حاجتهم، وخلَّتهم، وفقرهم؛ احتجب الله دون حاجته يوم القيامة» أخرجه أبو داود، والترمذي من حديث أبي مريم الأزدي -﵁-. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١٥١)، ومسلم (١٤٢). واللفظ لمسلم.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (١٨٢٨).\n(^٣) تقدم في «البلوغ» برقم (١٣٩٤).","vol":"10","page":578},{"text":"١٤٨٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ؛ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي الحديث تحريم ضرب الوجه، سواء كان في الخصومة أو الحدود، فلا يجوز ضربه؛ لأن الوجه ضعيف، وفيه المحاسن، وأكثر الحواس، وقد تقدم هذا الحديث مع ذكر بعض الأحكام المتعلقة به في [باب حد الشارب] من [كتاب الحدود].\n\n١٤٩٠ - وَعَنْهُ -﵁- أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصِنِي قَالَ: «لَا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا، وَقَالَ: «لَا تَغْضَبْ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي الحديث أنه يجب على المسلم أنْ لا يغضب، قيل: المقصود منه أن يجتنب أسباب الغضب. وقيل: المراد أن لا ينفذ غضبه بفعل ما أمره غضبه بفعله. وقد قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٥٩)، ومسلم (٢٦١٢).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦١١٦).\n(^٣) انظر: «الفتح» (٦١١٦).","vol":"10","page":579},{"text":"١٤٩١ - وَعَنْ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث دلالة على أنَّ المسلم لا يجوز له أن ينفق ماله إلا فيما أذن الله فيه، فنعمة المال التي خوَّلها الله الإنسان لا تُشكر إلا بذلك، فإذا صرف الإنسان ماله فيما لم يأذن به الله فذلك إضاعة المال التي نهى عنها الشرع، وبالله التوفيق.\n\n١٤٩٢ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِيمَا يَرْوِيه عَنْ رَبِّهِ قَالَ: «يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث تحريم الظلم، سواء ظلمه لنفسه، أو الناس، وقد تقدم الكلام على ذلك عند الحديث رقم (١٤٨٠).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٣١١٨).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٢٥٧٧).","vol":"10","page":580},{"text":"١٤٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الغِيبَةُ؟»، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ»، قِيلَ: أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْته، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nبيَّن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ الغيبة ذكر الإنسان أخاه بما يكره في حال غيبته، وبيَّن ﵊ أنَّ الإنسان إذا ذكر أخاه بما ليس فيه؛ فإنَّ ذلك بُهتان، وفي الحديث: «ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال» أخرجه أبو داود (٣٥٩٧)، من حديث ابن عمر -﵄-، بإسناد صحيح.\nوقد بيَّن أهلُ العلم أنَّ ذكر مساوئ بعض الناس للنصح ليس من الغيبة، بل ذلك مشروع بالإجماع، وقد يجب ذلك في بعض الأحوال.\nوقد جمع بعضهم الأمور التي تجوز فيها الغيبة نصحًا لله عزوجل، فقال:\nالذم ليس بغيبة في ستة ... مُتَظَلِّمٍ ومُعَرِّفٍ ومُحَذِّر\nومُجاهِرٍ فسقًا ومُستَفْتٍ ومَنْ ... طلب الإعانة في إزالةِ مُنْكَر\n\nوالأدلة على هذه الأمور معروفةٌ مشهورة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٥٨٩).","vol":"10","page":581},{"text":"١٤٩٤ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَانًا، المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ: لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا -وَيُشِيرُ إلَى صَدْرِهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالآداب المستفادة من الحديث\nفي هذا الحديث العظيم فوائد كثيرة، ففيه تحريم الحسد، وقد تقدم الكلام عليه في أول الباب، وفيه تحريم التباغض بين المسلمين، والتدابر بينهم، وهو الإعراض، والهجر، مأخوذ من أن يولي كل واحد صاحبه دبره. وفيه تحريم البيع على بيع أخيه، وقد ذكرنا ذلك في البيوع.\nوفيه تحريم احتقار الرجل لأخيه المسلم، وفيه عِظَمُ حقِّ المسلم على المسلم في دمه، وماله، وعرضه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٥٦٤).","vol":"10","page":582},{"text":"١٤٩٥ - وَعَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «اللهُمَّ جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ الأَخْلَاقِ، وَالأَعْمَالِ، وَالأَهْوَاءِ، وَالأَدْوَاءِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَاللَّفْظُ لَهُ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nكان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يسأل ربَّه أن يجنِّبَه مساوئ الأخلاق، وقد قال فيه ربُّه عزوجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فنحن أحقُّ أن نسأل الله عزوجل أن يجنبنا ذلك، وليس للإنسان حول ولا قوة على اجتناب المنكرات إلا بأن يوفقه الله لذلك، فعلينا أن نُكثِر من هذا الدعاء الذي دعا به النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه الترمذي (٣٥٩١)، والحاكم (١/ ٥٣٢)، وأخرجه أيضًا الطبراني في «الدعاء» (١٣٨٤) من طرق عن مسعر، عن زياد بن علاقة، عن عمه قطبة بن مالك به. وإسناده صحيح.","vol":"10","page":583},{"text":"١٤٩٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تُمَارِ أَخَاك، وَلَا تُمَازِحْهُ، وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفْهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي الحديث تحريم الجدال، والذي يحرم هو الجدال بالباطل، أو الذي يقصد به الظهور دون معرفة الحق؛ لقوله - ﷺ -: «ومن خاصم في باطل، وهو يعلمه لم يزل في سخط الله» أخرجه أبو داود عن ابن عمر -﵄-.\nوقال النبي - ﷺ -: «ما ضل قوم بعد هدًى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». أخرجه الترمذي عن أبي أمامة -﵁- بإسناد حسن.\nوأما المِزاح فيُشرع منه ما كان بحق، بما لا يزري، ولا يكثر الإنسان منه.\nقال الإمام ابن حبان -﵀- في كتابه «روضة العقلاء» (ص ٧٧): والمزاح على ضربين فمزاح محمود ومزاح مذموم فأما المزاح المحمود فهو الذي لا يشوبه مَا كره اللَّه ﷿، ولا يكون بإثم، ولا قطيعة رحم، وأما المزاح المذموم فالذي يثير العداوة، ويذهب البهاء، ويقطع الصداقه، ويجريء الدنيء عليه، ويحقد الشريف به.\nقال: وإن من المزاح مَا يكون سببا لتهييج المراء، والواجب على العاقل اجتنابه؛ لأن المراء مذموم في الأحوال كلها، ولا يخلو المماري من أن يفوته أحد\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الترمذي (١٩٩٥)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف مختلط.","vol":"10","page":584},{"text":"رجلين في المراء، إما رجل هو أعلم منه؛ فكيف يجادل من هو دونه في العلم، أو يكون ذلك أعلم منه فكيف يماري من هو أعلم منه\nولقد سمعت حفص بن عمر البزار، يقول: سمعت إِسْحَاق بْن الضيف، يقول: سمعت جعفر بْن عون، يقول: سمعت مسعر بْن كدام يقول لابنه كدام:\nإني نحلتك ياكدام نصيحتي ... فاسمع مقال أبٍ عليك شفيق\nأما المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لا أرضاهما لصديق\nإني بلوتهما فلم أحمدهما ... لمجاورٍ جارًا ولا لرفيق\nوالجهل يزري بالفتى في قومه ... وعروقه في الناس أي عروق\n\nوأما إخلاف الوعد فهو من خِصال المنافقين كما تقدم.\nوحديث الباب، وإن كان ضعيفًا، ففي الباب ما تقدم من أدلة، وأدلة أخرى تدل على ما قررناه، والله أعلم.","vol":"10","page":585},{"text":"١٤٩٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ: البُخْلُ وَسُوءُ الخُلُقِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفيه التحذير من البخل، وكذلك الحض على حسن الخلق، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أحاديث متقدمة، وبالله التوفيق.\n\n١٤٩٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «المُسْتَبَّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى البَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي الحديث دلالة على جواز مجازاة من ابتدأ الإنسان الأذية بمثلها، وأنَّ إثم ذلك عائد على البادي؛ لأنه المتسبب لكل ما قاله المجيب إلا أن يعتدي المجيب في أذيته بالكلام، فيختص به إثم عدوانه؛ لأنه إنما أُذِن له في مثل ما عُوقِب به، قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] الآية.\nوقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦] الآية. (^٣)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الترمذي (١٩٦٢)، وفي إسناده صدقة بن موسى الدقيقي، وهو ضعيف، وقد ضعفه الإمام الألباني -﵀- في «الضعيفة» (١١١٩).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم (٢٥٨٧).\n(^٣) انظر: «السبل» (٤/ ٢٠٥٩).","vol":"10","page":586},{"text":"١٤٩٩ - وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اللهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسْلِمًا شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي الحديث تحريم إلحاق الضرر بالمسلم، أو إلحاق المشقة به.\nوفي الحديث الآخر: «لا ضرر ولا ضرار»، بل قال الله عزوجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨].\n_________\n(^١) أخرجه أبوداود (٣٦٣٥)، والترمذي (١٩٤٠)، وفي إسناده لؤلؤة امرأة مجهولة لا تعرف كما في «الميزان» و«التهذيب».\nوالجملة الثانية من الحديث يشهد لها حديث عائشة في «صحيح مسلم» «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه». وقد تقدم برقم (١٤٨٨)","vol":"10","page":587},{"text":"١٥٠٠ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ اللهَ يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (^١)\n\n١٥٠١ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- رَفَعَهُ «لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الفَاحِشِ، وَلَا البَذِيءِ». وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقْفَهُ. (^٢)\n_________\n(^١) حسن بشواهده. أخرجه الترمذي (٢٠٠٢)، وفي إسناده يعلى بن مَمْلَك وهو مجهول.\n\nوله شاهد من حديث أسامة بن زيد: أخرجه الطبراني في «الكبير» (٤٠٥) وفي إسناده عنعنة ابن إسحاق، وأخرجه أيضًا ابن حبان (٥٦٩٤) من نفس الوجه ولكن بلفظ: «المتفحش» بدل «البذيء».\nوله طريق أخرى من حديث أسامة بلفظ: «إن الله لا يحب الفاحش المتفحش» أخرجه الطبراني في «الكبير» (٣٩٩) (٤٠٤) وفي إسناده محمد بن أفلح مولى أبي أيوب وهو مجهول.\nوله شاهد من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص: بلفظ حديث أسامة الثاني: أخرجه أحمد (٢/ ١٦٢، ١٩٩)، وفي إسناده أبوسبرة رجل مجهول.\nوله شاهد من حديث أبي هريرة باللفظ الأخير: أخرجه الحاكم (٢/ ١٢)، وفي إسناده محمد ابن عجلان يرويه عن المقبري عن أبي هريرة وهي رواية ضعيفة. فالحديث حسن بهذه الشواهد، والله أعلم.\n(^٢) الحديث حسن من غير طريق الترمذي. أخرجه الترمذي (١٩٧٧)، والحاكم (١/ ١٢)، من طريق محمد بن سابق ثنا إسرائيل عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود به. ومحمد ابن سابق حسن الحديث له أخطاء، وهذه الطريق أنكرها ابن المديني، نقل عنه الخطيب في «تاريخه» (٥/ ٣٩) أنه قال: هذا منكر من حديث إبراهيم عن علقمة، وإنما هذا من حديث أبي وائل من غير حديث الأعمش.\nقال الخطيب: رواه ليث بن أبي سليم عن زبيد اليامي عن أبي وائل عن عبدالله، إلا أنه أوقفه ولم يرفعه. اهـ\nقلتُ: وقد روي من هذه الطريق مرفوعًا وليس بمحفوظ، ورجح الدارقطني في «العلل» (٧٣٨) الموقوف. وللحديث طريق أخرى من وجه آخر: أخرجه الحاكم (١/ ١٢)، وهو عند أحمد (١/ ٤١٦)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٣١٢) من طريق أبي بكر بن عياش عن الحسن بن عمرو الفقيمي عن محمد بن عبدالرحمن بن يزيد عن أبيه عن ابن مسعود به. وهذا إسناد حسن رجاله ثقات إلا أبا بكر بن عياش فإنه حسن الحديث. فالحديث حسن من هذا الوجه، والله أعلم.","vol":"10","page":588},{"text":"الآداب المستفادة من الحديثين\nيُستفاد من الحديثين أنَّ المؤمن الكامل الإيمان لا يتصف بالأخلاق المذكورة، وهي: البذاءة، واللعن، والفُحش: وهو أقبح السب، واللعن: هو الطرد من رحمة الله، والمقصود أنه لا يلعن إنسانًا بعينه؛ إلا من مات على الكفر، أو عُلِم أنه سيموت عليه، فقد لعن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أُناسًا كانوا على الكفر، فأنزل الله عزوجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨] الآية، فانتهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثم إنهم أسلموا.\nجاء ذلك في البخاري (٤٠٦٩) عن ابن عمر -﵄-، أنه سمع رسول الله - ﷺ - إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: «اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا» بعد ما يقول «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨].\nوفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨].\nوأما اللعن بالوصف فجائزٌ لمن يستحق ذلك، كقوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]، ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، وقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لعن الله السارق يسرق البيضة ...» الحديث.","vol":"10","page":589},{"text":"وما جاء في الأحاديث من لعن المعين فهو إما ضعيف، وإما محمول على معنى السب لا على معنى الطرد من رحمة الله والله أعلم، وهذا قول جمهور العلماء.\n\n١٥٠٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إلَى مَا قَدَّمُوا». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nيستفاد من الحديث تحريمُ سب الأموات، وقد بيَّن العلماء أنه لا يدخل في ذلك جرح الرواة، وبيان حالهم، ولا جرح أهل البدع، والتحذير منهم، ومن كتبهم؛ نصيحة لله عزوجل.\n\n١٥٠٣ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفيه تحريم النميمة، وهي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، وهي من الذنوب العظيمة، ومن أسباب عذاب القبر، فقد مرَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقبرين يعذب صاحباهما، فقال: «أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله» متفق عليه عن ابن عباس -﵄-، فنسأل الله العافية.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (١٣٩٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥).","vol":"10","page":590},{"text":"١٥٠٤ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَهُ». أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الأَوْسَطِ». (^١)\n\n١٥٠٥ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا. (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديثين\nيستفاد من الحديثين فضيلة من دفع غضبه، وكظم غيظه، والحديث وإن كان ضعيفًا فيُغني عنه قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].\nوكظم الغيظ ودفع الغضب، هو معنى قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تغضب» كما تقدم، والله أعلم.\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه الطبراني في «الأوسط» (١٣٢٠) ط. الحرمين، من طريق عبدالسلام بن هاشم البزاز عن خالد بن برد عن قتادة عن أنس به. بلفظ: «من دفع غضبه دفع ...»\nقال الذهبي في «الميزان» في ترجمة خالد بن برد: مجهول، وعنه عبدالسلام بن هاشم بخبر منكر. كأنه يشير إلى هذا الحديث.\nوقال في ترجمة عبدالسلام بن هاشم: شيخ مقل حدث بعد المائتين، قال أبوحاتم: ليس بالقوي، وقال عمرو بن علي الفلاس: لا أقطع على أحد بالكذب إلا عليه. اهـ\nوقد ضعف الحديث الإمام الألباني -﵀- في «الضعيفة» (١٩١٦).\n(^٢) ضعيف. أخرجه ابن أبي الدنيا في «كتاب الصمت» (٢١) من طريق هشام بن أبي إبراهيم عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: «ومن ملك غضبه وقاه الله ﷿ عذابه» في ضمن حديث أطول. وهو حديث ضعيف؛ لأن هشامًا مجهول، قاله أبوحاتم كما في «الجرح والتعديل» وكما في «الميزان» و«اللسان»، والله أعلم.","vol":"10","page":591},{"text":"١٥٠٦ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ خَبٌّ (^١)، وَلَا بَخِيلٌ، وَلَا سَيِّئُ المَلَكَةِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفَرَّقَهُ حَدِيثَيْنِ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. (^٢)\nالآداب المستفادة من الحديث\nفي الحديث تحذيرٌ للمسلم من أن يتصف بهذه الصفات، وهي: الخداع وهو معنى «خب»، وكذا البخل، وكذا سوء المَلَكَة، وهي الإساءة إلى ذوي ملكه من العبيد، والحيوانات، بالتقصير في حقهم، أو التجاوز في عقابهم.\nوقد ورد في ذلك أدلة أخرى تدل على ذلك، كحديث: «من ضرب عبدًا له حدًّا لم يأته فكفارته أن يُعتِقه» أخرجه مسلم (١٦٥٧)، عن ابن عمر -﵄-.\nوقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في العبيد: «إخوانكم خَوَلُكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس» أخرجه البخاري برقم (٣٠)، ومسلم برقم (١٦٦١) عن أبي ذر -﵁-.\nوقال في الذي ضرب غلامه ضربًا شديدًا ثم أعتقه: «لو لم تفعل للفحتك النار» أخرجه مسلم (١٦٥٩) عن أبي مسعود -﵁-.\n_________\n(^١) الخدَّاع والذي يسعى بين الناس بالفساد.\n(^٢) ضعيف. أخرجه الترمذي (١٩٤٦) (١٩٦٣)، وفي إسناده فرقد بن يعقوب السَّبَخي وهو ضعيف أو أشد.","vol":"10","page":592},{"text":"وقال في الذي أساء إلى جمله: «ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؛ فإنه شكى إلي أنك تجيعه وتدئبه»، أخرجه أحمد (١٧٤٥)، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وهو في «الصحيح المسند» (٥٦١)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.","vol":"10","page":593},{"text":"١٥٠٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ تَسَمَّعَ حَدِيثَ قَوْمٍ، وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ (^١) يَوْمَ القِيَامَةِ» يَعْنِي: الرَّصَاصَ. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nيستفاد من الحديث تحريم تسمع حديث قوم وهم لا يريدون أن يسمعه، وهذا من التجسس، وقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ولا تجسسوا».\nويدخل في ذلك السَّماع منهم بخفاء عن الرجل، وبغير خفاء، ولا يدخل في التحريم التسمع منه لإظهار باطله، لما في البخاري (١٣٥٥)، ومسلم (٢٩٣١) عن عبد الله بن عمر -﵄-، قال: انطلق رسول الله - ﷺ - وأبي بن كعب الأنصاري إلى النخل التي فيها ابن صياد، حتى إذا دخل رسول الله - ﷺ -، النخل طفق يتقي بجذوع النخل، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا، قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول - ﷺ -، وهو مضطجع على فراش في قطيفة، له فيها زمزمة، فرأت أم ابن صياد رسول الله - ﷺ -، وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف - وهو اسم ابن صياد - هذا محمد. فثار ابن صياد، فقال رسول الله - ﷺ -: «لو تركته بين». والله أعلم.\n_________\n(^١) الآنك: هو الرصاص المذاب.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٧٠٤٢). وعنده: «أُذُنِهِ»، بالإفراد.","vol":"10","page":594},{"text":"١٥٠٨ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ». أَخْرَجَهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث فائدة جليلة، وهي أنه ينبغي للإنسان أن يشتغل بإصلاح نفسه، وأن ينظر إلى عيوب نفسه، وإذا رأى عيبًا في أخيه نصحه ولا يعيره بذلك، ففي الحديث الصحيح: «وإن امرؤٌ شتمك، وعيَّرك بما يعلم فيك فلا تشتمه، ولا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه» أخرجه أبو داود (٤٠٨٤)، عن جابر بن سليم -﵁-، وهو حديث صحيح.\nوقد صحَّ عن أبي هريرة -﵁- قال: «يبصر أحدكم القَذاة في عين أخيه، وينسى الجذع، أو الجذل في عينه معترضًا». (^٢)\n_________\n(^١) ضعيف منكر. أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (٣٢٢٥) من طريق الوليد بن المهلب، عن النضر بن محرز الأزدي، عن محمد بن المنكدر، عن أنس به. في ضمن حديث طويل.\n\nثم قال البزار: لا نعلمه يروى بهذا اللفظ عن أنس إلا من هذا الوجه، ووجه آخر ضعيف، رواه أبان ابن أبي عياش عن أنس.\nقال الذهبي في ترجمة الوليد بن المهلب من «الميزان»: لا يعرف وله ما ينكر، قاله ابن عدي. وقال في ترجمة النضر بن محرز: مجهول. وقال ابن حبان: لا يحتج به. ثم ذكر حديث الكتاب مما أنكر عليه.\nوقال الحافظ في «اللسان»: وقال ابن حبان: وإنما روى هذا أبان بن أبي عياش عن أنس، وأبان لا شيء، والنضر منكر الحديث جدًّا. وقال العقيلي: النضر بن محرز لا يتابع على حديثه. اهـ\nقلتُ: فعجبًا لتحسين الحافظ للحديث مع ما نقله في «لسان الميزان»، وبالله التوفيق.\n(^٢) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص ١٧٨)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٥٩٢) بإسناد صحيح.","vol":"10","page":595},{"text":"ورُوي مرفوعًا، وهو غير محفوظ. (^١)\nوكل إنسان له عيوب؛ فعلى المسلم أن يسعى في إصلاح العيوب في نفسه وفي غيره، وليحذر المسلم من التشهير في حق أخيه، وكما قيل:\nوَإِنْ تَجِدْ عَيْبًا فَسُدَّ الْخَلَلَا ... جَلَّ مَنْ لَا عَيْبَ فِيْهِ وَعَلَا\n\nوقال الآخر:\nوَمَنْ ذَا الَّذِي تُرضَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا ... كَفَى الْمَرْء نُبلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايبُه\n\nوليُعلَم أنَّ من ابتدع بالدين، وأحدث، وعاند؛ فإنه يجب إظهار عيوبه للناس، والتشهير به؛ ليحذروه، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) انظر: «الصحيحة» رقم (٣٣).","vol":"10","page":596},{"text":"١٥٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ، وَاخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث تحريم العجب، والكبر، وأنه سبب لغضب الله، فدلَّ على أنَّ ذلك من كبائر الذنوب، وفي الحديث الآخر: «إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحد على أحد»، أخرجه مسلم (٢٨٦٥)، عن عياض بن حمار -﵁-.\nوفي حديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين»، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «بينما رجلٌ يمشي في حلة تعجبه نفسه؛ إذ خسف به في الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة».\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٦٠)، وهو أيضًا في «مسند أحمد» (٢/ ١١٨)، وفي «الأدب المفرد» للبخاري (٥٤٩) من طريق يونس بن القاسم أبي عمر اليمامي قال: حدثنا عكرمة بن خالد قال: سمعت ابن عمر به، وإسناده صحيح، رجاله ثقات.","vol":"10","page":597},{"text":"١٥١٠ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «العَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي الحديث الحث على التأني، والحديث وإن كان ضعيفًا ففي «صحيح مسلم» عن ابن عباس، وأبي سعيد -﵃- قالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنَّ فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» قالها لأشج عبد القيس.\nقال الصنعاني -﵀- في شرح هذا الحديث: العجلة هي السرعة في الشيء، وهي مذمومة فيما كان المطلوب فيه الأناة، محمودة فيما يطلب تعجيله من المسارعة إلى الخيرات ونحوها، وقد يقال: لا منافاة بين الأناة والمسارعة؛ فإن سارع بتؤدة وتأنٍ، فيتم له الأمران، والضابط أنَّ خيار الأمور أوسطها. اهـ\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الترمذي (٢٠١٢)، وفي أوله زيادة: «الأناة من الله ...»، وفي إسناده عبدالمهيمن ابن عباس بن سهل الساعدي وهو شديد الضعف، وقد ترك. وجاء الحديث عن أنس: أخرجه أبويعلى (٤٢٥٦)، والبيهقي (١٠/ ١٠٤)، وفي إسناده: سعد بن سنان، ويقال: سنان بن سعد، وهوضعيف، وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث مما أنكر عليه كما في «الكامل».","vol":"10","page":598},{"text":"١٥١١ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الشُّؤْمُ سُوءُ الخُلُقِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nيستفاد من الحديث ذم الشؤم وهو التطير؛ فإنَّ التطير من الشيء ينافي التوكل الذي أمر الله به، قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣] ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢] ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣].\nقال الإمام العثيمين -﵀- في «القول المفيد» (١/ ٥٦٠): التطير في اللغة: مصدر تطير، وأصله مأخوذ من الطير; لأن العرب يتشاءمون أو يتفاءلون بالطيور على الطريقة المعروفة عندهم بزجر الطير، ثم ينظر: هل يذهب يمينا أو شمالا أو ما أشبه ذلك، فإن ذهب إلى الجهة التي فيها التيامن; أقدم، أو فيها التشاؤم; أحجم.\nأما في الاصطلاح: فهي التشاؤم بمرئي أو مسموع، وهذا من الأمور النادرة; لأن الغالب أن اللغة أوسع من الاصطلاح; لأن الاصطلاح يدخل على الألفاظ قيودا تخصها، مثل الصلاة لغة: الدعاء، وفي الاصطلاح أخص من الدعاء، وكذلك الزكاة وغيرها.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أحمد (٦/ ٨٥)، وفي إسناده أبوبكر بن أبي مريم وهو ضعيف أو أشد، وفيه انقطاع بين حبيب بن عبيد الحمصي وعائشة، فإن روايته عنها مرسلة كما في التهذيب.","vol":"10","page":599},{"text":"وإن شئت فقل: التطير: هو التشاؤم بمرئي، أو مسموع، أو معلوم.\nبمرئي مثل: لو رأى طيرا؛ فتشاءم لكونه موحشا.\nأو مسموع مثل: من هم بأمر فسمع أحدا يقول لآخر: يا خسران، أو يا خائب; فيتشاءم.\nأو معلوم: كالتشاؤم ببعض الأيام أو بعض الشهور أو بعض السنوات; فهذه لا ترى ولا تسمع.\nواعلم أن التطير ينافي التوحيد، ووجه منافاته له من وجهين:\nالأول: أن المتطير قطع توكله على الله، واعتمد على غير الله.\nالثاني: أنه تعلق بأمر لا حقيقة له، بل هو وهم وتخييل; فأي رابطة بين هذا الأمر، وبين ما يحصل له، وهذا لا شك أنه يخل بالتوحيد; لأن التوحيد عبادة واستعانة، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾.\nفالطيرة محرمة، وهي منافية للتوحيد كما سبق، والمتطير لا يخلو من حالين:\nالأول: أن يحجم ويستجيب لهذه الطيرة ويدع العمل، وهذا من أعظم التطير والتشاؤم.\nالثاني: أن يمضي لكن في قلق وهم وغم، يخشى من تأثير هذا المتطير به،","vol":"10","page":600},{"text":"وهذا أهون.\nوكلا الأمرين نقص في التوحيد، وضرر على العبيد، بل انطلق إلى ما تريد بانشراح صدر وتيسير واعتماد على الله عزوجل ولا تسئ الظن بالله عزوجل. اهـ\n\n١٥١٢ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُفَعَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث ذمٌّ لمن يُكثر اللعن، وبيان أنه لا يكون شفيعًا يوم القيامة، أي: لا يكون من المؤمنين الذين يشفعون لإخوانهم في الخروج من النار.\nومعنى قوله: «ولا شهداء»، أي: لا يكونون يوم القيامة شهداء على تبليغ الأمم رسلهم إليهم الرسالات.\nوقيل: معناه: لا يُرزقون الشهادة. وهو ضعيف.\nوقيل: لا يكون له ثواب الشاهد، أو الشهيد يوم القيامة.\nوالأول أقوى هذه الأقوال، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٥٩٨) (٨٦).","vol":"10","page":601},{"text":"١٥١٣ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nقد دلَّت الأحاديث الصحيحة على عدم جواز تعيير المسلم أخاه المسلم، كحديث جابر بن سليم عند أبي داود (٤٠٨٤)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وإن امرؤٌ شتمك، وعيرك بما يعلم فيك، فلا تشتمه ولا تعيره بما تعلم فيه؛ فإنما وبال ذلك عليه».\nوكقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» متفق عليه عن عبدالله بن عمرو بن العاص -﵄-.\nفهذه الأدلة تغني عن حديث الباب.\n_________\n(^١) موضوع. أخرجه الترمذي (٢٥٠٥)، من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن ثور ابن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل به. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل، خالد بن معدان لم يدرك معاذ بن جبل.\nقلتُ: فكيف يحسن مع انقطاعه؟ ثم إن في إسناده محمد بن الحسن الهمداني، وقد كذبه ابن معين وأبوداود كما في «الميزان» وقد حكم عليه الإمام الألباني بأنه موضوع كما في «الضعيفة» (١٧٨).","vol":"10","page":602},{"text":"١٥١٤ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ القَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ». أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nيستفاد من الحديث تحريم الكذب وإن كان ذلك لإضحاك الناس فقط، والكذب حرام سواء كان لذلك أو لغيره، وهو سبب للفجور، ولدخول النار -والعياذ بالله- كما في حديث ابن مسعود في «الصحيحين» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «وإياكم والكذب؛ فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يُكتب عند الله كذَّابًا».\nولا يدخل في الكذب الصلح بين الناس؛ لحديث أم كلثوم -﵂- في «صحيح مسلم» (٢٦٠٥)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرًا، ويَنْمِي خيرًا».\nوقد حمل بعض أهل العلم هذا الحديث على المعاريض، منهم شيخ الإسلام -﵀- كما في «الفتاوى الكبرى» (٦/ ١٠٦ - ١٠٧).\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (٤٩٩٠)، والنسائي في «الكبرى» (١١٦٥٥)، والترمذي (٢٣١٥) من طرق عن بهز بن حكيم به، وإسناده حسن.","vol":"10","page":603},{"text":"١٥١٥ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْته أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ». رَوَاهُ الحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nدلَّ الحديث على أنَّ من توبة المغتاب أن يستغفر لمن اغتابه، والحديث ضعيف؛ فلا يُشترط ذلك، والذي يُشترط في التوبة من الغيبة، هو الندم على فعله، والعزم على ألَّا يعود إلى ذلك الفعل.\nوهل يشترط التحلل من أخيه الذي اغتابه؟\nأما إن كان قد بلغه ذلك؛ فيُشترط عند أهل العلم؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم» أخرجه البخاري (٦٥٣٤)، عن أبي هريرة -﵁-.\nوأما إذا لم يبلغ الآخر الغيبة، فمنهم من اشترط ذلك؛ لعموم الحديث المتقدم، ومنهم من لم يشترط ذلك، بل قالوا: يكفيه التوبة والاستغفار، ويذكر أخاه بخير في المواطن التي ذكره فيها بسوء، وهذا القول رجحه شيخنا مقبل الوادعي -﵀-، وهو الصحيح، إن كان ظلمه سيزول أثره بالثناء على من اغتابه، وإن كان أثر ظلمه بالغيبة لم يزل بالثناء عليه؛ فيجب عليه التحلل، والله أعلم.\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا. أخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في «بغية الباحث» (١٠٨٠) بلفظ: «كفارة الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته». وفي إسناده عنبسة بن عبدالرحمن الأموي القرشي، وهو متروك كما في «الميزان».","vol":"10","page":604},{"text":"١٥١٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي الحديث بيان أنَّ الألد الخصم مبغوض عند الله عزوجل.\nوالألد هو الشديد الخصومة، وهذا محمول على من خاصم بباطل لدفع حقٍّ، أو لنصرة باطل، وأما من خاصم لنصرة الحق، أو لدفع الباطل؛ فليس بمذموم، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٦٦٨). وقد أخرجه أيضًا البخاري برقم (٧١٨٨).","vol":"10","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6072>بَابُ التّرْغِيبِ فِي مَكَارِمِ الأَخْلاقِ</span>\n١٥١٧ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إلَى الجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفيه منقبة عظيمة للصادق، وأنَّ الصدق سبب لدخول الجنة، ويشمل الصدق بالأقوال، والصدق بالأفعال، بأن يكون صادقًا في نيته، لا يريد بأعماله إلا الله ﷾.\nوفي الحديث التحذير من الكذب، وأنه سبب للفجور، وللنار، والعياذ بالله.\n\n١٥١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nتقدم الحديث مع الكلام عليه برقم (١٤٨٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧) (١٠٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥١٤٣)، ومسلم (٢٥٦٣).","vol":"10","page":606},{"text":"١٥١٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا، نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: «فَأَمَّا إذَا أَبَيْتُمْ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nدل الحديث على عدم جواز الجلوس على الطريق إلا بإعطائه حقَّه، وحقُّه هو غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.\nوفي حديث أبي طلحة في «صحيح مسلم» (٢١٦١) زيادة: «وحسن الكلام».\nوجاء في حديث آخر خارج «الصحيح»: «وإرشاد السبيل» أخرجه أبو داود (٤٨١٦)، وابن حبان (٥٩٦) من حديث أبي هريرة -﵁-، بإسناد حسن. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٢٢٩)، ومسلم (٢١٢١).\n(^٢) وانظر: «الفتح» (٦٢٢٩).","vol":"10","page":607},{"text":"١٥٢٠ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي الحديث فضل عظيم للتفقه في الدين، وطلب العلم النافع، وقد قال الله عزوجل في كتابه الكريم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].\nوقال عزوجل: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤].\nوفي الحديث الآخر: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة» أخرجه مسلم (٢٦٩٩)، عن أبي هريرة -﵁-.\nوالأدلة الواردة في فضل العلم من كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - كثيرة جدًّا.\nوانظر كتاب: «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر -﵀-.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧).","vol":"10","page":608},{"text":"١٥٢١ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا مِنْ شَيْءٍ فِي المِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث فضلٌ عظيم لحسن الخلق، و«حسن الخلق» لفظ جامعٌ يشمل حسن الخلق مع الله بالتوحيد، والعبادة، والاعتقاد الصحيح.\nويشمل حسن الخلق مع الناس بكف الأذى، وبذل الندى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.\nوحسن الخلق مع الناس منه ما هو جِبِلِّي، ومنه ما هو مكتسب، فإذا رزق الله الإنسانَ حسنَ الخلق؛ فعليه أن يحمد الله على ذلك، وليعلم أنَّ ذلك من فضل الله عليه، وإن كان محرومًا من حسن الخلق فعليه أن يسأل ربَّه أن يوفقه لذلك، وقد كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في استفتاحه في الصلاة: «اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت»، أخرجه مسلم (٧٧١)، عن علي بن أبي طالب -﵁-.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (٤٧٩٩)، والترمذي (٢٠٠٣)، وإسناد أبي داود صحيح، وإسناد الترمذي حسن. وعند الترمذي زيادة: «وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصيام، والصلاة».","vol":"10","page":609},{"text":"١٥٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\n١٥٢٣ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديثين\nفي هذين الحديثين بيان أنَّ الحياء من الإيمان، وفي حديث عمران بن حصين -﵁- في «الصحيحين» (^٣): «الحياء لا يأتي إلا بخير»، وعن أبي هريرة -﵁- عند أحمد (٢/ ٥٥١)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاءة من الجفاء، والجفاء في النار»، وهو في «الصحيح المسند» (١٤٢٨)، لشيخنا مقبل الوادعي -﵀-.\nوفي حديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين»: «والحياء شعبة من الإيمان» (^٤)، وفي حديث ابن عمر -﵄- عند الحاكم (١/ ٢٢)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «الحياء والإيمان قُرِنا جميعًا، فإذا رُفع أحدهما رُفِع الآخر»، وهو في «الصحيح المسند» (١٧٥٢)، لشيخنا -﵀-.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤)، ومسلم (٣٦).\n(^٢) أخرجه البخاري برقم (٦١٢٠).\n(^٣) أخرجه البخاري برقم (٦١١٧)، ومسلم برقم (٣٧).\n(^٤) أخرجه البخاري برقم (٩)، ومسلم برقم (٣٥).","vol":"10","page":610},{"text":"والحياء هو كما عرَّفه ابن مفلح -﵀- في «الآداب الشرعية» (٢/ ٢٢٧): خلق يبعث على فعل الحسن، وترك القبيح. اهـ\nوقال الكفوي -﵀- كما في «الكليات» (ص ٤٠٤): الحياء هو انقباض النفس عن القبيح مخافة اللوم، وهو الوسط بين الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح، وعدم المبالاة بها، والخجل الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقًا. اهـ\nوقوله في حديث الباب: «فاصنع ما شئت» للتهديد، والله أعلم.\nقلتُ: ويتفاوت الحياء بتفاوت الإيمان؛ لحديث ابن عمر -﵄-، فالكافر لا حياء له، والمؤمن العاصي حياؤه أقل من حياء المؤمن الطائع، وبالله التوفيق.\nتنبيه: الحياء يشمل ترك ما يقبح شرعًا، وترك ما يقبح عرفًا، إذا لم يخالف الشرع، وأما ترك الطاعة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو شيئًا من سنة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأجل الناس؛ فهذا ليس بحياء، وإنما هو ضعف، وخور، وذل، وأما الخجل فهو يشمل ترك ما يقبح وما لا يقبح كما تقدم.","vol":"10","page":611},{"text":"١٥٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَك شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْت كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ اللهُ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nيُستفاد من الحديث أنَّ المؤمن المتمسك بالكتاب والسنة، والثابت على طاعة الله أحب إلى الله من المؤمن الضعيف العزيمة في أعمال الخير.\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (٤/ ٢٠٧٨): الْمُرَادُ مِنْ الْقَوِيِّ: قَوِيُّ عَزِيمَةِ النَّفْسِ فِي الْأَعْمَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ؛ فَإِنَّ صَاحِبَهَا أَكْثَرُ إقْدَامًا فِي الْجِهَادِ، وَإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى فِي ذَلِكَ، وَاحْتِمَالِ الْمَشَاقِّ فِي ذَاتِ الله، وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا، وَالضَّعِيفُ بِالْعَكْسِ مِنْ هَذَا؛ إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ الْخَيْرِ؛ لِوُجُودِ الْإِيمَانِ فِيهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ - ﷺ - بِالْحِرْصِ عَلَى طَاعَةِ الله، وَطَلَبِ مَا عِنْدَهُ، وَعَلَى طَلَبِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ فِي كُلِّ أُمُورِهِ؛ إذْ حِرْصُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إعَانَةِ الله لَا يَنْفَعُهُ.\nإذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنْ الله لِلْفَتَى ... فَأَكْثَرُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٦٦٤).","vol":"10","page":612},{"text":"وَنَهَاهُ عَنْ الْعَجْزِ وَهُوَ التَّسَاهُلُ فِي الطَّاعَاتِ وَقَدْ اسْتَعَاذَ مِنْهُ - ﷺ -.اهـ\nثم أمر -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالإيمان بالقدر، وعدم التسخط بقوله: «لو فعلتُ كذا؛ لكان كذا».\nويُستفاد من ذلك وجوب الصبر على البلاء، والإيمان بالقدر؛ فذلك يُهَوِّنُ على العبد ما أصابه من البلاء، وبالله العصمة والتوفيق.","vol":"10","page":613},{"text":"١٥٢٥ - وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَيَّ: أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nقال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (٤/ ٢٠٨٠): التَّوَاضُعُ عَدَمُ الْكِبْرِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْكِبْرِ. وَعَدَمُ التَّوَاضُعِ يُؤَدِّي إلَى الْبَغْيِ؛ لِأَنَّهُ يَرَى لِنَفْسِهِ مَزِيَّةً عَلَى الْغَيْرِ، فَيَبْغِي عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ، أَوْ فِعْلِهِ، وَيَفْخَرُ عَلَيْهِ وَيَزْدَرِيهِ، وَالْبَغْيُ وَالْفَخْرُ مَذْمُومَانِ، وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي سُرْعَةِ عُقُوبَةِ الْبَغْيِ، مِنْهَا: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَوْ أَحَقُّ مِنْ أَنْ يُعَجِّلَ اللهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَاهُ (^٢). ا هـ\nقلتُ: وهو حديث صحيح، وقد صححه شيخنا مقبل الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (١١٦٦).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٨٦٥) (٦٤).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥١١)، والحاكم (٢/ ٣٥٦).","vol":"10","page":614},{"text":"١٥٢٦ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالغَيْبِ رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيَامَةِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. (^١)\n\n١٥٢٧ - وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَحْوُهُ. (^٢)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nيُستفاد من الحديث فضيلة من ردَّ عن عرض أخيه بالغيب، كما صنع معاذ بن جبل -﵁- عند أن سأل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك؟» فقال رجلٌ: حبسه بُرداه والنظر في عطفيه. فقال معاذ بن جبل -﵁-: بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا. متفق عليه.\nولا يجوز لمسلم أن يستمع الغيبة، ولا ينكر ذلك، فقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» أخرجه مسلم عن أبي سعيد -﵁-.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه الترمذي (١٩٣١)، وهو عند أحمد (٦/ ٤٥٠)، وفي إسناده مرزوق أبوبكر التيمي مجهول، تفرد بالرواية عنه أبوبكر النهشلي، ولم يوثقه معتبر.\nوله طريق أخرى عند أحمد (٦/ ٤٤٩)، وابن أبي الدنيا في «الصمت» (٢٣٩)، والبغوي (٣٥٢٨)، والدارقطني في «العلل» (١٠٩١)، من طريق: ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، به. وروي على غير هذا الوجه، وهو غير محفوظ كما في «العلل»، وهذه الطريق فيها: ليث، وشهر، وكلاهما ضعيف، ولكن الحديث حسن بالطريقين.\n(^٢) معل. أخرجه أحمد (٦/ ٤٦١)، من طريق عبيدالله بن أبي زياد القداح، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد مرفوعًا بلفظ: «من ذب عن لحم أخيه بالغيبة كان حقًّا على الله أن يعتقه من النار». وإسناده ضعيف؛ لضعف عبيدالله بن أبي زياد وشهر بن حوشب.\nوالحديث مشهور عن شهر، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء كما تقدم؛ فلعل القداح وهم فيه، والله أعلم، والحديث حسن عن أبي الدرداء كما تقدم.","vol":"10","page":615},{"text":"١٥٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إلَّا رَفَعَهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\nالآداب المستفادة من الحديث\nيُستفاد من الحديث أنَّ الصدقة لا تنقص المال؛ فإنَّ الله عزوجل يبارك لصاحب الصدقة في ماله، ويدفع عنه الآفات، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩].\nويُستفاد منه أنَّ الذي يعفو عمن أساء إليه؛ فإنَّ الله تعالى يجعل له عِزًّا، وعظمة في القلوب، ويُستفاد منه أن المتواضع يزيده الله رفعة.\nففي الحديث حثٌّ على الصدقة، والعفو، والتواضع، وهذه من مكارم الأخلاق، نسأل الله عزوجل أن يوفقنا لذلك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٥٨٨).","vol":"10","page":616},{"text":"١٥٢٩ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ سَلَامٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفيه فضلٌ عظيم لمن جمع خِصال الخير المذكورة في الحديث، وأنَّ ذلك سببٌ لدخول الجنة، فينبغي للمسلم أن يحرص على جمع هذه الخصال في نفسه، نسأل الله عزوجل أن يوفقنا وجميع المسلمين لذلك، والله المستعان.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه الترمذي (٢٤٨٥)، من طريق زرارة بن أوفى عن عبدالله بن سلام به. وإسناده صحيح، وزرارة بن أوفى قد أدرك عبدالله بن سلام ولم نجد أحدًا نفى سماعه منه إلا أن أبا حاتم قال وقد سئل عن سماعه منه قال: ما أُراه، ولكنه يدخل في المسند، وقد وجد التصريح بالتحديث في بعض طرق الحديث، وقد صحح الإمام الألباني هذا الحديث في «الصحيحة».","vol":"10","page":617},{"text":"١٥٣٠ - وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» ثَلَاثًا قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nبيَّن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ الدين هو النصيحة لله، وذلك بتوحيده، وإخلاص الأعمال له ﷾، والاعتقاد الصحيح به، وبأمور الغيب، والنصيحة لرسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وذلك باتِّبَاع هديه، وبالإيمان برسالته، والنصيحة للقرآن بالعمل به، وباعتقاد أنه كلام الله غير مخلوق.\nوالنصيحة لولاة الأمر بطاعتهم في طاعة الله، وعدم الخروج عليهم، وإرشادهم للخير، وتحذيرهم من الشر مع الاحترام والتقدير، والسمع والطاعة.\nوالنصيحة لعامة المسلمين بتعليمهم الخير، والعلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك. فنسأل الله عزوجل أن يجعلنا من عباده الناصحين.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٥٥). وليس عنده لفظ «ثلاثا» وهي ثابتة عند الترمذي (١٩٢٦)، وغيره.","vol":"10","page":618},{"text":"١٥٣١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الجَنَّةَ تَقْوَى اللهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي الحديث الحث على تقوى الله، وحسن الخلق، وأنَّ ذلك سبب لدخول الجنة، وتقوى الله هو أن يُطاع الله فيما أمر بفعله، وفيما نهى عنه باجتنابه؛ ابتغاء وجه الله ﷾.\nوقد جاءت الأدلة المتكاثرة من الكتاب والسنة أنَّ من اتقى الله فجزاؤه الجنة، وكذلك من أحسن خلقه.\nفنسأل الله عزوجل أن يرزقنا التقوى، وحسن الخلق، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الترمذي (٢٠٠٤)، والحاكم (٤/ ٣٢٤)، وفي إسناده يزيد بن عبدالرحمن الأودي. روى عنه ثلاثة ووثقه ابن حبان والعجلي، وقال الحافظ في «التقريب»: مقبول يعني أنه لين إن لم يتابع فالذي يظهر أنه مجهول الحال، والله أعلم.","vol":"10","page":619},{"text":"١٥٣٢ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ لِيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الوَجْهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ». أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفيه الحث على معاملة الناس بالأخلاق الحسنة، وقد تأثر كثير من الناس بحسن خلق رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فأسلموا، وينبغي للداعي إلى الله أن يدعو الناس بأعماله كما يدعوهم بأقواله، وكثيرٌ من الناس يتأثرون بالفعل أكثر من تأثرهم بالقول، وكما قيل:\nلا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليحسن النطق إن لم يحسن الحال\n\nبل قال ربُّنَا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].\nوقال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢].\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبويعلى (٦٥٥٠)، والحاكم (١/ ١٢٤)، وفي إسناده عبدالله بن سعيد المقبري وهو متروك. وله طريق أخرى عند البزار كما في «كشف الأستار» (١٩٧٩) وفي إسناده يزيد بن عبدالرحمن الأودي، وهو مجهول الحال كما تقدم في التخريج السابق. فالحديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"10","page":620},{"text":"١٥٣٣ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «المُؤْمِنُ مِرْآةُ المُؤْمِنِ». أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nالمراد من الحديث أنَّ المؤمن لأخيه المؤمن كالمرآة التي ينظر فيها وجهه، فيرى عيوبه فيها، فكذلك المؤمن يطلع أخاه على ما فيه من عيب، وينبهه على إصلاحه، ويرشده إلى ما يزينه عند مولاه تعالى، وإلى ما يزينه عند عباده، وهذا داخلٌ في النصحية.\nوفي الحديث الآخر: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» وشبَّك بين أصابعه. متفق عليه عن أبي موسى الأشعري -﵁-.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه أبوداود (٤٩١٨)، وفيه زيادة «والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه» وفي إسناده: كثير بن زيد الأسلمي وهو ضعيف. وله شاهد بدون الزيادة من حديث أنس، وفي إسناده: محمد بن عمار المؤذن أورده ابن عدي في «الكامل» في ترجمته، ونص الذهبي في «الميزان» أنه من مناكيره.","vol":"10","page":621},{"text":"١٥٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيَّ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nقال الصنعاني -﵀- في «السبل» (٤/ ٢٠٨٧): فِيهِ أَفْضَلِيَّةُ مَنْ يُخَالِطُ النَّاسَ مُخَالَطَةً يَأْمُرُهُمْ فِيهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَيُحْسِنُ مُعَامَلَتَهُمْ؛ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الَّذِي يَعْتَزِلُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى الْمُخَالَطَةِ، وَالْأَحْوَالُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ، وَلِكُلِّ حَالٍ مَقَالٌ، وَمَنْ رَجَّحَ الْعُزْلَةَ فَلَهُ عَلَى فَضْلِهَا أَدِلَّةٌ. اهـ\nقلتُ: ولكن إذا خالط؛ فلا يكون ذلك مع ارتكابه المعاصي، والمداهنة فيها، وإنما يكون للنصح والإنكار، وفي وقت لا يشارك فيه في معصية الله.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه ابن ماجه (٤٠٣٢)، وإسناده ضعيف، فيه عبدالواحد بن صالح وهو مجهول، وعنده «أعظم أجرًا» بدل «خير» واللفظ المذكور للبخاري في «الأدب المفرد» (٣٨٨) وإسناد البخاري صحيح.\nوأخرجه الترمذي (٢٥٠٧)، بإسناد صحيح عن شيخ من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أراه عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- به. لكن قال: «المسلم إذا كان يخالط الناس ... خير من المسلم ...» والباقي مثل حديث الباب. قال عَقِبَهُ: قال ابن أبي عدي: كان شعبة يرى أنه ابن عمر. وانظر: «الصحيحة» (٩٣٩).","vol":"10","page":622},{"text":"١٥٣٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اللهُمَّ حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفيه الحث على سؤال الإنسان من ربه أن يرزقه حسن الخلق؛ فهو من فضل الله يهب ذلك لمن يشاء، وقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يكرر الدعاء في ذلك كما تقدم في حديث قطبة -﵁-.\n_________\n(^١) صحيح لغيره. أخرجه أحمد (١/ ٤٠٣)، وابن حبان (٩٥٩)، وفي إسناده عوسجة بن الرماح، تفرد بالرواية عنه عاصم الأحول ووثقه ابن معين وابن حبان، وقال الدارقطني: شبه مجهول لا يروي عنه غير عاصم لا يحتج به، لكن يعتبر به.\nوله شاهد من حديث عائشة: أخرجه أحمد (٦/ ٦٨، ١٥٥)، وإسناده صحيح.","vol":"10","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6073>بَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ</span>\nالذِّكر: مصدر ذَكَرَ، وهو ما يجري على اللسان، والقلب، والمراد به هنا ذكر الله.\nوالدُّعاء: مصدر دعا، وهو الطلب، وهو قسمان:\nدعاء مسألة: وهو أن يسأل ربه أن يرزقه شيئًا، أو أن يدفع عنه شيئًا.\nوالآخر دعاء العبادة: وهو الانقياد لله بالطاعة، وسُمِّي دعاءً؛ لأنه يتضمن سؤال الله رضوانه، والجنة، والاستعاذة من النار.","vol":"10","page":624},{"text":"١٥٣٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَذَكَرَهُ البُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. (^١)\n\n١٥٣٧ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ» (^٢). أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (^٣)\n\n١٥٣٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ اللهَ، إلَّا حَفَّتْهُمُ (^٤) المَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٥)\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه ابن ماجه (٣٧٩٢)، وابن حبان (٨١٥)، وعلقه البخاري في كتاب التوحيد (باب ٤٣) بصيغة الجزم، وفي إسناده كريمة بنت الحسحاس وهي مجهولة، وقد وقع في «سنن ابن ماجه» بدلها (أم الدرداء) ورجح الحفاظ الرواية الأولى كما أشار إلى ذلك الحافظ في «الفتح»، والله أعلم.\n(^٢) سقط متن هذا الحديث من النسخة (أ) وأثبت فيه المتن الذي بعده.\n(^٣) ضعيف. أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٨٩) (١٢/ ٣٢٧) ط/الرشد، والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ١٦٦ - ١٦٧)، من طريق أبي خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن معاذ بن جبل به. وهذا إسناد ضعيف؛ لا نقطاعه، فإن طاوسًا لم يسمع من معاذ، وأبوخالد الأحمر له أوهام، وقد روى الحديث على وجه آخر، رواه عن يحيى بن سعيد عن أبي الزبير عن جابر: أخرجه الطبراني في «الصغير» (٢٠٩)، و«الأوسط» (٢٣١٧)، وأبوالزبير مدلس ولم يصرح بالتحديث، فالحديث ضعيف والله أعلم. وفي الحديثين زيادة: (قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا أن تضرب بسيفك حتى ينقطع» ثلاث مرات، وليس في حديث جابر (ثلاث مرات).\n(^٤) في (أ) و(ب): (حفت بهم)، والمثبت من المطبوع و«صحيح مسلم».\n(^٥) أخرجه مسلم برقم (٢٧٠٠). عن أبي سعيد وأبي هريرة -﵄- بلفظ: «لا يقعد قوم يذكرون الله ﷿ إلا حفتهم ...».\nوأخرجه (٢٦٩٩) عن أبي هريرة -﵁- بلفظ: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ...» الحديث.","vol":"10","page":625},{"text":"١٥٣٩ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ القِيَامَةِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الأحاديث\nفي الأحاديث المذكورة الحث على ذكر الله، وبيان أنَّ له فضلًا عظيمًا.\nومثلها حديث أبي الدرداء عند الترمذي (٣٣٧٧)، وغيره أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ألا أنبئكم بأفضل أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذهب، والوَرِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «ذكر الله».\nوفي «الترمذي» (٣٣٧٥)، عن عبدالله بن بسر أنَّ رجلًا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال: يا رسول الله، إنَّ شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فَمُرْنِي بشيء أتشبث به. فقال: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله»، وإسناده حسن.\n_________\n(^١) صحيح. الحديث باللفظ المذكور أخرجه أحمد (٢/ ٤٦٣)، وابن حبان (٥٩١) (٥٩٢)، وفيه زيادة في آخره: «وإن دخلوا الجنة للثواب» وإسناده صحيح على شرط الشيخين.\nوأما الترمذي فأخرجه برقم (٣٣٨٠) من طريق صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم». وإسناده ضعيف؛ لضعف صالح مولى التوأمة فإنه كان قد اختلط.\nوالحديث صحيح بطريقه الأولى دون قوله: «فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم».","vol":"10","page":626},{"text":"١٥٤٠ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، [لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (^١) عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)\n\n١٥٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)\n\n١٥٤٢ - وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ -﵂- قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَقَدْ قُلْت بَعْدَك أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْت مُنْذُ اليَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٤)\n\n١٥٤٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «البَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (^٥)\n_________\n(^١) ساقط من المخطوطتين، ومثبت من «الصحيحين».\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٤٠٤)، ومسلم (٢٦٩٣)، ولم يسق البخاري اللفظ.\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٤٠٥)، ومسلم (٢٦٩١).\n(^٤) أخرجه مسلم برقم (٢٧٢٦).\n(^٥) حسن لغيره. أخرجه النسائي كما في «تحفة الأشراف» (٣/ ٣٦٢)، وابن حبان (٨٤٠)، والحاكم (١/ ٥١٢)، من طريق دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري به. وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف دراج ابن سمعان لا سيما في روايته عن أبي الهيثم.\nولكن له شاهد عن أبي هريرة: أخرجه النسائي في «الكبرى» (٦/ ٢١٢)، والحاكم (١/ ٥٤١)، والطبراني في «الأوسط» (٤٠٣٩)، و«الصغير» (٤٠٧) بدون ذكر «لا حول ولا قوة إلا بالله» وهو من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وهذه الرواية فيها ضعف، ضعفها النسائي والقطان، والحديث حسن بطريقيه، والله أعلم.","vol":"10","page":627},{"text":"١٥٤٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَحَبُّ الكَلَامِ إلَى اللهِ أَرْبَعٌ، لَا يَضُرُّك بِأَيِّهِنَّ بَدَأْت: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ لله، وَلَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١٥٤٥ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَبْدَاللهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلَا أَدُلُّك عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢)، زَادَ النَّسَائِيّ: «وَلَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إلَّا إلَيْهِ». (^٣)\n\nالأدب المستفاد من الأحاديث\nفي الأحاديث المتقدمة بيانٌ لفضل الذكر بما ورد في هذه الأحاديث كقوله: «سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ لله، وَلَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ».\nوقوله: «لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».\nوقوله: «سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢١٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٣٨٤)، ومسلم (٢٧٠٤).\n(^٣) زيادة صحيحة. أخرجه النسائي في «الكبرى» (١٠١٩٠)، بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة، وظاهر صنيع الحافظ يوهم أنها من حديث أبي موسى فتنبه.","vol":"10","page":628},{"text":"وكقوله: «سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ».\nوكقوله: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله».\nفينبغي للمؤمن أن يحمد الله على تيسير الله لنا باب الحسنات، والمغفرة بهذه الكلمات الخفيفة على اللسان التي تسبب رضوان الله، ونيل مغفرته، ورحمته، وعلى المؤمن أن يُكثِرَ من الذكر بهذه الأذكار ما استطاع.\nنسأل الله عزوجل أن يعينناعلى ذكره، وشكره، وحسن عبادته.","vol":"10","page":629},{"text":"١٥٤٦ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (^١)\n\n١٥٤٧ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ: «الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ». (^٢)\n\n١٥٤٨ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- رَفَعَهُ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعَاءِ». وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ. (^٣)\n\nالأدب المستفاد من الأحاديث\nفي الأحاديث المتقدمة فضل الدعاء، وبيان أنَّ الدعاء هو العبادة؛ وذلك لأنَّ الدعاء يشمل المسألة، ودعاء العبادة.\nوقد تقدم بيان ذلك في أول الباب؛ وعليه فلا يجوز لإنسان أن يُدعو أحدًا غير الله؛ فإنَّ دعاء غير الله يُعتبر شركًا، قال الله عزوجل: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (١٤٧٩)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٤٥٠)، والترمذي (٣٢٤٧)، وابن ماجه (٣٨٢٨)، وفيه زيادة: وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] الآية، وإسناده صحيح.\n(^٢) ضعيف. أخرجه الترمذي (٣٣٧١)، وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف مختلط.\n(^٣) ضعيف. أخرجه الترمذي (٣٣٧٠)، وابن حبان (٨٧٠)، والحاكم (١/ ٤٩٠)، وفي إسناده عمران القطان وفيه ضعف.","vol":"10","page":630},{"text":"١٥٤٩ -\nوَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث بيان أن من أوقات إجابة الدعاء، بين الأذان والإقامة، فَيُسْتَحَبُّ تَحَرِّي هذا الوقت بالدعاء، وكذلك الأوقات الأُخرى التي وردت الأدلة بأنها من أوقات الإجابة، مثل الدعاء في آخر الليل، وفي السجود، وفي ساعة الجمعة وغيرها.\n_________\n(^١) صحيح. تقدم تخريجه في آخر (باب الأذان).","vol":"10","page":631},{"text":"١٥٥٠ - وَعَنْ سَلْمَانَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n_________\n(^١) الراجح وقفه على سلمان، والمرفوع ضعيف. أخرجه أبوداود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦)، وابن ماجه (٣٨٦٥)، والحاكم (١/ ٤٩٧)، وأخرجه أيضًا أحمد (٥/ ٤٣٨)، وغيرهم كلهم من طريق جعفر بن ميمون الأنماطي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان به. وجعفر بن ميمون ضعيف. وتابعه على روايته مرفوعًا يحيى بن ميمون العطار أبوالمعلى عند الخطيب (٨/ ٣١٧)، والبغوي (١٣٨٥)، ويحيى بن ميمون ثقة.\n\nوخالفهم يزيد بن أبي صالح الدباغ، فرواه عن أبي عثمان عن سلمان موقوفًا، أخرجه وكيع في «الزهد» (٥٠٤) وكذلك رواه موقوفًا سليمان التيمي أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٨)، وكذلك في «الزهد» ص (١٥١)، وكذا ابن أبي شيبة (١٠/ ٣٤٠)، (١٣/ ٣٣٩)، وقد رواه عن سليمان التيمي موقوفًا يزيد بن هارون ويحيى بن سعيد القطان ومعاذ بن معاذ وشذ محمد بن الزبرقان فرواه عن سليمان التيمي بإسناده مرفوعًا، أخرجه الطبراني (٦١٣٠)، وابن حبان (٨٨٠)، [ويتنبه على أنه ليس في رواية التيمي «حيي كريم»].\nورواه موقوفًا أيضًا ثابت وحميد وسعيد الجريري. أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (١٥٦) بإسناد صحيح عن حماد بن سلمة، عن ثابت وحميد، وسعيد الجريري، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان أنه قال: أجد في التوراة إن الله حيي كريم ... فذكره بنحوه.\nفتبين أن رواية الوقف أرجح، فقد اجتمع عليها خمسة من الثقات، وأما رواية الرفع فهي من رواية ضعيف وثقة وأخرى شاذة غير محفوظة، وبالله التوفيق، وقد أشار الترمذي إلى الرواية الموقوفة عقب الحديث، وكأنه يرجحها، والله أعلم.\nوجاء هذا الحديث عن أنس عند عبدالرزاق (٣٢٥٠)، (١٩٦٤٨)، وفي إسناده أبان بن أبي عياش وهو متروك، وله طريق أخرى عند الحاكم (١/ ٤٩٧ - ٤٩٨)، وفي إسناده بشر بن الوليد وهو ضعيف، كان قد كبر فخرف، وفيه أيضًا عامر بن يساف فيه ضعف. انظر: «لسان الميزان».\nوجاء الحديث عن جابر عند أبي يعلى (١٨٦٧)، وابن عدي (٧/ ٢٦١٣)، وفي إسناده يوسف ابن محمد بن المنكدر قال النسائي: ليس بثقة، وقال الدولابي: متروك، وضعفه آخرون.\nوجاء من حديث ابن عمر رواه الطبراني في «الكبير» (١٢/ ٤٢٣)، وفي إسناده الجارود بن يزيد كذبه أبوحاتم، وقال النسائي والدارقطني: متروك. انظر: «الميزان». فالحديث لا يصلح للاحتجاج من جميع طرقه، والله أعلم.","vol":"10","page":632},{"text":"١٥٥١ - وَعَنْ عُمَرَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا مَدَّ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. (^١)\nوَلَهُ شَوَاهِدُ، مِنْهَا:\n\n١٥٥٢ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَغَيْرِهِ، وَمَجْمُوعُهَا يَقْضِي بِأَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ. (^٢)\nالآداب المستفادة من الأحاديث\nيُستفاد من هذه الأحاديث استحباب رفع اليدين عند الدعاء، وقد تواتر فعل ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فيستحب رفع اليدين؛ إلا أن يكون موضعًا تحرَّى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عدم الرفع فيه.\n_________\n(^١) ضعيف منكر. أخرجه الترمذي (٣٣٨٦)، وفي إسناده عيسى بن حماد الجهني ضعفه غير واحد وله منكرات بل قال الحاكم روى عن ابن جريج وجعفر الصادق شبه موضوعات. انظر: «التهذيب» و«الميزان».\n(^٢) ضعيف. أخرجه أبوداود (١٤٨٥)، من طريق عبدالملك بن محمد بن أيمن عن عبدالله بن يعقوب ابن إسحاق عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تستروا الجدر، من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار، وسلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم». قال أبوداود: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب، كلها واهية وهذه الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضًا. اهـ\nقلتُ: في الإسناد عبدالملك بن محمد وعبدالله بن يعقوب، وكلاهما مجهول الحال، وفيه رجل مبهم لم يسمَّ، فالحديث ضعيف.","vol":"10","page":633},{"text":"وأما مسح الوجه باليدين عَقِبَ الدعاء فالحديث ضعيفٌ لا يصلح للعمل به، فالمسح على الوجه عقب الدعاء من البدع، ولو كان من هدي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لَنُقِل إلينا في حديث صحيح.\nودلَّ حديث سلمان أنَّ رفع اليدين في الدعاء من أسباب الإجابة.\nومن أسباب الإجابة، وآداب الدعاء أنْ يثني على الله بين يدي الدعاء، وأن يدعو على وضوء، وأن يكون مستقبلًا القبلة، وكل ذلك فعله رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.","vol":"10","page":634},{"text":"١٥٥٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفيه استحباب كثرة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد دلَّ على ذلك حديث أبي هريرة، وعبدالله بن عمرو بن العاص -﵃- عند مسلم (٤٠٨) (٣٨٤)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من صلى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليها بها عشرًا».\nورَوَى البخاري في «الأدب المفرد» (٦٤٣)، عن أنسٍ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من صلَّى عليَّ واحدة صلَّى الله عليه بها عشرًا، وحطَّ عنه عشر خطيئات»، وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا -﵀-.\nوفي الحديث: «البخيل من ذُكِرت عنده؛ فلم يُصَلِّ عليَّ».\nأخرجه الترمذي (٣٥٤٦)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٥٥، ٥٦)، وأحمد (١/ ٢٠١)، من حديث الحسين بن علي -﵄-، وهو حديث حسن.\n_________\n(^١) ضعيف. أخرجه الترمذي (٤٨٤)، وابن حبان (٩١١)، وفي إسناده موسى بن يعقوب الزمعي وهو ضعيف، وشيخه عبدالله بن كيسان مجهول، وقد اختلف في إسناده عليه كما في «التاريخ الكبير» للبخاري (٥/ ١٧٧).","vol":"10","page":635},{"text":"١٥٥٤ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتنِي، وَأَنَا عَبْدُك، وَأَنَا عَلَى عَهْدِك وَوَعْدِك مَا اسْتَطَعْت، أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت، أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nيُستفاد من الحديث الحث على الاستغفار بهذا الدعاء العظيم، وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنَّ من مات بعده؛ دخل الجنة، ففي الحديث: «من قالها من النهار مُوقِنًا بها، فمات من يومه قبل أن يُمسي؛ فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقنٌ بها، فمات قبل أن يصبح؛ فهو من أهل الجنة».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم (٦٣٠٦). وليس عنده لفظ «العبد» وعنده زيادة: «ومن قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة».","vol":"10","page":636},{"text":"١٥٥٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْعُ هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ: «اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك العَافِيَةَ فِي دِينِي، وَدُنْيَايَ، وَأَهْلِي وَمَالِي، اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنِ رَوْعَاتِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِك أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nيُستفاد من الحديث أنَّ هذا الذكر العظيم يستحب أن يحافظ عليه في الصباح، والمساء كما كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يصنع؛ فإنَّ فيه سؤال الله العافية في جميع أمور العبد، ومن عافاه الله فقد أكرمه.\nوفيه سؤال الله عزوجل الحفظ في بدنه ودنياه.\nومعنى قوله: «أن أُغتال من تحتي»، أي: أن يُخسَف به في الأرض، أو يُقتَل بأمرٍ مِنْ تَحته خفية.\nوفيه سؤال الله عزوجل بأن يستر عوراته، وهي جمع عورة، وهي ما قبح منه، وأن يُؤَمِّنَ روعاته، أي: مخاوفه في الدنيا والآخرة.\nفعلى المسلم أن يحافظ على هذا الذكر العظيم؛ لِمَا جمع من معاني عظيمة، وجليلة، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (٥٦٦)، وابن ماجه (٣٨٧١)، والحاكم (١/ ٥١٧ - ٥١٨) من طرق عن عبادة بن مسلم الفزاري، عن جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، قال: سمعت ابن عمر، وإسناده صحيح، رجاله ثقات.","vol":"10","page":637},{"text":"١٥٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِك، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِك، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِك، وَجَمِيعِ سَخَطِك». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفي هذا الحديث العظيم استعاذة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من زوال النعمة، ويشمل النعمة العامة، وهي نعمة المال، والصحة، والنعمة الخاصة وهي نعمة الدين، والاستقامة.\nوفيه الاستعاذة من تحول العافية، ويشمل أيضًا العافية من المصائب، والأسقام، والعافية من الفتن.\nوفيه الاستعاذة من فجاءة النقمة، ولا يكون ذلك إلا بذنوب يؤاخذ الله بها العبد.\nفنسأل الله عزوجل أن يوفقنا لطاعته، وأن يسددنا لما فيه صلاحنا في الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٧٣٩).","vol":"10","page":638},{"text":"١٥٥٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ العَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nيُستفاد من الحديث أنه ينبغي للمسلم أن يتعوذ من غلبة الدين، وأن يحذر من كثرة الديون ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ فإنَّ الإنسان إذا غرم حَدَّثَ فكذب، ووعد فأخلف، كما قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.\nويُستفاد منه أيضًا الاستعاذة من غلبة العدو، ومن شماتة الأعداء؛ فإنَّ ذلك عقوبة من الله ﷾، فنسأل الله حسن العافية.\nومعنى: «غلبة الدَّيْن»، أي: كثرته، بحيث يغلبه عن القضاء.\nومعنى: «غلبة العدو»، أي: قهر العدو، بأن يظلمني في مالٍ، أو عِرْضٍ، أو بدنٍ، سواء كان عدوًّا كافرًا، أو مسلمًا.\nومعنى: «شماتة الأعداء»، أي: فرح العدو بالضُرِّ الذي يقع بالإنسان.\n_________\n(^١) صحيح بشواهده. أخرجه النسائي (٨/ ٢٦٥)، والحاكم (١/ ٥٣١)، وفي إسناده حيي بن عبدالله المعافري وفيه ضعف، ولكن الحديث صحيح بشواهده، منها:\nحديث أنس في البخاري برقم (٦٣٦٩). قال: كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال».\nومنها حديث أبي هريرة أخرجه البخاري (٦٣٤٧)، ومسلم (٢٧٠٧). قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يتعوذ من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء. قال سفيان: الحديث ثلاث زدت أنا واحدة لا أدري أيتهن هي.","vol":"10","page":639},{"text":"١٥٥٨ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ -﵁- قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا يَقُولُ: اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّك أَنْتَ اللهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدِ، فَقَالَ: «لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nمن أسباب إجابة الدعاء تقديم الثناء على الله ﷾ بين يدي الدعاء، ومن ذلك ما جاء في هذا الحديث من تقديم الدعاء بهذا الثناء العظيم الذي تضمن الاسم الأعظم، وهو (الله) في سياق التوحيد.\nوأما إذا قلنا (الله) بدون سياق التوحيد، فيقتضي أن جميع الأدعية التي فيها (اللهم) يكون فيها الاسم الأعظم.\nويدل على ذلك أنَّ هذا الاسم (الله) في سياق التوحيد، هو الذي وجد في الحديثين اللذين تضمنا الاسم الأعظم، أحدهما: حديث بريدة الذي بين أيدينا، والثاني: حديث أنس عند ابن ماجه (٢/ ١٢٦٨)، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأنَّ لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان،\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه أبوداود (١٤٩٣)، والنسائي في «الكبرى» (٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، والترمذي (٣٤٧٥)، وابن ماجه (٣٨٥٧)، وابن حبان (٨٩١) (٨٩٢)، من طرق عن مالك بن مغول، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه به، وإسناده صحيح، رجاله ثقات، وعند بعضهم زيادة «باسمه الأعظم».","vol":"10","page":640},{"text":"بديع السموات والأرض، ذو الجلال والإكرام. فقال: «لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب»، وهو حديث حسن، وقد حسنه الإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (١٠١).\nوكذلك إذا تأملت بعض الأحاديث التي فيه أن الدعاء مستجاب؛ تجد فيها اسمه سبحانه (الله) في سياق التوحيد، مثل دعاء سيد الاستغفار، ومثل دعوة ذي النون ﵇.\n• وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الاسم الأعظم هو (الحي القيوم).\nويرد ذلك حديث بريدة، فليس فيه هذان الاسمان، وأيضًا فإن هذين اسمان، وفي الحديث «الاسم الأعظم»، فتقديم الدعاء بمثل هذين الثناءين العظيمين سبب لإجابة الدعاء، ومن ذلك تقديم الدعاء بـ (يا ذا الجلال والإكرام)؛ لحديث: «ألظوا بياذا الجلال والإكرام» أخرجه أحمد (٣٣٢)، عن ربيعة بن عامر بإسناد حسن.","vol":"10","page":641},{"text":"١٥٥٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا أَصْبَحَ يَقُولُ: «اللهُمَّ بِك أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِك نَحْيَا، وَبِك نَمُوتُ، وَإِلَيْك النُّشُورُ» وَإِذَا أَمْسَى قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، إَلَّا أَنَّهُ قَالَ: «وَإِلَيْك المَصِيرُ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nيستفاد من الحديث المحافظة على هذا الذكر في الصباح والمساء كما كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقوله.\nوفيه -أعني هذا الدعاء- تفويض الأمور كلها إلى الله ﷾، فكل شيء يحصل للإنسان، أو يفعله الإنسان؛ فكله بحول الله، وقوته، ومشيئته ﷾، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) حسن. أخرجه أبوداود (٥٠٦٨)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٥٦٤)، والترمذي (٣٣٩١)، وابن ماجه (٣٨٦٨)، من طرق عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة به. وإسناده حسن، واختلفت ألفاظهم، واللفظ المذكور للنسائي في رواية، ورواية أبي داود مع رواية النسائي الأخرى، قال في المساء أيضًا «وإليك النشور».\nورواية الترمذي وابن ماجه بلفظ الأمر: «إذا أصبحتم فقولوا ... وإذا أمسيتم فقولوا ...»، إلا أن لفظ الترمذي في الصباح «وإليك المصير»، وفي المساء «وإليك النشور» وأما ابن ماجه فقال في المساء: «وإليك المصير» وفي الصباح لم يذكر شيئًا، ولعل اختلاف الألفاظ من سهيل بن أبي صالح، فإنه لم يكن بالحافظ.","vol":"10","page":642},{"text":"١٥٦٠ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nقال النووي -﵀- (٢٦٨٨): وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا أنها العبادة والعافية، وفي الآخرة الجنة والمغفرة. وقيل: الحسنة تعم الدنيا والآخرة. اهـ\nوقد كان هذا الدعاء من أكثر ما يدعو به النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لأنه من جوامع الدعاء، فقد جمع خير الدنيا والآخرة.\nوفي «سنن أبي داود» (١٤٨٢)، عن عائشة -﵂- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يدعو بجوامع الدعاء، ويترك ما سوى ذلك. وهو في «الصحيح المسند» لشيخنا الوادعي -﵀-.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣٨٩)، ومسلم (٢٦٩٠).","vol":"10","page":643},{"text":"١٥٦١ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -﵁- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدْعُو: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرَتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nفيه تواضع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وخشيته، فقد كان يدعو لنفسه بالمغفرة مع أنَّ الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فنحن أولى بأنْ ندعو بهذا الدعاء العظيم.\nواختلفوا في قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي»:\nفقيل: قاله تواضعًا.\nوقيل: عدَّ على نفسه فوات الكمال ذنوبًا.\nوقيل: أراد ما كان سهوًا.\nوقيل: ما كان قبل النبوة.\nوقيل: إنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد يقع في خطإٍ صغير، وتكون العصمة من كبائر الذنوب، ومن صغارها الخسيسة، ولكن الله يعصمه من الإقرار عليها؛ فالأنبياء معصومون من الكبائر، ومن الإقرار على الصغائر، وهذا هو الصحيح، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٣٩٨)، ومسلم (٢٧١٩).\n(^٢) انظر: «شرح مسلم» (٢٧١٩) «سبل السلام».","vol":"10","page":644},{"text":"١٥٦٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «اللهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي إلَيْهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)\n\n١٥٦٣ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «اللهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَارْزُقْنِي عِلْمًا يَنْفَعُنِي». رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالحَاكِمُ. (^٢)\n\n١٥٦٤ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- نَحْوُهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: «وَزِدْنِي عِلْمًا، الحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ». وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. (^٣)\n\n١٥٦٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَّمَهَا هَذَا الدُّعَاءَ: «اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الجَنَّةَ، وَمَا قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم (٢٧٢٠).\n(^٢) حسن. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٧٨٦٨)، والحاكم (١/ ٥١٠)، من طريق عبد الله بن وهب، قال: حدثني أسامة بن زيد، أن سليمان بن موسى، حدثه عن مكحول، أنه دخل على أنس بن مالك فسمعه يذكر أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو ... فذكره ووقع عندهما في آخره: «وارزقني علمًا تنفعني به» وإسناده حسن، رجاله معروفون.\n(^٣) ضعيف جدًّا. أخرجه الترمذي (٣٥٩٩)، من طريق موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة به. وموسى بن عبيدة شديد الضعف، وشيخه مجهول، فالحديث ضعيف.","vol":"10","page":645},{"text":"عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْته لِي خَيْرًا». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ. (^١)\n\nالأدب المستفاد من هذه الأحاديث\nهذه الأحاديث التي تقدمت كلها من جوامع الدعاء، فينبغي للمسلم أن يحفظها، وأن يدعو الله بها؛ اقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لأنَّ الدعاء سبب حصول الخير، والهدى، والرشاد، وعلى المسلم أن يُكثر من هذه الأدعية، ولا يتعجل استجابة الدعاء؛ فإنَّ ذلك سببٌ لعدم الإجابة، قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل»، أخرجه البخاري (٦٣٤٠)، ومسلم (٢٧٣٥) عن أبي هريرة -﵁-.\nوقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن تُعَجَّل له دعوته، وإما أن يُدفع عنه من السوء مثلها، وإما أن تُدَّخَر له في الآخرة»، أخرجه أحمد (٣/ ١٨)، عن أبي سعيد الخدري -﵁-، بإسناد صحيح.\nوعلى المسلم إذا دعا ربَّه أن يُحسِن الظن بالله، ويرجو منه الإجابة، ففي\n_________\n(^١) صحيح. أخرجه ابن ماجه (٣٨٤٦)، وابن حبان (٨٦٩)، والحاكم (١/ ٥٢١)، وكذلك أحمد (٢٥٠١٩، ٢٥١٣٧)، وإسحاق (١١٦٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٣٩)، وأبو يعلى (٤٤٧٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٦٠٢٣، و٦٠٢٤) من طرق عن جبر بن حبيب، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، عن عائشة به وإسناده صحيح، وفي إسناد ابن حبان بدل: (جبر بن حبيب)، (الجريري) عن أم كلثوم به.\n\nووقع في الأدب المفرد: (عن الجريري، عن جبر بن حبيب، عن أم كلثوم به)، ووقع عند أبي يعلى: (عن الجريري، وجبر بن حبيب، عن أم كلثوم به).","vol":"10","page":646},{"text":"«الصحيحين» عن أبي هريرة -﵁- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي».\nوعلى المسلم أن يدعوَ بقلبٍ حاضرٍ، غير ساهٍ ولا لاهٍ، وأن يجتنب ما يمنع إجابة الدعاء، كالأكل الحرام، والملبس الحرام، وتَعَجُّل الإجابة، وقطيعة الرحم، والبغي، والاعتداء في الدعاء، وبالله التوفيق.","vol":"10","page":647},{"text":"١٥٦٦ - وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ». (^١)\n\nالأدب المستفاد من الحديث\nإنَّ من فضل الله على عباده أن يأجرهم، ويثيبهم الثواب الجزيل، والأجر العظيم على أعمال يسيرة، ففي هذا الحديث أنَّ من قال: «سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العَظِيمِ» ثقَّل الله بها موازينه يوم القيامة؛ فعلى المسلمين أن يحمدوا الله على هذا الخير، وأن يبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن يَفْنَى العمر، ويندم الإنسان حيث لا ينفع الندم.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٩ - ١١].\nوقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].\nوقد ختم الحافظ -﵀- هذا الكتاب المفيد بهذا الحديث؛ اقتداءً بالبخاري\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤).","vol":"10","page":648},{"text":"-﵀-، ومن مقصود ذلك الختم بالتسبيح، والتحميد كما في كفارة المجلس.\nفنسأل الله عزوجل أن يرحم الحافظ ابن حجر، وأن يغفر له، وأن يجزل له مثوبته، وأن يرفعه في عليين.\nوالحمد لله الذي بنعمته، وفضله، ومنته تتم الصالحات، أحمده حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأُصلي وأسلم على نبيه محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وأسأل الله عزوجل ذا الجلال والإكرام أن ينفعني بهذا الكتاب، وأن ينفع به سائر المسلمين، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يقينا فتنة المحيا والممات، والحمد لله رب العالمين.\n\nكان الفراغ من هذا الكتاب في يوم الاثنين الموافق العشرين من ربيع الثاني من عام ثمان وعشرين\nوأربعمائة وألف من الهجرة النبوية في دار الحديث بدماج حفظها الله\nثم أتممت مراجعته وتهذيبه في يوم الجمعة الموافق السادس والعشرين\nمن جمادى الآخرة من عام ثلاثين وأربعمائة وألف،\nفلله الحمد أولًا وآخرًا، سرًّاوجهارًا، ليلًا ونهارًا،\nوبالله العصمة والتوفيق","vol":"10","page":649}]}