{"ً":{"ٌ":16618,"ٍ":"لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية - السفاريني - ط الرشد 1 - 2","files":["laslas0.pdf|الغلاف","laslas1.pdf","laslas2.pdf"]},"ّ":"الكتاب: لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية «شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية في عقيدة أهل الآثار السلفية»\nالمؤلف: محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي\n(ت ١١٨٨ هـ)\nدراسة وتحقيق: عبد الله بن محمد بن سليمان البصيري\nالناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":656,"ٕ":1,"ٖ":1770155136,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"كلمة شكر وتقدير","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة المحقق","level":1,"page":4},{"title":"الفصل الأول دراسة حياة المؤلف وعصره","level":2,"page":11},{"title":"المبحث الأول في عصر المؤلف","level":3,"page":13},{"title":"الحالة السياسية","level":4,"page":13},{"title":"الحالة الدينية","level":4,"page":15},{"title":"الحالة العلمية","level":4,"page":18},{"title":"المبحث الثاني حياته الشخصية","level":3,"page":21},{"title":"اسمه ونسبه ونسبته","level":4,"page":22},{"title":"مولده وأسرته وأصله","level":4,"page":23},{"title":"صفاتة وسيرته وأخلاقه","level":4,"page":24},{"title":"وفاته","level":4,"page":25},{"title":"المبحث الثالث في حياته العلمية","level":3,"page":26},{"title":"طلبه العلم ورحلاته","level":4,"page":27},{"title":"شيوخه","level":4,"page":29},{"title":"تلاميذه","level":4,"page":33},{"title":"مكانته العلمية وثناء العلماء عليه","level":4,"page":36},{"title":"مؤلفاته","level":4,"page":37},{"title":"عقيدته وبعض المآخذ عليه","level":4,"page":48},{"title":"مذهبه في الفقه","level":4,"page":51},{"title":"الفصل الثاني دراسة الكتاب","level":2,"page":53},{"title":"المبحث الأول","level":3,"page":54},{"title":"اسم الكتاب","level":4,"page":55},{"title":"موضوع الكتاب","level":4,"page":56},{"title":"سبب تأليف الكتاب","level":4,"page":58},{"title":"توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف","level":4,"page":58},{"title":"منهج المؤلف في الكتاب","level":4,"page":59},{"title":"مصادر المؤلف في الكتاب","level":4,"page":61},{"title":"منزلة الكتاب العلمية","level":4,"page":67},{"title":"موازنة بين الكتاب وبين كتاب \"لوامع الأنوار\" للمؤلف","level":4,"page":68},{"title":"بعض المآخذ على الكتاب","level":4,"page":70},{"title":"أولا: الناحية العلمية","level":5,"page":71},{"title":"ثانيا: الناحية المنهجية","level":5,"page":73},{"title":"المبحث الثاني","level":3,"page":76},{"title":"وصف النسخ الخطية","level":4,"page":77},{"title":"تاريخ نسخ المخطوطات","level":4,"page":77},{"title":"الناسخ","level":4,"page":78},{"title":"تاريخ تأليف الكتاب","level":4,"page":78},{"title":"المصطلحات التي عملت بها في الرسالة","level":4,"page":78},{"title":"نص قصيدة الحافظ ابن أبي داود في العقيدة","level":4,"page":87},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":91},{"title":"المقصد الأول: في ترجمة الناظم","level":2,"page":94},{"title":"المقصد الثاني: في الإشارة إلى مذهب السلف وبيان حقيقته وأنه أسلم المذاهب","level":2,"page":116},{"title":"نقول عن بعض أهل الكلام وما آل إليه أمرهم من الندم والحسرة","level":3,"page":121},{"title":"حاصل مذهب السلف في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته","level":3,"page":124},{"title":"المقصد الثالث: في وجوب الإعتصام بالرسالة وبيان أن السعادة والهدى في متابعة الرسول - ﷺ -","level":2,"page":124},{"title":"تعليق من المحقق على حديث: \"الدنيا ملعونة ملعون ما فيها\" الحديث","level":3,"page":125},{"title":"بيان الأصول الثلاثة التي عليها مدار الخلق","level":3,"page":127},{"title":"بيان حاجة العباد إلى الرسالة","level":3,"page":127},{"title":"منشأ الخلاف والنزاع بين الفرق وسببه","level":3,"page":131},{"title":"طلب المأمون كتب اليونان","level":3,"page":134},{"title":"حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة وتخريجه","level":3,"page":136},{"title":"تفسير لبعض العلماء للفرقة الناجية وتعقيب من المؤلف عليه","level":4,"page":137},{"title":"تعليق من المحقق على كون أهل السنة ثلاث فرق","level":4,"page":138},{"title":"طرف حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة","level":4,"page":139},{"title":"رواية الغزالي الحديث بلفظ: ستفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا الزنادقة وتعقب المؤلف له","level":4,"page":140},{"title":"خاتمة في ذكر بعض أشياء ينبغي أن تعلم","level":2,"page":143},{"title":"منها: أقسام الأحكام الشرعية","level":3,"page":143},{"title":"تعريف لعلم الكلام","level":3,"page":144},{"title":"تعريف لعلم أصول الدين","level":3,"page":145},{"title":"موضوع علم أصول الدين","level":3,"page":147},{"title":"غاية علم أصول الدين ومسائله واستمداده","level":3,"page":147},{"title":"أسباب العلم ثلاثة","level":3,"page":148},{"title":"بداية شرح القصيدة","level":1,"page":152},{"title":"شرح: بسم الله الرحمن الرحيم","level":2,"page":154},{"title":"فائدة في ذكر بحر القصيدة ووزنها","level":2,"page":157},{"title":"رواية ابن بطة عن أبي بكر صاحب القصيدة قوله -بعد ذكرها- هذا قولي وقول أبي","level":2,"page":159},{"title":"فصل في الحث على اتباع السنة واجتناب البدعة","level":1,"page":160},{"title":"تعريف الهداية وأنواعها","level":2,"page":162},{"title":"تعريف البدعة وأقسامها","level":2,"page":167},{"title":"تفسير لكلمة الفلاح","level":2,"page":177},{"title":"التحذير من مذهب أهل البدع","level":2,"page":178},{"title":"تنبيه: في ذم السلف لعلم الكلام","level":2,"page":180},{"title":"ترجمة لبشر بن غياث","level":2,"page":187},{"title":"ترجمة لعمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء","level":2,"page":188},{"title":"تعريف الدين لغة واصطلاحا","level":2,"page":191},{"title":"تعريف السنة لغة واصطلاحا","level":2,"page":192},{"title":"تفسير لمعنى الربح","level":2,"page":193},{"title":"تتمة في بعض ما ورد في مدح الإتباع وذم الإبتداع","level":2,"page":193},{"title":"فصل في مسألة الكلام: يعني القرآن العظيم","level":1,"page":203},{"title":"تفسير لكلمة التقوى، مراتب التقوى","level":2,"page":205},{"title":"نصوص في معنى التقوى","level":2,"page":206},{"title":"نقل من كتاب البرهان في حقيقة القرآن لابن قدامة","level":2,"page":207},{"title":"الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على أن القرآن كلام الله","level":2,"page":208},{"title":"نقل من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في قاعدة له: في بيان أن القرآن كلام الله","level":2,"page":214},{"title":"بطلان قول الجهمية في القرآن","level":2,"page":215},{"title":"الجعد بن درهم أول من قال بخلق القرآن","level":2,"page":216},{"title":"ترجمة لخالد بن عبد الله القسرى","level":2,"page":216},{"title":"بيان معنى \"منزل من ربك\"","level":2,"page":217},{"title":"نقل من كلام شيخ الإسلام في شرح العقيدة الأصفهانية","level":2,"page":221},{"title":"أصل مقالة التعطيل","level":2,"page":225},{"title":"النهي عن القول بخلق القرآن","level":2,"page":228},{"title":"مذهب السلف في كلام الله","level":2,"page":228},{"title":"مسألة اللفظ بالقرآن","level":2,"page":228},{"title":"مذهب الحنابلة في كلام الله","level":2,"page":230},{"title":"تقرير لشيخ الإسلام حول مسألة اللفظ بالقرآن","level":2,"page":231},{"title":"تنبيهات","level":2,"page":235},{"title":"الأول: ثبت الصوت بالنص","level":3,"page":235},{"title":"تقرير للحافظ ابن حجر حول مسألة \"الصوت\"","level":4,"page":236},{"title":"أحاديت إثبات الصوت","level":4,"page":237},{"title":"تقرير مذهب السلف في إثبات الصوت","level":4,"page":242},{"title":"التنبيه الثاني: القرآن كلام الله وما فيه من الخصائص والإعجاز","level":3,"page":242},{"title":"التنبية الثالث: ثبوت إعجاز القرآن وبطلان القول بالصرفه","level":3,"page":244},{"title":"نقل من كلام شيخ الإسلام حول إعجاز القرآن وضعف القول بالصرفة","level":4,"page":245},{"title":"التنبية الرابع: معجزات الأنبياء مناسبة لأحوال قومهم","level":3,"page":248},{"title":"العرب هم أرباب البلاغة ولذا جاء القرآن معجزا في بلاغته وبيانه وتحداهم الله عن الإتيان بمثله","level":4,"page":249},{"title":"فصل في الكلام على صفة التجلي فيه بيان أنواع التوحيد","level":1,"page":253},{"title":"مذهب السلف في الصفات","level":2,"page":253},{"title":"أقسام الصفات","level":2,"page":255},{"title":"مذهب المعتزلة في الصفات","level":2,"page":256},{"title":"نقل من كلام شيخ الإسلام في كلامه على مسألة حسن إرادة الله تعالى بخلق الخلق","level":2,"page":256},{"title":"نقل من كلام الوزنتي من الحنفية حول صفة الخلق","level":2,"page":260},{"title":"نقل من عقيدة النسفي وشرحها للتفتازاني حول صفة الفعل الكلام على الرواية وما ورد فيها من الأحاديث","level":2,"page":262},{"title":"أصل مقالة التعطيل","level":2,"page":275},{"title":"ترجمة جرير بن عبد الله البجلي أحد رواة أحاديث الرؤية","level":2,"page":277},{"title":"تتمة: رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع وسياق الأدلة على ذلك","level":2,"page":278},{"title":"تنبيه: هل يرى النساء ربهن في الجنة أو هي خاصة بالرجال","level":2,"page":290},{"title":"الخلاف في رؤية الملائكة لربهم","level":2,"page":291},{"title":"ترجيح عموم رؤيته تعالى لكل من دخل الجنة","level":2,"page":293},{"title":"الكلام علي بعض الصفات الخبرية وذكر مذاهب بعض الفرق","level":2,"page":295},{"title":"حكاية مذهب السلف عن الخطابي","level":2,"page":298},{"title":"حكاية مذهب السلف عن ابن عبد البر","level":2,"page":301},{"title":"تأويل الأشعرية لصفة اليدين","level":2,"page":302},{"title":"مذهب السلف في المراد باليدين","level":2,"page":305},{"title":"الكلام على صفة اليدين","level":2,"page":307},{"title":"نقل من كلام شيخ الإسلام حول ظواهر النصوص المتعلقة بالصفات","level":2,"page":310},{"title":"الكلام على صفة النزول","level":2,"page":315},{"title":"معنى اسم الله \"الجبار\"","level":2,"page":315},{"title":"نقل نصوص عن السلف حول النزول","level":2,"page":317},{"title":"تفسير معنى اسم الله \"الواحد\"","level":2,"page":326},{"title":"معنى: \"يمن\"","level":2,"page":329},{"title":"تفسير لكلمة \"الرزق\"","level":2,"page":331},{"title":"تفسير لكلمة \"قوم\"","level":2,"page":333},{"title":"تفسير لكلمة \"قبح\"","level":2,"page":334},{"title":"ذكر أحاديث النزول","level":2,"page":335},{"title":"نقل من كتاب \"الروح لابن القيم\" حول شأن الروح وأن شأنها مخالف لما هو مشاهد فكذلك صفات الله ومنها النزول","level":2,"page":338},{"title":"تعقيب من المحقق على أهل التأويل ونقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب عن تأويلهم","level":2,"page":342},{"title":"مطلب في الإستواء","level":2,"page":344},{"title":"الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات الإستواء","level":2,"page":344},{"title":"نقل كلام السلف في الإستواء","level":2,"page":346},{"title":"نقل من كلام الإمام أحمد في الصفات","level":2,"page":350},{"title":"نقل من كلام الإمام أبي حنيفة في إثبات العلو","level":2,"page":352},{"title":"سياق الأحاديث الدالة على الإستواء","level":2,"page":353},{"title":"سياق مذهب السلف في إثبات الإستواء","level":2,"page":354},{"title":"سياق مذهب الخلف في الإستواء والجواب عنهم","level":2,"page":357},{"title":"تتمة: نقل عن الكمال بن الهمام في الإستواء وتعقيب من المحقق عليه","level":2,"page":361},{"title":"فصل في ذكر الصحابة الكرام وذكر التفاضل بينهم وفيه ذكر أفضلية أبي بكر وعمر ﵄ والأدلة على ذلك","level":1,"page":365},{"title":"تنبيه: أفضل الأمة بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر ﵁ والأدلة على ذلك","level":2,"page":370},{"title":"مطلب في الكلام على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ولايته ووفاته","level":2,"page":375},{"title":"الكلام على عثمان بن عفان وبيان ترجيح عثمان على علي ﵃","level":2,"page":386},{"title":"نسب عثمان وفضائله","level":2,"page":390},{"title":"استشهاده ﵁","level":2,"page":393},{"title":"الكلام على أمير المؤمنين علي ﵁","level":2,"page":395},{"title":"نسبه وفضائله","level":2,"page":396},{"title":"ولايته الخلافة وما جرى له مع معاوية","level":2,"page":407},{"title":"خروج الخوراج على علي ﵁","level":2,"page":411},{"title":"سياق أحاديث فيها الإشارة إلى مقتل علي ﵁","level":2,"page":413},{"title":"مقتل علي ﵁","level":2,"page":414},{"title":"تفسير معنى الرهط","level":2,"page":417},{"title":"تفسير معنى النجب","level":2,"page":417},{"title":"تفسير معنى الفردوس","level":2,"page":417},{"title":"من نعيم أهل الجنة ركوب النجب والتزاور بينهم","level":2,"page":423},{"title":"ترجمة سعيد بن زيد ﵁","level":2,"page":424},{"title":"ترجمة سعد بن أبي وقاص ﵁","level":2,"page":425},{"title":"ترجمة عبد الرحمن بن عوف ﵁","level":2,"page":426},{"title":"ترجمة طلحة بن عبيد الله ﵁","level":2,"page":427},{"title":"ترجمة أبو عبيدة ﵁","level":2,"page":428},{"title":"ترجمة الزبير بن العوام ﵁","level":2,"page":430},{"title":"الأحاديث الواردة في بشارة العشرة بالجنة","level":2,"page":432},{"title":"الأحاديث الواردة في فضائل بقية العشرة","level":2,"page":433},{"title":"فضائل أم المؤمنين عائشة ﵂","level":2,"page":440},{"title":"المفاضلة بين عائشة وخديجة ﵅","level":2,"page":441},{"title":"من خصائص عائشة ﵂","level":2,"page":444},{"title":"ترجمة معاوية ﵁","level":2,"page":446},{"title":"فضائل الأنصار","level":2,"page":454},{"title":"فضائل المهاجرين","level":2,"page":457},{"title":"معنى الهجرة","level":2,"page":458},{"title":"الآيات في فضل المهاجرين","level":2,"page":460},{"title":"تعريف الصحابي والكلام على الصحابة وفضائلهم","level":2,"page":461},{"title":"بداية الكلام على التابعين","level":2,"page":476},{"title":"تنبيه على أبيات زادها ابن البناء الحنبلي على أصل القصيدة","level":2,"page":477},{"title":"تنبيهان","level":2,"page":478},{"title":"الأول ترجمة ابن البناء الحنبلي","level":3,"page":478},{"title":"التنبيه الثاني في كلام على التابعين","level":3,"page":479},{"title":"فصل في الكلام على القدر","level":1,"page":485},{"title":"تنبيهات","level":2,"page":490},{"title":"الأول: القدر عند السلف","level":3,"page":490},{"title":"الثاني: درجات الإيمان بالقدر","level":3,"page":491},{"title":"الثالث: أول من تكلم في القدر","level":3,"page":492},{"title":"فرق القدرية","level":4,"page":493},{"title":"التنبيه الرابع: في بعض ما ورد في ذم القدرية","level":3,"page":497},{"title":"تتمة: في الكلام على فرقة الجبرية المقابلة لفرقة القدرية","level":2,"page":504},{"title":"بيان أن الفرقة الممدوحة أهل السنة الذين هم وسط بين الجبرية والقدرية","level":2,"page":510},{"title":"الخلاف في كسب العبد","level":2,"page":511},{"title":"فصل في ذكر بعض أمهات السمعيات","level":1,"page":516},{"title":"وفيه الكلام على عذاب القبر وسؤال الملكين","level":2,"page":516},{"title":"تنبيهات","level":3,"page":520},{"title":"الأول في اسم الملكين","level":4,"page":520},{"title":"بيان عذاب القبر على الروح والبدن","level":5,"page":522},{"title":"التنبيه الثاني جاء في رواية سؤال ملكين وفي أخرى سؤال واحد وفي رواية سؤال ثلاثة، بيان الجمع بينها","level":4,"page":523},{"title":"اختلاف الأحاديث في كيفية السؤال والجواب عن ذلك","level":5,"page":524},{"title":"ورود بعض الآثار في فتنة الموتى في قبورهم سبعا واستحباب الإطعام عنهم في تلك الأيام، وتعليق من المحقق على ذلك","level":5,"page":525},{"title":"التنبيه الثالث: وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمة وما ورد فيه وورد عذاب القبر في القرآن","level":4,"page":528},{"title":"التنبيه الرابع: ذم من أنكر منكر ونكير والرد على الملاحدة في إنكار عذاب القبر","level":4,"page":531},{"title":"ذكر الكلام على الحوض","level":2,"page":536},{"title":"تنبيهات","level":3,"page":539},{"title":"الأول: في إختلاف الرويات في تحديد الحوض","level":4,"page":539},{"title":"التنبيه الثاني: هل الحوض بعد الصراط أو قبله والخلاف في ذلك","level":4,"page":541},{"title":"التنبيه الثالث: إنكار المعتزله للحوض","level":4,"page":545},{"title":"تعليق من المحقق في حكم من أنكر سنة صحيحة عالما بذلك","level":5,"page":546},{"title":"ثبت الحوض بالكتاب والسنة المتواترة","level":5,"page":546},{"title":"بيان أنه يذاد عن الحوض أهل البدع والضلال","level":5,"page":547},{"title":"التنبيه الرابع: لكل نبي حوض","level":4,"page":550},{"title":"الكلام على الميزان وثبوته بالكتاب والسنة والإجماع والرد على من أنكره","level":2,"page":550},{"title":"بيان الحكمة في وزن الأعمال","level":2,"page":550},{"title":"الأحاديث والآثار الواردة في الميزان","level":2,"page":554},{"title":"تنبيهات","level":2,"page":566},{"title":"الأول: هل هو ميزان واحد أو أكثر؟","level":3,"page":566},{"title":"الثاني: الخلاف في الموزون","level":3,"page":568},{"title":"الثالث: القول بأن الإيمان لا يوزن والرد عليه","level":3,"page":572},{"title":"التنبيه الرابع: هل الوزن في الآخرة كالوزن في الدنيا؟","level":3,"page":573},{"title":"التنبيه الخامس: هل الميزان خاص كأهل الإيمان أو عام لسائر الناس؟","level":3,"page":575},{"title":"تتمة: في ذكر الصحف، والصراط والحساب ثبوت الصحف بالكتاب والسنة والإجماع","level":2,"page":577},{"title":"الكلام على الصراط","level":2,"page":582},{"title":"تنبيهات","level":3,"page":587},{"title":"الأول: اتفاق أهل السنة على ثبوت الصراط والرد على المعتزلة في إنكاره","level":4,"page":587},{"title":"التنبيه الثاني: هل الصراط مخلوق الآن؟","level":4,"page":590},{"title":"فصل في ذكر الحساب وتقرير المعاد والرد على من أنكره","level":1,"page":591},{"title":"الأحاديث الواردة في دخول بعض العصاة النار وخروجهم منها بالشفاعة وبرحمة أرحم الراحمين","level":2,"page":606},{"title":"تنبيه في الإشارة إلى مذهب المعتزلة والخوراج وقولهم بخلود أهل المعاصي في النار وإنكارهم الشفاعة والرد عليهم","level":2,"page":613},{"title":"فصل في الشفاعة وأنواعها وإثباتها بالبرهان","level":1,"page":617},{"title":"بقية في الكلام على عذاب القبر ونعيمه","level":2,"page":639},{"title":"فصل في ذكر بعض قبائح أهل البدع والضلال وتماديهم مع الغي وارتكاب المحال","level":1,"page":643},{"title":"التحذير من تكفير المسلم","level":2,"page":643},{"title":"تفسير كلمة \"الكفر\"","level":2,"page":644},{"title":"مذهب المعتزلة والخوارج من أهل الذنوب وبيان مذهب أهل السنة","level":2,"page":646},{"title":"فصل في الكلام على الإيمان وبيان تبيان أقوال الناس فيه وترجيح المستحق للرجحان بالدليل الثابت وإقامة البرهان","level":1,"page":660},{"title":"الكلام على الخوارج","level":2,"page":694},{"title":"الكلام على المرجئة","level":2,"page":703},{"title":"حاصل الأقوال في الإيمان","level":2,"page":714},{"title":"تنبيه: هل القول بقبول الإيمان للزياده والنقصان مختص بمذهب السلف أو يعم من قال أنه قال التصديق فقط؟","level":2,"page":715},{"title":"تتمة: من الاستثناء في الإيمان","level":2,"page":716},{"title":"التحذير من أهل الرأي والكلام المحدث وأهل البدع","level":2,"page":717},{"title":"التحذير من الطعن في أهل الحديث ووجوب محبتهم وفيه ذكر فضائل أهل الحديث","level":2,"page":719},{"title":"الحث على التمسك بالسنة وبيان أنها الطريق المستقيم والتحذير من الآراء المخالفة لها","level":2,"page":731},{"title":"بيان الرأي المذموم والرأي الممدوح","level":2,"page":737},{"title":"تمسكك بعقيدة السلف المأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - فيه سعادتك في الدنيا والآخرة","level":2,"page":738},{"title":"نهاية الكتاب","level":1,"page":740},{"title":"تاريخ الفراغ من كتابته","level":2,"page":741},{"title":"فائدة في ذكر سند العلامة الشيخ محمد السفارينى لقصيدة الحافظ أبي بكر بن أبي داود","level":2,"page":741},{"title":"ثبت المصادر","level":1,"page":743},{"title":"[أ]","level":2,"page":743},{"title":"[ب]","level":2,"page":749},{"title":"[ت]","level":2,"page":752},{"title":"[ث]","level":2,"page":758},{"title":"[ج]","level":2,"page":758},{"title":"[ح]","level":2,"page":761},{"title":"[خ]","level":2,"page":762},{"title":"[د]","level":2,"page":762},{"title":"[ذ]","level":2,"page":764},{"title":"[ر]","level":2,"page":764},{"title":"[ز]","level":2,"page":765},{"title":"[س]","level":2,"page":766},{"title":"[ش]","level":2,"page":768},{"title":"[ص]","level":2,"page":772},{"title":"[ض]","level":2,"page":774},{"title":"[ط]","level":2,"page":774},{"title":"[ع]","level":2,"page":775},{"title":"[غ]","level":2,"page":777},{"title":"[ف]","level":2,"page":777},{"title":"[ق]","level":2,"page":780},{"title":"[ك]","level":2,"page":781},{"title":"[ل]","level":2,"page":782},{"title":"[م]","level":2,"page":783},{"title":"[ن]","level":2,"page":798},{"title":"[و]","level":2,"page":799},{"title":"[هـ]","level":2,"page":799}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67,"1,70":68,"1,71":69,"1,72":70,"1,73":71,"1,74":72,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":78,"1,81":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,228":224,"1,229":225,"1,230":226,"1,231":227,"1,232":228,"1,233":229,"1,234":230,"1,235":231,"1,236":232,"1,237":233,"1,238":234,"1,239":235,"1,240":236,"1,241":237,"1,242":238,"1,243":239,"1,244":240,"1,245":241,"1,246":242,"1,247":243,"1,248":244,"1,249":245,"1,250":246,"1,251":247,"1,252":248,"1,253":249,"1,254":250,"1,255":251,"1,256":252,"1,257":253,"1,258":254,"1,259":255,"1,260":256,"1,261":257,"1,262":258,"1,263":259,"1,264":260,"1,265":261,"1,266":262,"1,267":263,"1,268":264,"1,269":265,"1,270":266,"1,271":267,"1,272":268,"1,273":269,"1,274":270,"1,275":271,"1,276":272,"1,277":273,"1,278":274,"1,279":275,"1,280":276,"1,281":277,"1,282":278,"1,283":279,"1,284":280,"1,285":281,"1,286":282,"1,287":283,"1,288":284,"1,289":285,"1,290":286,"1,291":287,"1,292":288,"1,293":289,"1,294":290,"1,295":291,"1,296":292,"1,297":293,"1,298":294,"1,299":295,"1,300":296,"1,301":297,"1,302":298,"1,303":299,"1,304":300,"1,305":301,"1,306":302,"1,307":303,"1,308":304,"1,309":305,"1,310":306,"1,311":307,"1,312":308,"1,313":309,"1,314":310,"1,315":311,"1,316":312,"1,317":313,"1,318":314,"1,319":315,"1,320":316,"1,321":317,"1,322":318,"1,323":319,"1,324":320,"1,325":321,"1,326":322,"1,327":323,"1,328":324,"1,329":325,"1,330":326,"1,331":327,"1,332":328,"1,333":329,"1,334":330,"1,335":331,"1,336":332,"1,337":333,"1,338":334,"1,339":335,"1,340":336,"1,341":337,"1,342":338,"1,343":339,"1,344":340,"1,345":341,"1,346":342,"1,347":343,"1,348":344,"1,349":345,"1,350":346,"1,351":347,"1,352":348,"1,353":349,"1,354":350,"1,355":351,"1,356":352,"1,357":353,"1,358":354,"1,359":355,"1,360":356,"1,361":357,"1,362":358,"1,363":359,"1,364":360,"1,365":361,"1,366":362,"1,367":363,"1,368":364,"1,369":365,"1,370":366,"1,371":367,"1,372":368,"1,373":369,"1,374":370,"1,375":371,"1,376":372,"1,377":373,"2,3":375,"2,4":376,"2,5":377,"2,6":378,"2,7":379,"2,8":380,"2,9":381,"2,10":382,"2,11":383,"2,12":384,"2,13":385,"2,14":386,"2,15":387,"2,16":388,"2,17":389,"2,18":390,"2,19":391,"2,20":392,"2,21":393,"2,22":394,"2,23":395,"2,24":396,"2,25":397,"2,26":398,"2,27":399,"2,28":400,"2,29":401,"2,30":402,"2,31":403,"2,32":404,"2,33":405,"2,34":406,"2,35":407,"2,36":408,"2,37":409,"2,38":410,"2,39":411,"2,40":412,"2,41":413,"2,42":414,"2,43":415,"2,44":416,"2,45":417,"2,46":418,"2,47":419,"2,48":420,"2,49":421,"2,50":422,"2,51":423,"2,52":424,"2,53":425,"2,54":426,"2,55":427,"2,56":428,"2,57":429,"2,58":430,"2,59":431,"2,60":432,"2,61":433,"2,62":434,"2,63":435,"2,64":436,"2,65":437,"2,66":438,"2,67":439,"2,68":440,"2,69":441,"2,70":442,"2,71":443,"2,72":444,"2,73":445,"2,74":446,"2,75":447,"2,76":448,"2,77":449,"2,78":450,"2,79":451,"2,80":452,"2,81":453,"2,82":454,"2,83":455,"2,84":456,"2,85":457,"2,86":458,"2,87":459,"2,88":460,"2,89":461,"2,90":462,"2,91":463,"2,92":464,"2,93":465,"2,94":466,"2,95":467,"2,96":468,"2,97":469,"2,98":470,"2,99":471,"2,100":472,"2,101":473,"2,102":474,"2,103":475,"2,104":476,"2,105":477,"2,106":478,"2,107":479,"2,108":480,"2,109":481,"2,110":482,"2,111":483,"2,112":484,"2,113":485,"2,114":486,"2,115":487,"2,116":488,"2,117":489,"2,118":490,"2,119":491,"2,120":492,"2,121":493,"2,122":494,"2,123":495,"2,124":496,"2,125":497,"2,126":498,"2,127":499,"2,128":500,"2,129":501,"2,130":502,"2,131":503,"2,132":504,"2,133":505,"2,134":506,"2,135":507,"2,136":508,"2,137":509,"2,138":510,"2,139":511,"2,140":512,"2,141":513,"2,142":514,"2,143":515,"2,144":516,"2,145":517,"2,146":518,"2,147":519,"2,148":520,"2,149":521,"2,150":522,"2,151":523,"2,152":524,"2,153":525,"2,154":526,"2,155":527,"2,156":528,"2,157":529,"2,158":530,"2,159":531,"2,160":532,"2,161":533,"2,162":534,"2,163":535,"2,164":536,"2,165":537,"2,166":538,"2,167":539,"2,168":540,"2,169":541,"2,170":542,"2,171":543,"2,172":544,"2,173":545,"2,174":546,"2,175":547,"2,176":548,"2,177":549,"2,178":550,"2,179":551,"2,180":552,"2,181":553,"2,182":554,"2,183":555,"2,184":556,"2,185":557,"2,186":558,"2,187":559,"2,188":560,"2,189":561,"2,190":562,"2,191":563,"2,192":564,"2,193":565,"2,194":566,"2,195":567,"2,196":568,"2,197":569,"2,198":570,"2,199":571,"2,200":572,"2,201":573,"2,202":574,"2,203":575,"2,204":576,"2,205":577,"2,206":578,"2,207":579,"2,208":580,"2,209":581,"2,210":582,"2,211":583,"2,212":584,"2,213":585,"2,214":586,"2,215":587,"2,216":588,"2,217":589,"2,218":590,"2,219":591,"2,220":592,"2,221":593,"2,222":594,"2,223":595,"2,224":596,"2,225":597,"2,226":598,"2,227":599,"2,228":600,"2,229":601,"2,230":602,"2,231":603,"2,232":604,"2,233":605,"2,234":606,"2,235":607,"2,236":608,"2,237":609,"2,238":610,"2,239":611,"2,240":612,"2,241":613,"2,242":614,"2,243":615,"2,244":616,"2,245":617,"2,246":618,"2,247":619,"2,248":620,"2,249":621,"2,250":622,"2,251":623,"2,252":624,"2,253":625,"2,254":626,"2,255":627,"2,256":628,"2,257":629,"2,258":630,"2,259":631,"2,260":632,"2,261":633,"2,262":634,"2,263":635,"2,264":636,"2,265":637,"2,266":638,"2,267":639,"2,268":640,"2,269":641,"2,270":642,"2,271":643,"2,272":644,"2,273":645,"2,274":646,"2,275":647,"2,276":648,"2,277":649,"2,278":650,"2,279":651,"2,280":652,"2,281":653,"2,282":654,"2,283":655,"2,284":656,"2,285":657,"2,286":658,"2,287":659,"2,288":660,"2,289":661,"2,290":662,"2,291":663,"2,292":664,"2,293":665,"2,294":666,"2,295":667,"2,296":668,"2,297":669,"2,298":670,"2,299":671,"2,300":672,"2,301":673,"2,302":674,"2,303":675,"2,304":676,"2,305":677,"2,306":678,"2,307":679,"2,308":680,"2,309":681,"2,310":682,"2,311":683,"2,312":684,"2,313":685,"2,314":686,"2,315":687,"2,316":688,"2,317":689,"2,318":690,"2,319":691,"2,320":692,"2,321":693,"2,322":694,"2,323":695,"2,324":696,"2,325":697,"2,326":698,"2,327":699,"2,328":700,"2,329":701,"2,330":702,"2,331":703,"2,332":704,"2,333":705,"2,334":706,"2,335":707,"2,336":708,"2,337":709,"2,338":710,"2,339":711,"2,340":712,"2,341":713,"2,342":714,"2,343":715,"2,344":716,"2,345":717,"2,346":718,"2,347":719,"2,348":720,"2,349":721,"2,350":722,"2,351":723,"2,352":724,"2,353":725,"2,354":726,"2,355":727,"2,356":728,"2,357":729,"2,358":730,"2,359":731,"2,360":732,"2,361":733,"2,362":734,"2,363":735,"2,364":736,"2,365":737,"2,366":738,"2,367":739,"2,368":740,"2,369":741,"2,370":742,"2,451":743,"2,452":744,"2,453":745,"2,454":746,"2,455":747,"2,456":748,"2,457":749,"2,458":750,"2,459":751,"2,460":752,"2,461":753,"2,462":754,"2,463":755,"2,464":756,"2,465":757,"2,466":758,"2,467":759,"2,468":760,"2,469":761,"2,470":762,"2,471":763,"2,472":764,"2,473":765,"2,474":766,"2,475":767,"2,476":768,"2,477":769,"2,478":770,"2,479":771,"2,480":772,"2,481":773,"2,482":774,"2,483":775,"2,484":776,"2,485":777,"2,486":778,"2,487":779,"2,488":780,"2,489":781,"2,490":782,"2,491":783,"2,492":784,"2,493":785,"2,494":786,"2,495":787,"2,496":788,"2,497":789,"2,498":790,"2,499":791,"2,500":792,"2,501":793,"2,502":794,"2,503":795,"2,504":796,"2,505":797,"2,506":798,"2,507":799},"ٜ":{"1":[3,377],"2":[3,507]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,55","1,56","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377",null,"2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2],"11":[3],"13":[4,5],"15":[6],"18":[7],"21":[8],"22":[9],"23":[10],"24":[11],"25":[12],"26":[13],"27":[14],"29":[15],"33":[16],"36":[17],"37":[18],"48":[19],"51":[20],"53":[21],"54":[22],"55":[23],"56":[24],"58":[25,26],"59":[27],"61":[28],"67":[29],"68":[30],"70":[31],"71":[32],"73":[33],"76":[34],"77":[35,36],"78":[37,38,39],"87":[40],"91":[41],"94":[42],"116":[43],"121":[44],"124":[45,46],"125":[47],"127":[48,49],"131":[50],"134":[51],"136":[52],"137":[53],"138":[54],"139":[55],"140":[56],"143":[57,58],"144":[59],"145":[60],"147":[61,62],"148":[63],"152":[64],"154":[65],"157":[66],"159":[67],"160":[68],"162":[69],"167":[70],"177":[71],"178":[72],"180":[73],"187":[74],"188":[75],"191":[76],"192":[77],"193":[78,79],"203":[80],"205":[81],"206":[82],"207":[83],"208":[84],"214":[85],"215":[86],"216":[87,88],"217":[89],"221":[90],"225":[91],"228":[92,93,94],"230":[95],"231":[96],"235":[97,98],"236":[99],"237":[100],"242":[101,102],"244":[103],"245":[104],"248":[105],"249":[106],"253":[107,108],"255":[109],"256":[110,111],"260":[112],"262":[113],"275":[114],"277":[115],"278":[116],"290":[117],"291":[118],"293":[119],"295":[120],"298":[121],"301":[122],"302":[123],"305":[124],"307":[125],"310":[126],"315":[127,128],"317":[129],"326":[130],"329":[131],"331":[132],"333":[133],"334":[134],"335":[135],"338":[136],"342":[137],"344":[138,139],"346":[140],"350":[141],"352":[142],"353":[143],"354":[144],"357":[145],"361":[146],"365":[147],"370":[148],"375":[149],"386":[150],"390":[151],"393":[152],"395":[153],"396":[154],"407":[155],"411":[156],"413":[157],"414":[158],"417":[159,160,161],"423":[162],"424":[163],"425":[164],"426":[165],"427":[166],"428":[167],"430":[168],"432":[169],"433":[170],"440":[171],"441":[172],"444":[173],"446":[174],"454":[175],"457":[176],"458":[177],"460":[178],"461":[179],"476":[180],"477":[181],"478":[182,183],"479":[184],"485":[185],"490":[186,187],"491":[188],"492":[189],"493":[190],"497":[191],"504":[192],"510":[193],"511":[194],"516":[195,196],"520":[197,198],"522":[199],"523":[200],"524":[201],"525":[202],"528":[203],"531":[204],"536":[205],"539":[206,207],"541":[208],"545":[209],"546":[210,211],"547":[212],"550":[213,214,215],"554":[216],"566":[217,218],"568":[219],"572":[220],"573":[221],"575":[222],"577":[223],"582":[224],"587":[225,226],"590":[227],"591":[228],"606":[229],"613":[230],"617":[231],"639":[232],"643":[233,234],"644":[235],"646":[236],"660":[237],"694":[238],"703":[239],"714":[240],"715":[241],"716":[242],"717":[243],"719":[244],"731":[245],"737":[246],"738":[247],"740":[248],"741":[249,250],"743":[251,252],"749":[253],"752":[254],"758":[255,256],"761":[257],"762":[258,259],"764":[260,261],"765":[262],"766":[263],"768":[264],"772":[265],"774":[266,267],"775":[268],"777":[269,270],"780":[271],"781":[272],"782":[273],"783":[274],"798":[275],"799":[276,277]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية\n«شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية في عقيدة أهل الآثار السلفية»\n\nتأليف\nالإمام العلامة محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي\n(المتوفى سنة ١١٨٨ هـ)\n\nدراسة وتحقيق\nعبد الله بن محمد بن سليمان البصيري\n\n[الجزء الأول]","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>كلمة شكر وتقدير</span>\nالحمد للَّه رب العالمين أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nبمناسبة إنتهائي من إعداد رسالة \"الدكتوراه\" وهي دراسة وتحقيق كتاب \"لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية للعلامة السفاريني ﵀.\nفإنى أتوجه بالشكر للَّه سبحانه الذي وفقني وأمدني بعون من عنده ثم أتقدم بالشكر والثناء لكل من قدم لي مساعدة وعونا في إعداد هذه الرسالة وأخص بالذكر استاذي فضيلة الدكتور أحمد مرعي العمري المشرف على رسالتي والذي لقيت منه كل مساعدة وتشجيع. والذي قدم لي الكثير من التوجيه والإرشاد والملاحظات القيمة التي كان لها أثر كبير في هذه الرسالة فجزاه اللَّه خيرًا وبارك فيه.\nكما أشكر الزملاء في قسم العقيدة وعلى رأسهم الدكتور صالح العبود الذي نلقى منه كل عناية وتشجيع وجزى اللَّه القائمين على هذه الجامعة المباركة خير الجزاء ووفقهم وسدد خطاهم وبارك في أعمالهم.\nكما أشكر الأخ القاضل الشيخ عمر بن سعود العيد الذي ساعدني في الحصول على إحدى مخطوطتي الكتاب وهي نسخة الظاهرية بدمشق فجزاه اللَّه خيرا.\nكما أشكر الأخ محمد بن عبد اللَّه السمهري الذي صور لي مقدمته لتحقيق","vol":"1","page":3},{"text":"كتاب البحور الزاخرة في علوم الآخرة، والذي استفدت منه في دراستي هذه. فجزاه اللَّه خيرًا.\nكما أشكر الأخوين الفاضلين عبد الرحمن بن محمد البصيري وعبد الرحمن بن صالح العبد اللطيف الذين قاما بمساعدتي أثناء المقابلة، فجزاهما اللَّه خير الجزاء.\nوختامًا أسأل اللَّه ﷿ أن يجعل عملي هذا وكل أعمالي خالصة لوجهه الكريم وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.\nإنه سميع مجيب.\n* * *","vol":"1","page":4},{"text":"مقدمة\nإن الحمد للَّه نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\nأما بعد:\nفإن أصدق الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (١).\nأما بعد: فإن اللَّه تعالى بعث نبيه محمدًا -ﷺ- بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في اللَّه حق جهاده، وما توفي صلوات اللَّه وسلامه عليه حتى كمّل اللَّه به الدين وأتم به نعمته على المسلمين.\n_________\n(١) هذه الخطبة تسمى (خطبة الحاجة) وهي تشرع بين يدي كل حاجة مهمة، وقد أفرد فيها العلامة الألباني رسالة خاصة جمع فيها الأحاديث الواردة فيها وطرقها فلتراجع.","vol":"1","page":5},{"text":"كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. [المائدة: ٣].\nفكان مما جاء به وبينه -ﷺ- ما يتعلق بذات اللَّه من توحيد الأسماء والصفات.\nوهذا النوع من التوحيد -أي توحيد الأسماء والصفات منزلته في الدين عالية وأهميته عظيمة ولا يمكن أحدًا أن يعبد اللَّه على الوجه الأكمل حتى يكون على علم بأسماء اللَّه تعالى وصفاته ليعبده على بصيرة قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠].\nولما كانت حاجة العباد إلى معرفة هذا النوع ماسة بل إن حاجتهم إليه أعظم من حاجتهم إلى الماء والغذاء فقد بينه اللَّه في كتابه بيانًا شافيًا واضحًا وهذا من رحمته تعالى أن ما كانت حاجة الناس إليه أشد كان بيانه واضح ووجوده أعم.\nوالرسول -ﷺ- قد وصف اللَّه بما وصف به نفسه في كتابه الذي أنزله ليكون هدى للعالمين ومنارًا للسالكين، فأخبر الناس بأنه تعالى يرحم ويغضب ويرضى ويسخط ويحب ويبغض وأنه مستو على عرشه عال على خلقه وأنه يسمع ويبصر ويعطى ويمنع ويخفض ويرفع وأنه ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، أخبرهم بذلك وغيره فآمن الصحابة به وتلقوه بالقبول من غير شك ولا ارتياب وعاش أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- على هذه العقيدة الصحيحة الصافية الخالية من الشوائب والأكدار، ثم واصلوا مسيرة الخير والنور فانتشر الإِسلام انتشارًا لم يعهد له نظير في سالف الدهر ولاحقه لأي دعوة من الدعوات وبسرعة عجيبة فطبق المعمورة شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا فدخل في الإسلام شعوب مختلفة العادات والأفكار واللغات ولها حضارات وأديان فاعتاضوا عن ذلك كله بالإِسلام.\nعند ذلك ثارت ثائرة المجوسية الحاقدة واليهودية الماكرة بغيًا وحسدًا وأخذوا","vol":"1","page":6},{"text":"يخططون لكيد الإسلام وأهله فكان أول هذه المكائد مقتل الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، ثم عثمان ﵁، ثم خروج الخوارج على علي ﵁ وقتلهم إياه ثم ظهر في مقابلتهم التشيع البغيض ثم استفحل إلى الرفض والغلو المفرط ثم ظهرت القدرية المنقصة للَّه ثم كان الإرجاء والتجهم والإعتزال ثم جاءت الأشعرية بتأويلاتها وتحريفاتها وتناقضاتها (١).\nوفي مقابل هذه الفرق الضالة والبدع الحادثة هيأ اللَّه لهذه العقيدة من ينصرها ويدافع عنها ويقوم ببيانها وتوضيحها على مر العصور أمثال الإمام أحمد والإمام البخاري وأبى سعيد الدارمي والإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهم من العلماء ممن يطول ذكرههم ﵏.\nومن هؤلاء العلماء البارزين العلامة محمد بن أحمد بن سالم السفاريني من علماء القرن الثاني عشر الذي ألف عدة مؤلفات في بيان عقيدة السلف والدعوة إليها والرد على الفرق المخالفة.\nومن هذه المؤلفات كتابه: \"لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية\" وهو هذا الكتاب الذي قمت بدراسته وتحقيقه.\nهذا وقد بذلت جهدي وأفرغت وسعي في سبيل خدمة هذا الكتاب وأرجو أن أكون قد وصلت به إلى ما يفيد القارئ الكريم وأسأل اللَّه أن ينفع به وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.\nهذا ولا أبرئ نفسى من الخطأ والتقصير فهذا من طبع البشر إلا من عصمه اللَّه من رسله وأنبيائه، لكن عذري أني قد بذلت جهدي فما كان فيه من صواب فمن\n_________\n(١) استفدت في هذه المقدمة من كتاب: ثبات العقيدة أمام التحديات للشيخ عبد اللَّه الغنيمان.","vol":"1","page":7},{"text":"اللَّه وله الحمد والمنة وما كان فيه من نقص وتقصير فمنى واستغفر اللَّه.\nوإلى القارئ الكريم بيان عملي ومنهجي في دراسة الكتاب وتحقيقه:\nيتكون عملي هذا من قسمين:\nالقسم الأول: الدراسة.\nالقسم الثاني: التحقيق والتعليق.\nأما الدراسة فستكون في فصلين:\nالفصل الأول: دراسة عن المؤلف وفيه مباحث:\nالمبحث الأول: عصر المؤلف من الناحية السياسية والدينية والعلمية.\nالمبحث الثاني: حياته الشخصية وفيه الأمور الآتية:\nاسمه ونسبه ونسبته.\nمولده ونشأته.\nأسرته وأصله.\nصفاته وسيرته وأخلاقه.\nوفاته.\nالمبحث الثالث: حياته العلمية وفيه:\nطلبه العلم ورحلاته وتحصيله العلمي - شيوخه - تلاميذه - مكانته العلمية وثناء العلماء عليه - مؤلفاته - عقيدته ومذهبه.","vol":"1","page":8},{"text":"الفصل الثاني: دراسة الكتاب وفيه مباحث:\nالمبحث الأول:\n١ - اسم الكتاب.\n٢ - موضوع الكتاب.\n٣ - سبب تأليف الكتاب.\n٤ - توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف.\n٥ - منهج المؤلف في الكتاب.\n٦ - مصادر الكتاب.\n٧ - موازنة بين الكتاب وبين كتاب \"لوامع الأنوار\" للمؤلف وبيان أهميتهما.\n٨ - بعض المآخذ على الكتاب.\nالمبحث الثاني:\n١ - وصف النسخة الخطية للكتاب.\n٢ - تاريخ النسخ.\n٣ - الناسخ.\nأما منهج التحقيق والتعليق فقد سرت فيه على النحو الآتي:\n١ - قراءة النص ومقابلة النسختين واثبات الفروق في الهامش مع المقابلة بكتاب لوامع الأنوار للمؤلف في كثير من المواضع وقد ساعدني كثيرًا في تقويم بعض النصوص التي يتفقان فيها.\nوكذلك رجعت إلى المصادر التي ينقل عنها المؤلف وذلك لتوثيق النص وتصويبه","vol":"1","page":9},{"text":"للوصول به إلى أقرب صورة إلى الصواب.\n٢ - تحرير نسبة الأقوال والآراء التي يسندها المؤلف إلى أصحابها وعزوها إلى مصادرها من كتبهم ما أمكن ذلك.\n٣ - التعليق على المواضع التي رأيت أنها تحتاج إلى بيان وتوضيح وخاصة ما يتعلق بالعقيدة.\n٤ - نبهت على الأوهام التي وقعت للمؤلف.\n٥ - ذكرت مواضع الآيات القرآنية من كتاب اللَّه.\n٦ - خرجت الأحاديث والآثار الواقعة في الكتاب مع بيان ما قاله أهل العلم في الحكم على الحديث بإيجاز.\n٧ - ترجمت للأعلام الواقع ذكرهم في الكتاب ولم أترجم للصحابة لشهرتهم.\n٨ - شرحت المفردات الغريبة في الكتاب.\n٩ - وقعت بعض الأخطاء في نصوص الكتاب فإذا كان النص للمؤلف فإني أبقي النص كما هو -في الغالب- مع الإشارة في الهامش إلى ما رأيت أنه الصواب.\nأما إذا كان النص لغير المؤلف ووجدته في أصوله فإني أثبت ما في الأصول مع الإشارة في الهامش إلى ما في أصل النص.\n١٠ - عرفت تعريفًا موجزًا بالفرق والبلدان والأماكن الوارد ذكرها في الكتاب.\n١١ - جعلت نص القصيدة بين قوسين تمييزًا له عن شرح المؤلف.\n١٢ - وضعت فهارس للكتاب وهي:\n- فهرس الآيات.","vol":"1","page":10},{"text":"- فهرس الأحاديث.\n- فهرس الآثار.\n- فهرس الأشعار.\n- فهرس الفرق.\n- فهرس الأعلام.\n- فهرس الموضوعات.\nوباللَّه التوفيق.\n* * *","vol":"1","page":11},{"text":"القسم الأول:\nالدراسة","vol":"1","page":13},{"text":"الفصل الأول دراسة حياة المؤلف وعصره\nوفيه مباحث:\nالمبحث الأول: عصر المؤلف من الناحية السياسية، والعلمية، والدينية\nالمبحث الثاني حياته الشخصية\nالمبحث الثالث في حياته العلمية","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الأول في عصر المؤلف</span>\nتمهيد:\nمن المعلوم أنه ينبغي لمن أراد أن يعطي فكرة عن علم من الأعلام وبيانًا لأثره في المجتمع أن يدرس الظروف المحيطة به والبيئة التي عاش فيها ذلك أن الشخص يتأثر بالبيئة وبمن حوله من أساتذته ومعلميه كما يؤثر هو في تلاميذه وبمن يحيطون به ويعاشرونه، فللأحوال السياسية والاجتماعية وغيرهما أثر في تكييف إتجاهه ومنهجه الذي يسلكه من أجل ذلك رأيت أن أعطي القارئ فكرة موجزة عن عصر السفاريني من النواحي الآتية:\n١ - الناحية السياسية.\n٢ - الناحية الدينية.\n٣ - الناحية العلمية.\n\nأولا:<span data-type=\"title\" id=toc-5> الحالة السياسية:</span>\nعاش السفاريني ﵀ في القرن الثاني عشر في بلاد الشام في الفترة ما بين (١١١٤ - ١١٨٨ هـ) وكانت بلاد الشام لا تزال تحت الحكم العثماني، وإذا نظرنا إلى الدولة العثمانية في هذا العصر نجدها قد ضعفت بعد قوتها (. . فقد تآلبت عليها دول أوروبا في هذا القرن حتى انتزعت منها كثيرًا من ممتلكاتها وكان سلاطينها من الضعف بمكان فلم يكن لهم شيء من الأمر في الدولة وإنما كان الأمر","vol":"1","page":15},{"text":"لوزرائهم وكان أكثر هؤلاء الوزراء جُهلاء، لا يعرفون شيئًا من أحوال السياسة الدولية في هذا القرن ولا يعرفون ما يجري حولهم ولا يأخذون بشيء من الإصلاح والتجديد، بل يجمدون على ما ألفوه. . .) (١).\n(وبهذا انقلبت الدولة العثمانية إلى مطايا استبداد وفوضى وقام كثير من الولاة والأمراء بالخروج عليها وتكوين حكومات مستبده وضعيفة لا تستطيع اخضاع من في حكمها فكثر السلب والنهب وفقد الأمن) (٢).\nويصف محمد كرد علي حالة الشام في القرن الثاني عشر فيقول:\n(. . . وسكان هذا القطر -أي بلاد الشام- كسائر الأقطار العثمانية لا عمل لهم إلا رضاء شهوات حكامهم من وطنيين وغرباء فلم يحدث شيء مما يقال له الإصلاح لأن رجال الدولة لم يفكروا فيه حتى يتوسلوا بأسبابه وإذا توسلوا فلا يحسنون طرقه وقد اعتادوا الأخذ ولم يعتادوا العطاء بتحسين الحالة ليزيد الأخذ والعطاء معًا. . .) (٣).\nوقد كان لهذه الأحوال السياسية أثر على الأمة الإِسلامية في كثير من نواحي الحياة، ولذا يقول بمعنى المؤرخين:\n(إن الحكم العثماني للبلاد الإِسلامية ابتداء من القرن الثاني عشر قد اتسم\n_________\n(١) انظر كتاب \"المجددون في الإسلام\" للصعيدي (ص ٤١٦). وانظر \"عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب\" للدكتور صالح العبود، (ص ٢٥).\n(٢) \"حاضر العالم الإسلامي\" تأليف لوثروب ستودارد، تعليق شكيب ارسلان (١/ ٢٥٩) باختصار، وانظر \"عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب\" للدكتور صالح العبود، (ص ٢٥ - ٢٦).\n(٣) خطط الشام (٢/ ٢٦٧) باختصار.","vol":"1","page":16},{"text":"بالتخلف والإستبداد وإرهاق الرعية بالضرائب والأتاوات الباهظة فعم الفقر والبؤس) (١).\nوإذا ما أردنا أن نتعرف على موقف السفاريني من حكام عصره لا شك أن السفاريني ﵀ قد نشأ وتربى في هذا الجو السياسي والظروف القاسية وعانى منها وأحس بوطئتها على من حوله لذا فإنه عندما اكتملت رجولته ووصل إلى درجة التأثير. . (نراه محاربًا للظلم والطغيان صادعًا بكلمة الحق لا يماري فيه ولا يهاب أحدًا والجميع من أعيان بلده وأمرائه ليهابونه، يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر) (٢).\nومما يذكر من شجاعته أنه قال لأمير نابلس لما تولى بعد أبيه وجاء أهل العلم لتهنئته بالإمارة وطلبوا منه إلغاء الضرائب الزائدة عن الزكاة الشرعية فإن المزارعين جائعون لا يشبعون من غلة أراضيهم من الضرائب الفادحة، فقال الأمير: لا أغير شيئًا مما كان عليه والدي المرحوم، فقال له الشيخ السفاريني: وما أدراك أنه مرحوم؟ أزل الضرائب والناس يدعون لك وله فاستجاب الأمير للشيخ وأزال كثيرًا من الضرائب وأخذوا منه كتابه بإزالة الضرائب ودعوا له بالتوفيق (٣).\n\nثانيًا:<span data-type=\"title\" id=toc-6> الحالة الدينية:</span>\nكان العالم الإِسلامي في القرن الثاني عشر يعاني من الجمود والإنحطاط وقد تسربت الأداواء إلى الأخلاق والإجتماع وقبل المسلمون كثيرًا من العادات والشعائر\n_________\n(١) \"مقدمة الدكتور محمد السمهري للبحور الزاخرة\"، (ص ١٠) نقلًا عن مذكرة التاريخ لطلبة المعاهد العلمية (ص ٢٨)، وانظر \"حاضر العالم الإسلامي\" تأليف لوثروب (١/ ٢٥٩)\n(٢) انظر \"النعت الأكمل\" (ص ٣٠٢).\n(٣) انظر \"التقريض على كتاب لوامع الأنوار البهية\" للسفاريني (١/ ٤٧٨).","vol":"1","page":17},{"text":"والتقاليد الأعجمية غير الإِسلامية (١) وانتشر فيه التصوف وظهر فيه كثير من البدع والخرافات فقد اشتدت غربة الإِسلام بينهم وعفت آثار الدين لديهم وانهدمت ملة الحنيفية وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان وغلب الجهل والتقليد والإعراض عن السنة والقرآن (٢).\nويصور الكاتب الأمريكى \"لوثروب ستودارد\" في كتابه: (حاضر العالم الإسلامي) الحالة الدينية المتردية فيقول: (وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة للناس سجفا من الخرافات وقشور الصوفية وخلت المساجد من أرباب الصلوات وكثر عدد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات ويوهمون الناس بالباطل والشبهات ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور وغابت عن الناس فضائل القرآن. . .) (٣).\nوينقل لنا السفاريني رحمه اللَّه تعالى في كتابه غذاء الألباب صورًا من مظاهر الحالة الدينية في عصره قال ﵀بعد أن ذكر شكوى ابن عقيل (٤) ومن بعده ابن مفلح (٥) من أهل زمانهم وما ظهر في زمنهم من البدع والمنكرات قال: \"فما\n_________\n(١) \"مقدمة الدكتور محمد السمهري لكتاب البحور الزاخرة\" (ص ١١)، نقلًا عن مقال للشيخ أبى الحسن الندوي.\n(٢) \"الدرر السنية في الأجوبة النجدية\" (١/ ١٨٦) وانظر \"عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب\" للشيخ صالح العبود (ص ٢٦).\n(٣) \"حاضر العالم الإسلامي\" (١/ ٢٥٩ - ٢٦٠).\n(٤) ابن عقيل: ستأتي ترجمته. انظر (ص ١/ ٢٤٨).\n(٥) ابن مفلح: محمد بن مفلح شمس الدين المتوفى سنة ٦٧٣ هـ.","vol":"1","page":18},{"text":"بالك بعصرنا هذا الذي نحن فيه -وهو في المائة الثانية عشرة- وقد انطمست معالم الدين وطفئت إلا من بقايا حفظة الدين فصارت السنة بدعة والبدعة شرعة والعبادة عادة والعادة عبادة، فعالمهم عاكف على شهواته، وحاكمهم متمادي في غفلاته، وأميرهم لا حلم لديه ولا دين، وغنيهم لا رأفة عنده ولا رحمة للمساكين، وفقيرهم متكبر، وغنيهم متجبر\" ثم قال:\nمطلب متصوفة زماننا وما يفعلونه من المنكرات\nفلو رأيت جموع صوفية زماننا وقد أوقدوا النيران واحضروا آلات المعازف بالدفوف المجلجلة والطبول والنايات والشّباب (١) وقاموا على أقدامهم يرقصون ويتمايلون لقضيت بأنهم فرقة من بقية أصحاب السامري وهم على عبادة عجلهم يعكفون أو حضرت مجمعا وقد حضره العلماء بعمائمهم الكبار والفراء المثمنة والهيئات المستحسنة وقدموا نصاب الدخان التي هي لجامات الشيطان وقد ابتدر ذو نغمة ينشد من الأشعار المهيجة فوصف الخدود والنهود والقدود وقد أرخى القوم رؤوسهم ونكسوها واستمعوا للنغمة واستأنسوها لقلت وهم لذلك مطرقون ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون (٢).\nوفي خضم هذا الفساد الإعتقادي والإبتعاد عن كتاب اللَّه وسنة النبي -ﷺ- الذي ساد العالم في القرن الثاني عشر قيض اللَّه من يصحح لهذه الأمة عقيدتها وسلوكها ومن بين هؤلاء الذين حملوا لواء الإصلاح الشيخ محمد السفاريني في بلاد الشام.\nومن أبرز مظاهر تغييره للأوضاع الإعتقادية السائدة تأليفه في العقيدة السلفية\n_________\n(١) الشّبَاب: جمع شبَّابه بتشديد الباء نوع من المزمار.\n(٢) غذاء الألباب (٢/ ٣١٤ - ٣١٥).","vol":"1","page":19},{"text":"ومنها كتابه هذا: \"لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية شرح قصيدة ابن أبى داود الحائية\"، وهو الكتاب الذي أقوم بتحقيقه.\nومنها كتابه الآخر: \"لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثريه لشرح الدرة المرضية في عقد الفرقة المرضية\" وكذلك كتابه \"البحور الزاخرة في علوم الآخرة\".\n\nثالثًا:<span data-type=\"title\" id=toc-7> الحالة العلمية:</span>\nكان هذا العصر من الناحية العلمية يغلب عليه الجمود وعدم الإبتكار ويعلل بعض المؤرخين سبب هذا الإنحطاط إلى الحكم الإستبدادي والضرائب الفادحة والتدهور الإقتصادي والإنهيار الاجتماعي وهذه الأمور لا تغري بالإبتكار الشخصي في العلوم في عصر الجمع والتعليق والإختصار والتقليد الذي بدأ قبل ذلك بقرون عديدة واستمر في هذه الأثناء لكن النتائج التي أعطاها كانت أقل وأضعف (١).\nإلا أن الشيخ أبا الحسن الندوي في بحث له عن العالم الإِسلامي في القرن الثاني عشر يصور لنا الحالة العلمية بصورة تظهر أنها كانت في أوجها يقول: \". . . كان العلماء في مصر والشام والعراق والحجاز واليمن وإيران والهند وغيرها من بلدان العالم الإِسلامي منصرفين إلى التدريس والإفادة وكان الباحثون والمحققون مقبلين على التألف والتصنيف والبحث والتحقيق\". ثم ساق نخبة من أسماء العلماء في هذا العصر، أمثال الشيخ أبي الحسن السندي الكبير (المتوفى سنة ١١٣٨ هـ) والشيخ محمد حياة السندي (المتوفى سنة ١١٦٣ هـ) والشيخ إسماعيل العجلوني\n_________\n(١) \"مقدمة الدكتور محمد السمهري لكتاب البحور الزاخرة\" (ص ١٣)، نقلًا عن كتاب \"تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين\" لفليب حتى (٢/ ٣٢٠ - ٣٢١).","vol":"1","page":20},{"text":"المشهور بالجراحي (المتوفى سنة ١١٦٢ هـ) صاحب كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، والشيخ أبي طاهر الكوراني الكردي، والشيخ حسن العجيمي في الحرمين الشريفين، والشيخ سليمان بن يحيى الأهدل في اليمن والشيخ محمد بن أحمد السفاريني (المتوفى سنة ١١٨٨ هـ) والأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني (المتوفى سنة ١١٤٢ هـ) صاحب سبل السلام وغيرهم (١).\nولكن الذي يظهر: أن هؤلاء الذين ذكرهم -أو أغلبهم- لم يكونوا من أهل الإبتكار -غالبا- وإنما تآليفهم إما أن تجدها حواشي على مؤلف أو اختصار أو جمع أو غير ذلك مما كان يتطلبه هذا العصر وإن كان لهم في ثنايا ذلك بعض الترجيحات والتصويبات (٢).\nويصف الشيخ السفاريني الحالة العلمية التي عاشها في معرض حديثه عن عزمه على شرح (ثلاثيات مسند الإمام أحمد) بعد تردد طويل قال -بعد أن استقر رأيه على كتابة شرحه القيم: \". . . ولم يبق من آثار هذا البيان إلا حكايات تتزين بها الطروس ككان وكان والعلم قد أفلت شموسه وتقوضت محافله ودروسه وربعه المأهول أمسى خاليًا وواديه المأنوس أضحى موحشًا داويا وغصنه الرطيب غدا داويًا وبرده القشيب صار باليًا فالعالم الآن قلت مضاربه وضاقت مطالبه وعالت معاطيه وسددت مذاهبه فليس له في هذا الزمان ومنذ أزمان إلا التجاء إلى عالِم السر والإعلان. . . \" (٣).\n_________\n(١) مقدمة الدكتور محمد السمهري لكتاب \"البحور الزاخرة\" (ص ١٣) نقلًا عن مجلة البعث الإسلامي، العدد ٥ المجلد ٢٩ شهر صفر سنة ١٤٠٥ (ص ١١، ١٣).\n(٢) مقدمة الدكتور محمد السمهري لكتاب \"البحور الزاخرة\" (ص ١٣).\n(٣) انظر \"شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد\" (١/ ٤).","vol":"1","page":21},{"text":"فالحاصل: أن السمة البارزة للحياة العلمية في هذا العصر من حيث التأليف قد كانت عبارة عن الإختصار والنقل والشرح والجمع وتكرار ما قاله السابقون مع بعض الإضافات العلمية من ترجيح وتصويب خطأ ونحو ذلك.\nونجد هذه السمة واضحة في مؤلفات الشيخ السفاريني مواكبة منه لروح العصر العلمية وتأثر بالسائد فيه (١).\n* * *\n_________\n(١) مقدمة الدكتور محمد السمهري لكتاب \"البحور الزاخرة\" (ص ١٤).","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الثاني حياته الشخصية</span>\nوفيه:\n١ - إسمه ونسبه ونسبته.\n٢ - مولده ونشأته.\n٣ - أصله وأسرته.\n٤ - صفاته وسيرته وأخلاقه.\n٥ - وفاته.","vol":"1","page":23},{"text":"المبحث الثاني حياته الشخصية\nاسمه وكنيته ونسبته:\nمحمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني أبو العون شمس الدين (١) نسبته إلى سفارين، وهي قرية من قرى نابلس بفلسطين.\n_________\n(١) مصادر ترجمته:\n١ - النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد (ص ٣٠١ - ٣٠٦).\n٢ - سلك الدرر للمرادي (٤/ ٣١ - ٣٢).\n٣ - السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة (٣٤٠ - ٣٤٤).\n٤ - تاج العروس (١٢/ ٤٧) (سفر).\n٥ - فهرس الفهارس والإثبات (٢/ ١٠٠٢).\n٦ - تاريخ الجبرتي (١/ ٤٦٨ - ٤٧٠).\n٧ - مختصر طبقات الحنابلة للشطي (ص ١٢٧).\n٨ - الرسالة المستطرفة (ص ٩٨).\n٩ - الأعلام (٦/ ١٤).\n١٠ - معجم المؤلفين (٨/ ٢٦٢).\n١١ - هدية العارفين (٢/ ٣٤٠).\n١٢ - إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون (١/ ٢٩، ١٦٧، ٢٣٠، ٢٦٢، ٢٦٦، ٢٩٧، ٣٤٦، ٣٧٢، ٤٥١، ٤٦٨، ٢/ ٩٨، ١٤٢، ٢٢٦، ٤١٢، ٥٠٣، ٥٧٦، ٦١٩).\n١٣ - معجم المطبوعات العربية والمعربة (١٠٢٨).\n١٤ - وقد كتب له الدكتور محمد السمهري في دراسته التي كتبها في مقدمته لكتاب \"البحور الزاخرة\" للسفاريني كتب له ترجمة وافية، وقد استفدت من كتابته هذه. جزاه اللَّه خيرا.","vol":"1","page":24},{"text":"قال العلامة مرتضى الزبيدي في شرح القاموس:\n\"سفارين كجبارين قرية من أعمال نابلس منها شيخنا العلامة (أبو عبد اللَّه) محمد بن أحمد بن سالم الحنبلي الأثري. . . \" (١).\nوقال محمد شراب: سفارين بفتح السين وتشديد الفاء قرية تقع جنوب شرق طولكرم (بفلسطين) على مسافة عشرين كيلًا ينسب إليها عدد من العلماء منهم: الشيخ محمد السفاريني (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>مولده وأسرته وأصله:</span>\nاتفقت المصادر على أن مولده بقرية سفارين سنة أربع عشرة ومائة وألف كما وجد بخطه. ونشأ بها (٣).\nوأما أسرته وأصله: فلم تذكر المصادر معلومات وافية عن أسرته وأصله وأولاده إلا ما ذكره محمد شراب في ترجمته إذ قال: وأصل الأسرة من الحجاز حيث نزح بعض أفرادها وسكنوا طولكرم ويافا وعرفوا فيما بعد بـ \"آل حنون\" العائلة الوجيهة في البلاد والشيخ سعيد بن أسعد السفاريني كان إمامًا معتمدًا في المذهب الحنبلي وتوفى سنة ١٢٥٢ هـ. . (٤).\nوقد استطعت من خلال الإستقراء الوصول إلى معرفة اثنين من أبنائه وهما: يوسف ومصطفى.\n_________\n(١) تاج العروس (١٢/ ٤٧) (سفر).\n(٢) معجم بلدان فلسطين (ص ٤٤٨).\n(٣) تاريخ الجبرتي (١/ ٤٦٨) والنعت الأكمل (ص ٣٠١).\n(٤) معجم بلدان فلسطين (ص ٤٤٨).","vol":"1","page":25},{"text":"وإلى معرفة اثنين من أحفاده وهما عبد الرحمن بن يوسف وعبد القادر بن مصطفى (١).\nجاء ذكرهما عرضًا في ترجمته في فهرس الفهارس حيث قال: \"وقال الحافظ الزبيدي عنه أيضًا في إجازته لحفيد المترجم عبد الرحمن بن يوسف بن محمد السفاريني:\nوجده محمد بن أحمدا ... شيخ الحديث قد هدى وسددا\nقد كان عمر اللَّه في نابلس ... بقية الأخيار عالي النفس\nأوحد من كانت له العناية ... في حفظ هذا الفن فوق الغاية\nوقال في ذكر سنده لمرويات المصنف. . . ونتصل به مسلسلًا بالحنابلة: عن البرهان إبراهيم الخنكي الحنبلي عن محمد بن حميد التركي عن الشهاب أحمد اللبدي النابلسي وعثمان بن عبد اللَّه النابلسي كلاهما عن عبد القادر بن مصطفى بن محمد السفاريني عن أبيه عن جده (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>صفاته وسيرته وأخلاقه:</span>\nكان رحمه اللَّه تعالى جليلًا جميلًا صاحب سمة ووقار ومهابة واعتبار جمع بين الإمامة والفقه والديانة والصيانة والصدق وحسن السمت والخلق والتعبد وطول الصمت عما لا يعني وكان محمود السيرة نافذ الكلمة رفيع المنزلة عند الخاص والعام سخي النفس كريمًا بما يملك مهابًا عظيمًا، وكان كثير العبادة ملازمًا على\n_________\n(١) عبد القادر هذا مترجم في السحب الوابلة (ص ٢٣٩ - ٢٤٠)، ولد بعد المائتين والألف، وتوفى سنة ١٢٥٧ هـ.\n(٢) فهرس الفهارس (٢/ ١٠٠٣ - ١٠٠٥).","vol":"1","page":26},{"text":"قيام الليل ودائمًا يحث الناس عليه، وكانت مجالسه لا تخلو من فائدة وكان مشغلا جميع أوقاته بالإفادة والاستفادة بطرح المسائل على الطلاب والأقران ويدور بينه وبينهم المحاورة في التحرير والإتقان، وكان صادعًا بالحق لا يماري فيه ولا يهاب أحدا والجميع من أعيان البلد وأمرائها يهابونه. يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر وكان ناصرًا للسنة قامعًا للبدعة، وكان خيرًا جوادًا لا يقتنى شيئًا من الأمتعة والأسباب الدنيوية سوى كتب العلم فإنه كان حريصًا على جمعها ويقول دائما: أنا فقير من الكتب العلمية، وكان كل ما يدخل إلى يده من الدنيا ينفقه وعاش مدة عمره في بلده عزيزًا موقرًا محتشمًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>وفاته:</span>\nاتفقت المصادر على أنه توفي سنة ثمان وثمانين ومائة وألف.\nقال الجبرتي: لا زال يملي ويفيد ويجيز من سنة ثمان وأربعين (٢) إلى أن توفى يوم الأثنين ثامن شوال من هذه السنة (٣) بنابلس وجهز وصلى عليه بالجامع الكبير ودفن بالمقبرة الزاركية وكثر الأسف عليه ولم يخلف بعده مثله -﵀ رحمة واسعة (٤).\n* * *\n_________\n(١) النعت الأكمل (ص ٣٠٢)، السحب الوابلة (ص ٣٤١)، فهرس الفهارس (٢/ ١٠٠٢).\n(٢) أي ومائة وألف.\n(٣) أي سنة ثمان وثمانين ومائة وألف.\n(٤) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار للجبرتي (١/ ٤٧٠). وانظر النعت الأكمل (ص ٣٠٦)، وسلك الدرر (٤/ ٣٢).","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الثالث في حياته العلمية</span>\nوفيه الأمور الآتية:\n١ - طلبه العلم ورحلاته وتحصيله العلمي.\n٢ - شيوخه - تلاميذه.\n٣ - مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.\n٤ - مؤلفاته.\n٥ - عقيدته - ومذهبه في الفقه.","vol":"1","page":28},{"text":"المبحث الثالث حياته العلمية\nمبدأ طلبه العلم:\nقال عن نفسه ﵀: \"وقد من اللَّه على بقراءة القرآن سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف وعمري إذ ذاك نحو سبعة عشر عامًا وللَّه الحمد\" (١).\nويذكر الجبرتي مبدأ طلبه للعلم بقوله: \"وقرأ القرآن في سنة إحدى وثلاثين في نابلس واشتغل بالعلم قليلًا، وارتحل إلى دمشق سنة ١١٣٣ هـ ومكث بها قدر خمس سنوات وأخذ عن علمائها\" (٢).\n\"وعاد من رحلته في طلب العلم سنة تسع وثلاثين ومائة وألف إلى نابلس\" (٣).\n\nرحلاته العلمية وتحصيله العلمي:\nكما ذكرت المصادر فقد ولد ﵀ في قرية سفارين ثم انتقل منها إلى نابلس وبدأ بها في طلب العلم ثم ارتحل بعد ذلك إلى دمشق وهي في ذاك الوقت عامرة بالعلماء وطلبة العلم فأخذ بها في طلب العلم مشمرًا عن ساق الإجتهاد ورزقه اللَّه قوة الحفظ وملكة الإستيعاب فحصل في الزمن اليسير ما لم يحصل لغيره في الزمن الكثير (٤).\n_________\n(١) البحور الزاخرة (١/ ١٣٧).\n(٢) تاريخ الجبرتي (١/ ٤٦٨).\n(٣) البحور الزاخرة (١/ ١٣٧) بتصرف.\n(٤) النعت الأكمل (٣٠١، ٣٠٢)؛ وتاريخ الجبرتي (١/ ٤٦٨).","vol":"1","page":29},{"text":"فسمع في رحلته هذه من كبار المشايخ والعلماء وأجازه غير واحد منهم فاكتسب بذلك علمًا غزيرًا حتى صار يذاكر بعض شيوخه في مسائل في المذهب الحنبلي وهو إذ ذاك ابن تسع عشرة سنة، ومن ذلك ما يرويه حين رحل إلى الشيخ أبى التقى عبد القادر بن عمر التغلبي سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف قال -﵀-: وذاكرته في عدة مباحث من شرحه على الدليل -أي دليل الطالب- فمنها ما رجع عنها، ومنها ما لم يرجع لوجود الأصول التي نقل منها.\nوكانت إجازة الشيخ -المذكور- لنا سنة خمس وثلاثين (١).\nوهذا يدل على سرعة استيعابه وحفظه وقوة فهمه وتبحره في المذهب الحنبلي مما جعل بعض شيوخه يقربه إليه ويجله حتى كان يحضره مجالس العلماء والفقهاء، قال -﵀- عن شيخه أحمد الغزي وكان يقدمني ويجلني، وكان له يوم في الأسبوع يحضره العلماء والمدرسون من سائر المذاهب وكان يجلسني مع كبارهم مع أنى يومئذٍ من الطلبة فكنت أحتشم من كوني أجلس مع أشياخي أو فوقهم ولكن لا بد من امتثال أمره وكان مهابا جدًا وإذا بدأ ما يسأل عنه في المذهب الحنبلي سألني مع حضور أشياخي: الشيخ مصطفى اللبدي أمين فتوى المذهب الحنبلي والشيخ محمد بن الشيخ عبد الجليل أبي المواهب مفتي السادة الحنابلة فأجيبه ثم اعتذر بعد انفضاض المجلس، فيقول الشيخ مصطفى: هذا من مفاخري أن يجيب تلميذي في مثل هذه المحافل\" (٢).\nثم حج بمد ذلك في سنة ١١٤٨ هـ وفي خلال سفره للحج زار المدينة المنورة والتقى فيها بالشيخ الحافظ محمد حياة السندي فسمع منه الحديث المسلسل بالأولية\n_________\n(١) انظر مقدمة كتاب \"مختصر لوامع الأنوار البهية\" لابن سلوم ص (ج).\n(٢) انظر المرجع السابق ص (د)، (هـ).","vol":"1","page":30},{"text":"وأوائل الكتب الستة، كما سمع من صهره الشيخ محمد الدقاق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>شيوخه:</span>\nرحل السفاريني ﵀كما ذكرنا- في طلب العلم وجد فى تحصيله فلازم عددًا من المشايخ وأخذ عن كثير من العلماء.\nقال ابن حميد في ترجمته. . . \"ثم قدم دمشق فقرأ الحلم فى الجامع الأموي على مشايخ فضلاء وأئمة نبلاء ما بين مكيين ومدنيين وشاميين ومصريين\" (٢).\nوسأذكر فيما يلي أسماء من عرفت منهم -إجمالًا- ثم أذكر ترجمة موجزة لأشهرهم وأكثرهم تأثيرًا فيه -فمنهم-:\n١ - أحمد بن عبد الكريم بن سعودي العامري الغزي.\n٢ - أحمد بن على المنيني الحنفي الطرابلسي.\n٣ - إسماعيل بن محمد الجراحي العجلوني.\n٤ - الياس بن إبراهيم بن داود الكردي.\n٥ - حامدي بن على بن إبراهيم العمادي.\n٦ - سليمان بن أحمد بن سليمان المحاسني.\n٧ - طه بن أحمد اللبدي.\n٨ - عبد الرحمن بن محي الدين السليمي الشهير بالمجلد.\n٩ - عبد الرحيم الكرمي.\n١٠ - عبد السلام بن محمد الكاملي.\n١١ - عبد الغني النابلسي.\n_________\n(١) انظر تاريخ الجبرتى (١/ ٤٦٩)؛ وفهرس الفهارس (٢/ ١٠٠٣).\n(٢) السحب الوابلة (ص ٣٤١).","vol":"1","page":31},{"text":"١٢ - عبد القادر التغلبي.\n١٣ - عبد اللَّه البصروي.\n١٤ - عواد بن عبيد الكوري.\n١٥ - محمد حياة السندي ثم المدني.\n١٦ - محمد الدقاق.\n١٧ - محمد السلقيني.\n١٨ - محمد الخليلي.\n١٩ - محمد الفزي.\n٢٠ - محمد أبو طاهر المدني.\n٢١ - محمد الأسكندري.\n٢٢ - مصطفى البكري.\n٢٣ - مصطفى بن عبد الحق اللبدي.\n٢٤ - مصطفى بن سوار.\n٢٥ - مصطفى بن مصطفى السواري.\n٢٦ - مصطفى بن يوسف الكرمي.\n٢٧ - هاشم الحنبلي.\n٢٨ - أبو حسني السندي ثم المدني (١)\nوفيما يلي ترجمة موجزة لأبرزهم:\n_________\n(١) جمعت أسماء شيوخه من المصادر الآتية:\nالنعت الأكمل (ص ٣٠١ - ٢٠٣)؛ تاريخ الجبرتي (١/ ٤٦٨ - ٤٧٠)، السحب الوابلة (ص ٣٤١)؛ ومقدمة كتاب \"مختصر لوامع الأنوار البهية\" لابن سلوم.","vol":"1","page":32},{"text":"١ - أحمد بن علي المنيني الحنفي الطرابلسي الأصل ولد بقرية منين من قرى دمشق سنة ١٠٨٩ ونشأ في دمشق وأخذ عن علمائها وقد قرأ عليه السفاريني \"شرح جمع الجوامع\" و\"شرح الكافية\" و\"شرح الفطر\" للفاكهي وحضر دروسه للصحيح، وشرحه على منظومة الخصائص الصغرى للسيوطي وقد أجازه بذلك كله. توفى بدمشق سنة ١١٧٢ هـ (١).\n٢ - أحمد بن عبد الكريم بن سعودي بن نجم الدين الشافعي الغزى الأصل العامري الدمشقي مفتى الشافعية بها كان عالمًا صدرًا رئيسا ولد بدمشق في سنة ثمان وسبعين وألف وبها نشأ له مؤلفات منها: شرح على المنحة النجمية، وشرح على نظم نخبة الفكر، ومختصر السيرة النبوية للحلبي وغير ذلك.\nقرأ عليه السفاريني في الجامع الأموي غالب الصحيح بحضرة جملة من كبار شيوخ المذاهب الأربعة، توفى بدمشق سنة ١١٤٣ هـ (٢).\n٣ - إسماعيل بن محمد الجراحي العجلوني الدمشقي أبو الفداء. محدث الشام في أيامه، مولده بـ\"عجلون\" سنة ١٠٨٧ هـ.\nله كتب منها: كشف الخفاء ومزيل الألباس عما أشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس (٣)، والفيض الجاري في شرح صحيح البخاري (خ) يوجد منه ثمانية مجلدات بخطه في مكتبة زهير الشاويش كتبها سنة ١١٥٣ ولم يتم.\nوقد لازمه السفاريني خمس سنين قرأ عليه في السيرة النبوية وفي الحديث.\n_________\n(١) انظر: سلك الدرر (١/ ١٣٣ - ١٤٥)؛ والأعلام للزركلي (١/ ١٨١)؛ وتاريخ الجبرتي (١/ ٤٦٩).\n(٢) انظر: سلك الدرر (١/ ١١٧ - ١١٩)؛ وتاريخ الجبرتي (١/ ٤٦٩)، ومعجم المؤلفين (١/ ٢٨٠).\n(٣) طبع في جزأين في مجلد كبير وهو مشهور ومتداول.","vol":"1","page":33},{"text":"توفى في دمشق سنة ١١٦٢ هـ (١).\n٤ - عبد الرحمن بن محي الدين السليمي الحنفي المعروف بالمجلد الدمشقي المعمر المحدث الفقيه مولده بعد الثلاثين وألف، وفاته سنة ١١٤٠ قرأ عليه السفاريني ثلاثيات البخاري وحضر دروسه العامة وأجازه (٢).\n٥ - عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني الحنفي الدمشقي، ولد ونشأ في دمشق ورحل إلى بغداد وعاد الى دمشق واجتمع به محمد السفاريني في دمشق فقرأ عليه الأربعين النووية وثلاثيات البخاري وثلاثيات الإمام أحمد وحضر دروسه في التفسير، له تصانيف عديدة منها: ذخائر المواريث للدلالة على مواضع الحديث (٣)؛ وتحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية وغير ذلك. مات بدمشق سنة ١١٤٣ هـ (٤).\n٦ - عبد القادر بن عمر التغلبي الحنبلي الدمشقي أبو التقي، ولد بدمشق سنة ١٠٥٢ هـ وتخرج عليه جماعة من الحنابلة وغيرهم من أجلهم العلامة محمد السفاريني وقد أجازه منة ١١٣٥ هـ، له مصنفات منها: شرح دليل الطالب في مذهب الحنابلة وغيره، توفى سنة ١١٣٥ هـ (٥).\n_________\n(١) انظر: سلك الدرر (١/ ٢٥٩ - ٢٧١)؛ والأعلام للزركلي (١/ ٣٢٥)؛ ومقدمة مختصر لوامع الأنوار لابن سلوم ص (د).\n(٢) انظر: سلك الدرر (٢/ ٣٢٧؛ وتاريخ الجبرتي (١/ ٤٦٩)؛ مقدمة مختصر لوامع الأنوار ص (د).\n(٣) طبع في مجلدين.\n(٤) انظر: سلك الدرر (٣/ ٣٠)، والأعلام للزركلي (٤/ ٣٢)؛ وتاريخ الجبرتي (١/ ٤٦٨).\n(٥) انظر: ترجمته في سلك الدرر (٣/ ٥٨ - ٥٩)؛ والنعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد (٢٧٣)؛ والأعلام (٤/ ٤١).","vol":"1","page":34},{"text":"٧ - عواد بن عبيد اللَّه الدمشقي الشهير بالكوري الفقيه كان الغالب عليه الصلاح والتقوى والديانة وكان يعظ فى الجامع الأموي وكان الناس يزدحمون على سماع وعظه، وقد تتلمذ عليه جماعة من الأفاضل أجلهم العلامة السفاريني وقد كتب له إجازة مطولة، وكانت وفاته بدمشق سنة ١١٦٨ هـ (١).\n٨ - مصطفى بن عبد الحق اللبدي النابلسي ثم الدمشقي الحنبلي له باع فى الفقه وأصوله وفى الفرائض والحساب، كان دينًا ورعًا صالحًا متواضعًا ومناقبه جمة وقد صحبه السفاريني وقرأ عليه، غالب مشاهير كتب المذهب، توفى بدمشق سنة ١١٥٣ هـ (٢).\n٩ - مصطفى بن كمال البكري الحنفي أبو المواهب كثير التصانيف والرحلات لازمه السفاريني وقرأ عليه مصنفاته وأجازه بماله وكتب له بذلك، توفى سنة ١١٦٢ هـ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>تلاميذه:</span>\nالمؤلف ﵀ من كبار علماء عصره ولا شك أنه تتلمذ على يده عدد كبير من طلبة العلم، فمن أبرزهم:\n١ - محمد كمال الدين بن محمد الفزي العامري المتوفى سنة ١٢١٤ هـ صاحب كتاب النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد وقد ترجم للمؤلف في كتابه هذا\n_________\n(١) انظر: النعت الأكمل ص (٢٨٧ - ٢٨٨)؛ والسحب الوابلة (ص ٣٢٥).\n(٢) انظر: النعت الأكمل للفزي (ص ٢٧٧ - ٢٧٨)؛ والسحب الوابلة (ص ٤٦٩ - ٤٧٠)؛ ومقدمة مختصر لوامع الأنوار ص (د).\n(٣) انظر: سلك الدرر (٤/ ١٩٠ - ٢٠٠)؛ وتاريخ الجبرتي (١/ ٤٧٠)؛ وفهرس الفهارس (١/ ٢٢٣).","vol":"1","page":35},{"text":"ترجمة وافية وقال فى صدر الترجمة: شيخنا الشيخ الإمام (١).\n٢ - محمد مرتضى الحسيني الزبيدي العلامة اللغوي المتوفى سنة ١٢٠٥ هـ صاحب تاج العروس شرح القاموس.\nقال في شرح مادة (سفر). . . \"وسفارين كجبارين قرية من أعمال نابلس منها شيخنا العلامة محمد بن أحمد السفاريني .. كتب إليّ مروياته وأجازني بها\" (٢).\n٣ - شاكر بن علي العقاد (٣) الشهير بمقدم سعد شيخ علماء الحنفية بدمشق المولود بدمشق سنة ١١٥٨ والمتوفى بها سنة ١٢٢٢ هـ قال عبد الحي الكتاني وهو يذكر مؤلفات المؤلف وله ثبت ألفه لما استجازه من دمشق العلامة شاكر العقاد. . . قال فأجازه وأرسل اليه كراسة جعلها كالثبت له. . . إجازة مطولة جامعة شافية مشتملة على الأسانيد العالية والمرويات الغالية (٤).\n٤ - عبد اللَّه بن شحادة السفاريني، الشهير بابن الخطاب قرأ على الشيخ محمد السفاريني مدة وافرة ولازمه وانقطع فى خدمته حتى توفى سنة ١١٨٧ هـ بنابلس (٥).\n٥ - مصطفى بن سعد السيوطي. مفتي الحنابلة فى دمشق وهو من أكابر تلاميذ\n_________\n(١) النعت الأكمل (ص ٣٠١).\n(٢) تاج العروس (١٢/ ٤٧).\n(٣) ترجمته في: منتخبات التواريخ لدمشق لمحمد أديب الحصني (١/ ٦٦٤)؛ وفي \"أعيان القرن الثالث عشر\" في الفكر والسياسة والإجتماع (ص ٣٤).\n(٤) فهرس الفهارس (٢/ ١٠٠٤).\n(٥) انظر: سلك الدرر (٣/ ١١٧)؛ والنعت الأكمل (٣٠٠).","vol":"1","page":36},{"text":"السفاريني، ولد سنة ١١٦٥ وتوفى بدمشق سنة ١٢٤٣ هـ (١).\n٦ - محمد بن أحمد بن صفي الدين أبو الفضل الحسيني محدث فقيه، ولد سنة ١١٦٠ هـ سمع من العلامة محمد السفاريني في ذهابه إلى نابلس وأجازه، توفى بنابلس سنة ١٢٠٠ هـ (٢).\n٧ - محمد بن السيد هاشم الجعفري النابلسي ولد بنابلس سنة ١١٥٦ هـ ونشأ بها، تفقه على والده وعلى العلامة السفاريني، توفى سنة ١٢٢٨ هـ (٣).\n٨ - عيسى القدومي عالم فاضل اشتغل بتحصيل العلوم بدمشق واستفاد وأفاد وهو من تلامذة العلامة السفاريني (٤).\nوقد استجازه عدد من العلماء وطلبة العلم.\nقال الحافظ الزبيدي في ترجمته من المعجم المختص كتبت إليه أستجيزه فكتب إليّ إجازة حافلة في عدة كراريس حشاها بالفوائد والغرائب وكان وصول هذه الإجازة ١١٧٩.\nثم كاتبته ثانيًا عام ١١٨٢ وأرسلت اليه الإستدعاء باسم جماعة من الأصحاب فاجتهد وحرر إجازة حسنة حشاها بفوائد غربية فى كراريس\" (٥).\n_________\n(١) النعت الأكمل (ص ٣٥٢ - ٣٥٤)؛ فهرس الفهارس (٢/ ١٠٢٣)؛ وانظر مقدمة الدكتور محمد السمهري لكتاب \"البحور الزاخرة\" للسفاريني. رسالة دكتوراه في جامعة الإمام (ص ٢٣).\n(٢) تاريخ الجبرتي (١/ ٦٥٢).\n(٣) النعت الأكمل (ص ٣٤٧ - ٣٤٨).\n(٤) سلك الدرر (٣/ ٢٧٤)؛ والسحب الوابلة (ص ٣٢٩).\n(٥) فهرس الفهارس (٢/ ١٠٠٤).","vol":"1","page":37},{"text":"وممن استجازه:\nالسيد سليمان بن يحيى بن عمر الأهدل (١) الزبيدي الشافعي محدث الديار اليمنية في عصره وهو شيخ مرتضى الزبيدي صاحب تاج العروس، توفى سنة ١١٩٧ هـ.\nقال عبد الحي الكتاني: \"ممن استجاز له السيد مرتضى من الزبيديين: شيخه وعمدته السيد سليمان الأهدل وكذا لأخيه السيد أبي بكر وعثمان الحنبلي وغيرهم.\nوفي ترجمة عبد القادر بن خليل المدني من معجم الزبيدي:\nاستجزت له من شيخنا السفاريني فكتب له إجازة طويلة في خمس كراريس فيها فوائد جمة\" انتهى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:</span>\nاحتل المؤلف رحمه اللَّه تعالى مكانة عالية بين علماء عصره وذلك لما تميز به ﵀ من سعة العلم والإطلاع مع ما جمع من حسن الخلق والصدق والورع وحسن القصد والإخلاص في النية.\nفقد أثنى عليه معاصروه ومن جاء بعدهم بالثناء الحسن ووصفوه بالأوصاف العلمية التي تدل على جلالته وإمامته.\nفمن ذلك: ما وصفه به تلميذه: محمد كمال الدين الفزى قال فيه: شيخنا الشيخ الإمام والحبر البحر التحرير. . . العلامة العالم صاحب التآليف الكثيرة\n_________\n(١) ترجمتة فى البدر الطالع للشوكاني (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\n(٢) فهرس الفهارس (٢/ ١٠٠٤).","vol":"1","page":38},{"text":"والتصانيف الشهيرة. . . \" (١) ثم قال بعد ذلك. . . \"وبالجملة فقد كان غرة عصره وشامة مصره لم يظهر في بلاده بعده مثله. . . \"\nوحلّاه الوجيه الأهدل في النفس اليماني بـ\"مسند الشام الحافظ الكبير\".\nوحلّاه مفتي الحنابلة بمكة محمد بن حميد بالسند الحافظ المتقن (٢).\nووصفه تلميذه: مرتضى الزبيدي بقوله: شيخنا العلامة. . . \" (٣).\nوذكره الكتاني (٤) فقال: \"هو الإمام محدث الشام وأثريه مسند عصره وشامته أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني النابلسي الحنبلي الصوفي. . . \" (٥)\nوهكذا كل من ترجم له ممن جاء بعدهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>مؤلفاته:</span>\nألف العلامة السفاريني مؤلفات كثيرة جليلة ولم يقتصر ﵀ على فن واحد\n_________\n(١) النعت الأكمل (ص ٣٠١ - ٣٠٣).\n(٢) فهرس الفهارس (٢/ ١٠٠٢).\n(٣) تاج العروس (١٢/ ٤٧).\n(٤) انظر فهرس الفهارس (٢/ ١٠٠٢).\n(٥) إن إطلاق كلمة الصوفي على السفاريني فيها نظر فإن كان المقصود أنه كان عابدًا زاهدًا ورعًا وما أشبه ذلك فقد كان ﵀ كذلك وإن كان المقصود أنه كان على مثل ما كانت عليه مبتدعة الصوفية من السماع والطرب وغير ذلك فلم يكن وللَّه الحمد على ذلك، بل نجده ﵀ لما تكلم عن أقسام السماع عند الصوفية وذكر أهل كل قسم وأحوالهم قال: \"هذا حاصل مقالاتهم وإن تنوعت ومعنى إشاراتهم وإن تشعبت وهذا وأمثاله عند أهل العلم غير منظور إليه ولا ملتفت له، ولا معول عليه.\nانظر: غذاء الألباب (١/ ١٦٧).\nوانظر: ما أوردناه عنه في وصفه الحالة الدينية في عصره وإنكاره ما هم عليه من البدع والمنكرات (١/ ١٩).","vol":"1","page":39},{"text":"بل ألف في معظم علوم الشريعة فقد ألف في السنة وعلومها وفي العقيدة وفي الفقه وفي السيرة النبوية وغير ذلك وسوف أذكر ما وففت عليه من ذلك بعد البحث في المصادر المختلفة وسوف أشير إلى المطبوع منها والمخطوط حسب ما تيسر لي وإليك بيانها بالترتيب:\n١ - \"الأجوبة النجدية عن الأسئلة النجدية\" (١) خ.\n٢ - \"الأجوبة الوهبية عن الأسئلة الزعبية\" (٢) خ.\n٣ - \"البحور الزاخرة في علوم الآخرة\" في مجلدين.\nوقد ذكره المؤلف في كتابه \"لوائح الأنوار\".\n- وهو الكتاب الذى أقوم بتحقيقه -قال بعد أن ذكر أدلة عذاب القبر \"وقد ذكرت في كتابي البحور الزاخرة\" ثم في \"لوامع الأنوار\" من ذلك ما يكفي ويشفي (٣).\n٤ - \"تحبير الوفاء في سيرة المصطفى\" خ، وهو اختصار لكتاب الوفاء في أحوال المصطفى لابن الجوزي وقد ذكره المؤلف في إجازته للسيد مرتضى الزبيدي قال -وهو يذكر مشايخه- ومن مشايخي بل ومن أكثرهم لي اقراء الشيخ إسماعيل\n_________\n(١) انظر: النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد (ص ٣٠٣)؛ وسلك الدرر للمرادي (٤/ ٣٢)؛ إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون (١/ ٢٩).\n(٢) نفس المصادر السابقة.\n(٣) انظر (٢/ ١٥٩) من هذا الكتاب، وقد طبع الجزء الأول من هذا الكتاب في بمباي في الهند سنة ١٣٤١ هـ في مجلد ثم قام بدارسة وتحقيق الجزء الأول منه الدكتور محمد السمهري في رسالة دكتوراه تقدم بها إلى قسم العقيدة في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض.","vol":"1","page":40},{"text":"العجلوني فقد لازمته خمس سنين وعرضت عليه كتابي الذى اختصرته من الوفاء للحافظ ابن الجوزي وسميته \"تحبير الوفاء فى سيرة المصطفى\" فاستجاده وأثنى عليه وقال: هذا فى غاية التنقيح والتحرير، ويفوق أصله من الفوائد بكثير (١).\n٥ - \"التحقيق فى بطلان التلفيق\" وهو رسالة مستقلة كتبها العلامة السفاريني ردًا على رسالة الشيخ مرعي ابن يوسف الكرمي التي يجيز فيها التلفيق فى العبادات وغيرها، وقد ذكر محمد سعيد الباني في كتابه \"عمدة التحقيق فى التقليد والتلفيق\" نصوصًا من تلك الرسالة (٢).\n٦ - \"تحفة النساك فى فضل السواك\" (٣) خ.\n٧ - \"تراجم لبعض مشايخ المذهب\" (٤) خ.\n٨ - \"ثبت\" ألفه لما استجازه فى دمشق العلامة شاكر العقاد فأجازه وأرسل إليه كراسة جعلها كالثبت له ذكر فيها بعض مشايخه وأسانيده ومروياته وبعض المسلسلات وسنده فى الصحيحين والمسانيد وغير ذلك\" (٥) خ.\n_________\n(١) مقدمة \"مختصر لوامع الأنوار البهية\" لابن سلوم ص (د).\n(٢) انظر (ص ١٠١ - ١٠٤) من كتاب \"عمدة التحقيق\" وانظر النعت الأكمل (ص ٣٠٣)؛ وسلك الدرر (٤/ ٣٢)؛ وانظر مقدمة الدكتور محمد السمهري لكتاب \"البحور الزاخرة\" (ص ٢٤ - ٢٥)، رسالة دكتوراه في جامعة الإمام.\n(٣) انظر النعت الأكمل ص ٣٠٣؛ وإيضاح المكنون (١/ ٢٦٢).\n(٤) انظر مقدمة مختصر لوامع الأنوار ص (ز)؛ والسحب الوابلة (ص ٣٤٢).\n(٥) انظر فهرس الفهارس (٢/ ١٠٠٤)، وقد ذكر الزركلي في مؤلفاته: \"ثبت\" قال وله ثبت يشتمل على أسانيده توجد منه نسخة في خزانة الرباط في المجموع (١٣٧٤) كتاني فلعله هذا أو ثبت آخر؟.","vol":"1","page":41},{"text":"٩ - \"تفاضل الأعمال بشرح حديث فضائل الأعمال\" (١) خ.\n١٠ - \"تعزية اللبيب بأحب حبيب\" (٢) خ.\n١١ - \"الجواب المحرر في الكشف عن حياة الخضر والأسكندر\" (٣) خ.\n١٢ - \"الدرة المضيئة في عقد الفرقة المرضية\" وهي منظومة تقع في مائتي بيت وبضعة عشر بيتا وقد قام المؤلف بشرح هذه القصيدة شرحًا وافيا سماه \"لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية\".\nوقد اعتنى العلماء بهذه المنظومة وشرحها اعتناء تامًا وتناولوا القصيدة بالشرح والتعليق والتدريس فممن شرحها العلامة الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع وسمى شرحه: الكواكب الدرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية\".\nوقد طبع شرحه هذا في الهند سنة ١٣٣٦ هـ وللشيخ عبد الرحمن ابن محمد بن قاسم عليها حاشية سماها: حاشية الدرة المضيئة، وقد طبعت هذه الحاشية سنة ١٣٦٤ هـ. في مكة المكرمة.\n١٣ - \"الدراري المصنوعات في اختصار الموضوعات\" خ.\nوهو اختصار لكتاب الموضوعات لابن الجوزي ذكره المؤلف في كتابه لوامع الأنوار (٤) وذكره صاحب الرسالة المستطرفة (٥) وتوجد منه نسخة\n_________\n(١) انظر: النعت الأكمل (ص ٣٠٣)؛ وسلك الدرر (٤/ ٣١).\n(٢) انظر: النعت الأكمل (ص ٣٠٣)؛ وسلك الدرر (٤/ ٣١)؛ والسحب الوابلة (ص ٣٤٢).\n(٣) انظر: غذاء الألباب (١/ ٨٤)؛ والنعت الأكمل (ص ٣٠٢)؛ وسلك الدرر ٤/ ٣١.\n(٤) لوامع الأنوار البهية (١/ ٤٥٣).\n(٥) الرسالة المستطرقة للكتاني (ص ١٥٠).","vol":"1","page":42},{"text":"خطية عند يوسف زخور (١).\n١٤ - \"الدر المنثور في فضل يوم عاشور\" (٢) خ.\n١٥ - \"الدر المنظم فى فضل عشر محرم\" خ، ذكره المؤلف أثناء حديثه عن المفاضلة بين صيام عرفة وصيام عاشوراء، فقال: وقد أنهيت الكلام على عاشوراء في رسالة \"الدر المنظم في فضائل عشر المحرم\" (٣).\n١٦ - \"الدرر المكنيه في شرح المنظومة الحسابية\" (٤) خ.\n١٧ - \"الذخائر لشرح منظومة الكبائر الواقعة في الإقناع\" (٥) خ.\n١٨ - \"رسالة في بيان الثلاث والسبعين فرقة والكلام عليها\" (٦) خ.\n١٩ - \"رسالة في حكم تارك الصلاة\" خ وقد ذكرها المؤلف ﵀ في كتابه غذاء الألباب\" أثناء كلامه على حكم تارك الصلاة بقوله: \"وقد سئلت عن هذه المسألة فأجبت عنها بجزء لطيف\" (٧).\n٢٠ - رسالة في شرح حديث \"الإيمان بضع وسبعون شعبة\" (٨).\n_________\n(١) انظر: الأعلام للزركلي (٦/ ١٤).\n(٢) انظر: مقدمة مختصر لواء الأنوار لابن سلوم ص (ز).\n(٣) انظر: شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد (٢/ ٧٢٩)؛ والنعت الأكمل (ص ٣٠٣)؛ ومقدمة كتاب البحور الزاخرة للدكتور محمد السمهري.\n(٤) مقدمة مختصر لوامع الأنوار ص (و).\n(٥) ذكره المؤلف في كتابه البحور الزاخرة (١/ ١٨٩)؛ وفي كتابه غذاء الألباب (١/ ٣٥٤)؛ وانظر النعت الأكمل (ص ٣٠٢)؛ والسحب الوابلة (ص ٣٤٢)؛ ومقدمة مختصر لوامع الأنوار ص (و).\n(٦) انظر: النعت الأكمل (ص ٣٠٣)؛ وسلك الدرر (ص ٤/ ٣١).\n(٧) غذاء الألباب (٢/ ٤٩٥)؛ والسحب الوابلة (ص ٣٤٢).\n(٨) انظر السحب الوابلة (ص ٣٤٢) ومقدمة مختصر لوامع الأنوار لابن سلوم ص (ز).","vol":"1","page":43},{"text":"٢١ - \"رسالة في ذم الوسواس\" (١).\n٢٢ - رسالة في فضل الفقير الصابر. خ ذكرها المؤلف في كتابها \"غذاء الألباب\" أثناء حديثه في المقارنة بين الفقير الصابر والغني الشاكر وأيهما أفضل واختار الأول ثم قال: \"وقد أفردت لهذه المسألة رسالة أتيت فيها بأكثر أحاديث مدح الفقر والفقراء والأعراض عن الدنيا والتقلل منها\" واللَّه الموفق (٢).\n٢٣ - رسالة في أحكام الصلاة على الميت. خ وقد ذكرها المؤلف\" في شرحه ثلاثيات مسند الإمام أحمد \"أثناء حديثه على حديث\" من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو كلب قنص، نقص من أجره كل يوم قيراطان\" حيث قال: \"وقد ذكرت الكلام في هذا الحديث في رسالة متعلقة بالصلاة على الميت\" (٣).\nوقال في غذاء الألباب أثناء كلامه -أيضًا- على هذا الحديث قال: \"وقد ذكرنا الكلام على هذا في رسالة حررنا فيها الكلام على أن من صلى على ميت فله بالصلاة عليه قيراط وله بتمام دفنه قيراطان (٤).\n٢٤ - \"شرح دليل الطالب\" خ. ودليل الطالب متن مختصر في الفقه الحنبلي للشيخ مرعي بن يوسف الكرمي وقد وصل في شرحه إلى باب الحدود (٥).\n٢٥ - شرح فضائل الأعمال للضياء المقدسي (٦) خ.\n_________\n(١) نفس المصدرين السابقين.\n(٢) غذاء الألباب (٢/ ٥٤٥).\n(٣) شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد (١/ ١٣٢).\n(٤) غذاء الألباب ٢/ ٧٥.\n(٥) انظر: المدخل إلي مذهب الإمام أحمد، لعبد القادر بن بدران (ص ٤٢٢ - ٤٤٣)؛ والنعت الأكمل (ص ٣٠٣)؛ وسلك الدرر (٤/ ٣١)؛ ومقدمة مختصر لوامع الأنوار لابن سلوم ص (ز)؛ والسحب الوابلة (ص ٣٤١ - ٣٤٢).\n(٦) ذكره في ترجمته ابن حميد في السحب الوابلة (ص ٣٤١) وابن سلوم في مقدمة مختصر لوامع الأنوار ص (و)","vol":"1","page":44},{"text":"٢٦ - شرح نونية ابن القيم، وقد ذكر ذلك الشيخ محمد جميل الشطي فقد جاء في تعليق له على أبيات ذكرها الشيخ عثمان النجدى في كتابه \"نجاة الخلف في اعتقاد السلف\" من نونية العلامة ابن القيم ما نصه: \"قال الشطي: وهذه الأبيات من نونية الإمام ابن القيم التي سماها \"الكافية الشافية في الإنتصار للفرقة الناجية\" وهي مطبوعة في الهند في مجلد لطيف، ثم أضاف قائلًا: ويوجد في مكتبتنا شرح عليها في مجلدين ضخمين لعلامتنا السفاريني وهو غير مطبوع (١).\n٢٧ - \"عرف الزرنب في شأن السيدة زينب\" (٢) خ.\n٢٨ - \"غذاء الألباب شرح منظومة الآداب\" ومنظومة الآداب هذه لمحمد ابن عبد القوي المرداوي المتوفى سنة ٦٩٩ وهو شرح نفيس جدًا وفيه فوائد جمة وقد طبع الطبعة الأولى سنة ١٣٢٤ هـ بمطبعة النجاح بمصر، ثم طبع سنة ١٣٩٣ هـ في مطبعة الحكومة بمكة المكرمة في مجلدين (٣).\n٢٩ - \"قرع السياط في قمع أهل اللواط\" طبع ذكره المؤلف في كتابه \"غذاء الألباب\" (٤).\n_________\n(١) انظر: مقدمة الدكتور محمد السمهري لكتاب \"البحور الزاخرة\" (ص ٣١) رسالة دكتوراه في جامعة الإمام بالرياض.\n(٢) النعت الأكمل (ص ٣٠٢)؛ وسلك الدرر (٤/ ٣١).\n(٣) انظر: مقدمة الدكتور محمد السمهري لكتاب البحور الزاخرة (ص ٢٨).\n(٤) انظر: غداء الألباب (١/ ٩١)؛ والنعت الأكمل (ص ٣٠٣).","vol":"1","page":45},{"text":"٣٠ - \"القول العلي في شرح أثر أمير المؤمنين علي\" (١) خ وقد أشار إليه المؤلف في كتابه \"غذاء الألباب\" في عدة مواضع منها عند ذكر حديث النبي -ﷺ-: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث. . . \" ثم قال: \"وقد ذكرت في كتابي القول العلي في شرح أثر أمير المؤمنين علي\" من فضل العلم وتعلمه وتعليمه ما يكفي ويشفي\" (٢).\nوتوجد منه نسخه خطية في خزانة الرباط (٣).\n٣١ - \"كشف اللثام شرح عمدة الأحكام\" خ.\nوعمدة الأحكام في أحاديث الأحكام من تأليف الحافظ عبد الغنى بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة ٦٠٠ هـ.\nوقد أشار إليه المؤلف في كتابه \"شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد\" عندما ذكر أن الحاج مخير بين أنواع النسك الثلاثة: التمتع والقران والإفراد ثم رجح أنّ أفضلها التمتع قال: \"وقد أطلنا الكلام على ذلك في شرح العمدة فراجعه إن شئت\" (٤).\nوهذا الكتاب لا يزال مخطوطًا، وتوجد منه نسخة مخطوطة في المكتبة\n_________\n(١) هذا الأثر عن علي ﵁ رواه أبو نعيم في الحلية (١/ ٧٩)؛ وأورده السيوطي في مسند علي ﵁ (ص ٣١٣)، وهو وصية من علي لكميل بن زياد وفيها الحث علي العلم وفضله وفضل أهله.\n(٢) غذاء الألباب (١/ ٤٠ و٥٦، و٢/ ٥٢١).\n(٣) الأعلام للزركلي (٦/ ١٤).\n(٤) شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد (١/ ٧٨١ - ٧٨٢) وقد ذكره في ترجمته الفزي في النعت الأكمل (ص ٣٠٢)؛ والمرادي في سلك الدرر (٤/ ٣١)؛ وانظر: مقدمة الدكتور محمد السمهري لكتاب البحور الزاخرة (ص ٢٨).","vol":"1","page":46},{"text":"الظاهرية بدمشق وهى بخط حسن بن هاشم بن عثمان الحنبلي النابلسي وتاريخها سنة ١١٦٩ هـ (١).\n٣٢ - \"اللمعة فى فضل الجمعة\" (٢) خ.\n٣٣ - \"لوائح الأنوار السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية\" وهو هذا الكتاب الذي أقوم بدراسته وتحقيقه وسيأتي الكلام عليه (٣).\n٣٤ - \"لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية\" وقد ذكره المؤلف في كتابه \"لوائح الأنوار السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية\" فى مواضع منها:. . . بعد أن ذكر فرق الخوارج قال: \"وقد ذكرتهم في شرح الدرة \"لوامع الأنوار\" (٤).\nوهذا الكتاب مطبوع فى جزئين في مجلد كبير وعليه حواشي وتعليقات مفيدة للشيخ عبد اللَّه بن عبد الرحمن أبا بطين والشيخ سليمان بن سحمان وغيرهما، وهذا الكتاب كتاب عظيم القدر وقيمته العلمية كبيرة جدًا، وهو شرح وافي أتى فيه المؤلف على ما اشتملت عليه القصيدة من مباحث وعلوم وسلك فيه مسلك الإطناب والتطويل وأتى فيه بفوائد جمة.\nوقد اختصر هذا الشرح غير واحد من العلماء فمنهم العلامة حسن الشطي الحنبلي ومنهم العلامة محمد السلوم ومنهم الشيخ علي المنصور الكرمي ومع\n_________\n(١) الأعلام للزركلي (٦/ ١٤).\n(٢) ذكره المؤلف في كتابه \"البحور الزاخرة\" (١/ ١٧١)، وذكره الفزى في ترجمة المؤلف في النعت الأكمل (ص ٣٠٣)، والمرادي في سلك الدرر (٤/ ٣١).\n(٣) انظر (١/ ٥٧) وما بعدها.\n(٤) انظر: لوائح الأنوار السنية (٢/ ١٤٣، ٢/ ١٥٩، ٢/ ٣٢٩).","vol":"1","page":47},{"text":"هذا فإن العلامة السفاريني وقع فيه في بعض الأخطاء التي تخالف أهل السنة والجماعة وهى قليلة جدًا وقد نبه على ذلك جماعة من أهل العلم ومنهم الشيخان اللذان سبق ذكرهما (١).\nوسوف أشير إلى هذه الأخطاء في مبحث عقيدة المؤلف.\n٣٥ - \"معارج الأنوار في سيرة النبي المختار\" خ وهو كتاب شرح فيه السفاريني نونية الصرصري وهي منظومة في سيرة النبي -ﷺ- وقد ذكر المؤلف ﵀ هذا الكتاب في شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد أثناء حديثه عن معجزات النبي -ﷺ- حيث يقول: \"ومعجزات النبي -ﷺ- لا تحصى ودلائل نبوته لا تستقصى وقد أفردت بالتأليف، وقد ذكرت منها طرفًا صالحًا في كتاب \"معارج الأنوار في سيرة النبي المختار\" وهو شرح نونية الصرصري\" (٢).\n٣٦ - \"الملح الغرامية\" وهي شرح لمنظومة ابن فرح اللامية في مصطلح الحديث وتقع في ثلاثين بيتا ومطلعها قوله:\nغرامي صحيح والرجاء فيك معضل ... وحزني ودمعي مرسل ومسلسل\n_________\n(١) وممن نبه على ذلك أيضا الشخ عبد الرحمن بن قاسم في حاشيته على منظومة المؤلف: الدرة المضية في عقد الفرفة المرضية وهي حاشية مفيدة جدًا، وقد طبعت سنة ١٣٦٤ هـ في مكة المكرمة.\nوقد طبعت تنبيهات الشيخ سليمان بن سحمان أيضا في كتاب مستقل بعنوان \"تنبيه ذوي الألباب السليمة عن الوقوع في الألفاظ المبتدعة الوخيمة\" بمطبعة المنار بمصر سنة ١٣٤٣ هـ.\n(٢) انظر: شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد للمؤلف (٢/ ٧٨٩)؛ ومقدمة الدكتور محمد السمهري لكتاب البحور الزاخرة (ص ٣٠).","vol":"1","page":48},{"text":"يقول الدكتور محمد السمهري: \"وتوجد نسخة مخطوطة من هذا الشرح اطلعت عليها في دار الكتب المصرية برقم ١٦٤ - الفن مصطلح حديث تيمورية، وتقع في ثمان وأربعين ورقة وتاريخ نسخها ١٢١٣ هـ\" (١).\n٣٧ - \"منتخب الزهد للإمام أحمد\" حذف منه المكرر والأسانيد وقد ذكره المؤلف أثناء حديثه عن مؤلفات الإمام أحمد حيث يقول \"ومن تصانيفه \"الزهد\" وقد انتقيت منه أجزاء\" (٢).\n٣٨ - \"نفثات صدر المكمد وقرة عين الأرمد لشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد\" وهو مطبوع في مجلدين كبيرين. (٣).\n٣٩ - \"نتائج الأفكار شرح حديث سيد الاستغفار\" (٤) خ.\n_________\n(١) مقدمة الدكتور محمد السمهري لكتاب البحور الزاخرة للسفاريني (ص ٣٠ - ٣١).\nوقد ذكره في ترجمة المؤلف الكمال الفزي في النعت الأكمل (ص ٣٠٣)؛ والمرادي في سلك الدرر (٤/ ٣١).\n(٢) شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد (١/ ١٨)، وقد ذكره في ترجمته الشيخ ابن سلوم في مقدمة كتاب مختصر لوامع الأنوار ص (ز).\n(٣) طبع سنة ١٣٨٠ هـ في المكتب الإسلامي بدمشق.\n(٤) حديث سيد الاستغفار هو ما رواه البخاري وغيره عن شداد بن أوس ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"سيد الإستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.\nمن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة\".\nانظر: فتح البارى (١١/ ١٠٠) رقم (٦٣٠٦).\nوهذا الكتاب توجد منه نسخة في مكتبة كمبرسون بأمريكا وهو يقع في أربع وثلاثين ورقة تقريبا.\nوعند الأخ الدكتور راشد الحمد صورة منه وقد قام بتحقيقه والتعليق عليه.","vol":"1","page":49},{"text":"٤٠ - \"نظم الخصائص الواقعة في الإقناع\" (١) خ وله غير ذلك من الفتاوى والرسائل والإجازات قال تلميذه محمد الفزي \"وأما الفتاوى التي كتب عليها الكراس والأقل والأكثر فكثيرة ولو جمعت لبلغت مجلدات. . \" (٢).\nوقال ابن حميد في ترجمته بعد أن ذكر مصنفاته -قال: \"وله غير ذلك من التحريرات والفتاوي الحديثية والفقهية والأجوبة على المسائل العديدة والتراجم لبعض أصحاب المذهب وبالجملة فتآليفه نافعة مفيدة مقبولة سارت بها الركبان وانتشرت في البلدان (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>عقيدته وبعض المآخذ عليه:</span>\nأما عقيدته فقد كان رحمه اللَّه تعالى على معتقد أهل السنة والجماعة في الجملة وقد أبان ﵀ عن ذلك في كتابه هذا -لوائح الأنوار السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية.\nوفي كتابه الآخر \"لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية\" حيث يقول مقررًا لأنواع التوحيد \"اعلم أن التوحيد ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات.\nفتوحيد الربوبية أن لا خالق ولا رازق ولا محيي ولا مميت ولا موجد ولا معدم إلا اللَّه تعالى.\nوتوحيد الإلهية إفراده تعالى بالعبادة والتأله له والخضوع والذل والحب والافتقار والتوجيه إليه تعالى.\nوتوحيد الصفات أن يوصف اللَّه بما وصف به نفسه وبما وصفه به نبيه -ﷺ- فيثبت له ما أثبته لنفسه وينفى عنه ما نفاه عن نفسه. . . \" ثم قال: \"وقد علم\n_________\n(١) انظر: النعت الأكمل (ص ٣٠٢ - ٣٠٣)، وسلك الدرر (٤/ ٣١).\n(٢) النعت الأكمل (ص ٣٠٣).\n(٣) السحب الوابلة (ص ٣٤٢).","vol":"1","page":50},{"text":"أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه، مع ما أثبته من الصفات من غير الحاد فى الأسماء، ولا فى الآيات، فإنه تعالى ذم الملحدين فى أسمائه وآياته\" (١).\nوقال فى موضع آخر من كتابه هذا لوائح الأنوار السنية عن إثبات صفة الإستواء للَّه تعالى \"قد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن اللَّه ﷿ مستو على عرشه بائن من خلقه استواء يليق بذاته من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل قال تعالى فى محكم كتابه العزيز ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤] (٢).\nوقال في كتابه اللوامع: \"قد استوى على عرشه من فوق سبع سماواته استواء يليق بذاته كما ورد في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والنصوص السلفية مما لا يحصى ويتعذر أن يستقصى، فهذا كتاب اللَّه من أوله إلى آخره وسنة رسول اللَّه -ﷺ- من أولها إلى آخرها ثم عامة كلام الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان ﵏ ثم سائر كلام أئمة الدين ممن تلوى على كلامهم الخناصر ولا ينازع فيه إلا كل مكابر ومعاند، بأن اللَّه تعالى مستو على عرشه بائن من خلقه\" (٣).\nومع هذا فإن السفاريني ﵀ أخذت عليه بعض المآخذ التي خالف فيها عقيدة أهل السنة والجماعة (٤) ومن هذه المآخذ:\n_________\n(١) انظر لوائح الأنوار السنية (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨) وما بعدها، ولوامع الأنوار (١/ ١٢٨ - ١٢٩).\n(٢) انظر: لوائح الأنوار السنية (١/ ١٤٨).\n(٣) انظر: لوامع الأنوار البهية (١/ ١٩٠).\n(٤) وقد نبه على ذلك عدد من العلماء كما أشرت عند الكلام على كتاب المؤلف لوامع الأنوار، انظر (١/ ٤٧).","vol":"1","page":51},{"text":"١ - تأثره ببعض عبارات أهل الكلام مثل قوله: \"القرآن كلام اللَّه القديم\" (١).\nوقوله: \"وسائر صفانه الفعلية من الإستواء والنزول والإتيان والمجئ والتكوين ونحوها قديمة للَّه تعالى ليس شيء من ذلك محدثا\" (٢).\nومثل قوله فى عقيدته:\nوليس ربنا بجوهر ولا ... عرض ولا جسم تعالى ذو العلى (٣).\n٢ - ومن المآخذ ما جاء فى كلامه فى مبحث الإستواء بعد أن ذكر الأدلة على الإستواء قال: \"فمذهب السلف الإيمان بذلك جريًا على عادتهم من عدم الخوض فى المتشابه مع تفويض علمه إلى اللَّه\" (٤).\nومثله ما جاء في كتابه اللوامع عند قوله:\nفكل ما جاء من الآيات ... أو صح في الأخبار عن ثقات\nمن الأحاديث نمره كما ... قد جاء فاسمع من نظامي واعلما\nقال في شرحه: فكل ما جاء فى الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة مما يوهم تشبيها أو تمثيلا فهو من المتشابه الذي لا يعلمه إلا اللَّه.\n_________\n(١) انظر كتابه هذا \"لوائح الأنوار السنية\" (١/ ٢٠٨)، وكتابه الآخر لوامع الأنوار البهية (١/ ١٣١)؛ وقد أوردت تنبيه الشيخ عبد اللَّه أبا بطين والشيخ سليمان بن سحمان رحمهما اللَّه على هذا الكلام وبيان ما فيه من الخطأ.\nانظر: (١/ ٢٠٨) من هذا الكتاب.\n(٢) انظر لوائح الأنوار السنية (١/ ٢٧٠) ولوامع الأنوار البهية (١/ ١١٢، ٢٥٨)، وقد ذكرت التنبيه على ذلك فى موضعه (١/ ٢٧٠).\n(٣) انظره مع التنبيه عليه فى لوامع الأنوار (١/ ١٨١) وما بعدها.\n(٤) انظر: لوائح الأنوار (١/ ٣٤٩ - ٣٥٠).","vol":"1","page":52},{"text":"ثم قال بعد ذلك ومذهب السلف عدم الخوض فى مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى اللَّه تعالى (١).\nوقد ذكرت التنببه عليه فى موضعه (٢).\nوهذه المآخذ لا تؤثر فى علمه وصلاحه وتقواه وما خلف من آثار علمية نفع اللَّه بها، لكن الكمال للَّه وحده، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول اللَّه -ﷺ-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>مذهبه فى الفقه:</span>\nكان السفاريني ﵀ على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في الفقه ومما يدل على ذلك قوله:\nما لى إليك وسيلة إلا الرجاء ... وجميل عفوك ثم إني حنبلي (٣)\nوكذلك نجد أكثر الذين ترجموا له عدوه من الحنابلة (٤).\n_________\n(١) انظر: لوامع الأنوار (١/ ٩٣).\n(٢) انظر: لوائح الأنوار (١/ ٣٤٩ - ٣٥٠).\n(٣) انظر: النعت الأكمل (ص ٣٠٤).\n(٤) انظر: مصادر ترجمته (١/ ٢٤).","vol":"1","page":53},{"text":"الفصل الثانى\nدراسة الكتاب","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الفصل الثاني دراسة الكتاب</span>\nوفيه مباحث","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الأول</span>\nوفيه الأمور الآتية:\n١ - اسم الكتاب.\n٢ - موضوع الكتاب.\n٣ - سبب تأليف الكتاب.\n٤ - توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف.\n٥ - منهج المؤلف في الكتاب.\n٦ - مصادر المؤلف في الكتاب.\n٧ - منزلة الكتاب العلمية.\n٨ - موازنة بين الكتاب وبين كتاب \"لوامع الأنوار\" للمؤلف وبيان أهميتهما.\n٩ - بعض المآخذ على الكتاب، والتنبيه على الأوهام التي وقعت للمؤلف.","vol":"1","page":56},{"text":"المبحث الأول\n\n١ -<span data-type=\"title\" id=toc-23> اسم الكتاب:</span>\nقال المؤلف ﵀ فى مقدمته: \"وسميته بـ \"لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية شرح عقيدة أهل الآثار السلفية\".\nوجاء اسمه في الورقة الأولى من المخطوطتين \"لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية في شرح قصيدة الإمام الحافظ أبي بكر بن أبي داود الحائية في عقائد الطوائف السلفية والفرق الأثرية\".\nويلاحظ اتفاق التسميتين فى الجزء الأول من العنوان والإختلاف فى الجزء الأخير منه.\nولا يبعد أن المؤلف ﵀ اختصر العنوان فى مقدمته ثم ذكره كاملا على غلاف الكتاب.\nويؤيد هذا أن نسخة الأصل هي بقلم تلميذ المؤلف عيسى القدومي وهو ممن درس على الشيخ ولازمه مدة طويلة وقد كتبها عن نسخة المؤلف بعد فراغ المؤلف من كتابتها بزمن يسير حيث ذكر فى آخر الكتاب أنه فرغ من تأليفه فى العشرين من شهر شعبان سنة ١١٧٦ هـ وذكر الناسخ أنه انتهى من كتابة نسخته فى الرابع من ذي القعدة فى السنة المذكورة.\nوأرجح أن الناسخ هو تلميذ المؤلف قد عرضها عليه واطلع عليها.\nويؤيد هذا أن الكتاب هو شرح لقصيدة ابن أبي داود الحائية.\nويرجح هذا أن أغلب المترجمين الذين ترجموا للمؤلف ذكروا هذا الكتاب باسم","vol":"1","page":57},{"text":"\"لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية\".\n\n٢ -<span data-type=\"title\" id=toc-24> موضوع الكتاب:</span>\nأما موضوع الكتاب فهو شرح لقصيدة ابن أبي داود (١) في العقيدة.\nوهذه القصيدة تقع في ثلاثة وثلاثين بيتا (٢) وقد تضمنت أمهات المسائل في العقيدة وخاصة المسائل التي جرى فيها الخلاف بين أهل السنة والجماعة والمخالفين لهم من أهل البدع. وهذه المسائل هي:\n١ - التمسك بالقرآن والسنة والتحذير من البدع.\n٢ - مسألة القرآن وأنه كلام اللَّه غير مخلوق.\n٣ - الرؤية.\n٤ - اليدان.\n٥ - النزول.\n٦ - فضائل الصحابة ﵃.\n٧ - القدر.\n٨ - عذاب القبر والمسآلة.\n٩ - الحوض.\n_________\n(١) هو أبو بكر عبد اللَّه بن سليمان بن الأشعث (ابن صاحب السنن المشهور) من علماء القرن الثالث، توفى سنة ٣١٦ هـ، وسوف يذكر له المؤلف ترجمة وافية.\nانظر (١/ ٩٨) من هذا الكتاب.\n(٢) هذا عدد أبياتها فى أكثر المصادر بينما ذكر الشارح أن ابن البنا الحنبلي زاد عليها ثلاثة أبيات (انظر ٢/ ١٠٥ - ١٠٦) من هذا الكتاب وهى الرواية التي اعتمدها الشارح وقد زاد عليها بعض الرواة أيضًا أبياتا إذ بلغ عدد أبياتها فى شرح السنة لابن شاهين أربعين بيتا.\nانظر: شرح السنة لابن شاهين (ص ٣٥٣).","vol":"1","page":58},{"text":"١٠ - الميزان.\n١١ - الشفاعة.\n١٢ - الخوارج والتحذير من رأيهم.\n١٣ - الإيمان.\n١٤ - التمسك بالقرآن والسنة وترك الرأي.\nوقد ذكر المؤلف ﵀ أن ابن البنا الحنبلي زاد عليها ثلاثة أبيات وقد شرحها المؤلف ﵀ ضمن شرحه لهذه القصيدة وتتضمن هذه الأبيات:\n١ - فضائل أم المؤمنين عائشة ﵂.\n٢ - ومعاوية ﵁.\n٣ - وفضائل المهاجرين والأنصار.\n٤ - فضائل التابعين.\nهذا وقد أضاف المؤلف ﵀ أيضًا عدة مسائل في العقيدة تتميمًا للفائدة.\nونظرًا لأن الناظم ﵀ لم يستوعب كل مسائل العقيدة وإنما ذكر امهات مسائل جرى فيها الخلاف بين أهل السنة وأهل البدع، وهذه المسائل هى:\n١ - مسألة الإستواء قال ﵀ (١) \"لم يذكر الناظم ﵀ مسألة الإستواء مع أنها من أعظم مسائل المعترك بين أهل السنة وأهل البدع لكنه أشار بالتجلي وبالنزول وبقوله: فيما يأتي وكلهم يعصي وذو العرش يصفح إلى ما يعلم منه ذلك\".\n٢ - الصحف.\n_________\n(١) انظر (١/ ٣٤٨).","vol":"1","page":59},{"text":"٣ - الصراط.\n٤ - الحساب.\nقال ﵀ (١) \"لم يذكر الناظم ﵀ الصحف ونشرها وأخذها باليمين والشمال ولا ذكر الصراط ولا الحساب وذلك أنه انما يشير إلى امهات مسائل اشتهر فيها خلاف أهل البدع من المعتزلة وغيرهم مما لا يحسن اغفاله في العقائد الدينية. . . \".\n\n٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-25> سبب تأليف الكتاب:</span>\nذكر المؤلف ﵀ في مقدمته السبب الباعث له على تأليف هذا الكتاب فقال -بعد الحمد للَّه والصلاة والسلام على نبيه- \"أما بعد فيقول العبد الفقير إلى مولاه العلي محمد بن الحاج أحمد السفاريني الحنبلي لما كان عام ست وسبعين بعد الألف ومائة من السنين رأيتني كاتبا في أيام الطب على قصيدة الإمام الحافظ أبى بكر بن الإمام الحافظ أبي داود صاحب السنن كتابة تليق بتلك الأيام لا على حسب ما يقتضيه المقام فحملني ذلك على تحرير تلك الكتابة وتحقيق مذهب السلف وما كان عليه الصحابة ﵃ وبيان اعتقاد أهل الأثر من تلك العصابة وأفرغت ما كنت سودته في قالب التحقيق وبذلت جهدي في ذلك على سبيل التوفيق والتدقيق. . (٢).\n\n٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-26> توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف:</span>\nلقد ثبتت نسبة هذا الكتاب إلى المؤلف ﵀ وهناك أدلة كثيرة تؤكد صحة نسبة هذا الكتاب له ومن هذه الأدلة.\n_________\n(١) انظر (٢/ ٢٠٥).\n(٢) انظر (١/ ٩٧).","vol":"1","page":60},{"text":"أولًا: ما جاء صريحًا في مقدمته بعد الحمد للَّه والصلاة على رسوله قال: \"أما بعد فيقول العبد الففير إلى مولاه العلي محمد بن الحاج أحمد السفاريني. . . \" (١).\nثانيًا: ما جاء في آخر المخطوطة من قول الناسخ عيسى القدومي وهو من تلاميذ المؤلف قال: \"قال شيخنا الشيخ محمد السفاريني فرغت من تعليقه بعون اللَّه تعالى وتوفيقه نهار السبت لعشر بقيت من شعبان من سنة ألف ومائة وست وسبعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام (٢). . \"\nثالثًا: ذكره للمؤلف عدد ممن ترجم له منهم:\nتلميذه محمد الفزي في النعت الأكمل (٣). والمرادي في سلك الدرر (٤) والجبرتي في تاريخه (٥) وابن سلوم في مقدمته لكتاب \"مختصر لوامع الأنوار البهية\" (٦) والكتاني في فهرس الفهارس (٧).\nرابعًا: ما جاء على غلاف المخطوطتين من نسبة الكتاب إلى المؤلف ﵀.\n\n٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-27> منهج المولف في الكتاب</span>\n١ - رتب المؤلف مواضغ الكتاب حسب ترتيبها في القصيدة.\n٢ - طريقته في الشرح: أنه يشرح كلمات البيت من القصيدة كلمة كلمة فيشرح معنى الكلمة في اللغة ويتوسع في ذلك -أحيانا- ويستشهد لذلك باللغة\n_________\n(١) انظر (١/ ٩٧).\n(٢) انظر (٢/ ٣٦٨ - ٣٦٩).\n(٣) (١/ ٣٠٤).\n(٤) ٤/ ٣١.\n(٥) عجائب الآثار (١/ ٤٧٠).\n(٦) ص (و).\n(٧) (٢/ ١٠٠٤).","vol":"1","page":61},{"text":"والحديث والقرآن وبعض الآثار وربما يذكر المعنى في الإصطلاح (١)، ثم يتكلم بتوسع على المعنى الذي سيق من أجله البيت وهو ما يتعلق بأمور العقيدة مثل مسألة كلام اللَّه والرؤية واليدين والنزول والإستواء وغيرها من مسائل العقيدة فيذكر الأدلة على مذهب السلف من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة، وقد يورد مذاهب المخالفين لأهل السنة من أهل الكلام والاعتزال وغيرها ثم يزيد ما ذهب إليه السلف (٢).\n٣ - استقى المؤلف مادة الكتاب من القرآن الكريم ومن السنة الشريفة ومن بعض كتب التفسير وكتب شروح السنة والعقائد والتواريخ والسير واللغة والفقه، كما يظهر ذلك من مراجعة المصادر التي رجعت إليها في توثيق النصوص وأثبتها في قائمة المراجع وكذلك المصادر التي صرح بها وأثبتها في مصادره وهو يصرح أحيانًا -بعزو المعلومات إلى مصادرها ذاكرًا الكتاب ومؤلفه أو أحدهما. وأحيانًا لا يصرح بذلك.\n٤ - النقل والجمع والإختصار سمة بارزة ومنهج سار عليه المؤلف وقد يعلق -أحيانًا- على بعض المسائل بقوله: (قلت) (٣) وتارة يعرض المسألة وأقوال العلماء ويرجح ما يظهر له رجحانه (٤) وأحيانًا لا يرجع (٥) وأحيانًا يحقق بعض المسائل ويرجع فيها إلى المراجع الكثيرة (٦).\n_________\n(١) انظر مثلًا (١/ ١٦٤، ١/ ١٧٠، ١/ ١٧١، ١/ ١٩٥، ١/ ٢٠٩، ٢/ ٤٥ - ٤٧).\n(٢) انظر مثلًا (١/ ٢٠٨) وما بعدها و(١/ ٢٥٦) وما بعدها، و(١/ ٢٩٩) وما بعدها.\n(٣) انظر مثلًا ص (١/ ١٧٥، ١/ ٢٥١، ١/ ٢٩٧، و٢/ ٢٠١).\n(٤) انظر (١/ ٣٧٥، ٢/ ١٧٢، ٢/ ١٩٤ - ١٩٧، ٢/ ٢٠٣).\n(٥) انظر (٢/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(٦) انظر (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٦).","vol":"1","page":62},{"text":"٥ - أسلوبه في هذا الكتاب هو أسلوب المصادر التي اعتمد عليها مع بعض التصرف أو الإختصار ويظهر ذلك جليا في إرجاع المعلومات إلى مصادرها فنجد الفروق يسيرة وأما أسلوبه الذي هو من إنشائه فيغلب عليه جانب السجع وشيء من التكلف (١).\n\n٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-28> مصادر المؤلف في الكتاب:</span>\nكما أشرت في مبحث منهج المؤلف في الكتاب فقد رجع المؤلف ﵀ إلى الكثير من كتب الشريعة في العقائد والتفسير والحديث والفقه والسيرة والتاريخ واللغة كما يظهر ذلك من مراجعة المصادر التي رجعت إليها في توثيق النصوص وأثبتها في قائمة المراجع وفيما يلي بيان بأسماء المصادر التي رجع إليها المؤلف وصرح بذكرها (٢).\n١ - الإبانة لأبي الحسن الأشعري (٣).\n٢ - الإستيعاب لابن عبد البر (٤).\n٣ - إعلام الموقعين لابن القيم (٥).\n٤ - أهوال القبور لابن رجب (٦).\n٥ - بحر الكلام للنسفي (٧).\n_________\n(١) انظر: مثلًا (١/ ٩٥، ١/ ٣١٩، ٢/ ٢٢٢، ٢/ ٢٦٦، ٢/ ٢٨٩، ٢/ ٣٤٧).\n(٢) تنبيه: هذه المصادر منها ما رجع إليه المؤلف مباشرة ومنها ما نقل منه بواسطة.\n(٣) انظر (١/ ٢٩٧).\n(٤) انظر (٢/ ٩١).\n(٥) انظر (٢/ ١١٠).\n(٦) انظر (٢/ ١٥٤).\n(٧) انظر (٢/ ٢٠٠).","vol":"1","page":63},{"text":"٦ - البحور الزاخرة للمولف (١).\n٧ - بدائع الفوائد لابن القيم (٢).\n٨ - البدور السافرة للسيوطي (٣).\n٩ - البرهان في حقيقة القرآن (٤) لابن قدامة المقدسي.\n١٠ - البعث للبيهقي (٥).\n١١ - بهجة الناظرين (٦) لمرعي بن يوسف الكرمي.\n١٢ - التاريخ للإمام أحمد (٧).\n١٣ - تاريخ ابن خلكان (٨).\n١٤ - تاريخ بغداد للخطيب (٩).\n١٥ - التثبيت في التبييت للسيوطي (١٠).\n١٦ - تجريد أسماء الصحابة للذهبي (١١).\n١٧ - تحفة الودود لأبي بكر بن داود (١٢).\n_________\n(١) انظر (٢/ ١٥٩).\n(٢) انظر (١/ ١٦٦).\n(٣) انظر (٢/ ٢١٣).\n(٤) انظر (١/ ٢١١).\n(٥) انظر (٢/ ١٨٢).\n(٦) انظر (٢/ ١٨٥، ١٩٨).\n(٧) انظر (٢/ ٣٧).\n(٨) انظر (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧).\n(٩) انظر (١/ ٢٢٨).\n(١٠) انظر (٢/ ١٥١).\n(١١) انظر (٢/ ٩٠، ٩٣).\n(١٢) انظر (١/ ٢٠٧، ٣٢٠، ٣٣١).","vol":"1","page":64},{"text":"١٨ - التدمرية لابن تيمية (١).\n١٩ - التذكرة للقرطبي (٢).\n٢٠ - الترغيب للأصبهاني (٣).\n٢١ - تفسير القاضي البيضاوي (٤).\n٢٢ - التمهيد لابن عبد البر (٥).\n٢٣ - جامع الأصول لابن الأثير (٦).\n٢٤ - الجامع الكبير للسيوطي (٧).\n٢٥ - جلاء الأفهام لابن القيم (٨).\n٢٦ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٩).\n٢٧ - الجيوش الإسلامية لابن القيم (١٠).\n٢٨ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم (١١).\n٢٩ - الحلية لأبي نعيم (١٢).\n_________\n(١) انظر (١/ ٣٢٩).\n(٢) انظر (٢/ ١٦٥، ١٧١).\n(٣) انظر (١/ ٢٩٢).\n(٤) انظر (١/ ١٦٨).\n(٥) انظر (٢/ ٣١١).\n(٦) انظر (٢/ ٢٢، ١٣٠).\n(٧) انظر (٢/ ١٢٦).\n(٨) انظر (٢/ ٧٠).\n(٩) انظر (١/ ٢٤٩).\n(١٠) انظر (١/ ٣٤٨).\n(١١) انظر (٢/ ٤٦، ٥٢).\n(١٢) انظر (١/ ٢٩٨).","vol":"1","page":65},{"text":"٣٠ - الحماسة لأبي تمام (١).\n٣١ - الرسالة الحموية لابن تيمية (٢).\n٣٢ - الروح لابن القيم (٣).\n٣٣ - السنة للإمام أحمد (٤).\n٣٤ - السنة لابن بطة (٥).\n٣٥ - السنة للخلال (٦).\n٣٦ - السنة للالكائي (٧).\n٣٧ - شرح الإيمان لابن تيمية (٨).\n٣٨ - شرح الأربعين لابن رجب (٩).\n٣٩ - شرح تائية شيخ الإسلام للطوفي (١٠).\n٤٠ - شرح الدرة - للمؤلف (١١).\n_________\n(١) انظر (١/ ١٩٥).\n(٢) انظر (١/ ٢٢٩، ٢٧٩).\n(٣) انظر (٢/ ١٥٧، ١٦٠، ١٦٣).\n(٤) انظر (١/ ٢٣١).\n(٥) انظر (١/ ٢٩٢).\n(٦) انظر (٢/ ١٤٧).\n(٧) انظر (١/ ٢٨٧).\n(٨) انظر (٢/ ١٢١، ٣٠٢).\n(٩) انظر (١/ ١٩٩، ٢/ ٢٩٢).\n(١٠) انظر (٢/ ١٢١).\n(١١) انظر (٢/ ١٤٣، ١٥٩).","vol":"1","page":66},{"text":"٤١ - شرح العقائد النسفية للتفتازاني (١).\n٤٢ - شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية (٢).\n٤٣ - شرح منازل السائرين لابن القيم (٣).\n٤٤ - الشفاء للقاضي عياض (٤).\n٤٥ - صفة النار لابن رجب (٥).\n٤٦ - طبقات الحنفية (٦)\n٤٧ - العرش للذهبي (٧).\n٤٨ - العقائد النسفية للنسفي (٨).\n٤٩ - عقيدة أهل السنة للصابوني (٩).\n٥٠ - عقيدة أبي المعالي من الحنابلة (١٠).\n٥١ - فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر (١١).\n٥٢ - الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية (١٢).\n_________\n(١) انظر (١/ ٢٦٦).\n(٢) انظر (١/ ١٨٥، ٣٢٤).\n(٣) انظر (٢/ ١٣٦).\n(٤) انظر (١/ ٢٥١).\n(٥) وهو التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار. انظر (٢/ ٢٣٨).\n(٦) انظر (١/ ١٩٠).\n(٧) انظر (١/ ٣٥٦).\n(٨) انظر (١/ ٢٦٦).\n(٩) انظر (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥).\n(١٠) انظر (٢/ ١٨٠).\n(١١) انظر (١/ ٢٤٠، ٢/ ٢١٢).\n(١٢) انظر (٢/ ١١٦).","vol":"1","page":67},{"text":"٥٣ - الفقه الأكبر لأبي حنيفة (١).\n٥٤ - قاعدة شيخ الإسلام في بيان أن القرآن كلام اللَّه. . \" (٢).\n٥٥ - القاموس للفيروزآبادي. (٣).\n٥٦ - \"قواعد وجوب الاستقامة والإعتدال\" للطوفي (٤).\n٥٧ - الكامل لابن عدي (٥).\n٥٨ - الكامل للمبرد (٦).\n٥٩ - الكشاف للزمخشري (٧).\n٦٠ - الكنى للحاكم (٨).\n٦١ - مرقاة المبتدئين ونهاية المنتهين وهو شرح الجواهر المنظومة للوزنتي من الحنفية (٩).\n٦٢ - مسائل حرب بن إسماعيل عن الإمام أحمد (١٠).\n٦٣ - المغني لابن هشام (١١).\n٦٤ - مناقب شيخ الإسلام لابن عبد الهادي (١٢).\n_________\n(١) انظر (١/ ٣٥٥).\n(٢) انظر (١/ ٢١٧).\n(٣) انظر (١/ ٣٦٩، ٢/ ٢٦٤).\n(٤) انظر (١/ ٣٤٣).\n(٥) انظر (٢/ ٨).\n(٦) انظر (١/ ١٨٧).\n(٧) انظر (١/ ١٦٠).\n(٨) انظر (٨/ ٢).\n(٩) انظر (١/ ١٦٤).\n(١٠) انظر (١/ ٣٢٨).\n(١١) انظر (١/ ١٥٨ - ١٥٩).\n(١٢) انظر (٢/ ٢٧٤).","vol":"1","page":68},{"text":"٦٥ - الموضوعات لابن الجوزي (١).\n٦٦ - النهاية لابن الأثير (٢).\n٦٧ - نهاية المبتدئين لابن حمدان (٣).\n٦٨ - الوفاء لابن الجوزي (٤).\n\n٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-29> منزلة الكتاب العلمية:</span>\nلا شك أن هذا الكتاب للعلامة السفاريني من الكتب المهمة التي تشرح عقيدة السلف وتبين مذهبهم المؤيد بالأدلة من الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة.\nويتميز هذا الكتاب بالتوسع والإطالة في سرد النصوص من الكتاب والسنة والآثار (٥) لتأييد مذهب السلف نظرًا لما تميز به مؤلفه ﵀ من قوة الحفظ وسعة الإطلاع، كما يتميز بإيراد مذهب المخالفين لمذهب السلف والرد عليه. كما يتميز بالشمول حيث حَوَت موضوعاته أكثر مسائل العقيدة.\nكما نقل لنا عن كتب ومصادر في عقيدة الملف بعضها ما يزال مخطوطا وبعضها ربما يكون في عداد المفقود مثل \"نهاية المبتدئين\" لابن حمدان الحنبلي، وعقيدة أبي المعالي من الحنابلة، وبهجة الناظرين للشيخ مرعي ابن يوسف الكرمي وغيرها.\nكما يتميز بجمع كلام العلماء المتقدمين والمتأخرين.\n_________\n(١) انظر (١/ ١٤٦، ٢/ ١٢٨).\n(٢) انظر (١/ ٣٢٠، ٣٦٩).\n(٣) انظر (١/ ١٥٣، ٢٣٤، ٣٤١، ٢/ ١٥، ٦٩).\n(٤) انظر (١/ ٢٤٧، ٢٥٢).\n(٥) بلغ مجموع ما فيه من الأحاديث: ٣٦٢.\nوبلغ مجموع ما فيه من الآثار: ١٣٦.","vol":"1","page":69},{"text":"٨ - موازنة بين هذا الكتاب وبين كتاب المؤلف \"لوامع الأنوار البهية\":\n١ - هذان الكتابان وهما \"لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية\" و\"لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية\" للعلامة السفاريني ﵀ يتفقان في بعض الأمور ويختلفان في بعضها ويتميز كل واحد منهما بمزايا ليست في الآخر.\nفمن الأمور التي يتفقان فيها أن كلا منهما شرح لمنظومة في العقيدة.\nفالأول شرح لمنظومة الدرة المضية وهي من نظم العلامة السفاريني.\nوأما الثاني فهو شرح لمنظومة الحافظ أبي بكر بن أبي داود في العقيدة.\n٢ - هاتان المنظومتان لاقتا عناية واهتمامًا من العلماء فنجد الذهبي ﵀ بعد أن أورد قصيدة أبي بكر ابن أبي داود ﵀ قال: \"وهذه المنظومة متواترة عن ناظمها رواها الآجري وصنف لها شرحا وأبو عبد اللَّه بن بطة في الإبانة\" (١).\nقلت وممن شرحها العلامة ابن البناء الحنبلي (٢) ثم العلامة السفاريني في كتابه هذا -وهو الكتاب الذي أقوم بتحقيقه وقد رواها بالسند المتصل إلى عبد اللَّه.\nوأما منظومة السفاريني فقد شرحها في كتابه \"لوامع الأنوار\" ثم شرحها العلامة ابن مانع ﵀ في كتاب سماه \"الكواكب الدرية لشرح الدرة المضية\" وللشيخ عبد الرحمن بن قاسم عليها حاشية مفيدة طبعت في مكة المكرمة سنة ١٣٦٤ هـ.\n٣ - والكتابان متفقان في عرض مسائل العقيدة المهمة وخاصة المسائل التي جرى\n_________\n(١) انظر: العلو للذهبي (ص ١٥٤).\n(٢) انظر: المنهج الأحمد (١/ ١٦٦ - ١٦٧).","vol":"1","page":70},{"text":"فيها الخلاف بين السلف والخلف مثل مسألة القرآن، والعلو، والإستواء، وغيرها، وبيان مذهب السلف وتوضيحه ثم بيان مذهب الخلف وبيان خطائهم والرد عليهم.\nوأما ما يتميز به كل واحد منهما عن الآخر:\nفهو أن الأول منهما وهو \"لوامع الأنوار\" قد أطال المؤلف في منظومته حيث بلغت مائتا بيت وبضعة عشر بيتًا بحيث اشتملت على أكثر قضايا العقيدة بل إن المؤلف ﵀ قد عرض فيها لمسائل كان المناسب أن يكون لها مكانها في كتب أخرى مثل ذكر المهدي والمسيح والدجال وأمر يأجوج ومأجوج وهدم الكعبة وغير ذلك مما حقه أن يذكر في كتب الملاحم والفتن.\nوكما أشرت فإن المؤلف ﵀ قد أطال في كتابه هذا وسلك فيه مسلك الإطناب بل والإستطراد إلى مواضيع بعيدة عن أصل بحثه وموضوعه مثل استطراده في فضائل علي ﵁ إلى ما وقع في عهده من الخلاف والحروب مثل وقعة الجمل وصفين وما جرى بينه وبين الخوارج وغير ذلك.\nوكذلك استطراده في الحديث عن فضائل عمر ﵁ إلى ما جرى في خلافته من الفتوح والوقائع.\nوأما الكتاب الثاني \"لوائح الأنوار السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية\" فإن الناظم ﵀ قد اقتصر في نظمه على أمهات مسائل العقيدة وخاصة المسائل التي جرى فيها الخلاف بين أهل السنة ومخالفيهم من المعتزلة وأهل الكلام وغيرهم.\nولعل من أهم ما يتميز به هذا الكتاب عن الكتاب الأول من المباحث، مبحثين الأول في أول الكتاب وهو مبحث في التمسك بالقرآن والسنة والتحذير من البدع أورد فيه المؤلف عددًا من الآيات والأحاديث والآثار الواردة في ذلك.","vol":"1","page":71},{"text":"والمبحث الثاني ختم به الكتاب وهو أيضًا حث على التمسك بالقرآن والسنة وفيه فضل العلم وأهله وفضل الحديث وأهله.\nوقد أورد فيه المؤلف أيضًا عددًا عن النصوص الواردة في ذلك.\nوالحاصل أن في كل واحد من الكتابين مزايا ليست في الآخر، فقد يذكر المؤلف في هذا الكتاب موضوعًا ليس في الكتاب الآخر، أو يذكر في الكتاب الآخر موضوعًا ليس في هذا الكتاب، أو يطيل البحث في موضوع في أحدهما ويختصره في الآخر، وهكذا.\nوالخلاصة أن الكتابين يعتبر كل واحد منهما مكمل للآخر وكل منهما مهم لطالب العلم واللَّه أعلم.\n\n٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-31> بعض المآخذ على الكتاب:</span>\nإن الإقدام على نقد عمل العلماء ولا سيما من اشتهر منهم بغزارة علمه وسعة اطلاعه من الأمور الصعبة لكن ليست هناك حيلة في عدم ركوبها فمن المعلوم أن عمل البشر غير الأنبياء عرضة للخطأ.\nولذلك فلا تمنع مكانة العالم أن يقال أخطأ في كذا، كما لا يمنع خطاؤه في جانب الإستفادة منه في جوانب أخرى.\nكما أن النقد الذي يوجه إليه عرضة للخطأ أيضًا إذ العصمة لم يجملها اللَّه ﷿ إلا لأنبيائه ورسله.\nوقد سبق أن تحدثت عن محاسن الكتاب عند الحديث عن منزلته العلمية وهنا سأذكر الملاحظات على المصنف في تأليفه لهذا الكتاب وهي محدودة وتنحصر في ناحيتين:","vol":"1","page":72},{"text":"١ - الناحية العلمية.\n٢ - الناحية المنهجية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>أولًا: الناحية العلمية:</span>\nأهم الملاحظات العلمية هي ما يتعلق بالعقيدة وهي: نقله بعض كلام أهل الكلام دون التنبيه على ما فيه من الأخطاء ومن أمثلة ذلك:\nأ- ما جاء في المباحث التي ذكرها في مقدمته حيث قال: \"وأما تعريفه -يعني علم التوحيد- فهو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية أي العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسب من أدلتها اليقينية والمراد بالدينية المنسوبة إلى دين محمد -ﷺ- من السمعيات وغيرها سواء كانت من الدين في الواقع ككلام أهل الحق أو لا ككلام أهل البدع واعتبروا في أدلتها اليقين لعدم الاعتداد بالظن في الاعتقاديات (١) \" انتهى.\nوهذا من مذهب أهل الكلام الذين يقولون أن أحاديث الآحاد ظنية لا تثبت به عقيدة وهو مذهب باطل ومردود -كما بينته في موضعه- (٢).\nب- ما نقله عن عقائد النسفي وشرحها للتفتازاني في كلامهم على أفعال اللَّه تعالى حيث قال: \"وأيضًا لو حدث فعله تعالى لحدث أما في ذاته تعالى فيصير محلا للحوادث أو في غيره. . . ولا خفاء في استحالته.\nوهذا من كلام أهل البدع الذين يقولون لا تقوم به الحوادث فنفوا بذلك الصفات وقد نبهت عليه في موضعه (٣).\n_________\n(١) انظر: لوائح الأنوار السنية (١/ ١٤٩، ١٥٠)؛ ولوامع الأنوار (١/ ٥).\n(٢) انظر: لوائح الأنوار السنية (١/ ١٥٠).\n(٣) انظر: لوائح الأنوار السنية (١/ ٢٦٧).","vol":"1","page":73},{"text":"جـ- ومن أمثلة ذلك ما نقله في آخر مبحث الإستواء عن الكمال بن الهمام الحنفي في تأويل الإستواء بالإستيلاء وغيره من الصفات دون الرد عليه وقد ذكرت الرد على ذلك مفصلًا (١).\nومن الملاحظات على المؤلف رحمه اللَّه تعالى إكثاره من إيراد الأحاديث الضعيفة بل والموضوعة أحيانًا دون بيان درجتها وقد نبهت على ذلك في مواضعه، وهذه بعض الأمثلة على ذلك:\n١ - ما أورده في فضل أبي بكر وعمر ﵄ من حديث ابن عباس ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: \"إن اللَّه تعالى أيدني بأربعة وزراء: اثنين من أهل السماء جبريل وميكائيل، واثنين من أهل الأرض أبو بكر وعمر\" هذا الحديث قال الهيثمي في مجمع الزوائد في إسناده محمد بن مجيب الثقفي وهو كذاب. (انظر ١/ ٣٧٠) من هذا الكتاب.\n٢ - ما أورده في فضائلهما أيضًا في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"أبو بكر وعمر خير الأولين والآخرين وخير أهل السموات وخير أهل الأرض إلا النبيين والمرسلين\" هذا لحديث قال فيه الذهبي موضوع. وقد بينت ذلك انظر (٢/ ٨).\n٣ - ما أورده في مبحث إثبات الصحف (٢/ ٢٠٦) من حديث أنس ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"الكتب كلها تحت العرش فإذا كان يوم القيامة يبعث اللَّه ريحا فتطيرها بالأيمان والشمائل أول خط فيها ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]. هذا الحديث من رواية يغنم بن سالم قال عنه العقيلي منكر الحديث. انظر التفصيل (٢/ ٢٠٦).\n_________\n(١) انظر لوائح الأنوار السنية (١/ ٣٦٥ - ٣٦٨)","vol":"1","page":74},{"text":"٤ - ومن ذلك ما أورده في مبحث الصحف أيضًا (٢/ ٢١٠) من حديث ابن عباس: أول من يأخذ كتابه بيمينه من هذه الأمة أبو سلمة بن عبد الأسد. هذا الحديث في إسناده حبيب بن زريق رماه أبو حاتم وابن عدي بالوضع.\n(انظر التفصيل ٢/ ٢١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>ثانيًا: الناحية المنهجية:</span>\nومن هذه الملاحظات: أن المؤلف ﵀ في أثناء شرحه لهذه المنظومة لم يورد نص أبيات المنظومة المراد شرحها كاملة وإنما كان ينقل كلمات المنظومة من مصدرها كلمة كلمة ثم يشرع في شرحها وهكذا.\nفالقارئ في هذه الحالة لا يدري عن النص الذي يريد المؤلف شرحه شيئًا حيث لم يتميز المتن عن الشرح ويتضع المعنى العام الذي يريد المؤلف أن يتحدث عنه. وكان الأنسب أن يثبت نص البيت المراد شرحه من المنظومة ثم يشرع في شرحه حتى يتبين للقارئ الموضوع المراد شرحه بصورة أوضح. ومن ثم ينتقل إلى البيت الذي يليه وهكذا.\nوكنت قد رأيت في بداية بحثي أن أورد نص أبيات المنظرمة المراد شرحها في أعلى الصحيفة ثم أتبعه بشرح المؤلف حتى تتضح الصورة أمام القارئ أكثر مع التنبيه على ذلك. لكني رجعت عن ذلك وأثرت أن أبقى منهج المؤلف كما هو دون تغيير حتى لا أغير منهجًا اختاره المؤلف ﵀.\nومن الملاحظات: نقله كثيرًا من كتب بعض العلماء ممن سبقه دون عزوه إليهم ومن أمثلة ذلك:\nما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته الحموية الكبرى (من","vol":"1","page":75},{"text":"١/ ١٢٠ - ١٢٧) من هذا الكتاب وما نقله عنه أيضًا من كتابه الإيمان (من ٢/ ٢٩٥ - ٣٠١).\nوكذلك ما نقله عن ابن القيم في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (من ١/ ٢٨٢ - ٢٩٣).\nوكذلك ما نقله عن كتاب أقاويل الثقات للشيخ مرعي بن يوسف الكرمي (من ١/ ٢٩٩ - ٣١٣) من هذا الكتاب.\nومن الملاحظات: كثرة استطراد المؤلف وقد تكون هذه الاستطرادات بعيدة عن أصل موضوعه مثل استطراده في الحديث عن علي ﵁ إلى ما وقع في عهده من الحروب والوقائع وخاصة ما جرى له في صفين مع معاوية وما جرى له مع الخوارج وهذا له مكانه من كتب التاريخ.\nوكذلك اطالته في الحديث عن الخوارج وتعداد فرقهم وما جرى معهم من الوقائع والحروب وهذا أيضًا له مكانه من كتب الفرق والتاريخ.\nهذا وقد وقعت للمؤلف بعض الأوهام والأخطاء التي لا يخلو منها عمل البشر (١) من ذلك:\n١ - قوله (١/ ٣٢٢): قال الإِمام البخاري في كتاب خلق أفعال العباد من صحيحه وهذا خطأ فان كتاب \"خلق أفعال العباد\" للبخاري كتابًا مستقلًا وليس ضمن كتابه الصحيح، وقد نبهت على ذلك في موضعه.\n٢ - عزوه الكلام على المعتزلة وأنهم أول من خالف في حكم العصاة لابن\n_________\n(١) وهذه الأوهام لا تقلل من منزلة المؤلف ﵀ ولا من قيمة كتابه العلمية، فهي أخطاء يسيرة تقع لأي مؤلف.","vol":"1","page":76},{"text":"عبد الهادي تلميذ ابن تيمية والصحيح أن الكلام هو لابن تيمية نفسه كما بينته (انظر ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥).\n٣ - لم يذكر المؤلف ﵀ شيئًا من الأحاديث الصحيحة الواردة في فضل أبي بكر الصديق ﵁ بخصوصه سيما وأنه توسع في ذكر فضائل الصحابة ﵃ بل وفي كل الموضوعات التي تطرق لها.\nوقد أوردت جملة من الأحاديث الصحيحة الواردة في فضل أبي بكر ﵁ (انظر ١/ ٣٧٦ - ٣٧٧).\n* * *","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المبحث الثاني</span>\nوفيه الأمور الآتية:\n١ - وصف النسخ الخطية.\n٢ - تاريخ نسخ المخطوطات.\n٣ - الناسخ.\n٤ - تاريخ تأليف الكتاب.\n٥ - بيان المصطحات التي عملت بها في الكتاب.\n٦ - نماذج من المخطوطات.\n٧ - نص قصيدة الحافظ ابن أبي داود في العقيدة.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>وصف النسخ الخطية:</span>\nبعد البحث والتدقيق حصلت بتوفيق اللَّه على نسختين خطيتين لهذا الكتاب:\nالأولى: وهي الأصل الذي اعتمدت عليه في تحقيق هذا الكتاب، وقد حصلت على صورتها من مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية وهي مسجلة تحت رقم (٦٠٠٠) ويبلغ عدد أوراقها (١٦٨) ورقة، ومسطرتها ١٧ × ٢٥ سم تقريبًا، وعدد الأسطر في كل ورقة ٥٠ سطرًا تقريبًا وخطها نسخى ليس بالجيد ولكنه مقرؤ من حيث الجملة.\nوناسخها هو عيسى القدومي الحنبلي وهو من تلاميذ المؤلف وقد سبقت الإشارة إليه في مبحث تلاميذ المؤلف (١).\nوتاريخ نسخها هو سنة ١١٧٦ هـ أي في حياة المؤلف. وقد جعلتها الأصل الذي اعتمدت عليه حيث أن ناسخها هو تلميذ المؤلف وقد نسخها في حياته.\nالنسخة الثانية: وهي من مخطوطات المكتبة الظاهرية بدمشق وهي مسجلة تحت رقم (٦٩٥٢) وقد حصلت على صورتها بمساعدة الأخ الفاضل الشيخ عمر بن سعود العيد جزاه اللَّه خيرًا.\nوناسخها هو مصطفى بن محمود بن معروف الشطي ترجمه صاحب مختصر طبقات الحنابلة فقال فيه كان عالمًا عابدًا ورعًا. . . (٢).\nوكانت وفاته سنة تسع وستين ومائتين وألف وتاريخ نسخها هو سنة ١٢٣٢ هـ.\nوعدد أوراقها ١٤٥ ورقة مسطرتها ٢١ × ٢٥ سم وعدد الأسطر في كل ورقة (٤٦) سطر تقريبًا،\n_________\n(١) انظر (١/ ٣٧).\n(٢) انظر: مختصر طبقات الحنابلة لمحمد جميل الشطي (ص ١٨٥ - ١٨٨).","vol":"1","page":79},{"text":"وخطها نسخي في غاية الجودة إلا أنه يؤخذ على<span data-type=\"title\" id=toc-37> الناسخ </span>له إهماله لبعض العبارات مثل ﵁ في الصحابي والصلاة والسلام على النبي -ﷺ- في بعض الأحيان.\nوتتميز هذه النسخة بمقابلتها على نسخة أخرى يتبين ذلك من كتابة الناسخ في مواضع من الهامش بلغ مقابلة.\n\nكما كتب الناسخ بعض الاضافات على الهامش مثل قوله: قف وتأمل ما ذكره الشارح، وكذلك وضع بعض العناوين مثل: مطلب في كذا وكذا.\nوقد أشرت إلى هذا كله في موضعه في تعليقي في الهامش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>تاريخ تأليف الكتاب:</span>\nالذي يظهر أن هذا الكتاب هو من آخر مؤلفات السفاريني ﵀ ويدل عليه قوله ﵀ في آخره فرغت من تعليقه بعون اللَّه تعالى وتوفيقه نهار السبت لعشر بقيت من شهر شعبان من سنة ألف ومائة وست وسبعين من الهجرة النبوية.\nكما يدل علبه إحالته في كتابه هذا إلى كتابيه \"البحور الزاخرة\" و\"لوامع الأنوار\" أكثر من مرة، كما بينت ذلك عند الكلام على هذين الكتابين (١/ ٤٠ - ٤٧).\nوكان ﵀ قد ذكر في بداية الكتاب أنه كتب في بداية طلبه العلم على قصيدة الحافظ أبي بكر بن أبي داود كتابة تليق بتلك الأيام، ولم تكن على المستوى اللائق بهذه المنظومة، ثم إنه بعد التوسع في العلم والاطلاع والتمكن من التأليف حرر تلك الكتابة ونقحها وبذل فيها ما هي جديرة به من التحقيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>المصطلحات التي عملت بها في الرسالة:</span>\n* أ-: نسخة الأصل.\n* ظ-: نسخة الظاهرية.","vol":"1","page":80},{"text":"* تقريب: تقريب التهذيب لابن حجر.\n* فتح: فتح الباري شرح صحيح البخاري.\n* جميع الاحالات التي في الرسالة على البخاري المقصود بها صحيح البخاري مع الفتح.","vol":"1","page":81},{"text":"(الوجه الأول من الورقة الأولى من مخطوطة الأصل)","vol":"1","page":83},{"text":"(الوجه الثاني من الورقة الأولى من مخطوطة الأصل)","vol":"1","page":84},{"text":"(الوجه الأول من الورقة الأخيرة من مخطوطة الأصل)","vol":"1","page":85},{"text":"(الوجه الأول من الورقة الأولى من مخطوطة الظاهرية)","vol":"1","page":86},{"text":"(الوجه الثاني من الورقة الأولى من مخطوطة الظاهرية)","vol":"1","page":87},{"text":"(الوجه الأول من الورقة الأخيرة من مخطوطة الظاهرية)","vol":"1","page":88},{"text":"(الوجه الثاني من الورقة الأخيرة من مخطوطة الظاهرية)","vol":"1","page":89},{"text":"قصيدة الحافظ أبي بكر عبد اللَّه بن سلميان بن الأشعث في العقيدة (١) والتي شرحها العلامة السفاريني في كتابه هذا \"لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية\":\nتمسك بحبل اللَّه واتبع الهدي ... ولاتك بدعيًا لعلك تفلح\n_________\n(١) مصادر هذه القصيدة: لوائح الأنوار السنية ورقة (١٤٢ - ١٤٣) شرح السنة لابن شاهين ورقة (٣٤ - ٣٥) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٣٣ - ٢٣٦) وفي طبقات الحنابلة (٢/ ٥٣) وفي المنهج الأحمد (٢/ ١٧) وفي العلو للذهبي (ص ١٥٣) وفي مختصره (ص ٢٢٨).\nقال الذهبي في كتابه العلو (ص ١٥٤): \"هذه القصيدة متواترة عن ناظمها رواها الآجري وصنف لها شرحًا وأبو عبد اللَّه بن بطة في الإبانة قال ابن أبي داود: هذا قولي وقول أبي وقول شيوخنا وقول العلماء ممن لم نرهم كما بلغنا عنهم فمن قال غير ذلك فقد كذب\".\nوأنبه هنا إلى أن المؤلف ﵀ اعتمد في شرحه لهذه القصيدة على نص لها وجده ضمن مجموع بقلم موسى الحجاوي -كما ذكر ذلك في ص (٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠) من هذا الكتاب ويلاحظ بعض الاختلاف في بعض الكلمات بين النص الذي اعتمده المؤلف وبين النص الذي اثبته.\nكما يلاحظ أيضًا بعض الاختلاف في بعض الكلمات بين مصادر القصيدة، وحيث إن المؤلف لم يثبت القصيدة كاملة حيث لم يرد لها في نسخة الأصل سوى بيتين في آخر الكتاب ووردت في آخر نسخة \"الظاهرية\" وفيها بعض النقص.\nلذا فقد أثبت النص هنا من سير أعلام النبلاء للذهبي ﵀ وهو من أوثق المصادر التي نقلت إلينا القصيدة عن ناظمها رحمه اللَّه تعالى.","vol":"1","page":90},{"text":"ودن بكتاب اللَّه والسنن التي ... أتت عن رسول اللَّه تنجو وتربح\nوقل: غير مخلوق كلام مليكنا ... بذلك دان الأتقياء وأفصحوا\nولا تك في القرآن بالوقف قاتلًا ... كما قال أتباع لجهم وأسجحوا\nولا تقل: القرآن خلق قراءته ... لأن كلام اللَّه باللفظ يوضح\nوقل: يتجلى اللَّه للخلق جهرة ... كما البدر لا يخفى وربك أوضح\nوليس بمولود وليس بوالد ... وليس له شبه تعالى المسبح\nوقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصرح\nرواه جرير، عن مقال محمد ... فقل مثل ما قد قال في ذلك تنجح\nوقد ينكر الجهمي أيضًا يمينه ... وكلتا يديه الفواضل تنفح\nوقل: ينزل الجبار في كل ليلة ... بلا كيف، جل الواحد المتمدح\nإلى طبق الدنيا يمن بفضله ... فتفرج أبواب السماء وتفتح\nيقول: ألا مستغفر يلق غافرًا ... ومستمنح خيرًا ورزقًا فيمنح\nروى ذاك قوم لا يرد حديثهم ... ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا\nوقل: إن خير الناس بعد محمد ... وزيراه قدما، ثم عثمان الأرجح\nورابعهم خير البرية بعدهم ... علي حليف الخير بالخير منجح\nوإنهم للرهط لا ريب فيهم ... على نجب الفردوس شرح\nسعيد وسعد وابن عوف وطلحة ... وعامر فهو والزبير الممدح","vol":"1","page":91},{"text":"وقل خير قول في الصحابة كلهم ... ولا تك طعانًا تعيب وتجرح\nفقد نطق الوحي المبين بفضلهم ... وفي الفتح آي للصحابة تمدح\nوبالقدر المقدور أيقن، فإنه ... دعامة عقد الدين والدين أفيح\nولا تنكرن -جهلًا- نكيرًا ومنكرا ... ولا الحوض والميزان، إنك تنصح\nوقل: يخرج اللَّه العظيم بفضله ... من النار أجسادًا من الفحم تطرح\nعلى النهر في الفردوس تحيا بمائه ... كحب حميل السعيد إذا جاء يطفح\nوإن رسول اللَّه للخلق شافع ... وقل في عذاب القبر حق موضح\nولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا ... فكلهم يعصي، وذو العرش يصفح\nولا تعتقد رأي الخوارج إنه ... مقال لمن يهواه يردي ويفضح\nولا تك مرجيًا لعوبًا بدينه .. ألا إنما المرجي بدينه يمزح\nوقل: إنما الإيمان قول ونية ... وفعل على قول النبي مصرح\nوينقض طورًا بالمعاصي وتارة ... بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح\nودع عنك آراء الرجال وقولهم ... فقول رسول اللَّه أولى وأشرح\nولا تك من قوم تلهو بدينهم ... فتطعن في أهل الحديث وتقدح\nإذا ما اعتقدت الدهر، يا صاح، هذه ... فأنت على خير تبيت وتصبح","vol":"1","page":92},{"text":"القسم الثاني:\nنص الكتاب المحقق","vol":"1","page":93},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد للَّه الذي بهر ببديع قدرته عقول العارفين وحير (١) برفيع حكمته الباب العالمين وقهر بعظيم صنعه أفكار الناظرين (٢) وشهر أنوار آياته فأشرقت على صفحات أغوار قلوب الواصلين (٣) سبحانه من إله ظهر في خفائه لأوليائه، واحتجب في ظهوره (٤) عن أعدائه، فهو الظاهر الباطن في سبحاته (٥) والمتعالى القريب في تحلياته للمقربين وأصحاب اليمين (٦).\n_________\n(١) و(٢) و(٣) و(٤) أصاب الطمس الجزء الأعلى من نسخة (أ) فاختفت الكلمات من (١ - ٤) وأكملتها من نسخة \"- ظ\".\n(٥) كلمة: سبحاته غير واضحة في الأصل وما أثبته من نسخة \"ظ\"، ومعناها: جاء في الحديث عن النبي -ﷺ- في صفة اللَّه تعالى: \"حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره\" رواه مسلم.\nقال النووي في شرحه: \"فالسبحات بضم السين والباء ورفع التاء في آخره وهي جمع سبحة قال صاحب العين والهروي وجميع الشارحين للحدث من اللغوين والمحدثين معنى سبحات وجهه: نوره وجلاله ودهاؤه\" انتهى. شرح مسلم للنووي (٢/ ١٣ - ١٤).\n(٦) تنبيه: جاء في افتتاحية الشارح ﵀ بعض العبارات التي ظهرت في مصطحات الصوفية مثل: العارف والواصل ولا يظن بالمؤلف ﵀ أنه كان على مذهب الصوفية بل إنه كان ﵀ في عبادته وسلوكه على مذهب السلف كما يتبين من ترجمته وقد أنكر ما عليه المتصوفة من الإبتداع في غير ما موضع من كتبه كما أشرت إلى ذلك في موضعه (١/ ٣٩).\nوسأبين فيما يلي معنى العارف والواصل والمقصود منهما:\nأما العارف: فهو المهتدي بهدى اللَّه وسنه رسوله -ﷺ-، وقد عرفه ابن القيم ﵀ بقوله: \"هو من عرف اللَّه سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله ثم صدق اللَّه في معاملته ثم أخلص له في مقصوده ونياته ثم انسلخ من أخلاقه الرديئة وآفاته، ثم تطهر من أوساخه وأدرانه ومخالفاته، ثم على أحكام اللَّه في نعمه وبلياته ثم دعا إليه على بصيرة بدينه وآياته ثم جرد الدعوة إليه وحده كما جاء به رسوله -ﷺ- ولم يشبها بآراء الرجال وأذواقهم =","vol":"1","page":95},{"text":"وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أمره ولا في خلقه، مالك يوم الدين وأشهد أن سيدنا محمدًا (١) عبده ورسوله وحبيبه وخليله خاتم النبيين، وإمام المرسلين، الذي جاء بالحق المبين، والدين المتين، فلم يدع حجة للمتحذلقين (٢) (٣) إلا بتكها (٤) ولا شبهة للمبطلين إلا هتكها (٥) ولا نحلة (٦) للمعتدين إلا مسخها ولا ملة للسابقين إلا نسخها، بشرعه القويم، وهديه المستقيم وكتابه المبين. صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وأصهاره وأحبابه،\n_________\n= ومواجيدهم ومقاييسهم ومعقولانهم، ولم يزن بها ما جاء به الرسول عليه من اللَّه أفضل صلواته\".\nمدارج السالكين (٣/ ٣٣٧).\nأما المعارف في اصطلاح الصوفية: فهو من توصل إلي معرفة وحدة الوجود، وأن اللَّه هو الكون ﴿تعالى اللَّه عن قولهم علوًا كبيرا﴾ انظر: الكشف عن حقيقة الصوفية (ص ٢٩٥). وأما الواصل: فقد عرفه ابن القيم بقوله: هو من تقرب إلى اللَّه بطاعته وعبادته وهذا هو التعبير الصحيح الذي وردت به السنة.\nأما عبارة الوصل والإتصال فعبارة غير سديدة تشبث بها الزنديق الملحد والصديق الموحد فالموحد يريد بالإتصال القرب، والملحد يريد به الحلول تارة والإتحاد تارة.\nانظر مدارج السالكين (٣/ ٢٩٧).\n(١) أصاب الطمس كلمة محمد في \"أ\" واستدركتها من \"ظ\".\n(٢) غير واضحة في \"أ\" وأثبتها من \"ظ\".\n(٣) حذلق: في مختار الصحاح حذلق الرجل وتحذلق بزيادة اللام إذا أظهر الحذق فأدعى أكثر مما عنده. (مختار الصحاح- حذق ١٢٧).\n(٤) البتك: القطع (كما في لسان العرب -مادة بتك-) ومعناه قطعها وأزالها في أصلها.\n(٥) الهتك: خرق الشر عما وراءه: ومعناه: كشفها وأبان ضلالها (مختار الصحاح -هتك- ٦٩٠)\n(٦) نحلة: الديانة كما تقول فلان ينتحل كذا وكذا أي يدين به والنحلة الدعوة -أيضًا- كما تقول: انتحل فلان شعر فلان، أو قول فلان إذا ادعى أنه قائله).\nانظر لسان العرب مادة نحل (١٤/ ١٧٣ - ١٧٤).","vol":"1","page":96},{"text":"وأنصاره، وأحزابه ما انزاح شك بيقين ووهم بحجة وبراهين وعلى التابعين وتابع (١) التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وعلى الأئمة المجتهدين ومقلديهم وأهل التحقيق ومقتفيهم على نهج السلف الصالح من غير زيغ ولا مين (٢).\nأما بعد: فيقول العبد الفقير لمولاه العلي محمد بن الحاج أحمد السفاريني الحنبلي لما كان عام ست وسبعين بعد الألف ومائة من السنين رأيتني كاتبًا في أيام الطلب على قصيدة الإمام الحافظ (أبي بكر بن الإمام الحافظ أبي داود) (٣) صاحب السنن كتابة تليق بتلك الأيام لا على حسب ما يقضيه المقام فحملني ذلك على تحرير تلك الكتابة وتحقيق مذهب السلف وما كان عليه الصحابة ﵃، وبيان اعتقاد أهل الأثر من تلك العصابة، وأفرغت ما كنت سودته في قالب التحقيق وبذلت جهدي في ذلك على سبيل التوفيق والتدقيق. وسميته \"بلوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية في شرح عقيدة أهل الآثار السلفية\".\nوقدمت أمام المقصود مقدمة تشتمل على ثلاثة مقاصد وخاتمة، ثم أشرح القصيدة الفريدة، والخريدة (٤) التليدة (٥)، والدرة اليتيمة، والعقيدة القديمة (٦)\n_________\n(١) وتابع التابعين سقطت من \"ظ\"واستدركت في الهامش وكتب عليها صح.\n(٢) مين: المين الكذب وجمعه ميون، يقال: أكثر الظنون ميون. (مختار الصحاح - مين).\n(٣) ما بين القوسين سقط في \"أ\" وعليه إشارة وأكملته من \"ظ\".\n(٤) الخريدة: الجارية لم تمسس قط، ولؤلؤة خربدة لم تثقب، وكل عذراء خريدة، والمعنى لم تكشف معانيها وتجلى مقاصدها. مجمل اللغة (١/ ٢٨٦).\n(٥) التليدة: التالد المال القديم الأصلي الذي ولد عندك وهو ضد الطارف. والمعنى أنها أصيلة وفريدة فى بابها. لسان العرب: تلد (٤/ ٦٨).\n(٦) يعني أنها موافقة لما جاء عن الصف الأول من السلف لا ما استحدث بعدهم في العصور المتأخرة: من علم الكلام والجدل والتأويل.","vol":"1","page":97},{"text":"معتمدًا على اللَّه تعالى. ومتوجهًا إليه في الحفظ من الزيغ عن مذهب السلف وفي الإعانة عليه فأقول:\n\nالمقدمة المشتملة على الثلاثة مقاصد والخاتمة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>المقصد الأول: في ترجمة الناظم </span>وذكر مناقبه ومآثره وذكر والده الإمام الحافظ أبي داود صاحب السنن رحمهما اللَّه تعالى ورضي عنهما.\nأما أبو بكر فهو (١): الحافظ المتقن العلامة قدوة المحدثين وعمدة المدققين الحافظ\n_________\n(١) ترجم الشارح لعبد اللَّه هنا لكنه لم يستوعب كل ما يتعلق بترجمته وكنت في بداية بحثي قد كتبت ترجمة موسعة لعبد اللَّه استقصيت فيها كل ما يتعلق بترجمته لكني عدلت عن إثباتها هنا خشية الإطالة وتجنبًا للتكرار وسأكتفي هنا بذكر أهم ما جاء فيها مما يتعلق بعبد اللَّه وبعد ذلك أحيل القارئ الكريم إلى مصادر ترجمة عبد اللَّه إن أراد التفصيل.\nأما أهم ما جاء فيها فهو ينحصر في أمرين:\nالأول: ما يتعلق بعقيدته.\nالثاني: حول ما قيل فيه من الجرح والجواب عن ذلك.\nأما ما يتعلق بعقيدته فإنه ﵀ كان على مذهب السلف من الإيمان باللَّه وبأسمائه وإثبات صفاته على الوجه اللائق باللَّه كما قال تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\nولعل قصيدته في العقيدة وهي التي شرحها العلامة السفاريني في كتابه هذا خير دليل على ذلك.\nفقد جاء عنه أنه قال بعد أن ذكرها:\nهذا قولي وقول أبي وقول أحمد بن حنبل ﵀ وقول من أدركنا من أهل العلم وقول من لم ندرك من أهل العلم ممن بلغنا قوله فمن قال على غير هذا قد كذب (انظر القصيدة ١/ ٨٩) وما بعدها).\nوأما ما قيل فيه من الجرح فسأذكر ما قيل فيه ثم أذكر الجواب عنه فأقول: جاء في ترجمته أنه تكلم فيه أبوه فقال: ابني عبد اللَّه كذاب، وكذا قال إبراهيم بن أورمة الأصبهاني وكان =","vol":"1","page":98},{"text":"أبو بكر عبد اللَّه بن الحافظ الكبير الإمام سليمان بن الأشعث السجستاني صاحب التصانيف المفيدة والفوائد المجيدة، والعوائد العديدة.\n_________\n= ابن صاعد يقول كفانا ما قاله أبوه فيه.\nالكامل لابن عدي (٤/ ١٥٧٧).\nوقال أبو القاسم البغوي -وقد كتب إليه عبد اللَّه يسأله عن لفظ حديث-. . أنت عندي واللَّه منسلخ من العلم.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢٨).\nوكذا قال ابن جرير: حينما أخبر أن ابن أبي داود يقرأ على الناس فضائل علي ﵁ فقال: تكبيرة حارس، يعني أنه قاله خوفا\nوقال ابن عدي: كان في الإبتداء نسب إلى شيء من النصب فنفاه ابن الفرات من بغداد فرده علي بن عيسى الوزير فحدث وأظهر فضائل علي ﵁ ثم تحنبل فصار شيخًا فيهم.\nالكامل (٤/ ١٥٧٧).\nهذا ملخص الكلام حول عبد اللَّه وفي الجواب عنه نقول:\nأما تهمة النصب وبغض علي ﵁ فلم يثبت عنه شيء في ذلك بل ثبت عنه أنه قال: \"كل من بيني وبينه شيء ويذكرني بشيء فهو في حل إلا من رماني ببغض علي بن أبي طالب، وكذا قال الذهبي ﵀: لم يثبت عنه شيء في ذلك.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢٩).\nأما جرح أبيه فيه فقال: الذهبي: \"لعل قول أبيه فيه -إن صح- أراد الكذب في لهجته لا في الحديث. فإنه حجة فيما ينقله، أو كان يكذب ويوري في كلامه، ومن زعم أنه لا يكذب أبدا فهو أرعن نسأل اللَّه السلامة من عثرة الشباب، ثم إنه شاخ وارعوى ولزم الصدق والتقى.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٣١).\nوقال أيضا في تذكرة الحفاظ: \"أما قول أبيه فالظاهر أنه -إن صح- عنه فقد عنى أنه كذاب في كلامه لا في الحديث النبوي وكأنه قال هذا وعبد اللَّه شاب طري ثم كبر وساد\"\nتذكرة الحفاظ (٢/ ٧٧٢). =","vol":"1","page":99},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال ابن عدي: \"وأبو بكر بن أبي داود لولا شرطنا أول الكتاب أن كل من تكلم عنه متكلم ذكرته في كتابي وإلا لما ذكرته. . إلى أن قال: وهو معروف بالطلب وعامة ما كتب مع أبيه وهو مقبول عند أصحاب الحديث، وأما كلام أبيه فما أدري أيش تبين له منه\". الكامل (٤/ ١٥٧٧).\nقلت: لعل الخلاف الذي وقع بين أبي داود وابنه بسبب طلبه القضاء مما دعاه إلى أن يقول ذلك فقد ورد عنه أنه قال: \"من البلاء أن عبد اللَّه يطلب القضاء\".\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢٨).\nوعلق عليه السيوطي بقوله: \"هذا ليس بكلام بل تواضع\".\nطبقات الحفاظ (ص ٣٢٦).\nأما كلام ابن صاعد وابن جرير وغيرهما فلا يقبل فيه فإن هؤلاء كان بينهم وبينه عداوة وهم من الأقران لا يقبل جرح بعضهم في بعض وقد كذب ابن أبي داود أيضًا ابن صاعد كما وارد عنه.\nلذا قال الذهبي: لا ينبغي سماع قول ابن صاعد فيه كما لا نعتد بتكذيبه لابن صاعد فقف في كلام الأقران بعضهم في بعض.\nتذكرة الحفاظ (٢/ ٧٧٢).\nوقد تقدم قول ابن عدي أنه لم يذكره في كتابه إلا لوجود الكلام حوله وقد اشترط ذلك على نفسه وإلا لما ذكره.\nوكذا قال الذهبي في الميزان: \"إنما ذكرته لأنزهه\".\nالميزان (٢/ ٤٣٦).\nوبهذا يتبين أن عبد اللَّه من كبار الأئمة الحفاظ ومن أهل الصدق والأمانة، وإن صح عنه شيء أيام شبيبته فهذا لا يضره، فقد كبر وساد وفاق الأقران. واللَّه أعلم.\nوهذه مصادر ترجمة عبد اللَّه:\nالكامل لابن عدي (٤/ ١٥٧٧)؛ وأخبار أصبهان لأبي نعيم (٢/ ٦٦ - ٦٧)؛ وتاريخ بغداد (٩/ ٤٦٤ - ٤٦٨)؛ وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلي (٢/ ٥١ - ٥٥)؛ والأنساب (٧/ ٨٥)؛ وتاريخ دمشق لابن عساكر الجزء الرابع والثلاثين المطبوع من حرف العين (ص ٧٣ - ٨٦)؛ وفي المنتظم لابن الجوزي (٦/ ٢١٨ - ٢١٩)؛ وفي وفيات الأعيان لابن خلكان =","vol":"1","page":100},{"text":"رحل أبو بكر وسمع وبرع وساد الأقران رحل به أبوه من سجستان فطوف به شرقًا وغربًا، وأسمعه من علماء ذلك الوقت، فسمع بخراسان، والجبال (١) وأصبهان، وفارس والبصرة، وبغداد والكوفة، والمدينة ومكة والشام ومصر، والجزيرة، والثغور (٢) واستوطن بغداد، وصنف المسند، والسنن، والتفسير، والقراءات والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك (٣).\nوكان فهمًا عالمًا حافظًا.\n_________\n= (٢/ ٤٠٥) ضمن ترجمة أبيه، وفي تذكرة الحفاظ (٢/ ٧٦٧ - ٧٦٨)؛ في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢١ - ٢٣٧)؛ وفي الطبقات الكبرى للسبكي (٣/ ٣٠٧)؛ وفي غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري (١/ ٤٢٠) وفي طبقات المفسرين (١/ ٢٣٦)؛ وفي المنهج الأحمد للعليمي (٢/ ١٥)؛ وفي طبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٣٢٢)؛ وفي شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (٢/ ٢٧٣)؛ وفي مختصر طبقات الحنابلة لمحمد جميل الشطي (ص ٢٨ - ٣٠).\nوقد ترجم له الشيخ عبد الغفور عبد الحق في مقدمتة لكتاب \"مسند عائشة ﵂\" ترجمة وافية.\n(١) الجبال: قال ياقوت في معجمه: الجبال جمع جبل: اسم علم للبلاد المعروفة اليوم باصطلاح العجم بالعراق وهي ما بين أصبهان إلى زنجان وقزوين وهمذان والدينور وقرمين والري وما بين ذلك من البلاد الجليلة والكور العظيمة وتسمية المعجم له بالعراق لا أعرف سببه وهو اصطلاح محدث لا يعرف في القديم. . . \".\nمعجم البلدان (٢/ ٩٩).\n(٢) الثغور: جمع ثغر قال ياقوت وهو بالفتح ثم السكون وراء كل موضع قريب من أرض العدو يسمى ثغرا كأنه مأخوذ من الثغرة وهي الفرجة في الحائط وهو في مواضع كثيرة، ثم ذكر ثغورًا كثيرة منها ثغر الشام وثغر الإسكندرية وغيرها.\nمعجم البلدان (٢/ ٩٩).\n(٣) انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٤٦٤).","vol":"1","page":101},{"text":"وحدث عن علي بن خشرم (١) المروزي، وأبي داود بن معبد السنجي (٢) وسلمة بن شبيب (٣) ومحمد بن يحيى الذهلي (٤) وأحمد بن الأزهر (٥) النيسابوري، وإسحق بن منصور الكوسج (٦) ومحمد بن بشار (٧) بندار، ومحمد بن المثنى (٨) وعمرو بن علي (٩) ونصر بن\n_________\n(١) علي بن خشرم المروزي ثقة، مات سنة سبع وخمسين ومائتين.\nتقريب (ص ٢٤٥).\n(٢) سليمان بن معبد السنجي بكسر المهملة بعدها نون ساكنة ثم جيم، ثقة صاحب حديث رحال أديب، مات سنة سبع وخمسين ومائتين.\nتقريب (ص ١٣٦).\n(٣) سلمة بن شبيب النسائي نزيل مكة حافظ ثقة، مات سنة سبع وأربعين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٥٦).\n(٤) محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري عالم أهل المشرق، إمام أهل الحديث بخراسان أبو عبد اللَّه، ثقة مأمون، قال أبو بكر بن أبي داود محمد بن يحيى أمير المؤمنين في الحديث، مات سنة ٢٥٨.\nسير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٧٣).\n(٥) أحمد بن الأزهر بن منيع النيسابوري أبو الأزهر، محدث خراسان في وقته، ثقة حافظ وهو من رجال السنن، روى عنه النسائي وابن ماجة، مات سنة ثلاث وستين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٦٣).\n(٦) اسحاق بن منصور الكوسج المروزي، نزيل نيسابور أبو يعقوب، ثقة ثبت، أحد الأئمة من أصحاب الحديث والفقه، مات سنة ٢٥١ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٥٨)؛ وتهذيب الكمال (٢/ ٤٧٤).\n(٧) محمد بن بشار بن عثمان البصري، الإمام الحافظ الفقيه راوية الإسلام، لقبه بندار لأنه كان بندار الحديث في عصره بلده والبندار الحافظ، مات ٢٥٢ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٢/ ١٤٤).\n(٨) محمد بن المثني بن عبيد العنزي بفتح النون والزاي أبو موسى البصري المعروف بالزمن ثقة ثبت كان هو وبندار فرسا رهان وماتا في سنة واحدة وهي سنة ٢٥١.\nتقريب التهذيب (ص ٣١٧).\n(٩) عمرو بن علي الفلاس البصري الحافظ الإمام أبو حفص الباهلي أحد الأعلام، مات =","vol":"1","page":102},{"text":"علي (١) البصريين، وإسحاق بن إبراهيم النهشلي (٢) وزياد بن أيوب (٣) ومحمد ابن عبد اللَّه المخرمي (٤) ويعقوب الدورقي (٥) ويوسف بن موسى القطان (٦) ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة (٧) وخلق كثير من أمثالهم (٨).\n_________\n= ٢٤٩ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١١/ ٤٧٠).\n(١) نصر بن علي بن نصر الجهضمي الأزي أبو عمرو البصري الحافظ العلامة، الثقة، مات سنة ٢٥٠.\nسير أعلام النبلاء (١٢/ ١٣٣).\nتنبيه: جاء في المخطوطتين كذا:\nعمرو بن علي بن نصر والتصويب من تاريخ بغداد وغيره من مصادر ترجمة عبد اللَّه.\n(٢) إسحاق بن إبراهيم النهشلي المعروف بشاذان الفارسي صدوق، مات ستة سبع وستين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٨٢).\n(٣) زياد بن أيوب بن زياد الطوسي ثم البغدادي الإمام المتقن الحافظ يقال له شعبة الصغير، توفي سنة ٢٥٢.\nسير أعلام النبلاء (١٢/ ١٢٠)، والتقريب (ص ١٠٩).\n(٤) محمد بن عبد اللَّه بن المبارك المخرمي أبو جعفر القرشي، ثقة حافظ مات سنة ٣٦٠ هـ أو قبلها.\nتقريب (ص ٢٠٦).\n(٥) يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي الحافظ الإمام الحجة أبو يوسف العبدي كان ثقة حافظًا، صنف السند، مات سنة ٢٥٢.\nسير أعلام النبلاء (١٢/ ١٤١).\n(٦) يوسف بن موسى القطان أبو يعقوب نزيل الري ثم بغداد، صدوق، مات سنة ٢٥٣.\nتقريب (ص ٣٠٨).\n(٧) محمد بن عبد الرحيم بن أبي زهير البغدادي البزاز أبو يحيى المعروف بصاعقة، ثقة حافظ، مات سنة خمس وخمسين ومائتين.\nتقريب (ص ٣٠٨).\n(٨) انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٤٦٤ - ٤٦٥).","vol":"1","page":103},{"text":"وروى عنه أبو بكر بن مجاهد القراء (١) وعبد الباقي بن قانع (٢) ودعلج (٣) وأبو بكر الشافعي (٤) ومحمد بن المظرف الوراق (٥) والدارقطني (٦) وأبو حفص بن شاهين (٧) وأبو القاسم (٨) بن حبابه،\n_________\n(١) أبو بكر بن مجاهد: اسمه أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي المقرئ شيخ العراق في وقته، كان حافظًا دينًا خيرًا، توفى سنة ٣٢٤ هـ.\nغاية النهاية في طبقات القراء (١/ ١٣٩).\n(٢) عبد الباقي بن قانع بن مرزوق بن واثق الأموي مولاهم أبو الحسين البغدادي صاحب كتاب معجم الصحابة كان حافظًا صدوقًا، مات سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٢٦).\n(٣) دعلج بن أحمد بن دعلج أبو إسحاق السجزي، محدث ثقة فقيه ثبت، مات سنة ٣٥١ هـ.\nتذكرة الحفاظ (٣/ ٨٨١).\n(٤) أبو بكر الشافعي: هو محمد بن عبد اللَّه بن إبراهيم الإمام الحجة كان ثقة ثبتًا، صاحب تصانيف، مات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.\nتذكرة الحفاظ (٣/ ٨٨٠).\n(٥) محمد بن المظفر بن موسى بن عيسى أبو محمد البغدادي أبو الحسين كان محدثًا حافظًا، صادقًا مكثرًا، مات سنة ٣٧٧ هـ.\nتاريخ بغداد (٣/ ٢٦٢)؛ وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٤١٨).\n(٦) علي بن عمر بن أحمد أبو الحسن الدارقطني، أحد الأعلام الثقات، الحافظ الشهير صاحب السنن وغيره من المؤلفات مات سنة ٣٨٥ هـ.\nتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٩١).\n(٧) أبو حفص بن شاهين: عمر بن أحمد بن شاهين أبو حفص الإمام المفيد والمكثر محدث العراق، صاحب التصانيف الكثيرة، مات سنة ٣٨٥.\nتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٨٧).\n(٨) أبو القاسم بن حبابة: عبيد اللَّه بن محمد بن إسحاق بن سليمان ابن حبابة بالتخفيف البغدادي، محدث ثقة، مات سنة تسع وثمانين وثلاثمائة.\nتاريخ بغداد (١٠/ ٣٧٧)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥٤٨).","vol":"1","page":104},{"text":"والمخلص (١) وأبو عبد اللَّه ابن بطة (٢) وعيسى بن علي الوزير (٣).\nوكان عيسى يشير إلى موضع في داره ويقول: حدثنا أبو القاسم البغوي (٤) في ذلك الموضع، وحدثنا يحيى بن صاعد (٥) في ذلك.\nوثنا (٦) أبو بكر بن مجاهد في ذلك الموضع وذكر غير هؤلاء، فيقال ألا نراك تذكر أبا بكر بن أبي داود فيقول: ليته إذا مضينا إلى داره كان يأذن لنا في الدخول عليه والقراءة عليه (٧).\nونصب لأبي بكر بن أبي داود السلطان المنبر فحدث عليه لفضله ومعرفته (٨)\n_________\n(١) محمد بن عبد الرحمن أبو طاهر الخلص كان ثقة صالحا، مات سنة ٣٩٣.\nتاريخ بغداد (٢/ ٢٢٢).\n(٢) أبو عبد اللَّه بن بطة: عبيد اللَّه بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري الحنبلي ابن بطة مصنف كتاب الإبانة الكبرى، كان محدثًا فقيهًا عابدًا، مات سنة ٣٨٧ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٦/ ٥٢٩).\n(٣) عيسى بن علي الوزير مسند بغداد صاحب الأمالي، كان ثبت السماع صحيح الكتاب، مات سنة ٣٩١ هـ.\nتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٢٣).\n(٤) أبو القاسم البغوي: عبد اللَّه بن محمد بن عبد العزيز أبو القاسم البغوي الأصل البغدادي الدار والولد، محدث حافظ، ثقة مات سنة ٣١٧ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٤/ ٤٤٠).\n(٥) يحيى بن محمد بن صاعد بن كاتب محدث حافظ مجود رحال، توفى سنة ٣١٨ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٤/ ٥٠١).\n(٦) كذا في المخطوطتين وهي اختصار لكلمة حدثنا.\n(٧) انظر: النص في طبقات الحنابلة (٢/ ٥١ - ٥٢).\n(٨) طبقات الحنابلة (٢/ ٥٢).","vol":"1","page":105},{"text":"وقال الأزهري (١) سمعت أحمد بن إبراهيم بن شاذان (٢) يقول: خرج أبو بكر بن أبي داود إلى سجستان في أيام عمرو (٣) بن الليث فاجتمع إليه أصحاب الحديث وسألوه أن يحدثهم فأبى وقال: ليس معي كتاب، فقيل له ابن أبي داود وكتاب؟ قال أبو بكر فأثاروني فأمليت عليهم ثلاثين ألف حديث من حفظي، فلما قدمت بغداد قال البغداديون مضى ابن أبي داود إلى سجستان ولعب بالناس ثم جهزوا فيجًا (٤) اكتروه إلى سجستان ليكتب لهم النسخة فكتبت وجئ بها إلى بغداد، وعرضت على الحفاظ فخطئوني في ستة أحاديث، منها ثلاثة حدثت بها كما حدثت وثلاثة أحاديث أخطأت فها (٥).\nقال ابن شاهين (٦) سمعت أبا بكر بن أبي داود يقول:\nدخلت الكوفة ومعي درهم واحد فاشتريت به ثلاثين مدًا باقلا فكنت آكل منه\n_________\n(١) الأزهري: عبيد اللَّه بن أحمد بن عثمان الأزهري البغدادي الصيرفي أبو القاسم محدث مقري صدوق، مات سنة ٤٣٥.\nتاريخ بغداد (١٠/ ٣٨٥)؛ وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٧٨).\n(٢) أحمد بن إبراهيم بن الحسين بن شاذان البزاز البغدادي أبو بكر محدث ثقة، مات سنة ٣٨٣ هـ.\nتاريخ بغداد (٤/ ١٨)؛ وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠١٧).\n(٣) في المخطوطتين عمر بن الليث بدون واو والتصويب من مصادر ترجمته فهو عمرو بن الليث الصفار ثاني أمراء الدولة الصفارية توفى سنة ٢٨٩.\nانظر الأعلام للزركلي (٥/ ٨٤).\n(٤) الفيج: الجماعة من الناس، والفيج المسرع في مشيه الذي يحمل الأخبار من بلد إلى بلد.\nالنهاية (٣/ ٤٤٧، ٤٨٣).\n(٥) انظر النص في تاريخ بغداد (٩/ ٤٦٦).\n(٦) تقدم (١/ ١٠٤).","vol":"1","page":106},{"text":"مدًا واكتب عن أبي سعيد (١) الأشج ألف حديث، فلما كان الشهر، حصل معي ثلاثون ألف حديث.\nوقال ابن شاهين -أيضًا- وكان يملي من حفظه ولقد قرأ علينا يومًا حديث الفتون (٢) من حفظة فقال له أبو تمام الزينبي ما رأيت مثلك إلا أن يكون إبراهيم (٣) الحربي فقال كلما كان إبراهيم الحربي يحفظه فأنا أحفظه (٤).\nوقال (٥) أبو محمد الخلال (٦): \"كان أبو بكر بن أبي داود إمام العراق وكان في وقته مشايخ أسند منه -أي أعلا سندًا منه- ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغ (٧).\n_________\n(١) أبو سعيد الأشج: عبد اللَّه بن سعيد بن حصين الكندي الكوفي أبو سعيد الأشج محدث حافظ مفسر ثقة، مات سنة سبع وخمسين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٢/ ١٨٢)؛ وتقريب (ص ١٧٥).\n(٢) في النسختين: القنوت وما أثبته من مصادر تخريج الحديث، وهو حديث طويل جدًا رواه النسائي في تفسيره (٥/ ١٠)؛ وابن جرير في تفسيره (١٦/ ١٦٤)، وأبو يعلى في مسنده (٥/ ١٠) كلهم موقوفا على ابن عباس عند تفسير قوله تعالى ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوْنَا﴾ [طه: ٤٠].\n(٣) إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الحربي البغدادي أبو إسحاق محدث حافظ علامه صاحب تصانيف، توفى سنة ٢٨٥ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٥٦).\n(٤) انظر سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢٥).\n(٥) في \"ظ\": فقال.\n(٦) الخلال: الحسن بن أبي طالب محمد بن الحسن بن علي البغدادي أبو محمد الخلال محدث حافظ مصنف، سنة ٤٣٩ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٩٣).\n(٧) انظر النص في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢٤).","vol":"1","page":107},{"text":"وقال الخطيب (١): طاف شرفًا وغربًا استوطن بغداد وصنف المسند والسنن وغيرهما، وكان فقيهًا عالمًا حافظًا (٢)، وكان قوي النفس لا يذل نفسه أراد علي بن عيسي (٣) الوزير أن يصالح بينه وبين ابن صاعد (٤) فجمعهما فقال: يا أبا بكر أبو محمد أكبر منك فلو قمت إليه قال لا أفعل، فقال الوزير أنت شيخ زيف، قال الشيخ الزيف الكذاب على رسول اللَّه -ﷺ-، قال الوزير: من الكذاب؟ قال: هذا، ثم قام وقال: تتوهم أني أذل لك لأجل رزقي وإنه يصل على يدك، واللَّه لا أخذت من يدك شيئا.\nقال: فكان الخليفة المقتدر (٥) يزن رزقه بيده ويبعث إليه في طبق على يد الخادم (٦).\n_________\n(١) الخطيب: أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد أبو بكر البغدادي من كبار العلماء بالحديث والفقه له مصنفات كثيرة منها تاريخ بغداد، وشرف أصحاب الحديث، والكفاية في علم الرواية وغيرها، توفي سنة ٤٦٣ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٧٠).\n(٢) تاريخ بغداد (٩/ ٤٦٤).\n(٣) علي بن عيسى بن لاود بن الجراح أبو الحسن وزير المقتدر باللَّه والقاهر باللَّه كان صدوقًا دينًا فاضلًا عفيفًا في ولايته محمودًا في وزارته، توفي سنة ٣٣٤ هـ.\nتاريخ بغداد (١١/ ١٤).\n(٤) تقدم (١/ ١٠٥).\n(٥) المقتدر: جعفر بن المعتضد باللَّه أحمد بن أبي أحمد طلحة ابن المتوكل على اللَّه الهاشمي البغدادي الخليفة العباسي أبو الفضل مات سنة ٣٢٠.\nسير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٣).\n(٦) انظر: النص في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢٦).","vol":"1","page":108},{"text":"وعن أبي بكر بن أبي داود ﵄ قال: قلت لأبي زرعة (١) ألق عليّ حديثًا غريبًا من حديث مالك (٢) فألقى علي حديث وهب بن كيسان (٣) \"لا تحصي فيحصى عليك\" (٤) رواه عبد الرحمن (٥) بن شيبة وهو ضعيف، فقلت له يجب أن تكتبه عني عن أحمد بن صالح (٦) عن عبد اللَّه بن نافع (٧) عن مالك، فغضب وشكاني إلى أبي وقال: انظر ما يقول لي أبو بكر (٨).\n_________\n(١) أبو زرعة: عبيد اللَّه بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازي إمام حافظ ثقة مشهور، مات سنة ٢٦٤.\nتقريب (ص ٢٢٦).\n(٢) مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد اللَّه المدني الفقيه، إمام دار الهجرة وشيخ الإسلام، إمام من أئمة العلماء وأعلامهم، توفى سنة ١٢٧ هـ.\nسير أعلام النبلاء (٨/ ٢٣).\n(٣) وهب بن كيسان القرشي مولاهم أبو نعيم، المدني المعلم، ثقة، مات سنة ١٢٧ هـ.\nتقريبي (ص ٣٧٢).\n(٤) الحديث صحيح من طريق هشام بن عروه عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أخرجه البخاري في الزكاة باب الحث على الصدقة. فتح الباري (٣/ ٣٥١)؛ ومسلم في الزكاة باب الحث على الإنفاق وكراهية الإحصاء (٢/ ٧١٣) رقم (١٠٢٩).\n(٥) عبد الرحمن بن شيبة: اسمه عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، نسب إلى جده أبو بكر الجزائري المدني مختلف في توثيقه، مات في حدود العشرين ومائتين.\nميزان الإعتدال (٢/ ٥٧٨).\n(٦) أحمد بن صالح المصري المعروف بابن الطبري أبو جعفر، إمام محدث، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٤٨.\nسير أعلام النبلاء (١٢/ ١٦٠).\n(٧) عبد اللَّه بن نافع بن أبي نافع الصائغ المخزومي مولاهم أبو محمد المدني ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين، مات سنة ست ومائتين وقيل بعدها.\nتهذيب التهذيب (٦/ ٥١)، وتقريب التهذيب (ص ١٠٩١).\n(٨) انظر: النص في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢٦).","vol":"1","page":109},{"text":"وكان أحمد بن صالح يمنع المرد من مجلسه فأحب أو (١) داود أن يسمع من أبنه فشد لحيته على وجهه وسمع، فعرف وقال: أمثلي يعمل معه هذا، فقال لا تنكر عليّ هذا واجمع إبني مع الكبار فإن لم يقاومهم بالمعرفة فاحرمه السماع (٢).\nوذكره ابن عدي (٣) فقال: تكلم فيه أبوه وابن صاعد (٤) فأما أبوه فقال: من البلاء أنّ عبد اللَّه يطلب للقضاء (٥).\nقال الحافظ السيوطي (٦) في طبقات الحفاظ:\n\"هذا ليس بكلام بل قاله على سبيل التواضع، وأما ابن صاعد فعدوه فلا يعتد\n_________\n(١) في \"أ\" فأحب ابن أبي داود، وقد صححت في \"ظ\".\n(٢) قال الذهبي: اسناد هذه الحكاية منقطع.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢٦ - ٢٢٧).\n(٣) ابن عدي: عبد اللَّه بن عدي بن عبد اللَّه بن محمد الجرجاني أبو أحمد محدث حافظ، ناقد صاحب كتاب الكامل في الجرح والتعديل، طبع في سبعة مجلدات، مات سنة ٣٦٥ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٦/ ١٥٤).\n(٤) ابن صاعد تقدم (١/ ١٠٥).\n(٥) كما في المخطوطتين وفي طبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٣٢٤) يطلب للقضاء، والذي في الكامل لابن عدي (٤/ ١٥٧٨)؛ وفي تذكرة الحفاظ (٢/ ٧٧٢)؛ وكذلك في تاريخ دمشق ٣٤/ ٨٢ بطلب القضاء.\n(٦) السيوطي: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري الأسيوطي جلال الدين، محدث حافظ مؤرخ أديب بارع في عدد من العلوم له نحو ٦٠٠ مصنفا منها الكتاب الكبير والرسالة الصغيرة. وقد ترجم لنفسه في كتابه حسن المحاضرة (١/ ٣٢٥)، توفي سنة ٩١١ هـ.\nالأعلام (٣/ ٣٠١).","vol":"1","page":110},{"text":"بكلامه فيه كما لا يعتد بكلام ابن أبي داود في ابن صاعد (١).\nوقال ابن خلكان (٢) في وفيات الأعيان: \"كان أبو بكر عبد اللَّه بن أبي داود من أكابر الحفاظ ببغداد عالمًا متفقًا عليه إمامًا وله كتاب \"المصابيح\" وشارك أباه في شيوخه بمصر والشام وسمع ببغداد وخراسان وأصبهان وشيراز وغيرها. انتهى (٣).\nوأبو بكر هذا وأبوه الإمام صاحب السنن من أئمة علماء مذهبنا، وأبوه أحد نقلة مذهب الإمام أحمد (٤) وعدهما علماؤنا وغيرهم من جملة علماء المذهب.\nمولد الإمام الحافظ أبي بكر بن أبي داود سنة ثلاثين ومائتين، قال وأول ما كتبت سنة إحدى وأربعين عن محمد بن أسلم الطوسي (٥) وكان بطوس (٦) وكان\n_________\n(١) انظر: طبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٣٢٤). وانظر ما كتبته حول ما قيل في عبد اللَّه (١/ ٩٨) وما بعدها.\n(٢) ابن خلكان: أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان الأربلي الشافعي شمس الدين أبو العباس مؤرخ أديب شاعر من تصانيفه وفيات الأعيان وانباء ابناء الزمان مطبوع، توفى سنة ٦٨١ هـ.\nالوافي بالوفيات (٧/ ٣٠٨)؛ ومعجم المؤلفين (٢/ ٥٩).\n(٣) وفيات الأعيان (٢/ ٤٠٥).\n(٤) أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي البغدادي أبو عبد اللَّه أحد الأئمة الأعلام، ثقة فقيه حافظ حجة، مات سنة ٢٤١ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١١/ ١٧٧)؛ وتقريب (ص ١٦).\n(٥) محمد بن أسلم بن سالم بن يزيد أبو الحسن الكندي مولاهم الخراساني الطوسي محدث حافظ ثقة، مات سنة ٢٤٢ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٢/ ١٩٥).\n(٦) طوس: مدينة خراسان بينها وبين نيسابور عشرة فراسخ.\nمعجم البلدان (٤/ ٤٩).","vol":"1","page":111},{"text":"رجلًا صالحًا وسر بي أبي لما كتبت عنه وقال لي أول ما كتبت كتبت عن رجل صالح (١).\nقال أبو بكر: ورأيت جنازة إسحاق (٢) بن راهوية، ومات إسحاق سنة ثلاث وأربعين ومائتين وكنت مع ابنه في الكتاب (٣).\nوتوفى أبو بكر عبد اللَّه بن أبي داود ﵄ وهو ابن ست وثمانين سنة وست أشهر وأيام وصلى عليه مطلب الهاشمي (٤) ثم أبو عمر حمزة بن القاسم الهاشمي (٥) وقيل إنه صلى عليه ثمانين مرة (٦) حتى أنفذ الخديفة المقتدر باللَّه جماعة\n_________\n(١) النص في تاريخ بغداد (٩/ ٤٦٥).\n(٢) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي أبو محمد بن راهوية المروزي، ثقة حافظ مجتهد، قرين أحمد بن حنبل، مات سنة ٢٣٨ هـ.\nتقريب (ص ٢٧).\n(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ٥٤).\n(٤) مطلب ين إبراهيم بن عبد العزيز أبو هاشم الهاشمي كان إمام وخطيب جامع المهدي وهو جامع الرصافة ببغداد، توفى سنة ٣٢٢ هـ.\nتاريخ بغداد (١٣/ ٢٧١).\n(٥) حمزة بن القاسم بن عبد العزيز أبو عمر الهاشمي كان يتولى الصلاة بالناس في جامع المنصور، ثم تولى إمامة جامع الرصافة، توفى سنة ٣٣٥ هـ.\nتاريخ بغداد (٨/ ١٨١).\n(٦) الصلاة على أبي بكر أكثر من مرة فيها احتمالان: الاحتمال الأول أن هذا التكرار هو من عدة أئمة وجماعات متعددة جاءوا في أوقات مختلفة وذلك لكثرة المصلين عليه وعدم تمكنهم من المجيء في وقت واحد، ولذلك أبقي فى مكانه حتى يتمكن أكبر عدد ممكن من الصلاة عليه. ويؤيد هذا أن النص جاء في طبقات الحنابلة، وفي المنهج الأحمد هكذا: (وقيل صلى عليه ثمانون مرة) والصلاة على هذه الصفة جائزة فى قول كثير من أهل العلم عنهم الإمام أحمد وغيره. =","vol":"1","page":112},{"text":"فخلصوا جنازته، ودفنوه يوم الأحد لاثنتي عشرة بقيت من ذى الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة في مقبرة باب البستان في بغداد وقيل صلى عليه زهاء ثلاثمائة ألف إنسان وأكثر، وأخرج بعد صلاة الغداة ودفن بعد صلاة الظهر وخلف ثمانية أولاد أبو داود محمد، وأبو عمر عبيد اللَّه، وأبو أحمد عبد الأعلى وخمس بنات رحمهم اللَّه تعالى (١).\nوأما والده أبو داود (٢) فهو: سليمان بن الأشعث بن إسحق بن بشير بن شداد بن عمر بن عمران الأزدي، الإمام المتقن أبو داود السجستاني حافظ زمانه وإمام عصره وأوانه، وهو ممن رحل وجمع وصنف، وكتب عن العراقيين والخراسانيين\n_________\n= قال ابن قدامة فى المغني عند كلامه على مسألة: الرجل تفوته الصلاة على الجنازة قال: \"وجملة ذلك أن من فاتته الصلاة على الجنازة فله أن يصلى عليها ما لم تدفن فإن دفنت فله أن يصلى على القبر إلى شهر.\nهذا قول أكثر أهل الحلم من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم. . . ثم ساق الأدلة على ذلك ومنها أن النبي -ﷺ- ذكر رجلا مات فقال: دلوني على قبره فأتى قبره فصلى عليه متفق عليه\" انتهى.\nالإحتمال الثاني: تكرر الصلاة عليه من إمام واحد وجماعة واحدة ومن رجل واحد والصلاة على هذه الصفة فيها خلاف ين العلماء فمنعها الحنابلة وعند الشافعية فيها وجهان:\nالأول: الاستحباب.\nالثاني: المنع.\nللتفصيل راجع: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٩١)؛ والمجموع للنووي (٥/ ٢٤٤) وما بعدها.\n(١) انظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٥٤ - ٥٥).\n(٢) ترجمة أبي داود فى المصادر الآتية: تاريخ بغداد (٩/ ٥٥ - ٥٦)، وطبقات الحنابلة (١/ ١٥٩ - ١٦٢)؛ والمنتظم (٥/ ٩٧ - ٩٨)، ووفيات الأعيان (٢/ ٤٠٤)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٩١ - ٥٩٣)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٠٣)؛ والبداية والنهاية (١١/ ٥٤ - ٥٦)؛ وتهذيب الكمال (١١/ ٣٥٥)، وطبقات الحفاظ (ص ٢٦١)؛ ومختصر تاريخ دمشق (١٠/ ١٠٩) وغيرها.","vol":"1","page":113},{"text":"والشاميين والمصريين، سمع سيدنا الإمام أحمد (١) ومسلم (٢) بن إبراهيم وسليمان (٣) بن حرب، وأبا عمر الحوضي (٤) وأبا الوليد الطيالسي (٥) وخلقًا سواهم.\nروي عنه ابنه عبد اللَّه المتقدم ذكره (٦) وأبو عبد الرحمن النسائي (٧) وأبو بكر النجاد (٨) وأبو الحسين بن المنادي (٩) وأبو بكر\n_________\n(١) الإمام أحمد تقدم (١/ ١١١).\n(٢) فى النسختين: سليمان بن إبراهيم والتصويب من تاريخ بغداد وغيره من مصادر ترجمة أبي داود.\nوهو مسلم بن إبراهم الأزدي الفراهيدى أبو عمرو البصري، ثقة مأمون مكثر عمي بآخره، مات سنة ٢٢٢ هـ، وهو أكبر شيخ لأبي داود.\nتقريب (ص ٣٣٥).\n(٣) سليمان بن حرب الأزدي البصري القاصي بمكة، ثقة إمام حافظ توفى سنة ٢٢٤ هـ.\nتقريب (ص ١٣٣).\n(٤) حفص بن عمر بن الحارت الحوضي أبو عمر الأزدي البصري، محدث ثقة حافظ، مات سنة ٢٢٥ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٥٤)؛ وتقريب (ص ٧٨).\n(٥) أبو الوليد الطيالسي: هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم أبو الوليد الطيالسي البصري، ثقة ثبت، مات سنة سبع وعشرين ومائتين هـ.\nتقريب (ص ٣٦٤).\n(٦) انظر (١/ ٩٨).\n(٧) أحمد بن شعيب بن علي بن سنان أبو عبد الرحمن النسائي صاحب السنن، إمام محدث حافظ ثبت، مات سنة ٣٠٢ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٤/ ١٢٥)؛ وتهذيب الكمال (١/ ٣٢٨).\n(٨) أبو بكر النجاد: أحمد بن سلمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس المعروف بالنجاد أبو بكر محدث فقيه صدوق، مات سنة ٣٤٨.\nتاربخ بغداد (٤/ ١٨٩)؛ وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٠٣).\n(٩) أحمد بن جعفر بن محمد بن عبد اللَّه بن أبي داود بن المنادي أبو الحسين البغدادي، =","vol":"1","page":114},{"text":"الخلال (١) وأبو بكر ابن داود الأصبهاني (٢).\nوسمع منه سيدنا الإمام أحمد حديثًا واحدا (٣) من في رواية الأكابر عن الأصاغر (٤).\n_________\n= محدث حافظ مقرئ صاحب تصانيف، مات سنة ٣٢٦.\nسير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٦١).\n(١) أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد البغدادي المشهور بالخلال أبو بكر محدث فقيه حافظ، مات سنة ٣١١ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٩٧).\n(٢) أبو بكر بن داود: محمد بن داود بن علي الظاهري، عالم أديب فقيه، وهو مؤلف كتاب الزهرة في الأدب والشعر، مات سنة ٢٩٧ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ١٠٩).\n(٣) الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي داود هو كما ذكره الخطيب بسنده عن عبد اللَّه بن سليمان عن أبيه. . بسنده إلى أبي العشرا الدارمي عن أبيه أن رسول اللَّه -ﷺ- سئل عن العتيرة فحسنها، قال ابن أبي داود قال أبي فذكرته لأحمد ابن حنبل فاستحسنه وقال: هذا حديث غريب، وقال لي: اقعد فدخل فأخرج محبرة وقلما وورقة وقال أمله علي فكتبه عني، ثم شهدته يومًا آخر وجاءه أبو جعفر بن أبي سمينة فقال له أحمد ابن حنبل يا أبا جعفر عند أبي داود حديث غريب أكتبه عنه فسألني فأمليته عليه.\nتاريخ بغداد (٩/ ٥٧ - ٥٨).\nومعنى العتيرة في الحديث: شاة كان العرب في الجاهلية يذبحونها في العشر الأول من شهر رجب لأصنامهم وتسمى الرجبية وقد كانت تفعل في صدر الإسلام ثم نهى عنها.\nراجع المغني لابن قدامة (١١/ ١٢٥ - ١٢٦)؛ ومختصر سنن أبي داود للمنذري (٤/ ٩٢، ١٢٢)؛ والنهاية في غريب الحديث (٣/ ١٧٨).\n(٤) رواية الأكابر عن الأصاغر: أن يروي الكبير القدر أو السن أو هما عمن دونه في كل منهما أو فيهما.\nالباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث (ص ١٩٥).","vol":"1","page":115},{"text":"سكن أبو داود الإمام البصرة وقدم بغداد غير مرة، وروى كتابه المصنف في السنن بها ونقله عنه أهلها، ويقال إنه صنفه قديمًا وعرضه على سيدنا الإمام أحمد فاستجاده (١) واستحسنه.\nوهو أحد الكتب الستة.\nقال أبو داود رحمه اللَّه تعالى: قلت لأبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل ﵁ أرى رجلا من أهل السنة مع رجل من أهل البدع أترك كلامه؟ قال: لا، أولًا تعلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة فإن ترك كلامه فكلمه وإلا فالحقه به (٢).\nوسألته عن ملك يوم الدين أو مالك يوم الدين أنهما أحب إليك، قال: مالك أكثر ما جاء في الحديث (٣).\nقال أبو داود ﵁: \"كنت عن رسول اللَّه -ﷺ- خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمته هذا الكتاب -يعني كتاب السنن- جمعت فيها أربعة آلاف وثمانمائة حديث ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث (٤).\n_________\n(١) في \"أ\" فاستجازه وما أثبتنا في \"ظ\" وهو الموافق لما في تاريخ بغداد، وفي سير النبلاء (١٣/ ٢٠٩)؛ وفي طبقات الحنابلة: فأجازه واستحسنه.\nولعل ما أثبتنا هو الصحيح.\nانظر تاريخ بغداد (٩/ ٥٦)؛ وطبقات الحنابلة (١/ ١٦٠).\n(٢) النص في طبقات الحنابلة (١/ ١٦١).\n(٣) انظر: النص في طبقات الحنابلة (١/ ١٦١)؛ وفي مسائل الإمام أحمد لأبي داود (ص ٢٨٥).\n(٤) علق الذهبي ﵀ على قوله: يكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث بقوله: =","vol":"1","page":116},{"text":"أحدها: قوله ﵇: \"الأعمال بالنيات\" (١).\nوالثاني: قوله ﵇: \"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه\" (٢).\nوالثالث: قوله ﵇: \"لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضي لنفسه\" (٣).\nوالرابع: قوله ﵇: \"الحلال بين والحرام بين. . . \" (٤). الحديث.\n_________\n= فيكفي الإنسان لدينه. . . ممنوع بل يحتاج المسلم إلى عدد كثير من السنن الصحيحة مع القرآن.\nالسير (١٣/ ٢١٠).\nقلت ومراد أبي داود ﵀ أن هذه الأحاديث من أصول الدين وقواعده الأساسية التي يندرج تحتها الكثير من الأحكام وإن كان المسلم يحتاج إلى غيرها من السنن. واللَّه أعلم.\n(١) حديث مشهور رواه البخاري في صحيحه رقم (١) في بدء الوحي (١/ ١٥)؛ ومسلم رقم (١٩٠٧) في الإمارة باب قول النبي -ﷺ- \"إنما الأعمال بالنية\"؛ ورواه أصحاب السنن جامع الأصول (١١/ ٥٥٥).\n(٢) حديث صحيح بشواهده: أخرجه من حديث أبي هريرة الترمذي (٢٣١٧)؛ وابن ماجة (٣٩٧٦)؛ وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٦٨)؛ وفي صحيح سنن ابن ماجة رقم (٣٩٧٩)، وأخرجه من حديث الحسين بن علي أحمد في المسند (١/ ٢٠١)؛ والطبراني في الكبير (٣/ ١٣٨)، وفي الأوسط (٣/ ٤٢٠)، وفي الصغير (٢/ ٤٣، ١١١)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٨)؛ رواه أحمد والطبراني في الثلاثة ورجال أحمد والكبير ثقات؛ وأخرجه مالك في الموطأ عن علي بن الحسين موقوفًا (٢/ ٩٠٣)؛ وانظر التمهيد (٣/ ١٩٥)؛ وصحيح الجامع الصغير (٥/ ٢١٦).\n(٣) الحديث متفق عليه رواه البخاري، فتح الباري (١/ ٧٣)؛ ومسلم في الإيمان (ص ٤٥) من حديث أنس بن مالك.\n(٤) متفق عليه رواه البخاري في الإيمان: باب فضل من استبرأ لدينه (١/ ١٦)؛ ومسلم في المساقات: باب أخذ الحلال وترك الشبهات (١٥٩٩) عن النعمان بن بشير ﵁.","vol":"1","page":117},{"text":"قال إبراهيم الحربي: \"لما صنف أبو داود هذا الكتاب أُلين له الحديث كما أُلين لداود الحديد\" (١).\nوروي أن سنن أبي داود قرئت على ابن الأعرابي (٢) فأشار إلى النسخة وهي بين يديه (٣) فقال لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب اللَّه ﷿، ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة (٤).\nوجاء لأبي داود سهل بن عبد اللَّه التستري (٥) رحمه اللَّه تعالى فقيل له يا أبا داود هذا سهل بن عبد اللَّه قد جاءك زائرًا قال فرحب به وأجلسه، فقال: يا أبا داود لي إليك حاجة، قال وما هي؟، قال حتى تقول لي قد قضيتها، قال قد قضيتها مع الإمكان، قال أخرج لسانك الذي حدثت به عن رسول اللَّه -ﷺ- حتى أقبله، قال: فأخرج لسانه فقبله (٦).\nوقال أبو العلا المحسن (٧) الواذاري: \"رأيت النبي -ﷺ- في المنام فقال: من أراد\n_________\n(١) انظر النص في: طبقات الحنابلة (١/ ١٦٢)؛ وفي سير أعلام النبلاء (٣/ ٢١٢).\n(٢) ابن الأعرابي: أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم أبو سعيد ابن الأعرابي البصري إمام محدث صدوق، حمل السنن عن أبي داود مات سنة أربعين وثلاثمائة.\nتذكرة الحفاظ (٣/ ٨٥٢)؛ وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٠٧) وما بعدها.\n(٣) في \"أ\" بين يده والمثبت من \"ظ\" ومن طبقات الحنابلة (١/ ١٦٢) ولعله الصحيح.\n(٤) انظر النص في: طبقات الحنابلة (١/ ١٦٢).\n(٥) سهل بن عبد اللَّه التستري أبو محمد أحد أئمة الصوفية وعلمائهم، مات سنة ٢٨٣. الأعلام (٣/ ١٤٣).\n(٦) النص في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢١٣)؛ وفي وفيات الأعيان (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥).\n(٧) في النسختين: أبو العلا الحسن الداودي.\nوما أثبته من الأنساب للسمعاني واللباب لابن الأثير، قال في الأنساب: الواذاري بفتح الواو والدال المعجمة بين الألفين وفي آخرها الراء هذه النسبة إلى واذر وهي قرية من قرى =","vol":"1","page":118},{"text":"أن يستمسك بالسن فليقرأ كتاب أبي داود\" (١).\n\nفائدة:\nذكر الحافظ ابن حجر (٢) في شرح البخاري أن الإمام الحافظ يوسف بن عبد البر (٣) إمام المغرب أخرج بسند جيد عن أبي داود صاحب السنن -يعني صاحب الترجمة- أنه كان في سفينة فسمع عاطسًا على الشط حمد فأكثرى قاربًا بدرهم حتى جاء إلى العاطس فشمته ثم رجع فسئل عن ذلك فقال: لعله يكون مجاب الدعوة، فلما وقد سمعوا قائلًا يقول: يا أهل السفينة إن أبا داود اشترى الجنة من اللَّه بدرهم (٤).\n_________\n= أصبهان والمشهور بالنسبة إليها: أبو العلا المحسن بن إبراهيم بن أحمد الواذاري، توفي بعد الأربعمائة، وكذلك قال في اللباب؛ الأنساب (١٣/ ٢٥٢)؛ واللباب (٣/ ٣٤٥)؛ وانظر معالم السنن للخطابي (١/ ١٩)؛ والمنهل العذب المورود (١/ ١٦)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٢٧).\n(١) النص ذكره الخطابي في معالم السنن (١/ ٩)؛ ونقله عنه النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٢٧)؛ ومحمود السبكي في المنهل العذب (١/ ١٦).\n(٢) ابن حجر: أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني أبو الفضل شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، حافظ عصره وأحد أئمة علم الحديث له مصنفات كثيرة منها: فتح الباري في شرح صحيح البخاري؛ والإصابة في معرفة الصحابة وغيرها، مات سنة ٨٥٢ هـ.\nالضوء اللامع (٢/ ٣٦)، البدر الطالع (١/ ٨٧)، الأعلام (١/ ١٧٨).\n(٣) يوسف بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري الأندلسي القرطبى المالكي أبو عمر الإمام العلامة حافظ المغرب وصاحب التصانيف الفائقة منها التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، طبع كاملًا في ستة وعشرون مجلدًا، ومنها الإستيعاب في معرفة الأصحاب وغيرها، مات سنة ٤٦٣ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣)؛ وترتيب المدارك (٨/ ١٢٧).\n(٤) انظر: فتح البارى (١٠/ ٦٢٦).","vol":"1","page":119},{"text":"وكانت ولادة أبي داود سليمان بن الأشعث ﵁ سنة (اثنتين) (١) ومائتيين، وتوفى في البصرة يوم الجمعة منتصف شوال سنة خمس وسبعين ومائتين ﵀ ورضي عنه (٢).\n\nالمقصد (٣) الثاني (٤): في الإشارة إلى مذهب السلف وبيان حقيقته وأنه أسلم المذاهب وأعلم وأحكم وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وسائر أصحاب النبي المختار -ﷺ-، والذين اتبعوهم بإحسان وأئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم وتقدمهم والإقتداء بهم واتباعهم والسير بسيرهم والنهج على منوالهم فإن اللَّه ﷾ بعث نبيه وحبيبه ورسوله محمدًا -ﷺ- بالهدى ودين الحق، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد وشهد له بأنه بعثه داعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا وأمره (٥) أن يقول: ﴿. . . قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].\nفمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذى أخرج به الناس من الطمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة\n_________\n(١) فى النسختين سنة اثنين والصحيح ما أثبته.\n(٢) انظر: طبقات الحنابلة (١/ ١٦٢).\n(٣) كتب فى هامش \"ظ\" هنا: بلغ مقابلة.\n(٤) من هنا إلى آخر هذا المبحث نقله المصنف من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فى الفتوى الحموية الكبرى (ص ٨٧ - ٩٢) مع بعض الزيادات. وقد استعنت في تصحيح بعض الكلمات هنا بنص الحموية.\n(٥) في \"ظ\" فى الهامش: ﷺ وكتب عليها صح.","vol":"1","page":120},{"text":"وهو يدعو الى اللَّه وإلى سبيله، بإذنه على بصيرة وقد أخبر تعالى بأنه أكمل له ولأمته دينهم وأتم عليهم نعمته، فمحال مع هذا وغيره أن يكون ترك باب الإيمان باللَّه والعلم به ملتبسًا (١) مشتبهًا ولم يميز ما يجب للَّه من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وما يجوز عليه وما يستحيل فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية وأوجب وأفضل ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول.\nفكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول (٢) وأفضل خلق اللَّه بعد (٣) النبيين والمرسلين لم يحكموا هذا الباب إعتقادًا ولم يتقنوه قولًا واعتمادًا مع أن النبي -ﷺ- علم أمته كل شيء حتى الخراءة (٤).\nوقال: \"تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك\" (٥).\nوقال النبي -ﷺ- فيما صح عنه \"ما بعث اللَّه نبيًّا إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاههم عن شر ما يعلمه لهم\" (٦).\n_________\n(١) في المخطوطتين متلبسا، وما أثبته من الحموية لابن تيمية (ص ٨٨) ضن مجموع النفائس، وهو الصحيح.\n(٢) بعد هذه الكلمة في \"ظ\": الذى هو.\n(٣) في \"ظ\" من.\n(٤) هذا الحديث عن سليمان ﵁ قيل له: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال: أجل لقد نهانا -ﷺ- أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وأن لا نستنجي باليمين ولا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، وأن لا نستنجي برجيع أو عظم\".\nرواه مسلم في الطهارة رقم (٢٦٢)؛ وأبو داود في الطهارة رقم (٧).\n(٥) الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة (١/ ١٦) رقم (٤٣)، وأحمد في المسند (٤/ ١٢٦)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٩) عن العرباض بن سارية وقال الألباني: صحيح.\n(٦) رواه مسلم (٣/ ١٤٧٣) عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص.","vol":"1","page":121},{"text":"وقال أبو ذر الغفاري ﵁: \"لقد توفى رسول اللَّه -ﷺ- وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا (١) منه علمًا\" (٢).\nوقال عمر بن الخطاب ﵁ قام فينا رسول اللَّه -ﷺ- مقامًا فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه\" رواه البخاري (٣).\nفمحال مع (٤) تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين وإن دقت (٥) أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم رب العالمين الذي معرفته غاية المعارف وعبادته أشرف المقاصد والوصول إليه غاية المطالب هذه (٦) خلاصة الدعوة النبوية وخلاصة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب (٧) قد وقع من الرسول -ﷺ- على غاية التمام والكمال، ثم إذا كان وقع ذلك منه فمن المحال أنّ خير أمته وأفضل قرونها\n_________\n(١) إلا ذكرنا منه علمًا كذا في النسختين وهي رواية في المسند؛ وفي الحمرية (ص ٨٨): إلا ذكر لنا منه علمًا.\n(٢) رواه أحمد في المسند (٥/ ١٥٣، ١٦٢)، والطبرانى في الكبير (٢/ ١٦٦)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٦٣): ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يسم.\n(٣) في صحيحه كتاب بدء الخلق باب ما جاء في قول اللَّه تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] (٦/ ٣٣١) رقم (٣١٩٢).\n(٤) في النسختين بعد كلمة مع: (هذا) ولا يستقيم الكلام مع وجودها وما أثبته من الحموية (ص ٨٨).\n(٥) في النسختين: وإلا يترك والمثبت من الحموية.\n(٦) في \"ظ\": هذا هو.\n(٧) في \"ظ\": هذه الباب.","vol":"1","page":122},{"text":"قصروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه.\nثم من المحال -أيضًا- أن تكون القرون الفاضلة القرن الذي بعث فيهم رسول اللَّه -ﷺ- ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كانوا غير عالمين وقائلين في هذا الباب بالحق المبين لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق وكلاهما ممتنع.\nأما الأول فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم ونهمة للعبادة يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه من أكبر مقاصده وأعظم مطالبه -أعني بيان ما يعتقده- لا كيفية الرب تعالى وكيفية صفاته. وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر (وهذا أمر) (١) معلوم بالفطرة الوجدانية (٢)، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى الذي هو من أقوى المقتضيات أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم، هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق وأشدهم إعراضًا عن اللَّه وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا والغفلة عن ذكر اللَّه فكيف يقع في أولئك وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم.\nثم الكلام عنهم في هذا الباب أكثر من أن يمكن سطره (٣) في مثل هذا المختصر، يعرفه من تتبعه وطلبه، فزعم من زعم أن الخلف أعلم من السلف غباوة وجهل بقدر القوم بل ذلك جهل بمعرفة اللَّه ورسوله والمؤمنين به فإن حقيقة المعرفة المأمور بها في طريقة السلف ونهجهم أسلم وأعلم وأحكم.\n_________\n(١) زيادة من الحموية وبها يستقيم الكلام.\n(٢) في النسختين: الوجدية وما أثبتناه من الحمويه.\n(٣) في \"ظ\": تسطيره.","vol":"1","page":123},{"text":"وأما زعم من زعم أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم فكذب وافتراء وتمويه على الناس، لأنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه، بل بمنزلة الأميين الذين قال اللَّه تعالى فيهم ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨].\nوأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات. فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة الفاسدة، التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر وقد كذبوا على طريقة السلف وظلموا في تصويب طريقة الخلف فجمعوا بين الجهل والظلم.\nوسبب ذلك إعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة التي شركوا (١) فيها الفلاسفة والمعطلين فلما أعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر وكان مع ذلك لابد للنصوص من معان ارتبكوا بين الإيمان بالألفاظ وتفويض المعاني وهي التي يسمونها طريقة السلف وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف وهي التي يسمونها طريقة الخلف، فصار هذا مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع فإن النفي إنما اعتمدوا في على أمور عقلية ظنوها بينات وهي في نفس الأمر شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه فلما ابتنى أمرهم علي هاتين المقدمتين كانت النتيجة استجهل السابقين الأولين واستبلاههم واعتقاد أنهم (٢) كانوا قومًا أميين بمنزلة الصالحين من العامة لم يتبحروا في حقائق العلم باللَّه تعالى ولم تفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في\n_________\n(١) كذا في \"أ\" وفي \"ظ\": أشركوا.\n(٢) في المخطوطتين: واعتقادهم أنهم كانوا. . . وما أثبتنا من الحموية (ص ٨٨).","vol":"1","page":124},{"text":"هذا كله وهذا قول باطل وجهل بارد إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة بل في غاية الضلالة، فكيف يكون هؤلاء المتأخرون ولاسيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم وغلظ عن معرفة اللَّه حجابهم، وقد لجوا في بيداء الضلالة تائهين، وزعموا أنهم خاضوا بحور العلم دعوى وإنما سلكوا طريق المشائين فأثمر لهم ذلك الجد والإجتهاد الحيرة والتخبيط وكثرة الإنتقال والتخليط، فترى أحدهم زيف أحد الأقوال في بعض مؤلفاته واعتمده في بعض واعتمد بعضها في بعض وزيفه في آخر، وهذا دأب من سلك غير سبيل المعصوم وارتضع من غير لبان ما أنزل عليه من الحي القيوم، حتى يقول بعض (١) هؤلاء في أواخر عمره: \"لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت في الذي (٢) نهوني عنه والآن إن لم يتداركني اللَّه برحمته فالويل لفلان، وها أنا أموت على عقيدة أمي\".\nويقول الآخر: أكثر الناس شكًا عند الموت أصحاب الكلام (٣).\nويقول أحد فضلائهم (٤):\n_________\n(١) القائل هو: عبد الملك بن عبد اللَّه بن يوسف الجويني أبو المعالي إمام الحرمين المتوفى سنة ٤٧٨ هـ، وهذا القول عنه ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٦٨)؛ والسبكي في ترجمته في كتاب طبقات الشافعية (٥/ ١٨٥) بعبارات متقاربة؛ وانظر شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٢٨).\n(٢) في النسختين: في الذين والمثبت من الحموية (ص ٩١).\n(٣) انظر: هذه النصوص في الفتوى الحموية الكبرى (ص ٩١)؛ وفي الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ١٦٨).\n(٤) هو أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، المتوفى سنة ٥٤٨ ذكرهما في أول كتابه نهاية الأقدام في علم الكلام (ص ٣) ونسبهما إليه ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٢٨)؛ وانظر لوامع الأنوار (١/ ١١٠).","vol":"1","page":125},{"text":"لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك العالم\nفلم أر إلا واضعًا كف حائر ... على (١) ذقن أو قارعًا سن نادم\nويقول أحد رؤسائهم (٢):\nنهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال\nوأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال\nولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا\nوكل هؤلاء المتهوكون (٣) والزاعمون أنهم هم المحققون إذا حقق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم باللَّه وخالص المعرفة به خبر ولم يقعوا من ذلك على عين ولا أثر، كيف يكون هؤلاء المحجوبون المنقوصون المسبوقون المتخلفون الحيارى المرتبكون أعلم باللَّه وأسمائه وصفات وأحكم في باب ذات وصفاته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى ومصابيح الدجى الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم (٤) نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم اللَّه من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر\n_________\n(١) كذا في \"أ\" وفي \"ظ\"\nفلم أر إلا وضعا كف حائر ... أو قارع على ذقن سن نادم\n(٢) هو: فخر الدين محمد بن عمر الرازي (ت ٦٠٦) ذكرها في كتابه أقسام اللذات. انظر: درء تعارض العقل ونقل (١/ ١٥٩ - ١٦٠)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٢٧)؛ ومقدمة كتابه: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين؛ وطبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٩٦)؛ ولوامع الأنوار (١/ ١١٠).\n(٣) المتهوكون: التهوك: التحير - مختار الصحاح (هوك).\n(٤) في \"أ\" وبه نطق الكتاب وما أثبتنا من \"ظ\" ولعله الصحيح.","vol":"1","page":126},{"text":"أتباع الأنبياء، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق ما (١) لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحى من يطلب المقابلة.\nثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة ولاسيما العلم باللَّه، وأحكام أسمائه وآياته من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم.\nأم كيف يكون أفراخ المتفلسقة وأتباع الهند واليونان وورثة المجوس وعبدة الأوثان، وضلال اليهود والنصارى والصابئين وأشباههم أعلم من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟ وإنما استولى الضلال والتهوك على مثل هؤلاء لنبذهم الكتاب المبين وراء ظهورهم وإعراضهم عن سنة خاتم النبيين والمرسلين صلوات اللَّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وتركهم البحث عن طريق السابقين والتابعين والتماسهم علم معرفة اللَّه ممن لم يعرف اللَّه باقراره على نفسه وشهادة الأمة على ذلك (٢).\nوما أملح ما أنشده بعض الفضلاء (٣) في الكدح فيما لا يجدي:\nتجاوزت حد الأكثرين إلى العلا ... وسافرت واستبقتهم (٤) في المفاوز\nوخضت بحارًا ليس يدرك قعرها ... وسيرت نفسي في قسيم (٥) المفاوز\nولججت في الأفكار ثم تراجع ... اختياري إلى استحسان دين العجائز\n_________\n(١) في \"ظ\" بما.\n(٢) انتهى كلام شيخ الاسلام: انظر الحموية (ص ٩٢) ضمن مجموع النفائس.\n(٣) هو أبو الفتح القشيري: محمد بن علي بن وهب ابن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢ هـ.\nانظر: مختصر العلو (ص ٢٧٥)؛ ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ١٠٩ - ١١٠)؛ والوافي بالوفيات (٤/ ٢٠٨).\n(٤) في المخطوطتين استفتيتهم، وفي مختصر العلو استبقيتهم وفي اللوامع للمؤلف استبقتهم في المفاوز قال محققه وفي نسخة استبقتهم في المراكز، ولعل استبقتهم أصوب كما أثبتنا واللَّه أعلم.\n(٥) كذا في المخطوطتين: قسيم وفي مختصر العلو (ص ٢٧٦)؛ وفي اللوامع (١/ ١١٠) فسيح المفاوز.","vol":"1","page":127},{"text":"وحاصل ما اتفق عليه سلف الأمة وأعيان الأئمة في باب معرفة اللَّه وأسمائه وصفاته تعالى وتقدس:\n\"أنه ﵎ يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. فإنه قد علم بالسمع مع العقل أن اللَّه تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله كما قال تعالى:\n﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشوري: ١١].\nوقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].\nوقال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢].\nوقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣].\nوقد علم بالعقل أن المثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، فلو كان المخلوق مثلًا للخالق للزم اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع، والخالق جل ثناؤه يجب وجوده وقدمه والمخلوق يستحيل وجوب وجوده وقدمه بل يجب حدوثه وإمكانه، والمخلوق قد ثبت عدمه وما ثبت عدمه يستحيل قدمه (١).\nوسيأتي إن شاء اللَّه تعالى تقرير كلام أئمة السلف في شرح المنظومة عند كل مسألة منها ما يليق بالمقام واللَّه ولي الإنعام.\n\nالمقصد الثالث (٢): في وجوب الإعتصام بالرسالة وبيان\n_________\n(١) من قوله وحاصل ما اتفق عليه سلف الأمة إلى هنا نقله الشارح من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٩ - ١٠) مع بعض التصرف.\n(٢) نقل الشارح هذا المبحث من كلام شيخ الاسلام ابن تيمية ببعض التصرف والإختصار.\nانظر: مجموع الفتاوي (١٩/ ٩٣ - ١٠٣). وقد قابلت بعض الكلمات هنا بنص الفتاوى.","vol":"1","page":128},{"text":"أن (١) السعادة والهدى في متابعة الرسول -ﷺ-، وأن الضلال والشقاء في مخالفته، وأن كل خير في الوجود (من عام وخاص) (٢) فمنشأه من جهة الرسول وأن كل شر بالعالم وكل شر يختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول -ﷺ- والجهل بما جاء به. وأن سعادة العباد في المعاش والمعاد باتباع الرسالة، وهي ضرورية للعباد ولا بد لهم منها وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء وهي روح العالم ونوره وحياته فلا صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور، والدنيا مظلمة ملعونة كلها إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة (٣)، وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من\n_________\n(١) ساقطه في \"ظ\".\n(٢) كذا في النسختين وفي الفتاوى إما عام وإما خاص.\n(٣) جاء في الحديث: \"الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللَّه وما والاه أو عالما أو متعلمًا.\nرواه ابن ماجة في سننه رقم (٤١١٢) (ج ٢/ ١٣٧٧)؛ والترمذي في جامعه رقم (٢٣٢٢) (ج ٤/ ٥٦١) عن أبي هريرة ﵁ قال الترمذي: حديث حسن غريب. وحسنه الشيخ ناصر الألباني في صحيح الجامع رقم (٣٤٠٨).\nوجاء في القرآن والسنة ما يدل على ذم الدنيا وحقارتها وقد ظن بعض الناس أن المذموم هو الموجودات التي خلقت للمنافع فتركوا ما يصلح أحوالهم من طعام وشراب وملبس وبناء وهذا فهم خاطئ فإن المذموم هو جعل الدنيا غاية حياة الإنسان والتعلق بها حتى لا يكون له هم إلا مطعمه ومشربه وملبسه ومنصبه وأمواله.\nأما الآخرة والسعي لها فلا مكان لها في حياته هذا هو المذموم من الدنيا.\nوأما السعي المشكور فهو سعي من أراد الآخرة وسعي لها سعيها ولم ينس نصيبه من الدنيا فهو بهذا قد وازن بين مطالب الروح والجسد وأعطى لجسمه حقه ولربه حقه.\nفمفهوم ذم الدنيا يعني ألا يتعلق قلب العبد بشيء من شهواتها وألا تسيطر عليه فتنها وملذاتها وألا يتحرك فيها إلا من خلال منهج اللَّه ﵎ وأن يكون هدفه أن يتزود من دنياه لآخرته فيتمتع بما أحل اللَّه وينعم بالطيبات من الرزق من غير إسراف ولا تقتير كما قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]. وقال تعالى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] =","vol":"1","page":129},{"text":"حياتها وروحها فهو في ظلمة وهو من الأموات قال اللَّه تعالى:\n﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢].\nفهذا وصف المؤمن كان ميتا في ظلمة الجهل فأحياه اللَّه بروح الرسالة وبنور الإيمان وجعل له نورًا يمشي به في الناس.\nوأما الكافر فميت القلب في الظلمات، وقد سمى اللَّه على رسالته روحا، والروح إذا عدم تقدت الحياة قال (١) تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ (٢) رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ (٣) جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٤) [الشورى: ٥٢].\nفذكر في هذه الآية الكريمة الأصلين وهما الروح والنور.\nفالروح الحياة والنور المزيل للظلمات، فالكافر في ظلمات الكفر والشرك والشك ميت غير حي وإن كان فيه حياة بهيمية فهو عادم الحياة الروحانية العلوية التي سببها الإيمان وبه يحصل للعبد السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.\nفإن اللَّه تعالى جعل الرسل وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم ما\n_________\n= وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا. . .﴾ [المؤمنون: ٥١].\nوقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١].\nراجع مقدمة الزهد لعبد اللَّه بن المبارك بقلم حبيب الرحمن الأعظمي ومقدمة الزهد لوكيع بقلم عبد الرحمن الفريوائي، ومقدمة ذم الدنيا لابن أبي الدنيا بقلم مجدي السيد إبراهيم.\n(١) في \"ظ\" قال اللَّه تعالي\n(٢) سقط أول الآية من \"أ\" وكتب على الحاشية.\n(٣) سقط من \"ظ\" واستدرك في الحاشية وكتب عليها صح.\n(٤) في \"ظ\" بلغ مقابلة.","vol":"1","page":130},{"text":"ينفعهم وما يضرهم وتكميل ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، وبعثوا جميعهم بالدعوة إلى اللَّه تعالى وتعريف الطريق الموصل إليه، وبيان حالهم بعد الوصول إليه.\nفالأصل الأول تضمن اثبات الصفات والتوحيد والقدر وذكر أيام اللَّه في أوليائه وأعدائه، وهي القصص التي قصها على عباده والأمثال التي ضربها اللَّه لهم.\nوالأصل الثاني يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة وبيان ما يحبه اللَّه ويكرهه.\nوالأصل الثالث يتضمن الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار والثواب والعقاب على هذه الأصول الثلاثة، مدار الخلق والأمر والسعادة والفلاح موقوفة عليها ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهة الرسل فإن العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة، كالمريض الذي يدرك وجه الحاجة إلى الطب ومن يداويه ولا يهتدي إلى تفاصيل المرض وتنزيل الدواء عليه.\nوحاجة العبد إلى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطبيب فإن آخر ما يعذب بعدم الطبيب موت الأبدان. وأما إذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها مات قلبه موتًا لا ترجى الحياة معه أبدًا وشقي شقاوة لا سعادة معها أبدًا، فلا فلاح إلا باتباع الرسول فإن اللَّه تعالى خص بالفلاح أتباعه المؤمنين به وأنصاره كما قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\nأي لا مفلح إلا هم، كما قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].","vol":"1","page":131},{"text":"ونحو ذلك من الآيات، فعلم بذلك أن الهدى والفلاح دائر حول ربع (١) الرسالة وجودًا وعدمًا، وهذا مما اتفقت عليه الكتب المنزلة من السماء، بعثت به جميع الرسل، فالرسالة ضرورية في صلاح العبد في معاشه ومعاده فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباعها فالإنسان مضطر إلى الشرع فإنه بين حركتين حركة يجلب بها ما ينفعه وأخرى يدفع بها ما يضره، والشرع هو النور الذي يبين ما ينفعه وما يضره، فهو نور اللَّه في أرضه، وعدله بين عباده وحصنه الحصين وحبله المتين، وليس المراد بالشرع التمييز بين النافع والضار بالحس (٢) فإن ذلك يحصل للحيوانات العجم فإن الحمار والجمل يميز بين الشعير والتراب، بل المراد التمييز بين الأفعال التي تضر فاعلها في معاشه ومعاده والأفعال التي تنفعه في معاشه ومعاده، كنفع الإيمان والتوحيد والعدل والبر والصدق، والإحسان والأمانة والعفة والشجاعة والحلم والصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلة الأرحام وبر الوالدين والإحسان إلى المماليك والجيران، وأداء الحقوق، وإخلاص العمل للَّه والتوكل عليه والإستعانة به، والرضا بمواقع (٣) أقداره والتسليم لحكمه، والإنقياد لأمره، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وخشيته في الغيب والشهادة، والتقرب إليه بأداء فرائضه واجتناب محارمه، واحتساب الثواب عنده، وتصديقه وتصديق رسله (في كل\n_________\n(١) الربع: المنزل ودار الإقامة رباع القوم محلتهم والرباع جمعه والمعنى أن الفلاح دائر حول الرسالة وما جاءت به أمرًا ونهيًا.\n(النهاية ٢/ ١٨٩).\n(٢) كذا في المخطوطتين: بالحس، وفي اللوامع (٢/ ٢٦١) بالحسن.\n(٣) حصل هنا في نسخة \"ظ\" تكرار وخلط بعد قوله والإستعانة به فقد جاء فيها: (والإستعانة به والرضا بمواقع العمل للَّه والتوكل عليه والإستعانة به والرضا بمواقع أقداره. . .).","vol":"1","page":132},{"text":"ما أخبروا به) (١) ولاسيما في التوحيد، والإيمان به تعالى وبصفاته ونعوته، وعدم الإلحاد في أسمائه وصفاته بل الإيمان بكل ما أخبر (٢) به من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل فمن أعظم نعم اللَّه على عباده وأشرف مننه عليهم أن أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وبين لهم الصراط المستقيم، والدين القويم، ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم أو شر حالًا منها، فمن قبل الرسالة وما جاءت به الرسل واستقام عليها فهو من خير البرية ومن ردها وخرج عنها وطعن وألحد ولاسيما في الأسماء والصفات فهو شر البرية، وأسوأ حالًا من الكلب والخنزير، والحيوان والبهيم، والدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما أشرقت عليه شمس الرسالة (٣) وأسس بنيانه عليها، ولا بقاء لأهل الأرض إلا ما دامت آثار الرسالة موجودة (٤) فيهم، فإذا درست آثار الرسل من الأرض وانمحت بالكلية أخرب اللَّه العالم العلوي والسفلي وأقام القيامة، فالرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم وسائط بين اللَّه وبين خلقه في أمره ونهيه وهم السفراء بينه وبين عباده، وكان خاتمهم وسيدهم وأكرمهم على ربهم محمد -ﷺ- يقول: \"يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة\" (٥).\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].\n_________\n(١) في \"أ\" في كل ما أخبر به وما أثبتنا من \"ظ\" حيث صححت في \"ظ\" إلى: ما أخبروا به وكتب عليها صح.\n(٢) في \"ظ\" أخبروا به.\n(٣) انظر: تخريج الحديث والتعليق عليه (١/ ١٢٩).\n(٤) في \"أ\" موجود والمثبت من \"ظ\".\n(٥) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٥)؛ والبيهقي في دلائل النبوة (١/ ١٥٨) عن أبي هريرة وقال الحاكم صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي في التلخيص، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ١٥٩) رقم ٤٩٠.","vol":"1","page":133},{"text":"وقال -ﷺ-: \"إن اللَّه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب\" (١).\nوهذا المقت كان لعدم هدايتهم بالرسل فرفع اللَّه منهم هذا المقت برسول اللَّه -ﷺ- فبعثه اللَّه رحمة للعالمين ومحجة للسالكين وحجة على الخلق أجمعين، وافترض على العباد طاعته، ومحبته وتعزيره وتوقيره والقيام بأداء حقوقه.\nوسد تعالى إليه جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه، وأخذ العهود والمواثيق بالإيمان به وعلى تصديقه وحتَّم إتباعه على جميع الأنبياء والمرسلين (٢) وأمرهم أن يأخذوا العهود والمواثيق على من اتبعهم من المؤمنين (٣) أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرا وداعيًا إلى اللَّه يإذنه وسراجًا منيرًا، فختم به الرسالة وهدى به من الضلالة وعلم به من الجهالة، وفتح برسالته أعينًا عميًا وآذنًا صمًا، وقلوبًا غلفًا فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها وتألفت به القلوب بعد شتاتها فأقام به الملة العوجاء، وأوضح به المحجة البيضاء، وشرح له صدره ووضع\n_________\n(١) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٦٥) في الجنة: باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار: عن عياض بن حمار المجاشعي.\n(٢) في \"ظ\" بذلك.\n(٣) كما قال تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].\nقال علي بن أبي طالب وابن عمه ابن عباس ﵄: \"ما بعث اللَّه نبيًا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث اللَّه محمدًا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمدًا وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه.\nانظر: تفسير ابن كثير والبغوي (٢/ ١٧٧ - ١٧٨)؛ وتفسير القرطبي (٤/ ١٢٤ - ١٢٥)؛ ومجموع الفتاوي (٣/ ٩٢).","vol":"1","page":134},{"text":"عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وجعل الهدى والفلاح في اتباعه وموافقته، والشقاء والضلال في معصيته ومخالفته، وامتحن به الخلائق في قبورهم، فهم حتى في القبور عنه (مسئولون) (١) وبه ممتحنون (٢) فإذا كان هذا شأن هذا النبي الكريم والرسول الرؤوف الرحيم فكيف يلتمس الهدي والفلاح والفوز والنجاح من غير هديه القويم، وسبيله المستقيم، ولاسيما في معرفة اللَّه وصفاته التي هي الغاية القصوى والسعادة العظمى.\nفإن قلت ما منشأ هذا الخلاف والنزاع والتباين والإبتداع الذي طبق الأرض بأسرها، وعم الفرق في نهيها وأمرها؟\nفالجواب: إن منشأ ذلك كله عدم اتباع آثار الرسول وعدم التمسك بصحيح المنقول، والإستقلال بالعقول مع ميلها للأوضاع الفلسفية والإصطلاحات المنطقية، والمقدمات الكلامية، فمشوا على قانون أسلافهم وتركوا سنة نبيهم زعمًا أنهم المحققون وهم في الحقيقة تائهون ومتحذلقون وأين الثريا عن يد المتطاول؟\nفمنشأ التفرق (٣) والإختلاف والإبتداع والإنحراف علم الكلام الذي ذمه السلف وعابوه وحذروا منه وأبنوه (٤) وهو الكلام المشتبه المشتمل على حق وباطل فيه ما يوافق العقل والسمع وفيه ما يخالفهما فيأخذ هؤلاء جانب النفي المشتمل على نفي الحق والباطل وهؤلاء جانب الإثبات المشتمل على إثبات حق وباطل، وجماعه:\n_________\n(١) في \"أ\" مسلون وما أثبتنا من \"ظ\" ومن الفتاوى.\n(٢) نهاية كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد نقله المصنف ببعض التصرف والإختصار. مجموع الفتاوى (١٩/ ٩٣ - ١٠٣).\n(٣) من هنا نقل من كلام شيخ الاسلام. انظر الفتاوى (١٢/ ١٤٠).\n(٤) أبنوه: أي ذكروه بسؤ وقبح. لسان العرب، وصحاح الجوهري (ابن).","vol":"1","page":135},{"text":"هو الكلام المخالف لكتاب للَّه وسنة رسول اللَّه -ﷺ- فكل كلام كان كذلك فهو باطل، وذلك إنه لما تناظروا في مسألة حدوث العالم وإثبات الصانع، فأستدلت الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من طوائف الكلام على ذلك:\nبأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وأن المستدلين بذلك على حدوث الأجسام قالوا: إن الأجسام لا تخلوا عن الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث (١) ثم تنوعت طرقهم في المقدمة الأولى فتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلوا (عن الحركة والسكون وهما حادثان، وتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن الإجتماع والإفتراق وهما حادثان، وتارة يثبتونها بأن الأجسام) (٢) لا تخلوا عن الأكوان الأربعة: الإجتماع والإفتراق والحركة والسكون وهي حادثة وهذه طريقة المعتزلة ومن وافقهم، وتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلوا من كل جنس من الأعراض عن عرض منها ويقولون: القابل (٣) للشيء لا يخلو عنه وعن ضده،\n_________\n(١) وهذا الدليل هو الذي يسببه قامت الفتن وكثر الإضطراب والإختلاف وقال الجهمية والمعتزلة بإنكار الصفات قالوا: لأن إثبات الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم واللَّه ﷾ منزه عن ذلك لأن الصفات التي هي العلم والقدرة والإرادة ونحو ذلك أعراض ومعان تقوم بغيرها والعرض لا يقوم إلا بجسم واللَّه تعالى ليس بجسم لأن الأجسام لا تخلوا من الأعراض الحادثة وما لا يخلو من الحوادث فهو محدث.\nانظر: جواب شيخ الإسلام عن هذا الدليل في نقض تأسيس الجهمية (٢/ ٢١٩)؛ وانظر: اعتراضات الناس علي هذه الطريقة في (١٢/ ٢١٤، ١٣/ ١٤٧، ١٦/ ٢٦٧) من مجموع فتاوى شيخ الإسلام.\n(٢) الكلام الذي بين القوسين حصل فيه سقط استدرك في الهامش في \"أ\" وسقطت عبارة: إن الأجسام لا تخلو عن الإجتماع والإفتراق وهما حادثان من \"ظ\" وقد استعنا في تصويب النص من كلام شيخ الإسلام في الفتاوي (١٢/ ١٤٠ - ١٤١).\n(٣) في \"أ\" القايل. وما أثبتنا من \"ظ\" ومن الفتاوي (١٢/ ١٤١) وهو الصواب.","vol":"1","page":136},{"text":"ويقولون: إن العرض يمتنع بقاؤه زمانين، وهذه الطريقة هي التي اختارها أبو حسن الآمدي (١) وزيف ما سواها ووافقه عليها طائفة من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة كالقاضي أبي يعلى (٢)، وأبي المعالي (٣) الجويني من الشافعية وأبي الوليد (٤) الباجي من المالكية وغيرهم.\n_________\n(١) هو أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي الآمدي الحنبلي ثم الشافعي سيف الدين فقيه أصولي متكلم منطقي ولد آمد سنة ٥٥١ هـ وأقام ببغداد ثم انتقل إلى الشام ثم الي الديار المصرية وتوفي بدمشق في ٣ صفر من سنة ٦٣١ هـ ودفن بجبل قاسيون من تصانيفه: غاية المرام في علم الكلام؛ دقائق الحقائق في الحكمة؛ إحكام الأحكام في الأصول، وغاية الأمل في الجدل.\nانظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٣/ ٢٩٣)؛ والبداية والنهاية (١٣/ ١٤٠)، وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٦٤) ومعجم المؤلفين (٧/ ١٥٥).\n(٢) القاضي أبو يعلى: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء أبو يعلى شيخ الحنابلة عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون، حدث وأفتى ودرس وتخرج به جماعة، توفى في بغداد سنة ٤٥٨ هـ. من تصانيفه الكثيرة: الإيمان؛ والأحكام السلطانية؛ والكفاية في أصول الفقه؛ وأحكام القرآن؛ وعيون المسائل، والعدة في أصول الفقه وغيرها.\nانظر ترجمته في: طبقات الحنابلة لإبنه أبي الحسين محمد (٢/ ١٩٣)؛ وفي سير أعلام النبلاء (١٨/ ٨٩)؛ وانظر الأعلام للزركلي (٦/ ٩٩ - ١٠٠)؛ ومعجم المؤلفين (٩/ ٢٥٤ - ٢٥٥).\n(٣) أبو المعالي الجويني: هو عبد الملك بن عبد اللَّه بن يوسف الجويني أبو المعالي إمام الحرمين، فقيه أصولي متكلم مفسر أديب من تصانيفه الكثيرة: نهاية المطلب في دراية المذهب؛ الشامل في أصول الدين؛ البرهان في أصول الفقه؛ تفسير القرآن؛ الإرشاد إلى قواطع الأدلة وغيرها.\nانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٧١)؛ وفي طبقات الشافعية (٥/ ١٨٥)؛ ومعجم المؤلفين (٦/ ١٨٤).\n(٤) أبو الوليد الباجي: سليمان بن خلف بن سعد القرطبي أبو الوليد الباجي فقيه مالكي كبير =","vol":"1","page":137},{"text":"وأما الهشامية (١) والكرامية (٢) وغيرهم من الطوائف الذين لا يقولون بحدوث كل جسم، ويقولون إن القديم تقوم به الحوادث ويقولون: الجسم القديم يخلو عن الحوادث بخلاف الأجسام المحدثة فإنها لا تخلو عن الحوادث فلا يوافقون الآمدي ومن وافقه من كل وجه وهذا نزاع طويل عريض وبسببه افترقت الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كما في الحديث عن النبي -ﷺ- كما سنذكره فيما بعد (٣).\nقال أهل التاريخ إن المأمون (٤) بن هارون الرشيد لما هادن بعض ملوك النصارى\n_________\n= أصولي محدث متكلم شاعر ومفسر، من تصانيفه الكثيرة: إحكام الفصول في أحكام الأصول، والتسديد إلى معرفة التوحيد، واختلاف الموطآت؛ والمنتقى في شرح الموطأ وغيرها، توفي سنة ٤٧٤ هـ.\nانظر ترجمته في: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (٣/ ٩٤) القسم الثاني المجلد الأول؛ وفي الصلة لابن بشكوال (١/ ٢٠٠ - ٢٠١) رقم (٤٥٤)؛ وفي بغيسة التلماس رقم (٧٧٧)، وفي المغرب (١/ ٤٠٤)؛ وفي نفح الطيب (٢/ ٦٧) وما بعدها رقم (٤٥)؛ وفي الديباج المذهب (١/ ٣٧٧) وما بعدها؛ وفي ترتيب المدارك (٨/ ١٧٧).\n(١) الهشامية: هم أتباع هشام بن الحكم الرافضي من الإمامية وإليه تنسب المشبهة يزعمون أن معبودهم جسم وله نهاية واحد.\nانظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٠٦)، والفرق بين الفرق (ص ٦٥)؛ والملل والنحل (١/ ١٨٤)، والفصل (٥/ ١٤٠) والتبصير في الدين ص ٢٣ - ٢٤.\n(٢) الكرامية: أتباع محمد بن كرام السجستاني يقولون إن الإيمان القول باللسان دون القلب، ويقولون بالتشبيه.\nانظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٢٣)، والفرق بين الفرق (ص ٢١٦ - ٢١٧)؛ والملل والنحل (١/ ١٠٨)، والتبصير (ص ٦٥).\n(٣) انظر (١/ ١٣٩).\n(٤) المأمون: عبد اللَّه بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور العباسي أبو العباس، ولد سنة سبعين ومائة وقرأ العلم والأدب والأخبار والعقليات وعلوم الأوائل =","vol":"1","page":138},{"text":"قال الصلاح الصفدي (١) أظنه صاحب جزيرة قبرص طلب (٢) منه خزانة كتب اليونان وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليها أحد فجمع الملك خواصه من ذوي الرأي واستشارهم في ذلك فكلهم أشار بعدم تجهيزها إليه إلا مطران واحد فإنه قال جهزها إليهم فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها (٣).\nوكان شيخ الإسلام الإمام تقي الدين أبو العباس أحمد (٤) بن تيمية قدس اللَّه روحه يقول: ما أظن أن اللَّه يغفل عن المأمون ولا بد أن يقابله على ما اعتمده مع\n_________\n= وأمر بتعريب كتبهم وبالغ ودعا إلى القول بخلق القرآن وبالغ. وكان من أكثر رجال بني العباس حزمًا وعزمًا ورأيًا وعقلًا وهيبةً وحلمًا، مات سنة ثمان وعشرة ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٧٢).\n(١) خليل بن آيبك بن عبد اللَّه الصفدي صلاح الدين أديب مؤرخ كثير التصانيف، ولد في صفاد بفلسطين وإليها نسبته وتعلم في دمشق وفيها توفي سنه ٧٦٤ هـ. من تصانيفه: الوافي بالوفيات طبع بعضه؛ ونكت الهميان ط؛ والغيث المنسجم في شرح لامية العجم؛ وتمام المتون شرح رسالة بن زيدون وغيرها.\nالأعلام (٢/ ٣١٥).\n(٢) في \"ظ\": المأمون.\n(٣) ممن ذكر ذلك ابن النديم في الفهرست (ص ٣٠٤)؛ وابن خلدون في المقدمة (ص ٨٩٣)؛ والقريزي في الخطط (٢/ ٣٥٧)؛ وابن نباته المصري في سرح العيون (ص ٢٤٢)؛ وابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء (٢/ ١٤٣)، والسيوطي في تاريخ الخلفاء (ص ٢٤٢) نقلا عن الذهبي؛ وانظر لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ٩).\n(٤) ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد اللَّه الحراني الدمشقي الحنبلي أبو العباس تقي الدين ابن تيمية شيخ الإسلام وأحد الأعلام، كان من بحور العلم وممن سارت بتصانيفه الركبان وأثنى عليه الموافق والمخالف، توفى سنة ٧٢٨ هـ.\nانظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي؛ وتذكرة الحفاظ للذهبي (٢/ ١٤٩٦)؛ وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ٣٨٧).","vol":"1","page":139},{"text":"هذه الأمة من إدخال هذه العلوم الفلسفية بين أهلها (١) انتهى.\nهذا وإن كان أصل الخلاف كان موجودًا إلا أنه زاد البلاء واشرأبت الفتن وكثر الإختلاف وانتشرت الإحن بدخول كتب الفلاسفة في هذه الملة (٢) وبين علمائها.\nوقد روى من حدث أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"إن بني إسرإئيل اخرقوا على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة\" (٣).\nوأخرج الإمام أحمد (٤) في المسند من حديث معاوية ﵁ قال: قام فينا رسول اللَّه -ﷺ- فقال: \"إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا اثنتين وسبعين (٥) وإن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة\" (٦) رواه أبو داود وزاد فيه \"وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى\n_________\n(١) ذكر ذلك الصفدي في كتابه: الغياث المنسجم على لامية العجم (١/ ٧٩)، ونقله عنه السيوطي في صون المنطق ص (٨ - ٩)؛ والمؤلف في كتابه اللوامع (١/ ٩).\n(٢) في \"ظ\": المسألة.\n(٣) الحديث أخرجه أحمد (٣/ ١٤٥)؛ وابن ماجة (٢/ ١٣٢٢) رقم (٣٩٩٣)، قال البوصيري في الزوائد ص (١٧٩ - ١٨٠) إسناده صحيح رجاله ثقات. وله طرق وشواهد كثيرة انظرها في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (٢٠٣، ٢٠٤، ١٤٩٢).\n(٤) تقدم (١/ ١١١).\n(٥) في \"ظ\": فرقة.\n(٦) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ١٠٢)؛ وأبو داود (٥/ ٥ - ٦) رقم ٤٥٩٧؛ والدارمي (٢/ ١٥٨)؛ والحاكم (١/ ١٢٨)؛ والآجري في الشريعة (ص ١٨)؛ واللآلكائي في شرح السنة (١/ ١٠١، ١٠٢) وابن أبي عاصم في السنة (ج ٦٥)؛ والمروزي في السنة ص (١٤، ١٥)؛ قال الألباني في تخريج السنة صحيح بما قبله وما بعده. وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (٢٠٤).","vol":"1","page":140},{"text":"بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله\".\nقوله في الحديث: الكلب -هو بفتح اللام قال الخطابي هو داء يعرض للإنسان من عضة الكلبِ الكلبَ وعلامة ذلك في الكلب أن تحمر عيناه ولا يزال يدخل ذنبه بين رجله فإذا رأى إنسانًا ساوره (١).\nوفي رواية أنه -ﷺ- قال: \"ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة كلهم في النار إلا فرقة واحدة قيل له من هم يا رسول اللَّه؟ -يعني الفرقة الناجية- فقال: هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي\" (٢).\nوفي رواية ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلهم في النار إلا فرقة واحدة وهي ما كان (مثل) ما أنا عليه وأصحابي.\nوقال بعض الأئمة هم -يعني الفرقة الناجية- أهل الحديث (٣) يعني الأثرية (٤)\n_________\n(١) بقية كلام الخطابي -كما في معالم السنن (٤/ ٧) فإذا عقر هذا الكلب إنسانًا عرض له من ذلك أعراض رديئة منها أن يمتنع من شرب الماء حتى يهلك عطشًا حتى إذا سقي الماء لم يشربه فالكلب داء عظيم إذا تجارى بالإنسان تمادى وهلك.\n(٢) هذه الرواية أخرجها الترمذي (٢٦٤١)؛ والحاكم (١/ ١٢٨ - ١٢٩) والمروزي في السنة (ص ١٨)، وابن وضاح في البدع والنهي عنها ص ٨٥؛ والآجري في الشريعة (ص ١٥)؛ واللآلكائي في شرح السنة (١/ ٩٩) رقم (١٤٧)؛ وقال الترمذي: حديث مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه.\n(٣) قال شيخ الإسلام: الفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة وهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم وهم أهل الحديث والسنة.\nالفتاوى (٣/ ٣٤٥، ٣٤٧).\n(٤) الأثرية: نسبة إلى اتباع أثر الرسول -ﷺ-.","vol":"1","page":141},{"text":"والأشعرية (١) والماتريدية (٢).\nقلت: وجوهر الحديث ولفظه وهو قوله فرقة واحدة ينافي التعداد (٣).\n_________\n(١) الأشعرية: نسبة إلى أبي الحسن الأشعري: علي بن إسماعيل، المتوفى ٣٢٤ هـ.\nيقولون باثبات سبع صفات فقط لأن العقل دل على إثباتها وهي: السمع والبصر والعلم والكلام والقدرة والإرادة والحياة ويؤلون بقية الصفات وقالوا بأن كلام اللَّه هو المعنى القائم وهو قائم بالذات، هو الأمر والنهي والخبر والإستخبار فإن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة وإن عبر عنه بالسريانية كان انجيلًا، وعندهم أنّ الإيمان هو التصديق بالقلب، والعمل والإقرار من فروع الإيمان لا من أصله، وقد رجع أبو الحسن الأشعري عن قوله في الأسماء والصفات ووافق أهل السنة في إثباتها كما هو واضح في مؤلفاته منها: الإبانة؛ ومقالات الإسلاميين. لكن بقي أتباعه على خلافه إلى اليوم.\nانظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٥)، والفتاوي (١٢/ ١٦٥)، وشرح العقيدة الطحاوية ص ١٨٠؛ والإبانة ومقالات الإسلاميين (١/ ٣٤٥).\n(٢) الماتريدية: نسبة إلى أبي منصور -محمد بن محمد بن محمود- الماتريدي السمرقندي الحنفي- كان يقول: الإيمان تصديق القلب وأن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي، وليست الأعمال داخلة في الإيمان ولم يذكره أصحاب المقالات في كتبهم وإنما ذكره بعض المتأخرين، وله شرح على الفقه الأكبر المنسوب إلى أبي حنيفة مطبوع، توفى سنة ٣٣٣ هـ.\nانظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٧٣)؛ والعين والأثر (ص ٥٣)؛ والجواهر المضيئة (٣/ ٣٦٠ - ٣٦١)؛ ومفتاح السعادة (٢/ ١٥١ - ١٥٢).\n(٣) لكن الشارح ﵀ خالف كلامه هذا فيما سيأتي. انظر (١/ ٢٦٠، ٢/ ١٥، ١٣٨ - ١٣٩) من كتابه هذا فجعل أهل السنة ثلاث فرق: الأثرية والأشعرية والماتريدية.\nقال بعض العلماء في تعليقه على كتاب الشارح لوامع الأنوار (١/ ٧٣) عند قول الشارح أهل السنة ثلاث فرق: الأثرية والأشعرية والماتريدية:\nهذه مصانعة من المصنف في إدخاله الأشعرية والماتريدية من أهل السنة والجماعة، كيف يكون من أهل السنة والجماعة من لا يثبت علو الرب سبحانه فوق سماواته واستواءه على عرشه ويقول حروف القرآن مخلوقه وأن اللَّه لا يتكلم بحرف ولا صوت ولا يثبت رؤية =","vol":"1","page":142},{"text":"وقد روى هذا الحديث الحاكم (١) في صحيحه وصححه وأبو داود والترمذي (٢) وغيرهم.\nوقد روى حديث افتراق أمته -ﷺ- إلى ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار.\nروي من حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن عمر\n_________\n= المؤمنين ربهم في الجنة بأبصارهم فهم يقرون بالرؤية ويفسرونها بزيادة علم يخلقه اللَّه في قلب الرائي، ويقول الإيمان مجرد التصديق وغير ذلك من أقوالهم المعروفة المخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة.\nوفي تعليق للشيخ عبد اللَّه أبا بطين ما لفظه:\nتقسيم أهل السنة إلى ثلاث فرق فيه نظر فالحق الذي لا ريب فيه أن أهل السنة فرقة واحدة وهي الفرقة التاجية التي بينها النبي -ﷺ- حين سئل عنها بقوله: هي الجماعة وفي رواية من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي، ومن كان على ما أنا عليه وأصحابي.\nوبهذا عرف أنهم هم المجتمعون على ما كان عليه النبي -ﷺ- وأصحابه ولا يكونون سوى فرقة واحدة.\nثم قال: وبهذا عرف أن أهل السنة والجماعة فرقة واحدة: الأثرية قلت: وهذا هو الصحيح.\nوانظر فتاوي وتنبيهات للشيخ عبدالعزيز بن باز ص (١٩٣ - ١٩٤).\n(١) الحاكم: محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن حمدويه أبو عبد اللَّه الحاكم ابن البيع الضبي النيسابوري الشافعي من أكابر حفاظ الحديث والمصنفين فيه ومن أعلمهم بعلومه وصحيحه وسقيمه له مصنفات كثيرة منها: المستدرك على الصحيحين طبع في أربعة مجلدات؛ وعلوم الحديث؛ ومناقب الشافعي وغيرها، توفى سنة خمس وأربعمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٧/ ١٦٢)؛ والأعلام (٦/ ٣٢٧).\n(٢) الترمذي محمد بن عيسي بن سورة بن موسي السلمي الترمذي أبو عيسي صاحب \"الجامع الصحيح\" أحد الأئمة، ثقة حافظ، مات سنة تسع وسبعين ومائتين.\nتقريب (ص ٣١٤).","vol":"1","page":143},{"text":"وأبي الدرداء ومعاوية وابن عباس وجابر وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وعوف بن مالك وعمرو بن عوف المزني وأنس بن مالك ﵃.\nفكل هؤلاء قالوا: واحدة في الجنة وهي الجماعة.\nوأما ما نقله أبو حامد الغزالي في كتابه \"الفرقة بين الإيمان (١) والزندقة\" من أن النبي -ﷺ- قال: \"ستفترق أمتي نيفًا وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا الزنادقة (٢) \" وهي فرقة قال وهذا لفظ الحديث في بعض الروايات، قال وظاهر الحديث يدل على أنه أراد الزنادقة من أمته إذ قال ستفترق أمتي ومن لم يعترف بنبوته فليس من أمته. والذين ينكرون أصل المعاد والصانع فليسوا معترفين بنبوته. إذ يزعمون أن الموت عدم محض وأن العالم لم يزل كذلك موجودًا بنفسه من غير صانع ولا يؤمنون باللَّه واليوم الآخر وينسبون الأنبياء إلى التلبيس فلا يمكن نسبتهم إلى الأمة انتهى.\nقلت وهذا الحديث الذي ذكره الإمام الغزالي (٣) كذب موضوع.\n_________\n(١) طبع هذا الكتاب مع عدة رسائل للغزالي باسم القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالي، مكتبة الجندي بمصر والنص فيه (ص ١٤٣) وستأتي ترجمة الغزالي بعد قليل.\n(٢) في هامش \"ظ\" كتب ما يلي: قف على حديث نقله الغزالي: ستفترق أمتي نيفًا وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا الزنادقة. وأنه كذب مفترى لا أصل له باتفاق أهل العلم كما أفاده المصنف رحمه اللَّه تعالى.\n(٣) الغزالي: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الشافعي المعروف بالغزالي زين الدين أبو حامد حكيم متكلم فقيه أصولي صوفي مشارك في أنواع من العلوم صاحب تصانيف كثيرة، مات سنة ٥٠٥.\nانظر سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٢)؛ وطبقات الشافعية (٦/ ١٩١)؛ ومعجم المؤلفين (١١/ ٢٦٦).","vol":"1","page":144},{"text":"قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية (١) قدس اللَّه روحه: \"أما هذا الحديث -يعني الحديث الذي ذكره الغزالي فلا أصل له بل هو موضوع كذب باتفاق أهل العلم بالحديث ولم يروه أحد من أهل الحديث المعروفين بهذا اللفظ، بل الحديث الذي في السنن والمسانيد عن النبي -ﷺ- من وجوه أنه قال: \"ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار\".\nوروي عنه أنه قال: هي الجماعة.\nوفي لفظ آخر: \"هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي\" قال وضعفه ابن حزم (٢).\nلكن رواه الحاكم في صحيحه ورواه أبو داود والترمذي (٣) وغيرهم قال وأيضًا لفظ الزندقة لا يوجد في كلام النبي -ﷺ- كما لا يوجد في القرآن.\nوأما الزنديق الذي تكلم الفقهاء في توبته قبولًا وردًا فالمراد به عندهم المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر (٤). انتهي.\n_________\n(١) ابن تيمية تقدم (١/ ١٣٩).\n(٢) ابن حزم: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري أبو محمد عالم الأندلس في عصره واحد أئمة الإسلام، ولد بقرطبة وكانت له ولأبيه رئاسة الوزراء وتدبير المملكة فزهد بها وانصرف إلى العلم والتأليف فكان من صدور الباحثين فقيهًا حافظًا يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة، له مصنفات كثيرة، توفى سنة ٤٥٦ هـ.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٨٤)؛ وفيات الأعيان (٣/ ٣٢٥)؛ الأعلام (٤/ ٢٥٤).\n(٣) انظر: تخريج الحديث (١/ ١٤٠).\nوانظر كلام ابن حزم علي الحديث في الفصل (٣/ ٢٩٢).\n(٤) انظر: كلام شيخ الإسلام هذا في كتابه: بغية المرتاد (ص ٣٣٦ - ٣٣٧)؛ وعزاه المؤلف في كتابه اللوامع (١/ ٩٢) إلى: الإسكندرية لشيخ الإسلام.","vol":"1","page":145},{"text":"قلت: وقد ذكر الحديث الذي ذكره الغزالي الإمام الحافظ ابن الجوزي (١) في كتابه في الموضوعات (٢) وذكر أنه روي من حديث أنس ولفظه \"تفترق أمتي على سبعين أو إحدى وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة قالوا يا رسول اللَّه من هم؟ قال: الزنادقة وهم القدرية\".\nأخرجه العقيلي (٣) وابن عدي (٤) ورواه الطبراني (٥) أيضًا.\nقال أنس: \"كنا نراهم القدرية\" (٦).\nقال ابن الجوزي: وضعه الأبرد بن الأشرس وكان وضاعًا كذابًا وأخذه منه ياسين الزيات فقلب اسناده وخلطه وسرقه عثمان بن عفان القرشي.\n_________\n(١) ابن الجوزي: عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي أبو الفرج محدث مفسر مؤرخ وأعظ فقيه، مولده ووفاته ببغداد له نحو ثلاثمائة مصنف، مات سنة ٥٩٧ هـ.\nسير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٥)؛ وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٣٩٩)؛ والأعلام (٣/ ٣١٧).\n(٢) انظر: الموضوعات (١/ ٢٦٧).\n(٣) العقيلي: محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي الحجازي، محدث حافظ ناقد مصنف كتاب الضعفاء طبع في أربعة مجلدات، توفي سنة ٣٢٢ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٣٦)، الوافي بالوفيات (٤/ ٢٩١).\n(٤) تقدم (١/ ١١٠).\n(٥) الطبراني: سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمى الشامي أبو القاسم من كبار المحدثين الحفاظ له ثلاثة معاجم في الحديث الكبير والأوسط والصغير، وله كتاب السنة وغيرها، توفى سنة ٣٦٠ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٦/ ١١٩)؛ والأعلام (٣/ ١٢١).\n(٦) الحديث أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٠١)؛ وابن عدي في الكامل (٣/ ٩٣٤)؛ وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٦٧)؛ والسيوطي في اللآلي (١/ ٢٤٨).","vol":"1","page":146},{"text":"وهؤلاء كذابون متروكون فلا يعول على ما نقلوه ولا يلتفت إلى ما رووه (١) وباللَّه التوفيق.\n\nالخاتمة\nفي ذكر بعض أشياء لا ينبغي لمن يريد الخوض في هذا العلم أن يجهلها منها:\nمما ينبغي أن يعلم أن الأحكام الشرعية منها ما يتعلق بكيفية العمل وتسمى فرعية وعملية. ومنها ما يتعلق بالإعتقاد وتسمى أصلية واعتقادية والعلم المتعلق بالأولى علم الشرائع والأحكام لأنها لا تستفاد إلا من جهة الشرع. ولا يسبق إلى الفهم عند إطلاق الأحكام إلا إليها.\nوالمتعلق بالثانية علم التوحيد والصفات سمي بذلك لأنه أشهر مباحثه وأشرف مقاصده، وكان الصدر الأول رضوان اللَّه عليهم لصفاء عقائدهم ببركة صحبة النبي -ﷺ- وقرب العهد بزمانة وقلة الإختلافات والوقائع وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات مستغنين عن تدوين العلمين وترتيبهما أبوابًا وفصولًا وتقرير مقاصدهما فروعًا وأصولًا إلى أن حدثت الفتن بين المسلمين والخروج والبغي على أئمة الدين وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء وكثرت الفتاوى والواقعات والرجوع إلى العلماء في المهمات فاشتغلوا بالنظر والإستدلال والإجتهاد والإستنباط وتمهيد القواعد والأصول وترتيب الأبواب والفصول وتكثير المسائل بأدلتها وإيراد الشبه بأجوبتها وتعيين الأوضاع والإصطلاحات وتبيين المذاهب والإختلافات. وسموا ما يفيد معرفة الأحكام العملية عن أدلتها التفصيلية بالفقه.\nومعرفة أحوال الأدلة إجمالًا في إفادتها الأحكام بأصول الفقه ومعرفة العقائد\n_________\n(١) انظر: الموضوعات لابن الجوزي (١/ ٢٦٨).","vol":"1","page":147},{"text":"عن أدلتها بالكلام، وبأصول الدين وبالتوحيد وإنما سموه بالكلام لأن عنوان مباحثه: كان قولهم الكلام في كذا وكذا أو لأن مسألة الكلام الذي هو القرآن كانت أشهر مباحثه، وأكثرها نزاعًا وجدلًا، حتى قتل بعض المتغلبة خلقًا كثيرًا من أهل العلم والسنة لعدم قولهم بخلق القرآن كالمأمون وأخيه المعتصم (١) والواثق (٢) ابن المعتصم ونال سيدنا الإمام أحمد ﵁ من ذلك أذى كثيرًا ولأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم كالمنطق والفلسفة فيما يزعم ذووه. ولأنه أول ما يجب من العلوم التي إنما يعلم ويتعلم بالكلام فأطلق عليه هذا الإسم لذلك ثم خص به ولم يطلق على غيره تمييزًا له عن غيره. ولأنه إنما يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام من الجانبين وغيره قد يتحقق بالتأمل ومطالعة الكتب، ولأنه أكثر العلوم خلافًا ونزاعًا فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين والرد عليهم، ولأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم.\nكما يقال لأقوى الكلامين هذا هو الكلام، ولأنه لإبتنائه على الأدلة القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية أشد العلوم تأثيرًا في القلب وتغلغلًا فيه فسمي بالكلام المشتق من الكلم وهو الجرح وهذا هو كلام القدماء ومعظم خلافياته مع الفرق\n_________\n(١) المعتصم: محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور العباسي أبو إسحاق من أكابر خلفاء بني العباس وكانت له مع الروم وقائع مشهورة وكان ذا قوة وبطش وشجاعة وهيبة لكنه قليل العلم، وفي ولايته امتحن الناس بخلق القرآن، مات سنة سبع وعشرين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٧٢).\n(٢) الواثق: هارون بن المعتصم باللَّه محمد بن هارون الرشيد أبو جعفر الخليفة العباسي ولي الأمر بعهد من أبيه في سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان أديبًا مليح الشعر لكنه تشدد في المحنة والدعاء إلى القول بخلق القرآن، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين\nسير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٠٦).","vol":"1","page":148},{"text":"الإسلامية خصوصًا المعتزلة ومن نحا منحاهم.\nوأما تسميته بأصول الدين فالأصول جمع أصل ويطلق على أمور منها: ما ينبني عليه غيره، فسمي بذلك لابتناء الدين عليه بحسب أصله والمراد بالدين دين الإسلام. ويأتي تعريفه.\nوأما تسميته بالتوحيد فلأنه يبحث به عن الذات الواجب الوجود، والصفات.\nوكذلك يسمى بالعقائد مشتق من الإعتقاد الذي هو حكم الذهن الجازم.\nومنها ينبغي لكل طالب علم أن يتصور ذلك العلم بحده أو رسمه ليكون على بصيرة في طلبه وأن يعرف موضوعه ليمتاز عنده عما سواه مزيد امتياز فإنما تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها، وأن يصدق بغاية مآله وإلا كان الطلب عبثًا، ولا بد أن يكون معتدًا بها بالنظر لمشقة التحصيل. وإلا ربما فتر جده، ولابد أن تكون مترتبة (١) على ذلك الشيء المطلوب، وإلا ربما زال اعتقادها بعد الشروع فيه فيصير سعيه في تحصيله عبثا في نظره.\nإذا عرفت هذا فالفن المسمى بأصول الدين وبعلم العقائد وبعلم التوحيد والصفات وبعلم الكلام.\nأما تعريفه: (٢) العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية أي العلم بالقواعد الشرعية الإعتقادية المكتسب من أدلتها اليقينية والمراد بالدينية المنسوبة إلى دين محمد -ﷺ- من السمعيات وغيرها سواء كانت من الدين في الواقع ككلام أهل الحق أو لا ككلام أهل البدع.\n_________\n(١) في \"ظ\" مرتبة.\n(٢) في \"ظ\" فهو.","vol":"1","page":149},{"text":"واعتبروا في أدلتها القين لعدم الإعتداد بالظن في الإعتقاديات (١) فدخل في التعريف علم علماء الصحابة فإنه كلام وأصول وعقائد وإن لم يكن يسمى في ذلك الزمان بهذا الإسم.\nكما أن علمهم بالعمليات فقه وإن لم يكن ثَمّ هذا التدوين والترتيب. وذلك إذا كان متعلقًا بجميع العقائد بقدر الطاقة البشرية مكتسبًا من النظر في الأدلة اليقينية، أو كان ملكة تتعلق بها بأن يكون عندهم من المآخذ والشرائط ما يكفيهم في استحضار العقائد، وقال غير واحد حده: علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية ودفع الشبه -أي المنسوبة إلى دين سيدنا محمد -ﷺ- وإن لم تكن مطابقة للواقع لعدم إخراجنا الخصم عن أن يكون من علماء الكلام وإن خطأناه أو كفرناه (٢).\nفيه بقوله ودفع الشبه على لطيفة وهي أن ليست القواعد الكلامية لأجل أن يؤخذ منها الإعتقادات الإسلامية، بل المقصود منها ليس إلا دفع شبه الخصوم فإنهم\n_________\n(١) هذا هو مذهب أهل الكلام الذين يقولون إن أحاديث الآحاد لا تثبت به عقيدة. وبذلك ردوا كثيرًا من أحاديث الصفات وغيرها، بدعوى أنها أخبار آحاد تفيد الظن، فلا يعمل بها. وهو مذهب باطل لا يعول عليه. ويكفي في ظهور بطلانه أنه يستلزم رد الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي -ﷺ- بمجرد تحكيم العقل والمذهب الحق أن أخبار الآحاد الصحيحة كما تقبل في الفروع تقبل في الأصول، فما ثبت عن النبي -ﷺ- بأسانيد صحيحة من صفات اللَّه يجب إثباته وإعتقاده على الوجه اللائق بكمال اللَّه وجلاله على نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\nانظر: مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (٢/ ٣٣٢) وما بعدها؛ وشرح الكوكب المنير (٢/ ٣٥٢)، ومذكرة أصول الفقه الامين الشنقيطي (ص ١٠٤ - ١٠٥)؛ ومقدمة في مصطلح الحديث والحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام للألباني؛ ووجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين للألباني أيضًا.\n(٢) نظر: الواقف في علم الكلام (ص ٧)، وشرح المقاصد (١/ ١٨٠)، مفتاح السعادة (٢/ ١٥٠)؛ أبجد العلوم (٢/ ٦٧).","vol":"1","page":150},{"text":"طعنوا في بعض منها بأنه غير معقول فبينوا بالقواعد الكلامية معقولية ذلك البعض وإنما تؤخذ الإعتقادات الإسلامية من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية.\nوأما موضوعه: فهو المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية تعلقًا قريبًا -أي بلا واسطة- وبعيدًا أي بواسطة لا ذات اللَّه للبحث عن صفاته وأفعاله العارضين له كما ظن بعضهم لأنا نبحث عن أمور أخرى في الكلام من غير ملاحظة استنادها الى ذات اللَّه تعالى وعروضها له (١) كالجواهر والأعراض فيبحث في هذا العلم عن أحوال الصانع من القدم والوحدة والقدرة والإرادة وغيرها ليعتقد ثبوتها له تعالى.\nوأحوال الجسم والعرض من الحدوث والإفتقار والتركيب من الأجزاء وقبول الفناء ونحو ذلك ليعتقد تنزيهه تعالى عنها، فيثبت للصانع ما ذكر مما هو عقيدة إسلامية أو وسيلة إليها.\nوكل هذا بحث عن أحوال المعلوم كإثبات العقائد الدينية وهو كالموجود إلا أنه أوثر على الموجود ليصح على رأي من لا يقول بالوجود الذهني ولا يعرف العلم بحصول الصورة في العقل وورى مباحث المعدوم والحال من مسائل الكلام.\nوأما غايته: فهي أن يصير الإيمان والتصديق بالأحكام الشرعية متقنًا محكمًا لا تزلزله شبه المبطلين فيرقى من حضيض التقليل إلى ذروة الإيقان بسبب التمكن من الإستدلال.\nومن فوائده أيضًا: إرشاد الطالبين وإلزام المعاندين بإقامة الحجج والبراهين ونقض غبار شبه الخصوم عن قواعد الدين وصحة النية والإعتقادات الإسلامية التي يقع بها العمل في حيز القبول.\n_________\n(١) ليست في: \"ظ\".","vol":"1","page":151},{"text":"وفائدة جميع ذلك: الفوز بسعادة الدارين والظفر بما هو كمال في الكونين من انتظام المعاش في الدنيا بالمحافظة على العدل والمعاملة المحتاج إليها في إبقاء النوع الإنساني على وجه لا يؤدى إلى الفساد. وفي الآخرة النجاة من العذاب المرتب على الكفر وسوء الإعتقاد.\nومسائله: القضايا النظرية الشرعية الإعتقادية.\nواستمداده: من الكتاب والسنة والتفسير والإجماع مع النظر الصحيح.\n\nومنها: أنه مما ينبغي أن يعلم أن<span data-type=\"title\" id=toc-63> أسباب العلم ثلاثة:</span>\nإحداها: الحواس السليمة، وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس. فكل حاسة منها -يُوقف- بمعنى يطلع على ما وضحت هي له- كالسمع للأصوات (والبصر للمبصرات) (١) والذوق للمطعوم والشم للروائح واللمس للملموسات من حرارة وبرودة ورطوية ويبوسة ونحو ذلك.\nالثاني: الخبر الصادق من الكتاب المنزل والأحاديث عن النبي المرسل فإن معظم المعلومات الدينية مستفادة من الخبر الصادق.\nالثالث: العقل لحكم الإستقراء.\nووجه الحصر أن السبب إن (٢) كان من خارج فالخبر الصادق وإلا فإن كان آلة غير المدرك فالحواس وإلا فالعقل فإن قيل السبب المؤثر في العلوم كلها هو للَّه تعالى لأنها بخلقه وإيجاده من غير تأثير للحاسة والخبر والعقل.\n_________\n(١) استدركت في هامش \"أ\" وكتب عليها صح.\nوفي \"ظ\" كتب فى الهامش نسخة: للمرئيات. وكتب بلغة مقابلة.\n(٢) في \"ظ\" إذا.","vol":"1","page":152},{"text":"والسبب الظاهري كالنار للإحراق هو العقل لا غير وإنما الحواس والأخبار آلات وطرق للإدراك. والسبب المنفي في الجملة بأن يخلق اللَّه تعالى العلم معه بطريق جري المادة عند الأشاعرة ومن نحا نحوهم ليشمل المدرك كالعقل والآلة كالحس والطريق كالخبر لا ينحصر في الثلاثة بل ثم أشياء أخر مثل (١) الوجدان والحدس والتجربة ونظر العقل بمعنى ترتيب المباديء والمقدمات.\nفالجواب أن هذا جرى على عادة مشايخ علماء الكلام ومحققيهم في الإقتصار على المقاصد والإعراض عن تدقيقات الفلاسفة (٢) واللَّه أعلم.\nومنها: العلم لا يحد في وجه والحق أنه كحد وهر صفة يميز المتصف بها تمييزًا جازمًا مطابقًا للواقع لا يحتمل النقيض.\nوقد يراد به مجرد الإدراك جازمًا أو مع احتمال راجح أو مرجوح أو مساو على سبيل المجاز فيشمل الأربعة قوله تعالى -حاكيًا مقالة النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١] إذ المراد نفي كل إدراك.\nوعلم اللَّه تعالى قديم ليس بضروري ولا نظري ولا يوصف تعالى بأنه عارف.\nقال العلامة ابن حمدان (٣) في نهاية المبتدئين: علم اللَّه تعالى لا يسمى معرفة\n_________\n(١) ساقطة من \"ظ\".\n(٢) انظر: شرح العقيدة النسفية (ص ٢٩).\n(٣) أحمد بن حمدان بن شبيب بن حمدان الحراني الحنبلي نجم الدين أبو عبد اللَّه الفقيه الأصولي الأديب نزيل القاهرة وصاحب التصانيف النافعة من كتبه: نهاية المبتدئين؛ في أصول الدين؛ والمقنع؛ في أصول الفقه؛ والرعاية الكبرى؛ والرعاية الصغرى في الفقه؛ وصفة المفتي والمستفتي؛ وغيرها. توفى سنة ٦٩٥ هـ. =","vol":"1","page":153},{"text":"حكاه القاضي (١) إجماعًا.\nوعلم المخلوقات محدث وهو قسمان:\n١ - ضرورى وهو ما يعلم من غير نظر كتصورنا معنى النار وإنها حارة.\n٢ - نظري وهو ما لا يعلم إلا بنظر وهو عكس الضروري.\nوتعريف العلم الضروري هو ما لزم نفس المكلف لزومًا لا يمكنه الخروج عنه (٢).\n\nفائدة:\nما عنه الذكر الحكمى يعني المعنى الذي يعبر عنه بالكلام الخبري من إثبات أو نفي تخيله أو لفظ به.\nإما أن حتمل متعلقه النقيض بوجه من الوجوه أو لا.\nالثاني العلم والأول إما أن يحتمله عند الذاكر لو قدره في نفسه أولا.\nالثاني: الإعتقاد فإن طابق لما في نفس الأمر فهو اعتقاد صحيح وإن لم يطابق ففاسد.\nوالأول وهو الذي يحتمل النقيض عند الذاكر لو قدره الراجح منه ظن،\n_________\n= انظر ترجمة في: ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٣٣١)؛ وشذرات الذهب (٥/ ٤٢٨)؛ والأعلام (١/ ١١٩).\n(١) القاضى: أبو يعلى الفراء: محمد بن الحسين البغدادي الحنبلي (٣٨٠ - ٤٥٨ هـ). نقدمت ترجمته (١/ ١٣٧).\n(٢) انظر: شرح الكوكب المنير (١/ ٦٧).","vol":"1","page":154},{"text":"والمرجوح وهم والمساوي شك (١) واللَّه تعالى أعلم.\nوقد آن لنا أن نشرع في شرح القصيدة الفريدة والخريدة المفيدة.\nفنقول:\n* * *\n_________\n(١) انظر هذه المباحث التي ذكرها المصنف في خاتمته هذه في المصادر الآتية:\nشرح المقاصد (١/ ١٧٨) وما بعدها؛ وفى شرح العقيدة النسفية (ص ٩) وما بعدها؛ وفي المواقف فى علم الكلام (ص ٧)؛ وفى شرح الكوكب المنير (١/ ٧٣) وما بعدها؛ وفي لوامع الأنوار للمصنف (١/ ٥).","vol":"1","page":155},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nاعلم أني في جميع الكتب التي وقفت عليها مما هذه القصيدة مذكورة فيها لم أر من صدرها بالبسملة. وذلك لأني إنما وقفت عليها في ترجمة ناظمها وليس من عادة المترجمين ذكر البسملة في أول منظومات العلماء.\nويحتمل أن الناظم قدس اللَّه روحه لم يأت بها في أول منظومته إما لهضم نفسه بأن منظومته ليست من الأمور التي يهتم بها ويحتفل بشأنها فهي عنده ليست من أمر ذي بال (١).\nأو يكون ترك البسملة لورود النهي عن الإتيان بها في الشعر فقد جاء عن الشعبي (٢) رحمه اللَّه تعالى منع ذلك.\nوعن الزهري (٣) قال مضت السنة أن لا يكتب في الشعر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.\n_________\n(١) قلت هذه المنظومة تمثل أهم قضايا العقيدة، وقد نظمها الناظم ﵀ ليرد بها على أهل الأهواء والبدع. ورواها عنه تلاميذه حتى تواترت عنه وأهتم بها العلماء قديمًا وحديثًا. وصنفوا لها الشروح فهي من الأمور المهمة.\nلكن لعلة ترك البسملة كما ذكر المؤلف لورود النهي عن كتابتها في الشعر أو للتعليل الأول الذي ذكره المؤلف. واللَّه أعلم.\n(٢) الشعبي: عامر بن شراحيل الشعبي بفتح المعجمة أبو عمرو إمام فقيه ثقة مشهور فاضل، مات بعد المائة.\nتقريب (ص ١٦١).\n(٣) الزهري: محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب القرشي الزهري وكنيته =","vol":"1","page":156},{"text":"وعن سعيد (١) بن جبير ﵀ جواز ذلك.\nوتابعه على ذلك الجمهور واختاره غير واحد من أهل العلم ما لم يكن محرمًا أو مكروهًا.\nوأما ما كان متعلقًا بالعلم كهذه المنظومة فتصديره بالبسملة محل وفاق (٢).\nاقتداء بالكتاب العظيم وتأسيًا بالنبي الكريم وامتثالًا لقوله -ﷺ-: \"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فهو أبتر\" -أي ذاهب البركة-.\nرواه الخطيب في كتابه \"الجامع\" (٣).\nوفي رواية فهو أقطع. وفي أخرى أجذم.\nوقد ذكر العلامة أبو بكر التونسي (٤) من المالكية إجماع علماء كل ملة على أن\n_________\n= أبو بكر الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه، مات سنة خمس وعشرين ومائة وقيل قبل ذلك.\nتقريب (ص ٣١٨).\n(١) سعيد بن جببر الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه مفسر، قتل بين يدي الحجاج بن يوسف سنة خمس وتسعين ولم يكمل الخمسين.\nتقريب (ص ١٢٠).\n(٢) انظر: حول الخلاف في كتابة البسملة في الشعر ورأى هؤلاء العلماء في تفسير القرطبي (١/ ٩٧)؛ والجامع لأخلاق الراوي (١/ ٢٦٣)؛ والفروع لابن مفلح (١/ ٤١٣ - ٤١٤)؛ ولوامع الأنوار (١/ ٣٤).\n(٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٦٩)؛ ورواه السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (١/ ١٢) من طريق الحافظ الرهاوي من رواية أبي هريرة ﵁.\nقال الألباني في تخريج أحاديث منار السبيل (١/ ٢٩) رقم ١ إسناده ضعيف جدًا.\n(٤) أبو بكر بن إسماعيل بن شهاب الدين عمر بن علي الشنواني، تونسي الأصل نحوي، ولد في شنوان بالمنوفية بمصر. وتعلم في القاهرة وبها وفاته وله كتب كلها شروح وحواش =","vol":"1","page":157},{"text":"اللَّه سبحانه افتتح جميع كتبه ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.\nوالباء فيها للإستعانة أو المصاحبة متعلقة بمحذوف وتقديره فعلا خاصا مؤخرا أولى، واللَّه علم على الذات الواجب الوجرد المستحق لجميع الكمالات.\nوالرحمن المنعم بجلائل النعم كمية أو كيفية والرحيم المنعم بدقائقها كذاك. وقدّم الأول لأنه خاص باللَّه تعالى ولأنه أبلغ من الرحيم فقدّم عليه ليكون الرحيم له كالتتمة والرديف فإن قيل العادة تقديم غير الأبلغ ليترقى منه إلى الأبلغ كما فى قولهم عالم نحرير وجواد فياض.\nفالجواب قد قيل إن الرحيم أبلغ وقيل هما سواء غير أنه قد خص كل منهما بشيء.\nوقيل الرحمن أمدح والرحيم ألطف.\nوالحق أن الرحمن أبلغ لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى وإنما خولفت العادة لأنه أريد أن يردف الرحمن الذي تناول جلائل النعم وأصولها بالرحيم ليكون له كالتتمة والرديف كما تقدم لتناوله ما دق منها ولطف كما أشرنا اليه (١).\nوقد ذكر العلامة جمال الدين ابن هشام (٢) في\n_________\n= على الأجرومية؛ والشذور والقطر في النحو؛ وغيرها. وذكر الزركلي له كتاب قرة عيون ذوي الأفهام بشرح مقدمة شيخ الإسلام على البسملة؛ ولعل هذا النص منقول منه، توفى سنه ١٠١٩ هـ.\nالأعلام (٢/ ٦٢ - ٦٣).\n(١) انظر هذا المبحث في غذاء الألباب (١/ ٧ - ٨) للمؤلف.\n(٢) جمال الدين ابن هشام: عبد اللَّه بن يوسف بن أحمد بن عبد اللَّه بن يوسف أبو محمد جمال الدين ابن هشام من أئمة العربية، مولده ووفاته بمصر، من تصانيفه: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، مطبوع وهو الذي أشار إليه المؤلف؛ وعمدة الطالب في تحقيق =","vol":"1","page":158},{"text":"المغني (١) \"إن الحق قول الأعلم (٢) وابن مالك (٣) إن الرحمن ليس بصفة بل علم قال وبهذا لا يتجه السؤال وينبني على علميته أنه في البسطة ونحوها بدل لا نعت وأن الرحيم بعده نعت له لا نعت لاسم اللَّه. إذ لا يقدم البدل على النعت. قال وإنما يوضح أنه غير صفة مجيئه كثيرًا غير تابع نحو ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢]، ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] انتهى.\nومن يقول أنه صفة يجيب عن ذلك بأن الموصوف إذا علم جاز حذفه وإبقاء صفته كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ. . .﴾ [فاطر: ٢٨]\n_________\n= تصريف ابن الحاجب، مجلدان؛ ورفع الخصاصة عن قراء الخلاصة، أربع مجلدات؛ وشذور الذهب، ط؛ وشرح قطر الندى، مطبوع وغيرها، توفى سنة ٧٦١ هـ.\nالأعلام (٤/ ١٤٧).\n(١) مغني اللبيب (١/ ٦٠١).\n(٢) الأعلم: يوسف بن سليمان بن عيسى الشنتمري الأندلسي أبو الحجاج المعروف بالأعلم: عالم باللغة والأدب ولد في شنتمرية الغرب ثم رحل إلى قرطبة ومات في أشبيلية سنة ٤٧٦ هـ وكان مشقوق الشفة العليا فأشهر بالأعلم. من كتبه: شرح الشعراء الستة، ط؛ شرح ديوان زهير بن أبي سلمى؛ شرح ديوان طرفة؛ شرح ديوان علقمة؛ وشرح شواهد سيبوية، وغيرها.\nانظر: وفيات الأعيان (٧/ ٨١)؛ وإرشاد الأريب (٢٠/ ٦٠).\n(٣) ابن مالك: محمد بن عبد اللَّه بن مالك الطائي الجياني أبو عبد اللَّه جمال الدين أحد الأئمة في علوم العربية، ولد في جيان بالأندلس وانتقل إلى دمشق فتوفى فيها سنة ٦٧٢ هـ، أشهر كتبه: الألفية فى النحو؛ وله تسهيل الفوائد وشرحه؛ والكافيه الشافية -في النحو في نحو ثلاثة آلاف بيت؛ وشواهد التوضيح؛ ولامية الأفعال؛ والعروض وغيرها.\nانظر: الأعلام (٦/ ١٣٣).","vol":"1","page":159},{"text":"أي نوع مختلف ألوانه كاختلاف السموات والجبال، وعلى المشهور في أنه صفة كالرحيم بحسب الأصل فمشتقان من رحم بجعله لازما بنقله إلى باب فعل بضم العين أو بتنزيله منزلة اللازم إذ هما صفتان مشبهتان وهي لا تشتق من متعد.\nورحمة اللَّه تعالى صفة قديمة قائمة بذاته تعالى تقتضي التفضيل والإنعام (١).\nوأما تفسيرها برقة في القلب تقتضي الإنعام كما في الكشاف (٢) وغيره (فهذا) (٣) إنما يليق برحمة المخلوق، ونظير ذلك العلم فإن حقيقته المتصف بها تعالى ليست مثل الحقيقة القائمة بالمخلوق. بل نفس الإرادة التي يردون الرحمة إليها في حقه مخالفة لإرادة إلمخلوق إذ هي ميل قلبه إلى الفعل أو الترك.\nوإرادته تعالى بخلاف ذلك.\nوكذا رد الزمشخري (٤) لها في حقه تعالى إلى الفعل بمعنى الإنعام مع أن فعل العبد الإختياري إنما يكون لجلب نفع للفاعل أو دفع ضرر عنه. وفعله تعالى بخلاف ذلك فما فروا إليه فيه من المحذور نظير الذي فروا منه.\n_________\n(١) لوامع الأنوار (١/ ٣٢ - ٣٣)، غذاء الألباب (١/ ٩).\n(٢) انظر: تفسير الكشاف للزمخشري (١/ ٤٤ - ٤٥)؛ وتفسير البيضاوي (١/ ٧).\n(٣) زيادة من كتاب المؤلف لوامع الأنوار (١/ ٣٣) وبها يتضح المعنى وقد اختصر المؤلف الكلام هنا. فراجع كتاب المؤلف لوامع الأنوار (١/ ٣٢ - ٣٣) ففيه زيادة بيان وتفصيل.\n(٤) الزمخشري: محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري أبو القاسم (جار اللَّه) مفسر متكلم نحوي لغوى بياني أديب مشارك فى عدة علوم ولد بزمخشر من قرى خوارزم ورحل إلى مكة فجاور بها وسمي جار اللَّه ثم رجع إلى خوارزم فتوفى بها سنة ٥٣٨ هـ. من تصانيفه الكثيرة: الكشاف فى التفسير؛ وأساس البلاغة فى اللغة؛ الفائق فى غريب الحديث؛ المستقصي فى الأمثال؛ ربيع الأبرار ونصوص الأخبار فى الأدب.\nمعجم المؤلفين (١٢/ ١٨٦).","vol":"1","page":160},{"text":"وبهذا يظهر أنه لا حاجة لدعوى المجاز في رحمته تعالى كما هو مذهب السلف إذ المجاز خلاف الأصل المقتضي لصحة نفي الرحمة عنه تعالى وضعف المقصود منها فيه كما هو شأن المجاز.\nإذ يصح أن نقول لمن قال زيد أسد ليس بأسد، وليست جرأته كجرأته.\nوالحاصل أنّ الصفة تارة تعتبر من حيث هي هي، وتارة من حيت قيامها به تعالى، وتارة من حيث قيامها بغيره تعالى، وليست الإعتبارات الثلاثة متماثلة إذ ليس كمثله تعالى شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.\nكما ذكره إمام المحققين ابن القيم (١) رحمه اللَّه تعالى في كتابه بدائع الفوائد (٢).\n\nفائدة:\nهذه القصيدة الآتى ذكرها من بحر الطويل من الضرب الثاني وله عروض واحدة مقبوضة والقبض حذف خامس الجزء وأضربه ثلاثة:\nالأول صحيح وبيته:\nأبا منذر كانت غرورا صحيفتي ... ولم أعطكم بالطوع مالي ولا عرضي (٣)\n_________\n(١) ابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي ثم الدمشقي شمس الدين أبو عبد اللَّه بن قيم الجوزية الفقيه الأصولي المفسر النحوي تفقه فى المذهب الحنبلي ودرع وأفتى ولازم الشيخ تقي الدين ابن تيمية وأخذ عنه وتفنن فى علوم الإسلام، وكان عارفا بالتفسير لا يجارى فيه وبأصول الدين والحديث ومعانيه وفقهه وبالفقه وأصوله وبالعربية وله فيها اليد الطولى وله مؤلفات مفيدة نافعة وقد طبع كثير منها، توفى ﵀ سنة ٧٥١ هـ.\nانظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ٤٤٧)؛ وابن القيم الجوزية حياته وآثاره لبكر بن عبد اللَّه أبو زيد.\n(٢) بدائع الفوائد (١/ ١٦٥).\n(٣) البيت لطرفة بن العبد وهو فى ديوانه (ص ٩٦)؛ وفى اللسان (٦/ ٣١٥).","vol":"1","page":161},{"text":"الثاني مثلها وبيته:\nستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزودي (١)\nوالثالث وبيته: قول الشاعر:\nاقيموا بني النعمان عنا صدوركم ... وإلا تقيموا صاغرين الرؤسا (٢)\nوالحذف هو ذهاب سبب خفيف كما في البيت.\nوأجزاء البحر الطويل ثمانية وهي: فعولن، مفاعيلن، فعولن، مفاعيلن، فعولن، مفاعيلن، فعولن، مفاعيلن.\nولنقطع البيت الأول من قصيدة الناظم ﵁ ليقاس عليه نظائره: تمسك فعولن، بحبل الا مفاعيلن هو اتت فعول دخله القبض وهو حذف خامس الجزء ساكنا كما هنا.\nبع الهدى مفاعلن بحذف خامسه ساكنا لأن عروضه لا تكون إلا كذلك.\nولات: فعول دخله القبض الذي هو حذف خامس الجزء ساكنا كما علمت كبدعيا مفاعيلن لعلك: فعولن مقبوضة كتفلح.\nمفاعلن مقبوضة أيضًا والحرف المشدد في هذا الفن بحرفين، والمعروض مؤنثة وهي آخر المصراع الأول.\nوالضرب مذكر وهو آخر المصراع الثاني.\n_________\n(١) البيت لطرفة بن العبد وهو في ديوانه (ص ٥٧)؛ وفي شرح القصائد السبع الطوال لابن الأنباري (ص ٢٣٠).\n(٢) البيت ليزيد بن الخذاق الشني كما في المفضليات (ص ٢١٨).","vol":"1","page":162},{"text":"وأما القافية: فهي من آخر البيت الى أول متحرك قبل ساكن بينهما وتكون بعض كلمة كما في قول امريء القيس (١).\nوقوفا بها صحبي عليَّ مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل (٢)\nهي من الحاء إلى الياء. وتكون كلمة كقوله (٣) أيضًا:\nففاضت دموع العين في صبابة ... على النحر حتى بل دمعي محملي\nوفي منظومة الناظم آخر البيت الواو الساكنة في جميع القصيدة والمتحرك الذي قبل ساكن هي التاء في البيت واللَّه أعلم.\nتتمة: قال الإمام العلامة أبو عبد اللَّه عبيد اللَّه بن محمد بن حمدان المعروف بابن بطة (٤) أحد أعلام المذهب وهو ممن أخذ عن الحافظ أبي بكر بن أبي داود الناظم رحمهم اللَّه تعالى ورضي عنهم قال ابن أبي داود بعد سماعي هذه القصيدة الفريدة والعقيدة المفيدة هذا قولي وقول أبي الإمام الحافظ أبي داود وقول إمامنا الإمام أحمد بن حنبل وقول من أدركنا من أهل العلم ومن لم ندرك فيمن بلغنا عنه فمن قال غير هذا يعني ما يخالفه فقد كذب (٥). انتهى (٦).\n_________\n(١) امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي يماني الأصل ومولده بنجد من أشهر شعراء العرب في الجاهلية، له ديوان مطبوع.\nالأعلام (٢/ ١١).\n(٢) البيت في ديوانه (ص ٩) من معلقته.\n(٣) أي امريء القيس وهو في ديوانه (ص ٩) من معلقته.\n(٤) ابن بطة تقدمت ترجمته (١/ ١٠٥).\n(٥) النص في طبقات الحنابلة (٢/ ٥٤)؛ وفى العلو للذهبي (ص ١٥٣)؛ وفي المنهج الأحمد (٢/ ١٧)؛ وذكره ابن شاهين في كتابه شرح مذهب أهل السنة عن شيخه عبد اللَّه بن أبي داود (ص ٣٥٥) رسالة ماجستير بتحقيقي.\n(٦) كتب فى هامش \"ظ\" هنا: بلغ مقابلة.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>فصل في الحث على اتباع السنة واجتناب البدعة</span>\nقال ﵁: (تمسك) أيها المسلم السني المتبع سنة رسول اللَّه وجماعة السلف الصالح من أهل الفرقة الناجية (بحبل) أى شرع اللَّه من الكتاب المنزل وما شرعه اللَّه تعالى على لسان نبيه المرسل والجار والمجرور متعلق بتمسك يقال أمسكت الشيء وبالشيء ومسكت به وتمسكت وامتسكت ومنه الحديث: \"من مسك من هذا الفى بشيء\" (١) أى أمسك وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣] أى بدين الإسلام أو بكتابه لقوله -ﷺ-: \"القرآن حبل اللَّه المتين\" كما فى الترمذي (٢). استعار له الحبل من حيث أن التمسك به سبب النجاة عن التردي كما أن التمسك بالحبل سبب السلامة عن التردي الموثوق به والإعتماد عليه فهر استعارة مصرحة وذكر التمسك ترشيحا.\nوقد أخرج الترمذي عن الحارث (٣) الأعور قال مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على علي ﵁ فأخبرته فقال أوقد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما إني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"ألا إنها ستكون فتنة قلت فما المخرج منها يا رسول اللَّه؟ قال كتاب اللَّه فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم\n_________\n(١) جزء من حديث طويل رواه أبو داود في الجهاد رقم (٢٦٩٤)؛ والنسائي في الهبة (٦/ ٢٢٠ - ٢٢١) هبة المتاع، وأحمد في المسند (٢/ ١٨٤) من رواية عبد اللَّه بن عمرو بن العاص؛ وانظر النهاية (٤/ ٣٣٠).\n(٢) (٥/ ١٧٢) رقم (٢٩٠٦) وسيذكره المؤلف بعد قليل.\n(٣) الحارث بن عبد اللَّه الأعور الهمداني يكنى أبا زهير روى عن علي وابن مسعود من كبار علماء التابعين على ضعف فيه، وكان شيعيًا مات سنة خمس وستين.\nميزان الإعتدال (١/ ٤٣٥)، والكاشف (١/ ١٩٥).","vol":"1","page":164},{"text":"وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه اللَّه ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اللَّه وهو حبل اللَّه المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيع به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم ينته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾. من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم (١) خذها إليك يا أعور.\nقال الترمذي حديث غريب.\nونحوه حدث عمر ﵁ قال نزل جبريل ﵇ على رسول اللَّه -ﷺ- فأخبره أنها ستكون فتنة قال فما المخرج منها يا جبريل قال كتاب اللَّه فيه نبأ ما قبلكم ونبأ ما هو كاين بعدكم وفيه الحكم بينكم وهو حبل اللَّه المتين وهو النور المبين الحديث (٢).\nوفي حدث ابن عباس ﵄ قال: جمع اللَّه في هذا الكتاب علم الأولين والآخرين وعلم ما كان وعلم ما يكون والعلم بالخالق ﷻ أمره وخلقه (٣).\n_________\n(١) الحديث رواه الترمذي في جامعه في فضائل القرآن (٥/ ١٧٢) رقم (٢٩٠٦) باب ما جاء في فضل القرآن.\nوقال الترمذي عقيبه: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده مجهول وفي الحارث مقال.\n(٢) و(٣) الحديثان أخرجهما رزين. قاله أبو السعادات بن الأثير في جامع الأصول (٩/ ٣٥٣ - ٣٥٤) ولم أجدهما فيما اطلعت عليه من كتب الحديث.","vol":"1","page":165},{"text":"(واتبع الهدى): أي الذي جاء به النبي المصطفى والرسول المقتدى والهدى بضم الهاء وفتح الدال المهملة الرشاد والدلالة ولو لم تكن موصلة خلافًا (١) للمعتزلة (٢).\nيقال هداه هدى وهديا وهداية وهدية بكسرهما أرشده فتهدى واهتدى وهداه اللَّه الطريق دله.\nقال الإمام (٣) المحقق في كتابه بدائع الفوائد: \"الهداية أربعة أنواع:\nأحدها: الهداية العامة المشتركة بين الخلق المذكورة في قوله تعالى ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي أعطى كل شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره وأعطى كل عضو شكله وهيئته، وأعطى كل موجود خلقه المختص به. ثم هداه لما خلقه له من الأعمال.\nقال وهذه الهداية تعم الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره. قال وللجماد أيضًا هداية تليق به كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها. وكذلك لكل عضو هداية تليق به: فالرجلين للمشي\n_________\n(١) انظر لوامع الأنوار (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥).\n(٢) المعتزلة: أصحاب واصل بن عطاء خالف فى حكم الفاسق من أمة محمد فجعله في منزلة بين المنزلين فلما سمع الحسن البصرى بدعته طرده من مجلسه فاعتزل عند سارية من سواري المسجد وانضم إله قرينه في الضلال عمرو بن عبيد فقال الناس أنهما قد اعتزلا قول الأمة فسموا معتزلة ثم صاروا فرقًا كثيرة ويجمعها في بدعتها أمور منها:\n١ - القول بنفي صفات الباري.\n٢ - القول بخلق القرآن.\n٣ - القول بالقدر.\n٤ - القول بالمنزلة بين المنزلتين.\nانظر الفرق بين الفرق (ص ١١٤)؛ والملل والنحل (١/ ٤٤ - ٤٥).\n(٣) أى: ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد (٢/ ٣٥ - ٣٧).","vol":"1","page":166},{"text":"واللسان للكلام والعين لكشف المرئيات وهلمّ جرا، وكذا هدى الزوجين من كل حبران إلى الأزدواج والتناسل وتربية الولد، والولد (١) إلى التقام الثدي عند وضعه ومراتب هدايته تعالى لا يحصيها إلا هو.\nالثاني: هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر وطريقي النجاة والهلاك (٢).\nوهذه الهداية لا تستلزم الهدي التام فإنها سبب وشرط لا موجب ولهذا ينتفي الهدى معها كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] أي بينا لهم وأرشدناهم ود للناهم فلم يهتدوا ومنها قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وهذه تنكرها المعتزلة.\nفعندهم يلزم من الهداية الهدى فلا هداية عندهم إن لم تكن موصلة (والذكر الحكيم يرد قولهم وباللَّه التوفيق) (٣).\nالثالث: هداية التوفيق والإلهام وهي الهداية المستلزمة للإهتدى فلا يتخلف عنها وهى المذكورة في قوله تعالى ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨].\nوفي قوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]\nوفي قوله -ﷺ-: \"من يهدي اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له .. \" (٤).\n_________\n(١) أى وهدى الولد إلى التقام الثدي.\n(٢) كما في قوله ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠].\n(٣) ما بين القوسين من كلام المؤلف وليس من كلام ابن القيم.\n(٤) جزء من حديث أخرجه مسلم رقم (٨٦٧) في الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة من =","vol":"1","page":167},{"text":"وفي قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] فنفى عنه هذه الهداية وأثبت له هداية الدعوة والبيان في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].\nالرابع: غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة أو النار إذا سيق أهلهما إليهما قال اللَّه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩].\nوقال أهل الجنة فيها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].\nوقال تعالى في حق أهل النار: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ (١) [الصافات: ٢٢].\nوفي تفسير القاضي البيضاوي (٢) رحمه اللَّه تعالى: \"الهداية دلالة بلطف\n_________\n= رواية جابر بن عبد اللَّه ﵁.\nوفي حديث آخر رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁.\nانظر: جامع الأصول (٥/ ٦٧٩)؛ وانظر خطبة الحاجة للشيخ ناصر الدين الألباني.\n(١) نهاية كلام ابن القيم. انظر كتابه بدائع الفوائد (٢/ ٣٧).\n(٢) القاضي البيضاوي: عبد اللَّه بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي أبو سعيد أو أبو الخير ناصر الدين البيضاوي: قاضي مفسر علامة ولد في مدينة البيضاء بفارس قرب شيراز، وولي قضاء شيراز مدة صرف عن القضاء فرحل إلى تبريز فتوفى فيها سنة ٦٨٥ هـ، من تصانيفه: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، مطبوع يعرف بتفسير البيضاوي؛ وطوالع الأنوار أو منهاج الوصول إلى علم الأصول، والغاية القصوى في دراية الفتوى في الفقه، طبع، وغيرها.\nانظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٨/ ١٥٧)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ٢٢٠) والأعلام (٤/ ١١٠).","vol":"1","page":168},{"text":"ولذلك تستعمل في الخير قال: وقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] على سبيل التهكم. ثم قال: وهداية اللَّه تعالى تتنوع أنواعًا لا يحصيها عد لكنها تنحصر في أجناس مترتبة:\nالأول: افاضته القوى التي بها يتمكن المرء من الإهتداء إلى مصالحه كالقوة العقليه والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة.\nالثاني: نصب الدلائل الفارفة بين الحق والباطل والصلاح والفساد وإليه أشار بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠].\nوقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].\nالثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب وإياها عنى بقوله:\n﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣].\nوقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].\nالرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي أو الإلهام والمنامات الصادقة. وهذا قسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء وإياه عنى بقوله:\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] انتهى (١).\nفمن تمسك بالدين القويم واتبع الهدي الذي جاء به النبي الكريم هدي إلى الصراط المستقيم وإلى جنات الخلود والنعيم المقيم.\nثم صرح الناظم رحم اللَّه تعالى روحه ونور ضريحه ما أشعر بنفيه ورفضه ناهيًا\n_________\n(١) النص في تفسير البيضاوي (١/ ١٠).","vol":"1","page":169},{"text":"عن الإتصاف به والمثول إلى غرضه فقال (ولا) ناهية (تك) أصلها تكون دخلت أداة النهي فسكنت النون فالتقى ساكنان النون والواو فحذفت الواو لالتقاء الساكنين فصارت اللفظة (تكن) فحذفت النون تخفيفا حذفا جائزا لا لازما فصارت تك. وكان القياس أن لا تحذف هذه النون لكنهم حذفوها تخفيفا لكثرة الإستعمال.\nومذهب سيبوية (١) ومن تابعه أن هذه النون لا تحذف عند ملاقاة ساكن فلا تقول: لم يك الرجل قائما. وأجاز ذلك يونس (٢) وقرئ شاذا ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١].\nوأما إذا لاقت متحركا فلا يخلو إما أن يكون ذلك المتحرك ضميرًا متصلا أولا فإن كان لم تحذف النون اتفاقا كقوله -ﷺ- لعمر بن الخطاب ﵁ في ابن\n_________\n(١) سيبويه: عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء أبو بشر الملقب سيبويه إمام النحاة وأول من بسط علم النحو، ولد في إحدى قرى شيراز وقدم البصرة فلزم الخليل بن أحمد وصنف كتابه المسىمى \"الكتاب\" ط في النحو لم يصنع قبله ولا بعده مثله ورحل إلى بغداد فناظر الكسائي وأجازه الرشيد بعشرة آلاف درهم وعاد إلى الأهواز فتوفى بها وقيل وفاته وقبره بشيراز، توفى سنة ١٨٠ هـ.\nانظر: وفيات الأعيان (٣/ ٤٦٣ - ٤٦٥)؛ نزهة الألباء في طبقات الأدباء (ص ٦٠ - ٦٦)؛ والأعلام (٥/ ٨١).\n(٢) يونس بن حبيب الضبي بالولاء أبو عبد الرحمن ويعرف بالنحوي علامة بالأدب، كان إمام نحاة البصرة في عصره أخذت سيبويه والكسائي والفراء وغبرهم من أئمة اللغة.\nقال ابن النديم كانت حلقته بالبصرة ينتابها طلاب العلم وأهل الأدب وفصحاء الأعراب ووفود البادية من كتبه: معاني القرآن كبير وصغير؛ واللغات؛ والنوادر؛ والأمثال؛ وغيرها، توفى سنة ١٨٢ هـ.\nانظر: أخبار النحويين البصريين (ص ٥١)، ونزهة الألباء (ص ٤٩)، والأعلام (٨/ ٢٦١).","vol":"1","page":170},{"text":"صياد إن يكنه فلن تسلط عليه وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله (١) فلا يجوز حذف النون فلا يقال: إن يكه ولا إن لا يكه وإن كان غير ضمير متصل جاز الحذف والإثبات نحو: لم يكن زيد قائمًا، ولم يك زيد قائما (٢).\nواسمها في النظم عائد على المخاطب وبدعيًا خبرها أي ولا تكن صاحب بدعة أي مرتكبا غير سبيل السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين المقتدى بأقوالهم وأفعالهم.\nوأصل هذه الكلمة من الإختراع وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق ولا مثال احتذى ولا ألف مثله ومنه قولهم أبدع اللَّه الخلق أي خلقهم ابتداء ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧].\nوقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]، أي لم أكن أول رسول إلى أهل الأرض.\nقال العلامة الفاضل أبو بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي (٣) المالكي في\n_________\n(١) جزء من حديث طويل أخرجه البخاري (٣/ ٢٥٨) رقم (١٣٥٤)؛ ومسلم رقم (٢٩٢٤) عن عبد اللَّه بن عمر ﵄.\n(٢) انظر: هذا المبحث في شرح ابن عقيل (١/ ٢٩٩ - ٣٠٠)، وشرح قطر الندى لابن هشام (ص ١٣٨ - ١٣٩).\n(٣) أبو بكر الطرطوشي: محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الفهري الأندلسي أبو بكر الطرطوشي أديب من فقهاء المالكية الحفاظ من أهل طرطوشه بشرقي الأندلس تفقه ببلاده ثم رحل إلى المشرق سنة ٤٧٦ هـ، فحج وزار العراق ومصر وفلسطين ولبنان وأقام مدة في الشام ثم سكن الاسكندرية فتولى التدريس واستمر فيها إلى أن توفى بها سنة ٥٢٠ هـ.\nانظر: فهرسة شيوخ القاضي عياض (ص ٦٢)؛ والأنساب (٩/ ٦٩)؛ والسير (١٩/ ٤٩٠)؛ والصلة (٢/ ٥٧٥)؛ والأعلام (٧/ ١٣٣).","vol":"1","page":171},{"text":"كتابه (١): \"وهذا الإسم يدخل فيما تخترعه القلوب وفيما تنطق به الألسنة وفيما تفعله الجوارح (٢)، وقد غلب لفظ البدعة على الحدث المكروه في الدين مهما أطلق هذا اللفظ ومثله لفظ المبتدع لا يكاد يستعمل إلا في الذم (٣).\nوأما من حيث أصل الإشتقاق فإنه يقال: ذلك فى المدح والذم لأن المراد أنه شيء مخترع على غير مثال سبق ولهذا يقال في الشيء الفائق جمالًا وجودة: ما هو إلا بدعة.\nقال (٤) والبدعة: الحدث في الدين بعد الكمال وهو ما لم يكن في عصر النبي -ﷺ- مما فعله أو أقر عليه، أو علم من قواعد شريعته الإذن فيه وعدم النكير عليه. وفي معنى ذلك ما كان في عصر الصحابة ﵃ مما أجمعوا عليه قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، وكذا ما اختلفوا فيه فإن اختلافهم رحمة مهما كان للإجتهاد والتردد مساغ وليس لغيرهم إلا الإتباع دون (٥) الإبتداع (٦).\n_________\n(١) الحوادث والبدع (ص ٣٨ - ٣٩).\n(٢) نهاية كلام الطرطوشي.\nوانظر في هذا المبحث الإعتصام (١/ ٣٦ - ٣٧).\n(٣) انظر: الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ١٧ - ١٨).\n(٤) أى: الجوهرى في الصحاح (٣/ ١١٨٤)؛ ونقله عنه أبو شامة فى الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ١٨) وعنه الشارح هنا.\n(٥) اختلف العلماء في تحديد معنى البدعة شرعًا: فمنهم من جعلها في مقابل السنة، ومنهم من جعلها عامة في تحديد كل ما أحدث بعد عصر الرسول -ﷺ- سواء كان محمودًا أو مذمومًا.\nولعل أحسنها وأوضحها: الطريقة المخترعة في الدين تضاهي الشرعية يقصد بها التقرب إلى اللَّه ولم يقم على صحتها دليل شرعي صحيح أصلًا أو وصفًا.\nانظر الأعتصام للشاطبي (١/ ٣٧)؛ والبدعة وأثرها السيئ في الأمة (ص ٦) سليم الهلالي.\n(٦) انظر: الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ١٨).","vol":"1","page":172},{"text":"فإن قلت المحدثات منقسمة إلى بدع مستحسنة وإلى بدع مستقبحة (١) كما قال\n_________\n(١) لخص الدكتور ناصر العقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب \"اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم\" حول مفهوم البدعة فقال:\nلقد أخطأ كثير من الناس في العصور المتأخرة فى مفهوم البدعة وأحكامها، فقالوا: بأن البدعة تنقسم إلى حسنة وقبيحة وأنه ليست كل بدعة ضلالة وأن ما ارتضاه المسلمون وتعارفوا عليه لا يكون بدعة، وهذه المفاهيم كلها إنما حدثت بعد القرون الثلاثة الفاضلة.\nقال: فاستطاع المؤلف -يعني ابن تيمية- أن يؤصّل لهذه المسألة ويستقرئ أدلتها ويبين أحكامها ووجه الخطأ فيها على النحو التالي ويبين أن كل بدعة ضلالة بصريح السنة ومنطوقها حيث ذكر الرسول -ﷺ-: \"أن كل بدعة ضلالة\" وأن شر الأمور محدثاتها، وأن كل محدثة بدعة، وما زعمه بعض الناس من أنه ليس كل بدعة ضلالة فهو مصادم لقول الرسول -ﷺ- ومشاقة له.\nإن البدع التي هي محل الكلام هنا هي ما أحدثه الناس فى العبادات وشعائر الدين وشرائعه كالأعياد المحدثة والبدع التي أحدثها الناس حول القبور والمزارات والمشاهد والموالد.\nوكالصلوات المحدثة مثل صلاة الرغائب، والصلاة الألفية، والصيام المحدث مثل صيام أول خميس من رجب ونحو ذلك من المبتدعات التي يتعبد الناس بها أو تصير من شعائرهم وسماتهم الدينية فهذه الأصل فيها أن لا يشرع منها إلا ما شرعه اللَّه.\nأما العادات فالأصل فيها الإباحة إلا ما حرمه اللَّه.\nمسألة إن كل بدعة فى الدين ضلالة محرمة هذا مما أجمع عليه الصحابة والسلف الصالح ولم تنتشر البدع إلا بعد القرون الثلالة الفاضلة حين صارت للروافض والقرامطة دولة وكثرت الطرق الصوفية النكدة.\nإن ما اعتاده بعض الناس أو حتى أكثرهم فى بلاد المسلمين من الإقرار ببعض البدع وعملهم لها وسكوت بعض العلماء عنها وعمل بعضهم لها ودعوة آخرين لها كل هذا لا يصلح دليلًا على أنها بدع حسنة ومقبولة ومرضية فى دين اللَّه لأن الدليل المجمع عليه إنما هو كتاب اللَّه أو سنة رسوله وسنة الخلفاء الراشدين والإجماع وهذه الأصول كلها تبطل البدع أما مجرد أعمال وأقوال تصدر من بعض المسلمين أو أكثرهم وإن سموا علماء فهذا لا يصير دليلا بالإجماع.\nاستدل بعضهم على أن بعض البدع حسنة فى الدين بقول عمر فى صلاة التراويح (نعمت =","vol":"1","page":173},{"text":"الإمام الشافعي (١) ﵁: البدعة بدعتان: بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم (٢) واحتج قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في قيام رمضان \"نعمت البدعة\" (٣).\n_________\n= البدعة) وأنه سنها وأقره الصحابة على ذلك.\nلكن المؤلف يرد هذا بأن صلاة التراويح لها أصل في السنة وأن الرسول -ﷺ- صلاها وصلاها الصحابة خلفه، وأنه تركها خشية أن تفرض فبقيت مسنونة بعد توقف الوحي وإنقطاع احتمال فرضها.\nثم إن قول عمر لا يرد به قول الرسول \"كل بدعة ضلالة\" لأن تسمية عمر لها \"بدعة\" تسمية لغوية إذ مفهوم البدعة في اللغة أوسع منه في الشرع. فلا تعني تسمية عمر لها \"بدعة\" أنها بدعة في الدين. انتهى.\nاقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٥٥ - ٥٦).\nوقال الحافظ بن رجب: وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك من البدع اللغوية لا الشرعية ثم ذكر قول عمر: \"نعمت البدعة\".\nثم أورد قول الشافعي: البدعة بدعتان: بدعة محمودة وبدعة مذمومة، وقال ومراد الشافعي ﵁ ما ذكرناه من قبل أن أصل البدعة المذمومة ما ليس له أصل في الشريعة ترجع إليه وهي البدعة في إطلاق الشرع.\nوأما البدعة المحمودة فما وافق السنة يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه. وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا لموافقتها السنة. انتهى.\nجامع العلوم (٢/ ٢٩١ - ٢٩٤).\n(١) الشافعي: محمد بن إدريس بن العباس أبو عبدالله القرشي ثم المطلبي الشافعي المكي الإمام عالم العصر وفقيه الملة صنف التصانيف ودون العلم من أئمة المسلين وعلمائهم المقتدى بهم، توفى سنة أربع ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (٥/ ١٠)؛ وتقريب (ص ٢٨٩).\n(٢) النص عن الشافعي رواه أبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٣)؛ وذكره أبو شامة في كتابه الباعث (ص ٢٠).\n(٣) رواه البخاري في صحيحه (٣/ ٣٩) ومالك في الموطأ (١/ ١١٤).","vol":"1","page":174},{"text":"وقال الشافعي أيضًا: المحدثات من الأمور ضربان:\nأحدهما ما أحدث يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا وإجماعا فهذه البدعة الضلالة.\nوالثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لو أحدث من هذا فهي محدثة غير مذمومة (١).\nقلت الأمر كذلك ولكن تسمية المستحسن من ذلك بدعة على سبيل التوسع والمجاز وإلا فالبدع المراد بها ما خالف المشروع وتعدى به إلى الممنوع.\nوأما المحدثات الحسنة فجائزة ومنها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب (٢) مثل\n_________\n(١) رواه البيهقي في مناقب الشافعي (١/ ٦٩)؛ وفي المدخل إلى السنن الكبرى (ص ٢٠٦) وذكره أبو شامة في الباعث (ص ٢٠).\n(٢) قسم العز بن عبد السلام البدعة إلى خمسة أقسام:\n١ - واجبة.\n٢ - محرمة.\n٣ - مندوبة.\n٤ - مكروهه.\n٥ - مباحة.\nوذكر أن الطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة ثم ذكر أمثلة للبدع الواجبة مثل الإشتغال بما به يفهم كتاب اللَّه وكلام رسول اللَّه. وحفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة.\nوالمندوبة: مثل إحداث الربط والمدارس وبناء القناطر.\nورد علي الشاطبي في الإعصام وقال: إن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان منالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة. ولكان العمل داخلًا فى عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها.\nقلت: وما ذهب إليه الشاطبي هو الرأى الصحيح، وهو أن البدعة واحدة وهي التي لا دليل عليها من الشرع وأن كل بدعة ضلالة كما جاء فى الحديث الصحيح.\nانظر: القواعد الكبرى (٢/ ١٩٥)؛ والاعتصام (١/ ١٩١ - ١٩٢)؛ البدعة وأثرها السيء فى الأمة (ص ٣٩ - ٤٠).","vol":"1","page":175},{"text":"بناء المنابر والربط والمدارس والمارستانات (١) وخانات السبيل وغير ذلك من أنواع البر التي لم تعهد فى الصدر الأول فإن فعل ذلك موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى (٢).\nومن أعظم ذلك صنعا وأحسنه وضعا وأعمه نفعا تصانيف الكتب فى جميع العلوم النافعة الشرعية على اختلاف فنونها وتقرير قواعدها وتقسيمها وتقريبها وتعليمها وكثرة التفريعات وفرض المسائل التي لم تقع وتحقيق الأجوبة عنها وتفسير الكتاب العزيز والأخبار النبوية، والكلام على الأسانيد والمتون والجرح والتعديل ولواحق ذلك.\nوتتبع كلام العرب نثره ونظمه وتدوين كل ذلك وإستخراج علوم جمة منه كالنحو والمعاني والبيان والقوافي والأوزان، فهذا كله وما شاكله معلوم حسنه، ظاهرة فائدته معين على معرفة أحكام اللَّه تعالى وفهم معاني كتابه وسنة رسوله -ﷺ- فكل ذلك مأمور به ولا محذور فيه (٣).\nوأما البدع المستقبحة فهي التي أطلق العلماء ذمها والمراد هنا بالبدع الإعتقادية المخالفة لما كان عليه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين المعول عليهم والمشهود لهم بالتمكين والمجمع على إمامتهم بين علماء أهل السنة العاملين.\n_________\n(١) المارستان: بفتح الراء، دار المرضى وهو معرب، صحاح الجوهري، مرسى.\n(٢) انظر هذا المبحث في الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ٢١)؛ والقواعد الكبرى لابن عبد السلام (٢/ ١٩٥)، والاعتصام للشاطبي (١/ ١٨٨) وما بعدها.\n(٣) انظر: الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ٢١ - ٢٢).","vol":"1","page":176},{"text":"قال الحافظ ابن رجب (١): \" (٢) يتعين في هذه الأزمنة التي بعد العهد فيها بعلوم السلف ضبط ما نقل عنهم ليتميز به ما كان من العلوم موجودًا في زمانهم وما حدث من ذلك بعدهم فتعلم بذلك السنة من البدعة.\nوقد صح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول (٣).\nوروى ابن مهدي (٤) عن الإمام مالك (٥) ﵁ قال: \"لم يكن شيء من هذه الأهواء في زمن النبي -ﷺ- وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ (٦).\n_________\n(١) ابن رجب: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السلامي البغدادي ثم الدمشقي أبو الفرج زين الدين الحنبلي حافظ للحديث فقيه مؤرخ من العلماء، ولد في بغداد ونشأ وتوفى في دمشق من كتبه: شرح جامع الترمذي؛ وجامع العلوم والحكم ط؛ وفضائل الشام؛ والاستخراج لأحكام الخراج؛ والقواعد الفقهية؛ وذيل طبقات الحنابلة، جزءآن؛ وفتح الباري شرح صحيح البخاري، لم يتمه؛ وغيرها، توفى سنة ٧٩٥ هـ.\nالدرر الكامنة (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩)؛ وابن العماد شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩ - ٣٤٠)؛ والأعلام (٣/ ٢٩٥).\n(٢) النص في جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦).\n(٣) أخرجه الدارمي في سننه (١/ ٥٦)؛ والمروزي في السنة (ص ٢٤).\n(٤) ابن عدى: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم أبو سعيد البصري ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه، مات سنة ثمان وتسعين ومائة.\nتاريخ بغداد (١٠/ ٢٤٠)؛ وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٢٩)، وسير أعلام النبلاء (٩/ ١٩٢ - ٢٠٩).\n(٥) مالك ابن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد اللَّه المدني الفقيه إمام دار الهجرة وشيخ الإسلام إمام من أئمة المسلمين وأعلامهم، توفى سنة تسع وسبعين ومائة.\nسير أعلام النبلاء (٨/ ٢٣)؛ وتقريب (ص ٣٢٦).\n(٦) أورده ابن رجب في جامع العلوم (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦).","vol":"1","page":177},{"text":"وكان مالك يشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرق في أصول الدين من أمر الخوارج (١) والروافض (٢) والمرجئة (٣) ونحوهم ممن تكلم في تكفير المسلمين واستباحة أموالهم ودمائهم أو في تخليدهم في النار أو في تفسيق خواص هذه الأمة أو عكس ذلك فزعم أن المعاصي لا تضر أهلها وأنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد.\n_________\n(١) الخوارج: جمع خارج وهو الذي خلع طاعة الإمام الحق وأعلن عصيانه وألّب عليه. وأول ما ظهر من أمر الخوارج في عهد علي ﵁ حيث خرجوا عليه وكفروه لما صار إلى التحكيم وأجمعوا على تكفير أصحاب الكبائر وتخليدهم في النار ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقًا واجبًا.\nمقالات الإسلاميين (١/ ١٦٧ - ١٦٨)؛ الفرق بين الفرق (ص ٧٣)؛ الملل والنحل (١/ ١١٤ - ١١٥).\n(٢) الروافض: طوائف من غلاة الشيعة سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر وهم مجمعون على أن النبي -ﷺ- نص على استخلاف علي بن أبي طالب باسمه وأظهر ذلك وأعلنه وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الإقتداء به بعد وفاة النبي -ﷺ- بل تعدوا ذلك إلى الوقيعة في كبار الصحابة طعنًا وتكفيرًا وهم فرق وطوائف كثيرة وكل فرقة تكفر سائرها.\nانظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٨٨ - ٨٩)؛ والملل والنحل (١/ ١٤٦، ١٦٤)، والفرق بين الفرق (ص ٢١، ٢٩، ٥٣).\n(٣) المرجئة: الإرجاء في اللغة التأخير وسموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان وهم فرق:\nأ- مرجئة الجهمية يقولون الإيمان المعرفة بالقلب فلا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة.\nب- منهم من يقول الإيمان القول باللسان وهو قول الكرامية.\nجـ- من يقول الإيمان التصديق بالقلب والنطق باللسان وليست الأعمال من مسمى الإيمان. وهو قول الأحناف.\nانظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٣ - ٢١٤) والفرق بين الفرق (٢٠٢ - ٢٠٣) وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٧٣).","vol":"1","page":178},{"text":"وأصعب من ذلك كله: ما أحدث من الكلام فى أفعال اللَّه تعالى من قضائه وقدره وكذب بذلك من كذب وزعم أنه نزه اللَّه تعالى بذلك عن الظلم.\nوأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في ذات اللَّه تعالى وصفاته مما سكت عنه النبي -ﷺ- وأصحابه ﵃ والتابعون لهم بإحسان رحمهم اللَّه تعالى.\nفقوم نفوا كثيرا مما ورد في الكتاب والسنة من ذلك وزعموا أنهم فعلوه تنزيهًا للَّه تعالى عما تقتضى العقول تنزيهه عنه وزعموا أنّ لازم ذلك مستحيل على اللَّه تعالى وقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا بإثباته ما يظن أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين.\nوهذه اللوازم نفيًا وإثباتًا درج صدر الأمة والرعيل الأول على السكوت عنها (١) (٢) وهو مذهب السلف واعتقاد الفرقة الناجية الذي أشار إليه الناظم رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه.\n_________\n(١) نهاية كلام ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩٦).\n(٢) يقول ابن تيمية ﵀: الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها \"ستة أقسام\" كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة:\nقسمان يقولان: تجرى على ظواهرها.\nوقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها.\nوقسمان: يسكتون.\nأما الأولون فقسمان: أحدهما من يجريها على ظاهرها ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبهة ومذهبهم باطل أنكره السلف.\nالثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال اللَّه كما يجرى ظاهر اسم العليم والقدير والرب والإله والموجود والذات ونحو ذلك على ظاهرها اللائق بجلال اللَّه.\nوهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره عن السلف وعليه يدل كلام جمهورهم وكلام الباقين لا يخالفه. وهو أمر واضح فإن الصفات كالذات فكما أن ذات اللَّه ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات فصفاته ثابتة من غير أن تكون من جنس =","vol":"1","page":179},{"text":"وأراد بقوله: (ولا تك بدعيا) أي لا تكن ممن إعتقد إعتقاد أهل البدع في أصول الدين من الإثنتين وسبعين فرقة، فإنها في النار كما أخبر النبي المختار -ﷺ-: فمنهم الخوارج (١) والمرجئة (٢) والقدرية (٣)\n_________\n= صفات المخلوقات.\nوأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرهما فقسان:\n١ - (قسم) يتأولونها ويعينون المراد مثل قولهم: استوى بمعنى استولى أو بمعنى علو المكانة والقدر، أو بمعنى ظهور نوره للعرش أو بمعنى انتهاء الخلق إليه إلى غير ذلك من معاني المتكلمين.\n٢ - (وقسم) يقولون: اللَّه أعلم بما أراد بها: لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجة عما علمناه.\nوأما القسمان الواقفان: فقوم يقولون يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال اللَّه ويجوز أن لا يكون المراد صفة اللَّه ونحو ذلك وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.\nوقوم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث معرضين بقلوبهم والسنتهم عن هذه التقديرات.\nثم قال والصواب فى كثير من آيات الصفات وأحاديثها القطع بالطريقة الثابتة كالآيات والأحاديث الدالة على أن اللَّه ﷾ فوق عرشه ويعلم طريقة الصواب فى هذا وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك.\nمجموع الفتاوى (٥/ ١١٣ - ١١٧) باختصار.\n(١) انظر (١/ ١٧٨).\n(٢) تقدمت (١/ ١٧٨).\n(٣) القدرية: أتباع معبد الجهني (٨٠ هـ) أول من قال بنفي القدر وأن الأمر أنف لم يقدر اللَّه من عمله شيئا وأن الإنسان هو الفاعل للخير والشر لم يسبق به علم من اللَّه ولا تقدير.\nوقال: إن الباري تعالى حكيم عادل لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر ويحتم عليهم شيئا ثم يجازيهم عليه فالعبد هو الفاعل للخير والشر والإيمان والكفر والطاعة والمعصية وهو المجازى على فعله. . قال ويستحيل أن يخاطب العبد بإفعل وهو لا يمكنه أن يفعل. وتابعه فى بدعته غيلان الدمشقي وواصل بن عطاء الغزال =","vol":"1","page":180},{"text":"والرافضة (١) والجهمية (٢) والمعتزلة (٣) وهذه الفرق تتشعب منها الإثنتان وسبعون فرقة (٤) واللَّه تعالى أعلم.\nوقول الناظم ﵀ ورضي عنه (لعلك) أيها الأثري المقتفي لنظمي ونثري إن تمسكت كالشرع القويم من الكتاب العزيز القديم وبما صح عن النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم والسلف الصالح القويم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين المعول عليهم في سائر الأزمان وجانبت أهل البدع ولم تركن إلى أهوائهم وما انتحلوه وابتدعوه من دعاويهم ودعواهم ومباينة اعتقادهم ومجانبة فسادهم وإفسادهم. (تفلح): أي تفوز بالدرجات العالية والنعيم المقيم في عرصات الآخرة وجنات النعيم.\nوالفلاح: من الكلمات الجامعة لخيري الدنيا والآخرة.\nقيل: إنه عبارة عن أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل.\n_________\n= وعمرو بن عيد وغيرهم وقد خالفوا بذلك الكتاب والسنة وتبرأ منهم من كان فى عصرهم من الصحابة كابن عمر وابن عباس ﵃.\nانظر: صحيح مسلم (١/ ٣٦)؛ والملل والنحل (١/ ٤٧)؛ والفرق بين الفرق (ص ١١٤ - ١١٥، ١١٧).\n(١) تقدمت (١/ ١٧٨).\n(٢) الجهمية: أتباع الجهم بن صفوان: ومذهبه نفي الصفات عن اللَّه تعالى وهو القائل بأن الإنسان مجبور لا قدرة له ولا اختبار وقال: إن الإيمان المعرفة بالقلب وقال بخلق القرآن وقال بفناء الجنة والنار.\nانظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٨)، والفرق بين الفرق (ص ٢١١)؛ والملل والنحل (١/ ٨٦ - ٨٧).\n(٣) تقدمت (١/ ١٦٦).\n(٤) انظر: الفرق بين الفرق (ص ٢٨)؛ ومقالات الإسلاميين (١/ ٦٥).","vol":"1","page":181},{"text":"قالوا: فلا كلمة في اللغة أجمع للخيرات من كلمة الفلاح (١).\nوكذلك النصيحة فإنها كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له ويقال إنها من وجيز الأسماء ومختصر الكلام (٢).\nفال الخطابي: (٣) وليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة.\nكما قالوا في الفلاح: إنه ليس في كلامهم كلمة أجمع لخيري الدنيا والآخرة منه أي الفلاح (٤) انتهى.\nومفهوم كلام (المصي) (٥) رحمه اللَّه تعالى أن لا فلاح لأهل البدع أصلا لأنه ترجى لمن أقتفى الآثار ونهج نهج الأتباع وجانب الأشرار وخالف أهل الإبتداع الفلاح ومن لا يكون كذلك فلا يرجى له الفلاح ولا يتوقع له الخلاص ولا النجاح.\n_________\n(١) و(٢) نقله المصنف من شرح ابن دقيق العبد على الأربعين النووية (ص ٣٤ - ٣٥)؛ وانظر لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ٣٣٠).\n(٣) الخطابي: حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي أبو سليمان، فقيه محدث لغوي حافظ من أهل بست من بلاد كابل، توفى سنة ٣٨٨ هـ. من تصانيفه: معالم السنن في شرح سنن أبي داود، ط؛ وغريب الحديث، ط؛ واصلاح غلط المحدثين، ط؛ وبيان إعجاز القرآن؛ وشرح صحيح البخاري، وغيرها.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٣)، وطبقات الشافعية (٣/ ٢٨٢ - ٢٩٠)، وفيات الأعيان (٢/ ٢١٤ - ٢١٦) والأعلام (٢/ ٢٧٣).\n(٤) النص في شرح مسلم للنووي (٢/ ٢٧).\n(٥) كذا في المخطوطتين وهي اختصار لكلمة المصنف.\nولو قال الناظم كما مر لكان أفضل.","vol":"1","page":182},{"text":"ولما طلبت أم بشر بن غياث المريسي (١) الخبيث المعتزلي من الإمام الشافعي (٢) ﵁ أن ينهاه عن هواه قال له أخبرني عما تدعو اليه أكتاب ناطق؟ أم فرض مفترض، أم سنة قائمة؟ أم وجوب عن السلف البحث فيه، والسؤال عنه؟ قال بشر: ليس فيه كتاب ناطق ولا فرض مفترض ولا سنة قائمة ولا وجوب عن السلف البحث فيه، والسؤال عنه إلا أنه لا يسعنا خلافه. فقال له الإمام الشافعي ﵁: أقررت على نفسك بالخطأ فأين أنت عن الكلام في الفقه والأخبار يواليك الناس عليه فلم يفعل فلما خرج بشر عن عند الشافعي قال الشافعي ﵁: هذا رجل لا يفلح (٣) فجزم له بعدم الفلاح.\nوكذلك قال سيدنا الإمام أحمد (٤) ﵁: عليكم بالسنة والحديث وما ينفعكم وإياكم والخوض والمراء (٥) فإنه لا يفلح عن أحب الكلام.\nوقال ﵁ في علماء أهل البدع عن المتكلمة: لا أحب لأحد أن\n_________\n(١) بشر بن غياث المريسي كان من أصحاب الرأي أخذ الفقه عن أيى يوسف القاضي إلا أنه اشتغل بعلم الكلام وجدَّ في القول بخلق القرآن وناظر عليه واحتج له ودعا إليه وحكي عنه أقوال شنيعة ومذاهب مستنكرة من ذلك القول بخلق القرآن وتعطيل صفات اللَّه ورده للأحاديث الثابتة في الرؤية وغيرها، توفى سنة ٢١٨ هـ.\nتاريخ بغداد (٧/ ٥٦ - ٦٧)؛ والميزان (١/ ٣٢٢).\n(٢) تقدم (١/ ١٧٤).\n(٣) النص في تاريخ بغداد (٧/ ٥٩)، وفي مناقب الشافعي للبيهقي (١/ ٢٠٤)، وفي الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية (١/ ٤٤٨).\n(٤) تقدم (١/ ١١١).\n(٥) المراء: الجدال، والتماري والمماراة المجادلة على مذهب الشك والريبة ويقال للمناظرة مماراة لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه ويمتر به كما يمتري الحالب اللبن من الضرع. النهاية (٤/ ٣٢٢).","vol":"1","page":183},{"text":"يجالسهم ولا يخالطهم ولا يأنس بهم فكل من أحب الكلام لم يكن آخر أمره إلا إلى البدعة. فإن الكلام لا يدعوهم الى خير فلا أحب الكلام ولا الخوض فيه ولا الجدال. عليكم بالسنن والفقه الذي تنتفعون به ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء.\nأدركنا الناس وما يعرفون هذا ويجانبون أهل الكلام وقال ﵁: من أحب الكلام لم يفلح عاقبة الكلام لا تؤول إلى خير أعاذنا اللَّه وإياكم من الفتن وسلمنا وإياكم من كل هلكة (١) (٢).\n\nتنبيه:\nقد أكثر السلف ﵃ في ذم الكلام والخوض فيه والتقصي عن دقائقه والتدقيق فيما يزعمون أنه قضايا برهانية وحجج قطعية يقينية، وقد شحنوا ذلك بالقضايا المنطقية والمدارك الفلسفية والتخيلات الكشفية والمباحث القرمطية، وكان أئمة الدين مثل الإمام مالك (٣) وسفيان (٤) وابن المبارك (٥) وأبى يوسف (٦)\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٩١)، ولوامع الأنوار (١/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(٢) كتب هنا في هامش \"ظ\" بلغ مقابلة.\n(٣) الإمام مالك بن أنس تقدم (١/ ١٧٧).\n(٤) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد اللَّه الكوفي ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة مات سنة إحدى وستين ومائة.\nتقريب (ص ١٢٨).\n(٥) عبد اللَّه بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد جمعت فيه خصال الخير. مات سنة إحدى وثمانين ومائة.\nتقريب (ص ١٨٧).\n(٦) يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة وتلميذه وأول من نشر مذهبه كان فقيها علامة ولد بالكوفة وتفقه بالحديث والرواية =","vol":"1","page":184},{"text":"والشافعي (١) وأحمد (٢) وإسحق (٣) والفضيل (٤) بن عياض وبشر الحافي (٥) يبالغون في ذم الكلام وفي ذم بشر المريسي (٦) وتضليله.\nحتى إن هارون الرشيد خامس خلفاء بني العباس قال يومًا: بلغني أن بشر المريسي يقول: إن القرآن مخلوق وللَّه عليَّ إن أظفرني اللَّه لأقتلنه قتلة ما قتلها أحد (٧) فأقام بشر متواريًا أيام الرشيد نحو من عشرين سنة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه في كتابه: شرح العقيدة الأصفهانية: \"هذه التأويلات التي ذكرها ابن فورك (٨) ويذكرها\n_________\n= ثم لزم أبا حنيفة فغلب عليه الرأي، ولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد، ومات في خلافته سنة ١٨٢ هـ ببغداد وهو على القضاء.\nتاريخ بغداد (٤/ ٢٤٢)؛ والجواهر المضيئة (٢/ ٢٢٠)؛ والأعلام (٨/ ١٩٣).\n(١) الشافعي تقدم (١/ ١٧٤).\n(٢) أحمد تقدم (١/ ١١١).\n(٣) إسحاق بن راهويه تقدم (١/ ١١٢).\n(٤) الفضيل بن عياض بن مسعود التيمي أبو علي المشهور أصله من خراسان ثم سكن مكة، ثفة عابد إمام، مات سنة سبع وثمانين ومائة وقيل قبلها.\nتقريب (ص ٢٧٧).\n(٥) بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطا بن هلال المروزي نزيل بغداد أبو نصر الحافي: الزاهد الجليل المشهور، ثقة قدوة مات سنة سبع وعشرين ومائتين.\nتقريب (ص ٤٤).\n(٦) بشر المريسي تقدم (١/ ١٨٣).\n(٧) تاريخ بغداد (٧/ ٦٤).\n(٨) ابن فورك: محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني أبو بكر واعظ عالم بالأصول والكلام من فقهاء الشافعية سمع بالبصرة وبغداد وحدث بنيسابور وبنى فيها مدرسة وتوفى على مقربة منها فنقل إليها سنة ٤٠٦ هـ.\nطبقات الشافعية (٤/ ١٢٧)؛ ووفيات الأعيان (٤/ ٢٧٢)؛ والأعلام (٦/ ٨٣).","vol":"1","page":185},{"text":"الرازى (١) في كتابه تأسيس التقديس وغيره ويوجد منها في كلام غالب المتكلمة من عبد السلام الجبائي (٢) وعبد الجبار (٣) وأبي حسن البصري (٤) وغيرهم هي بعينها التأويلات التي ذكرها بشر المريسي ورد عليه الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (٥)\n_________\n(١) الرازى: محمد بن عمر بن الحسن بن الحسن بن علي التيمي البكري الطبرستاني الرازي الشافعي المعروف بالفخر الرازي وبابن خطيب الري أبو عبد اللَّه: مفسر متكلم فقيه أصولي حكيم أديب شاعر طبيب مشارك فى كثير من العلوم، توفى سنة ٥٤٣ هـ.\nطبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٩٦)؛ ووفيات الأعيان (٤/ ٢٤٨)؛ ومعجم المؤلفين (١١/ ٧٩).\n(٢) عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي (أبو هاشم) من شيوخ المعتزلة وإليه تنسب الطائفة الهاشمية من المعتزلة، توفى سنة ٣٢١ هـ.\nتاريخ بغداد (١١/ ٥٥)؛ وابن كثير البداية (١١/ ١٧٦)، ومعجم المؤلفين (٥/ ٢٣٠).\n(٣) عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني أبو الحسن فقيه أصولي متكلم مشارك في بعض العلوم كان مقلدًا الشافعي فى الفروع وعلى رأس المعتزلة فى الأصول، توفى سنة ٤١٥ هـ.\nتاريخ بغداد (١١/ ١١٣)؛ وطبقات الشافعية (٥/ ٩٧)، ومعجم المؤلفين (٥/ ٧٨).\n(٤) أبو الحسن البصري، كذا فى المخطوطتين ولعل الصواب أبو الحسين البصري: فهو الذي يذكره ابن تيمية فى كتبه وهو: محمد بن علي الطيب أبو الحسين البصري أحد أئمة المعتزلة، ولد فى البصرة وسكن بغداد وتوفى بها، من كتبه: المعتمد فى أصول الفقه، ط؛ وتصفح الأدلة؛ وغرر الأدلة، وشرح الأصول الخمسة، توفى سنة ٤٣٦ هـ.\nتاريخ بغداد (٣/ ٩٥)؛ والأعلام (٦/ ٢٧٥).\n(٥) عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد الإمام العلامة الحافظ أبو سعيد التميمي الدارمي أخذ علم الحديث وعلله عن علي ويحيى وأحمد وفاق أهل زمانه، وكان ناصرًا للسنة، بصيرًا بالمناظرة، عنف كتاب الرد على بشر المريسي؛ وكتاب الرد على الجهمية، وغيرها، توفى سنة ٢٨٠ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣١٩)، البداية والنهاية (١١/ ٦٩)، وطبقات السبكي (٢/ ٣٠٢).","vol":"1","page":186},{"text":"أحد مشاهير أئمة السنة من علماء السلف في زمن البخاري (١) في المائة الثالثة في كتابه الذي سماه: رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على اللَّه في التوحيد. فحكى هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتصي أنَّ المريسي أقعد بها وأعلم بالمعقول والمنقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت اليهم من جهته (٢).\nوقد أجمع أئمة الهدى على ذم الفرقة المريسية وأكثرهم كفروهم وضللوهم وذموا الكلام و(أهله) (٣) بعبارات رادعة وكلمات جامعة.\nقال أبو الفتح نصر المقدسي (٤) في كتابه \"الحجة على تارك المحجة\" بإسناده عن الربيع (٥) بن سليمان قال سمعت الإمام محمد بن إدريس الشافعي يقول:\n_________\n(١) البخاري: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري أبو عبد اللَّه الإمام الحافظ لحديث رسول اللَّه -ﷺ- وصاحب الجامع الصحيح، المعروف بصحيح البخاري، مات سنة ٢٥٦ هـ\nسير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٩١ - ٤٧١)؛ الأعلام (٦/ ٣٤).\n(٢) لم أجد النص في شرح العقيدة الأصفهانية كما ذكر المؤلف وإنما وجدته في الحموية (ص ٩٩ - ١٠٠) ضمن نفائس. وانظر لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ٢٣ - ٢٤، ١٠٨).\n(٣) في النسختين وأهلها ولعل الصحيح ما أثبته.\n(٤) أبو الفتح نصر المقدسي: نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم بن داود المقدسي: النابلسي الدمشقي الشافعي أبو الفتح فقيه محدث حافظ جمع بين العلم والدين، من مصنفاته: الإنتخاب الدمشقي، في بضعة عشر مجلدًا، وكتاب الحجه على تارك المحجة؛ وكتاب التهذيب، وغيرها، توفي سنة ٤٩٠ هـ.\nطبقات السبكي (٥/ ٣٥١)؛ ومعجم المؤلفين (١٣/ ٨٧).\n(٥) الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي بالولاء المصري أبو محمد صاحب الإمام الشافعي وراوي كتبه وأول من أملى الحديث بجامع ابن طولون وكان مؤذنًا، مولده ووفاته بمصر.\nطبقات السبكي (٢/ ١٣٢)؛ والأعلام (٣/ ١٤ - ١٥).","vol":"1","page":187},{"text":"\"ما رأيت أحدًا إرتدى بالكلام فأفلح (١) ولما كلمه حفص الفرد من أهل الكلام قال: لأن يبتلي اللَّه العبد بكل ما نهى اللَّه عنه خلا الشرك باللَّه ﷿ خير له من أن يبتلى بالكلام (٢).\nوقال حكمي في أصحاب الكلام إن يصفعوا وينادى بهم في العشائر والقبائل هذا جزاء من ترك السنة وأخذ في الكلام (٣).\nوعن عبد الرحمن (٤) بن مهدي قال: دخلت على الإمام مالك (٥) بن أنس ﵁ وعنده رجل يسأله عن القرآن والقدر فقال للرجل لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد (٦) لعن اللَّه عمرًا فإنه إبتدع هذه البدعة من الكلام ولو كان الكلام علمًا لتكلم به الصحابة والتابعون ﵃ كما تكلموا في الأحكام والشرائع\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي (ص ١٨٦)؛ وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١١١، ١١٢)؛ والبيهقي في مناقب الشافعي (١/ ٤٦٣)؛ وابن عساكر في تبيين كذب المفتري (ص ٣٣٥ - ٣٣٦)؛ والهروي فى ذم الكلام كما في صون المنطق للسيوطي (ص ٦٤)، وفي مناقب الشافعي للرازي (ص ٩٩)؛ والذهبي في السير (١٠/ ١٨ - ٢٧).\n(٢) النص فى آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (ص ١٨٢، ١٨٧)؛ وفي مناقب الشافعي للبيهقي (١/ ٤٥٢، ٤٥٣)؛ وفي الحلية (٩/ ١١١)؛ وابن عساكر في التبيين (ص ٣٣٥، ٣٣٦، ٣٣٧)؛ وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ٩٥)؛ وفي الإنتفاء (ص ٧٨)؛ ومناقب الشافعي للفخر الرازي (ص ٩٩)؛ وتوالى التأسيس (ص ١١٠).\n(٣) مناقب الشافعي للبيهقي (١/ ٤٦٢)، وابن عبد البر في الإنتقاء (ص ٨٠)، ومناقب الشافعي للرازي (ص ٩٩)؛ وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٩)؛ توالي التأسيس (ص ١١١).\n(٤) تقدم (١/ ١٧٧).\n(٥) تقدم (١/ ١٧٧).\n(٦) عمرو بن عبيد: الزاهد العابد القدري كبير المعتزلة وأولهم أبو عثمان البصري، مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومائة.\nسير أعلام النبلاء (٦/ ١٠٤).","vol":"1","page":188},{"text":"ولكنه باطل يدل على باطل (١).\nوقال الإمام محمد بن الحسن (٢) صاحب أبي حنيفة النعمان (٣) بن ثابت سمعت أبا حنيفة ﵁ يقول: لعن اللَّه عمرو بن عبيد فإنه مبتدع (٤) فهل يكون أشد من هذا الإنكار من هؤلاء الأئمة الكبار.\nوقال الإمام أبو جعفر الطحاوي (٥) سمعت علي بن الحسين (٦) القاضي يقول:\n_________\n(١) رواه الهروي في ذم الكلام كما في صون المنطق (ص ٥٧)؛ وذكره المؤلف في لوامع الأنوار (١/ ١٠٩).\n(٢) محمد بن الحسن بن فرقد من موالي بني شيبان أبو عبد اللَّه إمام بالفقه والأصول وهو الذي نشر علم أبي حنيفة، له كتب كثيرة في الفقه والأصول منها: المبسوط في فروع الفقه؛ والزيادات؛ والجامع الكبير؛ والجامع الصغير؛ والآثار؛ والسير؛ وغيرها؛ توفي سنة ١٨٩ هـ.\nتاريخ بغداد (٢/ ١٧٢)؛ والجواهر المضيئة (٣/ ١٢٢)؛ والأعلام (٦/ ٨٠).\n(٣) أبو حنيفة: النعمان بن ثابت التيمي بالولاء الكوفي الإمام الفقيه المجتهد أحد الأئمة الأربعة، مات سنة ١٥٠ هـ.\nتاريخ بغداد (١٣/ ٣٢٣)؛ والجواهر المضيئة (١/ ٤٩)؛ والأعلام (٨/ ٣٦).\n(٤) ذكره الهروي في ذم الكلام بنحوه عن أبي حنيفة. صون المنطق (ص ٦٠)، والمؤلف في لوامع الأنوار (١/ ١٠٩).\n(٥) أبو جعفر الطحاوي: أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدي الحجري الطحاوي أبو جعفر المصري الحنفي، فقيه مجتهد محدث حافظ مؤرخ، توفي بمصر سنة ٣٢١ هـ\nوفيات الأعيان (١/ ٧١)، والجواهر المضيئة (١/ ٢٧١)؛ ومعجم المؤلفين (٢/ ١٠٧).\n(٦) علي بن الحسين القاضي: علي بن الحسين بن حرب بن عيسى البغدادي (ابن حربويه) قاضي علامة محدث ثبت قاضي مصر أقام بها وقتًا طويلًا ثم رجع الى بغداد فتوفي بها سنة تسع عشرة وثلاثمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٤/ ٥٣٦)؛ وتاريخ بغداد (١١/ ٣٩٥)؛ وطبقات السبكي (٣/ ٤٤٦).","vol":"1","page":189},{"text":"حدثني ابن فهم (١) حدثني ابن زنجوية (٢) حدثني الإمام أحمد بن حنبل (٣) قال: كنت في مجلس أبي يوسف (٤) القاضي حين أمر ببشر المريسي فجر برجله فأخرج قال ثم رأيته بعد تلك فى المجلس فقيل له على ما فعل بك رجعت إلى المجلس؟ فقال: لست أضيع حظي من العلم لما فعل بي بالأمس (٥)، قال في طبقات الحنفية (٦): أخذ بشر المريسي الفقه عن أبي يوسف وبرع فيه ونظر في الكلام والفلسفة.\nقال الصيمري (٧) فيما جمعه ومن أصحاب أبي يوسف خاصة: \"بشر بن غياث المريسي وله تصانيف وروايات كثيرة عن أبي يوسف، وكان من أهل العلم غير أنه رغب الناس عنه في ذلك الزمان لاشتهاره بعلم الكلام وخوضه في ذلك (٨).\nوقالوا في ترجمته هو المعتزلي المتكلم مولى زيد بن الخطاب (٩) قالوا وكان\n_________\n(١) ابن فهم: كذا فيه ولم أجده.\n(٢) ابن زنجويه: حميد بن مخلد بن قتيبة أبو أحمد الأذري خراساني من أهل نساء كثير الحديث قديم الرحلة روى عن الإمام أحمد أشياء وروى عنه البخاري ومسلم وكان ثقة ثبت حجة، توفي بمصر سنة إحدى وخمسين ومائتين.\nطبقات الحنابلة (١/ ١٥٠)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ١٩).\n(٣) أحمد بن حنبل تقدم (١/ ١١١).\n(٤) أبو يوسف تقدم (١/ ١٨٣).\n(٥) لم أجد النص فبما اطلعت عليه من المصادر.\n(٦) اسمه: الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية لمحيي الدين عبد القادر ابن محمد القرشي، المتوفى سنة ٧٧٥، طبع في أربعة مجلدات، والنص فيه (١/ ٤٤٨).\n(٧) الصيمري: حسين بن علي بن محمد بن جعفر الصيمري أبو عبد اللَّه القاضي الفقيه كان إمام الحنفية ببغداد وكان قاضيًا عاملًا خيرًا، توفي سنة ٤٣٦ هـ.\nتاريخ بغداد (٨/ ٧٨)؛ والجواهر المضيئة (٢/ ١١٦).\n(٨) أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري (ص ١٥٦).\n(٩) البداية والنهاية (١٠/ ٢٨١)، والسير (١٠/ ١٩٩).","vol":"1","page":190},{"text":"أبو يوسف يذمه قال: وهو عندي كأبرة الرفا طرفها دقيق ومدخلها ضيق وهي سريعة الإنكسار (١) ثم نفاه من بغداد فاختفى بالبصرة أيام الرشيد كما أشرنا إليه سابقًا.\nقال العلامة شهاب الدين ابن خلكان (٢) فى تاريخه وفيات الأعيان: بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسي الفقيه الحنفي المتكلم من موالي زيد بن الخطاب ﵁ أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف الحنفي إلا أنه اشتغل بالكلام وجرد (٣) القول بخلق القرآن وحكى عنه ذلك أقوال شنيعة وكان مرجئًا وإليه تنسب الطائفة المرجئة، وكان يقول إن السجود للشمس والقمر ليس بكفر ولكن علامة للكفر.\nقال: وكان يناظر الإمام الشافعي ﵁، وكان لا يعرف النحو فيلحن لحنًا فاحشًا، ويقال إن أباه كان يهوديًا صباغًا بالكوفة وروى الحديث عن حماد بن سلمة (٤)، وسفيان ين عيينة (٥)، وأبي يوسف القاضي وغيرهم (٦)، وتوفى فى\n_________\n(١) الجواهر المضيئة (١/ ٤٤٨).\n(٢) ابن خلكان تقدم (١/ ١١١).\n(٣) جرد: تجرد للأمر أي جد فيه، مختار الصحاح (ص ٩٩) (جرد).\n(٤) حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة: محدث ثقة فقيه، مات سنة سبع وستين ومائة.\nالكاشف (١/ ٢٥١)؛ وتقريب (ص ٨٢).\n(٥) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي: محدث ثقة فقيه حافظ، مات سنة ثمان وتسعين ومائة.\nتقريب (ص ١٢٨).\n(٦) قال الخطيب البغدادي: أسند في الحديث شيئًا يسيرًا.\nوقال الذهبي: لا ينبغي أن يروى عنه ولا كرامة.\nتاريخ بغداد (٧/ ٥٦)، وميزان الإعتدال (١/ ٣٢٢).","vol":"1","page":191},{"text":"سنة ثمان عشرة ومائتين ببغداد أو البصرة والأول أصح (١).\nوأما عمرو بن عبيد الذي لعنه أبو حنيفة ومالك ﵄ فهو عمرو بن عبيد بن باب المتكلم الزاهد مولى بنى عقيل كان جده باب من سبي كابل من جبال السند وهو رفيق واصل بن عطاء (٢) إمام أهل الإعتزال مولى بني منبه وقيل مولى بنى مخزوم كان واصل أحد الأئمة البلغاء المتكلمين في علم الكلام وغيره وكان يلثغ بالراء فيجعلها غينا قال أبو العباس المبرد (٣) في كتابه الكامل: كان واصل بن عطا أحد الأعاجيب وذلك أنه كان ألثغ قبيح اللثغة في الراء فكان يخلص كلامه من الراء ولا يفطن لذلك لإقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه (٤).\nوهو أول المعتزلة، وعمرو بن عبيد رفيقه، ولما ظهر الإختلاف فقالت الخوارج بتكفير مرتكبي الكبيرة وبخلوده في النار.\nوقالت الجماعة: مرتكبو الكبيرة مؤمنون وان فسقوا بالكبائر وهم في مشيئة اللَّه تعالى يجوز أن يعفو عنهم إبتداء ويدخلهم الجنة ويجوز أن يعذب من شاء منهم ثم\n_________\n(١) انظر النص فى وفيات الأعيان (١/ ٢٧٧).\n(٢) واصل بن عطاء الغزال أبو حذيفة رأس المعتزلة وأحد الأئمة البلغاء المتكلمين سمي أصحابه بالمعتزلة لإعتزاله حلقة درس الحسن البصري ومنهم طائفة تنسب إليه تسمى الواصلية، وهو الذي نشر مذهب الإعتزال مات سنة إحدى وثلاثين ومائة.\nالأعلام (٨/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(٣) أبو العباس المبرد: محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي المعروف بالمبرد أبو العباس أديب نحوي لغوي أخباري نسابة، ولد بالبصرة وأخذ عن أبي عثمان المازني وتصدر للإشتغال ببغداد أخذ عنه نفطوية وغيره: من تصانيفه الكامل فى اللغة والأدب؛ والمقتضب فى النحو؛ وإعراب القرآن؛ وغيرها، توفي سنة ٣١١ هـ.\nتاريخ بغداد (٣/ ٣٨٠)؛ وفيات الأعيان (٤/ ٣١٣)؛ ومعجم المؤلفين (١٢/ ١١٤).\n(٤) النص فى: الكامل (٣/ ١١١٢)؛ والبيان والتبيين (١/ ١٤ - ١٧).","vol":"1","page":192},{"text":"يخرجهم من النار ويدخلهم الجنة، فلا يخلد في النار أحد من أهل الكبائر إذا مات على الإسلام (١) فخرج واصل بن عطاء عن الفريقين وقال: إن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر منزلة بين منزلتين فطرده الحسن (٢) عن مجلسه وقال: اعتزلنا فاعتزل عنه وجلس إليه عمرو بن عبيد فقيل لهما ولأتباعهما معتزلة (٣).\nوقيل أول من سماهم بهذا الاسم قتادة (٤) بن دعامة السدوسي البصري الأكمه كان تابعيًا عالمًا كبيرًا. قالوا إنه دخل مسجد البصرة فإذا بعمرو بن عبيد ونفر قد اعتزلوا من حلقة الحسن البصري وحلقوا وارتفعت أصواتهم فأمهم وهو يظن أنها حلقة الحسن فلما صار معهم عرف أنها ليست هي فقال: إنما هؤلاء المعتزلة، ثم قام عنهم فمنذ يومئذٍ سموا المعتزلة (٥).\nوكان قتادة هذا مع فضله ومعرفته يرمى بالقدر (٦) واللَّه أعلم.\n_________\n(١) انظر: الفرق بين الفرق (ص ١١٧ - ١١٨).\n(٢) الحسن بن أبي الحسن واسمه أبي الحسن يسار بالتحتانية والمهملة البصري الأنصاري مولاهم: ثقة فقيه فاضل، مات سنة عشر ومائة.\nتقريب (ص ٦٩).\n(٣) الفرق بين الفرق (ص ١١٨)، التبصير في الدين (ص ٤٠ - ٤١)؛ والملل والنحل (١/ ٤٧ - ٤٨)؛ وخطط المقريزي (٢/ ٣٤٥).\n(٤) قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري: مفسر ثقة ثبت، مات سنة بضع وعشر ومائة هـ.\nتقريب (ص ٢٨١).\n(٥) ممن قال ذلك: ابن خلكان في وفيات الأعيان (٤/ ٨٥).\n(٦) للذهبي فيهم كلام مفيدٌ أنقله بنصه قال فيه: \"وكان يرى القدر نسأل اللَّه العفو ومع هذا فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه ولعل اللَّه يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه واللَّه حكم عدل لطيف بعباده ولا يسأل عما يفعل ثم =","vol":"1","page":193},{"text":"وكانت ولادة واصل بن عطاء سنة ثمانين للهجرة بالمدينة المنورة على صاحبها الصلاة والسلام، ومات سنة إحدى وثلاثين ومائة وكانت ولادة عمرو بن عبيد سنة ثمانين من الهجرة أيضا، وتوفي سنة أربع وأربعين ومائة وهو راجع إلى مكة بموضع يقال له مران ولهذا قال أبو جعفر (١) المنصور ثاني خلفاء بني العباس يرثي عمرا (٢) ولم يسمع بخليفة رثى من دونه سواه حيث يقول:\nصلى الإله عليك من متوسد ... قبرا مررت به على مران\nقبرا تضمن مؤمنا متحنفا ... صدق الإله ودان بالعرفان\nلو أن هذا الدهر أبقى صالحًا ... أبقى لنا عمرًا أبا عثمان (٣).\n_________\n= إن الكبير من أئمة العلم إذ كثر صوابه وعلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلَله ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه. نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك\" انتهى.\nانظر: السير (١/ ٢٧١).\n(١) أبو جعفر المنصور: عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن العباس أبو جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس وأول من عني بالعلوم من ملوك العرب، كان عارفًا بالفقه والأدب محبًا للعلماء وهو باني مدينة بغداد، وهو والد الخلفاء العباسيين جميعًا، وكان بعيدًا عن اللهو والعبث كثير الجد والتفكير وله تواقيع في غاية البلاغة، توفي سنة ١٥٨ هـ.\nتاريخ بغداد (١٠/ ٥٣)؛ الأعلام (٤/ ١١٧).\n(٢) قال الذهبي: كان المنصور يعظم ابن عبيد ويقول:\nكلكم يمش رويد ... كلكم يطلب صيد\nغير عمرو بن عبيد\nقال الذهبي: اغتر بزهده وإخلاصه واغفل بدعته.\nسير أعلام النبلاء (٦/ ١٠٥).\n(٣) الأبيات في المعارف (ص ٤٨٣)؛ وتاريخ بغداد (١٢/ ١٨٧).","vol":"1","page":194},{"text":"ومران موضع بين البصرة ومكة المشرفة على ليلتين من مكة (١) واللَّه تعالى الموفق.\nولما أمر الناظم رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه بالتمسك والإعتصام بحبل اللَّه واتباع الهدى الذي شرعه اللَّه تعالى على لسان نبيه محمد -ﷺ- من كتاب اللَّه وسنة رسول اللَّه وحذر من إرتكاب البدع والأهواء ليفوز بالفلاح والتقوى أعقب ذلك مبينا وموضحًا للأصلين العظيمين والحصنين الحصينين فقال: (ودن) أمر من دان يدين يقال: دنته بكسر الدال المهملة وسكون النون دينا: جازيته فالدين لغة الجزاء والإسلام والعادة والعبادة والمواظب من الأمطار والطاعة والذل والحساب والقهر والغلبة. والإستعلاء والسلطان والملك والحكم والسيرة والتدبير والتوحيد واسم لجميع ما يتعبد اللَّه ﷿ به والملة وغير ذلك (٢).\nوالدين اصطلاحًا: \"وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات (٣) لما يتعرف به العباد من أمري المعاش والمعاد ويتعرفون منه أحكام عقائدهم وأفعالهم وأقوالهم وما يترتب عليه صلاحهم في الدارين وذلك الموضوع بالوضع الإلهي من حيث أنه منقاد له ومطاع له ومجازي عليه دين: وهو لغة الجزاء كما تقدم آنفًا ومنه قولهم: كما تدين تدان، وبيت الحماسة (٤):\n_________\n(١) انظر المرجعين السابقين.\n(٢) تاج العروس (٩/ ٢٠٧ - ٢٠٨): دين.\n(٣) انظر هذا التعريف فى حاشية: جوهرة التوحيد (ص ١٢)، وانظر التعريفات للجرجاني (ص ١٠٥)\n(٤) البيت للفند الزماني واسمه شهل بن شيبان بن ربيعة من أبيات له قالها فى حرب البسوس. انظر: الحماسة لأبي تمام (١/ ٥٩ - ٦٠)، وخزانة الأدب (٣/ ٤٣١)؛ وأورده البيضاوي فى تفسيره (١/ ٨) عند قوله تعالى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.","vol":"1","page":195},{"text":"ولم يبق سوى العدوان ... دناهم كما دانوا\nوباعتبار أنه طريق موصل إلى المقصود شريعة:\nفعيلة بمعنى مفعولة وهي مورد الشاربة.\nوالطريقة إلى الماء شُبّه بها الدين لأنه طريق إلى ما هو سبب الحياة الأبدية.\nوباعتبار أنه مجتمع عليه: ملة بكسر الميم وهي لغة الإجتماع من إجتماع الرماد والجمر.\nومراد الناظم رحمه اللَّه تعالى بقوله: (ودن) أى تعبد واهتد بكتاب اللَّه المنزل على رسول اللَّه -ﷺ- الذي هو القرآن العظيم والذكر الحكيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. فحلل حلاله وحرم حرامه وأتبع محكمه وآمن بالمتشابه منه أي اعتقد ذلك واجزم به جزمًا محكمًا تكن مؤمنًا مسلمًا.\nودن بالسنة: وهي فى اللغة الطريقة والسيرة والعادة (١).\nواصطلاحا: ما أضيف إلى النبي -ﷺ- من قول أو فعل أو تقرير أو صفة (٢).\nومن ثم قال: (التي أتت) أى جاءت وثبتت عن سيدنا محمد رسول اللَّه -ﷺ- الذي أرسله على حين فترة من الرسل وقلة من الدين، وقد طبق الظلم والجهل والكفر الأرض برحبتها والأمم بجملتها والفرق على اختلاف دعوتها فأرسله رحمة للعالمين وحجة على الظالمين وقطع معذرة المتعنتين، وهداية للغافلين ومنجاة للمتقين\n_________\n(١) انظر: مختار الصحاح (ص ٣١٧)، والمصباح المنير (ص ٣٩٦ - ٣٩٧).\n(٢) انظر: شرح الكوكب المنير (٢/ ١٥٩) وما بعدها، إرشاد الفحول (ص ٣٣)، مذكرة أصول الفقه (ص ٩٥)، أصول مذهب الإمام أحمد (ص ١٩٩ - ٢٠٠)؛ منزلة السنة في التشريع الإسلامي (ص ١٠ - ١١).","vol":"1","page":196},{"text":"فهدى به من الضلالة وعلم به من الجهالة وأغنى به بعد القلة وأعز به بعد الذلة ففتح به أعينا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا وجعل العز والفلاح لمن والاه والذل والصغار والخيبة على من عاداه، وحصر النجاة فى إتباع سبيله والربح فى اقتفاء دليله ومن ثم قال: إذا أنت دنت اللَّه تعالى ومرت إليه متبعًا لكتابه وسنة رسوله -ﷺ- (تنج) (١) من جميع الآفات وتسلم من الهلكات، وتتنزه عن البدع والأهواء فتسلم من غضب اللَّه وعذابه ودخول دار سخطه وانتقامه، وعقابه.\n(وتربح): زائدًا عن النجاة الفوز والفلاح والخلود فى دار النعيم وجوار الكريم.\nوالربح: بالكسر والتحريك وكسحاب (٢) اسم لما يربحه الإنسان وأصله الفاضل عن رأس المال فكان هذا المتبع لكتاب اللَّه المستن بسنة رسول اللَّه -ﷺ- رأس ماله النجاة من عذاب اللَّه وربحه الخلود في دار القرار، فى قصور وحور، وأزهار وأنهار في أمن وأمان ونعيم ورضوان ورب غير غضبان.\n\nتتمة في بعض ما ورد من مدح الإتباع وذم الإبتداع:\nقال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ. . .﴾ [آل عمران: ٣١].\nوقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣].\nوقد روى عن أبي الحجاج مجاهد بن جبر (٣) المكي وهو من كبار التابعين وإمام\n_________\n(١) في \"ظ\" تنجوا.\n(٢) في هذه الكلمة غموض وبيانها كما في تاج العروس (٦/ ٣٧٩) (ربح) (والربح بالكسر والتحريك والرباح كسحاب: النماء في التجر).\n(٣) مجاهد بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي ثقة إمام في =","vol":"1","page":197},{"text":"المفسرين أنه قال فى قوله تعالى ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾: البدع والشبهات (١).\nوقال ﷿: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].\nقال الإمام الشافعي ﵁ فى كتاب الرسالة -واللَّه أعلم- إلى ما قال اللَّه والرسول (٢).\nوقال أبو عبد اللَّه ميمون بن مهران الجزري (٣) وهو من فقهاء التابعين في هذه الآية: الرد إلى اللَّه إلى كتابه والرد إلى الرسول إذا قبض إلى سنته (٤).\nوأخرج الترمذي وصححه وأبو داود وابن ماجه (٥)\n_________\n= التفسير وفي العلم، مات سنة إحدى أو إثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة.\nتقريب (ص ٣٢٨).\n(١) النص في تفسير الطبرى (٨/ ٨٨)؛ وفي تفسير مجاهد (ص ٢٢٧) وزاد فيه (والضلالات).\n(٢) الرسالة (ص ٨٠ - ٨١).\n(٣) ميمون بن مهران الجزري أبو يعقوب أصله كوفي نزل الرقة ثقة فقيه ولي الجزيرة لعمر بن عد العزيز، مات سنة سبع عشرة ومائة.\nتقريب (ص ٣٥٤).\n(٤) رراه ابن شاهين في السنة (ص ٨٦) رقم ٤٦؛ وابن جرير في تفسيره (٥/ ١٥١)؛ وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٨٧، ١٩٠)، والهروي في ذم الكلام ورقة (ص ٣٠)؛ وابن بطة في الإبانة (ص ١٢٧)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ١٤٤)؛ واللآلكائي رقم (٧٦)، وذكره السيوطي فى مفتاح الجنة عن البيهقي (ص ٣٨) رقم (٦٦)\n(٥) ابن ماجة: محمد بن يزيد الربعي بفتح الراء الموحدة القزويني أبو عبد اللَّه بن ماجة بتخفيف الجيم صاحب السنن أحد الأئمة حافظ صنف السنن والتفسير والتاريخ، مات سنة ثلاث وسبعين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٧٧)، وتقريب (ص ٣٢٤).","vol":"1","page":198},{"text":"وابن حبان (١) في صحيحه عن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول اللَّه -ﷺ- موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول اللَّه كأنها موعظة مودع فأوصنا قال: \"أوصيكم بتقوى اللَّه والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها كالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة\" (٢).\nقال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين النووية (٣) هذا إخبار منه -ﷺ- بما وقع في أمته بعده من كثرة الإختلاف في أصول الدين وفروعه وفي الأقوال والأعمال والإعتقادات وهذا موافق لما روى عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة، وهي ما كان على (٤) ما هو عليه وأصحابه\n_________\n(١) ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان التميمي الدارمي البستي، محدث حافظ ناقد من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ ومن عقلاء الرجال، له مصنفات كثيرة أشهرها: صحيحه المسمى \"الأنواع والتقاسيم\" في الحديث وقد قام بترتيبه على الكتب والأبواب الأمير علاء الدين أبو الحسن علي بن بلبان، وقد طبع في سبعة مجلدات، وكتاب الثقات في تراجم الرجال وغيرها، مات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٦/ ٩٢).\n(٢) رواه أبو داود في السنة (٥/ ١٣) رقم (٤٦٠٧) باب في لزوم السنة؛ والترمذي رقم (٢٦٧٦) في العلم باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدع؛ ورواه ابن ماجة في المقدمة رقم (٤٣) باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ والإمام أحمد في المسند (٤/ ١٢٦ - ١٢٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٩٥ - ٩٦)، وابن حبان في صحيحه (١/ ١٠٤)؛ وابن أبي عاصم في السنة (ص ٣١، ٥٤)؛ والدارمي في سننه (١/ ٤٣ - ٤٤)؛ وصححه الترمذي والحاكم ووافقه الذهبي وكذا الألباني في تخريج السنة (١/ ١٧).\n(٣) الأربعون النووية للنووي ﵀ وقد زاد عليها ابن رجب عشرة أحاديث وشرحها في كتاب سماه \"جامع العلوم والحكم شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم\" وهو مطبوع.\n(٤) في \"ظ\" وهي ما كان هو عليه.","vol":"1","page":199},{"text":"وكذلك هنا فى الحديث أمر -ﷺ- عند الإفتراق والإختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده.\nوالسنة هي الطريقة المسلوكة كما تقدم فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الإعتقادات والأعمال والأقوال وهذه هي السنة الكاملة. وإن كان كثير من المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالإعتقادات لأنها أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم (١).\nوروى الطبراني فى الكبير بإسناد جيد عن أبي شريح الخزاعي ﵁ قال: خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ- فقال: \"أليس تشهدون أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه قالوا: بلى قال: إن هذا القرآن طرفه بيد اللَّه وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا (٢) \".\nورواه الطبراني أيضًا والبزار (٣) من حديث جبير بن مطعم ﵁ وفيه قال: كنا مع النبي -ﷺ- بالجحفة فذكره (٤).\n_________\n(١) انظر النص في جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢).\n(٢) رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٨٨) رقم (٤٩١)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٦٩) رجاله رجال الصحيح.\nووقع فيه ابن شريح وهو خطأ صوابه: أبو شريح.\nكما رواه عد بن حميد في المنتخب (١/ ٤٣٢)؛ وابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٤٨١)؛ وابن نصر في قيام الليل (ص ١٦٢) قال الألباني في الصحيحة رقم ٧١٣ وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.\n(٣) البزار: أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري البزار أبو بكر حافظ من العلماء بالحديث صاحب المسند الكبير، توفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٥٤)، والأعلام (١/ ١٨٩).\n(٤) رواه الطبراني في الكبير (٢/ ١٢٩) رقم (١٥٣٩)؛ وفي الصغير (٢/ ٩٨)، والبزار كما =","vol":"1","page":200},{"text":"وروى البيهقي عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: \"من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد\" (١).\nورواه الطبراني من حديث أبي هريرة ﵁ باسناد لا بأس به إلا أنه قال: فله أجر شهيد (٢).\nوفي الصحيحين وغيرهما عن أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄ قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ- \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (٣).\nوفي صحيح مسلم وسنن ابن ماجة وغيرهما من حديث جابر ﵁ قال: \"كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى ويقول: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب اللَّه، وفي\n_________\n= في كشف الأستار (١/ ٧٧) رقم (١٢٠)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٦٩) فيه أبو عبادة الزرقي وهو متروك.\n(١) قال المنذري في الترغيب (١/ ٧٣): رواه البيهقي من رواية الحسن ابن قتيبة.\nقلت ورواه الديلمي رقم (٦٦٠٨) وابن عدي في الكامل (٢/ ٧٣٩) من رواية الحسن بن قتيبة؛ وذكره الشيخ ناصر الألباني في السلسلة الضعيفة برقم (٣٢٦) وقال: ضعيف جدًا.\n(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٧٣): رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن صالح العدوي ولم أر من ترجمه وبقيه رجاله ثقات. وقال المنذري في الترغيب (١/ ٧٣) اسناده لا بأس به.\n(٣) رواه البخاري في الصلح (٥/ ٣٥٥) رقم (٢٦٩٧) باب إذا إصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود؛ ومسلم رقم (١٧١٨) في الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة؛ وأبو داود في السنة رقم (٤٦٠٦) باب لزوم السنة وأخرجه ابن ماجة في المقدمة رقم (١٤) باب تعظيم حديث رسول اللَّه -ﷺ-.","vol":"1","page":201},{"text":"لفظ أصدق الحديث كتاب اللَّه وخير الهدي هدي محمد -ﷺ- وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة.\nوفي لفظ كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (١). وزاد البيهقي (٢) وكل ضلالة في النار (٣).\nوأخرج الإمام أحمد في المسند والبزار والطبراني في معاجمه الثلاثة وبعض أسانيدهم رواته ثقات عن أبي برزة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى\" (٤).\nوأخرج الطبراني بإسناد حسن من حديث أنس (٥) ﵁ قال:\n_________\n(١) الحديث رواه مسلم (٢/ ٥٩٢ - ٥٩٣) رقم (٤٣ - ٤٥) في الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة؛ والنسائي في العيدين: كيف الخطبة (٣/ ١٥٣)؛ وابن ماجة في المقدمة (١/ ١٧) باب اجتناب البدع والجدل؛ والدارمي في المقدمة (١/ ٦١) مختصرًا، وأحمد في المسند (٣/ ٣١٠، ٣٧١)؛ والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢١٣ - ٢١٤).\n(٢) البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي أبو بكر الحافظ الأصولي الفقيه العلامة سمع الحديث وبورك في علمه وصنف التصانيف النافعة منها: السنن الكبرى، طبع في عشرة مجلدات؛ والسنن والآثار؛ والأسماء والصفات، مجلد مطبوع؛ ودلائل النبوة، طبع في سبعة مجلدات وغيرها، توفي سنة ثمان وخمسين وأربع مائة.\nسير أعلام النبلاء (١٨/ ١٦٣) وما بعدها، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٤/ ٨ - ١٦).\n(٣) هي في رواية النسائى ورواها البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (ص ١٨٥) رقم (٢٠٢)\n(٤) رواه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٤٢٠، ٤٢٣)؛ ورواه الطبرانى في الكبير وفي الأوسط كما في مجمع الزوائد (١/ ١٨٨)، وفي الصغير (١/ ١٨٥)، (١/ ٣٠٩)؛ قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح. وقال المنذري في الترغيب (١/ ٨٢): وبعض أسانيدهم رواته ثقات.\n(٥) كتب هنا في هامش \"ظ\": تأمل قف على هذا الحديث.","vol":"1","page":202},{"text":"قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن اللَّه حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته\" (١)\nورواه أيضًا ابن ماجة وابن أبي عاصم (٢) فى كتاب السنة من حديث ابن عباس ﵄ ولفظه: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أبى اللَّه أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته\" (٣).\nورواه ابن ماجة أيضًا من حديث حذيفة ﵁ ولفظه قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا يقبل اللَّه لصاحب بدعة صومًا ولا صلاة ولا صدقة ولا حجًا ولا عمرة ولا جهادًا ولا صرفًا ولا عدلًا يخرج من الإسلام كما يخرج الشعر من العجين\" (٤).\n_________\n(١) رواه الطبراني فى الأوسط كما فى مجمع الزوائد (١٠/ ١٨٩)، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقه.\n(٢) ابن أبي عاصم: أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني أبو بكر بن أبي عاصم حافظ كبير إمام بارع متبع للآثار كثير التصانيف وكان ثقة نبيلًا معمرًا من مصنفاته: كتاب \"السنة\" فى أحاديث الصفات، طبع في مجلدين بتخريج الشيخ ناصر الألباني؛ وكتاب الزهد طبع وغيرها، توفي سنة سبع وثمانين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٣٠)؛ البداية (١١/ ٢٨٤).\n(٣) رواه ابن ماجه في المقدمة (١/ ١٩) رقم (٥٠)؛ وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٢) رقم (٣٩).\nقال البوصيري في زوائد ابن ماجة (١/ ١١): هذا إسناد رجاله كلهم مجهولون، قاله الذهبي في الكاشف، وقال أبو زرعة: لا أعرف أبا زيد ولا المغيرة.\nوقال الألباني في تخريج السنة (رقم ٣٩) إسناده ضعيف: بشر وأبو زيد وأبو المغيرة ثلاثتهم مجهولون، كما بينته في الضعيفة (١٤٩٢).\n(٤) رواه ابن ماجة رقم (٤٩)؛ قال الألباني فى الضعيفة رقم (١٤٩٣) موضوع آفته محمد بن محصن فإنه كذاب، كما قال ابن معين وأبو حاتم؛ وقال الحافظ في التقريب كذبوه؛ وانظر زوائد ابن ماجة (١/ ١٠).","vol":"1","page":203},{"text":"وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁: \"من رغب عن سنتي فليس مني\" (١).\nوعن عمرو بن عوف ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال لبلال بن الحارث يومًا: \"اعلم يا بلال، قال ما أعلم يا رسول اللَّه؟ قال: إعلم أن من أحيا سنة من سنتي أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي اللَّه ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئًا\" رواه الترمذي وابن ماجة كلاهما من طريق كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده.\nوقال الترمذي: حديث حسن (٢).\nوقال الحافظ المنذري (٣) وكثير بن عبد اللَّه وإن كان متروك الحديث واهيا فللحديث شواهد (٤).\n_________\n(١) الحديث رواه البخاري في صحيحه في النكاح (٩/ ٥) باب الترغيب في النكاح، ومسلم رقم (١٤٠١) باب استحباب النكاح في حديث طويل، وفيه فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من رغب عن سنتي فليس مني\".\n(٢) الحديث رواه الترمذي في العلم: باب الأخذ بالسنة واجتناب البدع رقم (٢٦٧٧) وابن ماجة في المقدمة رقم (٢٠٩ - ٢١٠) وقال الترمذي: حديث حسن لكن قال الألباني في تخريج السنة لابن أبي عاصم رقم (٤٢) إسناده ضعيف جدًا، وكذا قال في ضعيف ابن ماجة رقم (٣٧، ٢١٠).\n(٣) المنذري: عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد اللَّه بن سلامة المنذري الشامي الأصل المصري زكى الدين أبو محمد الشافعي محدث حافظ محقق فقيه، له مصنفات منها: الترغيب والترهيب في الحديث، مطبوع وغيره، مات سنة ستة وخمسين وستمائة هـ.\nسير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣١٩).\n(٤) انظر: الترغيب والترهيب للمنذري (١/ ٨٦).","vol":"1","page":204},{"text":"وروى نحوه أبو داود، والدارمي (١) من حديث أبي هريرة ﵁ ولفظه أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا\" (٢).\nوقال سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: يهدم الإسلام زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين (٣).\nوقال ﵁: إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب اللَّه ﷿ (٤).\nوقال رجل لابن عباس ﵄ أوصني فقال: عليك بتقوى اللَّه والإستقامة اتبع ولا تبتدع (٥).\n_________\n(١) الدارمي: عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد اللَّه الإمام الحافظ أحد الأعلام وصاحب المسند طبع، بإسم سنن الدارمي مات سنة خمس وخمسين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٢٤)؛ وتقريب (ص ١٨٠).\n(٢) رواه أبو داود في السنة رقم (٤٦٠٩)؛ والدارمي في المقدمة (١/ ١٠٧) رقم (٥١٩)، ورواه مسلم في العلم رقم (٢٦٧٤) باب من سن سنة حسنة؛ والترمذي في العلم رقم (٢٦٧٤)؛ وابن ماجة في المقدمة رقم (٢٠٦).\n(٣) رواه الدارمي في المقدمة (١/ ٦٣) رقم (٢٢٠)، والهروي في ذم الكلام كما في صون المنطق (٣٨).\n(٤) رواه الآجري في الشريعة (٤٨، ٥٢، ٧٤)، واللآلكائي في السنة رقم (٢٠٢)، والدارمي في سننه المقدمة (١/ ٤٧) رقم (١٢١)؛ والهروي في ذم الكلام كما في صون المنطق (٤٠).\n(٥) رواه الدارمي في سننه المقدمة (١/ ٥٠) رقم (١٤١)؛ والهروي في ذم الكلام كما في المنطق (٣٩).","vol":"1","page":205},{"text":"وقال ابن عباس أيضًا إن أبغض الأمور إلى اللَّه البدع (١).\nوفي حديث: \"ما من أمة تحدث في دينها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة\" (٢).\n(فالتمسك بالسنة أحب إليَّ من أن أحدث بدعة) (٣).\nوقال ابن عمر ﵄: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة (٤).\nوالكلام والنصوص في ذلك كثير من أن تحصى في مثل هذا المختصر.\n_________\n(١) رواه محمد بن نصر المروزي في السنة (٢٤).\n(٢) رواه الإمام أحمد في المسند (٤/ ١٠٥)؛ والبزار كما في كشف الأستار (١/ ٨٢) رقم (١٣١)؛ ومن طريقه الطبراني في الكبير (١٨/ ٩٩) رقم (١٧٨) من رواية غضيف بن الحارث ووقع فيه عفيف وهو تصحيف والصواب غضيف بمعجمتين.\nورواه اللآلكائي في السنة رقم (١٢١)؛ والمروزي في السنة (٢٧)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٨٨) في إسناده أبو بكر بن أبي مريم، وهو منكر الحديث؛ وذكره الألباني في ضعيف الجامع الصغير رقم (٤٩٨٥).\n(٣) ما بين القوسين هو من كلام الراوي ضعيف.\nوقد وقع في المخطوطتين هكذا: والتمسك بالسنة أحب إلى اللَّه من أن أحدث بدعة.\nوما اثبتنا من السنة للمروزي والسنة للآلكائي ولعله الصواب. واللَّه أعلم.\n(٤) رواه اللآلكائي في السنة رقم (١٢٦)، وابن نصر المروزي في السنة (٢٤).","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>فصل في مسألة الكلام\nيعني القرآن العظيم </span>والذكر الحكيم المنزل على النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، قال الناظم قدس اللَّه روحه ونور ضريحه (وقل) أيها السني المتبع للآثار والسلف الصالح (غير مخلوق) ولا محدث (١) (كلام مليكنا) أي مالكنا ومالك الخلق أجمعين.\nومن أسمائه تعالى الملك وهو التام الملك الجامع لأصناف المملوكات والملك الخاص الملك.\nوقد يسمى بعض المخلوقين ملكا إذا إتسع ملكه إلا أن الذي يستحق هذا الإسم هو اللَّه تعالى لأنه مالك الملك، وليس ذلك لغيره لأنه الملك الحق الذي يتصرف في الأمر والنهي في الدنيا والآخرة على الإطلاق، وقيل هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل شيء ويحتاج إليه كل شيء وهو يوصف بالملك والمالك والمليك وكلها في القرآن (٢) كما في تحفة الودود للعلامة أبي بكر بن أبي داود (٣) الحنبلي تلميذ المحقق ابن القيم.\nوالتحفة هذه كتاب جليل ذكر فيه أدلة أوراد والده الصالح المسماة بالدر المنتقى\n_________\n(١) في هذه الكلمة اجمال فإن مفهومها أنه قديم والسلف لا يقولون ذلك، بل يقولون أن كلام اللَّه قديم النوع حادث الآحاد، وأنه سبحانه متكلم في الأزل ويتكلم إذا شاء بما شاء بلا كيف. وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة انظر (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).\n(٢) كما قال تعالى ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢]، وكما قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، وكما قال تعالى ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥].\n(٣) أبو بكر بن أبي داود كذا في المخطوطتين وجاء في مصادر ترجمته: أبو بكر بن داود.","vol":"1","page":207},{"text":"المرفوع في أوراد اليوم والليلة والأسبوع، وهو كتاب جليل في بابه وإنما عرفته هذا التعريف لموافقته الناظم في الكنية وكنية الأب (١) وأن كلا منهما حنبلي.\nإذا علمت ذلك فدن اللَّه تعالى وطعه وتعبده باعتقاد قدم (٢) القرآن العظيم والذكر الحكيم الذي هو كلام اللَّه المنزل على رسول اللَّه -ﷺ-.\n(بذلك): أي كون كلام اللَّه غير مخلوق بل قديم (٣).\n_________\n(١) كذا ذكر الشارح ﵀ وقد ذكرت المصادر أن التحفة هذا هو لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود زين الدين، وكنيته: أبو الفرج توفي سنة ٨٥٦ هـ.\nواسم كتابه الكامل: \"تحفة العباد وأدلة الأوراد\" شرح فيه أوراد والده المسماة: \"بالدر المنتفى المرفوع في أوراد اليوم والليلة والأسبوع\".\nوقد جعل السخاوي الكتابين من تأليف الابن عبد الرحمن كما ذكر ابن العماد أن الدر لعبد الرحمن أيضًا.\nوالصحيح كما ذكر الشارح وبينه حاجي خليفه في كشف الظنون أن الدر هو للأب أبو بكر بن داود، وأن التحفة للابن عبد الرحمن.\nوأما والده فاسمه: أبو بكر بن داود تقي الدين أبو الصفا الدمشقي الصالحي الحنبلي، ويعرف بابن داود، توفي سنة ست وثمانمائة.\nانظر: السخاوي: الضوء اللامع (٤/ ٦٢ - ٦٣). (١١/ ٣١)، وابن العماد: شذرات الذهب (٧/ ٢٨٨)؛ وحاجي خليفة: كشف الظنون (١/ ٣٦٩، ٧٣٣)؛ وابن طولون: تاريخ الصالحية (١/ ٢٩٨ - ٢٩٩)؛ والسحب الوابلة (ص ١٩٩ - ٢٠٠)، والأعلام (٣/ ٣٠٠)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٦١، ٥/ ١٢٨).\n(٢) و(٣) علق الشيخ عبد اللَّه بابطين في حاشية لوامع الأنوار (١/ ١٣٠) للمؤلف على قول الشارح \"كلامه سبحانه قديم\" ما نصه:\nقوله إن مذهب السلف: إن كلام اللَّه قديم وكذلك القرآن فيه نظر فإن مذهب السلف كما هو معروف أن كلام اللَّه مما يتعلق بمشيئته فإذا شاء تكلم ويتكلم متى شاء كيف يشاء بلا كيف. =","vol":"1","page":208},{"text":"(دان) أى تعبد وأطاع (الأتقياء) جمع تقي من الوقاية، يقال: وقاه فاتقى فالوقاية فرط الصيانة (١). فالتاء من التقوى مبدلة من الواو لأن أصلها من الوقاية وتقديرها يوتقى فقلبت وأدغمت فلما كثر استعمالها توهموا أن التاء من نفس الكلمة فقالوا اتقى يتقي بفتح الياء فيهما وربما قالوا: اتقى يتقي مثل رمى يرمي.\n\nوالتقوى في الشرع: اسم لمن يقي نفسه عما يضره في الآخرة وله ثلاث مراتب (٢):\nالأولى: التوقي عن العذاب المخلد بالتبري عن الشرك وعليه قوله تعالى ﴿إِوَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦].\nالثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم وهو\n_________\n= وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه التسعينية (ص ١٤٣) ما نصه بالحرف الواحد: الوجه الثاني أن أحدًا من السلف والأئمة لم يقل أن القرآن قديم وأنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته انتهى.\nوفي تنبيه ابن سحمان في حاشية لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ١٣١) قال: فقوله: كلامه سبحانه قديم هو من جنس ما قبله من الألفاظ المبتدعة المخترعة التي لم ينطق بها سلف الأمة وأئمتها والذي عليه أهل السنة والجماعة المخالفون لأهل البدع أن كلام اللَّه ﷾ حادث الآحاد قديم النوع وأنه يتكلم بمشيئته وقدرته إذا شاء لا يمتنع عليه شيء أراده وأن اللَّه تعالى متصف بالأفعال الإختيارية القائمة به فهر سبحانه قد تكلم في الأزل بما شاء ويتكلم فيما لم يزل بقدرته ومشيئته بما أراد وهو الفعال لما يريد: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\nانظر: لوامع الأنوار (١/ ١٣١) للمؤلف.\n(١) انظر: تفسير البيضاوي (١/ ١٦).\n(٢) انظر: تفسير البيضاوي (١/ ١٦).","vol":"1","page":209},{"text":"المتعارف بالتقوى في الشرع وهذا المعني بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [الأعراف: ٩٦].\nالثالثة: أن ينزه عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه بشراشره (١).\nوهذا هو التقوى على الحقيقة المطلوب بقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\nوقد أخرج الترمذي وابن ماجة من حديث عبد اللَّه بن يزيد ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس\" (٢).\nوقال أبو الدرداء ﵁: تمام التقوى أن يتقي اللَّه العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حرامًا حجابًا بينه وبين الحرام (٣).\nوقال الحسن (٤) ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام.\n_________\n(١) الشراشر: النفس يقال ألقى عليه شراشره، أي نفسه حرصًا ومحبة. والشراشر المحبة (تاج العروس: شرر (١٢/ ١٥٩ - ١٦٠).\n(٢) أخرجه الترمذي رقم (٢٤٥١) في صفة القيامة، وابن ماجة في الزهد رقم (٤٢١٥) باب الورع والتقوى؛ وعبد بن حميد في المنتخب رقم (٤٨٣)؛ والقضاعي في مسند الشهاب (٩٠٩)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٤٤٦) من حديث عطية السعدي؛ وقال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوقال الألباني في تخريج أحاديث الحلال والحرام رقم (١٧٨) ص (١٣٠) ضعيف.\nتنبيه: عبد اللَّه بن يزيد أحد رجال السند وليس اسم الصحابي الذي روى الحديث فهو من حديث عطية السعدي.\n(٣) النص في جامع العلوم والحكم (١/ ١٧٨، ٢/ ١١).\n(٤) الحسن هو البصري تقدم في (١/ ١٩٣).","vol":"1","page":210},{"text":"وقال الثوري: (١) إنما سموا متقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى (٢).\n(وأفصحوا) بقولهم: القرآن كلام اللَّه قديم (٣) غير مخلوق.\nقال الإمام موفق الدين ابن قدامة (٤) في صدر كتابه: \"البرهان في حقيقة القرآن\" (٥): مذهب أهل السنة والجماعة والذي كان عليه رسول اللَّه -ﷺ- والصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان ومن بعدهم من أئمة أهل الإسلام أن القرآن كلام اللَّه القديم وحبله المتين وكتابه المبين نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين، وهو سور وآيات وحروف وكلمات، منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، من قرأه وأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، نزله اللَّه تنزيلًا، ورتله ترتيلًا، وسماه قولًا ثقيلًا، ووعد على تلاوته أجرًا جزيلًا، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٣].\nوشهد اللَّه وملائكته بإنزاله على رسوله -ﷺ- وحض على تدبره وترتيله وآجرنا على أحكامه وتفصيله، ونص على تشريفه وتفضيله، وعجز الخلق عن الإتيان بمثله أو تبديله.\n_________\n(١) الثوري: هو سفيان الثوري تقدم في (١/ ١٨٤).\n(٢) النصوص في جامع العلوم والحكم (١/ ١٧٨، ٢/ ١١).\n(٣) انظر ما تقدم (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).\n(٤) ابن قدامة: عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي الصالحي الفقيه الزاهد الإمام وأحد الأعلام موفق الدين أبو محمد، صاحب \"المغني\" في الفقه وغيره من المؤلفات النفيسة، مات سنة ٦٢٠ هـ.\nذيل طبقات الحنابلة (٢/ ١٣٣)؛ وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٦٥).\n(٥) طبع باسم \"البرهان في بيان القرآن\" ضمن مجلة البحوث الإسلامية، العدد التاسع عشر بتحقيق الدكتور سعود الفنيسان.","vol":"1","page":211},{"text":"قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].\nوقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦].\nوهو هذا الكتاب العربي الذي هو مائة وأربعة عشرة سورة أولها الفاتحة وآخرها المعوذتان، مكتوب في المصاحف متلو في المحاريب مسموع بالآذان متلو بالألسن، له أول وآخر وأجزاء وأبعاض.\nوالدليل على أن هذا هو القرآن: الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فإن اللَّه تعالى تحدى الخلق بالإتيان بمثله في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ. . .﴾ [الإسراء: ٨٨].\nوقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤].\nثم قال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].\nوقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣].\nوالتحدي إنما وقع بالإتيان بمثل هذا الكتاب بغير إشكال لأن ما في النفس لا يدري ما هو ولا يسمى سورًا ولا حديثًا فلا يجوز أن يقال فأتوا بحديث مثل ما في نفس الباري ولأن المشركين إنما زعموا أن النبي -ﷺ- افترى هذا القرآن أو تقوله، فرد اللَّه عليهم دعواهم فتحداهم بالإتيان بمثل ما زعموا أنه مفترى ومتقول دون غيره.\nوهذا واضح لا شك فيه والكتاب العزيز مملوء من مثل هذا فلا نطيل بذكره.","vol":"1","page":212},{"text":"وأما السنة فقول النبي -ﷺ- وسكوته، أما قوله فكثير جدًّا كقوله -ﷺ-: \"هذا القرآن مأدبة اللَّه فتعلموا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل اللَّه وهو النور المبين والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، فاتلوه فإن اللَّه يأجركم على تلاوته لكل حرف عشر حسنات، ألا إني لا أقول ألم حرف ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر (١) \" رواه أبو عبيد (٢) في فضائل القرآن.\nوقال -ﷺ-: \"إن الذي يقرأ القرآن وهو يشتد عليه فله أجران\" (٣).\nوقال -ﷺ-: \"أعربوا القرآن\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٣٥٧)؛ وابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٤٨٢ - ٤٨٣) رقم (١٠٠٥٧)، ومحمد بن نصر المروزي في قيام الليل (ص ١٥٥)؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٥) عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مرفوعًا؛ ورواه الدارمي في سننه (٢/ ٣٠٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٣٩) موقوفًا على عبد اللَّه بن مسعود.\nوفي إسناده إبراهيم الهجري وهو لين الحديث لكن له متابعات يتقوى بها.\nانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (٦٦٠).\n(٢) أبو عبيد: القاسم بن سلام بن عبد اللَّه الهروي الأزدي الخزاعي بالولاء الخراساني البغدادي، من كبار العلماء بالحديث والفقه واللغة والأدب، له مصنفات كثيرة، مات سنة أربع وعشرين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠)؛ والأعلام (٥/ ١٧٦).\n(٣) رواه البخاري (٨/ ٥٦٠) في تفسير سورة عبس؛ ومسلم رقم (٧٩٨) في صلاة المسافرين باب فضل الماهر بالقرآن والذي يتعتع فيه.\n(٤) ورد من رواية عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مرفرعًا وموقوفًا، أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ١٥٠) رقم (٨٦٨٤ - ٨٦٨٦).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٤) رواه الطبراني من طرق وفيها ليث بن أبي سليم وفيه ضعف وبقية رجال أحد الطرق رجال الصحيح.=","vol":"1","page":213},{"text":"وقال: لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم (١).\nوقال من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات ومن قرأه فلحن فيه فله بكل حرف حسنة (٢) حديث صحيح فهذه الأخبار وأضعاف أضعافها تدل دلالة واضحة على أن النبي -ﷺ- ما أراد بالقرآن سوى هذا الكتاب المنزل عليه الذي يعرف المسلمون قرآنا.\nولم يرد ما تزعم هذه الطائفة أنه معنى في النفس لا يظهر للشخص ولا ينزل ولا له أول ولا آخر ولا يدري ما هو لا سور ولا آيات ولا حروف ولا كلمات.\nوأما سكوته -ﷺ- فإنه لو كان القرآن ما قالوا لوجب على النبي -ﷺ- بيانه وتعريفه\n_________\n= وورد من رواية أبي هريرة ﵁ رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٤٥٦) رقم (٩٩٦١)؛ والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٩)؛ وأبو يعلى (١١/ ٤٣٦) رقم (٦٥٦٠)، وقال الحاكم صحيح الإسناد على مذهب جماعة من أئمتنا. ورده الذهبي بقوله: \"قلت بل أجمع على ضعفه\" وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٣) في إسناده عبد اللَّه بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو متروك.\n(١) رواه البخاري في الجهاد والسير: باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو (٦/ ١٥٥) رقم (٢٩٩٠) فتح الباري، ومسلم رقم (١٨٦٩) في الإمارة: باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم. ورواه أبو داود رقم (٢٦١٠) وذكر أن قوله: \"مخافة أن يناله العدو\" من قول مالك، وهو كذلك في الموطأ (٢/ ٤٤٦) في الجهاد، باب النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، ورواه ابن ماجه رقم (٢٨٧٩ - ٢٨٨٠)؛ وأحمد بعدة أسانيد عن نافع عن ابن عمر به. المسند (٢/ ٦، ٥٥، ٦٣، ١٢٨).\n(٢) ذكره ابن قدامة في عقيدته لمعة الاعتقاد رقم (٣٣) وفي البرهان (ص ٢٢٤) وأشار إلى صحته ولم أجده بهذا اللفظ لكن روى البيهقي في شعب الإيمان رقم (٢٠٩٦) عن ابن عمر نحوه بلفظ \"من قرأ القرآن فأعرب في قراءته كان له بكل حرف منه عشرون حسنة ومن قرأ بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات، وأشار محققه إلى ضعفه.","vol":"1","page":214},{"text":"فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه بالاتفاق، وما أشد حاجة الأمة إلى معرفة القرآن الذي فيه ذكرهم وشرفهم. قال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] أي شرفكم (١).\nوقال بعضهم (٢) في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]. هو القرآن.\n(فإن كل الأمة) (٣) لم تسمع من النبي -ﷺ- فكيف لا يحتاج المسلمون إلى معرفة القرآن الذي شرفهم اللَّه به وجعله بشيرًا ونذيرًا ومناديًا وداعيًا إلى الهدى وحجة ونورًا وبرهانًا وشفاء ورحمة ومعجزة لنبيه -ﷺ- ومعرفًا للأحكام من الحلال والحرام والصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الأحكام.\nوأمر النبي -ﷺ- بتبليغه والإنذار به.\nفهذا مما لا يجوز للنبي -ﷺ- أن يهمل بيانه ولا يكتمه عن أمته سيما وقد أمره اللَّه بالتبليغ وفرضه وتوعده على تركه فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧].\nوقال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤].\nوقال مخبرًا عن النبي -ﷺ-: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. أي ومن بلغه القرآن.\nوأيضًا لو ساغ للنبي -ﷺ- السكوت عن بيان القرآن فكيف ساغ له إيهام أمته أن\n_________\n(١) قاله ابن عباس وغيره: انظر تفسير ابن كثير والبغوي (٥/ ٤٧٧).\n(٢) هو محمد بن كعب القرظي: انظر تفسير ابن جرير (٤/ ٢١٢).\n(٣) في النسختين (فإن كلاميته لم تسمع من اللَّه. . . والتصويب من البرهان لابن قدامة (ص ٢٢٧) ومنه ينقل المؤلف.","vol":"1","page":215},{"text":"القرآن غير ما هو قرآن بما تلاه من الآيات التي فيها ذكر القرآن بأنه هو هذا الذي نقرأه.\nوالأخبار التي رويناها عنه -ﷺ- ليضل أمته بذلك عن الصواب ويعتقدوا غير الحق ويصيروا معتقدين غير الصواب فلو كان الأمر كما زعموا لكان -ﷺ- هو المضل لأمته والمغوي لهم والداعي إلى صراط الجحيم والمانع من الصراط المستقيم.\nولا شك أن اعتقاد مثل هذا كفر باللَّه العظيم، فهذه أدلة قاطعة في أن القرآن هو ما يعتقده المسلمون قرآنًا لا غير.\nوأما الإجماع: فإن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ما كانوا يعتقدون القرآن سوى هذا الذي نعتقده قرآنًا دلت على ذلك أقوالهم وأحوالهم فإنهم سموا (١) حروفه وآياته وكلماته وأجزاءه وذكروا قراءته واستماعه على نحو ما ذكرناه عن النبي -ﷺ-.\nقال الصديق الأعظم أبو بكر ﵁: \"إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه\" (٢).\nوسئل علي ﵁ عن الجنب يقرأ القرآن قال: لا ولا حرف (٣).\nوروي عنه أنه قال: من كفر بحرف من القرآن فقد كفر به كله (٤).\n_________\n(١) في النسختين: فإنهم \"سموه. . . \" والمثبت من البرهان لابن قدامة (ص ٢٣٠) طبع ضمن مجلة البحوث الإسلامية العدد التاسع عشر، ومنه ينقل الشارح.\n(٢) روى ذلك عنه وعن عمر بن الخطاب ﵄، رواه عنهما ابن الأنباري كما في تفسير القرطبي (١/ ٢٣)؛ وذكره ابن تيمية (١٢/ ١٠٢).\n(٣) رواه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٣٣٦) رقم (١٣٠٦)؛ وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٠٢)؛ والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٨٩)، وذكره ابن قدامة في المغني (١/ ١٣٤ - ١٣٥) عن علي ﵁.\n(٤) ذكره ابن قدامة في عقيدته رقم (٣٦).","vol":"1","page":216},{"text":"ونصوص الصحابة في ذلك كثيرة جدًّا تخرج عن حد الإحصاء كل ذلك يدل دلالة ظاهرة واضحة على أن القوم ما اعتقدوا قرآنًا سوى هذا الذي هو حروف منظومة وآيات معلومة وكذلك من بعدهم من أهل الإسلام وكلامهم في هذا كثير جدًّا. قال الإِمام الموفق في البرهان: وما علمت أحدًا جحد كون هذا قرآنًا سوى هذه الطائفة ثم إنهم قد أجمعوا مع المسلمين على أنهم متى تلو آية قالوا: قال اللَّه كذا وقول اللَّه هو كلامه.\nوأجمع المسلمون على أن القرآن يقرأ ويسمع ويحفظ ويكتب وهذه الصفات لا تعلق لها بما لم ينزل إلينا مما لم ندر ما هو، وأجمعوا على أن القرآن أنزل على محمد -ﷺ- وأنه معجزته التي تحدى بها اللَّه تعالى الخلق الإتيان بمثله فعجزوا عنه، وأجمعوا على أن في القرآن ناسخًا ومنسوخًا، ولا تعلق لذلك بالكلام النفسي، وأجمعوا على أن من جحد سورة من القرآن أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقا عليه أنه كافر (١).\nقال أبو نصر السجزي: (٢) هذه حجة قاطعة على أنه حروف وأجمع المسلمون على أن القرآن لم ينزل على النبي -ﷺ- جملة واحدة وإنما نزل نجومًا في ثلاث وعشرين سنة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا\n_________\n(١) انظر: البرهان لابن قدامة (ص ٢٣٥ - ٢٣٦).\n(٢) أبو نصر السجزي: جاء في النسختين السنجري والمثبت من المصادر فهو: عبد اللَّه بن سعيد بن حاتم السجزي الوائلي البكري أبو نصر أصله من سجستان ونسبته إليها على غير بأس: قال الذهبي الإِمام العالم المجود شيخ السنة ومصنف \"الإبانة الكبرى\" في أن القرآن غير مخلوق. وهو مجلد كبير قال على سعة علم الرجل بفن الأثر، توفي سنة أربع وأربعين وأربع مائة بمكة.\nسير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٥٤)؛ والأعلام (٤/ ١٩٤).","vol":"1","page":217},{"text":"جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢ - ٣٣]. انتهى ملخصًا (١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه في قاعدة له في بيان أن القرآن كلام اللَّه ليس شيء منه كلامًا لغيره، لا جبريل ولا محمد -ﷺ- ولا غيرهما (٢) قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ. . .﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٢].\nفإن الضمير في قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾ عائد على ما في قوله ﴿بِمَا يُنَزِّلُ﴾ والمراد به القرآن كما يدل عليه سياق القرآن وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ فيه إخبار اللَّه بأنه أنزله لكن ليس في هذه اللفظة بيان أن روح القدس نزل به ولا أنه منزل منه.\nولفظ الإنزال في القرآن قد يرد مقيدًا بالإنزال منه كنزول القرآن، وقد يرد مقيدًا بالإنزال من السماء، ووواد به العلو فيتناول نزول المطر من السحاب ونزول الملائكة من عند اللَّه وغير ذلك، وقد يرد مطلقًا فلا يختص بنوع من الإنزال، بل ربما تناول الإنزال من رؤوس الجبال كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ. . .﴾ [الحديد: ٢٥].\nوالإنزال من ظهور الحيوان كإنزال الفحل الماء وغير ذلك.\nفقوله: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ بيان لنزول جبريل به من اللَّه فإن روح القدس هنا جبريل بدليل قوله تعالى: ﴿. . . مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ\n_________\n(١) انظر: البرهان في بيان القرآن لابن قدامة (ص ٢٥٠).\n(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٧) وما بعدها؛ ولوامع الأنوار (١/ ١٦٣).","vol":"1","page":218},{"text":"عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧].\nوهو الروح الأمين في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].\nوفي قوله: الأمين دلالة على أنه مؤتمن على ما أرسل به لا يزيد فيه ولا ينقص منه. فإن الرسول الخائن قد يغير الرسالة، كما قال في صفته في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠].\nوفي قوله: ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤] دلالة على أمور:\nمنها بطلان قول من يقول إنه كلام مخلوق خلقه في جسم من الأجسام المخلوقة كما هو قول الجهميين (١) الذين قالوا بخلق القرآن من المعتزلة (٢) والنجارية (٣) والضرارية (٤) وغيرهم. فإن السلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات وقال إن\n_________\n(١) الجهميون نسبة إلى الجهم بن صفوان: انظر (١/ ١٨١).\n(٢) المعتزلة: انظر (١/ ١٦٦).\n(٣) النجارية: أتباع الحسين بن محمد النجار (ويسمون الحسينية) من المعتزلة الجهمية، وافقوا المعتزلة في نفي الصفات من العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر، وخالفوهم في خلق أفعال العباد بمعنى أن أعمال العباد مخلوقه للَّه وأنكر الرؤية وقال: الإيمان التصديق ولا يخلد صاحب الكبيرة في النار.\nالملل والنحل (١/ ٨٨ - ٩٠)؛ ومقالات الإسلاميين (١/ ٣٤٠).\n(٤) الضرارية: أصحاب ضرار بن عمرو من المعتزلة لكن خالفهم في أن أعمال العباد مخلوقة، وكان يزعم أن معنى: عالم قادر أي ليس بجاهل ولا عاجز وكذلك سائر صفاته وأنكر قراءة ابن مسعود وأُبي.\nمقالات الإِسلاميين (١/ ٣٣٩)؛ والملل (١/ ٩٠ - ٩١).","vol":"1","page":219},{"text":"القرآن مخلوق وأن اللَّه لا يرى في الآخرة جهميا. فإن جهما (١) أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات وبالغ في نفي ذلك فله في هذه البدعة مزية المبالغة في النفي والابتداء بكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه وإن كان الجعد بن درهم (٢) سبقه إلى بعض ذلك.\nفإن الجعد بن درهم أول من أحدث ذلك في الإسلام فضحى به خالد بن عبد اللَّه القسري (٣) بواسط يوم النحر وقال: \"يا أيها الناس ضحوا تقبل اللَّه ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن اللَّه لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليمًا. تعالى عما يقول الجعد بن درهم علوًا كبيرًا ثم نزل فذبحه\" (٤).\nوكان خالد أمير العراقين (٥) من جهة هشام بن\n_________\n(١) جهم بن صفوان. انظر (١/ ١٨١).\n(٢) الجعد بن درهم من الموالي من أهل الشام، وهو مؤدب مروان بن محمد الخليفة الأموي وهو شيخ الجهم بن صفوان الذي تنسب إليه الطائفة الجهمية أول من ابتدع أن اللَّه ما اتخذ إبراهيم خليلا، ولا كلم موسى، وأن ذلك لا يجوز على اللَّه. قتله خالد بن عبد اللَّه القسري في نحو سنة ١١٨ هـ.\nالبداية والنهاية (١٠/ ١٩)؛ وسير أعلام النبلاء (٥/ ٤٣٣)؛ والأعلام (٢/ ١٢٠).\n(٣) خالد بن عبد اللَّه بن يزيد بن ساد القسري من بجيلة أبو الهيثم، أمير العراقيين وأحد خطباء العرب وأجوادهم، يماني الأصل من أهل دمشق، ولي مكة للوليد بن عبد الملك سنة ٨٩ هـ ثم ولاه هشام العراقين سنة ١٠٥، مات مقتولًا سنة ١٢٦ هـ.\nسير أعلام النبلاء (٥/ ٤٢٥)؛ والبداية (١٠/ ١٧)؛ والأعلام (٢/ ٢٩٧).\n(٤) انظر الخبر في خلق أفعال العباد للبخاري (١٢) رقم ٣؛ وفي التاريخ الكبير له (١/ ٦٤)؛ وفي الرد على الجهمية لأبي سعيد الدارمي (١٣، ٣٨٨)، والآجري في الشريعة (٩٧، ٣٢٨)؛ وعند ابن كثير في البداية (١٠/ ١٩)، وفي السير (٥/ ٤٣٢)؛ وهنا نهاية كلام ابن تيمية، انظر مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٩).\n(٥) العراقين الكوفة والبصرة. معجم البلدان (٤/ ٩٣) عراق.","vol":"1","page":220},{"text":"عبد الملك (١) الأموي وكان معدودًا من خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة وكان جوادًا كثير العطاء، وفيه يقول بعض الشعراء (٢):\nتبرعت لي بالجود حتى نعشتني ... وأعطيتني حتى حسبتك تلعب\nفأنت الندى وابن الندى وأبو الندى ... حليف الندى ما للندى عنك مذهب\nولكن (٣) المعتزلة وإن وافقوا جهما على بعض ذلك فهم يخالفونه في مسائل غير ذلك كمسائل الإيمان والقدر وبعض مسائل الصفات أيضًا، ولا يبالغون في النفي مبالغته، وهو يقول إن اللَّه تعالى لا يتكلم ويقول: إنه يتكلم بطريق المجاز.\nوأما المعتزلة فيقولون: إنه يتكلم حقيقة لكن قولهم في المعنى هو قول جهم وجهم ينفي الأسماء كالصفات كما نفتها الباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة.\nوأما جمهور المعتزلة فلا ينفون الأسماء.\nوالمقصود أن قوله تعالى: ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤] فيه بيان أنه منزل من اللَّه لا من مخلوق.\nولهذا قال السلف منه بدأ أي هو الذي تكلم به لم يبتد من غيره كما قالت الخلقية (٤)، ومنها أن قوله: ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ فيه بطلان قول من يجعله فاض\n_________\n(١) هشام بن عبد الملك بن مروان من خلفاء الدولة الأموية في الشام، ولد في دمشق وبويع فيها، كان حسن السياسة يقظًا في أمره يباشر الأعمال بنفسه، مات سنة ١٢٥ هـ. الأعلام (٨/ ٨٦).\n(٢) الأبيات في: السير (٥/ ٤٢٨)؛ وفي البداية (١٠/ ٢٠)؛ وفي مختصر تاريخ دمشق (٧/ ٣٧٩)؛ وفي وفيات الأعيان (٢/ ٢٢٧) في ترجمة خالد.\n(٣) عود إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٩).\n(٤) الخلقية: أي الذين يقولون إن القرآن مخلوق وهم المعتزلة ومن وافقهم.","vol":"1","page":221},{"text":"على نفس النبي -ﷺ- من العقل الفعال أو غيره كما يقول ذلك طوائف من الفلاسفة والصابئة، وهذا القول أعظم كفرًا وضلالًا من الذي قبله.\nومنها أن هذه الآية تبطل أيضًا قول من يقول إن القرآن العربي ليس منزلًا من اللَّه بل مخلوق له تعالى إما في جبربل، أو محمد، أو جسم آخر غيرهما كما تقول ذلك الكلابية (١) والأشعرية (٢) الذين يقولون القرآن العربي ليس هو كلام اللَّه وإنما كلامه المعنى القائم بذاته، والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى. ثم عندهم إما أن يكون خلق في بعض الأجسام: الهواء وغيره أو ألهمه جبريل فعبر عنه بالقرآن العربي، أو ألهمه محمدًا -ﷺ- فعبر عنه بالقرآن العربي، أو يكون أخذه جبريل من اللوح المحفوظ أو غيره.\nفهذه الأقوال التي تقال تفريعًا على هذا القول فإن هذا القرآن العربي لا بد له من متكلم تكلم به أولًا قبل أن يصل إلينا وهذا يوافق قول المعتزلة ونحوهم في إثبات خلق القرآن العربي وكذا التوراة البرية ويفارقه من وجهين:\nأحدهما أن أولئك يقولون: أن المخلوق كلام اللَّه وهؤلاء لا يقولون: إنه كلام اللَّه لكن يسمونه كلام اللَّه مجازًا، وهذا قول أئمتهم وجمهورهم، وقالت طائفة من\n_________\n(١) الكلابية أصحاب عبد اللَّه بن سعيد بن كلاب (توفي نحو سنة ٢٤٠ هـ) قال الذهبي: رأس المتكلمين بالبصرة في زمانه وصاحب التصانيف في الرد على المعتزلة وربما وافقهم ثم قال والرجل أقرب المتكلمين إلى السنة بل هو في مناظريهم. وكان يقول بأن القرآن قائم بالذات بلا قدرة، ولا مشيئة. وهذا ما سبق إليه أبدًا قاله في معارضة من يقول بخلق القرآن. والكلابية يثبتون الأسماء والصفات لكن على طريقة أهل الكلام لذلك يعدهم أهل السنة من متكلمة أهل الإثبات ويوافقون أهل السنة في كثير من مسائل العقيدة.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١١/ ١٧٤ - ١٧٥)؛ ومجموع الفتاوى لابن تيمية (٣/ ١٠٣) (٤/ ١٢، ١٤، ١٤٧، ١٥٦، ١٧٤)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٣٥٠).\n(٢) الأشعرية تقدمت انظر (١/ ١٤٢)","vol":"1","page":222},{"text":"متأخريهم: بل لفظ الكلام يقال على هذا، وهذا بالإشتراك اللفظي لكن قد ينقض أصلهم في إبطال قيام الكلام بغير المتكلم به وهم من هذا لا يقولون: إن المخلوق كلام اللَّه حقيقة كما تقوله المعتزلة مع قولهم: إنه كلامه حقيقة، بل يجعلون القرآن العربي كلامًا لغير اللَّه، وهو كلامه حقيقة وهذا شر من قول المعتزلة، وهذا حقيقة قول الجهمية. ومن هذا الوجه فقول المعتزلة أقرب وقول الآخرين هو قول الجهمية المحضة.\nنعم المعتزلة موافقون لهؤلاء في المعنى وإنما ينازعونهم في اللفظ.\nالثاني: أن هؤلاء يقولون للَّه كلام هو معنى قديم قائم بذاته تعالى والخلقية يقولون: لا يقوم بذاته كلام.\nومن هذا الوجه الكلابية والأشعرية خير من الخلقية في الظاهر، لكن جمهور الناس يقولون: إن أصحاب هذا عند التحقيق لم يثبتوا كلامًا له حقيقة غير المخلوق فإنهم يقولون: إنه معنى واحد هو الأمر والنهي والخبر إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا، ومنهم من قال: هو خمس معان.\nوجمهور العقلاء يقولون: إن فساد هذا معلوم بالضرورة بعد التصور التام. والعقلاء الكثيرون لا يتفقون على الكذب وجحد الضرورات من غير تواطؤ واتفاق كما في مخبر الأخبار المتواترة. وأما مع التواطؤ فقد يتفقون على الكذب عمدًا، وقد يتفقون على جحد الضرورات وإن لم يعلم كل منهم أنه جاحد للضرورة ولم يفهم حقيقة القول الذي يعتقده لحسن ظنه فيمن يقلد قوله ولحبه لنصرة ذلك القول.\nكما اتفقت النصارى والرافضة وغيرهم من الطوائف على مقالات يعلم مفاسدها بالضرورة.","vol":"1","page":223},{"text":"وقال جمهور العقلاء: نحن إذا عربنا التوراة والإنجيل لم يكن معنى ذلك معنى القرآن بل معاني هذا ليست معاني هذا.\nوكذلك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ليس هو معنى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] ولا معنى آية الكرسي آية الدين.\nوقالوا: إذا جوزتم أن تكون الحقائق المتنوعة شيئًا واحدًا فجوزوا أن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر صفة واحدة فاعترف أئمة هذا القول بأن هذا الإلزام ليس لهم عنه جواب عقلي، ثم منهم من قال: إن الناس في الصفات إما مثبت لها قائل بالتعدد، وإما ناف لها، وإما إثباتها واتحادها فخلاف الإجماع. وهذه طريقة أبي بكر الباقلاني (١)، وأبِي المعالي الجويني (٢)، وغيرهما ومنهم من اعترف بأنه ليس له جواب كأبي الحسن الآمدي (٣) وغيره.\nوالمقصود هنا أن هذه الآية الكريمة تبين بطلان هذا القول كما بينت بطلان غيره فإن قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ يقتضي نزول القرآن من ربه.\nوالقرآن اسم للقرآن العربي لفظه ومعناه بدليل قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨] وإنما يقرأ القرآن العربي لا يقرأ معانيه المجرده.\nفإذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربي لزم أن يكون نزله من اللَّه فلا يكون شيء منه نزله من عين الأعيان المخلوقة ونزله من نفسه.\n_________\n(١) الباقلاني: محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم البصري ثم البغدادي المعروف بالباقلاني (أبو بكر) متكلم على مذهب الأشعري ولد بالبصرة، وسكن بغداد وسمع بها الحديث، توفى سنة ٤٠٣ هـ.\nتاريخ بغداد (٥/ ٣٧٩)؛ ووفيات الأعيان (٤/ ٢٦٩).\n(٢) الجويني: انظر (١/ ١٣٧).\n(٣) الآمدي: (١/ ١٣٧).","vol":"1","page":224},{"text":"وأيضًا فإنه قال عقب هذه الآية ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].\nوهم كانوا يقولون: إنما يعلمه هذا القرآن العربي بشر لم يكونوا يقولون إنما يعلمه بشر معانيه فقط.\nبدليل قوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.\nوعبر عن هذا بـ (يلحدون) لما تضمن من معنى ميلهم عن الحق، وميلهم إلى هذا الذي أضافوا إليه القرآن، فإن لفظ الإلحاد يقتضي ميلًا عن شيء إلى شيء بباطل.\nوقد اشتهر في التفاسير: أن بعض الكفار كانوا يقولون إن محمدًا -ﷺ- تعلم القرآن من شخص كان بمكة أعجمي قيل: إنه كان مولى لابن الحضرمي (١).\nفإذا كان الكفار جعلوا الذي يعلمه ما نزل به روح القدس بشرًا واللَّه أبطل ذلك بأن لسان ذلك أعجمي، وهذا لسان عربي مبين.\nعلم أن روح القدس نزل باللسان العربي المبين وأن محمدًا -ﷺ- لم يؤلف نظم القرآن بل سمعه من روح القدس، وإذا كان روح القدس نزل به من اللَّه علم أنه سمعه منه لم يؤلفه هو، وهذا بيان من اللَّه أن القرآن الذي هو باللسان العربي المبين سمعه روح القدس من اللَّه رب العالمين ونزل به منه (٢) \" وهذا بين وللَّه الحمد.\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا في شرح الأصفهانية (٣).\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير والبغوي (٥/ ٩١).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ١٢٤).\n(٣) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٣٥).","vol":"1","page":225},{"text":"قال أبو الحسن محمد بن عبد الملك (١) الكرجي الشافعي في كتابه الذي سماه \"الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول\" وذكر إثنى عشر إمامًا: الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وسفيان الثوري (٤)، وأحمد بن حنبل (٥)، وسفيان بن عيينة (٦)، عبد اللَّه بن المبارك (٧)، وإسحاق بن راهوية (٨)، والبخاري (٩)، وأبا زرعة (١٠)، وأبا حاتم (١١).\nقال فيه: سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد (١٢) يقول: سمعت الإمام\n_________\n(١) محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر الكرجي بالجيم أبو الحسن بن أبي طالب: فقيه محدث مفسر أديب شاعر، من تصانيفه: الذرائع في علم الشرائع، الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول؛ تفسير القرآن؛ وغيرها، توفى سنة ٥٣٢.\nطبقات الشافعية (٦/ ١٣٧)؛ البداية (١٢/ ٢١٣)، ومعجم المؤلفين (١٠/ ٢٥٨).\n(٢) الشافعي تقدم (١/ ١٧٤).\n(٣) مالك تقدم (١/ ١٧٧).\n(٤) سفيان الثوري تقدم (١/ ١٧٤).\n(٥) أحمد تقدم (١/ ١١١).\n(٦) سفيان بن عيينة تقدم (١/ ١٩١).\n(٧) عبد اللَّه بن المبارك تقدم (١/ ١٨٤).\n(٨) إسحاق بن راهويه تقدم (١/ ١١٢).\n(٩) البخاري تقدم (١/ ١٨٦).\n(١٠) أبو زرعة تقدم (١/ ١٠٩).\n(١١) أبو حاتم: محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي أبو حاتم الرازي، أحد الحفاظ، توفى سنة سبع وسبعين ومائتين.\nتقريب (ص ٢٨٩).\n(١٢) محمد بن أحمد بن علي بن شكرويه الأصبهاني أبو منصور: القاضي الفقيه المعمر، مات سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٩٣).","vol":"1","page":226},{"text":"أَبا بكر عبد اللَّه بن أحمد (١) يقول: سمعت الشيخ أبا حامد الأسفرائيني (٢)، يقول مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ومن قال: مخلوق فهو كافر.\nوالقرآن حملة جبريل مسموعًا من اللَّه تعالى والنبي -ﷺ- سمعه من جبريل والصحابة ﵃ سمعوه من النبي -ﷺ- وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا فيما بين الدفتين، وما في صدورنا مسموعًا ومكتوبًا ومحفوظًا ومنقوشًا كل حرف منه كالباء والتاء كله كلام اللَّه غير مخلوق، ومن قال: مخلوق فهو كافر عليه لعائن اللَّه والملائكة والناس أجمعين (٣).\nقال أبو الحسن: وكان الشيخ أبو حامد الاسفرائيني شديد الإنكار على أصحاب الكلام، وكان يدخل الجامع المنصور ويقبل على من حضر ويقول: أشهدوا عليّ\n_________\n(١) أبو بكر عبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه المروزي الخراساني: الإمام العلامة الفقيه، شيخ الشافعية، ويعرف بالقفال الصغير، وهو صاحب طريقة الخراسانيين في الفقه، كما أن أَبا حامد الأسفرائيني هو صاحب طريقة العراقيين، وعنهما انتشر المذهب الشافعي، توفى سنة سبع عشرة وأربع مائة وله من العمر تسعون سنة.\nسير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٠٥)؛ وطبقات الشافعية للسبكي (٥/ ٥٣ - ٦٢).\n(٢) أحمد بن أبي طاهر صمد بن أحمد الأسفرائيني: الأستاذ العلامة الفقيه شيخ الشافعية ببغداد، قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازى في الطبقات: انتهت إليه رئاسة الدين والدنيا ببغداد وطبق الأرض بالأصحاب، وجمع مجلسه ثلاثمائة متفقه، مات سنة ست وأربعمائه.\nسير أعلام النبلاء (١٧/ ١٩٣)؛ وطبقات الشافعية للسبكي (٤/ ٦١).\n(٣) الأثر ذكره ابن تيمية أيضًا في درء تعارض الأصل والنقل (٢/ ٩٥ - ٩٦)؛ وذكره المؤلف في لوامع الأنوار (١/ ١٦٢)، وانظر: مجموع الفتاوى (٤/ ١٧٥، ١٢/ ١٦٠).\nوقد ذكر هنا عشرة وبقيتهم كما في درء تعارض العقل والنقل: الأوزاعي، والليث بن سعد.","vol":"1","page":227},{"text":"بأن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق كما قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁، لا كما يقول الباقلاني، وكان يتكرر منه ذلك فقيل له في ذلك، فقال: حتى ينتشر في الناس ويشيع الخبر في أهل البلاد، أني بريء مما هم عليه -يعني الأشعرية- وبريء من مذهب أبي بكر الباقلاني فإن جماعة (١) من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ويقرؤن عليه فيعتنون بمذهبه، فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة فيظن ظان أنهم مني تعلموه، وأنا قلته، وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته\" (٢).\nهذا كلام (٣) الإمام أبي حامد أحمد بن طاهر الاسفرائيني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علمًا وأصحابًا، قال ابن خلكان في تاريخه وفيات الأعيان: أنتهت إليه رئاسة الدنيا والدين ببغداد فكان يحضر مجلسه أكثر من ثلاثمائة فقيه (٤).\nوذكر الخطيب في تاريخ بغداد: \"أنه كان يحضر مجلسه سبعمائة متفقه، وكان الناس يقولون لو رآه الشافعي لفرح به\" (٥) انتهى.\nوكانت ولادة أبي حامد الإسفرائيني سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقدم بغداد سنة ثلاث وستين وثلائمائة، وتوفى سنة ست وأربعمائة ببغداد، ودفن في داره ثم نقل إلى باب حرب (٦).\n_________\n(١) في المخطوطتين فإن جماعته وما أثبتنا من العقيدة الأصفهانية (ص ٣٦)؛ ومن درء تعارض العقل والنقل، ومنهما ينقل الشارح.\n(٢) نهاية ما أورده ابن تيمية.\nانظر: شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٣٦)؛ ودرء تعارض العقل والنقل (٢/ ٩٧).\n(٣) في الأصل: هذا كلام هذا الإمام أبي حامد، وما أثبته من نسخة \"ظ\" وهو الصحيح.\n(٤) وفيات الأعيان (١/ ٧٢).\n(٥) تاريخ بغداد (٤/ ٣٦٩).\n(٦) وفيات الأعيان (١/ ٧٤).","vol":"1","page":228},{"text":"وإسفراين بلدة بخراسان من نواحي نيسابور على منتصف الطريق إلى جرجان (١) ﵀ ورضي عنه.\nو\"لا\" ناهية (تك) مجزومًا بها وحذفت النون تخفيفًا (في القرآن) العظيم والذكر الحكيم: (بالوقف قائلا): بأن تقول: أنا لا أقول القرآن قديم (٢) ولا مخلوق.\nقال سيدنا الإمام أحمد ﵁: الواقفة: هم الذين يقولون: القرآن كلام اللَّه ولا يقولون غير مخلوق، قال: وهم من شر الأصناف وأخبثها (٣) انتهى.\nوقوله رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه: (كما قال أتباع) أي نوع من أتباع الجهم بن صفوان الذي نسبت إليه مقالة الجهمية. وإن كان إنما أخذ المقالة المذكورة عن الجعد بن درهم الذي ضحى عليه خالد القسري كما تقدم.\nقال شيخ الإسلام بن تيمية روح اللَّه روحه في \"الرسالة الحموية\" (٤) أصل مقالة تعطيل الصفات إنما أخذ من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين فإنه أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم ابن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه.\nوقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي\n_________\n(١) نفس المصدر.\n(٢) انظر ما تقدم (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩) حول تسمية القرآن بالقديم.\n(٣) انظر السنة لعبد اللَّه بن أحمد (١/ ١٧٩)؛ والسنة للإمام أحمد (ص ١٩ - ٢٠).\n(٤) الفتوى الحموية الكبرى (ص ٩٨) ضمن مجموع النفائس.","vol":"1","page":229},{"text":"الساحر الذي سحر النبي -ﷺ- (١).\nوكان الجعد هذا فيما قيل من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين النمرود الكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم، والنمرود هو ملك الصابئة الكذابين المشركين كما أن كسرى ملك الفرس والمجوس، وفرعون ملك القبط الكفار، وقيصر ملك الروم، فهو اسم جنس لا اسم علم وكانت الصابئة إلا قليلا منهم إذ ذاك على الشرك وعلماؤهم الفلاسفة. وإن كان الصابيء قد لا يكون مشركا، بل قد يكون مؤمنًا باللَّه واليوم الآخر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢].\nلكن كثيرًا منهم، أو أكثرهم كانوا كفارًا ومشركين، فأولئك الصابئون كانوا إذ ذاك، وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل فمذهب (٢) النفاة من هؤلاء في الرب سبحانه: أنه ليس له إلا صفات سلبية، أو اضافية، أو مركبة منهما، وهم الذين بعث إبراهيم خليل الرحمن ﵊ إليهم فيكون الجعد قد أخذها عن الصابئة الفلاسفة وأخذها الجهم عنه، وأخذ المقالة الجهم أيضًا فيما ذكره سيدنا الإمام أحمد ﵁ وغيره من السمنية وهم بعض فلاسفة الهند، وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات، فهذه أسانيد الجهم ترجع إلى اليهود والنصارى والصابئين والمشركين والفلاسفة الضالين، إما من الصابئين، وإما من المشركين، ثم لما عربت الكتب الرومية كما تقدم الإشارة إليه زاد البلاء مع ما ألقى\n_________\n(١) انظر مختصر تاريخ دمشق (٦/ ٥٠ - ٥١)، والبداية (٩/ ٣٥٠)؛ والوافي بالوفيات (١١/ ٨٦ - ٨٧)؛ سرح العيون (ص ٢٩٣ - ٢٩٤).\n(٢) في \"ظ\": فيذهب.","vol":"1","page":230},{"text":"الشيطان في قلوب الضلال ابتداء من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم.\nوفي حدود المائة الثانية انتشرت هذه المقالة التي يسميها السلف مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته، وكلام الأئمة مثل: مالك، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، وأبي يوسف، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والفضيل بن عياض، وبشر الحافي ﵃ وغيرهم في هؤلاء في ذمهم وتضليلهم مشهور معلوم (١).\nفقول الناظم رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه (كما قال أتباع لجهم وأسمحوا) يعني إن الواقفية من فرق الجهمية.\nوأما الجهمية المحضة من جهم وأتباعه المختصين به الذاهبين مذهبه فصرحوا بالقول بخلق القرآن.\nقال سيدنا الإمام أحمد ﵁ في كتاب السنة: \"الجهمية هم أعداء اللَّه فهم الذين يزعمون أن القرآن مخلوق، وأن اللَّه تعالى لم يكلم موسى ﵇، وأن اللَّه تعالى لم يتكلم، وأنه تعالى لا يرى في الآخرة، ويقولون: ليس للَّه عرش ولا كرسي، قال: ويقولون كلامًا كثيرًا أكره حكايته.\nقال: وهم كفار\" (٢) انتهى.\nومعنى قوله: \"وأسمحوا\" أي جادوا بالقول بخلق القرآن ولانوا. يقال: سمح ككره سماحًا وسماحة جاد وكرم كأسمح فهو سمح وأسمحت قرونته ذلت نفسه والدابة لانت بعد استصعاب (٣).\n_________\n(١) نهاية كلام ابن تيمية. انظر الفتوى الحموية (ص ٩٩) ضمن النفائس.\n(٢) السنة للإمام أحمد (ص ١٩).\n(٣) تاج العروس (٢/ ١٦٦ - ١٦٧) سمح.","vol":"1","page":231},{"text":"(ولا تقل القرآن العظيم خلق) أي مخلوق فلا ناهية وتقل مجزوم وحركت اللام بالكسر لالتقاء الساكنين، والقرآن مبتدأ، وخلق بمعنى مخلوق خبره.\nو(قراءة) منصوب على الحال أو بنزع الخافض أي في القراءة يعني لا تقل: قراءتي مخلوقة.\nقال سيدنا الإمام أحمد ﵁: \"اللفظية هم الذين يزعمون أن القرآن كلام اللَّه، ولكن ألفاظنا وقراءتنا مخلوقة، وهم جهمية (١) فساق. انتهى.\nولهذا قال الناظم (فإن كلام اللَّه) الذي هو القرآن (باللفظ يوضح) أي يكشف ويظهر ويبين.\nفتحرير مذهب السلف: أن اللَّه تعالى متكلم، وأن القرآن كلام اللَّه، وأنه قديم (٢) حروفه ومعانية.\nوالكلام كلام من قاله مبتدئًا به لا كلام من قاله مبلغًا ومؤديًا، وموسى ﵇ سمع كلام اللَّه من اللَّه بلا واسطة، والمؤمنون يسمعه بعضهم من بعض، فسماع موسى مطلق بلا واسطة، وسماع الناس مقيد بواسطة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].\nوقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].\n_________\n(١) انظر: السنة للإمام أحمد (ص ٢٠)؛ ومجموع الفتاوى (١٢/ ٣٢٥).\n(٢) انظر: ما تقدم (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩) حول تسمية القرآن قديم.","vol":"1","page":232},{"text":"وقال النبي -ﷺ-: \"زينوا القرآن بأصواتكم\" (١).\nفجعل الكلام، كلام الباري، وجعل الصوت صوت القارئ فالذي يقرأ به العبد صوت نفسه، فمن قال عن القرآن الذي يقرؤه المسلمون: ليس هو كلام اللَّه، أو هو كلام غيره، فهو ملحد مبتدع ضال. ومن قال إن أصوات العباد والمداد الذي كتب به القرآن قديم أزلي فهو ملحد مبتدع ضال، بل هذا القرآن هو كلام اللَّه وهو مثبت في المصاحف، وهو كلام اللَّه مبلغ مسموع من القراء ليس هو مسموعًا منه تعالى فكلام اللَّه قديم وصوت العبد حادث مخلوق (٢).\n_________\n(١) رواه أبو داود رقم (١٤٦٨) في الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة؛ والنسائي (٢/ ١٣٩، ١٤٠) في الصلاة باب تزيين القرآن بالصوت؛ والدارمي (٢/ ٣٤٠)؛ وأحمد (٤/ ٢٨٣، ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤)؛ وابن ماجة رقم (١٣٤٢)؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان (٢/ ٦٤)؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٥٧١ - ٥٧٥) من عدة طرق عن البراء بن عازب ﵁؛ وقال الألباني صحيح. صحيح الجامع (٣/ ١٩٤).\n(٢) هذه المسألة تسمى \"مسألة اللفظ بالقرآن\".\nقال ابن تيمية ﵀: قد اضطرب فيها أقوام لهم علم وفضل ودين وعقل وجرت بسببها مخاصمات ومهاجرات بين أهل الحديث والسنة حتى قال ابن قتيبة كلامًا معناه لم يختلف أهل الحديث في شيء من مذاهبهم إلا في مسألة \"اللفظ\".\nوبين أن سبب ذلك لما وقع فيها من الغموض والنزاع بينهم في كثير من المواضع لفظي.\nثم قال في موضع آخر: ولهذا كان الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة يقولون: من قال اللفظ بالقرآن أو لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي.\nلأن اللفظ يراد به صدر لفظ يلفظ لفظًا، ومسمى هذا فعل العبد وفعل العبد مخلوق.\nويراد باللفظ القول الذي يلفظ به اللافظ، وذلك كلام اللَّه لا كلام القارئ، فمن قال: إنه مخلوق فقد قال إن اللَّه لم يتكلم بهذا القرآن، وإن هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ليس هو كلام اللَّه، ومعلوم أن هذا مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول، وأما صوت العبد فهو مخلوق. =","vol":"1","page":233},{"text":"والحاصل أن مذهب الحنابلة كسائر السلف أن اللَّه يتكلم بحرف وصوت.\nقال العلامة ابن حمدان (١) في \"نهاية المبتدئين في أصول الدين\": \"اللَّه تعالى قائل ومتكلم بكلام قديم (٢) ذاتي وجودي غير مخلوق ولا محدث ولا حادث.\nوقال: قال الإمام أحمد ﵁: لم يزل اللَّه متكلمًا كيف شاء وإذا شاء بلا كيف.\nوقال: القرآن كيف تصرف فهو غير مخلوق، ولا نرى القول بالحكاية والعبارة وغلط من قال بهما وجهله، ونصه:\n\"من قال إن القرآن عبارة عن كلام اللَّه تعالى فقد غلط وجهل\".\nوقال الناسخ والمنسوخ في كتاب اللَّه تعالى دون العبارة والحكاية، وقال:\n_________\n= وقد صرح أحد وكبره بأن الصوت المسموع صوت العبد.\nثم قال في موضع آخر:\nفكان ما قاله الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة من أن الصوت صوت العبد موافقًا للكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩].\nوقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].\nففرق سبحانه بين المداد الذي تكتب به كلماته وبين كلماته فالبحر وغيره من المداد الذي يكتب به الكلمات مخلوق وكلمات اللَّه غير مخلوقه.\nانظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٧٤، ١٣٦، ١٣٧، ٢١١، ٣٠٢ - ٣٠٣، ٣٣٣، ٥٦٦ - ٥٦٧).\n(١) ابن حمدان تقدم (١/ ١٥٣).\n(٢) انظر ما تقدم (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩) حول تسمية كلام اللَّه قديم.","vol":"1","page":234},{"text":"هذه بدعة لم يقلها السلف.\nوقوله تعالى: ﴿تَكْلِيمًا﴾ يبطل الحكاية، منه بدأ وإليه يعود (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية طيب اللَّه ثراه: \" (٢) معنى قولهم منه بدأ: أي هو المتكلم به لم يخلقه في غيره كما قالت الجهمية (٣) من المعتزلة وغيرهم إنه بدأ من بعض المخلوقات وأنه سبحانه لم يقم به كلام قال ولم يرد السلف أنه كلام فارق ذاته تعالى فإن الكلام وغيره من الصفات لا يفارق الموصوف به، بل صفة المخلوق لا تفارقه وتنتقل إلى غيره فكيف صفة الخالق تفارقه وتنتقل إلى غيره.\nولهذا قال سيدنا الإمام أحمد: كلام اللَّه من اللَّه ليس ببائن منه خلقه في بعض الأجسام.\nومعنى قول السلف: \"إليه يعود\":\nما جاء في الآثار أن القرآن يسرى به حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف ولا في القلوب منه آية (٤).\n_________\n(١) انظر: اعتقاد الإمام أحمد رواية أبي الفضل عبد الواحد التميمي في الجزء الثاني (ص ٢٩٦) من طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى؛ وشرح الكوكب المنير (٢/ ٤)؛ والعين والأثر (ص ٧٦).\n(٢) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٥ - ٦)؛ وشرح الكوكب المنير (٢/ ٨٧ - ٨٨)؛ ومجموع الفتاوى (١٢/ ٣٩٠، ٥١٧)؛ وتوضيح المقاصد شرح النونية (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥)؛ ولوامع الأنوار (١/ ١٣٣ - ١٣٤).\n(٣) في \"ظ\" والمعتزلة.\n(٤) ورد في ذلك أحاديث منها: ما رواه ابن ماجه في سننه (٢/ ١٣٤٤) رقم (٤٠٤٩) في الفتن باب ذهاب القرآن والعلم، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٧٣، ٥٠٦) عن حذيفة ﵁ في حديث طويل وفيه: \"وليسرى على كتاب اللَّه ﷿ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية\". =","vol":"1","page":235},{"text":"وقال الإمام أحمد ﵁ تارة: منه القرآن أي من اللَّه خرج وهو المتكلم به وإليه يعود: أي يرتفع القرآن دفعة واحدة عن الناس وترتفع تلاوته وأحكامه.\nفيعود إلى اللَّه تعالى حقيقة نص عليه الإمام أحمد ﵁.\nونص الإمام أحمد أيضًا ﵁ على أنه حروف وأصوات وسور وآيات فقال في رواية ابنه عبد اللَّه: تكلم اللَّه بصوت، وإنما تنفى هذا الجهمية، وإنما يدورون على التعطيل (١).\nوقال في رسالته إلى أهل نيسابور: من زعم أن حروف الهجاء مخلوقة فهو كافر لأنه سلك طريقًا إلى البدعة، قال: ومتى قال بذلك حكم بأن القرآن مخلوق (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه (٣): \"إذا قيل إن حروف المعجم قديمة بمعنى النوع كان ذلك ممكنًا بخلاف ما إذا قيل إن عين اللفظ الذي نطق به زيد وعمرو قديم فإن هذا مكابرة للحس والمتكلم يسلم أن حروف المعجم كانت موجودة قبل وجوده بنوعها.\nوأما نفس الصوت المعين الذي قام به أو التقطيع أو التأليف المعين لذلك الصوت فيعلم أن عينه لم يكن موجودًا قبله قال: والمنقول عن الإمام أحمد ﵁ وغيره من الأئمة أهل السنة يطابق لهذا القول.\n_________\n= قال البوصيرى في زوائد ابن ماجة (٤/ ١٩٤): إسناده صحيح رجاله ثقات.\nوصححه الحاكم في المستدرك ووافقه الذهبي.\n(١) انظر كتاب السنة لعبد اللَّه بن أحمد (١/ ٢٨٠ - ٢٨١)، والأصفهانية (ص ٣١)؛ وشرح الكوكب المنير (٢/ ٩٩ - ١٠٠)؛ وفتح الباري (١٣/ ٤٦٩).\n(٢) انظر مجموع الفتاوى (١٢/ ٨٥).\n(٣) المصدر السابق (١٢/ ١٥٨ - ١٥٩).","vol":"1","page":236},{"text":"قال: ولهذا أنكروا على من زعم أن حرفًا من حروف المعجم مخلوق وأنكروا على من قال لما خلق اللَّه الحروف سجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أومر، مع أن هذه الحكاية نقلت للإمام أحمد عن السري السقطي (١) وهو نقلها عن بكر (٢) بن خنيس العابد (٣).\nولم يكن قصد أولئك الشيوخ بها إلا بيان أن العبد الذي يتوقف فعله على الأمر والشرع هو أكمل من العبد الذي يعبد اللَّه بغير شرع، فإن كثيرًا من العباد يعبدون اللَّه تعالى بما تحبه قلوبهم، وإن لم يكونوا مأمورين به، فقصد أولئك الشيوخ أن من عبد اللَّه بالأمر، ولم يفعل شيئًا حتى يؤمر به فهو أفضل ممن عبده بما لم يؤمر به.\nوذكروا هذه الحكاية الإسرائيلية شاهدًا لذلك، مع أن هذه لا إسناد لها ولا يثبت بها حكم، ولكن الإسرائيليات إذا ذكرت على طريق الاستشهاد بها لما عرف صحته لم يكن بذكرها بأس.\nوقصدوا بذلك الحروف المكتوبة لأن الألف منتصبة وغيرها ليس كذلك، مع أن هذا أمر اصطلاحي وخط العرب غير خط الغرب، ولم يكن قصد أولئك الأشياخ أن نفس الحروف المنطوقة التي هي مباني أسماء اللَّه الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة\n_________\n(١) السري بن المغلس السقطي أبو الحسن البغدادي: أحد العباد الزهاد، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين.\nتاريخ بغداد (٩/ ١٨٧)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٨٥).\n(٢) بكر بن خنيس الكوفي العابد نزيل بغداد، قال الذهبي: كان في حدود السبعين ومائة.\nتهذيب الكمال (٤/ ٢٠٨ - ٢١١)؛ تقريب (ص ٤٧).\n(٣) روى هذه الحكاية أبو بكر النقاش في تفسيره كما في الإنصاف للباقلاني (ص ١٥٢ - ١٥٣) وسيأتي تعليق شيخ الإسلام ابن تيمية عليها بعد قليل.","vol":"1","page":237},{"text":"بائنة عن اللَّه تعالى، بل هذا شيء لمله لم يخطر بقلوبهم، والحروف المنطوقة لا يقال فيها إنها منتصبة ولا ساجدة، فمن احتج بهذا من قولهم على أنهم يقولون: إن اللَّه لم يتكلم بالقرآن العربي، ولا بالتوراة العبرية، فقد قال عنهم ما لم يقولوه.\nوأما الإمام أحمد ﵁ فإنه أنكر إطلاق هذا القول وما يفهم منه عند الإطلاق، وهو أن نفس حروف المعجم مخلوقة كما نقل عنه أنه قال: ومن زعم أن حرفًا من حروف المعجم مخلوق، فقد سلك طريقًا إلى البدعة فإنه إذا قال ذلك مخلوق فقد قال القرآن مخلوق (١) أو كما قال.\nقال الإمام تقي الدين ابن تيمية: ولا ريب أن من جعل نوع الحروف مخلوقًا بائنًا عن اللَّه كائنًا بعد أن لم يكن لزم أن يكون كلام اللَّه العربي والعبري ونحوهما مخلوقًا وامتنع أن يكون اللَّه تكلم بكلامه الذي أنزله على عبده فلا يكون شيء من ذلك كلامه.\nفطريقة (٢) الإمام أحمد وغيره من السلف مطابقة لصريح المعقول، وصحيح المنقول (٣) انتهى.\nقال سيدنا الإمام أحمد ﵁: فإن قال القرآن مخلوق، أو محدث، أو حادث، أو القرآن بلفظي، أو لفظي بالقرآن مخلوق، أو محدث، أو حادث، أو وقف فيه شاكًا، أو ادعى قدرة بشر على مثله كفر.\nومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع (٤) نص عليه انتهى.\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١٥٨ - ١٦٠، ٨٤، ٨٥).\n(٢) في \"ظ\" فطريق.\n(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١٦٠).\n(٤) انظر: السنة للإمام أحمد (ص ١٦)، وعقيدة أهل السنة للإمام أحمد (ص ٢٧)؛ والسنة =","vol":"1","page":238},{"text":"ومراد الإمام أحمد والأصحاب أن يحمي حمى القرآن فلا تتسلق إليه الألسنة -خصوصًا ألسنة المبتدعة بما لعله يصير سلمًا للوصول إلى القول بخلقه- وإلا فلا يرتاب أن ألفاظ العباد كأصواتهم وسائر ما هو منهم مخلوق بلا شك ضرورة كون الألفاظ من المتلفظ وهي لا تزيد على ما هي منه.\nوحينئذٍ فالصواب أن يقال: القرآن قديم (١) ولفظي مخلوق (٢) وهذا بين وللَّه الحمد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>تنبيهات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>الأول: ثبت الصوت بالنص </span>صريحًا مع ما يفهم من قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] و﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٦] إلى غير ذلك من الآيات القرآنية مما لا يحصى إلا بكلفة.\nوموسى ﵇ مع الكلام بحرف وصوت من الملك السلام، وإذا ثبت سماع موسى من اللَّه تعالى لم يجز أن يكون الكلام الذي سمعه إلا صوتًا وحرفًا.\nفإنه لو كان معنى في النفس وفكرة ورؤية لم يكن ذلك تكليمًا لموسى ولا هو بشيء يسمع والفكر لا يسمى مناداة.\nفإن قيل نحن لا نسميه صوتًا وإن كان مسموعًا، قلنا هذا مخالفة في اللفظ مع موافقة المعنى فإنه لا يعني بالصوت إلا ما كان مسموعًا فإن قيل إنما سمع موسى\n_________\n= لعبد اللَّه (١/ ١٦٣ - ١٦٥، ١٧٩)\n(١) انظر ما تقدم (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).\n(٢) انظر ما تقدم (٢/ ٢٣٢) حول مسألة اللفظ بالقرآن.","vol":"1","page":239},{"text":"الكلام من الشجرة. قلنا هذا مع مصادمته للنص ومكابرة في غير طائل يلزم أن يكون موسى كليم الشجرة لا كليم اللَّه تعالى ويلزم أن يكون بنو إسرائيل أفضل في ذلك منه لأنهم سمعوا من أفضل ممن سمع منه موسى على زعمكم، إنما سمع من الشجرة، ولا يرتاب مؤمن أن موسى أفضل وأجل وأعظم من الشجرة (١).\nثم إن لفظ الصوت صحت به الأخبار عن النبي المختار -ﷺ-.\nقال الحافظ بن حجر (٢) في شرح البخاري: (٣) \"من نفى الصوت يلزمه أن اللَّه تعالى لم يسمع أحدًا من ملائكته ولا رسله كلامه، بل ألهمهم إياه إلهامًا، قال: وحاصل الإحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين لأنها التي عهدت ذات مخارج ولا يخفى ما فيه إذ الصوت قد يكون من غير مخارج كما أن الرؤية قد تكون من غير انفصال أشعة، ولئن سلم فيمنع القياس المذكور لأن صفة الخالق تعالى لا تقاس على صفة المخلوقين.\nوحيث ثبت ذكر الصوت بالأحاديث الصحيحة، وجب الإيمان به ثم إما التفويض وإما التأويل\" (٤).\n_________\n(١) هذا الكلام ذكره المؤلف في اللوامع (١/ ١٤٠) من كلام ابن قدامة.\n(٢) ابن حجر تقدم (١/ ١١٩).\n(٣) فتح الباري (١٣/ ٤٦٦).\n(٤) الصحيح أن التاويل والتفويض ليس من مذهب السلف وإن مذهبهم الإيمان باللَّه وبأسمائه وصفاته وإثباتها للَّه على الوجه اللائق به كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وإنما نفوا علم الصفة والكيفية، فهذا هو الذي لا يعلمه إلا اللَّه كما أجاب الإمام مالك بن أنس لما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول\" انتهى.\nوسيأتى في كلام الشارح مزيد بيان وتفصيل لمذهب السلف.","vol":"1","page":240},{"text":"وقال في موضع آخر من شرح البخاري أيضًا: \"قوله -ﷺ-: \"ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب\" حمله بعض الأئمة على مجاز الحذف -أي يأمر من ينادي فأستبعده بعض من أثبت الصوت بأن في قوله: \"يسمعه من بعد\" إشارة إلى أنه ليس من المخلوق لأنه لم يعهد مثل هذا فيهم. وبأن الملائكة إذا سمعوه صعقوا، وإذا سمع بعضهم بعضًا لم يصعقوا.\nقال: فعلى هذا فصوته صفة من صفات ذاته، لا يشبه صوت غيره إذ ليس يوجد شيء من صفاته في صفات المخلوقين.\nقال: وهكذا قرره المصنف يعني الإمام البخاري ما في كتاب خلق أفعال العباد (١).\nفمن أحاديث اثبات الصوت ما روى جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: خرجت إلى الشام إلى عبد اللَّه بن أنيس الأنصاري ﵁ فقال عبد اللَّه بن أنيس: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"يحشر اللَّه العباد أو قال الناس وأوما بيده إلى الشام عراة غرلا (٢) بهما قال قلت ما بهما؟ قال: ليس معهم شيء فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل النار وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى اللطمة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة قلنا كيف وإنما نأتي اللَّه حفاة عراة غرلا، قال بالحسنات والسيئات\" أخرج أصله البخاري فى صحيحه تعليقا مستشهدًا به إلى قوله: \"أنا الملك أنا الديان\" (٣).\n_________\n(١) فتح الباري (١٣/ ٤٦٥ - ٤٦٦)، ولوامع الأنوار (١/ ١٤٠ - ١٤١)؛ وشرح الكوكب المنير (٢/ ٥٤ - ٥٥)، وكلام الحافظ ابن حجر في نفس الحديث.\n(٢) غرلا: جمع أغرل: الأقلف: وهو الذي لم يختن. النهاية (٣/ ٣٦٢).\n(٣) الحديث رواه أحمد في المسند (٣/ ٤٩٥)؛ والبخاري في خلق أفعال العباد رقم (٤٦٣)؛ =","vol":"1","page":241},{"text":"وأخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي (١)، والطبراني (٢).\nوأخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي (٣) بسنده إلى جابر ﵁ قال: بلغني أن للنبي -ﷺ- حديثا في القصاص قال وكان صاحب الحديث بمصر فاشتريت بعيرًا فشددت عليه رحلا، وسرت حتى وردت مصر فمضيت إلى باب الرجل الذي بلغني عنه الحديث، فقرعت بابه فخرج إليه مملوكه فنظر في وجهي ولم يكلمني، فدخل إلى سيده، فقال أعرابي، فقال سله من أنت؟\n_________\n= وفي الأدب المفرد رقم (٩٧٠) (ص ٣٣٧)؛ وفي الصحيح مختصرًا ومعلقًا في التوحيد في باب قول اللَّه: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١٣/ ٤٦٥). وأخرجه الحاكم في موضعين (٢/ ٤٣٧، ٤/ ٥٧٤ - ٥٧٥)؛ والبيهقي في الأسماء (ص ٣٤٦)؛ والخطيب في الرحلة في طلب الحديث (ص ٣١ - ٣٢)؛ وفي الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٢٢٣)، والطبراني في الكبير؛ وفي الأوسط كما في مجمع الزوائد (١/ ١٣٣) (١٠/ ٣٤٥ - ٣٤٦، ٣٥١)؛ وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/ ٩٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي في الموضعين وحسنه المنذري في الترغيب (٤/ ٣٧٣)، وكذا الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥١) وابن القيم في الصواعق المرسلة المختصر (٢/ ٢٨٠).\n(١) أبو يعلى الموصلي: أحمد بن علي بن المثنى بن يحيى التميمي الموصلي أبو يعلى من علماء الحديث الحفاظ الثقات له كتب منها: المعجم في شيوخه طبع، والمسند الكبير والصغير طغ في ثلاث عشر مجلدا، مات سنة سبع وثلاثمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٤/ ١٧٤)؛ والأعلام (١/ ١٧١).\n(٢) الطبراني تقدم (١/ ١٤٦).\n(٣) ضياء الدين المقدسي: محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن ابن اسماعيل ضياء الدين أبو عبد اللَّه السعدي المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي محدث حافظ ورع صاحب تصانيف ورحلة واسعة في طلب العلم، توفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة.\nذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٢٣٦)، وسير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٢٦).","vol":"1","page":242},{"text":"فقال جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، فخرج إلى مولاه، فلما ترائينا اعتنق أحدنا صاحبه فقال: يا جابر ما جئت تعرف فقلت حديث بلغني عن النبي -ﷺ- في القصاص ولا أظن أحدًا ممن مضى وممن بقي أحفظ له منك قال: نعم يا جابر سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول إن اللَّه تعالى يبعثكم يوم القيامة من قبوركم حفاة عراة غرلا بهما ثم ينادي بصوت رفيع غير فظيع يسمعه من بعد كمن قرب أنا الديان لا تظالم اليوم أما وعزتي لا يجاورني اليوم ظالم، ولو لطمة بكف أو يد على يد ألا وأنَّ أشد ما أتخوف على أمتي من بعدى عمل قوم لوط فلترتقب أمتي العذاب إذا تكافأ النساء بالنساء والرجال بالرجال\" (١) ورواه عبد الحق الأشبيلي (٢) من طريق الحارث (٣) ابن أبي أسامه ومن مسنده نقله وخرجه علي بن معبد البغوي (٤) المالكي وغيره.\nوفي حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن اللَّه تعالى\n_________\n(١) رواه عبد الحق الأشبيلي في العاقبة فى ذكر الموت والآخرة (ص ٣٠٦)؛ من مسند الحارث بن أبي أسامة بالرواية الأولى التي سبقت قبل قليل، وهذه الرواية أخرجها الضياء المقدسى في \"المختارة\" كما في شرح الكوكب المنير (٢/ ٦٤ - ٦٥)؛ وانظر فتح الباري (١/ ٢٠٩)؛ ولوامع الأنوار (١/ ١٤١ - ١٤٢).\n(٢) عبد الحق الأشبيلي: عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن الحسين بن سعيد الأزدي الأندلسي الأشبيلي أبو محمد المعروف في زمانه بابن الخراط، كان فقيهًا حافظًا عالمًا بالحديث وعلله عارفًا بالرجال موصوفًا بالخير والصلاح والزهد والورع ولزوم السنة، صنف التصانيف منها: الأحكام الكبرى، والصغرى وغيرها، مات سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.\nسير أعلام النبلاء (٢١/ ١٩٨)؛ وبغية المتلمس للضبي (ص ٣٩١).\n(٣) الحارث بن محمد بن أبي أسامة واسم أبي أسامة داهر محدث حافظ صدوق، صاحب المسند المشهور، مات سنة اثنتين وثمانين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٨٨).\n(٤) علي بن معبد البغوي لم أجده.","vol":"1","page":243},{"text":"إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفاء فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل ﵇، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم فيقولون يا جبريل: ماذا قال ربك؟ \"يقول\" الحق. فينادون الحق الحق\".\nأخرجه أبو داود (١) ورواته ثقات.\nونحوه من حديث أبي هريرة رواه البخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة (٢).\nوكذا رواه الإمام أحمد ورواه ابنه عبد اللَّه قال: وسألت أبي فقلت يا أبي الجهمية يزعمون أن اللَّه لا يتكلم بصوت، فقال: كذبوا إنما يدورون على التعطيل.\nثم روى الإمام أحمد بسنده إلى ابن مسعود ﵁ قال: إذا تكلم اللَّه بالوحي سمع صوته أهل السماء (٣).\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنة رقم (٤٧٣٨)؛ وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٣٥٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٦٢ - ٢٦٣)، وقال الألباني في الصحيحة رقم (١٢٩٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(٢) رواه البخاري في المسير (٨/ ٣٩٨) في تفسير سورة سبأ، باب \"حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير\"؛ وفي تفسير سورة الحجر باب قوله: \"إلا من استرق السمع\" (٨/ ٢٣١)؛ وفي التوحيد رقم (٧٤٨١) باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾؛ والترمذي في التفسير رقم (٣٢٢٣) باب ومن سورة سبأ؛ وابن ماجة في المقدمة (١/ ٦٩ - ٧٠) رقم (١٩٤).\n(٣) أخرجه أحمد رواه عنه ابنه عبد اللَّه في السنة رقم (٥٣٦) موقوفًا على ابن مسعود وإسناده صحيح.","vol":"1","page":244},{"text":"قال السجزي: (١) وما في رواة هذا الخبر إلا إمام مقبول انتهى.\nوتتمة الخبر: فيخرون سجدًا حتى إذا فزع عن قلوبهم قال سكن عن قلوبهم قال أهل السماء: ماذا قال ربكم، قالوا الحق قال كذا وكذا.\nقال الإمام القاضي أبو الحسين (٢) وغيره ومثل هذا لا يقوله ابن مسعود ﵁ إلا توقيفًا لأنه إثبات صفة للذات (٣).\nوقد روي في إثبات الحرف والصوت ما يزيد على أربعين حديثًا بعضها صحاح وبعضها حسان يحتج بها (٤) أخرجها الإمام الحافظ ضياء الدين المقدسي (٥) وغيره.\nوأخرج سيدنا الإمام أحمد غالبها، واحتج به وذكر الحافظ بن حجر غالبها في شرح البخاري، واحتج بها البخاري وغيره من أئمة أهل السنة والحديث على أن اللَّه تعالى وتقدس يتكلم بحرف وصوت.\n_________\n(١) السجزي: جاء في المخطوطتين السنجري والمثبت من المصادر فهو عبيد اللَّه بن سعيد \"أبو نصر السجزي\" تقدمت ترجمته (١/ ٢١٧).\n(٢) هو: محمد بن محمد بن الحسين القاضي الشهيد أبو الحسين صاحب طبقات الحنابلة ابن القاضي أبي يعلى الفراء كان عارفًا بالمذهب متشددًا في السنة، وكان فقيهًا مناظرًا له تصانيف كثيرة، توفى سنة ٥٢٦ هـ.\nانظر: ذيل طبقات الحنابلة (١/ ١٧٦)؛ وشذرات الذهب (٤/ ١٧٩).\n(٣) انظر: هذه النصوص في شرح الكوكب المنير (٢/ ٦٨ - ٦٩)؛ وفي لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ١٤٢ - ١٤٣)؛ وفي شرح الكافية الشافية لابن عيسى (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩)، وفي البرهان في بيان القرآن لابن قدامة (ص ٢٧٠ - ٢٧٢).\n(٤) انظر: شرح الكوكب المنير (٢/ ٧٩).\n(٥) تقدم (١/ ٢٤٢).","vol":"1","page":245},{"text":"وقد صححوا هذا الأصل واعتقدوه واعتمدوه مع تنزيههم للَّه تعالى عما لا يليق بعظمة جلاله من شبهات الحدوث وسمات النقص كما قالوا في سائر الصفات إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل فالمشبه يعبد صنما، والمعطل يعبد عدمًا، والمسلم يعبد إله الأرض والسماء.\nفإذا رأينا أحدًا من الناس مما لا يقدر عشر معشار هؤلاء يقول لم يصح عن النبي -ﷺ- حديث واحد أنه تكلم بحرف وصوت، ورأينا هؤلاء الأئمة قد دونوا هذه الأخبار، وعملوا بها ودانوا اللَّه تعالى بها وصرحوا بأن اللَّه تعالى تكلم بحرف وصوت لا يشبهان صوت مخلوق ولا حرفه بوجه ألبتة، معتمدين على ما صح عندهم عن صاحب الشريعة المعصوم في أقواله وأفعاله الذي (لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).\nمع اعتقادهم الجازم الذي لا ريب فيه ولا شك يعتريه نفي التمثيل والتكييف والتشبيه، بل يقولون في صفة الكلام كما يقولون في غيرها من سائر الصفات الذاتية، والفعلية، والخبرية: نؤمن بما جاءة بها الأخبار وصحت الآثار، لا كما يخص بالبال أو يتوهمه الخيال.\nإذ ليس كمثل اللَّه شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله (١) واللَّه تعالى الموفق.\nالثاني: القرآن العظيم كلام اللَّه القديم (٢) ونوره المبين وحبله المتين وفيه الحجة\n_________\n(١) انظر: شرح الكوكب المنير (٢/ ٧٩ - ٨٠)، ولوامع الأنوار للمؤلف (١/ ١٤٣)؛ وشرح الكافية (١/ ٢٢٩).\n(٢) انظر ما تقدم (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨) حول نسية كلام اللَّه القديم.","vol":"1","page":246},{"text":"والدعوة، فله اختصاص بذلك على غيره من سائر الكتب الإلهية كما ثبت عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه اللَّه إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\" (١).\nقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: يعني أن معجزتي التي تحديت بها الوحي الذي أنزل عليّ وهو القرآن لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح، قال: وليس المراد حصر معجزاته فيه، ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدمه.\nبل المراد أنه المعجزة العظمى والآية الكبرى التي اختص بها دون غيره -ﷺ- من الاُنبياء ﵈ (٢). انتهى.\nولا يخفى أن كون دعوة النبي -ﷺ- التي هي شريعته المبعوث بها فيها معجزته التي تحدى الخلق بها من أعظم الآيات وأبهر المعجزات، وأظهر الدلالات، ولهذا استمرت معجزته العظمى باستمرار شريعته الغراء. وفيه إشارة، وتنبيه، وبشارة، وتنويه بأن هذا النبي الأمين خاتم النبيين والمرسلين، فشريعته دائمة ما دام الملوان (٣) ومعجزته باقية ما\n_________\n(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي أول ما نزل (٨/ ٦١٩)؛ وفي الإعتصام باب قول النبي -ﷺ-: بعثت بجوامع الكلم (١٣/ ٢٦١) رقم (٧٢٧٤)؛ وأخرجه مسلم في الإيمان رقم (١٥٢) باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد -ﷺ- من رواية أبي هريرة ﵁.\n(٢) انظر: فتح الباري (٨/ ٦٢٣).\n(٣) الملوان: الليل والنهار وطرفاهما وهما في المثنى الذي لا يفرد واحده.","vol":"1","page":247},{"text":"كر الجديدان (١) واللَّه ولي الإحسان. . . (٢).\nالثالث: قال سيدنا الإمام أحمد ﵁: من قال القرآن مقدور على مثله، ولكن اللَّه منع قدرتهم من ذلك كفر، بل هو معجزة بنفسه -كما في نهاية المبتدئين (٣) - يعني ليس في وسع الخلق ولا قدرتهم مضاهات القرآن ولا شيئا منه (٤).\nقال الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (٥) الحنبلي في كتابه \"الوفاء\": \"وكان المرتضى (٦) العلوي يقول بالصرفة -يعني أن اللَّه تعالى صرف العرب عن الإتيان بمثله لا أنهم عجزوا\" (٧).\nقال الإمام أبو الوفاء (٨) ابن عقيل الحنبلي شيخ ابن الجوزي:\n_________\n(١) الجديدان: الليل والنهار، أو الغدوة والعشي.\nجنى الجنتين في تمييز نوعي المثنيين (ص ٣٣، ١٠٨).\n(٢) لوامع الأنوار (١/ ١٧٧).\n(٣) نهاية المبتدئين في أصول الدين لأحمد بن حمدان تقدم التعريف به (١/ ١٥٣).\n(٤) انظر: شرح الكوكب المنير (٢/ ١١٥).\n(٥) ابن الجوزي تقدم التعريف به (١/ ١٤٦).\n(٦) المرتضى العلوي: علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم أبو القاسم من أحفاد الحسين بن علي بن أبي طالب نقيب الطالبين وأحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر يقول بالإعتزال، مولده ووفاته ببغداد، له تصانيف كثيرة، توفى سنة ٤٣٦.\nميزان الإعتدال (٣/ ١٢٤)؛ والأعلام (٤/ ٢٧٨).\n(٧) وهذا رأي النظام من المعتزلة.\nانظر: الإتقان في علوم القرآن (٤/ ٦ - ٧)، والبرهان في علوم القرآن (٢/ ٩٣ - ٩٤).\n(٨) أبو الوفاء ابن عقيل: علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد اللَّه البغدادي الظفري أبو الوفاء ابن عقيل شيخ الحنابلة في عصره وعالم العراق، كان قوي الحجة يتوقد ذكاء، =","vol":"1","page":248},{"text":"الصرف عن الإتيان بمثله دال على أن له قدرة حاصلة قال، وإن كان في الصرفة نوع إعجاز إلا أن كون القرآن في نفسه ممتنعًا عن الإتيان بمثله لمعنى يعود عليه آكد في الدلالة وأعظم لفضيلة القرآن، قال وما قول من قال بالصرفة إلا بمثابة من قال بأن عيون الناظرين إلى عصا موسى ﵇ خيل لهم أنها حية وثعبان، لا أنها في نفسها انقلبت، قال: فالتحدي للمصروف عن الشيء لا يحس كما لا يتحدى العجم بالعربية.\nقال ابن الجوزي وأنا أقول: إنما يصرفون عن النبي بتغير طباعهم عند نزوله أن يقدروا على مثله، فهل وجد لأحد منهم قبل الصرفة منذ وجدت العرب كلام يقاربه مع اعتمادهم على الفصاحة (١).\nفالقول بالصرفة ليس بشيء (٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه سره في كتابه: \"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح\" (٣): \"كلما ذكره الناس من الوجوه في إعجاز القرآن حجة على إعجازه، ولا تناقض في ذلك، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له.\nثم قال: ومن أضعف الأقوال قول من يقول من أهل الكلام أنه معجز بصرف\n_________\n= وكان بحر معارف اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته، ثم تاب ورجع عنه، له تصانيف كثيرة منها: كتاب الفنون في أربعمائة مجلد، توفى سنة ٥١٣.\nسير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٣) وما بعدها، والأعلام (٤/ ٣١٣).\n(١) انظر: الوفاء بأحوال المصطفى لابن الجوزي (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، وانظر الرد على من يقول بالصرفة البرهان في علوم القرآن (٢/ ٩٣ - ٩٤)؛ والإتقان في علوم القرآن (٤/ ٦ - ٧).\n(٢) انظر لوامع الأنوار (١/ ١٧٤).\n(٣) انظر الجواب الصحيح (٤/ ٧٥ - ٧٦)؛ ولوامع الأنوار (١/ ١٧٤).","vol":"1","page":249},{"text":"الدواعي مع قيام الموجب لها، أو سلب القدرة الجازمة وهو أن اللَّه صرف قلوب الأمم عن معارضته مع قيام المقتضى التام أو سلبهم القدرة المعتادة في مثله سلبًا عامًا شل قوله تعالى لزكريا: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠].\nفإن هذا يقال على سبيل التقدير والتنزيل، وهو أنه إذا قدر أن هذا الكلام يقدر الناس على الإتيان بمثله فامتناعهم جميعهم عن هذه المعارضة مع قيام الدواعي العظيمة إلى المعارضة من أبلغ الآيات الخارقة للعادة بمنزلة من يقول: \"إني آخذ جميع أموال أهل الأرض، أو أهل هذه البلد العظيم، وأضربهم جميعهم وأجوعهم، وهم قادرون على أن يشتكوا إلى اللَّه، وإلى ولي الأمر، وليس فيهم مع ذلك من يشتكي فهذا من أبلغ العجائب الخارقة للعادة، ولو قدر أن أحدًا صنف كتابًا يقدر أمثاله على تصنيف مثله، أو قال شعرًا يقدر أمثاله على أن يقولوا مثله وتحداهم كلهم فقال: عارضوني، وإن لم تعارضون فأنتم كفار مأواكم النار ودماؤكم حلال امتنع في العادة أن لا يعارضه أحد فإذا لم يعارضوه كان هذا من العجائب الخارقة للعادة.\nوالذي جاء بالقرآن العظيم -ﷺ- قال للخلق كلهم أنا رسول اللَّه إليكم جميعا، ومن آمن بي دخل الجنة، ومن لم يؤمن بي دخل النار، وقد أبيح لي قتل رجالهم وسبي ذراريهم ونسائهم وغنيمة أموالهم، ووجب عليهم كلهم طاعتي ومن لم يطعني كان من أشقى الخلق.\nومن آياتي هذا القرآن فإنه لا يقدر أحد على أن يأتي بمثله وأنا أخبركم أن أحدًا لا يأتي بمثله فإنه لا يخلو إما أن يكون الناس قادرين على المعارضة، أو عاجزين فإن كانوا قادرين ولم يعارضوه، بل صرف اللَّه دواعى قلوبهم ومنعها أن تريد معارضته مع هذا التحدي العظيم، أو سلبهم القدرة التي كانت فيهم قبل تحديه،","vol":"1","page":250},{"text":"فإن سلب القدرة المعتادة أن يقول رجل: معجزتي أنكم كلكم لا يقدر أحد منكم على الكلام، ولا على الأكل والشرب، فإن المنع من المعتاد كإحداث غير المتعاد فهذا من أبلغ الخوارق.\nوإن كانوا عاجزين ثبت أنه خارق للعادة فثبت خرق العادة على تقدير النقيضين النفي والإثبات.\nفثبت أنه من العجائب الناقضة للعادة في نفس الأمر، قال شيخ الإسلام قدس اللَّه روحه (١): فهذا غاية التنزل وإلا فالصواب المقطوع به أن الخلق كلهم عاجزون عن معارضته، لا يقدرون على ذلك. قال: بل ولا يقدر محمد -ﷺ- من تلقاء نفسه أن يبدل سورة من القرآن، بل يظهر الفرق بين القرآن وبين سائر كلامه لكل من له أدنى تدبر كما أخبر تعالى فى قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].\nقلت: وفى شفاء القاضي عياض (٢) ميل للقول بالصرفة (٣).\n_________\n(١) الجواب الصحيح (٤/ ٧٦)؛ ولوامع الأنوار (١/ ١٧٥).\n(٢) القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي أبو الفضل، عالم المغرب، إمام أهل الحديث في وقته، كان من أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم، مولده بمدينة سبته وتولى القضاء فيها، ثم قضاء غرناطة، ثم توفى بمراكش مسمومًا وقيل: سمه يهودي سنة ٥٤٤ هـ، وقد جمع المقرئ سيرته وأخباره في كتاب \"أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض\" ط. ولولده أبي عبد اللَّه محمد التعريف بالقاضي عياض طبع أيضًا.\nأنظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢)؛ والأعلام (٥/ ٩٩).\n(٣) انظر: الشفا للقاضي عياض (١/ ٣٧٣) وذكر أن الأشعري أيضًا ممن يقول بالصرفة.\nوقال القاري: وهو -القول بالصرفة- قول مرجوح عند أكابر الأئمة.\nشرح الشفاء للقاري (٢/ ٧٨١، ٨٠٦).","vol":"1","page":251},{"text":"وذكر الحافظ ابن الجوزي في كتابه الوفاء عن الإمام أبي الوفاء ابن عقيل أنه قال: حكى لي أبو محمد بن مسلم النحوي قال: كنا نتذاكر إعجاز القرآن، وكان ثم شيخ كثير الفضل، فقال: ما فيه ما يعجز العقلاء عنه، ثم ارتقى إلى غرفة ومعه صحيفة ومحبرة ووعد أنه سيباديهم بعد ثلاثة أيام بما يعمله مما يضاهي القرآن، فلما انقضت الأيام الثلاثة صعد واحد فوجده مستندا يابسًا وفد جفت يده على القلم (١).\nقلت: وبمثل هذه الحكاية يتعلق القائلون بالصرفة، وليس لهم في ذلك حجة لعدم حصر الهلاك فيها، بل لما عجز أهلكه اللَّه كمدًا، ولتجريه على ما ليس في وسعه وقدرته (٢) واللَّه أعلم.\nالرابع: كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يأتون بالمعجزات الباهرة والآيات الظاهرة لأقوامهم الكافرة، وأممهم الفاجرة، فكان كل نبي تقع معجزتة مناسبة لحال قومه (٣).\nكما كان السحر فاشيًا عند فرعون وقومه، فجاء موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة لكنها تلقفت ما صنعوا فبسوا (٤)، وانصدعوا واحتاروا وانقمعوا\n_________\n(١) انظر: الوفاء (١/ ٢٦٨).\n(٢) انظر: لوامع الأنوار (١/ ١٧٦).\n(٣) ممن ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ. . .﴾ [آل عمران: ٤٩] (٢/ ١٤٢)؛ وذكره ابن عطية في مقدمة تفسيره (١/ ٤٠)؛ والزركشي في البرهان (٢/ ٩٧ - ٩٨)؛ والسيوطي في الإتقان (٤/ ٩).\n(٤) بسوا: كذا في الأصل؛ وفي اللوامع للمؤلف (١/ ١٧٧).\nوفي \"ظ\" بئسوا، ومعنى بسوا. =","vol":"1","page":252},{"text":"وعلموا أن ما جاء به موسى الأمين هو الحق اليقين فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون.\nولم يقع ذلك بعينه لغير موسى من الأنبياء ﵈.\nولما كان الزمن الذي بعث فيه عيسى بن مريم ﵇ كان قد فشى فيها الأطباء والحكماء بين الأنام، وكان أمرهم في غاية من الظهور والاعتناء بصناعتهم ظاهر مشهور، جاء السيد المسيح بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص من الداء العضال القبيح، وخلق من الطين كهيئة الطير بإذن اللَّه فطاشت قلوب الحكماء وأذعنوا بأنه من عند اللَّه.\nولما كانت العرب هم أرباب البلاغة وجراثيم (١) الفصاحة وأس (٢) البيان وأرومة (٣) الوضاحة (٤) وفرسان الكلام وأرباب النظام قد خصوا من البلاغة\n_________\n= قال في التاج: البس زِجر للإبل ببس بس. . . والبس ارسال المال في البلاد وتفريقه فيها، وقد بسه في البلاد فانبس كبثه فأنبث، والبس الطرد: بسهم عنك: أي أطردهم. والمعنى واللَّه أعلم: انهم طردوا وتفرقوا.\nتاج العروس (بسس) (١٥/ ٤٤٩) وما بعدها.\n(١) جراثيم: جرثومة الشيء بالضم أصله.\nوالمعنى أنهم أصول الفصاحة.\nالقاموس المحيط (١٤٠٥ جرثم).\n(٢) وأس البيان كذا في المخطوطتين.\nوفي اللوامع للمؤلف ورأس البيان، ومعنى اس البيان: أصل البناء كالأساس والأسس جمع أساس أصل كل شيء.\nالقاموس المحيط (ص ٦٨٢).\n(٣) في المخطوطتين ورومة، وفي اللوامع أرومة ولعله الصواب.\nومعنى أرومة الأصل -أيضًا-\nالقاموس المحيط (١٣٨٩).\n(٤) الوضاحة: البياض والوضوح والظهور، والمعنى أنهم أرباب البيان الواضح.","vol":"1","page":253},{"text":"والحكم ما لم يخص به غيرهم من سائر الأمم، وقد أوترا من ذرابة (١) اللسان ما لم يؤت مثله إنسان.\nومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب، جعل إذنه تعالى لهم ذلك طبعا وسليقة، وفيهم غريزة وحقيقة يأتون منه على البديهة بالعجب العجاب، ويدلون به إلى كل سبب من الأسباب، فإذا مدحوا أعجبوا، وإذا وصفوا أغربوا، وإذا هجوا أبدعوا، وإذا ذموا أقذعوا، وإذا تغزلوا هيجوا النفوس، وهيموا البليد فضلًا عن المأنوس (٢).\nوعلى كل حال لهم من البلاغة البالغة والقوة الدامغة، والفنون البديعة والضروب الرفيعة ما يعجز عن وصفه الواصفون ويحجم عن إستقصائه العارفون فبينما هم في ذلك كذلك فما راعهم إلا والرسول الكريم قد أتى بهذا القرآن العظيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قد أحكمت آياته وفصلت كلماته وبهرت بلاغته العقول وسمت فصاحته على كل معقول وتظافر إيجازه وإعجازه وتظاهرت حقيقته ومجازه.\nوهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا وأوسعه في اللغة والغريب مقالا.\nوالقرآن العظيم نزل بلغتهم التي بها يتحاورون ومنازعهم التي عنها يتناضلون صارخًا بهم في كل حين ومفزعًا لهم بضعًا وعشرين من السنين وموبخًا لهم على رؤوس الخلائق أجمعين.\n_________\n(١) ذرابة اللسان: حدة اللسان وسلاطته بحيث لا يبالي ما قال. القاموس (ص ١٠٩)؛ والنهاية (٢/ ١٥٦).\n(٢) المأنوس: الذي فيه أنس: أي في فرح وسرور. المعجم البسيط (١/ ٢٩ - ٣٠).","vol":"1","page":254},{"text":"﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨].\nفلم يزل النبي -ﷺ- يقرعهم بالقرآن أشد التقريع، ويتحداهم ويوبخهم ويشنع عليهم غاية التشنيع، ويسفه أحلامهم، ويفرق نظامهم، ويذم آلهتهم وآباءهم، ويستبيح أرضهم وأموالهم ونساءهم وأبناءهم، وهم فى كل ذلك ناكصون عن معارضته، محجمون عن مناضلته، يخادعون أنفسهم بالتشغيب، بالتكذيب والإفتراء بالإفتراء، فتارة يقولون هذا سحر مفترى، وأخرى أساطير الأولين، وطورًا يقولون إذا سمعوا آيات الكتاب: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥].\nومنهم من استحق وهذى فقال بضرب من الدعوى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١].\nومن تعاطى شيئًا من سخفائهم بدعوى المعارضة افتضح وانكشف عواره، وما نجح وظهر بواره.\nولما سمع الوليد بن المغيرة من النبي -ﷺ- قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى. . .﴾ [النحل: ٩٠] قال واللَّه إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر (١).\n_________\n(١) رواه البيهقي فى دلائل النبوة عن عكرمة مرسلا.\nورواه عن ابن عباس متصلا -لكن فيه أن النبي -ﷺ- قرأ عليه القرآن. . .\nانظر دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ١٩٨) وما بعدها؛ والبداية (٣/ ٦٠، ٦١، ٦٢).","vol":"1","page":255},{"text":"وذكر أبو عبيد (١) أن أعرابيًا سمع رجلًا يقرأ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]. فسجد فقيل له في ذلك، فقال: سجدت لفصاحته.\nوسمع آخر رجلًا يتلو: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠].\nفقال: أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام (٢). وقد ذكرنا في شرح الدرة (٣) طرفًا صالحًا من متعلقات ذلك وهو قليل من كثير.\nواللَّه ولي التيسير وباللَّه التوفيق.\n_________\n(١) أبو عبيد تقدم (١/ ٢١٣).\n(٢) انظر: هذه النصوص في الشفاء (١/ ٣٦٥)، وفي اللوامع للمؤلف (١/ ١٧٩).\n(٣) الدرة المضيئة فى عقد الفرقة المرضية.\nمنظومة فى العقيدة للمؤلف عدتها مائتا بيت وبضعة عشر وشرحها المسمى \"لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية\" وهو مطبوع، وقد تقدم الكلام عنه. انظر (١/ ٤٧). وما بعدها.","vol":"1","page":256},{"text":"فصل في الكلام على صفة التجلي الإلهي، ووجوب وحدانيته تعالى والكلام على بعض الصفات الخبرية والفعلية من النزول اللائق بذاته المقدسة، ونحو ذلك.\nأعلم أولا أن التوحيد ثلاثة أقسام (١):\nتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الصفات.\nفتوحيد الربوبية: أن لا خالق، ولا رازق، ولا محيي، ولا مميت، ولا موجد، ولا معدم، ولا مغني، ولا مقني، ولا رافع، ولا خافض، إلا هو ﷾.\nوتوحيد الإلهية: افراده تقدس وتعالى بالعبادة والتأله له، والخضوع والذل والحب والإفتقار والإقبال والتوجه إليه تعالى.\nوتوحيد الصفات: أن يوصف اللَّه بما وصف به نفسه، وبما وصفه به نبيه محمد -ﷺ- (نفيًا وإثباتًا، فيثبت ما أثبته لنفسه وما أثبته له نبيه -ﷺ-، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه نبيه محمد -ﷺ-) (٢).\nوقد علم أن طريقة السلف وأئمة الدين إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف، ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه (مع اثبات ما) (٣) أثبته من الصفات من غير إلحاد في الأسماء، ولا في\n_________\n(١) انظر هذا المبحث في اللوامع (١/ ١٢٨) وما بعدها.\n(٢) ما بين القوسين من هامش المخطوطتين وكتب عليه صح.\n(٣) جاء النص في المخطوطتين، وفي لوامع الأنوار للشارح كذا: وكذلك ينفون عنه ما نفاه =","vol":"1","page":257},{"text":"الآيات فإنه تعالى: ذم الملحدين في أسمائه وآياته فقال تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].\nوقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ [فصلت: ٤٠].\nفطريقة سلف الأمة وأئمتها: إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل كما قال اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nفالحق جل شأنه بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام بإثبات مفصل ونفي مجمل، فأثبتوا له الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يليق بذاته من التشبيه والتعطيل، فالإثبات المفصل من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. . .﴾ [الإخلاص: ١].\n﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد: ٣ - ٤].\nوقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨].\n﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨].\n_________\n= عن نفسه مع ما أثبته من الصفات. . . إلخ والتصويب من الرسالة التدمرية لابن تيمية (ص ٩) ضمن النفائس، وعنه ينقل الشارح.","vol":"1","page":258},{"text":"وقوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣].\nوقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤].\n﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢].\n﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].\n﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].\nإلى أمثال هذه الآيات.\nوكذلك الأحاديث الثابتة في أسماء الرب سبحانه وصفاته فإن في ذلك من إثبات ذاته المقدسة وصفاته المنزهة على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته. بنفي التمثيل ما هدى اللَّه به عباده إلى سواء السبيل.\nفهذه طريقة الرسل صلوات اللَّه عليهم أجمعين.\nوأما من زاغ وألحد فهو على الضد من ذلك فيصفون اللَّه بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقًا، لا حقيقة له عند التأمل لكل محقق نبيل، وإنما يرجع ذلك إلى وجود في الأذهان، لا في الأعيان فقولهم يستلزم التعطيل والتمثيل فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات ويعطون الأسماء والصفات تعطيلًا يستلزم نفي الذات المقدسة تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا (١).\nواعلم ثانيًا: أن صفات الباري جل وعلا تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nصفات ذاتية، وصفات فعلية، وصفات خبرية.\n_________\n(١) انظر هذا المبحث في الرسالة التدمرية (ص ٦ - ٩) ضمن النفائس، وفي لوامع الأنوار (١/ ١٢٨ - ١٣٠).","vol":"1","page":259},{"text":"فالصفات الذاتية المتفق عليها عند أهل السنة من الأثريه والأشعريه والماتريدية (١) (٢): الحياة والعلم والكلام والقدرة والإرادة والسمع والبصر، فللعالم خالق واجب الوجود لذاته، متصف بهذه الصفات وبغيرها مما وصف اللَّه تعالى به نفسه، ووصفه به نبيه -ﷺ-، لكن الأشعرية ومن نحا نحوهم إنما يثبتون له تعالى الصفات (السبع) المتقدمة.\nوأما المعتزلة (٣) فنفوا الصفات والأفعال للَّه تعالى وسموا الصفات أعراضًا، والأفعال حوادث، ويقولون: لا تقوم به تعالى الأعراض، ولا الحوادث، فيتوهم من لا يعرف حقيقة قولهم أنهم ينزهون اللَّه تعالى عن النقائص والعيوب والآفات، ولا ريب أن اللَّه تعالى يجب تنزيهه عن كل عيب ونقص وآفة، فإنه القدوس السلام الصمد الكامل في كل نعت من نعوت الكمال كمالًا لا يدرك الخلق حقيقته، منزهًا عن كل نقص تنزيهًا لا يدرك الخلق كماله. وكل كمال يثبت لموجود من غير استلزام نقص فالخالق تعالى أحق به وأكمل فيه منه وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق أحق بتنزيهه عنه وأولى ببراءته منه (٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية روح اللَّه روحه في كلامه على مسألة حسن إرادة اللَّه تعالى بخلق الخلق وإنشاء الأنام (٥).\n_________\n(١) أهل السنة فرقة واحدة، وهم متفقون جميعًا على إثبات جميع الصفات الثابتة للَّه ﷿ بالكتاب والسنة على الوجه اللائق باللَّه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وراجع ما تقدم (١/ ١٤٢).\n(٢) تقدم التعريف بهذه الفرقة (١/ ١٤٢).\n(٣) الكلام من هنا لابن تيمية. انظر مجموع الفتاوى (٨/ ١٤٩).\n(٤) كتب هنا في هامش \"ظ\" بلغ مقابلة.\n(٥) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٤٩ - ١٥٠)، ولوامع الأنوار (١/ ٢٥١ - ٢٥٢).","vol":"1","page":260},{"text":"روينا من طريق غير واحد من الأئمة كعثمان بن سعيد الدارمي (١)، وأبى جعفر الطبري (٢)، والبيهقي (٣)، وغيرهم في تفسير علي بن أبي طلحة (٤) عن ابن عباس ﵄ فى قوله تعالى ﴿الصَّمَدُ﴾ قال السيد الذي كمل فى سؤدده والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحليم الذي قد كمل في حلمه، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو اللَّه ﷿ وهذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفوًا، وليس كمثله شيء سبحان اللَّه الواحد القهار.\nقال: وهذا التفسير ثابت عن عبد اللَّه بن صالح (٥) عن معاوية بن صالح عن\n_________\n(١) عثمان بن سعيد الدارمي: تقدم (١/ ١٨٦).\n(٢) أبو جعفر الطبري: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير أبو جعفر، قال الخطيب في تاريخ بغداد: استوطن الطبري بغداد وأقام بها إلى حين وفاته، وكان أحد الأئمة العلماء يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظًا لكتاب اللَّه، عارفًا بالقرآن بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها.\nقلت وله مصنفات كثيرة مفيدة أعظمها كتابه في النفسير: \"جامع البيان في تأويل القرآن\" طبع في اثني عشر مجلدًا، توفى سنة ٣١٠ هـ.\nتاريخ بغداد (٢/ ١٦٣).\n(٣) البيهقي: تقدم (١/ ٢٠٢).\n(٤) علي بن أبي طلحة سالم مولى بني العباس: سكن حمص، أرسل عن ابن عباس ولم يره، صدوق قد يخطئ، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة.\nتقريب التهذيب (ص ٢٤٦).\n(٥) عبد اللَّه بن صالح في الأصل عبد اللَّه بن أبي صالح: وأثبتنا ما في \"ظ\" وهو موافق لما في اللوامع وفي إسناد الحديث عند ابن جرير والبيهقي قد وقع هنا عبد اللَّه بن صالح عن علي =","vol":"1","page":261},{"text":"علي بن أبي طلحة الوالبي (١).\nلكن يقال إنه لم يسمع التفسير عن ابن عباس.\nقال: لكن مثل هذا الكلام ثابت عن السلف.\nوقد روى عن سعيد بن جبير (٢) -أيضًا- أنه قال الصمد الكامل في صفاته وأفعاله.\nوثبت عن أبي وائل شقيق بن سلمة (٣) أنه قال الصمد السيد الذي انتهى سؤدده.\nوهذه الأقوال وما أشبهها لا تنافي ما قاله كثير من السلف كسعيد بن المسيب (٤)،\n_________\n= ابن أبي طلحة، والصواب عبد اللَّه بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة كما في الفتاوى، وفي إسناد الحديث عند ابن جرير والبيهقي.\nوهو عبد اللَّه بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني أبو صالح المصري كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، توفى سنة اثنتين وعشرين ومائتين.\nتقريب التهذيب (ص ١٧٧).\n(١) الأثر عن ابن عباس، رواه ابن جرير في تفسيره (٣٠/ ٣٤٦)، والبيهقي في الأسماء (ص ٧٨ - ٧٩)، وابن تيمية كما في الفتاوى (٨/ ١٤٩ - ١٥٠، ١٧/ ٢٢٠)؛ وذكره المؤلف في اللوامع (١/ ٢٥١ - ٢٥٢).\n(٢) سعيد بن جبير: تقدم (١/ ١٥٧).\n(٣) شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي: ثقة مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة.\nتقريب (ص ١٤٧).\n(٤) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي: أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، قال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع منه علمًا، مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين.\nتقريب التهذيب (ص ١٢٦).","vol":"1","page":262},{"text":"وابن جبير (١)، ومجاهد (٢)، والحسن (٣)، والسُّدى (٤)، والضحاك (٥)، وغيرهم: من أن الصمد هو الذي لا جوف له، وهذا منقول عن ابن مسعود ﵁، وعن عبد اللَّه بن بريده عن أبيه، موقوفًا، أو مرفوعًا، فإن كلا القولين حق (٦).\nولفظ \"الأعراض\" لغة يفهم منه ما يعرض للإنسان من الأمراض ونحوها.\nوكذلك نفي الحوادث والمحدثات قد يفهم منه ما يحدثه الناس من الأفعال المذمومة والبدع التي ليست مشروعة، أو ما يحدث بالإنسان من نحو الأمراض.\nواللَّه تعالى يجب تنزيهه عما هو فوق ذلك مما فيه نوع نقص، ولكن لم يكن مقصود المعتزلة بقولهم: منزه عن الأعراض والحوادث إلا نفي صفاته الذاتية وأفعاله الإختيارية فعندهم لا يقوم به علم ولا قدرة ولا مشيئة ولا رحمة ولا حب ولا رضا ولا فرح ولا خلق ولا إحسان ولا عدل ولا إتيان ولا مجيء ولا تجلي ولا نزول\n_________\n(١) ابن جبير سعيد بن جبير: تقدم قبل قليل.\n(٢) مجاهد: تقدم (١/ ١٩٧).\n(٣) الحسن هو البصري: تقدم (١/ ١٩٣).\n(٤) السُّدي: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي بضم المهملة وتشديد الدال أبو محمد الكوفي مفسر محدث، مات سنة سبع وعشرين ومائة.\nسير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٤).\n(٥) الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو القاسم أو أبو محمد الخراساني: صاحب التفسير كان من أوعية العلم، مات بعد المائة.\nسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٩٨)؛ وتقريب التهذيب (ص ١٥٥).\n(٦) انظر أقوال العلماء في تفسير \"الصمد\" ابن جرير (٣٠/ ٣٤٤ - ٣٤٧)، وابن كثير (٩/ ٣٤٤ - ٣٤٦)؛ ومجموع الفتاوى (٨/ ١٤٩ - ١٥٠، ١٧/ ٢١٤) وما بعدها.","vol":"1","page":263},{"text":"ولا استواء ولا غير ذلك من صفات ذاته وأفعاله.\nوجمهور المسلمين يخالفهم في ذلك ومن الطوائف من ينازعهم في الصفات (دون الأفعال ومنهم من ينازعهم في بعض الصفات) (١) دون بعض، ومن الناس من ينازعهم في الفعل القديم فيقول: فعله تعالى قديم وإن كان المفعول محدثًا (٢).\nوقد علمت أن مذهب السلف إثبات الصفات الذاتية والفعلية والخبرية له وهو مذهب الماتريدية (٣).\nقال الوزنتي (٤) من الحنفية في شرح المنظومة المعروفة بالجواهر ما ملخصه: \"التخليق صفة اللَّه تعالى وهو فعله تعالى لاقتضاء المفعول فعلًا لاستحالة مفحول بلا فعل ففعله تعالى صفة له فاستحال دخوله تحت قدرت وإرادته\".\nثم قال: \"واعلم أن الأئمة الأربعة ونظائرهم من أئمة أهل السنة وأكثر رجال الصوفية الذين كانت كراماتهم ظاهرة مثل مالك (٥) بن دينار، وإبراهيم بن\n_________\n(١) ما بين القوسين سقط من \"ظ\" وعلق في هامش الأصل.\n(٢) انظر هذا المبحث في الفتاوى (٨/ ١٤٩ - ١٥١)؛ وفي اللوامع (١/ ٢٥١ - ٢٥٢).\n(٣) انظر (١/ ١٤٢).\n(٤) الشيخ حميد الدين حامد بن أيوب الوزنتي الحنفي له الجواهر المنظومة وله عليه شرح سماه مرقاة المبتدئين ونهاية المنتهين.\nكشف الظنون (١/ ٦١٩)؛ وهدية العارفين (١/ ٢٦١).\n(٥) مالك بن دينار البصري أبو يحيى: الزاهد العابد معدود في ثقات التابعين، مات سنة ثلاثين ومائة ونحوها.\nسير أعلام النبلاء (٥/ ٣٦٢)؛ وتقريب التهذيب (ص ٣٢٦).","vol":"1","page":264},{"text":"أدهم (١)، والفضيل بن عياض (٢)، وذي النون (٣) المصري، والسري السقطي (٤)، ومعروف الكرخي (٥)، وسهل بن عبد اللَّه التستري (٦).\nومن نشر علم الإشارة أبي القاسم الجنيد (٧) البغدادي، وأبي بكر الشبلي (٨) وغيرهم كانوا يصفون اللَّه بالفعل والكلام والرؤية والسمع كما يصفونه بالحياة\n_________\n(١) إبراهيم بن أدهم بن منصور العجلي وقيل التميمي أبو إسحاق البلخي: العابد الزاهد، مات سنة اثنتين وستين ومائة.\nسير أعلام النبلاء (٧/ ٣٨٧)؛ وتقريب التقريب (ص ١٨).\n(٢) الفضيل بن عياض: تقدم (١/ ١٨٥).\n(٣) ذو النون المصري: ثوبان بن إبراهيم وقيل فيض بن إبراهيم النوبي الأخميمي يكني أبا الفيض، ومال أبا الفياض من العباد الزهاد، توفى سنة ٢٤٥ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١١/ ٥٣٢).\n(٤) السري السقطي: تقدم (١/ ٢٣٧).\n(٥) معروف بن فيروز وقيل فيرزان الكرخي: أحد العباد الزهاد، توفى سنة مائتين.\nتاريخ بغداد (١٣/ ١٩٩)؛ وسير أعلام النبلاء (٩/ ٣٣٩).\n(٦) سهل بن عبد اللَّه التستري أبو محمد الصوفي الزاهد: توفى سنة ثلاث وثمانين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٠).\n(٧) الجنيد بن محمد بن الجنيد النهاوندي ثم البغدادي: شيخ الصوفية وأحد العباد الزهاد، توفى سنة ثمان وتسعين ومائتين.\nتاريخ بغداد (٧/ ٢٤١)؛ وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٦٦).\n(٨) أبو بكر الشبلي البغدادي: قيل اسمه دلف بن جحدر، وقيل جعفر بن يونس، وقيل جعفر بن دلف من مشايخ الصوفية، كان فقيها عارفا بمذهب مالك وله شعر، توفى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.\nتاريخ بغداد (١٤/ ٣٨٩)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٦٧).","vol":"1","page":265},{"text":"والعلم والقدرة والإرادة وأخذ يحط على أبي حسن الأشعري (١) وأنه أتى بخلاف مذهب أهل السنة. انتهى (٢).\nوفي عقائد النسفي (٣) المشهورة: والتكوين صفة اللَّه أزلية وهو تكوينه للعالم، ولكل جزء من أجزائه وهو غير المكون عندنا (٤).\nقال شارحها المحقق التفتازاني (٥): \"التكوين هو المعنى المعبر عنه بالفعل والخلق والتخليق والإيجاد والإحداث والإختراع ونحو ذلك، ويفسر بإخراج المعدوم من العدم إلى الوجود صفة اللَّه تعالى لإطباق العقل والنقل على أنه خالق للحالم مكون له.\n_________\n(١) أبو الحسن الأشعري: تقدم التعريف به (١/ ١٤٢) عند التعريف بالأشعرية، وقد قلنا إن أبا الحسن رجع عن مذهب الإعتزال ووافق أهل السنة في إثبات الصفات وصرح بها في كتبه مثل: الإبانة والمقالات واللمع. لكن بقي أتباعه يخالفون منهجه في إثبات الصفات فيثبتون بعضها ويؤلون بقيتها.\n(٢) انظر: لوامع الأنوار (١/ ٢٥٢).\n(٣) النسفي: عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل النسفي السمرقندي نجم الدين أبو حفص مفسر فقيه أصولي متكلم مؤرخ أديب له مصنفات كثيرة منها: مجمع العلوم، والتيسير في التفسير؛ والعقائد، يعرف بالعقائد النسفية، توفى سنة ٥٣٧ هـ.\nالجواهر المضيئة (٢/ ٦٥٧)؛ ومعجم المؤلفين (٧/ ٣٠٥).\n(٤) العقائد النسفية (ص ٢٩) ضمن مجموع المتون.\n(٥) التفتازاني: مسعود بن عمر بن عبد اللَّه سعد الدين التفتازاني، ولد بتفتازان (من بلاد خراسان) وأقام بسرخس ثم انتقل إلى سمرقند، فتوفى فيها كان من أئمة العربية والبيان والمنطق، متكلم أصولي له مصنفات كثيرة منها: تهذيب المنطق، والمطول في البلاغة؛ ومقاصد الطالبين في الكلام وشرحه، ط؛ وشرح العقائد النسفية، وغيرها كثير، توفى سنة ٧٩٣ هـ.\nالدرر الكامنة (٥/ ١١٩ - ١٢٠)؛ وبغية الوعاة (٢/ ٢٨٥)؛ والأعلام (٧/ ٢١٩).","vol":"1","page":266},{"text":"وامتناع إطلاق الإسم المشتق على الشيء من غير أن يكون مأخذ الاشتقاق وصفًا له قائمًا به أزلية لامتناع قيام الحوادث بذاته ولأنه سبحانه وصف ذاته في كلامه الأزلي باللَّه الخالق فلو لم يكن في الأزل خالقًا للزم الكذب، أو العدول إلى المجاز أي الخالق فيما يستقبل، أو القادر على الخلق من غير تعذر الحقيقة على أنه لو جاز إطلاق الخالق عليه بمعنى القادر لجاز إطلاق كل ما يقدر عليه من الأعراض.\nوأيضًا لو كان فعله تعالى حادثًا، فإما بتكوين آخر فيلزم التسلسل، وهو محال ويلزم منه استحالة تكون مع أنه مشاهد، وإما بدونه فيستغني الحادث عن المحدث والإحداث، وفيه تعطيل الصانع تعالى، وأيضًا لو حدث فعله تعالى لحدث، إما في ذاته تعالى فيصير محلًا للحوادث (١)، أو في غيره كما ذهب إليه أبو الهذيل (٢) المعتزلي: من أن تكوين كل جسم قائم به فيكون كل جسم قائم به فيكون كل جسم خالقًا ومكونًا لنفسه، ولا خفاء في استحالته.\nومبنى هذه الأدلة على أن التكوين صفة حقيقية كالعلم والقدرة.\n_________\n(١) هذا من كلام أهل البدع من المعتزلة المخالفين لمذهب أهل السنة، فقد ذكر ابن تيمية وابن القيم ﵏ أن مذهب السلف أن أفعال اللَّه ﷾ قديمة النوع حادثة الآحاد وأن اللَّه ﷾ فعال لما يريد، لم يزل متكلمًا إذا شاء ولم يزل فاعلًا إذا شاء، أو لم تزل الإرادات والكلمات تقوم بذاته شيئًا بعد شيء ونحو ذلك، ولا يلزم من ذلك حلول الحوادث كما يقول أهل البدع.\nانظر: تعليق الشيخ عبد اللَّه بابطين، والشيخ ابن سحمان في لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ١٣٠ - ١٣١، ٢٥٨ - ٢٥٩).\n(٢) أبو الهذيل: محمد بن الهذيل بن عبد اللَّه بن مكحول العبدي مولى عبد القيس أبو الهذيل العلاف من أئمة المعتزلة، ولد في البصرة واشتهر بعلم الكلام، له مقالات في الإعتزال ومجالس ومناظرات، توفى بسامرا سنة ٢٣٥ هـ.\nتاريخ بغداد (٣/ ٣٦٦)، والأعلام (٧/ ١٣١).","vol":"1","page":267},{"text":"قال التفتازاني والمحققون من المتكلمين على أنه من الإضافات والاعتبارات العقلية مثل كونه تعالى قبل كل شيء ومعه وبعده ومذكورًا بألسنتنا ومعبودًا لنا ومميتنا ومحيينا ونحو ذلك قال: والحاصل في الأزل هو مبدأ التخليق والترزيق والإماتة والإحياء وغير ذلك.\nقال ولا دليل على كونه صفة أخرى سوى القدرة والإرادة، وإن كانت نسبتها إلى وجود الكون وعدمه على السواء لكن مع انضمام الإرادة بتخصيص أحد الجانبين ولما استدل القائلون بحدوث التكوين بأنه لا يتصور بدون المكون كالضرب بدون المضروب فلو كان التكوين قديمًا لزم قدم المكونات وهو محال.\nأشار النسفي ومن يقول بقدمه من علماء السلف إلى الجواب عنه بقوله: وهو أي التكوين تكوينه تعالى للعالم، ولكل جزء من أجزائه، لا في الأزل، بل لوقت وجوده على حسب علمه وإرادته فالتكوين باق أزلًا، وأبدًا، والمكون حادث بحدوث التعليق، كما في العلم والقدرة وغيرهما من سائر الصفات القديمة التي لايلزم من قدمها قدم متعلقاتها لكون تعلقاتها حادثة.\nوهذا تحقيق ما يقال إن وجود العالم إن لم يتعلق بذات اللَّه أو صفة من صفاته لزم تعطيل الصانع واستغناء الحوادث عن الموجد، وهو محال باطل أولًا، فليكن التكوين أيضًا قديمًا، مع حدوث المكون المتعلق به، وما يقال: بأن القول بتعلق وجود المكون بالتكوين قول بحدوثه إذ (١) القديم ما لا يتعلق وجوده بالغير، والحادث ما يتعلق به فمنظور فيه لأن هذا معنى القديم والحادث بالذات على ما تقول به الفلاسفة.\nوأما المتكلمون فعندهم الحادث ما لوجوده بداية بأن يكون مسبوقًا بالعدم\n_________\n(١) في الأصل: إذا والمثبت من \"ظ\" وهو الصواب.","vol":"1","page":268},{"text":"والقديم بخلافه ومجرد تعلق وجوده بالغير لا يستلزم حدوثه بهذا المعنى لجواز أن يكون محتاجًا إلى الغير صادرًا عنه دائمًا بدوامه، كما ذهبت إليه الفلاسفة فيما ادعوا قدمه من الممكنات كالهيولا (١) -مثلا-.\nنعم إذا أثبتنا صدور العالم من الصانع بالإختيار دون الإيجاب بدليل لا يتوقف على حدوث العالم كان القول بتعليق وجوده بتكوين اللَّه تعالى قولًا بحدوثه.\nومن هنا (٢) يقال: إن التنصيص على كل جزء من أجزاء العالم إشارة إلى الرد على من زعم قدم بعض الأجزاء كالهيولا.\nوإلا فهم إنما يقولون بقدمها بمعنى عدم المسبوقية بالعدم لا بمعنى عدم تكون ذلك بالغير.\nوالحاصل أنا لا نسلم أنه لا يتصور التكوين بدون المكون وأن وزانه معه وزان الضرب مع المضروب، فإن الضرب صفة إضافية لا يتصور بدون المضافين أعنى الضارب والمضروب وقد بينا أن التكوين صفة حقيقية هي مبدأ الإضافة التي هي إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود لا عينها حتى لو كانت عينها على ما وقع في عبارة بعض المشايخ لكان القول بتحققها بدون المكون مكابرة وإنكارًا للضروري فلا يندفع بما يقال من أن الضرب مستحيل البقاء فلا بد لتعلقه بالمفعول ووصول الألم إليه من وجود المفعول معه إذ لو تأخر لانعدم كذا قيل.\n_________\n(١) الهيولا: لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة.\nوفي اصطلاح المتكلمين هو جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الإتصال والإنفصال محل للصورتين الجسمية والنوعية.\nانظر: التعريفات (ص ٢٥٧).\n(٢) في \"ظ\" من ههنا.","vol":"1","page":269},{"text":"وهذا بالنسبة لفعل المخلوق وهو بخلاف فعل الباري فإنه أزلي الدوام ييقى إلى وقت وجود المفعول (١).\nفالتكوين غير المكون فسائر الصفات الذاتية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام وغيرها وسائر الصفات الخبرية من الوجه واليدين والقدم وغيرها.\nوسائر صفات الفعلية من الإستواء والنزول والإتيان والمجيء والتكوين ونحوها قديمة (٢) للَّه تعالى عند سلف الأمة وأئمتها ليس شيء من ذلك محدثًا.\nإذا علمت هذا التمهيد فمن الصفات التي يثبتها سلف الأمة وأئمة الدين من أهل الأثر دون الخلف والمتحذلقين: \"التجلي الإلهي ورؤية رب العالمين\".\nوقد أشار إليه الإمام أبو بكر بن أبي داود ﵄ بقوله: (وقل) أيها الأثري السلفي (يتجلى اللَّه) ﷾ (للخلق) من المسلمين أما في الموقف فيتجلى للمسلمين عامة حتى منافقي هذه الأمة وعصاتها (٣) كما في الصحيحين\n_________\n(١) نهاية كلام التفتازاني. انظر شرح العقائد النسفية (ص ٩٦ - ١٠١).\n(٢) المعروف بين أهل السنة أن صفات اللَّه تعالى قسمان:\n١ - صفات ذاتة كالحياة والعلم والقدرة والوجه واليدين ونحوهما، فهذه قديمة بلا ريب إذ أنها صفات لازمة للَّه تعالى.\n٢ - صفات فعلية وهي التي تتعلق بمشيئته وحكمته فإن اقتضت حكمته فعلها فعلها وإن اقتضت حكمته أن لا يفعلها لم تكن وهذا مثل الخلق والرزق والإحياء والإماته والكلام والنزول والإستواء، وغير ذلك من صفات فعله فهذا يكون قديم النوع أو الحنس وإن كانت آحاده توجد شيئًا فشيئًا وحينًا وآخر.\nانظر: تعليق الشيخ عبد اللَّه أبا بطين ﵀ على لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ١١٢).\n(٣) سيأتي التفصيل في هذا. انظر (١/ ٢٩٨).","vol":"1","page":270},{"text":"وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: \"قال الناس يا رسول اللَّه هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول اللَّه. قال: هل تضارون في القمر ليلة البدر وليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول اللَّه، قال: فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك\" يجمع اللَّه الناس فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغبت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم اللَّه في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون نعوذ باللَّه منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه فيأتيهم اللَّه في الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه (١).\nوفى حديث أبي موسى الأشعري عند الطبراني قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-:\n\"يحشر الناس فينادي مناد أليس عدلًا مني أن أولي كل قوم ما كانوا يعبدون ثم ترفع لهم آلهتهم فيتبعونها، حتى لا يبقى أحد غير هذه الأمة، فيقال لهم مالكم، قالوا: ما نرى إلهنا الذي كنا نعبد فيتجلى لهم ﵎ (٢).\nوعند اللالكائي (٣) من حديث أبي موسى أيضًا ﵁: فيكشف لهم عن\n_________\n(١) الحديث أخرجه البخاري في كتاب الأذان باب فضل السجود (٢/ ٣٤١)؛ وفي الرقاق باب الصراط جسر جهنم (١١/ ٤٥٣)؛ وفي التوحيد باب قول اللَّه تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١٣/ ٤٣٠)؛ ومسلم رقم (١٨٢) في الإيمان باب معرفة طريق الرؤية؛ والترمذي رقم (٢٥٥٧) في صفة الجنة، باب ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار.\n(٢) رواه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٤٣)؛ وفي الأوسط (١/ ٩٠) رقم (٨١).\nقال الهيثمي: وفيه فرات بن السائب وهو ضعيف.\n(٣) اللالكائي: هبة اللَّه بن الحسن بن منصور الطبري الرازي الشافعي اللالكائي: محدث =","vol":"1","page":271},{"text":"الحجاب فينظرون إلى اللَّه فيخرون له سجدًا ويبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر (١) فيريدون السجود فلا يستطيعون فيقول اللَّه تعالى: يا عبادى ارفعوا رؤوسكم. . . (٢) الحديث.\nوأخرج الإمام عبد اللَّه بن المبارك (٣) والآجري (٤) عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأقيم عليهم بالكرامة جاءتهم خيول من ياقوت أحمر لا تبول ولا تروث لها أجنحة فيقعدون عليها ثم يأتون الجبار ﷿\n_________\n= حافظ فقيه صنف كتاب شرح السنة طبع في أربعة مجلدات وغيره، مات سنة ثمان عشر وأربعمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٧/ ٤١٩)؛ وتاريخ بغداد (١٤/ ٧٠ - ٧١).\n(١) في النسختين: مثل صياصي -أي قرون البقر-. وهي تفسير من المؤلف ﵀ لكلمة صياصي. وكان المناسب أن يجعلها بعد نهاية الحديث وقد أثبت نص الحديث من مصادره وأثبت هنا ما أورده المؤلف.\n(٢) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٧٩ - ٤٨٠) رقم (٨٣٢) وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨)؛ والدارمي في الرد على الجهمية رقم (١٨٠)؛ والآجري في الشريعة (ص ٢٦٣ - ٢٨٠)؛ وابن خزيمة رقم (٣٣٩، ٣٤٠)؛ وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، لكن له شاهد من رواية جابر بن عبد اللَّه. أخرجه أحمد (٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤)؛ ومسلم (١/ ١٧٧ - ١٧٨) رقم (١٩١).\nانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٣٩٤) رقم (٧٥٥).\n(٣) تقدم (١/ ١٨٤).\n(٤) محمد بن الحسين بن عبد اللَّه البغدادي الآجري أبو بكر محدث حافظ فقيه وكان صدوقًا خيرًا عابدًا صاحب سنة واتباع له مصنفات كثيرة منها \"الشريعة\" في السنة، وكتاب الرؤية؛ وكتاب أخلاق العلماء الثلاثة مطبوعة وغيرها من المصنفات، مات سنة ستين وثلاثمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٦/ ١٣٣)؛ ووفيات الأعيان (٤/ ٢٩٢).","vol":"1","page":272},{"text":"فإذا تجلى لهم خروا له سجدًا، فيقول الجبار يا أهل الجنة ارفعوا رؤوسكم فقد رضيت عنكم رضا لا سخط معه، يا أهل الجنة ارفعوا فإن هذه ليست بدار عمل إنما هي دار مقامة ودار نعيم، فيرفعون رؤوسهم فيمطر اللَّه عليهم طيبا ثم يرجعون إلى أهليهم فيمرون بكثبان المسك فيبعث اللَّه ريحًا على تلك الكثبان فتهيجها في وجوههم حتى أنهم ليرجعون إلى أهليهم وإنهم وخيولهم لشباع من المسك (١).\nوفي رواية عند الآجري وإنهم لشعث غبر من المسك.\nوأخرج ابن ماجة (٢)، وابن أبي الدنيا (٣)، والدارقطني (٤) والآجري (٥)، عن جابر -أيضًا﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال:\n\"بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور رفعوا رؤوسهم، فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال السلام عليكم يا أهل الجنة وذلك قول اللَّه: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] قال فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى\n_________\n(١) أخرجه عبد اللَّه بن المبارك في الزهد (ص ٥٣٤) رقم (١٥٢٣)؛ والآجري في الشريعة (ص ٢٦٧ - ٢٦٨) مرفوعًا وموقوفًا، وأبو نعيم في صفة الجنة (٣/ ٢٧٧) رقم (٤٢٩). وفي إسناده الحكم بن أبي خالد (هو ابن ظهير) وهو متروك.\nكما في ترجمته في التقريب (ص ٧٩).\n(٢) ابن ماجه: تقدم (ص ١/ ١٩٨).\n(٣) ابن أبي الدنيا: عبد اللَّه بن محمد بن عبد بن سفيان القرشي مولاهم البغدادي المؤدب صاحب التصانيف السائرة، محدت حافظ مكثر التصنيف، مات سنة إحدى وثمانين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٩٧).\n(٤) الدارقطني: تقدم (ص ١/ ١٠٤).\n(٥) الآجري تقدم قبل قليل.","vol":"1","page":273},{"text":"شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم (١).\nإشرافه ﷾ هو تجليه واطلاعه بالمعنى الذي يليق بذاته المقدسة.\nورواه البيهقي (٢)، وأبو نعيم (٣)، وفيه فيؤتون بنجائب من ياقوت أحمر أزمتها زبرجد أخضر وياقوت أحمر (فيحملون) عليها تضع حوافرها عند منتهى طرفها فيأمر اللَّه بأشجار عليها الثمار فتجيء جوار من الحور العين وهن يقلن نحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الخالدات فلا نموت أزواج قوم مؤمنين كرام ويأمر اللَّه بكثبان من مسك أبيض أذفر فيثير عليهم ريحًا يقال لها: المثيرة حتى تنتهى بهم إلى جنة عدن، وهي قصبة الجنة، فتقول الملائكة يا ربنا قد جاء القوم فيقول مرحبًا بالصادقين، مرحبًا بالطائعين، فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى اللَّه جهرة فيتمتعون بنور الرحمن حتى لا يبصر بعضهم بعضًا، ثم يقول ارجعوهم إلى القصور بالتحف، فيرجعون وقد أبصر بعضهم بعضا، قال رسول اللَّه -ﷺ- (٤)\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة رقم (١٨٤)؛ والآجري في الشريعة (٢٦٧)، والبزار كما في كشف الأستار (٣/ ٦٧).\nقال البوصيري في الزوائد (١/ ٢٦): هذا إسناد ضعيف لضعف الفضل بن عيسى الرقاشي.\nوكذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٩٨)؛ وذكره الألباني في ضعيف الجامع رقم (٢٣٦٢).\n(٢) البيهقى: تقدم (ص ١/ ٢٠٢).\n(٣) أبو نعيم: أحمد بن عد اللَّه بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني، محدث حافظ مؤرخ، له مصنفات كثيرة منها: حلية الأولياء؛ وتاريخ أصبهان وصفة الجنة؛ ودلائل النبوة، وغيرها، مات سنة ثلاثين وأربعمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٥٣)؛ ومعجم المؤلفين (١/ ٢٨٢).\n(٤) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (ص ٢٦٢ - ٢٦٣) رقم (٤٤٨)؛ وأبو نعيم في الحلية =","vol":"1","page":274},{"text":"فذلك قول اللَّه تعالى: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢].\nوأخرج الشيخان (١) والدارقطني من حديث جرير البجلي ﵁ قال: كنا جلوسًا عند النبي -ﷺ- إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: \"أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها (٢). -يعني العصر والفجر-.\nوهذا الذي آشار إليه الناظم بقوله: (كما البدر) أي كالبدر والميم زائدة لا يخفى على أحد في إبداره مع الصحو (وربك) أيها المخاطب ورب الخلائق أجمعين (أوضح): أي أظهر وأبين من البدر لأن البدر من مخلوقاته.\nقال الحافظ البيهقي والحافظ ابن الجوزي: التشبيه للرؤية وهو فعل الرائي لا\n_________\n= (٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩)؛ وفي صفة الجنة (١/ ١٢٨) رقم (٩١)؛ وفي إسناده الفضل بن يزيد الرقاشي، وهو ضعيف كما تقدم.\nوانظر: تخريج الألباني للحديث في شرح الطحاوية (ص ١٨٢).\n(١) الشيخان: البخاري ومسلم، وتقدمت ترجمة البخاري (١/ ١٨٧). وأما مسلم فهو: مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، صاحب \"الصحيح\" إمام محدث فقيه حافظ عالم مصنف، مات سنة إحدى وستين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٥٧)؛ وتقريب (ص ٣٣٥).\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة (٢/ ٤٠) رقم (٥٥٤) باب فضل صلاة العصر، وفي باب فضل صلاة الفجر رقم (٥٧٣)؛ وفي التفسير في تفسير سورة (ق) رقم (٤٨٥١) وفي التوحيد باب قول اللَّه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ رقم (٧٤٣٤ - ٧٤٣٦).\nوأخرجه مسلم رقم (٦٣٣) في المساجد، باب فضل صلاة الصبح والعصر والمحافظة عليها. وتمامه: فافعلوا ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا. . .﴾ [ق: ٣٩].","vol":"1","page":275},{"text":"للمرئي- والمعنى ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك وتنتفي معها المرية كرؤيتكم القمر لا ترتابون ولا تمترون (١).\nوقوله: لا تضامون روي بتخفيف الميم وضم أوله من الضيم أي لا يلحقكم في رؤيته ضيم ولا مشقة، وروي بتشديدها والفتح على حذف إحدى التائين والأصل لا تتضامون أي لا يضام بعضكم بعضا كما يفعل الناس في طلب الشيء الخفي الذي لا يسهل إدراكه فيتزاحمون عند ذلك ينظرون إلى جهته يضام بعضهم بعضا، يريد أنكم ترونه وكل واحد في مكانه لا ينازعه رؤيته أحد (٢).\nولما كان ربما توهم متوهم من لازم التجلي والإنكشاف والرؤية الجسمية بالقياس على ما هو معاين من المخلوقين قياسًا للغائب على الشاهد دفع ذلك الوهم بقوله: (وليس) اللَّه ﵎ (بمولود) ولده والد (وليس) هو تقدس وتعالى (بوالد) لشئ من المولدات ولا الملائكة ولا عيسى بن مريم، ولا العزيز ﵉، ولا غيرهم (وليس له) سبحانه (شبه) لا في ذاته المقدسة، ولا في صفاته المنزهة، ولا في أفعاله سبحانه (تعالى) ارتفع قدره وتقدس: (المسبح) أي المنزة عن أن يكون والد الشيء أو مولودًا في شيء، أو شبيهًا لشيء فإنه ﷾ ليس له شبيه، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله.\nفال شيخ الإسلام قدس اللَّه روحه في شرح العقيدة الأصفهانية: \"الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها أن يوصف اللَّه تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فإنه قد علم\n_________\n(١) انظر: الاعتقاد للبيهقي (ص ١٣٠)؛ ومعالم السنن للخطابي (٧/ ١١٧ - ١١٨)؛ وجامع الأصول (١٠/ ٥٥٨).\n(٢) انظر: المصادر السابقة ومجموع الفتاوى (٦/ ٨٤ - ٨٥).","vol":"1","page":276},{"text":"بالسمع مع العقل أن اللَّه ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، كما قال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].\nوقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤].\nوقد علم بالعقل أن المثلين، يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه فلو كان المخلوق مثلًا للخالق وشبيهًا له للزم اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع والخالق يجب وجوده وقدمه والمخلوق يستحيل وجوب وجوده وقدمه بل يجب حدوثه وإمكانه. انتهى (١).\nوقد قال تعالى في محكم كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nفرد على المشبهة بنفي المثلية ورد على المعطلة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\nواعلم أن قدماء المعتزلة كأبي علي الجبائي (٢)، وابنه أبي هاشم (٣)، وأضرابهم ذهبوا إلى أن المماثلة هي المشاركة في أخص صفات النفس فمماثلة زيد لعمرو عندهم مشاركته إياه في الناطقية فقط، لأنها أخص أوصاف الإنسان.\n_________\n(١) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٩ - ١٠).\n(٢) أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي البصري: من أئمة المعتزلة بالبصرة، وإليه تنسب فرقة الجبائيه ونسبته إلى جبي من قرى البصرة، ولد سنة ٢٣٥، وتوفى سنة ٣٠٣ هـ.\nلسان الميزان (٥/ ٢٧١)، ووفيات الأعيان (٤/ ٢٦٧)، والأعلام (٦/ ٢٥٦).\n(٣) أبو هاشم عبد السلام: تقدم (١/ ١٨٦).","vol":"1","page":277},{"text":"وذهب الماتريدية إلى أن المماثلة هي الإشتراك في الصفات النفسية كالحيوانية والناطقية لزيد وعمرو، قالوا: ومن لازم الاشتراك في الصفة النفسية أمران:\nأحدهما: الاشتراك فيما يجب ويجوز ويمتنع.\nوثانيهما: أن يسد كل منهما مسد الآخر وينوب الآخر منابه، فمن ثم يقال: المثلان موجودان مشتركان فيما يجوز ويمتنع. وموجود أن يسد كل واحد منها مسد الآخر.\nوالمتماثلان وإن اشتركا في الصفات النفسية فلا بد من اختلافهما بجهة أخرى ليتحقق التعدد والتمايز فيصح التماثل وينسب إلى أبي حسن الأشعري أنه يشترط في التماثل التساوي من كل وجه.\nواعترض بأنه لا تعدد حينئذ فلا تماثل، وبأن أهل اللغة مطبقون على صحة قولنا: زيد مثل عمرو في الفقه إذا كان يساويه فيه ويسد مسده وإن اختلفا في كثير من الأوصاف.\nوفي الحديث: \"الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل\" (١) أراد به الإستواء في الكيل دون الوزن، وعدد الحبات، وأوصافها، ولا يخفى أن من الممكن أن يقال: المراد بالمماثلة التساوي في الوجه الذي به التماثل فزيد وعمرو إذا اشتركا في الفقه، وكان بينهما مساواة فيه بحيث ينوب أحدهما عن الآخر، ويسد مسده، يصح القول: بأنهما مثلان فيه، وإلا فلا وكل هذا مغالطة وتمويه ليس شيء منه مما نحن\n_________\n(١) جزء من حديث أخرجه مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه\".\nانظر: صحيح مسلم (٣/ ١٢١١) رقم (١٥٨٨).","vol":"1","page":278},{"text":"فيه فالحق ليس له مثل ولا شبيه وباللَّه التوفيق (١).\n(وقد ينكر الجهمي) أي أتباع جهم بن صفوان، وتقدم أنه أخذ مقاله التعطيل، ونفي الصفات عن الجعد بن درهم (٢)، لكن الجهم أظهر المقالة فنسبت إليه وأخذها الجهم -أيضًا- فيما ذكره سيدنا الإمام أحمد ﵁ عن غيره من أهل الضلال.\nقال الجلال السيوطي (٣) في الأوائل: أول من تفوه بكلمة خبيثة في الاعتقاد يعني في هذه الملة: الجعد بن درهم مؤدب مروان (الحمار) (٤) آخر ملوك بني أمية فقال: بأن اللَّه تعالى لا يتكلم (٥).\nقال شيخ الإسلام قدس اللَّه سره في الرسالة الحموية: أصل فشو البدع بعد القرون الثلاثة وإن كان قد نبع (٦) أصلها في أواخر عصر التابعين.\n\nقال: ثم<span data-type=\"title\" id=toc-114> أصل مقالة التعطيل </span>للصفات إنما هو مأخوذ من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام هو: الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها فنسبت اليه (٧) كما قدمنا ذلك عند قول الناظم: (كما قال أتباع لجهم) (٨).\n_________\n(١) في \"ظ\" بلغ مقابلة.\n(٢) انظر (١/ ٢٢٠).\n(٣) السيوطي تقدم (١/ ١١٠).\n(٤) في الأصل: الجبار وهو تحريف.\n(٥) انظر: الأوئل للسيوطي (١٣١ - ١٣٢).\n(٦) في \"ظ\" نفي والمثبت من الأصل.\n(٧) الرسالة الحموية (ص ٩٨) ضمن النفائس.\n(٨) انظر (١/ ٢١٩).","vol":"1","page":279},{"text":"وقول الناظم: (هذا) هاء حرف تنبيه وذا إسم إشارة محله النصب على المفعولية والمشار إليه التجلي (وعندنا) معشر أهل السنة والجماعة - (بمصداق).\nقال في القاموس: مصداق الشيء ما يصدقه (ما) يحتمل أن يكون موصولًا حرفيًا أي بمصداق قولنا، ويحتمل أن يكون موصولًا اسميًا أي بمصداق الذي قلناه، (حديث مصحح) (١): مبتدأ خبره متعلق الظرف على الأصح أو الظرف (٢) نفسه والجملة حالية (رواه) أي روى ذلك الحديث الصحيح (جرير) بن عبد اللَّه البجلي ﵁ وهو الحديث الذي قدمناه (٣)، رواه البخاري ومسلم وغيرهما (عن مقال) أي من قول (محمد) رسول اللَّه -ﷺ- الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى.\n(فقل) أيها المسترشد وطالب النجاة ومتبع السنة وأهل الحق (مثل ما قد قال) أي مثل قول النبي -ﷺ- (٤) (في ذلك) أي في التجلى ورؤية المؤمنين لرب العالمين في جنات النعيم (وكذا) (٥) في الموقف.\nو(قل) (٦) أيضًا مثل ما قال النبي -ﷺ- من نحو ذلك من سائر الصفات الذاتية والخبرية والفعلية.\n(تنجح): أي تظفر بموافقة الصواب ومتابعة السنة والكتاب والنجاح بالفتح\n_________\n(١) جاء النص في الأصل حدث مصحح، وما أثبته من \"ظ\" ولعله الصحيح.\nوقد جاء النص في مصادر القصيدة \"حديث مصرح\".\n(٢) في \"ظ\": أو الظرفيه، وسقطت عبارة الجملة حالية.\n(٣) انظر (١/ ٢٧٥).\n(٤) في هامش المخطوطتين: (أو مثل الذي قاله النبي ﷺ).\n(٥) في \"ظ\" (وكفى).\n(٦) ساقطة من \"ظ\".","vol":"1","page":280},{"text":"والنجح بالضم الظفر بالشيء، يقال: نجحت الحاجة كمنع وانجحت وأنجحها اللَّه وأنجح زيد إذا صار ذا نجح وهو منجح والنجح الصواب من الرأي، ونجح أمره تيسر، وسهل وتناجحت أحلامه تتابعت بصدق والنجاحة الصبر ونفس نجيحة صابرة (١).\nو(جرير) هذا الذي ذكره الناظم رحمه اللَّه تعالى هو: أبو عمرو وقيل: أبو عبد اللَّه جرير بن عبد اللَّه بن جابر البجلي (٢) الأحمسي ﵁، أسلم في السنة التي توفى فيها رسول اللَّه -ﷺ-، قال جرير: أسلمت قبل موت النبي -ﷺ- بأربعين يومًا فيما يقال (٣) والصحيح أنه أسلم قبل ذلك، نزل الكوفة وسكنها زمانًا طويلًا ثم انتقل إلى قرقيسيا (٤)، ومات بها سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة أربع وخمسين، روى عنه أنس بن مالك، وقيس بن أبي حازم، والشعبي، وبنوه: عبيد اللَّه، والمنذر، وإبراهيم.\nوقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جرير -﵁- قال:\nما حجبني رسول اللَّه منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي (٥).\n_________\n(١) القاموس (١/ ٢٦٠ - ٢٦١) (نجح).\n(٢) ترجمة جرير بن عبد اللَّه البجلي ﵁ في: الاستيعاب رقم (٣٢٣)؛ وأسد الغابة (١/ ٣٣٣)؛ والإصابة (٢/ ٧٦) رقم (١١٣٢).\n(٣) ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب، وصحح الحافظ ابن حجر أنه أسلم قبل ذلك، أي في السنة التي توفى فيها رسول اللَّه -ﷺ-.\n(٤) قرقيسيا: بالفتح ثم السكون، وقاف أخرى وياء ساكنة، وسين مكسورة، وياء أخرى وألف ممدوده، بلد على نهر الفرات بالعراق.\nمعجم البلدان (٤/ ٣٢٨).\n(٥) رواه البخاري (٧/ ١٦٤) في فضائل أصحاب النبي -ﷺ-، باب ذكر جرير ﵁ ومسلم رقم (٢٤٧٥) في فضائل الصحابة، باب في فضائل جرير بن عبد اللَّه ﵁. ورواه الترمذي رقم (٣٨٢٠) في المناقب، باب مناقب جرير بن عبد اللَّه.","vol":"1","page":281},{"text":"وفى رواية ولقد شكوت إلى رسول اللَّه -ﷺ- أني لا أثبت على الخيل، فضرب بيده في صدري، وقال: اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديا (١).\nتتمة (٢): رؤية المؤمنين لرب العالمين (في الآخرة) ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع أهل الحق من أهل السنة والجماعة، وهى الغاية التي شمر إليها المشمرون وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون.\nفإن أهل الجنة إذا نالوها نسوا ما هم فيه من النعيم وحرمانها، والحجاب إنما هو لأهل الجحيم، وهو أشد عليهم من العذاب الأليم.\nوقد اتفق على ثبوتها الأنبياء والمرسلون والصحابة والتابعون وأئمة أهل السنة على تتابع القرون.\nوأنكرها أهل البدع والمارقون والجهمية المتهوكون، والفرعونية المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون، ومن حبل اللَّه منقطعون، وعلى مسبة أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- عاكفون.\nوللسنة وأهلها محاربون، ولكل عدو للَّه ورسوله مسالمون، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون، فهم حزب الضلالة، وشيعة إبليس اللعين، ويعسوب الجهالة، وقدوة المخالفين.\nوقد أخبر ﷾ عن أعلم خلقه به في زمانه، وهو كليمه ﵇،\n_________\n(١) الرواية لمسلم.\n(٢) انظر: هذا المبحث في حادي الأرواح (ص ٢٧٧).","vol":"1","page":282},{"text":"أنه سأل ربه تعالى النظر إليه، فقال له تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣].\nفلا يظن بكليم المولى الجليل أن يسأل ربه المستحيل، ولو كانت رؤيته تعالى لا تجوز لأنكر على موسى ذلك وحاشاه من الجهل بذلك، وإنما أخبره بأنه لا يثبت لرؤيته، ثم أعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجليه له في هذه الدار فكيف بالبشر الضعيف الذي خلق من ضعف، وقد علق رؤيته له على جائز غير ممتنع الاستقرار، بل استقراره ممكن، ولو كانت محالًا في ذاتها لم يعلقها بالممكن في ذاته، ثم إنه سبحانه تجلى للجبل، وهذا مشعر بجواز رؤيته فإنه إذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له، ولا عقاب عليه، فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته ويريهم نفسه، وقد زال عنهم الضعف وخلفه القوة المستمر أبد الآبدين.\nوقد قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣].\nوقال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣].\nفهذا من دلالة الكتاب على رؤية رب الأرباب في دار الجزاء والثواب.\nومن أدلة الكتاب على ذلك قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].\nقال أهل العلم الحسنى: الجنة، والزيادة هي: النطر إلى وجهه الكريم.\nكذلك فسرها رسول اللَّه -ﷺ- الذي أنزل عليه القرآن والصحابة من بعده، كما روى مسلم في صحيحه من حديث (صهيب) ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ إذا دخل أهل الجنة الجنة،","vol":"1","page":283},{"text":"وأهل النار النار، نادي مناد يا أهل الجنة إن لكم عند اللَّه موعدًا، ويريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر (١) وهى الزيادة.\nوقد جاء ذلك عن النبي -ﷺ- من عدة طرق يفيد مجموعها العلم القطعي.\nومنها قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٤ - ١٥].\nووجه الاستدلال بها أنه سبحانه جعل من أعظم عقوبة الكفار كونهم محجوبين عن رؤيته، وسماع كلامه فلو لم يره المؤمنون ولم يسمعوا كلامه كانوا أيضًا محجوبين عنه.\nوقد احتج هذه الحجة الإمام الشافعي ﵁ واحتج بها غيره من أئمة الإسلام ﵃.\n_________\n(١) رواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان: باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ (١/ ١٦٣) رقم (١٨١).\nوقد وقع في المخطوطتين أنه من حديث سهل، والصواب صهيب كما أثبتنا من صحيح مسلم وغيره.\nكما رواه أبو داود الطيالسي رقم (١٣١٥) (ص ١٨٦)، وهناد بن السري في الزهد رقم (١٧١)؛ وأحمد في المسند (٤/ ٣٣٣)؛ والترمذي في التفسير سورة يونس رقم (٣١٠٥) والآجري في الشريعة (٢٦١)؛ وابن منده في الرد على الجهمية رقم (١٧٥)؛ والحسن بن عرفة في جزئه رقم (٢٤٠)؛ وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٥٥)؛ وابن ماجة رقم (١٨٧)، وابن خزيمة رقم (٢٥٨)؛ وابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٦). وانظر: الدر المنثور (٤/ ٣٥٦) وما بعدها؛ وتفسير ابن كثير (٤/ ٢٩٧) وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم (ص ٢٨١ - ٢٨٣).","vol":"1","page":284},{"text":"قال الحاكم أبو عبد اللَّه النيسابوري (١): حدثنا الأصم (٢)، حدثنا الربيع (٣) بن سليمان الجيزى قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول اللَّه ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فقال الشافعي: لما انحجب عن هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا، قال الربيع قلت: يا أبا عبد اللَّه وبه تقول، قال: نعم وبه أدين اللَّه لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى اللَّه لما عبد اللَّه ﷿ (٤) ورواه الطبراني في شرح السنة من طريق الأصم أيضًا.\nومنها قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥].\n_________\n(١) تقدم (ص ١/ ١٤٣).\n(٢) الأصم: محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان: الإمام المحدث مسند العصر أبو العباس الأموي مولاهم السناني المعقلي النيسابوري الأصم، رحل إلى الآفاق وسمع الكتب الكبار، وطال عمره وبعد صيته، وتزاحم عليه الطلبة وصارت إليه الرحلة، توفى سنة ست وأربعين وثلاثمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٥٢).\n(٣) في المخطوطتين: الربيع عن سليمان، والصحيح ما أثبته، وهو موافق لسند الخبر في مصادره الآتية:\nثم إن فيه سليمان الجبري كذا في المخطوطتين، والظاهر أنه: الجيزى تحرف إلى الجبري فهو: الربيع بن سليمان بن داود الجيزي أبو محمد الأزدى مولاهم المصرى الأعرج، توفى سنة ست وخمسين ومائتين.\nطبقات الشافعية (٢/ ١٣٢).\n(٤) الحبر رواه اللالكائي في شرح السنة رقم (٨٣٣)، والحاكم كما في حادي الأرواح (ص ٢٨٤)؛ ورواه البيهقي في مناقب الشافعي بسند آخر عن الربيع بن سليمان (١/ ٤١٩)؛ ورواه من طريقه السبكي في طبقات الشافعية (٢/ ٨١)؛ وانظر تفسير ابن كثير (٩/ ١٤٣ - ١٤٤)، وكذا البغوي أيضًا معه.","vol":"1","page":285},{"text":"قال الطبراني: (١) قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك ﵄: هو النظر إلى وجه اللَّه ﷿ (٢)، وقاله من التابعين: زيد بن وهب وغيره (٣).\nومنها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. فهذه الآية إذا حررت (٤) من تحريفها عن مواضعها، والكذب على المتكلم بها سبحانه فيما أراد منها وجدتها منادية نداء صريحًا أن اللَّه سبحانه يرى عيانًا بالأبصار يوم القيامة في دار القرار.\nوإن أبيت إلا تحريفها الذي يسميه المحرفون تأويلًا، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان والصراط والحساب أسهل على أرباب التأويل من تأويلها، وتأويل كل نص تضمنه القرآن والسنة كذلك، فلا يشأ مبطل على وجه الأرض أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص، وهذا هو الذي أفسد الدين والدنيا.\nوأضاف سبحانه النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية الكريمة، وتعديته\n_________\n(١) الطبراني: تقدم (١/ ١٤٦).\n(٢) رواه عن علي يعقوب البسوي في السنة ضمن كتابه المعرفة (٣/ ٣٩٥)، وعنه اللآلكائي في السنة رقم (٨٥٢) مرفوعًا وسنده ضعيف ورواه عن أنس كل من البزار كما في كشف الأستار (٣/ ٦٩) رقم (٢٢٥٨)؛ واللآلكائي في السنة رقم (٨١٣)؛ وعبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (١٢٢٦)؛ والدارمي في الرد على الجهمية رقم (١٩٨)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٢): رواه البزار وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف.\n(٣) انظر: حادي الأرواح (ص ٢٨٥).\n(٤) كذا في النسختين، وفي حادي الأرواح (ص ٢٨٧): ومنه ينقل الشارح \"وأنت إذا أجرت هذه الآية. . . إلخ\".","vol":"1","page":286},{"text":"بأداة \"إلى\" الصريحة في نظر العين وإخلاء الكلام من قرينة تدل على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدى بإلى خلاف حقيقته وموضوعه صريح في أنه سبحانه أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب ﷻ، فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه فإن عدى بنفسه فمعناه التوقف والإنتظار كقوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. وإن عدى بفي فمعناه التفكر والإعتبار كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥].\nوإن عدى، بإلى فمعناه المعاينة بالأبصار كقوله: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩].\nفكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر.\nقال يزيد بن هارون (١) أخبرنا مبارك (٢) عن الحسن (٣) قال: نظرت إلى ربها ﵎ فنضرت بنوره. رواه الآجري والبيهقي في كتاب الرؤية واللآلكائي في السنة (٤).\n_________\n(١) يزيد بن هارون بن زاذان السلمي: مولاهم أبو خالد الواسطي أحد الأعلام الحفاظ، ثقة متقن عابد، مات سنة ست ومائتين وقد قارب التسعين.\nتقريب (ص ٣٨٥).\n(٢) مبارك بن فضالة -بفتح الفاء وتخفيف المعجمة- أبو فضالة البصري: صدوق يدلس ويسوى، مات سنة ست وستين ومائة على الصحيح.\nتقريب (ص ٣٢٨).\n(٣) الحسن هو البصري: تقدم (١/ ١٩٣).\n(٤) رواه الآجري في الشريعة (ص ٢٥٦)؛ واللآلكائي في السنة رقم (٨٠٠)؛ وعبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (٤٧٩)؛ وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٤٥٦)؛ وابن جرير في التفسير (٢٩/ ١٩٢).","vol":"1","page":287},{"text":"وروى ابن مردويه (١) في تفسيره عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ [قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] قال] (٢) من البهاء والحسن، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قال: في وجه اللَّه ﷿) (٣) (٤).\nوقال ابن عباس ﵄ ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: تنظر إلى وجه ربها ﷿ (٥).\nوقال عكرمة (٦) ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ قال من النعيم ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾\n_________\n(١) ابن مردوية: أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك الأصبهاني أبو بكر، محدث حافظ مفسر مؤرخ من تصايفه: التفسير الكبير، في سبع مجلدات، توفى سنة ٤١٠ هـ.\nسير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٠٨)؛ ومعجم المؤلفين (٢/ ١٩٠).\n(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل واستدرك في هامش (ظ) وكتب عليه صح.\n(٣) ما بين القوسين ساقط من المخطوطتين وأكملته من حادي الأرواح لابن القيم (ص ٢٨٨)، ومنه ينقل المؤلف.\n(٤) الحديث بهذا اللفظ أخرجه ابن مردويه في تفسيره؛ كما في حادي الأرواح (ص ٢٨٨)؛ ورواه بلفظ آخر أحمد في المسند (٢/ ١٣، ٦٤)؛ وابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ١١١)؛ والترمذي في جامعه في تفسير سورة القيامة (٥/ ٤٣١) رقم (٣٣٣٠)؛ والآجري في الشريعة (ص ٢٦٩)، واللآلكائي في السنة رقم (٨٤٠، ٨٤١)؛ وعبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (٤٦١ - ٤٦٢)؛ والحاكم (٢/ ٥٠٩ - ٥١٠) وابن جرير في التفسير (٢٩/ ١٩٣) عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا عند بعضهم.\nقال الألباني: إسناده ضعيف. انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم (١٩٨٥).\n(٥) رواه اللآلكائي في السنة رقم (٧٩٩)؛ وعبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (٤٨٥)؛ والآجري في الشريعة (٢٥٦)؛ وانظر حادي الأرواح (ص ٢٨٨)، والدر المنثور (٨/ ٣٤٩)\n(٦) عكرمة بن عبد اللَّه: مولى ابن عباس أصله بربري ثقة ثبت عالم بالتفسير، مات سنة سبع ومائة، وقيل بعد ذلك.\nتقريب (ص ٢٤٢ - ٢٤٣).","vol":"1","page":288},{"text":"قال تنظر إلى ربها نظرًا (١).\nثم حكى عن ابن عباس ﵁ مثله.\nوهذا قول كل مفسر من أهل السنة (٢).\nوأما الأحاديث عن النبي -ﷺ- وأصحابه الكرام رضوان اللَّه عليهم الدالة على الرؤية فمتواترة (فرويت) (٣) عن رسول اللَّه -ﷺ- ورويت عن الصديق الأعظم أبي بكر خليفة رسول اللَّه -ﷺ-، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وجرير بن عبد اللَّه البجلي، وصهيب بن سنان الرومي، وعبد اللَّه بن مسعود الهذلي، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وأبى رزين العقيلي، وجابر بن عبد اللَّه الأنصاري، وأبي أمامة الباهلي، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وأم المؤمنين عائشة الصديقة، وعبد اللَّه بن عمر، وسلمان الفارسي، وحذيقة بن اليمان، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وغيرهم رضوان اللَّه عليهم أجمعين، رواها (٤) أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، وتلقاها الناس بالقبول والتسليم، وانشراح الصدور لا بالتحريف والتبديل وضيق العطن، والتأويل على خلاف المشهور ولا التكذيب، بها فمن كذب بها لم يكن إلى وجه\n_________\n(١) رواه الآجري في الشريعة (٢٥٦ - ٢٥٧)؛ وعبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (٤٨١)؛ وابن جرير في التفسير (٢٩/ ١٩٢)؛ واللآلكائي في السنة رقم (٨٠٣)؛ والدارمي في الرد على الجهمية رقم (٢٠٠).\n(٢) انظر حادي الأرواح (٢٨٨)؛ وتفسير ابن كثير (٩/ ٦٢ - ٦٣).\n(٣) كذا في المخطوطتين ولعلها زائدة.\n(٤) في \"ظ\": رواه.","vol":"1","page":289},{"text":"ربه الكريم ناظرًا وربما كان من المحجوبين فيخشى أن يكون كافرًا، ولا حاجة إلى سرد جميعها (١).\nوحديث جرير بن عبد اللَّه البجلي ﵁ الذي ذكره الناظم رواه البخاري، ومسلم، وأكثر من خمسين إمامًا منهم: إسماعيل بن أبي خالد (٢)، ويحيى بن سعيد القطان (٣)، وهشيم بن بشير (٤)، وعلي بن عاصم (٥)، وسفيان بن عيينة (٦)، ومروان بن معاوية (٧)، ووكيع\n_________\n(١) ذكرها بأسانيدها ابن القيم ﵀ في حادي الأرواح (ص ٢٨٩ - ٣٢٢).\n(٢) إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم البجلي ثقة ثبت روى له الجماعة، مات سنة ست وأربعين ومائة.\nتقريب (ص ٣٣).\n(٣) يحيى بن سعيد بن فروخ التميمي أبو سعيد القطان البصري: ثقة متقن حافظ إمام قدوة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة.\nتقريب (ص ٧٥).\n(٤) هشيم بالتصغير ابن بشير بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية بن أبي حازم بمعجمتين الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، مات سنة ثلاث وثمانين ومائة.\nتقريب (ص ٣٦٥).\n(٥) علي بن عاصم بن صهيب الواسطي التميمي: مولاهم صدرق يخطئ ويصر ورمي بالتشيع، مات سنة إحدى ومائتين.\nتقريب (ص ٢٤٧).\n(٦) سفيان بن عيينة: تقدم (١/ ١٩١).\n(٧) مروان بن معاوية: بن الحارث بن أسماء الفزاري أبو عبد اللَّه الكوفي، نزيل مكة ثم دمشق، ثقة حافظ وكان يدلس أسماء الشيوخ، روى له الجماعة، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة.\nتقريب (ص ٣٣٣).","vol":"1","page":290},{"text":"ابن الجراح (١)، ويزيد بن هارون (٢)، وشعبة بن الحجاج (٣)، وعبد اللَّه بن المبارك (٤)، وحماد بن أبي حنيفة (٥)، وأبو حنيفه النعمان بن ثابت الإمام (٦)، وزيد بن أبي أنيسه (٧)، وجوَّده فقال: ستعاينون ربكم ﷿ كما تعاينون هذا القمر.\nوأبو شهاب الحناط (٨) وقال: سترون ربكم عيانا. وغير هؤلاء ممن يطول\n_________\n(١) وكيع بن الجراح بن مليح الرواسي بضم الراء وهمزة، ثم مهملة أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد، مات سنة ست أو سبع وتسعين ومائة.\nتقريب (ص ٣٦٩).\n(٢) يزيد بن هارون: تقدم (١/ ٢٨٧).\n(٣) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي: مولاهم أبو بسطام الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة وكان عابدًا، مات سنة وستين ومائة.\nتقريب (ص ١٤٥).\n(٤) عبد اللَّه بن المبارك: تقدم (١/ ١٨٤).\n(٥) حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي: تفقه على أبيه وأفتى في زمنه، وكان الغالب عليه الورع، وقد ضعف في الحديث من قبل حفظه.\nميزان الإعتدال (١/ ٥٩٠)؛ والجواهر المضيئة (٢/ ١٥٣).\n(٦) أبو حنيفة: تقدم (١/ ١٨٩).\n(٧) في المخطوطتين زيد بن أنيسه، والتصويب من المصادر، فهو زيد ابن أبي أنيسه الجزري أبو أسامة أصله من الكوفة ثم سكن الرها، ثقه له أفراد، مات سنة تسع عشرة ومائة.\nتقريب (ص ١١٢).\n(٨) في المخطوطتين: ابن شهاب الخياط والمثبت من المصادر: فهو عبد ربه بن نافع الكناني أبو شهاب الحناط بمهملة ونون الكوفي نزيل المدائن -أبو شهاب- الأصغر، صدوق في حفظه شيء، مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومائة.\nميزان الإعتدال (٢/ ٥٤٤)؛ وتهذيب التهذيب (٦/ ١٢٨ - ١٢٩)؛ وتقريب (ص ١٩٨).","vol":"1","page":291},{"text":"ذكرهم كلهم يرويه عن قيس بن أبي حازم عن جرير.\nوكل هؤلاء شهدوا على إسماعيل بن خالد، وشهد إسماعيل بن خالد على قيس ابن أبي حازم (١)، وشهد قيس بن أبي حازم على جرير بن عبد اللَّه، وشهد جرير على رسول اللَّه -ﷺ- (فكأنك تسمع رسول اللَّه -ﷺ-) (٢) وهو يقوله ويبلغه لأمته، ولا شيء أقر لأعينهم منه على رغم أنوف الجهمية والفرعرنية والرافضة والقرامطة والباطنية وفروخ الصابئة والمجوس واليونان ونحوهم من أعداء السنة وأهلها (٣).\nوروى ابن بطة (٤) في السنة، والإمام ابن المبارك (٥)، والبزار (٦)، والأصبهاني (٧) في الترغيب من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أتاني جبريل فإذا في كفه مرآة كأصفى المرايا وأحسنها وإذا في\n_________\n(١) قيس بن أبي حازم البجلي أبو عبد اللَّه الكوفي: ثقة مخضرم، ويقال له رؤية وهو الذي يقال إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة، مات بعد التسعين أو قبلها.\nتقريب ص ٢٨٣.\n(٢) ما بين القوسين استدرك في هامش المخطوطتين وكتب عليه صح.\n(٣) هذا الكلام لابن القيم. انظر حادي الأرواح (ص ٢٩٥ - ٢٩٦).\n(٤) ابن بطة: تقدم (١/ ١٠٥).\n(٥) ابن المبارك: تقدم (١/ ١٨٤).\n(٦) البزار: تقدم (١/ ٢٠٠).\n(٧) الأصبهاني: إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي التميمي ثم الطحي، الأصبهاني أبو القاسم، كان إمامًا في الحديث والفقه والتفسير واللغة، حافظًا متقنًا، وكان يلقب بقوام السنة، من تصانيفه: التفسير الكبير، في ثلاثين مجلد؛ وكتاب الترغيب والترهيب؛ وشرح صحيح البخاري، وغيرها، توفى سنة ٥٣٥ هـ.\nسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨٠)؛ والبداية (١٢/ ٢١٧)؛ وطبقات الشافيعة لابن قاضي شهبة (١/ ٣٣٧).","vol":"1","page":292},{"text":"وسطها نكتة سوداء، قال قلت يا جبريل: ما هذه؟ قال: هذه الدنيا صفاؤها وحسنها، قال: قلت وما هذه اللمعة في وسطها؟ قال هذه الجمعة، قلت: ما الجمعة؟ قال: يوم من أيام ربك عظيم\". . . وفيه وأما شرفه وفضله واسمه في الآخرة، فإن اللَّه تعالى إذا صير أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، وجرت عليهم أيامهما وساعاتهما ليس بها ليل ولا نهار إلا قد علم اللَّه مقدار ذلك وساعاته، فإذا كان يوم الجمعة في الحين الذي (يبرز أو يخرج فيه أهل الجمعة إلى جمعهم) (١) نادى منادٍ يا أهل الجنة أخرجوا إلى دار المزيد لا يعلم (سعتها وعرضها وطولها) (٢) إلا اللَّه ﷿ في كثبان المسك قال: فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور ويخرج غلمان المؤمنين بكراسي من ياقوت قال: فإذا وضعت لهم وأخذ القوم مجالسهم بعث اللَّه ﵎ عليهم ريحًا تدعى المثيرة تثير عليهم المسك الأبيض فتدخله من تحت ثيابهم وتخرجه في وجوههم وأشعارهم وفيه. . . ثم يوحي اللَّه سبحانه إلى حملة العرش فيوضع بين ظهراني الجنة وبينه وبينهم الحجاب، فيكون أول ما يسمعون منه أن يقول: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب، ولم يروني وصدقوا رسلي واتبعوا أمري، فسلوني فهذا يوم المزيد، قال: فيجتمعون على كلمة واحدة، رب رضينا عنك فارض عنا، قال: فيرجع اللَّه تعالى إليهم في قولهم أن يا أهل الجنة لو لم أرض عنكم لما أسكنتكم جنتي، فسلوني فهذا يوم المزيد، قال: فيجتمعون على كلمة واحدة رب وجهك، رب وجهك أرنا ننظر إليه، قال:\n_________\n(١) جاءت العبارة التي بين القوسين في المخطوطتين هكذا: (الذين يبرزون ويخرج أهل الجنة إلى جمعهم) والتصحيح من كتاب الترغيب للمنذري (٤/ ١٠٢٩).\n(٢) في المخطوطتين: لا يعلم سعته وعرضه وطوله، والتصحيح من كتاب الترغيب (٤/ ١٠٢٩).","vol":"1","page":293},{"text":"فيكشف اللَّه ﵎ تلك الحجب ويتجلى لهم فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى عليهم أن لا يحرقوا لاحترقوا مما غشيهم من نوره، قال: ثم يقال ارجعوا إلى منازلكم، قال فيرجعون إلى منازلهم، وقد خفوا على أزواجهم وخفين عليهم مما غشيهم من نوره تعالى، فإذا صاروا إلى منازلهم تراد النور حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها، قال: فتقول لهم أزواجهم لقد خرجتم من عندنا على صورة ورجعتم على غيرها، قال: فيقولون ذلك بأن اللَّه ﵎ تجلى لنا فنظرنا منه إلى ما خفينا به عليكم، قال: فلهم في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه.\nوفي لفظ البزار: فهم يتقلبون في مسك الجنة ونعيمها في كل سبعة أيام، قال رسول اللَّه -ﷺ- وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] \" (١).\nوالأحاديث في هذا الباب كثيرة واللَّه أعلم (٢).\nتنبيه: وقع في كلام بعض العلماء منهم: الحافظ عماد الدين ابن كثير (٣) أن\n_________\n(١) الحديث أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ١٩٣) رقم (٣٥١٨)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤٢٢) فيه القاسم بن مطيب وهو متروك؛ وأورده المنذري في الترغيب (٤/ ١٠٢٩) صدره بقوله وروى إشارة إلى ضعفه.\n(٢) في هامش \"ظ\" بلغ مقابلة.\n(٣) ابن كثير: إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصروي الدمشقي، عماد الدين أبو الفداء الإمام الفقيه المحدث المفسر، صاحب التصانيف المفيدة منها: التفسير والتاريخ وغيرها، توفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة.\nالمعجم المختص للذهبي (ص ٧٤) رقم (٨٦)؛ وذيل طبقات الحفاظ للحسيني (٥٧)؛ وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ١١٣).","vol":"1","page":294},{"text":"رؤية اللَّه تعالى مختصة في الجنة بمؤمني البشر من الذكور دون النساء فإنهن لا يرينه تعالى (١).\nوخصها العز بن عبد السلام (٢) بالبشر دون الملائكة، واحتج لاختصاص البشر بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فإنه عام خص بالآية\n_________\n(١) ذكر ابن كثير ﵀ في النهاية (١٢/ ١٨٤) ما يلي: \"وقد حكى بعض العلماء خلافًا في النساء، هل يرين اللَّه ﷿ في الجنة كما يراه الرجال؟ فقل لا، لأنهن مقصورات في الخيام، وقيل بلى لأنه لا مانع من رؤيته تعالى في الخيام وغيرها.\nوقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾.\nوقال تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾.\nوقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إنكم ستررن ربكم ﷿ كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن إستطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا\".\nوهذا عام في الرجال والنساء واللَّه أعلم.\nوقال بعض العلماء قولًا ثالثًا وهو: أنهن يرين اللَّه في مثل أيام الأعياد فإنه يتجلى في مثل أيام الأعياد لأهل الجنة تجليًا عامًا فيرينه في مثل هذه الحال دون غيرها. وهذا القول يحتاج إلى دليل خاص عليه واللَّه أعلم انتهى.\nوقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رؤية النساء لربهن لعموم الأدلة الواردة في ذلك، ولورود أدلة خاصة أيضًا في ذلك. مثل حديث أنس وغيره، وقد صرح في بعض طرقه بأن النساء يرينه في الأعياد، ثم جمع بين الأحاديث العامة في ذلك والأحاديث الخاصة، وأنه لا تنافي بينها وأن الزيادة في هذه الأحاديث، أي رؤية النساء هي بمنزلة خبر مستقل. انتهى، وقد أطال ﵀ في الإستدلال على ذلك.\nراجع مجموع الفتاوي (٦/ ٤٠١) وما بعدها.\n(٢) العز بن عبد السلام: عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد بن مهذب السلمي -العز بن عبد السلام- أبو محمد فقيه أصولي مفسر مشارك في كثير من العلوم، له مصنفات كثيرة، توفى سنة ستين وستمائة.\nانظر: طبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٢٠٩)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٣٧)؛ ومعجم المؤلفين (٥/ ٢٤٩).","vol":"1","page":295},{"text":"والأحاديث في المؤمنين فيبقى على عمومه في الملائكة\" (١) كذا قال وقد نص البيهقي على خلافه فقال في كتاب الرؤية: باب ما جاء في رؤية الملائكة ربهم فروى عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: خلق اللَّه الملائكة لعبادته أصنافًا، وإن منهم لملائكة قيامًا صافين من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، وملائكة ركوعًا وخشوعًا من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، وملائكة سجودًا منذ خلقهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ﵎ فينظرون إلى وجهه الكريم، فإذا نظروا إلى وجهه الكريم قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك (٢).\nوأخرج نحوه أيضًا عن عدي بن أرطأة عن رجل من الصحابة، مرفوعًا وفيه: فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ربهم فينظرون إليه، قالوا: سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك (٣).\nوفى الدارقطني مرفوعًا: إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم ﷿،\n_________\n(١) انظر: القواعد الصغرى للعز بن عبد السلام (ص ١٣٠ - ١٣١)؛ ونقل ذلك عنه السيوطي في إسبال الكساء على النساء (ص ١٣)؛ وفى تحفة الجلساء (ص ٥٩).\nوقد أشار إلى ذلك في القواعد الكبرى (٢/ ٢٢٢)؛ وانظر آكام المرجان (ص ٦٠ - ٦١).\n(٢) أخرجه البيهقي في الرؤية وابن عساكر كما في \"الحبائك في أخبار الملائك\" للسيوطي (ص ١٤٧)؛ وكما في إسبال الكساء على النساء (ص ١٤ - ١٥)؛ وفى تحفة الجلساء أيضًا (ص ٦٠ - ٦١).\n(٣) أخرجه محمد بن نصر المروزي في \"تعظيم قدر الصلاة\" (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨) رقم (٢٦٠)؛ والبيهقي في الرؤية من طريقين كما في إسبال الكساء (١٥)؛ وفى تحفة الجلساء أيضًا (ص ٦٠ - ٦١) وأبو الشيخ في العظمة رقم (٥١٥، ٣/ ٩٩٣ - ٩٩٤)؛ والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٣٠٧)؛ وابن عساكر في تاريخ دمشق كما في مختصره (١٦/ ٢٩٠)؛ وذكره ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وقال رواه محمد بن نصر المروزي وإسناده لا بأس به.","vol":"1","page":296},{"text":"فأحدثهم عهدًا بالنظر إليه في كل جمعة. ويراه المؤمنات يوم الفطر ويوم الأضحى (١) -أي في مثل ذلك-.\nوقد نص أبو الحسن الأشعري في الإبانة على أن الملائكة يرون ربهم يوم القيامة (٢).\nوجزم بهذا جمع محققون منهم الإمام المحقق ابن القيم، والجلال السيوطي، والبلقيني (٣).\nقال الحافظ السيوطي: وهو أرجح بلا شك (٤).\nومال البلقيني إلى ثبوتها لمؤمنى الجن -أيضًا- وهو اللائق بكرمه تعالى (٥).\nقلت: التحقيق ثبوت رؤيته تعالى لكل من دخل الجنة.\nوقد أخرج الآجري عن عكرمة قال: قيل لابن عباس ﵄ كل من يدخل الجنة يرى اللَّه تعالى، قال: نعم (٦).\n_________\n(١) رواه الدارقطني في الرؤية كما في مجموع الفتاوى (٦/ ٤١٠)؛ وكما في تحفة الجلساء (ص ٥٩)؛ وفي الدر المنثور (٨/ ٣٥٥) من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(٢) انظر الإبانة (ص ٤٤).\n(٣) البلقيني: عبد الرحمن بن عمر بن رسلان بن نصير الكناني العسقلاني المصري الشافعي جلال الدبن أبو الفصل: من علماء الحديث بمصر، انتهت إليه رئاسة الفتوى بعد وفاة أبيه، وولي القضاء بالديار المصرية مرارًا إلى أن مات وهو متول، له كتب في التفسير والفقه وغيرها، توفى سنة ٨٢٤ هـ.\nلحظ الألحاظ لابن فهد (ص ٢٨٢)؛ والأعلام (٣/ ٣٢٠).\n(٤) انظر تحفة الجلساء برؤية اللَّه للنساء (ص ٦١).\n(٥) نفس المرجع (ص ٦٣)؛ وانظر إسبال الكساء (ص ٥١ - ٥٣).\n(٦) رواه الآجري من طريق ابن أبي داود في التصديق بالنظر إلى اللَّه تعالى في الآخرة رقم =","vol":"1","page":297},{"text":"وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس ﵄ قال: تلى رسول اللَّه -ﷺ- هذه الآية: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال يا موسى إنه لن يراني حي (١) إلا مات، ولا يابس إلا تدهده (٢) ولا رطب إلا تفرق، وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم، ولا تبلى أجسادهم (٣).\nوأما رؤية الباري في الموقف، فتحصل حتى لمنافقى هذه الأمة، بل زعم جماعة أنها تحصل في الموقف حتى للكافرين ثم يحجبون (٤). وباللَّه التوفيق.\nقال الناظم -روح اللَّه روحه- (وقد ينكر الجهمي) أي المعتقد اعتقاد جهم بن صفوان، ومن وافقهم من المعطلة، والقرامطة، والباطنية، والفلاسفة، وذويهم (أيضًا): مصدر آض يئيض أيضًا إذا رجع أي مع إنكاره لرؤيته تعالى وتجليه لعباده\n_________\n= (١٨) (ص ٥٢ - ٥٣) ومن طريقه ابن القيم في حادي الأرواح (ص ٣٢٢ - ٣٢٣).\n(١) في النسختين: (أحد) والمثبت من الحلية ومن نوادر الأصول.\n(٢) تدهده: أي تدحرج. النهاية (٢/ ١٤٣).\n(٣) رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (ص ٣١٦) ومن طريقة أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٣٥).\n(٤) قال ابن القيم ﵀ في حادي الأرواح (ص ٢٨٠): \"وقد دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة، بل والكفار أيضًا كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال لأهل السنة:\nأحدها: أن لا يراه إلا المؤمنون.\nوالثاني: يراه جميع أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفار فلا يرونه بعد ذلك.\nوالثالث: يراه المنافقون دون الكفار. انتهى.\nوالصحيح أنه سبحانه يتجلى للخلق عامة في الموقف كما في الحديث الصحيح، وقد أشار إلى ذلك الشارح ﵀ (١/ ٢٧٠).","vol":"1","page":298},{"text":"المؤمنين في دار كرامته ينكر يمينه تعالى وتقدس. وكلتا يديه ﵎ (الواو) ابتدائية وكلتا مبتدأ، ويديه مضاف (١) إليه و(بالفواضل): جمع فاضلة وهي النعم الجسيمة والأيادى الجميلة، وفواضل المال ما يأتيك من غلته ومرافقه.\nولذا قيل: إذا عزب المال قلت فواضله (٢).\nمتعلق (٣) بقوله: (تنضح) بفتح التاء المثناه فوق مبنيًا للفاعل من النضح، وهو الرش والسقي، يقال: نضح النخل إذا سقاها بالسانية ونضح الحلة نثر ما فيها والمراد تنعم وتعطي الكثير والقليل، والجملة خبر المبتدأ، والجملة من عند قوله: وكلتا يديه حالية.\nوينكر الجهمي أيضًا سائر صفاته الخبرية (٤) من الوجه والعين واليد ونحوها مما أضيف إلى اللَّه تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث، مما يوهم التشبيه والتجسيم (٥) تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا، فإن اللَّه تعالى مخالف لجميع الحوادث فذاته لا تشبه الذوات، وصفاته لا تشبه الصفات، فلا يشبهه شيء من خلقه، ولا يشبه هو شيئًا من خلقه، بل هو منفرد عن جميع المخلوقات، ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، له الوجود المطلق، فلا يتقيد بزمان، ولا\n_________\n(١) في النسختين: ويديه مضاف إلى كلتا وهو خطأ.\n(٢) أي إذا بعدت الصيغة قل المرفق منها، وكذلك الإبل إذا عزبت قل انتفاع ربها بدرها. النهاية (٣/ ٤٥٦).\n(٣) أي الجار والمجرور (بالفواضل).\n(٤) نقل الشارح هذا المبحث من أقاويل الثقات (ص ١٣٤ - ١٣٩) ببعض التصرف.\n(٥) هذه شبهة يتعلق بها بعض أهل البدع ليتوصلوا بها إلى إنكار أو تأويل الصفات، والصحيح أنه ليس في كلام اللَّه وكلام رسوله ما يوهم تشبيها ولا تجسيمًا، فإن اللَّه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.","vol":"1","page":299},{"text":"يتخصص بمكان (١) فكل ما توهمه الخيال أو سنح بالبال من حسن أو بهاء، أو جمال، أو شبح، أو نور، أو ضباء، أو مثال، فهو بخلاف ذي العزة والعظمة والجلال، إذا توهمته الأوهام هلكت، وإذا تخيلته الأفهام والعقول أفكت. فطريق إثبات صفاته المقدسة السمع فنثبتها لورودها، ولا نعطلها، ولا نكيفها، ولا نمثلها، فمذهب السلف: إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل.\nوهناك طائفة غلت في النفي فعطلته محتجين بأن الإشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الإشتباه حتى زعموا أنه سبحانه لا يوصف بالوجود، بل يقال إنه ليس بمعدوم، ولا يوصف بأنه حي، ولا قادر، ولا عالم، بل يقال: إنه ليس بميت، ولا عاجز، ولا جاهل.\nوهذا مذهب أكثر الفلاسفة والباطنية ونحوهم.\nوغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته حتى أثبتوا له الصورة والجوارح حتى أن الهاشمية (٢) من غلاة الرافضة زعموا -كما قال\n_________\n(١) قوله ولا يتخصص بمكان فيه نظر: فقد ثبت بالأدلة من الكتاب والسنة علو اللَّه سبحانه على خلقه، وأنه سبحانه فوق سمواته مستو على عرشه، وقد ورد في الكتاب والسنة من الأدلة على علو اللَّه ما يطول ذكره، فمن ذلك، قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في سبعة مواضع من كتاب اللَّه، ومن السنة، حديث الجارية المصرح بأن اللَّه في السماء وغيره. وقد أورد المؤلف في مبحث الإستواء بعض هذه الأدلة، انظر (١/ ٣٥٢) وما بعدها. وانظر المزيد من الأدلة على علو اللَّه على خلقه كتاب العلو للذهبي؛ واثبات صفة العلو لابن قدامة؛ واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم.\n(٢) كذا في المخطوطتين ولعل الأصح: الهشامية: وهم أتباع هشام بن الحكم الرافضي. وتقدم التعريف بهذه الفرقة (١/ ١٣٨).","vol":"1","page":300},{"text":"القرطبي- (١) أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه.\nوقالت الكرامية (٢): إنه جسم، وبالغ بعض هؤلاء، فزعم أنه على صورة الإنسان، فمنهم من زعم أنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية، ومنهم من زعم أنه على صورة شاب أمرد جعد قطط، ومنهم من زعم أنه مركب من لحم ودم، ومنهم من زعم أنه على مقدار مسافة العرش لا يفضل أحدهما على الآخر شيء -تعالى اللَّه عن قول هولاء الفرق علوًا كبيرًا- فإن هذا غلو بارد، وقد نهى اللَّه تعالى عن مثل هذا بقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس اللَّه روحه- أول من قال إن اللَّه جسم: هشام بن الحكم الرافضي (٤) انتهى.\nوإليه تنسب الطائفة الهاشمية من غلاة الرافضة، قالوا: إن اللَّه تعالى وتقدس عن قولهم، طويل عريض عميق متساو كالسبيكة البيضاء يتلألأ من كل جانب، وله لون وطعم ورائحة وقالوا ويقوم ويقعد، ويعلم ما تحت الثرى بشعاع ينفصل عنه\n_________\n(١) القرطبي: محمد بن أحمد بن أبي دكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي أبو عبد اللَّه القرطبي: من كبار المفسرين فقيه صالح متعبد من أهل قرطبة رحل إلى الشرق، واستقر بمنية ابن خصيب (في شمال أسيوط بمصر) وتوفى فيها سنة ٦٧١ هـ، من كتبه: الجامع لأحكام القرآن. ط. عشرون جزء يعرف بتفسير القرطبي؛ والتذكار في أفضل الأذكار؛ والتذكرة بأحوال الموتى والآخرة، وغيرها.\nالديباج المذهب (٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩)؛ والأعلام (٥/ ٣٢٢).\n(٢) الكرامية: تقدم التعريف بها (١/ ١٣٨).\n(٣) انظر هذا المبحث في أقاويل الثقات (ص ١٣٤) وما بعدها.\n(٤) انظر: منهاج السنة النبوية (١/ ٧٢ - ٧٣)، ومجموع الفتاوي (١٣/ ١٥١).","vol":"1","page":301},{"text":"إليه، قالوا إنه سبعة أشبار بشبر نفسه مماس للعرش بلا تفاوت وإرادته هي حركته لا عينه ولا غيره، وقالوا إنما يعلم الأشياء بعد كونها بعلم لا قديم ولا حادث وكلامه صفة له لا قديم ولا مخلوق (١) وهؤلاء كفار. وباللَّه التوفيق.\nوفرقة أخرى أثبتت ما أثبته السمع من نحو سميع بصير عليم قدير وامتنعت من إطلاق السمع والبصر والعلم والقدرة، وهم المعتزلة فيثبتون الأسماء دون الصفات.\nوفرقة أخرى أثبتت الصفات المعنوية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام، وهم الأشاعرة، والماتريدية ومن نحا منحاهم من أهل السنة (٢) من أتباع الأربعة الأئمة وهؤلاء الصفاتية، ثم اختلفوا فيما ورد به السمع من لفظ اليد والعين والوجه ونحوها ففرفة أولتها وهم جمهور المتكلمين من الخلف.\nوفرقة أثبتت ما أثبته اللَّه تعالى ورسوله -ﷺ- من ذلك وأجروها على ظواهرها، ونفوا الكيفية والتشبية عنها قائلين: إن إثبات الباري ﷾، إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد، وتكييف، فإذا قلنا يد ووجه وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها اللَّه تعالى لنفسه، فلا نقول إن معنى اليد القوة والنعمة، ولا معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول إنها جوارح.\n_________\n(١) انظر مقالاتهم في: مقالات الإسلاميين (١/ ١٠٦)، والفرق بين الفرق (ص ٦٥)؛ والملل والنحل (١/ ١٨٤ - ١٨٥).\n(٢) سبق بيان أن أهل السنة فرقة واحدة، وأنهم يثبتون جميع الصفات الثابتة للَّه على الوجه اللائق به سبحانه. راجع (١/ ١٤٢).","vol":"1","page":302},{"text":"وهذا هو مذهب السلف كما نقله الخطابي (١) وغيره، ومنهم الأئمة الأربعة، وبهذا المذهب قال الحنابلة والحنفية وكثير من الشافعية وغيرهم.\nوهو إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها مع نفى الكيفية والتشبيه عنها محتجين بأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات تكييف، فكذلك إثبات الصفات اثبات وجود، لا إثبات تكييف، وقالوا: لا نلتفت في ذلك إلى تأويل، لأنا لسنا منه على ثقة ويقين لاحتمال عدم إرادته (أنه) (٢) مأخوذ بطريق الظن والتجويز، لا على سبيل القطع والتحقيق، فلا ينبني الاعتقاد على مثل ذلك.\nقال الإمام القاضي أبو يعلى (٣) -قدس اللَّه روحه- في كتابه: \"إبطال التأويل\" (٤) لا يجوز رد هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات اللَّه تعالى لا تشبه صفات الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها.\nلكن على ما روى عن الإمام أحمد وسائر الأئمة ﵃ وذكر\n_________\n(١) الخطابي: تقدم التعريف به (١/ ١٨٢).\nوقد ذكر ذلك في معالم السنن (٧/ ١٢٢)، وانظر: الفتوى الحموية الكبرى (ص ١٢٤ - ١٢٥)؛ وأقاويل الثقات (ص ١٣٦ - ١٣٧)، والأسماء والصفات (٥٦٨ - ٥٦٩).\n(٢) كذا في النسختين ولعله: لأنه.\n(٣) تقدم: (١/ ١٣٧).\n(٤) اسمه الكامل: \"إبطال التأويلات \"إبطال التأويلات لأخبار الصفات\" طبع الجزء الأول منه في الكويت بتحقيق محمد بن حمد النجدي. وانظر النص فيه (ص ٤٣).","vol":"1","page":303},{"text":"بعض كلام الزهري (١)، ومكحول (٢)، ومالك بن أنس (٣)، والثوري (٤)، والليث (٥)، وحماد بن زيد (٦)، وحماد بن سلمة (٧)، وابن عيينة (٨)، والفضيل بن عياض (٩)، ووكيع (١٠)، وعبد الرحمن بن مهدي (١١)، وإسحق بن راهويه (١٢)، وأبي عبيد (١٣)، ومحمد بن جرير الطبري (١٤)، وغيرهم في هذا الباب.\n_________\n(١) الزهري: تقدم (١/ ١٥٦).\n(٢) مكحول الشامي: عالم أهل أن الشام يكنى أبا عبد اللَّه الدمشقي الفقيه، مات سنة بضع عشرة ومائة.\nسير أعلام النبلاء (٥/ ١٥٥)؛ وتقريب (ص ٣٤٧).\n(٣) تقدم (١/ ١٠٩، ١٧٧).\n(٤) تقدم (١/ ١٨٤).\n(٥) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري: ثقة ثبت فقيه، إمام مشهور، مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة.\nانظر تقريب (ص ٢٨٧).\n(٦) حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري: ثقه ثبت فقيه، مات ست تسع وسبعين ومائة.\nانظر تقريب (ص ٢٨٢).\n(٧) تقدم (١/ ١٩١).\n(٨) سفيان بن عيينة تقدم (ص ١/ ١٩١).\n(٩) تقدم (١/ ١٨٥).\n(١٠) تقدم (١/ ٢٩١).\n(١١) تقدم (١/ ١٧٧).\n(١٢) تقدم (١/ ١١٢).\n(١٣) تقدم (١/ ٢١٣).\n(١٤) تقدم (١/ ١٨٩، ٢٦١).","vol":"1","page":304},{"text":"إلى أن قال: ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان حملوها على ظواهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظواهرها، فلو كان التأويل سائغًا لكانوا إليه أسبق لما فيه من إزالة غبار التشبيه ورفع الشبهة. انتهى (١).\nقال القرطبي: قال الإمام الترمذي (٢) بعد ذكره حديث: \"ما تصدق أحد بصدقة إلا أخذها الرحمن في يمينه. . . \" (٣).\n\"وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما أشبهه من الروايات من الصفات ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا نثبت الروايات في هذا ونؤمن بها، ولا نتوهم، ولا يقال كيف، هكذا روى عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبد اللَّه بن المبارك، وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالت هذا تشبيه.\nوفد ذكر اللَّه تعالى في غير موضع من كتابه اليد ونحوها فتأولت الجهمية هذه الصفات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم فقالوا إن اللَّه لم يخلق آدم بيده، وقالوا معنى اليد هنا القدرة\" (٤).\nوقال ابن عبد البر: (٥) \"أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة\n_________\n(١) انظر إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ٧١) وقد نقل ذلك عن أبي يعلى ابن تيمية.\nانظر: الحموية (ص ١٤٦).\n(٢) الترمذي: تقدم (١/ ١٤٣).\n(٣) الحديث رواه أحمد (٢/ ٢٦٨، ٥٣٨)، والبخارى (١٤١٠)، (٧٤٣٠)؛ ومسلم (١٤/ ١٠)، والترمذي (٦٦١ - ٦٦٢)، وابن ماجة (١٨٤٢) كلهم من حديث أبي هريرة.\n(٤) انظر: جامع الترمذي (٣/ ٤١ - ٤٢) رقم (٦٦١ - ٦٦٢).\n(٥) تقدم (١/ ١١٩).","vol":"1","page":305},{"text":"كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة، لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة مخصوصة. قال وأما الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقرَّ بها مشبه -وهم عند من أقرَّ بها نافون للمعبود- قال والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب اللَّه وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة (١) \" إنتهى كلام ابن عبد البر إمام المغرب في عصره.\nوقال القرطبي: قال إسحق بن إبراهيم (٢) إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيدي أو مثل يدي، أو سمع كسمعي، أو مثل سمعي، فهذا الشبيه، وأما إذا قال للَّه سمع وبصر ولا يقول كيد ولا مثل سمع، ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيهًا وهو كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٣).\nوقد قال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]، ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣].\nقال أبو الحسن الأشعري: \"اليد صفة ورد بها الشرع، قال والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص منها والقدرة أعم كالمحبة مع الإرادة والمشيئة فإن في اليد تشريفًا لازمًا\" (٤).\n_________\n(١) التمهيد (٧/ ١٤٥)؛ وانظر الحموية الكبرى (ص ١٤٥)؛ وأقاويل الثقات (ص ١٣٩).\n(٢) هو إسحاق بن راهويه وقد تقدم (١/ ١١٢)\nوقد وقع في النسخة \"ظ\" إسحق بن راهويه.\n(٣) النص في أقاويل الثقات (ص ١٣٩).\n(٤) هذا النص أورده مرعي بن يوسف الكرمي في أقاويل الثقات (ص ١٤٩)، ونسبه إلى أبي الحسن؛ وذكره المؤلف في اللوامع (١/ ٢٣٢) ولم أجده في الإبانه بل نص أبو الحسن في =","vol":"1","page":306},{"text":"وقالت المعتزلة وطائفة من الأشعرية. . . (١) إن المراد باليدين في قوله تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] يعني النعمتين.\nوطائفة من الأشعرية أن المراد باليدين القدرة لأن اليد في اللغة عبارة عن القدرة كقول الشاعر (٢):\nفقمت ومالي بالأمور يدان.\nقالوا: ويوضح هذا أن الخلق من جهة اللَّه إنما هو مضاف إلى قدرته لا إلى يده ولهذا يستقل في إيجاد الخلق بقدرته ويستغني عن يد وآلة يفعل بها مع قدرته وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ثنى اليد مبالغة في الرد على اليهود، ونفى البخل عنه، وإثباتًا لغاية الجود، فإن غاية ما يبذل السخي من ماله أن يعطيه بيده، وتنبيهًا على منح الدنيا والآخرة، والمراد بالتثنية باعتبار نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، أو باعتبار قوة الثواب وقوة العقاب (٣).\n_________\n= الإبانة على إثبات صفة اليدين ورد على من تأولها بالنعمة والقدرة.\nقلت وقد نقل السيوطي في الإتقان (٣/ ١٧) عن السهيلي في تفسير معنى اليد وقال إنها -يعني اليد- في الأصل عبارة عن صفة لموصوف، قال: ولهذا قال الأشعري إن اليد صفة ورد بها الشرع.\nوالذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة. . . إلخ قلت فلعل قوله والذي يلوح من معنى هذه الصفة من كلام السهيلي واللَّه أعلم.\nراجع الإبانة لأبي الحسن (ص ٩٧ - ١٠٦).\n(١) في النسختين (إلى) ولا يستقيم بها الكلام.\n(٢) لم أعرف قائله.\n(٣) قال الشارح ﵀ في كتاب اللوامع بعد ايراده لتأويل الأشعرية هذا: ولا يخفى ما في هذا من الإعراض والإنصراف والعدول عن الحق والإنصاف، بل الصواب إثبات ما أثبته =","vol":"1","page":307},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= اللَّه لنفسه ووصفه به نبيه حسب ما ورد من غير إلحاد، ولا رد، فهو إثبات وجود بلا تكييف كما مر. انتهى\nلوامع الأنوار (١/ ٢٣٢).\nوانظر تأويل الأشعرية هذا في أقاويل الثقات (ص ١٤٩ - ١٥٠).\nوقال الشيخ عبد اللَّه الغنيمان في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ٣٠٤) عند شرحه لحديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه البخاري في صحيحه أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"يد اللَّه ملآى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغضى ما في يده، وقال: عرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع\": \"وقد اضطرب أهل التأويل في تأويلهم اليد اضطرابًا يدل على أنهم على باطل، والعاقل المنصف يعجب إذا رأى ما كتبه ابن حجر في شرحه لهذا الباب، فإنه ذكر بعض أقوال أئمة الأشعرية، ثم قال: واليد في اللغة تطلق على معان كثيرة اجتمع لنا منها خمسة وعشرون معنى.\nوالنصوص في هذا الباب جاءت معينة معنى واحدًا لا غير هو يدا اللَّه الكريمتين، وما عدا ذلك فهو بهتان عظيم.\nثم قال بعد ذلك (١/ ٣١١) هذا وقد تنوعت النصوص في كتاب اللَّه تعالى وسنة نبيه -ﷺ- على إثبات اليدين للَّه تعالى، وإثبات الأصابع لهما، وإثبات القبض بهما، وتثنيتهما، وأن إحداها يمين في نصوص كثيرة، والأخرى شمال كما في صحيح مسلم، وأنه تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وبالنهار ليتوب مسيء الليل، وأنه تعالى يتقبل الصدقة من الكسب الطيب بيمينه فيربيها لصاحبها، وأن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين وغير ذلك مما هو ثابت عن اللَّه ورسوله. . .\".\nثم قال: \"وهذا الذي أشرت إليه كله يمنع تأويل اليدين بالنعمة، أو القوة، أو الخزائن، أو القدرة، أو غير ذلك، ويجعل التأويل في حكم التحريف، بل هو تحريف.\nوقد آمن المسلمون بهذه النصوص على ظاهرها، وقبلوها، ولم يتعرضوا لها بتأويل تبعًا لرسول اللَّه -ﷺ- وصحابته وأئمة الهدى، بل وكل من قبل ما جاءت به الرسل، وآمن به\". انتهى.","vol":"1","page":308},{"text":"ومذهب سلف الأمة وكبار الأئمة والحنابلة ومن نحا نحوهم أن المراد إثبات صفتين ذاتيتين يسميان يدين يزيدان على النعمة والقدرة، محتجين بأن اللَّه تعالى أثبت لآدم ﵇ من المزية والإختصاص ما لم يثبت مثله لأبليس بقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وإلا فكان إبليس يقول: وأنا أيضا خلقتني بيديك، فلا مزية لآدم ولا تشريف.\n(فإن قيل) (١) إنما أضيف ذلك إلى آدم ليوجب له تشريفًا وتعظيمًا على إبليس، ومجرد النسبة في ذلك كاف في التشريف كناقة اللَّه وبيت اللَّه فهذا كاف في التشريف، وإن كانت النوق والبيوت كلها للَّه.\nفالجواب: ما قالوه إن التشريف بالنسبة إذا تجردت عن إضافة إلى صفة اقتضى مجرد التشريف، فأما النسبة إذا اقترنت بذكر صفة، أوجب ذلك إثبات الصفة التي لولاها ما تمت النسبة.\nفإن قولنا خلق اللَّه (الخلق) (٢) بقدرته لما نسب الفعل إلى تعلقه بصفة اللَّه اقتضى ذلك إثبات الصفة، وكذلك أحاط الخلق بعلمه يقتضى إحاطته بصفة هي العلم، فكذلك هنا لما كان ذكر التخصيص مضافًا إلى صفة وجب إثبات تلك الصفة على وجه يليق به سبحانه لا بمعنى العضو والجارحة والجسمية والبعضية والكمية والكيفية تعالى اللَّه عن ذلك.\nوأيضا لو أراد باليد النعمة لقال: لما خلقت ليدي لأنه خلق لنعمته، لا بنعمته، وأيضا فقدرة اللَّه واحدة، لا تدخلها التثنية والجمع.\n_________\n(١) في النسختين (فقيل) والتصحيح من أقاويل الثقات (ص ١٥٠) ومنه ينقل الشارح.\n(٢) ساقطة في \"ظ\".","vol":"1","page":309},{"text":"قال الإمام البغوي (١) في قوله: بيدي: في تحقيق اللَّه التثنية في اليد دليل على أنها ليست بمعنى القدرة والقوة والنعمة وأنهما صفتان من صفات ذاته (٢).\nومن هذا النمط القبضة واليمين في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].\nوفي الصحيحين وغيرهما يقبض اللَّه الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض (٣).\nوحديث مسلم: يطوي اللَّه السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى (٤). . . الحديث (٥).\nوحديث مسلم أيضًا: \"يأخذ اللَّه سمواته وأرضه (بيديه) (٦) فيقول أنا اللَّه ويبسطها أنا الملك\" (٧).\n_________\n(١) البغوي: الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي أبو محمد الإمام الجليل الفقيه المحدث المفسر صاحب التصانيف \"كشرح السنة\" ومعالم التنزيل: في التفسير، والمصابيح في الحديث، والتهذيب في الفقه وغيرها، توفى سنة ست عشرة وخمسمائة.\nطبقات الشافعية للسبكي (٧/ ٧٥)؛ وسير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٣٩).\n(٢) ذكره عن البغوي: السيوطي في الإتقان (٣/ ١٧)، ومرعي بن يوسف في أقاويل الثقات (ص ١٥١).\n(٣) الحديث أخرجه البخاري (٦٥١٩)، (٧٣٨٢) فتح الباري؛ ومسلم رقم (٢٧٨٧)؛ وأحمد في المسند (٢/ ٣٧٤)، وابن ماجة (١٩٢) كلهم من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) في الأصل \"اليمين\" وفى \"ظ\" اليمنى وهو الموافق لرواية مسلم.\n(٥) رواه مسلم (٢٧٨٨)؛ وأبو داود (٤٧٣٢)؛ وابن ماجة (١٩٨)؛ وابن أبي عاصم في السنة رقم (٥٤٧) من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵂.\n(٦) في الأصل (بيده) وفى \"ظ\" بيديه وهو الموافق لرواية مسلم أيضًا.\n(٧) هو في مسلم رقم (٢٧٨٨) (٢٥) من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ ولفظه: =","vol":"1","page":310},{"text":"وأشار الناظم رحمه للَّه ورضي عنه بقوله: وكلتا يديه بالفواضل (تنضح إلى ما ورد في صحيح مسلم وغيره: \"إن المقسطين عند اللَّه يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا\" (١).\nقال النووي (٢): \"هو من أحاديث الصفات إما نؤمن بها، ولا نتكلم بتأويل، ونعتقد أن ظاهرها غير مراد، وأن لها معنى يليق باللَّه تعالى أو تأويل على أن المراد بكونهم على اليمين: على الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة.\nوقوله: كلتا يديه يمين فيه تنبيه على أنه ليس المراد باليمين الجارحة وأن يديه تعالى بصفة الكمال لا نقص في واحدة منهما لأن الشمال تنقص عن اليمين (٣).\nوقال بعضهم قد تكون اليمين بمعنى التبجيل والتعظيم، يقال: فلان عندنا\n_________\n= \"يأخذ اللَّه ﷿ سماواته وأرضه بيديه فيقول أنا اللَّه (ويقبض أصابعه ويبسطها) أنا الملك.\n(١) رواه مسلم رقم (١٨٢٧)، وأحمد (١٢/ ١٦٠)؛ والنسائي (٨/ ١٩٥ - ١٩٦) من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵂.\n(٢) النووي: يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين النووي، محيي الدين أبو زكريا الإمام الفقيه الحافظ الزاهد، أحد الأعلام صاحب التصانيف المفيدة منها: روضة الطالبين، والمنهاج، وشرح المهذب، وكلها في الفقه وشرح مسلم، والأذكار وكتاب رياض الصالحين وغيرها، توفى سنة سبع وسبعين وستمائة.\nترجمة النووي للسخاوي؛ وطبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٣٩٥)؛ وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٩٤).\n(٣) نقله الشارح من شرح صحيح مسلم للنووي (١٢/ ٢١١ - ٢١٢) بتصرف وانظر: أقاويل الثقات (١٥٦)، ولوامع الأنوار للمؤلف (١/ ٢٣٣).","vol":"1","page":311},{"text":"باليمين، أي بالمحل الجليل ومنه قول الشاعر (١):\nأقول لناقتي إذ بلغتنى ... لقد أصبحت عندي باليمين\nأي بالمحل الرفيع.\nوكذلك (٢) قوله -ﷺ- في الحديث الصحيح: \"يمين اللَّه ملآى لا يغيضها نفقه سحاءَ الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض\" (٣).\nوهذه أحاديث كلها صحيحة.\nولما خلق اللَّه تعالى آدم ويداه مقبوضتان قال له: اختر أيهما شئت، قال: اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة (٤).\nقال البيهقي: أما المتقدمون من هذه الأمة، فإنهم لم يفسروا هذه الآيات والأحاديث في هذا الباب (٥).\n_________\n(١) هو أبو نواس وهو في ديوانه (ص ٣٢)؛ وانظر الأسماء والصفات (ص ٤١٩).\n(٢) قوله: وكذلك قوله -ﷺ- يوهم أن معنى اليمين في الحديث بمعنى التبجيل والتعظيم وليس كذلك. بل هي من صفات اللَّه اللائقة بجلاله وعظمته التي يجب الأيمان بها من غير تعرض لتأويل وتكييف وتشبيه كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ انظر التعليق على فقرة (٢) (ص ٣٠٨).\n(٣) الحديث رواه البخاري (٤٦٨٤)، (٥٣٥٢)، (٧٤١١)، (٧٤١٩)، (٧٤٩٦)، ومسلم رقم (٩٩٣)، (٣٦، ٣٧)، والترمذي رقم (٣٠٤٥)، وابن ماجة (١٩٧)؛ وأحمد (٢/ ٢٤٢، ٣١٣) كلهم من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) أخرجه الترمذي (٣٣٦٨) من حديث أبي هريرة وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه؛ وأخرجه الحاكم (١/ ٦٤) وصححه ووافقه الذهبي.\n(٥) والمعنى أنهم لم يفسروها بالتفسيرات البعيدة والتأويلات الباطلة كما يفعله المعتزلة =","vol":"1","page":312},{"text":"وكذلك قال في الإستواء على العرش وسائر الصفات الخبرية مع أنه يحكى قول بعض المتاخرين (١).\nوحكى الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه في الحموية الكبرى (٢)؛ عن الإمام المحقق أبي بكر الباقلاني (٣) المتكلم قال: وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى أبي حسن الأشعري في كتابه: \"الإبانه في أصول الديانة\" فإن قال قائل: فما الدليل على أن للَّه وجهًا ويدًا؟ قيل له قوله قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥].\nفأثبت لنفسه وجهًا ويدًا.\nفإن قال قائل: فبما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحه إذا كنتم لا تعقلون وجهًا ويدًا إلا جارحة؟\n_________\n= والأشاعرة، إنما يثبتون المعنى الصحيح الذي أثبته اللَّه ورسوله، مع نفي الكيف والتشبيه واللَّه أعلم.\nانظر: الفتوى الحموية (٥/ ٥٠) من مجموع الفتاوي والصفات للدارقطني بتحقيق الشيخ عبد اللَّه الغنيمان (ص ٤٠).\nوانظر: النص عن البيهقي في كتابه الأسماء والصفات (ص ٤١٦، ٤٢٣، ٤٤٧، ٥١٤).\n(١) انظر: الفتوى الحموية الكبرى (ص ١٤٦) ضمن النفائس.\n(٢) انظر: الفتوى الحموية الكبرى (١٥٢) ضمن النفائس.\n(٣) الباقلاني: تقدم التعريف به (١/ ٢٢٤).","vol":"1","page":313},{"text":"قلنا: لا يجب إذا لم نعقل حيًّا عالمًا قادرًا إلَّا جسما أن نقضي نحن وأنتم بذلك على اللَّه سبحانه، وكما لا يجب في كل شيء كان قائمًا بذاته أن يكون جوهرًا لأنا وإياكم لا نجد قائمًا بنفسه في شاهدنا إلا كذلك، قال وكذلك الجواب لهم إن قالوا فيجب أن يكون علمه وحياته وسمعه وبصره وسائر صفاته عرضًا (١). انتهى.\nقال شيخ الإسلام في التدمرية: (٢) \"إذا قال القائل ظاهر النصوص مراد أو غير مراد؟\nفالجواب أن لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد.\nولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلًا، واللَّه تعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وإضلال والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل.\n_________\n(١) انظر: التمهيد للباقلاني (ص ٢٩٥ - ٢٩٨)؛ وانظر: الحموية الكبرى (ص ١٥٢ - ١٥٣).\n(٢) التدمرية (ص ٢٩)","vol":"1","page":314},{"text":"كما قالوا في الحديث القدسي في قوله تعالى: (عبدي جعت فلم تطعمني. .) (١).\nوفي الأثر الآخر: \"الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض، فمن صافحه وقبله، فكأنما صافح اللَّه وقبل يمينه\" (٢).\nوقوله: \"قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن\" (٣).\nفقالوا: قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق، فيقال لهم لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لم تدل إلا على حق.\nأما الواحد فقوله: الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح اللَّه وقبل يمينه صريح في أن الحجر ليس هو صفة اللَّه ونفس يمينه لأنه قال: يمين اللَّه في الأرض، وقال: فمن قبله وصافحه فكأنما صافح اللَّه وقبل يمينه.\nومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به ففي نفس الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحًا للَّه، وأنه ليس هو نفس يمينه فكيف يجعل ظاهره كفرًا، أو أنه محتاج إلى التأويل.\n_________\n(١) الحديث رواه مسلم رقم (٢٥٦٩) عن أبي هريرة.\n(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٣٣٦)؛ والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٢٨)؛ والديلمي رقم (٢٨٠٨) عن جابر بن عبد اللَّه مرفوعًا وإسناده ضعيف.\nانظر: سسلة الأحاديث الضعيفة رقم (٢٢٣).\nوقد أخرجه ابن قتيبة في غريب الحديث، كما في الضعيفة موقوفًا على ابن عباس وإسناده ضعيف جدًا.\nانظر: سسلة الأحاديث الضعيفة رقم ٢٣.\n(٣) رواه مسلم رقم (٢٦٥٤) في القدر، باب تصريف اللَّه تعالى القلوب كيف شاء من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄.\nوأخرجه الترمذي رقم (٢١٤٠) من حديث أنس، وقال حديث حسن.","vol":"1","page":315},{"text":"مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس ﵄.\nوأما الحديث الآخر فهو في الصحيح مفسرًا يقول اللَّه: \"عبدي جعت فلم تطعمني، فيقول رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين، فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي. عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟، فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلو عدته لوجدتني عنده\".\nوهذا صريح في أن اللَّه تعالى وتقدس لم يجع ولم يمرض، ولكن جاع عبده ومرض فجعل جوعه جوعه، ومرضه مرضه، مفسرًا ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده، فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل، وأما قوله: \"قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن\" فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالإصبع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه، ولا في قول القائل: هذا بين يدى ما يقتضي مباشرته ليديه، وإذا قيل السحاب المسخر بين السماء والأرض لم يقتض أن يكون مماسًا للسماء والأرض، ونظائر هذا كثيرة.\nومما يشبه هذا أن جعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله كما قيل في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. فقيل هو مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١].\nفهذا ليس مثل مذا لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدى فصار شبيهًا بقوله: ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩].\nوهناك أضاف الفعل إليه فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ ثم قال ﴿بِيَدَيَّ﴾ وأيضًا فإنه هنا ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفى اليدين ذكر لفظ التثنية كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤].","vol":"1","page":316},{"text":"وهناك أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وهذا في الجمع نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] و﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] في المفرد فاللَّه سبحانه يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد، مظهرًا أو مضمرًا، وتارة بصيغة الجمع كقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١١] وأمثال ذلك. ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط، لأن صيغة الجمع تقتضي التعظم الذي يستحقه وربما تدل على معانى أسمائه، وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور وهو مقدس عن ذلك فلو قال: (ما منعك أن تسجد لما خلقت يدى) (١) كان (٢) كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ وهو نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ و﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ولو قال خلقت (بيدي) (٣) بصيغة الإفراد لكان. . . (٤) مع دلالة الأحاديث المستفيضة بل المتواترة وإجماع السلف على مثل ما دل عليه القرآن مثل قوله -ﷺ-: \"المقسطون عند اللَّه على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين\" (٥) كما تقدم وأمثال ذلك.\nقال وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها والظاهر هو المراد في الجميع فإن اللَّه تعالى لما أخبر أنه بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير.\nواتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد كان\n_________\n(١) كذا في الأصل وفي \"ظ\" والتدمرية: (بيدي).\n(٢) كذا في النسخين وفي التدمرية: لما كان كقوله.\n(٣) ليست في التدمرية.\n(٤) كذا في النسختين ويظهر أن فيه سقطا وتمامه كما في التدمرية (ص ٣١) مفارقا له فكيف إذا قال (خلقت بيدي) بصيغة التثنية هذا مع دلالة الأحاديث. . . إلخ.\n(٥) تقدم تخريجه، انظر: (١/ ٣١١).","vol":"1","page":317},{"text":"من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا، وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة، لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير.\nفكذلك إذا قالوا في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: ٥٩] إنه على ظاهره لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق (١) ولا حبًا كحبه ولا رضًا كرضاه.\nفإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات يماثل صفات المخلوقين لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مراد وإن كان يعتقد أن ظاهرها مما يليق بالخالق ويختص به لم يكن له نفي هذا الظاهر ونفي أن يكون مرادًا إلا بدليل يدل على النفي وليس في العقل ولا السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات.\nفيكون الكلام في الجميع واحدًا.\nوبيان هذا أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام وهى أبعاض لنا كالوجه واليد، ومنها ما هو معان وأعراض وهى قائمة بنا كالسمع والبصر والعلم والكلام والقدرة.\nثم من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير لم يقل المسلمون إن ظاهر هذا غير مراد لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا، فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيده، لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه تعالى كمفهومه في حقنا، بل صفة الموصوف تناسبه، فإذا كانت ذاته المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، فصفاته تعالى كذاته ليست\n_________\n(١) في \"ظ\" المخلوقات.","vol":"1","page":318},{"text":"كصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه، كما قال -ﷺ-: \"ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر\" فشبه الرؤية بالروية لا المرئي بالمرئي (١). انتهى.\nثم أشار الناظم رحمه اللَّه تعالى إلى صفة النزول اللائق بذات اللَّه المقدسة وعظمته المنزهة، فقال: (وقل) أي اعتقد أيها الأثري ودن أيها السني بالنزول الإلهي على حسب ما يليق بذاته العلية، وصفاته الخبرية، كما ثبتت بذلك الأخبار وصحت به الآثار، غير ملتفت لسفساف (٢) يتشدق (٣) ولا جهمي يتودق (٤) ولا ملحد يتزندق.\n(ينزل) الملك الجبار نزولًا يليق بذاته بلا تشبيه، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا تحريف.\nو(الجبار): اسم من أسمائه الحسنى: وهو الذي جبر الخلق على ما أراد من أمره (٥) كذا قيل والحق أنه الذي جبر مفاقر الخلق وكفاهم أسباب المعاش والرزق،\n_________\n(١) انظر: التدمرية (ص ٣٢) وقد سبق تخريج أحاديث الرؤية انظر: (١/ ٢٨٩ وما بعدها).\n(٢) السفساف: الرديء من كل شيء. مختار الصحاح (ص ٣٠١). (سفف).\n(٣) الشدق: جانب الفم وتشدق الرجل لوى شدقه للتفصح.\nمختار الصحاح -شدق- القاموس شدق (٣/ ٢٥٧).\n(٤) يتودق: -لعل أقرب المعاني لها هنا كما تبين لي من مراجعة مادة الكلمة في كتب اللغة أنها بمعنى الدنو والقرب والمعنى لا تلتفت إلى جهمي يحاول أن يدنو منك ويتقرب إليك ليوصل إليك مذهبه -واللَّه تعالى أعلم- راجع مادة (ودق) في لسان العرب (١٢/ ٢٥١)؛ وفى القاموس (٣/ ٢٩٧).\n(٥) قاله من المفسرين قتادة والسدي ومقاتل.\nانظر: تفسير ابن جرير (٢٨/ ٥٥)، والبغوي (٨/ ٣٠٨) بهامش تفسير ابن كثير.","vol":"1","page":319},{"text":"ومنه قولهم: جبرت الكسر إذا أصلحته (١).\nوقيل الجبار: العالي فوق خلقه من قولهم: تجبر النبات إذا طال وعلا (٢). والجبار في صفة اللَّه تعالى صفة مدح، وفي الخلق صفة ذم، لأنهم تحت القهر والمشيئة فعلى العبد أن لا يتجبر على غيره من عباد اللَّه تعالى -كما في \"تحفة العباد في أدلة الأوراد\"- للعلامة أبي بكر بن أبي داود (٣) الحنبلي تلميذ المحقق ابن القيم (٤) رحمهم اللَّه تعالى، من أعيان المائة الثامنة.\nوقال ابن الأثير (٥) في النهاية في أسماء اللَّه تعالى: الجبار: ومعناه الذي يقهر العباد على ما أراد من أمر ونهي، يقال: جبر الخلق وأجبرهم قال وأجبر أكثر، وقيل: هو العلي فوق خلقه وفعال من أبنية المبالغة ومنه قولهم: نخلة جبارة، وهي\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي (٨/ ٣٠٨)، وتفسير القرطبي (١٨/ ٤٧)؛ وزاد المسير (٨/ ٢٢٧)؛ وانظر شأن الدعاء للخطابي (ص ٤٨).\n(٢) شأن الدعاء (ص ٤٨).\n(٣) تقدم في (١/ ٢٠٦).\n(٤) تقدم في (١/ ١٦١).\n(٥) ابن الأثير: المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، ثم الموصلي، مجد الدين أبو السعادات، عالم أديب لغوي مشارك في تفسير القرآن والحديث والفقه وغير ذلك، ولد بجزيرة ابن عمر، ونشأ بها ثم انتقل إلى الموصل وكتب لأمرائها وكانوا يحبونه ويحترمونه، وتوفى بها سنة ٦٠٦ هـ، من تصانيفه: جامع الأصول في أحاديث الرسول؛ والنهاية في غريب الحديث؛ وشرح غريب الطوال؛ والإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف؛ تفسيري الثعلبي والزمخشري وغيرهما.\nسير أعلام النبلاء (٢١/ ٤٨٨)؛ وطبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٣٦٦)، ومعجم المؤلفين (٨/ ١٧٤).","vol":"1","page":320},{"text":"العظيمة التي تفوت يد المتناول.\nوفي حديث أبي هريرة ﵁: يا أمة الجبار (١) وإنما أضافها إلى الجبار دون باقي أسماء اللَّه تعالى لاختصاص الحال التي كانت عليها من اظهار العطر والبخور والتباهي به والتبختر في المشى ومنه الحديث في ذكر النار: حتى يضع الجبار فيها قدمه (٢).\nقال ابن الأثير المشهور في تأويله أن المراد بالجبار اللَّه تعالى ويشهد له قوله في الحديث الآخر: حتى يضع فيها رب العزة قدمه (٣).\nوفي الحديث: \"سبحان ذي الجبروت والملكوت\" (٤) هو فعلوت من الجبر أي القهر (٥).\nوقول الناظم (في كل ليلة) أي من الليالي فلا يختص بليلة دون أخرى (بلا كيف) فلا يتوهم أن لنزولة كيفًا.\n_________\n(١) هو من قول أبي هريرة ﵁ في حديث أخرجه أبو داود رقم (٤١٧٤)؛ وابن ماجة رقم (٤٠٠٢).\nعن عبيد مولي أبي رهم أن أبا هريرة لقى امرأة منطيبة تريد المسجد، فقال: يا أمة الجبار أين تريدين؟ قالت: المسجد، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم. قال: فإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"أيما امرأة تطيبت ثم خرجت إلى المسجد لم تقبل لها صلاة حتى تغتسل\".\n(٢) و(٣) جزء من حديث أخرجه البخاري (٤٨٤٨)، (٦٦٦١)، (٧٤٤٩)، ومسلم رقم (٢٨٤٨)، والترمذي (٣٢٧٢) من حديث أبي هريرة وأنس ﵃. والرواية الأولى أخرجها ابن خزيمة في التوحيد رقم (١١٥) (١/ ٢٠٧ - ٢٠٨).\n(٤) أخرجه أبو داود رقم (٨٧٣)، والنسائي (٢/ ١٧٧).\n(٥) انظر: النهاية (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦).","vol":"1","page":321},{"text":"روى أبو بكر الأثرم (١) عن الغضيل بن عياض (٢) رحمهما اللَّه تعالى قال: ليس لنا أن نتوهم في اللَّه كيف وكيف لأن اللَّه تعالى وصف فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢]. فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه، وكل هذا النزول والضحك والمباهات كما شاء أن ينزل، وكما شاء أن يضحك فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، وإذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب ينزل، فقل أنت أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء (٣).\nوقال الإمام البخاري (٤) في كتاب: \"خلق أفعال العباد\" من صحيحه: (٥) قال الفضيل بن عياض إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء (٦).\n_________\n(١) أبو بكر الأثرم: أحمد بن محمد بن هانى الأسكافي الطائي، وقيل الكلبي الأثرم أبو بكر أحد الأعلام ومصنف السنن وتلميذ الإمام أحمد، كان جليل القدر حافظًا إمامًا، تقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، توفي سنة ٢٦١ هـ تقريبًا.\nطبقات الحنابلة (١/ ٦٦)؛ وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٦٢٣).\n(٢) تقدم (١/ ١٨٥).\n(٣) رواه أبو بكر الأثرم في كتابه السنة كما في الحموية (ص ١٢٦)، في الأصفهانية (ص ٢٨).\n(٤) تقدم (١/ ١٨٧).\n(٥) كذا في النسختين: من صحيحه وليس كذلك إنما هو في خلق أفعال العباد للبخاري في غير الصحيح.\n(٦) رواه البخاري في خلق أفعال العباد رقم (٦١)؛ والهروي في كتابه الفاروق كما في الحموية (ص ١٢٧)، وذكره ابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ٤١)، وفي الأصفهانية (ص ٢٨)، وقال رواه الأثرم في السنة؛ ورواه اللالكائي في السنة رقم (٧٧٥).","vol":"1","page":322},{"text":"قال البخاري: وحدث (١) يزيد بن هارون (٢) عن الجهمية فقال:\n\"من زعم أن (الرحمن على العرش استوى) على خلاف (ما يَقِر) (٣) في قلوب العامة فهو جهمي (٤).\n_________\n(١) كذا في النسختين، وفي الأصفهانية: حدث، وفي خلق أفعال العباد للبخاري، وحذر ولعله الصواب.\n(٢) يزيد بن هارون تقدم (١/ ٢٨٧).\n(٣) في النسختين (ما يقرر) وما أثبته من خلق أفعال العباد للبخاري رقم (٦٣) وهو الصحيح.\n(٤) الأثر أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد رقم (٦٣)؛ وأبو داود في المسائل (ص ٢٦٨ - ٢٦٩)؛ وعبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (٥٤)؛ والذهبي في العلو (١١٧)؛ ومختصره (١٦٧)؛ وذكره ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (٢١٤) من طريق عبد اللَّه بن أحمد في السنة؛ وأورده ابن تيمية في شرح الأصفهانية (ص ٢٨).\nقال الذهبي بعد إيراده هذا الأثر: \"يقر\" مخفف، و\"العامة\" مراده بهم جمهور الأمة، وأهل العلم، والذي وقر في قلوبهم من الآية هو ما قد دل عليه الخطاب مع يقينهم بأن المستوى ليس كمثله شيء هذا الذي وقر في فطرهم السليمة وأذهانهم الصحيحة، ولو كان له معنى وراء ذلك لتفوهوا به، ولما أهملوه، ولو تأول أحد منهم الاستواء لتوفرت الهمم على نقله، ولو نقل لاشتهر، فإن كان في بعض جهلة الأغبياء من يفهم من الإستواء ما يوجب نقصًا، أو قياسًا للشاهد على الغائب، وللمخلوق على الخالق، فهذا نادر، فمن نطق بذلك زجر، وعلم وما أظن أن أحدًا من العامة يقر في نفسه ذلك.\nوقال ابن تيمية -كما في اجتماع الجيوش الإسلامية- والذي تقرر في قلوب العامة هو ما فطر اللَّه تعالى عليه الخليقة من توجهها إلى ربها تعالى عند النوازل والشدائد والدعاء والرغبة إليه تعالى نحو العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة من غير موقف وقفهم عليه، ولكن فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها وما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة حتى يجهمه وينقله إلى التعطيل من يقيض له\" انتهى.\nانظر: العلو (١١٧)؛ ومختصره (١٦٧)؛ واجتماع الجيوش الإسلامية (٢١٤).","vol":"1","page":323},{"text":"وروى الخلال (١) عن سليمان بن حرب (٢) (قال) (٣) سأل بشر بن السري (٤) حماد بن زيد (٥) فقال: يا أبا إسماعيل الحديث ينزل اللَّه إلى السماء الدنيا يتحول من مكان إلى مكان فسكت حماد بن زيد ثم قال: هو على عرشه يقرب من خلقه كيف شاء (٦).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس اللَّه روحه- في شرح العقيدة الأصفهانية: (٧) وهذا هو الذي نقله الأشعري في كتاب المقالات عن أهل السنة والحديث فقال: ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن النبي -ﷺ- ويأخذون بالكتاب والسنة (٨).\nوقال أبو عثمان النيسابوري (٩) الملقب بشيخ الإسلام في رسالته المشهورة في\n_________\n(١) تقدم (١/ ١٠٧).\n(٢) تقدم (١/ ١١٤).\n(٣) في النسختين (أنه) ولعل الصواب (قال) كما أثبت.\n(٤) بشر بن السري أبو عمرو الأفوه بصري، سكن مكة وكان واعظًا ثقة متقنًا طعن فيه برأي جهم ثم اعتذر وتاب، مات سنة خمس أو ست وتسعين ومائة.\nتقريب (ص ٤٤)؛ وتهذيب الكمال (٤/ ١٢٢).\n(٥) حماد بن زيد تقدم (١/ ٣٠٤).\n(٦) رواه الخلال في كتاب السنة وابن بطة في الإبانة كما في شرح حديث النزول (ص ٤٠).\n(٧) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٢٨).\n(٨) انظر مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٣٤٨).\n(٩) أبو عثمان النيسابوري: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل النيسابوري الصابوني أبو عثمان الإمام العلامة القدوه المفسر المذكر المحدث شيخ الإسلام، ولد سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وتوفى سنة تسع وأربعين وأربعمائة، قال الذهبي: كان من أئمة الأثر، له مصنفات في السنة واعتقاد السلف، ما رآه منصف إلا واعترف له.\nسير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٠ - ٤١).","vol":"1","page":324},{"text":"السنة (١) \"ويثبت أهل الحديث نزول الرب ﷾ في كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف، بل يثبتون له ما أثبته له رسول اللَّه -ﷺ- وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ويكلون علمه إلى اللَّه تعالى.\nوكذلك يثبتون ما أنزل اللَّه في كتابه من ذكر المجيء (٢) والإتيان في ظلل من الغمام والملائكة (٣).\nوقال (٤) سمعت الحاكم أبا عبد اللَّه (٥) الحافظ يقول: سمعت أبا (زكريا) (٦) يحيى بن (محمد) (٧) العنبري يقول: سمعت إبراهيم\n_________\n(١) وقد طبعت ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (١/ ١٠٥ - ١٣٥) باسم عقيدة السلف، أصحاب الحديث ثم طبعت في الكويت بتحقيق بدر البدر. والنص في الرسالة (ص ٢٦ - ٢٧).\n(٢) كما في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].\n(٣) كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠].\n(٤) أي أبو إسماعيل الصابوني.\n(٥) تقدم (١/ ١٤٣).\n(٦) في النسخين (أبا رزين) وهو خطأ والصواب: أبا زكريا كما في مصادر ترجمته، وفى مصادر تخريج الأثر.\n(٧) في النسختين (ابن عمر) وهو خطأ أيضًا، والصواب: يحيى بن محمد وهو يحيى بن محمد بن عبد اللَّه بن عنبر العنبري السلمي من نيسابور.\nقال السمعاني: كان من المشاهير من علماء المحدثين سمع منه الحاكم أبو عبد اللَّه الحافظ.\nوقال الذهبي الإمام الثقة المحدث الأديب العلامة، وقال: توفى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.\nالأنساب (٩/ ٣٨٨ - ٣٨٩)؛ سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٣).","vol":"1","page":325},{"text":"ابن أبي طالب (١) سمعت أحمد بن سعيد الرباطي (٢) يقول: حضرت مجلس الأمير عبد اللَّه بن طاهر (٣) ذات يوم وحضر إسحاق بن إبراهيم (٤) -يعني ابن راهويه- فسئل عن حديث النزول صحيح هو؟ فقال: نعم فقال بعض قواد عبد اللَّه: يا أبا يعقوب أتزعم أن اللَّه ينزل في كل ليلة؟ قال: نعم. قال: كيف ينزل؟ قال: أثبته فوق حتى أوصف لك النزول. فقال الرجل: أثبته فوق. فقال إسحق، قال اللَّه ﷿: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] فقال له الأمير عبد اللَّه بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة. فقال إسحق: أعز اللَّه الأمير من يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم (٥).\nوروى بإسناده عن إسحق أيضًا. قال: قال لي الأمير عبد اللَّه ابن طاهر: يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي تروونه عن النبي -ﷺ- \"ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا\" كيف ينزل؟ قال: قلت أعز اللَّه الأمير لا يقال لأمر الرب كيف ينزل، إنما ينزل بلا كيف (٦).\n_________\n(١) إبراهيم بن أبي طالب محمد بن نوح بن عبد اللَّه بن خالد النيسابوري أبو إسحاق الإمام الحافظ المجود الزاهد شيخ نيسابور، وإمام المحدثين في زمانه ذكره الحاكم فقال: إمام عصره بنيسابور في معرفة الحديث والرجال، مات سنة خمس وتسعين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٤٧).\n(٢) أحمد بن سعيد بن إبراهيم الرباطى المروزي أبو عبد اللَّه الأشقر ثقة حافظ، مات سنة ست وأربعين ومائتين هـ.\nتقريب (ص ١٢).\n(٣) عبد اللَّه بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق الخزاعي بالولاء أبو العباس أمير خراسان، ومن أشهر الولاة في العصر العباسي، قال ابن الأثير: كان عبد اللَّه من أكثر الناس بذلًا للمال مع علم ومعرفة وتجربة وللشعراء فيه مرات كثيرة. وقال ابن خلكان: كان عبد اللَّه سيدًا نبيلًا عالي الهمة شهما، وكان المأمون كثير الاعتماد عليه، توفى سنة ثلاثين ومائتين.\nالكامل لابن الأثير (٥/ ٢٧١)، وفيات الأعيان (٣/ ٨٣)، والأعلام (٤/ ٩٣ - ٩٤).\n(٤) تقدم (١/ ١١٢).\n(٥) الأثر أخرجه الصابوني في عقيدة السلف رقم (٤٤) وأورده الذهبي في العلو مختصره (ص ١٩٣) وصححه الألباني وذكره ابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ٥١) وفي الأصفهانية (ص ٢٨) والمؤلف في اللوامع (١/ ٢٤٣)\n(٦) أخرجه الصابوني في عقيدة السلف رقم (٤١)؛ وذكره الذهبي في العلو -مختصره (ص ١٩٣)؛ وابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ٥١)؛ وفي الأصفهانية (ص ٢٩)؛ =","vol":"1","page":326},{"text":"وروى بإسناده عن عبد اللَّه بن المبارك (١) ﵁ أنه سأله سائل عن النزول ليلة النصف من شعبان (٢) فقال عبد اللَّه: يا ضعيف ليلة النصف وحدها ينزل في كل ليلة، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن كيف ينزل؟ أليس يخلو ذلك المكان؟ فقال عبد اللَّه بن المبارك: ينزل كيف شاء (٣).\nقال أبو عثمان النيسابوري: \"فلما صح خبر النزول عن النبي -ﷺ- أقر به أهل السنة، وقبلوا الحديث، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول اللَّه -ﷺ- ولم يعتقدوا تشبيها له بنزول خلقه وعلموا وعرفوا واعتقدوا وتحققوا أن صفات الرب تعالى لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق. سبحانه وتعالى عما تقول المشبهة والمعطلة علوًا كبيرًا\" (٤).\nوروى الإمام الحافظ البيهقي (٥) بإسناده عن إسحاق بن راهويه، قال: جمعني أنا وهذا المبتدع -يعني ابن صالح- مجلس الأمير عبد اللَّه بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول (فسردتها) (٦).\nفقال إبراهيم بن صالح (٧) كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء،\n_________\n= وأورده الحافظ عبد الغني في عقيدته رقم (٤٨)؛ وذكره الشارح في اللوامع (١/ ٢٤٤).\n(١) تقدم (١/ ١٨٤).\n(٢) سيأتي حديث النزول ليلة النصف من شعبان (انظر ١/ ٣٣٧).\n(٣) أخرجه الصابوني في عقيدة السلف رقم (٤٢)؛ وذكره ابن تيمية في شرح حديث النزول (٥٢)؛ وفى الأصفهانية (ص ٢٩)؛ والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٥٦٩).\n(٤) انظر عقيدة السلف (ص ٤٨ - ٤٩) وشرح العقيدة الأصفهانية (٢٩ - ٣٠) ولوامع الأنوار (١/ ٢٤٤).\n(٥) البيهقي: تقدم (١/ ٢٠٢).\n(٦) في النسختين فثبتها والمثبت من الأسماء والصفات ولعله الصحيح.\n(٧) في الأسماء والصفات إبراهيم بن أبي صالح.","vol":"1","page":327},{"text":"فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء، فرضى عبد اللَّه كلامي وأنكر على إبراهيم (١).\nوقال حرب بن إسماعيل الكرماني (٢) في كتابه المصنف في مسائل الإمام أحمد وإسحاق قال: مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر المعروفين المقتدى بهم في السنة قال: وأدركت من أدركت من علماء العراق والحجاز والشام عليها، فمن خالف شيئًا منها، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مبتدع، خارج عن الجماعة زائل عن سبيل السنة ومنهج الحق.\nقال وهو مذهب الإمام أحمد (٣)، وإسحق بن إبراهيم (٤) وبقي بن مخلد (٥)،\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (ص ٥٦٨)؛ وذكره ابن تيمية في الأصفهانية (ص ٣٠)، والمؤلف في كتابه لوامع الأنوار (١/ ٢٤٤).\n(٢) حرب بن إسماعيل الكرماني أبو محمد الفقيه تلميذ أحمد بن حنبل رحل، وطلب العلم أخذ عن أبي الوليد الطيالسي، وأبي بكر الحميدي، وأبى عبيد، وسعيد بن منصور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، قال الخلال: كان رجلًا جليلًا حثني المروزي على الخروج إليه، وقال الذهبي: و\"مسائل حرب\" من أنفس كتب الحنابلة وهو كبير في مجلدين، توفى سنة سنة ثمانين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥)؛ وطبقات الحنابلة (١/ ١٤٥).\n(٣) تقدم (١/ ١١١).\n(٤) هو إسحاق بن راهويه تقدم (١/ ١١٢).\n(٥) بقى بن مخلد بن يزيد أبو عبد الرحمن الأندلسي القرطبي الحافظ أحد الأعلام صاحب: التفسير؛ والمسند اللذين لا نظير لهما، ولد في حدود سنة مائتين أو قبلها بقليل، وكان إمامًا مجتهدًا صالحًا ربانيًا صادقًا مخلصًا رأسًا في العلم والعمل، توفى سنة ست وسبعين ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٨٥)، ونفح الطيب (٢/ ٤٧، ٥١٨).","vol":"1","page":328},{"text":"وعبد اللَّه بن الزبير الحميدي (١)، وسعيد بن منصور (٢) وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم، فذكر الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة وما أخبر به الرسول -ﷺ- من أشراط الساعة وأمر البرزخ وغير ذلك. . إلى أن قال واللَّه تعالى يعطي ويمنع وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء متكلمًا عالمًا تبارك اللَّه أحسن الخالقين (٣).\nوقال شيخ الإسلام في التدمرية: \"إذا قال لك كيف ينزل ربنا إلى سماء الدنيا؟ قل كيف هو في ذاته؟ فإذا قال أنا لا أعلم كيفيته قيل له ونحن لا نعلم كيفية نزوله إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له، فكيف تطالبني بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته، وإذا كنت تقر بأن له ذاتًا حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه هو ثابت في نفس الأمر وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم قال وهذا الكلام لازم لهم في العقليات وفي تأويل السمعيات فإن من أثبت شيئًا ونفى شيئًا بالعقل إذا ألزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته (ولو) (٤) طولب بالفرق بين المحذور في هذا\n_________\n(١) عبد اللَّه بن الزبير الحميدي بن عيسى القرشي الحميدي المكي أبو بكر ثقة حافظ فقيه، مات سنة تسع عشرة ومائتين وقيل بعدها.\nتقريب (ص ١٧٣).\n(٢) سعيد بن منصور بن شعبة أبو عثمان الخراساني: نزيل مكة إمام محدث ثقة مصنف السنن وغيرها، توفى سنة سبع وعشرين ومائتين وقيل بعدها.\nسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٨٦)؛ وتقريب (ص ١٢٦).\n(٣) انظر شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٣٠).\n(٤) (ولو) زيادة من التدمرية وبها يستقيم الكلام.","vol":"1","page":329},{"text":"وهذا لم يجد بينهما فرقًا، ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض -الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ- قانون مستقيم. فإذا قيل لهم لم تأولتم هذا وأقررتم هذا، والسؤال فيهما واحد لم يكن لهم جواب صحيح، فهذا تناقضهم في النفي، وكذلك تناقضهم في الإثبات، فإن من تأول النصوص على معنى من المعاني إلى يثبتها بأن صرفوا النص عن مقتضاه إلى معنى آخر لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه فمن تأول محبته ونحوها إلى الإرادة للثواب والعقاب كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في نحو الحب\" (١).\n(جل الواحد): أبي عظم في وحدانيته وفى الحديث: \"ألظوا بياذا الجلال والإكرام\" (٢).\nوفي الحديث الآخر: \"أجلوا اللَّه يغفر لكم\" (٣) أي قولوا يا ذا الجلال والإكرام\".\nوقيل أراد عظموه.\nوجاء تفسيره في بعض الروايات: أي أسلموا والجليل هو الموصوف بنعوت\n_________\n(١) التدمرية (ص ٢٠).\n(٢) الحديث رواه الترمذي في الدعوات رقم (٣٥٢٤ - ٣٥٢٥) عن أنس بن مالك، وقال حديث غريب. ورواه عن ربيعة بن عامر كل من أحمد في مسندة (٤/ ١٧٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٩٨ - ٤٩٩) وصححه ووافقه الذهبي؛ ووافقهما الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٥٣٦).\n(٣) رواه أحمد في مسنده (٥/ ١٩٩)؛ والطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (١/ ٣١، ١٠/ ٢١٧) عن أبي الدرداء؛ وقال الهيثم في إسناده أبو العذراء وهو مجهول.","vol":"1","page":330},{"text":"الجلال وهو راجع إلى كمال الصفات كما أن الكبير راجع إلى كمال الذات والعظيم راجع إلى كمال الذات والصفات (١).\nوالواحد: هو الفرد الذي لم يزل وحده، وقيل هو المعدوم الشريك والنظير، وليس هو كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة إذ كل شيء سواه يدعى واحدا فهو واحد من جهة غير واحد من جهات فإن اللَّه سبحانه الواحد الذي ليس كمثله شيء والواحد الذي لا يثنى من لفظه فلا يقال واحدان (٢).\nوالفرق بين الواحد والأحد، أن الواحد هو المنفرد بالذات والأحد هو المنفرد بالمعنى لا يشاركه فيها أحد.\nوإن الواحد في جنس المعدود يفتتح به العدد، وإن الأحد يصلح في الكلام في موضع الجحود، والواحد في موضع إثبات.\nوأما الوحيد فإنما يوصف به في غالب العرف المنفرد عن أصحابه المنقطع عنهم، فلا ينبغي إطلاقه على اللَّه تعالى (٣) -كما في تحفة العباد- (٤).\n_________\n(١) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨).\n(٢) انظر شأن الدعاء للخطابي (ص ٨٢).\n(٣) انظر: النهاية (٥/ ١٥٩) وشأن الدعاء (ص ٨٢ - ٨٣).\nوهذا هو الصحيح فإن أسماء اللَّه وصفاته تعالى توقيفية لا يجوز تسميته بما لم يرد به القرآن والسنة، وذلك أن أسماء اللَّه وصفاته من الأمور الغببية التي لا يمكن لنا أن نعرفها إلا عن طريق الرسل الذين يطلعهم اللَّه على ما شاء من الغيب ثم هم يبلغونه للناس ولا يجوز القياس فيها والإجتهاد. واللَّه أعلم.\nالقواعد المثلى في صفات اللَّه وأسمائه الحسنى (ص ١٣، ٢٨).\n(٤) تحفة العباد في أدلة الأوراد لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود الحنبلي تقدم التعريف به (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":331},{"text":"وقال أيضا في الجليل: المستحق لجميع نعوت الجلال والكمال ومعناه منصرف إلى جلال القدر وعظم الشأن وهو الجليل الذي يصغر دونه كل جليل ويتضع معه كل رفيع (١).\nوقوله: (المتمدح) نعت للواحد وهو الذي يجب أن يمدح.\nقال في القاموس: \"مدحه كمنعه مدحًا، ومدحه أحسن الثناء عليه كمدحه، وامتدحه وتمدحه والمدبح والمدحة والأمدوحة ما يمدح به وممدح كمحمد ممدوح جدًا وتمدح تكلف أن يمدح وافتخر\" (٢).\nوالمراد أن اللَّه الواحد أسبغ على عباده من النعم ما يرجب المدح. وهو لغة الثناء باللسان على الجميل سواء كان اختياريًا أم اضطراريًا على جهة التعظيم والتبجيل.\nوعرفًا ما يدل على اختصاص الممدوح بنوع من الفصائل فهو أعم من الحمد لأن الحمد مختص بكرنه على الجميل الاختياري، يقال: مدحت زيدًا لحسنه، ولا يقال حمدته لأن الحسن ليس باختياري لزيد.\nقوله (إلى طبق الدنيا) متعلق بينزل الجبار تعالى وطبق الدنيا أي سماء الدنيا فإن الطبق بفتح الطاء المهملة والموحدة غطاء كل شيء (٣).\nوفي الحديث: \"للَّه مائة رحمة كل رحمة منها كطباق الأرض\" (٤) -أي كغشائها- (٥).\n_________\n(١) انظر: شأن الدعاء للخطابي (ص ٧٠).\n(٢) القاموس (١/ ٢٥٧) (مدح).\n(٣) القاموس (٣/ ٢٦٤) (طبق).\n(٤) رواه مسلم في التوبة باب في سعة رحمة اللَّه وأنها سبقت غضبه (٤/ ٢١٠٩) (٢١) عن سلمان ﵁ بلفظ مختلف.\n(٥) النهاية (٣/ ١١٣).","vol":"1","page":332},{"text":"وفيه -أيضًا- \"حجابه النور لو كشف طبقه لأحرق بسبحات وجهه كل شيء أدركه بصره\" (١).\nقال في النهاية \"الطبق كل غطاء لازم على الشيء\" (٢) ولا شك أن السماء غطاء للأرض، وكل سماء فهي غطاء لما تحتها.\nو(الدنيا): يعني القربية إلى الأرض، يقال دنى دنوا ودناؤه قرب كأدنى. والدنيا نقيض الآخرة.\n(يمن) أي يعطي ويحسن إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه (٣) ومن أسمائه تعالى المنان وهو المنعم المعطي من المن وهو العطاء لا من المئة وهو من أبنية المبالغة كالسفاك والوهاب.\nوفي الحديث أنه -ﷺ- قال: \"ما أحدُ أمنُّ علينا من ابن أبي قحافة\" (٤) يعني الصديق الأعظم ﵁، أي ما أحدٌ أجودُ بماله وذات يده.\n_________\n(١) الحديث رواه مسلم في الإيمان رقم (١٧٩)، وابن ماجة في المقدمة رقم (١٩٥ - ١٩٦) عن أبي موسى لكن ليس فيه ذكر \"طبقة\"؛ وهذه الرواية ذكرها ابن الأثير في النهاية (٣/ ١١٣).\n(٢) النهاية (٣/ ١١٣).\n(٣) قال في النهاية (٤/ ٣٦٥): وكثيرًا ما يرد \"المن\" في كلامهم بمعنى الإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عيه، وكال الخطابي في شأن الدعاء (١٠٠ - ١٠١)؛ والمن العطاء لمن لا تستثبه، ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ [ص: ٣٩].\n(٤) الحديث رواه البخاري في الصلاة: كتاب الخوخه والممر في المسجد رقم (٤٦٦) عن أبي سعيد الخدري ﵁ ورواه كذلك من رواية ابن عباس ﵄ رقم (٤٦٧)","vol":"1","page":333},{"text":"وقد يقع المنان على الذي لا يعطي شيئا إلا منة واعتد به على من أعطاه وهو مذموم لأن المنة تفسد الصنيعة (١) وليس هذا مرادًا هنا.\nوقوله: (بفضله) متحلق بيمن والفضل ضد النقص وجمعه فضول وقد فضل كنصر وعلم والفضيلة الدرجة الرفيعة في الفضل، وفضله تفضيلًا مزاه وتفضل تمزى أو تطول كأفضل عليه (٢).\n(فتفرج) أي تكشف وتنشق وتنصدع.\n(أبواب) جمع باب وهو فرجة في ساتر يتوصل بها من داخل إلى خارج ومن خارج إلى داخل.\n(السماء وتفتح) تلك الأبواب لنزول المنح منها والرحمة والمغفرة وصعود العمل والدعاء وإجابته.\nوفيه رد على أهل الفلسفة القائلين بأن الأفلاك لا تقبل الخرق ولا الإلتئام، والقرآن مملؤ بخلاف زعمهم الباطل ونهجهم العاطل، فلا التفات لزعمهم، ولا اشتغال بافكهم.\n(يقول) الملك الجبار في نزوله إلى سماء الدنيا وتجليه (٣):\n(ألا) أداة استفتاح أي للعرض والتحضيض، ومعناهما الطلب، لكن العرض طلب بلين كقوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] وكذا هو هنا.\n_________\n(١) النهابة لابن الأثير (٤/ ٣٦٥ - ٣٦٦).\n(٢) القاموس (٤/ ٣١) (فضل).\n(٣) في إطلاق الشارح ﵀ لفظ التجلي هنا نظر فإن التجلي والرؤية، إنما تكون يوم القيامة، وفي الجنة عند رؤية المؤمنين ربهم ﵎، وأما أحاديث النزول فلم يرد فيها لفظ التجلي. واللَّه أعلم.","vol":"1","page":334},{"text":"(مستغفر) أي طالب غفران ذنوبه.\n(يلق) مجزوم بحذف الألف في جواب الطب، وفيه ضمير يعود إلى المستغفر.\nو(غافرًا) مفعول يلقى والجملة خبر المبتدأ الذي هو مستغفر.\nوإلا (مستمنح) أي مستعط يقال منحه كمنعه وضربه أعطاه والاسم: المنحة بالكسر وهو اسم فاعل مبتدأ كمستغفر.\nوقوله: (خيرًا) مفعول \"مستمنح\" (ورزقًا) معطوف عليه.\nوالخير معروف وجمعه خيور كالمال والخيل والكثير الخير كالخير ككيس والأنثى خيرة بهاء (١).\nوالرزق: ما ينتفع به المرتزق بحصوله اليه من حلال وهو ما انحلت عنه التبعات، أو حرام وهو ما منع منه شرعًا، إما لصفة في ذاته كالسميات والخمر ومذكى المجوس ونحوهم لأنه في حكم الميتة، وإما لخلل في تحصيله كالربا والغصب ونحو ذلك، فإن كل ذلك رزق لأن اللَّه تعالى يسرقه للحيوان فيتناوله ويتغذى به.\nوقالت المعتزلة الحرام ليس برزق، وفسروه تارة بمملوك يأكله المالك، وتارة بما لا يمنع من الانتفاع به، وذلك لا يكون إلا حلالا، فيلزمهم على الأول أن ما تأكله الدواب ليس برزق مع ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] فيكون مصادمًا للقرآن، لأنه يقتضى أن كل دابة مرزوقة مع عدم ملكيتها، ولا ينفعهم زعمهم أن تسمية ما يأكله الدواب رزقًا مبني على تشبهه\n_________\n(١) القاموس (٢/ ٢٦) (خيرا).","vol":"1","page":335},{"text":"بما هو مملوك الإنسان فيأكله فيكون لفظ الرزق مجازًا عما تأكله الدواب فيلزم ألا تكون كل دابة مرزوقة على سبيل الحقيقة لأنا نقول هذا التأويل مخالفًا لظاهر القرآن وهو خلاف المتعارف في اللغة، فلا يرتكب من غير ضرورة، ثم إن تفسيرهم الرزق بذلك ليس بمطرد، ولا منعكس لدخول ملك اللَّه تعالى، وخروج رزق الدواب والعبيد والأماء، ويلزمهم أيضا على التأويلين أن من أكل الحرام طول عمره لم يرزقه اللَّه تعالى أصلًا، وهو خلاف الإجماع الحاصل بين الأمة قبل ظهور المعتزلة أن لا رازق إلا اللَّه، وإن استحق العبد الذم واللوم على كل الحرام، والإضافة إلى اللَّه تعالى معتبرة في مفهوم الرزق، وكل أحد مستوف رزق نفسه حلالًا كان أو حرامًا، ولا يتصور أن لا يأكل الإنسان رزقه أو يأكل غير رزقه، لأن ما قدره اللَّه تعالى غذاء الشخص يجب أن يأكله ويمتنع أن يأكل غيره -فعلى كل حال ما ذهب إليه أهل الاعتزال ضرب من المحال (١) واللَّه أعلم.\n_________\n(١) خلاصة ما ذكره المؤلف -هنا- أن الرزق يشمل الحلال والحرام خلافًا للمعتزلة.\nولابن تيمية ﵀ تفصيل نفيس ونصه -كما في الفتاوى (٨/ ٥٤١) وانظر ما بعدها: \"والرزق يراد به شيئان: أحدهما بيان ما ينتفع به العبد. والثاني ما يملكه العبد: فالثاني هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وهذا هو الحلال الذي ملكه اللَّه إياه.\nوأما الأول فهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ الآية وقوله -ﷺ-: \"وأن نفسا\" والعبد قد يأكل الحلال والحرام فهو رزق باعتبار الأول لا الثاني. اتنهى.\nوفي تعليق للشيخ عبد اللَّه بابطين ما لفظه: \"لا ريب أن ما ذكره المؤلف ﵀ أولى بالصواب، لكن ينبغي أن يعرف أن رزق اللَّه على نوعين:\nأحدهما خاص وهو الرزق الحلال للمؤمنين، وهذا هو الرزق النافع الذي لا تبعة فيه كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.","vol":"1","page":336},{"text":"وجواب ألا مستمنح محذوف، دل عليه جواب ألا مستغفر تقديره \"يلق ما نحا\" وهو اللَّه، ولذا قال (فامنح) أي فمن كان بهذه المثابة وقام في سجف (١) الظلام وصف الأقدام وطلب المنح من الكريم الكلام، فأني أعطه ما طلب وأزيده عما فيه قد رغب.\n(روى) مأخوذ من روى الحديث يرويه رواية وترواه بمعنى ذلك وهو راوية للمبالغة، وروى الحبل فتله فارتوى وروى من الماء واللبن ونحوهما بكسر الواو كرضي ريا وريا وروى وتروى وارتوا بمعنى (٢).\n(ذاك): اسم الإشارة في موضع نصب مفعول روى والمشار إليه النزول المفهوم من قوله، وقل ينزل الجبار.\nو(قوم): فاعل روى وهم الجماعة من الرجال والنساء معًا أو الرجال خاصة أو يدخله النساء على التبعبة كذا في القاموس (٣).\nوقال في النهاية: (٤) \"القوم في الأصل مصدر قام فوصف به الإنسان ثم غلب على الرجال دون النساء.\nولهذا قال النبي -ﷺ-: \"إن نساني الشيطان شيئًا من صلاتي فليسبح القوم،\n_________\n= وأما النوع الثاني فهو رزق عام يكون فبه قوام البدن فقط، وإن كان قد يكون فيه تبعة، وهذه هو رزق البهائم، والرزق الحرام ومنه رزق الكفار. . . إلى آخر كلامه.\nانظر: لوامع الأنوار (١/ ٣٤٣).\n(١) السجف: الستر (القاموس. سجف).\n(٢) القاموس (٤/ ٣٣٩) (روى).\n(٣) القاموس (٤/ ١٦٩ - ١٧٠) (قوم).\n(٤) (٤/ ١٢٤).","vol":"1","page":337},{"text":"ولتصفق النساء\" (١) فقابلهن بهم، وسموا بذلك لأنهم قوامون على النساء بالأمور التي ليس للنساء أن يقمن بها (٢).\nثم وصف القوم الذين رووا أحاديث النزول بأنهم (لا يرد حديثهم) الذي رووه ولا يطعن في خبرهم الذي ذكروه، وذلك لثقتهم وعدالتهم وحفظهم وضبطهم.\n(ألا) صدر كلامه بحرف التنبيه الدال على مضمون الكلام مما له خطر، وبه عنايه ومزيد تهديد وارتكاب ما فيه الوعيد وهو قوله: (خاب) أي خسر وحرم يقال خاب يخيب خيبة حرم وخيبه اللَّه خسر ولم ينل ما طلب وفي المثل: الهيبة خيبة، ويقال أيضًا: خاب خوبا افتقر والخوبة الجرع، وأرض لم تمطر بين ممطورتين، وأرض لا رعي بها (٣).\nوقوله (قوم) فاعل خاب موصوفون بأنهم (كذبوهم) أي كذبوا أولئك القوم الذين لا يرد حديثهم أي نسبوهم إلى الكذب، وهو ضد الصدق.\nو(قبحوا) أي نسبوهم إلى القبح وهو ضد الحسن وقد قبح يقبح فهو قبيح، وإذا قيل قبحه اللَّه فمعناه أبعده ومنه حديث \"لا تقبحوا الوجه\" (٤) أي لا تقولوا قبح اللَّه وجه فلان دكونه بمعنى الإبعاد وقيل لا تنسبوه للقبح ضد الحسن لأن اللَّه صوره وقد أحسن كل شيء خلقه (٥).\nومنه قول سيدنا عمار بن ياسر ﵁ لمن ذكر أم المؤمنين عائشة الصديقة\n_________\n(١) رواه أبو داود في سننه رقم (٢١٧٤) من رواية أبي هريرة ﵁.\n(٢) النهاية (٤/ ١٢٤).\n(٣) القاموس (١/ ٦٦) (خاب).\n(٤) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢٥١، ٤٣٤) من حديث أبي هريرة.\n(٥) النهاية (٣/ ٤).","vol":"1","page":338},{"text":"﵂ بسوء \"اسكت مقبوحًا مشقوحًا\" منبوحًا (١) أي مبعدًا.\nإذا علمت ذلك فاسمع الآن رواة حديث النزول فقد أخرج الإمام أحمد في المسند والترمذي وابن ماجة في سننهما عن عائشة الصديقة ﵂ عن النبي -ﷺ-: \"إن اللَّه ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم بني كلب\" (٢).\nوأخرج الإمام أحمد في المسند ومسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النبي -ﷺ-: \"أن اللَّه تعالى يمهل حتى إذا كان ثلث الليل الأخير نزل إلى سماء الدنيا فينادي هل (من) مستغفر، هل من تائب، هل من سائل، هل من داع، حتى ينفجر الفجر\" (٣).\nورواه البخاري ولفظه \"ينزل ربنا ﷿ إلى السماء الدنيا\".\n_________\n(١) رواه الترمذي في مناقب عائشة ﵂ رقم (٣٨٨٨) وسيأتي في مناقب عائشة. انظر (٢/ ٧٢).\n(٢) الحديث رواه أحمد في المسند (٦/ ٢٣٨)، والترمذي رقم (٧٣٩)، وابن ماجة رقم (١٣٨٩)، وقال الترمذي: حدبث عائشة لا نعرفه الا من هذا الوجه من حديث الحجاج وسمعت محمد -يعني البخاري يضعف هذا الحديث.\nوقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة والحجاج بن أرطاة لم يسمع من يحيى بن أبي كثير. انتهى.\nوقد ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١١٤٤) وذكر طرفه وشواهده وقال: وجملة القول أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب. . . \" انتهى.\nوانظر أيضًا حول ما ورد في ليلة النصف من شعبان: رسالة \"اسعاف الخلان بما ورد في ليلة النصف من شعبان\" للشيخ حماد الأنصاري.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٨٣)؛ ومسلم في صحيحه (١/ ٥٢٣) صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه (١٧٢).","vol":"1","page":339},{"text":"وفي صحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي وغيرهم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فاستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له\" (١).\nوفي بعضها قال: \"ينزل اللَّه ﷿ إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فاستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر (٢).\nفوصفه الرسول -ﷺ- بأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ومذهب السلف إجراء ذلك على ما ورد مؤمنين به على طريق الإجمال منزهين له عن الكيفية والمثال.\nوقد نقله البيهقي (٣) وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين (٤)، والحمادين (٥)، والأوزاعي (٦)، والليث، وغيرهم.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣/ ٤٧٣) في التوحيد باب قول اللَّه ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾؛ وفى التهجد (٣/ ٣٥) باب الدعاء والصلاة من آخر اليل؛ ومسلم رقم (٨٥٨)؛ ومالك في الموطأ (١/ ٢١٤)؛ والترمذي رقم (٣٤٩٨)؛ وأبو داود رقم (١٣١٥)؛ وابن ماجة رقم (١٣٦٦)؛ وأحمد في المسند (٢/ ٢٥٨، ٢٦٤، ٢٦٥، ٢٦٧، ٢٨٢، ٣٨٣، ٤١٩، ٤٣٣، ٤٨٧، ٥٠٤، ٥٠٩، ٥٢١).\n(٢) رواه مسلم رقم (٧٥٩) عن أبي هريرة.\n(٣) انظر الأسماء والصفات (ص ٥١٥، ٥٣٧، ٥٦٨ - ٥٦٩) والاعتقاد (١١٨)؛ والسنن الكبرى (٣/ ٢ - ٣)، وانظر فتح الباري (٣/ ٣٧، ١٣/ ٤١٧، ٤١٨).\n(٤) هما سفيان الثوري وسفيان بن عيينة.\n(٥) هما حماد بن زيد وحماد بن سلمة.\n(٦) الأوزاعي: محمد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي أبو عمرو إمام فقيه ثقة جليل، =","vol":"1","page":340},{"text":"وقدمنا كلام حماد بن زيد لما سئل أيتحول من مكان إلى مكان، فقال: هو على عرشه يقرب من خلقه كيف شاء (١).\nقال العلامة ابن حمدان (٢) في نهاية المبتدئين: قال التميمي (٣) في اعتقاد الإمام أحمد في حديث النزول، ولا يجوز عليه الانتقال، ولا الحلول في الأمكنة (٤).\nوقال ابن البناء (٥) في اعتقاد الإمام أحمد -أيضًا- ولا يقال يعني نزوله تعالى بحركة ولا انتقال (٦).\nوكذا قال القاضي أبو يعلى (٧) وقد وصفه النبي -ﷺ- بالنزول إلى السماء الدنيا والعلو، لا على جهة الانتقال والحركة، كما جازت رؤيته وتجلى للجبل لا على وجه الحركة.\nوكذا قال الإمام ابن عقيل (٨) ليس بنزول زوال ولا انتقال ولا كنزولنا.\n_________\n= مات سنة سبع وخمسين ومائة.\nتقريب (ص ٢٠٧).\n(١) (١/ ٣٢٤).\n(٢) أحمد بن حمدان بن شبيب تقدم (١/ ١٥٣).\n(٣) التميمي: عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث التميمي: محدث فقيه واعظ مشارك في علوم كثيرة، توفى سنة عشر وأربعمائة.\nطبقات الحنابلة رقم (٦٤١)، والمنهج الأحمد رقم (٦٣٢).\n(٤) انظر: اعتقاد الإمام أحمد رواية التميمي في طبقات الحنابلة (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧) باختلاف في الرواية.\n(٥) سيذكر له المصنف ترجمة وافية انظر (٢/ ١٠٧).\n(٦) انظر: لوامع الأنوار للشارح (١/ ٢٥٠).\n(٧) تقدم التعريف به (١/ ١٣٧).\n(٨) تقدم التعريف به (١/ ٢٤٨).","vol":"1","page":341},{"text":"وقال القاضي أيضًا النزول صفة ذاتية فلا نقول نزوله بانتقال.\nوقال سيدنا الإمام أحمد ﵁ أحاديث الصفات تمر كما جاءت من غير بحث عن معانيها وتخالف ما خطر في المخاطر عند سماعها وننفي التشبيه عن اللَّه تعالى، عند ذكرها مع تصديق النبي -ﷺ- والإيمان بها، وكل ما يعقل ويتصور فهو تكييف وتشبيه وهو محال \"انتهى\"\nكلام ابن حمدان في نهايته (١).\nوذكر الإمام المحقق شمس الدين ابن القيم في كتابه \"الروح\": \"أن للروح شأنًا آخر غير شأن البدن، قال، وهذا جبريل صلوات اللَّه وسلامه عليه رآه النبي -ﷺ- وله ستمائة جناح منها جناحان قد سد بهما ما بين المشرق والمغرب (٢) وكان يدنوا من النبي -ﷺ- حتى يضع ركبتيه إلى ركبتيه ويديه على فخذيه (٣) وما أظنك يتسع بطانك (٤) أنه كان حينئذ في الملأ الأعلى فوق السموات حيث هو بمستقره، وقد دنا من النبي -ﷺ- هذا الدنو فإن التصديق بهذا له قلوب خلقت له، وأهلت لمعرفته، ومن لم يتسع بطانه لهذا فهو ضيق أن يتسع للإيمان بالنزول الإلهي إلى\n_________\n(١) انظر: لوامع الأنوار (١/ ٢٥٠) وانظر معتقد الإمام أحمد رواية التميمي في طبقات الحنابلة (٢/ ٣٠٧) مع اختلاف في الرواية.\n(٢) رواه أحدد في المسند (١/ ٣٩) والبخاري في صحيحه (٦/ ٣٦٠ - ٣٦١) رقم (٣٣٣٢) وفي (٨/ ٤٧٦ - ٤٧٧) رقم (٤٨٥٦ - ٤٨٥٨)؛ ومسلم رقم (١٧٤) والنسائي في تفسيره (٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠) عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁.\n(٣) رواه مسلم في الإيمان من صحيحه رقم (١) عن عمر بن الخطاب ﵁.\n(٤) البطان: حزام يشد على البطن، ويقال فلان عريض البطان: أي رخي البال. المعجم الوسيط (١/ ٦٢) (بطن) ومعناه يسع صدرك لمثل هذا الكلام. والمقصود المنكرين لأحاديت الصفات من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم.","vol":"1","page":342},{"text":"سماء الدنيا كل ليلة، وهو فوق سماواته على عرشه ليس نوقه شيء البته، بل هو العالي على كل شيء، وعلوه من لوازم ذاته، وكذلك دنوه عشية عرفة من أهل الموقف (١).\nوكذا مجيئه يوم القيامة لمحاسبة خلقه (٢) واشراق الأرض بنوره (٣).\nوكذلك كلما ورد من هذا الباب فهو حق وصدق وهو فوق سمواته على عرشه\" (٤).\nقال العلامة الطرفي (٥) في \"قواعد وجوب الاستقامة والاعتدال: والمشهور عند أصحاب الإمام أحمد ﵁ أنهم لا يتأولون الصفات التي من جنس الحركة كالمجيء والأتيان والنزول والهبوط والدنو والتدلي كما لا يتأولون غيرها متابعة للسلف الصالح، وكلام السلف في هذا الباب يدل على أنبات المعنى المتنازع فيه.\n_________\n(١) دنوه تعالى من أهل عرفة أخرجه مسلم في صحيحه في الحج (٤٣٦) (١٣٤٨٩) والنسائي في المناسك (٥/ ٢٠٢) وابن ماجة في المناسك رقم (٥٦) (٣٠١٤) كلهم عن عائشة ﵂.\n(٢) كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].\n(٣) كما قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩].\n(٤) انظر: الروح لاين القيم (ص ١٤٠ - ١٤١) وكتب هنا في هامش \"ظ\" لهذه المقالة قف وتأمل.\n(٥) الطرفي: سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد الصرصري الطرفي ثم البغدادي الفقيه الأصولي المتفش نجم الدين أبو الربيع ولد سنة ٦٥٧ بطوف قرية ببغداد، قدم الشام فسكنها مدة ثم أقام بمصر مدة واشتغل في الفنون وشارك في العلوم.\nوكان قوي الحافظة شديد الذكاء، وكان مقتصدًا ش لباسه وأحواله متقللًا من الدنيا، توفى سنة ٧١٦ هـ.\nذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٣٦٦)؛ والدرر الكامنة (٢/ ٢٤٩)؛ وشذرات الذهب (٦/ ٣٩ - ٤٠).","vol":"1","page":343},{"text":"قال الأوزاعي (١) لما سئل عن حديث النزول (يفعل ما يشاء) (٢) وحكى كلام حماد بن زيد المتقدم (٣).\nوذكر كلام إسحق بن راهويه وابن المبارك وغيرهم من السلف (٤).\nوقال أهل التأويل العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه كما يقولون: كتب الأمير إلى فلان وقطع يد اللص وضربه وهو لم يباشر شيئًا من ذلك بنفسه ولهذا احتيج للتأكيد فيقولون جاء زيد نفسه، وفعل كذا بنفسه وتقول العرب: أنت ضربت زيدًا لمن لم يضربه ولم يأمر بضربه، إذا كان قد رضى بذلك، قال تعالى: ﴿. . فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١] والمخاطبون بهذا لم كقتلوهم، لكنهم لما رضوا بذلك ووالوا القتلة نسب الفعل إليهم، والمعنى هنا -أن اللَّه تعالى يأمر ملكا بالنزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره تعالى.\nوقال بعضهم: إن قوله ينزل راجع إلى فعله، لا إلى ذاته المقدسة، فإن النزول كما يكون في الذوات يكون في المعانى والحاصل أن تأويله على وجهين، إما بأن المراد بنزل أمره، أو الملك بأمره، وإما أنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين، والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال، نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعد مباعدته وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن العبد في هذا الوقت أقرب إلى رحمة اللَّه منه في غيره من الأوقات، وأنه تعالى يقبل عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما\n_________\n(١) تقدم (١/ ٣٤٠).\n(٢) انظر: شرح حديث النزول لابن تيمية (٤١ - ٤٢)؛ وفتح الباري (٣/ ٣٧) (١٣/ ٤١٧ - ٤١٨).\n(٣) (١/ ٣٢٤).\n(٤) انظر: أقاويل الثقات (ص ٢٠٠)، ولوامع الأنوار (١/ ٢٤٣).","vol":"1","page":344},{"text":"يلقيه في قلوبهم من التنبيه والتذكر الباعثين لهم على الطاعة.\nوقد حكى ابن فورك (١) أن بعض المشايخ ضبط رواية البخاري بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكًا (٢).\nويقويه ما روى النسائي وغيره عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ قالا: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن اللَّه ﷿ يمهل حتى يمضى شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديا يقول هل من داع يستجاب له، هل من مستغفر يغفر له، هل من سائل يعطى\" (٣).\n_________\n(١) تقدم التعريف له (١/ ١٨٥).\n(٢) في تأويل مشكل الحديث لابن فررك (ص ١٠٠)، ونقله في الفتح (٣/ ٣٧).\n(٣) رواه النسائي في عمل اليوم والليلة رقم (٤٨٢) من طريق إبراهيم بن يعقوب عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه عن الأعمش عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي مسلم الأغر، قال: سمعت أبا هريرة، وأبا سعيد يقولان. . . وذكر الحديث.\nقال الشيخ شعيب الأرناؤط في تخريجه لهذا الحديث في أقاويل الثقات (ص ٢٠٥): \"ورجال هذا السند ثقات رجال الشيخين خلا إبراهيم بن يعقوب وهو ثقة حافظ إلا أنه منكر بهذا السياق ويغلب على الظن أن الخطأ فيه جاء من حفص بن غياث فإنه قد تغير حفظه قليلا بآخره (كما في التقريب) وخالفه غير واحد من الثقات مثل شعبة بن الحجاج ومنصور بن المعتمر، وفضيل بن غزوان الكوفي، ومعمر راشد فرووه بلفظ، \"إن اللَّه عز رجل يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول نزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى ينفجر الفجر، قال: وقد فصل القول الشيخ ناصر الألباني في توهية رواية حفص بن غياث وتخريج رواية الذين خالفوه \"في ضعيفته\" برقم (٣٨٩٧) انتهى.\nقلت: وقال الألباني في تخريج أصل الحديث في (الإرواء رقم ٤٥٠) رواه النسائي بلفظ منكر ليس فيه ذكر النزول، ولا نسبة للقول المذكور إلى اللَّه تعالى، كما بينه في الضعيفة رقم (٣٨٩٧).","vol":"1","page":345},{"text":"قال القرطبي: صححه أبو محمد عبد الحق (١) قال: وهذا يدفع الإشكال ويزيل كل احتمال، والسنة يفسر بعضها بعضا وكذلك الآيات قال: ولا سبيل إلى حمله على صفات الذات المقدسة فإن الحديث فيه التصريح بتجدد النزول واختصاصه ببعض الأوقات والساعات وصفات الرب يجب اتصافها بالقدم وتنزيهها عن الحدوث والتجدد بالزمان وقد قيل كلما لم يكن فكان أو لم يثبت فثبت من أوصافه تعالى فهو من قبيل صفة الأفعال.\nفعلى هذا النزول والاستواء من صفات الأفعال (٢) -واللَّه تعالى أعلم.\n_________\n(١) عبد الحق: تقدم (١/ ٢٤٣).\nوانظر التذكرة للقرطبي (١/ ٣٢٨).\n(٢) أشار الحافظ في الفتح (٣/ ٣٧) إلى هذه التأويلات باختصار، وذكرها مرعي بن يوسف الكرمي في أقاويل الثقات (ص ٢٠٣ - ٢٠٥) والشارح في لوامع الأنوار (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩).\nقلت: ولا يخفى ما في هذه التأويلات من البعد مع مصادمتها للنصوص الصريحة والأخبار الواضحة في نزول الرب ﵎، والتي لا تقبل التأويل.\nقال ابن تيمية ﵀ في شرح حديث النزول ما ملخصه:\n\"نزول الرب ﵎ إلى سماء الدنيا في كل لية استفاضت به السنة عن النبي -ﷺ- واتفق سلف الأمة وأئمتها وأهل العلم بالسنة والحديث على تصديق ذلك وتلقيه بالقبول والنبي -ﷺ- قال ذلك علانية وبلغه الأمة تبليغًا عامًا لم يخص به أحد دون أحد، وكانت الصحابة والتابعون تذكره وتأثره وتبلغه وترويه في المجالس الخاصة والعامة وهو في جميع كتب أهل الإسلام كصحيحي البخاري ومسلم وموطأ مالك ومسند الإمام أحمد وسنن أبي داود، وأمثال ذلك من كتب المسلمين. . . إلى أن قال: فإن قلت الذي ينزل ملك قبل هذا باطل من وجوه: منها أن الملائكة. لا تزال تنزل بالليل والنهار إلى الأرض -وذكر أحاديث متضمنة لذلك.\nثم قال الوجه الثاني أنه قال: \"من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له، وهذه العبارة لا يجوز أن يقولها ملك غير اللَّه، فالملك إذا نادى عن اللَّه لا يتكلم بصيغة المخاطب، بل يقول =","vol":"1","page":346},{"text":"وقد علم مذهب السلف، وأنه الإيمان بما ورد من غير تكييف ولا حد -واللَّه الموفق (١).\n_________\n=: إن اللَّه أمر بكذا وقال كذا. . . إلى أن قال: ولا يمكن أن يقول الملك بـ \"لا أسأل عن عبادي غيري\".\nكما رواه النسائي وابن ماجة وغيرهما وسنده صحيح.\nوأما الحديث الذي احتجوا به \"ثم يأمر مناديا. . . إلخ فقال إن كان هذا ثابتًا عن النبي -ﷺ- فإن الرب يقول ذلك ويأمر مناديًا بذلك لا أن المنادي يقول من يدعوني فأستجيب له، ومن روى عن النبي -ﷺ- أن المنادي يقول ذلك فقد علمنا أنه يكذب على رسول اللَّه -ﷺ- فإنه مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر الذي نقلته الأمة خلفًا عن سلف فاسد في المعقول. يعلم أنه من كذب بعض المبتدعين كما روى بعضهم (ينزل) بالضم) وكما قرأ بعضهم ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، ونحو ذلك من تحريفهما للفظ والمعنى. انتهى.\nانظر شرح حديث النزول (٥، ٣٥، ٣٧، ٤٦)، وانظر تعليق الشيخ عبد اللَّه بابطين في حاشية لوامع الأنوار للشارح (١/ ٢٤٨ - ٢٥٠) وانظر هذه التأويلات والجواب عنها في \"أبطال التأويلات لأخبار الصفات\" لأبي يعلى (١/ ٢٦٢) وما بعدها.\nوقال ابن القيم في تعليقه على سنن أبي داود: \"فإن قيل كيف تصنعون بما رواه النسائي -وساق رواية النسائي هذه؟ قلنا: وأي منافاة بين هذا وبين قوله \"ينزل ربنا فيقول\" وهل يسوغ أن يقال إن المنادي يقول: أنا الملك\" ويقول: \"لا أسأل عن عبادي غيري\" ويقول: \"من يستغفرني فأغفر له؟ \" وأي بعد في أن يأمر مناديًا ينادي\" هل من سائل فيستجاب له\"، ثم يقول هو سبحانه: \"من يسألني فاستجب له؟ \" وهل هذا إلا أبلغ في الكرم والإحسان: أن يأمر مناديه يقول: ذلك ويقوله سبحانه بنفسه؟ وتتصادق الروايات كلها عن رسول اللَّه -ﷺ-، ولا نصدق بعضها ونكذب ما هو أصح منه وباللَّه التوفيق.\nتهذيب سنن أبي داود لابن القيم (٧/ ١٢٦ - ١٢٧).\n(١) كتب هنا في هامش \"ظ\" بلغ مقابلة.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>مطلب في الاستواء </span>وأنه من جملة الصفات الواجب على كل فرد اعتقادها (١)\nتنبيه:\nلم يذكر الناظم -رحمه اللَّه تعالى- مسألة الاستواء مع أنها من أعظم مسائل المعترك بين أهل السنة وأهل البدع، بل وبين علماء السلف وعلماء الخلف ممن ينتسب إلى المذاهب الأربعة وغيرها من أهل الحق.\nولكنه أشار بالتجلي وبالنزول وبقوله فيما يأتي فكلهم يعصي وذو العرش يصفح إلى ما يعلم منه ذلك، ونحن نبرهن عليها على حسب ما يعتقده السلف ونشير إلى ما يذهب إليه الخلف فنقول: قد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن اللَّه ﷿ مستو على عرشه، بائن من خلقه استواء يليق بذاته من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطل، قال تعالى في محكم كتابه العزيز ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾ [السجدة: ٤].\nقال الإمام المحقق ابن القيم (٢) في كتابه \"الجيوش الإسلامية\" بعد ذكره هذه الآيات إلى العزيز الرحيم: \"تأمل ما في هذه الآيات من الرد على طوائف المعطلين والمشركين فنقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ يتضمن إبطال قول الملاحدة القائلين بقدم العالم، وأنه لم يزل وأن اللَّه تعالى لم يخلقه بقدرته ومشيئته، ومن أثبت منهم وجود الرب جمله لازمًا لذاته أزلًا وأبدًا غير مخلوق كما هو قول\n_________\n(١) هذا العنوان انفردت به \"ظ\".\n(٢) تقدم التعريف به (١/ ١٦١).","vol":"1","page":348},{"text":"ابن سينا (١)، والنصير الطوسي (٢) وأتباعهما من الملاحدة الجاحدين لما اتفقت عليه الرسل والكتب وشهدت به العقول والفطر، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يتضمن إبطال قول المعطلة الجهمية ومن نحا نحوهم القائلين ليس على العرش سوى العدم وإن اللَّه ﵎ ليس مستويًا على عرشه، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا يصعد إليه الكلم الطيب، ولا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسوله محمد -ﷺ- إليه ولا تعرج الملائكة والروح إليه\" (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -روح اللَّه روحه-: \"وهذا كتاب اللَّه من أوله إلى آخره، وسنة رسوله -ﷺ- وعامة كلام الصحابة والتابعين وكلام سائر الأئمة مملؤ بما هو نص أو ظاهر في أن اللَّه سبحانه فوق كل شيء، وأنه فوق عرشه مستو عليه استواء يليق بذاته المقدسة كما في قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤].\nوهذا مذكور في سبع آيات من القرآن (٤).\nفمذهب السلف: الإيمان بذلك جريًا على عادتهم من عدم الخوض في المتشابه\n_________\n(١) ابن سينا: الحسين بن عبد اللَّه بن الحسن بن علي بن سيناء البلخي، ثم البخاري فيلسوف طبيب شاعر، ولد بخرميش من قرى بخاري سنة ٣٧٠، وتوفى سنة ٤٢٨ بهمذان.\nمعجم المؤلفين (٤/ ٢٠).\n(٢) هو: محمد بن محمد بن الحسن أبو جعفر نصير الدين الطوسي، فيلسوف عالم بالفلك والرياضيات والعلوم العقلية، توفى سنة ٦٧٢.\nالأعلام (٧/ ٣٠).\n(٣) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٩٥).\n(٤) انظر الفتوى الحموية الكبرى (٥/ ١٢ - ١٣) من مجموع الفتاوى.","vol":"1","page":349},{"text":"مع تفويض علمه إلى اللَّه تعالى (١).\nفقد روى اللالكائي (٢) الحافظ في كتابه \"السنة\" (٣) من طريق قرة بن خالد عن الحسن البصري عن أمه عن أم المؤمنين أم سلمة ﵄ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قالت: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة والبحث عنه كفر\" (٤).\n_________\n(١) في كلام الشارح هذا اجمال، يحتاج إلى بيان وتوضيح فأقول: ذهب بعض الناس إلى أن آيات وأحاديث الصفات من المتشابه الذي لا يعلمه إلا اللَّه وأن السلف ﵏ لم يفهموا معانيها، وما تدل عليه وأنهم فوضوا العلم في ذلك إلى اللَّه.\nوهذا مذهب غير صحيح، فإن اللَّه أوضح في كتابه من أسمائه وصفاته أوضح بيان وكذلك رسوله المصطفى ﵊ بينها أكمل بيان وقد فهمها السلف، وآمنوا بها وصدقوا بها وأثبتوها للَّه على الوجه اللائق له ﷾، وإنما نفوا علم الكيفية والصفة فهذا هو الذي لا يعلمه إلا اللَّه.\nكما أجاب الإمام مالك إمام دار الهجرة ﵀ لما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.\nوقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على الذاهبين إلى هذا المذهب ردًا قويًا في رسالته \"إلإكليل في المتشابه والتأويل\" (١٣/ ٢٩٤ - ٣٠٥) من مجموع الفتاوى.\nوانظر: القواعد المثلى للشيخ محمد بن صالح العثيمين (ص ٣٤ - ٣٥).\nوفتاوى وتنبيهات للشيخ عبد العزيز بن باز حفظه اللَّه (ص ١٨٧) وما بعدها.\nوتعليق الشيخ عبد اللَّه بابطين، والشيخ ابن سحمان في حاشية \"لوامع الأنوار\" للمصنف (١/ ٩٣ - ٩٩، ٢٢٠).\n(٢) اللالكائي: تقدم (١/ ٢٧١).\n(٣) طبع بتحقيق الدكتور أحمد سعد حمدان في أربعة مجلدات.\n(٤) الأثر عن أم سلمة ﵂، أخرجه اللالكائي في شرح السنة (١/ ٣٩٧)؛ وأبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف رقم (٢٣)؛ وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم (٨٢) وعنه الذهبي في العلو (ص ٦٥)؛ وذكره السيوطي في الإتقان (٣/ ١٣)، ومرعي بن =","vol":"1","page":350},{"text":"وهذا له حكم الحديث المرفوع لأن مثله لا يقال من قبل الرأي.\nوفي لفظ آخر قالت: \"الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.\nوروي أيضًا عن ربيعة (١) بن أبي عبد الرحسن شيخ الإمام مالك -المشهور بربيعة الرأي أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن اللَّه الرسالة وعلى الرسول\n_________\n= يوسف في أقاويل الثقات (٦٠) والشارح في لوامع الأنوار (١/ ١٩٩)، قال الذهبي: \"هذا القول محفوظ عن جماعة كربيعة الرأي، ومالك الإمام، وأبي جعفر الترمذي فأما عن أم سلمة فلا يصح لأن أبا كنانة ليس بثقة وأبو عمير لا أعرفه.\nوقال ابن تيمية في الفتاوى (٥/ ٣٦٥) بعد ذكر قول الإمام مالك في الاستواء: وقد روى هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه.\nوقال الذهبي في العلو: (١٠٤) وفي مختصره (ص ١٤١): هذا ثابت عن مالك، وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به لا نتعمق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًا، ولا إثباتا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينًا مع ذلك أنه ﷿ لا مثل له في صفاته ولا في استوائه ولا في نزوله -سبحانه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\n(١) في النسختين ربيعة بن عبد الرحمن وما اثبتنا من صادر ترجمته فهو: ربيعة بن أبي عبد الرحمن التيمي مولاهم أبو عثمان، ويقال أبو عبد الرحمن المدني المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فروخ إمام فقيه مشهور كان من أئمة الاجتهاد، توفى سنة سته وثلاثين ومائة.\nتهذيب الكمال (٩/ ١٢٣)؛ وسير أعلام النبلاء (٦/ ٨٩)؛ وتقريب التهذيب (ص ١٠٢).","vol":"1","page":351},{"text":"البلاغ، وعلينا التصديق (١).\nوروي عن الإمام مالك ﵁ أنه سئل عن الآية فقال الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وقال للسائل: أراك رجل سوء (٢).\nوسئل الشعبي (٣) عن الاستواء، فقال: هذا من متشابه القرآن نؤمن به ولا نتعرض لمعناه (٤).\n_________\n(١) رواه اللالكائي في شرح السنة رقم (٦٦٥) والعجلي في معرفة الثقات (١/ ٣٥٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٥١٦)، وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم (٩٠)؛ والذهبي في الحلو (٩٨) مختصره (١٣٢)؛ وذكره ابن تيمية في الحموية (١١١ - ١١٢) وفي درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧٨، ٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٣٣).\nوقال ابن تيمية رواه الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات.\nالحموية (ص ١١١) ضمن لنفائس.\n(٢) رواه اللالكائي في السنة رقم (٦٦٤)؛ وأبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف رقم (٢٥)؛ وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦)؛ والدارمي في الرد على الجهمية (ص ٥٥ - ٥٦)؛ والبيهقي في الأسماء والصفات (٥١٥ - ٥١٦) من طريقين، وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم (١١٩) وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٣٨، ١٥١) وذكره ابن تيمية في الحموية (١١٢)؛ وابن القيم في الجيوش الإسلامية (ص ١٤١) والذهبي في العلو -مختصره- (ص ١٤١).\nقال الذهبي: هذا ثابت عن الإمام مالك.\nوانظر: فتح الباري (١٣/ ٤١٧ - ٤١٨)، وأقاويل الثقات (١٢٠ - ١٢١)؛ ولوامع الأنوار للشارح (١/ ١٩٩).\n(٣) الشعبي تقدم (١/ ١٥٥).\n(٤) ذكره مرعي بن يوسف في أقاويل الثقات (ص ١٢١) وصدره بقوله: \"ويروى\" عن الشعبي. وقد ذكره الشارح في لوامع الأنوار (١/ ١٩٩) قلت: ومراد الشعبي بالمتشابه، =","vol":"1","page":352},{"text":"وسئل الإمام الشافعي (١) عن ذلك فقال: آمنت بلا تشبيه، وصدقت بلا تمثيل، واتهمت نفسي في الإدراك، وأمسكت عن الحوض غاية الإمساك (٢).\nوسئل الإمام أحمد عن ذلك فأجاب بقوله: استوى كما ذكر لا كما يخطر للبشر (٣).\nوقال الخلال (٤) في كتاب السنة، أخبرني عبيد اللَّه بن حنبل (٥) أخبرني أبي حنبل (٦) بن إسحق قال: قال عمي -يعني الإمام أحمد بن حنبل ﵁-: \"نحن نؤمن أن اللَّه على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حدود ولا صفة بيلغها واصف، أو يحده حاد، وصفات اللَّه تعالى له ومنه وهو كما وصف نفسه\n_________\n= هو علم الكيفية، والصفة فهذا هو الذي نؤمن به ولا نعرفه، لا معنى الاستواء، فإن الاستواء معلوم، لكن الكيف مجهول كما هو جواب الإمام مالك ﵀ المشهور، وجواب الإمام الشافعي وأحمد -رحمهما اللَّه- بعده يؤيد ذلك ويوضحه.\n(١) الشافعي: تقدم (١/ ١٧٤).\n(٢) ذكره مرعي بن يوسف في أقاويل الثقات (ص ١٢١)؛ وذكره الشارح في لوامع الأنوار (١/ ٢٠٠).\n(٣) أقاويل الثقات (١٢١).\n(٤) تقدم التعريف به (١/ ١٠٧).\n(٥) عبيد اللَّه بن حنبل بن إسحاق بن حنبل الشيباني حدث عن أبيه، وروى عنه الخلال وسماه بعضهم عبد اللَّه كما في تاريخ بغداد.\nانظر: تاريخ بغداد (٩/ ٤٥٠) ولم أجد له ترجمة في غيره من المصادر.\n(٦) حنبل بن إسحاق بن حنبل الشيباني أبو علي ابن عم أحمد بن حنبل، ولد سنة ١٩٣ هـ، وسمع ابن عمه أحمد بن حنبل، والفضل بن دكين، وعفان بن مسلم، وغيرهم، وكان عالمًا بالفقه والحديث والتاريخ.\nقال الخطيب: كان ثقة ثبتا، توفى سنة ٢٧٣ بواسط.\nتاريخ بغداد (٨/ ٢٨٦)؛ وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ١٤٣ - ١٤٥).","vol":"1","page":353},{"text":"لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية، وهو يدرك الأبصار، وهو عالم الغيب والشهادة وعلام الغيوب (١).\nقال الخلال: وأخبرني علي بن عيسى (٢) أن حنبلًا حدثهم، قال: سألت أبا عبد اللَّه عن الأحاديث التي تروى أن اللَّه سبحانه ينزل إلى سماء الدنيا وأن اللَّه يرى وأن اللَّه يضع قدمه، وما أشبه هذه الأحاديث؟.\nفقال أبو عبد اللَّه: نؤمن بها ونصدق بها، ولا نرد منها شيئا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت أسانيد صحاح، ولا نرد على اللَّه قوله، ولا نصفه بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد، ولا غاية:\n﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٣).\nوقال حنبل بن إسحاق عن الإمام أحمد: \"ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف نفسه قد أجمل اللَّه الصفة لنفسه فعد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، وصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه، قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث فنقول كما قال ونصفه بما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك، ولا يبلغ صفته الواصفون، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، وما وصف\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٢٩ - ٣٠)؛ وبيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٣٠)؛ واجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢١١).\n(٢) علي بن عيسى، لم أجد له ترجمة.\n(٣) انظر درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٠ - ٣١)؛ وبيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٣١)؛ واجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢١١ - ٢١٢)؛ ولمعة الاعتقاد (ص ٩).\nواعتقاد الإمام أحمد رواية التميمي: في طبقات الحنابلة (٢/ ٣٠٧).","vol":"1","page":354},{"text":"به نفسه من كلام ونزول \"وخلوه بعبده يوم القيامة ووضعه كنَفَه عليه\" (١).\nفهذا كله يدل على أن اللَّه تعالى يرى في الآخرة والتحديد في هذا كله بدعة، والتسليم فيه بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه سميع بصير لم يزل متكلمًا، عالمًا غفورًا عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، فهذه صفات وصف بها نفسه، لا تدفع ولا ترد وهو على العرش، بلا حد كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] كيف شاء، المشيئة إليه والاستطاعة إليه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وهو خالق كل شيء وهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير لا نتعدى القرآن ولا الحديث، تعالى اللَّه عما تقول الجهمية والمشبهة.\nقلت له: والمشبهة ما تقول؟ قال: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي فقد شبه اللَّه بخلقه.\nوكلام الإمام ﵁ في هذا كثير، فإنه أُمتحن بالجهمية وجميع المتقدمين من أصحابه على مثل منهاجه في ذلك، وغن كان بعض المتأخرين منهم\n_________\n(١) جزء من حديث أخرجه البخاري في صحيحه (١٣/ ٤٨٣) رقم (٧٥١٤) \"أن رجلا سأل ابن عمر ﵄: كيف سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول في النجوى؟ قال: يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنَفَه عليه فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم. ويقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم. فيقرره ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم\".\nوقوله في الحديث: \"حتى يضع كنَفَه عليه\" جاء الكَنَفُ مفسرًا في الحديث بأنه الستر والمعنى: أنه تعالى يستر عبده عن رؤية الخلق له لئلا يفتضح أمامهم فيخزى لأنه حين السؤال والتقرير بذنوبه تتغير حاله ويظهر على وجهه الخوف الشديد، ويتبين فيه الكرب والشدة.\nانظر شرح الحديث في \"شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبد اللَّه الغنيمان (٢/ ٤٢٢) وما بعدها.","vol":"1","page":355},{"text":"يدخل في نوع مما أنكره الإمام أحمد على أهل البدع، لكن الرعيل الأول من أصحابه وجميع أئمة أهل الحديث قولهم كقوله (١).\nوقال أبو مطيع الحكم بن عبد اللَّه (٢) البلخي صاحب الفقه الأكبر سألت أبا حنيفة ﵁ عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقال قد كفر لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وعرشه فوق سماواته، فقلت إنه يقول: أقول على العرش استوى، ولكن قال: لا أدري العرش في السماء أو في الأرض فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر (٣).\nقال الإمام الحافظ الذهبي (٤) في كتابه \"العرش\" (٥) روى\n_________\n(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣١ - ٣٣)؛ وبيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٣١ - ٤٣٢)، واجتماع الجيوش الإسلامية (٢١٢ - ٢١٣).\n(٢) الحكم بن عبد اللَّه أبو مطيع البلخي الفقيه صاحب أبي حنيفة، كان بصيرًا بالرأي علامة كبير الشأن، وكان ابن المبارك يعظمه ويجله لدينه وعلمه ولي قضاء بلخ، ومات سنة تسع وتسعين ومائة.\nميزان الاعتدال (١/ ٥٧٤)؛ والجواهو المضية (٤/ ٨٧)؛ والطبقات السنية (٣/ ١٧٨).\n(٣) انظر: الفقه الأكبر بشرح الماتريدي (ص ٢٥) والحموية الكبرى (١١٦ - ١١٧) ضمن النفائس؛ واجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٣٩)، والعلو للذهبي (١٠١) مختصره (١٣٦)؛ وشرح العقيدة الطحاوية (٣٢٢ - ٣٢٣).\n(٤) الإمام الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز شمس الدين أبو عبد اللَّه الذهبي الإمام الحافظ الكبير مؤرخ الإسلام، وشيخ المحدثين وصاحب التصانيف المفيدة منها: كتابه الكبير \"تاريخ الإسلام\" في واحد وعشرين مجلدًا - طبع منه بعض الأجزاء، وسير أعلام النبلاء طبع في ثلاثة وعشرين مجلدا، وتذكرة الحفاظ، والعبر؛ وغيرها كثير، توفى ﵀ سنة ٧٤٨.\nالبداية (١٤/ ٢٢٥)، الوافي (٢/ ١٦٣)؛ وطبقات الشافعية (٩/ ١٠٠).\n(٥) طبع باسم \"العلو للعلي الغفار\" وقد اختصره الشيخ ناصر الألباني وخرج أحاديثه وطبع في المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":356},{"text":"ذلك صاحب \"الفاروق\" (١) بإسناد عن أبي بكر نصير بن يحيى عن الحكم. سمعت (٢) الإمام القاضي تاج الدين عبد الخالق بن علوان (٣) قال: سمعت الإمام أبا محمد عبد اللَّه بن أحمد المقدسي يعني موفق الدين ابن قدامة (٤) مؤلف المغني والمقنع وغيرهما -يقول: \"بلغني عن أبي حنيفة ﵁ أنه قال: \"من أنكر أن اللَّه تعالى في السماء فقد كفر\" (٥).\nوأما الأحاديث فمنها قصة المعراج فهي متواترة، ونجاوز النبي -ﷺ- السموات سماء سماء حتى انتهى إلى محل سمع فيه صريف الأقلام فقربه ربه وأدناه وفرض عليه خمسين صلاة، وتردد بين اللَّه ﷿ وبين موسى ﵇ فسأله موسى ﵇ كم فرض عليك فيخبره فيقول ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف عن أمتك فيصعد إلى ربه فيسأله التخفيف فيحط عنه خمسا إلى أن استقرت الخمس\n_________\n(١) هو: شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري -عبد اللَّه بن محمد- المتوفى سنة ٤٨١ هـ.\n(٢) القائل هو الإمام الذهبي في كتابه العلو (ص ١٠١ - ١٠٢).\n(٣) عبد الخالق بن عبد السلام بن سعيد بن علوان القاضي الإمام تاج الدين أبو محمد المعري ثم البعلبكي الشافعي الأديب، ولي قضاء بلده مدة وكان خيرًا صالحًا متواضعًا زاهدًا حسن الاعتقاد، له نظم ونثر.\nقال الذهبي: \"أكثرت عنه ونعم الشيخ كان\".\nتوفى سنة ست وتسعين وستمائة.\nمعجم الشيوخ للذهبي (١/ ٣٥١ - ٣٥٢).\n(٤) ابن قدامة: تقدم (١/ ٢١١).\n(٥) ذكره ابن قدامة في كتابه إثبات صفات العلو (ص ١١٦ - ١١٧)، ورواه عنه الذهبي في العلو (١٠١، ١٠٢) مختصره (١٣٧).","vol":"1","page":357},{"text":"فأمره موسى بالرجوع ليخفف منها -أيضًا- فقال -ﷺ- قد استحييت من مراجحة ربي، ولكن أمضى وأتوكل فسمع النداء من العلي الأعلى، قد شفعت نبي وخففت عن عبادي وأمضيت فريضتي لا يبدل القول لدي، هن خمس وهي خمسون الحسنة بعشرة أمثالها (١).\nوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لما خلق اللَّه الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي\" (٢).\nوفي لفظ كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده (إن رحمتي تغلب غضبي) والأحاديث في ذلك كثيرة جدًا.\nفمذهب السلف إثبات صفة الإستواء بلا كيف.\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري رقم (٣٢٠٧، ٣٣٩٣، ٣٤٣٠، ٣٨٨٧، ٧٥١٧) (فتح الباري)، ومسلم رقم (١٦٤) (٦٢) في الإيمان والنسائي (١/ ١٧٨) في الصلاة باب فرض الصلاة.\nوانظر: جامع الأصول (١١/ ٢٩٢) وما بعدها، وتفسير ابن كثير (٥/ ١٠٧) وما بعدها في أول تفسير سورة الإسراء.\n(٢) رواه البخاري (٦/ ٣٣١) فتح، ومسلم (٤/ ٢١٠٧)؛ وأحمد (٢/ ٢٥٨ - ٢٦٠، ٣٥٨، ٣١٣، ٣٨١) وابن جزيمة في التوحيد (ص ٨)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٧٠)، والدارقطني في الصفات رقم (١٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٢٥ - ٥٢٥)؛ وقد وقع في النسخة \"ظ\" اضطراب في نص الحديث والمثبت من الأصل.","vol":"1","page":358},{"text":"قال الإمام القرطبي (١)، وابن أبي زيد (٢)، والقاضي عبد الوهاب (٣)، من المالكية، وجماعات من شيوخ أهل الحديث والفقه والإمام ابن عبد البر (٤)، (والقاضي أبو بكر) (٥) (ابن العربي) (٦)، وابن فورك (٧)، أنه سبحانه مستو على\n_________\n(١) القرطبي: تقدم (١/ ٣٠١).\nوالظاهر أن الكلام الآتي هو للقرطبي نفسه يذكر رأى هؤلاء العلماء كما ذكر ذلك في كتابه \"الأسني في شرح أسماء اللَّه الحسنى\"، ونقله عنه مرعي بن يوسف في أقاويل الثقات (ص ١٣٠) ومحمد المغراوي في كتابه \"المفسرون بين التأويل والإثبات\" (١/ ٣٠٦) قال وهو يذكر اختلاف الناس في الاستواء:\nالقول الثامن عشر: قول الطبري وابن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب وجماعة من شيوخ الحديث والفقه. . . إلخ\nوسير بنا رأى القرطبي في الاستواء بعد قليل.\n(٢) هو محمد اللَّه بن أبي زيد عبد الرحمن القيرواني أبو محمد، ولد سنة ٣١٠ شيخ المالكية بالمغرب، كان إمامًا بارعًا في العلوم واسع الثقافة والإطلاع متبعًا طريق السلف الصالح، قال عنه القاضي عياض: حاز رياسة الدنيا والدين، وكان يسمى مالكًا الصغير عني بمذهب مالك فلخصه ونشره وملأ البلاد بتآليفه العظيمة الفائدة.\nذكر القاضي عياض له ما يقارب ثلاثين مؤلفًا ثم قال: وكل تواليفه مفيده، غزيرة العلم، ترفى ﵀ سنة ٣٨٦ هـ بالقيروان.\nترتيب المدارك (٦/ ٢١٥)؛ وسير أعلام النبلاء (١٧/ ١٠)؛ ومقدمة رسالة ابن ابي زيد القيرواني. طبع الجامعة الإسلامية.\n(٣) هو: عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد التغلبي العراقى القاضي، الفقيه المالكي أبو محمد كان فقيهًا متادبًا شاعرًا، توفى بمصر سنة ٤٢٢ هـ.\nتاريخ بغداد (١١/ ٣١ - ٣٢)؛ وترتيب المدارك (٧/ ٢٢٠)؛ وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٢٩).\n(٤) ابن عبد البر تقدم (١/ ١١٩).\n(٥) ما بين القوسين سقط من \"ظ\".\n(٦) في \"ظ\" (وابن العزيز) والمثبت من الأصل ومن أقاويل الثقات (ص ١٣٠) ومن لوامع الأنوار (١/ ٣٠٢).\n(٧) تقدم (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":359},{"text":"العرش (١) بذاته، وأطلقوا في بعض الأماكن فوق عرشه.\nقال القاضي أبو بكر وهو الصحيح الذي أقول به من غير تحديد ولا تمكين ولا مماسة (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -روح اللَّه روحه- \"هو سبحانه مستو على عرشه على الوجه الذي يستحقه سبحانه من الصفات اللائقة به تعالى. . قال فإن قال قائل لو كان فوق العرش للزم إما (٣) أن يكون أكبر من العرش أو أصفر أو مساويا وذلك كله محال ونحو ذلك من الكلام.\nفهذا لم يفهم من كون اللَّه على العرش إلا ما يثبت للأجسام وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم، وأما استواء يليق بجلال اللَّه ويختص به فلا يلزم به شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها، كما يلزم سائر الأجسام وحال هذا مثل قول القائل إذا كان للعالم\n_________\n(١) في \"ظ\" (على عرشه).\n(٢) قلت الظاهر من كلام المصنف هنا أن هذا الكلام هو للقاضي أبي بكر ابن العربي.\nويظهر لي أن المراد بأبي بكر هنا أبو بكر الباقلاني وويده أن القرطبي حينما نقل هذا الكلام في كتابه الأسنى -كما في كتاب \"المفسرون دين الإثبات والتأويل- (١/ ٣٠٧).\nقال: \"قلت وهذا قول القاضي أبي بكر في كتاب \"تمهيد الأوائل له\".\nقلت: وكتاب التمهيد هو لأبي بكر الباقلاني كما هو معروف، وهو من أشهر كتبه.\nوقد نقل منه ابن تيمية في الحموية (ص ١٥٣)، وابن القيم في اجتماع الحيوش الإسلامية (ص ٢٩٩ - ٣٠١)؛ والذهبي في العلو (ص ١٧٤) ما يوافق هذا الكلام. وقد راجعت كتاب التمهيد المطبوع للباقلاني فلم أجد النص فيه، لكن ذكر الشيخ عبد الرحمن الوكيل ﵀ في كتابه \"الصفات الألهية بين السلف والخلف\" (ص ٥٩) أن كتاب التمهيد الذي طبع في القاهرة ناقص وأن الكلام الذي نقله منه ابن تيمية وابن القيم في اثبات الاستواء موجود في نسخه الخطة.\n(٣) ليست في \"ظ\".","vol":"1","page":360},{"text":"صانع فإما أن يكون جوهرًا أو عرضًا وكلاهما محال إذا لا يعقل موجود إلا كذلك\" (١) وقدمنا كلامه فيما مر. . . (٢).\nوأما مذهب الخلف فحملوا قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] على عدة محامل أشهرها عندهم بمعنى استولى (٣) فالاستواء (٤) هو القهر والغلبة، ومعناه الرحمن غلب العرش وقهره، يقال: استوى فلان على الناحية إذا غلب أهلها وقهرهم.\nقال الشاعر:\nقد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق (٥)\nورد بوجهين: أحدهما: أنه تعالى استولى على الكونين، والجنة والنار وأهلها، فأي فائدة في تخصيص العرش بالذكر ولا يكفي في الجواب أنه تعالى حيث قهر العرش على عظمته واتساعه فغيره أولى لأن الأنسب في مقام التمدح بالعظمة التعميم بالذكر لقهره الأكوان الكلية بأسرها ومن جملتها العرش.\n_________\n(١) انظر: الفتوى الحموية؛ الكبرى (ص ١٠٢ - ١٠٣).\n(٢) انظر (١/ ٣٤٩).\n(٣) سيورد المؤلف الرد على من حصله على ذلك.\nوانظر: جواب ابن تيمية ﵀ على ذلك في الفتاوى (٥/ ١٤٤) وما بعدها؛ وجواب ابن القيم عنه في مختصر الصواعق (٢/ ١٢٦ - ١٥٢).\nوانظر أيضًا \"شرح كتاب التوحيد في صحيح البخاري\" للشيخ عبد اللَّه الغنيمان (١/ ٣٥٥) وما بعدها.\n(٤) كذا في الأصل وفي هامش \"ظ\" لعله فالاستيلاء.\n(٥) البيت ينسب للأخطل النصراني ولم أجده في ديوانه، وقال ابن تيمية ﵀: \"ولم يثبت نقل أنه شعر عربي وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه وقالوا إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة\". =","vol":"1","page":361},{"text":"ثانيهما: أن الاستيلاء إنما يكون بعد قهر وغلبة واللَّه تعالى منزه عن ذلك (١).\nوقد سئل الخليل بن أحمد (٢) إمام أهل اللغة والنحو، هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟ فقال: هذا مما لا تعرفه العرب، ولا هو جار في لغتها وكان السائل له في ذلك بشر المريسي (٣).\nوأخرج اللالكائي في السنة عن ابن الأعرابي (٤) أنه سئل عن معنى استوى، فقال: هو على عرشه كما أخبر، فقيل له: يا أَبا عبد اللَّه معناه استولى، قال:\n_________\n= ثم أبطله من عدة وجوه.\nوقال ابن كثير: \"والجهمية تستدل على الاستواء على العرش بأنه الاستيلاء ببيت الأخطل:\nقد استوى بشر.\nوليس فيه دليل، فإن هذا استدلال باطل من وجوه كثيرة.\nقلت: وقد أبطله ابن القيم ﵀ بأكثر من أربعين وجهًا.\nانظر: الفتاوى (٥/ ١٤٦)؛ والبداية (٩/ ٧)؛ ومختصر الصواعق (٢/ ١٢٦، ١٥٢).\n(١) انظر: أقاويل الثقات (ص ١٢٤)؛ والإتقان (٣/ ١٤).\n(٢) الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري أبو عبد الرحمن أحد الأعلام وإمام العربية في زمانه، كان رأسًا في لسان العرب، دينًا ورعًا قانعًا متواضعًا كبير الشأن أول من أنشأ علم العروض وله كتاب الحسين في اللغة، ولد سنة ١٠٠ ومات سنة بضع وستين ومائة وقيل بقي إلى سنة ١٧٠.\nسير أعلام النبلاء (٧/ ٤٢٩)؛ ونزهة الألباء في طبقات الأدباء (ص ٤٥)، طبقات النحويين واللغوين (ص ٤٧).\n(٣) النص في أقاويل الثقات (ص ١٢٤)؛ وانظر: مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٦).\n(٤) ابن الأعرابي: محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي الكوفي أبو عبد اللَّه لغوي نحوي راوية لأشعار العرب نسابة ولد بالكوفة وسمع من المفضل الضبي الدواوين وأخذ عن الكسائي وابن السكيت وثعلب وغيرهم وأخذ عنه الأصمعي، توفى سنة ٣٣١ هـ. طبقات النحويين (١٩٥) ونزهة الألباء (١٥٠) ومعجم المؤلفين (١٠/ ١١).","vol":"1","page":362},{"text":"اسكت لا يقال استولى على الشيء إلا إذا كان له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل استولى\" (١).\nوفي رواية أخرى: واللَّه تعالى لا مضاد له، فهو على عرشه كما أخبر (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس اللَّه روحه-: \"والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن اللَّه مستو على عرشه استواء يليق بجلاله فكما أنه موصوف بالعلم والبصر والقدرة، ولا يثبت لذلك خصائص الأعراض التي للمخلوقين، فكذلك هو فوق عرشه، ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقيه (المخلوق) (٣) على المخلوق تعالى اللَّه عن ذلك\" انتهى (٤).\nوقال القرطبي: \"أظهر الأقوال -وإن كنت لا أقول به ولا اختاره- ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء الأخيار أن اللَّه سبحانه على عرشه كما أخبر في كتابه\n_________\n(١) أخرجه اللآلكائي في السنة (٣/ ٣٩٩) رقم (٦٦٦)؛ والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٢٨٣ - ٢٨٤)؛ ورواه الهروي في كتابه الفاروق كما في الفتح (١٣/ ٤١٧)؛ وابن قدامة في العلو رقم (١٠٥)؛ وذكره ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (٢٦٥)؛ ومرعي بن يوسف في أقاويل الثقات (١٢٤ - ١٢٥) أو ذكره البيهقي في الأسماء والصفات (ص ٥٢٣).\nوقد وقع في \"ظ\" قيل له استولى، والمثبت من الأصل.\n(٢) أخرجها الخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٢٨٣ - ٢٨٤)؛ وليست في السنة لللآلكائي.\n(٣) في المخطوطتين: فوقية المخلوقين وهو خطأ، وما أثبتنا من الحموية.\nومن أقاويل الثقات، وعنهما ينقل الشارح.\n(٤) انظر الفتوى الحموية الكبرى (٥/ ٢٨)؛ وأقاويل الثقات (ص ١٣١)؛ ولوامع الأنوار (١/ ٢٠٦).","vol":"1","page":363},{"text":"بلا كيف بائن من جميع خلقه هذا جملة مذهب السلف الصالح\" انتهى (١).\nوفي قوله ﵀: وإن كنت لا أقول به غاية العجب لأنه اعترف بتظافر الآيات القرآنية عليه ودلالة الأخبار النبوية إليه وتعويل السلف الصالح الأخيار عليه فكيف يليق من مثله أن يقول وإن كنت لا أقول به ولا أختاره مع الدلالات القرآنية والأحاديث النبوية وكونه معتقد الرعيل الأول والحزب الذي عليه المعمول، ولعله إنما خاف من دسائس الحساد ووسواس أهل الزيغ والفساد وإفتراء ذوي البدع والإلحاد واللَّه تعالى الموفق.\nورضي اللَّه ﵎ عن الإمام مالك حيث قال: \"أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد -ﷺ- لجدل هؤلاء (٢) (وكل من هؤلاء مخصوم بمثل ما خصم به الآخر) (٣).\n_________\n(١) هذا كلام القرطبي كما جاء في كتابه \"الأسنى في شرح أسماء اللَّه الحسنى\" ونقله عنه مرعي بن يوسف في أقاويل الثقات (ص ١٣٢)؛ والشيخ محمد المغراوي في كتابه: \"المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات\" (١/ ٣١٠).\nوقد اضطرب رأيه في مسألة الاستواء فبينما يظهر من كلامه إثباتها عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ. . .﴾ [الأعراف: ٥٤] (٧/ ٢١٩) من تفسيره نجده في كتابه الأسنى -كما هنا- لا يقول بالإثبات ولا يختاره، وأما رأيه في بقية الصفات فهو يميل إلى مذهب الأشاعرة من التأويل. للمزيد من التفصيل راجع المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات لمحمد المغراوي (١/ ٢٨٩) وما بعدها.\n(٢) رواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٢٤)؛ والهروي في ذم الكلام كما في صون المنطق (ص ٥٦)؛ وذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ٩٥)؛ وذكره الذهبي في العلو (١٠٣) مختصره (١٤٠).\nوروى الآجري في الشريعة (ص ٥٦) عن مالك نحوه.\n(٣) من قوله: \"وكل من هؤلاء مخصوم. . ليست في الرواية عن مالك في المصادر التي أشرنا إليها. =","vol":"1","page":364},{"text":"فلم يبق إلا الرجوع لما قاله اللَّه ورسوله والتسليم لهما.\nتتمة: ذكر الكمال ابن الهمام (١) الحنفي بحد أن تكلم على الاستواء بما حاصله: \"وجوب الإيمان بأنه استوى على العرش مع نفي التشبيه.\nوقال وأما كون الاستواء بمعنى الاستيلاء على العرش مع نفي التشبيه فأمر جائز الإرادة، إذ لا دليل على إرادته عينًا فالواجب عين ما ذكرنا، نعم إن خيف على العامة عدم فهمهم الاستواء إلا باتصال ونحوه من لوازم الجسمية فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستهلاء، قال: وعلى نحو ما ذكر كما ورد مما ظاهره الجسمية في الشاهد كالأصبع واليد والقدم، فإن الأصبع واليد صفة له تعالى لا بمعنى الجارحة بل على وجه يليق به وهو سبحانه أعلم به.\nقال: وقد تؤل اليد والإصبع بالقدرة والقهر، وقد يؤل \"اليمين\" في قوله -ﷺ-: \"الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض\" (٢) على التشريف والإكرام لما ذكرنا من صرف فهم العامة عن الجسمية.\nقال: وهو ممكن أن يراد ولا يجزم بإرادته على قول أصحابنا أنه من المتشابه وحكم المتشابه انقطاع معرفة المراد منه في هذه الدار، وإلا لكان قد علم\" انتهى كلام ابن الهمام (٣).\n_________\n= وانظر النص في أقاويل الثقات (ص ١٣٢)؛ وفي لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ٢٠٦).\n(١) الكمال ابن الهمام: محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السيواسي ثم الإسكندري كمال الدين المعروف بابن الهمام من علماء الحنفية، فقيه أصولي متكلم مشارك في علوم كثيرة، توفى سنة ٨٦١.\nالأعلام (٦/ ٢٥٥)؛ ومعجم المؤلفين (١٠/ ٢٦٤).\n(٢) الحديث ضعيف وقد تقدم تخريجه (١/ ٣١٥).\n(٣) انظر كلام ابن الهمام هذا في كتابه: \"المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة\" =","vol":"1","page":365},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (ص ٣٣ - ٣٧).\nونقله عنه مرعي بن يوسف في أقاويل الثقات (ص ١٣٢ - ١٣٤).\nقلت: كلام ابن الهمام هذا هو كلام أهل التأويل المخالفين لمنهج السلف ومذهبهم في صفات اللَّه تعالى، وفيه من التناقض والاضطراب ما هو واضح كعادة أهل التأويل في التخرص وتكلف التأويلات البعيدة، ورحم اللَّه الشارح حيث ختم به مبحث الاستواء وسكت عنه ولم يتعقبه بشيء. وسوف أذكر الرد عليه فيما يلي:\n١ - قوله: \"وأما كون الاستواء بمعنى الاستيلاء على العرش مع نفي التشبيه فأمر جائز\".\nونحن نقول إنه غير جائز، وهذا هو كلام أئمة اللغة الخليل بن أحمد، وابن الأعرابي وغيرهم، قالوا: لا يجوز تفسير الاستواء بالاستيلاء.\nوقال ابن تيمية في الإكليل في كلامه على الاستواء: \"ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة، قال بعضهم: ارتفع على العرش، وقال بعضهم: علا على العرش\" (الإكليل ضمن مجموعة الرسائل ٢/ ٣٤).\nوقال ابن القيم ﵀ في مختصر الصواعق (٢/ ١٤٥ - ١٤٦، ١٤٨) \"وظاهر الاستواء العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة وأهل التفسير المقبول فلا يحتمل استواء الرب ﵎ على عرشه المعدى بعلى المعلق بالعرش، المعرف بالألف والام، المعطوف على خلق السموات والأرض بثم مطردًا في موارده بهذا الأسلوب ولا يحتمل إلا معنى واحد لا معنيين\" انتهى ببعض التصرف.\n٢ - وأما قوله: \"إذ لا دليل على إرادته عينا\".\nونحن نقول بل هناك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف تعين المعنى الصحيح وهو استواء اللَّه على عرشه كما أخبر في كتابه استواء يليق بعظمته وجلاله.\n٣ - وأما قوله: \"نعم إن خيف على العامة عدم فهمهم الاستواء إلا باتصال ونحوه من لوازم الجسمية\".\nونحن نقول لا مخافة على العامة من فهم الاستواء بالاتصال ونحوه. فإن كتاب اللَّه وسنة نبيه الكريم قد تلقتهما الأمة بالقبول والتسليم ولم يتطرق إلى أذهان أحد منهم هذا المفهوم الخاطئ، وإنما يخاف على العامة من تأويلات أهل الكلام ودعاويهم الباطلة. روى البخاري في خلق أفعال العباد رقم (٦٣) قال: \"وحذر يزيد بن هارون عن الجهمية وقال: =","vol":"1","page":366},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي\".\nفقال الذهبي في العلو (ص ١١٧): \"والذي وقر في قلوبهم هو ما دل عليه الخطاب مع يقينهم بأن المستوي ليس كمثله شيء، هذا الذي وقر في فطرهم السليمة وأذهانهم الصحيحة\".\n٤ - ثم إن في كلامه هذا تناقضًا ظاهرًا كما هي عادة أهل التأويل فإنه بعد أن ذكر تأويلات الأشاعرة.\nقال: \"وهو ممكن أن يراد ولا يجزم بإرادته على قول أصحابنا أنه من المتشابه وحكم المتشابه انقطاع معرفة المراد منه\".\nونحن نقول: أهل السنة والحمد للَّه يجزمون بما نطق به الكتاب وجاء من عند اللَّه وليس عندهم من الاضطراب والتناقض ما عند أهل الكلام والبدع، فلا يصف اللَّه أعلم باللَّه من اللَّه (أأنتم أعلم أم اللَّه).\nولا يصف اللَّه بعد اللَّه أعلم باللَّه من رسول اللَّه.\nوقد أوضح اللَّه في كتابه أسماءه وصفاته أوضح بيان وكذلك في سنة نبيه الكريم -ﷺ-.\nوقد فهمها المسلمون وآمنوا بها وصدقوا بها ولم يقل أحد منهم إن هذا من المتشابه ولم ينقل عن أحد منهم أنه قال: إن ظاهرها التجسيم والتشبيه، بل آمنوا بها على ظاهرها وعلى حقيقتها على الوجه اللائق باللَّه، وإنما نفوا عدم الكنه والكيفية فهذا الذي لا يعلمه إلا اللَّه.\nوقال ابن القيام ﵀: \"تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانًا وأن العناية بها أهم لأنها من تمام تحقيق الشهادتين وإثباتها من لوازم التوحيد فبينها اللَّه ﷾ ورسوله بيانًا شافيًا، لا يقع فيه لبس يقع للراسخين في العلم، وآيات الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصه من الناس، وأما آيات الصفات فيشترك في فهم معناها الخاص والعام أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية. =","vol":"1","page":367},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ حتى بينه لهم بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nولم يشكل عيه ولا على غيره قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. إلى أن قال: وليس في آيات الصفات وأحاديثها مجمل يحتاج إلى بيان من خارج بل بيانها فيها وإن جاءت السنة بزيادة في البيان والتفصيل\" انتهى.\nالصواعق المرسلة (١/ ٢١٠ - ٢١١)؛ مختصر الصواعق (١/ ٢١).\nوقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان (٧/ ٤٤٢) وما بعدها، وهو يرد على من زعم أن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر.\nقال: \"وهذا قول باطل لا يشك في بطلانه من عنده أدنى معرفة. . . \" ثم قال: \"ولأجل هذه البلية العظمى والطامة الكبرى زعم كثير من النظار الذين عندهم فهم أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها غير لائقة باللَّه لأن ظواهرها المتبادرة منها هو تشبيه صفات اللَّه بصفات خلقه.\nوعقد ذلك المقري في إضاءته في قوله:\nوالنص إن أوهم غير اللائق ... باللَّه كالتشبيه بالخلائق\nفاصرفه عن ظاهره إجماعًا ... واقطع عن الممتنع الأطماعا\nوهذه الدعوى الباطلة من أعظم الافتراءات على آيات اللَّه وأحاديث رسوله -ﷺ-.\nوالواقع في نفس الأمر أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها المتبادرة منها لكل مسلم، راجع عقله هي مخالفة صفات اللَّه لصفات خلقه. . \" إلى أن قال: \"ولا شك أن النبي -ﷺ- عالم كل العلم بأن الظاهر المتبادر مما ممدح اللَّه به نفسه في آيات الصفات هو التنزية التام عن صفات الخلق ولو كان يخطر في ذهنه أن ظاهره لا يليق لأنه تشبيه بصفات الخلق لبادر كل المبادرة إلى بيان ذلك، لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ولا سيما في العقائد، ولا سيما فيما ظاهره الكفر والتشبيه فسكوت النبي -ﷺ- عن بيان هذا يدل على أن ما زعمه المؤلون لا أساس له كما نرى\". انتهى.","vol":"1","page":368},{"text":"فصل في ذكر الصحابة الكرام وذكر التفاضل بينهم رضوان اللَّه تعالى عليهم\nوبدأ الناظم -﵁- بذكر التفاضل بينهم ﵃ فقال:\n(وقل) بلسانك معتقدًا بجنانك.\n(إن خير الناس) وأفضلهم من هذه الأمة التي هي خير الأم وأفضل الأمم بشاهد قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].\nفخير الأمم أمة محمد -ﷺ-، وأفضل أمة محمد (بعد محمد) -ﷺ- (وزيراه) تثنية وزير، والضمير يعود على النبي -ﷺ-.\nقال في القاموس: \"الوزير حباء الملك الذي يحمل ثقله ويعينه برأيه وقد استوزره فتوزر له واوزره، وحاله الوزارة بالكسر ويفتح والجمع وزراء وأوزار\" انتهى (١).\nوفي نهاية ابن الأثير: \"في حديث السقيفة نحن الأمراء وأنتم الوزراء جمع وزير وهو الذي يوازره فيحمل عنه ما حمله من الأثقال، والذي يلتجئ الأمير إلى رأيه وتدبيره، فهو ملجأ له ومفزع\" (٢).\nوقوله: (قدما) أي في ابتداء الأمر والنبوة فهو مفعول فيه، والمراد بهما أبو بكر وعمر ﵄.\nوالإشارة في ذلك إلى حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: \"ما من نبي إلا وله وزيران، وزيران من أهل السماء، ووزيران من أهل\n_________\n(١) القاموس: (٢/ ١٥٩) (وزر).\n(٢) النهاية (٥/ ١٨٠).","vol":"1","page":369},{"text":"الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء: فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض: فأبو بكر وعمر\" (١).\nوأخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس ﵄ أن النبي -ﷺ- قال: \"إن اللَّه تعالى أيدنى بأربعة وزراء اثنين من أهل السماء: جبريل وميكائيل، واثنين من أهل الأرض: أبو بكر وعمر\" (٢).\nوأخرج الطبراني أيضًا عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن لكل نبي خاصة من أصحابه، وإن خاصتي من أصحابي أبو بكر وعمر\" (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٥٩)؛ والترمذي في الجامع (٥/ ٦١٦)؛ وابن عدي في الكامل (٢/ ٥١٧) كلهم عن أبي سعيد مرفوعًا وقال الترمذي: حديث حسن غريب.\nورواه أحمد في فضائل الصحابة (١/ ١٣٤) عن أبي الجحاف مرسلًا وذكر عبد اللَّه بن أحمد عن أَبيه أن الصواب في هذه الرواية هو المرسل، وقال الشيخ ناصر الألباني في تخريج المشكاة (٣/ ١٧١٠) سنده ضعيف.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٤) من طريق آخر عن أبي سعيد مرفوعًا وصححه ووافقه الذهبي.\nقلت: لكن في سنده عطاء بن عجلان الحنفي وهو متروك، وذكره الألباني في ضعيف الجامع (٢/ ١٨٧).\n(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٧٩)؛ وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٦٠)؛ والخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٢٩٨) كلهم عن ابن عباس؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٥١) في إسناده محمد ابن مجيب الثقفي وهو كذاب.\nورواه البزار كما في كشف الأستار (٣/ ١٦٧ - ١٦٨).\nقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٥١) في إسناده عبد الرحمن مالك ابن مغول وهو كذاب.\n(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٩٤) رقم (١٠٠٠٨)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد =","vol":"1","page":370},{"text":"وأخرج ابن عساكر (١) عن أبي ذر ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"إن لكل نبي وزيرين، ووزيراي وصاحباي: أبو بكر وعمر\" (٢).\nودليل خيريتهما وأفضليتهما على سائر أمة محمد بعد محمد -ﷺ-، ما أخرج الشيخان وغيرهما من حدث عمرو بن العاص ﵁ أنه سأل النبي -ﷺ- فقال: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. فقلت من الرجال؟ قال: أبوها. فقلت ثم من؟ فقال: عمر بن الخطاب\" (٣).\nوفي رواية لست أسألك عن أهلك إنما أسألك عن أصحابك.\nوفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ كنا في زمن رسول اللَّه -ﷺ- لا نعدل بأبي بكر أحدًا ثم عمر ثم عثمان ثم نترك أصحاب النبي -ﷺ- لا نفاضل بينهم (٤).\n_________\n= (٩/ ٥٢) وفيه عبد الرحيم بن حماد الثقفي وهو ضعيف.\n(١) ابن عساكر: علي بن الحسن بن هبة اللَّه أبو القاسم، ثقة الدين ابن عساكر الدمشقي المؤرخ المحدث الحافظ الرحالة كان محدث الديار الشامية، له تاريخ دمشق، طبع منه بعض الأجزاء ويعرف بتاريخ ابن عساكر وله مصنفات كثيرة، مات سنة إحدى وسبعين وخمسمائة.\nسير أعلام النبلاء ٢/ ٥٥٤، والأعلام ٤/ ٣٧٣.\n(٢) ذكره السيوطي في الجامع الصغير (١/ ٣٧٢)؛ وعزاه لابن عساكر وزاد في فيض القدير (٢/ ٥١٧) نسبته لأبي يعلى ورمز السيوطي لضعفه؛ وذكره الشيخ ناصر الألباني في ضعيف الجامع (٢/ ١٧٦).\n(٣) رواه البخاري في \"فضائل الصحابة\" باب قول النبي -ﷺ-: \"لو كنت متخذًا خليلا\" (٧/ ٢٢) رقم (٣٦٦٢)؛ وفي المغازي، باب غزوة ذات السلاسل رقم (٤٣٥٨)؛ ومسلم رقم (٢٣٨٤)؛ والترمذي رقم (٣٨٨٥)؛ وابن سعد في الطبقات (٨/ ٦٧).\n(٤) رواه البخاري في فضائل الصحابة باب مناقب عثمان بن عفان ﵁ (٧/ ٦٦) رقم=","vol":"1","page":371},{"text":"وفي رواية عند أبي داود كنا نقول ورسول اللَّه -ﷺ- حي: \"أفضل أمته بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان\" (١).\nورواه الطبراني، وزاد فيبلغ ذلك رسول اللَّه -ﷺ- فلا ينكره (٢).\nوفي صحيح البخاري أيضًا عن محمد بن الحنفية (﵀ ورضي عنه) (٣) قلت لأبي -يعني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: أي الناس خير بعد رسول اللَّه -ﷺ- فقال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، قال: وخشيت أن يقول عثمان، قلت ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا واحد من المسلمين\" (٤).\nوأخرج ابن عساكر عن ابن عمر ﵄ كنا وفينا رسول اللَّه -ﷺ- نفضل أَبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا ﵃ (٥).\nوأخرج أيضًا عن أبي هريرة ﵁، كنا معشر أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-\n_________\n= (٣٦٩٧)؛ (وأبو داود في السنة رقم (٤٦٢٧).\n(١) سنن أبي داود رقم (٤٦٢٨).\n(٢) بهذه الزيادة رواه الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦) رقم (١٣١٣٢)؛ وفي الأوسط كما في مجمع الزوائد (٩/ ٥٨)؛ ورواه أبو يعلى في مسنده (٩/ ٤٥٦) رقم (٥٦٠٤).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٥٨)؛ رجاله وثقوا وفيهم خلاف ورواه عبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (١٣٥٧): وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٦٧ - ٥٦٨)، قال الشيخ ناصر: إسناده صحيح.\n(٣) كذا في الأصل وفي \"ظ\" ﵁.\n(٤) رواه البخاري في فضائل الصحابة، باب قول النبي -ﷺ- لو كنت متخذًا خليلًا. . . \" (٧/ ٢٤) رقم (٣٦٧١).\n(٥) لم أتمكن من تخريجه عند ابن عساكر لأن كتابه \"تاريخ دمشق\" لا يزال مخطوطًا، وهذا =","vol":"1","page":372},{"text":"ونحن متوافرون نقول: أفضل هذه الاُمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت (١).\nوقد تواترت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: \"خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر وعمر\" (٢).\nوأنه قال: \" لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى\" (٣).\nوأخرج الترمذي والحاكم عن عمر ﵁ قال: أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول اللَّه -ﷺ- (٤).\n_________\n= العزو إليه، لكن له شواهد تقدمت قبل قلبل.\n(١) رواه عبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (١٣٥٦) وفي فصائل الصحابة لأبيه من زياداته رقم (٥٢)؛ وابن أبي عاصم في السنة رقم (١١٩٧) وإسناده ضعيف والمحفوظ رواية ابن عمر ﵄ كما تقدم.\n(٢) رواه البخاري في صحيحه عن محمد بن الحنفيه كما تقدم (١/ ٣٧٢). وانظر: السنة لعبد اللَّه بن أحمد (٢/ ٥٨١ - ٥٩٠)؛ وفضائل الصحابة للإمام أحمد (١/ ٧٦ - ٩١)، والسنة بن أبي عاصم (٢/ ٥٦٩ - ٥٧٥).\nوقال ابن تيمية ﵀: وقد تواتر هذا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقال: ويروى هذا عن أمير المؤمنين علي من نحو ثمانين وجهًا، وأنه كان يقوله على منبر الكوفة.\nمجموع الفتاوى (٤/ ٤٢١ - ٤٢٢، ٣/ ١٥٣).\n(٣) رواه عبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (١٣١٢)؛ وفي فضائل الصحابة لأبيه رقم (٤٩)؛ وابن أبي عاصم في السنة رقم (١٢١٩).\n(٤) رواه بهذا القدر الترمذي في المناقب، باب مناقب أبي بكر الصديق رقم (٣٦٥٦)؛ وقال هذا حديث صحيح غريب، والحاكم في المستدرك (٣/ ٦٦) وصححه ووافقه الذهبي.\nورواه ابن حبان في صحيحه -الإحسان- (٩/ ٦) رقم (٦٨٢٣)؛ وله شاهد رواه البخاري في صحيحه طولًا في فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر بعد النبي -ﷺ- (٧/ ٢٣ - ٢٤) =","vol":"1","page":373},{"text":"وروى ابن عساكر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ صعد المنبر ثم قال: \"ألا إن أفضل هذه الأمة بعد نبينا أبو بكر، فمن قال غير هذا فهو مفتر عليه ما على المفتري\" (١).\nتنبيه: أعلم أن أفضل هذه الأمة بالتحقيق أمير المؤمنين خليفة رسول اللَّه -ﷺ- عبد اللَّه أبو بكر الصديق (٢) بن عثمان أبو قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب، يجتمع نسبه مع نسب رسول اللَّه -ﷺ- في مرة بن كعب.\nولقبه رسول اللَّه -ﷺ- بالعتيق، قيل لجمال وجهه، وقيل لأنه عتيق اللَّه من النار، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر ابن عمرو بن كعب بنت عم أَبيه، ماتت هي وأبوه مسلمين رضوان اللَّه عليهما، وكانت وفاة أبي قحافة في خلافة عمر ﵄، وهو أول الناس إيمانًا برسول اللَّه -ﷺ- على قول جموع من أهل العلم.\nوفي سنن الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: قال أبو بكر ﵁: ألست أول من أسلم، ألست صاحب كذا، ألست صاحب كذا. . . (٣) الحديث.\n_________\n= رقم (٣٦٦٧ - ٣٦٦٨) عن عائشة ﵂.\n(١) رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة رقم (١٨٩) وعنه ابنه عبد اللَّه في السنة رقم (١٣٦٤) وانظر: السنة رقم (١٣٦٥) وفضائل الصحابة رقم (٣٩٦).\nوقد وقع في الأصل: \"ما على المفنرين\".\nوما أثبتنا من \"ظ\" ومن السنة ومن فضائل الصحابة.\n(٢) انظر: ترجمة أبي بكر في طبقات ابن سعد (١٣/ ١٦٩)؛ والاستيعاب رقم (١٦٣٣)، وأسد الغابة رقم (٣٠٦٤)؛ والإصابة رقم (٤٨٠٨)؛ ومستدرك الحاكم (٣/ ٦١ - ٨٠)، ومناقبه وفضائله كثيرة جدًّا، وهي مدونة في كتب السنة ﵁ وأرضاه.\n(٣) رواه الترمذي في جامعه في المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر ﵄ رقم (٣٦٦٧) من حديث أبي سعيد، وقال هذا حدث غريب. =","vol":"1","page":374},{"text":"وقيل: بل أول من آمن: علي بن أبي طالب -﵁- ونقل الحاكم اتفاق المؤرخين عليه (١) واستنكر هذا من الحكم (٢).\nوقيل: أول من آمن زيد بن حارثة، وقيل: خديجة، وادعى الثعلبي (٣) الإجماع فيه، وإنما الخلاف فيمن بعدها -وصوبه كثير واستظهره البرماوي (٤) وغيره.\nوقيل: أولهم بلال الحبشي ﵃ أجمعين.\nويروى عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: \"الأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال. وهذا من أحسن ما قيل لجمعه الأقوال\" (٥).\n_________\n= ثم قال: هذا حديث قد رواه بعضهم عن شعبة عن الجريري عن أبي نضرة، قال: قال أبو بكر وهذا أصح ثم ساقه بإسناده إلى أبي نضرة، ولم يذكر أبا سعيد، وقال هذا أصح.\nانظر: تحفة الأحوذي (١٠/ ١٥١).\n(١) ذكره الحاكم في كتابه: علوم الحديث (ص ٢٢ - ٢٣).\n(٢) ممن استنكره ابن الصلاح في مقدمته في علوم الحديث (ص ٢٦٥ - ٢٦٦).\n(٣) الثعلبي: أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري أبو إسحاق مفسر مقرئ، واعظ أديب، من تصانيفه: الكشف والبيان عن تفسير القرآن، توفى سنة ٤٢٧ هـ.\nوفيات الأعيان (١/ ٧٩)؛ وطبقات المفسرين للسيوطي (ص ٢٨)؛ ومعجم المؤلفين (٢/ ٦٠).\n(٤) البرماوي: محمد بن عبد الدائم بن موسى النعيمي العسقلاني الرماوي أبو عبد اللَّه شمس الدين فقيه محدث، أقام مدة في دمشق، وتصدر للافتاء والتدريس بالقاهرة، وتوفى في بيت المقدس سنة ٨٣١ هـ.\nالضوء اللامع (٧/ ٢٨٠)؛ والأعلام (٦/ ١٨٨ - ١٨٩).\n(٥) كما يروى هذا الجمع أيضا عن إسحاق بن راهويه ﵀.\nانظر: تفسير القرطبي (٨/ ٢٣٧)؛ وفتح المغيث (٣/ ١٢٦).","vol":"1","page":375},{"text":"فالصديق الأعظم ﵁ أفضل الصحابة ﵃ وخيرهم بإجماع أهل السنة.\nفقد أجمع الصحابة وأهل السنة والجماعة على أن أفضل الصحابة والناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أبو بكر ﵁ (١)؛ ولي الخلافة بإجماع الصحابة واتفاقهم عليه بعد وفاة رسول اللَّه -ﷺ-، وتوفى وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكانت خلافنه سنتين وأربعة أشهر تعجز عشر ليال، وصلى عليه عمر بن الخطاب، ودفن في الحجرة الشريفة مع رسول اللَّه -ﷺ-، وغسلته زوجته أسماء بنت عميس بوصية منه ﵁ (٢).\n_________\n(١) كتب في هامش \"ظ\": قف على كون الصديق أفضل هذه الأمة بعد نبيها.\n(٢) لم يذكر الشارح -﵀- شيئًا من الأحاديث الصحيحة الواردة في فضل أبي بكر الصديق ﵁ بخصوصه بخلاف ما عرف عن الشارح من التوسع والإطالة في أغلب الموضرعات التي يطرقها، ولعل هذا سهو منه ﵀، أو أنه لم يذكرها لشهرتها.\nهذا وتتميمًا للفائدة، وتنويهًا بشأن أبي بكر ﵁ أذكر فيما يلي جملة من الأحاديث الصحيحة الواردة في فضله ﵁ فأقول: لأبي بكر ﵁ من المآثر والمناقب ما يطول ذكره، وقد اختص بمزايا وخصائص دون غيره من الصحابة فلذلك قدموه وبايعوه ورضوا به خليفة لرسول اللَّه فمن ذلك:\n١ - ما روى البخاري في صحيحه - فتح (٧/ ٢٢) عن جبير بن مطعم ﵁ قال: أتت امرأة للنبي -ﷺ- فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن لم أجدك -كأنها تقول الموت- قال -ﷺ-: إن لم تجديني فأتي أبا بكر\".\n٢ - وقال -ﷺ- لعمر وقد وقع بينه وبين أبي بكر خلاف: \"إن اللَّه بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي - مرتين فما أوذى بعدها\"، رواه البخاري في صحيحه عن أبي الدرداء. فتح (٧/ ٢٢).\n٣ - ورى البخاري أيضًا عن أبي سعيد ﵁ قال: \"خطب رسول اللَّه -ﷺ- الناس وقال: إن اللَّه خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند اللَّه قال فبكى =","vol":"1","page":376},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبو بكر فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول اللَّه -ﷺ- عن عد خير فكان رسول اللَّه هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن أمنَّ الناس عليَّ في صحبته وما له أبو بكر ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أَبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر\" رواه البخاري فتح (٧/ ١٥)؛ ورواه أيضًا عن ابن عباس ﵄ فتح (١/ ٦٦٥) رقم (٤٦٧).\n٤ - وأنابه -ﷺ- في الصلاة بالمسلمين -في مرضه- فقال: \"مروا أبا بكر فليصل بالناس\" متفق عليه من حديث عائشة وأبي موسى ﵃. فتح الباري (٢/ ١٩٢، ٢٧٨)، ومسلم رقم (٤١٨، ٤٢٠).\nوقال فيه عمر بن الخطاب -﵁-: \"أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول اللَّه\" رواه البخاري كما تقدم.\n٥ - وسأل عمرو بن العاص النبي -ﷺ-: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قال: من الرجال؟ قال: أبوها، رواه البخاري كما تقدم\n٦ - وكان رفيقه في الغار وصاحبه في الهجرة: روى البخاري في صحيحه (٧/ ١١) عن أبي بكر -﵁- قال: قلت للنبي -ﷺ- وأنا في الغار لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، قال: ما ظنك يا أبا بكر باثنين اللَّه ثالثهما، وأنزل اللَّه في شأنهما قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. . .﴾ الآية (٤٠) من سورة التوبة.\nوقد أتفق جميع الصحابة رضوان اللَّه عليهم على تفضيله وعلى خلافته. واتفق جماهير المسلين وأئمتهم من أهل السنة والجماعة على ذلك ولا عبرة بخلاف فرق الشيعة وفرق أهل الضلال.\nانظر: الإبانة لابن بطة (٢٥٧ - ٢٥٨)؛ والإبانة للأشعري (١٨٥ - ١٨٨)؛ ومجموع الفتاوى (١١/ ٥٦)؛ وتدريب الراوي (ص ٤٠٧ - ٤٠٨)؛ والباعث الحثيث (١٣٨)؛ وشرح العقدة الطحاوية (٥٣٣)؛ وعقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص ٨٦ - ٨٨)","vol":"1","page":377},{"text":"لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية\n«شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية في عقيدة أهل الآثار السلفية»\n\nتأليف\nالإمام العلامة محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي\n(المتوفى سنة ١١٨٨ هـ)\n\nدراسة وتحقيق\nعبد الله بن محمد بن سليمان البصيري\n\n[الجزء الثاني]","vol":"2","page":null},{"text":"مطلب في الكلام على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁\nثم عمر بن الخطاب ﵁ الذي سماه رسول اللَّه -ﷺ- بالفاروق (١) ﵁ فهو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بكسر الراء والياء التحتية فحاء مهملة بن عبد اللَّه بن قرط بضم القاف وسكون الراء فطاء مهملة ابن رزاح بفتح الراء والزاي فحاء مهملة بعد الألف بن عدي بن كعب بن لؤى بن غالب القرشي العدوي، وأمه حنتمة بفتح الحاء المهملة فنون ساكنة فمثناة فوقية مفتوحه فميم فتاء تأنيث بنت هشام بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم أخت أبي جهل واسمه عمرو بن هشام فهو خال عمر ﵁ (وكنته) (٢) أبو حفص كناه بذلك رسول اللَّه -ﷺ- يوم بدر (٣) ولد الأسد.\nولقبه بالفاروق لأنه فرق بين الحق والباطل لعبادة اللَّه جهرًا بسبب إسلامه، ولم يعبد جهرًا منذ بعث النبي -ﷺ- قبل ذلك.\n_________\n(١) روى أبو نعيم في دلائل النبوة (١/ ٣١٥ - ٣١٧) وفي الحلية (١/ ٤٠) عن ابن عباس أنه سأل عمر لم سميت الفاروق؟\nفذكر قصة إسلامه وإشهاره إسلامه بين الملأ من قريش قال فسماني رسول اللَّه -ﷺ- الفاروق.\nوأخرج ابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٧٠ - ٢٧١) من طريق الواقدي عن عائشة أنها سئلت من سمى عمر الفاروق؟ قالت: رسول اللَّه.\nوذكر ابن الجوزي في مناقب عمر (ص ١٩) أثرًا عن علي ﵁ أنه سئل عن عمر فقال: ذاك امرؤ سماه اللَّه الفاروق فرق بين الحق والباطل.\n(٢) في \"ظ\" وكنية عمر أبو حفص.\n(٣) ذكره ابن الجوزي في مناقب عمر (ص ٩).","vol":"2","page":3},{"text":"وأخرج ابن سعد (١) عن أيوب بن موسى مرسلًا قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن اللَّه جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وهو الفاروق فرق بين الحق والباطل\" (٢) فعبد اللَّه جهرًا ولم يعبد جهرًا قبل ذلك (٣).\nوقد أخرج البخاري وغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر (٤).\nوأخرج ابن سعد عنه -أيضًا- قال: كان إسلام عمر فتحًا وكانت هجرته نصرًا وكانت إمامته رحمة ولقد رأيتنا وما نستطع أن نصل إلى البيت حتى أسلم عمر فقاتلهم حتى تركوا سبيلنا (٥).\nوقال حذيفة بن اليمان ﵁ لما أسلم عمر كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا (قربًا) (٦) ولما قتل كان الإسلام كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعدًا (٧)؛ وكان إسلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في السنة السادسة من البعثة\n_________\n(١) ابن سعد: محمد بن سعد بن منيع أبو عبد اللَّه البغدادي كاتب الواقدي ومصنف الطبقات الكبرى والصغرى وغير ذلك محدث مؤرخ حافظ حجة، توفى سنة ثلاثين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٦٤).\n(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٧٠) ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة (٤/ ١٥١) إلى قوله: فرق بن الحق والباطل مرسلًا كما ذكره المؤلف.\n(٣) هذه الزيادة ليست في الطبقات.\n(٤) رواه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر ابن الخطاب (٧/ ٥١) رقم (٣٦٨٤) وفي مناقب الأنصار باب إسلام عمر (٧/ ٢١٥) رقم (٣٨٦٣).\n(٥) أخرجه ابن سعد في الطبقات (ج ٣/ ٢٧٠).\n(٦) في النسختين: لا يزداد إلا قوة وما أثبتنا من مصادر النص.\n(٧) أخرجه ابن سعد في الطبقات (ج ٣/ ٢٧٢) وابن أبي شيبة (١٢/ ٣٩) والحاكم في المستدرك (٣/ ٨٤) وابن الأثير في أسد الغابة (٤/ ١٥٢) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي =","vol":"2","page":4},{"text":"وعمره يومئذٍ سبع وعشرون سنة وكان إسلامه بعد تسعة وثلاثين رجلًا أو أربعين أو خمسة وأربعين وإحدى عشرة امرأة، ففرح المسلمون بإسلامه وظهر الإسلام بمكة.\nوقد وردت الأحاديث الكثيرة والأخبار الشهيرة بفضائله.\nففي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا (١) إلا سلك فجًا غير فجك\" (٢).\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لقد كان فيمن كان قبلكم من الأمم مُحَدَّثون فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر\" (٣) -أي ملهمون.\nوأخرجه مسلم أيضًا من حديث عائشة ﵂ ولفظه: \"قد كان يكون في الأمم مُحَدَّثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر بن الخطاب\" (٤).\nورواه الترمذي (٥) وقال: حديث حسن صحيح.\nقال الإمام سفيان بن عيينة: محدثون مفهمون.\n_________\n= ولفظه عند ابن سعد والحاكم: كان الإسلام في زمان عشر كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربًا والرواية التي ذكرها المؤلف هي رواية ابن الأثير.\n(١) فجًا: الفج: الطريق الواسع (النهاية. فجج).\n(٢) أخرجه البخاري (٧/ ٥٠ - ٥١) في فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب مناقب عمر بن الخطاب، ومسلم رقم (٢٣٩٦) في فضائل الصحابة باب في فضائل عمر بن الخطاب ﵁.\n(٣) رواه البخاري في صحيحه (٧/ ٥٢) رقم (٣٦٨٩).\n(٤) رواه مسلم رقم (٢٣٩٨) في فضائل الصحابة باب من فضائل عمر بن الخطاب.\n(٥) في جامعه رقم (٣٦٩٣) في المناقب باب مناقب عمر بن الخطاب.","vol":"2","page":5},{"text":"وقال ابن وهب (١) تفسير محَدّثون: ملهمون (٢).\nوقال أبو بكر الصديق ﵁: \"ما على وجه الأرض أحد أحب إليَّ من عمر\" (٣) أخرجه ابن عساكر.\nوقيل لأبي بكر ﵁ ماذا تفول لربك وقد وليت عمر؟ قال: \"أقول له وليت عليهم خيرهم\" أخرجه ابن سعد (٤).\nوقال علي ﵁: \"إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر ما كنا (نبعد) (٥) أن السكينة تنزل إلا على لسان عمر\" أخرجه الطبراني في الأوسط (٦).\nوقال ابن مسعود ﵁: \"لو أن علم عمر وضع في كفة ووضع علم أحياء الأرض في كفة لرجح علم عمر، ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم\" أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم (٧).\n_________\n(١) ابن وهب: عبد اللَّه بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه ثقة حافظ عابد، مات سنة سبع وتسعين ومائة. تقريب (١٩٣).\n(٢) قال الحافظ في الفتح: (مُحَدَّثون) بفتح الدال جمع محدث واختلف في تأويله فقيل ملهم قاله الأكثر قالوا: المحدث بالفتح هو الرجل الصادق الظن وهو من القي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى فيكون كالذي حدثه غيره به وقيل من يجرى الصواب على لسانه من غير قصد. انظر: فتح الباري (ج ٧/ ٦٢) وجامع الأصول (ج ٨/ ٦١٠).\n(٣) ذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء (ص ١٢٠) وابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة (ص ٩٨) ونسباه إلى ابن عساكر.\n(٤) في الطبقات (٣/ ٢٧٤).\n(٥) في النسختين: ما كنا (نعد) وما أثبتنا من مصادر تخريج النص.\n(٦) أخرجه الطبراني في الأوسط -كما في مجمع الزوائد (٩/ ٦٧) وفي تاريخ الخلفاء (١٢٠) وفي الصواعق المحرقة (٩٨). قال الهيثمي إسناده حسن.\n(٧) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ١٧٩) والحاكم في المستدرك (٣/ ٨٦) قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال هذا رجال الصحيح غير أسد بن موسى =","vol":"2","page":6},{"text":"وقال حذيفة ﵁: \"واللَّه ما أعرف رجلًا لا تأخذه في اللَّه لومة لائم إلا عمر\" (١).\nوعلى كل حال فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بعد الصديق الأعظم أفضل هذه الأمة من غير شك ولا مراء بالنص والإجماع (٢) خلافًا للشيعة في زعمهم أن أفضل هذه الأمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وخلافًا للراوندية (٣) في زعمهم أن أفضل الصحابة ﵃ العباس بن عبد المطلب ﵁.\nوأخرج الإمام أحمد والترمذي عن علي.\nوابن ماجة عنه وعن أبي جحيفة.\nوأبو يعلى في مسنده، والضياء في المختارة عن أنس.\n_________\n= وهو ثقة، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\n(١) الأثر ذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء (ص ١٢٠) بدون عزو.\n(٢) انظر: الاتفاق على ذلك في الإبانة لابن بطة (٢٥٩) والإبانة للأشعري (٢٢٣) وعقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (٨٦ - ٨٩) ومجموع الفتاوى (ج ٣/ ١٥٣، ج ١١/ ٥٦) وشرح العقيدة الطحاوية (٥٣٣ - ٥٤٥) والباعث الحثيث (١٨٣) وتدريب الراوي (٤٠٧ - ٤٠٨).\n(٣) الراوندية: ذكرها الأشعري في المقالات في فرق الرافظة وقال: زعموا أن النبي -ﷺ- نص على العباس بن عبد المطلب: ونصبه إمامًا ثم نص العباس على إمامة ابنه عبد اللَّه. . . ثم ساقوا الإمامة حتى انتهوا بها إلى أبي جعفر المنصور.\nوذكر ابن حزم في الفصل أن الراوندية قالوا: لا تجوز الخلافة إلا في ولد العباس بن عبد المطلب.\nانظر: المقالات (١/ ٩٥ - ٩٦)؛ والفصل (٤/ ١٥٤)؛ والفرق بين الفرق (٣٥٠)، وتدريب الراوي (٤٠٧).","vol":"2","page":7},{"text":"والطبراني في الأوسط عن جابر وعن أبي سعيد ﵃ أجمعين أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين\" (١) -يعني أبا بكر وعمر﵄.\nوأخرج الحاكم في الكنى وابنى عدي في الكامل والخطيب (٢) في تاريخه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"أبو بكر وعمر خير الأولين والآخرين وخير أهل السموات وخير أهل الأرض إلا النبيين والمرسلين\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه عن علي الترمذي رقم (٣٦٦٥ - ٣٦٦٦) وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند (١/ ٨٠)؛ وفي فضائل الصحابة رقم (٩٣، وابن ماجة رقم (٩٥) وابن شاهين في السنة رقم (١٤٤) والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ١٩٢) والدولابي في الكنى (٢/ ٩٩) وابن عدي في الكامل (٢/ ٧٨٩) من طرق عن علي ﵁.\nوأخرجه عن أنس الترمذي رقم (٣٦٦٤) وأبو يعلى في مسنده رقم (٥٣٣، ٦٢٤) والضياء في المختارة، كما ذكر الشارح ورواه عن أبي سعيد الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (٩/ ٥٣) والبزار كما في كشف الأستار (٣/ ١٦٨) رقم (٢٤٩٢). ورواه عن جابر الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (٩/ ٥٣). وأخرجه عن أبي جحيفة ابن ماجة رقم (١٠٠)؛ وابن حبان كما في الإحسان (ج ٩/ ١٥) رقم (٦٨٦٥)، والدولابي في الكنى (١/ ١٢٠) من طرق عنه.\nوذكر الحديث الشيخ ناصر الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٤٨٧) رقم (٨٢٤) وقال (ص ٤٩٢): بعد أن ذكر طرقه وشواهده: \"وجملة القول أن الحديث بمجموع طرقه صحيح بلا ريب\".\n(٢) الخطيب: أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي أبو بكر البغدادي من كبار العلماء بالحديث والفقه وله مصنفات كثيرة منها تاريخ بغداد في أربعة عشر مجلدًا، وشرف أصحاب الحديث، والكفابة في علم الرواية\" والجامع لأخلاق الراوي، وآداب السامع وغيرها، توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة. سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٧٠).\n(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٦٠١ - ٦٠٣) والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٢٥٣) من طريق جبرون بن واقد حدثنا مخلد بن حسين. . . وأورد من طريقه حديثًا آخر ثم قال: لا أعرف له غير هذين الحديثين وهما منكران. =","vol":"2","page":8},{"text":"وأخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر والطبراني عن عصمة بن مالك ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب\" (١).\nوأخرج الإمام أحمد والبزار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن اللَّه جعل الحق على لسان عمر وقلبه\".\nوأخرجه الطبراني من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وبلال ومعاوية وعائشة ﵃ (٢).\n_________\n= وقال الذهبي في الميزان (١/ ٣٨٧، ٣٨٨) في ترجمة جبرون هذا: \"متهم فإنه روى بقلة حيا\"، فذكر هذا الحديث والحديث الآخر ثم قال: \"وهما موضوعان\" وأقره الحافظ في اللسان (٢/ ٩٤).\nوذكره الشيخ ناصر الألباني في الضعيفة (٤/ ٢٢٧): وقال موضوع.\n(١) رواه أحمد في المسند (٤/ ١٥٤) وفي فضائل الصحابة رقم (٤٩٨، ٥١٩) وابن شاهين في السنة رقم (١٤١) والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٠٠) والترمذي في جامعه (٥/ ٦١٩) رقم (٣٦٨٦) والحاكم في المستدرك (٣/ ٨٥) كلهم عن عقبة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (٣٢٧). ورواه عن عصمة بن مالك الطبراني في الكبير (١٧/ ١٨٠) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٨): فيه الفضل بن المختار وهو ضعيف.\n(٢) رواه عن أبي هريرة أحمد في المسند (٢/ ٤٠١) وفي فضائل الصحابة رقم (٣١٥، ٥٢٤، ٦٨٤) وأبو يعلى في مسنده كما في الجامع الصغير للسيوطي (١/ ٢٦١) وابن أبي شيبة (١٢/ ٢٥)؛ والبزار كما في كشف الأستار (٣/ ١٧٤) رقم (٢٥٠١).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٦): ورجال البزار رجال الصحيح غير الجهم بن أبي الجهم وهو ثقة.\nورواه عن ابن عمر ﵄ أحمد في المسند (٢/ ٥٣، ٩٥) وفي فضائل الصحابة رقم (٣١٣، ٣٩٥، ٥٢٥) والترمذي في الجامع رقم (٣٦٨٢) وابن شاهين في السنة رقم (٧٨) وإسناده حسن. =","vol":"2","page":9},{"text":"وأخرج الطبراني -أيضًا- والديلمي (١) عن الفضل بن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"الحق بعدي مع عمر حيث كان\" (٢).\n_________\n= ورواه عن أبي ذر ﵁ كل من أحمد في المسند (٥/ ١٤٥، ١٦٥، ١٧٧) وفي فضائل الصحابة رقم (٣١٦ - ٣١٧، ٥٢١، ٦٨٣، ٦٨٧) وابن ماجة رقم (١٠٨) وابن أبي شيبة (٢١/ ١٢) وأبو داود (٣/ ٣٦٥) رقم (٢٩٦٢) وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٨١) والحاكم في المستدرك (٣/ ٨٧) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nورواه عن بلال ﵁ عبد اللَّه بن أحمد في زوائد فضائل الصحابة لأبيه رقم (٥٢٠) والطبراني في الكبير (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩) رقم (١٠٧٧) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٦) وفيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط.\nورواه عن عمر الطبراني في الأوسط -كما في مجمع الزوائد (٩/ ٦٦) قال الهيثمي وفيه علي بن سعيد المقرئ العكاوي ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح.\nورواه عن معاوية الطبراني في الكبير (ج ١٩/ ٣١٢ - ٣١٣)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٦ - ٦٧): فيه ضعفاء سليمان الشاذكوني وغيره.\nورواه عن عائشة الطبراني -أيضًا- في الأوسط كما في مجمع الزوائد (٩/ ٦٧) قال الهيثمي؛ وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو لين الحديث.\nوالحديث صحيح كما مر في تخريجه، وقد ذكره الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٠٣) رقم (١٧٣٢).\n(١) الديلمي: شيرويه بن شهر دار بن شيرويه أبو شجاع، محدث حافظ مؤرخ مصنف \"الفردوس\" في الحديث، وتاريخ همذان، مات في سنة تسع وخمسمائة. سير أعلام النبلاء (١٩/ ٢٩٤).\n(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٢٨٠ - ٢٨١) وفي الأوسط كما في مجمع الزوائد (٩/ ٢٦) والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٨٢، ٤٨٣) وأبو يعلى كما في المجمع -أيضًا- في حديث طويل عن الفضل ابن العباس.\nورواه مختصرًا الديلمي في الفردوس (٣/ ٥٦) رقم (٤١٤٧) وابن شاهين في السنة رقم (٨٢) والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٤٥٦).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٦): وفي إسناد أبي يعلى عطاء بن مسلم وثقه ابن حبان وغيره وضعفه جماعة وبقية رجال أبي يعلى ثقات، وفي إسناد الطبراني من لم أعرفهم. =","vol":"2","page":10},{"text":"وأخرج ابن النجار (١) عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"الصدق بعدي مع عمر حيث كان\" (٢).\nوأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه عن أنس.\nوالإمام أحمد -أيضًا- والشيخان عن جابر.\nوالإمام أحمد عن بريدة وعن معاذ بن جبل ﵃ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش فظننت أني أنا هو. فقلت ومن هو؟ فقالوا: عمر بن الخطاب فلولا ما علمت من غيرتك لدخلته\" (٣).\n_________\n= وقد رواه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٦٨) عن ابن عباس ﵄ وفي إسناده مقال.\n(١) ابن النجار: محمد بن محمود بن حسن بن هبة اللَّه بن محاسن البغدادي محب الدين أبو عبد اللَّه بن النجار عالم بالحديث حافظ مؤرخ له مصنفات كثيرة منها ذيل تاريخ بغداد طبع منه بعض الأجزاء وغيره، مات سنة ثلاث وأربعين وستمائة.\nسير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٣١).\n(٢) ذكره ابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة (ص ٩٨) ونسبه لابن النجار.\n(٣) رواه عن أنس أحمد في المسند (٣/ ١٠٧، ١٧٩، ١٩١، ٢٦٣، ٢٦٩) والترمذي في جامعه في المناقب، باب مناقب عمر بن الخطاب رقم (٣٦٨٨) وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (٩/ ١٩) رقم (٦٨٤٨) وقال الترمذي حديث حسن صحيح.\nورواه عن جابر الإمام أحمد في المسند (٣/ ٣٠٩، ٣٧٢، ٣٨٩ - ٣٩٠)؛ والبخاري في صحيحه في فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب (٧/ ٥٠) رقم (٣٦٧٩) ومسلم في فضائل الصحابة رقم (٢٣٩٥) باب من فضائل عمر ﵄.\nورواه البخاري ومسلم -أيضًا- عن أبي هريرة ﵁.\nورواه عن بريدة الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٥٤، ٣٦٠) والترمذي في جامعه رقم (٣٦٨٩) وقال الترمذي: صحيح غريب.\nورواه عن معاذ بن جبل الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٣٣، ٢٤٥).","vol":"2","page":11},{"text":"وأخرج الترمذي والحاكم عن أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: \"ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر\" (١).\nوُلِيَ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الخلافة بعهد من خليفة رسول اللَّه -ﷺ- الصديق الأعظم أبي بكر الصديق ﵁ يوم توفي وذلك يوم الثلائاء لثمان بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة (فأقام) (٢) بالأمر أتم قيام، وكثرت الفتوحات في أيامه.\nوفي سنة ثلاث وعشرين لما نفر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ من مني أناخ بالأبطح ثم استلقى ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل شهيدًا، وكان قد قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد نبيك، وكان قد قال في خطبته: رأيت كأن ديكًا نقرني نقرة أو نقرتين وإني لأراه حضور أجلي وإن قومًا يأمروني أن استخلف وإن اللَّه لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفى رسول اللَّه -ﷺ- وهو عنهم راضي وقال يشهد عبد اللَّه بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في مناقب عمر ﵁ رقم (٣٦٨٤) والحاكم في المستدرك (٣/ ٩٠)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده بذاك. انتهى.\nوقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\".\nوتعقبه الذهبي بقوله: \"قلت عبد اللَّه ضعفوه وعبد الرحمن متكلم فيه والحديث شبه موضوع\".\nوذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٣/ ٥٣٣) رقم (١٣٥٧) وقال موضوع.\n(٢) كذا في المخطوطتين والصحيح أن يقال: فأقام الأمر أتم قيام أو فقام بالأمر أتم قيام. واللَّه أعلم.\n(٣) انظر هذه النصوص في طبقات ابن سعد (٣/ ٣٣٤) وما بعدها، وفي أسد الغابة (٤/ ١٧٣ - ١٧٤)؛ وفي تاريخ الإسلام للذهبي جزء فيه الخلفاء الراشدون (ص ١٠٤) وما بعدها.","vol":"2","page":12},{"text":"فأصيب ﵁ يوم الأربعاء لأربع بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ضربه أبو لؤلؤة فيروز عبد المغيرة بن شعبة وكان مجوسيًا وكان قد جاء عمر ﵁ يشتكي كثرة ما جعل عليه المغيرة من الخراج فقال: ما خراجك؟ قال: مائة درهم كل شهر، فقال: ما هو عليك بكثير لكثرة صنائعه ثم إنه حقد عليه فطعنه بخنجر ذي رأسين ونصابه في وسطه ثلاث طعنات لما خرج عمر يوقظ الناس لصلاة الفجر وطعن معه اثني عشر رجلًا مات منهم ستة فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبًا فلما اغتم فيه قتل نفسه فصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس صلاة الفجر بعد أن كادت تطلع الشمس بأقصر سورتين وحمل عمر إلى منزله فسقي النبيذ فخرج من جرحه فلم يتبين (١) فسقوه اللبن فخرج ثانيًا فقالوا لا بأس عليك فقال إن يكن في القتل بأس فقد قتلت فجعل الناس يثنون عليه فقال: \"أما واللَّه وددت أني خرجت منها كفافًا لا علي ولا لي، وإن صحبة رسول اللَّه -ﷺ- سلمت لي\".\nثم عهد إلى الستة وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ﵃ أجلهم ثلاثة أيام وأمر صهيبًا أن يصلي بالناس في الثلاثة أيام مدة الشورى.\nودفن سيدنا عمر ﵁ يوم الأحد، وكسفت الشمس يوم موته (٢)\n_________\n(١) كذا في الأصل وفي\" ظ\" فلم يتغير.\n(٢) كسوف الشمس في اليوم الذي مات فيه عمر أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٢٦) عن عبد الرحمن بن يسار، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨): رجاله ثقات.\nوكسوف الشمس في اليوم الذي مات فيه عمر لا يعني أنها كسفت من أجل موته فقد صح أن النبي -ﷺ- قال \"إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن اللَّه تعالى يخوف بهما عباده\" رواه البخاري. انظر فتح الباري (ج ٢ رقم ١٠٤٧ - ١٠٤٨).","vol":"2","page":13},{"text":"وناحت الجن عليه (١)؛ ودفن في الحجرة الشريفة عند صاحبيه بوصية منه وإذن من أم المؤمنين عائشة ﵂ وكان قد أوصى قال: (أوصي الخليفة من بعدي بتقوى اللَّه وأوصيه بالمهاجرين والأنصار وأوصيه بالأمصار خيرًا، وصلى عليه صهيب في المسجد النبوى وخرج الناس يمشون وعبد اللَّه (٢) أمامهم فسلم عبد اللَّه وقال: عمر يستأذن فقالت عائشة ﵂: أدخلوه فأدخل فوضع هناك مع صاحبيه أبي بكر الصديق ﵁ وسيد العالم رسول رب العالمين صلوات اللَّه وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين (٣).\nوقول الناظم قدس اللَّه روحه: (ثم) بعد أبي بكر الصديق وعمر الفاروق اللذين هما وزيرا رسول اللَّه محمد -ﷺ- والخليفتان من بعده فالأفضل بعدهما وخير الناس عقبهما عثمان بن عفان بن أبي العاص واسمه الحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يلتقي نسبه مع نسب النبي -ﷺ- في عبد مناف بن قصي.\nإشارة إلى الصحيح المعتمد من أن عثمان ﵁ يلي وزيري النبي -ﷺ- في الفضيلة فأفضل هذه الاُمة بعد نبيها -ﷺ- أبو بكر الصديق ﵁ ثم عمر الفاروق ﵁ ثم عثمان ذو النورين (الأرجح): من غيره بعد أبي بكر وعمر ﵄ فأرجح أفعل تفضيل من رجح الميزان يرجح مثلثه رجوحًا ورجحانًا: مال، أي فهو أفضل من غيره بعدهما ﵁، ثم علي بن أبي طالب ﵁ كما يأتي الكلام عليه.\n_________\n(١) ذكره ابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٧٤) وابن الجوزي في مناقب عمر (ص ٢١٢).\n(٢) هو: عبد اللَّه بن عمر.\n(٣) انظر: قصة مقتل عمر ﵁ في البخاري (٧/ ٧٤) رقم (٣٧٠٠) وطبقات ابن سعد (٣/ ٣٣٧) والبداية (٧/ ١٣٧) والكامل (٣/ ٢٦) ومناقب عمر لابن الجوزي (ص ٢١٠) وما بعدها.","vol":"2","page":14},{"text":"وهذا قول عامة أهل السنة والجماعة من أهل الحديث والفقه، والكلام من الأثرية والأشعرية والماتريدية وغيرهم (١).\nقال سيدنا الإمام أحمد إمام الأثرية ﵁: \"علي ﵁ رابعهم في الخلافة والتفضيل\" وقال: \"من فضل عليًا على أبي بكر وعمر أو قدمه عليهما في الفضيلة والإمامة دون النسب فهو رافضى مبتدع فاسق\" ذكره القاضي أبو يعلى.\nقال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: \"فإن فضله -يعني عليًا﵁ على عثمان ﵁ فكذلك- (يعني يكون) (٢) رافضيًا مبتدعًا فاسقًا.\nوفي رواية أخرى: أنه لايكون رافضيًا مبتدعًا فاسقًا بتفضيل علي على عثمان ﵄.\nوتبرأ الإمام أحمد ﵁ ممن ضللهم أو أحدًا منهم\" (٣) انتهى.\nفتفضيل الصديق ثم عمر مجمع عليه بين أهل الحق وأما المفاضلة بين عثمان وعلي فمحل خلاف فالأكثرون ومنهم الإمام أحمد والإمام الشافعي وهو المشهور عن الإمام مالك ﵃ أن الأفضل بعد أبي بكر وعمر، عثمان ﵃ ثم علي ﵁ وعنهم أجمعين (٤).\n_________\n(١) تقدم التعريف بهذه الفرق (١/ ١٤٢).\n(٢) ما بين القوسين ساقط من \"ظ\".\n(٣) انظر: مقدمة التميمي في معتقد الإمام أحمد في طبقات الحنابلة (٢/ ٢٧٢) والسنة للخلال (١/ ٣٧٤).\n(٤) وهذا قول جمهور السلف، انظر: معالم السنن (٧/ ١٨) ومجموع الفتاوى (ج ٣/ ١٣٥، ٤/ ٤٢٥ - ٤٢٦) والباعث الحثيث (ص ١٨٣) وفتح الباري (٧/ ٢٠) وفتح المغيث (٣/ ١١٦ - ١١٩) وتدريب الراوي (٤٠٨) ومسلم بشرح النووي (١/ ١٤٨) وإرشاد طلاب الحقائق للنووي (٢/ ٥٩٨ - ٥٩٩).","vol":"2","page":15},{"text":"وجزم الكوفيون ومنهم سفيان الثوري بتفضيل علي على عثمان (١).\nوقيل بالوقف عن التفاضل بينهما وهو رواية عن مالك، فقد حكى أبو بكر المازري (٢) من المالكية عن المدونة أن مالكًا ﵁ سئل أي الناس أفضل بعد نبيهم فقال: أبو بكر ثم عمر ﵄، ثم قال: أو في ذلك شك.\nفقيل له: وعلي وعثمان ﵄؟ فقال: ما أدركت أحدًا ممن اقتدى به يفضل أحدهما على الآخر (٣). انتهى.\nوفي قول الإمام مالك: \"أو في ذلك شك\" يؤيد ما صححناه في \"شرح الدرة\" (٤) كغيرنا أن تفضيل أبي بكر وعمر ﵄ على بقية الأمة قطعي،\n_________\n(١) قول سفيان في تقديم علي على عثمان أسنده الخطابي عنه في معالم السنن (٧/ ١٨) ثم قال: \"وقد ثبت عن سفيان أنه قال في آخر قوليه: \"أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃\".\nوذكر ابن تيمية أنه رجع عنه. انظر: (ج ٤/ ٤٢٦) من الفتاوى ورجوعه إلى تقديم عثمان رواه أبو داود في سننه (ج ٥/ ٢٦ - ٢٧).\n(٢) المازري: محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي في المازري المالكي أبو عبد اللَّه محدث من فقهاء المالكية نسبته إلى مازر بجزيرة صقلية ووفاته بالمهدية سنة ٥٣٦ هـ، من مصنفاته: \"المعلم لفوائد مسلم، والمحصول في الأصول، وكتب في الأدب\".\nانظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٤)؛ والأعلام (٦/ ٢٧٧).\n(٣) انظر: المدونة الكبرى (ج ٤/ ٥٠٩) والرواية الثانية أنه وافق الجمهور كما ذكر المؤلف.\nانظر: الجامع لابن أبي زيد القيرواني (١١٥) والجامع من المقدمات لابن رشد (١٧٤ - ١٧٥) والبيان والتحصيل (ج ١٧/ ٢٢٣ - ٢٢٤) (ج ١٨/ ٤٥٨ - ٤٥٩).\n(٤) الدرة منظومة للشارح ﵀ في العقيدة وعدتها مائتا بيت وبضعة عشر واسمها \"الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية\"، وله عليها شرح سماه \"لوامع الأنوار البهية لشرح الدرة المضية\"، وقد طبع في مجلد كبير.\nوانظر ما يشير إليه الشارح في \"لوامع الأنوار\" (ج ٢/ ٣٥٦).","vol":"2","page":16},{"text":"نعم حكى القاضي عياض عن الإمام مالك أنه رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان ﵁ قال القرطبي وهو الأصح إن شاء اللَّه تعالى (١).\nوقد نقل التوقف الإمام يوسف بن عبد البر عن جماعة من السلف منهم مالك، ويحيى القطان (٢) ويحيى بن معين (٣).\nقال الإمام يحيى بن معين: \"ومن قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وعرف لعلي سابقته وفضله فهو صاحب سنة\" (٤).\nونحن نقول لا شك أن من اقتصر على عثمان ولم يعرف لعلي فضله فهو مذموم، ومن ثم يعلم أن حكاية الإجماع على أن عثمان أفضل من علي ﵄ مدخول (٥) بل الخلاف في ذلك سابق معلوم.\nنعم معتمد محققي أهل السنة أن فضيلة الخلفاء الراشدين على ترتيب الخلافة، وهذا منصوص الإمام أحمد وغيره من أئمة الإسلام، لكن التفضيل في طرف الشيخين قطعي على المعتمد، وقيل ظني كما عند الباقلاني وغيره، والتفاضل بين\n_________\n(١) انظر: فتح المغيث (٣/ ١١٨) وتدريب الراوي (٤٠٨) وانظر المصادر التي أشرنا إليها في (٢/ ١٥) فقرة (٤).\n(٢) يحيى بن سعيد تقدم (١/ ٢٩٠).\n(٣) يحيى بن معين بن عون الغطفاني مولاهم أبو زكريا البغدادي ثقة حافظ مشهور إمام الجرح والتعديل، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين بالمدينة. تقريب (٣٧٩) وسير أعلام النبلاء (١١/ ٧١) وما بعدها.\n(٤) الأثر أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٨٦) وعنه ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٠) وتمامه كما في جامع بيان العلم: \"ومن قال أبو بكر وعمر وعثمان وسلم لعثمان سابقته فهو صاحب سنة، فذكرت له هؤلاء الذين يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان ويسكتون فتكلم بكلام غليظ\".\n(٥) كذا في الأصل وفي لوامع الأنوار، وفي \"ظ\" موجود.","vol":"2","page":17},{"text":"عثمان وعلي ﵄ ظني ومحل خلاف واللَّه ولي الإنصاف (١).\nإذا علمت هذا فاعلم أن عثمان بن عفان ﵁ أمه أروى وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول اللَّه -ﷺ-.\n(وأروى أم عثمان (٢) بنت) كريز بضم الكاف وفتح الراء فزاي مصغر كرز، وكريز بن ربيع بن حبيب بن عبد شمس، ولد عثمان سادس سنة الفيل، وأسلم قديمًا على يد الصديق الأعظم قبل دخول رسول اللَّه -ﷺ- دار الأرقم، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة، وتزوج رقية بنت رسول اللَّه -ﷺ- قبل البعثة فماتت عنده في الثانية من الهجرة عند رجوع النبي -ﷺ- من غزوة بدر العظمى، فلم يشهد عثمان ﵁ بدرًا لتخلفه بإذن رسول اللَّه -ﷺ- ليمرض رقية، فجاء البشير (٣) بنصر البشير (٤) عند دفنها وضرب له رسول اللَّه -ﷺ- بسهمه وأجره ثم زوجه رسول اللَّه -ﷺ- أختها أم كلثوم وماتت عنده أيضًا سنة تسع من الهجرة.\nقال العلماء: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره ولذلك سمي بذي النورين، فهو ﵁ من السابقين الأولين، وأول المهاجرين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، واحد الستة الذي توفي رسول اللَّه -ﷺ- وهو عنهم راض، وأحد الصحابة الذين جمعوا القرآن في المصحف، وأحد الخلفاء الراشدين، وكان جميلًا صوامًا قوامًا، وكثير التلاوة للقرآن العظيم.\n_________\n(١) راجع لوامع الأنوار (٢/ ٣٥٦).\n(٢) في النسختين وأبو أروى أم عثمان والتصحيح من مصادر ترجمة عثمان.\nانظر: الاستيعاب (٨/ ٢٨) والإصابة (٦/ ٣٩١).\n(٣) و(٤) البشير الأولى الرجل الذي أرسله النبي -ﷺ- ليبشر أهل المدينة بالنصر، والبشير الثانية هو النبي -ﷺ-.","vol":"2","page":18},{"text":"وقد أخرج ابن عدي وابن عساكر عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إنا لنشبه عثمان بأبينا إبراهيم\" (١).\nوابن عدي -أيضًا- عن عائشة ﵂ قالت: \"لما زوج النبي -ﷺ- بنته أم كلثوم لعثمان قال لها: \"إن بعلك أشبه الناس بجدك إبراهيم وأبيك محمد -ﷺ-\" (٢).\nوأخرج الشيخان عن عائشة ﵂ أن النبي -ﷺ- جمع ثيابه حين دخل عثمان، وقال: \"ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة\" (٣).\nوأخرج البخاري في صحيحه أن عثمان بن عفان حين حضر أشرف عليهم وقال: أنشدكم اللَّه ولا أنشد إلا أصحاب محمد -ﷺ- ألستم تعلمون أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزتهم ألستم تعلمون أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: من حفر بئر رومة فله الجنة فحفرتها، فصدقوه بما قال\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٧٨٣) وابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة عثمان (ص ٢٤، ٢٨،٩٠)؛ والعقيلي في الضعفاء (٣/ ١٧٣ - ١٧٤) ومن طريقه ابن حجر في لسان الميزان (٤/ ٣١٣ - ٣١٤) في ترجمة عمر بن صالح. . .\nقال العقيلي: عمر بن صالح مدني مجهول بالنقل لا يعرف إلا بهذا ولا يتابع عليه، ثم أورد هذا الحديث من طريقه ثم قال: \"وفي هذه رواية من غير هذا الوجه، فيها لين أيضًا \" أ. هـ.\n(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٧٨٤) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة عثمان (ص ٢٤)؛ وأورده الذهبي في الميزان (٣/ ٢٤٥) في ترجمة عمرو بن الأزهر العتكي وقال: موضوع.\n(٣) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب مناقب عثمان (ج ٧/ ٦٥) دون قوله ألا أستحي من رجل. ومسلم في فضائل الصحابة باب في فضائل عثمان بن عفان (ج ٤/ ١٨٦٦).\n(٤) رواه البخاري رقم (٢٧٧٨) (ج ٥/ ٤٧٧) في الوصايا تعليقًا قال الحافظ: وقد وصله الدارقطني والإسماعيلي وغيرهما.","vol":"2","page":19},{"text":"وبايع رسول اللَّه -ﷺ- يوم بيعة الرضوان تحت الشجرة عنه بيساره فكانت يسار رسول اللَّه -ﷺ- لعثمان خيرًا من يمين نفسه (١).\nوأخرج الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: ذكر رسول اللَّه -ﷺ- فتنة فقال يقتل (هذا) (٢) فيها مظلومًا لعثمان.\nقال الترمذي حديث حسن غريب من هذا الوجه (٣).\nوأخرج أبو نعيم عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"عثمان أحيا أمتي وأكرمها\" (٤).\nوأخرج عن أبي أمامة مرفوعًا: \" (إن) (٥) أشد هذه الأمة بعد نبيها حياء عثمان بن عفان\" (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري في صحيحه (ج ٧/ ٦٦ - ٦٧) باب مناقب عثمان عن ابن عمر وفيه: \"فقال رسول اللَّه -ﷺ- بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان. . .\" ورواه الترمذي في المناقب رقم (٣٧٠٢) عن أنس بن مالك في قصة بيعة الرضوان وفيه: \"فقال رسول اللَّه -ﷺ-: إن عثمان في حاجة اللَّه وحاجة رسوله فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول اللَّه -ﷺ- لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب.\n(٢) (هذا) طمست في المخطوطة وأثبتناها من الترمذي.\n(٣) رواه الترمذي في مناقب عثمان (ج ٥/ ٦٣٠) رقم (٣٧٠٨)؛ وقال: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عمر\".\n(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٥٦) من رواية ابن عمر ﵄ وليس من رواية عمر.\nوذكره السيوطي في الجامع الصغير (٢/ ١٤٧) ورمز لضعفه وذكره الألباني في ضعيف الجامع رقم (٣٦٧٩).\n(٥) ساقطة من \"ظ\".\n(٦) أخرجه أبو نعيم في فضائل الصحابة كما في كنز العمال (١١/ ٥٨٦) عن أبي أمامة، وأخرجه في الحلية (١/ ٥٦) عن ابن عمر ﵄.","vol":"2","page":20},{"text":"وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم عن عائشة ﵂ أن النبي -ﷺ- قال لعثمان: يا عثمان (إن) (١) اللَّه وفي لفظ: \"لعل اللَّه مقمصك\" وفي لفظ \"يقمصك قميصًا فإن أرادوك خلعه فلا تخلعه حتى يخلعوه\" وفي لفظ \"فلا تخلعه حتى تلقاني\" (٢).\nوأخرج الترمذي عن أبي سهلة قال: سمعت عثمان ﵁ يقول يوم الدار إن رسول اللَّه -ﷺ- عهد إلىَّ عهدًا فأنا ممتثل له وصابر عليه إن شاء اللَّه، فصبر حتى قتل ﵁ شهيدًا\" (٣).\nقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\nواستشهد ﵁ في داره سنة خمس وثلاثين في وسط أيام التشريق، وصلى عليه الزبير وكان أوصى إليه، ودفن في حش كوكب بالبقيع، وهو أول من دفن في حش كوكب، والحش بالحاء المهملة والشين المعجمة البستان، وضم الحاء أجود من كسرها، وكوكب اسم رجل من الأنصار.\nوكانت مدة خلافته اثنتي عشرة سنة تحجز سبعة عشر يومًا، ومدة حصاره في\n_________\n(١) ساقطة من النسختين وأثبتناها من مصادر تخريج الحديث.\n(٢) رواه أحمد في المسند (٦/ ٧٥، ٨٧، ١٤٩، ١١٤) والترمذي رقم (٣٧٠٥) وابن ماجة رقم (١١٢) والحاكم في المستدرك (٣/ ٩٩ - ١٠٠) عن عائشة ﵂ من طرق، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦/ ٢٩٧ - ٢٩٨) رقم (٧٨٢٤).\n(٣) أخرجه الترمذي في جامعه رقم (٣٧١١) ولفظه: \"أن رسول اللَّه -ﷺ- قد عهد إليَّ عهدًا فأنا صابر عليه\".\nوقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن أبي خالد\" أهـ.\nوالرواية التي أوردها الشارح جاءت في جامع الأصول (٨/ ٦٤٥).","vol":"2","page":21},{"text":"داره إلى أن استشهد تسعة وأربعون يومًا وقيل شهران، واستشهد وهو صائم يومئذ، وهذا يؤيد كون ذلك بعد أيام التشريق أو قبلها، فقد قيل كان قتله لثمان عشرة من ذى الحجة أو لسبع عشرة، وقيل لثمان خلون من يوم التروية، وقيل لليلتين بقيتا منه.\nوقدم في جامع الأصول لابن الأثير (١) وفي \"الزهر البسام\" (٢) للبرماوي أنه قتل في ثمانية عشر من ذي الحجة (٣) وله يومئذ من العمر اثنان وثمانون عامًا وقيل تسعون.\nويروى أن المصحف الشريف كان منشورًا بين يديه يقرأ فيه فوقعت قطرة من دمه على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧].\nوأخرج الحاكم عن الشعبي ﵀ قال ما سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك ﵁:\nفكف يديه ثم أغلق بابه ... وأيقن أن اللَّه ليس بغافل\nوقال لأهل الدار لا تقتلوهم ... عفى اللَّه عن كل امرئ لم يقاتل\nفكيف رأيت اللَّه صب عليهم ... العداوة والبغضاء بعد التواصل\nوكيف رأيت الخير أدبر بعده ... عن الناس إدبار الرياح الجوافل (٤)\n_________\n(١) راجعت مظانه في جامع الأصول فلم أجده.\n(٢) \"الزهر البسام فيما حوته عمدة الأحكام من الأنام لمحمد بن عبد الدايم البرماوي\" ذكره صاحب كشف الظنون (٢/ ٩٥٨ - ٩٥٩).\nوقد تقدمت ترجمة البرماوي (١/ ٣٧٥).\n(٣) وهو قول الجمهور وصححه ابن كثير وغيره، راجع تاريخ الطبري (٤/ ٤١٥) والبداية (٧/ ١٩٠)؛ وأسد الغابة (٣/ ٥٩٣).\n(٤) الرواية أخرجها الحاكم في المستدرك (٣/ ١٠٥ - ١٠٦) وهي في ديوان كعب (ص ٥٣) ببعض الاختلاف.\nوأوردها ابن كثير في البداية (٧/ ١٩٦).","vol":"2","page":22},{"text":"قال الناظم ﵀ ورضي عنه: (ورابعهم): أي رابع الخلفاء الراشدين المتقدم ذكرهم، وهم أبو بكر وعمر وعثمان ﵃.\n(خير البرية): أي الخلق يقال برأه اللَّه يبروه بروا أي خلقه ويجمع على البرايا والبريات، ومن قال إن أصله مهموز من برأ اللَّه الخلق يبرؤهم أي خلقهم ثم ترك الهمز تخفيفًا فجمعه برييات وبريات وبرايا كخطايا، يعني أن الإمام أمير المؤمنين خير الخلق من هذه الأمة (بعدهم) أي بعد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃.\n(علي) بن أبي طالب الأنزع البطين (١) إمام الهدى و(أبو) (٢) الحسنين ابن أبي طالب عم (٣) سيد الكونين، واسمه عبد مناف من غير مين بن عبد المطلب جد إمام المرسلين وخاتم النبيين.\nواسم عبد المطلب شيبة الحمد (٤) قاله ابن إسحاق (٥).\n_________\n(١) الأنزع البطين: الأنزع الذي ينحسر شعر مقدم رأسه مما فوق الجبين والبطين أي العظيم البطن.\nوقيل معناه: الأنزع من الشرك المملؤ البطن من العلم والإيمان النهاية (١/ ١٣٧، ٥/ ٤٢)، ولوامع الأنوار (٢/ ٣٣٥).\n(٢) في النسختين وجد الحسنين وكتب في هامش \"ظ\" صوابه وأبو، وهو الصواب.\n(٣) في \"ظ\" ابن عم.\n(٤) في سيرة ابن هشام (١/ ٩): \"واسم عبد المطلب: شيبة\".\nوقال ابن كثير سمي شيبة الحمد لجوده. انظر: الاستيعاب (١/ ٥٣) والبداية (٢/ ٢٥٣).\n(٥) ابن إسحاق: محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي والسير العلامة الحافظ الأخباري صاحب السيرة النبوية، مولده سنة ثمانين بالمدينة، ووفاته سنة خمسين ومائة. سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٣) وما بعدها، وتقريب (٢٩٠).","vol":"2","page":23},{"text":"وقال ابن قتيبة (١) اسمه عامر (٢) ورده ابن عبد البر (٣) وكنيته أبو الحارث أكبر أولاده، ويكنى أيضًا بأبي البطحاء، وإنما قيل له عبد المطلب لأن عمه المطلب أردفه حين أتي به من عند (خؤولته) من المدينة صغيرًا وكان في هيئة رثة فكان إذا قيل له من هذا؟ قال: عبدي لرثاثة هيئته (٤) وهو ابن هاشم واسمه عمرو، واسم عبد مناف المغيرة، وإسم قصي زيد وقيل يزيد، واسم كلاب حكيم وقيل عروة -ابن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، إلى هنا إجماع (٥) الأمة (٦) واختلفوا فيما بعد ذلك إلى آدم اختلافًا كثيرًا، واتفقوا على أنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام.\nيجتمع نسب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع النبي -ﷺ- في جده عبد المطلب فهو ابن عمه -ﷺ- وأم علي ﵁ فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا في الإسلام، وقد أسلمت وهاجرت.\n_________\n(١) ابن قتيبة: عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد العلامة الكبير ذو الفنون، صاحب التصانيف قال الخطيب: كان ثقة دينًا فاضلًا، وقال الذهبي: \"وكان رأسًا في علم البيان العربي والأخبار وأيام الناس\" من تصانيفه: \"تأويل مختلف الحديث\" ط، \"مشكل القرآن\" ط، \"غريب القرآن\"، \"غريب الحديث\" ط، \"المعارف\" ط، \"أدب الكاتب\"، \"عيون الأخبار\" وغيرها توفي سنة ٢٧٦ هـ. تاريخ بغداد (١٠/ ١٧٠ - ١٧١) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٦ - ٣٠٢).\n(٢) انظر: المعارف لابن قتيبة (ص ٧٢).\n(٣) الاستيعاب (١/ ٥٣).\n(٤) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ١٤٦ - ١٤٧) والبداية (٢/ ٥٣)؛ وسبل الهدى والرشاد (١/ ٣٠٨ - ٣٠٩).\n(٥) كذا في الأصل وفي \"ظ\": \"أجمع الأمة\" وكتب في الهامش: لعله: إجماع.\n(٦) المناسب أن يقول: إلى هنا إجماع أهل النسب والتاريخ والسير.","vol":"2","page":24},{"text":"وقول الناظم رحمه اللَّه تعالى في وصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: (حليف الخير) بالحاء المهملة المفتوحة وكسر اللام كأمير أصله المحالف والمراد به هنا الملازم للخير المواخي له، الذي إذا وجد وجد معه ويفقد بفقدانه، ومنه قول أخت الوليد بن طريف الشاري الخارجي فيه -واسمها الفارعة وقيل فاطمة، وكانت تجيد الثسعر وتسلك طريق الخنساء في مراثيها لأخيها صخر فقالت في أخيها من قصيدة:\nحليف الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لا يرضى الندى بحليف (١)\nوزيد حليف اللسان حديده\n(بالخير): وهو ضد الشر، والمال الكثير منه، واسم جامع لكل منتفع به، والكثير الخير يقال له خير ككيس وهي بهاء والجمع أخيار وخيارًا.\n(منجح): اسم فاعل من نجحت الحاجة وأنجحت وأنجحها اللَّه والنجاح بالفتح الظفر، والنجح بالضم الظفر بالشيء وأنجح زيد صار ذا نجح وهو منجح والجمع مناجيح ومناجح،، وتنجح الحاجة واستنجحها والنجيح الصواب من الرأي ونجح فلان وأنجح إذا أصاب طلبته، وأنجح أمره تيسر وسهل إشارة إلى ما كان عليه من الظفر بالأقران وموالاة أهل الإيمان، والاعتناء بمكارم الأخلاق، ومزيد الكرم بالأرزاق، وتيسر أموره من الظفر والإنجاح، وأنه لكل مغلق من الخير مفتاح، فرضي اللَّه عنه وأرضاه وبوأه غرف الجنان، ومن أولاه من أهل الحق، وقمع من عاداه، وإذ قد عرفت أنه أقرب الخلفاء الراشدين من الرسول نسبًا وأمسهم رحمًا أمًا وأبًا،\n_________\n(١) البيت في وفيات الأعيان (٦/ ٣٢ - ٣٣) من قصيدة للفارعة بنت طريف بن الصلت في رثاء أخيها الوليد.","vol":"2","page":25},{"text":"فاسمع الآن ما نذكره من مناقبه ومزاياه وما ثبت من فضائله عن رسول اللَّه -ﷺ- وعلى آله وجميع أصحابه ومن والاه.\nفقد قال سيدنا الإمام أحمد ﵁: \"ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي ﵁ وأرضاه\" (١).\nوكذا قال إسماعيل القاضي (٢) والنسائي (٣)؛ وأبو علي النيسابوري (٤): \"لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في علي ﵁\" (٥).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٠٧) وابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ٣١٩) وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (٨/ ١٨١) وابن حجر في الإصابة (٧/ ٥٧) وفي فتح الباري (٧/ ٨٩) وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء (١٦٨).\n(٢) إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الأزدي مولاهم البصري المالكي أبو إسحاق، قاضي بغداد وصاحب التصانيف مولده سنة تسع وتسعين ومائة، واعتنى بالعلم من الصغر، قال الخطيب: كان عالمًا متقنًا فقيهًا شرح المذهب واحتج له وصنف المسند وصنف علوم القرآن استوطن بغداد وولي قضاءها إلى أن توفى وتقدم حتى صار علمًا ونشر مذهب مالك بالعراق، ومات سنة اثنتين وثمانين ومائتين، تاريخ بغداد (٦/ ٢٨٤) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٩).\n(٣) النسائي: أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني النسائي صاحب السنن أبو عبد الرحمن الإمام الحافظ الثبت كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبصر ونقد الرجال وحسن التأليف مولده سنة خمس عشرة ومائتين بنسا، وتوفى بفلسطين سنة اثنتين وثلاثمائة، سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٢٥) وتهذيب الكمال (١/ ٣٢٨).\n(٤) أبو علي النيسابوري: \"الحسين بن علي بن يزيد بن داود النيسابوري أبو علي أحد النقاد ولد سنة سبع وسبعين ومائتين، وهو شيخ الحاكم النيسابوري، وكان من أهل الحفظ والإتقان، توفي سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥١).\n(٥) انظر: الاستيعاب (٨/ ١٨١) وفتح الباري (٧/ ٨٩) ولوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٣٣٩).","vol":"2","page":26},{"text":"قال بعض المحققين سبب ذلك -واللَّه أعلم- أن اللَّه أطلع نبيه -ﷺ- على ما سيكون بعده مما ابتلى به أمير المؤمنين علي ﵁ وما وقع له من الاختلاف لما آل إليه أمر الخلافة فاقتضى ذلك نصح الأمة بإشهار الرسول -ﷺ- لتلك الفضائل لتحصل النجاة لمن تمسك به ممن بلغته، ثم لما وقع ذلك الاختلاف والخروج عليه نشر من سمع من الصحابة تلك الفضائل وبثها نصحًا للأمة ثم لما اشتد الخطب واشتغلت طائفة من بني أمية بتنقيصه وسبه حتى على المنابر ووافقهم على ذلك الخوارج اشتغلت جهابذة العلماء والحفاظ من أهل السنة ببث فضائله حتى كثرت نصحًا للأمة ونصرة للحق (١).\nوقد أخرج السلفي (٢) في \"الطيوريات\" (٣) (٤) عن أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن الإمام أحمد ﵄ قال: سألت أبي عن علي ومعاوية فقال: \"اعلم أن عليًا ﵁ كان كثير الأعداء ففتش (٥) أعداؤه شيئًا فلم يجدوا فجاؤا إلى رجل قد حاربه وقاتله فناصروه كيادًا منهم له، ﵁\".\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (٧/ ٨٩)؛ ولوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٣٣٩).\n(٢) السلفي: أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الأصبهاني الجرواني، أبو طاهر الحافظ الكبير المعمر، مولده سنة خمس وسبعين وأربعمائة، رحل في طلب الحديث وله في ذلك رحلة واسعة ثم صارت الرحلة إليه وله أمالي وكتب وتعاليق كثيرة جدًا. توفي سنة ست وسبعين وخمسمائة. سير أعلام النبلاء (٥/ ٢١)؛ والبداية (١٢/ ٣٠٧).\n(٣) الطيوريات: انتخابه من أصول كتب الشيخ أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي الطيوري.\nمنه نسخة في سبعة عشر جزء في الظاهرية بدمشق حديث (٢٢٩) (١ - ٢٨٦) (فهرس الظاهرية المنتخب من مخطوطات الحديث للشيخ ناصر الدين الألباني).\n(٤) كتب في هامش مخطوطة \"ظ\": \"قوله: الطيوريات: تخريج الحافظ أبي طاهر السلفي. تقرير.\n(٥) انظر: لوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٣٣٩).","vol":"2","page":27},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه: \"الكل مقر بأن معاوية ليس كفوًا لعلي ﵄ في الخلافة قال ولا يجوز أن يكون معاوية خليفة مع إمكان استخلاف علي ﵁ لسابقته وعلمه ودينه وشجاعته وسائر فضائله فإنها كانت عندهم ظاهرة معروفة كفضل إخوانه أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ولم يكن بقى من أهل الشورى غيره وغير سعد لكن سعدًا كان قد أسقط حقه من هذا الأمر فانحصر الأمر في أمير المؤمنين علي وعثمان ﵄ فلما توفى عثمان لم يبق لها معين إلا علي ﵁ انتهى كلامه ملخصًا (١).\nوقال سيدنا الإمام أحمد ﵁: \"إن عليًا رضوان اللَّه عليه لم تزنه الخلافة ولكن علي زانها\" (٢).\nوروى الشعبي قال: \"دخل أعرابي على علي ﵁ حين أفضت إليه الخلافة فقال: واللَّه يا أمير المؤمنين لقد زنت الخلافة وما زانتك ورفعتها وما رفعتك ولهي كانت أحوج إليك منك إليها\" (٣).\nقال أبو عبد اللَّه بن بطة (٤) رحمه اللَّه تعالى: \"قد أحسن الأعرابي وصدق فيما قال فإن عليًا ومن تقدمه من الخلفاء ﵃ زينوا الخلافة وجملوا أمة محمد -ﷺ- وأتموا الدين (٥) وأظهروه، وأسسوا الإسلام وأشهروه\".\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى (ج ٣٥/ ٧٣ - ٧٤) لوامع الأنوار (٢/ ٣٣٩).\n(٢) التبصرة لابن الجوزي (١/ ٤٤٩) ولوامع الأنوار (٢/ ٣٤٦).\n(٣) روى ابن الأثير في أسد الغابة عن المدائني نحوه. انظر: أسد الغابة (٤/ ١١٣).\n(٤) ابن بطة تقدم (١/ ١٠٥).\n(٥) قد أكمل اللَّه الدين وأتمه في حياة نبيه -ﷺ- كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا. .﴾ [المائدة: ٣] لكن المقصود أنهم أتموا نشر الإسلام والدعوة إليه.","vol":"2","page":28},{"text":"وأنشد أبو الفرج ابن الجوزي في تبصرته في حق علي ﵁:\nما زانه الملك إذ حواه ... بل كل شيء به يزان\nجرى ففات الملوك سبقًا ... فليس قدامه عنان\nنالت يداه ذرى معال ... يعجز عن مثلها العيان (١)\nوهو أخ لرسول اللَّه -ﷺ- بالمواخاة.\nفأخرج الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: \"لما آخا رسول اللَّه -ﷺ- بين أصحابه جاءه علي تدمع عيناه فقال له يا رسول اللَّه آخيت بين أصحابك ولم تواخ بيني وبين أحد قال: فسمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول له: \"أنت أخي في الدنيا والآخرة\" (٢) حديث حسن.\nوأخرج أيضًا عن زيد بن أرقم أو أبي شريحة شك شعبة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"من كنت مولاه فعلي مولاه\" (٣) وقال: حديث حسن.\nوفي مسند الإمام أحمد والصحيحين وسنن الترمذي وغيرها من حديث سعد ابن أبي وقاص ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- خلف علي بن أبي طالب ﵁ في غزوة تبوك فقال: يا رسول اللَّه أتخلفني في النساء والصبيان فقال:\n_________\n(١) الأبيات في التبصرة لابن الجوزي (١/ ٤٤٩) وانظر لوامع الأنوار (٢/ ٣٤٦).\n(٢) أخرجه الترمذي في المناقب باب مناقب علي بن أبي طالب (ج ٥/ ٦٣٦) رقم (٣٧٢١) وقال: \"هذا حديث حسن غريب، وفي الباب عن زيد بن أبي أوفى\".\nوقال الشيخ ناصر في تخريج المشكاة (٣/ ١٧٢٠ - ١٧٢١) رقم (٦٠٨٤): إسناده ضعيف.\n(٣) أخرجه الترمذي في المناقب رقم (٣٧١٣) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وقال الألباني: \"إسناده صحيح على شرط الشيخين\". راجع سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٧٥٠).","vol":"2","page":29},{"text":"\"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي\".\nولمسلم: \"أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي\".\nوقال سعيد بن المسيب أخبرني بهذا عامر بن سعد عن أبيه قال: فأحببت أن أشافه سعدًا فلقيته فقلت أنت سمعته من رسول اللَّه -ﷺ- فوضع أصبعيه على أذنيه فقال: نعم وإلا فاستكًتا\" (١).\nوأخرج الترمذي وقال: حسن صحيح من حديث عمران بن الحصين وحديث حبشي بن جنادة أن رسول -ﷺ- قال: \"علي مني وأنا من علي ولا يؤدي عني إلا علي\" (٢).\nورواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب مناقب علي بن أبي طالب (ج ٧/ ٨٨) رقم (٣٧٠٦) وفي المغازي باب غزوة تبوك (ج ٧/ ٧١٦) رقم (٤٤١٦) ومسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل علي بن أبي طالب رقم (٢٤٠٤) وأحمد في المسند (١/ ١٧٠، ١٧٧، ١٧٩، ١٨٢، ١٨٤ - ١٨٥) والنسائي في خصائص علي (ص ٦٧) وما بعدها، والترمذي في المناقب رقم (٣٧٣١) وابن ماجة في المقدمة (١/ ٤٢، ٤٣)؛ وابن أبي شيبة في المصنف (١٢/ ٦٠ - ٦١). ومعنى قوله في الحديث: وإلا فاستكّتا: هو بتشديد الكاف: أي صُمّتا، شرح صحيح مسلم للنووي (٥/ ١٧٥).\n(٢) أخرجه عن حبشي بن جنادة الترمذي رقم (٣٧١٩) وأحمد في المسند (٤/ ١٦٤ - ١٦٥) والنسائي في خصائص علي رقم (٧٤)؛ وابن ماجة رقم (١١٩) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nوذكره الألباني في صحيح الجامع رقم (٣٩٧٠) وحسنه وأخرجه عن عمران بن حصين الترمذي رقم (٣٧١٢) وفيه قصة وفي آخره قال النبي -ﷺ-: \"إن عليًا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي\". وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان، وصحح إسناده الألباني في تخريج المشكاة رقم (٦٠٨١).","vol":"2","page":30},{"text":"وأخرج مسلم عن علي ﵁ قال: \"والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إليَّ أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق\" (١).\nوأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: \"كنا نعرف المنافقين ببغضهم عليًا\" (٢).\nوفي الصحيحين عن سهل (٣) بن سعد الساعدي وغيره أن رسول اللَّه -ﷺ- قال يوم خيبر: \"لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح اللَّه على يديه يحب اللَّه ورسوله ويحبه اللَّه ورسوله قال فبات الناس يدوكون ليلتهم -أي يخوضون ويتحدثون أي باتوا ليلتهم في حزر وتخمين يقال داك القوم وقعوا في اختلاط ووقعوا في دوكه ويضم شر وخصومة وتداوكوا تضايقوا في ذلك كما في القاموس أي يتخاصمون (٤) -أيهم يعطاها فقال أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يا رسول اللَّه يشتكى عينيه. قال: فأرسلوا إليه فأتى به فبصق في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال علي: يا رسول اللَّه أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللَّه ﷿ فيه فواللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم\" (٥).\n_________\n(١) رواه مسلم في صحيحه في الإيمان رقم (٧٢) باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي ﵃ من الإيمان.\n(٢) أخرجه الترمذي في مناقب علي رقم (٣٧١٧) وقال: \"هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث أبي هارون وقد تكلم شعبة في أبي هارون.\n(٣) في الأصل: عن سعيد بن سعد والمثبت من \"ظ\" وهو الصحيح.\n(٤) هذا الشرح للمؤلف والمناسب أن يجعله بعد نهاية الحديث.\n(٥) رواه البخاري (٧/ ٨٧) في فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب مناقب علي بن أبي طالب. ومسلم رقم (٢٤٠٦) في فضائل الصحابة باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁.","vol":"2","page":31},{"text":"وفي حديث أبي هريرة عند مسلم قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ. قال فتساورت -أي تطاولت لها- رجاء أن أدعى لها قال: فدعى رسول اللَّه -ﷺ- علي بن أبي طالب ﵁ فأعطاه إياها وقال إمشي ولا تلتفت حتى يفتح اللَّه عليك قال فسار علي شيئًا ثم وقف ولم يلتفت فصرخ برسول اللَّه -ﷺ- على فإذا أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه فإذا فعلوا فقد منعوا منك دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه\" (١).\nوفي الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي \"أن النبي -ﷺ- وجد عليًا مضطجعًا في المسجد وقد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب فجعل النبي -ﷺ- يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب قم أبا تراب\" (٢).\nفلذلك كانت هذه الكنية أحب الكنى إليه لأنه -ﷺ- كناه بها.\nوقد قال عمر بن الخطاب ﵁: علي ﵁ أقضانا (٣) أخرجه ابن سعد.\nوأخرج الحاكم عن ابن مسعود ﵁ قال: \"أقضى أهل المدينة علي\" (٤).\n_________\n(١) رواه مسلم رقم (٢٤٠٥) في فضائل الصحابة باب من فضائل علي ﵁.\nوقد رواه البخاري ومسلم من رواية سلمة بن الأكوع ﵁. انظر: جامع الأصول (٨/ ٦٥٦).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في فضائل أصحاب النبي -ﷺ- (ج ٧/ ٨٧ - ٨٨) رقم (٣٧٠٣) ومسلم في فضائل الصحابة رقم (٢٤٠٩).\n(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٣٩).\n(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٣٥) وابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٣٩) وانظر الاستيعاب (٨/ ١٥٥) وما بعدها، وأسد الغابة (٤/ ١٠٠).","vol":"2","page":32},{"text":"وأخرج ابن سعد عن ابن عباس ﵄ قال: \"إذا حدثنا الثقة عن علي الفتيا لا نعدوها\" (١).\nوأخرج عن سعيد بن المسيب قال كان عمر بن الخطاب يتعوذ باللَّه من معضلة ليس لها أبو حسن\" (٢) -يعني عليًا﵃.\nوقال ابن عباس ﵄: \"كان لعلي ما شئت من ضرس قاطع في العلم وكان له القدم في الإسلام والصهر برسول اللَّه -ﷺ- والفقه في السنة والنجدة في الحرب والجود في المال\" (٣).\nوأخرج أحمد وأبو يعلى بسند صحيح عن علي ﵁ قال: \"ما رمدت ولا صدعت منذ مسح رسول اللَّه -ﷺ- وجهي وتفل في عيني يوم خيبر حين أعطاني الراية\" (٤).\nولما بلغه ﵁ افتخار معاوية ﵁ قال لغلامه اكتب ثم أملى عليه:\n_________\n(١) ابن سعد (٢/ ٣٣٨) وانظر الاستيعاب (٨/ ١٦٠) وأسد الغابة (٤/ ١٠٠).\n(٢) ابن سعد (٢/ ٣٣٩) والاستيعاب (٨/ ١٥٧) وأسد الغابة (٤/ ١٠٠).\n(٣) كذا في النسختين عن ابن عباس، والذي في الاستيعاب (٨/ ١٦٦) وأسد الغابة (٤/ ١٠٠)؛ وتاريخ الخلفاء (١٧١).\nقال سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قلت لعبد اللَّه بن عياش بن أبي ربيعة يا عم لم كان صفو الناس -ميلهم- إلى علي؟ فقال يا ابن أخي إن عليًا ﵇ كان له ما شئت من ضرس قاطع في العلم. . . إلى آخر النص مع بعض الاخلاف.\n(٤) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٧٨) وأبو يعلى في المسند (١/ ٤٤٥) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٢٢) وقال رواه أبو يعلى وأحمد ورجالهما رجال الصحيح غير أم موسى وحديثها مستقيم.","vol":"2","page":33},{"text":"محمد النبي أخي وصهري ... وحمزة سيد الشهداء عمي\nوجعفر الذي يمسى ويضحى ... يطير مع الملائكة ابن أمي\nوبنت محمد سكني وعرسي ... منوط لحمها بدمي ولحمي\nوسبطا أحمد ابناى منها ... فأيكم له سهم كسهمي\nسبقتكم إلى الإسلام طرا ... غلامًا ما بلغت أوان حلمي (١)\nقال الحافظ أبو حسن البيهقي (٢) أن هذا الشعر مما يجب على كل متوان في علي ﵁ (حفظه) (٣) لتعلم مفاخره في الإسلام. انتهى.\nورضي اللَّه عن الإمام الشافعي حيث يقول شعرًا:\nيا راكبًا قف بالمحصب من منى ... واهتف بساكن خيفها والناهض\nسحرًا إذا فاض الحجيج إلى منى ... فيضًا كملتطم الفرات الفائض\nإن كان رفضًا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي (٤)\n_________\n(١) الأبيات في المجتنى لأبي بكر بن دريد (ص ٢٦) من رواية أبي عبيدة وقد أوردها ابن كثير في البداية (ج ٨ ص ٨ - ٩) وقال: وهذا منقطع بين أبي عبيدة وزمان علي ومعاوية.\nوقد أوردها الشيخ سليمان بن سحمان في كتابه \"تنبيه ذوي الألباب السليمة\" (ص ٢٤) وقال: وهذه المفاخرة التي ذكرها الشارح لم يذكرها عن علي ﵁ بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف ولا عزاها إلى شيء من الكتب المعتمدة.\nفالأشبه بها أن تكون من وضع الرافضة، فالصحابة ﵃ لم يكن من هديهم وأخلاقهم التفاخر بينهم بالأحساب والأنساب بل كان السلف رضوان اللَّه عليهم ينهون عن الفخر والخيلاء. . . إلى آخر كلامه.\n(٢) محمد بن الحسين بن الحسن البيهقي النيسابوري الكيدري (قطب الدين أبو الحسن) فاضل من أثاره: أنوار العقول في جمع أشعار أمير المؤمنين الإمام علي في الآداب والحكم والمواعظ على حروف المعجم، والحديقة الأنيقة الأنس، كان حيًا سنة ٥٧٦ هـ معجم المؤلفين (٩/ ٢٣٧ - ٢٣٨).\n(٣) زيادة من لوامع الأنوار للشارح وبها يستقيم الكلام.\n(٤) الأبيات في طبقات الشافعية الكبرى (١/ ٢٩٩) وفي مناقب الشافعي للبيهقي (٢/ ٧١)\nوذكر البيهقي أن الشافعي أنشد هذه الأبيات حين نسبته الخوارج إلى الرفض. =","vol":"2","page":34},{"text":"وقال أيضًا:\nقالوا ترفضت قلت كلا ... ما الرفض ديني ولا اعتقادي\nلكن توليت غير شك ... خير إمام وخير هاد\nإن كان حب الولي رفضًا ... فإنني لم أرْفَضُ العباد (١)\nولي الإمام أمير المؤمنين علي الأنزع البطين (٢) الخلافة بعد أن استشهد عثمان بن عفان، فإنه لما قتل عثمان جاء الناس يهرعون إلى علي فقالوا: نبايعك فمد يدك فلابد للناس من أمير فقال علي: ليس ذلك إليكم إنما ذلك إلى أهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليًا فقالوا: ما نرى أحدًا أحق بها منك مد يدك نبايعك فبايعوه (٣). وهرب مروان وولده، وزعم بعض الناس أن طلحة والزبير إنما بايعا كارهين غير طائعين، ثم خرجا إلى مكة، وأم المؤمنين عائشة بها فأخذاها وخرجا إلى البصرة يطلبون بدم عثمان، فبلغ ذلك عليًا فخرج إلى العراق فلقي طلحة والزبير ومن معهما وهي وقعة الجمل وكانت في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وقتل بها طلحة والزبير ﵄، وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفًا وأقام علي بالبصرة خمس عشرة (٤) ليلة ثم انصرف إلى الكوفة ثم خرج عليه معاوية\n_________\n= وذكر أبو نعيم في الحلية (٩/ ١٥٢): أن بعض الناس عاب الشافعي لفرط ميله إلى أهل البيت وشدة محبته لهم إلى أن نسبه بعضهم إلى الرفض فقال الأبيات ردًا عليهم.\nوقد وردت الأبيات أيضًا في المصادر الآتية: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٨) وفي الوافي بالوفيات (٢/ ١٧٢) والنجوم الزاهرة (٢/ ١٧٧) والانتقاء (٩٠ - ٩١) وفي معجم الأدباء (١٧/ ٣٢٠) وفي ديوانه (ص ٩٠).\n(١) ديوان الشافعي (ص ٦٣).\n(٢) الأنزع البطين: تقدم معناها (٢/ ٢٣).\n(٣) انظر: أسد الغابة (٤/ ١١٣) وطبقات ابن سعد (٣/ ٣١) والبداية (٧/ ٢٢٥) وما بعدها، الكامل (٣/ ٩٨) وما بعدها، تاريخ الخلفاء (١٧٤).\n(٤) في الأصل خمسة عشر والمثبت من \"ظ\"، وهو الصحيح.","vol":"2","page":35},{"text":"ومن معه من أهل الشام، فبلغ عليًا فسار، فالتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين، ودام القتال بها أيامًا، فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها، مكيدة من عمرو بن العاص (١)؛ وكتبوا بينهم كتابًا أن يوافوا رأس الحول بأذرح (٢) فينظروا في أمر الأمة، فافترق الناس ورجع علي إلى الكوفة ومعاوية إلى الشام (٣)؛ وبلغت القتلى في تلك الأيام ثلاثين ألفًا.\nقال القرطبي: \"وكان مقام علي ومعاوية بصفين سبعة أشهر. وقيل: تسعة أشهر، وقيل: ثلاثة أشهر، وقيل: بل قتل في ثلاثة أيام ثلاثة وسبعون ألفًا وهي الأيام البيض: ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر، ومن تلك الليالي ليلة الهرير، وهو\n_________\n(١) أورد الشارح هذه الرواية نقلًا عمن سبقه من المؤرخين، والحقيقة أن وقعة صفين وما جرى فيها من الأحداث، وقصة رفع المصاحف، وقضية التحيكم (والتي سيذكرها المؤلف) هي من أهم القضايا التاريخية في عصر الخلافة الراشدة، وقد نقل كثير من المؤرخين هذه القصة على ما في متنها من الاختلاف والاضطراب والنكارة، إضافة إلى الضعف الشديد في أسانيدها، مما يؤكد عدم صحة أكثر ما جاء فيها، وأن كثيرًا منها من دسائس المبغضين للصحابة ﵃، والذي يهمنا في هذا القام بيان مكان الصحابة ﵃ وفضلهم وسبقهم وعلو مرتبتهم، وبيان محبة بعضهم بعضًا، وأن مكانتهم أعلى وأسمى من أن يكيد بعضهم لبعض، ويخدع بعضهم بعضًا، وأن هذا هو اللائق بالصحابة ﵃، وأن أغلب ما قيل فيهم ونقل عنهم من التنافر والعداء لا يصح ولا يثبت، فالواجب الاعتراف بفضل الصحابة ومكانتهم وإحسان الظن بهم، والكف عما شجر بينهم، وإن الكل مجتهد، وإن أخطأ بعضهم في اجتهاده فهو مأجور ومعذور.\nانظر العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي (١٧٥) وما بعدها، ومرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري (ص ٣٧٨) وما بعدها، والعقيدة الواسطية لابن تيمية وشرحها للدكتور صالح الفوزان (ص ٢٠١) وما بعدها.\n(٢) أذْرُح: بالفتح ثم السكون وضم الراء والحاء المهملة: اسم بلد في أطراف الشام. (معجم البلدان ١/ ١٢٩).\n(٣) انظر طبقات ابن سعد (٣/ ٣٢)؛ وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص (١٧٤).","vol":"2","page":36},{"text":"الصوت الذي يشبه نباح الكلاب، لأنهم تراموا بالنبل حتى فنيت وتطاعنوا بالرماح حتى اندقت، وتضاربوا بالسيوف حتى انقضت، ثم نزل القوم يمشي بعضهم إلى بعض وقد كسروا جفان سيوفهم، وتضاربوا بما بقي من السيوف، وعمد الحديد، فلا يسمع إلا غمغمة القوم والحديد في السهام، ثم تراموا بالأحجار، ثم جثوا على الركب فتحاثوا بالتراب، ثم تكادموا بالأفواه، وكسفت الشمس (١)؛ وثار القتام وارتفع الغبار، وضلت الألوية والرايات، ومرت مواقيت أربع صلوات، لأن القتال كان من بعد صلاة الفجر إلى ما بعد نصف الليل، وكان ذلك في ربيع الأول من سنة سبع وثلاثين، كما في تاريخ سيدنا الإمام أحمد بن حنبل (٢).\nوكان مع معاوية من أهل الشام مائة ألف وخمسة وثلاثون ألفًا كما ذكره الزبير ابن بكار (٣).\nواستشهد في صفين أبو اليقظان عمار بن ياسر ﵁ وكان مع علي وكان عمر عمار يومئذ ثلاثًا وتسعين عامًا وهو الطيب المطيب (٤) وكان النبي -ﷺ- قال له: \"تقتلك الفئة الباغية\" رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري\n_________\n(١) كسوف الشمس هذا -إن صح- فلعله بسبب الغبار والقتام الذي يحجب رؤية الشمس وعلى فرض صحته فليس بسبب هذه الواقعة وما جرى فيها لأن الرسول -ﷺ- أخبر أن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته وانظر التعليق (٢/ ١٣).\n(٢) التاريخ للإمام أحمد، ذكره ابن الجوزي، والذهبي، وغيرهم في مؤلفات الإمام أحمد.\n(٣) انظر: التذكرة للقرطبي (٦٤٢ - ٦٤٣) والبداية (٧/ ٢٥٢) وما بعدها والكامل (٣/ ١٤١).\n(٤) روى الترمذي من حدث علي ﵁ قال: \"جاء عمار بن ياسر يستأذن على النبي -ﷺ- فقال: \"إئذنوا له مرحبًا بالطيب المطيب\" أخرجه الترمذي رقم (٣٧٩٨) وقال حسن صحيح.","vol":"2","page":37},{"text":"﵁ عن أبي قتادة ﵁ (١). وأخرجه مسلم أيضًا من حديث أم المؤمنين أم سلمة ﵂ (٢) ومن حديث أبي هريرة ﵁ عند الترمذي (٣) وغيرهم.\nوفى صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي -ﷺ- \"جعل ينفض التراب عن عمار وهم يبنون المسجد النبوى ويقول: ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، قال وجعل عمار يقول: أعوذ باللَّه من الفتن\".\nوفى رواية: \"ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار\" (٤) ولم يذكر البخاري هذه الزيادة يعني قوله: تقتله الفئة الباغية، وهى ثابتة صحيحة وهي في صحيح مسلم وغيره وكذلك في بعض نسخ البخاري (٥) كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية (٦) قدس اللَّه روحه وغيره من أهل العلم.\nقال شيخ الإسلام: \"ومن رضي بقتل عمار ﵁ كان حكمه حكمها أي حكم الفئة الباغية التي قتلته (٧). ويروى أن معاوية تأول أن الذي قتله هو الذي\n_________\n(١) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٩١٥) في الفتن باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء.\n(٢) مسلم رقم (٢٩١٦) في الفتن.\n(٣) الترمذي رقم (٣٨٠٠) في المناقب باب مناقب عمار بن ياسر، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.\n(٤) رواه البخاري (١/ ٦٤٤) رقم (٤٤٧) في الصلاة باب التعاون في بناء المساجد وفي الجهاد باب مسح الغبار عن الرأس في سبيل اللَّه (٦/ ٣٦) رقم (٢٨١٢).\n(٥) راجع جامع الأصول (٩/ ٤٤ - ٤٥).\n(٦) انظر (ج ٣٥/ ٧٤) من مجموع الفتاوى و(٤/ ٤٣٧).\n(٧) اختصر المؤلف ﵀ كلام شيخ الإسلام هنا وتتمته: \"ومن المعلوم أنه كان في المعسكر من لم يرض بقتل عمار كعبد اللَّه ين عمرو بن العاص، وغيره بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار حتى معاوية وعمرو بن العاص\"، أهـ. مجموع الفتاوى (٣٥ ص ٧٦ - ٧٧)","vol":"2","page":38},{"text":"جاء به (إلى منون مقاتله) (١) قال فما قتله إلا الذي أخرجه فألزمه عدي ﵁ بقوله: فرسول اللَّه -ﷺ- إذًا قتل حمزة حين أخرجه لقتال المشركين، ولا يخفى ضعف حجة معاوية هذه.\nومن ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه: \"ولا ريب أن قول علي ﵁ هذا هو الصواب وإنما معاوية ﵁ مجتهد مخطئ\" (٢) واللَّه أعلم.\nثم خرجت عن طاعة أمير المؤمنين علي ﵁ الخوارج وهم القراء فقالوا كفر علي وكفر معاوية لعدم مناجزة علي قتال معاوية فاعتزلوا عليًا ونزلوا حروراء -قرية بأرض العراق قريبًا من الكوفة- وهم بضعة عشر ألفًا.\nفأرسل أمير المؤمنين علي ﵁ عبد اللَّه ين عباس ﵄ فناشدهم اللَّه تعالى أن ارجعوا إلى خليفتكم فبم نقمتم عليه أفي قسمة أو في قضاء؟ قالوا: نخاف أن ندخل في الفتنة قال فلا تعجلوا ضلالة العام مخافة فتنة العام القابل فرجع بعضهم إلى الطاعة وتأخر آخرون، فقالوا: نكون ناحية فإن قبل علي القضية يعني التحيكم قاتلناه على ما قاتلنا عليه أهل الشام بصفين وإن نقضها قاتلنا معه فساروا حتى قطعوا النهر وافترقت منهم فرقة يقتلون الناس فقال أصحابهم ما على هذا فارقنا عليًا.\nفلما بلغ ذلك عليًا وكان قد تجهز لمعاودة قتال أهل الشام بعد التحيكم وغدر عمرو بن العاص وخدعه لأبي موسى الأشعري من عزل علي وإبقاء معاوية (٣).\n_________\n(١) كذا في النسختين وفي لوامع الأنوار للمؤلف أيضًا، وفي الفتاوى: \"أن الذي قتله هو الذي حاء به دون مقاتله\".\n(٢) انظر مجموع الفتاوى (٣٥/ ٧٦ - ٧٧) ولوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٣٤٣).\n(٣) انظر (٢/ ٣٦) تعليق رقم واحد.","vol":"2","page":39},{"text":"قال علي ﵁ لأصحابه أتسيرون (١) إلى عدوكم يعني معاوية ومن معه من أهل الشام أو ترجعون إلى هؤلاء الذين خلفوكم في ديارهم قالوا بل نرجع إليهم.\nفقال ﵁: اسطوا عليهم فواللَّه لا يقتل منكم عشرة ولا يفر منهم عشرة فكان كذلك، وأصابوا في القتلى ذا الثدية بعد طلب أمير المؤمنين التماسه فوجدوه على النعت الذي نعته لهم فقال رجل الحمد للَّه الذي أبادهم وأراحنا منهم فقال علي ﵁: كلا والذي نفسي بيده إن منهم لمن في أصلاب الرجال لم تحمله النساء بعد (٢).\nوهؤلاء الذين قال فيهم رسول اللَّه -ﷺ-: \"تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين فقتلها أولى الطائفتين إلى الحق\" رواه مسلم في صحيحه (٣).\nفقتلهم علي ﵁ وفرح بقتلهم بخلاف وقعة الجمل وغيرها فإنه كان يظهر عليه الحزن والأسف والكآبة، ومن بقايا الخوارج (٤) القرامطة (٥) وهم الباطنية (٥) والإسماعيلية (٥) والدروز (٥) والملاحدة (٥) وأضرابهم.\n_________\n(١) في \"ظ\" يعني.\n(٢) ابن كثير (ج ٧/ ٢٨٩).\n(٣) مسلم في الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم (ج ٢/ ٧٤٥ - ٧٤٦) عن أبي سعيد الخدري.\n(٤) الخوارج تقدم التعريف بهم (١/ ١٧٨).\n(٥) الباطنية، القرامطة، الإسماعيلية، الدروز، الملاحدة:\nمجموعة من الفرق ظاهرها التشيع لآل البيت وحقيقتها الإلحاد والشيوعية والإباحية والقضاء على الإسلام.\nويذكر المؤرخون لهم ألقابًا كثيرة منها: الباطنية، القرامطة، الإسماعيلية، النصيرية، الخزميه، التعليمية الملاحدة، الإباحية وغيرها.\nوهي تدل على أنهم يندرجون تحت وصف الباطنية، وهم الذين جعلوا لكل ظاهر باطنًا ولكل تنزيل تأويلًا ويذكر المؤرخون أن بداية فتنتهم في عهد المأمون، وأن دعوة الباطنية =","vol":"2","page":40},{"text":"وقد أخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن عمار بن ياسر ﵁ أن النبي -ﷺ- قال لعلي: \"أشقى الناس رجلان أحيمر ثمود -الذي عقر الناقة- والذي يضربك يا علي على هذه بعني قرنه حتى يبل منه هذه يعني لحيته\" (١).\nوقد ورد ذلك أيضًا من حديث علي وصهيب وجابر بن سمرة وغيرهم ﵃ (٢).\nوكان علي ﵁ يقول لأهل العراق عند ضجره منهم وددت أن انبعث أشقاكم فخضب هذه -يعني لحيته- من هذه ووضع يده على مقدمة رأسه\" (٣).\n_________\n= ظهرت أولًا في زمان المأمون وانتشرت في زمان المعتصم، وأن الذين أسسوا دعوة الباطنية جماعة منهم عبد اللَّه بن ميمون القداح ومحمد بن الحسين الملقب بدندان، ثم ظهر حمدان قرمط وإليه تنسب القرامطة.\nوذكر أصحاب المقالات أن هؤلاء الذين وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم ولم يجسروا على إظهاره خوفًا من سيوف المسلمين فوضعوا قواعد وأسسًا من قبلها صار في الباطن إلى تفضيل دين المجوس.\nوتأولوا آيات القرآن وسنن النبي -ﷺ- على موافقة أسسهم. راجع الفرق في الفرق (ص ٢٨١) وما بعدها.\nوالتبصير في الدين (٨٣) وما بعدها، الملل والنحل (١/ ١٩٢) وما بعدها، الصفدية لابن تيمية (١/ ١، ٢) الفتاوى (٣٥/ ١٥٢) وراجع عن القراطة وحربهم للإسلام البداية لابن كثير (١١/ ٦١) وما بعدها والمنتظم (٥/ ١١٠) وما بعدها.\nانظر: هذا المبحث في لوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٣٤٩ - ٣٤٥).\n(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤) والحاكم في المستدرك (٣/ ١٤١) وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي.\n(٢) انظر: مجمع الزوائد (٩/ ١٣٦).\n(٣) رواه الطبراني في الكبير (٨/ ٤٥) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٣٦): رواه الطبراني وأبو يعلى وفيه رشدين بن سعد وقد وثق وبقية رجاله ثقات.","vol":"2","page":41},{"text":"وصح أن عبد اللَّه بن سلام قال لعلي ﵄: \"لا تقدم العراق فإني أخشى أن يصيبك بها ذباب السيف فقال علي ﵁: \"لقد أخبرني به رسول اللَّه -ﷺ-\" (١).\nولم يزل علي ﵁ في محاربة الأعداء ومنازعة الخصماء إلى أن فتك به أشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم المرادي اللعين فكمن هو وشبيب بن شجرة الأشجعي بسيفيهما قالة السدة (٢) التي يخرج منها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فخرج لصلاة الصبح فبدر شبيب فأخطأه وضربه ابن ملجم على رأسه وقال: الحكم للَّه يا علي لا لك ولا لأصحابك، فقال علي ﵁: فزت ورب الكعبة لا يفر منكم الكلب، وشد الناس عليه من كل جانب فحمل عليهم ابن ملجم فأفرجوا له فتلقاه المغيرة بن الحارث بن نوفل بن عبد المطب فرمى عليه قطيفة كانت عنده واحتمله وضرب به الأرض وقعد على صدره وقيل الذي فعل ذلك رجل من همدان، وجيء بابن ملجم إلى علي ﵁ فنظر اليه وقال: النفس بالنفس إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني وإن سلمت رأيت فيه رأيي، وكان ذلك يوم الحمعة فأقام على الجمعة والسبت وتوفي ليلة الأحد التاسع عشر من شهر رمضان سنة أربعين، وعمره ثلاث وستون سنة (٣) وغسله\n_________\n(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٣٨): \"رواه أبو يعلى والبزار بنحوه ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير اسحاق بن أبي إسرائيل وهو ثقة مأمون.\nقلت: وتمامه كما في مجمع الزوائد: \"قال أبو الأسود فما رأيت كاليوم محاربًا يخبر بذا عن نفسه\".\n(٢) السدة: كالظلة على الباب لتقي الباب من المطر وقيل هي الباب نفسه، وقيل هي الساحة بين يديه. النهاية (٢/ ٣٥٣).\n(٣) انظر: خبر مقتل أمير المؤمنين علي ﵁: تاريخ الطبري (٥/ ١٤٣ - ١٤٩) والكامل لابن الأثير (٣/ ١٩٤) وما بعدها، البداية لابن كثير (٧/ ٣٢٥ - ٣٣٠).","vol":"2","page":42},{"text":"الحسن والحسين وعبد اللَّه بن جعفر ﵃ وصلى عليه الحسن ودفن بدار الإمارة بالكوفة (١).\nثم أحضر ابن ملجم وجاء الناس بالنفط والبواري (٢) وقطعت يداه ورجلاه وكحلت عيناه بمسامير الحديد محماة ثم قطع لسانه، ثم أحرق في قوصرة ولما أرادوا قطع لسانه تمانع تمانعًا شديدًا مع أنه قطعت أعضاؤه ولم يتأوه فقيل له في ذلك فقال لئلا يفوتني من تلاوة القرآن شيء وأنا حي فشقوا شدقه وأخرجوا لسانه فقطعوه (٣).\nوكان ابن ملجم لعنه اللَّه قبل ذلك من العباد المعدودين حتى أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى بعض عماله أن يوسع دار عبد الرحمن بن ملجم ليعلم الناس الفقه والقرآن.\nثم كان من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وشهد معه صفين ثم آل أمره إلى ما ترى فنسأل اللَّه تعالى حسن الخاتمة في عافية، وعند الخوارج أن ابن ملجم أفضل الأمة وكذلك النصيرية (٤) يعظمونه.\n_________\n(١) زيادة من \"ظ\".\n(٢) البواري: بشديد الياء المثناة من تحت آخره جمع بارية وهي الحصير المعمول من القصب. النهاية (١/ ١٦٢) ومختار الصحاح (بور).\n(٣) ذكر ابن جرير ﵀ في تاريخه: أن عليًا ﵁ نهى الحسن عن المثلة وقال: \"انظر يا حسن، إن أنا مت من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة ولا تمثل بالرجل فإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"إيكم والمثلة ولو أنها بالكلب العقور\" ثم ذكر أن الحسن قدمه فقتله، ثم أخذه الناس وأحرقوه بالنار. وقد ذكر ابن كثير ﵀ في ذلك حديثًا رواه الإمام أحمد: \"أن عليًا قال لهم: افعلوا به كما أراد رسول اللَّه -ﷺ- أن يفعل برجل أراد قتله فقال: اقتلوه ثم حرقوه\".\nانظر: تاريخ الطبري (٥/ ١٤٨ - ١٤٩) والبداية (٧/ ٣٢٨) والكامل (٣/ ١٩٦) وابن سعد (٣/ ٣٩ - ٤٠).\n(٤) النصيرية: فرقة من فرق الباطنية ظهرت في القرن الثالث للهجرة ومؤسس هذه الفرقة أبو =","vol":"2","page":43},{"text":"قال أبو محمد بن حزم: \"يقولون إن ابن ملجم أفضل أهل الأرض لأنه خلص روح اللاهوت من ظلمة الجسد وكدره\" (١).\nوعند الروافض أنه أشقى الخلق في الآخرة.\nقلت: وتقدم أنه أشقى الآخرين بنص سيد المرسلين واللَّه تعالى أعلم.\n\"روي لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول اللَّه -ﷺ- خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفق الشيخان منها على عشرين حديثًا وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة عشر (٢) ومناقب أمير المؤمنين علي رضوان اللَّه عليه كثيرة ومآثره شهيرة وفضائله غزيرة، وإنما ذكرنا قطرة من بحر، أو رملة من بر، واللَّه تعالى الموفق.\nوقول الناظم رحمه اللَّه تعالى: (وإنهم): يعني الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين الهادين: أبو بكر الصديق، وعمر الفاروف، وعثمان ذو النورين، وعلي المرتضى الأنزع البطين ﵃ أجمعين.\n_________\n= شعيب محمد بن نصير البصري النميري (٢٧٠ هـ) وغرضهم القضاء على الإسلام، وأصحابها يعدون من غلاة الشيعة زعموا وجود جزء إلهي في علي وألّهوه به وقالوا بأن ظهوره الروحاني بالجسد الجسماني الفاني كظهور جبريل في صورة بعض الأشخاص، ولم يكن ظهور (الإله علي) في صورة الناسوت إلا إيناسًا لخلقه وعبيده، وهم يحبون عبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي ويترضون عنه لزعمهم بأنه قد خلص اللاهوت من الناسوت ويخطئون من يلعنه ولخص بعض العلماء مقاصدهم بقوله: \"ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض\". انظر: الفصل (٥/ ٥٠) ومجموع الفتاوى (٣٥/ ١٤٩) وما بعدها والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة (ص ٥١١ - ٥١٣).\n(١) انظر الفصل لابن حزم (٥/ ٥٠).\n(٢) انظر تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٤٥).","vol":"2","page":44},{"text":"وإن (الرهط) بفتح الراء مشددة وسكون الهاء وتحرك: قوم الرجل وقبيلته، ومن ثلاثة إلى عشرة، أو من سبعة إلى عشرة أو ما دون العشرة، وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه وجمعه أرهط وأراهيط وأرهاط (١) وفي القرآن العزيز: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]. يعني من ثمود قوم صالح ﵇.\n(لا ريب): أي لا شك ولا تهمة، والريب يطلق ويراد به صرف الدهر، والحاجة، والظنة، والتهمة (٢) والأخير هو المراد هنا (فيهم) أي في الخلفاء الراشدين والجار والمجرور متعلق بلا ريب أي لا تهمة ولا ريبة ولا شك ولا مظنة أنهم كائنون وصائرون:\n(على نجب) جمع نجيب هو الكريم الحسيب وناقة نحيب ونجيبة، وقد نجب ككرم نجابة كما في القاموس (٣).\nوفي النهاية: \"النجيب الفاضل من كل حويان، وقد نجب ينجب نجابة إذا كان فاضلًا نفيسًا في نوعه ومنه الحديث: \"إن اللَّه يحب التاجر النجيب\" (٤). أي الفاضل الكريم السخي، وقد تكرر في الحديث ذكر النجيب من الإبل مفردًا ومجموعًا، وهو القوي منها الخفيف السريع\" (٥).\nو(الفردوس) بالجر بإضافته إلى نجب (٦) وهو في الأصل البستان الذي فيه الكرم\n_________\n(١) القاموس (٢/ ٣٧٥) \"رهط\".\n(٢) القاموس (١/ ٨٠) \"ريب\".\n(٣) القاموس (١/ ١٣٥) \"نجب\".\n(٤) أورده ابن الأثير في النهاية (٥/ ١٧) ولم أجده فيما اطلعت عليه من كتب الحديث.\n(٥) النهاية (٥/ ١٧).\n(٦) كذا في النسختين ولعل الصحيح بإضافة نجب إليه.","vol":"2","page":45},{"text":"والأشجار والجمع فراديس، ومنه جنة الفردوس وهو المراد هنا فمن أسماء الجنة الفردوس كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧].\nقال الإمام المحقق شمس الدين ابن القيم في كتابه \"حادي الأرواح إلى منازل الأفراح\": \"الفردوس اسم يقال على جميع الجنة ويقال على أفضلها وأعلاها كأنه أحق بهذا الاسم من غيره من الجنان\".\nوقال الليث (١): الفردوس جنة ذات كروم يقال كرم مفردس أي معرش.\nوقال الضحاك (٢): الفردوس الجنة الملتفة بالأشجار وهو اختيار المبرد (٣) قال: وبهذا سمى باب الفردوس بالشام. وأنشد لجرير (٤) قوله \"شعر\":\nفقلت للركب إذ جد المسير (٥) بنا ... يا بعد (٦) بيرين (٧) من باب الفراديس (٨)\n_________\n(١) تقدم (١/ ٣٠٤).\n(٢) تقدم (١/ ٢٦٣).\n(٣) تقدم (١/ ١٩٢).\n(٤) جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر الكلبي اليربوعي، من تميم أشعر أهل عصره، ولد ومات في اليمامة عاش عمره كله يناضل شعراء زمانه ويساجلهم وكان عفيفًا وهو من أغزل الناس شعرًا، مات سنة ١١٠ هـ. الأعلام (٢/ ١١٩)\n(٥) في الديوان: الرحيل.\n(٦) في الديوان: ما بعد.\n(٧) في النسخين: بيرين والمثبت من الديوان، ومعجم البدان.\nقال ياقوت في معجم البلدان (٥/ ٤٢٧): \"بيرين بالفتح ثم السكون وكسر الراء وياء ثم نون قيل هو رمل لا تدرك أطرافه عن يمين مطلع الشمس من حجر اليمامة وقيل غير ذلك. . . ثم ذكر بيت جرير المذكور\" وباب الفراديس بدمشق بالشام.\n(٨) البيت في ديوان جرير (ص ٣٢٢).","vol":"2","page":46},{"text":"وقال مجاهد (١) الفردوس هو البستان بالرومية (٢).\nواختاره الزجاج (٣) فقال هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية قال وحقيقته: البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين.\nقال حسان بن ثابت (٤) ﵁:\nوإن ثواب اللَّه كل مخلد ... جنان الفردوس فيها يخلد (٥) (٦)\nوأخرج الإمام أحمد والطيالسي (٧) والبيهقي عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"جنان الفردوس أربع جنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما وما بينهم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن\" (٨).\n_________\n(١) مجاهد تقدم (١/ ١٩٧).\n(٢) تفسير الطبري (١٦/ ٣٦).\n(٣) الزجاج: إبراهيم بن السري الزجاج البغدادي النحوي أبو إسحاق صاحب كتاب معاني القرآن، كان من أهل الفضل والدين حسن الاعتقاد جميل المذهب له مصنفات حسان في الأدب وغيره، مات سنة إحدى عشر وثلاثمائة. تاريخ بغداد (٦/ ٨٩ - ٩٣) وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٦٠).\n(٤) ديوان حسان (١/ ٣٠٦).\n(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣١٥).\n(٦) إلى هنا انتهى كلام ابن القيم ﵀ في كتابه حادي الأرواح (ص ٩٧ - ٩٨).\n(٧) الطيالسي: سليمان بن داود بن الجارود أبو داود الطيالسي البصري محدث ثقة حافظ، مات سنة أربع ومائتين. تقريب (١٣٣).\n(٨) الحديث متفق عليه رواه البخاري (٨/ ٤٩١) رقم (٤٨٧٨) في التفسير باب ومن دونهما جنتان، وفي التوحيد رقم (٧٤٤٤) ومسلم رقم (١٨٠) في الإيمان، باب قوله ﵇: إن اللَّه لا ينام. ورواه أحمد في المسند (٤/ ٤١١) وأدو داود الطيالسي رقم (٥٢٩) (ص ٧٢).","vol":"2","page":47},{"text":"قال البيهقي قوله: \"رداء الكبرياء استعارة لصفة الكبرياء والعظمة لأنه بكبريائه لا يراه أحد من خلقه إلا بإذنه، ويؤيده أن الكبرياء ليس من جنس الثياب المحسوسة\" (١).\nوأخرج البخاري عن أنس ﵁ قال: أصيب حارثة يوم بدر فجاءت أمه فقالت يا رسول اللَّه قد علمت منزلة حارثة منى فإن يكن في الجنة صبرت وإن يكن غير ذلك ترى ما أصنع، فقال إنها ليست بجنة واحدة بل جنان كثيرة وإنه في الفردوس الأعلى\" (٢).\nوأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال في هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] \"قال جنتان من ذهب للسابقين (٣) وجنتان من فضة للتابعين\" (٤) وفي لفظ: \"وجنتان من ورق لأصحاب اليمين\" (٥).\nوأخرج الترمذي والحاكم والبيهقي عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: \"إن في الجنة مائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض\n_________\n(١) عبارة البيهقي -كما في الأسماء والصفات- (٣٨٤): \"قوله (رداء الكبرياء) يريد به صفة الكبرياء فهو بكبريائه وعظمته لا يريد أن يراه أحد من خلقه بعد رؤية يوم القيامة حتى يأذن لهم بدخول جنة عدن فإذا دخلوها أراد أن يروه وهم في جنة عدن، انتهى.\nوانظر الاعتقاد للبيهقي (ص ١٣٠).\nوقد تقدم في مبحث الرؤية أن رؤية المؤمنين لربهم ثابتة ومتواترة.\n(٢) رواه البخاري (٧/ ٣٥٥) رقم (٣٩٨٢) في المغازى باب فضل من شهد بدرًا.\n(٣) في \"ظ\" للسابقين الأولين.\n(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٨٤) وابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ٣٨٣) والبيهقي في البعث والنشور (ص ١٥٩) وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\n(٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٤٦) والبيهقي في البعث (١٦٠) ورواه ابن أبي حاتم وابن مردويه كما في الدر المنثور (٧/ ٧٠٨).","vol":"2","page":48},{"text":"والفردوس أعلاها درجة ومن فوقها يكون العرش ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة فإذا سألتم اللَّه فاسئلوه الفردوس\" (١).\nوروى نحوه البيهقي من حديث معاذ ﵁ مرفوعًا (٢) والطبراني والبزار من حديث سمرة بن جندب مرفوعًا (٣) -أيضًا- والبزار عن العرباض بن سارية مرفوعًا (٤) أيضًا.\nوأخرج الطبراني عن أبي أمامة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"سلوا اللَّه الفردوس فإنها سرة الجنة، وإن أهل الفردوس ليسمعون أطيط العرش\" (٥).\nوأشعر نظامه (٦) أن في الجنة نجبًا وهو كذلك.\nفقد أخرج الترمذي والبيهقي عن بريدة ﵁ أن رجلًا قال يا رسول اللَّه هل في الجنة خيل؟ فقال: \"إن يدخلك اللَّه الجنة فلا تشاء أن تركب على فرس من\n_________\n(١) أخرجه الترمذي رقم (٢٥٣١) كتاب صفة الجنة باب ما جاء في صفة درجات الجنة، وأبو نعيم في صفة الجنة رقم (٢٢٥) وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٨٠)؛ والبيهقي في البعث (١٦٢).\nورواه أحمد في المسند (٥/ ٣١٦) وابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ١٣٨) وابن جرير في تفسيره (١٦/ ٣٧) وعبد بن حميد في المنتخب (١٨٢) وصححه الحكم وأقره الذهبي. وانظر السلسلة الصحيحة (٢/ ٦٢٨، ٩٢٢).\n(٢) في البعث والنشور للبيهقي (ص ١٦٣) وأبو نعيم في صفة الجنة رقم (٢٢٧).\n(٣) الطبراني في الكبير (٧/ ٢٥٧ - ٢٥٨، ٣٢١) والبزار (٤/ ١٩١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٨) رواه الطبراني والبزار باختصار وزاد فيه فإذا سألتم اللَّه تعالى فاسئلوه الفردوس، وأحد أسانيد الطبراني رجاله وثقوا وفي بعضهم ضعف.\n(٤) كشف الأستار (٤/ ١٩١) قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٩٨) رجاله ثقات.\n(٥) رواه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٩٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٩٨) وفيه جعفر بن الزبير وهو متروك.\n(٦) نظامه: أي نظمه في القصيدة.","vol":"2","page":49},{"text":"ياقوتة حمراء تطير بك في الجنة حيث شئت إلا ركبت\"، فقال آخر: يا رسول اللَّه هل في الجنة إبل؟ فلم يقل له مثل الذي قال لصاحبه قال: \"إن يدخلك اللَّه الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذة عينك\" (١).\nوروى نحوه أبو نعيم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- وذكر الجنة فقال: \"والفردوس أعلاها سموًا وأوسعها محلة ومنها تفجر أنهار الجنة وعليها يوضع العرش يوم القيامة\" فقام إليه رجل فقال يا رسول اللَّه: إني رجل حببت لي الخيل فهل في الجنة خيل؟ قال: \"إي والذي نفسى بيده إن في الجنة لخيلًا وإبلًا هفافة (٢) تزف (٣) بين خلال ورق الجنة يتزاورن عليها حيث شاءوا\"، فقام إليه رجل فقال يا رسول اللَّه: إني حبب إلىَّ الإبل. . وذكر الحديث (٤).\nورواه أبو نعيم من حديث جابر بن نوح (٥) عن واصل (٦) به قال إن أهل الجنة ليتزاورون على نجائب بيض كأنها الياقوت (٧).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي رقم (٢٥٤٣) باب ما جاء في صفة خيل الجنة وأخرجه البيهقي في البحث والنشور (ص ٢٣٤).\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ١٠٧ - ١٠٨) مختصرًا وأحمد في المسند (٥/ ٣٥٢) وأبو داود الطيالسي في مسنده رقم (٢٨٣٨) صفحه (٨٠٦) وأبر نعيم في صفة الجنة رقم (٤٢٥)؛ وضعف إسناده الألباني في تخريج المشكاة رقم (٥٦٤٢).\n(٢) هفافة: أي سريعة، والهفيف سرعة السير، النهاية (٥/ ٢٦٦).\n(٣) نزف: أي تسرع. النهاية (٢/ ٣٠٥).\n(٤) رواه أبو نعيم في صفة الجنة رقم (٤٢٧) ومن طريقه ابن القيم في حادي الأرواح (٢٥١) وابن كثير في النهاية (٢/ ٣٠٥) إسناده ضعيف، قاله محقق كتاب صفة الجنة لأبي نعيم.\n(٥) جابر بن نوح الحماني أبو بشير الكوفي ضعيف، مات سنة ثلاث ومائتين تقريب (٥٣).\n(٦) واصل بن السائب الرقاشي أبو يحيى البصري، ضعيف، مات سنة أربع رأربعين ومائة. تقريب (٣٦٨).\n(٧) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنة رقم (٤٢٨) إسناده ضعيف.","vol":"2","page":50},{"text":"وقال الإمام عبد اللَّه بن المبارك حدثنا همام (١) عن قتادة عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: \"في الجنة عتاق الخيل وكرائم النجائب يركبها أهلها\" (٢).\nوروى ابن أبي الدنيا (٣) من حديث (شفي بن ماتع) (٤) ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"إن من نعيم أهل الجنة أنهم يتزاورون على المطايا والنجب وأنهم، يؤتون في الجنة بخيل مسرجة ملجمة لا تروث ولا تبول فيركبونها حتى ينتهوا حيث شاء اللَّه ﷿\" (٥). . . الحديث.\nوروى ابن أبي الدنيا -أيضًا- من حديث أبي هريرة ﵁ قال: \"إن أهل الجنة ليتزاورون على العيس الجون (٦) عليها رحال ملس تثير ماسمها غبار المسك خطام أو زمام أحدها خير من الدنيا وما فيها\" (٧).\n_________\n(١) همام بن منبه بن كامل الصنعاني أبو عتبة أخو وهب، محدث ثقة روى له الجماعة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة على الصحيح. (تقريب ٣٦٥).\n(٢) رواه عبد اللَّه بن المبارك. زوائد نعيم بن حماد (ص ٢٦٧)؛ وعنه ابن القيم في حادي الأرواح (٢٥٢) وابن كثير في النهاية (٢/ ٣٠٦) وقد وقع عند الشارح هنا -عبد اللَّه بن عمر- والمثبت من المصادر التي ذكرتها.\n(٣) تقدم (١/ ٢٧٣).\n(٤) في النسخين (سيفي بن مانع) وقد ضبطه الحافظ ابن حجر في الإصابة فقال: \"شفي\" بالفاء مصغرًا بن ماتع بمثناة مكسورة وجزم بأنه تابعي.\nانظر: الإصابة (٥/ ١١٥)؛ وتهذيب الكمال (١٢/ ٥٤٣)؛ وتقريب (١٤٧).\n(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا كما في حادي الأرواح (ص ٢٥٥) والنهاية (٢/ ٣٠٨).\nوأخرجه عبد اللَّه بن المبارك في الزهد مطولًا رقم (٢٣٩) (ص ٦٩ - ٧٠) (زيادات نعيم ابن حماد).\nوقال ابن كثير ﵀ بعد إيراده: \"وهذا حديث مرسل غريب جدًا\".\n(٦) الجون: من الألوان ويقع على الأرض والأسود. النهاية (١/ ٣١٨)، مختار الصحاح (جون)\n(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق ابن المبارك كما في حادي الأرواح (ص ٢٥٥ - ٢٥٦) وفي النهاية لابن كثير (٢/ ٣٠٩) وفي إسناده رشدين بن سعد وهو ضعيف.","vol":"2","page":51},{"text":"العيس إبل في بياضها ظلمة خفيفة، والمناسم بنون وسين مهملة جمع منسم وهو باطن خف البعير.\nولذا قال الناظم ﵀ ورضي اللَّه عنه في حق الخلفاء الراشدين وبقية العشرة المبشرين بالجنة من سيد العالمين وخاتم المرسلين صلوات اللَّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين في دار الخلد من الفردوس الأعلى (تسرح) أي ترسل حيث شاء راكبها، وفعلها \"سرح\" كمنع ورجل سرح كفرح: خرج في أموره سهلًا، والحاصل أن هؤلاء العشرة مقطوع لهم بالجنة يتزاورون على النجب في جنة الفردوس.\nقال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه \"حادي الأرواح إلى منازل الأفراح\": \"أهل الجنة يتزاورون فيها ويستزيد بعضهم بعضًا وبذلك تتم لذتهم وسرورهم\" \"ولهذا قال حارثة للنبي -ﷺ- وقد سأله \"كيف أصبحت يا حارثة\" قال: أصبحت مؤمنًا حقًا. قال: \"إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك\"؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا وإلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يعذبون، وفي لفظ يتعاوون فيها قال -ﷺ- \"عبد نور اللَّه قلبه عرفت فالزم\" (١).\nقرله: عزفتُ: بالعين المهملة وبعدها زاى وفاء أي صرفت.\nثم إن الناظم رحمه اللَّه تعالى فسر الرهط فقال أحدهم (سعيد) وهو أبو الأعور\n_________\n(١) حادي الأرواح (٢٥٤).\nوالحديث أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٣٠٢) عن الحارث بن مالك الأنصاري، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٥٧) فيه ابن لهيعة وفيه من يحتاج إلى كشف.\nورواه البزار كما في كشف الأستار (١/ ٢٦) عن أنس بن مالك وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٥٧): \"رواه البزار وفيه يوسف بن عطية لا يحتج به\".","vol":"2","page":52},{"text":"سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي ابن عم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵄ وأمه فاطمة بنت بعجة بن أمية بن خزاعة.\nأسلم سعيد قديمًا قبل أن يدخل النبي -ﷺ- دار الأرقم وشهد الشاهد كلها مع النبي -ﷺ- غير بدر، فإنه كان هو وطلحة بن عبيد اللَّه يطلبان خبر عير قريش، وضرب له النبي -ﷺ- بسهمه في المغنم والأجر.\nكان ﵁ آدم طوالًا، أشعر.\nمات بالعقيق قريبًا من المدينة فحمل إليها ودفن بها سنة إحدى وخمسين وله بضع وسبعون سنة، ويقال إنه مات بالكوفة ودفن بها، روي له عن رسول اللَّه -ﷺ- ثمانية وأربعون حديثًا منها في الصحيحين ثلاثة المتفق عليه منها اثنان، وانفرد البخاري بالثالث.\nروى عنه عمرو بن حويرث، وعروة بن الزبير، وقيس بن أبي حازم وعباس بن سهل بن سعد (١).\n(و) الثاني أبو إسحاق (سعد) بن أبي وقاص (٢) واسم أبي وقاص مالك ابن وهيب ويقال أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب يجتمع نسبه مع النبي -ﷺ- في كلاب، القرشي الزهري وأمه حمنة (٣) بنت\n_________\n(١) راجع ترجمة سعيد ﵁ في: طبقات ابن سعد (٣/ ٣٧٩)؛ والاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ١٨٦)؛ والإصابة (٣/ ١٨٨)؛ وأسد الغابة (٢/ ٣٨٧)؛ وسير أعلام النبلاء (١/ ١٢٤).\n(٢) راجع ترجمة سعيد ﵁ في طبقات ابن سعد (٣/ ١٣٧)؛ والاستيعاب (٤/ ١٧)، وأسد الغابة (٢/ ٣٦٦)؛ وسير أعلام النبلاء (١/ ٩٢)؛ والإصابة (٤/ ١٦٠).\n(٣) حمنة كذا في الأصل وفي \"ظ\" حسنه وقد وقع في الإصابة \"حمزة\" وهو خطأ والصواب حمنة. انظر: سير أعلام النبلاء (١/ ٩٦) ونسب قريش (٢٦٣).","vol":"2","page":53},{"text":"سفيان وقيل بنت أبي سفيان بن عبد شمس بن عبد مناف، أسلم قديمًا على يد أبي بكر الصديق وهو ابن سبع عشرة سنة قال: كنت ثالث الإسلام، وأنا أول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، شهد المشاهد كلها مع رسول اللَّه -ﷺ-، كان ﵁ قصيرًا غليظًا ذا هامة شثن (١) الأصابع آدم أفطس (٢) أشعر الجسد، مات في قصره بالعقيق قريبًا من المدينة فحمل على رقاب الرجال إلى المدينة وصلى عليه مروان بن الحكم وهو -أي مروان- يومئذ والي المدينة ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين وقيل سبع وخمسين وله بضع وسبعون سنة، وهو آخر العشرة موتًا، ولاه عمر وعثمان ﵃ الكوفة روي له عن رسول اللَّه -ﷺ- مائتان وسبعون حديثًا منها في الصحيحين ثمانية وثلاثون حديثًا اتفقا منها على خمسة عشر وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بثمانية عشر، روى عنه عبد اللَّه بن عمر وجابر بن سمرة وعامر ومحمد ومصعب بنوه، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وابن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم وغيرهم.\n(و) الثالث أبو محمد عبد الرحمن (بن عوف) بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي الزهري يلتقي مع النبي -ﷺ- في كلاب بن مرة كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو فسماه النبي -ﷺ- عبد الرحمن، وأمه الشفاء بنت عوف بن عبد الحارث بن زهرة أسلمت وهاجرت، وأسلم عبد الرحمن قديمًا على يد أبي بكر الصديق رضي اللَّه تعالى عنهما، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وشهد المشاهد كلها مع النبي -ﷺ- وثبت يوم أحد، وصلى النبي\n_________\n(١) شثن الأصابع: أي أنها تميلان إلى الغلظ والقصر، وقيل هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر ويحمد ذلك في الرجال لأنه أشد لقبضهم. النهاية (٢/ ٤٤٤).\n(٢) الفطس: انخفاض قصبة الأنف وانفراشها والرجل أفطس. النهاية (٣/ ٤٥٨).","vol":"2","page":54},{"text":"خلفه في غزوة تبوك وأتم ما فاته، كان طويلًا دقيق البشرة أبيض مشربًا بحمرة ضخم الكفين أقنى (١) وقيل كان ساقط الثنيتين أعرج أصيب يوم أحد وجرح عشرين جراحة أو أكثر فأصابه بعضها في رجله فعرج، ولد بعد الفيل بعشر سنين ومات سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع، وله ثنتان وسبعون سنة، وقيل خمس وسبعون سنة.\nروى له عن رسول اللَّه -ﷺ- خمسة وستون حديثًا منها في الصحيحين سبعة أحاديث المتفق عليه منها حديثًا وباقيها للبخاري، روى عنه ابن عباس وابنه إبراهيم وبجالة بن عبد وغيرهم (٢).\n(و) الرابع أبو محمد (طلحة) بين عبيد اللَّه بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التميمي يلتقي نسبه مع النبي -ﷺ- كالصديق في مرة بن كعب وأمه الصعبة بنت عبد اللَّه بن عباد الحضرمي أخت العلا الحضرمي أسلمت، وأسلم طلحة قديمًا على يد أبي بكر الصديق ﵄ وشهد المشاهد كلها غير بدر لأن النبي كان انفذه هو وسعيد بن زيد -كما تقدم- في ترجمة سعيد، فعادا يوم اللقاء ببدر وضرب له -ﷺ- كسعيد بسهم في الغنيمة والأجر، ووقى النبي -ﷺ- يوم أحد بيده فشلت أصابعه وجرح يومئذ أربعة وعشرين جراحة، وقيل بل كان فيه خمس وسبعون بين طعنة وضربة ورمية وسماه النبي -ﷺ- يوم أحد طلحة الخير، وسماه يوم غزوة ذات العشيرة طلحة الفياض ويوم حنين طلحة الجود\" (٣).\n_________\n(١) القنا في الأنف طوله ورقة أرنبته مع حدب في وسطه يقال رجل أقنى وامرأة قنواء. النهاية (٤/ ١١٦).\n(٢) انظر: ترجمة عبد الرحمن بن عوف ﵁ في طبقات ابن سعد (٣/ ١٢٤)، والاستيعاب (٦/ ٦٨)؛ وأسد الغابة (٣/ ٤٨٠) وسير أعلام النبلاء (١/ ٦٨)؛ والإصابة (٦/ ٣١١).\n(٣) أخرجه الطبراني في الكبير رقم (١٩٧، ٢١٨) والحاكم (٣/ ٣٧٤)؛ وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤٧) ونسبه إلى الطبراني وقال: وفيه من لم أعرفهم وسليمان بن أيوب الطلحي وثق وضعف.","vol":"2","page":55},{"text":"وكان آدم كثير الشعر ليس بالجعد (١) القطط (٢) ولا بالسبط حسن الوجه دقيق العرنين (٣) لا يغير شعره، قتل ﵁ في وقعة الجمل يوم الخميس لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، ويقال إن الذي قتله مروان بن الحكم وقيل أصابه سهم في حلقه، ودفن بالبصرة وله أربع وستون سنة وقيل اثنتان وستون.\nروي له عن رسول اللَّه -ﷺ- ثمانية وثلاثون حديثًا منها في الصحيحين سبعة المتفق عليه منها حديثان وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة، وروى عنه السائب ابن يزيد وعبد الرحمن بن عثمان بن عبيد اللَّه التيمي وأبو عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم وموسى بن طلحة وغيرهم (٤).\n(و) الخامس أمين الأمة أبو عبيدة (عامر) بن عبد اللَّه بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن (فهو) بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي الهذلي يلتقي نسبه مع النبي -ﷺ- في فهر بن مالك، أسلم هو وعثمان بن مظعون بعد ثلاثة عشر رجلًا وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وشهد المشاهد كلها مع النبي -ﷺ-\n_________\n(١) الجعد: جعد الشعر بضم العين وكسرها جعودة إذا كان فيه التواء وتقبض فهو جعد وذلك خلاف المسترسل.\nقال ابن الأثير: \"الجعد في صفات الرجال يكون مدحًا وذمًا فإذا كان مدحًا فمعناه أن يكون شديد الأسر والخلق، أو يكون جعد الشعر لأن الجعودة تغلب على شعور العرب. والسبوطة وهي ضد الجعودة أكثرها في شعور العجم منال الطالب (ص ٢٢١) والمصباح المنير (١/ ١٤٠).\n(٢) القطط: الشديد الجعودة، وقيل الحسن الجعودة والأول أكثر. النهاية (٤/ ٨١).\n(٣) العرنين: الأنف. النهاية: (٤/ ١١٦).\n(٤) راجع ترجمة طلحة بن عبيد اللَّه ﵁ في: طبقات ابن سعد (٣/ ٢١٤) والاستيعاب (٥/ ٢٣٥) وأسد الغابة (٣/ ٨٥)؛ وسير أعلام النبلاء (١/ ٢٣)؛ والإصابة (٥/ ٢٣٢).","vol":"2","page":56},{"text":"وثبت معه يوم أحد، ونزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه رسول اللَّه -ﷺ- يوم أحد من حلق المغفر بفيه فوقعت ثنيتاه كان طوالًا معروق الوجه أي قليل لحم الوجه خفيف اللحية، مات في طاعون عمواس بالأردن سنة ثماني عشرة ودفن بغوربيسان، وقبره يزار ويتبرك به (١) وصلى عليه معاذ بن جبل وهو ابن ثمان وخمسين سنة، روي له عن رسول اللَّه -ﷺ- خمسة عشر حديثًا لم يخرج له البخاري في صحيحه شيئًا.\nولا أخرج له مسلم إلا في حديث العنبر من رواية أبي الزبير عن جابر بن عبد اللَّه ﵃ وهو قوله: يعني قول أبي عبيدة ﵁: \"نحن رسل رسول اللَّه -ﷺ- وهو معنى تام فسموه حديثًا (٢).\n_________\n(١) التبرك بزيارة القبور ورجاء البركة من أصحابها هذا من الأعمال البدعية بل هو من وسائل الشرك التي ما أرسل اللَّه جميع الرسل إلا لتطهير القلوب منها وقد بين رسول اللَّه -ﷺ- بقوله وفعله الزيارة الشرعية والقصد منها في قوله -ﷺ-: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة\".\nوأما فعله -ﷺ- فكان يأتي البقيع ويسلم عليهم ويدعو لهم وكذلك قبور الشهداء بأحد ﵃ فتبين من خلال قوله وفعله -ﷺ- وفعل صحابته من بعده الهدف من زيارة القبور: وهو التذكر والاعتبار والسلام على الموتى والدعاء لهم، وأما خلاف ذلك فهو خلاف هديه -ﷺ- وسنته\".\nراجع: \"تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد\" (ص ١٧٤) وما بعدها، وتحذير الساجد من إتخاذ القبور مساجد \"للشيخ ناصر الألباني\" والزيارة \"من أجوبة شيخ الإسلام ابن تيمية.\n(٢) حديث قصة العنبر: أخرجه مالك في الموطأ في صفة النبي -ﷺ-: باب جامع ما جاء في الطعام والشراب برقم (٢٤) (ص ٩٣٠) وأحمد في المسند (٣/ ٣٠٣، ٣٠٦، ٣١١) والبخاري رقم (٢٤٨٣) في الشركة باب الشركة في الطعام.\nوالعروض، وفي الجهاد رقم (٢٩٨٣) مختصرًا وفي المغازي رقم (٤٣٦٠ - ٤٣٦٢) باب غزوة سيف البحر وفي الذبائح رقم (٥٤٩٣ - ٥٤٩٤) ومسلم رقم (١٩٣٥) في الصيد كتاب باب إباحة ميتات البحر.\nولفظه كما في البخاري عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ أنه قال: \"بعث رسول اللَّه -ﷺ- =","vol":"2","page":57},{"text":"روى عن أبي عبيدة ﵁ جابر بن عبد اللَّه وأبو أمامة الباهلي وأبو ثعلبة الخشني وشهر بن جندب وغيرهم (١).\n(و) السادس أبو عبد اللَّه (الزبير) (٢) بضم الزاي وكسر الموحدة فتحتية ساكنة فراء ابن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة القرشي الأسدي وأمه صفية ﵂ بنت عبد المطب عمة رسول اللَّه -ﷺ- أسلمت\nوأسلم هو قديمًا على يد أبي بكر الصديق ﵄ وهو ابن ستة (٣) عشر سنة، فعذبه عمه بالدخان ليترك الإسلام فلم يفعل (٤).\nوهاجر إلى الحبشة الهجرتين وشهد مع الرسول -ﷺ- المشاهد كلها وهو أول من سل سيفًا في سبيل اللَّه من هذه الأمة، وثبت مع النبي -ﷺ- يوم أحد وكان رضي اللَّه\n_________\n= بعثًا قبل الساحل فأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة وأنا فيهم فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع ذلك كله فكان مزودي تمر فكان يقوتنا، كل يوم قليلًا قليلًا حتى فني فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة فقلت وما يغني تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت -قال ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظرب فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا ثم أمر براحلة فرحلت ثم مرت تحتهما فلم تصبهما\".\nوفي رواية مسلم أنهم لما وجدوه -يعني الحوت- قال أبو عبيدة ﵁: \"ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول اللَّه -ﷺ- وفي سبيل اللَّه، وقد اضطرتم فكلوا. . \" الحديث.\nوانظر: تلقيح فهوم أهل الأثر (٣٩٨) وتحفة الأشراف (٤/ ٢٣٢).\n(١) انظر: ترجمة أبي عبيدة ﵁ في: طبقات ابن سعد (٣/ ٤٠٩) والاستيعاب (٥/ ٢٩٢) وأسد الغابة (٣/ ١٢٨) وسير أعلام النبلاء (١/ ٥) والإصابة (٥/ ٢٨٥).\n(٢) انظر: ترجمة الزبير في طبقات ابن سعد (٣/ ١٠٠) والاستيعاب (٣/ ٣٠٩) وأسد الغابة (٢/ ٢٤٩) و\"سير أعلام النبلاء\" (١/ ٤١) والإصابة (٤/ ٧).\n(٣) كذا في النسخين والصواب: ابن ست عشرة سنة.\n(٤) انظر: صفة الصفوة لابن الجوزي (١/ ٣٤٢، ٣٤٤).","vol":"2","page":58},{"text":"عنه أبيض طويلًا ويقال لم يكن بالطويل ولا بالقصير، يميل إلى الخفة في اللحم، ويقال: كان أسمر خفيف العارضين قتله عمير بن جرموز بضم الجيم وسكون الراء وضم الميم فواو ساكنة فزاي بسفوان -بفتح السين المهملة وفتح الفاء والواو فألف ساكنة فنون- من أرض البصرة سنة ست وثلاثين وله أربع وستون سنة، ودفن بوادي السباع ثم حول إلى البصرة وقبره مشهور بها، يلتقي نسبه مع النبي -ﷺ- في قصي.\nروي له عن النبي -ﷺ- ثمانية وثلاثون حديثًا منها في الصحيحين تسعة المتفق عليها منها حديثان وباقيها للبخاري روى عنه ابناه عبد اللَّه وعروة وغيرهما.\nوقول الناظم رحمه اللَّه تعالى: (الممدح): أي المتصف بالخصال التي يمدح بها ويحمد عليها إشارة إلى كثرة مناقبه، وغزور مزاياه، منها قوله -ﷺ-: \"إن لكل نبي حواريًا وإن حواري الزبير بن العوام\" رواه الترمذي من حديث أمير المؤمنين علي ﵁، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١).\nورواه البخاري ومسلم والترمذي أيضًا من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ (٢).\nوجمع له رسول اللَّه -ﷺ- أبويه فقال: \"فداك أبي وأمي\" (٣) متفق عليه من حديث عبد اللَّه بن الزبير عن أبيه ﵄.\n_________\n(١) رواه الترمذي رقم (٣٧٤٤) في المناقب باب مناقب الزبير بن العوام ﵁ (ج ٥/ ٦٤٦). وروى عن سفيان بن عنة أنه قال: الحواري: الناصر.\n(٢) رواه البخاري رقم (٣٧١٩) في فضائل الصحابة باب مناقب الزبير بن العوام ومسلم رقم (٢٤١٥) في فضائل الصحابة، والترمذي رقم (٣٧٤٥) (٥/ ٦٤٦).\n(٣) رواه البخاري رقم (٣٧٢٠) ومسلم رقم (٢٤١٦) في فضائل الصحابة باب فضائل طلحة والزبير.","vol":"2","page":59},{"text":"وأخرج الترمذي عن هشام بن عروة قال: أوصى الزبير إلى ابنه عبد اللَّه ﵄ صبيحة يوم الجمل فقال: \"ما مني عضو إلا وقد جرح مع رسول اللَّه -ﷺ- حتى انتهى ذلك مني إلى الفرج\" (١) وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب.\n(فهؤلاء الستة نفر الذين أشار إليهم الناظم رحمه اللَّه تعالى بأنهم:\n(على نجب الفردوس في الخلد تسرح) أفضل الصحابة ﵃ بعد الخلفاء الراشدين، والخلفاء الراشدون) (٢) وهؤلاء الستة هم المبشرون بالجنة: ففي حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد ابن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة\" (٣) رواه الترمذي.\nوأخرج أبو داود والترمذي -أيضًا- عن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة. . \" الحديث، وسكت عن العاشر فقالوا: ومن هو العاشر؟ قال سعيد بن زيد -يعني نفسه- ثم قال سعيد بن زيد ﵁ لمشهد رجل منهم مع رسول اللَّه -ﷺ- يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم ولو عُمِّرَ عُمْرَ نوح ثم قال فالشقي من أبغضهم والسعيد من أحبهم.\nولفظ الترمذي: \"أشهد على التسعة أنهم في الجنة ولو شهدت على العاشر لم آثم فقيل له من التسعة؟ فذكرهم وقيل من العاشر؟ فتلكأ هُنَيّة (٤) ثم قال: أنا.\n_________\n(١) الترمذي رقم (٣٧٤٦) (ج ٥/ ٦٤٧).\n(٢) ما بين القوسين سقط من \"ظ\".\n(٣) رواه الترمذي رقم (٣٧٤٧) في المناقب، وهو حديث صحيح.\nانظر: صحيح الجامع الصغير (١/ ٧٠) رقم (٥٠) وتخريج الطحاوية (٥٥٠ - ٥٥١) وجامع الأصول (٨/ ٥٥٧، ٥٦١).\n(٤) هُنَيّة ويقال هنيهة -أيضًا- أي قليلًا من الزمان. (النهاية ٥/ ٢٧٩).","vol":"2","page":60},{"text":"وفى رواية عند الترمذي من حديث سعيد بن زيد ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"عشرة في الجنة فعد التسعة وسكت عن العاشر، فقال القوم: ننشدك اللَّه يا أبا الأعور من العاشر؟ قال: نشدتموني باللَّه أبو الأعور في الجنة\" (١). أبو الأعور هو سعيد كما تقدم.\nوأخرج الترمذي عن عقبة بن علقمة اليشكري قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: سمعت أذني من رسول اللَّه -ﷺ- (وهو يقول) (٢): \"طلحة والزبير جاراي في الجنة\" (٣).\nوفي صحيح مسلم وسنن الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير ﵃ فتحركت الصخرة فقال رسول اللَّه -ﷺ- اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد\".\nوفي رواية أن رسول اللَّه -ﷺ- كان على جبل حراء فتحرك فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد وعليه النبي -ﷺ- وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد ابن أبي وقاص، زاد في رواية بعد عثمان وعلي (٤).\n_________\n(١) رراه أبو داود رقم (٤٦٤٨ - ٤٦٥٠) في السنة باب في الخلفاء والترمذي رقم (٣٧٥٧) في المناقب، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(٢) ما بين القوسين سقط من \"ظـ\".\n(٣) أخرجه الترمذي رقم (٣٧٤١) وقال: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الألباني ضعيف.\nانظر: تخرج المشكاة رقم (٦١١٤) ضعيف الجامع (٣٦٢٩).\n(٤) رواه مسلم رقم (٢٤١٧) في فضائل الصحابة باب من فضائل طلحة والزبير، والترمذي رقم (٣٦٩٦) في المناقب كتاب في مناقب عثمان من عفان ﵁.","vol":"2","page":61},{"text":"وفى صحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي من حديث أنس ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- صعد أُحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فقال: \"اثبت أحد\" أراه ضربه برجله \"فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان\".\nوفى لفظ: \"فما عليك إلا نبى أو صديق أو شهيد\" (١).\nوأخرج الترمذي عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول:\n\"من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد اللَّه\" (٢).\nوأخرج الترمذي -أيضًا- من حديث الزبير بن العوام ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول يوم أحد: \"أوجب طلحة\" (٣) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nومعنى أوجب أي وجبت له الجنة (٤).\nوأخرج الترمذي -أيضًا- عن موسى بن طلحة قال: دخلت على معاوية فقال: ألا أبشرك قلت بلى قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"طلحة ممن قضى نحبه\" (٥).\n_________\n(١) البخاري رقم (٣٦٧٥) في فضائل الصحابة باب قول النبي -ﷺ-: \"لو كنت متخذًا خليلًا\". (ج ٧/ ٢٦) وأبو داود رقم (٤٦٥١) في السنة باب في الخلفاء، والترمذي رقم (٣٦٩٧) في المناقب باب مناقب عثمان ﵁.\n(٢) الترمذي رقم (٣٧٣٩) وقال: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الصلت وقد تكلم بعض أهل العلم في الصلت بن دينار وفي صالح بن موسى من قبل حفظهما\".\n(٣) الترمذي رقم (٣٧٣٨) في المناقب باب مناقب طلحة بن عبد اللَّه ﵁، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\".\nوقال الألباني: حسن. انظر صحيح الجامع (٢٥٣٧) الصحيحة رقم (٩٤٥).\n(٤) انظر: جامع الأصول (٩/ ٣).\n(٥) الترمذي رقم (٣٧٤٠) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث معاوية إلا من هذا الوجه، وصححه الألباني. انظر الصحيحة رقم (١٢٥).","vol":"2","page":62},{"text":"وأخرج البخاري ومسلم والترمذي عن سعيد بن المسيب رحمه اللَّه تعالى قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: \"جمع لي رسول اللَّه -ﷺ- (أبويه) (١) يوم أحد\" (٢).\nوأخرجوا من حديث علي ﵁ قال: ما سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يفدي أحدًا غير سعد بن أبي وقاص سمعته يوم أحد يقول: \"ارم فداك أبي وأمي\".\nوفي رواية: \"ما سمعت رسول اللَّه جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك\" (٣) الحديث.\nوتقدم أن أبا وقاص اسمه مالك.\nوفي صحيح البخاري عن سعد ﵁ قال: \"رأيتنى وأنا ثالث الإسلام وما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني ثالث الإسلام\" (٤).\n_________\n(١) سقطت من النسخين وأثبتناها من البخاري ومسلم.\n(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٧٢٥) (ج ٧/ ١٠٤) في فضائل الصحابة باب مناقب سعد بن أبي وقاص الزهري، ومسلم رقم (٢٤١٢) في فضائل الصحابة باب من فضائل سعد بن أبي وقاص ﵁ والترمذي رقم (٣٧٥٤) (٥/ ٦٥٠) في المناقب، باب مناقب سعد بن أبي وقاص ﵁.\n(٣) البخاري رقم (٤٠٥٨ - ٤٠٥٩) (ج ٧/ ٤١٥) في المغازي، ومسلم رقم (٢٤١١) في فضائل الصحابة، والترمذي رقم (٣٧٥٣، ٣٧٥٥) في المناقب باب مناقب سعد بن أبي وقاص.\n(٤) البخاري رقم (٣٧٢٦ - ٣٧٢٧) في فضائل الصحابة، باب مناقب سعد بن أبي وقاص، ورواية البخاري: \"لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام\" قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (ج ٧/ ١٠٥): \"قوله (وإني لثلث الإسلام) قال ذلك بحسب اطلاعه، والسبب فيه أن من كان أسلم في ابتداء الأمر كان يخفي إسلامه، ولعله أراد بالاثنين الآخرين خديجة وأبا بكر أو النبي وأبا بكر. =","vol":"2","page":63},{"text":"وفي الترمذي من حديث جابر ﵁ قال: كنت جالسًا مع رسول اللَّه -ﷺ- فأقبل سعد إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"هذا خالي فليرني امرؤ خاله\" (١).\nوروى مسلم والترمذي وغيرهما من حديث سعد قال: \"حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت زعمت أن اللَّه وصاك بوالديك فأنا أمك وأنا آمرك بهذا قال: فمكثت ثلاثًا حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعد وفي رواية فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا (٢) فاها ثم أوجروها (٣).\nوفي رواية قالت أم سعد: أليس قد أمر اللَّه بالبر واللَّه لا أطعم طعامًا، ولا أشرب شرابًا حتى أموت أو تكفر فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها فنزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ. .﴾ [العنكبوت: ٨].\n_________\n= وقد كانت خديجة أسلمت قطعًا فلعله خص الرجال، ثم قال: \"وقد تقدم في ترجمة الصديق حديث عمار: رأيت النبي -ﷺ- وما معه إلا خمسة أعبد وأبو بكر\" وهو يعارض حديث سعد والجمع بينهما ما أشرت إليه، أو يحمل قول سعد على الأحرار البالغين ليخرج الأعبد المذكورون وعلي ﵁ أو لم يكن اطلع على أولئك. . . \" انتهى.\n(١) الترمذي رقم (٣٧٥٢) في المناقب باب مناقب سعد بن أبي وقاص ﵁. وقال: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث مجالد\".\nقال: \"وكان سعد بن أبي وقاص من بني زهرة وكانت أم النبي -ﷺ- من بني زهرة فلذلك قال النبي -ﷺ-: \"هذا خالي\".\n(٢) شجروا فاها: أي فتحوه كرهًا.\n(٣) (أوجرت) الدواء في فيه إذا ألقيته فيه فشبه إلقاء الطعام في فيها كرهًا بالقاء الدواء عن غير اختيار. ابن الأثير جامع الأصول (٩/ ١٤).","vol":"2","page":64},{"text":"قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١).\nوكان سعد مجاب الدعوة.\nوأخرج الترمذي عن سعد ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: \"اللهم استجب لسعد إذا دعاك\" (٢).\nوفي الصحيحين وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: \"إني لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل اللَّه\" (٣).\nوفي رواية للترمذي: \"إني لأول رجل أهراق دمًا في سبيل اللَّه\" وقال حديث حسن صحيح.\nوأخرج البخاري في صحيحه عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو في مسجد الكوفة يقول: \"واللَّه لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام أنا وأخته -يعني زوجة سعيد- قبل أن يسلم عمر (٤) يشير إلى أسبقيته إلى الإسلام -﵁-.\n_________\n(١) رواه مسلم رقم (١٧٤٨) في الجهاد باب الأنفال، وفي فضائل الصحابة باب من فضائل سعد بن أبي وقاص ﵁ رقم (١٧٤٨) (ج ٤/ ١٨٧٧) والترمذي رقم (٤١٨٩) في التفسير كتاب ومن سورة العنكبوت.\n(٢) الترمذي رقم (٣٧٥١) قال الألباني في تخريج المشكاة رقم (٦١١٦) (ج ٣/ ١٧٢٨): \"إسناده صحيح\".\n(٣) رواه البخاري رقم (٣٧٢٨) (ج ٧/ ١٠٤) في فضائل أصحاب النبي -ﷺ-، باب مناقب سعد بن أبي وقاص، ومسلم رقم (٢٩٦٦) في الزهد في فاتحته، والترمذي رقم (٢٣٦٥ - ٢٣٦٦) في الزهد، باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي -ﷺ-.\n(٤) البخاري رقم (٣٨٦٢) (ج ٧/ ١٠٤) في مناقب الأنصار، باب إسلام سعيد بن زيد ﵁.","vol":"2","page":65},{"text":"وفي الترمذي من حديث عائشة ﵂ أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يقول لنسائه: \"إن أمركن مما يهمني من بعدي ولن يصبر عليكن إلا الصابرون الصديقون\" قالت عائشة -يعني المتصدقين-.\nثم قالت عائشة ﵂ لأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف سقى اللَّه أباك من سلسبيل الجنة.\nوكان ابن عوف تصدق على أمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعين ألفًا وقال حديث حسن صحيح (١).\nوأخرج الترمذي أيضًا -عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أوصى بحديقة لأمهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألف (٢) وقال حديث حسن غريب.\nوفي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"إن لكل أمة أمينًا وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح\" (٣).\nوفي مسلم أن رسول اللَّه -ﷺ-: أخذ بيد أبي عبيدة فقال: \"هذا أمين هذه الأمة\" وزاد رزين (٤): وفيه نزل: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ. .﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية.\n_________\n(١) الترمذي في المناقب رقم (٣٧٤٩) باب مناقب عبد الرحمن بن عوف ﵁، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n(٢) الترمذي رقم (، ٣٧٥) وقال: هذا حديث حسن غريب.\n(٣) البخاري رقم (٣٧٤٤) (٧/ ١١٦) في فضائل الصحابة باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁، ومسلم رقم (٢٤١٩) في فضائل الصحابة، باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح ﵁ (٤/ ١٨٨١).\n(٤) رزين: رزين بن معاوية بن عمار العبدري الأندلسي السرقسطي أبو الحسن كان رجلًا فاضلًا عالمًا بالحديث وغيره وله فيه تواليف منها \"تجريد الصحاح\" جمع فيه بين الموطأ =","vol":"2","page":66},{"text":"وكان قتل أباه وهو من جملة أساري بدر بيده لما سمع منه في رسول اللَّه -ﷺ- ما يكره ونهاه فلم ينته\" (١).\nوفي الصحيحين وغيرهما عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: \"جاء أهل نجران إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقالوا يا رسول اللَّه إبعث إلينا رجلًا أمينًا، فقال: لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حقَّ أمينٍ، فاستشرف لها الناس، قال فبعث أبا عبيدة بن الجراح\" (٢).\nوفي الترمذي قال: جاء العاقب والسيد إلى النبي -ﷺ- فقالا: إبعث معنا أمينك (٣) قال فإني أبعث معكم. . وذكر الحديث وقال حديث حسن صحيح. واللَّه أعلم.\nإذا علمت ذلك فاعلم أن أهل السنة والجماعة متفقون على أن أفضل هذه الأمة: أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي أمير المؤمين، ثم هؤلاء الستة تكملة العشرة المبشرين بالجنة من سيد العالمين وخاتم النبيين، فأهل بدر، فأهل بيعة الرضوان، فأهل أحد، فباقي الصحابة الكرام رضوان اللَّه عليهم أجمعين (٤).\n_________\n= والصحاح الخمسة وعليه اعتمد ابن الأثير في تصنيف كتابه \"جامع الأصول\" لكن أدخل فيه زيادات واهية، قال الذهبي: أدخل كتابه زيادات واهية لو تنزه منها لأجاد، توفى بمكة سنة خمس وثلاثين وخمسمائة.\nسير أعلام النبلاء (٢/ ٢٠٤ - ٢٦٠) والصلة (١/ ١٨٦ - ١٨٧) والديباج المذهب (١/ ٣٦٦ - ٣٦٧) ومقدمة جامع الأصول (١/ ٤٨ - ٥١) والفوائد المجموعة (٤٩).\n(١) جامع الأصول (٩/ ٢٠ - ٢١).\n(٢) البخاري رقم (٣٧٤٥) (٧/ ١١٦ - ١١٧) في فضائل الصحابة باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁ ومسلم رقم (٢٤٢٠) في فضائل الصحابة باب وفي فضائل أبي عبيدة بن الجراح ﵁، والترمذي رقم (٣٧٩٦) في المناقب باب مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبي عبيدة ين الجراح ﵃ (٥/ ٦٦٧).\n(٣) في \"ظ\": إبعث معنا أمينًا.\n(٤) انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٦٤) واختصار علوم الحديث (ص ١٨٣) وإرشاد طلاب الحقائق للنووي (٢/ ٥٩٨، ٥٩٩) وتفسير القرطبي (٨/ ٢٣٦) وتدريب الراوي (ص =","vol":"2","page":67},{"text":"وبعد ذكر العشرة الكرام المبشرين بالجنة ذكر الناظم رحمه اللَّه تعالى أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄، حبيبة رسول رب العالمين فقال: (وعائش): بحذف هاء التأنيث وإن كان في غير النداء لضرورة النظم ولكثرة ما كان النبي -ﷺ- يخاطبها كذلك في النداء وغيره على طريق الترخيم، فأجرى الناظم ذكرها هنا مجراه، وقد سمع الترخيم في غير النداء كقول امرئ القيس:\nلنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره ... طريف بن مال ليلة الجوع والخصر (١)\nأي البرد.\nوهو معطوف على ما قبله أي في جنة الخلد (أم المؤمنين) لقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.\nوقد تواتر تسمية أزواج النبي -ﷺ- بأمهات المؤمنين لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].\nعقد النبي -ﷺ- على أم المؤمنين عائشة الصديقة ﵂ وهي بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين وقيل بثلاث.\nوفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول هذه امرأتك فاكشف عن وجهك فإذا أنت هي فأقول إن يكن هذا من عند اللَّه يمضه\".\nورواه البخاري أيضًا ولفظه: \"أريتك قبل أن أتزوجك مرتين ورأيت الملك\n_________\n= ٤٠٧ - ٤٠٩) وشرح العقيدة الطحاوية (٥٤٨) وما بعدها، ومعالم السنن (٧/ ١٨) وشرح مسلم للنووي (١٥/ ١٤٨) وأصول الدين للبغدادي (ص ٣٠٤).\n(١) البيت في ديوان امرئ القيس (ص ١٤٢) وانظر: شرح ابن عقيل (٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥).","vol":"2","page":68},{"text":"يحملك في سرقة حرير فقلت له اكشف فكشف، فإذا هى أنت فقلت إن يكن هذا من عند اللَّه يمضه\" (١).\nوبنى بالمدينة أول مقدمه في السنة الأولى وهي بنت تسع، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة، وتوفيت بالمدية ودفنت بالبقيع وأوصت أن تدفن ليلًا، وصلى عليها أبو هريرة ﵁، وكان يومئذ خليفة مروان على المدينة في أيام معاوية ابن أبي سفيان ﵁ وذلك سنة ثمان وخمسين وكان ذلك ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان.\nفهي ﵂ أفضل نساء النبي -ﷺ- في العلم والفقه النافع فلها من الفضل في ذلك ما ليس لغيرها من سائر أزواجه -ﷺ- حتى كان الأكابر من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ورضي عنهم إذا أشكل عليهم أمر من الدين استفتوها فيجدون علمه عندها وقد وقع الخلاف بين السلف في التفاضل بينها وبين أم المؤمنين خديجة ﵂.\nفقدم العلامة ابن حمدان (٢) في \"نهاية المبتدئين في أصول الدين\" أن عائشة ﵂ أفضل النساء.\nوقال الإمام موفق الدين (٣) أفضل النساء خديجة بنت خويلد ﵂ (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٧/ ٢٦٤) رقم (٣٨٩٥) مناقب الأنصار، باب تزويج النبي -ﷺ- عائشة وقدومها المدينة وبنائه بها، ومسلم رقم (٢٤٣٨) في فضائل الصحابة باب في فضل عائشة ﵂.\n(٢) أحمد بن حمدان تقدم (١/ ٢٥٣).\n(٣) موفق الدين ابن قدامة تقدم (١/ ٢١١).\n(٤) انظر: لمعة الاعتقاد لابن قدامة (ص ٣٣) وشرحها للشيخ محمد بن صالح العثيمين (ص ١٠٥ - ١٠٦) وراجع فتح الباري (ج ٦/ ٥١٤ - ٦١٥، ٥٤٣، ج ٧/ ١٦٧).","vol":"2","page":69},{"text":"وقال المحقق ابن القيم في كتابه \"جلاء الأفهام\"\n\"وقد اختلف في تفضيل خديجة على عائشة على ثلاثة أقوال ثالثها الوقف.\nقال وسألت شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه عنها فقال: اختصت كل واحدة منهما بخاصية؛ خديجة كان تأثيرها في أول الإسلام وموازرة خير الأنام فكانت تسلي رسول اللَّه -ﷺ- وتثبته وتبذل دونه مالها فأدركت غرة الإسلام واحتملت الأذى في اللَّه وفي رسوله وكانت نصرتها للرسول -ﷺ- في أعظم أوقات الحاجة فلها من النصرة وبذل المال ما ليس لغيرها. فال وعائشة كان تأثيرها في آخر الإسلام فلها من التفقه في الدين وحمل العلم وتبليغه إلى الأمة وانتفاع بنيها بما أدت إليهم من العلم ما ليس لغيرها فلكل منهما خاصية لا توجد بغيرها\" (١).\nوقال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه \"بدائع الفوائد\" في المفاضلة ما بين عائشة ﵂ وفاطمة ﵂ إذا حرر (٢) محل التفضيل لا يستقيم الخلاف لأنه إن أريد بالفضل كثرة الثواب عند اللَّه فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح وكم من عاملين أحدهما أكثر عملًا بجوارحه والآخر أرفع درجة منه في الجنة وإن أريد بالتفاضل من جهة العلم فلا ريب أن أم المؤمنين عائشة ﵂ أعلم وأنفع للأمة وأدت من العلوم ما لم يؤد غيرها واحتاج إلى علمها خواص الأمة وعامتها وإن أريد بالتفاضل شرف الأصل وجلالة النسب فلا ريب أن فاطمة ﵍ أفضل فإنها بضعة من النبي -ﷺ- وذلك اختصاص لم يشركها فيه غير أخواتها وإن أريد السيادة ففاطمة رضي\n_________\n(١) جلاء الأفهام (ص ١٢٤) وانظر مجموع الفتاوى (ج ٤/ ٣٩٣) وبدائع الفوائد (٣/ ١٦١ - ١٦٣).\n(٢) في \"ظ\": إذا جرى.","vol":"2","page":70},{"text":"اللَّه عنها سيدة نساء الأمة وإذا تبينت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم وعدل\" (١) وانزاح اللغو والمزاح عن أهل الفهم والفضل وباللَّه التوفيق.\nفعائشة أم المؤمنين ﵂ أفضل بحسب تحملها للعلوم وأحاديث (٢) النبي -ﷺ- فإنها أحد المكثرين ونشرها لسنة النبي -ﷺ- ونفعها للأمة فإنها كانت عالمة فقيهة فصيحة فاضلة كثيرة الحديث عن النبي -ﷺ- عارفة بأيام العرب وأشعارها وفضائلها ومناقبها كثيرة لا تحصى، ومحبة النبي -ﷺ- لها وتفضيلها على سائر نسائه -ﷺ- مما لا يخفى وهي أحد المكثرين عن رسول اللَّه -ﷺ- فقد روي لها ألفا حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث منها في الصحيحين ثلاثمائة حديث تعجز ثلاثة أحاديث، المتفق عليه منها مائة وأربعة وسبعون، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين ومسلم بتسعة وستين (٣).\nوفي الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي وغيرهم عن عائشة قالت: قال لي رسول اللَّه -ﷺ- يومًا يا عائش \"هذا جبريل يقرئك السلام\" فقلت: وعليه السلام ورحمة اللَّه وبركاته قالت وهو يرى ما لا أرى\" (٤).\nوقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: أتى جبريل النبي -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه \"هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طمام أو شراب فإذا\n_________\n(١) انتهى كلام ابن القيم ﵀. انظر: \"بدائع الفوائد\" (ج ٣/ ١٦١ - ١٦٢).\n(٢) في \"ظ\": الأحاديث.\n(٣) تلقيح فهوم أهل الًاثر (ص ٣٦٣، ٤٠٣) وتهذب الأسماء واللغات (٢/ ٣٥١) وسير أعلام النبلاء (٢/ ١٣٩).\n(٤) البخاري رقم (٣٧٦٨) في فضائل الصحابة باب فضل عائشة ﵂، ومسلم رقم (٢٤٤٧) في فضائل الصحابة باب فضل عائشة ﵂، وأبو داود رقم (٥٢٣٢) في الأدب، باب في الرجل يقول فلان يقرئك السلام، والترمذي رقم (٣٨٨١) في المناقب باب مناقب عائشة.","vol":"2","page":71},{"text":"هى أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ﵎ ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب\" (١).\nوهذه لعمر اللَّه خاصية (٢) لم تكن لسواها.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-173>من خصائص عائشة ﵂ </span>أنه لم يتزوج بكرًا غيرها (٣) وأنها كان ينزل الوحي على النبي -ﷺ- وهو في لحافها (٤) ولما أنزل اللَّه آية التخيير بدأ بها فخيرها وقال لها \"فلا عليك أن لا تعجلى حتى تستأمري أبويك\" فقالت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد اللَّه ورسوله والدار الآخرة. فاستن بها بقية أزواجه -ﷺ- ورضي عنهن (٥).\nومن أعظم خصائصها أنها كانت أحب أزواج رسول اللَّه -ﷺ- إليه، كما ثبت عنه -ﷺ- في الصحاح والمسانيد والسنن (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري رقم (٣٨٢٠) (ج ٧/ ١٦٦) في مناقب الأنصار، باب تزوبج النبي -ﷺ- خديجة وفضلها ﵂، ومسلم رقم (٢٤٣٢) في فضائل الصحابة باب فضائل خدجة أم المؤمنين ﵂.\n(٢) في الأصل خاصة والمثبت من \"ظ\" ولعله الصحيح.\n(٣) أخرج البخاري عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول اللَّه أرأيت لو أنك نزلت واديًا فيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يؤكل منها فأيهما كنت ترتع بعيرك؟ قال: \"الشجرة التي لم يؤكل منها\" قالت: فأنا هي تعني أن رسول اللَّه لم يتزوج بكرًا غيرها، رواه البخاري (٩/ ٢٣) رقم (٥٠٧٧) في النكاح باب نكاح الأبكار.\n(٤) البخاري (ج ٧/ ١٣٤) رقم (٣٧٧٥) في فضائل الصحابة باب فضل عائشة ﵂ ومسلم رقم (٢٤٤١ - ٢٤٤٢) في فضائل الصحابة باب فضل عائشة ﵂.\n(٥) أخرجه البخاري (ج ٨/ ٣٧٩) رقم (٤٧٨٥) في التفسير باب ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] ومسلم رقم (١٤٧٥ - ١٤٧٨) (ج ٢/ ١١٠٥) في الطلاق باب بيان أن لخبير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنبة.\n(٦) عن عمرو بن العاص ﵁ قال سألت النبي -ﷺ- من أحب الناس إليك؟ قال: =","vol":"2","page":72},{"text":"وقد قال -ﷺ-: \"فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" (١) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.\nومن عظيم خصائصها ﵂ أن اللَّه ﵎ برأها مما رماها به أهل الإفك (٢) وأنزل في براءتها وحيًا يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة وشهد لها تعالى بأنها من الطيبات فللَّه (درها) (٣) من حصان عظمت فضائلها ورزان جلت مناقبها، ومطهرة رسخت قدمها في الدين وفقيهة عظم شأنها عند سائر المسلمين واحتاج لعلمها أئمة الصحابة وشهد لها (أهل) (٤) الحق بالتقدم والإصابة.\nوأخرج الترمذي عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: ما أشكل علينا\n_________\n= عائشة\" قال فمن الرجال؟ قال: \"أبوها\".\nرواه البخاري في صحيحه (٧/ ٢٢) رقم (٣٦٦٢) في فضائل الصحابة باب قول النبي \"لو كنت متخذًا خليلًا\" وفي المغازي باب غزوة ذات السلاسل (ج ٧/ ٦٧٣) رقم (٤٣٥٨) ومسلم رقم (٢٣٨٤) في فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر ﵁.\n(١) البخاري (٧/ ١٣٣) في فضائل الصحابة باب فضل عائشة، ومسلم رقم (٢٤٤٦) في فضائل الصحابة باب فضل عائشة ﵂ من رواية أنس بن مالك ﵁. ورواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي من رواية أبي موسى وعائشة ﵃. انظر جامع الأصول (٩/ ١٣٤).\n(٢) راجع قصة الإفك في البخاري (٥/ ٣١٩) في الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضًا وفي المغازي (٧/ ٤٩٦) باب حديث الإفك وفي التفسير (٨/ ٣٠٦) في تفسير سورة النور باب ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾، وأحمد (٦/ ١٩٤) ومسلم (٢٧٧٠) في التوبة باب حديث الإفك، وابن هشام في السيرة (٣/ ٣٨١)؛ وابن كثيرة في البداية (٤/ ١٦٠) وفي نفسيره (ج ٦/ ٦٨)؛ وسير أعلام النبلاء (ج ٢/ ١٥٣).\n(٣) درها سقطت من الأصل وأثبتها من \"ظ\".\n(٤) (أهل) سقطت من الأصل وأثبتناها من \"ظ\".","vol":"2","page":73},{"text":"أصحاب النبي -ﷺ- حديث قط فسألنا عائشة ﵂ إلا وجدنا عندها منه علمًا\" (١) قال الترمذي حديث حسن صحيح.\nوأخرج الترمذي -أيضًا- عن أنس وصححه أن رجلًا نال من عائشة ﵂ عند عمار بن ياسر ﵁ قال: \"أغرب مقبوحًا منبوحًا أتؤذي حبيبة رسول اللَّه -ﷺ-\" (٢).\nوأخرج عن عبد اللَّه بن زياد الأسدي قال: سمعت عمار بن ياسر ﵁ يقول: \"هى زوجته في الدنيا والآخرة\" (٣) (يعني عائشة ﵂، قال الترمذي حسن صحيح، ومناقبها) (٤) ومآثرها كثيرة ومزاياها وفضائلها غزيرة شهيرة فرضي اللَّه عنها وعن سائر أزواج رسول اللَّه الطاهرات أمهات المؤمنين وعن سائر أصحاب رسول اللَّه أجمعين واللَّه تعالى أعلم.\nوقول الناظم ﵀ ورضى عنه: (وخالنا معاوية) بن أبي سفيان ﵄: إنما سمي معاوية بخال المؤمنين لأنه أخو أم المؤمنين أم حبيبة زوجة النبي -ﷺ- فأطلق عليه خال المؤمنين لأن أخ الأم خال لابنها واسم أم حبيبة على الصحيح رملة بفتح الراء وسكون الميم وقيل اسمها هند والأصح أن اسمها رملة بنت أبي سفيان أخت معاوية بن أبي سفيان واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف القرشي الأموي يلتقي نسبه مع النبي -ﷺ- في عبد مناف، أمير المؤمنين كان هو وأبوه أبو سفيان من مسلمة الفتح ومن المؤلفة قلوبهم، ثم حسن\n_________\n(١) الترمذي رقم (٣٨٨٣) في المناقب باب فضل عائشة ﵂ وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٢) رواه الترمذي في مناقب عائشة رقم (٣٨٨٨) (ج ٥/ ٧٠٧) وقال: \"هذا حديث حسن\".\n(٣) الترمذي ني مناقب عائشة رقم (٣٨٨٩) وقال: \"هذا حديث حسن\".\n(٤) ما بين القوسين سقط من \"ظ\".","vol":"2","page":74},{"text":"إسلامهما، وأم معاوية هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف أسلمت عام الفتح بعد إسلام زوجها فأقرهما النبي -ﷺ- على نكاحهما وكان لها فصاحة وعقل ورزانة.\nيكنى معاوية بأبي عبد الرحمن وهو أحد كتاب النبي -ﷺ- وقيل إنما كان يكتب للنبي -ﷺ- الكتب لا الوحي (١).\nوقد أخرج الترمذي وحسنه عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الصحابي ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال لمعاوية: \"اللهم اجعله هاديًا مهديًا\" (٢).\nوأخرج الإمام أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب\" (٣).\nوأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في الكبير عن عبد الملك بن عمير\n_________\n(١) الصحيح أنه من كتاب الوحى، انظر ابن كثير (ج ٨/ ١١٧ - ١١٩)؛ وسير أعلام النبلاء (ج ٣/ ١٢٣).\n(٢) أخرجه الترمذي في المناقب (٣٨٤٢) باب مناقب لمعاوية بن أبي سفيان وقال: \"هذا حديث حسن غريب\".\n(٣) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٢٧) وابن حبان في صحيحه الإحسان (٩/ ١٦٩ - ١٧٠) والبسوي في المعرفة (٢/ ٣٤٥)؛ وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١٧٤٨) (٢/ ٩١٣ - ٩١٤)؛ والحسن بن عرفة في جزئه رقم (٣٦) والبزار -كما في كشف الأستار (٢٧٢٣) (٣/ ٢٦٧).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٦) رواه البزار وأحمد في حديث طويل والطبراني وفيه الحارث بن زياد، ولم أجد من وثقه ولم يرو عنه غير يونس بن سيف وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف. وقال الذهبي في السير (٣/ ١٢٤) وله شاهد قوي أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢٤٠) عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني، وانظر البداية (٨/ ١٢٠ - ١٢١).","vol":"2","page":75},{"text":"قال: قال معاوية ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول اللَّه \"يا معاوية إذا ملكت فأحسن\" (١).\nتولى معاوية ﵁ إمارة الشام بعد موت أخيه ويزيد بن أبي سفيان وذلك أن أبا بكر الصديق ﵁ لما بعث الجيوش إلى الشام سنة اثنتي عشرة وكان أمير الأمراء أبا عبيدة بن الجراح ﵃ وكان من أمراء الأجناد ويزيد بن أبي سفيان.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكان ويزيد خيرًا من معاوية وأفضل (٢).\nفسار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان، فلما مات أخوه ويزيد استخلفه قبل موته على دمشق فأقره عمر بن الخطاب ﵁ ثم أقره عثمان وجمع له عثمان الشام كله فأقام أميرًا عشرين سنة، ولما استشهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وأفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بمبايعة المهاجرين والأنصار -كما مر- دخل المغيرة بن شعبة على أمير المؤمنين على ابن أبي طالب فأشار عليه بإبقاء معاوية على إمارة الشام فإنه قال له يا أمير المؤمنين\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ١٤٧ - ١٤٨) رقم (١٠٧٦٤) والطبراني في الكببر (١٩/ ٣٦١ - ٣٦٢) (٨٥٠).\nقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٨٦) وفيه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر وهو ضعيف وقد وثق.\nوقال الذهبي في السير بعد أن ذكره: \"ابن مهاجر ضعيف والخبر مرسل\". وله شاهد أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ١٠١)؛ وأبو يعلى كما في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٥ - ٣٥٦).\nقال الهيثمى: ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح.\nانظر: السير (٣/ ١٣١)؛ والبداية (٨/ ١٢٢ - ١٢٣).\n(٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٦٤).","vol":"2","page":76},{"text":"لك عندي نصيحة. قال وما هي؟ قال: إن أردت أن يستقيم لك الأمر فاستعمل طلحة بن عبيد اللَّه ﵁ على الكوفة والزبير بن العوام ﵁ على البصرة، وابعث إلى معاوية بعهده على الشام حتى تلزمه طاعتك فإذا استقر قرارها رأيت فيه رأيك، فقال علي ﵁ أما طلحة والزبير فأرى رأيي فيهما وأما معاوية فما كنت متخذ المضلين عضدًا ولا واللَّه لا يراني ولا أراه ولا أستعين به ما دام على حاله ولكني أدعوه إلى ما عرفته فإن أجاب وإلا حاكمته إلى اللَّه ورسوله، فانصرف المغيرة مغضبًا وهو يقول:\nنصحت عليًا في ابن هند مقالة ... فردت فلم يسمع لها الدهر ثانية\nويعلم أهل الشام أن قد ملكتهم ... وأم ابن هند عند ذلك هادية\nفتحكم فيه ما تراه فإنه ... لداهية فارفق به أي داهية\nفلم يقبل النصح الذي جئته به ... وكانت له تلك النصيحة كافية\nويروى أنه عاد إليه في اليوم الثاني فقال يا أمير المؤمنين فكرت فرأيت رأيك هو الصواب فلا تعدل عنه، فلما خرج دخل عبد اللَّه بن عباس على علي ﵃ فقال له ما قال لك المغيرة؟ فقال: جاءني بالأمس بكذا واليوم بكذا، فقال ابن عباس: أما أمس فقد نصحك ولما لم تقبل غشك. . (١).\nولم يزل معاوية ﵁ قوليًا إلى أن مات وذلك أربعون سنة منها أربعة أو نحوها في أيام عمر ومدة خلافة عثمان، وخلافة علي وابنه الحسن ﵃\n_________\n(١) هذه الروية أوردها الطبري في تاريخه بإسناد فيه الواقدي وهو متروك مما يدل على عدم صحتها وأن جانب الصحابة ﵃ أبعد ما يكون من للغش والخديعة، انظر التعليق رقم (١) (٢/ ٣٦)؛ وانظر هذه الرواية في تاريخ الطبري (٤/ ٤٣٨ - ٤٣٩)، والبداية (٧/ ٢٢٨) والاستيعاب لابن عبد البر (١٠/ ١٩٠ - ١٩٢) وقد جاءت العبارة في \"ظ\" وراك لم تقبل غشك.","vol":"2","page":77},{"text":"وذلك تمام عشرين سنة، ثم خلص له الأمر بتسليم سيدنا الحسن بن أمير المؤمنين علي ﵄ له ذلك سنة إحدى وأربعين فكان له عشرين سنة أو نحوها خليفة.\nيروى عن كعب الأحبار رحمه اللَّه تعالى أنه قال: \"لن يملك أحد هذه (١) الأمة ما ملك معاوية\".\nقال الحافظ الذهبي: توفى كعب الأحبار قبل أن يستخلف (٢) معاوية وصدق كعب فيما نقله فإن معاوية بقي عشرين سنة لا ينازعه أحد الأمر في الأرض بخلاف غيره ممن بعده فإنه كان لهم مخالف، وخرج عن أمرهم بعض المماليك (٣). انتهى.\nولهذا قال الناظم (أكرم) به من خليفة وإمام وملك مقدم (٤) همام، وهذه من صيغ التعجب أي ما أكرمه، (ثم امنح) من (٥) المنحة وهي العطية والهبة.\nقال في القاموس: \"منحه كمنعه وضربه -أعطاه والاسم المنحة بالكسر، ومنحه الناقة جعل له وبرها ولبنها وولدها وهي المنحة والمنيحة واستمنحه طلب عطيته\" (٦).\nوفى الحديث \"المنحة مردودة\" (٧).\n_________\n(١) في \"ظ\" لن يملك أحد من هذه الأمة.\n(٢) في \"ظ\" يستخلفه.\n(٣) انظر نص الذهبي في تاريخ الإسلام -عهد معاوية- (ص ٣١٤ - ٣١٥).\n(٤) في \"ظ\" مقدام.\n(٥) في \"ظ\" زيادة: أي به.\n(٦) القاموس (١/ ٢٦٠) (منح).\n(٧) رواه أبو داود (٣٥٦٥) في البيوع باب في تضمين العارية، والترمذي رقم (٢١٢١) في الوصايا باب ما جاء في لا وصية لوارث.\nفي حديث طويل عن أبي أمامة الباهلي ﵁ مرفوعًا وفيه:\n\"العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم\" وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":78},{"text":"وهو أن يعطه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه ينتفع بوبرها وصوفها زمانًا ثم وردها (١).\nقال الجلال السيوطي: \"قد ورد في فضل معاوية ﵁ أحاديث قل ما ثبتت\" (٢) ثم أورد منها ما تقدم.\nوخرج ابن البناء (٣) أن النبي -ﷺ- قال: \"معاوية بن أبي سفيان أحلم أمتي وأجودها\" (٤).\nوتحقيق القول عند أهل الحق أن معاوية ﵁ لم يكن في أيام على خليفة وإنما كان من الملوك وغاية ما هناك أنه كان مجتهدًا فله أجر الاجتهاد دون الإصابة، وأما بعد موت علي ﵁ وبعد تسليم سيدنا الحسن ﵁ الأمر له فقد صحت خلافته لنزول سيدنا الحسن له عنها فهو خليفة حق عند أهل الحق، وزعم قوم عدم حقية (٥) خلافة معاوية مطلقًا محتجون (٦) بأن الحسن رضي اللَّه\n_________\n(١) انظر: معالم السنن (٥/ ١٩٩).\n(٢) تاريخ الحلفاء (ص ١٩٤).\n(٣) ابن البناء سيأتي (٢/ ١٠٦).\n(٤) روى الديلمي في مسند الفردوس رقم (١٧٨٧)؛ والحارث بن أبي أسامة في مسنده -كما في المطالب العالية (٤/ ٨٥٠) حديثًا في فضل عدد من الصحابة من رواية شداد بن أوس وفيه: \"ومعاوية أحلم أمتي وأجودها\".\nقال البوصيرى سنده ضعيف لجهالة بعض رواته.\nوأورده ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٢٩ - ٣٠) وتعقبه السيوطي في اللآلي (١/ ٤٢٨ - ٤٢٩) بقوله: قلت قال ابن عدي وساق السند من رواية ابن عدي ثم ذكر نص هذا الحديث الذي أورده الشارح، وقد راجعت فهرس أحاديث الكامل لابن عدي فلم أجده فاللَّه أعلم. وانظر الفوائد المجموعة (٤١٠).\n(٥) في الأصل: حقيقة والمثبت من \"ظ\" ولعله الصحيح.\n(٦) كذا في النسختين ولعل الصحيح: محتجين حال.","vol":"2","page":79},{"text":"عنه لم يسلم الأمر إليه الا لضرورة، لعلم الحسن بأن معاوية لا يسلم الأمر إليه وأنه قاصد للقتال وسفك الدماء إن لم يسلم الحسن إليه، فلم يترك الحسن الأمر (له) (١) إلا صونًا لدماء المسلمين وأهل الحق يردون هذا بأن الحسن كان هو الإمام الحق والخليفة الصدق، وقد كان معه من العدة والعدد ما يقاوم من مع معاوية فلم يكن نزوله عن الخلافة وتسليمه الأمر لمعاوية اضطراريًا بل كان اختياريًا كما يدل عليه ما في قصة نزوله له من اشتراطه عليه شروطًا كثيرة فالتزمها ووفى له بأكثرها أو كلها.\nومما يدل على صحة ذلك حديث البخاري عن أبي بكرة ﵁ رأيت رسول اللَّه -ﷺ- على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: \"إن ابني هذا سيد ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين\". ورواه أبو داود والترمذي والنسائي.\nوفى رواية الترمذي قال \"صعد النبي -ﷺ- المنبر فقال: إن ابني هذا سيد يصلح اللَّه به بين فئتين عظيمتين\" (٢) وقال هذا حديث حسن صحيح.\nوفي رواية أبي داود قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- للحسن بن علي إن ابني هذا سيد وإني لأرجو أن يصلح له بين فئتين من أمتي\" (٣).\nفهذا مشعر بصحة نزول الحسن لمعاوية عن الخلافة، وإلا لو كان الحسن باقيًا على خلافته بعد نزوله عنها لم يقع بنزوله إصلاح ولم يحمد الحسن على ذلك، ولم يترج النبي -ﷺ- مجرد النزول من غير أن يترتب عليه فوائده الشرعية وهو استقلال\n_________\n(١) في \"ظ\": إليه.\n(٢) ليست في \"ظ\".\n(٣) البخاري في الصلح باب قول النبي -ﷺ- للحسن بن علي ﵄ \"ابني هذا سيد ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين. . . \" (ج ٥/ ٣٦١) رقم (٢٧٠٤)؛ وأبو داود رقم (٤٦٦٢)؛ والترمذي (٣٧٧٣)؛ والنسائي (٣/ ٨٧ - ٨٨).","vol":"2","page":80},{"text":"المنزول له بالأمر وصحة خلافته ونفاذ تصرفاته، ووجوب طاعته على الكافة وقيامه بأمور المسلمين.\nوأما ما يستبيحه بعض المبتدعة وجهلة من ينتسب إلى (أهل) (١) السنة من سبه ولعنه فله أسوة في ذلك (بالشيخين وعثمان وأكثر الصحابة ﵃ أجمعين) (٢).\nفلا يلتفت لذلك ولا يعول عليه فإنه لم يصدر إلا عن قلوب في الضلال غرقى، وألباب فاسدة حمقى، لا يعبأ اللَّه بهم ولا يبالي بهلاكهم، فخذلهم اللَّه ما أعظم افتراءهم وما أكبر اجتراءهم.\nمات معاوية ﵁ في شهر رجب بدمشق الشام من سنة ستين وله ثمان وسبعون سنة، وقيل ست وثمانون سنة.\nورجح النووي أنه عاش اثنتين وثمانين سنة (٣) وقال في آخر عمره: \"ليتني كنت رجلًا من قريش بذي طوى ولم آل من هذا الأمر شيئًا\" (٤).\nوكان عنده من آثار النبي -ﷺ- إزار وقميص وشيء من شعره وأظفاره -ﷺ- فقال: \"كفنوني في قميصه وأدرجوني في إزاره واحشوا منخري وشدقي ومواضع السجود مني بشعره وأظفاره وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين\" (٥). وهو من الموصوفين بالدهاء والحلم.\n_________\n(١) أهل سقطت من \"ظ\".\n(٢) كذا في النسختين وفي العبارة إشكال ولعل الصواب: فله أسوة في ذلك بمن يسب الشيخين وعثمان وأكثر الصحابة من الرافضة.\n(٣) انظر تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠٣).\n(٤) نفس المصدر (٢/ ١٠٣)، وانظر سير أعلام النبلاء (٣/ ١٣٤)؛ والبداية (٨/ ١٢٥) وما بعدها.\n(٥) المصادر السابقة.","vol":"2","page":81},{"text":"ولما دخل عمر بن الخطاب ﵁ الشام ورآه قال: \"هذا كسرى العرب\" (١) وكان معاوية نفسه يقول: \"أنا أول الملوك\" (٢).\nروي له عن رسول اللَّه -ﷺ- مائة حديث وثلاثة وستون حديثًا، اتفق الشيخان من ذلك على أربعة وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة (٣) واللَّه تعالى الموفق.\nقال الناظم رحمه اللَّه تعالى: (وأنصاره) جمع ناصر كأصحاب وصحاب (٤) أو جمع نصير كشريف وأشراف، والضمير في: أنصاره راجع إلى النبي -ﷺ-.\nوالمراد بهم: الأوس والخزرج وحلفاؤهم ومن والاهم وكانوا قبل ذلك يعرفون بابني قيلة بقاف مفتوحة وتحتانية وهى الأم التي تجمع القبيلتين، فسماهم النبي -ﷺ- الأنصار، فصار ذلك علمًا عليه، وأطلق أيضًا على أولادهم وحلفائهم ومواليهم وخصوا بهده المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي -ﷺ- ومن معه والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم فكان صنيعهم لذلك موجبًا لمعاداتهم لجميع الفرق والقبائل من عرب وعجم.\nولهذا قال -ﷺ- في الأنصار: \"لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق فمن أحبهم أحبه اللَّه ومن أبغضهم أبغضه اللَّه\" (٥) رواه الشيخان وغيرهما من حديث البراء ابن عازب ﵄.\n_________\n(١) و(٢) و(٣) نفس المصدر (٢/ ١٠٣)؛ وانظر سير أعلام النبلاء (٣/ ١٣٤)؛ والبداية (٨/ ١٢٥) وما بعدها.\n(٤) في \"ظ\" وصاحب.\n\n(٥) رواه البخاري في<span data-type=\"title\" id=toc-175> فضائل الأنصار </span>(ج ٧/ ١٤١) رقم (٣٧٨٣) باب حب الأنصار من الإيمان، ومسلم في الإيمان رقم (٧٥) باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي ﵃ من الإيمان.","vol":"2","page":82},{"text":"وأخرجا أيضًا وغيرهما من حديث أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار\" (١).\nوفي رواية \"آية المنافق بغض الأنصار وآية (المؤمن) (٢) حب الأنصار\".\nوأخرج الترمذي وقال: حسن صحيح عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"لا يبغض الأنصار أحد يؤمن باللَّه واليوم الآخر\" (٣).\nورواه مسلم أيضًا من حديث أبي سعيد مرفوعًا ولفظه: \"لا يبغض الأنصار رجل يؤمن باللَّه واليوم الآخر\" (٤).\nوأخرجه مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة (٥).\nوفي صحيح البخاري عن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس ﵁: أرأيت اسم الأنصار أكنتم تسمون به أم سماكم اللَّه ﵎ به؟ قال: بل سمانا اللَّه ﷿، وقال غيلان كنا ندخل على أنس فيحدثنا بمناقب الأنصار ومشاهدهم ويقبل عليَّ أو على رجل من الأزد ويقول: فعل قومك يوم كذا كذا وكذا\" (٦).\nقال الحافظ ابن حجر (٧) في \"فتح الباري لشرح البخاري\":\n_________\n(١) البخاري في مناقب الأنصار، باب حب الأنصار من الإيمان (ج ٧/ ١٤١) ومسلم رقم (٧٤) في الإيمان.\n(٢) في \"ظ\" الإيمان.\n(٣) الترمذي رقم (٣٩٠٦) في المناقب، باب مناقب الأنصار وقريش.\n(٤) مسلم رقم (٧٧) في الإيمان باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الإيمان.\n(٥) مسلم رقم (٧٦) في الإيمان باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الإيمان.\n(٦) البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب مناقب الأنصار (ج ٧/ ١٣٧) رقم (٣٧٧٦).\n(٧) تقدم (١/ ١١٩).","vol":"2","page":83},{"text":"أول تلقيب الأنصار بهذا اللقب كان ليلة العقبة لما توافقوا مع النبي -ﷺ- عند عقبة منى في الموسم (١) كما في السيرة النبوية.\nوفي الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار\" (٢).\nوفي الترمذي أن زيد بن أرقم كتب إلى أنس بن مالك يعزيه فيمن أصيب من أهله وبني عمه يوم الحرة فكتب إليه أني أبشرك ببشرى من اللَّه أني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"اللهم اغفر للأنصار ولذراري الأنصار ولذراري ذراريهم\" (٣).\nوفي صحيح مسلم عن أنس أن رسول اللَّه -ﷺ- \"استغفر للأنصار قال وأحسبه قال ولذراري الأنصار ولموالي الأنصار لا أشك فيه\" (٤).\nوأخرج البخاري عن زيد بن أرقم قال: قالت الأنصار: \"يا نبي اللَّه لكل نبي أتباع وإنا قد أتبعناك فادع اللَّه أن يجعل أتباعنا منا فدعا به\".\nوفي رواية فقال: \"اللهم اجعل أتباعهم منهم\" (٥).\nوفي حديث أنس عند الشيخين وغيرهما أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"إن الأنصار كرشي وعيبتي فإن الناس سيكثرون ويقلون فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا\" وفي لفظ \"واعفوا عن مسيئهم\" (٦).\nوفي رواية عند البخاري مر أبو بكر والعباس ﵄ بمجلس من\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (ج ٧/ ٢٦١).\n(٢) البخاري في التفسير (ج ٨/ ٥١٨) رقم (٤٩٠٦) في تفسير سورة المنافقين. ومسلم رقم (٢٥٠٦) في فضائل الصحابة باب من فضائل الأنصار ﵃.\n(٣) الترمذي رقم (٣٩٠٢) في المناقب باب في فضل الأنصار وقريش.\n(٤) مسلم رقم (٢٥٠٧) في فضائل الصحابة باب من فضائل الأنصار ﵃.\n(٥) البخاري (ج ٧/ ١٤٣) رقم (٣٧٨٧ - ٣٧٨٨) في مناقب الأنصار باب أتباع الأنصار.\n(٦) رواه البخاري (٧/ ١٥١) في مناقب الأنصار باب قول النبي -ﷺ- \"أقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم\".\nومسلم رقم (٢٥١٠) في فضائل الصحابة باب من فضائل الأنصار ﵃.","vol":"2","page":84},{"text":"مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي -ﷺ- منا فدخل على النبي -ﷺ- فأخبره قال: فخرج النبي -ﷺ- وقد عصب على رأسه حاشية برد قال فصعد النبي المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم -فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: \"أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم فأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم\" (١).\nقال في النهاية: \"قوله -ﷺ-: \"كرشي وعيبتي\" أراد أنهم بطانته وموضع سره وأمانته، والذي يعتمد عليهم في أموره، واستعار الكرش والعيبة لذلك لأن المجتر يجمع علفه في كرشه، والرجل يضع ثيابه في عيبته وقيل: أراد بالكرش الجماعة أي جماعتي وصحابتي، يقال عليه كرش من الناس أي جماعة، والعرب تكنى عن القلوب والصدور بالعياب لأنها مستودع السرائر كما أن العياب مستودع الثياب\" (٢).\nوفي القاموس: \"والعيبة -أي بفتح العين المهملة وسكون التحتية وفتح الموحدة فهاء تأنيث-: زنبيل من أدم وما يجعل فيه الثياب، ومن الرجل موضع سره\" انتهى (٣).\nوفضائل الأنصار كثيرة ومناقبهم غزيرة ومآثرهم شهيرة ﵃ أجمعين.\nثم قال الناظم -مشيرًا إلى المهاجرين ﵃ وأخرهم وإن كانوا مقدمين على الأنصار في الفضيلة لضرورة النظم- (والهاجرون ديارهم) وأموالهم حبًا للَّه ورسوله ولإعلاء كلمة اللَّه ونصرة رسول اللَّه -ﷺ-.\n_________\n(١) البخاري (٧/ ١٥١) في مناقب الأنصار باب قول النبي -ﷺ-: \"اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم\" رقم (٣٧٩٩).\n(٢) النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٢٧، ٤/ ١٦٣ - ١٦٤).\n(٣) القاموس (١/ ١١٣) (عيب).","vol":"2","page":85},{"text":"\"والهجرة\": الترك، الهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره.\nوفي الشرع: ترك ما نهى اللَّه عنه.\nوقد وقعت في الإسلام على وجهين:\nالأول: الانتقال عن دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.\nالثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر الرسول -ﷺ- بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك مختصة بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة في الثامن من الهجرة فانقطع الاختصاص، وبقي عموم الانتقال من دار الكفر -لمن قدر عليه- باقيًا\" (١).\nوكذا من ديار أهل البدع المضلة، وكل أرض يعجز فيها عن إظهار دين الإسلام وسنة خير الأنام.\nوأما حديث \"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية\" (٢) يعني لا هجرة من مكة، ولهذا جاء في الحديث: \"لا تنقطع الهجرة\" (٣).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (ج ١/ ٢٣).\n(٢) رواه البخاري (٦/ ٤٥) في الجهاد باب وجوب النفير رقم (٢٨٢٥) من حديث ابن عباس ﵄.\n(٣) أخرجه أبو داود رقم (٢٤٧٩) في الجهاد باب في الهجرة هل انقطعت من رواية معاوية ﵁ مرفوعًا ولفظه: \"لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها\".\nوأخرج النسائي في سننه (ج ٧/ ١٣١) عن عبد اللَّه بن السعدي مرفوعًا: \"لن تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار\".\nقال الحافظ في الفتح في الجمع بين الحديثين:\nقال الخطابي: كانت الهجرة أي إلى النبي -ﷺ- في أول الإسلام مطلوبة، ثم افترضت لما =","vol":"2","page":86},{"text":"والهجرة التي وعد اللَّه عليها الجنة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] (١).\nفكان الرجل يأتي النبي -ﷺ- ويدع أهله وماله، لا يرجع في شيء منه وينقطع بنفسه إلى مهاجره فالمهاجرون (بنصرهم) للَّه تعالى ورسوله -ﷺ- وبذلهم نفوسهم النفيسة وخروجهم للَّه تعالى عن ديارهم وأموالهم وأهاليهم لأجل إعلاء كلمة اللَّه في مرضات اللَّه ورسوله إظهار دين اللَّه ونوره الذي أنزله على نبيه -ﷺ- ففتح اللَّه به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا (عن ظلمة النار) وغضب المليك الجبار (زحزحوا) أي ابعدوا من زاح يزيح زيحًا وزيوحًا وزيحانًا بعد وذهب كانزاح وأزحته والزوح\n_________\n= هاجر إلى المدينة إلى حضرته للقتال معه وتعلم شرائع الدين، وقد أكد اللَّه ذلك في عدة آيات حتى قطع الموالاة قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ فلما فتحت مكة ودخل الناس في الإسلام من جميع القبائل سقطت الهجرة الواجبة وبقي الاستجاب.\nوقال البغوي في شرح السنة: يحتمل الجمع بينهما بطريق أخرى بقوله: \"لا هجرة بعد الفتح\" أي من مكة إلى المدينة وقوله: \"لا تنقطع\" أي من دار الكفر في حق من أسلم إلى دار الإسلام \"انتهى\". راجع فتح الباري (١٧/ ٢٧٠) (١٦/ ٤٦) وشرح السنة للبغوي (١٠/ ٣٧١) وما بعدها.\n(١) ولم يتضح لي وجه استدلال المؤلف بهذه الآية على الهجرة، والذي ذكره المفسرون أن هذه الآية نزلت في البيعة الثانية وهي بيعة العقبة الكبرى وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول اللَّه -ﷺ- عند العقبة فقال عبد اللَّه بن رواحة للنبي -ﷺ-: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال النبي -ﷺ-: \"اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم، قالوا فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: \"الجنة\" قالوا: ربح البيع لا نقبل ولا نستقيل فنزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ ثم هي بعد ذلك عامة في كل مجاهد في سبيل اللَّه من أمة محمد -ﷺ- إلى يوم القيامة.\nانظر: القرطبي (٨/ ٢٦٧)؛ وابن كثير والبغوي (٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧).","vol":"2","page":87},{"text":"تفريق الإبل وجمعها ضد والزولان والتباعد وأزاح الشيء عن موضعه نحاه، كما في القاموس (١).\nوفي الآية الكريمة:\n﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥] والزحزحة تكرير الزح وهو الجذب بعجلة يقال زحه إذا نحاه عن موضعه ودفعه وجذبه في عجلة، وزحزحه عنه باعده فتزحزح وهو مزحزح (منه أي مبعد) (٢) والزحزاح البعيد\" (٣).\nوقد قال تعالى في التنصيص على فضل المهاجرين والأنصار ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٤): ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠].\nففي هذه الآيات من التنصيص على فضلهم ما تثلج به الصدور ويزول غطش (٥)\n_________\n(١) القاموس (ج ١/ ٢٣٤).\n(٢) ساقط من \"ظ\".\n(٣) القاموس (١/ ٢٣٤).\n(٤) ساقط من \"ظ\".\n(٥) الغطش: في العين شبه الهمش، والغطش الضعف في البصر كما ينظر ببعض بصره، ويقال هو الذي لا يفتح عينيه في الشمس والغطاش ظلمة الليل واختلاطه، وأغطش اللَّه الليل أي أظلمه. لسان العرب (٨/ ٢١٤)؛ والقاموس (٢/ ٢٩٢) (غطش).","vol":"2","page":88},{"text":"الديجور (١) فأذل اللَّه من عاداهم وقمع من ناوأهم أو أحدًا منهم، ولهذا قال: (وقل) بلسانك معتقدًا بجنانك (خير قول) من الثناء عليهم بذكر محاسنهم وصدق جهادهم مع رسول اللَّه -ﷺ- وبذل نفوسهم النفيسة في مرضاة اللَّه ورسوله لإعلاء كلمة اللَّه تعالى، فالواجب على كل مؤمن نشر محاسنهم والكف عما فيه شائبة تنقيصهم، والترضي عنهم وهذا لا يختص بأحد منهم دون أحد بل هو عام (في الصحابة) كلهم من السابقين واللاحقين من المهاجرين والأنصار وغيرهم من سائر أصحاب النبي -ﷺ-.\nوالصحابة بالفتح جمع صاحب ولم يجمع فاعل على فعالة إلا هذا والعبارة المشهورة في تعريف الصحابي: من رأى النبي -ﷺ- مؤمنًا ومات على ذلك، ولو تخلله ردة، أو رآه النبي -ﷺ- والأرشق في التعريف: أن يقال: الصحابي من اجتمع بالنبي مؤمنًا ومات على الإيمان (٢).\nوالمراد بالاجتماع أن يكون يقظة في عالم الشهادة رؤية معتادة غير معجزة حتى ولو رآه بعد موته مكفنًا كأبي ذؤيب (٣) الشاعر فإنه صحابيًا لكن صحبته حكمية لشرف رؤيته -ﷺ- وكذا من رآه -ﷺ- في حياته مغطى أو ملفوفًا بالأولى وقد\n_________\n(١) الديجور: الظلام وليلة ديجور مظلمة (مختار الصحاح -دجر-).\n(٢) انظر: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح (٢٥١) وإرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق (ج ٢/ ٥٨٦) وشرح نخبة الفكر (٢٨ - ٢٩) والإصابة (١/ ٧) كلاهما لابن حجر، وتدريب الراوي (٣٩٦).\n(٣) أبو ذؤيب اسمه: خويلد بن خالد الهذلي الشاعر المشهور عده الحافظ ابن حجر في القسم الثالث من كتاب \"الإصابة\" من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام وجزم بعدم صحبته.\nراجع الإصابة (١/ ٦ - ١١/ ١٢٤).","vol":"2","page":89},{"text":"ذكر الحافظ الذهبي في تجريده أبا ذؤيب، وذكر أنه حضر سقيفة بني ساعدة وصلى على النبي -ﷺ- ولم يره -يعني حيًا- (١).\nوأما ورقة بن نوفل فمعدود من الصحابة لأنه أدرك النبوة وآمن حين جاءت خديجة بالنبي -ﷺ- إليه بعد البعثة فآمن به وصدقه فهو من الصحابة وذكر من خبره ما هو مشهور في الصحيح (٢).\nواعلم أن الصحابة ﵃ كلهم عدول (مقبولوا) (٣) الرواية فلا يسأل عن عدالة أحد منهم بالكتاب والسنة وإجماع المعتبرين من الأمة قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]\nقيل اتفق المفسرون أن ذلك في الصحابة (٤) وإن رجح كثير عمومها في أمة محمد -ﷺ-، فهم أولى بالدخول في العموم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].\n_________\n(١) انظر: تجريد أسماء الصحابة للذهبي (ج ٢/ ١٦٤).\n(٢) ورقة بن نوفل القرشي الأسدي اختلف في إسلامه وفي صحبته.\nراجع ترجمته في الإصابة (١٠/ ٣٠٤).\n(٣) في الأصل: (مقبولون) والمثبت من \"ظ\" وهو الصواب.\n(٤) قال ابن الجوزي: \"وفيمن أريد بهذه الآية أربعة أقوال:\nأحدها: أنهم أهل بدر.\nوالثاني: أنهم المهاجرون.\nوالثالث: جميع الصحابة.\nوالرابع: جميع أمة محمد -ﷺ- نقلت هذه الأقوال كلها عن ابن عباس.\nورجح ابن كثير ﵀ عمومها في أمة محمد -ﷺ-. راجع زاد المسير لابن الجوزي (١/ ٤٣٨)؛ وتفسير ابن كثير مع البغوي (ج ٢/ ٢١٣).","vol":"2","page":90},{"text":"هذا خطاب للموجودين حينئذ (١) وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. . .﴾ [الفتح: ٢٩] الآيات.\nوفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: لا تسبوا أصحابى فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه\" (٢).\nوهذا وإن ورد على سبب فالعبرة بعموم اللفظ، ولا ينافي ذلك كون الخطاب لأصحابه أيضًا لأن المراد لا يسب غير أصحابي أصحابي ولا يسب بعضهم بعضًا فالمراد النهي عن حصول السب لهم مطلقًا.\nوقد حكى الإمام ابن عبد البر في مقدمة الإستيعاب إجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة أن الصحابة كلهم عدول (٣).\nفائدة: قد ذكر غير واحد من الحفاظ عدة الصحابة وأنهم عدة الأنبياء (٤).\nفروي عن الإمام الحافظ أبي زرعة الرازي (٥) واسمه عبيد اللَّه بن عبد الكريم شيخ الإمام مسلم بن الحجاج (٦) صاحب الصحيح أنهم يزيدون على المائة ألف هذا\n_________\n(١) انظر الكفاية في علم الرواية (ص ٤٦)؛ والتقييد والإيضاح (٢٦٠)؛ وفتح المغيث (٣/ ١٠٠ - ١٠١)؛ ولوامع الأنوار (٢/ ٣٧٧).\n(٢) رواه البخاري (ج ٧/ ٢٥) في فضائل الصحابة رقم (٣٦٧٣)، باب قول النبي -ﷺ- لو كنت متخذًا خليلًا، ومسلم رقم (٢٥٤١) في فضائل الصحابة باب تحريم سب الصحابة ﵃.\n(٣) انظر: الإستيعاب (١/ ٣٧ - ٣٨).\n(٤) لم أقف على من ذكره.\n(٥) أبو زرعه الرازي: تقدم (١/ ١٠٩).\n(٦) مسلم بن الحجاج: تقدم (١/ ٢٧٥).","vol":"2","page":91},{"text":"على الأصح في النقل عنه كما رواه ابن المديني (١) في ذيله على كتاب الصحابة لابن منده (٢).\nوروى أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا ممن روى عنه وسمع منه.\nقال أبو زرعة قد شهد معه حجة الوداع أربعون ألفًا، وشهد معه تبوك سبعون ألفًا (٣).\nوفي مناقب الإمام الشافعي ﵁ للساجي (٤) أن الشافعي قال: قبض رسول اللَّه -ﷺ- والمسلمون ستون ألفًا ثلاثون ألفًا بالمدينة وثلاثون ألفًا في قبائل العرب (٥).\nثم الذين رووا وبقيت رواياتهم لا يبلغون هذا العدد ولا قريبًا منه، فقد قال الحاكم: \"إنه روى عن النبي -ﷺ- أربعة آلاف نفس\" (٦).\n_________\n(١) محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر المديني الأصبهاني الشافعي الإمام العلامة صاحب التصانيف، مولده سنة إحدى وخمسمائة ووفاته سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، من تصانيفه ذيل معرفة الصحابة، والمجموع المغيث في غريب القرآن والحديث وغيرها. السير (٢١/ ١٥٢).\n(٢) ابن منده: محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، العبدي الأصبهاني الحافظ صاحب التصانيف، مولده سنة عشر وثلاثمائة من تصانيفه كتاب \"الإيمان\"، التوحيد، وكتاب \"الصفات\". وكتاب \"معرفة الصحابة\" وغيرها. سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٨).\n(٣) انظر: التفييد والإيضاح (ص ٢٦٣ - ٢٦٤)؛ وتدريب الراوي (ص ٤٠٥ - ٤٠٦).\n(٤) الساجي: زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن الضبى البصري الشافعي أبو يحيى محدث البصرة ومفتيها من أئمة الحديث، مات بالبصرة سنة سبع وثلاثمائة. السير (١٤/ ١٩٧).\n(٥) انظر: التقييد والإيضاح (ص ٢٦٤)؛ وتدريب الراوي (٤٠٦)؛ وتجريد أسماء الصحابة (١/ ب).\n(٦) انظر: تجريد أسماء الصحابة (١/ ب)؛ وفتح المغيث (٣/ ١١٣).","vol":"2","page":92},{"text":"قال الحافظ الذهبي في التجريد: \"ولعل الرواة عنه نحو الألف وخمسمائة لا يبلغون ألفين أبدًا\"، ثم قال الذهبي بعد أن ذكر أنه جمع في كتابه هذا ما جرد وكتاب \"أسد الغابة\" لابن الأثير وأنه زاد عليه من كتب عدة وأن المذكور في كتابي هذا لا يبلغون ثمانية آلاف نفسًا وأكثرهم لا يعرفون\" (١) انتهى (٢).\nوقول الناظم رحمه اللَّه تعالى: (ولاتك): بحذف النون تخفيفًا -كما مر- \"طعانًا\" مبالغة من الطعن.\nوفى الحديث: \"لا يكون المؤمن طعانًا\" (٣) أي وقاعًا في أعراض الناس بالذم والغيبة والتنقيص والمسبة ونحو ذلك، وهو فعال من طعن فيه وعليه بالقول يطعن بالفتح والضم إذا عابه، ومنه الطعن في النسب.\n(بعيب): متعلق بطعان.\n(وتجرح) من الجرح يقال جرحه كمنعه كلمة والاسم الجرح بالضم والجمع جروح، وقل أجراح، والجراح بالكسر جمع جراحة ورجل جريح وامرأة جريح، والجمع جرحى وجرح كمنع النسب كاجترح وجرح فلانًا سبه وشتمه (٤).\nوشاهدا (٥) أسقط عدالته إشارة إلى رد مقالة أهل الضلال والزيغ والوبال، من أهل الرفض ومن نهج منهجهم من أهل الجفاء والبغض، وكيف يكون ذلك وهم أهل الجد والاجتهاد والنصح والرأفة وبذل المعروف لإعلاء كلمة اللَّه وإظهار ما جاء به رسول اللَّه -ﷺ- من الدين المتين والحق المبين.\n_________\n(١) انظر: تجريد أسماء الصحابة (١/ ج).\n(٢) كتب هنا في هامش \"ظ\": بلغ مقابلة.\n(٣) رواه الترمذي رقم (٢٠١٩) في البر والصلة باب ما جاء في اللعن والطعن.\n(٤) القاموس (١/ ٢٢٥) (جرح).\n(٥) قوله: وشاهدا. . عطف على قوله: (فلانًا) وتقدير الكلام: وجرح شاهدا: أي أسقط عدالته.","vol":"2","page":93},{"text":"ومع هذا (فقد نطق الوحي): أي القرآن المنزل على النبي المرسل.\n(المبين): الواضح الكاشف والمظهر لسائر الأحكام والنصايح والمناقب والمثالب والمآثر والفضائح فنطق (بفضلهم) وبرهن عن حسن قصدهم واستقامة فعلهم.\n(وفي) سورة (الفتح) الشريفة النازلة على النبي -ﷺ- في السنة السادسة من الهجرة بعد انصرافه من الحديبية وفيها كانت بيعة الرضوان، وكانوا أربعة (١) عشر مائة على المشهور.\n(آي): جمع آية بهمزة ممدودة وتحتية مفتوحة فهاء تأنيث أصلها العلامة وتجمع أيضًا على آيات والآية من القرآن كلام متصل إلى انقطاعه وفي النهاية معنى الآي من كتاب اللَّه تعالى \"جماعة حروف وكلمات، من قولهم: خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم لم يدعوا وراءهم شيئًا، قال والآية في غير هذه العلامة\" انتهى (٢).\n(للصحابة) الكرام رضوان اللَّه عليهم (تمدح): تثني عليهم بتعداد محاسنهم، والمدح هو الثناء باللسان على الجميل مطقًا أي سواء كان اختياريًا كالعلم (٣) والكرم أو اضطراريًا كالحسن والجمال ولابد أن يكون على جهة التبجيل هذا معنى المدح لغة، ومعناه عرفًا اختصاص الممدوح بنوع من الفضائل والإشارة بذلك لقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. .﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة.\nوقد أخرج الترمذي عن عبد اللَّه بن مغفل ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"ليبلغ الحاضر الغائب اللَّه اللَّه في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا\n_________\n(١) كذا في النسختين والصواب أربع.\n(٢) النهاية (١/ ٨٧ - ٨٨).\n(٣) في الأصل العظيم والمثبت من \"ظ\" ولعله الصحيح.","vol":"2","page":94},{"text":"بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللَّه ومن آذى اللَّه فيوشك أن يأخذه ومن أخذه اللَّه فيوشك أن لا يفلته\" (١).\nوأخرج الترمذي أيضًا من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعنة اللَّه على شركم\" (٢).\nوأخرج مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت لعروة بن الزبير: \"يا ابن أختي أُمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي -ﷺ- فسبوهم\" (٣).\nوأخرج الترمذي من حديث بريدة ﵁ قال: قال لي رسول اللَّه -ﷺ-: \"ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بعث لهم نورًا وقائدًا يوم القيامة\" (٤).\nوذكر سعيد بن المسيب رحمه اللَّه تعالى أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"سألت ربي عن اختلاف أصحابي من بعدي فأوحى إليّ يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء بعضها أقوى من بعض ولكل نور فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى\" (٥).\n_________\n(١) الترمذي في المناقب رقم (٣٨٦٢) (ج ٥/ ٦٩٦) دون قوله: \"ليبلغ الحاضر الغائب\" وانتهى حديثه بقوله: \"ومن آذى اللَّه فيرضك أن يأخذه\" وهذه الرواية التي ذكرها المصنف أوردها ابن الأثير في جامع الأصول (٨/ ٥٥٣) وأشار إلى ما في الترمذي وقال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\n(٢) الترمذي في المناقب رقم (٣٨٦٦) وقال: هذا حديث منكر لا نعرفه من حديث عبيد اللَّه ابن عمر إلا من هذا الوجه والنضر مجهول وسيف مجهول.\n(٣) مسلم رقم (٣٠٢٢) في التفسير.\n(٤) الترمذي في المناقب رقم (٣٨٦٥) وقال: \"هذا حديث غريب، وروى هذا الحديث عن عبد اللَّه بن مسلم أبي طيبة عن أبي بريدة عن النبي -ﷺ- مرسل وهو أصح\".\n(٥) رواه الخطيب في الكفاية (ص ٤٨) وذكره السيوطي في الجامع الصغير ونسبه للسجزي في الإبانة وابن عساكر ورمز لضعفه. وانظر: السلسلة الضعيفة رقم (٦٠).","vol":"2","page":95},{"text":"وقال رسول اللَّه -ﷺ-: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" (١).\nذكره ابن الأثير في كتابه \"جامع الأصول\" (٢).\nفالصحابة أولى خلق اللَّه بالإصابة.\nويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: \"من كان متأسيًا فليتأسى بأصحاب رسول اللَّه -ﷺ- فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قوم اختارهم اللَّه لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوا آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم\" (٣).\nوروى أبو داود الطيالسي عنه أيضًا قال: \"إن اللَّه تعالى نظر في قلوب العباد (فوجد قلب محمد -ﷺ- خير قلوب العباد فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد) (٤) بعد قلب محمد -ﷺ- فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبة نبيه ونصرة دينه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا\n_________\n(١) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ٩٠ - ٩١)، وقال: \"وهذا لا يصح عن النبي -ﷺ-. وانظر السلسلة الضعيفة رقم (٦١).\n(٢) جامع الأصول (ج ٨/ ٥٥٦) الطبعة الأولى (ج ٩/ ٤٠٩ - ٤١٠) الطبعة الثانية، وقال: أخرجه رزين.\n(٣) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (ج ٢/ ٩٧) والهروي في ذم الكلام كما في صون المنطق (ص ٥٢) وذكره ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (٢/ ٧٦ - ٧٧).\nوعزاه لابن بطة، وأورده الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه \"أصول الإيمان\" (ص ٢٠) وقال أخرجه رزين. وهو في جامع الأصول (ج ١/ ٢٩٢ - ط ٢)، و(ج ١/ ١٩٩ - ط ١) بدون عزو.\n(٤) ما بين القوسين سقط من \"ظ\".","vol":"2","page":96},{"text":"فهو عند اللَّه قبيح\" (١). فخير قلوب العباد أحق الخلق لإصابة الصواب فكل خير، وإصابة، وحكمة، وعلم، ومعارف، ومكارم، إنما وصلت إلينا وعرفت لدينا من الرعيل الأول، والسرب الذي عليه المعول، فهم الذين نقلوا العلوم والمعارف عن ينبوع الهدى ونبع الاهتداء، وأوصلوها إلينا، فرضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين.\nوأخرج الإمام أحمد والترمذي عن حذيفة ﵁ قال كنا عند رسول اللَّه -ﷺ- جلوسًا فقال: \"إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر وتمسكوا (بعهد) (٢) عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه\".\nوفي رواية \"تمسكوا بعهد ابن أم عبد واهتدوا بهدى عمار\" (٣).\nوأخرج الإمام أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه.\nوقال الترمذي حسن صحيح عن العرباض بن سارية ﵁ أن النبي -ﷺ-\n_________\n(١) رواه أبو داود الطيالسي في مسنده رقم (٢٤٦) (ص ٣٣)؛ وأحمد في مسنده (١/ ٣٧٩)؛ والبزار كما في كشف الأستار (٣/ ١١٤) مختصرًا، والطبراني في الكبير (٩/ ١١٨).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٧٩): رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون.\n(٢) هذه رواية في المسند (٥/ ٣٨٥) ولم ترد بهذا اللفظ في بقية روايات الحديث فلعلها: \"وتمسكوا بهدي عمار. . . \" فتكون موافقة لبقية الروايات. واللَّه أعلم.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٨٢، ٣٨٥، ٣٩٩، ٤٠٢) وفي فضائل الصحابة رقم (١٩٨، ٤٧٨، ٤٧٩، ٥٢٦) وابن شاهين في السنة رقم (١٤٨)؛ والترمذي رقم (٣٦٦٢ - ٣٦٦٣)؛ والحاكم في المستدرك (٣/ ٧٥)؛ وابن حبان (موارد) (٥٣٩) رقم (٢١٩٣)؛ وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٤٥)؛ والحميدي في مسنده (١/ ٢١٤، ٢٤٩)؛ وابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٣٤).\nوحسنه الترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٢٣٣).","vol":"2","page":97},{"text":"قال له: \"وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة\" (١).\nورواه أبو نعيم وقال: حديث جيد صحيح، فدل الحديث على أن سنة الخلفاء الراشدين مكتبة كاتباع سنته -ﷺ- بخلاف غيرهم من ولاة الأمور.\nوالخلفاء الراشدون هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ فإن في حديث سفينة ﵁: \"الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا\".\nصححه الإمام أحمد وغيره، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي (٢).\nوقد قدمنا أن الثلاثين سنة إنما تمت بمدة خلافة الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وذلك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ توفي في شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة والأكثرون على أن وفاته في سابع\n_________\n(١) الإمام أحسد في المسند (٤/ ١٢٦ - ١٢٧) وأبو داود في السنة رقم (٤٦٠٧) باب في لزوم السنة والترمذي رقم (٢٦٧٦) في العلم باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، وابن ماجة في المقدمة رقم (٤٢ - ٤٤) باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين.\nوابن حبان في صحيحه (١/ ١٠٤)؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٩٥ - ٩٦)؛ وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٧)؛ والدارمي في سننه (١/ ٤٣ - ٤٤)؛ وصححه الترمذي وكذا الحاكم ووافقه الذهبي وكذا الألباني في تخريج السنة.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١) وفي فضائل الصحابة رقم (٧٨٩) وابنه عبد اللَّه في السنة رقم (١٣٤٨، ١٤٠٠ - ١٤٠٢ - ١٤٠٥، ١٤٠٧)؛ وأبو داود في السنة رقم (٤٦٤٦)؛ والترمذي في الفتن رقم (٢٢٢٦) والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٤/ ٢١)؛ والحاكم في المستدرك (٣/ ٧١، ١٤٥)؛ وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٨٤).\nوقال ابن عبد البر: قال الإمام أحمد بن حنبل حديث سفينة في الخلافة صحيح وإليه أذهب في الخلفاء\" وحسنه الترمذي -أيضًا- وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.","vol":"2","page":98},{"text":"عشرة كما مر ووفاة النبي -ﷺ- ثاني عشر ربيع الأول فبينهما دون الثلاثين بنحو ستة أشهر.\nوأخرج أبو يعلى الموصلي عن أنس ﵁ مرفوعًا: \"مثل أصحابى مثل الملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح\" (١) إذا علمت ذلك فيجب حب كل الصحابة رضوان اللَّه عليهم والكف عما جرى بينهم كتابة وقراءة واقراء وسماعًا وتسميعًا -كما في نهاية المبتدئين للعلامة ابن حمدان.\nويجب ذكر محاسنهم والترضي عنهم والمحبة لهم وترك التحامل على أحد منهم واعتقاد الحذر لهم وإنما فعلوا ما فعلوا باجتهاد سائغ لا يوجب كفرًا، ولا فسقًا، بل ربما يثابون عليه لأنه اجتهاد سائغ ثم قال: وقيل المصيب أمير المؤمنين على ومن قاتله فخطأوه معفو عنه.\nوكان الإمام أحمد بن حنبل ﵁ ينكر على من خاض ويسلم أحاديث الفضائل، وقد تبرأ ﵁ ممن ضللهم أو كفرهم، وقال: السكوت عما جرى بينهم أي أولى وأحرى. . . \" (٢).\nتنبيه: الصواب وقوع التفاضل بين الصحابة الكرام ﵃ أجمعين، فأفضلهم باعتبار الأفراد -كما مر- أبو بكر ثم عمر ثم عثمان وعلي ﵃ ثم بقية العشرة -كما مر-.\nوأما باعتبار الأصناف فأفضلهم الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقين من العشرة، ثم\n_________\n(١) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٥/ ١٥١) رقم (٢٧٦٢)؛ وعبد اللَّه بن المبارك في الزهد (ص ٢٠٠)؛ والبزار كما في كشف الأستار (ج ٣/ ٢٩١) رقم (٢٧٧١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٨٠) فيه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف. وانظر سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم (١٧٦٢).\n(٢) انظر: لوامع الأنوار للشارح (٢/ ٣٨٧).","vol":"2","page":99},{"text":"بقية البدريين، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية -في المختار- ثم بقية أصحاب أحد (١).\nوفي نص القرآن تفضيل السابقين الأولين.\nولما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية روح اللَّه روحه عن المفاضلة بين العباس وبلال ﵄ قال: \"بلال وأمثاله من السابقين الأولين أفضل من العباس وأمثاله من التابعين لهم بإحسان\" قال: \"لأنه قيد التابعين بشرط \"الإحسان\" قال: \"والسابقون الأولون هم الذين اتفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم الذين آمنوا وهاجروا قبل بيعة الرضوان وصلح الحديبية في أصح قوله العلماء، وقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ. . .﴾ [الحديد: ١٠] الآية.\nوالفتح هو صلح الحديبية على الأرجح وفيها نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] باتفاق.\nوقيل للنبي -ﷺ- أفتح هو؟ فقال: نعم، قال ولهذا قدم النبي -ﷺ- في إمارة غزوة مؤتة مولاه زيد بن حارثة على جعفر بن أبي طالب ﵁ وهو ابن عمه وكلاهما من السابقين لكن زيد أسبق\" انتهى.\nقلت: ومن فضل العباس على نحو بلال فلعله أراد بالقرابة والنسب ونصاعة العنصر والحسب، واللَّه تعالى الموفق.\nتتمة: إنما خص الناظم ﵀ ورضي عنه آيات الفتح بالذكر في مدح\n_________\n(١) رجح المؤلف هنا وفي كتابه اللوامع (ج ٣/ ٣٦٦، ٣٧٢) تقديم أهل بيعة الرضوان على أهل أحد، واستدل لذلك بالأدلة الواردة في فضل أهل بيعة الرضوان من الكتاب والسنة. وقدم ابن الصلاح في مقدمته في علوم الحديث وكذا العراقي في ألفيته في علوم الحديث وغيرهما أهل غزوة أحد على أهل بيعة الرضوان. انظر: التقييد والإيضاح (٢٦٤) التبصرة والتذكرة (ج ٣/ ٢٣، ٢٨) فتح المغيث (٣/ ١٢١).","vol":"2","page":100},{"text":"الصحابة ﵃ أجمعين دون قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. . .﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] و﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] و﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] مع أنها في الفتح فيحتمل إرادته لها أيضًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٨ - ٩].\nلعظيم ما اشتملت عليه من المعاني البديعة والمآثر الرفيعة والمزايا العظيمة، والمناقب الجسيمة، فإن قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] جملة مبنية للمشهود به في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] إلى قوله: ﴿شَهِيدًا﴾ ففيها ثناء عظيم على رسوله -ﷺ- ثم ثنى بالثناء على أصحابه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.\nكما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].","vol":"2","page":101},{"text":"فوصفهم سبحانه بالشدة والغلظة على الكفار وبالرحمة والبر والعطف على المؤمنين والذلة والخضوع لهم ثم أثنى عليهم بكثرة الأعمال مع الإخلاص التام وسعة الرجاء في فضل اللَّه ورحمته وبابتغائهم فضله ورضوانه وبأن آثار ذلك الإخلاص وغيره من أعمالهم الصالحة ظهرت على وجوههم حتى أن من نظر إليهم بهره حسن سمتهم وهديهم.\nومن ثم قال الإمام مالك بن أنس ﵁: \"بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون واللَّه لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا\" (١). ثم ذكر أنه تعالى نوه بذكرهم في الكتب السابقة والأمم السالفة فقال: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أي فراخه ﴿فَآزَرَهُ﴾ أي أشده وقواه ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ شب وطال ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ جمع ساق ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ أي يعجبهم قوته وغلظه وحسن منظره فكذلك أصحاب محمد -ﷺ- آزروه وأيدوه ونصروه، فهم معه كالشطاء مع الزرع\" (٢).\n﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ من هذه الآية الكريمة أخذ الإمام مالك ﵁في رواية عنه- بكفر الروافض الذين يبغضون الصحابة قال لأن الصحابة يغيضونهم ومن غاضه الصحابة فهو كافر (٣)؛ وهو مأخذ دقيق يشهد له ظاهر الآية.\nومن ثم وافقه الإمام الشافعي ﵁ على القول بكفرهم كجماعة من الأئمة.\nوقد قال الإمام أبو زرعة (الرازي) (٤) إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب\n_________\n(١) ذكره ابن كثير في تفسيره (ج ٧/ ٥٦٨).\n(٢) انظر تفسير ابن كثير (ج ٧/ ٥٦٨).\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٥٦٨)؛ والبغوي معه (ص ٥٦٩) والقرطبي (ج ١٦/ ٢٩٦ - ٢٩٧).\n(٤) في النسختين أبو زرعة العراقي وهو خطأ والتصحيح من المصادر وقد تقدمت ترجمة أبي زرعة (١/ ١٠٩).","vol":"2","page":102},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ- فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق، وما أدى إلينا ذلك كله إلا الصحابة، فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة فيكون الجرح يه أليق، والحكم عليه بالزندقة والكذب والعناد أقوم وأحق\" (١).\nوقال أبو محمد بن حزم: \"الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعًا قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١].\nفثبت أن جميعهم من أهل الجنة، وأن لا يدخل أحد منهم النار؛ لأنهم المخاطبون بالآية الأولى التي أثبتت لكل منهم الحسنى وهي الجنة فلا يتوهم أن التقييد بالإنفاق والقتال فيها وبالإحسان في الذين اتبعوهم بإحسان يخرج من لم يتصف منهم بذلك لأن تلك القيود خرجت مخرج الغالب فلا مفهوم لها على أن المراد من اتصف بذلك ولو بالقوة أو العزم (٢).\n_________\n(١) أسنده الخطيب في الكفاية في علم الرواية (ص ٤٩) عن أبي زرعة الرازي وأورده السخاوى في فتح المغيث (٣/ ١٠١) والمؤلف في لوامع الأنوار (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩).\n(٢) قول ابن حزم هذا أورده في كتابه \"الفصل\" (٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦)،\nوفي كتابه \"الأحكام في أصول الأحكام\" (ج ٥/ ٩٠ - ٩١)،\nوفي كتابه \"الدرة فيما بجب اعتقاده\" (ص ٣٦٧ - ٣٦٨).\nونقله عنه السخاوي في فتح المغيث (ج ٣/ ١٠٣)؛ والمؤلف في لوامع الأنوار (٢/ ٣٨٩) باختصار.","vol":"2","page":103},{"text":"خاتمة: صحبة النبي -ﷺ- رتبة عظيمة ومزية فخيمة لا يعادلها شيء حتى جاء عنه -ﷺ- أنه قال: \"إن اللَّه اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين\" (١).\nومن ثم لما سئل الإمام عبد اللَّه بن المبارك (٢) مع فخامته وجلالته وسعة علمه وفضله أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز فقال: للغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول اللَّه -ﷺ- خير من عمر بن عبد العزيز كذا كذا مرة\" (٣).\nأشار الإمام عبد اللَّه بن المبارك ﵁ بذلك إلى أن فضيلة صحبته -ﷺ- ورؤيته لا يعدلها شيء وإن جل، وباللَّه التوفيق.\nثم قال الناظم رحمه اللَّه تعالى: (ومن) بفتح الميم اسم موصول معطوف على قوله: وأنصاره والمهاجرون ديارهم بنصرهم عن ظلمة النار زحزحوا، أي والذين بعدهم أي بعد الصحابة الكرام ﵃ من المهاجرين والأنصار، وكذلك من كان منهم وجاء بعدهم أي بعد السابقين الأولين من الصحابة فإنهم عن ظلمة النار زحزحوا بفضيلة الصحبة لما قدمنا عن ابن حزم لأنه تعالى وعد كلًا منهم الحسنى، وكذا التابعون والصحابة من المهاجرين والأنصار من سائر الفرق.\n(يحسن) متعلق بالتابعين (ما) اسم موصول بمعنى الذي، أي بحسن الذي (حذوا)؛ أي اقتفوا والعائد محذوف تقديره حذوه ويجوز أن تكون \"ما\" موصولًا\n_________\n(١) رواه البزار كما في كشف الأستار (٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩) رقم (٢٧٦٣) بأطول مما هنا.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦) رواه البزار، ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف.\n(٢) عبد اللَّه بن المبارك تقدم (١/ ١٨٤).\n(٣) أورده ابن كثير في البداية (٨/ ١٣٩) عن ابن المبارك من طريقين بلفظ مختلف ونصه كما في أحدهما:\n\"سئل أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: \"لتراب في منخري معاوية مع رسول اللَّه -ﷺ- خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز\" انتهى.","vol":"2","page":104},{"text":"حرفيًا أي بحسن حذوهم باقتفائهم (١) وتتبع آثارهم والتأسي بقالهم وحالهم، ومنه حديث: \"لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل\" (٢) أي تعملون مثل أعمالم كما تقطع أحد النعلين على قدر النعل الأخرى.\nوفي القاموس: \"حذا حذو زيد فعل فعله، واحتذى مثاله اقتدى به\" انتهى (٣). أي اقتفوا آثارهم وفعلوا (فعلهم) أي فعل الصحابة ﵃ (قولًا) باللسان (وفعلًا) بالجوارح والأركان واعتقادًا بالجنان (فأفلحوا) أي فازوا وظفروا بمقصودهم ونجوا وتنعموا في جنان الخلد ورضى معبودهم وتقدم معنى الفلاح في أول المنظومة فراجعه (٤).\nتنبيه: هذه الثلاثة أبيات وأولها قوله: \"وعائش أم المؤمنين\".\nوثانيها: \"وأنصاره والهاجرون (٥) ديارهم\".\nوثالثها: \"ومن بعدهم والتابعون. . . \":\nليست من كلام الناظم الذي هو الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي داود.\n_________\n(١) في \"ظ\" باقتفاء سنتهم.\n(٢) رواه الترمذي في الفتن رقم (٢١٨٠) باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم عن أبي واقد الليثي، دون قوله: \"حذو النعل بالنعل\"، وقال في جامع الأصول (١٠/ ٣٤) زاد رزين: \"حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة. . . \".\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nورواه أيضًا عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ليأتين علي أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل. . . \" الحديث (ج ٥/ ٢٦) رقم (٢٦٤١).\n(٣) القاموس (٤/ ٣١٧) (حذا).\n(٤) انظر (١/ ١٨١).\n(٥) في \"ظ\" والمهاجرون.","vol":"2","page":105},{"text":"بل من كلام العلامة المحقق ابن البناء من أئمة علمائنا، نعم زحزحت أنا البيت الأخير منها لما بعد عن (١) قول الناظم رحمه اللَّه تعالى: \"وقل خير قول. . . \" إلى آخره لأجل ذكر التابعين بعد الفراغ من ذكر الصحابة المكرمين ﵃ أجمعين، على أنه يحتمل إرادته بالتابعين -للأنصار والمهاجرين السابقين الذين آمنوا من قبل الفتح وأنفقوا وقاتلوا، فيكون التابعون لهم بإحسان هم- الصحابة الذين جاءوا من بمد غزوة الحديبية، لكن لبعد هذا المدرك على كثير من الأفهام لم أجعله معول شرحي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>تنبيهان:</span>\nالأول: ابن البناء (٢) الناظم الثلاثة أبيات هو أبو (٣) علي الحسن بن أحمد بن عبد اللَّه بن البناء (٤) البغدادي الحنبلي الإمام المحدث الفقيه الأصولي الواعظ صاحب التصانيف، شيخ الإسلام، ولد سنة ست وتسعين وثلاثمائة وتفقه أولًا على أبي طاهر العبادي ثم على القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن (٥) الفراء الإمام، وابن البناء من قدماء أصحابه، وحضر عند (٦) علي بن أبي موسى وناظر في مجلسه وتفقه أيضًا على أبي الفضل التميمي وغيره وسمع منه الحديث خلق كثير وقرأ عليه الحافظ الحميدي كثيرًا، حدث عنه ولداه أبو غالب أحمد ويحيى، ودرس الفقه كثيرًا وأفتى زمانًا طويلًا، وكان (رقيق) (٧) البدن، جيد القريحة، وقد صنف في زمان شيخه\n_________\n(١) ساقطة من \"ظ\".\n(٢) كتب في هامش \"ظ\" طلب في ترجمة ابن البناء الحنبلي ﵀.\n(٣) في \"ظ\" ابن.\n(٤) انظر ترجمة ابن البناء في: طبقات الحنابلة رقم (٦٧٧)؛ وفي ذيل طبقات الحنابلة رقم (١٤)؛ وفي المنهج الأحمد رقم (٦٨٧)؛ وفي سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٨٠).\n(٥) ليست في \"ظ\".\n(٦) في \"ظ\" عنده.\n(٧) في \"أ\" فقيد.","vol":"2","page":106},{"text":"الإمام أبي يعلى في المعتقدات وغيرها، وكتب له خطه عليها بالإصابة والاستحسان وتزيد تصانيفه على ثلاثمائة مصنف، وذكر عنه أنه قال صنفت خمسمائة مصنف، وكان طاهر الأخلاق، حسن الوجه والشيبة، محبًا لأهل العلم مكرمًا لهم، توفى ﵀ ورضي عنه ليلة السبت خاص رجب سنة إحدى وسبعين وأربعمائة وصلي عليه في الجامعين جامع القصر، وجامع المنصور، وكان الجمع فيهما متوفرًا جدًا وأم الناس في الصلاة عليه أبو محمد التميمي وتبعه خلق كثير وعالم عظيم ودفن بباب حرب رحمه اللَّه تعالى. ومن شعره:\nإذا غيبت أشباحنا كان بيننا ... رسائل صدق في الضمير تراسل\nوأرواحنا في كل شرق ومغرب ... تلاقي بإخلاص الوداد تواصل\nوثم أمور لو تحققت بعضها ... لكنت لنا بالعمر فيها تقابل\nوكم غائب والقلب منه سالم ... وكم زائر في القلب منه بلابل\nفلا تجز عن يومًا إذا غاب صاحب ... أمين فما غاب الصديق المجامل (١)\nالثاني: التابعون للصحابة ﵃ بإحسان (٢) هم أحق وأجدر بعد الصحابة بالفضل والإتقان والتقديم على غيرهم من سائر أهل الإسلام والإيمان من أمة نبينا محمد -ﷺ- سيد ولد عدنان.\nوتعريف التابعي: هو كل من صحب الصحابي صحبة متعارفة ومطلقة مخصوص بالتابع بإحسان.\nوقال للواحد تابع وتابعي، ولابد في التابعي من زيادة على ما تعتبر به الصحبة في الصحابي كما تقدم لأن للصحبة خصوصية لا توجد لغيرها، وللتابعين طبقات\n_________\n(١) الأبيات في المنهج الأحمد (٢/ ١٦٨) وفي ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٣٦ - ٣٧).\n(٢) ليست في \"ظ\".","vol":"2","page":107},{"text":"بالنسبة إلى من اجتمع بعشرة أو ثلاثة من الصحابة، وبالعلم والزهد وغير ذلك (١).\nوقد اختلف في أفضل التابعين فقال سيدنا الإمام أحمد وغيره من أهل العلم \"أفضل التابعين سعيد بن المسيب\" (٢).\nوقال قوم: أفضل التابعين أويس بن عامر ويقال عمرو وكنيته أبو عمرو وهو القرني، واستدلوا له بحديث: \"خير التابعين أويس رواه الحاكم عن علي بن أبي طالب (٣) عن النبي -ﷺ-.\n_________\n(١) انظر: معرفة علوم الحديث (٤١) وما بعدها، والتقييد والإيضاح (ص ٢٧٤) وما بعدها، وتدريب الراوي (ص ٤١٦) وما بعدها، وفتح المغيث (ج ٣/ ١٣٩) وما بعدها.\n(٢) رواه عن الإمام أحمد بن حنبل عثمان الحارثي النحاس كما في طبقات الحنابلة (١/ ٢٢٢)؛ وتهذيب الكمال (١١/ ٧٣).\nوقال ابن الصلاح في مقدمته (ص ٢٨٣): \"وأعجبني ما وجدته عن الشيخ أبي عبد اللَّه بن خفيف الزاهد الشيرازي في كتاب له قال اختلف الناس في أفضل التابعين فأهل المدينة يقولون: سعيد بن المسيب، وأهل الكوفة يقولون: أويس القرني، وأهل البصرة يقولون: الحسن البصري\" انتهى.\nقال العراقي في الشرح: والصواب ما ذهب إليه أهل الكوفة لما روى مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"إن خير التابعين رجل يقال له أويس. . . \" الحديث.\nقال: \"وقد يحمل ما ذهب إليه أهل المدينة وأحمد أيضًا من تفضيل سعيد بن المسيب على سائر التابعين أنهم أرادوا فضيلة العلم لا الخيرية الواردة في الحديث واللَّه أعلم\" انتهى.\nوانظر: صحيح مسلم بشرح النووي (١٦/ ٩٤ - ٩٥)؛ وإرشاد طلاب الحقائق له (ج ٢/ ٦١٤)؛ وفتح المغيث (٣/ ١٤٣ - ١٤٥)؛ وتدريب الراوي (ص ٤٢١ - ٤٢٢).\n(٣) كذا ذكر المؤلف ﵀ ولم أجده عند الحاكم عن علي ﵁ والذي فيه: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لما كان يوم صفين نادى مناد من أصحاب معاوية أصحاب علي أفيكم أويس القرني قالوا: نعم. فضرب دابته حتى دخل معهم ثم قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"خير التابعين أويس القرني\" انظر: المستدرك (ج ٣/ ٤٠٢)؛ والحلية (٢/ ٨٦).","vol":"2","page":108},{"text":"وفي صحيح مسلم: \"إن خير التابعين رجل يقال له أويس بن عامر وله والدة وكان به بياض فمروه فليستغفر لكم\" (١).\nقال النووي: \"هو أويس بن عامر كذا رواه مسلم وهو مشهور\" (٢).\nوقال ابن ماكولا (٣): ويقال \"أويس بن عمرو\" (٤) وهو القرني بفتح القاف والراء وهو بطن من مراد وهو قرن بن ردبان، وغلطوا من نسبه إلى قرن المنازل الجبل المعروف ميقات أهل نجد في الإحرام\" (٥).\nوفي الحديث طلب الدعاء والاستغفار من أهل الصلاح وإن كان الطالب أفضل من المطلوب منه لأنه قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل (٦).\nفإن قيل كيف استجاز الإمام أحمد ﵁ ومن نحى نحوه تفضيل\n_________\n(١) مسلم في فضائل الصحابة (٤/ ١٩٦٨) باب من فضائل أويس القرني ﵁ من حديث عمر ﵁.\n(٢) شرح مسلم للنووي (١٦/ ٩٤).\n(٣) ابن ماكولا: علي بن هبة اللَّه بن علي بن جعفر أبو نصر سعد الملك أمير مؤرخ نسابة من العلماء الحفاظ الأدباء، من كتبه: الإكمال في المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب طبع. قال ابن خلكان: لم يوضع مثله وله شعر حسن، توفى سنة ٤٧٥. سير أعلام النبلاء (ج ١٨/ ٥٦٨)؛ والأعلام (٥/ ٣٠) ومقدمة كتابه الإكمال.\n(٤) الإكمال (١/ ١١٤).\n(٥) انظر شرح النووي لمسلم (ج ١٦/ ٩٤)؛ وتهذيب الأسماء واللغات له (ج ٤/ ٩٠ - ٩١).\nوالذي نسبه إلى قرن المنازل الجوهري في الصحاح. انظر: (٦/ ٢١٨١) (قرن).\nقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: \"اتفقوا على تغليط الجوهري في فتح الراء منه، وفي قوله: إن أويس القرني ﵁ منسوب إليه. . . \".\n(٦) هذا الكلام من شرح النووي للحديث وهو يشير إلى ما جاء في الحديث من طلب عمر ﵁ الدعاء من أويس.","vol":"2","page":109},{"text":"سعيد ابن المسيب على سائر التابعين مع وجود النص الصريح بالنقل الصحيح في تفضيل أويس ﵀، مع أن مذهب الإمام أحمد أن لا يقدم على مقبول الأخبار شيئًا؟\nفالجواب أن مراد سيدنا الإمام أحمد ﵁ وأضرابه أفضلية سعيد بن المسيب رحمه اللَّه تعالى في العلوم الشرعية كالتفسير والحدث والفقه ونفع الأمة بذلك، وبما بلغه عن الصحابة الكرام عن النبي -ﷺ- فإن سيدًا هو الإمام الحافظ الثقة المأمون حتى قيل فيه: \"أعلم أمة محمد بدين محمد -ﷺ- سعيد بن المسيب ﵁\" (١).\nوالدليل على أفضلية التابعين على غيرهم بعد الصحابة ﵃ قول النبي -ﷺ-: \"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\" رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عمران بن حصين ﵄ قال عمران: \"فلا أدرى أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ثم إن بعدهم قومًا يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمونون وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن \"زاد في رواية: \"ويحلفون ولا يستحلفون\" (٢).\nوأخرج الترمذي من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ أن النبي -ﷺ- قال: \"لا تمس النار مسلمًا رآني أو رأى من رآني\" (٣).\nقال الإمام المحقق ابن القيم في أول كتابه \"أعلام الموقعين\" \"ألقى الصحابة الكرام\n_________\n(١) انظر ما تقدم حول ذلك (٢/ ١٠٨).\n(٢) البخاري في فضائل الصحابة (ج ٧/ ١) رقم (٣٦٥٠)؛ ومسلم رقم (٢٥٣٥) في فضائل الصحابة.\n(٣) الترمذي في جامعه رقم (٣٨٥٨) وقال: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم الأنصاري\".","vol":"2","page":110},{"text":"﵃ إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا، وكان سندهم عن نبيهم -ﷺ- عن جبريل عن رب العالمين سندًا صحيحًا عاليًا، وقالوا هذا عهد نبينا إلينا وقد عهدناه إليكم، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا وهي وصيته وفرضه عليكم، فجرى التابعون لهم وإحسان على منهاجهم واقتفوا آثار صراطهم المستقيم\" (١). ثم بعد التابعين أتباع التابعين.\nثم جاءت الأئمة من القرن الرابع المفضل في إحدى الروايتين كما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد وابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وعمران بن حصين رضوان اللَّه عليهم أجمعين من قوله -ﷺ-: \"خير الناس قرني. . . \" (٢) الحديث.\nوالقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، والأصح أنه لا يضبط بمدة، فقرنه -ﷺ- هم أصحابه وكانت مدتهم من المبعث إلى آخر من مات من أصحابه وهو أبو الطفيل مائة وعشرين سنة، وقرن التابعين من نحو مائة إلى سبعين سنة، وقرن أتباع التابعين من ثم إلى حدود العشرين ومائتين.\nوفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا وأطلقت المعتزلة ألسنتها وأظهرت الجهمية نحلتها ورفعت الفلاسقة رؤوسها، وحررت الباطنية والقرامطة دروسها، وامتحن أئمة الدين وعلماء المسلمين ليقولوا بخلق القرآن وكان المقصود الأعظم منهم إمامنا الإمام أحمد بن حنبل عليه الرحمة والرضوان فقام بأمر السنة أتم قيام، وعاضده على ذلك أئمة نبلاء أعلام وحفاظ لدين الإسلام فخام، شكر اللَّه سعيهم\n_________\n(١) انتهى كلام ابن القيم. انظر كتابه \"أعلام الموقعين\" (١/ ٦).\n(٢) تقدم تخريجه (٢/ ١١٠).","vol":"2","page":111},{"text":"وثبتنا على نهجهم، وظهر مصداق قوله -ﷺ-: \"ثم يفشوا الكذب\" كما في رواية (١) واللَّه تعالى أعلم (٢) (٣).\n* * *\n_________\n(١) هذه الرواية أخرجها الترمذي رقم (٢١٦٥، ٢٣٠٣)؛ وابن ماجه رقم (٢٣٦٣) من حديث عمر ﵁ مرفوعًا وفيه: \"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب. . . \" الحديث.\n(٢) انظر هذا المبحث في فتح الباري (٧/ ٨).\n(٣) في \"ظ\" بلغ مقابلة.","vol":"2","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>فصل في الكلام على القدر</span>\nقال في النهاية: \"قد تكرر في الحديث ذكر القدر وهو: عبارة عما قضاه اللَّه وحكم به من الأمور.\nوقال في القضاء إنه الفصل والحكم، وقد تكرر في الحديث ذكر القضاء أيضًا، وأصله القطع والفصل يقال قضى يقضي قضاء فهو قاض إذا حكم وفصل وقضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه فيكون بمعنى الخلق\" (١).\nقال الناظم رحمه اللَّه تعالى: (وبالقدر) وهو الأمر الذي قضاه اللَّه وحكم به من الأمور وهو مصدر قدر، يقدر قدرًا، وقد تسكن داله، وأل في القدر والقضاء عرض عن المضاف إليه أبي بقدر اللَّه.\nوعرفه الماتريدية: \"أنه تحديد اللَّه تعالى أزلًا كل مخلوق بحده الذي يوجد به من حسن وقبيح ونفع وضر وما يحويه من زمان ومكان وما يترتب عليه من طاعة وعصيان وثواب وعقاب وغفران\" (٢).\nوعند الأشاعرة: إيجاد اللَّه تعالى الأشياء على قدر مخصوص، وتقدير معين في ذواتها وأحوالها طبق ما سبق به العلم وجرى به القلم\" (٣).\nقال الخطابي (٤): \"قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر من اللَّه والقضاء: معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه اللَّه (٥) وقدره ويتوهم أن قوله -ﷺ-: \"فحج\n_________\n(١) النهاية (٤/ ٢٢، ٧٨).\n(٢) انظر شرح العقائد النسفية للتفتازاني (ص ١١٣).\n(٣) انظر شرح جوهرة التوحيد للبيجوري (ص ١١٣)؛ ولوامع الأنوار للمؤلف (١/ ٣٤٥).\n(٤) الخطابي تقدم (١/ ١٨٢).\n(٥) ليس في \"ظ\".","vol":"2","page":113},{"text":"آدم موسى\" من هذا الوجه وليس كذلك وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم اللَّه تعالى بما يكون من فعل العباد واكتسابهم وصدورها عن تقدير منه تعالى وخلق لها خيرها وشرها، قال والقدر اسم لما صدر مقدرًا عن فعل القادر.\nولذا قال الناظم: (المقدور) أي المصادر عن المعبود تعالى مقدرًا محكمًا، كالهدم والنشر والقبض أسماء لما صدر عن فعل الهادم والناشر والقابض يقال: قدرت الشيء وقدرت خفيفه وثقيله بمعنى واحد والقضاء معناه في هذا الخلق كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] أي خلقهن وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي على العباد من وراء علم اللَّه تعالى فيهم أفعالهم واكتسابهم ومباشرتهم تلك الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقديم إرادة واختيار والحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها.\nقال الخطابي: وجماع القول في هذا أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه وإنما كان موضع الحجة لآدم على موسى ﵉ أن اللَّه تعالى كان قد علم من آدم أنه يتناول من الشجرة ويأكل منها فكيف يمكنه أن يرد علم اللَّه فيه ويبطله بعد ذلك، وبيان هذا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فأخبر قبل كون آدم إنما خلقه للأرض وأنه لا يتركه في الجنة حتى ينقله عنها إليها وإنما كان تناوله سببًا لهبوطه إلى الأرض التي خلق لها ليكون فيها خليفة واليًا على من فيها فإنما أدلى (١) آدم بالحجة على موسى لهذا المعنى ودفع لائمة موسى ﵇ عن نفسه ولذلك قال: أتلومني على أمر قد قدره اللَّه عليَّ من قبل أن يخلقني. قال: فقول موسى ﵇ وإن كان في النفوس منه شبهة وفي ظاهره متعلق لاحتجاجه بالسبب الذي جعل إمارة لخروجه من الجنة، فقول آدم ﵇ في تعلقه بالسبب الذي هو بمنزلة الأصل\n_________\n(١) في \"ظ\" أدلى إلى آدم وهو خطأ.","vol":"2","page":114},{"text":"أرجح وأقوى، والفلج قد يقع من المعارضة بالترجيح كما يقع بالبرهان الذي لا معارض له (١) انتهى.\nقلت والحديث الذي احتج فيه آدم على موسى ﵉ صحيح متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ وروى أيضًا بإسناد جيد من حديث ابن عمر ﵄ ولفظ الحديث: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن موسى قال: يا رب أرنا آدم الذي أخرجنا من الجنة بخطيئته فقال موسى يا آدم أنت أبو البشر خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك اللَّه بكلامه وكتب لك التوراة بيده فكم تجد فيها مكتوبًا وعصى آدم ربه فغوى قبل أن أخلق؟ قال بأربعين سنة. قال: أتلومني على أمر قد قدر عليَّ قبل أن أخلق بأربعين سنة، قال: فحج آدم موسى\" (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية روح اللَّه روحه: ظن طوائف في هذا الحديث أن آدم احتج بالقدر على الذنب وأنه حج موسى بذلك -فطائفة من هؤلاء يدعون التحقيق والعرفان يحتجون بالقدر على الذنوب مستدلين بهذا الحديث، وطائفة أخرى يقولون الاحتجاج به سائغ في الآخرة لا في الدنيا.\nوأخرى تقول هو حجة للخاصة المشاهدين للقدر دون العامة، وطائفة أخرى كذبت بالحديث كأبي علي الجبائي أحد أئمة الاعتزال ومن نحى منحاه.\nوطائفة تأولته تأويلات فاسدة مثل قول بعضهم: إنما حجه لأنه كان قد تاب،\n_________\n(١) انظر: كلام الخطابي هذا في: معالم السنن للخطابي (ج ٧/ ٦٩ - ٧٢) ونقله ابن الأثير في جامع الأصول (١٠/ ١٠٤ - ١٠٥)؛ والشارح في لوامع الأنوار (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦).\n(٢) رواه البخاري في القدر باب تحاج آدم وموسى عند اللَّه (ج ١١/ ٥١٣) رقم (٦٦١٤) ومسلم رقم (٢٦٥٢) في القدر باب حجاج آدم وموسى ﵉ ومالك في الموطأ (٢/ ٨٩٨) في القدر باب النهي عن القول بالقدر، وأبو داود في السنة رقم (٤٧٠١) باب في القدر، والترمذي رقم (٢١٣٤) في القدر.","vol":"2","page":115},{"text":"وقول آخر لأنه كان أباه والابن لا يلوم أباه، وقول آخر إن الذنب في شريعته واللوم في أخرى.\nقال: وكل هذا تعريج عن مقصود الحديث لأن موسى ﵇ قال لآدم ﵇ لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فلامه على المصيبة التي حصلت بسبب فعله لا لأجل كونها ذنبًا، ولهذا احتج آدم عليه بالقدر، وأما كونه لأجل الذنب كما يظنه كثير من الناس فليس بمراد بالحديث، فإن آدم ﵇ كان قد تاب من الذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولا يجوز لوم التائب باتفاق الناس، قال ولأن آدم ﵇ احتج بالقدر، وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين، وسائر أهل الملل وسائر العقلاء\" (١).\nوقال شيخ الإسلام في كتابه \"الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان\": هذا الحديث قد ضلت به طائفتان: طائفة كذبت به لما ظنوا أن يقتضي رفع الذم والعقاب عمن عصى اللَّه تعالى لأجل القدر.\nوطائفة شر من هؤلاء جعلوه حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه أو الذين لا يرون أن لهم فعلًا وذكر نحو ما قدمنا من الطوائف، ثم قال: \"وكل هذا باطل ولكن وجه الحديث: أن موسى ﵇ لم يلم أباه إلا لأجل المصيبة التي لحقتهم من أجل أكله من الشجرة فقال: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبًا وتاب منه فإن موسى ﵇ يعلم أن التائب من الذنب لا يلام ولو كان آدم ﵇ بعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٤) وما بعدها، ومنهاج السنة (٣/ ٧٨) وما بعدها، ودرء تعارض العقل مع النقل (٨/ ٤١٨)؛ والتدمرية (٨١)؛ وشفاء العليل لابن القيم (ص ٢٨) وما بعدها.","vol":"2","page":116},{"text":"والمكلف مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب\" (١).\nإذا علمت هذا (فأيقن): أي أعلم علمًا جازمًا لا ريب فيه ولا شك يعتريه، والجار والمجرور الذي هو قوله: (وبالقدر المقدور) متعلق بأيقن.\nقال في القاموس: \"اليقين إزاحة الشك\" (٢).\n(فإنه) أي الإيقان بالقدر المقدر والإيمان به (دعامة) قال في القاموس: \"الدعمة والدعامة بكسرتين: عماد البيت، والخشب المنصوب للعريش والدعامة بالفتح: الشرط\" (٣) أي عمود (عقد الدين) الذي ينبني عليه، وشرطه الذي يعول عليه، والجمع: دعم ودعائم، و(أل) في الدين للعهد أي دين اللَّه الذي بعث اللَّه به رسوله محمدًا -ﷺ- وأنزل به كتابه وتقدم تعريف الدين في أول المنظومة وهو الوضع الإلهي السائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم، بالذات (والدين): الذي هو دين الإسلام: (أفبح): أي واسع لا حرج فيه.\nقال في القاموس: \"بحر أفيح وفياح بيّن الفيح واسع والفيحاء الواسعة من الدور\" (٤).\nوفي حديث أم زرع: (وبيتها فياح) (٥) أي واسع هكذا رواه عبيد مشددًا وصوب غيره التخفيف.\n_________\n(١) الفرقان لابن تيمية (ص ١٠٦ - ١٠٧).\n(٢) القاموس (٤/ ٢٨٠).\n(٣) القاموس (٤/ ١١٣) (دعم).\n(٤) القاموس (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠) (فيح).\n(٥) حديث أم زرع أخرجه البخاري (ج ٩/ ١٦٣) رقم (٥١٨٩) في النكاح باب حسن =","vol":"2","page":117},{"text":"وفي الحديث: \"اتخذ ربك في الجنة واديًا أفيح من مسك\" (١).\nقال في النهاية: \"كل موضع واسع يقال له أفيح، وروضة فيحاء\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>تنبيهات:</span>\nالأول: أعلم أن القدر عند السلف:\nما سبق به العلم القديم وجرى به القلم العظيم مما هو كائن إلى الأبد، وأنه ﷿ قدر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم تعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة فهي تقع حسب ما قدرها.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه: \"علم اللَّه السابق محيط بالأشياء على ما هي عليه ولا محو فيه ولا تغيير، ولا زيادة ولا نقص فإنه تعالى يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون لو كان كيف كان يكون\".\n_________\n= المعاشرة مع الأهل، ومسلم رقم (٢٤٤٨) في فضائل الصحابة باب ذكر حديث أم زرع، وهو حديث مشهور وقد شرحه غير واحد من العلماء منهم القاضي عياض سمي شرحه \"بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد\"، وهو مطبوع وللسيوطي عليه شرح ومو مطبوع معه.\n(١) الحديث أورده أبو موسى المديني في المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٢/ ٦٥٠)؛ وابن الأثير في النهاية (٣/ ٤٨٤) وهو جزء من حديث طويل رواه الشافعي في مسنده (١٥/ ١٢٦ - ١٢٧)؛ وأبو يعلى في مسنده (٧/ ٢٢٨ - ٢٢٩) عن أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه.\n(٢) النهاية (٣/ ٤٨٤).","vol":"2","page":118},{"text":"قال: \"وأما ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ فهل يقع فيه محو وإثبات على قولين للعلماء\".\nقال: \"وأما الصحف التي بيد الملائكة فيحصل فيها المحو والإثبات\".\n\nالثاني: الإيمان بالقدر على درجتين:\nإحداهما: الإيمان بأن اللَّه تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن أهل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم وأنه كتب ذلك وأحصاه وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.\n\nالثانية: أن اللَّه تعالى خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وشاءها منهم، فهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة وينكرها القدرية (١).\nوالدرجة الأولى أثبتها القدرية أيضًا ونفاها غلاتهم كمعبد الجهني الذي سئل ابن عمر ﵄ عن مقالته: وهي أن لا قدر وأن الأمر أنف (٢) فقال: إذا لقيت (٣) أولئك فأخبرهم أني برئ متهم وأنهم براء مني والذي يحلف به عبد اللَّه بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر\" رواه مسلم في صحيحه (٤) (٥).\n_________\n(١) القدرية تقدم التعريف بهم (١/ ١٨٠).\n(٢) أنف: بضم الهمزة والنون أي مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من اللَّه تعالى وإنما يعلمه بعد وقوعه. شرح مسلم للنووي (١/ ١٥٦).\n(٣) في \"ظ\" إذا رأيت.\n(٤) مسلم (١/ ٣٦) في الإيمان في فاتحته.\n(٥) انظر هذا المبحث في: جامع العلوم والحكم (١/ ٦٠ - ٦١).","vol":"2","page":119},{"text":"قال الحافظ ابن رجب (١): \"الذي سئل ابن عمر ﵄ عن مقالتهم معبد الجهني وعمرو بن عبيد وغيرهما، وقد قال كثير من السلف: \"ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن جحدوه فقد كفروا\" يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد وأن اللَّه تعالى قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ فقد كذب بالقرآن فيكفر بذلك. وإن أقروا بذلك وأنكروا أن اللَّه خلق أفعال عباده (٢) وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية فقد خصموا لأن ما أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء وأما من أنكر العلم القديم فقد نص الإمامان الشافعي وأحمد ﵄ على تكفيره وكذلك غيرهما من أئمة الإسلام\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>الثالث: أول من تكلم في القدر </span>معبد بن عبد اللَّه بن عويمر الجهني وكان أولًا يجلس إلى الحسن البصري ثم سلك أهل البصرة مسلك معبد لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله كما قال السمعاني (٤).\n_________\n(١) تقدم (١/ ١٧٧).\n(٢) في \"ظ\" العباد.\n(٣) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ٦١).\n(٤) في الأصل كما قال ابن السمعان.\nوفي \"ظ\" كما قال ابن السمعاني.\nوالصواب ما أثبتنا وهو موافق لما نقله الشارح في كتابه لوامع الأنوار (١/ ٢٩٩)؛ وما ذكره النووي في شرح مسلم (١/ ١٥٣).\nوالسمعاني هو: عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني أبو سعد الإمام الحافظ الكبير محدث خراسان صاحب المصنفات الكثيرة منها الأنساب طبع في ثلاثة عشر مجلدًا وغيره، توفى سنة اثنتين وستين وخمسمائة.\nسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٤٥٦)؛ وانظر: النص الذي ذكره الشارح عنه في كتابه الأنساب (٣/ ٤٤١) (الجهني).","vol":"2","page":120},{"text":"وبعض الأشعرية وغيرهم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية طيب اللَّه ثراه في كتابه \"شرح الإيمان\": \"أول من ابتدعه بالعراق رجل من أهل البصرة يقال له سيسويه بمهملتين بينهما تحتية من أبناء المجوس وتلقاه عنه معبد الجهني\" (١).\nوذكر العلامة الطوفي (٢) في شرح تائية شيخ الإسلام أن اسمه \"سوسن\" بواو بين المهملتين فنون، ثم معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد (٣) ويقال أول ما حدث في الحجاز لما احترقت الكعبة (٤) فقال رجل احترقت بقدر اللَّه فق الآخر: لم يقدر اللَّه هذا (٥).\nقال شيخ الإسلام قدس اللَّه روحه: \"لم يكن على عهد الخلفاء الراشدين أحد ينكر القدر فلما ابتدع هؤلاء التكذيب بالقدر رده عليهم من بقي من الصحابة كعبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عباس وواثلة بن الأسقع ﵃ وكان أكثره بالبصرة والشام وقليل منه بالحجاز (فأكثر السلف الكلام في هؤلاء القدرية) (٦).\nولهذا قال وكيع بن الجراح: القدرية يقولون: الأمر مستقبل وأن اللَّه لم يقدر الكتابة والأعمال، والمرجئة يقولون: القول يجزي عن العمل والجهمية يقولون:\n_________\n(١) انظر: الإيمان لابن تيمية (٧/ ٣٨٤) من مجموع الفتاوى.\n(٢) الطوفي تقدم (١/ ٣٤٣).\n(٣) أسنده الآجري في الشريعة (٢٤٣)؛ وابن بطة في الإبانة (ص ٤١٥)؛ واللالكائي في السنة رقم (١٣٩٨) عن الأوزاعي.\n(٤) ذكر الطبري في تاريخه أنها احترقت سنة ٦٤، تاريخ الطبري (٥/ ٤٩٨).\n(٥) أسند هذا القول اللالكائي في السنة (٤/ ٧٤٧) عن الحسن بن محمد.\n(٦) كذا في النسختين والذي في الإيمان لشيخ الإسلام (ج ٧ ص ٣٨٥) \"فأكثر كلام السلف في ذم هؤلاء القدرية\" ولعله الصواب فإن الشارح ينقل عنه.","vol":"2","page":121},{"text":"التصديق يجزي عن القول والعمل. قال وكيع: هو كله كفر\" (١).\nقال شيخ الإسلام: \"ولكن لما اشتهر الكلام في القدر ودخل فيه كثير من أهل النظر والعبادة صار جمهور القدرية يقرون بتقدم العلم وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق.\nوعن عمرو بن عبيد في إنكار الكتاب المتقدم والسعادة روايتان (٢).\n\nوقد علمت مما مر أن القدرية فرقتان:\nالأولى: تنكر سبق علم اللَّه بالأشياء قبل وجودها وتزعم أن اللَّه تعالى لم يقدر الأمور أزلًا ولم يتقدم علمه بها وإنما يأتنفها علمًا حال وقوعها وكانوا يقولون إن اللَّه تعالى أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار، حتى فعلوا ذلك فعلمه بعد ما فعلوه، ولهذا قال: الأمر أنف أي مستأنف، هذا مع قوله تعالى (٣): ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وهو تعالى يعلم قبل أن يخلق الأشياء كلها (ما) (٤) سيكون، وهو كخلق بمشيئته فهو يعلمه ويريده ود إرادته تعالى قائمة بنفسه وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠].\nقال ابن عباس ﵄: \"إن اللَّه تعالى خلق الخلق وعلم ما هم عاملون ثم قال لعلمه كن كتابًا فكان كتابًا ثم أنزل تصديق ذلك في هذه الآية وفي الآية\n_________\n(١) النص في الإيمان لابن تيمية (ج ٧/ ٣٨٥)؛ وقد أسند ابن بطة في الإبانة النص عن وكيع. الإبانة (٣٦٥) مصورة في مكتبة الجامعة تحت رقم (١٧٧٦).\n(٢) الإيمان لابن تيمية (ج ٧/ ٣٨٥)؛ ولوامع الأنوار (١/ ٣٠٠).\n(٣) أي هذا مخالف لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.\n(٤) (ما) ليست في النسختين وأثبتناها عن لوامع الأنوار (١/ ٣٠٠)؛ وبها يستقيم الكلام.","vol":"2","page":122},{"text":"الأخرى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] (١).\nقال العلماء والفرقة المنكرة لهذا انقرضوا وهم الذين كفرهم الأئمة مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ﵃ (٢).\nومما احتج به الإمام أحمد عليهم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ. .﴾ [الأحزاب: ٧] الآية. قال هذه حجة على القدرية.\nقال الإمام المحقق ابن القيم في \"البدائع\": \"أراد القدرية المنكرة للعلم بالأشياء قبل كونها وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف\" (٣).\nقال القرطبي: \"وقد انقرض هذا المذهب فلا يعرف أحد ينسب إليه من المتأخرين\" (٤).\n\nالفرقة الثانية من فرقتي القدرية: المُقِرّون بالعلم:\nقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: \"القدرية اليوم مطبقون على أن اللَّه تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخف (٥) من المذهب الأول\".\n_________\n(١) انظر هذا المبحث في: كتاب الإيمان لابن تيمية (ج ٧/ ٣٨١ - ٣٨٢) من مجموع الفتاوى، ولوامع الأنوار للشارح (١/ ٣٠٠ - ٣٠١).\n(٢) انظر: الإيمان لابن تيمية (ج ٧/ ٣٨٥)؛ ولوامع الأنوار (١/ ٣٠١).\n(٣) بدائع الفوائد لابن القيم (٣/ ١١٤).\n(٤) انظر: فتح الباري (١/ ١٤٥)؛ ولوامع الأنوار (١/ ٣٠١).\n(٥) في \"ظ\" أحق.","vol":"2","page":123},{"text":"قال: \"والمتأخرون منهم أنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فرارًا من تعلق القديم بالمحدث\" (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما هؤلاء -يعني الفرقة الثانية- فإنهم مبتدعون ضالون لكنهم ليسوا بمنزلة أولئك\".\nقال: \"وفي هؤلاء خلق كثير من العلماء والعباد كتب عنهم وأخرج الشيخان لجماعة منهم، لكن من كان داعية لم يخرجوا له، وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث كالإمام أحمد وغيره\" (٢).\n(من كان داعية) (٣) إلى بدعة فإنه يستحق العقوبة لدفع ضرره عن الناس، وإن كان في الباطن مجتهدًا، فأقل عقوبته أن يهجر فلا يكون له مرتبة في الدين، فلا يؤخذ عنه العلم ولا يستقضى ولا تقبل شهادته ونحو ذلك.\nولهذا لم يخرج أصحاب الصحيح لمن كان داعية، ولكن رووا هم وسائر أهل العلم عن كثير ممن كان يرى رأي القدرية والمرجئة والخوارج والشيعة، ولهذا قال سيدنا الإمام أحمد: \"لو تركنا الرواية عن القدرية لتركنا أكثر أهل البصرة\" (٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"هذا لأن مسألة خلق أفعال العباد وإرادة الكائنات مسألة مشكلة، ولهذا القدرية من المعتزلة وغيرهم أخطأوا فيها\" (٥) وقد أفرط القدرية غاية التفريض بحيث إنهم نفوا أن يكون اللَّه تعالى خالقًا لأفعال عباده مع قوله تعالى:\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (١/ ١٤٥).\n(٢) انظر: الكفاية للخطيب (ص ١٢١).\n(٣) كذا العبارة في النسختين وفي الإيمان لابن تيمية (٧/ ٣٨٥): \"إن من كان داعية إلى بدعة فإنه. . . \" وفي \"لوامع الأنوار\" (١/ ٣٠١ - ٣٠٢): \"ومن كان داعية إلى بدعة\".\n(٤) الإيمان لابنه تيمية (ج ٧/ ٥٨٦) من مجموع الفتاوى.\n(٥) انتهى كلام ابن تيمية. انظر كتابه الإيمان (ج ٧/ ٣٨٥ - ٣٨٦).","vol":"2","page":124},{"text":"﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] فأثبتوا خالقًا غيره مستقلًا بالخلق والأمر دونه تعالى اللَّه عن ذلك\" (١).\n\nالرابع: في بعض ما ورد في ذم طائفة القدرية.\nقد قدمنا كلام عبد اللَّه بن عمر ﵄ وتبريه منهم وأنهم لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل اللَّه تعالى منه حتى يؤمن بالقدر.\nوساق حديث جبريل ﵇ وفيه: \"وتؤمن بالقدر خيره وشره\" زاد في رواية \"حلوه ومره\" رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (٢).\nوروى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: \"القدر نظام التوحيد فمن وحد اللَّه وآمن بالقدر فقد استمسك بالعروة الوثقى\" (٣).\n(وأخرج) (٤) أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: \"القدر سر اللَّه\" (٥).\n_________\n(١) انظر: لوامع الأنوار (١/ ٣٠١ - ٣٠٢).\n(٢) مسلم في الإيمان في فاتحته (١/ ٣٦)؛ وأبو داود في السنة، باب القدر رقم (٤٦٩٥)، والترمذي في الإيمان رقم (٢٦١٠)؛ والنسائي في الإيمان باب نعت الإسلام (٨/ ٨٨).\n(٣) رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٩٧) وفيه هاني بن المتوكل وهو ضعيف.\nوقد رواه موقوفًا على ابن عباس عبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (٩٢٥، ٩٢٨) والآجري في الشريعة (ص ٢١٥) واللالكائي في السنة (١١١٢)، (١٢٢٤) لكن فيه مجهول. وانظر تخريج الطحاوية للألباني (ص ٣٠٥).\n(٤) ليست في الأصل وهي من \"ظ\".\n(٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٨١ - ١٨٢)؛ وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٥٦١)، واللالكائي في السنة رقم (١١٢٢) ولفظه: \"لا تكلموا في القدر فإنه سر اللَّه فلا تفشوا للَّه سره\". =","vol":"2","page":125},{"text":"وفي الجامع الكبير (١) عن الحارث (٢) قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر؟ قال: سر اللَّه خفي عليك فلا تفشه، قال: أخبرني عن القدر؟ قال: طريق مظلم لا تسلكه. قال: أخبرني عن القدر؟ قال: بحر عميق لا تلجه. قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر؟. . . إلى أن قال: أيها السائل تقول: لا حول ولا قوة إلا بمن؟ قال: إلَّا باللَّه العلي العظيم، قال: أفتعلم ما في تفسيرها؟ قال: تعلمنى مما علمك اللَّه يا أمير المؤمنين. قال: إن تفسيرها لا يقدر على طاعة اللَّه ولا تكون له قوة في معصية اللَّه في الأمرين جميعًا إلا باللَّه، أيها السائل ألك مع اللَّه مشيئة أو فوق اللَّه مشيئة أو دون اللَّه مشيئة فإن قلت إن لك دون اللَّه مشيئة اكتفيت بها عن مشيئة اللَّه، وإن زعمت أن لك فوق اللَّه مشيئة فقد ادعيت أن قوتك ومشيئتك غالبتان على قوة اللَّه ومشيئته، وإن زعمت أن لك مع اللَّه مشيئة فقد ادعيت مع اللَّه شركاء في مشيئته. . \" الخبر (٣).\nوقد أخرج أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"القدرية مجوس هذه الأمة\" (٤).\n_________\n= قال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ٢٤٨): رواه ابن عدي وأبو نعيم في الحلية وهو ضعيف.\n(١) الجامع الكبير \"أو جمع الجوامع\" للسيوطي، في الحديث وهو مخطوط في مجلدين كبيرين منه نسخة في دار الكتب المصرية رقم (٩٥) وقد صورت هذه النسخة ونشرت مصورة.\n(٢) الحارث: تقدم (١/ ١٦٤).\n(٣) الأثر أورده المتقي الهندي في كنز العمال (١/ ٣٤٦) من رواية الحارث عن علي وعزاه لابن عساكر.\nوقد رواه بإسناد آخر مختصرًا: اللالكائي في السنة رقم (١١٢٣) (ص ٦٢٩)؛ والآجري في الشريعة (ص ٢٠٢، ٢٤٠) باختلاف في الرواية.\n(٤) رواه أبو داود رقم (٤٦٩١)، في السنة باب في القدر ومن طريقه الحاكم في المستدرك (١/ ٨٥). =","vol":"2","page":126},{"text":"ورواه الترمذي وحسنه وصححه الحكم.\nقال الحافظ ابن حجر: رجاله رجال الصحيحين، وصحح سنده الحافظ أبو الحسن بن القطان القابسي (١) فهو صحيح على شرط مسلم.\n_________\n= وقال الحاكم: \"وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أي حازم من ابن عمر. . \".\nقال الحافظ ابن حجر في \"أجوبته على أحاديث المصابيح\" \"قلت ورجاله رجال الصحيح لكن في سماع أبي حازم واسمه سلمة بن دينار عن ابن عمر نظر، وجزم المنذري بأنه لم يسمع منه، وقال أبر الحسن بن القطان قد أدركه وكان معه بالمدينة فهو منصل على رأى مسلم. . \".\nثم قال: \"-وهو- أي سند هذا الحديث- من شرط الحسن ولعل مستند من أطلق عليه الوضع تسميهم المجوس وهم مسلمون، وجوابه: أن المراد أنهم كالمجوس في إثبات فاعلين لا في جميع معتقد المحوس، ومن ثم ساغت إضافتهم إلى هذه الأمة. انتهى. وقال الشيخ ناصر في هذا الحديث: رجاله ثقات ولكنه منقطع، وذكر له طرق وقال: فالحديث بهذه الطرق حسن.\nانظر: مختصر سنن أبي داود (٧/ ٥٨)؛ ومشكاة المصابيح (ج ١/ ٣٨، ج ٣/ ١٧٧٩)، وتخريج السنة (١/ ١٤٩ - ١٥٠)؛ وتخريج الطحاوية (ص ٣٠٤).\nوقد رواه من طريق آخر عن ابن عمر الإمام أحمد في المسند (٢/ ٩٠)؛ وأبو داود في السنة رقم (٤٦١٣)، باب لزوم السنة والترمذي في جامعه رقم (٢١٥٢) في القدر، والحاكم في المستدرك (١/ ٨٤) ولفظة -كما عند أحمد- \"سيكون في أمتي قوم يكذبون بالقدر\".\nوقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب.\nوقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\nوقال عنه ابن القيم هو أجود ما في الباب، وحسنه الألباني في تخريج المشكاة.\nانظر: المشكاة رقم (١٠٦)؛ ومختصر سنن أبي داود (٧/ ٦١).\n(١) ابن القطان: علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم الحميرى الكثامي المغربي الفاسي المالكي أبو الحسن المعروف بابن القطان من أهل فاس، من حفاظ الحديث ونقدته رأس طلبة العلم بمراكش وكان فقيهًا عارفًا بصناعة الحديث ورجاله، أخذ الناس عنه وانتفعوا به، مات سنة ٦٢٨). سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٠٦) وشجرة النور الزكية في طبقات المالكية (١٧٩) الأعلام (٤/ ٣٣١).","vol":"2","page":127},{"text":"وأما ذكر الحافظ أبي الفرج له في الموضوعات (١) من حديث أبي هريرة فقد تعقب عليه وأن جعفر بن الحارث الذي أعله به قد وثقه ابن عدي فقال: لم أر في أحاديثه حديثًا منكرًا أرجو أنه لا بأس به، وقال البخاري حفظه سيء يكتب حديثه والحديث ورد بهذا اللفظ من حديث حذيفة أخرجه أبو داود (٢) وجابر بن عبد اللَّه.\nأخرجه ابن ماجة (٣) وعبد اللَّه بن عمر أخرجه الإمام أحمد (٤) والبخاري في تاريخه (٥) والطبراني في الأوسط (٦) واللالكائي في السنة (٧) بأسانيد بعضها على شرط الصحيح، وسهل بن (سعد) (٨) أخرجه الطبراني في الأوسط واللالكائي أيضًا (٩) وأنس أخرجه الطبراني (١٠) وابن عباس أخرجه اللالكائي (١١) وورد عن عمر موقوفًا أخرجه اللالكائي (١٢) فهؤلاء الصحابة ﵃ روى هذا الحديث\n_________\n(١) الموضوعات (١/ ٢٧٥)؛ وانظر تعقب السيوطي له في اللآلئ المصنوعة (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩).\n(٢) أبو داود رقم (٤٦٩٢) في السنة باب في القدر.\n(٣) ابن ماجة حديث رقم (٩٢) في المقدمة باب في القدر (١/ ٣٥).\n(٤) المسند (١/ ٨٦، ١٢٥).\n(٥) التاريخ الكبير (ح ٢/ ٣٤١).\n(٦) المعجم الأوسط (ج ٣/ ٢٤٠ - ٢٤١) رقم (٢٥١٥).\n(٧) السنة رقم (١١٥٠).\n(٨) في الأصل \"سهل بن عبيد اللَّه وفي \"ظ\": سهل بن عبد اللَّه والمثبت من مصادر التخريج فهو سهل بن سعد الساعدي والحديث أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (٧/ ٢٠٧)؛ واللالكائى في السنة رقم (١١٥١ - ١١٥٢)؛ وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (٣/ ٨٨).\n(٩) السنة (ص ٦٤٠).\n(١٠) مجمع الزوائد (٧/ ٢٠٥).\n(١١) السنة (ص ٦٤١).\n(١٢) لم أجده.","vol":"2","page":128},{"text":"عنهم \"فلا أقل من أن يكون حسنًا فضلًا عن أن يكون صحيحًا\" (١).\nوقد روى الطبراني في الكبير وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وقال الحافظ المنذري: لا أعرف له علة عن أم المؤمنين عائشة الصديقة ﵂ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"ستة لعنتهم ولعنهم كل نبي مجاب الزائد في كتاب اللَّه ﷿ والمكذب بقدر اللَّه والمتسلط على أمتي بالجبروت ليذل من أعز اللَّه، ويعز من أذل اللَّه والمستحل حرمة اللَّه والمستحل من عترتي ما حرم اللَّه، والتارك للسنة\" (٢).\n_________\n(١) هكذا العبارة في النسخين وفيها إشكال.\nولعل قصد المؤلف أن يقول: فلا أقل من أن يكون الحديث حسنًا إن لم يكن صحيحًا، واللَّه أعلم.\n(٢) رواه الطبراني في الكبير (ج ٣ ص ١٣٦ - ١٣٧) رقم (٢٨٨٣)؛ وفي الأوسط (٢/ ٣٩٨) رقم (١٦٨٨).\nورواه ابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (٧/ ٥٠١) (٥٧١٩)؛ والحاكم في المستدرك في مواضع (١/ ٣٦، و٢/ ٥٢٥، و٤/ ٩٠)؛ وأخرجه كذلك الترمذي في جامعه رقم (٢١٥٤) في القدر.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٠٥): رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات، وقد صححه ابن حبان\".\nوقال الترمذي: \"هكذا روى عبد الرحمن بن أبي الموالي هذا الحديث عن عبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن موهب عن عمرة عن عائشة عن النبي -ﷺ-، ورواه سفيان الثوري وحفص ابن غياث وغير واحد عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن موهب عن علي بن حسين عن النبي -ﷺ- مرسلًا، وهذا أصح\".\nوقال الحاكم في الموضع الأول: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولا أعرف له علة. . .\" وسكت عنه الذهبي.\nوقال في موضع آخر: \"هذا حديث صحيح على شرط البخاري وتعقبه الذهبي بقوله: (قلت وإسحاق وإن كان من شيوخ البخاري فإنه يأتي بالطامات. . . وعبد اللَّه فلم يحتج به أحد والحديث منكر بمرة\". =","vol":"2","page":129},{"text":"وفي حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: تكونون قدرية ثم تكونون زنادقة ثم تكونون مجوسًا، وإن لكل أمة مجوسًا وإن مجوس أمتى المكذبة بالقدر فإن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم ولا تتبعوا لهم جنازة\" (١).\nقال أبو سليمان الخطابي: \"إنما جعلهم مجوسًا لمضاهات مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين وهما النور والظلمة زعمون الخير من فعل النور والشر من فعل الظمة، فصاروا ثنوية.\nوكذلك القدرية يضيفون الخير إلى اللَّه والشر إلى غيره، واللَّه تعالى خالق الأمرين معًا\" (٢).\nوكذا قال ابن الأثير في جامع الأصول: \"القدرية في إجمع أهل السنة والجماعة هم الذين يقولون إن الخبر من اللَّه والشر من الإنسان وإن اللَّه لا يريد أفعال العصاة، وسموا بذلك لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون اللَّه تعالى، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر اللَّه وقضاه، وقال: وهؤلاء مع ضلالتهم\n_________\n= وقال الشيخ الألباني في تخريج السنة (١/ ٢٤ - ٢٥) رقم (٤٤) بعد أن ذكر كلام الحاكم والذهبي. . . والترمذي قال: \"فالحديث ضعيف منكر كما قال الذهبي\" انتهى.\nقلت: ولعل العلماء الذين صححوه -كما مر- ققد خفيت عليهم العلل التي من أجلها ضعف الحديث وهي علة الإرسال والاضطراب كما أشار الترمذي والألباني، واللَّه أعلم. للتفصيل راجع تخريج الألباني للحديث في السنة وقم (٤٤).\nتنبيه: قول الشارح ﵀: قال الحافظ المنذري لا أعرف له علة وهم منه فهو من قول الحاكم وليس من قول المنذري.\nانظر الترغيب والترهيب للمنذري (ج ١ ص ٨١).\n(١) رواه ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٧٥) وقال: \"هذا حديث لا يصح وفيه مجاهيل\".\nقال أبو عبد الرحمن النسائي: هذا الحديث باطل كذب\".\n(٢) انظر معالم السنن للخطابي (٧/ ٥٦ - ٥٨).","vol":"2","page":130},{"text":"يضيفون الاسم إلى مخالفهم من أهل الهدي فيقولون أنتم القدرية حين تجعلون الأشياء جارية بقدر من اللَّه فأنتم أولى بهذا الاسم منا لأنكم تثبتون القدر ونحن ننفيه ومثبته أحق بالنسبة إليه من نافيه، فأنتم الداخلون تحت وعيد الحديث دوننا، فأجابهم أهل الحق بأنكلم أولى بذلك لأنكلم تثبتون القدر لأنفسكم ونحن ننفيه عن أنفسنا ومثبت الشيء لنفسه أولى بالنسبة إليه ممن نفاء عن نفسه، وأيضًا هذا الحديث يبطل ما قالوه فإنه ﵊ قال: \"القدرية مجوس هذه الأمة\" ومعنى ذلك ليس إلا مشابهتهم للمجوس في مذهبهم وقولهم بالأصلين وهما النور والظلمة\" (١) انتهى.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية روح اللَّه روحه: \"من توهم من القدرية (٢) أو من غيره بن نقل عنهم أن الطاعة من اللَّه والمعصية من العبد فجاهل بمذهبهم فإن هذا لم يقله أحد من علماء القدرية ولا يمكن أن يقولوه فإن أصل قولهم أن فعل العبد للطاعة كفعله للمعصية كلتاهما فعله بقدرة تحصل له من غير أن يخصه اللَّه تعالى بإرادة خلقها فيه تختص بأحدهما ولا قوة جعلها فيه تختص بأحدهما فمن احتج منهم بقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] على مذهبهم كان جاهلًا بمذهبهم (٣) وكانت الآية الكريمة حجة عليهم لا لهم لأنه تعالى قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وعندهم ليس الحسنات المفعولة ولا السيئات المفعولة من عند اللَّه بل كلاهما من العبد واللَّه ﷾ ذكر هذه الآية الكريمة ردًا على من يقول الحسنة من اللَّه والسينة من العبد قال\n_________\n(١) انظر: جامع الأصول (١٠/ ١٢٨).\n(٢) العبارة كذا في النسختين وفيها غموض وتوضيحها كما في الفتاوى: \"من توهم عنهم (القدرية) أو من نقل عنهم أن الطاعة عن اللَّه. . . \".\n(٣) في النسختين (بمذهبه) وما أثبت عن الفتاوى (ج ٨ ص ١١٦)؛ وهو الصحيح.","vol":"2","page":131},{"text":"ولم يقل أحد من الناس إن الحسنة المفعولة من اللَّه والسيئة المفعولة من العبد\" (١) واللَّه تعالى أعلم.\n\nتتمة:\nقابلت طائفة القدرية الطائفة المسماة بالجبرية وهم الذين يزعمون أنه لا فعل للعبد أصلًا وأن حركاته بمنزلة حركات الجمادات لا قدرة له عليها ولا قصد ولا اختيار فأثبتوا أن اللَّه تعالى خالق كل شيء ومليكه وربه وهذا جيد حسن، لكن أساؤا بنفي تأثير الأسباب والحكم في الجماد والحيوان وبإنكارهم أن يكون للحيوان من الإنسان أو غيره فعل يفعله بقدرته واختياره وحقيقة قول هؤلاء ترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح وحدوث الحوادث بلا سبب أصلًا.\nقال شيخ الإسلام قدس اللَّه روحه: \"قابل القدرية قوم من العلماء والعباد وأهل الكلام والتصوف فأثبتوا القدر وآمنوا بأن اللَّه خالق كل شيء ربه ومليكه وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهذا حسن لكنهم قصروا في الأمر والنهي والوعد والوعيد وأفرطوا (حتى غلا بهم الأمر) (٢) إلى الإلحاد فصاروا من جنس المشركين الذي قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]. ثم قال: فأولئك القدرية وإن كانوا يشبهون المجوس من حيث أنهم أثبتوا فاعلًا لما اعتقدوه شرًا غير اللَّه سبحانه فهؤلاء شابهوا المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾.\nفالمشركون شر من المجوس لأن المجوس يقرون بالجزية باتفاق المسلمين حتى ذهب بعض العلماء إلى حل نسائهم وطعامهم، وأما المشركون فاتفقت الأمة على تحريم نكاح نسائهم، ومذهب الإمام أحمد في المشهور عنه والإمام الشافعي\n_________\n(١) انظر مجموع الفتاوى (٨/ ١١٦ - ١١٧).\n(٢) كذا في النسختين وفى الفتاوى (٨/ ٩٩) \"حتى خرج غلاتهم إلى الإلحاد\".","vol":"2","page":132},{"text":"وغيرهما أنهم لا يقرون بالجزية، فجمهور العلماء على أن مشركي العرب لا يقرون بالجزية.\nوالمقصود أن من أثبت القدر واحتج به على إبطال النهي والأمر فهو شر ممن أثبت الأمر والنهي ولم يثبت القدر.\nقال شيخ الإسلام: هذا متفق عليه بين المسلمين وغيرهم من أهل الملل، بل من جمع الخلق فإن من احتج بالقدر وشهد الربوبية العامة لجميع المخلوقات ولم يفرق بين الأمور والمحظور، والمؤمن والكافر، وأهل الطاعة وأهل المعصية لم يؤمن بأحد الرسل ولا بشيء من الكتب وكان عنده آدم وإبليس سواء، وهذا الضلال قد كثر في كثير من أهل التصوف والزهد والعبادة ولا سيما إذا قرنوا به توحيد أهل الكلام المثبتين للقدر والمشيئة من غير إثبات المحبة والبغض والرضى والسخط، الذين يقولون التوحيد هو توحيد الربوبية، وأما الإلهية فهي عندهم القدرة على الاختراع، وعندهم مجرد الإقرار بأن اللَّه تعالى رب كل شيء كاف، وهؤلاء يدعون التحقيق والفناء في التوحيد، ويقولون إن هذا نهاية المعرفة، وإن صاحب هذا المقام لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة لشهوده الربوبية العامة والقيومية الشاملة.\nوهذا الموضع وقع فيه من الشيوخ الكبار من شاء اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، وغاية توحيد هؤلاء توحيد المشركين الذين كانوا يعبدون الأوثان ويقرون أن اللَّه تعالى خالقهم وخالق السموات والأرض ومن فيهن وبيده ملكوت كل شيء فكانوا مقرين بالقدر وهو معروف عنهم (١) في النظم والنثر، ومع هذا فلما لم يكونوا يعبدون اللَّه تعالى وحده لا شريك له بل عبدوا غيره كانوا مشركين شرًا من اليهود والنصارى فمن كان غاية توحيده ومنتهى تحقيقه هذا التوحيد كان توحيده توحيد المشركين.\n_________\n(١) في \"ظ\" عندهم.","vol":"2","page":133},{"text":"قال شيخ الإسلام: \"وهذا المقام مقام وأي مقام زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام، وبدل فيه دين الإسلام والتبس فيه أهل التوحيد بعباد الأصنام على من يزعم نهاية المعرفة والتحقيق والكلام، ومعلوم عند كل من يؤمن باللَّه ورسوله أن الشيعة والمعتزلة والقدرية المثبتين للأمر والنهي والوعد والوعيد خير ممن يسوى بين المؤمن والكافر والبر والفاجر، والنبي الصادق، والمتنبئ الكاذب وأولياء اللَّه وأعدائه، بل هم أحق من المعتزلة بالذم.\nكما قال أبو محمد الخلال (١) في كتاب \"السنة\" عن المروذي (٢) قال قلت لأبي عبد اللَّه -يعني الإمام أحمد﵁: رجل يقول إن اللَّه أجبر العباد على المعاصي فقال: (هذا لا نقول) (٣) وأنكر ذلك، وقال: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١].\nوأنكر سفيان الثوري أيضًا على من يقول (جبر) (٤) وقال إن اللَّه تعالى جبل العباد.\nوقال المروذي أراد قول النبي -ﷺ- لأشج عبد القيس: \"إن فيك لخلقين يحبهما اللَّه تعالى؛ الحلم والأناة\" فقال: أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما؟\n_________\n(١) الخلال تقدم (١/ ١٠٧).\n(٢) المروذي: أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز أبو بكر المروذي فقيه محدث من كبار أصحاب الإمام أحمد وكان إمامًا في السنة شديد الاتباع، مات سنة ٢٧٥ ببغداد.\nطبقات الحنابلة (١/ ٥٦)؛ وسير أعلام النبلاء (١٣/ ١٧٣).\n(٣) كذا في الأصل وفي \"ظ\" هذا لا تقل.\nوفي الفتاوى: (٨/ ١٠٣) \"هكذا لا نقول\".\n(٤) في الأصل (جبروا) والمثبت من \"ظ\" ومن الفتاوى.","vol":"2","page":134},{"text":"فقال: \"بل خلقين جبلت عليهما\" فقال: الحمد للَّه الذي جبلني على خلقين يحبهما\" (١).\nوقال الأوزاعي (٢): \"ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن ولا السنة فأهاب أن أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل فهذا يعرف في القرآن والحديث\".\nقال شيخ الإسلام: \"أدخل الخلال وغيره من علماء الإسلام القائلين بالجبر في مسمى القدرية وإن كانوا لا يحتجون بالقدر على المعاصى فكيف بمن يحتج به على المعاصى، ويدخل في ذم أهل الحلم ممن يحتج بالقدر على إسقاط الأمر والنهي أعظم مما يدخل فيه المنكر له فإن ضلال هذا أعظم وأكثر\".\nقال شيخ الإسلام: \"ولهذا قرنت القدرية يعني الجبرية بالمرجئة في كلام غير واحد من السلف، فالقدري إن احتج بالقدر كان عونًا للمرجيء وإن كذّب به كان هو والمرجيء متقابلان هذا يبالغ في التشديد حتى يجعل العبد لا يستعين باللَّه على فعل ما أمره يه وترك ما نهاه عنه، وهؤلاء القدرية حقيقة -كما مر- والمرجيء يبالغ في الناحية الأخرى ومن المعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث اللَّه بهما رسله وأنزل بهما كتبه فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى، بل قول هؤلاء متناقض لا يمكن أحدًا منهم أن يعيش به ولا تقوم به مصلحة أحد من الخلق ولا يتعاشر عليه (اثنان) (٣).\n_________\n(١) الحديث رواه أبو داود بهذا اللفظ رقم (٥٢٢٥) في الأدب باب في قُبلة الرجل من رواية زارع، رقد رواه مسلم في الإيمان رقم (١٧ - ١٨) من رواية ابن عباس وأبي سعيد الخدري في قصة وفد عبد القيس وفيه فقال النبي -ﷺ- للأشج: \"إن فيك خصلتين بحبهما اللَّه الحلم والأناءة\".\n(٢) الأوزاعي تقدم (١/ ٣٤٠).\n(٣) في النسختين: (إنسان) والمثبت من الفتاوى (٨/ ١٠٦) ومنه ينقل الشارح ولعله الصحيح.","vol":"2","page":135},{"text":"فإن القدر إن كان حجة فهو حجة لكل أحد وإلا فليس هو حجة لأحد فمتى أساء إنسان لآخر بأخذ ماله أو إفساد عياله فلامه أو ذمه أو طلب عقوبته أبطل الاحتجاج بالقدر\" (١).\nقال شيخ الإسلام قدس اللَّه روحه: \"ومن ادعى أن العارف إذا شهد الإرادة سقط عنه الأمر والنهي كان هذا من الكفر الذي لا يرضاه أحد بل هو ممتنع في الحقل محال في الشرع\" (٢).\nوقال تلميذه المحقق ابن القيم في كتابه \"شرح منازل السائرين\":\n\"مشهد أصحاب الجبر الذي يشهدون أنهم مجبورون على أفعالهم وأنها واقعة بغير قدرتهم واختيارهم، بل لا يشهدون أنها أفعالهم البتة ويقولون إن أحده غير فاعل في الحقيقة ولا قادر وأن الفاعل فيه غيره والمحرك له سواه، وأنه آلة محضة وحركاته بمنزلة هبوب الرياح وحركات الأشجار، وإذا أنكرت عليهم أفعالهم احتجوا بالقدر وحملوا ذنوبهم عليه، وقد يغلون (٣) في ذلك حتى يروا أفعالهم كلها طاعات خيرها وشرها لموافقتها المشيئة والقدر ويقولون كما إن موافقة الأمر طاعة فموافقة المشيئة طاعة\".\nقال: \"وهؤلاء شر من القدرية النفاة، وأشد عداوة للَّه، ومناقضة لكتبه ورسله ودينه، حتى أن من هؤلاء من يعتذر عن إبليس لعنه اللَّه ويتوجع له، ويقيم عذره بجهده وينسب ربه تعالى وتقدس إلى ظلمه بلسان الحال و(القال) (٤) ويقولون ما\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٩٩ - ١٠٦).\n(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٦).\n(٣) في الأصل: وقد يفعلون والمثبت من \"ظ\" وهو الصحيح.\n(٤) كذا في النسختين وفي المدارج \"المقال\".","vol":"2","page":136},{"text":"ذنبه وقد صان وجهه عن السجود لغير خالقه وقد وافق حكمه ومشيئته فيه وإرادته منه، ثم كيف يمكنه السجود وهو الذي منعه منه وحال بينه وبينه، وهل كان في ترك سجوده لغير اللَّه إلا محسنًا لكن إذا كان المحب قليل حظ فما حسناته إلا ذنوب\" (١).\nقال المحقق ابن القيم: \"وهؤلاء أعداء اللَّه حقًا وأولياء إبليس وأحبابه وإخوانه\".\nقال: \"وإذا ناح منهم نائح على إبليس رأيت من البكاء والحنين أمرًا عجبًا ورأيت من تظلم الأقدار واتهام الجبار ما يبدو على فلتات ألسنتهم وصفحات وجوههم وتسمع من أحدهم التظلم والتوجع ما تسمعه من الخصم المغلوب (٢) الحاجز عن خصمه.\nقال: فهؤلاء الذين قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته:\nوتدعى خصوم اللَّه يوم معادهم ... إلى النار طرا فرقة القدرية (٣)\nيعني الجبرية.\nوتقدم أن شيخ الإسلام ذكر أن بدعة القدرية النفاة كانت في أواخر عصر الصحابة ﵃ (٤).\nقال: \"وأما بدعة هؤلاء المحتجين بالقدر فلم يعرف لها إمام ولم تعرف بها طائفة من طوائف المسلمين معروفة\" (٥).\n_________\n(١) انظر: مدراج السالكين (١/ ٤٠٤ - ٤٠٥).\n(٢) في ظ \"المقلوب\".\n(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٢٤٦)؛ ومدارج السالكين (١/ ٤٠٥)؛ ولوامع الأنوار (١/ ٣٠٩ - ٣١٠)\n(٤) انظر: (٢/ ١٢١).\n(٥) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٠٩) وتتمة كلام شيخ الإسلام: بعد هذه العبارة (إلا ما يحكى عن الجهم بن صفوان وغيره من غلاة المثبتة).","vol":"2","page":137},{"text":"قال: \"وإنما كثر ذلك في المتأخرين وسموا هذه حقيقة وجعلوا الحقيقة تعارض الشريعة ولم يميزوا بين الحقيقة الشرعية التي تتضمن تحقيق أحوال القلوب كالإخلاص والصبر وبين الحقيقة الكونية القدرية التي نؤمن بها ولا نحتج بها على المعاصي ويزعم بعض هؤلاء أن الخضر ﵇ إنما سقط عنه التكليف لأنه شهد الإرادة\" (١).\n(ومن مثل هذه الخرافات) (٢) وهذه المقالة من أشنع المقالات وأفظع البدع المحدثات والمحتج على معاص اللَّه تعالى بالقدر زنديق وخارج عن ربقة التوفيق وعادم التحقيق فإن الباري جل شأنه أرسل الرسل ﵈ بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطل المفاسد وتقليلها وفي الاحتجاج بالمعاصي على القدر عكس ما جاءت به الرسل من تعظيم النهي والأمر. واللَّه تعالى أعلم (٣).\nفإن قلت قد ذكرت طائفتي (٤) القدرية النافية والمثبتة (٥) بالذم فما الممدوح بعدهما؟\nقلنا: الممدوح أهل السنة والجماعة الذين هم الوسط ما بين الإفراط والتفريط فلم يفرطوا تفريط القدرية النفاة ولم يفرطوا إفراط الجبرية المحتجين بالقدر على معاصي اللَّه، فمذهب أهل السنة كافة من السلف الأثرية والخلف الأشعرية\n_________\n(١) نهاية كلام شيخ الإسلام وقد نقله الشارح ببعض التصرف.\nانظر: منهاج السنة (ج ٣/ ٧٦ - ٧٨).\n(٢) هذه العبارة من كلام الشارح ولعل هنا سقطًا، وعبارة الشارح في كتابه اللوامع (١/ ٣١١) كذا: \"لأنه شهد الإرادة. . . إلى غير ذلك من كلامهم والحاصل أن هذه المقالة من أشنع المقالات. . . إلخ.\n(٣) انظر: لوامع الأنوار (١/ ٣١١).\n(٤) في \"ظ\" طائفتين.\n(٥) في \"ظ\" المشبهة.","vol":"2","page":138},{"text":"والماتريدية (١) أن جميع أنواع الطاعات المعاصي والكفر والفساد وكل عمل وفعل وقول واقع بقضاء اللَّه وقدره وهو تعالى خالق ذلك كله لا خالق سواه فأفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى خيرها وشرها حسنها وقبيحها والعبد غير مجبور على أفعاله بل هو قادر عليها بإقدار اللَّه تعالى له على ذلك.\nفهذا القدر باتفاق طوائف أهل السنة (الثلاثة) (٢).\nثم اختلفوا فقال الأشعري ومن وافقه العبد مكتسب فأثبت للعبد كسبًا ومعناه أن العبد قادر على فعله وإن كانت قدرته لا تأثير لها في ذلك كما مر.\nقال شيخ الإسلام روح اللَّه روحه: هذا قول الأشعري ومن وافقه من المثبتة للقدر من الفقهاء وطوائف من أهل السنة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد حيث لا يثبتون في المخلوقات قوى ولا طبائع ويقولون إن اللَّه تعالى فعل عند الأسباب لا بها ويقولون إن قدرة العبد لا تأثير لها في الفعل ويقول الأشعري إن اللَّه تعالى فاعل فعل العبد وإن عمل العبد ليس فعلًا للعبد بل كسب له\".\nقال شيخ الإسلام: \"وهذا قول من ينكر الأسباب والقوى التي في الأجسام وينكر تاثير القدرة التي للعبد التي يكون بها الفعل ويقول لا أثر لقدرة العبد أصلًا في فعله، نعم الأشعري يثبت للعبد قدرة محدثة واختيارًا، ويقول إن الفعل كسب للعبد مع قوله لا تأثير لقدرة العبد في إيجاد المقدور، وهو مقام دقيق حتى قال بعض أهل التحقيق: إن هذا الكسب الذي أثبته الأشعري غير معقول ولذا قال جمهور\n_________\n(١) قد تقدم بيان أن أهل السنة والجماعة هم فرقة واحدة. انظر التعليق على (١/ ١٤٢).\n(٢) كذا في النسختين والصحيح: الثلاث.\nقلت: والأشعرية والماتريدية وإن كانوا يوافقون أهل السنة في باب القدر كما ذكر الشارح هنا فقد تقدم أنهم يخالفون أهل السنة في باب الصفات انظر (١/ ١٤٢).","vol":"2","page":139},{"text":"العقلاء ثلاثة أشياء لا حقيقة لها طفرة النظام (١) وأحوال أبي هاشم (٢) وكسب الأشعرى (٣).\nوذلك لأنه يلزم منه أن لا يكون فرق بين القادر والعاجز، إذ مجرد الاقتران لا اختصاص له بالقدرة، فإن فعل العبد يقارن حياته وعلمه وإراداته وغير ذلك من صفاته فإذ لم يكن للقدرة تأثير إلا مجرد الاقتران فلا فرق بين القدرة وغيرها (٤) فإن الكسب المذكور هنا في كلام الأشعري هو ما اصطلح عليه المتكلمون وهو ما وقع\n_________\n(١) النظام: إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري أبو اسحاق النظام من أئمة المعتزلة، تبحر في علوم الفلسفة وانفرد بآراء خاصة وله مصنفات كثبرة، توفى سنة ٢٣١. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤١)؛ والأعلام (١/ ٤٣) أما طفرة النظام:\nفهي قوله: \"إن الجسم قد يكون في مكان ثم يصير منه إلى المكان الثالث أو العاشر منه من غبر مروره بالأمكنة المتوسطة بينه وبين العاشر ومن غير أن يصير معدومًا في الأول معادًا في العاشر\".\nانظر عن طفرة النظام: مقالات الإسلاميين (٢/ ١٩)؛ والملل والنحل (١/ ٥٥ - ٥٦)، والفرق بين الفرق (١٤٠).\n(٢) أبو هاشم: عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي تقدم (١/ ١٨٦).\nأما أحوال أبي هاشم فهي قوله: ان للعالم أحوالًا يفارق بها من ليس بعالم، وللقادر حال يفارق به حال العالم.\nومنها علم العالم بأن له علمًا، ثم يقول: إن هذه الأحوال ليست بموجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة ولا هي قديمة ولا محدثة ولا يمكن الفرق بين حال العالم وحال القادر إذ لا يعلم حال واحد منهما ومن لا يعلم من نفسه ما يقول كيف يقدر أن يعلمه غيره\".\nانظر: الفصل لابن حزم (٥/ ١٦٥)؛ والفرق بين الفرق (١٩٥ - ١٩٦)؛ والتبصير في الدين (ص ٥٣ - ٥٤).\n(٣) انظر: هذا المبحث في منهاج السنة النبوية لابن تيمية (١/ ٤٥٩، ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧، ٣/ ١٠٩)؛ وما بعدها، ومجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٧ - ٤٦٨).\n(٤) من كلام شيخ الإسلام. انظر منهاج السنة (٣/ ١١٣).","vol":"2","page":140},{"text":"من الفاعل مقارنًا لقدرة محدثة واختيار، وقيل هو ما وجد بقدرة محدثة في المكتسب.\nوقال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: \"الكسب هو ما خلقه اللَّه في محل قدرة المتكسب على وفق إرادته في كسبه\".\nقال شيخ الإسلام رحمه اللَّه تعالى: \"فسر المتكلمون الكسب بما قارن القدرة المحدثة في محلها قال ومجرد المقارنة لا يميز القدرة عن غيرها فإن الفعل يقارن العلم والإرادة وغير ذلك قالوا والقدرة هي التمكن من التصرف وقيل سلامة البنية\".\nوقال شيخ الإسلام أيضًا فيما كتبه على حسن إرادة اللَّه تعالى: \"الكسب عند القائل به عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة الحادثة، والخلق هو المقدور بالقدرة القديمة\" (١).\nومن الأشعرية من يقول: قدرة العبد مؤثرة في صفة الفعل لا في أصله كأبي بكر الباقلاني ومن وافقه.\nقال شيخ الإسلام: \"ومذهب الأشعري في هذه المسألة (٢) يقرب من مذهب الجبرية الجهمية فإنه يحكي عن الجهم بن صفوان وغلاة أتباعه أنهم سلبوا العبد قدرته واختياره حتى قال بعضهم: إن حركته كحركة الأشجار بالرياح.\nقال شيخ الإسلام: إن الجهم كان يقول: لا أثر لقدرة العبد أصلًا في فعله، وكان يثبت مشيئة اللَّه تعالى، وينكر أن يكون له حكمة ورحمة وينكر أن يكون للعبد فعل أو قدرة مؤثرة. قال وحكي عنه أنه كان خرج إلى الجذمى ويقول: أرحم\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (ج ٨/ ١١٩).\n(٢) وهي مسألة فعل العبد وقدرته.\nوقول الأشعري: إن العبد كاسب ليس بفاعل حقيقة كما تقدم قبل قليل، وانظر منهاج السنة (٣/ ١٠٩).","vol":"2","page":141},{"text":"الراحمين يفعل هذا إنكارًا لأن يكن له تعالى رحمة يتصف بها سبحانه زعمًا منه أنه ليس له إلا مشيئة محضة لا اختصاص لها بحكمة بل يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح (١).\nهذا وأما مذهب السلف الصالح المثبتون للقدر من جميع الطوائف فإنهم يقولون إن العبد فاعل لفعله حقيقة وإن له قدرة حقيقة واستطاعة حقيقة ولا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية بل يقرون بما دل عليه الشرع والعقل من أن اللَّه تعالى ينبت النبات بالماء وأن اللَّه يخلق السحاب بالرياح وينزل الماء بالسحاب، ولا يقولون القوى والطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها أثرًا لفظًا ومعنى من تأثير الأسباب في مسباتها واللَّه تعالى خالق السبب والمسبب.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية الأعمال والأقوال والطاعات والمعاصي من العبد بمعنى أنها قائمة به وحاصلة بمشيئته وقدرته وهو المتصف بها والمتحرك بها ويعود حكمها عليه وهي من اللَّه تعالى بمعنى أنه خلقها قائمة بالعبد وجعلها عملًا له وكسبًا، فهي من اللَّه مخلوقة له، ومن العبد صفة قائمة به واقعة بقدرته وكسبه كما إذا قلنا هذه الثمرة من الشجرة، وهذا الزرع من الأرض بمعنى أنه حدث منها ومن اللَّه بمعنى أنه خلقه منها فالحوادث تضاف إلى خالقها باعتبار وإلى أسبابها باعتبار (٢).\nوالحاصل أن مذهب السلف ومحققي أهل السنة أن اللَّه تعالى خلق قدرة العبد وإرادته وفعله وأن العبد فاعل لفعله حقيقة ومحدث لفعله واللَّه تعالى هو الذي جعله فاعلًا محدثًا له قال تعالى:\n﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، فأثبت مشيئة العبد وأخبر أنها لا تكون إلا بمشيئته تعالى.\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٦٠).\n(٢) انظر: منهاج السنة النبوية (٣/ ١١٠ - ١١٤).","vol":"2","page":142},{"text":"وهذا صريح قول أهل السنة في إثبات مشيئة العبد وأنها لا تكون إلا بمشيئة الرب.\nقال شيخ الإسلام: \"هذا قول جمهور أهل السنة من جميع الطوائف وهو قول كثير من أصحاب الأشعري كأبي إسحاق الإسفرائيني (١) والجويني (٢) وغيرهما: فيقولون العبد فاعل لفعله حقيقة وله قدرة واختيار وقدرته مؤثرة في مقدورها كما تؤثر القوى والطبائع والأسباب كما دل على ذلك الشرع والعقل قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقد أثبت للعبد استطاعة فقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال: ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، وقال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]، وفي القرآن من هذا ما لا يحصى إلا بكلفة، وقد ذكرت في شرح الدرة المسماة (٣) (بلوامع الأنوار) ما يشفي ويكفى (٤).\n_________\n(١) إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإسفرائيني أبو إسحاق الشافعي الأصولي الفقيه، نشأ في اسفرائين ثم خرج إلى نيسابور وبنيت له فيها مدرسة عظيمة فدرس فيها وله مصنفات كثيرة في أصول الدين والفقه وأصوله، مات سنة ٤١٨. سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٥٣)؛ والأعلام (١/ ٦١).\n(٢) الجويني تقدم (١/ ١٣٧).\n(٣) في \"ظ\": المسمى وهو أصح.\n(٤) انظر: لوامع الأنوار للشارح (ج ١/ ٣١٢ - ٣١٤)؛ ومنهاج السنة (٣/ ١١٠) وما بعدها.","vol":"2","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>فصل في ذكر بعض أمهات السمعيات</span>\nذكر الناظم ﵀ ورضي عنه أنموذجًا من السمعيات في منظومته ليستدل بما ذكر على كل ما شاع واشتهر فقال: (ولا): ناهية (تنكرن): فعل مضارع مبني على الفتح لأنه مؤكد بالنون الخفيفة في محل جزم بلا الناهية و(جهلًا): مفعول لأجله أي لأجل الجهل وقلة الحلم والفضل الملكين المسميين (نكيرًا ومنكرًا) مفعول لا تنكرن وهما الملكان اللذان ينزلان على الميت في قبره يسألانه عن ربه ومعتقده، فالإيمان بذلك واجب شرعًا لثبوته عن النبي المعصوم -ﷺ- في عدة أخبار يبلغ مجموعها مبلغ التواتر وقد استنبط ذلك واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].\nوأخرج الشيخان من حديث البراء بن عازب ﵄ عن النبي -ﷺ- قال في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ. . .﴾ نزلت في عذاب القبر.\nزاد مسلم: يقال له من ربك؟ فيقول: اللَّه ربى ونبي محمد فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾.\nوفي رواية للبخاري: إذا قعد المؤمن في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ (١) الآية.\n_________\n(١) الآية (٢٧) سورة إبراهيم، والحديث رواه البخاري في صحيحه (ج ٣/ ٢٧٤) رقم (١٣٦٩) في الجنائز باب ما جاء في عذاب القبر، ومسلم رقم (٢٨٧١) في الجنة باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه.","vol":"2","page":144},{"text":"وفي سنن أبي داود من حدث البراء مرفوعًا: يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: ما هذا الرجل؟ الذي بعث فيكم فيقول هو رسول اللَّه -ﷺ- فيقولون له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب اللَّه فآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الحنة وألبسوه من الجنة ويفسح له فيه مد بصره\"، وقال في الكافر: فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. . . إلى أن قال فينادى مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، قال: فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه\" (١).\nوفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولون ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد -ﷺ-، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد اللَّه ورسوله فيقال له انظر إلى مقعدك من النار وقد أبدلك اللَّه مقعدًا من الجنة قال فيراهما جميعًا -يعني المقعدين-.\nقال قتادة ذكر لنا أنه يفسح له في قبره.\nوقال المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال لا دريت ولا تليت ويضرب بمطراق من حديد فربة فيصيح صيحة يسمعه من يليه غير الثقلين\".\nورواه أبو داود وزاد: \"إن المؤمن يقال له ما كنت تعبد؟ فإن هداه اللَّه قال: كنت أعبد اللَّه فقال: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد اللَّه ورسوله فما يسئل عن شيء غير هذا\".\n_________\n(١) رواه أبو داود في السنة رقم (٤٧٥٣، ٤٧٥٤)، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر.","vol":"2","page":145},{"text":"وزاد أيضًا- فيقول: دعوني حتى أبشر أهلي فيقال له: اسكن. وذكر الكافر أنه يسئل عما كان يعبد ثم عن هذا الرجل\" (١).\nوفي الصحيحين أيضًا عن أسماء بنت الصديق ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال في خطبته يوم كسفت الشمس: \"ولقد أوحي إليّ أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبًا (٢) من فتنة الدجال يؤتى أحدكم فيقال له ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن فيقول محمد رسول اللَّه جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا فيقال له: نم صالحًا فقد علمنا إن كنت لمؤمنًا، وأما النافق والمرتاب فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته\" (٣).\nوأخرجه الإمام أحمد بلفظ: \"ولقد رأيتكم تفتنون في قبوركم يسئل الرجل ما كنت تقول وما كنت تعبد؟ \" (٤).\nوروى أيضًا من حديث أبي هرووة ﵁ أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وأخرجه الطبراني أيضًا وفيه:\n\"أتاه منكر ونكير أعينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل صياصي البقر -أي قرونها- وأصواتهما مثل الرعد القاصف\" (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣/ ٢٧٥) في الجنائز باب ما جاء في عذاب القبر، ومسلم رقم (٢٨٧٠) في كتاب الجنة، وأبو داود رقم (٣٢٣١) في الجنائز باب المشي في النعل بين القبور.\n(٢) في النسختين أو قريب والمثبت من صحيح البخاري وهو الصحيح.\n(٣) رواه البخاري (٢/ ٦٣١) رقم (١٠٥٣) في الكسوف باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف، ومسلم رقم (٩٠٥) في الكسوف باب ما عرض على النبي -ﷺ- في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار.\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند (ج ٦/ ٣٥٤ - ٣٥٥).\n(٥) رواه الترمذي في الجنائز باب ما جاء في عذاب القبر رقم (١٠٧١)؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان (٥/ ٤٧ - ٤٨)؛ والآجري في الشريعة (٣٦٥)؛ وابن أبي عاصم في =","vol":"2","page":146},{"text":"وروي أيضًا من حديث جابر ﵁ أخرجه الإمام أحمد (١)؛ ومن حديث أبي سعيد ﵁ أخرجه الإمام أحمد أيضًا (٢).\nومن حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أخرجه أبو بكر الخلال في كتاب السنة وفيه: أنه -ﷺ- قال له: \"كيف أنت يا عمر إذا كنت من الأرض في أربعة أذرع في ذراعين ورأيت منكرًا ونكيرًا قلت: يا رسول اللَّه وما منكر ونكير قال: فتانا القبر يبحثان الأرض يأنيابهما ويطآن في أشعارهما أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف ومعهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يطيقوا رفعها هي أيسر عليهما من عصاي هذه قلت: يا رسول اللَّه وأنا على حالي هذه؟ قال: نعم. فقلت: إذًا أكفيكهما\".\nزاد في رواية: فامتحناك فإن التويت ضرباك بها ضربة صرت رمادًا\" (٣).\nوأخرجه الإسماعيلي من وجه آخر (٤).\nوروي أيضًا من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أخرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه وفيه فقال عمر ﵁: \"أترد علينا\n_________\n= السنة (٢/ ٤١٦ - ٤١٧)؛ وقال الترمذي: إسناده حسن، وكذا قال الألباني في تخريج السنة وفي الصحيحة رقم (١٣٩١).\n(١) المسند (ج ٣/ ٣٤٦) بلفط آخر.\n(٢) المسند (ج ٣/ ٣ - ٤) بلفظ آخر.\n(٣) أخرجه عبد اللَّه بن أبي داود في البعث (ص ٣٥)؛ والبيهقي في إثبات عذاب القبر رقم (١٠٣) و(١٠٥)؛ وفي الاعتقاد (ص ٢٢٢ - ٢٢٣)؛ وعزاه الحافظ ابن رجب في كتابه \"أهوال القبور\" (ص ١٢ - ١٣) إلى الخلال في كتابه السنة، وقال: إسناده ضعيف.\n(٤) وفي إسناده ضعيف أيضًا. قاله الحافظ ابن رجب في أهوال القبور (ص ١٣)؛ ونقله المؤلف في كتابه البحور الزاخرة (١/ ١٢٦).","vol":"2","page":147},{"text":"عقولنا يا رسول اللَّه؟ فقال -ﷺ-: نعم كهيئتكم اليوم فقال عمر ﵁ بفيه الحجر\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>تنبيهات:</span>\nالأول: قد علمت أن اسم الملكين منكر ونكير وقد نص على ذلك الإمام أحمد ﵁ (٢).\nقال الحكيم الترمذي (٣): \"وإنما سميا فتاني القبر لأن في سؤالهما انتهارًا وفي خلفهما صعوبة قال: وسميا منكرًا ونكيرًا لأن خلقهما لا يشبه خلق الآدميين ولا خلق الملائكة ولا خلق البهائم ولا خلق الهوام بل مما خلق بديع وليس في خلقهما أنس للناظرين إليهما جعلهما اللَّه تعالى تكرمة للمؤمن لتثبته وتبصره، وهتكًا لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ١٧٢)، وابن حبان في صحيحه الإحسان (٥/ ٤٧) رقم (٣١٠٥)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٤٧)، وقال: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح. وقال المنذري في الترغيب (٤/ ٦٩٤) رواه أحمد من طريق ابن لهيعة والطبراني بإسناد جيد.\n(٢) انظر: اعتقاد الإمام أحمد رواية التميمي في طبقات الحنابلة (٢/ ٣٠٤)، وكتاب الروح لابن القيم (ص ٨٠)، ولوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٨).\n(٣) الحكيم الترمذي: محمد بن علي بن الحسن بن بشر أبو عبد اللَّه الحكيم الترمذي باحث صوفي عالم بالحديث وأصول الدين من أهل ترمذ، وكان ذا رحلة ومعرفة وله مصنفات وفضائل، مات نحو سنة ٣٢٠. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٣٩)، والأعلام (٦/ ٢٧٢ - ٢٧٣).\n(٤) انظر: \"نوادر الأصول للحكيم الترمذي\" (ص ٣٢٣) ونفله عنه القرطبي في التذكرة (١/ ١٦٦)، والسيوطي في شرح الصدور (ص ١٤٤).","vol":"2","page":148},{"text":"قال الجلال السيوطي: \"وهذا يدل على أن الاسم: \"منكر\" بفتح الكاف وهو المجزوم به في القاموس\" (١).\nقلت: وكذا في نهاية ابن الأثير -قال: - \"ومنكر ونكير أسماء الملكين مفعل وفعيل\" (٢).\nوذكر ابن يونس (٣) من الشافعية أن اسم ملكي (٤) المؤمن مبشر وبشير. (٥)\nقلت: وهذا يحتاج إلى دليل مأثور وأنى به فإنه ليس في الأحاديث سوى منكر ونكير.\nقال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه \"الروح\": \"قال كثير من المعتزلة لا يجوز تسمية ملائكة اللَّه تعالى بمنكر ونكير وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه أي الميت إذا سئل والنكير تقريع الملكين له\" (٦).\nقلت: فلهذا فال الناظم: (ولا تنكرن) ووصف المنكر لذلك بالحهل.\nوقد قال الإمام أحمد: \"نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير فروجع في منكر ونكير فقال: هكذا هو\" (٧) -يعني أنهما منكر ونكير-.\n_________\n(١) شرح الصدور (ص ١٤٤).\n(٢) النهاية لابن الأثير (٥/ ١١٥).\n(٣) ابن يونس: لم يظهر لي من هو.\n(٤) في \"ظ\" ملكًا والمثبت من الأصل وهو الصحيح.\n(٥) نقله السيوطي في شرح الصدور (١٤٤)، والمؤلف في لوامع الأنوار (٢/ ٨)، وفي البحور الزاخرة (١/ ١٦٠).\n(٦) الروح لابن القيم (ص ٨١).\n(٧) الروح لابن القيم (ص ٨٠).","vol":"2","page":149},{"text":"وأيضًا قصد الناظم بما ذكر الإشارة إلى إثبات عذاب القبر وأن الإيمان به واجب وكذا الإيمان بمنكر ونكير.\nقال أبو المعالي (١) من علمائنا: \"وعذاب القبر وإحياء الموتى في قبورهم ومسآءلة منكر ونكير لهم ثابت وواجب القول به وأنه يعذب بعد أن ترد الروح إليه فعذاب القبر حق وحكمة وعدل على الجسم والروح يشتركان فيه كما اشتركا في المعصية وإن كان نعيم كان كذلك على الجسم والروح فيشتركان في النعيم كما اشتركا في الطاعة خلافًا للمعتزلة في إنكارهم عذاب القبر ومسألة منكر ونكير لإعادة الأرواح في القبور.\nخلافًا لابن جرير في قوله يعذب في قبره من غير أن ترد الروح إليه ويحس بالألم وإن كان غير حي (٢).\nوقد مر في صحيح الأخبار ما يرد هذا وأمثاله من سائر طوائف أهل الإنكار وباللَّه التوفيق.\n_________\n(١) أبو المعالي: أسعد ويسمى محمد بن المنجا بن بركات ابن المؤمل التنوخي المعري ثم الدمشقي وجيه الدين أبو المعالي، ويقال في أبيه أبو المنجا، وفي جده أبو البركات فقيه، ارتحل إلى بغداد وبها تفقه وبرع في المذهب الحنبلي وتولى القضاء بحران. من تصانيفه: \"الكفاية في شرح الهداية\" في بضعة عشر مجلدًا، \"والخلاصة\" و\"العمدة\" وكلها في الفقه، توفى سنة ست وستمائة.\nذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ٤٩ - ٥٠)، وسير أعلام النبلاء (٢١/ ٤٣٦)، وشذرات الذهب (٥/ ١٨ - ١٩).\n(٢) الصحيح ما ذكره المؤلف أن العذاب يقع على الروح والبدن معًا. راجع في هذه المسألة: مجموع الفتاوى (ج ٤/ ٢٨٢) وما بعدها، الروح لابن القيم (ص ٧٢) وما بعدها، فتح الباري (ج ٣/ ٢٧٧) وما بعدها.","vol":"2","page":150},{"text":"الثاني: جاء في رواية سؤال ملكين (١) كما مر وفي أخرى سؤال واحد وفي رواية سؤال ثلاثة، وفي أخرى سؤال أربعة.\nقال القرطبي: \"لا تعارض بين الملكين والواحد بل ذلك بالنسبة إلى الأشخاص فرب شخص يأتيه اثنان معًا فيسألانه معًا عند انصراف الناس ليكون: أهول في حقه وأشد بحسب ما اقترف من الآثام وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس عنه تخفيفًا عليه لحصول أنسه بالناس، وآخر يأتيه ملك واحد فيكون أخف عليه وأقل من المراجعة لما قدمه من العمل الصالح\".\nقال: \"ويحتمل أن يأتي اثنان ويكون السائل أحدهما وإن اشتركا في الإتيان\".\nفتحمل رواية الاختصار على ذلك الواحد على هذا (٢).\nوصوبه الجلال السيوطي في كتابه \"شرح الصدور\" (٣) فإن ذكر الملكين هو الموجود في غالب الأحاديث.\nوقد ذكر بعض العلماء أن الملائكة الذين ينزلون على الميت في قبره أربعة منكر ونكير وناكور ورومان.\nوإلى هذا أشار الحافظ جلال الدين السيوطي في أرجوزته: التثبيت في التبييت\" (٤) بقوله رحمه اللَّه تعالى:\n_________\n(١) في \"ظ\" الملكين.\n(٢) التذكرة للقرطبي (١/ ١٤٨ - ١٤٩).\n(٣) شرح الصدور (ص ١٤٢).\n(٤) التثبيت عند التبييت أرجوزة للسيوطي ذكر فبها فتنة القبور وما يتعلق بها، وقد شرحها العلامة محمد بن إسماعيل الأسير الصنعاني وسماه: \"جمع الشتيت في شرح أبيات التثبيت\" وهو مطبوع.","vol":"2","page":151},{"text":"وقد أتى في مرسل مضعف ... أن السؤال من ثلاثة لفي (١)\nأو أربع أولئك الأثنان ... والحقوا ناكور مع رومان (٢)\nوقد اختلفت الأحاديث في كيفية السؤال.\nوأجاب القرطبي عن ذلك أنه يختلف باختلاف الأشخاص فمنهم من يسأل عن بعض اعتقاداته ومنهم من يسأل عن كلها، ويحتمل أن يكون الاقتصار على بعضها من بعض الرواة وأتى غيره بالحديث تامًا (٣) وصوب هذا السيوطي لاتقاق أكثر الأحاديث عليه (٤).\nنعم يؤخذ منها خصوصًا من رواية أبي داود عن أنس فما يسأل عن شيء بعدها.\nوعند ابن مردويه: \"فما يسأل عن شيء غيرها أنه لا يسأل عن شيء من التكليفات غير الاعتقاد خاصة.\nوصرح به في رواية البيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄\n_________\n(١) الحبر عن كون الملائكة الذين ينزلون القبر ثلاثة أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٠٤) ومن طريقه ابن الجوزى في الموضوعات (٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥) عن ضمرة بن حبيب مرسلًا. وأشار السيوطي إلى ضعفه.\n(٢) وأما الخبر عن كونهم أربعة فأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٣٤) عن ضمرة ابن حبيب مرفوعًا وقال: \"هذا حديث موضوع لا أصل له وهو مقطوع لأن ضمرة من التابعين، ثم ساقه بسنده عن ضمرة من قوله.\nوقال المؤلف ﵀ في كتابه اللوامع هذا الخبر به علتان: الضعف والإرسال.\nانظر: لوامع الأنوار (٢/ ٨)، وجمع الشتيت (ص ١٣٥)، والحاوى (٢/ ٣٨١).\n(٣) التذكرة للقرطبي (١/ ١٤٩).\n(٤) شرح الصدور (١٤٢).","vol":"2","page":152},{"text":"في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قال الشهادة يسألون عنها في قبورهم بعد موتهم قيل لعكرمة ما هو؟ قال: يسألون عن الإيمان بمحمد -ﷺ- وأمر التوحيد\" (١).\nوقد ذكر السيوطي وغيره أنه ورد في رواية عن أنس أن الميت يسأل في المجلس الواحد ثلاث مرات وباقي الروايات ساكتة عن ذلك فتحمل على ذلك أو يختلف الحال بالنسبة إلى بعض الأشخاص (٢).\nوعن طاووس (٣) رحمه اللَّه تعالى: \"أن الموتى يسألون سبعة أيام\" (٤).\nوكذا جاء عن مجاهد (٥) \"أن الموتى يفتنون في قبورهم سبعًا وأنهم كانوا يستحبون أن يطعم عن الأموات تلك الأيام\" (٦) رواه الإمام أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح إلا أنه مرسل.\n_________\n(١) روايه البيهقي هذه أخرجها في كتابه: (إثبات عذاب القبر) (ص ٣١) رقم (١٠).\nوانظر: شرح الصدور (ص ١٤٢)، ولوامع الأنوار (٢/ ٩)، والبحور الزاخرة (١/ ١٥٣ - ١٥٤).\n(٢) انظر: شرح الصدور للسيوطي (ص ١٤٣).\n(٣) طاووس بن كيسان اليماني أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي ثقة فقيه فاضل من كبار أصحاب ابن عباس، مات سنة ست ومائة وقيل بعد ذلك. سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٨)، وتقريب (١٥٦).\n(٤) الأثر عن طاووس رواه الإمام أحمد في الزهد كما في شرح الصدور (ص ١٣٩)، وفي الدر المنثور (٥/ ٣٨)، ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ١١) من طريق الإمام أحمد وقد راجعت كتاب الزهد للإمام أحمد فلم أجده فيه، ونص الأثر عن طاووس هكذا: \"إن الموتى يفتنون في قبورهم سبعًا، فكانوا يستحبون أن يطعم عنهم تلك الأيام\".\n(٥) مجاهد تقدم (١/ ١٩٧).\n(٦) الأثر عن مجاهد ذكره ابن رجب في أهوال القبور (ص ١٤) عن مجاهد بدون سند، وصدره بقوله: \"وروى عن مجاهد\".","vol":"2","page":153},{"text":"وروى من وجه متصل أيضًا وحكمه الرفع لأنه ليس للرأي (١) فيه مجال، وقد ذكر كل ذلك ورواه الحافظ ابن رجب في كتابه \"أهوال القبور\" (٢).\nوذكر عن مجاهد أيضًا \"أن الأرواح تمكث في قبورها سبعة أيام\" (٣).\nوقد روى عن عبيد بن عمير (٤) فيما أخرجه عنه ابن جريج \"إن المؤمن يفتن سبعة أيام والمنافق يفتن أربعين يومًا\" (٥).\n_________\n(١) في الأصل: للراوي والمثبت من \"ظ\" وهو الصحيح.\n(٢) الأثر عن طاووس لم أجده فيه وأما الأثر عن مجاهد فهو فيه (ص ١٤) بدون عزو كما أشرت.\nوهذه الآثار التي أوردها المؤلف ذكرها السيوطي في منظومته: \"التثبيت\". انظر: جمع الشتيت (ص ١٣٥) وذكرها في الحاوى (٢/ ٣٧٠)، وذكرها المؤلف في كتابه \"البحور الزاخرة\" (ج ١/ ١٥٤ - ١٥٥).\n(٣) ذكره ابن رجب في أهوال القبور (ص ١١٥) بدون سند.\n(٤) عبيد بن عمير بن قتادة الليثي أبو عاصم المكي ولد على عهد النبي -ﷺ- قاله مسلم وعده غيره في كبار التابعين وكان من ثقات التابعين وأئمتهم بمكة وكان يذكر الناس فيحضر ابن عمر ﵄ مجلسه، توفى سنة ثلاث أو أربع وسبعين. سير أعلام النبلاء (٤/ ١٥٦)، وتقريب (٢٢٩) وقد جاء في الأصل: عبد وهو خطأ وصوابه عبيد كما أثبتنا.\n(٥) عزاه السيوطي في أرجوزته التثبيت إلى ابن جريج وفي الدر المنثور قال: وأخرج ابن جرير في مصنفه ولعله خطأ. جمع الشتيت (ص ١٣٨)، والدر المنثور (٥/ ٣٨) وذكره ابن رجب في أهوال القبور (ص ١٤) بدون عزو.\nقلت: وهذه الآثار التي أوردها الشارح هنا نفلها عن السيوطي كما أشرت وقد أوردها السيوطي للاستدلال بها على استحباب إطعام الطعام عن الميت سبعة أيام. والصحيح أنه استدلال غير صحيح إذ لم يثبت فيه دليل صحيح عن النبي -ﷺ- يستند إليه. ولم يرد ما يؤيده من فعل الصحابة ﵃ وأما إخبار التابعي بما ليس للرأي فيه مجال فلا يعطى حكم المرفوع وخاصة إذا لم يوجد ما يؤيده بل ورد في السنة الصحيحة ما خالفه وذلك ما ورد في قصة استشهاد جعفر بن أبي طالب ﵁ وقول النبي -ﷺ-: \"اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم\". رواه أحمد (١/ ٢٠٥)، وأبو داود =","vol":"2","page":154},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رقم (٣١٣٢)، والترمذي رقم (٩٩٨)، وابن ماجة رقم (١٦١٠) وقال الترمذي: حسن صحيح قال الإمام أبو بكر الطرطوشي في كتابه الحوادث والبدع: \"فأما المآتم فممنوعة بإجماع العلماء. . . ثم قال: \"والمأتم هو الاجتماع في الصبيحة وهو بدعة منكرة لم ينقل فيه شيء وكذلك ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث والسابع والشهر والسنة فهو طامة\".\nالحوادث والبدع (ص ١٦٦).\nوقال الشاطبي في فتاويه (ص ٢٠٩ - ٢١٠) بعد أن أورد كلام الطرطوشي هذا قال: \"وكذلك ما يحكى عن ابن طاووس عن أبيه لا يثبت\" وفي أجوبة لأبنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ في مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (١/ ٤٦) حول مسألة القراءة على القبور وحمل المصاحف إلى القبور وكما يفعل بعض الناس يجلسون سبعة أيام بالمصاحف على القبور ويسمونها الشدة وكذلك اجتماع الناس عند أولياء الميت ويجلسون سبعة أيام ويقرأون فاتحة الكتاب ويرفعون أيديهم بالدعاء وكذلك يجمعون الناس عند بيت ولي الميت ويقرأون القرآن ويطعمون الطعام فهل هذه الأفعال من فعال الجاهية المبتدعة؟\nفأجابا بما يلي: إن القراءة على القبور وحمل المصاحف إليها كما يفعله بعض الناس يجلسون سبعة أيام ويسمونها الشدة وكذلك اجتماع الناس عند أهل الميت سبعة أيام ويقرأون فاتحة الكتاب ويرفعون أيديهم بالدعاء للميت فكل هذا من البدع والمنكرات المحدثة التي يجب إزالتها ولم يكن يفعل على عهد النبي -ﷺ- ولا في عهد خلفائه الراشدين من ذلك شيء ولن يصلح آخر هذه الأمة الا ما أصلح أولها قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.\nوقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\".\nوفي حديث العرباض بن سارية الذي أخرجه أبو داود في سننه وأحمد في مسنده: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدى عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار\" انتهى.","vol":"2","page":155},{"text":"الثالث: عذاب القبر ونعيمه وفتنته والسؤال ولواحق ذلك: من كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار واجب الاعتقاد ويأتي في كلام الناظم (١) رحمه اللَّه تعالى.\nوقد نبه هنا بما ذكره من وجوب الإقرار وعدم الإنكار بالملكين اللذين هما منكر ونكير على ما يشبه ذلك ويلحق به مما جاء في القرآن أو حديث البشير النذير.\nوقد ذكر اللَّه تعالى عذاب القبر في القرآن العظيم في عدة آيات منها قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. . .﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٩٥].\nذكر الحافظ ابن رجب في أهوال القبور عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: تلا رسول اللَّه -ﷺ- هذه الآيات قال: \"إذا كان عند الموت قيل له هذا فإن كان من أصحاب اليمين أحب لقاء اللَّه وأحب اللَّه لقاءه، وإن كان من أصحاب الشمال كره (لقاء اللَّه وكره اللَّه لقاءه) (٢).\nوأخرج الإمام أحمد أن النبي -ﷺ- قال: \"من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه فأكب القوم يبكون قال ما يبكيكم؟ قالوا إنا نكره الموت قال: \"ليس ذلك ولكنه إذا حضر فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم فإذا بشر بذلك أحب لقاء اللَّه واللَّه للقائه أحب، وأما إن كان من\n_________\n(١) سيأتى في كلام الناظم في قوله: \"وقل في عذاب القبر حق موضح\" (٢/ ٢٦٧).\n(٢) ما بين القوسين زيادة من مصادر الحديث والحديث بهذه الرواية أورده ابن رجب في أهوال القبور (ص ٤١) من طريق آدم بن أبي إياس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلًا.\nوسيأتى -بعد قليل- من رواية الإمام أحمد متصلًا ويأتي الكلام عليه.","vol":"2","page":156},{"text":"المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم فإذا بشر بذلك كره لقاء اللَّه واللَّه للقائه أكره\" (١).\nوقال المحقق ابن القيم في كتابه \"الروح\" من المواضع التي ذكر نعيم القبر وعذابه في القرآن المجيد قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ. .﴾ [الأنعام: ٩٣].\nوهذا خطاب لهم عند الموت قطعًا.\nوقد أخبرت الملائكة وهم الصادقون أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللَّه غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا لما صح أن يقال لهم اليوم تجزون عذاب الهون ومنها قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] فذكر عذاب الدارين (٢) صرحًا لا يحتمل غيره.\nومنها قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٣) [الطور: ٤٥ - ٤٦].\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٢٥٩ - ٢٦٠) بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثني فلان بن فلان سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول. . . الحديث.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٢١): \"وعطاء بن السائب فيه كلام\".\nقلت: وقد جاء الحديث بمعناه من طرق أخرى صحيحة من حديث عائشة وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وأبي موسى وأنس بن مالك ﵃ رواها الإمام أحمد في المسند والبخاري ومسلم وغيرهم. انظر: جامع الأصول (٩/ ٥٩٥) وما بعدها.\n(٢) في النسختين \"الدار\" وما أثبت من كتاب الروح لابن القيم (ص ١٠٦) ومنه ينقل المؤلف وهو الصحيح. بدليل قوله تعالى في آخر الآية ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.\n(٣) وهذا نهاية ما أورده المؤلف عن ابن القيم. انظر كتاب الروح لابن القيم (ص ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"2","page":157},{"text":"وأخرج الترمذي عن علي ﵁ أنه قال: \"ما زلنا في شك من عذاب القبر حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ١ - ٤] (١).\nوقال ابن مسعود ﵁: \"المعيشة الضنك هي عذاب القبر إذا مات الكافر أجلس في قبره فيقال له من ربك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدرى فيضيق عليه قبره ثم قرأ (٢) ابن مسعود ﵁: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] (٣).\nوقال البراء بن عازب ﵄ في قوله تعالى: ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] عذاب القبر\" (٤).\nوروى عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ. .﴾ [السجدة: ٢١] عذاب القبر\" (٥).\n_________\n(١) والأثر عن علي ﵁ أخرجه الترمذي في جامعه في التفسير باب ومن سورة التكاثر (ج ٥/ ٤٤٧) رقم (٣٣٥٥) وقال: \"هذا حديث غريب\".\n(٢) في النسختين \"قال\" وفي أهوال القبور لابن رجب ثم \"قرأ\" ولعله الصحيح.\n(٣) والأثر عن ابن مسعود أخرجه بهذا السياق آدم بن أبي إياس كما في أهوال القبور لابن رجب (٤٣).\nوأخرجه بلفظ أطول منه البيهقي في إثبات \"عذاب القبر\" رقم (٦)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٦ - ٢٦٧).\nقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٥٤): \"إسناده حسن\".\n(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (ج ٢٧/ ٣٦)، وذكره ابن رجب في أهوال القبور (ص ٤٣).\n(٥) ذكره ابن رجب في أهوال القبور (ص ٤٣) ولم أره مسندا إليه في كتب التفسير التي اطلعت عليها.","vol":"2","page":158},{"text":"وكذا قال قتادة (١) والربيع بن أنس (٢) في قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] إحداهما في الدنيا والأخرى عذاب القبر\" (٣).\nقال الحافظ ابن رجب وغيره من الحفاظ قد تواترت الأحاديث عن النبي -ﷺ- في عذاب القبر (٤).\nففي الصحيحين من حديث عائشة قالت: سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن عذاب القبر قال: \"نعم عذاب القبر حق\" (٥).\nوقد ذكرت في كتابي \"البحور الزاخرة\" (٦) ثم في \"لوامع الأنوار\" (٧) من ذلك ما يكفي ويشفي.\nالرابع: ففي كلام الناظم رحمه اللَّه تعالى تنبيه وإشارة إلى ذم من أنكر أمر منكر ونكير (وخدمتهما) (٨) من سؤالهما الموتى ومتعلقات ذلك وأن إنكار ذلك\n_________\n(١) قتادة بن دعامة السدوسي تقدم (١/ ١٩٣).\n(٢) الربيع بن أنس البكري والحنفي بصري نزل خراسان صدوق له أوهام مات سنة أربعين ومائة أو قبلها. تقريب (١٠٠).\n(٣) انظر: الدر المنثور (ج ٤/ ٢٧٤)، وأهوال القبور لابن رجب (ص ٤٣).\n(٤) انظر: أهوال القبور (ص ٤٣).\n(٥) رواه البخاري (٣/ ٢٧٤) في الجنائز باب عذاب القبر (١٣٧٢)، ومسلم رقم (٥٨٤) في المساجد باب استحباب التعوذ من عذاب القبر.\n(٦) اسمه الكامل: \"البحور الزاخرة في علوم الآخرة\" طبع الجزء الأول منه في مجلد سنة ١٣٤١ هـ في بمباي، بالهند، وقد حقق هذا الجزء الدكتور محمد السمهري في رسالة دكتوراه مقدمة إلى جامعة الإمام.\n(٧) راجع: لوامع الأنوار للمؤلف (ج ٢/ ٣) وما بعدها.\n(٨) كذا في الأصل: خدمتها: ولعل المراد العمل الذي يقومان به وفي النسخة ظ: خرقهما، ولعل المراد كون عملها خارق للعادة. واللَّه أعلم.","vol":"2","page":159},{"text":"جهل وسفه لثبوته عن المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى مع عدم استحالة ذلك عقلًا وأنكرت الملاحدة والزنادقة عذاب القبر وضيقه وسعته، وكونه حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، وأنكروا جلوس الميت في قبره، قالوا وقد وضعنا على صدر الميت زئبقًا ثم كشفنا عليه فوجدناه بحاله، قالوا ولم نجد فيه ملائكة يضربون الموتى بمطارق الحديد، ولا حيات ولا عقارب، ولا نيرانًا وأجلبوا (١) وأجنبوا (٢) من مثل هذه (الوساوس) (٣) والترهات، والحوادس والتشكيكات، وقال إخوانهم من أهل البدع والضلال والإفك والاعتزال: كل حديث يخالف مقتضى العقول نقطع بتخطئة ناقله، وأكثر أهل الاعتزال والبدع والضلال من مثل هذا الهذيان والزور والبهتان، وقد تصدى لرد مقالاتهم وكشف ضلالاتهم أئمة الدين من العلماء المحققين والفضلاء المدققين، وأقاموا الحجج والبراهين على قمع المفترين وقلع عين الشاكين منهم المحقق ابن القيم شمس الدين في كتابه \"الروح\" (٤) فأجاب عن شبههم بعدة أجوبة.\nمنها أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لم تخبر بما تحيله العقول بل أخبارهم قسمان:\nأحدهما ما يشهد العقل والفطرة السليمة به.\nوالثاني ما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر والثواب والعقاب فلا يكون خبرهم محالًا في العقول أصلًا\n_________\n(١) أجلبوا: تجمعوا وتألبوا وأجلبه أعانه وأجلب عليه إذا صاح به واستحثه. الصحاح: (جلب).\n(٢) أجنبوا لم يتضح لي ما يدل على معناها هنا في اللغة ولعلها هنا بمعنى: أكثروا.\n(٣) في \"ظ\" \"الوسواس\".\n(٤) الروح لابن القيم (ص ٨٦).","vol":"2","page":160},{"text":"فتأتي الأنبياء ﵈ بمحارات العقول، لا بمحالاتها، فكل ما يظن أن العقل يحيله فلا خلو من أحد أمرين: إما خطأ في النقل أو خبل في العقل فتكون شبهة خيالية ظن صاحبها أنها أمر عقلي صريح، والحال أنه خيال وهمي غير صحيح، كما قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ الآية [سبأ: ٦].\nوأما الذين في قلوبهم زيغ فلا يزدادون إلا رجسًا إلى رجسهم.\nومنها أن اللَّه تعالى جعل الدور ثلاثًا؛ دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار وجعل لكل دار أحكامًا تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها، ولهذا جعلت أحكام الشريعة مرتبة على ما يظهر من حركات الإنسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافه فالعقوبات الدنيوية تقع على البدن الظاهر وتتألم الروح بالتبعية، وجعلت أحكام البرزخ على الأروح والأبدان تبع لها فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت بألمها والتذت براحتها ولذاتها، وكانت الأبدان هي المباشرة لأسباب النعيم والعذاب فكذلك تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها وكان العذاب والنعيم على الروح ولها بالأصالة والأبدان تابعة للأرواح في ذلك عكس دار الدنيا فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم لدار القرار والمعاد صار الحكم من النعيم والعذاب وغيرهما على الأرواح والأجساد باديًا ظاهرًا أصلًا فما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه من هذ القبيل فإذا ظهر للفهم السليم طابق العقل المستقيم.\nفالنار التي في القبر ليست من جنس نار الدنيا فيشاهدها من شاهد نار الدنيا وإنما هي من نار الآخرة فهي وإن كانت أشد من نار الدنيا إلا إن شدتها على من هي له وعليه دون من مسها من أهل الدنيا بل ربما دفن الميتان في قبر واحد فيكون","vol":"2","page":161},{"text":"أحدهما في روضة ونعيم والآخر في حفرة وعذاب أليم وفي قدرة الحكيم المالك أعظم وأعجب من ذلك وإن كان الضالون لا يشعرون حتى أنه تعالى يحدث في هذا الدار ما يدل على ذلك بل وأعجب من ذلك، فهذا جبريل ﵇ كان ينزل على النبي -ﷺ- ويتمثل له رجلًا فيكلمه بكلام يسمعه ومن إلى جنب النبي -ﷺ- لا يراه ولا يسمع كلامه وكذلك غيره من الأنبياء وكانت الملائكة تضرب الكفار بالسياط وتضرب رقابهم وتصيح بهم والمسلمون معهم لا يرونهم ولا يسمعون كلامهم.\nوالحق جل شأنه حجب ابن آدم عن كثير مما يحدث في الأرض فكان جبريل يدارس النبي -ﷺ- القرآن والحاضرون لا يسمعونه، وكيف يستنكر من عرف اللَّه وأقر بقدرته أن يحدث حوادث يصرف عنها أبصار خلقه وأسماعهم حكمة منه ورحمة بهم لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها فالعبد أضعف بصرًا وسمعًا من أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر وقد أشهد اللَّه تعالى ذلك بعض عباده فغشي عليهم ولم ينتفعوا بالعيش زمانًا وبعضهم كشف قناع قلبه فمات. . .\nوسر المسألة أن توسعة القبر وضيقه وإضاءته وخضرته وناره وحياته وعقاربه ليس من جنس المعهود في هذا العالم والمولى الحكيم إنما أشهد عباده هذه الدار وما كان فيها ومنها، وأما ما كان من أمر الآخرة فقد أسبل اللَّه عليه الغطا ليكون الإقرار به والإيمان سببًا لسعادتهم ولو كشف عنه الغطا لكان مشاهدًا عيانًا وفاتت نتيجة الإيمان بالغيب وما يترتب على ذلك من جزيل الثواب (١).\nوالحاصل أن كلما أخبر به الصادق المصدوق وجب الإيمان به وقد تواتر عنه\n_________\n(١) نهاية كلام ابن القيم في كتابه الروح، وقد نقله الشارح بتصرف واختصار. انظر: الروح (ص ٨٦ - ١٠٠).","vol":"2","page":162},{"text":"ذلك ولم تحله العقول بل هو داخل في حيز الإمكان وما كان كذلك فانكاره إلحاد. ولهذا قال سيدنا الإمام أحمد ﵁: \"عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال مضل\" (١).\nوقال حنبل قلت لأبي عبد اللَّه في عذاب القبر فقال: \"هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر بها كلما جاء عن النبي -ﷺ- إسناد جيد أقررنا به إذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه ورددناه رددنا على اللَّه أمره قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] قلت وعذاب القبر حق. قال: حق يعذبون في القبور، قال حنبل: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير وما يروى في عذاب القبر\" (٢).\n\"قلت: هذه اللفظة نقول منكر ونكير هكذا ونقول ملكين؟ قال: منكر ونكير قلت: يقولون ليس في حديث منكر ونكير. قال: هو هكذا -يعني إنه ثابت منكر ونكير\" (٣).\nقال المحقق ابن القيم في الروح: \"وأما أئمة أهل البدع والضلال كأبي هذيل العلاف (٤) وبشر المريسي (٥) ومن وافقهما (من) (٦) خرج عن سمة الإيمان فإنه يعذب\n_________\n(١) رواه عنه المروذي كما في الروح لابن القيم (ص ٨٠)، وفي طبقات الحنابلة (١/ ٦٢).\n(٢) نهاية رواية حنبل.\n(٣) من قوله: \"قلت هده اللفظة -يعني منكر ونكير-\" جعلها الشارح من سؤال حنبل وليست كذلك، فهي من رواية أحمد بن القاسم كما في طبقات الحنابلة (١/ ٥٥)، وانظر: الروح لابن القيم (ص ٨٠)، ولوامع الأنوار (٢/ ٢٣).\n(٤) تقدم (١/ ٢٦٦).\n(٥) تقدم (١/ ١٨٢).\n(٦) في \"ظ\" ممن وهو خطأ.\nوفي العبارة غموض وبيانها كما في الروح لابن القيم: \"وأما أقوال أهل البدع والضلال =","vol":"2","page":163},{"text":"بين النفختين، قالا والمسألة في القبر إنما تقع في ذلك الوقت.\nوأما أبو على الجبائي (١) وابنه أبو هاشم (٢) والبلخي (٣) فأثبتوا عذاب القبر لكنهم نفوه عن المؤمنين وأثبتوه لأصحاب التخليد من الكفار والفساق على أصولهم (٤) واللَّه تعالى الموفق.\nثم أشار الناظم إلى إثبات حوض المصطفى -ﷺ- فقال:\n(ولا) تنكرن أيضًا جهلًا وعنادًا وسفهًا وإلحادًا (الحوض) وأل فيه للعهد وبدلًا عن الإضافة أي حوض النبي المصطفى نبينا محمد -ﷺ- فإنه حق ثابت بإجماع أهل الحق وسنده من الكتاب قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١].\nوفي السنة ما هو مشهور بل متواتر، قال الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه \"البدور السافرة\" (٥) ورد ذكر الحوض من رواية بضعة وخمسين صحابيًا منهم الخلفاء الأربعة الراشدون وحفاظ الصحابة المكثرون وغيرهم (٦) رضوان اللَّه عليهم أجمعين\".\n_________\n= فقال أبو الهذيل والمريسي: من خرج عن سمة الإيمان فإنه يعذب بين النفختين. . . \".\n(١) الجبائي تقدم (١/ ١٦٧).\n(٢) أبو هاشم تقدم (١/ ١٨٦).\n(٣) عبد اللَّه بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي الخراساني أبو القاسم أحد أئمة المعتزلة كان رأس طائفة منهم تسمى \"الكعبية\" وهو من أهل بلخ أقام ببغداد مدة طويلة وتوفى ببلخ سنة ٣١٩. الأعلام (٤/ ٦٥).\n(٤) انظر: الروح (ص ٨٠)، ولوامع الأنوار (٢/ ٢٣).\n(٥) اسمه الكامل: (البدور السافرة عن أمور الآخرة) طبع في الهند سنة ١٣١١ وفي باكستان سنة ١٣٣٧، وطبع أخيرًا في مصر ونشرته مكتبه القرآن والنص فيه (ص ١٦٤).\n(٦) قال القرطبي في المفهم تبعًا للقاضي عياض روى أحاديث الحوض عن النبي -ﷺ- من الصحابة ما ينيف على الثلاثين منهم في الصحيحين ما يزيد على العشرين وفي غيرهما بقية ذلك. انظر: فتح الباري (١١/ ٤٧٥).","vol":"2","page":164},{"text":"قال القرطبي في \"تذكرته\": \"لا يخطر ببالك أو يذهب وهمك إلى أن الحوض يكون على وجه هذه الأرض وإنما يكون وجوده على الأرض المبدلة على (مسافة) (١) الأقطار الآتي ذكرها في المواضع التي تكون بدلًا من هذه الأرض وهى أرض بيضاء كالفضة لم يسفك عليها دم ولم يظلم على ظهرها أحد قط\" (٢).\nوقد أخرج الشيخان وغيرهما من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء من شرب منه لا يظمأ أبدًا\".\nوفي رواية: \"حوضي مسيرة شهر وزواياه سوا وماؤه أبيض من الورق\" وهو في الصحيحين أيضًا (٣).\nوأخرج الإمام أحمد بسند صحيح وابن حبان في صحيحه واللفظ للإمام أحمد عن أبي أمامة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"إن اللَّه وعدني أن يدخل من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب\" فقال يزيد بن الأخنس: واللَّه ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذباب. فقال النبي -ﷺ-: \"قد وعدني سبعين ألفًا مع كل ألف سبعين ألفًا وزاد في ثلاث حثيات\" قال: فما سعة حوضك يا رسول اللَّه؟ قال: \"كما بين\n_________\n= وقال الزبيدي في لفظ اللآلى المتناثرة في الأحاديث المتواترة (ص ٢٥١) رواه من الصحابة خمسون نفسًا ثم ذكرها.\nوكذلك السيوطي في الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة (ص ٢٩٧) رقم (١١٠). وانظر: \"نظم المتناثر من الحديث المتواتر\" (ص ١٥١ - ١٥٢)، وفتح الباري (١١/ ٤٧٥ - ٤٧٧)، وتهذيب سنن أبي داود لإبن القيم (٧/ ١٣٥).\n(١) في \"ظ\" مسافات، وفي التذكرة للقرطبي: \"على مسامتة هذه الأقطار\".\n(٢) انظر: التذكرة للقرطبي (٣٦٤).\n(٣) رواه البخاري (١١/ ٤٧٢) في الرقاق باب في الحوض رقم (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٢٩٢) في الفضائل باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته، وهذه الرواية لمسلم.","vol":"2","page":165},{"text":"عدن إلى عمان وأوسع وأوسع\" يشير بيده قال فيه مثعبان -أي بضم الميم والعين المهملة بينهما مثلثة وآخره موحدة هو مسيل الماء- (١) من ذهب وفضة قال فما حوضك يا نبي اللَّه؟ قال: \"أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب رائحة من المسك من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها ولم يسود وجهه أبدًا\" (٢).\nوروى ابن أبي عاصم (٣) وغيره من حديث أبي بن كعب أن رسول اللَّه -ﷺ- قيل له ما الحوض؟ قال: \"والذي نفسي بيده إن شرابه أبيض من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج وأطيب ريحًا من المسك وآنيته أكثر عددًا من النجوم لا يشرب منه إنسان فيظمأ أبدًا ولا يصرف عنه إنسان فيروى أبدًا\" (٤).\nففى هذا الحديث إن من لم يشرب من حوض النبي -ﷺ- من أمته لا يزال متصفا بالظمأ أبدا، وروى نحوه البزار والطبراني من حديث أنس ﵁\n_________\n(١) هذا التفسير زيادة من الشارح ولم يرد في مصادر الحديث، والمناسب أن يجعله بعد نهاية الحديث، وقد ضبطه الشارح بضم الميم والعين وضبطه المنذري في الترغيب: بفتح الميم والعين. الترغيب (٤/ ٧٩٨)، وقد ورد في رواية الطبراني: \"شعبان\" ومعناه واديان. انظر: (القاموس - شعب).\n(٢) رواه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٥٠ - ٢٥١) وابن حبان في صحيحه الإحسان (٩/ ١٨٤) رقم (٧٢٠٢)، والطبراني في الكبير (٨) في عدة مواضع الأرقام (٧٥٢٠، ٧٥٢١، ٧٦٦٥، ٧٦٧٢).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٢ - ٣٦٣): \"قلت عند الترمذي وابن ماجة بعضه، رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد وبعض أسانيد الطبراني رجال الصحيح. . . \" وقال المنذري في الترغيب (٤/ ٧٩٧): \"رواه أحمد ورواته محتج بهم في الصحيح\".\n(٣) تقدم (١/ ٢٠٣).\n(٤) رواه ابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٣٣١) رقم (٧١٧) قال الشيخ الألباني: \"إسناده موضوع. . \" ثم قال بعد ذلك إلا أن الحديث صحيح يشهد له ما قبله وما بعده إلا الجملة الأخيرة منه. \"ولا يصرف عنه إنسان فيروى أبدا\".\nانظر: تخريج السنة (٢/ ٣٣١ - ٣٣٢).","vol":"2","page":166},{"text":"مرفوعًا وفيه: \"من شرب منه شربة لم يظمأ أبدًا ومن لم يشرب منه لم يرو أبدًا\" (١)\nوأخرج الطبراني أيضًا نحوه في الأوسط من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا (٢). وفي ذلك عدة أحاديث. واللَّه أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>تنبيهات:</span>\nالأول: اختلفت الروايات في تحديد الحوض وتقديره اختلافًا كثيرًا ففي حديث عبد اللَّه ابن عمرو بن العاص أنه مسيرة شهر وزواياه سواء وفي رواية عند الإمام أحمد أنه كما بين عدن وعمان.\nوفي رواية في الصحيحين ما بين صنعاء والمدينة، وفي رواية لهما أيضًا ما بين المدينة وعمان، وفي رواية ما بين أيلة ومكة، وعند ابن ماجة ما بين المدينة إلى بيت المقدس، وفي رواية ما بين جربا وأذرح.\nقال في القاموس: \"جربا قرية بجنب أذرح وغلط من قال بينهما ثلاثة أيام، وإنما الوهم من رواة الحديث من إسقاط زيادة ذكرها الدارقطنى وهي \"ما بين ناحيتي حوضي كما بين المدينة وجربا وأذرح\" (٣) انتهى.\nوفي رواية ما بين أيلة وصنعاء اليمن وهو في الصحيحين قال في جامع الأصول عن كون حوضه -ﷺ- ما بين جنبيه كما بين جربا وأذرح، رواه البخاري ومسلم وأبو داود (٤).\n_________\n(١) رواه البزار كشف الأستار (٤/ ١٧٨) رقم (٣٤٨٤). والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦١). قال الهيثمي: وفيه المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط وبقية رجالهما رجال الصحيح. وقال المنذري في الترغيب (٤/ ٧٩٦) بعد ايراده: ورواته ثقات إلا المسعودي. وانظر: تخريج السنة (٢/ ٣٣٢).\n(٢) رواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦١). قال الهيثمي: \"وفيه محمد بن عبيد اللَّه العرزمي وهو متروك\".\n(٣) القاموس (١/ ٤٧) -جرب-.\n(٤) رواه البخاري (١١/ ٤٧١) في الرقاق باب في الحوض، ومسلم رقم (٢٢٩٩) في الفضائل =","vol":"2","page":167},{"text":"قال بعض الرواة: هما قريتان في الشام بينهما مسيرة ثلاث ليال (١)، وفي لفظ ثلاثة أيام.\nوقدمنا ما فيه آنفًا، وفي مسلم والترمذي مثل ما بين عدن إلى عمان البلقاء. . .\nقال بعض العلماء: \"وهذا الاختلاف والاضطراب لا يوجب الضعف لأنه من اختلاف التقدير والتحديد لا من الاختلاف في الرواية لأن ذلك لم يقع في حديث واحد فيعد (اضطرابًا) (٢) وإنما جاء في أحاديث مختلفة من غير واحد من الصحابة وقد سعموه في مواطن متعددة وكان النبي -ﷺيمثل لكل قوم الحوض بحسب ما يعلم المتكلم ويفهم السائل وبحسب ما يسنح له -ﷺ- من العبارة ويحدد الحوض بحسب ما يفهم الحاضرون من الإشارة\" (٣).\nقال الحافظ ابن حجر: هذا الاختلاف المتباعد الذي يزيد تارة على ثلاثين يومًا وينقص إلى ثلاثة أيام لا يصلح أن يكون من ضرب المثل في التقدير لأنه إنما يكون فيما يتقارب\" (٤).\nورد عليه بأن رواية ثلاثة أيام اعترف هو نفسه بأنها غلط فلا يتوجه الاعتراض بها (٥).\n_________\n= باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته، وأبو داود رقم (٤٧٤٥) في السنة باب في الحوض.\n(١) جامع الأصول (١٠/ ٤٧٤).\n(٢) في \"ظ\": (اطرابًا).\n(٣) هذا الكلام للقاضي عياض. انظر: شرح مسلم للنووي (١٦/ ٥٨)، وفتح الباري (١١/ ٤٧٩)، ومثله للقرطبي في التذكرة (٣٦٤).\n(٤) فتح الباري (١١/ ٤٧٩).\n(٥) فتح الباري (١١/ ٤٨٠).","vol":"2","page":168},{"text":"وقال النووي: \"ليس في ذكر المسافة القليلة ما يدفع المسافة الكثيرة فالأكثر ثابت بالحديث الصحيح فلا معارضة\" (١).\nوقال بعضهم يحمل القصير على العرض والطويل على الطول.\nقلت ويرد هذا رواية: \"زواياه سواء\" كما في الصحيحين وأوضح من هذا ما في رواية: \"طوله وعرضه سواء\".\nوقال بعضهم بل سبب الاختلاف ملاحظة سرعة السير وعدمها فقد عهد في الناس من يقطع مسافة عشرة أيام في ثلاثة أيام وعكسه وأكثر من ذلك وأقل (٢).\nوالمقصود أنه حوض عظيم متسع كبير جدًا له زوايا وأباريق وأواني كثيرة جدًا ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل وأذكى من المسك يشرب منه المؤمنون فلا يظمأون بعد ذلك أبدًا. وباللَّه التوفيق.\n\nالثاني:\nقال القرطبي: \"ذهب صاحب \"القوت\" (٣) إلى أن الحوض بعد الصراط قال والصحيح أنه قبله وكذا قال الغزالى (٤) ذهب بعض السلف إلى أن الحوض يورد بعد الصراط وهو غلط من قائله (٥).\n_________\n(١) النووي شرح مسلم (١٦/ ٥٨).\n(٢) وقد رجح الحافظ هذا الرأي الأخير. راجع الفتح (١١/ ٤٧٩ - ٤٨٠)، وانظر هذا المبحث في لوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٢٠١ - ٢٠٢).\n(٣) صاحب القوت: أبو طالب محمد بن علي بن عطيه الحارثي المكي المنشأة العجمي الأصل، نشأ واشتهر بمكة ورحل إلى البصرة وسكن بغداد، وكان واعظًا زاهدًا صوفيًا له قوت القلوب في التصوف مجلدان مشهور وقد طبع، توفى سنة ٣٨٦ ببغداد. سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥٣٦)، والأعلام (٦/ ٢٧٤).\n(٤) الغزالي تقدم (١/ ١٤٤).\n(٥) التذكرة للقرطبي (٣٦٢).","vol":"2","page":169},{"text":"قال القرطبي والمعنى يقتضي تقديم الحوض على الصراط فإن الناس يخرجون من قبورهم عطاشًا فناسب تقديمه لحاجة الناس إليه (١).\nقال ابن عباس ﵄ سئل رسول اللَّه -ﷺ- عن الوقوف بين يدي اللَّه تعالى هل فيه ماء؟ قال إي والذي نفسي بيده إن فيه لماء وإن أولياء اللَّه ليردون إلى حياض الأنبياء ﵈\" (٢).\nورجح القاضي عياض أن الحوض بعد الصراط (٣).\nوقال العلامة ابن حمدان في نهاية المبتدئين: \"يشرب المؤمنون من (حرض النبي -ﷺ-) (٤) قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط\" انتهى.\n_________\n(١) التذكرة للقرطبي (٣٦٢). انظر: الفتح (١١/ ٤٧٤)، والنهاية لابن كثير (ج ٢/ ٣٦ - ٣٨).\n(٢) رواه ابن أبي الدنيا كما في النهاية لابن كثير (٢/ ٣٥) وقال ابن كثير ﵀ بعد إيراده: \"وهذا حديث غريب من هذا الوجه وليس هو في شيء من كتب السنة\".\nثم قال: فصل، فإن قال قائل فهل يكون الحوض قبل الجواز على الصراط أو بعده؟\nفالجواب أن ظاهر ما تقدم من الأحاديث يقتضي كونه قبل الصراط لأنه يذاد عنه أقوام يقال عنهم: إنهم لم يزالوا يرتدون على أعقابهم منذ فارقتهم فإن كان هؤلاء كفارًا فالكافر لا يجاوز الصراط بل يكب على وجهه في النار في أن يجاوزه وإن كانوا عصاة وهم من المسلمين فبعيد حجبهم عن الحوض لا سيما وعليهم سيما الوضوء وقد قال النبي -ﷺ- \"أعرفكم غرًا محجلين من آثار الوضوء\".\nثم من جاوز الصراط لا يكون إلا تاج مسلم فمثل هذا لا يحجب عن الحوض والأشبه واللَّه أعلم أن الحوض قبل الصراط\".\nثم أورد رأى القرطبي هذا. . . \".\nانظر: النهاية (٢/ ٣٦، ٣٨).\n(٣) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (١٥/ ٥٤)، وفتح الباري (١١/ ٤٧٤).\n(٤) (من حوض النبي -ﷺ-) ليست في \"ظ\".","vol":"2","page":170},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر: \"ظاهر الأحاديث أن الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها فلو كان قبل الصراط لحالت النار بينه وبين الماء الذي يصب من الكوثر فيه\".\nقال: \"وأما ما أورد عليه من أن جماعة يدفعون عن الحوض بعد أن يروه ويذهب بهم إلى النار.\nفجوابه: أنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه ويرون (١) فيدفعون في النار قبل أن يخلصوا من بقية الصراط\" (٢).\nوقال القرطبي في تذكرته: \"الصحيح أن للنبي -ﷺ- حوضين أحدهما في الموقف قبل الصراط والثاني في الجنة وكلاهما يسمى كوثرًا والكوثر في كلام العرب الخير الكثير\" (٣).\nقال الجلال السيوطي وقد ورد التصريح في حديث صحيح عند الحاكم وغيره بأن الحوض بعد الصراط (٤).\n_________\n(١) ويرون. . . كذا في النسختين وفي الفتح ويرون النار. . . .\n(٢) فتح الباري (ج ١١/ ٤٧٤).\n(٣) التذكرة للقرطبي (٣٦٢).\n(٤) يشير إلى الحديث الذي أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٦٠)، وعبد اللَّه بن أحمد في زيادات المسند (٤/ ١٣ - ١٤) والطبراني في الكبير (١٩/ ٢١١ - ٢١٤) عن لقيط ابن عامر في حديث طويل في صفة الجنة والبعث وفيه: \"تعرضون عليه بادية له صفًا حكم لا تخفى عليه منكم خافية فيأخذ غرفة من ماء فينضح قبيلكم بها فلعمر إلهك ما تخطئ وجه أحد منكم منها قطرة، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء وأما الكافر فتحطمه مثل الحميم الأسود ألا ثم ينصرف نبيكم -ﷺ- ويفترق على أثره الصالحون فيسلكون جسرًا من النار فيطأ أحدكم الجمرة فيقول حسن يقول ربك ﷿ أو أنه ألا فتطلعون على حوض الرسول على أظمأ واللَّه ناهلة عليها قطر ما رأيتها فلعمر إلهك ما يبسط واحد منكم يده إلا وضع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والأذى. . . \".=","vol":"2","page":171},{"text":"فإن قيل إذا خلصوا من الموقف دخلوا الجنة فلم يحتاجوا إلى الشرب منه فالجواب: بل يحتاجون إلى ذلك لأنهم إذا خلصوا حبسوا هناك لأجل مظالم عليهم فيما بينهم فكان الشرب في موقف القصاص لأجل ما يلقونه من العتاب والخلاص ويحتمل الجمع بأن يقع الشرب من الحوض قبل الصراط لقوم وتأخيره بعده لآخرين بحسب ما عليهم من الذنوب والأوزار، حتى يهذبوا منها على الصراط ولعل هذا أقوى\" (١) انتهى.\nقال العلامة الشيخ مرعي (٢) في \"بهجته\": \"وهذا في غاية التحقيق جامع للقولين وهو دقيق\" وباللَّه التوفيق (٣).\n_________\n= وقال الحاكم بعد إخراجه: \"هذا حديث جامع في الباب صحيح الإسناد كلهم مدنيون ولم يخرجاه\".\nوتعقبه الذهبي بقوله: \"قلت يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري ضعيف\".\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٨ - ٣٤٠)، وقال: \"رواه عبد اللَّه والطبراني بنحوه وأحد طريقي عبد اللَّه إسنادها متصل، ورجالها ثقات، والإسناد الآخر وإسناد الطبراني مرسل عن عاصم بن لقيط أن لقيطًا\".\nوقال الحافظ في الفتح (١١/ ٤٧٤ - ٤٧٥) بعد إشارته إلى هذا الحديث: \"وهو صريح في أن الحوض قبل الصراط\".\n(١) انظر: البدور السافرة للسيوطي (ص ١٤٦ - ١٤٧).\n(٢) مرعى بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد الكرمي -نسبة إلى طور كرم في فلسطين- المقدسي الحنبلي زين الدين مؤرخ أديب من كبار الفقهاء، ولد في طور كرم بفلسطين وانتقل إلى القدس ثم إلى القاهرة فتوفى فيها سنة ١٠٣٣، له نحو السبعين كتابًا منها: \"غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى\" و\"دليل الطالب\" في الفقه وهي مطبوعة و\"أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات\" مطبوع، وبهجة الناظرين في آيات المستدلين وغيرها.\nانظر: النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل (١٨٩)، والأعلام (٧/ ٢٠٣) ومقدمة كتابه أقاويل الثقات.\n(٣) انظر هذا المبحث في لوامع الأنوار (٢/ ١٩٥).","vol":"2","page":172},{"text":"الثالث: خالفت المعتزلة فلم تقر بإثبات الحوض مع ثبوته بالسنة بالصحيحة الصريحة بل وبظاهر القرآن ففي صحيح البخاري من حديث همام عن قتادة عن أنس ابن مالك ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"بينا أنا أسير في الجنة إذ أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك قال فضرب الملك بيده فإذا طينه مسك أذفر\" (١).\nوفي صحيح مسلم عنه مرفوعًا: \"الكوثر نهر في الجنة وعدنيه ربي ﷿\" (٢).\nوفي حادي الأرواح للمحقق ابن القيم قدس اللَّه روحه عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"دخلت الجنة فإذا بنهر يجري حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي إلى ما يجري فيه من الماء فإذا أنا بمسك أذفر فقلت لمن هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك اللَّه ﷿\" (٣).\nوفي سنن الترمذي عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج\" (٤). قال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٦٠٨) في التفسير في تفسير سورة الكوثر رقم (٤٩٦٤)، وفي الرقاق باب في الحوض (١١/ ٤٧٢) رقم (٦٥٨١).\n(٢) مسلم رقم (٤٠٠) في الصلاة باب حجة من قال البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ١٠٣، ١١٥، ١١٦، ١٩١، ٢٠٧، ٢٣١، ٢٣٢، ٢٦٣)، وأورده ابن القيم في حادي الأرواح (ص ١٧٨)، وانظر: تفسير ابن كثير (٩/ ٣١٣) في تفسير سورة الكوثر.\n(٤) رواه الترمذي في جامعه (٣٣٦١) في التفسير باب ومن سورة الكوثر وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".","vol":"2","page":173},{"text":"إذا علمت هذا مع ما قدمناه من الأحاديث الصحيحة بالألفاظ الصريحة فمن خالف في الحوض ولم يقر بإثباته فهو مبتدع ولم نكفره لأن ثبوته بالقرآن فيه احتمال وليس بصريح.\nوأما قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] ففيه اختلاف هل هو الحوض أو الخير الكثير أو النهر الذي في الجنة كما قدمنا (١).\nنعم الحوض ثابت بالسنة المتواترة وظاهر الكتاب وإجماع أهل الحق فمنكره زائغ عن الصواب مستحق للطرد عنه وكفى بذلك خزي وعذاب (٢).\n_________\n(١) تفسير الكوثر بالحوض والخير الكثير أو النهر الذي فيه الجنة لا تنافي بينها فقد جاءت كلها مينة مفصلة عن النبي -ﷺ- في الحديث الذي رواه مسلم رقم (٤٠٠) وغيره عن أنس بن مالك ﵁ قال: \"بينا رسول اللَّه -ﷺ- بين أظهرنا في المسجد إذ أغْفَى إغفاءةً ثم رفع رأسه متبسمًا قلنا ما أضحكك يا رسول اللَّه؟ قال: \"لقد أنزلت علي آنفًا سورة فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ \" قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: \"فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿ عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم في السماء فيختلج العبد منهم فأقول رب إنه من أمتي فيقول إنك لا تدري ما أحدث بعدك\".\nوقد ورد تفسير الكوثر: بالخير الكثير عن ابن عباس ﵄ وقيل لسعيد بن جبير ﵀الراوي عن ابن عباس- إن ناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة فقال سعيد النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه اللَّه إياه.\nوقال ابن كثير ﵀ وتفسيره بالخير الكثير يعم النهر وغيره لأن الكوثر من الكثرة وهو الخير الكثير ومن ذلك النهر ثم قال: وقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه فسره بالنهر أيضًا.\nانظر: تفسير ابن كثير ﵀ (ج ٩/ ٣١٢ - ٣١٥) في تفسير سورة الكوثر.\n(٢) انظر هذا المبحث في لوامع الأنوار (٢/ ٢٠٢).","vol":"2","page":174},{"text":"وفي حديث أبي برزة ﵁ وقد سئل أسمعت رسول اللَّه يذكر في الحوض شيئًا؟ قال أبو برزة ﵁: \"لا مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا ولا أربعًا ولا خمسًا فمن كذّب به فلا سقاه اللَّه منه\" (١).\nومن ثم قال العلماء ﵃: \"إن ممن يذاد عن حوض النبي -ﷺ- جنس المفترين على اللَّه وعلى رسوله -ﷺ- الكذب المحدثين في الدين ما ليس منه من الخوارج والروافض والجهمية وسائر أصحاب الأهواء المخلة، والبدع المضلة، وكذا المسرفون من الظلمة المفرطون في الظلم والجور وطمس الحق، وكذا المتهتكون (٢) في ارتكاب المناهي، والمعلنون في اقتراف المعاصي. . . \" (٣).\nففي صحيح مسلم من حديث أنس ﵁: \"هل تدرون ما الكوثر؟ هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب يختلج (٤) العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي (فيقول) (٥) إنك لا تدري ما أحدث بعدك\" (٦).\nوفي صحيح مسلم أيضًا من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"ليردن على الحوض أقوام فيختلجون دوني فأقول ربي أصحابي رب\n_________\n(١) أخرجه أبو دارد رقم (٤٧٤٩) في السنة باب في الحوض.\nقال المنذري في إسناده رجل مجهول (مختصر سنن أبي داود للمنذري ٧/ ١٣٧).\n(٢) المتهتكون: قال في القاموس: \"ورجل منهتك، ومتهتك، ومستهتك: لا يبالي أن يهتك ستره. . . \"\nوالمعنى أنهم لا يبالون بالفضيحة (القاموس: هتك).\n(٣) انظر: لوامع الأنوار (٢/ ١٩٧)، والتذكرة للقرطبي (٣٦٧).\n(٤) يختلج: أي يجتذب ويقتطع. النهاية (٢/ ٥٩).\n(٥) في الأصل: فقال، وفي \"ظ\": فيقال، وما أثبته من صحيح مسلم.\n(٦) رواه مسلم رقم (٤٠٠) في الصلاة باب حجة من قال البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة.","vol":"2","page":175},{"text":"أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك\" (١).\nوأخرج الإمام أحمد والطبراني والبزار عن ابن عباس ﵄ سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"أنا فرطكم على الحوض فمن ورد أفلح ويجاء بأقوام فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب يا رب فيقال ما زالوا بعدك مرتدين على أعقابهم\" (٢).\nوأخرج الحكيم (٣) في نوادر الأصول عن عثمان بن مظعون ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"يا عثمان لا ترغب عن سنتي فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب ضربت الملائكة وجهه عن حوضي يوم القيامة\" (٤).\nوفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي -أو قال من أمتي- فَيُحَلأون عن الحوض فأقول يا رب أصحابي (فيقول إنه) لا علم لك ما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى\" (٥).\nوفي رواية: \"فيجلون\".\n_________\n(١) مسلم في الفضائل باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته (ج ٤/ ١٧٩٧).\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٥٧)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٣، ١٢/ ٧١)، وفي الأوسط (٣/ ٤١٦ - ٤١٧)، والبزار كما في كشف الأستار (٢/ ٢١٠) رقم (١٥٣٦).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٤)، وفي إسناده عندهم ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجالهم ثقات.\n(٣) الحكيم الترمذي تقدم (٢/ ١٤٨).\n(٤) ذكره القرطبي في التذكرة وعزاه للحكيم الترمذي في نوادر الأصول من حديث عثمان بن مظعون عن النبي -ﷺ-. . أنه قال في آخره: \"يا عثمان لا ترغب عن سنتي. . . \" الحديث.\nقال: \"وقد ذكرناه بكماله في آخر كتاب: قمع الحرص بالزهد والقناعة\" انتهى. التذكرة (ص ٣٦٨)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٩٩).\n(٥) رواه البخاري (١١/ ٤٨٣) في الرقاق باب في الحوض، ومسلم رقم (٢٤٧) في الطهارة باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء.","vol":"2","page":176},{"text":"قال في جامع الأصول: \"اختلجوا\": استلبوا وأخذوا بسرعة\".\nوقوله: فيحلأون: يعني مبنيًا للمفعول: أي يدفعون عن الماء ويطردون عن وروده، إذا كان بالحاء المهملة ومن رواه بالجيم فهو من الجلاء وهو النفي عن الوطن وهو راجع إلى الطرد\" (١).\nوفي رواية عند البخاري أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم. قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللَّه. قلت: ما شأنهم؟. قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقهرى. ثم إذا زمرة أخرى حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال لهم: هلم. قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللَّه. قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل (٢) النعم\" (٣).\nوفي الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت، قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إني على الحوض انتظر من يرد عليّ منكم وسيؤخذ أُناس دوني فأقول يارب مني ومن أمتي فيقال هل شعرت ما عملوا بعدك واللَّه ما برحوا يرجعون على أعقابهم\" (٤)\nورواه الشيخان -أيضًا- من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وزاد: \"فأقول سحقًا سحقًا لمن بدل بعدي\" (٥).\n_________\n(١) جامع الأصول (١٠/ ٤٧١).\n(٢) همل النعم: النعم الهمل: الإبل الضالة والمعنى أن الناجي منها قليل كهمل النعم. جامع الأصول (١٠/ ٤٧١).\n(٣) البخاري (١١/ ٤٧٣) رقم (٦٥٨٧).\n(٤) البخاري (١١/ ٤٧٤) رقم (٦٥٩٣) في الرقاق باب في الحوض، ومسلم رقم (٢٢٩٣) في الفضائل باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفته.\n(٥) البخاري (١١/ ٤٧٢) رقم (٦٥٨٤) ومسلم رقم (٢٢٩٠) في الفضائل باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته.","vol":"2","page":177},{"text":"قال القرطبي ﵀ قال علماؤنا: \"كل من ارتد عن دين اللَّه أو أحدث فيه ما لا يرضاه اللَّه ولم يأذن به فهو من المطرودين عن الحوض وأشدهم طردًا من خالف جماعة المسلمين كالخوارج والروافض والمعتزلة على اختلاف فرقهم فهؤلاء كلهم مبدلون، ثم الطرد قد يكون في حال ويقربون بمد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد قال: وقد يقال إن أهل الكبائر يردون ويشربون وإذا دخلوا النار بعد ذلك لم يعذبوا بالعطش (١) انتهى.\nفأهل البدع مطرودون عن حوض النبي -ﷺ- ومردودون عن الشرب منه واللَّه أعلم.\n\nالرابع: جاء في الأخبار أن لكل نبي حوضًا.\nفأخرج الترمذي من حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن لكل نبي حوضًا ترده أمته وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة (٢) وإنى أرجو أن أكون أكثرهم واردة\" (٣).\nوورد في بعض الأخبار \"أن لكل نبي حوضًا إلا صالحًا ﵇ فإن حوضه ضرع ناقته\" (٤). وباللَّه التوفيق\nولا تنكرن جهلًا وعنادًا (الميزان) الذي توزن به الحسنات والسيئات لأنه حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق.\nأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ\n_________\n(١) التذكرة للقرطبي (ص ٣٦٧) باختصار، ونقله الشارح في لوامع الأنوار (٢/ ٢٠٠).\n(٢) واردة: الجماعة ترد الماء. جامع الأصول (١٠/ ٤٦٧).\n(٣) أخرجه الترمذي في جامعه رقم (٢٤٤٣) كتاب صفة القيامة، باب ما جاء في صفة الحوض.\nوقال الترمذي: \"هذا حديث غريب وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي -ﷺ- مرسلًا ولم يذكر فيه عن سمرة وهو أصح\".\n(٤) نسبه القرطبي في التذكرة: (٣٦٨) إلى البكرى المعروف بابن الواسطي. =","vol":"2","page":178},{"text":"شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].\nوقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩].\nوفي صدر الآية: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨].\nوأما السنة فبلغت مبلغ التواتر وسنذكر طرفًا منها قريبًا.\nوأما الإجماع فأجمع أكابر محققي هذه الأمة من أهل السنة (١) بأن الإيمان بثبوت الوزن والميزان حق واجب وفرض لازب (٢) لثبوته بالسماع وعدم استحالة ذلك عقلًا (٣).\n_________\n= قلت: ومثل هذا الخبر لايثبت إلا بدليل صحيح عن النبي -ﷺ-. واللَّه أعلم.\n(١) المناسب أن يقول: أجمع أهل السنة.\n(٢) لازب: اللازب الثابت وهو أفصح من اللازم.\nمختار الصحاح (٥٩٧) لزب.\n(٣) علمًا بأن أمور الغيب التي أخبر بها الرسول -ﷺ- يجب الإيمان بها والتسليم لها وإن لم تحط بها العقول وتدرك حقيقتها وهذه فائدة الوحي والإيمان بالغيب ومن أكبر الجهل قياس عالم الغيب على عالم الشهادة وتحكيم العقل في ما لا مجال للعقل فيه، لأن اللَّه جعل للعقول حدا تنتهي إليه ولم يجعلها تحيط بكل شيء وما ضل كثير من المبتدعة من المعتزلة وغيرهم. وردوا كثيرًا من الأحاديث النبوبة الصحيحة الصريحة إلا بدعوى مخالفتها للعقل. وليس معنى هذا القاء العقل جانبًا فالبحث العقلي ليس مذمومًا على الإطلاق إنما يذم إذا اكتفى به عن الأدلة الشرعية أو قدم عليها أو عارض نصوص الدين.\nأما أبحاث العقيدة التي يستدل بها على وحدانية اللَّه تعالى وعلمه وقدرته وحكمته وعظمته، والبعث والجزاء فقد طالب القرآن العقل البشري أن ينظر فيها ويتفكر فيها فهي أدلة تدعم الإيمان وتزيد في تثبيت الاعتقاد.\nولهذا يجد المتأمل في كتاب اللَّه تعالى الآيات الكثيرة التي تحث العقل البشري على التأمل =","vol":"2","page":179},{"text":"وهو من مراتب المعاد الواجب اعتقادها على جميع العباد وهي البعث والنشور ثم (١) القيام لرب العالمين ثم العرض ثم تطاير الصحف وأخذها باليمين والشمال ثم السؤال والحساب ثم الميزان.\nقال علماؤنا كغيرهم: نؤمن لأن بالميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات حق قالوا وله لسان وكفتان توزن به صحائف الأعمال.\nقال العلامة الشيخ مرعي (٢) في بهجته: \"الصحيح أن المراد بالميزان الميزان الحقيقى لا مجرد العدل خلافًا لبعضهم\" (٣).\nوقال أبو المعالى (٤) من علمائنا في عقيدته: \"واللَّه تعالى يضع ميزانًا يوم القيامة توزن به الصحائف التي تكون فيها أعمال العباد مكتوبة، قال: وله كفتان إحداهما للحسنات وهي تهوي إلى الجنة والأخرى للسيئات وهي تهوي إلى النار، ويجعل رجحان طاعاته علامة على أنه من أهل الجنة وخفتها علامة لشقوته خلافًا لأهل الاعتزال في إنكارهم الميزان، قالوا لا يجوز أن ينصب ميزان أصلًا، قالوا لأن الأعمال أعراض إن أمكن إعادتها لم يمكن وزنها ولأنها مملومة للَّه فوزنها عبثًا.\nوأجاب بعض أهل الكلام عن كون الأعراض لا توزن بأنه قد ورد في الحديث أن كتب الأعمال هي التي توزن وحينئذ فلا إشكال.\nوعن الثاني على تقدير كون أفعال اللَّه تعالى معللة بالأعراض لعل في الوزن حكمة لا نطع عليها وعدم اطلاعنا على الحكمة لا يوجب العبث\" (٥) انتهى.\n_________\n= والتفكر والتبصر. واللَّه أعلم. (راجع مقدمة الإبانة لابن بطة ومقدمة السنة لللالكائي).\n(١) في \"ظ\" الحشر.\n(٢) تقدم (٢/ ١٧٢).\n(٣) انظر: تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان للشيخ مرعي (ص ٥٠ - ٥١).\n(٤) أبو المعالي تقدم (٢/ ١٥٠).\n(٥) قال ابن الجوزي ﵀ في تفسيره: \"لوزن الأعمال خمس حكم: =","vol":"2","page":180},{"text":"وأقول: نهج المعتزلة مباين لنهج الرسول فإن اللَّه تعالى قادر على تجسيم الأعراض والإتيان بها في أحسن صورة وأقبح صورة وهذا غير محال في العقل وقد ثبت به النقل فوجب إعتقاده والمصير إليه كما ستقف على طرف مما ورد من ذلك واللَّه أعلم.\nولكون (١) الإيمان بالميزان ذي الكفتين واللسان من معتقدات أهل السنة وإنكاره من شعار أهل الاعتزال.\nقال الناظم رحمه اللَّه تعالى: (إنك) أيها المستمع لنظامي المتفهم لمنطوق كلامي: (تنصح): بضم المثناة الفوقية وفتح الصاد المهملة بينهما نون ساكنة مبنيًا للمفعول والنصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له وليس يمكن أن يعبر عن (هذا) (٢) المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرها.\nوأصل النصح في اللغة الخلوص. يقال نصحته ونصحت له، ومعنى نصيحة اللَّه تعالى صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته، والنصيحة لكتاب اللَّه\n_________\n= إحداها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا.\nوالثانية إظهار علامة السعادة والشقاء في الآخرة.\nوالثالثة تعريف العباد ما لهم من خير وشر.\nوالرابعة إقامة الحجة عليهم.\nوالخامسة الإعلام بأن اللَّه عادل لا يظلم.\nونظير هذا أنه أثبت الأعمال في كتاب واستنسخها من غير جواز النسيان عليه\" انتهى.\nراجع زاد المسير (٣/ ١٧٠ - ١٧١).\nوانظر جواب ابن جرير ﵀أيضًا- عن ذلك في تفسيره (ج ٨/ ١٢٣ - ١٢٤).\nوانظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٧٤ - ٤٧٥).\nوانظر: هذا الاعتراض والجواب عنه في شرح العقائد النسفية (ص ٣٧)، رفي المواقف في علم الكلام (ص ٣٨٤)، وفي شرح المقاصد (٥/ ١٢٠ - ١٢١)، وفي البرهان (ص ٥١) وما بعدها.\n(١) في \"ظ\" ويكون.\n(٢) في\"ظ\" لهذا المعنى.","vol":"2","page":181},{"text":"تعالى: هو التصديق به والعمل بما فيه، ونصيحة الرسول -ﷺ-: التصديق بنبوته ورسالته والانقياد لما أمر به والانكفاف عما نهى عنه ونصيحة الأئمة: أن يطاعوا في الحق ولا يرى الخروج عليهم ولو جاروا.\nونصيحة عامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم وبيان ما يجب عليهم وإيضاح معتقدهم على نهج السلف، ومجانبة الخوض فيما لا تدركه عقولهم من غوامض العلوم (١).\nإذا عرفت هذا فألق لبك لما أذكره لك من الأخبار وأتحفك به من الآثار.\nفأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اللَّه جناح بعوضه\" ثم قرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (٢) [الكهف: ١٠٥].\nوأخرج البيهقي في البعث عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب ﵄ في حديث سؤال جبريل عن الإيمان فال: يا محمد ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله (وتؤمن بالجنة والنار والميزان وتؤمن بالبعث بعد الموت) (٣) وتؤمن بالقدر خيره وشره قال: فإذا فعلت هذا فأنا مؤمن؟ قال: نعم. قال: صدقت\" (٤).\n_________\n(١) يبين المؤلف رحمه اللَّه تعالى في كلامه هذا معنى الحديث الذي جاء عن النبي -ﷺ- في قوله: \"الدين النصيحة\" قلنا لمن يارسول اللَّه؟ قال: للَّه ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمبن وعامتهم\" رواه مسلم رقم (٥٥) عن أبي رقية تميم بن أوس الداري ﵁. وانظر شرح الحديث في جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ١٨٥) وما بعدها.\n(٢) وأما الحديث فأخرجه البخاري (٨/ ٢٧٩) رقم (٤٧٢٩) في التفسير في تفسير سورة الكهف باب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ. . .﴾، ومسلم رقم (٢٧٨٥) في صفة القيامة.\n(٣) ما بين القوسبن ساقط من \"ظ\".\n(٤) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (ص ١٣١) رقم (١٦١) مختصرًا ورواه في شعب =","vol":"2","page":182},{"text":"وأخرج الحاكم وصححه وقال على شرط مسلم عن سلمان الفارسي ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسعهن فتقول الملائكة يا رب لمن يزن هذا فيقول لمن شئت من خلقي فتقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ويوضع الصراط مثل حد الموس فتقول الملائكة من تجيز على هذا؟ فيقول من شئت من خلقي فيقولون سبحانك ما عبدناك حق عبادتك\" (١).\nوأخرجه الإمام عبد اللَّه بن المبارك في \"الزهد\" (٢) والآجري في \"الشريعة\" (٣) عن سلمان موقوفًا.\nوأخرج أبو الشيخ ابن حيان (٤) عن ابن عباس ﵄ قال: \"الميزان له لسان وكفتان\" (٥).\nوأخرج ابن جرير (٦) في تفسيره وابن أبي الدنيا (٧) عن حذيفة ﵁ قال: \"صاحب الموازين يوم القيامة جبريل ﵇\" (٨).\n_________\n= الإيمان (ج ٢/ ٥٦ - ٥٧) رقم (٢٧٤) وإسناده صحيح.\n(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (ج ٤/ ٥٨٦)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\" وأقره الذهبي.\n(٢) الزهد (ص ٤٧٨).\n(٣) الشريعة (ص ٣٨٢) وأخرجه اللالكائي في السنة رقم (٢٢٠٨)، موقوفًا على سلمان ﵁ لكن مثل هذا له حكم الرفع.\n(٤) أبو الشيخ: عبد اللَّه بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ محدث حافظ ثقة صاحب مصنفات، ولد سنة أربع وسبعين ومائتين، وتوفى سنة تسع وستين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٧٦)، ومقدمة كتابه العظمة.\n(٥) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٤١٨)، وفي البدور المسافرة (٢٢٩)، وعزاه لأبي الشيخ في تفسيره من طريق الكلبي.\n(٦) ابن جرير تقدم (١/ ٢٦١).\n(٧) ابن أبي الدنيا تقدم (١/ ٢٧٣).\n(٨) تفسير ابن جرير (٨/ ١٢٣)، واللالكائي (٢٢٠٩).","vol":"2","page":183},{"text":"وقال الحسن البصري (١) رحمه اللَّه تعالى: \"هو ميزان له لسان وكفتان وهو بيد جبريل ﵇\" (٢).\nوأخرج ابن مردويه (٣) في تفسيره عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"خلق اللَّه كفتي الميزان مثل السماء والأرض. فقالت الملائكة: يا ربنا لمن تزن بهذه؟. قال: أزن به من شئت، وخلق اللَّه الصراط كحد السيف فقالت الملائكة: يا ربنا من تجيز على هذا؟ قال: أجيز عليه من شئت\" (٤).\nوروى أن داود ﵇ سأل ربه أن يريه الميزان فلما رآه غشى عليه فلما أفاق قال إلهي من ذا الذي يقدر يملأ كفة حسناته؟ فقال إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة\" (٥).\nذكره البزار (٦) والثعلبي (٧).\nوقال عبد اللَّه بن سلام ﵁: \"إن ميزان رب العالمين ينصب للجن\n_________\n(١) الحسن البصري (١/ ١٩٣).\n(٢) زاد المسير لابن الجوزي (٣/ ١٧١)، والدر المنثور (٣/ ٤١٨)، وأخرجه اللالكائي في السنة رقم (٢٢١٠).\n(٣) ابن مردويه تقدم (١/ ٢٨٨).\n(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن مردويه، وقد تقدم قبل قليل نحوه عن سلمان ﵁ مرفوعًا. انظر: الدر المنثور (٣/ ٤٢٠).\n(٥) ذكره ابن الجوزي في تفسيره (٥/ ٣ / ١٧١)، والبغوي في تفسيره (٥/ ٤٩١) بدون عزو، ولم أجده في مظانه في كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي.\n(٦) البزار تقدم (١/ ٢٠٠).\n(٧) تقدم (١/ ٣٧٥).","vol":"2","page":184},{"text":"والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتيه على الجنة والأخرى على جهنم لو وضعت السموات والأرض في إحداهما لوسعتهن، وجبريل ﵇ آخذ بعموده ينظر إلى لسانه\" (١).\nففي هذا أن أعمال الجن توزن كما توزن أعمال الإنس، وكذلك ارتضاه الأئمة (٢) قاله العلامة الشيخ مرعي في \"بهجته\" (٣).\nقال القرطبي في \"تذكرته\": المتقون توضع حسانهم في الكفة النيرة وصغايرهم في الكفة الأخرى فلا يجعل اللَّه لتلك الصغائر وزنا وتثقل الكفة النيرة حتى لا ترتفع وترفع المظلمة ارتفاع الفارغة الخالية\".\nقال: وأما الكفار فيوضع كفرهم وأوزارهم في الكفة المظلمة وإن كان لهم أعمال بر، وضعت في الكفة الأخرى فلا تقاومها إظهارًا لفضل المتقين وذل الكافرين\" (٤).\nوأخرج البزار والبيهقي في البعث عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"يؤتى بابن آدم يوم القيامة فيوقف بين كفتي الميزان يوكل به ملك، فإن ثقل\n_________\n(١) ذكره الفخر الرازي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] ولم أهتد إلى من أخرجه مسندًا.\n(٢) في \"ظ\" كما قاله.\n(٣) وقاله أيضًا في كتابه تحقيق البرهان (ص ٦٤).\n(٤) وكل هذه الأقوال وما في حكمها من الأخبار عن يوم القيامة والحساب والجزاء ونحوها من الأمور الغيبية لا تثبت الا بدليل من الكتاب أو السنة الصحيحة. قال ابن عطية في تفسيره: (٧/ ١٣): \"ورويت في خبر الميزان آثار عن صحابة وتابعين في هيئته وطوله وأحواله لم تصح بالإسناد، فلم نر للإطاله بها وجها\" انتهى.","vol":"2","page":185},{"text":"ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان بن فلان، سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وإن خفت موازينة (١) نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: ألا شقي فلان بن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا\" (٢).\nوأخرج ابن أبي حاتم (٣) عن ابن عباس ﵄ قال: \"يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، قال: وإن الميزان تخف بمثقال حبة وترجح، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط (٤).\nوأخرج البزار بسند حسن عن ابن عباس ﵄ عن النبي -ﷺ- عن الروح الأمين قال: (قال الرب ﵎) (٥): يؤتى بسيئات العبد وحسناته\n_________\n(١) في النسختين: ميزانه والمثبت من المصادر وهو الصحيح.\n(٢) أخرجه البزار - كشف الأستار (٤/ ١٦٠) (٣٤٤٥).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٠) \"وفيه صالح المري وهو مجمع على ضعفه\".\nقلت: وفي سنده أيضا داود بن المحبر متروك، بل متهم بالوضع، وأخرجه البيهقي كما في النهاية لابن كثير (٢/ ٦٣) وقال ضعيف بمرة؛ وقال الشيخ ناصر الألباني في تخريج الطحاوية (ص ٤٧٤) \"موضوع\".\n(٣) ابن أبي حاتم: عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الغطفاني من تميم بن حنظلة بن يربوع الرازي يكنى أبا محمد علامة حافظ محدث فقيه مفسر مصنف، من مؤلفاته: الجرح والتعديل، طبع في تسعة مجلدات وغيره، توفى سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٦٣)؛ وطبقات الحنابلة (٢/ ٥٥)، وطبقات السبكي (٣/ ٣٢٤ - ٣٢٨)؛ والبداية والنهاية (١١/ ١٩١).\n(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٤١٨) إلى ابن أبي حاتم.\n(٥) ما بين القوسين ليس في النسختين وأثبته من مصادر الحديث.","vol":"2","page":186},{"text":"فيقتص بعضها ببعض فإن بقيت له حسنة واحدة وسع اللَّه له في الجنة (١).\nوأخرج الحاكم والبيهقي والآجري عن عائشة -﵂- قالت: قلت يا رسول اللَّه هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ قال: \"أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: حيث يوضع الميزان حتى يعلم أيثقل ميزانه أو يخف، وحيث تطاير الكتب حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أو شماله أو من وراء ظهره، وحيث يوضع الصراط حتى يعلم ينجو أم لا ينجو\" (٢).\nورواه الآجري أيضًا عنها -﵂- بلفظ: \"قلت يا رسول اللَّه هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: \" أما عند ثلاث فلا\" وذكر الميزان والكتب والثالث حين يخرج عنق من النار فيقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة وكلت بالذي دعى مع اللَّه إلها آخر، ووكلت بكل جبار عنيد، وبكل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (٣).\n_________\n(١) الحديث أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ١٦٤) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٥): \"رواه البزار ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم\".\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٥٢) وصححه ووافقه الذهبي.\n(٢) رواه عبد اللَّه بن المبارك في الزهد (٤٧٩) عن الحسن مرسلًا؛ وأخرجه ابن أبي شيبة في المصف (١٣/ ٢٥٠)؛ وأحمد في المسند (٦/ ١٠١) عن عائشة مختصرًا؛ وأخرجه أبو داود في سننه (٤٧٥٥) في باب السنة، باب في ذكر الميزان؛ والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٧٨)، والآجري في الشريعة (٣٨٥)؛ وقال الحاكم -بعد إيراده-: \"هذا حديث صحيح إسناده على شرط الشيخين لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة، على أنه قد صحت الروايات أن الحسن كان يدخل وهو صبي منزل عائشة ﵂ وأم سلمة\".\n(٣) هذه الرواية أخرجها الإمام أحمد في المسند (٦/ ١١٠)، والآجري في الشريعة (٣٨٤)؛ وأوردها الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٨ - ٣٥٩) وقال: \"رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وقد وثق وبقية رجاله رجال الصحيح\".","vol":"2","page":187},{"text":"فوائد:\nإحداها: أخرج الإمام أحمد في الزهد من طريق رباح بن زيد عن أبي الجراح عن رجل يقال له خازم أن النبي -ﷺ- نزل عليه جبريل وعنده رجل يبكي، فقال من هذا؟ قال: فلان. قال جبريل ﵇ إنا نزن أعمال بني آدم كلها إلا البكاء، فإن اللَّه يطفي بالدمعة بحورًا من نيران جهنم\" (١).\nوأخرج البيهقي عن مسلم بن يسار (٢) قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ما اغرورقت عين بمائها الا حرم اللَّه سائر ذلك الجسد على النار، ولا سالت قطرة: على خدها فيرهق ذلك الوجه قتر ولا ذلة، ولو أن باكيًا بكى في أمة من الأمم رحموا، وما من شيء إلا له مقدار وميزان إلا الدمعة فإنها يطفأ بها بحار من النار\" (٣).\n\nالثانية: أخرج الترمذي وحسنه من حديث أنس بن مالك قال: سألت رسول اللَّه -ﷺ- أن يشفع لي يوم القيامة فقال: \"أنا فاعل إن شاء اللَّه. قلت: فأين أطلبك؟ قال: أول ما تطلبني على الصراط. قلت: فإن لم القك على الصراط؟ قال: فاطلبني عند الميزان، قلت: فإن لم القك عند الميزان؟ قال: فاطلبني عند الحوض،\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في الزهد (٢٧) وفيه مجهول.\n(٢) مسلم بن يسار البصري: نزيل مكة أبو عبد اللَّه الفقيه ثقة عابد، مات سنة مائة أو بعدها بقليل.\nتقريب (ص ٣٣٦).\n(٣) رواه البيهقي في شعب الإيمان (٣/ ١٠١ - ١٠٢) رقم (٧٩٠) وقال البيهقي: \"وهذا مرسل\"، وقد روى من قول الحسن البصري ثم أورده بسنده عن الحسن البصر، وأورده المنذري في الترغيب (٤/ ٤٢٥ - ٤٢٦) وقال: \"رواه البيهقي هكذا مرسلًا، وفيه راو لم يسم.\nوروي عن الحسن البصري وأبي عمران الجويني وخالد بن معدان وهو أشبه\" انتهى.","vol":"2","page":188},{"text":"فأني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن\" (١) ورواه البيهقي في الشعب وغيره.\n\nالثالثة: أخرج أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن\" (٢).\nوأخرج أبو نعيم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- من قضى لأخيه حاجة كنت واقفا عند ميزانه، فإن رجح وإلا شفعت له\" (٣).\nوأخرج البزار والطبراني وأبو يعلى وابن أبي الدنيا والبيهقي بسند حسن عن أنس ﵁ قال: لقي رسول اللَّه -ﷺ- أبا ذر فقال: \"يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرهما. قال: بلى يا رسول اللَّه، قال: عليك بحسن الخلق، وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما\" (٤).\n_________\n(١) رواه الترمذي في جامعة رقم (٢٤٣٣) في صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الصراط.\nوقال: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\".\n(٢) رواه أبو داود في سننه رقم (٤٧٩٩) في الأدب، باب في حسن الخلق؛ والترمذي في جامعة رقم (٢٠٠٢) في البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق وقال: \"حسن صحيح\".\nوأخرجه ابن حبان في صحيحه -الإحسان- (١/ ٣٥٠).\n(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٥٣) وقال: \"غريب من حديث مالك تفرد به الغفاري\". قلت: الغفاري هذا هو عبد اللَّه بن إبراهيم الغفاري، قال الحافظ في التقريب (١٦٧): \"متروك ونسبه ابن حبان إلى الوضع\". انتهى.\n(٤) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ٢٢٠)؛ والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (٨/ ٢٢)؛ وأبو يعلى في مسنده (٦/ ٥٣) رقم (٣٢٩٨) وابن أبي الدنيا في كتاب \"آداب الصمت وآداب اللسان\" (ص ٥٢٩ - ٥٣٠) رقم (٥٥٨)؛ وابن حبان في المجروحين (١/ ١٩١) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٢، ١٠/ ٣٠١)؛ وابن حجر =","vol":"2","page":189},{"text":"الرابعة: أخرج الأصبهاني (١) عن الليث بن سعد (٢) -رحمه اللَّه تعالى- قال: قال عيسى بن مريم ﵇: \"أمة محمد -ﷺ- أثقل الناس في الميزان ذلت ألسنتهم بكلمة ثقلت (٣) على من كان قبلهم، لا إله إلا اللَّه\" (٤).\nوأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن حبان عن ابن عمرو ﵄ عن النبي -ﷺ- قال: \"خصلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة هما يسير ومن يعمل بهما قليل يسبح في دبر كل صلاة عشرًا ويحمد عشرًا، ويكبر عشرًا، فذلك خمسون ومائة (باللسان) (٥) وألف وخمسمائة في الميزان، ويكبر أربعًا وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويسبح ثلاثًا وثلاثين ويحمد ثلاثًا وثلاثين، فذلك مائة باللسان، وألف في الميزان وأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة\" (٦).\n_________\n= في المطالب العالية (٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨).\nوقال الهيثمي في الموضع الأول \"رواه أبو يعلى، والطبراني في الأوسط، ورجال أبي يعلى ثقات\" وقال في الموضع الثاني \"رواه البزار وفيه (شنار كذا وهو تصحيف) بثمار بن الحكم وهو ضعيف\".\nقلت: مدار الحديث عندهم على بشار بن الحكم الضبي البصري، قال أبو زرعة منكر الحديث، وقال ابن حبان يتفرد عن ثابت بأشياء ليست من حديثه. . . \".\nالميزان (١/ ٣٠٩).\n(١) الأصبهاني: إسماعيل بن محمد، تقدم (١/ ٢٩٢).\n(٢) الليث بن سعد: تقدم (١/ ٣٠٤).\n(٣) في\"ظ\": تولت.\n(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٤٢٣) إلى الأصبهاني في الترغيب.\n(٥) ليست في النسختين وأثبتها من السنن.\n(٦) الحديث رواه أبو داود في سننه رقم (٥٠٦٥) في الأدب، باب في التسبيح عند النوم، =","vol":"2","page":190},{"text":"وأخرج النسائي والحاكم وصححه عن أبي سلمى قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- \"بخ بخ (١) لخمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه، والولد الصالح يتوفى للمرء فيحتسبه\" (٢).\nوأخرج مثله الإمام أحمد من حديث (أبي أمامة) (٣) والبزار من حديث ثوبان (٤) والطبراني في الأوسط من حديث سفينة ﵃، ولفظ الطبراني \"وفرط صالح للرجل\" (٥) وهو أعم من الولد.\n_________\n= والترمذي في جامعه (٣٤١٠) في الدعوات، باب ما جاء في التسبيح والتكبير والتحميد عند المنام؛ والنسائي في سننه (٣/ ٦٢ - ٦٣)؛ وابن حبان في صحيحه (٣/ ٢٣٠ - ٢٣٣) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوقد ذكر الشارح الحديث هنا من رواية ابن عمر، وهو وهم، والصواب أنه من رواية عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄، كما في مصادر تخريج الحديث. واللَّه أعلم.\n(١) بخ، بح: هي كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وتكرر للمبالغة وهي مبنية على السكون فإن وَصَلْتَ جَرَرْتَ وَنَوّنْتَ فقلت بخ بخ، وربما شُدّدت، وبخبخت الرجل، إذا قلت له ذلك ومعناها: تعظيم الأمر وتفخيمه\"\nالنهاية: (١/ ١٠١).\n(٢) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٢١٥) رقم (١٦٧)؛ وابن حبان في صحيحه. الإحسان (٢/ ٩٩ - ١٠٠)؛ والحاكم (١/ ٥١١ - ٥١٢)؛ وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\n(٣) في النسختين أبي أسامة، وهو في المسند (٥/ ٢٥٣) عن أبي أمامة وهو الصحيح.\n(٤) كشف الأستار (٤/ ٩) رقم (٣٠٧٢) وحسن إسناده، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٨) العباس بن عبد العظيم الباسانى شيخ البزار لم أعرفه.\n(٥) الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٨ - ٨٩)، قال الهيثمي: \"رجاله رجال الصحيح\".","vol":"2","page":191},{"text":"وأخرج الحاكم عن (أبي الأزهر) (١) الأنماري -﵁- قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا أخذ مضجعه قال: \"اللهم اغفر لي، واخسئ شيطاني، وفك رهاني، وثقل ميزاني، واجعلني في الندى (٢) الأعلى\" (٣).\nوأخرج ابن عبد البر (٤) في فضل العلم بسنده عن إبراهيم النخعي (٥) قال: \"يجاء بعمل الرجل فيوضع في كفة ميزانه يوم القيامة فيخف، فيجاء بشيء مثل الغمام فيوضع في كفة ميزانه فيرجح، فيقال له: أتدري ما هذا؟ فيقول: لا، فيقال له: هذا فضل العلم الذي كنت تحدثه الناس\" (٦).\nوأخرج ابن المبارك (٧) نحوه عن حماد بن أبي سليمان (٨) قال: \"يجيء رجل\n_________\n(١) في الأصل: (عن أبي زهيرة) والكلمة غير واضحة فيها، وفي \"ظ\" (عن أبي زهبر). قال الحافظ في الإصابة (١١/ ١١: \"أبو الأزهر الأنماري، ويقال أبو زهير\".\n(٢) الندى: قال الخطابي: \"الندى القوم المجتمعون في مجلس، ومثله النادي ويجمع على الأندبة. . . يريد -ﷺ- بالندى الأعلى: الملأ الأعلى من الملائكة\".\nمعالم السنن (٧/ ٣٢٢).\n(٣) الحديث أخرجه أبو داود في سننه (٥٠٥٤) في الأدب، باب ما يقول عند النوم، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٧١٦)؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٠)؛ وصححه ووافقه الذهبي؛ وحسنه النووي في الأذكار رقم (٢٢٩).\n(٤) ابن عبد البر تقدم (١/ ١١٩).\n(٥) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبو عمران الكوفي الفقيه ثقة إلا أنه يرسل كثيرًا، مات سنة ست وتسعين وهو ابن خمسين أو نحوها.\nتقريب (ص ٢٤).\n(٦) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ٤٦ - ٤٧)، وابن أبي الدنيا كما في النهاية لابن كثير (٢/ ٦٤ - ٦٥).\n(٧) ابن المبارك تقدم (١/ ١٨٤).\n(٨) حماد بن أبي سليمان مسلم الأشعري مولاهم أبو إسماعيل الكوفي: فقيه صدوق له =","vol":"2","page":192},{"text":"يوم القيامة فيرى عمله محتقرًا فبينما هو كذلك إذ جاءه مثل السحاب حتى يقع في ميزانه، فيقال: هذا ما كنت تعلم الناس من خير (فورث بعدك) (١) فأجرت فيه\" (٢).\nالخامسة: وهي من تتمة ما قبلها: أخرج البزار والحاكم عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"إن نوحًا ﵇ لما حضرته الوفاة دعا ابنيه، فقال: آمركما بلا إله إلا اللَّه، فإن السموات والأرض وما فيهما لو وضعت في كفة الميزان، ووضعت لا إله إلا اللَّه في الكفة الأخرى كانت أرجح منهما\" (٣).\nوأخرج أبو يعلى (٤)؛ وابن حبان (٥)؛ والحاكم، وصححه عن أبي سعيد الخدري -﵁- عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: قال موسى يا رب علمني شيئًا\n_________\n= أوهام، مات سنة عشرين ومائة أو قبلها.\nتقريب (ص ٨٢).\n(١) في \"ظ\" قررت بعدي وهو خطأ.\n(٢) أخرجه عبد اللَّه بن المبارك في الزهد (ص ٤٨٦ - ٤٨٧)؛ وانظر: الدر المنثور (٣/ ٤٢٣).\n(٣) الحديث ورد من رواية عبد اللَّه بن عمر ﵄، ومن رواية عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، رواه عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص الإمام أحمد في المسند (٢/ ١٦٩ - ١٧٠، ٢٢٥) والحاكم في المستدرك (١/ ٤٨ - ٤٩) وصححه.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٩ - ٢٢٠)؛ وقال: رواه أحمد والطبراني بنحوه. . . ورجال أحمد ثقات.\nورواه عن ابن عمر البزار -كما في كشف الأستار (٤/ ٧ - ٨)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٤): \"وفيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس وهو ثقه، وبقية رجاله رجال الصحيح.\nوانظر: الترغيب والترهيب (٢/ ٦٩٩ - ٧٠٠).\n(٤) أبو يعلى: تقدم (١/ ١٣٧).\n(٥) ابن حبان: تقدم (١/ ١٩٩).","vol":"2","page":193},{"text":"أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسىى \"لا إله إلا اللَّه\"، قال: كل عبادك يقول هذا، قال: يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا اللَّه في كفه، مالت بهن لا إله إلا اللَّه\" (١).\nوأخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"والذي نفسي بيده لو جئ بالسموات والأرض ومن فيهن، وما بينهن، وما تحتهن، فوضعت في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله الا اللَّه في الكفة الأخرى، لرجحت بهن\" (٢). واللَّه تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>تنبيهات:</span>\nالأول: الأصح الأشهر أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال كفتاه كأطباق السموات والأرض (٣) كما مر.\n_________\n(١) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة رقم (٨٣٤) و(١١٤١)؛ وأبو يعلى (٢/ ٥٢٨) رقم (١٣٩٣)؛ وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (٨/ ٣٥)؛ والحاكم (١/ ٥٢٨ - ٥٢٩)؛ وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٢٨)؛ والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ١٢٨)؛ والبغوي في شرح السنة (٥/ ٥٤) كلهم من طريق دراج بن السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد بعد أن عزاه لأبي يعلى، ورجاله وثقوا، وفيهم ضعف (١٠/ ٨٢)؛ وصححه الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٢١١). وانظر: الترغيب والترهيب (٢/ ٦٩٤ - ٦٩٥).\n(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٥٤) بزيادة فيه.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٢٣): \"ورجاله ثقات إلا أن ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس\".\n(٣) ورجحه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٥٤٧)؛ والمؤلف في لوامع الأنوار =","vol":"2","page":194},{"text":"وقيل لكل أمة ميزان (١).\nوقال الحسن البصري: \"لكل واحد من المكلفين ميزان\" (٢).\nواستظهر بعضهم (٣) إثبات موازين يوم القيامة، لا ميزان واحد لظاهر قوله ﷿: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨].\nوقال: \"لا يبعد على هذا أن يكون لأعمال القلوب ميزان، ولأفعال الجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان\" (٤).\nورد هذا ابن عطية (٥) وقال: \"الناس على خلافه وإنما لكل واحد وزن مختص به والميزان واحد\" (٦).\n_________\n= (٢/ ١٨٦)؛ وانظر تفسير ابن كثير مع البغوي (٥/ ٤٩٠).\n(١) ذكره المؤلف في لوامع الأنوار (٢/ ١٨٦).\n(٢) ذكره عنه ابن عطية في تفسيره (٧/ ١٣).\n(٣) هو: الفخر الرازي كما في تفسيره (١٤/ ٢٥).\n(٤) انظر: تفسير الرازي (١٤/ ٢٥).\n(٥) ابن عطية: عبد الحق بن أبي بكر غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي أبو محمد: من أهل غرناطة، ولد سنة ٤٨١، أحد القضاة المشهورين بالبلاد الأندلسية، وصدور رجالها ينتمي إلى بيت علم وفضل، كان فقيهًا عالمًا بالتفسير والأحكام والحديث، وكان لغويًا أديبًا شاعرًا، ومن مصنفاته: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، طبع، توفى سنة ٥٤٦.\nمقدمة كتابه فهرس ابن عطية؛ وبغية الملتمس (ص ٣٨٩)؛ والمعجم لابن الآبار (ص ٢٦٩)؛ والصلة لابن بشكوال (٢/ ٣٨٦).\n(٦) انظر: تفسير ابن عطية (٧/ ١٣).","vol":"2","page":195},{"text":"وقال بعضهم: إنما جمع الموازين في الآية الكريمة لكثرة من توزن أعمالهم، وهو حسن (١) وباللَّه التوفيق.\nالثاني: اختلف في الموزون (٢) فقيل العبد مع عمله، وقيل الموزون نفس الأعمال، فتصور الأعمال الصالحات بصور حسنة نورانية ثم تطرح في كفة النور، وهي اليمنى المعدة للحسنات فتثقل بفضل اللَّه سبحانه، وتصور الأعمال السيئة بصور قبيحة ظلمانية، ثم تطرح في الكفة المظلمة، وهي الشمال المعدة للسيئات فتخف بعدل اللَّه كما في الحديث وتقدم.\nفادعاء امتناع قلب الحقائق في مقام خرق العادات غير ملتفت إليه كما لا يخفى وتقدمت الإشارة إليه، وقيل: إن اللَّه تعالى يخلق أجسامًا على عدد تلك الأعمال من غير قلب لها (٣).\nوالصحيح أن الموزون صحف الأعمال.\nوصححه إمام المغرب ابن عبد البر (٤)؛ والقرطبي (٥)؛ وأبو المعالي في عقيدته.\nوقال العلامة ابن حمدان (٦) في \"نهاية المبتدئين\": والميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات نص عليه أي الإمام أحمد ﵁ ذكره أبو الفضل التميمي\" (٧).\n_________\n(١) لوامع الأنوار (٢/ ١٨٦).\n(٢) في \"ظ\" الوزن.\n(٣) حاشيه جوهرة: التوحيد (ص ١٧٩).\n(٤) ذكرها المؤلف في اللوامع (٢/ ١٨٧)؛ والسيوطي في البدور السافرة (ص ٢٤٣).\n(٥) كما في تفسيره (٧/ ١٦٤ - ١٦٥)؛ وفي التذكرة (ص ٣٧٧).\n(٦) ابن حمدان تقدم (١/ ١٥٣).\n(٧) التميمي: تقدم (١/ ٣٤١). وانظر معتقد الإمام أحمد رواية التميمي في طبقات الحنابلة =","vol":"2","page":196},{"text":"قال: \"وإن له لسانًا وكفتين توزن به صحائف الأعمال\".\nوقال ابن عقيل: (١) \"توزن فيه أعمال العباد بمعنى أنهم يعرفون مقاديرها عند رجحانه ونقصانه، قال: ويحتمل أن يكون المطروح فيه الصحف لتعذر بقاء الأعمال، وصوبه الشيخ مرعي في بهجته وذهب إليه جمهور المفسرين (٢).\nوقد سئل -ﷺ- عما يوزن يوم القيامة، فقال: الصحف (٣). ذكره الفخر الرازي (٤) وغيره. وحكاه ابن عطية عن أبي (٥) المعالي (٦).\nيؤيد ذلك ما رواه الترمذي وحسنه، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه، والبيهقي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"إن اللَّه يستخلص رجلًا من أمتي\" وفي لفظ: \"يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل منها مثل مد البصر، فيقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يارب، فيقول: أفلك عذر أو حسنة؟ فيقول: لا يارب، فيقول اللَّه:\n_________\n= (٢/ ٣٠٣)؛ والسنة للآلكائي رقم (٢٢٢٢).\n(١) ابن عقيل: تقدم (١/ ٢٤٨).\n(٢) قال البيضاوى في تفسيره (١/ ٣٣٢) الجمهور على أن صحائف الأعمال هي التي توزن.\n(٣) ذكره الفخر الرازي في تفسيره (١٤/ ٢٤) ولم يسنده.\n(٤) الفخر الرازي: تقدم (١/ ١٨٦).\n(٥) في النسختين \"ابن أبي المعالي\" وقد تقدم (٢/ ١٥٠).\nوالذي في اللوامع للمؤلف (٢/ ١٨٧) \"أبي المعالي\" ولعله الصحيح، وأبو المعالي، هنا هو الجويني، وقد تقدت ترجمته (١/ ١٣٧).\n(٦) انظر: تفسير ابن عطية (٧/ ١٣)؛ وانظر العقيدة النظامية (ص ٨٠ - ٨١)؛ والإرشاد (ص ٣٧٩ - ٣٨٠) كلاهما لأبي المعالي الجويني.","vol":"2","page":197},{"text":"بلى إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول احضر وزنك، فيقول: يارب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم اللَّه شيء\" (١).\nفثبت بهذا الحديث الصحيح أن الموزون صحائف الأعمال كما صوبه العلامة الشيخ مرعي في بهجته، وهو الحق (٢).\nومثله ما أخرجه سيدنا الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن ابن عمرو أيضًا -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"توضع الموازين يوم القيامة فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة ويوضع ما أحصى عليه في كفة فتمايل به الميزان، فيبعث به إلى النار، فإذا أدبر به إذا صايح يصيح من عند الرحمن لا تعجلوا، لا تعجلوا، فإنه قد بقي له فيؤتى ببطاقة فيها لا إله الا اللَّه، فتوضع مع الرجل في كفته حتى تميل به الميزان\" (٣).\n_________\n(١) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢١٣)؛ والترمذي (٢٦٣٩) في الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا اللَّه؛ وابن ماجة (٤٣٠٠)؛ وابن حبان في صحيحه -كما في موارد الظمآن رقم (٢٥٢٤) (ص ٦٢٥)؛ والحاكم (١/ ٦، ٥٢٩) والبغوي في شرح السنة (١٥/ ١٣٣ - ١٣٤).\nوحسنه الترمذي وصححه الحاكم على شرط مسلم وأقره الذهبي.\nوانظر السلسلة الصحيحة رقم (١٣٥).\n(٢) وصوبه الشيخ مرعي في \"تحقيق البرهان\" (٥٨ - ٥٩)؛ ونقله عنه الشارح في لوامع الأنوار (٢/ ١٨٧) موافقًا له.\n(٣) رواه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٢٢١ - ٢٢٢)؛ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٢). =","vol":"2","page":198},{"text":"فإن قيل: قد صرح في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن الوزن لنفس بدن الآدمي حيث قال: \"إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اللَّه جناح بعوضة\" وتقدم (١).\nفالجواب: أن هذا ضربه النبي -ﷺ- مثلا للذي يغتر ببعض الأجسام فهو كناية عن عدم الاكتراث بالأجسام، فإن اللَّه لا ينظر للأجسام والأموال، وإنما ينظر للقلوب والأعمال، فكم من جسم وسيم، وهو عند اللَّه من أصحاب الجحيم، وكم من حقير دميم، وهو من أهل القرب والنعيم (٢).\n_________\nوقال: \"رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وبقية رجاله رجال الصحيح\".\n(١) انظر (٢/ ١٨٢).\n(٢) يتلخص من كلام الشارح ﵀ أن العلماء اختلفوا في الموزون على ثلاثة أقوال:\n١ - أن الموزون العامل مع عمله.\n٢ - أن الموزون الأعمال نفسها.\n٣ - أن الموزون صحائف الأعمال وهو الذي مال إليه المؤلف ورجحه واستدل له.\nوهناك قول رابع، وهو أن الموزون هو العامل نفسه.\nقال الحافظ بن كثير ﵀ في تفسيره (٣/ ٤٥٠ - ٤٥١) بحد أن ذكر الأقوال في الموزون، قال: \"وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها. واللَّه أعلم. انتهى.\nوقال الشيخ حافظ حكمي -﵀- في كتابه \"معارج القبول\" (٢/ ١٨٥): \"والذي استظهر من النصوص -واللَّه أعلم- أن العامل وعمله وصحيفة عمله، كل ذلك موزن لأن الأحاديث التي في بيان القرآن قد وردت بكل من ذلك ولا منافاة يينها\".\nواستدل بالحديث الذي رواه أحمد وتقدم قبل قليل. ثم قال: \"فهذا الحديث يدل على أن العبد يوضع هو وحسناته وصحيفتها في كفة وسيئاته مع صحيفتها في الكفة الأخرى، وهذا غاية الجمع في ما تفرق ذكره في سائر أحاديث الوزن، وللَّه الحمد والمنة\" انتهى.","vol":"2","page":199},{"text":"الثالث: زعم النسفي (١) في بحر الكلام: أن الإيمان لا يوزن لأنه لا ضد له يوضع في الكفة الأخرى، إذ ضده الكفر، والإيمان والكفر لا يجتمعان في الواحد (٢).\nقلت: ويرد هذا ما قدمناه من وزن كلمة الإخلاص، وهي لا إله إلا اللَّه وهي أس الإيمان.\nوانتصر كل من الحكيم الترمذي، والقرطبي لما ذكره النسفي، وأجاب الحكيم الترمذي عن كلمة الإخلاص بأنها إنما تكون إيمانًا أول مرة، وبعد ذلك تكون من حسناته، قال: ويدل عليه قوله -ﷺ-: \"بلى إن لك عندنا حسنة ولم يقل إن لك عندنا إيمانًا\".\nوقد سئل -ﷺ- عن لا إله إلا اللَّه من الحسنات هي فقال: \"من أعظم الحسنات\" رواه البيهقي وغيره (٣).\n_________\n(١) النسفي: ميمون بن محمد بن محمد بن معبد بن مكحول أبو المعين النسفي عالم بالأصول والكلام، كان بسمرقند وسكن بخارى من كتبه: بحر الكلام، مطبوع، وتبصرة الأدلة في الكلام؛ والتمهيد لقواعد التوحيد؛ والعمدة في أصول الدين، وغيرها، توفى سنة ٥٠٨ هـ.\nالجواهر المضيئة (٣/ ٥٢٧)؛ وكشف الظنون (١/ ٢٢٥)؛ والأعلام (٧/ ٣٤١).\n(٢) انظر: كتاب الجوهرة المنيفة في شرح وصية الإمام أبي حنيفة (ص ٨٤)؛ والبدور السافرة (ص ٢٤٢ - ٢٤٣).\n(٣) رواه أحمد في المسند (٥/ ١٦٩)؛ وفي الزهد (ص ٢٧)؛ والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ١٣٣)؛ وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢١٧ - ٢١٨) عن أبي ذر وصححه الشيخ ناصر الألباني في الصحيحة رقم (١٣٧٣) وانظر: جامع العلوم والحكم (٢/ ٥) شرح الحديث الثامن عشر. =","vol":"2","page":200},{"text":"قلت: وفيه نظر لا يخفي لأنه ينظر إلى أن الإيمان مجرد التصديق و(هو) (١) خلاف مذهب السلف، فإن الأعمال من الإيمان كما يأتي تحريره.\nفإن قيل ما الحكمة في الوزن مع إحاطة علم اللَّه بكل شيء حتى خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟\nفالجواب الحكمة في ذلك تعريف اللَّه عبادة ما لهم عنده من الجزاء من خير أو شر قاله الثعلبي.\nواختار العلامة الشيخ مرعي أن الحكمة إظهار العدل وبيان الفضل حيث إنه يزن مثاقيل الذر من خير أو شر: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] (٢).\n\nالرابع: ظواهر الآثار وأقوال العماء أن كيفية الوزن في الآخرة خفة، وثقلًا كالدنيا ما ثقل نزل إلى أسفل ثم يرفع إلى عليين وما خف طاش إلى أعلى ثم نزل إلى سجين.\nوبه صرح جموع منهم القرطبي في تذكرته (٣).\nوقد أخرج البيهقي في شعب الإيمان من طريق السدي (٤) الصغير عن\n_________\n= وانظر: كلام الحكيم الترمذي والقرطبي هذا في التذكرة (ص ٣٨١).\nوانظر: هذا المبحث في لوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ١٨٨).\n(١) في النسختين (وهي) والصحيح ما أثبتنا.\n(٢) انظر: تحقيق البرهان للشيخ مرعي (ص ٦٥)؛ ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٨) وانظر ما سبق (٢/ ١٨٠) حول الحكمة في الوزن.\n(٣) انظر: التذكرة: (ص ٣٧٨ - ٣٧٩).\n(٤) محمد بن مروان بن عبد اللَّه بن إسماعيل السدي بضم المهملة والتشديد وهو الأصغر كوفي متهم بالكذب وهو صاحب الكلبي. الميزان (٤/ ٣٢ - ٣٣)؛ تقريب (ص ٣١٨).","vol":"2","page":201},{"text":"الكلبي (١) عن أبي صالح (٢) عن ابن عباس ﵄ قال:\n\"الميزان له لسان وكفتان توزن فيه الحسنات والسيئات، فيؤتى بالحسنات في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان فتثقل على السيئات فتؤخذ فتوضع في الجنة عند منازله، ثم يقال للمؤمن: الحق بعملك فينطلق إلى الجنة فيعرف منازله بعمله، ويؤتى بالسيئات في أقبح صورة فتوضع في كفة الميزان فتخف والباطل خفيف، فتوضع في جهنم إلى منازله منها، ويقال: الحق بعملك إلى النار فيأتى النار فيعرف منازله بعمله وما أعد اللَّه له فيها من ألوان العذاب\".\nقال ابن عباس ﵄: \"فلهم أعرف بمنازلهم في الجنة والنار بعملهم من القوم ينصرفون يوم الجمعة راجعين إلى منازلهم\" (٣).\nففي كلام ابن عباس ﵁ التصريح بما ذكرنا (٤).\nوزعم بعض المتأخرين أن صفة الوزن تخالف الصفة المعهودة في الدنيا فعمل المؤمن إذا رجح صعد (وأسفلت) (٥) سيئاته والكافر تسفل كفته لخلو الأخرى عن\n_________\n(١) الكلبي: محمد بن السائب بن بشر الكلبي أبو النضر الكوفي النسابة المفسر متهم بالكذب، مات سنة ١٤٦.\nتقريب (ص ٢٩٨).\n(٢) أبو صالح: باذام بالذال المعجمة، ويقال آخره نون أبو صالح مولى أم هانئ ضعيف مدلس، مات بعد المائة.\nتهذيب الكمال (٤/ ٦ - ٨)؛ وتقريب (ص ٤٢).\n(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٦٩ - ٧٠)؛ وأورده السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٤٢٠)؛ وعزاه البيهقي في شعب الإيمان.\nوفي إسناده السدي الصغير وشيخه الكلبي، وكلاهما متهم بالكذب.\n(٤) ولكن الأثر لم يصح عن ابن عباس.\n(٥) كذا في الأصل وفي \"ظ\" (واستفلت)؛ وفي اللوامع: (وسفلت) ولعله الصحيح.","vol":"2","page":202},{"text":"الحسنات واستدل لما قال بقول ذي العزة والجلال ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].\nوالجواب عن الآية الكريمة عدم صحة الاستدلال لأن الرفع يكون بعد الوزن، وثقل الميزان كما قدمنا.\nوزعم قوم أن صفة الوزن: أن توضع أعمال العباد في الميزان دفعة واحدة الحسنات في كفة النور، وهي عن يمين العرش جهة الجنة والسيئات في كفة الظلمة وهي عن يساره جهة النار، قال: ويخلق اللَّه تعالى لكل إنسان علمًا ضروريًا يدرك به خفة أعماله وثقلها.\nقلت: وهذا يشبه قول المعتزلة.\nوقيل: علامة الرجحان عمود نور يقوم من كفة الحسنات حتى يكسو كفة السيئات، وعلامة الخفة عمود ظلمة يقوم من كفة السيئات حتى يكسو كفة الحسنات لكل واحد، وهذا من جنس ما قبله (١).\nوالصواب ما قدمنا واللَّه تعالى أعلم.\n\nالخامس: اختلف في الميزان، هل هو خاص بأهل الإيمان، أو عام لسائر أهل الأديان.\nاستدل للأول بظاهر قوله تعالى ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥].\nوأجاب عنه من يقول بالعموم -وهو المقبول- بأنه مجاز عن عدم الاعتداد بهم،\n_________\n(١) والصواب الوقوف مع النصوص لأن الأخبار الغيبية لا تثبت إلا بنص صحيح عن اللَّه، أو عن رسوله -ﷺ- كما قدمنا (٢/ ١٨٥، ١٨٦)","vol":"2","page":203},{"text":"وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣ - ١٠٥]. فهذه الآيات في الكفار وتقدم في الحديث.\nوأما الكفار فيوضع كفرهم وأوزارهم في الكفة المظلمة، وإن كان لهم أعمال بر وضعت في الكفة الأخرى فلا تقاومها.\nنعم ذكر القرطبي أن الميزان لا يكون في حق كل أحد فإن الذين يدخلون الجنة بغير حساب لا ينصب لهم ميزان، وكذلك من يعجل به إلى النار بغير حساب وهم المذكورون في قوله تعالى ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] الآية (١).\nقال الجلال السيوطي في البدور السافرة: \"وهذا الذي قاله القرطبي حسن يجمع بين القولين والآيتين، فالفريق الذي يعجل بهم هم الذين لا يقام لهم وزن وبقيت الكفار ينصب لهم الميزان\".\nقال الجلال: \"ويحتمل تخصيص الكفار المذكورين بالمنافقين لأنهم هم الذين بيقون في المسلمين، وأهل الكتاب الذين لم يبدلوا بعد لحوق كل أمة بما كانت تعبد كما تقدم في حديث التجلي (٢).\nوتبقى هذه الأمة فيها منافقوها\".\nوذكر الغزالي أن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، لا ينصب لهم ميزان، ولا يأخذون صحفًا، وإنما هي براءات مكتوبة هذه براءة فلان ابن\n_________\n(١) انظر: كلام القرطبي هذا في التذكرة (ص ٣٧٥).\n(٢) انظر (١/ ٢٧١).","vol":"2","page":204},{"text":"فلان (١). واللَّه ولي الإحسان (٢).\n\nتتمة:\nلم يذكر الناظم -رحمه اللَّه تعالى- الصحف ونشرها وأخذها باليمين والشمال، ولا ذكر الصراط ولا الحساب وذلك أنه إنما يشير إلى أمهات مسائل اشتهر فيها خلاف أهل البدع من المعتزلة وغيرهم مما لا يحسن إغفاله في العقائد الدينية، مع أن مما أنكرته المعتزلة أيضًا الصحف، فزعمت المعتزلة أنه عبث مع ثبوتها -كالصراط- بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق.\nأما الكتاب فعدة آيات منها قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الإنشفاق: ٧ - ١٢].\nوفي الآية الأخرى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَه إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ. .﴾ إلى قوله ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٥].\nوقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤].\nوقال: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠].\n_________\n(١) ذكره القرطبي في التذكرة (ص ٣٧٥)؛ والسيوطي في البدور السافرة (ص ٢٤١).\n(٢) في \"ظ\" كتب هنا بلغ مقابلة.","vol":"2","page":205},{"text":"ومعنى طائره: عمله (١).\nوقال مقاتل والكلبي: خيره وشره معه لا يفارقه (٢).\nوقال الثعلبى في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] أي التي فيها أعمال بني آدم نشرت للحساب، وإنما يؤتى بالصحف إلزامًا للعباد، ورفعًا للجدل والعناد، وأنكرته المعتزلة زعما منهم أنه عبث.\nوجواب أهل الكلام لهم أفعال اللَّه ليست معللة بالغرض، وعلى تقدير التسليم فلعل في الكتاب حكمة لا نطلع عليها وعدم اطلاعنا عليها لا يوجب العبث.\nوقد علمت أن من حكمة ذلك إلزام العباد، وقطع معاذيرهم ورفع الجدال مع إعادة الذكر وإحصاء ما في الصحف وتعدادها على العبد وليعلم العبد أنه ما فرط في الكتاب من شيء فيقولون:\n﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] (٣).\nوأما السنة: فقد أخرج العقيلي (٤) من حديث أنس ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"الكتب كلها تحت العرش فإذا كان يوم القيامة يبعث اللَّه ريحًا فتطيرها بالأيمان والشمائل أول خط فيها ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] (٥).\n_________\n(١) قالة ابن عباس ومجاهد. تفسير ابن كثير (٥/ ١٥٨).\n(٢) تفسير البغوى (٥/ ١٥٨).\n(٣) وانظر: ما تقدم من الحكمة في وزن الأعمال (٢/ ١٨٠).\n(٤) العقيلي: تقدم (١/ ١٤٦).\n(٥) والحديث أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٤٦٦) من حديث يغنم بن سالم، وقال عنه: =","vol":"2","page":206},{"text":"قال قتادة: (١) \"سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئًا في الدنيا\" (٢).\nوفي سنن الترمذي وحسنه وصحيح ابن حبان والبيهقي والبزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ عنه -ﷺ- في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]. قال: \"يدعى الرجل فيعطى كتابه بيمينه ويمد له في جسمه ستون ذراعًا ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون: اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم فيقول: أبشروا فإن لكل واحد منكم مثل هذا، وأما الكافر فيسود وجهه، ويمد في جسمه ستون ذراعًا ويجعل على رأسه تاج من نار فيراه أصحابه من بعيد فيقولون: اللهم إنا نعوذ بك من هذا، اللهم لا تأتنا بهذا فيأتيهم فيقولون: اللهم اخزه، فيقول: أبعدكم اللَّه فإن لكل رجل منكم مثل هذا\" (٣).\nوأخرج الترمذي عن أبي هريرة أيضًا ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان\n_________\n= منكر الحديث وقال وعنده -يغنم- عن أنس نسخة أكثرها مناكير\" انتهى. وقال ابن حبان: شيخ يضع الحديث على أنس بن مالك روى عنه بنسخة موضوعة لا يحل الاحتجاج به ولا الرواية عنه، إلا على سبيل الأعتبار\"\nالمجروحين (٣/ ١٤٥).\n(١) قتادة تقدم (١/ ١٩٣).\n(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٥٣)؛ وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٥/ ٢٥٠).\n(٣) أخرجه الترمذي في جامعه (٣١٣٦) في التفسير باب ومن سورة بني إسرائيل؛ وابن حبان -الإحسان- (٩/ ٢٢٢)؛ والحاكم (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣) والبزار كما في تفسير ابن كثير (٥/ ٢٠٨).\nوقال الترمذي: \"حسن غريب\".\nوقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.","vol":"2","page":207},{"text":"فجدال ومعاذير (١) فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله\" (٢).\nوأخرج نحوه ابن ماجة من حديث أبي موسى الأشعري -﵁- مرفوعًا قال: \"وأما الثالثة فتطاير الصحف في الأيدى، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله\" (٣).\nوأخرجه البيهقي من حديث ابن مسعود -﵁- مرفوعًا قال: \"وأما العرضة الثالثة فتطاير الكتب في الأيمان والشمائل\" (٤).\nقال الحكيم الترمذي: \"الجدال للأعداء يجادلون لأنهم لا يعرفون ربهم فيظنون أنهم إذا جادلوه نجوا وقامت حجتهم، والمعاذير للَّه تعالى يعتذر إلى آدم وإلى أنبيائه ويقيم حجته عندهم على الأعداء ثم يبعث بهم إلى النار.\nوالعرضة الثانية للمؤمنين، وهو العرض الأكبر يخلو بهم فيعاتب من (يريد) (٥)\n_________\n(١) كذا في النسختين وبعدها في الترمذي: \"وأما العرضة الثالثة فعند ذلك تطير الصحف. . . \".\n(٢) الحديث أخرجه الترمذي رقم (٢٤٢٥) في صفة القيامة، باب ما جاء في العرض، وقال: \"ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة وقد رواه بعضهم عن على الرفاعي عن الحسن عن أبي موسي عن النبي -ﷺ-\".\nقال: \"ولا يصح هذا الحديث من قِبَلِ أنَّ الحسن لم يسمع من أبي موسى\".\n(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٤١٤)؛ وابن ماجة رقم (٤٢٧٧) في الزهد باب ذكر البعث. قال البوصيري في الزوائد (٤/ ٢٥٤): \"هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع الحسن لم يسمع من أبي موسى قاله علي بن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة\".\nثم ذكر كلام الترمذي في رواية الحسن عن أبي هريرة.\n(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٩/ ٥٩) والبيهقي في البعث كما في الدر المنثور (٨/ ٢٧١) عن ابن مسعود موقوفًا وسنده حسن، قاله الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٤١٠).\n(٥) في الأصل: من يرد والمثبت \"ظ\"، ومن اللوامع والتذكرة للقرطبي.","vol":"2","page":208},{"text":"عتابه في تلك الخلوات حتى يذوق وبال الحياء والخجل، ثم يغفر لهم ويرضى عنهم\" (١).\n\nفوائد:\nالأولى: قال الإمام الجليل سعيد بن المسيب: (٢) \"الذي يأخذ كتابه بشماله تلوي يده خلف ظهره ثم يعطى كتابه\" (٣).\nوقيل: \"تنزع من صدره إلى خلف ظهره\" (٤).\nوقال مجاهد (٥) في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الإنشقاق: ١٠] قال تجعل شماله وراء ظهره فيأخذ بها كتابه\" (٦).\n\nالثانية: الذي يأخذ كتابه بشماله إما كافر، وإما (فاسقًا) (٧) فإن كان كافرًا أعطي كتابه بشماله من وراء ظهره، بأن تخلع يده أو تدخل من صدره أو تلوى. وإن كان مؤمنًا عاصيًا يعطى كتابه بشماله من أمامه، وأما المؤمن الطائع فيعطى كتابه بيمينه من أمامه (٨).\n_________\n(١) انظر كلام الحكيم الترمذي هذا في التذكرة للقرطبي (ص ٣٠٥)؛ وفي لوامع الأنوار للشارح (٢/ ١٨١ - ١٨٢)؛ وفي البدور السافرة للسيوطي (ص ١٨٢).\n(٢) سعيد بن المسيب تقدم (١/ ٢٦٢).\n(٣) ذكره المؤلف في لوامع الأنوار (٢/ ١٨٢).\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير والبغوي (٩/ ١٥١).\n(٥) مجاهد: تقدم (١/ ١٩٧).\n(٦) تفسير مجاهد (ص ٧٤٢)؛ والدر المنثور (٨/ ٤٥٧).\n(٧) في الأصل: (فساق) والمثبت من \"ظ\".\n(٨) انظر: لوامع الأنوار للشارح (٢/ ١٨٣).","vol":"2","page":209},{"text":"الثالثة: ورد أن أول من يأخذ كتابه بيمينه من هذه الأمة: أبو سلمة ابن عبد الأسد (١) واسمه عبد اللَّه المخزومي القرشي بن عمة النبي -ﷺ- برة بنت عبد المطب، \"وهو أول من يدخل الجنة من هذه الأمة (٢)؛ وهو أول من هاجر من مكة هو وزوجته أم المؤمنين أم سلمة إلى الحبشة (٣)، وشهد بدرًا، وكان أخا النبي -ﷺ-، وأخا حمزة بن عبد المطلب من الرضاعة أرضعتهم ثويبة مولاة أبي لهب، وشهد الشاهد إلى أن مات بالمدينة سنة أربع (٤).\nوروي أن أول من يأخذ كتابه بشماله: الأسود أخو أبي سلمة المذكور، روي أنه يمد يده ليأخذ كتابه فيجذبه ملك فيخلع يده، فيأخذه بشماله من وراء ظهره (٥) واللَّه تعالى أعلم.\nوأما الصراط فهو حق ثابت بلا شطاط.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي عاصم في الأوائل (٨٢) عن ابن عباس موقوفًا؛ والطبراني في الأوائل رقم (٨٢) عن ابن عباس مرفوعًا، وفي إسناده حبيب بن زريق، رماه أبو حاتم وابن عدي بالوضع.\nالميزان (١/ ٤٥٢).\n(٢) ذكره المؤلف في كتابه لوامع الأنوار (٢/ ١٨٣) وقال: \"وهو أول من يدخل الجنة من هذه الأمة بعد نبيها -ﷺ-\". ولم أجد هذا الخبر فيما لدي من مصادر.\n(٣) الإصابة (٦/ ١٤١).\n(٤) الاستيعاب (٦/ ٢٧٢)؛ والإصابة (٦/ ١٤٠ - ١٤١).\n(٥) رواه ابن أبي على رقم (٨٢) وتقدم قبل قليل، لكن وقع في اسه اختلاف فعند ابن أبي عاصم: سفيان بن عد الأسد، وفي رواية الطبراني أبو سفيان بن عبد الأسد، وعند المؤلف والقرطبي في تفسيره (٢/ ٢٧٢)، (١٨/ ٢٧٠): الأسود بن عبد الأسد.","vol":"2","page":210},{"text":"قال العلماء: الصراط في اللغة الطريق الواضح ومنه قول جرير (١):\nأمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم (٢)\nوهو بالصاد والسين المهملتين، وبالزاي (على) (٣) نزاع في إخلاصها ومضارعتها بين الصاد والزاي (٤).\nوفي الشرع: جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة جهنم بين الجنة والنار وخلق من حين خلقت جهنم (٥).\nقال القرطبي في \"تذكرته\": في الآخرة صراطان:\nأحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم.\nإلا من دخل الجنة بغير حساب.\nوإلا من يلتقط عنق من النار.\nفإذا خلص من خلص من هذا الصراط الأكبر المذكور، ولا يخلص عنه إلا المؤمنون الذين علم اللَّه تعالى منهم أن القصاص لا يستنفذ حسناتهم حبسوا على صراط خاص لهم، ولا روجع إلى النار من هؤلاء أحد إن شاء اللَّه تعالى لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم الذي يسقط عنه فيها من أوبقته ذنوبه، وزادت على حسناته جرائحه وعيوبه. . \" (٦).\n_________\n(١) جرير: تقدم (٢/ ٤٦).\n(٢) البيت في ديوانه (ص ٥٠٧).\n(٣) في الأصل بلا نزاع والمثبت من \"ظ\"، ومن اللوامع (٢/ ١٨٩).\n(٤) انظر: تفسبر ابن جرير (١/ ٧٣)؛ وابن كثير مع البغوي (١/ ٤٩ - ٥٠)؛ وتفسير ابن عطية (١/ ٧٨ - ٧٩)؛ والقرطبي (١/ ١٤٧ - ١٤٨).\n(٥) لوامع الأنوار (٢/ ١٨٩).\n(٦) تذكرة للقرطبي (ص ٤٠٨).","vol":"2","page":211},{"text":"فقد أخرج البخاري والإسماعيلي (١) في مشيخته واللفظ له عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي -ﷺ- في هذه الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] قال: \"يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا\" (٢).\nقال قتادة: \"كان يقال: ما يشبه بهم إلا أهل الجمعة انصرفوا من جمعتهم\" (٣).\nقال القرطبي: \"هذا في حق من لم يدخل النار من عصاة الموحدين أما من دخلها ثم أخرج منها، فإنهم لا يحبسون بل إذا أخرجوا أبقوا على أنهار الجنة\" (٤).\nوقال (٥) في \"الفتح\" في قوله: \"يخلص المؤمنون من النار\" ينجون من السقوط فيها بمجاوزة الصراط فيها.\n_________\n(١) الإسماعيلي: أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الجرجاني الإسماعيل الشافعي أبو بكر محدث فقيه حافظ صاحب \"الصحيح\" وشيخ الشافعية في ناحيته قال الذهبي \"وصنف تصانيف تشهد له بالإمامة في الفقه والحديث عمل مسند عمر في مجلدتين، والمستخرج على الصحيح، أربع مجلدات ومعجمه في مجيليد يكون عن نحو ثلاثمائة شيخ، توفى سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٩٢).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٦٥٣٥) (١١/ ٤٠٣) في الرقاق، باب القصاص يوم القيامة.\n(٣) انظر هذه الرواية في تفسير ابن جرير (١٤/ ٣٧ - ٣٨)؛ وفي الدر المنثور (٥/ ٨٤).\n(٤) التذكرة للقرطبي (ص ٤٠٨).\n(٥) أي الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري.","vol":"2","page":212},{"text":"قال: \"واختلف في القنطرة المذكورة فقيل هي من تتمة الصراط وهي طرفه الذي يلي الجنة وقيل إنها صراط آخر وبه جزم القرطبي\" (١).\nواختار الجلال السيوطي في \"البدور السافرة\" أنه طرف الصراط الذي يلي الجنة للأحاديث (٢) واللَّه أعلم إذا علمت هذا، فقد قال العلماء ﵃ ورحمهم:\nالصراط أدق من الشعرة وأحدّ من السيف وأحمى من الجمرة، لما رواه للطبراني بإسناد حسن عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: \"يوضع الصراط على سواء جهنم مثل حد السيف المرهف مدحضة -أي مزلقة مزلة- أي لا تثبت عليه قدم بل تزل عنه إلا من يثبته اللَّه تعالى، عليه كلاليب من نار يختطف بها فممسك يهوي فيها (٣) ويستبقون عليه بأعمالهم فمنهم من شده (٤) كالبرق، فذلك الذي لا ينشب أن ينجو، ومنهم من شده كالريح، ومنهم من شده كالفرس الجواد، ومنهم من شده كهرولة الرجل، ثم كمشي الرجل، وآخر من يدخل الجنة رجل قد لوحته (٥) النار فيقول اللَّه له: سل\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (١١/ ٤٠٦)؛ والتذكرة للقرطبي (ص ٤٠٨)؛ ولوامع الأنوار (٢/ ١٩٠).\n(٢) انظر: البدور السافرة (ص ٢٨٢ - ٢٨٣).\n(٣) جاءت العبارة في النسختين، وفي كتاب اللوامع للشارح (٢/ ١٩٠) عليه جلاليب من نار تخطف أهلها فتمسك بهواديها. . . إلخ.\nوالمثبت من معجم الطبراني ومن معجم الزوائد وهو الصحيح.\n(٤) كذا في النسختين، وفي الطبراني: \"ومنهم من يمر كالبرق\".\nومعنى الشد: العدو. النهاية (٢/ ٤٥٢).\n(٥) كذا في النسختين، وفي اللوامع، وفي الطبراني: \"حتى يكون آخرهم إنسانا (رجل) قد أوحته ولقى فيها شرًا. . . \" =","vol":"2","page":213},{"text":"وتمن، فإذا فرغ، قال: لك ما سألت ومثله معه\" (١).\nوأخرج الإمام أحمد من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لجهنم جسر أدق من الشعرة وأحدّ من السيف عليه كلاليب (٢) وحسك (٣) تأخذ من شاء اللَّه، والناس عليه كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل، والركاب، والملائكة يقولون: رب سلم سلم، فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكور في النار على وجهه\" (٤).\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد ﵁ قال: \"بلغني أن الجسر (أدق) (٥) من الشعر وأحدّ من السيف (٦).\n_________\n= وفي المجمع: \"رجل قد توجبه النار. . . \"\nومعنى \"لوحته النار\": أي غيرت لونه.\nالنهاية (٤/ ٢٧٦).\n(١) الحديث أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٣٠) رقم (٨٩٩٢)؛ وأورده المصنف في لوامع الأنوار (٢/ ١٩٠)؛ والسيوطي في البدور السافرة (ص ٢٥١)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٩ - ٣٦٠): \"رجاله رجال الصحيح غير عاصم وقد وثق\".\n(٢) كلاليب: جمع كلوب بالتشديد حديدة معوجة الرأس.\nالنهاية (٤/ ١٩٥)؛ وشرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٢١).\n(٣) حسك: الحسك جمع حسكة وهي شوكة حديد صلبة.\nغريب الحديث لابن الجوزي (١/ ٢١٤)؛ وشرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٢٩).\n(٤) الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند (٦/ ١١٠) وقد اختصره المؤلف هنا.\n(٥) في النسختين أرق من الشعر بالراء والمثبت من صحيح مسلم.\n(٦) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٨٣) في الإيمان باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾.\nوأصله في البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة: ﵄.\nجامع الأصول (١٠/ ٤٤٠) وما بعدها.","vol":"2","page":214},{"text":"وأخرج ابن ماجة عنه نحوه مرفوعًا (١).\nوأخرج ابن عساكر (٢) عن الفضيل بن عياض (٣) -رحمه اللَّه تعالى- قال: \"بلغنا أن الصراط مسيرة خمس عشرة ألف سنة خمسة آلاف صعود، وخمسة آلاف هبوط، وخمسة آلاف مستوى أدق من الشعرة وأحدّ من السيف على متن جهنم، لا يجوز عليه إلا ضامر مهزول من خشية اللَّه تعالى\" (٤).\nوالأخبار والآثار في ذلك كثيرة جدًا، واللَّه تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>تنبيهات:</span>\nالأول: اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة، لكن أهل الحق يثبتونه على ظاهر ما ورد من كونه جسرًا ممدودًا على متن جهنم أحدّ من السيف وأدق من الشعرة، وأحمى من الجمرة.\nوأنكره أكثر المعتزلة كالقاضي عبد الجبار (٥) المعتزلي وكثير من أتباعه (٦)، زعمًا منهم: أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة، وإنما يراد به طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٥ - ٦].\n_________\n(١) ابن ماجة رقم (٦٠) في المقدمة باب في الإيمان؛ وفي الزهد رقم (٤٢٨٠).\n(٢) ابن عساكر: تقدم (١/ ٣٧١).\n(٣) الفضيل بن عياض: تقدم (١/ ١٨٥).\n(٤) الأثر أورده الشارح في لوامع الأنوار (٢/ ١٩١)؛ والسيوطي في البدور السافرة (ص ٢٥٤)؛ ومثل هذه الأخبار لا تثبت الا بدليل عن النبي -ﷺ- لأنها أمور الغيب، كما سبق أن بينا ذلك (٢/ ١٨٥).\n(٥) تقدم (١/ ١٨٦).\n(٦) انظر: المواقف في علم الكلام (ص ٣٨٤).","vol":"2","page":215},{"text":"وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣].\nومنهم من حمله على الأدلة الواضحة والمباحات، أو الأعمال الردية ليسأل عنها ويؤاخذ بها (١).\nوكل هذا هذيان وخرافات وبهتان، لوجوب حمل النصوص على حقائقها الظاهرة، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء (٢) أو الطيران في الهواء أو الوقوف فيه (٣).\nوقد أجاب -ﷺ- عن سؤال حشر الكافر على وجهه، بأن القدرة صالحة لذلك (٤).\nوأنكر العلامة القرافي (٥) كون الصراط أدق من الشعرة، وأحد من\n_________\n(١) انظر: شرح المقاصد (٥/ ١١٧ - ١٢١).\n(٢) كالطيور المائية وبعض الحيوانات البحرية ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n(٣) كما نشاهده في الطير، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩].\n(٤) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا\nقال: يا رسول اللَّه، قال اللَّه تعالى ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٢] أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة\".\nقال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا.\nانظر: جامع الأصول (١٠/ ٤٢٦)؛ والدر المنثور (٥/ ٣٤١).\n(٥) أحمد بن أبي العلاء إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي المصري شهاب الدين أبو العباس كان إمامًا في الفقه والأصول والعلوم العقلية وله معرفة بالتفسير وتخرج به جمع من الفضلاء وله مصنفات مفيدة تدل على علمه وفضله، توفى سنة أربع وثمانين وستمائة ودفن بالقرافة في مصر.\nالديباج المذهب (١/ ٢٣٦)؛ والوافي بالوفيات (٦/ ٢٣٣).","vol":"2","page":216},{"text":"السيف (١) وسبقه إلى ذلك شيخه الإمام العز بن عبد السلام (٢) وهما\n_________\n(١) رأيه هذا ذكره في كتابه الانتقاد في الاعتقاد (كما في شرح الشيخ قاسم بن عيسى القروي على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني) (١/ ٥٧ - ٥٨).\n(٢) العز بن عبد السلام: تقدم التعريف به (١/ ٢٩٥).\nوقد ذكر المؤلف ﵀ في كتابه اللوامع (٢/ ١٩٣) سبب تأويلهم كون الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف -وكلامهم يرجع إلى ما قاله الحليمي في المنهاج (١/ ٤٦٣).\nوتابعه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٧) في معنى الحديث قال الحليمي: \"والمعنى -واللَّه أعلم- أن أمر الصراط والجواز عليه أدق من الشعر أن يكون عسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا اللَّه تعالى جده لخفائها وغموضها، وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي دقيقًا، وضرب المثل به بدقة الشعر، فذا واللَّه أعلم من هذا الباب\".\nإلى أن قال: \"فأما أن يقال إن الصراط نفسه أحدّ من السيف وأدق من الشعر فذلك (مرفوع كذا في الأصل والظاهر مدفوع) بنفس هذا الحديث لأن فيه: إن الملائكة يقومون بجنبيه، ويقولون: اللهم سلم سلم، وفيه أن فيه كلاليب وحسكا (في الأصل مسكا) وفيه أن ممن يمر على الصراط من يقع على بطنه، ومنهم من يزل ثم يقوم وفيه: إن من الذين يمشون عليه من يعطى النور بقدر موضع قدميه، وفي ذلك إثبات أن المارين عليه مواطئ الأقدام ومعلوم أن دقة الشعر لا تحتمل هذا كله.\nوقد سألت أحد الحفاظ عن هذه اللفظة فذكر أنها ليست ثابتة فأما أن لا يشتغل بها، وإما أن يحمل على المعنى الذي ذكرنا -واللَّه أعلم\" انتهى.\nوقال البيهقي: \"وهذا اللفظ من الحديث لم أجده في الرويات الصحيحة\".\nوتابعه القرافي -كما ذكر الشارح في اللوامع- وقد رد عليهم المؤلف بقوله: \"وقد رد هذا الإمام القرطبي وغيره من أئمة الآثار، وقد أخرج مسلم تلك الزيادة في صحيحة عن أبي سعيد بلاغًا وليست مما للرأي والاجنهاد فيه مجال فهي مرفوعة، وقد مر من الأخبار ما يوجب الإيمان بذلك، ثم إن القادر على إمساك الطير في الهواء قادر على أن يمسك عليه المؤمن ويجريه ويمشيه\" انتهى.\nانظر: لوامع الأنوار (٢/ ١٩٣ - ١٩٤)؛ والتذكرة للقرطبي (ص ٤٠٠ - ٤٠١).","vol":"2","page":217},{"text":"محجوجان بثبوت الأخبار الصحيحة بالألفاظ الصريحة في ذلك، فوجب حملها على ظاهرها كما ثبت ذلك في الصحاح والمسانيد والسنن مما لا يحصى إلا بكلفة من أنه جسر مضروب على متن جهنم يمر عليه جميع الخلائق وهم في جوازه متفاوتون كما مر -واللَّه تعالى الموفق.\n\nالثاني: الحق أن الصراط مخلوق الآن.\nونقل بعض العلماء (١) عن بعض أهل التحقيق أنه يجوز أن يخلقه اللَّه تعالى حين يضرب على متن جهنم، ويجوز أن يكون خلقه حين خلق جهنم، ونحوه في كلام القاضي عياض (٢).\n\nالثالث: من الخرافات الباردة، زعم من زعم أن ماهية الصراط شعرة من شعر جفون مالك خازن النار.\nفهو كلام تنبؤ عنه الأفهام وتمجه الأوهام وإن نقله مثل الحافظ برهان الدين الحلبي (٣) فلا يلتفت إليه ولا يعول عليه واللَّه أعلم (٤).\n_________\n(١) عزاه المؤلف في كتابه اللوامع (٢/ ١٩٤) إلى كنز الأسرار.\nقلت: ويمكن أن يكون لمحمد بن سعيد بن عمر الصنهاجي المعروف بابن شابذ فقد ذكر له حاجي خليفة في كشف الظنون (٢/ ١٥١٣) كتابًا بعنوان \"كنز الأسرار ولواقح الأفكار\" في علوم الآخرة.\n(٢) القاضي عياض: تقدم (١/ ٢٥١).\n(٣) إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي الأصل (طرابلس الشام) الحلبي المولد والدار، والشافعي المعروف بسبط ابن العجمي برهان الدين أبو الوفاء عالم بالحديث ورجاله من كبار الشافعية له مؤلفات كثيرة. توفى سنة ٨٤١ هـ.\nالضوء اللامع (١/ ١٣٨)؛ والأعلام (١/ ٦٥)؛ ومعجم المؤلفين (١/ ٩٢ - ٩٣).\n(٤) انظر: هذا المبحث في لوامع الأنوار (٢/ ١٩٤).","vol":"2","page":218},{"text":"فصل\nفي حساب الناس وذكر دخول طائفة من عصاة الأمة النار وخروجهم منها إما برحمة الكريم الغفار، وإما بشفاعة النبي المختار -ﷺ- وإما بغير ذلك (١).\nاعلم أولًا أن المعاد الجسماني حق واقع وصدق صادع، دل عليه النقل الصحيح والنص الصحيح، ولم يمنعه العقل، ولم يحله فوجب الإيمان بموجبه، وهو أن اللَّه يبعث الموتى من القبور بأن يجمع أجزاءهم الأصلية ويعيد الأرواح إليها، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]. والآيات القرآنية في ذلك كثيرة جدًا، والأحاديث النبوية طافحة به، فلا جرم لا ينكره إلا كافر ملحد، وزنديق قد عتى وتمرد، وعدم التوفيق.\nوقد أنكره الطبايعيون (٢)، والدهرية (٣)، والملحدة، ويرد إنكارهم النقل\n_________\n(١) أي بشفاعة غيره من الرسل والأنبياء والملائكة والشهداء، كما ورد في الأحاديث.\n(٢) الطبايعيون: هم فريق من الفلاسفة القدامي، قالوا: إن النفس الإنسانية هي اعتدال في المزاج فحسب، فإذا مات الإنسان عدمت النفس وإعادة المعدوم عندهم محال فجحدوا الآخرة، وأنكروا الجنة والنار والحشر والنشر والقيامة والحساب، وهذه نزعة مادية قديمة، وهي اليوم متمثلة في المذاهب المادية الإلحادية التي تجعل من الطبيعة إلهًا لهذا الكون.\nراجع: المنقذ من الضلال للغزالي (ص ٩٦ - ٩٧)؛ الوجود الحق للدكتور حسن هويدي (ص ٣٧) وما بعدها؛ الاتجاهات الفكرية المعاصرة: جمعة الخولي (ص ٤٨).\n(٣) الدهرية: هم الذين ينكرون الربوبية، ويحيلون الأمر والنهي والرسالة من اللَّه تعالى ويقولون: هذا مستحيل في العقول، ويقولون بقدم العالم وينكرون الثواب والعقاب، ولا يفرقون بين الحلال والحرام، وينفون أن يكون في العالم دليل يدل على صانع ومصنوع، وخالق ومخلوق، وينسبون النوازل التي تنزل بهم إلى الدهر وينكرون المعاد والجزاء والحساب.\nانظر: الفصل في الملل والنحل (١/ ٤٧)؛ والملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٦١)؛ المنقذ من الضلال للغزالي (ص ٩٦)؛ البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص ٨٨).","vol":"2","page":219},{"text":"الصريح والعقل الصحيح على ما بينه أهل التحقيق والترجيح.\nوأنكرت الفلاسفة المعاد الجسماني، بناء منهم على امتناع إعادة المعدوم بعينه (١).\nوأما المعتزلة فوافقوا أهل الحق (٢) على المعاد الجسماني، بناء منهم على أن المعدوم عندهم شيء فلو لم يقولوا به لأحالوه لأن المعدوم قبل الوجود عندهم قابل للوجود، فكذلك إذا انعدم بعد الوجود.\nوعند أهل السنة: المعدوم نفي محض، وهم مع ذلك قائلون بجواز إعادته، وللمتكلمين في جواز إعادة الأعراض قولان: جواز إعادتها وهو الحق، لأنه تعالى على كل شيء قدير.\nوالثاني: قول الفلاسفة ومن وافقهم من المعتزلة كأبي الحسين البصري (٣)، والخوارزمي (٤)؛ والكرامية (٥).\nفالمعاد الجسماني واجب الاعتقاد، ومنكره من أهل الكفر والإلحاد.\nقال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه \"الروح\" كشيخه شيخ الإسلام وغيرهما\n_________\n(١) انظر: شرح العقائد النسفية (ص ١٣٥).\n(٢) ساقطة في الأصل وأثبتها من \"ظ\".\n(٣) تقدم (١/ ١٨٦).\n(٤) لم يتضح لي من هو؟.\n(٥) تقدم التعريف بالكرامية (١/ ١٣٨).\nوانظر اختلاف المتكلمين في إعادة الأعراض في المقالات للأشعرى: (٢/ ٦٠)؛ وفي أصول الدين للبغدادي (ص ٢٣٢ - ٢٣٤)؛ وفي لوامع الأنوار (٢/ ١٦٠ - ١٦١). وانظر هذا المبحث في لوامع الأنوار (٢/ ١٥٧).","vol":"2","page":220},{"text":"من علماء الحق الأعلام: \"معاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى\" (١).\nوكذا قال الجلال الدواني: (٢) \"معاد الأبدان بإجماع أهل الملل، وبشهادة نصوص القرآن بحيث لا يقبل التأويل\" (٣).\nوقد أخرج ابن جرير (٤)؛ وابن المنذر (٥)، و\"ابن أبي حاتم\" (٦)، والإسماعيلي (٧) في معجمه، والحافظ الضياء (٨) في المختارة، وابن مردويه (٩)، والبيهقي (١٠) في البعث والنشور عن ابن عباس ﵄ قال: جاء العاص\n_________\n(١) الروح لابن القيم (ص ٧٤).\n(٢) محمد بن أسعد الصديقي الدواني جلال الدين الشافعي، فقيه متكلم حكيم منطقي فيلسوف مفسر مشارك في بعض العلوم له مصنفات كثيرة توفى سنة ٩١٨.\nالضوء اللامع (٧/ ١٣٣)؛ والأعلام (٦/ ٣٢ - ٣٣)؛ ومعجم المؤلفين (٩/ ٤٧).\n(٣) ذكره الشارح في اللوامع (٢/ ١٥٨).\n(٤) تقدم (١/ ٢٦١).\n(٥) محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري أبو بكر فقيه مجتهد من الحفاظ كان شيخ الحرم بمكة، قال الذهبي: ابن المنذر صاحب الكتب لم يصنف مثلها منها: المبسوط في الفقه؛ والأوسط في السنن والإجماع والاختلاف؛ والإجماع؛ واختلاف العلماء؛ وتفسير القرآن؛ وغير ذلك، توفى سنة ٣١٩.\nتذكرة الحفاظ (٣/ ٧٨٢)؛ وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٤٩٠)؛ والأعلام (٥/ ٢٩٤).\n(٦) في النسختين (أبو حاتم) والصحيح ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٧/ ٧٤)؛ وفي تفسير ابن كثير (٧/ ١١٧) وقد تقدمت ترجمة ابن أبي حاتم (٢/ ١٨٦).\n(٧) الإسماعيلي: تقدم (٢/ ٢١٢).\n(٨) الضياء: تقدم (١/ ٢٤٢).\n(٩) تقدم (١/ ٢٨٨).\n(١٠) تقدم (١/ ٢٠٢).","vol":"2","page":221},{"text":"ابن وائل إلى رسول اللَّه -ﷺ- بعظم حائل ففته بيده فقال يا محمد يحيي اللَّه هذا بعد ما أرم؟ قال: نعم يبعث اللَّه هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم\".\nفنزلت الآيات من آخر يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ [يس: ٧٧ - ٨٣] إلى آخر السورة (١).\nفهذا نص صريح في الحشر الجسماني، يقلع عرف التأويل بالكلية من قلوب أهل التواني.\nولذا قال الفخر الرازي (٢) \"الإنصاف أنه لا يمكن الجمع بين الإيمان بما جاء به النبي -ﷺ- وبين نفي الحشر الجسماني\".\nوكذا لا يمكن القول بقدم العالم، كما يقول الفلاسفة، وبين الحشر الجسماني.\nوالنشور: يرادف البعث.\nوالحشر لغة: الجمع، والمراد به جمع أجزاء الإنسان بعد التفرق، ثم إحياء الأبدان بعد موتها فيعيد جميع العباد، ويعيدهم بعد إيجادهم بجميع أجزائهم الأصلية وهى التي من شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء، فكل هذا حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق (٣).\n_________\n(١) والحديث رواه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٣٠ - ٣١) عن سعيد ابن جبير به ولم يذكر ابن عباس.\nورواه الإسماعيلي في معجمه (ص ٧٤٢) رقم (٣٥٩)؛ والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢٩) عن ابن عباس مرفوعًا.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وانظر الدر المنثور (٧/ ٧٤).\n(٢) تقدم (١/ ١٨٦).\n(٣) انظر: هذا المبحث في لوامع الأنوار (٢/ ١٥٨) بتوسع أكثر.","vol":"2","page":222},{"text":"ففي البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس -﵄- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يخطب على المنبر يقول: \"إنكم ملاقوا اللَّه حفاة عراة غرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] (١).\nومثله في الصحيحين أيضًا من حديث عائشة ﵂ (٢).\nومثله أيضًا من حديث أم سلمة أخرجه الطبراني في الأوسط بسند صحيح وفيه: فقالت أم سلمة ﵂ فقلت يا رسول اللَّه واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: شغل الناس، فقلت: ما شغلهم؟ قال: نشر الصحائف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل\" (٣).\nوروي مثله عن أم المؤمنين سودة بنت زمعة -﵂-: \"شغل الناس ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧].\nرواه الطبراني أيضًا ورواته ثقات (٤).\n_________\n(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (٦/ ٤٤٥) في الأنبياء باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ رقم (٣٣٤٩) وفي مواضع أخر. انظر الأرقام (٣٤٤٧) و(٤٦٢٥) و(٤٦٢٦)، (٤٧٤٠) و(٦٥٢٤) - (٦٥٢٦)؛ ومسلم رقم (٢٨٦٠ في كتاب الجنة، باب فناء الدنيا وبيان الحشر ويوم القيامة.\n(٢) رواه البخاري في صحيحه (١١/ ٣٨٥) في الرقاق، باب كيف الحشر، ومسلم رقم (٢٨٥٩) في كتاب الجنة، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة.\n(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٣) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير محمد بن موسى بن أبي عياش وهو ثقة.\n(٤) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٣٤).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٣) رجاله رجال الصحيح غير محمد بن (أبي) عياش وهو ثقة. وأورده ابن كثير في النهاية (١/ ٢٠٩)؛ وقال رواه البيهقي وإسناده جيد.","vol":"2","page":223},{"text":"والحاصل أن إعادة الأجسام حق يجب الإيمان به ثم هذه الإعادة هل هي للعدم المحض، أو التفريق المحض؟\nوالمشهور أنه جمع متفرق، والأصح أنه إيجاد بعد عدم.\nوقد نص عليه علماء السنة، وكذا المعتزلة، وهو مذهب أهل التحقيق وباللَّه التوفيق (١).\nفينفخ إسرافيل في الصور (٢) نفخة البعث والنشور كما جاء في الكتاب العزيز المكنون:\n﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١].\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٨ - ١٠].\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ. . .﴾ الآيه [ق: ٤١ - ٤٢].\nقال المفسرون: المنادي هو إسرافيل ﵇ ينفخ في الصور وينادي أيتها العظام البالية الأوصال والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة إن اللَّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء (٣) وقيل ينفخ إسرافيل وينادي جبريل (٤).\n_________\n(١) انظر: لوامع الأنوار (٢/ ١٦٠).\n(٢) في \"ظ\" قف على النفخ في الصور.\n(٣) قاله كعب الأحبار ومقاتل. انظر: الدر المنثور (٧/ ٦١١) وتفسير ابن كثير والبغوي (٨/ ٥٧).\n(٤) تفسير القرطبي (١٧/ ٢٧).","vol":"2","page":224},{"text":"قال جماعة من المفسرين المكان القريب: صخرة بيت المقدس (١).\nوأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ما بين النفختين -أي نفخة الصعق، ونفخة البعث أربعون، قيل أربعون يومًا؟ قال أبو هريرة أبيت قيل أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قيل أربعون سنة؟ قال أبيت، ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب منه يركب الخلق يوم القيامة\".\nوفي رواية لمسلم: إن في الإنسان عظمًا لا تأكه الأرض أبدًا فيه (يركب) (٢) الخلق يوم القيامة، قالوا: أي عظم هو يا رسول اللَّه؟ قال: عجب الذنب\" ورواه مالك وأبو داود والنسائي باختصار (٣).\nوروى نحوه الإمام أحمد وابن حبان من حديث أبي سعيد مرفوعًا: قيل وما هو يا رسول اللَّه؟ قال: \"مثل حبة خردل منه تنبتون\" (٤).\n_________\n(١) قاله ابن عباس وقتادة وغيرهم. انظر الدر المنثور (٧/ ٦١٢)؛ والقرطبي في تفسيره (١٧/ ٢٧)؛ والتذكرة له (ص ٢٤٦ - ٢٤٧)؛ ولوامع الأنوار (٢/ ١٦٤).\n(٢) في النسختين فيه ركب الخلق والمثبت من صحيح مسلم.\n(٣) الحديث أخرجه البخاري (٨/ ٤١٣) رقم (٤٨١٣) في التفسير باب ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]؛ ومسلم رقم (٢٩٥٥) في الفتن: باب ما بين النفختين، ومالك في الموطأ (١/ ٢٣٩) في الجنائز، باب جامع الجنائز؛ وأبو داود رقم (٤٧٤٣) في السنة، باب في ذكر المبحث والصور؛ والنسائي (٤/ ٩١) في الجنائز باب أرواح المؤمنين.\n(٤) أخرجه الإمام في المسند (٣/ ٢٨)؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان (٥/ ٥٥ - ٥٦) ولفظه: \"يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه قيل ومثل ما هو يا رسول اللَّه؟ قال: مثل حبة خردل منه تنبتون\" قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٢) بعد إيراده: \"إسناده حسن\".","vol":"2","page":225},{"text":"وفي تفسير الثعلبي (١)، وابن عطية (٢) عن أبي هريرة وابن عباس -﵃-: \"إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أمطر عليهم أربعين عامًا كمني الرجال من تحت العرش يدعى ماء (الحيوان) (٣) فينبتون من قبورهم بذلك المطر كما ينبت الزرع من الماء حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح ثم يلقى عليهم نومة فينامون في قبورهم، فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية قاموا وهم يجدون طعم النوم في أعينهم كما يجده النائم إذا استيقظ من نومه فعند ذلك يقولون ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] (٤).\nوفي الصحيحين من حديث أنس -﵁- أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤] أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه\".\nقال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا (٥).\n_________\n(١) الثعلبي: تقدم (١/ ٣٧٥).\n(٢) ابن عطية: تقدم (٢/ ١٩٥).\n(٣) في \"ظ\" الحياة والمثبت من الأصل، ومن كتب مصادر الأثر في التفسير.\n(٤) وأما الأثر ذكره ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤) تحقيق أحمد شاكر، طبع المعارف بمصر، عن أبي هريرة بغير إسناد؛ وذكره البغوى في تفسيره (٣/ ٤٩٣) عن أبي هريرة وابن عباس -﵄- ولم يسنده وأورده ابن عطية في تفسيره (٧/ ٨٥) من رواية ابن جرير. وقال الشيخ أحمد شاكر -﵀-: \"لم أجد هذا النص في شيء من مراجعي\".\n(٥) سبق تخريجه في التعليق على (٢/ ٢١٦). فقرة ٤.","vol":"2","page":226},{"text":"ثم يقف الناس على أرض \"قد مدها اللَّه كما يمد الأديم العكاظي\" (١) \"فهم في ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها، فالسعيد يومئذ من يجد لقدمه مقامًا، وأكثر الأقدام يومئذ بعضها على بعض (٢) لأن اللَّه يجمع في ذلك اليوم الأولين والآخرين، ويوم الوقوف أهوال عظيمة وكربات جسيمة تذيب الأكباد وتذهل المراضع وتشيب الأولاد (٣) وهو حق ثابت ورد به الكتاب والسنة، وانعقد عليه الإجماع وهو يوم القيامة لقيام الناس من قبورهم فيقومون لرب العالمين.\n_________\n(١) وردت هذه الصفة في حديث الصور الطويل الذي رواه أبو يعلى الموصلي، كما في النهاية لابن كثير (١/ ١٧٢ - ١٧٨) والطبراني في الكبير (٢٥/ ٢٦٦) من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا، وقد تكلم الحافظ ابن كثير عليه متنًا وإسنادًا.\nالنهاية لابن كثير (١/ ١٧٢) وما بعدها؛ وتفسيره (٣/ ٣٣٧) وما بعدها.\nووردت من قول ابن عباس رواه البيهقي في البعث والنشور. انظر الدر المنثور (٥/ ٥٧).\nومعنى الأديم العكاظي: الأديم الجلد.\nوعكاظ: اسم سوق من أسواق العرب، وموسم من مواسم الجاهلية، كانت قبائل العرب يجتمعون بها كل سنة فيتفاخرون ويحضرها الشعراء فيتناشدون ما أحدثوا من الشعر -وهي في موضع قرب الطائف.\nوعكاظي: منسوب إليها وهو مما حمل إلى عكاظ فبيع بها.\nلسان العرب (٩/ ٣٢٧) (عكظ)؛ المغرب (١/ ٣٣).\n(٢) ذكر الشارح ﵀ في كتابه اللوامع (٢/ ١٦٨) أن هذا من كلام ابن عباس.\nوأخرج الوائلي كما في التذكرة للقرطبي (١/ ٢٨٩) نحوه عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا.\nوأخرج ابن المبارك في الزهد (ص ١١٠) (الزيادات) عن عبيد اللَّه بن العيزار نحوه.\n(٣) في \"ظ\": الأطفال.","vol":"2","page":227},{"text":"ففي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قال: \"يقوم أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه (١) قال ابن عمر -﵁-: \"يقومون مائة سنة\" (٢).\nويروى عن كعب (٣): \"يقومون ثلاثمائة سنة\" (٤)\nوروى أبو يعلى بإسناد صحيح، وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"يوم يقوم الناس لرب العالمين مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة فيهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب\" (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري في صحيحه (٨/ ٥٦٥) رقم (٤٩٣٨) في التفسير باب: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ ومسلم رقم (٢٨٦٢) في كتاب الجنة، باب في صفة يوم القيامة.\n(٢) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٣٠/ ٩٢).\n(٣) كعب بن ماتع الحميري اليماني العلامة الحبر، المعروف بكعب الأحبار، كان يهوديًا فأسلم بعد وفاة النبي -ﷺ- وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر -﵁- فجالس الصحابة ﵃ فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية ويحفظ عجائب ويأخذ السنن عن الصحابة، وكان حسن الإسلام، متين الديانة من نبلاء العلماء، مات في آخر خلافة عثمان.\nسير أعلام النبلاء (٣/ ٤٨٩).\n(٤) رواه عنه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٩٣) وابن المنذر؛ كما في الدر المنثور (٨/ ٤٤٣).\n(٥) رواه أبو يعلى في مسنده (١٠/ ٤١٥) رقم (٦٠٢٥)؛ وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (٩/ ٢١٦) رقم (٧٢٨٩).\nوذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٧).\nوقال: \"رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح، غير إسماعيل بن عبد اللَّه بن خالد وهو ثقة\".","vol":"2","page":228},{"text":"وروى الإمام أحمد وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: \"يومًا كان مقداره خمسين ألف سنة\" فقيل ما أطول هذا اليوم، قال النبي -ﷺ-: \"والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة\" (١).\nوقيل: مقدار الوقوف ألف سنة كما رواه الطبراني من حديث ابن عمر مرفوعًا ولفظه: \"أما مقام الناس بين يدى رب العالمين فألف سنة لا يؤذن لهم\" (٢).\nوأخرج البيهقي عنه مرفوعًا: \"يمكثون ألف عام في الظلمة يوم القيامة لا يكلمون\" (٣).\nوروى ابن أبي الدنيا والطبراني من طرق أحدها صحيح والحاكم، وقال صحيح الإسناد عن ابن مسعود ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"يجمع اللَّه الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء. . .\" (٤) الحديث.\n_________\n(١) رواه الإمام أحد في المسند (٣/ ٧٥)؛ وأبو يعلى في مسنده (٢/ ٥٢٧) رقم (١٣٩٠)؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان (٩/ ٢١٦) رقم (٧٢٩٠)؛ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٧) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى وإسناده حسن على ضعف في روايته\".\nقلت: ويشهد له الحديث الذي قبله.\n(٢) رواه الطبراني كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٧) بأطول مما ذكر المؤلف، وقال الهيثمي رواه الطبراني، وفيه هشام بن بلال ولم أعرفه وبقية رجاله وثقوا.\nتنبيه: وقع عند الشارح هنا ابن عمر والذي في مجمع الزوائد: عبد اللَّه بن عمرو.\n(٣) لم أجده.\n(٤) رواه الحاكم (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧) وفي (٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢)؛ والطبراني في الكبير (٩/ ٤١٦ - ٤٢١) رقم (٩٧٦٣) في حديث طويل واللفظ للطبراني.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٤٣): \"رواه الطبراني من طرق ورجال أحدها رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني وهو ثقة.","vol":"2","page":229},{"text":"وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: \"يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا ويلجمهم حتي يبلغ آذانهم.\nوفي بعض ألفاظ الصحيح: \"سبعين باعًا\" (١).\nوفي مسلم عن المقداد ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين قال: فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا\" (٢).\nقال ابن مسعود -﵁-: \"الأرض كلها نار يوم القيامة، والجنة من ورائها كواعبها وأكوابها، والذي نفس عبد اللَّه بيده إن الرجل ليفيض عرقًا حتى (يسيح) (٣) في الأرض قامته ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه وما مسه الحساب، قالوا مم ذاك يا أبا عبد الرحمن، قال: مما يرى الناس\" (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (١١/ ٤٠٠) في الرقاق، باب قول اللَّه تعالى ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ ومسلم رقم (٢٨٦٣) في كتاب الجنة، باب في صفة القيامة أعاننا اللَّه على أهوالها.\n(٢) رواه مسلم رقم (٢٨٦٤) في كتاب الجنة، باب في صفة يوم القيامة أعاننا اللَّه على أهوالها.\n(٣) في \"ظ\": يسيخ بالخاء والمثبت متى الأصل ومن المصادر.\nقال ابن الأثير في معنى: سيح: \"أصله من السيح وهو الماء الجاري المنبسط على وجه الأرض، والمعنى أن العرق يرتفع قدر طوله. النهاية (٣/ ٤٣٢).\n(٤) رواه الطبراني في الكبير (٩/ ١٦٨) رقم (٨٧٧١)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٦): \"رواه الطبراني موقوفًا ورجاله رجال الصحيح\"، وقال المنذري في الترغيب (٤/ ٧٤٤ - ٧٤٥): إسناده جيد قوي.","vol":"2","page":230},{"text":"رواه الطبراني بإسناد جيد قوي.\nوروى الطبراني عن ابن مسعود ﵁ أيضًا مرفوعًا: \"إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول: يا رب أرحني ولو إلى النار\".\nورواه أبو يعلى وابن حبان بلفظ: \"إن الكافر ليلجمه العرق\" (١).\nوأخرج الحاكم وصححه عن جابر -﵁- مرفوعًا: \" (إن العرق) (٢) ليلزم المرء في الموقف حتى يقول: يا رب إرسالك بي إلى النار أهون عليَّ مما أجد، وهو يعلم ما فيها من شدة العذاب\" (٣).\nثم يقع الحساب والفصل بين العباد بشفاعة النبي -ﷺ- التي هى لفصل القضاء، وهي الشفاعة العظمى التي يتدافعها ذوو (العزم) (٤) من الأنبياء من آدم إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈ إلى أن تنتهى إلى نبينا -ﷺ- فيقول أنا لها\n_________\n(١) رواه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٢٢ - ١٢٣، ١٣١) وأبو يعلى في مسنده (٨/ ٣٩٨) رقم (٤٩٨٢)؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان (٩/ ٢١٦).\nقال المنذري في الترغيب (٤/ ٧٤٥): \"إسناده جيد\".\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٦): \"رواه الطبراني مرفوعًا وموقوفًا بإسنادين ورواه في الأوسط. . . ورجال الكبير رجال الصحيح، وفي رجال الأوسط محمد بن إسحاق وهو ثقة ولكنه مدلس\".\n(٢) كذا في النسختين، وفي المستدرك (٤/ ٥٧٧) (إن العار).\n(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٧٧)؛ وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: \"قلت الفضل واه\".\nوقال المنذري في الترغيب: رواه البزار والحاكم عن حديث الفضل بن عيسى وهو واه\".\nالترغيب ٤/ ٧٤٥ - ٧٤٦، وذكره الألباني في ضعيف الجامع ٢/ ٥٧ رقم ١٤٦٩.\n(٤) في الأصل: (ذوو الغرام) وهو خطأ والمثبت من \"ظ\" وهو الصواب.","vol":"2","page":231},{"text":"وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، وهي تعم جميع أهل الموقف لأجل إراحتهم من ألم الوقوف والشروع في الحساب، وأحاديثها بلغت التواتر (١).\nوهذه الشفاعة مجمع عليها لم ينكرها أحد ممن يقول بالحشر من هذه الأمة، إذ هي للإراحة من طول الوقوف.\nثم الحساب: مصدر حاسب وحسب الشيء يحسبه بالضم إذا عده وهو معنى قول من قال الحساب لغة: العد.\nواصطلاحًا: توقيف اللَّه عباده قبل الإنصراف من المحشر على أعمالهم خيرًا كانت أو شرًا تفضيلًا.\nقال الثعالبي: الحساب (٢) تعريف اللَّه ﷿ الخلائق مقادير الجزاء على أعمالهم (وتذكيره إياهم) (٣) ما قد نسوه من ذلك كما دل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦].\n_________\n(١) انظر: أحاديث الشفاعة في جامع الأصول (١٠/ ٤٧٥) وما بعدها؛ ومسلم بشرح النووي (٣/ ٥٣) وما بعدها؛ وتفسير ابن كثير (٥/ ٢١٥) وما بعدها، عند قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾؛ وتهذيب سنن أبي داود لابن القيم (٧/ ٢٩) وما بعدها. وقد أوردها في الأحاديث المتواترة كل من: مرتضى الزبيدي في لفظ اللآلي المتناثرة في الأحاديث المتواترة (ص ٧٥)؛ والسيوطي في قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة رقم (١١٢) (ص ٣٠٣)؛ والكتاني في نظم المتناثر في الحديث المتواتر (ص ١٤٩ - ١٥٠).\n(٢) ساقطة من \"ظ\".\n(٣) في \"ظ\": (وتذكيرهم إياه) والمثبت من الأصل وهو الصحيح.","vol":"2","page":232},{"text":"فيكلم اللَّه تعالى عباده في شأن أعمالهم، وما لها من الثواب وما عليها من العقاب (١) كما ورد ذلك في السنة (الصحيحة المريحة) (٢) ومحكم الكتاب.\nقال القرطبي كغيره من أهل العلم: إن اللَّه سبحانه يكلم المسلمين عند الحساب من غير ترجمان (٣) إكرامًا لهم ولا يكلم الكافرين، بل تحاسبهم الملائكة إهانة لهم وتمييزًا لأهل الكرامة (٤) فإذا خلصوا من الحساب وصاروا إما إلى الجنة وإما إلى النار وهي -يعني النار- (٥) دار الكفار بالأصالة. وربما دخلها طوائف من المسلمين من أهل المعاصي وكبائر الذنوب فيعذبون فيها بذنوبهم، ثم تدركهم رحمة أرحم الراحمين وشفاعة النبيين (والصدقين) (٦) فيخرجون منها. . .\nوالى هذا أشار الناظم بقوله: (وقل) (٧) أيها المؤمن بالقرآن وبالنبي المصطفى سيد ولد عدنان، وبما جاء به من الشريعة الواضحة البرهان الفاضحة\n_________\n(١) انظر: هذا المعنى في تفسير القرطبي (١/ ٤٣٥)؛ والخازن (١/ ١٣١)؛ ولوامع الأنوار (٢/ ١٧١ - ١٧٢).\n(٢) ما بين القوسين ليس في \"ظ\".\n(٣) كما جاء ذلك في الأحاديث الصحيحة من ذلك: ما رواه البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ما منكم من أحد إلا سيكلمه اللَّه يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، ثم ينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئًا قدمه، ثم ينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئًا قدمه، ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار فإن استطاع منكم أن يقي وجهه النار ولو بشق تمرة فليفعل\".\nانظر فتح الباري (١٣/ ٤٣٣) رقم (٧٤٤٣)؛ ومسلم رقم (١٠١٦).\n(٤) انظر: التذكرة للقرطبي (ص ٢٧٢).\n(٥) ساقطة من \"ظ\".\n(٦) في الأصل: (والصدقين) والمثبت من \"ظ\" وهو الصواب.\n(٧) كتب هنا في هامش \"ظ\" بلغ مقابلة.","vol":"2","page":233},{"text":"لأهل الإفك والزيغ والبهتان من سائر الملل والأديان مفصحًا بلسانك ومعتقدًا بجنانك، منقادًا بسائر جوارحك وأركانك (يخرج اللَّه العظيم بفضله) (١) العميم وكرمه الجسيم وعفوه الفخيم (من النار) المعهودة التي هى نار جهنم الموقودة (أجسادًا) بعد دخولها فيها وإصابتها من عذابها ما تستحقه منها.\nكما في صحيح مسلم والحاكم من حديث سمرة بن جندب -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته (٢) ومنهم من تأخذه إلى ترقوته\" (٣) (٤).\nوفي صحيح مسلم عن جابر -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"يدخل قوم النار من هذه الأمة فتحرقهم النار إلا دارت وجوههم ثم يخرجون منها\" (٥).\nوأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس\n_________\n(١) كتب في هامش \"ظ\": قف على ذكر الشفاعة وأنواعها.\n(٢) في \"ظ\": عجزته، ومعنى حجزته: أي مشد إزاره. النهاية (١/ ٣٤٤).\n(٣) في \"ظ\": (ترقوته) وهو خطأ.\n(٤) رواه مسلم رقم (٢٨٤٥) في كتاب الجنة، باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها وما تأخذ من المعذبين (٤/ ٢١٨٥)؛ والحكم في المستدرك (٤/ ٥٨٦)؛ وليس في هذا الحديث دليل على مراد المؤلف من خروج العصاة من أمة محمد -ﷺ- من النار لكن سيأتي من الأحاديث ما يدل على ذلك، واللَّه أعلم.\n(٥) رواه مسلم رقم (٣١٩) في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٧٨).","vol":"2","page":234},{"text":"أصابتهم النار بذنوبهم فأماتتهم إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر\".\nقال في النهاية: \"أي جماعات في تفرقة واحدتها ضبارة مثل عمارة وعماير وكل مجتمع ضبارة\".\nوفي رواية أخرى: \"فيخرجون ضبارات ضبارات\" هو جمع صحة للضبارة والأول جمع تكسير\" انتهى (١).\n\"فبثوا على أنهار الجنة\".\nوهو معنى قول الناظم: (من الفحم): أي بعد ما صاروا فحمًا، والفحم: محركة وبسكون الحاء المهملة، وكأمير: الجمر الطافي والفحمة واحدته (٢).\n(تطرح): أي ترمى وتلقى، يقال طرحه وطرح به كمنعه رماه وأبعده كطرحه واطرحه (٣) -كما في القاموس- (٤).\n(على النهر): متعلق بتطرح (في) جنة (الفردوس): وهذا معنى حديث أبي سعيد الخدري -﵁- المذكور: \"فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة (ثم قيل) (٥) يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة\n_________\n(١) النهاية (٣/ ٧١ - ٧٢).\n(٢) القاموس (٤/ ١٦٠) (فحم).\n(٣) في \"ظ\" واطره.\n(٤) القاموس (١/ ٢٤٥) (طرح).\n(٥) في الأصل: (فيسيل).\nوفي \"ظ\" (فيسئل). والمثبت من صحيح مسلم.","vol":"2","page":235},{"text":"في حميل (١) السيل\" (٢).\nوهو المراد بقول الناظم رحمه اللَّه تعالى: (تحيا) تلك الأجساد بعد ما صارت فحمًا وطرحت على النهر الذي هو في جنة الفردوس بإصابة (مائة) أي ماء ذلك النهر لتلك الأجساد، وتنبت تلك الأجساد بسيلان ماء أنهار الجنة عليها كما تنبت (حبة حمل السيل) أي الحبة التي يحملها السيل (إذ جاء) ذلك (٣) السيل: أي وقت مجيئه.\n(يطفح): أي يفيض، يقال: طفح الإناء كمنع طفحًا، وطفوحًا امتلأ وارتفع وإناء طفحان يفيض من جوانبه.\nقوله: (٤) نبات الحبة: أي بكسر الحاء المهملة: بزر البقول والرياحين ونحوها.\nوأما ما تفتح حاؤه فهو ما يبذر، ذكره الحافظ المنذري (٥).\nوقوله: (في حميل السيل) يعني بفتح الحاء المهملة وكسر الميم هو الزبد وما يقبله على شاطئه ومثله الغثاء.\nقال: في النهاية: \"الغثاء بالضم والمد ما يجيء فرق السيل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره\".\n_________\n(١) في \"ظ\": حبيل وهو خطأ.\n(٢) حديث أبي سعيد أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٨٥) في الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار (١/ ١٧٢ - ١٧٣).\n(٣) في \"ظ\" ذاك.\n(٤) من هنا سقط في نسخه \"ظ\" إلى قوله فيما يأتي (٢٣٨) قال الحافظ ابن رجب.\n(٥) انظر: الترغيب والترهيب (٤/ ٧٨٤) وقد مضت ترجمة المنذري (١/ ٢٠٤).","vol":"2","page":236},{"text":"قال: وفي كتاب مسلم \"كما تنبت الغثاة\" يريد ما احتمله السيل من البزورات ومنه حديث الحسن: \"هذا الغشاء الذي كنا نحدث عنه\" يريد أراذل الناس وسقطهم\" (١).\nوأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري -﵁- أيضًا- عن النبي -ﷺ- قال: \"حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة للَّه تعالى في استيفاء الحق من المؤمنين للَّه تعالى يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون ويصلون معنا ويحجون، فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار أنصاف ساقية وإلى ركبتيه فيقولون: ربنا ما بقى فيها أحد مما أمرتنا به فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون ربنا لم نذر ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار. . .\" الحديث.\nثم \"مثقال ذرة\".\nوكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرأوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].\nفيقول اللَّه تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج بها قومًا لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حمما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون\n_________\n(١) النهاية (٣/ ٣٤٣).","vol":"2","page":237},{"text":"كما تخرج الحبة في حمل السيل (١) (٢).\nقال الحافظ ابن رجب (٣) في كتابه \"صفة النار\" (٤) المراد بقوله -ﷺ- لم يعملوا خيرًا قط من أعمال الجوار وإن كان أصل التوحيد معهم، ولهذا جاء في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار أنه لم يعمل خيرًا قط غير التوحيد. أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا\" (٥).\nوأخرج الحاكم بسند صحيح من حديث أبي سعيد الخدري أيضًا -﵁- عن النبي -ﷺ-. . . وفيه: \"ومنهم من أخذته (أي النار) إلى عنقه ولم تغش الوجوه\" قال: \"فيستخرجونهم فيطرحون في ماء الحياة، قيل: يا نبي اللَّه وما ماء الحياة؟ قال: غسل أهل الجنة فينبتون فيها كما تنبت الزرعة في غثاء السيل ثم يشفع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في كل من كان يشهد أن لا إله إلا اللَّه مخلصًا فيستخرجونهم منها ثم يتحنن اللَّه سبحانه برحمته على من فيها فما يترك فيها عبدًا في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا أخرجه منها\" (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣/ ٤٣١) في التوحيد باب ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وفي تفسير سورة النساء، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، وفي تفسير سورة ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾؛ ومسلم رقم (١٨٣) في الإيمان باب معرفة طريق الرؤية، بأطول مما ذكره المؤلف.\n(٢) نهاية السقط في نسخة \"ظ\".\n(٣) ابن رجب: تقدم (١/ ١٧٧).\n(٤) اسمه بالكامل: \"التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار\" والنص فيه (ص ٢٦٠).\n(٥) أخرجه البخاري (٦/ ٥٩٤) في الأنبياء؛ وفي الوحيد رقم (٧٥٠٦)؛ ومسلم رقم (٢٧٥٦) في التوبة باب في سعة رحمة اللَّه وأنها سبقت غضبه.\nوأخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٩٨، ٢/ ٣٠٤).\n(٦) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٨٥ - ٥٨٦) وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\".","vol":"2","page":238},{"text":"وأخرجاه في الصحيحين عنه مرفوعًا ولفظه: \"يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول اللَّه ﷿: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحياء أو الحياة بالشك من الإمام مالك فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملوية\" (١). هذا لفظ البخاري.\nولفظ مسلم: \"فيخرجون منها حممًا قد امتحشوا\" (٢) -أي احترقوا والمحش احتراق الجلد وظهور العظم- كما في النهاية. (٣).\nويروى: \"امتحشوا بضم المثناة فوق مبنيًا لما لم يسم فاعله\" (٤).\nوفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"يجمع اللَّه الناس يوم القيامة. . .\" الحديث وفيه: \"حتى إذا فرغ تعالى من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك باللَّه شيئًا ممن دخل النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم اللَّه على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل\" (٥).\n_________\n(١) في النسختين: متلوية والمثبت من صحيح البخاري.\n(٢) أخرجه البخاري (١/ ٩١) في الإيمان باب تفاضل أهل الإيمان، وفي الرقاق باب صفة الجنة والنار؛ ومسلم رقم (١٨٤) في الإيمان باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار.\n(٣) النهاية (٤/ ٣٠٢).\n(٤) نفس المصدر.\n(٥) رواه البخاري (١١/ ٤٥٣) في الرقاق باب الصراط جسر جهنم وفي صفة الصلاة باب =","vol":"2","page":239},{"text":"وظاهر ما قدمنا من الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة على أن هؤلاء يموتون حقيقة وتفارق أرواحهم أجسادهم، ويدل له أيضًا ما أخرجه البزار عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: \"إن أدنى أهل الجنة حظًا أو نصيبًا قوم يخرجهم اللَّه تعالى من النار فيرتاح لهم الرب ﵎ وذلك أنهم كانوا لا يشركون باللَّه شيئًا فينبذون بالعراء فينبتون كما ينبت البقل حتى إذا دخلت الأرواح أجسادهم فيقولون ربنا (كما) (١) أخرجتنا من النار ورجعت الأرواح إلى أجسادنا فاصرف وجوهنا عن النار فيصرف وجوههم عن النار\" (٢).\nقال القرطبي -رحمه اللَّه تعالى-: في قوله -ﷺ-: \"فأماتهم اللَّه إماتة، هذه الموتة للعصاة موتة حقيقية لأنه أكدها بالمصدر وذلك تكريمًا لهم حتى لا يحسوا بالعذاب\" قال: فإن قيل فأي فائدة حينئذ في إدخالهم النار وهم لا يحسون بالعذاب؟.\nفالجواب يجوز أن يدخلهم تأديبًا لهم وإن لم يذوقوا فيها العذاب ويكون صرف نعيم الجنة عنهم مدة كونهم فيها عقوبة لهم كالمحبوسين في السجن فإن السجن عقوبة لهم، وإن لم يكن من غل ولا قيد، قال: ويحتمل أنهم يعذبون أولًا وبعد ذلك يموتون ويختلف حالهم في طول التعذيب بحسب جرائمهم وآثامهم ويجوز أن يكونوا متألمين حالة موتهم غير أن آلامهم أخف من آلام الكفار (لأن آلام) (٣) الكفار المعذبين وهم موتى أخف من عذابهم وهم أحياء دليله قوله تعالى: ﴿وَحَاقَ\n_________\n= فضل السجود، وفي التوحيد (١٣/ ٤٣٠) باب قول اللَّه تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ومسلم رقم (١٨٢) في الإيمان باب معرفة طريق الرؤية.\n(١) ساقطة من \"ظ\".\n(٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ٢١١) رقم (٣٥٥٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤٠١): \"رواه البزار ورجاله ثقات\".\n(٣) ساقط من \"ظ\".","vol":"2","page":240},{"text":"بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ. . .﴾ إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦].\nفأخبر أن عذابهم إذا بعثوا أشد من عذابهم وهم موتى (١).\nوقال في \"مطامح الأفهام\" (٢): \"يجوز أن يريد بالإماتة المذكورة أنه أنامهم وقد سمى اللَّه تعالى النوم وفاة (٣) لأن فيه نوعًا من إعدام الحس وفي الحديث المرفوع: \"إذا أدخل اللَّه الموحدين النار أماتهم فيها فإذا أراد أن يخرجهم منها أمسهم العذاب تلك الساعة\" (٤).\nوالمختار ما ذكره القرطبي (٥) من كون الإماته حقيقة أن يكونوا عذبوا قبل الإماتة حتى ماتوا من ألم العذاب لطفًا بهم ورحمة (٦) واللَّه أعلم.\nتنبيه: أشار الناظم رحمه اللَّه تعالى بقوله: \"وقل يخرج اللَّه العظيم بفضله من\n_________\n(١) انظر التذكرة للقرطبي (٤٠٩ - ٤١٠، ٥٠١ - ٥٠٢).\n(٢) مطامح الأفهام في شرح الأحكام للقاضي عياض بن موسى اليحصبي. ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (٢/ ١٧١٨).\n(٣) كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا. . . .﴾ [الزمر: ٤٢].\n(٤) أشار الحافظ ابن حجر في فتح البخاري (١١/ ٤٧١) إلى هذه الرواية قال: ووقع في حديث أبي هريرة: \"أنهم إذا دخلوا النار ماتوا فإذا أراد اللَّه إخراجهم أمسهم ألم العذاب تلك الساعة\" ولعله يشير إلى حديث أبي هريرة الذي تقدم قبل قليل.\n(٥) في النسختين (مع) ولعل الصواب ما أثبتنا.\n(٦) ورجحه النووي في صرح مسلم (٣/ ٣٨)؛ وابن تيمية في الفتاوى (١/ ١٩٥ - ١٩٦)، والحافظ ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٤٧١)؛ وابن رجب في كتاب التخويف من النار (ص ٢٦٢)؛ وانظر التذكرة للقرطبي (ص ٤٠٩ - ٤١٠، ٥٠١ - ٥٠٢).","vol":"2","page":241},{"text":"النار. . .\" إلخ إلى خلاف الخوارج والمعتزلة.\nفالخوارج يكفرون عصاة الأمة.\nوالمعتزلة يقولون بخروجهم من الإسلام وعدم دخولهم في الكفر فيثبتون منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر، ومع ذلك يخلدونهم في النار إذا لم يتوبوا فعند الخوارج والمعتزلة جميعًا أن من دخل النار لا يخرج منها أبدًا، بل كل من دخلها يخلد فيها أبد الآباد محتجين بظاهر قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨].\nوبقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].\nفزعموا أن كل من دخل جهنم يخلد فيها لأنه إما كافر، أو صاحب كبيرة مات بلا توبة، هذا رأيهم ورأي من وافقهم وهو فاسد ومذهب مبطل معاند ترده الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة وإجماع أهل الحق أيدهما اللَّه تعالى رحمة للخلق.\nوأجابوا عن الآية الكريمة أن المراد بقوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ الكفار للآيات الواردة والأخبار الثابتة في الشفاعة.\nقال القاضي البيضاوي: (١) \"تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر، وأجيب بأنها مخصوصة بالكفار، ويؤيد هذا أن سياق الخطاب معهم، والآية نزلت ردًا لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم\" انتهى (٢).\nوأجابوا أيضًا عن قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أن\n_________\n(١) تقدمت ترجمته (١/ ١٦٨).\n(٢) تفسير البيضاوي (١/ ٦٠).","vol":"2","page":242},{"text":"المراد بالظالمين الكفار، فإن الظالم على الإطلاق هو الكافر.\nوزعمت (١) المعتزلة أيضًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].\n﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] ومن أخزاه اللَّه لا يرتضيه، ومن ارتضاه لا يخزيه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ. . .﴾ [التحريم: ٨].\nوالجواب عن الآية الأولى ما قال سيدنا أنس بن مالك -﵁- خادم رسول اللَّه -ﷺ- معنى (من تدخل): من تخلد\" (٢).\nوقال قتادة: \"تدخل مقلوب تخلد ولا نقول كما قالت أهل حرورا (٣) -يعني الخوارج-\" (٤).\nفعلى هذا قوله: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ على باب من الهلاك أي أهلكته وأبعدته ومقته.\n_________\n(١) كذا في النسختين ولعل الصواب، واحتجت المعنزلة بقوله تعالى. . . .\n(٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٢١١).\n(٣) حروراء: بفتحتين وسكون الواو وراء أخرى وألف ممدوة قرية بظاهر الكوفة بالعراق نزل بها الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب فنسبوا إليها.\nمعجم البلدان (٢/ ٢٤٥).\n(٤) الخوارج سبق التعريف بهم (١/ ١٧٨) والأثر عن قتادة أورده القرطبي في تفسيره (٤/ ٣١٦)؛ وفي التذكرة (ص ٤١٤).","vol":"2","page":243},{"text":"ولهذا قال سعيد بن المسيب: \"الآية جاءت خاصة في قوم لا يخرجون من النار\" (١).\nدليله قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي الكفار، وإن سلم أن الآية في عصاة الموحدين، فالمراد بالخزي: الحياء، يقال: خزي خزاية إذا استحى فهو خزيان وامرأة خزيا فخزى المؤمنين يومئذ استحياؤهم من دخول النار، ودار البوار مع أهل الشرك والكفار ثم يخرجون بشفاعة النبي الكريم ورحمة الرؤوف الرحيم (٢).\nوفي النصرة لا يستلزم نفي الشفاعة لأنها طلب مع خضوع والنصرة ربما تنبني بالمدافعة والممانعة (والاستعلا) (٣) على أننا نقول لا يسلم لهم زعمهم أن الفاسق غير مرضي مطلقا بل هو مرضي من جهة الإيمان والعمل الصالح وإن كان مبغوضًا من جهة الذنوب والعصيان وارتكاب القبائح، بخلاف الكافر فإنه ليس بمرضى مطلقًا لعدم الأساس الذي تنبني عليه الحسنات والاعتداد بالكمالات وهو الإيمان (٤).\nوالحاصل أن من الواجب اعتقاده أن اللَّه تعالى يخرج من النار بفضله وبشفاعة أنبيائه وأهل القرب منه كل موحد وإن كان فاسقًا ولو لم يتب خلافًا للخوارج والمعتزلة (٥) واللَّه أعلم.\n_________\n(١) انظر: الدر المنثور (٢/ ٤١٠).\n(٢) انظر التذكرة للقرطبي (ص ٤١٤ - ٤١٥)؛ وتفسيره (٤/ ٣١٦).\n(٣) ساقط من \"ظ\".\n(٤) انظر شرح المقاصد (٥/ ١٥٧) وما بعدها؛ لوامع الأنوار (٢/ ٢١٧ - ٢١٨).\n(٥) انظر: اتفاق أهل السنة على ثبوت الشفاعة وخروج العصاة من الموحدين من النار والرد على المعتزلة والخوارج في إنكارها، صحيح مسلم بشرح النووي (٣/ ٣٥)؛ ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (١/ ١٤٨) وما بعدها؛ (١١/ ١٨٤ - ١٨٥) وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٥٢) وما بعدها؛ والوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٨٨) وما بعدها، والسنة للآلكائي (٦/ ١٠٨٩) وما بعدها؛ والشريعة للآجري (ص ٣٣١) وما بعدها.","vol":"2","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>فصل في الشفاعة وأنواعها وإثباتها بالبرهان </span>القطعي\nولما ذكر الناظم -رحمه اللَّه تعالى- أن من الواجب اعتقاد خروج من يدخل النار من عصاة الموحدين منها ناسب ذكر شفاعة النبي -ﷺ- في عصاة أمته وأهل الكبائر منهم فقال: (و) قل بلسانك معتقدًا بجنانك (إن رسول اللَّه) -ﷺ- والرسول: إنسان أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي فقط، فإذًا كل رسول نبي بلا عكس (١).\nورسل اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليهم على ما في حديث أبي ذر -﵁- عند ابن حبان في صحيحه: ثلاثمائة وثلاثة عشر أولهم آدم ﵇ وخاتمهم نبينا محمد -ﷺ- وعليهم أجمعين.\nوأما الأنبياء فمائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفا (٢).\n_________\n(١) وهذا ما قرره شيخ الإسلام في كتابه النبوات (ص ٢٥٥) في الفرق بين النبي والرسول؛ والمؤلف في كتابه لوامع الأنوار (١/ ٤٩ - ٥٠، ٢/ ٢٥٨).\nوانظر في ذلك الشفاء للقاض عياض (١/ ٣٤٥) وما بعدها.\n(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه -الإحسان- (١/ ٢٨٧ - ٢٨٩) رقم (٣٦٢) ورقم (٣٦١) الطبعة الثانية.\nوأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦ - ١٦٨) وابن مردويه في تفسيره كما في تفسير ابن كثير (٣/ ٢٨ - ٣١)؛ والآجري في كتاب الأربعين (ص ١٢٧) في حديث طويل وأخرج الطبراني في الكبير (٢/ ١٦٧ - ١٦٨) رقم (١٦٥١) وفي مكارم الأخلاق رقم (١) والقضاعى في مسند الشهاب (١/ ٣٧٨) جزء منه كلهم من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني.\nقال الذهبي في ترجمته وهو صاحب حديث أبي ذر الطويل انفرد به عن أبيه عن جده، ونقل توثيقه عن الطبراني وابن حبان. =","vol":"2","page":245},{"text":"وقد اعترض جماعة من الحفاظ على ابن حبان لإدخاله هذا الحديث في صحيحه. واللَّه أعلم.\n(للخلق): جميعًا. . . (١) الجار والمجرور متعلق بقوله: (شافع) الشفاعة العامة التي هي لفصل القضاء كما تقدم.\nوالشفاعة لغة: الوسيلة والطلب.\nوشرعًا: سؤال الخير للغير.\nكذا عرفها بعضهم، والأليق أنها مشتقة من الشفع ضد الوتر فكأنَّ الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له من شفع يشفع بفتح العين المهملة شفاعة فهو شافع وشفيع، والمشفع بكسر الفاء الذي يقبل الشفاعة، فالشفاعة التي هى لعموم الخلق هي الشفاعة العظمى التي يشفع فيها لأهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن يتدافعها الأنبياء أصحاب الشرائع آدم إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام.\n_________\n= وأما أبو حاتم وأبو زرعة فقالا: كذاب.\nوقال ابن كثير في تفسيره: \"ولا شك أنه -إبراهيم- قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث\".\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٦): \"وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني وثقة ابن حبان وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة\".\nقلت: وللحديث طرق أخرى لكنها لا تخلوا من مقال.\nراجع تخريج الحديث في الإحسان (٢/ ٧٦) رقم (٣٦١)، تحقيق شعيب الأرناؤط والأربعين للآجري رقم (٤٠) تحقيق بدر البدر ومسند الشهاب (١/ ٣٧٨) رقم (٦٥١)؛ تخريج حمدى عبد المجيد السلفي.\n(١) في \"ظ\" كتب في مكان هذا الفراغ (شافعًا) وعليه إشارة تدل على أنها خطأ أو كتبت سهوا، والمثبت من الأصل.","vol":"2","page":246},{"text":"وقد وردت من عدة أوجه عن جماعة من الصحابة -﵃- عن النبي -ﷺ- منهم: أبو بكر وأنس وأبو هريرة وابن عباس وابن عمر وحذيفة وعقبة بن عامر وأبي سعيد الخدري وسلمان الفارس -﵃- فهؤلاء ورد أمر الشفاعة في أحاديثهم مطولًا، وورد أيضًا مختصرًا من حديث أبي بن كعب وعبادة ابن الصامت وجابر بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن سلام وغيرهم رضوان اللَّه عليهم أجمعين (١).\nفشفاعة النبي -ﷺ- من السمعيات وردت بها الأخبار وصحت بها الآثار حتى بلغت مبلغ التواتر وانعقد عليها إجماع أهل الحق من السلف الصالح قبل ظهور المبتدعة، لكن تقدم أن هذه الشفاعة التي هى لفصل القضاء وإراحة الخلق من طول الوقوف مجمع عليها (٢).\nوقد ثبت للنبي -ﷺ- الاختصاص بعدة شفاعات سواها منها:\nأنه يشفع -ﷺ- لقوم من أمته أن يدخلهم الجنة بغير حساب وقد روى حديث هذه الشفاعة مسلم في صحيحه (٣).\n_________\n(١) راجع (٢/ ٢٣٢) وفيه ذكر مصادر تخريج أحاديث الشفاعة.\n(٢) انظر (٢/ ٢٣٢).\n(٣) مسلم رقم (١٩٤) في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة، والبخاري أيضًا (٨/ ٢٤٧ - ٢٤٨) رقم (٤٧١٢) في التفسير باب: (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدًا شكورًا) من حديث أبي هريرة -﵁- الطويل في الشفاعة ودليل هذه الشفاعة منه قوله تعالى في جواب قوله -ﷺ- فيه: \"أمتي أمتي: أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب\".\nوقد ضعف الحافظ بن حجر هذا الاستدلال وقال: \"يظهر لي أن دليله سؤاله -ﷺ- الزيادة على السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب فأجيب\" أنتهى.\nوقال ابن القيم بعد أن ذكر أحاديث الشفاعة: \"فقد تضمنت هذه الأحاديث خمسة أنواع =","vol":"2","page":247},{"text":"وجزم بالاختصاص جماعة فهم القاضي عياض والنووى والجلال السيوطي وغيرهم (١).\n_________\n= من الشفاعة.\nأحدها: الشفاعة العامة التي يرغب فيها الناس إلى الأنبياء نبيًا بعد نبي حتى يريحهم اللَّه من مقامهم.\nالنوع الثاني: الشفاعة في فتح باب الجنة لأهلها.\nالنوع الثالت: الشفاعة في دخول من لا حساب عليهم الجنة.\nالنوع الرابع: الشفاعة في إخراج قوم من أهل التوحيد من النار.\nالنوع الخامس: في تخفيف العذاب عن بعض أهل النار.\nويبقى نوعان يذكرهما كثير من الناس:\nأحدهما: في قوم استوجبوا النار، فيشفع فيهم أن لا يدخلوها، وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه.\nوأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر إنما تكون بعد دخولهم النار، وأما أن يشفع فيهم قبل الدخول فلا يدخلون، فلم أظفر فيه بنص.\nوالنوع الثاني: شفاعته -ﷺ- لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب ورفعة الدرجات.\nوهذا قد يستدل عليه بدعاء النبي -ﷺ- لأبي سلمة وقوله: \"اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين\".\nوقوله في حديث أبي موسى: \"اللهم أغفر لعبيد أبي عامر وأجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك\" انتهى.\nانظر: فتح الباري (١١/ ٤٣٦)؛ وتهذيب سنن أبي داود (٧/ ١٣٣ - ١٣٤).\n(١) الذي جزم به القاضي عياض: شفاعته -ﷺ- في دخول من لا حساب عليه من أمته الجنة، كما ورد في حديث أبي هريرة المتفق عليه، والذي تقدم قبل قليل.\nللتفصيل: راجع الشفاء للقاضي عياض (١/ ٣٠١)؛ وصحيح مسلم بشرح النووي (٣/ ٣٥ - ٣٦)؛ والخصائص الكبرى للسيوطي (٢/ ٢١٨)؛ وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٥٢) وما بعدها؛ والتوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٨٨) وما بعدها.","vol":"2","page":248},{"text":"ومنها شفاعته -ﷺ- في قوم استوجبوا النار بأعمالهم، فيشفع فيهم فلا يدخلونها، وقد جزم جماعة بعدم اختصاصه بها، إذ لم يرد نص صريح والأصل عدمه.\nنعم جزم الحافظ السيوطي في \"أنموذج اللبيب\" (١) أنها من خصائصه.\nومنها شفاعته -ﷺ- في رفع درجات أناس في الجنة، وهذه لا تنكرها المعتزلة كالأولى.\nومنها شفاعته في إخراج عموم أمته من النار حتى لا يبقى منهم أحد، ذكره غير واحد من العلماء (٢).\nوكذا يشفع لجماعة من صلحاء المسلمين ليتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات كما ذكره القزويني (٣) في كتابه المسمى بالعروة الوثقى. وباللَّه التوفيق.\n\nتنبيه: الشفاعة التي تنكرها المعتزلة وتجحدها هى فيمن استحق النار من المؤمنين أن لا يدخلها وفيمن دخلها منهم أن يخرج منها، لزعمهم أن انفاذ الوعيد واجب عليه تعالى فكذّبت المبتدعة بشفاعة النبي -ﷺ- ونفتها مع ثبوت أدلتها وتظافر حججها مما ربما يعسر إحصاؤه ويتعذر استقصاؤه.\n_________\n(١) اسمه الكامل: \"النموذج اللبيب في خصائص الحبيب\" وهو مختصر الخصائص الصغرى. له عدة مخطوطات انظرها في دليل مخطوطات السيوطي وأماكن وجودها (ص ١٤١ - ١٤٢).\n(٢) قال في اللوامع (٢/ ٢١٢): \"ذكره السبكي\".\n(٣) قال الحافظ في الفتح (١١/ ٤٣٦): \"ولم يذكر -يعني القزويني- مستندها ويظهر لي أنها تندرج في الخامسة -يعني شفاعته في رفع الدرجات\".","vol":"2","page":249},{"text":"وقد أخرج البخاري عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- أنه خطب فقال: \"سيكون في هذه الأمة قوم يكذّبون بالرجم، وبالدجال، ويكذّبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا\" (١).\nوأخرح سعيد بن منصور (٢) والبيهقي وهناد (٣) عن أنس -﵁- قال: \"من كذّب بالشفاعة فلا نصيب له فيها، ومن كذب بالحوض فليس له فيه نصيب\". (٤).\n_________\n(١) لم أجد هذه الرواية في البخاري.\nوالذي فيه ما رواه عبد اللَّه بن عباس قال: سمعت عمر وهو على منبر رسول اللَّه -ﷺ- يخطب ويقول: \"إن اللَّه بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكان مما أنزل عليه آية الرجم. . . \" الحديث.\nورواه مالك ومسلم وأبو داود والترمذي.\nانظر: جامع الأصول (٣/ ٤٩٤).\nوأما هذه الرواية فأخرجها الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٣)؛ وهناد ابن السري في الزهد رقم (١٩١)؛ وعبد الرزاق في المصنف (٣/ ٥٨٨، ١١/ ٤١٢)؛ والآجري في الشريعة (ص ٣٢٩ - ٣٣٠)؛ واللالكائي في السنة رقم (٢٠٨٤) (٦/ ١١٠٩)؛ والبيهقي في البعث رقم (١٥٩) (ص ١٢٩) وفي إسناده علي بن جدعان ضعيف.\nالتقريب (ص ٢٤٦).\nوقد حسنة الألباني في تخريج السنة (٢/ ٣٢١) وقال: \"إن لابن جدعان متابع ذكرته في كتابي \"قصة الدجال الأكبر ونزول عيسى ﵇\".\n(٢) سعيد بن منصور: تقدم (١/ ٣٢٩).\n(٣) هناد بن السري بكسر الراء الخفيفة بن مصعب التميمي أبو السري الكوفي، محدث ثقة، صنف كتاب الزهد وغيره، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وقد طبع كتابه الزهد في مجلدين.\nسير أعلام النبلاء (١١/ ٤٦٥)؛ وتقريب (ص ٣٦٥).\n(٤) أخرجه هناد بن السري في الزهد (١/ ١٤٣) رقم (١٨٩) ومن طريقة الآجري في الشريعة =","vol":"2","page":250},{"text":"وأخرج البيهقي عنه أيضًا -﵁- أنه قيل له: إن قومًا يكذّبون بالشفاعة قال: \"لا تجالسوا أولئك\" (١).\nوأخرج عنه أيضًا قال: \"يخرج قوم من النار ولا نكذب بها -أي الشفاعة- كما يكذّب بها أهل حرورا -يعني الخوارج-\" (٢).\nوأخرج البيهقي أيضًا عن شبيب بن فضالة المكي (٣) قال ذكروا عند عمران بن حصين الشفاعة (٤) فقال رجل يا أبا نجيد إنكم تحدثوننا أحاديث لم نجد لها أصلًا في\n_________\n= (٣٣٧) الشطر الأول منه.\nوقد أخرج الشطر الأول منه أيضًا اللالكائي في السنة من طرق عن أنس.\nالسنة (٦/ ١١١٠ - ١١١١).\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٤٣٤) بعد أن أورد الشطر الأول منه من رواية سعيد ابن منصور: إسناده صحيح.\nوقال محقق الزهد لهناد بعد أن ذكر هذه الرواية رجاله ثقات إسناده صحيح.\n(١) رواه البيهقي كما في البدور السافرة (ص ٢٦١).\n(٢) عزاه الحافظ في الفتح (١١/ ٤٣٤) إلى البيهقي في البعث ولم أجده في النسخة المطبوعة.\n(٣) كذا في النسختين، وقد اختلفت المصادر في اسمه ففي اللوامع: شبيب بن أبي فضالة المكي، وفي الإبانة: حبيب بن أبي نضلة المالكي، وفي المعجم الكبير للطبراني: حبيب بن أبي فضالة المكي وفي سنن أبي داود حبيب المالكي، والراجح أنه حبيب بن أبي فضاله، ويقال ابن نضالة المالكي البصري كما جاء في سنن أبي داود وتهذيب الكمال (٥/ ٣٨٨)؛ والتقريب (ص ٦٣)؛ وتحفة الأشراف (٨/ ١٧٢ - ١٧٣) وقد أورد الحافظ في الفتح هذه الرواية عن طريق البيهقي، فقال أخرج البيهقي في البعث من طريق شبيب بن أبي فضالة. . . \" وأشار في التهذيب إلى هذا الحديث فقال أخرجه البيهقي في البعث لكن وقع في روايته شبيب بدل حبيب، وكأنه تصحيف واللَّه أعلم.\nفتح (١١/ ٤٣٤)؛ التهذيب (٢/ ١٨٩).\n(٤) في الإبانة: الساعة","vol":"2","page":251},{"text":"القرآن، فغضب عمران، وقال للرجل أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فهل وجدت صلاة العشاء أربعًا، وصلاة المغرب ثلاثًا، والغداة ركعتين، والظهر أربعًا، والعصر أربعًا؟ قال: لا، فقال فعمن أخذتم هذا ألستم عنا أخذتموه، وأخذناه عن نبي اللَّه -ﷺ-، وفي كل أربعين درهمًا درهم، وفي كل كذا شاة، وفي كل كذا بعير، أوجدتم في القرآن هذا؟ قال: لا، قال: ووجدتم في القرآن ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] أوجدتم طوفوا سبعًا، واركعوا ركعتين، خلف المقام، أوجدتم هذا في القرآن؟ عمن اخذتموه؟ ألستم أخذتموه عنا وأخذناه عن رسول اللَّه -ﷺ-، قال: بلى، قال: أوجدتم في القرآن \"لا جلب (١) ولا جنب (٢) ولا شغار (٣) في الإسلام؟ قالوا: لا. قال: فإن اللَّه تعالى قال في كتابه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وإنّا قد أخذنا عن نبي اللَّه -ﷺ- أشياء\n_________\n(١) الجلب: يكون في شيئين: أحدهما في الزكاة، وهو أن يَقْدَم المُصَدّق على أهل الزكاة، فينزل موضعًا ثم يرسل من يجلب إليه الأموال من أماكنها ليأخذ صدقتها فنهى عن ذلك، وأمر أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم وأماكنهم.\nالثاني: أن يكون في السباق وهو أن يتبع الرجل فرسه فيزجره ويجلب عليه ويصيح حثًا له على الجرى فنهى عن ذلك.\nالنهاية (١/ ٢٨١).\n(٢) الجنب: بالتحريك في السباق: أن يجنب فرسًا إلى فرسه الذي يسابق عليه فإذا فتر المركوب تحول إلى المجنوب ومعناه، في الزكاة ما تقدم في الجلب.\nالنهاية (١/ ٣٠٣).\n(٣) الشغار: \"نكاح معروف في الجاهلية، كان يقول الرجل للرجل: شاغرني أي زوجني أختك أو بنتك أو من تلي أمرها حتى أزوجك أختي أو ابنتي أو من ألي أمرها، ولا يكون بينهما مهر.\nوقيل له شغار لارتفاع المهر بينهما.\nالنهاية (٢/ ٤٨٢).","vol":"2","page":252},{"text":"لم يكن لكم بها علم\" (١).\nوفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو -﵄- أن رسول اللَّه -ﷺ- تلى قول اللَّه ﷿ في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦].\nوقول عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] فرفع يديه وقال: \"أمتي أمتي ثم بكى فقال اللَّه تعالى يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسؤك\" (٢).\nوأخرج البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم بسند حسن عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"اشفع لأمتي حتى ينادي ربي ﵎ أرضيت يا محمد؟ فأقول أي رب رضيت\" (٣).\n_________\n(١) الأثر أخرجه أبو داود في سننه رقم (١٥٦١) (٢/ ٢١١) في الزكاة، باب ما تجب فيه الزكاة مختصرًا.\nورواه مطولًا: الطبراني في الكبير (١٨/ ٢١٩)؛ وابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٢٣٣ - ٢٣٥) رقم (٦٦) وإبن أبي عاصم في السنة رقم (٨١٥).\nقال الشيخ الألباني في تخريج السنة: إسناده ضعيف.\n(٢) رواه مسلم في صحيحه في الإيمان رقم (٢٠٢) (١/ ١٩١) باب دعاء النبي -ﷺ- لأمته وبكائه شفقة عليهم.\nوقد وقع عند الشارح هنا وفي كتابه اللوامع (٢/ ٢١٣) ابن عمر والصحيح عبد اللَّه بن عمرو بن العاص كما في صحيح مسلم.\n(٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ١٧٠ - ١٧١) رقم (٣٤٦٦)؛ والطبراني في الأوسط (٣/ ٤٤) رقم (٢٠٨٣)؛ وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٧٩) وعنده زيادة؛ وابن خزيمة في التوحيد (٤١٨).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٧): \"وفيه محمد بن أحمد بن زيد المداري ولم =","vol":"2","page":253},{"text":"وأخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه وابن حبان في صحيحه والبيهقي والطبراني عن عوف بن مالك الأشجعي -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"إن ربي خيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة\".\nوفي لفظ: \"ثلثي أمتي الجنة بغير حساب، ولا عذاب وبين الشفاعة لأمتي فأخترت الشفاعة، قال وهي لكل مسلم\" (١).\nوروى نحوه الإمام أحمد والطبراني والبزار بسند جيد من حديث معاذ بن جبل -﵁- وفيه \"وعلمت أنها أوسع لهم وهي لمن مات لا يشرك باللَّه شيئًا\" (٢).\n_________\n= أعرفه وبقية رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم\".\n(١) رواه الإمام أحمد في المسند (٦/ ٢٣ - ٢٤، ٢٨ - ٢٩)؛ والترمذي رقم (٢٤٤١) في صفة القيامة؛ وابن ماجة رقم (٤٣١٧) في الزهد، باب ذكر الشفاعة؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٦٧) من عدة طرق؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان (٩/ ١٦٨)؛ وابن أبي عاصم في السنة رقم (٨١٨)؛ والطبراني في الكبير (١٨/ ٥٨) وفي مواضع أخر الأرقام (١٢٦، ١٣٣، ١٣٤، ١٣٥، ١٣٦، ١٣٧، ١٣٨)؛ وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٦٣٨) من عدة طرق بزيادات عند بعضهم وبعض الاختلاف في الرواية وصححه الحاكم؛ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٩): \"رواه الطبراني بأسانيد ورجاله بعضها ثقات\".\nوذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي رقم (٢٥٧١)؛ وفي صحيح سنن ابن ماجة رقم (٤٣١٧) وصححه في تخريجه السنة رقم (٨١٨)؛ وانظر طرق الحديث وتخريجه فيه.\n(٢) رواه أحمد في المسند (٥/ ٢٣٢) عن أبي موسى ومعاذ بن جبل -﵄-؛ والبزار كما في كشف الأستار (٤/ ١٦٧) مختصرًا؛ والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٦٣ - ١٦٤).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٨): \"رواه أحمد والطبراني بنحوه. . . ورجالها رجال الصحيح غير عاصم بن أبي النجود وقد وثق وفيه ضعف ورواه البزار باختصار، ولكن أبا المليح وأبا بردة لم يدركا معاذ بن جبل.","vol":"2","page":254},{"text":"وأخرج الطبراني مثله من حديث أنس -﵁- (١).\nوروى نحوه الإمام أحمد والطبراني أيضًا والبيهقي بسند صحيح من حديث ابن عمر -﵄- وفيه: \"فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفأ أترونها للمتقين، ولكنها للمذنبين الخطائين المتلوثين\" (٢).\nوأخرج الإمام أحمد والبيهقي والطبراني في الأوسط عن بريدة -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"إني أشفع يوم القيامة لأكثر مما على وجه الأرض من حجر ومدر\" (٣).\nوأخرجه الطبراني أيضًا في الأوسط من حديث (أنيس) الأنصاري بلفظ:\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤) رقم (١٤١٧) في حديث طويل.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٠): \"رواه الطبراني في الأوسط وفيه علي بن قرة ابن حبيب ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات\".\n(٢) رواه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٧٥)؛ والطبراني كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٨)؛ والبيهقي في الاعتقاد (ص ٢٠٢ - ٢٠٣)؛ واللآكائي في السنة رقم (٢٠٧٤)؛ والحسن ابن عرفة في جزئه رقم (٩٣)؛ وابن أبي عاصم في السنة رقم (٧٩١)؛ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٨): \"ورجال الطبراني رجال الصحيح غير النعمان بن قراد وهو ثقة\" وله شاهد عند ابن ماجة رقم (٤٣١١) عن أبي موسى الأشعري؛ قال البوصيري في زوائد ابن ماجة (٤/ ٢٦٠) إسناده صحيح.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٤٧) بمعناه، وفيه قصة، قال الهيثمي مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٨).\nرواه أحمد ورجاله وثقوا على ضعف كثير في أبي إسرائيل الملائي وأخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ آخر.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٩): \"رواه الطبراني في الأوسط وفيه سهل ابن عبد اللَّه بن بريدة وهو ضعيف.","vol":"2","page":255},{"text":"\"لأكثر مما على وجه الأرض من حجر ومدر\" (١).\nوأخرج البخاري عن عمران بن حصين -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"يخرج قوم من النار بشفاعة محمد -ﷺ- ويدخلون الجنة ويسمون الجهنميين\" (٢).\nوأخرج البخاري ومسلم من حديث جابر -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"إن اللَّه يخرج قومًا من النار بالشفاعة فيدخلهم الجنة\" (٣).\nوأخرج أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي وصححوه عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"شفاعتى لأهل الكبائر من أمتي\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٩)؛ وأورده في ترجمة أنيس كل من ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٢١٤)؛ وابن الأثير في أسد الغابة (١/ ١٥٦)؛ وابن حجر في الإصابة (١/ ١٢٣).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد: \"رواه الطبراني في الأوسط وفيه أحمد بن عمرو صاحب علي بن المديني ويعرف بالقلوري ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم\".\nوقال ابن عبد البر بعد إيراده لهذا الحديث: إسناده ليس بالقوي\" انتهى.\nتنبيه: جاء عند الشارح هنا أنس الأنصاري والمثبت من مصادر تخريج الحديث.\n(٢) أخرجه البخاري (١١/ ٤٢٥) رقم (٦٥٦٦) في الرقاق باب صفة الجنة والنار.\n(٣) أخرجه البخاري (١١/ ٤٢٤) رقم (٦٥٥٨) في الرقاق باب صفة الجنة والنار؛ ومسلم رقم (٣١٧) (١/ ١٧٨) في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.\n(٤) أخرجه أبو داود رقم (٤٧٣٩) في السنة باب في الشفاعة؛ والترمذي رقم (٢٤٣٥) كتاب صفة القيامة باب ما جاء في الشفاعة؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٦٩)؛ والبيهقي في الاعتقاد (٢٠٢)؛ وفي شعب الإيمان (٢/ ١٢٨ - ١٢٩)؛ وفي السنن الكبرى (٨/ ١٧). وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده رقم (٢٠٢٦)؛ والإمام أحمد في المسند (٣/ ٢١٣)؛ والآجري في الشريعة (ص ٣٢٨)؛ وابن خزيمة في التوحيد رقم (٣٩٢)؛ وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٣٩٩)؛ واللآلكائي في السنة (٦/ ١١٠١)؛ وأبو يعلى في مسنده =","vol":"2","page":256},{"text":"وأخرج الطبراني عن عبد اللَّه بن بسر -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"شفاعتي في أمتي للمذنبين المثقلين\" (١).\nوالطبراني أيضًا وأبو نعيم عن أبي أمامة -﵁- أنه -ﷺ- قال: \"نعم الرجل أنا لشرار أمتي، قيل: كيف يا رسول اللَّه؟ قال: أما شرار أمتي فيدخلهم اللَّه الجنة بشفاعتي، وأما خيارهم فيدخلهم الجنة بأعمالهم\" (٢).\nوعن ابن عباس -﵄- أنه -ﷺ- قال: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\".\nقال ابن عباس -﵄-: \"السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة اللَّه، والظالم لنفسه وأهل الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد -ﷺ-\" (٣).\n_________\n= رقم (٣٢٨٤).\nوصححه الترمذي والحاكم ووافقه الذهبي.\nوصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٣٦٠٨).\n(١) أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط بأطول منه؛ وابن أبي عاصم في السنة رقم (٨٢٣)؛ قال الهيثمي مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٧) \"وفيه عبد الواحد النصري متأخر يروي عن الأوزاعي ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات\".\n(٢) رواه الطبراني في الكبير (٨/ ١١٥) رقم (٧٤٨٣)؛ وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢١٩)؛ وابن عدي في الكامل (٢/ ٥٨٦) في ترجمة جميع بن ثوب الشامي.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٧): \"رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده جميع بن ثوب الرحبي -وهو بفتح الجيم وكسر الميم على المشهور وقيل بالتصغير- قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال ابن عدي: رواياته تدل على أنه ضعيف. وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٨٩) عن ابن عباس. =","vol":"2","page":257},{"text":"وفي أوسط الطبراني عن ابن عمر -﵄- مرفوعًا: \"إني ادخرت شفاعتى لأهل الكبائر من أمتي\" (١).\nوفي الكبير عن أم سلمة -﵂- قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أعملي ولا تتكلي فإن شفاعتى للهالكين من أمتي\" (٢).\nوأخرج الترمذي والحاكم والبيهقي عن جابر -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\". قال جابر -﵁-: \"من زادت حسناته على سيئاته فذاك الذي يدخل الجنة بغير حساب، ومن استوت حسناته وسيئاته فذاك الذي يحاسب حسابًا يسيرًا ثم يدخل الجنة؛ وإنما شفاعة رسول اللَّه -ﷺ- لمن أوبق نفسه وأغلق ظهره\" (٣).\n_________\n= قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٨): \"رواه الطبراني في الكبير والأوسط باختصار عنه، وفيه موسى بن عبد الرحمن الصنعاني وهو وضاع\".\n(١) رواه أبو يعلى في مسنده (١٠/ ١٨٦)؛ والبيهقي في الاعتقاد (١٨٩) بأتم منه؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٥): \"رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير حرب بن سريج وهو ثقة.\nورواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٨) من رواية ابن عباس، وقال الهيثمي: وفيه حرب بن سريج، وقد وثقه غير واحد وفيه ضعف\".\n(٢) رواه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٦٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٨): \"وفيه عمرو بن (مخزوم) وهو ضعيف\" وقد وقع فيه: عمرو بن محرم وهو تصحيف والصواب مخزوم كما في مصادر ترجمته.\n(٣) أخرجه الترمذي رقم (٢٤٣٦) في صفة القيامة، باب ما جاء في الشفاعة؛ وابن ماجة رقم (٤٣١٠) في الزهد باب ذكر الشفاعة؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٦٩)؛ والبيهقي في البعث (ص ٥٥) رقم (١)؛ وفي شعب الإيمان رقم (٣٠٦) وليس فيه قول جابر هذا: من زادت حسناته. . . إلخ وإنما جاء فيه كما عند الترمذي: قال محمد بن علي فقال لي جابر: =","vol":"2","page":258},{"text":"وأخرج (١) عن أنس -﵁- قال: قلنا يا رسول اللَّه لمن تشفع؟ قال: \"لأهل الكبائر من أمتي وأهل العظائم وأهل الدماء\" (٢).\nوأخرج عن كعب بن عجرة مرفوعًا: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\" (٣).\nوأخرج عن طاووس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\" (٤).\nقال البيهقي: هذا مرسل حسن يشهد لكون هذه اللفظة شائعة.\nوأخرج ابن أبي عاصم عن أنس مرفوعًا \"ما زلت أشفع إلى ربي ويشفعني، وأشفع ويشفعني حتى أقول أي رب شفعني فيمن قال لا إله إلا اللَّه فيقول هذا ليس لك يا محمد، ولا لأحد وهذه لي وعزتي وجلالي ورحمتي لا أدع في النار أحدًا يقول لا إله إلا اللَّه\" (٥).\n_________\n= يا محمد من لم يكن من أهل الكبائر فماله وللشفاعة.\nوهذه الرواية التي أوردها المصنف رواها اللآلكائي في السنة رقم (٢٠٥٥)؛ وذكرها ابن كثير في النهاية (٢/ ١٩٢) من رواية البيهقي؛ وعزاها المتقي الهندي في كنز العمال (١٤/ ٦٣١) للبيهقي في البعث وابن عساكر.\nوقال الترمذي بعد إيراد الحديث: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه يستغرب من حديث جعفر بن محمد\".\nوصححه الحاكم على شرط مسلم.\n(١) أي البيهقي وكذا ما يأتي.\n(٢) رواه البيهقي كما في البدور السافرة للسيوطي (ص ٢٦٥).\n(٣) أورده ابن كثير في النهاية (٢/ ٢٠٠)؛ والسيوطي في البدور السافرة (ص ٢٦٥) ونسباه للبيهقي.\n(٤) انظر: البدور السافرة للسيوطي (ص ٢٦٥).\n(٥) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦) رقم (٨٢٨) وابن خزيمة في التوحيد =","vol":"2","page":259},{"text":"وأخرج الطبراني في الكبير، والبيهقي عن ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"ليدخلن الجنة قوم من المسلمين قد عذبوا في النار برحمة اللَّه وشفاعة الشافعين\" (١).\nوأخرج الإمام أحمد والبيهقي من حديث حذيفة نحوه (٢).\nوقال -ﷺ-: \"أنا أول شافع وأول مشفع\" رواه عنه أبو هريرة أخرجه مسلم (٣).\nوجابر بن عبد اللَّه أخرجه البيهقي (٤).\n_________\n= (٢/ ٦٩٤) رقم (٤٣٩) قال الشيخ ناصر الألباني في تخريج السنة: حديث صحيح ورجاله ثقات رجال مسلم غير عمران وهو ابن دوار القطان العمي صدوق يهم لكنه قد توبع. . . \".\nومتابعه عند مسلم رقم (٣٣٦) في الإيمان من طريق معبد العنزي في حديث طويل عن أنس وفي آخره. . فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلا اللَّه، قال: ليس ذلك لك. . الحديث\".\n(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢٦٤).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٩): \"وفيه من لم أعرفهم\".\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٩١، ٤٠٢) من طريقين، وأبو داود الطيالسي في مسنده رقم (٤١٩)؛ وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٦٦٤) من طريقين والآجري في الشريعة (ص ٣٤٦).\nواللآكائي في السنة رقم (٢٠٨٠)؛ وابن أبي عاصم في السنة (٨٣٥ - ٨٣٦).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٠) رواه أحمد من طريقين ورجالهما رجال الصحيح.\nوحسنه الشيخ ناصر في تخريج السنة.\n(٣) مسلم رقم (٢٢٧٨) في الفضائل، باب تفضيل نبينا -ﷺ - على جميع الخلائق وفيه زيادة.\n(٤) أخرجه الدارمي في سننه (١/ ٣٠ - ٣١) رقم (٥٠)؛ والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٤٨٠)؛ وابن أبي عاصم في السنة رقم (٧٩٤) وصححه الألباني في تخريج السنة.","vol":"2","page":260},{"text":"وعبد اللَّه بن سلام أخرجه البيهقي (١).\nوغير هؤلاء من الصحابة -رضوان اللَّه عليهم-.\nفيشفع يوم القيامة سائر الرسل والأنبياء والملائكة ﵈ والصحابة والشهداء والصديقون وهم العلماء والأولياء على اختلاف مراتبهم ومقاماتهم عند ربهم يشفعون (وبقدر جاههم ودرجاتهم) (٢).\nيشفعون لثبوت الأخبار وترادف الآثار وهو أمر جائز فوجب تصديقه والقول بموجبه.\nوقد أخرج الطبراني في الأوسط عن أنس -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"يشفع اللَّه آدم يوم القيامة من جميع ذريته في مائة ألف ألف وعشرة الآف ألف\" (٣).\nوأخرج ابن أبي عاصم والأصبهاني عن أبي أمامة مرفوعًا \"يجاء بالعالم والعابد فيقال للعابد أدخل الحنة، ويقال للعالم قف حتى تشفع للناس\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٦/ ٤٨١ - ٤٨٢) رقم (٧٤٥٥) ومن طريقه ابن حبان في صحيحه الإحسان (٨/ ١٣٧)؛ والبيهقي كما في النهاية لابن كثير (١/ ٢٠٥) (٢/ ١٨٠) وابن أبي عاصم في السنة رقم (٧٩٣).\nوقال ابن كثير: إسناده لا بأس به.\nوقال الألباني: إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات.\n(٢) ما بين القوسين استدرك في هامش الأصل وكتب عليه صح وليس في \"ظ\".\n(٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد: \"رواه الطبراني في الأوسط وفيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف\".\n(٤) لم أجده في السنة لابن أبي عاصم.\nوقد أورده المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ١٠٧)؛ وعزاه للإصبهاني وصدره بقوله: =","vol":"2","page":261},{"text":"ورواه البيهقي من حديث جابر وزاد في آخره: \"بما كنت أحسنت أدبهم\" (١).\nوأخرج الديلمي من حديث ابن عمر مرفوعًا: \"يقال للعالم أشفع في تلامذتك ولو بلغ عددهم نجوم السماء\" (٢).\nوأخرج أبو داود وابن حبان عن أبي الدرداء -﵁- (٣) سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته\" (٤).\nوأخرج نحوه الإمام أحمد والطبراني من حديث عبادة بن الصامت -﵁- (٥).\n_________\n= وروى للدلالة على ضعفه، كما ذكره في مقدمته.\n(١) رواه البيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٣٤٦) رقم (١٥٨٨)؛ وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٤٣٠)؛ وفي سنده مقاتل بن سليمان قال في التقريب كذبوه ورواه من وجه آخر ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ٢٢) والديلمي في الفردوس رقم (٨٧٧٣)؛ وابن عدي في الكامل (٢/ ٨١٩) في ترجمة حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك ومن طريقه الذهبي في الميزان (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣)؛ وحبيب هذا قال ابن عدي أحاديثه كلها موضوعة.\n(٢) أورده في الفردوس من رواية جابر بن عبد اللَّه بلفظ أطول.\nوساق المحقق في الحاشية سنده عند الديلمي في زهر الفردوس (لابن حجر) من رواية ابن عمر مرفوعًا.\nفردوس الأخبار (٥/ ٤٨٥) رقم (٨٨٣٩).\n(٣) في \"ظ\": قال.\n(٤) رواه أبو داود رقم (٢٥٢٢) في الجهاد باب في الشهيد يشفع وابن حبان في صحيحه الإحسان (٧/ ٨٤)؛ وذكره الألباني في صحيح الجامع رقم (٧٩٤٩).\n(٥) رواه الإمام أحمد في المسند (٤/ ١٣١)؛ وسعيد بن منصور في سننه رقم (٢٥٦٣)؛ والطبراني كما في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٣) في حديث في فضل الشهيد وفي آخره ويشفع في سبعين من أقاربه، والبزار كما في كشف الأستار (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢) لكن لم يذكر فيه الشفاعة. قال الهيثمي: ورجال أحمد والطبراني ثقات.","vol":"2","page":262},{"text":"والترمذي وابن ماجة من حديث (المقدام) (١) بن معديكرب (٢).\nوأخرج البزار والبيهقي بسند صحيح عن أنس -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن الرجل ليشفع في الرجل والرجلين والثلاثة يوم القيامة\" (٣).\nوأخرج الترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن عبد اللَّه بن أبي الجدعاء -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم، قالوا: سواك يا رسول اللَّه، قال: سواي\" (٤).\nقال الفريابي (٥) يقال: إنه عثمان بن عفان -﵁- (٦).\n_________\n(١) في الأصل: \"مقدم\" وفي \"ظ\": \"المقداد\" والمثبت من مصادر التخريج.\n(٢) رواه أحمد في المسند (٤/ ١٣١) وعبد الرزاق في المصنف رقم (٩٥٥٩)؛ وسعيد بن منصور في سننه رقم (٢٥٦٢) والترمذي رقم (١٦٦٣) في فضائل الجهاد، باب في ثواب الشهيد؛ وابن ماجة رقم (٢٧٩٩) في الجهاد، باب فضل الشهادة في سبيل اللَّه، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٦٦ - ٢٦٧).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n(٣) رواه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ١٧٣) ورجاله رجال الصحيح، قاله الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٣).\n(٤) رواه الترمذي رقم (٢٤٣٨) في صفة القيامة أبواب الشفاعة؛ والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٠٨)؛ ورواه أحمد في المسند (٣/ ٤٦٩ - ٤٧٠)؛ وابن ماجة رقم (٤٣١٦) في الزهد، باب ذكر الشفاعة؛ والدارمي (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦) رقم (٢٨١١).\nوقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\".\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(٥) محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضبي؛ محدث ثقة فاضل روى له الجماعة، مات سنة اثنتي عشرة ومائتين.\nتقريب (ص ٢٥).\n(٦) وروى ذلك عن الحسن البصري، وروى عنه أيضًا أنه أويس القرني.","vol":"2","page":263},{"text":"وأخرج الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي بسند صحيح عن أبي أمامة -﵁- أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: \"ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي (١) مثل الحيين ربيعة ومضر\" زاد في رواية: \"بشفاعة رجل من أمتي\" (٢).\nوأخرج الترمذي وحسنه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إن من أمتي لرجالًا يشفع الرجل منهم في الفئام من الناس فيدخلون الجنة بشفاعته ويشفع الرجل منهم للقبيلة فيدخلون الجنة بشفاعته ويشفع الرجل منهم (للرجل) (٣) وأهل بيته فيدخلون الجنة بشفاعته\" (٤).\nقوله في الحديث: \"الفئام من الناس\": \"هو بكسر الفاء مهموز الجماعة الكثيرة\".\nوقد تكرر في الحديث كما في النهاية (٥).\nوفي القاموس: \"الفئام ككتاب الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه\" (٦).\n_________\n= انظر: جامع الترمذي (٤/ ٦٢٧)؛ والمستدرك (٣/ ٤٠٨)؛ وانظر النص عن الفريابي في النهاية لابن كثير (٢/ ٢١٣).\n(١) في \"ظ\": نبي.\n(٢) رواه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٥٧، ٢٦١، ٢٦٧)؛ والطبراني في الكبير (٨/ ١٦٩، ٢٨٠، ٣٣٠).\nقال الهيثمي مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨١): \"رواه أحمد والطبراني بأسانيد ورجال أحمد وأحد أسانيد الطبراني رجالهم رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن ميسرة وهو ثقة.\n(٣) ساقطة من الأصل وأثبتها من \"ظ\"؛ ومن لوامع الأنوار (٢/ ٢١٠) وبها يستقيم الكلام.\n(٤) أخرجه الترمذي رقم (٢٤٤٠) في صفة القيامة كتاب باب ما جاء في الشفاعة. وقال: \"هذا حديث حسن\".\n(٥) النهاية (٣/ ٤٠٦).\n(٦) القاموس: (٤/ ١٦٠).","vol":"2","page":264},{"text":"وأخرج البزار عن أبي موسى الأشعري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"الحاج يشفع في أربعمائة من أهل بيته\" (١).\nوالحاصل أن للناس شفاعات يوم القيامة عند ربهم بقدر أعمالهم وعلو مراتبهم وقربهم من اللَّه ﵎.\n(والقرآن يشفع (٢) لأهله) (٣).\nوالإسلام يشفع لأهله (٤).\nوالحجر الأسود يشفع لمستلمه (٥).\n_________\n(١) رواه البزار كما في كشف الأستار (٢/ ٣٩ - ٤٠٩).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد \"رواه البزار وفيه من لم يسم\".\nمجمع الزوائد (٣/ ٢١١).\n(٢) في \"ظ\" والقرآن يشفع يوم القيامة.\n(٣) جاء ذلك في أحاديث منها ما أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٥٥٣) رقم (٨٠٤) عن أبي أمامة الباهلي، قال سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه. . . \" الحديث.\n(٤) لعموم الأدلة الواردة في الشفاعة، وأنها تحصل لمن شهد أن لا إله إلا اللَّه كما جاء في الحديث: يخرج من النار من قال: لا إله إلا اللَّه، وكان في قلبه من الخير ما يزن بره. . . الحديث رواه البخاري ومسلم.\nوفي الحديث الآخر: في شفاعته -ﷺ-. . . وفي آخره فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا اللَّه إلا اللَّه، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي لأخرجن منها من قال لا إله إلا اللَّه. أخرجه مسلم وكذا قوله -ﷺ- \"أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا اللَّه خالصًا من قلبه\" رواه البخاري.\n(٥) ورد في ذلك بعض الأحاديث والآثار الدالة على ذلك منها ما رواه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٩١، ٣٠٧، ٣٧١) والدارمي في سننه (١/ ٣٧٢) رقم (١٨٤٦)؛ وابن ماجة في =","vol":"2","page":265},{"text":"ولكن ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nوقد ورد في هذا الباب ما يزيد على الإسهاب، وقد ذكرنا ما لعله يقلع شروش (١) الاختلاج (٢) من خواطر من أذعن للنصوص النبوية والآثار المصطفوية، ولم يجنح لأهل الزيع والاعوجاج وخلع ربقة التقليد من عنقه ولم يتماد مع هواه وحمقه. فالنصوص متواترة والآثار متظافرة، والعقل الصحيح (لا يحيد عن ذلك) (٣) والنقل الصريح ناطق بما هنالك.\nفدع عنك نحلة أهل البدع والضلال وانهج سبيل من اتبع أهل الحق تسلم من الوبال، فإثبات الشفاعة حق لازم وصدق جازم فلا عقل يحيله ولا نقل يزيله، وما\n_________\n= سننه (٢/ ٩٨٢) رقم (٢٩٤٤)؛ وابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٢٢٠)؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان (٦/ ١٠)؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٤٥٧)؛ والأزرقي في أخبار مكة (١/ ٣٢٣)؛ والفاكهي في أخبار مكة (١/ ٨٢) رقم (٢) من عدة طرق عن ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: \"يأتي هذا الحجر يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلم بحق\". وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\n(١) و(٢) الاختلاج: الهم والشك وانشغال الصدر.\nشروش: كذا في النسختين بالشين المعجمة، ولم أجد معناها في اللغة فلعلها شروس بالسين المهملة تصحفت من النساخ فلها في اللغة ما يناسب المعنى هنا وهو: نبات له شوك، فيكون المعني هنا: أتينا بما يقلع أصول الهم، والانشغال من صدور من انقاد وأسلم للنصوص النبوية كما تقلع أصول الشجر\" واللَّه أعلم.\nراجع: تاج العروس ولسان العرب (خلج، شرس).\n(٣) في \"ظ\": لا يحيل ذلك.","vol":"2","page":266},{"text":"كان هذا سبيله فهو الحصن الحصين، وباللَّه التوفيق (١).\nوقول الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: (وقل) بلسانك معتقدًا بجنانك (إن عذاب القبر) واحد القبور ويجمع أيضًا جمع قله على أقبر، ويقال لمدفن الموتى مقبر.\nقال الشاعر: (٢)\nلكل أناس مقبر في فنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد\nقال القرطبي: اختلف في أول من سن القبر، فقيل الغراب في قصة قتل هابيل، وقد قيل: إن قابيل كان يعرف الدفن، ولكن ترك أخاه استخفافًا به، فبعث اللَّه الغراب ليبحث في الأرض -يعني التراب- على هابيل ليدفنه كذا في التذكرة (٣).\nوقيل: إن اللَّه بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر ثم حفر له حفرة فدفنه، ففعل قابيل بأخيه كذلك، فكان ندمه لعدم هدايته أن يفعل كما فعل الغراب فصار الدفن سنة في بني آدم (٤).\nوفي التنزيل: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] أي جعل له قبرًا يوارى فيه إكرامًا له، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي (٥).\n(بالحق): الذي يرادف الصدق أو هو أخص منه.\nقال العلماء: الحق هو الحكم المطابق للواقع وقد يطلق على الأقوال والعقائد\n_________\n(١) كتب في هامش \"ظ\" بلغ مقابلة.\n(٢) هو عبد الرحمن بن ثعلبة الحنفي والبيت في لسان العرب (٦/ ٣٧٦) (قبر).\n(٣) التذكرة للقرطبي (ص ١١٥).\n(٤) نفس المصدر.\n(٥) انظر: التذكرة لقرطبي (ص ١١٥)؛ ولوامع الأنوار (٢/ ٤).","vol":"2","page":267},{"text":"والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ويقابل الباطل.\nوأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب، وقد يفرق بينها بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع، وفي الصدق من جانب الحكم فمعنى صدق الحكم مطابقته الواقع ومعنى حقيته مطابقة الواقع إياه.\n(يوضح) أي يُظهر ويُكشف ويُبان بيانًا لا خفاء فيه، ولا شك يعتريه تصريحًا بحقية عذاب القبر ونعيمه خلافًا للمعتزلة ومن وافقهم من أهل العناد (١) والضلال والإلحاد.\nوفي بعض النسخ: (وقيل في عذاب القبر حق موضح) والأول أولى.\nوقد قدمنا عند قول الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: ولا تنكرن جهلًا نكيرًا ومنكرًا ما لعله يشفي ويكفي (٢).\nونزيد هنا أن مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا يحصل له معها النعيم والعذاب كما في كتاب الروح للمحقق ابن القيم (٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية -روح اللَّه روحه-: \"النعيم والعذاب على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتنعم وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها فيكون النعيم والعذاب عليهما في\n_________\n(١) في \"ظ\" الفساد\".\n(٢) انظر: (٢/ ١٤٤).\n(٣) الروح (ص ٧٣ - ٧٤).","vol":"2","page":268},{"text":"هذه الحالة مجتمعين كما يكون للروح منفردة عن البدن.\nوهل يكون النعيم والعذاب للبدن بدون الروح هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث وأهل الكلام قال: وفي المسألة أقوال شاذة ليست من أقوال أهل السنة (١). . قول من يقول إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، وهذا قول الفلاسفة المنكرين لمعاد الأبدان وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين ويقوله أكثر من المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام وإن قالوا بمعاد الأبدان وإنما ينكرون عذاب البدن في البرزخ فقط. ويقولون إن الأرواح هي المنعمة والمعذبة في البرزخ فإذا كان يوم القيامة نعمت الروح والبدن، أو عذبا معا، وهذا قاله طوائف من المسلمين من أهل الكلام والحديث وغيرهم وهو اختيار ابن حزم (٢) وابن مرة (٣) فهو (مرجوح لا باطل) (٤) إلا (٥) أن صاحبه يقر بعذاب القبر وبالقيامة ويثبت معاد الأبدان والأرواح.\nوالحاصل أن الأقوال الباطلة ثلاثة:\nالأول: ما تقدم ذكره من قول الفلاسفة.\n_________\n(١) كذا في النسختين وفي الروح لابن القيم (ص ٧٢) ولعل هنا كلمة أحدها. . . وهي مثبتة في لوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٢٤).\n(٢) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ١١٧) وما بعدها؛ والدرة فيما يجب اعتقاده (ص ٢٨٢) وما بعدها.\n(٣) ابن مرة كذا في النسختين وفي الروح لابن القيم أيضًا؛ وفي لوامع الأنوار (٢/ ٢٤٠) أثبت المصحح ابن ميسرة وقال في التعليق: في الأصلين ابن مرة، والتصويب من كتاب الروح مخطوط، وكذ ما يأتي قلت وفي الفتاوى (٤/ ٢٦٢) ابن ميسرة. وقد بحثت عنه فلم أجد له ترجمة.\n(٤) كذا في الأصل وفي \"ظ\" فهو مرجوح باطل.\n(٥) كذا في النسختين ولعل الصحيح: \"لان صاحبه .. . . \".","vol":"2","page":269},{"text":"الثاني: قول من يقول إن الروح بمفردها لا تنعم ولا تعذب، وإنما الروح هي الحياة، وهذا قول طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وينكرون أن الروح تبقى بعد فراق البدن وهذا من أبطل الباطل وقد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الأمة أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة حتى أن الفلاسفة يقرون بذلك، إلا أنهم ينكرون معاد الأبدان وهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان، لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها وعذابها بدون الأبدان وكلا القولين خطأ وضلال.\nنعم قول الفلاسفة أبعد عن أقوال أهل الإسلام، وإن كان يرافقهم عليه من يعتقد أنه يتمسك بدين الإسلام، بل من يظن أنه من أهل المعرفة والتصوف والتحقيق والكلام.\nوالثالث: قول من يقول: ليس في البرزخ نعيم ولا عذاب، بل لا يكون ذلك حتى تقوم الساعة الكبرى كما يقوله من يقوله من المعتزلة وغيرهم ممن ينكر عذاب القبر ونعيمه، بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب فهؤلاء على بدعة وضلال في أمر البرزخ، إلا أنهم خير من الفلاسفة لإقرارهم بالمعاد والقيامة الكبرى\" (١).\nومذهب أهل الحق أحق وهو مذهب سلف الأمة وسائر الأئمة، واللَّه تعالى الموفق.\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٢) وما بعدها وقد نقل الشارح هنا من كتاب الروح لابن القيم ببعض التصرف والاختصار.\nانظر: الروح لابن القيم (ص ٧٢ - ٧٤)؛ ولوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٢٤ - ٢٥).","vol":"2","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>فصل في ذكر بعض قبائح أهل البدع والضلال وتماديهم مع الغي وارتكاب المحال</span>\nقال الناظم -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن بين نهج أهل الحق وسبيل أصحاب الاتباع والصدق، كأنه يقول قد بينا ما يجب اعتقاده مما خالفنا فيه أهل البدع فاحذر أن تقول بقولهم، وتعتقد اعتقادهم، فحيث علمت ذلك فالزم مذهب أهل الحق.\n(ولا تكفرن) بضم التاء الفوقية وسكون الكاف وكسر الفاء وفتح الراء فهو مؤكد بالنون الخفيقة، أي لا تعتقد تكفير (أهل الصلاة) المعهودة التي هي أحد أركان الإسلام ومباني الدين (١). . . (*) (المحرم قتلها) (٢).\nوالكفر ضد الإيمان وتفتح الكاف كالكفور والكفران بضمها، أي بضم الكاف فيهما.\nوفي الحديث: \"من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما\" (٣).\nلأنه إما أن يصدق عليه أو يكذب، فإن صدق فهو كافر، وإن كذب عاد الكفر إليه بتكفيره أخاه المسلم.\n_________\n(١) بعدها في \"ظ\" (الوريقة) كذا ولعلها الوثيقة.\nومن هنا والكلام الآتى ساقط من \"ظ\" إلى قوله فيما يأتي: والأحاديث في المعنى كثيرة جدًا. واللَّه أعلم. وقد أشرت إليه بنجمتين.\n(٢) كذا في الأصل، وفي العبارة إشكال فلعل في الكلام سقطًا.\n(٣) رواه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ، وأبو داود والترمذي عن عبد اللَّه بن عمر -﵄.\nجامع الأصول (١٠/ ٧٦١ - ٧٦٢).","vol":"2","page":271},{"text":"قال في النهاية: \"الكفر صنفان: أحدهما الكفر بأصل الإيمان وهو ضده، والآخر الكفر بفرع من فروع الإسلام فلا يخرج به عن أصل الإيمان\".\nقال: \"وقيل الكفر على أربعة أنحا:\nكفر إنكار بأن لا يعرف اللَّه أصلا ولا يعترف به.\nوكفر جحود، ككفر إبليس يعرف اللَّه بقلبه ولا يقر بلسانه.\nوكفر عناد، وهو أن يعترف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به حسدًا وبغيًا ككفر أبي جهل وأضرابه.\nوكفر نفاق، وهو أن يقر بلسانه ولا يعتقد بقلبه.\nقال الهروي (١) سئل الأزهري (٢) عمن يقول بخلق القرآن أتسميه كافرًا؟\nفقال الذي يقوله كفر فأُعيد عليه السؤال ثلاثًا، وهو يقول مثل ما قال، ثم قال في الآخر قد يقول المسلم كفرًا\" (٣).\n_________\n(١) أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الهروي أبو عبيد الشافعي: العلامة اللغوي المؤدب، صاحب: الغريبين في الجمع بين غربتي القرآن والحديث من الكتب النافعة طبع الجزء الأول منه، مات سنة إحدى وأربع مائة.\nسير أعلام النبلاء (١٧/ ١٤٦ - ١٤٧)؛ وفيات الأعيان (١/ ٩٠).\n(٢) الأزهري: محمد بن أحمد بن الأزهري طلحة الأزهري الهروي اللغوي الشافعي أبو منصور، كان رأسًا في اللغة والفقه، ثقة ثبتا دنيا، له كتاب: تهذيب اللغة المشهور؛ وكتاب التفسير؛ وكتاب تفسير ألفاظ المزني؛ وكتاب الأسماء الحسنى؛ وغيرها، توفي سنة سبعين وثلاثمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٦/ ٣١٥)؛ وطبقات السبكي (٣/ ٦٣).\n(٣) انظر النص في لسان العرب (٦/ ٤٦٠) (كفر)؛ وفي النهاية لابن الأثير (٤/ ١٨٦).","vol":"2","page":272},{"text":"ومنه حديث ابن عباس -﵄- قيل له: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. (قال هم كفرة) (١) وليسوا كمن كفر باللَّه واليوم الآخر\" (٢).\nومنه حديثه الآخر: \"ان الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية فثار بعضهم إلى بعض بالسبوف فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١] ولم يكن ذلك على الكفر باللَّه، ولكن على (تغطيتهم) (٣) ما كانوا عليه من الألفة والمودة\" (٤).\nومنه حديث ابن مسعود -﵁-: \"إذا قال الرجل للرجل أنت لي عدو، فقد كفر أحدهما بالإسلام\" (٥) أراد كفر نعمته لأن اللَّه ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانًا فمن لم يعرفها فقد كفرها (٦).\nوفي الحديث الآخر: أنه -ﷺ- قال: \"اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء لكفرهن، قيل أيكفرن باللَّه؟ قال: لا ولكن يكفرن الإحسان ويكفرن العشير\" (٧)\n_________\n(١) ليست في النسختين وأثبتناها من النهاية لابن الأثير (٤/ ١٨٦) ومنه بنقل الشارح.\n(٢) رواه عبد الرازق في تفسيره (١/ ١٩١)؛ وعنه ابن كثير (٣/ ١٦٣)؛ والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٣٦٧)؛ وانظر: المجموع المغيث (٣/ ٦٢)؛ والنهاية (٤/ ١٨٦).\n(٣) في الأصل: تعظيمهم والتصويب من المجموع المغيث؛ والنهاية لابن الأثر؛ ومشكل الآثار.\n(٤) رواه الطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٣٦٧)؛ وأورده أبو موسى المديني في المجموع المغيث (٣/ ٦١)؛ وابن الأثير في النهاية (٤/ ١٨٦).\n(٥) أورده ابن الأثير في النهاية (٤/ ١٨٦).\n(٦) النهاية (٢/ ١٨٦).\n(٧) رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد اللَّه بن عباس -رضي =","vol":"2","page":273},{"text":"أي يجحدن إحسان أزواجهن\" (١).\nو(الأحاديث) (٢) في المعنى كثيرة جدًا واللَّه أعلم* (٣).\n(وإن عصوا) بارتكاب الذنوب كبيرها وصغيرها ولو كانت تلك الذنوب (٤) (و) المعاصي قتل النفوس (٥) تعمدًا، خلافًا للخوارج والمعتزلة.\nقال الحافظ العلامة شمس الدين محمد بن عبد الهادي الحنبلي (٦) من بني قدامة في مناقب شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس اللَّه روحه-: \"أول خلاف حدث في الملة في الفاسق الملي هل هو كافر أو مؤمن؟\nفقال الخوارج إنه كافر.\nوقالت الجماعة إنه مؤمن.\n_________\n= اللَّه عنهما.\nجامع الأصول (٦/ ١٧٣ - ١٧٤).\n(١) النهاية (٤/ ١٨٧).\n(٢) في الأصل: والحديث ولعل الصحيح ما أثبته.\n(٣) من قوله فيما سبق: الصلاة المعهودة التي هى أحد أركان الإسلام ومباني الدين إلى هنا ليس في \"ظ\" وهو ما بين الدائرتين.\n(٤) في \"ظ\" المعاصي.\n(٥) في \"ظ\" زيادة النفوس المحرم قتلهم.\n(٦) محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الأصل ثم الصالحي الفقيه المحدث الحافظ الناقد المقرئ النحوي المتفنن شمس الدين أبو عبد اللَّه بن العماد أبي العباس ولد سنة أربع وسبعمائة، توفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وله مصنفات كثيرة.\nانظر: ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٦ - ٤٣٩)؛ وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٥٠٨)؛ والمعجم المختص للذهبي (٢١٥)؛ والبداية (١٤/ ٢١٠).","vol":"2","page":274},{"text":"وقالت طائفة المعتزلة هو لا مؤمن، ولا كافر، منزلة بين المنزلتين وخلدوه في النار، واعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه فسموا معتزلة\" (١).\nوأما أهل السنة فلم يخرجوه من الإسلام، ولم يحكموا عليه بالخلود في النار، وإنما هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وهو في مشيئة اللَّه تعالى (٢).\nوالخوارج يكفرون كل مرتكب لذنب ولو صغيرة، لأن عندهم كل ذنب كبيرة نظرًا لعظمة من عصي.\nوكل كبيرة كفر، فصاحب الذنب عندهم يخرج من الإيمان ويدخل (في) (٣) الكفر ويخلد في النار، قالوا لأنه لا يخلد في النار إلا الكفار، وعندهم من دخل النار لا يخرج منها أبدًا، وطريقة المعتزلة أن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، فهو في منزلة بين الكفر والإيمان، ومع ذلك يخلدونه في النار مع قولهم: إن مرتكبي الكبائر لسيوا بكفار، فوافقوا الخوارج في خلود مرتكبي الكبائر في النار وخالفوهم بقولهم: إنهم ليسوا بكفار ودخول النار عندهم جميعًا مشترط حيث لم يتوبوا قبل معاينة الموت.\nوالمعتزلة (من أول فرقة من فرق أهل الضلال) (٤) بعد الخوارج أسسوا قواعد\n_________\n(١) الكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية. انظر: العقود الدرية (ص ٢٣٤)؛ وانظر مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٢ - ١٨٣)؛ ولوامع الأنوار (١/ ٧٢، ٣٦٤).\n(٢) وهذا هو مذهب أهل السنة. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (١/ ٢١٧)؛ وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٤١٧) وما بعدها؛ وشرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس (ص ١٢٣ - ١٢٤)؛ وعقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص ٧١ - ٧٣)؛ وتيسير العزيز الحميد (ص ٩٨).\n(٣) ليست في \"ظ\".\n(٤) العبارة كذا في النسختين ولعل الصحيح: والمعتزلة من أول فرق أهل الضلال .. إلخ.","vol":"2","page":275},{"text":"الخلاف لما ورد به ظاهر السنة وجرى عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان -﵃- في باب العقائد. .\nوذلك أن رئيسهم واصل بن عطاء أبا حذيفة المعروف بالغزال المعتزلي مولى بني منبه، وقيل مولى بني مخزوم كان أحد البلغاء المتكلمين يجلس في حلقة الحسن البصري، وكانت الخوارج قد أظهرت القول بكفر مرتكبي الكبيرة، فقال واصل: إن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، فأثبت منزلة بين منزلتين وألف كتابه: \"المنزلة بين المنزلتين\".\nفقال له الحسن البصري -رحمه اللَّه تعالى-: اعتزل عنا فسموا المعتزلة (١).\nوهم يسمون أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد لقولهم بوجوب الثواب للمطيع والعقاب على العاصي على اللَّه تعالى.\nوالتوحيد يعنون به نفي (٢) الصفات القديمة عنه تعالى (٣).\nوفي تاريخ ابن خلكان (٤) ذكر السمعاني (٥) في كتاب الأنساب في ترجمة المعتزلي (٦) أن واصل بن عطاء كان يجلس إلى الحسن البصري -رحمه اللَّه تعالى- فلما ظهر الاختلاف فقالت الخوارج بتكفير مرتكبي الكبائر، وقالت الجماعة بأنهم\n_________\n(١) وقد مضى هذا الخبر. انظر (١/ ١٩٣).\n(٢) في \"ظ\" نفس وهو خطأ.\n(٣) انظر أقوالهم هذه في الملل والنحل (١/ ٤٢) وما بعدها.\n(٤) تقدم (١/ ١٩١).\n(٥) تقدمت ترجمته (٢/ ١٢٠).\n(٦) يعني من ينسب إلى الاعتزال فيقال له: معتزلي. وانظر هذا الخبر في الأنساب (١٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩) (المعتزلي)؛ وفي وفيات الأعيان (٦/ ٨).","vol":"2","page":276},{"text":"مؤمنون وإن فسقوا بالكبائر فخرج واصل بن عطاء عن الفريقين وقال: إن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، منزلة بين منزلتين فطرده الحسن من مجلسه فاعتزل عنه وجلس إليه عمرو بن عبيد فقيل لهما ولأتباعهما (معتزلون) (١).\nوذكر ابن خلكان في تاريخه أيضًا في ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي البصري الأكمه وكان تابعيا عالمًا كبيرًا -قال: إنه دخل مسجد البصرة فإذا بعمرو بن عبيد ونفر قد اعتزلوا من حلقة الحسن البصري وحلقوا وارتفعت أصواتهم فأمهم وهو يظن أنها حلقة الحسن فلما صار معهم عرف أنها ليست هي فقال: إنما هؤلاء المعتزلة ثم قام عنهم فمنذ يومئذ سموا المعتزلة (٢).\nإذا علمت ما قررنا فالحق مذهب أهل الحق من أهل السنة والجماعة أن مرتكبي الكبائر في مشيئة اللَّه تعالى وعفوه لأن أصل الإيمان من التصديق باللَّه والمعرفة والإذعان موجود، فإذا مات مرتكب الكبيرة مصرًا على ذنبه فأمره مفوض إلى ربه وسعة رحمته (٣).\n(فكلهم): أي العباد إلا من عصمه اللَّه من المرسلين والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو حفظه من خواص الأولياء.\n(يعصى): من العصيان خلاف الطاعة، يقال عصاه يعصيه عصيًا ومعصية وعاصاه فهو عاص، والمعصية تشمل الكبائر والصغائر.\n_________\n(١) كذا في النسختين، وفي وفيات الأعيان، وفي الأنساب: (معتزلي).\n(٢) وفيات الأعيان (٤/ ٨٥) وقد تقدم الخبر (ص ١/ ١٩٣).\n(٣) ينبغي أن نضيف هنا: إن شاء عفى عنه وغفر له وإن شاء عذبه بقدر معاصيه، ثم يدخل الجنة إما بشفاعة الشافين، أو برحمة اللَّه وفضله، ولا يخلد في النار، وهذا هو مذهب أهل السنة والذي دلت عليه الأدلة.","vol":"2","page":277},{"text":"فما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة.\nوزاد شيخ الإسلام: \"أو ورد في ارتكاب المعصية وعيد بنفى إيمان (أو لعن) (١) \" (٢).\nوقيل: ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة، وما عدا ذلك فهو من الصغائر.\n(وذو): أي صاحب.\n(العرش): العظيم الذي هو أعظم المخلوقات وهو العالى عليها من جميع الجوانب.\n(يصفح): من الصفح وهو الإعراض عن المؤاخذة.\nوفي حديث أم المؤمنين عائشة الصديقة تصف أباها -﵄-: \"صفوح عن الجاهلين\" (٣): أي كثير الصفح والعفو والتجاوز عنهم.\nومنه: \"الصفوح\" في صفة اللَّه تعالى (٤) وهو العفو عن ذنوب العباد المعرض\n_________\n(١) في \"ظ\" أو كفر.\n(٢) انظر: الفتاوى المصرية (ص ٤٨٣ - ٤٨٦)؛ ومجموع الفتاوى (١١/ ٦٥٠) وما بعدها؛ واختاره شارح العقيدة الطحاوية (ص ٤١٨).\nوانظر: كلام العلماء في تحديد الكبيرة في تفسير ابن كثير (٢/ ٤٢٧) عند قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. ولوامع الأنوار للمؤلف (١/ ٣٦٥).\n(٣) ذكره ابن الأثير في النهاية (٣/ ٣٤)؛ وأبو موسى المدني في المجموع المغيث (٢/ ٢٧٣). وانظر: منال الطالب شرح طوال الغرائب لابن الأثير (ص ٥٧٤).\n(٤) ذكره ابن الأثير في النهاية (٣/ ٣٥) ولم أجد النص الذي يدل عليه.","vol":"2","page":278},{"text":"عن عقوبتهم تكرمًا. كما في نهاية ابن الأثير (١) فالمولى الكبير يغفر الذنب الكبير، ولا يؤاخذ بالتقصير.\nوقد ورد في الكتاب والسنة ما يؤيد ما ذهب إليه أهل الحق وأجمعوا عليه من الحق والصدق.\nكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية (٢) [البقرة: ١٧٨].\nوفي ذلك يقول: \"فمن عفي له من أخيه شيء\" فأثبت له أخوة الإيمان (٣).\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا. . .﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.\nوفي الصحيحين عن النبي -ﷺ- من حديث عبادة بن الصامت -﵁- أنه قال وحوله عصابة من أصحابه: \"بايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفّي منكم فأجره على اللَّه ومن أصاب من ذلك شيئًا. . . (٤) فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا\n_________\n(١) النهاية (٣/ ٣٥).\n(٢) وقد جاء في المخطوطتين: الآيتين وهي آية واحدة.\n(٣) قال البغوي في تفسيره (١/ ٣٩٥): \"وفي الآية دليل على أن القاتل لا يصير كافرًا بالقتل لأن اللَّه تعالى خاطبه بعد القتل بخطاب الإيمان فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ وقال في آخر الآية: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ وأراد به أخوة الإيمان فلم يقطع الأخوة بينهما بالقتل انتهى.\n(٤) هنا في الأصل: (ثم) وليست في \"ظ\" ولا في الأصول.","vol":"2","page":279},{"text":"ثم ستره اللَّه فهو إلى اللَّه إن شاء عفى عنه وإن شاء عاقبه\".\nقال: فبايعناه على ذلك (١).\nوقال -ﷺ- فيما يرويه عن ربه تعالى: \"ابن آدم لو لقيتنى بقراب (٢) الأرض خطايا ثم أتيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك (٣) بقرابها مغفرة\" (٤) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.\nوأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس -﵄- (٥) وأبو عوانة (٦) في مسنده من حديث أبي ذر.\n_________\n(١) رواه البخاري (١/ ٨١) في الإيمان باب علامة الايمان حب الأنصار؛ وفي تفسير سورة الممتحنة (٨/ ٥٠٦)؛ ومسلم رقم (١٧٠٩) في الحدود باب الحدود كفارات لأهلها.\n(٢) قراب الأرض: أي بما يقارب ملاها. النهاية (٤/ ٣٤).\n(٣) في \"ظ\": أتيتك.\n(٤) أخرجه الترمذي رقم (٣٥٤٠) في الدعوات في أبواب فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة اللَّه لعباده عن أنس -﵁- وقال: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\".\nوفي بعض النسخ حسن غريب. انظر تحفة الأحوذى (٩/ ٥٢٥) قلت وله شواهد منها ما في صحيح مسلم عن أبي ذر -﵁- يأتي بعد قليل. وانظر تخريج الحديث في الفتوحات الربانية (٧/ ٢٨٣)؛ وفي السلسلة الصحيحة (ص ١٢٧، ١٢٨).\n(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٩) رقم (١٢٣٤٦)؛ وفي الصغير (٢/ ٢٠ - ٢١)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٦): رواه الطبراني في الثلاثة وفيه إبراهيم بن إسحاق وقيس بن الربيع وكلاهما مختلف في توثيقه وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(٦) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد النيسابوري الأصل الإسفرائيني أبو عوانة صاحب المسند الصحيح الذي خرجه على صحيح مسلم من حفاظ الحديث وعلمائهم، وله فيه رحلة واسعة، مات سنة ست عشرة وثلاثمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٤/ ٤١٧).","vol":"2","page":280},{"text":"ورواه أيضًا الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر (١).\nوأخرج مسلم في صحيحه عن أبي ذر عن النبي -ﷺ- قال: \"يقول اللَّه تعالى: من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بقرابها مغفرة\" (٢).\nوأخرج الإمام أحمد من رواية أخشن السدوسي قال: دخلت على أنس -﵁- فقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم اللَّه لغفر لكم\" (٣).\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في المسند (٥/ ١٤٧، ١٤٨، ١٥٣، ١٥٥، ١٦٧، ١٦٩، ١٧٢، ١٨٠) من طرق عن أبي ذر\nورواه ابن ماجة رقم (٣٨٢١) في الأدب باب فضل العلم، والدارمي في الرقاق (٢/ ٢٣٠)؛ وابن حبان في صحيحه (١/ ٤٦٢ - ٤٦٣) رقم (٢٢٦) والبغوي في شرح السنة (١٢٥٣).\n(٢) مسلم رقم (٢٦٨٧) في كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى اللَّه بأتم منه.\n(٣) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٣٨)؛ والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٦٥) في ترجمة أخشن السدوسي باختلاف في الرواية.\nوأخرجه أبو يعلى في مسنده (٧/ ٢٢٦) (٤٢٢٦).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٥) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله ثقات.\nقلت: وفي سنده أخشن السدوسي لم يوثقه غير ابن حبان لكن للحديث شواهد صحيحه منها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"والذي نفسه بيده لو لم تذنبوا لذهب اللَّه بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون اللَّه =","vol":"2","page":281},{"text":"وقال -ﷺ-: \"من مات لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة\" (١).\nوقال: \"من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا اللَّه دخل الجنة\" (٢).\nوقال: \"إن اللَّه حرم على النار من قال لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه\" (٣).\nفالتوحيد أعظم أسباب المغفرة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].\nفدلت الآية مع حديث أنس أن من جاء مع التوحيد بملء الأرض خطايا لقيه اللَّه بملئها مغفرة مع مشيئة اللَّه تعالى فإن شاء غفر له وإن شاء وأخذه بذنبه ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها ثم يدخل الجنة.\nقال بعض المحققين الموحد لا يلقى في النار، كما يلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما تبقى الكفار (٤).\n_________\n= فيغفر لهم\".\nوعن أبي أيوب الأنصارى نحوه (مسلم ج ٤) رقم (٢٧٤٨) و(٢٧٤٩).\n(١) رواه البخاري (٣/ ١٣٣) في الجنائز في فاتحته رقم (١٢٣٨) ومسلم رقم (٩٢) في الإيمان باب من مات لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الحنة.\n(٢) رواه أحمد في المسند (٥/ ٢٣٣)؛ وأبو داود رقم (٣١١٦) في الجنائز باب في التلقين؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٣٥١) وصححه ووافقه الذهبي. وانظر تخريج الحديث في إرواء الغليل للألباني رقم (٦٨٧).\n(٣) جزء من حديث رواه البخاري (١/ ٦١٨) رقم (٤٢٥) في الصلاة باب المساجد في البيوت؛ ومسلم رقم (٣٣) في الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، وفي المساجد باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر عن عتبان بن مالك -﵁-.\n(٤) من قوله: فالتوحيد أعظم أسباب المغفرة إلى هنا من كلام ابن رجب.\nانظر: جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٤٧)؛ وأورده المؤلف في لوامع الأنوار (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠).","vol":"2","page":282},{"text":"فدل الكتاب والسنة واتفاق الفرقة الناجية على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ [النساء: ٩٣].\nونظائر أمثالها من نصوص الوعيد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] (١).\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].\nوكذا ما ورد من السنة كقوله -ﷺ-: \"من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ (٢) بها خالدًا مخلدًا في نار جهنم\" (٣).\nونظائره كثيرة.\nفحمله قوم على المستحل فيكون كافرًا.\nوأما من فعل هذه الأفعال من غير استحلال لم يلحقه وعيد الخلود وإن لحقه وعيد الدخول، وقد أنكر سيدنا الإمام أحمد -﵁- هذا القول وقال: لو\n_________\n(١) ولم ترد هذه الآية في \"ظ\".\nوأورد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا. . .﴾ [النساء: ١٤].\n(٢) يتوجأ: أي يضرب بها نفسه. جامع الأصول (١٠/ ٢١٧).\n(٣) رواه البخاري (١٠/ ٢٥٨) في الطب باب شرب السم والدواء به وما يخاف منه والخبيث، ومسلم رقم (١٠٩) في الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه. عن أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":283},{"text":"استحل ذلك ولم يفعله كان كافرا والنبي -ﷺ- إنما قال من فعل كذا وكذا.\nوقالت فرقة أخرى الاستدلال بنصوص الوعيد هذه مبني على ثبوت العموم، قالوا: وليس في اللغة ألفاظ عامة وقصدوا بذلك تعطيل هذه الأدلة عن استدلال الخوارج والمعتزلة بها، لكن ذلك يستلزم تعطيل جملة الشرع فردوا باطلًا بأبطل منه وأبطلوا بدعة بأقبح منها، فكانوا كمن رام أن يبني قصرًا فهدم مصرًا.\nوقالت فرقة أخرى في الكلام إضمار فمنهم من قال بإضمار الشرط أي فجزاؤه كذا إن جازاه أو إن شاء.\nومنهم من قال بإضمار الاستثناء والتقدير: فجزاؤه كذلك إلا أن يعفو.\nوقالت فرقة أخرى هذا وعيد واخلاف الوعيد لا يذم بل يمدح فيجوز على اللَّه إخلاف الوعيد لا إخلاف الوعد.\nوالفرق بينهما أن الوعيد حقه فإخلافه عفو وهبة وإسقاط ذلك منه من موجبات كرمه وجوده وإحسانه وامتنانه. والوعد أوجبه على نفسه بموعده واللَّه لا يخلف الميعاد.\nولهذا مدح به كعب (١) بن زهير -﵁- رسول اللَّه -ﷺ- حيث قال:\n_________\n(١) كعب بن زهير بن أبي سلمى المازني أبو المضرب شاعر عالي الطبقة كان ممن اشتهر في الجاهلية ولما ظهر الإسلام هجا النبي -ﷺ- وأقام يشبب بنساء المسلمين فأهدر النبي -ﷺ- دمه، ثم ندم وجاء مستأمنًا، وقد أسلم وأنشده لاميته المشهورة التي مطلعها:\nبانت سعاد فقلبي اليوم متبول.\nفعفى عنه النبي -ﷺ-.\nوأبوه زهير وأخوه بجير وابنه عقبه وحفيده العوام كلهم شعراء، وله ديوان مطبوع، مات سنه ٢٦ هـ.\nالإصابة (٨/ ٢٨٩)؛ والبداية (٤/ ٣٦٨)؛ والأعلام (٥/ ٢٢٦)","vol":"2","page":284},{"text":"نبئت أن رسول اللَّه أوعدني ... والعفو عند رسول اللَّه مأمول (١).\nو(٢) كان قد تناظر في هذه المسألة أبو عمرو بن العلاء (٣) أحد القراء السبعة وعمرو بن عبيد المعتزلي رفيق واصل بن عطاء فقال عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو لا يخلف اللَّه وعده وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣] فقال أبو عمرو: ويحك يا عمرو من العجمة أتيت إن العرب لا تعد إخلاف الوعيد ذمًا، بل جودًا وكرمًا، أما سمعت قول الشاعر (٤):\nولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ... ولا أختتي (٥) من صولة المتهددِ\nوإني إن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\n_________\n(١) البيت من لاميته المشهورة التي قالها يمدح فيها النبي -ﷺ- ويعتذر عما بدر منه وهو في ديوانه (ص ١٠٩).\n(٢) في \"ظ\": وقد كان تناظر. . .\n(٣) أبو عمرو بن العلاء: اسمه زبان على الأصح ابن عمار بن العريان، وقيل ابن العلا بن عمار بن عبد اللَّه بن الحصين المازني المقرئ النحوي البصري مقرئ أهل البصرة، ولد بمكة سنة ثمان وستين ونشأ بالبصرة، ومات بالكوفة وإليه انتهت الإمامة في القراءة بالبصرة، توفى سنة أربع وخمسين ومائة هـ.\nمعرفة القراء الكبار للذهبي (١/ ١٠٠)؛ ووفيات الأعيان (٣/ ٤٦٦)؛ والبداية (١٠/ ١١٣).\n(٤) البيتان لعامر بن الطفيل كما في لسان العرب (١/ ٥٦)؛ وتاج العروس (١/ ٢٠٧) (ختأ) و(وعد)\nوانظر نص المناظرة في مجالس العلماء للزجاجي (ص ٦٢ - ٦٣)؛ وفي سير أعلام النبلاء (٦/ ٤٠٨ - ٤٠٩).\n(٥) في المخطوطتين: يختشي وصوابه من المصادر.\nومعنى أختتي: أذل وأخاف.","vol":"2","page":285},{"text":"وعلى كل حال فقد قام الدليل على ذكر الموانع من إنفاذ الوعيد بعضها بالإجماع وبعضها بالنص، فالتوبة مانعة بالإجماع.\nوالتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها والحسنات العظيمة الماحية مانعة، والمصائب المكفرة مانعة، وإقامة الحدود في الدنيا من الموانع بالنص فلا تعطل هذه النصوص وأضعاف (أضعاف) (١) أضعافها. فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين.\nومن ثم قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات اعتبارًا لمقتضى العقاب ومنعه إعمالًا لأرجحها، وعلى هذا بناء مصالح الدارين ومفاسدهما، وبناء الأحكام الشرعية، والأحكام القدرية وهو مقتضى الحكمة السارية في الوجود، وبه ارتباط الأسباب ومسبباتها خلفًا وأمرًا، وقد جعل اللَّه تعالى لكل ضد ضدا يدافعه ومانعًا يمانعه، ويكون الحكم للأغلب منهما حكمة باهرة\" (٢). وقدرة قاهرة، تحير في مجاري تصاريفها العقول، وتعجز عن الإحاطة بتعاريفها النقول.\nوالحاصل واللَّه تعالى أعلم: كون المذنب الملي وإن كثرت ذنوبه وعظمت خطاياه في مشيئة مولاه إن شاء عافاه (٣).\nوعلى كل حال القول بخلود أهل التوحيد في النار يعد من المحن والوبال، وهو من شعار أهل البدع والضلال، والصواب اجتناب اعتقاده وعدم الالتفات إلى من\n_________\n(١) كذا في المخطوطتين، وفي اللوامع (١/ ٣٧١) وأضعاف أضعافها بدون تكرار.\n(٢) كذا في الأصل وفي \"ظ\": (بالغة).\n(٣) كذا في النسختين، وفي اللوامع (١/ ٣٧١) إن شاء عذبه وإن شاء عافاه، ولعله الصحيح.","vol":"2","page":286},{"text":"تمادى في جهله وعناده والتعويل على مذهب أهل الحق ووجوب اعتقاده وباللَّه التوفيق (١).\n_________\n(١) ذكر المؤلف ﵀ في هذا المبحث أقوال العلماء في الجمع بين نصوص الوعد والوعيد.\nوأحسن ما قيل فيها ما ذكره النووي وأيده ابن كثير وابن حجر -﵏-. قال النووي: \"وأما قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾.\nفالصواب في معناها أن جزاءه جهنم وقد يجازى به وقد يجازى بغيره، وقد لا يجازى بل يعفى عنه، فإن قتل عمدًا مستحلًا له بغير حق ولا تأويل فهو كافر مرتد يخلد في جهنم بالإجماع.\nوإن كان غير مستحل، بل معتقدًا تحريمه فهو فاسق عاص مرتكب كبيرة جزاؤه جهنم خالدًا فيها، لكن تفضل اللَّه تعالى وأخبر أنه لا يخلد من مات موحدًا فيها، فلا يخلد هذا، ولكن قد يعفى عنه فلا يدخل النار أصلًا، وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر العصاه الموحدين ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد في النار، فهذا هو الصواب في معنى الآية\" انتهى.\nانظر: صحيح مسلم بشرح النووي (٢٨/ ٨٣، ١٩/ ١١، ٢/ ١٢٥، ١٢٦)؛ وتفسير ابن كثير والبغوي (٢/ ٥٤٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا. . .﴾ [النساء: ٩٣]؛ وفتح الباري (٣/ ٢٦٩، ١٠/ ٢٥٩، ١٣/ ٣٧).\nوانظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٦٤٦ - ٦٤٩، ٨/ ٢٧٠ - ٢٧١)؛ ونيل الأوطار (٨/ ٢٢٥ - ٢٢٦، ٢٣٦ - ٢٣٧)؛ ولوامع الأنوار (١/ ٣٦٨ - ٣٧١).","vol":"2","page":287},{"text":"فصل في الكلام على الإيمان وبيان تباين أقوال الناس فيه وترجيح المستحق للرجحان بالدليل الثابت وإقامة البرهان\nقال الناظم -رحمه اللَّه تعالى- معتمدًا مذهب السلف الصالح من الصحابة -﵃- والتابعين لهم بإحسان: (وقل) بلسانك معتقدًا بجنانك مذعنًا بأركانك (إنما) أداة حصر.\n(الإيمان): وهو لغة التصديق واصطلاحًا: تصديق الرسول فيما جاء به عن ربه.\nوهذا القدر متفق عليه ثم وقع الاختلاف هل يشترط مع ذلك مزيد أمر من جهة إبداء هذا التصديق باللسان المعبر عما في القلب إذْ التصديق من أفعال القلوب، أو من جهة العمل بما صدق به من ذلك كفعل المأمورات وترك المحظورات، وهذا هو الذي اشتهر من مذهب السلف (١) ولذا قال: الإيمان عند السلف ومن نحا منحاهم من الخلف: (قول) باللسان فمن لم يقر وينطق بلسانه مع القدرة لا يسمى مصدقًا، فليس هو إذًا بمؤمن كما اتفق على ذلك سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.\n(ونية): أي قصد إذْ النية هى القصد أي عقد بالجنان فمن تكلم بكلمة التوحيد غير جازم بها بقلبه إما مع الشك (والتردد) (٢) وإما مع اعتقاده خلاف ما شهد به فهو منافق، وليس بمؤمن خلافًا للكرامية الزاعمين بأن الإيمان هو القول الظاهر\n_________\n(١) هذا الكلام للحافظ ابن حجر. انظر: فتح الباري (١/ ٦٠)؛ ونقله المؤلف في كتابه لوامع الأنوار (١/ ٤٠٣).\n(٢) في المخطوطتين (والترديد) ولعل الصحيح ما أثبتنا.","vol":"2","page":288},{"text":"فعندهم الإيمان مجرد الكلمة، وإن لم يكن معتقدًا لها بقلبه، وإذا كان مصدقًا بقلبه غير ناطق بلسانه مع القدرة فهو غير مؤمن أيضًا عند سلف الأمة خلافا للجهمية ومن وافقهم من المتكلمة.\nقال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨].\nفنفى تعالى الإيمان عن المنافقين وهذا يرد مذهب الكرامية فإن المنافق ليس بمؤمن وقد ضل من سماه مؤمنًا، وكذلك من قام بقلبه علم وتصديق وهو يجحد الرسول وما جاء به ويعاديه كاليهود وغيرهم ممن سماه اللَّه كافرًا ولم يسمهم مؤمنين قط ولا دخلوا في شيء من أحكام الإيمان فهم كفار خلافًا للجهمية ومن وافقهم في زعمهم أنهم إذا كان العلم في قلوبهم فهم مؤمنون كاملوا الإيمان حتى زعموا أن إيمانهم كإيمان النبيين والصديقين. وفي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ما يقلع شروش (١) هذا الضلال ويقمع رؤوس هذا الوبال ممن اتبع هواه وخالف مولاه.\nكقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا. . .﴾ الآية [النمل: ١٤].\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩].\nإلى غير ذلك من الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة.\n_________\n(١) شروش: تقدم معناها (٢/ ٢٦٦).","vol":"2","page":289},{"text":"(وفعل): بالأركان وهذا هو اللفظ الوارد عن السلف ولذا قال -﵀-: (على قول النبي) -ﷺ- (مصرح) به بالرفع صفة لفعل وما قبله من القول والنية.\nقال البخاري في صحيحه: \"الإيمان قول وعمل\" (١).\nقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري بشرح البخاري: \"هذا هو اللفظ الوارد عن السلف الذين أطلقوا ذلك\".\nوقد روى مرفوعًا (٢).\nقال: والمراد بالقول: النطق بالشهادتين، وأما العمل فالمراد به ما هو من عمل القلب والجوارح ليدخل الاعتقادات (٣) والعبادات ومراد من أدخل ذلك في تعريف الإيمان ومن نفاه، إنما هو بالنظر إلى ما عند اللَّه تعالى فالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان.\nوأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله ومن هنا نشأ عنهم (٤) القول بزيادة\n_________\n(١) البخاري (١/ ٦٠ - ٦١) كتاب الإيمان، باب قول النبي -ﷺ-: \"بني الإسلام على خمس\".\n(٢) رواه ابن ماجة في سننه (١/ ٢٥ - ٢٦) رقم (٦٥) في المقدمة، باب في الإيمان؛ وابن بطة في الإبانة (٢/ ٧٩٥ - ٧٩٦) رقم (١٠٧٥)؛ والآجري في الشريعة (١٣١)؛ والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ١٢٨ - ١٢٩) رقم (١٦)؛ وتمّام الرازي في فوائده (٥ - ٦)؛ والخطيب في التاريخ (١٠/ ٣٤٣ - ٣٤٤) عن علي بن أبي طالب -﵁-، وفي إسناده عندهم عبد السلام بن صالح الهروي أبو الصلت.\nقال البوصيري في زوائد ابن ماجة (١/ ١٢): \"أبو الصلت هذا متفق على ضعفه واتهمه بعضهم\".\nوقد أشار الحافظ في الفتح إلى ضعفه. انظر فتح الباري (١/ ٦١).\n(٣) في \"ظ\" الاعتقاد.\n(٤) في \"ظ\" نشأ لهم.","vol":"2","page":290},{"text":"الإيمان ونقصه كما يأتي بعد هذا.\nوالمرجئة (١) قالوا: هو اعتقاد ونطق فقط.\nوالكرامية (٢) قالوا: هو نطق به فقط.\nوالمعتزلة (٣) قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد كالسلف (٤).\nوالفرق بين المعتزلة وبين السلف: أن المعتزلة جعلوا الأعمال شرطًا في صحته والسلف جعلوها شرطًا في كماله وهذا بالنظر إلى ما عند اللَّه تعالى أما بالنظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا ولم يحكم عليه بكفر إلا إن بإقرن بإقراره فعل يدل على كفره كالسجود للصنم، فإن كان\n_________\n(١) سبق التعريف بالمرجئة (١/ ١٧٨).\n(٢) سبق التعريف بالكرامية (١/ ١٣٨).\n(٣) سبق التعريف بالمعتزلة (١/ ١٦٦).\n(٤) قال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٧٣):\n\"اختلف الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلافًا كثيرًا، فذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة -﵏- وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين إلى أنه: تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان\".\nوذهب كثير من أصحابنا إلى ما ذكره الطحاوي ﵀:\nأنه الإقرار باللسان والتصديق بالجنان.\nومنهم من يقول إن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي، وإلى هذا ذهب أبو منصور الماتريدي.\nوذهب الكرامية إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط.\nوذهب الجهم بن صفوان وأبو الحسن الصالحي أحد رؤساء القدرية إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب\".","vol":"2","page":291},{"text":"الفعل لا يدل على الكفر كالفسق: فمن أطلق عليه الإيمان فبالنظر إلى إقراره ومن نفى عنه الإيمان فبالنظر إلى كماله، ومن أطلق عليه الكفر فبالنظر إلى أنه فعل فعل الكافر، ومن نفاه عنه فبالنظر إلى حقيقته.\nوأما المعتزلة فأثبتت الواسطة كما مر فقالوا: الفاسق لا مؤمن ولا كافر\" (١). انتهى.\nوقال الحافظ ابن رجب (٢) في \"شرح الأربعين\" وغيره:\n\"المشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان\" (٣).\nوفي كتاب الأم للإمام الشافعي -﵁- في باب النية: كان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ومن أدركناهم يقولون:\n\"الإيمان قول وعمل ونية ولا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر\" (٤).\nقال الحافظ ابن رجب: \"انكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارًا شديدًا، وممن أنكر ذلك على قائله وجعله محدثًا: سعيد (٥) بن جبير،\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (١/ ٦١)؛ ولوامع الأنوار (١/ ٤٠٤ - ٤٠٥).\n(٢) ابن رجب مضت ترجمته (١/ ١٧٧).\n(٣) انظر: النص في جامع العلوم (١/ ٦١ - ٦٢).\n(٤) ذكر هذا النص عن الإمام الشافعي ﵀.\nاللآلكائي في شرح السنة (٥/ ٨٨٦ - ٨٨٧)؛ وابن تيمية في كتابه الإيمان (ص ١٩٧)؛ وابن رجب في جامع العلوم (١/ ٦٢)؛ والمؤلف في لوامع الأنوار (١/ ٤٠٥). لكن لم أجده في مظانه من كتاب الأم للشافعي.\n(٥) مضت ترجمته (١/ ١٥٧).","vol":"2","page":292},{"text":"وميمون (١) بن مهران، وقتادة (٢)؛ وأيوب السختياني (٣)؛ والنخعي (٤)، والزهري (٥)؛ ويحيى بن (أبي) كثير (٦) وغيرهم\" (٧).\nوقال الثوري: (٨) \"هو رأى محدث أدركنا الناس على غيره\" (٩).\nوقال الأوزاعي: (١٠) \"كان من مضى من السلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل فمن استكملهما استكمل الإيمان، ومن لم يستكملهما لم يستكمل\n_________\n(١) مضت ترجمته (١/ ١٩٨).\n(٢) مضت ترجمته (١/ ١٩٣).\n(٣) أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية وبعد الألف نون أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وله خمس وستون سنة.\nتقريب (ص ٤١).\n(٤) هو ابراهيم النخعي: مضى (٢/ ١٩٢).\n(٥) الزهري: مضى (١/ ١٥٦).\n(٦) في المخطوطتين: يحيى بن كثير.\nوالمثبت من جامع العلوم وعنه ينقل المؤلف، ومن لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ٤٠٥).\nوهو يحيى بن أبي كثير واسم أبيه صالح وقيل يسار أبو نصر الطائي مولاهم اليسامي الإمام الحافظ أحد الأعلام، مات سنة تسع وعشرين ومائة.\nسير أعلام النبلاء (٦/ ٢٧).\n(٧) جامع العلوم والحكم (١/ ٦٢)؛ ولوامع الأنوار (١/ ٤٠٥).\n(٨) سفيان الثوري: مضت ترجمته (١/ ١٨٤).\n(٩) رواه عبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (٦١٠)؛ وابن بطة في الإبانة (٢/ ٩٠٣)؛ والآجري في الشريعة (١٤٤)؛ واللآلكائي في شرح السنة (٥/ ١٠٠٤).\nوذكره ابن رجب في جامع العلوم (١/ ٦٢).\n(١٠) الأوزاعي: تقدم (١/ ١٤٠).","vol":"2","page":293},{"text":"الإيمان\" ذكره البخاري في صحيحه (١).\nوقد دل على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].\nوفي الصحيحين من حديث ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- أنه قال لوفد عبد القيس: \"آمركم بأربع: الإيمان باللَّه، وهل تدرون ما الإيمان باللَّه؟ شهاده أن لا إله إلا اللَّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغانم الخمس\" (٢).\nوفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: \"الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا اللَّه، وأدناها\n_________\n(١) هكذا ذكر الشارح -﵀- أن البخاري ذكره في صحيحه وليس كذلك، وإنما ذكر فيه أثرًا عن عمر بن عبد العزيز -﵀- أنه كتب إلى عدي ابن عدي: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان.\nوقد أورد ابن رجب الأثرين، وقال بعد إيراد الأثر عن عمر بن عبد العزيز ذكره البخاري في صحيحه.\nانظر: جامع العلوم والحكم (١/ ٦٢)؛ وفتح الباري (١/ ٦٠).\nوالأثر عن الأوزاعي ذكره ابن رجب في جامع العلوم (١/ ٦٢) مختصرًا، ورواه عنه اللآلكائي في شرح السنة رقم (١٥٩١)؛ وابن بطة في الإبانة رقم (١٠٩٧) بلفظ أطول.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ١٥٧) في الإيمان باب أداء الخمس من الإيمان؛ ومسلم رقم (١٧) في الإيمان، باب الأمر بالإيمان باللَّه تعالى ورسوله -ﷺ-.","vol":"2","page":294},{"text":"إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\" (١).\nقال شيخ الإسلام -روح اللَّه روحه-: قال (أبو القاسم) (٢) الأنصاري شيخ الشهرستاني في شرح الإرشاد لأبي المعالى (٣) بعد أن ذكر قول أصحابه الأشاعرة من أن الإيمان مجرد التصديق.\nوذهب أهل الأثر إلى أن الإيمان جميع الطاعات فرضها ونفلها وعبروا عنه بأنه: إتيان ما أمر اللَّه فرضًا ونفلًا والانتهاء عما نهى عنه تحريمًا وأدبًا، قال: وبهذا كان يقول أبو علي الثقفي (٤) من متقدمي أصحابنا وأبو العباس القلانسي (٥).\n_________\n(١) رواه البخاري (١/ ٦٧) في الإيمان، باب أمور الإيمان؛ ومسلم رقم (٣٥) في الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان. واللفظ لمسلم.\n(٢) في المخطوطتين: (أبو قاسم) والمثبت من كتاب الإيمان لابن تيمية، ومن مصادر ترجمته.\nوهو: سلمان بن ناصر بن عمران النيسابوري الشافعي تلميذ إمام الحرمين متكلم له تصانيف وشهرة وزهد وتعبد؛ شرح كتاب الإرشاد لأبي المعالي وغيره، مات سنة إحدى عشرة وخمسمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٩/ ٤١٢)؛ وطبقات السبكي (٧/ ٩٦).\n(٣) أبو المعالي الجويني: مضت ترجمته (١/ ١٣٧).\nواسم كتابه: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، مطبوع.\n(٤) محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن عبد الوهاب أبو علي الثقفي النيسابوري الشافعي: فقيه عابد زاهد واعظ، مولده سنة أربع وأربعين ومائتين، ومات سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٨٠)؛ وطبقات السبكي (٣/ ١٩٢).\n(٥) أبو العباس القلانسي: ذكره ابن عساكر في تبين كذب المفتري (ص ٣٩٨) فقال: أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن ابن خالد القلانسي الرازي من معاصري أبي الحسن الأشعري =","vol":"2","page":295},{"text":"وقد مال إلى هذا المذهب أبو عبد اللَّه بن مجاهد (١) وهذا قول مالك بن أنس (٢) إمام دار الهجرة ومعظم أئمة السلف -﵃- فكانوا يقولون: الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان\" (٣). زاد بعض السلف من أهل السنة: واتباع السنة لأن العمل لا يكون محبوبًا للَّه تعالى إلا بذلك.\nكما قال سهل بن عبد اللَّه التستري (٤): \"الإيمان قول وعمل ونية وسنة لأن الإيمان إن كان قولًا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولًا وعملًا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولًا وعملًا ونية بلا سنة فهو بدعة\" (٥).\nقال شيخ الإسلام -روح اللَّه روحه-: \"الإيمان الذي أصله في القلب لابد فيه من شيئين: تصديق القلب وإقراره ومعرفته، ويقال لهذا قول القلب، فإذا كان في القلب معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة فلا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب، ولهذا قال -ﷺ-: \"ألا وإن في الجسد مضغة\n_________\n= -﵀- لا من تلامذته كما قال الأهوازي، وهو من جملة العلماء الكبار الأثبات واعتقاده موافق لاعتقاده في الإثبات (أي لاعتقاد الأشعري) انتهى.\nولم أجد له ترجمة في غيره من المصادر التي تيسر لي الإطلاع عليها.\n(١) أبو عبد اللَّه بن مجاهد: محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي البصري أبو عبد اللَّه صاحب أبي الحسن الأشعري وذو التصانيف الكثيرة في الأصول قدم من البصرة فسكن بغداد وعنه أخذ أبو بكر الباقلاني وكان دينًا صينًا خيرا.\nوقد جعل الذهبي وفاته بعد الستين وثلاثمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٠٥)؛ والعبر (٢/ ١٣٦).\n(٢) سبقت ترجمته (١/ ١٧٧).\n(٣) نهاية ما ذكره شيخ الإسلام بن تيمية. انظر كتابه الإيمان (١٣٨).\n(٤) تقدمت ترجمته (١/ ١١٨).\n(٥) انظر: النص في كتاب الإيمان لابن تيمية (ص ١٦٣).","vol":"2","page":296},{"text":"إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب\" (١).\nوقال أبو هريرة -﵁-: \"القلب ملك والأعضاء جنوده\" (٢).\nقال شيخ الإسلام: \"لابد في الإيمان القلبي من حب اللَّه ورسوله وأن يكون اللَّه ورسوله أحب إليه مما سراهما، والمحبة تستلزم إرادة والإرادة التامة مع القدرة تستلزم الفعل فيمتنع أن يكون الإنسان محبًا للَّه ورسوله مريدًا لما يحبه اللَّه ورسوله إرادة جازمة مع قدرته على ذلك وهو لا يفعله.\nفإذا لم يتكلم بالإيمان مع قدرته دل على أنه ليس في قلبه الإيمان الواجب الذي فرضه اللَّه عليه.\nومن هنا يظهر خطأ قول جهم ومن وافقه حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعمله ثم جعلوا إيمان القلب هو الإيمان وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسب اللَّه ورسوله ويعادي أولياء اللَّه ويوالي أعداء اللَّه ويقتل الأنبياء ويهدم المساجد ويهين المصاحف ويكرم الكفار ويهين المؤمنين.\nقالوا: وهذه كلها معاصي لا تنافي الإيمان الذي في القلب، بل يفعل هذا وهو عند اللَّه مؤمن في الباطن.\n_________\n(١) رواه البخاري (١/ ١٥٣) في الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه؛ ومسلم رقم (١٥٩٩) في المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات عن النعمان بن بشير بلفظ أطول.\n(٢) رواه عبد الرزاق في المصنف (١١/ ٢٢١)؛ وعنه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٥٠ - ٣٥١) ولفظه: القلب ملك وله جنود فإذا صلح الملك صلحت جنوده وإذا فسد الملك فسدت جنوده. . الحديث. وانظر: الإيمان لابن تيمية (ص ١٧٦ - ١٧٧).","vol":"2","page":297},{"text":"قالوا: وإنما تثبت له في الدنيا أحكام الكافر، لأن هذه الأقوال والأفعال أمارة على الكفر فيحكم بالظاهر، كما يحكم بالإقرار والشهود، وإن كان الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به وشهد الشهود به.\nفإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذبًا في الآخرة.\nقالوا: هذا دليل على انتفاء التصديق، والعلم من قلبه والكفر عندهم شيء واحد وهو الجهل، والإيمان شيء واحد وهو العلم.\nوربما قالوا: الكفر تكذيب القلب والإيمان تصديقه فإنهم متنازعون، هل تصديق القلب شيء غير العلم أو هو هو (١).\nقال شيخ الإسلام: \"وهذا القول مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان، فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام، قال وقد كَفَّرَ السلف كوكيع (٢) بن الجراح والإمام أحمد وأبي عبيد (٣) وغيرهم -﵃- من يقول بهذا القول\".\nوقالوا: إبليس كافر بنص القرآن، وإنما كفره باستكباره وامتناعه من السجود لآدم لا لكونه كذب خبرًا، وكذلك فرعون وقومه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].\nوقال موسى ﵇ لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢].\n_________\n(١) انظر: الإيمان لابن تيمية (ص ١٧٦ - ١٧٨).\n(٢) تقدم (١/ ٢٩١).\n(٣) تقدم (١/ ٢١٣).","vol":"2","page":298},{"text":"فموسى هو الصادق المصدوق يقول لفرعون؛ لقد علمت ما أنزل هؤلاء يعني الآيات البينات إلا رب السموات والأرض بصائر. فدل على أن فرعون كان عالمًا بأن اللَّه تعالى أنزل هذه الآيات، وهو من أكثر خلق اللَّه عنادًا وبغيًا وفسادًا لفساد إرادته وقصده لا لعدم علمه\" (١).\nقال شيخ الإسلام وهؤلاء غلطوا في أصلين:\nأحدهما: أنهم ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط ليس معه عمل وحال وحركة وإرادة ومحبة وخشية، وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقًا، فإن أعمال القلوب التي يسميها بعض الصوفية أحوالًا ومقامات أو منازل السائرين إلى اللَّه أو مقامات العارفين أو غير ذلك كلما فيها مما فرضه اللَّه ورسوله فهو في الإيمان الواجب وكل ما فيه مما أحبه اللَّه ورسوله، ولم يفرضه فهو من الإيمان المستحب.\nفالأول: لابد لكل مؤمن منه ومن اقتصر عليه فهو من الأبرار أصحاب اليمين.\nوالثاني: للمقربين السابقين.\nوالأصل الثاني: الذي غلطوا فيه: ظنهم أن كل من حكم الشارع أنه كافر مخلد في النار، فإنما ذاك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق.\nوهذا أمر خالفوا فيه الحس والعقل والشرع وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة وجماهير النظار فإن الإنسان قد يعرف الحق مع غيره ومع هذا يجحد ذلك لحسده إياه أو لطلب علوه عليه أو لهوى النفس، ويحمله ذلك على أن يعتدى عليه ويرد ما يقول بكل طريق وهو في قلبه يعلم أن الحق معه وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون لكن الحسد وإرادة العلو والرياسة\n_________\n(١) انظر: الإيمان لابن تيمية (ص ١٧٩).","vol":"2","page":299},{"text":"وحبهم لما هم عليهم والفهم لما ارتكبوا أوجب لهم التكذيب والمعاداة لهم\" (١).\nفإن قلت: إذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر اللَّه به ورسوله -ﷺ- فمتى ذهب بعض ذلك بطل الإيمان فيلزم تكفير أهل المعاصي كما هو قول الخوارج، أو تخليدهم في النار وسلبهم اسم الإيمان بالكلية كما هو قول المعتزلة، وكلا القولين باطل خبيث وهو شر من قول المرجئة، فإن من المرجئة جماعة من العباد والعلماء المذكورين عند (الأمة) (٢) بخير.\nوأما الخوارج والمعتزلة فأهل السنة من جميع الطوائف مطبقين على ذمهم.\nفالجواب: أولًا ينبغى أن يعرف أن القول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه أحد من أهل السنة، هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار فإن هذا القول من البدع المشهورة.\nوقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، واتفقوا على أن نبينا -ﷺ- يشفع فيمن يأذن اللَّه له بالشفاعة فيهم من عصاة الموحدين وأهل الكبائر من أمته\" (٣) كما تقدم (٤).\n\"ومن بدع الخوارج الخارجة تكفيرهم المسلم بالذنب.\nوسلب المعتزلة عنه اسم الإيمان فهو عندهم ليس بمسلم ولا كافر كما تقدم (٥).\n_________\n(١) الإيمان لابن تيمية (ص ١٧٩ - ١٨٠).\n(٢) في \"ظ\" الأئمة.\n(٣) السؤال والجواب من كلام شيخ الإسلام. انظر: الإيمان (ص ٢٠٩) وسيأتي بقية الجواب.\n(٤) انظر ما تقدم في الشفاعة (٢/ ٢٣٤) وما بعدها.\n(٥) انظر ما تقدم (٢/ ٢٤٢).","vol":"2","page":300},{"text":"وهذه بدع قبيحة مخالفة للسنة والصحابة والتابعين لهم ولأئمة السلف من أهل السنة والجماعة، والحق مذهب أهل الحق أنه مؤمن ناقص الإيمان فهو مؤمن، بإيمانه فاسق بمعصيته فلا يعطى الاسم المطلق من الإيمان ولا يسلب مطلق الاسم\".\n\"وأما (١) قول القائل إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله فممنوع، وهذا مع كونه باطلًا فاسدًا ممنوعًا فهو الأصل الذي تفرعت منه البدع في الإيمان فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله.\nثم قالت الخوارج والمعتزلة: الإيمان هو مجموع ما أمر اللَّه به ورسوله وهو الإيمان المطلق -كما قاله أهل الحديث- قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار.\nوقالت المرجئة على اختلاف فرقهم لا يذهب من الإيمان شيء لا بارتكاب الكبائر ولا بترك الواجبات الظاهرة إذ لو ذهب منه شيء لم يبق منه شيء فيكون شيئًا واحدًا يستوى فيه -عندهم- البر والفاجر\" (٢).\nومذهب أهل الحق من السلف ومن وافقهم:\nأن الإيمان يتفاضل فيزيد وينقص.\nولذا قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: (وينقص): أي الإيمان يعني إيمان العبد المؤمن.\n(طورًا): أي حالًا ومرة ويجمع الطور على أطوار.\n_________\n(١) و(٢) هذا الكلام لشيخ الإسلام وهو تتمة جوابه عن السؤال الذي أورده، قبل قليل كما أشرت.\nانظر: الإيمان (ص ٢١٠).","vol":"2","page":301},{"text":"قال في القاموس: الطور: التارة (١).\nوفي حديث سطيح: (٢) \"فإن ذاك الدهر أطوار دهارير\" (٣).\nقال في النهاية: \"الأطوار: الحالات المختلفة والتارات والحدود واحدها طور أي مرة ملك ومرة هلك ومرة بؤس ومرة نعم\" (٤).\n(بالمعاصي): جمع معصية وهي ما يذم مرتكبها من كبيرة وصغيرة.\n(وتارة): أي مرة ونوبة، قال في القاموس: التارة: المرة ترك همزها لكثرة الاستعمال والجمع تير\" (٥).\n(بطاعته): أي العبد المؤمن من ذكر وأنثى.\n(ينمو): أي يزيد، يقال نمى الشيء ينمو نموًا زاد وارتفع وكثر.\n(وفي الوزن): أي الميزان.\n(يرجح): ويثقل لزيادته بالطاعات.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه شرح الإيمان والإسلام، مذهب أهل السنة والحديث على أن الإيمان يتفاضل وجمهورهم يقول: يزيد وينقص.\nومنهم من يقول: يزيد ولا يقول ينقص.\nكما يروى عن الإمام مالك في إحدى الروايتين.\n_________\n(١) القاموس (٢/ ٨١) طور.\n(٢) اسمه: ربيع بن ربيعة من كهان الجاهلية. (الأعلام ٣/ ١٤).\n(٣) انظر: البداية (٢/ ٢٦٩).\n(٤) النهاية لابن الأثير (٣/ ١٤١ - ١٤٢).\n(٥) القاموس (١/ ٣٩٥).","vol":"2","page":302},{"text":"ومنهم من يقتصر على القول بأنه يتفاضل كالإمام عبد اللَّه بن المبارك.\nوقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان في الإيمان عن الصحابة -﵃- ولم يعلم لهم فيه مخالف منهم، وقد نطق القرآن بالزيادة في الإيمان في عدة آيات كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].\nقال شيخ الإسلام: \"وهذا يجده المؤمن إذا تليت عليه الآيات ازداد قلبه بفهم القرآن ومعرفة معانية من علم الإيمان ما لم يكن حتى كأنه لم يسمع الآية إلا حينئذ ويحصل في قلبه من الرغبة في الخير والرهبة من الشر ما لم يكن فيزداد علمه باللَّه ومحبته لطاعته وهذا زيادة الإيمان.\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. فهذه الزيادة عند (تخويفهم) (١) بالعدو لم يكن عند آية نزلت فازدادوا يقينًا وتوكلًا على اللَّه وثباتًا على الجهاد وتوحيدًا بأن لا يخافوا المخلوق بل خافون اللَّه الخالق وحده.\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]. وهذه الزيادة ليست مجرد التصديق بأن اللَّه أنزلها بل زادتهم بحسب مقتضاها فإن كانت أمرًا بالجهاد وغيره ازدادوا رغبة فيه، وإن كانت نهيًا عن شيء انتهوا عنه فكرهوه.\nولهذا قال: ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ والاستبشار غير مجرد التصديق.\n_________\n(١) في المخطوطتين (تخوفهم) والمثبت من كتاب الإيمان (ص ٢١٥) ومنه ينقل الشارح وهو الصواب.","vol":"2","page":303},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]. وهذه نزلت لما رجع النبي -ﷺ- هو وأصحابه من الحديبية فجعل السكينة موجبة لزيادة الإيمان، والسكينة هي الطمأنينة في القلب (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] هداه لقلبه زيادة في إيمانه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣].\nوقد روي من وجوه كثيرة شهيرة عن حماد بن سلمة (٢) عن أبي جعفر (٣) عن جده عمير (٤) بن حبيب الخطمي -وهو من الصحابة ﵃- أنه قال: \"الإيمان يزيد وينقص، قيل: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا اللَّه تعالى ووحدناه وسبحناه فتلك زيادته وإذ غفلنا ونسينا فذاك نقصانه\" (٥).\n_________\n(١) كذا جاء هذا الكلام على هذه الآية عند المؤلف -﵀- ولعله وهم منه أو أن في الكلام سقطًا، فهذا الكلام لشيخ الإسلام أورده بعد قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]. راجع الإيمان (ص ٢١٦).\n(٢) تقدمت ترجمته (١/ ١٩١).\n(٣) أبو جعفر: إسمه عمير بن يزيد بن عمير بن حبيب بن خماشة الأنصاري أبو جعفر الخطمي المدني نزيل البصرة، صدوق.\nتهذيب التهذيب (٨/ ١٥١)؛ وتقريب (ص ٢٦٦).\n(٤) عمير بن حبيب بن خماشة بضم المعجمة وتخفيف الميم وبعدها معجمة ابن جويبر الأنصارى الخطمي صحابي ممن بايع تحت الشجرة وليست له رواية.\nالإصابة (٧/ ١٦١).\n(٥) الأثر رواه ابن أبي شيبة في الإيمان (ص ٧)؛ وفي المصنف (١١/ ١٣)؛ وعبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (٦٢٤، ٦٢٥)؛ والآجري في الشريعة (ص ١١١)؛ والبيهقي في =","vol":"2","page":304},{"text":"وكذا قال أبو الدرداء -﵁-: \"الإيمان يزيد وينقص\" (١).\nوروى سيدنا الإمام أحمد ثنا يزيد ثنا جرير في عثمان قال: سمعت أشياخنا أو بعض أشياخنا أن أبا الدرداء قال: \"إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أنه يزداد إيمانه أم ينقص وأن من فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان أنى يأتيه\" (٢).\n_________\n= شعب الإيمان رقم (٥٥)؛ واللآلكائي في السنة رقم (١٧٢٠ و١٧٢١)؛ وابن سعد في الطبقات (٤/ ٣٨١)؛ وابن بطة في الإبانة (١/ ٨٤٥) رقم (١١٣١)؛ والبغوي وابن شاهين كما في الإصابة (٧/ ١٦١).\nتنبيه: وقع في هذه الرواية عن أبي جعفر عن جده عمير بن حبيب، وفي بعض الروايات عن أبيه عن جده عمير، ولعل هذه أصح كما جاء في رواية الإمام أحد، قال: قال عفان بن مسلم سمعت حمادًا عن عمير بن حبيب ليس فيه عن أبيه فقلت له: إنك حدثتني عن أبيه عن جده فقال أحسبه عن أببه عن جده، انتهى.\nقلت: وفي التهذيب قال عبد الرحمن بن مهدي: كان أبو جعفر وأبوه وجده قومًا يتوارثون الصدق بعضهم عن بعض. انتهى.\nراجع السنة لعبد اللَّه بن أحمد رقم (٦٢٤ - ٦٢٥) ورقم (٦٨٠)؛ وتهذيب التهذيب (٨/ ١٥١).\n(١) الأثر رواه ابن ماجة في سننه رقم (٧٥) في المقدمة وعبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (٦٢٣)؛ واللآلكائي في شرح السنة رقم (١٧٠٩) باب في الإيمان؛ وابن بطة في الإبانة رقم (١١٢٦)؛ والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ١٩٤ - ١٩٥).\nوأورده ابن تيمية في الإيمان (ص ٢١١)؛ والمؤلف في لوامع الأنوار (١/ ٤١١).\nوقال محقق شعب الإيمان: إسناده حسن.\n(٢) رواه اللآلكائي في السنة رقم (١٧١٠) من طريق الإمام أحمد، وابن بطة في الإبانة رقم (٨٤٩).\nوقال محقق الإبانة رواه الإمام أحمد في الإيمان (ق ١٤١/ ١)؛ وأورده ابن تيمية في الإيمان (ص ٢١١) من رواية الإمام أحمد؛ وكذا المؤلف في لوامع الأنوار (١/ ٤١١).","vol":"2","page":305},{"text":"وروى إسماعيل بن عياش عن أبي هريرة -﵁- أنه قال: \"الإيمان يزيد وينقص\" (١).\nوروى الإمام أحمد عن (ذر) (٢) قال: \"كان عمر بن الخطاب -﵁- يقول لأصحابه: \"هلموا نزداد إيمانًا فيذكرون اللَّه ﷿\" (٣).\nوقال أبو عبيد (٤) في \"الغريب\" في حديث علي -﵁-: إن الإيمان يبدو لمظة في القلب كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة\" (٥).\n_________\n(١) الأثر رواه عبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (٦٢٢)؛ والآجري في الشريعة (ص ١١١)؛ واللآلكائي في السنة (١٧١١)؛ وابن بطة في الإبانة رقم (١١٢٧ - ١١٢٨) كلهم من طريق إسماعبل ابن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد اللَّه بن ربيعة الحضرمي عن أبي هريرة به.\nورواه ابن ماجة رقم (٧٤) في المقدمة، باب في الإيمان، واللآلكائي في السنة رقم (١٧١٢)؛ والآجري في الشريعة (ص ١١١)؛ وابن بطة في الإبانة رقم (١١٢٩ - ١١٣٠) كلهم من طريق إسماعيل ابن عياش عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن أبي هريرة وابن عباس به.\nقال الشيخ ناصر الألباني في ضعيف ابن ماجة رقم (٧٤): (ضعيف جدًا)، لكن الآثار بهذا عن السلف مستفيضة في كتب السنة. . . \" انتهى.\n(٢) في النسختين: عن أبي ذر -﵁-، والمثبت من مصادر التخريج وهو الصحيح.\nوذر هو ابن عبد اللَّه المرهبي بضم الميم وسكون الراء، مات قبل المائة.\nمترجم في التقريب (ص ٩٨).\n(٣) الأثر رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٢٦)؛ وفي الإيمان (ص ٣٦)؛ والآجري في الشريعة (ص ١١٢)؛ واللآلكائي في شرح السنة رقم (١٧٠٠)؛ وابن بطة في الإبانة رقم (١١٣٤)؛ وأورده ابن تيمية في كتابه الإيمان (ص ٢١١) من طريق الإمام أحمد، قال الشيخ ناصر الألباني في الحاشية: \"رجاله ثقات لكنه منقطع بين ذر عمر\".\n(٤) أبو عبيد القاسم بن سلام: تقدمت ترجمته (١/ ٢١٣).\n(٥) رواه ابن أبي شيبة في الإيمان رقم (٨) وفي المصنف (١١/ ١١) وأورده أبو عبيد في الإيمان =","vol":"2","page":306},{"text":"قال الأصمعي (١): \"اللمظة مثل النكتة أو نحوها\" (٢).\nوفي نهاية ابن الأثير في حديث علي: \"الايمان يبدو في القلوب لمظة\" اللمظة بالضم مثل النكتة من البياض ومنه فرس ألمظ إذا كان بجحفلته بياض يسير\" (٣).\nوالجحفلة بتقديم الجيم على الحاء المهملة للخيل بمنزلة الشفة وهي خاصة بالخيل والبغال والحمير (٤).\nوروى الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن عكيم قال: سمعت ابن مسعود يقول في دعائه: \"اللهم زدنا وإيمانًا ويقينًا وفقهًا\" (٥)\nوصح عن عمار بن ياسر أنه قال: \"ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان:\n_________\n= أيضًا (ص ٦٤ - ٦٥)؛ وفي غريب الحديث (٣/ ٤٦٠).\nورواه ابن بطة في الإبانة رقم (١١٢٢).\nقال محققه رواه أحمد في الإيمان (٢/ ١٤٢).\nورواه اللالكائي في شرح السنة رقم (١٧٠١).\nوذكره ابن تيمية في الإيمان (ص ٢١١ - ٢١٢).\n(١) عبد الملك بن قرب بن عبد الملك أبو سعيد الباهلى البصري: علامة لغوي حافظ إخباري أديب أحد الأعلام مولده سنة بضع وعشرين ومائة، ووفاته سنة خمس عشرة ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٧٥)؛ وتقريب (ص ٢٢٠).\n(٢) انظر: النص في غريب الحديث لأبي عبيد (٣/ ٤٦٠).\n(٣) النهاية لابن الأثير (٤/ ٢٧١).\n(٤) القاموس (٤/ ٣٥٧) (جحفل).\n(٥) رواه عبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (٧٩٧) عن أبيه؛ والآجري في الشريعة (ص ١١٢)، وابن بطة في الإبانة رقم (١١٣٢)؛ واللآلكائي في السنة رقم (١٧٠٤).\nوأورده ابن تيمية في الإيمان (ص ٢١٢) من رواية الإمام أحمد.\nوقال الحافظ ابن حجر رواه الإمام أحمد في الإيمان وإسناده صحيح.\nفتح الباري (١/ ٦٣).","vol":"2","page":307},{"text":"إنصاف من نفسه، والإنفاق من الإقتار، وبذل السلام للعالم\".\nذكره البخاري في صحيحه. (١).\nوقال ابن عمر وجندب بن عبد اللَّه وغيرهما من الصحابة تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فأزددنا إيمانًا\" (٢).\nوالآثار في هذا كثيرة جدًا -كما قال شيخ الإسلام روح اللَّه روحه- رواها المصنفون لآثار الصحابة في هذا الباب (٣) قال: (٤) وزيادة الإيمان من وجوه منها الإجمال والتفصيل فيما أمروا به فإنه وإن وجب على جميع الخلق الإيمان باللَّه\n_________\n(١) ذكره البخاري في صحيحه تعليقًا (١/ ١٠٣) في الإيمان، باب إفشاء السلام من الإسلام، ورواه أحمد في الإيمان؛ كما في فتح الباري (١/ ١٠٤)؛ وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠/ ٣٨٦)؛ وابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٤٨)؛ وفي الإيمان رقم (١٣١)، واللآلكائي في السنة رقم (١٧١٣) موقوفًا على عمار؛ وقال الشيخ الألباني في تعليقه على كتاب الإيمان لاين تيمية (ص ٢١٢): \"وقد وصله ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عمار موقوفًا؛ وقد روي مرفوعًا وله شواهد كما قال الحافظ في الفتح (١/ ١٠٤) انتهى.\n(٢) ورد هذا الأثر عن جندب بن عبد اللَّه رواه ابن ماجة في سننه رقم (٦١) في المقدمة باب في الإيمان، وابن بطة في الإبانة رقم (١١٣٦)، قال محققه رواه أحمد في الإيمان (ق ١٤٢/ ١)؛ ورواه اللآلكلائي في السنة رقم (١٧١٥)؛ قال البوصيري في زوائد ابن ماجة (١/ ١٢): \"إسناده صحيح رجاله ثقات\"؛ وقد ذكره عن ابن عمر وجندب ين عبد اللَّه، ابن تيمية في الإيمان (ص ٢١٢)؛ ولم أجده بهذا اللفظ عن ابن عمر.\n(٣) انظر من ذلك كتاب الإيمان لابن أبي شيبة، وكتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام؛ والإبانة الكبرى (٢/ ٨٣١) وما بعدها؛ وشرح السنة للآلكلائي (٥/ ٨٩٠) وما بعدها؛ وغير ذلك من كتب السلف في العقيدة.\nوانظر كلام شيخ الإسلام هذا في كتابه الإيمان (ص ٢١٢).\n(٤) يعني شيخ الإسلام ابن تيمية.","vol":"2","page":308},{"text":"ورسوله، ووجب على كل أمة التزام ما يأمر (١) به رسولهم مجملًا، فمعلوم أنه لم يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله ولا يجب على كل عبد من الإيمان المفصل مما أخبر به الرسول ما يجب على من بلغه خبره فمن عرف القرآن والسنن ومعانيهما لزمه من الإيمان المفصل بذلك ما لم يلزم غيره.\nولو آمن الشخص باللَّه والرسول باطنًا وظاهرًا ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين مات مؤمنًا بما وجب عليه من الإيمان وليس ما وجب عليه وما وقع منه مثل إيمان من عرف الشرائع فآمن بها وعمل بها بل إيمان هذا أكمل وجوبًا ووقوعًا.\nوأما قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].\nفالمراد في (٢) التشريع بالأمر والنهي لا أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر الأمة وأنه فعل ذلك، بل الناس متفاضلون في الإيمان أعظم تفاضل. ومنها الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم فمن طلب علم التفصيل وعمل به فإيمانه أكمل ممن عرف ما يجب عليه والتزم به وأقر به ولم يعمل بذلك كله، وهذا الشخص المقر المقصر في العمل إنْ اعترف بذنبه وكان خائفًا من عقوبة ربه على ترك العمل أكمل إيمانًا ممن لم طب معرفة ما أمر به الرسول، ولا عمل بذلك ولا هو خائف أن يعاقب، بل هو في غفلة عن تفصيل ما جاء به الرسول مع أنه مقر بنبوته باطنًا وظاهرًا، فكل ما علم القلب بما جاء به الرسول فصدقه وما أمر به فالتزمه كان ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك، وإن كان معه إقرار عام وإلزام.\nوكذلك من عرف أسماء اللَّه تعالى ومعانيها فآمن بها، كان إيمانه أكمل ممن لم\n_________\n(١) في المخطوطتين (يؤمر به) والمثبت من كتاب الإيمان ص (٢١٩) وهو الصحيح.\n(٢) في \"ظ\" بالتشريع؛ والمثبت من الأصل ومن الإيمان لابن تيمية (ص ٢١٩) ومنه ينقل المؤلف.","vol":"2","page":309},{"text":"يعرف تلك الأسماء، بل آمن بها إيمانًا مجملًا أو عرف بعضها.\nوكلما ازداد الإنسان معرفة بأسماء اللَّه تعالى وصفات وآياته كان إيمانه أكمل.\nومنها أن العلم والتصديق يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت وأبعد عن الشك والريب وهذا أمر مشهود لكل ذي لب كما أن الحس الظاهر بالشيء الواحد مثل رؤية الناس الهلال وإن اشتركوا فيها فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض وكذلك سماع الصوت وشم الرائحة الواحدة وذوق النوع الواحد من الطعام، فكذلك معرفة القلب وتصديقه يتفاضل أعظم من ذلك من وجوه متعدده.\n(والمعاني) (١) التي يؤمن بها من معاني أسماء اللَّه تعالى وكلامه يتفاضل الناس في معرفة ذلك أعظم من تفاضلهم في معرفة غيرها.\nومنها أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله.\nفالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به فهذا علمه أوجب له محبة اللَّه تعالى وخشيته والرغبة فيما عنده من الرضوان والنعيم والجنة والهرب من النار.\nوالذي لم يعمل بعلمه لم يوجب له ذلك مع أن كلًا منهما يعلم أن اللَّه حق والرسول حق والجنة حق والنار حق، فعلم الأول أكمل لأن قوة المسبب تدل على قوة السبب.\nوقد نشأت هذه الأمور عن العلم، فالعلم بالمحبوب يستلزم طلبه، والعلم بالمخوف\n_________\n(١) في النسختين: للمعاني والمثبت من كتاب الإيمان لابن تيمية (ص ٢٢١) ومنه ينقل الشارح.","vol":"2","page":310},{"text":"يستلزم الهرب منه، فإذا لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم.\nولهذا قال -ﷺ-: \"ليس \"المخبر\" (١) كالمعاين (٢) فإن موسى ﵇ لما أخبره ربه أنّ قومه عبدوا العجل لم يلق الألواح، فلما رآهم عاكفين على عبادته ألقاها. وليس ذلك لشك موسى في خبر اللَّه لكن المخبر وإن جزم بصدق الخبر فقد لا يتصور المخبر به في نفسه كما يتصوره إذا عاينه، ولهذا جعلوا اليقين ثلاثة أنواع: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.\nومنها أن الأعمال الظاهرة والباطنة من الإيمان والناس يتفاضلون في ذلك عيانًا (٣).\nوعلى كل حال الناس متفاضلون في الإيمان تفاضلًا ظاهرًا لا يخفى على ذي حس وعلم.\nولهذا كان ما عليه سلف الأمة وجل الأئمة:\nأن الإيمان: قول وعمل ونية يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.\nقال الإمام عبد البر (٤) في التمهيد: \"أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان\n_________\n(١) في النسختين: \"الخبر\" والمثبت من الإيمان لشيخ الإسلام ومنه ينقل المؤلف.\n(٢) رواه أحمد في المسند (١/ ٢١٥، ٢٧١) عن ابن عباس ولفظه: \"ليس الخبر كالمعاينة\" وتتمته: إن اللَّه ﷿ أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت\".\nقال الشيخ ناصر الألباني في حاشية الإيمان لابن تيمية (ص ٢٢١): \"رواه أحمد وغيره بسند جيد\".\n(٣) نهاية كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد نقله المؤلف ببعض التصرف والاختصار.\nانظر: الإيمان (ص ٢١٩ - ٢٢٢).\n(٤) ابن عبد البر: سبقت ترجمته (١/ ١١٩).","vol":"2","page":311},{"text":"قول وعمل ولا عمل إلا بنية قال: والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان إلا ما ذكر عن أبي حنيفة (١) وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانًا، قالوا إنما الإيمان التصديق والإقرار ومنهم من زاد المعرفة\" (٢) وذكر ما احتجوا به إلى أن قال: \"وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر منهم مالك (٣)؛ والليث (٤) بن سعد، وسفيان (٥) الثوري، والأوزاعي (٦)؛ والشافعي (٧)؛ وأحمد بن حنبل (٨)، وإسحاق (٩) بن راهويه، وأبو عبيد (١٠) القاسم بن سلام، وداود بن علي الظاهري (١١)؛ والطبري (١٢) ومن سلك سبيلهم قالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو الإقرار، واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة.\n_________\n(١) تقدم (١/ ١٨٩) وانظر ما تقدم حول الخلاف في مسمى الإيمان (٢/ ٢٩٠ - ٢٩١).\n(٢) انظر: التمهبد لابن عبد البر (٩/ ٢٣٨)؛ والإيمان لابن تيمية (ص ٣١٣).\n(٣) تقدم (١/ ١٧٧).\n(٤) تقدم (١/ ٣٠٤).\n(٥) تقدم (١/ ١٨٤).\n(٦) تقدم (١/ ٣٤٠).\n(٧) تقدم (١/ ١٧٤).\n(٨) تقدم (١/ ١١١).\n(٩) تقدم (١/ ١١٢).\n(١٠) تقدم (١/ ٢١٣).\n(١١) داود بن علي بن خلف أبو سليمان البغدادي المعروف بالأصبهاني مولى أمير المؤمنين المهدى وليس أهل الظاهر فقيه حافظ علامة.\nقال الخطيب: صنف الكتب وكان إمامًا ورعًا ناسكًا زاهدًا، مات سنة سبعين ومائتين.\nتاريخ بغداد (٨/ ٣٦٩)؛ وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٩٧).\n(١٢) محمد بن جرير الطبري: تقدم (١/ ٢٦١).","vol":"2","page":312},{"text":"وقالوا: كل ما يطاع اللَّه به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، قالوا: والإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. قال: وأهل الذنوب عندهم مؤمنون غير مستكملى الإيمان -كما مر- ألا ترى إلى قوله -ﷺ-: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن\" (١) الحديث: يريد مستكمل الإيمان ولم يرد به نفى جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر، إذا صلوا إلى القبلة وانتحلوا دعوة المسلمين من قراباتهم المؤمنين الذين ليسوا بتلك الأحوال\" (٢).\nثم قال: وعلى أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية جماعة أهل الآثار والفقهاء أهل الفتيا في الأمصار.\nقال: \"وهذا مذهب الجماعة من أهل الحديث والحمد للَّه\" (٣).\nثم رد على المرجئة وعلى الخوارج والمعتزلة بالموارثة وبحديث عبادة بن الصامت \"من أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له\" (٤).\nوقال: الإيمان مراتب بعضها فوق بعض فليس ناقص الإيمان ككامله، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ\n_________\n(١) رواه البخاري (٥/ ١٤٣) رقم (٢٤٧٥) في المظالم، باب النهي بغير إذن صاحبه؛ ومسلم في الإيمان رقم (٥٧) عن أبي هريرة، ورواه البخاري والنسائي عن ابن عباس -أيضًا-.\nانظر: جامع الأصول (١١/ ٧١٢).\n(٢) انظر: التمهيد (٩/ ٢٤٣) ونقله عنه شيخ الإسلام في الإيمان (ص ٣١٣ - ٣١٤).\n(٣) التمهيد (٧/ ٢٥٢)؛ والإيمان لابن تيمية (ص ٣١٤).\n(٤) رواه البخاري (١/ ٨١) رقم (١٨) في الإيمان؛ ومسلم رقم (١٧٠٩) في الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها.","vol":"2","page":313},{"text":"زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] إلى قوله: ﴿حَقًّا﴾ أي هم المؤمنون حقًا.\nومنه قول النبي -ﷺ- في عدة أحاديث: \"أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا\" رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة -﵁- (١).\nوروى الترمذي وابن حبان عن أبي هريرة -﵁- أنه -ﷺ- قال: \"أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وخياركم خياركم لنسائهم\" (٢) إلي غير ذلك من الأحاديث.\nومعلوم أن هذا لا يكون أكمل حتى يكون غيره أنقص منه وقوله -ﷺ-: \"أوثق عرى الإيمان الحب في اللَّه\" رواه الطبراني من حديث ابن عباس -﵄- (٣).\n_________\n(١) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢٥٠، ٤٧٢، ٥٢٧) وعنه ابنه عبد اللَّه في السنة رقم (٧٤٧)؛ وابن أبي شيبة في المصنف (٨/ ٣٢٧ - ٨٢٨) (١١/ ٢٧)؛ وفي الإيمان (ص ٨) وأبو داود رقم (٤٥٨٢) في السنة، والترمذي رقم (١١٦٢) في الرضاع باب ما جاء في حق المرأة على زوجها؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان (٦/ ١٨٨)؛ والحاكم (٣١١)؛ والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ١٦٠ - ١٦١).\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوقال الألباني في حاشية الإيمان لابن أبي شيبة: حديث صحيح وإسناده حسن.\nولمزيد التفصيل راجع السلسلة الصحيحة رقم (٢٨٤).\n(٢) هذه رواية الترمذي. انظر: تخريج الحديث قبل قليل.\n(٣) رواه الطبراني في الكبير (١١/ ٢١٥).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٧٠) رواه أبو يعلى والطبراني وفيه حسين بن قيس الرحبي وهو ضعيف وذكره الألباني في الصحيحه من رواية الطبراني وقال: \"وهذا إسناد =","vol":"2","page":314},{"text":"وقوله -ﷺ-: \"لا إيمان لمن لا أمانة له\" (١).\nفهذه الأحاديث تدل على أن بعض الإيمان أوثق وأكمل من بعض\" (٢).\nوكذلك ذكر أبو عمر الطلمنكي (٣) إجماع أهل السنة على أن الإيمان قول وعمل ونية (٤).\nقال شيخ الإسلام: \"ولما صنف الفخر الرازي (٥) \" مناقب الإمام الشافعي -﵁- ذكر قوله في الإيمان: أنه إقرار باللسان وعقد بالجنان وعمل بالأركان (٦) كقول الصحابة والتابعين.\n_________\n= واه لكن له شواهد تدل على أن له أصلا من حديث عبد اللَّه بن مسعود والبراء ابن عازب.\nثم ذكر من أخرجها وقال: فالحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن على الأقل\" واللَّه أعلم.\nالصحيحة رقم ١٧٢٨.\n(١) رواه أحمد في المسند (٣/ ١٥٤، ٢٥١) وابن أبي شيبة في الإيمان رقم (٧)؛ وابن حبان (١٩٤)؛ ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/ ٤٧٠ - ٤٧١) من طرق عن أنس وأورده ابن تيمية في الإيمان (ص ١١).\nقال الشيخ الألباني في الحاشية: \"رواه أحمد وغيره من طرق وهو حديث صحيح\".\n(٢) نهاية ما أورده شيخ الإسلام ابن تيمية من كلام ابن عبد البر في التمهيد. انظر: التمهيد لابن عبد البر (٩/ ٢٤٥)؛ والإيمان لابن تيمية (ص ٣١٥).\n(٣) أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن أبي عيسى المعافري الأندلسي الطلمنكي -أبو عمر- الإمام المقرئ المحقق المحدث الحافظ الأثري، قال الذهبي: كان من بحور العلم أدخل الأندلسي علمًا جمًا نافعًا وكان عجبًا في حفظ علوم القرآن. . . صنف كتبًا كثيرة في السنة يلوح فيها فضله وحفظه وإمامته واتباعه للأثر\"، مات سنة تسع وعشرين وأربعمائة.\nسير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٦٦)؛ ترتيب المدارك (٨/ ٨٢)؛ الصلة لابن بشكوال (١/ ٤٤ - ٤٥).\n(٤) ذكره عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الإيمان (ص ٣١٥) وزاد فيه \"وإصابة السنة\".\n(٥) سبقت ترجمته (١/ ١٨٦).\n(٦) انظر: مناقب الشافعي للفخر الرازي (ص ١٣٠) وقد أيد ما ذهب إليه الشافعي في هذا =","vol":"2","page":315},{"text":"(استشكل قول الشافعي جدًا لأنه كان فد انعقد في نفسه شبهة) (١) أهل البدع في الإيمان من الخوارج والمعتزلة والجهمية والكرامية وسائر المرجئة وهو أن الشيء المركب إذا زال بعض أجزائه لزم زواله كله\".\nقال شيخ الإسلام: \"لكن الرازي لم يذكر إلا ظاهر شبهتهم\".\nوأجاب شيخ الإسلام -قدس اللَّه روحه-: بأنه يسلم له أن الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعه كما كانت لكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر أجزائها\" (٢).\n-يعني كبدن الإنسان إذا ذهب منه أصبع أو يد أو رجل ونحو ذلك لم يخرج عن كونه إنسانًا بالاتفاق، وإنما يقال له إنسان ناقص- (٣).\nوالشافعي كسائر السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان والأئمة المقتدى بهم يقولون: إن الذنب يقدح في كمال الإيمان، ولهذا نفى الشارع الإيمان عن هؤلاء كالزاني والسارق وشارب الحمر ونحوهم، فإن ذلك المجموع الذي هو الإيمان الكامل لم يبق مجموعًا مع الذنوب لكن يقولون: بقى (٤) بعضه إما أصله، وإما أكثره وإما غير ذلك فيعود الكلام إلى أنه يذهب بعضه ويبقى بعضه.\n_________\n= الموضع واستدل له ببعض الآيات. لكنه عاد في موضع آخر (ص ١٤٥ - ١٤٦) فاستشكل ذلك كما أشار شيخ الإسلام.\n(١) جاءت هذه العبارة التي بين القوسين في النسختين كذا: (استكمل الرازي قول الشافعي جدا ورد شبهة أهل البدع في الإيمان. . .). وما أثبت من كتاب الإيمان لابن تيمية (ص ٣٨٦) ومنه ينقل المؤلف ومن لوامع الأنوار للمؤلف أيضًا (١/ ٤١٧) وهو الصحيح.\n(٢) انظر: الإيمان (ص ٣٨٦).\n(٣) هذا التوضيح من كلام الشارح والكلام بعده لشيخ الإسلام.\n(٤) في \"ظ\": نفي.","vol":"2","page":316},{"text":"ولهذا كانت المرجئة تنفر من لفظ النقص أعظم من نفورها من لفظ الزيادة، لأنهم يزعمون أنه إذا نقص لزم ذهابه كله عندهم إن كان متبعضًا متعددًا عند من يقول بذلك وهم الخوارج والمعتزلة.\nوأما الجهمية فهو واحد عندهم، فلا يقبل التعدد فيثبتون واحدًا لا حقيقة له كما قالوا مثل ذلك في وحدانية الرب ﷿ ووحدانية صفاته عند من أثبتها منهم.\nوالأصل الذي أوقعهم في هذا اعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان بعض الكفر وبعض الإيمان أو ما هو كفر وما هو إيمان. وزعموا أن هذا متفق عليه بين المسلمين كما ذكر ذلك أبو حسن الأشعري وغيره من النظار (١).\nولأجل اعتقادهم هذا الإجماع وقعوا فيما هو مخالف للإجماع الحقيقي إجماع السلف الذي ذكره غير واحد من الأئمة، بل وصرح غير واحد بكفر من قال بقول جهم في الإيمان (٢).\nقال شيخ الإسلام: وقد قال لي بعضهم مرة الإيمان من حيث هو إيمان لا يقبل الزيادة والنقصان فقلت له: قولك من حيث هو كقولك (الإنسان) (٣) من حيث (هو) (٣) إنسان، و(الحيوان) (٣) من حيث (هو) (٣) حيوان و(الوجود) (٣) من حيث هو وجود فتثبت (٤) لهذه المسميات وجودًا مطلقًا عن جميع القيود والصفات\n_________\n(١) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٤ - ٢١٧).\n(٢) انظر: الإيمان لشيخ الإسلام (ص ٣٨٧).\n(٣) ما بين الأقواس زيادة من كتاب الإيمان لابن تيمية (ص ٣٨٨) ومنه ينقل المؤلف وبها يتضح الكلام.\n(٤) في النسختين: فثبت لهذه المسميات وجودًا مطلقًا.\nوالمثبت من كتاب الإيمان لابن تيمية (٧/ ٤٠٥) ضمن مجموع الفتاوى وهو الصحيح.","vol":"2","page":317},{"text":"وهذا لا حقيقة له في الخارج وإنما هو شيء يقدره الإنسان في ذهنه كما يقدر موجودًا لا قديمًا ولا حادثًا ولا قائما بنفسه ولا بغيره والماهيات من حيث هي هي شيء يقدر في الأذهان لا في العيان.\nوهكذا تقدير إيمان لا يتصف به مؤمن بل هو مجرد عن كل قيد، بل ما تم إيمان في الخارج إلا مع المؤمنين كما لا (١) ثم إنسانية في الخارج إلا ما أتصف بها الإنسان.\nفكل إنسان له إنسانية تخصه، وكل مؤمن له إيمان يخصه فإنسانية زيد تشبه إنسانية عمرو، وليست هي هي والاشتراك إنما هو في أمر كلي مطلق يوجد في الأذهان دون الأعيان، فلا وجود له في الخارج إلا في ضمن أفراده، فإذا قيل إيمان زيد مثل إيمان عمرو فإيمان كل واحد يخصه، وذلك الإيمان يقبل الزيادة والنقصان، ومن نفى التفاضل تصور في نفسه إيمانًا مطلقًا كما يتصور إنسانًا مطلقًا، ووجودًا مطلقًا عن جميع الصفات المعينة له ثم يظن أن هذا هو الإيمان الموجود في الناس، وذلك لا يقبل التفاضل بل لا يقبل في نفسه التعدد إذْ هو تصور معين قائم في نفس متصوره.\nولهذا يظن كثير من هؤلاء أن الأمور المشتركة في شيء واحد هي واحدة في الشخص والعين حتى انتهى الأمر بطائفة من علمائهم علمًا وعبادة إلى أن جعلوا الوجود كذلك فتصوروا أن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود وتصوروا هذا في أنفسهم فظنوه في الخارج كما هو في أنفسهم ثم ظنوا أنه اللَّه تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا\".\nفجعلوا رب العالمين هو هذا الوجود الذي لا يوجد قط إلا في نفس متصوره لا\n_________\n(١) في \"ظ\" كما ما ثم.","vol":"2","page":318},{"text":"يكون في الخارج أبدًا وهكذا كثير من الفلاسفة تصوروا (١) أعدادًا مجرده وحقائق مجرده ويسمونها المثل الأفلاطونية وزمانًا مجردًا عن الحركة والمتحرك، وبعدًا مجردًا عن الأجسام وصفاتها ثم ظنوا وجود ذلك في الخارج\".\nقال: \"وهؤلاء كلهم اشتبه عليهم ما في أذهانهم بما في الأعيان\" (٢). وتولد من هذا بدع ومفاسد كثيرة واللَّه المستعان.\nقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: \"ذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص وأنكر ذلك أكثر المتكلمين\".\nقال الإمام النووي: \"والأظهر المختار أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة، ولهذا كان إيمان الصديق أقوى من إيمان غيره بحيث لا تعتريه الشبهة (٣) \".\nقال (٤) (ويؤيده) أن كل واحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى أنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكلًا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها\".\nوما نقل عن السلف يعني أن الإيمان يزيد وينقص صرح به عبد الرزاق (٥) في\n_________\n(١) في \"ظ\": تصور أعداد، والمثبت من الأصل ومن الإيمان لابن تيمية (ص ٣٨٩).\n(٢) نهاية كلام شيخ الإسلام في كتابه الإيمان (ص ٣٨٩).\n(٣) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (١/ ١٤٨ - ١٤٩) ونقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٦١).\n(٤) الظاهر أن الكلام للحافظ ابن حجر. انظر: الفتح (١/ ٦١). وفي النسختين ويزيده والمثبت من الفتح وهو الصحيح.\n(٥) عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني: إمام محدث ثقة حافظ =","vol":"2","page":319},{"text":"مصنفه عن سفيان الثوري (١)؛ ومالك بن أنس (٢)؛ والأوزاعي (٣)؛ وابن جريج (٤)؛ ومعمر (٥)؛ وغيرهم وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم.\nوكذا نقله أبو القاسم اللآلكائي (٦) في كتاب السنة عن الشافعي (٧)، وأحمد (٨) بن حنبل، وإسحاق بن راهويه (٩)؛ وأبي عبيد (١٠)؛ وغيرهم من الأئمة (١١).\nو(يروى) (١٢) بسند صحيح عن البخاري (١٣) قال: لقيت أكثر من ألف\n_________\n= مصنف شهير، مات سنة إحدى عشرة ومائتين.\nسير أعلام النبلاء (٩/ ٥٦٣)؛ وتقريب (ص ٢١٣).\n(١) تقدم (١/ ١٨٤).\n(٢) تقدم (١/ ١٧٧).\n(٣) تقدم (١/ ٣٤٠).\n(٤) ابن جريج: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح الأموي مولاهم المكي فقيه ثقة فاضل، مات سنة خمسين ومائة أو بعدها.\nسير أعلام النبلاء (٦/ ٣٢٥)؛ وتقريب (ص ٢١٩).\n(٥) معمر بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري: نزيل اليمن، محدث ثقة ثبت فاضل، مات سنة أربع وخمسين ومائة.\nسير أعلام النبلاء ٧/ ٥، وتقريب ص ٣٤٤.\n(٦) اللآلكائي: تقدم (١/ ٢٧١).\n(٧) الشافعي: تقدم (١/ ١٧٤).\n(٨) أحمد: تقدم (١/ ١١١).\n(٩) تقدم (١/ ١١٢).\n(١٠) تقدم (١/ ٢١٣).\n(١١) انظر: شرح السنة للآلكائي (ص ٨٤٨) وما بعدها.\n(١٢) كذا في المخطوطتين وفي فتح الباري: وروى بسنده الصحيح -يعني اللآلكائي-.\n(١٣) تقدم (١/ ١٧٧).","vol":"2","page":320},{"text":"رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص (١) وأطنب ابن أبي حاتم (٢) واللآلكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من الصحاية والتابعين وكل من يدور عليه الإجماع من الأئمة (٣)، وحكاه فضيل بن عياض (٤)، ووكيع (٥)، عن أهل السنة\" (٦).\nوقد روى الإمام أحمد في المسند من حديث معاذ بن جبل مرفوعًا: \"الإيمان يزيد وينقص\" (٧).\nوأخرجه الديلمي في \"مسند الفردوس\" من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا أيضًا (٨).\n_________\n(١) انظر: شرح السنة (ص ٨٨٩)؛ وفتح الباري (١/ ٦١).\n(٢) تقدم (٢/ ١٨٦).\n(٣) انظر: شرح السنة (ص ٨٤٨) وما بعدها.\n(٤) تقدم (١/ ١٨٥).\n(٥) تقدم (١/ ٢٩١).\n(٦) انظر: شرح السنة (ص ٩٥٧) وما بعدها؛ وفتح الباري (١/ ٦١ - ٦٢)؛ والإبانة (٢/ ٨١٣)؛ والشريعة (ص ١١٧)؛ والسنة لعبد اللَّه بن أحمد رقم (٧٢٦).\n(٧) عزاه العجلونى في كشف الخفاء (١/ ٢٢) إلى الإمام أحمد وقد راجعت فهارس المسند فلم أجده بهذا اللفظ لكن جاء فيه عن معاذ بن جبل مرفوعًا: \"إن الإسلام يزيد ولا ينقص\". المسند (٥/ ٢٣٠، ٢٣٦).\nوقد رواه بهذا اللفظ الديلمي في الفردوس رقم (٣٧٧)؛ والدارقطني، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٢٩ - ١٣٠)؛ والسيوطي في اللآلي المصنوعة (١/ ٣٦) قال ابن الجوزي: وفي إسناده عمار بن مطر قال أبو حاتم الرازي: كان عمار يكذب، وقال ابن عدى: منكر الحديث أحاديثه بواطيل\" انتهى.\n(٨) رواه الديلمي كما في الفردوس (ج/ ١) رقم (٣٧٣)؛ وابن عدي في الكامل (١/ ٢٠٣) في ترجمة أحمد بن محمد بن حرب، وعنه الذهبي في ترجمته أيضًا في الميزان (١/ ١٣٤)؛ =","vol":"2","page":321},{"text":"وتقدم ما نقلناه من الآثار عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين من أهل السنة والجماعة المعتبرين وأئمة الحدث وأعلام علماء الصوفية أهل المعرفة والتمكين بأن الإيمان قول باللسان وعقد بالجنان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة ويضعف بالعصيان واللَّه ولي الإحسان (١).\nولما ذكر الناظم -رحمه اللَّه تعالى- الإيمان وأنه قول وفعل ونية وأنه يزيد وينقص بعد نهيه عن القول بتكفير أهل الصلاة وإن اقترفوا كبائر الذنوب أردف ذلك بالنهي عن اعتقاد رأى الخوارج فقال: (ولا تعتقد) بجنانك. . . (٢) (رأى الخوارج): جمع خارج وأصلهم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفارقوه\n_________\n= وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٣٠)؛ والسيوطي في اللآلي (١/ ٣٦ - ٣٧)؛ وابن عراق في تنزيه الشريعة (١/ ١٥٠)؛ والشوكاني في الفوائد المجموعة (ص ٤٥٠).\nقال ابن الجوزي: \"هذا حديث موضوع على رسول اللَّه -ﷺ- وفيه آفتان: أحمد بن محمد ابن حرب، قال ابن عدي وابن حبان: كان كذابًا يضع الحديث وابن حميد كذّبه أبو زرعة وابن واره وغيرهما\" انتهى.\nوقال ابن القيم -﵀- في المنار المنيف (ص ١١٩): \"وكل حديث فيه: \"إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص\" فكذب مختلق.\nوقابل من وضعها طائفة أخرى فوضعوا أحاديث على رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: \"الإيمان يزيد وينقص\".\nوهذا كلام صحيح وهو إجماع السلف، حكاه الشافعي وغيره، ولكن هذا اللفظ كذب على رسول اللَّه -ﷺ-. . . \" انتهى.\nوقال الفيروزآبادي في خاتمة سفر السعادة (ص ١٤٨): \"باب الإيمان وما هو مشهور كالإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، والإيمان لا يزيد ولا ينقص، لم يثبت عن حضرة الرسالة في هذا المعنى شيء وهو من أقوال الصحابة والتابعين\" انتهى.\n(١) انظر: هذا المبحث في لوامع الأنوار (١/ ٤١٩ - ٤٢٠).\n(٢) بعدها في \"ظ\": ولا تقل بلسانك.","vol":"2","page":322},{"text":"بسبب التحكيم كما مر وكانوا اثنى عشر ألفًا فأرسل إليهم ابن عباس -﵄- فجادلهم ووعظهم فرجع بعضهم وأصر على المخالفة آخرون.\nوقد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق\" (١) فقتلهم أمير المؤمنين علي -﵁- وطائفته وقال -ﷺ- في حق الخوارج المارقين: \"يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند اللَّه تعالى لمن قتلهم يوم القيامة\" (٢).\nوقد روى مسلم أحاديثهم في صحيحه من عشرة أوجه (٣).\nواتفق الصحابة -﵃- على قتالهم وفرح علي بقتالهم وأخبر أن النبي -ﷺ- أمره به (٤).\nولما قيل له -﵁-: الحمد للَّه الذي أراح (٥) منهم العباد قال: كلا والذي نفسي بيده إن منهم لفي أصلاب الرجال، وإن منهم لمن يكون مع الدجال (٦).\n_________\n(١) و(٢) رواه البخاري (٦/ ٧١٤) في المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام؛ ومسلم رقم (١٠٦٤) في الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- وهذه الرواية لمسلم.\n(٣) انظر: صحيح مسلم (٢/ ٧٤٠) وما بعدها.\n(٤) انظر: أحاديث الخوارج في جامع الأصول (١٠/ ٧٦) وما بعدها.\n(٥) في النسختين: (اللَّه) والصحيح ما أثبته.\n(٦) ذكره ابن كثير في البداية (٧/ ٢٨٩) بلفظ آخر.\nوانظر: أخبار الخوارج وما ورد بشأنهم من الأحاديث: تاريخ الطبري (٥/ ٦٣) =","vol":"2","page":323},{"text":"ولقبح سيرتهم وخبث سريرتهم قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: (إنه) أي رأي الخوارج الذي هو اعتقادهم الخارج.\n(مقالٌ): شنيع ورأى فظيع (لمن) أي لكل (١) إنسان.\n(يهواه): ويميل إلى صريحه وفحواه وينحو منحاه.\n(يرديه): في مهاوى هواه (ويفضحه) في الآخرة عند مولاه، ولا ينفعه ما ألحمه (٢) وأسداه وينكشف ستره ويظهر مغطاه ولا ينفعه الندم عند زلة القدم ولا قوله يا ويلتاه.\nوهؤلاء تشعبوا إلى (سبع) (٣) فرق مارقة وهم أشد إلحادًا من الزنادقة.\nالأولى: المحكمة الذين خرجوا على أمير المؤمنين -علي ﵁- عند التحكيم وكفروه وهم أثنا عشر ألف كما مر ومن رأيهم أنه من نصب من قريش وغيرهم وعدل فهو إمام، ولم يوجبوا نصب الإمام واعتقدوا كفر عثمان بن عفان وأكثر الصحابة -﵃ أجمعين- واعتقدوا كفر كل مرتكب معصية.\nالثانية: البيهسية: وهم اتباع (أبي) (٤) بيهس (واسمه) (٥) الهيصم، زعموا\n_________\n= وما بعدها؛ والبداية (٧/ ٢٨٤) وما بعدها، وفتح الباري (١٢/ ٢٩٦) وما بعدها.\n(١) في الأصل: كل والمثبت من \"ظ\" وهو الصحيح.\n(٢) أي لا ينفعه ما قدم وما أعطى في هذه الحياة إذا كان على خلاف ما جاء عن المصطفى -ﷺ-.\nانظر معنى ألحم وأسدى في المعجم الوسيط (١/ ٤٢٤، ٢/ ٨١٩).\n(٣) في النسخنبن (سبعة) والصحيح ما أثبته.\n(٤) في النسختين: أتباع بيهس والمثبت من المصادر.\n(٥) ليست في \"ظ\".","vol":"2","page":324},{"text":"أن الإيمان هو العلم باللَّه تعالى وما جاء به الرسول -ﷺ- فمن وقع فيما لا يعرف أهو حلال أم حرام فهو كافر لوجوب الفحص عنه وقيل لا حتى يرجع إلى الإمام فيحده وما لا حد فيه فمغفور، وقيل إذا كفر الإمام كفرت الرعية حاضرًا كان أو غائبًا، والأطفال كآبائهم إيمانًا، وكفرًا\".\nالثالثة: الأزارقة أتباع نافع بن عبد اللَّه بن الأزرق الخارجي اللعين، وقد خرج معه قوم من البصرة والأهواز وغيرهما من بلدان فارس وغيرها وعظمت شوكتهم وتملكوا الأمصار وكانت له آراء ومذاهب دانوا بها معه منها: أنه كفر عليًا -﵁- بسبب التحكيم وزعم أن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ. . .﴾ [البقرة: ٢٠٤] نزل (١) في حق علي -﵁- وزعم أنه نزل في حق عبد الرحمن بن ملجم -قبحه اللَّه- ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].\nومنها: أنه كفر من لم يقل برأيه واستحل دمه وكفر القعدة عن القتال وتبرأ ممن قعد عنه.\nومنها: أن من ارتكب كبيرة خرج من الإسلام وكان مخلدًا في النار مع سائر الكفار، وأستدل لذلك بكفر إبليس، وقال ما ارتكب إلا كبيرة حيث أمر بالسجود فامتنع، وإلا فهو عارف بوحدانية اللَّه تعالى.\nوحرم التقية وجوز قتل (أولاد) (٢) المخالفين ونسائهم، وقال لا حد للقذف، ولا للزنا حكى عنه خالد بن خداش قال: لما تفرقت آراء الخوارج ومذاهبهم، أقام نافع بن الأزرق بسوق الأهواز يتعرض الناس وكان متشككًا في ذلك، فقالت له\n_________\n(١) في \"ظ\": نزلت.\n(٢) في النسختين: (الأولاد) ولعل الصواب ما أثبتنا.","vol":"2","page":325},{"text":"امرأة إن كنت كفرت بعد إيمانك وشككت فدع نحلتك ودعوتك، وإن كنت خرجت من الكفر للإيمان فاقتل الكفار حيث لقيتهم، تعنى المسلمين المخالفين لمذهبه وأثخن في النساء والصبيان كما (١) قال نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] فقبل قولها وبسط سيفه فقتل الرجال والنساء، فإذا وطئ بلدًا كان ذلك دأبه حتى يجيبه أهلها فيضع عليهم الجباية والخراج. . .\nواشتدت شوكته وفشى عماله في السواد فارتاع لذلك أهل البصرة فمشوا إلى الأحنف بن قيس وشكوا إليه أمرهم، وقالوا ليس بيننا وبين القوم إلا ليلتان، فقال لهم الأحنف: إن سيرتهم في مصركم إن ظفروا بكم مثل سيرتهم في سواكم فخذوا في جهاد عدوكم وحرضهم الأحنف فاجتمع إليه زهاء عشرة آلاف في السلاح فأمر عليهم مسلم (بن عبيس) (٢) وكان شجاعًا دينا فخرج فلما صار بموضع يعرف بدولاب خرج إليه نافع بن الأزرق ومعه نحو ستمائة نفر فاقتتلوا قتالًا شديدًا فقتل في المعركة ابن عبيس (٣) وهو أمير على أهل (٤) البصرة وقتل نافع بن الأزرق أيضًا، فعجب الناس من قتل الأميرين، ثم أمر غيرهما وعاد القتال، فانهزم البصريون وتبعهم الخوارج فألقوا نفوسهم في دجيل (٥) فغرق منهم خلق كثير أكثرهم من الأزد وفي ذلك يقول شاعر الأزارقة:\n_________\n(١) في \"ظ\": كما قد قال نوح.\n(٢) و(٣) في الأصل: ابن عنبس، وفي \"ظ\" ابن عبس، وما أثبته من تاريخ الطبري (٥/ ٥٦٩)؛ ومن الكامل لابن الأثير (٣/ ٣٤٩).\n(٤) (أهل) ليست في الأصل وأثبتها من \"ظ\" وهو الصحيح.\n(٥) دجيل: نهر بالأهواز حفره أردشير بن بابك أحد ملوك الفرس. معجم البلدان (٢/ ٤٤٣).","vol":"2","page":326},{"text":"يرى من جاء ينظر في دجيل ... شيوخ الأزد طافية لحاها (١)\nفقلق أهل البصرة لذلك، ودخل الرعب في قلوبهم من الخوارج فبينما هم كذلك إذ ورد المهلب بن أبي صفرة متوجهًا إلى خراسان وقد كتب له عبد اللَّه بن الزبير ﵄ عهده يها فلما مر بالبصرة قال الأحنف لوجوه أهل البصرة، واللَّه ما للخوارج غير المهلب فكلموه في ذلك فقال: هذا عهدي على خراسان وما كنت لأدع أمر أمير المؤمنين يعني عبد اللَّه بن الزبير فاتفق أهل البصرة مع الأحنف على أن يفتعلوا كتابًا على ابن الزبير يأمره بقتال الخوارج فكتبوه وفيه: أما بعد فإن الحسن بن عبد اللَّه كتب إليَّ يخبرني أن الخوارج أصابوا جندًا من المسلمين وأنهم أقبلوا نحو البصرة، وكنت كتبت عهدك على خراسان ووجهتك، وقد رأيت أن تبتدئ بقتال الخوارج، فإن الأجر فيه أعظم من مسيرك إلى خراسان، فلما قرأ المهلب الكتاب قال: واللَّه ما أسير إليهم حتى يجعل لي ما غلبت عليه وتقووني من بيت المال وانتخب من رجالكم وفرسانكم من شئت، فأجابوه إلا طائفة منهم من بني مسمع فحقد عليهم المهلب، وسار إلى الخوارج فكان عليهم أشد من كل من قاتلهم وبلغ ابن الزبير افتعال الكتاب فلم يقل شيئًا، وأقره على ذلك، وقتل المهلب أميرهم عبد اللَّه بن الماخور وكسر شوكتهم بعد وقائع يشيب لها الرضيع وخدائع يحتار فيها ذو الرأي البديع ومصارع يلين لها الصلد (٢) المنيع، واللَّه المستعان.\n_________\n(١) البيت في الكامل للمبرد (٣/ ١٢٢٨). وانظر: أخبار نافع بن الأزرق فيه (٣/ ١٢٠٣) وما بعدها.\n(٢) الصلد: الصلب وحجر صلد أي صلب أملس. مختار الصحاح ص ٣٦٧ (صلد).","vol":"2","page":327},{"text":"الرابعة: من فرق الخوارج: النجدية أتباع كدة بن عامر (الحنفي) (١) ومن رأيهم (أنه) (٢) لا حاجة إلى الإمام ويجوز نصبه ووافقوا الأزارقة على التكفير.\nالخامسة: (الأصفرية) (٣) وهم أتباع زياد بن الأصفر خالفوا الأزارقة في تكفير القعدة، وفي منع الحد على الزنا وفي قتل أولاد الكفار.\nوقالوا: المعصية الموجبة للحد لا يدعى صاحبها إلا بها، وما لا حد فيه لعظمه (كترك) (٤) الصوم كفر ويزوجون المؤمنة من الكافر في دار التقية دون العلانية.\nالسادسة: الأباضية أتباع عبد اللَّه بن أباض، قالوا مخالفونا كفار غير مشركين تجوز مناكحتهم وتقبل شهادة مخالفيهم عليهم، ومرتكب الكبيرة موحد غير مؤمن، والاستطاعة قبل الفعل ومخلوق العبد مخلوق للَّه تعالى، ومرتكب الكبائر كافر كفر نعمة لا كفر ملة وكفروا عليًا وأكثر الصحابة، ثم افترقوا أربع فرق:\n* الحفصية أتباع أبي حفص بن أبي المقدام: زادوا أن بين الإيمان والشرك معرفة اللَّه، فمن كفر بأمر سوى الشرك أو بارتكاب كبيرة فكافر لا مشرك.\n* واليزيدية: زعموا أن سيبعث نبي من العجم بكتاب يكتب من السماء وتترك شريعة محمد -ﷺ- إلى ملة الصابئة وعندهم كل ذنب شرك.\n_________\n(١) في النسختين: النخعي والمثبت من المصادر؛ وفي اللوامع أثبت المصحح الحنفي وقال في التعليق في نسخة أخرى \"النخعي\" خطأ.\nلوامع الأنوار (١/ ٨٧).\n(٢) في الأصل: (أنهم) وهو خطأ والمثبت من \"ظ\".\n(٣) كذا نسبهم المؤلف ووردت نسبتهم في معظم المصادر (الصفرية) بالضم، قال المعلق في حاشية التبصير (ص ٣١) الصفرية بالضم ويقال الأصفرية كالبترية والأبترية.\n(٤) في النسختين: (فترك) والمثبت من اللوامع للمؤلف ولعله الصحيح.\nوانظر: الملل والنحل (١/ ١٣٧)؛ والفرق بين الفرق (ص ٩١).","vol":"2","page":328},{"text":"* والحارثية: أتباع أبي الحارث الأباضي، خالفوا في العذر والاستطاعة قبل الفعل.\n* وفرقة رابعة منهم قالوا: بطاعة لا يراد بها اللَّه.\nالسابعة: من فرق الخوارج: العجاردة: أتباع عبد الرحمن بن عجرد زادوا على النجدية وجوب دعوة الطفل إلى الإسلام إذا بلغ وأطفال المشركين في النار وتتشعب هذه الفرقة إلى إحدى عشر (١) فرقة.\nوقد ذكرتهم في شرح الدرة: \"لوامع الأنوار\" (٢) واللَّه ولى الأسرار، وجميع فرق الخوارج مارقة وللدين القويم مفارقة إلا من أتبع هداه وصادم هواه واللَّه أعلم.\nتنبيه: هذا البيت والذي بعده في الكلام على المرجئة (٣) يليان بيت: ولا تكفرن أهل الصلاة. . . إلخ.\nعلى ما في طبقات الأصحاب (٤) للعليمي (٥) ولكن في النسخة التي كنا\n_________\n(١) كذا في النسختين والصواب عشرة.\n(٢) لوامع الأنوار (١/ ٨٨ - ٨٩) وانظر: تفصيل مذاهب الخوارج وآراءهم وفرقهم في: مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٧) وما بعدها؛ والفرق بين الفرق (ص ٧٢) وما بعدها، والملل والنحل (١/ ١١٤) وما بعدها؛ الفصل في الملل والأهواء والنحل (٥/ ٥١) وما بعدها؛ التبصير في الدين (ص ٢٦) وما بعدها؛ دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين \"الخوارج والشيعة\" د. أحمد محمد حلمي.\n(٣) وهما: ولا تعتقد رأي الخوارج إنه ... مقال لمن يهواه يردي ويفضح\nولا تك مرجئا لعوبا بدينه ... ألا إنما المرجئ بالدين يمزح\n(٤) اسمه: \"المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، والقصيدة فيه (٢/ ١٧ - ١٩).\n(٥) العليمي: عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي، أبو اليمن مجير الدين، مؤرخ باحث من أهل القدس، كان قاضي قضاة القدس، ومولده ووفاته بها، من مؤلفاته: الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل، طبع؛ والمنهج الأحمد في تراجم =","vol":"2","page":329},{"text":"شرحناها أولا كما ذكرناها (١) وكنت رأيت القصيدة على ما شرحنا في مجموع من خط العلامة الشيخ موسى الحجاوي (٢) الحنبلي صاحب \"الإقناع\" رحمه اللَّه تعالى فلذلك اعتمدتها.\n_________\n= أصحاب الإمام أحمد، طبع، توفى سنة ثمان وعشرين وتسعمائة.\nالنعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد (ص ٥٢)؛ ومختصر طبقات الحنابلة للشطي (ص ٨١)؛ والأعلام (٣/ ٣٣١).\n(١) جاء ترتيب الأبيات في النسخة التي اعتمدها المؤلف هكذا:\nولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا ... فكلهم يعصي وذو العرش يصفح\nوقل إنما الإيمان قول ونية ... وفعل على قول النبي مصرح\nوينقص طورًا بالمعاصي وتارة ... بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح\nولا نعتقد رأي الخوارج إنه ... مقال لمن يهواه يردي ويفضح\nولا تك مرجئا لعوبًا بدينه ... ألا إنما المرجئ بالدين يمزح\nبينما جاء في الترتيب في بقية المصادر بتقديم البيتين الأخيرين بعد قوله: ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا. . .\nوهو أنسب في ترتيب معاني القصيدة، حيت ذكر ذهب أهل السنة في عدم تكفير أهل المعاصي ثم ذكر مذهب الخوارج في تكفير أهل القبلة وحذر منه.\nثم ذكر مذهب الإرجاء، نقيض مذهب الخوارج، وحذر منه، ثم نصح باتباع مذهب السلف في الإيمان وأنه قول وعمل ونية، ولكن المؤلف ﵀ اختار النسخة التي أشار إليها مع أن فيها شيئًا من عدم الترتيب.\n(٢) موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى الحجاوي المقدسي الصالحي الحنبلي شرف الدين أبو النجاء: ففيه أصولي محدث، أفتى بدمشق وتوفى بها سنة ٩٦٨، من تصانيفه: الإقناع لطالب الانتفاع في الفقه، طبع؛ وشرح المفردات؛ وشرح منظومة الآداب لابن مفلح؛ وغيرها.\nانظر: شذرات الذهب (٨/ ٣٢٧)؛ والنعت الأكمل (ص ١٢٤)؛ ومعجم المؤلفين (١٣/ ٣٤ - ٣٥).","vol":"2","page":330},{"text":"ثم قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: (ولا تك) بحذف النون تخفيفًا -كما مر أول القصيدة- واسمها ضمير يرجع للمخاطب و(مرجئا) خبرها.\nوالمرجئة: هم الذين يرجئون الأعمال عن النية والاعتقاد أي يؤخرونها فلذلك سموا المرجئة من الإرجاء وهو التأخير، أو لأنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، لأن الإيمان عندهم هو التصديق والقول.\nوعند الجهمية: مجرد التصديق.\nوعند الكرامية: مجرد قول اللسان فقط كما مر، وربما سمى متكلموا المرجئة وفقهاؤهم الأعمال إيمانًا مجازًا لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتصاه ولأنها دليل عليه ويقولون في قوله -ﷺ-: \"الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا اللَّه وأدناها إماطة الأذى عن الطريق\" (١): هذا مجاز.\nقال شيخ الإسلام -روح اللَّه روحه- في كتابه شرح الإيمان والإسلام:\nالمرجئة ثلاثة أصناف: الأول الذين يقولون الإيمان مجرد ما في القلب. ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة كما ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه (٢) وذكر فرقًا كثيرة يطول ذكرهم ومنهم من لا يدخلها كالجهم بن صفوان ومن اتبعه كا (الصالحي) (٣) (وهذا\n_________\n(١) رواه البخاري (١/ ٦٧) في الإيمان باب أمور الإيمان؛ ومسلم رقم (٣٥) في الإيمان باب بيان عدد شعب الإيمان من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(٢) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٣) وما بعدها.\n(٣) جاء في النسختين: (الصنابحي) والمثبت من كتاب الإيمان لابن تيمية ومنه ينقل المؤلف ومن مصادر تاريخ الفرق.\nوهو: صالح بن عمرو الصالحي رأس الصالحية من فرق المرجئة، قال: الإيمان هو معرفة اللَّه =","vol":"2","page":331},{"text":"الذي نصره هو وأكثر أصحابه) (١).\nالثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.\nالثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم\" (٢)\nقال شيخ الإسلام: \"وهؤلاء غلطوا من وجوه:\nأحدها: ظنهم أن الإيمان الذي فرضه اللَّه على العباد متماثل في حق العباد وعليهم وأن ما وجب على شخص يجب مثله على كل شخص، وليس الأمر كذلك، بل ذلك يتفاوت ويتفاضل أشد تفاوت وتفاضل -كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.\nفالإيمان الواجب متنوع ليس شيئًا واحدًا في حق جميع الناس.\nالثاني: من غلط المرجئة: ظنهم أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط دون أعمال القلوب -كما تقدم عن جهمية المرجئة.\nالثالث: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تامًا بدون شيء من الأعمال،\n_________\n= تعالى على الإطلاق، قال: والكفر هو الجهل به على الإطلاق، قال: ويصح في العقل أن يؤمن باللَّه ويجحد الرسول ولا يؤمن به، والإيمان خصلة واحدة لا تزيد ولا تنقص، والكفر خصلة واحدة لا تزيد ولا تنقص. . . \".\nانظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٤)؛ والملل والنحل (١/ ١٤٥)؛ الوافي بالوفيات (١٦/ ٢٦٧ - ٢٦٨)\n(١) جاء في نسخة الأصل بعد قوله الصالحي: \"وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية الذي نصره هو وأكثر أصحابه\" وهو خطأ والمثبت من نسخة \"ظ\" ومن الإيمان لابن تيمية (ص ١٨٤) ومنه ينقل المؤلف، ومن لوامع الأنوار للمؤلف أيضًا (١/ ٤٢٢).\n(٢) انظر: الإيمان لابن تيمية (ص ١٨٤).","vol":"2","page":332},{"text":"ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه بمنزلة السبب مع المسبب ولا يجعلونها لازمة له.\nوالتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة ويمتنع أن يقوم كالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر\" (١).\nقال شيخ الإسلام -روح اللَّه روحه- (٢): \"ولهذا صاروا يقدرون مسائل يمتنع وفوعها لعدم تحقق الارتباط الذي بين البدن والقلب مثل قولهم: رجل في قلبه من الإيمان مثل ما في قلب أبي بكر وعمر -﵄- وهو لا يسجد للَّه تعالى سجدة ولا يصوم رمضان ويزنى بأمه وأخته ويشرب الخمر نهار رمضان، فيزعمون أن هذا مؤمن تام الإيمان فيبقى سائر المؤمنين ينكرون ذلك غاية الإنكار\" (٣) ويعدون مثل هذا أنه يلعب بدينه ويهزأ بإيمانه.\nولهذا قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى: (ولا تك مرجئا لعوبًا بدينه) ولعوب من أبنية المبالغة.\nأي كثير اللعب واللعب ضد الجد.\nوفي الحديث: \"لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا جادًا\" (٤) أي يأخذه ولا\n_________\n(١) الإيمان لابن تيمية (ص ١٨٤، ١٩٢) باختصار.\n(٢) كذا في الأصل وفي \"ظ\": \"ابن تيمية\" وهو المقصود.\n(٣) نهاية كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الإيمان (ص ١٩٢).\n(٤) رواه أحمد في المسند (٤/ ٢٢١)؛ وأبو داود رقم (٥٠٠٣) في الأدب، باب من يأخذ الشيء على المزاح؛ والترمذي رقم (٢١٦٠) في الفتن من حديث يزيد بن السائب وجاء في رواية أبي داود: لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًا\".\nقال الخطابي معناه: أن يأخذه على وجه الهزل وسبيل المزاح ثم يحبسه عنه ولا يرده فيصير بذلك جدًا\". معالم السنن (٧/ ٢٨٧).","vol":"2","page":333},{"text":"يريد سرقته ولكن يريد إدخال الهم والغيط عليه فهو لاعب في السرقة جاد في الأذية (١).\nقال سيدنا الإمام أحمد -﵁-: ثنا (خالد) (٢) بن حيان، ثنا معقل ابن عبيد اللَّه (العبسى) (٣) قال قدم علينا سالم الأفطس (٤) بالإرجاء فنفر منه أصحابنا نفورًا شديدًا، منهم: ميمون بن مهران (٥)؛ وعبد الكريم بن مالك (٦) فإنه عاهد اللَّه أن لا يأويه وإياه سقف بيت إلا المسجد، قال معقل: فحججت فدخلت\n_________\n(١) نقل المؤلف هذا المعنى عن النهاية لابن الأثير (٤/ ٢٥٢).\n(٢) جاء في النسخين، وفي كتاب الإيمان لابن تيمية خلف بن حيان وهو خطأ صوابه خالد كما جاء في السنة لعبد اللَّه بن أحمد والإبانة لابن بطة، وفي مصادر ترجمته وقد أشار الشيخ الألباني في حاشية الإيمان إلى عدم معرفته وذلك بسبب تحرفه من خالد إلى خلف وهو: خالد بن حيان الرقي أبو يزيد الكندي مولاهم الخراز بالمعجمة والراء وآخره زاي، صدوق يخطئ، مات سنة إحدى وتسعين ومائة.\nتقريب (ص ٨٨).\n(٣) جاء في النسختين: (القيسي) وهو خطأ صوابه من مصادر ترجمته فهو: معقل بن عبيد اللَّه الجزري أبو عبد اللَّه العبسي بالموحدة مولاهم، صدوق يخطئ، مات سنة ست وستين ومائة.\nتقريب (ص ٣٤٣).\n(٤) سالم بن عجلان الأفطس الأموي مولاهم أبو محمد الحراني: تابعي مشهور ثقة رمي بالإرجاء، قتل صبرًا سنة اثنتين وثلاثين ومائة.\nميزان الإعتدال (٢/ ١١٢)؛ وتقريب (ص ١١٥).\n(٥) ميمون بن مهران: تقدمت ترجمته (ص ١/ ١٩٨).\n(٦) عبد الكريم بن مالك الجذري أبو سعيد مولى بني أمية: وهو الخضرمي بالخاء والضاد المعجمتين نسبة إلى قرية من اليمامة، ثقة، مات سنة سبع وعشرين ومائة.\nتقريب (ص ٢١٧).","vol":"2","page":334},{"text":"على عطاء بن أبي رباح (١) في نفر من أصحابي وهو يقرأ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] (٢).\nقلت: إن لنا حاجة فأخل لنا ففعل (فأخبرته) بالإرجاء وأن ناسًا أتوا به وأن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، قال أوليس اللَّه يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] فالصلاة والزكاة من الدين، وذكر من أقوالهم وزعموا أنهم انتحلوك فتبرأ منهم. . . .\nوكذلك نافع (٣) تبرأ منهم، وكذلك الزهري (٤)، فقال (٥) سبحان اللَّه قد أخذ الناس في هذه الخصومات، قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن\" (٦).\n_________\n(١) عطاء بن أبي رباح بفتح الراء والموحدة واسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي ثقة فقيه فاضل، مات سنة أربع عشرة ومائة على المشهور. تقريب (ص ٢٣٩).\n(٢) جاء في السنة لعبد اللَّه بن أحمد والإبانة لابن بطة بعد ذكر الآية: (مخففة).\n(٣) نافع أبو عبد اللَّه المدني مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، مات سنة سبع عشر ومائة. تقريب (ص ٣٥٥).\n(٤) الزهري: تقدم (١/ ١٥٦).\n(٥) اختصر المؤلف ﵀ الخبر وفيه شيء من عدم الوضوح وبيانه كما في مصادر تخريجه: قال معقل فرأيت الزهري فأخبرته بقولهم فقال سبحان اللَّه.\n(٦) الحديث رواه البخاري (٥/ ١٤٣) رقم (٢٤٧٥) في المظالم باب النهي بغير إذن صاحبه؛ ومسلم رقم (٥٧) في الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية، من حديث أبي هريرة -﵁-.\nورواه البخاري أيضا من حديث ابن عباس -﵄-.\nانظر: جامع الأصول (١١/ ٧١٢).","vol":"2","page":335},{"text":"والجميع تبرأوا منهم وقالوا: \"ليس إيمان من أطاع اللَّه تعالى كإيمان من عصاه\" (١).\nقال شيخ الإسلام (روح اللَّه روحه) (٢): \"المرجئة كلهم يقولون: الصلاة والزكاة ليستا من الإيمان وأما من الحدين فحكي عن بعضهم أنه يقول: ليستا من الدين ولا نفرق بين الإيمان والدين\".\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهذا المعروف من أقوالهم (٣) ولم أر في كتاب أحد منهم أنه قال إن الأعمال ليست من الدين بل يقولون: ليست من الإيمان\".\n(وكذلك) (٤) حكى أبو عبيد (٥) عمن ناظره منهم فإن أبا عبيد وغيره يحتجون بأن الأعمال من الدين فذكر قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. أنها نزلت في حجة الوداع فأخبر تعالى أنه أكمل الدين في آخر الإسلام في حجة\n_________\n(١) الأثر أخرجه بطوله الإمام أحمد رواه عنه ابنه عبد اللَّه في السنة رقم (٨٣١)؛ ومن طريقه ابن بطة في الإبانة الكبرى رقم (١١٠١)؛ واللآلكائي في شرح السنة رقم (١٧٣٢)؛ وابن تيمية في الإيمان (ص ١٩٢ - ١٩٤) وقد ذكره المؤلف هنا وفي اللوامع (١/ ٤٢٣) باختصار.\n(٢) ما بين القوسين من الأصل وفي \"ظ\" ابن تيمية.\n(٣) أي أن الأعمال ليست من الإيمان، وقد اختصر الشارح -﵀- كلام شيخ الإسلام فإنه قال: فقد حكى عن بعضهم أنه يقول: ليستا من الدين ولا نفرق في الإيمان والدين، ومنهم من يقول: بل هما من الدين ويفرق بين اسم الإيمان واسم الدين وهذا هو المعروف من أقوالهم. . . \" انتهى.\nانظر: الإيمان لابن تيمية (ص ١٩٥).\n(٤) في الأصل وفي \"ظ\": فكذلك والمثبت من كتاب الإيمان لابن تيمية (ص ١٩٥) وهو الصحيح.\n(٥) أبو عبيد القاسم بن سلام: سبقت ترجمته (١/ ٢١٣)","vol":"2","page":336},{"text":"النبي -ﷺ- قال وزعم هؤلاء أنه كان كاملًا قبل ذلك بعشرين سنة من أول ما نزل عليه الوحي بمكة حين دعى الناس إلى الإقرار، قال حتى لقد اضطر بعضهم حين أدخلت عليه الحجة إلى أن قال: إن الإيمان ليس بجميع الدين، ولكن الدين ثلاثة أجزاء فالإيمان جزء والفرائض جزء والنوافل جزء.\nقال شيخ الإسلام: \"هذا هو مذهب القوم\".\nقال أبو عبيد: \"وهذا غير ما نطق به الكتاب ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].\nفأخبر أن الإسلام هو الدين برمته، وهؤلاء يزعمون أنه ثلث الدين\" (١).\nولما كان الإمام أحمد، وكذا أبو ثور (٢) ونحوهما قد عرفوا قول المرجئة وهو قولهم: إن الإيمان لا يذهب بعضه ويبقى بعضه، فلا يكون ذا عدد اثنين أو ثلاثة فإنه إذا كان ذا عدد أمكن ذهاب بعضه وبقاء بعضه بل لا يكون إلا شيئًا واحدًا، قال لهم الإمام أحمد: من زعم أن الإيمان الإقرار فما يقول في المعرفة هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار وهل يحتاج أن يكون مصدقًا بما عرف فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار فقد أقر أنه من اثنين وإن قال إنه يحتاج أن يكون مقرًا ومصدقًا بما عرف (٣) فهو من ثلاثة أشياء وإن جحدو قال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق فقد\n_________\n(١) انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية (ص ١٩٥ - ١٩٦) ولم أجد النص في كتاب الإيمان لأبي عبيد.\n(٢) إبراهيم بن خالد بن أبي اليماني الكلبي أبو ثور الفقيه الحافظ الثقة، مات سنة أربعين ومائتين.\nانظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٧٢)؛ وتقريب التهذب (ص ٢٠).\n(٣) في \"ظ\" بما عرفوا.","vol":"2","page":337},{"text":"قال قولًا عظيمًا.\nقال: ولا أحسب أحدًا يدفع المعرفة والتصديق وكذلك العمل مع هذه الأشياء\" (١) انتهى.\nقال شيخ الإسلام: \"قالت الجهمية: الإيمان شيء واحد في القلب، وقالت الكرامية: هو شيء واحد على اللسان، كل ذلك فرار من تبعيض الإيمان وتعدده فالزمهم أبو ثور بما اجتمع عليه فقهاء المرجئة من أنه تصديق وعمل ولم يكن بلغة قول متكلميهم وجهميتهم، أو أنه بلغه ذلك ولم يعد خلافهم خلافًا.\nولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأئمة أهل علم ودين، ولم يكفر أحد من السلف أحدًا من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيرًا من النزاع فيها لفظي\" (٢).\nولم يثبت المدح إلا على إيمان معه عمل لا على إيمان خال من العمل كما جاء عن عطاء.\nفإذا اعترفوا أن الذم والعقاب واقع في ترك العمل كان بعد ذلك نزاعهم لا فائدة فيه، بل يكون لفظيًا مع أنهم مخطئون في اللفظ مخالفون للكتاب والسنة وإن قالوا إنه لا يضره ترك العمل، فهذا كفر صريح كما قاله شيخ الإسلام وهو ظاهر لا وقفة فيه.\nقال -قدس اللَّه روحه-: وبعض الناس يحكي هذا عنهم وأنهم يقولون: \"إن اللَّه\n_________\n(١) نقله الشارح من كتاب الإيمان لابن تيمية (ص ٣٧٦) بتصرف.\n(٢) نهاية كلام شيخ الإسلام من كتاب الإيمان من (ص ٣٧٦ - ٣٧٧) باختصار، والكلام الآتي لشيخ الإسلام -أيضًا- في الإيمان (ص ١٧٢).","vol":"2","page":338},{"text":"فرض على العباد فرائض ولم يرد منهم أن يعملوها، ولا يضرهم تركها، قال: وهذا قد يكون قول الغالية الذين يقولون: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد، لكن ما علمت معينًا أحكي عنه هذا القول، وإنما الناس يحكونه في الكتب ولا يعينون قائله، وقد يكون من لا خلاق له من الفساق والمنافقين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب أو مع التوحيد وبعض كلام الرادين على المرجئة وصفهم بهذا انتهى\" (١).\nوهذا مشهور عنهم فإنهم يقولون: كما لا ينفع مع الكفر طاعة، لا يضر مع الإيمان معصية.\nوأما إذا اعتقدوا أنهم مؤاخذون بترك المأمور وارتكاب المحظور فالخلف (٢) معهم بحسب اللفظ فقط نعم اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب، فليس لأحد أن يقول بخلافه ولاسيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم (و) (٣) إلى ظهور الفسوق فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال.\nفلهذا عظم القول في ذم الإرجاء حتى قال إبراهيم (٤) النخعي \"لفتنتهم يعني المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة\" (٥) يعني الخوارج\n_________\n(١) انظر: الإيمان لابن تيمية (ص ١٧٢).\n(٢) أي: الخلاف.\n(٣) ليست في النسختين وأثبتناها من كتاب الإيمان لابن تيمية (ص ٣٧٧) ومنه ينقل المؤلف وبها يستقيم الكلام.\n(٤) تقدم (٢/ ١٩٢).\n(٥) رواه الإمام أحمد رواه عنه ابنه عبد اللَّه في السنة من طريقين رقم (٦١٧ و٦٢٠).\nورواه في الإيمان (١٢٧/ أ)؛ وابن سعد في الطبقات (٦/ ٢٧٤)؛ والآجري في الشريعة =","vol":"2","page":339},{"text":"الذين تقدم ذكرهم (١).\nولهذا الناظم قرن الطائفتين وعطف المرجئة على الخوارج.\nوقال الزهري: (٢) \"ما ابتدع في الإسلام بدعة أضر على أصله من الإرجاء\" (٣).\nوقال الأوزاعي: (٤) \"كان يحيى بن أبي كثير (٥)؛ وقتادة (٦) يقولان: ليس شيء من الأهواء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء\" (٧).\nوقال شريك (٨) القاضي: \"المرجئة أخبث قوم حسبك بالرافضة خبثًا، ولكن المرجئة يكذبون على اللَّه\" (٩).\n_________\n= (١٤٣)؛ وابن شاهين في السنة رقم (١١)؛ وابن بطة في الإبانة رقم (١٢٢١)؛ واللآلكائي في السنة رقم (١٨٠٦)؛ وابن تيمية في الإيمان (ص ٣٧٧ - ٣٧٨).\n(١) انظر (٢/ ٣٢٢) وما بعدها.\n(٢) تقدم (١/ ١٥٦).\n(٣) رواه الآجري في الشريعة (ص ١٤٣)؛ وابن بطة في الإبانة رقم (١٢٢٢)؛ وذكره ابن تيمية في الإيمان (ص ٣٧٨).\n(٤) تقدم (١/ ٣٤٠).\n(٥) تقدم (٢/ ٢٩٣).\n(٦) قتادة: تقدم (١/ ١٩٣).\n(٧) رواه عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه في السنة رقم (٦٤١) ورقم (٧٣٣)؛ ورواه الآجري في الشريعة (ص ١٤٤)؛ واللالكائي في السنة رقم (١٨١٦)؛ وابن بطة في الإبانة رقم (١٢٢٣)؛ وذكره ابن تيمية في الإيمان (ص ٣٧٨).\n(٨) شريك بن عبد اللَّه النخعي الكوفي القاضي: أحد الأعلام أبو عبد اللَّه تولى القضاء بواسط ثم الكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومائة.\nتقريب (ص ١٤)؛ وسير أعلام النبلاء (٨/ ١٧٨).\n(٩) رواه عبد اللَّه بن أحمد في السنة عن أبيه (٦١٤). =","vol":"2","page":340},{"text":"وقال سفيان الثوري: (١) \"تركت المرجئة الإسلام أرق من ثوب سابري\" (٢).\nولهذا قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: (ألا): أداة استفتاح وتفيد التحقيق لما بعدها لتركبها من الهمزة ولا، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق كما في القاموس وغيره.\nو(إنما): أداه حصر، (المرجي): بياء النسبه إلى طائفه من المرجئه وترك الهمز للوزن أو هو لغة والحق الثاني.\nقال في القاموس: \"أرجأ الأمر أخره والناقة دنا نتاجها والصايد لم يصب شيئًا وترك الهمز لغة في الكل\".\nوقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] أي مؤخرون حتى ينزل اللَّه فيهم ما يريد.\n_________\n= ورواه الآجري في الشريعة (ص ١٤٤)؛ وابن بطة في الإبانة رقم (١٢٢٥) قال محققه ورواه الإمام أحمد في الإيمان ورقة (١١١/ ٢).\nورواه اللآلكائي في السنة رقم (١٨٢٤)؛ وذكره ابن تيمية في الإيمان (ص ٣٧٨).\n(١) سفيان: تقدم (١/ ١٨٤).\n(٢) الأثر: أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في السنة عن أبيه (٦١٨)؛ وابن سعد في الطبقات (٦/ ٢٧٤)؛ واللآلكائي في السنة (١٨٠٧) كلهم من رواية سفيان الثوري عن إبراهيم النخعي من قوله: وهذه الرواية جاءت في كتاب الإيمان لابن تيمية (ص ٣٧٨) وعنه ينقل المؤلف.\nومعنى قوله: أرق من ثوب سابرى:\nالثياب السابرية، نياب رقيقة جدًا منسوبة إلى سابور من ملوك الفرس، والمعنى أنهم -المرجئة- لما أخرجرا الأعمال من الإيمان أضعفوه حتى صار كالثوب الرقيق الذي يستشف ما وراءه.\nواللَّه أعلم. انظر النهاية لابن الأثير (٢/ ٣٣٤).","vol":"2","page":341},{"text":"قال في القاموس: ومنه سميت المرجئة وإذا لم تهمز فرجل مرجي بالتشديد، وإذا همزت فرجل مرجئ كمرجع لا مرج كمعط وهم المرجئة بالهمز والمرجية بالياء مخففة\" (١).\n(بالدين): القويم والإيمان المستقيم.\n(يمزح): من مزح كمنع مزحًا والمزاحة ومزاحا بضمها دعب ولعب والدعابة بالضم اللعب وداعبه مازحه، وذلك لأن حاصل قول غلاة المرجئة: أنه كما لا ينفع مع الكفر طاعة، لا يضر مع الإيمان معصية، وهذا قول خبيث ينقض عرى الإسلام، وهو سلم لترك الصلاة ومنع الزكاة والحج وترك الصيام وذريعة لمعاطاة الزنا واللواطة وسائر الآثار، ولا يرتاب ذو لب أن هذا مزاح بالدين ولعب، ومن نهج هذا المنهج فهو على شفا جرف هار وهو لسيرة أهل الكفر والإلحاد أقرب منه لسيرة الأبرار.\n\nوحاصل ما لأهل الإسلام في الإيمان خمسة أقوال:\nالأول: هو ما عليه المعول مذهب سلف الأمة وخالص الأئمة: أنه عقد بالجنان،\nوقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان -كما تقدم ذلك بالنص والبرهان- فهو مركب من الثلاثة.\nوالثاني والثالث والرابع: أن الإيمان بسيط لا مركب فهذه الثلاثة مذاهب:\nالأول: منها التصديق وحده، وهو قول الجهم بن صفوان ومن وافقه من الأشاعرة وغيرهم.\n_________\n(١) القاموس (١/ ١٦) (أرجأ).\nقال في القاموس أيضا: الإرجاء التأخير سموا مرجئة لتقديمهم القول وإرجائهم العمل.\nقاموس (٤/ ٣٣٤).","vol":"2","page":342},{"text":"الثاني: القول وحده، وهو مذهب الكرامية.\nالثالث: العمل وحده وعزاه الكرماني (١) في شرح البخاري للمعتزلة -ولعله قول لبعضهم- وأما مذهب المعتزلة فقد قدمنا أنه كمذهب السلف إلا أنهم يخرجون مرتكبي الكبائر من الإيمان، من ترك مأمور، أو معاطاة محظور ويخلدونه إذا مات على كبيرته في النار، فهذا مذهب إمامهم واصل بن عطاء (٢)؛ وعمرو بن عبيد (٣)، والجبائي (٤) وغيرهم وهو من شر مذاهب أهل البدع (٥).\nالخامس: قول المرجئة وهو مركب ثنائي من التصديق والقول باللسان فقط.\nتنبيه: هل القول بقبول الإيمان للزيادة والنقصان مختص بمذهب السلف ومن تبعهم ممن يدخل الأعمال فيه من الحلف كالقلانسي (٦) وغيره من الأشاعرة أو يعم مذهب من قال إنه التصديق فقط؟\nالحق كما قاله الإمام النووي (٧) وغيره وجماعة من محقق علماء الكلام أن الزيادة والنقصان تدخل الإيمان، ولو قيل إنه التصديق والإذعان (٨) لأن التصديق\n_________\n(١) محمد بن يوسف بن علي بن سعيد شمس الدين الكرماني: عالم بالحديث، أصله من كرمان واشتهر في بغداد، له مصنفات كثيرة منها: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري وغيره، توفى سنة ٧٨٦ هـ.\nطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ٢٤٥)؛ والدرر الكامنة (٥/ ٧٧)؛ والأعلام (٧/ ١٥٣)\n(٢) واصل بن عطاء: تقدم (١/ ١٩٢).\n(٣) تقدم (١/ ١٨٨).\n(٤) الجائي: تقدم (١/ ١٨٦).\n(٥) انظر ما تقدم (٢/ ٢٧٥، ٢٩١ - ٢٩٢).\n(٦) تقدم (٢/ ٢٩٥).\n(٧) تقدم (١/ ٣١١).\n(٨) هذا الرأي هو للنووي ﵀ وهو يخالف رأي المتكلمين كما ذكره عنهم: فإنه قال: =","vol":"2","page":343},{"text":"القلبي يزيد وينقص أيضًا بكثرة النظر ووضوح البرهان وعدم ذلك، وما اعترض على هذا القول من أنه متى قبل ذلك كان شكًا مدفوع بأن مراتب اليقين متفاوته مع أنها لا شك معها وفي القرآن العظيم ما حكى عن خليله إبراهيم عليه وعلى نبينا وسائر الأنبياء أفضل الصلاة وأتم التسليم: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].\nوتقدمت قصة موسى الكليم لما رأى قومه عاكفين على عبادة العجل مع ما كان أخبره اللَّه تعالى به من ذلك فحصل له من الغضب وإلقاء الألواح وأخذه بلحية أخيه هارون ﵇ ورأسه ما لم يحصل له بإخبار اللَّه تعالى مع جزمه وتيقنه صدق الخبر ووقوع المخبر عنه بخبر من لا يبقي في القلب أدنى شك ولا ريبة، وباللَّه التوفيق (١).\n\nتتمة: مذهب السلف ومن وافقهم من الأشعرية جواز الاستثناء في الإيمان يقول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء اللَّه خلافًا لمن يمنعه كالجهمية والمرجئة (٢).\nوخلافًا لمن يوجبه كابن كلاب (٣). ومن وافقه والقول بجواز الاستثناء مذهب أصحاب الحديث كالثوري وابن عيينة وأكثر علماء الكوفة.\n_________\n= قال المحققون من أصحابنا المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الأعمال ونقصانها. قالوا وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة وأقاويل السلف وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون، وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهرًا حسنًا فالأظهر واللَّه أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم. . . \" إلى آخر كلامه.\nانظر: شرح النووي على صحيح مسلم (١/ ١٤٨).\n(١) انظر: هذا المبحث في لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ٤٣٠ - ٤٣١).\n(٢) كتب هنا في هامش \"ظ\": قف على جواز الاستثناء في الإيمان.\n(٣) ابن كلاب: تقدم (١/ ٢٢٢).","vol":"2","page":344},{"text":"ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء البصرة وهو مذهب الإمام أحمد وغيره من علماء السنة فإنهم يستثنون في الإيمان وهذا متواتر عنهم لأن الإيمان عندهم يتضمن فحل جميع الواجبات فلا يشهدون لأنفسهم بذلك كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى من غير شك في إيمانهم كما هو منصوص الشافعي وأحمد -﵄- خلافًا لأبي حنيفة -﵃ أجمعين- (١).\nثم قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: \" (ولا تك من قوم) يعم أهل الاعتزال وأهل الرفض والوبال وأهل الكلام المحدث الذي ذمه وأهله السلف وبدعوا الذاهبين إليه والمعولين عليه.\nوالحاصل أن الناظم أراد كل من اكتفى بالمعقول (٢) عن المنقول ومال إلى ما أصَّله الفلاسفة ونحوهم عما جاء به الرسول -ﷺ- ولهذا قال: (تَلَهَّوا) أي تلاعبوا (بدينهم) الذي أمروا به من ربهم وجاء به نبيهم.\n_________\n(١) قال في شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٩٥) وما بعدها: مسألة الاستثناء في الإيمان وهو أن يقول أي الرجل أنا مؤمن إن شاء اللَّه فالناس فيه على ثلاثة أقوال، طرفان ووسط، منهم من يوجبه، ومنهم من حرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار، ويمنعه باعتبار، وهذا أصح الأقوال ثم ذكر مأخذ كل فريق. . . إلى أن قال: وأما من يجوز الاستثناء وتركه فهم أسعد بالدليل من الفريقين وخير الأمور أوسطها فإن أراد المستثني الشاك في أصل إيمانه منع من الاستثناء وهذا مما لا خلاف فيه، وإن أراد أنه مؤمن من المؤمنين الذين وصفهم اللَّه في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. . .﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].\nفالاستثناء حينئذ جائز انتهى.\nوراجع أيضًا كتاب الإيمان لابن تيمية (ص ٤١٠، ٤١٩)؛ والإبانة لابن بطة (٢/ ٨٦٢)؛ والشريعة للآجري (١٣٦)؛ السنة للآلكائي (٥/ ٩٦٥).\n(٢) في \"ظ\" العقول.","vol":"2","page":345},{"text":"واللهو: هو اللعب، يقال لهوت بالشيء الهو لهوا وتلهيت به إذا لعبت به وتشاغلت وغفلت به عن غيره والهاه عن كذا أشغله، ولهيت عن الشيء بالكسر الهى بالفتح لهيًا إذا سلوت عنه.\nومن هذا قول النبي -ﷺ-: \"إذا استأثر اللَّه بشئ فاله عنه\" (١) أي أتركه وأعرض عنه ولا تتعرض له.\nوتلاعب مثل هولاء بدينهم أن يحدثوا له أصولا ويرتبوا له أبوابًا وفصولًا معتمدين على قواعد تعدوها وآراء اعتمدها زاعمين أنهم إنما يهتدون إلى الصواب بالعقول لا بالمنقول، وبابتداع الأصوال لا بقول الرسول.\nوقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁-: \"إن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يعوها وتفلتت منهم أن يحفظوها فقالوا في الدين برأيهم فضلوا وأضلوا\" (٢).\nوقال -﵁-: أيها الناس اتهموا الرأي في الدين فلقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول اللَّه -ﷺ- برأى فاجتهد ولا آلو وذلك يوم أبي جندل\" (٣) -يعني في قصة الحديبية-\".\n_________\n(١) أورده الأصفهاني في المجموع المغيث (٣/ ١٦٥)؛ وابن الأثير في النهاية (٤/ ٢٨٣) ولم أجده فيما لدي من مصادر الحديث.\n(٢) أخرجه الهروي في ذم الكلام -كما في صون المنطق- (ص ٤٢)؛ وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٣٥)؛ والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (ص ١٩١)؛ والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ١٨٠)؛ وذكره الحافظ في الفتح (١٣/ ٣٠٢)؛ وعزاه للبيهقي والطبري والطبراني.\n(٣) رواه أبو يعلى كما في المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي (ص ١٥٧)؛ والطبراني في الكبير (١/ ٢٦ - ٢٧)؛ والبيهقي في المدخل (١٩٢)؛ والهروي في ذم الكلام كما في =","vol":"2","page":346},{"text":"وأضل كل رأي وأبطله وأفسده وأعطله الرأي المتضمن لتعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهل البدع والضلالة من الخوارج والمرجئة والجهمية والمعتزلة والرافضة والقدرية ومن ضاهاهم من أهل الكلام حيث استعملوا قياساتهم الفاسدة وآراءهم الباطلة وشبههم الداحضة في رد النصوص الصحيحة، والآيات الصريحة فردوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل بتكذيب رواتها وتخطئتهم وحرفوا المعاني التي لم يجدوا إلى رد ألفاظها سبيلًا فقابلوا النوع الأول بالتكذيب، والنوع الثاني بالتحريف والتأويل.\nوإلى الأول أشار الناظم -رحمه اللَّه تعالى- بقوله (فتطعن) أي تقع وتخوض.\n(في أهل الحديث): أي رواته وناقليه بالأسانيد المقبولة والروايات المنقولة.\n(وتقدح) في عدالتهم وصدقهم وتنسبهم إلى ما هم بريئون منه من الغلط وعدم\n_________\n= صون المنطق (ص ٤٢ - ٤٣)؛ وعبد اللَّه بن أحمد في زيادات فضائل الصحابة (١/ ٣٧٣)؛ والبزار كما في كشف الأستار (٢/ ٣٣٨).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٧٩) وقال رواه أبو يعلى ورجاله موثوقون وإن كان فيهم مبارك بن فضالة.\nوأورده في موضع آخر (٦/ ١٤٥ - ١٤٦) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.\nقلت: وما كان من مراجعة عمر للنبي -ﷺ- لما رأى ما تضمنه الصلح من شروط رآها مجحفة بالمسلمين وعلى تعسف سهيل بن عمرو حين كتابة الكتاب وامتناعه أن يكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ومحمد رسول اللَّه فهذا هو الذي أثار عمر -﵁- فجرى منه ما جرى ثم إنه ندم بعد ذلك فكان كقول: ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمته يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرًا.\nوانظر: القصة في السيرة لابن هشام (٣/ ٤١٥)؛ وفي البداية (٤/ ١٦٨).","vol":"2","page":347},{"text":"الضبط والكذب والتخليط وعدم الحفظ مع كونهم حفاظًا عدولًا مقبولين (١) الرواية معلومين (٢) العدالة. .\nوفي الحديث عن النبي -ﷺ-: \"لا يكون المؤمن طعانًا (٣) أي وقاعًا في أعراض الناس بالذم والغيبة ونحوهما وهو فعال من طعن فيه وعليه بالقول يطعن بالفتح والضم إذا عابه. . . \".\nهذا مع قول النبي -ﷺ-: \"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الجاهلين وإبطال المبطلين وتأويل الغالين\".\nقال مهنا: سألت الإمام أحمد عن هذا الحديث وهو عن معان بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري فذكره فقلت كأنه كلام موضوع.\nقال الإمام أحمد: لا هو صحيح، فقلت له سمعته أنت؟ قال من غير واحد، قلت: من؟ قال: حدثني به مسكين إلا أنه يقول عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن.\nورواه الخلال من حديث معان عن إبراهيم عن النبي -ﷺ-.\n_________\n(١) و(٢) كذا في النسختين والأصح أن يقول: عدولًا مقبولي الرواية معلومي العدالة بحذف نون الجمع.\nراجع شرح ابن عقيل (٣/ ٤٢ - ٤٣).\n(٣) رواه الإمام أحمد في المسند (١/ ٤٠٤ - ٤٠٥، ٤١٦)؛ والبخاري في الأدب المفرد رقم (٣١٢)، (٣٣٢)؛ والترمذي رقم (١٩٧٧) في البر والصلة باب ما جاء في اللعنة؛ وابن أبي عاصم في السنة رقم (١٠١٤) كلهم من حدث عبد اللَّه بن مسعود -﵁-. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، رقد روي عن عبد اللَّه من غير هذا الوجه. وصححه الشيخ ناصر الألباني في تخريج السنة رقم (١٠١٤).","vol":"2","page":348},{"text":"ورواه الحافظ أبو أحمد بن عدي عن عبد اللَّه البغوى ثنا أبو الربيع الزهراني ثنا حماد بن زيد ثنا بقية بن الوليد ثنا معان بن رفاعة عن إبراهيم ابن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- فذكره.\nوقد روى من حدث أبي هريرة وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص وغيرهما من الصحابة -﵃- مرسلًا ومرفوعًا وفي لفظهما: \"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين\" (١).\n_________\n(١) الحديث من رواية إبراهيم بن عبد الرحمن العذري أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٥٦)؛ وابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل (٢/ ١٧)؛ وابن حبان في الثقات (٤/ ١٠)؛ وابن عدي في الكامل (١/ ١٥٣)؛ وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ١٥٧ - ١٥٨)؛ والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٢٠٩)؛ والخطيب في شرف أصحاب الحديث (٢٩)؛ وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٥٩).\nوقد تكلم الحافظ العراقي على هذا الحديث كلامًا طويلًا فمنه قوله: \". . . ومع هذا فالحديث أيضًا غير صحيح لأن أشهر طرق الحديث رواية معان بن رفاعة السلامي عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن النبي -ﷺ- هكذا رواه ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل؛ وابن عدي في مقدمة الكامل؛ والعقيلي في تاريخ الضعفاء في ترجمة معان بن رفاعة، وقال: إنه لا يعرف إلا به، انتهى.\nوهذا إما مرسل أو معضل وإبراهيم هذا الذي أرسله لا يعرف في شيء من العلم غير هذا قاله أبو الحسن بن القطان في بيان الوهم والإيهام.\nثم ذكر تعقب ابن القطان على كلام الإمام أحمد فقال: قال ابن القطان وخفي على أحمد من أمره ما علمه غيره، ثم ذكر أقوال المضعفين له.\nقال وقد روي هذا الحديث متصلًا من رواية جماعة من الصحابة علي بن أبي طالب، وابن عمر، وأبي هريرة، وعبد اللَّه بن عمرو، وجابر بن سمرة، وأبي أمامة، وكلها ضعيفة لا يثبت منها شيء، وليس فيها شيء يقوى المرسل المذكور. انتهى.\nالتقييد والإيضاح (ص ١١٦). =","vol":"2","page":349},{"text":"وقد أعتنى بهذا الحديث الإمام الحافظ ابن عبد البر وحاول تصحيحه واحتج به في أن كل من حمل العلم يعني علم الحديث فهو عدل (١).\nوقال الفضل (٢) بن أحمد: سمعت الإمام أحمد وقد أقبل أصحاب الحديث بأيديهم المحابر فأوما إليها وقال: هذه سرج الإسلام، يعني المحابر (٣).\nوقال الحافظ ابن الجوزي: قال الإمام الشافعي: \"لولا المحابر لخطبت الزنادقة\n_________\n= ولمعرفة المزيد من التفصيل عن طريق الحديث وتخريجه والكلام عليه، راجع الكتب المذكورة في تخريجه والكتب الآتية: الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام لجاسم الفهيد الدوسري؛ والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب (١/ ١٢٨)؛ والفردوس للديلمي (٥/ ٤٨٣)؛ وتهذيب تاريخ دمشق (٢/ ٢٣٠)؛ ومفتاح دار السعادة (ص ١٧٨ - ١٧٩)؛ والتبصرة للعراقي (١/ ٢٩٧) وما بعدها؛ وإرشاد طلاب الحقائق (١/ ٢٧٧) وما بعدها؛ ومحاسن الإصطلاح (ص ٢١٩) وما بعدها؛ واختصار علوم الحديث (٩٣ - ٩٤)؛ وفتح المغيث (١/ ٢٧٥) وما بعدها، وتدريب الراوي (١٩٩) وما بعدها.\n(١) انظر: التمهيد (١/ ٢٨) وهذا النص عن ابن عبد البر ذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية (٢/ ٥٩ - ٦٠).\n(٢) الفضل بن أحمد بن منصور بن الذيال أبو العباس الزبيدي المقري: قال ابن أبي يعلى: روى عن إمامنا أشياء، وذكر الخطيب عن الدارقطني أنه قال: أبو العباس الفضل بن أحمد الزبيدي، ثقة مأمون مات قديمًا.\nتاريخ بغداد (١٢/ ٣٧٧)؛ وطبقات الحنابلة (١/ ٢٤٩)؛ والمنهج الأحمد (١/ ٤٣٨)؛ وطبقات القراء (٢/ ٨).\nتنبيه: جاء اسمه في النسختين: الفضيل والمثبت من المصادر.\n(٣) الأثر أخرجه الخطيب في كتابه الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٢٥٢) وأورده في ترجمة الفضل هذا كل من ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٢٤٩)؛ والعليمي في المنهج الأحمد (١/ ٤٣٨)؛ وابن مفلح في الآداب الشرعية (٢/ ٦٠).","vol":"2","page":350},{"text":"على المنابر (١).\nوقد نص الإمام أحمد على أن أصحاب الحديث هم الطائفة في قوله -ﷺ-: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق\" (٢).\nونص أيضًا على أنهم الفرقة الناجية في الحديث الآخر (٣).\nوكذا قال يزيد بن هارون (٤).\nونص سيدنا الإمام أحمد \"على أن للَّه تعالى أبدالًا في الأرض\" (٥).\n_________\n(١) أورده الذهبي في ترجمة الشافعي في السير (١٠/ ٧٠)؛ وابن مفلح في الآداب الشرعية (٢/ ٦٠).\n(٢) الحديث رواه مسلم رقم (١٩٢٠) في الإمارة، باب قوله -ﷺ-: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم\"، والترمذي رقم (٢٢٢٩) في الفتن، باب ما جاء في الأئمة المضلين من حديث ثوبان -﵁-.\nورواه البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة ولفظه: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر اللَّه وهم ظاهرون\".\nانظر: جامع الأصول (٩/ ٢٠٣) والنص عن الإمام أحمد رواه الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص ٢)؛ والخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص ٢٧).\nوأورده الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/ ٣٠٦)؛ وقال: أخرجه الحاكم في علوم الحديث وإسناده صحيح.\n(٣) يشير إلى قوله -ﷺ- في الحديث \". . . وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة\" وقد تقدم تخريجه (١/ ١٤٠).\nوالنص عن الإمام أحمد رواه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص ٢٥).\n(٤) في قوله -ﷺ-: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، قال إن لم يكونوا أصحاب الحديث، فلا أدري من هم؟\nأخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص ٢٦).\n(٥) حديث الأبدال: هو ما روي أن النبي -ﷺ- قال: الأبدال أربعون رجلًا وأربعون امرأة كلما =","vol":"2","page":351},{"text":"وقال عنهم: إن لم يكونوا هؤلاء الناس يعني أهل الحديث فلا أدري من الناس (١).\n_________\n= مات رجل أبدل اللَّه تعالى مكانه رجلًا وكلما ماتت امرأة أبدل اللَّه تعالى مكانها امرأة\".\nوله طرق وروايات مختلفة، قال السخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٤٣): حديث الأبدال له طرق عن أنس -﵁- مرفوعًا بألفاظ مختلفة كلها ضعيفة. . . ثم ساقة من عدة طرق، وقال بعضها أشد في الضعف من بعض. . . \".\nوقال ابن القيم في المنار المنيف (ص ١٣٦): \"وكذلك أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد، كلها باطلة على رسول اللَّه -ﷺ-. . . \". وقال ابن تيمية في الفتاوى كلامًا هذا معناه.\nانظر: الفتاوى (١١/ ٤٣٣) وما بعدها.\nوأوردها الشيخ ناصر الألباني في ضعيف الجامع (٢/ ٢٧٤) وما بعدها؛ وقال في السلسلة الضعيفة (٢/ ٣٣٩): \"واعلم أن أحاديث الأبدال لا يصح منها شيء وكلها معلولة وبعضها أشد ضعفًا من بعض.\nوأوردها ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٥٠) وما بعدها؛ والسيوطي في اللآلي (٢/ ٣٣٠)؛ وعلي القاري في الأسرار المرفوعة. (ص ١٠١)؛ وابن عراق في تنزيه الشريعة (٢/ ٣٠٦)؛ والشوكاني في الفوائد المجموعة (ص ٢٤٥).\n(١) في كلام الشارح بعض الغموض، ولعل في كلام الشارح سقطًا فقد ذكر عن الإمام أحمد هنا نصين:\nالنص الأول: عن الإمام أحمد في الأبدال أخرجه الخطبب في شرف أصحاب الحديث (ص ٥٠) قال إن لم يكن أصحاب الحديث هم الأبدال فمن يكون؟ وأورده ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٢٢٠)؛ والسخاوى في المقاصد (ص ٤٦).\nالنص الثاني: أخرجه عنه الخطيب أيضًا في شرف أصحاب الحديث (٤٩)؛ وابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ٤٢٦) أنه قال: إن لم يكن هؤلاء الناس فلا أدري من الناس؟ يعني أصحاب الحديث.\nقلت: وقد ذكرنا -قبل قليل- كلام العلماء في أحاديث الأبدال وأنها ضعيفة ولا ثبت منها شيء.\nفيحمل كلام الإمام أحمد وغيره من وصفهم بعض العلماء بأنه من الأبدال على ما يفهم من =","vol":"2","page":352},{"text":"ونقل نعيم (١) بن طريف عنه -﵁- أنه قال في قول النبي -ﷺ-: \"لا يزال اللَّه تعالى يغرس غرسًا يشغلهم في طاعته. . . \" (٢) قال: هم أصحاب الحديث.\nوروى البويطي (٣) عن الإمام الشافعي أنه قال: \"عليكم بأصحاب الحديث فإنهم أكثر الناس صوابًا\" (٤).\n_________\n= معنى الأبدال من الصلاح والتقوى والزهد والورع، وأن الأرض لا تخلو ممن يقوم بدين اللَّه ويعلى كلمته وهذا المعنى موافق لما جاء في الحدث الصحيح الذي تقدم قبل قليل -وهو قوله -ﷺ- \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق\" وبهذا يتبين أنه لا يلزم من ذكرهم الأبدال ثبوت الأحاديث الواردة فيهم عندهم واللَّه أعلم.\nلمزيد التفصيل راجع: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٣٣) وما بعدها؛ وانظر التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية (ص ٣٨٠).\n(١) نعيم بن طريف من أصحاب الإمام أحمد ذكره ابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ٣٩١) وقال روى عن إمامنا أشياء وذكر هذا الأثر من طريقه.\n(٢) الحديث رواه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٢٠٠) وابن ماجة في سننه (١/ ٥) رقم (٨)؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان رقم (٣٢٦)؛ والبخارى في التاريخ الكبير (٩/ ٦١)؛ وابن شاهين في السنة رقم (٤٤) عن أبي عنبة الخولاني.\nقال البوصيري في صباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة (١/ ٥): \"إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات\" وقد توبع هشام عليه رواه ابن حبان في صحيحه من طريق الهيثم بن خارجة عن الجراح به. . . \".\n(٣) يوسف بن يحيى القرشي أبو يعقوب البويطي المصري الفقيه أحد الأعلام من أصحاب الشافعي، مات سنة إحدى وثلاثين مائتين.\nطبقات الشافعية للسبكي (٢/ ١٦٢)؛ وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٣).\n(٤) النص في سير أعلام النبلاء (١٠/ ٧٠).","vol":"2","page":353},{"text":"وقال أيضًا: \"ومن كتب الحديث قويت حجته\" (١).\nوقال سفيان: \"سماع الحديث عز لمن أراد الدنيا ورشاد لمن أراد به الآخرة\" (٢).\nوقال عبد الملك بن مروان (٣) للشعبي (٤): يا شعبي عهدي بك وإنك لغلام في الكتاب فحدثني فما بقى معي شيء إلا وقد مللته سوى الحديث الحسن وأنشد (٥):\nومللت إلا من لقاء محدث ... حسن الحديث يزيدني تعليمًا (٦)\nوقال المعافى (٧) بن زكريا الجريري -وإنما قيل له الجريري لتفقهه على مذهب محمد بن جرير الطبري- في مثل قول عبد الملك:\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (٦٩)؛ والبيهقي في مناقب الشافعي (١/ ٢٨٢)؛ وابن حجر في توالي التأسيس (١٣٦)؛ والذهبي في سير أعلام (١٠/ ٢٤) في كلام للشافعي أطول من ما هنا.\n(٢) أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (٦٢).\n(٣) عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي أبو الوليد من أعاظم الخلفاء ودهاتهم نشأ في المدينة فقيهًا واسع العلم وانتقلت إليه الخلافة بعد موت أبيه سنة ٦٥ فضبط أمورها وظهر بمظهر القوة، توفى بدمشق سنة ٨٦ هـ.\nسير أعلام النبلاء (٤/ ٢٤٦)؛ والأعلام (٤/ ١٦٥).\n(٤) الشعبي: تقدمت ترجمته (١/ ١٥٦).\n(٥) في \"ظ\": وأنشده.\n(٦) لم أجد النص.\n(٧) المعافى بن زكريا بن يحيى بن حميد المعروف بابن طرار الجريري نسبة إلى رأي محمد بن جرير الطبري النهراوني كان من أعلم الناس في وقته بالفقه والنحو واللغة وأصناف الأدب، مولده سنة ثلاث وقيل خمس وثلاثمائة ووفاته سنة تسعين وثلاثمائة.\nوفيات الأعيان (٥/ ٢٢١)؛ ومعجم الأدباء (١٩/ ١٥١)؛ وسير أعلام النبلاء =","vol":"2","page":354},{"text":"ولقد سئمت مآربي ... وكان أطيبها الحديث\nإلا الحديث فإنه ... مثل اسمه أبدا حديث (١)\nولسنا بصدد ذكر مناقب أهل الحديث فإن مناقبهم شهيرة، ومآثرهم كثيرة، وفضائلهم غزيرة، فمن انتقصهم فهو خسيس ناقص، ومن (بغضهم) (٢) فهو من حزب إبليس ناكص.\nكيف وقد دعا لهم النبي -ﷺ- بقوله: \"نضر اللَّه امرءًا سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع\" رواه أصحاب السنن إلا النسائي من حديث ابن مسعود مرفوعًا وحسنه الترمذي (٣).\nفدعا لأصحاب الحديث بالنضارة وهى: النعمة والبهجة والحسن فيكون تقديره: جمله اللَّه وزينه (٤).\n_________\n= (١٦/ ٥٤٤).\n(١) لم أجد هذا النص عن الجريري.\n(٢) كذا في النسختين ولعل الصواب: أبغضهم.\n(٣) رواه الإمام أحمد في المسند (١/ ٤٣٧)؛ والترمذي رقم (٢٦٥٧ - ٢٦٥٨) في العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع عن ابن مسعود؛ وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nورواه عن زيد بن ثابت -﵁- الإمام أحمد (٥/ ١٨٣) وأبو داود رقم (٣٦٦٠)؛ والترمذي رقم (٢٦٥٦)؛ وابن ماجة رقم (٢٣٠) في المقدمة باب من بلغ علمًا؛ والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٣/ ٢٠٦).\n(٤) ذكر هذا المعنى المنذري في الترغيب (١/ ١١٦).","vol":"2","page":355},{"text":"قال الخطابي في قوله -ﷺ-: \"نضر اللَّه امرءًا\" بتشديد الضاد المعجمة وتخفيفها (١).\nورواه الإمام أحمد (٢)؛ وابن ماجة (٣)؛ والطبراني (٤) من حديث جبير بن مطعم قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- قول -بالخيف- خيف منى-: \"نضر اللَّه عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وبلغها من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل (٥) عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل للَّه والنصيحة لأئمة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحفظ من ورائهم\".\nوفي لفظ رواية الطبراني: \"تحيط\" (٦) بياء بعد الحاء وأحد إسنادي الإمام\n_________\n(١) معالم السنن للخطابي (٥/ ٢٥٣) قال: وأجودها: التخفيف قلت: وانظر ما يتعلق بهذا الحديث رواية ودراية كتاب الشيخ عبد المحسن العباد: \"دراسة حديث نضر اللَّه امرءًا سمع مقالتي. . . \" رواية ودراية.\n(٢) في المسند (٤/ ٨٠، ٨٢).\n(٣) في سننه رقم (٢٣١).\n(٤) في المعجم الكبير (٢/ ١٣٠ - ١٣١) من عدة طرق.\n(٥) يغل: بكسر الغين مع ضم الياء ومع فتحها فعلى الضم هو من الإغلال وهو الخيانة وعلى الفتح من الغل وهو الحقد.\nومعنى هذه الجملة قال فيه التوربشتي: إن المؤمن لا يخون في هذه الثلاثة الأشياء ولا يدخله ضغن يزيله عن الحق حتى يفعل شيئًا من ذلك.\nوقال الزمخشري: إن هذه الخلال بستصلح بها القلوب فمن تمسك بها طهر قلبه من الغل والفساد.\nراجع: دراسة حديث \"نضر اللَّه امرءًا\" (ص ١٩٢).\n(٦) وهي الرواية المشهورة ولعل تحفظ تصحيف.\nومعناه: أن دعوتهم عامة تشمل من وراءهم من المسلمين.\nقال ذلك الشيخ محمد خليل هراس في تعليقه على الترغيب (١/ ١١٧ - ١١٨). =","vol":"2","page":356},{"text":"أحمد فيه حسن (١).\nوقال -ﷺ-: \"اللهم ارحم خلفائي، قلنا: يا رسول اللَّه ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي ويعلمونها الناس\" (٢) رواه الطبراني في الأوسط عن حديث ابن عباس -﵄-.\nوفي حديث رواه ابن ماجة عن أبي سعيد -﵁-: \"سيأتيكم أقوام يطلبون العلم فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبًا بوصية رسول اللَّه -ﷺ- (٣) (واقنوهم) \" (٤).\n_________\n(١) وقاله المنذري في الترغيب (١/ ١١٨).\n(٢) رواه الطبراني في الأوسط -كما في مجمع الزوائد (١/ ١٢٦)؛ والخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص ٣٠ - ٣١) من طريقين الأولى عن علي بن أبي طالب، والثانية عن ابن عباس قال: والأول أشبه بالصواب.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٢٦) وفيه أحمد بن عيسى الهاشمي قال الدارقطني كذاب.\nوقد أورده الشيخ ناصر الألباني في ضعيف الجامع (١/ ٣٥٥) وقال: موضوع، وفصل القول فيه في السلسلة الضعيفة رقم (٨٥٤).\n(٣) رواه ابن ماجة في سننه رقم (٢٤٧) في المقدمة باب الوصاة بطلبة العلم؛ والترمذي رقم (٢٦٥٠) و(٢٦٥١).\nوقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي هارون عن أبي سعيد\"، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٣٦): \"قلت أبو هارون العبدي ضعيف باتفاقهم\".\nقلت لكن للحديث طريق آخر عن أبي سعيد أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٨٨) وصححه ووافقه الذهبي، وانظر السلسلة الصحيحة رقم (٢٨٠).\n(٤) في الأصل: (وأفتوهم) وهي ساقطة في \"ظ\" والتصويب من سنن ابن ماجة، وقد جاء تفسيرها فيه: من أحد الرواة بمعنى: علموهم. وقال ابن الأثير في النهاية (٤/ ١١٧): ومنه الحديث \"فاقنوهم\" أي علموهم واجعلوا لهم قنية من العلم يستغنون به إذا احتاجوا إليه\".","vol":"2","page":357},{"text":"وللنجم الغزي الشافعي العامري (١) -رحمه اللَّه تعالى-:\nلقد أوصى النبي الصحب يومًا ... بقوم يسألون العلم عنه\nإذا جاءوهم أن يكرموهم ... وينبوهم بما سمعوه منه\nفمن طلب الحديث فجل قدرًا ... ولا يدرك له كنه فكنه (٢)\nوللحافظ جلال الدين السيوطي -رحمه اللَّه تعالى-:\nمن كان من أهل الحديث فإنه ... ذو نضرة في وجهه نور يسطع\nإن النبي دعا بنضرة وجه من ... أدى الحديث كما تحمل واتبع\nوله أيضًا ﵀:\nإن خفت يوم الحشر من هوله ... ورمت أن تحظى بكل المرام\nفعش على سنة خير الورى ... مقتفيًا أهل الحديث الكرام\nهم الألَى ينجون من هوله ... حين يقادون لدار السلام (٣)\nوإلى النوع الثاني وهو ما لا يقدرون على الطعن في رواته والتكلم في نقلته من\n_________\n(١) محمد بن محمد بن محمد الغزي العامري القرشي الدمشقي أبو المكارم نجم الدين: محدث مسند مؤرخ أديب نحوي، وفاته بدمشق سنة ١٠٦١ هـ، من تصانيفه: الكواكب السائرة في تراجم أعيان المائة العاشرة، مطبوع.\nخلاصة الأثر (٤/ ١٨٩)؛ والأعلام (٧/ ٦٣)؛ ومعجم المؤلفين (١١/ ٢٨٨).\n(٢) لم أجد الأبيات.\n(٣) انظر: الأبيات في الحطة في ذكر الصحاح الستة لصديق حسن خان (ص ٤٦ - ٤٧).","vol":"2","page":358},{"text":"النصوص القرانية والأحاديث الصحيحة الشهيرة التي قد بلغت مبلغ التواتر أو كانت متواترة بالتحريف والتأويل بمقتضى رأيهم:\nفقال: (ودع) أي: أترك وذر (عنك) غير محتفل به ولا مكترث له، ولا مهتم به، يقال ودع الشيء يدعه ودعا إذا تركه.\nوالنحاة يقولون: إن العرب أماتوا ماضي يدع ومصدره واستغنوا عنه بترك.\nوالنبي -ﷺ- أفصح العرب وقد استعمله في قوله: \"لينتهين (١) أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن اللَّه على قلوبهم\" (٢).\nوإنما يحمل قولهم على قلة استعماله فهو شاذ في الاستعمال صحيح في القياس، وقد جاء في غير حديث حتى قرئ به (قوله تعالى) (٣) ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف (٤) وشذوذ الاستعمال إنما هو في الماضي منه ومصدره، وأما الأمر فشايع مشهور.\n(آراء الرجال): الآراء جمع رأي مصدر رأى رأيًا مهموز، وهو التفكر في مبادئ الأمور.\n_________\n(١) في الأصل: لينتهن، وفي \"ظ\" لينتهي، والمثبت من صحيح مسلم، وهو الصحيح.\n(٢) رواه مسلم رقم (٨٦٥) في الجمعة باب التغليظ في ترك الجمعة؛ والنسائي (٣/ ٧٣) في الجمعه، باب التشديد في التخلف عن الجمعة من حديث أبي هريرة وابن عمر.\n(٣) ساقطة من الأصل وأثبتها من \"ظ\".\n(٤) قرأ الجمهور بالتشديد: (وما ودّعك).\nوقرأ بالتخفيف: (ما ودعك): ابن عباس وعروة بن الزبير وابنه هاشم وابن أبي عبلة وأبو حيوة. انظر: فتح القدير للشوكاني (٥/ ٤٥٧) وهذا التفسير لكلمة ودع والرد على النحاة هو لابن الأثير.\nانظر: النهاية (٥/ ١٦٥ - ١٦٦)؛ وجامع الأصول (٥/ ٦٦٧).","vol":"2","page":359},{"text":"(ونظر) (١) عواقبها وعلم ما يؤول إليه من الخطأ والصواب.\nوأصحاب الرأي عند الفقهاء هم أصحاب القياس والتأويل كأصحاب أبي حنيفة، وأصحاب أبي الحسن الأشعري -رحمهم اللَّه تعالى- (٢) وهم (ضد أصحاب الظاهر (من) (٣) داود بن علي الأصبهاني) وأبي محمد بن حزم ومن اتبعهما.\nوأما أصحاب التأويل فهم ضد أصحابنا من أتباع المأثور والمرور كما جاء عن الشارع مع التفويض (٤) واعتقاد التنزيه عن التمثيل والتشبيه، فإن اللَّه تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\nوقد أنشد ابن حزم (٥) ﵀ لنفسه (٦):\nمن عذيري من أناس جهلوا ... لم ظنوا أنهم أهل النظر\nركبوا الرأي عنادًا فسروا ... في ظلام تاه فيه من غبر\n_________\n(١) ساقطة من \"ظ\".\n(٢) في الكلام هنا شيء من الغموض والمعروف أن أهل الرأي هم: أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من الفقهاء.\nوأهل التأويل هم أصحاب الأشعري وغيرهم ممن عرف عنهم تأويل نصوص الصفات، واللَّه أعلم.\n(٣) كذا في الأصل، ولعل الصحيح: كداود بن علي. . .\nوقد جاءت العبارة في نسخة \"ظ\" هكذا: وهم من أصحاب الظاهرى من دون اتباع الأصبهاني. . . إلخ والمثبت من الأصل.\n(٤) سبق أن بينا أن التفويض ليس مذهب السلف وأن مذهبهم الإثبات والإقرار بما جاء عن اللَّه مع نفي الكيفية والتشبيه، وقد سبق إيضاح ذلك. انظر (١/ ٣٥٠).\n(٥) تقدمت ترجمة ابن حزم (١/ ١٤٥).\n(٦) انظر: الأبيات في الوافي (١/ ٣١١).","vol":"2","page":360},{"text":"وطريق الرشد نهج مهيع ... مثل ما أبصرت في الأفق القمر\nوهو الإجماع والنص الذي ... ليس إلا في كتاب أو أثر\nوالرجال جمع رجل والمراد آراء مطلق الناس من ذكر بالغ أو غير بالغ، أو آراء النساء، ولكن لما كان الغالب أن يكون أصحاب الرأي رجالًا خصهم بالذكر (و) دع عنك (قولهم) لا تهتم به ولا تجعله لك مذهبا لأنه عرضة للخطأ وغير مضمون لأصحابه الصواب، ولكن إن كنت تبغي النجاة والفوز بالدرجات العالية والنعيم المقيم (فـ) أتبع (قول رسول اللَّه) -ﷺ- المعصوم من الزلل والخطأ والمضمون الإصابة في كل ما بلغه لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.\nفهو (أزكى): أفعل تفضيل مأخوذ من زكى يزكو زكاء وزكرا نمى كأزكى أي أطهر وأصفى وأخلص من جميع أقوال الناس وآراءهم لأنه خرج من مشكاة نور الهداية وينبوع عين الفلاح.\n(وأشرح) أي أبين وأوضح وأوسع وأفسح من مقالات المتحذلقين وآراء المتعمقين وتأويلات المتنطعين فإنهم حرفوا النصوص عن مواضعها وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأى المجرد الذي حقيقته زبالة الأذهان ونحاتة الأفكار وعصارة الأوهام ووساوس الصدور وحوادس الخواطر فملأوا به الأوراق سوادًا والقلوب شكوكًا والعلم فسادًا، فكل من له مسكة من علم ودرية من فهم يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الآراء على الوحي والهوى عن النقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه ولا في أمة إلا وفسد أمرها أتم فساد (١).\n_________\n(١) انظر: لوامع الأنوار (١/ ٧).","vol":"2","page":361},{"text":"وقد قال سيدنا الإمام أحمد -﵁-: رأي فلان ورأي فلان ورأي فلان عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار (١).\nوروى ابن عبد البر (٢) بسنده عن عبد اللَّه الحافظ المتقن ابن الإمام أحمد عن أبيه -﵁- (٣):\nدين النبي محمد آثار ... نعم المطية للفتى الأخبار\nلا تعد عن علم الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار\nولربما جهل الفتى طرق الهدى ... والشمس طالعة لها أنوار\nوقال غيره من أهل العلم (٤):\nالعلم قال اللَّه قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه\nما العلم نصبك للخلاق سفاهة ... بين النصوص ودين رأي فقيه\nكلا ولا رد النصوص تعمدًا ... حذرًا من التجسيم والتشبيه\nحاشا النصوص من الذي رميت به ... من فرقة التعطيل والتمويه\nوقال أبو محمد هبة اللَّه (٥) بن الحسن الشيرازي -رحمه اللَّه تعالى- (٦):\n_________\n(١) انظر: النص في أعلام الموقعين (١/ ٧٩).\n(٢) ابن عبد البر تقدمت ترجمته (١/ ١١٩).\n(٣) الأبيات في جامع بيان العلم (٢/ ٣٤ - ٣٥)؛ وفي أعلام الموقعين (١/ ٧٩)؛ ولوامع الأنوار (١/ ٧).\n(٤) الأبيات في أعلام الموقعين (١/ ٧٩)؛ وفي لوامع الأنوار (١/ ٧ - ٨).\n(٥) لم أجده.\n(٦) انظر الأبيات في \"الحطة في ذكر الصحاح الستة\" لمحمد صديق حسن القنوجي (ص ٤٣ - ٤٤).","vol":"2","page":362},{"text":"عليك بأصحاب الحديث فإنهم ... على منهج للدين ما زال معلمًا\nوما النور إلا في الحديث وأهله ... إذا ما دجى الليل البهيم وأظلما\nوأعلى البرايا من إلى السنن اعتزى ... وأغوى البرايا من إلى البدع انتما\nومن ترك الآثار قد ضل سعيه ... وهل يترك الآثار من كان مسلما\nوقال المجد بن أحمد الأربلي (١) -رحمه اللَّه تعالى-:\nإذا شئت أن تتوخى الهدى ... وأن تأتي الحق من بابه\nفدع كل قول ومن قاله ... لقول النبي وأصحابه\nفلم ينج من محدثات الأمور ... بغير الحديث وأصحابه (٢)\nوقال غيره:\nأحب الحديث وأصحابه ... وللفوز نفسي لهم راجية\nوسجاياهم عذبه المجتبى ... وعيشتهم رغدة راضية\nفإن ما دجت ليلة في الظلام ... فهم أنجم الليلة الداجية\nوإن ما نجت فرقة في المعاد ... فما هم سوى الفرقة الناجية\nوقال آخر (٣):\n_________\n(١) محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبي شاكر الأربلي: مجد الدين ابن الظهير: شاعر أديب من فقهاء الحنفية، ولد بأربل وتنقل في العراق والشام ومات بدمشق سنة سبع وسبعين وستمائة.\nالجواهر المضية (٤/ ٤٩٢)؛ وفوات الوفيات (٣/ ٣٠١)؛ والأعلام (٥/ ٣٢٣).\n(٢) انظر الأبيات في الحظة (ص ٤٦).\n(٣) نسبه في الحطه (ص ٤٥) لأبي العباس ولم يظهر لي من هو؟","vol":"2","page":363},{"text":"عليكم بالحديث فليس شيء ... يعادله على كل الجهات\nنصحت لكم فإن الدين نصح ... ولا أخفي (نصائح) (١) واجبات\nوجدنا في الرواية كل فقه ... وأحكام ومن (كل) (٢) اللغات\n(لذكر المسندات جعلت حفظي) (٣) ... وحفظ العلم خير العائدات\nأئمته (٤) النجوم وهل رشيد ... تكلم في النجوم الزاهرات (٥)\nوقال الأوزاعي (٦) عليك بالأثر وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم (٧).\nوقد روى الناظم ابن أبي داود رحمهما اللَّه تعالى قال: حدثنا عبد اللَّه بن أحمد ابن حنبل قال: سمعت أبي -﵁- يقول: لا تكاد ترى أحدًا نظر في الرأي إلا في قلبه دغل (٨).\n_________\n(١) في النسختين: (لصالح) والمثبت من الحطة وهو الصحيح.\n(٢) في الحطة: (من علم).\n(٣) رواية الحطة كذا: بذكر المسندات أنست ليلي.\n(٤) في الحطة: أئمتنا.\n(٥) جاء في رواية الحطة زيادة أربعة أبيات على ما هنا.\nانظر: الحطة في ذكر الصحاح الستة (ص ٤٥ - ٤٦).\n(٦) الأوزاعي: مضت ترجمته (١/ ٣٤٠).\n(٧) الأثر أخرجه الآجري في الشريعة (ص ٥٨)؛ والبيهقي في المدخل (ص ١٩٩)؛ وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٤٤)؛ وأورده ابن القيم في أعلام الموقعين (١/ ٧٥)؛ والذهبي في السير (٧/ ١٢٠).\n(٨) الدغل: بفتحتين: الفساد. مختار الصحاح (٢٠٦) دغل. والأثر عن الإمام أحمد أورده ابن القيم في أعلام الموقعين (١/ ٧٦) من رواية ابن أبي داود؛ وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٣٩) من رواية ابن أبي داود عن أبيه.","vol":"2","page":364},{"text":"وروي عن الحافظ عبد العظيم المنذري (١) قال: أنشدنا أبو الحسن المقدسي (٢) لنفسه (٣):\nأيا نفس بالمأثور عن خير مرسل ... وأصحابه والتابعين تمسكي\nعساك إذا بالغت في نشر دينه ... بما طاب من نشر له أن تمسكي\nوخافي غدًا يوم الحساب جهنما ... إذا نفحت نيرانها أن تمسك\nوأنشد الشيخ أبو طاهر الأصبهاني (٤) بسنده لبعض الفضلاء (٥):\nقناديل دين اللَّه تسعى بحملها ... رجال بهم يحيا حديث محمد\nهم حملوا الآثار عن كل عالم ... تقي صدوق فاضل متعبد\nمحابرهم زهر تضيئ كأنها ... قناديل حبر ناسك وسط مسجد\nتساق إلى من كان بالفقه عالمًا ... ومن صنف الأحكام من كل مسند\nوكم وكم في مدح المأثور من منظوم ومنثور واللَّه ولي الأمور.\n\nتنبيه: المذموم من الرأي، هو الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا قياس جلي، أو كان قياسًا ولو جليًا في مقابلة نص فمذموم أيضًا.\n_________\n(١) مضت ترجمته (١/ ٢٠٤).\n(٢) على بن المفضل بن مفرج بن حاتم المقدسي ثم الإسكندراني المالكي أبو الحسن شرف الدين: محدث حافظ فقيه تفقه بالثغر، وتوفى بالقاهرة سنة ٦١١.\nوفيات الأعيان (٣/ ٢٩٠)؛ وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٦٦)؛ ومعجم المؤلفين (٧/ ٢٤٤).\n(٣) انظر: الأبيات في السير (٢٢/ ٦٩)؛ وفي الوفيات (٣/ ٢٩١).\n(٤) لم أعرفه.\n(٥) لم أجده.","vol":"2","page":365},{"text":"والحاصل أن الرأي المذموم هو الذي مستنده الحدس والتخمين والخرص والتفكير، فهذا الذي ذمه السلف وعابوه وحذروا منه (وأنبوّة) (١) بخلاف الرأي المستند إلى استدلال واستنباط من النص وحده، أو من نص آخر معه في الأحكام فهذا من أحسن فهم النصوص وأدقه وأنفعه، وكل ما ورد عن السلف مما يشعر بمدح الرأي وقبوله فالمراد به هذا، وما يشعر بالذم والتحذير فالمراد به الأول (٢) واللَّه أعلم.\nثم قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى- (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بما في جوابه من فعل وشبهه على المشهور.\nو(ما): زائدة لمزيد إثبات ما بعدها.\n(اعتقدت): الاعتقاد هو حكم الذهن الجازم فإن وافق الواقع فهو اعتقاد صحيح، وإن خالف الراقع في نفس الأمر فهو اعتقاد فاسد وحاصل تعريف الاعتقاد: أنه أمر خبري يحتصل متعلقه النقيض عند الذاكر على الفرض والتقدير ثم ينظر فإن طابق هذا الاعتقاد لما في نفس الأمر فهو اعتقاد صحيح وإلا ففاسد، وتقدم في صدر الشرح لهذه المنظومة ما لعله يشفي ويكفي (٣).\n(الدهر)؛ أي مد الزمان الطويل والأمد الممدود وهو بفتح الدال المهملة وسكون الهاء وقد تفتح أمد مفعولات اللَّه في الدنيا أو فعله لما قبل الموت.\n_________\n(١) كذا في النسختين ولعل الصحيح: أبنوه، ومعناها: ذكروه بسوء وقبح وقد مرت هذه الكلمة (١/ ١٣٥).\n(٢) لمعرفة المزيد من التفصيل حول الرأي الممدوح والمذموم راجع: جامع بيان العلم (٢/ ٥٥) وما بعدها و(١٣٨) وما بعدها؛ وأعلام الموقعين (١/ ٦٦) وما بعدها؛ ولوامع الأنوار (١/ ٨).\n(٣) انظر: (١/ ١٥٠).","vol":"2","page":366},{"text":"وزعم الدهرية والمعطة أن الدهر حركات الفلك وأمد العالم ولا شيء عندهم سواه، وهذا خطأ فاحش وكفر عظيم، وإنما الدهر هو الزمان وهو مخلوق من جملة خلق اللَّه تعالى، وغلط من عد من أسمائه تعالى وتقدس (١) والجمع أدهر ودهور.\n(يا صاح): مرخم صاحب وهو شاذ لعدم علميته، ولكنه استعمل كثيرًا.\n(هذه): الأصول المذكورة في هذه المنظومة فإنه ضمنها جملة صالحة من المسائل الاعتقادية السلفية التي قد خالف فيها أكثر الناس من المعتزلة والقدرية والجبرية والخوارج والروافض والمرجئة والجهمية والفلاسفة والملاحدة ومن نحا نحوهم.\nوقد أشرنا إلى خلاف كل طائفة من هؤلاء في الأصل الذي خالفوا أهل السلف وأصحاب الأثر فيه فراجعه تظفر بما تريد.\n_________\n(١) ورد في الحديث عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: قال اللَّه تعالى: \"يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار\" وفي رواية: لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو اللَّه\" رواه البخاري.\nقال الشافعي في تأويله -واللَّه أعلم-: \"إن العرب كان من شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم من موت وهرم أو تلف وغير ذلك فيقولون: إنما يهلكنا الدهر وهو الليل والنهار، ويقولون: أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر، فيجعلون الليل والنهار اللذين يفعلان ذلك، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: لا تسبوا الدهر على أنه الذي يفعل بكم هذه الأشياء فإنكم إذا سببتم فاعل هذه الأشياء فإنما تسبون اللَّه ﷿ فإن اللَّه فاعل هذه الأشياء\".\nراجع مناقب الشافعي للبيهقي (١/ ٣٣٦ - ٣٣٧)؛ وتيسير العزيز الحميد (ص ٦٠٨)؛ وفتح الباري (٨/ ٣٣٧ - ٣٣٨)؛ ولوامع الأنوار (٢/ ٤٥٥).","vol":"2","page":367},{"text":"(فأنت): الفاء في جواب إذا وأنت مبتدأ، كائن.\n(على خير): ومستمر على هدى لتمسكك بالمأثور واعتقادك ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين المعول عليهم دون رأي فلان ونظر فلان.\n(تبيت): في خير وأمن مطمئن القلب سالم من شكوك المتكلمة وظنون المتحذلقة وخواطر الملحدة وأفكار النظار، قد اتبعت المأثور واقتفيت الرعيل الأول، والصدر الذي عليه المعول والرب المشكور.\n(وتصبح): في أمن وأمان (واطمأنينة) (١) صدر وعرفان لا تستفزك الأشكال الفلسفية ولا القواعد الاعتزالية ولا الخواطر السالمية، ولا المقدمات الكلامية، قد ألجأت ظهرك وأسندته إلى ركن وثيق، وأدخلت قلبك في حصن حصين سالم من الدخل والضيق، وجعلت معولك على الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح والتابعون لهم بإحسان من أهل العلم والتحقيق واعتقدت أن النجاة كل النجاة في اقتفاء آثارهم والتعويل على أخبارهم، دون ما اعتمده كل متحذلق وملحد وزنديق، فإن من لم يسلم لم يسلم ومن لم يقتف السلف لم يربح ولم يغنم. واللَّه ﷾ أعلم.\nجاء في نسخة الأصل ما يلي:\nقال شيخنا الشيخ محمد السفاريني فرغت من تعليقه بعون اللَّه تعالى وتوفيقه نهار السبت لعشر بقيت من شعبان من شهور سنة ألف ومائة و(ست) (٢) وسبعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام.\n_________\n(١) كذا في النسختين والصحيح: وطمأنينة.\n(٢) في الأصل: وستة في الموضعين.","vol":"2","page":368},{"text":"ووافق الفراغ من كتابة هذه النسخة نهار الثلاثاء لأربع ليال خلون من ذى القعدة الذي هو من شهور سنة ألف ومائة و(ست) (١) وسبعين على يد أحقر الورى وأذل الفقراء الراجي لعفو ربه العلي الفقير عيسى القدومي الحنبلي عامله اللَّه بلطفه الخفي والجلي إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.\nثم ذكر بعد ذلك فائدة تتعلق بعدد الأنبياء والرسل والكتب.\nثم ذكر نقولًا من كلام شيخ الإسلام -﵀-.\nثم قال: فائدة في ذكر سند شيخنا الشيخ محمد السفاريني لمنظومة الإمام العلامة عبد اللَّه أبي بكر بن أبي داود هذه التي شرحها قال: أنبأني كل واحد من مشايخي الثلاثة: الشيخ عبد القادر التغلبي مفتى السادة الحنابلة وقدوتهم في عصره ومصره، وفي سائر بلاد الإسلام والشيخ عبد الغني العارف ابن الشيخ إسماعيل الشهير بالنابلسي والشيخ عبد الرحمن المجلد المعمر كلهم عن الشيخ الإمام عبد الباقي الحنبلي الأثري مفتي السادة الحنابلة بدمشق المحمية، قال: أنا الشيخ حجازي الواعظ عن ابن أركماس عن الحافظ ابن حجر العسقلاني شارح البخاري عن أبي إسحاق إبراهيم البعلي عن أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار أخبرنا ابن عمر الأموي أخبرنا أبو الفتوح الهمذاني أخبرنا أبو محمد السمعاني قال: أخبرنى والدي عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني لنفسه:\nتمسك بحبل اللَّه واتبع الهدى ... ولا تك بدعيًا لعلك تفلح\n. . . إلى آخر القصيدة في العقيدة وهو سندي فإني أخذتها عن شيخي شارحها وهو أخذها عن مشايخه الذين ذكرهم.\n_________\n(١) في الأصل: وستة.","vol":"2","page":369},{"text":"والحمد للَّه على ذلك.\nوجاء في آخر النسخة \"ظ\":\nتم وكمل والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\nقال مؤلفها رحمه اللَّه تعالى نجز بعون اللَّه تعالى وتوفيقه نهار السبت لعشر بقيت من شعبان من شهور سنة ألف ومائة و(ست) وسبعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام.\nوقد تمم كتابة هذا الشرح الحسن المبارك أحقر العباد وأحوجهم إليه يوم التناد المسيء المخطئ مصطفى بن محمود بن معروف الشطي غفر اللَّه له ولوالديه ولكل المسلمين أجمعين.\nليلة الأربعاء ثالث عشر صفر الخير سنة ١٢٣٢ هـ.\nثم قال: فائدة في ذكر سندي لمنظومة الإمام عبد اللَّه أبي بكر بن أبي داود هذه التي شرحتها.\nثم ذكر السند -كما مر- في النسخة الأولى.\nثم ذكر القصيدة كاملة.","vol":"2","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>ثبت<span data-type=\"title\" id=toc-252> ا</span>لمصادر</span>\n[أ]\n١ - الإبانة عن أصول الديانة:\nلأبي الحسن الأشعري - طبع الجامعة الإسلامية ١٤٠٥ هـ\n\n٢ - الإبانة عن شريعة الفرق الناجية ومجانبة الفرق المدمومة\nتأليف أبي عبد الله عبيد الله بن بطة الحنبلي، تحقيق/ رضا بن نعسان معطي - دار الراية، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ\n\n٣ - أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم:\nتأليف / صديق بن حسن القنوجي\n\n٤ - إبطال التأويلات لأخبار الصفات:\nتصنيف القاضي أبي يعلى محمد الحسين بن محمد بن الفراء، تحقيق ودراسة / أبي عبد الله محمد بن حمد الحمود النجدي، الكويت الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n\n٥ - ابن قيم الجوزية حياته وآثاره:\nتأليف / بكر بن عبد الله أبو زيد، مطابع دار الهلال، الرياض الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ.\n\n٦ - الإتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها:\nتأليف / د. جمعة الخولي، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ\n\n٧ - الإتقان في علوم القرآن:\nجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق / محمد أبي الفضل إبراهيم، القاهرة، الطبعة الأولى ١٣٨٧ هـ\n\n٨ - إثبات صفة العلو:\nموفق الدين بن قدامة المقدسي، تحقيق / بدر البدر، الكويت ط ١ - ١٤٠٦ هـ.","vol":"2","page":451},{"text":"٩ - إثبات عذاب القبر:\nالبيهقي، تحقيق / د. شرف محمود القضاه، دار الفرقان، الأردن عثمان، ط ١ - ١٤٠٣ هـ\n\n١٠ - إجماع الجيوش الإسلامية:\nلابن القيم، تحقيق / د. عواد المعتق، ط ١ - ١٤٠٨ هـ\n\n١١ - الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان:\nالأمير علاء الدين الفارسي، بعناية كمال يوسف الحوت، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ دار الكتب العلمية، بيروت.\nنسخة أخرى بتحقيق / شعيب الأرناؤط - الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة بيروت ١٤٠٧ هـ.\n\n١٢ - الإحكام في أصول الأحكام\nلابن حزم الأندلسي تحقيق / الشيخ أحمد شكر الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ - دار الآفاق الجديدة بيروت.\n\n١٣ - أخلاق أهل القرآن:\nمحمد بن الحسين الآجري، تحقيق محمد عمرو بن عبد اللطف، دار الكتب العلمية بيروت، ط ١ - ١٤٠٦ هـ\n\n١٤ - أخبار أبي حنيفة وأصحابه:\nتأليف / أبي عبد الله حسين بن علي الصيمري، دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة الثانية، ١٣٩٦ هـ.\n\n١٥ - أخبار مكة وما جاء فيها:\nتأليف / أبي الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي، مكة المكرمة، الطبعة الرابعة ١٤٠٣ هـ.","vol":"2","page":452},{"text":"١٦ - أخبار مكة في قديم الدهر وحديثة:\nتصنيف أبو عبد الله محمد بن إسحاق الفاكهي، دراسة وتحقيق / عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، مكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ\n\n١٧ - أخبار النحويين البصريين:\nصنعة / أبي سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي، تحقيق / د. محمد إبراهيم البنا - الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ\n\n١٨ - الآداب الشرعية والمنح المرعية:\nلابن مفلح المقدسي - مطابع المنار ١٣٤٨ هـ\n\n١٩ - الأدب المفرد:\nللإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: الطبعة الثانية ١٣٧٩ هـ القاهرة - نشره قصي محب الدين.\n\n٢٠ - آداب الشافعي ومناقبه:\nللإمام / أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، تحقيق وتعليق / الشيخ عبد الغني عبد الخالق.\n\n٢١ - إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق:\nتأليف / محيي الدين أبي بكر يحيى الدمشقي، تحقيق. عبد الباري فتح الله السليى - دار البشائر الإسلامية، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ\n\n٢٢ - الأربعون حديثًا:\nأبو بكر محمد الآجري، تحقيق / بدر بن عبد الله البدر، مكتب المعلا، الكويت، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ\n\n٢٣ - الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد:\nلإمام الحرمين الجويني، تحقيق / د. محمد يوسف موسى، علي عبد المنعم الحميد، القاهرة ١٣٦٩ هـ.","vol":"2","page":453},{"text":"٢٤ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السيل:\nتخريج محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط ١ - ١٣٩٩ هـ\n\n٢٥ - إسبال الكساء على النساء:\nجلال الدين السيوطي، بيروت، دار الكتب العلمية - الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ\n\n٢٦ - الإستيعاب في معرفة الأصحاب:\nلأبي عمر يوسف بن عبد البر، مطبوع مع الإصابة تحقيق / طه محمد الزيني، الناشر مكتبة الكليات الأزهرية، ط ١ سنه ١٣٦٩ هـ\n\n٢٧ - أسد الغابة في معرفة الصحابة:\nلعز الدين بن الأثير الجزري، تحقيق / محمد إبراهيم البناء وآخرين - دار الشعب، القاهرة ١٣٩٠ هـ\n\n٢٨ - الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة:\nتأليف / نور الدين علي بن محمد القاري، تحقيق / محمد بن لطفي الصباغ، المكتب الإسلامي، بيروت - الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ\n\n٢٩ - الأسماء والصفات:\nأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، مصورة عن الطبعة الأولى دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٥ هـ\n\n٣٠ - الإصابة في تمييز الصحابة:\nابن حجر العسقلاني ومعه الاستيعاب لابن عبد البر - الطبعة الأولى، مكتبة: الكليات الأزهرية ١٣٩٦ هـ\n\n٣١ - أصول مذهب الإمام أحمد:\nتأليف: د. / عبد المحسن التركي دراسة أصولية مقارنة، القاهرة - الطبعة الثانية ١٣٩٧ هـ","vol":"2","page":454},{"text":"٣٢ - أصول الدين:\nتأليف / أبي منصور عبد القاهر البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الثالث ١٤٠٦ هـ\n\n٣٣ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن:\nتأليف / محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، الرياض ١٤٠٣ هـ\n\n٣٤ - الاعتصام: تأليف / أبي إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الشاطبي، تعريف محمد رشيد رضا، القاهرة ط ١ - ١٣٣٢ هـ\n\n٣٥ -: الإعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد:\nالبيهقي، تحقيق أحمد عصام الكاتب، ط ١ - ١٤٠١ هـ\n\n٣٦ - اعتقادات فرق المسلمين والمشركين:\nتأليف / فخر الدين الرازي، مراجعة علي سامي النشار - دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٢ هـ\n\n٣٧ - الأعلام:\nخير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت - الطبعة الخامسة ١٤٠٨ هـ\n\n٣٨ - إعلام الموقعين عن رب العالمين:\nتأليف / شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر، (ابن القيم) تعليق طه عبد الرؤوف سعد، القاهرة ١٣٨٨ هـ\n\n٣٩ - أعيان القرن الثالث عشر في الفكر والسياسة والاجتماع:\nتأليف / خليل مردم بك، علق عليه / عدنان مردم بك، بيروت الطبعة الثانية ١٣٩٧ هـ","vol":"2","page":455},{"text":"٤٠ - أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات:\nمرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي، تحقيق / شعيب الأرناؤط، مؤسسة الرسالة بيروت، ط ١ - ١٤٠٦ هـ\n\n٤١ - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم:\nتأليف / أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق / د. ناصر عبد الكريم العقل، الرياض الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ\n\n٤٢ - آكام المرجان في أحكام الجان:\nتأليف / أبي عبد الله محمد بن عبد الله الشبلي، ضبط / أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ\n\n٨٣ - الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف والكنى والأنساب:\nتأليف / الحافظ ابن ماكولا.\n\n٤٤ - الأنساب:\nتأليف / أبي سعد عبد الكريم السمعاني، تصحيح / عبد الرحمن بن يحيى اليماني، حيدرآباد، الهند، الطبعة الأولى ١٣٨٢ هـ.\n\n٤٥ - الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به:\nأبو بكر بن الطيب الباقلاني البصري تحقيق / عماد الدين أحمد حيدر، بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ\n\n٤٦ - الأوائل:\nلابن أبي عاصم الشيباني، تحقيق / محمد بن ناصر العجمي، دار الخلفاء بالكويت الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ\n\n٤٧ - الأوائل:\nللحافظ أبي القاسم سليمان الطبراني، تحقيق / محمد شكور أمرير بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ","vol":"2","page":456},{"text":"٤٨ - أهوال الق<span data-type=\"title\" id=toc-253>ب</span>ور وأحوال أهلها من النشور:\nتأليف / عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الدمشقي / تحقيق محمد السعيد زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ\n\n٤٩ - الأيمان:\nلأبي عيد القاسم بن سلام، تحقيق / ناصر الدين الألباني، دار الأرقم الكويت.\n\n٥٠ - إيضاح المكنون في الديل علي كشف الطنون:\nإسماعيل باشا البغدادي، مكتبة المثني بغداد.\n\n٥١ - الإيمان:\nابن أبي شيبة، تحقيق الألباني، دار الأرقم، الكويت.\n\n٥٢ - الإيمان:\nابن تيمية، المجلد السابع من مجموع الفتاوى - نسخة أخرى طبع المكتب الإسلامي - ط ٣، ١٤٠٣ هـ.\n\n٥٣ - الإيمان:\nلابن منده، تحقيق د / علي ناصر فقيهي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط ١ - ١٤٠١ هـ.\n\n[ب]\n٥٤ - الباعث الحثيث اختصار علوم الحديث:\nللحافظ ابن كثير، تأليف / أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية بيروت، ١٣٧٠ هـ.\n\n٥٥ - الباعث على إنكار البدع والحوادث:\nتأليف / أبي محمد عبد الرحمن المعروف بأبي شامه، مطبعة النهضة مكة المكرمة، الطبعة الثانية ١٤٠١ هـ.","vol":"2","page":457},{"text":"٥٦ - البحور الزاخرة:\nتأليف / محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي، الهند بومباي - الطبعة الأولى ١٣٤١ هـ.\n\n٥٧ - بدائع الفوائد:\nتأليف / أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن القيم، تصحيح / إدارة الطاعة المنيرية.\n\n٥٨ - البداية والنهاية في التاريخ:\nابن كثير، القاهرة، ط ١ - ١٣٤٨ هـ\n\n٥٩ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع:\nتأليف / محمد بن علي الشوكاني، بيروت، دار المعرفة - الطبعة الأولى ١٣٤٨ هـ.\n\n٦٠ - البدعة وأثرها السيء في الأمة:\nتأليف / سليم الهلالي، عثمان الأردن - الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n\n٦١ - البدع والنهي عنها:\nمحمد بن وضاح القرطبي، تحقيق/ محمد أحمد دهمان\n\n٦٢ - البدور السافرة في أمور الآخرة:\nتأليف / جلال الدين السيوطي، تحقيق / مصطفى عاشور، مكتبة القرآن للطباعة، القاهرة: ١٤١٠ هـ.\n\n٦٣ - البرهان في بيان القرآن:\nلابن قدامة المقدسي، طبع ضمن مجلة البحوث العلمية، العدد التاسع عشر، تحقيق / د. سعود الفنيسان - إصدار دار الإفتاء بالرياض.","vol":"2","page":458},{"text":"٦٤ - البرهان في علوم القرآن:\nبدر الدين محمد الزركشي، تحقيق / محمد أبي الفضل إبراهيم الطبعة الثانية.\n\n٦٥ - البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان:\nلأبي الفضل عباس بن منصور الحنبلي، تحقيق / د. بسام علي العموش، مكتبة المنار الأردن - الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n\n٦٦ - البعث:\nابن أبي داود، تحقيق / أبي إسحاق الحويني الأثري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ١ - ١٤٠٨ هـ.\n\n٦٧ - البعث والنشور:\nالبيهقي، تحقيق عامر أحمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط ١ - ١٤٠٦ هـ.\n\n٦٨ - بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية:\nتأليف / أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق / د. موسى سليمان الدويش - الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n\n٦٩ - بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس:\nتأليف / أحمد بن يحيى بن أحمد بن عميرة الضبي.\n\n٧٠ - بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية أو نقض تأسيس الجهمية:\nتأليف / أحمد بن تيمية تصحيح محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، مكة المكرمة - الطبعة الأولى ١٣٩١ هـ.\n\n٧١ - البيان والتبيين:\nتأليف / أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ تحقيق وشرح / عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، مصر- الطبعة الرابعة ١٣٩٥ هـ.","vol":"2","page":459},{"text":"٧٢ - البيان وال<span data-type=\"title\" id=toc-254>ت</span>حصيل:\nتأليف / أبي الوليد بن رشيد القرطبي، تحقيق / د. محمد صبحي، بيروت، ١٤٠٤ هـ.\n\n[ت]\n٧٣ - تاج العروس:\nللسيد / محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تحقيق / عبد الستار أحمد فراج مطبعة الحكومة بالكويت ١٣٩١ هـ.\n\n٧٤ - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام:\nتأليف / شمس الدين محمد الذهبي، تحقيق الدكتور عمر عبد السلام تدمري بيروت - الطبعة الثانية ١٤٠٩ هـ.\n\n٧٥ - تاريخ بغداد:\nللخطيب البغدادي، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.\n\n٧٦ - تاريخ الخلفاء:\nتأليف / الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق/ محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة - الطبعة الرابعة ١٣٨٩ هـ.\n\n٧٧ - تاريخ الطبري - تاريخ الرسل والملوك:\nمحمد بن جرير الطبري، تحقيق / أبي الفضل محمد إبراهيم الطبعة الرابعة - دار المعارف بمصر.\n\n٧٨ - تاريخ عحائب الآثار في التراجم والأخبار:\nتأليف / عبد الرحمن الجبرتي، بيروت - الطبعة الثانية ١٣٩٨ هـ.\n\n٧٩ - تاريخ علماء الأندلس:\nتأليف / ابن الفرضي أبي الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي","vol":"2","page":460},{"text":"٨٠ - تاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين وغيرهم:\nللقاضي أبي المحاسن الفضل بن محمد بن مسعر التنوخي المعري، تحقيق / د. عبد الفتاح محمد الحلو.\n\n٨١ - تأويل مختلف الحديث في الرد على أعداء أهل الحديث:\nتأليف / ابن قتيبة الدينوري- دار الكتاب العربي، بيروت.\n\n٨٢ - التاريخ الكبير:\nللبخاري- دار الكتب العلمية، مصور عن الطبعة الأولى في الهند.\n\n٨٣ - التبصرة:\nتصنيف / أبي الفرج بن الجوزي البغدادي، بروت دار الكتب العلمية - الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n\n٨٤ - التبصير في الدين:\nتأليف / أبي المظفر الأسفرائيني، علق عليه محمد زاهد الكوثري مطبعة الأنوار - الطبعة الأولى ١٣٥٩ هـ.\n\n٨٥ - تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري:\nلابن عساكر، دار الكتاب العربي، بيروت - طبعة مصورة ١٣٩٩ هـ.\n\n٨٦ - تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد:\nبقلم / محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت - الطبعة الثالثة ١٣٩٨ هـ.\n\n٨٧ - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:\nمحمد بن عبد الرحمن المباركفوري، الطبعة الثَّانية ١٣٨٣ هـ القاهرة، الناشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.\n\n٨٨ - تحفة الأشراف لمعرفة الأطراف:\nجمال الدين المزي، نشر الدار القيمة بمباي، الهند، ١٣٨٤ هـ.","vol":"2","page":461},{"text":"٨٩ - تحفة الجلساء برؤية الله للنساء:\nجلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n\n٩٠ - تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان:\nتأليف / مرعي الحنبلي المقدسي، تحقيق / سليمان صالح الخزي، مطبعة المدني، مصر - الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n\n٩١ - تجريد أسماء الصحابة:\nتأليف / الحافظ شمس الدين أبي عبد الله الذهبي، دار المعرفة بيروت.\n\n٩٢ - التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار:\nتأليف / أبي الفرج زين الدين عبد الرحمن بن رجب الدمشقي، دار الرشيد - بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\n\n٩٣ - تدريب الراوي شرح تقريب النواوي:\nجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، تحقيق / عبد الوهاب عبد اللطيف القاهرة - الطبعة الأولى ١٣٧٩ هـ.\n\n٩٤ - التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة:\nتأليف / شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق / أحمد حجازي السقا، القاهرة ١٤٠٠ هـ.\n\n٩٥ - تدكرة الحفاظ:\nشمس الدين الذهبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n\n٩٦ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك:\nتأليف / القاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي، المغرب - الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.","vol":"2","page":462},{"text":"٩٧ - الترغب والترهيب من الحديث الشريف:\nتأليف / ذكي الدين عبد العظيم المنذري، علق عليه / محمد خليل هراس، مصر مكتبة الجمهورية ١٣٨٩ هـ.\n\n٩٨ - تعظيم قدرة الصلاة:\nمحمد بن نصر المروزي، تحقيق / د. عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي - الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ\n\n٩٩ - تفسير ابن كثير:\nعماد الدين إسماعيل بن كثير ومعه معالم التنزيل للبغوي، مطبعة المنار، مصر، ط ١ - ١٣٤٣ هـ.\n\n١٠٠ - تفسير البغوي - معالم التنزيل-:\nالحسين بن مسعود أبو محمد البغوي، مطبعة المنار - الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n\n١٠١ - تفسير البيضاوي المسمى أنوار التنزيل وأسرار التأويل:\nتأليف / ناصر الدين أبي سعيد البيضاوي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n\n١٠٢ - تفسير القرآن:\nللإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق د- مصطفى مسلم محمد بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n\n١٠٣ - التفسير الكبير للفخر الرازي:\nالمطبعة البهية المصرية ١٣٥٧ هـ.\n\n١٠٤ - تغليق التعليق:\nابن حجر العسقلاني، تحقيق / سعيد عبد الرحمن القزقي، المكتب الإسلامي، ط ١ - ١٤٠٥ هـ.","vol":"2","page":463},{"text":"١٠٥ - تفسير مجاهد:\nأبو حجاج مجاهد بن جبر المخزومي، تحقيق / عبد الرحمن الطاهر السورتي قطر- الطبعة الأولى ١٣٩٦ هـ.\n\n١٠٦ - تفسير النسائي:\nللإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق / سيد الجليمي، صبرى الشافعي، القاهرة - الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n\n١٠٧ - تقريب التهذيب:\nلابن حجر العسقلاني، دار نشر الكتب الإسلامية، باكستان، ط ١ - ١٣٩٣ هـ.\n\n١٠٨ - التقييد والإيضاح لشرح مقدمة ابن الصلاح:\nتأليف / زين الدين عبد الرحيم العراقي، دار الحديث للطباعة والنشر، بيروت الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ.\n\n١٠٩ - تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير:\nتأليف / عبد الرحمن بن الجوزي، باكستان.\n\n١١٠ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد:\nأبو عمر يوسف بن عبد البر، تحقيق سعيد عزب وآخرين، ط ١ - ١٤٠٢ هـ.\n\n١١١ - تنبيه ذوي الألباب السليمة عن الوقوع في الألفاظ المبتدعة الوخيمة:\nنأليف الشيخ / سليمان بن سحمان، مطبعة المنار، مصر- الطبعة الأولى ١٣٤٣ هـ.\n\n١١٢ - التنبيهات السنية على العقدة الواسطة:\nتأليف / عبد العزيز الناصر الرشيد، جدة، دار الرشيد للنشر والطباعة.\n\n١١٣ - تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة:\nتأليف / أبي الحسن علي بن محمد الكناني، تحقيق / عبد الوهاب عبد","vol":"2","page":464},{"text":"اللطيف، عبد الله محمد الصديق، مصر- الطبعة الأولى ١٣٧٥ هـ.\n\n١١٤ - تهذيب الأسماء واللغات:\nتأليف / أبي ذكريا محيي الدين النووي، بيروت.\n\n١١٥ - تهذيب تاريخ دمشق الكبير:\nأبو القاسم علي الشافعي، تهذيب / عبد القادر بدران بيروت الطبعة الثانية ١٣٩٩ هـ.\n\n١١٦ - تهذيب سنن أبي داود:\nلابن القيم، تحقيق / محمد حامد الفقي، أحمد محمد شاكر، القاهرة ١٣٦٦ هـ.\n\n١١٧ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال:\nللمزي - نسخة كاملة مصورة نشر دار المأمون للتراث ١٤٠٢ هـ.\nنسخة أخرى مطبوعة من جزء ١ - ١٥ لم تكمل، بتحقيق / د. بشار معروف، ط ١ مؤسسة الرسالة.\n\n١١٨ - توالي التأسيس في مناقب محمد بن إدريس:\nللحافظ: ابن حجر العسقلاني، تحقيق / أبي الفداء عبد الله القاضي، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ\n\n١١٩ - التوحيد وإثبات صفة الرب ﷿:\nابن خزيمة، راجحه وعلق عليه محمد خليل هراس - الطبعة الثانية دار الفكر ١٣٩٣ هـ.\nنسخة أخرى تحقيق د. عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان، دار الرشد الرياض، ط ١، ١٤٠٨ هـ.\n\n١٢٠ - توضح المقاصد وتصحيح القواعد شرح نونية ابن القيم:\nتأليف / أحمد بن إبراهيم بن عيسى الشرقي، دمشق - الطبعة الأولى ١٣٨٢ هـ.","vol":"2","page":465},{"text":"١٢١ - تيسير العزيز الحميد في شرح كتب التوحيد:\nتأليف / سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، بيروت، الطبعة ال<span data-type=\"title\" id=toc-255>ث</span>الثة ١٣٩٧ هـ.\n\n[ث]\n١٢٢ - الثقات:\nتأليف / محمد بن حبان البستي، حيدرآباد، الهند - الطبعة الأولى ١٣٩٣ هـ.\n\n١٢٣ - ثبات العقيدة الإسلامية أمام التحديات:\nتأليف / عبد الله الغنيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>[ج]</span>\n١٢٤ - جامع الأصول من أحاديث الرسول - ﷺ -:\nابن الأثير الجرزي، تحقيق وتخريج / عبد القادر الأرناؤوط، مطبعة الملاح، دمشق، ط ١ - ١٣٩١ هـ.\nنسخة أخرى بتصحيح / محمد حامد الفقي، ط ١ - ١٣٦٨ مطبعة أنصار السنة المحمدية بمصر.\n\n١٢٥ - جامع بيان العلم وفضله:\nابن عبد البر القرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٨ هـ.\n\n١٢٦ - جامع البيان عن تأويل القرآن:\nلأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، مطبعة الحلبى القاهرة ط ٣ - ١٣٨٨ هـ\n\n١٢٧ - الجامع الصحيح:\nأبو عيسى بن سورة الترمذي، مطبعة الحلبي القاهرة - الطبعة الثانية ١٣٩٨ هـ.","vol":"2","page":466},{"text":"١٢٨ - الجامع الصغير:\nللسيوطي، دار الفكر، بيروت، ط ١ - ١٤٠١ هـ.\n\n١٢٩ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم:\nتأليف / زين الدين أبي الفرج بن رجب الحنبلي، مطبعة الكيلاني بمصر ١٣٩٢ هـ.\n\n١٣٠ - الجامع في السنن والآداب:\nابن أبي زيد القيرواني، تحقيق / محمد أبو الأجفان، مؤسسة الرسالة، ط ١ - ١٤٠٢ هـ.\n\n١٣١ - الجامع لأحكام القرآن:\nالقرطبي، دار إحياء التراث العربي.\n\n١٣٢ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع:\nالخطيب البغدادي، تحقيق / د. محمود الطحان، مكتبة المعارف الرياض، ط ١ - ١٤٠٣ هـ.\n\n١٣٣ - الجامع لشعب الإيمان:\nتأليف / أبي بكر أحمد البيهقي، تحقيق / د. عبد العلي حامد، الدار السلفية، بومباي، الهند - الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\nنسخة أخرى بتحقيق محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية بيروت، ط ١ - ١٤١٠ هـ.\n\n١٣٤ - الجامع من المقدمات:\nتأليف / أبي الوليد محمد بن رشد المالكي، تحقيق / د. المختار بن طاهر التليلي، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.","vol":"2","page":467},{"text":"١٣٥ - جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس:\nتأليف / الحميدي أبي عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله الأزدي.\n\n١٣٦ - الجرح والتعديل:\nلابن أبي حاتم الرازي، دار الكتب العلمية، بيروت - الطبعة الأولى ١٣٧١ هـ.\n\n١٣٧ - جزء الحسن بن عرفة العبدي:\nتحقيق / عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، الكويت - الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ\n\n١٣٨ - جمع الجوامع أو الجامع الكبير:\nجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، مصورة عن مخطوطة دار الكتب المصرية.\n\n١٣٩ - جمع الشتيت في شرح أبيات التثبيت:\nمحمد بن إسماعيل الصغاني، تصحيح / حسن محمد المشاط، مكتبة دار الإيمان المدينة المنورة - الطبعة الثالثة ١٤٠٤ هـ.\n\n١٤٠ - جلاء الأفهام:\nتأليف / أبي عبد الله محمد الزرعي المعروف بابن قيم الجوزية تحقيق / طه يوسف شاهين، وكالة المطبوعات، الكويت، الطبعة الثانية ١٤٠١ هـ.\n\n١٤١ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح:\nلشيخ الإسلام ابن تيمية.\n\n١٤٢ - الجواهر المضية في طبقات الحنيفة:\nتأليف / عبد القادر بن محمد القرشي، تحقيق / د. عبد الفتاح محمد الحلو ١٣٩٨ هـ.","vol":"2","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>[ح]</span>\n١٤٣ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح:\nابن قيم الجوزية، مطبعة المدني، ١٣٩٨ هـ.\n\n١٤٤ - حاشية الدرة المضيئة في عقد الفرقة المرضية:\nتأليف / الشيخ عبد الرحمن بن قاسم، مطبعة الحكومة بمكة المكرمة ١٣٦٤ هـ.\n\n١٤٥ - حاضر العالم الإسلامي:\nلوثروب الأمريكي، تعليق الأمير شكيب أرسلان - دار الفكر العربي بدون تاريخ.\n\n١٤٦ - الحبائك في أخبار الملائك:\nتأليف / جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق / أبي هاجر محمد السعيد بن البسيوني، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n\n١٤٧ - حسن المحاظة في تاريخ مصر والقاهرة:\nللحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق / محمد أبي الفضل إبراهيم الطبعة الأولى ١٣٨٧ هـ.\n\n١٤٨ - الحطة في ذكر الصحاح الستة:\nأبو الطيب السيد صديق حسن القنوجي، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n\n١٤٩ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء:\nلأبي نعيم الأصبهاني، دار الكتاب العربي - الطبعة الثالثة ١٤٠٠ هـ.\n\n١٥٠ - الحماسة:\nتأليف / أبي تمام حبيب بن أوس الطائي، تحقيق / عبد الله بن عبد الرحيم عسيلان، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض ١٤٠١ هـ.","vol":"2","page":469},{"text":"١٥١ - الحوا<span data-type=\"title\" id=toc-259>د</span>ث والبدع:\nأبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي، تحقيق / محمد الطالبي دار الأصفهاني وشركاه، جدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>[خ]</span>\n١٥٢ - خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب:\nتأليف / عبد القادر بن عمر البغدادي، تحقيق وشرح / عبد السلام محمد هارون، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب - الطبعة الثانية.\n\n١٥٣ - الخصائص الكبرى:\nتأليف / أبي الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي، بيروت ١٣٢٠ هـ.\n\n١٥٤ - خطط الشام:\nمحمد كرد علي، مكتبة النوري دمشق، ط ٣ - ١٤٠٣ هـ.\n\n١٥٥ - خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر:\nللمحبي، دار صادر، بيروت.\n\n١٥٦ - خلق أفعال العباد:\nمحمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق بدر البدر، الكويت، ط ١ - ١٤٠٥ هـ.\n\n[د]\n١٥٧ - الدارس في تاريخ المدارس:\nتأليف / عبد القادر محمد الدمشقي، تحقيق / جعفر الحسيني، الناشر / مكتبة الثقافة الدينية - المركز الإسلامي للطباعة بالقاهرة.\n\n١٥٨ - درء تعارض العقل والنقل:\nتأليف / ابن تيمية، تحقيق / د. محمد رشاد سالم، الرياض - الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ.","vol":"2","page":470},{"text":"١٥٩ - دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين الخوارج والشيعة:\nتأليف / د. أحمد محمد جلي، مطابع الفرزدق، الرياض- الطبعة الثانية ١٤٠٨ هـ.\n\n١٦٠ - دراسة حديث \"نضر الله امرءًا سمع مقالتي\" رواية ودراية:\nبقلم / عبد المحسن بن حمد العباد، المدينة المنورة الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ.\n\n١٦١ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور:\nالسيوطي، دار الفكر، بيروت، ط ١ - ١٤٠٣ هـ.\n\n١٦٢ - الدره فيما يجب اعتقاده:\nتأليف / أبي محمد علي بن حزم، دراسة: وتحقيق / د. أحمد بن ناصر الحمد، د. سعيد عبد الرحمن القزقي، مكتبة المدني، مصر الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ ١٦٣ - الدرر السنية في الأجوبة النجدية:\nجمع عبد الرحمن بن قاسم النجدي، دار العربية، بيروت - الطبعة الثالثة ١٣٩٨ هـ.\n\n١ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة:\nتأليف / أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق / محمد سيد جاد الحق - القاهرة، مطبعة المدني ١٣٨٥ هـ.\n\n١٦٥ - دلائل النبوة لأبي نعيم:\nتحقيق محمد رواس قلعجي، حلب ط ١ - ١٣٩٠ هـ.\n\n١٦٦ - دلائل النبوة:\nللبيهقي، تحقيق / د. عبد العاطي قلعجي، دار الكتب العلمية بيروت، ط ١ - ١٤٠٥ هـ.\n\n١٦٧ - دليل مخطوطات السيوطي وأماكن وجودها:\nإعداد / أحمد الخازندار ومحمد الشيباني، الكويت - الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.","vol":"2","page":471},{"text":"١٦٨ - ديوان ام<span data-type=\"title\" id=toc-261>ر</span>ئ القيس:\nتحقيق / محمد أبي الفضل إبراهيم، دار المعارف - الطبعة الرابعة.\n\n١٦٩ - ديوان حسّان بن ثابت:\nتحقيق وتعليق / د. وليد عرفات\n\n١٧٠ - ديوان طرفة بن العبد:\nتحقيق / المحامي فوزي عطوي\n\n١٧١ - ديوان كعب بن الزهير:\nجمع / أبي سعيد السكري، شرح ودراسة / د. مفيد قميحة دار الشواف للطباعة، الرياض- الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>[ذ]</span>\n١٧٢ - الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة:\nتأليف / أبي الحسن علي بن بسام الشنتريني، تحقيق / د. إحسان عباس.\n\n١٧٣ - الذيل على طبقات الحنابلة:\nابن رجب الحنبلي، مطبعة السنة المحمدية، ط ١ - ١٣٧٢ هـ.\n\n[ر]\n١٧٤ - الرحلة في طلب الحديث:\nللخطب البغدادي أبي بكر أحمد بن ثابت، تحقيق / نور الدين عتر دمشق - الطبعة الأولى ١٣٩٥ هـ.\n\n١٧٥ - رد الإمام الدارمي عثمان بن سيد على بشر المريسي العنيد:\nتصحيح / محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى ١٣٥٨ هـ.","vol":"2","page":472},{"text":"١٧٦ - الرد على الجهمية:\nالدرامي، تحقيق بدر البدر، الكويت ط ١ - ١٤٠٥ هـ.\n\n١٧٧ - رسالة ابن أبي<span data-type=\"title\" id=toc-262> ز</span>يد القيرواني:\nنظمها / أحمد بن مشرف الأحسائي، مكة المكرمة ١٣٩٥ هـ.\n\n١٧٨ - الرسالة التدمرية:\nتأليف / ابن تيمية، طبعت في مصر ضمن مجموع النفائس بدون تاريخ.\n\n١٧٩ - رسالة وجوب العمل بالسنة وكفر من أنكرها:\nتأليف / عبد العزيز بن عبد الله بن باز، مطابع الإشعاع التجارية الرياض ١٤٠٠ هـ\n\n١٨٠ - الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة:\nمحمد بن جعفر الكتاني، ط ٤ - ١٤٠٦ هـ.\n\n١٨١ - الروح:\nلابن القيم، تحقيق محمد إسكندر، بيروت، ط ١ - ١٤٠٢ هـ.\n\n١٨٢ - الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام:\nتصنيف / أبي سليمان جاسم الدورسري، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ\n\n[ز]\n١٨٣ - زاد المسير في علم التفسير:\nتأليف / أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن البغدادي، المكتب الإسلامي، بيروت - الطبعة الرابعة ١٤٠٧ هـ.\n\n١٨٤ - زاد المعاد في هدي خير العباد:\nابن قيم الجوزية، تحقيق وتخريج / عبد القادر الأرناؤط، مؤسسة الرسالة، ط ٢ - ١٤٠٢ هـ.","vol":"2","page":473},{"text":"١٨٥ - الزهد:\nالإمام أحمد بن جنبل، دار الكتب العلمية بيروت، ١٣٩٨ هـ.\n\n١٨٦ - الزهد:\nلابن المبارك، حققه حبيب الرحمن الأعظمى، دار الكتب العلمية، بيروت.\n\n١٨٧ - الزهد:\nتأليف / وكيع بن الجراح، تحقيق / عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي - الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n\n١٨٨ - الزهد:\nتأليف / هناد بن ال<span data-type=\"title\" id=toc-263>س</span>رى الكوفي، تحقيق / عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي، الكويت - الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n\n١٨٩ - الزيارة من أجوبة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\nراجعه وعلق عليه سيف الدين الكاتب، ١٤٠٠ هـ.\n\n[س]\n١٩٠ - السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة:\nللشيخ / محمد بن عبد الله بن حميد النجدي الحنبلي - الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n\n١٩١ - سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون:\nتأليف / جمال الدين بن نباتة المصري، تحقيق / محمد أبي الفضل إبراهيم.\n\n١٩٢ - سلسلة الأحاديث الصحيحة:\nمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط ٢ - ١٣٩٩ هـ.\n\n١٩٣ - سلسلة الأحادث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة:\nتخريج / محمد ناصر الدين الألباني، بيروت - الطبعة الرابعة ١٣٩٨ هـ.","vol":"2","page":474},{"text":"١٩٤ - سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر:\nأبو الفضل محمد المرادي، دار البشائر الإسلامية، بيروت - الطبعة الثالثة ١٤٠٨ هـ.\n\n١٩٥ - سنن ابن ماجة:\nتحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة الحلبي وشركاه، القاهرة، ط ١ - ١٣٩٥ هـ.\n\n١٩٦ - سنن أبي داود:\nسليمان بن الأشعث السجستاني، إعداد وتعليق / عزت الدعاس، حمْص، ط ١ - ١٣٨٨ هـ.\n\n١٩٧ - سنن الدارقطني:\nتأليف / علي بن عمر الدراقطني، تحقيق / عبد الله هاشم المدني، القاهرة.\n\n١٩٨ - سنن الدارمي:\nبعناية / عبد الله هاشم يماني، القاهرة ط ١ - ١٣٨٦ هـ.\n\n١٩٩ - السنن الكبرى:\nللبيهقي، مصورة عن الطبعة الأولى، دار المعرفة، بيروت.\n\n٢٠٠ - سنن النسائي:\nالحلبي وشركاه، القاهرة، ط ١ - ١٣٨٣ هـ.\n\n٢٠١ - السنة:\nعبد الله بن أحمد بن جنبل:\n\n١ - ط ١ - ١٣٤٩ هـ المطبعة السلفية بمكة المكرمة.\n\n٢ - طبعة أخرى بتحقيق /د. محمد سعيد القحطاني ط ١ - ١٤٠٦ هـ دار ابن القيم.","vol":"2","page":475},{"text":"٢٠٢ - السنة:\nلابن أبي عاصم، تخريج / محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط ١ - ١٤٠٠ هـ.\n\n٢٠٣ - السنة:\nلمحمد بن نصر المروزي، دار الثقافة الإسلامية، الرياض، ط ١\n\n٢٠٤ - سير أعلام النبلاء:\nللذهبي، تحقيق /<span data-type=\"title\" id=toc-264> ش</span>عيب الأرناؤط وآخرين، مؤسسة الرسالة، ط ١ - ١٤٠١ هـ.\n\n٢٠٥ - سيرة النبي - ﷺ -:\nلابن هشام، مراجعة وتعليق / محمد خليل هراس، القاهرة، بدون تاريخ.\n\n[ش]\n٢٠٦ - شأن الدعاء:\nلأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، تحقيق / أحمد يوسف الدقاق بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n\n٢٠٧ - شجرة النور الزكية في طبقات المالكية:\nتأليف / محمد بن محمد مخلوف، دار الكتب العربي، بيروت، طبعة جديدة عن الطبعة الأولى ١٣٤٩ هـ.\n\n٢٠٨ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب:\nعبد الحي بن العماد الحنبلي، دار الآفاق الجديدة، بيروت.\n\n٢٠٩ - شرح ابن دقيق العيد على الأربعين حديثًا النووية:\nنأليف / أبي الفتح الشهير بابن دقيق العيد، تصحيح / طه محمد الزيني، القاهرة.","vol":"2","page":476},{"text":"٢١٠ - شرح ابن عقيل:\nبهاء الدين عبد الله بن عقيل العقيلي المصري الهمداني، تحقيق / محمد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الخامسة عشر، القاهرة، ١٣٨٦ هـ.\n\n٢١١ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة:\nهبة الله الحسن الطبري اللالكائي، تحقيق / د. أحمد سعد حمدان، ط ١ - ١٤٠٢ هـ، دار طيبة الرياض.\n\n٢١٢ - شرح حديث النزول:\nلابن تيمية، تأليف / شيخ الإسلام ابن تيمية، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٢٠ هـ\n\n٢١٣ - شرح ديوان جرير:\nتأليف / محمد إسماعيل عبد الله الصاوي\n\n٢١٤ - شرح السنة:\nالبغوي - تحقيق / شعيب الأرناؤط، المكتب الإسلامي، ط ١ - ١٣٩٠ هـ.\n\n٢١٥ - شرح الشيخ قاسم بن عيسى القروي على متن الرسالة:\nلابن أبي زيد القيرواني، مصر - الطبعة الأولى ١٣٣٢ هـ.\n\n٢١٦ - شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور:\nتأليف / جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تصحيح / جماعة من العلماء، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n\n٢١٧ - شرح العقائد النسفية:\nتأليف / مسعود بن عمر التفتازاني، مكتبة المثنى بغداد\n\n٢١٨ - شرح العقيدة الأصفهانية:\nلابن تيمية، أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، قدم له / حسنين محمد مخلوف.","vol":"2","page":477},{"text":"٢١٩ - شرح العقيدة الطحاوية:\nلابن أبي العز، تخريج / الشيخ ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي بيروت - الطبعة الرابعة ١٣٩١ هـ.\n\n٢٢٠ - شرح العقيدة الواسطة:\nشيخ الإسلام ابن تيمية، تأليف / محمد خليل هراس، مراجعة عبد الرازق عفيفي، مؤسسة الكويت للطباعة، المدينة المنورة - الطبعة الرابعة.\n\n٢٢١ - شرح العقيدة الواسطة:\nتأليف / د. صالح بن فوزان الفوزان، الرياض الطبعة الرابعة ١٤٠٧ هـ.\n\n٢٢٢ - شرح الشفاء في شمائل صاحب الإصطفاء - ﷺ -:\nتأليف / نور الدين القاري، تحقيق. / حسنين محمد مخلوف - مطبعة المدني، القاهرة: ١٣٩٨ هـ.\n\n٢٢٣ - شرح الفقه الأكبر:\nالماتريدي، بمناية عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، المكتبة العصرية، بيروت.\n\n٢٢٤ - شرح الفقه الأكبر:\nالملا علي القاري الحنفي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١ - ١٤٠٤ هـ.\n\n٢٢٥ - شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري:\nتأليف الشيح / عبد الله محمد الغنيان، مطبعة المدني، القاهرة الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n\n٢٢٦ - شرح الكوكب المنير:\nتأليف / محمد بن أحمد الحنبلي، تحقيق / د. محمد الزحيلي، د. نزية حماد دمشق ١٤٠٥ هـ.","vol":"2","page":478},{"text":"٢٢٧ - شرح ألفية العراقي المسماة بالتبصرة والتذكرة:\nتأليف / عبد الرحيم بن الحسين العراقي - الطبعة الأولى ١٣٥٤ هـ.\n\n٢٢٨ - شرح المقاصد:\nتأليف / مسعود بن عمر بن عبد الله، تحقيق / د. عبد الرحمن بن عميرة مطبعة دار التأليف، القاهرة.\n\n٢٢٩ - شرح نخبة الفكر (في مصطلح أهل الأثر):\nتأليف / أحمد بن علي الشهير بابن حجر العسقلاني، عصر ١٣٥٣ هـ.\n\n٢٣٠ - الشرح والإبانة عن أصول السنة والديانة (الإبانة الصغرى):\nابن بطة العكبري تحقيق وتعليق / د. رضا بن نعسان معطي ط ١ - ١٤٠٢ هـ.\n\n٢٣١ - شرف أصحاب الحديث:\nللخطيب البغدادي، تأليف / أبي بكر أحمد بن ثابت، تحقيق / نور الدين عتر، دمشق - الطبعة الأولى ١٣٩٥ هـ.\n\n٢٣٢ - الشريعة:\nمحمد بن الحسين الآجري، تحقيق / محمد حامد الفقي، مصورة عن المطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت.\n\n٢٣٣ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى:\nالقاضي عياض اليحصبي، تحقيق محمد أمين قرة على وآخرين، الناشر مكتبة الفلابي، مؤسسة علوم القرآن، دمشق.\n\n٢٣٤ - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمه والتعليل:\nتأليف / ابن القيم الجوزية، القاهرة","vol":"2","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>[ص]</span>\n٢٣٥ - الصحاح:\nتأليف / إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق / أحمد عبد الغفور عطار، بيروت - الطبعة الثانية، ١٣٩٩ هـ.\n\n٢٣٦ - صحيح ابن خزيمة:\nلأبي بكر محمد بن إسحاق النيسابوري، تحقيق / د. محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت ١٣٩١ هـ.\n\n٢٣٧ - صحيح الجامع الصغير:\nتخريج وتحقيق / محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي ط ١ - ١٣٨٨ هـ.\n\n٢٣٨ - صحيح سنن ابن ماجة:\nناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط ١ - ١٤٠٧ هـ.\n\n٢٣٩ - صحيح سنن النسائي باختصار السند:\nتأليف / محمد ناصر الدين الألباني، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n\n٢٤٠ - صحيح سنن النسائي باختصار السند:\nصحيح أحاديثه / محمد ناصر الدين الألباني، علق عليه / زهير الشاويش، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n\n٢٤١ - صحيح مسلم بشرح النووي:\nالمطبعة المصرية ١٣٤٩ هـ.\n\n٢٤٢ - صحيح مسلم:\nتحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي، الحلبي وشركاه، القاهرة، ط ١ - ١٣٧٤ هـ.","vol":"2","page":480},{"text":"٢٤٣ - صريح السنة:\nمحمد بن جرير الطبري، تحقيق / بدر بن يوسف المعتوق، دار الخلفاء، الكويت، ط ١ - ١٤٠٥ هـ.\n\n٢٤٤ - الصفات:\nالدارقطني، تحقيق / عبد الله الغنيمان، مكتبة الدار بالمدينة المنورة، ط ١ - ١٤٠٢ هـ.\n\n٢٤٥ - الصفات الألهية بين السلف والحلف:\nتأليف / عبد الرحمن الوكيل، طباعة مؤسسة قرطبة، القاهرة\n\n٢٤٦ - الصفدية:\nتأليف / أبي العباس تقي الدين بن تيمية، تحقيق / د. محمد رشاد سالم - الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ.\n\n٢٤٧ - صفة الجنة:\nلابي نعيم، تحقيق / علي رضا عبد الله، دار المأمون للتراث ط ١ - ١٤٠٦ هـ.\n\n٢٤٨ - صفة الصفوة:\nتأليف / جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي، تحقيق / محمود فاخوري، خرج أحاديثها / د. محمد رواس قلعجي، دار المعرفة بيروت - الطبعة الثانية ١٣٩٩ هـ.\n\n٢٤٩ - كتاب الصلة:\nتأليف / ابن بشكوال أبي القسم خلف بن عبد الملك.\n\n٢٥٠ - كتاب الصمت وآداب اللسان:\nتأليف / أبي يكر عبد الله البغدادي، دراسة / نجم عبد الرحمن خلف، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.","vol":"2","page":481},{"text":"٢٥١ - الصواعق المحرقة:\nتأليف / أحمد بن حجر المكي، علق عليه / عبد الوهاب عبد الل<span data-type=\"title\" id=toc-267>ط</span>يف مصر - الطبعة الثانية ١٣٨٥ هـ.\n\n٢٥٢ - الصواعق المرسلة على الجمهية والمعطلة:\nتأليف / شمس الدين أبي عبد الله محمد الشهير بابن قيم الجوزية تحقيق / د. علي محمد الدخيل الله، الريا<span data-type=\"title\" id=toc-266>ض </span>- الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n\n٢٥٣ - صون المنطق:\nتأليف / جلال الدين السيوطي، تعليق / علي سامي النشار القاهرة ١٣٦٦ هـ\n\n[ض]\n٢٥٤ - الضعفاء الكبير:\nتأليف / أبي جعفر محمد بن عمر العقيلي، تحقيق / عبد المعطي أمين قلعجي، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n\n٢٥٥ - ضعيف الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير):\nتأليف / محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت - الطبعة الثانية ١٣٩٩ هـ.\n\n٢٥٦ - ضعيف سنن ابن ماجة:\nتأليف / محمد ناصر الدين الألباني، تعليق / زهير الشاويش بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n\n٢٥٧ - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع:\nتأليف / محمد بن عبد الرحمن السخاوي، بيروت.\n\n[ط]\n٢٥٨ - طبقات الشافعية:\nتأليف / أبي بكر أحمد بن محمد الدمشقي (ابن قاضي شهبة)، تصحيح / د. عبد العليم خان، الهند - الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ.","vol":"2","page":482},{"text":"٢٥٩ - طبقات الشاف<span data-type=\"title\" id=toc-268>ع</span>ية الكبرى:\nتأليف / أبي نصر عبد الوهاب السبكي، تحقيق / محمود محمد الطناحي - عبد الفتاح الحلو - الطبعة الأولى ١٣٨٣ هـ.\n\n٢٦٠ - الطبقات الكبرى:\nلابن سعد، دار صادر بيروت.\n\n٢٦١ - طبقات النحويين واللغويين:\nلأبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي، تحقيق / محمد أبي الفضل إبراهيم -. دار المعارف - الطبعة الثانية.\n\n[ع]\n٢٦٢ - العاقبة في ذكر الموت والآخرة:\nتأليف / أبي محمد عبد الحق الإشبيلي، تحقيق / خضر محمد خضر مكتبة دار الأقصى، الكويت - الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n\n٢٦٣ - العبر في خبر من غبر:\nتأليف / الحافظ الذهبي، تحقيق / أبي هاجر محمد زغلول، بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n\n٢٦٤ - كتاب العظمة:\nتأليف / أبي الشيخ الأصبهاني، دراسة / رضا الله بن محمد إدريس كفوري، دار العاصمة، الرياض ١٤٠٨ هـ.\n\n٢٦٥ - العقائد النسفة:\nلعمر بن محمد النسفي، ضمن مجمع مهمات المتون - المطبعة الرابعة ١٣٦٩ هـ.","vol":"2","page":483},{"text":"٢٦٦ - عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي:\nتحقيق / عبد الله بن محمد البصيري، دار الإفتاء، ط ١ - ١٤١١ هـ.\n\n٢٦٧ - عقيدة السلف أصحاب الحديث:\nإسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، تحقيق / بدر البدر، الدار السلفية، الكويت، ط ١ - ١٤٠٤ هـ.\n\n٢٦٨ - عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية:\nد / صالح بن عبد الله العبود، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ط ١ - ١٤٠٨ هـ\n\n٢٦٩ - العقيدة الطحاوية:\nتعليق / عبد العزيز بن عبد الله بن باز، مكتبة الصديق للنشر والتوزيع.\n\n٢٧٠ - العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية:\nتأليف / أبي المعالي عبد الملك الجويني، تقديم وتعليق / د. أحمد حجازي. السقا، مصر- الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ.\n\n٢٧١ - العلو للعلي الغفار في صحيح الأخبار وسقيمها:\nتأليف / الحافظ شمس الدين محمد الذهبي، تصحيح / عبد الرحمن محمد عثمان، القاهرة - الطبعة الثانية ١٣٨٨ هـ.\n\n٢٧٢ - عمدة التحقيق في التقليد والتدقيق:\nتأليف / محمد سعيد الباني، المكتب الإسلامي، دمشق ١٤٠١ هـ.\n\n٢٧٣ - عمل اليوم والليلة:\nالنسائي، تحقيق / د. فاروق حماده، ط ١ - ١٤٠١ هـ.\n\n٢٧٤ - العواصم من القواصم:\nتأليف / أبي بكر بن العربي المالكي، تحقيق / محب الدين الخطيب علق عليه / محمود مهدي الاستانبولي، القاهرة - الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.","vol":"2","page":484},{"text":"٢٧٥ - العقود الدرية<span data-type=\"title\" id=toc-270> ف</span>ي مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية:\nتأليف / أبي عبد الله محمد بن عبد الهادي، تحقيق / محمد حامد الفقي، القاهرة: ١٣٥٦ هـ.\n\n٢٧٦ - العين والأثر في عقائد أهل الأثر:\nتأليف / عبد الباقي المواهبي الحنبلي، تحقيق / عصام رواس قلعجي مراجعة / عبد العزيز رباح، دمشق - الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.\n\n٢٧٧ - عيون الأنباء في طبقات الأطباء:\nتأليف / ابن أبي أصيبعه، بيروت ١٣٩٨ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>[غ]</span>\n٢٧٨ - غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب:\nتأليف / محمد السفاريني الحنبلي، نشر مؤسسة قرطبة، مصور عن الطبعة الأولى بمكة المكرمة ١٣٩٣ هـ.\n\n٢٧٩ - غريب الحديث:\nتأليف / أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي، إشراف / د. محمد عبد المعيد خان، طبعة مصورة ١٣٩٦ هـ.\n\n٢٨٠ - الغنية فهرست شيوخ القاضي عياض:\nتحقيق / ماهر زهير جرار، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ.\n\n٢٨١ - الغيب المنسجم في شرح لامية العجم:\nتأليف / الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، بيروت - الطبعة الأولى ١٣٩٥ هـ.\n\n[ف]\n٢٨٢ - الفتاوى:\nتأليف أبي إسحاق إبراهيم الشاطبي، جمعها وحققها / محمد أبو الأجفان - الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.","vol":"2","page":485},{"text":"٢٨٣ - الفتاوى الكبرى:\nلابن تيمية أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، قدم له وعرف به / حسنين محمد مخلوف، بيروت، بدون تاريخ.\n\n٢٨٤ - فتاوى وتنبيهات ونصائح:\nالشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز، القاهرة - الطبعة الأُولى ١٤٠٩ هـ.\n\n٢٨٥ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري:\nابن حجر العسقلاني، تحقيق / محمد فؤاد عبد الباقي - المطبعة السلفية، ط ٢، ١٤٠٠ هـ.\n\n٢٨٦ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير:\nتأليف / محمد بن علي الشوكاني، مصر- الطبعة الثانية ١٣٨٣ هـ.\n\n٢٨٧ - فتح المغيث شرح ألفية الحديث:\nللعراقي، تأليف / شمس الدين محمد عبد الرحمن السخاوي، ضبط وتحقيق / عبد الرحمن محمد عثمان، مطبعة العاصمة بالقاهرة، الطبعة الثانية ١٣٨٨ هـ\n\n٢٨٨ - الفتن والملاحم وهو النهاية من تاريخ الحافظ عماد الدين بن كثير:\nتصحيح / إسماعيل الأنصاري، مؤسسة النور، الرياض - الطبعة الأولى ١٣٨٨ هـ.\n\n٢٨٩ - الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية:\nتأليف / محمد بن علان المكي، بيروت.\n\n٢٩٠ - الفتوى الحموية الكبرى:\nتأليف / ابن تيمية، ضمن مجموع النفائس، طبعت في مصر بدون تاريخ.\n\n٢ - الفردوس بمأثور الخطاب:\nتأليف / أبي شجاع شيرويه بن شهردار الهمداني الملقب \"الكيا\" تحقيق / السعيد بن بسيوني زغلول، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.","vol":"2","page":486},{"text":"٢٩٢ - الفرقان بين أولياء الرحمن وأولاء الشيطان:\nتأليف / شيخ الإسلام ابن تيمية، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الخامسة ١٤٠١ هـ.\n\n٢٩٣ - الفرق بين الفرق:\nتأليف / عبد القاهر بن طاهر بن محمد التيمي، تحقيق / محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت.\n\n٢٩٤ - كتاب الفروع:\nتأليف / شمس الدين المقدسي أبي عبد الله بن مفلح، تصحيح / أبي الحسن علي بن سليمان الحنبلي، أشرف على مراجعتها / عبد اللطيف محمد السبكي، عالم الكتب، بيروت - الطبعة الثالثة.\n\n٢٩٥ - الفصل في الملل والأهواء والنحل:\nتأليف / أبي محمد علي الظاهري (ابن حزم) تحقيق / د. محمد إبراهيم نصر، د. عبد الرحمن عميرة، شركة عكاظ، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ\n\n٢٩٦ - فضائل الصحابة:\nتأليف / أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، تحقيق / وصي الله بن محمد عباس بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\n\n٢٩٧ - الفقيه والمتفقه:\nالخطيب البغدادي، تحقيق إسماعيل الأنصاري، دار الكتب العلمية بيروت - ط ٢ - ١٤٠٢ هـ.\n\n٢٩٨ - الفوائد في اختصار المقاصد المسمى بالقواعد الصغرى:\nتأليف / أبي محمد عبد العزيز بن عبد السلام الشافعي، تحقيق / د. جلال الدين عبد الرحمن، مصر، القاهرة - الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.","vol":"2","page":487},{"text":"٢٩٩ - الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة:\nتأليف / محمد بن علي الشوكاني تح<span data-type=\"title\" id=toc-271>ق</span>يق / عبد الرحمن بن يحيى اليماني، بيروت - الطبعة الثانية ١٣٩٢ هـ.\n\n٣٠٠ - فوات الوفيات والذيل عليها:\nتأليف / محمد بن شاكر الكتبي، تحقيق / د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت ١٣٩٣ هـ.\n\n٣٠١ - فهرس الفهارس والإثبات معجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات:\nتأليف / عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، باعتناء / د. إحسان عباس، بيروت - الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ.\n\n٣٠٢ - الفهرست:\nتأليف / أبي الفرج محمد الوراق (ابن النديم) تحقيق / رضا تجدد، مصر.\n\n٣٠٣ - فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة:\nتأليف / أبي حامد محمد الغزالي، ضمن مجموع القصور العوالي نشر مكتبة الجندي، مصر.\n\n٣٠٤ - فيض القدير شرح الجامع الصغير:\nتأليف / المناوي، بيروت - الطبعة الثانية ١٣٩١ هـ.\n\n[ق]\n٣٠٥ - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة.\nتأليف / شيخ الإسلام ابن تيمية، دار العربية للنشر، بيروت، ١٣٩٠ هـ.\n\n٣٠٦ - قطر الندى وبل الصدى:\nتصنيف / أبي محمد عبد الله جمال الدين بن هشام الأنصاري، تعليق / محمد محيي الدين عبد الحميد، م. السعادة بمصر- الطبعة التاسعة ١٣٧٧ هـ.","vol":"2","page":488},{"text":"٣٠٧ - قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة:\nجلال الدين السيوطي، تحقيق الشيخ خليل محيي الدين الميس الم<span data-type=\"title\" id=toc-272>ك</span>تب الإسلامي، ط ١ - ١٤٠٥ هـ.\n\n٣٠٨ - القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية:\nتأليف / محمد بن طولون الصالحي، تحقيق / محمد أحمد دهمان الطبعة الثانية ١٤٠١ هـ.\n\n٣٠٩ - القواعد الكبرى \"قواعد الأحكام في مصالح الأنام\":\nتأليف / أبي محمد عز الدين بن عبد السلام، القاهرة - الطبعة الأولى ١٣٥٣ هـ.\n\n٣١٠ - القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى:\nبقلم / محمد صالح العثيمين، محرم ١٤٠٦ هـ.\n\n[ك]\n٣١١ - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة:\nللإمام الذهبي، تحقيق / عزت على عطية، موسى محمد الموشى، القاهرة - الطبعة الأولى ١٣٩٢ هـ.\n\n٣١٢ - الكامل:\nتأليف / الإمام أبي العباس محمد بن يزيد المبرد، تحقيق وتعليق / محمد أحمد الدالي، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n\n٣١٣ - الكامل في التاريخ لابن الأثير:\nعلق عليه نخبة من العلماء، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٠ هـ\n\n٣٩٤ - الكامل في ضعفاء الرجال:\nتأليف / أبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، تحقيق / لجنة من المختصين بإشراف الناشر، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.","vol":"2","page":489},{"text":"٣١٥ - ا<span data-type=\"title\" id=toc-273>ل</span>كشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل:\nتأليف / أبي القاسم جار الله الزمخشري، تحقيق / محمد الصادق قمحاوي، مصر- الطبعة الأخيرة ١٣٩٢ هـ.\n\n٣١٦ - كشف الأستار عن زوائد البزار على كتب الستة:\nتأليف / نور الدين علي الهيثمي، تحقيق / حبيب الرحمن الأعظمي، بيروت - الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ.\n\n٣١٧ - كشف الخفاء ومزيل الألباس عما اشتهر من الأحاديث على لسان الناس:\nتأليف / إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي، تصحيح / أحمد القلاش.\n\n٣١٨ - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون:\nتأليف / مصطفى بن عبد الله حاجي خليفة، بيروت.\n\n٣١٩ - الكشف عن حقيقة الصوفية:\nتأليف / محمود عبد الرؤوف، دار الصحابة، بيروت، ط ١ - ١٤٠٨ هـ.\n\n٣٢٠ - الكفاية في علم الرواية:\nتأليف / أبي بكر أحمد بن ثابت \"الخطيب البغدادي\" المكتبة العلمية.\n\n٣٢١ - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال:\nعلاء الدين علي المتقي الهندي، - نشر وتوزيع / مكتبة التراث الإسلامي مؤسسة الرسالة، بيروت.\n\n٣٢٢ - الكواكب الدرية لشرح الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية:\nمحمد عبد العزيز بن مانع، الهند ١٣٣٦ هـ.\n\n[ل]\n٣٢٣ - اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة:\nتأليف / جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، بيروت - الطبعة الثالثة ١٤٠١ هـ.","vol":"2","page":490},{"text":"٣٢٤ - اللباب في تهذيب الأنساب:\nتأليف / ابن الأثير الجزري، دار صادر بيروت ١٤٠٠ هـ.\n\n٣٢٥ - لقط اللآلئ ال<span data-type=\"title\" id=toc-274>م</span>تناثرة في الأحاديث المتواترة:\n\n٢٣٥ - تصنيف / أبي الفيض محمد مرتضى الزبيدي، دراسة وتحقيق / محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n\n٣٢٦ - لسان العرب:\nلابن منظور جمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري.\n\n٣٢٧ - لسان الميزان:\nتأليف / أبي الفضل أحمد بن علي العسقلاني بيروت - الطبعة الثانية ١٣٩٠ هـ.\n\n٣٢٨ - لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد:\nتأليف / أبي محمد عبد الله المقدسي \"ابن قدامة\" تعليق / بدر عبد الله البدر، الدار السلفية، الكويت الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n\n٣٢٩ - لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية:\nتأليف / محمد بن أحمد السفاريني ١٣٨٠ هـ.\n\n[م]\n٢٣٠ - مجالس العلماء:\nلأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، تحقيق / عبد السلام هارون، القاهرة - الطبعة الثالثة ١٤٠٣ هـ.\n\n٣٣١ - المجتبى:\nلأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد -الطبعة الرابعة في الهند تحت إشراف دائرة المعارف العثمانية ١٤٠٠ هـ.","vol":"2","page":491},{"text":"٣٣٢ - المجددون في الإسلام من القرن الأول إلى الرابع عشر:\nتأليف / عبد المتعال الصعيدي - الطبعة الثانية ١٣٨٢ هـ.\n\n٣٣٣ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:\nنور الدين الهيثمي، دار الكتاب العربي بيروت، ط ٣ - ١٤٠٢ هـ.\n\n٣٣٤ - مجمع اللغة:\nلأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا اللغوي دراسة وتحقيق / زهير عبد المحسن سلطان - بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ\n\n٣٣٥ - المجموع شرح المهذب:\nتأليف / أبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي، دار الفكر، بيروت.\n\n٣٣٦ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية:\nجمع وترتيب / عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الحنبلي وابنه محمد، بيروت - الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ.\n\n٣٣٧ - مجموعة الرسائل والمسائل النجدية:\nلبعض علماء نجد، دار العاصمة، الرياض، ط ٢ - ١٤٠٩ هـ.\n\n٣٣٨ - مجموعة الرسائل الكبرى:\nتأليف / أبي العباس أحمد بن تيمية، القاهرة ١٣٨٥ هـ.\n\n٣٣٩ - المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث:\nتأليف / أبي موسى محمد الأصفهاني، تحقيق / عبد الكريم العزباوي مطبعة دار المدني، جدة - الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n\n٣٤٠ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز:\nللقاضي / أبي محمد عبد الحق الأندلسي، تحقيق / المجلس العلمي بفاس، المغرب - الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.","vol":"2","page":492},{"text":"٣٤١ - مختصر تاريخ دمشق:\nتأليف / محمد بن مكرم بن منظور، تحقيق / روحية النحاس- رياض مراد - محمد الحافظ، دار الفكر للطباعة والنشر دمشق - الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n\n٣٤٢ - مخصتر سنن أبي داود:\nللحافظ المنذري، تحقيق / محمد حامد الفقي- أحمد محمد شاكر القاهرة، ١٣٦٦ هـ.\n\n٣٤٣ - مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة:\nتأليف / ابن القيم الجوزية، اختصره / محمد بن الموصلي، مكتبة الرياض الحديثة.\n\n٣٤٤ - مختصر طبقات الحنابلة:\nتأليف / الشيح: محمد جميل بن عمر البغدادي المعروف بابن شطي، دراسة / فواز أحمد زمرلي، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n\n٣٤٥ - مختصر العلو للعلي الغفار:\nتأليف / الحافظ الذهبي، تحقيق / محمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي، دمشق - الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ.\n\n٣٤٦ - مختصر الفتاوى المصرية:\nتأليف / أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، اختصره / بدر الدين أبو عبد الله حمد الشهير بابن اسبا سبلا، راجعه / أحمد حمدي إمام، القاهرة ١٤٠٠ هـ\n\n٣٤٧ - مختصر قيام الليل:\nتأليف / أبي عبد الله محمد بن نصر المروزي، اختصره / أحمد بن علي المقريزي، باكستان - الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ.","vol":"2","page":493},{"text":"٣٤٨ - مختصر لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية: شرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية:\nتأليف / العلامة محمد بن علي بن سلوم، تحقيق / محمد زهرى النجار دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٣ هـ.\n\n٣٤٩ - مدارك السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين:\nلاين القيم، تحقيق / محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت ١٣٩٢ هـ.\n\n٣٥٠ - المدخل إلى السنن الكبرى:\nأبو بكر البيهقي، دراسة / محمد ضياء الأعظمي، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، حولي، الكويت.\n\n٣٥١ - المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل:\nتأليف / عبد القادر بن بدران الدمشقي، تصحيح / د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت - الطبعة الثانية ١٤٠١ هـ.\n\n٣٥٢ - المدونة الكبرى:\nللإمام مالك بن أنس الأصبحي، رواية الإمام سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم، دار الفكر، بيروت - الطبعة الثانية ١٤٠٠ هـ.\n\n٣٥٣ - مذاهب فكرية معاصرة:\nتأليف / محمد قطب، دار العلم للطباعة والنشر، جدة - الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\n\n٣٥٤ - مذكرة أُصول الفقه:\nتأليف / محمد الأمين الشنقيطي، جدة.","vol":"2","page":494},{"text":"٣٥٥ - مرويات أي مخنف في تاريخ الطبري:\nتأليف / يحيى إبراهيم اليحيى، دار العاصمة الرياض- الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ\n\n٣٥٦ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل:\nرواية / إسحاق بن إبراهيم النيسابوري، تحقيق / زهير الشاويش المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٠٠ هـ.\n\n٣٥٧ - مسائل الإمام أحمد:\nتأليف / أبي داود سليمان الأشعث السجستاني، مقدمة تصدير التعريف به بقلم / محمد رشيد رضا دار المعرفة - بيروت.\n\n٣٥٨ - مسائل الإمام أحمد:\nرواية ابنة / عبد الله بن أحمد، تحقيق / زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ.\n\n٣٥٩ - المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة، ومعها شرح المسامرة: لكمال الدين بن أبي شريف، تصحيح وضبط / احتشام الحق، طبع ونشر / دائرة المعارف الإسلامية، بكستان.\n\n٣٦٠ - المستدرك على الصحيحين:\nتأليف / أبي عبد الله الحاكم النيسابوري، دار الكتاب العربي، بيروت.\n\n٣٦١ - مسند الإمام الشافعي:\nترتيب محمد عابد السندي، تصحيح / يوسف علي الحسني، عزت العطار الحسيني، دار الكتب العلمية، بيروت - مصور عن الطبعة الأولى ١٣٧٠ هـ.\n\n٣٦٢ - مسند الإمام أحمد بن حنبل:\nدار صادر بيروت.","vol":"2","page":495},{"text":"٣٦٣ - مسند الحميدي:\nأبو بكر عبد الله الزبير الحميدي، حققه وعلق عليه / حبيب الرحمن الأعظمي، دار الباز / عباس أحمد الباز، مكة المكرمة.\n\n٣٦٤ - مسند أبي داود الطيالسي:\nالهند، حيدر أباد - الطبعة الأولى ١٣٢١ هـ.\n\n٣٦٥ - مسند الشهاب:\nأبو عبد الله محمد القضاعي، تحقيق / حمدي عبد المجيد السلفي مؤسسة الرسالة بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n\n٣٦٦ - مسند - أم المؤمنين - عائشة ﵂:\nتأليف / أبي بكر عبد الله السجستاني، دراسة وتحقيق / عبد الغفور عبد الحق حسين، الكويت - الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n\n٣٦٧ - مسند أبي عوانة:\nأبو عوانة يعقوب بن إسحاق، الناشر: دار المعرفة، بيروت.\n\n٣٦٨ - مسند أبي يعلى الموصلي:\nتأليف / أحمد بن علي التميمي، تحقيق / حسين سليم أسد، دمشق - الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n\n٣٦٩ - مشكاة المصابيح:\nتأليف / محمد بن عبد الله التبريزي، تحقيق / محمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي بيروت - الطبعة الثانية ١٣٩٩ هـ.\n\n٣٧٠ - مشكل الآثار:\nتأليف / أبي جعفر الطحاوي، دار صادر، بيروت - الطبعة الأولى ١٣٣٣ هـ.","vol":"2","page":496},{"text":"٣٧١ - مصباح الزجاجة:\nفي زوائد ابن ماجة للبوصيري، بتحقيق / محمد المتقي الكشناوي، الدار العربية، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\n\n٣٧٢ - المصباح المنير:\nفي غريب الشرح الكبير للرافعي، تأليف / أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، المطبعة الأميرية بالقاهرة - الطبعة الخامسة ١٣٤٢ هـ.\n\n٣٧٣ - الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار:\nتأليف / أبي بكر بن أبي شيبة، تحقيق / عبد الخالق الأفغاني، بومباي الهند - الطبعة الثانية ١٣٩٩ هـ.\n\n٣٧٤ - المصنف:\nتأليف / عبد الرازق الصنعاني، تحقيق / حبيب الرحمن الأعظمي، المجلس الإسلامي، بيروت - الطبعة الأولى ١٣٩٠ هـ.\n\n٣٧٥ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية:\nتأليف / ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني، تحقيق / حبيب الرحمن الأعظمي.\n\n٣٧٦ - معارج القبول شرح سلم الوصول إلى علم الأصول:\nتأليف / حافظ بن أحمد الحكمي، قدم له / أحمد بن حافظ الحكمي المطبعة السلفية، القاهرة - الطبعة الثالثة ١٤٠٤ هـ.\n\n٣٧٧ - المعارف:\nلابن قتيبة أبي محمد عبد الله بن مسلم، حققة / د. ثروت عكاشة، دار المعارف، مصر- الطبعة الثانية ١٣٨٣ هـ.\n\n٣٧٨ - معالم السنن:\nلأبي سليمان الخطابي، تحقيق / محمد حامد الفقي- أحمد محمد شاكر، القاهرة ١٣٦٦ هـ.","vol":"2","page":497},{"text":"٣٧٩ - معاني القرآن واعرابه:\nتأليف / أبي إسحاق إبراهيم السري \"الزجاج\" شرح وتحقيق / د. عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n\n٣٨٠ - المعجم:\nتأليف / محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي، المعروف بابن الأبار.\n\n٣٨١ - معجم بلدان فلسطين:\nمحمد محمد شراب، دار المأمون للتراث، دمشق، ط ١ - ١٤٠٧ هـ.\n\n٣٨٢ - معجم البلدان:\nتأليف / شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي البغدادي دار صادر بيروت، ١٣٩٧ هـ.\n\n٣٨٣ - المعجم الصغير للطبراني:\nأبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تصحيح / عبد الرحمن محمد عثمان، الناشر المكتبة السلفية، المدينة المنورة ١٣٨٨ هـ.\n\n٣٨٤ - المعجم الأوسط:\nللحافظ الطبراني، تحقيق / د. محمود الطحان، الناشر دار المعارف الرياض - الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n\n٣٨٥ - المعجم الكبير:\nللطبراني، تحقيق / عبد المجيد السلفي، الدار العربية للطباعة - الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ.\n\n٣٨٦ - معجم الشيوخ:\nتصنيف / شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق / د. محمد الحبيب الهيله - الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.","vol":"2","page":498},{"text":"٣٨٧ - المعجم المختص بالمحدثين:\nتصنيف / شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق / محمد الحبيب الهيله - بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n\n٣٨٨ - المعجم في أسامي شيوخ أبي بكر الإسماعيلي:\nلأبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، تحقيق / د. زياد محمد منصور، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة - الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n\n٣٨٩ - معجم المؤلفين:\nتأليف / عمر رضا كحالة، دمشق ١٣٧٦ هـ.\n\n٣٩٠ - معجم مقاييس اللغة:\nلأبي الحسين أحمد بن فارس، تحقيق وضبط / عبد السلام محمد هارون، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر - الطبعة الثانية ١٣٨٩ هـ.\n\n٣٩١ - المعجم الوسيط:\nإخراج وإشراف / مجموعة من العلماء، دار المعارف، مصر - الطبعة الثانية ١٣٩٣ هـ.\n\n٣٩٢ - معرفة الثقات:\nللإمام / أبي الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي الكوفي بترتيب الإمامين / نور الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، وتقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي، دراسة وتحقيق / عبد العليم عبد العظيم، المدينة المنورة الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n\n٣٩٣ - معرفة الصحابة:\nأبو نعيم الأصبهاني أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، تحقيق / د. محمد راضي عثمان - الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.","vol":"2","page":499},{"text":"٣٩٤ - معرفة علوم الحديث:\nتصنيف / أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري، تصحيح د. معظم حسين، دار لكتب العلمية، بيروت - الطبعة الثانية ١٣٩٧ هـ.\n\n٣٩٥ - معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار:\nتأليف / شمس الدين أبي عبد الله الذهبي، تحقيق / بشار عواد معروف، شعيب الأرناؤوط، صالح مهدي عباس، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ\n\n٣٩٦ - المعرفة والتاريخ:\nأبو يوسف يعقوب البسوي، رواية / عبد الله بن جعفر النحوي تحقيق / د. أكرم ضياء العمري، مؤسسة الرسالة بيروت - الطبعة الثانية ١٤٠١ هـ.\n\n٣٩٧ - المغرب في ترتيب المعرب:\nتأليف / أبي الفتح ناصر الدين المطرزي، تحقيق / محمود فاخوري عبد الحميد مختار.\n\n٣٩٨ - المُغرب في حُلي المَغْرب:\nلابن سعيد الأندلسي، تحقيق / د. شوقي ضيف، دار المعارف بمصر، ط ٣ - ١٣٨٩ هـ.\n\n٣٩٩ - المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار:\nللحافظ العراقي، مطبع في حاشية إحياء علوم الدين، للغزالي دار المعرفة بيروت.\n\n٤٠٠ - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب:\nلجمال الدين بن هشام الأنصاري، تحقيق وتعليق/ د. مازن المبارك، محمد علي أحمد عبد الله، راجعه / سعيد الأفغاني، بيورت - الطبعة الخامسة ١٣٩٩ هـ.\n\n٤٠١ - المغني لابن قدامة:\nمطبوعات المنار، بمصر- الطبعة الثانية ١٣٤٦ هـ.","vol":"2","page":500},{"text":"٤٥٢ - المغني في الضعفاء:\nنأليف / شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق / نور الدين عتر بيروت - الطبعة الأولى ١٣٩١ هـ.\n\n٤٠٣ - مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة:\nتأليف / جلال الدين السيوطي، مطابع الرشيد، المدينة المنورة - الطبعة الثالثة ١٣٩٩ هـ.\n\n٤٠٤ - مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة:\nتأليف / ابن القيم الجوزية، تصحيح / محمود حسن ربيع، مصر الطبعة الثالثة ١٣٩٩ هـ.\n\n٤٠٥ - مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم:\nتأليف / أحمد بن مصطفى، مراجعة وتحقيق / كامل كامل بكري، عبد الوهاب أبو النور، القاهرة.\n\n٤٠٦ - المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات:\nتأليف / محمد المغراوي، دار طيبة الرياض - الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n\n٤٠٧ - المفضليات:\nتحقيق وشرح / أحمد محمد شاكر، عبد السلام محمد هارون، الناشر / دار المعارف القاهرة - الطبعة السادسة ٢١ شوال ١٣٨٣ هـ.\n\n٤٠٨ - المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة:\nتأليف / محمد عبد الرحمن السخاوي، تحقيق / محمد عثمان الخشب بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n\n٤٠٩ - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين:\nتأليف / أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق / محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة - الطبعة الثانية ١٣٨٩ هـ.","vol":"2","page":501},{"text":"٤١٠ - مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح:\nتحقيق / د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطيء) مطبعة دار الكتب بالقاهرة ١٣٩٤ هـ.\n\n٤١١ - مقدمة تاريخ العلامة ابن خلدون:\nبيروت ١٤٠٢ هـ.\n\n٤١٢ - مقدمة في مصطلح الحديث:\nتأليف / محمد ناصر الدين الألباني.\n\n٤١٣ - المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي:\nنور الدين الهيثمي، تحقيق / د. نايف الدعيس، جدة الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ.\n\n٤١٤ - مكارم الأخلاق:\nتأليف / الطبراني، تحقيق / د. فاروق حمادة، الدار البيضاء المغرب - الطبعة الثالثة.\n\n٤١٥ - الملل والنحل:\nتأليف / أبي الفتح محمد عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق / عبد العزيز الوكيل، القاهرة ١٣٨٨ هـ.\n\n٤١٦ - المنار المنيف في الصحيح والضعيف:\nتأليف / أبي عبد الله محمد الدمشقي المعروف بابن القيم الجوزية تحقيق / عبد الفتاح أبو غدة.\n\n٤١٧ - مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب:\nتأليف / أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، تحقيق / د. زينب إبراهيم القاروط، بيروت، دار الكتب العلمية.","vol":"2","page":502},{"text":"٤١٨ - مناقب الإمام أحمد بن حنبل:\nتأليف / أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، حققه / د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، تصحيح / د. على محمد عمر، مصر- الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ.\n\n٤١٩ - مناقب الشافعي:\nلأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق / السيد أحمد صقر دار النصر للطباعة، مصر، القاهرة - الطبعة الأولى ١٣٩١ هـ.\n\n٤٢٠ - مناقب الإمام الشافعي:\nتأليف / الإمام فخر الدين الرازي محمد بن عمر بن الحسين، تحقيق / د. أحمد حجازي السقا، القاهرة - الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n\n٤٢١ - منال الطالب في شرح طوال الغرائب:\nنأليف / أبي السعادات المبارك ابن الأثير، تحقيق / د. محمود محمد الطناحي، القاهرة.\n\n٤٢٢ - منتخبات التواريخ لدمشق:\nتأليف / محمد أديب الحصني، قدم له / د. كمال سليمان الصليبي بيروت - الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ.\n\n٤٢٣ - المنتخب:\nلعبد بن حميد، تحقيق / مصطفى بن العدوي، دار الأرقم، بيروت ط ١ - ١٤٠٥ هـ.\n\n٤٢٤ - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم:\nلابن الجوزي، دائرة المعارف العثمانية الطبعة الأولى ١٣٥٧ هـ.","vol":"2","page":503},{"text":"٤٢٥ - منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود ومعه التعليق المحمود على منحة المعبود:\nتأليف / أحمد عبد الرحمن البنا، القاهرة - الطبعة الأولى ١٣٧٢ هـ.\n\n٤٢٦ - منزلة السنة في التشريع الإسلامي:\nتأليف / محمد أمان بن علي الجامي، المكتب الإسلامي، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ.\n\n٤٢٧ - المنقذ من الضلال:\nتأليف / أبي حامد الغزالي، تحقيق / د. جميل صليبا، د. كامل عياد، دار الأندلس للطباعة، بيروت - الطبعة الحادية عشر.\n\n٤٢٨ - منهاج السنة النبوية:\nلابن تيمية أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، تحقيق / د. محمد رشاد سالم، الرياض - الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n\n٤٢٩ - المنهاج في شعب الإيمان:\nتأليف / أبي عبد الله الحسين الحليمي، تحقيق / حلمي محمد فوده الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ.\n\n٤٣٠ - المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد:\nتأليف / أبي اليمن مجير الدين عبد الرحمن العليمي، تحقيق / محمد محيي الدين عبد الحميد، تعليق / عادل نويهض، عالم الكتب بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\n\n٤٣١ - نهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات:\nمحمد الأمين الشنقيطي - مطبوعات الجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة ١٤٠١ هـ.","vol":"2","page":504},{"text":"٤٣٢ - المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبي داود:\nتأليف / الشيخ محمود محمد خطاب السبكي، الناشر المكتبة الإسلامية، بدون تاريخ.\n\n٤٣٣ - موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان:\nتأليف / نور الدين علي الهيثمي، تحقيق / محمد عبد الرزاق حمزة القاهرة، بدون تاريخ.\n\n٤٣٤ - المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار:\nتأليف / تقي الدين أبي العباس المقريزي.\n\n٤٣٥ - المواقف في علم الكلام:\nتأليف / عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، بيروت.\n\n٤٣٦ - الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة:\nمطبعة سفير، الرياض - الطبعة الثانية ١٤٠٩ هـ.\n\n٤٣٧ - الموضوعات:\nتأليف / أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، تحقيق / عبد الرحمن محمد عثمان - الطبعة الأولى ١٣٨٦ هـ.\n\n٤٣٨ - الموطأ:\nمالك بن أنس، تصحيح / محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة - الطبعة الأولى ١٣٧٠ هـ.\n\n٤٣٩ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال:\nأبو عبد الله محمد الذهبي تحقيق / علي محمد الجاوي- الطبعة الأولى ١٣٨٢ هـ.","vol":"2","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>[ن]</span>\n٤٤٠ - النبوات:\nتأليف / أبي العباس أحمد بن تيمية، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٢ هـ.\n\n٤٤١ - نزهة الألباء في طبقات الأدباء:\nلأبي البركات كمال الدين عبد الرحمن بن محمد الأنباري، تحقيق / محمد أبي الفضل إبراهيم، القاهرة ١٣٨٦ هـ.\n\n٤٤٢ - نسب قريش:\nلأبي عبد الله المصعب بن عبد الله بن المصعب الزبيري، تصحيح وتعليق / أ. ليفي بروفنيسال، دار المعارف مصر - الطبعة الثانية.\n\n٤٤٣ - النعت الكامل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل:\nتأليف / محمد كمال الدين العامري، تحقيق / محمد مطيع الحافظ، نزار أباظة، دمشق، ١٤٠٢ هـ.\n\n٤٤٤ - نفثات صدر المكمد، وفرة عين المسعد - بشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد: تأليف / محمد السفاريني الحنبلي، المكتب الإسلامي، دمشق الطبعة الأولى ١٣٨٠ هـ.\n\n٤٤٥ - نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب:\nتأليف / الشيخ أحمد بن محمد المقرئ التلمساني، تحقيق / إحسان عباس، دار صادر بيروت، ١٣٨٨ هـ.\n\n٤٤٦ - النهاية في غريب الحديث والأثر:\nأبو السعادات المبارك الجزري ابن الأثير، تحقيق / طاهر الزاوي، محمود محمد الطناحي.","vol":"2","page":506},{"text":"٤٤٧ - ن<span data-type=\"title\" id=toc-277>ه</span>اية الأقدام في علم الكلام:\nللشهرستاني، تصحيح الفرد جي<span data-type=\"title\" id=toc-276>و</span>م، بدون تاريخ.\n\n٤٤٨ - نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار - ﷺ -:\nتأليف / محمد بن علي الشوكاني، حققه / طه عبد الرؤوف سعد، مصطفى محمد الهواري ١٣٩٨ هـ.\n\n[و]\n٤٤٩ - الوافي بالوفيات:\nتأليف / صلاح الدين خليل الصفدي، باعتناء / هلموت ريتر، الطبعة الثانية ١٣٨١ هـ.\n\n٤٥٠ - وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة:\nمحمد ناصر الدين الألباني.\n\n٤٥١ - الوسائل إلى معرفة الأوائل:\nتأليف / جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق إبراهيم العدوي، د. علي محمد عمر، دار نافع للطباعة.\n\n٤٥٢ - الوفاء بأحوال المصطفى:\nتأليف / أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، تحقيق / مصطفى عبد الواحد مطبعة السعادة بمصر - الطبعة الأولى ١٣٨٦ هـ.\n\n٤٥٣ - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان:\nتأليف / أبي العباس شمس الدين بن خلكان، تحقيق / د. إحسان عباس، دار صادر بيروت ١٣٩٨ هـ.\n\n[هـ]\n٤٥٤ - هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين:\nتأليف / إسماعيل باشا البغدادي، تركيا استانبول، ١٣٧١ هـ.","vol":"2","page":507}]}